welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة

الإيمان والكفر
في الكتاب والسنّة

رسالة موجزة تحث عن
حقيقة الإيمان والكفر وحُدودهما والفرق بين الإسلام والإيمان
وحكم تكفير أهل القبلة، وتدعو إلى الوحدة الإسلامية
وتليها رسالتان:
1. حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ بعد الرفع.
2 . المناهج التفسيرية.

تأليف

العلامة المحقّق
جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق
ـ عليه السلام ـ


(2)

(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

قاربوا الخطى أيُّها المسلمون

11 الوحدة الاِسلامية وجمع شمل المسلمين ورصّ صفوفهم وجمع طاقاتهم على اتّجاهٍ واحدٍ ممّا يتبنّاه كل مسلم واعٍ له إلمامٌ بما يجرى على المسلمين في أراضيهم وعقر دارهم. ولكن الساحة الاِسلامية تشاهد اليوم بعض أصحاب القلم، والصدارة قد جعلوا على عاتقهم تفريق الكلمة، وتكفير بعضهم بعضاً، وتجزئة الاَُمّة، بدل توحيدها، وتماسك صفوفها، فلم نزل نشاهد فتوى بعد فتوى في تكفير فرقة دون فرقة وتفسيق طائفة أُخرى. هذا وذاك دعاني إلى دراسة مسألة الاِيمان والكفر في ضوء الكتاب والسنّة حتى يتّضح للقرّاء المتأثرين بهذه الفتاوى حدا الاِيمان والكفر، فسوف يتضح أنّه لا يصح لنا تكفير أهل القبلة ما داموا موَمنين بتوحيد الله تعالى ورسالة نبيه الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسم)والمعاد، والطوائف الاِسلامية كلّهم متظلّلون تحت هذه الخيمة، رافلين في حلل الاِيمان، مبتعدين عما يوجب الخروج عن الاِسلام وسيتضح لك ذلك بقراءة الفصول العشرة لذلك الكتاب. والله من وراء القصد.

جعفر السبحاني            
قم المشرفة ـ 15|12|1415 هـ ق


(4)

(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الاِيمان والكفر، مفهومهما وحدودهما

تمهيد

البحث عن الاِيمان والكفر من المسائل المهمة في حياتنا الحاضرة، لاَنّ الرابطة الوحيدة بين المسلمين هي رابطة الاِيمان الوثيقة من غير فرق بين أجناسهم. ولم يزل المسلمون ومنذ قرون، غرضاً لاَهداف المستعمرين، وهم يبذلون جهدهم في تفريقهم وتشتيتهم إلى فرق وأُمم متباعدة، ينهش بعضهم بعضاً، وكأنّهم ليسوا من أُمة واحدة، كل ذلك ليكونوا فريسة سائغة لهم ينهبون ثرواتهم ويقضون على عقيدتهم وثقافتهم الاِسلامية بشتّى الوسائل. فالمسلمون في هذه الظروف الحرجة في أشدّ الحاجة إلى رصّ الصفوف وتوحيد الكلمة كما أنّ لهم كلمة التوحيد، ولا يتسنّى ذلك إلاّ بعد التعرّف عليهم


(6)

وعلى أفكارهم، عسى أن يتظلَّل الجميع ـ دون استثناء ـ في ظلّ الاِيمان بالله ورسوله، وهذا ما يدعونا قبل كل شيء إلى دراسة حقيقة الاِيمان في ضوء الكتاب والسنّة، كي تكون هي المقياس في القضاء العادل في حق الفرق المختلفة في الساحة الاِسلامية. ونجتني من ذلك فائدتين: الاَُولى: ربّما توَدّي الدراسة إلى ثمرة مهمة في ساحة الوحدة الاِسلامية وهي: أنّه بعد تبيين حقيقة الاِيمان مفهوماً وحدّاً ربّما تنضوي تحتها عشرات الفرق الاِسلامية، التي ربّما أُسىء الظنّ بهم بشتّى الوسائل، وربّما احتسبوا أجانب فيصبحوا إخواناً مخلصين. الثانية: وربّما ينعكس الاَمر على البعض الآخر فيُلفَظوا عن حظيرة الاِسلام وقد كنّا نتصوّرهم من أُمّها وصميمها.


(7)

الاِيمان في الكتاب والسنّة :

البحث في الاِيمان والكفر بحث واسع، مترامي الاَطراف، والخوض في غماره يخرج الرسالة عن كونها رسالة موجزة، فالذي سوف نركّز عليه من بين البحوث المتوفّرة هو البحث في الجهات التالية: الجهة الاَُولى: في تفسير الاِيمان لغة واصطلاحاً. الجهة الثانية: في أنَّ العمل جزء من الاِيمان وعدمه. الجهة الثالثة: في أنّه يقبل الزيادة والنقيصة أو لا. الجهة الرابعة: فيما يجب الاِيمان به. الجهة الخامسة: في تحديد الكفر وأسبابه وأقسامه. الجهة السادسة: في جواز تكفير أهل القبلة وعدمه. الجهة السابعة: في الفرق بين الاِسلام والاِيمان. الجهة الثامنة: لزوم تحصيل العلم في العقائد. الجهة التاسعة: في الدفاع عن الحقيقة. الجهة العـاشــرة: في الوحدة الاِسلامية. والمهم منها هو الجهة الرابعة والخامسة، إذ بهما يتميّز الموَمن عن الكافر، يتميّز كل من ينضوي تحت راية الاِيمان عمّن يُقصى منها، وإليك البحث في الاَُمور أعلاه:

***


(8)

(9)

الجهة الاَُولى:

الاِيمان لغة واصطلاحاً

1 ـ قال الخليل: الاَمن: ضدّ الخوف، والفعل منه أمن يأمن أمناً، والاِيمان: التصديق نفسه، وقوله تعالى: (وَما أنْتَ بِمُوَمنٍ لَنا) بمصدِّق لنا (1). قال ابن فارس: "أمن" له أصلان: أحدهما الاَمانة التي هي ضدّ الخيانة، والآخر التصديق. والمعنيان متدانيان (2). وقال ابن الاَثير: في أسماء الله تعالى: "الموَمن" هوالذي يَصدُق عباده وعده، فهو من الاِيمان: التصديق، أو يوَمّنهم في القيامة من عذابه، فهو من الاَمان، والاَمن ضدّ الخوف (3). ويظهر من ابن منظور أنّ له استعمالات مختلفة: 1 ـ الاَمن ضدّ الخوف. 2 ـ الاَمانة ضد الخيانة. 3 ـ الاِيمان ضد الكفر . 4 ـ الاِيمان: التصديق، ضدّه التكذيب يقال: آمن به قوم، وكذَّب به قوم. فأمّا آمنته المتعدي فهو ضدّ أخفته. وفي التنزيل العزيز: (آمنهم من خوف ) (4).


1 . ترتيب العين: 56.
2 . المقاييس: 1|133.
3 . النهاية: 1|69.
4 . لسان العرب: 13|21.

(10)

والحصيلة من كلماتهم أنّ الثلاثي المجرّد من مادة "أمن" يستعمل في ضدّ الخوف كما قال سبحانه: (وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْناً يَعْبُدونَنِي لايُشْرِكُوا بِي شَيْئاً) (النور ـ 55) وأمّا المزيد منه فالمقرون بالباء أو اللام يأتى بمعنى التصديق كقوله سبحانه: (امَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيهِ مِنْ رَبّهِ ) (البقرة ـ 285) وقوله عزّ من قائل: (وَما أنْتَ بِمُوَْمِنٍ لَنا) (يوسف ـ 17) وأمّا المتعدّي بنفسه فهو بمعنى ضدّ أخاف، كما عرفت. وعلى ذلك درج المتكلّمون في تعريف الاِيمان حيث فسّروه بالتصديق. قال عضد الدين الاِيجي: الاِيمان: التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً (1). وقال التفتازاني: الاِيمان: اسم للتصديق عند الاَكثرين أي تصديق النبىّ فيما علم مجيئه به بالضرورة (2). وأمّا أكثر أعلام الشيعة ففسّروه بالتصديق، نقتصر على ما يلى: قال المرتضى (355 ـ 436هـ) : إنّ الاِيمان عبارة عن التصديق القلبي ولا اعتبار بما يجري على اللسان، فمن كان عارفاً بالله تعالى وبكلّ ما أوجب معرفته، مقرّاً بذلك ومصدّقاً فهو موَمن (3). وقال ابن ميثم: إنّ الاِيمان عبارة عن التصديق القلبي بالله تعالى، وبما جاء به رسوله من قول أو فعل، والقول اللساني سبب ظهوره، وسائر الطاعات ثمرات موَكدة له (4).


1 . شرح المواقف: 8|323، قسم المتن.
2 . شرح المقاصد: 5|176.
3 . المرتضى: الذخيرة في علم الكلام: 536 ـ 537.
4 . ابن ميثم: قواعد المرام: 170.

(11)

وقال نصير الدين الطوسي: والاِيمان: التصديق بالقلب واللسان، ولا يكفي الاَوّل لقوله تعالى: (و اسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ) ونحوه، ولا الثاني لقوله: ( قُلْ لَمْ تُوَمِنُوا) واختاره العلاّمة الحلّى في شرحه لكلام المحقّق الطوسي (1). وهو خيرة المحقّق الطوسي في الفصول النصيرية (2)والفاضل المقداد في إرشاد الطالبين (3)ونقله المجلسي عن بعض المحقّقين وقال: إنّه عرفه بقوله: هو التسليم لله تعالى والتصديق بما جاء به النبيّ لساناً وقلباً على بصيرة(4). نعم، فسّره الطبرسى في تفسيره بالمعرفة وقال: أصل الاِيمان هو المعرفة بالله وبرسوله وبجميع ما جاءت به رسله، وكل عارف بشيء فهو مصدّق له (5). ونسبه الشهيد الثاني إلى أصحابنا (6). ولكنّه تفسير له بالمبدأ فإنّ التصديق القلبي فرع المعرفة فكلّ مصدّق، عارف بما يصدّقه ولا عكس؛ إذ ربّما يعرف ولا يصدّق قال سبحانه: (الَّذينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كما يَعْرِفُونَ أبْناءَهَمْ ) (البقرة ـ 146) ومع العرفان ما كانوا موَمنين. والفرق بين التصديق والمعرفة واضح، لاَنّ في الاَوّل سكون النفس وهو كسبي اختياري يوَمر به ويثاب عليه، والمعرفة ربّما تحصل بلا كسب والفرق بينهما كالفرق بين الاِيمان والعلم، فلو كان التصديق ملازماً للتسليم فهو، وإلاّ يشترط


1 . العلاّمة الحلي: كشف المراد: 426.
2 . نقله العلاّمة المجلسي عنه في البحار: 69|131، وقال: إنّ الاِيمان هو التصديق القلبي مذهب جمع من متقدّمي الاِمامية ومتأخّريهم ومنهم المحقّق الطوسي في فصوله.
3 . الفاضل المقداد: إرشاد الطالبين: 442.
4 . المجلسي: البحار: 68|296.
5 . الطبرسى: مجمع البيان: 1|89.
6 . زين الدين العاملي في رسالة حقائق الاِيمان وهو فسّـره لغة بالتصديق، لاحظ البحار: 69|131.

(12)

فيه وراء التصديق: التسليم، لقوله سبحانه: (فلا وَرَبّكَ لا يُوَْمِنونَ حَتّى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما ) (النساء ـ 65) . وبما ذكرنا يعلم عدم تمامية ما ذكره التفتازاني في ذيل كلامه المتقدم، وهو أنّ الشيعة فسّرت الاِيمان بالمعرفة كجهم والصالحي، لما عرفت أنّه قول الطبرسى ـ قدّس سرّه ـ وغيره على ما نقله الشهيد الثاني، لا قول الشيعة بأجمعهم.

الاِيمان اصطلاحاً :

فإذا كان الاِيمان بمعنى التصديق: فيقع الكلام في كفاية أيّ قسم منه، فإنّ للتصديق مظاهر مختلفة، فالمحتملات أربعة: 1ـ الاِيمان هو الاِقرار باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه، وهو قول محمد بن كرّام السجستاني. 2ـ التصديق القلبي وإن أظهر الكفر بلسانه، وهذا هو المنسوب إلى جهم ابن صفوان. 3ـ الاِيمان هو التصديق القلبي منضمّاً إلى التصديق باللسان، وأمّا العمل فهو من ثمراته غير داخل في صميم الاِيمان، وهو المنسوب إلى مشاهير المتكلّمين والفقهاء. 4ـ الاِيمان هو التصديـق القلبـي منضمّـاً إلى الاِقرار باللسان والعمـل بالجوارح، وهو قول المعتزلة والاِباضية، وجمع من القدامى. لنأخذ بدراسة هذه الاَقوال: أمّا الاَوّل: فقد زعموا أنّ النبيّ وأصحابه ومن بعدهم اتّفقوا على أنّ من


(13)

أعلن بلسانه شهادة فإنّه عندهم مسلم محكوم له بحكم الاِسلام، أضف إليهم قول رسول الله في السوداء: "اعتقها فإنّها موَمنة(1). يلاحظ عليه: أنّ الحكم عليه بالاِيمان لاَجل كون الاِقرار باللسان طريقاً وذريعة إلى فهم باطنه وتصديق قلبه، وأمّا لو علم عدم مطابقة اللسان مع الجنان فيحكم عليه بالنفاق، قال سبحانه: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وبِاليَومِ الآخِرِ وما هُمْ بِمُوَْمِنِينَ) (البقرة ـ 8). ولمّا كان الرسول وأصحابه مأمورين بالحكم بحسب الظاهر، أُمروا بالقتال إلى أن يشهدوا بتوحيده سبحانه كما قال ـ صلى الله عليه وآله وسم ـ : "أُمِرْت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويوَمنوا بما أُرسلت به، فإذاً عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله " وبذلك يظهر وجه حكمه ـ صلى الله عليه وآله وسم ـ في السوداء "بأنّها موَمنة(2)" روى ابن حزم عن خالد بن الوليد أنّه قال: رُبّ رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال ـ صلى الله عليه وآله وسم ـ "إنّى لم أُبعث لاَشُقّ عن قلوب الناس". وأمّا الثاني: أي كون الاِيمان هو التصديق القلبي وإن أظهر الكفر بلسانه الذي نسب إلى جهم بن صفوان: فقد استدل بما مرّ من الآيات عند البحث في تفسير الاِيمان لغة، قال سبحانه: (ومَا أنْتَ بِمُوَْمِنٍ لَنا )(يوسف ـ 17) وقوله تعالى: (وامنَ لَهُ لُوط )(العنكبوت ـ 26) مضافاً بأنّ القرآن نزل بلسان عربيّ مبين وخاطبنا الله بلغة العرب وهو في اللغة التصديق والعمل بالجوارح لا يُسمّى إيماناً. يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره دليل على خروج العمل عن حقيقة الاِيمان، وأمّا كونه نفس التصديق القلبي فلا يثبته، كيف وقد دلّت بعض الآيات على أنّ من جَحَدَ لساناً أو عملاً وإن استيقن قلباً فهو ليس بموَمن، بل هو من الكافرين، يقول سبحانه: (وجَحَدوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوّاً فانْظُرْ كَيْفَ كانَ


1 . ابن حزم: الفصل: 3|190.
2 . ابن حزم: الفصل: 2|206، وسيوافيك تخريج الحديث.

(14)

عَاقِبةُ المُفْسِدِينَ )(النمل ـ 14) والآية نازلة في حقّ الفراعنة الذين أذعنوا في ظل معاجز موسى بأنّه مبعوث من الله سبحانه، ولكنّهم جَحَدوا بآيات الله فصاروا من الكافرين. نعم هناك نكتة، وهي: أنّ الآية لا تقوم بنفي كفاية التصديق القلبي في تحقّق الاِيمان إذا لم يقترن مع الجَحْد، وإنّما تثبت عدم كفايته إذا اقترن به، فلا بدّ في إثبات عدم كفاية الاَوّل من التماس دليل آخر. ثم إنّ لابن حزم الظاهري (ت 456هـ) كلاماً في المقام استشكل به على المستدل، وذلك بوجهين: الاَوّل: انّ الاِيمان في اللغة ليس هو التصديق، لاَنّه لا يسمى التصديق بالقلب دون التصديق باللسان إيماناً في لغة العرب، وما قال ـ قطّ ـ عربىّ إنّ من صدق شيئاً بقلبه فأعلن التكذيب بلسانه أنّه يسمى مصدّقاً به، ولا موَمناً به، وكذلك ما سُمى ـ قطّ ـ التصديق باللسان دون التصديق بالقلب إيماناً بلغة العرب. يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره يثبت عدم كفاية التصديق مع التكذيب باللّسان، وأمّا عدم كفاية التصديق مع عدم التكذيب فلا تثبته الآية ولا كلام العرب كما عرفت، ولاَجل ذلك قلنا: لابدّ في إثبات عدم كفاية ذلك القسم من التماس دليل آخر. الثاني: لو كان ما قاله صحيحاً لوجب أن يطلق اسم الاِيمان لكل من صدق بشىء موَمناً، ولكان من صدق باطنية الحلاّج والمسيح والاَوثان موَمنين لاَنّهم مصدّقون بما صدقوا به (1).


1 . ابن حزم الفصل: 3|190.

(15)

يلاحظ عليه: أنّه كلام واهٍ جدّاً، لاَنّ موضوع الدراسة هو الاِيمان اصطلاحاً فلا يعمّ ما كان على طرف النقيض منه كالتصديق بإلهية الحلاّج والمسيح. نعم لو كان موضوع الدراسة هو تفسير التصديق لغة، فلا شك أنّه يشمل كل تصديق متعلّق بشيء، قال سبحانه: (وما أنْتَ بِمُوَْمِنٍ لَنا )(يوسف ـ 17) . وكم لابن حزم في كتبه من "الفصل" و "المحلّى" كلمات واهية مضافاً إلى ما اتّخذ لنفسه خطّة في الكتابة وهي؛ التحامل على الفرق الاِسلامية بالسّباب وبذاءة الكلام، عفا الله عنّا وعنه. وأمّا القول الثالث والرابع: فمتقاربان، غير أنّ الرابع جعل العمل جزء من الاِيمان، والثالث جعله من ثمراته وكماله، لاجزءاً لحقيقته، وهذا هو الموضوع الذي فرّق المسلمين إلى فرق ثلاثة، أعني بهم: أ ـ الخوارج: الذين كفّروا مرتكب الكبيرة، ومنعوا من إطلاق الموَمن عليه، وبلغوا الغاية في التشديد وجعلوه مخلّداً في النار لخروجه عن ربقة الاِيمان. ب ـ المعتزلة: وهم الذين جعلوا مرتكب الكبيرة منزلة بين منزلتين فلا هو بموَمن ولا كافر، ولكنّهم صفّقوا مع الخوارج في جعل مرتكب الكبيرة مخلّداً في النار إذا مات بلا توبة. ج ـ جمهرة الفقهاء والمتكلّمين من السنّة والشيعة: وهم الذين جعلوا الاِيمان نفس التصديق مع الاِقرار باللسان، وجعلوا العمل كمال الاِيمان، وهذا لايعني ما ذهبت إليه المرجئة من عدم الاهتمام بالعمل، بل يهدف إلى أنّ محوّل الاِنسان من الكفر إلى الايمان والحكم بحرمة دمه وماله هو التصديق القلبي إذا اقترن بالاِقرار باللسان إن أمكن، أو بالاِشارة إن لم يمكن كما هو الحال في الاَبكم، وأمّا المنقذ من النار والمُدْخِل إلى الجنّة فلا يكفيه ذلك ما لم يقترن بالعمل.


(16)

قال الشيخ المفيد: "اتفقت الاِمامية على أنّ مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والاِقرار لا يخرج بذلك عن الاِسلام وأنّه مسلم، وإن كان فاسقاً بما فعله من الكبائر والآثام، ووافقهم على هذا القول المرجئة كافّة، وأصحاب الحديث قاطبة، ونفر من الزيدية وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا انّ مرتكب الكبائر ممّن ذكرناه فاسق ليس بموَمن ولا مسلم (1).
هذا وتحقيق الحق يأتي في الفصل القادم.

***


1 . المفيد: أوائل المقالات ص 15.

(17)

الجهة الثانية:

في أنّ العمل جزء من الاِيمان وعدمه

قد عرفت أنّ الخوارج والمعتزلة جعلوا الاِيمان مركّباً من التصديق والعمل ولاَجله كفّروا مرتكب الكبيرة أو جعلوه في منزلة بين المنزلتين، لكن دراسة الموضوع حسب الآيات القرآنية يرشدنا إلى خروج العمل عن الاِيمان، وتكفي في هذه الآيات التالية: 1 ـ قال سبحانه: (إنّ الَّذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ)(البقرة ـ 277) فمقتضى العطف هو المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فلو كان العمل داخلاً فيه لزم التكرار، واحتمال كون المقام من قبيل ذكر الخاص بعد العام يتوقف على وجود نكتة لتخصيصه بالذكر. أضف إلى ذلك أنّ الصالحات جمع معرّف يشمل الفرض والنقل، والقائل بكون العمل جزءاً من الاِيمان يريد به خصوص فعل الواجبات واجتناب المحرمات، فكيف يمكن أن تكون الصالحات بهذا المعنى جزء الاِيمان ويكون ذكره من قبيل عطف الخاص على العام. 2 ـ قال سبحانه: (وَمْن يَعْمَل مِنَ الصّالِحاتِ وَهُو مُوَْمِنٌ)(طه ـ 112) وقوله: (وهو موَمن )جملة حالية والمقصود يعمل صالحاً حال كونه موَمناً وهذا يقتضى المغايرة.


(18)

3 ـ وقال سبحانه: (وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُوَْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَينهُما فَإنْ بَغَتْ إحداهُما عَلى الاَُخرى فَقاتِلُوا الَّتي تَبغِي حَتّى تَفيء إلى أمْرِ الله )(الحجرات ـ 9) ترى أنّه سبحانه أطلق الموَمن على الطائفة العاصية وقال ما هذا مثاله: فإن بغت إحدى الطائفتين من الموَمنين على الطائفة الاَُخرى منهم، والظاهر أنّ الاِطلاق بلحاظ كونهم موَمنين حال البغي لا بلحاظ ما سبق وانقضى، أي بمعنى أنّهم كانوا موَمنين. 4 ـ (يا أيُّها الَّذين آمنوا اتَّقوا الله وكُونُوا مَعَ الصّادِقينَ)(التوبة ـ 119) فأمر الموصوفين بالاِيمان بالتقوى أي الاِتيان بالطاعات واجتناب المحرّمات، ودلّ على أنّ الاِيمان يجتمع مع عدم التقوى، وإلاّ كان الاَمر به لغواً وتحصيلاً للحاصل، وحمل الاَمر في الآية على الاستدامة خلاف الظاهر. 5 ـ هنـاك آيات تدل على أنّ محل الاِيمان ومرتكز لوائه هو القلب، قال سبحانه: (أُولئكَ كُتِبَ فِى قُلُوبِـهِمُ الاِيمانُ)(المجادلة ـ 22) ولو كان العمل جزءاً منه لما كان القلب محلاًّ لجميعه، وقال سبحانه: (وَلَمّا يَدْخُلِ الاِيمانُ في قُلُوبِكُم)(الحجرات ـ 14) . وهناك سوَال يطرح نفسه وهو: أنّ ظاهر الآية كون القلب محلاًّ لجميع الاِيمان مع أنّ جمهور الفقهاء والمتكلّمين جعلوا الاِقرار باللسان جزءاً منه والاِقرار قائم باللسان لا بالقلب، ولكن الاِجابة عنه سهلة، وهي: أنّ حقيقة الاِيمان ومرتكز لوائه هو القلب، غير أنّه لا يصحّ الحكم بكونه موَمناً إلاّ بعد اعترافه باللسان. فالجحد مانع وإن أذعن قلباً والاِقرار باللسان شرط لا جزء له، أي شرط لحكمنا بكونه موَمناً. نعم، لو كان هناك عِلْم لا يقبل الخطأ بأنّ الرجل مصدّق بما جاء به الرسول غير أنّه لا يستطيع أن يقرّ، كما في مَلِك الحبشة، فقد آمن بالرسول واعترف بنبوّته قلباً، فهو موَمن، والشرط عندئذ ساقط للضرورة،


(19)

ولاَجل ذلك صلّى عليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسم) عندما بلغته وفاته. هذا هو مقتضى الكتاب ويوَيده الاِجماع، حيث جعلوا الاِيمان شرطاً لصحة العبادات ولا يكون الشيء شرطاً لصحة جزئه. وأمّا السنّة فهي تعاضد أيضاً هذه النظرية. أخرج البخاري في كتاب الاِيمان ومسلم في باب فضائل علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) يوم خيبر: "لاَُعطينَّ هذه الراية رجلاً يحبُّ الله ورسوله يفتح الله على يديه". قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الامارة إلاّ يومئذ، قال: فتساورْتُ لها رجاء أن أُدعى إليها، قال فدَعى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها، وقال: "إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك" فسار (علىّ) شيئاً ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: "يا رسـول الله على ماذا أُقاتل النّاس" ؟ قال: (صلى الله عليه وآله وسم) : "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد مَنعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله".(1) روى الشافعي في كتاب "الاَُم" عن أبي هريرة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) قال: "لا أزال أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله ، فإذا قالوا لا إله إلاّ الله ، فقد عصموا منّى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله ". قال الشافعي: فأعْلَمَ رسول الله : إنّ فرض الله أن يقاتلهم حتى يظهروا أن لا إله إلاّ الله ، فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، يعنى بما يحكم الله عليهم فيها وحسابهم على الله بصدقهم وكذبهم وسرائرهم، الله العالم بسرائرهم، المتولّي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكّام خلقه، وبذلك مضت أحكام رسول الله فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، وأعلمهم أنّ جميع


1 . البخاري: الصحيـح: 1|10، كتاب الاِيمان، وصحيـح مسلم: 7|17، باب فضائل علي ـ عليه السلام ـ.

(20)

أحكامه على مايظهرون وأنّ الله يدين بالسرائر (1). روى الصدوق بسند صحيح قال: قلت لاَبي عبدالله ـ عليه السلام ـ (الاِمام الصادق) : ما أدنى ما يكون به العبد موَمناً؟ قال: "يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، ويقرّ بالطاعة ويعرف إمام زمانه، فإذا فعل ذلك فهو موَمن" (2). وقد استدلّ الاِمام عليّ ـ عليه السلام ـ على خطأ الخوارج في رمى مرتكب الكبيرة بالكفر بفعل رسول الله وأنّه (صلى الله عليه وآله وسم) كان يعامل معهم معاملة الموَمن. وقال: "وقد علمتم أنّ رسول الله رجم الزاني ثم صلّى عليه، ثم ورّثه أهله، وقتل القاتل وورّث تراثه أهله، وقطع السارق، وجلد الزاني غير المحصن ثم قسّم عليهما من الفيَ. فأخذهم رسول الله بذنوبهم، وأقام حقّ الله فيهم ولم يمنعهم سهمهم من الاِسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله" (3). فبما أنّ بعض السطحيين ربّما يرمون أصحاب هذا القول بالاِرجاء ـ وأين هو من الاِرجاء ـ نزيد في المقام بياناً ونقول: إن ّ كون القلب مركزاً للاِيمان وخروج العمل عن كونه عنصراً مقوّماً له، لا يعني أن التصديق القلبي يكفى في نجاة الاِنسان في الحياة الاَُخروية بل يهدف إلى أنّه يكفي في خروج الاِنسان عن زمرة الكافرين الذين لهم خصائص وأحكام ـ التصديق القلبي ـ، فيحرم دمه وماله وتحلّ ذبيحته وتصحّ مناكحته، إلى غير ذلك من الاَحكام التي تترتب على التصديق القلبي إذا أظهره بلسانه أو وقف عليه الغير بطريق من الطرق، وأمّا كون


1 . الشافعي: الاَُم: 1|158 ـ 159.
2 . المجلسي: البحار: 66|16، كتاب الاِيمان والكفر، نقلاً عن معاني الاَخبار للصدوق.
3 . نهج البلاغة الخطبة: 125.

(21)

ذلك موجباً للنجاة يوم الحساب فلا، فإنّ للنجاة في الحياة الاَُخروية شرائط أُخرى تكفّل ببيانها الذكر الحكيم والسنّة الكريمة.
وبذلك يفترق عن قول المرجئة الذين اكتفوا بالتصديق القلبي أو اللساني واستغنوا عن العمل، وبعبارة أُخرى قدّموا الاِيمان وأخّروا العمل، فهذه الطائفة من أكثر الطوائف خطراً على الاِسلام وأهله، لاَنّهم بإذاعة هذا التفكير بين الشباب، يدعونهم إلى الاِباحية والتجرّد عن الاَخلاق والمثل العليا ويعتقدون أنّ الوعيد خاص بالكفار دون الموَمنين، فالجحيم ونارها ولهيبها لهم دون المسلمين، ومعنى أنّه يكفي في النجاة الاِيمان المجرّد عن العمل، وأىّ خطر أعظم من ذلك؟ وعلى ضوء ذلك يظهر المراد ممّا رواه البخاري عن عبد الله بن عمر: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) : "شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم شهر رمضان" (1)فإنّ المراد من الاِسلام، ليس هو الاِسلام المقابل للاِيمان في قوله سبحانه: (قَالَتِ الاَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُوَْمِنُوا ولكنْ قُولُوا أسلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الاِيمانُ في قُلُوبِكُمْ )(الحجرات ـ 14) ولا الاِسلام والاِيمان بأقلّ درجاتهما الذي له أحكام خاصة، بل الاِيمان المُنْجي لصاحبه من العذاب الاَليم، وهذا لا يضرّ بما قلنا من أنّ مقوّم الاِيمان، هو العقيدة القلبية وذلك لاَنّ المقصود هناك من الاكتفاء بالتصديق بشرط الاِقرار هو الاِيمان الذي يصون دم المقر وماله وعرضه، لا الاِيمان المنجي في الآخرة، إذ هو كما في الرواية يتوقّف على العمل. وإليه ينظر ما روي عن الاِمام الصادق من أنّ الاِسلام يحقن به الدم وتوَدّي به الاَمانة، ويستحلّ به الفرج، والثواب على الاِيمان .(2)
وحصيلة الكلام: أنّ كون التصديق القلبي مقياساً للاِيمان، غير القول بأنّ


1 . البخاري: الصحيح: 1|6، كتاب الاِيمان، الباب الثاني، ولاحظ أيضاً ص16 باب أداء الخمس.
2 . البرقي: المحاسن: 1|285.

(22)

التصديق القولي أو القلبي المجرّدين عن العمل كاف للنجاة، ولاَجل ذلك تركّز الآيات على العمل بعد الاِيمان وتقول: (إنّ الَّذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئكَ هُمْ خَيْرُ البَرّيةِ) (البيّنة ـ 7) وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهُوَ مُوَمنٌ)(طه ـ 112) وقال تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادقين )(التوبة ـ 119) فلو كان العمل عنصراً مقوّماً للاِيمان فما معنى الاَمر بالتقوى بعد فرض الاِيمان لاَنّه يكون أشبه بطلب الاَمر الموجود وتحصيل الحاصل. ولا تنس ما ذكره الاِمام الشافعي من أنّ الله يعامل بالسرائر وعباده يعاملون بما يظهر من الاِنسان من الاِقرار الكاشف عن التصديق، وربّما لا يكون كذلك.

إكمال

نقل الفريقان عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) أنّه قال: "لا يزني الزاني حين يزنى وهو موَمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو موَمن". (1) وروى عبيد بن زرارة قال: دخل ابن قيس الماصر، وعمر بن ذرّ ـ وأظن معهما أبو حنيفة ـ على أبي جعفر ـ عليه السلام ـ فتكلّم ابن قيس الماصر فقال: إنّا لا نخرج أهل دعوتنا وأهل ملتنا من الاِيمان في المعاصي والذنوب، قال: فقال له أبو جعفر ـ عليه السلام ـ : يابن قيس أمّا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) فقد قال: "لا يزني الزاني وهو موَمن، ولا يسرق السارق وهو موَمن". (2) وقد تضافر عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) قال: "إنّ الاِيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالاَركان". (3) وروى عن أئمة أهل البيت نظير هذا فعن أبي الصلت الهروي قال: سألت


1 . النسائي: السنن: 8|64 كتاب قطع السارق، الكليني: الكافي: 5|123 ح4.
2 . الكليني: الكافي: 2|285 ح22.
3 . الصدوق: الخصال: 1|179 ح241.
4 . الصدوق: الخصال: 1|178 ح 240.

(23)

الرضا ـ عليه السلام ـ عن الاِيمان؟ فقال: "الاِيمان عقد بالقلب، ولفظ باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون الاِيمان إلاّ هكذا" (4). وعلى ضوء هذا، فكيف نعدّ مرتكب الكبائر موَمناً ولا نعدّ العمل ركناً للاِيمان؟ هذا هو السوَال وأمّا الجواب فالتأمل والاِمعان في الآيات والروايات يثبت أنّ للاِيمان إطلاقات ولكل إطلاق فائدة وثمرة نشير إليها: الاَوّل: الاعتقاد بالاَُصول الحقّة والعقائدالصحيحة الذي يترتب عليه في الدنيا، الاَمانُ من القتل ونهب الاَموال، والاَمانة إلاّ أن يأتي بقتل أو فاحشة يوجب القتل أو الجلد أو التعزير. وأمّا في الآخرة فيترتب عليه صحة أعماله واستحقاق الثواب عليها وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة، ويقابله الكفر. وعلى هذا الاِطلاق فمرتكب الكبيرة موَمن وإن زنى وإن سرق. الثاني: الاعتقاد الصحيح مع الاِتيان بالفرائض التي ظهر وجوبها من القرآن وترك الكبائر التي أوعد الله عليها، وعلى هذا أطلق الكافر على تارك الصلاة، وتارك الزكاة وأشباههم وعليه يحمل قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسم) : "لا يزنى الزانى وهو موَمن ولا يسرق السارق وهو موَمن" وعليه يحمل قولهم: الاِيمان عقد بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالاَركان، وثمرة هذا الاِيمان عدم استحقاق الاِذلال والاِهانة والعذاب في الدنيا والآخرة. الثالث: الاعتقاد الصحيح مع فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرّمات، وثمرته، اللحوق بالمقرّبين، والحشر مع الصدّيقين وتضاف المثوبات ورفع الدرجات.


(24)

الرابع: هذا القسم مع ضم فعل المندوبات وترك المكروهات بل المباحات كما ورد في إجبار صفات الموَمن وبهذا المعنى يختص بالاَنبياء والاَوصياء. وبه يفسّر قوله سبحانه: (وَمَا أكثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُوَْمِنِينَ... * وَمَا يُوَْمِنُ أكْثَرُهُم بِاللهِ إلاّ وَهُم مُشْرِكُون)(يوسف 103 ـ 106) وعلى هذا فجميع المعاصي بل التوسل بغيره تعالى يكون داخلاً في الترك المذكور في الآية وثمرة هذا الاِيمان أنّه يوَمن على الله فيجيز أمانه، وأنّه لا يردّ دعاءه وسائر ماورد في درجاتهم ومنازلهم عند الله . وعلى ضوء هذا ان ّالآيات والاَخبار الدالة على دخول الاَعمال في الاِيمان يحتمل وجوهاً: 1 ـ أن يحمل على ظواهرها ويقال إنّ العمل داخل في حقيقة الاِيمان على بعض المعاني. 2 ـ أن يكون الاِيمان هو نفس العقيدة لكن مشروطاً بالاَعمال فيكون العمل شرطاً لاشطراً. 3 ـ أن يكون للاِيمان درجات تختلف شدة وضعفاً وتكون الاَعمال كثرة وقلّة كاشفة عن حصول كل مرتبة من تلك المراتب (1). ولاَجل إكمال البحث وإيضاح الحقيقة نرجع إلى ما استدل به القائل: "بأنّ العمل جزء من الاِيمان" حتى تتجلّـى الحقيقة بأجلى مظاهرها، وتعلم صحة ما ذكرنا من المحامل الثلاثة الآنفة الذكر.


1 . المجلسي: البحار: 69|127 ـ 128.