welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : البلوغ حقيقته ، علاماته وأحكامه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

البلوغ حقيقته ، علاماته وأحكامه

البلوغ
حقيقته ، علاماته وأحكامه

تأليف
الفقيه المحقق

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(4)


(وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِينَفرُوا كَافَّةً فَلَو لا نفر مِن كُلِّ فِرقَةٍ منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدينِ ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يحذرون)

(التوبة : 122 )


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّالعالمين
والصلاة و السّلام على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

أمّا بعد: فهذه رسالة وجيزة في البلوغ، حقيقته وعلائمه:

للبحث عن البلوغ جوانب متعددة، فتارة يبحث عنه في علم الطب، وأُخرى في الحقوق والقانون الوضعيّ، وثالثة في الفقه الاِسلامي، ورابعة في العرف وعامة الناس، وإشباع الكلام في كلّ واحد، من تلك الجوانب بحاجة إلى بحث مسهب خارج عن هدف الرسالة وإنّما نشير إليها بوجه موجز:

أمّا الجانب العلمي والطبي فيبحث فيه عن عوارض البلوغ المختلفة، من اشتداد العظم، وغلظة الصوت، وطول القامة، ونموّ الصدر في الرجل، وظهور الثديين في المرأة، وظهور الشعر في العانة إلى غير ذلك من العوارض


(6)

الطبيعية التي تظهر عند بلوغ الذكر والاَُنثى، وقد تعرّض إليها علم وظائف الاَعضاء مفصلاً.(1)

وأمّا الجانب الحقوقي والقانوني فيبحث فيه عن البلوغ بما انّه مبدأ زوال الحجر عن الاِنسان، فإنّ غير البالغ محجور في تصرفاته عامّة، فإذا بلغ، نفذت تصرفاته، فبُذِلت جهود لمعرفة عوارض البلوغ وعلائمه من هذه الزاوية.

وأمّا الجانب الفقهي فيبحث عن البلوغ الذي هو مبدأ التكليف ومن لم يبلغ فقد رفع عنه القلم، فالبلوغ موضوع للاَحكام التكليفية والوضعيّة.

وفي الوقت نفسه هو أمر عرفي وله حقيقة لغوية عرفية يعرفها الناس مفهوماً ومصداقاً، غير أنّ الشارع مع إمضائه للمفهوم العرفي جعل له ضوابط رفع بها الاِبهام الذي يحفُّ حوله فليست للبلوغ حقيقة شرعية أو متشرعية.


(1) و من أراد التفصيل فليرجع إلى سلسلة كتاب: «چه مى3دانم» باللغة الفارسية الجزء المختص بالبلوغ .


(7)

البلوغ في الذكر الحكيم

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تحقيق البلوغ من منظار الذكر الحكيم، وقد عبّـر عنه سبحانه في آياته بالتعابير الثلاثة التالية:

بلوغ الحلم، بلوغ النكاح، بلوغ الاَشد.

فلنتناول كلّ واحد منهابالبحث:

الاَوّل: بلوغ الحُلُم

قال سبحانه: «يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنُكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآياتِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» .(1)

وقال سبحانه: «وَإِذا بَلَغَ الاََطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا


(1) النور:58.


(8)

اسْتَأذَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكيمٌ» .(1)

أمر سبحانه: العبيدَ والاِماء والاَطفال أن يستأذنوا إذا أرادوا الدخول إلى مواضع الخلوات. فقوله: «الّذينَمَلَكَتْ أَيمانكُم» إشارة إلى العبيد والاِماء، وقوله: «وَ الّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُم» إشارة إلى الاَطفال غير البالغين.

وأمّا مواضع الخلوة، فهي عبارة عن الاَوقات الثلاثة من أوقات ساعات الليل والنهار وفسّرت بالشكل التالي:

1. «مِنْ قَبْل صَلاةِ الْفَجْرِ» حيث إنّ الاِنسان يبيت عرياناً أو بلباس النوم.

2. «وَ حينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَهِيرَة» للنوم أو للترويح عن أنفسهم نتيجة الاِرهاق والتعب الذي يصيبهم.

3. «وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ» حينما يأوي الرجل إلى امرأته ويخلو بها.

فهذه الاَوقات الثلاثة التي أمر اللّه سبحانه الاِماء والعبيد والاَطفال بالاستئذان عند الدخول وسمّاها «ثَلاثُ عَورات لَكُمْ» .

نعم رفع عنهم أيّجناح في غير هذه الاَوقات الثلاثة، وقال: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لاعَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ» أي بعد هذه الاَوقات الثلاثة، ثمّبيّن وجه رفع الجناح، بقوله: «طوّافون عَلَيْكُم» أي هوَلاء الخدم والاَطفال يطوفون بعضهم على بعض، فلا يمكن الاستئذان في كلّ دخول.


(1) النور:59.


(9)

وأمّا الآية الثانية فقد أمر سبحانه الطائفتين بالاستئذان على وجه الاِطلاق، وهما: البالغون من الاَطفال حيث قال: «وَ إِذا بَلَغَ الاََطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُم» ، والاَحرار الكبار كما قال سبحانه: «كَمَا اسْتَأْذَنَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» .(1)

فحصيلة الآيتين: انّ العبيد والاِماء وغير البالغين يستأذنون في ساعات الليل والنهار ثلاث مرات، وأمّا البالغون والكبار الاَحرار يستأذنون في جميع الاَوقات، هذا ما يرجع إلى تفسير الآية حسب ظاهرها.

ولصاحب الكشاف هنا كلام قيِّم نأتي بنصه، قال: كان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته حُيِّيتم صباحاً، وحُيّيتم مساء، ثمّ يدخل فربّما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصدّ اللّه عن ذلك، وعلّم الاَحسن والاَجمل، وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة، قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك بينا أنت في بيتك إذا رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممّن سمع ما أنزل اللّه فيه وما قال رسول اللّه _ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم _، ولكن أين الاَُذن الواعية؟!(2)


(1) إشارة إلى ما ورد في الآية 27 أعني قوله سبحانه:««يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيوتاً غيرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا»» . لاحظ الميزان.
(2) الزمخشري: الكشاف: 2|69.


(10)

ما هو المراد من بلوغ الحلم؟

قد عرفت أنّالاستئذان في جميع الاَوقات منوط ببلوغ الحلم، وهو آية البلوغ، ولكن يجب تحقيق معناه، فنقول: هنا عدّة احتمالات:

أ. أن يكون المراد من الحلم هو العقل الذي يحصل بعد التمييز، فهناك طفولية، وتمييز وتعقّل، فالبالغ رتبة العقل يستأذن في جميعها، ويوَيده استعمال الحلم في القرآن بمعنى العقل، قال سبحانه: «أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَومٌ طاغُونَ» .(1)

ب. أن يكون المراد هي الروَية في المنام، وفي القاموس: الحلم بالضم، والاِحتلام: الجماع في النوم سواءخرج منه المني أم لا.

ج. الاِحتلام كناية عن خروج المنيّ، وهو الذي عبّر به الفقهاء كالمحقق في الشرائع سواء كان في اليقظة أو في المنام، ولا خصوصية للاِحتلام أي الجماع في النوم، فإنّه قد يتحقّق بدون خروج المني، كما أنّخروج المني قد يتحقّق بدونه، فالعبرة حينئذٍ في البلوغ بخروج المني دون الروَية في المنام.

د. أن يكون المراد هوالاستعداد لخروج المني بالقوة القريبة من الفعل، وذلك بتحريك الطبيعة والاحساس بالشهوة، سواء انفصل المني معه عن الموضع المعتاد أم لم ينفصل، لكن بحيث لو أراد ذلك بالوطء أو الاستمناء تيسر له وكون الخروج شرطاً في الغُسل لا يقتضي كونه كذلك في البلوغ،


(1) الطور:32.


(11)

ضرورة دوران الاَمر في الاَوّل على الحدثية المتوقف صدقها ولو شرعاً على الخروج، بخلاف الثاني الذي هو أمر طبيعي لا يختلف بظهور الانفصال وعدمه.(1)

هذه هي المحتملات، والاَوّل بعيد جداً، لاَنَّ تعليق الحكم على أمر معنوى (العقل) في مجال الاَطفال يوجب الفوضى، وربما يقع الاِنسان في حيرة من أمره عند تطبيق الضابطة على المورد، وانّهذا الطفل هل بلغ من العقل، مبلغ الرجال الموضوع للحكم أو لا؟

وأمّا الثاني فالآية تقسم الاَولاد إلى قسمين:

1. «الّذين لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُم» .

2. الّذينَ بَلَغُوا الحُلم.

والقسم الثاني بما أنّهم بلغوا الحلم، فهم المسوَولون عن تطبيق الحكم على الموضوع، وأمّا القسـم الاَوّل فبما أنّـهم غير مكلّفيـن، فالاَوليـاء هم المسوَولون عن تطبيق الحكم على الموضوع، فإذن يجب أن يكون الموضوع أمراً ظاهراً بيَّناً وجوداً وعدماً، والروَية الجنسية التي هي التفسير الثاني للآية أمر خفي لا يطّلع عليه الاَولياء بسهولة حتى يميّزوا البالغين للحلم عن غيرهم.

وبذلك يعلم عدم صحّة الوجه الرابع، لاَنّ استكشاف الاستعداد وعدمه أمر صعب، فمن أين يقف الولي على انّه مستعد للجماع أو لا؟ فيتعين المعنى الثالث، وعليه بعض الروايات كما سيوافيك.


(1) النجفي: الجواهر:26|11.


(12)

وإن أبيت فالمعنيان: الثالث والرابع من جهة القرب سواء.

فإن قلت: إذا كان خروج المني هو الملاك، فجعله علامة للبلوغ أمر لغو، وذلك لتأخره عن الخمس عشرة سنة الذي هو الحدّ عند المشهور للبلوغ السنّي.

قلت: إنّ تأخر الاحتلام أمر غالبي وليس أمراً دائمياً، كما يقول صاحب الجواهر:

ولقد شاهدنا من احتلم في ثلاث عشرة سنته واثنتي عشرة سنته، وقال بعض الاَفاضل: ينبغي القطع بالاِمكان في الثلاث عشرة فما فوقها لقضاء العادة بالاحتلام في ذلك غالباً.(1)

روي مرفوعاً عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ أنّه قال: «يثغر الغلام لسبع سنين، ويوَمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لاَربع عشرة».(2)

ولقد حدّثني بعض زملائي أنّه احتلم وله من العمر عشر سنين.

على أنّه لا يكون لغواً، لاَنّ الرجوع إلى الاِحتلام إذا جُهِلَ السن، وإلاّ فلو علم السن فيحكم بالبلوغ، وأمّا إذا جهل فالاِحتلام يكشف عن البلوغ الحادث به أو السابق عليه.

* * *


(1) النجفي: الجواهر: 26|13.
(2) الوسائل:الجزء 15، الباب 74، من أبواب أحكام الاَولاد، الحديث 5.


(13)

الثاني: بلوغ النكاح

قال سبحانه: «وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَأْكُلُوها إِسرافاً وَ بِدْاراً أَنْيَكْبَرُوا وَ مَنْ كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللّهِ حَسِيباً» .(1)

اتّفق الفقهاء على أنّه لا يدفع مال اليتيم إلاّ بعد البلوغ واستئناس الرشد، فقد عبّرت الآية عن الشرط الاَوّل ببلوغ النكاح وهو في اللغة بمعنى الوطء، ولا شكّ انّه لا يشترط إذا علم البلوغ والرشد، فلا محالة يفسّر بما فسّرت به الآية الاَُولى، وهو خروج المني كما هو المختار، أو قابليته على النكاح والوطء وهو الاحتمال الرابع فيها.

الثالث: بلوغ الاَشد

جاء بلوغ الاَشد في غير واحد من الآيات:

قال سبحانه: «وَ لا تَقْرَبُوا مالَالْيَتِيمِ إِلاّبِالّتي هِيَ أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ» .(2)

وقال سبحانه: «وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ»(3).


(1) النساء:6.
(2) الاَنعام: 152.
(3) يوسف: 22.


(14)

وقال عزّ وجلّ: «ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ» .(1)

وقال عزّ وجلّ: «وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً».(2)

وقال سبحانه: «ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً» .(3)

وقال عزّ وجلّ: «وَوَصَّيْنَا الاِِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحساناً» ـ إلى أن قال: ـ «حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعينَ سَنَة» .(4)

والآية الثانية نزلت في يوسف، والرابعة في موسى، وغيرهما في نوع الاِنسان.

والمراد من بلوغ الاَشد بلوغه من القوة، الذي يكون مبدوَه الاحتلام ونهايته بلوغ الاَربعين، ولاَجل ذلك ترى انّه جمع في سورة الاَحقاف بين بلوغ الاَشد وبلوغ الاَربعين.

والآية الثالثة تدل على أنّ بلوغ الاَشد، خروج عن الطفولية، ودخول في البلوغ؛ كما أنّالآية الخامسة تقسم حياة الاِنسان إلى ثلاثة مراحل: الطفولة، وبلوغ الاَشد، والشيخوخة.وهي تدل على أنّ البلوغ أمر تدريجيّ له مراتب من القوة والشدّة، وإنّ الشارع جعل المرتبة البدائية منه، موضوعاً للاَحكام.


(1) الحج:5.
(2) القصص:14.
(3) غافر:67.
(4) الاَحقاف:15.


(15)

وعلى ضوء ذلك فالآيات المذكورة تنطبق على الاِحتلام الملازم لخروج المني من دون فرق بين خروجه حين اليقظة أو المنام، ولا يستفاد من الآيات أزيد من ذلك، وقد أشار القرآن إلى علامة واحدة واضحة للبلوغ وهي الاِحتلام، ولا ينافيه وجود علامات أُخرى له.

البلوغ في السُنّة

وقد وردت علامات للبلوغ في السنّة الشريفة:

1. الاحتلام.

2. الاِنبات.

3. السن.

فلنتناول كلّواحدة منها بالبحث، فنقول:

1. الاحتلام

لقد تضافرت الروايات على أنّ الاِحتلام من أمارات البلوغ، وقد عبّر عنه في الروايات، تارة بالفعل الماضي، أعني: قوله: «إذا احتلم». أو بالمصدر، أعني: قوله: «إِذا بَلَغُوا الحُلُم» ، كما نلاحظه من الروايات التالية:

1. ما في خبر طلحة بن زيد، من قول أبي عبد اللّه عليه السَّلام: «فإذا بلغوا


(16)

الحلم كتبت عليهم السيئات».(1)

2. ما في رواية حمران من قول أبي جعفر_ عليه السلام _: «لا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يشعر، أو ينبت».(2)والاِنبات هو وجود الشعر في العانة، بخلاف الاَوّل وهو وجوده في غيرها.

إلى غير ذلك من الروايات.(3)

والروايات تعاضد الآية، حيث إنّالبلوغ أمر تدريجي، فلو احتلم قبل السن يحكم ببلوغه، وأمّا إذا احتلم بعد السن فيكشف عن بلوغه السابق.

والظاهر من الروايات وكلمات الفقهاء عدم الفرق بين الذكر والاَُنثى.

قال المحقّق: من علامات البلوغ خروج المني الذي يكون منه الولد من الموضع المعتاد ويشترك في هذا، الذكور والاِناث.(4)

وقال العلاّمة في «القواعد»: الثاني خروج المني الذي يكون منه الولد من الموضع المعتاد سواء الذكر والاَُنثى.(5)

وقال السيد الطباطبائي في العروة: المرأة تحتلم كالرجل، ولو خرج منها المني حينئذٍ وجب عليها الغسل، والقول بعدم احتلامهن ضعيف.(6)


(1) الوسائل: الجزء 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 1،2، 9، 11، 12.
(2) الوسائل: الجزء 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 1،2، 9، 11، 12.
(3) الوسائل: الجزء 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 1،2، 9، 11، 12.
(4) نجم الدين الحلي: الشرائع: 2| 351، كتاب الحجر.
(5) القواعد على ما في مفتاح الكرامة:5|267.
(6) الطباطبائي: العروة الوثقى، فصل في غسل الجنابة، المسألة 6.


(17)

وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: سألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، قال: «إن أنزلت فعليها الغسل، وإن لم تنزل فليس عليها الغسل».(1)

ومع هذا الدعم من الفقهاء والروايات على احتلام المرأة، نجد انّثلّة من علماء الطبيعة ينفون أن يكون للمرأة منيّاً، بل يرون انّ لها بويضة تتلاقح مع الحيوان المنوي، وليس لها سائل دافق باسم المني، وما يشاهد من السوائل عند الملاعبة فليس منيّاً لها. واللّه العالم.

2. الاِنبات:

والمراد إنبات الشعر على العانة من دون فرق بين الذكر والاَُنثى، قال الشيخ في الخلاف: الاِنبات دلالة على بلوغ المسلمين والمشركين.

وقال أبو حنيفة: الاِنبات ليس بدلالة على بلوغ المسلمين ولا المشركين ولا يحكم به بحال.

وقال الشافعي: هو دلالة بلوغ المشركين وفي دلالته على بلوغ المسلمين قولان.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم من غير تفصيل.

وأيضاً ما حكم به سعد بن معاذ على بني قريظة، فإنّه قال: حكمتُ بأن يُقتل مقاتِِلهم، ويُسبى ذراريهم وأمر بأن يكشف عن عورتهم، فمن نبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذراري، فبلغ ذلك النبيّ _ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم _ فقال:


(1) الوسائل: الجزء1، الباب 7 من أبواب الجنابة، الحديث 5، راجع سائر أحاديث الباب.


(18)

«لقد حكم سعد بحكم اللّه من فوق سبع سماوات» وروي «سبعة أرفعة».(1)

والعجب من بعضهم التفريق في هذه العلامة بين المشرك والمسلم. وهل العلامة مطلق إنبات الشعر ولو في الوجه وتحت الاِبط والصدر أو نباته على العانة فقط؟ ويذكر الاَطباء الثانية (الاِنبات على العانة) على اعتقاد منهم بأنّ إنبات الشعر على العانة له صلة بالقابلية على الاِنجاب، وقد وردا في بعض الروايات معاً ـ كما مرّ ـ قوله: أشعر أو أنبت قبل ذلك.

ثمّ الظاهر من إطلاق معقد الاِجماع انّه علامة البلوغ مطلقاً من غير فرق بين الذكر والاَُنثى ومن فرّق بينهما، فقد فرّق بلا وجه.

هذه هي العلامات العامة المشتركة بين الذكر والاَُنثى، بقي الكلام في العلامة الخاصة لكل منهما وهي السن، وقد ألّفنا الرسالة لاِيضاح هذا الجانب.

3. السن:

يقع الكلام في مقامين: سن البلوغ في الذكر، وسنّ البلوغ في الاَُنثى.


(1) الطوسي: الخلاف:3|281، المسألة 1، كتاب الحجر.


(19)

المقام الاَوّل: سن البلوغ في الذكر

لا شكّ انّ السن علامة للبلوغ وقد تضاربت أقوال السنّة، والقول المشهور عند الشيعة هو بلوغه خمس عشرة سنة، ولا بأس بنقل كلمات الفريقين:

1. قال الشيخ في الخلاف: يراعى في حدّالبلوغ في الذكور بالسن خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي، وفي الاِناث تسع سنين، وقال الشافعي: خمس عشرة سنة مثل الذكور.

وقال أبو حنيفة: الاَُنثى تبلغ باستكمال سبع عشرة سنة، وفي الذكور عنه روايتان:

إحداهما: يبلغ باستكمال تسع عشرة سنة، وهي رواية الاَصل.

والاَُخرى: ثمان عشرة سنة، وهي رواية الحسن بن زياد اللوَلوَي.

وحكي عن مالك أنّه قال: البلوغ بأن يغلظ الصوت، وأن ينشق الغضروف وهو رأس الاَنف، وأمّا السن فلا يتعلق به البلوغ.وقال داود: لا يحكم بالبلوغ بالسن.(1)

2. وقال العلاّمة: الذكر والمرأة مختلفان في السن، فالذكر يُعلم بلوغه بمضي خمس عشرة سنة، والاَُنثى بمضي تسع سنين عند علمائنا، وممّن خالف بين الذكر والاَُنثى أبوحنيفة، وسوّى بينهما الشافعي والاَوزاعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل ومحمد وأبو يوسف، وقالوا: حدّ بلوغ الذكر والاَُنثى بلوغ خمس عشرة سنة.


(1) الطوسي: الخلاف: 3|282، المسألة 2، كتاب الحجر.


(20)

وقال أبو حنيفة: حدّ بلوغ المرأة سبع عشرة سنة بكلّ حال، وله في الذكر روايتان، إحداهما سبع عشرة سنة أيضاً، والاَُخرى ثمان عشرة كاملة.

وقال أصحاب مالك: حدّ البلوغ في المرأة سبع عشرة سنة، وثمان عشرة سنة.(1)

وأمّا أقوال أصحابنا فالظاهر انّها لا تتجاوز عن الثلاثة:

1. انّه الخمس عشرة سنة، وهو القول المشهور الذي كاد أن يكون مورد الاتفاق قبل ظهور الاَردبيلي _ قدس سره _ نعم مال هو في آخر كلامه إلى غيره.

2. انّه الاَربع عشرة سنة، نسبه العلاّمة إلى ابن الجنيد في مختلف الشيعة وقال: استدل ابن الجنيد بحديث أبي حمزة الثمالي وظاهر عبارته انّ المستدل هو ابن الجنيد، لا العلاّمة.

3. انّه الثلاث عشرة سنة، وهو مختار الشيخ في قضاء النهاية، قال في باب «جامع من القضايا والاَحكام» روى عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر _ عليه السلام _ قلت له: في كم تجري الاَحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة...».(2) والمعروف انّ النهاية هو كتاب الفتوى بتجريد المنقول عن الاَسانيد، ولكنّه عدل عنه في كتاب الخلاف كما سيوافيك.

وأمّا القول بالعشر سنين فلا صلة له بالبلوغ وإنّما أجاز الشيخ وغيره وصيةَ الصبي إذا بلغ العشر سنين، كما سيوافيك بيانه.


(1) ابن المطهر الحلي: تذكرة الفقهاء:2|74، كتاب الحجر.
(2) الطوسي: النهاية: 354.


(21)

هذه هي الاَقوال ولنذكر خصوص من ادّعى الاِجماع أو الاتّفاق أو الشهرة بالنسبة إلى القول الاَوّل:

1. قال الشيخ في الخلاف: يراعى في حدّ البلوغ في الذكور بالسن خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي، إلى أن قال: دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)

2. وقال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: «وَابْتَلُوا اليَتامى»(2) قال أصحابنا: حدّ البلوغ إمّا كمال خمس عشرة سنة، أو بلوغ النكاح، أو الاِنبات.(3)

3. قال ابن إدريس: والاعتماد عند أصحابنا على البلوغ في الرجال وهو إمّا الاحتلام، أو الاِنبات في العانة، أو خمس عشرة سنة وفي النساء الحيض أو الحمل أو تسع سنين.(4)

4. وقال ابن زهرة: حدّ السن في الغلام خمس عشرة سنة، وفي الجارية تسع سنين بدليل الاِجماع المشار إليه.(5)

5. قال العلاّمة في التذكرة: السن عندنا دليل على البلوغ، وبه قال جماهير العامة كالشافعي والاَوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل، لما رواه العامة عن ابن عمر: قال: عرضت على رسول اللّه في جيش وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردّني، وعرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردّني، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلني.


(1) الطوسي: الخلاف: 3|282، كتاب الحجر، المسألة 2.
(2) النساء:6.
(3) الطبرسي: مجمع البيان:3|16.
(4) ابن إدريس: السرائر:2|199، نوادر كتاب القضاء.
(5) بن زهرة: الغنية: 215، كتاب الحجر.


(22)

وعن أنس عن النبي _ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم _ قال: إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة، كتب ما له وما عليه وأخذت منه الحدود.

وقال تحت قوله: تذنيب: لا يحصل البلوغ بنفس الطعن في سن الخامس عشر إذا لم يستكملها عملاً بالاستصحاب وفتوى الاَصحاب.(1)

6. وقال أيضاً: المشهور انّ حدّ البلوغ في الصبي خمس عشرة سنة.

وقال ابن الجنيد أربع عشرة سنة.(2)

7. وقال الفاضل الآبي: السن وفي كميته اختلاف والعمل على أنّه خمس عشرة سنة، ولعلّ ما وردت بدون ذلك من الروايات محمولة على ما إذا احتلم أو أنبت في تلك السنة فإنّا نشاهد من احتلم في اثني عشرة وثلاث عشرة سنة.(3)

8. وقال ابن فهد: في الحدّ الذي يعرف به بلوغ الذكر للاَصحاب أقوال ثلاثة: المشهور خمس عشرة، ثمّذكر رواية حمزة بن حمران، ثمّذكر القول الثاني وهو ثلاث عشرة إلى أربع عشرة ولم يذكر القول الثالث إلاّبالاِشارة وهو القول بالعشرة وسيوافيك انّه مختص بنفوذ الوصية.(4)

9. وقال الفاضل المقداد: في تفسير قوله تعالى: «حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاح» أو يبلغ خمس عشرة سنة عندنا.(5)

10. وقال الشهيد الثاني: في شرح قول المحقّق «وبالسن» وهو بلوغ


(1) ابن المطهر: التذكرة: 74ـ75، كتاب الحجر، البحث الثاني في السن.
(2) ابن المطهر: المختلف:5|431، كتاب الحجر، ط موَسسة النشر الاِسلامي.
(3) الفاضل الآبي: كشف الرموز: 1|552، كتاب الحجر.
(4) ابن فهد: المهذّب البارع: 2|517ـ 518.
(5) الفاضل المقداد: كنز العرفان:2|103.


(23)

خمس عشرة سنة للذكر، وفي أُخرى إذا بلغ عشراً وكان بصيراً، قال: والمشهور بين أصحابنا بل كاد أن يكون إجماعاً هوالاَوّل ويعتبر إكمال السنة الخامسة عشرة، وأمّا رواية بلوغ العشر في جواز الوصية فهي صحيحة وفي معناها روايات إلاّأنّها لا تقتضي البلوغ.(1)

هوَلاء من أفتوا بالخمس عشرة سنة وادّعوا عليه الاِجماع أو الشهرة وأمّا الذين أفتوا بالخمس عشرة سنة ولم يدّعوا عليه الاِجماع فحدِّث عنه ولا حرج، فقد نقله السيد العاملي، عن كثير من الكتب الفقهية، ومن أراد فليرجع إلى «مفتاح الكرامة».(2)

دليل القول المشهور

ولنتناول دليل القول المشهور بالبحث ثمّنعد إلى القولين الآخرين.

واعلم أنّه يدلّ على القول المشهور أُمور:

1. خبر حمران قال: سألت أبا جعفر _ عليه السلام _ : قلت له متى يجب على الغلام أن يوَخذ بالحدود التامة، ويقام عليه ويوَخذ بها؟ قال: « إذا خرج عنه اليتم وأدرك» قلت: فلذلك حدّ يعرف به؟ فقال: «إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر، أو أنبت قبل ذلك، أُقيمت عليه الحدود التامة وأُخذ بها وأُخذت له ـ إلى أن قال: ـ ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يشعر، أو ينبت قبل ذلك».(3)


(1) زين الدين العاملي: المسالك: 4|144، كتاب الحجر.
(2) العاملي، مفتاح الكرامة: 5|238، كتاب الحجر.
(3) الوسائل: الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2.


(24)

وفي سند الرواية 1. عبد العزيز العبدي 2. حمزة بن حمران، 3.حمران.

أمّا الاَخير فهو حمران بن أعين يصفه أبو غالب الزراري، بقوله: لقي سيدنا سيد العابدين علي بن الحسينعليمها السَّلام، وكان من أكبر مشايخ الشيعة المفضّلين الذين لا يشك فيهم، وكان أحد حملة القرآن، ومن بعده يذكر اسمه في القراءات.(1)

وأمّا الثاني، فلم يرد في حقّه مدح ولا ذم، ولكن رواية المشايخ كصفوان وابن أبي عمير، وجمع كثير من الاَكابر عنه (2)، يورث الوثوق.

وأمّا الاَوّل فضعّفه النجاشي قائلاً: كوفي روى عن أبي عبد اللّه، ضعيف ذكره ابن نوح، له كتاب، يرويه جماعة ـ إلى أن قال: ـ عن الحسن بن محبوب بن عبد العزيز بكتابه.(3)ويحتمل جداً أن يكون تضعيفه لوجود الغلو في عقيدته الذي لا ينافي صدق لسانه ويوَيده احتمال اتحاده مع عبد العزيز بن عبد اللّه الذي روى الاربليّ في كشف الغمة ما يدل على وجود الغلو فيه.(4)وعلى كلّتقدير فالرواية صالحة للتأييد بل للاستدلال، وسنعود إليها أيضاً عند الكلام في بلوغ الاَُنثى.

2. صحيح يزيد الكناسي قال: قلت لاَبي جعفر _ عليه السلام _: متى يجوز للاَب أن يزوج ابنته ولا يستأمرها؟ قال: إذا جازت تسـع سنين ـ إلى أن قال:ـ قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: «يا أبا خالد انّ


(1) قاموس الرجال:4|13و28.
(2) قاموس الرجال:4|13و28.
(3) قاموس الرجال: 6|179.
(4) قاموس الرجال:6|178.


(25)

الغلام إذا زوّجه أبوه ولم يدرك كان بالخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك».(1)

والسند لا غبار عليه إلاّ في الاَخير، وأمّا يزيد فهو أبو خالد القماط الذي ترجَمه النجاشي، وقال: يزيد أبو خالد القماط كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه له كتاب يرويه جماعة.(2)ولم يصفه النجاشي بالكناسي.

ولكن وُصِفَ في سند الرواية بالكناسي الذي عنونه الشيخ ولم يوثقه، وتُحْتَمَل وحدة الراويين فيكون ثقة، ويحتمل تعددهما بشهادة انّه لو كان الوارد في رجال النجاشي هو نفس ما عنونه الشيخ، كان عليه، وصفه بالكناسي لاَنّ اشتهاره به كما يظهر من الشيخ، يوجب ذكره.

والذي يدل على التعدّد، اختلاف من يروي عنهما، فيروي عن يزيد أبي خالد القماط: 1. درست بن منصور، 2. علي بن عقبة، 3. إبراهيم بن عمر، 4. خالد بن نافع، 5. صالح بن عقبة، 6. صفوان بن يحيى، 7. محمد ابن أبي حمزة، 8. محمد بن سنان، 9. يحيى بن عمران، 10. ثعلبة.

ويروي عن يزيد الكناسي: 1. هشام بن سالم، 2. أبو أيوب، 3. جميل بن صالح، 4. حسن بن محبوب، 5. علي بن رئاب.

ولو كان الاسمان لمسمّى واحد، يلزم اشتراكهما فيمن يروى عنهما في الغالب.

مضافاً إلى ما في المتن من التفصيل الغريب حيث حكم انّ الجارية البالغة إذا عقدت بعد البلوغ فليس لها الخيار، بخلاف غير البالغة وهو


(1) الوسائل: الجزء 14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.
(2) النجاشي: الرجال: رقم 1224.


(26)

عجيب جداً، ولاَجل ذلك أعرض عنه المشهور.(1)نعم ورد في الوسائل اسم «بريد» مكان «يزيد» وهو تصحيف قطعاً، لاَنّ كلّ من كُنّي بـ «أبي خالد»، فاسمه يزيد كأبي خالد الاَعور، وأبي خالد البزاز، وعلى كلّ تقدير لم يثبت أن يزيد الكناسي الوارد في الرواية والذي عنونه الشيخ ولم يوثّقه، نفس ما عنونه النجاشي باسم يزيد أبو خالد القماط ووثقه فالرواية صالحة للتأييد لا للاحتجاج كالرواية السابقة.

3. ما رواه يزيد الكناسي عن أبي جعفر _ عليه السلام _ وفيه: أمّا الحدود الكاملة التي يوَخذ بها الرجال فلا، ولكن يجلد في الحدود كلّها على مبلغ سنّه (فيوَخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة) ولا تبطل حدود اللّه في خلقه ولا تبطل حقوق المسلمين بينهم.(2)

والمذكور بين الهلالين رواه الشيخ في التهذيب دون الكليني، أضف إليه، انّه يحتمل وحدة الروايتين وإن اختلفتا في اللفظ كثيراً وتوَيده وحدة السند في ما روي في باب النكاح وما روي في باب الحدود، فعدّه رواية ثالثة كما في الجواهر لا يخلو من تأمّل.

هذه هي الروايات التي عرفت حالها، ولاَجل ذلك قال الاَردبيلي: وبالجملة ما رأيت خبراً صحيحاً صريحاً في الدلالة على خمس عشرة سنة فكيف في إكماله؟(3)

ولكن في الشهرة المحقّقة والاِجماعات المدعاة غنى وكفاية، وقد حقّقنا في الاَُصول انّ الشهرة الفتوائية بنفسها حجّة شرعية، وكان أصحاب


(1) لاحظ كتابنا: نظام النكاح في الشريعة الاِسلامية:1|169.
(2) الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1.
(3) مجمع الفائدة: 9|188.


(27)

الاِمام الصادق، يقدّمونها على النص المسموع من الاِمام لاحتمال التقيّة في المسموع دون المشهور بين أصحابه، فلاحظ.(1)

وكمله من شواهد في الروايات النبوية وفقه السيرة النبوية نأتي بها:

1. «فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله، وماعليه، وأخذ منه الحدود».(2)

2. انّ عبد اللّه بن عمر عرض على النبي عام بدر وهو ابن ثلاث عشرة سنة فردّه، وعرض عليه عام أُحد وهو ابن أربع عشرة سنة فردّه، ولم يره بالغاً، وعرض عليه عام الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه في المقاتلة.(3)

3. عرض على النبي يوم أُحد: أُسامة بن زيد، وزيد بن ثابت واستيذن ظهير فردهم، ثمّ أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة سنة وانّمن جملة من ردّ في ذلك اليوم البراء بن عازب وأبو سعيد الخدري، وزيد ابن أرقم.(4)

4. ويمكن استفادة القول المشهور من صحيح معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ في كم يوَخذ الصبيّ بالصيام؟ قال: «ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة، فإنّ هو صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته».(5)


(1) المحصول: 3|214.
(2) الخلاف: الجزء 3، كتاب الحجر، المسألة 2.
(3) سنن البيهقي: 6|55.
(4) عيون الاَثر، كما في الجواهر:26|25.
(5) الوسائل: الجزء7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.


(28)

والمراد من قوله: «كم يوَخذ الصبيّ بالصيام» أي يوَمر به لئلاّ يشقّ له بعد البلوغ.

ولا غبار في السند، وأمّا تقديم خمس عشرة سنة على أربع عشرة سنة، فلعلّه من تصرف الراوي، وقد عبر الصدوق في «المقنع» بقوله: روي أنّ الغلام يوَخذ بالصوم ما بين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك.(1)

وعلى ضوء ذلك فقد كان تعبير الاِمام بالنحو التالي:

«ما بينه وبين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة» ومن المعلوم أنّه يشتد الاَخذ حسب بلوغه وطعنه في العمر.

وجه الاستدلال: انّ الرواية بصدد بيان وظيفة الولي وأنّها تنتهي ببلوغ الصبي الخمس عشرة ولازمه استقلال الصبي وانتهاء ولاية الوليّ، وهو يلازم البلوغ.

ويدلّ على ما ذكرنا صدر هذه الرواية المروية في الوسائل في أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، جاء فيه: كم يوَخذ الصبي في الصلاة؟ قال: «ما بين سبع سنين وست سنين».(2)وبما أنّالصلاة أخف من الصوم يوَخذ الصبي في السنين الست أو السبع، وأمّا الصوم فيحتاج إلى قوّة وقدرة فيوَخذ إذا بلغ أربع عشرة أو خمس عشرة، فدلالة الرواية على القول المشهور دلالة التزامية.

5. مرسلة عباس بن عامر، عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال:


(1) الصدوق: المقنع:195، كتاب الصوم، الباب 8.
(2) الوسائل:الجزء 3، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.


(29)

«يوَدّب الصبي على الصوم ما بين خمس عشرة سنة إلى ست عشرة سنة».(1)

وجه الاستدلال على القول المشهور على نحو ما مرّفي الرواية السابقة وهوأنّ الرواية بصدد بيان وظيفة الولي وأنّها تنتهي عند الست عشرة ومعناه انتهاء الولاية واستقلاله في تصرفاته وهو يلازم البلوغ.

هذه هي الروايات التي تدل على القول المشهور إمّا بالدلالة المطابقية أو الاِلتزامية، ولعلّ المجموع يثبت القول المشهور وإن كان كلّ واحد غير خال عن الاِشكال. نعم، لا محيص عن حمل الرواية الاَخيرة على إكمال الخمس عشرة والدخول في الست عشرة حتى تنطبق على الروايات السابقة وحملها على إكمال الست عشرة يستلزم تحقّق البلوغ بالدخول في السبع عشرة ولم يقل به أحد.

عرض الروايات المخالفة

هناك روايات تدل على أنّ حدّالبلوغ هو الثلاث عشرة فإن أُريد منه كمال العدد والدخول في الاَربع عشرة، تنطبق على قول ابن الجنيد إذا أراد ـهو ـ من قوله أربع عشرة، الدخولَ في الرابع عشر، وهذه الروايات لا تتجاوز عن ثلاث:

1. خبر أبي حمزة الثمالي.

2. صحيح ابن سنان الذي روي بطرق ثلاثة وتنتهي الجميع إلى عبد اللّه بن سنان.

3. رواية عمار الساباطي.


(1) الوسائل: الجزء7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 13.
Website Security Test