welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : التحسين والتقبيح العقليان ومكانتهما في العقيدة والشريعة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

التحسين والتقبيح العقليان ومكانتهما في العقيدة والشريعة

1

التحسين والتقبيح
العقليان
ومكانتهما في العقيدة والشريعة

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي حسرت عن معرفة كماله، عقول الأولياء، وعجزت عن إدراك حقيقته، أفهام العلماء، واحد لا شريك له، لا يُشبهه شيء لا في الأرض ولا في السماء; والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم، أفضل خلائقه وأشرف سفرائه، وعلى آله البررة الأصفياء، والأئمّة الأتقياء.

أمّا بعد فغير خفيّ على النابه انّ للعقيدة ـ على وجه الإطلاق ـ دوراً في حياة الإنسان أيسره انّ سلوكَه وليدُ عقيدته ونتاج تفكيره، فالمواقف التي يتّخذها تمليها عليه عقيدتُه، والمسير الذي يسير عليه، توحيه إليه فكرته.

إنّ سلوك الإنسان الذي يؤمن بإله حىّّ قادر عليم، يرى ما يفعله، ويحصي عليه ما يصدر عنه من صغيرة وكبيرة، يختلف تماماً عن سلوك من يعتقد أنّه سيّد نفسه وسيّد الكون


(4)

الذي يعيش فيه، لا يرى لنفسه رقيباً ولا حسيباً.

ومن هنا يتّضح أنّ العقيدة هي ركيزة الحياة، وأنّ التكاليف والفرائض التي نعبّر عنها بالشريعة بناء عليها، فالعقيدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالروح والعقل، في حين ترتبط الشريعة والأحكام بألوان السلوك والممارسات.

ولأجل هذه الغاية قُمنا بنشر رسائل موجزة عن جوانب من العقيدة الإسلامية، وركّزنا على أبرز النقاط التي يحتدم فيها النقاش.

وبما أنّ لكلّ علم لغته، فقد آثرنا اللغة السهلة، واخترنا في مادة البحث ما قام عليه دليل واضح من الكتاب والسنّة، وأيّده العقل الصريح ـ الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه ورسله ـ حتّى يكون أوقع في النفوس، وأقطع لعذر المخالف.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(5)

تمهيد

التحسين والتقبيح العقليان

و

مكانتهما في العقيدة والشريعة

شغلت قاعدةُ التحسين والتقبيح العقليّين بالَ كثير من المفكّرين من أقدم العصور إلى يومنا هذا، إذ قلّما يتّفق أن يخوض باحث في العلوم الإنسانية دون أن يُشير إليها، لعلاقتها بعلم الكلام والأخلاق، والفقه وأُصوله.

مثلاً الباحث في علم الكلام عندما يصل بحثه إلى أفعاله سبحانه، يصف بعضه بالوجوب والحتمية، ويقول يجب عليه سبحانه بعث الرسل، لهداية الناس وإيصالهم إلى


(6)

الغاية المتوخّاة من خلقتهم، كما يصف البعض الآخر بالامتناع وعدم الجواز كإعطاء المعجزة بيد المدّعي الكاذب، ويتّخذ الحسن والقبح أساساً لقضائه البات في المسألتين حيث يحسنُ الأوّل ويقبح الثاني.

وليس معنى ذلك، فرض التكليف على اللّه سبحانه؟! بأن يحكم العبد عليه تعالى بالإيجاب والامتناع كما ربما يتصوّره بعض المنكرين للحسن والقبح العقليين.(1)

وذلك لأنّ هناك فرقاً بين فرض التكليف على اللّه، و بين كشف ما عنده من الحكم من خلال صفاته وكمال ذاته، فالقائل بالتحسين والتقبيح العقليين لا يفرض على اللّه تكليفاً إذ أين التراب ورب الأرباب، بل يستدلّ من خلال ما عنده من الصفات، على اللزوم والامتناع فيقول: إنّه سبحانه بما هو عادل، لا يجور على عباده، وبما انّه حكيم لا يعبث في فعله، إلى ذلك من الأحكام المستكشفة من خلال دراسة


1-شرح المقاصد:2/150طبعة استنبول; التبصير في الدين:153.


(7)

صفاته وسنوضحه ـ بإذن اللّه ـ في المستقبل.

هذا حال الباحث في علم الكلام وحاجته إلى تنقيح مسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومثله الباحث في الأخلاق حينما يطرح القيم الأخلاقية على طاولة البحث فيعتمد على تلك القاعدة في تقييم الأفعال الإنسانية من حيث كونه فضيلة أو رذيلة.

وليست حاجة الفقيه إلى تلك القاعدة بأقلّ من حاجة الطائفتين، فانّ خلود الأحكام الفقهية عبْر الزمان وكون الشريعة الإسلامية، خاتمة الشرائع، رهن القول بالتحسين والتقبيح العقليين، فكلّ حكم شرعي يستمد ملاكه من تلك القاعدة فهو حكم مؤبّد بتأبيد ملاكه ـ الحسن والقبح ـ فلا يتغير ولا يتبدّل، فانّ الحسن ، حسن على كلّ حال، والقبيح قبيح كذلك، والحكم المستمَدَّ منه يكون كذلك فالاعتراف بالحسن والقبح العقليّين الأبديّين يُضفى على الأحكام الشرعيّة المستندة إليهما، وصفَ الأبديّة.


(8)

وأمّا حاجة الأُصولي إلى القاعدة فواضحة جدّاً، حيث إنّ العقل أحد الأدلّة الأربعة التي يستنبط بها الأحكام و من أحكامه، الحكم بحسن الفعل وقبحه مثلاً إذا افترضنا انّ المكلّف شكّ في حكم موضوع بعد الفحص عن مظانّه في الكتاب والسنّة ولم يعثر فيهما على حكمه، فعند ذاك يستقل العقل بقبح عقاب المكلّف إذا ارتكب مع احتمال الحرمة، أو ترك مع احتمال الوجوب استناداً إلى قبح العقاب بلا بيان.

وخلاصة القول: إنّ القاعدة إذا فُسِّرت بصورة صحيحة، تعدّ حجر الأساس لكثير من المسائل في العلوم الإنسانية كما عرفت نماذجها.


(9)

ولمّا كانت القاعدة أساساً لثبات القيم الأخلاقية، والقوانين الشرعية السماوية، المبنية على التحسين والتقبيح العقليّين، عاد بعض المفكّرين من الغربيّين الذين لا يروقهم ثبات القيم و دوامها، وبقاء الشريعة السماوية، يثيرون الشكوك حول القاعدة.

نعم سبقهم في إنكار القاعدة طائفة من المتكلّمين وهم الأشاعرة، وأهل الحديث لا لهذه الغاية، بل لاستنكارهم استطاعة العقل على إدراك حسن الفعل أو قبحه، وقالوا: إنّ المرجع في تمييز الحسن عن القبح هو الشرع، وبذلك افترق المسلمون إلى طائفتين:

1. من يقول بالتحسين والتقبيح العقليّين تمثّلهم الإمامية والمعتزلة.

2. من ينكر التحسين والتقبيح العقليّين ويقول بالشرعيّين منهما، و هم الأشاعرة وأهل الحديث، و سيوافيك انّ من أنكر استطاعة إدراك الحسن والقبح من الأفعال لا يتسنّى له، إثبات التحسين والتقبيح مطلقاً حتّى الشرعي منهما.

هذا هو دور القاعدة في العقيدة والشريعة، وهذا خلاف طائفة من المتكلّمين وجماعة من المفكّرين الغربيّين، لكن تبيين الموضوع ومناقشة الأقوال والآراء، والقضاء بين


(10)

أدلة الطرفين والثمرات المترتبة على المسألة على وجه الإيجاز، يأتي في ضمن فصول:


(11)

1

ملاكات التحسين والتقبيح العقليّين

إنّ القول بأنّ العقل قادر على درك حسن الأفعال وقبحها، يُفسّر على وجوه، فلابدّ من ذكرها وتعيين ما هو محطّ البحث بين المثبتين والمنكرين.

1. التحسين والتقبيح الذاتيان

إذا كان الفعل الصادر عن الفاعل المختار ـ سواء أكان واجباً أم ممكناً ـ على نحو إذا نظر إليه العقل وتجرّد عن كلّ شيء، يحكم بحسنه ولزوم فعله أو بقبحه ولزوم تركه، فالعقل في قضائه هذا بالحسن أو القبح، لا ينظر إلاّ إلى نفس الموضوع، دون ما يترتّب عليه من المصالح والمفاسد العامّة، أو كونه موافقاً لغرض الفاعل أو الإنسان الحاكم أو غير ذلك


(12)

من الأُمور الخارجة عن ذات الفعل، فهذا هو المسمّى بالتحسين والتقبيح العقليّين الذاتيّين.

مثاله، الإحسان و الظلم فيستقل العقل بحسن الأوّل وقبح الثاني، من دون نظر إلى مصالح الفعل أو مفاسده، أو كونه مؤمِّناً لغرض الفاعل أو الحاكم، فكأنّ الحسن والقبح داخلان في ذات الفعل وجوهره، لا ينفكان عنه، ففرض الفعل يلازم فرض أحد الحكمين.

وسيوافيك انّ هذا هو محطّ البحث بين المثبت والنافي.

2. التحسين والتقبيح في إطار المصالح والمفاسد

تؤكد هذه النظرية على القول بالتحسين والتقبيح العقليّين، لكن بالنظر إلى المصالح والمفاسد المترتبة على الفعل، ففي هذه النظرة لا يكون الفعل بما هوهو، موضوعاً للحسن والقبح كما عليه النظرية السابقة بل باعتبار كونه مبدأ للمصالح والمفاسد، وربّما يعبّر عن المصالح والمفاسد،


(13)

بالأغراض والمقاصد.

والمراد منها، هي الأغراض النوعية لا الشخصية وإلاّ يلزم الهرج والمرج في وصف الأفعال، فإنّ الظلم يؤمِّن غرض الظالم، دون المظلوم فيوصف بالقبح عند الأوّل دون الثاني، بل المراد المصالح والأغراض العقلائية التي يدور عليها بقاء النظام و هذا كالعدل فانّه حسن إذ به قوام النظام، والظلم فانّه قبيح لأنّه هادم للنظام.

وسيوافيك انّ وصف الأفعال بالحسن والقبح باعتبار الآثار المترتّبة عليها وإن كان صحيحاً، لكنّه يصلح لوصف قسم من الأفعال بهما وهو أفعال الإنسان الذي يحمل فعْلُه المصلحةَ النوعية أو مفسدتها ولا يشمل فعل اللّه سبحانه فإن فعله يوصف بالحسن والقبح دون أن يكون هناك حديث المصلحة أو المفسدة كأخذ البريء بذنب المجرم، ونقض العهد والميثاق، وإساءة المحسن فانّه قبيح من دون أن يكون هنا أي فساد، فشمولية المسألة، لفعل المولى سبحانه وعبده


(14)

يقتضي خروج هذا النوع من الحسن والقبح عن محط البحث.

وبما انّ الغاية الكبرى من الخوض في هذه المسألة، هو التعرف على أفعاله سبحانه وتمييز ما يجوز عليه عمّا لا يجوز، فلا محيص من القول بأنّ الملاك لوصف الفعل بالحسن والقبح في إطار عام حتّى يشتمل فعله سبحانه، هو الملاك الأوّل، أي ما يكون الفعل بما هوهو، مجرّداً عن القيود التالية:

1. كون الفاعل واجباً أو ممكناً.

2. كون الفعل ممّا يترتّب عليه المصلحة أو لا.

3. كونه مؤمِّناً للغرض أو لا.

موضوعاً لحكم العقل بالحسن أو القبح.

3. موافقة العادات والتقاليد

إنّ لكلّ قوم عادات و تقاليد تخصّهم، فملاك الحسن والقبح موافقة الفعل للعادات والتقاليد ومخالفتها، وربّما يطلق عليه الحسن والقبح العرفيان، والتحسين والتقبيح بهذا


(15)

المعنى وإن كان صحيحاً لكنّه لا يصلح لأن تكون ملاكاً للبحث عند المتكلّمين أو الأُصوليين، لانّهما بهذا المعنى يُصبحان أمرين نسبيين أوّلاً، لأنّ المعروف عند قوم ربما يكون منكراً عند قوم آخر; ولا يكون معياراً لمعرفة وصف أفعاله سبحانه ثانياً، لأنّها فوق العادات والتقاليد.

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ لوصف الأفعال بالحسن والقبح ملاكات ثلاثة فالذي يصلح لأن يكون ملاكاً للبحث في المقام، هو كون الفعل مجرّداً عن أي قيد وشرط، صالحاً لوصفه عند العقل بأحدهما، دون الملاكين الآخرين، كوصفه بهما باعتبار ما يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار النوعية، أو باعتبار موافقته العادة السائدة على القوم أو مخالفتها، فإنّ هذين الملاكين تحدِّد المسألة على وجه يخرج فعله سبحانه عن موردها.


(16)

2

تقسيم الحكمة إلى نظريّة وعمليّة

تنقسم الحكمة ، لدى الحكماء مند عهد مبكِّر إلى حكمة نظرية وحكمة عملية ، فلو تعلّق الإدراك بما من شأنه أن يُعلم، كانقسام الموجود إلى واجب وممكن، فهو حكمة نظريّة ولو تعلّق بما من شأنه أن يعمل كقولنا: العمل بالميثاق حسن ونقضه قبيح فهو حكمة عملية فالحكمتان: النظرية والعملية كلاهما من أقسام الإدراك وإنّما الاختلاف في المتعلَّق.

وهذا هو المعنى المعروف عند الفلاسفة والمتكلّمين وهو الظاهر من عبارة الفارابي حيث قال: النظرية هي التي بها يحوز الإنسان علم ما من شأنه أن يعلمه إنسان، والعملية


(17)

هي التي يعرف ما من شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته.(1)

والعقل المدرِك للحكمة الأُولى عقل نظري والمدرِك للثانية منهما عقل عمليّ وليس معناه انّ هنا عقلين مختلفين جوهراً بل عقل واحد يوصف تارة بالنظري وأُخرى بالعملي باعتبار اختلاف متعلقه.

وهنا مصطلح آخر للعقل العملي، يجعله في عداد القوى العاملة التي هي مبدأ محرّك لبدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئيّة(2)، أعرضنا عن ذكره تفصيلاً روماً للاختصار.


1-شرح منظومة السبزواري:310.
2-النجاة لابن سينا:164، ط مصر، و ص202 ط بيروت.


(18)

3

تقسيم القضايا إلى ضرورية وغير ضرورية

تنقسم الحكمة النظرية إلى ضروريّة وغير ضروريّة، فالقسم الأوّل ما يحضر في النفس بلا نظر، والقسم الثاني، ما يحصل فيها بعد إعمال الفكر والنظر. وجه التقسيم انّه لو كانت القضايا بأجمعها ضرورية لما احتاجت إلى التفكير ولم يكن هناك أية مشكلة فكرية، ولو كانت بأسرها غير ضرورية لتاه الإنسان في دوّامة من المشاكل الفكرية دون أن يجد حلولاً لها، لأنّ المفروض كون القضايا على نمط واحد، فلم يكن بد من أن تكون القضايا في الحكمة النظرية منقسمة إلى قسمين حتّى يستمد في حل غير الضروري، من الضروري.

فكما أنّ القضايا في الحكمة النظرية تنقسم إلى قسمين،


(19)

فهكذا الحال في الحكمة العملية تنقسم إلى ضرورية وغير ضرورية بنفس الدليل السابق في الحكمة النظرية، فانّ القضايا التي يحكم العقل بحسنها أو قبحها، وبالتالي يمدح الفاعل ويذمُّه ويُلزم العمل على وفقه أو الاجتناب عنه لا تخلو من حالتين:

1. إمّا أن تكون قضايا واضحة يدركها العقل بلا توسيط مقدّمة، وهي القضايا الضرورية في الحكمة العملية.

وامّا أن لا يدركها إلاّ بإرجاعها إلى قضايا أُخرى حتّى تنتهي إلى أُم القضايا العملية الضرورية لتكون مفتاحاً لحمل سائر القضايا.

فإذا كان امتناع اجتماع الضدّين أو ارتفاعهما أُمّ القضايا في الحكمة النظرية وبهما تثبت صحّة كلّ القضايا في العلوم، فحسن العدل وقبح الظلم أُمّ القضايا في الحكمة العملية، فلا يحكم بحسن شيء أو قبحه إلاّ إذا انطبق على الفعل أحد العنوانين.


(20)

وبذلك يظهر انّ تقسيم القضايا إلى ضروريّة وغير ضروريّة، لا ينحصر بالحكمة النظريّة، بل يعمّ القسمين، والدليل على التقسيم جار في كلا القسمين.


(21)

4

أدلّة القول بالتحسين والتقبيح العقليّين

أقام القائلون بالتحسين والتقبيح العقليّين أدلّة ساطعة على أنّ العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها ولا يقتصر على مجرّد الإدراك، بل يبعث إلى الأوّل و يمدح فاعله، ويزجر عن الثاني ويذم فاعله، والرسالة الحاضرة لا تتحمل البسط بنقل عامة الدلائل ونكتفي من الكثير بالقليل.

الأوّل: بداهة العقل

كلّ إنسان يجد في نفسه حسن العدل و قبح الظلم، وإذا عَرَضَ الموضوعين على وجدانه، يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل واستحساناً له ، وتنفراً عن الظلم وتقبيحاً له، وهكذا سائر الأفعال التي تعد من مشتقات العدل والظلم.


(22)

ولقائل أن يقول: إنّ الحكم بالتحسين والتقبيح ليس ناتجاً من صميم العقل وإنّما هو وليد التعاليم الدينية الراسخة التي يعتمد عليها المصلحون في دعوتهم فصار ذلك سبباً لرسوخ تلك الفكرة في أذهان الناس.

لكن وقفة قصيرة أمام هذا السؤال تُبطل هذا الاحتمال، إذ لو كانت الفكرة ناتجة من دعوة المصلحين لاختصت الفكرة بهم وبمن وقع في إطار دعوتهم، ولكنّا نجد الفكرة أوسع من ذلك فقد غطَّت كافةَ الأُمم وطوائف البشر حتّى الّذين لا يمتلكون ايماناً بالشرائع.

وإلى ما ذكر يشير العلاّمة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد و يقول: إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء، وقبح بعضها من غير نظر إلى شرع، فإنّ كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان ويمدح عليه وبقبح الإساءة والظلم ويذم عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشك وليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف بالشرائع.(1)


1-كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:59 المطبوع مع تعاليقنا.


(23)

الثاني: عدم ثبوتهما مطلقاً لو قلنا بالشرع فقط

إنّ نفاة القول بالتحسين والتقبيح العقليّين ذهبوا إلى أنّ التعرّف على حسن الأفعال وقبحها رهن بيان الشرع، فما حسّنه الشارع فهو حسن وما قبحه فهو قبيح، وليس للعقل سبيل إلى معرفة حسن الأفعال وقبحها، ولكنّهم غفلوا عن مضاعفات هذا القول، إذ لازمه عدم ثبوت الحسن والقبح مطلقاً حتّى الشرعي منهما .

بيان ذلك: أنّه لو قلنا بأنّه لا سبيل للعقل إلى معرفة حسن الفعل أو قبحه ولا يُعرفان إلاّ بتصريح الشرع بأنّ العدل حسن أو الظلم قبيح، لا يحصل الجزم بقوله، لتجويز الكذب عليه وبالتالي نحتمل أن يكون ما وصفه بالحسن، قبيحاً واقعاً، وما وصفه بالقبح، حسناً كذلك.

ولو افترضنا انّ الشارع أضاف إلى ما ذكره قوله: الصدق حسن والكذب قبيح، لا ينفعنا في الجزم بما حكم على العدل والظلم، من تحسين الأوّل وتقبيح الثاني لتجويز الكذب عليه في كلّ ما يخبر حتى قوله: «الصدق حسن»


(24)

«والكذب قبيح» ، فلا يدفع هذا الاحتمال إلاّ بثبوت حسن الصدق وقبح الكذب قبل كلّ شيء بفضل العقل فما لم يثبت هذا الأصل بدليل العقل وحكمه لما حصل اليقين بصدق الأحكام الصادرة عن الشارع .

وحصيلة الكلام، أنّه ما لم يثبت حسن الصدق و قبح الكذب عن طريق العقل لا يثبت حسن أيِّ فعل أو قبحه بحكم الشرع، لأنّه من المحتمل أن يأمر بما هو المنكر عنده أو ينهى عمّا هو المعروف عنده ولو أخبر عن طريق أنبيائه وسفرائه انّه إنّما يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر، فلا يحصل اليقين بصدق كلامه وأخباره، لمكان احتمال الكذب في كلامه هذا، ولا يُنفى هذا الاحتمال إلاّ إذا ثبت عن غير طريق الشرع حسن الأوّل وقبح الثاني وانّه سبحانه فاعل مختار حكيم، مثله لا يكذب، ولا يعبث بكلامه.

ولو تدبّر نفاة القول بالتحسين والتقبيح العقليّين في هذا الدليل لرجعوا عن إنكارهم إلى الصراط المستقيم .


(25)

الثالث: إنكارهما يلازم امتناع إثبات الشرائع السماوية

من ادّعى السفارة من اللّه سبحانه وكونه نبيّاً مبعوثاً عنه، لا يمكن لنا تصديقه إلاّ في ظل القول بالحسن والقبح العقليّين، لأنّ الدليل الوحيد أو المؤثر على عامة الطبقات، كونه مبعوثاً بالمعاجز والبيّنات، فيستدلُّ بها على أنّه كان مبعوثاً من اللّه سبحانه لهداية الناس، هذا من جانب.

ومن جانب آخر انّ المعاجز لا تفيد اليقين بأنّه مبعوث من اللّه سبحانه إلاّ إذا ثبت أصل في باب النبوة وهو:

انّه سبحانه لا يزوِّد الكاذب بقدرة خارقة ليضلّ الناس عن طريقه لأنّه أمر قبيح عقلاً لا يصدر منه سبحانه، فلو لم يثبت هذا الأصل بحكم العقل لا يمكن الإذعان بصدق دعواه لاحتمال انّ المزوَّد بالمعاجز، مدّع كاذب، إذ لم يثبت بعدُ قبح تسلط الكاذب على المعاجز و البيّنات.

ولو صدع الشارع بأنّه لا يسلط الكاذب على القوة الخارقة، لا يمكن الإيمان بصدق قوله، لعدم ثبوت قبح


(26)

الكذب على الشارع كما مرّ في الدليل الأوّل.

يقول العلاّمة الحلّي حول هذا الدليل: لو كان الحسن والقبح سمعيّاً لا عقلياً، لما قبح من اللّه شيء، و لو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على يد الكاذبين، وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة النبوة إذ إظهار المعجزة بعد ادّعاء النبوة لا يكون دليلاً لصدق ادّعائه إذا كان باب احتمال إظهار المعجزة على يد الكاذب مفتوحاً.(1)

الرابع: الحسن والقبح العقليان في الذكر الحكيم

من سبر القرآن الكريم وأمعن في دعوته إلى الصلاح والفلاح يقف على أنّ القرآن يتّخذ وجدان الإنسان قاضياً ليحكم في قضايا كثيرة بشيء يرجع إلى الحسن والقبح، فالآيات التي نتلوها عليك تُسلّم انّ الإنسان الحرّ المجرّد عن سائر النزعات، قادر على درك حسن الفعل أو قبحه، ولذلك يترك القضاء فيها إليه ويقول:


1-نهج الحقّ وكشف الصدق، 84 بتصرف.


(27)

1.(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالْفُجّار) .(1)

2. (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمين) .(2)

3. (هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاّ الإِحْسان) .(3)

ففي هذه الطائفة من الآيات يوكِّل الذكر الحكيم القضاءَ إلى وجدان الإنسان، وانّه هل يصحّ التسوية بين المفسدين والمتّقين، والمسلمين والمجرمين، كما يتّخذ من الوجدان قاضياً، في قوله: (هَلْ جَزاءُ الإِحْسان إِلاّ الإِحْسان).

وهناك آيات أُخرى تأمر بالمعروف كالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي على نحو تسلِّم انّ المخاطب بها، يعرفها معرفة ذاتية ولا يحتاج إلى الشرع ليعرّفه الموضوع، وكأنّ الشرع يؤكد ما يجده الإنسان بفطرته، يقول سبحانه:


1-ص:28.
2- القلم: 35.
3-الرحمن:60.


(28)

1.(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي القُربى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) .(1)

2. (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنْ) .(2)

3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر ) .(3)

وكيفية دلالة هذه الآيات على قابلية العقل على درك الحسن والقبح علمت ممّا سبق.

وثمة آية أُخرى تندِّد بعمل المشركين حينما ينسبون بعض أعمالهم المنكرة إلى أمره سبحانه، وهو يردُّ عليهم بأنّ عملهم فحشاء واللّه لا يأمر بها، والآية صريحة في انّ الإنسان بفضل الوجدان يعرف الفحشاء عن غيرها بلا حاجة إلى تعريف الشارع، كما هي صريحة في انّ اللّه سبحانه منزّه عن


1-النحل:90.
2- الأعراف:33.
3-الأعراف:157.


(29)

ارتكاب القبائح والمنكرات التي يعرفها الإنسان بوجدانه ويقول:

(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاء) .(1)

إلى هنا تمت أدلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليّين.


1-الأعراف:28.


(30)

5

أدلّة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليّين

ذهبت الأشاعرة تبعاً لأهل الحديث إلى أنّ الفعل عاجز عن إدراك حسن الأفعال وقبحها و وإنكارهم هذا أشبه بإنكار السوفسطائيين في إنكار الحقائق الخارجية، حتّى وجودهم وأنفسهم لأجل شبهات واهية، وذلك لأنّه لا يوجد على أديم الأرض إنسان ينكر جداً حسن الإحسان وقبح الظلم، حسن العمل بالميثاق وقبح نقضه، حسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالسوء، إلى غير ذلك من القضايا الواضحة التي تعد أُسساً للحياة الفردية والاجتماعية.

وهؤلاء المنكرون وإن رفعوا راية الإنكار ولكنّهم تراجعوا عنها باختراع معاني متعددة للحسن والقبح فسلّموا


(31)

حكم العقل بالتحسين والتقبيح في بعضها دون البعض الآخر وليس التعرّف عليها بمهم.

وإنّما المهم في المقام دراسة أدلّتهم على الإنكار، وإليك البيان:

الأوّل: لو كانا بديهيين لما اختلف فيه اثنان

لو كان العلم بحسن بعض الأفعال وقبحها ضرورياً لما وقع التفاوت بينه و بين العلم بزيادة الكل على الجزء، و الثاني باطل بالوجدان، لوقوع الاختلاف بين العلمين، فانّ العلم بزيادة الكلّ على الجزء أوضح و أبين من التحسين والتقبيح.

على هامش الاستدلال

الاستدلال كأنّه مبني على ردّ الدليل الأوّل للمثبتين حيث قالوا: إنّ حسن الأفعال وقبحها من الأُمور البديهية، فردّ عليه النفاة بأنّه لو كان بديهياً، لما تفاوت العلمان: العلم


(32)

بزيادة الكلّ على الجزء وحسن العدل وقبح الظلم، والعلوم الضرورية لا تتفاوت .

والاستدلال مبني على أصل غير أصيل وهو عدم وجود التفاوت في العلوم الضرورية، وذلك لأنّ القضايا اليقينية التي تتمتع بالبداهة على أقسام ستة وكلّها قضايا ضرورية مع وجود التفاوت بينهما.

1. الأوّليات: الكلّ أعظم من الجزء.

2. المشاهدات: وهي إمّا مشاهدة ظاهرية كقولنا: الشمس مشرقة، أو باطنية، كقولنا انّ لنا جوعاً وعطشاً.

3. التجربيات: انبساط الفلز في الحرارة.

4. الحدسيات: نور القمر مستفاد من الشمس.

5. المتواترات: مكّة المكرمة موجودة.

6. الفطريات: الأربعة زوج.

فأين قولنا: «الكلّ أعظم من الجزء» الذي يعد من الأوّليات في البداهة من قولنا: «نور القمر مستفاد من


(33)

الشمس» الذي هو من الحدسيات، فوجود التفاوت بين هذه العلوم واضح جدّاً.

وأمّا سبب التفاوت فيرجع غالباً إلى وجود الاختلاف بين تصوّر مفرداتها. مثلاً قوله:«كلّ ممكن يحتاج إلى علّة»، حكم بديهي كما أنّ قولنا:«الكلّ أعظم من الجزء» أيضاً بديهي، وسبب الاختلاف يرجع إلى أظهريّة مفردات الثاني من مفردات الأوّل، فأين الإمكان والحاجة والعلة في الظهور من «الكل» و«الجزء» و«العِظَم»، فاختلاف المفردات من حيث الظهور و الخفاء، يورث ظهوراً وخفاءً في المركب أيضاً.

الثاني: الكذب النافع ليس بقبيح

«لو كان الكذب قبيحاً، لكان الكذب المفضي إلى تخليص النبي من يد الظالم قبيحاً أيضاً، والتالي باطل لأنّه يحسن تخليص النبي من يد الظالم ، فالمقدّم مثله، فيصبح الكذب النافع غير قبيح، فلو كان قبح الكذب ذاتيّاً، لما تغيّر قبحه، بل يبقى عليه وإن ما بلغ.


(34)

على هامش الاستدلال

إنّ في المقام أمرين قبيحين:

1. الكذب والإغراء بالجهل.

2. ترك نصرة النبي وتعريضه للهلاك.

وقد دار الأمر بين ارتكاب أحد القبيحين.

1. أن يكذب و فيه نجاة النبي.

2.أن يترك نصرة النبي ويعرّضه للهلاك وفيه ترك الكذب القبيح.

والعقل عندئذ يحكم بتقديم أخف القبيحين على الآخر، تخلصاً عن ارتكاب الأقبح. فالكذب باق على قبحه، لكنّه يقدّم ارتكابه على الأقبح ويكون معذوراً في ارتكابه.

ويمكن أن يقال: إنّ إنقاذ النبي لا يتوقّف على الكذب مطلقاً إذا كان باب التعريض والتورية مفتوحاً، و لهذا قيل:«إنّ في التعاريض لمندوحة».


(35)

الثالث: التحسين والتقبيح فرض تكليف على اللّه

هذا الدليل هو أكثر تداولاً على ألسنة السُذَّج من الناس الذين يغترون بأدلّة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليّين قالوا بأنّ القائلين بهما يوجبون على اللّه ما يوجبون على العبد، ويحرِّمون عليه من جنس ما يحرِّمون على العبد، ويسمّون ذلك العدل، و الحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمتهم.(1)

على هامش الاستدلال

إنّ المستدل خلط بين فرض التكليف على اللّه، وكشف ما عنده من الحُكْم من خلال صفاته وكماله، فالقائل بالملازمة لا يفرض التكليف على اللّه، ويقول: أين التراب ورب الأرباب، بل يستكشف ما عنده من الأحكام من خلال دراسة صفاته الكمالية، فهو بما انّه عادل، لا يجور، وحكيم لا


1-التبصير في الدين:153; شرح المقاصد:2/150طبعة اسطنبول.


(36)

يعبث، وعالم لا يجهل، نستكشف بها الأحكام اللائقة به حسب صفاته فالتكاليف التي يستنبطها العقل من قبيل التكاليف التي فرضتها على اللّه حكمتُه وعدله وعلمه. فلو قلنا لا يجوز على اللّه سبحانه تعذيبُ البريء أو أخذُه بذنب المجرم، لا نعني انّا نفرض هذا التكليف عليه، وانّه يجب أن يقوم به، وإنّما نريد أنّ لازم صفاته الكمالية هو أن لا يفعل ذلك.

وهذا نظير ما يقوم به العلماء من كشف أسرار الطبيعة وقوانينها، فلو قال القائل: بأنّ زوايا المثلث تساوي قائمتين، فهذا لا يعني إلاّ أنّه في الواقع كذلك، لا انّه يجب أن يكون كذلك لأجل حكمه به.

فإذا كان النظام السائد على الكون نظاماً مبنياً على العلم والعدل والحكمة فلازم ذلك أن لا يؤخذ البريء بذنب المجرم، فكشف هذا الحكم نظير كشف القوانين السائدة على الكون في العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية.


(37)

وفي كلام بعض الأشاعرة إلماع لما ذكرنا، يقول النسفي (المتوفّى537هـ): وفي إرسال الرسل، حكمة.

ويقول التفتازاني (المتوفّى791هـ) في شرحه على ذلك الموضع من كلام النسفي: أي مصلحة وعاقبة حميدة. وفي هذا إشارة إلى أنّ الإرسال واجب لا بمعنى الوجوب على اللّه تعالى، بل بمعنى أنّ قضية الحكمة تقتضيه لما فيه من الحِكَم والمصالح وليس بممتنع.(1)

وكلامه هذا نفس ما ذكرناه، وهذا دليل على أنّ الأشاعرة قد أظهروا نوعاً من المرونة للعدلية عبْـر الزمان.

الدوافع من وراء إنكار التحسين والتقبيح العقليّين

إنّ التحسين والتقبيح العقليّين من المسائل الواضحة لدى العقل والعقلاء والتي لا تحتاج إلى مزيد بيان، ومن أنكرهما فإنّما ينكرهما بلسانه دون قلبه، وعلى الرغم من ذلك


1-شرح العقائد النسفية:164.


(38)

نرى وجود فئة كبيرة من المتكلّمين ـ كالأشاعرة ـ غلب عليهم إنكار هذا الأصل، فما هو الدافع الذي جرّهم إلى إنكاره؟

أقول: إنّ الدافع من وراء إنكار الحسن والقبح في أفعاله سبحانه غير الدافع الذي جرّهم إلى إنكارهما في أفعال الإنسان.

فالدافع في الأوّل هو زعمهم المنافاة بين القول بهما و بين وصفه سبحانه بالمالك المطلق والسلطان بلا منازع الذي له أن يتصرف في ملكه كيف ما شاء حتى لو جازى الإحسان بالسوء.

كما أنّ الدافع في الثاني(إنكارهما في أفعال الإنسان) هو قولهم بالجبر في أفعاله وانّ الإنسان مضطر في فعله لا محيص له عن ارتكابه، ومع ذلك كيف يمكن أن يوصف فعله بالحسن و القبح؟!

يقول المحقّق الخراساني (المتوفّى1329هـ) في هذا الصدد:


(39)

وإنّما أنكر الأشاعرة الحسن والقبح العقليّين مطلقاً، أو في أفعاله تعالى فلبنائهم انّه تعالى كلّما فعل، صدر منه في محله، لأنّه مالك الخلق كلّه، فلو أثاب العاصي وعاقب المطيع لم يأت بقبيح، لأنّه تصرّف في ملكه، وهو لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون.

وأمّا في أفعال العباد، فلبنائهم على عدم صدور الأفعال منهم بالاختيار، بل بالجبر والاضطرار، ولا شيء من أفعال المجبور بحسن ولا قبيح.(1)

الرابع: جواز التكليف بما لا يطاق

اعتمد الفخر الرازي في إنكاره للحسن والقبح العقليّين على أنّ التكليف بما لا يطاق قبيح عقلاً عند العدلية، مع أنّ الشرع أمر به، وإليك نصّه:

1. لو كان قبيحاً لما فعله اللّه تعالى، وقد فعله بدليل أنّه كلّف الكافر بالإيمان، مع علمه بأنّه لا يؤمن، وعلمه بأنّه


1-درر الفوائد في شرح الفرائد:339.


(40)

متى كان كذلك كان الإيمان منه محالاً.

2. لأنّه كلّف أبا لهب بالإيمان، ومن الإيمان تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه، وممّا أخبر عنه أنّه لا يؤمن، فقد كلّفه بأن يؤمن بأنّه لا يؤمن، وهو تكليف الجمع بين الضدين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الرازي تصور انّه قد وقف على دليل حاسم في المقام، فاستدلّ بما ذكرته المجبرة قبله بقرون وأجابت عنه العدلية بوجوه، وقال الرازي في بعض كلماته: لو اجتمعت جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلاّ بالتزام مذهب هشام وهو انّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها.(2)

أقول: إنّ ما نسبه إلى هشام بن الحكم فرية عليه كما أوضحناه في محله(3) ، وإليك الإجابة عن الدليلين الأوّلين، أمّا


1-المحصل: 153، ط دارالفكر; نقد المحصل: 339، ط طهران.
2-شرح المواقف: 8/155.
3-لب الأثر في الجبر والقدر:150.


(41)

الدليل الأوّل فلأنّ علمه الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل من فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلّق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسب الخصوصيات المتوفرة فيه.

وعلى ضوء ذلك فقد تعلّق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور، كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان عن اختيار منه، فتعلّق علمه بوجود الإنسان وصدور فعله منه اختياراً، يؤكِّد الاختيـار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان.

وإن شئت قلت: إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالإنسان، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية، فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية لكان علمه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه، وأمّا لو صدر فعله منه عن جبر واضطرار بلا علم وشعور، أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.


(42)

وأمّا الجواب عن الدليل الثاني فحاصله: انّ أبا لهب مكلّف بالإيمان لكونه أمراً اختيارياً له، وأمّا الإخبار بعدم إيمانه فقد نزل به الوحي بعدما ختم اللّه على قلبه، وعندئذ فليس مكلّفاً بما جاء في القرآن من أنّه لا يؤمن بل هو من أخبارات القرآن كسائر أخباره.

إلى هنا تمّ بيان أدلّة المثبتين والمنكرين، وأظن انّ الحقّ تجلّى بأجلى مظاهره، وهو أحقّ أن يتبع، و ما جاء به المنكرون تسويلات سحروا أعين المغترين بها واسترهبوهم ولكن نور الحقيقة لا يفتأ متبلِّحا.

بقي الكلام في الآثار والثمرات المترتبة على القاعدة وهو موضوعنا في الفصل الآتي .


(43)

6

النتائج المترتّبة

على التحسين والتقبيح العقليّين

إنّ قيمة كلّ بحث رهن الآثار التي تترتّب عليه، والثمار التي يقتطفها الباحث، ومن حسن الحظ انّ للمسألة دوراً عظيماً في العلوم الإنسانية لا سيما في الكلام والأخلاق، وقد مضى الالماع إليه في صدر الرسالة وإليك شيئاً من هذه الثمرات.

1. وجوب المعرفة عقلاً

اتّفق المتكلمون على لزوم معرفة المنعم، لكن اختلفوا في وجه لزومه .


(44)

ذهبت الأشاعرة المنكرون للحسن والقبح العقليّين إلى أنّ معرفة المنعم (اللّه سبحانه) واجبة شرعاً مع أنّه أمر غير معقول، إذ كيف تجب معرفته شرعاً مع أنّ الشريعة لم تثبت بعدُ حتّى يثبت وجود معرفة اللّه في ضمن سائر أحكامه.

وذهبت الإمامية والمعتزلة إلى أنّ معرفته واجبة عقلاً، و استدلّوا على ذلك بوجهين:

الف: لزوم شكر المنعم

لا شكّ انّ حياة الإنسان رهن النعم التي يعيش فيها، فليس مصدر النعم هو نفسه بل شخص آخر هذا من جانب.

ومن جانب آخر انّ العقل يدفع الإنسان إلى شكر من أحسن إليه ولا يصح الشكر إلا بمعرفته ،فينتج وجوب معرفته عقلاً.


(45)

ب: دفع العقاب المحتمل بالمعرفة

إنّ معرفة اللّه دافعة للخوف الحاصل من الاختلاف، ودفع الخوف حسن بالضرورة.(1)

توضيحه: انّه ذهب الإلهيون إلى أنّ العالم وما فيه مخلوق للّه سبحانه ـ و هم جماهير الناس، و إن خالفهم شرذمة قليلة من المادّيين ـ و يدّعون أنّ للّه سبحانه سفراء و أنبياء حوّل إليهم بيان وظائف العباد في أبعاد مختلفة و إنّ في مخالفتهم مضاعفات وعقوبات.

وحيث إنّ الإنسان يحتمل جداً صدق مقولتهم فيبعثه عقله إلى وجوب معرفته ومعرفة سفرائه ويحسنه كما يزجره عن ترك المعرفة ويقبحه، ولولا القول بالحسن والقبح العقليّين لما كان هناك أي باعث إلى معرفته سبحانه.

2. وصفه بالعدل والحكمة

إنّ وصفه سبحانه بالعدل والحكمة فرع ثبوت


1-نهج الحق وكشف الصدق: 51 .


(46)

التحسين والتقبيح العقليّين، ولولا استقلال العقل بحسن العدل وقبح الظلم لما صحّ وصفه سبحانه بالعدل أو تنزيهه عن الظلم، ونظير ذلك وصفه بكونه حكيماً لا يعبث، لأنّ الفعل العبث قبيح عقلاً، و من عزل العقل عن درك التحسين والتقبيح العقليين لما تسنّى له إثبات هذين الوصفين له والاعتماد في إثباتهما على اخبار الشرع قد علمت عدم صحّته.(1)

الدليل على نفي صدور القبيح عن اللّه سبحانه

اعتمد المتكلّمون على نفي صدور القبيح منه سبحانه على وصفين:

أ. علمه بالحسن والقبح.

ب. غناه وعدم حاجته إلى شيء.

ونحن في حياتنا اليومية نشاهد ذلك بالعيان، فانّ من يرتكب القبيح فإنّما يرتكب لإحدى جهتين:إمّا لجهله بقبح


1-لاحظ ص 23 من هذه الرسالة.


(47)

الفعل، أو لإحساس الحاجة إليه (وإن كان ربّما لا يكون محتاجاً إليه في الواقع) ومن فقد هذين الأمرين فلا يصدر منه القبيح.

فإذا كان هذا هو السبب الأساسي لصدور القبيح من الإنسان، فهذا هو السبب أيضاً في صدوره عن اللّه سبحانه، فإذا كان سبحانه نفس العلم والغنى يمتنع صدور فعل القبيح منه.

3. لزوم اللطف على اللّه

اللطف عبارة عمّا يكون المكلّف معه أقرب إلى فعل الطاعة و أبعد عن فعل المعصية، وقد قسموا اللطف إلى :المقرِّب نحو الطاعة، وإلى المحصِّل لها; فلو كان موجباً لقرب المكلّف إلى فعل الطاعة والبعد عن فعل المعصية، فهو لطف مقرّب، ولو ترتّبت عليه الطاعة فهو لطف محصّل.

وحاصل اللطف عبارة عن فسح المجال أمام المكلّف بُغية حصول الطاعة والابتعاد عن المعصية، وهو أمر غير


(48)

إعطاء القابلية للمكلّف بل فوقه، فانّ القدرة شرط عقلي ولولاها لقبح التكليف، والمراد انّه سبحانه يتلطّف على العبد ـ وراء إعطائه القابلية والقدرة ـ بفعل أُمور يرغب معها إلى الطاعة وترك المعصية، فلو توقّف تحصيل الغرض(طاعة العبد) وراء إعطاء القدرة، على فعل المرغِّبات إلى الطاعة وترك المعصية كوعده وإيعاده كان على المكلِّف القيام به لكيلا ينتفي الغرض، وإلى هذا الدليل يشير المحقّق الطوسي، ويقول: «واللطف واجب لتحصيل الغرض به».

4. بعثة الأنبياء

إنّ العقل يحكم بلزوم بعث الأنبياء، وذلك لأمرين رئيسيّين:

الأوّل: انّ للعقل أحكاماً كلية كلزوم شكر المنعم وعبادته، إلاّ أنّه عاجز عن الخوض في تفاصيلها، فوجب من باب اللطف بعث الأنبياء، لغاية إيضاح كيفية أداء الواجب و بيان المزيد من التفاصيل.


(49)

الثاني: انّ ادراك العقل حسن فعل أو قبحه ربما لا يكون باعثاً أو زاجراً إلاّ إذا افترض بوعد ووعيد من قبل المولى سبحانه وهو لا يتحقّق إلاّ ببعث الأنبياء الناطقين عنه سبحانه، وبذلك يعلم أنّ دور الأنبياء بالنسبة إلى ما يدركه العقل أحد أمرين، إمّا دور الإرشاد إلى التفاصيل التي لا يدركها العقل، وإمّا دور الدعم لحكمه.

5. حسن التكليف

إذا كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث، يستقلّ العقل بالحكم بلزوم إيصال كلّ مكلّف إلى الغايات التي خلق لها، وذلك بتكليفهم بما يوصلهم إلى الكمال، وزجرهم عمّا يمنعهم عنه، حتى لا يُتركوا سدىً وتنفتح في ضوء التكليف طاقاتهم الروحية، وعلم الإنسان بالحسن والقبح لا يكفي في استكماله، إذ هناك أُمور يقصر عن إدراك حكمه، علم الإنسان ، ولا تعلم إلاّ عن طريق الوحي والشرع.

مضافاً إلى أنّ حفظ النظام أمر حسن واختلاله


(50)

وزعزعته أمر قبيح، ولا يسود النظام في المجتمع الإنساني إلاّ بتقنين قوانين سماويّة(1) تكفل تحقيق العدل والمساواة بين كافة الشعوب.

إلى غير ذلك من الثمرات المذكورة لحسن التكليف.

6. لزوم تزويد الأنبياء بالبيّنات والمعاجز

إنّ بداهة العقل قاضية بعدم جواز الخنوع والخضوع لأي ادّعاء مالم يعضده الدليل والبرهان، فمقتضى الحكمة الإلهية تزويد الأنبياء بالمعاجز والبيّنات حتى تتحقّق الغاية المتوخّاة من بعثهم، ولولاها لأصبح بعثهم سدىً وعملاً بلا غاية وهو قبيح.

7. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة

إذا كان مقتضى الحكمة الإلهية دعم الأنبياء بالبراهين، فيلزم على العباد عقلاً النظر في برهان مدّعي النبوة، لاستقلال


1-خرجت الوضعية فانّها لا تسعد بها الإنسان، العيان يكفيك عن البيان.


(51)

العقل بذلك، ولدفع الضرر المحتمل.

وأمّا من عزل العقل عن الحكم في ذلك المجال، فليس له أن يثبت لزوم النظر إلاّ عن طريق الشرع، وهو بعد غير ثابت، فتطرح مشكلة الدور.

8. العلم بصدق دعوى الأنبياء

إذا اقترنت دعوة المتنبّئ بالمعاجز والبيّنات الواضحة ـ فبناء على استقلال العقل بالحسن و القبح العقليّين ـ لحكمنا بصدقه، لقبح إعطاء البيّنات للمدّعي الكذّاب لما فيه من إضلال الناس، وأمّا إذا عزلنا العقل عن الحكم المذكور، فلا دليل على صدق نبوّته.

9. الخاتمية واستمرار أحكام الإسلام

إنّ استقلال العقل بالتحسين والتقبيح ـ بالمعنى الذي عرفت ـ أساس الخاتمية وبقاء أحكام الإسلام وخلودها إلى يوم القيامة، لأنّ الفطرة ـ التي هي العماد لإدراك الحسن


(52)

والقبح ـ مشتركة بين جميع أفراد البشر ولا تتبدّل بتبدّل الحضارات وتطور الثقافات، فإنّ تبدّلها لا يمسّ فطرة الإنسان ولا يُغير جبلته، فيصبح ماتستحسنه الفطرة أو تستقبحه خالداً إلى يوم القيامة، دون أن يتطرّق إليه التبدّل والتغيّر .

10. اللّه عادل لا يجور

من أبرز مصاديق حكمته ـ تعالى ـ هو عدله، بمعنى قيامه بالقسط، وأنّه لا يجور ولا يظلم، ويترتب عليه بعض النتائج التي منها:

أ. قبح العقاب بلا بيان

إذا كان اللّه تعالى عادلاً، فانّه لا يعاقب عباده دون أن يبيّن لهم تكاليفهم، لحكم العقل بقبح العقاب بلا صدور بيان، أو مع صدور دون أن يقع في متناول العباد، ولزوم تنزّه الواجب عنه.

ب. قبح التكليف بما لا يطاق

من نتائج حكم العقل بعدله تعالى، حكمه بلزوم


(53)

تكليفه بما يطيقه العبد، وأنّ تكليفه وإلزامه بما هو فوق طاقته ظلم وقبيح لا يصدر عن الحكيم.

ج. مدَى تأثير القضاء و القدر في مصير الإنسان

هذه المسألة على الرغم من أهميتها البالغة في العقيدة الإسلامية، فقد احتدم الجدل حولها إلى درجه التكفير وإراقة الدماء خاصة في العصور الأُولى، فهل تأثيرهما إلى حدّ يسلب الاختيار عن الإنسان، أو لا. والأوّل قبيح عند العقل فيتعين الثاني.

د. اختيار الإنسان.

من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى، اختيار الإنسان في أفعاله دون أن يكون مجبوراً مسيَّراً فيما يقوم به من ظلم وجور.

11. ثبات الأخلاق والقيم

إنّ مسألة ثبات الأخلاق في جميع العصور و


(54)

الحضارات أو تبدّلها تبعاً لاختلافها، ممّا طرح مؤخراً عند الغربيّين ودارت حوله نقاشات حادة، فمن قائل بثبات أُصولها، ومن قائل بتبدّلها وتغيّرها حسب تغير الأنظمة والحضارات، ولكن المسألة لا تنحل إلاّفي ضوء التحسين والتقبيح العقليّين الناشئين من قضاء الجبلّة الإنسانية والفطرة الثابتة، فعند ذاك تتسم أُصول الأخلاق بسمة الثبات والخلود.

خذ على سبيل المثال «إكرام المحسن» فانّه أمر يستحسنه العقل، ولا يتغير حكم العقل هذا أبداً، وإنّما الذي يتغيّـر بمرور الزمان، وسائل الإكرام وكيفيته.

إنّ الثابت عبارة عن الأُصول الفطرية التي لها جذور في عمق الإنسان، وطبيعته، وبما انّ الفطرة الإنسانية واحدة في جميع الشرائط والظروف لا تتغير بتغيّرها، تُصبح الأُصول المبنية على الفطرة الإنسانية أُصولاً ثابتة لا تتغيّر أيضاً، فقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِوَالإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي الْقُربى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ )


(55)

تَذَكَّرُون) (1) ثابت ولا يتغيّر عبر القرون، لأنّ العدل والإحسان قد جبل الإنسان عليهما، نعم ثمة تغيّـر يطرأ على الأساليب المقررة لإجراء تلك الأُصول الثابتة تبعاً لتغيّر الزمان، فهي لم تزل تتغيّر حسب تغيّر الحضارات وهذا التغيّر ليس جوهرياً يمس ثبات تلك الأُصول.

إنّ للإنسان ـ مع غض النظر عن البيئة التي يعيش فيها ـ سلوكاً باطنياً يلازمه ولا ينفك عنه، وفطرة ثابتة ويعدّ جزءاً مهماً من شخصيته يميّزه عن سائر الحيوانات ويلازم وجوده في كلّ زمان ومكان.

فهذا السلوك الباطني الثابت لا يستغني عن قانون ينظم اتجاهاته، ويصونه عن الإفراط والتفريط، فإذا كان القانون مطابقاً لمقتضى فطرته، وصالحاً لتعديل ميولها، لزم خلوده بخلوده، وثبوته بثبوته، فمن زعم أنّ الأخلاق تتطور حسب تطور الظروف والشرائط غفل عن أنّ للإنسان سلوكاً باطنياً وفطرة ثابتة لا تنفك عنه مادام الإنسان إنساناً.


1-النحل:90


(56)

نعم إنّ الذي يتغيّر وتتغيّر بتبعه العادات والتقاليد، لا صلة له بالأخلاق وثباتها، وها نحن نذكر من الأُصول الثابتة في علم الأخلاق نماذج:

1. لا يشك ذو مسكة أنّ بقاء النظام في المجتمع الإنساني رهن قوانين تؤمِّن حقوق جميع شرائح المجتمع بعيداً عن الظلم والجور والتعسّف، وهذا أصل ثابت لا يشك فيه أحد، بيد أنّ الذي يتغيّر هو الأساليب التي تتكفّل إجراء هذا الأصل، فلا تجد على أديم الأرض من ينكر حسن تقنين مبنيّ على العدل وبسطه بين الناس، وقبح الظلم والتعسف.

وهذا الأصل الثابت لم يتغيّر منذ انوجد الإنسان على البسيطة وأصبحت له حياة اجتماعية.

2. الاختلاف بين الرجل والمرأة أمر تكويني محسوس، فهما موجودان مختلفان عضوياً وروحياً على الرغم من الأبواق الإعلامية التي تبغي كسر الحواجز بينهما، ولذلك اختلفت أحكام كلّ منهما عن الآخر.

فإذا كان التشريع مطابقاً لفطرتهما ومسايراً لطبعهما


(57)

يظل ثابتاً لا يتغيّر بمرور الزمان، لثبات الموضوع المقتضي لثبات المحمول.

3. الروابط العائلية، كرابطة الابن بأبويه، ورابطة الأخ بأخيه، وهي روابط طبيعية، تتحد فيها الأواصر الروحية والنسبية، فالأحكام التي قُنّنت لتنظيم تلك الروابط باتت ثابتة لا تتغيّر بتغيّر الزمان.

4. انّ التشريع الإسلامي بالغ في الاهتمام بالأخلاق للحيلولة دون تفسّخها، كما عالج أسباب التفسّخ الخلقي كالخمر والميسر والإباحة الجنسية بوضع حلول تتناسب معها من خلال تحريمها وإقامة الحدود على مقترفيها، وهذه الحلول ليست مقطعية تتغيّر بتغير الزمان، بل هي ثابتة لا تتغير، لأنّ الآثار التي تتركها المفاسد الخلقية أيضاً ثابتة، فالخمر يزيل العقل، والميسر ينبت العداوة في المجتمع، والإباحة الجنسية تفسد النسل والحرث.

هذا وأمثالها من الأحكام الثابتة في حياة الإنسان الاجتماعية ، وهي تنسجم قبل كلّ شيء مع فطرته.


(58)

وخلاصة البحث: أنّ تطوّر الحياة الاجتماعية في بعض مجالاتها، أو تغيّر الأحكام الموضوعة على وفق ملاكات واقعية متغيّـرة لا يكون ذريعة لنسخ قبح الظلم وحسن العدل ولزوم أداء الأمانة، ودفع الغرامات، والوفاء بالعهود والمواثيق وأضرابها.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

Website Security Test