welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : عدلة الصحابة بين العاطفة والبرهان*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

عدلة الصحابة بين العاطفة والبرهان

10

عدلة الصحابة
بين
العاطفة والبرهان

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي حسرت عن معرفة كماله، عقول الأولياء، وعجزت عن إدراك حقيقته، أفهام العلماء، واحد لا شريك له، لا يُشبهه شيء لا في الأرض ولا في السماء; والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم، أفضل خلائقه وأشرف سفرائه، وعلى آله البررة الأصفياء، والأئمّة الأتقياء.

أمّا بعد فغير خفيّ على النابه انّ للعقيدة ـ على وجه الإطلاق ـ دوراً في حياة الإنسان أيسره انّ سلوكَه وليدُ عقيدته ونتاج تفكيره، فالمواقف التي يتّخذها تمليها عليه عقيدتُه، والمسير الذي يسير عليه، توحيه إليه فكرته.

إنّ سلوك الإنسان الذي يؤمن بإله حىّّ قادر عليم، يرى ما يفعله، ويحصي عليه ما يصدر عنه من صغيرة وكبيرة، يختلف تماماً عن سلوك من يعتقد أنّه سيّد نفسه وسيّد الكون


(6)

الذي يعيش فيه، لا يرى لنفسه رقيباً ولا حسيباً.

ومن هنا يتّضح أنّ العقيدة هي ركيزة الحياة، وأنّ التكاليف والفرائض التي نعبّر عنها بالشريعة بناء عليها، فالعقيدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالروح والعقل، في حين ترتبط الشريعة والأحكام بألوان السلوك والممارسات.

ولأجل هذه الغاية قُمنا بنشر رسائل موجزة عن جوانب من العقيدة الإسلامية، وركّزنا على أبرز النقاط التي يحتدم فيها النقاش.

وبما أنّ لكلّ علم لغته، فقد آثرنا اللغة السهلة، واخترنا في مادة البحث ما قام عليه دليل واضح من الكتاب والسنّة، وأيّده العقل الصريح ـ الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه ورسله ـ حتّى يكون أوقع في النفوس، وأقطع لعذر المخالف.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(7)

اتجاهان حول

الصحبة والصحابة

تمهيد

لقد احتدم النزاع منذ عصر مبكّر حول الصحبة والصحابة، أعني: الذين التفّوا حول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخاضوا معه المعارك والمغازي، ورفعوا رايةَ الإسلام خفّاقة في أحلك الظروف، وأشد المواقف، وجاهدوا بين يديه بأنفسهم ونفيسهم حتّى نشروا الإسلام في ربوع الأرض.

ولا شكّ في أنّ هذا يثير مشاعر كلّ مسلم واع يعتزّ بدينه وشريعته ورسوله وقرآنه، ويشدّه. إلى حبّهم وودّهم حتّى صار حب الصحابة من مظاهر حب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد اشتهر بأنّ من أحب شيئاً أحبّ آثاره ولوازمه، فمن أحب


(8)

الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقد أحب المتعلّمين على يديه والمجاهدين دونه.

هذا ممّا لا سترة ولا خلاف فيه، إنّما الكلام في أنّ مجرّد صحبة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سواء أكانت قصيرة الأمد أم طويلته، هل تجعل الصحابي إنساناً مثالياً بعيداً عن المعاصي، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها طول عمره؟!

أو انّ صحبة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تؤثر في سلوك الصحابي وأخلاقياته، وأنّ كلّ من صحبه يستضيء بنوره وبيانه حسب قابلياته واستعداداته ؟!

ولأجل ذلك ظهر هنا اتجاهان:

أحدهما: عدالة الصحابة برُمّتهم استغراقاً في حبهم ونزولاً عند حكم العاطفة لصاحب الشريعة وأنصاره، وهو خيرة جمهور أهل السنّة.

ثانيهما: انّ صحبة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تؤثر في سلوك الصحابي وأخلاقياته حسب قابلياته، فمنهم من بلغ قمة الكمال حتّى أصبح يُستدرّ به الغمام، ومنهم من لم يبلغ هذا الشأو ولكن استضاء بنور النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحسنت صحبته وسلمت سريرته،


(9)

ومنهم من لم ينل إلاّ حظاً قليلاً، وما هذا إلاّ لتفريطه وتقصيره.

والنظرية الثانية هي خيرة الشيعة الإمامية ولفيف من غيرهم.

فالغاية من تأليف هذه الرسالة هو القضاء بين هذين الاتجاهين على ضوء القرآن الكريم والسنّة الشريفة والتاريخ الصحيح والعقل الحصيف بأسلوب موضوعي بعيد عن التعصّب والعاطفة .

ويأتي ما هو المقصود ضمن أُمور:


(10)

1

مَن هو الصحابي ؟

اختلفت كلمة جمهور أهل السنّة في تعريف الصحابي مع اتّفاقهم على عدالته، فاتّفقوا على حكم(عدالة الصحابي) لم يُحدَّد موضوعه سعة وضيقاً عندهم.وإليك نصوصهم في هذا الشأن:

1. قال سعيد بن المسيب: الصحابي، ولا نعدّه إلاّ من أقام مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين.

2. قال الواقدي: رأينا أهل العلم يقولون: كلّ من رأى رسول اللّه وقد أدرك فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممّن صحب رسول اللّه، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه


(11)

على طبقاتهم وتقدّمهم في الإسلام.

3. قال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللّه كلّ من صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه.

4. قال البخاري: من صحب رسول اللّه أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.

5. وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب: لا خلاف بين أهل اللغة في أنّ الصحابي مشتق من الصحبة، قليلاً كان أو كثيراً، ثمّ قال: ومع هذا فقد تقرر للأُمّة عرف، فإنّهم لا يستعملون هذه التسمية إلاّ فيمن كثرت صحبته، و لا يجيزون ذلك إلاّ فيمن كثرت صحبته لا على من لقيه ساعة أو مشى معه خطى، أو سمع منه حديثاً، فوجب ذلك أن لا يجري هذا الاسم على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول و معمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع عنه إلاّ حديثاً واحداً.

6. وقال صاحب الغوالي: لا يطلق اسم الصحبة إلاّ على من صحبه ثمّ يكفي في الاسم من حيث الوضع،


(12)

الصحبةُ ولو ساعة ولكن العرف يخصُّصه بمن كثرت صحبته.

قال الجزري بعد ذكر هذه النقول، قلت: وأصحاب رسول اللّه على ما شرطوه كثيرون، فإنّ رسول اللّه شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألف سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه«هوازن» مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلّهم له صحبة.(1)

إنّ التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم ممّا لا تساعد عليه اللغة والعرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن جماعة تكون لهم خلطةومعاشرة معه مدّة مديدة، فلا تصدق على من ليس له حظ إلاّ الرؤية من بعيد، أو سماع الكلام أو المكالمة أو المحادثة فترة يسيرة، أو


1 - أُسد الغابة:1/11ـ12، طبع مصر.


(13)

الإقامة معه زمناً قليلاً.

وأعجب منه كما تقدّم انّهم اتّفقوا على عدالة كل صحابي مع أنّهم اختلفوا في مفهوم الصحابي اختلافاً واسعاً، ومن الواضح انّ اتّفاقهم على العدالة رهن اتّفاقهم على تعريف محدد وجامع للمفهوم الصحابي.


(14)

2

الصحبة

وملاكات الاختلاف

لا شكّ انّ للصحبة تأثيراً في النفوس من غير فرق بين كون المصاحَب مصاحَب سوء أو غيره، فلذلك نرى أنّ المجرم يوم القيامة يتمنّى عدم اتخاذ فلان صديقاً، يقول سبحانه حاكياً عنه: (يا وَيْلَتى لَيْتَني لَمْ أَتّخذ فُلاناً خَليلاً)(1) ، ويقول أيضاً حاكياً عن الخلّة والصحبة: (الأَخلاّءُ يَومئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدوٌّ إِلاّ الْمُتَّقين)(2) ، فإذا كان لصحبة السوء تأثير في تكوين شخصية الإنسان، فلصحبة الأخيار تأثير في النفوس


1 - الفرقان:28.
2 - الزخرف:67 .


(15)

القابلة المستعدة، فربما ترفعه إلى منزلة عالية، وهذا شيء يلمسه كلّ إنسان في واقعه العملي.

لا شكّ انّ لصحبة الأخيار أثراً تربوياً، ولكن مدى تأثيرها يختلف حسب اختلاف عناصر ثلاثة، هي:

1. السن.

2. الاستعداد.

3. مقدار الصحبة.

أمّا الأوّل فلا شكّ انّ الإنسان الواقع في إطار التربية إذا كان إنساناً يافعاً أو شاباً في عنفوان السن يكون قلبه وروحه كالأرض الخالية تنبت ما أُلقي فيها، فربما تُكوّن الصحبةُ شخصية كاملة تعدّ مثلاً للفضل والفضيلة، وهذا بخلاف ما إذا كان طاعناً في السن، واكتملت شخصيّته الروحية والفكرية، فانّ النفوذ في النفوس المكتملة الشخصية والتأثير عليها والثورة على أفكارها وروحياتها واتجاهاتها أمر صعب، فيكون تأثير الصحبة أقل بمراتب من الطائفة الأُولى.


(16)

وأمّا الثاني ـ أعني: الاختلاف في الاستعداد ـ فهو أمر لا يحتاج إلى البيان، فكما أنّ البشر يختلفون في تقبّل العلم، فهكذا هم يختلفون في مقدار قبول الهداية الإلهية، ولهذا نرى أنّ من تخرّجوا عن مدرسة الرسول يختلفون إيماناً وإيثاراً وأخلاقاً و سلوكاً .

وأمّا الثالث أي مقدار الصحبة فقد كانوا مختلفين فيه، فبعضهم صحب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أيّاماً أو ساعة فهل يصحّ أن نقول: انّ صحبة ما، قلعت ما في نفوسهم جميعاً من جذور غير صالحة وملكات ردية، وكوّنت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح.

وهذه العوامل تؤيد الاتجاه الثاني القائل بأنّ تأثير الصحبة في صحابة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن على نحو يجعل الجميع على حدّ سواء من الإيمان والفضل والتقوى والإيثار


(17)

والزهد والخير، ومادامت هذه الاختلافات سائدة عليهم فمن البعيد أن نجعلهم على غرار واحد ونزن الكل بصاع معيّن، ونحكم على الكلّ بصفاء النفس، والتجافي عن زخارف الدنيا .

إنّ صحبة الصحابة لم تكن أشدّ ولا أقوى ولا أطول من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط، فقد صحبتا زوجيهما الكريمين، ولبثتا معهما ليلاً ونهاراً ولكن هذه الصحبة ـ للأسف ـ ما أغنت عنهما من اللّه شيئاً، قال سبحانه:(ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امرأةَ نُوح وَامرأةَ لُوط كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيئاً وَقِيلَ ادْخُلا النّار مَعَ الدّاخِلين).(1)

إنّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بزوجية النبي، وقد قال سبحانه في شأنها : (يا نِساءَ النَّبيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيّنة يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَين وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيراً).(2)


1 - التحريم:10.
2 - الأحزاب30.


(18)

وأنت ترى الكتاب العزيز يندّد بنساء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأجل كشف سره ويعاتبهنّ في ذلك.

يقول سبحانه: (وَإِذ أسرّ النبيّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حديثاً فَلَما نَبّأت بِهِ وَأَظهرهُ اللّه عَليهِ عَرّف بعضه وَأعرض عَنْ بَعض فَلَما نبّأها به قالَتْ مَنْ أنْبأك هذا قال نبّأني العَليمُ الخبيرُ * إِنْ تَتُوبا إِلى اللّه فقَدْ صَغَتْ قُلُوبكُما وَإِن تَظاهرا عليه فَإِنّ اللّه هُوَ مَولاهُ وَجِبريلُ وَصالحُ المُؤْمنين والْمَلائكةُ بَعْد ذلك ظهير* عسى ربُّهُ إِنْ طلَّقكنَّ أن يُبْدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً).(1)

فأي عتاب أشدّ من قوله سبحانه: (ان تَتُوبا إلى اللّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبكما)أي مالت قلوبكما عن الحقّ، كما أنّ قوله: (وإِنْ تَظاهرا عليه) يعرب عن وجود أرضية فيهن للتظاهر ضدّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخلافه، وهو سبحانه أخبر عن إخقاق أُمنيتهنّ، لأنّ اللّه ناصر النبي وجبرئيل وصالح


1 - التحريم:3ـ5.


(19)

المؤمنين والملائكة.

كلّ ذلك ينبئ عن أنّ الصحبة ليست علّة تامة لتحويل المصاحب إلى إنسان عادل صالح خائف من اللّه، ناء عن اقتراف السيّئات حقيرة كانت أو كبيرة، بل هي مقتضية لصلاح الإنسان إذا كان فيه قابلية للاستضاءة، وعزم للاستفاضة.

ومعنى هذا انّ للصحبة تأثيراً متفاوتاً وليست على وتيرة واحدة.


(20)

3

الصحبة

ونفي البعد الإعجازي لها

إنّ دعوة الأنبياء ـ لاسيّما دعوة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ ابتنيت على أُسس رائجة في ميادين الدعوة، فكانوا يدعون بالقول والعمل والتبشير والتنذير، ومثل هذا النوع من الدعوة يؤثر في طائفة دون طائفة ، كما أنّه عند التأثير يختلف تأثيره عند من يلبّي دعوته، ولم تكن دعوته دعوة إعجازية خارجة عن قوانين الطبيعة، فالرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الإعجاز، بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحق مستعيناً بالأساليب التربوية المتاحة والإمكانيات المتوفرة، والدعوة القائمة على هذا الأساس يختلف أثرها في النفوس


(21)

حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها ، ولم يكن تأثير الصحبة في تكوين الشخصية الإسلامية كمادة كيمياوية تستعمل في تحويل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب حتّى تصنع الصحبةُ الجيلَ الكبير الذي يناهز مائة ألف، أُمّة عادلة مثالية تكون قدوة وأُسوة للأجيال المستقبلة، فانّ هذا ممّا لا يقبله العقل السليم.

فبالنظر إلى ما ذكرنا نخرج بالنتيجة التالية:

إنّ الأُصول التربوية تقضي بأنّ بعض الصحابة يمكن أن يصل في قوة الإيمان و رسوخ العقيدة إلى درجات عالية، كما يمكن أن يصل بعضهم في الكمال والفضيلة إلى درجات متوسطة، ومن الممكن أن لا يتأثر بعضهم بالصحبة وسائر العوامل المؤثرة إلاّ شيئاً طفيفاً لايجعله في صفوف العدول وزمرة الصالحين.

ويقول بعض المعاصرين تحت عنوان: «هل للصحابي خصوصية مسألة العدالة»:

وأرى أنّ أوّل الخلل يكون عندما نتعامل مع الصحابة


(22)

وكأنّهم جنس آخر غير البشر، والقرآن الكريم والسنّة المطهرة لا يوجد فيها أبداً هذا التفريق بين الصحابة وغيرهم إلاّ ميزة الفضل للمهاجرين والأنصار الذين كانت لهم ميزة الجهاد والإنفاق أيّام ضعف الإسلام وذلّة أهله، أمّا بقية الأُمور كطروء النسيان والوهم والخطأ وارتكاب بعض الكبائر، فهذه وجدت وحصل من بعض السابقين ومن كثير من اللاحقين.

ولم أجد دليلاً مقنعاً صحيحاً صريحاً يفرق بين شروط العدالة بين جيل وآخر، لا استثني من ذلك صحابة ولا تابعين.(1)

وما ذكرناه هو نتيجة التحليل على ضوء الأُصول النفسية والتربوية غير أنّ البحث لا يكتمل ولا يصحّ القضاء الباتّ إلاّ بالرجوع إلى القرآن الكريم حتّى نقف على نظره فيهم، كما تجب علينا النظرة العابرة إلى كلمات الرسول في حقّهم ثمّ ملاحظة سلوكهم في زمنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعده. وسيوافيك بيانه في الفصول المستقبلة.


1 - الصحبة والصحابة:217ـ 218.


(23)

4

الصحابة أبصر بحالهم من غيرهم

إنّ من سبر تاريخ الصحابة بعد رحيل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، يجد فيه صفحات مليئة بألوان الصراع والنزاع بينهم، حافلة بتبادل التّهم والشتائم، بل تجاوز الأمر بهم إلى التقاتل وسفك الدماء، فكم من بدري وأُحدي انتُهكت حرمته، وصُبّ عليه العذاب صبّاً، أو أُريق دمه بيد صحابي آخر.

وهذا ممّا لا يختلف فيه اثنان، بيد أنّ الذي ينبغي التنبيه عليه، هو أنّ كلاً من المتصارعين ، كان يعتقد أنّ خصمه متنكّبٌ عن جادة الصواب، وأنّه مستحقّ للعقاب أو القتل، وهذا الاعتقاد، حتّى وإن كان نابعاً عن اجتهاد، فإنّه يكشف عن أنّ كلاً من الفئتين المختلفتين لم تكن تعتقد بعدالة الفئة


(24)

الأُخرى.

فإذا كان الصحابي يعتقد أنّ خصمه عادل عن الحق ومجانب لشريعة اللّه ورسوله، وهو على أساس ذلك يبيح سلّ السيف عليه وقتله، فكيف يجوز لنا نحن أن نحكم بعدالتهم ونزاهتهم جميعاً، وأن نضفي عليهم ثوب القدسيّة على حدّ سواء؟! ونُبرّأهم من كل زيغ وانحراف؟

أو ليس الإنسان أعرف بحاله وأبصر بروحيّاته؟

أو ليس الصحابة أعرف منّا بنوازع أنفسهم، وبنفسيات أبناء جيلهم؟

هذا وراء ما دار بينهم كلمات تكشف عن اعتقاد بعضهم في حق بعض، فالاتّهام بالكذب والنفاق والشتم والسب كان من أيسر الأُمور المتداولة بينهم، فهذا هو سعد بن عبادة سيّد الخزرج، يخاطب سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس وينسبه إلى الكذب كما حكاه البخاري في صحيحه عن عائشة أنها قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج


(25)

فقال لسعد [بن مـعاذ ]كـذبت لعمـر اللّه... فقـام أُسيـد ابن حضير وهو ابن عم سعد[ بن معاذ ]فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللّه يخفِّضهم حتّى سكتوا وسكت.(1)

وليست هذه القضية فريدة في بابها فلها عشرات النظائر في الصحاح والمسانيد وفي غضون التاريخ. وإنّما ذكرته ليكون كنموذج لما لم أذكر، وسيوافيك في الفصول التالية نماذج من أفعالهم وأقوالهم التي يكشف عن اعتقادهم في حقّ مخالفيهم.

أو ليس من العجب العجاب، انّ الصحابي يصف صحابياً آخر ـ في محضر النبي ـ بالكذب، والآخر يصف خصمه بالنفاق، وكلا الرجلين من جبهة الأنصار


1 - صحيح البخاري:3/245، كتاب التفسير، رقم الحديث4750.


(26)

وسنامهم؟! ولكن الذين جاءوا بعدهم يصفونهم بالعدل والتقوى، والزهـد والتجافي عن الدنيا، وهل سمعت ظئراً أرحم بالطفل من أُمّه.(1)


1 - مثل يضرب.


(27)

5

ما هي الغاية من نقد

آراء الصحابة وأفعالهم؟

قد أثبتت البحوث السابقة انّ الصحابة من جنس البشر وليسوا من جنس الملائكة المعصومين الذين (لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ)(1) فهم كالتابعين وتابعي التابعين في كلّ ما يجوز ومالا يجوز، فتحريم البحث عن حياتهم ونقد آرائهم وأفعالهم، تخصيص بلا جهة.

وقد تذرّعوا في تحريم نقدهم «بأنّ الصحابة هم المصدر لأخذ الدين والمسلمون متطفّلون على موائدهم حيث


1 - التحريم:6.


(28)

أخذوا عنهم دينهم، فنقد آرائهم وأفعالهم ينتهي إلى تقويض دعائم الدين» ولكن هذا التذرّع لا يثبت أمام الآيات الصريحة والأحاديث النبوية والتاريخ الصحيح الواردة في نقد آراء الصحابة وأفعالهم.

أضف إلى ذلك: انّ المسلمين كما أخذوا دينهم عن الصحابة أخذوا عن التابعين أيضاً، فلو ثبت ما تذرّعوا به لسرى التحريم إلى التابعين أيضاً، وقد اتّفق المسلمون على خلافه في مورد التابعين.

إنّ البحث حول الصحابة لا يؤول إلى انهيار الدين وتصدّع الشريعة، مادام يعيش بين ظهرانيهم علماء ربّانيّون هم أُسوة في الحياة، أُمناء على الدين والدنيا، فلا يضرّ جرح طائفة أو فئة خاصة بثبات الدين وقوامه.

ومع ذلك كلّه، نرى أنّ علماء الرجال وأصحاب الجرح والتعديل يحذرون من نقد حياة الصحابة أشدَّ الحذر ويعدّون ذلك من عمل المبتدعة، يقول الحافظ ابن حجر في الفصل الثالث من «الإصابة»:


(29)

اتّفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك، فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللّه لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، ثمّ نقل عدّة آيات حاول بها إثبات عدالتهم وطهارتهم جميعاً، إلى أن قال: روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه فاعلم أنّه زنديق، وذلك انّ الرسول حقّ والقرآن حق، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.(1)

أقول: إنّ نقد الصحابي عقيدة وفعلاً ليس لغاية إبطال الكتاب والسنّة، ولا لإبطال شهود المسلمين، وإنّما الغاية من البحث في عدالتهم هي الغاية ذاتها من البحث في عدالة غيرهم، فالغاية في الجميع هي التعرف على الصالحين


1 - الإصابة:1/17.


(30)

والطالحين، حتّى يتسنّى لنا أخذ الدين عن الصلحاء واجتناب أخذه عن غيرهم، فلو قام الرجل بهذا العمل وتحمّل العبء الثقيل، لما كان عليه لوم، فلو قال أبو زرعة مكان هذا القول:«إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه أو كذبه، أو خيره أو شرّه، حتّى يأخذ دينه عن الخيرة الصادقين ويتحرز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحقّقين في الدين والمتحرين للحقيقة»، لكان أحسن وأولى، بل هو الحق والمتعيّن.

ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبّت في أُمور الدين، والتحقيق في مطالب الشريعة، بالزندقة وانّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّ الآلاف المؤلّفة من أصحابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فلا يضرّ بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين القيم قائماً بهذا الصنف من المجروحين«ما هكذا تورد يا سعد الإبل».


(31)

6

هل الصحابة الكرام

فوق الأنبياء؟

إنّ من سبر كتب الحديث والتفسير يجد انّ السلف الصالح ينسبون إلى الأنبياء قصصاً خرافية ويلهجون بأكاذيب شنيعة بلا اكتراث ولا تكذيب، ولكنّهم يتورّعون عن دراسة حياة الصحابي ونقد أفعاله وآرائه وأقواله، وربما يتّهمون الناقل بالزندقة وإبطال شهود المسلمين، فما هذا التبعيض؟! فهل يحظى الصحابة بالتكريم أكثر ممّا يحظى به الأنبياء؟! وهل هم فوق رجال السماء في النزاهة وكرامة النفس؟! وإليك بعض الأكاذيب الشنيعة التي ملئت بها كتب التفاسير .


(32)

1. أُكذوبة الغرانيق

قال ابن كثير في تفسير قوله سبحانه: (وما أَرسلنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلا نَبيّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلقى الشَّيطان في أُمْنِيّته فَينسخُ اللّهُ ما يُلقي الشَّيطانُ ثُمّ يُحكِمُ اللّهُ آياتِه وَاللّه عَليمٌ حَكيم*لِيَجْعَل ما يُلقي الشَّيطانُ فِتنَةً لِلّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقاسِيَةِ قُلُوبُهُم وَإِنّ الظّالِمِين لَفي شِقاق بَعيد*وليعلَمَ الّذينَ أُوتُوا العِلمَ أَنّهُ الحَقُّ من رَبّك فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتخبِت لَهُ قُلوبهُم وَإِنّ اللّه لهاد الّذينَ آمنوا إِلى صراط مُستَقيم).(1)

قد ذكر كثير من المفسّرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم انّ مشركي قريش قد أسلموا، ولكنّها من طرق كلّها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح.

قال ابن أبي حاتم: حدّثنا يونس بن حبيب، حدّثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال:

قرأ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بمكة النجم، فلمّـا بلغ هذا


1 - الحج:52ـ 54.


(33)

الموضع:(أفرأيتُم اللاّت والعُزّى* وَمَناة الثالثة الأُخرى)، قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وانّ شفاعتهن ترتجى، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية :(وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ إلاّ إذا تمنّى ألقى الشيطان في أُمنيته فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان ثمّ يحكم اللّه آياته واللّه عليم حكيم).(1)

لا يشكّ أي مسلم عارف بحقّ النبي الخاتم في أنّ القصة مكذوبة، والأدلّة على نزاهة النبي عن هذه، كثيرة، ويكفيك انّ سورة الحجّ مدنية أمر فيها بالأذان بالحجّ وأذن فيها بالقتال وأمر فيها بالجهاد ولم يكن هذا الأمر وهذا الإذن إلاّ بعد الهجرة بأعوام. وانّ الذي بين ذلك، و بين الوقت الذي يجعلونه لخرافة الغرانيق أكثر من عشرة أعوام. ولو أغمضنا عن ذلك، إذ لا مانع من كون السورة مكية وبعض


1 - تفسير ابن كثير:4/655; ولاحظ تفسير الطبري:17 في تفسير نفس الآية، ص 131، وغيرهما.


(34)

آياتها مدنية، لكفى في إبطالها ما أقمنا عليه في محاضراتنا.(1)

والغرض الأسنى من ذكر هذه الأُكذوبة انّ القوم ينقلون هذه الأكاذيب الشنيعة المنسوبة إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولكنّهم يتورّعون عن دراسة حال الصحابي ونقد رأيه وفعله، فكأنّ الصحابة عندهم أرفع وأنزه من الأنبياء المعصومين بنص الكتاب!!

وهذه القصة التي وردت في كتب التفسير لأهل السنّة صارت أساساً لكتاب «الآيات الشيطانية» لسلمان رشدي المرتدّ حيث نشر كتابه هذا في الملأ العام وأضاف إلى هذه القصة أضعافاً كثيرة ممّا أوحى إليه شيطانه. وقد حكم الإمام الخميني رحمه اللّه بارتداده ووجوب قتله.

2. اتّهام داود ـ عليه السَّلام ـ بقتل زوج أوريا و تزوّجها

إنّ نبي اللّه داود ـ عليه السَّلام ـ أحد الأنبياء العظام الذي وصفه


1 - سيرة سيّد المرسلين:1/488ـ 497.


(35)

سبحانه بقوله: (وَآتاهُ اللّه الْمُلك وَالحِكْمَة وعلّمه ممّا يَشاء)(1) وقد بلغ من الكمال حدّاً، أن كانت الجبال تتجاوب معه في التسبيح، يقول سبحانه: (وَلَقَد آتَيْنا داود منّا فَضْلاً يا جِبالُ أوّبي مَعَهُ والطَّير).(2)

كما سخّر له اللّه سبحانه الجبال والطير، فقال: (إِنّا سَخّرنا الجِبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيّ وَالإشْراقِ* وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ).(3)

أفهل يتصوّر في حق نبي بلغ من الكمال ما بلغ أن يعشق امرأة محصنة وهي أوريا، ثمّ يمهد الطريق لقتل زوجها لغاية التزوّج بها؟ ومع ذلك ملئت بهذه الخرافة، التفاسير.

يروي المفسرون في تفسير قوله سبحانه: (وَهَلْ أَتاكَ نَبأ الخَصم إِذ تسوّرُوا المحرابَ* إِذ دَخَلُوا عَلى داودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْض فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ* إِنّ هذا أَخي لَهُ


1 - البقرة:251.
2 - سبأ:10.
3 - ص:18ـ19.


(36)

تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَليَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنيهَا وَعَزَّني فِي الخطاب*قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثيراً مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَليلٌ مَا همْ وَظَنَّ داوُدُ إنّّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ).(1)

...جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة حتّى وقع عند رجليه، وهو قائم يصلّي، فمدّ يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتّى وقع في كوّة، فذهب ليأخذها، فطار من الكوّة، فنظر أين يقع، فذهب في أثره، فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فالتَفّت بشعرها فاستترت به، فزاده ذلك فيها رغبة، فسأل عنها، فأُخبر أنّ لها زوجاً غائباً بمسلحة كذا وكذا. فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره أن يبعث إلى عدوّ كذا وكذا... فبعثه ففتح له أيضاً، فكتب إلى داود ـ عليه السَّلام ـ بذلك، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا... فبعثه فقتل في المرة


1 - ص:21ـ 24.


(37)

الثالثة، وتزوّج امرأته.

فلمّا دخلت عليه لم يلبث إلاّ يسيراً حتّى بعث اللّه له ملكين في صورة أُنسيّين، فطلبا أن يدخلا عليه، فتسوّرا عليه المحراب، فما شعر وهو يصلّي إذ هما بين يديه جالسين، ففزع منهما فقالا: (لا تَخَف) إنّما نحن (خَصْمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْض فاحْكُمْ بَيْنَنا بِالحَقِّ وَلا تُشْطِط) يقول: لا تخف(واهدِنا إِلى سواءِ الصِّراط) إلى عدل القضاء فقال: قُصّا عليَّ قصتكما، فقال أحدهما(إِنَّ هذا أَخي لَهُ تِسعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلي نَعْجَةٌ واحِدَة) قال الآخر: وأنا أُريد أن آخذها فأكمل بها نعاجي مائة، قال: وهو كاره، قال: إذاً لا ندعك وذاك، قال: يا أخي أنت على ذلك بقادر، قال: فإن ذهبت تروم ذلك ضربنا منك هذا وهذا. يعني طرف الأنف والجبهة.

قال: يا داود أنت أحقّ أن يضرب منك هذا وهذا. حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأُوريا إلاّ امرأة واحدة، فلم تزل تعرضه للقتل حتّى قتلته. وتزوّجت امرأته،


(38)

فنظر فلم ير شيئاً، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتلى به.(1)

ومعنى ذلك انّه كان لداود 99 زوجة وأراد أن يتمّها بامرأة غيره وبذلك ظلم أخاه، فبعث اللّه ملكين يطرحان عمله بصورة أُخرى وانّ هناك أخوين لأحدهما 99 نعجة وللآخر نعجة واحدة فأراد صاحب النعاج الكثيرة أن يتملّك النعجة الوحيدة.

وهذه القصة الخرافية وأمثالها تُنسب إلى الأنبياء بلا اكتراث ومع ذلك لايرضون لأحد أن ينقد حياة صحابي حتى يأخذ دينه من عين صافية ومن رجال صلحاء، أعني: الذين خامر الدين والإيمان أنفسهم وأرواحهم .

ما هكذا تورد يا سعدُ الابل.


1 - الدر المنثور:7/160، تفسير سورة ص; تفسير الطبري:23/93، وغيرهما.


(39)

7

مظاهر الغلو في الصحابة

الغلو هو تجاوز الحدّ، ومنه غلا السعر: إذا تجاوز حدّه، قال سبحانه:(يا أَهْل الكِتاب لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلى اللّه إِلاّ الحَق إِنّما المَسيحُ عيسَى بن مَرْيَم رَسُول اللّه وَكَلمته أَلقاهَا إِلى مَرْيَم وَرُوحٌ مِنْهُ).(1)

فالغلو في الدين في الآية ، كناية عن الغلو في رسوله، أعني: المسيح عيسى بن مريم.

فذكر سبحانه أوّلاً واقعَ المسيح وانّه كان بشراً رسولاً، لا يختلف عمّن تقدّم من الرسل، وهو كلمة اللّه التي حملتها مريم وولدتها.


1 - النساء:171.


(40)

ثمّ أشار ثانياً إلى أنواع غلوهم فحُلّت الآلهة الثلاثة مكان الإله الواحد، وُعّد المسيح أحد الآلهة تارة، وابن الإله أُخرى، فهذا كلّه غلو وإفراط، قال: (فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنّما اللّهُ إِلهٌ واحدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وكَفى بِاللّهِ وَكيلاً).(1)

فكما أنّ الإفراط غلو وتجاوز للحد فهكذا التفريط والتقصير، والداعي إلى الأخير إمّا عجز الإنسان وعيّه عن أداء الحقّ، أو حسده وحقده.

وللإمام أمير المؤمنين حول الإفراط والتفريط كلمتان نأتي بهما:

1. قال: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عيّ أو حسد.(2)

2. وقال: إنّ دين اللّه بين المقصر والغالي، فعليكم


1 - النساء:171.
2 - نهج البلاغة: قصار الكلمات، 347.


(41)

بالنمرقة الوسطى، فيها يلحق المقصر، ويلحق إليها الغالي.(1)

فالمسلم الحرّ، لايعدل عن النمرقة الوسطى، وهو يخضع للحق مكان خضوعه للملق والعاطفة، أو للبغض والحسد.

إنّ كثيراً من أهل السنّة، غالوا في حقّ الصحابة وتجاوزوا الحد، خضوعاً للعاطفة، وإغماضاً عمّا ورد في حقّهم في الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، فألبسوهم جميعاً لباس العدالة ـ بل العصمة من غير وعي ـ فصاروا مصادر للدين، أُصوله وفروعه، دون أن يقعوا في إطار الجرح والتعديل، من غير فرق بين من آمن قبل بيعة الرضوان وبعدها، ومن آمن قبل الفتح أو بعده، ومن غير فرق بين الطلقاء وأبنائهم والأعراب، مع تفريق الكتاب العزيز بينهم في الإيمان والإخلاص، فالكلّ في نظرهم من أوّلهم إلى آخرهم


1 - ربيع الأبرار للزمخشري:2/63.


(42)

عدول، لا يخطئون ولا يسهون، ولا يعصون.

وليس هذا إلاّ نوعا من الغلو لم يعهد في أُمّة عبر التاريخ.

مظاهر الغلو

و هنا ـ وراء القول بعدالتهم بل عصمتهم ـ مظاهر للغلو، نشير إليها:

1. سنّة الصحابة

يرى غير واحد من الباحثين انّ للصحابة سنّة، تُعتبر حجة يعمل بها، وإن لم تكن في الكتاب الكريم ولا في المأثور عن النبي، قال مؤلّف كتاب «السنّة قبل التدوين».(1)

«وتطلق السنّة أحياناً عند المحدّثين وعلماء أُصول الفقه على ما عمل به أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، سواء أكان في


1 - الدكتور محمد عجاج الخطيب، أُستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة بدمشق.


(43)

الكتاب الكريم أم في المأثور عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أم لا. ويحتج لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسُنّتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ». وقوله أيضاً: «تفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ واحدة»، قالوا: ومَن هم يا رسول اللّه؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».

ومن أبرز ما ثبت في السنّة بهذا المعنى (سنّة الصحابة) حد الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصاحف في عهد أبي بكر برأي الفاروق، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين... وما أشبه ذلك ممّا اقتضاه النظر المصلحي الذي أقرّه الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ .

ثمّ قال:

وممّا يدلّ على أنّ السنّة هي العمل المتبع في الصدر الأوّل قول علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ لعبد اللّه بن جعفر عندما جلد شارب الخمر أربعين جلدة: «كفّ. جلد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ


(44)

أربعين، وأبو بكر أربعين، وكمّلها عمر ثمانين وكلّ سنّة».(1)

روى السيوطي: قال حاجب بن خليفة شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إنّ ما سنَّ رسول اللّه وصاحباه فهو دين نأخذ به، وننتهي إليه وماسنّ سواهما فإنّما نرجئه.(2)

هذا وقد احتلّت فتوى الصحابة منزلة الآثار النبوية يأخذ بها فقهاء السنّة، يقول الشيخ أبو زهرة: ولقد وجدناهم (الفقهاء) يأخذون جميعاً بفتوى الصحابي ولكن يختلفون في طريق الأخذ، فالشافعي كما يصرح في «الرسالة» يأخذ بفتواهم على أنّها اجتهاد منهم واجتهادهم أولى من اجتهاده، ووجدنا مالكاً ـ رضي اللّه عنه ـ يأخذ بفتواهم على انّها من السنّة . الخ

وهذا يعرب عن أنّ للصحابة حق التشريع وجعل الأحكام في ضوء المصالح العامة، مع أنّ الكتاب العزيز دلّ بوضوح على أنّ حق التشريع خاص باللّه فقط، ولا يحق لأحد


1 - تدوين السنة:20، ط دار الفكر.
2 - تاريخ الخلفاء: 16.


(45)

أن يفرض رأيه على الآخرين.

فدفعُ زمام التشريع إلى غيره سبحانه أشبه بعمل أهل الكتاب حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه. فلم يعبدوهم، بل خضعوا لهم في التحريم والتحليل فصاروا أرباباً في مجال التقنين والتشريع.

روى الثعلبي باسناده عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول اللّه وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك» قال: فطرحته، ثم انتصب إليه وهو يقرأ هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرباباً)(1) حتى فرغ منها، فقلت: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرّمون ما أحله اللّه فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم اللّه فتحلّونه؟» قال: فقلت: بلى، قال: «فتلك عبادة».(2)

وأين هذا ممّا عليه أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ روى جابر بن عبد اللّه عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال: «يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا، لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم


1 - التوبة:31.
2 - تفسير الثعلبي:5/314.


(46)

بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه».(1)

وممّن وقف على خطورة الموقف، الشوكاني قال: والحق إنّ قول الصحابي ليس بحجّة، فانّ اللّه سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّ نبيّنا محمّداً، وليس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة، فمن قال: إنّه تقوم الحجّة في دين اللّه بغيرهما فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت وأثبت شرعاً لم يأمر اللّه به.(2)

وممّن بالغ في حجّية قول الصحابي ـ غير المسند إلى الرسول ـ ابن قيّم الجوزية في كتابه «اعلام الموقعين» وقد أوضحنا حال أدلّته البالغة إلى ستة وأربعين دليلاً، في تقديمنا لكتاب طبقات الفقهاء، القسم الأوّل، فلاحظ.(3)

والعجب انّ الصحابة لم يدّعوا لأنفسهم هذا المقام ولم يغالوا في حقّهم ولم يتجاوزوا الحد، وهذا هو عمربن الخطاب


1 - جامع أحاديث الشيعة:1/17.
2 - إرشاد الفحول:214.
3 - الفقه الإسلامي منابعه وأدواره: 289ـ 303 .


(47)

يقول: وإنّي لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم،وآمركم بأشياء لا تصلح لكم.(1)

وقد شاع وذاع عن الخلفاء قولهم: «أقول فيها برأيي فإن أصبتُ فمن اللّه، وإن أخطأت فمنّي أو من الشيطان» فكيف يمكن أن يكون الرأي المردد بين اللّه وغيره حكماً شرعياً لازم الاتّباع إلى يوم البعث.

إن هذا إلاّ الغلو الواضح النابع من القول بعصمتهم من غير وعي.

2. العزوف عن نقد الصحابة

من مظاهر الغلو في الصحابة هو العزوف عن نقد الصحابة، والمنع عن التكلم حول ما دار بينهم من النزاع والنقاش، يقول إمام الحنابلة:

وخير هذه الأُمّة بعد نبيّها ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، و خيرهم بعد عمر، عثمان، وخيرهم بعد عثمان


1 - تاريخ بغداد:14/81.


(48)

علي ـ رضوان اللّه عليهم ـ خلفاء راشدون مهديّون، ثمّ أصحاب محمّد بعد هؤلاء الأربعة لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثمّ يستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة، وجلده في المجلس حتّى يتوب ويراجع.(1)

وقال الإمام الأشعري: ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بها ونتولّى بها ونتولّى سائر أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونكفّ عمّا شجر بينهم...(2)

وقال أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي(المتوفّى 377هـ) عند ما ذكر عقائد أهل السنّة ومنها: الكفّ عن أصحاب محمد.(3)

وعندما يقف الباحث على مصادر جمة وتظهر أمامه


1 - كتاب السنة لأحمد بن حنبل: 50.
2 - الإبانة: 40، ط دار النفائس، ومقالات الإسلاميين:294.
3 - التنبيه والردّ : 15.


(49)

أفانين من اقتراف المعاصي وسفك الدماء الطاهرة، وهتك الحرمات، ويجابههم بهذه الحقائق، فإنّهم يلتجئون إلى ما يُروى عن عمر بن عبد العزيز وأحياناً عن الإمام أحمد بن حنبل من لزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الاختلاف، وكثيراً ما يقولون حول الدماء التي أُريقت بيد الصحابة ـ حيث قتل بعضهم بعضاً ـ تلك دماء طهّر اللّه منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا.

غير أنّ هذه الكلمة ـ من أيّ شخص صدرت ـ تخالف القرآن الكريم والسنّة النبوية والعقل الصريح.

أمّا القرآن الكريم فقد وصف طوائف من الصحابة بالأوصاف التي سوف تقف عليها عند تصنيف الصحابة والتي منها الفسق وقال فيما قال: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبإ فَتَبيّنوا أَن تصيبُوا قَوْماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين).(1)


1 - الحجرات:6.


(50)

وأمّا السنّة النبوية فهي تصف قتلة عمار بالفئة الباغية حيث قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنّة ويدعونك إلى النار».(1) وكان معاوية، وعمرو بن العاص يقودان الفئة الباغية.

ويقول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّ الخوارج:« تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق».(2)

وهذه الأحاديث وأمثالها كثيرة مبثوثة في الصحاح والمسانيد، فإذا كان الإمساك أمراً واجباً والإطلاق أمراً محرماً، فلماذا أطلق الوحي الإلهي والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لسانهما بوصف هؤلاء بالأوصاف الماضية؟!

وأمّا العقل فلا يجوّز لنا أن نلبس الحق بالباطل ونكتم الحقّ ونكيل للظالم والعادل بمكيال واحد، أمّا ما روي عن الإمام أحمد فلعلّه يريد به الإمساك عن الكلام فيهم بالباطل والهوى، وأمّا الكلام فيهم بما اشتهر اشتهار الشمس في رائعة


1 - الجمع بين الصحيحين:2/461، رقم1794.
2 - السنّة لابن حنبل،رقم 41.


(51)

النهار ونقله المحدّثون والمؤرخون في كتبهم وأُشير إليه في الذكر الحكيم فلا معنى للزوم الإمساك عنه.

ثمّ إنّه يُستشفّ من هذا الكلام أنّ الدماء التي أُريقت في وقائع الجمل وصفين والنهروان، كانت قد سُفكت بغير حق، وهذا ـ وأيم الحق ـ عين النصب، وقضاء بالباطل، وإلاّ فأي ضمير حرّ يحكم بأنّ قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، كان قتالاً بغير حقّ؟! وكلّنا يعلم أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ كان على بيّنة من ربّه وبصيرة من دينه، يدور معه الحقّ حيثما دار، وهو الذي يقول: «واللّه لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصيَ اللّهَ في نملة أسلبُها جِلْبَ شعيرة ما فعلتُ».

ما هذا التجنّي أمام الحقائق الواضحة؟!

أو ليس العزوف عن نقد الصحابة تكريساً للأخطاء، وإيغالاً في التقديس؟!

أو ليس تنزيه الصحابة جميعاً تنكّراً للطبيعة البشرية.

إنّ النقد الموضوعي تعزيز لجبهة الحق، وتمييز الخبيث


(52)

من الطيّب، والمبطل عن المحق قال سبحانه: (ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ المُؤْمنينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيّبِ).(1)

ولو كان الكفّ عمّا اقترفوا أمراً واجباً فلماذا خرق النبي هذا الستر وأخبر عن رجوعهم عن الطريق المهيع.

وهذا هو الإمام البخاري يروي روايات كثيرة حول ارتداد بعض الصحابة بعد رحيل النبي، نكتفي بواحدة منها.

إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتّى إذا عرفتهُم خرج رجل بيني و بينهم فقال: هلم! فقلت: أين؟ فقال: إلى النار واللّه، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى، ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل بيني و بينهم فقال لهم: هلم، فقلت: إلى أين؟ قـال: إلى النـار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلاّ


1 - آل عمران:179.


(53)

مثل هِمْل النعم».(1)

وظاهر الحديث:«حتّى إذا عرفتهم» و قوله: «ارتدوا على أدبارهم القهقرى» أنّ الذين أدركوا عصره وكانوا معه، هم الذين يرتدون بعده.

إذا راجعنا الصحاح والمسانيد نجد أنّ أصحابهم أفردوا باباً بشأن فضائل الصحابة إلاّ أنّهم لم يفردوا باباً في مثالبهم، بل أقحموا ما يرجع إلى هذه الناحية في أبواب أُخر، ستراً لمثالبهم وقد ذكرها البخاري في الجزء التاسع من صحاحه في باب الفتن، وأدرجها ابن الأثير في جامعه في أبواب القيامة عند البحث عن الحوض، والوضع الطبيعي لجمع الأحاديث وترتيبها، كان يقتضي عقد باب مستقل للمثالب في جنب الفضائل حتّى يطلع القارئ على قضاء السنة حول صحابة النبي الأكرم.


1 - جامع الأُصول لابن الأثير:11/120، كتاب الحوض في ورود الناس عليه، رقم الحديث 7972. و «الفرط»: المتقدم قومه إلى الماء، ويستوي فيه الواحد والجمع ، يقال: رجل فرط وقوم فرط.


(54)

3. السنّة قاضية على القرآن

القرآن الكريم هو المرجع الأوّل للمسلمين في الشريعة والعقيدة، وقد وصفه سبحانه بأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، قال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيء).(1)

والمراد من الشيء في الآية إمّا المعنى العام، أو المعنى الخاص، أي العقيدة والشريعة، والمعنى الثاني هو القدر المتيقّن، فيجب أن يكون ميزاناً للحقّ والباطل فيما تحكيه الروايات في مجالي العقيدة والشريعة.

كما أنّه سبحانه عرّفه في مكان آخر بأنّه المهيمن على جميع الكتب السماوية(وَأَنْزَلْنَا إِليكَ الْكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ).(2)

فإذا كان القرآن مهيمناً على جميع الكتب السماوية وميزاناً للحقّ والباطل الواردين فيها، فأولى أن يكون مهيمناً


1 - النحل:89.
2 - المائدة:48.


(55)

على ما يُنسب إلى صاحب الشريعة المحمّدية من صحيح وسقيم.

ومقتضى ذلك أن يكون القرآن حاكماً على السنّة ومعياراً لصحّتها وسقمها; ولكن الغلوّ في رواة السنّة وعلى رأسهم الصحابة، انتهى إلى خلاف ذلك، فصارت السنّة قاضية على القرآن، حاكمة عليه، وهذا أحد مظاهر الغلوّ في الصحابة ومن تتلمذ على أيديهم حيث قدّموا رواياتهم على كتاب ربّ العزّة، وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا فاقرأ ما نتلوه عليك:

روى الحافظ الكبير أبو محمد عبد الرحمن الدارمي في سننه في باب «السنّة قاضية على كتاب اللّه» بسنده عن يحيى بن أبي كثير قال: السنّة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنّة.(1)

قال الإمام الأشعري واختلفوا في القرآن هل ينسخ إلاّ بقرآن، وفي السنّة هل ينسخها القرآن؟ فقال: المختلفون في


1 - سنن الدارمي:1/144.


(56)

ذلك ثلاثة أقاويل، منها:

السنّة تنسخ القرآنَ وتقضي عليه، والقرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي عليها.(1)

لا شكّ انّ السنّة المحكية الّتي تصدر عن لسان النبيّ هي كالقرآن الكريم، تخصِّص عموم القرآن وتقيّد مطلقه، ولا يكون بينهما أيّ خلاف حتّى يكون أحدهما قاضياً على الآخر، إنّما الكلام في هذه السنن الحاكية المبثوثة في الصحاح والسنن والمسانيد، فهل يمكن أن تكون تلك السنّة قاضية على كتاب اللّه ولا يكون الكتاب قاضياً عليها؟!

(تلك إذاً قسمة ضيزى).

4. حجّية رواياتهم بلا استثناء

من مظاهر الغلو في حقّ الصحابة، حجّية رواياتهم بلا استثناء، مع أنّ الصحابة كانوا على أصناف يعرفهم كلّ من قرأ الكتاب العزيز وتدبّر في آياته.


1 - مقالات الإسلاميين:608.


(57)

كانت في الصحابة طائفة من المؤمنين المخلصين بدرجات مختلفة، وفيهم المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وفيهم المنافقون وهم عدد غير قليل، وفيهم المؤلّفة قلوبهم، وفيهم من نزل القرآن بفسقه، وفيهم من أُقيم عليه الحدّ الشرعي في زمن النبيّ، وفيهم من ارتدّ عن دينه إلى غير ذلك من الأصناف الّتي لا يحتجّ بأقوالها ورواياتها.

ومع ذلك احتج بروايات الصحابي مطلقاً ، ومن دون استثناء.

إنّ الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حذّر أصحابه من الكذب عليه في حياته، وهذا يعرب عن وجود من كان يكذب عليه في حياته فكيف بعد مماته.

روى البخاري، عن رِبْعي بن حراش يقول: سمعت عليّاً يقول: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« لا تكذبوا عليّ فانّه مَنْ كذب عليّ فليلج النار».(1)


1 - صحيح البخاري:1، باب إثم من كذب على النبيّ، الحديث 106ـ 107.


(58)

وروى أيضاً عن عبد اللّه بن الزبير قال: قلت للزبير: إنّي لا أسمعك تحدّث عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما يحدّث فلان وفلان؟ قال: إنّي لم أُفارقه، ولكن سمعته يقول:«من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النّار».

إلى غير ذلك من الأحاديث الّتي رواها الإمام البخاري في هذا المضمار.

وقد عقد ابن ماجة في سننه باب التغليظ على تعمّد الكذب على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وروى فيه ثماني روايات حول نهي النبي عن الكذب عليه.

وعن أبي قتادة قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول على هذا المنبر: إيّاكم وكثرة الحديث عنّي، فمن قال، عليّ فليقل عدلاً أو صدقاً، و من تقوّل عليّ ما لم أقل فليتبوّأ مقعده من النار.(1)

ماذا يريد رسول اللّه من خطابه: «إيّاكم وكثرة الحديث


1 - سنن ابن ماجة:1/14، رقم35.


(59)

عنّي» ألا يدلّ هذا على أنّه كان بين الصحابة من يتقوّل عليه وينقل عنه ما لم يقل؟ نعم هذا لا يستلزم اختصاص الحكم بالصحابة، بل يحرم التقوّل على غير الصحابي، أيضاً بملاك الاشتراك في التكليف، ولكن الخطاب متوجه إلى الصحابة يخصّهم بالذكر وإن كان الحكم واسعاً.

ثمّ إنّ ابن ماجة عقد باباً آخر، تحت عنوان «من حدّث عن رسول اللّه حديثاً وهو يُرى أنّه كذب» روى فيه أربع روايات كلّها بمضمون الحديث التالي :من حدّث عنّي حديثاً وهو يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين.(1)

وهذا يكشف عن وجود أرضية سيّئة بين نقلة الحديث في عصر الرسول، أفيمكن بعد هذه الروايات أن نكيل عامة الصحابة بكيل واحد ونصفهم بالعدل والزهد والتقى؟! مع أنّ منهم ـ بعدما ظهر كذبه في الحديث ـ من يعتذر بأنّه من كيسه.

أخرج البخاري عن أبي صالح، قال: حدّثني


1 - سنن ابن ماجة:1/14، قسم المقدمة، برقم38.


(60)

أبوهريرة، قال: قال النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أفضل الصدقة ما ترك غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلقني.

ويقول العبد: اطعمني واستعملني.

ويقول الابن: ا طعمني إلى من تدعني؟

فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟!

قال: لا، من كيس أبي هريرة.

ورواه الإمام أحمد في مسنده باختلاف طفيف في اللفظ.

انظر إلى الرجل ينسب في صدر الحديث الرواية إلى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بضرس قاطع، ولكنّه عندما سُئل عن سماع الحديث من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عدل عمّا ذكره أوّلاً، وصرح بأنّه من كيسه الخاص أي من موضوعاته.(1)


1 - البخاري، كتاب النفقات، رقم الحديث5355 ; مسند أحمد:2/252.


(61)

8

عدالة الصحابة كخلافة الخلفاء

ليست من صميم الدين

من يراجع الرسائل والكتب العقائدية يقف فيها على مسألتين تعتبران منذ عصر الإمام أحمد(المتوفّى 241هـ) من صميم الدين وممّا يجب الإيمان به، وهما:

1. خلافة الخلفاء الأربعة.

2. عدالة الصحابة جميعاً.

يقول إمام الحنابلة في رسالة عقائدية: وخير هذه الأُمّة بعد نبيّها ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر، عمر، وخيرهم بعد عمر، عثمان، وخيرهم بعد عثمان، علي ـ رضوان اللّه عليهم ـ خلفاء راشدون مهديّون، ثمّ أصحاب محمد بعد هؤلاء


(62)

الأربعة.(1)

وقال الإمام الأشعري في رسالة ألّفها لبيان عقيدة أهل الحديث:

إنّ الإمام الفاضل بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبو بكر الصدّيق، ثمّ عمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفان، ثمّ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ .

فهؤلاء الأئمّة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخلافتهم خلافة النبوّة.(2)

وقال أبو جعفر الطحاوي في العقيدة الطحاوية المسمّاة بـ«بيان السنّة والجماعة»:

وتثبيت لأبي بكر الصديق تفضيلاً وتقديماً على جميع الأُمّة ثمّ لعمر بن الخطاب، ثمّ لعثمان، ثمّ لعلي.(3)


1 - السنّة: 50.
2 - الإبانة في أُصول الديانة:21ـ 22، باب إبانة قول أهل الحقّ والسنّة.
3 - شرح العقيدة الطحاوية، للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي: 479. ولاحظ الفرق بين الفرق: 350، للبغدادي وغيره.


(63)

هذه النصوص المذكورة وما لم نذكره تعرب عن أنّ خلافة الخلفاء ـ عند القوم ـ عقيدة إسلامية يجب على كلّ مسلم الاعتقاد بها كالاعتقاد بسائر الأُصول من توحيده سبحانه ونبوّة نبيّه ومعاد الإنسان، وقد ذكرها الإمامان: أحمد والأشعري في عداد عقائد أهل السنة والجماعة.

هذا هو المفهوم من هذه الكلمات وربما يتصوّر القائل أنّ الاعتقاد بخلافة الخلفاء أصل من أُصول الإسلام وقد جاء به النبيّ الخاتم وأمر الناس بالاعتقاد به.

الاعتقاد بخلافة الخلفاء ليس من صميم الدين

كيف يتصوّر ذلك مع أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يقبل إسلام من ذكر الشهادتين دون أن يسأله عن خلافة الخلفاء؟

والذي يدلّ على أنّ خلافة الخلفاء ليست أصلاً دينيّاً وإنّما هي مرحلة زمنية مرّ بها المسلمون في فترة من تاريخهم كما مرّوا بخلافة سائر الخلفاء، هو أنّ أصل الخلافة والإمامة من الفروع عند متكلّمي أهل السنّة، فكيف تكون خلافة


(64)

الخلفاء من الأُصول؟

قال الغزالي: واعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليست من المهمّات، وليس أيضاً من فن المعقولات، بل من الفقهيّات.(1)

وقال الآمدي: اعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات، ولا من الأُمور اللابدّيّات بحيث لا يسع المكلّف الإعراض عنها والجهل بها.(2)

وقال السيد الشريف: وليست الإمامة من أُصول الديانات والعقائد، بل هي من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمّة سمعاً.(3)

فإذا كانت الكبرى حكماً فرعياً من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قام المسلمون بعد رحيل الرسول بتطبيقها على الخلفاء الأربعة ثم توالى الخلفاء بعدهم،


1 - الاقتصاد في الاعتقاد، ص 234.
2 - غاية المرام في علم الكلام، ص 362.
3 - شرح المواقف، ج8، ص 344.


(65)

أفهل يكون ذلك دليلاً على أنّ الاعتقاد بخلافتهم أصل من الأُصول؟

إذ طالما قام المسلمون بواجبهم في أكثر بقاع العالم فبايعوا شخصاً بالخلافة فلم تُصبح خلافته أصلاً من أُصول الإسلام، هذا من غير فرق بين أن نقول بصحّة خلافتهم وكونها جامعة شرائط الخلافة أم لم نقل، إنّما الكلام في أنّ الاعتقاد بها ليس أصلاً من أُصول الإسلام.

ومن سبر التاريخ يقف على أنّ يد السياسة أوجدت تلك الفكرة، وجعلت خلافة الخلفاء الثلاث أصلاً من أُصول الإيمان ليكون ذريعة إلى سائر المسائل السياسية.

ذكر المسعودي: اجتمع عمرو بن العاص مع أبي موسى الأشعري في دومة الجندل، فجرى بينهما مناظرات، وقد أحضر عمرو غلامه لكتابة ما يتّفقان عليه، فقال عمرو بن العاص بعد الشهادة بتوحيده سبحانه ونبوّة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونشهد أنّ أبا بكر خليفة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عمل بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى قبضه اللّه إليه، وقد أدّى الحق الذي عليه.


(66)

قال أبو موسى: اكتب، ثمّ قال في عمر مثل ذلك، فقال أبو موسى: اكتب. ثمّ قال عمرو: اكتب انّ عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين وشورى من أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ورضا منهم وأنّه كان مؤمناً، فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا ممّا قعدنا له، قال: واللّه لابدّ من أن يكون مؤمناً أو كافراً، فقال أبو موسى: كان مؤمناً. قال عمرو: فمره يكتب، قال أبو موسى: اكتب. قال عمرو: فظالماً قتل عثمان أو مظلوماً؟ قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً، قال عمرو: أو ليس قد جعل اللّه لوليّ المظلوم سلطاناً يطلب بدمه؟ قال أبو موسى: نعم. قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولياً أولى من معاوية؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتّى يقتله أو يعجز عنه؟ قال أبو موسى: بلى، قال عمرو للكاتب: اكتب وأمره أبو موسى فكتب، قال عمرو: فإنّا نقيم البيّنة على أنّ علياً قتل عثمان....(1)


1 - مروج الذهب للمسعودي:2/396ـ 397.


(67)

ومن يقرأ قصة التحكيم في حرب صفّين يجد أنّ إقحام الاعتقاد بخلافة الشيخين، كان تمهيداً لانتزاع الإقرار بخلافة الثالث، ولم يكن الإقرار بخلافة الثالث مقصوداً بالذات، بل كان ذريعة لانتزاع اعترافات أُخرى من أنّه قتل مظلوماً، وأنّه ليس له وليّ يطلب بدمه أولى من معاوية وأنّ علياً هو الذي قتله.

وقد استفحلت أهميّة الإيمان بخلافة الخلفاء ولا سيما الثالث في عهد معاوية للإطاحة بعليّ وأهل بيته وإقصائهم عن الساحة السياسية، حتّى يخلو الجوّ لمعاوية وأبناء بيته، وقد أمر الخطباء والوعّاظ بنشر مناقب الخلفاء أوّلاً، وسائر الصحابة ثانياً، والمنع عن نشر أيّة فضيلة من فضائل أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ .

إنّ الرسائل العقائدية الّتي أشرنا إليها اشتملت على ما يربو على خمسين أصلاً، يتراءى لنا أنّها من أُصول الإسلام، وأنّها ممّا قد أجمع عليها المسلمون بعد رحيل الرسول،ولكن الواقع غير ذلك فأكثر الأُصول ردود على الفرق الكلامية


(68)

الّتي ظهرت في الساحة، فصارت العقائد الإسلامية كأنّها ردود على الفرق الناجمة في عصر التيارات الكلامية ولا أصالة لها. ولولا تلك الفرق الضالة! لم يكن لهذه الأُصول عين ولا أثر، حتّى أنّ مسألة تربيع الخلفاء تمّ الاتّفاق عليها في عصر الإمام أحمد، و كان أكثر المحدّثين على التثليث.

قد ذكر ابن أبي يعلى بالاسناد إلى وديزة الحمصي قال: دخلت على أبي عبد اللّه أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي ـ رضي اللّه عنه ـ فقلت له: يا أبا عبد اللّه إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير، فقال:بئس ما قلت وما نحن وحرب القوم وذكرها، فقلت: أصلحك اللّه إنّما ذكرناها حين ربّعت بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمّة قبله، فقال لي: وما يمنعني من ذلك؟ قال: قلت: حديث ابن عمر. فقال لي: عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه ـ قد سمّى نفسه أمير المؤمنين، فأقول: أنا ليس للمؤمنين بأمير،


(69)

فانصرفتُ عنه.(1)

والحقّ أنّ الأُصول التي تبنّاها الإمام أحمد وبعده الإمام الأشعري أو جاءت في العقيدة الطحاوية هي أُصول استنبطها الإمام من الآيات والروايات فجعلها عقائد إسلامية يجب الإيمان بها، وهي أولى بأن تسمّى: عقائد الإمام أحمد بدل أن تسمّى عقائد إسلاميّة.

عدالة الصحابة ليست من صميم الدين

هذا هو حال الخلافة التي جعلوها من الأُصول ولا تمتّ إليها بصلة، ولنبحث الآن مسألة عدالة الصحابة، أي عدالة مائة ألف إنسان رأى النبيّ وشاهده أو عدالة خمسة عشر ألف صحابي سُجّلت أسماؤهم في المعاجم فقد هتفت الكتب الرجالية بعدالتهم على الإطلاق، وحُرّم أيّ نقد علمي أو تاريخي في حقّهم، بل عُدّ الناقد لهم خارجاً عن الإسلام


1 - طبقات الحنابلة:1/393.


(70)

مبطلاً لأدلة المسلمين على ما مرّ .(1)

إنّ الدارس لتاريخ حياة الصحابة يقف بوضوح على أنّ هذه الحالة القدسية التي يضفيها جمهور السنّة على الصحابة ليست إلاّ وليدة عصر متأخر عنهم، ولم تزل هذه الحالة تزداد وتتّسع، حتّى أصبحنا في عصر لا يمكن فيه لأحد أن يبحث في ممارسات الصحابة وسلوكيّاتهم، ولا أن يشير إلى مواضع الألم في تاريخ تلك الحقبة، حتّى ولو اعتمد القائل في قضائه على الآيات والروايات والتاريخ الصحيح، بل يتّهم بأنّه زنديق، وأنّ الجارح أولى بالجرح.

لقد تكوّنت هذه النظرية ونشأت عن العاطفة الدينية التي حملها المسلمون تجاه الرسول الأكرم وجرّتهم إلى تبنّي تلك الفكرة واستغلّتها السلطة الأموية لإبعاد الناس عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أحد الثقلين اللّذين تركهما الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد رحيله لهداية الناس.

والشاهد على أنّ هذه القداسة طارئة على فكر المجتمع


1 - لاحظ ص 47ـ48من هذه الرسالة.


(71)

الإسلامي، هو تضافر الآيات على تصنيف الصحابة إلى أصناف مختلفة يجمعها من حسنت صحبته ومن لم تحسن، كما تضافرت الروايات على ذمّ لفيف منهم، وقد احتفل التاريخ بنزاعهم وقتالهم وقتلهم الأبرياء، ومع ذلك كلّه فعدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم صارت كعقيدة راسخة في فكر المجتمع الإسلامي، لا يجترئ أحد على التشكيك فيها إلاّ من تجرّد عن العقائد المسبقة وقدّم تبنّي الحقيقة على المناصب الدنيوية وزخارفها وابتاع لنفسه أنواع التهم والذموم.

وها نحن نذكر شيئاً من الآيات الصريحة في ذمّ لفيف منهم على نحو لا يبقى معه شكّ لمشكّك ولا ريب لمرتاب.

وهذا ما سيوافيك في الفصل التالي:


(72)

9

القرآن الكريم

وعدالة الصحابة

إنّ القرآن الكريم في مختلف سوره وآياته ينقد أقوال الصحابة وأفعالهم بوضوح كما أنّه في بعض آياته يثني على طائفة منهم، فمن الخطأ أن نركّز على طائفة دون طائفة، فها نحن ندرس في هذا الفصل بعض الآيات التي تنقد أفعالهم وآراءهم كما ندرس في الفصول القادمة الآيات المادحة.

1.تنبّؤ القرآن بارتداد لفيف من الصحابة

القرآن يتنبّأ بإمكان ارتداد بعض الصحابة بعد رحيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . وذلك لمّا انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد


(73)

وقتل من قتل منهم. يقول ابن كثير: نادى الشيطان على أنّ محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد قتل. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد قتل وجوّزوا عليه ذلك، فحصل ضعف ووهن وتأخّر عن القتال، روى ابن نجيح عن أبيه إنّ رجلاً من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحّط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أنّ محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمّد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل اللّه سبحانه قوله: (وَما مُحمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ ماتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيئاً وَسَيَجْزي اللّهُ الشّاكِرين).(1)

قال ابن قيّم الجوزية: كانت وقعة أُحد مقدّمة وإرهاصاً بين يدي محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللّه أو قتل.(2)


1 - تفسير ابن كثير:1/409 والآية 144 من سورة آل عمران.
2 - زاد المعاد: 253.


(74)

والظاهر من الارتداد هو الأعمّ من الارتداد عن الدين الذي جاهر به بعض المنافقين والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحقّ إنساء ما أوصى به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وهذه الآية تخبر عن إمكانية الانقلاب على الأعقاب بعد رحيل الرسول، فهل يمكن أن يوصف بالعدالة التامّة الّتي هي أُخت العصمة من كان يُحتمل فيه تلك الإمكانية؟ ولذلك ترى أنّهم لا يرضون بنقد آراء الصحابة وأقوالهم.

2. ترك الرسول قائماً وهو يخطب

بينا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يخطب الجمعة قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى لم يبق معه إلاّ اثنا عشر رجلاً. فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتّى لا يبقى منكم أحد سال لكم الوادي ناراً، فنزلت هذه الآية:(وَإِذا رَأوا تِجارةً أَو لَهْواً انفضّوا إِليها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللّه خَيْرٌ مِنَ اللَّهو وَ مِنَ التِّجارَةِ وَاللّهُ خَيرُ الرّازِقين).


(75)

قال ابن كثير: يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع، من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: (وَإِذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إِليها وتركوك قائماً) أي على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة وزعم ابن حبّان أنّ التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قائماً على المنبر إلاّ القليل منهم، وقد صحّ بذلك الخبر، فقال الإمام أحمد: حدّثنا ابن إدريس، عن حصين بن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: قدمت غير مرّة المدينة ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً فنزلت (وَإِذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إِليها ) أخرجاه في الصحيحين .(1)


1 - تفسير ابن كثير:4/378; صحيح البخاري:1/316، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة ; صحيح مسلم:2/590 كتاب الجمعة، باب في قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة...).


(76)

أفمن يقدّم اللهو والتجارة على ذكر اللّه ويستخف بالنبيّ، يكون ذا ملكة نفسانية تحجزه عن اقتراف المعاصي واجتراح الكبائر، ما لكم كيف تحكمون؟

3. الخيانة بالنكاح سرّاً

شرّع اللّه سبحانه صوم شهر رمضان وحرّم على الصائم إذا نام ليلاً مجامعة النساء، فكان جماعة من المسلمين ينكحون سرّاً وهو محرّم عليهم.

قال ابن كثير: كان الأمر في ابتداء الإسلام، هو إذا أفطر أحدهم إنّما يحلّ له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو نام قبل ذلك فمتى نام أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القادمة، ثمّ إنّ أُناساً من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأنزل اللّه قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيلةَ الصّيامِ الرَّفثُ إِلى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ )


(77)

لَكُمْ وَأَنتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنكُمّ كُنْتُمْ تَختانُونَ أَنفسكُمْ فتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فالآن باشِرُوهنَّ وابتَغُوا ما كَتَبَ اللّه لَكُمْ...).(1)

فهل يصحّ لنا أن نصف من خانوا أنفسهم بارتكاب الحرام بأنّهم عدول ذوي ملكة رادعة عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر؟! أو أنّ أكثرهم لم يكونوا حائزين تلك الملكة، وإنّما كانوا على درجة متوسطة من الإيمان والتقوى وقد يغلب عليهم حبّ الدنيا ولذّاتها.

4. خيانة بعض البدريّين

يقول سبحانه:(وَما كانَ لِنَبىّ أن يغُلَّ وَمَنْ يَغْلُل يَأْتِ بِما غَلَّ يَوم القِيامَةِ ثُمّ توفّى كُلّ نَفس ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلمُون).(2)


1 - تفسير ابن كثير :1/219; صحيح البخاري: 4/1639، كتاب التفسير، وغيرهما، والآية 187 من سورة البقرة.
2 - آل عمران:161.


(78)

قال ابن كثير: نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعلّ رسول اللّه أخذها فأكثروا في ذلك، فأنزل اللّه:(وَما كانَ لِنَبيّ أن يغلّ وَمَنْ يَغْلل يَأْتِ بِما غلّ يَوم القِيامَة) وهذا تنزيه له ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة، ثمّ تبيّن أنّه قد غلّ بعض أصحابه.(1)

والآية تعرب عن مدى حسن ظنّهم واعتقادهم برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى اتّهموه بالخيانة في الأمانة وتقسيم الأموال، ثمّ تبين أنّه قد غلّه بعض أصحابه، فهؤلاء الجاهلون بمكانة النبي، أو من مارس الخيانة في أموال المسلمين لا يوصفون بالعدالة.

وهذا حال البدريين، لا الأعراب ولا الطلقاء ولا أبنائهم ولا المنافقين، فكيف حال من أتى بعدهم؟ ولعمري أنّ من يقرأ هذه الآيات البيّنات وما ورد حولها من الأحاديث


1 - تفسير ابن كثير:1/421; تفسير الطبري:4/155 في تفسير الآية، إلى غير ذلك من المصادر.


(79)

والكلمات ثمّ يصرّ على عدالة الصحابة جميعاً دون تحقيق فقد ظلم نفسه وظلم أُمّته.

5. فاسق يغرّ النبيّ وأصحابه

يقول سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصيبُوا قَوماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين).(1)

أمر اللّه سبحانه بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلاّ يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً، قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسّرين أنّ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على صدقات بني المصطلق إلى حارث بن ضرار وهو رئيسهم ليقبض ما كان عنده ممّا جمع من الزكاة، فلمّا أن سار الوليد حتّى بلغ بعض الطريق فرق ـ أي خاف ـ فرجع حتّى أتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا رسول اللّه إنّ الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي،


1 - الحجرات:6.


(80)

فغضب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعث البعث إلى الحارث ـ رضي اللّه عنه ـ و أقبل الحارث بأصحابه حتّى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث. فلمّا غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنّك منعته الزكاة وأردت قتله، قال ـ رضي اللّه ـ عنه: لا والذي بعث محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالحقّ ما رأيته بتة ولا أتاني، فلمّا دخل الحارث على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: منعتَ الزكاة و أردتَ قتل رسولي؟ قال: لا، والذي بعثك بالحقّ ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلاّ حين احتبس عليّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خشيت أن تكون سخطة من اللّه تعالى ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: (يا أيُّها الّذين آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسق بنبأ) إلى قوله: (حكيم).(1)

6. تنازعهم في الغنائم إلى حدّ التخاصم

إنّ صحابة النبي بعد انتصارهم على المشركين في غزوة


1 - تفسير ابن كثير:4/209.


(81)

بدر، استولوا على أموالهم وتنازعوا فيها إلى حدّ التخاصم، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب.

وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم أحقّ بها منّا ونحن منعنا عنه العدوّ وهزمناهم.

وقال الذين أحدقوا برسول اللّه: لستم بأحقّ بها منّا نحن أحدقنا برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرّة واشتغلنا به فنزل: (يسألونك عن الأنفالِ قُل الأَنفالُ للّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللّه وأصلحوا ذات بَيْنِكم وأَطيعوا اللّه ورسوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنين).(1)

قال ابن كثير: سأل أبو أمامة عبادة عن الأنفال؟ قال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه اللّه من أيدينا وجعله إلى رسول اللّه، فقسّمه رسول اللّه بين المسلمين عن سواء.(2)


1 - الأنفال:1.
2 - تفسير ابن كثير:2/283.


(82)

وفي الآية إلماعات إلى سوء أخلاقهم حيث يعظ سبحانه هؤلاء السائلين ويأمرهم بأُمور ثلاثة بقوله:

1. (واتقوا اللّه) في أُموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم اللّه من الهدى والعلم خير ممّا تختصمون بسببه.

2. (وأصلحوا ذات بينكم): أي لا تسبّوا.

3. (و أطيعوا اللّه و رسولـه): أي لا تخالفوه و لا تشاجروا.(1)

فالإمعان في الآيات النازلة حول هؤلاء المتنازعين والروايات الواردة في تفسير الآية، لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ لفيفاً من الحاضرين في غزوة بدر لم يبلغوا مرحلة عالية تميزهم عن غيرهم، بل كانوا كسائر الناس الذين يتنازعون على حطام الدنيا وزبرجها دون أن يستشيروا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أمرها، ويسألونه عن حكمها، أفهؤلاء الذين كانوا يتنازعون على


1 - تفسير ابن كثير:2/285.


(83)

حطام الدنيا، يصبحون مُثُلاً للفضيلة وكرامة النفس والطهارة؟!

7. استحقاقهم مسّ عذاب عظيم

كانت السنّة الجارية في الأنبياء الماضين انّهم إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ينكّلون بهم بالقتل ليعتبر به من وراءهم حتّى يكفّوا عن عدائهم للّه ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتّى يثخنوا في الأرض ويستقر دينهم بين الناس، فعند ذلك لم يكن مانع من الأسر، ثمّ يعقبه المنّ أو الفداء.

يقول سبحانه في آية أُخرى: (فإذا لَقِيتُمُ الّذين كَفَروا فَضربَ الرِّقابِ حتّى إِذا أَثخَنْتُموهُمْ فَشدّوا الوَثَاقَ فإِمّا منّاً بعدُ وإِمّا فِداء)(1) فأجاز أخذ الأسر، لكن بعد الإثخان في الأرض واستتباب الأمر.

غير أنّ لفيفاً من الصحابة كانوا يصرون على النبي


1 - محمد:4.


(84)

بالعفو عنهم وقبول الفداء منهم (قبل الإثخان في الأرض) فأخذوا الأسرى، فنزلت الآية في ذم هؤلاء وعرّفهم بأنّهم استحقوا مسَّ عذاب عظيم لولا ما سبق كتاب من اللّه، يقول سبحانه: (ما كان لنبيّ أن يكونَ لَهُ أَسرى حتّى يُثخِن فِي الأَرض تُريدُونَ عَرَض الدُّنيا وَاللّهُ يُريدُ الآخرة واللّهُ عَزيزٌ حَكيم* لَولا كِتابٌ مِنَ اللّه سَبق لَمَسَّكُم فيما أخذتُمْ عذابٌ عَظيم).(1)

والمستفاد من الآيتين أمران:

الأوّل: انّ الحافز لأكثرهم أو لفئة منهم هو الاستيلاء على عرض الدنيا دون الآخرة كما يشير إليه سبحانه بقوله: (تُريدُونَ عَرَض الدُّنيا وَاللّهُ يُريدُ الآخرة).(2)

الثاني: لقد بلغ عملهم من الشناعة درجة، بحيث استحقُّوا مسَّ عذاب عظيم، غير أنّه سبحانه دفع عنهم العذاب لما سبق منه في الكتاب، قال سبحانه: (لَولا كِتابٌ )


1 - الأنفال:67ـ 69.
2 - الأنفال:67.


(85)

مِنَ اللّه سَبق لَمَسّكُمْ فيما أَخذتُم) أخذ الأسرى (عذاب عظيم).

فقوله:(عذاب عظيم) يعرب عن عظم المعصية التي اقترفوها حتّى استحقوا بها العذاب العظيم.

أفيمكن وصف من أراد عرض الدنيا مكان الآخرة واستحقّ مس عذاب عظيم بأنّه ذو ملكة نفسانية تصده عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر، كلاّ، ولا.

8. الفرار من الزحف

لقد دارت الدوائر على المسلمين يوم أُحد، لأنّهم عصوا أمر الرسول وتركوا مواقعهم على الجبل طمعاً في الغنائم فأصابهم ما أصابهم من الهزيمة التي ذكرتها كتب السيرة و التاريخ على وجه مبسوط. وبالتالي تركوا النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في ساحة الحرب وليس معه إلاّ عدد قليل من الصحابة، ولم تنفع معهم دعواته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالعودة إلى ساحة القتال ونصرته، فقد خذلوه في تلك الساعات الرهيبة، وأخذوا يلتجئون إلى


(86)

الجبال حذراً من العدو، ويتحدّث سبحانه تبارك وتعالى عن تلك الهزيمة النكراء بقوله: (إِذْ تُصْعِدونَ وَلا تَلوُونَ عَلى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ في أُخراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمّاً بِغَمّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللّه خَبيرٌ بِما تَعْمَلُون).(1)

فالخطاب موجّه للذين انهزموا يوم أُحد، وهو يصف خوفهم من المشركين وفرارهم يوم الزحف، غير ملتفتين إلى أحد، ولا مستجيبين لدعوة الرسول، حين كان يناديهم من ورائهم ويقول: هلم إليَّ عباد اللّه أنا رسول اللّه... ومع ذلك لم يُجبه أحد من المولّين.

والآية تصف تفرقهم وتولّيهم على طوائف أُولاهم بعيدة عنه، وأُخراهم قريبة، والرسول يدعوهم ولا يجيبه أحد لا أوّلهم ولا آخرهم، فتركوا النبيّ بين جموع المشركين غير مكترثين بما يصيبه من القتل أو الأسر أو من الجراح.

نعم كان هذا وصف طوائف منهم و كانت هناك طائفة أُخرى، التفت حول النبي ودفعت عنه شرّ الأعداء،


1 - آل عمران:153.


(87)

وهم الذين أُشير إليهم بقوله سبحانه: (وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكرين).(1)

ثمّ إنّه سبحانه يصرح بتولّيهم وفرارهم عن الجهاد وينسب زلّتهم إلى الشيطان ويقول: (إِنّ الّذين تَوَلَّوا مِنْكُمْ يَومَ التَّقى الجَمْعَانِ إِنّما استَزَلَّهُمُ الشَّيطانُ ببعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَحيم).(2) وليس هؤلاء من أصحاب النفاق (لأنّ المنافق لا يُغفر له ولا يعفى عنه) بل من الصحابة العدول!

9. نسبة الغرور إلى اللّه ورسوله

إنّ غزوة الأحزاب من المغازي المعروفة في الإسلام، حيث اتحد المشركون واليهود للانقضاض على الإسلام، فحاصروا المدينة وهم عشرة آلاف مدجّجين بالسلاح، وحفر المسلمون خندقاً حول المدينة لمنع العدو من اقتحامها وقد


1 - آل عمران:144.
2 - آل عمران:155 .


(88)

طال الحصار نحو شهر.

وفي هذه الغزوة امتحِن أصحابُ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وزلزلوا زلزالاً عظيماً ، وتبيّن الثابت من المستزلّ، وانقسم أصحابه إلى قسمين:

1. المؤمنون وشعارهم (هذا ما وعدنا اللّهُ ورسولُهُ وصدق اللّهُ ورسولُهُ وما زادهم إلاّ إيماناً وتسليماً).(1)

2. المنافقون والذين في قلوبهم مرض وشعارهم:(ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غروراً).(2)

فضعفاء الإيمان من المؤمنين كانوا يظنون باللّه انّه وعدهم وعداً غروراً، فهل يصحّ وصف هؤلاء بالعدالة والتزكية؟! وهم ـ طبعاً ـ غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويدلّ على ذلك، عطف (والّذينَ في قُلُوبهم مرضٌ)على المنافقين، قال سبحانه: (وَإِذ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ).


1 - الأحزاب:22
2 - الأحزاب:12.


(89)

ومن يمعن النظر في الآيات الواردة حول غزوة الأحزاب يعرف مدى صمود كثيرمن الصحابة أمام ذلك السيل الجارف، فإنّ كثيراً منهم كانوا يستأذنون النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للرجوع إلى المدينة بحجة انّ بيوتهم عورة ويقول سبحانه: (وما هي بِعَورة ان يُريدون إِلاّ فراراً ولقَد عاهدوا اللّه من قَبل لا يولون الأَدبار وكانَ عَهْد اللّه مسؤولاً).(1)

10. المنافقون المندسّون بين الصحابة

لقد شاع النفاق بين الصحابة منذ نزول النبي، بالمدينة، وقد ركّز القرآن على عصبة المنافقين وصفاتهم، وفضح نواياهم، وندّد بهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، المائدة، التوبة، العنكبوت، الأحزاب، محمد، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، والمنافقون.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي، بين معروف عرف بسمة


1 - الأحزاب:13.


(90)

النفاق ووصمة الكذب، وغير معروف بذلك، ولأنّه مقنّع بقناع الإيمان والحب للنبي، فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير مؤثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم.

وهناك ثلة من المحقّقين ألّفوا كتباً ورسائل حول النفاق والمنافقين، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم.

ومع ذلك فهل يمكن عد جميع من صحب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عدولاً؟!

نعم المنافقون ليسوا من الصحابة ولكنّهم كانوا مندسّين فيهم، وعند ذلك فكثيراً ما يشتبه الصحابي الصادق بالمنافق، ولا يتميّز المنافق عن المؤمن، حتّى أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ربما كان لا يعرفهم، يقول سبحانه: (وَمِنْ أَهل المَدينة مردوا عَلى النِّفاق لا تعلمهم نَحْنُ نعلَمهم).(1)

فهذا يجر الباحث ـ الذي يريد الإفتاء على ضوء ما قاله


1 - التوبة:101.


(91)

الصحابة ـ التفتيش عن حال الصحابي حتّى يعرف المنافق عن غيره، فلو اشتبه الحال فلا يكون قوله ولا روايته حجّة.

هذا بعض قضاء القرآن في حق الصحابة، ولسنا بصدد الاستقصاء بأنّ أصناف الصحابة المجانبين للعدالة، أكثر(1) ممّا ذكرنا لكن التفصيل لا يناسب وضع الرسالة.


1 - منهم : السمّاعون ( التوبة:45ـ47)، خالطو العمل الصالح بغيره( التوبة:102)، المسلمون غير المؤمنين( الحجرات:14)، المؤلفة قلوبهم (التوبة:60).


(92)

10

السنّة النبوية

و

عدالة الصحابة

درسنا عدالة الصحابة في ضوء القرآن الكريم وخرجنا بالنتيجة التالية :انّ حال الصحابة كحال التابعين، ففيهم عادل وفاسق، وصالح وطالح، منهم من يُستدرّ به الغمام ومنهم من دون ذلك.

ومن حسن الحظ انّ السنّة النبوية تدعم ذلك الموقف، فلنذكر منها نزراً قليلاً حسب ما يقتضيه وضع الرسالة.

1. زعيم الفئة الباغية

روى مسلم عن أبي سعيد قال: أخبرني من هو خير


(93)

منّي ـ أبو قتادة ـ انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال لعمّار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: بُؤسَ ابنُ سمية تقتلك فئة باغية.(1)

وروى البخاري عن أبي سعيد انّه قال: كنّا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فجعل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.

قال الحميدي في هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلاً من طريق هذا الحديث، ولعلّها لم تقع إليه فيها، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك، وأخرجها أبو بكر البرقاني، وأبو بكر الإسماعيلي قبله، وفي هذا الحديث عندهما انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: ويح عمّار، تقلته الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار.(2)

وقد كشف الحميدي عن نوايا البخاري انّه ربما


1 - جامع الأُصول:9/42 برقم 6580.
2 - جامع الأُصول:9/44 برقم 6583.


(94)

يتلاعب بالحديث فيحذف بعض أجزائه لغرض معيّن، وهو إنّما حذف هذه الجملة المشهورة، أعني: «تقتله الفئة الباغية»بقصد تبرئة معاوية، وتبرير أعماله.

ونحن نسأل القائلين بعدالة الصحابة من هي الفئة الباغية التي قتلت عماراً؟! وهل كان فيها من صحابة النبي من يؤيّد موقف الفئة الباغية؟! لا شكّ انّ معاوية كان يترأس الفئة الباغية وكان عمرو بن العاص وزيره في الحرب، وكان انتصار معاوية في حرب صفين رهن مكيدة عمرو بن العاص، وكان بين الفئة الباغية من الصحابة النعمان بن بشير الأنصاري، وعُقْبة بن عامر الجهني، وأبو الغادية يسار بن سبع الجهني وغيرهم.

2. عصيان أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بإحضار القلم والدواة

قد روى أصحاب الصحاح انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمر بإحضار القلم والدواة ليكتب كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً، وقد حال بعض الحاضرين بينه و بين ما يروم إليه، وقد أخرجه


(95)

البخاري في غير مورد من صحيحه.

ففي كتاب العلم أخرج عن ابن عباس انّه قال: لما اشتدّ بالنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجعه، قال: «ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، قال عمر: إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غلبه الوجع، وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قـال: «قـوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و بين كتابه.(1)

وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنّه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثمّ بكى حتّى خَضَبَ دمعُه الحصباءَ، فقال: اشتدّ برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجعه يوم الخميس، فقال: «ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعـده أبداً». فتنازعوا، ولا ينبغي عنـد نبي تـنازع، فقـالوا: هجر رسـول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟ قـال: «دعـوني فـالـذي أنا فيه خيـر


1 - صحيح البخاري:1/38، برقم 114.


(96)

ممّا تدعوني إليه».(1)

وهنا نكتة لابدّ من إلفات القارئ إليها وهي: انّ فعل النبي(طلب الكتاب)، نسب في الصورة الأُولى إلى غلبة الوجع وعند ذاك سمّي القائل به وهو عمر، وفي الصورة الثانية نسب إلى الهجر والهذيان، ولم يذكر اسم القائل، وجاء مكان «عمر» لفظة: «قالوا».

ولما كانت الصورة الأُولى أخف وطأة من الثانية، جاء فيها ذكر القائل دون الثانية.

والقائل في الجميع واحد.

ويذكره أيضاً بشكل آخر في موضع ثالث، يقول:

اشتدّ برسول اللّه وجعه فقال: «ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً» فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ماله أهجر؟ استفهموه، فقال: «ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه».(2)


1 - صحيح البخاري:2/287، برقم 3053.
2 - صحيح البخاري:2/321، برقم3168 .


(97)

وفي صورة رابعة قال بعضهم: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : قوموا.(1)

أُنشدك باللّه انّ من يخالف أمر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي تدلّ القرائن على كونه إلزامياً، ثمّ يصف أمره بأنّه نتيجة غلبة الوجع أو الهجر والهذيان هل يوصف هذا بأنّه صاحب ملكة رادعة عن اقتراف المحرمات؟!

وما أبعد ما بين وصف هؤلاء وبين وصفه سبحانه لنبيّه الكريم بقوله: (وَالنَّجـم إِذا هَـوى* ما ضَلَّ صـاحِبكُمْ وَماغَوى* وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحيٌ يُوحى).

كيف يقول ذلك الصحابي حسبنا كتاب اللّه؟! فلو


1 - صحيح البخاري:3/132 برقم 4432، ولاحظ أيضاً:4/10 برقم 5669 ورقم 7366.


(98)

كان هذا صحيحاً فلماذا ألف المسلمون الصحاح والسنن والمسانيد؟!

3. الانقلاب على الأعقاب بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

1. أخرج البخاري وعن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: أنا فَرَطُكُم على الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثمّ يحال بيني و بينهم.

قال أبو حازم: فَسَمِعَني النعمان بن أبي عيّاش وأنا أُحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعتُه يزيد فيه قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سُحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي.(1)

2. أخرج البخاري عن المغيرة، قال سمعت أبا وائل، عن عبد اللّه ـ رضي اللّه عنه ـ ، عن النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: أنا فَرَطُكم على الحوض، وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليُختلجُنَّ دوني، فأقول: يا


1 - صحيح البخاري:4/355، برقم 7050 و7051.


(99)

ربّ أصحابي، فقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(1)

3. أخرج البخاري عن أنس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: ليردَنَّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتّى إذا عرفتهم، اختُلِجُوا دوني فأقول: أصحابي؟! فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.(2)

4. أخرج البخاري عن سهل بن سعد قال، قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّي فَرَطُكم على الحوض من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بيني و بينهم.(3)

5. أخرج البخاري عن أبي هريرة انّه كان يحدث انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّؤن عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، انّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقهرى.(4)


1 - صحيح البخاري:4/227، برقم6576.
2 - صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6582 .
3 - صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6583.
4 - صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6585.


(100)

6. أخرج البخاري عن أبي المسيب انّه كان يحدِّث عن أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّؤن عنه، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.(1)

7. أخرج البخاري عن ابن عباس في حديث:... ثمّ يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم:(وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شيْء شَهِيدٌ )ـ إلى قوله: ـ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )(2).(3)

8. أخرج البخاري عن العلاء بن المسيب قال: لقيت البراء بن عازب فقلت: طوبى لك صحبت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا بن أخي انّك لا تدري ما


1 - صحيح البخاري: 4 / 228، برقم 6586.
2 - المائدة: 117 ـ 118 .
3 - صحيح البخاري: 2 / 402، كتاب أحاديث الأنبياء برقم 3447 .


(101)

أحدثنا بعده.(1)

9. أخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكرة انّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: ليردنّ على الحوض رجال ممّن صحبني ورآني حتّى إذا رفعوا إليّ اختلجوا دوني فلأقولنّ: ربّي أصحابي! فليُقالَنّ إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(2)

10. أخرج مسلم عن أسماء بنت أبي بكر، قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ أُناس دوني، فأقول: يا ربّ منّي ومن أُمتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون أعقابهم.

قال: فكان ابن أبي مليكة يقول: اللّهم إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا وأن نفتن عن ديننا.(3)

وتنتهي أسانيد هذه الروايات إلى شخصيات نظراء : سهل بن سعد، أبي وائل عن عبد اللّه، أنس بن مالك، أبي


1 - صحيح البخاري: 3 / 64، كتاب المغازي برقم 4170 .
2 - مصنّف ابن أبي شيبة: كتاب الفضائل برقم 35 ; مسند أحمد: 5 / 48 .
3 - شرح صحيح مسلم للنووي: 15 / 61 برقم 2293 .


(102)

هريرة، ابن المسيب، البراء بن عازب، أبي بكرة، وأسماء بنت أبي بكر واقتصرنا غالباً بما رواه البخاري وقد نقله مسلم وغيره أيضاً، وما ظنّك بحديث يرويه الإمام البخاري وقد نقل شيئاً منه في الفتن، وقسماً أكثر في باب الحوض.

ولابدّ من الكلام في مقامين:

الأوّل: من هم الذين أخبر النبي عن ارتدادهم بعد رحيله؟

الثاني: ما هو المراد من ارتدادهم؟

أمّا الأوّل: فالقرائن القطعية تدلّ على انّ المراد، بعض أصحابه الذين عاشوا معه وكان يعرفهم وهم يعرفونه واجتمعوا معه في فترة زمنية، وليس هؤلاء إلاّ لفيف من أصحابه، والدليل على ذلك ما جاء في متونها من الكلمات التالية:

1. ليردنّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني كما في رقم 1.

2. أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم(رقم2).


(103)

3. حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني(رقم3).

4. فأقول: يا ربّ أصحابي (رقم 3، 5، 6).

5. تشبيه هؤلاء بأصحاب عيسى ابن مريم والاستشهاد بقوله سبحانه: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ) فهو صريح في أنّ المراد من عاصر النبي. (رقم 7).

6. شهادة البراء بن عازب بأنّ الصحابة أحدثوا بعد رحيل النبي (رقم 8).

7. انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يصفهم بقوله: ممّن صحبني ورآني. (رقم 9).

8. استعاذة ابن أبي مليكة من أن يرجع إلى أعقابه الدالّ على أنّ الصحابة هم المقصودون. (رقم 10).

إذا كان من علائم هؤلاء:

انّ الرسول يعرفهم وهم يعرفونه، وانّهم من رجال عصر الرسول(رجال منكم) لا من الأجيال المستقبلة، فهؤلاء أصحابه الذين عاشوا معه في عصر الرسالة، حتّى استحقوا بأن يصفهم النبي عند الاستغاثة بقوله: «يا رب أصحابي».


(104)

فلا أظن من يدرس هذه الروايات الواردة في الصحيحين وغيرهما بتجرّد وموضوعية أن يدور في خلده، انّ المراد من الذين ارتدوا على أدبارهم، أُمّته الذين أتوا بعده وعاشوا في أحقاب بعيدة عن عصر الرسول، ولم يكن فيها من وجود الرسول عين ولا أثر، إذ لو كان هذا هو المراد، فمتى عاش معهم النبي، حتّى عرفهم وعرفوه؟ ومتى كانوا معه حتّى صحّ وصفهم بقوله: «رجال منكم» ومتى صحبوه (فترة قصيرة أو طويلة) وصاروا أصحابه؟

ومن التجنّي على الحقيقة القول: «بأنّ جميع الأُمّة أصحاب النبي، كما أنّ جميع من يقلّدون الشافعي مثلاً أصحابه» فانّ هذا التفسير في المقيس عليه ممنوع فكيف المقيس؟ فأصحاب الشافعي هم الذين تربّوا على يديه والتفُّوا حوله وانتفعوا بعلمه، وأمّا الذين جاءوا بعده ولم يشاهدوه فهم أتباعه، لا أصحابه، فلو صح إطلاق الأصحاب عليهم، فإنّما هو إطلاق مجازي لا حقيقي .

وأمّا المقيس فالحال فيه واضحة.

فالصحابة، في الروايات والآثار، هم الذين أقاموا مع


(105)

رسول اللّه فترة من الزمن، أو رأوا رسول اللّه و أدركوه وأسلموا، إلى غير ذلك من التعاريف التي ذكرها الجَزري في «أُسد الغابة».(1)

وليس هذا المورد إلاّ كسائر الموارد التي وردت فيها كلمة الصحابة، مثلاً رووا عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «لا تسبُّوا أصحابي» كما رووا عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: مثل أصحابي كالنجوم، إلى غير ذلك من الموارد، فالمراد من الجميع هو المعنى المصطلح.

وقد ألّف غير واحد من الرجاليين كتباً في حياة الصحابة، كالاستيعاب لابن عبد البرّ، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، و إلى غير ذلك من الموارد التي أُطلقت فيها كلمة الصحابة وأُريد بها، من كانوا وعاشوا معه.

إنّ المتبادر من قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، أو «إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك» أو «إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»،هو انّهم كانوا معك ولكن


1 - أُسد الغابة:1/11ـ12.


(106)

اقترفوا هذه الجريمة بعد رحيل الرسول، دون فاصل زماني طويل، وقد كان المترقب من هؤلاء الذين رأوا شمس الرسالة واستضاءوا بها، أن يتّبعوا دينه وشريعته و لا يعدلوا عنه قيد شعرة، ولكنّهم ـ للأسف ـ ارتدوا على أدبارهم القهقرى.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أعني: رفع الستر عن هؤلاء الذين ارتدوا وبدلوا.

وأمّا الأمر الثاني، فهل المراد من الارتداد هو الخروج عن الدين، أوالمراد من الارتداد هو الأعم من الرجوع عن العقيدة، أو السلوك على غير ما أوصى به النبي في غير واحد من الأُمور ؟ ولعل المراد هو الثاني حيث إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أوصى بالثقلين وأهل بيته، فخالفوا وصية الرسول، كما أنّهم خالفوا في كثير من الأحكام، المذكورة في محلّها، فقدّموا الاجتهاد على النصّ، والمصلحة المزعومة على أمره، وبذلك أحدثوا في دينه بدعاً، ليس لها في الكتاب والسنّة أصل.

موقف النبي ممّن لم تحسن صحبته

ما مرّ من الروايات لا تهدف شخصاً معيّناً بالذكر،


(107)

وهناك روايات تخص بعض الصحابة بالذكر من الذين لم تحسن صحبتهم ويخبر عن سوء مصيرهم ويندد بسوء عملهم، وهي كثيرة، ونذكر منها النزر اليسير:

1. كلّهم مغفور له إلاّ

أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من يصعد، الثنيّة، ثنيّة المُرار فانّه يحطّ عنه، ما حطّ عن بني إسرائيل قال: فكان أوّل من صعدها، خيَلنا خيلَ بني الخزرج ثمّ تتامّ الناس، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «وكلّهم مغفور له إلاّ صاحب الجمل الأحمر» فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال: واللّه لأن أجد ضالّتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم، وكان رجل ينشد ضالّة له.(1)

إنّ مسلماً وان ذكره في كتاب صفات المنافقين، لكنّه لا دليل على أنّه كان منهم، بل كان من ضعفاء الإيمان، أو


1 - صحيح مسلم:8/223، صفات المنافقين وأحكامهم.


(108)

مرضى القلوب، أو السمّاعين، إلى غير ذلك من الأصناف المتوفرة في صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد ذكر الشراح انّه كان الجدّ بن قيس الأنصاري.

وروى مسلم بعد هذا الحديث عن أنس بن مالك قال: كان منّا رجل من بني النجّار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتُب لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فانطلق هارباً حتّى لحق بأهل الكتاب قال فرفعوه، قالوا: هذا كان يكتب لمحمد، فأُعجبوا به....

2. اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد

أخرج البخاري عن سالم، عن أبيه قال: بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يُحسِنُوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كلّ رجل منّا أسيره، حتّى إذا كان يوم، أمر خالد أن يقتل كلّ رجل منّا أسيره، فقلت : واللّه لا أقتل أسيري، ولا يَقْتُل رجل من أصحابي


(109)

أسيره حتّى قدمنا على النبي فذكرناه، فرفع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يده فقال: «اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد» مرّتين.(1)

هذا هو سيف الإسلام، وبطله يقتل الأبرياء واحداً بعد الآخر، ويتبرأ النبي الأعظم من جريمته ولكنّه يُصبح بعد رحيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رجلاً بارّاً و سيفاً مسلولاً سلّه رسول اللّه ولا يُغمد، وإن زنى بزوجة مالك بن نويرة وقتله، فما حال غيره!

3. تنبّؤه بمصير ذي الخويصرة

أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري ـ رضي اللّه عنه ـ بينما نحن عند رسول اللّه وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجلٌ من بني تميم، فقال: يا رسول اللّه اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خِبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدِلُ». فقال عمر: يا رسول اللّه، ائذَن لي فيه فأضرِبَ عُنقَهُ؟


1 - صحيح البخاري، كتاب المغازي ، باب بعث النبي خالد بن الوليد اإلى بني جذيمة ، الحديث 4339.


(110)

فقال: «دَعْهُ، فإنّ له أصحاباً يحقِّرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يمرقون من الدِّين كما يمرقُ السَّهم من الرّميَّة».

4. انّ فيك شعبة من الكفر

قد سبّ أبو هريرة رجلاً بأُمّ له في الجاهلية فاستعدى رسول اللّه على أبي هريرة، فقال له رسول اللّه:«إنّ فيك شعبة من الكفر» فحلف أبو هريرة أن لا يسب بعده مسلماً.(1)

5. امتناع الرسول من الصلاة على أحد أصحابه

أخرج الحاكم في مستدركه عن زيد بن خالد الجهني ـ رضي اللّه عنه ـ انّ رجلاً من أصحاب رسول اللّه توفّي يوم حنين أو خيبر، فامتنع ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الصلاة عليه، لأنّه غلّ في سبيل اللّه ففتّشوا متاعه فوجدوا خِرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين.(2)


1 - مجمع الزوائد:8/86، كتاب الأدب، باب في من يُعيّر بالنسب أو غيره.
2 - مستدرك الحاكم:2/127، كتاب الجهاد; مسند أحمد:4/114.


(111)

6. تنبّؤ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالمصير الأسود لبعض أصحابه

أخرج البخاري عن أبي هريرة قال شهدنا خيبر ، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لرجل ممّن معه يدّعي الإسلام: «هذا من أهل النّار». فلمّا حضر القتال قاتل الرجل أشدّ القتال حتّى كثُرت به الجِراحَة، فكادَ بعض الناس يرتاب، فوجد الرّجل ألمَ الجِراحَة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهماً فنَحَر بها نفسه، فاشتدّ رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول اللّه، صدّق اللّه حديثك، انتحَر فلانٌ فقتل نفسه، فقال: «قم يا فلانُ، فأذِّن أنّه لا يدخلُ الجَنّة إلاّ مؤمنٌ، إنّ اللّه يُؤيِّد الدّين بالرَّجلِ الفاجر» .(1)

7. صحابي يخلو بامرأة

روى ابن كثير في تفسير قوله سبحانه:(إِنّ الحَسنات يُذْهِبن السَّيئات)قال: روى الإمام أبو جعفر بسنده عن أبي


1 - صحيح البخاري:3/73، برقم 4203.


(112)

اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال:أتتني امرأة تبتاع منّي بدرهم تمراً، فقلت: إنّ في البيت تمراً أجود من هذا، فدخلت فأهويت إليها فقبّلتها، فأتيت عمر فسألته فقال: اتّق اللّه واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً، فلم أصبر حتّى أتيت أبا بكر فسألته فقال: اتّق اللّه واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً، قال: فلم أصبر حتّى أتيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبرته فقال: «أخلفت رجلاً غازياً في سبيل اللّه في أهله بمثل هذا؟» حتّى ظننت انّي من أهل النار حتّى تمنيتُ انّي أسلمت ساعتئذ، فأطرق رسول اللّه ساعة فنزل جبريل، فقال أبو اليسر: فجئت فقرأ عليّ رسول اللّه:(وَأَقِمِ الصَّلاة طَرَفي النَّهار وزُلَفاً من اللَّيل إِنّ الحَسنات يُذْهِبنَ السَّيئات ذلكَ ذِكْرى لِلذّاكرين) فقال إنسان: يا رسول اللّه له خاصة أم للناس عامة؟ قال: «للناس عامة».(1)

8. صحابي يجلس بين رجلي امرأة

أخرج عبد الرزاق عن يحيى بن جعدة انّ رجلاً من


1 - تفسير ابن كثير:2/463 والآية 113 من سورة هود.


(113)

أصحاب النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذكر امرأة وهو جالس مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فاستأذنه لحاجة، فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير فدفع في صدرها وجلس بين رجليها فصار ذكره مثل الهدبة، فقام نادماً حتّى أتى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبره بما صنع فقال له : «استغفر ربّك وصلّ أربع ركعات» قال: وتلا عليه: (وَأَقِم الصَّلاة طَرفي النّهار وزُلفاً مِنَ اللَّيل) الآية.(1)

9. صحابي يُقتَّص منه

وهذا حارث بن سويد بن الصامت شهد بدراً لكنّه قتل المِجذَر بن زياد يوم أُحد لثأر جاهلي فقُتِل بأمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . يقول ابن الأثير : لا خلاف بين أهل الأثر انّ هذا قتله النبي بالمجذر بن زياد، لأنّه قتل المجذر يوم أُحد غيلة.(2)


1 - تفسير ابن كثير:2/463.
2 - أُسد الغابة:1/332.


(114)

10. دعاء النبي على مُحلم بن جثامة

خرج هو ومعه نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة حتّى إذا كانوا ببطن «اضم» مرّ بهم عامر بن الاضبط الأشجعي على بعير له، وسلم عليهم بتحية الإسلام، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتاعه، فلمّا قدموا على رسول اللّه وأخبروه الخبر، فنزل فيهم قوله سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ في سَبيلِ اللّه فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَن ألقى إِليكُمُ السلام لَسْت مُؤْمناً) الآية.(1)

وفي تفسير ابن كثير قال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا غفر اللّه لك.(2)

هذه نماذج من أصحاب النبي الذين اقترفوا المعاصي في حياة النبي وتنبّأ النبي بسوء مصيرهم، أو ندد بعملهم، وإلاّ فالمجروحون من أصحابه كثير. وكفى في نقض الموجبة الكلية (الصحابة كلّهم عدول) القضية الجزئية.


1 - أُسد الغابة:4/309; النساء:94.
2 - تفسير ابن كثير:1/539.


(115)

11

عدالة الصحابة

و

التاريخ الصحيح

لقد أوقفك الامعان في آيات الذكر الحكيم والسنّة النبوية على أنّ الصحابة لم يكونوا على وتيرة واحدة، فكان فيهم الصالح والطالح، والعادل والفاسق، ومن حسنتْ صحبتُه، ومن ساءتْ، وبذلك انثلمتِ القاعدةُ العامّة المدّعاة في حقّ الصحابة وهي: «انّ الصحابة كلّهم عدول»، وقد بُرْهن في المنطق على أنّ نقيض الموجبة الكلية هو السالبة الجزئية، وما ذكرناه من النماذج ليس إلاّ سوالب جزئية بالنسبة


(116)

إلى الضابطة الكلية.

فهلمّ معي نسلّط الأضـواء على ملامح من حيـاة الصحابة بعد رحيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهي مشـرقـة من جانب، إذ حملوا لواء الإسلام بأيديهم، ونشروه في ربوع الأرض وقاتلـوا وقتلوا، وهذا ممّا لا يُنكر، ومُظلمة من جانب آخر فانّ بعض من صحب النبي وعاشره اقترف جرائم لا تُغتفر، سوّد بها صحيفة حياته حتّى عدّ عاراً على الصحابة أنفسِهم.

وها نحن نذكر في المقام نبذة موجزة عن بعض الصحابة الذين عدلوا عن الطريق المهيع لتكون نموذجاً لما لم نذكر، فانّ استقصاء ذلك الجانب من حياة الصحابة رهن كتاب مفرد.

1. صحابيّ يقتل صحابيّاً ويزني بزوجته

إنّ مالك بن نويرة بن حمزة اليربوعي يعرّفه الطبري بقوله: بعث النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مالك بن نويرة على صدقة بني يربوع


(117)

وكان قد أسلم هو وأخوه متمم بن نويرة الشاعر.(1) ولما ارتحل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شاع الارتداد في القبائل، وبعث أبو بكر خالد بن الوليد ليطفئ هذه الفتنة، ولكنّ خالداً، تجاوز الحدّ فقتل الصحابي: مالك بن نويرة، ولم يقتصر على قتله فحسب، بل زنى بزوجته أيضاً.

فلمّا قدم خالد المدينة بالسبي ومعه سبعة عشر من وفد بني حنيفة، دخل المسجد وعليه قباء عليه صدأ الحديد، متقلداً السيف، وفي عمامته أسهُم، فمرّ بعمر فلم يكلّمه ودخل على أبي بكر، فرأى منه كلّ ما يُحب، وإنّما وجد عليه عمر لقتله مالك بن نويرة وتزوّجه بامرأته.(2)

وكانت شناعة الأمر بمكان، بحيث انّ عمر بن الخطاب لمّا ولي الأمر عزله و كتب إلى أبي عبيدة: انّي


1 - الاستيعاب:3برقم2303.
2 - مختصر تاريخ دمشق:8/19; سير إعلام النبلاء:3/235 في ترجمة خالد برقم 83 ولاحظ تاريخ الطبري:2/272 و أُسد الغابة:2/95 و الإصابة:5/755 في ترجمة مالك بن نويرة.


(118)

قد استعملتك وعزلت خالداً.(1)

2. سمرة بن جندب يبيع الخمر

تولّى سمرة بن جندب (أحد الصحابة)إمارة البصرة في عهد معاوية، وقد سفك من الدماء الكثير، ومن شنائع ما اقترفه، بيعه الخمر في عهد عمر.

أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: بلغ عمر انّ سمرة باع خمراً، فقال: قاتل اللّه سمرة، ألم يعلم أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها.(2)

ولم تقتصر القبائح التي ارتكبها سمرة بن جندب على ذلك، بل تعداه إلى سفك الدماء والإسراف في قتل النفوس البريئة.

روى الطبري في حوادث سنة 50، قال: عن محمد بن


1 - سير اعلام النبلاء:3/236.
2 - صحيح مسلم:5/41 باب تحريم الخمر والميتة.


(119)

سليم، قال: سألتُ أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.

وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة بن جندب من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.(1)

3. قدامة بن مظعون بدري يشرب الخمر

قدامة بن مظعون بن حبيب القريشي، وهو خال عبد اللّه وحفصة ابني عمر بن الخطاب، وقد استعمله عمر بن الخطاب على البحرين، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر بن الخطاب من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين انّ قدامة شرب المسكر، فقال عمر: من يشهد معك، فقال: أبو


1 - تاريخ الطبري:3/176.


(120)

هريرة، فدعي أبو هريرة، فقال: بم تشهد، فقال: لم أره يشرب، ولكنّي رأيته سكران يقي. فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثمّ كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب اللّه الخ.(1)

قال عبد الرزاق في «المصنّف»: سمعت أيوب بن أبي يقول: لم يحدّ في الخمر أحد من أهل بدر إلاّ قدامة بن مظعون.(2)

4. أبو جندل يُحدّ حدّ الخمر

أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشي العامري، وكان أبوه سهيل كاتب قريش في صلح الحديبية، وهو ممّن فرّ من مشركي مكة والتحق بالمسلمين في صلح الحديبية.

ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرت انّ أبا عبيدة بالشام وجد أبا جندل بن سهيل بن عمرو، و ضرار بن


1 - الاستيعاب:3/1276، باب قدامة.
2 - مصنف بن عبد الرزاق:9/240 برقم 17075.


(121)

الخطاب وأبا الأزور، وهم من أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد شربوا الخمر.

فقال أبو جندل: «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طمعوا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات»، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: انّ أبا جندل خصمني بهذه الآية. فكتب عمر: انّ الذي زيّن لأبي جندل الخطيئة زيّن له الخصومة، فاحددهم، فقال أبو الأزور: اتحدّوننا؟ قال أبو عبيدة: نعم، قال: فدعونا نلقى العدو غداً فإن قُتلنا فذاك، وإن رجعنا إليكم فحدُّونا، فلقى أبوجندل وضرار وأبو الأزور العدوَّ فاستشهد أبو الأزور وحّد الآخران. فقال أبو جندل: هلكتُ. فكتب بذلك أبو عبيدة إلى عمر، فكتب عمر إلى أبي جندل وترك أبا عبيدة: انّ الذي زين لك الخطيئة حظر عليك التوبة.(1)


1 - الاستيعاب:4/1623.


(122)

5. أبو محجن الثقفي يُحد ثماني مرات

أبو محجن مالك بن حبيب الثقفي، سمع من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وروى عنه، وحدث عنه أبو سعد البقال، قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: أخوف ما أخاف عليكم على أُمّتي من بعدي ثلاث: إيمان بالنجوم، وتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة.

ففي الاستيعاب: كان شاعراً مطبوعاً كريماً إلاّ أنّه منهمكاً في الشراب لا يكاد يُقلع عنه، ولايردعه حدّ ولا لوم لائم، وجلده عمر بن الخطاب في الخمر مراراً ونفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلاً فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص بالقادسية وهو محارب للفرس، وكان قد همّ بقتل الرجل الذي بعثه معه عمر، فأحس الرجل بذلك، فخرج فارّاً فلحق بعمر فأخبره خبره، فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص بحبس أبي محجن، فحبسه.

وروى عن ابن جريج قال: بلغني انّ عمر بن الخطاب حدّ أبا محجن الثقفي في الخمر سبع مرات، وقال قبيصة بن


(123)

ذويب: ضرب عمر بن الخطاب أبا محجن الثقفي في الخمر ثماني مرات، ومن رواية أهل الاخبار انّ ابناً لأبي محجن الثقفي دخل على معاوية، فقال له معاوية: أبوك الذي يقول:

إذا متُّ فا دفنّي إلى جنب كرمة * تروّي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني بالفلاة فاننّي * أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها(1)

وقد عقد الحافظ الكبير عبد الرزاق باباً أسماه «باب من حدّ من أصحاب النبي وذكره فيه».

6. مسلم بن عقبة يشن الغارة على أهل المدينة

مسلم بن عقبة الأشجعي من صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذكره ابن حجر في «الإصابة» برقم 7977، وكفى في حقّه ما ذكره الطبري في حوادث سنة 64هـ، قال: ولمّا فرغ مسلم بن عقبة


1 - الاستيعاب:4/1749. ولاحظ مصنف عبد الرزاق:9/243 برقم 17077.


(124)

من قتال أهل المدينة وإنهاب جنده أموالهم ثلاثاً، شخص بمن معه من الجند متوجهاً إلى مكة، فلما وصل إلى قفا المشلل نزل به الموت،وذلك في آخر محرم من سنة 64 هـ .(1)

7. بسر بن أرطأة يذبح ولدي عبيد اللّه بن العباس

بسر بن أرطأة من أصحاب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شهد فتح مصر واحتفظ بها، وكان من شيعة معاوية، وكان معاوية وجّهه إلى اليمن والحجاز في أوّل سنة أربعين وأمره أن ينظر من كان في طاعة عليّ ـ عليه السَّلام ـ فيوقع بهم، ففعل ذلك.

وقد ارتكب جرائم كثيرة ذكرها التاريخ، ولمّا كانت تمس عدالة الصحابة وكرامتهم أعرض ابن حجر عن استعراضها مكتفياً بالقول: وله أخبار شهيرة في الفتن لا ينبغي التشاغل بها!!

ومن جرائمه التي لا تستقال ولا تغتفر ذبحه ولدي عبيد اللّه بن العباس.


1 - تاريخ الطبري:4/381، حوادث سنة 64.


(125)

قال الطبري: أرسل معاوية بن أبي سفيان بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطأة، فساروا من الشام حتّى قدموا المدينة وعامل علي ـ عليه السَّلام ـ على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري، ففر منهم أبو أيوب. ثمّ صعد بسر على المنبر ونادى: يا أهل المدينة واللّه لولا ما عهد إليّ معاوية ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته ـ إلى أن قال ـ: ثمّ مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد اللّه بن العباس، فلمّا بلغه مسيره فرّ إلى الكوفة واستخلف عبد اللّه بن عبد المدان الحارثي على اليمن، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثَقَل عبيد اللّه بن عباس وفيه ابنان له، فذبحهما.(1)

8. أُمّ المؤمنين وتزعّمها لجيش جرار

أمر اللّه تبارك وتعالى أُمّهات المؤمنين بملازمة بيوتهن بقوله: (وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأُولى )


1 - تاريخ الطبري:4/107; و سير اعلام النبلاء:3/409 برقم 65.


(126)

وَأَقمن الصَّلاةَ وآتينَ الزَّكاةَ وأطعنَ اللّهَ وَرَسُولَه).(1)

وقد خالفت أُمّ المؤمنين عائشة أمر الكتاب العزيز حينما خرجت مع طلحة والزبير في جيش جرّار لمحاربة الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ الذي بايعه جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار.

وكان لها موقف عدائي واضح من الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، ولمّا بلغها قتل الإمام ـ عليه السَّلام ـ أنشدت قائلة:

فألقت عصاها واستقرّ بها النوى * كما قرّ عيناً بالإياب المسافر(2)

فهذه الصحابية مع مالها من منزلة رفيعة بين المسلمين قادت جيشاً كبيراً لمحاربة الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، ودارت بينهما معركة شرسة، قُتل فيها من المسلمين ما يربو على عشرة آلاف حسب ما ذكره الطبري.(3)


1 - الأحزاب:33.
2 - تاريخ الطبري:4/115.
3 - تاريخ الطبري:3/540.


(127)

وربما يقال: انّ القتلى يفوق هذا العدد.

هذه نماذج ممّا يطالعه القارئ في مرآة التاريخ، ولو حاولنا الاستقصاء لفاق هذا العدد بكثير.

ومن سبر التاريخ بروح موضوعية وتجرد، يجد انّ فئة من الصحابة سوّدت وجه التاريخ بنحو يثير أسف الخلف على هذا السلف.

ادّعاء العدالة لعامة الصحابة تنكّر للطبيعة البشرية

إنّ الصحابة الكرام لهم غرائز جامحة كسائر الناس، فمن الغريب استثناء هذا الجيل عن سائر الأجيال، وإضفاء هالة من القداسة عليهم بلا استثناء. ولم يكن للصحبة، البعد الإعجازي حتّى يقلب فطرتهم رأساً على عقب، ويحوّلهم إلى أشخاص مثاليّين، بل هم بشر ـ كسائر البشر ـ لهم ميول وغرائز، قد ينفلت زمامها، فتُلقي بهم في وديان الهوى والظلم والعصيان.

وما ذكرناه هو الذي يدعمه الذكر الحكيم والسنّة


(128)

النبوية وتاريخ الصحابة، فمن حاول الإصرار على موقفه من عدالة الصحابة كلّهم، فقد خالف صريح القرآن الكريم والسنّة الشريفة وما أطبق عليه التاريخ الصحيح.

وعلى الرغم من ذلك فإنّ القائلين بعدالة الصحابة استدلّوا بوجوه:

الأوّل: الإجماع.

الثاني: ثناء الكتاب على الصحابة.

الثالث: ثناء السنّة عليهم.

وسنعقد بحثاً في الفصول الآتية نتناول فيه هذه الوجوه نقداً وتمحيصاً.


(129)

12

أدلّة القائلين بعدالة الصحابة

1. الإجماع على عدالة الصحابة

استدلّ القائلون بعدالة الصحابة وهم جمهور السنّة بوجوه:

الأوّل: الإجماع على عدالتهم وقد مرّ آنفاً كلمة إمام الحنابلة وغيره، يقول ابن حزم:

انّا نقطع على غيب قلوبهم انّهم كلّهم مؤمنون صالحون ماتوا كلّهم على الإيمان والهدى والبر، كلّهم من أهل الجنّة لا يلج أحد منهم النار.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه كيف يدّعي الإجماع على خلاف ما


1 - ابن حزم حياته وعصره لأبي زهرة، ص 259.


(130)

نطق به الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، أو ليس هذا الإجماع، إجماعاً على خلاف الحجج القطعية؟! ثمّ كيف يدّعي الإجماع مع أنّ في عدالة الصحابة أقوالاً مختلفة نذكر منها ما يلي:

يقول الخطيب في كتابه: «السنّة قبل التدوين».

إنّ للصحبة شرفاً عظيماً يمنح صاحبها ميزة خاصة، وهي انّ جميع الصحابة عند من يعتدّ به من أهل السنّة عدول، سواء من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس، وهو قول الجمهور.

وقال قوم: إنّ حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية.

ومنهم من قال: إنّهم لم يزالوا عدولاً إلى أن وقع الاختلاف والفتن بينهم، فبعد ذلك لا بدّ من البحث في عدالتهم.

ومنهم من قال ـ و هم المعتزلة ـ : إنّ كلّ من قاتل عليّاً عالماً فهو فاسق مردود الرواية والشهادة، لخروجهم على الإمام


(131)

الحقّ.

ومنهم من قال برد رواية الكلّ وشهادتهم، لأنّ أحد الفريقين فاسق وهو غير معلوم ولا معيّن.

ومنهم من قال: بقبول رواية كلّ واحد منهم وشهادته إذا انفرد، لأنّ الأصل فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفه، لتحقّق فسق أحدهما من غير تعيين. (1)

وقد مرّ انّ عمر بن عبد العزيز، وأحمد بن حنبل وغيرهما قالوا بلزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة في الخلاف، وما روي عنهم من اقتراف المعاصي، ومعنى ذلك انّهم وقفوا على واقع الأمر وأرادوا التغطية على الواقع الملموس، حفظاً لعقائد المسلمين!!


1 - السنّة قبل التدوين، ص 258.


(132)

كلام التفتازاني في حقّ الصحابة

وهناك كلام للشيخ التفتازاني في شرح مقاصده مع أنّه استولت عليه العصبية بدعوته إلى ترك الكلام في حقّ البغاة والجائرين من الصحابة، ولكنّه أصحر بالحقيقة، قائلاً:

ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحقّ، وبلغ حدّ الظلم والفسق وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد، وطلب الملك والرئاسة، والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كلّ صحابي معصوماً ولا كلّ من لقي النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالخير موسوماً إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق، صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة لا سيما المهاجرين منهم، والأنصار، والمبشرين بالثواب في دار القرار.


(133)

وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، و تنهد منه الجبال و تنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور، ومرّ الدهور فلعنة اللّه على من باشر أو رضي أو سعى ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى.(1)


1 - شرح المقاصد:5/310ـ 311; وراجع كتاب الأربعين لمحمد طاهر القمي الشيرازي:633، بحار الأنوار:28/364.


(134)

2

ثناء القرآن على الصحابة

استدلّ غير واحد من القائلين بعدالة الصحابة كلّهم، بآيات ورد فيها الثناء على طوائف منهم، وليس على كلّ الصحابة، لكن حب المستدلين للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأصحابه، حال بينهم و بين ما تهدف إليه آيات الثناء، فزعموا انّها تُثني على الصحابة بأجمعهم وانّه سبحانه شمل الجميع بثنائه وأشاد بفضلهم وفضيلتهم من دون استثناء وإليك هذه الآيات.

الآية الأُولى:

يقول سبحانه: (وَالسّابِقُونَ الأوّلون َمِنَ المُهاجرينَ وَالأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبعُوهُمْ بِإِحسان رَضَِي اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ )


(135)

وَأَعدّ لَهُمْ جَنّات تَجري مِنْ تَحْتهَا الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها أَبداً ذلِكَ الْفَوزُ العَظيم).(1)

أثنى سبحانه في هذه الآية المباركة على طوائف ثلاثة عبّر عن كلّ منها بلفظ خاص.

1. السابقون الأوّلون من المهاجرين

أثنى سبحانه على السابقين من المهاجرين وحذف متعلّق السبق، وبما أنّهم من المهاجرين، يُعلم أنّ متعلّقه هو الهجرة أي الذين هاجروا أيّام هجرة النبي أو بعدها بقليل، وبما انّ لفظة «من» في قوله «من المهاجرين» للتبعيض، فهو يخرج المتأخرين في الهجرة فلا يعمّ المهاجرين غير السابقين، وعلى هذا فالآية تنطبق على من آمن بالنبي قبل الهجرة ثمّ هاجر قبل وقعة بدر التي منها ابتدأ ظهور الإسلام على الكفر.

وأمّا المهاجرون بعد وقعة أُحد، فلا يمكن الاستدلال


1 - التوبة:100.


(136)

بالآية عليهم لعدم وجود الموضوع أي السبق في الهجرة والنصرة.

الثانية: السابقون الأوّلون من الأنصار

أثنى سبحانه فيها على السابقين الأوّلين من الأنصار، وذلك لأنّ قوله: «والانصار» عطف على قوله: «المهاجرين» فيكون تقدير الآية : السابقون الأوّلون من الأنصار، ومتعلّق السبق وإن كان محذوفاً، ولكن كونهم من الأنصار، قرينة على أنّ المراد، السبق في النصرة بالإنفاق والإيواء فلا يدخل فيهم مطلق الأنصار ولا أبناؤهم، وحلفاؤهم، فالآية تثني على السابقين الأوّلين من الأنصار و هم الذين آمنوا بالنبي وآووه وتهيّأوا لنصرته عندما هاجر إلى المدينة، و لا تُثني على عامة الأنصار، وما ذكرناه هو الظاهر من المفسرين . قال الرازي: إنّ الآية تتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة، فهو لا يتناول إلاّ قدماء الصحابة، لأنّ كلمة «من» تفيد التبعيض .(1)


1 - التفسير الكبير: 16/171.


(137)

دفع وهم

وربمايتوهم انّ الآية بصدد الثناء على عامة المهاجرين والأنصار، وهذا هو الظاهر من خطباء القوم ومؤلّفيهم وهو الذي ذكره الرازي قولاً ثانياً و قال: منهم من قال تتناول الآية جميع الصحابة، لأنّ جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أوّلين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة «من » في قوله (من المهاجرين والأنصار)ليست للتبعيض، بل للتبيين، أي والسابقون الأوّلون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصاراً، كما في قوله تعالى: (فاجتنبوا الرِّجس من الأَوثان) وكثير من الناس ذهبوا إلى هذا القول.(1)

يلاحظ عليه :أوّلاً: أنّ المتّبع في تفسير الآية، هو المتبادر عند أهل اللسان من ظاهر الآية، فإذا كان الصحابة حسب شهادة بعض الآيات منقسمين إلى قسمين سابق في الهجرة والنصرة ولاحق فيهما، يكون السبق واللحوق قائمين بنفس الصحابة، فمنهم سابق ومنهم لاحق لا أنّ كلّهم


1 - التفسير الكبير: 16/171.


(138)

سابقون، ومن آمن بعدهم لاحقون. يقول سبحانه (لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبل الفَتح وقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا).(1)

وثانياً: لو كانت الآية بصدد الثناء على عامة المهاجرين والأنصار، بل مطلق الصحابة وإن لم يكونوا منهما، تلزم لغوية قوله: (السابِقُونَ الأَوّلون)، بل يكفي أن يقال: (المهاجرون والأنصار و...)، لأنّ سبب الرضا والثناء هو هجرتهم ونصرتهم لا سبقهم على سائر الاجيال، لأنّ سبقهم على سائر المسلمين في الأجيال اللاحقة لم يكن أمراً اختيارياً لهم، وهذا بخلاف ما لو بان الثناء على صنف من الصحابة دون صنف، لأنّ سبق الأوّل في الهجرة والنصرة على سائر الصحابة إنّما كان بملاك الاختيار.

و ثالثـاً: إذا كـان المـراد مـن الآيـة عامّة الصحابة الذين أدركوا النبي وأسلموا، يكون المراد من الطائفة الثالثة فـي (و الذّين اتّبعوهم بإحسان) سائر المسلمين في الأجيال


1 - الحديد:10.


(139)

المتلاحقة .

فكان اللازم عندئذ أن يقول: «والذين يتّبعونهم بإحسان، بصيغة المضارع لا الماضي، كما أتى به سبحانه في سورة الجمعة وقال: (هُوَ الّذي بَعَثَ فِي الأُميّين رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهم آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلّمُهمُ الكتابَ وَالْحِكْمَةَ وإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين*وَآخَرينَ مِنْهُمْ لمّا يَلْحَقُوا بِهم وَهُوَ الْعَزِيزُ الحْكيم).(1)

فأراد من الآية الأُولى عامة الصحابة، ومن الآية الثانية (وآخرين َ مِنْهُم لَمّا يَلْحَقُوا بِهمْ) كلّ من يأتي بعد الصحابة إلى يوم القيامة، قال اللّه سبحانه بعث النبي إليهم فإنّ شريعته خاتمة الشرائع .

إلى هنا تمّ تفسير الطائفتين، وإليك بيان الطائفة الثالثة الواردة في الآية.


1 - الجمعة:2ـ3.


(140)

3. والذين اتّبعُوهم بإحسان

ما هو المراد من الموصول؟! وما هو المراد من القيد بإحسان؟

أمّا الأوّل فالمراد هم الذين تحقق اتباعهم في عصر نزول الآية، لا من يتحقّق في الأجيال الآتية، وبما انّ مبدأ ظهور السابقين، هو ظهور الإسلام في الفترة المكية ومنتهاهم هو انتصار الإسلام على مظاهر الشرك في المنطقة، أعني: غزوة بدر، يكون نهاية هؤلاء مبدأ لظهور الطائفة الثالثة وتتحدد نهايتهم ببيعة الرضوان أو فتح مكة لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا هجرة بعد الفتح».

وأمّا الثاني، فالآية لاتثني على كلّ من اتبع السابقين بالهجرة والنصرة ولكن تقيّد الاتّباع بقوله: «بإحسان» أي يكون الاتّباع مقروناً ومصحوباً بالإحسان في القول والعمل، فتقييد الرضا بحسن سلوكهم وسيرتهم يخرج من هاجر ونصر، من دون اتّباع مصحوب بإحسان، بأن ساءت سيرته، ولم يحسن سلوكه .


(141)

واللّه سبحانه يعلن رضاه عن هذه الطائفة مثل السابقين ويقول: (رَضِي اللّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).(1)

فلو وجدنا صحابياً آمن وهاجر أو نصر النبي ولكن شككنا في حسن سلوكه وسيرته، لا تكون الآية دليلاً على رضاه سبحانه عنه، للشكّ في شمول الآية له فضلاً عمّن ثبت سوء سيرته.

هذا ما هو المتبادر والمفهوم من الآية، وهي دليل قاطع على أنّه سبحانه رضي عن طوائف ثلاث من الصحابة، لا عن كلّهم، والاستدلال به على الموجبة الكلية«عدالة كلّ صحابي» كما ترى.

الآية الثانية

استدلّوا على عدالة الصحابة بآية ثانية، نظيرة الآية المتقدّمة في تصنيف الصحابة إلى أصناف ثلاثة.


1 - المجادلة:22.


(142)

وهذه الطوائف الثلاث التي أشارت إليها الآية عبارة عن:

1. الفقراء المهاجرين.

2. الذين تبوّءُوا الدار والإيمان (الأنصار).

3. والذين جاءوا من بعدهم .

ولكلّ من الأصناف سمات و ميزات، مذكورة فيها ويتميزون بها عن سائر الصحابة قال سبحانه : (لِلْفُقراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَموالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُون*وَالّذينَ تَبَوَّءُو الدارَ والإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحبُّونَ مَن هاجَر إِليهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُون* وَالَّذينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمان وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحيم).(1)


1 - الحشر:8ـ10


(143)

فهذه الآيات الثلاث نظير ما تقدّم من الآيتين، لا تُثني على عامّة الصحابة، بل على فريق منهم.

أمّا المهاجرون فتثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:

أ. (أُخرجوا من ديارهم وأموالهم).

ب. (يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً).

ج. (ينصرون اللّه ورسوله).

فمن تمتّع بهذه الصفات الثلاث من المهاجرين فقد أثنى القرآن عليه، وبما انّ من أبرز صفاتهم، كونهم مشرّدين من ديارهم وأموالهم، فيكون المقصود هم الذين هاجروا قبل وقعة «بدر». فينطبق على السابقين الأوّلين من المهاجرين في الآية السابقة.

وأمّا الأنصار فإنّما تثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:

أ.(تبوّءُو الدار والإِيمان مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي آمنوا باللّه ورسوله، فخرج بذلك من اتّهم بالنّفاق وكان في الواقع


(144)

منافقاً.

ب. (يُحبُّونَ مَن هاجَر إِليهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجة مِمّا أُوتُوا).

ج.(وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَة ).

وبما انّ من أبرز صفاتهم، هو إيواء المهاجرين والأنصار وإيثارهم على الأنفس، فيكون المراد من آمنوا بالنبيّ وآووه وآووا المهاجرين، فينطبق على من آمن وآوى قبل غزوة بدر لانتفاء الإيواء بعدها خصوصاً بعد إجلاء «بني قينقاع» غبَّ معركة «بدر» حيث خرجوا من قلاعهم وأموالهم وأسلحتهم، تاركين جميع ذلك للمسلمين. فينطبق على السابقين الأوّلين من الأنصار في الآية السابقة.

وأمّا التابعون لهم، أعني: الذين جاءوا من بعدهم فإنّما أثنى على من تمتع منهم بالصفات التالية:

أ.( يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمان ).

ب.(وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذينَ آمَنُوا).


(145)

فالعلائم المذكورة للطائفة الثالثة، كناية عن الاتّباع بإحسان الذي ورد في الآية الأُولى، فتنبطق على التابعين فيها.

فظهر انّ الآيات الواردة في سورة الحشر، تتّحد مضموناً مع ما ورد في سورة التوبة ولا تختلف عنها قيد شعرة.

فالاستدلال بهذه الآيات وما تقدّمها على أنّ القرآن أثنى على الصحابة جميعهم من أوّلهم إلى آخرهم ـ الذين ربّما جاوز عددهم المائة ألف ـ غفلة عن مفاد الآيات; فأين الدعاء والثناء على لفيف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم المتمتّعين بخصوصيات معيّنة، من الثناء على الطلقاء والأعراب وأبناء الطلقاء والمتّهمين بالنفاق؟!

وأين هذه الآيات من مدح خمسة عشر ألف صحابي سُجّلت أسماؤهم في المعاجم، أو مائة ألف صحابي صحبوا النبي في مواقف مختلفة ورأوه وعاشروه؟!


(146)

الآية الثالثة:

استدلّوا بآية ثالثة نزلت في مورد بيعة الرضوان وأبدى سبحانه رضاه عن المبايعين، وقال:

(لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَل السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً).(1)

فالآية تثني على مَن صحبوا النبي في الحديبية وبايعوه تحت الشجرة، وكان ذلك في السنّة السادسة من الهجرة، وقد رافقه حوالي ألف وأربعمائة أو ألف وستمائة أو ألف وثمانمائة.(2)

والثناء على هذا العدد القليل لا يكون دليلاً على الثناء على جميع الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم!!

كما أنّ الرضا محدّد بزمان البيعة حيث قال: (إذ يبايعونك) ولا يشمل الفترات المتأخرة عنها.


1 - الفتح:18.
2 - السيرة النبوية:2/309; مجمع البيان:2/288.


(147)

الآية الرابعة:

استدلّوا على عدالتهم بآية رابعة تذكر سمات أصحاب النبي وصفاتهم، يقول سبحانه:

(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيل كَزَرْع أَخْرَجَ شَطأَهُ فَآزَرَهُ فَاستَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاع لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات مِنْهُمْ مَغْفِرةً وَأَجراً عَظيماً).(1)

فهذه الآية بظاهرها أوسع دلالة ممّا سبق، لأنّها تثني على النبي ومن معه، ولكن مدلول الآية ـ في الحقيقةـ ليس بأوسع ممّا سبق، وذلك للقرائن التالية:

الأُولى: الصفات التالية لم تكن متوفرة في عامّة


1 - الفتح :29.


(148)

الصحابة، أعني بها:

أ. (أشدّاء على الكفّار).

ب. (رُحماء بَينَهُمْ).

ج.( تَراهُمْ رُكّعاً سُجّداً)

د. ( يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً).

هـ.( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود).

فهل الذين أراقوا دم عثمان وقتلوه في عقر داره كانوا من غير الصحابة؟!

وهل الذين خضّبوا الأرض بدم الصحابة في ميادين القتال كانوا من الأجانب؟! فما لكم كيف تحكمون.

فإذا كانت أعمالهم الإجرامية من مصاديق التراحم فكيف يكون تباغضهم ومشاجراتهم؟!

وهل كان في وجوه الأعراب والطلقاء وأبنائهم والذين آمنوا بعد الفتح أثر للسجود؟!

الثانية: انّ ذيل الآية يشهد بأنّ الثناء على قسم


(149)

منهم، يقول تعالى: (وَعَدَ اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرةً وَأَجراً عَظيماً) فانّ لفظة «من» في قوله: «منهم» للتبعيض، وما يقال من أنّ «من» بيانية غير صحيح، لأنّها لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلامهم وإنّما تدخل على الاسم الظاهر، كما في قولك: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)(1).(2)

الثالثة: انّ الآية نزلت قبل فتح مكة وبعد الحديبية، والمراد من قوله سبحانه في هذه الآية: (إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً) هو الفتح في صلح الحديبية، وفيه إخبار عن فتح مكة في المستقبل بقوله: ( لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ )


1 - الحج:30.
2 - وربما يستشهد على دخول من البيانية على الضمير بقوله تعالى: ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ). والاستدلال مبني على عود الضمير في تزيلوا إلى المؤمنين، والضمير في «منهم» إلى الذين كفروا، ولكنّه غير صحيح ، بل الضميران جميعاً يرجعان إلى مجموع المؤمنين والكافرين من أهل مكة فتكون «من» تبعيضية لا بيانية.


(150)

لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنينَ مُحَلِّقينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ لاَ تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً).(1)

فالآية تتضمن الإخبار عن فتحين آخرين:

1. عمرة القضاء وأشار إليه بقوله: (لتدخلنّ المسجد الحرام).

2. فتح مكة وأشار إليه بقوله: (فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً).

فإذا كانت الآية ممّا نزلت في السنّة السادسة وحواليها، فلا تكون أوسع دلالة من الآيات النازلة بعدها في السنّة التاسعة كما نقلناه، فالثناء المطلق في الآية على مَن كان مع النبي (والّذين مَعَه) يحمل ويخصص بما خصصه القرآن في آيات أُخرى كالآيات المتقدّمة.

وعلى ضوء ما تقدّم، نصل إلى النتيجة التالية: انّ ما


1 - الفتح:27.


(151)

اشتهر على الألسن من ثناء القرآن على صحابة الرسول قاطبة وتعديله إياهم ممّا لا أساس له، وإنّما وقع الثناء ـ بعد ضمّ بعضها إلى بعض ـ على لفيف منهم وطائفة خاصّة.


(152)

إنّما الأعمال بالخواتيم

هذا العنوان كلمة قدسية قالها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيما رواه البخاري عنه، وذكر في الباب روايتين تدلاّن على أنّ الملاك للنجاة هو خواتيم الأعمال نذكر واحدة منها.

أخرج البخاري عن سهل : أنّ رجلاًمن أعظم المسلمين غناءً عن المسلمين، في غزوة غزاها مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فنظر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: «من أحبّ أن ينظر إلى الرّجل من أهل النار فلينظر إلى هذا، فاتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشدّ الناس على المشركين حتّى جرح، فاستعجل الموت، فجعل ذبابة سيفه بين ثَدييه حتّى خرج من بين كتفيه، فأقبل الرّجل إلى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مسرعاً، فقال: أشهد أنّك رسول اللّه، فقال: «وما ذاك؟». قال: قلت لفلان: «من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه». وكان من أعظمنا


(153)

غناء عن المسلمين، فعرفتُ أنّه لا يموت على ذلك، فلمّا جرح استعجل الموت فقتل نفسه، فقال النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند ذلك: «إنّ العبد لَيعملُ عَمَل أهل النّار وانّه من أهل الجنّة، ويعمل عمل أهل الجنّة وإنّه من أهل النار، وإنّما الأعمال بالخواتيم».(1)

وكم من إنسان حسنتْ حياته في أوائل عمره، ثمّ تبدلت وساءت سيرته وسلوكه، وحبطت أعماله الصالحة أتى بها في أوائل عمره أو أواسطه يقول سبحانه:

(يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصواتكُمْ فوقَ صوتِ النَّبيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض ان تَحبَطَ أَعمالُكُمْ).(2)

والقرآن يحدث عمّن أُوتي آيات اللّه في مقتبل عمره،


1 - صحيح البخاري:4/233، كتاب القدر، الباب5، الحديث 6607; سنن الترمذي:4، كتاب القدر، الباب5 ، الحديث2137. والحديث الوارد في السنن غيره في صحيح البخاري.
2 - الحجرات:2.


(154)

لكنّه ساءت سيرته في الفترة الأخيرة من عمره فصار من الغاوين ، ويقول: ( و اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذي آتَيْناهُ آياتِنا فَانسَلَخَ مِنْها فأَتبَعَهُ الشَّيطانُ فكان مِنَ الغاوين).(1)

وهذا هو قارون بني إسرائيل كـان يقـرأ التوراة بصوت حسن، ولكنّه ساء سلوكه فخسف سبحانه به وبداره وكنزه.(2)

وعلى ضوء ذلك فما مرّ من الآيات التي تُثني على فئات من الصحابة لا يحتج بها على صلاحهم إذا ثبت بالأدلّة القطعية انحرافهم عن الطريق المهيع، واقترافهم المعاصي ومحاربتهم الحق والحقيقة.

وممّا لا شكّ فيه وقوع التشاجر بين الصحابة ، كما دارت بينهم معارك دامية، قُتل على أثرها لفيف من البدريين والأُحديين وغيرهم من المسلمين الأبرياء وعندئذ يقال: إنّما


1 - الأعراف:175.
2 - القصص:81.


(155)

العبرة بخواتيم الأعمال، وثناء القرآن عليهم إنّما كان بحسب ملابساتهم وأحوالهم يوم ذاك. فكانوا من الصلحاء وليس من المستحيل أن ينسلخوا من تلك الأحوال كما انسلخ غيرهم.


(156)

3

ثناء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

على الصحابة

استُدلّ على عدالة الصحابة بثناء النبي عليهم، ونحن نذكر منه ما هو المهم:

1. حديث انّ اللّه اطّلع على أهل بدر...

أخرج البخاري عن علي ـ رضي اللّه عنه ـ قال: بعثني رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبا مرثد والزبير، وكلُّنا فارس، قال: انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ، فانّ بها امرأة من المشركين، معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقلنا: الكتاب، فقالت: ما


(157)

منّا كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاباً، فقلنـا: ماكذب رسول اللّه، لتُخرجنّ الكتاب أو لنجرّدنّك، فلمّـا رأت الجدّ أهوت إلى حُجْزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال عمر: يا رسول اللّه، قد خان اللّه ورسوله والمؤمنين، فدعني لاضرب عنقَه، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: واللّه ما بي أن لا أكونَ مؤمناً باللّه ورسوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع اللّه بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلاّ له هناك من عشيرته من يدفع اللّه به عن أهله وماله. فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : صدق، ولا تقولوا له إلاّ خيراً.

فقال عمر: إنّه قدخان اللّه ورسوله والمؤمنين، فدعْني فلأضرب عنقه، فقال: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعلّ اللّه اطّلع على أهل بدر، فقال: إعمَلوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرتُ لكم، فدمعت عينا عمر، وقال:


(158)

اللّه ورسوله أعلم.(1)

هذا الحديث وإن أخرجه البخاري وأسنده إلى علي ـ عليه السَّلام ـ ولكنّنا نجلّ الإمام أمير المؤمنين عليّاً ـ عليه السَّلام ـ عن رواية هذا الحديث عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فانّ مضمونه يشهد على كذبه، إذ كيف يمكن للنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يُعطي الضوء الأخضر لجماعة من الصحابة يناهز عددهم الثلاثمائة، ويسمح لهم أن يفعلوا ما يشاءُون، وإن اقترفوا الكبائر وارتكبوا المعاصي وإن سفكوا الدماء وخضّبوا بها وجه الأرض.

إنّه سبحانه يخاطب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوله: (لئن أشركتَ لَيَحْبِطنَّ عَمَلك).(2) فهل يُعقل أن يسمح للبدريين أن يفعلوا ما شاءوا وأن يُبشرهم بالجنة؟! وقد تقدّم آنفاً انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ اقتصّ من الحارث بن سويد بن الصامت البدريّ لقتله المجذر بن زياد.

وهذا هو حاطب بن أبي بلتعة يُصبح عينَ المشركين


1 - صحيح البخاري:3/11، برقم 3983.
2 - الزمر:65.


(159)

بالمدينة، ولكنّه بالرغم من ذلك يدخل الجنة!! مع أنّ الجاسوس إذا كان مسلماً، يتجسّس لصالح الكفّار يقتل، أو يوجع ويعزّر على اختلاف في المذاهب.(1)

2. حديث «مثل أصحابي كالنجوم»

أخرج ابن حميد عن نافع عن ابن عمر، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: مثل أصحابي مثل النجوم يهتدى به، فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم.(2)

يلاحظ عليه : أنّ متن الحديث يكذِّب صدوره، إذ ليس كلّ نجم هادياً في البرّ و البحر، بل هناك نجوم خاصة للاهتداء، ولأجل ذلك قال سبحانه: (وَعَلامات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون) .(3)

وأمّا قوله سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ )


1 - الموسوعة الفقهية:10/ 163ـ 165.
2 - المسند الجامع:10/782 برقم 8219 نقله عن مسند عبد بن حُميْد.
3 - النحل:16.


(160)

لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ وَالْبَحْر قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوم يَعْلَمُونَ) (1) فاللام في النجوم للعهد أي النجوم المعهودة التي كانت العرب يومذاك يهتدون بها في البر والبحر وليست للاستغراق.

ولا يتمشّى ذلك الحمل في الحديث بأن يحمل على فئة من الصحابة، لأنّ الغاية فيها التبسيط والتعميم لكلّ صحابي كما هو صريح قوله: «فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم» فلا محيص من حمل «كالنجوم» على الاستغراق، والحال انّه ليس كلّ نجم هادياً.

ولو افترضنا الاهتداء بكلّ نجم في السماء، أفهل يمكن أن يكون كلّ صحابي نجماً لامعاً هادياً للأُمّة؟ فهذا قدامة بن مظعون، صحابي بدري يعد من السابقين الأوّلين ومن المهاجرين الهجرتين، قد شرب الخمر وأقام عليه عمر الحدّ، كما أنّ المشهور انّ عبد الرحمان الأصغر بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر.(2)


1 - الأنعام:97.
2 - أُسد الغابة: 3/312.


(161)

كما أنّ بعض الصحابة أراق دماءً طاهرة فمن استقصى تاريخ حياة بسر بن أرطأة يجد انّه اقترف جرائم كثيرة، حتّى أنّه قتل طفلين لعبيد اللّه بن عباس!! و كم بين الصحابة من رجال قد احتفل التاريخ بضبط مساويهم، أفبعد هذه البيّنات يصحّ لأحد أن يتقوّل بأنّهم جميعاً وبلا استثناء كالنجوم يهتدى بهم؟!

يقول أبو جعفر النقيب: إنّ هذا الحديث من موضوعات متعصبة الأموية فانّ منهم من ينصرهم بلسانه وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف.(1)

ولعل القارئ الكريم يتصوّر انّ أباجعفر النقيب ممن ينفرد في شأن هذه الرواية و ليس الأمر كذلك ، بل حكم بوضعها كثير من محقّقي السنّة يقول ابن حزم في رسالة إبطال الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد: وهذا ـ أي حديث النجوم ـ خبر مكذوب موضوع باطل لم يصحّ قط.(2)


1 - شرح ابن أبي الحديد: 20/12.
2 - البحر المحيط:5/528.


(162)

وقال الحافظ الكبير الذهبي في ترجمة جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي: ومن بلاياه عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى.(1)

وقال أيضاً في ترجمة زيد بن الحواري العَمِّي.

روى نعيم بن حماد، حدّثنا عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعاً: سألت ربي بين ما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى اللّه إليّ : يا محمد إنّ أصحابك عندنا بمنزلة النجوم بعضهم أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء ممّا هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى. فهذا باطل، و عبد الرحيم تركوه، ونعيم صاحب مناكير.(2) إلى غير ذلك من الكلمات حول الحديث.

ثمّ إنّ الحديث قد روي بصور مختلفة:


1 - ميزان الاعتدال:1/413برقم 1511.
2 - ميزان الاعتدال:2/102 برقم 3003 .


(163)

أ. أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم

رواه ابن عبد البر في جامع العلم (2/91) ،و ابن حزم في الأحكام (6/82) من طريقة سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غصين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً به. وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجّة، لأنّ الحارث بن غصين مجهول.

وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك.(1)

ب. مهما أُوتيتم من كتاب اللّه فالعمل به ، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب اللّه، فسنّة منّي ماضية، فإن لم يكن سنة منّي ماضية، فما قال أصحابي، إنّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيّها أخذتم به اهتديتم، واختلاف


1 - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة:1/144.


(164)

أصحابي لكم رحمة.

أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الدراية ، ص 48، وكذا أبو العباس الأصم وابن عساكر (7/315/2) من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً.

وهذا اسناد ضعيف جداً، سليمان بن أبي كريمة، قال ابن أبي حاتم (2/1/138) عن أبيه: «ضعيف الحديث».

وجويبر هو ابن سعيد الأزدي متروك، كما قال الدارقطني والنسائي وغيرهما، والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي لم يلق ابن عباس.(1)

ج. سألت ربّي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى اللّه إليّ، يا محمد: انّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء ممّا هم عليه فهو عندي على هدى.

رواه ابن بطّة في الإبانة(4/11/2)، والخطيب أيضاً،


1 - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة:1/146.


(165)

نظام الملك في الأمالي(13/2)، والديلمي في مسنده (2/190)، والضياء في المنتقى من مسموعاته بمرو (116/2)، وكذا ابن عساكر (6/303/1) من طريق نعيم بن حمّاد، حدّثنا عبد الرحيم بن زيد العمّي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب مرفوعاً.

وهذا السند موضوع، نعيم بن حماد ضعيف، قال الحافظ: يخطئ كثيراً. وعبد الرحيم بن زيد العَمّي كذاب فهو آفته.(1)

هذا قليل من كثير ممّا ذكره الشيخ الألباني المعاصر في كتابه، و من أراد التفصيل فليرجع إلى نفس الكتاب .

وقد أضاف في آخر تحقيقه، وقال: لو صحّ هذا الخبر يكون المراد إنّ ما قالوه برأيهم يجب العمل به، وهذا دليل آخر على أنّ الحديث موضوع، وليس من كلامه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، إذ كيف يسوغ لنا أن نتصوّر انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يبرّر لنا أن نقتدي بكل رجل


1 - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة:1/148.


(166)

من الصحابة مع أنّ فيهم العالم والمتوسط في العلم،ومن هو دون ذلك وكان فيهم مثلاً من يرى أنّ البرد لا يفطر الصائم بأكله.(1)

3. خير القرون قرني

أخرج البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن عمران بن حصين يقول: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : خير أُمّتي قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً، ثمّ إنّ بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن.(2)

وأخرجه مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين.(3)


1 - سلسلة الأحاديث الضعيفة و الموضوعة:1/147ـ 148، وحديث البرد أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، لاحظ 2/340 وهوحديث غريب يضاد القرآن والسنة وإجماع المسلمين.
2 - صحيح البخاري:2/249، برقم 3650.
3 - صحيح مسلم:7/185ـ 186، باب فضل الصحابة ثمّ الذين يلونهم.


(167)

وأخرجه أحمد في مسنده عن بريدة الأسلمي.(1)

إنّ هذا الحديث مهما صح سنده ونقله أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، يكذبه التاريخ الصحيح الذي سجّل أحوال أهل القرون التي أُطلق عليهم هذا الاسم، وذلك بالبيان التالي:

القرن في اللغة عبارة عن الفترة من الزمان وإطلاقه على مائة سنة، إطلاق حادث لا تحمل عليه الرواية. وعلى ضوء ذلك فالقرن الذي بعث فيه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خير القرون من الأزمنة باعتبار نفس النبي فقط، فكان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نوراً انبعث في الظلمة حيث تقوضت به دعائم الشرك والوثنية، وأُشيدت دعائم التوحيد والحنفية.

هـذا يرجـع إلى نفس النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وأمّا غيره فالظاهر من الرواية انّها تصنِّف الناس حسب التفضيل بالنحو التالي:


1 - مسند أحمد:5/357.


(168)

الصحابة (القرن الذي بعثتُ فيه).

التابعون(ثمّ الذين يلونهم).

تابعو التابعين (ثمّ الذين يلونهم) و هكذا.

فكلّ من قرب زمنه من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهو أفضل ممّن بعد منه.

هذا ما تفيده الرواية، وللأسف الشديد انّ الواقع الملموس يثبت خلاف ذلك لا سيّما من تصفّح التاريخ والحديث.

فهذا هو الإمام البخاري يروي في حقّ الصحابة ما مرّ من ارتدادهم، كما مرّ في ص 27.

ثمّ إنّ قوله: هم الذين يلونهم: يهدف إلى التابعين وفيهم الأمويون، فهل يمكن أن نعدَّ عصر الأمويين خير القرون وقد لوّنوا وجه الأرض بدماء الأبرياء، وقتلوا سبط النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في كربلاء عطشاناً وذبحوا أولاده وأصحابه، وهتكوا حرمة الكعبة ؟

وهذا هو الحجاج صنيعة أيديهم اقترف من الجرائم


(169)

البشعة ما يندى لها جبين الإنسانية، ولا أُطيل الكلام في ذلك والتاريخ خير شاهد على كذب هذه الرواية ووضعها من قبل سماسرة الحديث لتطهير الجهاز الحاكم الأموي ممّا ارتكبه.

ويكفي في ذلك ما علّقه أبو المعالي الجويني على هذا الحديث، قائلاً:

وما يدلّ على بطلانه أنّ القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة، شرّ قرون الدنيا وهو أحد القرون التي ذكرها في النصّ، و كان ذلك القرن هو القرن الذي قُتل فيه الحسين، وأُوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه المنتصبون في منصب النبوة، الخمورَ وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية ولزيد بن عاتكة وللوليد بن يزيد، وأُريقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون وسبي الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار ونُقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم، وذلك في خلافة عبد الملك، وإمرة الحجاج، وإذا تأمّلت كتب التواريخ وجدت


(170)

الخمسين الثانية، شراً كلها، لا خير فيها ولا في رؤسائها وأمرائها، والناس برؤسائهم وأُمرائهم أشبه، والقرن خمسون سنة فكيف يصحّ هذا الخبر؟(1)


1 - الشرح الحديدي:20/29 والرسالة مبسوطة جديرة بالمطالعة.


(171)

خاتمة المطاف

موعظة شافية

أُريد أن أذكر في خاتمة المطاف كلمة فيها صلاح الإسلام والمسلمين، وهي موعظة شافية لكلّ من ألقى السمع وهو شهيد، وهي:

1. إذا كان السبُّ هو النيل من كرامة الشخص بكلمات مبتذلة ولسان بذيء، لغاية التشفّي وهدم كرامة المسبوب، فالمسلمون بعامة طوائفهم إلاّ النواصب منزّهون عن تلك الوصمة، وقد ملئت أسماعهم بقول الرسول: «وسباب المسلم فسق، وقتاله كفر».

وأمّا الرائج بين المحقّقين فليس من مقولة السبّ إنّما هو دراسة أحوال الصحابة من زاوية الحديث والتاريخ،


(172)

وهذا ليس سبّاً، بل نقد لحياة الشخص، وأين هو من السبِّ؟!

يقول الشيخ عبد اللّه الهروي الشافعي المعروف بالحبشي: ليس من سب الصحابة القول إنّ مقاتلي علي منهم بغاة، لأنّ هذا ممّا صرّح به الحديث بالنسبة لبعضهم وهم أهل صفين، وقد روى البيهقي في كتابه الاعتقاد باسناده المتصل إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزيمة قال: «وكلّ من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في إمارته فهو باغ» وعلى هذا عهدتُ مشايخنا، وبه قال ابن إدريس يعني الشافعي، فلا يُعدُّ ذكر ما جاء في حديث البخاري سبّاً للصحابة إلاّ من بعد عن التحقيق العلمي فليتفطن لذلك.(1)

وقال أيضاً: وهذا الحسن البصري(2) الذي قيل فيه انّه سيد التابعين (وإن كنّا نقول إنّ سيد التابعين أُويس القرني أخذاً بحديث مسلم)، فانّه قال: لمّا مات عمرو بن العاص


1 - المقالات السنية:360.
2 - اتحاف السادة المتقين10/333.


(173)

وهو يردّد لاإله إلاّ اللّه: وكيف إذا جاء بلا إله إلاّ اللّه وقد قتل أهلَ لا إله إلاّ اللّه.(1)

2. انّ النقد لا يعدّ سبّاً إذا كان لغرض شرعي صحيح، بل يكون بنّاءً، ويشهد لذلك حديث مسلم وأبي داود انّ رجلاً خطب عند رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال في خطبته من يطع اللّه ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له رسول اللّه: بئس الخطيب أنت.(2)

وقد كان البحث حول محاربي عليّ في الجمل وصفين والنهروان قائماً على قدم وساق، وقد كثر الكلام حول من نكث البيعة وحارب علياً في صفين وغيرها .

هذا هو أبو منصور البغدادي يقول في كتابه «الفرق بين الفرق» ما نصّه:

وقالوا ـ أي أهل السنّة ـ بإمامة علي في وقته، وقالوا


1 - المقالات السنية:360.
2 - صحيح مسلم:3 /12ـ 13، كتاب الجمعة، باب تحقيق الصلاة والخطبة; سنن أبي داود:1/288، كتاب الحجّة، باب الرجل يخطب على قوس، رقم الحديث1099.


(174)

بتصويب علي في حروبه بالبصرة وبصفين وبالنهروان، وقالوا بأنّ طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال علي، لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع بعد منصرفه من الحرب، وطلحة لما همّ بالانصراف رماه مروان بن الحكم وكان مع أصحاب الجمل بسهم فقتله، وقالوا: إنّ عائشة قصدت الإصلاح بين الفريقين، فغلبها بنو ضبّة والأزد على رأيها، وقاتلوا علياً دون إذنها حتّى كان من الأمر ما كان.(1)

وقال في كتاب أُصول الدين: أجمع أصحابنا على أنّ علياً ـ رضي اللّه عنه ـ كان مصيباً في قتال أصحاب الجمل وفي قتال أصحاب معاوية بصفين، وقالوا في الذين قاتلوه بالبصرة: انّهم كانوا على الخطأ، وقالوا في عائشة وفي طلحة والزبير: انّهم أخطأوا ولم يفسقوا، لأنّ عائشة قصدت الإصلاح بين الفريقين فغلبها بنو ضبة وبنو الأزد على رأيها، فقاتلوا علياً فهم الذين فسقوا دونها، وأمّا الزبير فانّه لما كلمه عليّ يوم


1 - الفرق بين الفرق:350ـ 351، باب بيان الأُصول التي اجتمع عليها أهل السنّة.


(175)

الجمل عرف أنّه على الحقّ فترك قتاله وهرب من المعركة راجعاً إلى مكة، فأدركه عمرو بن جرموز بوادي السباع فقتله وحمل رأسه إلى علي فبشره علي بالنار، وأمّا طلحة فانّه لمّا رأى القتال بين الفريقين همّ بالرجوع إلى مكة، فرماه مروان بن الحكم بسهم فقتله، فهؤلاء الثلاثة بريئون من الفسق والباقون من أتباعهم الذين قاتلوا علياً فسقة، وأمّا أصحاب معاوية فانّهم بغوا، وسمّاهم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بغاة في قوله لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» و لم يكفروا بهذا البغي.(1)

نحن وإن لم نكن نوافق بعض ما جاء في بنود هذا النص، وإنّما نستشهد به على أنّ دراسة أحوال الصحابة إذا كانت دراسة نزيهة لا تعدّ من السب بشيء.

وقال الحافظ الذهبي في «سير اعلام النبلاء»: لا ريب انّ عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة وحضورها يوم الجمل، وما ظنّت انّ الأمر يبلغ ما بلغ، فعن عمارة بن عمير عمّن سمع عائشة إذا قرأت: (وقرن في )


1 - أُصول الدين:289ـ 290.


(176)

بيوتكنّ)بكت حتّى تبل خمارها.(1)

وذكر مثل ذلك القرطبي وأبو حيان في تفسيره، قال: وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية يعني آية (يا نساء النبي) بكت حتّى تبلّ خمارها، تتذكر خروجها أيام الجمل تطلب بدم عثمان.(2)

وفي كتاب دلائل النبوة للبيهقي ما نصه: عن أُمّ سلمة، قالت: ذكر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خروج بعض نسائه أُمّهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: انظري يا حميراء، أن لا تكوني أنت.

ثمّ التفت إلى عليّ فقال: يا علي إن ولِّيت من أمرها شيئاً فارفق بها.(3)

ونحن أيضاً لا نوافق بعض ما جاء في هذه الكلمات، لكن الاستشهاد بها مثل ما سبق.


1 - سير اعلام النبلاء:2/177.
2 - الجامع لأحكام القرآن:14/180.
3 - دلائل النبوة:6/411.


(177)

هذا وقد تضافر انّ الحافظ النسائي قال: لمّا دخلت دمشق وجدت أهلها منحرفين عن علي بن أبي طالب، ولمّا علموا انّي عملتُ خصائص عليّ ـ عليه السَّلام ـ طلبوا أن أعمل خصائص معاوية، فقلت: ماذا أخرج له، أخرج له لا أشبع اللّه بطنه.(1)

فصاروا يضربونه في خصيته فحمل من دمشق إلى الرملة فتوفي بها.

وهذا هو علي أفضل الصحابة وأوّل من آمن بالنبي ينقد صاحبي رسول اللّه كما ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية، قال: إنّ صاحبي علي ـ رضي اللّه عنه ـ عبد اللّه بن الكواء وابن عباد سألاه عن طلحة والزبير قالا: فأخبرنا عن ملك هذين الرجلين (يعنيان طلحة والزبير) صاحباك في الهجرة وصاحباك في بيعة الرضوان وصاحباك في المشورة، فقال: بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة، وعزاه لإسحاق بن


1 - أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السير والصلة والآداب، باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه.


(178)

راهويه، قال الحافظ البوصيري: رواه إسحاق بسند صحيح.(1)

ونحن لا نطيل الكلام بذكر نظائرها في غير من قاتل علياً، فقد جرت السيرة على عدم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة وما صدر عنهم، وإن صدر الأمر بالإمساك عن عمر بن عبد العزيز وغيره.

روى الحافظ الذهبي في كتاب «سير اعلام النبلاء» ما هذا حاصله: اتّهم المغيرة بن شعبة بالزنا وهو أمير الكوفة في عصر الخليفة عمر بن الخطاب وشهد عليه شهود أربعة، منهم أبو بكرة ونافع وشبل فشهدوا على أنّهم رأوه يولجه ويخرجه ويلج ولج المِروَد في المكحلة، فلمّا حاول رابع الشهود وهو زياد بن أبيه، حاول الخليفة أن يدرأ عنه الحد للشبهة، فخاطبه بقوله: إنّي لأرى رجلاً لم يخز اللّه على لسانه رجلاً من المهاجرين، فقال له الخليفة: أرأيتَه يُدخله كالميل في المكحلة؟ فقال: لاولكنّي رأيت مجلساً


1 - المطالب العالية، باب قتال أهل البغي:4/296.


(179)

قبيحاً وسمعت نفساً عالياً ورأيته تبطنها.(1)

فلو كانت الصحابة عدولاً، لما استمع الخليفة إلى الشهادات، ولرفضها ابتداءً!! ولو كانت دراسة سيرة الصحابي، سبّاً له، لعزّر الخليفة الشهود بالسبّ، دون أن يسأل واحداً واحداً منهم عن صحّة الواقعة.

3. لا شكّ انّ الآيات قد أثنت على جمع من الصحابة وقد أوضحنا مقاصدها، ومع ذلك كلّه فالثناء ثناء جمعي لا يتعلّق بآحادهم، نظير الثناء على قوم بني إسرائيل في قوله تعالى: (يا بني إِسرائيلَ اذْكروا نعمتِي الّتي أنعمتُ عليكم وأنّي فضلْتُكم عَلى العالَمِينَ).(2)

وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا بَني إِسرائيل الكتابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبوةَ ورَزَقْناهُمْ مِنَ الطّيباتِ وفضلناهُمْ عَلى العالَمين).(3)


1 - سير اعلام النبلاء:3/28برقم 7; الأغاني:14/146; تاريخ الطبري:4/207; الكامل:2/228.
2 - البقرة:47.
3 - الجاثية:16.


(180)

وقد أدرك بعض المحقّقين من أهل السنّة انّ وصف الصحابة بالعدالة كلّهم يخالف ما روي في حقّهم، ولذلك عاد إلى تفسير هذا الكلام وقال: إنّه ليس معنى «الصحابة كلّهم عدول» انّ كلاً منهم سالم من الكبيرة، فانّه بعيد من الصواب، لأنّ منهم من سمع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو يقول: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ثمّ قاتل مع معاوية فكان قاتل عمار بن ياسر، ثمّ كان يتبجّح بذلك ويقول لمّا يأتي إلى أبواب بني أُمية: «قاتلُ عمار بالباب»، فهل يحكم لهذا بانّه عدل بمعنى انّه سالم من الكبائر؟! إنّما معنى قول أُولئك المحدِّثين انّهم لا يتّهمون بالكذب على الرسول فيما يروونه من الأحاديث عنه، أليس قتل عمار من أفسق الفسق؟! فقد خالف قول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي سمعه منه و هذا الغادر هو أبو الغادية الجهني.(1)

قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» عند شرح الحديث الذي فيه قصة حاطب بن أبي بلتعة ما نصّه: وفي هذا


1 - المقالات السنية:365.


(181)

الحديث من الفوائد غير ما تقدّم انّ المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن يقطع له بالجنة، لا يعصم من الوقوع في الذنب.(1)

4. انّ الاعتقاد المُسْبق بعدالة الصحابة آل ـ في كثير من الأحيان ـ بمحقّقي أهل السنّة إلى عدم التدبّر العميق في التاريخ ونقده، ممّا أدّى إلى وقوعهم في مأزق كبير حفاظاً على ذلك المعتقد، وهو إسدال الستار على كثير من حقائق التاريخ التي حدثت بعد رحيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ودامت حوالي قرن واحد، فتراهم يؤولون ما صدر عن الصحابة من التكفير والتفسيق والنهب والقتل بالاتّكاء على النظرية القائلة: بأنّهم كانوا مجتهدين مخطئين، ومثابين في الوقت نفسه!! حتّى أنّ من كثر خطأه زاد ثوابه وأجره، وهذا من غرائب الأُمور.

أوَ ما آن للمحقّقين من أهل السنّة أن يخوضوا عباب التاريخ نقداً وتمحيصاً، ويرفعوا ربقة التقليد للسلف والجري وراءهم، لكي يفهموا التاريخ على ما هو عليه ويرفعوا اليد عن الاعتقاد بعدالة كلّ صحابي بلا استثناء.


1 - فتح الباري:12/310.


(182)

إنّ الدعاية الأموية لغاية ترسيخ ملكهم وإبعاد الناس عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ حاكت حول الصحابة حالة قدسية وهمية على نحو لم ترخص فيه لأحد الخروج عن هذا الإطار والتدبّر فيما شجر بين الصحابة من مشاجرات.

إنّ الدعاية الأموية نشرت بين الناس أكاذيب وتهماً حول الشيعة للمساس بهم، من سبّ الصحابة وبغضهم وتفسيقهم وكفرهم، وهذا ـ شهيدي اللّه ـ كذب بلا مرية، وفرية يتحمل أوزارها آل أُمية وآل مروان.

فكيف يمكن للشيعة أن تبغض الصحابة مع أنّ رواد التشيع كانوا منهم وقد حفل التاريخ بأسمائهم وتشيعهم؟!

وليس عند الشيعة في هذا المجال إلاّ مسألة «عدالة الصحابة بأجمعهم»، فإنّهم لا يعتقدون بعدالة الكلّ، ويقولون: إنّ مثلهم بين المسلمين كمثل التابعين، وهذا أمر يوافقه الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح.

5. وممّا يدلّ على إكبار الشيعة لصحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتبجيلهم لهم، انّ الكتب الرجالية للشيعة لم تزل إلى يومنا هذا


(183)

تحتفل بذكر أسماء الصحابة كلّ حسب وسع المؤلّفين وطاقتهم.

هذا هو رجال البرقي من الأُصول الرجالية،وقد أدرج في رجاله أسماء صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قبل صحابة سائر الأئمة.

وهذا هو الشيخ الطوسي في كتابه المعروف بـ «رجال الطوسي» أدرج في كتاب في باب من روى عن النبي أسماء 430 شخصاًمن الصحابة، كما أنّه أدرج من الصحابيات أسماء38 امرأة، فاشتمل الكتاب على ترجمة 468 شخصاً.(1)

وقد تبعه غير واحد من أصحاب المعاجم فذكروا أسماء جمع غفير من الصحابة الذين لهم رواية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ممّا يدلّ على أنّ للصحابة مقاماً ومكرمة لدى الشيعة، إلاّ ما قامت البيّنة على إعراضهم عن الطريق المهيع.

6. روّاد التشيّع من الصحابة

إنّ التشيع ليس إلاّ نفس الإسلام الذي اتّفق عليه


1 - رجال الشيخ، باب من روى عن النبي من الصحابة، ص 24ـ 53


(184)

الفريقان، ويختلف عن سائر الفرق في مسألة التنصيص على الخلافة، فالشيعة الأوائل هم الذين اتّبعوا قول الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّ علي ـ عليه السَّلام ـ وكانوا مع علي ـ عليه السَّلام ـ في حياة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعد رحيله .

فها نحن نضع أمام القارئ الكريم قائمة بأسماء ثلّة من الصحابة الذين شهدت أعمالهم على أوصافهم، وأفعالهم على نيّاتهم، وأثنى أصحاب الرجال والتراجم عليهم أو على الأقل سكت عنهم التاريخ، ولنكتف بذكر القليل منهم عن الكثير، وهم:

جندب بن جنادة( أبوذر الغفاري)، عمار بن ياسر، سلمان الفارسي، المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، حذيفة بن اليمان صاحب سرّ النبيّ، خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، الخباب بن الأرت التميمي، سعد بن مالك أبو سعيد الخدري، أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري، قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، أنس بن الحرث بن منبه أحد شهداء كربلاء، أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد الذي


(185)

استضاف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند دخوله المدينة، جابر بن عبد اللّه الأنصاري أحد أصحاب بيعة العقبة، هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال فاتح جلولاء، مالك بن الحارث الأشتر النخعي، مالك بن نويرة ردف الملوك الذي قتله خالد بن الوليد، البراء بن عازب الأنصاري، أُبيّ بن كعب سيد القرّاء، عبادة بن الصامت الأنصاري، عبد اللّه بن مسعود صاحب وضوء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن سادات القرّاء، أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمير واضع أُسس النحو بأمر الإمام عليّ، خالد بن سعيد بن أبي عامر بن أُمية بن عبد شمس خامس من أسلم، أُسيد بن ثعلبة الأنصاري من أهل بدر، الأسود بن عيسى بن وهب من أهل بدر، بشير بن مسعود الأنصاري من أهل بدر و من القتلى بواقعة الحرة بالمدينة، ثابت أبو فضالة الأنصاري من أهل بدر، الحارث بن النعمان بن أُمية الأنصاري من أهل بدر، رافع بن خديج الأنصاري ممّن شهد أُحداً ولم يبلغ وأجازه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،كعب بن عمير بن عبادة الأنصاري من أهل بدر، سماك بن خرشة أبو دجانة الأنصاري من أهل بدر، سهيل


(186)

بن عمرو الأنصاري من أهل بدر، عتيك بن التيهان من أهل بدر، ثابت بن عبيد الأنصاري من أهل بدر، ثابت بن حطيم بن عدي الأنصاري من أهل بدر، سهل بن حنيف الأنصاري من أهل بدر، أبو مسعود عقبة بن عمرو من أهل بدر، أبو رافع مولى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي شهد مشاهده كلّها مع مشاهد عليّ ـ عليه السَّلام ـ وممّن بايع البيعتين: العقبة والرضوان وهاجر الهجرتين: للحبشة مع جعفر وللمدينة مع المسلمين، أبو بردة بن دينار الأنصاري من أهل بدر، أبو عمر الأنصاري من أهل بدر، أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري من أهل بدر، عقبة بن عمر بن ثعلبة الأنصاري من أهل بدر، قرظة بن كعب الأنصاري، بشير بن عبد المنذر الأنصاري أحد النقباء ببيعة العقبة، يزيد بن نويرة بن الحارث الأنصاري ممّن شهد له النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالجنة، ثابت بن عبد اللّه الأنصاري، جبلة بن ثعلبة الأنصاري، جبلة بن عمير بن أوس الأنصاري، حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعي، زيد بن أرقم الأنصاري شهد مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بضعة عشر وقعة، أعين بن ضبيعة بن ناجية


(187)

التميمي، يزيد الأسلمي من أهل بيعة الرضوان، تميم بن خزام، جندب بن زهير الأزدي، جعدة بن هبيرة المخزومي، جارية بن قدامة التميمي السعدي، جبير بن الحباب الأنصاري، حبيب بن مظاهر الأسدي، حكيم بن جبلة العبدي، خالد بن أبي دجانة الأنصاري، خالد بن الوليد الأنصاري، زيد بن صوحان العبدي، الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري، زيد بن شرحبيل الأنصاري، زيد بن جبلة التميمي، بديل بن ورقاء الخزاعي، أبو عثمان الأنصاري، مسعود بن مالك الأسدي، ثعلبة أبو عمرة الأنصاري، أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، عبد اللّه بن حزام الأنصاري شهيد أُحد، سعد بن منصور الثقفي، سعد بن الحارث بن الصمد الأنصاري، الحارث بن عمر الأنصاري، سليمان بن صرد الخزاعي، شرحبيل بن مرّة الهمداني، شبيب بن رت النميري، سهل بن عمر صاحب المربد، سهيل بن عمر أخو سهل المار ذكره، عبد الرحمن الخزاعي، عبد اللّه بن خراش، عبد اللّه بن سهيل الأنصاري، عبيد اللّه بن العازر، عدي بن


(188)

حاتم الطائي، عروة بن مالك الأسلمي، عقبة بن عامر السلمي، عمر بن هلال الأنصاري، عمر بن أنس بن عون الأنصاري من أهل بدر، هند بن أبي هالة الأسدي، وهب بن عبد اللّه بن مسلم بن جنادة، هاني بن عروة المذحجي، هبيرة بن النعمان الجعفي، يزيد بن قيس بن عبد اللّه، يزيد بن حوثرة الأنصاري، يعلى بن عمير النهدي، أنس بن مدرك الخثعمي، عمرو العبدي الليثي، عميرة الليثي، عليم بن سلمة الفهمي، عمير بن حارث السلمي، علباء بن الهيثم بن جرير وأبوه الهيثم من قواد الحملة في قتال الفرس بواقعة ذي قار، عون بن عبد اللّه الأزدي، علاء بن عمر الأنصاري، نهشل بن ضمرة الحنظلي، المهاجر بن خالد المخزومي، مخنف بن سليم الأزدي، محمد بن عمير التميمي، حازم بن أبي حازم البجلي، عبيد بن التيهان الأنصاري وهو أوّل المبايعين للنبي ليلة العقبة، أبو فضالة الأنصاري، أويس القرني الأنصاري، زياد بن النضر الحارثي، عوض بن علاط السلمي، معاذ بن عفراء الأنصاري، علاء بن عروة الأزدي، الحارث بن حسان الذهلي


(189)

صاحب راية بكر بن وائل، بجير بن دلجة، يزيد بن حجية التميمي، عامر بن قيس الطائي، رافع الغطفاني الأشجعي، وأبان بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس من أُمراء السرايا أيّام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن خلّص أصحاب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وأمثالهم من الصحابة الكرام.

فهؤلاء هم طليعة الصحابة وسنام العرب من المهاجرين والأنصار، قد استضاءوا بنور النبوّة والوحي واستقامت أُمورهم وكانوا على الصراط المستقيم في حياتهم، وكم لهم من نظائر في صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أعرضنا عن ذكرهم مخافة الإطناب.

7. انّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ كانوا باستمرار يـدعـون للصحابة ويترضّون عليهم، ومن المعلوم أنّهم ـ عليهم السَّلام ـ يدعون للصالحين وما أكثر الصالحين فيهم يقول الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في بعض خطبه مادحاً أصحاب النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

لقد رأيت أصحاب محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فما أرى أحداً منكم يشبههم، لقد كانوا يصبحون شُعثاً غبراً، وقد باتوا سجّداً


(190)

وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بين أعينهم رُكَبَ المعزى من طول سجودهم، إذا ذُكر اللّه هملت أعينهم حتّى تَبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب».(1)

وقال أيضاً مادحاً أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيجُوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً، وَصَفّاً صفّاً، بعضٌ هلك، وبعض نجا، لا يُبَشّرون بالأحياء، ولا يُعَزَّونَ عن الموتى، مُرْهُ العيون من البكاء، خُّمصُ البطون من الصيام، ذُبَّل الشفاه من الدعاء، صُفرُ الألوان من السَّهَر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أُولئك إخواني الذاهبون، فحقّ لنا أن نظمأ إليهم، ونعضَّ الأيدي على فراقهم».(2)


1 - نهج البلاغة: الخطبة93، شرح محمد عبده; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:7/77.
2 - نهج البلاغة: الخطبة117، شرح محمد عبده; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:7/291.


(191)

وللأئمّة المعصومين كلمات أُخرى حول الصحابة غير ما ذكرناه ، منقولة في كتب الشيعة، وهذا هو الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ يقول في دعائه:«اللّهمّ وأصحاب محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته...».(1)

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

اللّهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للّذين آمنوا

وتوّفنا مع الأبرار

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

12 محرم الحرام 1424هـ.


1 - الصحيفة السجادية: الدعاءالرابع.

Website Security Test