welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة

(140)


(141)

رسالة
في حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ
بعد الرفع


(142)


(143)

بسم الله الرحمن الرحيم

إهداء:

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّه وعترته الطاهرين وعلى عباده الصالحين. نقدّم هذه الدراسة العلمية حول السيد المسيح على نبينا وآله وعليه السلام، التي جاءت استجابة لطلب شاب فلسطينى مسلم ونجيب على سوَاله، في الوقت الذي يواصل الشباب الفلسطينيون وأطفال ثورة الحجارة جهادهم المقدس في أرض فلسطين ضدّ تلك الطغمة الفاسدة المفسدة، التي دنّست أرض القداسة بعهرها وفجورها، ورجال المقاومة الفلسطينية الاَبطال يقبعون خلف أسوار السجون الحديدية، وقد تهشّمت عظامهم، وتورّمت أكتافهم تحت سياط ولكمات شذّاذ الآفاق وأعداء الاِنسانية والمسيحية والاِسلام... أولاد الاَفاعي، ومصّاصي دماء الشعوب ... أجل نقدّم هذه الدراسة للطبع ونحن نسأل الله تعالى أن يعجّل بإزالة هذا الكابوس عن صدر الاَُمّة الاِسلامية عاجلاً لا آجلاً.

الموَلف


(144)


(145)

حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ
بعد الرفع
في ضوء الكتاب والسنّة

كتب إلينا شاب فلسطيني من ألمانيا، يسأل عن حياة المسيح بعد ما رفعه الله سبحانه إليه، ويقول: إنّ المعروف هو أنّه ـ عليه السلام ـ حي يرزق، وينزل في آخر الزمان، ولكن يفهم من بعض الآيات خلاف ذلك حيث يقول سبحانه: (إنّي مُتَوَفّيكَ ورافِعُكَ إلىّ) (1) ومثله غيره مما ورد فيه لفظ "التوفّى". أضف إليه: أنّ الموت سنّة إلهية جارية على الجميع حتى النبي الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم"، يقول سبحانه: (إنّكَ مَيّتٌ وإنّهُم مَيّتون ) (2) وكذلك سائر الآيات التي توَكد على أنّ الموت والفناء سنّة إلهية جارية في كل شىء فما هو الجواب في المقام؟ فإنّ البحث حول هذا الموضوع هو بحث قرآني أوّلاً، وعقائدي ثانياً.


1 . سورة آل عمران: الآية 55.
2 . سورة الزمر: الآية 30.

(146)

الجواب:

اتفق أغلب المفسّـريـن الاِسلاميـين ـ إن لم نقـل جميعـهم ـ على أنّ السيـد المسيح حيّ يُرزق وسوف ينزل عند ما شاء سبحانه نزوله إلى الاَرض، غير أنّه ظهر في الآونة الاَخيرة من بعض المعنيين بتفسير القرآن الكريم إنكار هذه الحقيقة، منهم: المراغي في تفسيره(وسيوافيك كلامه في ثنايا البحث) والاَُستاذ الشيخ محمود شلتوت (في رسالته التي حررها جواباً على سوَال ورد إلى مشيخة الاَزهر) فقال في الجواب: إنّ كلمة "توفّى" وردت في القرآن كثيراً بمعنى الموت حتى صار هذا المعنى هو الغالب عليها، المتبادر منها، ولم تستعمل في غير هذا المعنى، إلاّ وبجانبها ما يصرفها عن هذا المعنى المتبادر. ثم سرد بعض الآيات التي استعمل فيها التوفّى بمعنى الموت وقال: إنّ كلمة "توفّيتني" في الآية: (فَلَمّـا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أنتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِم )تحملُ على هذا المعنى المتبادر وهو الاِماتة العادية التي يعرفها الناس، ويدركها من اللفظ والسياق الناطقون بالضاد، وإذاً فالآية لو لم يتصل بها غيرها في تقرير نهاية عيسى مع قومه، لما كان هناك مبرر للقول بأنّ عيسى حيّ لم يمت (1) . فإذا كان الدليل الوحيد لهما هو ظهور التوفّى في الموت فيجب تحليل معناه لغة وقرآناً. وقبل ذلك نسرد الآيات الواردة في هذا المجال فنقول: إنّ الآيات التي تتعرض لهذه المسألة لا تتجاوز خمس آيات وهي: 1 ـ (إذ قَالَ اللهُ ياعِيسَى إنّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا


1 . لاحظ: إزالة الشبهات: ص 3. نُشر جوابه في كتابه "الفتاوى".

(147)

1وَجاعِلُ الّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الّذِينَ كَفَرُوا إلى يَومِ القِيامَة ) (1). 2 ـ (وَقَولِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِن شُبّهَ لَهـُم) إلى أن يقول: (وما قَتَلُوهُ يَقِينا * بَل رَفَعَهُ اللهُ إليه... ) .(2)
3 ـ (ما قُلتُ لَهُمْ إلاّ ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبْدُوُا اللهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتَ فِيهِم فَلَمـّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنت الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنتَ عَلى كُلِّ شَيءٍ شَهِيد ) (3) . 4 ـ (وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلاّ لَيُوَْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ... ) (4). 5 ـ (وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمـْتَـرُنَّ بِها و اتّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيم ) (5). هذه هي الآيات التي تتعرض لمسألة السيد المسيح في هذا المجال وإليكم البحث في كل واحدة منها على الترتيب.

تفسير الآية الاَُولى:

أمّا الآية الاَُولى وهي قوله سبحانه: (إذ قال الله ياعيسى إنّى متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ). فالكلام فيها يقع حول لفظ "التوفّي" فهل التوفّي ـ في هذه الآية ـ بمعنى الاِماتة؟ أو أنّ للتوفّي معنى آخر ينطبق على الموت تارة وعلى غيره أُخرى؟


1 . سورة آل عمران: الآية55.
2 . سورة النساء: 157 ـ 158.
3 . سورة المائدة: الآية 117.
4 . سورة النساء: الآية 159.
5 . سورة الزخرف: الآية 61.

(148)

وقد نصّ بذلك بعض أئمة أهل اللغة قال ابن منظور في "اللسان": وتُوفّى فلان وتوفّاه الله : إذا قبض نفسه، وفي الصحاح: إذا قبض روحه، وقال غيره: تَوَفّى الميت: استيفاء مدته التي وفيت له وعدد أيامه وشهوره وأعوامه في الدنيا. وتَوفَّيت المال منه واستوفيته: إذا أخذته كلّه، وتوفّيت عدد القوم إذا عددتهم كلّهم. وانشد أبو عبيدة لمنظور الوبري:

إنّ بني الاَدْرَد ليسوا من أحَدْ       ولا توفاهم قريش في العدد

أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم (1). إنّ القدر الجامع المستقيم لما ورد في القرآن من مشتقات هذه الكلمة هو: الاَخذ والاستيفاء، وهو يتحقق بالاِماتة تارة، وبالنوم أُخرى، وبالاَخذ من الاَرض والرفع من العالم البشري إلى عالم آخر (سواء أكان ذلك العالم الآخر عالم السماء أو عالماً آخر ثالثاً). ومحاورات القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك، كما يلاحظ في الآيات التالية: يقول الله سبحانه: (اللهُ يَتَوفّى الاََنْفُسَ حِينَ مَوتها وَالّتي لَـمْ تَـمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الّتي قَضى عَلَيْها المَوتَ وَيُرْسِلُ الاَُخرى إلى أَجَلٍ مُسَمّى ) (2) ويقول سبحانه: (وَهُوَ الّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِالَّيلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحتُمْ بِالنَّهار ) (3) ولا شك أنّ لفظة "والتي" معطوفة على "الاَنفس" وتقدير الآية هو: "ويتوفّى التي لم تمت


1 . لسان العرب: 15|400، مادة "وفي" وسيوافيك لفظ الطبرى في تفسير معنى "التوفّى".
2 . سورة الزمر: الآية 42.
3 . سورة الاَنعام: الآية 60.

(149)

في منامها" ولو كان التوفّى بمعنى "الاِماتة" لما استقام معنى الآية، إذ يكون معناها ـ حينئذ ـ الله يميت الاَنفس حين موتها، ويميت التي لم تمت في منامها. وهل هذا إلاّ التناقض؟ ولاَجل ذلك، لامناص من تفسير "التوفي"، "بالاَخذ" وهو ينطبق على الاِماتة (الموت) في الفقَرة الاَُولى وعلى الاِنامة (النوم) في الفقرة الثانية من الآية. ومثله قوله تعالى في سورة الاَنعام: (وهُوَ الّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِالَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحتُمْ بِالنَّهارِ ثُمّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إليهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون ). فإن تَوَفّى الناس بالليل لا يكون بالاِماتة، بل بمعنى أخذهم بالنوم، ثم يبعثهم الله باليقظة في النهار، ليقضوا بذلك آجالهم المسماة، ثم إلى الله مرجعهم، بواسطة الموت والمعاد. وكذلك قوله سبحانه في سورة النساء: (واللاّتى يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ فَا سْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنْكُمْ فإن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوت حَتَّى يَتَوفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجعَلَ اللهُ لَـهُنَّ سَبِيلا) (1). ولا معنى لتفسير "التوفّى" بأنّه "يميتهنّ الموت" فلابد من القول بأن التوفّى ليس مرادفاً للموت والاِماتة في محاورات القرآن واستعمالاته، وإنّما هو: أخذ الشيء وافياً كاملاً برمّته. وعلى ضوء ذلك ليس للتوفّى إلاّ معنى واحداً، وهو الاَخذ للشيء تماماً ووافياً إمّا من عالم الحياة، أو من عالم اليقظة، أو من عالم التواجد بين البشر. فإذا كان لفظ "التوفّى" موضوعاً لمعنى جامع، وكان صالحاً للانطباق على الاِماتة، والاِنامة، والاَخذ من بين الناس، فليس حمله على المورد الاَوّل وتطبيقه عليه بلا قرينة ولا شاهد، صحيحاً، كما ارتكبه المستدلّ وفسّـره بالموت، بل


1 . سورة النساء: الآية 15.

(150)

قوله سبحانه: (ورافعك إلىَّ )شاهد على أنّ المراد هو الثالث فيكون المتبادر من الآية هو: إنّي آخذك وقابضك بين الناس ورافعك إلىَّ. فتصير الآية دليلاً على رفع المسيح حياً. لا إماتته ورفعه كما يتعاطاه المستدلّ حيث جعل ما هو ظاهر ـ بعد الاِمعان ـ في رفعه حياً، دليلاً على الاِماتة، وما هذا إلاّ لاَنّه اتّخذ رأيا مسبّقاً في حقّ المسيح، فساقه الرأي إلى تفسير الآية بخلاف ظاهرها. ومـمّن تفطّن لهذا المعنى، هو ابن جرير في تفسيره حيث قال: وقال آخرون: معنى ذلك: إنّي قابضك من الاَرض فرافعك إلىّ. قالوا: ومعنى الوفاة: القبض، كما يقال: تَوَفّيت من فلان مالي عليه، بمعنى قبضته واستوفيته، قالوا: فمعنى قوله: إنّي متوفّيك ورافعك: أي قابضك من الاَرض حياً إلى جوارى واخذك إلى ما عندي بغير موت ورافعك من بين المشركين. ـ ثم إنّه بعد ما ذكر وجوهاً في تفسير الآية ـ قال: قال أبو جعفر الطبري: وأولى هذه الاَقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إنّي قابضك من الاَرض ورافعك إلىّ، لتواتر الاَخبار عن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" أنّه ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجّال ثم يمكث في الاَرض مدّة (1). ومـمّن نبّه بذلك واستعرض الموضوع عرضاً تحقيقيّاً العلاّمة البلاغي ـ قدّس سرّه ـ (2) . إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الوجهين اللّذين نقلهما المراغي من المفسّـرين حول اللفظين "متوفّيك" و"رافعك"، ومبنى الوجهين كون التوفي بمعنى الاِماتة على ما اخترناه. 1ـ "إنّ فيهـا تقديماً وتأخيـراً، والاَصل: إنّي رافعـك إلىَّ ومتوفّيك، أي إنّى رافعك الآن ومميتك بعد النزول من السماء في الحين الذي قدر لك، وعلى هذا


1 . لاحـظ تفسير الطبري: 3|203، وتفسير الرازي: 2|481، ط مصر. وتفسير ابن كثير: 1|366، نقلاً عن قتادة. وتفسير النيشابوري، (المطبوع بهامش الطبري) : 3|207.
2 . آلاء الرحمان: 1|33 ـ 35 في مقدمات تفسيره.

(151)

فهو قد رفع حيّاً بجسمه وروحه، وإنّه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفّاه الله " . 2 ـ "إنّ الآية على ظاهرها، وأنّ التوفّى هو الاِماتة العادية وأنّ الرفع بعده للروح، ولا غرابة في خطاب الشخص وإرادة روحه، فالروح هي حقيقة الاِنسان والجسد كالثوب المستعار يزيد وينقص ويتغير، والاِنسان إنسان لاَنّ روحه هي هي. والمعنى: إنّي مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي كما قال تعالى في إدريس ـ عليه السلام ـ : (وَرَفَعناهُ مَكَاناً عَلِيّاً )(1). وحديث الرفع، والنزول آخر الزمان، حديث آحاد يتعلّق بأمر اعتقادي، والاَُمور الاعتقادية لا يوَخذ فيها إلاّ بالدليل القاطع من قرآن وحديث متواتر، ولا يوجد هنا واحد منها. أو أنّ المراد بنزوله وحكمه في الاَرض، غلبة روحه، وسرّ رسالته على الناس، بالاَخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لبابها" (2).

ويلاحظ على هذا الكلام: أنّ كلا الوجهين غير تامّين:

أمّا الاَوّل: فلاَنّه مبني على تفسير "متوفّيك" بمعنى "مميتك" ولذلك التجأ إلى القول بأنّ في الآية تقديماً وتأخيراً لتقدّم رفعه على إماتته التي تتحقّق بعد النزول من السماء في الحين الذي قدّر له.


1 . سورة مريم: الآية 57.
2 . تفسير المراغي: 3|169.

(152)

وهذا النوع من التفسير لا يليق بشرف كلامه سبحانه، إذ لا وجه لتقديم الاِماتة على الرفع مع كون الحقيقة على العكس. وأمّا الثاني: فلأنّ الرفع تعلّق بـ "عيسى" وهو علم للشخص الخارجى، أعني البدن الماثل أمام الاَبصار وكون حقيقة الاِنسان هي الروح لا يصحح الخطاب للشخص الخارجي. فإذا قال شخص: جاء زيد وأكل عمرو، فلا تصح نسبة الفعلين إلى الروح بحجّة أنّ حقيقة الاِنسان هي الروح، بل الظاهر أنّ المسيح رفع بعنصره الخارجى وشخصه وهيكله الماثل بين الاَصدقاء والاَعداء، كما لا يصح تفسير الآية بتعلّق الرفع بالروح كذلك لا يصح تفسيرها بعلو الدرجة، وكون الرفع رفعاً معنوياً قياساً على قوله تعالى: (وَرفَعناه مَكَاناً عَلِياً )فإنّ قوله: (مكاناً علياً )ربّما يكون شاهداً في المقيس عليه لا في المقيس (1). على أنّ الرفع هناك معنوي لا حسّـي بخلاف المقام، فإنّ القرينة فيه على العكس، وإنّ الرفع حسّـي وعلى هذا ينحصر تفسير الآية على الوجه التالي: "متوفّيك": أي آخذك، ومخلّصك من أيدى الاَعداء، ولما كان أخذه وتخليصه يتوقف على نقله إلى مكان آخر، أشار إلى مكانه بقوله: (ورافعك إليّ): أي إلى نقطة عالية ولا تعنى لفظة "إلىّ" من هذه الجملة أو لفظة "إليه" في الآية التالية: "بل رفعه الله إليه" سوى ما يعنيه قوله في حقّ الشهداء المقتولين في سبيل الله بأنّهم: (أحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرزَقُون ). نعم ذكر "الخازن" وجهاً آخر للجمع بين "متوفّيك" و"رافعك" وقال: إنّ


1 . قال العلاّمة الطباطبائي: المراد بالمكان العلى الذي رفع إليه، درجة من درجات القرب إذ لا مزية في الارتفاع المادّي والصعود إلى أقاصى الجو البعيدة أينما كان. وقيل إنّ المراد بذلك ـ كما ورد به الحديث ـ إنّ الله رفعه إلى بعض السماوات وقبضه هناك، وفيه إراءة آية خارقة وقدرة إلهية بالغة وكفى به مزية. الميزان: 14|66 ـ 67.

(153)

معنى "التوفّى" أخذ الشيء وافياً، ولما علم الله تعالى إنّ من الناس من يخطر بباله أنّ الذي رفعه الله إليه هو روحه دون جسده كما زعمت النصارى إنّ المسيح رفع لاهوته يعني روحه وبقي في الاَرض ناسوته يعنى جسده فرد الله عليهم بقوله: (إنّي متوفّيك ورافعك إلىّ )فأخبر الله أنّه رفعه بتمامه إلى السماء بروحه وجسده جميعاً إلى السماء (1). فالكل كناية عن الاستظلال بظل عنايته ورحمته، من دون شوب تجسيم أو غيره. نعم، إنّ ما تدلّ عليه الآية هو أنّ المسيح رفع بجسمه وبدنه حيّاً إليه سبحانه، وأمّا كونه حياً لحد الآن فلا يستفاد من الآية، بل لابدّ للقول بحياته الباقية إلى الآن من دليل آخر وسيوافيك بيانه كما سيجيء توضيح للمقام عند تفسير الآية الثانية.

تفسير الآية الثانية:

وأمّا الآية الثانية: وهي قوله: (إنّا قَتَلْنا المَسيحَ عيسى ابنَ مَريَمَ رَسُولَ الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكن شُبِّهَ لَـهُمْ وإنَّ الّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ إلاّ اتّباعَ الظنّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَفَعَهُ اللهُ إليهِ وَكانَ اللهُ عَزيراً حَكيما)(2)ز فإنّ الآية ظاهرة في عدم موت المسيح (عندما هجم عليه أعداوَه) بالصلب ولا بأىّ سبب طبيعي آخر، وذلك لاَنّ اليهود لما ادّعوا قتله وصلبه، نزلت الآية حينئذٍ لتكذيب خصوص هذا الزعم وتفنيد هذا الادّعاء وإثبات أنّه ـ عليه السلام ـ لم يُقتل ولم يُصلب كما ادّعي اليهود، بل رفع وحفظ من كيدهم، فيكون مفاد الآية، هو رفع عيسى حياً من بين الاَعداء، فالرفع تعلّق بما تعلّق به


1 . تفسير الخازن: 1|356.
2 . سورة النساء: الآيتان 157 ـ 158.

(154)

الادّعاء، فتكون النتيجة أنّ هاهنا دعويين: الاَُولى: ما يدّعيه اليهود هو: قُتِلَ المسيح وصُلِب. الثانية: ما يقوله القرآن: ما قتل المسيح وما صلب بل رفع. وبما أنّ متعلّق القتل والصلب هو الوجود الخارجي، أي جسمه وروحه، فيكون ذلك متعلّق الرفع أيضاً، أي رفع بجسمه وروحه. وبذلك يظهر بطلان أمرين: الاَوّل: "إنّ الله سبحانه أمات المسيح أوّلاً ثم رفعه" (1) وذلك لاَنّه مخالف لظاهر الآية، فإنّ الاضراب الواقع في قوله تعالى: (بل رفعه الله )لا يكون اضراباً عن قول اليهود إلاّ برفعه حياً لا برفعه ميتاً، فهذا الرفع كان نوع تخليص للمسيح، فأنجاه الله به من أيدي اليهود سواء أمات بعد ذلك أم بقي حياً، بإبقاء الله تعالى له، وعلى كل تقدير فلا يكون قوله: (بل رفعه الله )إبطالاً لقول اليهود إلاّ إذا رفع حياً. الثاني: "أنّ المراد من الرفع، رفع درجته" (2) وذلك لاَنّ المتبادر من الرفع هو رفع شخصه من بين الاَعداء، لا إعلاء مقامه ودرجته، لاَنّ مصب البحث هو قتل عيسى وصلبه، والآية بصدد التنديد بذلك الزعم وإبطاله، إذ تقول: (وَما قَتَلُوهُ يَقيناً * بل رفعه الله إليه )ولا يتم هذا التنديد إلاّ بتفسير الرفع، برفع عيسى ببدنه وشخصه من بين الاَعداء، ولا يناسب تفسيره بإعلاء مقامه، لاَنّ البحث ليس حول درجة المسيح ومقامه وهذا بخلاف قوله تعالى: (ورفعناه مكاناً علياً).


1 . وهذا التفسير عين ما ورد في الاَناجيل المحرّفة من موت المسيح ثم رفعه بعد أُسبوع أو أيام قلائل فكيف يعتمد على هذا الوجه؟!
2 . وهذا نفس ما احتمله المراغى في تفسيره، وربما يدّعى أنّه المبدع للشبهة فقد نسبها إليه الشيخ "مصطفى صبري" شيخ الاِسلام للدولة العثمانية سابقاً في كتابه "موقف العقل والعلم والعالم من ربّ العالمين وعباده المرسلين": ص15.

(155)

وبعبارة أُخرى: أنّ مقتضى الاضراب في الآية (بل رفعه الله إليه )هو تعلّق الرفع ببدنه الحي وشخصه الماثل، حتى يصح كونه رداً على زعم اليهود: "إنّهم صلبوه وقتلوه"، لاَنّ القتل والصلب إنّما يتعلّقان بالبدن ولو فسّـر بإعلاء المقام لا يكون رداً لدعوى القتل والصلب، ويكون جملة منقطعة الصلة عن زعم اليهود، فلا تكون الحكاية عن إعلاء المقام رداً على الخصم، إلاّ إذا فسر برفع المسيح بشخصيته الخارجية الحيّة حتى يكون تكذيباً لمقالة اليهود وادّعائهم. أضف إلى ذلك أنّ رفع روحه أو إعلاء درجته، وإبقاء جسده بين الاَعداء، نوع تسليط لهم عليه، لا إنجاء له من أيديهم، وهذا لا يوافق سياق الآية لاَنّه بصدد بيان أنّه سبحانه أنجاه وخلّصه من أيديهم، وعند ذلك يتطابق مفاد هذه الآية مع مفاد الآية السابقة القائلة: (إنّي متوفّيك ورافعك إلى )لما عرفت أنّ "التوفّى" هناك ليس بمعنى الاِماتة، بل بمعنى الاَخذ ويكون مفاده مطابقاً لما يستفاد من هذه الآية بأنّ المسيح رفع بشخصيته الخارجية. نعم الآية تدلّ على رفعه حياً وأمّا بقاوَه كذلك لحد الآن فلا يستفاد من الآية بل لابد من التماس دليل آخر.

تفسير الآية الثالثة:

وأمّا الآية الثالثة: (ما قُلتُ لَـهُمْ إلاّ ما أمَرْتنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِم شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّـا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلّ شيْءٍ شَهِيد )(1). فلا إشكال في أنّ ظرف المحاورة بين الله وعيسى هو يوم القيامة بدليل قوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ )(2) وأمّا التوفّي فيها فقد عرفت أنّه


1 . سورة المائدة: الآية 117.
2 . سورة المائدة: الآية 119.

(156)

ليس مرادفاً للموت، بل معناه الاَخذ التام وهو يتحقّق تارة بالاِماتة، وأُخرى بالنوم وثالثة بالاَخذ من بين الناس والمجتمع، فلا يدلّ ظاهر الآية إلاّ على المعنى الجامع، ولا يصبح لاَحد الفريقين (القائل بإماتته، أو القائل برفعه حياً) التمسك به لتأييد مذهبه. وقد عرفت دلالة الآيتين السابقتين على رفعه حياً فالآيات يفسر بعضها بعضاً.

خلاصة ما سبق في الآيات الثلاث:

تدلّ الآية الاَُولى على أنّه سبحانه وعد المسيح بأنّه آخذه ورافعه إليه، لا أنّه مميته ورافعه إليه، والاشتباه حصل في جعل "التوفّى" بمعنى الاِماتة ومفادها أنّه سبحانه وعد المسيح بأخذه من يد اليهود ورفعه إليه حتى لا يتمكنوا من قتله وصلبه. وأمّا تعيين مصيره بعد الرفع، وأنّه هل بقي حياً لحد الآن أم لا ؟ فلا تدلّ الآية على شيء منه، بل الآية تدلّ على أنّه كان حياً عند الاَخذ والرفع، وانّ ظرف الرفع هو نفس ظرف وزمان الهجوم الذي قام به اليهود عليه. وتدلّ الآية الثانية على نفس ما دلّت عليه الآية الاَُولى غير أنّ دلالتها على ذلك المعنى أظهر، فهي تدلّ على أنّه سبحانه خلّص المسيح من أيدي الطواغيت ولم يتمكّنوا من قتله وصلبه، وتحقّق بذلك الاَمر برفعه (حياً) دون أن تنال منه اليهود. ولو كان الرفع مقروناً بالاِماتة فهو لا يناسب الآية، لاَنّ الله تعالى بصدد امتداح نفسه في هذه الآية بإنقاذ وتخليص نبيّه من أيدي أعدائه المهاجمين، والاَنسب لهذا الموقف هو رفعه حياً لا إماتته ثم رفعه ميتاً، لاَنّه ليس في هذا ما يوجب امتداحاً للرفع.


(157)

وبعبارة أُخرى: أنّ الآية في مقام بيان الامتنان على المسيح وهذا موافق مع رفع الله له حياً لا ميتاً كما أنّ تفسيره برفع الدرجة من دون فرض لاِنجائه من أيدي الطواغيت يجعل الكلام منقطع الصلة عمّـا قبله. ومثله ما تعلّق بروحه فقط وترك بدنه بين الاَعداء نعم تختلف الآيتان في أنّ الاَُولى مشتملة على لفظين (التوفي والرفع) والثانية مشتملة على خصوص الرفع. والآية الثالثة راجعة إلى خطاب المسيح إلى الله سبحانه يوم القيامة والبعث حيث قال: (فلمـّا توفّيتني كنت أنت الرقيب عليهم )والتوفّي هناك هو نفس التوفي في الآيات السابقة، بمعنى الاَخذ والمعنى في الجميع واحد. إلى هنا تم توضيح الآيات الثلاث الدالة على أنّ عيسى رفع حياً. وأمّا مصيره بعد الرفع وأنّه هل بقي حياً أو لا، فلا تدلّ هذه الآيات على شيء من ذلك، نعم يدلّ عليه ما نتلوه عليك من الآية الرابعة والخامسة وإليك توضيحها.

تفسير الآية الرابعة:

وأمّا الآية الرابعة أعني قوله تعالى: (وَإِنْ مِن أهلِ الكِتابِ إلاّ لَيُوَْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوتِهِ وَيَومَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) (1). فقد فسر بنزول "عيسى" توضيحها: هو أنّ (إن )نافية بمعنى "ما" والمبتدأ محذوف يدلّ عليه سياق الكلام، فيكون معنى الآية: "ما أحد من أهل الكتاب إلاّ ليوَمنن به" والضمير في قوله: "به" يرجع إلى المسيح بلا نقاش إنّما الكلام في قوله: (قبل موته )فهل يرجع الضمير فيه أيضاً إلى المسيح، أو يرجع إلى "أحد" المقدّر؟ كلاهما محتمل ولا يمكن لاَوّل وهلة القطع بأىّ واحد من الاحتمالين،


1 . سورة النساء: الآية 159.

(158)

وإليك بيانهما مع بيان ما يوَيد أحدهما. إنّ للمفسرين في تفسير الآية رأيين: الاَوّل: أنّ الضميرين في (به )و (موته )يرجعان إلى "عيسى" وأنّ جميع أهل الكتاب المتواجدين في يوم "نزول عيسى" لقتل الدجال، يصدّقون به فتصير الملل كلها واحدة وهي ملة الاِسلام. قال ابن جرير: فعن ابن عباس في تفسير الآية: قال: قبل موت عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ. وقال أبو مالك: ذلك، عند نزول المسيح، وقبل موت عيسى بن امريم لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلاّ آمن به. وعن الحسن: إنّه لحىّ الآن عند الله ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، إنّ الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاماً يوَمن به البرّ والفاجر. قال ابن جرير: وهذا أولى الاَقوال، وهو أنّه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ـ عليه السلام ـ إلاّ آمن به قبل موت عيسى (1). الثاني: الضمير الاَوّل (به )لعيسى والثاني (موته )للكتابى، فالمعنى على هذا: إلاّ ليوَمنن بعيسى قبل أن يموت هذا الكتابي إذا عاين وميّز الحقّ عن الباطل، لاَنّ كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحقّ من الباطل عن دينه. وروي عن ابن عباس ما يصح أنّ يوَيد هذا المعنى قال: لا يموت يهودي حتى يوَمن بعيسى. وعن مجاهد: كل صاحب كتاب يوَمن بعيسى قبل موت صاحب الكتاب. ويوَيد هذا التفسير القراءة المنسوبة إلى أُبّي: "إلاّ ليوَمننّ به قبل موتهم".


1 . تفسير الطبري: 5|14 ـ 16 بتلخيص.

(159)

وهناك رأي شاذ لا يُعرَّج عليه وهو: "ليوَمن بالله أو بمحمّد قبل موت الكتابي" وهذا رأي ساقط، إذ ليس في الآية ما يشير إليه فضلاً عن الدلالة، على أنّ إيمان الكتابي بالله ثابت في حياته. إلاّ أنّ التأمل في سياق الآية يوَيد رجوع ذلك الضمير إلى المسيح لا إلى "أحد من أهل الكتاب" لاَنّ البحث، إنّما هو حول قتل المسيح وصلبه، فيناسب أن يكون المراد من "موته" في الآية هو موت المسيح، لا موت الكتابى، وهذا يدلّ على كونه حياً، وأنّه لابد أن يدركه كل الكتابيين المتواجدين يوم نزوله فيوَمنون به قبل موته ـ عليه السلام ـ . وأمّا زمان هذا الاِيمان، وأنّه متى يوَمن به كل كتابي فالآية ساكتة عنه. وبعبارة أُخرى: أنّ الكلام سيق لبيان موقف اليهود من عيسى وصنيعهم به، ولبيان سنّة الله في إنجائه ورد كيد الاَعداء عنه، فيتعيّن رجوع الضميرين المجرورين (به ـ قبل موته) إلى عيسى ـ عليه السلام ـ أخذاً بسياق الكلام وتوحيداً لمرجع الضميرين. قال الدكتور عبد الباقي أحمد محمد سلامة في كتابه "بين يدي الساعة" في ترجيح المعنى الاَوّل على الثاني: إنّ المقصود من سياق الآية في تقرير بطلان ما ادّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة، فأخبر الله تعالى أنّه لم يكن الاَمر كذلك، وإنّما شبّه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبيّنون ذلك، وأنّه باق حي، وأنّه سينزل قبل يوم القيامة كما دلّت عليه الاَحاديث المتواترة. فيقتل المسيح الضلالة ويكسر الصليب ويضع الجزية، يعنى: لا يقبلها من أحد من أهل الاَديان، بل لا يقبل إلاّ الاِسلام، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنّه يوَمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلّف عن التصديق به واحد منهم قبل موته، أي موت عيسى الذي زعم اليهود ومن وافقهم من


(160)

النصارى أنّه قتل وصلب، وسياق الآيات دليل على ذلك فقد قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم ) إلى أن قال: ـ (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَفَعَهُ الله إِليه)(1) . ثم ذكر تعالى هذه الآية: (وَإِنْ مِن أَهلِ الكِتابِ إلاّ لَيُوَمِنَنَّ بِهِ قَبَلَ مَوتِهِ).(2) وأمّا تعيين ظرف ذلك الاِيمان فيرجع فيه إلى الروايات المتضافرة التي ستوافيك وتدلّ على أنّه سينزل آخر الزمان حكماً عدلاً، وأنّه يأتم بإمام المسلمين وهو الذي يقتل الدجال وعندئذ يوَمن به كل كتابي حي في أديم الاَرض. وأمّا المعنى الثاني، يعنى: إرجاع الضمير إلى الكتابى، فيكون معنى الآية: أنّ كل كتابي يوَمن بالمسيح قبل أن يموت ذلك الكتابي، فاليهودي الكافر بنبوة عيسى، يوَمن بها عند موته، والنصراني القائل بإلوهيته، يصدق بأنّه نبىّ مرسل، لانكشاف الحقائق عند الموت، وحينئذ يطرح هذا السوَال نفسه: هل هذا الاِيمان محسوس لغير الكتابي، أو إيمان لا يحس به غيره ؟ والاَوّل خلاف المشاهد والملموس منهم، إذ لا نشاهده عند موت أهل الكتاب، وعلى الثاني: فالموت وإن كان يقارن رفع الحجب والاَستار لقوله سبحانه: (حَتّى إذا جَاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارجِعُونِ * لَعَلّـي أعْمَلُ صَالِحاً فِيما تَرَكْت ) (3) وغيره من الآيات، ولكن هذا الاِيمان الاضطراري لايختص بأهل الكتاب أوّلاً، كما لا يختص بمسألة المسيح ثانياً، إذ عندئذ تنكشف الحقائق على ما هي عليه من دون اختصاص بهذه المسألة وما فائدة هذا الاِيمان الاضطراري بالمسيح ثالثاً، وقد قال تعالى: (ولَيْسَتِ التّوْبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ


1 . سورة النساء: الآية 157 ـ 158و 159.
2 . بين يدي الساعة: 129، ط الرياض، وهو كتاب قيّم، والآية من سورة النساء | 157 ، 158، 159.
3 . سورة الموَمنون: الآية 99 ـ 100.

(161)

السّيئاتِ حتّى إذا حَضَـرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنّي تُبْتُ الآن)(1)ز وبهذا تبيّن أنّ المتعيّن هو رجوع الضمير إلى المسيح، ويكون مفاد الآية، أنّ أهل الكتاب يوَمنون بالمسيح، ويخرجون من الجحد والشك والكفر، قبل موت عيسى وذلك في ظرف خاص، يعلم تفصيله ممّا ورد في الروايات من نزول السيد المسيح، وقتله الدجال، وائتمامه بإمام المسلمين، الذي هو المصلح الموعود في الكتب والزبر. فالتدبّر في سياق الآية هذه، وما ينضم إليها من الآيات المربوطة بها، يفيد أنّ عيسى ـ عليه السلام ـ لم يتوفَ بقتل أو صلب ولا بالموت حتف الاَنف، وانّ الكتابيين جميعاً، سيوَمنون به قبل موته، ويشاهدونه عياناً ويذعنون له إذعاناً لا خلاف فيه، وهذا فرع كونه حياً حتى يوَمن به كل كتابي قبل موته، وعلى هذا فالظاهر انّ المراد كل الكتابيين الموجودين في ذلك الزمان، لا من مات وغبر من عصر المسيح إلى ذلك اليوم.

تفسير الآية الخامسة:

أمّا الآية الخامسة: وهي قوله: (وإِنَّهُ لَعِلمٌ للسّاعَةِ فَلا تمترنَّ بِها و اتبِعُونِ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقيم ) (2). فهذه الآية وما قبلها، بصدد بيان شأن المسيح، وموقفه أمام الله سبحانه، وأنّه لم يكن إلهاً بل كان كما وصفه سبحانه: (إنْ هُوَ إلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسرائيلَ * وَلَو نَشَاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الاَرْضِ يَخْلُفُونَ *وَإنّهُ لَعِلمٌ للسّاعَة ) (3) .


1 . سورة النساء: الآية 18.
2 . سورة الزخرف: الآيات: 59 ـ 61.
3 . سورة الزخرف: الآيات: 59 ـ 61.

(162)

وسياق الآيات ينفي بتاتاً، أن يكون القرآن الكريم أو النبي الاَكرم محمّد "صلى الله عليه وآله وسلم" مرجعاً للضمير، بل المرجع هو المسيح بلا كلام، لاَنّ الآيات السابقة واللاحقة (1) تبحث عنه ـ عليه السلام ـ، فالآية تفيد أنّ المسيح سبب للعلم بالساعة وأمارة ودليل على وقوعها، وعندئذ يجب تحليل كيفية كونه علماً للساعة، وفيه عدّة احتمالات: 1 ـ إنّ خلقـه مـن دون أب، أو إحياءه الموتى دليـل على صحـة البعـث وإمكانه. وهذا مرفوض لاَنّ البحث ليس في إمكان البعث وعدم إمكانه، والآية لا تحتمل ذلك، وإلاّ لكان الاَنسب أن تقول: وإنّه أو فعله دليل على إمكان البعث. 2 ـ إنّ وجود عيسى دليل على قرب الساعة وشرط من أشراطها. وهذا أيضاً مرفوض لاَنّه لو كان وجوده دليلاً عل قرب الساعة، فوجود النبي الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم" وأُمّته أولى بأن يكون كذلك، فلم يبق إلاّ الاحتمال الثالث: 3 ـ إنّ وجـود عيسى في ظرف خاص من الظروف (غير ظروفه السابقة الماضية) يكون علماً للساعة، فإذا أُضيفت إليها الاَخبار والروايات المستفيضة المصرّحة بنزوله في آخر الزمان يتجلّـى مفاد الآية بصورة واضحة، وأنّ عيسى سينزل في زمن من الاَزمنة، ولا مناص في رفع الاِبهام من الرجوع إلى الروايات حتى يحدد ذلك الظرف والزمان. وقال ابن كثير: وقد تواترت الاَحاديث عن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" أنّه أخبر بنزول عيسى ـ عليه السلام ـ قبل يوم القيامة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً (2). هذا خلاصة القول في تبيين مفاد الآية وأرجو منكم التمعّن في ما ذكرناه. وخلاصة هذا البحث الضافي: أنّ الآيات الثلاث الاَُولى تدلّ على كونه حيّاً عند الرفع، بينما الآيتان: الرابعة والخامسة تدلاّن على حياته لحد الساعة والآن.


1 . قوله سبحانه: (ولما جاء عيسى بالبيّنات قال قد جئتكم بالحكمة ولاَُبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون )(الزخرف: 63) .
2 . تفسير ابن كثير: 4|133.
Website Security Test