welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : عدلة الصحابة بين العاطفة والبرهان*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

عدلة الصحابة بين العاطفة والبرهان

10

عدلة الصحابة
بين
العاطفة والبرهان

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي حسرت عن معرفة كماله، عقول الأولياء، وعجزت عن إدراك حقيقته، أفهام العلماء، واحد لا شريك له، لا يُشبهه شيء لا في الأرض ولا في السماء; والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم، أفضل خلائقه وأشرف سفرائه، وعلى آله البررة الأصفياء، والأئمّة الأتقياء.

أمّا بعد فغير خفيّ على النابه انّ للعقيدة ـ على وجه الإطلاق ـ دوراً في حياة الإنسان أيسره انّ سلوكَه وليدُ عقيدته ونتاج تفكيره، فالمواقف التي يتّخذها تمليها عليه عقيدتُه، والمسير الذي يسير عليه، توحيه إليه فكرته.

إنّ سلوك الإنسان الذي يؤمن بإله حىّّ قادر عليم، يرى ما يفعله، ويحصي عليه ما يصدر عنه من صغيرة وكبيرة، يختلف تماماً عن سلوك من يعتقد أنّه سيّد نفسه وسيّد الكون


(6)

الذي يعيش فيه، لا يرى لنفسه رقيباً ولا حسيباً.

ومن هنا يتّضح أنّ العقيدة هي ركيزة الحياة، وأنّ التكاليف والفرائض التي نعبّر عنها بالشريعة بناء عليها، فالعقيدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالروح والعقل، في حين ترتبط الشريعة والأحكام بألوان السلوك والممارسات.

ولأجل هذه الغاية قُمنا بنشر رسائل موجزة عن جوانب من العقيدة الإسلامية، وركّزنا على أبرز النقاط التي يحتدم فيها النقاش.

وبما أنّ لكلّ علم لغته، فقد آثرنا اللغة السهلة، واخترنا في مادة البحث ما قام عليه دليل واضح من الكتاب والسنّة، وأيّده العقل الصريح ـ الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه ورسله ـ حتّى يكون أوقع في النفوس، وأقطع لعذر المخالف.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(7)

اتجاهان حول

الصحبة والصحابة

تمهيد

لقد احتدم النزاع منذ عصر مبكّر حول الصحبة والصحابة، أعني: الذين التفّوا حول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخاضوا معه المعارك والمغازي، ورفعوا رايةَ الإسلام خفّاقة في أحلك الظروف، وأشد المواقف، وجاهدوا بين يديه بأنفسهم ونفيسهم حتّى نشروا الإسلام في ربوع الأرض.

ولا شكّ في أنّ هذا يثير مشاعر كلّ مسلم واع يعتزّ بدينه وشريعته ورسوله وقرآنه، ويشدّه. إلى حبّهم وودّهم حتّى صار حب الصحابة من مظاهر حب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد اشتهر بأنّ من أحب شيئاً أحبّ آثاره ولوازمه، فمن أحب


(8)

الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقد أحب المتعلّمين على يديه والمجاهدين دونه.

هذا ممّا لا سترة ولا خلاف فيه، إنّما الكلام في أنّ مجرّد صحبة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سواء أكانت قصيرة الأمد أم طويلته، هل تجعل الصحابي إنساناً مثالياً بعيداً عن المعاصي، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها طول عمره؟!

أو انّ صحبة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تؤثر في سلوك الصحابي وأخلاقياته، وأنّ كلّ من صحبه يستضيء بنوره وبيانه حسب قابلياته واستعداداته ؟!

ولأجل ذلك ظهر هنا اتجاهان:

أحدهما: عدالة الصحابة برُمّتهم استغراقاً في حبهم ونزولاً عند حكم العاطفة لصاحب الشريعة وأنصاره، وهو خيرة جمهور أهل السنّة.

ثانيهما: انّ صحبة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تؤثر في سلوك الصحابي وأخلاقياته حسب قابلياته، فمنهم من بلغ قمة الكمال حتّى أصبح يُستدرّ به الغمام، ومنهم من لم يبلغ هذا الشأو ولكن استضاء بنور النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحسنت صحبته وسلمت سريرته،


(9)

ومنهم من لم ينل إلاّ حظاً قليلاً، وما هذا إلاّ لتفريطه وتقصيره.

والنظرية الثانية هي خيرة الشيعة الإمامية ولفيف من غيرهم.

فالغاية من تأليف هذه الرسالة هو القضاء بين هذين الاتجاهين على ضوء القرآن الكريم والسنّة الشريفة والتاريخ الصحيح والعقل الحصيف بأسلوب موضوعي بعيد عن التعصّب والعاطفة .

ويأتي ما هو المقصود ضمن أُمور:


(10)

1

مَن هو الصحابي ؟

اختلفت كلمة جمهور أهل السنّة في تعريف الصحابي مع اتّفاقهم على عدالته، فاتّفقوا على حكم(عدالة الصحابي) لم يُحدَّد موضوعه سعة وضيقاً عندهم.وإليك نصوصهم في هذا الشأن:

1. قال سعيد بن المسيب: الصحابي، ولا نعدّه إلاّ من أقام مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين.

2. قال الواقدي: رأينا أهل العلم يقولون: كلّ من رأى رسول اللّه وقد أدرك فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممّن صحب رسول اللّه، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه


(11)

على طبقاتهم وتقدّمهم في الإسلام.

3. قال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللّه كلّ من صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه.

4. قال البخاري: من صحب رسول اللّه أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.

5. وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب: لا خلاف بين أهل اللغة في أنّ الصحابي مشتق من الصحبة، قليلاً كان أو كثيراً، ثمّ قال: ومع هذا فقد تقرر للأُمّة عرف، فإنّهم لا يستعملون هذه التسمية إلاّ فيمن كثرت صحبته، و لا يجيزون ذلك إلاّ فيمن كثرت صحبته لا على من لقيه ساعة أو مشى معه خطى، أو سمع منه حديثاً، فوجب ذلك أن لا يجري هذا الاسم على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول و معمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع عنه إلاّ حديثاً واحداً.

6. وقال صاحب الغوالي: لا يطلق اسم الصحبة إلاّ على من صحبه ثمّ يكفي في الاسم من حيث الوضع،


(12)

الصحبةُ ولو ساعة ولكن العرف يخصُّصه بمن كثرت صحبته.

قال الجزري بعد ذكر هذه النقول، قلت: وأصحاب رسول اللّه على ما شرطوه كثيرون، فإنّ رسول اللّه شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألف سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه«هوازن» مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلّهم له صحبة.(1)

إنّ التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم ممّا لا تساعد عليه اللغة والعرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن جماعة تكون لهم خلطةومعاشرة معه مدّة مديدة، فلا تصدق على من ليس له حظ إلاّ الرؤية من بعيد، أو سماع الكلام أو المكالمة أو المحادثة فترة يسيرة، أو


1 - أُسد الغابة:1/11ـ12، طبع مصر.


(13)

الإقامة معه زمناً قليلاً.

وأعجب منه كما تقدّم انّهم اتّفقوا على عدالة كل صحابي مع أنّهم اختلفوا في مفهوم الصحابي اختلافاً واسعاً، ومن الواضح انّ اتّفاقهم على العدالة رهن اتّفاقهم على تعريف محدد وجامع للمفهوم الصحابي.


(14)

2

الصحبة

وملاكات الاختلاف

لا شكّ انّ للصحبة تأثيراً في النفوس من غير فرق بين كون المصاحَب مصاحَب سوء أو غيره، فلذلك نرى أنّ المجرم يوم القيامة يتمنّى عدم اتخاذ فلان صديقاً، يقول سبحانه حاكياً عنه: (يا وَيْلَتى لَيْتَني لَمْ أَتّخذ فُلاناً خَليلاً)(1) ، ويقول أيضاً حاكياً عن الخلّة والصحبة: (الأَخلاّءُ يَومئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدوٌّ إِلاّ الْمُتَّقين)(2) ، فإذا كان لصحبة السوء تأثير في تكوين شخصية الإنسان، فلصحبة الأخيار تأثير في النفوس


1 - الفرقان:28.
2 - الزخرف:67 .


(15)

القابلة المستعدة، فربما ترفعه إلى منزلة عالية، وهذا شيء يلمسه كلّ إنسان في واقعه العملي.

لا شكّ انّ لصحبة الأخيار أثراً تربوياً، ولكن مدى تأثيرها يختلف حسب اختلاف عناصر ثلاثة، هي:

1. السن.

2. الاستعداد.

3. مقدار الصحبة.

أمّا الأوّل فلا شكّ انّ الإنسان الواقع في إطار التربية إذا كان إنساناً يافعاً أو شاباً في عنفوان السن يكون قلبه وروحه كالأرض الخالية تنبت ما أُلقي فيها، فربما تُكوّن الصحبةُ شخصية كاملة تعدّ مثلاً للفضل والفضيلة، وهذا بخلاف ما إذا كان طاعناً في السن، واكتملت شخصيّته الروحية والفكرية، فانّ النفوذ في النفوس المكتملة الشخصية والتأثير عليها والثورة على أفكارها وروحياتها واتجاهاتها أمر صعب، فيكون تأثير الصحبة أقل بمراتب من الطائفة الأُولى.


(16)

وأمّا الثاني ـ أعني: الاختلاف في الاستعداد ـ فهو أمر لا يحتاج إلى البيان، فكما أنّ البشر يختلفون في تقبّل العلم، فهكذا هم يختلفون في مقدار قبول الهداية الإلهية، ولهذا نرى أنّ من تخرّجوا عن مدرسة الرسول يختلفون إيماناً وإيثاراً وأخلاقاً و سلوكاً .

وأمّا الثالث أي مقدار الصحبة فقد كانوا مختلفين فيه، فبعضهم صحب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أيّاماً أو ساعة فهل يصحّ أن نقول: انّ صحبة ما، قلعت ما في نفوسهم جميعاً من جذور غير صالحة وملكات ردية، وكوّنت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح.

وهذه العوامل تؤيد الاتجاه الثاني القائل بأنّ تأثير الصحبة في صحابة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن على نحو يجعل الجميع على حدّ سواء من الإيمان والفضل والتقوى والإيثار


(17)

والزهد والخير، ومادامت هذه الاختلافات سائدة عليهم فمن البعيد أن نجعلهم على غرار واحد ونزن الكل بصاع معيّن، ونحكم على الكلّ بصفاء النفس، والتجافي عن زخارف الدنيا .

إنّ صحبة الصحابة لم تكن أشدّ ولا أقوى ولا أطول من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط، فقد صحبتا زوجيهما الكريمين، ولبثتا معهما ليلاً ونهاراً ولكن هذه الصحبة ـ للأسف ـ ما أغنت عنهما من اللّه شيئاً، قال سبحانه:(ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امرأةَ نُوح وَامرأةَ لُوط كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيئاً وَقِيلَ ادْخُلا النّار مَعَ الدّاخِلين).(1)

إنّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بزوجية النبي، وقد قال سبحانه في شأنها : (يا نِساءَ النَّبيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيّنة يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَين وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيراً).(2)


1 - التحريم:10.
2 - الأحزاب30.


(18)

وأنت ترى الكتاب العزيز يندّد بنساء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأجل كشف سره ويعاتبهنّ في ذلك.

يقول سبحانه: (وَإِذ أسرّ النبيّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حديثاً فَلَما نَبّأت بِهِ وَأَظهرهُ اللّه عَليهِ عَرّف بعضه وَأعرض عَنْ بَعض فَلَما نبّأها به قالَتْ مَنْ أنْبأك هذا قال نبّأني العَليمُ الخبيرُ * إِنْ تَتُوبا إِلى اللّه فقَدْ صَغَتْ قُلُوبكُما وَإِن تَظاهرا عليه فَإِنّ اللّه هُوَ مَولاهُ وَجِبريلُ وَصالحُ المُؤْمنين والْمَلائكةُ بَعْد ذلك ظهير* عسى ربُّهُ إِنْ طلَّقكنَّ أن يُبْدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً).(1)

فأي عتاب أشدّ من قوله سبحانه: (ان تَتُوبا إلى اللّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبكما)أي مالت قلوبكما عن الحقّ، كما أنّ قوله: (وإِنْ تَظاهرا عليه) يعرب عن وجود أرضية فيهن للتظاهر ضدّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخلافه، وهو سبحانه أخبر عن إخقاق أُمنيتهنّ، لأنّ اللّه ناصر النبي وجبرئيل وصالح


1 - التحريم:3ـ5.


(19)

المؤمنين والملائكة.

كلّ ذلك ينبئ عن أنّ الصحبة ليست علّة تامة لتحويل المصاحب إلى إنسان عادل صالح خائف من اللّه، ناء عن اقتراف السيّئات حقيرة كانت أو كبيرة، بل هي مقتضية لصلاح الإنسان إذا كان فيه قابلية للاستضاءة، وعزم للاستفاضة.

ومعنى هذا انّ للصحبة تأثيراً متفاوتاً وليست على وتيرة واحدة.


(20)

3

الصحبة

ونفي البعد الإعجازي لها

إنّ دعوة الأنبياء ـ لاسيّما دعوة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ ابتنيت على أُسس رائجة في ميادين الدعوة، فكانوا يدعون بالقول والعمل والتبشير والتنذير، ومثل هذا النوع من الدعوة يؤثر في طائفة دون طائفة ، كما أنّه عند التأثير يختلف تأثيره عند من يلبّي دعوته، ولم تكن دعوته دعوة إعجازية خارجة عن قوانين الطبيعة، فالرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الإعجاز، بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحق مستعيناً بالأساليب التربوية المتاحة والإمكانيات المتوفرة، والدعوة القائمة على هذا الأساس يختلف أثرها في النفوس


(21)

حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها ، ولم يكن تأثير الصحبة في تكوين الشخصية الإسلامية كمادة كيمياوية تستعمل في تحويل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب حتّى تصنع الصحبةُ الجيلَ الكبير الذي يناهز مائة ألف، أُمّة عادلة مثالية تكون قدوة وأُسوة للأجيال المستقبلة، فانّ هذا ممّا لا يقبله العقل السليم.

فبالنظر إلى ما ذكرنا نخرج بالنتيجة التالية:

إنّ الأُصول التربوية تقضي بأنّ بعض الصحابة يمكن أن يصل في قوة الإيمان و رسوخ العقيدة إلى درجات عالية، كما يمكن أن يصل بعضهم في الكمال والفضيلة إلى درجات متوسطة، ومن الممكن أن لا يتأثر بعضهم بالصحبة وسائر العوامل المؤثرة إلاّ شيئاً طفيفاً لايجعله في صفوف العدول وزمرة الصالحين.

ويقول بعض المعاصرين تحت عنوان: «هل للصحابي خصوصية مسألة العدالة»:

وأرى أنّ أوّل الخلل يكون عندما نتعامل مع الصحابة


(22)

وكأنّهم جنس آخر غير البشر، والقرآن الكريم والسنّة المطهرة لا يوجد فيها أبداً هذا التفريق بين الصحابة وغيرهم إلاّ ميزة الفضل للمهاجرين والأنصار الذين كانت لهم ميزة الجهاد والإنفاق أيّام ضعف الإسلام وذلّة أهله، أمّا بقية الأُمور كطروء النسيان والوهم والخطأ وارتكاب بعض الكبائر، فهذه وجدت وحصل من بعض السابقين ومن كثير من اللاحقين.

ولم أجد دليلاً مقنعاً صحيحاً صريحاً يفرق بين شروط العدالة بين جيل وآخر، لا استثني من ذلك صحابة ولا تابعين.(1)

وما ذكرناه هو نتيجة التحليل على ضوء الأُصول النفسية والتربوية غير أنّ البحث لا يكتمل ولا يصحّ القضاء الباتّ إلاّ بالرجوع إلى القرآن الكريم حتّى نقف على نظره فيهم، كما تجب علينا النظرة العابرة إلى كلمات الرسول في حقّهم ثمّ ملاحظة سلوكهم في زمنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعده. وسيوافيك بيانه في الفصول المستقبلة.


1 - الصحبة والصحابة:217ـ 218.


(23)

4

الصحابة أبصر بحالهم من غيرهم

إنّ من سبر تاريخ الصحابة بعد رحيل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، يجد فيه صفحات مليئة بألوان الصراع والنزاع بينهم، حافلة بتبادل التّهم والشتائم، بل تجاوز الأمر بهم إلى التقاتل وسفك الدماء، فكم من بدري وأُحدي انتُهكت حرمته، وصُبّ عليه العذاب صبّاً، أو أُريق دمه بيد صحابي آخر.

وهذا ممّا لا يختلف فيه اثنان، بيد أنّ الذي ينبغي التنبيه عليه، هو أنّ كلاً من المتصارعين ، كان يعتقد أنّ خصمه متنكّبٌ عن جادة الصواب، وأنّه مستحقّ للعقاب أو القتل، وهذا الاعتقاد، حتّى وإن كان نابعاً عن اجتهاد، فإنّه يكشف عن أنّ كلاً من الفئتين المختلفتين لم تكن تعتقد بعدالة الفئة


(24)

الأُخرى.

فإذا كان الصحابي يعتقد أنّ خصمه عادل عن الحق ومجانب لشريعة اللّه ورسوله، وهو على أساس ذلك يبيح سلّ السيف عليه وقتله، فكيف يجوز لنا نحن أن نحكم بعدالتهم ونزاهتهم جميعاً، وأن نضفي عليهم ثوب القدسيّة على حدّ سواء؟! ونُبرّأهم من كل زيغ وانحراف؟

أو ليس الإنسان أعرف بحاله وأبصر بروحيّاته؟

أو ليس الصحابة أعرف منّا بنوازع أنفسهم، وبنفسيات أبناء جيلهم؟

هذا وراء ما دار بينهم كلمات تكشف عن اعتقاد بعضهم في حق بعض، فالاتّهام بالكذب والنفاق والشتم والسب كان من أيسر الأُمور المتداولة بينهم، فهذا هو سعد بن عبادة سيّد الخزرج، يخاطب سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس وينسبه إلى الكذب كما حكاه البخاري في صحيحه عن عائشة أنها قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج


(25)

فقال لسعد [بن مـعاذ ]كـذبت لعمـر اللّه... فقـام أُسيـد ابن حضير وهو ابن عم سعد[ بن معاذ ]فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللّه يخفِّضهم حتّى سكتوا وسكت.(1)

وليست هذه القضية فريدة في بابها فلها عشرات النظائر في الصحاح والمسانيد وفي غضون التاريخ. وإنّما ذكرته ليكون كنموذج لما لم أذكر، وسيوافيك في الفصول التالية نماذج من أفعالهم وأقوالهم التي يكشف عن اعتقادهم في حقّ مخالفيهم.

أو ليس من العجب العجاب، انّ الصحابي يصف صحابياً آخر ـ في محضر النبي ـ بالكذب، والآخر يصف خصمه بالنفاق، وكلا الرجلين من جبهة الأنصار


1 - صحيح البخاري:3/245، كتاب التفسير، رقم الحديث4750.


(26)

وسنامهم؟! ولكن الذين جاءوا بعدهم يصفونهم بالعدل والتقوى، والزهـد والتجافي عن الدنيا، وهل سمعت ظئراً أرحم بالطفل من أُمّه.(1)


1 - مثل يضرب.


(27)

5

ما هي الغاية من نقد

آراء الصحابة وأفعالهم؟

قد أثبتت البحوث السابقة انّ الصحابة من جنس البشر وليسوا من جنس الملائكة المعصومين الذين (لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ)(1) فهم كالتابعين وتابعي التابعين في كلّ ما يجوز ومالا يجوز، فتحريم البحث عن حياتهم ونقد آرائهم وأفعالهم، تخصيص بلا جهة.

وقد تذرّعوا في تحريم نقدهم «بأنّ الصحابة هم المصدر لأخذ الدين والمسلمون متطفّلون على موائدهم حيث


1 - التحريم:6.


(28)

أخذوا عنهم دينهم، فنقد آرائهم وأفعالهم ينتهي إلى تقويض دعائم الدين» ولكن هذا التذرّع لا يثبت أمام الآيات الصريحة والأحاديث النبوية والتاريخ الصحيح الواردة في نقد آراء الصحابة وأفعالهم.

أضف إلى ذلك: انّ المسلمين كما أخذوا دينهم عن الصحابة أخذوا عن التابعين أيضاً، فلو ثبت ما تذرّعوا به لسرى التحريم إلى التابعين أيضاً، وقد اتّفق المسلمون على خلافه في مورد التابعين.

إنّ البحث حول الصحابة لا يؤول إلى انهيار الدين وتصدّع الشريعة، مادام يعيش بين ظهرانيهم علماء ربّانيّون هم أُسوة في الحياة، أُمناء على الدين والدنيا، فلا يضرّ جرح طائفة أو فئة خاصة بثبات الدين وقوامه.

ومع ذلك كلّه، نرى أنّ علماء الرجال وأصحاب الجرح والتعديل يحذرون من نقد حياة الصحابة أشدَّ الحذر ويعدّون ذلك من عمل المبتدعة، يقول الحافظ ابن حجر في الفصل الثالث من «الإصابة»:


(29)

اتّفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك، فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللّه لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، ثمّ نقل عدّة آيات حاول بها إثبات عدالتهم وطهارتهم جميعاً، إلى أن قال: روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه فاعلم أنّه زنديق، وذلك انّ الرسول حقّ والقرآن حق، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.(1)

أقول: إنّ نقد الصحابي عقيدة وفعلاً ليس لغاية إبطال الكتاب والسنّة، ولا لإبطال شهود المسلمين، وإنّما الغاية من البحث في عدالتهم هي الغاية ذاتها من البحث في عدالة غيرهم، فالغاية في الجميع هي التعرف على الصالحين


1 - الإصابة:1/17.


(30)

والطالحين، حتّى يتسنّى لنا أخذ الدين عن الصلحاء واجتناب أخذه عن غيرهم، فلو قام الرجل بهذا العمل وتحمّل العبء الثقيل، لما كان عليه لوم، فلو قال أبو زرعة مكان هذا القول:«إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه أو كذبه، أو خيره أو شرّه، حتّى يأخذ دينه عن الخيرة الصادقين ويتحرز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحقّقين في الدين والمتحرين للحقيقة»، لكان أحسن وأولى، بل هو الحق والمتعيّن.

ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبّت في أُمور الدين، والتحقيق في مطالب الشريعة، بالزندقة وانّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّ الآلاف المؤلّفة من أصحابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فلا يضرّ بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين القيم قائماً بهذا الصنف من المجروحين«ما هكذا تورد يا سعد الإبل».


(31)

6

هل الصحابة الكرام

فوق الأنبياء؟

إنّ من سبر كتب الحديث والتفسير يجد انّ السلف الصالح ينسبون إلى الأنبياء قصصاً خرافية ويلهجون بأكاذيب شنيعة بلا اكتراث ولا تكذيب، ولكنّهم يتورّعون عن دراسة حياة الصحابي ونقد أفعاله وآرائه وأقواله، وربما يتّهمون الناقل بالزندقة وإبطال شهود المسلمين، فما هذا التبعيض؟! فهل يحظى الصحابة بالتكريم أكثر ممّا يحظى به الأنبياء؟! وهل هم فوق رجال السماء في النزاهة وكرامة النفس؟! وإليك بعض الأكاذيب الشنيعة التي ملئت بها كتب التفاسير .


(32)

1. أُكذوبة الغرانيق

قال ابن كثير في تفسير قوله سبحانه: (وما أَرسلنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلا نَبيّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلقى الشَّيطان في أُمْنِيّته فَينسخُ اللّهُ ما يُلقي الشَّيطانُ ثُمّ يُحكِمُ اللّهُ آياتِه وَاللّه عَليمٌ حَكيم*لِيَجْعَل ما يُلقي الشَّيطانُ فِتنَةً لِلّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقاسِيَةِ قُلُوبُهُم وَإِنّ الظّالِمِين لَفي شِقاق بَعيد*وليعلَمَ الّذينَ أُوتُوا العِلمَ أَنّهُ الحَقُّ من رَبّك فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتخبِت لَهُ قُلوبهُم وَإِنّ اللّه لهاد الّذينَ آمنوا إِلى صراط مُستَقيم).(1)

قد ذكر كثير من المفسّرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم انّ مشركي قريش قد أسلموا، ولكنّها من طرق كلّها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح.

قال ابن أبي حاتم: حدّثنا يونس بن حبيب، حدّثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال:

قرأ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بمكة النجم، فلمّـا بلغ هذا


1 - الحج:52ـ 54.


(33)

الموضع:(أفرأيتُم اللاّت والعُزّى* وَمَناة الثالثة الأُخرى)، قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وانّ شفاعتهن ترتجى، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية :(وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ إلاّ إذا تمنّى ألقى الشيطان في أُمنيته فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان ثمّ يحكم اللّه آياته واللّه عليم حكيم).(1)

لا يشكّ أي مسلم عارف بحقّ النبي الخاتم في أنّ القصة مكذوبة، والأدلّة على نزاهة النبي عن هذه، كثيرة، ويكفيك انّ سورة الحجّ مدنية أمر فيها بالأذان بالحجّ وأذن فيها بالقتال وأمر فيها بالجهاد ولم يكن هذا الأمر وهذا الإذن إلاّ بعد الهجرة بأعوام. وانّ الذي بين ذلك، و بين الوقت الذي يجعلونه لخرافة الغرانيق أكثر من عشرة أعوام. ولو أغمضنا عن ذلك، إذ لا مانع من كون السورة مكية وبعض


1 - تفسير ابن كثير:4/655; ولاحظ تفسير الطبري:17 في تفسير نفس الآية، ص 131، وغيرهما.


(34)

آياتها مدنية، لكفى في إبطالها ما أقمنا عليه في محاضراتنا.(1)

والغرض الأسنى من ذكر هذه الأُكذوبة انّ القوم ينقلون هذه الأكاذيب الشنيعة المنسوبة إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولكنّهم يتورّعون عن دراسة حال الصحابي ونقد رأيه وفعله، فكأنّ الصحابة عندهم أرفع وأنزه من الأنبياء المعصومين بنص الكتاب!!

وهذه القصة التي وردت في كتب التفسير لأهل السنّة صارت أساساً لكتاب «الآيات الشيطانية» لسلمان رشدي المرتدّ حيث نشر كتابه هذا في الملأ العام وأضاف إلى هذه القصة أضعافاً كثيرة ممّا أوحى إليه شيطانه. وقد حكم الإمام الخميني رحمه اللّه بارتداده ووجوب قتله.

2. اتّهام داود ـ عليه السَّلام ـ بقتل زوج أوريا و تزوّجها

إنّ نبي اللّه داود ـ عليه السَّلام ـ أحد الأنبياء العظام الذي وصفه


1 - سيرة سيّد المرسلين:1/488ـ 497.


(35)

سبحانه بقوله: (وَآتاهُ اللّه الْمُلك وَالحِكْمَة وعلّمه ممّا يَشاء)(1) وقد بلغ من الكمال حدّاً، أن كانت الجبال تتجاوب معه في التسبيح، يقول سبحانه: (وَلَقَد آتَيْنا داود منّا فَضْلاً يا جِبالُ أوّبي مَعَهُ والطَّير).(2)

كما سخّر له اللّه سبحانه الجبال والطير، فقال: (إِنّا سَخّرنا الجِبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيّ وَالإشْراقِ* وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ).(3)

أفهل يتصوّر في حق نبي بلغ من الكمال ما بلغ أن يعشق امرأة محصنة وهي أوريا، ثمّ يمهد الطريق لقتل زوجها لغاية التزوّج بها؟ ومع ذلك ملئت بهذه الخرافة، التفاسير.

يروي المفسرون في تفسير قوله سبحانه: (وَهَلْ أَتاكَ نَبأ الخَصم إِذ تسوّرُوا المحرابَ* إِذ دَخَلُوا عَلى داودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْض فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ* إِنّ هذا أَخي لَهُ


1 - البقرة:251.
2 - سبأ:10.
3 - ص:18ـ19.


(36)

تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَليَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنيهَا وَعَزَّني فِي الخطاب*قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثيراً مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَليلٌ مَا همْ وَظَنَّ داوُدُ إنّّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ).(1)

...جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة حتّى وقع عند رجليه، وهو قائم يصلّي، فمدّ يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتّى وقع في كوّة، فذهب ليأخذها، فطار من الكوّة، فنظر أين يقع، فذهب في أثره، فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فالتَفّت بشعرها فاستترت به، فزاده ذلك فيها رغبة، فسأل عنها، فأُخبر أنّ لها زوجاً غائباً بمسلحة كذا وكذا. فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره أن يبعث إلى عدوّ كذا وكذا... فبعثه ففتح له أيضاً، فكتب إلى داود ـ عليه السَّلام ـ بذلك، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا... فبعثه فقتل في المرة


1 - ص:21ـ 24.


(37)

الثالثة، وتزوّج امرأته.

فلمّا دخلت عليه لم يلبث إلاّ يسيراً حتّى بعث اللّه له ملكين في صورة أُنسيّين، فطلبا أن يدخلا عليه، فتسوّرا عليه المحراب، فما شعر وهو يصلّي إذ هما بين يديه جالسين، ففزع منهما فقالا: (لا تَخَف) إنّما نحن (خَصْمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْض فاحْكُمْ بَيْنَنا بِالحَقِّ وَلا تُشْطِط) يقول: لا تخف(واهدِنا إِلى سواءِ الصِّراط) إلى عدل القضاء فقال: قُصّا عليَّ قصتكما، فقال أحدهما(إِنَّ هذا أَخي لَهُ تِسعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلي نَعْجَةٌ واحِدَة) قال الآخر: وأنا أُريد أن آخذها فأكمل بها نعاجي مائة، قال: وهو كاره، قال: إذاً لا ندعك وذاك، قال: يا أخي أنت على ذلك بقادر، قال: فإن ذهبت تروم ذلك ضربنا منك هذا وهذا. يعني طرف الأنف والجبهة.

قال: يا داود أنت أحقّ أن يضرب منك هذا وهذا. حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأُوريا إلاّ امرأة واحدة، فلم تزل تعرضه للقتل حتّى قتلته. وتزوّجت امرأته،


(38)

فنظر فلم ير شيئاً، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتلى به.(1)

ومعنى ذلك انّه كان لداود 99 زوجة وأراد أن يتمّها بامرأة غيره وبذلك ظلم أخاه، فبعث اللّه ملكين يطرحان عمله بصورة أُخرى وانّ هناك أخوين لأحدهما 99 نعجة وللآخر نعجة واحدة فأراد صاحب النعاج الكثيرة أن يتملّك النعجة الوحيدة.

وهذه القصة الخرافية وأمثالها تُنسب إلى الأنبياء بلا اكتراث ومع ذلك لايرضون لأحد أن ينقد حياة صحابي حتى يأخذ دينه من عين صافية ومن رجال صلحاء، أعني: الذين خامر الدين والإيمان أنفسهم وأرواحهم .

ما هكذا تورد يا سعدُ الابل.


1 - الدر المنثور:7/160، تفسير سورة ص; تفسير الطبري:23/93، وغيرهما.