welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة

(63)

السنّة النبوية وتكفير المسلم :

قد وردت أحاديث كثيرة تنهي عن تكفير المسلم الذي أقرّ بالشهادتين فضلاً عمّن يمارس الفرائض الدينية وإليك طائفة من هذه الاَحاديث: 1ـ "بُني الاِسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، والاِقرار بما جاء من عند الله ، والجهاد ماض منذ بعث رسله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين ... فلا تكفّروهم بذنب ولاتشهدوا عليهم بشرك". 2ـ "لاتكفّروا أهل ملّتكم وإن عملوا الكبائر" (1) 3ـ "لاتكفّروا أحداً من أهل القبلة بذنب وإن عملوا الكبائر". 4ـ "بُني الاِسلام على ثلاث: ... أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنب ولا تشهدوا لهم بشرك". 5 ـ عن أبي ذر: أنّه سمع رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " يقول: "لا يرمى رجل رجلاً بالفسق أو بالكفر إلاّ ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك". 6ـ عن ابن عمر: أنّ رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " قال: "من قال لاَخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما". 7ـ "من قذف موَمناً بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفسه بشيء عذّبه الله بما قتل". 8ـ "من كفّر أخاه فقد باء بها أحدهما". 9ـ "إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فهو كقتله، ولعن الموَمن كقتله". 10ـ "أيّما رجـل مسلم كفّـر رجلاً مسلمـاً فـإنْ كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر".


1 . نعم الكبائر توجب العقاب لا الكفر .

(64)

11ـ "كفّوا عن أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنب، فمن أكفر أهل لا إله إلاّ الله فهو إلى الكفر أقرب". 12ـ "أيّما امرىَ قال لاَخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه". 13ـ "ما أكفر رجل رجلاً قط إلاّ باء بها أحدهما". 14ـ "إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فقد باء به أحدهما إن كان الذي قيل له كافراً فهو كافر، وإلاّ رجع إلى من قال". 15ـ "ما شهد رجل على رجل بكفر إلاّ باء بها أحدهما، إن كان كافراً فهو كما قال، وإن لم يكن كافراً فقد كفر بتكفيره إيّاه". 16ـ عن علي ـ عليه السلام ـ: في الرجل يقول للرجل: يا كافر ياخبيث يافاسق ياحمار؟ قال: "ليس عليه حد معلوم، يعزّر الوالي بما رأى(1). 17ـ حدثنا أُسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " سرية إلى الحرُّقات، فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلاً فلما غشيناه قال: لا إله إلاّ الله ، فضربناه حتى قتلناه فعرض في نفسى من ذلك شىء فذكرته لرسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " فقال: "مَنْ لَكَ بِلا إله إلاّ الله يوم القيامة؟" قال: قلت: يارسول الله ، إنّما قالها مخافة السلاح والقتل، فقال: "ألا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك أم لا ؟ مَنْ لَكَ بِلا إله إلاّ الله يوم القيامة؟" قال: فما زال يقول ذلك حتى وددت أنّى لم أُسلم إلاّ يومئذ(2).


1 . هذه الاَحاديث مبثوثة في جامع الاَُصول: 1، و 10، 11 كما أنّها مجموعة بأسرها في كنز العمال للمتقى الهندى: ج1.
2 . أخرجه أحمد في مسنده: 187 ـ 188ح21861، والبخاري في صحيحه: 64، باب 45، ح 4269. وكتاب الديـات: 87 باب 2، ح 6872. ومسلم في صحيحه: 96ـ97، كتاب الاِيمان، باب 41، ح96، وأبو داود في سننه: 44ـ45ح 2643. والنسائي في السنن الكبرى: 176ـ 177، ح8594، كتاب السير، باب12. وابن ماجة في سننه: 5|1296، ح 3930، كتاب الفتن، باب 1.

(65)

18ـ لما خاطب ذو الخويصرة الرسول الاَعظم "صلى الله اليه وآله وسلم " بقوله اعدل، ثارت ثورة من كان في المجلس منهم خالد بن الوليد قال: يارسول الله ! ألا أضرب عنقه؟ فقال رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " : "فلعله يكون يصلّـي" فقال: إنّه رُبَّ مصلّ يقول بلسانه ماليس في قلبه، فقال رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " : "إنّي لم أُوَمر أن أنقِّب عن قلوب الناس ولا أشقَّ بطونهم(1).

القدح في عقائد الشيعة:

إنّ الشيعة تشكّل ثلث المسلمين أو ربعهم فقد رماهم المغفّلون بتهم باطلة، فحبسوهم في قفص الاتهام. ولم يصدروا في ذلك إلاّ عن الهوى، نظير: 1ـ تأليه الشيعة لعلي وأولاده، وأنّهم يعبدونهم ويعتقدون بإلوهيتهم. 2ـ إنكارهم ختم النبوة برحيل سيدنا محمد "صلى الله اليه وآله وسلم " وأنّ الوحي لم يزل ينزل على على وأولاده. 3ـ بغض أصحاب النبي وسبّهم ولعنهم وأنّهم أعداء الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم. 4ـ تحريف القرآن الكريم وأنّه حذف منه أكثر ممّا هو الموجود. 5ـ نسبة الخيانة لاَمين الوحي فقد بعث إلى على ـ عليه السلام ـ فخان فجاء إلى محمد "صلى الله اليه وآله وسلم " .


1 . أخرجه مسلم في صحيحة 7|171 ح 1064 و أحمد في مسنده: 4|10 ح 11008، والبخاري كتاب الزكاة: 47، أبو يعلي في مسنده: 390 ـ391 ح 1163.

(66)

المسائل الاجتهادية :

وهناك ما نسبوه إلى الشيعة من العقائد، والنسبة صحيحة وهي بين تفسير خاطىَ واجتهاد صحيح مدعم بالدليل نظير: 1 ـ خلافة الخلفاء الاَربعة. 2 ـ عدالة الصحابة كلّهم بلا استثناء. 3 ـ القول بالبداء. 4 ـ عصمة أئمة أهل البيت. 5 ـ التقية من المسلم المخالف. 6 ـ كون الاَئمة عالمين بالغيب. فهذه نماذج من كلا القسمين، وهي تدور بين التهم الباطلة والمسائل الاجتهادية التي يعذر المجتهد في اجتهاده إذا أخطأ، فكيف إذا أصاب؟! فلنأخذ بدراسة القسم الاَوّل: أمّا تأليه الشيعة لعلي وأولاده: فالشيعة براء من هذه التهمة منذ بكرة أبيهم وهم يشهدون كل يوم في صلواتهم وخطبهم بأنّه لا إله إلاّ الله وإنّ كل من سواه عبداً لله تالين قوله سبحانه: (إن كلُّ مَن في السّمَواتِ والاَرْضِ إلاّ آتى الرَّحمَنِ عَبْدا )(مريم ـ 93) وقوله سبحانه: (يا أيّها الناسُ أنتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ واللهُ هُوَ الغَنِىُّ الحَمِيد )(فاطر ـ 15) وأمّا التوسّل بهم فلا صلـة له بالتأليه على أنّهم يتوسّلون بالنبي "صلى الله اليه وآله وسلم " كما يتوسّلون بأئمتهم كما يتوسّل أهل السنّة به "صلى الله اليه وآله وسلم " . وأمّا الثاني: أعنى إنكارهم ختم النبوة بمحمّد "صلى الله اليه وآله وسلم " : فهو أيضاً مثل الاَوّل، وهذا هو إمامهم الاَوّل علي ـ عليه السلام ـ يقول عندما تولى غسل نبيه: "بأبي أنت وأُمي


(67)

يارسول الله لقد انقطع بموتك مالم ينقطع بموت غيرك من النبوة والاَنباء وأخبار السماء(1). وقد ألّف غير واحد من أصحابنا الاِمامية كتباً ورسائل في الرد على البابية والبهائية والقاديانية الذين أنكروا ختم النبوة بألوان الانكار، وقد خصصنا بحثاً مفصلاً من كتابنا "مفاهيم القرآن" لهذا الموضوع وبلغنا الغاية ونقلنا هناك 130 نصاً من الاَحاديث المروية عن النبي وأئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ على ختم الرسالة والنبوة بالنبي الاَعظم "صلى الله اليه وآله وسلم " أرى أنّ إفاضة القول في رد هذه التهمة إضاعة للوقت. وأمّا الثالث: وهو بغض أصحاب النبي فيالله ولهذه التهمة، كيف يمكن أن يقال إنّ الشيعة تبغض الصحابة مع أنّ أُمّة كبيرة من أصحاب النبي من بنى هاشم بدءاً من عمه أبي طالب ومروراً بصفية عمته، وفاطمة بنت أسد، وبحمزة والعباس وجعفر وعقيل وطالب وعبيدة بن الحارث "شهيد بدر" وأبي سفيان بن الحارث ونوفل بن الحارث وجعدة بن أبي هبيرة وأولادهم وزوجاتهم، وانتهاء بعلي ـ عليه السلام ـ وأولاده وبناته وزوجته سيدة نساء العالمين. أمّا الذين استشهدوا في عهد النبي الاَكرم فهم يتجاوزون المئات ولا يشك أي مسلم في أنّهم كانوا من الموَمنين الصادقين الذين حوّلهم الاِسلام وأثّر فيهم، وضربوا في حياتهم أروع الاَمثلة في الاِيمان والتوحيد والتضحية، بالغالى والرخيص، خدمة للمبدأ والعقيدة. ابتداء من ياسر وزوجته سمية أوّل شهيد وشهيدة في الاِسلام وكان الرسول يقول لهم وهو يسمع أنينهم تحت سياط التعذيب: "صبراً آل ياسر إنّ موعدكم الجنة(2). مروراً بمن توفي في مهجر الحبشة إلى شهداء بدر وأُحد، وقد استشهد في معركة أُحد سبعون صحابياً دفنهم النبي الاَكرم "صلى الله اليه وآله وسلم "


1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 235 .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 | 320 ، طبعة الحلبي .

(68)

وصلّـى عليهم وكان يزورهم ويسلّم عليهم، ثمّ شهداء سائر المعارك والغزوات حتى قال النبي الاَكرم "صلى الله اليه وآله وسلم " في حق سعد بن معاذ شهيد غزوة الخندق: اهتز العرش لموته، وشهداء بئر معونة ويتراوح عدد الشهداء بين 40 حسب رواية أنس بن مالك، أو 70 حسب رواية غيره، إلى غير ذلك من الاَصحاب الصادقين الاَجلاّء الذين: (صَدَقُوا ما عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمِ مَن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلاً )(الاَحزاب ـ 23) (الّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنّ النّاسَ قَدْ جـَمَعُوا لَكُمْ فَا خْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيماناً وَقالُوا حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيل) (آل عمران ـ 173) (للفُقَرَاءِ المُهاجِرِينَ الّذِينَ أُخرِجُوا من دِيارِهِمْ وأَمْوَالِهمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ ورِضْوَاناً ويَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ... * والّذِينَ تَبَوَّءُو الدارَ والاِيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُوَْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الُمفْلِحُون )(الحشر: 8 ـ 9) . فهل يصح لمسلم أن يبغض هؤلاء مع أنّ إمام الشيعة يصفهم بقوله: "أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمّار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراوَهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة وأُبرِدَ بِروَوسهم إلى الفجرة؟ أوّه على إخوانى الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفرض فأقاموه. أحيوا السنّة وأماتوا البدعة، دُعوا للجهاد فأجابوا، ووثِقُوا بالقائد فاتّبعوه" (1) وليس ما جاء في هذه الخطبة فريداً في كلامه، فقد وصف أصحاب رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " يوم صفين، يوم فرض عليه الصلح بقوله: "ولقد كنّا مع رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً، ومضيّاً على اللَّقّم، وصبراً على مضض الاَلم، وجِدّاً في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين،


1 . نهج البلاغة: الخطبة 182 .

(69)

يتخالسان أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرّة لنا من عدونا، ومرّة لعدونا منّا. فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الاِسلام ملقياً جرانه ومتبوّئاً أوطانه، ولعمري لو كنّا نأتى ما أتيتم ما قام للدين عمود، ولا اخضرّ للاِيمان عود(1)". هذه كلمة قائد الشيعة وإمامهم، أفهل يجوز لمن يوَمن بإمامته أن يكفّر جميع صحابة النبي "صلى الله اليه وآله وسلم " ، أو يفسّقهم، أو ينسبهم إلى الزندقة والاِلحاد، أو الارتداد، من دون أن يقسمهم إلى أقسام ويصنّفهم أصنافاً ويذكر تقاسيم القرآن والسنّة في حقّهم؟! كلاّ ولا، وهذا هو الاِمام على بن الحسين يذكر في بعض أدعيته صحابة النبي ويقول: "اللّهم وأصحاب محمد "صلى الله اليه وآله وسلم " خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الاَزواج والاَولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والاَبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به ومن كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلّقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا، الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم، اللهم وأوصل التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولاِخواننا...(2)". فإذا كان الحال كذلك، واتفق الشيعي والسني على إطراء الذكر الحكيم للصحابة والثناءعليهم فما هو موضع الخلاف بين الطائفتين كي يعد ذلك من أعظم الخلاف بينهما؟


1 . نهج البلاغة، الخطبة 56 .
2 . الصحيفة السجادية: الدعاء 4 .

(70)

وهذا ما سيوافيك في الاَمر الثاني من المسائل الاجتهادية فتربص حتى حين. وأمّا الاَمر الرابع أعني تحريف القرآن الكريم: فالرأي السائد بينهم من عصر أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ إلى يومنا هذا هو القول بعدم التحريف، وقد ذكرنا نصوص علمائنا الاِمامية في هذا المضمار في كتاب خصصناه لبيان عقائد الشيعة أخذنا بنصوصهم من منتصف القرن الثالث إلى يومنا هذا. نعم يوجد بينهم من قال بالتحريف، ولكنّه نظرية شخصية لا توَخذ بها الاَُمّة، ووجود الروايات في كتاب الكافي للكلينى وغيره لايكون دليلاً على كونه عقيدة للشيعة، فانّ الكافي كسائر كتب الحديث يتضمن أحاديث صحيحة وغير صحيحة، وليس الكافي عندنا كصحيح البخاري عند أهل السنّة الذي لا يتطرق إليه قلم النقاش والجرح. ولو صحّت الموَاخذة ـ ولن تصح ـ فقد قال بالتحريف جماعة من أهل السنة ووردت رواياته في الصحاح غير أنّ القوم فسّروها بنسخ التلاوة. فإذا صح هذا العذر ـ ولم يصح ـ فليصح في الروايات الموجودة في كتب حديث الشيعة، وهذا هو القرطبي ينقل في تفسيره عن أُم الموَمنين أنّ سورة الاَحزاب كانت مائتي آية، فحرّفت، أعاذنا الله من هذه التسويلات الباطلة، وبما أنّ علماءنا قد بلغوا الغاية في نفى هذه التهمة اقتصرنا بالاِشارة وهي كافية لمن ألقى السمع وهو شهيد. وأمّا الخامس: أعني نسبة الخيانة إلى أمين الوحى: فهو أُكذوبة ورثه المفترى من اليهود حيث عادوا جبرئيل لاَجل أنّه خان ونقل النبوة من ذرية إسحاق إلى ذرية إسماعيل (1) فأخذه المفترى منهم وطبّقها على الشيعة.


1 . الرازي في تفسير قوله: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى ).

(71)

وإليك الكلام في القسم الثاني.

المسائل الاجتهادية :

وهذه المسائل تدور بين ما هم خاطئون في تفسيرها ـ مثل البداء ـ وبين ما هي مسائل نظرية قابلة للاجتهاد مدعمة بالدليل الصحيح والاختلاف في مثلها. إنّ الاختلاف في هذه المسائل لا يكون ملاكاً للتكفير حتى ولو كانوا خاطئين، فكيف وأنّهم مصيبون فيها يعرفها من رجع إلى كتبهم، وإليك دراستها على وجه موجز.

1 ـ خلافة الخلفاء:

إنّ خلافة الخلفاء ليست من الاَُصول بل من الاَحكام الفرعية. قال التفتازاني: لا نزاع في أنّ مباحث الاِمامة بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أنّ القيام بالاِمامة ونصب الاِمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، وهي أُمور كلية تتعلّق بها مصالح دينية أو دنيوية، لا ينتظم الاَمر إلاّ بحصولها فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كل أحد، ولا خفاء في أنّ ذلك، الاَحكام العملية دون الاعتقادية(1) وقال الاِيجي: المرصد الرابع في الاِمامة ومباحثها عندنا من الفروع وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا (2) وقال الجرجاني: الاِمامة ليست من أُصول الديانات والعقائد، بل هي عندنا


1 . التفتازاني: شرح العقائد: 5 | 232 .
2 . الاِيجي: المواقف: 395 .

(72)

من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الاِمام عندنا واجب على الاَُمة سمعاً (1) فإذا كانت الاِمامة من الفروع فما أكثر الاختلاف في الفروع فكيف يكون الاختلاف موجباً للكفر؟ وبعبارة أُخرى: أنّ السمع أو هو منضماً إلى العقل دلاّ على وجوب نصب الاِمام، لاَنّ مقاصد الشرع لا يحصل إلاّ بذلك النصب، فاجتمع المسلمون فاختاروا شخصاً للقيادة فعلى فرض صحة الاختيار وكونها جامعاً للشرائط فلا يتجاوز عن كون عملهم كان تجسيداً لحكم فرعي فلا يصير رفض عملهم سبباً للكفر وليس الاعتقاد بخلافة شخص من ضروريات الاِسلام، لاَنّ المفروض أنّها حدثت بعد رحيل النبي وانقطاع الوحى، فكيف يكون خلافة فرد خاص أمراً ضرورياً؟ بل يمكن أن يقال إنّ وجوب نصب الاِمام من الفروع، وأمّا الاعتقاد بأنّ المنصوب خليفة فليس من الواجبات الشرعية بدليل أنّهم اتّفقوا على عدم وجوبه في غير الخلفاء الراشدين، فإنّ عمر بن عبد العزيز في سيرته وسلوكه لم يكن أقل من بعض الخلفاء ولم يقل أحد بلزوم الاِيمان بكونه خليفة الرسول، فكيف يكون الخلاف موجباً للكفر؟ على أنّ الشيعة قد أقامت أدلّة متواترة على أنّ النبي نصب الاِمام في عصره ولم يفوّضه إلى الاَُمّة.

2 ـ عدالة الصحابة كلّهم أو بعضهم :

إنّ مثار الخلاف بين الطائفتين هو عدالة الصحابة كلّهم أو بعضهم، فذهب


1 . الجرجاني: شرح المواقف: 8 | 344 .

(73)

أهل السنّة إلى الاَوّل، والشيعة إلى الثاني، وأنّه لا يمكن الحكم بعدالة كل واحد واحد منهم ولكلّ من الطرفين أدلّة وحجج، وقد ارتحل النبي الاَكرم "صلى الله اليه وآله وسلم " ولم يكن الاعتقاد بعدالتهم أجمعين من صميم الاِسلام، ولم يكن النبي يستفسر عمّن يسلم، عن اعتقاده بعدالة أصحابه عامة، فإذا كانت المسألة بهذه المثابة فكيف يمكن أن يكون القول بعدالة بعض دون بعض موجباً للكفر، كيف والقرآن الكريم قد قسّم أصحاب النبي إلى أقسام عشرة. 1 ـ إنّ القرآن الكريم يصنّف الصحابة إلى أصناف مختلفة، فهو يتكلّم عن السابقين الاَوّلين، والمبايعين تحت الشجرة، والمهاجرين المهجّرين عن ديارهم وأموالهم، وأصحاب الفتح، إلى غير ذلك من الاَصناف المثالية، الذين يثني عليهم ويذكرهم بالفضل والفضيلة، وفي مقابل ذلك يذكر أصنافاً أُخرى يجب أن لا تغيب عن أذهاننا وتلك الاَصناف هي التالية: 1 ـ "المنافقون المعروفون" (المنافقون ـ 1) . 2 ـ "المنافقون المتسترون الذين لا يعرفهم النبي" (التوبة ـ 101) . 3 ـ "ضعفاء الاِيمان ومرضى القلوب" (الاَحزاب ـ 11) . 4 ـ "السمّاعون لاَهل الفتنة" (التوبة : 45 ـ 47) . 5 ـ "المجموعة الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً" (التوبة ـ 102) . 6 ـ "المشرفون على الارتـداد عندمـا دارت عليهم الدوائـر" (آل عمران ـ 154) . 7 ـ "الفاسق أو الفسّاق الذين لا يصدق قولهم ولا فعلهم" (الحجرات ـ 6، السجدة ـ 18) . 8 ـ "المسلمون الذين لم يدخل الاِيمان في قلوبهم" (الحجرات ـ 14) . 9 ـ "الموَلّفـة قلوبهم الذيـن يظهرون الاِسلام ويُتألفون بدفـع سهم من


(74)

الصدقة إليهم لضعف يقينهم" (التوبة ـ 60) . 10 ـ "المولّون أمام الكفّار" (الاَنفال ـ 15 ـ 16) (1). هذه الاَصناف إذا انضمت إلى الاَصناف المتقدّمة، تعرب عن أنّ صحابة النبي الاَكرم لم يكونوا على نمط واحد، بل كانوا مختلفين من حيث قوة الاِيمان وضعفه، والقيام بالوظائف والتخلّي عنها، فيجب إخضاعهم لميزان العدالة الذي توزن به أفعال جميع الناس، وعندئذ يتحقّق أنّ الصحبة لا تعطي لصاحبها منقبة إلاّ إذا كان أهلاً لها، ومع ذلك فكيف يمكن رمي الجميع بسهم واحد وإعطاء الدرجة الواحدة للجميع، وهذا هو رأي الشيعة فيهم، وهو نفس النتيجة التي يخرج بها الاِنسان المتدبّر للقران الكريم.

3 ـ التقية من المخالف المسلم :

اتّفق المسلمون على جواز التقية من الكافر بكلمة واحدة أخذاً بقوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بالاِيمان )(النحل ـ 106) وقوله سبحانه: (لا يَتَّخِذِ المـُوَْمِنُونَ الكافِرِينَ أَوْلياءَ مِن دُون المـُوَْمِنينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَىْء إلاّ أنّ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة )(آل عمران ـ 28) إنّما الكلام في التقية من المخالف المسلم، وهذا ليس شيئاً بديعاً، فإنّ السبب الذي جوّز التقية من المخالف الكافر، هو المجوّز للتقية من المخالف المسلم فإنّها سلاح الضعيف، فلو كانت الشيعة آمنة لما إتّقت لا من الكافر ولا من المسلم المخالف. على أنّ هذا ليس فكراً بديعاً فقد صرّح بجوازه لفيف من علماء السنّة،


1 . سيوافيك نصّ الآيات في الفصل التاسع فانتظر.

(75)

فلاحظ المصادر (1) والتقية تغاير النفاق مغايرة جوهرية فالمنافق يُظهر الاِيمان ويبطن الكفر والمتّقي يبطن الاِسلام ويظهر الخلاف، فوالله العظيم (وإنّه لقسمٌ لو تعلمون عظيم )لو كان الشيعي آمن على دمه ونفسه وماله وأهله لما اتّقى في ظرف من الظروف كما هو لا يتقي الآن في ظرف من الظروف للحرية السائدة على أكثر الاَجواء.

4 ـ البداء :

إنّ الاختلاف في البداء اختلاف لفظى جداً عند التدبّر وليس هناك خلاف جوهري بين الطائفتين، والمهم هو تفسيره، فأهل السنّة يفسّرونه بظهور ما خفى على الله سبحانه، ولو كان هذا معنى البداء فالشيعة تردّه مثل أهل السنّة. والتفسير الصحيح لها هو: أنّ الله يظهر للناس ما كان قد أخفاه عنهم سابقاً. وبتعبير آخر أنّ المراد من البداء هو تغيير المصير في ظل الدعاء والاَعمال الصالحة كالصدقة والاستغفار وصلة الرحم كما اتّفق لقوم يونس، فأظهر الله ما خفي عليهم من الفرج والتحرّر من الشدّة حيث غيّروا مصيرهم بالاَعمال الصالحة قال سبحانه: (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلاّ قَوْمَ يُونُسَ لمّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الِخْزي فِي الَحياةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعناهُم إلى حِين)(يونس ـ 98) فظهرت لهم ما أخفى الله عنهم حيث كانوا مذعنين بالعذاب والهلاك، فظهرت لهم النجاة. وأمّا وجه التعبير عن تلك الحقيقة الناصعة بما يتبادر إلى الذهن في بدء الاَمر من ظهور ما خفى على الله فإنّما لاَجل الاقتداء بالنبى الاَكرم فإنّه "صلى الله اليه وآله وسلم " أوّل من قال هذه الكلمة، وبما أنّ القرينة كانت موجودة لا يضر التبادر البدئي.


1 . الطبـري: جامـع البيان: 3|153، الزمخشري: الكشاف: 1|422، الرازي: مفاتيح الغيب: 8|13، النسفي: التفسير، بهامش تفسير الخازن: 1|277، الآلوسي: روح المعاني: 3|121، جمال الدين القاسمي: محاسن التأويل: 4|84.

(76)

روى البخاري عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله "صلى الله اليه وآله وسلم " يقول: إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً، فأتى الاَبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لَون حسنٌ وجلدٌ حسنٌ، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الاِبل أو قال البقر هو شك في ذلك أنّ الاَبرص والاَقرع قال أحدهما: الاِبل وقال الآخر: البقر، فأُعطي ناقة عُشراء، فقال: يبارك لك فيها؛ وأتى الاَقرعَ فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها؛ وأتى الاَعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلىَّ بصرى فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً، فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا وادٍ من إبل، ولهذا وادٍ من بقر، ولهذا وادٍ من الغنم. ثم إنّه أتى الاَبرص في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكين تقطّعت بى الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري، فقال له: إنّ الحقوق كثيرةٌ، فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله ؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الاَقرعَ في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الاعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة أتبلغ بها في سفري؟ فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيراً فقد أغنانى، فخذ ماشئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله ، فقال: أمسك مالك، فانّما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك (1).


1 . البخاري: الصحيح: 4 | 171 ـ 172 ، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع .

(77)

5 ـ عصمة أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ :

إنّ القول بعصمة الاَئمة الاثني عشر، مدعم بالدليل فإنّهم في حديث الرسول الاَعظم: "إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" أحد الثقلين وعدل الكتاب وقرينه، فإذا كان الكتاب مصوناً عن الخطأ فيكون قرينه كذلك، وإلاّ لما حصلت الغاية الواردة في حديث الرسول "صلى الله اليه وآله وسلم " حيث قال: "ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا"، فصون الاَُمة عن الضلال، رهن كونهم مهتدين غير خاطئين. والقول بالعصمة لا تلازم النبوة بشهادة أنّ مريم كانت مطهّرة بنص الكتاب وليست بنبيّة قال سبحانه: (وإذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ يا مَريمُ إنّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرِكَ وَ اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِين)(آل عمران ـ 42) .

6 ـ علمهم بالغيب :

إنّ علمهم بالغيب ليس بمعنى مشاركتهم لله في هذا الوصف، فأين علم الله الذاتي غير المتناهي، من العلم الاكتسابى المتناهي؟ وأين العلم النابع عن الذات من العلم المأخوذ من ذي علم؟ نعم إخبارهم عن الملاحم لاَجل كونهم محدَّثين، والمحدَّث يسمع صوت الملك ولا يراه، وهو ليس أمراً بديعاً في مجال العقيدة، فقد رواه البخاري في حق الخليفة عمر بن الخطاب. أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب: 2|194، عن أبي هريرة قال النبي "صلى الله اليه وآله وسلم " : "لقد كان فيمن كان قبلكم من بنى اسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أُمتي منهم أحد فعمر" قال ابن عباس رضي الله عنه: من نبي ولا محدّث. وأخرج البخاري في صحيحه بعد حديث الغار: 2|171، عن أبي هريرة


(78)

مرفوعاً: أنّه قد كان فيما مضى قبلكم من الاَُمم محدّثون، إن كان في أُمتى هذه منهم فإنّه عمر بن الخطاب. قال القسطلاني في شرحه: 5|431، قال الموَلّف: يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوة. وقال الخطابي: يُلقي الشيء في روعه، فكأنّه قد حدث به يظن فيصيب، ويخطر الشيء بباله فيكون، وهي منزلة رفيعة من منازل الاَولياء. وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر، عن عائشة عن النبي "صلى الله اليه وآله وسلم " : "قد كان في الاَُمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أُمتى منهم أحد فإنّ عمر بن الخطاب منهم". قال ابن وهب: تفسير محدّثون: ملهمون. على أنّا نرى أنّ القرآن يستعمل حتى لفظ الوحي في هذا المورد إذ يقول سبحانه: (وَأَوحَيْنا إلى أُمّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ )(1) كما أنّه يذكر تحدُّث الملائكة مع مريم العذراء ـ عليها السلام ـ ، إذ يقول سبحانه: (قَالَ إنَّما أنَا رَسُولُ رَبِّكِ لاَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً)(2) فليسَ الاَئمّة الاثنا عشر وبنتَ النبي الاَكرم "صلى الله اليه وآله وسلم " أقل مقاماً من أُمّ موسى أو من مريم العذراء ـ عليها السلام ـ . ثم إنّ لعضد الدين الاِيجي في المواقف وشارحه السيد الجرجانى في شرحها كلاماً في عدم جواز تكفير الشيعة بمعتقداتهم نأتى بنصهما متناً وشرحاً قد ذكرا الوجوه وردّها: الاَوّل: أنّ القدح في أكابر الصحابة الذين شهد لهم القرآن والاَحاديث الصحيحة بالتزكية والاِيمان (تكذيب) للقران و (للرسول حيث أثنى عليهم وعظّمهم) فيكون كفرا. قلنا: لا ثناء عليهم خاصة، أي لا ثناء في القرآن على واحد من الصحابة


1 . القصص: 7 .
2 . مريم: 19.

(79)

بخصوصه وهؤلاء قد اعتقدوا انّ من قدحوا فيه ليس داخلاً في الثناء العام الوارد فيه وإليه أشار بقوله: (ولاهم داخلون فيه عندهم) فلا يكون قدحهم تكذيباً للقران، وأمّا الاَحاديث الواردة في تزكية بعض معين من الصحابة والشهادة لهم بالجنّة فمن قبيل الآحاد، فلا يكفّر المسلم بإنكارها أو تقوّل ذلك، الثناء عليهم، وتلك الشهادة لهم مقيّدان، بشرط سلامة العاقبة ولم توجد عندهم، فلا يلزم تكذيبهم للرسول. الثاني: الاِجماع منعقد من الاَُمّة، على تكفير من كفّر عظماء الصحابة، وكلّ واحد من الفريقين يكفّر بعض هؤلاء العظماء فيكون كافراً. قلنا: هؤلاء، أي من كفّر جماعة مخصوصة من الصحابة، لا يسلّمون كونهم من أكابر الصحابة وعظمائهم، فلا يلزم كفره. الثالث: قوله ـ عليه السلام ـ: "من قال لاَخيه المسلم يا كافر، فقد باء به ـ أي بالكفر ـ أحدهما". قلنا: آحاد، وقد أجمعت الاَُمّة على أنّ إنكار الآحاد ليس كافراً، ومع ذلك نقول: المراد مع اعتقاد أنّه مسلم، فإنّ من ظن بمسلم أنّه يهودي أو نصراني فقال له ياكافر لم يكن ذلك كفراً بالاِجماع (1) أقول: إنّ القدح في الصحابة غير تكفيرهم؛ ثم إنّ القدح في البعض منهم الذين لا يتجاوزون عدد الاَصابع دون جميعهم. ثم القدح ليس بما أنّهم صحابيون، بل بما أنّهم أُناس مسلمون، ولو كان القدح كفراً، فقد قدح فيهم القرآن فسمّى بعضهم فاسقاً، وقال: (إِن جَاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا... )(الحجرات ـ 6) . نعم إنّ الخلاف الذي دام قروناً، لا يرتفع بيوم أو اسبوع، ولكن رجاوَنا سبحانه أن يلم شعث المسلمين ويجمع كلمتهم، ويفرّق كلمة الكفر وأهله.


1 . السيد الشريف الجرجاني: شرح المواقف: 8|344، ط مصر.

(80)

الجهة السابعة :

في الفرق بين الاِسلام والاِيمان

الاِسلام من السلم وهو بمعنى السلامة، لاَنّه ينتهى إليها، قال الراغب: الاِسلام الدخول في السلم وهو أن يسلم كل واحد منهما أن يناله من ألم صاحبه، أو من التسليم لاَنّه تسليم لاَمر الله (1) ولعل الثاني هو الاَظهر، يقال: أسلم الرجل: انقاد. وعلى ضوء هذا فالاِسلام بالمعنى المصطلح الوارد في الكتاب والسنّة هو نفس المعنى اللغوي من دون نقل. والغالب عليه، هو استعماله في مقابل الشرك قال سبحانه: (قُل إنّى أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَنْ أسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِين )(الاَنعام ـ 14) وقال تعالى: (مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْـرانِيّاً وَلكِن كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرٍكِين) (آل عمران ـ 67) وقال عز من قائل: (لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وأَنا أوّلُ الُمسْلِمِين )(الاَنعام ـ 163) إلى غير ذلك من الآيات. والغالب على الاِيمان هو استعماله في مقابل الكفر قال سبحانه: (وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بالاِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل)(البقرة ـ 108) وقال تعالى: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمئِذٍ أقْرَبُ مِنْهُمْ لِلاِيمان )(آل عمـران ـ 167) وقال عز من قائل: (إِن


1 . الطبرسي: مجمع البيان: 1 | 420 ، الراغب: المفردات ، مادة سلم .

(81)

اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الاِيمَان )(التوبة ـ 23) إلى غير ذلك من الآيات. والتقابل بين الاِسلام والشرك واضحة فإنّ المسلم شأنّه التسليم والانقياد لاَمر الله بخلاف المشرك فهو خاضع للاَوثان والاَصنام. وأمّا تقابل الاِيمان مع الكفر فلاَنّ الاِيمان هو التصديق القلبي، وأمّا الكفر فهو ستر الحق، والكافر لاَجل ستره، يكون منكراً مقابل الموَمن المصدّق، فهذا يدفعنا إلى القول بأنّهما مفهومان مختلفان، أحدهما يدل على الانقياد والتسليم، والآخر على الاِذعان والتصديق. هذا كلّه من حيث المفهوم وأمّا من حيث التطبيق والمصداق فربما يتّحدان، وأُخرى يتفارقان. فلو أُريد من التسليم، التسليم اللساني، ومن التصديق، مثله، تكون النسبة في مقام التطبيق هو التساوي، فكل مسلم لساناً، مصدّق كذلك وبالعكس، وإن أُريد منهما هو التسليم والتصديق القلبيان، فكذلك وأمّا إن أُريد من الاَوّل، اللساني، ومن الآخر القلبي، فالنسبة بينهما هو العموم والخصوص من وجه فربما يتفارق، أمّا من جانب الاِسلام، فكمن أسلم لساناً، ولم يُصدّق قلباً، وأمّا من جانب الاِيمان فكمن عرف الحق وجحده عناداً، وربما يجتمعان، كما إذا سلّم لساناً وصدَّق قلباً. وربما أنّ ظاهر الاِطلاق وحدة المتعلّق فتكون النتيجة أنهما مختلفان مفهوماً، متساويان مصداقاً. هذا كلّه حسب اللغة. وأمّا الكتاب العزيز فقد استعمل الاِسلام على وجوه مختلفة، وإليك البيان:


(82)

1 ـ الاِسلام في مقابل الاِيمان :

ربما يطلق القرآن لفظ الاِسلام على من أسلم لساناً، ولم يصدّق قلباً فيريد من الاِسلام التسليم لساناً ومن الاِيمان، التصديق قلباً يقول سبحانه: (قَالَتِ الاَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَم تُوَْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أسْلَمْنَا وَلمّا يَدْخُلِ الاِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وإن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِن أعْمالِكُمْ شَيْئاً إنّ اللهَ غَفُورٌ رحِيم )(الحجرات ـ 14) فقد جعل الاِسلام في مقابل الاِيمان وأُريد من الاَوّل، التسليم اللسانى دون القلبي، فبالتالى دون التصديق كذلك وعن الثاني التسليم القلبي، ولاَجل الاختلاف في المتعلّق صارا متقابلين ونظيره قوله سبحانه: (لاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُون فِي الكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قَالُوا آمَنّا بِأفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُوَْمِن قُلُوبُهُم) (المائدة ـ 41) فأثبت الاِيمان بالاَفواه وسلبه عن قلوبهم. وهذا يوَيد ما قلناه من أنّ الاِسلام والاِيمان يمشيان جنباً إلى جنب مالم يقيّد أحدهما باللسان و الآخر بالقلب. وفي هذا القسم من الاستعمال يقول الزجاج: "الاِسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به الرسول ـ إلى أن قال: ـ فإن كان مع ذلك الاِظهار، اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الاِيمان وصاحبه الموَمن المسلم حقاً فأمّا من أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدق وقد أُخرج هؤلاء من الاِيمان، بقوله: (ولمّا يدخل الاِيمان في قلوبكم) أي لم تُصدّقوا بعدُ بما أسلمتم تعوّذاً من القتل، فالموَمن يبطن من التصديق، مثل ما يظهر، والمسلم التام الاِسلام، مظهر للطاعة وهو مع ذلك موَمن بها والذي أظهر الاِسلام تعوّذاً من القتل غير موَمن في الحقيقة إلاّ أنّ حكمه في الظاهر حكم المسلمين. وروى أنس عن النبي قال: الاِسلام علانية والاِيمان في القلب وأشار إلى صدره (1)


1 . الطبرسي: مجمع البيان: 5 | 138 .

(83)

2 ـ التسليم لساناً والتصديق قلباً :

وقد يطلق الاِسلام على المرتبة الاَُولى من الاِيمان وهو التسليم لساناً مع الانقياد والتصديق قلباً، قال سبحانه: (الّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنا وَكَانُوا مُسْلمِين) (الزخرف ـ 69) وقال سبحانه: (يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافَّة)(البقرة ـ 208) وقال عز من قائل: (فَأَخْرَجْنَا مَن كَان َفِيها مِنَ المُوَْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِين )(الذاريات: 35 ـ 36) فالمراد من المسلمين، هو الموَمنون بقرينة صدر الآية.

3 ـ التسليم وراء التصديق القلبي:

وقد يطلق الاِسلام على المرتبة الثانية من الاِيمان وهو أن يكون له وراء التصديق القلبي، التسليم قلباً لاَمره ونهيه، وذلك عندما انقادت له الغرائز، وكبحت جماحها وسيطرة الاِنسان على القوى البهيمية والسبعية ولم يجد في باطنه وسرّه مالا ينقاد إلى أمره ونهيه، أو يسخط قضاءه وقدره، قال سبحانه: (فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النسـاء ـ 65) فالتسليم ـ بمعنى الاِسلام ـ أشرف من مطلق الاِيمان، ويرادف الدرجة الثانية منه . ومن هذا القسم قوله سبحانه: (إذ قَالَ لَهُ رَبَّهُ أسْلِمْ قَالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِين )(البقرة ـ 131) وقوله: (رَبَّنا وَ اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأرِنا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنّكَ أنتَ التوّابُ الرّحِيم )(البقرة ـ 128)(1) وهذا كلّه حسب القرآن الكريم. وأمّا السنّة فلها إطلاقات في لفظى الاِسلام، والاِيمان.


1 . الطباطبائي: الميزان: 1 | 301 .

(84)

1 ـ الاختلاف بالعمل وعدمه :

يكفي في صدق الاِسلام، الاِقرار وإن لم يكن معه عمل بخلاف الاِيمان فلا يصدق إلاّ أن ينضمّ العمل إلى الاِقرار، روى محمد بن مسلم الثقفى عن أحد الاِمامين الباقر أو الصادق ـ عليهما السلام ـ: "الاِيمان إقرار وعمل، والاِسلام إقرار بلا عمل(1) ". وكتب الاِمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ في رسالة خاصة إلى المأمون: "إنّ أصحاب الحدود مسلمون لا موَمنون ولا كافرون" وإلى هذا الاستعمال يشير الحديث المروي من الفريقين عن الرسول الاَعظم "صلى الله اليه وآله وسلم " : "لايسرق السارق حين يسرق، وهو موَمن، ولا يزني الزاني، حين يزني وهو موَمن" (2) وعلى هذا فالعاصى ـ ما لم يتب ـ مسلم وليس بموَمن.

2 ـ الاعتقاد بولاية الاَئمة الاثني عشر :

الاِسلام والاِيمان متوافقان إلاّ أنّه يشترط في الاِيمان الاعتراف بولاية الاَئمة الاثني عشر. قال الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ: "الاِيمان معرفة هذا الاَمر، مع هذا فإنّ أقرّ بها ولم يعرف هذا الاَمر كان مسلماً(3)".

3 ـ صيانة الدم والمال من آثار الاِقرار :

إنّ لكل مرتبة من تلك المراتب أثر خاص فالاعتراف باللسان، وإن لم



1 . المجلسي: بحار الاَنوار: 68|246.
2 . المجلسي: بحار الاَنوار: 68 | 270 .
3 . الكليني: الكافي: 2 | 24 ح 4 .

(85)

نستكشف التصديق القلبي موضوع لحقن الدماء واحترام الاَموال.
قال الصادق ـ عليه السلام ـ: "الاِسلام يُحقن به الدم، وتوَدّى الاَمانة، ويستحل به الفرج والثواب على الاِيمان(1)". وقال أمير الموَمنين ـ عليه السلام ـ: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله ، فإذا قالوها فقد حرم علىّ دماوَهم وأموالهم". كل ذلك مأخوذ، ممّا ذكره الرسول "صلى الله اليه وآله وسلم " وقد عرفت النصوص فيما سبق.


1 . البرقي: المحاسن: 1 | 285 .