welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإنسان بين الجبر والتفويض*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الإنسان بين الجبر والتفويض

2

الإنسان
بين
الجبر والتفويض

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي حسرت عن معرفة كماله، عقول الأولياء، وعجزت عن إدراك حقيقته أفهام العلماء، واحد لا شريك له، لا يُشبهه شيء لا في الأرض ولا في السماء; والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم، أفضل خلائقه وأشرف سفرائه، وعلى آله البررة الأصفياء، والأئمّة الأتقياء.

أمّا بعد فغير خفيّ على النابه انّ للعقيدة ـ على وجه الإطلاق ـ دوراً في حياة الإنسان أيسره انّ سلوكه وليد عقيدته ونتاج تفكيره، فالمواقف التي يتّخذها تمليها عليه عقيدتُه، والمسير الذي يسير عليه، توحيه إليه فكرته.

إنّ سلوك الإنسان الذي يؤمن بإله حيّ قادر عليم، يرى ما يفعله، ويحصي عليه ما يصدر عنه من صغيرة وكبيرة، يختلف تماماً عن سلوك من يعتقد أنّه سيّد نفسه وسيّد الكون


(4)

الذي يعيش فيه، لا يرى لنفسه رقيباً ولا حسيباً.

ومن هنا يتّضح أنّ العقيدة هي ركيزة الحياة، وأنّ التكاليف والفرائض ـ التي نعبّر عنها بالشريعة ـ بناء عليها، فالعقيدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالروح والعقل، في حين ترتبط الشريعة والأحكام بألوان السلوك والممارسات.

ولأجل هذه الغاية قُمنا بنشر رسائل موجزة عن جوانب من العقيدة الإسلامية، وركّزنا على أبرز النقاط التي يحتدم فيها النقاش.

وبما أنّ لكلّ علم لغته، فقد آثرنا اللغة السهلة، واخترنا في مادة البحث ما قام عليه دليل واضح من الكتاب والسنّة، وأيّده العقل الصريح ـ الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه ورسله ـ حتّى يكون أوقع في النفوس، وأقطع لعذر المخالف.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(5)

الإنسان

بين

الجبر والتفويض

إنّ للشخصية الإنسانية أبعاداً مختلفة، ومن تلك الأبعاد كون الإنسان فاعلاً مختاراً فيما يفعل أو يترك، أو كونه مسيّراً قد رُسِم مصيرُ حياته بيد القَدَر أو عامل آخر ـ كما سيوافيك ـ ولا محيص له إلاّ السير في الطريق الذي خُطّ له.

مع انّ دراسة هذا البعد من أبعاد الشخصية الإنسانية دراسة مسألة فلسفية محضة يَلجها كبارُ الحكماء والفلاسفة عبْر القرون ولهم فيها آراء وأفكار، لكنّها و في الوقت نفسه مسألة يشتاق إلى فهمها عامّة الناس وقلّما وجدت في حياة


(6)

الإنسان مسألة لها تلك الميزة، وفي الحقيقة هي من إحدى المسائل الأربع التي يتطلّع إلى فهمها الجميع ألا وهي:

1. من أين جاء إلى الدنيا؟

2. لماذا جاء إليها؟

3. إلى أين يذهب؟

4. وهل هو في أعماله مخيّر أو مسير؟

ولأجل ذلك لا يمكن تحديد الزمن الذي طُرِحت فيه مسألة الجبر والاختيار، كما لا يمكن تحديد مكانها، وإنّ باذرها هل هو إفريقي أو روميّ أو هندي أو صيني أو إيراني؟ وعلى كلّ تقدير فللمسألة جذور عميقة في تاريخ حياة الإنسان.

ثمّ إنّ الآراء المطروحة في المسألة تدور على محورين:

1. الإنسان مسيّر لا مخيّر، مجبور في أفعاله وليس بمختار.

2. الإنسان مخيّر في أفعاله لا مسيّر، مختار فيها وليس


(7)

بمجبور.

ولكلّ من الرأيين قائل ودليل يعضد رأيه، إلاّ أنّ المهم هو الوقوف على الرأي السائد حين نزول الوحي على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فالسير في الحديث والتاريخ يُثبت بأنّ الرأي العام في الجزيرة العربية قبل البعثة كان هو الجبر، وقد بقيت رسوبات تلك الفكرة بعد البعثة وحتى رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . ولأجل تبيين هذا الجانب من جوانب البحث نعقد الفصل التالي.


(8)

1

الجبر على مسرح التاريخ الإسلامي

إنّ التأمّل في عقائد العرب في الجاهلية يُثبت بأنّهم أو طائفة منهم كانوا معتقدين بالتقدير السالب للاختيار عن الإنسان، يقول سبحانه: (سَيَقُولُ الّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمنا مِنْ شَيء كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُل هَل عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخرُصُون).(1)

وليست الآية، آية وحيدة تكشف عن عقيدة العرب في العصر الجاهلي حول فعل الإنسان، بل هناك آية أو آيات


1 - الأنعام:148.


(9)

أُخرى تشير إلى عقيدتهم، يقول سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمرنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّه ما لا تَعْلَمُون).(1)

فقولهم:(واللّهُ أَمَرنا بِها)إشارة إلى أنّ عبادة الوثن أمر قدّره اللّه سبحانه وليس لنا الفرار ممّا قُضي به، واللّه سبحانه يردّ على مزعمتهم بقوله:(قُلْ إِنّ اللّهَ لا يَأَمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّه ما لا تَعْلَمُون)، فلا يأمر بها ولا يقدِّرها بالمعنى الذي تدّعون أي السالب للاختيار.

وأمّا جذور هذه العقيدة وانّها كيف تسرّبت إلى الجزيرة العربية حتّى سادت على المشركين فقد ظلّت مجهولة؟

والعجب انّ رسوبات فكرة الجبر بقيت بعد بزوغ نجم الإسلام وسادت حال حياة الرسول وبعد رحيله أيضاً.

روى الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدِّث عن فرار المسلمين يوم حنين قالت: مرّ بي عمر


1 - الأعراف:28.


(10)

ابن الخطاب منهزماً، فقلت: ما هذا؟ فقال عمر: أمر اللّه.(1)

و معنى ذلك انّه لم يكن دور للغزاة من المسلمين في هزيمة حنين، وقد كانت الهزيمة تقديراً قطعياً من اللّه و لم يكن محيص من التسليم امامه.

وهذا هو نفس الجبر لا يفترق عنه قيد شعرة، مع أنّه سبحانه يقول: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِن كَثيرة وَيَومَ حُنَين إِذْ أَعْجَبَتكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئاً وَضاقَت عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرين).(2)

وقد أشار سبحانه إلى عامل الهزيمة وأنّه أمران:

الأوّل: إعجابهم بكثرتهم، فاعتمدوا على الكثرة، مكان الاعتماد على اللّه سبحانه أوّلاً وعلى قواهم الذاتية ثانياً كما يقول: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرتكُم).

الثاني: الانسحاب عن ساحة الحرب بدل الثبات، كما


1 - المغازي:3/904 .
2 - التوبة:25 .


(11)

يقول سبحانه(ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرين) مع أنّهم أُمروا بالثبات كما يقول تعالى: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحفاً فَلا تُوَلُّوهُم الأَدْبار).(1)

والعجب انّ هذه العقيدة(القدر السالب للاختيار) كانت سائدة بعد رحيل الرسول وباقية في اذهان الصحابة، وهذا السيوطي ينقل عن عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر، فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟ قال: نعم يا بن اللخناء أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(2)

لقد كان السائل في حيرة من أمر القدر فسأل الخليفة عن كون الزنا مقدَّراً من اللّه أم لا؟ فلما أجاب الخليفة بنعم، استغرب من ذلك، لأنّ العقل لا يسوّغ تقديره سبحانه شيئاً سالباً للاختيار عن الإنسان في فعله أو تركه ثمّ تعذيبه عليه، ولذلك قال: «فانّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذبني؟!» فعند ذاك أقرّه الخليفة على ما استغربه، وقال: نعم يابن اللخناء.


1 - الأنفال:15.
2 - تاريخ الخلفاء للسيوطي:95.


(12)

استغلال الأُمويّين للقدر

إنّ طبيعة الحكومات الاستبدادية هي تبرير كلّ ما يسود المجتمع من الفقر والظلم والاعتساف بعامل خارج عن دائرة حكمهم كقضاء اللّه سبحانه وقدره حتّى لا يعترض عليهم معترض.

ومن هنا وجد التفسيرُ الخاطئ للدين طريقَه إلى المجتمع الحاضر وانّه وسيلة لدعم الجهاز الحاكم، وقد استغل الشيوعيون والعلمانيُّون هذه الفكرة لإبعاد الناس عن الدين ولكنّهم خلطوا سهواً أو عمداً بين كون الدين الواقعي ـ الذي أُلهم على قلوب الأنبياء ـ الّذي لا يكون مسانداً للجهاز الظالم ـ و بين التفسير الباطل للدين، إذ كيف يكون الدين مسانداً للسلطات الزمنية الجائرة مع أنّه يأمر بالعدل و الاحسان وينهى عن الظلم والفحشاء؟! يقول إمام المسلمين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ راوياً عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لن تقدس أُمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي غير


(13)

متعتع».(1)

1. انّ الأمويين استغلّوا الجبر لإرساء قواعد حُكْمِهم حتى أنّ معاوية لمّا نصب ولده يزيد خليفة للمسلمين وسلّطه على رقاب المسلمين اعترضت عليه أُمّ المؤمنين عائشة، فأجابها معاوية: إنّ أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم.(2)

2. وبهذا أيضاً أجاب معاوية عبد اللّه بن عمر عند ما سأل معاوية عن تنصيبه يزيدَ للحكم؟ بقوله: إنّي أُحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دماءهم، وانّ أمر يزيد قد كان قضاءً من القضاء وليس للعباد خيرة من أمره.(3)

3.وقد سرى هذا الاعتذار إلى غير الأمويّين من الذين ساروا في ركب الخلفاء، فهذا هو عمربن سعد بن أبي وقاص،


1 - نهج البلاغة، قسم الرسائل برقم53.
2 - الإمامة والسياسة لابن قتيبة :1/167.
3 - الإمامة والسياسة:1/171.


(14)

قاتل الإمام الشهيد الحسين ـ عليه السَّلام ـ فلمّا اعترض عليه عبد اللّه بن مطيع العدوي بقوله: اخترت همدَان والريَ على قتل ابن عمك؟! فقال عمر: كانت أُمور قُضِيتْ من السماء و قد أعذرت إلى ابن عمي قبل الوقعة فأبى إلاّ ما أبى.(1)

4. وقد برّرتْ عائشة أُم المؤمنين خلافَها مع علي ـ عليه السَّلام ـ بالقضاء والقدر، على ما رواه الخطيب عن أبي قتادة فعندما ذكر قصة الخوارج في النهروان لعائشة أجابته أُمّ المؤمنين بقولها: وما يمنعني ما بيني وبين عليّ أن أقول الحق، سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «تفترق أُمّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة محلّقون رؤوسهم، مخفّون شواربهم، أزرهم إلى أنصاف سوقهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم يقتلهم أحبهم إليّ، وأحبهم إلى اللّه»، قال: يا أُمّ المؤمنين فأنت تعلمين هذا فلم كان الذي منك؟! قالت: يا أبا قتادة وكان أمر اللّه قدراً مقدوراً، وللقدر أسباب!!.(2)


1 - طبقات ابن سعد:5/148، ط بيروت.
2 - تاريخ بغداد:1/160.


(15)

التقدير المساوي للجبر عقيدة مستوردة

ومن العوامل التي صارت سبباً لتركيز فكرة الجبر بين المسلمين هي الأساطير التي حاكها الأحبار والرهبان ونشروها بين المسلمين حول القضاء والقدر، فهذا هو حماد بن سلمة يروي عن أبي سنان قال: سمعنا وهب بن منبه، قال: كنتُ أقول بالقدر حتّى قرأت بضعة وسبعين كتاباً مِنْ كتب الأنبياء في كلّها: من جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر، فتركتُ قولي.(1)

والمراد من القدر في قوله: «كنت أقول بالقدر» ليس القول بتقدير اللّه سبحانه وقضائه، بل المراد هو القول بالاختيار والمشيئة للعبد كما يظهر من ذيل كلامه.

وهذا النقل يعطي انّ القول بنفي الاختيار والمشيئة للإنسان، قد تسرّب إلى الأوساط الإسلامية عن طريق هذه الجماعة وعن الكتب الإسرائيلية أفيصحّ بعد هذا أن نعد


1 - ميزان الاعتدال:4/353.


(16)

القول بنفي المشيئة للإنسان عقيدة جاء بها القرآن والسنّة النبوية، ونكفّر من قال بالمشيئة له ولو مشيئة ظلية تابعة لمشيئته سبحانه، ونقاتل في سبيل هذه العقيدة؟!

حديث «الفراغ من الأمر» بدعة يهوديّة

يجد الباحث في ثنايا الأحاديث وكلمات المحدّثين قولهم:«إنّ اللّه سبحانه قد فرغ من الأمر»، أي قد فرغ سبحانه من أمر التدبير والتكوين فلا يتغيّر ما قُدّر، ولا يتبدّل ما قضى به، وهو بظاهره نفس الجبر، إذ معناه انّه لا محيص للإنسان إلاّ العمل بما قُدّر و قضى ولا يتمكّن من تغييره وتبديله، وبالتالي لا خيرة للإنسان في حياته فيما يختار أو يترك مع أنّه سبحانه يحكم على خلافه ويقول: (وَمَا كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتَِي بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّه وَلِكلِّ أَجل كتاب * يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتاب).(1)

وهل يمحو إلاّ ما أثبتَ؟! فلو كان قد فرغ من الأمر فما


1 - الرعد:38ـ 39.


(17)

معنى محو ما أثبته وقدّره؟ كيف واللّه سبحانه مبسوط اليد لا يكبّله تقديره وقضاؤه، فله السيادة على القضاء والقدر دونهما عليه؟!

وهذا هو الثعلبي ينقل عن مجاهد قال: قالت قريش: «حينما أنزل (ما كان لرسول أن يأتي بآية إِلاّ بإِذن اللّه) ما لنا نراك يا محمد تملك من شيء وقد فرغ من أمره، فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعداً لهم، أي إن يشأ أحدثها من أمر ـ إلى أن قال: ـ ويُحدث في كلّ رمضان في ليلة القدر ويمحو ويُثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومسائلهم وما يؤتيهم ويُنسأهم له.(1)

وقد تطرق عن طريق تلامذة الاحبار والرهبان انّه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت إلاّ الحياة والموت والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيران، ونقله السيوطي عن غير واحد من


1 - تفسير الثعلبي، المسمّى بالكشف والبيان:5/298 ; الدر المنثور:4/659 واللفظ للثاني.


(18)

الصحابة والتابعين الذين كانوا يحسنون الظن باحبار اليهود ورهبان النصارى.

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاء وَيُثبت...)قال: إلاّ الحياة والموت، والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيّران.(1)

أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عمر: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاءُ وَيُثْبِت): إلاّ الشقوة والسعادة والحياة والموت.(2)

وقد روى عن ابن عباس: قال: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاء وَيُثبت) قال: «ذلك كلّ ليلة القدر يرفع ويخفض ويرزق» أي غير الحياة والموت والشقاوة والسعادة، فإنّ ذلك لا يزول.(3)

وأظنّ أنّ الرواية مكذوبة على لسان ابن عباس تلميذ الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، فإنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ وبيته الرفيع مجمعون


1 - الدرّ المنثور:4/663، 661، 662.
2 - الدرّ المنثور:4/663، 661، 662.
3 - الدرّ المنثور:4/663، 661، 662.


(19)

على إمكان تغيير المصير حتّى السعادة والشقاء بالأعمال الصالحة والطالحة.

إنّ سيادة القدر على مصير الإنسان على نحو يسلب عنه الاختيار ولا يتمكّن من تبديل ما قدّر إلى خلافه، نفس القول بالجبر وسيادته.

إنّ هذا القول مرفوض عقلاً، وكتاباً، فإنّ إطلاق الكتاب في المحو والإثبات، يعمّ الجميع حتّى الموت والحياة والسعادة والشقاء.

إنّ قوم يونس قد غيّروا مصيرهم السيّئ بالتوبة والعمل الصالح. يقول سبحانه: (فَلَولا كانَتْ قَريَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَومَ يُونُسَ لمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حين).(1)

ويدلّ على ذلك أيضاً الروايات المتضافرة.

أخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» وابن أبي الدنيا في


1 - يونس:98.


(20)

الدعاء، عن ابن مسعود ـ رضي اللّه عنه ـ قال: ما دعا عبد قطّ بهذه الدعوات إلاّ وسّع اللّه له في معيشته: يا ذا المن ولا يُمنُّ عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول لا إله إلاّ أنت، ظهر اللاجئين، وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقيّاً فامح عني اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيداً...، ـ إلى أن قال ـ: فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت (يَمحُوا اللّه ما يَشاء وَيُثبت وعِندَهُ أُمّ الكتاب).(1)


1 - الدر المنثور:4/661، و بهذا المضمون روايات أُخرى لاحظ ص 663.


(21)

2

أحاديث لا تفارق الجبرَ قيد شعرة

إنّ اتّفاق المحدّثين على أنّ الصحيحين وبعدهما السنن الأربع، من أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم، عاق الكثير من المحقّقين من الخوض فيهما نقداً وتمحيصاً، ولولا هذا الاتّفاق، لقام المحقّقون بالنقد والتمحيص فيما كان مخالفاً للكتاب والسنّة النبوية القطعية والعقل الصريح، وها نحن نسرد في المقام بعض ما جاء في الصحيحين ما لا يفارق الجبر قيد شعرة وهو إمّا مؤوّل أو موضوع على لسان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

1. روى مسلم في صحيحه عن زيد بن وهب، عن


(22)

عبد اللّه قال: حدّثنا رسول اللّه ـ وهو الصادق ـ أنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.(1)

فعلى هذا لا يقدر الإنسان على إضلال نفسه ولا هدايتها كما لا يقدر على أن يجعل نفسه من أهل الجنة أو النار، ولو حاول لتحصيل شيء منها ، سبقَ الكتابُ حائلاً بينه و بين إرادته، وهذا هو نفس القول بأنّ الإنسان مسيّر لا مخيّر.

ثمّ إنّ الإمام النووي الشارح لصحيح مسلم نظر إلى هذه الأحاديث بعين الرضا والقبول، فلما رأى انّها لا تفارق


1 - صحيح مسلم:8/44، كتاب القدر.


(23)

الجبر قيد شعرة حاول تأويل قوله: «فيسبق عليه الكتاب» في كلا الموضعين، وقال: «انّ هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنّه غالب فيهم».

ثمّ إنّ من لطف اللّه تعالى وسعة رحمته انقلابُ الناس من الشر إلى الخير في كثرة وأمّا انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة، وهو نحو قوله تعالى: «إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي».(1)

يلاحظ عليـه أوّلاً: بانّ حمـل أحـد الطرفين على الغلبـة والطرف الآخـر على وجه الندرة قسمة ضيزى فانّ ظاهر الحديث أنّ سبق الكتاب في الطرفين سيّان.

وثانياً: انّ الحديث ظاهر في غلبة القدر على عمل الإنسان ونيته فربما يجعل الصالح طالحاً والطالح صالحاً، ولا صلة له بسبق رحمته على غضبه والظاهر انّ هذه الأحاديث حيكت على وفق عقائد اليهود الذين ذهبوا إلى انّ يده سبحانه مغلولة فبعد ما قضى، لا يتمكن من تغييره، غُلَّت


1 - شرح صحيح مسلم للنووي:16/435.


(24)

أيديهم.

2. وروى عنه أيضاً حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أُنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثمّ تُطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص».(1)

فعلى هذا فالصحف الأُولى التي قُدِّر فيها مصير الإنسان مطوية لا تفتح فلا يزيد فيها شيء ولا ينقص، وهذا لا يختلف عن الجبر قيد شعرة.

إنّ تفسير القضاء والقدر ـ اللّذين هما من المعارف العليا في الإسلام ـ بالمعنى الوارد في الرواية يجعل الإنسان مكتوف اليدين في خضمِّ الحياة فيسلب عنه كلّ سعي في طريق السعادة إذا كتب من أهل الشقاء أو في طريق الشقاء إذا كتب من أهل السعادة.


1 - صحيح مسلم:8/45، كتاب القدر.


(25)

3. روى عبد اللّه بن عمر، عن أبيه قال: يا رسول اللّه أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو فيما قد فرغ منه؟ فقال: بل فيما قد فرغ منه، ياابن الخطاب وكلّ ميسر، أمّا من كان من أهل السعادة فإنّه يعمل للسعادة، وأمّا من كان من أهل الشقاء فإنّه يعمل للشقاء.

وفي رواية قال: لمّا نزلت (فمنهم شقي و سعيد) سألت رسول اللّه ، فقلت: يا نبي اللّه فعلى مَ نعمل، على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كلّ ميسر لما خلق له.(1)

وهذا الحديث يعرب عن أنّه قد تمّ القضاء على الناس في الأزل وجعلهم صنفين وكلّ ميسر لما خلق له في الأزل لا لما لم يخلق له، فأهل السعادة ميسّرون للاعمال الصالحة فقط وأهل الشقاء ميسّرون للأعمال الطالحة فقط، وأي جبر أوضح و أبين ممّا جاء في هذا الحديث.


1 - صحيح مسلم: 8 / 45، كتاب القدر .


(26)

3

مضاعفات القول بالجبر

إنّ للقول بالجبر وإنّ الإنسان مسيّر لا مخيّر، مضاعفات كثيرة، نشير إلى قسم منها ونحيل الباقي إلى مجال آخر:

1. انتفاء الغرض من بعثة الأنبياء

إنّ الغرض من بعثة الأنبياء هو دعوة الناس وإرشادهم إلى معالم التوحيد ونهيهم عن الشرك في مجال العقيدة، وإلى محاسن الأخلاق وزجرهم عن مساويها في مجال العمل، يقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمّة رَسُولاً أَن اعْبُدوا اللّه وَاجْتَنِبُوا )


(27)

الطّاغُوت)(1)، وقال سبحانه: (كانَ النّاسُ أُمّةً واحدةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرين)(2) إلى غير ذلك من الآيات التي تعكس الهدف المنشود من وراء بعث الأنبياء، ولا يتحقّق هذا الغرض إلاّ في ظل كون الإنسان مخيّراً لا مسيَّراً، فلو كان مسيّراً فكلّ إنسان كتب عليه النار، فهو يدخلها ، إذن فما هو فائدة بعث الأنبياء، فإنّ دعوة الأنبياء وعدمها بالنسبة إليه سيّان؟! وهذا من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى التطويل.

2. انتفاء فائدة المناهج التربوية

التربية عبارة عن توفير أرضية مناسبة لخروج ما هو بالقوة إلى منصّة الظهور والفعلية، وهذا كالمزارع والفلاح القائمين بتربية البذور والنباتات فيوفّران ما يحتاجان إليه في إخراج الاستعداد المكنون فيهما إلى حيز الظهور والكمال،


1 - النحل:36.
2 - البقرة:213.


(28)

فليس للمربّى دور الخلق والإيجاد، بل تهيئة الظروف المناسبة لأن يُظهر الشيءُ كمالَه المستور لكي ينقلب البذر زرعاً والنبات شجراً.

وعلى ضوء ذلك فالمناهج التربوية في الإنسان، شعارها رفع المستوى الفكري له وسوقه نحو الفضائل ومنعه من السقوط في هاوية الرذائل، ومن المعلوم أنّ تحقّق هذه الغاية رهن وجود الحرية في الإنسان لكي يقع في إطار التربية، فيسير حسب الضوء الذي يريه المربي، فلو كان مسيّراً لا مخيّراً فإعمال الأساليب التربوية يُصبح أمراً لغواً غير مؤثر.

3. تكذيب الكتاب العزيز

إنّ من سبر الكتاب العزيز وتجرد عن عامّة الرواسب يجد انّ القرآن يصوّر الإنسان فاعلاً مختاراً يخاطبه فينصحه تارة، ويأمره أُخرى، ويزجره ثالثاً، ويعده رابعاً ويوعده خامساً، إلى غير ذلك من علائم الاختيار وآثاره، ونذكر منها


(29)

مايلي:

1. قوله سبحانه: (إِنّا هديناهُ السَّبيل إِمّا شاكراً وَإِمّا كفوراً).

2. قوله سبحانه: (وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَليُؤْمِن وَمَن ْ شاءَ فليَكْفُر إِنّا أَعْتَدْنا للظّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِم سُرادِقُها وَإِن يستغيثُوا يُغاثُوا بِماء كالمُهْل يَشْوِي الوُجُوهَ بئسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرتَفقاً).(1)

وللّه در الشهيد السعيد زين الدين العاملي حينما أنشد:

لقد جاء في القرآن آيةُ حكمة * تدمِّر آياتِ الضلال ومن يُجبر

وتخبر انّ الاختيار بأيدينا * فمن شاء فليؤُمن و من شاء فليكفر

3. قال سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسهِ وَمَنْ أَساءَ )


1 - الكهف:29.


(30)

فَعَليها وَما ربّكَ بِظَلاّم لِلْعَبيد).(1)

4 . قال سبحانه: (كُلُّ امرى بِما كَسَبَ رَهين).(2)

5. قال سبحانه: (لِكُلِّ امرى مِنْهُمْ مَا اكتَسَبَ مِنَ الإِثْم).(3)

6. قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ للإِنْسانِ إِلاّ ما سعى * وأَنَّ سَعْيَهُ سَوفَ يُرى * ثُمّ يُجزاهُ الجزاءَ الأوفى).(4)

إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ الإنسان مخيّر فيما يختار ويترك وليس في حياته عاملُ ضغط باسم القدر والقضاء أو غيره، يسلب عنه الاختيار، وأمّا الآيات التي ربّما يستشم منها الجبر، ككون الهداية والضلال بيد اللّه سبحانه فسيوافيك تفسيرها .

4. الجبري في ساحة الحياة، اختياريّ

كلّ من رفع راية الجبر واتّسم به في الحياة، وبنى عليه


1 - فصلت:46.
2 - الطور:21.
3 - النور:11.
4 - النجم:39ـ41.


(31)

منهجاً فلسفياً، فهو يغالط نفسه، فترى أنّه إذا ظُلم وغصب حقّه، يندِّد بالظالم ويرفع شكواه إلى المحاكم حتّى يأخذ الحاكم حقّه من الغاصب والظالم، فلو لم يكن لخصمه خيرة واختيار فما معنى التنديد والتعرض له؟ وهذا يدلّ على أنّه يصوّر الخصم المخالف إنساناً مختاراً غصب ما يملكه عن اختيار وله أن يقوم بردّه إلى صاحبه.

وبالجملة كلّ من رفع عقيرته بالجبر فهو حين الجدال والسجال وإن كان جبريّاً ولكنّه في حياته الاجتماعية اختياري على ضد الجبر ولا يقبل أيّ عذر لخصمه!!

5. الجبر واجهة لنيل المزيد من الحرية

إنّ من دوافع القول بالجبر هو اشباع الميول والغرائز الحيوانية في الحياة، فالجبري يطلب المزيد من الحرية من وراء ادّعائه الجبر، ويتستر تحت واجهة الجبر ليخلِّص نفسه من عهدة التكليف والمسؤولية، ففي الحقيقة هو لا يؤمن بالجبر


(32)

كمنهج للحياة، بل يعتقد بالحرية فيها ليعيش فيها وفقاً لما تمليه عليه غرائزه الجامحة.

إلى هنا تم الحديث عن بعض مضاعفات الجبر.

Website Security Test