welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : التوحيد والشرك في القرآن الكريم*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

التوحيد والشرك في القرآن الكريم

التوحيد والشرك
في القرآن الكريم الاِله، الربّ، والعبادة

رسالة موجزة
في تفسير الاَسماء الثلاثة الواردة في القرآن،
والّتي تدور عليها رحى البحث
عن التوحيد والشرك

تأليف الكاتب الاِسلامي

حضرت آيت الله جعفر سبحاني ـ دام ظله ـ


(2)



(3)

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

نفتتح المقال بكلمة مباركة مأثورة عن الاَكابر وهي: بني الاِسلام على دعامتين: كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.

أمّا الاَُولى فقد اتفق عليها المسلمون قاطبة، وشعارهم في جميع المواقف هو لا إله إلاّ اللّه ولا نعبد إلاّ إيّاه، فإذا كان للتوحيد مراتب فالكل متفقون على أنّه لا خالق ولا مدبّر ولامعبود إلاّ إيّاه، ولا يمكن تسجيل اسم واحد في سجل الاِسلام إلاّ إذا شهد بالتوحيد بعامة مراتبه، وأخصّ بالذكر منها انّه لا معبود سوى اللّه سبحانه ولا مستعان غيره، ولاَجل ذلك نرى أنّ المسلمين يقولون في كل يوم وليلة في صلواتهم: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) ويذكر القرآن الكريم أنّ التوحيد في العبادة هو الهدف الوحيد من بعث الاَنبياء قال سبحانه: (ولقد بعثنا في كل أُمّة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت) (النحل ـ 36) وقال سبحانه: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلاّ نوحي إليه أنّه لا إله إلاّ أنا فاعبدون) (الاَنبياء ـ 25).

ولا أظن أنّ أحداً من المسلمين يشك في هذه القاعدة الكلية.

نعم ربّما يقع الكلام والنقاش في الجزئيات والمصاديق الخارجية وأنّه هل هي


(4)

عبادة أو لا ؟ مثلاً يقع البحث في أنّ التوسّل بالرسول بذاته وشخصيته ودعائه حياً وميتاً عبادة للرسول أو توسل بالسبب.

والذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب هو إيضاح بعض الاَُمور الرائجة بين المسلمين من عصر الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم إلى يومنا هذا ولم يكن هناك أي اختلاف فيها إلى القرن الثامن، ولكن بدأ الخلاف والنقاش فيها منذ قرون واستفحل في عصرنا هذا، فصار ذلك سبباً لتفريق الكلمة وتبدد الاَُمّة إلى طائفتين: فطائفة: ترى التوسل وطلب الشفاعة والتبرك تمسكاً بالاَسباب التي ندب إليها الشرع كتاباً وسنّة، وأُخرى: تنظر إليها كأنّها لا تلائم التوحيد في العبادة.

وقد عالج لفيف من المحقّقين هذه الناحية من مشاكلنا الدينية ولكن دراستهم لم تكن مركزة على البحث القرآني، فحاولت أن أعالج الموضوع من منظار القرآن الكريم وأنظر إلى التوحيد والشرك من ذلك الجانب حتى يستبين حكم هذه الاَُمور التي عُدت شركاً مضاداً للتوحيد.

وأمّا الثانية فقد دعى إليها الاِسلام وقال: (واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا) ، ولا يشك أحد في أنّ صيانة كيان الاِسلام وإعادة مجده التالد رهن توحيد الكلمة وتقريب الخطى.

وأحسب أنّي خدمت كلتا الكلمتين فأوضحت حال حكم هذه الموضوعات من كونها عبادة أم لا ، وبذلك دعمت الكلمة الثانية، أعني: توحيد الكلمة. وأرجو من اللّه أن يكون مصباحاً لمن يريد الاهتداء. انّه بذلك قدير وبالاِجابة جدير.

واللّه من وراء القصد.

جعفر السبحاني

20 ـ محرم الحرام ـ 1416 هـ



(5)

مراتب التوحيد

التوحيد أساس دعوة الاَنبياء

التوحيد ونبذ الشرك من أهم المسائل الاعتقادية التي تصدّرت المفاهيم والتعاليم السماوية على الاِطلاق، ويُعَدُّ أساساً لسائر التعاليم والمعارف الاِلهية العليا التي جاء بها أنبياء اللّه ورسله في ما أُوتوا من كتب.

ثم إنّ مسألة التوحيد والشرك من المسائل التي اتّفق فيها جميع المسلمين، ولم يختلف في أُصولها أحد منهم، فهم عن بكرة أبيهم يوحّدون اللّه سبحانه من حيث الذات، والفعل، والعبادة.

فاللّه سبحانه ـ عندهم جميعاً ـ واحد في ذاته لانظير له في الوجود ولا مثيل، كما أنّه هو الموَثر والخالق الواقعي في كل ما نسمّيه موَثـراً وخالقـاً. فلو كـان هناك موَثر سواه أو خالق غيره، فإنّما يفعل ويخلق بقدرته سبحانه وإرادته.

كما أنّه هو المعبود الوحيد لا معبود سواه، ولاتحل عبادة غيره على الاِطلاق. كل ذلك ممّا يوَيّده الكتاب والسنّة والعقل والاِجماع.

هذا وبما أنّ للتوحيد مراتب قد فصّلها علماء الاِسلام في كتبهم الكلامية والاعتقادية نأتي بها ـ هنا ـ على سبيل الاِجمال، ونردف كل قسم من تلك الاَنواع بما


(6)

يدل عليه من القرآن الكريم. غير أنّنا نركّز البحث على «التوحيد في العبادة» الذي صار ذريعة بأيدي البعض. فنقول: للتوحيد مراتب عديدة هي:

الاَُولى: التوحيد في الذات

والمراد منه هو أنّه سبحانه واحد لانظير له، فرْدٌ لامثيل له، بل لايمكن أن يكون له نظير أو مثيل.

ويدل عليه ـ مضافاً إلى البراهين العقلية ـ قوله سبحانه:

(فاطِرُ السَّمواتِ والاَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْواجاً وَمِنَ الاَنْعامِ أزواجاً يَذْرَوَُكُمْ فيهِ ليْسَ كَمِثْلِهِ شَـيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصير). (الشورى ـ 11).

وقوله سبحانه:

(قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحدٌ). (سورة الاِخلاص).

وقوله سبحانه:

(هُوَ اللّهُ الواحِدُ القَهّار) (الزمر ـ 4) .

وقوله سبحانه:

(وَهُوَ الواحِدُ القهّار) (الرعد ـ 16).

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنّه تعالى واحد لانظير له ولامثيل، ولاثان له ولا عديل.

وأمّا البراهين العقلية في هذا المجال، وإبطال خرافة «الثنوية» و «التثليث» فموكول إلى الكتب المدونة لذلك (1)


(1)وقـد جاء تفصيل الكلام في هذا النوع من التوحيد وغيره من الاَنواع والمراتب في كتاب «مفاهيم القرآن في معالم التوحيد» الصفحة 274 للموَلف، وللاستزادة فراجع.

(7)

الثانية: التوحيد في الخالقية

والمراد منه هو أنّه ليس في صفحة الوجود خالق أصيل غير اللّه، ولا فاعل مستقل سواه سبحانه، وأنّ كل ما في الكون من كواكب وأرض وجبال وبحار ، وعناصر ومعادن، وسحب ورعود، وبروق وصواعق، ونباتات وأشجار، وإنسان وحيوان، وملك وجن، وكل مايطلق عليه أنّه فاعل وسبب فهي موجودات غير مستقلّة التأثير، وأنّ كل ما ينتسب إليها من الآثار ليس لذوات هذه الاَسباب بالاستقلال، وإنّما ينتهي تأثير هذه الموَثرات إلى اللّه سبحانه، فجميع هذه الاَسباب والمسببات ـ رغم ارتبـاط بعضهـا ببعض ـ مخلوقة للّه، فإليـه تنتهي العلّية، وإليه توَول السببية، وهو معطيها للاَشياء، وهو مجرِّد الاَشياء من آثارها إن شاء.

ويدل على ذلك ـ مضافاً إلى الاَدلة العقلية ـ قوله سبحانه:

(قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الواحِدُ القهّار) (الرعد ـ 16).

وقوله سبحانه:

(اللّهُ خالِقُ كلِّ شيءٍ وهُوَ على كُلِّ شيءٍ وكيل) (الزمر ـ 62).

وقوله سبحانه:

(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شيءٍ لاإلهَ إلاّ هُوَ..) (الموَمن ـ 62).

وقوله سبحانه:

(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شيءٍ فَاعبُدوهُ..) (الاَنعام ـ 102).


(8)

(هُوَ اللّهُ الخالِقُ البارِىَُ المُصَوِّرُ لَهُ الاَسْماءُ الحُسْنى..) (الحشر ـ 24).

وقوله سبحانه:

(أنّى يَكونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شيءٍ..)(الاَنعام ـ101).

وقوله تعالى:

(ياأيّها النّاسُ اذكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللّهِ..) (فاطر ـ 3).

وقوله تعالى:

(ألا لَهُ الخَلْقُ والاَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ العالَمين) (الاَعراف ـ54)

وأمّا البرهان العقلي على حصر الخالقية في اللّه سبحانه فبيانه موكول أيضاً إلى الكتب الاعتقادية والكلامية.

الثالثة: التوحيد في الربوبية والتدبير (1)

والمراد منه هو أنّ للكون مدبّراً واحداً، ومتصرّفاً واحداً لايشاركه في التدبير شيء، فهو سبحانه المدبّر للعالم، وانّ تدبير الملائكة وسائر الاَسباب بعضها لبعض إنّما هو بأمره سبحانه، وهذه على خلاف ما كان يذهب إليه بعض المشركين حيث كان يعتقد أن الذي يرتبط باللّه تعالى إنّما هو الخلق والاِيجاد والابتداء، وأمّا تدبير الاَنواع والكائنات الاَرضية فقد فُوّض إلى الاَجرام السماوية


(1)فسر كتّاب الوهابيّة «التوحيد في الخالقية» بالتوحيد في الربوبية مع أنّ الثاني غير الاَول؛ فإنّ الثاني ناظر إلى التوحيد في التدبير والاِدارة والاَول ناظر إلى التوحيد في الخلق والاِيجاد، وكان المشركون موحّدين في المجال الاَوّل أي التوحيد في الخالقية، وإن كان بعضهم مشركاً في المجال الثاني أي التوحيد في التدبير والاِدارة.

(9)

والملائكة والجن والموجودات الروحية التي كانت تحكي عنها الاَصنام المعبودة، وليس له أيّ دخالة في أمر تدبير الكون وإرادته، وتصريف شوَونه.

إنّ القرآن الكريم ينص ـ بمنتهى الصراحة ـ على أنّ اللّه هو المدبّر للعالم، وينفي أيّ تدبير مستقل لغيره سبحانه، وانّه لو كان هناك مدبّر سواه فإنّما يدبّر بأمره. قال سبحانه:

(إنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالاَرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتوى عَلَى العَرْشِ يُدَبّرُ الاَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إلاّ مِنْ بَعْدِ إذنِهِ ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوه أفَلا تَذَكَّرون) (يونس ـ 3).

وقال تعالى:

(اللّهُ الَّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لاََجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الاَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقنُون) (الرعد ـ2).

فإذا كان هو المدبّر وحده فيكون معنى قوله سبحانه:

(فالمدَبِّراتِ أَمراً) (النازعات ـ 5). وقوله سبحانه: (وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عليكم حَفَظَةً..) (الاَنعام ـ 61). أنّ هوَلاء مدبّرات بأمره وبإرادته، فلا يُنافي ذلك انحصار التدبير الاستقلالي في اللّه سبحانه.

ومن كان مُلمّـاً بما ورد في القرآن الكريم عرف بأنّه سبحانَه حينما ينسب كثيراً من الاَفعال إلى نفسه وفي الوقت نفسه ينسبها إلى غيره في مواضع أُخرى لايكون هناك أيّ تناقض أو تناف بين ذلك النفي وهذا الاِثبات، لاَنّ الحصر على ذاته إنّما هو على وجه الاستقلال، ولاينافي ذلك تشريك الغير في هذا الفعل، بعنوان أنّه مظهر أمره سبحانه، ومنفِّذ إرادته، ولاَجل أن يظهر هذا النوع من المعارف نأتي بأمثلة في المقام:


(10)

1 ـ يعد القرآن ـ في بعض آياته ـ قبض الاَرواح فعلاً للّه تعالى، ويصرّح بأنّ اللّه هو الذي يتوفّى الاَنفس حين موتها إذ يقول ـ مثلاً ـ:

(اللّهُ يَتَوَفّى الاَنْفُسَ حينَ مَوْتِها..)(الزمر ـ 42).

بينما نجده يقول في موضع آخر، ناسباً التوفّي إلى غيره:

(حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) (الاَنعام ـ 61).

* * *

2 ـ يأمر القرآن ـ في سورة الحمد ـ بالاستعانة باللّه وحده، إذ يقول:

(وإيّاكَ نَستَعين).

في حين نجده في آية أُخرى يأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة، إذ يقول:

(وَاسْتَعينُوا بالصَّبْرِ والصَّلاة) (البقرة ـ 45).

* * *

3 ـ يعتبر القرآن الكريم الشفاعة حقاً مختصاً باللّه وحده، إذ يقول:

(قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَميعاً) (الزمر ـ 44).

بينما يخبرنا في آية أُخرى عن وجود شفعاء غير اللّه كالملائكة:

(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ في السَّمواتِ لا تُغْنِـى شَفاعَتُهُم شيئاً اِلاّ مِنْ بَعْدِ أن يأذَنَ اللّه) (النجم ـ 26).

* * *


(11)

4 ـ يعتبر القرآن الاطّلاع على الغيب والعلم به منحصراً في اللّه، حيث يقول:

(قُلْ لايَعْلَمُ مَنْ في السَّمواتِ والاَرضِ الغَيْبَ إلاّ اللّه) (النمل ـ 65)

فيما يخبر الكتاب العزيز في آية أُخرى عن أنّ اللّه يختار بعض عباده لاطّلاعهم على الغيب، إذ يقول:

(وَمَا كانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلكِنَّ اللّهَ يجتَبي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاء) (آل عمران ـ 179).

* * *

5 ـ ينقل القرآن عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ قوله بأنّ اللّه يشفيه إذا مرض، حيث يقول:

(وَاِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفينِ) (الشعراء ـ 80).

وظاهر هذه الآية هو حصر الاِشفاء من الاَسقام في اللّه سبحانه، في حين أنّ اللّه يصف القرآن والعسل بأنّ فيهما الشفاء أيضاً، حيث يقول:

(فيهِ شفاءٌ لِلنّاس) (النحل ـ 69).

(وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاء) (الاَسراء ـ 82).

* * *

6 ـ إنّ اللّه تعالى ـ في نظر القرآن ـ هو الرزّاق الوحيد حيث يقول: (إنّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المتين) (الذاريات ـ 58).

بينما نجد القرآن يأمر المتمكنين وذوي الطول بأن يرزقوا من يلوذ بهم من الضعفاء، إذ يقول:

(وَارْزُقُوهُمْ فيها وأكْسُوهُم) (النساء ـ 5).

* * *


(12)

7 ـ الزارع الحقيقي ـ حسب نظر القرآن ـ هو اللّه، كما يقول:

(أفَرَأيْتُم ماتَحرُثونَ * ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحنُ الزّارِعُونَ) (الواقعة ـ 63و64).

في حين أنّ القرآن الكريم في آية أُخرى يطلق صفة الزارع على الحارثين، إذ يقول:

(يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغيظَ بِهِمُ الكُفّار) (الفتح ـ 29).

* * *

8 ـ إنّ اللّه هو الكاتب لاَعمال عباده، إذ يقول:

(واللّهُ يَكْتُبُ مايُبَيّتون) (النساء ـ 81).

في حين يعتبر القرآن الملائكة ـ في آية أُخرى ـ بأنّهم المأمورون بكتابة أعمال العباد، إذ يقول:

(بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون) (الزخرف ـ 80).

* * *

9 ـ وفي آية ينسب تزيين عمل الكافرين إلى نفسه سبحانه يقول:

(إنَّ الَّذِينَ لايُوَْمِنونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أعْمالَهُم) (النمل ـ 4)

وفي الوقت نفسه ينسبها إلى الشيطان:

(وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشّيطانُ أعمالَهُم وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْم) (الاَنفال ـ 48).

وفي آية أُخرى نسبها إلى آخرين وقال:

(وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أيديهِمْ) (فصّلت ـ 25).

* * *


(13)

10 ـ مـرّ في هـذا البحـث حصـر التدبير في اللّه حتى إذا سئـل من بعض المشركين عن المدبِّر لقالوا: هو اللّه، إذ يقول في الآية 31 من سورة يونس:

(وَمَنْ يُدَبِّرُ الاَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّه).

بينما اعترف القرآن بصراحة في آيات أُخرى بمدبرية غير اللّه حيث يقول:

(فَالمُدَبِّراتِ أمْراً) (النازعات ـ 5).

* * *

فمن لمن يكن له إلمام بمعارف القرآن يتخيّل لاَوّل وهلة أنّ بين تلك الآيات تعارضاً غير أنّ الملمّين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أنّ حقيقة هذه الاَُمور (أعني الرازقية، والاِشفاء ..) قائمة باللّه على نحو لايكون للّه فيها أيّ شريك فهو تعالى يقوم بها بالاَصالة وعلى وجه « الاستقلال»، في حين أنّ غيره محتاج إليه سبحانه في أصل وجوده وفعله، فما سواه تعالى يقوم بهذه الاَفعال والشوَون على نحو «التبعية» وفي ظل القدرة الاِلهية.

وبما أنّ هذا العالم هو عالم الاَسباب والمسببات، وأنّ كل ظاهرة لابد أن تصدر وتتحقق من مجراها الخاص بها المقرر لها في عالم الوجود ينسب القرآن هذه الآثار إلى أسبابها الطبيعية دون أن تمنع خالقية اللّه من ذلك، ولاَجل ذلك يكون ماتقوم به هذه الموجودات فعلاً للّه في حين كونها فعلاً لنفس الموجودات. غاية ما في الاَمر أنّ في نسبة هذه الاَُمور إلى الموجود الطبيعي نفسه إشارة إلى الجانب «المباشري»، وفي نسبتها إلى «اللّه» إشارة إلى الجانب «التسبيبي».

ويشير القرآن إلى كلا هاتين النسبتين في قوله سبحانه:

(وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رمى) (الاَنفال ـ 17).


(14)

ففي حين يصف القرآن النبي الاَعظم بالرمي، إذ يقول بصراحة (إذ رميت) نجده يصف اللّه بأنّه هو الرامي الحقيقي. وذلك لاَنّ النبي إنّما قام بما قام بالقدرة التي منحها اللّه له، فيكون فعله فعلاً للّه أيضاً، بل يمكن أن يقال: إنّ انتساب الفعل إلى اللّه (الذي منه وجود العبد وقوّته وقدرته) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد بحيث ينبغي أن يعتبر الفعل فعلاً للّه لا غير ولكن شدّة الانتساب هذه لا تكون سبباً لاَن يكون هو اللّه سبحانه مسوَولاً عن أفعال عباده، إذ صحيح أنّ المقدمات الاَوّلية للظاهرة مرتبطة باللّه وناشئة منه إلاّ أنّه لما كان الجزء الاَخير من العلّة التامة هو إرادة الاِنسان ومشيئته بحيث لولاها لما تحققت الظاهرة، يعد هو مسوَولاً عن الفعل.

هذا وحيث إنّنا ركّزنا البحث ـ في هذه الرسالة ـ على بيان موازين التوحيد والشرك من وجهة نظر القرآن الكريم، لذلك تركنا الاَدلة العقلية على هذا القسم من التوحيد، غير أنّ القرآن الكريم أشار في موضعين إلى برهان هذا القسم فنذكرهما بتوضيح إجمالي فنقول:

إنّ القرآن استدلّ على وحدة المدبّر في العالم ببرهان ذا شقوق، وقد جاء البرهان ضمن آيتين تتكفّل كل واحدة منهما بيان بعض الشقوق من البرهان، وإليك الآيتين:

(لَوْ كانَ فيهِما آلهةٌ إلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبِّ العَرشِ عَمّا يَصِفون) (الاَنبياء ـ 22).

(وَمَا كانَ مَعَهُ مِن إلهٍ إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفون) (الموَمنون ـ 91).

وإليك مجموع شقوق البرهان:


(15)

إنّ تصوّر تعدد المدبّر لهذا العالم يكون على وجوه:

1 ـ أنّ يتفرد كل واحد من الآلهة المدبّرة بتدبير مجموع الكون باستقلاله؛ بمعنى أن يعمل كل واحد ما يريده في الكون دونما منازع، ففي هذه الصورة يلزم تعدد التدبير لاَنّ المدبر متعدد ومختلف في الذات فيلزم تعدد التدبير، وهذا يستلزم طروء الفساد على العالم وذهاب الانسجام المشهود وهذا مايشير إليه قوله سبحانه:

(لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفون)

2 ـ وأمّا أن يدبّر كل واحد قسماً من الكون الذي خلقه، وعندئذ يجب أن يكون لكل جانب من الجانبين نظام مستقل خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به أصلاً، وعندئذ يلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام من الكون، في حين أنّنا لانرى في الكون إلاّ نوعاً واحداً من النظام يسود كل جوانب الكون من الذرّة إلى المجرّة.

وإلى هذا الشق أشار بقوله: في الآية الثانية:

(إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بما خَلَق).

3 ـ أن يتفضّل أحد هذه الآلهة على البقيـة ويكون حاكماً عليهم ويوحّد جهودهم، وأعمالهم ويسبغ عليها الانسجام والاتحاد وعندئذ يكون الاِله الحقيقي هو هذا الحاكم دون الباقي.

وإلى هذا يشير قوله سبحانه:

(وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض).

فتلخّص أنّ الآيتين بمجموعهما تشيران إلى برهان واحد ذا شقوق تتكفل كل واحدة منهما بيان شق خاص.


(16)

الرابعة: التوحيد في التشريع والتقنين:

لايشك عاقل في أنّ حياة الاِنسان الاجتماعية تحتاج إلى قانون ينظّم أحوال المجتمع البشري وأوضاعه ويقوده إلى الكمال الذي الذي خلق له، (والكل ميسَّر لما خلق).

غير أنّ القرآن الكريم لم يعترف بتشريع للبشرية سوى تشريع اللّه سبحانه، ولاقانون سوى قانونه، فهو يراه المشرّع الوحيد الذي يحق له التقنين خاصة، وغيره المنفِّذ للقانون الاِلهي المطبِّق لتشريعه.

وقد وردت في هذا الصدد آيات في الذكر الحكيم نكتفي بذكر قسم منها:

(ماتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ اِلاّ أسْماءً سَمَّيْتُموها أنْتُمْ وَآباوَكُمْ ما أنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ أمَرَ اَلاّ تَعْبُدوا إلاّ إيّاهُ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لايَعْلَمون) (يوسف ـ 40).

فالمراد من حصر الحاكمية على اللّه هو حصر الحاكمية التشريعية عليه سبحانه، فالآية تهدف إلى أنّه لايحق لاَحدٍ أن يأمر وينهى ويُحرّم ويُحلّل سوى اللّه سبحانه، ولاَجل ذلك قال بعد قوله:

(إنِ الحُكمُ إلاّ للّه) : (أمَرَ ألاّ تَعبُدوا إلاّ إيّاه).

فكأنّ أحداً يسأل عن أنّه إذا كان الاَمر مختصاً به سبحانه فماذا أمر اللّه في مورد العبادة فأجاب على الفور:

(أمَرَ ألاّ تَعْبُدوا إلاّ إيّاه).

وقال سبحانه:

(أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكماً لِقَومٍ يُوقِنون) (المائدة ـ 50) .


(17)

إنّ هذه الآية تقسم القوانين الحاكمة على البشر إلى قسمين: إلهي، وجاهلي، وبما أنّ ما كان من صنع الفكر البشري ليس إلهياً فهو بالطبع يكون حكماً جاهلياً.

وقال سبحانه:

(.. وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِما اَنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الكافِرون).

وقال:

(.. وَمَنْ لَم يَـحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الظّالِمُون).

وقال:

(.. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الفاسِقُون) (المائدة ـ 44و 45 و 47).

وهذه الآيات وإن كانت تصف الحاكم بغير ما أنزل اللّه بالصفات الثلاث لا المقنِّن والمشرِّع البشري غير أنّها تدل تلويحاً على حرمة نفس التقنين بغير إذنه، لاَنّ الهدف من تشريع الاَحكام وتقنين القوانين جعلها وسيلة للحكم والقضاء، وإلاّ فالتشريع والتقنين بدون التنفيذ والتطبيق لايحوم حوله عاقل.

فهذه المقاطع الثلاثة توضح أنّ ممنوعية التقنين والتشريع بهدف الحكم على وفقه كانت موجودة في الشرائع الاِلهية السالفة أيضاً، وما ذلك إلاّ لاَجل أنّ التقنين أوّلاً، والحكم ثانياً حقّ مخصوص باللّه سبحانه، لم يفوّضه إلى أحد من خلقه، ولاَجل ذلك يصف المبدِّل للنظام الاِلهي بالكفر تارة، والظلم اُخرى، وبالفسق ثالثة.

فهم كافرون لاَنّهم يخالفون التشريع الاِلهي بالرد والاِنكار والجحود.

وهم ظالمون لاَنّهم يسلمون حق التقنين الذي هو خاص باللّه إلى غيره.

وهم فاسقون لاَنهم خرجوا بهذا الفعيل عن طاعة اللّه سبحانه.

وأمّا ما يفعله العلماء والفقهاء فهو تخطيط كل ما يحتاج إليه المجتمع الاِسلامي في إطار القوانين والضوابط الاِلهية والاِسلامية، وليس ذلك بتشريع أو تقنين.


(18)

الخامسة: التوحيد في الطاعة:

والمراد منه أنّه ليس هناك من تجب طاعته بالذات إلاّ اللّه تعالى فهو وحده الذي يجب أن يُطاع، وهو وحده الذي يجب أن تُمتثل أوامره، وأمّا طاعة غيره فتجب بإذنه وأمره، وإلاّ كانت محرّمة، موجبة للشرك.

ولاَجل ذلك نجد القرآن الكريم يطرح مسألة الطاعة للّه وحده مصرّحاً بانحصارها فيه إذ يقول:

(وما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البيِّنة ـ 5) والدين في الآية بمعنى الطاعة، أي مخلصين الطاعة له ولا يطيعون غيره. ويقول:

(فَاتَّقوا اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسمَعُوا وَأطيعُوا وَأنْفِقُوا خَيْراً لاَِنْفُسِكُم) (التغابن ـ 16).

ثم يصرّح القرآن الكريم بأنّ النبي لايطاع إلاّ بإذنه سبحانه إذ قال:

(وَمَا أرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلاّ لِيُطاعَ بِإذْنِ اللّه) (النساء ـ 64)

وعلى ذلك فكل من افترض اللّهُ طاعَته، والانقياد لاَوامره، والانتهاء عن مناهيه، فلاَجل إذنه سبحانه.

فإطاعة النبي وأُولي الاَمر، والوالدين وغيرهم إنّما لاَجل إذنه وأمره سبحانه، ولولاه لم تكن لتجز طاعتهم، والانقياد لاَوامرهم.

وعلى الجملة فهاهُنا مطاع بالذات؛ وهو اللّه سبحانه وغيره مطاع بالعرض وبأمره. وأمّا علّة اختصاص الطاعة و وجهه فبيانه موكول إلى الكتب الكلامية.


(19)

السادسة: التوحيد في الحاكمية:

لايشك أيّ عاقل يدرك أنّ الحكومة حاجة طبيعية يتوقف عليها حفظ النظام في المجتمع البشري، وقيام الحضارة المدنية، وتعريف أفراد المجتمع بواجباتهم ووظائفهم، وما لهم وما عليهم من الحقوق.

وحيث إنّ إعمال الحكومة والحاكمية في المجتمع لاينفك عن التصرف في النفوس والاَموال، وتنظيم الحريات وتحديدها أحياناً، والتسلّط عليها، احتاج ذلك إلى ولاية بالنسبة إلى الناس، ولولا ذلك لَعُدَّ التصرف عدواناً.

وبما أنّ جميع الناس سواسية أمام اللّه، والكل مخلوق له بلا تمييز، فلا ولاية لاَحد على أحد بالذات، بل الولاية للّه المالك الحقيقي للاِنسان، والكون، والواهب له وجوده وحياته فلا يصح لاَحد الاِمْرَة على العباد إلاّ بإذنٍ من اللّه سبحانه.

فالاَنبياء والعلماء والموَمنون مأذونون من قِبله سبحانه في أن يتولّوا الاَمر من جانبه ويمارسوا الحكومة على الناس من قبله، فالحكومة حق مختص باللّه سبحانه، والامارة ممنوحة من جانبه.

قال سبحانه:

(إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ أمَرَ ألاّ تَعْبُدوا إلاّ إيّاهُ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أكْثَر النّاسِ لايَعْلَمون) (يوسف ـ 40).

والحكم له معنى وسيع أوسع من التشريع والتقنين والمراد منه هنا هو الحاكمية على الاِنسان ولاَجل كونه واجداً لذلك المقام، أصدر أمراً بعدم عبادة غيره.

ويوضح الانحصار قوله سبحانه:

(إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ يَقُصَّ الحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلين) (الاَنعام ـ 57).


(20)

(ألاّ لَهُ الحُكْمُ وَهَوَ أسْرَعُ الحاسبين) (الاَنعام ـ 62)

نعم إنّ اختصاص حق الحاكمية باللّه سبحانه ليس بمعنى قيامه شخصياً بممارسة الاِمرة، بل المراد أنّ من يمثّل مقام الاِمرة في المجتمع البشري يجب أنّ يكون مأذوناً من جانبه سبحانه لاِدارة الاَُمور، والتصرّف في النفوس والاَموال.

ولاَجل ذلك نرى أنّه سبحانه يمنح لبعض الاَنبياء حق الحكومة بين الناس، إذ يقول:

(ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَليفَةً في الاَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهّوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبيلِ اللّه) (سورة ص ـ 26).

ولاَجل ذلك يجب أن تكون الحكومة في المجتمع الاِسلامي مأذونة من قبل اللّه سبحانه ممضاة من جانبه، وإلاّ كانت من حكم الطاغوت، الذي شجبه القرآن في أكثر من آية.

السابعة: التوحيد في العبادة:

والمراد منه حصر العبادة للّه سبحانه وحده وهذا هو الاَصل المتفق عليه بين جميع المسلمين بلا اختلاف منهم قديماً، وفي هذا العصر، فلا يكون المسلم مسلماً إلاّ بعد الاعتراف بهذا الاَصل.

بيد أنّ الاتفاق على هذا الاَصل لايستلزم الاتفاق في بعض الاَُمور التي وقع الاختلاف في كونها عبادة لغير اللّه سبحانه، أو أنّها تكريم واحترام، وإكبار وتبجيل.

وعلى الجملة فالكبرى، أعني كون العبادة خاصة اللّه لايشاركه فيها شيء، مما لم يختلف فيها اثنان، وإنّما الكلام في تشخيص الصغرى وإنّه هل العمل الفلاني


(21)

ـ مثلاً ـ عبادة لغير اللّه حتى يكون نفس العمل شركاً، والفاعل مشركاً فيخرج عن ربقة الاِسلام، وجادة التوحيد، أو أنّه تكريم وتبجيل لاَهداف مقدسة لا يمت إلى العبادة ـ فضلاً عن عبادة غير اللّه ـ بصلة؟

وهذا الاَصل هو الذي عزمنا في هذه الرسالة على بيانه وتوضيحه فانّ كثيراً من الوهابيين جعلوا «الشرك في العبادة» ذريعة لتكفير كثير من المسلمين، وجعلهم في سلك المشركين في العبادة، ولاَجل أن يتجلّـى هذا الموضوع بأفضل نحو نقول:

إنّ الاَصل الذي يجب أن نتوصل إليه قبل كل شيء، هو تحديد مفهوم العبادة في ضوء القرآن الكريم والسنّة المطهرة حتى يكون معياراً ثابتاً في تشخيص العبادة عن غيرها، إذ لولا هذا لم يثمر البحث، ولم يتم الجدال والنقاش.

فهذا هو الاَصل اللازم الذي غفل عنه موَلّفو الوهابية، فأخذوا يصفون كثيراً من أعمال المسلمين بالشرك في العبادة من دون أن يحدّدوا قبل ذلك ضابطة قرآنية ثابتة وواضحة؛ غير أنّنا قبل أنّ نتوصل، الى تحديد مثل هذه الضابطة نقدّم أُموراً هي:


(22)



(23)

الفصل الاَوّل

عشر مقدمات ضرورية ..


(24)



(25)

1 ـ نبذ الشرك أساس دعوة الاَنبياء:

الاَمر الذي كان يشكّل أساس دعوة الاَنبياء في جميع عهود الرسالة السماوية هو: دعوة البشر إلى عبادة (اللّه الواحد) والاجتناب عن عبادة غيره.

فالتوحيد في العبادة وتحطيم أغلال الشرك والوثنية كان من أهم التعاليم السماوية التي تحتل مكان الصدارة في رسالات الاَنبياء ـ عليهم السلام ـ حتى كأنّ الاَنبياء والرسل لم يبعثوا ـ أجمع ـ إلاّ لِهدف واحد هو تثبيت دعائم التوحيد ومحاربة الشرك.

لقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ـ بجلاء ـ إذ قال:

(وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمّةً رَسُولاً أنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغُوت) (النحل ـ 36).

(وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسوُلٍ إلاّ نُوحي إِلَيهِ أنّهُ لا إلهَ إلاّ أنَا فَاعبُدُون) (الاَنبياء ـ 25).

ثم في موضع آخر يصف القرآن الكريم التوحيد في العبادة بأنّه الاَصل المشترك بين جميع الشرائع السماوية إذ يقول:

(قُلْ يا أَهلَ الكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ألاّ نَعْبُدَ إلاّ اللّهَ)


(26)

وَلانُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) (آل عمران ـ 64).

وإذا أردت أن تعرف كيف بيّن القرآن الكريم (الشرك) في العبادة أو جميع أقسامه وصور المشرك في فقده ما يعتمد عليه في حياته فتدبّر في الآية التالية إذ يقول تعالى:

(وَمَنْ يُشْرِكُ باللّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَماءِ فَتَخْطَفهُ الطَّيرُ أوْ تَهوي بِهِ الرّيحُ في مَكانٍ سَحِيق)!! (الحج ـ 31).

ولايستطيع أيّ تشبيه على ترسيم بطلان الشرك وضياع المشرك وخيبته وحيرته بأوضح مما رسمته هذه الآية الكريمة.

2 ـ منشأ الشرك والوثنية:

من العسير جداً إبداء الرأي في جذور الوثنية ومنشأ هذا الانحراف العقيدي ونموّه بين البشر، خاصة أنّ موضوع الوثنية لم يكن عند قوم أو قومين، ولا في شكل أو شكلين، ولا في منطقة أو منطقتين ليتيسّـر للباحث إبداء نظر قطعي فيه وفي نشوئه.

فالوثنية عند «عرب الجاهلية» مثلاً تختلف عمّـا عليها عند «البراهمة» وهي عند «البوذيين» تختلف عمّـا هي عليها عند «الهندوس» فاعتقادات هذه الطوائف والشعوب مختلفة في موضوع الشرك بحيث يعسر تصوّر قدر مشترك بينها (1)

أمّا العرب البائدة مثل عاد وثمود أُمم هود وصالح، ومثل سكنة مدين


(1)شرحت دوائر المعارف، وبخاصة دائرة معارف البستاني معتقدات هذه الشعوب الآسيوية التي تعيش في رقعة كبيرة في آسيا.

(27)

وسبأ: أُمم شعيب وسليمان، فكانوا بين وثنيين وعبدة الشمس (1)وقد ذكرت عقائدهم وطريقة تفكيرهم في القرآن الكريم.

وقد كان عرب الجاهلية من أولاد إسماعيل موحّدين ردحاً من الزمن، يتبعون تعاليم النبي إبراهيم وولده إسماعيل ـ عليهما السلام ـ ولكن ـ على مر الزمان وعلى أثر الارتباط بالشعوب والاَُمم الوثنية ـ حلّت الوثنية محل التوحيد في المجتمع العربي الجاهلي تدريجيّاً (2)

هذا حال الاَُمة العربية العائشة في تلكم النواحي. وأمّا الاَُمّة العائشة في مكة وضواحيها المقاربة لعصر الرسول فقد نقل الموَرخون أنّ أوّل من أدخل الوثنية في مكة ونواحيها وروّجها فيها هو : «عمرو بن لحي».

فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الاَوثان، وعندما سألهم عمّـا يفعلون قائلاً:

ما هذه الاَصنام التي أراكم تعبدونها؟!

قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا!

فقال لهم: أفلا تعطونني منها فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟

وهكذا استحسن طريقتهم واستصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم «هبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة، ودعا الناس إلى عبادتها (3).

ثم إنّه لما أصابَ المسلمين مطرٌ في الحديبية لم يبل أسفل نعالهم أي ليلاً، فنادى منادي رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم: أن صَلّوا في رحالكم، وقال صلّى الله عليه و آله و سلّم صبيحة ليلة الحديبية لما


(1)قال سبحانه: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون اللّه)(النمل ـ 24).

(2)وهذا يعطي أنّ الوثنية تمتدّ جذورها في المجتمع العربي الجاهلي إلى زمن بعيد وإن كان دخولها إلى مكة وضواحيها ليس بذاك البعد حسب ما ينقله ابن هشام وغيره من أهل السيرة والتاريخ.

(3)سيرة ابن هشام: 1|79.

(28)

صلّى بهم: «أتدرونَ ما قال ربّكم»؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم قال: قال اللّهُ عزّ وجلّ:

صَبَّح من عبادي موَمنٌ بي وكافر، فأمّا من قال: مُطرْنا برحمةِ اللّه وفضله فهو موَمن باللّه وكافر بالكواكب، ومن قال: مُطرنا بنجم كذا وفي رواية بنوء كذا وكذا فهو موَمن بالكواكب وكافر بي» (1)

وهذان النصّان التاريخيان يثبتان في نفس الوقت بأنّ العرب الجاهليين بعضهم أو كلهم كانوا مشركين في الربوبية، ومعتقدين بأنّ الاَمطار بيد الاَصنام فكانوا يستمطرونها، ويزعمون بأنّها تمطرهم. فاجعل هذا على ذكر منك لاَهميته في الاَبحاث القادمة.

هذا ويرى بعض الباحثين أنّ «الوثنية» نشأت من تعظيم الشخصيات وتكريمهم وتخليدهم؛ فعندما كان يموت أحد الشخصيات كانوا ينحتون له تمثالاً لاِحياء ذكراه وتخليد مثاله في أفئدتهم، ولكن مع مرور الزمن وتعاقب الاَجيال كانت تتحول هذه التماثيل ـ عند تلك الاَقوام ـ إلى معبودات، وإن لم تقترن ساعة صنعها بمثل هذا الاعتقاد.

وأحياناً كان رئيس عائلة يحظى باحترام وتعظيم كبيرين ـ في حياته ـ حتى إذا مات نحتوا له تمثالاً على صورته وعكفوا على عبادته.

وفي اليونان والروم القديمتين كان رب العائلة ورئيسها يعبد من قبل أهله فإذا توفّي عبدوا تمثاله.

وتوجد اليوم في متاحف العالم أصنام وتماثيل لرجال الدين وللشخصيات البارزة الذين كانوا ـ ذات يوم ـ أو كانت أصنامهم تعبد كما يعبد الاِله.


(1)السيرة الحلبية: 3|29.

(29)

ومن محاورة النبي إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع كبير قومه: «نمرود» يستفاد بوضوح أنّ نمرود كان موضع العبادة من جانب قومه.

كما يتبين بأنّ فرعون زمان موسى ـ عليه السلام ـ رغم أنّه كان بنفسه معبوداً عند قومه كان يعبد أصناماً، خاصة، لعلّها كانت أشكالاً لشخصيات سابقة من أسلاف فرعون، حيث يخبرنا القرآن الكريم قائلاً:

(وقالَ الملاَُ مِنْ قَومِ فرعَونَ أتَذَرُ مُوسى وقَومَهُ لِيُفْسِدُوا في الاَرضِ ويَذَرَكَ وآلِهتِكَ) (الاَعراف ـ 127).

خلاصة النظر أنّ هذه الاَصنام والتماثيل كانت تنحت وتصنع بادىَ الاَمر لتخليد ذكرى رجال دين وزعماء وشخصيات كبار، ولكن مع مرور الزمن وانقراض أجيال وحلول أجيال أُخرى مكانها كان هذا الهدف ينحرف عن مجراه الاَصلي، وتتحول تلك التماثيل إلى معبودات، وتلك الاَصنام إلى آلهة مزعومة.

3 ـ حصر التوحيد في العبادة باللّه تعالى:

والمقصود بهذا التوحيد هو أن نفرد خالق الكون بالعبادة ونرفض عبادة غيره مما يكون مخلوقاً له تعالى. وهذا في مقابل الشرك في العبادة الذي يعني أن يعبد الاِنسان ـ رغم اعتقاده بوحدانية خالق هذا الكون ـ مخلوقاً، أو مخلوقات، لسبب من الاَسباب.

وهذا هو ماتسميه الوهابية بالتوحيد في الاِلوهية، كما تسمّي التوحيد الذاتي بالتوحيد في الربوبية، وكلا الاصطلاحين خطأ لما ستعرف من معنى الاِلوهية وأنَّ معناها ليس المعبودية، بل (الاِله، واللّه) متساويان من حيث المبدأ أو المفهوم، غير


(30)

أنّ الاَوّل كلّـي والثاني علم لواحد من مصاديق ذاك الكلي.

وأمّا الربوبية فهي بمعنى التدبير والتصرف في الكون، لا «الخالقية» وإن كان التدبير من حيث الاَدلة الفلسفية لاينفك عن الخالقية.

والاَولى بل المتعيّن أن نعبّـر عن التوحيد الذاتي بالتوحيد في الاِلوهية، وأنّه ليس هناك إله إلاّ اللّه، لا أنّ هناك إله أعلى وهو اللّه سبحانه، وآلهة صغار يملكون بعض شوَونه سبحانه، من الشفاعة والمغفرة وغيرهما مما هو من أفعاله سبحانه كما كان عليه عرب الجاهلية.

كما أنّ المتعين أن نعبّر عن «التوحيد في الخلق» بالتوحيد في الخالقية لا التوحيد في الربوبية ـ لما عرفنا من أنّ الرب ليس بمعنى الخالق وإن كان لاينفك عنه في الصعيد الخارجي حسب البرهان العقلي.

كما أنّ المتعين أن نعبّـر عن التوحيد في العبادة بهذا اللفظ نفسه لا بالتوحيد الاِلوهي لما عرفت من أنّ الاِله ليس بمعنى المعبود.

والحاصل أنّه ليس المطروح في هذه المرحلة من الشرك هو: تعدد الاِلهة ولا الاعتقاد بأنّ للكون أجمع خالقاً غير اللّه الواحد الذي خلق الكون بما فيه من الآلهة المزعومـة ولكن مع هذا الاعتراف ربما تترك عبـادة الاِله الواحـد، ويعبد غيره.

وتختلف دوافع «عبادة المخلوق أو المخلوقات» عند الاَُمم والشعوب، فربما كانت علّة بسيطة، وأحياناً كان يتّخذ الدافع صبغة فلسفية. وفيما يلي نستعرض أهم دوافع الشرك.


(31)

4 ـ دوافع الشرك في العبادة:

نشير ـ من بين الدوافع الكثيرة ـ إلى ثلاثة:

أ) الاعتقاد بتعدّد الخالق.

كان الوثنيون ومن شاكلهم من القائلين بالتثليث، بحكم اعتقادهم بالثنوية والتثليث مضطرين إلى عبادة أكثر من إله.

ففي البوذية تجلّى الاِله الاَزلي الاَبدي في ثلاثة آلهة، أو ثلاثة مظاهر بالاَسماء التالية:

1 ـ براهما ـ أي الاِله الموجد.

2 ـ فيشنو ـ أي الاِله الحافظ المبقي.

3 ـ سيفا ـ أي الاِله المفني.

وفي النصرانية ظهر بالاَسماء التالية:

1 ـ الاَب.

2 ـ الابن.

3 ـ روح القدس.

وفي الدين الزرادشتي اعتقد ـ إلى جانب «اهورا مزدا» بإلهين آخرين هما:

1 ـ يزدان.

2 ـ اهريمن (1).


(1)وعلى هذا التفسير يصير المجوس من الثنوية بلحاظ، ومن أهل التثليث بلحاظ آخر فتدبّر.

(32)

وإن كانت عقيدة الزرادشتيّين ـ الواقعة في شأن هذين الاِلهين الاَخيرين تكتنفها حالة من الاِبهام والغموض.

وعلى كل حال فإنّ الاعتقاد بتعدّد الذات الاِلهية كان أحد الدوافع وراء عبادة غير اللّه، والسبب للشرك في العبادة، وقد أبطل القرآن الكريم بالبراهين العديدة الواضحة أساس مثل هذا الاعتقاد.

ب) تصوّر ابتعاد الخالق عن المخلوق:

وقد كان الدافع الثاني لعبادة اللّه هو تصوّر ابتعاد اللّه عن المخلوق، بمعنى أنّهم كانوا يظنّون أنّ اللّه بعيد عن المخلوقين لايسمعهم ولاتبلغه أدعيتهم وطلباتهم.

ولذلك اختاروا وسائل ظنّوا أنّها تتكفّل إيصال أدعيتهم إليه، وكأنّ المقام الربوبي كالمقامات البشرية لايمكن الوصول إليها إلاّ عن طريق الوسائط، ومن أجل هذا راحوا يعبدون القدّيسين والملائكة والجن والاَرواح لتوصل دعواتهم إلى المقام الربوبي.

ولقد أبطل القرآن الكريم هذه التصورات ببيانات متنوعة ومتعدّدة يقول فيها: بأنّ اللّه أقرب من كل قريب.

وأنّه تعالى يسمع سرهم ونجواهم وعلانيتهم.

وأنّه تعالى محيط بما يسرّون ويعلنون.

ولذلك فلا حاجة إلى اتّخاذ تلك الآلهة المصطنعة، ولاحاجة إلى عبادتها، إذ لو كان الهدف من عبادتها هو توسّطهم لاِيصال مطالبهم إلى اللّه فاللّه يعلم بها جميعاً وهو الذي لايعزب عنه شيء.


(33)

وجاء كل هذا في الآيات التالية:

(ونَحْنُ أقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيد) (ق ـ 16).

(أَلَيْسَ اللّهُ بِكَافٍ عَبْدَه) (1)(الزمر ـ 63).

(ادْعُوِني أَسْتَجِبْ لَكُم) (2)(غافر ـ 06).

(قُلْ إن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّه) (آل عمران ـ 29).

(مايَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إلاّ هوَ رابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُم) (المجادلة ـ 7).

وبهذه الآيات وغيرها يُبطل القرآن هذا الدافع للوثنية والشرك....

ج) تفويض التدبير إلى صغار الآلهة:

يجد كل إنسان في قرارة نفسه الخضوع للقدرة العليا، ويستصغر نفسه في قبالها، ومثل هذا الاِحساس الفطري وإن لم يظهر على اللسان والجوارح الاَُخرى لكنّه يكمن في قرارة الضمير في صورة نوع من الاِحساس بالخضوع هذا من جانب.ومن جانب آخر اعتاد الاِنسان على التعامل مع الموجودات المحسوسة فيريد صب كل أمر في قالب المحسوس....

وعلى هذا الاَساس يريد المشرك أن يصب القوى الغيبية في صورة الاَجسام المشاهدة، والاَشكال المنظورة، أضف إلى ذلك أنّه لقصور فكره، أو لتصوّر أنّ كل حادثة في هذا الكون أُنيطت إلى قوة قاهرة هي أيضاً مخلوقة للّه كإله البحر، وإله الحرب، وإله السلام، وكأنّ حكومة الكون مثل حكومات الاَرض يفوّض فيها كل جانب من جوانب الحياة إلى واحد. وتكون هذه القدرة مختارة فيما تريد، وفعّالة لما


(1)نعم ليست صراحة الآيتين في ما نرتأيه، مثل الآية المتقدمة فلاحظ.

(2)نعم ليست صراحة الآيتين في ما نرتأيه، مثل الآية المتقدمة فلاحظ.

(34)

تشاء!!!

من أجل هذا عبد سكنة شواطىَ البحار (إله البحر) لكي يجود عليهم بنعم البحر ويدفع عنهم آفاته وغوائله كالطوفان؛ فيما عبد سكنة الصحاري (إله البر) ليفيض عليهم بمنافعها، ويدفع عنهم مضارها، كالزلزال وماشابه ذلك من آفات الاَرض، وغوائل الصحراء.

ولكن حيث إنّهم ما كانوا متمكّنين من روَية هذه الآلهة التي توهّموها واخترعوها، افترضوا لها صوراً خيالية، وأشكالاً وهمية، ونحتوا على غرارها تماثيل وأصناماً، وراحوا يعبدون هذه الاَصنام المصنوعة بدلاً عن عبادة القوى الغيبية نفسها التي تمثلها هذه الاَصنام ـ كما في زعمهم ـ .

لهذا السبب كان بين عرب الجاهلية فريق يعبد الملائكة، وفريق آخر يعبد الجن، وثالث يعبد الكواكب الثابتة كالشعرى، رابع يعبد الكواكب السيارة، وكان الهدف من عبادتها ـ جميعاً ـ هو جلب خيرها ونفعها، واجتناب ضررها وشرورها.

ولقد كانوا يتمتعون ـ في صنع التماثيل والاَصنام ـ من سعة نظر خاصة، فهم لم يلزموا أنفسهم بأن يصنعوا ما ينطبق على الصور الواقعية لتلك الاَشياء ولذلك كانوا يصنعون لكل واحد من الآلهة الموهومة أصناماً لاتشبه صورها الواقعية أبداً كإله الحرب، وإله السلام، وإله الحب، ولكن في كل هذا كان الدافع الوحيد هو صب الاَُمور الغيبية في قالب المحسوسات، وحيث إنّ هذه الاَرباب والآلهة (الصغار) لم تكن بذاتها في متناول الاِحساس، وكان للكواكب طلوع وأُفول، وكان التوجّه إليها لايخلو ـ لذلك ـ من مشقة فتوجهوا صوب تماثيلها، وصاروا إلى عبادتها.

ولقد انتقد القرآن وشجب بشدة فكرة تفويض القدرة وأمر تدبير الكون إلى الآلهة الصغار المدعاة المخلوقة للّه، ووصف اللّه في مواضع عديدة، بأنّه المدبر


(35)

الوحيد لاَُمور الكون حيث يقول:

( ثُمَّ اسْتَوى علَـى العَرشِ يُدَبِّرُ الاََمر ) (يونس ـ 3) (1).

لقد جعل القرآن الكريم ـ في آيات كثيرة ـ الخلق والاِحياء والاِماتة وتسيير الكواكب والاَفلاك وتنظيم الشمس والقمر والاَرزاق، أفعالاً مختصة باللّه تعالى (2) وشجب بعنف وشدة كل فكرة تقضي بإشراك أية قدرة مع اللّه، وكل فكرة تقول: بتفويض تدبير الاَُمور الكونية إلى مخلوقاته.

إنّ الآيات القرآنية الواردة في هذا الشأن من الكثرة بحيث يعسر نقل عشرها هنا، ولكن للاطّلاع نذكر ونورد بعض هذه الآيات:

(إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالاََرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالاََمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ العَالَمِينَ)(الاَعراف ـ 54).

(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّماءِ وَالاََرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالاََبصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الاََمرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُون* فَذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إِلاّ الضّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ) (يونس ـ 31 ـ 32).

* * *


(1)راجع الرعد الآية (2) والسجدة الآية (5).

(2)اختصاص هذا النوع من الاَُمور باللّه لايمنع من توسيط الاَسباب التي تعمل هي أيضاً بأمر اللّه ومشيئته وتكون قدرتها في طول القدرة الاِلهية، وواضح أنّ الاعتقاد بتلك الاَُمور بما هي أسباب لايعني تفويض أمر الكون إليها. فراجع كتاب مفاهيم القرآن الجزء الاَوّل ـ الفصل الثامن؛ التوحيد في الربوبية والتدبير.

(36)

إلى هنا بيّنا ثلاثة دوافع للاِشراك باللّه في العبادة ولن ندّعي ـ مطلقاً ـ بأن لايكون ثمة دافع آخر للشرك غير ما ذكرناه، ولكن الدوافع التي ينتقدها القرآن الكريم كانت أساس نشوء الشرك وانتشاره في العالم.

إنّ المسلم المعتقد بإله الكون، الاِله الواحد، الاِله الحاضر في كل مكان، القريب إلى عباده، الاِله الذي بيده الخلق المدبّر للكون بنفسه الذي لم يعط أمره ولم يفوّضه إلى أحد.

إنّ المسلم مع هذا الاعتقاد، لايمكن أن يتّخذ معبوداً سوى اللّه، بل لاتكفي عبادته وحده، إنّما يجب عليه أن يحارب عقائد الشرك والوثنية، وأن لايرضى بتجاوز أحد عن دائرة التوحيد لحظة واحدة.

* * *

وحول الدافع الثالث نذكّر بنكتة مهمة وهي: أنّه قد يمكن أنّ يعتقد أحد بأن أمر الكون كلّه للّه، ولم يسلّم هذا النوع من الاَُمور إلى غيره، ولكن يعتقد بأنّ الاَُمور المعنوية التي ترتبط بأعمال العباد كالشفاعة والمغفرة الّتي هي من الاَُمور المختصة باللّه قد أعطاها ومنحها للاَفراد، وهذا هو أحد دوافع عبادة غير اللّه، ولقد جعل القرآن الكريم: الشفاعة ـ بصراحة تامة ـ محض حق اللّه فلا يمكن لاَحد أن يشفع بدون إذنه إذ يقول:

(قُل للّهِ الشَّفاعةُ جَميعاً) (الزمر ـ 44).

كما جعل الغفران والمغفرة لذنوب عباده حقاً مختصاً به سبحانه لا يشاركه فيه أحد غيره، ومن زعم أنّ المغفرة بيد غيره سبحانه فقد أشرك. قال تعالى:


(37)

(فَاسْتَغفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاّ اللّه) (آل عمران ـ 135).

ولقد كان فريق من وثنيي عصر الرسالة يعبدون الاَصنام التي كانوا يتصورون أنّها من ذوي النفوذ عند اللّه، أنّها أُنيطت بهم أُمور الشفاعة والمغفرة.

وسوف نتحدث في البحوث القادمة حول هذا النوع من الشرك الذي هو أضعف أنواعه. وإذا تبيّنت هذه الدوافع واتّضحت لنا كيفية انتقاد القرآن الكريم لها يلزم أن نلتفت إلى ما يذكره أغلب كتّاب الوهابيين وموَلّفيهم في كتبهم.

5 ـ تفسير التوحيد الاِلوهي والرُّبوبي:

لم يزل موَلّفوا الوهابية يعترفون بنوعين من التوحيد ويسمّون النوع الاَوّل من التوحيد بـ «التوحيد الربوبي» ويسمّون النوع الآخر بـ «التوحيد الاِلوهي» ثم يذكرون أنّ التوحيد الربوبي، والاعتقاد بوحدانية الخالق لايكفي بمجرده في التوحيد الذي بعث الاَنبياء والرسول الاَعظم خاصة من أجل إقراره ونشره في المجتمع الاِنساني، بل يجب ـ علاوة على التوحيد الربوبي ـ أن يفرد اللّه بالعبادة ولايشرك به أحد، لاَنّ مشركي العرب مع أنّهم كانوا يوحّدون خالق الكون ويعتقدون بأنّه واحد لا أكثر فأنّ القرآن كان يعتبرهم مشركين إذ يقول:

(وَما يُُوَْمِنُ أكْثَرُهُمْ باللّه إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِكُون) (يوسف ـ 106) (1).


(1)«فتح المجيد» تأليف الشيخ عبدالرحمان بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب المتوفى عام (1285هـ): ص12 و20 وهذا يدرّس الآن في المناهج الدراسية عندهم، ويوَكدون على هذين النوعين من التوحيد ثم يتهمون المسلمين بأنّهم موحّدون ربوبياً لا إلوهياً.

وقد عرفت في ما مضى أنّ تسمية التوحيد في الخالقية بالتوحيد الربوبي، وتسمية التوحيد في العبادة بالتوحيد الاِلوهي خطأ من حيث اللغة ومصطلح القرآن.

(38)

ولا كلام في هذا المطلب وليس من المسلمين أحد يتحلّى بالواقعية ينكر عدم كفاية التوحيد الربوبي وحده، بل للتوحيد ـ كما أسلفنا ـ مراحل أربع وإن اقتصر الوهابيون على مرحلتين منها ونسوا أو تناسوا المرحلتين الاَُخريين.

غير أنّ الجدير بالذكر هو: أنّه لايختلف أحد مع هوَلاء في هذه المسألة الكلية، فالجميع متّفقون على وجوب الاجتناب عن عبادة غير اللّه، ولكن المهم هو أنّ الوهابيين يتصوّرون أنّ تعظيم الاَنبياء، وأولياء اللّه ـ مثلاً ـ عبادة، في حين أنّ بين التعظيم والعبادة ـ في نظر الآخرين ـ بوناً شاسعاً وفرقاً كبيراً جداً.

وبعبارة أُخرى: ليس بين المسلمين خلاف في هذا الاَصل الكلّي، وهو عدم جواز عبادة غير اللّه أبداً، وإنّما الخلاف هو في نظر الفرقة الوهابية إلى بعض الاَعمال ـ كالزيارة مثلاً عند بعضهم ـ حيث اعتبرتها عبادة، في حين لاتكون هذه الاَعمال عبادة ـ في نظر الآخرين ـ .

وبصيغة علمية لابد أن نقول: ليس الخلاف في الكلّي وإنّما الخلاف هو في تعيين المصداق.

ولاَجل حل هذه المشكلة لابد ـ أوّلاً ـ من التعرّف على المفهوم الواقعي للعبادة لنميّز في ضوء ذلك: العبادة عن غيرها.

وهكذا أيضاً يمكن الوقوف على حقيقة الحال في غير موضوع الزيارة من الاَُمور التي يعدها الوهابيون من العبادة كالتوسل بأولياء اللّه، وطلب الحاجة منهم في حين يخالفهم المسلمون في ذلك، فيجوّزون هذه التوسلات، ويعتبرونها نوعاً من الاَخذ والتمسك بالاَسباب، الذي ورد في الشرع الشريف.


(39)

6 ـ هل العبادة هي مطلق الخضوع أو التكريم؟

لاَئمة اللغة العربية في المعاجم تعاريف متقاربة للفظة العبادة، فهم يفسّرون العبادة بأنّها «الخضوع والتذلّل» وإليك فيما يلي نص أقوالهم:

1 ـ يقول ابـن منظور في «لسـان العرب»: «أصل العبــودية: الخضـوع والتذلّل».

2 ـ ويقول الراغب في «المفردات»:

«العبودية: إظهار التذلّل، والعبادة أبلغ منها، لاَنّها غاية التذلّل، ولايستحق إلاّ من له غاية الاِفضال، وهو اللّه تعالى، ولهذا قال: (ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاه).

3 ـ وفي «القاموس المحيط» للفيروز آبادي: «العبادة: الطاعة».

4 ـ وقال ابن فارس في «المقاييس»:

«العبد له أصلان كأنهما متضادان، والاَوّل من ذينك الاَصلين يدلّ على لين وذل، والآخر على شدّة وغلظ». ثم أتى بموارد المعنى الاَوّل وقال: من الباب الاَول: البعير المعبد أي المهنوء بالقطران، وهذا أيضاً يدل على ما قلناه لاَنّ ذلك يذلّه ويخفض منه.

والمعبد: الذلول، يوصف به البعير أيضاً.

ومن الباب الثاني: الطريق المعبّد، وهو المسلوك المذلّل.


(40)

7 ـ ليس مطلق الخضوع عبادة:

بيد أنّ العبادة وإن فسّـروها بالطاعة والخضوع والتذلّل أو إظهار نهاية التذلّل، لكن جميع هذه التعاريف ما هي إلاّ نوع من التعريف بالمعنى الاَعم، لاَنّ الطاعة والخضوع وإظهار التذلّل ليست ـ على وجه الاِطلاق ـ عبادة، لاَنّ خضوع الولد أمام والده، والتلميذ أمام أُستاذه، والجندي أمام قائده لايعدّ عبادة مطلقاً مهما بالغوا في الخضوع والتذلّل، وتدلّ الآيات ـ بوضوح ـ على أنّ غاية الخضوع والتذلّل، فضلاً عن كون مطلق الخضوع، ليست عبادة، ودونك تلك الآيات:

1 ـ سجود الملائكة لآدم الذي هو من أعلى مظاهر الخضوع حيث قال سبحانه:

(وإذْ قُلنا للملائِكةِ اسْجُدُوا لآدَمْ) (البقرة ـ 34)

فالآية تدل على أنّ آدم وقع مسجوداً للملائكة، ولم يحسب سجودهم له شركاً وعبادة لغير اللّه، ولم تعد الملائكة بذلك العمل مشركة، ولم يجعلوا بعملهم ندّاً للّه وشريكاً في المعبودية، بل كان عملهم تعظيماً لآدم وتكريماً لشأنّه.

وهذا هو نفسه خير دليل على أنّه ليس كل تعظيم أمام غير اللّه عبادة له، وأنّ جملة: (اسجدوا لآدم) وإن كانت متّحدة مع جملة: (اسجدوا للّه) إلاّ أنّ الاَول لايعدّ أمراً بعبادة غيره سبحانه ويعد الثاني أمراً بعبادة اللّه (1)

ويمكن أن يتصوّر ـ في هذا المقام ـ أنّ معنى السجود لآدم ـ في هذه الآية ـ هو الخضوع له لا السجود بمعناه الحقيقي والمتعارف، ومعلوم أنّ مطلق الخضوع ليس عبادة بل «غاية الخضوع» التي هي السجود، هي التي تكون عبادة. أو يمكن


(1)وهذا يدل على أنّ الاعتبار إنّما هو بالنيات والضمائر لا بالصور والظواهر.

(41)

أنّ يتصوّر أنّ المقصود بالسجود لآدم هو جعله «قبلة» لا السجود له سجوداً حقيقياً.

ولكن كلا التصورين باطلان.

أمّا الاَوّل فلاَنّ تفسير السجود في الآية بالخضوع خلاف الظاهر، والمتفاهم العرفي إذ المتبادر من هذه الكلمة ـ في اللغة والعرف ـ هو الهيئة السجودية المتعارفة لا الخضوع، كما أنّ التصوّر الثاني هو أيضاً باطل، لاَنّه تأويل بلا مصدر ولا دليل.

هذا مضافاً إلى أنّ آدم ـ عليه السلام ـ لو كان قبلة للملائكة لما كان ثمة مجال لاعتراض الشيطان إذ قال:

(ءَأَسجد لِمَنْ خَلَقْتَ طيناً) (الاِسراء ـ 61).

لاَنّه لا يلـزم ـ أبداً ـ أن تكـون القبلة أفضل من الساجد ليكون أي مجال لاعتراضه، بل اللازم هو: كون المسجود له أفضل من الساجد في حين أنّ آدم لم يكن أفضل في نظر الشيطان، وهذا ممّا يدل على أنّ السجود كان لآدم لا أن يكون آدم قبلة.

يقول الجصاص: ومن الناس من يقول: إنّ السجود كان للّه وآدم بمنزلة القبلة لهم وليس هذا بشيء لاَنّه يوجب أن لا يكون في ذلك حظ التفضيل والتكرمة، وظاهر ذلك يقتضي أن يكون آدم مفضّلاً مكرّماً، ويدل على أنّ الاَمر بالسجود قد كان أراد به تكرمة آدم ـ عليه السلام ـ وتفضيله، قول إبليس فيما حكى اللّه عنه:

(ءَأَسجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قالَ أرَاَيْتَكَ هذا الّذي كَرَّمْتَ عَليَّ) (الاِسراء ـ 61 ـ 62).

فأخبر إبليس أنّ امتناعه من السجود لاَجل ما كان من تفضيل اللّه وتكرمته بأمره إيّاه بالسجود له ولو كان الاَمر بالسجود له على أنّه نصب قبلة للساجدين


(42)

من غير تكرمة له ولا فضيله لما كان لآدم في ذلك حظ ولافضيلة تُحسَد كالكعبة المنصوبة للقبلة (1)

وعلى هذا فمفهوم الآية هو أنّ الملائكة سجدوا لآدم بأمر اللّه سجوداً واقعياً، وأنّ آدم أصبح مسجوداً للملائكة بأمر اللّه، وهنا أظهر الملائكة من أنفسهم غاية الخضوع أمام آدم، ولكنّهم ـ مع ذلك ـ لم يكونوا ليعبدوه.

وأمّا ربّما يتصوّر من أنّ سجود الملائكة لما كان بأمره سبحانه صح سجودهم له، إنّما الكلام في الخضوع الذي لم يرد به أمر ، فسيوافيك الجواب عن هذا الاحتمال الذي يردّده كثير من الوهابيين في المقام.

2 ـ إنّ القرآن يصرّح بأنّ أبوي يوسف وإخوته سجدوا له حيث قال:

(وَرَفَعَأبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ ياأبَتِ هذا تَأويلُ رُوَْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبّي حَقّاً) (يوسف ـ 100).

وروَياه التي يشير إليها القرآن في هذه الآية هو ما جاء في مطلع السورة:

(إنّي رَأيتُ أحَدَ عَشَـرَ كَوْكَباً وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ رَأيْتُهُمْ لي ساجِدِينَ) (يوسف ـ 4).

وقد تحقّقت هذه الروَيا بعد سنوات طويلة في سجود إخوة يوسف وأبويه له، وعبّـر القرآن ـ في كل هذه الموارد ـ بلفظ السجود ليوسف.

ومن هذا البيان يستفاد ـ جلياً ـ أنّ مجرد السجود لاَحد بما هو مع قطع النظر عن الضمائم والدوافع ليس عبادة، والسجود كما نعلم هو غاية الخضوع والتذلّل.

ثم إنّ بعض من يفسّـر العبادة بمطلق الخضوع يجيب عن الاستدلال بهذه الآيات بأنّ السجود لآدم أو ليوسف، حيث كان بأمر اللّه سبحانه فبذلك خرج عن كونه شركاً. وسنرجع إلى هذا البحث تحت عنوان «هل الاَمر الاِلهي يجعل


(1)أحكام القرآن: 1|302.

(43)

الشرك غير شرك؟» فلاحظ.

3 ـ يأمر اللّه تعالى بالخضوع أمام الوالدين وخفض الجناح لهم، الذي هو كناية عن الخضوع الشديد يقول:

(وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (الاِسراء ـ 24).

ومع ذلك لايكون هذا الخفض: عبادة.

4 ـ إنّ جميع المسلمين يطوفون ـ في مناسك الحج ـ بالبيت الذي لا يكون إلاّ حجراً وطيناً، ويسعون بين الصفا والمروة وقد أمر القرآن الكريم بذلك حيث قال:

(وَلْيَطَّوَّفُوا بالبيتِ العَتيق) (الحج ـ 29).

(إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ البيتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) (البقرة ـ 158)

فهل ترى يكون الطواف بالتراب والحجر والجبل عبادة لهذه الاَشياء؟

ولو كان مطلق الخضوع عبادة لزم أن تكون جميع هذه الاَعمال ضرباً من الشرك المجاز المسموح به، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.

إنّ المسلمين كلّهم يستلمون الحجر الاَسود ـ في الحج ـ واستلام الحجر الاَسود من مستحبات الحج، وهذا العمل يشبه من حيث الصورة (لا من حيث الواقعية) أعمال المشركين تجاه أصنامهم في حين أنّ هذا العمل يعدّ في صورة شركاً، وفي أُخرى لايعد شركاً بل يكون معدوداً من أعمال الموحدين الموَمنين وهذا يوَيد ما ذكرناه آنفاً من أنّ الملاك هو النيات والضمائر لا الصور والظواهر وإلاّ فهذه الاَعمال بصورها الظاهرية لاتفترق عن أعمال الوثنين.

5 ـ إنّ القرآن الكريم يأمر بأن نتخذ من مقام إبراهيم مصلّى عندما يقول:

(وَاتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبراهيم مُصَلّى) (البقرة ـ 125).

ولاريب في أنّ الصلاة إنّما هي للّه، ولكن إقامتها في مقام إبراهيم الذي يرى


(44)

فيه أثرقدميه أيضاً نوع من التكريم لذلك النبي العظيم ولايتصف هذا العمل بصفة العبادة مطلقاً.

6 ـ إنّ شعار المسلم الواقعي هو التذلّل للموَمن والتعزّز على الكافر كما يقول سبحانه:

(فَسَوْفَ يَأتي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُوَْمِنينَ أعِزَّةٍ عَلَى الكافِرين) (المائدة ـ 54).

إنّ مجموع هذه الآيات من جانب ومناسك الحج وأعماله من جانب آخر تدل على أن مطلق الخضوع والتذلّل، أو التكريم والاحترام ليس عبادة، وإذا ما رأينا أئمة اللغة فسّـروا العبادة بأنّها الخضوع والتذلّل كان هذا من التفسير بالمعنى الاَوسع، أي أنهم أطلقوا اللفظة وأرادوا بها المعنى الاَعم، في حين أنّ العبادة ليست إلاّ نوعاً خاصاً من الخضوع سنذكره عمّـا قريب.

ومن هذا البيان يمكن أيضاً أن نستنتج أنّ تكريم أحد واحترامه ليست ـ بالمرة ـ عبادة، لاَنّه في غير هذه الصورة يلزم أن نعتبر جميع البشر حتى الاَنبياء مشركين، لاَنّهم أيضاً كانوا يحترمون من يجب احترامه.

وقد أشار المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء (وهو أول من أدرك ـ في عصره ـ عقائد الوهابية وأخضعها للتحليل) أشار إلى ما ذكرنا إذ قال:

«لاريب أنّه لا يراد بالعبادة التي لاتكون إلاّ للّه، ومن أتى بها لغير اللّه فقد كفر، مطلق الخضوع والانقياد كما يظهر من كلام أهل اللغة، وإلاّ لَزم كفر العبيد والاُجراء وجميع الخدّام للاَُمراء، بل كفر الاَنبياء في خضوعهم للآباء» (1)


(1)راجع منهج الرشاد: 24 (ط 1343هـ) تأليف الشيخ الاَكبر المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى عام (1228هـ). وقد ألّف المرحوم هذا الكتاب في معرض الاِجابة على رسالة من أحد أُمراء السعودية الذين كانوا من مروّجي الوهابية منذ أول يوم إلى زماننا هذا.

(45)

8 ـ تميز المعنى الحقيقي عن المجازيّ:

نعم ربما تستعمل لفظة العبادة وما يشتق منها في موارد في العرف واللغة ولكن استعمال لفظ في معنى ليس دليلاً على كونه مصداقاً حقيقيّاً لمعنى اللفظ، بل قد يكون من باب تشبيه المورد بالمعنى الحقيقي لوجود مناسبة بينهما وإليك هذه الموارد:

1 ـ العاشق الولهان الذي يظهر غاية الخضوع أمام معشوقته، ويفقد تجاه طلباتها عنان الصبر ومع ذلك لايسمّى مثل هذا الخضوع «عبادة» وإن قيل في حقه مجازاً إنّه (يعبد المرأة).

2 ـ الاَشخاص الذين يأسرهم الهوى فيفلت من أيديهم ـ تحت نداءات النفس الاَمّارة ـ زمام الاختيار لايمكن اعتبارهم عبدة واقعيين للهوى، ولا عدّهم مشركين، كمن يعبد الوثن ولو قيل في شأنه إنّه (يعبد هواه) فأن ذلك نوع من التشبيه وضرب من التجوز.

فها هو القرآن يسمّي الهوى إلهاً ويلازم ذلك كون الخضوع للهوى:عبادة له لكن مجازاً إذ يقول:

(أَرَأيْتَ مَنِ اتَّـخَذَ إلههُ هَواهُ أَفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكيلا) (الفرقان ـ 43)

فكما أنّ إطلاق اسم الاِله على الهوى نوع من التجوّز فكذا إطلاق العبادة على متابعة الهوى هو أيضاً ضرب من المجاز.

3 ـ هناك فريق من الناس يضحّون بكل شيء في سبيل الحصول على جاه ومنصب حتى ليقول الناس في حقّهم إنّهم يعبدون الجاه والمنصب، ولكنّهم في نفس الوقت لايُعدّون عبدة حقيقيين للجاه، ولايصيرون بذلك مشركين.


(46)

4 ـ إنّ المتوغلين في العنصرية ـ كبني إسرائيل ـ وفي الاَنانية، الذين لايهمّهم إلاّ المأكل والمشرب رغم أنّهم يطلق عليهم بأنّهم عباد العنصر والنفس والشيطان، ولكن الوجدان يقضي بأنّ عملهم لايكون عبادة ... وانّ إتباع الشيطان شيء وعبادته شيء آخر.

وإذا ما رأينا القرآن يسمّي طاعة الشيطان «عبادة» فذلك ضرب من التشبيه، والهدف منه هو بيان قوة النفرة وشدة الاستنكار لهذا العمل، إذ يقول:

(أَلـَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يابَني آدَمَ أن لاتَعْبُدُوا الشّيطانَ إنّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ *وَأنِ اعْبُدوني هذا صِراطٌ مُسْتَقيم) (يس: 60 ـ 61).

ومثل هذه الآية، الآيتان التاليتان:

1 ـ (يا أبَتِ لاتَعْبُدِ الشَّيطانَ إنَّ الشّيطانَ كانَ لِلرَحْمنِ عَصِيّا) (مريم ـ 44).

2 ـ (أنُوَْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدونَ) (الموَمنون ـ 47)

لاشك في أنّ بني اسرإئيل ماكانوا يعبدون فرعون وملاَه غير أنّ استذلالهم لما بلغ إلى حد شديد صح أن يطلق عليه عنوان العبادة على نحو المجاز.

والقرآن وإن أطلق على هذه الموارد عنوان العبادة لكن لابمعنى أنّه جعلهم في عداد المشركين. فلا يمكن التصديق بأنّ كل خضوع وطاعة وكل تكريم واحترام «عبادة» وعند ذاك يستكشف أنّ استعمالها في هاتيك الموارد بعناية خاصة، وعلاقة مجازية.

وبعبارة أُخرى أنّ عُبّاد الهوى والنفس والجاه و... وإن كانوا يعتبرون مذنبين، تنتظرهم أشد العقوبات إلاّ أنّه لا يكونون في عداد المشركين في العبادة الذين لهم أحكام خاصة في الفقه الاِسلامي.


(47)

كيف لا، ونحن نقرأ في الحديث الشريف:

«من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يوَدي عن اللّه عزّ وجلّ فقد عبد اللّه وإن كان الناطق يوَدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان» (1)

فالناس يستمعون اليوم إلى وسائل الاِعلام ويصغون إلى أحاديث المتحدّثين والمذيعين من الراديو والتلفزيون، وأكثر أُولئك المتحدّثين ينطقون عن غير اللّه، فهل يمكن لنا أن نصف كل من يستمع إلى تلك الاَحاديث بأنهم عبدة لاَُولئك المتحدثين؟!

بل الصحيح هو أن نعتبر استعمال لفظ العبادة في مثل هذه الموارد نوعاً من التجوّز، لاَجل وجود المناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي.

فلطالما يتردّد في لسان العرف بأنّ فلاناً (عبد البطن) أو (عبد الشهوة) فهل يكون هوَلاء ـ حقاً ـ عبدة البطن والشهوة، أو لاَنّ الخضوع المطلق تجاه نداءات الشهوات النفسانية حيث كان شبيهاً بالخضوع المطلق الذي يمثله الموحدون أمام خالق الكون، أطلق عنوان العبادة على هذه الموارد.

9 ـ هل الاَمر الاِلهي يجعل الشرك غير شرك؟

ربما يقال: إنّ سجود الملائكة لآدم، واستلام الحجر الاَسود، وماشابههما من الاَعمال لما كان بأمر اللّه، لايكون شركاً، ولايعد فاعلها مشركاً (2)

وبعبارة أُخرى أنّ حقيقية العبادة وإن كانت الخضوع والاحترام، ولكن لمّا كانت تلك الاَعمال مأتياً بها بأمره سبحانه تعد عبادة للآمر لا لسواه.


(1) الكليني: الكافي: الجزء 7|434. سفينة البحار ج2 مادة «عبد».

(2)القائل هو الشيخ عبدالعزيز إمام المسجد النبوي في محاورته مع بعض الاَفاضل.

(48)

ولكن القائل ومن تبعه يغفلون عن نقطة مهمة جداً وهي:

إنّ تعلّق الحكم بموضوع لايغيّـر ـ بتاتاً ـ حقيقة ذلك الموضوع، ولا يوجب تعلّق الاَمر الاِلهي به تبدّل ماهيته.

إنّ العقل السليم يقضي بأن سبّ أحد وشتمه إهانة له ـ طبعاً ـ وذلك شيء تقتضيه طبيعة السباب والفحش والشتم، فإذا أوجب اللّه سب أحد وشتمه ـ فرضاً ـ فأنّ أمر اللّه لايغير ماهية السبب والشتم ـ أبداً ـ .

كما أنّ الضيافة وإقراء الضيف بطبيعتهما تكريم للوافد، واحترام للضيف، فإذا حرمت ضيافة شخص لم تتبدّل ماهية العمل، أعني الضيافة التي كانت بطبيعتها احتراماً، لتصير إهانة في صورة تحريمها، بل تبقى ماهية الضيافة على ما كانت عليه ولو تعلّق بها تحريم فإذا عدّت أعمال ـ كالسجود واستلام الحجر الاَسود وماشابههما ـ عبادة ذاتاً فإنّ الاَمر الاِلهي لا يغير ماهيتها، فلا تخرج من حال كونها عبادة لآدم أو يوسف أو الحجر، وما يقوله القائل من أنّها عبادة ذاتاً وطبيعةً، ولكن حيث تعلّق بها الاَمر الاِلهي خرجت عن الشرك، يستلزم أن تكون هذه الاَعمال من الشرك المجاز، وتخصيصاً في حكمه وهو لا يقبل التخصيص.

والخلاصة أنّ المسألة تدور مدار إمّا أن نعتبر هذه الاَعمال خارجة ـ بطبيعتها عن مفهوم الشرك، أو أن نقول إنّها من مصاديق الشرك في العبادة ولكنّها شرك أذن اللّه به وأجازه!!!

والقول الثاني على درجة من البطلان بحيث لايمكن أن يحتمله أحد فضلاً عن الذهاب إليه، وسيوافيك أنّ بعض الاَعمال يمكن أن تكون باعتبارٍ تعظيماً وتواضعاً، وباعتبارٍ آخر شركاً، فلو كانت الملائكة ـ مثلاً ـ تسجد لآدم باعتقاد أنّه إله كان عملهم شركاً قطعاً وإن أمر اللّه به ـ على وجه الافتراض ـ وأمّا إذا كانت تسجد بغير هذا الاعتقاد لم يكن فعلها شركاً حتى لو لم يأمر به المولى جلّ شأنه.


(49)

لقد كان الشيخ عبد العزيز إمام المسجد النبوي يحاول توجيه صحة وشرعية هذه الاحترامات بورود الاَمر الاِلهي بشأنها، ويستشهد بما قاله عمر بن الخطاب حول الحجر الاَسود إذ قال ـ ما مضمونه ـ: «إنّي أعلم أنّك حجر لاتنفع ولاتضر ولولا أنّي رأيت النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم يقبّلك لما قبّلتك» (1)

ولكنّه كان غافلاً عن: إنّ مفاد كلامه هو أن تكون هذه الاَفعال من الشرك المجاز في هذه الحالة، وبالتالي أن يأمر اللّه بالفحشاء ولو مرّة واحدة.

ونلفت نظر الشيخ إلى الآية الكريمة:

(قُل إنّ اللّهَ لا يَأمُرُ بِالفَحشاءِ أتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون)؟ (الاَعراف ـ 28).

فلو كانت ماهية السجود لآدم ـ عليه السلام ـ واستلام الحجر الاَسود عبادة لآدم والحجر وشركاً، لما كان اللّه سبحانه، يأمر بها ـ أبداً ـ .

10 ـ معنى الاِلوهية والربُوبية:

وأمّا الاِلوهية فلا نظن أنّ القارىَ الكريم يحتاج في فهم معنى: «إله» إلى التعريف، فإنّ لفظي: «إله» و «اللّه» من باب واحد فما هو المتفاهم من الثاني أي «اللّه» هو المتفاهم من الاَوّل أي «إله». وإن كانا يختلفان في المفهوم اختلاف الكلّـي والفرد.

غير أنّ لفظ الجلالة علم لفرد من ذاك الكلّـي ولمصداق منه، دون الـ «إله» فهو باق على كلّيته وإن لم يوجد عند الموحّدين مصداق له بل انحصر فيه. فكما أنّه لايحتاج في الوقوف على معنى لفظ الجلالة إلى التعريف فلفظة «إله» مثله


(1)صحيح البخاري: 3|149، كتاب الحج، طبعة عثمان خليفة.

(50)

أيضاً، إذ ليس ثمة من فارق بين اللفظتين إلاّ فارق الجزئية والكلّية، فهما على وجه كزيد وإنسان، بل أولى منهما لاختلاف الاَخيرين (زيد وإنسان) في مادة اللفظ بخلاف «إله» و «اللّه» فهما متحدان في تلك الجهة، وليس لفظ الجلالة إلاّ نفس إله حذفت همزته وأُضيفت إليه «الاَلف واللام» فقط، وذلك لا يخرجه عن الاتحاد، لفظاً ومعنى.

وإن شئت قلت: إنّ هاهنا اسماً عاماً وهو «إله» ويجمع على «آلهة» واسماً خاصاً وهو «اللّه» ولايجمع أبداً. ويرادفه في الفارسية «خدا» وفي التركية «تاري» وفي الانگليزية «گاد». غير أنّ الاسم العام والخاص في اللغة الفارسية واحد وهو «خدا» ويعلم المراد منه بالقرينة، غير أنّ «خداوند» لايطلق إلاّ على الاسم الخاص. وأمّا «گاد» في اللغة الانجليزية فكلّما أُريد منه الاسم العام كتب على صورة « حرخ » وأمّا إذا أُريد الاسم الخاص فيأتي على صورة « حراً » وبذلك يشخّص المراد منه.

ولعل اختصاص هذا الاسم (اللّه) بخالق الكون كان بهذا النحو: وهو أنّ العرب عندما كانت في محاوراتها تريد أن تتحدث عن الخالق كانت تشير إليه بـ «الاِله» أي الخالق، والاَلف واللام المضافتان إلى هذه الكلمة كانتا لاَجل الاِشارة الذهنية (أي الاِشارة إلى المعهود الذهني)، يعني ذاك الاِله الذي تعهده في ذهنك وهو ما يسمّى في النحو بلام العهد، ثم أصبحت كلمة «الاِله» مختصة في محاورات العرب بخالق الكون ومع مرور الزمن انمحت الهمزة الكائنة بين اللامين وسقطت من الاَلسن وتطوّرت الكلمة من «الاِله» إلى «اللّه» التي ظهرت في صورة كلمة جديدة واسم خاص بخالق الكون تعالى وعلماً له سبحانه (1)

وإلى ما ذكرنا يشير العلامة الزمخشري في «كشّافه»:


(1)في هذا الصدد نظريات أُخرى أيضاً راجع لمعرفتها تاج العروس: 9|مادة «إله».

(51)

[«اللّه» أصله: «الاِله»، قال الشاعر:

معاذ الاِله أن تكون كظبية * ولا دمية ولا عقيلة ربرب (1)

ونظيره: الناس أصله: الاناس، فحذفت الهمزة، وعوض عنها حرف التعريف،

ولذلك قيل في النداء: ياللّه ،بالقطع، كما يقال: ياإله، والاِله من أسماء الاَجناس كرجل وفرس] (2).

وينقل العلامة الطبرسي في «تفسيره» عن سيبويه أنّ «اللّه» أصله «إله» على وزن فعال فحذفت فاء فعله، وهي الهمزة، وجعلت الاَلف واللام عوضاً لازماً عنها، بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلة على لام التعريف في القسم والنداء في قوله: يااللّه اغفر لي، ولو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل كما لم تثبت في غير هذا الاسم (3)

وقال الراغب في «مفرداته»: «اللّه أصله إله فحذفت همزته وأدخل عليه الاَلف واللام،فخصّ بالباري ولتخصّصه به قال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)»(4)

وعلى ذلك فلا نحتاج في تفسير «إله» إلى شيء وراء تصوّر أنّ هذا اللفظ كلّـي، لما وضع عليه لفظ الجلالة. وبما أنّ هذا اللفظ من أوضح المفاهيم، وأظهرها فلا نحتاج في انفهام اللفظ الموضوع الكلّـي إلى شيء أبداً. نعم أنّ لفظ الجلالة وإن كان علماً للذات المستجمعة صفات الكمال، أو الخالق للاَشياء، إلاّ أنّ كون الذات مستجمعة لصفات الكمال، أو خالقاً للاَشياء، ليس من مقوّمات معنى الاِله، بل من الخصوصيات الفردية التي بها يمتاز الفرد عمّن سواه من


(1)استعاذ الشاعر باللّه من تشبيه حبيبته بالظبية أو الدمية، والربرب هو السرب من الوحش.

(2)الكشاف: 1|30 ، تفسير البسملة.

(3)مجمع البيان: 1|19، طبعة صيدا.

(4)مفردات الراغب: 31، مادة إله.

(52)

الاَفراد، وأمّا الجامع بينه وبين سائر الاَفراد، أو التي ربما تفرض (لا المحقّقة) فهو أمر سواه سنشير إليه.

ويوَيد وحدة مفهومهما، بالذات، مضافاً إلى ما ذكرناه من وحدة مادتهما: أنّه ربما يستعمل لفظ الجلالة مكان الاِله (1)أي على وجه الكلّية والوصفية، دون العلمية فيصح وضع أحدهما مكان الآخر، كما في قوله سبحانه:

(وَهُوَ اللّهُ في السَّماواتِ وَفي الاَرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ماتَكْسِبون) (الاَنعام ـ 3).

فإنّ وزان هذه الآية وزان قوله سبحانه:

(وَهُوَ الّذي في السَّماءِ إلهٌ وَفي الاَرْضِ إلهٌ وهُوَ الحَكِيمُ العَليم) (الزخرف ـ 84).

(وَلاتَقُولوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إنَّما اللّهُ إلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) (النساء ـ 171).

(هُوَ اللّهُ الَّذي لا إلهَ إلاّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُوَْمِنُ المُهيمِنُ العَزيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْركُون)

(هُوَ اللّهُ الخالِقُ البارىَُ المُصَوّرُ لَهُ الاَسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السّمواتِ وَالاَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم) (الحشر: 23 ـ 24).

ولايخفى أنّ لفظة الجلالة في هذه الموارد وما يشابهها يراد منه مايرادف الاِله على وجه الكلية، (أي مامعناه أنّه هو الاِله الذي يتصف بكذا وكذا).

ويقرب من الآية الاَُولى قوله سبحانه:

(قُلِ ادْعُوا اللّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحمنَ أيّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الاََسْماءُ الحُسْنى) (الاِسراء ـ 110)


(1)استعمالاً مجازياً مثل قول القائل: هذا حاتم قومه ويونس أبنائه.

(53)

فإنّ جعل لفظ الجلالة في عداد سائر الاَسماء والاَمر بدعوة أيّ منها، ربما يشعر بخلوّه عن معنى العلمية، وتضمّنه معنى الوصفية الموجودة في لفظ: «الاِله» وغيره، ومثله قوله سبحانه:

(هُوَ اللّهُ الخالِقُ البارِىَُ المُصَوِّرُ لَهُ الاََسْماءُ الحُسْنى) (الحشر ـ 24)

فلا يبعد في هاتين الآيتين أن يكون لفظ الجلالة ملحوظاً على وجه الكلّية لا العلمية الجزئية، كما هو الظاهر لمن أمعن فيها.

نعم، ربما يقال من أنّ لفظ الجلالة من إله بمعنى عبد، أو من إله بمعنى تحيّر، لاَجل أنّ العبد إذا تفكّر فيه تحيّر، أو من إله معنى فزع لاَنّ الخلق يفزعون إليه في حوائجهم، أو من إله بمعنى سكن لاَنّ الخلق يسكنون إلى ذكره.

أو أنّه متّخذ من لاه بمعنى احتجب لاَنّه تعالى المحتجب عن الاَوهام، أو غير ذلك ممّا ذكروه (1) ولكن ذلك مجرد احتمالات غير مدعمة بالدليل، وعلى فرض صحتها، أو صحة بعضها فلا تدل على أكثر من ملاحظة تلك المناسبات يوم وضع وأُطلق لفظ الجلالة أو لفظ الاِله عليه سبحانه، وأمّا بقاء تلك المناسبات إلى زمان نزول القرآن، وأنّ استعمال القرآن لهما كان برعاية هذه المناسبات فأمر لا دليل عليه مطلقاً.

والظاهر أنّ هذه المعاني من لوازم معنى الاِله وآثاره، فإنّ من اتّخذ أحداً إلهاً لنفسه فإنّه يعبده قهراً، ويفزع إليه عند الشدائد، ويسكن قلبه عند ذكره، إلى غير ذلك من اللوازم والآثار التي تستلزمها صفة الاِلوهية، ولو لاحظ القارىَ الكريم الآيات التي ورد فيها لفظ الاِله، وما احتفّ بها من القرائن لوجد أنّه لايتبادر من الاِله غير ما يتبادر من لفظ الجلالة، سوى كون الاَوّل كلّياً والثاني جزئياً.


(1)راجع مجمع البيان: 9|19.

(54)

هل الاِله بمعنى المعبود؟

نعم يظهر من كثير من المفسّـرين بأنّ إله بمعنى عبد، ويستشهدون بقراءة شاذة في قوله سبحانه:

(لِيُفْسِدُوا في الاَرْضِ وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ) (الاَعراف ـ 127).

حيث قرىَ والاهتك، أي عبادتك.

ولعل منشأ هذا التصوّر هو كون الاِله الحقيقي، أو الآلهة المصطنعة موضعاً للعبـادة ـ دائماً ـ لـدى جميع الاَُمم والشعوب، ولاَجل ذلك فسّـرت لفظة «الاِله» بالمعبود، وإلاّ فإنّ المعبودية هي لازم الاِله وليست معناه البدئي.

والذي يدل ـ بوضوح ـ على أنّ الاِلـه ليس بمعنـى المعبـود هـو: كلمة الاِخلاص: «لا إله إلاّ اللّه» إذ لو كان المقصود من الاِله «المعبود» لكانت هذه الجملة كذباً صريحاً، لاَنّ من البديهي وجود آلاف المعبودات في هذه الدنيا، غير اللّه، ومع ذلك فكيف يمكن نفي أي معبود سوى اللّه؟

ولاَجل ذلك اضطر القائل بأنّ الاِله بمعنى المعبود أن يقدّر كلمة «بحق» بعد إله لتكون الجملة هكذا: «لا إله [بحقج إلاّ اللّه» ليتخلّص من هذا الاِشكال، ولكن لايخفى أنّ تقدير كلمة «بحق» هنا خلاف الظاهر، وانّ هدف كلمة الاِخلاص هو نفي أي إله في الكون سوى اللّه، وانّه ليس لهذا المفهوم (أي الاِله) مصداق بتاتاً سواه سبحانه، وهذا لايجتمع مع القول بأنّ «الاِله» بمعنى «المعبود»، لوجود المعبودات الاَُخرى في العالم وإن كانت مصطنعة.

وأمّا جمعه على الآلهة فليس على أساس انّه بمعنى المعبود، بل لاَجل اعتقاد العرب بأنّ هاهنا آلهة غير اللّه سبحانه، قال تعالى:

(أم لَهُم آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) (الاَنبياء ـ 43).


(55)

وإن شئت ان تفرغ ما نفهمه من لفظ الاِله في قالب التعريف فارجع إلى الاَُمور التي تعد عند الناس من شوَون الربوبية ولوازمها فالقائم بتلك الشوَون ـ كلّها أو بعضها ـ هو: الاِله، فالخلق والتدبير والاِحياء والاِماتة والتقنين والتشريع والمغفرة والشفاعة بالاستقلال كلّها من شوَون الربوبية، فالقائم بهذه الشوَون حقيقة أو تصوّراً: إله، واقعاً أو عند المتصوّر.

وهنا آيات تدل بوضوح على أنّ الاِله ليس بمعنى المعبود، بل بمعنى المتصرّف المدبّر أو من بيده أزمّة الاَُمور، أو مايقرب من ذلك ممّا يعد فعلاً له تعالى. وإليك بعض هذه الآيات:

1 ـ (لَوْ كانَ فِيهِما آلهةً إلاّ اللّهُ لَفَسَدَتَا) (الاَنبياء ـ 22).

فانّ البرهان على نفي تعدّد الآلهة لايتم إلاّ إذا جعلنا «الاِله» في الآية بمعنى المتصرّف المدبّر أو من بيده أزمّة الاَُمور أو ما يقرب من هذين. ولو جعلنا الاِله بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لبداهة تعدّد المعبودين في هذا العالم، مع عدم الفساد في النظام الكوني، وقد كانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحمة الآلهة، ومركزها مع كون العالم منتظماً، غير فاسد.

وعندئذ يجب على من يجعل «الاِله» بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ (بالحق) أي لو كان فيهما معبودات ـ بالحق ـ لفسدتا ولمّـا كان المعبود بالحق مدبراً ومتصرّفاً لزم من تعدّده فساد النظام وهذا كلّه تكلّف لا مبرر له.

2 ـ (ما اتَّخذَ اللّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلهٍ إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِمَـا خَلَقَ ولَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) (الموَمنون ـ 91).

ويتم هذا البرهان أيضاً لو فسّـرنا الاِله بما ذكرنا من انّه كلّي ما يطلق عليه لفظ الجلالة. وان شئت قلت: إنّه كناية عن الخالق أو المدبّر المتصرّف، أو من


(56)

يقوم بأفعاله وشوَونه. والمناسب في هذا المقام هو الخالق. ويلزم من تعدّده ما رتّب عليه في الآية من ذهاب كل إله بما خلق واعتلاء بعضهم على بعض.

ولو جعلناه بمعنى المعبود لانتقض البرهان، ولايلزم من تعدّده أي اختلال في الكون. وأدل دليل على ذلك هو المشاهدة. فانّ في العالم آلهة متعددة، وقد كان في أطراف الكعبة المشرّفة ثلاثمائة وستون إلهاً ولم يقع أي فساد واختلال في الكون.

فيلزم على من يفسّر (إله) بالمعبود ارتكاب التكلّف بما ذكرناه في الآية المتقدّمة.

3 ـ (قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذاً لآبتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلاً) (الاِسراء ـ 42).

فانّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من بيده أزمّة أُمور الكون أو غير ذلك مّما يرسمه في ذهننا معنى الاِلوهية، وأمّا تعدّد المعبود فلا يلازم ذلك إلاّ بالتكلف الذي أشرنا إليه فيما سبق.

4 ـ (إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنتُمْ لَها وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هوَُلاءِ آلِهةً ما وَرَدُوها) (الاَنبياء ـ 98و99).

والآية تستدل من ورود الاَصنام والاَوثان في النار على كونها غير آلهة إذ لو كانت آلهة ما وردت النار.

والاستدلال إنّما يتم لو فسّـرنا الآلهة بما أشرنا إليه فانّ خالق العالم أو مدبّره والمتصرف فيه أو من فوّض إليه أفعال اللّه أجلّ من أن يحكم عليه بالنار وأن يكون حصب جهنّم.

وهذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود فلايتم البرهان، لاَنّ المفروض أنّها


(57)

كانت معبودات وقد جعلت حصب جهنّم. ولو أمعنت في الآيات التي وردت فيها لفظ الاِله والآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه. وإليك مورداً منها في قوله تعالى:

(فَإلهُكُمْ إلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا وبَشّرِ المُخْبِتِين) (الحج ـ 34).

فلو فسّـر الاِله في الآية بالمعبود لزم الكذب، إذ المفروض تعدّد المعبود في المجتمع البشري، ولاَجل هذا ربما يقيّد الاِله هنا بلفظ «الحق» أي المعبود الحق إله واحد. ولو فسّرناه بالمعنى البسيط الذي له آثار في الكون من التدبير والتصرف وإيصال النفع، ودفع الضر على نحو الاستقلال لصحّ حصر الاِله ـ بهذا المعنى ـ في واحد بلا حاجة إلى تقدير كلمة بيانية محذوفة إذ من المعلوم أنّه لا إله في الحياة البشرية والمجتمع البشري يتصف بهذه الصفات التي ذكرناها.

ولانريد أن نقول: إنّ لفظ الاِله بمعنى الخالق المدبر المحيي المميت الشفيع الغافر، إذ لايتبادر من لفظ الاِله إلاّ المعنى البسيط. بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى وضع له لفظ الاِله. ومعلوم أنّ كون هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى البسيط، غير كونها معنى موضوعاً للّفظ المذكور كما أنّ كونه تعالى ذات سلطة على العالم كلّه أو بعضه سلطة مستقلة غير معتمدة على غيره، وصف مشير إلى المعنى البسيط الذي نتلقاه من لفظ الاِله، لا أنّه نفس معناه.

إلى هنا ـ أيّها القـارىَ الكريم ـ قد وقفت على معنى الاِله، والاِلوهية، وأنّه ليس الاِله بمعنى المعبود، بل المراد منه هو المراد من لفظة «اللّه»لا غير، إلاّ أنّ أحدهما عَلَمُ، والآخر كُلّي.

يبقى أن نقف على معنى الرب والربوبية التي يكثر ورودها في كلمات الوهابيين فنقول:


(58)

معنى الربّ والربوبية:

«الرب، المالك، الخالق، الصاحب. والرب المصلح للشيء يقال: ربَّ فلان ضيعته إذا قام على إصلاحها، والرب: المصلح للشيء، واللّه جل ثناوَه الرب، لاَنّه مصلح أحوال خلقه. والراب، الذي يقوم على أمر الربيب» (1)

ويكتب الفيروزآبادي قائلاً:

«رب كل شيء: مالكه ومستحقه وصاحبه...

ربّ الاَمر: أصلحه» (2)

وجاء في المنجد:

«الرب: المالك، المصلح، السيد» (3)

ومايشابه هذا المعنى في كتب اللغة والقواميس الاَُخرى.

هل للرب معان مختلفة؟

إنّ وظيفة كتب اللغة والقواميس هي ضبط موارد استعمال اللفظة، سواء أكان المستعمل فيه هو الذي وضع عليه اللفظة أم لا، وأمّا تعيين الاَوضاع وتمييز الحقائق عن المجازات فخارج عما ترتئيه كتب اللغة.

وهذا هو نقص ملحوظ ومشهود بوضوح في كتب اللغة ومعاجمها، إذ ما


(1)مقاييس اللغة: 2|381.

(2)قاموس اللغة، مادة «رب».

(3)المنجد، مادة «رب».

(59)

أكثر ما يجد الاِنسان عدّة معاني متباينة ومتمايزة للفظة واحدة حتى أنّه ليتصور ـ في أوّل وهلة ـ أنّ الواضع العربي جعل هذه اللفظة على عشرة معان في عشرة أوضاع؛ ولكن بعد التحقيق والدراسة يتبيّـن أنّه ليس لهذه اللفظة سوى معنى واحد لا غير وأمّا بقية المعاني المذكورة فهي من شعب المعنى الاَصلي.

ومن الصدف أنّ لفظة رب تعاني من هذا المصير حتى أنّ كاتباً كالمودودي تصوّر أنّ لهذه اللفظة خمسة معان ـ في الاَصل ـ وذكر لكل معنى من المعاني الخمسة شواهد من القرآن الكريم.

ولاشك في أنّ لفظة رب استعملت في الكتاب العزيز واللغة في الموارد التالية التي لاتكون إلاّ صورة موسعة ومصاديق متعدّدة لمعنى واحد لا أكثر.

وإليك هذه الموارد والمصاديق:

1 ـ التربية، مثل رب الولد، رباه.

2 ـ الاِصلاح والرعاية مثل رب الضيعة.

3 ـ الحكومـة و السياسـة مثـل فلان قد رب قومه أي ساسهم وجعلهم ينقادون له.

4 ـ المالك كما جاء في الخبر عن النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم أربّ غنم أم ربّ إبل.

5 ـ الصاحب مثل قوله: رب الدار أو كما يقول القرآن الكريم:

(فَلْيَعْبُدوا رَبَّ هذا البَيْت) (قريش ـ 3).

لاريب أنّ هذه اللفظة قد استعملت في هذه الموارد ومايشابهها ولكن جميعهاً يرجع إلى معنى واحد أصيل، وما هذه المعاني سوى مصاديق وصور مختلفة لذلك المعنى الاَصيل، وسوى تطبيقات متنوعة لذلك المفهوم الحقيقي الواحد؛ أعني: من فوّض إليه أمر الشيء المربى من حيث الاِصلاح والتدبير والتربية.


(60)

فإذا قيل لصاحب المزرعة إنّه ربها، فلاَجل أنّ إصلاح أُمور المزرعة مرتبطة به وفي قبضته.

وإذا أطلقنا على سائس القوم، صفة الرب، فلاَنّ أُمور أُولئك القوم مفوّض إليه فهو قائدهم، ومالك تدبيرهم ومنظم شوَونهم.

وإذا أطلقنا على صاحب الدار ومالكه اسم الرب، فلاَنّه فوّض إليه أمر تلك الدار وإدارتها والتصرّف فيها كما يشاء.

فعلى هذا يكون المربي والمصلح والرئيس والمالك والصاحب ومايشابهها مصاديق وصور لمعنى واحد أصيل يوجد في كل هذه المعاني المذكورة، وينبغي أن لانعتبرها معاني متمايزة ومختلفة للفظة الرب بل المعنى الحقيقي والاَصيل للّفظة هو: من بيده أمر التدبير والاِدارة والتصرّف، وهو مفهوم كلّـي ومتحقّق في جميع المصاديق والموارد الخمسة المذكورة (أعني: التربية والاِصلاح والحاكمية والمالكية والصاحبية).

فإذا أُطلق يوسف الصدّيق ـ عليه السلام ـ لفظ الرب على عزيز مصر، حيث قال:

(إنَّهُ رَبّي أحْسَنَ مَثْواي) (يوسف ـ 23).

فلاَجل أنّ يوسف تربى في بيت عزيز مصر وكان العزيز متكفّلاً لتربيته وقائماً بشوَونه.

ولو وصف يوسف عزيز مصر بكونه رباً لمصاحبه في السجن فقال:

(أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَـمْرا) (يوسف ـ 41).

فلاَنّ عزيز مصر كان سيد مصر وزعيمها ومدبّر أُمورها ومتصرّفاً في شوَونها ومالكاً لزمامها.

وإذا وصف القرآن اليهود والنصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم أرباباً إذ يقول:


(61)

(إتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أرْباباً مِنْ دُونِ اللّه) (التوبة ـ 31).

فلاَجل أنّهم أعطوهم زمام التشريع واعتبروهم أصحاب سلطة وقدرة فيما يختص باللّه.

وإذا وصف اللّه نفسه بأنّه (ربّ البيت) فلاَنّ إليه أُمور هذا البيت ماديّها ومعنويّها، ولاحق لاَحد في التصرف فيه سواه.

وإذا وصف القرآن «اللّه» بأنّه:

(رَبُّ السَّماواتِ والاَرْض) (الصافات ـ 5).

وأنّه:

(رَبُّ الشِّعْرى) (النجم ـ 49).

وما شابه ذلك، فلاَجل أنّه تعالى مدبّرها ومديرها والمتصرّف فيها ومصلح شوَونها والقائم عليها.

وبهذا البيان نكون قد كشفنا القناع عن المعنى الحقيقي للرب؛ الذي ورد في مواضع عديدة من الكتاب العزيز.

* * *

إنّ الشائع بين الوهابيين تقسيم التوحيد إلى:

1ـ التوحيد في الربوبية.

2ـ التوحيد في الاِلوهية.

قائلين: إنّ التوحيد في الربوبية بمعنى الاعتقاد بخالق واحد لهذا الكون كان موضع اتفاق جميع مشركي عهد الرسالة.


(62)

وأمّا التوحيد في الاِلوهية فهو التوحيد في العبادة الذي يُعنى منه أن لايعبد سوى اللّه، وقد انصبّ جهد الرسول الكريم على هذا الاَمر.

والحق أنّ اتفاق جميع مشركي عهد الرسالة في مسألة التوحيد الخالقي ليس موضع شك، ولكن تسمية التوحيد الخالقي بالتوحيد الربوبي خطأ واشتباه.

وذلك لاَنّ معنى «الربوبية» ليس هو الخالقية كما توهم هذا الفريق، بل هو ـ كما أوضحنا وبينّا سلفاً ـ مايفيد التدبير وإدارة العالم، وتصريف شوَونه ولم يكن هذا ـ كما بينّا ـ موضع اتفاق بين جميع المشركين والوثنيين في عهد الرسالة كما ادّعى هذا الفريق.

نعم كان فريق من مثقفي الجاهليين يعتقدون بعدم وجود مدبر سوى اللّه ولكن كانت تقابلهم جماعات كبيرة ممّن يعتقدون بتعدّد المدبر والتدبير، وهي قضية تستفاد من الآيات القرآنية مضافاً إلى المصادر المتقدّمة.

هنا نلفت نظر الوهابيين الذين يسمّون التوحيد في الخالقية بالتوحيد في الربوبيةإلى الآيات التالية ليتضح لهم أنّ الدعوة الى التوحيد في الربوبية لاتعني الدعوة الى التوحيد في الخالقية بل هي دعوة الى «التوحيد في المدبِّرية» والتصرّف، وقد كان بين المشركين في ذلك العصر من كان يعاني انحرافاً وشذوذاً من التوحيد الربوبي، ويعتقد بتعدّد المدبر رغم كونه معتقداً بوحدة الخالق.

ولايمكن ـ أبداً ـ أن نفسّر الرب في هذه الآيات بالخالق والموجد. وإليك بعض هذه الآيات:

أ ـ (بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالاَرْضِ الّذي فَطَرَهُنَّ) (الاَنبياء ـ 56).

فلو كان المقصود من الرب هنا هو الخالق والموجد لكانت جملة (الذي فطرهنَّ) زائدة بدليل أنّنا لو وضعنا لفظة الخالق مكان الرب في الآية للمسنا عدم الاحتياج ـ حينئذ ـ إلى الجملة المذكورة (أعني: الذي فطرهنَّ) بخلاف ما إذا فسّر


(63)

الرب بالمدبر والمتصرّف، ففي هذه الصورة تكون الجملة الاَخيرة مطلوبة، لاَنّها تكون ـ حينئذ ـ علّة للجملة الاَُولى، فتعني هكذا: أنّ خالق الكون هو المتصرّف فيه وهو المالك لتدبيره والقائم بإدارته.

ب ـ (يا أيُّها الناسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الّذي خَلَقَكُم) (البقرة ـ 21).

فانّ لفظة الرب في هذه الآية ليست بمعنى «الخالق» وذلك على غرار ما قلناه في الآية المتقدّمة المشابهة لما نحن فيه، إذ لو كان الرب بمعنى الخالق لما كان لذكر جملة (الذي خلقكم) وجه، بخلاف ما إذا قلنا بأن الرب يعني المدبّر فتكون جملة (الذي خلقكم) علّة للتوحيد في الربوبية، إذ يكون المعنى حينئذ هو: أنّ الذي خلقكم هو مدبّركم.

ج ـ (قُلْ أَغيْرَ اللّهِ أبْغي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيء)(الاَنعام ـ 164).

وهذه الآية حاكية عن أنّ مشركي عصر الرسالة كانوا على خلاف مع الرسول الكريم صلّى الله عليه و آله و سلّم في مسألة الربوبية على نحو من الاَنحاء وأنّ النبي الاَعظم كان مكلّفاً بأن يفنِّد رأيهم ويبطل عقيدتهم ولايتخذ غير اللّه رباً على خلاف ما كانوا عليه. ومن المحتم أنّ خلاف النبي مع المشركين لم يكن حول مسألة «التوحيد في الخالقية» بدليل أنّ الآيات السابقة تشهد في غير إبهام بأنّهم كانوا يعترفون بأنّه لا خالق سوى اللّه تعالى، ولذلك فلا مناص من الاِذعان بأنّ الخلاف المذكور كان في غير مسألة الخالقية وليست هي إلاّ مسألة تدبير الكون، بعضه أو كلّه.

د ـ (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلين) (الاَعراف ـ 172).

فقد أخذ اللّه في هذه الآية ـ من جميع البشر ـ الاِقرار بالتوحيد الربوبي وكانت علّة ذلك هي ماذكره من أنّه سيحتج على عباده بهذا الميثاق يوم القيامة كما يقول:


(64)

(أوْ تَقُولُوا إنَّما أشركَ آباوَُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُون) (الاَعراف ـ 173).

إذا تبيّـن هذا فنقول: إنّ نزول هذه الآية في بيئة مشركة دليل ـ ولاشك ـ على وجود فريق معتد به في تلك البيئة كانوا يخالفون هذا الميثاق، فإذا كانت الربوبية بمعنى الخالقية استلزم ذلك أن يكون في تلك البيئة من يخالفون النبي في الخالقية، ولكن الفرض هو عدم وجود أي اختلاف في مسألة «توحيد الخالقية» في عصر الرسالة فلم يكن المشركون في ذلك العصر مخالفين في هذه المسألة ليعتبروا مخالفين للميثاق المذكور؛ فلا محيص ـ حينئذ ـ من أنّ الخلاف كان ـ آنذاك ـ في مسألة تدبير العالم وإدارة الكون.

وبهذا التقرير يكون معنى الرب في الآية المبحوثة هنا هو المدبّر.

هـ ـ (أتَقْتُلُـونَ رَجُلاً أنْ يَقُـولَ رَبِّيَ اللّهُ وَقَدْ جَـاءَكُمْ بِالبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُم) (غافر ـ 28).

تتعلّق هذه الآية بموَمن آل فرعون الذي كان يدافع عن النبي موسى ـ عليه السلام ـ وراء قناع النصيحة والصداقة لآل فرعون ويسعى تحت ستار الموافقة معهم أن يدفع الخطر عن ذلك النبي العظيم. وأمّا دلالتها على كون الرب بمعنى المدبّر فواضحة، لاَنّ فرعون ما كان يدّعي الخالقية للسماء والاَرض ولا الشركة مع اللّه سبحانه في خلق العالم وإيجاده، وهذه حقيقة يدل عليها تاريخ الفراعنة أيضاً. وفي هذه الصورة يجب أن يكون المراد من دعوة النبي موسى بقوله: ربّي اللّه، هو حصر «التدبير» في اللّه سبحانه لامسألة الخلق. ولو كانت تتعلّق بمسألة الخلق والاِيجاد لما كان بينه وبين فرعون أي خلاف ونزاع، إذ المفروض اعتراف فرعون بخالقية اللّه ـ كما أسلفنا ـ، هذا مضافاً إلى أنّ اللّه تعالى يقول في الآية السابقة لهذه الآية:

و ـ (ذَرُوني أقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دينَكُم) (غافر ـ26)


(65)

فإنّ التوحيد في الخالقية لم يكن موضع خلاف لتكون دعوة موسى لبني اسرائيل سبباً لاَي تبدّل وتبديل.

ومن هذا البيان يتضح المراد من قول فرعون:

(أنَا رَبُّكُمُ الاَعْلى) (النازعات ـ 24).

ز ـ (فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالاَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إلهاً) (الكهف ـ 14).

إنّ الفتية الذين فرّوا من ذلك الجو الخانق الذي أوجده طواغيت ذلك الزمان كانوا جماعة يسكنون في مجتمع يعتقد بإلوهية غير اللّه، ولكن إلوهية غير اللّه ـ في ذلك المجتمع ـ لم تكن في صورة تعدّد الخالق، خاصة وأنّ واقعة أهل الكهف حدثت بعد ميلاد السيد المسيح حيث كانت عقول البشرية وأفكارها قد تقدّمت في المسائل التوحيديةبشكل ملحوظ وحظت من الرقي بمقدار معتد به ولم يكن يعقل ـ في ظل هذا الرقي الفكري ـ وجود مجتمع منكر لخالقية اللّه، أو مشرك فيها فلابد أن يقال إنّ شركهم يرجع الى أمر آخر وهو الاعتقاد بتعدّد المدبّر.

ح ـ إنّ البرهان الواضح على أنّ مقام الربوبية هو مقام المدبّرية وليس الخالقية كما يتوهم، هو الآية المتكرّرة في سورة الرحمان:

(فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبان).

فقد وردت هذه الآية في السورة المذكورة 31 مرة وجاءت لفظة ربّ جنباً إلى جنب مع لفظة الآلاء التي تعني النعم، وغير خفي أنّ قضية النعمة مع التذكير بمقام ربوبية اللّه لحياة البشر وحفظها من الفناء أنسب وأكثر انسجاماً، إذ ذكر النعم (التي هي من شعب التربية الاِلهية التي يوليها سبحانه للبشر) يناسب موضوع التربية والتدبير الذي تندرج فيه إدامة النعم وإدامة الاِفاظة.

ط ـ لقد اقترنت مسألة الشكر مع لفظة الرب في خمسة موارد في القرآن


(66)

الكريم، والشكر إنّما يكون في مقابل النعمة التي هي سبب بقاء الحياة الاِنسانية ودوامها وحفظها من الفناء وصيانتها من الفساد، وليست حقيقة تدبير الاِنسان إلاّ إدامة حياته وحفظها من الفساد والفناء.

وإليك هذه الموارد:

(وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابي لَشَديد) (إبراهيم ـ 7).

(وَقَالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ) (النمل ـ 19).

(قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِي ءَأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِه) (النمل ـ 40).

(قالَ رَبِّ أوْزِعْني أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ) (الاَحقاف ـ 15).

(كُلُوا مِنْ رِزقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (سبأ ـ 15).

ي ـ وممّا يدل على ماقلناه قوله سبحانه:

(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كانَ غَفّارا * يُرْسِلُ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمدِدْكُمْ بِأمْوالٍ وَبَنينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أنْهاراً) (نوح : 10ـ12).

ومثله في سورة هود الآية 52.

وهكذا: يلاحظ القارىَ الكريم كيف جعلت إدارة الكون وتدبير شوَونه تفسيراً للرب: فهو الذي يرسل المطر، وهو الذي يمدد بالاَموال والبنين، وهو الذي يجعل الجنات، وهو الذي يجعل الاَنهار، وكل هذه الاَُمور جوانب وصور من التدبير.


(67)

نتيجة هذا البحث:

من هذا البحث الموسّع يمكن أن نستنتج أمرين:

1 ـ أنّ ربوبية اللّه عبارة عن مدبّريته تعالى للعالم لا عن خالقيته.

2 ـ دلّت الآيات المذكورة في هذا البحث على أنّ مسألة «التوحيد في التدبير» لم تكن موضع اتفاق بخلاف مسألة «التوحيد في الخالقية» وأنّه كان في التاريخ ثمّة فريق يعتقد بمدبّرية غير اللّه للكون كلّه أو بعضه، وكانوا يخضعون أمامها باعتقاد أنّها أرباب.

وبما أنّ الربوبية في التشريع غير الربوبية في التكوين فيمكن أن يكون بعض الفرق موحداً في الثاني، ومشركاً في القسم الاَوّل فاليهود والنصارى تورّطوا في «الشرك الربوبي» التشريعي لاَنّهم أعطوا زمام التقنين والتشريع إلى الاَحبار والرهبان وجعلوهم أرباباً من هذه الجهة، فكأنّه فوّض أمر التشريع إليهم!!!، ومن المعلوم أنّ التقنين والتشريع من أفعاله سبحانه خاصة.

فها هو القرآن يقول عنهم:

(إتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أرْباباً مِنْ دُونِ اللّه) (التوبة ـ 31).

(وَلاَيَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أرْباباً مِنْ دُونِ اللّه) (آل عمران ـ 64).

في حين أنّ الشرك في الربوبية لدى فريق آخر ما كان ينحصر بهذه الدائرة بل تمثل في اسناد تدبير بعض جوانب الكون، وشوَون العالم إلى الملائكة والجن والاَرواح المقدسة أو الاَجرام السماوية، وإن لم نعثر ـ إلى الآن ـ على من يعزي تدبير «كل» جوانب الكون إلى غير اللّه، ولكن مسألة الشرك في الربوبية تمثلت في الاَغلب في تسليم «بعض» الاَُمور الكونية إلى بعض خيار العباد والمخلوقات.

إنّ الآيات الدالّة على هذه النتيجة ـ في الحقيقة ـ أكثر من أن يمكن سردها


(68)

هنا، لهذا نكتفي بما ذكرنا من الآيات تاركين للقارىَ الباحث التفتيش عنها في القرآن الكريم.

إذا وقفت ـ أيها القارىَ الكريم ـ على هذه المقدمات العشر يكون قد آن الاَوان لاَن نركّز البحث على تحديد معنى العبادة وحقيقتها الذي هو المهم في المقام، إذ بتحديد معنى العبادة وحقيقتها، نعلم معنى التوحيد والشرك، ونميّز الموحّد عن المشرك في هذا المجال (أي مجال العبادة)، ويكون ذلك ضابطة ثابتة لتشخيص كثير من الاَعمال التي جرت سيرة المسلمين على القيام بها في حياتهم منذ عصر الرسالة، وإلى هذا اليوم، ونعرف كيف أنّها لاتمت إلى الشرك بصلة أبداً.


(69)

الفصل الثاني

تحديد حقيقة العبادة ..


(70)



(71)

العبادة: هي الخضوع عن اعتقاد بإلوهية المعبود وربوبيته واستقلاله في فعله

لفظ العبادة من المفاهيم الواضحة كالماء والاَرض، فهو مع وضوح مفهومه يصعب التعبير عنه بالكلمات رغم حضور هذا المفهوم في الاَذهان. والعبادة كما هي واضحة مفهومـاً، فهي واضحـة ـ كذلك ـ مصداقـاً بحيـث يسهل تمييز مصاديقها عن مصاديق التعظيم والتكريم وغيرهما من المفاهيم. فتقبيل العاشق الولهان دار معشوقته، واحتضان ثيابها شوقاً، أو تقبيل تراب قبرها بعد الموت، لايدعى عبادة للمعشوقة.

كما أنّ ذهاب الناس إلى زيارة من يعنيهم من الشخصيات، والوفود إلى مقابرهم لزيارتها والوقوف أمامها احتراماً، وإجراء مراسم وطقوس خاصة لديها لايعد عبادة ـ أبداً ـ وإن كانت هذه الاَفعال تبلغ ـ في بعض الاَحايين ـ من حيث شدة الخضوع إلى درجة كبيرة. إنّ الضمائر اليقظة هي وحدها تقدر على أن تكون الحكم العدل ـ في مثل هذا البحث ـ لتمييز الاحترام والتعظيم عن العبادة، دون حاجة إلى تكلّف، ولكن إذا تقرر أن نعرّف العبادة بتعريف موضوعي أمكننا أن نعرّفها بثلاثة تعاريف:


(72)

1 ـ تعاريف ثلاثة للعبادة :

التعريف الاَوّل:

العبادة: هي الخضوع اللفظي أو العملي الناشىَ عن الاعتقاد بـ «إلوهية» المخضوع له وسيوافيك معنى «الاِلوهية».

وآيات كثيرة تدل على هذا التفسير، فمن ملاحظة هذه الآيات يتضح لنا أمران:

الاَوّل: أنّ عرب الجاهلية الذين نزل القرآن في أوساطهم وبيئاتهم كانوا يعتقدون بإلوهية معبوداتهم.

الثاني: أنّ العبادة عبارة عن القول أو العمل الناشئين من الاعتقاد بإلوهية المعبود، وانّه مالم ينشأ الفعل أو القول من هذا الاعتقاد لايكون الخضوع أو التعظيم والتكريم عبادة.

فهنا دعويان:

الاَُولى: أنّ عرب الجاهلية بل الوثنيين كلّهم وعبدة الشمس والكواكب والجن، كانوا يعتقدون بإلوهية معبوداتهم، ويتخذونهم آلهة صغيرة وفوقهم «الاِله الكبير» الذي نسمّيه «اللّه» سبحانه.

الثانية: أنّ الظاهر من الآيات هو أنّ العبادة عبارة عن الخضوع المحكي بالقول والعمل الناشئين من الاعتقاد بالاِلوهية، إلوهية صغيرة أو كبيرة.

أمّا الدعوى الاَُولى فتدل عليها آيات كثيرة نشير إلى بعضها:

يقول سبحانه:

(الَّذِينَ يَجعَلُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخَرَ فَسَوفَ يَعْلَمُون) (الحجر ـ 96).


(73)

(والَّذِينَ لايَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخَرَ) (الفرقان ـ 68).

(واتـَّخَذُوا مِنْ دُون ِاللّهِ آلهةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) (مريم ـ 81).

(أئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللّهِ آلِهةَ أُخْرى) (الاَنعام ـ 19).

(وإذْ قَالَ إبراهِيمُ لاَبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصناماً آلِهَةً)(الاَنعام ـ 74).

فهذه الآيات تشهد على أنّ دعوة المشركين كانت مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية أصنامهم، وقد فسّر الشرك في بعض الآيات «باتخاذ الاِله» مع اللّه وذلك عندما يقول سبحانه:

(وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكين* إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِءِين * الّذينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخر فَسَوْفَ يَعْلَمُون) (الحجر: 94 ـ 96).

ولذلك يفسّر القرآن حقيقة الشرك بـ «اعتقادهم بإلوهية معبوداتهم» إذ قال سبحانه:

(أمْ لَـهُم إلهٌ غَيرُ اللّهِ سُبْحانَ اللّهِ عَمّـا يُشْرِكُونَ) (الطور ـ 43).

ففي هذه الآية جعل اعتقادهم بإلوهية غير اللّه هو الملاك للشرك، والمراد هنا «الشرك في العبادة».

وبمراجعة هذه الآيات ونظائرها التي تعرضت لموضوع الشرك وبالاَخص لموضوع شرك الوثنيـين تتجلّى هذه الحقيقـة ـ بوضوح تـام ـ أنّ عبادتهم كانـت مصحوبة مع الاعتقاد بإلوهيتها، بل يمكن استظهار أنّ شركهم كان لاَجل اعتقادهم بإلوهية معبوداتهم، ولاَجل ذاك الاعتقاد كانوا يعبدونهم ويقدمون لهم النذور والقرابين وغيرهما من التقاليد والسنن العبادية. وبما أنّ كلمة التوحيد تهدم عقيدتهم بإلوهية غيره سبحانه، كانوا يستكبرون عند سماعه كما قال سبحانه:

(إنَّهُمْ كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ لا إلهَ إلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُون) (الصافات ـ 35).

أي يرفضون هذا الكلام، لاَنّهم يعتقدون بإلوهية معبوداتهم ويعبدونها لاَجل


(74)

أنّها آلهة ـ حسب تصوّرهم ـ.

ولاَجل تلك العقيدة السخيفة كانوا إذا دعي اللّه وحده كفروا به، لاَنّهم لايحصرون الاِلوهية به وإذا أشرك به آمنوا، لانطباقه على فكرتهم كما قال سبحانه:

(ذَلِكُم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإن يُشْرَكْ بِهِ تُوَْمِنُوا فَالحُكْمُ للّهِ العَلِىِّ الكَبِيرِ) (غافر ـ 12).

إلى هنا ظهرت الدعوى الاَُولى بوضوح وجلاء.

وأمّا الدعوى الثانية فتدل عليها الآيات التي تأمر بعبادة اللّه، وتنهى عن عبادة غيره، مدللاً ذلك بأنّه لا إله إلاّ اللّه إذ يقول:

(ياقوم اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُه) (الاَعراف ـ 59).

ومعنى ذلك أنّ الّذي يستحق العبادة هو من كان إلهاً، وليس هو إلاّ اللّه، وعندئذ فكيف تعبدون ماليس بإله، وكيف تتركون عبادة اللّه وهو الاِله الذي يجب أنّ يعبد دون سواه؟

وقد ورد مضمون هذه الآية في 10 موارد أو أكثر في القرآن الكريم، ويمكن للقارىَ الكريم أن يراجع ـ لذلك ـ الآيات التالية:

الاَعراف: 65 ، 73 ، 85، هود: 50 ، 61 ، 84، الاَنبياء: 25، الموَمنون: 23 ، 32، طه: 14.

فهذه التعابير (التي هي من قبيل تعليق الحكم عن الوصف) تفيد أنّ العبادة هي ذلك الخضوع والتذلّل النابعين من الاعتقاد بإلوهية المعبود، إذ نلاحظ ـ بجلاء ـ كيف استنكر القرآن على المشركين عبادة غير اللّه بأنّ هذه المعبودات ليست آلهة، وانّ العبادة من شوَون: الاِلوهية، فإذا وجد هذا الوصف (أي وصف الاِلوهية) في الطرف جاز عبادته واتخاذه معبوداً. وحيث إنّ هذا الوصف لايوجد إلاّ في اللّه سبحانه لذلك تجب عبادته دون سواه.


(75)

سوَال وجواب :

أمّا السوَال فهو أنّه لا شك أنّ الدعوى الاَُولى ثابتة فالمشركون كانوا معتقدين بإلوهية الاوثان، وما أورد من الآيات قد أثبتت ذلك بوضوح، غير أنّ الدعوى الثانية غير ثابتة، وقصارى مايستفاد من هذه الآيات هو أنّ عبادتهم كانت ناشئة من الاعتقاد بإلوهيتها وهذا لايدل على دخول مفهوم الاِلوهية في مفهوم العبادة كما هو المدعى ـ أو دخول كون النشوء عن ذلك الاعتقاد، في مفهومها.

وعلى الجملة فهذه الآيات لاتدل على أكثر من أنّ عبادتهم للاَوثان كانت مصحوبة بهذا الاعتقاد أو ناشئة عنه.

وأمّا كون العبادة موضوعة للخضوع الناشىء عن الاعتقاد بالاِلوهية بحيث يكون النشوء عن تلك العقيدة جزءاً لمعنى العبادة فلا يستفاد من الآيات.

وأمّا الجواب فنقول: إنّما يرد الاِشكال لو قلنا بأنّ «الاعتقاد بالاِلوهية» داخل في «مفهوم العبادة» وضعاً حتى يقال إنّ هذه الآيات لاتعطي أزيد من أنّ العبادة من شوَون الاِلوهية، وهذا غير القول باندراج مفهوم الالوهية في مفهوم العبادة، انّما المراد انّ العبادة ليست مطلقة الخضوع والتذلل بل أضيق وأخص منهما، وهذا أمر يعرفه كل إنسان بوجدانه وفطرته، غير أنّنا نشير إلى هذه الخصوصية ونميز هذا الضيق بأنّه خضوع «ناشىَ عن الاِعتقاد بالاِلوهية أو الربوبية» كما سيوافيك في التعريف الثاني، لا أنّ هذه الجملة (ناشىء عن الاعتقاد بالاِلوهية والربوبية) داخلة بتفصيلها في مفهوم العبادة، ومعناها.

وبعبارة اُخرى، أنّ الاِنسان قد لايقدر على تعريف شيء بنوعه وفصله، أو حدّه ورسمه حتى يحدّه تحديداً عقلياً لا خدشة فيه، ولكنّه يجد في نفسه ما هو


(76)

بمنزلة الجنس والفصل فيضعهما مكان الجنس والفصل الواقعيين، والاَمر فيما نحن فيه كذلك إذ نجد أنّ التعظيم والخضوع والتذلّل وما أشبههما أمر مشترك بين العبادة وغيرها فيتصوّره بمنزلة الجنس لها، ويجد أنّ العبادة تتميز بخصوصية عن غيرها، ولكنّه لايقدر على بيان تلك الخصوصية بلفظ بسيط فيتوسل بوضع جملة مكانه وهي ماذكرناها: «ناشىء عن الاعتقاد بالاِلوهية» ويضعها مكان الفصل.

وبعبارة ثالثة: أنّ الانسان يجد أنّ «العبادة» ليست مطلق التعظيم ونهاية التذلّل بل هي من خصائص من بيده شوَون الاِنسان كلّها، أو شأناً من شوَونه ممّا به قوام حياته عاجلاً أو آجلاً من الموت والحياة، والخلق والرزق، والسعادة والشقاء والمغفرة والشفاعة فيدير شوَونه ويخطط مصيره حسب مايليق به.

غير أنّ هذه الجمل ليست بتفصيلها داخلة في «مفهوم» العبادة. ولكنّه يشار إلى تلك الخصوصية الكامنة والضيق الموجود فيها، بهذه الجمل والتفاصيل وحاشا أن توَخذ هاتيك الجمل فيها بطولها.

وعلى ذلك فيصح أن يقال: العبادة قسم خاص من التواضع والخضوع لفظياً أو عملياً، (يوَتى به لتعظيم مايعتقده العابد بإلوهيته) وما وقع بين الهلالين وإن كان خارجاً عن مفهوم العبادة إلاّ أنّه يبين ما هو المقصود من القسم الخاص من الخضوع في أوّل العبارة.

ولذلك نظائر في العرف والعادة مثلاً:

1 ـ يعرف القوس بأنّه «قطعة من الدائرة» ولاشك أنّه من باب زيادة الحد على المحدود، إذ لايعتبر في صدق القوس كونه قطعة من الدائرة بل هو يصدق وإن لم يكن قطعة منها (أي من الدائرة)، (أي القوس) عبارة عن سطح يحيط به خيط مستدير ينتهي طرفاه بنقطتين، من غير اعتبار كونه بعضاً من الدائرة.

إلاّ أنّ أخذ هذا القيد ( أعني: كونه بعض الدائرة) من باب بيان الخصوصية


(77)

الموجودة فيها بحيث لو انضم إليه قوس آخر لتحقّقت الدائرة.

2 ـ انّ اللغويين يفسّرون الصهيل بأنّه صوت الفرس، والزقزقة بأنّه صوت العصفور، فليس الفرس والعصفور داخلين في مفهومهما البسيطين وإنّما جيىء بقيد الفرس والعصفور، للاِشارة إلى تعيين صوت خاص.

* * *

إلى هنا اتضح أنّ الحق في التعريف هو أن يقال: العبادة هي الخضوع النابع عن الاعتقاد بإلوهية المعبود وإلى ذلك يشير آية اللّه الحجة المرحوم الشيخ محمد جواد البلاغي، في تفسيره المسمّى بـ«آلاء الرحمن» في معرض تفسيره وتحليله لحقيقة العبادة:

«العبادة مايرونه مشعراً بالخضوع لمن يتخذه الخاضع إلهاً ليوفيه بذلك مايراه له من حق الامتياز بالاِلوهية» (1)

لقد صب العلاّمة البلاغي مايدركه فطرياً للعبادة في قالب الاَلفاظ والبيان والآيات المذكورة توَيد صحة هذا التعريف واستقامته.

التعريف الثاني:

العبادة: هي الخضوع أمام من يعتقد بأنّه يملك شأناً من شوَون وجوده وحياته وآجله وعاجله.

وتوضيح ذلك: أنّ العبودية من شوَون المملوكية ومن مقتضياتها، فعندما يحس العابد في نفسه بنوع من المملوكية، ويحس في الطرف الآخر بالمالكية يفرّغ إحساسه هذا ـ في الخارج ـ في ألفاظ وأعمال خاصة، وتصير الاَلفاظ والاَعمال


(1)آلاء الرحمان: 57، طبعة صيدا، وقد طبع من هذا التفسير جزءان فقط.

(78)

تجسيداً لهذا الاِحساس، ويكون كل عمل أو لفظ مظهر لهذا الاِحساس العميق عبادة. ولاشك أنّ المقصود بالمالكية ليس مطلق المالكية فالاعتقاد بالمالكية القانونية والاعتبارية لايكون ـ أبداً ـ موجباً لصيرورة الخضوع عبادة، إذ أنّ البشر في عصور: «العبوديات الفردية» بالاَمس، وكذا في عصر: «العبودية الجماعية» الراهن لايعد امتثاله لاَوامر أسياده عبادة ... فلا بد أن يكون المقصود من المملوكية ـ هنا ـ هي القائمة على أساس الخلق والتكوين وانّ شأناً من شوَون حياته في قبضته.

وإليك بيان مناشىَ أنواع المالكيات الحقيقية.

1 ـ قد يوصف بالمالكية لكونه خالقاً، ولذلك يكون اللّه سبحانه مالكاً حقيقياً للبشر لاَنّه خالقه، وموجده من العدم، ولهذا نجد القرآن الكريم يعتبر جميع الموجودات الشاعرة ـ مثلاً ـ عبيد اللّه، ويصفه تعالى بأنّه مالكها الحقيقي وذلك لاَنّه خلقها إذ يقول:

(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَـواتِ والاََرْضِ إِلاّ آتي الرحمانِ عَبْداً) (مريم ـ 93)

ولاَجل ذلك أيضاً نجده يأمرهم بعبادة نفسه معلّلاً بأنّه هو ربّهم الذي خلقهم دون سواه إذ يقول:

(يا أيٌّها الناسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ والّذينَ مِن قَبْلِكُمْ) (البقرة ـ 21)

(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) (الاَنعام ـ 102)

2 ـ وقد يوصف بالمالكية لكونه رازقاً ومحيياً ومميتاً، ولذلك يحس كل بشر سليم الفطرة بمملوكيته للّه تعالى لاَنّه مالك حياته ومماته ورزقه، ولهذا يلفت القرآن نظر البشر إلى مالكية اللّه لرزق الاِنسان وأنّه تعالى هو الذي يميته وهو الذي يحييه


(79)

ليلفته من خلال ذلك إلى أنّ اللّه هو الذي يستحق العبادة فحسب. إذ يقول:

(اللّهُ الّذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) (الروم ـ 40)

(هَلْ لَكُمْ مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ) (الروم ـ 28)

(هُوَ يُحْيِي وَيُمِيت) (يونس ـ 56)

3 ـ وقد يوصف بها لكون الشفاعة والمغفرة بيده وحيث إنّ اللّه تعالى هو المالك للشفاعة المطلقة:

(قُلْ لِلّهِ الشفاعةُ جَمِيعاً) (الزمر ـ 44)

ولمغفرة الذنوب: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُنوُبَ إلاّ اللّه) (آل عمران ـ 135)

بحيث لايملك أن يشفع أحد لاَحد من العباد إلاّ بإذنه لذلك يشعر الاِنسان العادي في قرارة ضميره بأنّ اللّه سبحانه مالك مصيره من حيث السعادة الاَُخروية، وإذا أحسّ إنسان بمملوكية كهذه ومالكية مثل تلك ثم جسّد هذا الاِحساس في قالب اللفظ أو العمل فإنّه يكون بذلك عابداً له دون ريب.

وإلى ذلك يرجع ما ربّما يفسّر العبادة بأنّها الخضوع أمام من يعتقد بربوبيته فمن كان خضوعه العملي أو القولي أمام أحد نابعاً من الاعتقاد بربوبية ذلك الطرف كان بذلك عابداً له.

فالمقصود من لفظة «الرب» في التعريف هو المالك لشوَون الشيء المتكفّل لتدبيره وتربيته.

وعلى ذلك تكون لفظة العبودية في مقابل الربوبية، أي مالكية تربية الشيء وتدبيره، ومصيره عاجلاً وآجلاً.

ويدل على ذلك أنّ قسماً من الآيات تعلّل الاَمر بحصر العبادة في اللّه وحده بأنّه الرب لا غير، وإليك بعض هذه الآيات:


(80)

(وَقالَ المسيحُ يابَنِي إسرائيلُ اعبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم) (المائدة ـ 72)

(إنَّ هذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمّةً واحِدةً وَأنا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون) (الاَنبياء ـ 92)

(إنَّ اللّهَ رَبّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُستَقِيمٌ) (آل عمران ـ 51)

وقد ورد مضمون هذه الآيات، (أعني: جعل العبادة دائرة مدار الربوبية) في آيات أُخرى هي:

يونس: 3، الحجر: 99، مريم: 36، 65، الزخرف: 64.

وعلى كل حال فانّ أوضح دليل على هذا التفسير للفظ العبادة هو الآيات التي سبق ذكرها.

التعريف الثالث:

ويمكننا أن نصب إدراكنا للعبادة في قالب ثالث فنقول:

إنّ العبادة هي الخضوع ممّن يرى نفسه غير مستقل في وجوده وفعله، أمام من يكون مستقلاً. وقد وصف اللّه سبحانه وتعالى نفسه ـ في غير موضع من كتابه ـ بالقيّوم فقال عزّ وجلّ:

(اللّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القُيُّومُ) (البقرة ـ 255)

ومثله في آل عمران ـ 2.

وقال سبحانه: (وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلحَيِّ القَيُّوم) (طه ـ 111).

ولا يراد منه سوى كونه قائماً بنفسه، وليست فيه أيّة شائبة من الفقر والحاجة إلى الغير بل كل ما سواه قائم به.

وبعبارة أُخرى: العبادة نداء اللّه تعالى وسوَاله والقيام بالخضوع وإنزال حاجات الدنيا والآخرة على أنّه الفاعل المختار والمالك الحقيقي لاَُمور الدنيا


(81)

والآخرة كلّها، والمتصرّف فيها فلو نودي موجود آخر بهذا الوصف تماماً أو بعضاً فالنداء عبادة له وشرك فيها والمنادي مشرك بلا كلام.

وعلى ذلك فلو خضع واحد منّا أمام موجود زاعماً بأنّه مستقل في ذاته أو فعله لصار الخضوع عبادة، بل لو طلب فعل اللّه سبحانه من غيره كان هذا الطلب نفسه عبادة وشركاً، فانّ الطلب في هاتيك الموارد لاينفك عن الخضوع، فالذي يجب التركيز عليه هو أن نعرف ما هو فعل اللّه سبحانه، ونميزه عن فعل غيره حتى لانقع في ورطة الشرك عند طلب شيء من الاَنبياء والاَولياء وغيرهم من الناس فنقول:

إنّ من أقسام الشرك هو أن نطلب فعل اللّه من غيره، والمعلوم أنّ فعل اللّه ليس هو مطلق الخلق والتدبير والرزق سواء أكان عن استقلال أم بإذن اللّه، لاَنّه سبحانه نسبها إلى غيره في القرآن، بل هو القيام بالفعل مستقلاً من دونه استعانة بغيره، فلو خضع أحد أمام آخر بما أنّه مستقل في فعله سواء أكان الفعل فعلاً عادياً كالمشي والتكلّم، أم غير عادي كالمعجزات التي كان يقوم بها سيدنا المسيح ـ عليه السلام ـ (1)مثلاً، يعد الخضوع عبادة للمخضوع له.

توضيحه: أنّ اللّه سبحانه غني في فعله، كما أنّه غني في ذاته عما سواه فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت من دون أن يستعين بأحد(2)أو يستعين في خلقه بمادة


(1)كما في الآية 49 من آل عمران: (إنّي أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللّه وأُبرىَ الاَكمه والاَبرص وأُحيي الموتى بإذن اللّه وأُنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم)

(2)نعم قد سبق منّا عند البحث عن التوحيد في الربوبية أنّ كون اللّه سبحانه لايستعين ـ في فعله ـ بأحد لايلازم أن يقوم بنفسه بكل الاَُمور، وبأنّ تكوّن ذاته مصدراً للخلق والرزق والاِحياء والاِماتة من دون أن يتسبّب في كل ذلك بالاَسباب، بل معناه أن يكون في فعله ـ سواء في أفعاله المباشرية أو التسبيبية ـ مستغنياً عن غيره، وإن كانت أفعاله جارية عبر نظام الاَسباب والعلل. فراجع كتابنا مفاهيم القرآن الجزء الاَوّل ـ الفصل الثامن.

(82)

قديمة غير مخلوقة له، بل اللّه سبحانه يخلق الجميع بنفسه من دون استعانة بأحد أو بشيء، فهو يخلق المادة ويصوّرها كيف شاء. فلو اعتقدنا أنّ أحداً مستغن في فعله العادي، وغير العادي عمّن سواه، وأنّه يقوم بما يريد من دون استعانة أو استمداد من أحد حتى اللّه سبحانه فقد أشركناه مع اللّه واتخذناه ندّاً له تعالى.

وصفوة القول هي: إنّ ملاك البحث في هذا التعريف هو: «استقلال الفاعل» في فعله وعدم استقلاله، والتوحيد بهذا المعنى ممّا يشترك فيه العالم والجاهل.

نعم ما يدركه المتألّه المثالي من التفاصيل في مورد الاستقلال في المعبود وعدمه في العابد على ضوء الاَدلّة العقلية والكتاب العزيز ممّا يدركه غيره أيضاً بفطرته التي خلق عليها، وعقليته التي نما عليها، فلا يلزم من اختصاص فهم التفاصيل بهذه الطبقة (أي المتألّهين البصيرين) حرمان عرب الجاهلية من فهم معاني العبادة ومشتقاتها الواردة في القرآن ومحاوراتهم العرفية، فالعبادة بهذا المعنى (أي باعتقاد كون المعبود مستقلاً) يشترك فيه العالم والجاهل، والكامل وغير الكامل، غير أنّ كل فرد من الناس يفهمه على قدر ما أُعطي من الفهم والدرك كما قال سبحانه:

(فَسالَتْ أودِيَةٌ بِقَدَرِها) (الرعد ـ 17)

غير أنّ الدارج في ألسن المتكلّمين هو «التفويض» فليشرح مقاصدهم.

2 ـ ماذا يراد من التفويض؟

اتفقت كلمة الموحدين على أنّ الاعتقاد بالتفويض موجب للشرك، وأنّ الخضوع النابع من ذاك الاعتقاد يعد عبادة للمخضوع له، والتفويض يتصوّر في أمرين:


(83)

1 ـ تفويض اللّه تدبير العالم إلى خيار عباده من الملائكة والاَنبياء والاَولياء. ويسمّى بالتفويض التكويني.

2 ـ تفويض الشوَون الاِلهية إلى عباده كالتقنين والتشريع، والمغفرة والشفاعة مما يعد من شوَونه سبحانه. ويسمّى بالتفويض التشريعي.

أمّا القسم الاَوّل:

فلا شك أنّه موجب للشرك، فلو اعتقد أحد بأنّ اللّه فوّض أُمور العالم وتدبيرها من الخلق والرزق والاِماتة ونزول الثلج والمطر وغيرها من حوادث العالم إلى ملائكته أو صالحي عباده، فقد جعلهم أنداداً له سبحانه، إذ لا يعني من التفويض، إلاّ كونهم مستقلّين في أفعالهم، منقطعين عنه سبحانه فيما يفعلون وما يريدون.

وبالجملة: فتفويض التدبير الى العباد قسم من استقلال العبد في فعله وعمله عمّن سواه، سواء أكان ذاك الاستقلال في الاَفعال الراجعة إلى نفسه كمشيه وتكلّمه أم في الاَفعال الراجعة إلى تدبير العالم والحوادث الواقعة فيه. غير أنّه لما كان زعم الاستقلال في أفعال العباد العادية بحثاً فلسفياً بحتاً لم يتوجه إليه مشركو الجاهلية، لذلك خصّوا البحث بالاعتقاد باستقلالهم في تدبير العالم.

وان أصبح الاَوّل أيضاً مثار بحث ونقاش في العهود الاِسلامية الاَُولى، بحيث قسّم الباحثين إلى جبري وتفويضي.

والخلاصة: انّ الاَمر دائر بين كون العبد ذا فعل بالاستقلال والانقطاع عن اللّه سبحانه، أو كونه ذا شأن بأمره تعالى وإذنه ومشيئته، وليس التفويض أمراً ثالثاً، بل هو داخل في القسم الاَوّل.

وأمّا الاعتقاد بأنّ القدّيسين من الملائكة والجن، أو النبيّ والولي مدبّرون


(84)

للعالم بإذنه ومشيئته، وأمره وقدرته من دون أن يكونوا مستقلّين فيما يفعلون، أو مفوّضين فيما يصدرون فلا يكون ذاك موجباً للشرك بل أمره دائر ـ حينئذ ـ بين كونه صحيحاً مطابقاً للواقع كما في الملائكة أو غلطاً مخالفاً للواقع كما في النبي والولي، فانّ الاَنبياء والاَولياء غير واقعين في سلسلة العلل والاَسباب، بل هم كسائر الناس يستفيدون من النظام الطبيعي بحيث يختل عيشهم وحياتهم عند اختلال تلك النظم، ومعلوم أنّه ليس كل مخالف للواقع يعتبر شركاً إذ عند ذاك يحتل الولي مكان العلّة الطبيعية والنظم المادية، وليس الاعتقاد بوجود هذا النوع من العلل والاَسباب مكان النظم المادية للظاهرة شركاً.

هذا ومن الجدير بالذكر أنّ مشركي عهد الرسالة كانوا يعتقدون لآلهتهم نوعاً من الاستقلال في الفعل. وكانوا يتوجهون إليها على هذا الاَساس وقد مرّ أنّ عمر بن لحي عندما سافر من مكة إلى الشام ورأى أُناساً يعبدون الاَصنام فسألهم عن سبب عبادتهم لها فقالوا له:

«هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا» (1)

وقد كان ثمّة فريق من الحكماء يعتقدون بأن لكل نوع من الاَنواع «ربّ نوع» فوض إليه تدبير نوعه، وسلّمت إليه إدارة الكون التي هي من شأن اللّه ومن فعله تعالى. كما أنّ عرب الجاهلية الذين عبدوا الملائكة الكواكب ـ سياراتها وثوابتها ـ إنّما كانوا يعبدونها لاَنّ أمر الكون وأمر تدبيره قد فوض إليها ـ كما في زعمهم ـ وأنّ اللّه عزل عن مقام التدبير عزلاً تاماً، فهي مالكة التدبير دون اللّه، وبيدها هي دونه ناصية التصرف، ولهذا كان يعتبر أي خضوع يجسد هذا الاحساس عبادة. وسيوافيك عقائد عرب الجاهلية حول معبوداتهم.


(1)سيرة ابن هشام: 1|79، وقد مرّ مفصّل هذه القصة، وما قاله رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم في الحديبية حول الاستمطار بالنوء الذي كان سائداً لدى الجاهليّين، والذي نقلناه لك من السيرة الحلبية: 3|29، في المقدمة رقم 2 من هذا الكتاب فراجع ص: 27 ـ 28.

(85)

القسم الثاني من التفويض:

إذا اعتقدنا بأنّ اللّه سبحانه فوّض إلى أحد مخلوقيه بعض شوَونه كالتقنين والتشريع، والشفاعة والمغفرة فقد أشركناه مع اللّه، وجعلناه نداً له سبحانه، كما يقول القرآن الكريم:

(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أنداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّه) (البقرة ـ 165).

ولاريب أنّ الموجود لايقدر أن يكون نداً للّه سبحانه إلاّ إذا كان قائماً بفعل أو شأن من أفعال اللّه وشوَونه سبحانه «مستقلاّ ً» لا ما إذا قام به بإذن اللّه وأمره، إذ لا يكون عند ذاك نداً للّه، بل يكون عبداً مطيعاً له، موَتمراً بأمره، منفذاً لمشيئته تعالى.

هذا وقد كان أخف ألوان الشرك وأنواعه بين اليهود والنصارى وعرب الجاهلية اعتقاد فريق منهم بأنّ اللّه فوّض حق التقنين والتشريع الى الرهبان والاَحبار كما يقول القرآن الكريم: (اِتـَّخَذُوا اَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ اَرْباباً مِنْ دُونِ اللّه)(التوبة ـ 31) وأنّ اللّه فوّض حق الشفاعة والمغفرة التي هي حقوق مختصة باللّه إلى أصنامهم ومعبوداتهم، وأنّ هذه الاَصنام والمعبودات مستقلّة في التصرف في هذه الشوَون ولاَجل ذلك كانوا يعبدونها، لاَجل أنّها شفعاوَهم عند اللّه، وبأيديها أمر الشفاعة، كما يقول سبحانه:

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هوَلاءِ شُفَعاوَنا عِنْدَ اللّه) (يونس ـ 18).

ولذلك أصرّت الآيات القرآنية على القول بأنّه لايشفع أحد إلاّ بإذن اللّه، فلو كان المشركون يعتقدون بأنّ معبوداتهم تشفع لهم بإذن اللّه لما كان لهذا الاِصرار


(86)

على مسألة متّفق عليها بين المشركين، أي مبرر ، على أنّ ذلك الفريق من عرب الجاهلية الذين كانوا يعبدون الاَصنام، إنّما كانوا يعبدونها لكونها تملك شفاعتهم لا أنّها خالقة أو مدبرة للكون، وعلى أساس هذا التصوّر الباطل كانوا يعبدونها وكانوا يظنون أنّ عبادتهم لها توجب التقرّب إلى اللّه إذ قالوا:

(ما نَعْبُدُهُمْ اِلاّ لِيُقَرِّبُونا إلى اللّهِ زُلْفى) (الزمر ـ 3).

3 ـ لا ملازمة بين توزيع الالوهية ونفي الاِله الاَعلى :

إنّ توزيع الالوهية على صغار الآلهة المتخيلة أمر باطل عقلاً ونقلاً، ولانطيل الكلام بسوق براهينه العقلية وما تدل عليه من الآيات.

ثم إنّ توزيع شوَون الالوهية ـ كما في زعم عرب الجاهلية ـ ما كان يلازم نفي الاِله الاَعلى القاهر، بل كان الجاهليون يعتقدون بالاِله الاَعلى رغم عبادتهم للاَصنام واعتقاد توزيع الالوهية عليها.

لكن الاَُستاذ المودودي(1)أبطل فكرة توزيع الالوهية معلّلاً بأنّ: هذا التوزيع لا يجتمع مع الاعتقاد بإله أعلى حيث قال:

«إنّ أهل الجاهلية ما كانوا يعتقدون في آلهتم أنّ الالوهية قد توزّعت فيما بينهم فليس فوقهم إله قاهر بل كان لديهم تصوّر واضح لاِله كانوا يعبّرون عنه بكلمة اللّه في لغتهم» (2).

وفي هذا الكلام نظر، فإنّ الجمع بين قوله: «إنّ الالوهية توزّعت فيما بينهم» وقوله: «فليس فوقهم إله قاهر» يوهم بأنّ القول بتوزيع الالوهية يلازم القول بنفي الاِله القاهر الذي هو فوق الكل، ولكنّه ليس كذلك، فإنّ الصابئة الذين ورد


(1)راجع بحار الاَنوار: 25|320 ـ 350.

(2)كتاب المصطلحات الاَربعة: 19.

(87)

ذكرهم في القرآن أثبتوا للشمس الاِلوهية والتدبير مع القول بوجود إله قاهر حيث قالوا:

«إنّ الشمس ملك من الملائك ولها نفس وعقل ومنها نور الكواكب وضياء العالم، وتكوّن الموجودات السفلية فتستحق التعظيم والسجود والتبخير والدعاء» (1)

وأي الوهية أكبر من تكوين الموجودات السفلية التي ينسبها اللّه سبحانه في القرآن إلى ذاته.

ومن الصابئة من يقول:

«إنّ القمر ملك من الملائك، يستحق العبادة واليه تدبير هذا العالم السفلي والاَُمور الجزئية، ومنه نضج الاَشياء المتكوّنة وإيصالها إلى كمالها» (2)

وليس لاَحد أن يفسّـر قولهم بأنّ الشمس والقمر كانا ـ في عقيدتهم ـ يحتلاّن محل العلل الطبيعية، وانّهما كانا يقومان بنفس الدور لا أكثر، فانّ المفروض أنّهم جعلوهما من الملائكة وأثبتوا لهما العقل والنفس والتدبير القائم على التفكير، وهذا يناسب الالوهية، وكونهما إلهين، لاكونهما عللاً طبيعية، إذ لو كان عللاً طبيعية لما عبدوهما بتلك العبادة. فإذن لا مانع من أن يعتقد المشرك ـ في حين اعتقاده بتوزيع شوَون الالوهية بين صغار الآلهة ـ بوجود إله قاهر وهو الذي وزّع الالوهية.

فالعربي الجاهلي كان يعتقد بتفويض المغفرة والشفاعة إلى أصحاب الاَصنام والاَوثان مع اعتقاده بوجود إله آخر قاهر وأعلى. والمغفرة والشفاعة من شوَون الالوهية، والدليل على أنّهم كانوا يعتقدون بالتفويض، هو إصرار القرآن على القول بأنّه لاشفاعة إلاّ بإذن اللّه سبحانه:

(مَنْ ذَا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ اِلاّ بإذنِهِ) (البقرة ـ 255).


(1)الملل والنحل للشهرستاني: ص 265 ـ 266.

(2)الملل والنحل للشهرستاني: ص 265 ـ 266.

(88)

وأنّ اللّه هو الذي يغفر الذنوب: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ اِلاّ اللّه) (آل عمران ـ 135).

وأظنّ ـ ولعلّه ظنّ مصيب ـ أنّ للاَُستاذ وراء هذا الكلام (توزيع الالوهية ينافي الاعتقاد بإله آخر) قصداً وهدفاً آخر، وهو إثبات أنّ الاِله في القرآن إنّما هو بمعنى المعبود تبعاً لشيخ منهجه «ابن تيمية» فتوصيف الاَصنام بالالوهية إنّما هو بملاك المعبودية، لابملاك أنّهم صغار الآلهة، واللّه سبحانه كبيرها.

والاَُستاذ وتلاميذ مدرسته نزهوا المشركين عن قولهم بإلوهية الاَصنام، وإنّما كانوا يعبدونها من دون أن يتّخذوها آلهة صغاراً في مقابل إله قاهر.

أضف إلى ذلك أنّهم شوّهوا بذلك سمعة جمهرة من المسلمين حيث فسّـروا الآيات الناهية عن اتخاذ الآلهة، بالنهي عن عبادتها، لاَنّ الاِله عندهم بمعنى المعبود، ثم طبّقوا هذه الآيات على توسّل المسلمين وزيارتهم لقبور أوليائهم.

فتفسير الآيات الناهية عن اتّخاذ الآلهة، باتخاذ المعبود خبط، وعلى فرض الصحة فإنّ تطبيقها على توسّلات المسلمين وزيارتهم قبور أوليائهم خبط آخر.

4 ـ خلاصة القول :

خلاصة القول في المقام أنّ أيّ عمل ينبع من هذا الاعتقاد (أي الاعتقاد بأنّه إله العالم أو ربّه أو غنيّ في فعله وأنّه مصدر للاَفعال الاِلهية) ويكون كاشفاً عن هذا النوع من التسليم المطلق يعد عبادة، ويعتبر صاحبه مشركاً إذا فعل ذلك لغير اللّه.

ويقابل ذلك: القول والفعل والخضوع غير النابع من هذا الاعتقاد.

فخضـوع أحد أمام موجـود وتكريمه ـ مبالغاً في ذلك ـ دون أن ينبـع من الاعتقاد بإلوهيته لايكون شركاً ولاعبادة لهذا الموجود، وإن كان من الممكن أن


(89)

يكون حراماً، مثل سجود العاشق للمعشوقة أو المرأة لزوجها، فإنّها وإن كانت حراماً في الشريعة الاسلامية، لكنّها ليست عبادة. فكون شيء حراماً، غير القول بأنّه عبادة، فإنّ حرمة السجود أمام بشر من غير اعتقاد بإلوهيته وربوبيته إنّما هي لوجه آخر.

من هذا البيان يتّضح جواب سوَال يطرح نفسه في هذا المقام وهو: إذا كان الاعتقاد بالالوهية أو الربوبية أو التفويض، شرطاً في تحقق العبادة فيلزم أن يكون السجود لاَحد دون ضمّ هذه النية جائزاً؟

ويجاب على هذا: بأنّ السجود حيث إنّه وسيلة عامة للعبادة، وحيث إنّ بها يعبد اللّه عند جميع الاَقوام والملل والشعوب وصار بحيث لايراد منه إلاّ العبادة، لذلك لم يسمح الاِسلام بأن يستفاد من هذه الوسيلة العالمية حتى في الموارد التي لاتكون عبادة. وهذا التحريم إنّما هو من خصائص الاِسلام إذ لم يكن حراماً قبله، وإلاّ لما سجد يعقوب وأبناوَه ليوسف ـ عليه السلام ـ إذ يقول: (وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) (يوسف ـ 100).

قال الجصاص: «قد كان السجود جائزاً في شريعة آدم ـ عليه السلام ـ، للمخلوقين ويشبه أن يكون قد كان باقياً إلى زمان يوسف ـ عليه السلام ـ فكان فيما بينهم لمن يستحق ضرباً من التعظيم ويراد إكرامه وتبجيله، بمنزلة المصافحة والمعانقة فيما بيننا وبمنزلة تقبيل اليد، قد روي عن النبي ـ عليه السلام ـ في إباحة تقبيل اليد أخبار، وقد روي الكراهة، إلاّ أنّ السجود لغير اللّه على وجه التكرمة والتحية منسوخ بما روت عائشة وجابر وأنس أنّ النبيّ قال: ماينبغي لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لاَمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقّه عليها» (1).

* * *


(1)أحكام القرآن: 1|32.

(90)

إلى هنا استطعنــا ـ بشكـل واضـح ـ أن نتعـرف على حقيقـة «العبـادة» و «الشرك» ويلزم أن نستنتج من هذا البحث فنقول: إذا خضع أحد أمام آخرين وتواضع لهم، لاباعتقاد أنّهم «آلهة» أو «أرباب» أو «مصادر للاَفعال والشوَون الاِلهية» بل لاَنّ المخضوع لهم إنّما يستوجبون التعظيم، لاَنّهم (عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لايَسبِقُونَهُ بِالقَولِ وَهُمْ بِأمرِهِ يَعمَلُون)(الاَنبياء: 26 ـ 27) فانّ هذا الخضوع والتعظيم والتواضع والكريم لن يكون عبادة قطعاً، فقد مدح اللّه فريقاً من عباده بصفات تستحق التعظيم عندما قال:

(إنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وآلَ إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ عَلى العالَـمين) (آل عمران ـ 33).

وفي موضع آخر من القرآن صرّح اللّه تعالى باصطفاء إبراهيم لمقام الامامة إذ يقول تعالى:

(قالَ إنِّي جاعِلُكَ للَّناسِ إماماً) (البقرة ـ 124).

وكل هذه الاَوصاف العظيمة التي مدح اللّه بها: نوحاً وإبراهيم وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمّداً ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ أُمور توجب نفوذهم في القلوب والاَفئدة، وتستوجب محبتهم واحترامهم حتى أنّ مودة بعض الاَولياء فرضت علينا بنص القرآن(1)

فاذا احترم أحد هوَلاء، في حياتهم أو بعد وفاتهم، لا لشيء إلاّ لاَنّهم عباد اللّه المكرمون، وأولياوَه المقربون وعظمهم دون أن يعتقد بأنّهم «آلهة» أو «أرباب» أو «مصادر للشوَون الالهية» لايعدّ فعله عبادة ـ مطلقاً ـ ولا هو مشركاً، أبداً.

وعلى هذا لايكون تقبيل يد النبي أو الاِمام أو المعلّم، أو الوالدين، أو تقبيل


(1)(قل لاأسئلكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى)الشورى الآية: 23.

(91)

القرآن أو الكتب الدينية، أو أضرحة الاَولياء وما يتعلق بهم من آثار، إلاّ تعظيماً وتكريماً، لا عبادة.

5 ـ نحن وموَلّف المنار:

وفي ختام هذا البحث يجدر بنا أن نلفت نظر القارىَ الكريم إلى طائفة من التعاريف للعبادة، ونذكر بعض ما فيها من الضعف:

1 ـ قال في المنار:

«العبادة ضرب من الخضوع، بالغ حدّ النهاية، ناشىَ عن استشعار القلب عظمة المعبود لايعرف منشوَها، واعتقاده بسلطة لايدرك كنهها وماهيتها» (1)

وهذا التعريف لا يخلو عن قصور، إذ بعض مصاديق العبادة، لاتكون خضوعاً شديداً، ولايكون بالغاً حدّ النهاية كبعض الصلوات الفاقدة للخشوع، ثم ربما يكون خضوع العاشق أمام معشوقته والجندي أمام آمره، أشدّ خضوعاً مّما يفعله كثير من الموَمنين باللّه تجاه ربّهم في مقام الدعاء والصلاة والعبادة ومع ذلك لايقال لخضوعهما بأنّه عبادة، في حين يكون خضوع الموَمنين تجاه ربهم عبادة وإن كان أخف من الخضوع الاَوّل.

نعم لقد ذكر هذا الموَلف نفسه ـ في ثنايا كلامه ـ ما يمكن أن يكون معرفاً صحيحاً للعبادة ومتفقاً ـ في محتواه ـ مع ما قلناه حيث قال:

«للعبادة صور كثيرة في كل دين من الاَديان شرعت لتذكير الاِنسان بذلك الشعور بالسلطان الاِلهي الاَعلى الذي هو روح العبادة، وسرّها»(2)


(1)المنار: 1|57.

(2)المنار: 1|57.

(92)

إنّ عبارة:« الشعور بالسلطان الاِلهي» حاكية عن أنّ الفرد العابد حيث إنّه يعتقد بإلوهية المعبود، لذلك يكون عمله عبادة وما لم يتوفر مثل هذا الاعتقاد في عمله لايتصف بالعبادة.

2 ـ وقد جاء شيخ الاَزهر الاَسبق الشيخ محمود شلتوت بتعريف يتحد مع ما ذكره المنار معنى ويختلف معه لفظاً فقال:

«العبادة خضوع لايحد لعظمة لاتحد» (1)

فالتعريفان متحدان نقداً وإشكالاً فليلاحظ وإن كان تفسير المنار يختص بإشكال آخر حيث إنّه يقول: «العبادة ناشئة عن استشعار القلب عظمة لايعرف منشوَها» في حين أنّ العابد يعلم أنّ علّة العظمة هي: السلطة الاِلهية، التي هي إلوهية المعبود والاِحساس بالحاجة الشديدة إليه، وأنّ بيده مصير العابد، وغير ذلك من الدوافع، فكيف لايعرف منشوَها؟ (2)

3 ـ وأكثر التعاريف عرضة للاِشكال هو تعريف ابن تيمية إذ قال:

«العبادة اسم جامع لكل مايحبه اللّه ويرضاه من الاَقوال والاَعمال الباطنية والظاهرية كالصلاة، والزكاة والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الاَمانة وبرّ الوالدين، وصلة الاَرحام» (3)

وهذا الكاتب لم يفرّق ـ في الحقيقة ـ بين العبادة، وبين التقرّب، وتصوّر أنّ كل عمل يوجب القربى إلى اللّه فهو عبادة له تعالى أيضاً، في حين أنّ الاَمر ليس كذلك، فهناك أُمور توجب رضا اللّه، وتستوجب ثوابه قد تكون عبادة كالصوم والصلاة والحج، وقد تكون موجبة للقربى إليه دون أن تعدّ عبادة كالاِحسان إلى


(1) تفسير القرآن الكريم: 37.

(2) آلاء الرحمان: 59.

(3) مجلة البحوث الاِسلامية العدد: 2 | 187، نقلاً عن كتاب «العبودية» : 38.

(93)

الوالدين وإعطاء الزكاة والخمس، فكل هذه الاَُمور (الاَخيرة) توجب القربى الى اللّه في حين لاتكون عبادة، وإن سمّيت في مصطلح أهل الحديث عبادة فيراد منها كونها نظير العبادة في ترتّب الثواب عليها.

وبعبارة أُخرى: أنّ الاِتيان بهذه الاِعمال يعد طاعة للّه، ولكن ليس كل طاعة عبادة.

وإن شئت قلت: إنّ هناك أُموراً عبادية، وأُموراً قربية، وكل عبادة مقرّب، وليس كل مقرّب عبادة، فدعوة الفقير إلى الطعام والعطف على اليتيم ـ مثلاً ـ توجب القرب ولكنّها ليست عبادة بمعنى أن يكون الآتي بها عابداً بعمله للّه تعالى.

لقد وقفت ـ أخي العزيز ـ على معنى «العبادة» ومفهومها وحقيقتها في ضوء الكتاب والسنّة، ولم يبق لك أي إبهام في معناها ولا أي غموض في حقيقتها، والآن يجب عليك ـ بعد التعرف على الضابطة الصحيحة في العبادة ـ أن تقيس الكثير من الاَعمال الرائجة بين المسلمين من عصر رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم إلى زماننا هذا لترى هل هي تزاحم التوحيد، وتضاهي الشرك، أو أنّها عكس ذلك توافق التوحيد، وليست من الشرك في شيء أبداً ؟

ولهذا نجري مَعَك في هذا السبيل (أي عرض هذه الاَعمال على الضابطة التي حقّقناها في مسألة العبادة) جنباً الى جنب فنقول:

إنّ الاَعمال التي ينكرها الوهابيون على المسلمين هي عبارة عن:

1) : التوسّل بالاَنبياء والاَولياء في قضاء الحوائج، وتحقيق المطالب:

فهل هذا شرك أم لا ؟.

يجب عليك أخي القارىَ أن تجيب على هذا السوَال بعد عرضه على


(94)

الضابطة التي مرَّت في تحديد معنى العبادة ومفهومها، فهل المسلم المتوسّل بالاَنبياء والاَولياء يعتقد فيهم «إلوهية» أو «ربوبية» ولو بأدنى مراتبها وقد عرفت معنى الاِلوهية والربوبية بجميع مراتبهما ودرجاتهما، أو أنّه يعتقد بأنّهم عباد مكرَّمون عند اللّه تعالى تُستجاب دعوتهم، ويُجابُ طلبُهم بنص القرآن الكريم.

فلو توسّل المتوسّل بالاَنبياء والاَولياء بالصورة الاَُولى كان عمله شركاً، يخرجه عن ربقة الاِسلام.

ولو توسّل بالعنوان الثاني لم يفعل ما يزاحم التوحيد ويضاهي الشرك أبداً.

وأمّا أنّ توسّله بهم مفيد أم لا، محلّل أو محرّم من جهة أُخرى غير الشرك فالبحث فيهما خارج عن نطاق البحث الحاضر الذي يتركز الكلام فيه على تمييز التوحيد عن الشرك، وبيان ما هو شرك وما هو ليس بشرك.

2 ) : طلب الشفاعة من الصالحين الذين ثبتت شفاعتهم بنص القرآن الكريم والسنّة الصحيحة:

فانّ طلب الشفاعة منهم إن كان بما أنّهم مالكون للشفاعة وأنّها حق مختص بهم، وإنّ أمر الشفاعة بيدهم، أو أنّه قد فوّض إليهم ذلك المقام، فلاشك أنّ ذلك شرك وانحراف عن جادة التوحيد، واعتراف بإلوهية الشفيع (المستَشْفَع) وربوبيته، ودعوة الصالحين للشفاعة بهذا المعنى والقيد شرك لامحالة.

وأمّا إذا طلب الشفاعة من الصالحين بما أنّهم عباد مأمورون من جانب اللّه سبحانه للشفاعة في من يأذن لهم اللّه بالشفاعة له، ولايشفعون لمن لم يأذن اللّه بالشفاعة له، وانّ الشفاعة بالتالي حق مختص باللّه بيد أنّه تعالى ، يجري فيضه على عباده عن طريق أوليائه الصالحين المكرمين.

فالطلب بهذا المعنى وبهذه الصورة لايزاحم التوحيد، ولايضاهي الشرك،


(95)

فهو طلب شيء من شخص مع الاعتراف بعبوديته المحضة ومأموريَته الخاصة.

وأمّا أنّه طلب مفيد أم لا، أو أنّه محلل أو محرم من جهة أُخرى غير جهة الشرك والتوحيد فهو أمر خارج عن إطار هذا البحث الذي يتركز ـ كما أسلفنا ـ على بيان التوحيد والشرك في العبادة.

3) : التعظيم أمام أولياء اللّه وقبورهم وتخليد ذكرياتهم:

فهل هذا العمل يوافق ملاك التوحيد أو يوافق ملاك الشرك؟

الجواب هو أنّ هذا العمل قد يكون توحيداً من وجه، وقد يكون شركاً من وجه آخر.

فإن كان التعظيم والتكريم ـ بأيّ صورة كان ـ قد صدر عن الاَشخاص تجاه أُولئك الاَولياء بما أنّ هوَلاء الاَولياء عباد أبرار وقفوا حياتهم على الدعوة إلى اللّه، وضحّوا بأنفسهم وأهليهم وأموالهم في سبيل اللّه، وبذلوا في هداية البشرية كل غال ورخيص، فأنّ مثل هذا التعظيم يوافق مواصفات التوحيد، لاَنّه تكريم عبد من عباد اللّه لما أسداه من خدمة في سبيل اللّه، مع الاعتراف بأنّه عبد لايملك شيئاً إلاّ ما ملكه اللّه، ولايقدر على عمل إلاّ بما أقدره اللّهُ عليه.

إنّ مثل هذا التعظيم يوافق أصل التوحيد بمراتبه المختلفة دون أي شك.

وأمّا إذا وقع التعظيم والتكريم للولي معتقداً بأنّه ـ حيّاً كان أو ميتاً ـ مالك لواقعية الاِلوهية أو درجة منها، أو أنّه واجد لمعنى الربوبية أو مرتبة منها، فانّه ـ ولاشك ـ شرك وخروج عن جادة التوحيد.

وأمّا أنّه مفيد أو لا، أو أنّه حلال أو حرام من جهة أُخرى غير جهة الشرك والتوحيد فخارج عن نطاق هذا البحث المهتم ببيان ما هو شرك وما هو ليس بشرك.


(96)

4 ) : الاستعانة بالاَولياء:

فهل هو يوافق التوحيد أم يوافق الشرك؟ إنّ الاِجابة على ذلك تتضح بعد عرض الاستعانة هذه على الميزان الذي أعطاه القرآن لنا، فلو استعان أحدٌ بولىٍّ ـ حياً كان أو ميتاً ـ على شيء موافق لما جرت عليه العادة أو مخالف للعادة كقلب العصا ثعباناً، والميت حياً، باعتقاد أنّ المستعان إلهٌ، أو رّب، أو مفوّض إليه بعض مراتب التدبير والربوبية فذلك شرك دون جدال.

وأمّا إذا طلب منه كل ذلك أو بعضه بما أنّه عبد لايقدر على شيء إلاّ بما أقدره اللّه عليه، وأعطاه، وأنّه لايفعل ما يفعل إلاّ بإذن اللّه تعالى، وإرادته، فالاستعانة به وطلب العون منه حينئذ من صلب التوحيد، من غير فرق بين أن يكون الولي المستعان به حياً أو ميتاً، وأن يكون العمل المطلوب منه عملاً عادياً أو خارقاً للعادة.

وأمّا أن ّالمستعان قادر على الاِعانة أو لا، أو أنّ هذه الاِعانة مجدية أم لا، وأنّ هذه الاستعانة محلّلة أو محرّمة، من جهات أُخرى أم لا ؟ فكل ذلك خارج عن إطار هذا البحث.

5) : طلب الشفاء والاِشفاء من أولياء اللّه:

هل ذلك يوافق أصل التوحيد أو لا ؟ فلو طلب أحد الشفاء من ولي من أولياء اللّه معتقداً بأنّ الشفاء بيد اللّه سبحانه فهو الشافي حقيقةً غير أنّه شاء أن يجري فيضه ويوصله إلى عباده عن طريق الاَسباب الطبيعية وغير الطبيعية فهذا الطلب يوافق التوحيد ويتلاءَم معه، ولاينافيه، لاَنّه يرى أنّ المسوَول لايفعل إلاّ بأمر اللّه ولايصدر إِلاّ عن إِرادته.


(97)

وأمّا إذا اعتقد ـ وهو يطلب منه الاِشفاء ـ بأنّه مستقل في الاِشفاء وانّه يملك الاشفاء أو أنّه مفوض إليه ذلك، كان عمله ذلك شركاً، وخروجاً عن إطار التوحيد.

وأمّا أنّ الاستشفاء بأولياء اللّه مفيد أو لا، أو أنّهم قادرون على الاشفاء أم لا، وأنّ مثل هذا العمل جائز أو غير جائز من جهة غير جهة التوحيد والشرك، فخارج عن مهمة ونطاق هذا البحث الذي يهدف معرفة ما هو شرك في طبيعته وما هو ليس بشرك.

هذا وقد أتينا بهذه الاَمثلة لتكون نموذجاً يقتديه القارىَ الكريم في دراسة بقية الاَُمور التي ينكرها الوهابيون مما لم نذكره، هنا اختصاراً.

* * *

وبما أنّ للوهابية أخطاءً واشتباهات في معنى الاِلوهية والربوبية، وكذا أخطاء في تحديد معايير التوحيد والشرك فإنّنا نردف هذا البحث بمعالجة ماتصوروه ـ خطأ ـ معياراً للتوحيد والشرك، ممّا ورد في كتب الكثير من مفكّريهم وكُتّابهم.

وقبل أن نستوفي البحث حول هذه المسائل والاَُمور نذكر في ختام هذا البحث عقائد الوثنيّين في العهد الجاهلي وكيفية دعوتهم للاَصنام، لاَنّ الوقوف على هذا خير عون لمعرفة الكثير من الآيات التي اتخذت ذريعة لوصف كثير من التوسّلات والدعوات بالشرك اغتراراً بظواهرها من دون تأمل في القرائن الحافة بها.

وإليك هذه الخاتمة.


(98)

6 ـ عقائد العرب الجاهليين والوثنيين :

إنّ الوثنيين في ذاك العصر كانوا ينقسمون إلى أصحاب الهياكل والاَشخاص والحرنانية والدهرية، وإليك توضيح عقائد بعض هذه الطوائف:

أ ـ أصحاب الهياكل:

وكانوا يقولون: إنّ الاِنسان ليس في مستوى عبادة اللّه والاتصال المباشر به بل لابد له من واسطة، فيتوجه إليه ويتقرّب به، وحيث إنّ الاَرواح لم تكن في متناول أيديهم فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبع، وكانوا يتقرّبون إلى هذه الهياكل تقرّباً إلى الروحانيات، ويتقرّبون إلى الروحانيات تقرّباً إلى البارىَ تعالى لاعتقادهم بأنّ الهياكل أبدان الروحانيات.

وكانوا يقومون بمراسيم خاصة لدى عبادة هذه الهياكل فيعملون الخواتيم على صورها وهيئتها وصنعتها، ويلبسون اللباس الخاص به في ساعات مخصوصة من اليوم ويبخرون ببخوره الخاص ويعبدون كل واحد من تلك السيارات في وقت معين ثم يسألون حاجتهم منها، ويسمّونها: «أرباباً» «آلهة» واللّه هو ربّ الاَرباب وإله الآلهة(1).

ب ـ أصحاب الاَشخاص:

وكان هوَلاء يشتركون مع الفريق السابق ـ في بعض العقائد ـ إلاّ أنّهم كانوا يعبدون أشكال السيارات بدل السيارات نفسها، لاَنّ لها طلوعاً وأُفولاً، وظهوراً بالليل وخفاءً بالنهار، ولهذا صنعوا لها صوراً ثابتة على مثالها ويقولون: نعكف


(1)الشهرستاني: الملل والنحل: 2|244.

(99)

عليها ونتوسل بها إلى الهياكل فنتقرّب إلى الروحانيات ونتقرّب بالروحانيات إلى اللّه سبحانه وتعالى فنعبدهم (ليقرّبونا إلى اللّه زلفى) (1)

ج ـ عقائد العرب الجاهلية:

قليل من العرب من كان يتديّن بالدهرية فقالوا بالطبيعة المحيية، والدهر المفني وكانت الحياة ـ في نظرهم ـ تتألّف من الطبائع والعناصر المحسوسة في العالم السفلي، فيقصرون الحياة والموت على تركّبها وتحلّلها، فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر ولكن أغلبهم كانوا يقرّون بالخالق وحدوث الخلق، وينكرون البعث والاِعادة وإرسال الرسل من جانب اللّه (2)

ومنهم من كان يعبد الملائكة والجن ويعتبرونها بناتاً للّه سبحانه. وصنف منهم كانوا من الصابئة الذين يعبدون الكواكب.

ومنهم من كان ينكر الخالق، وحدوث الخلق والبعث وإرسال الرسل، ولكن كلا الفريقين كانوا يعبدون الاَصنام ويعتبرونها مالكة لمقام الشفاعة عند اللّه.

ومن العرب من كان يتدين باليهودية أو بالنصرانية. وكانت المدينة محطّ الاَُولى، ونجران محط الثانية.

وأمّا الطوائف المسيحية الثلاث التي كانت تختلف فيما بينها في السيد المسيح وروح القدس والاَب، فكانت عبارة عن: الملكانية والنسطورية واليعقوبية.

وكانت هذه الطوائف رغم اختلافاتها تشترك في عبادة المسيح الذي لم يكن غير رسول.


(1)الملل والنحل: 2|244.

(2) الملل والنحل: 2|244.

(100)

وفي الآيات المتعرّضة لذكر احتجاج إبراهيم، إشارة إلى عقائد عبدة الكواكب والاَجرام السماوية.

كما أنّه وردت في بيان عقائد المسيحيين آيات.

والآيات التي شجب فيها القرآن، الوثنية ـ بشدة وعنف ـ ترتبط بعرب الجاهلية الذين كانوا يعتنقون عقائد مختلفة إذ كان أكثرهم يعبد الاَصنام باعتقاد أنّها الشفعاء وأنّها آلهة صغار، ومن هذه الآيات ـ على سبيل المثال ـ :

(وَإذا رَءاكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلاّ هُزُواً أَهذا الَّذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحمنِ هُمْ كافِرُون) (الاَنبياء ـ 36).

(أمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لايَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِم) (الاَنبياء ـ 43).

(وَجَعَلُوا للّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنينَ وَبناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الاَنعام ـ 100).

(أفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى * وَمنوةَ الثّالِثَةَ الاَُخرى) (النجم ـ 19 ـ 20).

إلى من تشير هذه الآيات ؟

إنّ الهدف الاَساس في هذه الآيات ونظائرها هو: النهي عن دعوة الفرق الوثنية، التي كانت تتخذ الاَصنام شريكة للّه في بعض لتدبير أو مالكة للشفاعة على الاَقل فكان ما يقومون به من خضوع واستغاثة واستشفاع بهذه الاَصنام باعتبار أنّها آلهة صغار، فوض إليها جوانب من تدبير الكون وشوَون الدنيا والآخرة.

فأيّ ارتباط لهذه الآيات بالاستغاثة بالاَرواح الطاهرة مع أنّ المستغيث بها لايتجاوز عن الاعتقاد بكونها عباد اللّه الصالحين.


(101)

فالمقصود من قوله سبحانه: (وَإنَّ المَساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً)

وما شابهها مّما تقدم في أوّل البحث هو الدعوة العبادية التي كان المشركون يقومون بها أمام اللاّت والعزّى ومناة أو الاَجرام الفلكية والملائكة والجن، وكأنّ الآية تريد أن تقول:(فلا تعبدوا مع اللّه أحداً).

فلو نهى القرآن الكريم عن إشراك غير اللّه معه سبحانه في العبادة، فأيّ ربط لهذه المسألة بمسألة دعوة الصالحين وطلب الحاجة منهم ممّا يقدرون عليها بإذن اللّه وإقداره:

فإذا قال القرآن الكريم:

(وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لايَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيء) (الرعد ـ 14).

(وَالّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لايَسْتَطِيعُونَ نَصْـرَكُمْ) (الاَعراف ـ 197).

(إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ)(الاَعراف ـ 194).

(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير)(فاطر ـ 13).

(قُلْ أنَدَعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلايَضُرُّنا) (الاَنعام ـ 71).

(وَلاتَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُّـرُّكَ) (يونس ـ 106).

وما سواها من الآيات ممّا يوجد في القرآن بوفرة، فكل هذه الآيات مرتبطة بالدعوة التي تكون عبادة للاَصنام والكواكب والملائكة والجنّ، باعتبار أنّها آلهة صغار وباعتبار أنّها معبودات ومدبرة للكون وشفعاء تامّي الاختيار، ولا مريّة في أن أية دعوة تكون هكذا، تكون مصطبغة ـ لامحالة ـ بصبغة العبادة، فأيّ ربط لهذه الآيات بدعوة الصالحين وطلب الشفاعة منهم مع الاعتقاد بأنّهم لايقدرون على شيء بدون الاِذن الاِلهي، ومع الاعتقاد بأنّهم لايملكون أيّ مقام إلهي وربوبي وتدبير، وما شابههما ؟! فهل يمكن قياس الدعوتين بالاَُخرى، وبينهما بون شاسع.


(102)

إنّ أوضح دليل على التباين بين هاتين الدعوتين هو أنّ الوهابيين يعتقدون بأنّ مثل هذا الطلب من الاَنبياء الصالحين شرك حرام بعد وفاتهم، وجائز مشروع حال حياتهم. وقد أثبتنا ـ فيما سبق ـ أنّ الموت والحياة غير موَثّرين ـ مطلقاً ـ في ماهية العمل، وفي جوازه وعدم جوازه.

ومما سبق تبيّن ما في «فتح المجيد» إذ قال:

«وقوله: (أو يدعو غيره): إعلم أنّ الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ويراد به في القرآن هذا تارة وهذا تارة أُخرى، ويراد به مجموعهما.

فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضرّ ولهذا أنكر اللّه على من يدعو أحداً من دونه ممّن لايملك ضراً ولانفعاً كقوله تعالى: (قُلْ أتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ولا نَفْعاً واللّهُ هُوَ السَّميعُ العَليمُ)(المائدة: 76)وقوله: (أنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ ما لاينفَعُنا ولايَضُرُّنا ونُرَدُّ على أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الاَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدَى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللّهُ هُوَ الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبَّ العالمين)(الاَنعام ـ 71) وقال: (ولا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّه ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذاً مِنَ الظّالمين)(يونس ـ 106).

قال شيخ الاسلام [ابن تيمية]: فكلّ دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمّن لدعاء العبادة قال اللّه تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً إنَّهُ لايُحِبُّ المُعْتَدِين) (الاَعراف ـ 55) وقال تعالى: (قُلْ أرَأَيْتَكُمْ إِنْ أتاكُمْ عَذابُ اللّهِ أو أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ * بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ماتُشْرِكُونَ)(الاَنعام ـ 40 ـ 41). وقال تعالى:(وأَنَّ المَساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أحَداً) (الجن ـ 18) وقال تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الحقِّ وَالَّذينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيءٍ إلاّ كباسِطِ كفَّيهِ إلى )


(103)

الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هُوَ بِبالغِهِ وَمَا دُعاءُ الكافِرينَ إلاّ في ضَلال)(الرعد ـ 14) وأمثال هذا في القرآن في دعاء المسألة أكثر من أن يحصر وهو يتضمّن دعاء العبادة، لاَنّ السائل أخلص سوَاله للّه وذلك من أفضل العبادات، وكذلك الذاكر للّه والتالي لكتابه ونحوه طالباً من اللّه في المعنى فيكون داعياً عابداً.

فتبيّن بهذا من قول شيخ الاسلام إنّ دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، كما انّ دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة» (1)

فمن هذا البحث الضافي حول الدعوتين وكون إحداهما مسألة عبادية، والاَُخرى مسألة غير عبادية، تتضح أُمور:

الاَوّل: كيف استفاد ابن تيمية من الآية: (ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفية) والآية: (وأنّ المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه أحداً) انّ طلب الحاجة من أحد تكون دعوة عبادة للمدعو.

فإذا كانت لفظة (ادعوا) في قوله سبحانه: (ادعوا ربّكم تضرّعاً) ولفظة (لاتدعو) في قوله سبحانه: (فلا تدعوا مع اللّه) بمعنى المناداة فكيف تكون الدعوة الطلبيةمستلزمة للدعوة العبادية؟

إنّ هاتين الآيتين ـ على فرض دلالتهما ـ (ولا دلالة لهما) لا تدلاّن على أكثر من النهي عن دعوة غير اللّه، وأمّا أنّ دعوته تكون مستلزمة لعبادته، فلا يدل ظاهر الآية عليه أبداً إذ أنّ النهي عن الشيء ليس دليلاً على كون المنهي عنه مصداقاً للعبادة.

الثاني: انّ الدعوة الطلبية إنّما تستلزم الدعوة العبادية إذا اعتقد الداعي بإلوهية المدعو على مراتبها، ففي هذه الموارد تستلزم الدعوة الطلبية: الدعوة


(1)فتح المجيد: 166.

(104)

العبادية، بل هي الدعوة العبادية عينها وليست مستلزمة لها، وتكون مثل هذه الدعوة عبادة لا أنّها مستلزمة للعبادة.

ولكن إذا دعى الداعي أحداً، مجرداً عن الاعتقاد المذكور، فلا تكون دعوته ـ حينئذ ـ عبادة له.

الثالث: من الغريب جداً أن تصح الاستغاثة بالاَحياء وتكون مشروعة ـ على الاِطلاق ـ غافلاً عن أنّه لو كان مطلق الاستغاثة بغير اللّه (حتى إذا لم تكن مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية أو مالكية المستغاث) شركاً لما كان لموت المدعو وحياته أي أثر في هذا القسم.

وما ورد عن النبي الاَكرم من أنّ الدعاء مخ العبادة، فالمراد هو الدعوة الخاصة، أعني: ما إذا كانت مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية المدعو.

وبتعبير آخر: أنّ المقصود بالدعاء في الحديث المذكور انّما هو دعاء اللّه، فيكون دعاء اللّه مخ العبادة.

فأي ربط لهذا الحديث بدعوة الصالحين التي لاتكون مقرونة بأي شيء من الاعتقاد بإلوهية المدعو؟!!

نعم يبقى هنا سوَال وهو انّ دعوة الغيروإن لم تكن عبادة له على ما أوضحناه، ولكنّها أمر محرّم بحكم هذه الآيات، فدعوة الصالحين من الاَموات من الدعوات المحرمة، لاَنّها دعوة غيره سبحانه، ودعوة الغير منهية عنه، نعم لاتشمل الآيات دعوة الاَحياء، لاَنّه أمر جائز بالضرورة، فيستنتج منها حرمة دعوة الصلحاء الماضين وإن لم يكن شركاً.

والجواب عنه واضح بعد الاِحاطة بما ذكرناه لاَنّ الآيات ناظرة إلى دعوة خاصة صادرة من المشركين، وهي دعوة آلهتهم وأربابهم المزعومة، والنهي عن هذه الدعوة المخصوصة لاتوجب حرمة جميع الدعوات حتى فيما لم تكن بهذه المثابة.


(105)

وأوضح دليل على ما ذكرناه هو ما اعترف به السائل من عدم شمول الخطابات لدعوة الاَحياء وطلب الحاجة منهم، فإنّ خروج هذا القسم ليس خروجاً عن حكم الآيات حتى يكون تخصيصاً، بل خروج عن موضوعها وعدم شمولها له من أوّل الاَمر، وليس الوجه لخروجه عن الآيات إلاّ ما ذكرناه من أنّ الآيات ناظرة إلى الدعوة التي كان المشركون يقومون بها طيلة حياتهم وهي دعوة الاَصنام والاَوثان بما هي آلهة، بما هم يملكون لهم النفع والضر والشفاعة والغفران، وهذا الملاك ليس بموجود في دعوة الصلحاء.

ولاَجل هذه العقيدة في حق الآلهة يقول سبحانه، في الاِله الذي صنعه السامري:

(هذا إلهُكُمْ وَإلهُ مُوسى فَنَسِيَ * أَفَلا يَرَوْنَ ألاّ يَرجِعُ إلَيْهِمْ قَولاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفعَاً) (طه 88 ـ 89).

ومّما يدل على ما ذكرناه هو تكرار كلمة (من دونه) في الآيات فأنّها ليست لتعميم كل دعوة متوجهة إلى غيره سبحانه حتى نحتاج إلى إخراج بعض الاَقسام أعني: دعوة الاَحياء لطلب الحوائج، أو دعوة الاَموات لا لطلب الحاجة، بل للتوسّل والاستشفاع، بل جيىَ به لتبيين خصوصية هذه الدعوة. وهي دعوة الغير بظن أنّه يقوم بالفعل مستقلاً من دون اللّه كما هو المزعوم للمشركين في آلهتهم.

وأمّا طلب الحاجة مّمن لايقوم (في زعم الداعي) إلاّ بأمره سبحانه ومشيئته بحيث لاتكون دعوته منفكة عن دعوة اللّه سبحانه فلا يصدق عليه قوله تعالى:

(وَالّذينَ يَدعُونَ مِنْ دُونِهِ لايَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيء) (الرعد ـ 14).


(106)



(107)

الفصل الثالث

الوهابيون وملاكات التوحيد والشرك ..


(108)



(109)

1


هل الاعتقاد بالسلطة الغيبية
لغير اللّه معيار التوحيد والشرك؟

لاشك في أنّ طلب الحاجة من أحد ـ بصورة جدية ـ انّما يصح إذا اعتقد طالب الحاجة بأنّه قادر على إنجاز حاجته. وهذه القدرة قد تكون قدرة ظاهرية ومادية، كأن نطلب من أحد أن يسقينا ماء، ويجعله تحت تصرّفنا. وقد تكون القدرة قدرة غيبية، خارجة عن نطاق المجاري الطبيعية والقوانين المادية، كأن يعتقد أحد بأنّ الاِمام علياً ـ عليه السلام ـ قلع باب «خيبر» بالقدرة الغيبية، كما جاء في الحديث.

أو أنّ المسيح ـ عليه السلام ـ كان يقدر، بقدرة غيبية على منح الشفاء لمن استعصى علاجه، دون دواء، أو إجراء عملية جراحية.

والاعتقاد بمثل هذه القدرة الغيبية إن كان ينطوي على الاعتقاد بأنّها مستندة إلى الاِذن الاِلهي وإلى القدرة المكتسبة منه سبحانه، فهي حينئذ لاتختلف عن القدرة المادية الظاهرية، بل هي كالقدرة المادية التي لايستلزم الاعتقاد بها الشرك، لاَنّه سبحانه الذي أعطى القدرة المادية لذلك الفرد، هو أيضاً أعطى القدرة الغيبية لآخر، دون أن يعد المخلوق خالقاً، وأن يتصوّر استغناء أحد عن اللّه.

فلو قام أحد بمعالجة المرضى عن طريق السلطة الغيبية، فقد قام بأمر اللّه،


(110)

وإذنه ومشيئته، ومثل ذلك لايعد شركاً. وتمييز السلطة المستندة إلى اللّه عن السلطة المستقلة هو حجر الاَساس لامتياز الشرك عن التوحيد، وبذلك يظهر خطأ كثير ممّن لم يفرّقوا بين السلطة الغيبية المستندة، والسلطة الغيبية غير المستندة.

وقالوا: لو أنّ أحداً طلب من أحد الصالحين ـ حياً كان أم ميتاً ـ شفاء علّته أو رد ضالّته أو أداء دينه، فهذا ملازم لاعتقاد السلطة الغيبية في حق ذلك الصالح وانّ له سلطة على الاَنظمة الطبيعية، الحاكمة على الكون بحيث يكون قادراً على خرقها وتجاوزها، والاعتقاد بمثل هذه السلطة لغير اللّه عين الاعتقاد بإلوهية ذلك المسوَول، وطلب الحاجة في هذا الحال يكون شركاً.

فلو طلب إنسان ظامىَ الماء من خادمه فقد اتّبع الاَنظمة الطبيعية لتحقّق مطلبه، أمّا إذا طلب الماء من إمام أو نبي موارى تحت التراب، أو عائش في مكان ناءٍ، فانّ مثل هذا الطلب ملازم للاعتقاد بسلطة غيبية لهذا النبي، أو الاِمام على نحو ما يكون للّه سبحانه، ومثل هذا عين الاعتقاد بإلوهية المسوَول!!

ومّمن صرّح بهذا الكلام الكاتب أبو الاَعلى المودودي إذ يقول:

«صفوة القول إنّ التصوّر الذي لاَجله يدعو الاِنسان الاِله، ويستغيثه، ويتضرّع إليه هو ـ لاجرم ـ تصوّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة وللقوى الخارجة عن دائرة نفوذ قوانين الطبيعة» (1)

وهذا الكلام صريح في أنّه جعل الاعتقاد بهذه السلطة المهيمنة ملاكاً للاعتقاد بالاِلوهية، وقد صرّح بذلك في موضع آخر من كتابه حيث جعل ملاك الاَمر في باب الاِلوهية، هو الاعتقاد بأنّ الموجود المسوَول قادر على أن ينفع أو يضر


(1)المصطلحات الاَربعة: 17.

(111)

بشكل خارج عن إطار القوانين والسنن الطبيعية المألوفة إذ قال:

«فالذي يتخذ كائناً ما ولياً له ونصيراً وكاشفاً عنه السوء، وقاضياً لحاجته ومستجيباً لدعائه، وقادراً على أن ينفعه، كل ذلك بالمعاني الخارجة عن نطاق السنن الطبيعية يكون السبب لاعتقاده ذلك ظنّه فيه انّ له نوعاً من أنواع السلطة على نظام هذا العالم، وكذلك من يخاف أحداً ويتّقيه يرى أنّ سخطه يجر عليه الضرر، ومرضاته تجلب له المنفعة لايكون مصدر اعتقاده ذلك وعمله إلاّ ما يكون في ذهنه من تصوّر أنّ له نوعاً من السلطة على هذا الكون ثم إنّ الذي يدعو غير اللّه ويفزع إليه في حاجته بعد إيمانه باللّه العلي الاَعلى فلا يبعثه على ذلك إلاّ اعتقاده فيه أنّه له شركاً في ناحية من نواحي السلطة الاِلوهية» (1)

وصريح هذا الكلام هو التلازم بين القدرة على النفع والضرر، والاعتقاد بالسلطة الاِلوهية، وانّ كل قدرة على النفع والضرر من غير المجاري الطبيعية ينطوي على الاِلوهية، بالملازمة.

وهذا جداً عجيب من المودودي.

إذ مضافاً ـ إلى أنّ الاعتقاد بالاِلوهية لايستلزم الاعتقاد بالسلطة في الطرف الآخر، بل يكفي الاعتقاد بكونه مالكاً للشفاعة والمغفرة كما كان عليه فريق من عرب الجاهلية، إذ كانوا يعتقدون في شأن أصنامهم بأنّها آلهتهم، لاَنّها مالكة شفاعتهم ومغفرتهم ومعلوم ـ جيداً ـ انّ مالكية الشفاعة غير القول بوجود السلطة التي يراد منها: السلطة على عالم التكوين ـ إنّ الاعتقاد بالسلطة الغيبية الخارجة عن إطار السنن الطبيعية لايوجب الاعتقاد بالاِلوهية.


(1)المصطلحات الاَربعة: 23، وفي موضع آخر صرّح بهذا الاستلزام إذ قال في ص30: «إنّ كلاً من السلطة والاِلوهية تستلزم الاَُخرى».

(112)

إنّ السلطة على الكون بجميعه ـ فضلاً عن بعضه ـ إذا كانت بأقدار اللّه تعالى وبإذن منه ـ فهي بنفسها ـ لاتلازم الاِلوهية، فكما أنّ اللّه أعطى لآحاد الاِنسان قدرة محدودة في أُمورهم العادية وفضّل بعضهم على بعض في تلك القدرة، فكذلك لامانع من أن يعطي لفرد أو أفراد من خيار عباده قدرة تامة غير عادية على جميع الكون، أو بعضه، وذلك بنفسه لايستلزم الاِلوهية، والذي يمكن أن يقع عليه الكلام هو البحث عن وجود تلك القدرة وأنّه سبحانه هل أعطى ذلك أو لا ؟ والقرآن يصرّح بذلك في عدّة موارد، منها ما ورد في شأن يوسف ـ عليه السلام ـ .

* النبيّ يوسف والسلطة الغيبية :

أمر يوسف ـ عليه السلام ـ إخوته بأن يأخذوا قميصه إلى أبيه ويلقوه على بصره ليرتدّ بصيراً كما يقول القرآن الكريم في هذا الشأن:

(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أبي يَأْتِ بَصِيراً) (يوسف ـ 93).

(فَلَمّا أَنْ جاءَ البَشيرُ ألقاهُ عَلى وَجهِهِ فَارْتَدَّ بَصيراً) (يوسف ـ 96).

إنّ ظاهر الآية يعطي أنّ رجوع البصر إلى يعقوب كان بإرادة يوسف وانّه لم يكن فعلاً مباشرياً للّه سبحانه وإنّما فعل ما فعله يوسف بقدرة مكتسبة منه سبحانه.

ولو كان إشفاء يعقوب مستنداً إلى اللّه سبحانه مباشرة بلا دخالة يوسف لما أمر إخوته أن يلقوا قميصه على وجه أبيهم، بل يكفي هناك دعاوَه من مكان بعيد، وليس هذا إلاّ تصرّف لولي اللّه في الكون بإذنه سبحانه.


(113)

* النبيّ موسى والسلطة على الكون:

ونظير هذا نجده في أنبياء آخرين كموسى ـ عليه السلام ـ ، إذ قيل له:

(اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرةَ عَيْناً) (البقرة ـ 60).

فلو لم يكن لضربه بالعصا عن إرادته، تأثير في تفجير الماء من الصخر لما أمر به اللّه سبحانه.

وربما يتصوّر أنّ موسى يضرب بعصاه ولكن اللّه هو الذي يفجّر الاَنهار، فهذا لايدل على سلطة غيبية لموسى، إذ غاية الاَمر أنّ اللّه تعالى يفعل تفجير الاَنهار عند ضربه، لكنّه ضعيف يرجع إلى لغوية الاَمر بالضرب بالعصا، فانّ الضرب بالعصا ليس من قبيل الدعاء حتى يقال إنه سبحانه يجيب دعوته عند دعائه، وعلى الجملة لايمكن أن تنكر دخالة ضربه بالعصا وإرادته ذاك العمل في تفجّر الاَنهار وإن كان إذنه سبحانه ومشيئته فوقه. ولاتدل الآية على أزيد من هذا.

ومثله قوله سبحانه:

(فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ) (الشعراء ـ 63).

ودلالة هذه الآية على ما نرتئيه لاتقصر عن دلالة الآية السابقة.

* أصحاب سليمان والسلطة الغيبية:

أنّ مثل هذه السلطة الغيبية لم تقتصر على من ذكرنا بل يثبتها القرآن الكريم لاَصحاب سليمان وحاشيته فها هو أحد حاشيته يضمن له ـ عليه السلام ـ بإحضار عرش ملكة سبأ قبل أن يقوم من مقامه، وقبل أن ينفض مجلسه إذ قال سبحانه:


(114)

(قالَ يا أَيُّها المَلَوَُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِك َوإنّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ) (النمل: 38 ـ 39).

بل ويضمن له آخر من حواشيه أن يحضر العرش المذكور في أقل من طرفة عين إذ قال: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَءَاهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضلِ رَبّي) (النمل ـ 40).

ولم يتبيّن ـ إلى الآن ـ ما المراد من هذا العلم الذي كان يحمله قائل هذا القول: (أنا آتيكَ بهِ قَبلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ) (1)

وسواء أكان المراد من ذلك هو العلم بخواص الاَشياء الغريبة وكيفية معالجتها وإحضارها من مكان بعيد في أقل من طرفة عين، أم كان المراد منه غيره.

وعلى أيّ تقدير فليس هذا العلم من سنخ العلوم الفكرية التي تقبل الاكتساب وتنال بالتعلّم، وهذا يكفي في عدّ عمله خارقاً للنواميس العادية والسنن الطبيعية المكشوفة الرائجة.

وربما يحتمل أنّه إذا كان عمله مستنداً إلى عمله بغرائب خواص الاَشياء المستورة على الناس لايخرج عن كونه عملاً طبيعياً، وإن كان يعد غريباً ولعلّه كان له علم بغرائب الخواص.

يلاحظ عليه بأنّه ـ مع أنّه احتمال غير مدعم بدليل ـ لا يخرج عمل العامل عن كونه قرين المعجزات وعديل الكرامات التي لايقدر عليها إلاّ أولياء اللّه سبحانه.

وقد احتمل بعض في باب المعجزات أن يكون عمل الآتي بها، مستنداً إلى


(1)ذكر المفسّـرون هناك أقوالاً واحتمالات، فراجع الميزان: 15|363.

(115)

علمه بالسنن الطبيعية التي لم يقف عليها أحد من الناس، فيتصرّف في الطبيعة لاِحاطته بتلك القوانين غير المعروفة، وليس هذا من العلوم الفكرية التي تقبل الاكتساب والتعلّم، وهذا يكفي في عدِّه معجزة أو كرامة.

* النبيّ سليمان والسلطة الكونية :

ويصرّح القرآن كذلك بسلطة خارقة لسليمان ـ عليه السلام ـ في سور مختلفة:

1 ـ إنّه كان لسليمان سلطة على الجن والطير حتى أصبحت من جنوده:

(وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والاِنْسِ والطَّيْرِ...) (النمل ـ 17).

2 ـ إنّه وهب السلطة على عالم الحيوانات حتى إنّه كان يخاطبهم ويهدّدهم ويطلب منهم تنفيذ أوامره:

(وَتَفَقَّدَ الطّيْرَ فَقالَ ما ليَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ * لاَُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أوْ لاَذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنّي بِسُلْطانٍ مُبين)(النمل: 20 ـ 21).

3 ـ وإنّه سلّط على الجنّ فكانوا يعملون بأمره وإرادته.

(وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ يَدَيهِ بِإذنِ رَبِّهِ ... يَعْمَلُونَ لَهُ مايَشاءُ) (سبأ : 12ـ 13).

4 ـ وإنّه سلّط على الريح أيّما تسليط:

(وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْري بِأمرِهِ) (الاَنبياء ـ 81).

وعلى أيّ تقدير فأيّة سلطة أعظم وأوضح من هذه السلطة على عالم التكوين التي كانت لسليمان، والجدير بالذكر أنّ بعض الآيات صرّحت بأنّ كل هذه الاَُمور غير العادية كانت تتحقّق له بأمره.


(116)

* النبيّ المسيح والسلطة الغيبية:

ومثله ما صدر عن عيسى المسيح ـ عليه السلام ـ من تصرّف يكشف عن وجود سلطة خارقة للعادة، إذ كان يخلق من الطين كهيئة الطير وينفخ فيه فيكون طيراً يتحرك ويطير، أو يعالج ما استعصى من الاَمراض والعلل دونما آلة أو دواء، كما يحدّثنا القرآن الكريم حيث يقول:

(أنّي أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإذنِ اللّهِ وأُبْرِىَُ الاَكْمَهَ والاَبْرَصَ وأُحْي الموتى بِإذنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ إنَّ في ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُوَمِنين) (آل عمران ـ 49).

والجدير بالذكر أنّ اللّه يصرّح في آية أُخرى بأنّ هذه التصرّفات كانت نتيجة فعل عيسى نفسه، الكاشف عن سلطته نفسه (وإن كانت مستندة إلى اللّه مآلاً ) إذ يقول تعالى:

(وَإذْ تَـخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ بِإذْني فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإذْني وَتُبرىَ الاَكْمَهَ وَالاَبْرَصَ بِإذني وإذْ تُخْرِجُ الموتى بإذْني) (المائدة ـ 110).

ولمّا كان صدور هذه الآيات منه مستنداً إلى اللّه تعالى من غير أن يستقل عيسى بشيء منها كرر جملة (بإذن اللّه)في كل مورد، لكيلا يضل فيه الناس فيعتقدوا بإلوهيته، لصدور تلك الآيات منه، ولاَجل ذلك قيد المسيح كل آية يخبر بها عن نفسه كالخلق وإحياء الموتى بـ (إذن اللّه) ثم ختم الكلام في آية أُخرى بقوله:

(إنّ اللّهَ رَبّي وَرَبُّكُمْ فَاعبدُوهُ هذا صِراطٌ مُستقيمٌ) (آل عمران ـ 51).

وظاهر قوله: (أنّي أخلق لكم) صدور هذه الآيات منه في الخارج ولم يكن الهدف منه مجرد الاحتجاج والتحدي، ولو كان المراد ذلك لكان حق الكلام تقييده بقوله: إن سألتم أو أردتم.


(117)

على أنّ مايحكيه اللّه سبحانه عنه ويخاطبه به يوم القيامة، يدل على وقوع هذه الآيات أتم دلالة حيث قال:

(وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرىَُ الاَكمه والاَبرص بإذني وإذ تخرج الموتى ...)

وها هنا يبرز سوَال وهو: إذا كان الاِخبار عن الغيب آية من آياته المعجزة فلماذا لم يقيّده بـ «إذن اللّه» فيما سبق: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأكُلُونَ ) كما قيّد الآيات الاَُخر بهذا القيد مع أنّ الاِتيان بكل آية من آيات الرسل مقيد بإذن اللّه سبحانه حيث يقول:

(وَما كانَ لِرَسُولٍ أن يَأْتِيَ بآيةٍ إلاّ بإذنِ اللّه) (غافر ـ 78).

والاِجابة عن هذا السوَال واضحة: فإنّ الاَخبار عن ما يأكله الناس ويدّخرونه في بيوتهم ليس كالخلق والاِحياء وإبراء الاَكمه والاَبرص، فإنّ القلوب الساذجة تقبل وتتوهّم إلوهية خالق الطير ومحيي الموتى ومبرىَ الاَكمه والاَبرص بأدنى وسوسة ومغالطة بخلاف إلوهية من يخبر عن المغيّبات، فإنّها لا تذعن بالاختصاص الغيب باللّه سبحانه، بل تعتقده أمراً يناله كل مرتاض أو كاهن، ولاَجل ذلك لم ير حاجة إلى تقييده بـ (إذن اللّه) (1)

سوَال آخر هو: أنّ قوله سبحانه: (أنّي أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللّه) مشتمل على أُمور:

1 ـ خلق هيئة الطير من الطين.

2 ـ النفخ في تلك الهيئة.

3 ـ صيرورتها طيراً بإذن اللّه.


(1)الميزان: 3|218.

(118)

وما هو فعل عيسى ـ عليه السلام ـ إنّما هو الاَوّلان، والثالث خارج عن فعله، بل هو فعل اللّه بقرينة تقييد الثالث بإذن اللّه دون الاَوّل والثاني.

وعلى الجملة للخلق معنيان:

1 ـ الاِيجاد من العدم.

2 ـ التقدير.

والمتعيّن في المقام هو المعنى الثاني، والاِيجاد من العدم إنّما يتصوّر فيما لم تكن هنا مادة متحوّلة، والمفروض وجود «الطين» في المقام وما صدر عن عيسى هو «التقدير» أعني: تقدير الطين كهيئة الطير، وبقي الثالث وهو صيروته طيراً حقيقياً فهو فعل اللّه يتحقّق بإذنه سبحانه، فلم يبق هنا فعل غير عادي يصح استناده إلى المسيح ـ عليه السلام ـ .

أمّا الجواب فنقول أوّلاً: إنّا لانُسَلّم بأنّ قوله تعالى: (بإذن اللّه) راجع إلى الاَمر الثالث، بل من المحتمل جداً رجوعه إلى الاَُمور الثلاثة، والشاهد عليه أنّه قيّد الاَمر الاَوّل من سورة المائدة بهذا القيد حيث قال سبحانه:

(وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيها فَتَكوُن طَيْـراً بِإِذْنِـي) (المائدة ـ 110).

وعلى ذلك فلا يدل تقييد الاَمر الثالث بإذن اللّه على أنّ الاَمرين الاَوّلين فعل عيسى والاَمر الثالث فعل اللّه سبحانه، بل الكلّ فعله ـ عليه السلام ـ من جهة، وفعل اللّه من جهة أُخرى.

وثانياً: لو سلّمنا ذلك التكلّف في خلق الطير، فماذا يمكن ان يقال في إبراء الاَكمه والاَبرص وإحياء الموتى، التي هي من أفعال اللّه، كصيرورة الطين طيراً، فقد نسبه اللّه إلى نفسه، وقال:


(119)

(أُبْرِىَُ الاَكْمَه والاَبْرَصَ وأُحيِ المَوْتَى بِإِذْنِ اللّه) (آل عمران ـ 49).

حتى أنّ اللّه سبحانه نسبها إلى المسيح وخاطبه بها وقال:

(وَتُبْـرِىَُ الاََكْمَهَ والاَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإِذْنِي)( المائدة ـ 110).

على أنّ اللّه يصف طائفة من ملائكته أيضاً بهذه السلطة فيقول عن جبرئيل بأنّه:

(شَدِيدُ القُوَى) (النجم ـ 5).

أي قواه العلمية كلّها شديدة فيعلم ويعمل(1)وكيف لايكون ذا قوة وقد اقتلع قرى قوم لوط فرفعها إلى السماء ثم قلبها، ومن شدة قوته صيحته على قوم ثمود حتى هلكوا (2) ولو كان المراد من شديد القوى هو جبرائيل فقد وصفه اللّه في موضع آخر بقوله:

(ذَي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ) (التكوير ـ 20).

ومن هذا هو شأنه فله السلطة الغيبية بإذن اللّه سبحانه على الكون.

وهل هناك سلطة غيبية أظهر من هذه التي يثبتها القرآن الكريم لفريق من عباد اللّه وأوليائه، فإذا كان الاعتقاد بالسلطة الغيبية لاَحد ملازماً للاعتقاد بإلوهيته لزم أن يكون جميع هوَلاء: آلهة من وجهة نظر القرآن، بل لابد من القول بأنّ تحصيل مثل هذه السلسلة الغيبية أمر ممكن لاَشخاص آخرين ـ حتى غير الاَنبياء ـ عن طريق العبادة.

فالعبادة ـ التي يتصوّر أغلبية الناس أنّ آثارها تنحصر في جلب رضاء اللّه، ودفع غضبه فقط ـ ربّما تمنح الروح قدرة عظيمة، وبعداً أعمق من ذلك.


(1)مجمع البيان: 5|173.

(2)مفاتيح الغيب للرازي: 7|702.

(120)

فالعبادة ذات تأثير جداً عظيم، وفي الباطن، والروح.

إذ الانتهاء عن المحرّمات، والمكروهات، والتزام الواجبات والمستحبات، الاِخلاص فيها ذو أثر عظيم، وعميق في تقوية الروح، وتجهيزها بقدرة خاصة خارقة للقوانين والسنن بحيث تكون الروح منشأ لآثار خارقة للعادة.

وهذا هو ما أشارت إليه أحاديث صحاح منها: ماروي في الحديث القدسي عن قوله تعالى:

«ما تقرّب إليَّ عبد بشيء أحبّ إليَّ مما افترضت عليه، وانّه ليتقرب إليَّ بالنافلة حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها» (1)

فالحق: أنّ السلطة الغيبية التي أعطاها سبحانه لخيار عباده ليتصرّفوا في الكون بإذنه ومشيئته، ويخرقوا قوانين الطبيعة في مجالات خاصة لاتستلزم الاعتقاد بالاِلوهية، ولايكون صاحبها نداً وشريكاً للّه تعالى.

نعم، الاعتقاد بالسلطة الغيبية «المستقلة» من دون أن تكون مستنداً إليه سبحانه هو الموجب للاعتقاد بالاِلوهية، وقد قال سبحانه في هذا الصدد:

(وَمَا كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلاّ بِإذنِ اللّه) (الرعد ـ 38).


(1)أصول الكافي: 1|352، روى هذا الحديث باسناد صحيح، و الرواية ظاهرة في أنّ العبادة تخلق للنفس قدرة خارقة ممّا لاينكر، واحتمال أنّ المقصود منها أنّ فعل العبد يكون محفوفاً برضاء اللّه سبحانه، وأنّه لايفعل ولايترك إلاّ ما فيه رضاه، احتمال مرجوح جداً، فانّ الحركة على طبق رضاه طيلة الحياة، ليست أثر خصوص فعل الصلوات ـ فرائضها ونوافلها ـ بل هي قبل كل شيء إثر الاِيمان باللّه وثوابه وعقابه، لا الاِقبال على الفرائض والنوافل، ولو كان لهذه الاَفعال تأثير في تلك الحركة فليكن للصوم والحج والجهاد، تأثير أيضاً، فلماذا لم يذكرها؟

فعلم أنّ للصلاة ـ فريضتها ونافلتها ـ تأثيراً في تقوية النفس والروح وترفعتها إلى حدّ يقدر معه الاِنسان، على أن يكون مظهراً للّه سبحانه في بصره وسمعه. وبطشه وتكلّمه، فيبصر ببصره، ويسمع بسمعه، ما لا يبصر ولايسمع بغيره.


(121)

كلام آخر للمودودي:

يصف المودودي عقائد الجاهليين ويقول:

«كانت عقيدتهم الحقيقية في شأن سائر الآلهة أنّ لهم شيئاً من التدخّل والنفوذ في إلوهية ذلك الاِله الاَعلى وأنّ كلمتهم تتلقّى بالقبول، وأنّه يمكن أن تتحقق أمانينا بواسطتهم، ونستدر النفع، ونتجنّب المضار باستشفاعهم» (1)

يلاحظ عليه: أنّ ماصوّر به عقيدة الجاهلية في شأن سائر الآلهة «بأنّ لهم شيئاً من التدخل والنفوذ في إلوهيةالاِله الاَعلى» يحتاج إلى التوضيح، فإنّ تدخل الغير في شوَونه سبحانه على قسمين:

الاَوّل: بصورة كونهم مستقلين في أفعالهم وأعمالهم، وهذا يوجب الشرك وكون المتدخل إلهاً، والتوجّه إليه عبادة.

الثاني: التدخل والنفوذ بإذنه سبحانه، وأمره فلا نسلم بطلانه، وليس الاعتقاد به شركاً، والطلب عبادة كيف والقرآن يصرّح بأنّ الملائكة تدبّر الاَُمور الكونية، إذ يقول: (فَالـمُدَبِّراتِ أمْراً) (النازعات ـ 5).

وأنّهم هم الذين يقبضون الاَرواح ويهلكون الاَُمم العاصية، إذ يقول عن لسان الملائكة:

(إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ ... فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عَالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا) (هود ـ 70 و 82).

فإنّنا نلاحـظ ـ بجلاء ـ أنّ اللّه هو الجاعل، ولكن المباشر للاِهلاك هم: الملائكة، إذن فلا مناص من تبديل كلمة التدخّل والنفوذ في كلامه بكلمة «التفويض» وغيرها مّما ينطوي على التصرف في معزل عن أمر اللّه وإذنه وإرادته.

وأمّا ما نقل عنهم من أنّهم كانوا يعتقدون في حق آلهتهم «بأنّه يمكن أن


(1)المصطلحات الاَربعة: 19.

(122)

تتحقّق أمانيهم بواسطتها، ويستدر النفع، ويتجنّب المضار باستشفاعهم» لايخلو من قصور(1)،

؟.

فإن أراد «أنّ النفع الاَُخروي والتجنب عن الضرر الاَُخروي لايجوز سوَاله من غير اللّه سبحانه، ويكون عند ذلك مثل الوثنيين الجاهليين» فقد صرّح القرآن بخلافه، إذ لاشك انّ دعاء الرسول لموَدّي الزكاة موجب للسكن لهم، ورافع للاضطراب عنهم، اذ قال سبحانه: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَواتَكَ سَكَنٌ لَهُم) (التوبة ـ 103).

كما أن استغفار الرسول موجب لغفران الذنوب لقوله سبحانه:

(وَلَوْ أنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أنفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (النساء ـ 64).

كما كان دعاء يعقوب موجباً لغفران ذنوب أبنائه لقولهم: (يا أَبَانَا اسْتَغْفِر لَنَا ذُنُوبَنَا).

فأجابهم يعقوب ـ عليه السلام ـ إذ قال: (سَوْفَ اسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) (يوسف ـ 98).

وهو كاشف عن جدوى استغفاره، إذ لولا ذلك لما وعدهم به، وعندئذ يجوز أن يطلب من الرسول الدعاء والاستغفار وهو طلب النفع الاَُخروي.

وأي نفـع ـ ترى ـ أولى من النفع الاَُخـروي، وأي دفـع ضرر أهم من دفـع


(1)أضف إلى ذلك: أنّ عرب الجاهلية وإن كان يتجنّب المضار باستشفاعهم، إلاّ أنّ عملهم هذا كان مبنياً على القول بإلوهيتهم ولاَجل ذلك عُدَّ عملهم شركاً، وكم فرق بين طلب دفع المضار بالاستشفاع بما أنّ الشفيع عبد مكرّم يشفع بإذنه سبحانه، أو أنّه إله يُعبد ويستقل في فعله وعلى ذلك لافرق بين الضرر الدنيوي والاَُخروي، في جوازه على الاَوّل، وعدمه على الثاني مطلقاً، وكان على الاَُستاذ تركيز البحث على اعتقاد السائل في حقّ من يطلب منه جلب النفع ودفع الضرر في أنّه هل يعتقد بإلوهية المسوَول واستقلاله في الجلب والدفع، أو يعتقد بعبوديته وإنّه لايجلب ولايدفع إلاّ بإذنه؟ يجب أن يركّز على هذا لا على الفرق بين الضرر الدنيوي والاَُخروي.

(123)

عذاب اللّه بدعاء النبي؟ولو طلب أحدٌ من الرسول دعاءه واستغفاره لجلب هذا النفع لايكون مشركاً ولا عابداً للنبي.

فهل ـ بعد هذه النماذج الواضحة ـ يتصوّر أن يكون الاعتقاد بتأثير النبي والولي في دفع الضرر وجلب النفع الاَُخرويين وطلبهما منه موجباً للشرك، والقرآن يصرّح به بأعلى صوته وعلى روَوس الاَشهاد.

وإن أراد من النفع والضرر ـ في كلامه ـ النفع والضرر الدنيويين وإنّ طلبهما موجب للشرك فقد اعترف القرآن بوقوعه فضلاً عن إمكانه أيضاً.

فقوم موسى ـ عليه السلام ـ استسقوه وهم في التيه فطلبوا منه النفع الدنيوي فلم يردعهم موسى ـ عليه السلام ـ بل استسقى لهم من اللّه وسقاهم في الحال.

ويشير القرآن الكريم إلى هذا إذ يقول:

(وَإِذ اسْتَسْقَى مُوسى لِقَوْمِه) (البقرة ـ 60).

كما انّهم طلبوا منه إنزال النعم السماوية فلم يزجرهم عن هذا الطلب، بل دعا لهم.

وقد طلب آل فرعون منه أن يرفع عنهم الرجز (أي العذاب الدنيوي المذكور قبل الآية) وقالوا:

(وَلمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُوَمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَني إِسرائيل) (الاَعراف ـ 134).

فكل ذلك يدل على أنّ استدرار النفع وطَلب دفع الضرر الدنيوي من الغير بإذن اللّه جائز هو أيضاً، إذ لولا ذلك لكان على النبي أن يردعهم ويزجرهم في كل هذه الموارد، وللزم أن يلفت نظرهم إلى اللّه، ليسألوه تعالى هو مباشرة لا أن يسألوه ويطلبوا منه ذلك، وهو خلق من خلق اللّه، وعبد من عبيده.

ولاشك انّ لموسى مدخلية في جلب النفع الدنيوي، وكذا في دفع الضرر أيضاً.


(124)

فيجب على الاَُستاذ أن يقيّد كلامه في منع استدرار النفع ودفع الضرر بقولنا: بالاستقلال ونحوه، بحيث يكون المسوَول مستقلاً في ذلك.

وصفوة القول هي أنّ الحل في هذه المسألة هو أن نفرّق بين السلطة المستندة إلى إرادة اللّه وإذنه ومشيئته، والسلطة المستقلة ولانخلط بينهما.

تكملة:

إنّ النظريات في صدور المعجزات عن عباد اللّه الصالحين لاتخرج عن أربعة أقوال:

الاَُولى: ما عليه الغلاة والمفوّضة من كونهم مستقلّين في الخلق والاِيجاد والاِحياء والاِماتة.

الثانية: أنّ اللّه يوجد تلك الاَُمور مقارناً لاِرادتهم، وقد مرّت النظريتان عند البحث عن التفويض.

الثالثة: ما استظهرنا من الآيات من أنّ الفعل مستند إليهم ـ عليهم السلام ـ بإذن اللّه سبحانه وأقداره.

الرابعة: النظرية التسخيرية التي وردت فيها روايات غير ما أشرنا إليه، ولاتعارض بين الثلاث الاَخيرة، فهي غير مانعة الجمع كما لايخفى.

والنظرية الاَخيرة مبنية على سريان الشعور والاِدراك في جميع الموجودات.

وعليه فما في الكون يأتمر بأمر النبي إذا أمر بشيء، وينقاد لطلبه ويوَيده قوله سبحانه:

(فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ) (ص ـ 36).


(125)

2


هل عادية السبب وغير العادية

ملاك التوحيد والشرك؟

ذهب بعض المتصوّفة والدراويش في وصف أقطابهم وشيوخ طرقهم إلى حد الشرك، كما هو ظاهر، وبذلك هدموا حدود التوحيد والشرك وتجاوزوا معاييرهما، ويبدو هذا الاَمر ـ بجلاء ـ من الاَبيات التي مـجّد بها القوم مشايخهم حيث تفوح من أكثرها رائحة الشرك الجلي فضلاً عن الخفي، تلك الاَبيات التي لاتنسجم مع أُسس (التوحيد القرآني) بحال، وإن كان بعضهم يحاول أن يجد لتلك الاَبيات والكلمات محامل بمنأى عن الشرك، ولكن الحق هو أنّ الموحّد لاينبغي له، بل ولايجوز، أن يجري على لسانه كلاماً غير منسجم مع (التوحيد الاِسلامي القرآني) الجلي الملامح، الواضح الطريق. نعم لا يعم ذلك جميع المتصوّفة بل بعضهم.

ولقد كانت نظرة هذه الفرقة إلى مفهوم الشرك نظرة خاصة وشاذّة جداً، حيث راحت تعد الكثير من أنواع الشرك القطعي بأنّه (عين التوحيد)!! وبذلك ضيّقوا (دائرة الشرك) أيّما تضييق!!

في مقابل هذه الفرقة ـ تماماً ـ وقف الوهابيون، فهم توسّعوا في فهم حقيقة الشرك وإطلاقه، توسعاً يكاد يشمل كل حركة وسكون وكل تصرف يصدر من أهل التوحيد تجاه أولياء اللّه بهدف الاحترام والتكريم حيث اعتبره الوهابيون عين


(126)

الشرك، والحيدة عن جادة التوحيد!! وسمّوا فاعله مشركاً، حتى أنّه اتفق لي أن التقيت ذات يوم بواحد من «هيئة الاَمر بالمعروف» في المسجد الحرام، فاتفق أن صدر منّي تكريم بانحناء رأسي ـ أثناء ذلك اللقاء ـ وإذا بذلك الشخص يقول ـ في جدّ وانزعاج ـ:

لاتفعل هذا ... إنّه شرك محرّم ... لاتحني رأسك إنّه شرك !!

والحق أنّه لو كان معنى الشرك والتوحيد هو كما مايراه الوهابيون ويقولون به، إذاً لما أمكن أن نمنح لاَيّ أحد تحت هذه السماء وفوق هذه الاَرض (هوية الموحّد) ولما استحقّ أحد أن تطلق عليه تلك الصفة أبداً.

لقد نقل لي صديق ثقة أن إمام المسجد النبوي وخطيبه: الشيخ عبد العزيز كان يقول في تحديد الشرك:

(إن كل تعلّق بغير اللّه شرك)!

أقول: لو كان معنى الشرك هو هذا الذي يقوله إذن لا بد أن نعتبر كل البشر على هذه الاَرض مشركين، بلا استثناء، حتى الوهابيين أنفهسم، لاَنّهم يتوصلون إلى تحقيق مآربهم وتنفيذ حاجاتهم عن طريق التعلّق والتوسّل بالاَسباب مع أنّه لايمكن أنّ يقال إنّ الاَسباب والعلل هي اللّه، بل هي غير اللّه، فينتج هذا أن يكون تعلّقهم بالاَسباب وتوسّلهم بالعلل توسّلاً بغير اللّه، وتعلّقاً بسواه !

في حين أنّ هذا النوع من التعلّقات والتشبّثات ليست لا تعدّ شركاً فقط بل هي (عين التوحيد وصميمه) لاَنّ حياة الاِنسان في هذه الدنيا مشدودة إلى الاَسباب والعلل.

غاية الاَمر أنّ عليه أن لايعتقد لهذه الاَسباب والعلل أيّ استقلال وانقطاع عن الاِرادة الاِلهية العليا، بل لابد أن يعتقد بتأثيرها تبعاً لمشيئته سبحانه، نعم إنّ التعلق بالاَسباب والعلل الظاهرية المادية قد يكون (عين التوحيد) من جهة،


(127)

و(عين الشرك) من جهة أُخرى، فعندما لانعتقد بأيّ استقلال لهذه الاَسباب ـ عند تشبثنا بها ـ ولانعتبر تأثيرها في مصاف الاِرادة الاِلهية وفي عرضها بل نعتقد بأنّها تقـع في ضمـن السلسلة التي تنتهـي ـ بالمآل ـ إلى اللّه ، فلا نخـرج عن إطار التوحيد.

وليس في (الفكر التوحيدي) من مناص إلاّ الاعتقاد بمثل هذا الاِمر وعلى هذا النمط.

أمّا عندما نرى لهذه الاَسباب والعلل استقلالاً، ونعتقد بإمكان تأثيرها بمعزل عن الاِرادة الاِلهية، لا بنحو التبعية ففي هذه الصورة سنكون معتقدين بخالقين، وموَثرين!!

إنّ على الموحّد أن يحافظ على الاعتقاد بوجود قانون (العلّية والسببية) الحاكم في الظواهر الطبيعية، وإنّ هذه الاَسباب والعلل لاتملك استقلالاً في تأثيرها مطلقاً بل هي مفتقرة إلى اللّه في تأثيرها كما في وجودها وبقائها.

إنّ الموحد رغم أنّه يعرف هذه الحياة ويتعامل معها على أساس أنّها خاضعة لنظام العلّية إلاّ أنّه ينظر إلى هذه العلل على أساس أنّ وجودها وبقاءها وتأثيرها من اللّه.

فالسبب الاَوّل هو اللّه سبحانه، وأمّا الاَسباب الاَُخرى فهي مخلوقة له خاصعة لاِرادته واقعة في طول مشيئته لا في عرضها.

إنّ الفارق الاَساسي بين الموحّد والمادّي يكمن في هذا المقام.

فالثاني يعتقد بـ «أصالـة العلل المادية واستقلالها في التأثير» في حين يسندها الموحّد إلى اللّه خالق كل شيء، مع أنّه يعترف بقانون العلّية الحاكم في هذا الكون.


(128)

* شهادة القرآن :

إنّ قضية استقلال وعدم استقلال العلل الطبيعية المادّية هو الفاصل بين التوحيد والشرك، وبه يعرف الموحّد عن المشرك ـ بوضوح ـ وإلى هذه الحقيقة أشار القرآن الكريم في آيات عديدة، فهناك فريق من الناس عندما يواجهون المشاكل المستعصية وتنسد في وجوههم جميع الاَبواب والسبل ويقابلون المهالك وجهاً لوجه، يتوجهون إلى اللّه ويلوذون به ولا يرون سواه ملجأ ومخلصاً، فإذا ما نجوا عادوا إلى شركهم مرة أُخرى، وهذه حالة فريق من الناس، وإلى هذه الحالة تشير طائفة من آيات القرآن، وها نحن نذكر فيما يلي بعضها على أنّ المهم لنا هو أن نعرف ما هو المقصود بالشرك المذكور في هذه الآيات.

وإليك فيما يلي نصّ الآيات:

(وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُـرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إذَا فَرِيقٌ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُون) (الروم ـ 33).

(فَإذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إلى البَرِّ إذا هُمْ يُشرِكُون) (العنكبوت ـ 65).

(قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُون) (الاَنعام ـ 64).

(ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّـرَّ عَنكُمْ إذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشرِكُونَ) (النحل ـ 54).

هذه بعض الآيات في هذا المجال، والواجب هو الاِمعان في عبارة «إذا هم يشركون».


(129)

إنّ المقصود من الشرك في هذه الآيات ـ ليس فقط أنّ هوَلاء إذا وصلوا إلى البرّ أو نجوا عكفوا على عبادة الاَوثان، بل المراد ما هو أوسع من ذلك فانّهم إذا نجوا عادوا إلى نسيان الحالة السابقة، والتجأوا إلى الاَسباب الماديّة متصوّرين أنّها أسباب مستقلّة تمدّهم في إدامة الحياة من دون استمداد من اللّه سبحانه وناظرين إليها بعين العلل المستقلة غير المعتمدة على اللّه، ولاشك أنّ النظر إلى الاَسباب العادية من نافذة: الاستقلال، هو أيضاً شرك يجب الاجتناب عنه، وهي نقطة الافتراق بين المدرسة الاِلهية والمدرسة المادية، ولو طالعت هذه الآيات المتعلّقة بالشرك والتوحيد بروح علمية لوجدت كيف أنّ القرآن الكريم يصرّ على أنّه ليست في عالم الوجود قدرة في مصاف القدرة الاِلهية، ولا إرادة في عرض تلك الاِرادة.

ويرشدك إلى هذا أنّ القرآن يعتقد بأنّه سبحانه هو الهادي في ظلمات البرّ والبحر، وهو مرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته ومنزل الغيث، ويقول:

(أمَّن يَهْدِيكُمْ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه أءِلهٌ مَعَ اللّهِ تَعالَى اللّهُ عَـمّا يُشْرِكُون)(النمل ـ 63).

مع أنّ البشر كان ولايزال يستفيد من الاَسباب والوسائل الطبيعية كالنجوم والبوصلات ويهتدي بها وبغيرها من الاَدوات التكنولوجية في أسفاره البرية والبحرية، وليس هذا إلاّ لاَجل أنّ سببية الاَسباب بتسبيب من اللّه سبحانه.

كما أنّ الرياح والاَمطار في هذه الطبيعة ينشئان نتيجة سلسلة طويلة من تفاعل العلل الطبيعية التي تتسبب في وجود ظاهرة الرياح، أو الاَمطار، ولكن القرآن مع ذلك يقول:

(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحمَتِهِ) (الاَعراف ـ 57).

(وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعدِما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحمَتَهُ) (الشورى ـ 28).


(130)

وليس ذلك إلاّ لاَنّ اللّه وراء تلك الاَساب وهي تفعل بأمره وإقداره.

وبكلام آخر أنّ هذه العلل والاَسباب حيث إنّها غير مستقلّة، لا في وجودها ولا في تأثيرها، بل هي مخلوقة بأسرها وبتمام وجودها، وتأثيرها للّه، لذا يصرّح القرآن الكريم بأنّه سبحانه الهادي في ظلمات البرّ والبحر والمرسل الرياح ومنزل الغيث من بعدما قنطوا.

وهذه الحقيقة ـ بعينها ـ مبيّنة بوضوح تام في آيات سورة الواقعة.

إنّ هذا لايعني أنّ القرآن الكريم يتنكر للعلل والاَسباب الطبيعية، وينكر وجودها ودخالتها، ويلغي دورها. بل حيث إنّ هذه العلل والاَسباب لاتملك من لدن نفسها استقلالاً وتقوم باللّه سبحانه قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي بحيث لو قطعت عنها عنايته تعالى آناً ما، انهارت وتهافتت جملة واحدة، وانقلب عالم الوجود مع كل وضوحه إلى ظلام وعدم، لذلك تفنّن في تفسير الظواهر الطبيعية تارة بنسبتها إلى اللّه سبحانه وأُخرى إلى سائر العلل والثالثة إليهما معاً، قال:

(وَما رَمَيْتَ إذ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمى) (الاَنفال ـ 17).

* التوسّل بالاَسباب غير الطبيعية :

إلى هنا تبيّـن أنّ النظرة إلى الاَسباب الطبيعية بلحاظ أنّها علل غير مستقلّة عين التوحيد، وبلحاظ استقلالها في التأثير عين الشرك، وأمّا غير الطبيعية من العلل فحكمها حكم الطبيعية، حيث إنّ التوسّل على النحو الاَوّل عين التوحيد وعلى النحو الثاني عين الشرك حرفاً بحرف، غير أن ّالوهابيين جعلوا التوسّل بغير الطبيعية من العلل توسلاً ممزوجاً بالشرك ويقول المودودي في ذلك:

«فالمرء إذا كان أصابه العطش ـ مثلاً ـ فدعا خادمه وأمره بإحضار الماء


(131)

لايطلق عليه حكم «الدعاء» ولا أنّ الرجل اتّخذ الخادم إلهاً، وذلك أنّ كل ما فعله الرجل جار على قانون العلل والاَسباب، ولكن إذا استغاث بوليّ في هذا الحال فلا شكّ أنّه دعاه لتفريج الكربة واتّخذه إلهاً.

فكأنّي به يراه سميعاً بصيراً، ويزعم أنّ له نوعاً من السلطة على عالم الاَساب ممّا يجعله قادراً على أن يقوم بإبلاغه الماء، أو شفائه من المرض».

«وصفوة القول إنّ التصوّر الذي لاَجله يدعو الاِنسان الاِله ويستغيثه ويتضرّع إليه هو لا جرم تصوّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة وللقوى الخارجة عن دائرة نفوذ الطبيعة».

أقول: إنّ الحديث في المقام في موردين:

الاَوّل: إذا اعتقد إنسان بأنّ للظاهرة المعينة سببين: طبيعياً وغير طبيعي فإذا يئس من الاَوّل ولاذ بالثاني فهل يعدّ فعله شركاً أو لا ؟

الثاني: إذا اعتقد بأنّ لشخص خاص سلطة غيبية على الكون بإذنه سبحانه فهل يعدّ هذا الاعتقاد اعتقاداً بإلوهيته؟

وقد حقّقنا القول حول الاَمر الثاني ونركّز البحث على الاَمر الاَوّل فنقول:

إذا اعتقد إنسان بأنّ لبرئه من المرض طريقين أحدهما طبيعي والآخر غير طبيعي، وقد سلك الطريق الاَوّل ولم يصل إلى مقصوده فعاد يتوسّل إلى مطلوبه بالتمسك بالسبب الثاني كمسح المسيح يديه عليه، فهل يعدّ اعتقاد هذا وطلبه منه شركاً وخروجاً عن جادة التوحيد أو لا ؟

وأنت إذا لاحظت الضوابط التي قد تعرّفت عليها في تمييز الشرك عن غيره لاستطعتَ على الاِجابة بأنّه لاينافي التوحيد ولايضادّه بل يلائمه كمال الملائمة فإنّه يعتقد بأنّ اللّه الذي منح الاَثر للاَدوية الطبيعية أو جعل الشفاء في العسل هو


(132)

الذي منح المسيح قدرة يمكنه ان يبرىَ المرضى بإذنه سبحانه، ومعه كيف يعدّ اعتقاده هذا شركاً ؟!

وبكلام آخر: ان ّالشرك عبارة عن الاعتقاد باستقلال شيء في التأثير، بمعنى أن يكون أثره مستنداً إليه لا إلى خالقه وبارئه والمفروض عدمه، ومع ذلك كيف يكون شركاً، والتفريق بين التوسّل بالاَسباب الطبيعية وغيرها بجعل الاَوّل موافقاً للتوحيد دون الثاني تفريق بلا جهة فأنّ نسبتها إلى اللّه سبحانه في كون التأثير بإذنه سواسية.

نعم يمكن لاَحد أن يخطىَ القائل في سببية شيء، ويقول بأنّ اللّه لم يمنح للولي الخاص تلك القدرة وأنّه عاجز عن الاِبراء، ولكنّه خارج عن محطّ بحثنا فإنّ البحث مركّز على تمييز الشرك عن غيره لا على إثبات قدرة لاَحد أو نفيها عنه وأظن أنّ القائلين بكون هذا الاعتقاد والطلب شركاً لو ركّزوا البحث على تشخيص ملاك الشرك عن غيره لسهّل لهم تمييز الحق عن غيره، إذ أيّ فرق بين الاعتقاد بأنّ اللّه وهب الاِشراق للشمس والاِحراق للنار وجعل الشفاء في العسل، وبين إقداره وليّه مثل المسيح وغيره على البرء، أو اعطاءه للاَرواح المقدسة من أوليائه قدرة على التصرّف في الكون وإغاثة الملهوف.

وقد ورد في القرآن الكريم نماذج من إعطاء آثار خاصة لعلل غير طبيعية تلقي الضوء على ما ذكرنا. فإليك بيانها:

1 ـ إنّ القرآن يصف عجل السامري بقوله:

(فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدَاً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إلهُكُمْ وَإلهُ مُوسَى فَنَسِي) (طه ـ 88).

فبعدما رجع موسى من الميقات ورأى الحال فسأل السامري عن كيفية عمله وأنّه كيف قدر على هذا العمل البديع؟ فأجاب:


(133)

(بَصُـرْ تُ بِما لَـمْ يَبْصُـرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) (طه ـ 96).

فعلّل عمله هذا بأنّه أخذ قبضة من أثر الرسول فعالج بها مطلوبه فعاد العجل ذي خوار. وهذا يعطي أنّ التراب المأخوذ من أثر الرسول كان له أثر خاص وقد توسل به السامري.

2 ـ إنّ القرآن يصف كيفية برء يعقوب ممّا أصاب عينيه، ويقول حاكياً عن يوسف أنّه قال: (اذْهَََبُوا بِقَمِيصِي هذا فَألْقُوهُ عَلى وَجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِِأَهْلِكُمْ أجـْمَعِينَ) (يوسف ـ93).

(فَلَمّـا أنْ جَاءَ البَشِيرُ ألْقَاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ ألـَمْ أقُلْ لَكُمْ إنِّي إعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (يوسف ـ 96).

فإذا اعتقد الاِنسان بأنّ الذي خلق في التراب المأخوذ من أثر الرسول المعين أثراً خاصاً بحيث إذا امتزج مع الحلي يجعلها ذات خوار، أو منح للقميص ذلك الاَثر العجيب هو الذي أعطى لسائر العلل غير الطبيعية آثاراً خاصة يستفيد منها الاِنسان في ظروف معينة فهل يجوز لنا رمي المعتقد بهذا، بأنّه مشرك؟ وأيّ فرق بين ما أخذ السامري من أثر الرسول أو قميص يوسف وسائر العلل مع أنّ الجميع علل غير مألوفة؟

إنّ التوسل بالاَرواح المقدسة والاستمداد بالنفوس الطاهرة الخالدة عند ربّها نوع من التمسّك بالاَسباب في اعتقاد التمسّك وقد قال سبحانه:

(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إلَيهِ الوَسِيلَة) (المائدة ـ 35)

وليست الوسيلة منحصرة في العمل بالفرائض والتجنب عن المحرمات بل هي أوسع من ذلك فتوسل ولد يعقوب بأبيهم كان ابتغاءً للوسيلة أيضاً.

وأمّا البحث عن أنّ هذه الاَرواح والنفوس هل في مقدورها أنّ تغيث من يستغيث بها أو لا فهو خارج عمّـا نحن بصدده.


(134)

3


هل الحياة والموت

يدخلان في مفهومَي التوحيد والشرك ؟

لاشك أنّ التعاون، والتعاضد بين أبناء الاِنسان أساس الحياة، وما التاريخ الاِنساني إلاّ حصيلة الجهود البشرية التي نبعت من التعاون، وتقاسم المسوَوليات والاستفادة المتبادلة من الطاقات الاِنسانية.

والقرآن حافل بنماذج كثيرة من استمداد البشر بمثله إذ يقول:

(فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (القصص ـ 15).

إذن فاستمداد الاِنسان بالاِنسان الآخر أمر واقع في الحياة البشرية، وجائز عند جميع الاَُمم غير أنّ للوهابيين تفصيلاً في المقام يرونه هو الحد الطبيعي الفاصل بين (التوحيد والشرك).

فيقولون: إنّ التوسّل بالاَنبياء والاَولياء جائز في حال حياتهم دون مماتهم ويقول محمد بن عبد الوهاب في هذا الصدد:

«وهذا جائز في الدنيا والآخرة أن تأتي رجلاً صالحاً تقول له: ادع اللّه لي كما كان أصحاب رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم يسألونه في حياته. وأما بعد مماته فحاش وكلاّ أن يكونوا سألوا ذلك، بل أنكر السلف على من قصد دعاء اللّه عند قبره فكيف


(135)

بدعاء نفسه»(1)

إنّ للتوحيد والشرك معايير خاصة بها يمتاز أحدهما عن الآخر، وإنّ الاِسلام لم يترك تلك المعايير إلينا بل حدّد كل واحد بحد خاص.

وقد ألمعنا بها فيما سبق ولم يذكر في تلك المعايير أنّ الحياة والموت حدّان للتوحيد والشرك.

وستعرف أنّه لا دخالة لحياة المستغاث منه ومماته في تحديد الشرك أو التوحيد مطلقاً، لاَنّ الاستمداد والاستغاثة بالحيّ مع الاعتقاد باستقلاله في القدرة والتأثير، وأصالته في إغاثة المستغيث يوجب الشرك، وكون الاستغاثة بالحيّ أمراً رائجاً بين العقلاء لايوجب صحتها إذا كانت مقرونة مع الاعتقاد باستقلال المستغاث في الاِغاثة، لاَنّ الدارج بين العقلاء هو: أصل الاستغاثة بالحيّ لاباعتباره مستقلاً في العمل.

فلا تكون استغاثة شيعة موسى مطابقة للتوحيد إلاّ في صورة واحدة وهي:

أن لايعتقد معها باستقلال موسى في التأثير ، بل يجعل قدرته، وتأثيره في طول القدرة الاِلهية، ومستمدّة منه تعالى.

إنّ نفس هذه الحقيقة جارية في الاستمداد، والاستغاثة بـ «الاَرواح المقدسة» العالمة الشاعرة حسب أخبار القرآن وتأييد العلوم الحديثة، فإذا استغاث شيعة موسى ـ عليه السلام ـ به بعد خروج روحه عن بدنه بهذه العقيدة لم يكن عمله شركاً، ولم يجعل موسى شريكاً للّه لا في الذات ولا في الصفات ولا في الاَفعال ولا في العبادة، ولم يعبد موسى بهذه الاستغاثة والطلب.

وأمّا لو استغاث به وهو يعتقد باستقلال روحه في الاِغاثة ويعتقد بأنّها قادرة


(1)كشف الشبهات، تأليف محمد بن عبدالوهاب:70 ،طبع مصر .

(136)

على التأثير دون القدرة الاِلهية. فإنّ هذا المستغيث يعدّ مشركاً ويكون موسى ـ كما يقتضي اعتقاده ـ في صف الآلهة.

ولو كانت حياة المستغاث ومماته موَثّرة في الاَمر فانما تكون موَثّرة في جدوائية الاستغاثة أوّلاً. لا في تحديد التوحيد والشرك. والبحث عن الجدوائية وخلافها خارج عن موضوع بحثنا.

ومن العجب العجاب اعتبار التوسّل والاستغاثة بالحيّ والاستشفاع به عين التوحيد وعدّ هذه الاستغاثة والاستشفاء ـ مع نفس الخصوصيات ـ بميت شركاً وفاعلها واجب الاستتابة وإن لم يتب فيستحق القتل.

إنّ الوهابيين يسلّمون أنّ اللّه سبحانه أمر العصاة بأن يذهبوا إلى النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم ويطلبوا منه أن يستغفر لهم أخذاً بظاهر الآية (النساء ـ 64) كما يسلّمون أنّ أولاد يعقوب طلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم (يوسف: 97 ـ 98) غير أنّهم يقولون إنّ هذين الموردين إنّما ينطبقان مع أُصول التوحيد لاَجل حياة المستغاث، وأمّا إذا سئل ذلك في مماته عدّ شركاً.

غير أنّ القارىَ النابه جداً عليم بأنّ حياة الرسول ومماته لايغيّران ماهية العمل، إذ لو كان التوسّل شركاً حقيقةً للزم أن يكون كذلك في الحالتين من دون فرق بين حالتي الحياة والممات.

ولو اعترض على الاستغاثة بالميت بأنّه عمل عبثي أوّلاً، وبدعة لم ترد في الشرع ثانياً، فيقال: في جوابه:

أوّلاً: أنّ هذا العمل إنّما يصطبغ بلون البدعة إذا أتى به المستغيث بعنوان كونه وارداً في الشرع وأمّا لو أتى به من جانب نفسه من دون أن ينسبه إلى مقام، فلا يعدّ بدعة وإحداثاً في الدين. لاَنّ البدعة هو إدخال ماليس من الدين في الدين. وهو فرع الاِتيان بالعمل بما أنّه أمر ديني.


(137)

ثانياً : أنّ البحث في المقام إنّما هو عن تحديد التوحيد والشرك ولا عن كون العمل مفيداً أو غيره أو بدعة، وغير بدعة فكل ذلك خارج عن بحثنا، أضف إلى ذلك أنّه قد ثبت في محلّه مشروعية التوسّل بالاَرواح المقدسة بالدلائل النقلية الصريحة(1).

وعلى كل حال لايمكن اعتبار الاستغاثة بالميت شركاً إذ لم يفوض ملاك التوحيد والشرك إلينا بل الميزان في الشرك هو الاعتقاد باستقلال الفاعل في ذاته وفعله والتوجه به كذلك. كما أنّ الاعتقاد بعدم استقلاله في ذاته وصفاته وأفعاله يعد اعترافاً بعبوديته ويعد التوجّه به تكريماً واحتراماً. ولو تناسينا هذه القاعدة لما وجد على أديم الاَرض موحّداً أبداً.

وفيما يلي نلفت نظر القارىَ الكريم إلى كلام لتلميذ ابن تيمية في هذا المجال. يقول ابن القيم:

«ومن أنواع الشرك طلب الحوائج من الموتى، والاستعانة بهم، والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم، فانّ الميت قد انقطع عمله وهو لايملك لنفسه ضراً ولانفعاً» (2).

وما ذكره من الدليل لايثبت مدعاه لاَنّ قوله: «فانّ الميت قد انقطع عمله» دليل على عدم فائدة الاستغاثة بالميت، وليس دليلاً على كونها شركاً، وهو لم يفرق بين الاَمرين، والاَغرب من ذلك قوله: «ولايملك لنفسه ضرّاً ولانفعاً» إذ لا فرق في ذلك بين الحي والميت، فلا يملك أحدٌ ضرّاً لنفسه ولانفعاً بدون إذن اللّه وإرادته، سواء أكان حياً، أم ميتاً. ومع الاِذن الاِلهي يملكون النفع والضر، أحياء كانوا أم أموتاً.


(1)راجع رسالتنا: التوسل في ضوء الكتاب والسنّة.

(2)فتح المجيد: 68، الطبعة السادسة.

(138)

ومن هذا اتضح ضعف ما افاده ابن تيمية إذ قال:

«كل من غلا في نبي، أو رجل صالح وجعل فيه نوعاً من الاِلهية مثل أنّ يقول: ياسيدي فلان انصرني أو أغثني ... فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب، وإلاّ قتل» (1)

إذا كانت الاستغاثة بـ«الاَرواح المقدسة» أو (الاَموات) حسب تعبير الوهابيين ملازمة لنوع من الاعتقاد بإلوهية تلك الاَرواح، إذاً يلزم أن تكون الاستغاثة بأيّ شخص ـ أعمّ من الحيّ والميت ـ ملازمة لمثل هذا الاعتقاد لاَنّ حياة المستغاث ومماته حدّ لجدوائية الاستغاثة ولا جدوائيتها، لا أنّها حدّ التوحيد وللشرك في حين أنّ الاستغاثة بالحيّ يعدّ من أشد ضروريات الحياة الاجتماعية البشرية، وممّا به قوامها.

وإليك فيما يلي نبذة أُخرى من كلام ابن تيمية في هذا الصدد فهو يقول:

«والذين يدعون مع اللّه آلهة أُخرى مثل المسيح والملائكة والاَصنام لم يكونوا يعتقدون أنّها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر وإنّما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم يقولون: ما نعبدهم إِلاّ ليقرّبونا إلى اللّه زلفى، أو هوَلاء شفعاوَنا» (2)

إنّ قياس الاستغاثة بأولياء اللّه بما كان يقوم به المسيحيون والوثنيون ابتعاد عن الموضوعية، لاَنّ المسيحيين كانوا يعتقدون، في حقّ المسيح بنوع من الاِلوهية، وكان الوثنيون يعتقدون بأنّ الاَوثان تملك بنفسها مقام الشفاعة، بل كان بعضهم ـ على ما نقل عن ابن هشام ـ يعتقد بأنّها متصرفة في الكون، ومرسلة الاَمطار ـ على الاَقل ـ ولاَجل هذا الاعتقاد كان طلبهم واستغاثتهم بالمسيح وبتلك الاَوثان عبادة لها.


(1)فتح المجيد: 167.

(2)فتح المجيد: 167.

(139)

فعلى هذا إذا كانت الاستغاثة مقرونة بالاعتقاد بإلوهية المستغاث كانت شركاً حتماً، وأمّا إذا كانت الاسغاثة ـ بالحي أو الميت ـ خالية وعارية عن هذا القيد لم تكن شركاً ولا عبادة بل استغاثة بعبد نعلم أنّه لايقوم بشيء إلاّ بأذنه سبحانه.

نعم يجب في موارد الاستغاثة بالموتى أنّ نبحث في فائدة مثل هذه الاستغاثة وعدم فائدتها، لا في كونها شركاً وعبادة لغير اللّه، والكلام إنّما هو في الثاني دون الاَوّل.

ومن العجب أنّ الوهابية يجوّزون التبرك بآثار النبيّ في حال حياته، لاَنّ الصحابة كانوا يتبركون بها، ويرون التبرك بآثاره في حال مماته شركاً.

وهوَلاء في هذا التفصيل وقعوا في ورطة الشرك من حيث لا يعلمون فإنّ تخصيص جواز التبرك بحياته صلّى الله عليه و آله و سلّم لا ينفك عن الاعتراف بأنّ لحياته تأثيراً فيما يُقصد في التبرك من البرء والشفاء، ونزول المطر وغيره، أوليس هذا الاعتقاد في مدرسة هوَلاء شركاً ؟! إذ لازمه الاعتقاد بتأثير نفس النبيّ في برء المريض، ونزول المطر وهو نفس القول بأنّ للنبي سلطة غيبية على الكون.

فما لهوَلاء القوم لا يكادون يفقهون قولاً؟!


(140)

4


هل القدرة والعجز

حدّان للتوحيد والشرك ؟

ربما يستفاد من كلمات الوهابيين أنّ هناك معياراً آخر للشرك في العبادة وهو «قدرة المستغاث على تحقيق الحاجة وعجزه عنه» فإذا طلب أحد من آخر حاجة لايقدر عليها إلاّ اللّه عدّ عمله عبادة وشركاً، فها هو ابن تيمية يكتب في هذا الصدد قائلاً:

«من يأتي إلى قبر نبي أو صالح، ويسأله حاجته، ويستنجد به مثل أن يسأله أن يزيل مرضه ويقضي دينه أو نحو ذلك ممّا لايقدر عليه إلاّ اللّه عزّ وجلّ، فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلاّ قتل» .(1)

لقد جعل الكاتب في هذه العبارة للشرك معياراً آخر وهو قدرة المسوَول وعجزه عن تلبية السائل، ولو كان هذا هو الميزان يجدر بابن تيمية أن يضيف بعد قوله: «قبر نبي أو صالح» جملة أُخرى هي: «أو ولي حي» ليتضح أنّ المعيار الذي اعتمده ـ هنا ـ ليس هو موت المستغاث وحياته، بل قدرته على تلبية الحاجة وعدم قدرته على ذلك، كما فعل الصنعاني وهو أحد المتأثرين من الوهابية إذ قال: «من الاَموات أو من الاَحياء» .


(1)زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور: 156، وفي رسائل الهدية السنية: 40، نجد ما يقرب من هذا المطلب أيضاً.

(141)

وإليك فيما يأتي نص عبارة الصنعاني في المقام:

«الاستغاثة بالمخلوقين الاَحياء فيما يقدرون عليه ممّا لاينكرها أحد.

وإنّما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أُموراً لايقدر عليها إلاّ اللّه تعالى من عافية المريض وغيرها، وقد قالت أُمّ سليم: يارسول اللّه خادمك أنس ادع اللّه له.

وقد كانت الصحابة يطلبون الدعاء منه وهو حي وهذا أمر متفق على جوازه.

والكلام في طلب القبوريين، من الاَموات أو من الاَحياء أن يشفوا مرضاهم ويردّوا غائبهم ونحو ذلك من المطالب التي لايقدر عليها إلاّ اللّه» (1)

وهكذا نعرف أنّ المعيار هنا هو غير ما سبق.

ففي المبحث السابق كان المعيار هو: حياة وموت المستغاث فلم يكن الطلب من الحي موجباً للشرك بينما كان الطلب من الميت موجباً لذلك، ولكن في هذا المبحث جعلت قدرة المستغاث على تحقيق الحاجة المطلوبة منه، أو عجزه عنها هي الميزان والمدار للتوحيد والشرك.

فلو سأل أحد شخصاً لقضاء حاجة وكانت تلك الحاجة ممّا لايقدر عليها غيره سبحانه فانّه يعتبر ـ حسب هذا المعيار الجديد ـ مشركاً دون أن يكون لحياة وموت المستغاث أيّ ربط بذلك.

فإذن لاتفاوت في هذا المعيار بين حياة المستغاث وموته.

مناقشة هذا الرأي :

والحق أنّ هذا الرأي أضعف من أن يحتاج إلى مناقشة ونقد، وذلك لاَن قدرة المستغاث أو عجزه إنّما يكون معياراً لعقلائية مثل هذا الطلب وعدم عقلائيته


(1)كشف الارتياب: 272.

(142)

لا معياراً للتوحيد والشرك، فالساقط في بئر ـ مثلاً ـ لو استغاث بالاَحجار والصخور المحيطة به واستنجد بها عُدَّ ـ في نظر العقلاء ـ عابثاً أمّا لو استغاث بإنسان واقف عند البئر قادر على إنقاذه كان طلبه عملاً عقلائياً.

وأغلب الظنّ أنّ مراد الوهابيين من قولهم «ممّا لايقدر عليه إلاّ اللّه عزّ وجلّ» ليس هو التفريق بين القادر والعاجز، وأنّ طلب الحاجة من الثاني شرك دون الاَوّل، وإن كان هذا تفيده ظواهر كلماتهم وعباراتهم، بل المقصود من تلك الجملة هو التفريق بين طلب ما هو من فعل اللّه وشأنه وما لا يكون من فعله وشأنه فتكون النتيجة أنّه لو طلب أحد من غير اللّه ما هو من فعل اللّه وشأنه ارتكب شركاً، كما تشعر بذلك عبارة ابن تيمية إذ قال: «أن يسأله أن يزيل مرضه ويقضي دينه أو نحو ممّا لايقدر عليه إلاّ اللّه عزّ وجلّ» ومثله عبارة الصنعاني إذ قال: «من عافية المريض وغيرها ... ».

ولا شك أنّ طلب ما هو من فعل اللّه وشأنه من غيره من أقسام الشرك، ويعد السائل عابداً له، وعمله عبادة. وقد سبق منّا بيان هذا القسم من الشرك عند الكلام في التعريف الثالث للعبادة، ونحن والمسلمون جميعاً نوافقهم في هذا الاَصل.

إلاّ أنّ الكلام كلّه إنّما هو في تشخيص مايعدّ فعلاً للّه سبحانه عن فعل غيره، وقد سلّم ابن تيمية بأنّ إشفاء المريض وقضاء الدين على وجه الاِطلاق من أفعاله سبحانه ولذلك لا يجوز طلبه من غيره مطلقاً، بيد أنّ الحق انّ هذه الاَُمور ليست من فعل اللّه مطلقاً بل القسم الخاص منها يعدّ فعلاً له سبحانه وهو قضاء حاجة المستنجد (كإبراء المريض وقضاء الدين و رد الضالّة وغيرها من الاَفعال) على وجه الاستقلال من دون استعانة بأحد.

وأمّا القسم الذي يقوم به غيره بإذنه سبحانه وإقداره فلا يعدّ فعلاً خاصاً به، ولاَجل ذلك لو طلب أحد هذه الاَُمور من غير اللّه من الاعتقاد بأنّ المستغاث


(143)

يقوم بهذه الاَُمور مستمداً من قدرة اللّه ونابعاً عن إذنه ومشيئته، لم يكن شركاً.

كيف لا وقد نسب القرآن الكريم إشفاء المرضى والاَكمه إلى المسيح ـ عليه السلام ـ مع التلويح بالاِذن الاِلهي إذا قال:

(وَتُبرِىَُ الاَكْمَهَ وَالاَبْرَصَ بِإذْني) (المائدة ـ 110).

كما نسب أيضاً : الخلق والتدبير والاِحياء والاِماتة والرزق إلى كثير من عباده مع أنّها ـ ولاشك ـ من أوضح أفعاله سبحانه ولايقل وضوح انتسابه إلى اللّه ممّا مثل به ابن تيمية.

وليست هذه النسبة إلى غير اللّه إلاّ لاَجل ما أشرنا إليه، في محلّه من أنّ ما يعد فعلاً للبارىَ سبحانه ليس هو مطلق الخلق والرزق، والتصرّف والتدبير، والاِحياء والاِماتة، حتى يناقض نسبتها إلى غيره سبحانه (كما في كثير من الآيات) بل القسم الخاص منها وهو مايكون الفاعل مستقلاً في فعله، منحصر به سبحانه كما أنّه ليس ثمة مسلم يطلب هذه الاَفعال بهذا النحو من غيره سبحانه حتى يعد عمله شركاً ويكون سوَاله عبادة.

فالواجب على ابن تيمية وأتباعه دراسة أفعاله سبحانه وتمييزها عن أفعال غيره أوّلاً، فإنّه مفتاح الوحيد لحل هذه المشكلة، بل هو المفتاح والطريق لحل كل الاختلافات بين ظواهر الآيات التي تبدو متعارضة مع بعضها في نسبة الاَفعال.

وعلى ذلك فانّ طلب أزالة المرض ورد الضالة وغيرهما على نحوين:

قسم يختص به سبحانه ولا يجوز طلبه عن غيره وإلاّ لَعادَ الطالب مشركاً وعابداً لغير اللّه.

وقسم يجوز طلبه من غيره ولايعد الطالب مشركاً، ولايكون بطلبه عابداً لغير اللّه.

وأمّا انّ المسوَول والمستغاث هل يقدر على تحقيق الحاجة أو لا. وإنّ اللّه هل أقدره على ذلك أو لا ؟ فهي أُمور خارجة عن موضوع بحثنا الفعلي.


(144)

5



هل طلب الاَُمور الخارقة

حدٌّ للشرك؟

لا شك أنّ لكل ظاهرة ـ بحكم قانون العلّية ـ علّة لايمكن للمعلول أن يوجد بدونها، فليس في الكون الفسيح كلّه من ظاهرة حادثة لاترتبط بعلّة، ومعاجز الاَنبياء، وكرامات الاَولياء غير مستثناة من هذا الحكم فهي لاتكون دون علّة، غاية الاَمر أنّ علّتها ليست من سنخ العلل الطبيعية، وهو غير القول بكونها موجودة بلا علّة مطلقاً.

فإذا ما تبدلت عصا موسى ـ عليه السلام ـ إلى ثعبان يتحرّك ويبتلع الاَفاعي وإذا ماعادت الروح إلى جسد ميّت بال، بإعجاز السيّد المسيح ـ عليه السلام ـ وإذا ما انشقّ القمر نصفين بإعجاز خاتم الاَنبياء صلّى الله عليه و آله و سلّم أو تكلّم الحصى معه، أو سبّح في يده فليس معنى ذلك أنّها لاترتبط بعلة كسائر الظواهر الحادثة، بل ترتبط بعلل خاصة غير العلل الطبيعية المألوفة.

فلو استمد إنسان بإنسان آخر لقضاء حاجته عن علله الطبيعية لقد جرى على السنَّة مألوفة بين العقلاء، إنّما الكلام في الاستمداد في قضاء الحاجة عن الطرق الغيبية والعلل غير الطبيعية وهذا هو ما يتصوّر أنّه شرك وفي ذلك يقول المودودي لو طلب حاجة وأمراً لتعطى له من غير المجرى الطبيعي وخارجاً عن


(145)

أطار السنن الطبيعية كان شركاً وملازماً للاعتقاد بإلوهية الجانب الآخر المسوَول(1)

غير أنّ هذا التفصيل لايمكن الركون إليه إذ جرت سيرة العقلاء على طلب المعجزة والاَُمور الخارقة للعادة من مدّعي النبوّة، وقد نقل القرآن تلك السيرة عن الذين عاصروا الاَنبياء من دون أن يعقب على ذلك بالرد والنقد، قال سبحانه حاكياً عنهم:

(قالَ إنْ كُنْتَ جِئتَ بِآيةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادقين) (الاَعراف ـ 106).

وقد كان الاَنبياء يدعون الناس ليشهدوا ما يقع على أيديهم من خوارق العادات وعلى هذا فالاِنسان المستهدي المتطلّب لمعرفة صدق دعوى المتنبىَ كالسيد المسيح وغيره إذا طلب منه أن يبرىَ الاَكمه ويشفي الاَبرص ـ بإذن اللّه ـ (2) لايكون مشركاً ومثله فيما إذا طلب ذلك منه بعد رفعه إلى اللّه سبحانه فلايمكن التفكيك بين الصورتين باعتبار الاَوّل عملاً توحيدياً، والثاني عملاً ممزوجاً بالشرك.

أضف إلى ذلك أنّ بني إسرائيل طلبوا من موسى الماء والمطر وهم في التيه ليخلّصهم من الظمأ إذ يقول سبحانه: (وَأوْحَيْنا إلى مُوسَى إذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِب بَعَصاكَ الحَجَر) (الاَعراف ـ 160).

وقد طلب سليمان من حضار مجلسه إحضار عرش المرأة التي كانت تملك قومها كما يحكي سبحانه:

(قَالَ يَأَيُّهَا الْـمَلَوَُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِين * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِنْ مَّقَامِكَ) (النمل: 38 ـ 39).


(1)راجع المصطلحات الاَربعة: 14.

(2)راجع للوقوف على معاجز سيدنا المسيح سورة آل عمران الآية 249 والمائدة الآية 110.

(146)

فلو كان طلب الخوارق من غيره سبحانه شركاً كيف طلب بنوا إسرائيل من نبيّهم موسى ذلك الاَمر أو كيف طلب سليمان من أصحابه إحضار ذلك العرش من المكان البعيد وكل ذلك يعطي بأنّ طلب الخوارق أو طلب الشيء عن غير مجاريه الطبيعية ليس حدّاً للشرك كما أنّ الحياة والموت ليسا حدّين للشرك، فلا يمكن أن يقال بأنّ طلب الخوارق جائز من الحيّ دون الميت، ولاَجل ذلك ركّزنا البحث في التعرّف على ملاك الشرك والتوحيد.

وتصوّر أنّ طلب الخوارق ملازم للاعتقاد بالسلطة الغيبية الملازمة للاِلوهية فقد عرفت جوابه في ذلك الفصل.

وتصور أنّ طلب شفاء المريض وأداء الدين طلب لفعل اللّه من غيره، مدفوع بما عرفت من أنّ الملاك في تمييز فعله سبحانه عن غيره ليس هو كون الفعل خارجاً عن إطار السنن الطبيعية وخارقاً للقوانين الكونية ليكون طلب مثل هذا من غير اللّه طلباً للفعل الاِلهي من غيره.

بل المعيار في الفعل والشأن الاِلهي هو ما كان الفاعل مستقلاً في الخلق والاِيجاد غير معتمد على غيره سواء أكان الاَمر أمراً طبيعياً أم غير طبيعي. ويجب على متطلّب الحقيقة أن يدرس فعل اللّه وفعل غيره دراسة معمّقة نابعة عن الكتاب والسنّة والعقل السليم.

وبكلام آخر: أنّه ليس القيام بأمر عن طريق عادي فعلاً للاِنسان، والقيام به عن طريق غير عادي فعلاً للّه سبحانه بل الفعل على قسمين: قسم منه يعدّ فعلاً له سبحانه لايجوز طلبه من غيره سواء أكان عادياً أم غير عادي، وقسم يعد فعلاً لغير اللّه يجوز طلبه من غيره سواء أكان عادياً أم غير عادي أيضاً، وبذلك يعلم أنّ طلب الشفاء من الاَولياء على النحو الذي بيّناه لايخالف أُصول التوحيد.

* * *


(147)

الفصل الرابع

عقائد الوهابيين ..


(148)



(149)

إنّ مَن سَبر كتب الوهابية وعاش بين ظهرانيهم رأى بأنّ الاتّهام بالشرك أكثر شيء تردّده كتبهم وألسنتهم ومحافلهم، فلا يميل المرء يميناً أو شمالاً إلاّ ويسمع أنّهم يصفونه فوراً بأنّه مشرك وأنّ عمله بدعة وأنّه بذلك مبتدع، بحيث إذا كان المقياسُ هو ما ذكروه أو يذكرونه في كتبهم ومحافلهم لما استطاع الاِنسان أن يسجّل كثيراً من المسلمين في ديوان الموحّدين.

ترى ما هذا الضيق الذي أوجَده الوهابيون في دائرة الاَُمة الاِسلامية وهل هذا بدافع تحرّي الحقيقة، وتمييز الموحّد عن المشرك، أو أنّ هناك أُموراً سياسية وأحداثا تخلقها يد الاستعمار بهدف إيجاد التفرقة بين المسلمين، وتمزيق صفوفهم، وتفكيك العرى بينهم، ليتسنّى له الوصول إلى مآربه ومطامعه؟ واللّه أعلم.

غير أنّنا نريد هنا أن نعرض هذا الاَمر على كتاب اللّه وسنّة رسوله، وسيرة خلفائه لنرى هل كتاب اللّه وسيرة النبي وخلفائه على هذا الضيق؟ الجواب هو كلاّ كما ستعرف..

* المرونة في قبول الاِسلام:

إنّ من يلاحظ عصر الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم وما تلاه من عصور التحوّل العقائدي والفكري يجد إقبال الاَُمم المختلفة ذات التقاليد والعادات المتنوعة على الاِسلام


(150)

وكثرة دخولهم واعتناقهم هذا الدين، ويجد أنّ النبي و المسلمين كانوا يقبلون إسلامهم، ويكتفون منهم بذكر الشهادتين دون أن يعمدوا إلى تذويب ماكانوا عليه من عادات اجتماعية، وصوغهم في قوالب جديدة تختلف عن القوالب والعادات والتقاليد السابقة تماماً.

وقد كان احترام العظماء ـ أحياءً وأمواتاً ـ وإحياء ذكرياتهم والحضور عند القبور، وإظهار العلاقة والتعلّق بها من الاَُمور الرائجة بينهم.

واليوم نجد الشعوب المختلفة ـ الشرقية والغربية ـ تعظّم وتخلّد ذكريات عظمائها، وتزور قبور أبنائها، وتتردد على مدافنهم، وتسكب في عزائهم الدموع والعبرات ... وتعتبر كل هذا الصنيع نوعاً من الاحترام النابع من العاطفة والمشاعر الداخلية الغريزية.

وصفوة القول أنّنا لانجد مورداً عمد فيه النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم إلى قبول إسلام الوافدين والداخلين فيه بعد أن يشرط عليهم أن ينبذوا تقاليدهم الاجتماعية هذه... وبعد أن يفحص عقائدهم، بل نجده صلّى الله عليه و آله و سلّم يكتفي من المعتنقين الجدد للاِسلام بذكر الشهادتين ورفض الاَوثان.

وإذا كانت هذه العادات والتقاليد شركاً لزم أن لايقبل النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم إسلام تلك الجماعات والاَفراد إلاّ بعد أن يأخذ منهم الاعتراف بنبذ تلكم التقاليد والمراسم.

والحاصل أنّ ترك التوسّل بالاَولياء والتبرّك بآثارهم وزيارة قبورهم لو كان شرطاً لتحقّق الاِيمان المقابل للشرك والصائن للدم والمال لوجب على نبيّ الاِسلام اشتراط ذلك كلّه ( أي ترك هذه الاَُمور) عند وفود القبائل على الاِسلام ، وللزم التصريح به على صهوات المنابر وعلى روَوس الاَشهاد مرة بعد أُخرى. ولو صرّح بذلك لما خفي على المسلمين، إذن فكل ذلك يدل على عدم اشتراط ترك هذه


(151)

الاَُمور وليس ذلك إلاّ لاَنّ تركها ليس شرطاً لتحقّق الاِيمان ورفض الشرك ولعدم كون الآتي بها مجانباً للاِيمان ومعتنقاً للشرك.

ولو كان التوسّل والتبرّك والزيادة ملازماً للاعتقاد بالاِلوهية لما خفي ذلك على المسلمين الذين جرت سيرتهم العملية على ذلك حتى يكون عملهم مخالفاً لاعترافهم بإله واحد.

وقد تواترت الاَخبار عن النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم وآله بأنّ الاِسلام يحقن به الدم، ويصان به العرض، والمال، وتوَدي به الاَمانة، إلى غير ذلك من الاَحكام المترتبة على الاِسلام.

وحسبك أيّها القارىَ الكريم ما أخرجه البخاري عن ابن عباس عن رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن:

«إنّك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ اللّه قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللّه قد فرض عليهم صدقة توَخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم» (1)

وأخرج البخاري ومسلم في باب فضائل عليّ ـ عليه السلام ـ أنّه (2)قال رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم يوم خيبر:

«لاَعطيّن هذه الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله يفتح اللّه على يديه».

قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الاِمارة إلاّ يومئذ قال:


(1)صحيح البخاري: 5|162، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن.

(2)واللفظ لمسلم، وراجع البخاري: 2 في مناقب علي ـ عليه السلام ـ .

(152)

فتساورت لها رجاء أن أُدعى لها، قال: فدعى رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها وقال: «امش ولاتلتفت حتى يفتح اللّه عليك» فسار عليّ شيئاً ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: يارسول اللّه على ماذا أُقاتل الناس؟

قال صلّى الله عليه و آله و سلّم :

«قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على اللّه» (1)

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبداللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم:

«بني الاِسلام على خمس:

شهادة أن لا إله إلاّ اللّه.

وأنّ محمّداً رسول اللّه.

وإقام الصلاة.

وإيتاء الزكاة.

والحج.

وصوم رمضان» (2).

وأخرج البخاري ـ أيضاً ـ عن ابن عمر أنّ الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم قال:

«أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ


(1)صحيح مسلم: 6، باب فضائل علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ .

(2)راجع التاج الجامع للاَُصول في أحاديث الرسول تأليف الشيخ منصور علي ناصف: 1| 20.

(153)

محمّداً رسول اللّه، ويقيموا الصلاة، ويوَتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الاِسلام وحسابهم على اللّه» (1)

إلى غير ذلك من الاَحاديث النبوية في كتاب الاِيمان في كتب الصحاح والسنن.

وأمّا ما روي عن أئمّة أهل البيت فيكفيك مارواه سماعة عن الاِمام الصادق ـ عليه السلام ـ قال:

«الاِسلام : شهادة أن لا إله إلاّ اللّه والتصديق برسول اللّه به حقنت الدماء وجرت المناكح والمواريث» (2)

وكل هذه الاَحاديث تصرّح بأنّ ما تحقن به الدماء وتصان به الاَعراض ويدخل الاِنسان به في عداد المسلمين هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول.

وعلى ذلك جرت سنّة النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم فقد كان يكتفي من الرجل بإظهاره الشهادتين، ولم يُر منه أنّه سأل الوافدين المظهرين للشهادتين: هل هم يتوسّلون بالاَنبياء والاَولياء والقديسين أو لا ، هل هم يتبركون بآثارهم أو لا هل هم يزورون قبور الاَنبياء أو لا ؟ فيشترط عليهم أن يتركوا التوسّل والتبرّك والزيادة.

أجل كل ذلك يدل على أنّ الاِسلام الحاقن للدماء، الصائن للاَعراض


(1)صحيح البخاري: 1، كتاب الاِيمان، باب فان تابوا وأقاموا الصلاة، وفي صحيح ابن ماجة: 2|457 باب الكف عمّن قال: لا إله إلاّ اللّه.

(2)الكافي: 2|25، الطبعة الحديثة، راجع باب الاِيمان يشارك الاِسلام والاِسلام لايشارك الاِيمان، ترى فيها نصوصاً رائعة وصريحة في هذا المقام.

وراجع التاج: 1| 20 ـ 34، كتاب الاِسلام والاِيمان.


(154)

والاَموال هو قبول الشهادتين وإظهارهما فقط، وأمّا ما وراء ذلك فلا دخالة له في حقن الدماء والاَموال والاَعراض.

نعم انّ اللّه فرض على المسلمين عندما تنازعوا، أو اختلفوا في أمر أن يردّوه إلى اللّه والرسول كما قال سبحانه:

(فَإن تَنازَعتُمْ فِي شَـيْءٍ فرُدُّوهُ إلى اللّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُوَْمِنُونِ بِاللّهِ واليومِ الآخِرِ) (النساء ـ 59).

وقال سبحانه:

(وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الاََمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء ـ 83).

وعلى ذلك فليس لاَحد من المسلمين سبّ طائفة منهم وشتمها ورميها بالكفر والاِلحاد مادامت تتمسّك بالشهادتين وتقيم الصلاة وتوَتي الزكاة وذلك لاَجل توسّلهم بالاَنبياء أو تبرّكهم بآثارهم، أو غير ذلك من المسائل الفكرية الدقيقة التي تضاربت فيها آراء علمائهم ونظرياتهم.

فإن طعن فيهم طاعن أو رماهم بالشرك فقد خرج عن النهج الذي شاءه اللّه للمسلمين، وقال:

(إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ) (الاَنعام ـ 159)

وقال:

(ولاتَقُولُوا لِمَنْ ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُوَْمِناً) (النساء ـ 94).

وقال سبحانه:

(يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولاتَـمُـوتُـنَّ إلاّ وأنْتُـمْ مُسْلِمُــونَ * واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَـمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا)(آل عمران: 102ـ 103).


(155)

والمراد بحبل اللّه الذي يجب الاعتصام به هو دينه المفسر بالاِسلام كما قال:

(إنَّ الَّدينَ عِنْدَ اللّهِ الاِسلامُ) (آل عمران ـ 19).

والاِسلام هو إظهار الشهادتين ولاريب في وجوده في طوائف المسلمين إلاّ من اتّفقت كلمتهم على تكفيرهم كالنواصب.

ومن راجع الكتاب والسنّة يجد أنّهما يركّزان دعوتهما على لزوم التوادد والتحابب بين المسلمين لا على التنافر، ورمي بعضهم بعضاً بالكفر، والتعدّي بالضرب والشتم والقتل.

وأخرج البخاري بطرق عديدة عن النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم أنّه قال في حجة الوادع:

«انظروا ولاترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (1)

فكيف يسمح الوهابيون لاَنفهسم إذن بأن يرموا المسلمين الموحّدين بالشرك ليس إلاّ لاَنّهم يظهرون مايضمرونه من محبة و ودّ للنبي صلّى الله عليه و آله و سلّم بتقبيل ضريحه وتعظيمه.

ومع ذلك كلّه فنحن نعرض عقائد الوهابيين على الكتاب والسنّة في مجال التوحيد والشرك فقط بالتفصيل حتى تظهر الحقيقة بأجلى مظاهرها، ونكتفي ـ هنا ـ بالقليل من الكثير فنقصر البحث في المسائل التالية:

1 ـ هل طلب الشفاء والاِشفاء من غيره سبحانه شرك؟ 2 ـ هل طلب الشفاعة من عباد اللّه سبحانه شرك؟ 3 ـ هل الاستعانة بأولياء اللّه شرك؟

4 ـ هل دعوة الصالحين شرك؟


(1)البخاري: 9|كتاب الفتن، الباب السابع، الحديث الاَوّل والثاني، ورواه أيضاً في مختلف كتبه؛ ورواه ابن ماجة في باب سباب المسلم فسوق راجع: 2|462، ط مصر.

(156)

5 ـ هل تعظيم أولياء اللّه وتخليد ذكرياتهم شرك؟

6 ـ هل التبرّك بآثار النبيّ والاَولياء شرك؟

7 ـ هل البناء على القبور شرك؟

8 ـ هل زيارة القبور شرك؟

9 ـ هل الصلاة عند قبور الصالحين شرك؟

10 ـ هل الحلف بغير اللّه وإقسامه بمخلوق أو حقّه عليه شرك؟

وعلى تقدير عدم كون هذه الاَُمور شركاً، فهل هو جائز أو لا ؟وقد رَكّزنا البحث على الاَوّل، وبحثنا عن الثاني على وجه الاِجمال لكون المطلوب في هذه الرسالة هو تحديد التوحيد والشرك، لا جواز الشيء أو منعه. وربما يمكن أن لا يكون عمل شركاً ولكن يكون حراماً.


(157)

المسائل العشر

1

هل طلب الاِشفاء من غيره سبحانه شرك؟

لاشك في أنّ هذا الكون عالم منظّم، فجميع الظواهر الكونية فيه تنبع من الاَسباب والعلل التي ـ هي بدورها ـ مخلوقة للّه تعالى، ومعلولة له سبحانه.

وحيث إنّ هذه العلل والاَسباب لاتملك من لدن نفسها أيّ كمال ذاتي، بل وجدت بمشيئة اللّه، وصارت ذات أثر بإرادته سبحانه لذلك صحّ أنّ ينسب اللّه آثارها وأفعالها إلى نفسه، كما يصح أن تنسب إلى عللها.

هذا ما أوضحناه في ما سبق أتمّ إيضاح، وبذلك يظهر أنّ الشفاء تارة ينسب إلى اللّه سبحانه وأُخرى إلى علله القريبة الموَثرة بإذنه وبذلك يرتفع التعارض الابتدائي بين الآيات فبينما يخصّ القرآن الاِشفاء باللّه سبحانه ويقول:

(وإذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء ـ 80)

وبينما ينسب الشفاء إلى غيره كالقرآن والعسل، والجواب أنّه ليس هنا في الحقيقة إلاّ فعل واحد وهو الاِشفاء ينسب تارة إلى اللّه على وجه التسبيب وإلى غيره من الاَسباب العادية كالعسل والاَدوية وغيرها على وجه المباشرة.

فهو الذي وهب أنبياءه وأولياءه: القدرة على الاِشفاء والمعافاة، والاِبراء. وهو الذي اُذن لهم بأن يستخدموا هذه القدرة الموهوبة ضمن شروط خاصة.


(158)

فهذا القرآن إذ يصف اللّه تعالى بأنّه هو الشافي الحقيقي (كما في آية 80 الشعراء) يصف العسل بأنّه الشافي أيضاً عندما يقول:

(فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ) (النحل ـ 69).

أو ينسب الشفاء إلى القرآن عندما يقول:

(وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْـمَةٌ لِلْمُوَْمِنِينَ) (الاِسراء ـ 82).

وطريق الجمع الذي ذكرناه وارد هنا وجارٍ في هذا المقام كذلك، وهو بأن نقول:

إنّ الاِبراء والاِشفاء ـ على نحو الاستقلال ـ من فعل اللّه لا غير.

وعلى نحو التبعية واللااستقلال من فعل هذه الاَُمور والاَسباب فهو الذي خلقها، و أودع فيها ما أدوع من الآثار، فهي تعمل بإذنه وتوَثّر بمشيئته.

ففي هذه الصورة إذا طلب أحد الشفاء من أولياء اللّه وهو ملتفت إلى هذا الاَصل(1) كان عمله جائزاً ومشروعاً وموافقاً للتوحيد المطلوب تماماً.

لاَنّ الهدف من طلب الشفاء من الاَولياء هو تماماً مثل الهدف من طلب الشفاء من العسل والعقاقير الطبية ،غاية ما في الباب أنّ العسل والعقاقير تعطي آثارها بلا إرادة وإدراك منها، بينما يفعل ما يفعله النبيّ والولي عن إرادة واختيار، فلا يكون الهدف من الاستشفاء من الولي إلاّ مطالبته بأن يستخدم تلك القدرة الموهوبة له ويشفي المريض بإذن اللّه كما كان يفعل السيد المسيح ـ عليه السلام ـ إذ كان يبرىَ من استعصى علاجه من الاَمراض بإذن اللّه والقدرة الموهوبة له من اللّه.

وواضح أنّ مثل هذا العمل لا يعدّ شركاً إذ لاتنطبق على ذلك معايير الشرك أو قل المعيار الواحد الحقيقي.


(1)نعني كونهم يوَثرون بإذن اللّه وقدرته ومشيئته.

(159)

نعم يمكن المناقشة في أنّهم هل يقدرون على ذلك أو لا، وهل أُعطيت لهم تلك المقدرة أو لا ؟ غير أنّ البحث مركز على كونه طلباً توحيدياً أو غير توحيدي.

ومما يوضح ذلك أنّ الفراعنة كانوا يطلبون من موسى كشف الرجز كما في قوله سبحانه: (قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُوَْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَني إِسْراءِيل) (الاَعراف ـ 134).

ولانريد أن نستدلّ بطلب فرعون أو قومه بل الاستدلال إنّما هو بسكوت موسى أمام مثل هذا الطلب.

وعلى الجملة فلو طلب رجل من السيد المسيح وقال له: إنّك تقول:

(واُبْرِىَُ الاَكْمَهَ وَالاَبْرَصَ وأُحْيِ المَوْتى بِإِذْنِ اللّه) (آل عمران ـ 49).

وهذا ولدي قد ابتُلي بالمرض الصعب العلاج فأبرِئه بإذن اللّه، وهذا أخي قد مات فأطلب منك أن تحييه، وعنـد ذلك أنـا وجميع أُسرتي نوَمن بك وبرسالتك.

فهل ترى أنّ المسيح ينسب هذا الطلب إلى الشرك ويعدّ الطالب مشركاً؛ قائلاً: بأنّ الاِبراء والاِحياء من أفعاله سبحانه؟ أو أنّه يتلقّى هذا الرجل متحرياً للحقيقة، وطالباً للهداية، وأنّ الاِبراء والاِحياء إنّما يُعدّان من أفعاله سبحانه إذا قام الفاعل بهما على وجه الاستقلال، والاعتقاد بأنّ المطلوب واجد لهذا النحو من القدرة اعتقاد بإلوهيته والطلب منه عبادة له؟

وأمّا الاِبراء والاِحياء وبقدرة مكتسبة من اللّه وإذنٌ وإرادةٌ منه سبحانه بحيث يُعدّ المبرىَ والمحيي أدوات فعله وأسباب نفوذ إرادته، ومظهر مشيئته فلا يُعدّ مثل هذا الاعتقاد اعتقاداً بالاِلوهية ولا الطلب عبادة.


(160)

المسائل العشر

2

هل طلب الشفاعة من غيره سبحانه شرك ؟

لا مرية في أنّ الشفاعة حق خاص باللّه سبحانه، فالآيات القرآنية ـ مضافة إلى البراهين العقلية ـ تدل على ذلك مثل آية:

(قُلْ للّهِ الشَفاعةُ جَمِيعاً) (الزمر ـ 44).

إلاّ أنّ في جانب ذلك دلّت آيات كثيرة أُخرى على أنّ اللّه أذن لفريق من عباده أن يستخدموا هذا الحق، ويشفعوا ـ في ظروف وضمن شروط خاصة ـ حتى أنّ بعض هذه الآيات صرّحت بخصوصيات وأسماء طائفة من هوَلاء الشفعاء كقوله تعالى:

(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ في السَّمواتِ لاتُغنِي شَفاعَتـُهُمْ شَيْئاً إلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) (النجم ـ 26).

كما أنّ القرآن أثبت لنبيّ الاِسلام «المقام المحمود» إذ يقول:

(عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (الاِسراء ـ 79).

وقد قال المفسّرون: إنّ المقصود بالمقام المحمود هو: مقام الشفاعة، بحكم الاَحاديث المتضافرة التي وردت في هذا الشأن.

كل هذا مما اتّفق عليه المسلمون إنّما الكلام في أنّ طلب الشفاعة ممن أُعطي


(161)

له حق الشفاعة كأن يقول «يارسول اللّه اشفع لنا» هل هو شرك أو لا ؟

وليس البحث في المقام ـ كما ألمعنا إلى ذلك غير مرة ـ في كون هذا الطلب مجدياً أو لا إنّما الكلام في أنّ هذا الطلب هل هو عبادة أو لا ؟

فنقول: قد ظهر الجواب مما أوضحناه في الاَبحاث السابقة، فلو اعتقدنا بأنّ من نطلب منهم الشفاعة، لهم أن يشفعوا لمن أرادوا ومتى أرادوا وكيفما ارتأوا، دون رجوع إلى الاِذن الاِلهي أو حاجة إلى ذلك، فإنّ من المحتم أنّ هذا الطلب والاستشفاع عبادة وأنّ الطالب يكون مشركاً حائداً عن طريق التوحيد لاَنّه طلب الفعل الاِلهي وما هو من شوَونه من غيره.

وأمّا لو استشفعنا بأحد هوَلاء الشفعاء ونحن نعتقد بأنّه محدود مخلوق للّه لايمكنه الشفاعة لاَحد إلاّ بإذنه فهذا الطلب لايختلف عن طلب الاَمر العادي ماهية ولايكون خارجاً عن نطاق التوحيد.

وإن تصوّر أحد أنّ هذا العمل (أعني طلب الشفاعة من أولياء اللّه) يشبه ـ في ظاهره ـ عمل المشركين، واستشفاعهم بأصنامهم، فهو تصوّر باطل بعيد عن الحقيقة.

لاَنّ التشابه الظاهري لا يكون أبداً معياراً للحكم بل المعيار الحقيقي للحكم إنّما هو: قصد الطالب، وكيفية اعتقاده في حق الشافع، ومن الواضح جداً أنّ المعيار هو النيات والضمائر، لا الاَشكال والظواهر، هذا مع أنّ الفرق بين العملين واضح من وجوه:

أوّلاً: إنّه لا مرية في أنّ اعتقاد الموحد في حق أولياء اللّه يختلف ـ تماماً ـ عن اعتقاد المشرك في حق الاَصنام.

فانّ الاَصنام والاَوثان كانت ـ في اعتقاد المشركين ـ آلهة صغاراً يملكون شيئاً من شوَون المقام الاِلوهي من الشفاعة والمغفرة، بخلاف أهل التوحيد فإنّـهم


(162)

يعتقدون بأنّ من يستشفعون بهم: عباد مكرمون لايعصون اللّه وهم بأمره يعملون، وأنّهم لايملكون من الشفاعة شيئاً، ولايشفعون إلاّ إذا أذن اللّه لهم أن يشفعوا في حق من ارتضاه.

وبالجملة فانّ تحقق الشفاعة منهم يحتاج إلى وجود أمرين:

1 ـ أن يكون الشفيع مأذوناً في الشفاعة.

2 ـ أن يكون المشفوع له مرضياً عند اللّه.

فلو قال مسلم لصالح من الصالحين: (اشفع لي عند اللّه) فانّه لايفعل ذلك إلاّ مع التوجّه إلى كونه مشروطاً بالشرطين المذكورين.

ثانياً: إنّ المشركين كانوا يعبدون الاَصنام مضافاً إلى استشفاعهم بها، بحيث كانوا يجعلون استجابة دعوتهم وشفاعهم عوضاً عما كانوا يقومون به من عبادة لها بخلاف أهل التوحيد فانّهم لايعبدون غير اللّه طرفة عين أبداً.

وأمّا استشفاعهم بأُولئك الشفعاء فليس إلاّ بمعنى الاستفادة من المقام المحمود الذي أعطاه اللّه سبحانه لنبيّه في المورد الذي يأذن فيه اللّه، فقياس استشفاع الموَمنين بما يفعله المشركون ليس إلاّ مغالطة. وقد مرّ غير مرة أنّه لو كان الملاك التشابه الظاهري للزم أن نعتبر الطواف بالكعبة المشرّفة واستلام الحجر والسعي بين الصفا والمروة موجباً للشرك وعبادة للحجر.

* * *


(163)

الوهابيون وطلب الشفاعة:

إنّ الوهابيين يعتبرون مطلق طلب الشفاعة شركاً وعبادة ويظنّون أنّ القرآن لم يصف الوثنيين بالشرك إلاّ لطلبهم الشفاعة من أصنامهم كما يقول سبحانه:

(وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَوَُلاءِ شُفَعَاوَُنَا عِنْدَ اللّهِ) (يونس ـ 18)

وعلى هذا فالشفاعة وإن كانت حقاً ثابتاً للشفعاء الحقيقيين إلاّ أنّه لايجوز طلبه منهم لاَنّه عبادة لهم، قال محمد بن عبد الوهاب:

«إن قال قائل: الصالحون ليس لهم من الاَمر شيء ولكن اقصدهم وأرجو من اللّه شفاعتهم، فالجواب أنّ هذا قول الكفاّر سواء بسواء واقرأ عليهم قوله تعالى:

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِياءَ مَانَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللّه زُلْفَى) (الزمر ـ 3)

وقوله:

(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُـرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَوَُلاَءِ شُفَعَاوَُنَا عِندَ اللّهِ) (يونس ـ 18) (1).

وإن قال: إنّ النبي أُعطي الشفاعة وأنا أطلبه ممّن أعطاه اللّه، فالجواب أنّ اللّه أعطاه الشفاعة ونهاك عن طلبها منه فقال تعالى:

(فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أحَداً) (الجن ـ 18).

وأيضاً فإنّ الشفاعة أُعطيها غير النبيّ. فصح أنّ الملائكة يشفعون، والافراط يشفعون، والاَولياء يشفعون، أتقول إنّ اللّه أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فان قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها اللّه في كتابه» (2)


(1)كشف الشبهات: 7 ـ 9 ، طبعة القاهرة.

(2)كشف الشبهات: 7 ـ 9 ، طبعة القاهرة.

(164)

استدل ابن عبدالوهاب على حرمة طلب الشفاعة بآيات ثلاث:

الاَُولى: قوله سبحانه:

(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُـرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَوَُلاَءِ شُفَعَاوَُنَا عِندَ اللّهِ)

إذ قال بأنّ عبادة المشركين للاَوثان كانت متحقّقة بطلب الشفاعة منهم لابأمر آخر.

الثانية: قوله سبحانه:

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِياءَ مَانَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللّه زُلْفَى) (الزمر ـ 3).

قائلاً بأنّ عبادة المشركين للاَصنام كانت متحقّقة بطلب شفاعتهم منها.

الثالثة: قوله سبحانه:

(فَلاَ تَدعُوا مَعَ اللّهِ أحَداً) (الجن ـ 18)

ولابد من البحث حول هذه الآيات الثلاث التي استدل بها القائل على أنّ طلب الشفاعة ممّن له حق الشفاعة عبادة له فنقول:

أمّا الاستدلال بالآية الاَُولى فالاِجابة عنه بوجهين:

1 ـ ليس في قوله سبحانه (ويعبدون من دون اللّه ما لا يضرهم...)، أيّة دلالة على مقصودهم، وإذا ما رأينا القرآن يصف هوَلاء بالشرك فليس ذلك لاَجل استشفاعهم بالاَوثان، بل لاَجل أنّهم كانوا يعبدونها لغاية أن يشفعوا لهم بالمآل.

وحيث إنّ هذه الاَصنام لم تكن قادرة على تلبية حاجات الوثنيين لذلك كان عملهم وطلبهم عملاً سفيهاً لا أنّه كان شركاً.


(165)

فالاِمعان في معنى الآية وملاحظة أنّ هوَلاء المشركين كانوا يقومون بعملين: (العبادة وطلب الشفاعة كما يدل عليه قوله: (ويعبدون) ويقولون) يكشف عن أنّ علّة اتّصافهم بالشرك واستحقاقهم لهذا الوصف كانت لاَجل عبادتهم لتلك الاَصنام لا لاستشفاعهم بها، كما لايخفى.

ولو كان الاستشفاع بالاَصنام عبادة لها في الحقيقة لما كان هناك مبرر للاِتيان بجملة أُخرى أعني قوله: (ويقولون هوَلاء شفعاوَنا) بعد قوله : (ويعبدون) إذ كان حينئذ تكراراً.

إنّ عطف الجملة الثانية على الاَُولى يدل على المغايرة بينهما، إذن لا دلالة لهذه الآية على أنّ الاستشفاع بالاَصنام كان عبادة فضلاً عن كون الاستشفاع بالاَولياء المقرّبين عبادة لهم، نعم قد ثبت أنّ الاستشفاع بالاَصنام كان عبادة لهم بملاك آخر غير موجود في الاستشفاع بالنبيّ، كما سيوافيك في التالي.

2 ـ إنّ هناك فرقاً بين الاستشفاعين فالوثني يعتبر الصنم ربّاً مالكاً للشفاعة يمكنه أنّ يشفع لمن يريد وكيفما يريد .والاستشفاع بهذه العقيدة شرك، ولاَجل ذلك يقول سبحانه نقداً لهذه العقيدة.

(قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً) (الزمر ـ 44)

والحال أنّ المسلمين لايعتقدون بأنّ أولياءهم يملكون هذا المقام فهم يتلون آناء الليل وأطراف النهار قوله سبحانه:

(مَنْ ذَا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذْنِهِ) (البقرة ـ 255)

ومع هذا التفاوت البيّن والفارق الواضح كيف يصح قياس هذا بذلك؟

والدليل على أنّ المشركين كانوا معتقدين بكون أصنامهم مالكة للشفاعة أمران:


(166)

الاَوّل: تأكيد القرآن في آياته بأنّ شفاعة الشافع مشروطة بإذنه سبحانه وارتضائه:

قال سبحانه:

(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بإذْنِه) (البقرة ـ 255)

وقال:

(ما مِنْ شَفيعٍ إلاّ مِن بَعْدِ إذْنِه) (يونس ـ 3)

وقال:

(يَوْمَئِذٍ لاتَنْفَعُ الشَّفاعةُ إلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمن) (طه ـ 109)

وقال:

(لاتُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلاّ مِنْ بَعدِ أنْ يَأْذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشاء) (النجم ـ 26)

وقال:

(ولايَشْفَعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضى) (الاَنبياء ـ 28)

الثاني: تأكيد القرآن على أنّ الاَصنام لاتملك الشفاعة بل هي لمن يملكها:

قال سبحانه:

(ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلاّ مَنْ شَهِدَ بالَحقِّ) (الزخرف ـ 86)

وقال سبحانه:

(لايَمْلِكُونَ الشَّفاعةَ إلاّ مَنِ اتـَّخَذَ عِنْدَ الرّحْمن ِعَهْدا) (مريم ـ 87)

فالشفاعة محض حق لمالكها، وليس هو إلاّ اللّه، كما تصرّح بذلك الآيات السابقة، وأمّا المشركون فكانوا يعتقدون أنّ أصنامهم تملك هذا الحق، ولذلك كانوا يعبدونها أوّلاً، ويطلبون منها الشفاعة عند اللّه ثانياً.

نعم انّ الظاهر من قوله سبحانه:


(167)

(لايَمْلِكُونَ الشَّفاعَة إلاّ مَنِ اتـَّخَذَ عِنْدَ الرحمنِ عَهْدا) (مريم ـ 87)

وقوله سبحانه: (ولايَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعةَ إلاّ مَنْ شَهِدَ بالحَقِّ) (الزخرف ـ 86)

هو: أنّ المتّخذين للعهد والشاهدين بالحق يملكون الشفاعة كما هو مقتضى الاستثناء.

لكن المراد من المالكية في هاتين الآيتين هو: المأذونية بقرينة سائر الآيات لا المالكية بمعنى التفويض وإلاّ لزم الاختلاف والتعارض بين مفاد الآيات، وما ورد في السير والتواريخ من أن ّالمشركين كانوا يقولون عند الاِحرام والطواف: (الاّ شريك هو لك تملكه وما ملك) (1)يحتمل الاَمرين.

وبذلك يظهر ضعف الاستدلال بالآية الثانية: (ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا ...) إذ حمل ابن عبدالوهاب قوله سبحانه: (مانعبدهم) على طلب الشفاعة مع أنّ الآية المتقدمة صريحة في مغايرة العبادة لطلب الشفاعة.

نعم إنّما يكون عبادة إذا اتـَّخذ الشافع المدعو إلهاً أو من صغار الآلهة ـ كما تقدم ـ.

وأمّا ما اعترف به ابن عبد الوهاب (ضمن كلامه المنقول سلفاً) من أنّ اللّه أعطى الشفاعة لنبيّه ولكنّه تعالى نهى الناس عن طلبها منه فغريب إذ لا آية ولاسنّة تدل على النهي عن طلبها مضافاً إلى غرابة هذا النهي من الناحية العقلية إذ مثله أن يعطي للسقاء ماء وينهى الناس عن طلب السقي منه، أو يعطي الكوثر لنبيّه وينهى الاَُمّة عن طلبه.

وأمّا قوله تعالى: «فلا تدعوا مع اللّه احداً» وهي ثالثة الآيات التي استدلّ بها ابن عبد الوهاب فسيوافيك مفادها عن قريب حيث نبيّن ـ هناك ـ أنّ المراد من


(1)الملل والنحل: 2|255.

(168)

الدعوة في الآية المذكورة هو: العبادة، فيكون معنى: (فلاتدعوا) هو: فلا تعبدوا مع اللّه أحداً، فالحرام المنهي عنه عبادة غير اللّه، لامطلق دعوة غير اللّه، وليس طلب الشفاعة إلاّ طلب الدعاء من الغير لا عبادة الغير، وبين الاَمرين بون شاسع.

ومن ذلك يظهر ضعف دليل رابع لمحمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات ما حاصله:

«أنّ الطلب من الشفيع ينافي الاِخلاص في التوحيد الواجب على العباد في قوله: (مخلصين له الدين) (1)

إنّ دعوة الشفيع ـ بعد ثبوت الاِذن له والرضا من اللّه ـ ليست عبادة للشفيع حتى تنافي إخلاص العبادة للّه سبحانه، بل هو طلب الدعاء منه، وإنّما يشترط الاَخلاص في العبادة، لا في طلب الدعاء من الغير، كما لا تنافي دعوة اللّه، ولاتنفك عنها إذ الشفاعة من الشفع وطلب الشفاعة من الشفيع بمعنى أنّ المستشفع يدعو الشفيع لاَن ينضمّ إليه، ويجتمعا ويدعوا اللّه سبحانه ـ معاً ـ ، فدعوة المستشفع للشافع ليس إلاّ دعوة الثاني إلى أن يدعو اللّه في حقه ليغفر ذنوبه لا أكثر ... فأيّ ضير في هذا ترى؟!

ومن العجب تفسير (طلب الشفاعة) من النبيّ وغيره بأنّه دعاء للنبي مع اللّه كما في أسئلة الشيخ ابن بلهيد: قاضي القضاة من علماء المدينة (2)حيث قال:

«وما يفعل الجهاّل عند هذه الضرائح من التمسّح بها ودعائها مع اللّه».


(1)كشف الشبهات: 8.

(2)نقلـت جريدة أُم القـرى في عددها 69، المـوَرّخ 17شوال عام 1344 كل نص هذه الاَسئلة والاَجوبة.

(169)

ولايخفى ما في كلامه من ضعف:

أمّا أوّلاً: فانّ هوَلاء المتوسّلين عند الضرائح لايشركون أحداً في الدعاء (الذي هو مخ العبادة) ولايدعون إلاّ اللّه الواحد القهار، وإنّما يطلبون من أوليائهم أن يضمّوا دعاءهم إلى دعاء المتوسّلين، فيشتركوا معهم في دعاء اللّه لنجاح حاجتهم، ولولا ذلك لما كان لطلب الشفاعة معنى، فانّ الشفاعة مأخذوة من الشفع ـ كما قلنا ـ الذي هو ضد الوتر، فهو يطلب من وليّه أن ينضمّ إليه في الدعاء ويجتمع معه في العمل فأين ذلك من تشريك غير اللّه معه في الدعاء؟!.

وثانياً: انّ المسلمين لايدعون الضرائح بل يطلبون من (صاحب) الضريح أن يشترك معهم في الدعاء لاَنّه ذو مكانة مكينة عند اللّه، وإن كان متوفياً، ولكنّه حيّ يرزق عند ربّه ـ بنص الكتاب العزيز ـ وأنّه لايرد دعاءه لقوله سبحانه في حقّ النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم مثلاً:

(وَلَو أَنَّـهُمْ إذ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغفَرُوا اللّهَ وَاستَغفَرَ لَـهُمُ الرَّسوُلُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً) (النساء ـ 64)

(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ) (التوبة ـ 103)

ثم إنّه يظهر من ابن تيمية في بعض رسائله(1) وتلميذ مدرسته محمد بن عبد الوهاب في رسالة «أربع قواعد» (2)إنّهما استدلاّ على تحريم طلب الشفاعة من غير اللّه بقوله سبحانه:

(قُلْ للّهِ الشَّفاعةُ جَميعاً) (الزمر ـ 44)


(1)رسالة «زيارة القبور والاستغاثة بالمقبور» : 156.

(2)ص25، راجع كشف الارتياب: 240 ـ 241 وكشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب: 8.

(170)

وكأنّ الاستدلال مبنيّ على أنّ معنى الآية هو: وللّه طلب الشفاعة فقط.

ولكنّه تفسير خاطىَ للآية إذ ليس معنى الآية أنّ اللّه وحده هو الذي يشفع وغيره لايشفع، لاَنّه تعالى لايشفع عند أحد، وانّما الاَنبياء والصالحون والملائكة هم الذين يشفعون لديه.

كما أنّه ليس معناها أنّه لايجوز طلب الشفاعة إلاّ منه سبحانه بل معناها أنّ اللّه مالك أمرها فلا يشفع عنده أحد إلاّ بإذنه.

قال سبحانه: (مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذْنِهِ) وقال: (ولايَشْفَعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضى).

ويتّضح ما قلناه إذا لاحظنا صدر الآية وهو:

(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَيَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً) (الزمر ـ 43و44)

فالمقطع الاَخير من الآية بصدد الرد على الذين اتـّخذوا الاَصنام والاَحجار شفعاء عند اللّه، وقالوا: هوَلاء شفعاوَنا عند اللّه مع أنّـها ما كانت تملك شيئاً فكيف كانت تملك الشفاعة وهي لا عقل لها حتى تشفع.

يقول الزمخشري ـ في كشّافه ـ :

(من دون اللّه) أي من دون إذنه (قل للّه الشفاعة جميعاً) أي مالكها فلا يشفع أحد إلاّ بشرطين:

أن يكون المشفوع له مرتضى، وأن يكون الشفيع مأذنوناً له وهاهنا الشرطان مفقودان جميعاً (1)

وما ذهب إليه ابن عبد الوهاب ومن قبله ابن تيمية وأتباعهما من أنّ الآية


(1)تفسير «الكشاف»: 3|34.

(171)

هذه تدل على أنّ طلب الشفاعة لايكون إلاّ من اللّه وحده، دون طلبها من المخلوق وإن كان له حق الشفاعة، لم يذكره أحد من المفسرين.

* * * ثم إنّه كيف يمكن التفريق بين طلب الشفاعة من الحيّ وطلبها من الميت فيجوز الاَوّل بنصّ قوله تعالى:

(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً) (النساء ـ 64)

وبدليل طلب أولاد يعقوب من أبيهم الشفاعة وقولهم:

(يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا) (يوسف ـ 97)

ووعد يعقوب ـ عليه السلام ـ إيّاهم بالاستغفار لهم، بينما لايكون الثاني (أي الاستشفاع بالميت) جائزاً؟

أفيمكن أن تكون الحياة والممات موَثرتين في ماهية عمل وقد سبق أنّ الحياة أو الممات ليست (معياراً) للتوحيد والشرك وبالنتيجة لجواز الشفاعة أو عدم جوازها.

وإذا لاحظت كتب الوهابيين لرأيت أنّ الذي أوقعهم في الخطأ والالتباس هو مشابهة عمل الموحّدين في طلب الشفاعة والاستغاثة بالاَموات والتوسّل بهم، لعمل المشركين عند أصنامهم، ومعنى ذلك أنّهم اعتمدوا على الاَشكال والظواهر وغفلوا عن النيات والضمائر.

وأنت أيّها القارىَ لو وقفت على ما في ثنايا هذه الفصول لرأيت أنّ الفرق بين العملين من وجوه كثيرة، نذكر منها:

1 ـ إنّ المشركين كانوا يقولون بإلوهية الاَصنام بالمعنى الذي مرّ ذكره،


(172)

بخلاف الموحّدين.

2 ـ إنّ الاَوثان والاَصنام كانت أعجز من أن تلبّي دعوتهم وهذا بخلاف الاَرواح الطاهرة المقدّسة فإنّها أحياء بنصّ الكتاب العزيز، وقادرة على ما يُطلب منها في الدعاء.

3 ـ إنّ الاَوثان والاَصنام غير مأذونة لها، بخلاف النبيّ الاَكرم فإنّه مأذون بنص القرآن الكريم:

(عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَـحْمُودا) (الاِسراء ـ 79)

والمقام المحمود ـ باتفاق المفسّـرين ـ مقام الشفاعة.


(173)

المسائل العشر

3

هل الاستعانة بغير اللّه شرك؟

إنّ الاستعانة بغير اللّه يمكن أن يتحقّق بصورتين:

1 ـ إنّ نستعين بعامل ـ سواء أكان طبيعياً أم غير طبيعي ـ مع الاعتقاد بأنّ عمله مستند إلى اللّه بمعنى أنّه قادر على أن يعين العباد ويزيل مشاكلهم بقدرته المكتسبة من اللّه وإذنه.

وهذا النوع من الاستعانـة ـ في الحقيقـة ـ لاينفك عن الاستعانة باللّه ذاته، لاَنّه ينطوي على الاعتراف بأنّه هو الذي منح تلك العوامل ذلك الاَثّر وأذن به وإن شاء سلبها وجرّدها منه.

فإذا استعان الزارع بعوامل طبيعية كالشمس والماء وحرث الاَرض، فقد استعان باللّه ـ في الحقيقة ـ لاَنّه تعالى هو الذي منح هذه العوامل: القدرة على إنماء ما أودع في بطن الاَرض من بذر ومن ثمّ إنباته والوصول به إلى حد الكمال.

2 ـ وإذا استعان بإنسان أو عامل طبيعي أو غير طبيعي مع الاعتقاد بأنّه مستقلّ في وجوده، أو في فعله عن اللّه فلا شك انّ ذاك الاعتقاد يصير شركاً والاستعانة في هذه الحالة عبادة للاعتقاد بالالوهية فيه.

فإذا استعان زارع بالعوامل المذكورة وهو يعتقد بأنّها مستقلّة في تأثيرها، أو أنّها مستقلة في وجودها ومادتها كما في فعلها وقدرتها، فالاعتقاد شرك والطلب عبادة.


(174)

مع موَلّف المنار في تفسير حصر الاستعانة:

إنّ موَلّف المنار تصوّر أنّ حدّ التوحيد هو: أن نستعين بقدرتنا ونتعاون فيما بيننا ـ في الدرجة الاَُولى ـ ثم نفوّض بقية الاَمر إلى اللّه القادر على كل شيء، ونطلب منه ـ لا من سواه ـ ويقول في ذلك:

«يجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك ونبذل لاِتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوّة وأن نتعاون، ويساعد بعضنا بعضاً، ونفوّض الاَمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شيء ونلجأ اليه وحده، ونطلب المعونة للعمل والموصل لثمرته منه سبحانه دون سواه» (1)

إذ صحيح أنّنا يجب أن نستفيد من قدرتنا، أو من العوامل الطبيعية المادية ولكن يجب بالضرورة أن لانعتقد لها بأيّة أصالة وغنى واستقلال وإلاّ خرجنا عن حدود التوحيد.

فإذا اعتقد أحد بأنّ هناك ـ مضافاً إلى العوامل والقوى الطبيعية ـ سلسلة من العلل غير الطبيعية التي تكون جميعها من عباد اللّه الاَبرار الذين يمكنهم تقديم العون (2) لمن استعان بهم تحت شروط خاصة وبإذن اللّه وإجازته دون أن يكون لهم أيّ استقلال لا في وجودهم ولا في أثرهم، فأنّ هذا الفرد لو استعان بهذه القوى غير الطبيعية مع الاعتقاد المذكور ـ لاتكون استعانته عملاً صحيحاً فحسب بل تكون ـ بنحو من الاِنحاء ـ استعانة باللّه ذاته كما لايكون بين هذين


(1)المنار: 1|59.

(2)البحث مركّز في أنّ طلب العون والحال هذه شرك أو لا ؟ وأمّا أنّه هل أُعطيت لهم تلك المقدرة على العون أو لا ؟فخارج عن موضوع بحثنا، وإنّما إثباته على عاتق الاَبحاث القرآنية الاَُخرى وقد نبّهنا على ذلك غير مرة.

(175)

النوعين من الاستعانة (الاستعانة بالعوامل الطبيعية والاستعانة بعباد اللّه الاَبرار) أيّ فرق مطلقاً.

فإذا كانت الاستعانة بالعباد الصالحين ـ على النحو المذكور ـ شركاً لزم أن تكون الاستعانة في صورتها الاَُولى هي أيضاً معدودة في دائرة الشرك، والتفريق بين (الاستعانة بالعوامل الطبيعية) و (الاستعانة بغيرها) إذا كانتا على وزان واحد وعلى نحو الاستمداد من قدرة اللّه وبإذنه ومشيئته، بكونها موافقة للتوحيد في أُولى الصورتين، ومخالفة له في ثانية الصورتين، لا وجه له.

من هذا البيان اتّضح هدف صنفين من الآيات وردا في مسألة الاستعانة:

الصنف الاَوّل: يحصر الاستعانة باللّه فقط ويعتبره الناصر والمعين الوحيد دون سواه.

والصنف الثاني: يدعونا إلى سلسله من الاَُمور المعيّنة غير اللّه ويعتبرها ناصرة ومعينة، إلى جانب اللّه.

أقول: من البيان السابق اتّضح وجه الجمع بين هذين النوعين من الآيات وتبيّن أنّه لاتعارض بين الصنفين مطلقاً، إلاّ أنّ فريقاً نجدهم يتمسّكون بالصنف الاَوّل من الآيات فيخطئون أيّ نوع من الاستعانة بغير اللّه، ثم يضطرون إلى إخراج (الاستعانة بالقدرة الاِنسانية والاَسباب المادية) من عموم تلك الآيات الحاصرة للاستعانة باللّه بنحو التخصيص بمعنى أنّهم يقولون:

إنّ الاستعانة لاتجوز إلاّ باللّه إلاّ في الموارد التي أذن اللّه بها، وأجاز أن يستعان فيها بغيره، فتكون الاستعانة بالقدرة الاِنسانية والعوامل الطبيعية ـ مع أنّها استعانة بغير اللّه ـ جائزة ومشروعة على وجه التخصيص، وهذا ممّا لايرتضيه الموحّد.

في حين أنّ هدف الآيات هو غير هذا تماماً، فأنّ مجموع الآيات يدعو إلى أمر


(176)

واحد وهو: عدم الاستعانة بغير اللّه، وأنّ الاستعانة بالعوامل الاَُخرى يجب أن تكون بنحو لا يتنافى مع حصر الاستعانة باللّه بل تكون بحيث تعدّ استعانة باللّه لا استعانة بغيره.

وبتعبير آخر: إنّ الآيات تريد أن تقول: بأنّ المعين والناصر الوحيد والذي يستمد منه كل معين وناصر، قدرته وتأثيره، ليس إلاّ اللّه سبحانـه، ولكنّـه ـ مع ذلك ـ قيم هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، وعلى استمداد الفرع من الاَصل، ولذلك تكون الاستعانة بها كالاستعانة باللّه، ذلك لاَنّ الاستعانة بالفرع استعانة بالاَصل.

وإليك فيما يلي إشارة إلى بعض الآيات من الصنفين:

(وَما النَّصرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ العَزيزِ الحَكِيم) (آل عمران ـ 126)

(إيّاكَ نَعْبُدُ وَإيّاكَ نَسْتَعين) (الحمد ـ 4)

(وَما النَّصرُ إلاّ مِنْ عِنْدَ اللّهِ إنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم) (الاَنفال ـ 10)

هذه الآيات نماذج من الصنف الاَوّل وإليك فيما يأتي نماذج من الصنف الآخر الذي يدعونا إلى الاستعانة بغير اللّه من العوامل والاَسباب:

(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاة) (البقرة ـ 45)

(وَتَعاوَنُوا عَلى البرِّ والتَّقْوى) (المائدة ـ 2)

(ما مكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ فَأعِينُوني بِقُوَّة) (الكهف ـ 95)

(وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدَّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْـر) (الاَنفال ـ 72)

ومفتاح حلّ التعارض بين هذين الصنفين من الآيات هو ما ذكرناه وملخّصه:

إنّ في الكون موَثراً تاماً، ومستقلاً واحداً غير معتمد على غيره لا في وجوده


(177)

ولا في فعله وهو اللّه سبحانه.

وأمّا العوامل الاَُخر فجميعها مفتقرة ـ في وجودها وفعلها ـ إليه وهي توَدي ما توَدي بإذنه ومشيئته وقدرته، ولو لم تعط تلك العوامل ما أعطيت من القدرة ولم تجر مشيئته على الاستمداد منها لما كانت لها أية قدرة على شيء.

فالمعين الحقيقي في كلّ المراحل ـ على هذا النحو تماماً ـ هو اللّه فلا تصحُّ الاستعانة بأحد باعتباره معيناً مستقلاً. لهذه الجهة حصرت مثل هذه الاستعانة باللّه وحده، ولكن هذا لايمنع بتاتاً من الاستعانة بغير اللّه باعتباره غير مستقل (أي باعتباره معيناً بالاعتماد على القدرة الاِلهية)، ومعلوم أنّ استعانة ـ كهذه ـ لاتنافي حصر الاستعانة باللّه سبحانه لسببين:

أوّلاً: لاَنّ الاستعانة المخصوصة باللّه هي غير الاستعانة بالعوامل الاَُخرى، فالاستعانة المخصوصة باللّه هي: ما تكون باعتقاد أنّه قادر على إعانتنا بالذات، وبدون الاعتماد على غيرها، في حين أنّ الاستعانة بغير اللّه سبحانه إنّما هي على نحو آخر، أي مع الاعتقاد بأنّ المستعان قادر على الاِعانة مستنداً على القدرة الاِلهية، لابالذات، وبنحو الاستقلال، فاذا كانت الاستعانة ـ على النحو الاَوّل ـ خاصة باللّه تعالى فإنّ ذلك لايدل على أنّ الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضاً.

ثانياً: إنّ استعانة ـ كهذه ـ غير منفكّة عن الاستعانة باللّه، بل هي عين الاستعانة به تعالى، وليس في نظر الموحّد (الذي يرى أنّ الكون كلّه من فعل اللّه ومستند إليه) مناص من هذا.

وممّا سبق يتبيّـن لك أيّها القارىَ الكريم ما في كلام ابن تيمية من الاِشكال إذ يقول:

« أمّا من أقرّ بما ثبت بالكتاب والسنّة والاِجماع من شفاعته صلّى الله عليه و آله و سلّم والتوسّل به


(178)

ونحو ذلك، ولكن قال: لايدعى إلاّ اللّه وأنّ الاَُمور التي لايقدر عليها إلاّ اللّه فلا تطلب إلاّ منه، مثل غفران الذنوب وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك، فهذا مصيب في ذلك بل هذا ممّا لانزاع فيه بين المسلمين أيضاً كما قال تعالى:

(وَمنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ اللّه) (آل عمران ـ 135)

وقال: (إنَّكَ لاتَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهدِي مَنْ يَشاء) (القصص ـ 56)

وكما قال تعالى: (يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيرُ اللّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والاَرض) فاطر ـ 3)

وكما قال تعالى: (وما جَعَلَهُ اللّهُ إلاّ بُشْرى لَكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ومَا النَّصْـرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ) (آل عمران ـ 126)

وقال: (الاّ تَنْصُـرُوهُ فَقَدْ نَصَـرَهُ اللّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبهِ لاتَحزَنْ إنَّ اللّهَ مَعَنا) (التوبة ـ 40) (1)

فقد غفل ابن تيمية عن أنّ بعض هذه الاَُمور يمكن طلبها من غير اللّه مع الاعتقاد بعدم استقلال هذا الغير في تحقيقها، وهذا لاينافي طلبها من اللّه مع الاعتقاد باستقلاله وغناه عمّن سواه في تحقيقها.

نعم، لا تقع هذه الاستعانة مفيدة إلاّ إذا ثبتت قدرة غيره سبحانه على إنجاز الطلب ولكنّه خارج عن محط ّبحثنا، فإنّ البحث مركّز على كون هذا العمل شركاً أو لا، وأما كون المستعان قادراً فالبحث عنه خارج عن هدفنا.

وربّما يتوهّم أنّها لاتنفع أيضاً إلاّ إذا ثبتت مأذونية الغير من قبله سبحانه في الاِعانة، كما يتوقف على ذلك جواز أصل طلب العون، وإن كان غير شرك.


(1)مجموعة الرسائل الكبرى: لابن تيمية ،الرسالة الثانية عشرة: 482.

(179)

ولكنه مدفوع، بإنّ إعطاء القدرة دليل على المأذونية في أعمالها في الجملة، إذ لا معنى لاَن يعطيه اللّه القدرة ويمنعه عن الاَعمال مطلقاً، أو يعطيه القدرة ويمنع الغير عن طلب اعمالها.

ويكفي في الجواز، كون الاَصل في فعل العباد، الجواز والاِباحة، دون الحظر والمنع إلاّ أن ينطبق على العمل أحد العناوين المحرمة في الشرع.

وأخيراً نذكّر القارىَ الكريم بأنّ موَلف المنار حيث إنّه لم يتصوّر للاستعانة بالاَرواح إلاّ صورة واحدة، لذلك اعتبرها ملازمة للشرك فقال:

«ومن هنا تعلمون: أنّ الذين يستعينون بأصحاب الاَضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أُمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم، وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح هم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر اللّه معرضون» (1).

ولا يخفى عدم صّحته إذ الاستعانة بغير اللّه (كالاستعانة بالعوامل الطبيعية) على نوعين:

أحدهما: عين التوحيد، والآخر: موجب الشرك، أحدهما: مذكّر باللّه، والآخر: مبعد عن اللّه.

إنّ حد التوحيد والشرك ليس هو كون الاَسباب ظاهرية أو غير ظاهرية، إنّما هو الاستقلال وعدم الاستقلال، هو الغنى والفقر، هو الاَصالة وعدم الاصالة.

إنّ الاستعانة بالعوامل غير المستقلّة المستندة إلى اللّه، التي لاتعمل ولاتوَثر إلاّ بإذنه تعالى ليس فقط غير موجبة للغفلة عن اللّه، بل هو خير موجّه، ومذكّر باللّه. إذ معناها: انقطاع كلّ الاَسباب وانتهاء كل العلل إليه.


(1)المنار: 1|59.

(180)

ومع هذا كيف يقول صاحب المنار: «أُولئك عن ذكر اللّه معرضون» ولو كان هذا النوع من الاستعانة موجباً لنسيان اللّه والغفلة عنه للزم أن تكون الاستعانة بالاَسباب المادية الطبيعية هي أيضاً موجبة للغفلة عنه.

على أنّ الاَعجب من ذلك هو كلام شيخ الاَزهر الشيخ محمود شلتوت الذي نقل ـ في هذا المجال ـ نص كلمات عبده دون زيادة ونقصان، وختم المسألة بذلك، وأخذ بظاهر الحصر في (إيّاك نستعين) غافلاً عن حقيقة الآية وعن الآيات الاَُخرى المتعرّضة لمسألة الاستعانة (1)

نقد نظر ثالث :

وهناك رأي آخر يتوسّط بين الرأيين، وهو أنّه تجوز الاستعانة بالاَسباب الطبيعية في الحوائج الحيوية، ولاتجوز الاستعانة بالاَسباب غير العادية إلاّ إذا كان بصورة التوسّل والاستشفاع إلى اللّه سبحانه.

وهذا القول وإن كانت عليه مسحة من الحق ولمسة من الصدق إلاّ أنّه ليس عينه.

فإنّ المنع عن الاستعانة بالاَسباب غير العادية إذا لم يكن بكلا النحوين خاطىَ فإنّه إن كان لاَجل كونه مستلزماً للشرك، فالمفروض عدمه، إذ المستعين إنّما يستعين، باعتقاد أنّ المستعان إنّما يعين بالقدرة المعطاة له من اللّه سبحانه، ويعملها بإذنه ومشيئته. وطلب العون مع هذا الاعتقاد لايستلزم الشرك. ومع فرضه فأيّ فرق بين الممنوع (طلب العون) والمجاز وهو التوسّل والاستشفاع؟

وإن كان المنع لاَجل عدم وجود القدرة فيهم على الاِعانة، فهو مناقشة وهو


(1)راجع تفسير شلتوت: 36 ـ 39.

(181)

في الصغرى خارج عن موضوع بحثنا فأنّ البحث إنّما هو على فرض قدرتهم.

وإن كان المنع، لاَجل كون الاَصل في فعل المكلف، هوالمنع حتى يثبت الجواز، فهو محجوج بأصالة الاِباحة مالم يمنع عنه دليل قاطع. وعدم ورود تلك الاستعانة في الاَدعية وغيرها على فرض صحته لايدل على المنع.

ولو كان المنع لاَجل أن قوله سبحانه: (وإيّاك نستعين) شامل لهذه الاستعانة التي لاتنفك عن الاستعانة به سبحانه كما أوضحناه، فلايمكن تخصيصه بالتوسّل والاستشفاع لاَنّ لسانه آبٍ عن التخصيص وغير قابل له.


(181)

في الصغرى خارج عن موضوع بحثنا فأنّ البحث إنّما هو على فرض قدرتهم.

وإن كان المنع، لاَجل كون الاَصل في فعل المكلف، هوالمنع حتى يثبت الجواز، فهو محجوج بأصالة الاِباحة مالم يمنع عنه دليل قاطع. وعدم ورود تلك الاستعانة في الاَدعية وغيرها على فرض صحته لايدل على المنع.

ولو كان المنع لاَجل أن قوله سبحانه: (وإيّاك نستعين) شامل لهذه الاستعانة التي لاتنفك عن الاستعانة به سبحانه كما أوضحناه، فلايمكن تخصيصه بالتوسّل والاستشفاع لاَنّ لسانه آبٍ عن التخصيص وغير قابل له.


(182)

المسائل العشر

4

هل دعوة الصالحين عبادة لهم ؟

تبيّـن من البحوث السابقة أنّ (طلب الحاجة من غير اللّه) مع الاعتقاد بأنّه لايملك شيئاً من شوَون المقام الاِلوهي، ولم يفوّض إليه شيء، بل لو قام بشيء لايقوم به إلاّ بإذن اللّه سبحانه، لايكون شركاً.

وبقي في هذا المجال مطلب آخـر وهو: أنّ القرآن الكريـم نهى ـ في موارد متعدّدة ـ عن دعوة غير اللّه سبحانـه غير أنّ الوهابية استنتجت من هذه الآيات مساوقة الدعوة للعبادة.

واليك فيما يأتي الآيات المتضمّنة، بل المصرّحة بهذا المطلب:

(وَأَنَّ المَساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أحَدا) (الجن ـ 18)

(لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لايَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بَشَيءٍ)(الرعد ـ 14)

(وَالّذينَ تَدعُونَ مِنْ دُونِهِ لايَسْتَطيعُونَ نَصرَكُمْ وَلا أنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) (الاَعراف ـ 197)

(إنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أمثالُكُمْ) (الاَعراف ـ 194)

(وَالّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير) (فاطر ـ 13)


(183)

(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْويلا) (الاِسراء ـ 56)

(أُولئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسيلة) (الاِسراء ـ 57)

(ولاتَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ مالا يَنْفَعُكَ وَلايَضُرُّك) (يونس ـ 106)

(إنْ تَدعُوهُمْ لايَسْمَعُوا دُعاءَكُم) (فاطر ـ 14)

(وَمَن أضَلُّ مِـمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ مَنْ لايَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَومِ القِيامةِ) (الاَحقاف ـ 5)

فقد جعل دعاء الغير ـ في هذه الآيات ـ مساوياً مع دعاء اللّه ويستنتج من ذلك أنّ دعاء الغير عبادة له، ومن هذه الآيات يستنتج الوهابيون كون دعوة الاَولياء والصالحين ـ بعد وفاتهم ـ عبادة للمدعو.

وملخّص كلامهم أنّ من قال متوسلاً: يامحمّد، فنداوَه ودعوته بنفسها عبادة للمدعو.

يقول الصنعاني في هذا الصدد:

«وقد سمّى اللّه الدعاء: عبادة بقوله: (ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادتي) ومن هتف باسم نبيّ أو صالح بشيء، أو قال: إشفع لي إلى اللّه في حاجتي، أو أستشفع بك إلى اللّه في حاجتي أو نحو ذلك، أو قال: اقض ديني أو اشف مريضي أو نحو ذلك، فقد دعا ذلك النبيّ والصالح،والدعاء عبادة بل مخها فيكون قد عبد غير اللّه، وصار مشركاً، إذ لايتم التوحيد إلاّ بتوحيده تعالى في الاِلهية باعتقاد أن لاخالق ولارازق غيره، وفي العبادة بعدم عبّادة غيره ولو ببعض العبادات وعبّاد الاَصنام إنّما أشركوا لعدم توحيد اللّه في العبادة» (1)

* * *


(1)تنزيه الاعتقاد للصنعاني كما في كشف الارتياب: 272 ـ 274. والآية 60 من سورة غافر.

(184)

ولكن لا مرية في أنّ لفظة الدعاء تعني في لغة العرب: النداء لطلب الحاجة فلا يتحقّق مفهوم الدعوة إلاّ بطلب الحاجة، ولو استعملت في مورد في مطلق النداء ولم يكن معه طلب حاجة فأنّما هو لاَجل أنّ المنادي يطلب توجّه المنادي إلى نفسه، بينما تعني لفظة «العبادة» معنى آخر (وهو الخضوع النابع من الاعتقاد بالاِلوهية والربوبية على ما مرّ تفصيله)، ولايمكن اعتبار اللفظتين مترادفتين، ومشتركتين في المفاد والمعنى بأن يكون معنى الدعاء هو العبادة، لاَسباب عديدة هي:

أوّلاً ـ إنّ القرآن استعمل لفظة الدعوة والدعاء في موارد لايمكن أن يكون المراد فيها العبادة مطلقاً مثل:

(قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهارا) (نوح ـ 5)

فهل يمكن أن نقول: إنّ مراد نوح ـ عليه السلام ـ هو أنّه عبد قومه ليلاً ونهاراً؟!!

وأيضاً مثل قوله تعالى حاكياً عن الشيطان قوله:

(وما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إلاّ أنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) (إبراهيم ـ 22)

فهل يحتمل أن يكون مقصود الشيطان هو أنّه عبد اتباعه، في حين أنّ العبادة ـ لو صحت وافترضت ـ فأنّما تكون من جانب أتباعه له لا من جانبه تجاه أتباعه.

ومثل هاتين الآيتين ما يأتي من الآيات:

(ويا قَومِ مالي أدْعُوكُمْ إلَى النَّجاةِ وتَدْعونَنِي إلَى النّار) (غافر ـ 41)

(وإنْ تَدْعُوهُمْ إلَى الهُدى لايَتَّبِعُوكُم) (الاَعراف ـ 193)

(وإن تَدْعُوهُمْ إلَـى الهُدَى لايَسْمَعُوا) (الاَعراف ـ 198)


(185)

(وإنَّك لَتَدْعُوهُمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيم) (الموَمنون ـ 73)

(فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ) (آل عمران ـ 61)

ففي هذه الآيات وأمثالها استعملت لفظة الدعاء والدعوة في غير معنى العبادة ولهذا لايمكن أن نعتبرهما مترادفتين. ولذلك فلو دعى أحد وليّاً أو نبياً أو رجلاً صالحاً، فأنّ عمله ذلك لايكون عبادة له، لاَنّ الدعاء أعمّ من العبادة وغيرها (1)

ثانياً ـ إنّ المقصود من الدعاء في مجموع الآيات (المذكورة في مطلع البحث هذا) ليس هو مطلق النداء، بل نداء خاص يمكن أن يكون ـ مآلاً ـ مرادفاً للفظ العبادة.

لاَنّ مجموع هذه الآيات وردت حول الوثنيين الذين كانوا يتصورون بأنّ أصنامهم آلهة صغار قد فوّض إليها بعض شوَون المقام الاِلوهي، ويعتقدون في شأنها بنوع من الاستقلال في التصرف والفعل.

ومعلوم أنّ الخضوع والتذلّل أو أيّ نوع من القول والعمل أمام شيء بإعتقاد أنّه إله كبير أو إله صغير لكونه ربّاً أو مالكاً لبعض الشوَون الاِلهية، يكون عبادة.

لاشكّ أنّ خضوع الوثنيين ودعاءهم وأستغاثتهم أمام أوثانهم كانت بوصف أنّ هذه الاَصنام آلهة أو أرباب أو مالكة لحقّ الشفاعة، وباعتقاد أنّها آلهة


(1)النسبة بين الدعاء والعبادة عموم وخصوص من وجه: ففي هذه الموارد يصدق الدعاء ولاتصدق العبادة، وأمّا في العبادة الفعلية المجرّدة عن الذكر كالركوع والسجود، فتصدق العبادة لاَنّها تقترن مع الاعتقاد بإلوهية المسجود له ولايصدق الدعاء لخلوّه عن الذكر اللفظي.

ويصدق كلا المفهومين: «الدعاء والعبادة» في أذكار الصلاة لاَنّها دعوة بالقول ناشئة عن الاعتقاد بإلوهية المدعو.


(186)

مستقلّة في التصرّف في أُمور الدنيا والآخرة. ومن البديهي أنّ أيّة دعوة لهذه الموجودات وغيرها مع هذه الشروط، عبادة لا محالة.

وتدل طائفة من الآيات:

على أن دعوة الوثنيين كانت مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية الاَصنام أو مالكيتها لمقام الشفاعة والمغفرة وإليك بعضها:

(فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ شَيء) (هود ـ 101)

ففي هذه الآية يتّضح جلياً بأنّهم كانوا يعبدونها متصوّرين ومعتقدين بأنّها تغنيهم من شيء كما يمكن للاِله الحقيقي أن يفعل ذلك.

(ولايَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دونِهِ الشَّفاعة) (الزخرف ـ 86)

(والَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لايَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير) (فاطر ـ 13)

(فلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّـرِّ عَنْكُمْ ولاتَحْوِيلا) (الاِسراء ـ 56)

فالآيات المذكورة (في مطلع هذا الفصل) لاترتبط بموضوع بحثنا مطلقاً، إذ الموضوع هو الدعوة دون الاعتقاد بإلوهية، ولا مالكية لشيء ولا استغناءه، واستقلاله في التصرف في أُمور الدنيا والآخرة، بل لاَجل أنّ المدعو عبد من عباد اللّه المكرمين. وإنّه ذو مقام معنوي استحق به منزلة النبوة أو الاِمامة، ولاَنّه وعد المتوسّلون به بقبول أدعيتهم، وإنجاح طلباتهم فيما إذا قصدوا اللّه عن طريقه. كما ورد في حق النبي الاَعظم صلّى الله عليه و آله و سلّم :

(ولَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنفُسَهُمْ جَاوَُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَحِيما) (النساء ـ 64)

ثالثاً ـ يمكن أن يقال: إنّ المراد من الدعاء في هذه الآيات هو القسم الخاص منه، أعني ما كان ملازماً للعبادة لابمعنى أنّ الدعاء مستعمل في مفهوم


(187)

العبادة ابتداءً، بل بمعنى أنّها مستعملة في معناها الحقيقي، غير أنّها لمّا كانت في موارد الآيات مقرونة باعتقاد الدعاة بإلوهيتهم يكون المنهي عنه ذلك القسم من الدعوة لامطلقاً، وتكون عقيدة الدعاة في حق المدعوين قرينة متصلة على أنّ المقصود ذلك القسم المعيّـن لا جميع أقسامها، ومن المعلوم أنّ الدعاء مع هذه العقيدة يكون مصداقاً للعبادة.

والدليل على أنّ المراد من الدعوة في هذه الآيات هو القسم الملازم للعبادة أنّه ربما وردت في إحدى الآيتين ذاتي مضمون واحد لفظة الدعوة، ووردت في الآية الاَُخرى لفظة الدعاء مثل قوله:

(قُلْ أتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَـرّاً ولانَفْعا) (المائدة ـ 76)

بينما يقول في الآية الاَُخرى وهي:

(قُلْ أنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولايَضُرُّنا) (الاَنعام ـ 71)

ويقول أيضاً في الآية 13 من سورة فاطر:

(والَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لايَمْلِكُونَ مَنْ قِطْمِيرٍ)

ففي هذه الآية وما قبلها استعملت لفظة (تدعون) و «ندعوا» في حين استعملت في الآية الاَُولى لفظة «تعبدون».

ونظير ما سبق قوله سبحانه:

(إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لايَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) (العنكبوت ـ 17)

هذا وقد ترد كلتا اللفظتين في آية واحدة وتستعملان في معنى واحد:

(قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّه) (الاَنعام ـ 56)

وقوله سبحانه:

(وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِـي أسْتَجِبْ لَكُمْ إنّ الَّذِينَ يَستَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي )


(188)

سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرينَ) (غافر ـ 60)

والآية وما تقدّمها ظاهرتان في أنّ المراد من الدعوة هو العبادة لامطلق النداء وطلب الحاجة، وليس ذاك بمعنى استعمال الدعاء ابتداءً في معنى العبادة حتى يكون الاستعمال مجازياً بل إنّما استعملت في معناها الحقيقي، أعني: الدعاء، ولكن لمّا كان الدعاء مقروناً باعتقاد الداعي بإلوهية المدعو صار المراد منه ـ بالمآل ـ العبادة، وقد تقدمت تلك النكتة آنفاً.

ويوَيد ما ذكرناه ما ورد في دعاء سيد الساجدين زين العابدين ـ عليه السلام ـ مشيراً إلى مفاد الآية المتقدمة حيث يقول:

«وسميّتَ دعاءك عبادة، وتركه استكباراً وتوعّدت على تركه دخول جهنم داخرين» (1)‌.

وإنّا لنطلب من القارىَ الكريم أن يراجع بنفسه مادة الدعوة في المعجم المفهرس فسيرى ورود مضمون واحد تارة بلفظ العبادة وأُخرى بلفظ الدعاء والدعوة.

وهذا هو أوضح دليل على أنّ المقصود من الدعوة في الآيات المذكورة (في مطلع هذا الفصل) هو العبادة وليس مطلق النداء.

هذا والقارىَ الكريم إذا درس مجموع الآيات التي ورد فيها لفظ الدعوة وأُريد منه القسم الملازم للعبادة لرأى أنّ الآيات إمّا وردت حول خالق الكون الذي يعترف جميع الموحدين بإلوهيته وربوبيته ومالكيته. أو وردت في مورد الاَوثان التي كانت عبدتها يتصوّرون إلوهيتها وأنّها مالكة لمقام الشفاعة، وفي هذه الحالة فإنّ الاستدلال بهذه الآيات في مورد بحثنا الذي هو الدعاء مجرّداً عن تلك العقيدة لمن أعجب العجب!


(1)الصحيفة السجادية: الدعاء 49.

(189)

سوَال وجواب :

إلى هنا تبيّن أنّ دعوة العباد الصالحين بأيّ شكل كان، سواء أكان لاَجل التوسّل والاستشفاع أم لاَجل طلب الحاجة وإنجازها ليست عبادة ولاتشملها الآيات الناهية عن الدعوة بتاتاً غير أنّه يطرح هنا سوَال وهو: أنّه إذا كان غيره سبحانه لايملك من قطمير ولا يملك كشف الضر ّوالتحويل، فما فائدة هذه الدعوة إذ قال سبحانه:

(فلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّـرِّ عَنْكُمْ ولا تَحْوِيلا) (الاِسراء ـ 56)

(والَّذينَ تَدْعُون َمِنْ دونِه لايَملِكونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) (فاطر ـ 13)

والجواب: أنّ عبدة الاَصنام كانوا معتقدين بانّهم يملكون فوق القطمير ويملكون كشف الضر فجاءت الآيات رادة عليهم.

وأمّا توسّل عباد اللّه بالنبي فليس مبنياً على انّّه يملك كشف الضر ويقدر عليه من عند نفسه، بل يكفي كونه مأذوناً في الدعاء وطلب العون من اللّه بالنسبة إلى عباده المتوسلين به أو قادراً على انجاز الاَمر باذنه سبحانه.

ملخّص البحث :

إنّ هذه الآيات راجعة إلى أصنام العرب الخشبية والمعدنية والحجرية ويتّضح ذلك من سياق الآيات. هذا أوّلاً، وثانياً أنّ الهدف من نفي المالكية عن غير اللّه ليس هو مطلقها بل المراد المالكية المناسبة لمقامه سبحانه، أعني: المالكية المستقلّة، ونفي هذه المالكية عن غيره سبحانه لايدل ّعلى انتفاء مايستند إليه سبحانه، عنهم، ويوَيد ذلك أنّه سبحانه يقول:

(يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللّهِ واللّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ) (فاطر ـ 15)

والمراد من الفقر هنا هو الفقر الذاتي ولاينافي القدرة المكتسبة والفعّالة بإذنه


(190)

سبحانه.

والدليل على أنّ العرب كانوا يعتقدون في أصنامهم القدرة المستقلّة قوله سبحانه:

(قُلْ أتَعبدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَـرّاً ولانَفْعا) (المائدة ـ 76)

وقوله سبحانه:

(ويَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه ِما لايَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً من السَّموات والاَرضِ شَيْئاً ولايَسْتَطِيعُونَ) (النحل ـ 73).

وعلى ذلك فلو قال سبحانه لايملكون عن اللّه كشف الضر ولاتحويلاً ، فالمقصود هو نفي تلك المالكية لا الاَعم منها ومن المكتسبة.


(191)

المسائل العشر

5

هل تعظيم أولياء اللّه وتخليد ذكرياتهم شرك؟

ينزعج الوهابيون ـ بشدة ـ من تعظيم أولياء اللّه وتخليد ذكرياتهم، وإحياء مناسبات مواليدهم أو وفياتهم، ويعتبرون اجتماع الناس في المجالس المعقودة لهذا الشأن شركاً وضلالاً ففي هذا الصدد يكتب محمد حامد الفقي، رئيس جماعة أنصار السنّة المحمدية في هوامشه على كتاب فتح المجيد:

«الذكريات التي ملاَت البلاد باسم الاَولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم» (1)

إ نّ هوَلاء لم يعيّنوا حدّاً للتوحيد والشرك، وللعبادة على الاَخص ولذلك رموا كل عمل بالشرك حتى أنّهم تصوّروا أنّ كل نوع من التعظيم عبادةً وشركاً.

ولاَجل ذلك جعل الكاتب «العبادة» إلى جانب التعظيم وتصوّر أنّ للّفظتين معنى واحداً، وممّا لاشك فيه أنّ القرآن يعظّم فريقاً من الاَنبياء والاَولياء بعبارات صريحة كما يقول في شأن زكريا ويحيى ـ عليهما السلام ـ :

(إنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ في الخيراتِ ويَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وكانُوا لَنا خاشِعِينَ) (الاَنبياء ـ 90).


(1)فتح المجيد: 154، ثم نقل عن كتاب قرّة العيون مايشابه هذا المضمون.

(192)

فلو أنّ أحداً أقام مجلساً عند قبر من عناهم اللّه وسمّـاهم في هذه الآية، وقرأ في ذلك المجلس هذه الآية المادحة، معظّماً بذلك شأنهم، فهل اتّبع غير القرآن؟!.

كما ويقول في شأن أهل بيت النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم .

(وَيُطْعِمُون الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتيماً وأسِيراً) (الدهر ـ 8).

فهل ترى لو اجتمع جماعة في يوم ميلاد علي بن أبي طـالب ـ وهو أحد الآل ـ وقالوا: إنّ عليـاً كان يطعـم الطعام للمسكيـن واليتيـم والاَسير، كانوا مشركين؟!

أو ترى لماذا يكون مشركاً لو أنّ أحداً تلا الآيات المادحة لرسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم في حفلة عامة في يوم مولده الشريف كالآيات التالية:

(وإنَّكَ لَعَلى خُلُقِ عَظِيمٍ) (القلم ـ 4).

(إنّا أرسَلناكَ شاهداً ومُبشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إلَـى اللّهِ بِإذْنِهِ وَسِـراجاً مُنيراً) (الاَحزاب : 45و 46).

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ماعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالموَمِنينَ رَوَُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة ـ 128).

(إنَّ اللّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَـى النَّبيِّ يا أيُّـها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاَحزاب ـ 56).

فلو تلا أحد هذه الآيات المثنية على النبي، أو قرأ ترجمتها بلغة أُخرى، أو سكب هذا المديح الاِلهي القرآني في قالب الشعر وأنشد ذلك في مجلس كان مشركاً ؟!

إنّ عدم وجود هذه الاحتفالات في زمن الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم ليس دليلاً على كونها شركاً، وأقصى ما يمكن أن يقال إنّها بدعة لاشركاً ولاعبادة للاِنسان الصالح، بل


(193)

لاتعدّ بدعة، إذ لو نسب إقامة الاحتفالات التكريمية أو مجالس العزاء في الذكريات، إلى الشارع المقدس وادّعى بأنّ اللّه أمر بذلك يلزم أن نتفحص عن مدى صحة هذه النسبة وصدق هذا الادّعاء، لا أن نصف إقامة هذ ه المجالس بأنّها: شرك.

وأمّا لو أقامها من جانب نفسه من دون أن يسندها إلى أمره سبحانه فلا تكون بدعة بتاتاً.

إنّ الآيات القرآنية تدل على جواز هذه الاحتفالات بعناوين خاصة نشير إليها:

أ ـ إقامة ذكرى النبيّ تعزيزاً له :

كيف لا، وهذا القرآن الكريم يثني على أُولئك الذين أكرموا النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم وعظّموا شأنه وبَجّلوه، إذ يقول:

(فَالَّذِينَ آمنُوا بهِ وَعزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولئكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) (الاَعراف ـ 157).

إنّ الاَوصاف التي وردت في هذه الآية والتي استوجبت الثناء الاِلهي هي:

1 ـ آمنوا به.

2 ـ وعزّروه.

3 ـ ونصروه.

4 ـ واتّبعوا النّور الَّذي أُنزل معه.

فهل يحتمل أحد أن تختص هذه الجمل الثلاث:

«آمنوا به. ونصروه. واتبعوا» بزمن النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم ؟الجواب: لا.

فإنّ الآية لاتعني الحاضرين في زمن النبي ـ خاصة ـ فعندئذ من القطعي أن


(194)

لاتختص جملة «عزّروه» بزمان النبي، أضف إلى ذلك أنّ القائد العظيم يجب أن يكون موضعاً للتكريم والاحترام والتعظيم في كل العهود والاَزمنة.

فهل إقامة المجالس لاِحياء ذكريات: المبعث أو المولد النبوي، وإنشاء الخطب والمحاضرات والقصائد والمدائح إلاّ مصداق جلي لقوله تعالى: (وعزّروه) والتي تعني: أكرموه وعظّموه.

عجباً كيف يعظّم الوهابيون أُمراءهم بالاحترام الذي يفوق مايفعله غيرهم تجاه أولياء اللّه فلا يكون ذلك شركاً، وأمّا إذا أتى أحد بشيء يسير من ذلك في حقّهم عدّ شركاً؟!!

إنّ المنع عن تعظيم الاَنبياء والاَولياء وتكريمهم ـ حياً وميتاً ـ يصوّر الاِسلام في نظر الاَعداء ديناً جامداً لا مكان فيه للعواطف الاِنسانية، كما يصور تلك الشريعة السمحاء المطابقة للفطرة الاِنسانية ديناً يفقد الجاذبية المطلوبة القادرة على اجتذاب أهل الملل الاَُخرى واكتسابهم.

ماذا يقـول ـ الذين يخالفون إقامة مجالس العزاء للشهداء في سبيل اللّه ـ في قصة يعقوب ـ عليه السلام ـ ؟ وماذا يقولون فيه وهو يبكي على ابنه أسفاً وحزناً في فراق ولده يوسف، ليله ونهاره، ويسأل كل من لقيه عن ابنه المفقود حتى فقد بصره، كما يقول سبحانه:

(وابْيضَّتْ عَيناهُ مِنَ الحُزنِ) (يوسف ـ 84).

فلماذا يكون إظهار مثل هذه العلاقة في حال حياة الولد جائزاً ومشروعاً ومطابقاً لاَُصول التوحيد بينما إذا كان في حال مماته عدّ شركاً؟!

فاذا اتّبع أحد طريق يعقوب فبكى على فراق أولياء اللّه وأحبّائه يوم استشهادهم فلماذا لايعدّ عمله اقتداءً بيعقوب ـ عليه السلام ـ .

لاريب في أنّ مودة ذوي القربى هي إحدى الفرائض الاِسلامية التي دعا


(195)

إليها بأوضح تصريح فلو أراد أحد أن يقوم بهذه الفريضة الدينية بعد أربعة عشر قرناً فكيف يمكنه، وما هو الطريق إلى ذلك؟ هل هو إلاّ أن يفرح في أفراحهم، ويحزن في أحزانهم؟

فاذا أقام أحد ـ لاِظهار مسرّته ـ مجلساً يذكر فيه حياتهم، وتضحياتهم أو يبيّن مصائبهم فهل فعل إلاّ إظهار المودة، المندوبة إليها في القرآن الكريم..؟!

وإذا زار أحد ـ لاِظهار مودة أكثر ـ مقابر أقرباء النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم وأقام مثل هذه المجالس عند تلكم القبور فأنّه لم يفعل ـ في نظر العقلاء ـ إلاّ إظهار المودة.

ب ـ إقامة الذكرى ترفيع لذكر النبي.

إنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ اللّه سبحانه مَنَّ على رسوله بشرح صدره ووضع الوزر عنه وإعلاء اسمه الذي عبّر عن كل ذلك بقوله:

(ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ..) (الانشراح: 1 ـ 4).

فاللّه سبحانه رفع اسمه وأعلاه وجعله مشهوراً معروفاً في العالم إجلالاً له.

فهذه الاحتفالات التي يقصد منها تخليد ذكرى النبي لاتتعدى رفع ذِكر رسول اللّه وإعلاء اسمه، وإلفات نظر العالم إلى مقامه ومكانته السامية، فإذا كان القرآن أُسوة، فلماذا لانقتدي بالقرآن ولماذا لانرفع ذكره، واسمه؟

ج ـ نزول المائدة السماوية واتّخاذه عيداً.

إن ّالمسيح ـ عليه السلام ـ سأل ربه سبحانه بأن ينزل عليه مائدة إذ قال سبحانه حاكياً:

(قَالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لاَوَّلِنَا وَآخِرِنا وَآيةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَ أنْتَ خَيْرُ الرّازِقين) (المائدة ـ 114).


(196)

فالمسيح ـ عليه السلام ـ اتّخذ نزول المائدة السماوية والبركة الاِلهية عيداً، لاَنّه سبحانه أكرمه وأكرم تلاميذه بهذه المائدة، فاذا كانت المائدة السماوية سبباً لاتّخاذ يوم نزولها «عيداً» فلماذا لايجوز أن نتّخذ يوم «البعثة النبوية» الذي هو يوم البركة، ويوم نزول المائدة المعنوية عيداً؟

هل يستطيع أن ّيدّعي أحدٌ أنّ وجود رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم وما جاء به من شريعة عظيمة خالدة أقل بركةً من المائدة المادية التي نزلت على المسيح ـ عليه السلام ـ وتلاميذه؟!

وفي الختام نقول: إنّ من راجع الكتاب والسنّة يقف على أنّ حُبّ النبيّ الاَكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم أصل من أُصول الدين، وللحب مظاهر، فكما أنّ من مظاهره الاتّباع، فهكذا تكريمه مطلقاً من غير فرق بين ميلاده وغيره من مظاهره، لكن الظروف دفعتنا إلى اختيار يوم ميلاده لاِظهار حبنا وودّنا له من غير أن ننسب خصوصية ذلك اليوم إلى الدين، وإنّما المنسوب إليه هو الدعوة إلى نفس الحب والودّ، فما كان له أصل في الدين لا يعدّ تجسيده في يوم خاص، بدعة.

فإذا أمر الاِسلام بالتدريب العسكري، فنحن نخصّ العمل بذلك الاَصل بيوم أو يومين في الاَسبوع، فلا يعدّ التخصيص ـ بعد وجود الاَصل في الشريعة ـ بدعة.

أو إذا أمر الشارع بتعليم الاَولاد معالم الدين وكتابه المنزل وإذا خصّصنا ـ خضوعاً لظروف وحوافز خاصة ـ يوماً خاصاً في كل إسبوع، فلا يعدّ الاجتماع في ذلك اليوم للتعلّم بدعة.

وما أكثر الاَمثال والنظائر للمسألة.

على أنّه يظهر من الروايات أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم كان يهتم بيوم ميلاده وقد جئنا بتفصيله في كتابنا «البدعة» فلاحظ.


(197)

المسائل العشر

6

هل التبرّك بآثار النبي والاَولياء شرك؟

لقد جرت سنّة السلف الصالح على التبرّك بآثار النبي وآله، سنّة قطعية لايشك فيها كل من له إلمام بتاريخ المسلمين، [ولهذا ألّف الشيخ محمد طاهر المكّي كتاباً في ذلك وأسماه «تبرّك الصحابة بآثار رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم » نقل فيه شواهد تاريخية قطعية على تبرّكهم وتبرّك التابعين بآثاره قاطبة، وقد طبع هذا الكتاب عام 1385هـ ،ثم أُعيد طبعه عام 1394هـ]، بيد إنّ الوهابيين أنكروا ذلك أشدّ الاِنكار وعَدّوه شركاً، وإن كان بدافع محبة النبي وآله، ومودّتهم.

غير أنّ المتبرّك إذا اعتمد في عمله على عمل يعقوب حيث وضع قميص يوسف على عينيه، فارتدّ بصيراً هل يصح لنا رميه بالشرك، إذ أيّ فرق بين التبرّك بآثار النبي وآثار سائر الاَولياء وتبرّك يعقوب بقميص يوسف. قال سبحانه:

(فَلمّا أنْ جاءَ البَشيرُ ألقاهُ على وَجْهِهِ فَارتَدَّ بَصيراً) (يوسف ـ 96).

فنحن نرى أنّ يعقوب ـ عليه السلام ـ يتبرّك بقميص يوسف، وقد ذكر القرآن ذلك، كما ذكر أنّه ارتدّ بصيراً بهذا التبرّك.

فلو كان هذا العمل مستلزماً للشرك، و لما ارتكبه ذلك النبي العظيم، ولما ذكره القرآن الكريم ولما كان موَثراً.


(198)

فأيّ فرق بين القميص المنسوج من القطن، والضريح المصنوع من الحديد؟!

وكيف يكون العمل الاَوّل غير مزاحم للتوحيد ويكون موَثراً في ردِّ البصر، ويكون تقبيل الضريح النبوي الطاهر شركاً وخروجاً عن جادة التوحيد؟!.

فلماذا هذا التفريق الذي يقوم به الوهابيون؟! هذا وبما أنّ بحثنا في هذا الكتاب يقتصر على دراسة هذه الاَُمور التي يستنكرها الوهابيون، في ضوء القرآن الكريم فانّنا نكتفي بهذا القدر من الكلام، وإلاّ ففي السنّة والتاريخ شواهد كثيرة على وقوع هذا التبرّك، إذ كان الصحابة والتابعون يتبرّكون بآثار النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم وبعض الاَولياء.

هذا ولقد وردت في الصحاح وغيرها من كتب الحديث والسير أخبار وروايات تكشف عن تبرّك الصحابة والتابعين بآثار النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم نذكر بعضها هنا على سبيل المثال لا الحصر:

ففي صحيح البخاري باب غزوة الطائف عن أبي موسى قال: كنت عند النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى النبيَّ صلّى الله عليه و آله و سلّم أعرابيٌّ فقال: ألا تنجز لي ماوعدتني؟ فقال له: «أبشر»، فقال: قد أكثرتَ عليَّ من أبشر، فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: «ردَّ البشرى، فاقبلا أنتما»، قالا: قبلنا، ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومجَّ فيه ثم قال: «اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا»، فأخذا القدح ففعلا،فنادت أُم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لاَُمكما، فأفضلا لها منه طائفة..(1)

وفي صحيح البخاري في كتاب اللباس باب القبة الحمراء من أدم، عن ابن


(1)صحيح البخاري: 5|157.

(199)

أبي جحيفة عن أبيه قال: أتيت النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم وهو في قبة حمراء من أدم ورأيت بلالاً أخذ وضوء النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم والناس يبتدرون الوضوء فمن أصاب منه شيئاً تمسَّح به، ومن لم يُصِب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه (1).

ففي صحيح مسلم في كتاب الفضائل باب قرب النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم من الناس وتبرّكهم به؛ عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم إذا صلّى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يوَتى بإناء إلاّ غمس يده فيها فربّما جاءه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها (2)

وفي صحيح البخاري في كتاب الاَدب، باب حسن الخلق والسخاء، عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة إلى النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم ببُردة فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟ فقال القوم: هي شملة، فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها فقالت: يارسول اللّه أكسوك هذه؟ فأخذها النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم محتاجاً إليها فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يارسول اللّه ما أحسن هذه فاكسنيها، فقال: «نعم»، فلمّا قام النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم لامه أصحابه، قالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم أخذها محتاجاً إليها ثم سألته إيّاها وقد عرفت أنّه لايُسأل شيئاً فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم لعلّي أُكفنُ فيها (3)


(1)صحيح البخاري: 7|154.

(2)صحيح مسلم: 7|79.

(3)صحيح البخاري: 8|14.

(200)

المسائل العشر

7

البناء على القبور

إنّ البناء على قبور الاَنبياء والاَولياء ممّا جرت عليها اتباع الاَنبياء والشرائع السماوية قبل الاِسلام، وبعده.

فقد كانوا يشيّدون الاَبنية والاَضرحة على قبور الاَنبياء والاَولياء، ولازال كثيرها قائماً إلى الآن في العراق وفلسطين والشام.

غير أنّ الوهابيين زعموا أنّ ذلك من الشرك أو من البدعة، فأجمعوا أمرهم على هدم هذه الاَبنية والاَضرحة.

يقول ابن القيم في كتابه «زاد المعاد في هدى خير العباد»: يجب هدم المشاهد التي بنيت على القبور ولايجوز إبقاوَها، بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً (1)

وعلى هذه السنّة السيئة جرى الوهابيون؛ فإنّهم بعد أن استولوا على الحجاز استفتوا علماء المدينة عن تلك الاَضرحة والقبور، ذاكرين في استفتائهم الحكم والجواب الذي يجب أن يجيب به علماء المدينة فطرح ابن بلهيد ـ يومذاك ـ سوَالاً قال فيه:


(1)زاد المعاد: 661.

(201)

«ما قول علماء المدينة المنورة زادهم اللّه فهماً وعلماً في البناء على القبور واتّخذاها مساجد؛ هل هو جائز أو لا ؟ واذا كان غير جائز بل ممنوع منهيّ عنه نهياً شديداً (1) فهل يجب هدمها ومنع الصلاة عندها؟» (2)

وبما أنّ البحث هنا مركّز على دراسة هذه المسائل في ضوء القرآن الكريم، فإنّنا نطرح هذه المسألة على الكتاب الاِلهي العزيز لنرى ما هو الجواب الصحيح فيها.

وإليك مانستفيده في هذا المجال من القرآن الكريم:

1 ـ يظهر من بعض الآيات أنّ أهل الشرائع السماوية كانوا يبنون المساجد على قبور أوليائهم أو عندها ولاَجل ذلك لما كشف أمر أصحاب الكهف تنازع الواقفون على آثارهم فمنهم من قال وهم المشركون:

(ابنُوا عَلَيهم بُنياناً رَبُّـهمْ أعلَمُ بِهِمْ)

وقال الآخرون وهم المسلمون:

(لَنتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِداً) (الكهف ـ 21).

قال الزمخشري في تفسير قوله: (ابنوا عليهم بنياناً): أي ابنوا على باب كهفهم لئلاّ يتطرق إليهم الناس ضناً بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول اللّه بالحظيرة.

وقال في تفسير قوله: (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِداً): أي قال المسلمون وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم: لنتّخذن على باب الكهف مسجداً، يصلّـي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم(3)


(1)أنظر إلى الجواب الذي يمليه المستفتي على علماء الدين الذين عليهم أن يفتوا وفقه!!!

(2)جريدة أُم القرى العدد: 17 من أعلام: 14.

(3)الكشاف: 2|254.

(202)

وقال في تفسير الجلالين: فقالوا ـ أي الكفّار ـ : ابنوا عليهم ـ أي حولهم ـ بنياناً يسترهم، ربّهم أعلم بهم (قال الذين غلبوا على أمرهم) :أمر الفتية وهم الموَمنون: (لنتَّخذن عليهم) ـ حولهم ـ (مسجداً) يصلى فيه) (1)

وعلى الجملة فقد اتفق المفسّـرون على أن القائل ببناء المسجد على قبورهم كان هم المسلمون ولم ينقل القرآن هذه الكلمة منهم إلاّ لنقتدي بهم ونتّخذهم في ذلك أُسوة.

ولو كان بناء المسجد على قبورهم أو قبور سائر الاَولياء أمراً محرّماً لتعرّض عند نقل قولهم بالرد والنقد لئلاّ يضل الجاهل.

وأمّا ما روي عن النبيّ من قوله: لعن اللّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد (2) فالمراد منه هو السجود على قبور الاَنبياء واتّخاذها قبلة في الصلاة وغيرها والمسلمون بريئون عن ذلك، وقد أوضحه القسطلاني في كتابه إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري.

إنّ قبور الاَنبياء المنتشرة حول بيت المقدس كقبر داود ـ عليه السلام ـ في القدس وقبور إبراهيم، وبنيه إسحاق ويعقوب ويوسف الذي نقله موسى من مصر إلى بيت المقدس في بلد الخليل، كلّها مبنية مشيّدة قد بني عليها بالحجارة العادية العظيمة من قبل الاِسلام، وبقي ذلك بعد الفتح الاِسلامي الى اليوم.

غير أنّ ابن تيمية اعتذر عن ذلك في كتابه: «الصراط المستقيم» بأنّ البناء الذي كان على قبر إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ كان موجوداً في زمن الفتوح، وزمن الصحابة إلاّ أنّ باب ذلك البناء كان مسدوداً إلى سنة 400هـ.

ولكن هذا الكلام لايفيده أبداً ولايضرنا؛ فانّ «عمر» لما فتح بيت المقدس


(1)تفسير الجلالين: 2|3.

(2)صحيح البخاري: 2|111، كتاب الجنائز.

(203)

رأى ذلك البناء ومع ذلك لم يهدمه. وسواء أصح قول ابن تيمية أنّه كان مسدوداً إلى عام 400 أم لم يصح يدل على عدم حرمة البناء على القبور، وقد مضت على هذا البناء الاَعصار والدهور، وتوالت عليها القرون، ودول الاِسلام، ولم يسمع عن أحد من العلماء والصلحاء وأهل الدين وغيرهم قبل الوهابية أنّه أنكر ذلك وأمر بهدمه أو حرّمه، أو فاه في ذلك ببنت شفة على كثرة مايرد من الزوار والمتردّدين من جميع أقطار المعمورة.

هذا مضافاً إلى أنّه قد دفن النبي في حجرة بيته ودفن فيها صاحباه ولا فرق بين البناء السابق واللاحق، ولم يقل أحد بالفرق بين البناء السابق واللاحق كمالا يخفى.

وفي تاريخ بناء الحرم النبوي مايفيدك في هذا المجال، جداً، فلاحظ.

الوهابية ورواية ابن الهيّاج :

هذا وفي الختام نشير إلى ما اتّخذه الوهابيون ذريعة لهدم القبور وهو ما رواه مسلم في صحيحه إذ قال: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدّثنا وكيع عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهيّاج الاَسدي قال: قال لي عليّ بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم أن لاتدع تمثالاً إلاّ طمسته، ولاقبراً مشرفاً إلاّ سوّيته» (1)

فقد استدل الوهابيون بقوله صلّى الله عليه و آله و سلّم : «ولاقبراً مشرفاً إلاّ سوَّيته» على لزوم هدم


(1)صحيح مسلم: 3|61 كتاب الجنائز؛ وسنن الترمذي: 2|256، باب ما جاء في تسوية القبر؛ سنن النسائي: 4|88، باب تسوية القبر.

(204)

القبور وتسويتها بالاَرض.

بيد أنّ الاستدلال بالحديث المذكور يتوقف على أمرين:

1 ـ أن يكون السند صحيحاً ورواته موثوق بهم.

2 ـ دلالة الحديث على المراد.

ولكن الحديث مخدوش من جانبين:

أمّا السند ففيه أشخاص لايصح الاحتجاج بأحاديثهم وهم عبارة عن:

1 ـ وكيع.

2 ـ سفيان الثوري.

3 ـ حبيب بن أبي ثابت.

4 ـ الوائل الاَسدي.

وأما وكيع فقد قال الاِمام أحمد بن حنبل عنه أنّه «أخطأ في خمسمائة حديث» (1)

كما نقل عن محمد بن المروزي أنّه (أي وكيع) كان يحدّث بالمعنى ولم يكن من أهل اللسان أي لم يرو الاَحاديث بنصوصها وألفاظها كما أنّه لم يكن عارفاً باللغة العربية (2).

وأمّا سفيان الثوري فقد نقل عن ابن مبارك أنّه قال: حدّث سفيانُ بحديث فجئته وهو يدلّسه فلمّا رآني استحيى (3)

وقد نقل في ترجمة يحيى بن القطان عنه أنّه قال كان سفيان يحاول أن يوثق لي


(1)تهذيب التهذيب: 11|125.

(2)المصدر نفسه: 11|130.

(3)المصدر نفسه: 4|115.

(205)

شخصاً غير ثقة فلم يستطع(1)

وأمّا حبيب بن أبي ثابت فقد نقل عن أبي حبان أنّه: كان مدلساً (2)

كما نقل عن عطا أنّه قال عنه: لايتابع عليه وليست محفوظة (3)

وأما وائل فيقال عنه أنّه كان مبغضاً لعلي ـ عليه السلام ـ .

هذا حال السند.

وأمّا الاَمر الثاني (أعني دلالة الحديث) فلا بدّ من الدقة في اللفظتين الواردتين فيه وهما «مشرفاً» و «سوَّيته».

أمّا المشرف فالمراد منه هو المكان العالي المطلّ على غيره (4)

وقد جاء في القاموس: الشرف ـ محرّكةً ـ : العلوّ، ومن البعير سنامه (5)

وأمّا التسوية فيراد منها تسوية المعوج يقال سوّى الشيء: جعله سوياً، ويقال: سويت المعوج فما استوى: صنعه مستوياً.

وجاء في القرآن الكريم:

(الّذي خَلَقَ فَسَوّى) (الاَعلى ـ 2)

وعلى ذلك فمن القريب أن يكون معنى سوّيته تسوية القبر بتسطيح سنامها لا هدم القبر من أساسه. وهذا هو مذهب جماعة منهم الشافعي؛ حيث جاء في كتاب الفقه على المذاهب الاَربعة: «ويندب ارتفاع التراب فوق القبر بقدر


(1)تهذيب التهذيب: 11|218.

(2)المصدر نفسه: 3|179.

(3)الشرح الحديدي.

(4)المنجد «مادة شرف».

(5)القاموس «مادة شرف».

(206)

شبر» (1) وجاء أيضاً: ويجعل كسنام البعير ،وقال الشافعي: جعل التراب مستوياً أفضل من تسنيمه (2).

فهذا الحديث يوَيد مذهب الشافعي وعليه الشيعة الاِمامية أيضاً.

ومن الجدير بالانتباه أنّ مسلم صاحب الصحيح أورد هذا الحديث تحت عنوان «باب الاَمر بتسوية القبر» لا تحت عنوان «الاَمر بتخريب القبور وهدمها» (3)

ويوَيد ذلك أنّ مسلم نقل في صحيحه مايوَيد ما استظهرناه من الحديث المذكور من المعنى. قال ـ بعـد ذكر جملة من الرواة ـ :قال ثمامة بن شُفيَّ: كنّا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودِسَ فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسويّ ثم قال: سمعت رسول اللّه يأمر بتسويتها.

ولاشك أنّ المراد من التسوية ليس جعلها والاَرض سواء، لاَنّ ذلك خلاف السنّة القطعية التي تقضي بأن يرتفع القبر عن الاَرض بشبر واحد، فيكون المراد أن يسطح سنامها، ولهذا جاء في عبارة النووي عند تفسير الحديث المذكور في صحيح مسلم «ولايُسَنَّم بل يُرفَع نحو شبر ويسطَّح» (4)

ولم ننفرد نحن بهذا التفسير للحديث بل ذهب إليه ابن حجر القسطلاني في كتابه «إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري» (5)إذ قال ـ بعد أن ذكر أنّ السنّة هي تسطيح القبر وأنّه لاينبغي ترك التسطيح مخالفة للشيعة ـ : «لاَنّه لم يُرِدْ تسويتَه


(1)الفقه على المذاهب الاَربعة: 1|420.

(2)المصدر نفسه: 1|420.

(3)صحيح مسلم: 3|61، كتاب الجنائز.

(4)شرح صحيح مسلم للنووي 7|36.

(5)إرشاد الساري: 2|468.

(207)

بالاَرض وإنّما أراد تسطيحه جمعاً بين الاَخبار».

وأخيراً لم يرد في حديثه صلّى الله عليه و آله و سلّم بل قال: «ولاقبراً إلاّ سويته ولا بناءً مبنياً على القبر ولاقبّة إلاّ سويتها»، فإذن المراد ليس إلاّ ماذكرناه من عدم جعل نفس القبر مسنّماً، وأمّا البناء فوق القبر فليس بمقصود وليس هناك مايدل من الحديث على عدم جواز البناء على القبور، بل السيرة العملية للمسلمين على خلافه كما عرفت.

وحتى لو فرضنا أنّ المراد من التسوية هو تخريب القباب والاَبنية المقامة على القبور، فمن المحتمل جدّاً أن يكون المراد هو قبور المشركين المقدّسين ـ آنذاك ـ من قبل الوثنيين وأهل الشرك، إذ كانت تلك القبور بعد ظهور الاِسلام متروكة على حالها، ويوَيد هذا أنّ النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم بعث عليّاً ـ عليه السلام ـ لمحو الصور وهدم التماثيل الموجودة في أطراف المدينة أو غيرها، وليست هذه التماثيل والصور، إلاّ الاَصنام والاَوثان التي كانت تعبد حتى بعد ظهور الاِسلام.

وعلى هذا فأيّ ارتباط لهذا الحديث بقبور الاَنبياء والاَولياء والصالحين؟

2 ـ قال اللّه الكريم:

(في بُيُوتٍ أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بالغُدُوِّ وَالآصالِ * رِجالٌ لاتُلهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإقامِ الصَّلاةِ وَإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافونَ يَوماً تَتَقَلَّبُ فيهِ القُلُوبُ والاَبْصار) (النور: 36 ـ 37).

الاستدلال بهذه الآيات على جواز البناء على القبور يتوقف على أمرين:

1 ـ ما هو المراد من هذه البيوت؟

2 ـ ما المراد من رفعها؟

أمّا الاَمر الاَوّل فقد روي عن ابن عباس أنّ المراد بها هي المساجد؛ تكرّمُ وينهى عن اللغو فيها، ويذكر فيها اسمه.


(208)

غير أنّه يجب علينا ـ في المقام ـ التأمّل في هذا التفسير، حيث إنّ الظاهر أنّ تفسير ابن عباس للبيوت بالمساجد بيان لاَحد المصاديق، لا المصداق المنحصر، وكم لهذا التفسير من نظير، في غير هذا المقام.

بل يمكن أن يقال: إنّ «البيوت» غير المساجد، لاَنّ المساجد يستحبّ أن تكون عمارتها مكشوفة غير مسقّفة، وأفضل الاَربعة «المسجد الحرام» ونراه بالحسّ والعيان قد بني مكشوفاً، والبيت لا يُطلق حقيقة على المكان المكشوف، بل هو عبارة عن المكان الذي يكون له سقف وظهر، قال تعالى:

(لَـجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحمنِ لِبُيُوتِـهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ) (الزخرف ـ 33).

وقال:

(وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) (البقرة ـ 189).

وهذا واضح بملاحظة العرف أيضاً، فإنّه يطلق على بيوت الاَعراب وعلى خيامهم الموجودة في البادية ولايطلق على نفس البادية لكونها مكشوفة بخلاف الخيام فإنّها مسقفة، ولاَجل ماذكرناه لاتكاد تجد في القرآن الكريم موضعاً أُطلق فيه البيت على المسجد، بخلاف الكعبة فإنّها حيث كانت مسقّفة أُطلق عليها البيت في مواضع شتى.

قال سبحانه:

(طَهِّرا بَيْتيَ لِلطّائِفِينَ) (البقرة ـ 125).

وقال سبحانه:

(جَعَلَ اللّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِياماً للنّاس) (المائدة ـ 97).

وقال سبحانه:

(ثُمَّ مَحِلُّها إلى البيتِ العَتيقِ) (الحج ـ 33).


(209)

وعلى ذلك فالمراد بها غير المساجد بل البيوت المشرّفة التي أذن اللّه أن تُرفع، ويُذكر فيها اسمه، وبيوت الاَنبياء والاَولياء من أوضح مصاديقها لِما خَصَّ اللّه هذه البيوت وأهاليها بمزيد الشرف، والكرامة فقد قال اللّه عن البيت النبوي وأهله:

(إنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهيراً) (الاَحزاب ـ 33).

وهذا البيت نظير بيت إبراهيم حيث قالت الملائكة في شأنه لامرأة إبراهيم:

(أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللّهِ رَحْـمَتُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَميدُ مَجيد) (هود ـ 73).

ولاَجل ذلك نرى العلاّمة السيوطي بعد نقل قول ابن عباس نقل عن مجاهد قوله: إنّ المراد؛ هي بيوت النبي.

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة أنّه قال: قرأ رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم هذه الآية، فقام إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يارسول اللّه؟ قال: بيوت الاَنبياء، فقام إليه أبو بكر فقال: يارسول اللّه هذا البيت منها ؟(يعني بيت عليّ وفاطمة) قال: نعم من أفاضلها (1)

هذا عن الاَمر الاَوّل.

وأمّا المراد من الرفع ( هو الاَمر الثاني) فهو يحتمل أحد معنيين:

أ) : أذن اللّه أن ترفع تلك البيوت بالبناء والعمارة للعبادة التي وردت في نفس الآية من ذكر اسمه تعالى فيها، والتسبيح فيها بالغدوّ والآصال.

ويدل على ذلك قوله سبحانه:


(1)الدر المنثور في التفسير بالمأثور: 5|50 في تفسير الآية.

(210)

(وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسماعيل) (البقرة ـ 127).

فالظاهر هو أنّ المراد من «الرفع» في كلا المقامين واحد، وهو بناوَها وعمارتها ـ البيوت ـ وإعلاوَها.

ب) : إنّ المراد من الرفع هو تعظيمها وتوقيرها.

فلو كان المراد هو الاَوّل لكان نصّاً صريحاً في المطلوب (وهو البناء على القبور التي في بيوتهم).

ولو كان المراد الثاني كان نصّاً في توقيره وتعظيمه وتكريمه، ومن المعلوم أنّ عمارة البيت وصونه عن الخراب بتعميره وتجديد بنائه، وفرشه بالسجاجيد والاِسراج فيه وتزيينه بغير مانهى اللّه عنه، والدفاع عن قصد تخريبه وهدمه، توقيراً وتعظيماً له كما يكون ستر الكعبة المعظّمة بالاَستار الثمينة تعظيماً لها عرفاً.

كل ذلك تكريماً للنبي وتعظيماً له حتى تتحقّـق ـ بها أيضـاً ـ الغايات التي ذكرتها الآية، (من ذكر اسم اللّه والتسبيح له بالغدوّ والآصال).

3 ـ البناء على القبور تعظيم للشعائر ، وقد قال اللّه تعالى:

(وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب) (الحج ـ 32).

والشعائر جمع شعيرة بمعنى العلامة، وليس المراد منه علائم وجوده سبحانه لاَنّ العالَم برمّته علائم وجوده بل علائم دينه، ولاَجل ذلك فسّـره المفسّـرون بمعالم الدين، واللّه يصف «الصفا والمروة» بأنّهما من شعائر اللّه إذ يقول:

(إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ) (البقرة ـ 158).

ويقول:


(211)

(والبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ) (الحج ـ 36).

ويقول:

(يا أيُّـها الَّذينَ آمَنُوا لاتُحِلُّوا شعائِرَ اللّه) (المائدة ـ 2).

وليس المراد إلاّ كونها علامات دينه..

فإذا وجب تعظيم شعائر اللّه بتصريح القرآن معلّلاً بأنّها من تقوى القلوب جاز تعظيم الاَنبياء والاَولياء باعتبارهم أعظم آية لدين اللّه وأعظم تعظيم وأفضل تكريم. فهم الذين بلّغوا دين اللّه إلى البشرية فيكون حفظ قبورهم وأضرحتهم وآثارهم عن الاندراس والاندثار خير تكريم وتعظيم لهم.

وإن شئت قلت: إنّ تعظيم كل شيء بحسبه، فتعظيم الكعبة يكون بسترها بالاَستار، وتعظيم البُدن الذي هو من شعائر اللّه بالمواظبة على إبلاغها إلى محلّها وترك الركوب عليها وتعليفها، وتعظيم الاَنبياء والاَولياء في حياتهم بنحو وبعد وفاتهم بنحو آخر.

فكل ما يعدّ تعظيماً وتكريماً يجوز بنص هذه الآية من غير شك ولاشبهة.

وورود الآية في مشاعر الحج وشعائره لا يكون دليلاً على اختصاصها بها فإنّ قوله تعالى (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ )ضابطة كلية ومبدأ هام، ينطبق على مصاديقه وأفراده وجزئياته الكثيرة.


(212)

المسائل العشر

8

زيارة القبور

اتّفق المسلمون على جواز زيارة القبور، ويظهر وجه ذلك لمن راجع الكتب الفقهية والحديثية، ولانطيل المقام بذكر الاَحاديث المتضافرة الواردة في هذا المجال.

ويكفي في ذلك ما أفتى به أئمة المذاهب الاَربعة حيث جاء في كتاب «الفقه على المذاهب الاَربعة» مايلي:

«زيارة القبور مندوبة للاتّعاظ وتذكّر الآخرة، وتتأكد يوم الجمعة ويوماً قبلها ويوماً بعدها.

وينبغي للزائر الانشغال بالدعاء والتضرّع والاعتبار بالموتى، وقراءة القرآن للميت فإنّ ذلك ينفع الميت على الاَصح ـ إلى أن قال :ـ ولافرق في الزيارة بين كون المقابر قريبة أو بعيدة، بل يندب السفر لزيارة الموتى خصوصاً مقابر الصالحين، وأمّا زيارة قبر النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم فهي من أعظم القرَب» (1)

ومن أراد الوقوف على الروايات الواردة في هذا المورد فليراجع كتب الحديث من الصحاح والسنن.


(1)الفقه على المذاهب الاَربعة: 1|424 ـ 425، آخر كتاب الصلاة.

(213)

ومن جملة هذه الروايات قول النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم :

«قد كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أُمه فزوروها فإنّها تذكّر بالآخرة».

رواه الخمسة إلاّ البخاري واللفظ للترمذي.

ولاتنحصر الروايات الواردة في هذا المجال بهذا بل هناك روايات متضافرة جمعها العلاّمة السمهودي في كتابه «وفاء الوفا» (1)

غير أنّنا نريد هنا أن نستدل لجواز هذا العمل بنفس الكتاب العزيز فنقول:

إنّ اللّه سبحانه نهى نبيّه عن الوقوف على قبور المشركين والصلاة عليهم إذ قال:

(وَلاتُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِه) (التوبة ـ 84).

فالآية الكريمة تنهى عن الوقوف على قبر المنافق والمشرك والصلاة عليه كما تدل عن طريق المفهوم؛ على أنّ القيام عند قبور الموَمنين والدعاء لهم، والصلاة عليهم كان من سيرة النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم وليس المراد بالقيام هو خصوص القيام عند الدفن حتى لايشمل القيام للزيارة لعدم الدليل على التقييد واللفظ مطلق.

ولاَنّ المعنى بحكم واو العطف: لاتقم على قبره أبداً يعني في جميع الاَزمان فيشمل ما بعد الدفن أيضاً، كما إذا قيل: ما جاءني زيد قط ولا عمرو، أو قيل: لاتطعم زيداً أبداً ولاتسقه وهذا واضح.

ولعلّه لما ذكرنا فسّـره في «الجلالين» بقوله «لدفن» أو «لزيارة».

ليس المراد من الصلاة خصوص صلاة الميت، إذ لو أُريد ذلك لم يكن وجه لقوله «أبداً» ضرورة أنّ الصلاة على الميت تجب مرة واحدة، ولاتتكرر حتى يقول


(1)وفاء الوفا: 2|3903 ـ 3904.

(214)

أبداً، وليس المراد إفادة الاستغراق الافرادي وبيان شمول الحكم لجميع أفراد المنافقين، لسبق الدلالة على ذلك بقوله «على أحد منهم» ولاَنّ ظاهر لفظ «أبداً» هو بيان استمرار الحكم في الاَزمان، لا الاستغراق في الافراد. قال تعالى:

(وَلا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَداً..) (الاَحزاب ـ 53)

يعني ولو بعد عشر سنين أو عشرين سنة، إلى آخر الاَبد؛ فدلّ على أنّ المراد بالصلاة، مطلق طلب الرحمة الذي يكرر في مدة العمر لاخصوص صلاة الميت، نعم هي أيضاً داخلة في عموم الآية وهو واضح.

فإذا كان ذلك من سيرة النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم بدلالة القرآن فكيف يكون بدعة؟ بل يكون حينئذ سنّة، وقال تعالى:

(لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) (الاَحزاب ـ 21).

وقال:

(قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ اللّه) (آل عمران ـ 31).

فإذا استحبت زيارة قبر الموَمن ـ أعني القيام عند قبره ـ لسيرة النبي فكيف بقبر النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم وقبور الاَئمة ـ عليهم السلام ـ وهم أركان الدين وروَساء الموَمنين وأكملهم وأفضلهم وسادتهم أجمعين.

وفي الختام نشير إلى ماتمسَّكَ به الوهابيون لمنع شدّ الرحال إلى زيارة القبور فقد استدلّوا بما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم أنّه قال:

«لاتُشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي، والمسجد الاَقصى».

فقد قال عبداللّه بن محمد بن عبدالوهاب: «وتسنُّ زيارة النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم إلاّ أنّه لايُشد الرحل إلاّ لزيارة المسجد، والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة


(215)

فلا بأس» (1).

والحق أنّ الحديث الذي تمسّك به الوهابيون لايدل على حرمة شدّ الرحل إلى زيارة القبور، والاَماكن والمشاهد المشرفة، وذلك لاَنّ الاستثناء الوارد في الحديث مفرَّغ قد حذف فيه المستثنى منه، فكما يمكن أن يكون تقدير المستثنى منه: «لاتشد الرحال إلى مكان من الاَمكنة» يمكن أن يكون تقديره: «لاتشد الرحال إلى مسجد من المساجد».

ولكن المتعيّـن هو الثاني لكون الاستثناء متصلاً وهو يقتضي تقدير «المسجد» بعنوان المستثنى منه، لاغيره.

إنَّ الضرورة قاضية بجواز شدّ الرحال إلى طلب التجارة، وإلى طلب العلم، وإلى الجهاد، وزيارة العلماء والصلحاء، وإلى التداوي والنزهة، وأنّ المسلمين في مواسم الحج يشدّون الرحال إلى عرفة والمزدلفة ومنى، وإلى أماكن كثيرة، ومع ذلك فكيف يمكن أن يُقال: إنّ المراد هو «لاتُشَدُّ الرحال الى مكان من الاَمكنة إلاّ إلى هذه الثلاث»؟!.

والحاصل أنّه لايشك من عنده أدنى معرفة باللغة والتراكيب العربية في أنّ المراد بقوله «لاتُشدُّ الرحال» أي لاينبغي أن يسافر المرء إلى مسجدٍ غير هذه المساجد لا أنّه لايسافر إلى مكان مطلقاً.

هذا مضمون الحديث ومعناه ومع ذلك لا يُفهم من هذا الحديث وأشباهه حرمة السفر إلى باقي المساجد، بل هي ظاهرة في أفضلية هذه المساجد على ماعداها بحيث بلغ فضلها أن تستحق شد الرحال والسفر إليها للصلاة فيها.

وأمّا سائر المساجد فليس لها هذا الشأن، لاَنّ المترقّب من الثواب حاصل


(1)الرسالة الثانية من الرسائل الموسومة بـ«الهدية السنية» .

(216)

من التوجّه إلى كلّ مسجد، فإنّ سائر المساجد إمّا مسجد الجامع، أو مسجد السوق أو مسجد المحلّة فلكل واحد من هذه المساجد نظير في بلد المرء فلاينبغي أن يشد إليها الرحال في البلاد الاَُخرى مادامت تتساوى في الفضيلة، نعم ما يترتب على الصلاة في هذه المساجد الثلاثة لا يترتب على الصلاة في سائر المساجد ولذلك يستحب شدّ الرحال إليها.

فتلخّص أوّلاً أنّ معنى الحديث هو عدم شدّ الرحال إلى مسجد من المساجد لا إلى مكان من الاَمكنة ولا إلى قبر.

هذا أوّلاً ونقول ثانياً: إنّ النهي عن شد ّالرحال إلى سائر المساجد دون الثلاثة ليس نهياً إلزامياً، بل هو للاِرشاد إلى عدم ترتّب ثواب وافر على التوجه إلى سائر المساجد.

ويدل على ذلك أنّ الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم كان يشد الرحال إلى غير المساجد المذكورة في الحديث كما في صحيح البخاري:

ففي باب إتيان مسجد قبا راكباً وماشياً عن ابن عمر قال: كان النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم يأتي قباء راكباً وماشياً (1)

وفي باب من أتى مسجد قباء كل سبت؛ عن ابن عمر قال: كان النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم يأتي مسجد قباء كلَّ سبت ماشياً وراكباً وكان عبداللّه (بن عمر) يفعله (2).

وفي باب مسجد قباء عن ابن عمر أنّه كان يحدّث أنّ رسول اللّه يزوره راكباً وماشياً (3).


(1)صحيح البخاري: 2|61.

(2)المصدر نفسه: 2|61.

(3)المصدر نفسه: 2|61.

(217)

فهذا هو الاِمام البخاري يروي لنا أنّ النبي كان يشدّ الرحال إلى مسجد «قباء» في كل سبت؛ أو ليس هذا دليلاً على جواز شدّ الرحال إلى غير هذه الثلاثة من المساجد والاَماكن.

وبما أنّه ربّما تترتب على زيارة سائر المساجد مصالح خاصّة وانّ مثلها موجودة في محل الراحل، يكون الرحيل إليها أيضاً أمراً مستحسناً بالعرض.

أو ليس صحيح البخاري أجمع وأصح كتاب عند أهل السنة؟ وأين قول العلاّمة السيوطي في حقّه:

فما من صحيح كالبخاري جامعاً * ولا مسند يلفى كمسند أحمد

فلماذا تركوه وراءهم ظهرياً وآمنوا ببعضه دون بعض.


(218)

المسائل العشر

9

الصلاة عند القبور

يقول ابن تيمية في رسالة «زيارة القبور»: «لم يذكر أحد من أئمة السلف أنّ الصلاة عند القبور وفي مشاهدها مستحبة، ولا أنّ الصلاة والدعاء أفضل منها في غيرها، بل اتفقوا كلّهم على أنّ الصلاة في المساجد والبيوت أفضل منها عند قبور الاَنبياء» (1).

هذا كلام ابن تيمية ومن حذى حذوه من الوهابية؛ فنقول:

إنّ مادلَّ على جواز الصلاة والدعاء في كل مكان يدل بإطلاقه على جواز الصلاة، والدعاء عند قبر النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم وقبور سائر الاَنبياء والصالحين أيضاً، ولايشك في الجواز من له أدنى إلمام بالكتاب والسنّة، وإنّما الكلام هو في رجحانها عند قبورهم فنقول في هذا المجال:

إنّ إقامة الصلاة عند تلك القبور لاَجل التبرّك بمن دفن فيها وهذه الاَمكنة مشرفة بهم وقد تحقّق شرف المكان بالمكين، وليست الصلاة ـ في الحقيقة ـ إلاّ للّه تعالى لا للقبر ولا لصاحبه، كما أنّ الصلاة في المسجد هي للّه أيضاً، وإنّما تكتسب الفضيلة بإقامتها هنا لشرف المكان، لا أنّها عبادة للمسجد، فالمسلمون يصلّون عند قبور من تشرفت بمن دفن فيها لتنالهم بركة أصحابها الذين جعلهم اللّه


(1)زيارة القبور: 159 ـ 160.

(219)

مباركين، كما يصلّون عند المقام الذي هو «حَجَر» شُرّف بملامسة قدمي إبراهيم الخليل لها.

قال سبحانه:

(واتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْراهيمَ مُصَلّى...) (البقرة ـ 125).

فليس لاتخاذ المصلّى عند ذلك المقام الشريف سبب إلاّ التبرّك بقيام إبراهيم ـ عليه السلام ـ عليه، وهم يدعون اللّه عند القبور لشرفها بمن دُفِن فيها فيكون دعاوَهم عندها أرجى للاِجابة وأقرب للاستجابة، كالدعاء في المسجد أو الكعبة أو أحد الاَمكنة، أو الاَزمنة التي شرفها اللّه تعالى.

والحاصل أنّه يكفي في جواز الصلاة إلاّطلاقات والعمومات الدالّة على أنّ الاَرض جُعِلت لاَُمة محمد مسجداً وطهوراً.

وأما الرجحان فللتبرّك بالمكان المدفون فيه النبي أو الولي ذي الجاه عند اللّه، كالتبرّك بمقام إبراهيم.

أفلا يكون المكان الذي بورك بضمّه لجسد النبي الطاهر، مباركاً، مستحقاً لاَن تستحب عنده الصلاة وتندب عبادة اللّه فيه.

والعجب أنّ ابن القيم جاء في كتابه «زاد المعاد» بما يخالف عقيدته، وعقيدة أُستاذه ابن تيمية إذ قال:

«إنّ عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة، والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما، ومواطىَ أقدامهما مناسك لعبادة الموَمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه» (1)


(1)زاد المعـاد في هَدْي خير العباد، طبعة البابي الحلبي، مصر، مراجعة طه عبـد الروَوف طه عام 1390هـ ـ 1970م.

(220)

فإذا كانت آثار إسماعيل وهاجر لاَجل ما مَسَّها من الاَذى مستحقة لجعلهما مناسك ومتعَبّدات، فآثار أفضل المرسلين، الذي قال: «ما أُوذي نبيّ قط كما أُوذيت» لاتستحق أن يُعبد اللّهُ فيها، وتكون عبادة اللّه عندها، والتبرّك بها شركاً وكفراً؟؟

كيف وقد كانت السيدة عائشة ساكنة في الحجرة التي دُفِن فيها النبي، وبقيت ساكنة فيها بعد دفنه ودفن صاحبيه، وكانت تصلّي فيها، وهل كان عملها هذا عبادة لصاحب القبر ياترى؟!


(221)

المسائل العشر

10

الحلف بغير اللّه سبحانه

وإقسامه بمخلوق أو بحقّه عليه

لقد منع الوهابيون من الحلف بغير اللّه تعالى وعَدُّوه شركاً على الاِطلاق وهكذا فعلوا بالنسبة إلى إقسام اللّه بمخلوق من مخلوقاته أو بحقّه عليه.

وإليك الكلام في كلتا المسألتين:

1 ـ الحلف بغير اللّه سبحانه

وقبل أن نستعرض النصوص الحديثية الدالة على جواز هذا الاَمر لابد أن نعرض المسألة على كتاب اللّه لنرى هل أنّ اللّه سبحانه حلف بالمخلوق أو لا ؟

إنّ مراجعة آيات القرآن الكريم تفيد أنّ اللّه حلف بمخلوقه في مواضع كثيرة تقارب الاَربعين من حيث المقسم به.

فَحَلَف بالملائكة (الصفات، المرسلات، النازعات، الذاريات).

وبالنبي إذ قال:

(لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون) (الحجر ـ 72).

(والبروج ـ 3) و (البلد ـ 1)

وأقسم بالقـرآن (يس: 1ـ3) و (الدخان: 1ـ3) و (ق :1ـ3) و (الزخرف ـ 41) و (ص ـ 1).


(222)

وحلف بالنفس الاِنسانية (الشمس: 7 ـ 10) و (القيامة ـ 2).

وحلف بالنون والقلم (القلم ـ 1).

وحلف بالكتاب (الطور 2 ـ 3).

وحلف بالافراس العاديات (العاديات ـ 2).

وحلف بالوالد وما وَلَد (البلد ـ 3).

وحلف بالشمس ونورها (الشمس ـ 1).

وحلف بالسماوات (الذاريات ـ 7) و (البروج ـ 1) و (الطارق ـ 11).

وحلف بالصبح (المدّثر ـ 34) و (التكوير ـ 18) (الفجر ـ 1)؛ وبالتالي حلف بالنهار، والضحى، وغروب الشمس، والليل، وليال عشر، والنجوم والاَرض، والقمر والرياح، والسحب، والبحر، والسفن، والتين، والزيتون، والعصر، والشفع، والوتر، وبالوجود جميعاً. كما يتّضح من مراجعة الآيات القرآنية في السور المختلفة التي تركنا ذكرها تفصيلاً بعد ذكر نماذج منها.

فهل يمكن أن يكون الحلف بغيره شركاً وقبيحاً، ومع ذلك يصدر من اللّه سبحانه؟

أفهل يمكن أن يقع مثل هذا الحلف في الكتاب العزيز مرات عديدة جداً، ومع ذلك يكون محرماً على غيره، دون أن يذكر اللّه ذلك التحريم والحظر في كتابه المجيد؟

وهل يصح أن نقول: إنّ الحلف بالمخلوق من الشرك إذا صدر من المخلوق، وليس من الشرك إذا صدر من اللّه الخالق سبحانه، إلاّ خطلاً من القول وشططاً من الكلام، لاَنّ العمل الواحد من حيث الماهية، والذات لايتصور له حالتان، ولايتلون بلونين متضادين.

وبالجملة إذا كان القرآن قدوة وأُسوة وكان كل ما جاء فيه من القول والعمل


(223)

منهاجاً لجميع المسلمين، فكيف يمكن أن تصدر هذه الاَقسام من اللّه سبحانه وتجوز عليه ولاتجوز على غيره؟ ويكون عين التوحيد تارةً ونفس الشرك أُخرى مع وحدة ماهية العمل وحقيقته.

إنّ الغاية من حلفه سبحانه بمخلوقاته تتردد بين الدعوة إلى التدبر في خلقه والسنن المكنونة في وجوده كما هو الحال في أكثر اقساماته وبين اظهاره كرامته وجلالته عند اللّه كما هو الحال في الحلف بعمر النبي الاَكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم .

هذا بالنسبة إلى كتاب اللّه تعالى.

وأمّا السنّة الشريفة فقد روى مسلم في صحيحه أنّه: جاء رجل إلى النبي فقال: يارسول اللّه أيُّ الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: أما وَأبيك لَتُنَبَّأنَّهُ، أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر (1)

فقد حلف رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم بأبي السائل قائلاً «وأبيك».

وروي أيضاً أنّه جاء رجل إلى رسول اللّه من أهل نجد يسأل عن الاِسلام؟ فقال رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم : «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل عليَّ غيرهنِّ؟ قال: «لا إلاّ أن تطّوع، وصيام شهر رمضان»، فقال: هل عليّ غيره؟ قال: «لا إلاّ أن تطّوع»، وذكر له رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم الزكاة فقال: وهل عليَّ غيره؟ قال: «لا، إلاّ أن تطّوع»، فأدبر الرجل وهو يقول: واللّه لاأزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم : «أفلح وأبيه إن صدق» أو «دخل الجنة وأبيه إن صدق» (2)

وفي حديث آخر في مسند الاِمام أحمد بن حنبل أنّ النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: «فلعمري لئن تكلّمُ بمعروف وتنهى عن منكر خير من أن تسكت» (3)


(1)صحيح مسلم: 3|94.

(2)صحيح مسلم : 1|31 ـ 32، باب ما هو الاسلام وبيان خصاله.

(3)مسند أحمد بن حنبل: 5|225، وراجع أيضاً مسنـد أحمـد: 5|212، سنن ابن ماجه:4|995 و 1 |225.

(224)

وقد أفتى بعض أئمة المذاهب الاَربعة بجواز ذلك أيضاً، فقد جاء في «الفقه على المذاهب الاربعة» مايلي:

«الحنفية قالوا: الحلف بنحو أبيك ولعمرك ونحو ذلك جاز على كراهة.

الشافعية قالوا: يكره الحلف بغير اللّه تعالى إذا لم يقصد شيئاً ممّا ذكر في أعلى الصحيفة (أي إشراك اللّه...).

المالكية قالوا: الحلف بمعظّم شرعاً كالنبي والكعبة ونحوهما فيه قولان: الحرمة والكراهة، والمشهور الحرمة.

الحنابلة قالوا: يحرم الحلف بغير اللّه تعالى وصفاته ولو بنبيّ أو ولي» (1) وعلى كل تقدير فسواء أجاز الحلف بغيره سبحانه أم لا، لايُعَدّ شركاً ولا الحالف مشركاً.

لاَنّ الحلف بشيء لايدل على أنّ الحالف يعتقد بإلوهيته وربوبيته وأقصى مايعرف عنه أنّه يعظّمه ويكرمه، واختلاف الفتيا (الفتاوى) يعرف عن أنّ المسألة مختلف فيها، وهل يمكن اتّهام المسلم بالشرك بعمل تضاربت فيه الفتيا؟!

نعم لاينعقد الحلف بغيره سبحانه ولايقضى في المحاكم إلاّ بالحلف به سبحانه، وهذا لايعتبر دليلاً على كون الحلف بغيره سبحانه وتعالى، شركاً أو حراماً.

2 ـ الاِقسام بمخلوق أو بحقّه:

لقد منع الوهابيون من الاِقسام على اللّه بمخلوق من مخلوقيه، مثل أن يقول السائل: أُقسم عليك بفلان، أو بحق فلان، أو أسألك بفلان أو بحقه، وهو ـ في نظرهم ـ نوع من التوسّل.


(1)الفقه على المذاهب الاَربعة: 2|75.

(225)

إذن هَلُمَّ معي نحاسب هذا المنع، هل يوافق السيرة العملية للمسلمين أو لا ؟

وقبل كل شيء نقول: إنّ الاِقسام بغير الخالق لا يُعد شركاً ولا الحالف، لما عرفت ما قرّرناه من معيار الشرك أو التوحيد، وإنّما الكلام في جوازه وعدمه فنقول:

لاشكَّ أنّ اللّه سبحانه مدح جماعة بقوله:

(الصّابِرينَ والصّادقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقينَ والمُسْتَغْفِرينَ بالاَسْحار ) (آل عمران ـ 17).

فلو قال الرجل في عدواته ومناجاته: اللّهمّ إنّي أسألك بحق المستغفرين بالاَسحار إلاّ غفرت لي ذنوبي؛ فهل ارتكب شركاً، ولماذا يكون عمله هذا شركاً؟ وقد سبق أن عرفت ملاك الشرك في العبادة، وأنّه إنّما يتحقّق عنوان الشرك العبادي إذا كان الداعي يعتقد الاِلوهية والربوبية في مَدعُوه فهل ـ في الصورة التي ذكرناها ـ يعتقد المتكلم في من يقسم بهم على اللّه غير ما يصفه اللّه بهم، إذ يقول (المستغفرين بالاَسحار) ؟.

إنّ الشرك والتوحيد لم يناطا بنظرنا فليس متروكاً لنا أن نعدّ عملاً شركاً وآخر توحيداً، وهذا مشركاً، وذاك موحّداً، فقد عرّف القرآن الميزان الواقعي للشرك والتوحيد في موارد كثيرة، فالمشرك هو من يصفه اللّه بقوله:

(وَإذا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لايُوَْمنونَ بالآخِرَةِ واِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (الزمر ـ 45).

والمشرك هو الذي يصفه القرآن الكريم أيضاً بقوله:

(إنَّـهُمْ كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ لا إلهَ إلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرونَ * وَيقولُونَ أئِنّا لَتارِكُوا )


(226)

آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) (الصافات: 35 ـ 36).

فهل يصح لنا أن نجعل، المقسمين، بخيرة خلق اللّه، من هوَلاء الذين وصفهم اللّه سبحانه في الآيات السابقة.

فاذا تبيّن أنّ الاِقسام بأحد على اللّه ليس بشرك، في ميزان القرآن الكريم، فلنعرض المسألة على الاَحاديث الشريفة.

فلقد ورد عن النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم أنّه علّم أعمى أن يقول:

«اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيك محمّد نبيّ الرحمة» (1) كما أنّه روى أبو سعيد الخدري عن النبي أنّه كان يقول:

«اللّهمّ إني أسألك بحقّ السائلين عليك وأسألك بحقّ ممشاي هذا» (2) يبقى أن نعرف أنّهم يعترضون على هذا الاَمر بأنّه ليس لاَحد حق على اللّه، فيقولون:إنّ المسألة بحقّ المخلوق لايجوز لاَنّه لا حقّ للمخلوق على الخالق.

والجواب: هو أنّ هذا صحيح إلاّ إذا جَعَلَ الخالق حقاً للغير على نفسه وقد فعل ذلك إذ قال:

(وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ المُوَمِنين) (الروم ـ 47).

وقال:

(وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً في التَّوراةِ والاِنْجيل) (التوبة ـ 111).

وقال: (كَذلِكَ حَقّاً عَليْنا نُنْجِ المُوَْمِنين) (يونس ـ 103) .

وقال:

(إنَّما التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ للَّذينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) (النساء ـ 17).


(1) سنن ابن ماجة: 1|441، مسند أحمد :4|138وغيرهما.

(2) سنن ابن ماجة: 1|262 و 261، مسند أحمد: 3|2.

(227)

وجاء في الحديث:

1 ـ «حق على اللّه عون من نكح التماس العفاف ممّا حرم اللّه» (1)

2 ـ قال رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم : «ثلاثة حقٌّ على اللّه عونهم: الغازي في سبيل اللّه...» (2)

3 ـ «أتدري ما حقّ العباد على اللّه...» ؟ (3)

فتبيّـن من هذا البحث أنّ الحلف بغيره سبحانه ولا إقسامه بمخلوق لايمتّ إلى الشرك بصلة، بل لا يخرج عن دائرة الاِكرام والتبجيل، وليس كل تعظيم وتكريم ـ خصوصاً تعظيم من عظّمه اللّه وتكريم من أكرمه اللّه ـ شركاً.

ودلّت الروايات وراء ذلك على جوازه، وإباحته. فماذا بعد الحق إلاّ الضلال.

هذا آخر ما أردنا إيراده في هذه الرسالة حول ميزان التوحيد والشرك في القرآن الكريم آملين أن ينفع اللّه به المسلمين ويكون خطوة على طريق وحدتهم وتقارب طوائفهم. وأن يرزقهم اللّه توحيد الكلمة كما رزقهم كلمة التوحيد.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين


(1)الجامع الصغير للسيوطي: 2|33.

(2)سنن ابن ماجة: 2|841.

(3)النهاية لابن الاَثير«مادة حق».

Website Security Test