welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة

(103)

الجهة التاسعة :

دفاع عن الحقيقة

في الوقت الذي يتحالف فيه أعداء الاِسلام الناهض، للقضاء على الصحوة الاِسلامية الصاعدة ولا يشك أىّ ذى مسكة في ضرورة توحيد الصفوف ورصّها للحفاظ على كيان الاِسلام والمسلمين ومواجهة الموَامرات الخطيرة ... تقوم نعرة جاهلية جديدة تهدف إلى شق العصا وتفريق الصفوف، والحيلولة دون تقارب طوائف المسلمين لتحقيق الوحدة المطلوبة التي يخشاها المستعمرون، ويرهبها أعداء الاِسلام من الصهاينة والصليبييّن الجدد. نرى أنّ رجلاً يعد نفسه فقيهاً مفتياً يقوم بتكفير طائفة كبيرة من المسلمين. لهم جذور في التاريخ، وخدمات جليلة في صالح الاِسلام والمسلمين. ويجيب على سوَال بعثه إليه رجلٌ مجهول الاسم والهوية، وإليك السوَال والجواب:

السوَال:

يوجد في بلدتنا شخص رافضى يعمل قصاب (1) ويحضره أهل السنّة كي يذبح ذبائحهم. وكذلك هناك بعض المطاعم تتعامل مع هذا الشخص الرافضي وغيره من الرافضة الذين يعملون في نفس المهنة.. فما حكم التعامل مع هذا الرافضي وأمثاله؟ وما حكم ذبحه وهل ذبيحته حلال أم حرام؟ أفتونا مأجورين، والله ولي التوفيق.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.


1 . هكذا وردت في نص سؤال السائل والصحيح (قصاباً) لكونها حال.

(104)

وبعد فلا يحل ذبح الرافضي، ولا أكل ذبيحته فإنّ الرافضة غالباً مشركون، حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء، حتى في عرفات والطواف والسعي، ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مراراً. وهذا شرك أكبر، وردّة عن الاِسلام يستحقّون القتل عليها كما هم يغالون في وصف على رضى الله عنه ، ويصفونه بأوصاف لاتصلح إلاّ لله ، كما سمعناهم في عرفات، وهم بذلك مرتدّون حيث جعلوه ربّاً وخالقاً ومتصرّفاً في الكون ويعلم الغيب ويملك الضر والنفع، ونحو ذلك كما أنّهم يطعنون في القرآن الكريم، ويزعمون أنّ الصحابة حرّفوه، وحذفوا منه أشياء كثيرة متعلّق بأهل البيت وأعدائهم. فلا يقتدون به ولا يرونه دليلاً. كما أنّهم يطعنون في أكابر الصحابة كالخلفاء الثلاثة وبقية العشرة وأُمهات الموَمنين. فمشاهير الصحابة كأنس وجابر وأبي هريرة ونحوهم فلا يقبلون أحاديثهم لاَنّهم كفّار في زعمهم، ولايعملون بأحاديث الصحيحين إلاّ ما كان عن أهل البيت ويتعلّقون بأحاديث مكذوبة ولا دليل فيها على ما يقولون، ولكنّهم مع ذلك يفتون فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. ويخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك. ويقولون من لا تقية له فلا دين له فلا تقبل دعواهم في الآخرة و ... الخ. فالنفاق عقيدة عنهم كفى الله شرهم وصلى الله على محمد واله وصحبه وسلم.

جبرين
22|2|1412

هذا هو نص السوَال والجواب وقبل أن نخوض في الاِجابة على ما ساق من التهم على الشيعة. ننبّه على أُمور: 1 ـ السنّة الرائجة في الاِجابة على الاَسئلة الفقهية هو الاقتصار على نفس الفتوى. وكان على المفتى أن يقتصر على تحريم الاَكل من دون حاجة إلى التفصيل. وما جاء به يعرب عن أنّ هناك موَامرة، وأنّ السوَال والجواب دبّرا بليل. فالمقصود إيجاد القلق وإشاعة التهم ضد الشيعة سواء أصحَّ السوَال أو لا وهل كان هناك سائل أم لا ؟.


(105)

2 ـ إنّ الكلمة التي يستخدمها العوام في التعبير عن هذه الطائفة هو لفظ الشيعة، وأمّا الرافضي وهي كلمة يستخدمها أصحاب المقالات وكتّاب الملل والنحل. فاستخدام كلمة الرافضي بدل كلمة الشيعة يرشدنا إلى أنّ السوَال كان مصطنعاً ممّن لهم ممارسة في تكفير الفرق. 3 ـ سواء أصحت تلك التهم أم لا فقد أسماهم النبي الاَكرم بشيعة على بن أبي طالب وقال: ياعلى أنت وشيعتك هم الفائزون، وهم اختاروا لاَنفسهم تلك الكلمة. فاستخدام الرافضي في هذا المجال من قبيل التنابز بالاَلقاب، وهو أمر محرم على كل تقدير. 4 ـ إنّ المجيب يقول: فإنّ الرافضة غالباً مشركون، وهذا يدل على أنّ فيهم موحدين، أو ليس من واجب المفتي أنّ يسأل السائل عن القصاب الذي يذبح ذبائحهم هل هو من الغالب أو من غيرهم، فلا يحكم على البريء بحكم المجرم. ومن أدراه أنّ الذي يذبح هو من المشركين. كل ذلك يسوقنا إلى أنّ الهدف لم يكن إرشاد العوام ولا الاِجابة على السوَال وإنّما كان الهدف إيجاد البلوى والشغب وضرب المسلمين بعضهم ببعض لتصفو المياه للمستعمرين. إذا وقفت على ذلك فترجع إلى الاِجابة عن التهم الباطلة التي أُجيب عنها في طيّات القرون عشرات المرات. ونحن نعلم أنّ خلافاً دام قروناً لا يرتفع بهذه الرسالة وأمثالها. غير أنّا نقوم بواجبنا الذي أولى به الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" في كلامه المشرق: "اذا ظهرت البدع فليظهر العالم علمه وإلاّ فعليه لعنة الله ". وأي بدعة أفضع من تكفير أُمة كبيرة تعد ربع المسلمين أو أكثر وليس لهم جريمة سوى حب أهل البيت الذين أمر الله سبحانه بمودّتهم وسوى المشايعة للثقلين الذين أمر النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" بالتسمك بهما.


(106)

وحدة الاَُمة أُمنية النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" الكبرى :

إنّ وحدة الكلمة كانت أُمنية النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" العليا، فقد كان رسول الاِسلام محمّد بن عبد الله "صلى الله عليه وآله وسلم" يهدف دائماً إلى توحيد المسلمين ويحافظ أبداً على وحدة صفوفهم، ويسعى إلى إطفاء أية نائرة أو ثائرة تهدد هذه الوحدة. فيوم دخل شاب يهودي مجتمع الاَوس والخزرج الذين جمعهم الاِسلام بعد طول نزاع وتشاجر وتقاتل، وأخذ يذكّرهم بما وقع بينهم في عهد الجاهلية، من قتال، فأحيى فيهم الحميّة الجاهليّة حتى استعدّوا للنزاع والجدال، وكادت نيران الفتنة تثور من جديد بينهم بعد أن أشعلها ذلك اليهودي المتامر، وتواثب رجلان من القبيلتين وتقاولا، وبلغ ذلك رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم، فقال:

"يا معشر المسلمين! الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله بالاِسلام وأكرمكم به وقطع عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم من الكفر، وألّف بين قلوبكم" (1) فإذا كانت هذه هي أهمية الوحدة في الاَُمة الاِسلامية فما جزاء من يرفع عقيرته يريد تفريق صفوف المسلمين بفتوى ظالمة مخالفة لنصوص الكتاب العزيز والسنّة المحمدية الشريفة؟ وهو بذلك لا يخدم إلاّ القوى الاستعمارية الكافرة المعادية للاِسلام والمسلمين إذ لا ينتفع من هذه الفتوى المفرّقة، غيرهم. ما جزاء هذا المتسمّى باسم أهل العلم المتصدّي لمقام الدعوة والاِفتاء؟ ينبري في وقت أشد ما يكون فيه المسلمون إلى التآخي والتقارب ينجّس ويكفِّر طائفة كبرى من طوائف المسلمين. فيقول: "لايحل ذبح الرافضي ـ ويقصد به


1 . السيرة النبوية: 2 | 250 .

(107)

شيعة الاِمام علي ـ عليه السلام ـ من أتباع الاِسلام ـ ولا أكل ذبيحته، فإنّ الرافضة غالباً مشركون حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء حتى في عرفات والطواف والسعى ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مراراً وهذا شرك أكبر وردّة عن الاِسلام يستحقّون القتل عليها كما هم يغلون في وصف علي رضي الله عنه ويصفونه بأوصاف لا تصلح إلاّ لله كما سمعناهم في عرفات وهم بذلك مرتدّون حيث جعلوه ربّاً وخالقاً ومتصرّفاً في الكون"!! إنّ هذا الرجل يتطاول على شيعة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ويذلقهم بلسان حادّ ويتّهمهم بالشرك والارتداد بينما هو يسكت ويخرس في قضية سلمان رشدي الذي تجرّأ على رسول الله وأُمّهات الموَمنين وأصحاب النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" وتجاسر عليهم ومسّ كرامتهم، ونال من شرفهم، ولا يشير إلى ارتداد سلمان رشدي، وهو ينشر تلك الترّهات والاِساءات إلى المقدّسات الاِسلامية. وما هذا السكوت إلاّ لاَنّ أسيادهم يرفضون تكفير رشدي، بينما يتكلّفون خلق الشبهات الباطلة لاِلصاقها بشيعة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ وتكفيرهم ويغمضون عيونهم عن الحقائق الناصعة التي تحكى إيمانهم الصادق بالله ورسوله وكتابه وأحكامه وإنّهم صفوة الله ورسوله وأهل بيته في رفع شأن هذا الدين وحمل هموم المسلمين والدفاع عنهم والعمل على ترسيخ وحدتهم على مرّ العصور والاَزمان. كما أنّ الغاية من هذا التكفير هو التغطية على جريمة السماح باستيطان جنود اليهود والنصارى في أرض مكة والمدينة المقدسة، وبهذا أثبتوا صلتهم بالاَجانب المستعمرين. أجل للتغطية على هذا العار وتحريفاً لاَذهان ومشاعر الشعوب الاِسلامية الجريحة بسبب تدنيس الاَمريكان وحلفائهم لاَرض المقدسات مكة والمدينة، عمد المدعو عبد الله بن عبد الرحمان الجبرين إلى تكفير الشيعة ورميهم


(108)

بالشرك، ليخفي الحقيقة عن المسلمين غافلاً عن أنّ الشعوب الاِسلامية قد أصبحت اليوم واعية تميّز بين الحق والباطل ولم تعد تخفى عليها حقيقة المدعو "جبرين" ونظرائه من مفرّقي الصفوف الاِسلامية، تحت غطاء الدفاع عن التوحيد. وإلاّ فما ذنب الشيعة إلاّ كونهم موالين لاَئمة أهل البيت الذين "أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً". كما فرض في الكتاب مودّتهم وجعلها أجراً للرسالة المحمدية؟ ما ذنب الشيعة إلاّ كونهم أُمة مقاومة للاستعمار البغيض رافضة لخططه الجهنمية، أُمة مجاهدة امتزجت حياتهم بالجهاد والدفاع عن حياض الاِسلام الحنيف ... والنبي واله الكرام. وهو رمز معاداة الكفر لهم؟

ما هو ميزان التوحيد والشرك؟

لقد كان رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" يكتفي في قبول الاِسلام من الذين يريدون الانضواء تحت رايته بمجرّد الشهادة بالوحدانية واستقبال القبلة والصلاة. قال رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "من شهد أن لا إله إلاّ الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم" (1) وقال "صلى الله عليه وآله وسلم" : "أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، فإذا شهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلّوا صلاتنا حرمت علينا دماوَهم وأموالهم إلاّ بحقّها(2).


1 . جامع الاَُصول: 1|158.
2 . راجع صحيح البخاري: 2، وصحيح مسلم: 6، وجامع الاَُصول: 1|158 ـ 159.

(109)

بهذا كان يكتفي رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" لاِطلاق وصف الاِسلام على الاَشخاص من دون أن ينبِّش في أعرافهم الاجتماعية وممارساتهم التقليدية، عند احترام شخصياتهم وتكريمهم. فما بال المدعو "الجبرين" وأضرابه يكفّرون بسهولة أُمة كبيرة من الموحدين الموَمنين بالرسالة المحمدية، التابعين للعترة الطاهرة المجاهدين للكفار والمستعمرين؟ مع أنهم يشهدون بالوحدانية والرسالة والمعاد ويصلّون ويصومون ويحجّون ويزكّون. وهل يحق لهم التكفير وقد نهاهم رسول الاِسلام "صلى الله عليه وآله وسلم" عن ذلك في أكثر من حديث صحيح تنقله مصادر السنّة والشيعة: "كفّوا عن أهل لا إله إلاّ الله لا تكفّروهم بذنب، فمن كفّر أهل لا إله إلاّ الله فهو إلى الكفر أقرب". "من قذف موَمناً بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفساً بشيء عذّبه الله بما قتل". "إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فهو كقتله، ولعن الموَمن كقتله(1).

هل دعاء الصالحين عبادة لهم وشرك؟

يقول صاحب هذه الفتوى الظالمة الباطلة: إنّ الرافضة مشركون حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء. إنّه يتمسّك بهذه الحجة (أي دعاء الاَولياء الصالحين في الشدة والرخاء) لرمي الشيعة المسلمين الموَمنين بالكفر والشرك. وهو أكبر حججهم لتكفير عامة المسلمين وليس خصوص الشيعة وهو لا يدرك أن دعاء الاَولياء يقع على وجهين: الاَوّل: دعاء الولىّ ونداوَه بما أنّه عبد صالح تستجاب دعوته عند الله إذا


1 . راجع جامع الاَُصول: 1 و 10 و 11، وكنز العمال للمتقي الهندي1.

(110)

طلب منه تعالى شيئاً، وهو شىء أباحه القرآن بل أمر به إذ قال: (وَلَوْ أنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاستَغْفَرُوا اللهَ و اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً)(1) عن يعقوب ـ عليه السلام ـ أنّه لما طلب منه أبناوَه أن يدعو لهم ويستغفر لذنبهم قال: (سَوفَ أستغفِرُ لَكُم )وهو أمر جائز وجارٍ في حياة النبي ـ عليه السلام ـ وأهل بيته وحال مماته، إذ الموت لا يغيّر الموضوع كما أنّه ليس دخيلاً في مفهوم التوحيد والشرك، ما دام الداعي يوَمن بالله الواحد ويعتبره الرب الخالق والمدبر المستقل دون سواه. روى الطبراني عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمّه عثمان بن حنيف: أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى ابن حنيف فشكى ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: اللّهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" نبي الرحمة يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربى فتقضى لى حاجتى، فتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان (رض) فجاء البوّاب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان (رض) فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كان الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها. ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتى ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ. فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلّمتُه ولكنّى شهدت


1 . النساء: 64.

(111)

رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره فقال له النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" : فتصبّر، فقال: يارسول الله ليس لي قائد، فقد شق علىّ، فقال النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" : "إئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات". قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط (1) إنّ هذه الرواية ونظائرها تكشف عن أنّ الصحابة كانوا يدعون رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" ويتوسّلون به حتى بعد وفاته "صلى الله عليه وآله وسلم" من دون أن يعتبروا ذلك محرّماً بل ولا مكروهاً. الثاني: لا شك أنّ دعاء النبي أو الصالح ونداءهما والتوسّل بهما باعتقاد أنّه إله أو ربّ أو خالق أو مستقلّ في التأثير أو ملك للشفاعة والمغفرة شرك وكفر، ولكنّه لا يقوم به أىّ مسلم في أقطار الاَرض، بل ولا يخطر ببال أحد وهو يقرأ آيات الكتاب العزيز آناء الليل وأطراف النهار، ويتلو قوله سبحانه: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيـْرُ الله )(2)؟ (أَ ءِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُون )(3) (قُلْ أَغَيْـرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً... )(4) (قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَراً ولا نَفْعاً إلاّ مَا شَاءَ الله )(5) إنّ المسلمين لا يعتقدون في النبي وأهل بيته المطهرين: (فاطمة وعلى والحسن والحسين ـ عليهم السلام ـ ) إلاّ كونهم عباداً صالحين مقرَّبين عند الله مستجابة دعوتُهم. ولا يعتقدون بغير ذلك من ربوبية أو إلوهية أو مالكية للشفاعة


1 . الحافظ الطبراني: المعجم الكبير: 9|16 و 17.
2 . فاطر: 3.
3 . النمل: 63.
4 . الاَنعام: 164.
5 . يونس: 49.

(112)

والمغفرة أبداً. ولكنّ القوم الذين عمدوا إلى تكفير الشيعة وغيرهم من المسلمين لم يفرّقوا بين الدعائين والندائين، فرموهما بسهم واحد. ثم يقول المدعو جبرين: "حيث جعلوه ـ أي علياً ـ عليه السلام ـ ـ رباً وخالقاً ومتصرفاً في الكون" ويالها من كذبة وقحة، وفرية فاضحة، وتهمة للمسلمين الموحدين. فما الرب عند المسلمين شيعة وسنّة، وما الخالق وما المتصرف الحقيقي في الكون إلاّ الله سبحانه دون سواه ... وهذه كتبهم ومصنفاتهم في العقائد والحديث والتفسير، فهى طافحة بالاعتراف والاِقرار بوحدانية الله تعالى في الذات والصفات والخالقية والتدبير والحاكمية والتشريع والطاعة، والعبودية والشفاعة والمغفرة. وكيف ترى يحق لجبرين ونظرائه أن يكفّروا المسلمين شيعة وسنّة الذين يوحّدون الله ، بشيء لم يعتقدوا به ولم يقولوا به؟ ولو صحّ أنّ دعاء أحد يستلزم القول بإلوهيته أو ربوبيته ويعدّ هذا الدعاء والنداء شركاً وكفراً فكيف نادى ودعا إخوة يوسف، أخاهم يوسف وقالوا: (يَا أيّها العَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّـرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنّ اللهَ يـَجْزِي المـُتَصَدّقِينَ)(1)؟ ولم يعتبر القرآن هذا شركاً. فهل النبي الاَكرم محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" أقل شأنا ودرجة من عزيز مصر يوسف الصديق ـ عليه السلام ـ ؟!


1 . يوسف: 88.

(113)

وأمّا كون النبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" يختلف عن العزيز بأنّه ميت فهو عذر تافه وكلام باطل، إذ حياة النبي وأهل بيته الشهداء في سبيل الله في البرزخ أمر مسلّم، كيف والقرآن الكريم يقول: (وَلا تَحْسَبَنَّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أحْياءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرزَقُون)(1)وقال: (وَلاتَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيل اللهِ أموَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ وَلَكِن لا تَشْعُرُون )(2) مع العلم أنّ الشهداء يأتون في المرتبة الثالثة في قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّبِيّينَ والصّدّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصّالِحين )(3) لو كان رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" ميتاً فما معنى قوله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "ما من أحد يسلّم علىَّ إلاّ ردّ الله عزّ وجلّ علىّ روحى حتى أرد عليه السلام (4) ؟ وقوله "صلى الله عليه وآله وسلم" : "صلّوا علىّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (5) إنّ النبي الاَكرم، والاَئمة الطاهرين من أهل بيته الذين يشاركونه في الطهر والقداسة لآية التطهير والمباهلة والمودة، والذين قُتِلوا في سبيل الله ودفاعاً عن حياض الشريعة المحمدية المقدسة، متماثلون في الحياة بعد الموت، فكيف يكون نداوَهم ودعاوَهم دعاء للميت الذي لا يسمع؟ العلم بالغيب على نوعين: ويقول جبرين في فتواه: "وجعلوه ـ يعنى علياً ـ يعلم الغيب".


1 . آل عمران: 169.
2 . البقرة: 154.
3 . النساء: 69.
4 . سنن أبي داود: 2| 218، وكنز العمال: 10|381، وغيرهما من كتب الحديث.
5 . نفس المصدر.

(114)

إنّ صاحب هذه الفتوى الباطلة جاهل حتى باللغة العربية والمصطلح الديني، فإنّ العلم بالغيب في الكتاب العزيز هو العلم النابع من الذات (أي من ذات العالم) غير المكتسب من آخر وهذا يختص بالله الواحد الاَحد، وإليه يشير قوله سبحانه: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَواتِ والاَرضِ الغَيْبَ إلاّ الله )(1) وأمّا الاِخبار بالغيب بتعليم من الله فالكتاب العزيز والسنّة الشريفة مليئان منه. فهذه سورة يوسف تخبرنا بأنّ يعقوب وابنه يوسف ـ عليهما السلام ـ قد أخبرا عن حوادث مستقبلية كثيرة.. أي أخبرا بالغيب: 1 ـ لمّا أخبر يوسف والده بأنّه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له، قال يعقوب ـ عليه السلام ـ: (يا بُنَىّ لا تَقْصُصْ رُوَْيَاكَ عَلَى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدا )(2)وبذلك أخبر ضمناً عن مستقبله المشرق الذي لو عرف به إخوته لثارت عليه حفائظهم. 2 ـ لمّا أخبر صاحبا يوسف في السجن يوسفَ بروَياهما قال ـ عليه السلام ـ لمن أخبره بأنّه يعصر خمراً: (أمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبّهُ خَمراً )وقال للثاني ـ الذي قال إنّه رأى يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه ـ: (وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ مِن رَأسِهِ )(3) 3 ـ لما فصلت العير قال أبوهم "يعقوب": (إنّي لاََجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أن تُفَنّدُون)(4). 4 ـ قـال النبي عيسى ـ عليه السلام ـ لقومـه في معرض بيان معاجزه


1 . النمل: 65.
2 . يوسف: 5.
3 . يوسف: 41.
4 . يوسف: 94.

(115)

وبيّناته: (وأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُم ) (1) أليست كل هذه إخبارات بالغيب، ومغيّبات أنبأ بها الرسلُ؟ وإذا هي ثبتت لنبىّ جـاز نسبتها إلى العترة الطاهرة لما لهم من المنزلة والمكانة العيا، وهل عليّ ـ عليه السلام ـ أقلّ شأناً من هارون ـ عليه السلام ـ وقد قال النبي في شأنّه: "يا علي أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي"؟ (2)الذي يعنى أنّه له ما للرسول إلاّ أنّه ليس نبياً، لختم النبوة برسول الله محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" . كيف لا، وعلي ـ عليه السلام ـ وارث علم رسول الله بإجماع الاَُمة الاِسلامية، وهل عليّ ـ عليه السلام ـ أقل من كعب الاَحبار الذي أخبر الخليفة الثاني بأنّه سيموت بعد ثلاثة أيام وتحقّقت هذه النبوءة فعلاً (3) وهلاّ علم "جبرين" ما أخرجه قومه في أئمتهم من العلم بالغيب ففى مسند أحمد: (1|48 و 51) : أن عمر بن الخطاب أخبر بموته بسبب روَيا رآها وكان بين روَياه وبين يوم مصرعه اسبوع واحد (4)؟

الشيعة وصيانة القرآن عن التحريف :

ويقول جبرين في فتواه الجائرة على شيعة أهل البيت: "كما أنّهم يطعنون في القرآن الكريم..". إنّ الشيعة أيّها الشيخ لا يطعنون في القرآن ولا يقولون بوقوع التحريف فيه. ولكن غيرهم قال بهذا، راجع تفسير الجامع لاَحكام القرآن للقرطبي:


1 . آل عمران: 49.
2 . جامع الاَُصول: 8|650.
3 . الرياض النضرة: 2|75.
4 . مسند أحمد: 1|48 و 51.

(116)

14|113: وكانت هذه السورة (أي سورة الاَحزاب) تعدل سورة البقرة وكانت فيها آية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) . ذكره أبو بكر الاَنباري عن أُبي بن كعب. ثم قال: وقد حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال: حدثنا أبو عبيد القاسم ابن سلاّم قال: حدثنا ابن أبي مريم عن أبي لهيعة عن أبي الاَسود عن عروة عن عائشة، قالت: كانت سورة الاَحزاب تعدل على عهد رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" مائتى آية، فلما كُتِبَ المصحف لم يقدر منها إلاّ على ما هي الآن (1) وروى أيضاً عن أُبي بن كعب قوله: "فو الذي يحلف به أُبي بن كعب إنّها كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ولقد قرأنا منها آية الرجم: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) . وفي موطّأ مالك قال عمر بن الخطاب: والذي نفسى بيده، لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله تعالى لكتبتُها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فإنّا قد قرأناها(2)". إذن فأين ذهبت هذه الآية؟ وجاء في صحيح البخاري ومسند أحمد: قال عمر بن الخطاب: ... ثم إنّا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : (أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (3) فهذا هو الخليفة يصرّح بسقوط آي من القرآن الحكيم!


1 . تفسير الجامع: 14|113.
2 . الموطأ: 10، الحدود.
3 . صحيح البخاري: 4|179، مسند أحمد: 1|55.

(117)

أمّا ما يقوله الشيعة حول القرآن الكريم فإليك طائفة من أقوال أبرز شخصياتهم القدامى والمتأخّرين نذكرها على سبيل المثال لا الحصر: 1 ـ قال الشيخ الصدوق (المتوفى 381هـ) فى رسالته التي وضعها لبيان معتقدات الشيعة الاِمامية: اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" هو ما بين الدفتين وهو ما بأيدي الناس ليس بأكثر من ذلك. ثم قال: ومن نسب إلينا أنا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب (1) 2 ـ قال الشريف المرتضى (المتوفى عام 436هـ) : إنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه فيما ذكرناه، لاَنّ القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والاَحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شىء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟ (2). 3 ـ وقال الشيخ الطوسي (المتوفى 460هـ) : وأمّا الكلام فى زيادته ونقصانه فممّا لا يليق بهذا الكتاب المقصود منه العلم بمعاني القرآن، لاَنّ الزيادة مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه وهو الاَليق بالصحيح من مذهبنا (3). 4 ـ قال العلاّمة الحلّي (المتوفى 726هـ) فى أحد موَلفاته: الحق أنّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه (أي القرآن) وأنّه لم يزد ولم ينقص ونعوذ بالله تعالى من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك، فإنّه يوجب التطرّق إلى معجزة


1 . اعتقادات الاِمامية المطبوعة مع شرح الباب الحادي عشر.
2 . مجمع البيان: 1|15.
3 . مقدّمة تفسير التبيان.

(118)

الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" المنقولة بالتواتر (1). 5 ـ وقال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (المتوفى عام 1373هـ) : وإنّ الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه "صلى الله عليه وآله وسلم" للاِعجاز والتحدي ولتعليم الاَحكام ولتمييز الحلال والحرام، وانّه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة وعلى هذا إجماعهم (أي إجماع الشيعة الاِمامية)(2). 6 ـ وقال السيد محسن الاَمـين العاملـي (المتوفى عام 1371هـ) : لا يقـول أحد من الاِمامية لا قديماً ولا حديثاً إنّ القرآن مزيد فيه قليل أو كثير فضلاً عن كلّهم، بل كلّهم متفقون على عدم الزيادة ومن يُعتدّ بقوله من محقّقيهم متفقون على أنّه لم ينقص منه، ومن نسب إليهم خلاف ذلك فهو كاذب مفترٍ مجترىَ على الله ورسوله(3). 7 ـ وقال الاِمام شرف الدين العاملي (المتوفى عام 1377هـ) : كل من نسب إليهم تحريف القرآن فإنّه مفتر ظالم لهم، لاَنّ قداسة القرآن الحكيم من ضروريات الديـن الاِسلامي ومذهبهم الاِمامي ـ إلى أن قال: ـ وتلك كتـبهم في الحديث والفقه والاَُصول صريحة بما نقول: والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنّما هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً ولاتبديل لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواتراً قطعياً إلى عهد الوحى والنبوة (4).


1 . أجوبة المسائل المهناوية: 121، المسألة 13.
2 . أصل الشيعة وأُصولها: 133.
3 . أعيان الشيعة: 1|41.
4 . الفصول المهمة: 163.

(119)

8 ـ وقال السيد الاِمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ: إنّ الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءة وكتابة يقف على بطلان تلك المزعمة. وماورد فيه من أخبار ـ حسبما تمسّكوا ـ إمّا ضعيف لا يصلح للاستدلال به أو مجعول تلوح عليه امارات الجعل، أو غريب يقضي بالعجب، أمّا الصحيح منها فيرمي إلى مسألة التأويل والتفسير وأنّ التحريف إنما حصل في ذلك لا في لفظه وعباراته. وتفصيل ذلك يحتاج إلى تأليف كتاب حافل ببيان تاريخ القرآن والمراحل التي قضاها طيلة قرون ويتلخّص في أنّ الكتاب العزيز هو عين ما بين الدفتين لا زيادة فيه ولانقصان، وأنّ الاختلاف في القراءات أمر حادث ناشىٌَ عن اختلاف في الاجتهادات من غير أن يمس جانب الوحى الذي نزل به الروح الاَمين على قلب سيد المرسلين (1). 9 ـ وقال السيد الاِمام الگلبايگاني ـ قدّس سرّه ـ: الصحيح من مذهبنا أنّ كتاب الله الكريم الذي بأيدينا بين الدفتين هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه من لدن عزيز حكيم، المجموع المرتّب في زمانه (أي النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" وعصره) بأمره بلا تحريف وتغيير وزيادة ونقصان والدليل على ذلك تواتره بين المسلمين، كلاّ ًوبعضاً، ترتيباً وقراءة... (2)
10 ـ وللسيـد الاِمام الخوئي ـ قدّس سرّه ـ: بحث مفصل يوَكد فيه على خلو القرآن الكريم من أيّة زيادة أو نقيصة في مقدمة تفسيره البيان (3). هذه هي نماذج صريحة تعكس عقيدة الشيعة الاِمامية منذ القديم وإلى الآن حول القرآن الكريم، وكلّها توَكد على صيانة الكتاب العزيز من أيّة زيادة أو


1 . تهذيب الاَُصول: 2|165.
2 . البرهان للبروجردي: 156 ـ 158.
3 . ارتحل الاِمام الخوئى (قدّس سرّه) إلى بارئه في 8 صفر 1413 هـ ق .

(120)

نقيصة وخلوّه من كل تغيير أو تبديل، فكيف يتّهم "جبرين" الشيعة الاِمامية بأنهم يطعنون في القرآن؟ وأمّا الروايات فهي مضافاً إلى كونها ضعيفة شاذة، أو مجعولة موضوعة لا يأبه بها الشيعة الاِمامية ـ لاتشكل عقيدة الشيعة الاِمامية، إذ ليس كل ما في الروايات يعكس عقيدتهم، حتى يوَاخذون عليها، حتى لو افترضت صحة بعضها سنداً ـ فكيف يوَاخذون عليها والحال أنّها ـ كما قلناه ـ ليست بصحيحة. إنّ القرآن الكريم حسب عقيدة المسلمين سنّة وشيعة الذي بأيدى الناس هو ما نزل على رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" في جميع خصوصياته الحاضرة. وكما لا يعبأ أعلام السنّة بروايات التحريف الواردة في مصادرهم، كذلك لا يأبه علماء الشيعة أيضاً بما ورد في بعض مصادرهم لضعفها وشذوذها، وظهور آثار الاختلاق عليها.

الصحابة في مرآة القرآن والحديث:

وأمّا قول "جبرين": حول موقف الشيعة الاِمامية من الصحابة ففيه مغالطة وتغطية للحق إذ لا تجد على أديم الاَرض مسلماً يعتنق الاِسلام ويحب النبي الاَكرم، يبغض أصحاب النبي الاَكرم بما أنّهم أصحابه وأنصاره، بل الكل ينظر إليهم في هذا المجال بنظر التكريم والتبجيل، ومن أبغضهم أو سبَّهم بهذا المنظار، فهو كافر، أبعده الله . ولكن إذا صدر منهم فعل لا يوافق الكتاب والسنّة فقام أحد بذكر فعله وتوصيف حاله حسب دلالة عمله وفعله عليه وقال: إنّه ركب الخطاء، أو صدرت منه المعصية، أو قتل نفساً بغير نفس، إلى غير ذلك من المحرّمات والموبقات، فقد تبع القرآن الكريم والسنّة النبوية والسلف الصالح.


(121)

فحب الصحابي بما هو صحابي أمر، وتوصيف أعماله وأفعاله ـ إن خيراً فخير وإن شراً فشر ـ أمر آخر يهدف إلى الموضوعية في البحث، والقضاء والابتعاد عن العشوائية في الاعتقاد، "والجبرين" لايفرّق بين الاَمرين ويضربهما بسهم واحد لغايات سياسية. إنّ صحبة الصحابة لم تكن بأكثر ولا أقوى من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط فما أغنتهما من الله شيئاً، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امرَأتَ نُوحٍ و امرَأَةَ لُوطٍ كانَتَا تَـحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبَادِنَا صَالِحَينَ فَخَانَتَاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيل ادخُلا النارَ مَعَ الدّاخِلِين )(1). إنّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بالزواج من النبي، وقد قال سبحانه في شأن أزواجه: (يانِسَاءَ النّبِىّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَها العَذَابُ ضِعْفَينِ وكانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرا )(2). وكما أنّهم كانوا مختلفين في السن عند الانقياد للاِسلام، كذلك كانوا مختلفين أيضاً في مقدار الصحبة، فبعضهم صحب النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أياماً أو ساعات. فهل يصح أن نقول: إنّ صحبةً مّا قلعت ما في نفوسهم جميعاً من جذور غير صالحة وملكات رديئة وكوّنت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح. إن تأثير الصحبة عند من يعتقد بعدالة الصحابة كلّهم أشبه شيء بمادة كيمياوية تستعمل في تحويل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب، فكأن


1 . التحريم: 10 .
2 . الاَحزاب: 30 .

(122)

الصحبة قلبت كل مصاحب إلى إنسان مثالىّ يتحلّى بالعدالة، وهذا ممّا يردّه المنطق والبرهان السليم، وذلك لاَنّ الرسول الاَعظم "صلى الله عليه وآله وسلم" لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الاِعجاز (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أجـْمَعِين)(1). بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحق وصبهم في بوتقة الكمال مستعيناً بالاَساليب الطبيعية والاِمكانات الموجودة كتلاوة القرآن الكريم، والنصيحة بكلماته النافذة، وسلوكه القويم وبعث رسله ودعاة دينه إلى الاَقطار، ونحو ذلك. والدعوة القائمة على هذا الاَساس، يختلف أثرها في النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها فلا يصح لنا أن نرمي الجميع بسهم واحد.

الصحابة في الذّكر الحكيم:

نرى أنّ الذكر الحكيم يصنّف صحابة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ويمدحهم ضمن أصناف نأتي ببعضها:

1 ـ السابقون الاَوّلون:

يصف الذكر الحكيم السابقين الاَوّلين من المهاجرين والاَنصار والتابعين لهم بإحسان بأنّ الله رضي عنهم وهم رضوا عنه. قال عزّ من قائل: (والسّابِقُونَ الاََوّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والاَنصَارِ وَالّذينَ اتّبَعُوهُم بِإحسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحتَها الاَنهارُ خَالِدِينَ فِيها أَبَداً ذَلكَ الفَوْزُ العَظِيم) (2). 2 ـ المبايعون تحت الشجرة: ويصف سبحانه الصحابة الذين بايعوه


1 . الاَنعام: 149 .
2 . التوبة: 100 .

(123)

تحت الشجرة بنزول السكينة عليهم قائلاً في محكم كتابة: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُوَْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)(1).

3 ـ المهاجرون:

وهؤلاء هم الذين يصفهم تعالى ذكره بقوله: (لِلفُقَرَاءِ المُهاجِرينَ الّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُون )(2).

4 ـ أصحاب الفتح:

وهؤلاء هم الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى في آخر سورة الفتح بقوله: (مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطأهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاستَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظ بِـهِمُ الكُفّارَ وعَدَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأجْراً عَظِيماً )(3).

5 ـ الاَصناف الاَُخرى للصحابة:

فالناظر المخلص المتجرّد عن كل رأي مسبق يجد في نفسه تكريماً لهوَلاء الصحابة.


1 . الفتح: 18 .
2 . الحشر: 8 .
3 . الفتح: 29 .

(124)

غير أنّ الرأي الحاسم في عامّة الصحابة يستوجب النظر إلى كل الآيات القرانية الواردة في حقّهم، فعندئذ يتبيـّن لنا أنّ هناك أصنافاً أُخرى من الصحابة غير ما سبق ذكرها، تمنعنا من أن نضرب الكلّ بسهم واحد، ونصف الكل بالرضا والرضوان. وهذا الصنف من الآيات يدل بوضوح على وجود مجموعات من الصحابة تضاد الاَصناف السابقة في الخلقيات والملكات والسلوك والعمل:

أ ـ المنافقون المعروفون:

المنافقون المعروفون بالنفاق الذين نزلت في حقّهم سورة "المنافقون" قال سبحانه: (إذَا جَاءَكَ المُنافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إِنّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُون... )إلى آخر السورة .(1) فهذه الآيات تعرب بوضوح عن وجود كتلة قويّة من المنافقين بين الصحابة آنذاك، وكان لهم شأنٌ ودورٌ في المجتمع الاِسلامى فنزلت سورة قرانية كاملة في حقهم.

ب ـ المنافقون المختفون:

تدل بعض الآيات على أنّه كانت بين الاَعراب القاطنين خارج المدينة ومن نفس أهل المدينة جماعة مردوا على النفاق وكان النبي الاَعظم لا يعرف بعضهم ومن تلك الآيات قوله سبحانه: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الاَعْرابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النّفَاقِ (2)لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُم ) (3).


1 . المنافقون: 1.
2 . مردوا على النفاق: تمرّنوا عليه ومارسوه.
3 . التوبة: 101.

(125)

لقد أعطى القرآن الكريم عناية خاصة بعصبة المنافقين وأعرب عن نواياهم وندّد بهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، المائدة، التوبة، العنكبوت، الاَحزاب، محمد، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، والمنافقون. وهذا إن دلّ على شىء فإنّما يدلّ على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الاِسلامي بين معروف، عرف بسمة النفاق ووسمة الكذب، وغير معروف بذلك مقنَّع بقناع التظاهر بالاِيمان والحبّ للنبي، فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير موَثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم. وهناك ثلّة من المحقّقين كتبوا حول النفاق والمنافقين رسائل وكتابات وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم ، وهذا يدل (1) على كثرة أصحاب النفاق وتأثيرهم يوم ذاك في المجتمع الاِسلامى، وعلى ذلك لا يصح لنا الحكم بعدالة كل من صحب الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" مع غض النظر عن تلك العصابة، المتظاهرة بالنفاق والمختفية في أصحاب النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" .

ج ـ مرضى القلوب:

وهذه المجموعة من الصحابة لم يكونوا من زمرة المنافقين بل كانوا يتلونهم في الروحيات والملكات مع ضعف في الاِيمان والثقة بالله ورسوله 6، قال سبحانه بحقّهم: (وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُرُورا )(2). فأنّى لنا أن نصف مرضى القلوب الذين ينسبون خُلف الوعد إلى الله سبحانه وإلى الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم"بالتقوى والعدالة؟


1 . النفاق والمنافقون: تأليف الاَستاذ: إبراهيم على سالم المصرى.
2 . الاَحزاب: 12.
Website Security Test