welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : عصمة الأنبياء في القرآن الكريم*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

عصمة الأنبياء في القرآن الكريم

6

عصمة الأنبياء
في
القرآن الكريم

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على رسله وأنبيائه الذين اجتباهم وهداهم إلى صراطٍ مستقيم، لا سيما على أشرفهم وخاتمهم الذي مستقره خير مستقر، ومنبتهم خير منبت محمّد، وعلى آله الذين هم موضع سرّه ولجأ أمره، وعيبةُ علمه وموئل حكمه، ولهوف كتبه، وجبال دينه.


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي حسرت عن معرفة كماله، عقول الأولياء، وعجزت عن إدراك حقيقته، أفهام العلماء، واحد لا شريك له، لا يُشبهه شيء لا في الأرض ولا في السماء; والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم، أفضل خلائقه وأشرف سفرائه، وعلى آله البررة الأصفياء، والأئمّة الأتقياء.

أمّا بعد فغير خفيّ على النابه انّ للعقيدة ـ على وجه الإطلاق ـ دوراً في حياة الإنسان أيسره انّ سلوكَه وليدُ عقيدته ونتاج تفكيره، فالمواقف التي يتّخذها تمليها عليه عقيدتُه، والمسير الذي يسير عليه، توحيه إليه فكرته.

إنّ سلوك الإنسان الذي يؤمن بإله حىّّ قادر عليم، يرى ما يفعله، ويحصي عليه ما يصدر عنه من صغيرة وكبيرة، يختلف تماماً عن سلوك من يعتقد أنّه سيّد نفسه وسيّد الكون


(6)

الذي يعيش فيه، لا يرى لنفسه رقيباً ولا حسيباً.

ومن هنا يتّضح أنّ العقيدة هي ركيزة الحياة، وأنّ التكاليف والفرائض التي نعبّر عنها بالشريعة بناء عليها، فالعقيدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالروح والعقل، في حين ترتبط الشريعة والأحكام بألوان السلوك والممارسات.

ولأجل هذه الغاية قُمنا بنشر رسائل موجزة عن جوانب من العقيدة الإسلامية، وركّزنا على أبرز النقاط التي يحتدم فيها النقاش.

وبما أنّ لكلّ علم لغته، فقد آثرنا اللغة السهلة، واخترنا في مادة البحث ما قام عليه دليل واضح من الكتاب والسنّة، وأيّده العقل الصريح ـ الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه ورسله ـ حتّى يكون أوقع في النفوس، وأقطع لعذر المخالف.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(7)

1

العصمة في اللغة والاصطلاح

وتاريخ ظهور الفكرة بين المسلمين

العصمة في اللغة بمعنى الإمساك والمنع، قال ابن فارس:عصم له أصل واحد يدلّ على إمساك ومنع، من ذلك العصمة، أن يعصم اللّه تعالى عبده من سوء يقع فيه.

وأمّا اصطلاحاً، فالعصمة هي المصونية عن الخطأ والعصيان وبهذا المعنى وصف سبحانه الملائكة الموكلين على الحجيم بقوله (عليها ملائكةُ غِلاظ شِدَاد لا يَعْصُون اللّهَ ما أمرَهُم ويفْعلون ما)


(8)

يُؤمَرُون)(1) ولا يجد الإنسان كلمة أوضح من قوله سبحانه: ( لا يَعْصُون اللّهَ ما أمرَهُم ويفْعلون ما يُؤمَرُون) في تحديد حقيقة العصمة وواقعها في مجال الامتثال فالآية تنص على عصمة الملائكة في مجال التكليف، وأمّا العصمة في مجال غير التكليف فاللّه سبحانه يصف الذكر الحكيم بقوله: (لا يأيته الباطلُ مِنْ بين يديهِ ولا مِنْ خَلْفِه تنزيل مِنْ حكيم حميد)(2) فالآية تنص على مصونية القرآن من طروء الباطل عليه والخطأ من أقسام الباطل.

مبدأ ظهور فكرة العصمة بين المسلمين

وبالامعان في هذه الآيات يظهر انّ العصمة بمفهومها البسيط (العصمة من العصيان والخطأ) مع قطع النظر عن موصوفها، قد طرحها القرآن وألفتَ نظر المسلمين إليها من دون أن يحتاج علماؤهم إلى أخذ هذه الفكرة من الأحبار والرهبان.

وبذلك يعلم انّ مبدأ ظهور فكرة العصمة في الأُمة الإسلامية هي القرآن الكريم لا غير.


1 . التحريم: 6 .
2 . فصلت: 42 .


(9)

نعم انّ الموصوف في هذه الآيات وإن كانت هي الملائكة أو القرآن الكريم والمطروح عند علماء الكلام هو عصمة الأنبياء والأئمة، لكن الاختلاف في الموصوف لا يضرّ بكون القرآن مبدأً لهذه الفكرة، لانّ المطلوب هو الوقوف على منشأ تكوّن هذه الفكرة، ثمّ تطورها عند المتكلّمين ويكفي في ذلك كون القرآن قد طرح هذه المسألة في حقّ الملائكة والقرآن.

على أنّ القرآن الكريم طرح عصمة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في غير واحد من آياته كما سيوافيك، ويكفيك في المقام قوله: (وَما يَنطق عن الهوى * إِن هُوَ إلاّ وَحيٌّ يُوحى).(1)

فنرى الآيتين تشيران بوضوح إلى انّ النبي لا ينطق عن ميول نفسانية وان ما ينطق به، وحي ألْقى في روعه وأُوحِي إلى قلبه، ومن لا يتكلّم عن الميول النفسانية ويعتمد في منطقه على الوحي يكون مصوناً من الزلل في المرحلتين: مرحلة الأخذ والتبليع، إذ قال سبحانه: (ما كذب الفؤاد ما رأى... ما زاغ )


1 . النمل:3ـ4.


(10)

البصر و ما طغى).(1)

وقد نرى جذور عصمة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في كلام الإمام علي حيث يصف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الخطبة القاصعة بقوله:

«ولقد قَرَن اللّه به مِنْ لدن أن كانَ فطيماً أعظمَ ملك من ملائكته، يسلك به طريقَ المكارم، ومحاسنَ أخلاق العالم ليله ونهاره».(2)

ودلالة هذه الجمل من هذه الخطبة على عصمة النبي في القول والعمل عن الخطأ والزلل واضحة فانّ من ربّاه أعظم ملك من ملائكة اللّه سبحانه من لدن أن كان فطيماً، إلى أُخريات حياته الشريفة، لا تنفك عن المصونية من العصيان والخطأ، كيف وهذا الملك يسلك به طريق المكارم، ويربّيه على محاسن أخلاق العالم، ليلَه ونهارَه، لا يعصي ولا ينحرف عن الجادة الوسطى وليست المعصية إلاّ سلوك طريق المآثم و مساوى الأخلاق و من يسلك الطريق الأوّل يكون متجنباً عن سلوك الطريق الثاني.


1 . النجم:11ـ17.
2 . نهج البلاغة، الخطبة187.


(11)

هذه جذور المسألة في الكتاب العزيز وفي كلمات الإمام أمير المؤمنين، ثمّ إنّ المتكلّمين هم الذين اهتموا بمسألة العصمة خصوصاً الإمامية والمعتزلة.

نعم لا يمكن أن ينكر انّ المناظرات التي دارت بين الإمام علي بن موسى الرضا وأهل المقالات من الفرق الإسلامية قد اعطت للمسألة مكانة خاصة، فقد أبطل الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ كثيراً من حجج المخالفين في مجال نفي العصمة عن الأنبياء عامة والنبي الأعظم خاصة، ولولا خوف الإطالة لأتينا ببعض هذه المناظرات التي دارت بين الإمام ـ عليه السَّلام ـ وأهل المقالات من الفرق الإسلامية.

هذا هو مفهوم العصمة لغة واصطلاحاً ومبدأ ظهوره وسيره في التاريخ.

نعم نجد المستشرق «رونالدوسن» ينسب فكرة ظهور العصمة في الإسلام إلى تطور علم الكلام عند الشيعة وانّهم أوّل من تطرق إلى بحث هذه العقيدة ووصف بها أئمّتهم.(1)


1 . عقيدة الشيعة:328.


(12)

انّ هذا التحليل لا يبتني على أساس رصين وإنّما هو من الأوهام والأساطير التي اخترعتها نفسية الرجل وعداؤه للإسلام والمسلمين أوّلاً، والشيعةُ أئمّتهم ثانياً.

وكم لهذا الرجل عثرات وأوهام في كتابه الذي أسماه «عقيدة الشيعة» و ليس فيه من عقيدة الشيعة إلاّ شيئاً لا يذكر.


(13)

2

تعريف العصمة وحقيقتها

لا شكّ انّ الإنسان بالذات غير مصون عن الخطأ والنسيان، والانحراف والعصيان ولذلك يصفه سبحانه بقوله: (انّ الإنسان لفي خسر)(1) فلو بلغ الإنسان إلى مرحلة لا يعصي ولا يُخطِئ ولا يَنْسى فهو لأجل عامل خارجي عن ذاته يبلغ به إلى تلك الدرجة التي يعبّر عنها بالعصمة، ولذلك عاد المحقّقون إلى تعريف العصمة بتعاريف يؤيد بعضها بعضاً.

فالعصمة عبارة عن لطف يفعله اللّه في المكلّف بحيث لا يكون له مع ذلك داع إلى ترك الطاعة ولا إلى فعل المعصية مع قدرته على ذلك، ويحصل انتظام ذلك اللطف بأن يحصل


1 . العصر:1.


(14)

له ملكة مانعة من الفجور والاقدام على المعاصي مضافاً إلى العلم بما في الطاعة من الثواب، والعصمة من العقاب، مع خوف المؤاخذة على ترك الأُولى، وفعل المنهيّ.(1)

وربما تعرف بانّها قوّة تمنع الإنسان عن اقتراف المعصية والوقوع في الخطأ.(2)

ثمّ إنّ العامل الذي يصدّ الإنسان عن اقتراف المعاصي بل عن ارتكاب الخطأ والنسيان أحد الأُمور الثلاثة التالية على وجه منع الخلو وليست بمانعة عن الجمع.

1. العصمة، الدرجة القصوى من التقوى

العصمة ترجع إلى التقوى بل هي درجة عليا منها فما تُعرَّف به التقوى تُعرَّف به العصمة.

لا شك أنّ التقوى حالة نفسانية تعصم الإنسان عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فإذا بلغت تلك الحالة إلى


1 . إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين:301ـ 302.
2 . الميزان:2/142.


(15)

نهايتها تعصم الإنسان عن اقتراف جميع قبائح الأعمال، وذميم الفعال على وجه الإطلاق، بل تعصم الإنسان حتى عن التفكير في المعصية، فالمعصوم ليس خصوص من لا يرتكب المعاصي ويقترفها بل هو من لا يحوم حولها بفكره.

إنّ العصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس لها آثار خاصة كسائر الملكات النفسانية من الشجاعة والعفة والسخاء، فإذا كان الإنسان شجاعاً وجسوراً، سخياً وباذلاً، وعفيفاً ونزيهاً، يطلب في حياته معالي الأُمور، ويتجنب عن سفاسفها فيطرد ما يخالفه من الآثار، كالخوف والجبن والبخل والإمساك، والقبح والسوء، ولا يرى في حياته أثراً منها.

ومثله العصمة، فإذا بلغ الإنسان درجة قصوى من التقوى، وصارت تلك الحالة راسخة في نفسه، يصل الإنسان إلى حد لا يُرى في حياته أثر من العصيان والطغيان، والتمرّد والتجرّي، وتصير ساحته نقية عن المعصية.

وأمّا أنّ الإنسان كيف يصل إلى هذا المقام؟ وما هو العامل الذي يُمكِّنُه من هذه الحالة؟ فهو بحث آخر سنرجع إليه في مستقبل الأبحاث.


(16)

فإذا كانت العصمة من سنخ التقوى والدرجة العليا منها، يسهل لك تقسيمها إلى العصمة المطلقة والعصمة النسبية.

فإنّ العصمة المطلقة وإن كانت تختص بطبقة خاصة من الناس لكن العصمة النسبيّة تعم كثيراً من الناس من غير فرق بين أولياء اللّه وغيرهم، لأنّ الإنسان الشريف الذي لا يقل وجوده في أوساطنا، وإن كان يقترف بعض المعاصي لكنه يجتنب عن بعضها اجتناباً تاماً بحيث يتجنب عن التفكير فيها فضلاً عن الإتيان بها.

مثلاً الإنسان الشريف لا يتجوّل عارياً في الشوارع والطرقات مهما بلغ تحريض الآخرين له على ذلك الفعل، حتّى أنّ كثيراً من اللصوص لا يقومون بالسرقة في منتصف الليل متسلحين لانتهاب شيء رخيص، كما أنّ كثيراً من الناس لا يقومون بقتل الأبرياء ولا بقتل أنفسهم وان عرضت عليهم مكافآت مادية كبيرة، فإنّ الحوافز الداعية إلى هذه الأفاعيل المنكرة غير موجودة في نفوسهم، أو أنّها محكومة


(17)

ومردودة بالتقوى التي تحلّوا بها، ولأجل ذلك صاروا بمعزل عن تلك الأفعال القبيحة حتى أنّهم لا يفكّرون فيها ولا يحدّثون بها أنفسهم أبداً.

والعصمة النسبية التي تعرفت عليها، تقرّب حقيقة العصمة المطلقة في أذهاننا، فلو بلغت تلك الحالة النفسانية الرادعة في الإنسان مبلغاً كبيراً ومرحلة شديدة بحيث تمنعه من اقتراف جميع القبائح، يصير معصوماً مطلقاً، كما أنّ الإنسان في القسم الأوّل يصير معصوماً نسبياً.

وعلى الجملة: إذا كانت حوافز الطغيان والعصيان والبواعث على المخالفة محكومة عند الإنسان، منفورة لديه لأجل الحالة الراسخة، يصير الإنسان معصوماً تاماً منزهاً عن كل عيب وشين.

2.العصمة: نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي

العلم القطعي بعواقب المعاصي والآثام، يصدّ الإنسان عن اقترافها وارتكابها، والمراد من هذا العلم، هو بلوغ الإنسان


(18)

من حيث الكمال درجة يلمس في هذه النشأة لوازم الأعمال وآثارها في النشأة الأُخرى وتبعاتها فيها، وهذا النوع من العلم القطعي يزيل الحجب بين الإنسان وآثار العمل، وكأنّه سبحانه يريد أمثال هذا العلم من قوله: (كلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقينِ* لتروّنَ الجَحِيمَ).(1)

فمن رأى درجات أهل الجنّة ودركات أهل النار يكون مصوناً من الخلاف والعصيان، وأصحاب هذا العلم هم الدين يصفهم الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ بقوله: «فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رآها وهم فيها معذّبون».(2)

فإذا ملك الإنسان هذا النوع من العلم وانكشف له الواقع كشفاً قطعياً، فهو لا يحوم حول المعاصي بل لا يفكر حوله.

ولأجل تقريب الذهن إلى أنّ العلم بأثر العمل السيئ


1 . التكاثر:6ـ5.
2 . نهج البلاغة، 2، الخطبة188، طبعة عبده.


(19)

يصدّ الإنسان عن اقتراته واقترافه نأتي بمثال:

«إنّ الإنسان إذا وقف على أنّ في الأسلاك الكهربائية طاقة، من شأنها قتل الإنسان إذا مسّها من دون حاجز أو عائق بحيث يكون المسّ والموت مقترنين، أحجمت نفسه عن مس تلك الاسلاك والاقتراف منها دون عائق.

هذا نظير الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار الجراثيم، فإنّه إذا وقف على ماء اغتسل فيه مصاب بالجذام أو البرص أو السلّ، لم يقدم على شربه والاغتسال منه ومباشرته مهما اشتدّت حاجته إلى ذلك لعلمه بما يجرّ عليه الشربُ والاغتسالُ بذلك الماء الموبوء، فإذا وقف الإنسان الكامل على ما وراء هذه النشأة من نتائج الأعمال وعواقب الفعال ورأى بالعيون البرزخية تبدل الكنوز المكتنزة من الذهب والفضة إلى النار المحماة التي تكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، امتنع عن حبس الأموال والإحجام عن إنفاقها في سبيل اللّه.

قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا )


(20)

يُنْفِقُونَها فِي سَبيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَلِيم* يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) .(1)

إنّ ظاهر قوله سبحانه: (هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ) هو انّ النار التي تكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، ليست إلاّ نفس الذهب والفضة، لكن بوجودهما الأُخرويّين، وأنّ للذهب والفضة وجودين أو ظهورين في النشأتين فهذه الأجسام الفلزية، تتجلّى في النشأة الدنيوية في صورة الذهب والفضة، وفي النشأة الأُخروية بصورة النيران المحماة.

فالإنسان العادي اللامس لهذه الفلزات المكنوزة وان كان لا يحس فيها الحرارة ولا يرى فيها النار ولا لهيبها، إلاّ أنّ ذلك لأجل أنّه يفقد حين المس، الحسَّ المناسب لدرك نيران النشأة الآخرة وحرارتها، فلو فرض إنسان كامل يمتلك هذا الحس إلى جانب بقية حواسه العادية المتعارفة ويدرك بنحو


1 . التوبة:34ـ 35.


(21)

خاص الوجه الآخر لهذه الفلزات، وهو نيرانها وحرارتها، يجتنبها، كاجتنابه النيران الدنيوية، ولا يُقدم على كنزها، وتكديسها.

وهذا البيان يفيد انّ للعلم مرحلة قويّة راسخة تصد الإنسان عن الوقوع في المعاصي والآثام ولا يكون مغلوباً للشهوات والغرائز.

3. الاستشعار بعظمة الربّ وكماله وجماله

إنّ استشعار العبد بعظمة الخالق و تفانيه في حبّه، يصدّه عن سلوك ما يخالف رضاه، فانّ حبّه لجماله وكماله من العوامل الصادّة للعبد عن مخالفته.

إذا عرف الإنسان خالقه كمال المعرفة الميسورة، وتعرَّف على معدن الكمال المطلق وجماله وجلاله، وجد في نفسه انجذاباً نحو الحق، وتعلّقاً خاصاً به بحيث لا يستبدل برضاه شيئاً، فهذا الكمال المطلق هو الذي إذا تعرّف عليه الإنسان العارف، يؤجج في نفسه نيران الشوق والمحبّة، ويدفعه إلى أن


(22)

لا يبغي سواه، ولا يطلب سوى إطاعة أمره وامتثال نهيه. ويصبح كلّ ما يخالف أمره ورضاه منفوراً لديه، مقبوحاً في نظره، أشدّ القبح وعندئذ يصبح الإنسان مصوناً عن المخالفة، بعيداً عن المعصية بحيث لا يؤثر على رضاه شيئاً وإلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ بقوله:«ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك إنّما وجدتك أهلاً للعبادة».(1)

هذه النظريات الثلاث أو النظرية الواحدة المختلفة في البيان والتقرير تعرب عن أنّ العصمة قوّة في النفس تعصم الإنسان عن الوقوع في مخالفة الرب سبحانه وتعالى، وليست العصمة أمراً خارجاً عن ذات الإنسان الكامل وهوية الخارجية.


1 . نقله في البحار:41/14 من دون ذكر مصدره كما نقله في 68/186 عن بعض المحقّقين.


(23)

3

هل العصمة

موهبة إلهية أو أمر اكتسابي

قد وقفت على حقيقة «العصمة» والعوامل التي توجب صيانة الإنسان عن الوقوع في حبال المعصية، ومهالك التمرّد والطغيان، غير انّ هاهنا سؤالاً هاماً يجب الإجابة عنه وهو: أنّ العصمة سواء أفسّرت بكونها هي الدرجة العليا من التقوى، أو بكونها العلم القطعي بعواقب المآثم والمعاصي، أم فسّرت بالاستشعار بعظمة الرب وجماله وجلاله، وعلى أيّ تقدير فهو كمال نفساني له أثره الخاص، وعندئذ يُسأل عن أنّ هذا الكمال هل هو موهوب من اللّه لعباده المخلصين، أو أمر حاصل للشخص بالاكتساب؟ فالظاهر من كلمات المتكلّمين


(24)

انّها موهبة من مواهب اللّه سبحانه يتفضل بها على من يشاء من عباده بعد وجود أرضيات صالحة وقابليات مصحّحة لإفاضتها عليهم.

قال الشيخ المفيد: «العصمة تفضل من اللّه على من علم أنّه يتمسك بعصمته».(1)

وقال المرتضى: العصمة لطف اللّه الذي يفعله تعالى فيختار العبد عنده الإمتناعَ عن فعل قبيح.(2)

فإذا كانت العصمة أمراً إلهياً و موهبة من مواهبه سبحانه، فعندئذ هاهنا سؤال:

1. لو كانت العصمة موهبة من اللّه مفاضة منه سبحانه إلى رسله وأوصيائهم لم تعد عندئذ كمالاً ومفتخرة للمعصوم حتّى يستحق بها التحميد، فإنّ الكمال الخارج عن الاختيار كصفاء اللؤلؤ لا يستحق التحميد، فإنّ الحمد إنّما يصحّ مقابل الفعل الاختياري وإليك الاجابة.


1 . شرح عقائد الصدوق، 61.
2 . أمالي المرتضى:2/347، ط مصر، تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم.


(25)

إفاضة العصمة بعد توفر أرضية صالحة

إنّ العصمة الإلهية لا تفاض للافراد إلاّ بعد وجود قابليّات صالحة في نفس المعصوم تقتضي افاضة تلك الموهبة إلى صاحبها، تلك القابليات على قسمين: قسم خارج عن اختيار المعصوم، وقسم واقع في إرادته واختياره، امّا القسم الأوّل فيتلخص في عامل الوراثة والتربية.

أمّا الوراثة فهي القابليات التي ينتقل إلى المعصوم من آبائه وأجداده عن طريق الوراثة فإنّ الأولاد كما يرثون أموال الآباء وثرواتهم، هكذا يرثون أوصافهم الظاهرية والباطنية، فترى أنّ الولد يُشبه الأب أو العمّ، أو الأُمّ أو الخال، وقد جاء في المثل: الوالد الحلال يُشبه العمَّ أو الخالَ.

وعلى ذلك فالروحيات الصالحة أو السيئة تنتقل عن طريق الوراثة إلى الأولاد فنرى ولد الشجاع شجاعاً، وولد الجبان جباناً إلى غير ذلك من الأوصاف الجسمانية والروحانية.

إنّ الأنبياء كما يحدِّثنا التاريخ كانوا ربيبو البيوتات


(26)

الصالحة العريقة بالفضائل والكمالات ، ومازالت تنتقل تلك الكمالات والفضائل الروحية من جيل إلى جيل وتتكامل إلى أن تتجسد في نفس النبي ويتولد هو بروح طيبة وقابلية كبيرة لإفاضة المواهب الإلهية علية.

وأمّا عامل التربية فإنّ الكمالات والفضائل الموجودة في بيتهم تنتقل عن طريق التربية إليهم، ففي ظلّ ذينك العاملين (الوراثة والتربية) نرى كثيراً من أهل تلك البيوتات ذوي ايمان وأمانة، وذكاء ودراية، فهذه الكمالات الروحية توجد أرضية صالحة لإفاضة العصمة إلى أصحابها.

نعم هناك عامل ثالث لهذه الإفاضة، وهو داخل في إطار الاختيار وحرّية الإنسان بخلاف العاملين السابقين وهو:

إنّ حياة الأنبياء من لدن ولادتهم إلى زمان بعثتهم، مشحونة بالمجاهدات الفردية، والاجتماعية، فقد كانوا يجاهدون النفس الأمارة أشدّ الجهاد، ويمارسون تهذيب أنفهسم بل ومجتمعهم، فهذا هو يوسف الصدّيق ـ عليه السَّلام ـ جاهد نفسه الأمارة وألجمها بأشد الوجوه عندما راودته من هو في


(27)

بيتها (وَغَلَّقَتِ الأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَك) فأجاب بالرد والنفي بقوله: (مَعاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ) .(1)

وهذا موسى كليم اللّه وجد في مدين امرأتين تذودان واقفتين على بعد من البئر، فقدم اليهما قائلاً: ما خطبكما فقالتا: انا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، وعند ذلك لم يتفكر في شيء إلاّ في رفع حاجتهما، ولأجل ذلك سقى لهما ثم تولّى إلى الظل قائلاً: (رَبِّ إِنّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ)(2) . (3)

وكم هناك من شواهد تاريخية على جهاد الأنبياء وقيامهم بواجبهم أبّان شبابهم إلى زمان بعثتهم التي تصدت


1 . يوسف: 23.
2 . القصص: 23 ـ 24.
3 . لاحظ قصة موسى في دفعه القبطي المعتدي على إسرائيلي في سورة القصص الآيات: 15 ـ 20 وفي ذلك يقول: (رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين) القصص: 17.


(28)

لـذكرها الكتـب السماويـة وقصص الأنبيـاء وتـواريـخ البشر.

فهذه العوامل، الداخل بعضها في إطار الاختيار والخارج بعضها عن إطاره، أوجدت قابليات وأرضيات صالحة لإفاضة وصف العصمة عليهم وانتخابهم لذلك الفيض العظيم، فعندئذ تكون العصمة مفخرة للنبي صالحة للتحسين والتبجيل والتكريم.

وإن شئت قلت: إنّ اللّه سبحانه وقف على ضمائرهم ونيّاتهم ومستقبل أمرهم، ومصير حالهم وعلم أنّهم ذوات مقدسة، لو أُفيضت إليهم تلك الموهبة، لاستعانوا بها في طريق الطاعة وترك المعصية بحرية واختيار، وهذا العلم كاف لتصحيح إفاضة تلك الموهبة عليهم بخلاف من يُعلَم من حاله خلافُ ذلك.

إنّ للسيد الشريف المرتضى كلاماً يؤيد ما ذكرناه، يقول: كلّ من علم اللّه تعالى أن له لطفاً يختار عنده الامتناع من القبائح فإنّه لابدّ أن يفعل به وإن لم يكن نبيّاً، ولا إماماً،


(29)

لأنّ التكليف يقتضي فعل اللطف على ما دل عليه في مواضع كثيرة غير انّه لا يمتنع أن يكون في المكلفين من ليس في المعلوم أنّ شيئاً متى فعل، اختار عنده الامتناع من القبيح، فيكون هذا المكلف لا عصمة له في المعلوم ولا لطف، وتكليف من لا لطف له يحسن ولا يقبح وانّما القبيح منع اللطف في من له لطف مع ثبوت التكليف.

وحاصل ما(1) أفاده هو: انّ الملاك في إفاضة هذا الفيض هو علمه سبحانه بحال الأفراد في المستقبل فكل من علم سبحانه أنّه لو أُفيض عليه وصف العصمة لاختار عنده الامتناع من القبائح، فعندئذ تفاض عليه العصمة، وان لم يكن نبياً ولا إماماً، وأمّا من علم انّه متى أُفيضت إليه تلك الموهبة لما اختار عندها الامتناع من القبيح لما أُفيضت عليه العصمة لأنّه لا يستحق الإفاضة.

وعلى ذلك فوصف العصمة موهبة إلهية تفاض لمن يعلم من حاله انّه ينتفع منها في ترك القبائح عن حرية


1 . أمالي المرتضى: 2/347 ـ 348، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.


(30)

واختيار.

ولأجل ذلك يعد مفخرة قابلة للتحسين والتكريم ولا يلزم أن يكون المعصوم نبياً أو إماماً، بل كل من ينتفع منها في طريق كسب رضاه سبحانه تفاض عليه.

Website Security Test