welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : التوحيد والشرك في القرآن الكريم*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

التوحيد والشرك في القرآن الكريم

التوحيد والشرك
في القرآن الكريم الاِله، الربّ، والعبادة

رسالة موجزة
في تفسير الاَسماء الثلاثة الواردة في القرآن،
والّتي تدور عليها رحى البحث
عن التوحيد والشرك

تأليف الكاتب الاِسلامي

حضرت آيت الله جعفر سبحاني ـ دام ظله ـ


(2)



(3)

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

نفتتح المقال بكلمة مباركة مأثورة عن الاَكابر وهي: بني الاِسلام على دعامتين: كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.

أمّا الاَُولى فقد اتفق عليها المسلمون قاطبة، وشعارهم في جميع المواقف هو لا إله إلاّ اللّه ولا نعبد إلاّ إيّاه، فإذا كان للتوحيد مراتب فالكل متفقون على أنّه لا خالق ولا مدبّر ولامعبود إلاّ إيّاه، ولا يمكن تسجيل اسم واحد في سجل الاِسلام إلاّ إذا شهد بالتوحيد بعامة مراتبه، وأخصّ بالذكر منها انّه لا معبود سوى اللّه سبحانه ولا مستعان غيره، ولاَجل ذلك نرى أنّ المسلمين يقولون في كل يوم وليلة في صلواتهم: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) ويذكر القرآن الكريم أنّ التوحيد في العبادة هو الهدف الوحيد من بعث الاَنبياء قال سبحانه: (ولقد بعثنا في كل أُمّة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت) (النحل ـ 36) وقال سبحانه: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلاّ نوحي إليه أنّه لا إله إلاّ أنا فاعبدون) (الاَنبياء ـ 25).

ولا أظن أنّ أحداً من المسلمين يشك في هذه القاعدة الكلية.

نعم ربّما يقع الكلام والنقاش في الجزئيات والمصاديق الخارجية وأنّه هل هي


(4)

عبادة أو لا ؟ مثلاً يقع البحث في أنّ التوسّل بالرسول بذاته وشخصيته ودعائه حياً وميتاً عبادة للرسول أو توسل بالسبب.

والذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب هو إيضاح بعض الاَُمور الرائجة بين المسلمين من عصر الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم إلى يومنا هذا ولم يكن هناك أي اختلاف فيها إلى القرن الثامن، ولكن بدأ الخلاف والنقاش فيها منذ قرون واستفحل في عصرنا هذا، فصار ذلك سبباً لتفريق الكلمة وتبدد الاَُمّة إلى طائفتين: فطائفة: ترى التوسل وطلب الشفاعة والتبرك تمسكاً بالاَسباب التي ندب إليها الشرع كتاباً وسنّة، وأُخرى: تنظر إليها كأنّها لا تلائم التوحيد في العبادة.

وقد عالج لفيف من المحقّقين هذه الناحية من مشاكلنا الدينية ولكن دراستهم لم تكن مركزة على البحث القرآني، فحاولت أن أعالج الموضوع من منظار القرآن الكريم وأنظر إلى التوحيد والشرك من ذلك الجانب حتى يستبين حكم هذه الاَُمور التي عُدت شركاً مضاداً للتوحيد.

وأمّا الثانية فقد دعى إليها الاِسلام وقال: (واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا) ، ولا يشك أحد في أنّ صيانة كيان الاِسلام وإعادة مجده التالد رهن توحيد الكلمة وتقريب الخطى.

وأحسب أنّي خدمت كلتا الكلمتين فأوضحت حال حكم هذه الموضوعات من كونها عبادة أم لا ، وبذلك دعمت الكلمة الثانية، أعني: توحيد الكلمة. وأرجو من اللّه أن يكون مصباحاً لمن يريد الاهتداء. انّه بذلك قدير وبالاِجابة جدير.

واللّه من وراء القصد.

جعفر السبحاني

20 ـ محرم الحرام ـ 1416 هـ



(5)

مراتب التوحيد

التوحيد أساس دعوة الاَنبياء

التوحيد ونبذ الشرك من أهم المسائل الاعتقادية التي تصدّرت المفاهيم والتعاليم السماوية على الاِطلاق، ويُعَدُّ أساساً لسائر التعاليم والمعارف الاِلهية العليا التي جاء بها أنبياء اللّه ورسله في ما أُوتوا من كتب.

ثم إنّ مسألة التوحيد والشرك من المسائل التي اتّفق فيها جميع المسلمين، ولم يختلف في أُصولها أحد منهم، فهم عن بكرة أبيهم يوحّدون اللّه سبحانه من حيث الذات، والفعل، والعبادة.

فاللّه سبحانه ـ عندهم جميعاً ـ واحد في ذاته لانظير له في الوجود ولا مثيل، كما أنّه هو الموَثر والخالق الواقعي في كل ما نسمّيه موَثـراً وخالقـاً. فلو كـان هناك موَثر سواه أو خالق غيره، فإنّما يفعل ويخلق بقدرته سبحانه وإرادته.

كما أنّه هو المعبود الوحيد لا معبود سواه، ولاتحل عبادة غيره على الاِطلاق. كل ذلك ممّا يوَيّده الكتاب والسنّة والعقل والاِجماع.

هذا وبما أنّ للتوحيد مراتب قد فصّلها علماء الاِسلام في كتبهم الكلامية والاعتقادية نأتي بها ـ هنا ـ على سبيل الاِجمال، ونردف كل قسم من تلك الاَنواع بما


(6)

يدل عليه من القرآن الكريم. غير أنّنا نركّز البحث على «التوحيد في العبادة» الذي صار ذريعة بأيدي البعض. فنقول: للتوحيد مراتب عديدة هي:

الاَُولى: التوحيد في الذات

والمراد منه هو أنّه سبحانه واحد لانظير له، فرْدٌ لامثيل له، بل لايمكن أن يكون له نظير أو مثيل.

ويدل عليه ـ مضافاً إلى البراهين العقلية ـ قوله سبحانه:

(فاطِرُ السَّمواتِ والاَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْواجاً وَمِنَ الاَنْعامِ أزواجاً يَذْرَوَُكُمْ فيهِ ليْسَ كَمِثْلِهِ شَـيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصير). (الشورى ـ 11).

وقوله سبحانه:

(قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحدٌ). (سورة الاِخلاص).

وقوله سبحانه:

(هُوَ اللّهُ الواحِدُ القَهّار) (الزمر ـ 4) .

وقوله سبحانه:

(وَهُوَ الواحِدُ القهّار) (الرعد ـ 16).

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنّه تعالى واحد لانظير له ولامثيل، ولاثان له ولا عديل.

وأمّا البراهين العقلية في هذا المجال، وإبطال خرافة «الثنوية» و «التثليث» فموكول إلى الكتب المدونة لذلك (1)


(1)وقـد جاء تفصيل الكلام في هذا النوع من التوحيد وغيره من الاَنواع والمراتب في كتاب «مفاهيم القرآن في معالم التوحيد» الصفحة 274 للموَلف، وللاستزادة فراجع.

(7)

الثانية: التوحيد في الخالقية

والمراد منه هو أنّه ليس في صفحة الوجود خالق أصيل غير اللّه، ولا فاعل مستقل سواه سبحانه، وأنّ كل ما في الكون من كواكب وأرض وجبال وبحار ، وعناصر ومعادن، وسحب ورعود، وبروق وصواعق، ونباتات وأشجار، وإنسان وحيوان، وملك وجن، وكل مايطلق عليه أنّه فاعل وسبب فهي موجودات غير مستقلّة التأثير، وأنّ كل ما ينتسب إليها من الآثار ليس لذوات هذه الاَسباب بالاستقلال، وإنّما ينتهي تأثير هذه الموَثرات إلى اللّه سبحانه، فجميع هذه الاَسباب والمسببات ـ رغم ارتبـاط بعضهـا ببعض ـ مخلوقة للّه، فإليـه تنتهي العلّية، وإليه توَول السببية، وهو معطيها للاَشياء، وهو مجرِّد الاَشياء من آثارها إن شاء.

ويدل على ذلك ـ مضافاً إلى الاَدلة العقلية ـ قوله سبحانه:

(قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الواحِدُ القهّار) (الرعد ـ 16).

وقوله سبحانه:

(اللّهُ خالِقُ كلِّ شيءٍ وهُوَ على كُلِّ شيءٍ وكيل) (الزمر ـ 62).

وقوله سبحانه:

(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شيءٍ لاإلهَ إلاّ هُوَ..) (الموَمن ـ 62).

وقوله سبحانه:

(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شيءٍ فَاعبُدوهُ..) (الاَنعام ـ 102).


(8)

(هُوَ اللّهُ الخالِقُ البارِىَُ المُصَوِّرُ لَهُ الاَسْماءُ الحُسْنى..) (الحشر ـ 24).

وقوله سبحانه:

(أنّى يَكونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شيءٍ..)(الاَنعام ـ101).

وقوله تعالى:

(ياأيّها النّاسُ اذكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللّهِ..) (فاطر ـ 3).

وقوله تعالى:

(ألا لَهُ الخَلْقُ والاَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ العالَمين) (الاَعراف ـ54)

وأمّا البرهان العقلي على حصر الخالقية في اللّه سبحانه فبيانه موكول أيضاً إلى الكتب الاعتقادية والكلامية.

الثالثة: التوحيد في الربوبية والتدبير (1)

والمراد منه هو أنّ للكون مدبّراً واحداً، ومتصرّفاً واحداً لايشاركه في التدبير شيء، فهو سبحانه المدبّر للعالم، وانّ تدبير الملائكة وسائر الاَسباب بعضها لبعض إنّما هو بأمره سبحانه، وهذه على خلاف ما كان يذهب إليه بعض المشركين حيث كان يعتقد أن الذي يرتبط باللّه تعالى إنّما هو الخلق والاِيجاد والابتداء، وأمّا تدبير الاَنواع والكائنات الاَرضية فقد فُوّض إلى الاَجرام السماوية


(1)فسر كتّاب الوهابيّة «التوحيد في الخالقية» بالتوحيد في الربوبية مع أنّ الثاني غير الاَول؛ فإنّ الثاني ناظر إلى التوحيد في التدبير والاِدارة والاَول ناظر إلى التوحيد في الخلق والاِيجاد، وكان المشركون موحّدين في المجال الاَوّل أي التوحيد في الخالقية، وإن كان بعضهم مشركاً في المجال الثاني أي التوحيد في التدبير والاِدارة.

(9)

والملائكة والجن والموجودات الروحية التي كانت تحكي عنها الاَصنام المعبودة، وليس له أيّ دخالة في أمر تدبير الكون وإرادته، وتصريف شوَونه.

إنّ القرآن الكريم ينص ـ بمنتهى الصراحة ـ على أنّ اللّه هو المدبّر للعالم، وينفي أيّ تدبير مستقل لغيره سبحانه، وانّه لو كان هناك مدبّر سواه فإنّما يدبّر بأمره. قال سبحانه:

(إنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالاَرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتوى عَلَى العَرْشِ يُدَبّرُ الاَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إلاّ مِنْ بَعْدِ إذنِهِ ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوه أفَلا تَذَكَّرون) (يونس ـ 3).

وقال تعالى:

(اللّهُ الَّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لاََجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الاَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقنُون) (الرعد ـ2).

فإذا كان هو المدبّر وحده فيكون معنى قوله سبحانه:

(فالمدَبِّراتِ أَمراً) (النازعات ـ 5). وقوله سبحانه: (وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عليكم حَفَظَةً..) (الاَنعام ـ 61). أنّ هوَلاء مدبّرات بأمره وبإرادته، فلا يُنافي ذلك انحصار التدبير الاستقلالي في اللّه سبحانه.

ومن كان مُلمّـاً بما ورد في القرآن الكريم عرف بأنّه سبحانَه حينما ينسب كثيراً من الاَفعال إلى نفسه وفي الوقت نفسه ينسبها إلى غيره في مواضع أُخرى لايكون هناك أيّ تناقض أو تناف بين ذلك النفي وهذا الاِثبات، لاَنّ الحصر على ذاته إنّما هو على وجه الاستقلال، ولاينافي ذلك تشريك الغير في هذا الفعل، بعنوان أنّه مظهر أمره سبحانه، ومنفِّذ إرادته، ولاَجل أن يظهر هذا النوع من المعارف نأتي بأمثلة في المقام:


(10)

1 ـ يعد القرآن ـ في بعض آياته ـ قبض الاَرواح فعلاً للّه تعالى، ويصرّح بأنّ اللّه هو الذي يتوفّى الاَنفس حين موتها إذ يقول ـ مثلاً ـ:

(اللّهُ يَتَوَفّى الاَنْفُسَ حينَ مَوْتِها..)(الزمر ـ 42).

بينما نجده يقول في موضع آخر، ناسباً التوفّي إلى غيره:

(حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) (الاَنعام ـ 61).

* * *

2 ـ يأمر القرآن ـ في سورة الحمد ـ بالاستعانة باللّه وحده، إذ يقول:

(وإيّاكَ نَستَعين).

في حين نجده في آية أُخرى يأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة، إذ يقول:

(وَاسْتَعينُوا بالصَّبْرِ والصَّلاة) (البقرة ـ 45).

* * *

3 ـ يعتبر القرآن الكريم الشفاعة حقاً مختصاً باللّه وحده، إذ يقول:

(قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَميعاً) (الزمر ـ 44).

بينما يخبرنا في آية أُخرى عن وجود شفعاء غير اللّه كالملائكة:

(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ في السَّمواتِ لا تُغْنِـى شَفاعَتُهُم شيئاً اِلاّ مِنْ بَعْدِ أن يأذَنَ اللّه) (النجم ـ 26).

* * *


(11)

4 ـ يعتبر القرآن الاطّلاع على الغيب والعلم به منحصراً في اللّه، حيث يقول:

(قُلْ لايَعْلَمُ مَنْ في السَّمواتِ والاَرضِ الغَيْبَ إلاّ اللّه) (النمل ـ 65)

فيما يخبر الكتاب العزيز في آية أُخرى عن أنّ اللّه يختار بعض عباده لاطّلاعهم على الغيب، إذ يقول:

(وَمَا كانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلكِنَّ اللّهَ يجتَبي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاء) (آل عمران ـ 179).

* * *

5 ـ ينقل القرآن عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ قوله بأنّ اللّه يشفيه إذا مرض، حيث يقول:

(وَاِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفينِ) (الشعراء ـ 80).

وظاهر هذه الآية هو حصر الاِشفاء من الاَسقام في اللّه سبحانه، في حين أنّ اللّه يصف القرآن والعسل بأنّ فيهما الشفاء أيضاً، حيث يقول:

(فيهِ شفاءٌ لِلنّاس) (النحل ـ 69).

(وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاء) (الاَسراء ـ 82).

* * *

6 ـ إنّ اللّه تعالى ـ في نظر القرآن ـ هو الرزّاق الوحيد حيث يقول: (إنّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المتين) (الذاريات ـ 58).

بينما نجد القرآن يأمر المتمكنين وذوي الطول بأن يرزقوا من يلوذ بهم من الضعفاء، إذ يقول:

(وَارْزُقُوهُمْ فيها وأكْسُوهُم) (النساء ـ 5).

* * *


(12)

7 ـ الزارع الحقيقي ـ حسب نظر القرآن ـ هو اللّه، كما يقول:

(أفَرَأيْتُم ماتَحرُثونَ * ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحنُ الزّارِعُونَ) (الواقعة ـ 63و64).

في حين أنّ القرآن الكريم في آية أُخرى يطلق صفة الزارع على الحارثين، إذ يقول:

(يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغيظَ بِهِمُ الكُفّار) (الفتح ـ 29).

* * *

8 ـ إنّ اللّه هو الكاتب لاَعمال عباده، إذ يقول:

(واللّهُ يَكْتُبُ مايُبَيّتون) (النساء ـ 81).

في حين يعتبر القرآن الملائكة ـ في آية أُخرى ـ بأنّهم المأمورون بكتابة أعمال العباد، إذ يقول:

(بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون) (الزخرف ـ 80).

* * *

9 ـ وفي آية ينسب تزيين عمل الكافرين إلى نفسه سبحانه يقول:

(إنَّ الَّذِينَ لايُوَْمِنونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أعْمالَهُم) (النمل ـ 4)

وفي الوقت نفسه ينسبها إلى الشيطان:

(وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشّيطانُ أعمالَهُم وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْم) (الاَنفال ـ 48).

وفي آية أُخرى نسبها إلى آخرين وقال:

(وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أيديهِمْ) (فصّلت ـ 25).

* * *


(13)

10 ـ مـرّ في هـذا البحـث حصـر التدبير في اللّه حتى إذا سئـل من بعض المشركين عن المدبِّر لقالوا: هو اللّه، إذ يقول في الآية 31 من سورة يونس:

(وَمَنْ يُدَبِّرُ الاَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّه).

بينما اعترف القرآن بصراحة في آيات أُخرى بمدبرية غير اللّه حيث يقول:

(فَالمُدَبِّراتِ أمْراً) (النازعات ـ 5).

* * *

فمن لمن يكن له إلمام بمعارف القرآن يتخيّل لاَوّل وهلة أنّ بين تلك الآيات تعارضاً غير أنّ الملمّين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أنّ حقيقة هذه الاَُمور (أعني الرازقية، والاِشفاء ..) قائمة باللّه على نحو لايكون للّه فيها أيّ شريك فهو تعالى يقوم بها بالاَصالة وعلى وجه « الاستقلال»، في حين أنّ غيره محتاج إليه سبحانه في أصل وجوده وفعله، فما سواه تعالى يقوم بهذه الاَفعال والشوَون على نحو «التبعية» وفي ظل القدرة الاِلهية.

وبما أنّ هذا العالم هو عالم الاَسباب والمسببات، وأنّ كل ظاهرة لابد أن تصدر وتتحقق من مجراها الخاص بها المقرر لها في عالم الوجود ينسب القرآن هذه الآثار إلى أسبابها الطبيعية دون أن تمنع خالقية اللّه من ذلك، ولاَجل ذلك يكون ماتقوم به هذه الموجودات فعلاً للّه في حين كونها فعلاً لنفس الموجودات. غاية ما في الاَمر أنّ في نسبة هذه الاَُمور إلى الموجود الطبيعي نفسه إشارة إلى الجانب «المباشري»، وفي نسبتها إلى «اللّه» إشارة إلى الجانب «التسبيبي».

ويشير القرآن إلى كلا هاتين النسبتين في قوله سبحانه:

(وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رمى) (الاَنفال ـ 17).


(14)

ففي حين يصف القرآن النبي الاَعظم بالرمي، إذ يقول بصراحة (إذ رميت) نجده يصف اللّه بأنّه هو الرامي الحقيقي. وذلك لاَنّ النبي إنّما قام بما قام بالقدرة التي منحها اللّه له، فيكون فعله فعلاً للّه أيضاً، بل يمكن أن يقال: إنّ انتساب الفعل إلى اللّه (الذي منه وجود العبد وقوّته وقدرته) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد بحيث ينبغي أن يعتبر الفعل فعلاً للّه لا غير ولكن شدّة الانتساب هذه لا تكون سبباً لاَن يكون هو اللّه سبحانه مسوَولاً عن أفعال عباده، إذ صحيح أنّ المقدمات الاَوّلية للظاهرة مرتبطة باللّه وناشئة منه إلاّ أنّه لما كان الجزء الاَخير من العلّة التامة هو إرادة الاِنسان ومشيئته بحيث لولاها لما تحققت الظاهرة، يعد هو مسوَولاً عن الفعل.

هذا وحيث إنّنا ركّزنا البحث ـ في هذه الرسالة ـ على بيان موازين التوحيد والشرك من وجهة نظر القرآن الكريم، لذلك تركنا الاَدلة العقلية على هذا القسم من التوحيد، غير أنّ القرآن الكريم أشار في موضعين إلى برهان هذا القسم فنذكرهما بتوضيح إجمالي فنقول:

إنّ القرآن استدلّ على وحدة المدبّر في العالم ببرهان ذا شقوق، وقد جاء البرهان ضمن آيتين تتكفّل كل واحدة منهما بيان بعض الشقوق من البرهان، وإليك الآيتين:

(لَوْ كانَ فيهِما آلهةٌ إلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبِّ العَرشِ عَمّا يَصِفون) (الاَنبياء ـ 22).

(وَمَا كانَ مَعَهُ مِن إلهٍ إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفون) (الموَمنون ـ 91).

وإليك مجموع شقوق البرهان:


(15)

إنّ تصوّر تعدد المدبّر لهذا العالم يكون على وجوه:

1 ـ أنّ يتفرد كل واحد من الآلهة المدبّرة بتدبير مجموع الكون باستقلاله؛ بمعنى أن يعمل كل واحد ما يريده في الكون دونما منازع، ففي هذه الصورة يلزم تعدد التدبير لاَنّ المدبر متعدد ومختلف في الذات فيلزم تعدد التدبير، وهذا يستلزم طروء الفساد على العالم وذهاب الانسجام المشهود وهذا مايشير إليه قوله سبحانه:

(لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفون)

2 ـ وأمّا أن يدبّر كل واحد قسماً من الكون الذي خلقه، وعندئذ يجب أن يكون لكل جانب من الجانبين نظام مستقل خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به أصلاً، وعندئذ يلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام من الكون، في حين أنّنا لانرى في الكون إلاّ نوعاً واحداً من النظام يسود كل جوانب الكون من الذرّة إلى المجرّة.

وإلى هذا الشق أشار بقوله: في الآية الثانية:

(إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بما خَلَق).

3 ـ أن يتفضّل أحد هذه الآلهة على البقيـة ويكون حاكماً عليهم ويوحّد جهودهم، وأعمالهم ويسبغ عليها الانسجام والاتحاد وعندئذ يكون الاِله الحقيقي هو هذا الحاكم دون الباقي.

وإلى هذا يشير قوله سبحانه:

(وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض).

فتلخّص أنّ الآيتين بمجموعهما تشيران إلى برهان واحد ذا شقوق تتكفل كل واحدة منهما بيان شق خاص.


(16)

الرابعة: التوحيد في التشريع والتقنين:

لايشك عاقل في أنّ حياة الاِنسان الاجتماعية تحتاج إلى قانون ينظّم أحوال المجتمع البشري وأوضاعه ويقوده إلى الكمال الذي الذي خلق له، (والكل ميسَّر لما خلق).

غير أنّ القرآن الكريم لم يعترف بتشريع للبشرية سوى تشريع اللّه سبحانه، ولاقانون سوى قانونه، فهو يراه المشرّع الوحيد الذي يحق له التقنين خاصة، وغيره المنفِّذ للقانون الاِلهي المطبِّق لتشريعه.

وقد وردت في هذا الصدد آيات في الذكر الحكيم نكتفي بذكر قسم منها:

(ماتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ اِلاّ أسْماءً سَمَّيْتُموها أنْتُمْ وَآباوَكُمْ ما أنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ أمَرَ اَلاّ تَعْبُدوا إلاّ إيّاهُ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لايَعْلَمون) (يوسف ـ 40).

فالمراد من حصر الحاكمية على اللّه هو حصر الحاكمية التشريعية عليه سبحانه، فالآية تهدف إلى أنّه لايحق لاَحدٍ أن يأمر وينهى ويُحرّم ويُحلّل سوى اللّه سبحانه، ولاَجل ذلك قال بعد قوله:

(إنِ الحُكمُ إلاّ للّه) : (أمَرَ ألاّ تَعبُدوا إلاّ إيّاه).

فكأنّ أحداً يسأل عن أنّه إذا كان الاَمر مختصاً به سبحانه فماذا أمر اللّه في مورد العبادة فأجاب على الفور:

(أمَرَ ألاّ تَعْبُدوا إلاّ إيّاه).

وقال سبحانه:

(أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكماً لِقَومٍ يُوقِنون) (المائدة ـ 50) .


(17)

إنّ هذه الآية تقسم القوانين الحاكمة على البشر إلى قسمين: إلهي، وجاهلي، وبما أنّ ما كان من صنع الفكر البشري ليس إلهياً فهو بالطبع يكون حكماً جاهلياً.

وقال سبحانه:

(.. وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِما اَنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الكافِرون).

وقال:

(.. وَمَنْ لَم يَـحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الظّالِمُون).

وقال:

(.. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الفاسِقُون) (المائدة ـ 44و 45 و 47).

وهذه الآيات وإن كانت تصف الحاكم بغير ما أنزل اللّه بالصفات الثلاث لا المقنِّن والمشرِّع البشري غير أنّها تدل تلويحاً على حرمة نفس التقنين بغير إذنه، لاَنّ الهدف من تشريع الاَحكام وتقنين القوانين جعلها وسيلة للحكم والقضاء، وإلاّ فالتشريع والتقنين بدون التنفيذ والتطبيق لايحوم حوله عاقل.

فهذه المقاطع الثلاثة توضح أنّ ممنوعية التقنين والتشريع بهدف الحكم على وفقه كانت موجودة في الشرائع الاِلهية السالفة أيضاً، وما ذلك إلاّ لاَجل أنّ التقنين أوّلاً، والحكم ثانياً حقّ مخصوص باللّه سبحانه، لم يفوّضه إلى أحد من خلقه، ولاَجل ذلك يصف المبدِّل للنظام الاِلهي بالكفر تارة، والظلم اُخرى، وبالفسق ثالثة.

فهم كافرون لاَنّهم يخالفون التشريع الاِلهي بالرد والاِنكار والجحود.

وهم ظالمون لاَنّهم يسلمون حق التقنين الذي هو خاص باللّه إلى غيره.

وهم فاسقون لاَنهم خرجوا بهذا الفعيل عن طاعة اللّه سبحانه.

وأمّا ما يفعله العلماء والفقهاء فهو تخطيط كل ما يحتاج إليه المجتمع الاِسلامي في إطار القوانين والضوابط الاِلهية والاِسلامية، وليس ذلك بتشريع أو تقنين.


(18)

الخامسة: التوحيد في الطاعة:

والمراد منه أنّه ليس هناك من تجب طاعته بالذات إلاّ اللّه تعالى فهو وحده الذي يجب أن يُطاع، وهو وحده الذي يجب أن تُمتثل أوامره، وأمّا طاعة غيره فتجب بإذنه وأمره، وإلاّ كانت محرّمة، موجبة للشرك.

ولاَجل ذلك نجد القرآن الكريم يطرح مسألة الطاعة للّه وحده مصرّحاً بانحصارها فيه إذ يقول:

(وما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البيِّنة ـ 5) والدين في الآية بمعنى الطاعة، أي مخلصين الطاعة له ولا يطيعون غيره. ويقول:

(فَاتَّقوا اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسمَعُوا وَأطيعُوا وَأنْفِقُوا خَيْراً لاَِنْفُسِكُم) (التغابن ـ 16).

ثم يصرّح القرآن الكريم بأنّ النبي لايطاع إلاّ بإذنه سبحانه إذ قال:

(وَمَا أرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلاّ لِيُطاعَ بِإذْنِ اللّه) (النساء ـ 64)

وعلى ذلك فكل من افترض اللّهُ طاعَته، والانقياد لاَوامره، والانتهاء عن مناهيه، فلاَجل إذنه سبحانه.

فإطاعة النبي وأُولي الاَمر، والوالدين وغيرهم إنّما لاَجل إذنه وأمره سبحانه، ولولاه لم تكن لتجز طاعتهم، والانقياد لاَوامرهم.

وعلى الجملة فهاهُنا مطاع بالذات؛ وهو اللّه سبحانه وغيره مطاع بالعرض وبأمره. وأمّا علّة اختصاص الطاعة و وجهه فبيانه موكول إلى الكتب الكلامية.


(19)

السادسة: التوحيد في الحاكمية:

لايشك أيّ عاقل يدرك أنّ الحكومة حاجة طبيعية يتوقف عليها حفظ النظام في المجتمع البشري، وقيام الحضارة المدنية، وتعريف أفراد المجتمع بواجباتهم ووظائفهم، وما لهم وما عليهم من الحقوق.

وحيث إنّ إعمال الحكومة والحاكمية في المجتمع لاينفك عن التصرف في النفوس والاَموال، وتنظيم الحريات وتحديدها أحياناً، والتسلّط عليها، احتاج ذلك إلى ولاية بالنسبة إلى الناس، ولولا ذلك لَعُدَّ التصرف عدواناً.

وبما أنّ جميع الناس سواسية أمام اللّه، والكل مخلوق له بلا تمييز، فلا ولاية لاَحد على أحد بالذات، بل الولاية للّه المالك الحقيقي للاِنسان، والكون، والواهب له وجوده وحياته فلا يصح لاَحد الاِمْرَة على العباد إلاّ بإذنٍ من اللّه سبحانه.

فالاَنبياء والعلماء والموَمنون مأذونون من قِبله سبحانه في أن يتولّوا الاَمر من جانبه ويمارسوا الحكومة على الناس من قبله، فالحكومة حق مختص باللّه سبحانه، والامارة ممنوحة من جانبه.

قال سبحانه:

(إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ أمَرَ ألاّ تَعْبُدوا إلاّ إيّاهُ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أكْثَر النّاسِ لايَعْلَمون) (يوسف ـ 40).

والحكم له معنى وسيع أوسع من التشريع والتقنين والمراد منه هنا هو الحاكمية على الاِنسان ولاَجل كونه واجداً لذلك المقام، أصدر أمراً بعدم عبادة غيره.

ويوضح الانحصار قوله سبحانه:

(إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ يَقُصَّ الحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلين) (الاَنعام ـ 57).


(20)

(ألاّ لَهُ الحُكْمُ وَهَوَ أسْرَعُ الحاسبين) (الاَنعام ـ 62)

نعم إنّ اختصاص حق الحاكمية باللّه سبحانه ليس بمعنى قيامه شخصياً بممارسة الاِمرة، بل المراد أنّ من يمثّل مقام الاِمرة في المجتمع البشري يجب أنّ يكون مأذوناً من جانبه سبحانه لاِدارة الاَُمور، والتصرّف في النفوس والاَموال.

ولاَجل ذلك نرى أنّه سبحانه يمنح لبعض الاَنبياء حق الحكومة بين الناس، إذ يقول:

(ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَليفَةً في الاَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهّوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبيلِ اللّه) (سورة ص ـ 26).

ولاَجل ذلك يجب أن تكون الحكومة في المجتمع الاِسلامي مأذونة من قبل اللّه سبحانه ممضاة من جانبه، وإلاّ كانت من حكم الطاغوت، الذي شجبه القرآن في أكثر من آية.

السابعة: التوحيد في العبادة:

والمراد منه حصر العبادة للّه سبحانه وحده وهذا هو الاَصل المتفق عليه بين جميع المسلمين بلا اختلاف منهم قديماً، وفي هذا العصر، فلا يكون المسلم مسلماً إلاّ بعد الاعتراف بهذا الاَصل.

بيد أنّ الاتفاق على هذا الاَصل لايستلزم الاتفاق في بعض الاَُمور التي وقع الاختلاف في كونها عبادة لغير اللّه سبحانه، أو أنّها تكريم واحترام، وإكبار وتبجيل.

وعلى الجملة فالكبرى، أعني كون العبادة خاصة اللّه لايشاركه فيها شيء، مما لم يختلف فيها اثنان، وإنّما الكلام في تشخيص الصغرى وإنّه هل العمل الفلاني


(21)

ـ مثلاً ـ عبادة لغير اللّه حتى يكون نفس العمل شركاً، والفاعل مشركاً فيخرج عن ربقة الاِسلام، وجادة التوحيد، أو أنّه تكريم وتبجيل لاَهداف مقدسة لا يمت إلى العبادة ـ فضلاً عن عبادة غير اللّه ـ بصلة؟

وهذا الاَصل هو الذي عزمنا في هذه الرسالة على بيانه وتوضيحه فانّ كثيراً من الوهابيين جعلوا «الشرك في العبادة» ذريعة لتكفير كثير من المسلمين، وجعلهم في سلك المشركين في العبادة، ولاَجل أن يتجلّـى هذا الموضوع بأفضل نحو نقول:

إنّ الاَصل الذي يجب أن نتوصل إليه قبل كل شيء، هو تحديد مفهوم العبادة في ضوء القرآن الكريم والسنّة المطهرة حتى يكون معياراً ثابتاً في تشخيص العبادة عن غيرها، إذ لولا هذا لم يثمر البحث، ولم يتم الجدال والنقاش.

فهذا هو الاَصل اللازم الذي غفل عنه موَلّفو الوهابية، فأخذوا يصفون كثيراً من أعمال المسلمين بالشرك في العبادة من دون أن يحدّدوا قبل ذلك ضابطة قرآنية ثابتة وواضحة؛ غير أنّنا قبل أنّ نتوصل، الى تحديد مثل هذه الضابطة نقدّم أُموراً هي:


(22)



(23)

الفصل الاَوّل

عشر مقدمات ضرورية ..


(24)



(25)

1 ـ نبذ الشرك أساس دعوة الاَنبياء:

الاَمر الذي كان يشكّل أساس دعوة الاَنبياء في جميع عهود الرسالة السماوية هو: دعوة البشر إلى عبادة (اللّه الواحد) والاجتناب عن عبادة غيره.

فالتوحيد في العبادة وتحطيم أغلال الشرك والوثنية كان من أهم التعاليم السماوية التي تحتل مكان الصدارة في رسالات الاَنبياء ـ عليهم السلام ـ حتى كأنّ الاَنبياء والرسل لم يبعثوا ـ أجمع ـ إلاّ لِهدف واحد هو تثبيت دعائم التوحيد ومحاربة الشرك.

لقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ـ بجلاء ـ إذ قال:

(وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمّةً رَسُولاً أنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغُوت) (النحل ـ 36).

(وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسوُلٍ إلاّ نُوحي إِلَيهِ أنّهُ لا إلهَ إلاّ أنَا فَاعبُدُون) (الاَنبياء ـ 25).

ثم في موضع آخر يصف القرآن الكريم التوحيد في العبادة بأنّه الاَصل المشترك بين جميع الشرائع السماوية إذ يقول:

(قُلْ يا أَهلَ الكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ألاّ نَعْبُدَ إلاّ اللّهَ)


(26)

وَلانُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) (آل عمران ـ 64).

وإذا أردت أن تعرف كيف بيّن القرآن الكريم (الشرك) في العبادة أو جميع أقسامه وصور المشرك في فقده ما يعتمد عليه في حياته فتدبّر في الآية التالية إذ يقول تعالى:

(وَمَنْ يُشْرِكُ باللّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَماءِ فَتَخْطَفهُ الطَّيرُ أوْ تَهوي بِهِ الرّيحُ في مَكانٍ سَحِيق)!! (الحج ـ 31).

ولايستطيع أيّ تشبيه على ترسيم بطلان الشرك وضياع المشرك وخيبته وحيرته بأوضح مما رسمته هذه الآية الكريمة.

2 ـ منشأ الشرك والوثنية:

من العسير جداً إبداء الرأي في جذور الوثنية ومنشأ هذا الانحراف العقيدي ونموّه بين البشر، خاصة أنّ موضوع الوثنية لم يكن عند قوم أو قومين، ولا في شكل أو شكلين، ولا في منطقة أو منطقتين ليتيسّـر للباحث إبداء نظر قطعي فيه وفي نشوئه.

فالوثنية عند «عرب الجاهلية» مثلاً تختلف عمّـا عليها عند «البراهمة» وهي عند «البوذيين» تختلف عمّـا هي عليها عند «الهندوس» فاعتقادات هذه الطوائف والشعوب مختلفة في موضوع الشرك بحيث يعسر تصوّر قدر مشترك بينها (1)

أمّا العرب البائدة مثل عاد وثمود أُمم هود وصالح، ومثل سكنة مدين


(1)شرحت دوائر المعارف، وبخاصة دائرة معارف البستاني معتقدات هذه الشعوب الآسيوية التي تعيش في رقعة كبيرة في آسيا.

(27)

وسبأ: أُمم شعيب وسليمان، فكانوا بين وثنيين وعبدة الشمس (1)وقد ذكرت عقائدهم وطريقة تفكيرهم في القرآن الكريم.

وقد كان عرب الجاهلية من أولاد إسماعيل موحّدين ردحاً من الزمن، يتبعون تعاليم النبي إبراهيم وولده إسماعيل ـ عليهما السلام ـ ولكن ـ على مر الزمان وعلى أثر الارتباط بالشعوب والاَُمم الوثنية ـ حلّت الوثنية محل التوحيد في المجتمع العربي الجاهلي تدريجيّاً (2)

هذا حال الاَُمة العربية العائشة في تلكم النواحي. وأمّا الاَُمّة العائشة في مكة وضواحيها المقاربة لعصر الرسول فقد نقل الموَرخون أنّ أوّل من أدخل الوثنية في مكة ونواحيها وروّجها فيها هو : «عمرو بن لحي».

فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الاَوثان، وعندما سألهم عمّـا يفعلون قائلاً:

ما هذه الاَصنام التي أراكم تعبدونها؟!

قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا!

فقال لهم: أفلا تعطونني منها فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟

وهكذا استحسن طريقتهم واستصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم «هبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة، ودعا الناس إلى عبادتها (3).

ثم إنّه لما أصابَ المسلمين مطرٌ في الحديبية لم يبل أسفل نعالهم أي ليلاً، فنادى منادي رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم: أن صَلّوا في رحالكم، وقال صلّى الله عليه و آله و سلّم صبيحة ليلة الحديبية لما


(1)قال سبحانه: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون اللّه)(النمل ـ 24).

(2)وهذا يعطي أنّ الوثنية تمتدّ جذورها في المجتمع العربي الجاهلي إلى زمن بعيد وإن كان دخولها إلى مكة وضواحيها ليس بذاك البعد حسب ما ينقله ابن هشام وغيره من أهل السيرة والتاريخ.

(3)سيرة ابن هشام: 1|79.

(28)

صلّى بهم: «أتدرونَ ما قال ربّكم»؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم قال: قال اللّهُ عزّ وجلّ:

صَبَّح من عبادي موَمنٌ بي وكافر، فأمّا من قال: مُطرْنا برحمةِ اللّه وفضله فهو موَمن باللّه وكافر بالكواكب، ومن قال: مُطرنا بنجم كذا وفي رواية بنوء كذا وكذا فهو موَمن بالكواكب وكافر بي» (1)

وهذان النصّان التاريخيان يثبتان في نفس الوقت بأنّ العرب الجاهليين بعضهم أو كلهم كانوا مشركين في الربوبية، ومعتقدين بأنّ الاَمطار بيد الاَصنام فكانوا يستمطرونها، ويزعمون بأنّها تمطرهم. فاجعل هذا على ذكر منك لاَهميته في الاَبحاث القادمة.

هذا ويرى بعض الباحثين أنّ «الوثنية» نشأت من تعظيم الشخصيات وتكريمهم وتخليدهم؛ فعندما كان يموت أحد الشخصيات كانوا ينحتون له تمثالاً لاِحياء ذكراه وتخليد مثاله في أفئدتهم، ولكن مع مرور الزمن وتعاقب الاَجيال كانت تتحول هذه التماثيل ـ عند تلك الاَقوام ـ إلى معبودات، وإن لم تقترن ساعة صنعها بمثل هذا الاعتقاد.

وأحياناً كان رئيس عائلة يحظى باحترام وتعظيم كبيرين ـ في حياته ـ حتى إذا مات نحتوا له تمثالاً على صورته وعكفوا على عبادته.

وفي اليونان والروم القديمتين كان رب العائلة ورئيسها يعبد من قبل أهله فإذا توفّي عبدوا تمثاله.

وتوجد اليوم في متاحف العالم أصنام وتماثيل لرجال الدين وللشخصيات البارزة الذين كانوا ـ ذات يوم ـ أو كانت أصنامهم تعبد كما يعبد الاِله.


(1)السيرة الحلبية: 3|29.

(29)

ومن محاورة النبي إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع كبير قومه: «نمرود» يستفاد بوضوح أنّ نمرود كان موضع العبادة من جانب قومه.

كما يتبين بأنّ فرعون زمان موسى ـ عليه السلام ـ رغم أنّه كان بنفسه معبوداً عند قومه كان يعبد أصناماً، خاصة، لعلّها كانت أشكالاً لشخصيات سابقة من أسلاف فرعون، حيث يخبرنا القرآن الكريم قائلاً:

(وقالَ الملاَُ مِنْ قَومِ فرعَونَ أتَذَرُ مُوسى وقَومَهُ لِيُفْسِدُوا في الاَرضِ ويَذَرَكَ وآلِهتِكَ) (الاَعراف ـ 127).

خلاصة النظر أنّ هذه الاَصنام والتماثيل كانت تنحت وتصنع بادىَ الاَمر لتخليد ذكرى رجال دين وزعماء وشخصيات كبار، ولكن مع مرور الزمن وانقراض أجيال وحلول أجيال أُخرى مكانها كان هذا الهدف ينحرف عن مجراه الاَصلي، وتتحول تلك التماثيل إلى معبودات، وتلك الاَصنام إلى آلهة مزعومة.

3 ـ حصر التوحيد في العبادة باللّه تعالى:

والمقصود بهذا التوحيد هو أن نفرد خالق الكون بالعبادة ونرفض عبادة غيره مما يكون مخلوقاً له تعالى. وهذا في مقابل الشرك في العبادة الذي يعني أن يعبد الاِنسان ـ رغم اعتقاده بوحدانية خالق هذا الكون ـ مخلوقاً، أو مخلوقات، لسبب من الاَسباب.

وهذا هو ماتسميه الوهابية بالتوحيد في الاِلوهية، كما تسمّي التوحيد الذاتي بالتوحيد في الربوبية، وكلا الاصطلاحين خطأ لما ستعرف من معنى الاِلوهية وأنَّ معناها ليس المعبودية، بل (الاِله، واللّه) متساويان من حيث المبدأ أو المفهوم، غير


(30)

أنّ الاَوّل كلّـي والثاني علم لواحد من مصاديق ذاك الكلي.

وأمّا الربوبية فهي بمعنى التدبير والتصرف في الكون، لا «الخالقية» وإن كان التدبير من حيث الاَدلة الفلسفية لاينفك عن الخالقية.

والاَولى بل المتعيّن أن نعبّـر عن التوحيد الذاتي بالتوحيد في الاِلوهية، وأنّه ليس هناك إله إلاّ اللّه، لا أنّ هناك إله أعلى وهو اللّه سبحانه، وآلهة صغار يملكون بعض شوَونه سبحانه، من الشفاعة والمغفرة وغيرهما مما هو من أفعاله سبحانه كما كان عليه عرب الجاهلية.

كما أنّ المتعين أن نعبّر عن «التوحيد في الخلق» بالتوحيد في الخالقية لا التوحيد في الربوبية ـ لما عرفنا من أنّ الرب ليس بمعنى الخالق وإن كان لاينفك عنه في الصعيد الخارجي حسب البرهان العقلي.

كما أنّ المتعين أن نعبّـر عن التوحيد في العبادة بهذا اللفظ نفسه لا بالتوحيد الاِلوهي لما عرفت من أنّ الاِله ليس بمعنى المعبود.

والحاصل أنّه ليس المطروح في هذه المرحلة من الشرك هو: تعدد الاِلهة ولا الاعتقاد بأنّ للكون أجمع خالقاً غير اللّه الواحد الذي خلق الكون بما فيه من الآلهة المزعومـة ولكن مع هذا الاعتراف ربما تترك عبـادة الاِله الواحـد، ويعبد غيره.

وتختلف دوافع «عبادة المخلوق أو المخلوقات» عند الاَُمم والشعوب، فربما كانت علّة بسيطة، وأحياناً كان يتّخذ الدافع صبغة فلسفية. وفيما يلي نستعرض أهم دوافع الشرك.

Website Security Test