welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة

الإيمان والكفر
في الكتاب والسنّة

رسالة موجزة تحث عن
حقيقة الإيمان والكفر وحُدودهما والفرق بين الإسلام والإيمان
وحكم تكفير أهل القبلة، وتدعو إلى الوحدة الإسلامية
وتليها رسالتان:
1. حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ بعد الرفع.
2 . المناهج التفسيرية.

تأليف

العلامة المحقّق
جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق
ـ عليه السلام ـ


(2)

(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

قاربوا الخطى أيُّها المسلمون

11 الوحدة الاِسلامية وجمع شمل المسلمين ورصّ صفوفهم وجمع طاقاتهم على اتّجاهٍ واحدٍ ممّا يتبنّاه كل مسلم واعٍ له إلمامٌ بما يجرى على المسلمين في أراضيهم وعقر دارهم. ولكن الساحة الاِسلامية تشاهد اليوم بعض أصحاب القلم، والصدارة قد جعلوا على عاتقهم تفريق الكلمة، وتكفير بعضهم بعضاً، وتجزئة الاَُمّة، بدل توحيدها، وتماسك صفوفها، فلم نزل نشاهد فتوى بعد فتوى في تكفير فرقة دون فرقة وتفسيق طائفة أُخرى. هذا وذاك دعاني إلى دراسة مسألة الاِيمان والكفر في ضوء الكتاب والسنّة حتى يتّضح للقرّاء المتأثرين بهذه الفتاوى حدا الاِيمان والكفر، فسوف يتضح أنّه لا يصح لنا تكفير أهل القبلة ما داموا موَمنين بتوحيد الله تعالى ورسالة نبيه الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسم)والمعاد، والطوائف الاِسلامية كلّهم متظلّلون تحت هذه الخيمة، رافلين في حلل الاِيمان، مبتعدين عما يوجب الخروج عن الاِسلام وسيتضح لك ذلك بقراءة الفصول العشرة لذلك الكتاب. والله من وراء القصد.

جعفر السبحاني            
قم المشرفة ـ 15|12|1415 هـ ق


(4)

(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الاِيمان والكفر، مفهومهما وحدودهما

تمهيد

البحث عن الاِيمان والكفر من المسائل المهمة في حياتنا الحاضرة، لاَنّ الرابطة الوحيدة بين المسلمين هي رابطة الاِيمان الوثيقة من غير فرق بين أجناسهم. ولم يزل المسلمون ومنذ قرون، غرضاً لاَهداف المستعمرين، وهم يبذلون جهدهم في تفريقهم وتشتيتهم إلى فرق وأُمم متباعدة، ينهش بعضهم بعضاً، وكأنّهم ليسوا من أُمة واحدة، كل ذلك ليكونوا فريسة سائغة لهم ينهبون ثرواتهم ويقضون على عقيدتهم وثقافتهم الاِسلامية بشتّى الوسائل. فالمسلمون في هذه الظروف الحرجة في أشدّ الحاجة إلى رصّ الصفوف وتوحيد الكلمة كما أنّ لهم كلمة التوحيد، ولا يتسنّى ذلك إلاّ بعد التعرّف عليهم


(6)

وعلى أفكارهم، عسى أن يتظلَّل الجميع ـ دون استثناء ـ في ظلّ الاِيمان بالله ورسوله، وهذا ما يدعونا قبل كل شيء إلى دراسة حقيقة الاِيمان في ضوء الكتاب والسنّة، كي تكون هي المقياس في القضاء العادل في حق الفرق المختلفة في الساحة الاِسلامية. ونجتني من ذلك فائدتين: الاَُولى: ربّما توَدّي الدراسة إلى ثمرة مهمة في ساحة الوحدة الاِسلامية وهي: أنّه بعد تبيين حقيقة الاِيمان مفهوماً وحدّاً ربّما تنضوي تحتها عشرات الفرق الاِسلامية، التي ربّما أُسىء الظنّ بهم بشتّى الوسائل، وربّما احتسبوا أجانب فيصبحوا إخواناً مخلصين. الثانية: وربّما ينعكس الاَمر على البعض الآخر فيُلفَظوا عن حظيرة الاِسلام وقد كنّا نتصوّرهم من أُمّها وصميمها.


(7)

الاِيمان في الكتاب والسنّة :

البحث في الاِيمان والكفر بحث واسع، مترامي الاَطراف، والخوض في غماره يخرج الرسالة عن كونها رسالة موجزة، فالذي سوف نركّز عليه من بين البحوث المتوفّرة هو البحث في الجهات التالية: الجهة الاَُولى: في تفسير الاِيمان لغة واصطلاحاً. الجهة الثانية: في أنَّ العمل جزء من الاِيمان وعدمه. الجهة الثالثة: في أنّه يقبل الزيادة والنقيصة أو لا. الجهة الرابعة: فيما يجب الاِيمان به. الجهة الخامسة: في تحديد الكفر وأسبابه وأقسامه. الجهة السادسة: في جواز تكفير أهل القبلة وعدمه. الجهة السابعة: في الفرق بين الاِسلام والاِيمان. الجهة الثامنة: لزوم تحصيل العلم في العقائد. الجهة التاسعة: في الدفاع عن الحقيقة. الجهة العـاشــرة: في الوحدة الاِسلامية. والمهم منها هو الجهة الرابعة والخامسة، إذ بهما يتميّز الموَمن عن الكافر، يتميّز كل من ينضوي تحت راية الاِيمان عمّن يُقصى منها، وإليك البحث في الاَُمور أعلاه:

***


(8)

(9)

الجهة الاَُولى:

الاِيمان لغة واصطلاحاً

1 ـ قال الخليل: الاَمن: ضدّ الخوف، والفعل منه أمن يأمن أمناً، والاِيمان: التصديق نفسه، وقوله تعالى: (وَما أنْتَ بِمُوَمنٍ لَنا) بمصدِّق لنا (1). قال ابن فارس: "أمن" له أصلان: أحدهما الاَمانة التي هي ضدّ الخيانة، والآخر التصديق. والمعنيان متدانيان (2). وقال ابن الاَثير: في أسماء الله تعالى: "الموَمن" هوالذي يَصدُق عباده وعده، فهو من الاِيمان: التصديق، أو يوَمّنهم في القيامة من عذابه، فهو من الاَمان، والاَمن ضدّ الخوف (3). ويظهر من ابن منظور أنّ له استعمالات مختلفة: 1 ـ الاَمن ضدّ الخوف. 2 ـ الاَمانة ضد الخيانة. 3 ـ الاِيمان ضد الكفر . 4 ـ الاِيمان: التصديق، ضدّه التكذيب يقال: آمن به قوم، وكذَّب به قوم. فأمّا آمنته المتعدي فهو ضدّ أخفته. وفي التنزيل العزيز: (آمنهم من خوف ) (4).


1 . ترتيب العين: 56.
2 . المقاييس: 1|133.
3 . النهاية: 1|69.
4 . لسان العرب: 13|21.

(10)

والحصيلة من كلماتهم أنّ الثلاثي المجرّد من مادة "أمن" يستعمل في ضدّ الخوف كما قال سبحانه: (وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْناً يَعْبُدونَنِي لايُشْرِكُوا بِي شَيْئاً) (النور ـ 55) وأمّا المزيد منه فالمقرون بالباء أو اللام يأتى بمعنى التصديق كقوله سبحانه: (امَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيهِ مِنْ رَبّهِ ) (البقرة ـ 285) وقوله عزّ من قائل: (وَما أنْتَ بِمُوَْمِنٍ لَنا) (يوسف ـ 17) وأمّا المتعدّي بنفسه فهو بمعنى ضدّ أخاف، كما عرفت. وعلى ذلك درج المتكلّمون في تعريف الاِيمان حيث فسّروه بالتصديق. قال عضد الدين الاِيجي: الاِيمان: التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً (1). وقال التفتازاني: الاِيمان: اسم للتصديق عند الاَكثرين أي تصديق النبىّ فيما علم مجيئه به بالضرورة (2). وأمّا أكثر أعلام الشيعة ففسّروه بالتصديق، نقتصر على ما يلى: قال المرتضى (355 ـ 436هـ) : إنّ الاِيمان عبارة عن التصديق القلبي ولا اعتبار بما يجري على اللسان، فمن كان عارفاً بالله تعالى وبكلّ ما أوجب معرفته، مقرّاً بذلك ومصدّقاً فهو موَمن (3). وقال ابن ميثم: إنّ الاِيمان عبارة عن التصديق القلبي بالله تعالى، وبما جاء به رسوله من قول أو فعل، والقول اللساني سبب ظهوره، وسائر الطاعات ثمرات موَكدة له (4).


1 . شرح المواقف: 8|323، قسم المتن.
2 . شرح المقاصد: 5|176.
3 . المرتضى: الذخيرة في علم الكلام: 536 ـ 537.
4 . ابن ميثم: قواعد المرام: 170.

(11)

وقال نصير الدين الطوسي: والاِيمان: التصديق بالقلب واللسان، ولا يكفي الاَوّل لقوله تعالى: (و اسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ) ونحوه، ولا الثاني لقوله: ( قُلْ لَمْ تُوَمِنُوا) واختاره العلاّمة الحلّى في شرحه لكلام المحقّق الطوسي (1). وهو خيرة المحقّق الطوسي في الفصول النصيرية (2)والفاضل المقداد في إرشاد الطالبين (3)ونقله المجلسي عن بعض المحقّقين وقال: إنّه عرفه بقوله: هو التسليم لله تعالى والتصديق بما جاء به النبيّ لساناً وقلباً على بصيرة(4). نعم، فسّره الطبرسى في تفسيره بالمعرفة وقال: أصل الاِيمان هو المعرفة بالله وبرسوله وبجميع ما جاءت به رسله، وكل عارف بشيء فهو مصدّق له (5). ونسبه الشهيد الثاني إلى أصحابنا (6). ولكنّه تفسير له بالمبدأ فإنّ التصديق القلبي فرع المعرفة فكلّ مصدّق، عارف بما يصدّقه ولا عكس؛ إذ ربّما يعرف ولا يصدّق قال سبحانه: (الَّذينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كما يَعْرِفُونَ أبْناءَهَمْ ) (البقرة ـ 146) ومع العرفان ما كانوا موَمنين. والفرق بين التصديق والمعرفة واضح، لاَنّ في الاَوّل سكون النفس وهو كسبي اختياري يوَمر به ويثاب عليه، والمعرفة ربّما تحصل بلا كسب والفرق بينهما كالفرق بين الاِيمان والعلم، فلو كان التصديق ملازماً للتسليم فهو، وإلاّ يشترط


1 . العلاّمة الحلي: كشف المراد: 426.
2 . نقله العلاّمة المجلسي عنه في البحار: 69|131، وقال: إنّ الاِيمان هو التصديق القلبي مذهب جمع من متقدّمي الاِمامية ومتأخّريهم ومنهم المحقّق الطوسي في فصوله.
3 . الفاضل المقداد: إرشاد الطالبين: 442.
4 . المجلسي: البحار: 68|296.
5 . الطبرسى: مجمع البيان: 1|89.
6 . زين الدين العاملي في رسالة حقائق الاِيمان وهو فسّـره لغة بالتصديق، لاحظ البحار: 69|131.

(12)

فيه وراء التصديق: التسليم، لقوله سبحانه: (فلا وَرَبّكَ لا يُوَْمِنونَ حَتّى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما ) (النساء ـ 65) . وبما ذكرنا يعلم عدم تمامية ما ذكره التفتازاني في ذيل كلامه المتقدم، وهو أنّ الشيعة فسّرت الاِيمان بالمعرفة كجهم والصالحي، لما عرفت أنّه قول الطبرسى ـ قدّس سرّه ـ وغيره على ما نقله الشهيد الثاني، لا قول الشيعة بأجمعهم.

الاِيمان اصطلاحاً :

فإذا كان الاِيمان بمعنى التصديق: فيقع الكلام في كفاية أيّ قسم منه، فإنّ للتصديق مظاهر مختلفة، فالمحتملات أربعة: 1ـ الاِيمان هو الاِقرار باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه، وهو قول محمد بن كرّام السجستاني. 2ـ التصديق القلبي وإن أظهر الكفر بلسانه، وهذا هو المنسوب إلى جهم ابن صفوان. 3ـ الاِيمان هو التصديق القلبي منضمّاً إلى التصديق باللسان، وأمّا العمل فهو من ثمراته غير داخل في صميم الاِيمان، وهو المنسوب إلى مشاهير المتكلّمين والفقهاء. 4ـ الاِيمان هو التصديـق القلبـي منضمّـاً إلى الاِقرار باللسان والعمـل بالجوارح، وهو قول المعتزلة والاِباضية، وجمع من القدامى. لنأخذ بدراسة هذه الاَقوال: أمّا الاَوّل: فقد زعموا أنّ النبيّ وأصحابه ومن بعدهم اتّفقوا على أنّ من


(13)

أعلن بلسانه شهادة فإنّه عندهم مسلم محكوم له بحكم الاِسلام، أضف إليهم قول رسول الله في السوداء: "اعتقها فإنّها موَمنة(1). يلاحظ عليه: أنّ الحكم عليه بالاِيمان لاَجل كون الاِقرار باللسان طريقاً وذريعة إلى فهم باطنه وتصديق قلبه، وأمّا لو علم عدم مطابقة اللسان مع الجنان فيحكم عليه بالنفاق، قال سبحانه: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وبِاليَومِ الآخِرِ وما هُمْ بِمُوَْمِنِينَ) (البقرة ـ 8). ولمّا كان الرسول وأصحابه مأمورين بالحكم بحسب الظاهر، أُمروا بالقتال إلى أن يشهدوا بتوحيده سبحانه كما قال ـ صلى الله عليه وآله وسم ـ : "أُمِرْت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويوَمنوا بما أُرسلت به، فإذاً عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله " وبذلك يظهر وجه حكمه ـ صلى الله عليه وآله وسم ـ في السوداء "بأنّها موَمنة(2)" روى ابن حزم عن خالد بن الوليد أنّه قال: رُبّ رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال ـ صلى الله عليه وآله وسم ـ "إنّى لم أُبعث لاَشُقّ عن قلوب الناس". وأمّا الثاني: أي كون الاِيمان هو التصديق القلبي وإن أظهر الكفر بلسانه الذي نسب إلى جهم بن صفوان: فقد استدل بما مرّ من الآيات عند البحث في تفسير الاِيمان لغة، قال سبحانه: (ومَا أنْتَ بِمُوَْمِنٍ لَنا )(يوسف ـ 17) وقوله تعالى: (وامنَ لَهُ لُوط )(العنكبوت ـ 26) مضافاً بأنّ القرآن نزل بلسان عربيّ مبين وخاطبنا الله بلغة العرب وهو في اللغة التصديق والعمل بالجوارح لا يُسمّى إيماناً. يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره دليل على خروج العمل عن حقيقة الاِيمان، وأمّا كونه نفس التصديق القلبي فلا يثبته، كيف وقد دلّت بعض الآيات على أنّ من جَحَدَ لساناً أو عملاً وإن استيقن قلباً فهو ليس بموَمن، بل هو من الكافرين، يقول سبحانه: (وجَحَدوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوّاً فانْظُرْ كَيْفَ كانَ


1 . ابن حزم: الفصل: 3|190.
2 . ابن حزم: الفصل: 2|206، وسيوافيك تخريج الحديث.

(14)

عَاقِبةُ المُفْسِدِينَ )(النمل ـ 14) والآية نازلة في حقّ الفراعنة الذين أذعنوا في ظل معاجز موسى بأنّه مبعوث من الله سبحانه، ولكنّهم جَحَدوا بآيات الله فصاروا من الكافرين. نعم هناك نكتة، وهي: أنّ الآية لا تقوم بنفي كفاية التصديق القلبي في تحقّق الاِيمان إذا لم يقترن مع الجَحْد، وإنّما تثبت عدم كفايته إذا اقترن به، فلا بدّ في إثبات عدم كفاية الاَوّل من التماس دليل آخر. ثم إنّ لابن حزم الظاهري (ت 456هـ) كلاماً في المقام استشكل به على المستدل، وذلك بوجهين: الاَوّل: انّ الاِيمان في اللغة ليس هو التصديق، لاَنّه لا يسمى التصديق بالقلب دون التصديق باللسان إيماناً في لغة العرب، وما قال ـ قطّ ـ عربىّ إنّ من صدق شيئاً بقلبه فأعلن التكذيب بلسانه أنّه يسمى مصدّقاً به، ولا موَمناً به، وكذلك ما سُمى ـ قطّ ـ التصديق باللسان دون التصديق بالقلب إيماناً بلغة العرب. يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره يثبت عدم كفاية التصديق مع التكذيب باللّسان، وأمّا عدم كفاية التصديق مع عدم التكذيب فلا تثبته الآية ولا كلام العرب كما عرفت، ولاَجل ذلك قلنا: لابدّ في إثبات عدم كفاية ذلك القسم من التماس دليل آخر. الثاني: لو كان ما قاله صحيحاً لوجب أن يطلق اسم الاِيمان لكل من صدق بشىء موَمناً، ولكان من صدق باطنية الحلاّج والمسيح والاَوثان موَمنين لاَنّهم مصدّقون بما صدقوا به (1).


1 . ابن حزم الفصل: 3|190.

(15)

يلاحظ عليه: أنّه كلام واهٍ جدّاً، لاَنّ موضوع الدراسة هو الاِيمان اصطلاحاً فلا يعمّ ما كان على طرف النقيض منه كالتصديق بإلهية الحلاّج والمسيح. نعم لو كان موضوع الدراسة هو تفسير التصديق لغة، فلا شك أنّه يشمل كل تصديق متعلّق بشيء، قال سبحانه: (وما أنْتَ بِمُوَْمِنٍ لَنا )(يوسف ـ 17) . وكم لابن حزم في كتبه من "الفصل" و "المحلّى" كلمات واهية مضافاً إلى ما اتّخذ لنفسه خطّة في الكتابة وهي؛ التحامل على الفرق الاِسلامية بالسّباب وبذاءة الكلام، عفا الله عنّا وعنه. وأمّا القول الثالث والرابع: فمتقاربان، غير أنّ الرابع جعل العمل جزء من الاِيمان، والثالث جعله من ثمراته وكماله، لاجزءاً لحقيقته، وهذا هو الموضوع الذي فرّق المسلمين إلى فرق ثلاثة، أعني بهم: أ ـ الخوارج: الذين كفّروا مرتكب الكبيرة، ومنعوا من إطلاق الموَمن عليه، وبلغوا الغاية في التشديد وجعلوه مخلّداً في النار لخروجه عن ربقة الاِيمان. ب ـ المعتزلة: وهم الذين جعلوا مرتكب الكبيرة منزلة بين منزلتين فلا هو بموَمن ولا كافر، ولكنّهم صفّقوا مع الخوارج في جعل مرتكب الكبيرة مخلّداً في النار إذا مات بلا توبة. ج ـ جمهرة الفقهاء والمتكلّمين من السنّة والشيعة: وهم الذين جعلوا الاِيمان نفس التصديق مع الاِقرار باللسان، وجعلوا العمل كمال الاِيمان، وهذا لايعني ما ذهبت إليه المرجئة من عدم الاهتمام بالعمل، بل يهدف إلى أنّ محوّل الاِنسان من الكفر إلى الايمان والحكم بحرمة دمه وماله هو التصديق القلبي إذا اقترن بالاِقرار باللسان إن أمكن، أو بالاِشارة إن لم يمكن كما هو الحال في الاَبكم، وأمّا المنقذ من النار والمُدْخِل إلى الجنّة فلا يكفيه ذلك ما لم يقترن بالعمل.


(16)

قال الشيخ المفيد: "اتفقت الاِمامية على أنّ مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والاِقرار لا يخرج بذلك عن الاِسلام وأنّه مسلم، وإن كان فاسقاً بما فعله من الكبائر والآثام، ووافقهم على هذا القول المرجئة كافّة، وأصحاب الحديث قاطبة، ونفر من الزيدية وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا انّ مرتكب الكبائر ممّن ذكرناه فاسق ليس بموَمن ولا مسلم (1).
هذا وتحقيق الحق يأتي في الفصل القادم.

***


1 . المفيد: أوائل المقالات ص 15.

(17)

الجهة الثانية:

في أنّ العمل جزء من الاِيمان وعدمه

قد عرفت أنّ الخوارج والمعتزلة جعلوا الاِيمان مركّباً من التصديق والعمل ولاَجله كفّروا مرتكب الكبيرة أو جعلوه في منزلة بين المنزلتين، لكن دراسة الموضوع حسب الآيات القرآنية يرشدنا إلى خروج العمل عن الاِيمان، وتكفي في هذه الآيات التالية: 1 ـ قال سبحانه: (إنّ الَّذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ)(البقرة ـ 277) فمقتضى العطف هو المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فلو كان العمل داخلاً فيه لزم التكرار، واحتمال كون المقام من قبيل ذكر الخاص بعد العام يتوقف على وجود نكتة لتخصيصه بالذكر. أضف إلى ذلك أنّ الصالحات جمع معرّف يشمل الفرض والنقل، والقائل بكون العمل جزءاً من الاِيمان يريد به خصوص فعل الواجبات واجتناب المحرمات، فكيف يمكن أن تكون الصالحات بهذا المعنى جزء الاِيمان ويكون ذكره من قبيل عطف الخاص على العام. 2 ـ قال سبحانه: (وَمْن يَعْمَل مِنَ الصّالِحاتِ وَهُو مُوَْمِنٌ)(طه ـ 112) وقوله: (وهو موَمن )جملة حالية والمقصود يعمل صالحاً حال كونه موَمناً وهذا يقتضى المغايرة.


(18)

3 ـ وقال سبحانه: (وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُوَْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَينهُما فَإنْ بَغَتْ إحداهُما عَلى الاَُخرى فَقاتِلُوا الَّتي تَبغِي حَتّى تَفيء إلى أمْرِ الله )(الحجرات ـ 9) ترى أنّه سبحانه أطلق الموَمن على الطائفة العاصية وقال ما هذا مثاله: فإن بغت إحدى الطائفتين من الموَمنين على الطائفة الاَُخرى منهم، والظاهر أنّ الاِطلاق بلحاظ كونهم موَمنين حال البغي لا بلحاظ ما سبق وانقضى، أي بمعنى أنّهم كانوا موَمنين. 4 ـ (يا أيُّها الَّذين آمنوا اتَّقوا الله وكُونُوا مَعَ الصّادِقينَ)(التوبة ـ 119) فأمر الموصوفين بالاِيمان بالتقوى أي الاِتيان بالطاعات واجتناب المحرّمات، ودلّ على أنّ الاِيمان يجتمع مع عدم التقوى، وإلاّ كان الاَمر به لغواً وتحصيلاً للحاصل، وحمل الاَمر في الآية على الاستدامة خلاف الظاهر. 5 ـ هنـاك آيات تدل على أنّ محل الاِيمان ومرتكز لوائه هو القلب، قال سبحانه: (أُولئكَ كُتِبَ فِى قُلُوبِـهِمُ الاِيمانُ)(المجادلة ـ 22) ولو كان العمل جزءاً منه لما كان القلب محلاًّ لجميعه، وقال سبحانه: (وَلَمّا يَدْخُلِ الاِيمانُ في قُلُوبِكُم)(الحجرات ـ 14) . وهناك سوَال يطرح نفسه وهو: أنّ ظاهر الآية كون القلب محلاًّ لجميع الاِيمان مع أنّ جمهور الفقهاء والمتكلّمين جعلوا الاِقرار باللسان جزءاً منه والاِقرار قائم باللسان لا بالقلب، ولكن الاِجابة عنه سهلة، وهي: أنّ حقيقة الاِيمان ومرتكز لوائه هو القلب، غير أنّه لا يصحّ الحكم بكونه موَمناً إلاّ بعد اعترافه باللسان. فالجحد مانع وإن أذعن قلباً والاِقرار باللسان شرط لا جزء له، أي شرط لحكمنا بكونه موَمناً. نعم، لو كان هناك عِلْم لا يقبل الخطأ بأنّ الرجل مصدّق بما جاء به الرسول غير أنّه لا يستطيع أن يقرّ، كما في مَلِك الحبشة، فقد آمن بالرسول واعترف بنبوّته قلباً، فهو موَمن، والشرط عندئذ ساقط للضرورة،


(19)

ولاَجل ذلك صلّى عليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسم) عندما بلغته وفاته. هذا هو مقتضى الكتاب ويوَيده الاِجماع، حيث جعلوا الاِيمان شرطاً لصحة العبادات ولا يكون الشيء شرطاً لصحة جزئه. وأمّا السنّة فهي تعاضد أيضاً هذه النظرية. أخرج البخاري في كتاب الاِيمان ومسلم في باب فضائل علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) يوم خيبر: "لاَُعطينَّ هذه الراية رجلاً يحبُّ الله ورسوله يفتح الله على يديه". قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الامارة إلاّ يومئذ، قال: فتساورْتُ لها رجاء أن أُدعى إليها، قال فدَعى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها، وقال: "إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك" فسار (علىّ) شيئاً ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: "يا رسـول الله على ماذا أُقاتل النّاس" ؟ قال: (صلى الله عليه وآله وسم) : "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد مَنعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله".(1) روى الشافعي في كتاب "الاَُم" عن أبي هريرة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) قال: "لا أزال أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله ، فإذا قالوا لا إله إلاّ الله ، فقد عصموا منّى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله ". قال الشافعي: فأعْلَمَ رسول الله : إنّ فرض الله أن يقاتلهم حتى يظهروا أن لا إله إلاّ الله ، فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، يعنى بما يحكم الله عليهم فيها وحسابهم على الله بصدقهم وكذبهم وسرائرهم، الله العالم بسرائرهم، المتولّي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكّام خلقه، وبذلك مضت أحكام رسول الله فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، وأعلمهم أنّ جميع


1 . البخاري: الصحيـح: 1|10، كتاب الاِيمان، وصحيـح مسلم: 7|17، باب فضائل علي ـ عليه السلام ـ.

(20)

أحكامه على مايظهرون وأنّ الله يدين بالسرائر (1). روى الصدوق بسند صحيح قال: قلت لاَبي عبدالله ـ عليه السلام ـ (الاِمام الصادق) : ما أدنى ما يكون به العبد موَمناً؟ قال: "يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، ويقرّ بالطاعة ويعرف إمام زمانه، فإذا فعل ذلك فهو موَمن" (2). وقد استدلّ الاِمام عليّ ـ عليه السلام ـ على خطأ الخوارج في رمى مرتكب الكبيرة بالكفر بفعل رسول الله وأنّه (صلى الله عليه وآله وسم) كان يعامل معهم معاملة الموَمن. وقال: "وقد علمتم أنّ رسول الله رجم الزاني ثم صلّى عليه، ثم ورّثه أهله، وقتل القاتل وورّث تراثه أهله، وقطع السارق، وجلد الزاني غير المحصن ثم قسّم عليهما من الفيَ. فأخذهم رسول الله بذنوبهم، وأقام حقّ الله فيهم ولم يمنعهم سهمهم من الاِسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله" (3). فبما أنّ بعض السطحيين ربّما يرمون أصحاب هذا القول بالاِرجاء ـ وأين هو من الاِرجاء ـ نزيد في المقام بياناً ونقول: إن ّ كون القلب مركزاً للاِيمان وخروج العمل عن كونه عنصراً مقوّماً له، لا يعني أن التصديق القلبي يكفى في نجاة الاِنسان في الحياة الاَُخروية بل يهدف إلى أنّه يكفي في خروج الاِنسان عن زمرة الكافرين الذين لهم خصائص وأحكام ـ التصديق القلبي ـ، فيحرم دمه وماله وتحلّ ذبيحته وتصحّ مناكحته، إلى غير ذلك من الاَحكام التي تترتب على التصديق القلبي إذا أظهره بلسانه أو وقف عليه الغير بطريق من الطرق، وأمّا كون


1 . الشافعي: الاَُم: 1|158 ـ 159.
2 . المجلسي: البحار: 66|16، كتاب الاِيمان والكفر، نقلاً عن معاني الاَخبار للصدوق.
3 . نهج البلاغة الخطبة: 125.

(21)

ذلك موجباً للنجاة يوم الحساب فلا، فإنّ للنجاة في الحياة الاَُخروية شرائط أُخرى تكفّل ببيانها الذكر الحكيم والسنّة الكريمة.
وبذلك يفترق عن قول المرجئة الذين اكتفوا بالتصديق القلبي أو اللساني واستغنوا عن العمل، وبعبارة أُخرى قدّموا الاِيمان وأخّروا العمل، فهذه الطائفة من أكثر الطوائف خطراً على الاِسلام وأهله، لاَنّهم بإذاعة هذا التفكير بين الشباب، يدعونهم إلى الاِباحية والتجرّد عن الاَخلاق والمثل العليا ويعتقدون أنّ الوعيد خاص بالكفار دون الموَمنين، فالجحيم ونارها ولهيبها لهم دون المسلمين، ومعنى أنّه يكفي في النجاة الاِيمان المجرّد عن العمل، وأىّ خطر أعظم من ذلك؟ وعلى ضوء ذلك يظهر المراد ممّا رواه البخاري عن عبد الله بن عمر: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) : "شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم شهر رمضان" (1)فإنّ المراد من الاِسلام، ليس هو الاِسلام المقابل للاِيمان في قوله سبحانه: (قَالَتِ الاَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُوَْمِنُوا ولكنْ قُولُوا أسلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الاِيمانُ في قُلُوبِكُمْ )(الحجرات ـ 14) ولا الاِسلام والاِيمان بأقلّ درجاتهما الذي له أحكام خاصة، بل الاِيمان المُنْجي لصاحبه من العذاب الاَليم، وهذا لا يضرّ بما قلنا من أنّ مقوّم الاِيمان، هو العقيدة القلبية وذلك لاَنّ المقصود هناك من الاكتفاء بالتصديق بشرط الاِقرار هو الاِيمان الذي يصون دم المقر وماله وعرضه، لا الاِيمان المنجي في الآخرة، إذ هو كما في الرواية يتوقّف على العمل. وإليه ينظر ما روي عن الاِمام الصادق من أنّ الاِسلام يحقن به الدم وتوَدّي به الاَمانة، ويستحلّ به الفرج، والثواب على الاِيمان .(2)
وحصيلة الكلام: أنّ كون التصديق القلبي مقياساً للاِيمان، غير القول بأنّ


1 . البخاري: الصحيح: 1|6، كتاب الاِيمان، الباب الثاني، ولاحظ أيضاً ص16 باب أداء الخمس.
2 . البرقي: المحاسن: 1|285.

(22)

التصديق القولي أو القلبي المجرّدين عن العمل كاف للنجاة، ولاَجل ذلك تركّز الآيات على العمل بعد الاِيمان وتقول: (إنّ الَّذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئكَ هُمْ خَيْرُ البَرّيةِ) (البيّنة ـ 7) وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهُوَ مُوَمنٌ)(طه ـ 112) وقال تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادقين )(التوبة ـ 119) فلو كان العمل عنصراً مقوّماً للاِيمان فما معنى الاَمر بالتقوى بعد فرض الاِيمان لاَنّه يكون أشبه بطلب الاَمر الموجود وتحصيل الحاصل. ولا تنس ما ذكره الاِمام الشافعي من أنّ الله يعامل بالسرائر وعباده يعاملون بما يظهر من الاِنسان من الاِقرار الكاشف عن التصديق، وربّما لا يكون كذلك.

إكمال

نقل الفريقان عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) أنّه قال: "لا يزني الزاني حين يزنى وهو موَمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو موَمن". (1) وروى عبيد بن زرارة قال: دخل ابن قيس الماصر، وعمر بن ذرّ ـ وأظن معهما أبو حنيفة ـ على أبي جعفر ـ عليه السلام ـ فتكلّم ابن قيس الماصر فقال: إنّا لا نخرج أهل دعوتنا وأهل ملتنا من الاِيمان في المعاصي والذنوب، قال: فقال له أبو جعفر ـ عليه السلام ـ : يابن قيس أمّا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) فقد قال: "لا يزني الزاني وهو موَمن، ولا يسرق السارق وهو موَمن". (2) وقد تضافر عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) قال: "إنّ الاِيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالاَركان". (3) وروى عن أئمة أهل البيت نظير هذا فعن أبي الصلت الهروي قال: سألت


1 . النسائي: السنن: 8|64 كتاب قطع السارق، الكليني: الكافي: 5|123 ح4.
2 . الكليني: الكافي: 2|285 ح22.
3 . الصدوق: الخصال: 1|179 ح241.
4 . الصدوق: الخصال: 1|178 ح 240.

(23)

الرضا ـ عليه السلام ـ عن الاِيمان؟ فقال: "الاِيمان عقد بالقلب، ولفظ باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون الاِيمان إلاّ هكذا" (4). وعلى ضوء هذا، فكيف نعدّ مرتكب الكبائر موَمناً ولا نعدّ العمل ركناً للاِيمان؟ هذا هو السوَال وأمّا الجواب فالتأمل والاِمعان في الآيات والروايات يثبت أنّ للاِيمان إطلاقات ولكل إطلاق فائدة وثمرة نشير إليها: الاَوّل: الاعتقاد بالاَُصول الحقّة والعقائدالصحيحة الذي يترتب عليه في الدنيا، الاَمانُ من القتل ونهب الاَموال، والاَمانة إلاّ أن يأتي بقتل أو فاحشة يوجب القتل أو الجلد أو التعزير. وأمّا في الآخرة فيترتب عليه صحة أعماله واستحقاق الثواب عليها وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة، ويقابله الكفر. وعلى هذا الاِطلاق فمرتكب الكبيرة موَمن وإن زنى وإن سرق. الثاني: الاعتقاد الصحيح مع الاِتيان بالفرائض التي ظهر وجوبها من القرآن وترك الكبائر التي أوعد الله عليها، وعلى هذا أطلق الكافر على تارك الصلاة، وتارك الزكاة وأشباههم وعليه يحمل قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسم) : "لا يزنى الزانى وهو موَمن ولا يسرق السارق وهو موَمن" وعليه يحمل قولهم: الاِيمان عقد بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالاَركان، وثمرة هذا الاِيمان عدم استحقاق الاِذلال والاِهانة والعذاب في الدنيا والآخرة. الثالث: الاعتقاد الصحيح مع فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرّمات، وثمرته، اللحوق بالمقرّبين، والحشر مع الصدّيقين وتضاف المثوبات ورفع الدرجات.


(24)

الرابع: هذا القسم مع ضم فعل المندوبات وترك المكروهات بل المباحات كما ورد في إجبار صفات الموَمن وبهذا المعنى يختص بالاَنبياء والاَوصياء. وبه يفسّر قوله سبحانه: (وَمَا أكثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُوَْمِنِينَ... * وَمَا يُوَْمِنُ أكْثَرُهُم بِاللهِ إلاّ وَهُم مُشْرِكُون)(يوسف 103 ـ 106) وعلى هذا فجميع المعاصي بل التوسل بغيره تعالى يكون داخلاً في الترك المذكور في الآية وثمرة هذا الاِيمان أنّه يوَمن على الله فيجيز أمانه، وأنّه لا يردّ دعاءه وسائر ماورد في درجاتهم ومنازلهم عند الله . وعلى ضوء هذا ان ّالآيات والاَخبار الدالة على دخول الاَعمال في الاِيمان يحتمل وجوهاً: 1 ـ أن يحمل على ظواهرها ويقال إنّ العمل داخل في حقيقة الاِيمان على بعض المعاني. 2 ـ أن يكون الاِيمان هو نفس العقيدة لكن مشروطاً بالاَعمال فيكون العمل شرطاً لاشطراً. 3 ـ أن يكون للاِيمان درجات تختلف شدة وضعفاً وتكون الاَعمال كثرة وقلّة كاشفة عن حصول كل مرتبة من تلك المراتب (1). ولاَجل إكمال البحث وإيضاح الحقيقة نرجع إلى ما استدل به القائل: "بأنّ العمل جزء من الاِيمان" حتى تتجلّـى الحقيقة بأجلى مظاهرها، وتعلم صحة ما ذكرنا من المحامل الثلاثة الآنفة الذكر.


1 . المجلسي: البحار: 69|127 ـ 128.

(25)

حجة القائل بأنّ العمل جزء من الايمان ؟

احتجّ القائل بأنّ العمل جزء من الاِيمان بآيات : 1 ـ قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِيَنةَ فِى قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمَانِهِمْ) (الفتح | 4). ولو كانت حقيقة الاِيمان هي التّصديق، لما قبل الزيادة والنقيصة، لاَنّ التصديق أمره دائر بين الوجود والعدم. وهذا بخلاف ما لو كان العمل جزءاً من الاِيمان. فعندئذ يزيد وينقص حسب زيادة العمل ونقيصته. والزيادة لا تكون إلاّ في كمّية عدد لا في ما سواه، ولا عدد للاعتقاد ولا كمّية له (1).
يلاحظ عليه: أنّ الاِيمان بمعنى الاِذعان أمر مقول بالتّشكيك. فلليقين مراتب، فيقين الاِنسان بأنّ الاثنين نصف الاَربع، يفارق يقينه في الشدّة والظهور، بأنّ نور القمر مستفاد من الشّمس ، كما أنّ يقينه الثاني، يختلف عن يقينه بأنّ كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهيّة ووجود، وهكذا يتنزّل اليقين من القوّة إلى الضّعف، إلى أن يصل إلى أضعف مراتبه الّذي لو تجاوز عنه لزال وصف اليقين، ووصل إلى حدّ الظنّ ، وله أيضاً مثل اليقين درجات ومراتب، ويقين الاِنسان بالقيامة ومشاهدها في هذه النشأة ليس كيقينه بعد الحشر والنشر، ومشاهدتها بأُمّ العين. قال سبحانه: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَدِيد) (ق | 22) فمن ادّعى بأنّ أمر الاِيمان بمعنى التّصديق والاِذعان، دائر بين الوجود والعدم، فقد غفل عن حقيقته ومراتبه. فهل يصحّ لنا أن ندّعي أنّ إيمان الاَنبياء بعالم الغيب، كإيمان الاِنسان العادي، مع أنّ مصونيّتهم من العصيان والعدوان رهن علمهم بآثار المعاصي وعواقبه، الّذي يصدّهم عن اقتراف المعاصي وارتكاب الموبقات. فلو كان إذعانهم كإذعان سائر الناس، لما تميّزوا بالعصمة عن المعصية. وما ذكره من أنّ الزيادة تستعمل في كمّية العدد


1 . الفصل: 3 | 194 .

(26)

منقوض بآيات كثيرة استعملت الزيادة فيها في غير زيادة الكمّية. قال سبحانه: (وَيَخِرُّونَ لِلاَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (الاِسراء | 109). وقال: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إلاّ نُفُوراً) (الاِسراء | 41). والمراد شدّة خشوعهم ونفورهم، لا كثرة عددهم ، إلى غير ذلك من الآيات الّتي استعمل فيها ذلك اللّفظ في القوّة والشدّة لا الكثرة العدديّة. 2 ـ قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (البقرة | 143) وإنّما عنى بذلك صلاتهم إلى بيت المقدس قبل أن تنسخ بالصّلاة إلى الكعبة. يلاحظ عليه: أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، ولا نشكّ في أنّ العمل أثر للاِذعان وردّ فعل له، ومن الممكن أن يطلق السبب ويراد به المسبّب. إنّما الكلام في أنّ الاِيمان لغةً وكتاباً موضوع لشيء جزؤه العمل وهذا ممّا لا يثبته الاستعمال. أضف إليه أنّه لو أخذنا بظاهرها الحرفي، لزم أن يكون العمل نفس الايمان لا جزءاً منه، ولم يقل به أحد. 3 ـ قوله سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء | 65). أقسم سبحانه بنفسه أنّهم لا يؤمنون إلاّ بتحكيم النّبي "صلى الله عليه وآله وسلم" والتسليم بالقلب وعدم وجدان الحرج في قضائه. والتحكيم غير التصديق والتسليم، بل هو عمل خارجي. يلاحظ عليه: أنّ المنافقين ـ كما ورد في شأن نزول الآية ـ كانوا يتركون النّبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ويرجعون في دعاويهم إلى الاَخبار و ـ مع ذلك ـ كانوا يدّعون الاِيمان بمعنى الاِذعان والتسليم للنّبي "صلى الله عليه وآله وسلم" فنزلت الآية لا يقبل منهم ذلك الاِدّعاء حتّى يرى أثره في حياتهم وهو تحكيم النبيّ "صلى الله عليه وآله وسلم" في المرافعات ، والتسليم العملي أمام قضائه، وعدم إحساسهم بالحرج ممّا قضى. وهذا ظاهر متبادر من الآية وشأن نزولها. فمعنى قوله سبحانه: (فلا وربّك لا يؤمنون) ، أنّه


(27)

لا يقبل ادّعاء الاِيمان منهم إلاّ عن ذلك الطّريق. وبعبارة ثانية ؛ إنّ الآية وردت في سياق الآيات الآمرة بإطاعة النّبي "صلى الله عليه وآله وسلم" قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ) (النساء | 64) والمنافقون كانوا يدّعون الايمان، وفي الوقت نفسه كانوا يتحاكمون إلى الطّاغوت. فنزلت الآية ، وأعلنت أنّ مجرّد التصديق لساناً ليس إيماناً. بل الاِيمان تسليم تامّ باطني وظاهري. فلا يستكشف ذلك التسليم التامّ، إلاّ بالتسليم للرّسول ظاهراً، وعدم التحرّج من حكم الرّسول باطناً، وآية ذلك ترك الرُّجوع إلى الطّاغوت ورفع النزاع إلى النّبي ، وقبول حكمه بلا حرج. فأين هو من كون نفس التحكيم جزءاً من الاِيمان ؟ 4 ـ قوله سبحانه: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) (آل عمران | 97) سمّى سبحانه تارك الحجّ كافراً. يلاحظ عليه: أنّ المراد إمّا كفران النّعمة وأنّ ترك المأمور به كفران لنعمة الاَمر، أو كفر الملة لاَجل جحد وجوبه. 5 ـ قوله سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مخُلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلوةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَوةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَة) (البيّنة | 5). والمشار إليه بلفظة «ذلك» جميع ما جاء بعد «إلاّ» من إقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة، فدلّت هذه الآية على دخول العبادات في ماهية الدين. والمراد من الدّين، هو الاِسلام لقوله سبحانه: (إنّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الاِسلام) (آل عمران | 19). وعلى ضوء هذا، فالعبادات داخلة في الدّين حسب الآية الاُولى ، والمراد من الدين هو الاِسلام حسب الآية الثانية، فيثبت أنّ العبادات داخلة في الاِسلام، وقد دلّ الدّليل على وحدة الاِسلام والاِيمان وذلك بوجوه : الف ـ الاِسلام هو المبتغى لقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ


(28)

مِنْهُ) (آل عمران | 85) والاِيمان أيضاً هو المبتغى ، فيكون الاِسلام والاِيمان متّحدين. ب ـ قوله سبحانه: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للاِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات | 17) فجعل الاِسلام مرادفاً للاِيمان . ج ـ قوله سبحانه: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ المؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَبَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ) (الذاريات | 35 ـ 36) وقد أُريد من المؤمنين والمسلمين معنى واحداً، فهذه الآيات تدل على وحدة الاِسلام والايمان. فإذا كانت الطّاعات داخلة في الاِسلام فتكون داخلة في الاِيمان أيضاً لحديث الوحدة(1). يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه من المحتمل قوياً أن يكون المشار إليه في قوله: (وذلك دين القيّمة) هو الجملة الاُولى بعد (إلاّ) أعني: (ليعبدوا الله مخلصين له الدّين) لا جميع ما وقع بعدها من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والمراد من قوله (ليعبدوا الله مخلصين له الدين) هو إخلاص العبادة لله ، كإخلاص الطّاعة (2)، والشّاهد على ذلك قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنيِفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرِ الناسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذِلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم | 30). فإنّ وزان قوله: (ذلك الدّين القيّم) وزان قوله (ذلك دين القيّمة) والمشار إليه في الجملة الاَُولى هو الدّين الحنيف الخالص عن الشرك، بإخلاص العباد والطّاعة له سبحانه . ثانياً: يمنع كون العبادات داخلة في الاِسلام حتّى في قوله سبحانه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الاِسلام) وقوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاِسلامِ دِيناً...) لاَنّ المراد منه هو التّسليم أمام الله وتشريعاته، بإخلاص العبادة والطّاعة له في مقام العمل


1 . الفصل: 3 | 234 ، والبحار: 66 | 16 ـ 17 .
2 . المراد من الدين في قوله: (مخلصين له الدين) هو الطاعة .

(29)

دون غيره من الاَوثان والاَصنام، وبهذا المعنى سمّي إبراهيم «مسلماً» في قوله تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً ولا نَصْرانِياً وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) (آل عمران | 67) وبهذا المعنى طلب يوسف من ربّه أن يميته مسلماً قال سبحانه حكاية عنه: (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ) (يوسف | 101) إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول إخلاص العبادة له، والتجنّب من الشّرك، فلو فرض أنّ العبادة داخلة في مفهوم الدّين، فلا دليل على دخولها في مفهوم الاِسلام. ثالثاً: نمنع كون الاِسلام والاِيمان بمعنى واحد، فالظّاهر من الذّكر الحكيم اختلافهما مفهوماً. قال سبحانه: (قَالَتِ الاَعْرَابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلِكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلمّا يَدْخُلِ الاِيمَانُ فيِ قُلوبِكُمْ) (الحجرات | 13) فلو استعمل الاِسلام أو المسلمين وأُريد منهما الاِيمان والمؤمنين في مورد أو موردين، فهو لوجود قرينة تدلّ على أنّ المراد من العامّ هو الخاصّ. إلى غير ذلك من الآيات الّتي جمعها ابن حزم في «الفصل »(1) ولا دلالة فيها على ما يرتئيه، والاستدلال بهذه الآيات يدلّ على أنّ الرّجل ظاهريّ المذهب إلى النّهاية يتعبّد بحرفيّة الظواهر، ولا يتأمّل في القرائن الحافّة بالكلام وأسباب النّزول. نعم هناك روايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ تعرب عن كون العمل جزءاً من الاِيمان وإليك بعضها : 1 ـ روى الكراجكي عن الصّادق أنّه قال: «ملعون ملعون من قال: الاِيمان قول بلا عمل» (2). 2 ـ روى الكليني عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السلام ـ قال: «قيل لاَمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ:


1 . الفصل ـ بكسر الفاء وفتح الصاد ـ: بمعنى النخلة المنقولة من محلّها إلى محلّ آخر لتثمر، كقصعة وقصع.
2 . البحار: 69 | 19 ، الحديث 1 .

(30)

من شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله كانمؤمناً؟ قال: فأين فرائض الله؟ قال: وسمعته يقول: كان عليّ ـ عليه السلام ـ يقول: لو كان الاِيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم، ولا صلاة، ولا حلال، ولا حرام، قال: وقلت لاَبي جعفر ـ عليه السلام ـ: إنّ عندنا قوماً يقولون: إذا شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فهو مؤمن قال: فلم يضربون الحدود؟ ولم تقطع أيديهم؟ وما خلق الله عزّ وجلّ خلقاً أكرم على الله عزّ وجلّ من المؤمن، لاَنّ الملائكة خدّام المؤمنين وأنّ جوار الله للمؤمنين، وأنّ الجنّة للمؤمنين، وأنّ الحور العين للمؤمنين، ثمّ قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً» (1) والمراد من «جحد الفرائض» تركها عمداً بلا عذر، لا جحدها قلباً وإلاّ لما صلح للاستدلال . 3 ـ روى الكليني عن محمّد بن حكيم قال: قلت لاَبي الحسن ـ عليه السلام ـ: الكبائر تخرج من الاِيمان؟ فقال: نعم وما دون الكبائر، قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن(2) 4 ـ وروى أيضاً عن عبيد بن زرارة قال: دخل ابن قيس الماصر وعمر بن ذرّ ـ وأظنّ معهما أبو حنيفة ـ على أبي جعفر ـ عليه السلام ـ فتكلّم ابن قيس الماصر فقال: إنّا لا نخرج أهل دعوتنا وأهل ملّتنا من الاِيمان في المعاصي والذنوب. قال: فقال له أبو جعفر ـ عليه السلام ـ: «يا ابن قيس أمّا رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" فقد قال: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، فاذهب أنت وأصحابك حيث شئت» (3) 5 ـ وعن الرضا عن آبائه ـ صلوات الله عليهم ـ قال: «قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: الايمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالاَركان»(4).


1 . الكافي: 2 | 33 ، الحديث 2 ، والبحار: 66 | 19، الحديث 2 .
2 . الكافي: 2 | 284 ـ 285 ، الحديث 21 .
3 . الكافي: 2 | 285 ، الحديث 22 .
4 . عيون أخبار الرضا: 1 | 226 .

(31)

إلى غير ذلك من الرّوايات الّتي جمعها العلاّمة المجلسي ـ قدس سره ـ: فيى بحاره، باب «الاِيمان مبثوث على الجوارح »(1). أقول :الظّاهر أنّها وردت لغاية ردّ المرجئة الّتي تكتفي في الحياة الدينية بالقول والمعرفة، وتؤخّر العمل وترجو رحمته وغفرانه مع عدم القيام بالوظائف، وقد تضافر عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ لعن المرجئة. روى الكليني عن الصادق ـ عليه السلام ـ أنّه قال: «لعن الله القدريّة ، لعن الله الخوارج، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة» ، فقلت: لعنت هؤلاء مرّة مرّة ولعنت هؤلاء مرّتين؟ قال: «إنّ هؤلاء يقولون: إنّ قَتَلَتَنا مؤمنون، فدماؤنا متلطّخة بثيابهم إلى يوم القيامة. إنّ الله حكى عن قوم في كتابه: (ألاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِينَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُموهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) قال: كان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا» (2) وروى أيضاً عن أبي مسروق قال: سألني أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ عن أهل البصرة ما هم؟ فقلت: مرجئة وقدريّة وحروريّة، قال: «لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة الّتي لا تعبد الله على شيء»(3) إلى غير ذلك من الرّوايات الواردة في ذمّ هذه الفرقة الّتي كانت تثير روح العصيان والتمرّد على الاَخلاق والمثل بين الشباب، وتحرّضهم على اقتراف الذنوب والمعاصي رجاء المغفرة. والّذي يظهر من ملاحظة مجموع الاَدلّة، هو أنّ الاِيمان ذو مراتب ودرجات، ولكل أثره الخاصّ. 1 ـ مجرّد التصديق بالعقائد الحقّة، وقد عرفت ثمرته وهي حرمة دمه وعرضه


1 . بحار الاَنوار: 69 الباب 30 من كتاب الكفر والاِيمان: 18 ـ 149 .
2 . الكافي: 2 | 409 ، الحديث 1. والآية 183 من سورة آل عمران .
3 . الكافي: 2 | 409 ، الحديث 2 .

(32)

وماله ، وبه يناط صحّة الاَعمال واستحقاق الثّواب، وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة . 2 ـ التصديق بها مع الاتيان بالفرائض الّتي ثبت وجوبها بالدّليل القطعي كالقرآن، وترك الكبائر الّتي أوعد الله عليها النّار، وبهذا المعنى أطلق الكافر على تارك الصلاة، ومانع الزّكاة ، وتارك الحجّ، وعليه ورد قوله "صلى الله عليه وآله وسلم" : «لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن» وثمرة هذا الاِيمان عدم استحقاق الاِذلال والاِهانة والعذاب في الدنيا والآخرة. 3 ـ التصديق بها مع القيام بفعل جميع الواجبات وترك جميع المحرّمات. وثمرته اللّحوق بالمقرّبين، والحشر مع الصّديقين وتضاعف المثوبات، ورفع الدّرجات. 4 ـ نفس ما ذكر في الدّرجة الثالثة لكن بإضافة القيام بفعل المندوبات، وترك المكروهات، بل بعض المباحات، وهذا يختصّ بالاَنبياء والاَوصياء (1) ويعرب عن كون الاِيمان ذا درجات ومراتب، ما رواه الكليني عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في حديث قال: «قلت: ألا تخبرني عن الاِيمان؟ أقول هو وعمل، أم قول بلا عمل؟ فقال: الاِيمان عمل كلّه، والقول بعض ذلك العمل، بفرض من الله بيّن في كتابه، واضح نوره، ثابتة حجّته، يشهد له به الكتاب، ويدعوه إليه ، قال: صفه لي جعلت فداك حتّى أفهمه، قال: الاِيمان حالات ودرجات وطبقات، ومنازل: فمنه التامّ المنتهي تمامه، ومنه النّاقص البيّن نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه. قلت: إن الاِيمان ليتمّ وينقص ويزيد؟ قال: نعم، قلت: كيف ذلك؟ قال: لاَنّ الله تبارك وتعالى فرض الاِيمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها وفرّقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلاّ وقد وكلت من الاِيمان بغير ما وكلت به اُختها.. »(2).


1 . البحار: 69 | 126 ـ 127 .
2 . البحار: 69 | 23 ـ 24 ، لاحظ تمام الرواية وقد شرحها العلاّمة المجلسي .

(33)

ويعرب عنه أيضاً ما رواه الصدوق عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: «قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" ليس الاِيمان بالتحلّي ، ولا بالتمنّي، ولكنّ الاِيمان ما خلص في القلب، وصدّقه الاَعمال »(1). والمراد بالتحلّي التزيّن بالاَعمال من غير يقين بالقلب، كما أنّ المراد من التمنّي هو تمنّي النجاة بمحض العقائد من غير عمل. وفي ما رواه النّعماني في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ شواهد على ذلك التقسيم (2)

خاتمة المطاف:

إنّ البحث في أنّ العمل هل هو داخل في الاِيمان أم لا، وإن كان مهمّاً قابلاً للمعالجة في ضوء الكتاب والسنّة، كما عالجناه، إلاّ أنّ للبحث وجهاً آخر لا تقلّ أهميته عن الوجه الاَوّل وهو تحديد موضوع ما نطلبه من الآثار. فإذا دلّ الدليل على أنّ الموضوع لهذا الاَثر أو لهذه الآثار هو نفس الاعتقاد الجازم، أو هو مع العمل، يجب علينا أن نتّبعه سواء أصدق الاِيمان على المجرّد أم لا؟ سواء كان العمل عنصراً مقوّماً أم لا؟ مثلاً؛ إنّ حقن الدماء وحرمة الاَعراض والاَموال يترتّب على الاِقرار باللسان سواء أكان مذعناً في القلب أم لا، ما لم تعلم مخالفة اللسان مع الجنان. ولاَجل ذلك نرى أنّ كلّ عربيّ وعجميّ وأعرابيّ وقرويّ أقرّ بالشهادتين عند الرسول الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم" حكم عليه بحقن دمه واحترام ماله. قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: «أُمرت أن أُقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله ، فإذا قالوها فقد حرم عليّ دماؤهم وأموالهم» (3)


1 . البحار: 69 | 72 ، نقلاّ عن معاني الاَخبار: 187 .
2 . البحار: 69 | 73 ـ 74 ، نقلاً عن تفسير النعماني.
3 . بحار الاَنوار: 68 | 242 .

(34)

فهذه الآثار لا تتطلّب أزيد من الاِقرار باللّسان ما لم تعلم مخالفته للجنان، سواء أصحّ كونه مؤمناً أم لا. وأمّا غير هذه من الآثار الّتي نعبّر عنه بالسعادة الاَُخروية فلا شكّ أنّها رهن العمل، وأنّ مجرّد الاعتقاد والاِقرار باللسان لا يسمن ولا يغني من جوع. وهذا يظهر بالرجوع إلى الكتاب والسنّة. قال سبحانه: (إِنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُوِلهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فيِ سَبِيلِ اللهِ أُولِئكَ هُمُ الصّادِقُونَ) (الحجرات | 15). نرى أنّه ينفي الاِيمان عن غير العامل. وما هذا إلاّ لاَنّ المراد منه، الاِيمان المؤثّر في السعادة الاَُخرويّة ، وقال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: «لاَنسبنّ الاِسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الاِسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق والتصديق هو الاِقرار، والاِقرار هو الاَداء والاَداء هو العمل» (1) فالاِمام ـ عليه السلام ـ بصدد بيان الاِسلام الناجع في الحياة الاَُخروية، ولاَجل ذلك فسّره نهايةً بالعمل. ولكنّ الاِسلام الّذي ينسلك به الاِنسان في عداد المسلمين، ويحكم له وعليه ظاهراً ما يحكم للسائرين من المسلمين، تكفي فيه الشهادة باللّفظ ما لم تعلم المخالفة بالقلب، وعلى ذلك جرت سيرة النّبي "صلى الله عليه وآله وسلم" وأصحابه . فلو أوصلّنا السبر والدقّة إلى تحديد الاِيمان فهو المطلوب، وإلاّ فالمهمّ هو النّظر إلى الآثار المطلوبة وتحديد موضوعاتها حسب الاَدلة سواء أصدق عليه الاِيمان أم لا ، سواء أدخل العمل في حقيقته أم لا كما تقدّم. هذا ما ذكرناه هنا عجالة، وسوف نميط السّتر عن وجه الحقيقة عند البحث عن الجهة الرابعة والخامسة.


1 . نهج البلاغة: قسم الحكم ، الرقم 125 .

(35)

الجهة الثالثة:

في زيادة الاِيمان ونقصانه

من المسائل المتفرّعة على تفسير الاِيمان بالتصديق وحده أو به منضمّاً إلى العمل، قابليّته للزيادة والنقيصة، فقد اشتهر بين الجمهور أنّه لو فُسّر بنفس التصديق، فلا يقبل الزيادة والنقيصة، بخلاف ما لو فسّر بالثاني فيزيد وينقص. 1 ـ قال الرازي: الاِيمان عندنا لا يزيد ولا ينقص، لاَنّه لما كان اسماً لتصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيئه به، وهذا لا يقبل التفاوت فسمىّ الاِيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وعند المعتزلة لما كان اسماً لاَداء العبادات كان قابلاً لهما، وعند السلف لما كان اسماً للاِقرار والاعتقاد والعمل فكذلك، والبحث لغوي ولكلّ واحد من الفرق نصوص، والتوفيق أن يقال: الاَعمال من ثمرات التصديق، فما دلّ على أنّ الاِيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفاً إلى أصل الاِيمان. وما دل على كونه قابلاً لها فهو مصروف إلى الاِيمان الكامل. 2 ـ وقال التفتازانى: ظاهر الكتاب والسنّة وهو مذهب الاَشاعرة والمعتزلة والمحكي عن الشافعي وكثير من العلماء، أنّ الاِيمان يزيد وينقص، وعند أبي حنيفة وأصحابه وكثير من العلماء ـ وهو اختيار إمام الحرميـن ـ أنّه لا يزيد ولا ينقص، لاَنّه اسم للتصديق البالغ حدّ الجزم والاِذعان، ولا تتصور فيه الزيادة والنقصان، والمصدّق إذا ضمّ الطاعات إليه أو ارتكب المعاصي، فتصديقه بحاله


(36)

لم يتغيّر أصلاً ، وإنّما يتفاوت إذا كان اسماً للطاعات المتفاوتة قلّة وكثرة، ولهذا قال الاِمام الرازي وغيره: إنّ هذا الخلاف فرع تفسير الاِيمان. فإن قلنا: هو التصديق، فلا يتفاوت، وإن قلنا: هو الاَعمال فمتفاوت.وقال إمام الحرمين: إذا حملنا الاِيمان على التصديق فلا يُفضّلُ تصديقٌ تصديقاً كما لا يُفَضَّل علم علماً، ومن حمله على الطاعة سرّاً وعلناً ـ وقد مال إليه القلانسي ـ فلا يبعد إطلاق القول بأنّه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ونحن لا نوَثر هذا. ثم قال: ولقائل أن يقول: لا نسلّم أنّ التصديق لا يتفاوت، بل يتفاوت قوّة وضعفاً، كما في التصديق بطلوع الشمس، والتصديق بحدوث العالم، لاَنّه إمّا نفس الاعتقاد القابل للتفاوت، أو مبنيّ عليه، وقلّة وكثرة، كما في التصديق الاِجمالي والتفصيلي الملاحظ لبعض التفاصيل وأكثر، فإنّ ذلك من الاِيمان لكونه تصديقاً بما جاء به النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" إجمالاً فيما علم إجمالاً، وتفصيلاً فيما علم تفصيلاً (1). 3 ـ قال الاِيجي: الحقّ أنّ التصديق يقبل الزيادة والنقصان وذلك بوجهين: الاَوّل: القوّة والضعف. قولكم، الواجب اليقين، والتفاوت لاحتمال النقيض قلنا: لا نسلّم أنّ التفاوت لذلك، ثم ذلك يقتضى أن يكون إيمان النبي واحاد الاَُمة سواء وأنّه باطل إجماعاً، ولقول إبراهيم ـ عليه السلام ـ: ولكن ليطمئنّ قلبى، والظاهر أنّ الظنّ الغالب الذي لا يخطر معه احتمال النقيض بالبال حكمه حكم اليقين. الثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الاِيمان يثاب عليه، ثوابه على تصديقه بالاِجمال، والنصوص دالّة على قبوله لهما (2) 4 ـ وقال زين الدين العاملي ـ قدّس سرّه ـ (911ـ 965هـ) في رسالة العقائد: حقيقة الاِيمان ـ بعد الاتّصاف بها بحيث يكون المتّصف بها موَمناً عند الله تعالى ـ


1 . التفتازاني: شرح المقاصد: 5|211 ـ 212.
2 . الاِيجي: المواقف: 388.

(37)

هل تقبل الزيادة أم لا ؟فقيل بالثاني لما تقدم من أنّه التصديق القلبي الذي بلغ الجزم والثبات فلا تتصوّر فيه الزيادة عن ذلك سواء أتى بالطاعات وترك المعاصي أو لا، وكذا لا تعرض له النقيصة وإلاّ لما كان ثابتاً، وقد فرضناه كذلك هذا خلف، وأيضاً حقيقة الشيء لو قبلت الزيادة والنقصان لكانت حقائق متعدّدة، وقد فرضناها واحدة وهذا خلف (1) 5 ـ قال السيد الرضي في تفسير قول الاِمام: إنّ الاِيمان يبدو لُمظةً في القلب كلّما ازداد الاِيمان ازدادت اللُمظة (2) اللمظة مثل النكته أو نحوها من البياض، ومنه قيل فرس ألمظ اذا كان بجحفلته شيء من البياض. وقال ابن أبي الحديد: قال أبو عبيد هي لمظة بضم اللام، والمحدثون يقولون لمظة بالفتح، والمعروف من كلام العرب الضم، وقال: وفي الحديث حجّة على من أنكر أن يكون الاِيمان يزيد وينقص، والجحفلة للبهائم بمنزلة الشفة من الاِنسان. (3) 6 ـ اعلم أنّ المتكلّمين اختلفوا في أنّ الاِيمان هل يقبل الزيادة والنقصان أو لا ؟ ومنهم من جعل هذا الخلاف فرع الخلاف في أنّ الاَعمال داخلة فيه أو لا، قال الرازي في المحصّل: الاِيمان عندنا لا يزيد ولا ينقص، لاَنّه لمـّا كان اسماً لتصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيئه به، وهذا لا يقبل التفاوت فسمّى الاِيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وعند المعتزلة لما كان اسماً لاَداء العبادات كان قابلاً لهما، وعند السلف لمـّا كان اسماً للاقرار والاعتقاد والعمل فكذلك والبحث لغوي ولكل واحد من الفرق نصوص والتوفيق أن يقال الاَعمال من ثمرات


1 . زين الدين العاملي: رسالة العقائد كما في البحار: 69|201.
2 . ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة: 20|111.
3 . ابن ابى الحديد: شرح نهج البلاغة: 20|111.

(38)

التصديق، فما دل على أنّ الاِيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفاً إلى أصل الاِيمان. وما دل على كونه قابلاً لهما فهو مصروف إلى الاِيمان الكامل (1) أقول: إنّ القول بأنّ الاِيمان لا يزيد ولا ينقص أشبه بقول المرجئة الذين رفعوا شعار لا تضّر المعصية مع الاِيمان، فاكتفوا بالتصديق وأهملوا العمل، فقالوا: إنّ إيمان واحد منّا، كإيمان جبرئيل ومحمّد (2) ولاَجل ذلك ترى أنّ المحقّقين رفضوا ذلك الاَصل وقالوا بأنّه يزيد وينقص حتّى ولو فسّـر بالتصديق. وذلك لاَنّ للتصديق درجات ومراتب وليس تصديق الرسول كتصديق الولى، ولا تصديقهما كتصديق سائر الناس، قال سبحانه: (وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إيماناً)(الاَنفال ـ 2) وقال سبحانه: (إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إيماناً )(آل عمران ـ 173) وقال سبحانه: (وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وما زادَهُمْ إلاّ إيماناً وتَسلِيماً)(الاَحزاب ـ 22) والمراد من الاِيمان هو التصديق بقرينة عطف "تسليماً" عليه. إنّ الاِيمان يزيد وينقص في كلا الجانبين، أمّا من جانب العقيدة: فأين إيمان الاَولياء والاَنبياء بالله ورسوله من إيمان سائر الناس، وأمّا من جانب العمل، فأين إيمان من لا يعصي الله سبحانه طرفة عين بل لا يخطر بباله العصيان، من الموَمن التارك للفرائض والمرتكب للكبائر. ثم لا ننكر أنّه ربما يوَدي ترك الفرائض وركوب المعاصي مدّة طويلة إلى الاِلحاد والاِنكار والتكذيب والجحد، قال سبحانه: (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الّذينَ أساءُوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا بِاياتِ اللهِ وكانُوا بِها يَسْتَهزِءُون )(الروم ـ 10) .


1 . المجلسي: البحار: 69|201.
2 . ابن شاذان: الاِيضاح: 46، قال ناقلاً عنهم: إنّه إذا أقرّ بلسانه بالشهادتين أنّه مستكمل الاِيمان، إيمانه كإيمان جبرئيل وميكائيل ـ صلى الله عليهما ـ فعل، ما فعل، وارتكب ما ارتكب.

(39)

إنّ وزان "العقيدة والعمل الصالح" وزان الجذور والسيقان في الشجرة فكما أنّ تقوية الجذور موَثرّة في قوة السيقان، وكمال الشجرة و جودة ثمرتها، فكذلك تهذيب السيقان ورعايتها بقطع الزوائد عنها وتشذيبها، وتعرضها لنور الشمس، موَثرة في قوّة الجذور، إنّها علاقة تبادلية بين العمل والعقيدة كالعلاقة التبادلية بين الجذور والسيقان. أجل ذلك هو الحال بالنسبة إلى تأثير الاِيمان في العمل، وهكذا الحال بالنسبة إلى تأثير العمل في الاعتقاد، فإنّ الذي ينطلق في ميدان الشهوة بلا قيد، ويمضي في إشباع الغرائز إلى أبعد الحدود، يستحيل عليه أن يبقى محافظاً على أفكاره واعتقاداته الدينية وقيمه الروحية. إنّه كلّما ازداد توغّلاً في المفاسد ازداد بعداً عن قيم الدين، وهي تمنعه عن المضى في سبيله والتمادي في عصيانه، وهكذا يتحرّر، عن تلك المعتقدات شيئاً فشيئاً وينسلخ منها وينبذها وراءه ظهريّا. وقد أشارت الآية الكريمة إلى هذه الحقيقة أيضاً. وبهذا يعتبر الفصل بين العمل والكفر، بين العقيدة والسلوك على وجه الاِطلاق نظرية خاطئة ناشئة من الغفلة عن التأثير المتقابل بين هذين البعدين. ولهذا يسعى المستعمرون دائماً إلى إفساد الاَجواء الاجتماعية بهدف إفساد الاَخلاق والسلوك تمهيداً لتغيّر الاَفكار والقضاء على المعتقدات. وعلى هذا الاَساس صح التقسيم الثلاثي في سورة الواقعة إلى السابقين وأصحاب الميمنة، وأصحاب المشئمة (1)


1 . الواقعة: 7 ـ 39.

(40)

الجهة الرابعة:

فيما يجب الاِيمان به

إذا كان النبي الاَكرم مبعوثاً من قبل الله سبحانه وموحى إليه، فيجب الاِيمان بكل ما جاء به ولا يصح التبعيض بأن يُوَمنَ ببعض ويُكفرَ ببعض، فإنّ ذلك تكذيب للوحى، غير أنّ ما جاء به النبي في مجال المعارف والاَحكام لمّا كان واسعاً مترامي الاَطراف لا يمكن استحضاره في الضمير ثم التصديق به، فلذلك ينقسم ما جاء به النبي إلى قسمين، قسم منه معلوم بالتفضيل كتوحيده سبحانه والحشر يوم المعاد ووجوب الصلاة والزكاة، وقسم آخر معلوم بالاِجمال وهو موجود بين ثنايا الكتاب وسنّة النبي الاَكرم، فلا محيص من الاِيمان بما علم تفصيلاً بالتفصيل، وبما علم إجمالاً بالاِجمال، هذا هو الموافق للتحقيق وما عليه المحقّقون. قال عضد الدين الاِيجي: الاِيمان عندنا وعند الاَئمة كالقاضى (1) والاَُستاذ(2): التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً (3) وقال التفتازاني: هو تصديق النبي فيما علم مجيئه به بالضرورة أي فيما


1 . يريد القاضى الباقلانى (ت 403هـ) .
2 . يريد أبا إسحاق الاسفرائينى.
3 . الاِيجي، المواقف: 384.

(41)

اشتهر كونه من الدين بحيث يعلمه من غير افتقار إلى نظر واستدلال، كوحدة الصانع ووجوب الصلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك، ويكفي الاِجمال فيما يلاحظ إجمالاً. ويشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلاً حتى لو لم يصدق بوجوب الصلاة وبحرمة الخمر عند السوَال عنهما كان كافراً، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور (1) وعلى ضوء ذلك نقول: إنّ الاِيمان يتمثل بالاعتقاد بأُمور ويكفي في انتفائه، انتفاء الاِيمان بواحد منها شأن كل أمر مركب يوجد بوجود جميع الاَجزاء، وينتفي بانتفاء جزء منها.

ما يجب الاِيمان به تفصيلاً :

أمّا الذي يجب الاِيمان به تفصيلاً فهو عبارة عن الاَُمور التالية: 1 ـ وجوده سبحانه ـ جلّت عظمته وتقدّست ذاته ـ وتوحيده وأنّه واحد لاندّ له ولا مثل، وقد تمثّل هذا النوع من التوحيد في سورة الاِخلاص، قال سبحانه: (قُل هُو اللهُ أحدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَم يُولَدْ * وَلَم يَكُن لَهُ كُفُواً أحَدٌ) . 2 ـ أنّه متفرّد في الخالقية ولا خالق للعالم وما فيه إلاّ الله سبحانه، وقد أكد القرآن على ذلك أشد تأكيد، قال سبحانه: (قُلِ اللهُ خالِقُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ الواحِدُ القَهّار)(الرعد ـ 16) . (اللهُ خالِقُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ وَكِيل)(الزمر ـ 62) . (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلّ شَيْءٍ لا إلهَ إلاّ هُو)(الموَمن ـ 62) .


1 . التفتازاني: شرح المقاصد: 5|127.

(42)

(ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلّ شَىءٍ فَاعبُدُوهُ)(الاَنعام ـ102). (هُوَ اللهُ الخالِقُ البارىَُ المُصَوِّرُ لَهُ الاَسماءُ الحُسنى)(الحشر ـ 24) . (أنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ)(الاَنعام ـ101). إنّ التوحيد الذاتي وأنّه سبحانه واحد لا مثيل له، وإن كان يلازم التوحيد في الخالقية، ولكنّه لو التفت إلى فعله سبحانه، لا محيص من الاعتراف بتوحيده في الخلق والاِيجاد. 3 ـ أنّه سبحانه: متفرّد في الربوبية والتدبير وأنّه لا مدبر للعالم ومافيه سواه وهذا يركّز القرآن عليه في مسير دعوته الاعتقادية ويقول: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالاََرضَ فِى سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرْشِ يُدَبِّرُ الاََمرَ ما مِنْ شَفيعٍ إلاّ مِنْ بَعْدِ إذنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أفَلا تَذكَّرون )(يونس ـ 3) . (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ استوى عَلى العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلّ يَجْرِى لاَجَلٍ مُسَمّى يُدَبِّرُ الاَمرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبّكُمْ تُوقِنون )(الرعد ـ 2) . كما نبّه بعقيدة أهل الكتاب وندّد بها ويقول: (اتَّخَذُوا أحبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أرباباً مِنْ دُونِ الله)(التوبة ـ 31) . (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أرباباً مِنْ دُونِ الله)(آل عمران ـ 64) . وبما أنّ التدبير في التكوين فرع من الخلق بل هو شعبة من شعبه ولا ينفك عنه، ربما يكفي الاِيمان بالتوحيد في الخالقية عن الاِيمان بالتوحيد في التدبير، غير أنّ هذه الملازمة، ملازمة فلسفية، لا يلتفت إليها إلاّ العالم بأحوال الكون، والعامي الذي يرى الاِيجاد، غير التدبير، لو التفت إلى التدبير، تعيّن عليه الاعتقاد بتوحيده سبحانه فيه كالاِيجاد.


(43)

4 ـ كونه المستحق للعبادة فقط، ولا معبود بحق سواه وهذا هو الهدف المهم من بعث الاَنبياء، لاَنّ سلامة الفطرة تسوق الاِنسان إلى التوحيد في الذات وإنّما تحيط به الوساوس في توحيد العبادة ولاَجله ركز الاَنبياء على ذلك أكثر ممّا سواه قال سبحانه: (ولقد بَعَثنا في كُلّ أُمَّةٍ رَسُولاً أنِ اعْبُدُوا اللهَ و اجتَنِبُوا الطّاغُوتَ )(النحل ـ 36) . وقال سبحانه: (وَمَا أرْسَلْنا مِن قَبلِكَ مِن رَسُولٍ إلاّ نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلهَ إلاّ أنا فاعبُدُونِ) (الاَنبياء ـ 25). وبما أنّ الاِله في قولنا: "لا إله إلاّ الله " ليس بمعنى المعبود ـ كما هو المعروف ـ بل هو ولفظة الجلالة سيان في المعنى غير أنّ أحدهما مفهوم كلّى والآخر علم لفرد من هذا الكلّى، يكون الاعتراف بتوحيد الاِله بذلك المعنى ـ اعترافاً بأُمور أربعة: أ ـ توحيده في ذاته ووجوده وأنّه لا نظير له. ب ـ توحيده في الخلق والاِيجاد. ج ـ توحيده في التدبير والربوبية. د ـ توحيده في العبادة. إنَّ المراد من حصر الخلق بالله سبحانه، هو الاِيجاد القائم بذاته، المستقل في فعله، كما أنّ المراد من حصر التدبير فيه، كونه قائماً بتدبر العالم، على وجه الاستقلال، من غير أن يستعين بآخر. والخلق والتدبّر، بهذا المعنى من شوَون الاِله الواجب القديم الذي لا نظير له، فلا حاجة إلى الاِذعان بالثاني والثالث تفصيلاً، نعم لو التفت إلى أنّ هنا أُموراً ثلاثة: ذاته، إيجاده، وتدبيره، لم يكن محيص عن الاعتقادبالثلاثة، وأنّه منفرداً في ذاته، وفعله وتدبيره.


(44)

كما أنّ العبادة من شوَون الخالقية والربوبية ومن شوَون من بيده مصير الاِنسان عاجلاً وآجلاً فتوحيده فيهما، يلازم توحيده في مجال العبودية. وبذلك يعلم سر الاقتصار بكلمة الاِخلاص من مجال التوحيد إذ هي في وحدتها، تفيد جميع المعاني والمراتب. كما يعلم أنّ الاكتفاء في بيان ما يجب الاِيمان به بتوحيد ذاته ـ فقط (1) غير صحيح. 5 ـ نبوة الرسول الاَكرم ورسالته العالمية. قال سبحانه: (وإنْ كُنتُمْ في رَيَبٍ ممّا نَزَّلنا عَلَى عَبْدنا فَأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثلِهِ و ادعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إن كُنْتُم صادقين* فَإن لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النارَ التي وَقُودُها الناسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ للكافِرِين )(البقرة ـ 23 ـ 24) . ولذلك يعدّ القرآن أهل الكتاب ضالّين لعدم إيمانهم بمثل ما آمن به الموَمنون قال سبحانه: (فإنْ آمَنُوا بِمثلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتَدَوا ْوإنْ تَوَلَّوا فإنّما هُم في شِقاق) (البقرة ـ 137) . ولمّا كان الاِيمان بالتوحيد، مقروناً بالاِيمان برسالة النبي الاَكرم، كان الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وشعارهم لا إله إلاّ الله ، محمد رسول الله . 6 ـ المعاد ويوم الجزاء والاعتراف به من أركان الاِيمان، وإن غفل عن ذكره أكثر المتكلّمين الباحثين في الاِيمان والكفر، ولا يتحقّق للدين بمعناه الوسيع، مفهوم، مالم يوجد فيه عنصر العقيدة بيوم المعاد ولا تّتسم العقيدة بسمة الدين إلاّ به. ولاَجل ذلك قرن الاِيمان به، بالاِيمان بالله سبحانه في غير واحدة من الآيات قال سبحانه: (إن كُنتُمْ تُوَمِنُونَ بالله واليَومِ الآخِر )(النساء ـ 59) وقوله: (مَن كانَ مِنكُمُ يُوَمِنُ بِاللهِ واليومِ


1 . السيد الخوئي: التنقيح: 2|58.

(45)

الآخِر )(البقرة ـ 232) إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول الاِيمان بيوم الجزاء. وأمّا الاِيمان بالضروريات، فسيوافيك البحث فيه في الفصل القادم. إن ّالاعتراف بهذه الاَُمور قد أخذ في موضوع تحقّق الاِسلام بمعنى أنّ إنكارها أو الجهل بها يقتضي الحكم بكفر جاهلها أو منكرها وإن كان ربما لا يستحق العقاب لكونه جاهلاً أو قاصراً ومع ذلك يعد كافراً ويترتب عليه أحكامه. وحصيلة الكلام: أنّ الاِيمان يتمّثل بالتصديق بهذه الاَُمور، جميعاً، وإنكار واحدٍ منها عناداً أو شبهة يخرج عن حظيرة الاِسلام ويقع في عداد الكافرين. وكان الاِقرار بالشهادتين في عصر الرسالة متضمنّا لهذه الشهادات الست، لاَجل قرائن حالية موجودة حولهما، وبذلك يظهر سر لفيف من الروايات الدالة على كفاية الشهادتين في الدخول في حظيرة الاِيمان والتي هي على صنفين: 1 ـ ما يدل على كفاية الاِقرار بالشهادتين والتصديق بالتوحيد والرسالة. 2 ـ ما يضيف إليهما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان. وإليك الصنفين:

الصنف الاَوّل، وهو ما اقتصر بإظهار الشهادتين:

1 ـ روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنّ علياً صرخ: "يا رسول الله على ماذا أُقاتل الناس"؟ قال "صلى الله عليه وآله وسلم" : "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله (1)".


1 . البخاري: الصحيح: 1|10، كتاب الاِيمان؛ وصحيح مسلم: 7|17، كتاب فضائل علي ـ عليه السلام ـ..

(46)

2 ـ ما رواه الاِمام الشافعي عن أبي هريرة أنّ رسول الله قال: "لا أزال أُقاتل النّاسَ حتى يقولُوا: لا إله إلاّ الله فإذا قالوها فقد عصموا منّى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله (1)". 3 ـ روى التميمي عن الاِمام الرضا ـ عليه السلام ـ عن آبائه عن عليّ قال: "قال النبي: أُمرت أُقاتل النّاس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله ، فإذا قالوا حرمت عليّ دماوَهم وأموالهم" (2) 4 ـ روى البرقى مسنداً عن الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ أنّه قال: "الاِسلام يحقن به الدم، وتوَدّى به الاَمانة، ويستحلّ به الفرج، والثواب على الاِيمان" (3) 5 ـ وقال الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ: "الاِسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله ، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث" (4) 6 ـ قال الاِمام الشافعي: فأعْلَمَ رسول الله أنّه سبحانه فرض أن يقاتلهم حتى يُظهِرُوا أنّ لا إله إلاّ الله ، فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها (5) 7 ـ قال القاضي عياض: اختصاص عصم النفس والمال لمن قال: لا إله إلاّ الله ، تعبير عن الاِجابة عن الاِيمان، أو أنّ المراد بهذا مشركو العرب وأهل الاَوثان ومن لا يوحّد، وهم كانوا أوّل من دُعى إلى الاِسلام وقوتل عليه، فأمّا غيرهم ممّن يقرّ بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقوله لا إله إلاّ الله إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، ولذلك جاء في الحديث الآخر: وأنّى رسول الله ، ويقيم الصلاة ويوَتي الزكاة (6)


1 . الشافعي: الاَُم: 6|157، 158.
2 . المجلسي: البحار: 68|242.
3 . المجلسي: البحار: 68|243 ح3 و 248 ح8.
4 . المجلسي: البحار: 68|243 ح3 و 248 ح8.
5 . الشافعي: الاَُم: 7|296 ـ 297.
6 . المجلسي: البحار: 68|243.

(47)

وأمّا الصنف الثاني فنأتي ببعض نصوصه:

8 ـ ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله : "بُنى الاِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم شهر رمضان" (1) 9 ـ ما تضافر عن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : من شهد أن لا إله إلاّ الله ، واستقبل قبلتنا وصلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم(2). 10 ـ روى أنس بن مالك عن رسول الله قال: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلّوا صلاتنا، حرمت علينا دماوَهم وأموالهم إلاّ بحقّها" (3) وهذه النصوص ـ وما أكثرها وقد اقتصرنا بالقليـل ـ تُصرّح بأنّ ما تحقن به الدماء وتصان به الاَعراض ويدخل به الاِنسان في عداد المسلمين ويستظلُّ بخيمة الاِسلام، هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول وهذا ما نعبر عنه ببساطة العقيدة وسهولة التكاليف الاِسلامية. إذا عرفت هذين الصنفين من الروايات فاعلم أنّ الجميع يهدف إلى أمر واحد وهو أنّ الدخول في الاِسلام والتظلّل تحت مظلّته ليس بأمر عسير بل سهل جداً، وليس في الاِسلام ما هو معقّد في المعارف، ولا معسور في الاَحكام، وشتان بين بساطة العقيدة فيه، والتعقيد الموجود في المسيحية من القول بالتثليث وفي الوقت نفسه من الاعتقاد بكونه سبحانه إلهاًواحداً.


1 . البخاري: الصحيح: 1|16، كتاب الاِيمان، باب أداء الخمس.
2 - 3 . ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 1|158 ـ 159.

(48)

وأمّا الاختلاف بين الصنفين فيمكن رفع ذلك بوجهين: الاَوّل: انّ موقف الصنف الاَوّل غير موقف الصنف الثاني، فالاَوّل بصدد بيانه ما تصان به الدماء وتحل به الذبائح، وتجوز المناكحة فيكفي في ذلك الاعتراف بالشهادتين المعربتين عن التصديق بهما قلبا. وأمّا الثاني فهو بصدد بيان ما ينجي الاِنسان من عذاب الآخرة وهو رهن العمل بالاَحكام وقد ذكرنا نماذج منه، لتكون إشارة إلى غيرها. الثاني: انّ ما جاء به النبي ينقسم إلى ضروري يعلم من غير نظر واستدلال ويعرفه كل من ورد حظيرته كوجوب الصلاة والزكاة وصوم رمضان، وإلى غير ضروري يقف به من عمّر في الاِسلام وعاش بين المسلمين وتخالط مع العلماء والوعاظ، أو نظر في الكتاب والسنّة، فإنّ إنكار القسم الاَوّل إنكار لنفس الرسالة، بحيث لا يمكن الجمع ـ في نظر العرف ـ بين الشهادة على الرسالة وإنكار وجوب الصلاة والزكاة، ولاَجل ذلك لا يعذر فيه ادّعاء الجهل عند الاِنكار إلاّ إذا دلّت القرائن على جهل المنكر بأنّه ضروريّ كما إذا كان جديد العهد بالاِسلام، وسيوافيك حكم منكر الضروريّ في الفصل القادم.وعلى هذا لا منافاة بين الصنفين فلعلّ عدم ذكرها في الصنف الاَوّل للاستغناء عنه بالاعتراف بالرسالة غير المنفكة عن الاعتراف بها. وبذلك يظهر: أنّ المسائل الفرعية والاَُصولية الكلامية وإن كانت من صميم الاِسلام لكن لا يجب الاِذعان القلبي بها تفصيلاً، بل يكفي الاِيمان بها إجمالاً حسب ما جاء به النبي فيكفى في الاِيمان، الاِذعان بإن القرآن نزل من الله ، من دون لزوم عقد القلب بقدمه أو حدوثه، وأنّ الله عالم وقادر من دون لزوم تبيين موقع الصفات وأنّها عين الذات أو زائدة عليها، وقس على ذلك جميع المسائل الكلامية والفقهية إلاّ ما خرج.


(49)

الجهة الخامسة:

في حد الكفر وأسبابه وأقسامه

إذا تبيّن مفهوم الاِيمان وحدّه فيعلم منه مفهوم الكفر وحدّه بالضرورة، سواء قلنا إنّ بينهما تقابل التضاد أو تقابل العدم والملكة، وإليك توضيح ذلك:

1 ـ حد الكفر :

الكفر: لغة هو الستر والتغطية، و سمّي الزارع كافراً لاَنّه يستر الحبة بالتراب، قال سبحانه: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعجَبَ الكفّار نَباتُهُ)(الحديد ـ 20) . وأمّا اصطلاحاً، فهو عدم الاِيمان بما من شأنه الاِيمان به، فيدخل ما من شأنه الاِيمان به تفصيلاً كتوحيده سبحانه ورسالة نبيه ويوم قيامته أو من شأنه الاِيمان به إجمالاً، كالاِيمان بالضروريات أي ما لا يجتمع الاِنكار بها مع التسليم للرسالة، ويعد الفصل بينهما أمراً محالاً في مقام التصديق، فلو كفر بوجوب الصلاة والزكاة فقد كفر بما من شأنّه الاِيمان به، فالاِيمان بالرسالة إيمان بهما ويعدّ إنكارهما أنكاراً لها، بل الاِيمان بكل ما جاء به ضروريّاً كان أو غير ضروريّ. لكن على وجه الاِجمال لاَنّه لازم الاِيمان برسالته. قال الاِيجي: الكفر وهو خلاف الاِيمان فهو عندنا عدم تصديق الرسول في بعض ما علم مجيئه به ضرورة (1)


1 . الاِيجي، المواقف: 388 .

(50)

وقال ابن ميثم البحرانى: "الكفر هو إنكار صدق الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" وإنكار شىءٍ ممّا علم مجيئه به بالضرورة(1)". وقال الفاضل المقداد: "الكفر اصطلاحاً هو إنكار ما علم ضرورة مجيىَ الرسول به" (2). والميزان عند هؤلاء الاَقطاب الثلاثة هو إنكار ما علم مجيىَ الرسول به من دون أن يشيروا إلى ما هو المعلوم مجيئه به، ولكن السيد الطباطبائي اليزدي أشار إلى روَوس ما جاء به وقال: "الكافر من كان منكراً للاِلوهية أو التوحيد أو الرسالة أو ضرورياً من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضرورياً بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة" (3) والاَولى بل المتعين ذكر المعاد كما مرَّ.

2 ـ أسباب الكفر:

قد تعرّفت على مفهوم الكفر وحدّه، فيقع الكلام في أسبابه، أعني: موجبات الكفر، ابتداءً أو بقاءً (تقابل الارتداد) فنقول: إنّ أسبابه ثلاثة: الاَوّل: إنكار ما وجب الاِيمان به تفصيلاً، على ما مر في الفصل، كإنكار الصانع، أو توحيده ذاتاً وفعلاً وعبادة. وإنكار رسالة النبي الاَكرم بالمباشرة، أو يوم المعاد والجزاء وقد علمت أنّ الاِيمان بها، على وجه التفصيل قد أخذ موضوعاً للحكم بالاِسلام فلو أنكرها أو جهلها يكون محكوماً بالكفر وربّما يكون معذوراً في بعض الصور كما إذا كان جاهلاً قاصراً أو إنساناً مستضعفاً. الثاني: جهد ما علم الجاهد أنّه من الاِسلام، سواء كان ضرورياً أم غير


1 . ابن ميثم البحراني: قواعد المرام: 171 .
2 . الفاضل المقداد: إرشاد الطالبين: 443 .
3 . السيد الطباطبائي اليزدي: العروة الوثقى، كتاب الطهارة، مبحث النجاسات.

(51)

ضروري سواء كان أصلاً عقيدياً أو حكماً شرعياً، لاَنّ مرجعه إلى إنكار رسالته في بعض النواحي. وربما يستغرب الاِنسان من الجمع بين العلم بكونه ممّا جاء به النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ومع ذلك يجحد به ولكنّه سرعان ما يزول تعجبه إذا تلى قوله سبحانه: (وَجَحَدُوا بِها واستَيْقَنَتها أَنفُسُهُمْ)(النمل ـ 14) . وقوله سبحانه: (الَّذِينَ آتَيناهُمُ الكِتابَ يَعرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبناءَهُم) (البقرة ـ 146) فنرى أنّهم أنكـروا ما أيقنوه، ونفوا ما عرفوه. هذا إذا لم يتجاوز الجحد حد اللسان، وإمّا إذا سرى إلى الباطن فمرجع الجحد عندئذ مع العلم بأنّه ممّا جاء به النبي إلى نسبة الخطأ والاشتباه إلى صاحب الرسالة وتصوير علمه قاصراً في مجال المجحود. وقد كان رجال من المنتمين إلى الاِسلام، يخطّئون التشريع الاِسلامي، بتحريمه الفائز، والربا في القرض الرائج في الاَنظمة الاقتصادية الغربية، قائلين، بأنّه مدار الاقتصاد النامي وأُسُّه، و مرجع ذلك ـ مع تضافر الآيات والروايات على تحريمه ـ إلى نسبة الجهل والقصور لصاحب الشريعة وما فوقه. وحصيلة الكلام أنّ جحد ما علم الجاحد أنّه من الاِسلام، يورث الكفر سواء كان المجحود ضرورياً من ضروريات الاِسلام، أو كان حكماً شرعياً غير ضروري. ولكن كان ثابتاً عند الجاحد، وسواء كان الجحد باللسان غير سائر إلى مراكز الفكر والاِدراك أو سارياً إليه. وهذا القسم من الجحد، لا صلة له بما هو المعنون في كلامهم من أنّ إنكار ما علم أنّه من الاِسلام بالضرورة موجب للكفر، فإنّ الموضوع هناك، خصوص ما علم أنّه ضروري وسيوافيك البحث فيه في السبب الثالث. وقد وردت روايات عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ تركز على جحد ما علم


(52)

أنّه من الدين، من غير تخصيص المجحود بما علم أنّه من الاِسلام بالضرورة. ونأتى ببعض أثر من أئمة أهل البيت حتى تُدعَم بالنص: روى عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكبائر، فيموت هل يخرجه ذلك من الاِسلام، وإن عذب، كان عذابه كعذاب المشركين، أم له مدة انقطاع؟ فقال ـ عليه السلام ـ : "من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنّها حلال، أخرجه ذلك من الاِسلام، وعذّب أشدّ العذاب، وإن كان معترفاً أنّه أذنب، ومات عليه أخرجه من الاِيمان ولم يخرجه من الاِسلام، وكان عذابه أهون من عذاب الاَوّل(1) وحاصله أنّ ارتكاب الكبيرة مع الاعتقاد بأنّها حلال يوجب الكفر، وأمّا ارتكابها مع الاعتراف بكونها ذنباً فيخرج عن الاِيمان دون الاِسلام. 2ـ قال الصادق ـ عليه السلام ـ: "الكفر في كتاب الله عز وجل على خمسة أوجه ـ إلى أن قال:ـ فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية والجحود على معرفته، وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنّه حق قد استقر عنده وقال الله تعالى: (وَجَحَدُوا بِها واستَيْقَنَتها أنفسهم )" (2) 3 ـ وقال الاِمام الباقر ـ عليه السلام ـ: "قيل لاَمير الموَمنين ـ عليه السلام ـ من شهد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله كان موَمناً. (قال أمير الموَمنين ردّاً له) : فأين فرائض الله ، وما بال من جحد الفرائض كان كافراً" (3) وليس المقصود، خصوص الصلوات، بل مطلق ما أوجبه سبحانه على الناس وحاصل الرواية لو كانت الشهادتان سبباً تاماً للاِيمان يلزم أمران: 1 ـ أن لا يكون لفرائض الله مكان في الاِيمان.


1 . الكليني: الكافي: 2 | 285 ح 23 .
2 . الوسائل: 1 ، الباب 2 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 9 و 13 .
3 . الوسائل: 1 ، الباب 2 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 9 و 13 .

(53)

2 ـ أن لا يحكم بكفر من أنكرها وجحدها. والموضوع في الروايتين وغيرهما للحكم بالكفر، وهو جحد ما علِم من غير اختصاص بالضروريات و في هذا، لا يفرق بين جديد العهد بالاِسلام وقديمه. بل الميزان، هو جحد ما علمه أنّه من الاِسلام بأحد الوجهين على ما عرفت. الثالث: إنكار ما علم أنّه من ضروريات الاِسلام. هذا هو السبب الثالث للحكم بالكفر والارتداد عن الاِسلام وبيانه: قد تعرّفت فيما سبق على ما يجب الاِيمان به تفصيلاً، وما يجب الاِيمان به إجمالاً، وأنّ ما سوى الاَُصول الثلاثة (التوحيد بأصنافه، ورسالة النبي الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم" ويوم الجزاء) لايجب الاِيمان به تفصيلاً، بل يكفي الاِيمان به إجمالاً وهو يعم الضروري وغيره وعلى ذلك، فلم يوَخذ الاِيمان بوجوب الصلاة والصوم تفصيلاً في موضوع تحقّق الاِسلام، بخلاف الاَُصول الثلاثة المتقدمة. ومع ذلك لو التفت إلى حكم الضروريّ التفاتاً تفصيلياً وأنكر كونه ممّا جاء به النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" فبما أنّه يلازم إنكار الرسالة في نظر المخاطبين المسلمين، بحيث لا يمكن الجمع بين الاِيمان برسالة الرسول، وإنكار ما علم بالبداهة أنّه ممّا جاء به النبي وقع الكلام في كونه موجباً للارتداد، مطلقاً سواء كانت هناك ملازمة عند المنكر أو لا. أو فيه تفصيل وهو الحق ويعلم من الكلام التالي: إنّ هناك فرقاً واضحاً بين إنكار الرسالة بالمباشرة وإنكار ما يلازم إنكارها فلو وقعت الرسالة بشخصها في مجال الاِنكار، فالمنكر يكون محكوماً بالكفر، قاصراً كان أو مقصراً، معذوراً كان أو غير معذور للنصوص المركّزة على كون الاِيمان برسالة الرسول من أُصول الاِسلام ومقوّماته. وأمّا إنكار الضروري فبما أنّه ليس الاِيمان به تفصيلاً أصلاً من الاَُصول، لا يكون إنكاره عند الالتفات سبباً مستقلاً، بل سببيته لاَجل كونه سبباً لاِنكار


(54)

الاَصل، وعند ذلك لا يكون الاِنكاران متماثلين في الحكم في جميع الجهات، بل يقتصر في الثاني على حد خاص وهو تحقّق الملازمة عند المنكر. غاية الاَمر يكون إنكار الضروري طريقاً إلى إنكار الرسالة، ما لم يُعلم عدم الملازمة عند المنكر فيحكم بكفر المنكر إلاّ إذا ثبت بالقرائن أنّه لم يكن بصدد إنكار الرسالة، وإنّما أنكرها لجهله وضعفه الفكري، كما إذا كان جديد العهد بالاِسلام وأنكر حرمة الفائز مثلاً فيقبل منه ولا يقبل ممّا نشأ بين المسلمين منذ نعومة أظفاره إلى أن شبَّ وشاب. وحاصل الكلام: أنّ إنكار الضروري طريق عقلائي وكاشف عن إنكار الرسالة ورفض الشريعة في مورد الاِنكار فيحكم بالكفر والارتداد، إلاّ إذا ثبت عذره وجهله. والفرق بين إنكار الاَصل، وإنكار ما يلازم إنكاره، هو أنّ الاَوّل أصل برأسه وأُخذ في موضوع الاِسلام ودلّت الروايات على كونه جزء منه بخلاف التالى فإنّ سببّيته عقلية، وطريقيّته عقلائية فيوَخذ بالطريق إلاّ إذا ثبت تخلّفه. ثم الفرق بين السبب الثاني (جحد ما علم أنّه من الدين) وهذا السبب واضح، فإنّ الملاك في السبب المتقدم هو كون جحد الجاحد عن علم بأنّه من الدين بأحد النوعين، من غير فرق بين الاَُصول والفروع، وبين الضروري وعدمه، وأنّما نعلم فقط أنّ جحده عن علم. وهذا بخلاف الملاك في السبب الثالث فمتعلّق الاِنكار، هو ما علم أنّه من الدين بالضرورة من دون أن نعلم أنّه أنكر عن علم أو لا. ولاَجل ذاك الفرق حكم بالارتداد في السبب الثاني بلا استثناء لعدم قابليته له، بخلاف الاَخيرة فحكم بكفر المنكر مطلقاً سواء علم حاله ـ وأنّه أنكره عن علم بأنّه من الدين ـ أو جهل حاله، إلاّ إذا علم أنّه أنكر لا عن علم، فلاحظ.


(55)

أقسام الكفر :

إنّ للكفر أقساماً ذكرها المتكلّمون وأصحاب المعاجم نشير إليها: 1 ـ كفر إنكار: وهو أن يكفر بقلبه ولسانه، فلا يعرف الله ولا رسوله، أو لا يعرف الرسول فقط. 2 ـ كفر جحود: وهو أن يذعن بقلبه ولا يقر بلسانه بل يجحده، كما في قوله سبحانه: (وَجَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتها أَنفُسُهُم)(النمل ـ 14) . 3 ـ كفر عناد: وهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ولا يدين به، عناداً وحسداً. ويمثل له ببعض كفار قريش كالوليد بن المغيرة، حيث عرف بقلبه واعترف بلسانه بأعجاز القرآن لكنه لم يَدُنْ به ونسبه إلى السحر (1) 4 ـ كفر نفاق: وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه كالمنافق (2) وقسمه الاِيجي بصورة أُخرى وقال: الاِنسان إمّا معترف بنبوة محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" أو لا، والثاني إمّا معترف بالنبوة في الجملة وهم اليهود والنصارى وغيرهم، وإمّا غير معترف بها، وهو إمّا معترف بالقادر المختار وهم البراهمة، أو لا، وهم الدهرية. ثم إنكارهم لنبوته "صلى الله عليه وآله وسلم" إمّا عن عناد وإمّا عن اجتهاد (3) وللتفتازاني تقسيم آخر للكفر حيث قال: الكافر إن أظهر الاِيمان خص باسم المنافق، وإن كفر بعد الاِسلام فبالمرتد. وإن قال بتعدد الآلهة فبالمشرك، وإن تدّين ببعض الاَديان فبالكتابى، وإن أسند الحوادث إلى الزمان واعتقد قدمه فبالدهرى، وإن نفى الصانع فبالمعطّل، وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم"


1 . اقرأ كلماته في كتب التفاسير في تفسير قوله سبحانه: (ذرنى ومن خلقت وحيداً )(المدثر: 11 ـ 25) .
2 . الزبيدي: تاج العروس: 3 | 254 ، وابن منظور: لسان العرب: 5 | 144 .
3 . القاضي: المواقف: 389.

(56)

وإظهاره شعائر الاِسلام يبطن عقائد هي كفر بالاتفاق، فبالزنديق (1) وتقسّمُ الاباضية الكفرَ إلى كفر الملة وكفر النعمة، وبالثانى يفسّرون قوله سبحانه: (وللهِ على الناسِ حِجُّ البيتِ مَنِ استَطاعَ إليهِ سَبيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإنّ اللهَ غنِىّ عنِ العالَمِين )(آل عمران ـ 97) . هذه التقسيمات للكفر والكافر ربما تزيد بصيرة في المقام. هذا وفي بعض الروايات المنقولة عن أمير الموَمنين تقسيم الكفر المذكور في كتاب الله على الوجه التالى وهو في الحقيقة تبيين لموارد استعماله في القرآن وإليك خلاصته:

1 ـ كفر الجحود: وله وجهان :

ألف ـ جحود الوحدانية: وهو قول من يقول "لاربّ ولا جنة ولا نارَ ولا بعثَ ولا نشورَ" وهؤلاء صنف من الزنادقة وصنف من الدهرية الذين يقولون: (ما يهلكنا إلاّ الدهر )وذلك رأي وضعوه لاَنفسهم استحسنوه بغير حجة فقال الله تعالى: (إن هُمْ إلاّ يَظُنّون )(البقرة ـ 78). وقال: (إنّ الّذينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِم أأَنذَرْتَهُمْ أمْ لَـمْ تُنذِرْهُمْ لا يُوَْمِنُون) (البقرة ـ 6) أي لا يوَمنون بتوحيد الله . ب ـ الجحود مع المعرفة بحقيقته: قـال تعالى: (وَجَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أنفُسُهُمْ ظُلماً وعُلُواً )(النمل ـ 14) وقال سبحانه: (وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ على الّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّـا جَاءَهُم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعنَةُ اللهِ على الكافِرِين )(البقرة ـ 89) أي جحدوه بعد أن عرفوه.

2 ـ كفر الترك لما أمر الله به :

كفر الترك لما أمر الله به من المعاصي كما قال الله تعالى: (وَإذْ أَخَذْنَا


1 . التفتازاني: شرح المقاصد: 5 | 227 .

(57)

مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دماءَكُمْ ولا تُـخْرِجُونَ أنفُسَكُم مِنْ دِيارِكُم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنتُمْ تَشْهَدُون ـ إلى أن قال ـ أَفَتُوَْمِنُونَ بِبَعضِ الكِتابِ وَتَكْفُروُنَ بِبَعض )(البقرة: 84 ـ 85) فكانوا كفّاراً لتركهم ما أمر الله تعالى به.

3 ـ كفر البراءة :

والمقصود منه هو ما حكاه تعالى عن قول إبراهيم: (كَفَرنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والبَغْضَاءُ أبداً حتّى تُوَمِنُوا بِاللهِ وَحْدَه )(الممتحنة ـ 4) فقوله: (كَفَرنا بِكُمْ )أي تبرّأنا منكم. وقال سبحانه في قصة إبليس وتبرّيه من أوليائه من الاِنس إلى يوم القيامة: (إنّى كَفَرتُ بما أشْرَكْتُمُون مِنْ قَبْل)(إبراهيم ـ 22) أي تبرّأت منكم. وقوله تعالى: (إنّما اتّـخَذْتُم من دُونِ اللهِ أوْثاناً مَودّةَ بَيْنِكُمْ في الحياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعضاً )(العنكبوت ـ 25) .

4 ـ كفر النعم :

وهو ما حكاه سبحانه عن قول سليمان: (هذا مِن فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَي أأشكُرُ أَمْ أكْفُر )(النمل ـ 40) . وقال تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنّ عَذَابِى لَشَدِيد )(إبراهيم ـ 7) وقال تعالى: (فاذكرونى أذكركم واشكرو لى ولا تكفرون )(البقرة ـ 152) .

5 ـ مطلق الكفر :

وهو ما جاءت فيه كلمة الكفر من غير تقييد بشيء من القيود المتقدّمة(1)


1 . المجلسي: نقلاً عن تفسير النعمانى: البحار: 72|100، وقد جاء في كلام الاِمام. مطلق الكفر، بلا شرح والعبارة الواردة بعد العنوان منّا.

(58)

الجهة السادسة:

في تكفير أهل القبلة

إذا تعرفت على ما يخرج الاِنسان من الاِيمان ويدخله في الكفر يعلم أنّه لا يصح تكفير فرقة من الفرق الاِسلامية ما دامت تعترف بالشهادتين ولا تنكر ما يعد من ضروريات الدين التي يعرفها كل من له أدنى إلمام بالشريعة وإن لم تكن له مخالطة كثيرة مع المسلمين. وعلى ذلك فالبلاء الذي حاق بالمسلمين في القرون الماضية وامتد إلى عصرنا الحاضر بلاء مبدّد لشمل المسلمين أوّلاً، ومحرّم في نفس الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين ثانياً، ومن الاَسف أنّ التعصّبات المذهبيّة الكلامية صارت أساساً لتكفير المعتزلة أصحاب الحديث والاَشاعرة وبالعكس، وربما عمّ البلاء شيعة أئمة أهل البيت فترى أنّ بعض المتعصبين أخذوا يكفّرون الشيعة بأُمور لو ثبتت لا تكون سبباً للتكفير، فضلاً عن كون أكثرها تهماً باطلة كالقول بتحريف القرآن ونظيره وأنّ الثابت منها، مدعم بالكتاب والسنّة كما سيوافيك في آخر هذا الفصل، ولاَجل أن يقف القارىَ على مدى البلاء في العصور السابقة نذكر كلمة الاِيجي، قال: قال جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفر أحد من أهل القبلة، والمعتزلة الذين قبل أبي الحسين، تحامقوا فكفّروا الاَصحاب ـ يريد الاَشاعرة ـ فعارضه بعضنا بالمثل، وقال الاَُستاذ وكل مخالف يكفّرنا فنحن نكفّره وإلاّ فلا(1).


1 . الاِيجي: المواقف: 392 .

(59)

وكأنَّ الاَُستاذ أبا إسحاق الاسفرائيني صوّر الموقف موقف حرب فعمل بقوله سبحانه: (فَا عْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ)(البقرة ـ 194) مع أنّ الموقف موقف حزم واحتياط، فلو كفّرت إحدى الطائفتين الطائفة الاَُخرى عن حمق وجهالة، فيجب علينا إرشاد المكفّرين وهدايتهم وإقامة الدلائل على إيمانهم لاتكفيرهم عملاً بالاعتداء بالمثل. والعجب أنّ أكثر المسائل التي ربما بها تكفر طائفةٌ، طائفةً أُخرى، مسائل كلامية لم يكن بها عهد في عصر النبي الاَكرم، ولم يكن النبي يستفسر عن عقيدة المعترِف بالشهادتين، فيها نظير: 1 ـ كون صفاته عين ذاته أو زائدة عليها. 2 ـ كون القرآن محدثاً أو قديماً. 3 ـ أفعال العباد هل هي مخلوقة لله تعالى أم لا ؟ 4 ـ هل الصفات الخبرية في القرآن كاليد والوجه تحمل على المعنى اللغوي أو توَوّل؟ 5 ـ روَية الله سبحانه في الآخرة هل هي ممكنة أم ممتنعة؟ 6 ـ عصمة الاَنبياء قبل البعثة وبعدها. إلى غير ذلك من عشرات المسائل الكلامية التي يستدلّ فيها كل من الطائفتين بلفيف من الآيات والاَحاديث، فكلّ يرى نفسه متمسكاً بالمصدرين الرئيسيّين وفي الوقت نفسه معترفاً بتوحيده ورسالة نبيه. فعلى ذلك يجب علينا الاَخذ بالضابطة، فما دام الخلاف ليس في صلب التوحيد وما جاء به الرسول بالضرورة على نحو تعد المفارقة عنه، مفارقة عن الاعتراف بالرسالة لا يكون الاختلاف موجباً للكفر، وخروجاً عن الاِسلام


(60)

وارتداداً عن الدين، ويعد خلافاً مذهبياً، وكون شيء ضرورياً في مذهب الاَشاعرة ليس دليلاً على كونه كذلك بين عامة المسلمين وبالعكس فيما يقوله المعتزلة وحتى مايقوله الشيعة في ضروريات مذهبهم. ولاَجل أن يقف القارىَ على أنّ جمهور العلماء لا يجوز تكفير أهل القبلة نورد كلمات للعلماء في ذلك ثم نذكر مصادر آرائهم في الروايات: 1 ـ قال ابن حزم عندما تكلم فيمن يُكفّر ولا يكفّر: وذهبت طائفة إلى أنّه لا يُكفّر ولايُفسَّق مسلم بقول قاله في اعتقاد، أو فتيا، وإنّ كلّ من اجتهد في شىء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحق فإنّه مأجور على كل حال إن أصاب فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد. قال وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة (رضى الله عنهم) لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً (1) 2 ـ وقال شيخ الاِسلام تقي الدين السبكي: إنّ الاِقدام على تكفير الموَمنين عسر جداً، وكل من كان في قلبه إيمان يستعظم القول بتكفير أهل الاَهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ الله ، محمد رسول الله ، فإنّ التكفير أمر هائل عظيم الخطر (إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتعظيم خطره) (2) 3 ـ وكان أحمد بن زاهر السرخسي الاَشعري يقول: لمّا حضرت الشيخ أبا الحسن الاَشعرىّ الوفاة بدارى في بغداد أمرنى بجمع أصحابه فجمعتهم له، فقال: اشهدوا على أنّنى لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب، لاَنّى رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والاِسلام يشملهم ويعمّهم (3)


1 . ابن حزم: الفصل: 3 | 247 .
2 . الشعراني: اليواقيت والجواهر: 58 .
3 . الشعراني: اليواقيت والجواهر: 58.

(61)

4 ـ وقال القاضي الاِيجي: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفّر أحد من أهل القبلة واستدل على مختاره بقوله: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون الله تعالى عالماً بعلم أو موجداً لفعل العبد، أو غير متحيز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الاِسلام. ثم قال: فإن قيل لعلّه ـ عليه السلام ـ عرف منهم ذلك فلم يبحث عنها كما لم يبحث عن علمهم بعلمه وقدرته مع وجوب اعتقادهما. ثم أجاب بقوله: قلنا: مكابرة والعلم والقدرة ممّا يتوقف عليه ثبوت نبوته فكان الاعتراف بها دليلاً للعلم بهما. ثم إنّ الاِيجي ذكر الاَسباب الستة التي بها كفّرت الاَشاعرةُ المعتزلةَ، ثم ناقش في جميع تلك الاَسباب وأنّها لا تكون دليلا للكفر. ثم ذكر الاَسباب الاَربعة التي بها كفّرت الاَشاعرةُ المعتزلةَ وناقش فيها وأنّها لا تكون سبباً للتكفير. ثم ذكر الاَسباب الثلاثة التي بها تكفّر الروافض وناقش فيها وأنّها لاتكون سبباً للكفر (1). والحقّ أنّ القاضي قد نظر إلى المسألة بعين التحقيق وأصاب الحقّ إلاّ في بعض المسائل. فقد ناقش في أسباب تكفير المجسمة وهو في غير محلّه والتفصيل لايناسب المقام. 5 ـ وقال التفتازاني: إنّ مخالف الحق من أهل القبلة ليس بكافر مالم يخالف ما هو من ضروريات الدين كحدوث العالم وحشر الاَجساد، واستدلّ


1 . الاِيجي: المواقف: 392 ـ 394 .

(62)

بقوله: إنّ النبي ومن بعده لم يكونوا يفتشون عن العقائد وينبّهون على ما هو الحق. فإن قيل: فكذا في الاَُصول المتفق عليها. قلنا: لاشتهارها وظهور أدلّتها على ما يليق بأصحاب الجمل. ثم أجاب بجواب آخر وقال: قد يقال ترك البيان إنّما كان اكتفاءً بالتصديق الاِجمالي إذ التفصيل إنّما يجب عند ملاحظة التفاصيل، وإلاّ فكم موَمن لا يعرف معنى القديم والحادث. فقد ذهب الشيخ الاَشعري إلى أنّ المخالف في غير ما ثبت كونه من ضروريات الدين ليس بكافر، وبه يشعر ما قاله الشافعي ـ رحمه الله ـ: لا أرد شهادة أهل الاَهواء إلاّ الخطّابية لاستحلالهم الكذب. وفي المنتقى عن أبي حنيفة أنّه لم يكفّر واحداً من أهل القبلة وعليه أكثر الفقهاء، ثم ذكر بعض الاَقوال من الاَشاعرة والمعتزلة الذين كانوا يكفّرون مخالفيهم في المسألة (1) قال ابن عابدين: نعم يقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير، لكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من غيرهم ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا (2) ولعل بعض البسطاء يتصوّر أنّ العاطفة والمرونة الخارجة عن إطار الاِسلام صارت مصدراً لهذه الفتيا، ولكنّه سرعان ما يرجع عن قضائه إذا وقف على الاَحاديث المتوفرة الواردة في المقام الناهية عن تكفير أهل القبلة، وإليك سردها:


1 . التفتازاني ، شرح المقاصد : 5 / 227 - 228 .
2 . ابن عابدين: رد المختار: 4 | 237 .

(63)

السنّة النبوية وتكفير المسلم :

قد وردت أحاديث كثيرة تنهي عن تكفير المسلم الذي أقرّ بالشهادتين فضلاً عمّن يمارس الفرائض الدينية وإليك طائفة من هذه الاَحاديث: 1ـ "بُني الاِسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، والاِقرار بما جاء من عند الله ، والجهاد ماض منذ بعث رسله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين ... فلا تكفّروهم بذنب ولاتشهدوا عليهم بشرك". 2ـ "لاتكفّروا أهل ملّتكم وإن عملوا الكبائر" (1) 3ـ "لاتكفّروا أحداً من أهل القبلة بذنب وإن عملوا الكبائر". 4ـ "بُني الاِسلام على ثلاث: ... أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنب ولا تشهدوا لهم بشرك". 5 ـ عن أبي ذر: أنّه سمع رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " يقول: "لا يرمى رجل رجلاً بالفسق أو بالكفر إلاّ ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك". 6ـ عن ابن عمر: أنّ رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " قال: "من قال لاَخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما". 7ـ "من قذف موَمناً بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفسه بشيء عذّبه الله بما قتل". 8ـ "من كفّر أخاه فقد باء بها أحدهما". 9ـ "إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فهو كقتله، ولعن الموَمن كقتله". 10ـ "أيّما رجـل مسلم كفّـر رجلاً مسلمـاً فـإنْ كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر".


1 . نعم الكبائر توجب العقاب لا الكفر .

(64)

11ـ "كفّوا عن أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنب، فمن أكفر أهل لا إله إلاّ الله فهو إلى الكفر أقرب". 12ـ "أيّما امرىَ قال لاَخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه". 13ـ "ما أكفر رجل رجلاً قط إلاّ باء بها أحدهما". 14ـ "إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فقد باء به أحدهما إن كان الذي قيل له كافراً فهو كافر، وإلاّ رجع إلى من قال". 15ـ "ما شهد رجل على رجل بكفر إلاّ باء بها أحدهما، إن كان كافراً فهو كما قال، وإن لم يكن كافراً فقد كفر بتكفيره إيّاه". 16ـ عن علي ـ عليه السلام ـ: في الرجل يقول للرجل: يا كافر ياخبيث يافاسق ياحمار؟ قال: "ليس عليه حد معلوم، يعزّر الوالي بما رأى(1). 17ـ حدثنا أُسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " سرية إلى الحرُّقات، فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلاً فلما غشيناه قال: لا إله إلاّ الله ، فضربناه حتى قتلناه فعرض في نفسى من ذلك شىء فذكرته لرسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " فقال: "مَنْ لَكَ بِلا إله إلاّ الله يوم القيامة؟" قال: قلت: يارسول الله ، إنّما قالها مخافة السلاح والقتل، فقال: "ألا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك أم لا ؟ مَنْ لَكَ بِلا إله إلاّ الله يوم القيامة؟" قال: فما زال يقول ذلك حتى وددت أنّى لم أُسلم إلاّ يومئذ(2).


1 . هذه الاَحاديث مبثوثة في جامع الاَُصول: 1، و 10، 11 كما أنّها مجموعة بأسرها في كنز العمال للمتقى الهندى: ج1.
2 . أخرجه أحمد في مسنده: 187 ـ 188ح21861، والبخاري في صحيحه: 64، باب 45، ح 4269. وكتاب الديـات: 87 باب 2، ح 6872. ومسلم في صحيحه: 96ـ97، كتاب الاِيمان، باب 41، ح96، وأبو داود في سننه: 44ـ45ح 2643. والنسائي في السنن الكبرى: 176ـ 177، ح8594، كتاب السير، باب12. وابن ماجة في سننه: 5|1296، ح 3930، كتاب الفتن، باب 1.

(65)

18ـ لما خاطب ذو الخويصرة الرسول الاَعظم "صلى الله اليه وآله وسلم " بقوله اعدل، ثارت ثورة من كان في المجلس منهم خالد بن الوليد قال: يارسول الله ! ألا أضرب عنقه؟ فقال رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " : "فلعله يكون يصلّـي" فقال: إنّه رُبَّ مصلّ يقول بلسانه ماليس في قلبه، فقال رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " : "إنّي لم أُوَمر أن أنقِّب عن قلوب الناس ولا أشقَّ بطونهم(1).

القدح في عقائد الشيعة:

إنّ الشيعة تشكّل ثلث المسلمين أو ربعهم فقد رماهم المغفّلون بتهم باطلة، فحبسوهم في قفص الاتهام. ولم يصدروا في ذلك إلاّ عن الهوى، نظير: 1ـ تأليه الشيعة لعلي وأولاده، وأنّهم يعبدونهم ويعتقدون بإلوهيتهم. 2ـ إنكارهم ختم النبوة برحيل سيدنا محمد "صلى الله اليه وآله وسلم " وأنّ الوحي لم يزل ينزل على على وأولاده. 3ـ بغض أصحاب النبي وسبّهم ولعنهم وأنّهم أعداء الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم. 4ـ تحريف القرآن الكريم وأنّه حذف منه أكثر ممّا هو الموجود. 5ـ نسبة الخيانة لاَمين الوحي فقد بعث إلى على ـ عليه السلام ـ فخان فجاء إلى محمد "صلى الله اليه وآله وسلم " .


1 . أخرجه مسلم في صحيحة 7|171 ح 1064 و أحمد في مسنده: 4|10 ح 11008، والبخاري كتاب الزكاة: 47، أبو يعلي في مسنده: 390 ـ391 ح 1163.

(66)

المسائل الاجتهادية :

وهناك ما نسبوه إلى الشيعة من العقائد، والنسبة صحيحة وهي بين تفسير خاطىَ واجتهاد صحيح مدعم بالدليل نظير: 1 ـ خلافة الخلفاء الاَربعة. 2 ـ عدالة الصحابة كلّهم بلا استثناء. 3 ـ القول بالبداء. 4 ـ عصمة أئمة أهل البيت. 5 ـ التقية من المسلم المخالف. 6 ـ كون الاَئمة عالمين بالغيب. فهذه نماذج من كلا القسمين، وهي تدور بين التهم الباطلة والمسائل الاجتهادية التي يعذر المجتهد في اجتهاده إذا أخطأ، فكيف إذا أصاب؟! فلنأخذ بدراسة القسم الاَوّل: أمّا تأليه الشيعة لعلي وأولاده: فالشيعة براء من هذه التهمة منذ بكرة أبيهم وهم يشهدون كل يوم في صلواتهم وخطبهم بأنّه لا إله إلاّ الله وإنّ كل من سواه عبداً لله تالين قوله سبحانه: (إن كلُّ مَن في السّمَواتِ والاَرْضِ إلاّ آتى الرَّحمَنِ عَبْدا )(مريم ـ 93) وقوله سبحانه: (يا أيّها الناسُ أنتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ واللهُ هُوَ الغَنِىُّ الحَمِيد )(فاطر ـ 15) وأمّا التوسّل بهم فلا صلـة له بالتأليه على أنّهم يتوسّلون بالنبي "صلى الله اليه وآله وسلم " كما يتوسّلون بأئمتهم كما يتوسّل أهل السنّة به "صلى الله اليه وآله وسلم " . وأمّا الثاني: أعنى إنكارهم ختم النبوة بمحمّد "صلى الله اليه وآله وسلم " : فهو أيضاً مثل الاَوّل، وهذا هو إمامهم الاَوّل علي ـ عليه السلام ـ يقول عندما تولى غسل نبيه: "بأبي أنت وأُمي


(67)

يارسول الله لقد انقطع بموتك مالم ينقطع بموت غيرك من النبوة والاَنباء وأخبار السماء(1). وقد ألّف غير واحد من أصحابنا الاِمامية كتباً ورسائل في الرد على البابية والبهائية والقاديانية الذين أنكروا ختم النبوة بألوان الانكار، وقد خصصنا بحثاً مفصلاً من كتابنا "مفاهيم القرآن" لهذا الموضوع وبلغنا الغاية ونقلنا هناك 130 نصاً من الاَحاديث المروية عن النبي وأئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ على ختم الرسالة والنبوة بالنبي الاَعظم "صلى الله اليه وآله وسلم " أرى أنّ إفاضة القول في رد هذه التهمة إضاعة للوقت. وأمّا الثالث: وهو بغض أصحاب النبي فيالله ولهذه التهمة، كيف يمكن أن يقال إنّ الشيعة تبغض الصحابة مع أنّ أُمّة كبيرة من أصحاب النبي من بنى هاشم بدءاً من عمه أبي طالب ومروراً بصفية عمته، وفاطمة بنت أسد، وبحمزة والعباس وجعفر وعقيل وطالب وعبيدة بن الحارث "شهيد بدر" وأبي سفيان بن الحارث ونوفل بن الحارث وجعدة بن أبي هبيرة وأولادهم وزوجاتهم، وانتهاء بعلي ـ عليه السلام ـ وأولاده وبناته وزوجته سيدة نساء العالمين. أمّا الذين استشهدوا في عهد النبي الاَكرم فهم يتجاوزون المئات ولا يشك أي مسلم في أنّهم كانوا من الموَمنين الصادقين الذين حوّلهم الاِسلام وأثّر فيهم، وضربوا في حياتهم أروع الاَمثلة في الاِيمان والتوحيد والتضحية، بالغالى والرخيص، خدمة للمبدأ والعقيدة. ابتداء من ياسر وزوجته سمية أوّل شهيد وشهيدة في الاِسلام وكان الرسول يقول لهم وهو يسمع أنينهم تحت سياط التعذيب: "صبراً آل ياسر إنّ موعدكم الجنة(2). مروراً بمن توفي في مهجر الحبشة إلى شهداء بدر وأُحد، وقد استشهد في معركة أُحد سبعون صحابياً دفنهم النبي الاَكرم "صلى الله اليه وآله وسلم "


1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 235 .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 | 320 ، طبعة الحلبي .

(68)

وصلّـى عليهم وكان يزورهم ويسلّم عليهم، ثمّ شهداء سائر المعارك والغزوات حتى قال النبي الاَكرم "صلى الله اليه وآله وسلم " في حق سعد بن معاذ شهيد غزوة الخندق: اهتز العرش لموته، وشهداء بئر معونة ويتراوح عدد الشهداء بين 40 حسب رواية أنس بن مالك، أو 70 حسب رواية غيره، إلى غير ذلك من الاَصحاب الصادقين الاَجلاّء الذين: (صَدَقُوا ما عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمِ مَن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلاً )(الاَحزاب ـ 23) (الّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جـَمَعُوا لَكُمْ فَا خْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيماناً وَقالُوا حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيل) (آل عمران ـ 173) (للفُقَرَاءِ المُهاجِرِينَ الّذِينَ أُخرِجُوا من دِيارِهِمْ وأَمْوَالِهمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ ورِضْوَاناً ويَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ... * والّذِينَ تَبَوَّءُو الدارَ والاِيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُوَْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الُمفْلِحُون )(الحشر: 8 ـ 9) . فهل يصح لمسلم أن يبغض هؤلاء مع أنّ إمام الشيعة يصفهم بقوله: "أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمّار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراوَهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة وأُبرِدَ بِروَوسهم إلى الفجرة؟ أوّه على إخوانى الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفرض فأقاموه. أحيوا السنّة وأماتوا البدعة، دُعوا للجهاد فأجابوا، ووثِقُوا بالقائد فاتّبعوه" (1) وليس ما جاء في هذه الخطبة فريداً في كلامه، فقد وصف أصحاب رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " يوم صفين، يوم فرض عليه الصلح بقوله: "ولقد كنّا مع رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً، ومضيّاً على اللَّقّم، وصبراً على مضض الاَلم، وجِدّاً في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين،


1 . نهج البلاغة: الخطبة 182 .

(69)

يتخالسان أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرّة لنا من عدونا، ومرّة لعدونا منّا. فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الاِسلام ملقياً جرانه ومتبوّئاً أوطانه، ولعمري لو كنّا نأتى ما أتيتم ما قام للدين عمود، ولا اخضرّ للاِيمان عود(1)". هذه كلمة قائد الشيعة وإمامهم، أفهل يجوز لمن يوَمن بإمامته أن يكفّر جميع صحابة النبي "صلى الله اليه وآله وسلم " ، أو يفسّقهم، أو ينسبهم إلى الزندقة والاِلحاد، أو الارتداد، من دون أن يقسمهم إلى أقسام ويصنّفهم أصنافاً ويذكر تقاسيم القرآن والسنّة في حقّهم؟! كلاّ ولا، وهذا هو الاِمام على بن الحسين يذكر في بعض أدعيته صحابة النبي ويقول: "اللّهم وأصحاب محمد "صلى الله اليه وآله وسلم " خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الاَزواج والاَولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والاَبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به ومن كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلّقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا، الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم، اللهم وأوصل التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولاِخواننا...(2)". فإذا كان الحال كذلك، واتفق الشيعي والسني على إطراء الذكر الحكيم للصحابة والثناءعليهم فما هو موضع الخلاف بين الطائفتين كي يعد ذلك من أعظم الخلاف بينهما؟


1 . نهج البلاغة، الخطبة 56 .
2 . الصحيفة السجادية: الدعاء 4 .

(70)

وهذا ما سيوافيك في الاَمر الثاني من المسائل الاجتهادية فتربص حتى حين. وأمّا الاَمر الرابع أعني تحريف القرآن الكريم: فالرأي السائد بينهم من عصر أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ إلى يومنا هذا هو القول بعدم التحريف، وقد ذكرنا نصوص علمائنا الاِمامية في هذا المضمار في كتاب خصصناه لبيان عقائد الشيعة أخذنا بنصوصهم من منتصف القرن الثالث إلى يومنا هذا. نعم يوجد بينهم من قال بالتحريف، ولكنّه نظرية شخصية لا توَخذ بها الاَُمّة، ووجود الروايات في كتاب الكافي للكلينى وغيره لايكون دليلاً على كونه عقيدة للشيعة، فانّ الكافي كسائر كتب الحديث يتضمن أحاديث صحيحة وغير صحيحة، وليس الكافي عندنا كصحيح البخاري عند أهل السنّة الذي لا يتطرق إليه قلم النقاش والجرح. ولو صحّت الموَاخذة ـ ولن تصح ـ فقد قال بالتحريف جماعة من أهل السنة ووردت رواياته في الصحاح غير أنّ القوم فسّروها بنسخ التلاوة. فإذا صح هذا العذر ـ ولم يصح ـ فليصح في الروايات الموجودة في كتب حديث الشيعة، وهذا هو القرطبي ينقل في تفسيره عن أُم الموَمنين أنّ سورة الاَحزاب كانت مائتي آية، فحرّفت، أعاذنا الله من هذه التسويلات الباطلة، وبما أنّ علماءنا قد بلغوا الغاية في نفى هذه التهمة اقتصرنا بالاِشارة وهي كافية لمن ألقى السمع وهو شهيد. وأمّا الخامس: أعني نسبة الخيانة إلى أمين الوحى: فهو أُكذوبة ورثه المفترى من اليهود حيث عادوا جبرئيل لاَجل أنّه خان ونقل النبوة من ذرية إسحاق إلى ذرية إسماعيل (1) فأخذه المفترى منهم وطبّقها على الشيعة.


1 . الرازي في تفسير قوله: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى ).

(71)

وإليك الكلام في القسم الثاني.

المسائل الاجتهادية :

وهذه المسائل تدور بين ما هم خاطئون في تفسيرها ـ مثل البداء ـ وبين ما هي مسائل نظرية قابلة للاجتهاد مدعمة بالدليل الصحيح والاختلاف في مثلها. إنّ الاختلاف في هذه المسائل لا يكون ملاكاً للتكفير حتى ولو كانوا خاطئين، فكيف وأنّهم مصيبون فيها يعرفها من رجع إلى كتبهم، وإليك دراستها على وجه موجز.

1 ـ خلافة الخلفاء:

إنّ خلافة الخلفاء ليست من الاَُصول بل من الاَحكام الفرعية. قال التفتازاني: لا نزاع في أنّ مباحث الاِمامة بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أنّ القيام بالاِمامة ونصب الاِمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، وهي أُمور كلية تتعلّق بها مصالح دينية أو دنيوية، لا ينتظم الاَمر إلاّ بحصولها فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كل أحد، ولا خفاء في أنّ ذلك، الاَحكام العملية دون الاعتقادية(1) وقال الاِيجي: المرصد الرابع في الاِمامة ومباحثها عندنا من الفروع وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا (2) وقال الجرجاني: الاِمامة ليست من أُصول الديانات والعقائد، بل هي عندنا


1 . التفتازاني: شرح العقائد: 5 | 232 .
2 . الاِيجي: المواقف: 395 .

(72)

من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الاِمام عندنا واجب على الاَُمة سمعاً (1) فإذا كانت الاِمامة من الفروع فما أكثر الاختلاف في الفروع فكيف يكون الاختلاف موجباً للكفر؟ وبعبارة أُخرى: أنّ السمع أو هو منضماً إلى العقل دلاّ على وجوب نصب الاِمام، لاَنّ مقاصد الشرع لا يحصل إلاّ بذلك النصب، فاجتمع المسلمون فاختاروا شخصاً للقيادة فعلى فرض صحة الاختيار وكونها جامعاً للشرائط فلا يتجاوز عن كون عملهم كان تجسيداً لحكم فرعي فلا يصير رفض عملهم سبباً للكفر وليس الاعتقاد بخلافة شخص من ضروريات الاِسلام، لاَنّ المفروض أنّها حدثت بعد رحيل النبي وانقطاع الوحى، فكيف يكون خلافة فرد خاص أمراً ضرورياً؟ بل يمكن أن يقال إنّ وجوب نصب الاِمام من الفروع، وأمّا الاعتقاد بأنّ المنصوب خليفة فليس من الواجبات الشرعية بدليل أنّهم اتّفقوا على عدم وجوبه في غير الخلفاء الراشدين، فإنّ عمر بن عبد العزيز في سيرته وسلوكه لم يكن أقل من بعض الخلفاء ولم يقل أحد بلزوم الاِيمان بكونه خليفة الرسول، فكيف يكون الخلاف موجباً للكفر؟ على أنّ الشيعة قد أقامت أدلّة متواترة على أنّ النبي نصب الاِمام في عصره ولم يفوّضه إلى الاَُمّة.

2 ـ عدالة الصحابة كلّهم أو بعضهم :

إنّ مثار الخلاف بين الطائفتين هو عدالة الصحابة كلّهم أو بعضهم، فذهب


1 . الجرجاني: شرح المواقف: 8 | 344 .

(73)

أهل السنّة إلى الاَوّل، والشيعة إلى الثاني، وأنّه لا يمكن الحكم بعدالة كل واحد واحد منهم ولكلّ من الطرفين أدلّة وحجج، وقد ارتحل النبي الاَكرم "صلى الله اليه وآله وسلم " ولم يكن الاعتقاد بعدالتهم أجمعين من صميم الاِسلام، ولم يكن النبي يستفسر عمّن يسلم، عن اعتقاده بعدالة أصحابه عامة، فإذا كانت المسألة بهذه المثابة فكيف يمكن أن يكون القول بعدالة بعض دون بعض موجباً للكفر، كيف والقرآن الكريم قد قسّم أصحاب النبي إلى أقسام عشرة. 1 ـ إنّ القرآن الكريم يصنّف الصحابة إلى أصناف مختلفة، فهو يتكلّم عن السابقين الاَوّلين، والمبايعين تحت الشجرة، والمهاجرين المهجّرين عن ديارهم وأموالهم، وأصحاب الفتح، إلى غير ذلك من الاَصناف المثالية، الذين يثني عليهم ويذكرهم بالفضل والفضيلة، وفي مقابل ذلك يذكر أصنافاً أُخرى يجب أن لا تغيب عن أذهاننا وتلك الاَصناف هي التالية: 1 ـ "المنافقون المعروفون" (المنافقون ـ 1) . 2 ـ "المنافقون المتسترون الذين لا يعرفهم النبي" (التوبة ـ 101) . 3 ـ "ضعفاء الاِيمان ومرضى القلوب" (الاَحزاب ـ 11) . 4 ـ "السمّاعون لاَهل الفتنة" (التوبة : 45 ـ 47) . 5 ـ "المجموعة الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً" (التوبة ـ 102) . 6 ـ "المشرفون على الارتـداد عندمـا دارت عليهم الدوائـر" (آل عمران ـ 154) . 7 ـ "الفاسق أو الفسّاق الذين لا يصدق قولهم ولا فعلهم" (الحجرات ـ 6، السجدة ـ 18) . 8 ـ "المسلمون الذين لم يدخل الاِيمان في قلوبهم" (الحجرات ـ 14) . 9 ـ "الموَلّفـة قلوبهم الذيـن يظهرون الاِسلام ويُتألفون بدفـع سهم من


(74)

الصدقة إليهم لضعف يقينهم" (التوبة ـ 60) . 10 ـ "المولّون أمام الكفّار" (الاَنفال ـ 15 ـ 16) (1). هذه الاَصناف إذا انضمت إلى الاَصناف المتقدّمة، تعرب عن أنّ صحابة النبي الاَكرم لم يكونوا على نمط واحد، بل كانوا مختلفين من حيث قوة الاِيمان وضعفه، والقيام بالوظائف والتخلّي عنها، فيجب إخضاعهم لميزان العدالة الذي توزن به أفعال جميع الناس، وعندئذ يتحقّق أنّ الصحبة لا تعطي لصاحبها منقبة إلاّ إذا كان أهلاً لها، ومع ذلك فكيف يمكن رمي الجميع بسهم واحد وإعطاء الدرجة الواحدة للجميع، وهذا هو رأي الشيعة فيهم، وهو نفس النتيجة التي يخرج بها الاِنسان المتدبّر للقران الكريم.

3 ـ التقية من المخالف المسلم :

اتّفق المسلمون على جواز التقية من الكافر بكلمة واحدة أخذاً بقوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بالاِيمان )(النحل ـ 106) وقوله سبحانه: (لا يَتَّخِذِ المـُوَْمِنُونَ الكافِرِينَ أَوْلياءَ مِن دُون المـُوَْمِنينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَىْء إلاّ أنّ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة )(آل عمران ـ 28) إنّما الكلام في التقية من المخالف المسلم، وهذا ليس شيئاً بديعاً، فإنّ السبب الذي جوّز التقية من المخالف الكافر، هو المجوّز للتقية من المخالف المسلم فإنّها سلاح الضعيف، فلو كانت الشيعة آمنة لما إتّقت لا من الكافر ولا من المسلم المخالف. على أنّ هذا ليس فكراً بديعاً فقد صرّح بجوازه لفيف من علماء السنّة،


1 . سيوافيك نصّ الآيات في الفصل التاسع فانتظر.

(75)

فلاحظ المصادر (1) والتقية تغاير النفاق مغايرة جوهرية فالمنافق يُظهر الاِيمان ويبطن الكفر والمتّقي يبطن الاِسلام ويظهر الخلاف، فوالله العظيم (وإنّه لقسمٌ لو تعلمون عظيم )لو كان الشيعي آمن على دمه ونفسه وماله وأهله لما اتّقى في ظرف من الظروف كما هو لا يتقي الآن في ظرف من الظروف للحرية السائدة على أكثر الاَجواء.

4 ـ البداء :

إنّ الاختلاف في البداء اختلاف لفظى جداً عند التدبّر وليس هناك خلاف جوهري بين الطائفتين، والمهم هو تفسيره، فأهل السنّة يفسّرونه بظهور ما خفى على الله سبحانه، ولو كان هذا معنى البداء فالشيعة تردّه مثل أهل السنّة. والتفسير الصحيح لها هو: أنّ الله يظهر للناس ما كان قد أخفاه عنهم سابقاً. وبتعبير آخر أنّ المراد من البداء هو تغيير المصير في ظل الدعاء والاَعمال الصالحة كالصدقة والاستغفار وصلة الرحم كما اتّفق لقوم يونس، فأظهر الله ما خفي عليهم من الفرج والتحرّر من الشدّة حيث غيّروا مصيرهم بالاَعمال الصالحة قال سبحانه: (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلاّ قَوْمَ يُونُسَ لمّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الِخْزي فِي الَحياةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعناهُم إلى حِين)(يونس ـ 98) فظهرت لهم ما أخفى الله عنهم حيث كانوا مذعنين بالعذاب والهلاك، فظهرت لهم النجاة. وأمّا وجه التعبير عن تلك الحقيقة الناصعة بما يتبادر إلى الذهن في بدء الاَمر من ظهور ما خفى على الله فإنّما لاَجل الاقتداء بالنبى الاَكرم فإنّه "صلى الله اليه وآله وسلم " أوّل من قال هذه الكلمة، وبما أنّ القرينة كانت موجودة لا يضر التبادر البدئي.


1 . الطبـري: جامـع البيان: 3|153، الزمخشري: الكشاف: 1|422، الرازي: مفاتيح الغيب: 8|13، النسفي: التفسير، بهامش تفسير الخازن: 1|277، الآلوسي: روح المعاني: 3|121، جمال الدين القاسمي: محاسن التأويل: 4|84.

(76)

روى البخاري عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " يقول: إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً، فأتى الاَبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لَون حسنٌ وجلدٌ حسنٌ، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الاِبل أو قال البقر هو شك في ذلك أنّ الاَبرص والاَقرع قال أحدهما: الاِبل وقال الآخر: البقر، فأُعطي ناقة عُشراء، فقال: يبارك لك فيها؛ وأتى الاَقرعَ فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها؛ وأتى الاَعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلىَّ بصرى فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً، فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا وادٍ من إبل، ولهذا وادٍ من بقر، ولهذا وادٍ من الغنم. ثم إنّه أتى الاَبرص في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكين تقطّعت بى الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري، فقال له: إنّ الحقوق كثيرةٌ، فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله ؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الاَقرعَ في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الاعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة أتبلغ بها في سفري؟ فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيراً فقد أغنانى، فخذ ماشئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله ، فقال: أمسك مالك، فانّما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك (1).


1 . البخاري: الصحيح: 4 | 171 ـ 172 ، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع .

(77)

5 ـ عصمة أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ :

إنّ القول بعصمة الاَئمة الاثني عشر، مدعم بالدليل فإنّهم في حديث الرسول الاَعظم: "إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" أحد الثقلين وعدل الكتاب وقرينه، فإذا كان الكتاب مصوناً عن الخطأ فيكون قرينه كذلك، وإلاّ لما حصلت الغاية الواردة في حديث الرسول "صلى الله اليه وآله وسلم " حيث قال: "ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا"، فصون الاَُمة عن الضلال، رهن كونهم مهتدين غير خاطئين. والقول بالعصمة لا تلازم النبوة بشهادة أنّ مريم كانت مطهّرة بنص الكتاب وليست بنبيّة قال سبحانه: (وإذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ يا مَريمُ إنّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرِكَ وَ اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِين)(آل عمران ـ 42) .

6 ـ علمهم بالغيب :

إنّ علمهم بالغيب ليس بمعنى مشاركتهم لله في هذا الوصف، فأين علم الله الذاتي غير المتناهي، من العلم الاكتسابى المتناهي؟ وأين العلم النابع عن الذات من العلم المأخوذ من ذي علم؟ نعم إخبارهم عن الملاحم لاَجل كونهم محدَّثين، والمحدَّث يسمع صوت الملك ولا يراه، وهو ليس أمراً بديعاً في مجال العقيدة، فقد رواه البخاري في حق الخليفة عمر بن الخطاب. أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب: 2|194، عن أبي هريرة قال النبي "صلى الله اليه وآله وسلم " : "لقد كان فيمن كان قبلكم من بنى اسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أُمتي منهم أحد فعمر" قال ابن عباس رضي الله عنه: من نبي ولا محدّث. وأخرج البخاري في صحيحه بعد حديث الغار: 2|171، عن أبي هريرة


(78)

مرفوعاً: أنّه قد كان فيما مضى قبلكم من الاَُمم محدّثون، إن كان في أُمتى هذه منهم فإنّه عمر بن الخطاب. قال القسطلاني في شرحه: 5|431، قال الموَلّف: يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوة. وقال الخطابي: يُلقي الشيء في روعه، فكأنّه قد حدث به يظن فيصيب، ويخطر الشيء بباله فيكون، وهي منزلة رفيعة من منازل الاَولياء. وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر، عن عائشة عن النبي "صلى الله اليه وآله وسلم " : "قد كان في الاَُمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أُمتى منهم أحد فإنّ عمر بن الخطاب منهم". قال ابن وهب: تفسير محدّثون: ملهمون. على أنّا نرى أنّ القرآن يستعمل حتى لفظ الوحي في هذا المورد إذ يقول سبحانه: (وَأَوحَيْنا إلى أُمّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ )(1) كما أنّه يذكر تحدُّث الملائكة مع مريم العذراء ـ عليها السلام ـ ، إذ يقول سبحانه: (قَالَ إنَّما أنَا رَسُولُ رَبِّكِ لاَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً)(2) فليسَ الاَئمّة الاثنا عشر وبنتَ النبي الاَكرم "صلى الله اليه وآله وسلم " أقل مقاماً من أُمّ موسى أو من مريم العذراء ـ عليها السلام ـ . ثم إنّ لعضد الدين الاِيجي في المواقف وشارحه السيد الجرجانى في شرحها كلاماً في عدم جواز تكفير الشيعة بمعتقداتهم نأتى بنصهما متناً وشرحاً قد ذكرا الوجوه وردّها: الاَوّل: أنّ القدح في أكابر الصحابة الذين شهد لهم القرآن والاَحاديث الصحيحة بالتزكية والاِيمان (تكذيب) للقران و (للرسول حيث أثنى عليهم وعظّمهم) فيكون كفرا. قلنا: لا ثناء عليهم خاصة، أي لا ثناء في القرآن على واحد من الصحابة


1 . القصص: 7 .
2 . مريم: 19.

(79)

بخصوصه وهؤلاء قد اعتقدوا انّ من قدحوا فيه ليس داخلاً في الثناء العام الوارد فيه وإليه أشار بقوله: (ولاهم داخلون فيه عندهم) فلا يكون قدحهم تكذيباً للقران، وأمّا الاَحاديث الواردة في تزكية بعض معين من الصحابة والشهادة لهم بالجنّة فمن قبيل الآحاد، فلا يكفّر المسلم بإنكارها أو تقوّل ذلك، الثناء عليهم، وتلك الشهادة لهم مقيّدان، بشرط سلامة العاقبة ولم توجد عندهم، فلا يلزم تكذيبهم للرسول. الثاني: الاِجماع منعقد من الاَُمّة، على تكفير من كفّر عظماء الصحابة، وكلّ واحد من الفريقين يكفّر بعض هؤلاء العظماء فيكون كافراً. قلنا: هؤلاء، أي من كفّر جماعة مخصوصة من الصحابة، لا يسلّمون كونهم من أكابر الصحابة وعظمائهم، فلا يلزم كفره. الثالث: قوله ـ عليه السلام ـ: "من قال لاَخيه المسلم يا كافر، فقد باء به ـ أي بالكفر ـ أحدهما". قلنا: آحاد، وقد أجمعت الاَُمّة على أنّ إنكار الآحاد ليس كافراً، ومع ذلك نقول: المراد مع اعتقاد أنّه مسلم، فإنّ من ظن بمسلم أنّه يهودي أو نصراني فقال له ياكافر لم يكن ذلك كفراً بالاِجماع (1) أقول: إنّ القدح في الصحابة غير تكفيرهم؛ ثم إنّ القدح في البعض منهم الذين لا يتجاوزون عدد الاَصابع دون جميعهم. ثم القدح ليس بما أنّهم صحابيون، بل بما أنّهم أُناس مسلمون، ولو كان القدح كفراً، فقد قدح فيهم القرآن فسمّى بعضهم فاسقاً، وقال: (إِن جَاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا... )(الحجرات ـ 6) . نعم إنّ الخلاف الذي دام قروناً، لا يرتفع بيوم أو اسبوع، ولكن رجاوَنا سبحانه أن يلم شعث المسلمين ويجمع كلمتهم، ويفرّق كلمة الكفر وأهله.


1 . السيد الشريف الجرجاني: شرح المواقف: 8|344، ط مصر.

(80)

الجهة السابعة :

في الفرق بين الاِسلام والاِيمان

الاِسلام من السلم وهو بمعنى السلامة، لاَنّه ينتهى إليها، قال الراغب: الاِسلام الدخول في السلم وهو أن يسلم كل واحد منهما أن يناله من ألم صاحبه، أو من التسليم لاَنّه تسليم لاَمر الله (1) ولعل الثاني هو الاَظهر، يقال: أسلم الرجل: انقاد. وعلى ضوء هذا فالاِسلام بالمعنى المصطلح الوارد في الكتاب والسنّة هو نفس المعنى اللغوي من دون نقل. والغالب عليه، هو استعماله في مقابل الشرك قال سبحانه: (قُل إنّى أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَنْ أسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِين )(الاَنعام ـ 14) وقال تعالى: (مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْـرانِيّاً وَلكِن كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرٍكِين) (آل عمران ـ 67) وقال عز من قائل: (لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وأَنا أوّلُ الُمسْلِمِين )(الاَنعام ـ 163) إلى غير ذلك من الآيات. والغالب على الاِيمان هو استعماله في مقابل الكفر قال سبحانه: (وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بالاِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل)(البقرة ـ 108) وقال تعالى: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمئِذٍ أقْرَبُ مِنْهُمْ لِلاِيمان )(آل عمـران ـ 167) وقال عز من قائل: (إِن


1 . الطبرسي: مجمع البيان: 1 | 420 ، الراغب: المفردات ، مادة سلم .

(81)

اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الاِيمَان )(التوبة ـ 23) إلى غير ذلك من الآيات. والتقابل بين الاِسلام والشرك واضحة فإنّ المسلم شأنّه التسليم والانقياد لاَمر الله بخلاف المشرك فهو خاضع للاَوثان والاَصنام. وأمّا تقابل الاِيمان مع الكفر فلاَنّ الاِيمان هو التصديق القلبي، وأمّا الكفر فهو ستر الحق، والكافر لاَجل ستره، يكون منكراً مقابل الموَمن المصدّق، فهذا يدفعنا إلى القول بأنّهما مفهومان مختلفان، أحدهما يدل على الانقياد والتسليم، والآخر على الاِذعان والتصديق. هذا كلّه من حيث المفهوم وأمّا من حيث التطبيق والمصداق فربما يتّحدان، وأُخرى يتفارقان. فلو أُريد من التسليم، التسليم اللساني، ومن التصديق، مثله، تكون النسبة في مقام التطبيق هو التساوي، فكل مسلم لساناً، مصدّق كذلك وبالعكس، وإن أُريد منهما هو التسليم والتصديق القلبيان، فكذلك وأمّا إن أُريد من الاَوّل، اللساني، ومن الآخر القلبي، فالنسبة بينهما هو العموم والخصوص من وجه فربما يتفارق، أمّا من جانب الاِسلام، فكمن أسلم لساناً، ولم يُصدّق قلباً، وأمّا من جانب الاِيمان فكمن عرف الحق وجحده عناداً، وربما يجتمعان، كما إذا سلّم لساناً وصدَّق قلباً. وربما أنّ ظاهر الاِطلاق وحدة المتعلّق فتكون النتيجة أنهما مختلفان مفهوماً، متساويان مصداقاً. هذا كلّه حسب اللغة. وأمّا الكتاب العزيز فقد استعمل الاِسلام على وجوه مختلفة، وإليك البيان:


(82)

1 ـ الاِسلام في مقابل الاِيمان :

ربما يطلق القرآن لفظ الاِسلام على من أسلم لساناً، ولم يصدّق قلباً فيريد من الاِسلام التسليم لساناً ومن الاِيمان، التصديق قلباً يقول سبحانه: (قَالَتِ الاَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَم تُوَْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أسْلَمْنَا وَلمّا يَدْخُلِ الاِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وإن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِن أعْمالِكُمْ شَيْئاً إنّ اللهَ غَفُورٌ رحِيم )(الحجرات ـ 14) فقد جعل الاِسلام في مقابل الاِيمان وأُريد من الاَوّل، التسليم اللسانى دون القلبي، فبالتالى دون التصديق كذلك وعن الثاني التسليم القلبي، ولاَجل الاختلاف في المتعلّق صارا متقابلين ونظيره قوله سبحانه: (لاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُون فِي الكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قَالُوا آمَنّا بِأفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُوَْمِن قُلُوبُهُم) (المائدة ـ 41) فأثبت الاِيمان بالاَفواه وسلبه عن قلوبهم. وهذا يوَيد ما قلناه من أنّ الاِسلام والاِيمان يمشيان جنباً إلى جنب مالم يقيّد أحدهما باللسان و الآخر بالقلب. وفي هذا القسم من الاستعمال يقول الزجاج: "الاِسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به الرسول ـ إلى أن قال: ـ فإن كان مع ذلك الاِظهار، اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الاِيمان وصاحبه الموَمن المسلم حقاً فأمّا من أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدق وقد أُخرج هؤلاء من الاِيمان، بقوله: (ولمّا يدخل الاِيمان في قلوبكم) أي لم تُصدّقوا بعدُ بما أسلمتم تعوّذاً من القتل، فالموَمن يبطن من التصديق، مثل ما يظهر، والمسلم التام الاِسلام، مظهر للطاعة وهو مع ذلك موَمن بها والذي أظهر الاِسلام تعوّذاً من القتل غير موَمن في الحقيقة إلاّ أنّ حكمه في الظاهر حكم المسلمين. وروى أنس عن النبي قال: الاِسلام علانية والاِيمان في القلب وأشار إلى صدره (1)


1 . الطبرسي: مجمع البيان: 5 | 138 .

(83)

2 ـ التسليم لساناً والتصديق قلباً :

وقد يطلق الاِسلام على المرتبة الاَُولى من الاِيمان وهو التسليم لساناً مع الانقياد والتصديق قلباً، قال سبحانه: (الّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنا وَكَانُوا مُسْلمِين) (الزخرف ـ 69) وقال سبحانه: (يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافَّة)(البقرة ـ 208) وقال عز من قائل: (فَأَخْرَجْنَا مَن كَان َفِيها مِنَ المُوَْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِين )(الذاريات: 35 ـ 36) فالمراد من المسلمين، هو الموَمنون بقرينة صدر الآية.

3 ـ التسليم وراء التصديق القلبي:

وقد يطلق الاِسلام على المرتبة الثانية من الاِيمان وهو أن يكون له وراء التصديق القلبي، التسليم قلباً لاَمره ونهيه، وذلك عندما انقادت له الغرائز، وكبحت جماحها وسيطرة الاِنسان على القوى البهيمية والسبعية ولم يجد في باطنه وسرّه مالا ينقاد إلى أمره ونهيه، أو يسخط قضاءه وقدره، قال سبحانه: (فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النسـاء ـ 65) فالتسليم ـ بمعنى الاِسلام ـ أشرف من مطلق الاِيمان، ويرادف الدرجة الثانية منه . ومن هذا القسم قوله سبحانه: (إذ قَالَ لَهُ رَبَّهُ أسْلِمْ قَالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِين )(البقرة ـ 131) وقوله: (رَبَّنا وَ اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأرِنا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنّكَ أنتَ التوّابُ الرّحِيم )(البقرة ـ 128)(1) وهذا كلّه حسب القرآن الكريم. وأمّا السنّة فلها إطلاقات في لفظى الاِسلام، والاِيمان.


1 . الطباطبائي: الميزان: 1 | 301 .

(84)

1 ـ الاختلاف بالعمل وعدمه :

يكفي في صدق الاِسلام، الاِقرار وإن لم يكن معه عمل بخلاف الاِيمان فلا يصدق إلاّ أن ينضمّ العمل إلى الاِقرار، روى محمد بن مسلم الثقفى عن أحد الاِمامين الباقر أو الصادق ـ عليهما السلام ـ: "الاِيمان إقرار وعمل، والاِسلام إقرار بلا عمل(1) ". وكتب الاِمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ في رسالة خاصة إلى المأمون: "إنّ أصحاب الحدود مسلمون لا موَمنون ولا كافرون" وإلى هذا الاستعمال يشير الحديث المروي من الفريقين عن الرسول الاَعظم "صلى الله اليه وآله وسلم " : "لايسرق السارق حين يسرق، وهو موَمن، ولا يزني الزاني، حين يزني وهو موَمن" (2) وعلى هذا فالعاصى ـ ما لم يتب ـ مسلم وليس بموَمن.

2 ـ الاعتقاد بولاية الاَئمة الاثني عشر :

الاِسلام والاِيمان متوافقان إلاّ أنّه يشترط في الاِيمان الاعتراف بولاية الاَئمة الاثني عشر. قال الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ: "الاِيمان معرفة هذا الاَمر، مع هذا فإنّ أقرّ بها ولم يعرف هذا الاَمر كان مسلماً(3)".

3 ـ صيانة الدم والمال من آثار الاِقرار :

إنّ لكل مرتبة من تلك المراتب أثر خاص فالاعتراف باللسان، وإن لم



1 . المجلسي: بحار الاَنوار: 68|246.
2 . المجلسي: بحار الاَنوار: 68 | 270 .
3 . الكليني: الكافي: 2 | 24 ح 4 .

(85)

نستكشف التصديق القلبي موضوع لحقن الدماء واحترام الاَموال.
قال الصادق ـ عليه السلام ـ: "الاِسلام يُحقن به الدم، وتوَدّى الاَمانة، ويستحل به الفرج والثواب على الاِيمان(1)". وقال أمير الموَمنين ـ عليه السلام ـ: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله ، فإذا قالوها فقد حرم علىّ دماوَهم وأموالهم". كل ذلك مأخوذ، ممّا ذكره الرسول "صلى الله اليه وآله وسلم " وقد عرفت النصوص فيما سبق.


1 . البرقي: المحاسن: 1 | 285 .

(86)

الجهة الثامنة:

لزوم تحصيل العلم في العقائد

إذا كان الاِيمان هو التصديق فهل يكفي في ذلك، التصديق التقليدي أو الظني، أو يعتبر فيه العلم الجازم الذي لا يحتمل خلافه؟ وبعبارة أُخرى: ما هي القاعدة التي يُبنى التصديق عليها؟ فهى لا تخلو من أُمور ثلاثة: 1 ـ التقليد 2 ـ الظـن 3 ـ العلم القاطع ولاستجلاء الحقّ نقدّم أُموراً: الاَوّل: أنّ المسائل الاعتقادية تنقسم إلى قسمين: 1 ـ ما يجب على المكلّف، الاعتقاد والتدين به، غير مشروط بحصول العلم كمعرفة الله سبحانه وتوحيده، ورسوله، فيكون الاعتقاد واجباً مطلقاً، وتحصيل العلم مقدمة له.


(87)

2 ـ ما يجب التديّن به إذا حصل العلم به فيكون واجباً مشروطاً ولا يكون تحصيل العلم عندئذ واجباً لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب المشروط. وموضع البحث هو القسم الاَوّل، أمّا القسم الثاني فلا يجوز فيه التقليد ولا اتّباع الظن، لاَنّ التديّن مشروط بحصول العلم، ومع عدمه لا وجوب، حتى يكتفي في امتثاله بالمعرفة التقليدية أو الظنية وذلك كخصوصيات المعاد، والعوالم التي يمرّ بها الاِنسان بعد موته. الثاني: أنّ ما دل على وجوب المعرفة أُمور أهمها أمران وهما:

أ ـ دفع الضرر المحتمل :

وحاصل هذا الوجه: أنّ هناك مجموعة كبيرة من رجال الاِصلاح والاِطلاق دعوا المجتمعات البشرية إلى الاعتقاد بالله سبحانه وادّعوا أنّ له تكاليف على عباده، وأنّ الحياة لا تنقطع بالموت وإنّما هو درب إلى حياة أُخرى كاملة، وأنّ من قام بتكاليفه فله الجزاء الاَوفى، وأمّا من خالف واستكبر فله النكاية الكبرى. ودعوة هؤلاء غير المتهمين بالكذب والاختلاق إن لم تورث الجزم واليقين، تورث احتمال صدقهم في مقالهم، وهذا ما يدفع الاِنسان المفكّر، إلى البحث عن صحة مقالتهم، دفعاً للضرر المحتمل أو المظنون الذي يورثهما مقالة هؤلاء وليس إخبار هؤلاء بأقل من إخبار إنسان عادي عن الضرر العاجل أو الآجل في الحياة الدنيوية. ومن أنكر حكم العقل هنا بوجوب البحث والنظر، فقد أنكر حكماً وجدانياً معلوماً لكل إنسان.


(88)

ب ـ شكر المنعم واجب :

إنّ الاِنسان في حياته غارق في النعم فهى تحيط به منذ نعومة أظفاره إلى أُخريات حياته وهذا ممّا لا يمكن لاَحد إنكاره. ومن جانب آخر: أنّ العقل يستقل بلزوم شكر المنعم ولا يتحقّق الشكر إلاّ بمعرفته. وعلى هذين الاَمرين يجب البحث عن المنعم الذي غمر الاِنسان بالنعم وأفاضها عليه، فالتعرّف عليه من خلال البحث إجابة لهتاف العقل، ودعوته إلى شكر المنعم المتفرّع على معرفته. الثالث: لو كان الاَساس لوجوب المعرفة هذين الاَمرين: فيكون وجوبها عقلياً لا سمعياً لما عرفت من أنّ استقلال العقل بدفع الضرر المحتمل أوّلا، يدفع الاِنسان إلى البحث عن المعرفة والنظر، حتى يقف على صحة ما أُخبِر، ليقوم (إذا تبيّنت صحة الخبر) بالتكاليف ويدفع عن نفسه عادية الضرر، او استقلاله بشكر المنعم يدفعه إلى معرفة المنعم ليقوم بشكره. كل ذلك يثبت مقالة العدلية من كون وجوب النظر، عقلياً لا سمعياً. الرابع: إذا كان الدافع إلى المعرفة والنظر هو العقل لاَجل دفع الضرر، فلا شك أنّه يدفعه لتحصيل العلم في ذلك المجال، وذلك لاَنّ الاحتمال لا ينتفى إلاّ بتحصيل العلم بأحد طرفي القضية، كما أنّ الشكر الحقيقى لا يتحقّق إلاّ بالمعرفة العلمية إذا كان متمكّناً من تحصيل العلم. أضف إلى ذلك أنّ معرفة الصانع وصفاته وأفعاله كمعرفة نبيه وسفيره من الاَُمور المهمة ممّا تبتني عليها كثير من الاَُصول الاعتقادية، والتشريعات في مجالات مختلفة، فهل يحسن في منطق العقل أنْ يبنى صرح الحياة عاجلاً واجلاً على شفيرها أو على قاعدة متزلزلة؟ كلاّ. فالعقل كما يحكم بلزوم المعرفة للاَمرين الماضيين كذلك يحكم بلزوم


(89)

معرفة ما وجب الاعتقاد والتديّن به من غير شرط معرفة يقينية، لا ظنيّة ولا تقليدية والنقل يدعم حكمه ويذم المعرفة التقليدية ويندّد بالذين يقولون: (إِنّا وَجَدْنا آبَاءَنا عَلَى أُمَّةٍ وإِنّا عَلَى آثارِهِمْ مُقْتَدُون )(الزخرف ـ 23) . نعم لا يجب الاستدلال، بل يكفي نفس اليقين والعلم سواء حصل عن استدلال أو لا، لاَنّ المطلوب هو العلم من دون نظر إلى أسبابه وليس الاستدلال واجباً نفسياً، ولو حصل اليقين لاَجل صفاء النفس والذهن لكفى.

الفرق بين الاَُصول والفروع في جواز التقليد :

إنّ التقليد بمعنى الرجوع إلى أهل الخبرة أمر فطري للاِنسان، إذ لا يسع لاِنسان واحد أنّ يجتهد في كل ماتعتمد عليه الحياة، فليس له إلاّ العمل بقول أهل الخبرة في غالب الاَُمور ومرجعه إلى العمل بالدليل الاِجمالى في مقابل التفصيلي. ـ ومع ذلك كلّه ـ فرق بين الاَُصول الاعتقادية وغيرها بأنّ الاَُصول الاعتقادية أساس لكل ما يواجهه الاِنسان في مستقبل حياته ويتّخذه أصلاً في حياته الفردية والاجتماعية فإذا كانت متزلزلة يكون المبنى عليها كذلك، بخلاف الفروع، أضف إليه أنّ تحصيل اليقين في الاَُصول، لا يعوق الاِنسان عن القيام بسائر الاَُمور الدنيوية، بخلاف تحصيله في الفروع، إذ قلّما يتفق لاِنسان أنْ يجمع بين الاجتهاد في الاَحكام والقيام بسائر الوظائف في الحياة، فلاَجل ذلك لا يكون جواز التقليد في الفروع دليلاً على جوازه في الاَُصول.

دليل من قال بكفاية التقليد :

هناك جماعة من المقلّدة يدعون أصحابهم إلى المعرفة التقليدية وبوجوبها في مقابل طائفة أُخرى يجوزونها ويستدلّون بما يلى:


(90)

1 ـ كيف يُخصُّ الاَمر بالمعرفة للجاهل ؟

إنّ العلم بأمره سبحانه بوجوب النظر غير ممكن، لاَنّ المكلّف به إن لم يكن عالماً به تعالى، استحال أن يكون عالماً بأمره سبحانه، عندما يكون العلم بأمره ممتنعاً، وإن كان عالماً به استحال أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الباطل(1). يلاحظ عليه: أنّ الدافع إلى وجوب النظر والمعرفة هو أمر العقل، لا أمره سبحانه حتى يترتّب عليه من أنّه إذا لم يكن عالماً به، امتنع أن يكون عالماً بأمره، وإن كان عالماً به تكون معرفته حاصلة، والاَمر بها يكون تحصيلاً للحاصل. وأمر العقل ودفعه إلى المعرفة ليس أمراً خافياً على أحد. ولو صحّ ما ذكره لزم انسداد باب معرفة الله استدلالا وتقليداً، وذلك لاَنّه ينتقل نفس الكلام إلى مقلِّده وأنّه كيف نهض إلى معرفة الله بأمره سبحانه مع أنّ أمره قبل المعرفة غير ناهض.

2 ـ النهي عن الجدل والخوض في القدر :

إنّه سبحانه نهى عن النظر في قوله سبحانه: (مَا يُجادِلُ في آيَاتِ اللهِ إلاّ الّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البِلاد )(غافر ـ 4) ولاَنّ النبي رأى الصحابة يتكلّمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها، وقال: إنّما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا، ولقوله ـ عليه السلام ـ: "عليكم بدين العجائز" والمراد ترك النظر ولو كان واجباً لم يكن منهياً عنه (2)


1 . زين الدين العاملي: حقائق الاِيمان 61 بتلخيص. ط . مكتبة المرعشى.
2 . زين الدين العاملي: حقائق الاِيمان 62 .

(91)

والاِجابة عن الاستدلال واضحة، لاَنّ الجدل المنهىّ عنه، هو المجادلة لدحض الحق لا النظر لاِثبات الحق قال سبحانه: (وَجَادَلُوا بِالبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَاب )(غافر ـ 5) وأمّا إذا كانت الغاية، إبطال الباطل، وإثبات الحق، فقد أمر به سبحانه وقال: (وَجَادِلْهُمْ بِالّتِي هِىَ أحْسَن )(النحل ـ 125) والنهي عن الخوض في القدر، لايدل على النهى عن التفكّر في خلق السماوات والاَرض، وذلك لاَنّ القدر أمر غيبىّ لا يفيد الخوض فيه شيئاً كما قال الاِمام علي ـ عليه السلام ـ: "طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسرّ الله فلا تتكلّفوه(1)". وفي نفس الوقت أنّ الاِمام خاض فيه لقلع الشبهة إلتى عالقت ذهن الشيخ الذي سأله عنه عند منصرف الاِمام من صفين (2) وأمّا التمسّك بقوله: "عليكم بدين العجائز" فهو مكذوب على لسان النبي، كيف يجوز للنبي أن ينهى الناس عن التفكّر والاستدلال مع دعوته إليه في كتابه المنزل إليه قال سبحانه: (الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِـهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والاَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذا بَاطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّار )(آل عمران ـ 191) وقال سبحانه: (أَوَلَم يَتَفَكَّرُوا فِي أنفُسِهِم مَا خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُما إلاّ بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمّى )(الروم ـ 8) . روى أنّ عمر بن عبد الله المعتزلي قال: إنّ بين الكفر والاِيمان منزلة بين المنزلتين، فقالت عجوز: قال الله تعالى: (هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُم كافر ومِنْكُم مُوَمن ) فلم يجعل من عباده إلاّ الكافر والموَمن، فسمع سفيان كلامها فقال: عليكم بدين العجائز (3) وهناك من جوّز التقليد ـ تجاه من أوجبه ـ وقال: بأنّه لو وجب النظر في


1 . نهج البلاغة: قسم الحكم ، رقم 287 .
2 . نهج البلاغة: قسم الحكم ، رقم 78 .
3 . زين الدين العاملي: حقائق الاِيمان: 63. والآية 2 من سورة التغابن.

(92)

المعارف الاِلهية لوجد من الصحابة، إذ هم أولى به من غيرهم، لكنّه لم يوجد، وإلاّ لنقل كما نقل عنهم النظر والمناظرة في المسائل الفقهية. يلاحظ عليه: أنّ الاَمر دائر بين الاَخذ بهدى القرآن، وفعل الصحابة، فالاَوّل متعيّن للاتباع والقرآن يدعو إلى التفكّر وطلب البرهان ويقول: (قُلْ هَاتُوا بُرهَانَكُم إنْ كُنتُمْ صَادِقِين )(البقرة ـ 111) والآية واردة في رد قول اليهود: حيث قالوا: (لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلاّ مَن كَانَ هُوداً أو نَصَارى )والله سبحانه يصف كلامهم بأنّه أُمنية من أمانيهم، ويأمر نبيه أن يطلب البرهان لهذا التخصيص. ولعل الصحابة كانوا في غنى في ذلك الزمان عن النظر والاستدلال لحصول اليقين لهم. على أنّ علياً إمام الصحابة وأقضاهم وأعلمهم، فقد ملاَت خطبه ورسائله وكلمه، أنواع المعارف، ومنه أخذ أصحاب النظر أُصول كلامهم وأنظارهم. إنّ تجويز التقليد في الاَُصول، سبب لاِماتة الدين، وزواله عن القلوب والاَرواح، وفسح المجال للملاحدة والزنادقة لبثّ بذر الكفر والنفاق، أعاذنا الله من مكائدهم ودسائسهم. هذا كلّه في الفرد المتمكّن من تحصيل اليقين، وأمّا الكلام في الفرد القاصر فجدير بالبحث والدراسة، وإليك بعض الكلام فيه:


(93)

في حكم الجاهل القاصر

والكلام فيه يقع في الا َُمور التالية: 1ـ في وجود الجاهل القاصر وعدمه في مجال العقائد والمعارف. 2ـ هل الجاهل القاصر ـ على فرض إمكانه ـ كافر أو لا ؟ 3ـ هل تجري عليه الاَحكام الوضعية من نجاسته وحرمة تزويجه وذبيحته أو لا ؟ 4ـ هل يعاقب في الآخرة أو لا ؟ 5ـ المستضعف وأقسامه. وإليك الكلام في هذه الا َُمور واحداً بعد آخر:

أ : في وجود الجاهل القاصر :

ربّما يتصور عدم وجود الجاهل القاصر في العقائد بوجوه: 1ـ الاجماع على أنّ المخطىَ في العقائد غير معذور وصحّة الاِطلاق يتوقّف على عدم وجود القاصر، وإلاّ لبطل مع كون القاصر معذوراً. يلاحظ عليه: أنّ مصبّ الاِجماع هو المقصّـر لا القاصر، ولا يمكن الاَخذ بإطلاقه حتّى ينفي وجود القاصر. 2ـ أنّ المعرفة غاية الخلقة لقوله سبحانه: (وما خَلَقتُ الجنَّ والاِنسَ إلاّ لِيَعبُدون) فكيف يمكن حينئذ وجود القاصر لاستلزامه عدم تحقّق الغاية فيها.


(94)

يلاحظ عليه: مضافاً إلى النقض بالمجانين والاَطفال إذا ماتوا: أنّ الغاية، غاية للنوع، لا لكلّ واحد واحد، بداهة وجود القُصَّـر من الناس. 3ـ قوله سبحانه: (والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينا لَنَهدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإِنّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِين) (العنكبوت|69) حيث جعل الملازمة بين المجاهدة والهداية التي هي المعرفة، فلو لم يكن الطرفان ممكنين لم تصح الملازمة. يلاحظ عليه: أنّ الآية ناظرة إلى من يتمكّن من الجهاد، فالملازمة بينه وبين الهداية مسلَّمة، وأمّا غير المتمكّن كالقاصر، فهو خارج عن الآية، وأساسه اثنان، فقد الاستعداد مع غموض المطلب، أو وجوده مقروناً بالمانع من الوصول. ويصدق على الكلّ القاصر. وهذه الآية بضميمة ما قبلها تقسّم الناس على أقسام: 1ـ المفتري على الله أو المكذّب بالحق. 2ـ المجاهد في سبيله. 3ـ المحسن. أمّا الاَوّل: فوصفه سبحانه بقوله: (ومَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَو كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جَاءَهُ أَلَيسَ في جَهَنَّمَ مَثوىً لِلكافِرين)(العنكبوت|68) وهذه الطائفة خارجة عن طريق الحقّ لا ترجى هدايتهم ووصولهم إلى الحق، بل كلّما ازدادوا سيراً ازدادوا بعداً وجهلاً. والثاني: يهديهم ربّهم إلى سبله لقوله سبحانه: (لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا )فَمَن أخطأ فلتقصير منه، إمّا لعدم إخلاصه في السعى، أو لتقصيره فيه. والثالث: وصلوا إلى قمّة الكمال وصاروا مع الله سبحانه لقوله: (وإنّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنين ) . وبذلك يعلم أنّه لا يصحُّ قصر مفاد الآية بالجهاد مع النفس مع ظهور إطلاقها وشمولها لغيره.


(95)

4ـ قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللهِ ذلكَ الدِّينُ القَيّمُ ولكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون) (الروم|30) فإنّ قوله: (فِطرت الله )عطف بيان أو بدل من الدين نصب بفعل مقدّر ، مثل أعني أو أخص، وإلاّ لكان الواجب أن يكون مجروراً بحكم البدلية، ولازم ذلك أن تكون معرفته سبحانه أمراً فطرياً وخلقياً، لا يقبل القصور كسائر الاَحاسيس والا َُمور الوجدانية. أقول: إنّ الآية أوضح ما في الباب وهي تدلّ على عدم وجود القاصر في معرفة الربّ وأنّ للعالم خالقاً وصانعاً، وأنّه واحد لا شريك له في ذاته، وهو أمر لا يقبل القصور ، إلاّ إذا عاند الاِنسان فطرته وأنكر وجدانه لغايات مادّية، كالانحلال من القيود الشرعية وغير ذلك، ولاَجل ذلك لا يبعد ادّعاء عدم وجود القاصر في أصل وجوده وتوحيده، وأمّا غير ذلك، فلا شك في وجوده خصوصاً بالنسبة إلى النبوّة والاِمامة بين الرجال والنساء، لا سيما في البلاد النائية التي تسيطر عليها الملاحدة. أضف إلى ذلك: أنّ كلمة (حنيفا )في الآية أصدق شاهد على أنّ المراد من الدين هو توحيده سبحانه في مقام الاِشراك به، والحنيف جمعه الحنفاء هم الموحّدون في مقابل المشركين. وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الكبريات الورادة في الدين في مجال الفروع أيضاً فطرية، كالدعوة إلى التزويج، وإكرام الوالدين، وردّ الاَمانة، وحرمة الخيانة، وغيرها من القوانين الجزائية والاقتصادية وغيرهما. ولكن القول به لا يوجب أن لا يوجد في أديم الاَرض جاهل قاصر لاَنّ البحث في الا َُصول لا في الفروع.


(96)

استدلال آخر على نفي الجاهل القاصر:

ربّما يستدل على عدم تحقق الجاهل القاصر بضمّ العمومات الشرعية إلى ما يحكم به العقل، وبيّنه الشيخ الاَعظم الاَنصاري ـ قدّس سرّه ـ في فرائده وقال ما هذا حاصله: 1ـ دلّت العمومات على حصر الناس في الموَمن والكافر. 2ـ دلّت الآيات على خلود الكافرين بأجمعهم في النار. 3ـ دل الدليل العقلي بقبح عقاب الجاهل القاصر. فإذا ضمّ الدليل العقلي إلى العمومات المتقدمة ينتج أنّ من نراه عاجزاً قاصراً عن تحصيل العلم، قد يتمكّن من تحصيل العلم بالحقّ، ولو في زمان ما، وإن صار عاجزاً قبل ذلك أو بعده، والعقل لا يقبح عقاب مثل ذلك.

يلاحظ عليه بوجهين:

الاَوّل: أنّ حصر الناس في الموَمن والكافر حصر غير حاصر فانّ الظاهر من الروايات، وجود الواسطة بينهما وهم القاصرون بوجه من الوجوه، وستوافيك رواياته في الاَمر الثاني. الثاني: أنّ الكبرى الثانية ناظرة إلى المتمكّن من المعرفة، لاَنّ عقاب العاجز القاصر قبيح فضلاً عن خلوده في النار ، فإذا بطلت الكبريتان فالقياس يكون عقيماً. إلى هنا تم الكلام في الاَمر الاَوّل وحان البحث عن الا َُمور الا َُخرى وإليك البيان:


(97)

ب : هل الجاهل القاصر كافر أو لا ؟

لا شك أنّ الجاهل القاصر ليس بموَمن إنّما الكلام هل هو كافر أو لا ؟ والمعروف بين المتكلّمين أنّه لا واسطة بين الاِيمان والكفر، لاَنّهما من قبيل العدم والملكة، مثلاً الاِنسان إمّا بصير أو أعمي ولا ثالث لهما، هذا وإن كان صحيحاً من حيث الاَبحاث الكلامية، لكنَّ الكلام في إطلاق لفظة الكافر في اصطلاح القرآن والسنّة عليه إذ من الممكن أن يكون للكافر اصطلاح خاص فيهما، فيختص بالجاحد أو الشاكّ مع التمكّن من المعرفة، ولا يعمّ غير المتمكّن أصلاً. وبعبارة أُخرى: ليس الكلام في الثبوت ، حتّى يقال: إنّه لا واسطة بينهما، إنّما الكلام في الاِطلاق والاصطلاح. حيث يظهر من العديد من الروايات وجود الواسطة بينهما. وإليك نقلها: 1ـ عن أبي جعفـر الباقــر ـ عليه السلام ـ في تفسـير قولـه سبحـانـه: (إلاّ المستضعفين ... لا يستطيعون حيلة)فيدخلوا في الكفر (ولا يهتدون)فيدخلوا في الايمان، فليس هم من الكفر والايمان في شىء (1) 2ـ عن سماعة: وهم ليسوا بالموَمنين ولا الكفّار(2) وعن زرارة قال: قلت: لاَبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : أتزوّج المرجئة أو الحرورية أو القدرية؟ قال: لا عليك بالبله من النساء. قال زرارة: فقلت: ما هو إلاّ موَمنة أو كافرة. فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : فأين استثناء الله ، قول الله أصدق من قولك (إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء)(3)


1 . البحار: ج 69 ص 162 باب المستضعفين ، الحديث 16 .
2 . المصدر نفسه: ص 163 ، الحديث 21. وسماعة من أصحاب الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ .
3 . المصدر نفسه: ص 164 باب المستضعفين ، الحديث 24، ونظيره الحديث 26.

(98)

3ـ قال حمران: «سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن المستضعفين، قال: إنّهم ليسوا بالموَمنين ولا بالكافرين وهم المرجون لاَمر الله»(1) ولاحظ الروايات الا َُخر المذكورة في ذلك الباب ولا نطيل الكلام بذكرها(2). وقد أخرج سليم بن قيس حديثاً عن الاِمام أمير الموَمنين ـ عليه السلام ـ يدلّ على وجود المستضعف في مسائل فلاحظ (3) فإن قلت: إنّ هناك روايات تدلّ على أنّ الشاك والجاحد كافر، والجاهل القاصر في مجال المعارف بين شاك وجاحد، وربّما يكون غافلاً. روى عبد الله ابن سنان عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: من شك في الله ورسوله فهو كافر (4). وروى منصور بن حازم عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ فيمن شك في رسول الله . قال: كافر (5) وروى زرارة عن أبي عبد لله ـ عليه السلام ـ : لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا (6) قلت: إنّ هذه الروايات ناظرة إلى المتمكّن، فإنّ الشك أو الجحد إذا استمرّا يكون آية التسامح في التحقيق، والتقصير في طلب الحقيقة. إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة: "إنّ القاصر في مجال المعرفة لا موَمن ولا كافر، إلاّ فيما كان العقل والفطرة كافيين في التعرف على الحقّ وتمييزه عن الباطل كأصل المعرفة بالله وبعض صفاته، ويكون الكفر عندئذ عن تقصير ولا


1 . البحار: ج 69 ص 165، الحديث 29. قال سبحانه: (وآخرون مرجَون لاَمر الله إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم والله عليم حكيم )(التوبة|106).
2 . لاحظ الاَحاديث في نفس الكتاب ، الحديث 30 و34 .
3 . المصدر نفسه: ص 170 ـ 171 ، الحديث 36 .
4 . الكافي: ج2 ص 386 باب الكفر، الحديث 11، 19.
5 . الكافي: ج2 ص 386 باب الكفر، الحديث 11، 19.
6 . الكافي: ج2 ص 386 باب الكفر، الحديث 11، 19.

(99)

يكون الاِنسان جاحداً لخالقه وبارئه إلاّ لعامل روحي أو مادي يدفعانه إلى الانكار والجحد، أو الشك والترديد، وأمّا ما وراء ذلك فالجاهل القاصر متصوّر ومحقق فهو ليس بموَمن ولا كافر بالمعنى الذي عرفت.

ج: الجاهل القاصر والحكم الوضعي:

هل الجاهل القاصر محكوم بالاَحكام الوضعية الثابتة في حقّ الكافر كنجاسته وحرمة ذبيحته وتزويجه على التفصيل المحرّر في كتاب النكاح أو لا ؟ إنّ التصديق الفقهي يتوقّف على معرفة لسان الاَدلّة في هذه الموارد، وأنّ الحكم هل هو مترتّب على عنوان غير المسلم؟ كأن يقول: ذبيحة غير المسلم نجس لا توَكل، أو هو مترتّب على عنوان الكافر ، أو على عنوان من لم يوَمن بالله ورسوله ... إلى غير ذلك من العناوين، ومن المعلوم أنّ الجاهل القاصر غير مسلم فيحكم بما يترتّب عليه، وأمّا الحكم المترتّب على الكافر فهو فرع القول بأنّه كافر ، وقد عرفت أنّ الروايات حاكمة على كونه غير موَمن ولا كافر، وأمّا العنوان الثالث، فالجاهل القاصر غير موَمن بالله ورسوله وما جاء به من الاَحكام الضرورية التي يرجع انكارها إلى انكار الرسالة، وبالجملة تجب ملاحظة العنوان وأنّه هل هو منطبق على الجاهل القاصر أولا ؟ وليس المقام مناسباً للتصديق الفقهي، فإحراز العناوين موكول إلى محلّها.

د : هل الجاهل القاصر معاقب؟

قد ظهر ممّا ذكرنا حكم العقاب، فإنّه بحكم العقل مختص بالمقصّـر، والمتمكّن من المعرفة، وأمّا غير المتمكّن فعقابه قبيح عقلاً ومرفوع شرعاً، إلاّ أن يكون العقاب من لوازم الابتعاد عن الحق، وارتكاب الاَعمال المحرّمة بالذات، وبما أنّ حدود هذه القضية (كون الجزاء تمثّلاً للعقيدة والعمل وتجسّماً


(100)

لهما) غير معلومة لنا، فلا يمكن الحكم بالعقوبة حتّى على هذا الاَصل، لاحتمال أن تكون الملازمة بين عقائد المتمكّن السخيفة، والجزاء والعذاب الاَليم، وبعبارة أُخرى: أن تكون الملازمة بين العصيان والعقاب لا المخالفة والعقاب، والمخالفة أعم من العصيان.

هـ : المستضعف والجاهل القاصر:

إنّ الجاهل القاصر من أقسام المستضعف ومن أوضح مصاديقه، والمراد منه هنا هو المستضعف الديني لا السياسي، ولا المستضعف من ناحية الاقتصاد وأدوات الحياة، فلاَجل توضيح هذه الاَقسام الثلاثة نأتي بمجمل الكلام ونحيل التبسيط إلى محل آخر:

الاستضعاف الديني:

المستضعف الديني عبارة عمّن لا يتمكّن من معرفة الحق في مجال العقائد أو من القيام بالوظيفة في مجال الاَحكام، وفي الآيات اشارة إلى هذا الصنف من الاستضعاف قال سبحانه: (إنَّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِـمِي أَنْفُسِهِمْ قَالوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الاَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فيها فَأُولئِكَ مَأواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً * إلاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ وَالنِساءِ وَالوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبيلاً * فَأُولئِكَ عَسَـى اللهُ أن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً)(النساء|97ـ 99). إنّ الآية تقسّم من يموت على الكفر إلى قسمين:


(101)

1ـ من ملك القدرة الماليـة والبدنيـة بالخـروج عن أرض الشرك والكفر، والذهاب إلى دار الاِيمان والاِسلام، ولكنّه أخلد إلى الاَرض واتّبع هواه، وحان أجله فهوَلاء لو ماتوا على الكفر والشرك كانوا معذّبين، ولم يقبل لهم العذر بأنّهم كانوا مستضعفين في الاَرض، إذ يجاب عليهم بأنّ أرض الله واسعة وكانوا متمكّنين من الخروج عن حومة الكفر بالمهاجرة، فهم لم يكونوا بمستضعفين حقيقة للتمكّن من كسر قيد الاستضعاف وإنّما اختاروا هذا الحال بسوء اختيارهم. وقسم ليست له مقدرة مالية أو بدنية ولا يهتدي سبيلاً، فهذا هو المستضعف الديني لو مات على الكفر، فأُولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عَفوّاً غفوراً. وهم الذين أشار إليهم الذكر الحكيم في آية أُخرى بقوله: (واخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَِمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكيمٌ )(التوبة| 106). والوارد في الآية الكريمة من الاستضعاف الدينى هو غير المتمكن من الخروج من أرض الشرك إلى أرض التوحيد، ولكن الملاك إذا كان هو عدم التمكّن فالاَقسام التالية كلّها من الاستضعاف الديني: أ : من يتوطّن في بلد لا يتمكّن من تعلّم المعارف لخلوّه عن العالم العارف. ب : من لا يتمكّن ـ والحال هذه ـ من العمل بالوظائف لخلوّ قطره عن الفقيه والعارف بالاَحكام، ويشترك القسمان في أنّهما غير متمكّنين من الخروج إلى بلد آخر ـ يتوفر فيه العارف والعالم. ج: من لا يتردّد في عقائده ودينه ويراه أُصولاً رصينة كأنّها أفرغت من حديد أو رصاص كأكثر البوذيين في المناطق الشرقية وأمثالها. د: من كان ضعيف العقل والاستعداد لا يهتدي لشيء لضعف عقله وتفكيره. وهذا هو الاستضعاف الفكري الذي هو أيضاً قسم من أقسام


(102)

الاستضعاف الديني. كلّ ذلك من أقسام الاستضعاف الديني.

الاستضعاف السياسي:

هناك قسم من الاستضعاف أولى بأن يسمّى الاستضعاف السياسي، وهم الموَمنون حقّاً القائمون بالوظائف بالخوف وتحت غطاء التقية غير أنّ قوى الكفر والشرك والعدوان قد وضعت في طريقهم عراقيل وقهرتهم، وهم الذين دعا القرآن الكريم المسلمين الاَحرار إلى الجهاد ضد عدوّهم لتحريرهم من الاضطهاد، قال سبحانه: (وَمَا لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللهِ وَالْـمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدَانِ الّذِينَ يقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذِهِ القَرْيَةِ الظّالِـمِ أَهْلُهَا وَ اجْعَل لَنا مِن لَدُنكَ وليّاً وََ اجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيراً )(النساء|75). وفي هذه الآية يدعو القرآن المسلمين الغيارى إلى التفدية والتضحية لتحرير إخوانهم المسلمين المكبّلين بالقيود، فما أحسن الحياة إذا كانت في طريق الجهاد، وما أحسن التضحية إذا تمّت لتحرير الاخوان.

الاستضعاف الاقتصادي:

وهناك نوع من الاستضعاف وهو سلطة الاَغنياء على الفقراء واستنزاف دمائهم، ونهب ثرواتهم، واستغلال طاقاتهم بنحو من الاَنحاء، وإليه الاشارة في قوله سبحانه: (وَنُرِيدُ أن نَمُنَّ عَلَـى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الاَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِين)(القصص|5) وما ورد حول الواجبات المالية من الزكاة والصدقات والاَخماس يشير إلى هذا النوع من الاستضعاف. وهذه عبرة عاجلة بمسألة الاستضعاف والتفصيل يطلب من محالِّه.


(103)

الجهة التاسعة :

دفاع عن الحقيقة

في الوقت الذي يتحالف فيه أعداء الاِسلام الناهض، للقضاء على الصحوة الاِسلامية الصاعدة ولا يشك أىّ ذى مسكة في ضرورة توحيد الصفوف ورصّها للحفاظ على كيان الاِسلام والمسلمين ومواجهة الموَامرات الخطيرة ... تقوم نعرة جاهلية جديدة تهدف إلى شق العصا وتفريق الصفوف، والحيلولة دون تقارب طوائف المسلمين لتحقيق الوحدة المطلوبة التي يخشاها المستعمرون، ويرهبها أعداء الاِسلام من الصهاينة والصليبييّن الجدد. نرى أنّ رجلاً يعد نفسه فقيهاً مفتياً يقوم بتكفير طائفة كبيرة من المسلمين. لهم جذور في التاريخ، وخدمات جليلة في صالح الاِسلام والمسلمين. ويجيب على سوَال بعثه إليه رجلٌ مجهول الاسم والهوية، وإليك السوَال والجواب:

السوَال:

يوجد في بلدتنا شخص رافضى يعمل قصاب (1) ويحضره أهل السنّة كي يذبح ذبائحهم. وكذلك هناك بعض المطاعم تتعامل مع هذا الشخص الرافضي وغيره من الرافضة الذين يعملون في نفس المهنة.. فما حكم التعامل مع هذا الرافضي وأمثاله؟ وما حكم ذبحه وهل ذبيحته حلال أم حرام؟ أفتونا مأجورين، والله ولي التوفيق.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.


1 . هكذا وردت في نص سؤال السائل والصحيح (قصاباً) لكونها حال.

(104)

وبعد فلا يحل ذبح الرافضي، ولا أكل ذبيحته فإنّ الرافضة غالباً مشركون، حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء، حتى في عرفات والطواف والسعي، ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مراراً. وهذا شرك أكبر، وردّة عن الاِسلام يستحقّون القتل عليها كما هم يغالون في وصف على رضى الله عنه ، ويصفونه بأوصاف لاتصلح إلاّ لله ، كما سمعناهم في عرفات، وهم بذلك مرتدّون حيث جعلوه ربّاً وخالقاً ومتصرّفاً في الكون ويعلم الغيب ويملك الضر والنفع، ونحو ذلك كما أنّهم يطعنون في القرآن الكريم، ويزعمون أنّ الصحابة حرّفوه، وحذفوا منه أشياء كثيرة متعلّق بأهل البيت وأعدائهم. فلا يقتدون به ولا يرونه دليلاً. كما أنّهم يطعنون في أكابر الصحابة كالخلفاء الثلاثة وبقية العشرة وأُمهات الموَمنين. فمشاهير الصحابة كأنس وجابر وأبي هريرة ونحوهم فلا يقبلون أحاديثهم لاَنّهم كفّار في زعمهم، ولايعملون بأحاديث الصحيحين إلاّ ما كان عن أهل البيت ويتعلّقون بأحاديث مكذوبة ولا دليل فيها على ما يقولون، ولكنّهم مع ذلك يفتون فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. ويخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك. ويقولون من لا تقية له فلا دين له فلا تقبل دعواهم في الآخرة و ... الخ. فالنفاق عقيدة عنهم كفى الله شرهم وصلى الله على محمد واله وصحبه وسلم.

جبرين
22|2|1412

هذا هو نص السوَال والجواب وقبل أن نخوض في الاِجابة على ما ساق من التهم على الشيعة. ننبّه على أُمور: 1 ـ السنّة الرائجة في الاِجابة على الاَسئلة الفقهية هو الاقتصار على نفس الفتوى. وكان على المفتى أن يقتصر على تحريم الاَكل من دون حاجة إلى التفصيل. وما جاء به يعرب عن أنّ هناك موَامرة، وأنّ السوَال والجواب دبّرا بليل. فالمقصود إيجاد القلق وإشاعة التهم ضد الشيعة سواء أصحَّ السوَال أو لا وهل كان هناك سائل أم لا ؟.


(105)

2 ـ إنّ الكلمة التي يستخدمها العوام في التعبير عن هذه الطائفة هو لفظ الشيعة، وأمّا الرافضي وهي كلمة يستخدمها أصحاب المقالات وكتّاب الملل والنحل. فاستخدام كلمة الرافضي بدل كلمة الشيعة يرشدنا إلى أنّ السوَال كان مصطنعاً ممّن لهم ممارسة في تكفير الفرق. 3 ـ سواء أصحت تلك التهم أم لا فقد أسماهم النبي الاَكرم بشيعة على بن أبي طالب وقال: ياعلى أنت وشيعتك هم الفائزون، وهم اختاروا لاَنفسهم تلك الكلمة. فاستخدام الرافضي في هذا المجال من قبيل التنابز بالاَلقاب، وهو أمر محرم على كل تقدير. 4 ـ إنّ المجيب يقول: فإنّ الرافضة غالباً مشركون، وهذا يدل على أنّ فيهم موحدين، أو ليس من واجب المفتي أنّ يسأل السائل عن القصاب الذي يذبح ذبائحهم هل هو من الغالب أو من غيرهم، فلا يحكم على البريء بحكم المجرم. ومن أدراه أنّ الذي يذبح هو من المشركين. كل ذلك يسوقنا إلى أنّ الهدف لم يكن إرشاد العوام ولا الاِجابة على السوَال وإنّما كان الهدف إيجاد البلوى والشغب وضرب المسلمين بعضهم ببعض لتصفو المياه للمستعمرين. إذا وقفت على ذلك فترجع إلى الاِجابة عن التهم الباطلة التي أُجيب عنها في طيّات القرون عشرات المرات. ونحن نعلم أنّ خلافاً دام قروناً لا يرتفع بهذه الرسالة وأمثالها. غير أنّا نقوم بواجبنا الذي أولى به الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" في كلامه المشرق: "اذا ظهرت البدع فليظهر العالم علمه وإلاّ فعليه لعنة الله ". وأي بدعة أفضع من تكفير أُمة كبيرة تعد ربع المسلمين أو أكثر وليس لهم جريمة سوى حب أهل البيت الذين أمر الله سبحانه بمودّتهم وسوى المشايعة للثقلين الذين أمر النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" بالتسمك بهما.


(106)

وحدة الاَُمة أُمنية النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" الكبرى :

إنّ وحدة الكلمة كانت أُمنية النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" العليا، فقد كان رسول الاِسلام محمّد بن عبد الله "صلى الله عليه وآله وسلم" يهدف دائماً إلى توحيد المسلمين ويحافظ أبداً على وحدة صفوفهم، ويسعى إلى إطفاء أية نائرة أو ثائرة تهدد هذه الوحدة. فيوم دخل شاب يهودي مجتمع الاَوس والخزرج الذين جمعهم الاِسلام بعد طول نزاع وتشاجر وتقاتل، وأخذ يذكّرهم بما وقع بينهم في عهد الجاهلية، من قتال، فأحيى فيهم الحميّة الجاهليّة حتى استعدّوا للنزاع والجدال، وكادت نيران الفتنة تثور من جديد بينهم بعد أن أشعلها ذلك اليهودي المتامر، وتواثب رجلان من القبيلتين وتقاولا، وبلغ ذلك رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم، فقال:

"يا معشر المسلمين! الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله بالاِسلام وأكرمكم به وقطع عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم من الكفر، وألّف بين قلوبكم" (1) فإذا كانت هذه هي أهمية الوحدة في الاَُمة الاِسلامية فما جزاء من يرفع عقيرته يريد تفريق صفوف المسلمين بفتوى ظالمة مخالفة لنصوص الكتاب العزيز والسنّة المحمدية الشريفة؟ وهو بذلك لا يخدم إلاّ القوى الاستعمارية الكافرة المعادية للاِسلام والمسلمين إذ لا ينتفع من هذه الفتوى المفرّقة، غيرهم. ما جزاء هذا المتسمّى باسم أهل العلم المتصدّي لمقام الدعوة والاِفتاء؟ ينبري في وقت أشد ما يكون فيه المسلمون إلى التآخي والتقارب ينجّس ويكفِّر طائفة كبرى من طوائف المسلمين. فيقول: "لايحل ذبح الرافضي ـ ويقصد به


1 . السيرة النبوية: 2 | 250 .

(107)

شيعة الاِمام علي ـ عليه السلام ـ من أتباع الاِسلام ـ ولا أكل ذبيحته، فإنّ الرافضة غالباً مشركون حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء حتى في عرفات والطواف والسعى ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مراراً وهذا شرك أكبر وردّة عن الاِسلام يستحقّون القتل عليها كما هم يغلون في وصف علي رضي الله عنه ويصفونه بأوصاف لا تصلح إلاّ لله كما سمعناهم في عرفات وهم بذلك مرتدّون حيث جعلوه ربّاً وخالقاً ومتصرّفاً في الكون"!! إنّ هذا الرجل يتطاول على شيعة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ويذلقهم بلسان حادّ ويتّهمهم بالشرك والارتداد بينما هو يسكت ويخرس في قضية سلمان رشدي الذي تجرّأ على رسول الله وأُمّهات الموَمنين وأصحاب النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" وتجاسر عليهم ومسّ كرامتهم، ونال من شرفهم، ولا يشير إلى ارتداد سلمان رشدي، وهو ينشر تلك الترّهات والاِساءات إلى المقدّسات الاِسلامية. وما هذا السكوت إلاّ لاَنّ أسيادهم يرفضون تكفير رشدي، بينما يتكلّفون خلق الشبهات الباطلة لاِلصاقها بشيعة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وتكفيرهم ويغمضون عيونهم عن الحقائق الناصعة التي تحكى إيمانهم الصادق بالله ورسوله وكتابه وأحكامه وإنّهم صفوة الله ورسوله وأهل بيته في رفع شأن هذا الدين وحمل هموم المسلمين والدفاع عنهم والعمل على ترسيخ وحدتهم على مرّ العصور والاَزمان. كما أنّ الغاية من هذا التكفير هو التغطية على جريمة السماح باستيطان جنود اليهود والنصارى في أرض مكة والمدينة المقدسة، وبهذا أثبتوا صلتهم بالاَجانب المستعمرين. أجل للتغطية على هذا العار وتحريفاً لاَذهان ومشاعر الشعوب الاِسلامية الجريحة بسبب تدنيس الاَمريكان وحلفائهم لاَرض المقدسات مكة والمدينة، عمد المدعو عبد الله بن عبد الرحمان الجبرين إلى تكفير الشيعة ورميهم


(108)

بالشرك، ليخفي الحقيقة عن المسلمين غافلاً عن أنّ الشعوب الاِسلامية قد أصبحت اليوم واعية تميّز بين الحق والباطل ولم تعد تخفى عليها حقيقة المدعو "جبرين" ونظرائه من مفرّقي الصفوف الاِسلامية، تحت غطاء الدفاع عن التوحيد. وإلاّ فما ذنب الشيعة إلاّ كونهم موالين لاَئمة أهل البيت الذين "أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً". كما فرض في الكتاب مودّتهم وجعلها أجراً للرسالة المحمدية؟ ما ذنب الشيعة إلاّ كونهم أُمة مقاومة للاستعمار البغيض رافضة لخططه الجهنمية، أُمة مجاهدة امتزجت حياتهم بالجهاد والدفاع عن حياض الاِسلام الحنيف ... والنبي واله الكرام. وهو رمز معاداة الكفر لهم؟

ما هو ميزان التوحيد والشرك؟

لقد كان رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" يكتفي في قبول الاِسلام من الذين يريدون الانضواء تحت رايته بمجرّد الشهادة بالوحدانية واستقبال القبلة والصلاة. قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "من شهد أن لا إله إلاّ الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم" (1) وقال "صلى الله عليه وآله وسلم" : "أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، فإذا شهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلّوا صلاتنا حرمت علينا دماوَهم وأموالهم إلاّ بحقّها(2).


1 . جامع الاَُصول: 1|158.
2 . راجع صحيح البخاري: 2، وصحيح مسلم: 6، وجامع الاَُصول: 1|158 ـ 159.

(109)

بهذا كان يكتفي رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" لاِطلاق وصف الاِسلام على الاَشخاص من دون أن ينبِّش في أعرافهم الاجتماعية وممارساتهم التقليدية، عند احترام شخصياتهم وتكريمهم. فما بال المدعو "الجبرين" وأضرابه يكفّرون بسهولة أُمة كبيرة من الموحدين الموَمنين بالرسالة المحمدية، التابعين للعترة الطاهرة المجاهدين للكفار والمستعمرين؟ مع أنهم يشهدون بالوحدانية والرسالة والمعاد ويصلّون ويصومون ويحجّون ويزكّون. وهل يحق لهم التكفير وقد نهاهم رسول الاِسلام "صلى الله عليه وآله وسلم" عن ذلك في أكثر من حديث صحيح تنقله مصادر السنّة والشيعة: "كفّوا عن أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنب، فمن كفّر أهل لا إله إلاّ الله فهو إلى الكفر أقرب". "من قذف موَمناً بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفساً بشيء عذّبه الله بما قتل". "إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فهو كقتله، ولعن الموَمن كقتله(1).

هل دعاء الصالحين عبادة لهم وشرك؟

يقول صاحب هذه الفتوى الظالمة الباطلة: إنّ الرافضة مشركون حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء. إنّه يتمسّك بهذه الحجة (أي دعاء الاَولياء الصالحين في الشدة والرخاء) لرمي الشيعة المسلمين الموَمنين بالكفر والشرك. وهو أكبر حججهم لتكفير عامة المسلمين وليس خصوص الشيعة وهو لا يدرك أن دعاء الاَولياء يقع على وجهين: الاَوّل: دعاء الولىّ ونداوَه بما أنّه عبد صالح تستجاب دعوته عند الله إذا


1 . راجع جامع الاَُصول: 1 و 10 و 11، وكنز العمال للمتقي الهندي1.

(110)

طلب منه تعالى شيئاً، وهو شىء أباحه القرآن بل أمر به إذ قال: (وَلَوْ أنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاستَغْفَرُوا اللهَ و اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً)(1) عن يعقوب ـ عليه السلام ـ أنّه لما طلب منه أبناوَه أن يدعو لهم ويستغفر لذنبهم قال: (سَوفَ أستغفِرُ لَكُم )وهو أمر جائز وجارٍ في حياة النبي ـ عليه السلام ـ وأهل بيته وحال مماته، إذ الموت لا يغيّر الموضوع كما أنّه ليس دخيلاً في مفهوم التوحيد والشرك، ما دام الداعي يوَمن بالله الواحد ويعتبره الرب الخالق والمدبر المستقل دون سواه. روى الطبراني عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمّه عثمان بن حنيف: أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى ابن حنيف فشكى ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: اللّهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" نبي الرحمة يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربى فتقضى لى حاجتى، فتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان (رض) فجاء البوّاب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان (رض) فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كان الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها. ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتى ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ. فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلّمتُه ولكنّى شهدت


1 . النساء: 64.

(111)

رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره فقال له النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" : فتصبّر، فقال: يارسول الله ليس لي قائد، فقد شق علىّ، فقال النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" : "إئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات". قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط (1) إنّ هذه الرواية ونظائرها تكشف عن أنّ الصحابة كانوا يدعون رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" ويتوسّلون به حتى بعد وفاته "صلى الله عليه وآله وسلم" من دون أن يعتبروا ذلك محرّماً بل ولا مكروهاً. الثاني: لا شك أنّ دعاء النبي أو الصالح ونداءهما والتوسّل بهما باعتقاد أنّه إله أو ربّ أو خالق أو مستقلّ في التأثير أو ملك للشفاعة والمغفرة شرك وكفر، ولكنّه لا يقوم به أىّ مسلم في أقطار الاَرض، بل ولا يخطر ببال أحد وهو يقرأ آيات الكتاب العزيز آناء الليل وأطراف النهار، ويتلو قوله سبحانه: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيـْرُ الله )(2)؟ (أَ ءِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُون )(3) (قُلْ أَغَيْـرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً... )(4) (قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَراً ولا نَفْعاً إلاّ مَا شَاءَ الله )(5) إنّ المسلمين لا يعتقدون في النبي وأهل بيته المطهرين: (فاطمة وعلى والحسن والحسين ـ عليهم السلام ـ ) إلاّ كونهم عباداً صالحين مقرَّبين عند الله مستجابة دعوتُهم. ولا يعتقدون بغير ذلك من ربوبية أو إلوهية أو مالكية للشفاعة


1 . الحافظ الطبراني: المعجم الكبير: 9|16 و 17.
2 . فاطر: 3.
3 . النمل: 63.
4 . الاَنعام: 164.
5 . يونس: 49.

(112)

والمغفرة أبداً. ولكنّ القوم الذين عمدوا إلى تكفير الشيعة وغيرهم من المسلمين لم يفرّقوا بين الدعائين والندائين، فرموهما بسهم واحد. ثم يقول المدعو جبرين: "حيث جعلوه ـ أي علياً ـ عليه السلام ـ ـ رباً وخالقاً ومتصرفاً في الكون" ويالها من كذبة وقحة، وفرية فاضحة، وتهمة للمسلمين الموحدين. فما الرب عند المسلمين شيعة وسنّة، وما الخالق وما المتصرف الحقيقي في الكون إلاّ الله سبحانه دون سواه ... وهذه كتبهم ومصنفاتهم في العقائد والحديث والتفسير، فهى طافحة بالاعتراف والاِقرار بوحدانية الله تعالى في الذات والصفات والخالقية والتدبير والحاكمية والتشريع والطاعة، والعبودية والشفاعة والمغفرة. وكيف ترى يحق لجبرين ونظرائه أن يكفّروا المسلمين شيعة وسنّة الذين يوحّدون الله ، بشيء لم يعتقدوا به ولم يقولوا به؟ ولو صحّ أنّ دعاء أحد يستلزم القول بإلوهيته أو ربوبيته ويعدّ هذا الدعاء والنداء شركاً وكفراً فكيف نادى ودعا إخوة يوسف، أخاهم يوسف وقالوا: (يَا أيّها العَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّـرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنّ اللهَ يـَجْزِي المـُتَصَدّقِينَ)(1)؟ ولم يعتبر القرآن هذا شركاً. فهل النبي الاَكرم محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" أقل شأنا ودرجة من عزيز مصر يوسف الصديق ـ عليه السلام ـ ؟!


1 . يوسف: 88.

(113)

وأمّا كون النبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" يختلف عن العزيز بأنّه ميت فهو عذر تافه وكلام باطل، إذ حياة النبي وأهل بيته الشهداء في سبيل الله في البرزخ أمر مسلّم، كيف والقرآن الكريم يقول: (وَلا تَحْسَبَنَّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أحْياءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرزَقُون)(1)وقال: (وَلاتَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيل اللهِ أموَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ وَلَكِن لا تَشْعُرُون )(2) مع العلم أنّ الشهداء يأتون في المرتبة الثالثة في قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّبِيّينَ والصّدّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصّالِحين )(3) لو كان رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" ميتاً فما معنى قوله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "ما من أحد يسلّم علىَّ إلاّ ردّ الله عزّ وجلّ علىّ روحى حتى أرد عليه السلام (4) ؟ وقوله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "صلّوا علىّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (5) إنّ النبي الاَكرم، والاَئمة الطاهرين من أهل بيته الذين يشاركونه في الطهر والقداسة لآية التطهير والمباهلة والمودة، والذين قُتِلوا في سبيل الله ودفاعاً عن حياض الشريعة المحمدية المقدسة، متماثلون في الحياة بعد الموت، فكيف يكون نداوَهم ودعاوَهم دعاء للميت الذي لا يسمع؟ العلم بالغيب على نوعين: ويقول جبرين في فتواه: "وجعلوه ـ يعنى علياً ـ يعلم الغيب".


1 . آل عمران: 169.
2 . البقرة: 154.
3 . النساء: 69.
4 . سنن أبي داود: 2| 218، وكنز العمال: 10|381، وغيرهما من كتب الحديث.
5 . نفس المصدر.

(114)

إنّ صاحب هذه الفتوى الباطلة جاهل حتى باللغة العربية والمصطلح الديني، فإنّ العلم بالغيب في الكتاب العزيز هو العلم النابع من الذات (أي من ذات العالم) غير المكتسب من آخر وهذا يختص بالله الواحد الاَحد، وإليه يشير قوله سبحانه: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَواتِ والاَرضِ الغَيْبَ إلاّ الله )(1) وأمّا الاِخبار بالغيب بتعليم من الله فالكتاب العزيز والسنّة الشريفة مليئان منه. فهذه سورة يوسف تخبرنا بأنّ يعقوب وابنه يوسف ـ عليهما السلام ـ قد أخبرا عن حوادث مستقبلية كثيرة.. أي أخبرا بالغيب: 1 ـ لمّا أخبر يوسف والده بأنّه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له، قال يعقوب ـ عليه السلام ـ: (يا بُنَىّ لا تَقْصُصْ رُوَْيَاكَ عَلَى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدا )(2)وبذلك أخبر ضمناً عن مستقبله المشرق الذي لو عرف به إخوته لثارت عليه حفائظهم. 2 ـ لمّا أخبر صاحبا يوسف في السجن يوسفَ بروَياهما قال ـ عليه السلام ـ لمن أخبره بأنّه يعصر خمراً: (أمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبّهُ خَمراً )وقال للثاني ـ الذي قال إنّه رأى يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه ـ: (وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ مِن رَأسِهِ )(3) 3 ـ لما فصلت العير قال أبوهم "يعقوب": (إنّي لاََجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أن تُفَنّدُون)(4). 4 ـ قـال النبي عيسى ـ عليه السلام ـ لقومـه في معرض بيان معاجزه


1 . النمل: 65.
2 . يوسف: 5.
3 . يوسف: 41.
4 . يوسف: 94.

(115)

وبيّناته: (وأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُم ) (1) أليست كل هذه إخبارات بالغيب، ومغيّبات أنبأ بها الرسلُ؟ وإذا هي ثبتت لنبىّ جـاز نسبتها إلى العترة الطاهرة لما لهم من المنزلة والمكانة العيا، وهل عليّ ـ عليه السلام ـ أقلّ شأناً من هارون ـ عليه السلام ـ وقد قال النبي في شأنّه: "يا علي أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي"؟ (2)الذي يعنى أنّه له ما للرسول إلاّ أنّه ليس نبياً، لختم النبوة برسول الله محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" . كيف لا، وعلي ـ عليه السلام ـ وارث علم رسول الله بإجماع الاَُمة الاِسلامية، وهل عليّ ـ عليه السلام ـ أقل من كعب الاَحبار الذي أخبر الخليفة الثاني بأنّه سيموت بعد ثلاثة أيام وتحقّقت هذه النبوءة فعلاً (3) وهلاّ علم "جبرين" ما أخرجه قومه في أئمتهم من العلم بالغيب ففى مسند أحمد: (1|48 و 51) : أن عمر بن الخطاب أخبر بموته بسبب روَيا رآها وكان بين روَياه وبين يوم مصرعه اسبوع واحد (4)؟

الشيعة وصيانة القرآن عن التحريف :

ويقول جبرين في فتواه الجائرة على شيعة أهل البيت: "كما أنّهم يطعنون في القرآن الكريم..". إنّ الشيعة أيّها الشيخ لا يطعنون في القرآن ولا يقولون بوقوع التحريف فيه. ولكن غيرهم قال بهذا، راجع تفسير الجامع لاَحكام القرآن للقرطبي:


1 . آل عمران: 49.
2 . جامع الاَُصول: 8|650.
3 . الرياض النضرة: 2|75.
4 . مسند أحمد: 1|48 و 51.

(116)

14|113: وكانت هذه السورة (أي سورة الاَحزاب) تعدل سورة البقرة وكانت فيها آية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) . ذكره أبو بكر الاَنباري عن أُبي بن كعب. ثم قال: وقد حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال: حدثنا أبو عبيد القاسم ابن سلاّم قال: حدثنا ابن أبي مريم عن أبي لهيعة عن أبي الاَسود عن عروة عن عائشة، قالت: كانت سورة الاَحزاب تعدل على عهد رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" مائتى آية، فلما كُتِبَ المصحف لم يقدر منها إلاّ على ما هي الآن (1) وروى أيضاً عن أُبي بن كعب قوله: "فو الذي يحلف به أُبي بن كعب إنّها كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ولقد قرأنا منها آية الرجم: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) . وفي موطّأ مالك قال عمر بن الخطاب: والذي نفسى بيده، لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله تعالى لكتبتُها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فإنّا قد قرأناها(2)". إذن فأين ذهبت هذه الآية؟ وجاء في صحيح البخاري ومسند أحمد: قال عمر بن الخطاب: ... ثم إنّا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : (أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (3) فهذا هو الخليفة يصرّح بسقوط آي من القرآن الحكيم!


1 . تفسير الجامع: 14|113.
2 . الموطأ: 10، الحدود.
3 . صحيح البخاري: 4|179، مسند أحمد: 1|55.

(117)

أمّا ما يقوله الشيعة حول القرآن الكريم فإليك طائفة من أقوال أبرز شخصياتهم القدامى والمتأخّرين نذكرها على سبيل المثال لا الحصر: 1 ـ قال الشيخ الصدوق (المتوفى 381هـ) فى رسالته التي وضعها لبيان معتقدات الشيعة الاِمامية: اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" هو ما بين الدفتين وهو ما بأيدي الناس ليس بأكثر من ذلك. ثم قال: ومن نسب إلينا أنا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب (1) 2 ـ قال الشريف المرتضى (المتوفى عام 436هـ) : إنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه فيما ذكرناه، لاَنّ القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والاَحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شىء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟ (2). 3 ـ وقال الشيخ الطوسي (المتوفى 460هـ) : وأمّا الكلام فى زيادته ونقصانه فممّا لا يليق بهذا الكتاب المقصود منه العلم بمعاني القرآن، لاَنّ الزيادة مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه وهو الاَليق بالصحيح من مذهبنا (3). 4 ـ قال العلاّمة الحلّي (المتوفى 726هـ) فى أحد موَلفاته: الحق أنّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه (أي القرآن) وأنّه لم يزد ولم ينقص ونعوذ بالله تعالى من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك، فإنّه يوجب التطرّق إلى معجزة


1 . اعتقادات الاِمامية المطبوعة مع شرح الباب الحادي عشر.
2 . مجمع البيان: 1|15.
3 . مقدّمة تفسير التبيان.

(118)

الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" المنقولة بالتواتر (1). 5 ـ وقال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (المتوفى عام 1373هـ) : وإنّ الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه "صلى الله عليه وآله وسلم" للاِعجاز والتحدي ولتعليم الاَحكام ولتمييز الحلال والحرام، وانّه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة وعلى هذا إجماعهم (أي إجماع الشيعة الاِمامية)(2). 6 ـ وقال السيد محسن الاَمـين العاملـي (المتوفى عام 1371هـ) : لا يقـول أحد من الاِمامية لا قديماً ولا حديثاً إنّ القرآن مزيد فيه قليل أو كثير فضلاً عن كلّهم، بل كلّهم متفقون على عدم الزيادة ومن يُعتدّ بقوله من محقّقيهم متفقون على أنّه لم ينقص منه، ومن نسب إليهم خلاف ذلك فهو كاذب مفترٍ مجترىَ على الله ورسوله(3). 7 ـ وقال الاِمام شرف الدين العاملي (المتوفى عام 1377هـ) : كل من نسب إليهم تحريف القرآن فإنّه مفتر ظالم لهم، لاَنّ قداسة القرآن الحكيم من ضروريات الديـن الاِسلامي ومذهبهم الاِمامي ـ إلى أن قال: ـ وتلك كتـبهم في الحديث والفقه والاَُصول صريحة بما نقول: والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنّما هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً ولاتبديل لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواتراً قطعياً إلى عهد الوحى والنبوة (4).


1 . أجوبة المسائل المهناوية: 121، المسألة 13.
2 . أصل الشيعة وأُصولها: 133.
3 . أعيان الشيعة: 1|41.
4 . الفصول المهمة: 163.

(119)

8 ـ وقال السيد الاِمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ: إنّ الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءة وكتابة يقف على بطلان تلك المزعمة. وماورد فيه من أخبار ـ حسبما تمسّكوا ـ إمّا ضعيف لا يصلح للاستدلال به أو مجعول تلوح عليه امارات الجعل، أو غريب يقضي بالعجب، أمّا الصحيح منها فيرمي إلى مسألة التأويل والتفسير وأنّ التحريف إنما حصل في ذلك لا في لفظه وعباراته. وتفصيل ذلك يحتاج إلى تأليف كتاب حافل ببيان تاريخ القرآن والمراحل التي قضاها طيلة قرون ويتلخّص في أنّ الكتاب العزيز هو عين ما بين الدفتين لا زيادة فيه ولانقصان، وأنّ الاختلاف في القراءات أمر حادث ناشىٌَ عن اختلاف في الاجتهادات من غير أن يمس جانب الوحى الذي نزل به الروح الاَمين على قلب سيد المرسلين (1). 9 ـ وقال السيد الاِمام الگلبايگاني ـ قدّس سرّه ـ: الصحيح من مذهبنا أنّ كتاب الله الكريم الذي بأيدينا بين الدفتين هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه من لدن عزيز حكيم، المجموع المرتّب في زمانه (أي النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" وعصره) بأمره بلا تحريف وتغيير وزيادة ونقصان والدليل على ذلك تواتره بين المسلمين، كلاّ ًوبعضاً، ترتيباً وقراءة... (2)
10 ـ وللسيـد الاِمام الخوئي ـ قدّس سرّه ـ: بحث مفصل يوَكد فيه على خلو القرآن الكريم من أيّة زيادة أو نقيصة في مقدمة تفسيره البيان (3). هذه هي نماذج صريحة تعكس عقيدة الشيعة الاِمامية منذ القديم وإلى الآن حول القرآن الكريم، وكلّها توَكد على صيانة الكتاب العزيز من أيّة زيادة أو


1 . تهذيب الاَُصول: 2|165.
2 . البرهان للبروجردي: 156 ـ 158.
3 . ارتحل الاِمام الخوئى (قدّس سرّه) إلى بارئه في 8 صفر 1413 هـ ق .

(120)

نقيصة وخلوّه من كل تغيير أو تبديل، فكيف يتّهم "جبرين" الشيعة الاِمامية بأنهم يطعنون في القرآن؟ وأمّا الروايات فهي مضافاً إلى كونها ضعيفة شاذة، أو مجعولة موضوعة لا يأبه بها الشيعة الاِمامية ـ لاتشكل عقيدة الشيعة الاِمامية، إذ ليس كل ما في الروايات يعكس عقيدتهم، حتى يوَاخذون عليها، حتى لو افترضت صحة بعضها سنداً ـ فكيف يوَاخذون عليها والحال أنّها ـ كما قلناه ـ ليست بصحيحة. إنّ القرآن الكريم حسب عقيدة المسلمين سنّة وشيعة الذي بأيدى الناس هو ما نزل على رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" في جميع خصوصياته الحاضرة. وكما لا يعبأ أعلام السنّة بروايات التحريف الواردة في مصادرهم، كذلك لا يأبه علماء الشيعة أيضاً بما ورد في بعض مصادرهم لضعفها وشذوذها، وظهور آثار الاختلاق عليها.

الصحابة في مرآة القرآن والحديث:

وأمّا قول "جبرين": حول موقف الشيعة الاِمامية من الصحابة ففيه مغالطة وتغطية للحق إذ لا تجد على أديم الاَرض مسلماً يعتنق الاِسلام ويحب النبي الاَكرم، يبغض أصحاب النبي الاَكرم بما أنّهم أصحابه وأنصاره، بل الكل ينظر إليهم في هذا المجال بنظر التكريم والتبجيل، ومن أبغضهم أو سبَّهم بهذا المنظار، فهو كافر، أبعده الله . ولكن إذا صدر منهم فعل لا يوافق الكتاب والسنّة فقام أحد بذكر فعله وتوصيف حاله حسب دلالة عمله وفعله عليه وقال: إنّه ركب الخطاء، أو صدرت منه المعصية، أو قتل نفساً بغير نفس، إلى غير ذلك من المحرّمات والموبقات، فقد تبع القرآن الكريم والسنّة النبوية والسلف الصالح.


(121)

فحب الصحابي بما هو صحابي أمر، وتوصيف أعماله وأفعاله ـ إن خيراً فخير وإن شراً فشر ـ أمر آخر يهدف إلى الموضوعية في البحث، والقضاء والابتعاد عن العشوائية في الاعتقاد، "والجبرين" لايفرّق بين الاَمرين ويضربهما بسهم واحد لغايات سياسية. إنّ صحبة الصحابة لم تكن بأكثر ولا أقوى من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط فما أغنتهما من الله شيئاً، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امرَأتَ نُوحٍ و امرَأَةَ لُوطٍ كانَتَا تَـحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبَادِنَا صَالِحَينَ فَخَانَتَاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيل ادخُلا النارَ مَعَ الدّاخِلِين )(1). إنّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بالزواج من النبي، وقد قال سبحانه في شأن أزواجه: (يانِسَاءَ النّبِىّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَها العَذَابُ ضِعْفَينِ وكانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرا )(2). وكما أنّهم كانوا مختلفين في السن عند الانقياد للاِسلام، كذلك كانوا مختلفين أيضاً في مقدار الصحبة، فبعضهم صحب النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أياماً أو ساعات. فهل يصح أن نقول: إنّ صحبةً مّا قلعت ما في نفوسهم جميعاً من جذور غير صالحة وملكات رديئة وكوّنت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح. إن تأثير الصحبة عند من يعتقد بعدالة الصحابة كلّهم أشبه شيء بمادة كيمياوية تستعمل في تحويل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب، فكأن


1 . التحريم: 10 .
2 . الاَحزاب: 30 .

(122)

الصحبة قلبت كل مصاحب إلى إنسان مثالىّ يتحلّى بالعدالة، وهذا ممّا يردّه المنطق والبرهان السليم، وذلك لاَنّ الرسول الاَعظم "صلى الله عليه وآله وسلم" لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الاِعجاز (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أجـْمَعِين)(1). بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحق وصبهم في بوتقة الكمال مستعيناً بالاَساليب الطبيعية والاِمكانات الموجودة كتلاوة القرآن الكريم، والنصيحة بكلماته النافذة، وسلوكه القويم وبعث رسله ودعاة دينه إلى الاَقطار، ونحو ذلك. والدعوة القائمة على هذا الاَساس، يختلف أثرها في النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها فلا يصح لنا أن نرمي الجميع بسهم واحد.

الصحابة في الذّكر الحكيم:

نرى أنّ الذكر الحكيم يصنّف صحابة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ويمدحهم ضمن أصناف نأتي ببعضها:

1 ـ السابقون الاَوّلون:

يصف الذكر الحكيم السابقين الاَوّلين من المهاجرين والاَنصار والتابعين لهم بإحسان بأنّ الله رضي عنهم وهم رضوا عنه. قال عزّ من قائل: (والسّابِقُونَ الاََوّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والاَنصَارِ وَالّذينَ اتّبَعُوهُم بِإحسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحتَها الاَنهارُ خَالِدِينَ فِيها أَبَداً ذَلكَ الفَوْزُ العَظِيم) (2). 2 ـ المبايعون تحت الشجرة: ويصف سبحانه الصحابة الذين بايعوه


1 . الاَنعام: 149 .
2 . التوبة: 100 .

(123)

تحت الشجرة بنزول السكينة عليهم قائلاً في محكم كتابة: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُوَْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)(1).

3 ـ المهاجرون:

وهؤلاء هم الذين يصفهم تعالى ذكره بقوله: (لِلفُقَرَاءِ المُهاجِرينَ الّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُون )(2).

4 ـ أصحاب الفتح:

وهؤلاء هم الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى في آخر سورة الفتح بقوله: (مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطأهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاستَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظ بِـهِمُ الكُفّارَ وعَدَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأجْراً عَظِيماً )(3).

5 ـ الاَصناف الاَُخرى للصحابة:

فالناظر المخلص المتجرّد عن كل رأي مسبق يجد في نفسه تكريماً لهوَلاء الصحابة.


1 . الفتح: 18 .
2 . الحشر: 8 .
3 . الفتح: 29 .

(124)

غير أنّ الرأي الحاسم في عامّة الصحابة يستوجب النظر إلى كل الآيات القرانية الواردة في حقّهم، فعندئذ يتبيـّن لنا أنّ هناك أصنافاً أُخرى من الصحابة غير ما سبق ذكرها، تمنعنا من أن نضرب الكلّ بسهم واحد، ونصف الكل بالرضا والرضوان. وهذا الصنف من الآيات يدل بوضوح على وجود مجموعات من الصحابة تضاد الاَصناف السابقة في الخلقيات والملكات والسلوك والعمل:

أ ـ المنافقون المعروفون:

المنافقون المعروفون بالنفاق الذين نزلت في حقّهم سورة "المنافقون" قال سبحانه: (إذَا جَاءَكَ المُنافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إِنّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُون... )إلى آخر السورة .(1) فهذه الآيات تعرب بوضوح عن وجود كتلة قويّة من المنافقين بين الصحابة آنذاك، وكان لهم شأنٌ ودورٌ في المجتمع الاِسلامى فنزلت سورة قرانية كاملة في حقهم.

ب ـ المنافقون المختفون:

تدل بعض الآيات على أنّه كانت بين الاَعراب القاطنين خارج المدينة ومن نفس أهل المدينة جماعة مردوا على النفاق وكان النبي الاَعظم لا يعرف بعضهم ومن تلك الآيات قوله سبحانه: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الاَعْرابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النّفَاقِ (2)لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُم ) (3).


1 . المنافقون: 1.
2 . مردوا على النفاق: تمرّنوا عليه ومارسوه.
3 . التوبة: 101.

(125)

لقد أعطى القرآن الكريم عناية خاصة بعصبة المنافقين وأعرب عن نواياهم وندّد بهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، المائدة، التوبة، العنكبوت، الاَحزاب، محمد، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، والمنافقون. وهذا إن دلّ على شىء فإنّما يدلّ على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الاِسلامي بين معروف، عرف بسمة النفاق ووسمة الكذب، وغير معروف بذلك مقنَّع بقناع التظاهر بالاِيمان والحبّ للنبي، فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير موَثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم. وهناك ثلّة من المحقّقين كتبوا حول النفاق والمنافقين رسائل وكتابات وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم ، وهذا يدل (1) على كثرة أصحاب النفاق وتأثيرهم يوم ذاك في المجتمع الاِسلامى، وعلى ذلك لا يصح لنا الحكم بعدالة كل من صحب الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" مع غض النظر عن تلك العصابة، المتظاهرة بالنفاق والمختفية في أصحاب النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" .

ج ـ مرضى القلوب:

وهذه المجموعة من الصحابة لم يكونوا من زمرة المنافقين بل كانوا يتلونهم في الروحيات والملكات مع ضعف في الاِيمان والثقة بالله ورسوله 6، قال سبحانه بحقّهم: (وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُرُورا )(2). فأنّى لنا أن نصف مرضى القلوب الذين ينسبون خُلف الوعد إلى الله سبحانه وإلى الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم"بالتقوى والعدالة؟


1 . النفاق والمنافقون: تأليف الاَستاذ: إبراهيم على سالم المصرى.
2 . الاَحزاب: 12.

(126)

د ـ السمّاعون:

تلك المجموعة كانت قلوبهم كالريشة في مهبّ الريح تميل إلى هؤلاء تارة وإلى أُولئك أُخرى، وذلك بسبب ضعف إيمانهم وقد حذّر البارى عزّ وجلّ المسلمين منهم حيث قال عزّ من قائل، واصفاً إيّاهم بالسمّاعين لاَهل الريب: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الّذِينَ لا يُوَْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ و ارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدّدَونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لاَََعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انبعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فيكُمْ ما زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلاَََوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمين ) وذيل الآية دليل(1) على كون السمّاعين من الظالمين لا من العدول.

هـ ـ خالطو العمل الصالح بالسىّء:

وهؤلاء هم الذين يقومون بالصلاح والفلاح تارة، والفساد والعبث أُخرى، فلاَجل ذلك خلطوا عملاً صالحاً بعمل سىّء، قال سبحانه: (وَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً واخَرَ سَيّئاً) (2).

و ـ المشرفون على الارتداد:

إنّ بعض الآيات تدل على أن ّمجموعة من الصحابة كانت قد أشرفت على الارتداد يوم دارت عليهم الدوائر، وكانت الحرب بينهم وبين قريش طاحنة فأحسّوا بالضعف، وقد أشرفوا على الارتداد وقد عرّفهم الحق سبحانه بقوله: (وطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْـرَ الحَقّ ظَنَّ الجَاهِلِيّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا


1 . التوبة: 45 ـ 47.
2 . التوبة: 102.

(127)

مِنَ الاََمْرِ مِنْ شَيءٍ قُلْ إِنَّ الاََمْرَ كُلُّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الاََمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنا ) (1).

ز ـ الفاسق:

إنّ القرآن الكريم يحثُّ الموَمنين وفي مقدّمتهم الصحابة، على التحرّز من خبر الفاسق حتى يتحقّق التبيّن. فمَن هذا الفاسق الذي أمر القرآن بالتحرّز من خبره؟ إقرأ أنت ماورد حول الآية من شأن النزول واحكم بما هو الحق قال سبحانه: (يَا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (2). فإن ّمن المجمع عليه بين أهل العلم أنّه نزل في حق الوليد بن عقبة بن أبي معيط وذكره المفسّرون في تفسير الآية فلا نحتاج إلى ذكر المصادر. كما نزل في حقه قوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُوَْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتوُون) (3). نقل الطبري في تفسيره باسناده أنّه كان بين الوليد وعلىّ، كلام فقال الوليد: أنا أسلط منك لساناً، وأحدُّ منك سناناً وأردُّ منك للكتيبة. فقال علي: اسكت فانّك فاسق، فأنزل الله فيهما: (أَفَمَن كانَ مُوَْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُون ) .(4)
وقد نظم الحديث حسانُ بن ثابت (شاعر عصر الرسالة) وقال:


1 . آل عمران: 154.
2 . الحجرات: 6.
3 . السجدة: 18.
4 . تفسير الطبري: 21|60، وتفسير ابن كثير: 3|462.

(128)

أنزل الله والكتاب عزيز         في على وفي الوليد قرآنا
فتبوّأ الوليد إذ ذاك فسقاً         وعلــيّ مبوأٌ إيمانا   
سوف يدعى الوليدُ بعد قليلو     عليّ إلى الحساب عيانا
فعلىّ يجزى بذاك جنانا           ووليدٌ يُجزى بذاك هوانا(1)

أفهل يمكن لباحث حرّ، التصديقُ بما ذكره ابن عبد البر وابن الاَثير وابن حجر، وفي مقدّمتهم أبو زرعة الرازي الذي هاجم المتفحّصين المحقّقين في أحوال الصحابة واتّـهمهم بالزندقة؟

ح ـ المسلمون غير الموَمنين:

إنّ القرآن يعدّ جماعة من الاَعراب الذين رأوا النبي وشاهدوه وتكلّموا معه، مسلمين غير موَمنين وأنّهم بعدُ لم يدخل الاِيمان في قلوبهم، قال سبحانه: (قَالَت الاَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَم تُوَْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلمّا يَدْخُلِ الاِِيَمانُ في قُلُوبِكُمْ وَإن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لايَلْتِكُم مِنْ أعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيم)(2). أفهل يصح عدُّ عصابة غير موَمنة من العدول الاَتقياء؟!

ط ـ الموَلّفة قلوبهم:

اتّفق الفقهاء على أنّ الموَلّفة قلوبهم ممّن تصرف عليهم الصدقات، قال سبحانه: (إِنَّما الصَّدَقَاتُ لِلفُقَراءِ وَالمَسَاكِينِ والعَامِلِينَ عَلَيْها وَالمُوََلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ


1 . تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزى: 15، وكفاية الكنجى: 55 ومطالب السوَول لابن طليحة: 20، وشرح النهج، الطبعة القديمة: 2|103، وجمهرة الخطب لاَحمد زكى: 2|22، لاحظ الغدير: 2|43.
2 . الحجرات: 14.

(129)

وَفِي الرِّقَابِ والغَارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللهِ و ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيم ) (1). والمراد من "الموَلّفة قلوبهم": الذين كانوا في صدر الاِسلام ممّن يظهرون الاِسلام، يتألَّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم. وهناك أقوال أُخر فيهم متقاربة، والكلّ يهدف إلى الاِعطاء لمن لايتمكن إسلامُه حقيقةً إلاّ بالعطاء(2).

ي ـ المولُّون أمام الكفّار:

إنّ التولّي عن الجهاد والفرار منه، من الكبائر الموبقة التي ندّد بها سبحانه بقوله: (يَا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الاَدْبار * وَمَنْ يُوَلِّهمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتَحَرّفاً لِقِتَالٍ أو مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِير ) (3). إنّ التحذير من التولّي والفرار من الزحف، والحث على الصمود أمام العدو، لم يصدر من القرآن إلاّ بعد فرار مجموعة كبيرة من صحابة النبي في غزوة "أُحد" و "حنين". أمّا الاَوّل: فيكفيك قول ابن هشام في تفسير الآيات النازلة في أُحد، قال: "ثم أنّبهم بالفرار عن نبيهم وهم يُدعون، لا يعطفون عليه لدعائه إيّاهم فقال: (إذْ


1 . التوبة: 60.
2 . تفسير القرطبي: 8|187، المغني لابن قدامة: 2|556.
3 . الاَنفال: 15 ـ 16.


(130)

تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُم ) (1). وأمّا الثاني: فقد قال ابن هشام فيه أيضاً: فلمّا انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم " من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلّم رجالٌ منهم بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان بن حرب: لاتنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ جبلة بن حنبل: ألا بَطَلَ السحرُ اليوم... (2) أفبعد هذا يصح أن يعدّ جميع الصحابة، بحجة أنّهم رأوا نور النبوة، عدولاً أتقياء؟ قال القرطبي في تفسيره: قد فرّ الناس يوم "أُحد" وعفى الله عنهم وقال الله فيهم يوم حنين: (ثم وليتم مدبرين )ثم ذكر فرار عدّة من أصحاب النبي من بعض السرايا (3). هذه هي الاَصناف العشرة من صحابة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم " ممّن لايمكن توصيفهم بالعدالة والتقوى، أتينا بها في هذه العجالة مضافاً إلى الاَصناف المضادة لها. ولكن نلفت نظر القارىَ الكريم إلى الآيات الواردة في أوائل سورة البقرة وسورة النساء وغيرها من الآيات القرانية فيرى فيها أنّ الاِيمان بعدالة الصحابة بأجمعهم خطأ في القول، وزلّة في الرأي، يضاد نصوص الذكر الحكيم، ولم يكن الصحابة إلاّ كسائر الناس فيهم صالح تقي بلغ القمة في التقى والنزاهة، وفيهم طالح شقى سقط إلى هوّة الشقاء والدناءة. ولكن الذي يميّز الصحابة عن غيرهم أنّهم رأوا نور النبوّة وتشرّفوا بصحبة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم " وشاهدوا معجزاته في حلبة المباراة بأمّ أعينهم، ولاَجل ذلك تحمّلوا مسوَُولية كبيرة أمام الله وأمام رسوله وأمام الاَجيال المعاصرة لهم واللاحقة بهم، فإنّهم ليسوا كسائر الناس، فزيغهم وميلهم عن الحق أشد ولا يعادل زيغ أكثر الناس وانحرافهم. وقد قال


1 . آل عمران: 153.
2 . سيرة ابن هشام: 3|11 و 4|444، ولاحظ التفاسير.
3 . تفسير القرطبي: 7|383.

(131)

سبحانه في حق أزواج النبي "صلى الله عليه وآله وسلم " : (يَانِسَاءَ النَّبِىّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النّساء) (1)فإن انحرف هؤلاء فقد انحرفوا في حال شهدوا النور، ولمسوا الحقيقة، وشتّان بينهم وبين غيرهم.

الصحابة في السنّة النبوية :

ونذكر في المقام بعض ماورد في مصادر أهل السنّة أنفسهم حول بعض الصحابة وليس كلّهم والعياذ بالله . ففى صحيح البخاري: في تفسير سورة المائدة بسنده عن ابن عباس قال: خطب رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم " ... ـ إلى أن قال: ـ ويجاء برجال من أُمتى فيوَخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يارب أصحابى، فيقال إنّك لا تدري ما أحدَثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: (وَكُنْتُ عَلَيْهِم شَهيداً مَادُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم )(2) فيقال إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على(3)أعقابهم منذ فارقتهم . ورواه الترمذي في تفسير سورة الاَنبياء أيضاً وجاء في موطأ مالك: عن أبي النضر أنّه بلغه أنّ رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم " قال لشهداء أُحد: هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر: ألسنا يارسول الله إخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم " : بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي. فبكى أبو بكر ثم قال: أئنّا لكائنون بعدك؟ (4) وهل أتى الشيعة الاِمامية بجديد إذا كانوا يفرّقون في الحب والمودة بين جماعة وأُخرى، وقد أمر القرآن بذلك في أكثر من آية؟


1 . الاَحزاب: 32.
2 . المائدة: 117.
3 . صحيح البخاري: 3|127.
4 . الموطأ: 1|307، كتاب الجهاد ـ الشهداء في سبيل الله .

(132)

ثم إنّ "جبرين" وأمثاله لماذا يغمضون عيونهم عن حقائق القرآن ولا يصارحون الناس بها بدل اتّخاذ هذا الموقف الشريف الذي يمليه الحق والاِنصاف؟ لماذا يعمد إلى تكفير طائفة كبرى من طوائف المسلمين وهم الشيعة الاِمامية ويراهم مستحقّين للقتل والاِبادة، ولا يوجّه مثل هذه الفتوى ضد الصهاينة في فلسطين، والاَمريكان الذي يدنّسون بأحذيتهم الصليبية أرض وبلد المقدّسات؟ لماذا لا يحارب الفساد الاَخلاقي والسياسي في مشرق الاِسلام ومهجر الرسول، ولا يفكر في تسيّب الشباب هناك وتسرّب اللاّدينية، والانحراف العقيدي إلى أذهانهم البريئة؟! لماذا تصدر هذه الفتوى في هذا الظرف الذي انهارت فيه الشيوعية، واعترف "غورباتشوف" بأن السبب الرئيسي وراء هذا المصير القائم في الاتحاد السوفيتي هو نسيان الله وتجاهل الفطرة التي فطر الناس عليها كما قال في خطاب الاستقالة موَخراً؟! وهو الاَمر الذي ذكَّرَه به الاِمامُ الراحلُ الخميني في رسالَتهِ التاريخية إليه. لماذا في مثل هذا الظرف الهامّ الذي يتوجّه العالم إلى الاِسلام ويتطلَّع المستضعفون إلى المسلمين، وهو أمر يفرض العمل الجاد لتوحيد صفوف المسلمين وإظهارهم في مظهر الاَُمة الواحدة القوية على اختلاف مذاهبها ومسالكها التي تتمحور حول أُصول الاِيمان وتتّفق فيها وإن اختلفت في بعض الاجتهادات الفرعية العلمية؟! أقول: لماذا ينبري مجلسُ الاِفتاء السعودي متمثّلاً بالمدعوّ "جبرين" وبعض زملائه إلى شق عصا المسلمين وإثارة النعرات الطائفية، وعزل أكبر قطعة من جسم الاَُمّة الاِسلامية التي هي الآن صخرة صمّاء أمام تلاطم أمواج الكفر والاستكبار رافعة راية لا إله إلاّ الله ، كلمةً وعملاً وظهرها ومتكأها هو الباري


(133)

صاحب الكلمة، فأين يا تري موقفه أمام أعداء الاِسلام اليوم وكيف سيواجه خالقه وقد أفرح بفعلته هذه قلوب المستكبرين والظلمة والمنافقين؟!! وهل أذنب الشيعةُ إذا هم اتّبعوا وأحبوا مَن أمرَ القرآن باتّباعهم ومحبّتهم من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهراً والذين فرض محبتهم ومودتهم بقوله: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى ) (1)؟

المطلوب موَتمر للحوار العلمي الديني :

نحن ندعو علماء الوهابية إلى حوار علمى صريح وبنّاءٍ يحضره علماء المسلمين لمناقشة ما يعتقدونه، أوّلاً، وما يرمون به المسلمين ويكفّرونهم بسببه ثانياً، إنهاءً لهذه المواقف المضرّة بالمسلمين وقطعاً لدابر الفتنة والاختلاف. نحن نهيب بمفكري الاَُمّة الاِسلامية وبالشباب في البلاد الاِسلامية أن يضغطوا على مجلس الاِفتاء السعودي ليقبل بالدخول مع علماء الشيعة الاِمامية بصورة خاصة، وعلماء الطوائف الاِسلامية الاَُخرى بصورة عامة في حوار علمي جادّ... لوضع حدٍّ لمُسلَسل التكفيرات والمذابح الناشئة عنها، ونحن نحمّل المسلمين كلّ الجرائم التي ستنشأ من هذه التكفيرات التي تعكس أهداف الاستعمار الحاقد، لو سكتوا وتركوا الاَمر. وإنّنا لنحذّر المسلمين بأنّ هذا الموقف الصادر من "الجبرين" ونظرائه الذين لايهمّهم إلاّ تكفير المسلمين ورميهم بالشرك تاركين الصهاينة والصليبيّين يسرحون ويمرحون في بلاد الاِسلام، لن يقتصر على الشيعة الاِمامية بل سيشمل الطوائف الاَُخرى، لاَنّ الوهابيين الذين يرفعون شعار التوحيد يكفرّون عامة المسلمين إلاّ أنفسهم، فهل من مدّكر؟!.


1 . الشورى: 23.

(134)

الجهة العاشرة :

في الوحدة الاِسلامية

إنّ الاِسلام يوَكد على وحدة المسلمين، والتمسّك بالعروة الوثقى ونبذ كل مايهدم هذه الوحدة من التهم والظنون أو التكفير والتفسيق، ويراها أمراً ضرورياً للمسلمين، وترى الترغيب في الاَُلفة والوحدة إذا تدبّرت معانى الآيات النازلة في هذا المجال حيث قال سبحانه: 1ـ (إنَّما المُوَْمِنُونَ إخْوَة )(الحجرات ـ 10) . 2ـ (وَالمُوَْمِنُونَ والمُوَمِناتُ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْض)(التوبة ـ 71) . 3ـ (مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم )(الفتح ـ 29) . 4ـ (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا )(آل عمران ـ 103) . فهذه الآيات كلّها تدعو إلى الوحدة والاَُلفة، وهناك آيات تنبذ الفرقة وتردّها قال سبحانه: 1 ـ (وَلا تَكُونُوا كَالّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِمَا جَاءَهُمُ البيّناتُ وأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم )(آل عمران ـ105) . 2 ـ (إنَّ الّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيء إِنَّما أمْرُهُمْ إلى اللهِ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِما كَانُوا يَفْعَلُون )(الاَنعام ـ 159) .


(135)

3 ـ (أنْ أقِيمُوا الّدِينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه )(الشورى ـ 13) . 4 ـ (وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه )(الاَنعام ـ 153) . وكما أنّ الكتاب يدعو إلى الوحدة ويحذّر عن التفرّق فهكذا السنّة تتلو تلو الكتاب. قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم " : "لا تدخلون الجنّة حتى توَمنوا، ولا توَمنون حتى تحابّوا، أوَلا أدلّكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" (1) وقال "صلى الله عليه وآله وسلم " : "الدين النصيحة" قالوا: لمن يارسول الله ؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولاَئمة المسلمين ولعامّتهم والذي نفسي بيده لا يوَمن عبد حتى يحب لاَخيه ما يجب لنفسه" (2) وقال "صلى الله عليه وآله وسلم " : "ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم يد على من سواهم فمن أخْفَر (3) مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صدق ولا عدل" (4) وقال: "إيّاكم والظّن فانّ الظّن أكذب الحديث، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولاتدابروا، ولاتباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثةأيام" (5) وقال "صلى الله عليه وآله وسلم " : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرج الله عنه يوم القيامة" (6). إلى غير ذلك من الاَحاديث الحاثّة للمسلمين على الوئام والتالف والتوادد


1 . المتقى الهندي: كنز العمال: 15|892 و 3|413.
2 . المتقي الهندي: كنز العمال: 15|892 و 3|413.
3 . أخفر: نقض عهده.
4 . الحاكم: المستدرك: 2|141، ومسند أحمد: 1|126 و 151.
5 . المتقي الهندي، كنز العمال: 16|86 و 1|150.
6 . المتقي الهندي، كنز العمال: 16|86 و 1|150.

(136)

ونبذ الفرقة والاختلاف والتشاجر والتشاحن، والطرد والاِقصاء. هذه هي الآيات الكريمة والسنّة النبوية المشرَّفة تدعو إلى الوئام، وبينما نحن على العكس ندعو بأفعالنا وأقلامنا إلى الفرقة والاختلاف، فيتّهم ويسب ويكفّر بعضنا بعضا، وكأنّ الجميع قد نسوا أنّ العدو الذي يتحيّن الفرص لسحقهم، هو غير الشيعي والسنّي، وإنّما هو معسكر الغرب وأذنابه ودعاته وموَيّدوه، وقد نصبوا شراكهم لعامّة الفرق الاِسلامية بدون استثناء ليصبحوا فريسة لاَهدافهم. إنّ بعض أصحاب القلم من المسلمين قد انسحبوا من جبهة الصراع مع أعدائهم الحقيقيّين ولجأوا إلى جبهة معارضة ضد إخوانهم وكأنّه ليس لهم على وجه البسيطة عدو سواهم، وهذا موَسف جداً. إنّ الوحدة الاِسلامية أُمنية كل مسلم عاقل عارف بما حِيْك للمسلمين من مصائد في هذه الاَيام لاستغفالهم، ولاتتحقّق الوحدة إلاّ بالتفاهم بين الفرق لوجود الاَُصول المشتركة بينهم ثم السماح لكلّ فرقة أن تجتهد في غيرها. فمثلاً، انّ المتعة والزواج الموَقت مسألة فرعية دام الاختلاف فيها منذ عصر الخلفاء وحتى يومنا هذا، وهي مسألة فقهية قرانية حديثية، فمن قائل بكونها حلالاً في عصر الرسول باقية على حكمها إلى عصرنا هذا، إلى قائل بأنّها نسخت في عصر الرسول وكانت حلالاً سنين وشهوراً، إلى ثالث بأنّها نهى عنها الخليفة عمر بن الخطاب، والتحريم سنّة له. ولكلٍّ حجّته ودليله، فللمصيب أجران وللمخطىَ أجر واحد، ومع ذلك نرى أنّ هذه المسألة أوجدت ضجة كبرى بين المعارضين للشيعة، وكأنّ القول بالحلّية إفتاء بالكفر، فما أكثر الخلاف في المسائل الفرعية بين أئمة المذاهب، فلماذا يتّخذ ذلك الخلاف كقميص عثمان ضد شيعة أهل البيت.


(137)

إنّ أعلام الشيعة منذ منتصف القرن الثالث ملاَوا رسائلهم بنفي التحريف عن الكتاب العزيز، وربما وجد فيهم من اغترّ ببعض المراسيل الموجودة في كتب الفريقين الروائية، ومع ذلك نجد أنّ المعارض يذكر الاَخير ويتناسى تصريح مئات علماء الشيعة على عدم التحريف. نحن الشيعة كلّما تكلّمنا عن تغلّب معاوية على الاَُمّة وابتزازه الاِمرة عليها بغير رضا منها وقتله شيعة علي ـ عليه السلام ـ تحت كل حجر، وأخذه بالظنّة والتهمة، وقتله الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي الذي أنهكه الورع والعبادة، والصحابي العظيم الآخر: عمرو بن الحمق بالوحشية والقسوة، إلى غير ذلك من فظائع الاَعمال، وقبائح الاَفعال. قام أصحاب القلم من السنّة بتبرير أعماله بالاجتهاد، وأنّه كان مجتهداً فيما رأى وعمل. وكلّما تكلّمنا عن عمرو بن العاص وخيانته التي ارتكبها في مسألة التحكيم والخدعة التي قام بها بوجه أبي موسى الاَشعري، برّروا عمله بأنّه صدر منه عن اجتهاد. وكلّما تحدّثنا عن جمل البصرة، وراكبته، وقائدة الجيش الجرّار ضد الاِمام المختار من قبل المهاجرين والاَنصار، بل الاِمام المنصوص عليه من قبل الله يوم الغدير في محتشد عظيم، قالوا: إنّها كانت مجتهدة عارفة بوظيفتها. وإذا قلنا: إنّه سبحانه يأمرها بلزوم البيت النبوي بقوله عزّ من قائل: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ )(الاَحزاب ـ 33) قالوا: إنّ أساس عملها الاجتهاد، وإن كانت خاطئة. فإذا كان باب الاجتهاد واسعاً إلى هذا الحد الذي يُبرَّر به قتل النفوس الموَمنة، وتخضيب الاَرض بالدماء الطاهرة، واستئصال الصحابة العدول، فلماذا لا يبرَّر به اجتهاد الشيعة في الفروع والاَحكام العملية، في مجال تجويز المتعة


(138)

والتقية، ومسح الاَرجل، وترك التثويب وقبض اليد اليسرى باليمنى، إلى غير ذلك من الفروع التي اختلفت فيها كلمات فقهاء الشيعة عن أهل السنّة. فلماذا باؤكم تجرُّ وباؤنا لا تجر (تِلكَ إذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ). ففي هذا الجو المفعم بالعداء والتباغض وسوء الظن لاتتحقّق الوحدة، بل تتقوّى الفرقة وتنثلم العروة الوثقى. إنّ الشيعة في عصري الاَمويين والعباسيين كانوا فريسة للظالمين، ولم يكن لهم محيص إلاّ التقية فإنّها سلاح الضعيف وعليها جُبلت طبيعة البشر وشرّعها الاِسلام في الظروف الحرجة، وربما تحرم التقية التي جاء بها القرآن الكريم في سورتين مباركتين (1) وأطبق على جوازها كل المفسّرين، إذا توقف حفظ الكرامة وصيانة الحق على تركها، ومع ذلك نرى أنّه يشنّع بها على الشيعة ويُزدرى بها عليهم كأنّهم جاءوا بأمر فظيع. وأنت إذا قرأت تاريخ الشيعة وما حاقت بهم من بلايا ومصائب من أخذهم بالظنّة والتهمة، وقتلهم تحت كل حجر ومدر، وصلبهم على مشانق البغي، تقف على أنّه لم يكن لهم محيص للحفاظ على حياتهم إلاّ التقية. نعم كان هناك رجال رجّحوا التضرّج بالدماء على الحياة مع الظالمين. فلو كان هناك ذنب في اعمال التقية فالبادىَ بها أظلم، أي من دفعهم إلى العمل بها. فيا أيّها المسلمون كونوا أنصار الوحدة والاَُلفة، ولاتكونوا دعاة التفرقة (وَلاتَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمُ السّلاََم لَسْتَ مُوَمِناً)(2). وارفضوا سوء الظن بإخوانكم، واسمحوا لهم ما سمحتم لاَنفسكم.


1 . آل عمران: 28، النحل: 106.
2 . النساء: 94.

(139)

وفي الختام نحمده سبحانه ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وكفى بالله رقيباً وحسيباً. وأسأله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى: إنّه بذلك قدير، وبالاِجابة جدير.

قم ـ موَسسة الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ
3 ـ شوال المكرّم 1415 هـ. ق       


(140)


(141)

رسالة
في حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ
بعد الرفع


(142)


(143)

بسم الله الرحمن الرحيم

إهداء:

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّه وعترته الطاهرين وعلى عباده الصالحين. نقدّم هذه الدراسة العلمية حول السيد المسيح على نبينا وآله وعليه السلام، التي جاءت استجابة لطلب شاب فلسطينى مسلم ونجيب على سوَاله، في الوقت الذي يواصل الشباب الفلسطينيون وأطفال ثورة الحجارة جهادهم المقدس في أرض فلسطين ضدّ تلك الطغمة الفاسدة المفسدة، التي دنّست أرض القداسة بعهرها وفجورها، ورجال المقاومة الفلسطينية الاَبطال يقبعون خلف أسوار السجون الحديدية، وقد تهشّمت عظامهم، وتورّمت أكتافهم تحت سياط ولكمات شذّاذ الآفاق وأعداء الاِنسانية والمسيحية والاِسلام... أولاد الاَفاعي، ومصّاصي دماء الشعوب ... أجل نقدّم هذه الدراسة للطبع ونحن نسأل الله تعالى أن يعجّل بإزالة هذا الكابوس عن صدر الاَُمّة الاِسلامية عاجلاً لا آجلاً.

الموَلف


(144)


(145)

حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ
بعد الرفع
في ضوء الكتاب والسنّة

كتب إلينا شاب فلسطيني من ألمانيا، يسأل عن حياة المسيح بعد ما رفعه الله سبحانه إليه، ويقول: إنّ المعروف هو أنّه ـ عليه السلام ـ حي يرزق، وينزل في آخر الزمان، ولكن يفهم من بعض الآيات خلاف ذلك حيث يقول سبحانه: (إنّي مُتَوَفّيكَ ورافِعُكَ إلىّ) (1) ومثله غيره مما ورد فيه لفظ "التوفّى". أضف إليه: أنّ الموت سنّة إلهية جارية على الجميع حتى النبي الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم"، يقول سبحانه: (إنّكَ مَيّتٌ وإنّهُم مَيّتون ) (2) وكذلك سائر الآيات التي توَكد على أنّ الموت والفناء سنّة إلهية جارية في كل شىء فما هو الجواب في المقام؟ فإنّ البحث حول هذا الموضوع هو بحث قرآني أوّلاً، وعقائدي ثانياً.


1 . سورة آل عمران: الآية 55.
2 . سورة الزمر: الآية 30.

(146)

الجواب:

اتفق أغلب المفسّـريـن الاِسلاميـين ـ إن لم نقـل جميعـهم ـ على أنّ السيـد المسيح حيّ يُرزق وسوف ينزل عند ما شاء سبحانه نزوله إلى الاَرض، غير أنّه ظهر في الآونة الاَخيرة من بعض المعنيين بتفسير القرآن الكريم إنكار هذه الحقيقة، منهم: المراغي في تفسيره(وسيوافيك كلامه في ثنايا البحث) والاَُستاذ الشيخ محمود شلتوت (في رسالته التي حررها جواباً على سوَال ورد إلى مشيخة الاَزهر) فقال في الجواب: إنّ كلمة "توفّى" وردت في القرآن كثيراً بمعنى الموت حتى صار هذا المعنى هو الغالب عليها، المتبادر منها، ولم تستعمل في غير هذا المعنى، إلاّ وبجانبها ما يصرفها عن هذا المعنى المتبادر. ثم سرد بعض الآيات التي استعمل فيها التوفّى بمعنى الموت وقال: إنّ كلمة "توفّيتني" في الآية: (فَلَمّـا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أنتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِم )تحملُ على هذا المعنى المتبادر وهو الاِماتة العادية التي يعرفها الناس، ويدركها من اللفظ والسياق الناطقون بالضاد، وإذاً فالآية لو لم يتصل بها غيرها في تقرير نهاية عيسى مع قومه، لما كان هناك مبرر للقول بأنّ عيسى حيّ لم يمت (1) . فإذا كان الدليل الوحيد لهما هو ظهور التوفّى في الموت فيجب تحليل معناه لغة وقرآناً. وقبل ذلك نسرد الآيات الواردة في هذا المجال فنقول: إنّ الآيات التي تتعرض لهذه المسألة لا تتجاوز خمس آيات وهي: 1 ـ (إذ قَالَ اللهُ ياعِيسَى إنّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا


1 . لاحظ: إزالة الشبهات: ص 3. نُشر جوابه في كتابه "الفتاوى".

(147)

1وَجاعِلُ الّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الّذِينَ كَفَرُوا إلى يَومِ القِيامَة ) (1). 2 ـ (وَقَولِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِن شُبّهَ لَهـُم) إلى أن يقول: (وما قَتَلُوهُ يَقِينا * بَل رَفَعَهُ اللهُ إليه... ) .(2)
3 ـ (ما قُلتُ لَهُمْ إلاّ ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبْدُوُا اللهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتَ فِيهِم فَلَمـّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنت الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنتَ عَلى كُلِّ شَيءٍ شَهِيد ) (3) . 4 ـ (وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلاّ لَيُوَْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ... ) (4). 5 ـ (وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمـْتَـرُنَّ بِها و اتّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيم ) (5). هذه هي الآيات التي تتعرض لمسألة السيد المسيح في هذا المجال وإليكم البحث في كل واحدة منها على الترتيب.

تفسير الآية الاَُولى:

أمّا الآية الاَُولى وهي قوله سبحانه: (إذ قال الله ياعيسى إنّى متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ). فالكلام فيها يقع حول لفظ "التوفّي" فهل التوفّي ـ في هذه الآية ـ بمعنى الاِماتة؟ أو أنّ للتوفّي معنى آخر ينطبق على الموت تارة وعلى غيره أُخرى؟


1 . سورة آل عمران: الآية55.
2 . سورة النساء: 157 ـ 158.
3 . سورة المائدة: الآية 117.
4 . سورة النساء: الآية 159.
5 . سورة الزخرف: الآية 61.

(148)

وقد نصّ بذلك بعض أئمة أهل اللغة قال ابن منظور في "اللسان": وتُوفّى فلان وتوفّاه الله : إذا قبض نفسه، وفي الصحاح: إذا قبض روحه، وقال غيره: تَوَفّى الميت: استيفاء مدته التي وفيت له وعدد أيامه وشهوره وأعوامه في الدنيا. وتَوفَّيت المال منه واستوفيته: إذا أخذته كلّه، وتوفّيت عدد القوم إذا عددتهم كلّهم. وانشد أبو عبيدة لمنظور الوبري:

إنّ بني الاَدْرَد ليسوا من أحَدْ       ولا توفاهم قريش في العدد

أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم (1). إنّ القدر الجامع المستقيم لما ورد في القرآن من مشتقات هذه الكلمة هو: الاَخذ والاستيفاء، وهو يتحقق بالاِماتة تارة، وبالنوم أُخرى، وبالاَخذ من الاَرض والرفع من العالم البشري إلى عالم آخر (سواء أكان ذلك العالم الآخر عالم السماء أو عالماً آخر ثالثاً). ومحاورات القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك، كما يلاحظ في الآيات التالية: يقول الله سبحانه: (اللهُ يَتَوفّى الاََنْفُسَ حِينَ مَوتها وَالّتي لَـمْ تَـمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الّتي قَضى عَلَيْها المَوتَ وَيُرْسِلُ الاَُخرى إلى أَجَلٍ مُسَمّى ) (2) ويقول سبحانه: (وَهُوَ الّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِالَّيلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحتُمْ بِالنَّهار ) (3) ولا شك أنّ لفظة "والتي" معطوفة على "الاَنفس" وتقدير الآية هو: "ويتوفّى التي لم تمت


1 . لسان العرب: 15|400، مادة "وفي" وسيوافيك لفظ الطبرى في تفسير معنى "التوفّى".
2 . سورة الزمر: الآية 42.
3 . سورة الاَنعام: الآية 60.

(149)

في منامها" ولو كان التوفّى بمعنى "الاِماتة" لما استقام معنى الآية، إذ يكون معناها ـ حينئذ ـ الله يميت الاَنفس حين موتها، ويميت التي لم تمت في منامها. وهل هذا إلاّ التناقض؟ ولاَجل ذلك، لامناص من تفسير "التوفي"، "بالاَخذ" وهو ينطبق على الاِماتة (الموت) في الفقَرة الاَُولى وعلى الاِنامة (النوم) في الفقرة الثانية من الآية. ومثله قوله تعالى في سورة الاَنعام: (وهُوَ الّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِالَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحتُمْ بِالنَّهارِ ثُمّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إليهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون ). فإن تَوَفّى الناس بالليل لا يكون بالاِماتة، بل بمعنى أخذهم بالنوم، ثم يبعثهم الله باليقظة في النهار، ليقضوا بذلك آجالهم المسماة، ثم إلى الله مرجعهم، بواسطة الموت والمعاد. وكذلك قوله سبحانه في سورة النساء: (واللاّتى يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ فَا سْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنْكُمْ فإن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوت حَتَّى يَتَوفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجعَلَ اللهُ لَـهُنَّ سَبِيلا) (1). ولا معنى لتفسير "التوفّى" بأنّه "يميتهنّ الموت" فلابد من القول بأن التوفّى ليس مرادفاً للموت والاِماتة في محاورات القرآن واستعمالاته، وإنّما هو: أخذ الشيء وافياً كاملاً برمّته. وعلى ضوء ذلك ليس للتوفّى إلاّ معنى واحداً، وهو الاَخذ للشيء تماماً ووافياً إمّا من عالم الحياة، أو من عالم اليقظة، أو من عالم التواجد بين البشر. فإذا كان لفظ "التوفّى" موضوعاً لمعنى جامع، وكان صالحاً للانطباق على الاِماتة، والاِنامة، والاَخذ من بين الناس، فليس حمله على المورد الاَوّل وتطبيقه عليه بلا قرينة ولا شاهد، صحيحاً، كما ارتكبه المستدلّ وفسّـره بالموت، بل


1 . سورة النساء: الآية 15.

(150)

قوله سبحانه: (ورافعك إلىَّ )شاهد على أنّ المراد هو الثالث فيكون المتبادر من الآية هو: إنّي آخذك وقابضك بين الناس ورافعك إلىَّ. فتصير الآية دليلاً على رفع المسيح حياً. لا إماتته ورفعه كما يتعاطاه المستدلّ حيث جعل ما هو ظاهر ـ بعد الاِمعان ـ في رفعه حياً، دليلاً على الاِماتة، وما هذا إلاّ لاَنّه اتّخذ رأيا مسبّقاً في حقّ المسيح، فساقه الرأي إلى تفسير الآية بخلاف ظاهرها. ومـمّن تفطّن لهذا المعنى، هو ابن جرير في تفسيره حيث قال: وقال آخرون: معنى ذلك: إنّي قابضك من الاَرض فرافعك إلىّ. قالوا: ومعنى الوفاة: القبض، كما يقال: تَوَفّيت من فلان مالي عليه، بمعنى قبضته واستوفيته، قالوا: فمعنى قوله: إنّي متوفّيك ورافعك: أي قابضك من الاَرض حياً إلى جوارى واخذك إلى ما عندي بغير موت ورافعك من بين المشركين. ـ ثم إنّه بعد ما ذكر وجوهاً في تفسير الآية ـ قال: قال أبو جعفر الطبري: وأولى هذه الاَقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إنّي قابضك من الاَرض ورافعك إلىّ، لتواتر الاَخبار عن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" أنّه ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجّال ثم يمكث في الاَرض مدّة (1). ومـمّن نبّه بذلك واستعرض الموضوع عرضاً تحقيقيّاً العلاّمة البلاغي ـ قدّس سرّه ـ (2) . إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الوجهين اللّذين نقلهما المراغي من المفسّـرين حول اللفظين "متوفّيك" و"رافعك"، ومبنى الوجهين كون التوفي بمعنى الاِماتة على ما اخترناه. 1ـ "إنّ فيهـا تقديماً وتأخيـراً، والاَصل: إنّي رافعـك إلىَّ ومتوفّيك، أي إنّى رافعك الآن ومميتك بعد النزول من السماء في الحين الذي قدر لك، وعلى هذا


1 . لاحـظ تفسير الطبري: 3|203، وتفسير الرازي: 2|481، ط مصر. وتفسير ابن كثير: 1|366، نقلاً عن قتادة. وتفسير النيشابوري، (المطبوع بهامش الطبري) : 3|207.
2 . آلاء الرحمان: 1|33 ـ 35 في مقدمات تفسيره.

(151)

فهو قد رفع حيّاً بجسمه وروحه، وإنّه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفّاه الله " . 2 ـ "إنّ الآية على ظاهرها، وأنّ التوفّى هو الاِماتة العادية وأنّ الرفع بعده للروح، ولا غرابة في خطاب الشخص وإرادة روحه، فالروح هي حقيقة الاِنسان والجسد كالثوب المستعار يزيد وينقص ويتغير، والاِنسان إنسان لاَنّ روحه هي هي. والمعنى: إنّي مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي كما قال تعالى في إدريس ـ عليه السلام ـ : (وَرَفَعناهُ مَكَاناً عَلِيّاً )(1). وحديث الرفع، والنزول آخر الزمان، حديث آحاد يتعلّق بأمر اعتقادي، والاَُمور الاعتقادية لا يوَخذ فيها إلاّ بالدليل القاطع من قرآن وحديث متواتر، ولا يوجد هنا واحد منها. أو أنّ المراد بنزوله وحكمه في الاَرض، غلبة روحه، وسرّ رسالته على الناس، بالاَخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لبابها" (2).

ويلاحظ على هذا الكلام: أنّ كلا الوجهين غير تامّين:

أمّا الاَوّل: فلاَنّه مبني على تفسير "متوفّيك" بمعنى "مميتك" ولذلك التجأ إلى القول بأنّ في الآية تقديماً وتأخيراً لتقدّم رفعه على إماتته التي تتحقّق بعد النزول من السماء في الحين الذي قدّر له.


1 . سورة مريم: الآية 57.
2 . تفسير المراغي: 3|169.

(152)

وهذا النوع من التفسير لا يليق بشرف كلامه سبحانه، إذ لا وجه لتقديم الاِماتة على الرفع مع كون الحقيقة على العكس. وأمّا الثاني: فلأنّ الرفع تعلّق بـ "عيسى" وهو علم للشخص الخارجى، أعني البدن الماثل أمام الاَبصار وكون حقيقة الاِنسان هي الروح لا يصحح الخطاب للشخص الخارجي. فإذا قال شخص: جاء زيد وأكل عمرو، فلا تصح نسبة الفعلين إلى الروح بحجّة أنّ حقيقة الاِنسان هي الروح، بل الظاهر أنّ المسيح رفع بعنصره الخارجى وشخصه وهيكله الماثل بين الاَصدقاء والاَعداء، كما لا يصح تفسير الآية بتعلّق الرفع بالروح كذلك لا يصح تفسيرها بعلو الدرجة، وكون الرفع رفعاً معنوياً قياساً على قوله تعالى: (وَرفَعناه مَكَاناً عَلِياً )فإنّ قوله: (مكاناً علياً )ربّما يكون شاهداً في المقيس عليه لا في المقيس (1). على أنّ الرفع هناك معنوي لا حسّـي بخلاف المقام، فإنّ القرينة فيه على العكس، وإنّ الرفع حسّـي وعلى هذا ينحصر تفسير الآية على الوجه التالي: "متوفّيك": أي آخذك، ومخلّصك من أيدى الاَعداء، ولما كان أخذه وتخليصه يتوقف على نقله إلى مكان آخر، أشار إلى مكانه بقوله: (ورافعك إليّ): أي إلى نقطة عالية ولا تعنى لفظة "إلىّ" من هذه الجملة أو لفظة "إليه" في الآية التالية: "بل رفعه الله إليه" سوى ما يعنيه قوله في حقّ الشهداء المقتولين في سبيل الله بأنّهم: (أحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرزَقُون ). نعم ذكر "الخازن" وجهاً آخر للجمع بين "متوفّيك" و"رافعك" وقال: إنّ


1 . قال العلاّمة الطباطبائي: المراد بالمكان العلى الذي رفع إليه، درجة من درجات القرب إذ لا مزية في الارتفاع المادّي والصعود إلى أقاصى الجو البعيدة أينما كان. وقيل إنّ المراد بذلك ـ كما ورد به الحديث ـ إنّ الله رفعه إلى بعض السماوات وقبضه هناك، وفيه إراءة آية خارقة وقدرة إلهية بالغة وكفى به مزية. الميزان: 14|66 ـ 67.

(153)

معنى "التوفّى" أخذ الشيء وافياً، ولما علم الله تعالى إنّ من الناس من يخطر بباله أنّ الذي رفعه الله إليه هو روحه دون جسده كما زعمت النصارى إنّ المسيح رفع لاهوته يعني روحه وبقي في الاَرض ناسوته يعنى جسده فرد الله عليهم بقوله: (إنّي متوفّيك ورافعك إلىّ )فأخبر الله أنّه رفعه بتمامه إلى السماء بروحه وجسده جميعاً إلى السماء (1). فالكل كناية عن الاستظلال بظل عنايته ورحمته، من دون شوب تجسيم أو غيره. نعم، إنّ ما تدلّ عليه الآية هو أنّ المسيح رفع بجسمه وبدنه حيّاً إليه سبحانه، وأمّا كونه حياً لحد الآن فلا يستفاد من الآية، بل لابدّ للقول بحياته الباقية إلى الآن من دليل آخر وسيوافيك بيانه كما سيجيء توضيح للمقام عند تفسير الآية الثانية.

تفسير الآية الثانية:

وأمّا الآية الثانية: وهي قوله: (إنّا قَتَلْنا المَسيحَ عيسى ابنَ مَريَمَ رَسُولَ الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكن شُبِّهَ لَـهُمْ وإنَّ الّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ إلاّ اتّباعَ الظنّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَفَعَهُ اللهُ إليهِ وَكانَ اللهُ عَزيراً حَكيما)(2)ز فإنّ الآية ظاهرة في عدم موت المسيح (عندما هجم عليه أعداوَه) بالصلب ولا بأىّ سبب طبيعي آخر، وذلك لاَنّ اليهود لما ادّعوا قتله وصلبه، نزلت الآية حينئذٍ لتكذيب خصوص هذا الزعم وتفنيد هذا الادّعاء وإثبات أنّه ـ عليه السلام ـ لم يُقتل ولم يُصلب كما ادّعي اليهود، بل رفع وحفظ من كيدهم، فيكون مفاد الآية، هو رفع عيسى حياً من بين الاَعداء، فالرفع تعلّق بما تعلّق به


1 . تفسير الخازن: 1|356.
2 . سورة النساء: الآيتان 157 ـ 158.

(154)

الادّعاء، فتكون النتيجة أنّ هاهنا دعويين: الاَُولى: ما يدّعيه اليهود هو: قُتِلَ المسيح وصُلِب. الثانية: ما يقوله القرآن: ما قتل المسيح وما صلب بل رفع. وبما أنّ متعلّق القتل والصلب هو الوجود الخارجي، أي جسمه وروحه، فيكون ذلك متعلّق الرفع أيضاً، أي رفع بجسمه وروحه. وبذلك يظهر بطلان أمرين: الاَوّل: "إنّ الله سبحانه أمات المسيح أوّلاً ثم رفعه" (1) وذلك لاَنّه مخالف لظاهر الآية، فإنّ الاضراب الواقع في قوله تعالى: (بل رفعه الله )لا يكون اضراباً عن قول اليهود إلاّ برفعه حياً لا برفعه ميتاً، فهذا الرفع كان نوع تخليص للمسيح، فأنجاه الله به من أيدي اليهود سواء أمات بعد ذلك أم بقي حياً، بإبقاء الله تعالى له، وعلى كل تقدير فلا يكون قوله: (بل رفعه الله )إبطالاً لقول اليهود إلاّ إذا رفع حياً. الثاني: "أنّ المراد من الرفع، رفع درجته" (2) وذلك لاَنّ المتبادر من الرفع هو رفع شخصه من بين الاَعداء، لا إعلاء مقامه ودرجته، لاَنّ مصب البحث هو قتل عيسى وصلبه، والآية بصدد التنديد بذلك الزعم وإبطاله، إذ تقول: (وَما قَتَلُوهُ يَقيناً * بل رفعه الله إليه )ولا يتم هذا التنديد إلاّ بتفسير الرفع، برفع عيسى ببدنه وشخصه من بين الاَعداء، ولا يناسب تفسيره بإعلاء مقامه، لاَنّ البحث ليس حول درجة المسيح ومقامه وهذا بخلاف قوله تعالى: (ورفعناه مكاناً علياً).


1 . وهذا التفسير عين ما ورد في الاَناجيل المحرّفة من موت المسيح ثم رفعه بعد أُسبوع أو أيام قلائل فكيف يعتمد على هذا الوجه؟!
2 . وهذا نفس ما احتمله المراغى في تفسيره، وربما يدّعى أنّه المبدع للشبهة فقد نسبها إليه الشيخ "مصطفى صبري" شيخ الاِسلام للدولة العثمانية سابقاً في كتابه "موقف العقل والعلم والعالم من ربّ العالمين وعباده المرسلين": ص15.

(155)

وبعبارة أُخرى: أنّ مقتضى الاضراب في الآية (بل رفعه الله إليه )هو تعلّق الرفع ببدنه الحي وشخصه الماثل، حتى يصح كونه رداً على زعم اليهود: "إنّهم صلبوه وقتلوه"، لاَنّ القتل والصلب إنّما يتعلّقان بالبدن ولو فسّـر بإعلاء المقام لا يكون رداً لدعوى القتل والصلب، ويكون جملة منقطعة الصلة عن زعم اليهود، فلا تكون الحكاية عن إعلاء المقام رداً على الخصم، إلاّ إذا فسر برفع المسيح بشخصيته الخارجية الحيّة حتى يكون تكذيباً لمقالة اليهود وادّعائهم. أضف إلى ذلك أنّ رفع روحه أو إعلاء درجته، وإبقاء جسده بين الاَعداء، نوع تسليط لهم عليه، لا إنجاء له من أيديهم، وهذا لا يوافق سياق الآية لاَنّه بصدد بيان أنّه سبحانه أنجاه وخلّصه من أيديهم، وعند ذلك يتطابق مفاد هذه الآية مع مفاد الآية السابقة القائلة: (إنّي متوفّيك ورافعك إلى )لما عرفت أنّ "التوفّى" هناك ليس بمعنى الاِماتة، بل بمعنى الاَخذ ويكون مفاده مطابقاً لما يستفاد من هذه الآية بأنّ المسيح رفع بشخصيته الخارجية. نعم الآية تدلّ على رفعه حياً وأمّا بقاوَه كذلك لحد الآن فلا يستفاد من الآية بل لابد من التماس دليل آخر.

تفسير الآية الثالثة:

وأمّا الآية الثالثة: (ما قُلتُ لَـهُمْ إلاّ ما أمَرْتنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِم شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّـا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلّ شيْءٍ شَهِيد )(1). فلا إشكال في أنّ ظرف المحاورة بين الله وعيسى هو يوم القيامة بدليل قوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ )(2) وأمّا التوفّي فيها فقد عرفت أنّه


1 . سورة المائدة: الآية 117.
2 . سورة المائدة: الآية 119.

(156)

ليس مرادفاً للموت، بل معناه الاَخذ التام وهو يتحقّق تارة بالاِماتة، وأُخرى بالنوم وثالثة بالاَخذ من بين الناس والمجتمع، فلا يدلّ ظاهر الآية إلاّ على المعنى الجامع، ولا يصبح لاَحد الفريقين (القائل بإماتته، أو القائل برفعه حياً) التمسك به لتأييد مذهبه. وقد عرفت دلالة الآيتين السابقتين على رفعه حياً فالآيات يفسر بعضها بعضاً.

خلاصة ما سبق في الآيات الثلاث:

تدلّ الآية الاَُولى على أنّه سبحانه وعد المسيح بأنّه آخذه ورافعه إليه، لا أنّه مميته ورافعه إليه، والاشتباه حصل في جعل "التوفّى" بمعنى الاِماتة ومفادها أنّه سبحانه وعد المسيح بأخذه من يد اليهود ورفعه إليه حتى لا يتمكنوا من قتله وصلبه. وأمّا تعيين مصيره بعد الرفع، وأنّه هل بقي حياً لحد الآن أم لا ؟ فلا تدلّ الآية على شيء منه، بل الآية تدلّ على أنّه كان حياً عند الاَخذ والرفع، وانّ ظرف الرفع هو نفس ظرف وزمان الهجوم الذي قام به اليهود عليه. وتدلّ الآية الثانية على نفس ما دلّت عليه الآية الاَُولى غير أنّ دلالتها على ذلك المعنى أظهر، فهي تدلّ على أنّه سبحانه خلّص المسيح من أيدي الطواغيت ولم يتمكّنوا من قتله وصلبه، وتحقّق بذلك الاَمر برفعه (حياً) دون أن تنال منه اليهود. ولو كان الرفع مقروناً بالاِماتة فهو لا يناسب الآية، لاَنّ الله تعالى بصدد امتداح نفسه في هذه الآية بإنقاذ وتخليص نبيّه من أيدي أعدائه المهاجمين، والاَنسب لهذا الموقف هو رفعه حياً لا إماتته ثم رفعه ميتاً، لاَنّه ليس في هذا ما يوجب امتداحاً للرفع.


(157)

وبعبارة أُخرى: أنّ الآية في مقام بيان الامتنان على المسيح وهذا موافق مع رفع الله له حياً لا ميتاً كما أنّ تفسيره برفع الدرجة من دون فرض لاِنجائه من أيدي الطواغيت يجعل الكلام منقطع الصلة عمّـا قبله. ومثله ما تعلّق بروحه فقط وترك بدنه بين الاَعداء نعم تختلف الآيتان في أنّ الاَُولى مشتملة على لفظين (التوفي والرفع) والثانية مشتملة على خصوص الرفع. والآية الثالثة راجعة إلى خطاب المسيح إلى الله سبحانه يوم القيامة والبعث حيث قال: (فلمـّا توفّيتني كنت أنت الرقيب عليهم )والتوفّي هناك هو نفس التوفي في الآيات السابقة، بمعنى الاَخذ والمعنى في الجميع واحد. إلى هنا تم توضيح الآيات الثلاث الدالة على أنّ عيسى رفع حياً. وأمّا مصيره بعد الرفع وأنّه هل بقي حياً أو لا، فلا تدلّ هذه الآيات على شيء من ذلك، نعم يدلّ عليه ما نتلوه عليك من الآية الرابعة والخامسة وإليك توضيحها.

تفسير الآية الرابعة:

وأمّا الآية الرابعة أعني قوله تعالى: (وَإِنْ مِن أهلِ الكِتابِ إلاّ لَيُوَْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوتِهِ وَيَومَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) (1). فقد فسر بنزول "عيسى" توضيحها: هو أنّ (إن )نافية بمعنى "ما" والمبتدأ محذوف يدلّ عليه سياق الكلام، فيكون معنى الآية: "ما أحد من أهل الكتاب إلاّ ليوَمنن به" والضمير في قوله: "به" يرجع إلى المسيح بلا نقاش إنّما الكلام في قوله: (قبل موته )فهل يرجع الضمير فيه أيضاً إلى المسيح، أو يرجع إلى "أحد" المقدّر؟ كلاهما محتمل ولا يمكن لاَوّل وهلة القطع بأىّ واحد من الاحتمالين،


1 . سورة النساء: الآية 159.

(158)

وإليك بيانهما مع بيان ما يوَيد أحدهما. إنّ للمفسرين في تفسير الآية رأيين: الاَوّل: أنّ الضميرين في (به )و (موته )يرجعان إلى "عيسى" وأنّ جميع أهل الكتاب المتواجدين في يوم "نزول عيسى" لقتل الدجال، يصدّقون به فتصير الملل كلها واحدة وهي ملة الاِسلام. قال ابن جرير: فعن ابن عباس في تفسير الآية: قال: قبل موت عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ. وقال أبو مالك: ذلك، عند نزول المسيح، وقبل موت عيسى بن امريم لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلاّ آمن به. وعن الحسن: إنّه لحىّ الآن عند الله ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، إنّ الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاماً يوَمن به البرّ والفاجر. قال ابن جرير: وهذا أولى الاَقوال، وهو أنّه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ـ عليه السلام ـ إلاّ آمن به قبل موت عيسى (1). الثاني: الضمير الاَوّل (به )لعيسى والثاني (موته )للكتابى، فالمعنى على هذا: إلاّ ليوَمنن بعيسى قبل أن يموت هذا الكتابي إذا عاين وميّز الحقّ عن الباطل، لاَنّ كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحقّ من الباطل عن دينه. وروي عن ابن عباس ما يصح أنّ يوَيد هذا المعنى قال: لا يموت يهودي حتى يوَمن بعيسى. وعن مجاهد: كل صاحب كتاب يوَمن بعيسى قبل موت صاحب الكتاب. ويوَيد هذا التفسير القراءة المنسوبة إلى أُبّي: "إلاّ ليوَمننّ به قبل موتهم".


1 . تفسير الطبري: 5|14 ـ 16 بتلخيص.

(159)

وهناك رأي شاذ لا يُعرَّج عليه وهو: "ليوَمن بالله أو بمحمّد قبل موت الكتابي" وهذا رأي ساقط، إذ ليس في الآية ما يشير إليه فضلاً عن الدلالة، على أنّ إيمان الكتابي بالله ثابت في حياته. إلاّ أنّ التأمل في سياق الآية يوَيد رجوع ذلك الضمير إلى المسيح لا إلى "أحد من أهل الكتاب" لاَنّ البحث، إنّما هو حول قتل المسيح وصلبه، فيناسب أن يكون المراد من "موته" في الآية هو موت المسيح، لا موت الكتابى، وهذا يدلّ على كونه حياً، وأنّه لابد أن يدركه كل الكتابيين المتواجدين يوم نزوله فيوَمنون به قبل موته ـ عليه السلام ـ . وأمّا زمان هذا الاِيمان، وأنّه متى يوَمن به كل كتابي فالآية ساكتة عنه. وبعبارة أُخرى: أنّ الكلام سيق لبيان موقف اليهود من عيسى وصنيعهم به، ولبيان سنّة الله في إنجائه ورد كيد الاَعداء عنه، فيتعيّن رجوع الضميرين المجرورين (به ـ قبل موته) إلى عيسى ـ عليه السلام ـ أخذاً بسياق الكلام وتوحيداً لمرجع الضميرين. قال الدكتور عبد الباقي أحمد محمد سلامة في كتابه "بين يدي الساعة" في ترجيح المعنى الاَوّل على الثاني: إنّ المقصود من سياق الآية في تقرير بطلان ما ادّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة، فأخبر الله تعالى أنّه لم يكن الاَمر كذلك، وإنّما شبّه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبيّنون ذلك، وأنّه باق حي، وأنّه سينزل قبل يوم القيامة كما دلّت عليه الاَحاديث المتواترة. فيقتل المسيح الضلالة ويكسر الصليب ويضع الجزية، يعنى: لا يقبلها من أحد من أهل الاَديان، بل لا يقبل إلاّ الاِسلام، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنّه يوَمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلّف عن التصديق به واحد منهم قبل موته، أي موت عيسى الذي زعم اليهود ومن وافقهم من


(160)

النصارى أنّه قتل وصلب، وسياق الآيات دليل على ذلك فقد قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم ) إلى أن قال: ـ (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَفَعَهُ الله إِليه)(1) . ثم ذكر تعالى هذه الآية: (وَإِنْ مِن أَهلِ الكِتابِ إلاّ لَيُوَمِنَنَّ بِهِ قَبَلَ مَوتِهِ).(2) وأمّا تعيين ظرف ذلك الاِيمان فيرجع فيه إلى الروايات المتضافرة التي ستوافيك وتدلّ على أنّه سينزل آخر الزمان حكماً عدلاً، وأنّه يأتم بإمام المسلمين وهو الذي يقتل الدجال وعندئذ يوَمن به كل كتابي حي في أديم الاَرض. وأمّا المعنى الثاني، يعنى: إرجاع الضمير إلى الكتابى، فيكون معنى الآية: أنّ كل كتابي يوَمن بالمسيح قبل أن يموت ذلك الكتابي، فاليهودي الكافر بنبوة عيسى، يوَمن بها عند موته، والنصراني القائل بإلوهيته، يصدق بأنّه نبىّ مرسل، لانكشاف الحقائق عند الموت، وحينئذ يطرح هذا السوَال نفسه: هل هذا الاِيمان محسوس لغير الكتابي، أو إيمان لا يحس به غيره ؟ والاَوّل خلاف المشاهد والملموس منهم، إذ لا نشاهده عند موت أهل الكتاب، وعلى الثاني: فالموت وإن كان يقارن رفع الحجب والاَستار لقوله سبحانه: (حَتّى إذا جَاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارجِعُونِ * لَعَلّـي أعْمَلُ صَالِحاً فِيما تَرَكْت ) (3) وغيره من الآيات، ولكن هذا الاِيمان الاضطراري لايختص بأهل الكتاب أوّلاً، كما لا يختص بمسألة المسيح ثانياً، إذ عندئذ تنكشف الحقائق على ما هي عليه من دون اختصاص بهذه المسألة وما فائدة هذا الاِيمان الاضطراري بالمسيح ثالثاً، وقد قال تعالى: (ولَيْسَتِ التّوْبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ


1 . سورة النساء: الآية 157 ـ 158و 159.
2 . بين يدي الساعة: 129، ط الرياض، وهو كتاب قيّم، والآية من سورة النساء | 157 ، 158، 159.
3 . سورة الموَمنون: الآية 99 ـ 100.

(161)

السّيئاتِ حتّى إذا حَضَـرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنّي تُبْتُ الآن)(1)ز وبهذا تبيّن أنّ المتعيّن هو رجوع الضمير إلى المسيح، ويكون مفاد الآية، أنّ أهل الكتاب يوَمنون بالمسيح، ويخرجون من الجحد والشك والكفر، قبل موت عيسى وذلك في ظرف خاص، يعلم تفصيله ممّا ورد في الروايات من نزول السيد المسيح، وقتله الدجال، وائتمامه بإمام المسلمين، الذي هو المصلح الموعود في الكتب والزبر. فالتدبّر في سياق الآية هذه، وما ينضم إليها من الآيات المربوطة بها، يفيد أنّ عيسى ـ عليه السلام ـ لم يتوفَ بقتل أو صلب ولا بالموت حتف الاَنف، وانّ الكتابيين جميعاً، سيوَمنون به قبل موته، ويشاهدونه عياناً ويذعنون له إذعاناً لا خلاف فيه، وهذا فرع كونه حياً حتى يوَمن به كل كتابي قبل موته، وعلى هذا فالظاهر انّ المراد كل الكتابيين الموجودين في ذلك الزمان، لا من مات وغبر من عصر المسيح إلى ذلك اليوم.

تفسير الآية الخامسة:

أمّا الآية الخامسة: وهي قوله: (وإِنَّهُ لَعِلمٌ للسّاعَةِ فَلا تمترنَّ بِها و اتبِعُونِ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقيم ) (2). فهذه الآية وما قبلها، بصدد بيان شأن المسيح، وموقفه أمام الله سبحانه، وأنّه لم يكن إلهاً بل كان كما وصفه سبحانه: (إنْ هُوَ إلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسرائيلَ * وَلَو نَشَاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الاَرْضِ يَخْلُفُونَ *وَإنّهُ لَعِلمٌ للسّاعَة ) (3) .


1 . سورة النساء: الآية 18.
2 . سورة الزخرف: الآيات: 59 ـ 61.
3 . سورة الزخرف: الآيات: 59 ـ 61.

(162)

وسياق الآيات ينفي بتاتاً، أن يكون القرآن الكريم أو النبي الاَكرم محمّد "صلى الله عليه وآله وسلم" مرجعاً للضمير، بل المرجع هو المسيح بلا كلام، لاَنّ الآيات السابقة واللاحقة (1) تبحث عنه ـ عليه السلام ـ، فالآية تفيد أنّ المسيح سبب للعلم بالساعة وأمارة ودليل على وقوعها، وعندئذ يجب تحليل كيفية كونه علماً للساعة، وفيه عدّة احتمالات: 1 ـ إنّ خلقـه مـن دون أب، أو إحياءه الموتى دليـل على صحـة البعـث وإمكانه. وهذا مرفوض لاَنّ البحث ليس في إمكان البعث وعدم إمكانه، والآية لا تحتمل ذلك، وإلاّ لكان الاَنسب أن تقول: وإنّه أو فعله دليل على إمكان البعث. 2 ـ إنّ وجود عيسى دليل على قرب الساعة وشرط من أشراطها. وهذا أيضاً مرفوض لاَنّه لو كان وجوده دليلاً عل قرب الساعة، فوجود النبي الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم" وأُمّته أولى بأن يكون كذلك، فلم يبق إلاّ الاحتمال الثالث: 3 ـ إنّ وجـود عيسى في ظرف خاص من الظروف (غير ظروفه السابقة الماضية) يكون علماً للساعة، فإذا أُضيفت إليها الاَخبار والروايات المستفيضة المصرّحة بنزوله في آخر الزمان يتجلّـى مفاد الآية بصورة واضحة، وأنّ عيسى سينزل في زمن من الاَزمنة، ولا مناص في رفع الاِبهام من الرجوع إلى الروايات حتى يحدد ذلك الظرف والزمان. وقال ابن كثير: وقد تواترت الاَحاديث عن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" أنّه أخبر بنزول عيسى ـ عليه السلام ـ قبل يوم القيامة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً (2). هذا خلاصة القول في تبيين مفاد الآية وأرجو منكم التمعّن في ما ذكرناه. وخلاصة هذا البحث الضافي: أنّ الآيات الثلاث الاَُولى تدلّ على كونه حيّاً عند الرفع، بينما الآيتان: الرابعة والخامسة تدلاّن على حياته لحد الساعة والآن.


1 . قوله سبحانه: (ولما جاء عيسى بالبيّنات قال قد جئتكم بالحكمة ولاَُبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون )(الزخرف: 63) .
2 . تفسير ابن كثير: 4|133.

(163)

حياة السيد المسيح في السنّة النبوية:

قد تعرفت على مفاد الآيات النازلة حول سيدنا المسيح، كما تعرفت على دلالة بعضها على كونه حيّاً لحدِّ الآن، غير أنّ إكمال هذا البحث يتوقف على معرفة ما ورد في هذا المجال، في السنّة المأثورة عن النبي الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم" حتى يتبيّن الحقّ بأجلى مظاهره. وإن طال بنا الكلام، وطال موقفنا مع السائل الكريم فنقول: الاَحاديث الواردة في شأن عيسى ونزوله في آخر الزمان تنقسم إلى ثلاثة أقسام: 1 ـ ما يدلّ على نزوله عند خروج الدجال فيقتله. 2 ـ ما يدلّ على نزوله عند ظهور المهدي ـ عجل الله فرجه ـ الذي هو من ولد فاطمة ـ عليها السلام ـ ويصلّـي المسيح خلفه. 3 ـ ما يدلّ على أنّ نزول عيسى ـ عليه السلام ـ من أشراط الساعة، وأنّ الساعة لا تقوم حتى تتحقّق عشر آيات، منها: خروج الدجال ونزول عيسى المسيح ـ عليه السلام ـ . وإمعان النظر في هذه المأثورات المبعثرة في الصحاح والمسانيد، لا يبقى شكاً لمرتاد الحقيقة في أنّ المسيح حسب هذه الروايات حىّ يُرزق وأنّ الله سبحانه بقدرته الكاملة أفاض عليه الحياة المستمرة إلى وقت معين وغاية خاصة. نعم بعد تحقّق تلك الغاية وحصول الظروف المحددة يموت كل ابن آدم


(164)

من غير فرق بين المسيح وغيره، لاَنّ الموت سنّة جارية على الاِنسان كلّه، ولا يراد من حياته لحد الآن كونه لا يموت: أبداً إلى يوم القيامة حتى يقال: إنّ الموت سنّة إلهية عامّة كما جاء في السئوال. ولاَجل أن يقف القارىَ على مضامين تلك الروايات نأتي بأكثر ما ظفرنا عليه من متون، معيّنين مصادرها في أسفل الصفحة حتى يتيسّـر الرجوع لكل من أراد ذلك، ولا يخفي أنّ بعض هذه الروايات يحتاج إلى تعليق وتوضيح وليس كل ما ورد في هذه الروايات قابلاً للتصديق، غير أنّ الكل يتفق في حياة المسيح ونزوله في آخر الزمان وإنّا نرجىَ التحقيق حولها إلى آونة أُخرى، وعليه سبحانه التكلان: 1 ـ روى البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول "صلى الله عليه وآله وسلم" : "والّذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها" (1). 2 ـ وروى عن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم وإمامكم منكم" (2) والمقصود من الاِمام في "إمامكم" هو المهدي حسب ما تواترت عليه الروايات. والحديث رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وبذلك يعلم عدم صحة ما ربّما يقال من أنّ أحاديث المهدي لم ترد في صحيحى البخاري ومسلم، وأنّ


1 . صحيح البخاري: 4|168، باب نزول عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ وسنن الترمذي: 4|506 برقم 2233 وصحيح مسلم: 1|93، نقله بطرق مختلفة مع اختلاف في الاَلفاظ مثل "إماماً مقسطاً" و "حكماً عادلاً" و... وكنز العمال: 14|332 برقم 42، 388.
2 . صحيـح البخاري: 4| 168 (في نفس الباب) وصحيح مسلم: 1|94 (باب نزول عيسى) وكنز العمال: 14|334 برقم: 38845. وفي صحيح مسلم: بهذا اللفظ: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمَّكُم.

(165)

انفراد أبي داود والترمذي بروايات أحاديث المهدى شىء يلفت النظر فعلاً. قال الدكتور عبد الباقي: "لا أرى لزاماً علينا نحن المسلمين أن نربط ديننا بهما. فلنفرض أنّـهما لم يكونا. فهل تشلّ حركتنا وتتوقف دورتنا؟ لا. فالاَُمّة بخير والحمد لله . والذين جاءوا بعد البخاري ومسلم استدركوا عليهما. واستكملوا جهدهما. ووزنوا عملهما. وكشفوا بعض الخلاف في صحيحيهما. وما زال المحدثون في تقدم علمى وبحث وتحقيق ودراسة وجمع ومقارنة وتمحيص. حتى يغمر الضوء كل مجهول. ويظهر كل خفي. ولماذا نردُّ حديثنا لمجرد أن قيل في بعض رواته: إنّه ليّن أو ضعيف. أو منقطع. أو مرسل أو..؟. نعم. هذه علل، تثير الشك والتساوَل، وتدفع إلى زيادة البحث والتعمق. ولكن: كما أعتقد أنّ بعض علل الحديث لاتُلزِم بالردِّ لهذا الحديث فكثيراً ما نجد في بعض الطرق ضعفاً، وفي بعضها قوة. فهو صحيح من طريق، حسن أو ضعيف من أُخرى. ومعنى هذا أنّ الراوي الذي حكم عليه مثلاً بأنّه ينسى تبيّن أنّه في هذه الواقعة لم ينسَ. فجاءت روايته موَيدة بما جاء عن غيره. وأحاديث المهدي ـ في نظري ـ من هذا النوع، ولو بعضها. رغم أنّ بعض المسلمين ـ كابن خلدون ـ قد بالغ وضعّفها كلها. وردّها وحكم عليها حكماً قاسياً. واتّهم كل هؤلاء الرواة ومن رووا عنهم بما لا يليق أن يُظن فيهم. إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين. أو راوٍ أو راويَين، إنّها مجموعة من الاَحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة وأكثر من صاحب كتاب صحيح.


(166)

فلماذا نردُّ كل هذه الكمية؟ أكلها فاسدة؟! لو صحّ هذا الحكم لانهار الدين والعياذ بالله . نتيجة تطرق الشك والظن الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" . ثم إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي، أو حول حاجة العالم إليه. وإنّما الخلاف حول من هو؟ حسني أو حسيني؟ سيكون في أخر الزمان أو موجود الآن؟ خفي وسيظهر؟ظهر أو سيظهر؟ ـ ولا عبرة بالمدّعين الكاذبين فليس لهم اعتبار ـ. ثم إنّي لم أجد مناقشة موضوعية في متن الاَحاديث، والذي أجده إنّما هو مناقشة وخلاف حول السند واتصاله أو عدم اتصاله ودرجة رواته، ومن خرّجوه ومن قالوا فيه. وإذا نظرنا إلى ظهور المهدي نظرة مجردة، فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها، أو على الاَقل عدم رفضها. فإذا ما تأيد ذلك بالاَدلة الكثيرة والاَحاديث المتعددة. ورواتها مسلمون موَتمنون، والكتب التي نقلتها إلينا كتب قيمة. والترمذي من رجال التخريج والحكم. بالاِضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها ما يصح أن يكون سنداً لها في البخاري ومسلم. كحديث جابر في مسلم، الذي فيه: فيقول أميرهم (أي لعيسى): تعال صلِّلنا.. وحديث أبي هريرة في البخاري، وفيه: كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم وإمامكم منكم؟ فلا ما نع أن يكون هذا الاَمير، وهذا الاِمام هو المهدي. يضاف إلى هذا: أنّ كثيراً من السلف ـ رضي الله عنهم ـ. لم يعارضوا هذا


(167)

القول. بل جاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لاِثبات هذه العقيدة عند المسلمين. على أنّ يكون ثبوتها على مستوى فهم أهل السنّة. في حدود ما وردت به السنّة: "يملاَ الاَرض عدلاً". بدون زيادة أو مبالغة(1)". 3 ـ روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنّه قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "والله لينزلنّ ابن مريم حكماً عدلاً فليكسرنّ الصليب، وليقتلنّ الخنزير، وليضعنّ الجزية، ولتتركنّ القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبنّ الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعونَّ المال فلا يقبله أحد" (2). 4 ـ روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أنّه يقول: سمعت النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" يقول: "لا تزال طائفة من أُمتى يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صلّ لنا فيقول: لا إنّ بعضكم على بعض أُمراء تكرمة الله هذه الاَُمّة" (3). 5 ـ روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة: إنّ رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" قال: "لاتقوم الساعة حتى ينزل الروم بالاَعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الاَرض يومئذ ـ إلى أن قال: ـ فبينما هم يعدّون للقتال يسوّون الصفوف إذ أُقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمّهم، فإذا رآه عدوّ الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لاَنْذابَ حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته" (4).


1 . بين يدي الساعة: 123 ـ 125.
2 . صحيح مسلم: 1|94، باب نزول عيسى ـ عليه السلام ـ وكنز العمال: 14|332. وبرقم 38841 أيضاً في كنز العمال: 14|337، بلفظ لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم...برقم 38860.
3 . صحيح مسلم: 1|95، باب نزول عيسى ـ عليه السلام ـ، وكنز العمال: 14|334، برقم 38846.
4 . صحيح مسلم: 8|175 ـ 176 (باب خروج الدجال) .

(168)

6 ـ روى مسلم في صحيحه عن النواسى بن سمعان أنّه قال: ذكر رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع، ـ إلى أن قال ـ: فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ... حتى يدركه بباب لدّ فيقتله ... إلى آخر الحديث (1) والحديث طويل. 7 ـ وروى مسلم أيضاً عن يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي يقول: سمعت عبد الله بن عمر وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدّث به، تقول: إنّ الساعة تقوم إلى كذا وكذا ... إلى أن قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "يخرج الدجال في أُمتى ... فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنّه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ..." (2). 8 ـ روى ابن ماجة في سننه عن أبي أُمامة الباهلى قال: خطبنا رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه فكان من قوله: "إنّه لم تكن فتنة في الاَرض منذ ذرأ الله ذرية آدم، أعظم من فتنـة الدجـال ـ إلى أن قال: ـ وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدّم ليصلّـي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح فرجع ذلك الاِمام ينكص يمشي القهقري لتقدم عيسى يصلي بالناس فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصلّ فإنّها لك أُقيمت، فيصلِّي بهم إمامهم ..." (3). 9 ـ روى أبو داود: في سننه عن حذيفة بن أسيد الغفاري: قال: كنّا قعوداً


1 . صحيح مسلم: 8|179 ـ 198، باب خروج الدجال ونزول عيسى ـ عليه السلام ـ وسنن ابن ماجة: 2|508 ـ 511، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ـ عليه السلام ـ بتقديم وتأخير في بعض الفاظ الحديث وسنن الترمذي: 4|510 ـ 514 برقم 2240، وكنز العمال: 14|285 ـ 288 برقم 3874.
2 . صحيح مسلم: 8|201 ـ 202، باب خروج الدجال ونزول عيسى ـ عليه السلام ـ وكنز العمال: 14|297 ـ 298 برقم 38745.
3 . سنن ابن ماجة: 2|512 ـ 515، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ـ عليه السلام ـ، وكنز العمال: 14|292 ـ 296 برقم 38742.

(169)

نتحدث في ظل غرفة لرسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" فذكرنا الساعة فارتفعت أصواتنا فقال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "لن تكون، أو لن تقوم، الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، وعيسى ابن مريم، والدخان، وثلاث خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب" (1). 10 ـ وروى أبو داود أيضاً عن أبي هريرة: أنّ النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" قال: "ليس بينى وبينه نبي ـ يعني عيسى ـ أنّه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصرتين (2)، كان رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الاِسلام فيدقّ الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويهلك الله في زمانه الملل كلّها إلاّ الاِسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث في الاَرض أربعين سنة ثم يتوفي فيصلى عليه المسلمون" (3). 11 ـ روى ابن ماجة عن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" : "لاتقوم الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم حكماً مقسطاً وإماماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (4).


1 . سنن أبي داود: 4|115 برقم 4311، باب أمارات الساعة، وصحيح مسلم: 4|179. باختلاف يسير، وفيه ثلاثة أحاديث في أشراط الساعة، وكنز العمال: 14|257 برقم 38639.
2 . ممصرتين تثنية "ممصرة" والممصرة من الثياب التي فيها صفرة خفيفة، أي ينزل عيسى بين ثوبين فيهما صفرة خفيفة.
3 . سنن أبي داود: 4|117ـ 118 برقم 4324 وكنز العمال: 14|235 برقم 38855.
4 . سنن ابن ماجة: 2|516.

(170)

هذه نماذج من مسانيد الباب، وأمّا الموقوفات على الصحابة و التابعين فإليك نقل بعضها: 12 ـ عن أبي سعيد: منّا الذي يصلّـى عيسى ابن مريم خلفه (1) . 13 ـ عن ثوبان: عصابتان من أُمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم (2). 14 ـ عن جابر: لا تزال طائفة من أُمتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعال صلّ لنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أمير تكرمة الله لهذه الاَُمّة .(3)

15 ـ عن أبي هريرة: لم يسلط على الدجال إلاّ(4) عيسى ابن مريم . 16 ـ عن جبير بن نفير: ليدركنَّ الدجال قوماً مثلكم أو خيراً منكم، ولن يخزي الله أُمّة أنا أوّلها وعيسى ابن مريم آخرها (5). 17 ـ عن مجمع بن جارية: ليقتلنَّ ابن مريم، الدجال بباب لدّ (6). 18 ـ عن مجمع بن جارية: يقتل ابن مريم، الدجال بباب لدّ (7). 19 ـ عن أبي هريرة: ليهبطنّ عيسى ابن مريم حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً وليسكننّ فجاجاً أو معتمراً أو بنيِّتهما ليأتيّن قبري حتى يسلِّم علىّ ولاَردنّ


1 . كنز العمال: 14|266 برقم 38673.
2 . كنز العمال: 14|333 برقم 38845.
3 . كنز العمال: 14|234 برقم 8846 3.
4 . كنز العمال: 14|234 برقم 38847.
5 . كنز العمال: 14|234 برقم 38848.
6 . كنز العمال: 14|334 برقم 38849.
7 . كنز العمال: 14|335 برقم 38850 وسنن الترمذي: 4|515 برقم 2244.

(171)

عليه(1) . 20 ـ عن أبي هريرة: إنّ روح الله عيسى ابن مريم نازل فيكم فإذا رأيتموه فاعترفوا (2) . ونفس هذا ورد أيضاً برقم (38856) ولكن من غير الطريق السابق وباختلاف يسير في العبارة. وهناك أحاديث أُخرى متفرّقة في هذا الباب استغنينا عنها، لاَنّ لبّها واحد والاختلاف في اللفظ أو الطريق، فراجع كنز العمال: 14|257 ـ 338. وهناك من يتصوّر أنّ هذه الاَحاديث والمأثورات المتضافرة هي أحاديث إسرائيلية أو مسيحية من دون أن يحقّقوا في المسألة من جذورها أو أن يبينوا علة ما يقولون. وما هذا إلاّ رجم بالغيب، ويصدر من رماة القول على عواهنه، وإلاّ فيجب أن يكون كل ما جاء في الكتاب والسنّة من أحاديث حول موسى الكليم وحول المسيح، أحاديث إسرائيلية أو مسيحية خاطئة نعوذ بالله من وساوس الشيطان. هذا وقد قام المحدّث الكشميري الهندي محمد أنور شاه (1292 ـ 1352هـ) بجمع ما ورد في نزول المسيح في رسالة خاصة أسماها بـ "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" طبعت في حلب ورتّب أحاديثها تلميذه الشيخ محمد شفيع، وقد بلغ ما جمعه إلى 75 مأثوراً بين مسند إلى النبي وموقوف على الصحابة والتابعين، ويظهر من فهرس تأليفه أنّ له وراء هذه، رسالتين أُخريين في هذا المضمار ألا وهما:


1 . كنز العمال: 14|335 برقم: 38851.
2 . كنز العمال: 14|335 برقم 38855.

(172)

1ـ "عقيدة الاِسلام بحياة عيسى ـ عليه السلام ـ " في 122 صفحة. 2ـ "تحية الاِسلام في حياة عيسى ـ عليه السلام ـ " في 149 صفحة، وفي بعض ما نقله من الاَحاديث مشاكل في المتن يقف عليها القارىَ، ولاَجل ذلك لم نذكر سوى مورد الحاجة ولا توجد عندنا سوى رسالته الاَُولى وقد أغنانا الرجوع إلى المصادر، عن النقل عنها رأساً (وإن كان الفضل للمتقدم) ولكنّه أهمل البحث عن الآيات مع أنّها الاَصل. وقد اكتفينا بعشرين مأثوراً أخرجناها من مصادرها، وهذه الكمية الهائلة تفيد الاطمئنان واليقين بحياة المسيح ولو لم يكن هذا المقدار كافياً له، فما هو الكافي؟! يا ترى فماذا بعد الحق إلاّ الضلال؟!

نزول المسيح في أحاديث الشيعة :

قد تعرفت على الاَحاديث التي رواها المحدثون من أهل السنّة حول حياة المسيح ونزوله في آخر الزمان، وإليك فيما يلى بعض ما رواه المحدّثون من الشيعة في هذا الموضوع، والكل يدلّ على أنّ حياته ونزوله من الحقائق الناصعة في الشريعة الاِسلامية الغراء، ولذلك أصفق المحدثون من الفريقين على نقله. 1ـ روى فرات في تفسيره: عن جعفر بن محمد الفزاري، عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السلام ـ قال: "يا خيثمة، سيأتي على الناس زمان ... وحتى يتنزل عيسى ابن مريم من السماء، ويقتل الله الدجال على يديه، ويصلّـي بهم رجل منّا أهل البيت" (1) . 2 ـ روى الصدوق في الخصال: عن ما جيلويه... عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" قال: "من ذرّيتي المهدي إذا خرج نزل عيسى ابن مريم لنصرته فقدّمه وصلّى خلفه" (2).


1 . تفسير فرات الكوفي: 44، وبحار الاَنوار: 14|348 ـ 349، الحديث10.
2 . لاحظ الاَمالي: 181، الحديث4 من مجلس 39، وبحار الاَنوار: 14|349، الحديث11 نقلاً عن الخصال.

(173)

3 ـ روى الطبرسي في أعلام الورى: عن حنّان بن سدير عن الحسن بن علي ـ عليه السلام ـ قال: "ما منّا أحد إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاّ القائم الذي يصلّـي روح الله عيسى ابن مريم خلفه" (1). 4 ـ روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره: عن شهر بن حوشب في تفسير قوله سبحانه: (وإن من أهل الكتاب إلاّ ليوَمننّ به قبل موته ): إنّ عيسى ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا فلا يبقى أهل ملة إلاّ آمن به قبل موته ويصلّـى خلف المهدي. قال: ويحك أنّي لك هذا، فقلت: حدثني به محمد بن علي بن الحسين ـ عليهم السلام ـ. فقال: جئت والله بها من عين صافية (2) 5 ـ روى الصدوق في إكمال الدين عن عبد الله بن سليمان وكان قارئاً للكتب قال: قرأت في الاِنجيل وذكر أوصاف النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ، إلى أن قال تعالى لعيسى: أرفعك إلىّ ثم، أُهبطك في آخر الزمان لترى من أُمّة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على اللعين الدجال، أُهبطك في وقت الصلاة لتصلّـى معهم إنّهم أُمّة مرحومة (3) . 6 ـ روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره: عن أبي الجارود عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ في قوله: (إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلَى أن يُنَزّلَ آية )وسيريك في آخر الزمان آيات منها واية الاَرض والدجال ونزول عيسى ابن مريم وطلوع الشمس من مغربها(4) . 7 ـ روى الصدوق في إكمال الدين: عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السلام ـ يقول: "القائم منصور بالرعب موَيد بالنصر ... فلا يبقى في الاَرض خراب إلاّ عمر، وينزل روح الله عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ فيصلي


1 . إعلام الورى: 244 ـ 245، وبحار الاَنوار: 14|349، الحديث 12.
2 . تفسير القمي: 1| 158، وبحار الاَنوار: 14|349 ـ 350، الحديث 13.
3 . إكمال الدين: 1| 159 ـ 160، الحديث: 18، وبحار الاَنوار: 52|181، الحديث1.
4 . تفسير القمي: 1| 198، وبحار الاَنوار: 52|181 الحديث4، والآية 37 من سورة الاَنعام.

(174)

خلفه" فقلت له: يابن رسول الله متى يخرج قائمكم؟ قال: ... (1). 8 ـ روى الصدوق في إكمال الدين: عن النزال بن سبرة قال: خطبنا على ابن أبي طالب ـ عليه السلام ـ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "سلونى أيّها الناس قبل أن تفقدوني" ثلاثاً، فقام إليه صعصعة بن صوحان فقال: يا أمير الموَمنين متى يخرج الدجال؟ فقال له علي ـ عليه السلام ـ : "أُقعد فقد سمع الله كلامك ... على يدي من يصلّـي المسيح عيسى ابن مريم خلفه". فقال النزال بن سبرة لصعصعة: ما عني أمير الموَمنين بهذا القول؟ فقال صعصعة: يابن سبرة إنّ الذي يصلّـي خلفه عيسى ابن مريم هو الثاني عشر من العترة، التاسع من ولد الحسين بن علي وهو الشمس الطالعة من مغربها (2) 9 ـ روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة: عن عامر بن واثلة عن أمير الموَمنين ـ عليه السلام ـ قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "عشر قبل الساعة لابد منها: السفياني والدجال ... ونزول عيسى ـ عليه السلام ـ " (3). 10 ـ كتاب المحتضر للحسن بن سليمان نقلاً عن كتاب المعراج للشيخ الصالح أبي محمد الحسن بإسناده عن الصدوق (4) عن ابن إدريس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "إنّه لما عرج بي ربي جلّ جلاله أتاني النداء: يا محمّد: ... آخر رجل منهم يصلّـي خلفه عيسى ابن مريم..." (5).

***



1 . إكمـال الديـن: 1|330 ـ 331، الحديـث: 16 ط قم. وبحـار الاَنـوار: 52|191 ـ 192، الحديث24.
2 . إكمال الدين: 2|525 ـ 527، الحديث1. وعن بحار الاَنوار: 52|192 ـ 194، الحديث 26.
3 . الغيبة للشيخ الطوسي: 282، ط 1324 حجرية، بحار الاَنوار: 52|209، الحديث48.
4 . إكمال الدين: 1|250 ـ 251 الحديث1.
5 . بحار الاَنوار: 52|277، الحديث172.

(175)

هذا ما سمح به الوقت في الاِجابة عن سوَال الاَخ الفلسطينى وأرجو من الله سبحانه، أن يُذلّ العتاة المستكبرين، والطغاة الظالمين، ويُطهّر بلادَ المسلمين من لوث الصهاينة الغاصبين ويردَّ القدس إلى أحضان الموَمنين، ويمكّن إخواننا الفلسطينين المشرَّدين، من الرجوع إلى أوطانهم سالمين. إنّه بذلك قدير. وبالاِجابة جدير.

جعفر السبحاني               
قم ـ ساحة الشهداء           
موَسسة الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ
4 جمادى الاَولى من عام 1409 هـ.ق


(176)


(177)

المناهج
التفسيرية


(178)

(179)

المقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي نزّل الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً للعالمين. والصلاة والسلام على من نزل الكتاب على قلبه ليكون من المنذرين، وعلى العترة الطاهرة أعدال الكتاب وقرنائه. أمّا بعد؛ فهذه رسالة موجزة تتكفّل ببيان المناهج التفسيرية صحيحها وسقيمها، وتبين الفرق بين المنهج التفسيري والاهتمام التفسيري فأُصول المنهج لا تتعدى عن أصلين: 1 ـ التفسير بالعقل وله صور. 2 ـ التفسير بالنقل وله صور. أمّا الاَوّل فصوره عبارة عن: أ ـ التفسير بالعقل الصريح. ب ـ التفسير في ضوء المدارس الكلامية. ج ـ التفسير حسب تأويلات الباطنية. د ـ التفسير حسب تأويلات الصوفية. هـ ـ التفسير حسب الاَُصول العلمية الحديثة.


(180)

أمّا الثاني فصوره عبارة عن: أ ـ تفسير القرآن بالقران. ب ـ التفسير البياني للقران. ج ـ تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية. د ـ تفسير القرآن بالمأثور عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم " والاَئمّة ـ عليهم السلام ـ . فهذه الصور التسع من فروع المنهجين الاَصليين، وفي ثنايا البحث نشير إلى ما لا غنى للباحث المفسر عنه، وأرجو منه سبحانه أن تكون الرسالة بايجازها نافعة لقارئها الكريم باذن منه.

جعفر السبحاني


(181)

المناهج التفسيرية

التفسير إمّا مأخوذ من "فسَّر" يفسِّر تفسيراً بمعنى أبان، يبين، إبانة. تقول فسّرت الشيء إذا بيّنتَه، يقول الطريحى: "التفسير: هو كشف معنى اللفظ وإظهاره" ويوَيّده قوله سبحانه: (وَلاَ يَأتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا ) (1) (أي أحسن تبييناً) . أو مأخوذ من فسّر، المشتق بالاشتقاق الكبير من السفر، وهو الكشف والظهور يقال: أسفر الصبح إذا ظهر، وأسفرت المرأة عن وجهها: إذا كشفت. وفي الاصطلاح هو العلم الباحث عن القرآن الكريم من حيث تبيين دلالته على مراده سبحانه، وقد عرّف أيضاً بتعاريف أُخرى لاحاجة لذكرها.

حاجة القرآن إلى التفسير:

وعلى كل تقدير: الرأي السائد بين المسلمين هو أنّ القرآن المجيد غير غنىّ عن التفسير والتبيين، إمّا تبيينه من جانب نفسه كاستظهار معنى آية باية أُخرى، أو تبيينه بكلام من نزل على قلبه يقول سبحانه:(وَأَنزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيّنَ


1 . الفرقان: 33.

(182)

لِلنّاسِ ما نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُون ) (1)ولم يقل"لتقرأ" بل قال:(لتُبيّن)إشارة إلى أنّ القرآن يحتاج وراء قراءة النبي، إلى تبيينه فلو لم نقل أنّ جميع الآيات بحاجة إليه فلا أقل أنّ هناك قسماً منها يحتاج إليه بأحد الطريقين: تفسير الآية بالآية، أو تفسيرها بكلام النبي "صلى الله عليه وآله وسلم " . والذي يكشف عن حاجة القرآن إلى التبيين أُمور نذكر منها ما يلي: 1 ـ إنّ أسباب النزول، للآيات القرانية، كقرائن حالية اعتمد المتكلم عليها في إلقاء كلامه بحيث لو قطع النظر عنها، وقُصّـر إلى نفس الآية، لصارت الآية مجملة غير مفهومة، ولو ضمّت إليها تكون واضحة شأن كل قرينة منفصلة عن الكلام، وإن شئت لاحظ قوله سبحانه:(وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيهِمُ الاَرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أنْ لا مَلجَأَ مِنَ اللهِ إلاّ إليهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم لَيَتُوبوا إنّ اللهَ هُوَ التَّوابُ الرَّحيم ) (2) ترى أنّ الآية تحكي عن أشخاص ثلاثة تخلّفوا عن الجهاد حتى ضاقت عليهم الاَرض بما رحبت، فعند ذلك يسأل الاِنسان نفسه، من هؤلاء الثلاثة؟ ولماذا تخلّفوا؟ ولاَىّ سبب ضاقت الاَرض والاَنفس عليهم ؟. وما المراد من هذا الضيق؟ ثم ما ذا حدث حتى انقلبوا وظنوا أنّه لا ملجأ من الله إلاّ إليه؟ إلى غير ذلك من الاَسئلة المتراكمة حول الآية، لكن بالرجوع إلى أساب النزول تتخذ الآية لنفسها معنى واضحاً لا إبهام فيه. وهذا هو دور أسباب النزول في جميع الآيات، فإنّه يُلقى ضوءاً على الآية ويوضح إبهامها، فلا غناء للمفسّر من الرجوع إلى أسباب النزول قبل تفسير الآية.


1 . النحل: 44.
2 . التوبة: 118.

(183)

2 ـ إنّ القرآن مشتمل على مجملات كالصلاة والصوم والحجّ لايفهم منها إلاّ معاني مجملة، غير أنّ السنّة كافلة لشرحها فلاغناء للمفسر عن الرجوع إليها في تفسير المجملات. 3 ـ إنّ القرآن يشتمل على آيات متشابهة غير واضحة المراد في بدء النظر وربما يكون المتبادر منها في بادئه، غير ما أراد الله سبحانه وإنّما يعلم المراد بإرجاعها إلى المحكمات حتى تفسر بها غير أنّ الذين في قلوبهم زيغ يتبعون الظهور البدائي للآية لاِيجاد الفتنة وتشويش الاَذهان، وأمّا الراسخون في العلم فيتبعون مراده سبحانه بعدما يظهر من سائر الآيات التي هي أُم الكتاب. قال سبحانه: (مِنهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فأمّا الّذِينَ في قُلوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابتِغاءَ الفِتنَةِ وابتغاءَ تأويلِه ) (1) وعلى هذا لا غناء من تفسير المتشابهات بفضل المحكمات، وهذا يرجع إلى تفسير القرآن نفسه بنفسه، والآية بأُختها. 4 ـ إنّ القرآن المجيد نزل نجوماً لغاية تثبيت قلب النبي طيلة عهد الرسالة. قال سبحانه:(وقالَ الّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزّلَ عَلَيْهِ القُرانُ جُملَةً واحدِةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُوَادَكَ وَرَتَّلناهُ تَرتيلا )(2)فمقتضى النزول التدريجي تفرق الآيات الباحثة عن موضوع واحد في سور مختلفة، ومن المعلوم أنّ القضاء في موضوع واحد يتوقف على جمع الآيات المربوطة به في مكان واحد حتى يستنطق بعضها ببعض، ويستوضح بعضها ببعض آخر، وهذا ما يشير إليه الحديث النبوي


1 . آل عمران: 7.
2 . الفرقان: 32.

(184)

المعروف: "القرآن يفسر بعضه بعضاً(1)". وقال الاِمام علي ـ عليه السلام ـ: "كتاب الله تبصرون به، وتنطقون وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، ولايختلف في الله ولايخالف بصاحبه عن الله (2). وفي كلامه ـ عليه السلام ـ ما يعرب عن كون الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم " هو المفسر الاَوّل للقرآن الكريم يقول: "خلّف فيكم" (أي رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم " ) كتابَ رَبّكم، مبيّناً حلالَه وحرامَه، وفرائضَه، وفضائلَه وناسخَه ومنسوخَه، ورُخَصَه وَعَزَائمَه، وخاصَّه وعامَّه، وعِبَره وأمثالَه، ومُرسَلَه وَمَحْدوده، ومُحْكَمه ومتشابهه، مفسّـراً مجمله، ومبّينا غوامضه(3). وهذه الوجوه ونظائرها تثبت أنّ القرآن لايستغني عن التفسير.

سوَال وإجابة :

أمّا السوَال: فربما يتصور أنّ حاجة القرآن إلى التفسير ينافي قوله سبحانه:(وَلَقَد يَسَّرنا القرانَ لِلذِّكرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِر )(4)ونظيره قوله سبحانه في موارد مختلفة:(بِلسانٍ عَربيٍّ مبين ) (5)فإنَّ تَوصيف القرآن باليسر وَكَونِه بِلسانٍ عَرَبي مُبين يهدفان إلى غناه عن أيّ إيضاح وتبيين.


1 . حديث معروف مذكور في التفاسير ولم نقف على سنده.
2 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 133.
3 . نهج البلاغة: الخطبة رقم1، والظاهر أنّ قوله مبيّناً، بيان لوصف النبي 9والضمائر ترجع إلى القرآن الكريم لا إلى الله سبحانه.
4 . القمر: 17.
5 . الشعراء: 195. وفي النحل: 103 (وهذا لسان عربىّ مبين ).

(185)

وأمّا الاِجابة: فإنّ توصيفه باليسر، أو بأنّه نزل بلغة عربية واضحة يهدفان إلى أمر آخر، وهو أنّ القرآن ليس ككلمات الكهنة المركّبة من الاسجاع والكلمات الغريبة، ولامن قبيل الاَحاجي والاَلغاز وإنّما هو كتاب سهل واضح، من أراد فهمه، فالطريق مفتوح أمامه وهذا نظير ما إذا أراد رجل وصف كتاب أُلّف في علم الرياضيات، أو في الفيزياء أو الكيمياء يقول: أُلّف الكتاب بلغة واضحة، وتعابير سهلة، فلا يهدف قوله هذا إلى استغناء الطالب عن المعلّم ليوضح له المطالب ويفسّر له القواعد. ولاَجل ذلك قام المسلمون بعد عهد الرسالة بتدوين ما أثر عن النبي أو الصحابة والتابعين أو أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في مجال كشف المراد وتبيين الآيات ولم تكن الآيات المتقدمة رادعة لهم عن القيام بهذا الجهد الكبير. نعم إنّ المفسرين في الاَجيال المتلاحقة ارتووا من ذلك المنهل العذب (القرآن) ولكلّ طائفة منهم شرعة ومنهاج في الاستفادة من القرآن والاستضاءة بأنواره، فالمنهل واحد والمنهاج مختلف: (لِكُلّ جَعَلنا مِنُكم شِرعةً وَمِنهاجاً).(1)

القرآن وافاقه اللامتناهية :

يتميّز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية بآفاقه اللامتناهية كما عبر عن ذلك خاتم الاَنبياء "صلى الله عليه وآله وسلم " وقال: "ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخوم، وعلى تخومه تخوم، لاتحصى عجائبه، ولاتبلى غرائبه" (2)


1 . المائدة: 48.
2 . الكافي: 2|238.

(186)

وقد عبّـر عنه سيد الاَُوصياء، قال: "وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لايدرك قعره ـ إلى أن قال: ـ وبحر لاينزفه المستنزِفون وعيون لاينضبها الماتحون، ومناهل لايغيضها الواردون(1)". ولاَجل ذلك صار القرآن الكريم، النسخة الثانية لعالم الطبيعة الذي لايزيد البحث فيه والكشف عن حقائقه إلاّ معرفة أنّ الاِنسان لايزال في الخطوات الاَُولى من التوصل إلى مكامنه الخفية وأغواره البعيدة. والمترقَّب من الكتاب العزيز النازل من عند الله الجليل، هو ذاك وهو كلام من لاتتصور لوجوده وصفاته نهاية فيناسب أن يكون فعله مشابهاً لوصفه، ووصفه حاكياً عن ذاته وبالتالي يكون القرآن مرجع الاَجيال وملجأ البشرية في جميع العصور. ولما ارتحل النبي الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم " ، والتحق بالرفيق الاَعلى، وقف المسلمون على أنّ فهم القرآن وإفهامه يتوقف على تدوين علوم تسهل التعرّف على القرآن الكريم ولاَجل ذلك قاموا بعملين ضخمين في مجال القرآن: الاَوّل: تأسيس علوم الصرف والنحو واللغة والاشتقاق وما شابهها لتسهيل التعرف على مفاهيم ومعاني القرآن الكريم أوّلاً، والسنّة النبوية ثانياً، وإن كانت تقع في طريق أهداف أُخرى أيضاً لكن الغاية القصوى من القيام بتأسيسها وتدوينها، هو فهم القرآن وإفهامه. الثاني: وضع تفاسير في مختلف الاَجيال حسب الاَذواق المختلفة لاستجلاء مداليله ومن هنا لانجد في التاريخ مثيلاً للقران الكريم من حيث شدّة اهتمام أتباعه به وحرصهم على ضبطه، وقراءته، وتجويده، وتفسيره، وتبيينه.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 198.

(187)

وقد ضبط تاريخ التفسير أسماء ماينوف على ألفين ومائتي تفسير وعند المقايسة يختص ربع هذا العدد بالشيعة الاِمامية (1). هذا ماتوصّل إلى إحصائه المحقّقون من طريق الفهارس ومراجعة المكتبات عدا ما فاتهم ذكره مما ضاع في الحوادث الموَسفة كالحرق والغرق والغارة. وعلى ضوء هذا يصعب جداً الاِحاطة بعدد التفاسير وأسمائها وخصوصياتها طيلة أربعة عشر قرناً حسب اختلاف بيئاتهم وقابلياتهم وأذواقهم. والجدير بالبحث هو تبيين المناهج المتّبعة في التفاسير المتداولة ونخوض فيه، بعد تقديم مقدمة، توضح مفهوم "المنهج" وتميزه عن مفهوم "الاتجاه" و "الاهتمام".

المنهج التفسيري غير الاهتمام التفسيري :

هاهنا نكتة قيمة ربّما غفل عنها بعض من اهتم بتبيين المناهج التفسيرية


1 . لاحظ معجم المفسرين لـ "عادل نويهص" وطبقات المفسرين لـ "الحافظ شمس الدين الداودي" المتوفي عام 945هـ وما ذكرنا من الاِحصاء مأخوذاً من معجم المفسرين كما أنّ ما ذكرنا من أنّ ربع هذا العدد يختص بالشيعة مأخوذ من ملاحظة ما جاء في كتاب "الذريعة إلى تصانيف الشيعة" من ذكر 450 تفسيراً للشيعة.
ولكن الحقيقة فوق ذلك، فإنّ ما قام به علماء الشيعة في مجال التفسير باللغات المختلفة في العصر الحاضر لم يذكر في الذريعة، ولاَجل ذلك يصح أن يقال: إنّ ثلث هذا العدد يختص بالشيعة كما أنّه فات صاحب "معجم المفسرين" عدّة من كتب التفسير للشيعة الاِمامية وإن كان تتبعه جديراً للتقدير. ولقد أتينا ـ بذكر أُمّة كبيرة من المفسرين الشيعة من عصر الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، من الذين قاموا بتفسير القرآن بألوان مختلفة، في تقديمنا لكتاب التبيان لشيخ الطائفة الطوسي ـ قدّس سرّه ـ وقد طبع مع الجزء الاَوّل.

(188)

وهي أنّ هاهنا بحثين: الاَوّل: البحث عن المنهج التفسيري لكل مفسر، وهو تبيين طريقة كل مفسر في تفسير القرآن الكريم، والاَداة والوسيلة التي يعتمد عليها لكشف الستر عن وجه الآية أو الآيات؟ فهل يأخذ العقلَ أداةً للتفسير أو النقل؟ وعلى الثاني فهل يعتمد في تفسير القرآن على نفس القرآن أو على السنة أو على كليهما أو غيرهما. وبالجملة ما يتخذه مفتاحاً لحل عقد الآيات وغَلقها، وهذا هو ما نسمّيه المنهج في تفسير القرآن في مقالنا هذا. الثاني: البحث عن الاتجاهات والاهتمامات التفسيرية، والمراد منها المباحث التي يهتم بها المفسر في تفسيره مهما كان منهجه وطريقته في تفسير الآيات، مثلاً تارة يتجه إلى إيضاح المادة القرآنية من حيث اللغة، وأُخرى إلى صورتها العارضة عليها من حيث الاِعراب والبناء، وثالثة يتجه إلى الجانب البلاغي، ورابعة يعتني بايات الاَحكام، وخامسة يصب اهتمامه على الجانب التاريخي والقصصي، وسادسة يهتم بالاَبحاث الاَخلاقية، وسابعة يهتم بالاَبحاث الاجتماعية، وثامنة يهتم بالآيات الباحثة عن الكون وعالم الطبيعة، وتاسعة يهتم بمعارف القرآن واياته الاعتقادية الباقية عن المبدأ والمعاد وغيرهما، وعاشرة بالجميع حسبما أُوتي من المقدرة. ولا شك أنّ التفاسير مختلفة من حيث الاتجاه والاهتمام، إمّا لاختلاف أذواق المفسرين وكفاءاتهم وموَهلاتهم، أو لاختلاف بيئاتهم وظروفهم، أو غير ذلك من العوامل التي تسوق المفسر إلى صبّ اهتمامه بجانب من الجوانب المذكورة أو غيرها، ولكن البحث عن هذا لايمتّ بالبحث عن المنهج التفسيري للمفسر بصلة فمن تصور أنّ البحث عن اختلاف الاهتمامات والاتجاهات


(189)

راجع إلى البحث عن المنهج التفسيري فقد أخطأ. وإن شئت أن تفرق بين البحثين فنأتي بكلمة موجزة وهي أنّ البحث في المناهج بحث عن الطريق والاَُسلوب، والبحث في الاهتمامات بحث عن الاَغراض والاَهداف التي يتوخّاها المفسر، وتكون علة غائية لقيامه بالتأليف في مجال القرآن.

***

أنواع المناهج التفسيرية:

إذا تبين الفرق بين البحثين فنقول: إنّ التقسيم الدارج في تبيين المناهج هو أنّ المفسر إمّا يعتمد في رفع الستر عن وجه الآية على الدليل العقلى أو على الدليل النقلي، ونحن أيضاً نقتفي في هذا البحث أثر هذا التقسيم لكن بتبسيط في الكلام:


(190)

المنهج الاَوّل:

التفسير بالعقل

وصوره: 1ـ التفسير بالعقل الصريح الفطري. 2ـ التفسير في ضوء المدارس الكلامية. 3ـ التفسير حسب تأويلات الباطنية. 4ـ التفسير حسب تأويلات الصوفية. 5ـ التفسير حسب الاَُصول العلمية الحديثة. وإليك بيان هذه الصور :

1ـ التفسير بالعقل الصريح الفطري:

المقصود تحليل الآيات الواردة في المعارف على ضوء الاَحكام العقلية القطعية الثابتة لدى "العدلية" كالتحسين والتقبيح العقليين، والثمرات المترتبة عليهما من لزوم بعث الاَنبياء وحسن التكليف، وقبح العقاب بلا بيان، ولزوم إعداد المقدمات لاِيصال الاِنسان إلى الغاية التي خلق لها، وحسن العدل، وقبح الظلم إلى غير ذلك من الاَحكام العقلية الثابتة لدى عقلاء العالم والكل يستمدّ من الاَصل المعيّن أعني أصل التحسين والتقبيح العقليين .(1)


1 . هذا ما يسميه بعضهم بالعقل الصريح .

(191)

هذا ما يرجع إلى العقل العملي أي الاَحكام الصادرة منه في مجال العمل، وهناك إدراكات أُخرى يرجع إلى العقل النظري أي الاَحكام الصادرة منه في مجال التفكر والنظر وبه يفسّر كلَّ ما ورد في القرآن من الآيات الراجعة إلى الصانع، وتوحيده وسائر صفاته وغير ذلك من الاَُمور التي تبيينها على عاتق العقل النظري. وبالجملة، الاَحكام العقلية في مجالى النظر والعمل أداة يفسَّـر بها ما ورد من الآيات حول ذاته وصفاته (مورد العقل النظري) وأفعاله (مورد العقل العملي) . نعم من اتخذ العقل أداة وحيدة للتفسير يصعب عليه تحليل الآيات الراجعة إلى الاَحكام والقصص والمغازي. وينطبع تفسيره بالطابع العقلي البحت. وتظهر أهميته في الآيات الواردة حول المعارف خصوصاً الآيات المتضمنة للحوار والمناظرة بين الاَنبياء وخصومهم. ومن ألطف ما رأينا من التفاسير في هذا المنهج هو تفسير "القرآن والعقل" تأليف السيد الجليل نور الدين الحسيني العراقي (م 1341هـ) . وفي هذا القسم من التفسير لايهتم المفسر في إخضاع الآيات لمنهج عقلي كلامي خاص وإنّما هو من قبيل الاستضاءة بهذه الاَُصول الثابتة عند العقل في تحليل الآيات. نعم لو وقف المفسر على آيات يتبادر من ظهورها الابتدائي الجبر فإنّه يحاول أن يتفحص في القرآن ليجد ما يفسر هذه الآية على وجه يكون موافقاً للاَصل المسلّم عند العقل (الاختيار) لكن تكون هذه الاَُصول هي المحركة للمفسر إلى الفحص البالغ في متون الآيات والقرائن المنفصلة عنها حتى يتبين الحقّ وهذا بخلاف القسم الآخر الذي سيوافيك فإنّه أشبه بالتفسير بالرأي. ومن حاول أن يسمّى هذا النوع من التفسير، تفسيراً بالرأي فقد أخطأ خطأ


(192)

كبيراً لاَنّ المفسر إنّما يقوم بتفسير كلام الله بعد الاعتقاد بوجود الصانع وصفاته وأفعاله وأنبيائه ورسله وكتبه وزبره. وهذه المعارف تعرف بالعقل الذي يستقل بالاَحكام الماضية ولافرق عند العقل بين الاستدلال على وجود الصانع عن طريق النظام السائد على العالم، والحكم بحسن العدل، وقبح الظلم، ولزوم الوفاء بالعهد، وقبح مقابلة الاِحسان بالظلم، إلى غير ذلك من الاَحكام العقلية المستقلة العالية التي يعترف بها جميع عقلاء العالم إلاّ قسم من الاَشاعرة الذين ينكرونها في اللسان ويوَمنون بها في القلب.

***

2ـ التفسير في ضوء المدارس الكلامية:

المراد من هذا القسم هو إخضاع الآيات للعقائد التي اعتنقها المفسر في مدرسته الكلامية ونجد هذا اللون من التفسير بالعقل غالباً في تفاسير أصحاب المقالات: المعتزلة والاَشاعرة والخوارج خصوصاً الباطنية فإنّ لهوَلاء عقائد خاصة في مجالات مختلفة، زعموها حقائق راهنة على ضوء الاستدلال، وفي مجال التفسير حملوا الآيات على معتقدهم، وإن كان ظاهر الآية يأباه ولايتحمله غير أنّ هذا النمط من التفسير بالرأي والعقل، يختلف حسب بعد المعتقَد عن مدلول الآية فربما يكون التأويل بعيداً عن الآية، ولكن تتحملها الآية بتصرف يسير، وربما يكون الاَصل الكلامي بعيداً عن الآية غاية البعد بحيث لاتتحمله الآية حتى بالتصرف الكثير فضلاً عن اليسير .

تأويلات المعتزلة والاَشاعرة :

القسم الاَوّل عبارة عن التأويلات الموجودة في تفسير الكشاف لعلاّمة المعتزلة والتأويلات التي ارتكبها الرازي علاّمة الاَشاعرة في مجال العقائد


(193)

وإليك البيان:

أ ـ الشفاعة حط الذنوب أو رفع الدرجة :

إنّ الشفاعة لم تكن فكرة جديدة ابتكرها الاِسلام وانفرد بها بل كانت فكرة رائجة بين جميع أُمم العالم من قبل وخاصةً بين الوثنيين واليهود. نعم إنّ الاِسلام قد طرحها مهذَّبة من الخرافات، ومما نسج حولها من الاَوهام، ومن وقف على آراء اليهود والوثنيين في أمر الشفاعة يقف على أنّ الشفاعة الدارجة بينهم كانت مبنية على رجائهم لشفاعة أنبيائهم في حط الذنوب وغفران آثامهم، ولاَجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي ويرتكبون الذنوب، تعويلاً على ذلك الرجاء، فالآيات النافية للشفاعة والمثبتة لها تحت شرائط خاصة كلها راجعة إلى الشفاعة بهذا المعنى فلو نُفِيَت فالمنفي هو هذا المعنى، ولو قُبِلت والمقبول هو هذا المعنى، وقد أوضحنا في محله (1)أنّ الآيات الواردة في مجال الشفاعة على سبعة أنواع لايصح تفسيرها إلاّ بتفسير بعضها ببعض، وتمييز القسم المردود منها عن المقبول. ومع ذلك نرى أنّ المعتزلة يخصُّون آيات الشفاعة بأهل الطاعة دون العصاة ويرتكبون التأويل في موردها، وما هذا إلاّ للموقف الذي اتخذوه في حقّ العصاة ومقترفي الذنوب، في أبحاثهم الكلامية، فقالوا بخلود أهل العصيان في النار إذا ماتوا بلا توبة. قال القاضي عبد الجبار: إنّ شفاعة الفسّاق الذين ماتوا على الفسوق ولم يتوبوا، يتنزل منزلة الشفاعة لِمن قتلَ ولدَ الغير، وترصّد للآخر حتى يقتله فكما أنّ ذلك يقبح، فكذلك هاهنا (2).



1 . مفاهيم القرآن: 4 | 177 ـ 199 . . شرح الاَصول الخمسة: 688 .

(194)

والذي دفع القاضي إلى تصوير الشفاعة في حقّ المذنب بما جاء في المثال، هو اعتقاده الراسخ بالاَصل الكلامي الذي يعد أصلاً من أُصول منهج الاعتزال وفي الوقت نفسه يعرب عن غفلته عن شروط الشفاعة فإنّ بعض الذنوب الكبيرة تقطع العلائق الاِيمانية بالله سبحانه كما تقطع الاَواصر الروحية بالنبي الاَكرم فأمثال هؤلاء ـ العصاة ـ محرومون من الشفاعة وقد وردت في الروايات الاِسلامية شروط الشفاعة وحرمان طوائف منها.
ولو افترضنا صحة ما ذكره من التمثيل فحكمه بحرمان العصاة من الشفاعة اجتهاد في مقابل نصوص الآيات وإخضاع لها لمدرسته الفكرية. يقول الزمخشري في تفسير قوله سبحانه:(أنفِقُوا مِمّا رَزَقنَاكُمْ مِن قَبْلِ أنْ يَأتِيَ يَومٌ لا بَيعٌ فِيه ولا خُلَّة ولا شفاعة ). قال: (ولا خُلَّة )حتى يسامحكم أخلاوَكم به، وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمتكم من الواجب لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات لاَنّ الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير" (1). ويلاحظ عليه: أنّ الآية بصدد نفي الشفاعة بالمعنى الدارج بين اليهود والوثنيين لاَجل أنّهم كفار، وانقطاع صلتهم عن الله سبحانه، وبالتالي إثباتها في حقّ غيرهم بإذنه سبحانه ويقول في الآية التالية: (مَن ذا الّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلاّ بإذنِه )وأمّا أنّ حقيقة الشفاعة زيادة الفضل لا حطّ الذنوب فهو تحميل للعقيدة على الآية فلو استدل القائل بها على نفي الشفاعة بتاتاً لكان أولى من استدلاله على نفي الشفاعة عن الكفار، وذلك لاَنّ المفروض أنّ الشفاعة بمعنى زيادة الفضل لا حطُّ الذنوب، وهو لايتصور في حقّ الكفار لاَنّهم لايستحقون الثواب فضلاً عن زيادته.


1 . الكشاف: 1 | 291 في تفسير الآية رقم 254 من سورة البقرة.

(195)

ب: هل مرتكب الكبيرة يستحق المغفرة أو لا ؟

اتفقت المعتزلة على أنّ مرتكب الكبيرة مخلد في النار إذا مات بلا توبة(1) وفي ضوء ذلك التجأوا إلى تأويل كثير من الآيات الظاهرة في خلافه نذكر منها آيتين: الاَُولى: يقول سبحانه (وإنّ ربّكَ لَذُو مَغفِرةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلمِهِمْ وإنَّ ربّكَ لَشديدُ العِقاب)(2). فالآية ظاهرة في أنّ مغفرة الربّ تشمل الناس في حال كونهم ظالمين، ومن المعلوم أنّ الآية راجعة إلى غير صورة التوبة وإلاّ لايصح توصيفهم بكونهم ظالمين، فلو أخذنا بظاهر الآية فهو يدلّ على عدم جواز الحكم القطعي بخلود مرتكب الكبيرة في النار إذا مات بلا توبة لرجاء شمول مغفرة الربّ له ولما كان ظاهر الآية مخالفاً للاَصل الكلامي عند صاحب الكشاف، حاول تأويل الآية بقوله: "وفيه أوجه: 1 ـ أن يريد ـ قوله(على ظلمهم) السيئات المكفَّرة، لمجتنب الكبائر. 2 ـ أو الكبائر بشرط التوبة. 3 ـ أو يريد بالمغفرة الستر والاِمهال" (3). وأنت خبير بأنّ كل واحد من الاحتمالات مخالف لظاهر الآية أو صريحها.

***



1 . لاحظ أوائل المقالات: 14 وشرح الاَُصول الخمسة: 659 .
2 . الرعد: 6 .
3 . الكشاف: 2 | 159 .

(196)

الثانية: (إنّ الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) .(1) والآية واردة في حقّ غير التائب، لاَنّ الشرك مغفور بالتوبة أيضاً فيعود معنى الآية أنّ الله سبحانه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء وإن مات بلا توبة فتكون نتيجة ذلك عدم جواز الحكم القطعي بخلود مرتكب الكبائر في النار، ولما كان مفاد الآية مخالفاً لما هو المحرّر في المدرسة الكلامية للمعتزلة حاول صاحب الكشاف تأويل الآية فقال: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين بقوله تعالى: (لمن يشاء) كأنّه قيل: "إنّ الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك" على أنّ المراد بالاَوّل من لم يتب وبالثاني من تاب، نظير قولك: إنّ الاَمير لايبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لايبذل الدينار لمن لايستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله" (2). يلاحظ عليه: أنّ ماذكره خلاف ظاهر الآية وقد ساقته إليه مدرسته الكلامية فنزّل الاَوّل مورد عدم التوبة، والثاني موردها، حتى تتفق الآية ومعتقده. كما أنّه لا دلالة في الآية على تقييد الثاني بالتوبة، لاَنّه تفكيك بين الجملتين بلا دليل بل هما ناظرتان إلى صورة واحدة وهي صورة عدم اقترانهما بالتوبة فلا يغفر الشرك لعظم الذنب ويغفر ما دونه.

ج: امتناع روَية الله أو إمكانها :

ذهبت الاَشاعرة إلى جواز روَيته سبحانه يوم القيامة وهذا هو الاَصل البارز في مدرستهم الكلامية، ثم إنّ هناك آيات تدلّ بصراحتها على امتناع روَيته سبحانه فحاولوا إخضاع الآيات لنظريتهم وإليك نموذجاً واحداً، يقول سبحانه:


1 . النساء: 48 .
2 . الكشاف: 1 | 201 في تفسير الآية المذكورة .

(197)

(ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلّ شَيءٍ فَا عبدُوه وَهوَ عَلى كُلّ شَيءٍ وَكيلٌ * لا تُدرِكُهُ الاَبصارُ وَهُو يُدرِكُ الاَبصارَ وَهوَ اللَّطيفُ الخَبير ) (1) ومن المعلوم أنّ الاِدراك مفهوم عام لايتعين في البصري أو السمعي أو العقلي إلاّ بالاِضافة إلى الحاسة التي يراد الاِدراك بها، فالاِدراك بالبصر يراد منه الروَية بالعين، والاِدراك بالسمع يراد منه السماع، هذا هو ظاهر الآية، وهي تنفى إمكان الاِدراك بالبصر على الاِطلاق. ولما وقف الرازي على أنّ ظاهر الآية أو صريحها لا يوافق أصله الكلامي فقال: "إنّ أصحابنا (الاَشاعرة) احتجوا بهذه الآية على أنّه يجوز روَيته والموَمنون يرونه في الآخرة وذلك بوجوه: 1 ـ أنّ الآية في مقام المدح فلو لم يكن جائز الروَية لما حصل التمدح بقوله:(لاتدركه الاَبصار )ألا ترى أنّ المعدوم لا تصح روَيته، والعلوم والقدرة والاِرادة والروائح والطعوم لاتصح روَية شيء منها ولا يمدح شيء منها في كونها "لاتدركه الاَبصار" فثبت أنّ قوله:(لاتدركه الاَبصار) يفيد المدح، إلاّ إذا صحت الروَية. والعجب غفلة الرازي عن أنّ المدح ليس بالجزء الاَوّل فقط وهو لا تدركه الاَبصار بل بمجموع الجزأين المذكورين في الآية كأنّه سبحانه يقول: والله جلّت عظمته يدرك أبصاركم، ولكن لا تدركه أبصاركم، فالمدح بمجموع القضيتين لا بالقضية الاَُولى. 2 ـ أنّ لفظ "الاَبصار" صيغة جمـع دخل عليها الاَلـف واللام فهي تفيد الاستغراق بمعنى أنّه لايدركه جميع الاَبصار وهذا لا ينافي أن يدركه بعض الاَبصار.


1 . الاَنعام: 102 ـ 103 .
(198)

يلاحظ عليه: أنّ الآية تفيد عموم السلب لاسلب العموم بقرينة كونه في مقام مدح نفسه.
كأنّه سبحانه يقول: "لا يدركه أحد من جميع ذوي الاَبصار من مخلوقاته ولكنّه تعالى يدركهم وهذا نظير قوله سبحانه:(كَذلِكَ يَطبَعُ اللهُ عَلى كُلّ قَلبِ مُتَكبّرٍ جَبّار ) (1) وقوله: (إنَّ اللهَ لا يُحبُّ كُلَّ مُختالٍ فَخور ) (2). إلى غير ذلك من الوجوه الواهية التي ما ساقه إلى ذكره إلاّ ليُخضِعَ الآيةَ، معتقده. إلى هنا تم الكلام في القسم الاَوّل، وإليك الكلام في القسم الثاني الذي يكون التفسير فيه بعيداً عن ظاهر الآية غاية البعد.

***

3ـ التفسير حسب تأويلات الباطنية:

إنّ الباطنية وضعوا لتفسير المفاهيم الاِسلامية ضابطة ما دلّ عليها من الشرع شيء وهو أنّ للقرآن ظاهراً وباطناً والمراد منه باطنه دون ظاهره المعلوم من اللغة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر، وإنّ باطنه يوَدّي إلى ترك العمل بظاهره واستدلّوا على ذلك بقوله سبحانه: (فَضُربَ بَينَهُم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيه الرَّحمَةُ وَظاهِرُهُ مِن قِبَلِه العَذاب)(3).


1 . غافر: 35 .
2 . لقمان: 18 .
3 . الفرق بين الفرق: 18 | والآية 13 من سورة الحديد .

(199)

إذا افترضنا صحة تلك الضابطة في فهم الشريعة والعمل بالقرآن، إذاً تصبح الشريعة غرضاً للاَهواء المختلفة، لاَنّ كل ذي هوى يدّعي أنّ الحق معه. وأنّ المراد ما اختاره من التأويل على الرغم من اختلاف تأويلاتهم. أُنظر إلى ما يقولون حول المفاهيم الاِسلامية وإنّهم كيف يتلاعبون بها فالوضوء عبارة عن موالاة الاِمام، والتيمم هو الاَخذ من المأذون عند غيبة الاِمام الذي هو الحجة، والصلاة عبارة عن الناطق الذي هو الرسول بدليل قوله تعالى في الآية 45 من سورة العنكبوت:(إنّ الصَّلوةَ تَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَر) والغسل تجديد العهد ممّن أفشى سراً من أسرارهم من غير قصد، وإفشاء السر عندهم على هذا النحو هو معنى الاحتلام، والزكاة هي تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه من الدين، والكعبة النبي، والباب على، والصفا هو النبي، والمروة على، والميقات الايناس، والتلبية إجابة الدعوة، والطواف بالبيت سبعاً موالاة الاَئمة السبعة، والجنة راحة الاَبدان من التكاليف، والنار مشقتها بمزاولة التكاليف (1). فإذا كان ما ذكروه حقيقة الدين والتكاليف فلم يبق بين الديانة والاِلحاد حد فاصل. هذه نماذج من تأويلات الباطنية اقتصرنا على هذا المقدار.

4ـ التفسير حسب تأويلات المتصوفة:

ومن القسم الثاني ما جاء به ابن العربى شيخ الصوفية في عصره فقد قام بتأويل المفاهيم القرآنية على وجه لا دليل عليه فيقول: إنّ جبرائيل هو العقل العقال، وميكائيل هو روح الفلك السادس، وإسرافيل هو روح الفلك الرابع، وعزرائيل هو روح الفلك السابع .(2)


1 . المواقف: 8 | 390 . 2 . تفسير ابن عربي: 1 | 150 .

(200)

هذا و هو يفسّر قوله سبحانه:

(مَرجَ البَحرين يَلتقيان * بَينَهُما بَرزخٌ لا يَبغيان ) (1)أنّ مرج البحرين هو بحر الهيولي الجسمانية الذي هو الملح الاَُجاج، وبحر الروح المجرد هو العذب الفرات، يلتقيان في الموجود الاِنسانى، وإنّ بين الهيولى الجسمانية والروح المجردة برزخ هو النفس الحيوانية التي ليست في صفاء الروح المجردة ولطافتها، ولا في كثرة الاَجساد الهيولائية وكثافتها، ولكن مع ذلك لايبغيان أي لايتجاوز أحدهما حده فيغلب على الآخر بخاصيته فلا الروح المجردة تجرد البدن وتخرج به وتجعله من جنسه ولا البدن يجسد الروح ويجعله مادياً (2).

***

5ـ التفسير حسب الاَُصول العلمية الحديثة :

وهناك تفسير بالعقل باسم التفسير العلمي أكثر منه الشيخ محمد عبده، والسيد سير أحمد خان الهندي، والطنطاوي الجوهري، ونحن نكتفي هنا بنماذج من تفسير "المنار" الذي جمعه تلميذه السيد محمد رشيد رضا منشىَ المنار. 1 ـ كتب الاَُستاذ في تفسير قوله سبحانه: (وَلَقَد عَلِمتُمُ الّذِينَ اعتَدَوْا مِنكُم فِي السَّبتِ فَقُلنا لَهُم كُونُوا قِرَدةً خاسئِين * فَجَعَلناها نَكالاً لِما بَينَ يَدَيها وَما خَلفَها وَمَوعِظةً للمتَّقين )(3) كتب ما يلي: "إنّ السلف من المفسرين ـ إلاّ من شذّ ـ ذهب إلى أنّ معنى قوله:(كونوا قردة خاسئين )أنّ صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيين.


1 . الرحمن: 19 ـ 20 .
2 . تفسير ابن عربي: 2 | 280 .
3 . البقرة: 65 ـ 66 .

(201)

وإنّما نسب هذا المعنى إلى السلف، لاَنّه يصطدم بالمنهج الذي اختاره الاَُستاذ في تفسير القرآن، ولاتصدقه أنصار الحضارة المادية الّذين ينكرون إمكان صيرورة إنسان قرداً حقيقياً دفعة واحدة، ولاَجل ذلك مال الاَُستاذ إلى رأي مجاهد الذي قال: ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: (مَثَلُ الّذِينَ حُمِّلُوا التَّوريةَ ثمَّ لَم يَحمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحمِلُ أسفاراً)(1). ثم أخذ في نقد قول الجمهور ـ إلى أن قال ـ: "فما قاله مجاهد هو الاَوفق بالعبرة والاَجدر بتحريك الفكرة(2)". ولا يخفى أنّه إذا صحّ هذا التأويل فيصح لكل من ينكر المعاجز والكرامات وخوارق العادات هذا النمط من التأويل، وعندئذ تبطل المعارف ويكون الكتاب العزيز لعبة بيد المحرّفين. 2 ـ نقل صاحب المنار عن بعض المفسرين مذهباً خاصاً في معنى الملائكة وهو أنّ مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالاَعمال من إنماء نبات، وخلقة حيوان، وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة وهو أنّ هذا النمو في النبات لم يكن إلاّ بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة وكذلك يقال في الحيوان والاِنسان، فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الاِلهية في إيجاده فإنّما قوامه بروح إلهى، سُمّى في لسان الشرع ملكاً ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لايعرف من عالم الاِمكان إلاّ ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة.


1 . الجمعة: 5 .
2 . تفسير المنار: 1 | 343 ـ 354 .

(202)

وقال الاَُستاذ عبده بعد نقل نظير هذه التأويلات: ولو أنّ نفساً مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك، والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس على ما أبصرت من الحق (1). ولايخفى أنّ هذا التأويل لو صح في بعض الاَحاديث لما يصحّ في الملائكة الواردة في قصة آدم وغيرها وما هذا التأويل إلاّ للخضوع للمنهج الخاص الذي اختاره الاَُستاذ في تفسير القرآن. ولنكتف بهذه النماذج من التفسير بالعقل غير المرضي، والمراد بالعقل ما يقابل التفسير بالنقل سواء اعتمد على المدارس الكلامية، أو تأويلات الباطنية أو الصوفية أو على الاَُصول العلمية الحديثة أو غير ذلك. إنّ التفسير بالعقل وإن صحّ ببعض صوره لكنه غير وافٍ في إيقاف الاِنسان على حقائق الكتاب العزيز ولا غنى لمن يستند بالعقل عن الاستناد إلى النقل أيضاً.

كلمة في التفسير بالرأي :

التفسير بالرأي الذي يدخل تحته أكثر ما تقدم من التفسير بالعقل، هو الذي أجمع الفريقان على منعه تبعاً للاَثر المتضافر عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم " حيث قال: "اتّقوا الحديث إلاّ ما علمتم، فمن كَذِبَ عَلىَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار(2)". وعلى ضوء هذا الحديث الذي رواه الفريقان، يجب على المفسر أن يتجرد من الآراء المسبقة، ويُوَطّن نفسه على قبول ما تفيده الآية وتدلّ عليه ولايُخضِع القرآن لعقيدته، بل يعرض عقيدته على القرآن، لاَنّه حجّة الله على


1 . المنار: 1 | 273 ، طبع مصر سنة 1373 هـ . ق .
2 . سنن الترمذي: 2 | 157 ، أبواب التفسير.

(203)

خلقه وعهده إلى عباده، إليه يتحاكمون وعن حكمه يصدرون، ولاَجل ذلك لايجوز له تأويل الآية وإخراجها عن ظاهرها ليوافق عقيدته ويلائم مذهبه، فإنّ موقف المتصدّي لتفسير كلام الله موقف المتعلم من المعلم ومجتني الثمرة من الشجرة، فيجب أن يتربص إلى أن ينطلق المعلّم فيأخذه خطة وقاعدة ويجتني الثمرة في أوانها وفي إيناعها. من البدع الذائعة في بعض التفاسير طلب الوجوه البعيدة في الاِعراب، أو حمل اللفظ على المعاني التي لاتتفق وسياقها، أو سبب نزولها وتطبيق الآيات على موارد ومصاديق بعيدة ـ كلها ـ لاَجل أغراض ودعايات وأهداف طائفية أو سياسية أو شخصية. عصمنا الله من ركوب الهوى والعصبية.

***

هل التفسير الاِشاري من قبيل التفسير بالرأي؟

هناك منهج اصطلحوا عليه بالتفسير الاِشاري أو التفسير الفيضي، وعرّفوه بأنّ نصوص القرآن محمولة على ظواهرها ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة(1). وبعبارة أُخرى: ما يظهر من الآيات بمقتضى إشارات خفية تظهر لاَرباب السلوك ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة. وبعبارة ثالثة: القائل بالتفسير الاِشاري لاينكر كون الظاهر مراداً ولكن يقول بأنّ في هذه الظواهر، إشارات إلى معانٍ خفية تفهمه عدّة من أرباب السلوك وأولو العقل


1 . سعد الدين التفتازاني : شرح العقائد النسفية: 142 .
(204)

والنهي وبذاك يمتاز عن تفسير الباطنية فإنّهم يرفضون كون الظواهر مرادة ويأخذون بالبواطن هذا هو حاصل التفسير الاِشاري. وربما يوَيد ذلك ما ورد عن نبي الاِسلام "صلى الله عليه وآله وسلم " بأنّ للقرآن ظهراً وبطناً، وظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق (1). وربما يوَيد أيضاً بقول سبحانه:(فَما لِهوَلاءِ القَومِ لا يَكادُونَ يَفقَهُونَ حَديثاً )(2). وقوله تعالى:(أفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ وَلَو كانَ مِن عندِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فيه اختلافاً كَثيراً )(3). وقوله تعالى:(أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أمْ عَلى قُلوبٍ أقفالُها ) (4). فهذه الآيات تشير إلى أنّ القرآن له ظهر وبطن وذلك لاَنّ الله سبحانه حيث يصف الكافرين بأنّهم لايكادون يفقهون حديثاً لايريد بذلك أنّهم لا يفهمون نفس الكلام، لاَنّ القوم كانوا عرباً والقرآن لم يخرج عن لغتهم فهم يفهمون ظاهره بلا شك، وإنّما أراد بذلك أنّهم لايفهمون مراده من الخطاب فحضّهم على أن يتدبروا في آياته حتى يقفوا على مقصود الله ومراده وذلك هو الباطن الذي جهلوه ولم يصلوا إليه بعقولهم (5).


1 . الكافي: 2 | 9238 .
2 . النساء: 78 .
3 . النساء: 82 .
4. محمد.
5 . التفسير والمفسرون ، نقلاً عن الموافقات: 3 | 382 ـ 383 .

(205)

ولايخفى أنّ الاستدلال بهذه الآيات غير تام جداً فإنّها تدعو إلى التدبر في نفس المفاهيم المستفادة من ظاهر الآيات وكون القرآن عربياً، وكون القوم عرباً لا يكفي في فهم القرآن الكريم من دون التدبر والاِمعان فهل يكفي كون القوم عرباً في فهم مغزى قوله سبحانه: (هُوَ الاَوّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكلّ شَيءٍ عَلِيم)(1). أو في فهم قوله سبحانه:(وَما كَانَ مَعهُ مِن إلهٍ إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِما خلَقَ ولَعَلا بَعضُهُم عَلى بَعضٍ سُبحانَ اللهِ عَمّا يَصفون )(2). أو فهم قوله سبحانه:(لَو كانَ فيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللهُ لَفَسدَتا فَسُبحانَ اللهِ ربّ العَرشِ عَمّا يَصِفُون)(3). فالدعوة إلى التدبر لا يدلّ على أنّ للقران وراء ما تفيده ظواهره بطناً. أضف إلى ذلك أنّه يمكن أن يكون الاَمر بالتدبر هو تطبيق العمل على ما يفهمونه من القرآن فربَّ ناصح يُدلى بكلام فيه نصيحة الاَهل والولد، ولكنّهم إذا لم يطبقوا عملهم على قول ناصحهم يعود الناصح إليهم، ويقول: لماذا لا تتدبرون في كلامى؟ لماذا لاتعقلون؟ مشعراً بذلك أنّكم ما وصلتم إلى ما أدعوكم إليه وإلاّ لتركتم أعمالكم القبيحة وصرتم عاملين بما أدعو إليه. وأمّا ما روى عن النبي الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم " بأنّ للقرآن بطناً وظهراً فالحديث فيه ذو شجون وأنّه يحتمل وجوهاً على نحو مانعة الخلو. 1 ـ المقصود من البطن هو أنّ ما ورد في القرآن حول الاَقوام والاَُمم من القصص، وما أصابهم من النعم والنقم، لاينحصر على أُولئك الاَقوام، بل هؤلاء


1 . الحديد: 3 .
2 . المؤمنون: 91 .
3 . الاَنبياء: 22 .

(206)

مظاهر لكلامه سبحانه وهو يعم غيرهم ممن يأتون في الاَجيال فقوله سبحانه:(وضَربَ اللهُ مَثلاً قَريةً كانَت آمنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتِيها رِزقُها رَغَداً مِن كُلّ مَكانٍ فَكَفَرت بِأنعُمِ اللهِ فأذاقها اللهُ لِباسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بِما كانُوا يَصنَعونَ * وَلَقد جاءَهُمْ رَسولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذهُمُ العَذابُ وَهُم ظالِمون)(1)وإن كان وارداً في قوم خاص، لكنّها قاعدة كلية مضروبة على الاَُمم جمعاء. 2 ـ المراد من بطـن القرآن هو الاهتـداء إلى المصاديـق الخفيـة التي يحتاج الوصول إليها إلى التدبر، أو تنصيص من الاِمام، ولاَجل ذلك نرى أنّ علياً ـ عليه السلام ـ يقول في تفسير قوله سبحانه: (وإن نَكَثُوا أيْمانَهُم مِن بَعدِ عَهدِهِم وطَعَنُوا في دِينِكُم فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ إنّهُم لا أيْمانَ لَهُم لَعَلّهُم يَنتَهُون )(2) "إنّه ما قوتل أهلها منذ نزلت حتى اليوم" وفي رواية قال على ـ عليه السلام ـ: "عذرنى الله من طلحة والزبير بايعاني طائعين، غير مكرهين، ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته" ثم تلا هذه الآية (3). 3 ـ وهناك احتمال ثالث للبطن وهو حمل الآية على مراتب مفهومها وسعة معناها واختلاف الناس في الاستفادة منها حسب استعداداتهم وقابلياتهم لاحظ قوله سبحانه:(أنزَلَ مِن السّماءِ ماءً فَسالت أوديةٌ بِقَدَرِها فاحتَملَ السَّيلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ في النّارِ ابتغاءَ حِليةٍ أو متاعٍ زَبَدٌ مِثلُهُ كَذلِكَ يَضربُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ فأمّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيمكُثُ فِي الاَرضِ كَذلِكَ يَضرِبُ اللهُ الاَمثال )(4).


1 . النحل: 112 ـ 113 .
2 . التوبة: 12 .
3 . البرهان في تفسير القرآن: 1 | 105 .
4 . الرعد: 17 .

(207)

إنّ للآية مراتب ودرجات من التفسير كل يستفيد منها حسب قابليته والكل يستمد من الظاهر، ونظيره آية النور (1) فقد خاض المفسرون في تفسير الآية وتطبيقها على موارد مختلفة وكل استفاد من نورها حسب موَهلاته وكفاءاته. وحاصل القول في التفسير الاِشاري أنّ ما يفهمه المفسر من المعانى الدقيقة إنّ كان لها صلة بالظاهر فهو مقبول سواء سمّي تفسيراً على حسب الظاهر أو تفسيراً إشارياً وعلى كل تقدير فالمفسر على حجّة من ربّه في حمل الآية على ما أدرك، وأمّا إذا كان مقطوع الصلة عن الظاهر، المتبادر إلى الاَذهان، فلايصح له حمل القرآن عليه إلاّ إذا حصل له القطع بأنّه المراد وعندئذ يكون القطع حجّة له لالغيره وإن كان مخالفاً للواقع، ولاِيضاح الحال نأتي بأمثلة: يخاطب سبحانه أُمّ المسيح بقوله:(وهُزّي إلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُساقِطْ عَلَيكِ رُطباً جَنيّاً)(2). فلو قال أحد: إنّه سبحانه هيّأ مقدمات الولادة وموَخراتها لاَُمّ المسيح، حتى الرطب في غير فصله من الشجرة اليابسة ومع ذلك أمرها أن تَهزَّ بجذع النخلة مع أنّ في وسع المولى سبحانه أن يرزقها الرطب بلا حاجة إلى الهزِّ، ـ أمرها بالهزّ ـ هذا لتفهيمها أنّها مسوَولة في حياتها عن معاشها، وأنّه سبحانه لو هيّأ كل المقدمات فلا تغني عن سعيها وحركتها ولو بالهز بجذع النخلة. هذا ما ربما يعلق بذهن بعض المفسرين ولابأس به لاَنّ له صلة بالظاهر. روي أنّه بعدما نزل قوله سبحانه:(اليومَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتمَمتُ عَليكُمْ نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الاِسلامَ ديناً )فرحَ الصحابة وبكى بعضهم فقال: الآية تنعي إلينا برحلة النبي (3).


1 . النور: 35 .
2 . مريم: 25 .
3 . الآلوسي: روح المعاني: 6 | 60 والآية 3 من سورة المائدة.

(208)

والنماذج الواضحة لهذا النوع من التفسير الاِشاري مايذكره المفسرون حول الآيتين آية الرعد واية النور ترى أنّ المعاني المذكورة في كتب التفاسير تختلف وضوحاً وخفاءً وبساطة وعلوياً، والكل يسند المعاني إلى اللفظ وبينها وبين لفظ الآية صلة، ولعل الاَمر بالتدبر في القرآن يعود أيضاً لهذا النوع من التفسير التي لايصل إليها المفسر إلاّ بعد الاِمعان وهذا ما يقال فيه: "العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء". نعم هناك تفاسير باسم التفسير الاِشاري لايصح إسناده إلى الله سبحانه كتفسير "الَم" بأنّ الاَلف إشارة إلى الله واللام إلى جبرئيل والميم إلى محمّد "صلى الله عليه وآله وسلم " فإنّه أشبه بالتفسير بالرأي إلاّ إذا كان هناك نصّ من المعصوم. ولو صحّ هذا التفسير فيمكن تفسيره بوجوه كثيرة بأنّ يقال الاَلف إشارة إلى ألف الوحدانية، واللام إلى لام اللطف، والميم إشارة إلى الملك، فمعنى الكلمة: من وحّدني تلطفت له فجزيته بالملك الاَعلى، وأسوأ من ذلك تفسير قوله سبحانه:(والجارِ ذِي القُربَى والجارِ الجُنُبِ وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ و ابنِ السّبِيل)(1) بأن يقال:(والجار ذي القربى )هو القلب،(والجار الجنب)هو الطبيعة،(والصاحب الجنب) هو العقل المقتدي بالشريعة،(وابن السبيل )هو الجوارح المطيعة لله . فمثل هذا النوع من التفسير يلتحق بتفاسير الباطنية التي سوف نبحث عنها في المستقبل. وخلاصة الكلام: أنّ ما يهتدي إليه المفسر بعد التفكر والتأمل في نفس الآية ومفرداتها وسياقها منه سواء كان معنى أخلاقياً أو اجتماعياً أو سياسياً نافعاً بحال المجتمع، إذا كان له صلة بالظاهر غير منقطع عنه فهو تفسير مقبول وفي


1 . النساء: 36 .

(209)

غير هذه الصورة يكون مردوداً. ولعل كون القرآن كتاب القرون والاَجيال لا تنقضي عجائبه يلازم قبول هذا النوع من التفسير الاِشاري ولاَجل ذلك لم يزل كتاب الله طريّاً في غضون الاَجيال لم يندرس ولم يطرأ عليه الاندراس، بل هو طرىّ ما دامت السموات والاَرض ولازم ذلك وجود معارف وحقائق في القرآن يهتدي إليها الاِنسان بالتعمق في دلالاته اللفظية: المطابقية والتضمنية والالتزامية وإن كان السلف في الاَعصار الماضية غافلين عن هذه المعاني، ولعله إلى ذلك يشير الصادق ـ عليه السلام ـ في جواب من سأله أنّه ما بال القرآن لايزداد على النشر والدرس إلاّ غضاضة؟ بقوله: "لاَنّ الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس وهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة" (1). وبالجملة فإيصاد هذا الباب في وجه المفسرين، يوجب وقف الحركة العلمية في فهم الكتاب العزيز وبالتالى يكون القرآن كسائر الكتب محدود المعنى، ومقصور المراد، لا يحتاج إلى تداوم البحث وتضافره.

***



1 . البحار: 92 ، باب فضل القرآن، الحديث 8 ، نقلاً عن عيون أخبار الرضا، عن أبيه موسى الكاظم ـ عليهما السلام ـ .

(210)

المنهج الثاني:

التفسير بالنقل

وصوره: 1ـ تفسير القرآن بالقران. 2ـ التفسير البياني للقران. 3ـ تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية. 4ـ تفسير القرآن بالمأثور عن النبىّ "صلى الله عليه وآله وسلم " والاَئمّة ـ عليهم السلام ـ . وإليك بيان هذه الاَقسام:

1 ـ تفسير القرآن بالقران:

إنّ هذا المنهج من أسمى المناهج الصحيحة الكافلة لتبيين المقصود من الآية كيف وقد قال سبحانه: (وَنَزّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبياناً لِكُلّ شَيءٍ )(النحل ـ 89) . فإذا كان القرآن موضحاً لكل شيء، فهو موضِّح لنفسه أيضاً، كيف والقرآن كلّه "هدى" و "بيّنة" و "فرقان" و "نور" كما في قوله سبحانه: (شَهرُ رَمضانَ الّذي أُنْزِلَ فِيهِ القُرانُ هُدًى لِلنّاسِ وَبيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرقان )(البقرة ـ 185) . وقال سبحانه: (وأنزَلنا إلَيكُمْ نُوراً مُبيناً )(النساء ـ 174) .


(211)

وعن النبي الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم " : "إنّ القرآن يصدّق بعضه بعضاً" وقال على ـ عليه السلام ـ في كلام له يصف فيه القرآن: "كتاب الله تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض، ولايختلف في الله ولايخالف بمصاحبه عن الله (1)". وهذا نظير تفسير المطر الوارد في قوله سبحانه:(وأمطَرنا عَلَيهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ المُنذَرين )(الشعراء ـ 173) . بالحجارة الواردة في آية أُخرى في هذا الشأن قال:(وأمطَرنا عَلَيهِم حِجارَةً مِن سِجِّيل )(الحجر ـ 74) . وفي الروايات المأثورة عن أهل البيت نماذج كثيرة من هذا المنهج يقف عليها المتتبع في الآثار الواردة عنهم عند الاستدلال بالآيات على كثير من الاَحكام الشرعية الفرعية وغيرها. وقد قام أحد الفضلاء باستقصاء جميع هذا النوع من الاَحاديث المتضمنة لهذا النمط من التفسير. ولنذكر بعض النماذج من هذا المنهج. 1 ـ سأل زرارة ومحمد بن مسلم أبا جعفر ـ عليه السلام ـ عن وجوب القصر في الصلاة في السفر مع أنّه سبحانه يقول:(وَلَيْسَ عَلَيكُم جُناح )(2) لم يقل افعلوا؟ فأجاب الاِمام ـ عليه السلام ـ بقوله: "أوليس قد قال الله عزّ وجلّ في الصفا والمروة:(فَمَن حَجَّ البَيتَ أوِ اعتَمرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِما ) (3) ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض" .(4)


1 . نهج البلاغة: الخطبة: 129 .
2 . الاَحزاب: 25 .
3 . البقرة: 158 .
4 . الوسائل: 5 ، الباب 22 ، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

(212)

2 ـ روى المفيد في إرشاده: أنّ عمر أُتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهمَّ برجمها فقال له أمير الموَمنين ـ عليه السلام ـ: "إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك إنّ الله تعالى يقول:(وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً ) (1) ويقول:(وَالوالِداتُ يُرضِعنَ أولادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أراد أن يُتِمَّ الرّضاعَة)(2) . فإذا تمّ، أتمّت المرأة الرضاع لسنتين، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً كان الحمل منها ستة أشهر"، فخلّى عمر سبيل المرأة (3). أقول: هذا النمط من التفسير كما يتحقّق بالتفسير الموضوعي، أي تفسير القرآن حسب الموضوعات، يتحقّق بالتفسير التجزيئي أي حسب السور، سورة بعد سورة وهذا هو تفسير "الميزان" كتب على نمط تفسير القرآن بالقرآن، لكن على حسب السور، دون الموضوعات فبيّن إبهام الآية بآية أُختها. ولكن الصورة الكاملة لهذا النمط من التفسير يستدعي الاِحاطة بالقران الكريم، وجمع الآيات الواردة في موضوع واحد، حتى تتجلّـى الحقيقة من ضمّ بعضها إلى بعض، واستنطاق بعضها ببعض، فيجب على القائم بهذا النمط، تفسير القرآن على حسب الموضوعات، وهو نمط جليل يحتاج إلى عناء كثير، وقد قام العلامة المجلسي برفع بعض مشاكل هذا النمط فجمع الآيات الواردة في كل موضوع حسب السور. ولو انتشر هذا القسم من البحار في جزء مستقل ربّما يكون مفتاحاً للتفسير الموضوعي فهو ـ قدّس سرّه ـ قد استخرج الآيات حسب الموضوعات، وشرحها بوجه إجمالي.


1 . الاَحقاف: 15 .
2 . البقرة: 233 .
3 . نور الثقلين: 145. الدر المنثور للسيوطي: 7 | 441 ، طبع دار الفكر بيروت .

(213)

ولكن النمط الاَوسط منه هو قراءة القرآن من أوّله إلى آخره، والدقة في مقاصد الآيات، ثم تصنيف الآيات حسب ما ورد فيها من الاَبحاث والموضوعات، ففي هذا النوع من التفسير تستخرج الموضوعات من الآيات ثم تصنّف الآيات حسب الموضوعات المستخرجة، وهذا بخلاف ما قام به العلامة المجلسي، فهو صنّف الآيات حسب الموضوعات جادت بها فكرته، أو جاءت في كتب الاَحاديث والاَخبار. وهذا النمط من التفسير لايعني قول القائل: "حسبنا كتاب الله " المجمع على بطلانه من عامة المسلمين، لاهتمامهم بالسنّة مثل اهتمامهم بالقرآن، وإنّما يعني أنّ مشاكل القرآن ومبهماته ترتفع من ذلك الجانب. وأمّا أنّه كاف لرفع جميع المبهمات حتى مجملات الآية ومطلقاتها فلا، إذ لاشك أنّ المجملات كالصلاة والزكاة يبين بالسنّة والعمومات تخصص بها، والمطلقات تقيد بالاَخبار إلى غير ذلك من موارد الحاجة إلى السنّة. هذا بعض الكلام في هذا المنهج، وقد وقع مورد العناية في هذا العصر، فقد أخذنا هذا النمط في تفسيرنا للذكر الحكيم، فخرج منه باللغة العربية أجزاء سبعة باسم "مفاهيم القرآن" وباللغة الفارسية إثنا عشر جزءاً وانتشر باسم "منشور جاويد" ولا ننكر أنّ هذا العبء الثقيل يحتاج إلى لجنة تحضيرية أوّلاً، وتحريرية ثانياً، وإشراف من الاَساتذة ثالثاً، رزقنا الله تحقيق هذه الاَُمنية. وإنّ تفسير ابن كثير يستمد من هذا النمط أي تفسير الآيات بالآيات بين الحين والآخر، كما أنّ الشيخ محمد عبده في تفسيره الذي حرر بقلم تلميذه اتّبع هذا المنهج في بعض الاَحايين. والاَكمل من التفسيرين في اتّباع هذا المنهج هو تفسير السيد العلامة الطباطبائي فقد بنى تفسيره على تفسير الآية بالآية.


(214)

غير أنّ هذه التفاسير الثلاثة كما عرفت كتبت على نحو التفسير التجزيئي، أي تفسير القرآن بسورة بعد سورة لا على تفسيره حسب الموضوعات. وعلى كل تقدير فتفسير القرآن بالقران يتحقّق على النمط الموضوعي كما يتحقّق على النمط التجزيئي غير أنّ الاَكمل هو اقتفاء النمط الاَوّل.

***

2 ـ التفسير البياني للقران:

هذا المنهج الذي ابتكره ـ حسب ما تدّعيه الدكتورة عائشة عبد الرحمان بنت الشاطىَ ـ أُستاذها الاَمين الخولي المصري ـ عبارة عن استقراء اللفظ القرانى في كل مواضع وروده للوصول إلى دلالته وعرض الظاهرة الاسلوبية على كل نظائرها في الكتاب المحكم، وتدبر سياقها الخاص في الآية والسورة ثم سياقها العام في المصحف كلّه التماساً لسرّه البيانى. وحاصل هذا المنهج يدور على ضوابط وهي: ألف ـ التناول الموضوعي لما يراد فهمه من القرآن ويُبدأ بجمع كل ما في الكتاب المحكم من سورٍ وايات في الموضوع المدروس. ب ـ ترتب الآيات فيه حسب نزولها لمعرفة ظروف الزمان والمكان كما يستأنس بالمرويات في أسباب النزول من حيث هي قرائن لابست نزول الآية دون أن يفوت المفسّـر أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية. ج ـ في فهم دلالات الاَلفاظ يقدر أنّ العربية هي لغة القرآن فتلتمس الدلالة اللغوية الاَصلية التي تعطينا حس العربية للمادة في مختلف استعمالاتها


(215)

الحسية والمجازية. ثم يخلص لِلَمحِ الدلالة القرآنية بجمع كل ما في القرآن من صيغ اللفظ وتدبّر سياقها الخاص في الآية والسورة وسياقها العام في القرآن كله. د ـ وفي فهم أسرار التعبير يحتكم إلى سياق النص في الكتاب المحكم ملتزمين ما يحتمله نصاً وروحاً ويعرض عليه أقوال المفسرين فيقبل منها ما يقبله النص. هذا خلاصة هذا المنهج الذي ابتكره الاَُستاذ الخولي المصري واقتفت أثره تلميذته بنت الشاطىَ فخرج من هذا المنهج كتاب باسم "التفسير البيانى للقران الكريم" في جزأين تناول تفسير السور التالية في الجزء الاَوّل: "الضحى، والشرح، الزلزلة، النازعات، العاديات، البلد، التكاثر" كما تناول في الجزء الثاني تفسير السور التالية: "العلق، القلم، العصر، الليل، الفجر، الهمز، الماعون". ولاشك أنّه نمط بديع بين التفاسير إذ لايماثل شيئاً مما أُلّف في القرون الماضية من زمن الطبري إلى العصر الاَخير الذي عرف فيه تفسير الاِمام عبده وتفسير المراغي، فهذا النمط لايشابه التفاسير السابقة غير أنّه لون من التفسير الموضوعي أوّلاً وتفسير القرآن بالقران ثانياً، والنقطة البارزة في هذا النمط هو استقراء اللفظ القراني في كل مواضع وروده في الكتاب. وبعبارة أُخرى يهتم المفسر في فهم لغة القرآن بالتتبع في جميع صيغ هذا اللفظ الواردة في القرآن الكريم ثم يخرج من ضمّ بعض إلى بعض بحقيقة المعنى اللغوي الاَصيل وهو لا يترك هذا العمل حتى في أوضح الاَلفاظ. مثلاً تتبع في تفسير قوله سبحانه:(ألَم نَشرَح لَكَ صَدرَك )كل آية ورد فيها مادة "الشرح" بصورها أو كل آية ورد فيها مادة "الصدر" بصيغه المختلفة وهكذا في كل كلمة حتى وإن كان معناه واضحاً عندنا لكنّه لايعتني بهذا الوضوح، بل يرجع


(216)

إلى نفس القرآن ثم يطبّق عليه سائر الضوابط من تدبر سياق الآية وسياق السورة، وسياق الآية العام في القرآن كله. والذي يوَخذ على هذا النوع من التفسير أنّه أمر بديع قابل للاعتماد غير أنّه لا يكفي في تفسير الآيات الفقهية بلا مراجعة السنّة لاَنّها عمومات فيها مخصصها، أو مطلقات فيها مقيدها أو مجملات فيها مبينها. نعم هذا النمط من التفسير يُغني عن كثير من الاَبحاث اللغوية التي طرحها المفسرون لاَنّ المفسر في هذا النمط يريد أن يستخرج معنى اللفظ من التدبر في النص القراني نعم معاجم العربية وكتب التفسير يعينه في بداية الاَمر. وما ورد في روايات أهل البيت في مواضع، ما يوجد هذا النوع من النمط وهو الدقة في خصوصيات الآية وجملها ومفرداتها. 1 ـ روى الصدوق بإسناده عن زرارة قال: قلت لاَبي جعفر ـ عليه السلام ـ: ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال: "يازرارة قاله رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم " ونزل به الكتاب من الله عزّ وجلّ لاَنّ الله عزّ وجلّ قال:(فاغْسِلُوا وُجُوهَكُم)فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أنّ يغسل ثم قال:(وأيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِق) فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلامين فقال: (وامسَحُوا بِروَُوسِكُم)أنّ المسح ببعض الرأس لمكان "الباء" ثم وصل الرجلين بالرأس، فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضها، ثم فسر ذلك رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم " للناس فضيعوه" (1).


1 . الوسائل: 1 ، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 1. والآية 6 من سورة المائدة.

(217)

2 ـ روى الكليني بسند صحيح عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ أنّه سئل عن التيمم فتلا هذه الآية: (والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقطَعُوا أيْدِيَهُما) وقال:(فاغسِلُوا وجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِق) قال: فامسح على كفيك من حيث موضع القطع (1). فقد استظهر الاِمام في التيمم كفاية المسح على الكفين بحجّة أنّه أطلق الاَيدي في آية السرقة والتيمم ولم تقيّد بالمرافق وقال:(فَلَم تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيّباً فَا مسَحُوا بِوجُوهِكُم وأيْدِيكُم مِنه )(2) فعلم أنّ القطع والتيمم ليس من المرفقين. 3 ـ سأل أبو بصير أحد الصادقين ـ عليهما السلام ـ هل كانت صلاة النبي إلى بيت المقدس بأمر الله سبحانه أو لا ؟ قال: "نعم، ألا ترى أنّ الله تعالى يقول: (وَما جَعَلنا القِبْلَةَ التي كُنْتَ عَلَيها إلاّ لِنَعلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُول ")(3).

***

3 ـ تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية:

ففي هذا المنهج يهتم المفسر اهتماماً شديداً بالقراءة حتى يقف على الصحيح منها، لاَنّه ينبعث عن تحريف القراءة، تحريف اللفظ القرآني المنزل، ومن ثم تحريف المعنى. فالحرص على سلامة المنطق حرص على سلامة معنى النص القرآني،



1 . الوسائل: 2 ، الباب 13 من أبواب التيمم، الحديث 2. والآيتان 38 و 6 من سورة المائدة.
2 . المائدة: 6 .
3 . الوسائل: 3 ، الباب 2 من أبواب القبلة، الحديث 2 ، والآية 143 ، من سورة البقرة.

(218)

وصيانته من شبهة أو تحريف.
والاهتمام بالقراءة يستدعي ـ منطقياً ـ الاهتمام بالصنعة النحوية، في النص القراني إذ أنّ هذا الاهتمام بضبط أواخر الكلمات، إنّما يقصد أساساً إلى المعنى، فعلى المعنى يدور ضبط الكلمة وإعرابها فالفاعل يرفع والمفعول به ينصب وما لحقه من الجرِّ بسبب من أسبابه يجر. فالتفات النحويين إلى إعراب القرآن كان التفاتاً طبيعياً، لاَنّ الغاية من وضع النحو هو خدمة معنى القرآن وتحليته. ففي ضوء ضبط القراءة ثم ضبط الاِعراب القراني، يتضح مفاد الآية في هذا الاِطار الخاص مضافاً إلى تحقيق مفردات الآية لغوياً، وتوضيح معانيها الاَصيلة. وعلى هذا النمط تجد التفاسير الآتية: 1 ـ معاني القرآن تأليف ابن زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت 207 هـ) ففسّر مشكل إعراب القرآن ومعانيه على هذا المنهج وقد طبع الكتاب في جزأين، حقّقهما محمد على النجار وأحمد يوسف نجاتي. ويبدو من ديباجة الكتاب أنّ الفراء شرع في تأليفه سنة (204هـ) . والكتاب قيم في نوعه، وإن كان غير وافٍ بعامة مقاصد القرآن الكريم. 2 ـ مجاز القرآن لاَبي عبيدة معمر بن المثنى (ت 213 هـ) وقيل غير ذلك. يقول في مقدمة الكتاب: قالوا: إنّما أُنزل القرآن بلسان عربى ومصداق ذلك في آية من القرآن وفي آية أُخرى: (وَما أرسَلنا مِن رَسُولٍ إلاّ بِلسانِ قَومِه)(1) فَلم يحتج السلف ولا الّذين أدركوا وحيه إلى النبي أن يسألوا عن معانيه لاَنّهم كانوا عرب الاَلسن فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه،


1 . إبراهيم: 4 .

(219)

وعما فيه مما في كلام العرب من وجوه الاِعراب، ومن الغريب والمعانى. وهذا يعرب عن أنّه كان معتقداً بأنّ الاِحاطة باللغة العربية، كافية في إخراج معاني القرآن وهو كما ترى. نعم القرآن نمط من التعبير العربي لكن ليس كل تعبير عربي غني عن البيان خصوصاً في مجال التشريع والتقنين الذي نرى تفصيله في السنّة. ولايقصد أبو عبيدة من المجاز ما يقابل الحقيقة، بل يريد ما يتوقف فهم الآية على تقدير محذوف، وما شابه ذلك، وهو على غرار مجازات القرآن للشريف الرضي ـ رضوان الله عليه ـ ولكن الشريف خصص كتابه بالمجاز بشكله المصطلح. مثلاً يقول أبو عبيدة: ومن المحتمل من مجاز ما اختصر وفيه مضمر، قال: (و انطَلَقَ المَلاَُ مِنهُم أنِ امشُوا وَ اصبِرُوا ) (1) هذا مختصر فيه ضمير مجازه: "وانطلق الملاء منهم" ثم اختصر إلى فعلهم وأضمر فيه وتواصوا أن امشوا أو تنادوا أن امشوا أو نحو ذلك. وفي آية أُخرى:(ماذا أرادَ اللهُ بِهذا مَثلاً ) (2) فهذا من قول الكفار، ثم اختصر إلى قول الله ، وأُضمر فيه قل يامحمّد،(يُضِلُّ بِهِ كَثيراً )(3) هذا من كلام الله . ومن مجاز ما حُذف وفيه مضمر، قال: (وسَلِ القَرْيَةَ التي كُنَّا فيها والعيرَ التي أَقبَلْنا فيها )(4) فهذا محذوف فيه ضمير مجازه: وسل أهل القرية، ومَن في العير. وقد طبع الكتاب وانتشر. 3 ـ معاني القرآن لاَبي إسحاق الزجاج المتوفي (311هـ) يحدد ابن النديم


1 . ص: 6 .
2 . البقرة: 26 .
3 . البقرة: 26.
4 . يوسف:82.

(220)

تاريخ تأليف هذا الكتاب في نصٍّ قرأه على ظهر كتاب المعانى "ابتدأ أبو إسحاق إملاء كتابه الموسوم بمعاني القرآن في صفر سنة 285هـ وأتمه في شهر ربيع الاَوّل سنة 301هـ. والكتاب بعد مخطوط ومنه نسخ متفرقة في المكتبات. 4 ـ تلخيص البيان في مجازات القرآن: تأليف الشريف الرضى أبي الحسن، محمد بن الحسين (359 ـ 406 هـ) . يقول في أوّله: إنّ بعض الاِخوان جارانى وذكر ما يشتمل عليه القرآن من عجائب الاستعارات وغرائب المجازات، التي هي أحسن من الحقائق مَعْرضاً، وأنفع للعلّة معنى ولفظاً، وإنّ اللفظة التي وقعت مستعارة لو أوقعت في موقعها، لفظة الحقيقة لكان موضعها نابياً بها، و نصابها قلقاً بمركّبها، إذا كان الحكيم سبحانه لم يورد ألفاظ المجازات لضيق العبارة عليه، ولكن لاَنّها أجلى في أسماع السامعين، وأشبه بلغة المخاطبين، وسألني أن أجرد جميع ما في القرآن في ذلك على ترتيب السور ليكون اجتماعه أجلّ موقعاً وأعم نفعاً، وليكون في ذلك أيضاً فائدة أُخرى. (إلى أن قال) وقد أوردت في كتابى الكبير حقائق التأويل في متشابه التأويل طرفاً كبيراً من هذا الجنس، أطلتُ الكلام والتنبيه على غوامض العجائب التي فيه من غير استقصاء أوانه (1). وبهذا البيان امتاز نمط هذا التأليف عمّا ألّفه أبو عبيدة وأسماه بمجاز القرآن. فالشريف يروم من المجاز القسم المصطلح، ولكنَّ أبا عبيدة يروم الكلام الخارج على غير النمط العادي من حذف وتقدير وتأخير، وإضمار وغير ذلك.


1 . الرضى: تلخيص البيان في مجازات القرآن: 2، طبع عالم الكتب.

(221)

4 ـ تفسير القرآن بالمأثور عن النبي والاَئمة ـ عليهم السلام ـ :

ومن التفسير بالمنقول هو تفسير القرآن بما أثر عن النبي والاَئمة المعصومين ـ عليهم السلام ـ أو الصحابة والتابعين، وقد ظهر هذا النوع من المنهج بعد رحلة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم " ومن المعروفين في سلوك هذا المنهج بعد عهد الرسالة عبد الله بن عباس، وهو القائل: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ (1) وحسبك هذه الشهادة من ترجمان القرآن. نعم روى عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم " أنّه دعا له بالفقه والحكمة وتأويل القرآن (2). وقد ذاع هذا المنهج من القرن الاَوّل إلى عصرنا هذا، فظهر بين المفسرين من يكتفون في التفسير بالاَثر المروي ولايتجاوزون عنه حتى أنّ بعض المفسرين لايذكر الآية التي لايجد حولها أثراً من النبي والاَئمة كما هو ديدن تفسير البرهان للسيد البحراني، ولنأت بأشهر التفاسير الحديثية بين الفريقين. فأشهر المصنّفات على هذا النمط عند أهل السنّة عبارة عن: 1 ـ تفسيـر أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (224 ـ 310هـ) وهذا الكتاب أوسع ما أُلّف في هذا المجال، ومن مزايا هذا التفسير ذكر الروايات مسندة أو موقوفة على الصحابة والتابعين وقد سهل بذلك طريق التحقيق والتثبيت منها، نعم فيها من الاِسرائيليّات والمسيحيّات ما لا يحصى كثرة. 2 ـ ويليه في التبسط تفسير الثعلبى (ت 427هـ) باسم "الكشف والبيان " وهو تفسير مخطوط، ونسخه قليلة، عسى أن يقيّض الله رجال التحقيق لاِخراجه


1 . الزرقانى: مناهل العرفان: 1| 468.
2 . أُسد الغابة: 3|193.

(222)

إلى عالم النور، وموَلّفه من المعترفين بفضائل أهل البيت ـ عليهم السلام ـ، فقد روى نزول كثير من الآيات في حقّ العترة الطاهرة وينقل عنه كثيراً السيد البحراني في كتبه مثل غاية المرام وتفسير البرهان. 3 ـ تفسير الدر المنثور تأليف السيوطي (ت 911 هـ) ففيه ما ذكره الطبري في تفسيره وغيره ويبدو من كتابه الاِتقان أنّه جعله مقدمة لذلك التفسير وقد ذكر في خاتمة الاِتقان نبذة من التفسير بالمأثور المرفوع إلى النبي "صلى الله عليه وآله وسلم " من أوّل الفاتحة إلى سورة الناس. هذه مشاهير التفاسير الحديثية عند أهل السنة اكتفينا بذلك. وأمّا التفسير بالمأثور عند الشيعة فأشهرها ما يلي: 1 ـ تفسير محمد بن مسعود العياشي المعاصر للكليني الذي توفي عام 329 هـ، وقد طبع في جزأين، غير أنّ ناسخ الكتاب في القرون السابقة، جنى على الكتاب جناية علمية لاتغتفر حيث أسقط الاَسانيد، وأتى بالمتون، وبذلك سد على المحقّقين باب التحقيق. 2 ـ تفسير علي بن إبراهيم القمي الذي كان حياً عام (307 هـ) وتفسيره هذا مطبوع قديماً وحديثاً، غير أنّ التفسير ليس لعلي بن ابراهيم القمي وحده، وإنّما هو تفسير ممزوج من تفسيرين، فهو ملفّق مما أملاه علي بن إبراهيم على تلميذه أبي الفضل العباس، وما رواه تلميذه بسنده الخاص، عن أبي الجارود عن الاِمام الباقر ـ عليه السلام ـ، وقد أوضحنا حاله في أبحاثنا الرجالية (1). 3 ـ وقد أُلّف في أواخر القرن الحادي عشر تفسيران بالمنهج المذكور أعني بهما:


1 . كليات في علم الرجال: 311 ـ 315.

(223)

"البرهان في تفسير القرآن" للسيد هاشم البحرانى المتوفي (1107 هـ) . و"نور الثقلين" للشيخ عبد علي الحويزي من علماء القرن الحادي عشر. والاستفادة من التفسير بالمأثور يتوقف على تحقيق اسناد الروايات لكثرة تطرق الاِسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات المروية من مسلمة أهل الكتاب إليها أو مستسلمتهم. وهناك كلمة قيمة لابن خلدون يقول: "إنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولاعلم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والاَُمية، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء مما تتوق إليه النفوس البشرية في أساب المكونات، وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم، وهؤلاء مثل كعب الاَحبار ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم فامتلاَت التفاسير من المنقولات عنهم وتُلقيت بالقبول، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملاَوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلها ـ كما قلنا ـ من التوراة أو مما كانوا يفترون(1) ". ولاَجل ذلك ترى أنّ ما أتى به الطبري في تفسير حول قصة آدم وحواء تطابق ما جاء في التوراة. والعجب أنّ كتب التفسير مملوءة من أقاويل هؤلاء (أي مسلمة أهل الكتاب) ومن أخذ عنهم، من المسلمين أمثال عكرمة ومجاهد وعطاء والضحاك. فهوَلاء مضافاً إلى ما ورد فيهم من الجرح والطعن في كتب الرجال المعتبرة عند أهل السنّة، كانوا يأخذون ما أثر عنهم من التفاسير من اليهود والنصارى (2).


1 . مقدمة ابن خلدون: 439.
2 . لاحظ آلاء الرحمان: 1| 46، وبحوث في الملل والنحل: الجزء الاَوّل.

(224)

وأمّا ما يتراءى من نقل أقوالهم في تفاسير الشيعة كالتبيان لشيخ الطائفة الطوسي، ومجمع البيان للشيخ الطبرسى فعذرهم في نقل أقوالهم هو رواجها في تلك العصور والاَزمنة بحيث يعد الجهل بها نقصاً في التفسير ويوجب عدم الاعتناء به. وعلى كل تقدير فالتفسير بالمأثور يتوقف على توفر شرائط الحجية فيه، إلاّ إذا كان الخبر ناظراً إلى بيان كيفية الاستفادة من الآية، ومرشداً إلى القرائن الموجودة فيها فعندئذ تلاحظ كيفية الاستفادة، فعلى فرض صحة الاستنتاج يوَخذ بالنتيجة وإن كان الخبر غير واجد للشرائط. كما عرفت نماذج منه. وأمّا إذا كان التفسير مبنياً على التعبد فلا يوَخذ به إلاّ عند توفر الشرائط. هذه هي المناهج التفسيرية على وجه الاختصار قد عرفت المقبول والمردود، غير أنّ المنهج الكامل عبارة عن المنهج الذي يعتمد على المناهج الصحيحة، فيعتمد في تفسير القرآن على العقل القطعى الذي هو كالقرينة، كما يفسر القرآن بعضه ببعض ويرفع إبهام الآية بأُختها، ويستفيد من الاَثر الصحيح الذي يكون حجّة بينه وبين ربّه إلى غير ذلك من المناهج التي مر بيانها.

قم ـ موَسسة الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ
جعفر السبحاني                 
27 رجب المرجب 1409هـ. ق       

Website Security Test