welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الإرادة الإلهية التكوينيّة والتشريعيّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الإرادة الإلهية التكوينيّة والتشريعيّة

4

الإرادة الإلهية
التكوينيّة والتشريعيّة

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي حسرت عن معرفة كماله، عقول الأولياء، وعجزت عن إدراك حقيقته، أفهام العلماء، واحد لا شريك له، لا يُشبهه شيء لا في الأرض ولا في السماء; والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم، أفضل خلائقه وأشرف سفرائه، وعلى آله البررة الأصفياء، والأئمّة الأتقياء.

أمّا بعد فغير خفيّ على النابه انّ للعقيدة ـ على وجه الإطلاق ـ دوراً في حياة الإنسان أيسره انّ سلوكه وليد عقيدته ونتاج تفكيره، فالمواقف التي يتّخذها تمليها عليه عقيدتُه، والمسير الذي يسير عليه، توحيه إليه فكرته.

إنّ سلوك الإنسان الذي يؤمن بإله حىّّ قادر عليم، يرى ما يفعله، ويحصي عليه ما يصدر عنه من صغيرة وكبيرة، يختلف تماماً عن سلوك من يعتقد أنّه سيّد نفسه وسيّد الكون


(4)

الذي يعيش فيه، لا يرى لنفسه رقيباً ولا حسيباً.

ومن هنا يتّضح أنّ العقيدة هي ركيزة الحياة، وأنّ التكاليف والفرائض التي نعبّر عنها بالشريعة بناء عليها، فالعقيدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالروح والعقل، في حين ترتبط الشريعة والأحكام بألوان السلوك والممارسات.

ولأجل هذه الغاية قُمنا بنشر رسائل موجزة عن جوانب من العقيدة الإسلامية، وركّزنا على أبرز النقاط التي يحتدم فيها النقاش.

وبما أنّ لكلّ علم لغته، فقد آثرنا اللغة السهلة، واخترنا في مادة البحث ما قام عليه دليل واضح من الكتاب والسنّة، وأيّده العقل الصريح ـ الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه ورسله ـ حتّى يكون أوقع في النفوس، وأقطع لعذر المخالف.

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي تجلّى لعباده بأسمائه وصفاته، وبما أراهم من سطوته وقدرته، وانحسرت العقول عن كنه معرفته، فلم تجد مَساغاً إلى بلوغ غاية ملكوته.

والصلاة والسلام على أفضل بريّته، وأشرف خليقته، محمّد وآله الذين هم عيبة علمه، وحفظة سننه، وحجج اللّه في أرضه، مادامت الشمس والقمر دائبين، يبليان كل جديد، ويقرّبان كل بعيد.

أمّا بعد، فهذه رسالة وجيزة وضعتها لتحقيق معنى الإرادة الإلهية و مدى تأثيرها في اختيار الإنسان.

وقد طال فيها الكلام وكثر فيها النقاش، فعدّها بعضهم من صفات الذات و هم الحكماء، وعدّها الآخرون ـ أعني: المحدّثين و المتكلّمين ـ من صفات الفعل.

وأساس الرسالة محاضرات أُلقيت باللغة الفارسية


(6)

ونشرت بها، فأحببت نقلها إلى اللغة العربية بتعبيرات سهلة بسيطة، بعيدة عن التعقيد والإطناب.

وتحقيق الحقّ في ما هو الإرادة الإلهية ونسبتها إلى إرادة العبد واختياره يأتي ضمن فصول:

المؤلّف


(7)

1

في تقسيم صفاته

إنّ صفاته سبحانه تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية. و إن شئت قلت: جمالية وجلالية. فإن كانت الصفة مثبتة لجمال وكمال في الموصوف، وكانت مشيرة إلى واقعية في ذاته، تسمّى ثبوتية ذاتية أو جمالية; و إن كانت الصفة هادفة إلى نفي نقص وحاجة عنه سبحانه، تسمّى سلبية أو جلالية.

فالعلم والقدرة والحياة من الصفات الثبوتية التي تشير إلى وجود كمال وواقعية في الذات الإلهية، كما أنّ نفي الجسمانية والتحيّز والحركة والتغيّر من الصفات السلبية التي تهدف إلى سلب ما يعدّ نقصاً في الموجود، عن ساحته سبحانه.


(8)

وهذان الاصطلاحان «الجمالية والجلالية» قريبان ممّا ورد في الكتاب العزيز قال سبحانه:(تَباركَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرَام).(1)

فصفة الجلال تدلّ على ما جلّت ذاتُه عن التلبّس به، وصفة الإكرام ما تكرّمت ذاتُه به وتجمّلت، فيُوصف بالكمال، ويُنزّه بالجلال.

ثمّ إنّ علماء العقائد حصروا الصفات الجمالية في ثماني وهي: العلم، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الإرادة، التكلّم، والغنى; كما حصروا الصفات السلبية في سبع وهي: انّه تعالى ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، وانّه غير مرئي، ولا متحيّز، ولا حالّ في غيره، ولا يتّحد بشيء.

غير أنّ النظر الدقيق يقتضي عدم حصر الصفات في عدد معين، فإنّ الحقّ أن يقال: انّ الملاك في الصفات الجمالية والجلالية هو أنّ كلّ وصف يعدّ كمالاً للوجود فاللّه


1 . الرحمن:78.


(9)

موصوف به. وكلّ وصف يعتبر نقصاً وعجزاً وحاجة فهو منزّه عنه، وليس علينا أن نُحصر الكمالية والجلالية في عدد معيّن.

وعلى ذلك يمكن إرجاع جميع الصفات الثبوتية إلى وصف واحد، والصفات السلبية إلى أمر واحد، ويؤيّد ما ذكرناه انّ الأسماء والصفات التي وردت في القرآن الكريم تفوق بأضعاف المرّات العدَد الذي ذكره المتكلّمون.

تقسيم آخر

قسّم المتكلّمون صفاته سبحانه إلى: صفة الذات، وصفة الفعل. والأوّل ما يكفي فرض الذات في حمل الوصف عليه كالعلم والحياة والقدرة، فيقال: اللّه عالم، حيّ، قادر; والثاني ما يتوقّف وصف الذات به على فرض شيء وراء الذات، وهو فعله سبحانه.

فصفات الفعل هي المنتزعة من مقام الفعل، بمعنى انّ الذات توصف بالصفة عند ملاحظة الذات مع الفعل،


(10)

وذلك كالخلق والرزق ونظائرهما من الصفات الفعلية الزائدة على الذات بحكم انتزاعها من مقام الفعل.

ومعنى انتزاعها انّا إذا لاحظنا النِّعَم التي يتنعّم بها الناس نسمّيه سبحانه لأجل هذا الفعل رزاقاً، كما نسمّيه رحيماً وغافراً لأجل رحمته لعباده وغفرانه لذنوبهم.

ثمّ إنّهم اختلفوا في بعض الصفات وانّه هل هو من صفات الذات أو من صفات الفعل كالإرادة والتكلّم؟ فأهل الحديث والمتكلّمون على أنّ الإرادة من صفات الفعل تنتزع من إعمال القدرة خلافاً للحكماء فإنّهم جعلوها من صفات الذات بالمعنى المناسب لذاته سبحانه، نظير الاختلاف في الكلام فالأشاعرة على أنّه من صفات الذات، والمعتزلة والإمامية على أنّه من صفات الفعل.

أمّا وجه الاختلاف في الكلام فهو مذكور في محلّه وخارج عن هدف الرسالة.

وأمّا وجه اختلافهم في الإرادة وذهاب بعض إلى أنّه من صفات الذات والبعض الآخر إلى أنّه من صفات الفعل،


(11)

فحاصله:

إنّ من جعلها من صفات الذات فباعتبار أنّ الإرادة من صفات الكمال بشهادة انّ الفاعل المريد أكمل من الفاعل غير المريد، فسلبها عن الذات يستلزم كونه فاعلاً غير مريد، وهو نقص في الفاعلية، سواء أكانت مع الشعور أم بدونه.

وأمّا من جعله من صفات الفعل فلأجل انّ الإرادة أمر تدريجي بالذات، توجد بعد وجود مقدّمات من تصوّر الموضوع والتصديق بفائدته واشتياقاً إلى فعله إلى أن ينتهي إلى الجزم والتصميم، والإرادة بهذا المعنى أمر حادث تعالى سبحانه عن أن تقع ذاته محلاًّ للحوادث.

فلأجل هذين الأمرين اختلفت أنظارهم في أمر الإرادة وأنّها هل هي من صفات الذات أو من صفات الفعل؟ فمن جانب انّ الإرادة وصف كمال لا يمكن خلو الذات عن ذلك الكمال، ومن جانب آخر انّ حقيقة الإرادة حقيقة متجدّدة، والتجدّد عين الحدوث، والحدوث عين الفقر، واللّه سبحانه منزّه عن ذلك.


(12)

2

في حقيقة الإرادة الإنسانية

ما هي حقيقة الإرادة؟

إنّ الإرادة والكراهة كيفيّتان نفسانيّتان كسائر الكيفيّات النفسانية، يجدهما الإنسان بذاتهما بلا توسط شيء مثل اللّذة والألم وغيرهما من الأُمور الوجدانية. والمقصود في المقام تحليل ذلك الأمر الوجداني وصياغته في قالب علمي، وقد اختلفت أنظارهم في واقع الإرادة في الإنسان فضلاً عن اللّه سبحانه. وإليك الآراء المطروحة في الإرادة الإنسانية:

1. نظرية المعتزلة: الاعتقاد بالنفع

فسّرت المعتزلة الإرادة بـ«اعتقاد النفع» والكراهة


(13)

بـ«اعتقاد الضرر» قائلين بأنّ نسبة القدرة إلى طرفي الفعل والترك متساوية، فإذا حصل في النفس الاعتقاد بالنفع في أحد الطرفين، يرُجَّح بسببه ذلك الطرف و يصير الفاعل مؤثراً فيه.(1)

يلاحظ عليه:أنّ مجرّد الاعتقاد بالنفع لا يكون مبدأ وباعثاً نحو المراد، إذ كثيراً ما يعتقد الإنسان بوجود النفع في كثير من الأفعال ولا يريدها، وربّما لا يعتقد بوجوده فيها، بل يعتقد بوجود الضرر ومع ذلك يريدها لموافقتها لبعض القوى الحيوانية.

2. نظرية الأشاعرة: المخصّصة للقدرة بأحد المقدورين

فسّرت الأشاعرة الإرادة بأنّها صفة مخصِّصة للقدرة بأحد المقدورين وهي مغائرة للعلم والقدرة، لأنّ خاصية القدرة صحّة الإيجاد واللا إيجاد، وذلك بالنسبة إلى جميع الأوقات وإلى طرفي الفعل والترك على السواء.


1 . الأسفار:6/337.


(14)

يلاحظ عليه: أنّ تفسير الإرادة، بما يخصّص القدرة بأحد المقدورين، تفسير لها بأثرها ولازمها، من دون إلماع إلى حقيقتها وواقعها، إذ من آثار الإرادة هو تحديد القدرة وسوقها إلى صوب المراد، ولكنّه غير واقع الإرادة الذي نحن بصدد بيانه.

3. النظرية المعروفة : الشوق النفساني

وقد اشتهر بين المحصلين انّ الإرادة عبارة عن الشوق النفساني الذي يحصل في الإنسان تلو اعتقاده بالنفع.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً :أنّه ربّما يوجد هذا الميل والشوق، دون أن يكون هناك إرادة ، كما في الإنسان المتديّن بالنسبة للمحرمات.

وثانياً: قد يوجد الفعل بدون الشوق النفساني أو الشوق المؤكّد كما في الأفعال العادية من تحريك الأعضاء وكثير من الأفعال العبثية والجزافية، وكما في تناول الأدوية


1 . الأسفار:6/337.


(15)

غير المستساغة وغيرها، فإنّ الإنسان يشرب الدواء المرّ عن إرادة لا عن شوق.

4. الإرادة : القصد والعزم

الإرادة كيفية نفسانية متخلّلة بين العلم الجازم والفعل ويعبّر عنها بالقصد والعزم تارة، وبالإجماع والتصميم أُخرى. وليس ذلك القصد من مقولة الشوق بقسميه المؤكّد وغير المؤكّد، كما أنّه ليس من مقولة العلم رغم حضوره لدى النفس كسائر الكيفيات النفسانية.

وباختصار، حقيقة الإرادة هي العقد والميل القاطع نحو الفعل، وهذا هو المختار ويشهد عليه الوجدان.

وعلى كلّ حال فسواء أصحّت هذه التفاسير للإرادة الإنسانيّة أم لا، لكن لا يمكن تفسير الإرادة الإلهية بهذه الوجوه.

أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّ تفسير الإرادة باعتقاد النفع ملازم لإنكار الإرادة مطلقاً في الموجودات الإمكانية فضلاً


(16)

عن اللّه سبحانه، وذلك لأنّ ملجأها إلى العلم بالنفع مع أنّا نجد في أنفسنا شيئاً وراء العلم والاعتقاد بالنفع، ومن فسر الإرادة بالاعتقاد بالنفع فقد أثبت العلم وأنكر الإرادة.

وأمّا الثاني: أعني: تفسير الإرادة بتخصيص القدرة بأحد المقدورين، ففيه: انّه لا يناسب شأنه سبحانه، لأنّ التخصيص أمر حادث فتعالى أن تكون ذاته مركزاً للحوادث إلاّ أن يرجع إلى تفسير الإرادة الفعلية به دون الذاتية، فالإرادة في مقام الفعل هو ما جاء في هذا التفسير، وعلى هذا تكون الإرادة من صفات الفعل دون صفات الذات فيلزم خلوها عن ذلك الكمال.

وأمّا الثالث: ففيه انّ الشوق من مقولة الانفعال تعالى عنه، مضافاً إلى أنّ الشوق شأن الفاعل الناقص الذي يريد الخروج عن النقص إلى الكمال فيشتاق إليه شوقاً أكيداً.

وأمّا الأخير: فسواء أفسّرت بالقصد والعزم أو الإجماع والتصميم فحقيقتها الحدوث بعد العدم، والوجود بعد اللاوجود،وهي بهذا المعنى يستحيل أن يوصف به


(17)

سبحانه.

ولأجل عدم مناسبة هذه التعاريف لذاته سبحانه صار المتألّهون على طائفتين:

الأُولى: من يحاول جعلها من صفات الذات ولكن يتصرف في معنى الإرادة.

الثانية: من لا يتصرف في نفي الإرادة ولكن يجعلها من صفات الفعل كالخلق والرزق، فالجميع ينتزع من فعله سبحانه وإعمال قدرته. وأصحاب هذا القول قد أراحوا أنفسهم من الإشكالات المتوجهة إلى كون الإرادة من الصفات الذاتية للّه سبحانه.

وإليك الكلام حول هذين القولين في فصلين مختلفين.


(18)

3

الإرادة الإلهية

من

صفات الذات

قد عرفت أنّ الإرادة بتفاسيرها المختلفة لا تليق أن تنسب إلى اللّه سبحانه، ولذلك عاد القائلون بأنّ الإرادة من صفات الذات إلى تفسيرها بنحو يناسب ذاته سبحانه، وإليك تفاسيرهم:

الأُولى: الإرادة هو العلم بالأصلح

يظهر من صدرالمتألّهين وغيره، أنّ إرادته سبحانه عبارة عن العلم بالأصلح، فقال الأوّل: فثبت انّ إرادة اللّه


(19)

ليست عبارة عن القصد، بل الحقّ في كونه مريداً، انّه سبحانه وتعالى يعقل ذاته، ويعقل نظام الخير الموجود في الكلّ من ذاته، وانّه كيف يكون؟ وذلك النظام يكون لا محالة كائناً مستفيضاً وهو غير مناف لذات المبدأ الأوّل جلّ اسمه، لأنّ ذاته كلّ الخيرات الوجودية كما مرّ مراراً من أنّ البسيط الحق كلّ الأشياء الوجودية، فالنظام الأكمل الكوني الإمكاني تابع للنظام الأشرف الواجبي الحقّي، وهو عين العلم والإرادة فعلم المبدأ بفيضان الأشياء عنه، وانّه غير مناف لذاته، هو إرادته لذلك ورضاه، فهذه هي الإرادة الخالية عن النقص والإمكان.(1)

أقول: إنّ تفسير الإرادة الإلهية بالعلم بالأصلح هو الظاهر من أكثر المتأخّرين بعد صدرالمتألّهين، وقد تلقّاه الحكيم السبزواري أصلاً مسلّماً ففسّرها به، قال في منظومته:


1 . الأسفار:6/316، الموقف الرابع، الفصل الثاني. ولاحظ أيضاً ص 341، 342.


(20)

عقيب داع، دركنا الملائما * شوقاً مؤكداً إرادة سما

وفيه عين الداع عين علمه * نظام خير هو عين ذاته(1)

يلاحظ عليه: أنّ تفسير الإرادة الإلهية بالعلم بالأصلح أو العلم العنائي وإن كان سليماً عن إشكال الحدوث والتدرّج حيث إنّ علمه سبحانه بذاته علم فعلي قديم منزّه عن وصمة الحدوث والتدرج، إلاّ أنّ إرجاع الإرادة إلى العلم، يلازم نفي واقع الإرادة عنه سبحانه، لأنّ العلم والإرادة حقيقتان مختلفتان، فتفسير الثانية بالأوّل، إثبات لوصف العلم، ونفي لوصف الإرادة، فيُصبح سبحانه فاعلاً عالماً غير مريد، مع أنّ الفاعل العالم المريد أفضل وأكمل من الفاعل العالم غير المريد.

وقد نبّه بذلك بعض أئمّة أهل البيت. روى بكير بن أعين أنّه قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : علمه ومشيئته هما


1 . شرح المنظومة:179 .


(21)

مختلفان أو متّفقان؟ فقال:« العلم ليس هو المشيئة، ألا ترى أنّك تقول: سأفعل كذا إن شاء اللّه ولا تقول: سأفعل كذا إن علم اللّه، فقولك: إن شاء اللّه دليل على أنّه لم يشأ، فإذا شاء، كان الذي شاء كما شاء وعلم اللّه السابق للمشيئة».(1)

ثمّ إنّ العلاّمة الطباطبائي ممّن يسلّم انّ علمه بنظام الخير مبدأ له ، و مع ذلك يُنكر تسمية العلم بالأصلح والنظام الأتم إرادة فقال: إنّ ما ذكره صدر المتألّهين وغيره من الحكماء المتقدّمين من أمر الإرادة الذاتية، وأقاموا عليه البرهان، فهو حقّ، لكن الذي تثبته البراهين انّ ما سواه تعالى يستند إلى قدرته التي هي مبدئيته المطلقة للخير وعلمه بنظام الخير، وأمّا تسمية العلم بالخير والأصلح، إرادة أو انطباق مفهوم الإرادة بعد التجريد على العلم بالأصلح الذي هو عين الذات فلا .

نعم قام البرهان على أنّه واجد لكلّ كمال وجودي،


1 . الكافي:1/109، باب الإرادة من صفات الفعل.


(22)

وهذا لا يوجب تخصيص الإرادة من بينها بالذكر في ضمن الصفات الذاتية. وبالجملة ما ذكروه حق من حيث المعنى وإنّما الكلام في إطلاق لفظ الإرادة وانطباق ما جرّد من مفهومها، على صفة العلم.(1)

وليعلم أنّ القول باتّحاد صفاته سبحانه مع ذاته ليس بمعنى أنّ كلّ وصف عين الوصف الآخر كأن تكون الإرادة عين العلم، بل المراد أنّ ذاته سبحانه كلّه علم وفي الوقت نفسه كلّه قدرة وكلّه حياة دون أن يشكّل العلم جزءاً من الذات والقدرة جزءاً آخر حتّى يلزم التركيب، فلا يصحّ أن يقع القول بعينيّة صفاته مع الذات، ذريعة لتفسير الإرادة بالعلم بالأصلح.

الثانية: إرادته سبحانه هو ابتهاجه بذاته

هذه هي النظرية الثانية التي اختارها بعض المحقّقين من مشايخ مشايخنا ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ فقد فسّر الإرادة


1 . الأسفار:6/316قسم التعليقة.


(23)

بالابتهاج وجعل له مرحلتين:

1. الابتهاج الذاتي وهو الإرادة في مقام الذات.

2. الابتهاج الفعلي ينبعث من الابتهاج الأوّل قائلاً: فإنّ من أحب شيئاً أحبّ آثاره، وهذه المحبة الفعلية هي الإرادة في مقام الفعل وأسماها بالإرادة الفعلية، فقال في كلام مبسوط:

«لا ريب عند أهل النظر أنّ مفاهيم الصفات ـ حسبما يقتضيه طبعهاـ متفاوتة متخالفة، لا متوافقة مترادفة، وإن كان مطابَقها واحداً بالذات من جميع الجهات، فكما أنّ مفهوم العلم غير مفهوم الذات وسائر الصفات، وإن كان مطابَق مفهوم العلم والعالِم، ذاته بذاته; حيث إنّ حضور ذاته لذاته، بوجدان ذاته لذاته، وعدم غيبة ذاته عن ذاته، كذلك ينبغي أن يكون مفهوم الإرادة بناء على كونها من صفات الذات ـ كمفهوم العلم ـ مبائناً مع الذات ومفهوم العلم، لا أنّ لفظ الإرادة معناه العلم بالصلاح، فانّ الرجوع الواجب هو الرجوع


(24)

في المصداق، لا رجوع مفهوم إلى مفهوم. ومن البين أنّ مفهوم الإرادة ـ كما هو مختار الأكابر من المحقّقين ـ هو الابتهاج والرضا، و ما يقاربهما مفهوماً، ويعبّر عنه بالشوق الأكيد فينا.

والسرّ في التعبير عنها بالشوق فينا، وبصرف الابتهاج والرضا فيه تعالى: أنا لمكان إمكاننا ناقصون غير تامّين في الفاعلية، وفاعليتنا لكلّ شيء بالقوة، فلذا نحتاج في الخروج من القوة إلى الفعل إلى أُمور زائدة على ذواتنا ـ من تصوّر الفعل والتصديق بفائدته والشوق الأكيد ـ المميلة جميعاً للقوة الفاعلة المحرّكة للعضلات، بخلاف الواجب تعالى فإنّه ـ لتقدّسه عن شوائب الإمكان وجهات القوة والنقصان ـ فاعل وجاعل بنفس ذاته العليمة المريدة، وحيث إنّه صرف الوجود، وصرف الوجود صرف الخير، فهو مبتهج بذاته أتمّ ابتهاج، وذاته مرضية لذاته أتمّ الرضا. وينبعث من هذا الابتهاج الذاتي ـ وهي الإرادة الذاتية ـ ابتهاج في مرحلة الفعل، فإنّ من أحبّ شيئاً أحبّ آثاره،


(25)

وهذه المحبّة الفعلية هي الإرادة في مرحلة الفعل، وهي التي وردت الأخبار عن الأئمّة الأطهار ـ سلام اللّه عليهم ـ بحدوثها(1); لوضوح أنّ المراد هو الإرادة التي هي غير المراد، دون الإرادة الأزلية التي هو عين المراد; حيث لا مراد في مرتبة ذاته إلاّ ذاته، كما لا معلوم في مرتبة ذاته إلاّ ذاته.(2)

ويظهر من الحكيم السبزواري ارتضاؤه ، قال في منظومته:

مبتهج بذاته بنهجة * أقوى ومن له بشيء بهجة

مبتهج بما يصير مصدره * من حيث إنّه يكون أثره


1 . أُصول الكافي:1/85ـ86، باب الإرادة، نشر المكتبة الإسلامية; وتوحيد الصدوق: 146ـ 148، باب صفات الذات والأفعال، الحديث 15ـ 19، نشر جماعة المدرسين.
2 . نهاية الدراية:1/278ـ 279


(26)

كرابط لا شيء باستقلاله * ليس له حكم على حياله

رضاؤه بالذات بالفعل رضا * وذا الرضا إرادة لمن قضى(1)

يلاحظ على تلك النظرية بما مرّ في النظرية السابقة، فإنّ تفسير الإرادة الإلهية بابتهاج الذات و إن كان يدفع مشكل التدريج والحدوث، لكن الإشكال الآخر باق بحاله، فإن واقع الابتهاج في الإنسان من مقولة الانفعال، والإرادة أشبه بمقولة الفعل، فتفسير الإرادة بالابتهاج ـ حتّى مع التجريد عن النقص ـ يستلزم نفي وصف الإرادة عنه سبحانه.

إنّ الإرادة في الإنسان رمز الاختيار والحرية، فالفاعل المريد، مختار في فعله، يوجده بإرادته، وأين هي من تفسير الإرادة بالابتهاج الذي هو رمز كون الفعل ملائماً لذات الفاعل وطبعه؟! فتفسير أحدهما بالآخر نفي لواقع المفسَّر.


1 . شرح المنظومة:180

Website Security Test