welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 10*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مفاهيم القرآن / ج 10

مفاهيم القرآن
العدل والاِمامة

الجزءالعاشر

يبحث عن العدل والاِمامة
وحقوق أهل البيت
في القرآن الكريم وتاريخ التفسير

تأليف

العلامة المحقّق

جعفر السبحاني


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي قام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حكمه، الصلاة والسلام على من كلامه، الفصل وحكمه، العدل سيد المرسلين وأفضل النبّيين الخلافة.

أمّا بعد:

لقد قام الاِسلام على دعائم متينة وأُسس راسحة تمثَّلت في أُصول الدين الّي من أبرزها التوحيد والمعاد والنبوة، وهذا ما اتّفق عليه المسلمون بكافة طوائفهم ونحلهم، فلا يدخل أحد في خطيرة الاِسلام إلاّ إذا آمن بتوحيده سبحانه ذاتاً وفعلاً وعبادة، و آمن بمعاده وانّه سبحانه يبعث من في القبور، وآمن بنبوّة محمّد6 وانّها الحلقة الاَخيرة من نظام النبوة التي ترتبط بالسماء.

وثمة أُصول أُخرى وقعت مثاراً للجدل والنقاش من قِبَل الفرق الاِسلامية فمنهم من عدّها من جوهر الدين وصميمه، كما أنّ منهم من عدّها من فروع الدين، وهذه كالاِمامة والخلافة بعد الرسول فهي عند السنَّة من فروع الدين، لاَنّ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع وجود إمام عادل ذي قوة وقدرة وصولة، فتكون الاِمامة كا لمقدمة لهذه المسؤولة الخطيرة، ومنهم من يعدّها من أُصول الدين لاَنهم يرون الاِمامة منصباً إلهيّاً وانّ وظيفتها هي استمرار وظائف النبوة، وإن


(6)

كانت النبوة منقطعة بارتحال الرسول لكن الوظيفة بعد باقية.

وكالعدل الّذي اتّفق المسلمون برمّتهم على وصفه سبحانه به، ولكن اختلفوا في مفهوم العدل وحقيقته كما سيوافيك، ولذلك نكرّس جلّ جهودنا على تبيين هذين الموضوعين متمثّلين بقول الصاحب بن عباد حيث يقول:

لو شُق عن قلبي يُرى وسطَهسطران قد خُطّا بلا كاتب

العدل والتوحيد في جانبوحبّ أهل البيت في جانب

ولّما كان بين الاِمامة والتعرّف على أهل البيت: الذين طهرّهم الله، صلة قويمة، أثرنا فتح باب لبيان سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم.

ومّما تجدر الاِشارة إليه انّ هذه الموسوعة تشكّل الحلقة الاَخيرة من سلسلة مفاهيم القرآن، فالواجب يحتّم علينا التنويه بالسير التاريخي للتفسير لدى الاِماميّة، وقد ذكرنا من ألوان تفاسيرهم وأسماء كتبهم ما سمح به الوقت، فانّ الاِحاطة بها رهن تأليف مفرد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العاليمن

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الاِمام الصادق - عليه السلام -

21 شوال 1420 هـ



(7)

العدل و الاِمامة

المقدّمة

إنّ العقيدة الاِسلامية تنقسم إلى قسمين:

الاَوّل: ما يعرف بأُصول الدين.

الثاني: ما يعرف بأُصول المذهب.

ويراد من الاَوّل، الاَُصولُ الَّتي اتّفق عليها عامة المسلمين ولم يخالف فيها أحد، وفي الحقيقة تُناط تسمية الاِنسان مسلماً بهذه الاَُصول الثلاثة ، وهي كالتالي:

أ: التوحيد بمراتبه.

ب: المعاد.

ج: النبوة العامة والخاصة.

وهذه الاَُصول الثلاثة قد أشبعنا البحث فيها ضمن أجزاء هذه الموسوعة، بقي الكلام في القسم الثاني، وهو ما يعبَّر عنه بأُصول المذهب، التي هي عقيدة بعض المذاهب الاِسلامية وهي اثنان:

أ: العدل

ب: الاِمامة.


(8)

أمّا الاَوّل: فيوَمن به الاِمامية والمعتزلة، ويخالفهما الاَشاعرة، وسوف يوافيك تفصيل البحث فيه.

وأمّا الثاني :فهو مما يتميّز به المذهب الاِمامي الاثنا عشري عن سائر المذاهب، كما سيوافيك.

وربما يُثار سوَال وهو أنّه كيف يمكن عدّ الاَصل الاَوّل من خصائص الاِمامية والمعتزلة على الرغم من أنّ كافّة الطوائف الاِسلامية تصف اللّه سبحانه بالعدل، ولا نجد بين المسلمين من يقول بأنّاللّه ظالم ليس بعادل؟

والجواب : انّ ما ذكر صحيح، وانّ جميع الفرق تصف اللّه سبحانه بأنّه عادل لا يجور، غير أنّهم يختلفون في معنى «العدل» وكونه عادلاً لا جائراً.

فالاِمامية والمعتزلة أصفقت على أنّالعدل له مفهوم واحد، ومعنى فارد، اتّفق عليه قاطبة العقلاء.

مثلاً: أخذ البريء بذنب المجرم ظلم يتنزّه عنه اللّه سبحانه، و هكذا، فكلّ ما حكم العقل بفعل انّه ظلم، فاللّه سبحانه منزَّه عنه.

وعلى ذلك فالحكم بالعدل وتمييز مصاديقه وجزئياته، وانّ هذا عدل وذاك ظلم كلّها ترجع إلى العقل.

وأمّا الاَشاعرة فهم وان يصفون اللّه سبحانه بالعدل، لكنّهم لا يحدّدون العدل، بمفهوم واضح، بل يوكلون ذلك إلى فعل اللّه سبحانه، وانّ كلّ ما صدر منه فهو عدل، وكلّ ما نهى عنه فهو ظلم، وبذلك أقصوا العقل عن القضاء في ذلك المقام.

وبعبارة أُخرى: انّ الشيعة والمعتزلة يرون أنّ للعدل والظلم ملاكاً عند


(9)

العقل، وبه يتميز أحدهما عن الآخر، ويوصف الفعل بالعدل أو الظلم، ولكن الاَشاعرة ينكرون ذلك الملاك، ويرون انّ أفعاله سبحانه فوق ما يدركه العقل القاصر.

ولذلك كلّ ما يصدر منه فهو عدل، محتجّين بقوله سبحانه: (لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).(1)

وعلى ضوء ذلك يتبين أنّ وحدة الفرق الاِسلامية في وصفه سبحانه بالعدل وحدة صورية، وإلاّفالملاك عند الفرقتين للعدل غير ملاكه عند الاَشاعرة. فلو أمر سبحانه بتعذيب الاَنبياء والاَولياء والصدّيقين فهو عند الاَشاعرة عدل لا مانع من صدوره عنه، ولكنّه عند غيرهم أمر قبيح لا يصدر منه سبحانه.وهو و إن كان متمكناً من ذلك العمل وقادراً عليه لكن حكمته سبحانه تحول دون ارتكابه.

هذا كلّه حول العدل.

وأمّا الاِمامة : فيثار حولها نظير السوَال السابق، فالمسلمون قاطبة يوَمنون بأصل الاِمامة وانّه لابدّ للمسلمين من إمام يأتمّون به، ولكنّهم اختلفوا في خصوصياتها، فهل الاِمامة منصب إلهي كالنبوة لا يناله إلاّالاَمثل فالاَمثل من الاَُمة، ولا يمكن الوقوف على القائم بأعباء الاِمامة إلاّمن خلال نصبه سبحانه؟

أو انّه منصِب بشري و مقام اجتماعي يقوم بأعبائه من تُعيّنه طائفة من الاَُمّة؟ وبذلك تختلف وجهة النظر في واقع الاِمامة عند الطائفتين.

نبدأ الكلام فيالاَصلالاَوّل من أُصولالمذهب، و هوالعدل الاِلهي.


(1)الاَنبياء:23.

(10)

(11)

المعدل الاِلهي


وفيه فصول
(12)



(13)

الفصل الاَوّل

العدل الاِلهي في الكتاب العزيز

آيات الموضوع

1.(شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لاإِلهَ إِلاّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ لاإِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزيزُ الحَكِيم) .(1)

2. (ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيد) .(2)

3. (إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍوَإِنْ تَكُ حَسنَةً يُضاعِفْها وَيُوَْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً).(3)

4. (فَمَا كانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكن كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون).(4)

5. (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* فَأَصَابَهُمْ سَيّئاتُ ما عَمِلُوا).(5)

6.(وَمَا اللّهُ يُريدُظُلْماً لِلْعِباد) .(6)


(1)آل عمران:18.

(2)آل عمران:182.

(3)النساء:40.

(4)التوبة:70.

(5)النحل:33 ـ 34.

(6)الموَمن:31.

(14)

وقبل أن نخوض في تفسير الآيات، نشير إلى مقدمة، وهي:

إنّ العدلية تصف اللّه سبحانه بالعدل بالمعنى المتفق عليه بين العقلاء، وبرهانها على ذلك هو انّالعقل قادر على تمييز الحسن عن القبيح، والعدل عن الظلم، واللّه سبحانه بما انّه حكيم لا يجور أبداً، فهاهنا دعويان:

الاَُولى: انّ العقل له القابلية على تمييز الحسن عن القبح، وانّ التحسين والتقبيح من الاَُمور المنوطة بقضاء العقل.

الثانية: إذا تبيَّن أنَّ العدل حسن و الظُّلم قبيح فاللّه سبحانه موصوف بالعدل، نزيه عن فعل الظلم. وإليك بيان كلا الدعويين.

أمّا الدعوى الاَُولى فتدلُّ عليها أُمور:

الاَوّل: التحسين والتقبيح من الاَُمور البديهية

إنّ التحسين والتقبيح من الاَُمور البديهيَّة التي يدركها كلّ إنسان سليم الفطرة، فمثلاً يدرك انّ العمل بالميثاق حسن، والتخلّف عنه قبيح، أو انّ جزاء الاِحسان بالاِحسان جميل، وجزاءه بالسيّء قبيح.وهكذا سائر الاَفعال التي توصف بالحسن والقبح.

وموضوع قضاء العقل بالحسن والقبح هو نفس الفعل بما هوهو، سواء أكان الفاعل واجباً أم ممكناً، خالقاً أم مخلوقاً، فيوصف الفعل من أي فاعل صدر بأحد الوصفين.

وبعبارة أُخرى: كما أنّمسائل الحكمة النظرية تنقسم إلى نظرية وبديهية، ويستنبط حكم الاَُولى من الثانية، ولذلك عدّوا مسألة امتناع اجتماع النقيضين أو


(15)

ارتفاعهما من المسائل البديهية في الحكمة النظرية.

فهكذا الاَمر في الحكمة العملية فمسائلها تنقسم إلى بديهية وغير بديهية، ويستنبط حكم الثانية من الاَُولى.

والتحسين والتقبيح من المسائل البديهية في الحكمة العملية، وقد حازتا على اهتمام واسع نظراً لدورهما في استنباط سائر مسائل الحكمة العملية.

ولاَجل إيضاح المراد نقول: إنّتحسين بعض الاَفعال وتقبيحها من الاَُمور البديهية للعقل، ويدلّك على ذلك اتّفاق عامة العقلاء مع اختلاف ثقافاتهم وبيئاتهم على وصف أفعال بالحسن، وأفعال أُخرى بالقبح، نظير:

أ: حسن العدل وقبح الظلم.

ب: حسن العمل بالميثاق وقبح نقضه.

ج: حسن جزاء الاِحسان بالاِحسان و قبح جزائه بالسيّء.

د: حسن الصدق وقبح الكذب.

هـ: حسن أداء الاَمانة وقبح الخيانة بها.

إلى غيرها من الاَُمور التي لا يختلف فيها اثنان، وهذا يدل على أنّتلك الاَفعال موصوفة بالحسن والقبح بالبداهة، وإلاّ لما اتفق عليه العقلاء كافة، ولذلك قلنا: إنّ التحسين والتقبيح أمران عقليان.

* الثاني: إنكار إدراك العقل يلازم النفي مطلقاً

لقد أنكرت الاَشاعرة قابلية إدراك العقل حسنَ الاَفعال وقبحها ، وذهبوا إلى أنّ القضاء بالتحسين والتقبيح بيد الشرع، فكلّ ما أخبر بحسنه فهو حسن،


(16)

وما أخبر بقبحه فهو قبيح، ولكنّهم غفلوا عن أنّهم بإنكارهم قابلية العقل لاِدراك الحسن والقبح، أثبتوا عدم ثبوت الحسن والقبح مطلقاً حتى مع تصريح الشرع، وذلك لاَنّه إذا كان تمييز الحسن عن القبيح بيد الشرع دون العقل فإذا أخبر النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بحسن شيء وقبحه، فمن أين نعلم أنّه يصدق في أخباره ولا يكذب، والمفروض انّ العقل عاجز عن درك حسن الاَوّل وقبح الثاني؟ فلا يصحّ إثبات حسن شيء أو قبحه من خلال تصريح الشارع، إلاّ أن يثبت قبلاً انّ الصدق حسن والكذب قبيح، ويثبت انّه سبحانه نزيه عن فعل القبيح، ولولا هذان الاَمران لذهب الاِخبار بحسن الشيء أو قبحه سدى.

* الثالث: لولا التحسين العقلي لما ثبتت شريعة

لو لم نقل بالتحسين والتقبيح العقليين يلزم عدم ثبوت شريعة من الشرائع السماوية، حتى تثبت بها شريعة تحكم بحسن شيء أو قبحه، وذلك لاَنّ القائل بالتحسين والتقبيح العقليين، يقول : إنّ حكمته سبحانه تصدّه عن تزويد الكاذب بالمعجزة، فلو ادّعى رجل النبوة من اللّه وأتى بمعجزة عجز الناس عن مباراته، فهي دليل على صدقه في دعوته.

وأمّا إذا أنكرنا قدرة العقل واستطاعته على درك الحسن والقبح، لكان باب احتمال تزويد الكاذب بالمعجزة مفتوحاً على مصراعيه، و ليس هنا دليل يردّ هذا الاحتمال فلا يحصل يقين بصدق دعواه.

وهذه الاَدلّة الثلاثة التي سردناها على وجه الاِيجاز، تُشرف القارىَ على القطع بأنّ العقل له المقدرة على درك الحسن والقبح.هذا كلّه حول الدعوى الاَُولى.


(17)

وأمّا الدعوى الثانية وهي انّه بعد ما تبيَّن انّ العدل حسن، والظلم قبيح، فاللّه سبحانه موصوف بالعدل ومنزّه عن الظلم، وذلك، مضافاً إلى أنَّه سبحانه حكيم، والحكيم يعدل ولا يجورـ أنّ الجور رهن أحد أمرين، إمّا الجهل بقبح العمل ، أو الحاجة إليه، والمفروض انتفاء كلا المبدأين عنه سبحانه.

وربما يقال إنّكون الشيء حسناً أو قبيحاً عند الاِنسان لا يلازم كونه كذلك عند اللّه، فكيف يمكن استكشاف انّه سبحانه لا يفعل القبيح؟

والجواب عنه واضح لاَنّ المدرَك للعقل هو حسن الفعل على وجه الاِطلاق، أو قبحه كذلك، من دون أن تكون للفاعل مدخلية فيه سوى كونه فاعلاً مختاراً، وأمّا كونه واجباً أو ممكناً فليس بموَثرٍ في قضاءالعقل. وعلى ذلك فإذا ثبت كون الشيء جميلاً أو قبيحاً فهو عند الجميع كذلك.

* شمولية عدله سبحانه

يظهر من الآية الاَُولى انّعدله يعمُّ جميع شوَونه، حيث يقول: (شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لاإِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولوا العلمِِ قائِماً بِالقِسْطِ) (1)فقوله: «قائماً» حال من لفظ الجلالة، في قوله: شهد اللّه، أو الضمير المنفصل، أعني: إلاّ هو.

والمتبادر منه أنّه سبحانه يجري العدل في عامة شوَونه في خلقه وتشريعه فهو عادل ذاتاً وفعلاً.

و تشهد على ذلك مضافاً إلى شهادته سبحانه به، شهادة الملائكة وأُولي العلم، فكأنّ الآية تنحل إلى الجمل التالية:


(1)آل عمران:18.

(18)

1.«شهد اللّه انّه لاإله إلاّ هو قائماً بالقسط».

2. «شهدت الملائكة انّه لاإله إلاّ هو قائماً بالقسط».

3. «شهد أُولو العلم انّه لاإله إلاّ هو قائماً بالقسط».

فالآية تدلُّ على شهادته سبحانه على أمرين:(1)

الاَوّل: لاإله إلاّ هو ، لا نظير له.

الثاني: انّه قائم بالقسط.

ومن المعلوم انّالشهادتين ليستا من مقولة الشهادة اللفظية، وإنّما هي من مقولة الشهادة التكوينية، ففعله سبحانه في عالم الخلقة يدل على أمرين:

الاَوّل: لا خالق ولا مدبّر إلاّهو، فانّ اتقان النظام، وسيادته على جميع الكائنات من الذرّة إلى المجرّة، لاَوضح دليل على أنّ الخالق والمدبّر واحد ، وإلاّ لانفصمت عرى الانسجام والاتصال بين أجزاء الكون، وقد أوضحنا في محلّه أنّ تعدّد العلة واختلاف السببين يستلزم اختلافاً في المسبب، فلا يمكن أن يكون النظام الواحد معلولاً لفاعلين مدبّرين مختلفين في الحقيقة.

الثاني: يشهد فعله سبحانه في عالم التكوين والتشريع انّه سبحانه عادل وقائم بالعدل.

وأفضل كلمة قيلت في تعريف العدل هي ما روي عن علي - عليه السّلام- ، حيث قال:

«العدل يضع الاَُمور مواضعها».(2)


(1)ما ذكرنا مبنيٌّ على أنَّ قيامه بالقسط منالمشهود به خلافاً للسيّدالطباطبائي حيث خصَّ الشهادة بالتوحيد.

(2)نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 437.

(19)

بيان ذلك انّ لكلّ شيء وضعاً خاصاً يقتضيه إمّا بحكم العقل، أو بحكم الشرع والمصالح الكلية في نظام الكون، فالعدل هو رعاية ذلك الوضع وعدم الانحراف إلى جانب الاِفراط والتفريط.

نعم موضع كلّ شيء بحسبه، ففي التكوين بوجه، وفي المجتمع البشري بوجه آخر، وهكذا . وبلحاظ اختلاف موارده تحصل له أقسام ليس هنا مقام بيانها، إلاّ أنّ العدل بالنسبة إلى اللّه تعالى على أنحاء ثلاثة:

1. العدل التكويني: وهو إعطاوَه تعالى كلّ موجود ما يستحقه ويليق به من الوجود فلا يهمل قابلية، ولا يعطل استعداداً في مجال الاِفاضة والاِيجاد.

2. العدل التشريعي: وهو انّه تعالى لا يهمل تكليفاً فيه كمال الاِنسان وسعادته، وبه قوام حياته المادية والمعنوية الدنيوية، والاَُخروية، كما أنّه لا يكلّف نفساً فوق طاقتها.

3. العدل الجزائي: وهو انّه تعالى لا يساوي بين المصلح والمفسد، والموَمن والمشرك، في مقام الجزاء والعقوبة، بل يُجزي كلّإنسان بما كسب، فيُجزي المحسن بالاِحسان والثواب، والمسيء بالاِساءة والعقاب، كما أنّه تعالى لا يعاقب عبداً على مخالفة التكاليف إلاّ بعد البيان والاِبلاغ.

وبذلك تبيَّن معنى الآية، وشهادته سبحانه على كونه قائماً بالقسط في جميع الاَنحاء.

وأمّا شهادة الملائكة و أُولي العلم وذلك فبتعليم منه سبحانه.

وأمّا سائر الآيات التي أوردناها في صدر الفصل، فهي غنية عن التفسير، لاَنّها بصدد بيان أنّ العذاب في الدنيا والآخرة رهن عمل الاِنسان، فلو عُذّب فإنّما


(20)

هو لاَجل القبائح والذنوب التي اقترفها، يقول سبحانه: (ذلِكَ بِما قَدَّمَت أيديكُمْ وَ أنّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبيد) .(1)

وقال عزّ من قائل: (فََمَاكانَ اللّهُُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهم يَظْلِمُون).(2)

واللّه سبحانه لا يظلم عباده ولو جاء العبد بحسنة يضاعفها، كما قال سبحانه: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُوَْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) .(3)

ولاَجل إيضاح عدله سبحانه في عالم التكوين والتشريع نعطف النظر إلى آيات تدل على ذلك في الفصل التالي.


(1)آل عمران:182.

(2)التوبة:70.

(3)النساء:40.

(21)

الفصل الثاني

مظاهر العدل الاِلهي

في عالم الخلق

آيات الموضوع

1.(خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَونَها وَأَلْقَى فِي الاََرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوجٍ كَريمٍ) ) .(1).

2.(إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالاََرْضَ أَنْ تَزُولا).(2)

3. (وَالسَّماءَ رَفَعها وَوَضَعَ الْمِيزان) . (3)

إنّ لعدله سبحانه مظاهر في عالم الخلق والتشريع، و سنعرض في هذا الفصل مظاهر عدله في عالم الخلقة.

* 1. السماوات ورفعها بغير عمد

يقول سبحانه في هذا الصدد:(خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَونَها) .


(1)لقمان:10.

(2)فاطر:41.

(3)الرحمن:7.

(22)

إنّ رفع صرح هذا البناء الشامخ دون الاستعانة بدعائم مرئيَّة يكشف عن تناغم دقيق في عالم الخلقة، ولولاه لتداعت أركان العالم وانهارت، وهذا النظام الرائع تقاسمته قوّتا الجاذبية والطاردة(النابذة)،وفي ظلّ التعادل القائم بينهما انتظمت حركة النجوم و الكواكب والمجرّات في مساراتها.

فالجاذبية قانون عام جار على جميع الاَجسام في هذا العالم، وهي تتناسب عكسياً مع الحدّ الفاصل بين الجسمين إذ تتعاظم كلما تضاءلت المسافة، وتتضاءل كلما ازدادت الفاصلة، فلو دارت رحى النظام الكوني الدقيق على قوة الجاذبية فقط لارتطمت الكواكب والنجوم بعضها مع بعض ولتداعى النظام السائد، ولكن في ظـل قانون الطرد يحصل التعادل المطلوب، وقوة الطرد تلك تنشأ من الحركة الدورانية للاَجسام.

ومهما يكن من أمر ففي ظل هاتين القوتين تبقى الملايين من المنظومات الشمسية والمجرّات معلّقة في الفضاء دون عَمَد ، وتحول دون سقوطها وفنائها، وإلى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم، ويقول: (اللّهُ الّذي رفع السَّماوات بِغَير عَمَدٍ تَرَونها) .(1)

وتتضح دلالة الآية من خلال ملاحظة أمرين:

الاَوّل: انّ قوله «ترونه» وصف لـ «عَمَد» و هي جمع عمود.

الثاني: انّ الضمير في «ترونها» يرجع إلى الاَقرب الذي هو «عمد» لا إلى السماوات التي هي أبعد، ومعنى الآية أنّه سبحانه رفع السماوات من دون أعمدة مرئية ، و هو لا ينفي العمود بتاتاً، بل و إنّما ينفي العمود المرئي، ولازم ذلك وجود العمد في رفع السماوات من دون أن يراها البشر، وهذا هو المعنى الذي اختاره ابن


(1)الرعد:3.

(23)

عباس وغيره.(1)

وهو الظاهر مما رواه الحسين بن خالد، عن علي بن موسى الرضا - عليه السّلام- ، فإنّه - عليه السّلام- قال في تفسير الآية: «أليس اللّه يقول: بغير عمد ترونها؟» فقلت: بلى، قال: «ثمَّ عَمَد لكن لا ترونها ».

ويوَيده ما روي عن الاِمام علي - عليه السّلام- ، انّه قال: «هذه النجوم التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الاَرض، مربوطة كلّمدينة إلى عمود من نور».(2)

ورواه الطريحي أيضاً لكن قال: «عمودين من نور» مكان قوله«عمود من نور».(3)

ولعل المراد من العمودين هما قوتا الجاذبية والطاردة.

إنّ الكتاب الكريم صاغ الحقيقة المكتشفة من قبل «نيوتن»، بعبارة يسهل فهمها على عامة الناس، وقال: (بغير عمد ترونها).

وقد أشار سبحانه في غير واحد من الآيات، أنّه سبحانه هو الممسك للسماوات من الزوال، وقال: (إِنّاللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالاََرْض أَنْ تَزُولا) ).(4)

وكونه سبحانه هو المُمْسِك لا يمنع من وجود علل طبيعية حافظة لسقوط السماوات وزوالها، فقد جرت سنّته سبحانه على تدبير العالم من خلال العلل الطبيعية التي هي من سننه سبحانه وجنوده الغيبية.

وأشار الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام- في غير واحد من خطبه إلى خلقة الاَرض، و قال: «أرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوام، ورفعها بغير دعائم».

وعلى كلّ تقدير فالتوازن الموجود في خلق السماوات والاَرض هو مظهر من


(1)التبيان:6|213.

(2)سفينة البحار:مادة نجم.

(3)مجمع البحرين: مادة كوكب.

(4)فاطر:41.

(24)

مظاهر عدله في عالم الخلقة.

* 2. الجبال وحركاتها

وليس رفع السماوات و إبداعها وتنظيم حركاتها هو الوحيد في كونه مظهراً لعدله سبحانه في التكوين، بل إبداع الجبال وإيجادها مظهر آخر من مظاهر التوازن والتعادل في الخلقة.

يقول سبحانه: (وَأَلقى فِي الاَرْضِ رَواسيَ أَنْ تَميدَ بِكُمْ) .(1)

وقال سبحانه: (وَالجِبالَ أَوتاداً) .(2)

إنّ الرواسي التي استخدمها القرآن جمع «راسية»، والمراد منها الاَََنجَر التي هي مرساة السفينة، فللجبال دور المرساة، فكما أنّها تحول دون اضطراب السفينة وتقاذفها من قِبل أمواج البحر العاتية، فهكذا الجبال لها دور في تنظيم حركة الاَرض.

وإلى هذا الحقيقة يشير الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام- في بعض خطبه، ويقول: «وتّد بالصُّخُُور مَيدان أَرضه».(3)

وقال - عليه السّلام- أيضاً: «وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها».(4)

* 3. الحياة وتوازنها الدقيق

إنّ من مظاهر عدله سبحانه وجود الحياة في الاَرض، وهي رهن توفر


(1)النحل:15. وقد جاءت أيضاً بنفس العبارة في سورة لقمان الآية 10.

(2) النبأ:7.

(3)نهج البلاغة: الخطبة 1.

(4)نهج البلاغة: الخطبة 87.

(25)

الظروف المناسبة لها، مثلاً انّالفاصلة الدقيقة بين الشمس والاَرض هيّأت أجواءً مناسبةً لنمو ورشد الخلايا، و هذه ما كان لها أن تنمو لو طرأ على تلك الفاصلة أدنى تغيير. و هذا يرشدك إلى توازن دقيق للغاية بين السماء والاَرض.

واعطف نظرك إلى النباتات والحيوانات، فانّ حياة الحيوان رهن استنشاق غاز الاَوكسجين( O2 ) الذي تُولّده النباتات، وحياة النبات رهن استنشاق غاز ثاني أوكسيد الكاربون ( CO2 ) الذي تُولّده الحيوانات من خلال تنفّسها، فالتوازن الموجود بين الاِنتاج والاستهلاك مهّد المناخ المناسب لحياة كلّمن النبات والحيوان، فلو كانت الاَرض محتضنة للحيوان فقط أو للنبات فقط لما قامت للحياة قائمة.

فالتوازن القائم بين الغازين على وجه البسيطة مظهر من مظاهر عدله سبحانه، يقول سبحانه: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوجٍ كَرِيم)(1)

ويزخر عالم النباتات والحيوانات بعدد لا حصر له من هذا النوع من التوازن والتعادل، وها نحن نذكر نموذجاً آخر.

كان الملاّحون يعانون من مرض تشقّق الجلد وسيلان الدم منه، وسببه يعود إلى قلة الفيتامينات في أبدانهم، إلى أن اكتشف أحد الاَخصائيين في «مدغشقر» أنّ علاجه الوحيد هو تناول وجبات كافية من الليمون والنارنج، ففيها كمّيات هائلة من تلك الفيتامينات، وبذلك نجا الملاّحون من هذا المرض الذي كانوا يعانون منه.


(1)لقمان:10.


(26)

الفصل الثالث

مظاهر العدل الاِلهي

في عالم التشريع والجزاء

آيات الموضوع

1. (فَمَنْ عُفِي لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِليهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ).(1)

2. (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ).(2)

3. (وَإِنْ كانَذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسِرَةٍ وَ أنْ تَصَدّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون).(3)

4. (وَلْيُمْلِلِ الّذي عَلَيْهِ الحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً).(4)

قد سبق انّه سبحانه وصف نفسه بقوله: (قائماً بالقسط)، وتلك الفقرة


(1)البقرة:178.

(2)البقرة: 279.

(3)البقرة: 280.

(4)البقرة: 282.

(27)

حاكية عن أنّه سبحانه قائم بأعباء القسط في جميع المجالات تكويناً وتشريعاً، أمّا التكوين فقد وقفت على نماذج من التعادل الذي هو حجر الاَساس لبقاء السماء والاَرض واستقرار الحياة على وجه البسيطة.

بقي الكلام في مظاهر عدله في عالم التشريع، ولنذكر نماذج من ذلك:

1. فرض سبحانه الصيام على كلّ مكلّف، وقال:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون).(1)

وفي الوقت نفسه استثنى المريض والمسافر ومن يصوم ببذل الجهد الكبير، قال سبحانه: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أوْعَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين) .(2)

فأوجب على المريض والمسافر القيام بأعباء هذا التكليف بعد استعادة صحته أو رجوعه إلى الوطن، كما أنّه اكتفى فيمن يصوم ببذل جهد كبير كالهرم، بالتكفير وإطعام مسكين.

2. لا شكّ انّ في القصاص حياة لاَُولي الاَلباب، وفي المثل المعروف: «إنّ الدم لا يُغسّله إلاّالدم»، ومع ذلك كلّه فقد أجاز لوليِّ الدم أن يسلك طريقاً آخر وهو إبدال القصاص بالدية، فقد شرع ذلك، و قال: (فََمَنْ عُفيَ لَهُ مِنْ أَخيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بالمَعروفِ وَأَداءٌ إِليهِ بِإِحسانٍ ذلكَ تَخْفيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَليم) (3) فالاِصرار على أحد الحكمين ربما يولِّد الحرج، فخيّر وليَّ الدم بين القصاص وأخذ الدية حتى يتبع ما هو الاَفضل والاَصلح لتشفِّي القلوب و استقرار الصلح في المجتمع.


(1)البقرة:183.

(2)البقرة:184.

(3)البقرة:178.

(28)

3. لا شكّ انّ الربا من أعظم الجرائم وأكبرها، كيف وقد وصف المرابي بالمحارب، و قال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوافَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِوَرَسُولِهِ)(1)ومع ذلك فإذا تاب المرابي من عمله فقد احترم ماله الذي اقترضه، فعلى المقترض ردُّ رأس ماله فقط، قال: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُوَُوسُ أَمْوالكُمْ لا تَظْلِمُون ولا تُظْلَمُونَ) ) .

وفي الحقيقة هذه الفقرة أي (لا تظلمون ولا تظلمون) شعار كلّمسلم في عامة المجالات وهو لا يَظلم ولا يتحمَّل الظلم.

4. حثَّ الناس على الاِقراض وجعل أجره عشرة، قال سبحانه: (مَنْ جاءَبِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) (2) و هو عام يعم كلّحسنة ومنها الاِقراض، ومع ذلك كلّه فإذا عجز المقترض عن أداء قرضه وصار ذا عسرة أمر المقرض بالصبر حتى يستطيع المقترض من دفع دينه، قال سبحانه: (وَإِنْكانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسِرَة و أنْتَصَدَّقُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون) .(3)

5. يأمر سبحانه المقرض و المقترض أن يكتبا سنداً للدين، وفي الوقت نفسه يأمر الكاتب أن يكتب بالعدل من دون تحيّز إلى واحد من الطرفين، يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْل) .(4)

6. يأمر سبحانه من عليه الحق أن يُملي كما هو عليه، من دون نقيصة ولا زيادة، يقول سبحانه: (وَلْيُمْلِلِ الّذي عَلَيْهِ الحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ ربَّهُُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيئاً) .(5)


(1)البقرة:279.

(2)الاَنعام:160.

(3)البقرة:280.

(4)البقرة:282.

(5)البقرة:282.

(29)

7. كما يأمر إذا كان من عليه الحقّسفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع الاِملاء فليقم مكانه وليُّه وليملل بالعدل، يقول سبحانه: (فَإِنْ كانَ الّذي عليه الحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعيفاً أَوْ لا يَسْتَطيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَليُّهُ بِالعَدلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجالِكُمْ) .(1)

وباختصار: تتجلى في هذه الآية التي هي أطول آية وردت في القرآن الكريم مظاهر عدله في التشريع مرة تلو مرة، وللقارىَ الكريم أن يستشف منها ما ذكرناه من المعاني.

8. الطهارة من الحدث أحد شرائط صحّة الصلاة والصوم والحجّ ،وتحصل عن طريق استعمال الماء بكيفية خاصة متقرباً فيها إلى اللّه، ولكن ربما يكون استعمال الماء مضرّاً بصحّة المتوضىَ أو موجباً لبطء برء مرضه، إلى غير ذلك من الاعذار فأوجب سبحانه التيمّم بالصعيد بدل استعمال الماء، وهذا يدل على مرونة الاِسلام في تشريعه وتعاطفه مع فطرة الاِنسان التي ترغب في العافية وتنضجر عن كلّما يحول دونها، قال سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائِطِ أَو لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فـَامْسَحُوا بِوُجُوهكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه ما يُريدُاللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج وَلكِنْ يُريدُ لِيُطهِّركُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .(2)

فقوله: (ما يريد اللّه ليجعل عليكم في الدين من حرج) يكشف اللثام عن وجه العدول من الطهارة المائية إلى الطهارة الترابية.

كما دلت الآيات القرآنية على استثنائه سبحانه طوائف ثلاث من الحضور


(1)البقرة:282.

(2)المائدة:6.

(30)

في ساحات الجهاد لاَجل الحرج ، قال سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الاََعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الاََعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلى الْمَريضِحَرَج) .(1)

وفي آية أُخرى يُبيِّن بوضوح أنّ تشريعه خال من الحرج، ويقول: (ما جَعلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (2) . فكلّ حكم يتضمن الحرج فهو مرفوض بحكم أنّه حرجي، وقد أخبر سبحانه عن عدم تشريع الحكم الذي في امتثاله حرج.

9. لقد شملت العناية الاِلهية الاَُمةَ الاِسلامية من بين سائر الاَُمم برفع النسيان والخطأ عنهم وعدم الموَاخذة عليهما، في حين كانت الاَُمم السالفة مسوَولة عن خَطاها ونسيانها إذا كانت مقصِّرة في مبادىَ الخطأ والنسيان ، يقول سبحانه: (رَبّنا لا تُوَاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِر لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَولانا فَانصُرْنا عَلى القَومِ الكافِرين) .(3)

روى الكليني عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- انّه قال: «إنّ هذا الدين متين، فاوغلوا فيه برفق ولا تكرهوا عبادة اللّه إلى عباد اللّه، فتكونوا كالراكب المنبتِّ الَّذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى».(4)


(1)الفتح:17.

(2)الحج:78.

(3)البقرة:286.

(4)الكافي:2|86.

(31)

فما أروع هذا التشبيه حيث إنّ الراكب المنبتِّ و إن كان يعدو بفرسه أميالاً عديدة بغية الوصول إلى غايته، ولكنه بفعله هذا يُنتج عكس المطلوب حيث إنّ المركوب يُعْييه التعبُ ولا يكون بمقدوره الاستمرار في العدو، ويبقى هو في وسط الطريق لا يهتدي إلى بغيته، فهو لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى.

فهكذا الدعوة إلى الشريعة إذا كانت مقرونة بالشدة والضعف تنتج عكس المطلوب حيث لا تجد لها أُذناً صاغية، بل يخرج الناس منها أفواجاً. ولاَجل ذلك صدع النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بسهولة شريعته، وقال: «بعثت بالشريعة السهلة السمحة».(1)

10. دلّت الآيات القرآنية على أنّ التكليف على القدر المستطاع وقد أطبق عليه العقل والنقل، إذ كيف يمكن تكليف الناس بأعمال، كإدخال الشيء الكبير في الظرف الصغير، من دون تغيّر في الظرف والمظروف؟ أو التحليق في الهواء دون وسيلة، إلى غير ذلك من الاَُمور الممتنعة التي تدخل في نطاق التكليف بما لايُطاق، حتى أنّمحقّقي العدلية ذهبوا إلى أنّهذا النوع من التكليف المحال، بمعنى أنّه لا ينقدح في ذهن الآمر، الطلب و الاِرادة الجدية المتعلِّقة ببعث العاجز إلى المطلوب، ولو تظاهر به فإنّما تظاهر بظاهر التكليف لا بواقعه.

فتكون النتيجة: انّامتناع المكلف به يلازم امتناع نفس التكليف أيضاً، يقول سبحانه: (لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إِلاّوُسْعها) .(2)

وقال في آية أُخرى: (لا يُكلِّفُ اللّهُ نَفساً إِلاّما آتاها) .(3)

ومضمون كلتا الآيتين واحد، وهو أنّاللّه يكلّف الاِنسان بقدر طاقته وقابليته.

هذه نماذج استعرضناها لاِثبات أنّ التشريع الاِسلامي يتمتّع بمرونة، و أنّه مبنيٌّ على أساس العدل.

وفي الحقيقة انّ التشريع الاِسلامي من مظاهر عدله في هذا المجال.


(1)سفينة البحار:1|695.

(2)البقرة:286.

(3)الطلاق:7.

(32)

* الاَشاعرة والتكليف بما لا يطاق

ذهب لفيف من متكلّمي الاِسلام ـ و للاَسف الشديد ـ إلى جواز التكليف بما لا يطاق، ولم يُصغوا لنداء العقل ولا الشرع، بل أهالوا التراب على فطرتهم القاضية بعدم صحّة التكليف بما لا يطاق.

وقد اتَّخذوا ظواهر بعض الآيات ذريعة لعقيدتهم في هذاالمجال، و ها نحن نستعرض تلك الآيات ونناقشها كي يتجلّى الحق.

1. (الّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ *أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزينَفِي الاََرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ من أَولياءَ يُضاعََفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَماكانُوا يُبْصِرُون) .(1)

استدل الاِمام أبو الحسن الاَشعري(260ـ 324هـ) على أنَّّهم كانوا مكلَّفين بالسماع والاِبصار ومع ذلك ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يُبصرون، فدلّعلى جواز التكليف بما لا يطاق.

وهذا الاستدلال يتبدَّد بالتوضيح التالي:

وهو أنَّهم وإن كانوا مأمورين مكلّفين بالسماع والاِبصار ومع ذلك كانوا عاجزين عنهما لكن ذلك العجز لم يكن مقروناً بهم منذ بلوغهم وتكليفهم، وإنّما أدّى بهم التمادي في المعصية إلى أن صاروا فاقدين للسمع والاَبصار، فقد سُلِبت عنهم هذه النعم بسوء اختيارهم نتيجة الذنوب التي اقترفوها، فكان لهم قلوب لا يفقهون بها، وآذان لا يسمعون بها، يقول سبحانه: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئكَ كالاََنْعامِ بَلْ هُمْ )


(1)هود:19ـ20.

(33)

أَضَلّ) .(1)

إنّ التمادي في المعصية والاِصرار عليها يترك انطباعات سيِّئة في القلوب على وجه يتجلّى الحسن سيّئاً والسيّء حسناً، يقول سبحانه:(ثُمَّ كانَعاقِبَةَ الّذينَ أَساءُوا السُّوأى أنْ كذَّبوا بآياتِ اللّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزءُونَ).(2)

فالآية تصرح بأنّاقتراف الذنوب و ارتكاب المعاصي ينجم عنه التكذيب بآيات اللّه.

فتحصل من ذلك أنّ عدم استطاعتهم للسماع والاِبصار كان نتيجة قطعية لاَعمالهم السيئة، كما يقول سبحانه: (وَ قالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أصْحابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهمْ فَسُحقاً لاََصحابِ السَّعيرِ) .(3)

2. (وَعَلَّمَ آدَمَ الاََسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عرَضَهُمْ عَلى المَلائِكةِ فَقالَأَنْبئونِي بِأَسْماءِهوَلاءِ إِنْ كُنتُمْ صادِقين* قالُوا سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّما عَلَّمْتَنا إِنَّك أَنْتَ الْعَليمُ الحَكيم) .(4)

استدلّ الاِمام الاَشعري بهذه الآية على جواز التكليف بما لا يطاق، و قال: فقد أمروا بالاِعلام و هم لا يعلمون ذلك ولا يقدرون عليه.

ولكن غاب عنه أنّ لصيغة الاَمر معنى واحداً وهو إنشاء الطلب، لكن الغايات من الاِنشاء تختلف حسب اختلاف المقامات، فتارة تكون الغاية من الاِنشاء، هي بعث المكلف نحو الفعل جداً، وهذا هو الاَمر الحقيقي الذي يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه، و تشترط فيه القدرة والاستطاعة، وأُخرى تكون الغاية أُموراً


(1)الاَعراف:179.

(2)الروم:10.

(3)الملك:10ـ11.

(4)البقرة:31ـ 32.

(34)

غيره، وعند ذلك لا ينتزع منه التكليف الجدي، وذلك كالتعجيز في الآية السابقة، وكالتسخير في قوله سبحانه: (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئين)(1)والاِهانة مثل قوله: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الكَريم) (2) ، أو التمنّي مثل قول أمرىَ القيس في معلّقته:

ألا أيُّها الليل الطويل ألا انجلي بصُبحٍ وما الاِصباحُ مِنكَ بأمثلِ

إلى غير ذلك من الغايات و الحوافز التي تدعو المتكلم إلى التعبير عن مقاصده بصيغة الاَمر وذلك واضح لمن ألقى السمع وهو شهيد.

3. (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ* خاشِعَةًً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلىَ السُّجُُودِ وَهُمْ سالِمُونَ).(3)

استدلّ بها الشيخ الاَشعري على مقصوده، وقال: إذا جاز تكليفه إياهم في الآخرة بما لا يطيقون، جاز ذلك في الدنيا.

والحقّ أنّالاِمام الاَشعري وأتباعه لا سيما الفطاحل منهم أجلُّ من أن يجهلوا هدف الآية ومغزاها، إذ ليست الدعوة إلى السجود فيها عن جدّ وإرادة حقيقة، بل الغاية من الدعوة إيجاد الحسرة في قلوب المشركين التاركين للسجود حال استطاعتهم في الدنيا ،والآية بصدد بيان أنّهم في أوقات السلامة والعافية رفضوا الانصياع و الامتثال، وعند العجز ـ بعد ما كشف الغطاء عن أبصارهم ورأوا العذاب بأُمّ أعينهم ـ همّوا بالسجود ولكن أنّى لهم ذلك.

وإليك توضيح الآية بمقاطعها الثلاثة:

أ: (يوم يُكشف عن ساق) كناية عن اشتداد الاَمر وتفاقمه ،لاَنّ الاِنسان


(1)البقرة:65.

(2)الدخان:49.

(3)القلم:42ـ 43.

(35)

عند الشدة يكشف عن ساقه ويخوض غمار الحوادث.

ب: (ويُدعون إلى السجود )لا طلباً وتكليفاً جدياً، بل لازدياد الحسرة، فلا يستطيعون، إمّا لسلب السلامة عنهم، أو لاستقرار ملكة الاستكبار في سرائرهم.

ج: (وقد كانوا يُدعون إلى السجود و هم سالمون) والمعنى أنّهم لما دعوا إلى السجود في الدنيا امتنعوا عنه مع صحّة أبدانهم، وهوَلاء يُدعون إلى السجود في الآخرة ولكن لا يستطيعون، وما ذلك إلاّ لتزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرَّطوا.

4. (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَميلُوا كُلَّ المَيْلِ فتَذَرُوها كَالمُعلّقَةِ وإن تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً).(1)

وقد استدل بها الشيخ الاَشعري على ما يروم من جواز التكليف بما لا يطاق، و قال: وقد أمر اللّه تعالى بالعدل ومع ذلك أخبر عن عدم الاستطاعة على أن يُعدل.(2)

أقول: لا شكّ أنّه سبحانه أمر من يتزوج بأكثر من واحدة بإجراء العدالة بينهنّ، قال سبحانه: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تعْدِلُوا فَواحِدَة) (3)وفي الوقت نفسه صرَّح في آية أُخرى بأنَّ إجراء العدالة بينهنّ، أمر غير مقدور، و مع ذلك نهى عن التعلّق بواحدة منهن والاِعراض عن الاَُخرى حتى تُصبح كالمعلّقة لا متزوجة ولا مطلقة.

وبالتأمل في الآية يظهر بأنّ العدالة التي أمر بها غير العدالة التي أخبر عن عدم استطاعة المتزوج القيام بها، فالمستطاع منها هو الذي يقدر عليه كلّمتزوج بأكثر من واحدة، وهو العدالة في الملبس والمأكل والمسكن وغيرها من الحقوق


(1)النساء:129.

(2)لاحظ الاستدلال بهذه الآيات في كتاب اللمع للاِمام الاَشعري:99ـ 114.

(3)النساء:3.

(36)

الزوجية التي تقع على عاتق الزوج ويقوم بها بجوارحه ولا صلة لها بباطنه.

وأمّا غير المستطاع فهي المساواة في قسمة الحب بينهنّ لاَنّ الباعث لها هو الوجدان والميل القلبي وهو ممّا لا يملكه المرء ولا يحيط به اختياره، لاَنّه رهن أُمور خارجة عنالاختيار.

مظاهر العدل الاِلهي في تنفيذ العقوبات

قد مضى أنّ لعدله سبحانه مظاهر في التكوين والتشريع ، و من مظاهر عدله في التشريع أنّه لا يساوي بين المطيع و العاصي، والمسلم والمجرم، والموَمن والمفسد، و لذلك صار يوم البعث مظهراً لعدله سبحانه بحيث لو لم يكن ذلك اليوم الموعود لما ظهر عدله في مجال الجزاء، وبذلك أصبح يوم القيامة أمراً لا مفرّ منه لظهور عدله فيه، وتشير آياتٌ كثيرة إلى هذا المضمون:

1.(أَمْ نَجْعَلُالّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالمُفْسِدينَ فِي الاََرْضِ أَمْ نَجْعَلُالمُتَّقينَكَالفُجّارِ) .(1)

2. (أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمينَكالْمُجِرمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون) .(2)

وهاتان الآيتان تدلاّن على أنَّ التسوية بين الطائفتين على خلاف العدل، فلا محيص من إحقاق الفرق، وبما انّ الطائفتين يتعامل معهما في الدنيا على نحو سواء فلابدّ من تحقيقه في يوم ما و ليس هو إلاّ يوم القيامة، ويعرب عمّا ذكرناه قوله سبحانه: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إنّهُ يَبْدوَُُ الخَلقَ ثُمّ يُعيدُهُ لِيجزيَ )


(1)ص:28.

(2) القلم:35ـ 36.

(37)

الّذينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بالقِسْطِ وَالّذينَكَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَميمٍ وعَذابٌ أَليمٌ بِما كانوا يَكْفُرُون) .(1)

ثمّإنّه سبحانه يحقّق عدله يوم القيامة بوضع موازين القسط ليجزي كلّنفس بما كسبت، يقول سبحانه:

(وَنَضَعُ المَوازينَالقِسْط لِيَومِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْكانَ مِثْقالَ حَبّةٍ مِنْ خَردلٍ أتَيْنا بِها وََكَفى بِنا حاسِبينَ) .(2)

(وَالوَزْنُ يَوَْْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ فَأُولئكَ هُمُ الْمُفْلِحُون * وَمَنْ خَفّت مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظلِمُون) .(3)

هذه إلمامة عابرة لبيان مظاهر عدله في مجالات مختلفة، والسابر في آيات القرآن الكريم يجد آيات كثيرة في مجال عدله سبحانه.


(1) يونس:4.

(2)الاَنبياء:47.

(3)الاَعراف:8 ـ 9.

(38)

الفصل الرابع

العدل الاِلهي

وفاعلية الاِنسان

قد تعرفت على مظاهر عدله في التكوين والتشريع، وحان البحث في بيان باقي المباحث التي لها صلة بالعدل الاِلهي، وهي تتمحور حول فاعلية الاِنسان، ونقاطها الرئيسية هي:

1. العدل الاِلهي وحرية الاِرادة الاِنسانية.

2. العدل الاِلهي و علمهالسابق بأفعال العباد.

3. العدل الاِلهي والقضاء والقدر القطعيان.

4. العدل الاِلهي وخلود العقاب.

وقد تناول الحكماء والمتكلّمون هذه الاَبحاث من زوايا مختلفة واحتدم النقاش حولها، و بما أنّ رائدنا في هذه البحوث هو القرآن الكريم فنحن نتناولها من ذلك الجانب ونترك جوانبها الاَُخرى إلى الكتب المعدّة في هذا المجال.


(39)

* العدل الاِلهي وحرية الاِرادة الاِنسانية

البحث عن حرية الاِرادة، وأنّ الاِنسان هل هو فاعل مجبور أو فاعل مختار؟ من المسائل الفلسفية الّتي تمتد جذورها في تاريخ الفكر الاِنساني، ومنذ ذلك الحين اتجهت أنظار كافة الناس صوبها لاَنّها تمسّ جانباً من حياتهم العملية، وبذلك أصبحت دراسة تلك المسألة لا تقتصر على الحكماء فحسب بل شملت أكثر الناس .

إنّ الروَية القرآنية تتلخص في أنّ الاِنسان حرّ فيما شاء وأراد، و هي تشطب بقلم عريض على مزعمة المشركين بتعلّق مشيئة اللّه سبحانه بعبادتهم الاَوثان ولذلك صاروا مجبورين على الشرك. يقول سبحانه في ردّ تلك المزعمة:(سَيَقُولُ الّذينَ أَشْرَكُوا لَو شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباوَُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إن تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظََّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ) .(1)

فهذه الآية تعكس لنا بوضوح جانباً من عقيدة المشركين في عصر الرسالة وانّهم كانوا يوَمنون بالجبر، وإنّ كلّ ما يصدر منهم فهو خاضع لاِرادته سبحانه إرادة سالبة للاختيار.

ويقول سبحانه في موضع آخر مبيّناً تلك العقيدة الفاسدة :(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أمََرنا بِها قُل إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون) .(2)


(1)الاَنعام: 148.

(2)الاَعراف: 28.

(40)

فإنّ الفقرة الاَُولى من الآية تعكس عقيدة المشركين وأنّه لولا أمره ومشيئته لما كنّا مشركين، لكن الفقرة الثانية تردُّ عليها ببيان أنّ الشرك ظلم و قبيح، واللّه لا يأمر بهما، وبالتالي لا تتعلق مشيئته بهما.

والعجب أنّ تلك العقيدة السخيفة لم تُجْتثّ بل بقيت عالقة في أذهان عدّة من الصحابة حتى بعد بزوغ نجم الاِسلام.

روى السيوطي عن عبد اللّه بن عمر: انّه جاء رجل إلى أبي بكر، فقال: أرأيت الزنا بقدر؟

قال: نعم. قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذِّبني؟! قال: نعم يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(1)

وليس الخليفة الاَوّل وحده ممن كان يحتج بالقدر السالب للاختيار، بل كان غيره على هذه الفكرة . روى الواقدي عن أُم الحارث الاَنصارية، وهي تحدّث عن فرار المسلمين يوم حنين، قالت: مرّ بي عمر بن الخطاب منهزماً، فقلت: ما هذا؟ فقال عمر: أمر اللّه.(2)

نرى أنّ عمر يلجأ إلى أمر اللّه وقضائه، و أنّ الهزيمة كانت أمراً قطعياً لاَنّه سبحانه شاءها وأرادها، دون أن ينظر إلى سائر الاَسباب التي حدت بهم إلى تلك الهزيمة.

لقد اتخذ الاَمويون مسألة القدر أداة تبريرية لاَعمالهم السيِّئة وكانوا ينسبون وضعهم بما فيه من شتى ضروب العيث والفساد إلى القدر، قال أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّه يريد أفعال العباد كلّها.(3)


(1)تاريخ الخلفاء: 95.

(2)مغازي الواقدي: 3|904.

(3)الاَوائل: 2|125.

(41)

ولاَجل ذلك لما سألت أُمّ الموَمنين عائشة، معاويةَ عن سبب تنصيب ولده يزيد خليفة على رقاب المسلمين فأجابها: إنّ أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم.(1)

وبهذا الجواب أيضاً أجاب معاويةُ عبدَ اللّه بن عمر ،عندما استفسر من معاوية عن تنصيبه يزيد، بقوله: إنّي أُحذِّرك أن تشقّ عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم، وأن تسفك دماءهم وإنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمره.(2)

وقد تسرّبت فكرة الجبر إلى أكثر الاَوساط الاِسلامية خصوصاً بين الشعراء وأصحاب الملاحم، حيث راحوا يفسرون الوضع المزري الذي يعاني منه المسلمون بالقضاء والقدر. وسيوافيك أنّه لا صلة للقضاء والقدر بسلب الاختيار عن الاِنسان .

* حرية الاِرادة من منظارٍ قرآني

إنّ الآيات القرآنية تصرّح باختيارية الاِنسان وانّه فاعل مختار مسوَول عن عمله.

1. يقول سبحانه: (إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً) .(3)

فالشاكر يسلك السبيل الذي أراده اللّه سبحانه له، فيصل إلى الهدف المنشود، بخلاف الكفور، فيسلك غير هذا السبيل.


(1) الاِمامة والسياسة:1|167.

(2)الاِمامة والسياسة: 1|171.

(3)الاِنسان: 3.

(42)

2. (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَديتُ فَبِما يُوحِي إِلَيّ رَبّي إنّهُ سَميعٌ قَريب) .(1)

ترى أنّ الآية تنسب الضلالة إلى نفس الاِنسان، والهداية إلى وحيه سبحانه إليه، مع أنّ الهداية والضلالة كلّها من اللّه سبحانه ، وما هذا إلاّ لاَنّه سبحانه قد هيّأ كافّة وسائل الهداية للاِنسان منذ أنْ خُلِقَ إلى أن يُدرج في أكفانه، وهي عبارة عن تزويده بـفطرة التوحيد وتعزيزها ببعث الاَنبياء والمرسلين ، والعقل السليم، إلى غير ذلك من أدوات الهداية، فمن انتفع بها فقد اهتدى، فصحّ أن يقال: إنّ الهداية من اللّه لاَنّه زوّد الاِنسان بوسائلها، و من لم ينتفع بها فقد ضلّ فصحّ أن يقال (إن ضللت فانّما أضلّ على نفسي).

وبهذا المضمون قوله سبحانه: (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) .(2)

3. (وَقُل الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُوَْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر).(3)

ولا تجد في القرآن الكريم آية أكثر نصاعة في حرية الاِنسان من هذه الآية،وقد صبّ شهيدنا الثاني (909 ـ 966هـ) مضمون هذه الآية ضمن بيتين، حيث قال:

لقد جاء في القرآن آية حكمة * تدمّر آياتِ الضلال ومن يُجبر

وتخُبر انّالاختيار بأيدينا * فمن شاء فليوَمن و من شاء فليكفر


(1)سبأ:50.

(2)الاِسراء: 15.

(3)الكهف: 29.

(43)

4. (قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكمْ بِحَفيظ) .(1)

5. (ليهلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسميعٌ عَليم).(2)

6. (كُلُّ امرىِِ بِما كَسَبَ رَهِين).(3)

7.(إِنَّما تُجْزونَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُون).(4)

إلى غير ذلك من الآيات الدالَّة على أنّ الاِنسان فاعل مسوَول عن أعماله، حرّ في إرادته، مختار فيما يكتسب.

وعلى ضوء هذا فمن حاول أن ينسب الجبر إلى القرآن فقد خبط خبطَ عشواء.

إنّ بعث الاَنبياء و دعوة الناس إلى طريق الرشاد، ونهيهم عن ارتكاب القبائح أوضح دليل على أنَّ الاِنسان موجود قابل للاِصلاح والتربية ، إذ لو كان مجبوراً على فعل المعاصي، لكان بعث الاَنبياء ودعوتهم أمراً سدى.

نعم الدعوة إلى حرية الاِنسان وكونه فاعلاً مختاراً لا تعني أبداً انقطاع صلة الاِنسان باللّه سبحانه و إرادته . لاَنّ تلك الفكرة كفكرة الجبر باطلة تورد الاِنسان في مهاوي الشرك والثنويّة التي ليست بأقلَّ ضرر من القول بالجبر.

فالتفويض بمعنى استقلال الاِنسان في فعله وإرادته وكل ما يكتسب وخروجه عن سلطة اللّه سبحانه ، تفويض باطل كالقول بأنّه فاعل مجبور.

لا جبر و لا تفويض:

وقد أكّد أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- على وهن تلك الفكرتين.


(1)الاَنعام:104.

(2)الاَنفال: 42.

(3)الطور:21.

(4)النور: 16.

(44)

قال الاِمام الصادق - عليه السّلام- : «إنّ اللّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون، واللّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد».(1)

و في حديث آخر عنالاِمامالصادق - عليه السّلام- فسّر حرية الاِنسان بهذا النحو: «وجود السبيل إلى إتيان ما أُمروا وترك ما نهوا عنه».(2)

نعم التركيز على بطلان الجبر أكثر في الروايات من التصريح ببطلان التفويض.

قال الاِمام الصادق - عليه السّلام- :«اللّه أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثمّ يعذّبه عليه».(3)

وسأل الحسن بن علي الوشاء الاِمام الرضا - عليه السّلام- : هل اللّه أجبر العباد على المعاصي؟ فقال - عليه السّلام- : «اللّه أعدل وأحكم من ذلك».(4)

نعم موضوع الاختيار عبارة عن الاَفعال التي يقوم بها الاِنسان، و أمّا الاَُمور الخارجة عن حيطة الثواب والعقاب التي ربّما يبتلى بها الاِنسان من حيث لم يشأ كالبلايا والمصائب والزلازل والسيول المخرّبة والاَعاصير، إلى غير ذلك فهي خارجة عن اختيار الاِنسان، فليس هوبالنسبة إليها لا فاعلاً جبرياً ولا فاعلاً بالاختيار.

هذه هي نظرة القرآن الكريم في أفعال الاِنسان، غير انّ هناك شبهات تذرَّعت بها بعض الفرق الاِسلامية وحاولوا بذلك سلب الاختيار عنه ظناً منهم أنّهم بذلك يحسنون صنعاً.


(1)البحار:5|41.

(2)البحار:5|12.

(3)التوحيد للصدوق:360، الحديث 6، باب نفي الجبر والتفويض.

(4)نفس المصدر: 363، الحديث 10.


(45)

الفصل الخامس

شبهات وحلول

دلّت البراهين العقلية كالنصوص القرآنية على أنّه سبحانه قائم بالقسط في جميع شوَونه، بيد انّثمة شبهات أُثيرت حول الموضوع تنشد لنفسها حلولاً .

* الشبهة الاَُولى: خلق الاَعمال

إنّ التوحيد الاَفعالي يرشدنا إلى أنّ ما في الكون مخلوق للّه سبحانه، دون فرق بين الجواهر والاَعراض، وبين الاِنسان وأعماله،وهذا صريح الآيات التالية:

1. (قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ القَهّار) .(1)

2. (ذلِكُمُ اللّهُ ربُّكُمْْ خالِقُ كُلّ شَيءٍ لاإِلهَ إِلاّ هُوَ...) .(2)

3. (يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللّه).(3)

فإذا لم يكن في صحيفة الوجود إلاّ خالق واحد لا شريك له في الخلق، فكلّ


(1)الرعد: 16.

(2)الموَمن:62.

(3)فاطر:3.

(46)

ما يصدر من الاِنسان فهو مخلوق له وهو خالقه، وهذا ما يعبّر عنه بالتوحيد في الخالقية.

ويستنتج منه أمران:

أ: إذا كان فعل الاِنسان مخلوقاً للّه سبحانه لا للاِنسان فيكون مجبوراً في فعله لا مختاراً.

ب: إذا كان فعل العبد حسنُه و سيِّئه فعلاً للّه سبحانه ومخلوقاً له، فتكون الموَاخذة على أفعال العبد خلاف العدل والقسط، لاَنّ الخالق هو اللّه سبحانه والمَُجزيّ هوالعبد، مع أنّه لا دور له في فعله .

أقول: إنّما رتَّبوه على التوحيد في الخالقية يخالف الفطرة أوّلاً، فانّها تشهد على حرية الاِنسان في أفعاله، ويخالف أهداف الاَنبياء ثانياً. فإذا كان الاِنسان مجبوراً فيما يفعل ويترك، كان بعث الاَنبياء ودعوتهم إلى الطريق المستقيم أمراً لغواً، غير موَثر في هداية الاِنسان، بل تعدُّ عامة القوانين الجزائية في الاِسلام أمراً لغواً وظلماً في حقّ المرتكب، لاَنّه لم يقترف المعاصي والسيئات عن اختيار، بل عن جبر وسوق مناللّه سبحانه إيّاه إلى العمل، و هو تعالى هو الفاعل الخالق لاَعمالهم، لا العبدُ فيكون تعذيبه مصداقاً لقول الشاعر:

غيري جنى وأنا المعاقب فيكم * فكأنّني سبّابة المتندِّم

لكنّ الاَشاعرة مخطئون في تفسير التوحيد في الخالقية أو التوحيد الاَفعالي الذي هو من المعارف الاِسلامية التي صدع بها القرآن الكريم.

انّالتوحيد في الخالقية يُفسر بأحد تفسيرين:

أ: أن َّ كل ما في الكون من الظواهر الطبيعية والفلكية وغيرهما مخلوق للّه


(47)

سبحانه مباشرة،وبلا تسبيب سبب وتهيئة مقدمة و ليس في صحيفة الكون إلاّ علة واحدة تقوم بجميع الاَفعال، وتنوب مناب العلل الطبيعية في كافة الموارد.

ب: إنَّ صحيفة الكون قائمة بوجوده سبحانه ومنتهية إليه، غير انّه سبحانه خلق الاَشياء من خلال نظام الاَسباب والمسببات، والعلل والمعلولات، على وجه يكون للسبب والعلة دور في تحقّق المسبب والمعلول وإن كان ذلك بإذنه سبحانه.

وعلى ضوء ذلك فللعالم خالق واحد أصيل، وعلّة واحدة قائمة بنفسها، لكن تتوسط بينها وبين الظواهر الطبيعية والفلكية علل وأسباب موَثرة في معاليلها، قائمة بذاته سبحانه، موَثرة بأمره، والجميع من سنن اللّه تبارك وتعالى.

أمّا التفسير الاَوّل: فهو خيرة الاَشاعرة الذين ينكرون العلل والاَسباب الطبيعيَّة ولا يعترفون إلاّ بعلة واحدة، وهي قائمة مقام عامة العلل المتصورة للطوائف الاَُخرى، ولكن هذا التفسير ـ و إن كان لاَجل الغلو في التوحيد ـ يخالف نصوص القرآن الكريم، فانّ الوحي الاِلهي يذعن بعلل طبيعية موَثرة في معاليلها، وإليك بعضَ ما يدل على ذلك الاَصل:

1. (وَتَرىَ الاَرضَ هامِدَةً فَإذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ).(1)

فالآية صريحة في تأثير الماء في اهتزاز الاَرض وربوّها، ثمّ إنباتها كلّزوج بهيج، فالاَرض الهامدة كالجماد، والذي يخرجها من هذه الحالة هو الماء، يقول سبحانه: (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت) فالاهتزاز والرباء والاِنبات أثر الماء ولكن بإذنه سبحانه.


(1)الحج:5.

(48)

وجاء نفس المضمون في الآية التالية: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوجٍ كَريم) .(1)

والبيان نفس البيان فلا نطيل.

2. (مَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّّ سُنْبُلَةٍ مِائةُ حَبّةٍ وَاللّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللّهُواسِعٌ عَلِيمٌ) .(2)

ترى أنّه سبحانه ينسب الاِنبات إلى الحبة، ويقول(كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) وهو ظاهر في تأثير الحبة في ظهور السنابل، وفي كلّسنبلة مائة حبة، وإن كان ذلك التأثير بأمره سبحانه، حيث إنَّ الكلّ سُنَّة من سننه.

3.(اللّهُ الّذي يُرسِلُ الرياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كيفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرى الوَدْقَ يخْرُجُ مِنْ خِلاِلِه فَإذا أصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) .(3)

والآية صريحة في أنّ هناك عللاً طبيعيَّة موَثرة في معاليلها التي منها إثارة الرياح السحاب، فهي فعل الرياح، كما هو صريح قوله(فتثير سحاباً) .

ثمّ إنّه سبحانه يستخدم السحاب المنثورة فيبسطها في السماء، ويجعلها كسفاً، أي قطعاً متفرقة، فعند ذلك يخرج الودق من خلاله.

وعلى كلّ حال فالآية صريحة في وجود الصلة بين إرسال الرياح، و إثارة السحاب، وانبساطها في السماء، وصيرورتها كسفاً التي تسفر عن خروج الودق من خلال السحاب، كلّذلك مظاهر طبيعية وظواهر كونية يوَثر كل في الآخر


(1)لقمان:10.

(2)البقره:261.

(3)الروم:48.

(49)

بإذن اللّه سبحانه، والجميع من سننه الكونية والاعتراف بها اعتراف بقدرته وعلمه وحكمته وانّ الجميع من جنوده سبحانه الخاضعة لاِرادته.

ومع هذه التصريحات كيف يمكن تفسير التوحيد في الخالقية بالمعنى الاَوّل، ورفض كلّ تفسير ضمني وتبعي لغيره سبحانه؟!

والذي يدل على ذلك انّه سبحانه ينسب عمل الاِنسان إليه، ويقول:

(وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمْوَْمِنُون) .(1)

(أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبطِلُوا أَعمالكم) .(2)

(وَأَنْ لَيْس لِلاِنْسانِ إِلاّما سَعى * وأنّ سَعْيَهُسَوفَ يُرى) .(3)

ففي هذه الآيات ينسب عمل الاِنسان إليه و يرى أنّ له دوراً في مصيره، ويرى أنّه ليس لكلّ إنسان إلاّ سعيه وجهده.

وثمة آيات تنسب الخلق إلى غيره سبحانه، لكن لا على وجه ينافي التوحيد في الخالقية، حيث يقول:

(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبرىَُ الاََكْمَهَ وَالاََبْرَصَ بِإِذْني وَإِذْ تُخْرجُُ المَوتى بِإِذْني) .(4)

(أنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طيراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىَُ الاََكْمَهَ وَالاََبْرَصَ و أحي المَوتى بِإِذْنِ اللّه) .(5)

وأي تصريح أوضح من خطابه الموجّه إلى المسيح، بقوله: (وَإِذْ تَخْلق مِنَ )


(1)التوبة:105.

(2)محمّد:33.

(3)النجم:39 ـ 40.

(4)المائدة:110.

(5)آل عمران: 49.

(50)

الطّين كهَيئة الطَّير) .

فمقتضى الجمع بين الآيات التي تحصر الخالقية في اللّه سبحانه ولا ترى خالقاً غيره، والآيات التي تعترف بتأثير العلل بعضها في بعض، وتنسب الخلقة إلى غيره سبحانه إيضاً، هو القول بأنّ المقصود من حصر الخالقية في اللّه هو الخالقية النابعة من ذات الخالق غير المعتمد على شيء.

وأمّا الخالقية التبعية والظلية والتأثير الحرفي فهي قائمة بالعلل والاَسباب التي أوجدها سبحانه و صيَّرها على نظام العلل و المعاليل والمسببات، ولا منافاة بين ذلك الحصر ونفيه عن الغير، وإثباته للآخرين، لاَنّ المحصور فيه سبحانه هو الخالقية التي يستقل الفاعل في خلقه عن غيره، والمثبت لغيره هو القيام بالتأثير والخالقية التي أذن به سبحانه حيث إنَّ قيام الجميع من العلل والمعاليل به سبحانه.

وبذلك يظهر أمران:

الاَوّل: انّ الاعتراف بالتوحيد في الخالقية الذي هو أصل من الاَُصول لا يخالف الاعتراف بنظام العلل والمعاليل في الطبيعيات والفلكيات بل في عالم المجردات، فانّه سبحانه خلق لكلّ شيء سبباً وجعل لها قدراً وقضاءً.

الثاني: انّ الاعتراف بالتوحيد في الخالقية لا يلازم الجبر وسلب المسوَولية عن الاِنسان على وجه يكون كالريشة في مهبِّ الرياح، بل له وجود بإيجاد اللّه سبحانه وقدره وإرادته و بأمر منه سبحانه.

* الشبهة الثانية: علمه سبحانه و إرادته السابقة

قد وقع تعلَّق علمه سبحانه بكلّما وقع ويقع، ذريعة للقول بالجبر،


(51)

وبالتالي لنفي عدله سبحانه، وإليك بيان الشبهة:

إنّ ما علم اللّه سبحانه تحقّقه من أفعال العباد، فهو واجب الصدور، وما عَلِمَ عدمَه فهو ممتنع الصدور منه، وإلاّ انقلب علمه جهلاً، وليس فعل العبد خارجاً عن كلا القسمين، فهو إمّا ضروري الوجود، أو ضروري العدم،ومعه لا مفهوم للاختيار، إذ هو عبارة عمّا يجوز فعله أو تركه، مع أنّ الاَوّل لا يجوز تركه، والثاني لا يجوز فعله.

وقد وقع هذا الدليل عند الرازي موقع القبول، وقال: ولو اجتمع جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلاّ بالتزام مذهب هشام: وهو أنّه تعالى لا يعلم الاَشياء قبل وقوعها.(1)

إنّ هذه الشبهة لا تختص بعلمه سبحانه، بل تسري أيضاً في مجال إرادته، فانّ ما في الكون غير خارج عن إرادته، وعند ذلك تتوجه الشبهة التي قررها الشريف الجرجاني(المتوفّى عام 816هـ) بالنحو التالي:

قالوا: ما أراد اللّه وجوده من أفعال العباد وقع قطعاً، وما أراد عدمه منها، لم يقع قطعاً، فلا قدرة للاِنسان على شيء منهما.(2)

وأظن انّ الرازي قد بالغ في شأن هذه الشبهة، وانّه لو تأمّل فيما حقَّقه الاَعلام حول كيفية تعلّق علمه وإرادته سبحانه بمعلومه ومراده لتجلَّت الحقيقة ناصعة.

وحاصل ما حقَّقه الفطاحل من أعلام الفلسفة والكلام، هو ما يلي:

إنّ علمه الاَزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن فاعله على وجه الاِطلاق، بل


(1)شرح المواقف:8|155.

(2) شرح المواقف:8|156.

(52)

تعلّق علمه بصدور كلّفعل عن فاعله حسب الخصوصيات الموجودة فيه. وعلى ضوء ذلك تعلق علمه الاَزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور، كما تعلّق علمه الاَزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الاِنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية. وبالتالي: تعلَّق علمه بوجود الاِنسان وكونه فاعلاً مختاراً، وصدور فعله عنه اختياراً ـ فمثل هذا العلم ـ يوَكد الاختيار ويدفع الجبر عن ساحة الاِنسان .

وإن شئت قلت: إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالاِنسان، فقد تعلق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية، فلو صدر فعل الاِنسان منه بهذه الكيفية لكان علمه سبحانه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه، وأمّا لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر واضطرار بلا علم وشعور أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.

يقول العلاّمة الطباطبائي(1321 ـ 1402هـ): إنّ العلم الاَزلي متعلق بكلّشيء على ما هو عليه، فهو متعلق بالاَفعال الاختيارية بما هي اختيارية، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية.

وبعبارة أُخرى: المقضيّ هو أن يصدر الفعل عن الفاعل الفلاني اختياراً، فلو انقلب الفعل من جهة تعلق القضاء به، غير اختياري ناقض القضاء نفسه.(1)

هذا هو حال تعلّق علمه سبحانه بالاَشياء والاَفعال، وقد عرفت أنّه لا يستلزم الجبر وبالتالي لا يستلزم خلاف عدله.


(1)تعليقة الاَسفار:6|318.

(53)

وبذلك تعلم كيفية تعلّق إرادته سبحانه بالاَشياء والاَفعال، وانّ القول بسعة إرادته لا تستلزم الجبر شريطة أن نتأمل في متعلّق إرادته، فنقول:

إنّ إرادته لم تتعلّق بصدور فعل الاِنسان منه سبحانه مباشرة وبلا واسطة، بل تعلّقت بصدور كلّفعل من علّته بالخصوصيات التي اكتنفتها. مثلاً تعلّقت إرادته سبحانه على أن تكون النار مبدأ للحرارة بلا شعور وإرادة، كما تعلّقت إرادته على صدور الرعشة من المرتعش مع العلم ولكن لا بإرادة واختيار، وهكذا تعلّقت إرادته في مجال الاَفعال الاختيارية للاِنسان على صدورها منه مع الخصوصيات الموجودة فيه، المكتنفة به من العلم و الاختيار وسائر الاَُمور النفسانية.

وصفحة الوجود الاِمكاني زاخرة بالاَسباب والمسببات المنتهية إليه سبحانه، فمثل هذه الاِرادة المتعلّقة على صدور فعل الاِنسان بقدرته المحدثة واختياره الفطري، توَكد الاختيار ولا تسلبه منه.

ومع ذلك كله ليس فعل الاِنسان فعلاً خارجاً عن نطاق قدرته سبحانه غير مربوط به، كيف وهو بحوله وقوته يقوم ويقعد ويتحرك ويسكن، ففعل الاِنسان مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز، فعل اللّه أيضاً بالحقيقة فكلّ حول يفعل به الاِنسان فهو حوله، وكلّ قوة يعمل بها فهي قوته.

إلى هنا تبيّن انّ تعلّق إرادته سبحانه بالاَفعال والاَشياء لا تستلزم الجبر وكون الاِنسان مجبوراً في أعماله.

هذا كلّه حول ما أفاده المحقّقون فلنرجع إلى القرآن بغية استكشاف روَيته حول هذا الموضوع.


(54)

فنقول: أمّا سعة إرادته سبحانه للاَشياء والاَفعال وعدم خروج فعل الاِنسان عن حيطة علمه وإرادته فهذا ممّا يثبته القرآن الكريم بوضوح، فمن حاول أن يُخرج فعل الاِنسان من حيطة إرادته فقد خالف البرهان أوّلاً، وخالف نص القرآن ثانياً. إذ كيف يمكن أن يقع في سلطانه مالا يريد؟ و لذلك يقول سبحانه: إنّ الاِنسان لا يشأ شيئاً إلاّ ما شاء اللّه، وانّإيمان كلّنفس بإذنه ومشيئته، وإنّ كلّ فعل خطير وحقير لا يتحقق إلاّ بإذنه.

يقول سبحانه:

(وَ ما تَشاءُونَ إلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ ربُّ الْعالَمين) .(1)

(ما كانَلنفسٍ أَنْ تُوَْمِنَ إِلاّبإذْنِ اللّه) .(2)

(ما قَطَعْتُمْ مِنْ لينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصولِها فَبِإِذْنِ اللّه وَليُخْزِيَ الفاسِقين).(3)

وهذه الآيات الناصعة صريحة في عدم خروج فعل الاِنسان عن مجاري إرادته سبحانه، وقد أكّدت ما نزل به الوحي، الرواياتُ المروية عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- .

وبما انّ خروج فعل الاِنسان عن حيطة إرادته ومشيئته يستلزم تحديد إرادته، يقول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في رد تلك المزعمة:

«من زعم انّ الخير والشر بغير مشيئة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه».(4)


(1)التكوير: 29.

(2)يونس:100.

(3)الحشر: 5.

(4)بحار الاَنوار:5|51، أبواب العدل، الباب1، الحديث 85.

(55)

وبما انّ خروج أفعال الاِنسان عن حيطة إرادته يستلزم تحديداً في سلطانه،يقول الاِمام الصادق - عليه السّلام- : وَاللّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَكُون في سُلْطانِهِ ما لا يُريد.(1)

وقد ورد في الحديث القدسي قوله: «يابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد».(2)

يقول الاِمام الباقر - عليه السّلام- : «لا يكون شيء في الاَرض ولا في السماء إلاّ بهذه الخصال السبع: بمشيّة، وإرادة، وقدر، وقضاء، وإذن، وكتاب، وأجل، فمن زعم أنّه يقدر على نقض واحدة منهنّ فقد كفر».(3)

لا يليق لموحد أن يشك في سعة إرادته وتعلّقه بكلّ ما كان وما هو كائن وما يكون إلاّ أنّ اللازم هو إمعان النظر في متعلّقها، فهل تعلّق بأصل صدور الفعل عن الاِنسان، أو تعلّق بصدوره عنه بقيد الاختيار، والاَوّل لا يفارق الجبر، والثاني نفس الاختيار و العدل، وقد علمت أنّ إرادته كما تتعلّق بأصل صدوره، فهكذا تتعلق بكيفية صدوره من الاختيار، و عند ذلك لا تكون سعة إرادته ذريعة لتوهم الجبر وخلاف العدل.

* إيضاح آيات ثلاث

قد مضى الكلام في سعة إرادته وتعلّقها بكلّ شيء، لكن هناك آيات ربما


(1)بحار الاَنوار: 5|41، أبواب العدل، الباب 1 ، الحديث 64.

(2)توحيد الصدوق: الباب 55، الحديث 6، 10، 13.

(3)بحار الاَنوار: 5|121، باب القضاء والقدر، الحديث 65.

(56)

توحي إلى خروج أفعال العباد عن دائرة إرادته وهي:

1. (وَمَا اللّه يُريدُ ظُلْماً لِلْعِباد).(1)

فالظلم الصادر من العباد فعل من أفعالهم، خارج عن حيطة إرادته .

2. (وَلا يرضى لعِبادِهِ الكُفْر...) .(2)

فالكفر من أفعال العباد، فهو ليس مرضياً للّه سبحانه.

3. (وَاللّهُ لا يُحِبُّالفَساد).(3)

لكن إيضاح مفاد الآية الاَُولى يتوقف على التدبّر في الفقرات التي تسبقها، وهي:

(وَقالَ الّذِي آمَنَ يا قَومِ إِنّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الاََحْزاب* مِثلَ دَأبِ قَومِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللّهُ يُريدُ ظُلْماً لِلْعِباد).(4)

إنّ الاِمعان في الآية يكشف على أنّ المراد من الظلم هو الهلاك والاِبادة، ومعنى الآية انّه سبحانه لا يريد إهلاك عباده و إبادتهم، فإن هلكوا و ابيدوا فانّما هو لاَجل ما اقترفوه من الذنوب، وعلى هذا فالظلم المنفي هو الاِبادة و الاِهلاك بلا سبب الاستحقاق. وأين هذا من خروج أفعال العباد على وجه الاِطلاق من حيطة إرادته؟!

وأمّا الآية الثانية والثالثة فلا صلة لها بالاِرادة التكوينية وإنّما تهدف إلى عدم أمره تشريعاً بالكفر والفساد، فوزان هاتين الآيتين وزان قوله سبحانه: (قُلْ إنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون)(5)، وقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ )


(1)غافر:31.

(2)الزمر:7.

(3)البقره: 205.

(4)غافر: 30 ـ 31.

(5)الاَعراف: 28.

(57)

يَأْمُرُبِالعَدْلِ وَالاِِحْسان ِو إيتاءِ ذِي القُربى وَيَنْهى عَنِ الْفَحشاءِوَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) .(1)

وعلى ذلك فما يصدر من العباد من الكفر و الفساد فانَّما يصدر بحوله سبحانه و قوَّته وإرادته ومشيئته، لا بمعنى تعلّق مشيئته بكفر العباد وفسادهم في الاَرض، مباشرة بل بكفرهم وفسادهم إذا قاموا بها عن اختيار، و مع ذلك فهو في تشريعه ينهى عباده عن الكفر والفساد.

روى فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام- يقول:

«شاء وأراد ولم يحبّ ولم يرض، شاء أن لا يكون شيء إلاّبعلمه وأراد مثل ذلك، ولم يحب أن يقال له: ثالث ثلاثة ولم يرض لعباده الكفر».(2)

ويظهر ذلك ممّا نقله أبو بصير عن الاِمام الصادق - عليه السّلام- ، قال:

قلت لاَبي عبد اللّه - عليه السّلام- : شاء لهم الكفر وأراده؟ فقال: «نعم».

قلت: فأحبّذلك ورضيه؟ فقال: «لا».

قلت: شاء وأراد، مالم يحبّ ومالم يرض، قال: «هكذا خرج إلينا».(3)

* الشبهة الثالثة: العدل الاِلهي والقضاء والقدر

إنّ البحث في القضاء والقدر رهن توضيح أمرين:

الاَوّل : ما معنى القدر؟


(1)النحل: 90.

(2)توحيد الصدوق: 339، باب المشية والاِرادة، الحديث 9.

(3)بحار الاَنوار:5|121، باب القضاء والقدر، الحديث 66.

(58)

الثاني: ما معنى القضاء؟

أمّا القدر بمعنى التقدير والتحديد، فكل ظاهرة طبيعية بل كلُّ موجود إمكاني خلق على تقدير وتحديد خاص، ولا يوجد في عالم الكون شيء غير مقدّر ولا محدّد، وإليه يشير سبحانه بقوله: (اّناكُلَّ شَيءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَر)(1). وقوله سبحانه:(وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلاّ عِنْدنا خَزائِنُهُ وَمانُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍمعََلُوم) .(2)

فالموجودات من النبات إلى الاِنسان محدّدة بالحدّ الذي نعبر عنه بالماهية، وهكذا الحال في الجمادات.

وأمّا القضاء وهو حتمية وجود الشيء بعد تقديره وتحديده،وذلك رهن وجود سببه التام الذي يلازم وجود المسبب على وجه القطع والبت،فقضاوَه سبحانه عبارة عن إضفاء الحتمية على وجود الشيء عند وجود علته التامة، قال سبحانه في مورد السماوات: (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَومَيْنِ وَ أَوحى فِي كُلّ سَماءٍ أَمْرَها) .(3)

ويقول في حقّ الاِنسان : (هُوَ الّذي خَلَقَكُمْ مِن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً)(4) أي حكم حكماًحتمياً بأنّلوجود الشيء مدّة محدّدة لا يتجاوز عنها.

هذا هو معنى القضاء والقدر من غير فرق بين وجود الاِنسان وأفعاله ووجود الجواهر وأعراضها،غير انّالجميع قبل التقدير و القضاء مكتوب في كتاب عند اللّه سبحانه، و قد أشار إليه الكتاب العزيز في بعض الآيات: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاََرْضِ ولا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّفي كِتابٍ مِنْ قَبلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلكَ على اللّهِ )


(1)القمر: 49.

(2)الحجر: 21.

(3)فصّلت: 12.

(4)الاَنعام:2.

(59)

يَسيرٍ) .(1)

وفي آية أُخرى: (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّهُوَ وَيَعْلَمُ ما فِيالبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍإِلاّيعْلَمُها وَ لا حَبّةٍ في ظُلُماتِ الاََرْضِ وَلا رََطْبٍ وَلا يابِسٍإِلاّفي كتابٍ مُبين) .(2)

وفي آية ثالثة: (وَاللّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَماتَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلاتَضَعُ إِلاّبِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّفي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيرٍ).(3)

إذا وقفت على هذه الاَُمور، فاعلم أنّه ربما يتخذ القضاء والقدر الذي نعبر عنهما بالمصير ذريعة للقول بالجبر، وبالتالي أمراً مخالفاً للعدل بحجّة انّ اللّهَ سبحانه قدّر وجود كلّ شيء (القدر) أوّلاً، و حكم على وجوده وتحقّقه حكماً باتاً(القضاء) ثانياً ، و كتب كلّ ما يوجد في الكون في كتاب قبل وجودها ثالثاً.

وعلى ذلك فلا محيص من الفعل والعمل، وإلاّيلزم خلاف تقديره وقضائه أو خلاف المكتوب في الكتاب المبين.

أقول: إنّ هذه الشبهة لم تزل عالقة بالاَذهان منذ قرون، ولكن تندفع هذه الشبهة من خلال بيان ما للقضاء والقدر من المعاني، فنقول:

إنّ التقدير والقضاء على أصناف ثلاثة:

أ: القضاء و القدر: السنن الكونية.

ب: القضاء والقدر: التكوينيّان.


(1)الحديد:22.

(2)الاَنعام: 59.

(3)فاطر: 11.

(60)

ج: القضاء والقدر: علمه السابق و مشيئته النافذة.

وإليك البحث في كلّواحد منها:

أ. القضاء والقدر: السننالكونيّة

القضاء والقدر في السنن الكونيَّة عبارة عنالنظامالسائد في العالم و الاِنسان،فاللّه سبحانه قدّر وحتم احراق النار وتبريد الماء إلى غير ذلك من السنن التي كشفها الاِنسان طيلة وجوده على هذه البسيطة، فكلها من مظاهر القضاء والقدر، فكلّ من اعتنى بصحته فالمقدَّر في حقّه هو السلامة، و من كان على خلافه فالمقضي في حقّه هو المرض، وكذا الفارُّ من تحت جدار على وشك الانقضاض ، كتبت له النجاة، و الواقف تحته كتب عليه الموت إلى غير ذلك، فهذه السنن الكونية التي جعلها اللّه دعائم يقوم عليها هذا النظام، وقد وقف على بعضها الاِنسان عبر حياته، وهناك سنن كونية ربما لا يقف عليها الاِنسان إلاّ عن طريق الوحي، قال سبحانه حاكياً عن شيخ الاَنبياء نوح عليه السَّلام :

1. (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كانَ غَفّاراً* يُرْسِِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهاراً).(1)

فترى أنّ نوحاً - عليه السّلام- يجعل الاستغفار سبباً موَثراً في نزول المطر وكثرة الاَموال وجريان الاَنهار، ووفرة الاَولاد. وإنكار تأثير الاستغفار في هذه الكائنات أشبه بكلمات الملاحدة. وموقف الاستغفار هنا موقف العلّة التامة أو المقتضي بالنسبة إليها ، والآية تهدف إلى أنّ الرجوع إلى اللّه و إقامة دينه وأحكامه يسوق المجتمع إلى النظم والعدل و القسط، و ذلك لاَنَّ في ظلّه تنصبّ القُوى في بناء المجتمع


(1)نوح: 10 ـ 12.

(61)

على أساس صحيح، فتصرف القوى في العمران والزراعة وسائر مجالات المصالح الاقتصادية العامة، كما أنّ العمل على خلاف هذه السنّة، وهو رجوع المجتمع عن اللّه و عن الطهارة في القلب والعمل، ينتج خلاف ذلك.

و للمجتمع الخيار في التمسّك بأهداب أيّ من السُّنَّتين، فالكلّ قضاء اللّه وتقديره.

2. قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالاََرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون) .(1)

3. قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) .(2)

4. قال سبحانه: (ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَومٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) .(3)

والتقرير في مورد هذه الآيات الثلاث مثله في الآية السابقة عليها.

5. وقال سبحانه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشديد) .(4)

ترى أنّ الآية تتكفّل ببيان كلا طرفي السنّة الاِلهية إيجاباً وسلباً، وتُبيّن النتيجة المترتبة على كلّواحد منهما. والكلّقضاوَه وتقديره، والخيار في سلوكهما للمجتمع.

6. وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) .(5)


(1)الاَعراف:96.

(2)الرعد:11.

(3)الاَنفال: 53.

(4)إبراهيم:7.

(5)الطلاق:2ـ3.

(62)

7. وقال سبحانه: (يُثَبِّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخرةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمينَوَيَفْعَلُاللّهُ ما يَشاء) .(1)

فالمجتمع الموَمن باللّه وكتابه وسنّة رسوله إيماناً راسخاً يثبِّته اللّه سبحانه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما أنّ الكافر باللّه سبحانه يُخذله اللّه سبحانه ولا يوفقه إلى شيء من مراتب معرفته وهدايته. ولاَجل ذلك يُرتِّب على تلك الآية، قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِكُفْراً وَأَحَلُّوا قَومَهُمْ دارَ الْبَوارِ * جهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئسَ القَرار) .(2)

8. وقال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاََرضَ يَرثُها عِبادِيَ الصّالِحُون) .(3)

فالصالحون لاَجل تحلِّيهم بالصلاح في العقيدة والعمل، يغلبون الظالمين وتكون السيادة لهم، والذلّة والخذلان لمخالفيهم.

9. وقال سبحانه: (وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاََرْضِكَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الّذي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) .(4)

فالاستخلاف في الاَرض نتيجة الاِيمان باللّه، والعمل الصالح، وإقامة دينه على وجه التمام، ويترتب عليه ـ وراء الاستخلاف ـ ما ذكر في الآية من التمكين وتبديل الخوف بالاَمن.


(1)إبراهيم:27.

(2)إبراهيم:28ـ 29.

(3)الاَنبياء: 105.

(4)النور:55.

(63)

10. وقال سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاََرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرينَ أَمْثالُها) .(1)

والآيات الواردة حول الاَمر بالسير في الاَرض والاعتبار بما جرى على الاَُمم السالفة لاَجل عتوّهم وتكذيبهم رسل اللّه سبحانه، كثيرة في القرآن الكريم تبيَّن سنّته السائدة في الاَُمم جمعاء.

11. وقال سبحانه :(قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الاََرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِين) .(2)

12. وقال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرقاناً وَيُكَفِّرْعَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيم) .(3)

13. وقال سبحانه: (ما يُجادِلُ في آياتِ اللّهِ إِلاّ الّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البِلاد* كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَومُ نُوحٍ وَالاََحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جادَلُوا بِالباطِلِلِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ* وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصحابُ النّار).(4)

والآية من أثبت الآيات لسنَّته تعالى في الذين كفروا، فلا يصلح للموَمن أن يُغرّه تقلّبهم في البلاد، وعليه أن ينظر في عاقبة أمرهم كقوم نوح والاَحزاب من بعدهم، حتى يقف على أنّ للباطل جولة وللحقّ دولة، وانّ مردّ الكافرين إلى الهلاك والدمار.

14. وقال سبحانه:(وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ )


(1)محمد:10.

(2)آل عمران:137.

(3)الاَنفال: 29.

(4)غافر:4 ـ 5.

(64)

أَهْدى مِنْ إِحْدَى الاَُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّنُفُوراً*اسْتِكْباراً في الاََرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّىَِ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيىَ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الاَوّلينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْويلاً) .(1)

هذه نبذة من السنن الاِلهيّة السائدة في الفرد والمجتمع. وفي وسع الباحث أن يتدبر في آيات الكتاب العزيز حتى يقف على المزيد من سننه تعالى وقوانينه، ثمّ يرجع إلى تاريخ الاَُمم وأحوالها فيُصدِّق قوله سبحانه: َ ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْويلاً) .

هذا كلّه حول القضاء والقدر بمعنى السنن الكونية، وإليك البحث في المعنى الثاني.

* ب: القضاء والقدر التكوينيّان

قد علمت أنّوجود كلّ شيء رهن تقديره و تحديده أوّلاً، ثمّ وصول الشيء حسب اجتماع أجزاء علته إلى حد، يكون وجوده ضرورياً وعدمه ممتنعاً بحيث إذا نسب إلى علته يوصف بأنّه ضروري الوجود،ولاَجل ذلك ترى أنّ أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- يفسرون القدر بالهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، والقضاء بالاِبرام وإقامة العين.(2)

وعلى ذلك فلا يوجد في صفحة الوجود الاِمكاني إلاّ في ظل هذين الاَمرين، ومن المعلوم انّ التقدير والقضاء بالمعنى السابق لا يتخذ ذريعة إلاّ في مورد فعل الاِنسان حيث يتصور انّ وجوب وجوده ينافي الاختيار وبالتالي ينافي


(1)فاطر:42ـ 43.

(2)الكافي:1|158.

(65)

العدل.

لكن الاِجابة عنه واضحة وهي انّ المقتضيّ وجوده من أفعاله على قسمين :

قسم فرض عليه صدوره عنه اضطراراً كالاَعمال التي يقوم بها جهاز الهضم، وهذا النوع من الفعل وإن كان ضروري الوجود خارجاً عن الاختيار، لكنّه ليس ملاكاً للثواب والعقاب.

و قسم منه قضي عليه أن يصدر عنه بالاختيار، فاللّه سبحانه قدّر فعله وقضى عليه بالوجود لكن مسبوقاً باختياره.

وبذلك يصبح القضاء والقدر موَكداً للاختيار لا ذريعة للجبر.

* ج: القضاء والقدر علمه السابق ومشيئته النافذة

القضاء والقدر بهذا المعنى ليس شيئاً إلاّ تعلق علمه سبحانه بأفعال الاِنسان ووقوعها في إطار مشيئته فربمايتخذ علمه السابق ومشيئته النافذة ذريعة للجبر، وبالتالي نفياً للعدل، وبما انّا أشبعنا الكلام في ذلك عند البحث في علمه السابق ومشيئته النافذة فلا نرجع إليه.


(66)

الفصل السادس

العدل الاِلهي

و

المصائب والبلايا

المصائب والبلايا في حياة الاِنسان من المسائل الشائكة التي شغلت بال المتكلمين والحكماء، فراحوا يبحثون عنها في الاَبواب الاَربعة التالية:

1. التوحيد في الخالقية.

2. النظام الاَحسن.

3. حكمته سبحانه.

4. عدله سبحانه.

زعموا أنَّ وجود البلايا و المصائب تخلُّ بالتوحيد في الخالقيَّة لاَنَّه خير محض فكيف صار مصدراً للشر المطلق؟!، ربما زلّت أقدام بعضهم إلى الثنوية، وزعموا انّخالق الخير غير خالق الشر وانّهناك خالقين مختلفين.

كما زعموا انّالمصائب والبلايا تخل بالنظام الاَحسن الذي يجب أن يخلو عن كلّ شر.

كما انّها أيضاً لا تلائم حكمته سبحانه فإذا كان حكيماً فما معنى قتل


(67)

النفوس بالنوازل والحوادث.

وأخيراً انّها تضاد عدله سبحانه.

وعلى كلّتقدير فبما انّهذه المسألة من المسائل العويصة لها صلة بالاَبواب الاَربعة المذكورة سالفاً، و وقعت محطَّ اهتمام الحكماء الاِسلاميين، و بما انّالبحوث المذكورة في هذا القسم من الكتاب تتمحور حول عدله سبحانه فنحن نتناول هذه المسألة من تلك الزاوية فقط. ولاَجل إيضاح الاِشكال نأتي بما يلي:

إنّ البحث في المقام يدور حول محاور ثلاثة:

الاَوّل: البلايا والمصائب كالزلازل والسيول والاَعاصير.

الثاني: اختلاف الناس في المواهب العقلية والاستعدادات.

الثالث: الفواصل الطبقية الهائلة بين الناس.

هذه الاَُمور وأمثالها وقعت ذريعة لنفي عدله سبحانه، فلنتناول كلّ واحد من هذه المحاور بالبحث.

الاَوّل: البلايا والمصائب والعدل الاِلهي

إنّ من يظن انّ البلايا والمصائب تخالف عدله فإنّما ينظر إليها من منظار ضيّق محدود، فلو نظر إليها في إطار النظام الكوني العام، لاَذعن انّها خير برمّتها، أو انّها خير يلازم شراً قليلاً، وتكون المسألة كما يصفه الشاعر في البيت التالي:

ما ليس موزوناً لبعض من نغم * ففي نظام الكلِّ كل منتظم

إنّ من ينظر إلى هذه الظواهر من منظار خاص ويتجاهل غير نفسه في العالم، ففي نظره تتجلى هذه الحوادث أمامه شرّاًً وبليّة، وأمّا إذا نظر إليها من منظار خارج عن إطار الاِنانية والمصالح الشخصية الضيِّقة، تنقلب هذه الحوادث


(68)

عنده إلى الخير والصلاح ، وتكتسي ثوبَ العدل، ولبيان ذلك نضرب مثالاً:

إنّ الاِنسان يرى أنّ الطوفان الجارف يكتسح مزرعته والسيل العارم يهدم منزله، والزلزلة الشديدة تقتلع بنيانه، ولاَجل ذلك يصفها بالبلاء، دون أن يرى ما تنطوي عليه هذه الحوادث

والظواهر من نتائج إيجابية في مجالات أُخرى من الحياة البشرية.

وما أشبه حال هذا الاِنسان في مثل هذه الروَية المحدودة بعابر يرى جرَّافة تحفر الاَرض و تهدم بناءً وتثير الغبار والتراب في الهواء، فيقضي من فوره بأنّه ضارّ و سيءّ، ولكن المسكين لا يدري بأنّ ذلك يتم تمهيداً لبناء مستشفى كبير يستقبل المرضى ويعالج المصابين ويهيّىَ للمحتاجين للعلاج، وسائل المعالجة والتمريض ولو وقف على تلك الاَهداف النبيلة لقضى بغير ما قضى، ولوصف ذلك التهديم بأنّه خير.

إذا علمت ذلك، فنحن نذكر مثالاً من نفس ما نحن بصدده.

إذا هبّت عاصفة هوجاء على السواحل، فبما أنها تقطع الاَشجار و تدمّر المنازل القريبة من الساحل، حينها توصف بالشرِّ والبلية، ولكنّها من جهة أُخرى خير محض حيث توجب حركة السفن الشراعية المتوقفة في عرض البحر بسبب سكون الرياح وبذلك تنقذ حياة المئات من ركّابها اليائسين من النجاة.

إنّ هذه العاصفة وإن كان يُكمن فيها الشر لكنها في نفس الوقت وسيلة فعّالة في عملية تلقيح الاَزهار، و إثارة السحب للمطر، وتبيد الاَدخنة الضارة المتصاعدة من فوهات المصانع و المعامل، إلى غير ذلك من الآثار المفيدة لهبوب الرياح التي تتضاءل عندها بعض الآثار السيئة.

إنّ السبب لوصف بعض الحوادث بالشرور والبلايا هو ضيق علم الاِنسان


(69)

وضآلته ولو وقف على أسرارها التي ربما تظهر بعد سنين لرجع عن قضائه، ويُرتّل قوله سبحانه: (رَبّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ). (1)ولاَذعن بقوله سبحانه : (وما أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إِلاّقَليلاً) .(2)

* الآثار التربوية للبلايا والمصائب

إنّ للبلايا و المصائب آثاراً تربوية تُضفي على العمل وصفَ الخير الكثير في مقابل الشر القليل، وهذه الآثار عبارة عمّا يلي:

أ: تفجير الطاقات:

إنّ البلايا والمصائب خير وسيلة لتفجير الطاقات وتقدم العلوم ورقي الحياة، فانّ الحضارات لم تزدهر إلاّ في أجواء الحروب والصراعات والمنافسات، ففي مثل هذه الظروف تتفتح القابليات إلى جبران ما فات وتتميم ما نقص. فإذا لم يتعرض الاِنسان إلى ضروب من المحن فانّ طاقاته تبقى كامنة ،وإنّما تتفتح في خضمِّ المصائب والشدائد. وإلى هذه الحقيقة يشير قوله سبحانه: (فََعَسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (3)

ب: المصائب والبلايا جرس إنذار

كلّما ازداد الاِنسان توغّلاً في اللذائذ والنعم ازداد ابتعاداً عن الجوانب المعنوية، وهذه حقيقة يلمسها كلّ إنسان في حياته فلابدّ من انتباه الاِنسان من


(1)آل عمران: 191.

(2)الاِسراء: 85.

(3)النساء: 19.

(70)

الغفلة، من خلال جرس إنذار يذكّر ويوقظ فطرته وينبّهه من غفلته، وليس هو إلاّ بعض الحوادث التي تقطع وتيرة الحياة الرغيدة، حتى يتخلّى عن غروره و يخفّف من حدة طغيانه، وإلى هذا الجانب يشير قوله سبحانه: (إنَّ الاِِنْسانَ ليََطْغَى* أنْ رآهُ اسْتَغْنَى) .(1)

وبذلك يعلّل قوله سبحانه نزول الحوادث، ويقول: (وَما أَرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرََّّّعُونَ) .(2)

إلى غير ذلك من الآيات التي تشير إلى أن الهدف من وراء نزول البلايا هو تخلّي الاِنسان عن غروره.

ج: تقاعس الاِنسان عن تحمل مسوَوليته

إنّ ما يسمّيه الاِنسان بالبلايا والشرور لم يكتب عليها الشرُّ على وجه الاِطلاق بل تتَّبع الظروف، فالسيل الجارف يُعد شراً في البلاد المتخلِّفة عن ركب الحضارة، و أمّا في البلاد المتقدمة فيعد خيراً، لاَنّها تقوم بمشاريع بناء السدود بغية جمع مياه تلك السيول واستثمارها في انتاج الطاقة الكهربائية، ولذلك قلنا إنّه لم يكتب على السيل أنَّه شرٌّ أو خير و انّما هو يتَّبع همة الاِنسان وقيامه بمسوَوليته في إعمار البلاد.

وهكذا الزلازل الاَرضية فقد تُسبّب أضراراً فادحة في البلاد النائية المتخلّفة وتوَدّي إلى إزهاق أرواح كثيرة، وهذا بخلاف البلاد المتطورة فقد اتخذت التدابير اللازمة للوقاية من دمار الزلازل من خلال تشييد المدن والقرى على دعائم متينة


(1)العلق: 6 ـ 7.

(2)الاَعراف: 94.

(71)

لا تتأثر بالزلازل إلاّالقليل.

وبذلك تبيَّن انّ ما يسميه البشر بالبلايا و المصائب ليس على إطلاقها بلاءً بل لها فوائد وآثار اجتماعية وأخلاقية مهمة.

وإليك الكلام في المحور الثاني.

* الثاني: اختلاف الناس في المواهب العقلية والاستعدادت

إنّ الاختلاف في الاستعدادات أساس النظام وبقاء الحضارة، فلو خلق الناس على استعداد واحد لانفصم النظام وتقوّضت أركانه.

يقول الاِمام أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- : «لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا فإذا استووا هلكوا».(1)

فالمجتمع الاِنساني يزهو باستعدادات مختلفة كلّ يتحمل مسوَولية في المجتمع، فمقتضى الحكمة خلق الناس بمواهب مختلفة كي يقوم كلّ حسب استعداده، و مثل هذا يوَكد الحكمة ولا ينافي العدل.

وإنّما يلزم الجور إذا كانت هناك طوائف متنعمة بكافة المواهب، وطوائف أُخرى محرومة منها، ولكن الواقع خلاف ذلك.

* الثالث: الفواصل الطبقية بين الناس

لا شكّ انّ المجتمع الاِنساني يضمّ في طياته طبقات اجتماعية مختلفه من حيث الفقر والغنى، فهناك طبقة تهلكها التخمة،وطبقة أُخرى تموت جوعاً، وقد


(1)أمالي الصدوق:267.

(72)

عدّ ذلك مظهراً لخلاف عدله. ولكن الحقّ غير ذلك، فالاِنسان الجاهل ينسب تلك المحنة إلى خالق الكون، مع أنّ الصواب أن ينسبه إلى نفسه ونتيجة عمله، فانّ الاَنظمة الجائرة هي التي سبَّبت تلك المحن وأوجدت تلك الكوارث، ولو كانت هناك أنظمة قائمة على أُسس إلهية لما تعرض البشر لها.

يقول الاِمام الصادق - عليه السّلام- في حديث:«إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في مال الاَغنياء ما يسعهم، ولو علم أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم إنّهم لم يوَتوا من قبل فريضة اللّه عزّوجلّ (1) ولكن أوتوا مِن منع مَن مَنعهم حقّهم لا ممّا فرض اللّه لهم، ولو أنّ النّاس أدّوا حقوقهم لكانوا عايشين بخير».(2)

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة انّ الظواهر غير المتزنة حسب النظرة السطحية متزنة بالقياس إلى مجموع النظام ولها آثار اجتماعية وتربوية هامة قد بسطنا الكلام فيها في بعض مسفوراتنا.


(1)اي لم يوَتوا عدم السعة من قبل فريضة اللّه بل مِن منع مَن منعهم.

(2)الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب ماتجب فيه الزكاة، الحديث 1.

(73)

الفصل السابع

العدل الاِلهي

والعقوبة الاَُخروية

لقد وقعت العقوبات الاَُخروية ذريعة لاِنكار عدله، حيث يقولون ما هو الغرض من العقوبة، فهل هو التشفّي الذي جاء في قوله سبحانه:(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إنّهُ كانَ مَنْصُوراً)(1)واللّه سبحانه منزّه من هذا الغرض لاستلزامه طروء الانفعال على ذاته.

أو الغرض من العقوبة الاَُخروية هو اعتبار الآخرين، الذي يشير إليه سبحانه في قوله:(الزّّانِيَةُ والزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَ اليَوْمِ الآخِرِ وليَشْهَدْ عَذابَهُمَا طائِفَةٌ مِنَ المُوَْمِنِينََ).(2)

ومن المعلوم أنّ تلك الغاية تختص بالدنيا التي هي دار التكليف ولا توجد في دار الجزاء، أعني: الآخرة .

والجواب: انّ السوَال عن الغاية وانّها هل هي التشفِّي أو اعتبار غيره، إنّما


(1)الاِسراء: 33.

(2)النور: 2.

(74)

يتوجه إلى العقوبات المفروضة عن طريق التقنين والتشريع، فالتعذيب في ذلك المجال رهن إحدى الغايتين: التشفّي أو الاعتبار.

وأ مّا إذا كانت العقوبة أثراً وضعيّاً للعمل فيسقط السوَال، لاَنّ هناك ضرورة وجودية بين وجود المجرم والعقوبة التي تلابس وجودَه في الحياة الاَُخروية، فعند ذلك لا يصحّ السوَال عن حكمة التعذيب، وإنّما هي تتوجه إلى التعذيب الذي يمكن التفكيك بينه و بين المجرم كالعقوبات الوضعية.

وأمّا إذا كانت العقوبة من لوازم وجود الاِنسان الاَُخروي، فالسوَال عن التعذيب، ساقط جداً.

توضيح ذلك : انّ الاِنسان إنّما يحشر بذاته وعمله، وعمله لازم وجوده وكلّ ما اقترف من الاَفعال فله وجود دنيوي، يتجلّى باسم الكذب والنميمة،وله وجود أُخروي يتجلّى بالوجود المناسب له، فهكذا أعماله الصالحة فلها صورة دنيوية، باسم الاَذكار، وصورة أُخروية تناسب وجود الاِنسان في هذا الظرف.

فالصوم هنا إمساك، وفي الحياة الاَُخروية جُنَّة من النار، وهكذا سائر الاَعمال من صالحها وطالحها، فلها وجودان : دنيوي وأُخروي ، وإليك ما يدلُّ على ذلك في القرآن الكريم.

يقول سبحانه: (إِنّ الّذينَ يَأْكُلُونَ أَموالَ اليَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ناراً) .(1)

ويقول سبحانه: (وَلا يَحْسَبَنَّ الّذينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْهُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونََ ما بَخِلُوا بِهِ يَومَ القِيامة) .(2)


(1)النساء: 10.

(2)آل عمران: 180.

(75)

وقال سبحانه: (يَومَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لاََنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُون) .(1)

على أنّتعذيب المجرم وإثابة المحسن مظهر من مظاهر عدله، فلو لم يعاقب المجرم تلزم تسوية الموَمن والكافر، يقول سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمينَ كالمُجْرِمينَ* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون) (2) ويقول أيضاً: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً و أنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرجَعُون) .(3)

* شبهة عدمالتعادل بينالجريمة و العقوبة

وربما يقال كيف يصحّ الخلود الدائم مع كون الذنب منقطعاً، وهل هذا إلاّ نقض للمساواة المفروضة بين الجريمة و العقوبة ؟!

والجواب عن الشبهة بوجهين:

الاَوّل: انّه لم يدل دليل على وجوب المساواة بين الجرم والعقوبة من حيث الكمِّية، بل المراد المساواة في الكيفية أي عظمة الجرم، فربما يكون الجرم آناً واحداً وتتبعه عقوبة دائمة، كما إذا قتل إنساناً وحكم عليه بالحبس الموَبد.

فالاِنسان المقترف للذنوب وإن خالف ربه في زمن محدد، لكن آثار تلك الذنوب ربما تنتشر في العالم.

الثاني: قد عرفت أنّ العذاب الاَُخروي تجسيد للعمل الدنيوي وهو المسوَول عمّا اقترفه.

وقد عرّفه سبحانه نتيجة عمله في الآخرة وانّ أعماله المقطعية سوف تورث


(1)التوبة: 35.

(2)القلم: 35 ـ 36.

(3)الموَمنون: 115.

(76)

حسرة طويلة أو دائمة، وأنّ عمله هنا سيتجسَّد له في الآخرة، أشواكاً توَاذيه أو وروداً تطيبه، وقد أقدم على العمل عن علم واختيار، فلو كان هناك لوم فاللوم متوجه إليه، قال سبحانه حاكياًعن الشيطان: (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الاَََمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّّوَوَعَدْتُكُمْ فَأخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فلاَ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيِّ إنّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) .(1)

و فيما مرّ من الآيات التي تعد الجزاء الاَُخروي حرثاً للاِنسان تأييد لهذا النظر، على أنّمن المحتمل أنّالخلود في العذاب مختص بما إذا بطل استعداد الرحمة وإمكان الاِفاضة، قال تعالى: (بَلى من كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتهُ فَأُولئِكَ أَصحابُالنّارِ هُمْ فِيها خالِدُون) .(2)

ولعلّ المراد من قوله: (وأحاطت به خطيئته) إحاطتها به إحاطة توجب زوال أيَّة قابلية واستعداد لنزول الرحمة، والخروج عن النقمة.

وكيف كان فتظهر صحّة ما ذكرنا إذا أمعنت النظر فيما تقدم في الجواب عن السوَال الاَوّل وهو أنّ الجزاء إمّا مخلوق للنفس أو يلازم وجود الاِنسان وفي مثله لا تجري شبهةالتعادل بينالجريمة والعقوبة كما هو واضح.

تمّ الكلام في الاَصل الاَوّل من أُصول المذهب، أعني: العدل الاِلهي وركّزنا البحث فيه على الموضوعات التي تطرقت إليها الآيات القرآنية. ومن أراد التبسيط فليرجع إلى الكتب المفصَّلة في هذا الصدد.

ويليه البحث في الاَصل الثاني وهو الاِمامة والخلافة في الكتاب العزيز.


(1)إبراهيم: 22.

(2)البقره: 81.


(77)

الاِمامة والخلافة


(78)



(79)

الاِمامة والخلافة

قد تقدّم في صدر الكتاب انّ هناك أصلين انفرد بهما مذهب الشيعة الاِمامية، ولذلك يُعدّان من أُصول المذهب، دون أُصول الدين، لاَنّ الثاني عبارة عن الاَُصول التي يشترك فيها جميع المسلمين بخلاف أُصول المذهب، فانّها من خصوصيات مذهب دون مذهب آخر، وقد تقدّم انّ التوحيد والمعاد والنبوة العامة والخاصة ممّا اتفقت عليه عامة المسلمين دون العدل والاِمامة، فالاَوّل قالت به المعتزلة و الشيعة، والثاني انفردت به الشيعةوبالاَخص الاِمامية منهم، وقد فرغنا عن بيان العدل ودلائله و شبهاته و حلولها، فحان البحث في الاَصل الثاني وهو الاِمامة والخلافة.

وليُعلم انّ أصل الاِمامة ممّا اتّفقت عليه كلمة المسلمين إلاّ بعض الفرق الشاذة، فالجميع على لزوم وجود إمام يقود الاَُمة إلى الصلاح والفلاح، ويقوم بإدارة البلاد على أفضل وجه، ويُطبّق الشريعة على صعيد الحياة إلى غير ذلك ممّا كان النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقوم به. وهذا ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين.

إنّما الكلام في أنّ تعيين النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ونصبه لهذا المنصب، هل هو بيد اللّه سبحانه وبذلك يُعَدُّ منصب الاِمامة كالنبوة، منصباً إلهياًً؟ أو بيد الاَُمَّة أو بعضهم فتصير الاِمامة منصباً اجتماعياً كسائر المناصب الاجتماعية أو السياسية التي يقوم


(80)

به آحاد الاَُمَّة أو طبقة منهم؟

فالاِمامية عن بكرة أبيهم على القول الاَوّل، حيث يرون انّ نصب الاِمام بيد اللّه تبارك وتعالى ويسوقون على ذلك دلائل عقلية وتاريخية، كما أنّأهل السنة على القول الثاني، وبذلك تجاذب تيّاران مختلفان الاَُمَّة الاِسلامية .

بما انّأهل السنة يرون الاِمامة منصباً اجتماعياً أو سياسياً، قالوا بأنّ الاِمامة من فروع الدين لا من أُصوله، وهي من أغصان الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وذلك لاَنّ تحقيق ذلك الاَصل في المجتمع، أي إشاعة المعروف و تحجيم دور المنكر يتوقف على وجود إمام عادل مبسوط اليد يتمتع بنفوذ على نطاق واسع، ولذلك يجب على الاَُمّة نصب إمام بغية تحقّق الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وإليك سرد كلماتهم في هذا المجال:

1. يقول الاِيجي (المتوفّى عام 757هـ) في كتاب «المواقف» :وهي عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسّياً بمن قبلنا.(1)

2. يقول سعد الدين التفتازاني (المتوفّى عام 791هـ): لا نزاع في أنّمباحث الاِمامة بعلم الفروع أليق لرجوعها إلى أنّالقيام بالاِمامة ونصب الاِمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، ولا خفاء انّ ذلك من الاَحكام العملية دون الاعتقادية.(2)

وعلى هذا فالاِمامة أمر لا يناط به الاِيمان والكفر، بل موقفه كسائر الاَحكام الشرعية الفرعية التي لا يكفر المنكر إلاّإذا استلزم إنكارهُ إنكارَ الرسالة والنبوة لنبينا - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- . فلا فرق بين مسألة الاِمامة، ومسألة المسح على الخفين حيث أصبحت


(1)المواقف:395.

(2)شرح المقاصد:2|271.

(81)

مسألة خلافية بين أهل السنّة.

ولكن ـ يا للاَسف ـ انّهم ربما يتعاملون مع الاِمامة والخلافة بعد النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بغير هذا النحو، فربما و يُكفرون أو يفسقون من لم يعترف بإمامة الخلفاء عن اجتهاد. ولذلك نرى أنّ إمام الحنابلة (المتوفّى عام 241هـ) يذكر خلافة الخلفاء الاَربعة في عداد المسائل العقائدية(1)، و تبعه أبو جعفر الطحاوي (المتوفّى عام 321هـ) في «العقيدة الطحاوية»(2)

، و قد تبعهما أكثر من جاء بعدهم كالاَشعري (المتوفّى عام 324هـ) في كتاب «الاِبانة»(3) وعبد القاهر البغدادي (المتوفّى عام 924هـ) في «الفرق بين الفرق»(4) ، كلّ ذلك تبعاً لاِمام الاَشاعرة أو الشيخ الطحاوي الذي أصبح الاَخير إماماً للعقيدة في الديار المصرية.

والحقّ هو ما صرّح به عضد الدين الاِيجي والتفتازاني من أنّ الاِمامة من فروع الدين لا من أُصوله، و انّ النصب لتحقيق غاية الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر و لا صلة له بأُصول الدين، وقد كان النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقبَل إسلام من أسلم واعترف بالشهادتين من دون أن يسأله عن واقع الاِمامة، وانّه هل هو منصب إلهي أو اجتماعي، ومن دون أن يعلمه بلزوم اجتماع الاَُمّة بعد رحيله على نصب إمام لهم، و لم يكن أي أثر من تلك المباحث في عصر النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فلذلك لم يتلق أهل السنّة الاِمامة والخلافة بعد النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أمراً أصيلاً من صميم الدين.

نعم أوّل من أدخل خلافة الشيخين في أُصول الدين هو داهية العرب عمرو


(1)كتاب السنَّة:49.

(2)شرح العقيدة الطحاوية:471.

(3)الابانة في أُصول الديانة: 190، الباب 16.

(4)الفرق بين الفرق: 350.

(82)

ابن العاص عند اجتماعه مع أبي موسى الاَشعري في دومة الجندل للتشاور في مسألة التحكيم المعروفة، ولم يكن هدفه من عدّخلافة الخليفتين من أُصول الاِسلام إلاّالاِطاحة بالاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام- .

حيث تقدم عمرو بن العاص بالكلام، وقال للكاتب: اكتب، فكتب الشهادة بالتوحيد والرسالة، ثمّ قال للكاتب: ونشهد انّ أبا بكر خليفة رسول اللّه، عمل بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّه حتى قبضه اللّه إليه،وقد أدّى الحق الذي عليه...(1)

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ منصب الاِمامة عندهم منصب اجتماعي يُشبه منصبَ رئاسة الجمهورية في الوقت الحاضر، أو منصب رئاسة الوزراء في الحكومات الملكية أو ما يشبه ذلك،ولذلك لا يشترط فيه سوى الكفاءة لاِدارة البلاد. ولا ينعزل بالفسق و الظلم ولا بأكبر من ذلك، و ما هذا إلاّ لاَنّه منصب اجتماعي، وما أكثر الظلم والفسق في أوساط الاَمراء و روَساء الجمهور، وإن كنت في شكّ من ذلك فاقرأ ما كتبه عظيم الاَشاعرة أبوبكر الباقلاني وغيره.

قال الباقلاني(المتوفّى عام 403هـ): لا ينخلع الاِمام بفسقه وظلمه بغصب الاَموال، وضرب الاَبشار، وتناول النفوس المحرمة،وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي اللّه.(2)

وليس الباقلاني نسيج وحده في تلك الفكرة، بل هي فكرة سادت عبر القرون، تراها في كلمات الآخرين،يقول التفتازاني:


(1)مروج الذهب:2|397.

(2)التمهيد:181.

(83)

ولا ينعزل الاِمام بالفسق أو بالخروج عن طاعة اللّه تعالى والجور، لاَنّه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الاَئمّة و الاَُمراء بعد الخلفاء الراشدين،والسلف كانوا ينقادون لهم ويقيمون الجُمَع والاَعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم،ونقل عن كتب الشافعية انّالقاضي ينعزل بالفسق، بخلاف الاِمام، والفرق انّ في انعزاله ووجوب نصب غيره، إثارة الفتن لما له من الشوكة بخلاف القاضي.(1)

هذا كلّه عند أئمّة السنة،وأمّا الشيعة فماهيَّة الاِمامة عندهم،عبارة عن الرئاسة العامة في أُمور الدين والدنيا نيابة عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

و بعبارة أُخرى: الاِمامة هي استمرار وظائف النبوة (لا نفسالنبوة لانقطاعها برحيلالنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- )، فيقوم الاِمام بنفس ما كان النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقوم به، فالنبوة ونزول الوحي منقطعة لكن الوظائف الملقاة على عاتق النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كلّها على عاتق الاِمام، فهو يقوم وراء إدارة البلاد و عمرانها و توزيع الاَرزاق وتأمين السبل والطرق والجهاد في سبيل اللّه لاِشاعة الاِسلام وكسر الموانع و العوائق.

فهو يقوم مع هذه الوظائف بوظائف أُخرى ، تطلب لنفسها صلاحيات إلهية وتربية سماوية، وتلك الوظائف عبارة عن:

1. بيان الاَحكام الاِسلامية من كليات وجزئيات.

2. تفسير الكتاب العزيز وشرح مقاصده، وبيان أهدافه، وكشف رموزه وأسراره.

3. تربية المسلمين، وتهذيبهم وتزكيتهم وتخليص نفوسهم من شوائب الشرك والكفر والجاهلية.


(1)شرح العقائد النسفية:185ـ 186، ط اسلامبول.

(84)

4. الردّ على الشبهات والتشكيكات التي كان يُلقيها أعداء الاِسلام ويوجهونها ضد الدعوة الاِسلامية.

5. الحفاظ على الرسالة الاِلهية من أية محاولة تحريفية، ومن أي دسٍّ في التعاليم المقدسة.

فقد كان النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقوم بهذه الاَُمور معتمداً على الوحي، فيجب أن يقوم من ناب بها عنه بتعليمٍ غيبيّ حتى لا يطرأ خلل في الحياة الدينيّة.

و عندئذٍ يطرح هذا السوَال نفسه، وهو إذا كان النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قائماً بهذه الوظائف العلمية والفكرية معتمداً على الوحي، فكيف يقوم غيره مقامه مع انقطاع الوحي والسفارة من اللّه سبحانه. و الاِجابة عن هذا واضحة، فانّ الفيض الاِلهي لم يزل يمدُّ عباده الصالحين وإن لم يكونوا رسلاً وأنبياء، وهذا هو الذي يعبر عنه بالمحدَّث، فيلهم إليه وإن لم يكن نبياً من عند اللّه، و هذا هو مصاحب موسى يعرفه سبحانه بقوله: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدنا وَعَلّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً).(1)

فعلى ذلك فالاِشراقات الاِلهية على قلوب الصالحين لا تلازم النبوة والرسالة، بل يكفي أن يكون إنساناً مثالياً، وهذا هو جليس سليمان يصفه سبحانه بقوله: (قالَ الّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقرّاً عِنْدَهُ قالَهذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي).(2)

وهذا الجليس لم يكن نبيّاً، ولكن كان عنده علم من الكتاب، وهو لم يحصِّله


(1)الكهف: 65.

(2)النمل: 40.

(85)

من الطرق العادية بل كان علماً إلهياً أُفيض إليه، لصفاء قلبه و روحه و لاَجل ذلك يَنسب علمه إلى فضل ربه، ويقول: (هذا مِنْ فَضْلِ رَبّي) .

كما تضافرت الروايات على أنّ في الاَُمّة الاِسلامية ـ كالاَُمم الغابرة ـ رجالاً مخلصين محدَّثين تفاض عليهم حقائق من عالم الغيب من دون أن يكونوا أنبياء، وإن كنت في شكّ من ذلك فارجع إلى ما رواه أهل السنّة في هذا الموضوع:

أخرج البخاري في صحيحه: «لقد كان في من كان قبلكم من بني إسرائيل يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أُمّتي منهم أحد فعمر» (1).

قال القسطلاني: ليس قوله: «فان يكن» للترديد بل للتأكيد، كقولك: إن يكن لي صديق ففلان، إذ المراد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الاَصدقاء.

وإذا ثبت أنّ هذا وجد في غير هذه الاَُمّة المفضولة، فوجوده في هذه الاَُمّة الفاضلة أحرى (2) .

وأخرج البخاري في صحيحه أيضاً بعد حديث الغار: عن أبي هريرة مرفوعاً: أنّه قد كان فيما مضى قبلكم من الاَُمم محدَّثون، إن كان في أُمّتي هذه منهم، فإنّه عمربن الخطاب (3).

قال القسطلاني في شرحه: قال الموَلف: يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوّة (4).

وقال الخطابي: يُلقى الشيء في روعه، فكأنّه قد حُدِّث به يظن فيصيب،


(1)صحيح البخاري: 2|149.

(2) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 6| 99.

(3)صحيح البخاري: 2|171.

(4) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 5|431.

(86)

ويخطر الشيء بباله فيكون، وهي منزلة رفيعة من منازل الاَولياء.

وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «قد كان في الاَُمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أُمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخطاب منهم».

ورواه ابن الجوزي في صفة الصفوة، وقال: حديث متّفق عليه.(1)

وأخرجه أبو جعفر الطحاوي في «مشكل الآثار» بطرق شتى عن عائشة وأبي هريرة، وأخرج قراءة ابن عباس: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدّث. قال: معنى قوله محدَّثون أي ملهمون، فكان عمر ـ رضى اللّه عنه ـ ينطق بما كان ينطق مُلهماً.(2)

قال النووي في شرح صحيح مسلم: اختلف تفسير العلماء للمراد بـ«محدّثون»، فقال ابن وهب: ملهمون، وقيل: مصيبون، إذا ظنّوا فكأنّهم حُدِّثوا بشيء فظنّوه. وقيل: تكلّمهم الملائكة، وجاء في رواية: مكلّمون.

وقال البخاري: يجري الصواب على ألسنتهم، و فيه إثبات كرامات الاَولياء.

وقال الحافظ محبّ الدين الطبري في «الرياض» : ومعنى «محدّثون ـ واللّه أعلم ـ أي و يلهمون الصواب، ويجوز أن يحمل على ظاهره، وتحدّثهم الملائكة لا بوحي، وإنّما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة». (3)

قال القرطبي: محدَّثون ـ بفتح الدال ـ اسم مفعول جمع محدَّث ـ بالفتح ـ أي


(1)صفة الصفوة: 1|104.

(2)مشكل الآثار: 2|257.

(3)الرياض: 1|199.

(87)

ملهم أو صادق الظن، وهو من أُلقي في نفسه شيء على وجه الاِلهام والمكاشفة من الملاَ الاَعلى، أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد، أو تكلّمه الملائكة بلا نبوّة، أو مَن إذا رأى رأياً أو ظنّ ظنّاً أجاب كأنّه حُدِِّّث به وأُلقي في روعه من عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له، وهذه كرامة يُكرم اللّه بها من شاء من عباده، وهذه منزلة جليلة من منازل الاَولياء.

فإن يكن من أُمّتي منهم أحد فإنّه عمر، كأنّه جعله في انقطاع قرينة في ذلك كأنّه نبيّ، فلذلك أتى بلفظ «إن» بصورة الترديد. قال القاضي: ونظير هذا التعليق في الدلالة على التأكيد والاختصاص، قولك: إن كان لي صديق فهو زيد، فإنّ قائله لا يريد به الشكّ في صداقته بل المبالغة في أنّ الصداقة مختصّة به لا تتخطّاه إلى غيره .(1)

فإذا كان في الاَُمم السالفة رجال بهذا القدر والشأن ، فلِماذا لا يكون في الاَُمّة الاِسلامية رجال شملتهم العناية الاِلهية فأحاطوا بالكتاب والسنّة إحاطة كاملة يرفعون حاجات الاَُمّة في مجال العقيدة والتشريع.

فمن زعم أنّ مثل هذه الاِفاضة تساوق النبوّة والرسالة، فقد خلط الاَعم بالاَخصّ، إذ النبوّة منصب إلهيّ يقع طرفاً للوحي يسمع كلام اللّه تعالى ويرى رسول الوحي، ويكون إمّا صاحب شريعة مستقلّة أو مروّجاً لشريعة من قبله.

وأمّا الاِمام: وهو الخازن لعلوم النبوّة في كل ما تحتاج إليه الاَُمّة من دون أن يكون طرفاً للوحي أو سامعاً كلامه سبحانه أو رائياً للملك الحامل له. ولاِحاطته بعلوم النبوّة طرق أشرنا إليها.


(1)للوقوف على سائر الكلمات حول المحدَّث، لاحظ كتاب الغدير: 5|42 ـ 49.

(88)

ومن التصوّر الخاطىَ: الحكم بأنّ كل من أُلهم من اللّه سبحانه أو كلّمه الملك فهو نبيّ ورسول، مع أنّ الذكر الحكيم يعرّف أُناساً، أُلهموا أو رأوا الملك ولم يكونوا بالنسبة إلى النبوّة في حلّ ولا مرتحل.

هذه أُمّ موسى يقول سبحانه في حقّها : (وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعيهِ فإِذا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِـي ولا تَحْزَني إنَّا رادُّوهُ إليكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ) .(1)

أفصارت أُمّ موسى بهذا الاِلهام نبيّة من الاَنبياء؟

وهذه مريم البتول، تكلّمها الملائكة من دون أن تكون نبيّة، قال سبحانه: (وإذْ قالَتِ الملائِكَةُ يا مَريمُ إنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ* يا مَرْيمُ اقْنُتِـي لِرَبِّكِ... ) .(2)

بلغت مريم العذراء مكاناً شاهدت رسول ربّها المتمثَّل لها بصورة البشر، قال سبحانه: (فَأََرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنا فَتَمثَّلَ لَهَا بَشَـراً سَوِيّاً * قَالتْ إنّي أعُوذُ بالرَّحمنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لاَِهَبَ لَكِ غُلامَاً زَكِيّاً * قَالتْ أنّى يكُونُ لي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسنِي بَشرٌ و لَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَليَّ هَيـِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيّاً).(3)

نرى أنّ مريم البتول رأت الملك وسمعت كلامه ولم تُصبح نبيّة ولا رسولة.

فمن تدبّر في الكتاب والسنّة يقف على أبدال شملتهم العناية الاِلهية و وقفوا على أسرار الشريعة ومكامن الدين بفضل من اللّه سبحانه من دون أن يصيروا أنبياء.

ثمّ إن بيان نظامالحكم فيالاِسلام يأتي ضمن فصول:


(1)القصص: 7.

(2)آل عمران: 42ـ 43.

(3)مريم: 17ـ21.

(89)

الفصل الاَوّل

المصالح العامة

و


ومقتضيات نظام الحكم

إنّ الموضوع المهم هو تبيين نظام الحكم بعد رحيل النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ودراسة الظروف التي رافقت رحيله، فهل الظروف السائدة آنذاك توَكِّد على تنصيب الاِمام وتعيينه من جانبه سبحانه، أو على تفويضها إلى الاَُمّة وقيامها بتعيين الحاكم الاِسلامي، ودراسة هذا الموضوع عن كثب، رهن الاِشارة إلى الاَخطار المحدقة بالمجتمع الاِسلامي الفتيّ.

* مثلَّث الخطر

إنّ الاَُمة الاِسلامية قُبيل وفاة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كانت محاصرة من جهة الشمال والشرق من قبل امبراطوريتين عظيمتين، وهما: الروم وإيران، هذا من الخارج.

وأمّا من الداخل فلقد كان الاِسلام والمسلمون يعانون من المنافقين الذين كانوا يشكّلون العدو الداخلي أو ما يسمّى بالطابور الخامس، ولاَجل الوقوف على مدى الخطر المحدِق من قبل هذه الاَطراف الثلاثة، نتناول كلّ واحد منها على وجه الاِيجاز.


(90)

1. خطر الامبراطورية الساسانية

لقد كانت الامبراطورية الساسانية ذات حضارة مزدهرة، ونفوذ واسع فرضته على أصقاع شاسعة خلال أحقاب عديدة من السنين، إلى حدّ أصبح من العسير أن يعترفوا بسيادة أُمة طالما كانت تعيش تحت سلطانهم، ولذلك رفض ملكهم «خسرو برويز» دعوة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- حتى مزّق كتابه الذي أرسله ودعاه فيه إلى الاِسلام وعبادة اللّه تعالى، وكتب خسرو برويز إلى عامله في اليمن: إبعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به.(1)

2. خطر الامبراطورية الرومية

كانت الامبراطورية الرومية في شمال الجزيرة العربية وكانت تشغل بال النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- طيلة حياته، وقد نشبت بينها و بين المسلمين معارك طاحنة في السنة الثامنة من الهجرة، عندما قتلوا رسول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أعني : الحارث بن عمير الاَزدي، فانّه لمّا وصل أرض «موَتة» تعرض له شرحبيل بن عمرو الغسّاني وضرب عنقه، وقد أدّى هذا الاَمر إلى أن يبعث النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- جيشاً من ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة جعفر بن أبي طالب، وزيد بن الحارثة، وعبد اللّه بن رواحة فقُتل الجميع، ورجع الجيش منهزماً إلى المدينة.

ولقد أثارت هزيمة المسلمين في هذه المعركة نكسة في نفوس المسلمين، وزادت جرأة جيوش الروم على التعرض للمسلمين. فلذلك قاد النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في السنة التاسعة جيشاً جرّاراً قصد به غزو الروم لما وصلت إليه الاَخبار بأنّ الروم بصدد الاِغارة عليهم، فقاد النبي ذلك الجيش إلى تبوك و كان له أثر بالغ في زعزعة معنويات جيوش الروم، ورفع معنويات المسلمين، ومع ذلك لم يكن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم-


(1) الكامل في التاريخ:2|145.

(91)

بغافل عن خطرهم، وقد أوصى في أواخر حياته بتجهيز جيش بقيادة أُسامة بن زيد بغية مواجهة الروم.

3. خطر المنافقين

المنافقون هم الذين استسلموا للمدِّ الاِسلامي وأسلموا بألسنتهم دون قلوبهم إمّا خوفاً أو طمعاً، فكانوا يتجاهرون بالولاء للاِسلام، و يخفون نواياهم السيئة ويتحيّنون الفرُص بغية الانقضاض على المسلمين والاِطاحة بهم.

ولقد بلغ خطر المنافقين بمكان أصبح يهدد كيان المجتمع الاِسلامي، لاَنّهم كانوا يحيكون موَمرات خفيّة ينقاد لها السُّذّّج من الناس، ولاَجل ذلك شدّد القرآن الكريم على ذكر عذابهم أكثر من أي صنف آخر، وقال: (إِنَّ المُنافِقينَ في الدَّرْكِ الاََسْفَلِ مِنَ النّار...) .(1)

ويحدّثنا التاريخ كيف لعب المنافقون دوراً خبيثاً وخطيراً في تعكير الصف الاِسلامي وإتاحة الفرصة لاَعداء الاِسلام بغية تمرير مخططاتهم سواء أكان قبل انتشار صولة الاِسلام و بعده.

وعلى هذا فكان من المحتمل بمكان أن يتحد هذا الخطر الثلاثي الاجتثاث جذور الاِسلام عقب رحيل النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وغياب شخصه عن ساحة الصراع السياسي.

* سيادة الروح القبلية على المجتمع الاِسلامي الفتي

لقد كانت الروح القبلية سائدة على المجتمع الاِسلامي الفتيّ يومذاك، وكان لرئيس القبيلة نفوذ واسع بين أفراد قبيلته، وقد كان الولاء للقبيلة متوغلاً في


(1)النساء: 145.

(92)

نفوسهم حتى بعد إسلامهم رغم ما تلقّوه من التعاليم الاِسلامية و التربية القرآنية، ولذلك كانت تلك النزعة تظهر بين الفينة والاَُخرى و ينشب بسببها النزاع و يكاد يتسع لولا حكمة الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وتدبيره.

ويكفي في ذلك ما رواه أهل السير في تفسير قوله سبحانه: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاَعَزُّ مِنْهَا الاََذلُّ وَللّه ِالعِزَّةَ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُوَْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) .(1)

وقد نشب نزاع في العام السادس من الهجرة في أرض بني المصطلق عند ماء، حيث تنازع رجلان أحدهما من المهاجرين والآخر من الاَنصار على سقي الماء، فاقتتلا، فصرخ الاَنصاري فقال: يا معشر الاَنصار، والآخر قال: يا معشر المهاجرين، فاجتمع من كلٍّرهطٌ بسيوفهم، فلولا حكمة النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لسالت دماء في أرض العدو حيث قدم النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال: «دعوها فانّها دعوى منتنة»(2) يعني أنّها كلمة خبيثة لاَنّها من دعوى الجاهلية، وجعل اللّه الموَمنين إخوة وحزباً واحداً.

وكم لهذا الموقف من نظائر في التاريخ، وبإمكانك أن تقرأ دور شاس بن قيس الذي كان شيخاً من اليهود كيف خطّط لاِثارة النعرات الطائفية بين الاَوس والخزرج حتى كادت أن تندلع الفتنة بينهما مرة أُخرى إلاّ أنَّ النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أخمدها بحكمة بالغة، قائلاً: يا معشر المسلمين اللّه اللّه، أبدعوى الجاهلية و انا بين أظهركم بعد أن هداكم اللّه للاِسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألّف به بين قلوبكم».(3)


(1)المنافقون: 8.

(2)السيرة النبوية:2|290ـ 291.

(3)السيرة النبوية:1|555ـ557.

(93)

كل ذلك يدل على وجود رواسب الجاهلية بين قبيلتي الاَوس والخزرج حتى بعد اعتناقهم الاِسلام وانضوائهم تحت لوائه. ويشهد على ذلك مضافاً إلى ما مرّ ما أخرجه البخاري في صحيحه في قصة الاِفك، قال: قال النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- هو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي واللّه ماعلمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، وما يدخل على أهلي إلاّمعي».

قالت عائشة: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الاَشهل، فقال: أنا يا رسول اللّه أعذرك، فإن كان من الاَوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا.

قالت: فقام رجل من الخزرج وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرجـ، قالت: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّةـ فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمرو اللّه، واللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل.

فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمراللّه ، لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين.

قالت عائشة : فثار الحيّان (الاَوس والخزرج) حتى همُّوا أن يقتتلوا ورسولاللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قائم على المنبر.

قالت: فلم يزل رسول اللّه يخفّضهم حتى سكتوا وسكت.(1)

فكيف يجوز والحال هذه أن يترك الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أُِِمَّته المفطورة على العصبيات القبلية، وعلى الاستئثار بالسلطة والزعامة وحرصها على النفس، ورفض


(1)صحيح البخاري: 5|119، باب غزوة بني المصطلق.

(94)

سلطة الآخر؟

فهل كان يجوز للنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أن يترك تعيين مصير الخلافة لاَُمَّة هذه حالها، وفي تعيينه قطع لدابر الاختلاف والفرقة؟

وهل كان من المحتمل أن تتفق كلمة الاَُمَّة جمعاء على واحد، ولا تخضع للرواسب القبلية، ولا تبرز إلى الوجود مرة أُخرى ما مضى من الصراعات العشائرية وما يتبع ذلك من حزازات؟

أم هل يجوز لقائد يهتم ببقاء دينه و أُمّته أن يترك أكبر الاَُمور وأعظمها وأشدها دخالة في حفظ الدين، إلى أُمة نشأت على الاختلاف، و تربَّت على الفرقة، مع أنّه كان يشاهد الاختلاف منهم في حياته أحياناً، كما عرفت؟

إنّ التاريخ يدل على أنّ هذا الاَمر قد وقع بعد وفاة النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في السقيفة حيث سارعت كلّقبيلة إلى ترشيح نفسها للزعامة، منتحلة لنفسها أعذاراً وحججاً وطالبة ما تريد بكلّ ثمن حتى بتجاهل المبادىَ وتناسي التعاليم الاِسلامية والوصايا النبوية.

فقد ذكر ابن هشام تحت عنوان «أمر سقيفة بني ساعدة، تفرق الكلمة»(1) نقلاً عن عمر بن الخطاب ما يدل على اختلاف الكلمة وعدم الاتفاق على أحد.

* فذلكة وتحليل

هذه صورة مصغرة من تاريخ المسلمين في العصر الاَوّل، وقد عرفت أنّ الاَعداء كانوا يتربصون بالمسلمين الدوائر للقضاء عليهم من الخارج والداخل.


(1)السيرة النبوية: 2|659ـ 660.

(95)

ومن جانب آخر كانت الرواسب القبلية خامرة في نفوسهم تبرز بين الحين والآخر.

فهذه الظروف تفرض على قائد حكيم كالنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أن يفكِّر مليّاً في مستقبل الاَُمة الاِسلامية بعد رحيله، فيخطّط تخطيطاً حكيماً للحيلولة دون مضاعفات الخطر الثلاثي والتعصبات القبلية التي تهدد كيان الاِسلام وتقوّض أركانه من خلال نصب قائد بأمر من قبل اللّه سبحانه يقود الاَُمة الاِسلامية إلى ساحة الجهاد بُغية دفع الاَخطار المحدقة بهم، وبقداسته ومثاليته وكونه منصوباً من اللّه سبحانه يقطع دابر الخلاف في تعيين الخليفة، وهذا بخلاف ما لو ترك الاَُمة على حالها والعدو ببابها والنزاع القبلي على قدم و ساق.

* الصحابة وموَهلات القيادة

لم تبلغ الاَُمّة الاِسلامية ـ كما يشهد عليه التاريخ ـ المستوى الفكري الذي يوَهلها إلى تدبير أُمورها وإدارة شوَونها وقيادة سفينتها إلى ساحل الاَمان دون حاجة إلى نصب قائد من اللّه سبحانه.

وقد كان عدم بلوغ الاَُمّة هذا المستوى أمراً طبيعياً، لاَنّ إعداد أُمّة كاملة بحاجة إلى مزيد من الوقت ولا يتيسر ذلك في فترة وجيزة تبلغ 23 سنة، وهي حافلة بأحداث مريرة ومشحونة بحروب طاحنة.

إنّ إعداد مثل هذه الاَُمة لا يمكن في العادة إلاّ بعد انقضاء جيل أو جيلين، و بعد مرور زمن طويل يكفي لبلورة التعاليم الاِسلامية ورسوخها في أعماق النفوس بحيث تخالط مفاهيمُ الدين دماءهم، وتتمكن العقيدة في نفوسهم إلى حد


(96)

حفظهم من التذبذب والتراجع إلى الوراء .

و هذا الحد من الكمال لم يكن حاصلاً في فترة قصيرة، و تشهد على ذلك الاَحداث والوقائع التي كشفت عن تأصُّل الاَخلاق الجاهلية في نفوسهم وعدم تغلغل الاِيمان في قلوبهم، حتى أنّنا نجد أنّ القرآن يشير إلى ذلك تعليقاً على ما حدث ووقع منهم في معركة أُحد، إذ يقول سبحانه: (وَما محمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قد خلَتْ مِنْ قَبلهِ الرُّسلُ أَفَإِنْ ماتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيئاً وسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ) .(1)

ويقول أيضاً: (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الاََمْرِ مِنْ شَيءٍ) .(2)

وربما يتصوَّر أنّهذه النكسات تختص بالسنين الاَُولى من الهجرة، ولا تختص بالسنين التي أعقبت وفاة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لانتشار الاِسلام في الجزيرة العربية واعتناق خلق كثير منهم الاِسلام، ولكن التاريخ يرد تلك المزعمة ويثبت عدم بلوغهم الذروة في أمر القيادة بحيث تغنيهم عن نصب قائد محنّك من جانبه سبحانه.

وهذه هي غزوة «حنين» التي غزاها النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في السنة الثامنة، وقد أُصيب المسلمون بهزيمة نكراء تركوا النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في ساحة الوغى ولم ينصره سوى عدد قليل، فلمّا رأى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- تفرَّق المسلمين حينها قارعهم بصوت عال، وقال: «أيّها الناس هلمُّوا إليّأنا رسول اللّه»، إلى غير ذلك من الكلمات التي علّمها لعمَّه العباس حتى يُجهر بها، وقد نقل القرآن الكريم إجمال تلك الهزيمة، وقال: (لََقَدْ نَصَرَكُمُ )


(1)آل عمران: 144.

(2)آل عمران: 154.

(97)

اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الاََرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) . (1)

إَّن قوله سبحانه: (ولَّيتم مدبرين) يعرب عن عدم نهوضهم بمهمة الدفاع عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، ومثل هذه الاَُمَّة بحاجة ماسّة إلى نصب قائد محنّك يلمَّ شعثهم ولا يصح تفويض أُمورها إلى جماعة هذه حالهم وهذا مقدار ثباتهم في ساحات الحرب والدفاع عن كيانالدين.

وهناك كلمة قيمة للشيخ الرئيس في بيان الاَُسلوب الاَفضل للحكومة الاِسلامية حيث يقول: الاستخلاف بالنص أصوب، فانّ ذلك لا يوَدي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف.(2)


(1)التوبة: 25.

(2)الشفاء، الفن 13 في الاِلهيات، المقالة العاشرة، الفصل الخامس، ص 564.

(98)

الفصل الثاني

أهل السنَّة ومعالم الحكومة الاِسلامية

إنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- هو القائد الذي تفانى في أداء رسالة ربّه وهداية أُمَّته بكلّ إخلاص و عزيمة، ولم يكن شيء عنده أعزّ من هداية الناس و بقاء شريعته والنظام الذي يحمي الشريعة، فعلى ذلك كان على مفترق طرق:

أ: أن ينصب قائداً محنكاً يخلفه في كلّمهامه و يقطع دابر الخلافات بعده ويكون عمله نموذجاً للآخرين.

ب: أن يبيِّن معالم الحكومة وخصوصياتها بكلّدقة وتفصيل، حتى تستغني الاَُمة بذلك عن التنصيب ويكون كلامه هو الملهم عبْر الاَجيال في تعيين نوع الحكومة للمسلمين.

بيد أنّ التصور السائد عند أهل السنّة هو أنّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لم يسلك الطريق الاَوّل ولم ينصب خليفة بعده، بل ترك الاَمر إلى الاَُمَّة، ومع ذلك لا يوجد في مجموع ما بأيدينا من الكتاب والروايات المروية في الصحاح والمسانيد شيء يرسم الخطوط العريضة لنوع الحكومة وأركانها وخصائصها وصفات الحاكم وبرامجه، مع أنّه تكلم في أبسط الاَُمور فضلاً عن أخطرها، كما هو واضح لمن طالع الصحاح والمسانيد خصوصاً فيما يرجع إلى حياة الاِنسان.


(99)

ولمّا وجد علماء أهل السنة أنفسهم أمام تلك المعضلة حاولوا حلَّ عقدتها بترسيم خطوط عريضة لحكومة إسلامية من عند أنفسهم تارة باسم الشورى، وأُخرى باسم أهل الحل والعقد، وثالثة باتخاذ حكومة الخلفاء الاَربعة وما يليها أُسوة وبياناً لنوع الحكومة الاِسلامية وخصوصياتها.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ علماء أهل السنة لم يتجردوا عن كلّ رأي مسبق فأخذوا خصوصيات الحكومات القائمة بعد النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- حجّة شرعية للمسلمين عامة.

مع أنهم لم يعتمدوا في إقامة دعائم الحكومة على دليل قرآني أو سنة نبوية، وإنّما وضعوا حلولاً استحسانية والتي لا تكون حجّة إلاّ على أنفسهم.

وها نحن نطرح هذه الفروض على بساط البحث كي يعلم مدى إتقانها.

* هل الشورى أساس الحكم الاِسلامي؟

هناك من اتخذ الشورى أساساً للحكم الاِسلامي، واستدلُّوا على ذلك بآيتين:

الاَُولى: قوله سبحانه: (...وََشاوِرْهُمْ فيالاََمْرِ فَإذا عَزمْتَ فَتَوَكّلْ عَلىَ اللّهِ...)(1) قائلين بأنّه سبحانه أمر نبيَّه بالمشاورة تعليماً للاَُمَّة، بأن يتشاوروا في مهام الاَُمور ومنها الخلافة.

والذي يوَخذ عليه: انّ الخطاب موجّه إلى الحاكم الذي ثبت كونه حاكماً بوجه من الوجوه ثمّ أمره بالمشاورة في غير هذا الاَمر. بأن يشاور أفراد الاَُمّة فيما


(1)آل عمران: 159.

(100)

يرجع إلى غير أصل الحكومة، غاية الاَمر يتعدّى عنه إلى غير النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- من أفراد الاَُمّة، لكن مع حفظ الموضوع، وهو إذا تمت حكومة فرد و ثبتت مشروعيته، فعليه أن يشاور الاَُمّة، وأمّا المشاورة في تعيين الاِمام والخليفة عن طريق الشورى فلا تعمُّه الآية.

الثانية : قوله سبحانه (وَ أمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) .(1)

استدلُّوا بالآية على أنّ نوع الحكومة يتلخص في الشورى فإنّ إضافة المصدر(أمر) إلى الغير(هم) يفيد العموم والشمول لكل أمر ، و منه الخلافة والاِمامة فالموَمنون بحسب هذه الآية يتشاورون في جميع أُمورهم حتى الخلافة.

يلاحظ عليه: أنّ الآية تأمر بالمشورة في الاَُمور الموضوعة على عاتق الموَمنين فلابدّ أن يحرز أنّ هذا الاَمر(تعيين الاِمام) أمر مربوط بهم فما لم يحرز ذلك لم يجز التمسك بعموم الآية في مورده.

وبعبارة أُخرى انّ النزاع في أنّ الخلافة هل هي مفوّضة إلى الاَُمَّة، أو هي أمر مختص بالسماء؟ و مادام لم يحرز كون هذا الموضوع من مصاديق الآية لا يحتج بها على أنّصيغة الحكومة الاِسلامية هي الشورى.

* نقد فكرة أنَّ الشورى أساسالحكم

1. و مما يدل على أنّ الشورى لم تدخل حيز التنفيذ طيلة التاريخ هي انّ بيعة أبي بكر قد انعقدت بخمسة، وهم :عمر بن الخطاب ، أبو عبيدة الجراح، أسيد بن حضير، بشر بن سعد، و أسلم مولى أبي حذيفة.


(1)الشورى: 38.

(101)

ثمّ خرجوا من السقيفة وابوبكر قدّامهم يدعون الناس لمبايعته، ولاَجل ذلك كان عمر بن الخطاب يرفع عقيرته فوق المنبر، ويقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه المسلمين شرها.

وأمّا خلافة عمر فقد عقدت له الخلافة بتعيين الخليفة الاَوّل، و أمّا خلافة عثمان فقد حصر عمر الشورى في ستة أشخاص انتخبهم هو بنفسه ليعقدوا لاَحدهم، كما هو واضح من التاريخ.

2. لو كان أساس الحكم و منشوَه هو الشورى، لوجب على الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- الخوض في تفاصيلها وخصوصياتها وأُسلوبها على الاَقلّ. مع انّه لا نجد في الصحاح والمسانيد أثراً لذلك.

فلو كانت الشورى مبدأًً للحكومة لكان على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بيان حدود الشورى وتوعية الاَُمَّة وإيقافها على ذلك حتى لا تتحيَّر بعد رحيله، و مع الاَسف الشديد لا نجد شيئاً من ذلك في كلام النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

ومن جملة الاَُمور التي كان من المفروض بيانها، هي:

أوّلاً: من هم الذين يجب أن يشتركوا في الشورى المذكورة؟ هل هم العلماء وحدهم، أو السياسيون وحدهم، أو المختلط منهم؟

ثانياً: من هم الذين يختارون أهل الشورى؟

ثالثاً: لو اختلف أهل الشورى في شخص فبماذا يكون الترجيح، هل يكون بملاك الكم، أم بملاك الكيف؟

إنّ جميع هذه الاَُمور تتصل بجوهر مسألة الشورى، فكيف يجوز ترك بيانها، وتوضيحها وكيف سكت الاِسلام عنها، إن كان جعل الشورى طريقاً إلى تعيين الحاكم؟


(102)

3. لو كانت الشورى مبدأًً للحكم لكانت واضحة المعالم فيما يمس متن الشورى، ومنها العدد الذي تنعقد به الشورى، وقد اختلفوا في عدد من تنعقد بهم الشورى إلى مذاهب شتى يذكرها الماوردي (364ـ 450هـ) في كتابه: «الاحكام السلطانية» و يقول:

الاِمامة تنعقد بوجهين:

أحدهما: باختيار أهل العقد و الحل.

والثاني: بعهد الاِمام من قبل.

فأمّا انعقادها باختيار أهل العقد والحل، فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الاِمامة منهم على مذاهب شتى، فقالت طائفة: لا تنعقد إلاّبجمهور أهل العقد والحل من كلّبلد ليكون الرضا به عاماً، والتسليم لاِمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة، باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

وقالت طائفة أُخرى: أقلُّ من تنعقد به منهم الاِمامة (خمسة) يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الاَربعة، استدلالاً بأمرين:

أحدهما: أنّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها، ثمّ تابعهم الناس فيها، و هم: عمر بن الخطاب، و أبوعبيدة الجرّاح، وأسيد بن حضير، وبشر ابن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة.

الثاني: أنّ عمر جعل الشورى في ستة ليعقد لاَحدهم برضا الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلّمين من أهل البصرة.

وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاّها أحدهم برضا الاثنين


(103)

ليكونوا حاكماً وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بولي و شاهدين.

وقالت طائفة أُخرى: تنعقد بواحد لاَنّ العباس قال لعلي: أُمدد يدك أُبايعك، فيقول الناس: عمّ رسولاللّه بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان، ولاَنّه حكم و حكم الواحد نافذ.(1)

وهذه الوجوه تسقط كون الشورى أساس الحكم و أنّالنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ارتحل واعتمد في صيانة دينه بنظام مبني على الشورى وهي مجملة من جهات شتى.

* هل البيعة أساس الحكم الاِسلامي؟

هل البيعة سبيل إلى تعيين الحاكم الاِسلامي و أساس له.وقد اتخذه غير واحد ممن كتب في نظام الحكومة الاِسلامية أساساً لها، وقد أمضاها النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- عن غير موضع، حيث بايعه أهل المدينة في السنة 11و 12 و 13 من البعثة، بايعوه على أن لا يشركوا باللّه ولا يسرقوا ولا يقترفوا فاحشة.

كما بايعوه في البيعة الثانية على نصرته والدفاع عنه، كما يدافعون عن أولادهم وأهليهم.(2)

إنّ الموارد التي بايع فيها المسلمون رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لا تنحصر في هذين الموردين بل توجد في موارد أُخرى، أعظمها وأفضلها بيعة الرضوان المذكورة في تفسير قوله سبحانه: (لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُوَْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ )


(1)الاَحكام السلطانية: 7.

(2)السيرةالنبوية:1|431ـ 438.

(104)

فَعَلِمَ ماَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) .(1)

يذكر المفسرون أنّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بعث رسولاً في صلح الحديبية إلى قريش، وقد شاع أن َّ مبعوث النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قد قتل، فاستعدّ المسلمون للانتقام من قريش، ولمّا رأى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أنّ الخطر على الاَبواب، وبما أنّ المسلمين لم يخرجوا للقتال وإنّما خرجوا للعمرة، قرر رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أن يُجدِّد بيعته مع المسلمين فجلس تحت شجرة وأخذ أصحابه يبايعونه على الاستقامة والثبات والوفاء واحداً بعد الآخر، ويحلفون له أن لا يتخلّوا عنه أبداً وأن يدافعوا عن حياض الاِسلام حتى النفس الاَخير، وقد سميت هذه البيعة «بيعة الرضوان».(2)

وقد بايعت الموَمنات النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في فتح مكة، وقد ذكر التفصيلَ قوله سبحانه وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جاءَكَ الْمُوَْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللّهِشَيْئاً ولا يَسْرِقنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَولادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرينَهُ بَيْنَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وََ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم) .(3)

* نقد فكرة انّ البيعة أساس الحكم

لو أمعن القارىَ الكريم في تفاصيل الموارد التي بايع فيها المسلمون ـكلّهم أو بعضهمـ قائدهم يقف على أنَّه لم تكن ا لغاية منالبيعة الاعتراف بزعامة الرسول و رئاسته فضلاً عن نصبه و تعيينه، بل كان الهدف التأكيد العملي


(1)الفتح: 18.

(2)السيرة النبوية: 2|315.

(3)الممتحنة: 12.

(105)

على الالتزام بلوازم الاِيمان المسبق، ولذلك نجد جرير بن عبداللّه، قال: بايعت رسولاللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- على إقام الصَّلاة، و إيتاءالزَّكاة، و النصح لكلِّ مسلم.(1)

وقال أيضاً: «و أن تدفعوا عني العدو حتى الموت(2) ولا تفرُّوا من الحرب».(3)

والحاصل أنّ البيعة كانت تأكيداً للاِيمان الذي أظهروه برسالته ونبوَّته فلازم ذلك إطاعة قوله وأمره، فكانت البيعة تأكيداً لما أضمروا من الاِيمان.

نعم لا يمكن أن ينكر أنّ البيعة في العهود التي أعقبت وفاة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كانت طريقاً لتنصيب الحاكم وذلك تقليداً للجاهلية، حيث كان الرائج فيها انّه إذا مات أمير أو رئيس عمدوا إلى شخص فأقاموه مقام الراحل من خلال البيعة.

والظاهر أنّ تعيين بعض الخلفاء من خلال البيعة كان تقليداً لما كان رائجاً بينهم قبل الاِسلام ، ولا يكون هذا دليلاً تاريخياً أو شرعياً على أنّ البيعة طريق لتعيين الخليفة، بغض النظر عن سائر المواصفات والضوابط، و غاية ما هناك أنّالبيعة إحدى الطرق فيما لم يكن هناك نص إذا كان المبايع واجداً للملاكات والمواصفات التي يجب أن يتمتع بها الحاكم.


(1) كتاب الاِيمان.: لاحظ ايضاً صحيح البخاري،5|55، بيعة الاَنصار.

(2)مسند أحمد:4|15.

(3)مسندأحمد:3|292.


(106)

الفصلالثالث:

نظرية الحكم


عند النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم-

دلّت البحوث السابقة على أنّ الشورى والبيعة ليسا أساس الحكم، فحان البحث لبيان نظرية الحكم في كلمات النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

والسبر في كلماته طيلة حياته من البعثة إلى الوفاة، يُثبت أنّ الاِمامة عنده كالنبوة أمر موكول إلى اللّه تبارك و تعالى وليس للاَُمّة حتى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فيها دور.

إنّ الكلمات المأثورة عن الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وموقفه من قضية القيادة، تعرب عن أنّه كان يعتبر أمر القيادة وتعيين القائد مسألة إلهية وحقاً إلهياً، فاللّه سبحانه هو الذي له أن يعّين القائد و ينصب خليفة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بعد رحيله، نجد ذلك في كلماته بوفرة ولا نجد في كل ما نقل عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ما يدل على إرجاع الاَمر إلى اختيار الاَُمّة ونظرها، أو آراء أهل الحلّ والعقد، وها نحن نذكر هنا شاهدين من كلمات الرسول يكشف الستار عن وجه الحقيقة.

1. لما عرض الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- نفسه على بني عامر الذين جاءوا إلى مكة في موسم الحجّودعاهم إلى الاِسلام. قال له كبيرهم: أرأيت ان نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك أيكون لنا الاَمر من بعدك؟


(107)

فقال النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «الاَمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء».(1)

2. لما بعث النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- سليط بن عمرو العامري إلى ملك اليمامة(هوذة بن علي الحنفي) الذي كان نصرانياً، يدعوه إلى الاِسلام وقد كتب معه كتاباً، فقدم على هوذة، فأنزله وحباه وكتب إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقول فيه: (ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومي، وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني فاجعل لي بعض الاَمر أتبعك).

فقدم سليط على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وأخبره بما قال هوذة، وقرأ كتابه، فقال النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : « لو سألني سيابة من الاَرض ما فعلت، باد وباد ما في يده».(2)

و نقل ابن الاَثير على نحو آخر، فقال: أرسل هوذة إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وفداً فيهم مُجاعةبن مرارة والرّجال بن عنفوة ، يقول له:

إن جعل الاَمر له من بعده أسلم وصار إليه ونصره، وإلاّقصد حربه.

فقال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «لا ولا كرامة، اللّهم اكفنيه»، فمات بعده بقليل.(3)

إنّ هذين النموذجين التاريخيين اللَّذين لم تمسّهما يد التحريف والتغيير يدلاّن بوضوح كامل على أنّ روَية النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في مسألة الحكم والخلافة هي انّها أمر سماويّ خارج عن صلاحيته، فالاِرجاع إلى اللّه وضرب الصفح عن الشورى والبيعة أو الاستفتاء العام خير دليل على كونه منصباً إلهياً، والعجب انّه لم يكن هذا رُوَى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في مورد الحكم فقط بل كانت الصحابة بعد رحيله يسيرون على هذا النهج غير انّهم بدّلوا التنصيب الاِلهي بتنصيب الخليفة لمن يقوم مكانه بعده.


(1)السيرة النبوية: 2|424ـ 425.

(2)الطبقات الكبرى:1|262.

(3) الكامل في التاريخ : 2|146.

(108)

3. و هذا هو أبو بكر عيَّن عمر بن الخطاب للخلافة في عهد كتبه عثمان ابن عفان.(1)

4. كما أنّه تم استخلاف عثمان عن طريق الشورى الستة التي عيَّن اعضاءها عمر بن الخطاب.(2)

5. وقد كانت السيدة عائشة تتبنى نظرية التنصيب من جانب الخليفة، وقالت لعبد اللّه بن عمر: يا بني بلِّغ عمر سلامي، فقل له لا تدع أُمّة محمد بلا راع، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملاً، فانّي أخشى عليهم الفتنة؛ فأتى عبد اللّه إلى أبيه فأعلمه.(3)

والعجب انّ أُمّ الموَمنين التفتت إلى أنَّ ترك الاَُمة هملاً يورث الفتنة، ولكن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- حسب زعم القوم ـ لم يلتفت إلى تلك النكتة ـ فلقي اللّه سبحانه و ترك الاَُمّة هملاً !!!

6. انّ عبد اللّه بن عمر دخل على أبيه قُبيل وفاته، فقال: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك، وزعموا انّك غير مستخلف، وانّه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثمّ جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيَّع، فرعاية الناس أشد.(4)

7. قدم معاوية المدينة ليأخذ من أهلها البيعة ليزيد، فاجتمع مع عدّة من الصحابة، وأرسل إلى ابن عمر فأتاه و خلا به، فكلّمه بكلام، قال: إنّي كرهت أن أدع أُمّة محمد بعدي كالضعن بلا راع لها.(5)


(1)الاِمامة والخلافة: 18؛ الكامل في التاريخ:2|292؛ الطبقات الكبرى: 3|200.

(2) الكامل في التاريخ : 3|35.

(3)الاِمامة والسياسة:32.

(4) حلية الاَولياء:1|44.

(5)الاِمامة والسياسة:1|168

(109)

هذه النصوص تدل بجلاء على أنّ انتخاب الخليفة عن طريق الاستفتاء الشعبي، أو بمراجعة أهل الحلّ والعقد، أو اتفاق الاَنصار والمهاجرين، أو بالشورى، أو بالبيعة كلها فروض اختلقها المتكلّمون بعد تمامية الخلافة للخلفاء، ولم يكن أي أثر من هذه العناوين بعد رحيل النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إلاّ شيئاً لا يذكر عند محاجة علي - عليه السّلام- مع المتقمّصين منصَّة الخلافة.

هذه الكلمات تعرب عن أنّنظرية التنصيب هي التي كانت مهيمنة على الاَفكار والعقول.

*بلاغات غير رسمية

لقد بلّغ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- خلافة علي - عليه السّلام- بصورة رسمية في غدير خم كما سيوافيك، ولكن لم يكن ذلك البلاغ بصورة عفوية بل هيّأ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أرضيته منذ أن صدع بالنبوّة في مواقف مختلفة نذكر منها:

1. دعوة الاَقربين وتنصيب علي للخلافة

يقول المفسرون: لمّا نزل قوله سبحانه: (وَأَنْذِرْعَشيِرَتَكَ الاَقْرَبيِنَ* وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبعَكَ مِنَ المُوَْمِنِين)(1)أمر رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- عليّ بن أبي طالب - عليه السّلام- أن يعد طعاماً ولبناً ، فدعا خمسةًً وأربعين رجلاً من وجوه بني هاشم، ولما فرغوا من الطعام تكلم رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، فقال: «إنّ الرائد لا يكذب أهله؛ واللّه الذي لاإله إلاّ هو إنّي رسول اللّه إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، واللّه لتموتُنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبُنَّ بما تعملون، وإنّها الجنّة أبداً أو النار أبداً.


(1)الشعراء: 214 ـ 215.

(110)

ثمّ قال:

يا بني عبد المطلب إنّي واللّه ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قدجئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه عزّوجلّ أن أدعوكم إليه فأيُّكم يوَمن بي ويوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟

ولمّا بلغ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إلى هذه النقطة ، و بينما أمسك القوم وسكتوا عن آخرهم وأخذوا يفكّرون مليّاً في ما يوَول إليه هذاالاَمر العظيم، وما يكتنفه من أخطار قام علي - عليه السّلام- فجأة، وهو آنذاك في الثالثة أو الخامسة عشرة من عمره، وقال وهو يخترق بكلماته الشجاعة جدار الصمت والذهول:

أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك على ما بعثك اللّه.

فقال له رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : اجلس، ثمّ كرّر دعوته ثانية وثالثة وفي كلّ مرة يحجم القوم عن تلبية دعوته، ويقوم علي ويعلن عن استعداده لموَازرة النبي، ويأمره رسول اللّه بالجلوس حتى إذا كانت المرة الثالثة أخذ رسول اللّه بيده والتفت إلى الحاضرين من عشيرته الاَقربين، وقال:

إنّ هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.

فقام القوم يضحكون ويقولون لاَبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع وجعله عليك أميراً.(1)

هذا موجز ما ذكره المفسرون والمحدّثون حول الآية، وفي صحاحهم ومسانيدهم.


(1)تاريخ الطبري: 2|62ـ 63، الكامل في التاريخ: 2|40ـ 41، مسند أحمد:1|111، شرح نهج البلاغة: 13|210ـ 211.

(111)

وهناك من حرّف الكلم عن مواضعه، أو حرّفها المستنسخون في كتبهم:

1. منهم محمد بن جرير الطبري (المتوفّى عام 310هـ) حيث ذكر في تاريخه حديث بدء الدعوة كما نقلناه غير أنّه حرف الكلم في موضعين:

أحدهما: قول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي» وضع في مكانه قوله: «على أن يكون كذا وكذا».

ثانيهما: قول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : إنّهذا أخي ووصيي وخليفتي» حيث حرّفه إلى قوله:إنّ هذا أخي وكذا وكذا.

ونحن لا نتَّهم الطبري شخصاً بالتحريف، ولكن يحتمل تطرق التحريف إلى تفسيره من جانب النُّسّاخ، بشهادة سرد الواقعة في تاريخه برمّتها دون أدنى تحريف.

2. منهم ابن كثير(المتوفّى عام 774هـ): فقد حرف الكلم عن مواضعه في تفسيره وتاريخه ولم يقتنع بالتحريف في مكان واحد.(1)

ولا نستبعد أن يكون التحريف مستنداً إلى نفس الموَلف لاَنَّ له مواقف معادية من أهل بيت النبوة - عليهم السّلام- .

ومما يثير الاستغراب أن تصدر تلك الهفوة من وزير المعارف المصرية «حسنين هيكل» الاَسبق فقد أثبت في الطبعة الاَُولى من كتابه «حياة محمد» قول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : أيُّكم يوَازرني على أن يكون أخي و وصيي وخليفتي، ولم يذكر خطاب النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لعلي - عليه السّلام- عند ما أعلن موَازرته له و هو قوله : إنّهذا أخي ووصيّي وخليفتي.

ولكنّه ارتكب في الطبعات الاَُخرى جناية كبيرة بحذفه كلتا الجملتين من


(1)انظر البداية والنهاية :2|40، تفسير ابن كثير:3|351.

(112)

رأس وكأنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لم يتفوه بها وكأنّ الكاتب لم يذكر إحدى الجملتين في الطبعة الاَُولى، وبذلك أسقط كتابه عن أيَّة قيمة علمية.

فلو كان هذا هو الميزان في ضبط الحقائق لثبت أنّ كثيراً من فضائل آل البيت - عليهم السّلام- لعبت بها يد التحريف الجانية وما بقي ليس إلاّفلتات التاريخ .

2. آية الولاية وخلافة علي

لم تزل الشيعة عن بكرة أبيهم يستدلون على إمامة علي - عليه السّلام- وقيادته وزعامته بعد النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بقوله سبحانه: (إنّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرََسُولُهُ وََالَّذِينََ آمَنوا الّذِينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوَتُونَ الزَّكَاةَ وََهُمْ راكِعُونَ* وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرسُولَهَ وََالّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ) ).(1)

استدلت الشيعة بهذه الآية على أنّ عليّاً - عليه السّلام- وليّ المسلمين بعد رسولاللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، قائلين بأنّ الآية تعد الولي ـ بعد اللّه و رسوله ـ الّذين يقيمون الصلاة و يوَتون الزكاة في حال الركوع، و قد تضافرت الروايات بأنّعليّاً - عليه السّلام- تصدّق بخاتمه و هو راكع فنزلت الآية في حقّه.

أخرج الحفاظ و أئمّة الحديث عن أنس بن مالك و غيره أنّ سائلاً أتى المسجد و عليٌّ - عليه السّلام- راكعٌ فأشار بيده للسائل، أي اخلع الخاتم من يدي. قال رسول اللّه : يا عمر وجبت. قال: بأبي أنت و أُمّي يا رسول اللّه ما وجبت؟!قال: وجبت له الجنّة، واللّه ما خلعه من يده حتّى خلعه اللّه من كلِّ ذنب و من كلِّ خطيئة. قال: فما خرج أحدٌ من المسجد حتّى نزل جبرئيل بقوله عزّ وجلّ: (إنّما )


(1)المائدة: 55 ـ 56.

(113)

وليّكم اللّهُ و رسوله و الّذين آمنوا الّذين يُقيمون الصَّلاة و يُوَتون الزَّكاة و هُمْ راكعون) . فأنشأ حسّان بن ثابت يقول:

أبا حسن تفديك نفسي و مهجتي * بطيءٍ في الهدى و مسارع

أيذهب مدحي و المحبّين ضايعاً؟! * وما المدح في ذات الاِله بضائع

فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكعٌ * فدتك نفوس القوم يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيّدٍ * و يا خير شارٍ ثمّ يا خير بائع

فأنزل فيك اللّه خير ولاية و قد و كلّ * و بيَّنها في محكمات الشرائع (1)

وقد أخرجه ابن جرير الطبري (2)والحافظ أبوبكر الجصاص الرازي في أحكام القرآن(3) و الحاكم النيسابوري (المتوفّـى 504هـ)(4)و الحافظ أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفّـى 468هـ) (5)و جار اللّه الزمخشري (المتوفّـى 538هـ) إلى غير ذلك من أئمّة الحفاظ و كبار المحدثين ربما ناهز عددهم السبعين ، وهم بين محدّث ومفسّر و موَرخ و يطول بنا الكلام لو قمنا بذكر أسمائهم ونصوصهم، و كفانا في ذلك موَلّفات مشايخنا في ذلك المضمار.(6)


(1)بلوغالمرام للبحراني:106، نقلاً عنالحافظ أبي نعيمالاِصفهاني في كتابهالموسوم بـ «نزولالقرآن في أميرالموَمنين - عليه السّلام- ».

(2)تفسير الطبري: 6|186.

(3)أحكام القرآن:2|542 و رواه من عدّة طرق.

(4)معرفة أُصول الحديث: 102.

(5)أسباب النزول: 148.

(6)لاحظ المراجعات للسيد شرف الدين العاملي، المراجعة الاَربعون، ص 162ـ 168 والغدير:3|162، و قد رواه من مصادر كثيرة.

(114)

و لا يمكن لنا إنكار هذه الروايات المتضافرة لو لم تكن متواترة، فانّ اجتماعهم على الكذب أو على السهو و الاشتباه أمر مستحيل.

و المراد من الولي في الآية المباركة هو الاَولى بالتصرف كما في قولنا : فلان وليّ القاصر، و قول الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- «أيّما امرأة نُكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» وقد صرّح اللغويّون و منهم الجوهري في صحاحه بأنّ كلّ من ولي أمر أحد فهو وليّه ، فيكون المراد: انّ الّذي يلي أُموركم فيكون أولى بها منكم إنّما هو اللّه عزّوجلّ و رسوله و من اجتمعت فيه هذه الصفات: الاِيمان و إقامة الصلاة، و إيتاء الزكاة في حال الركوع. و لم يجتمع يوم ذاك إلاّ في الاِمام علي - عليه السّلام- حسب النصوص المتضافرة.

و في حقّه نزلت هذه الآية.

و الدليل على أنّ المراد من الولي هو الاَولى بالتصرّف أنّه سبحانه أثبت في الآية الولاية لنفسه و لنبيّه و لوليّه على نسق واحد، وولاية اللّه عزّوجلّ عامة فولاية النبي و الولي مثلها و على غرارها. غير انّ ولاية اللّه، ولاية ذاتية و ولاية الرسول والولي مكتسبة معطاة، فهما يليان أُمور الاَُمّة بإذنه سبحانه.

ولو كانت الولاية المنسوبة إلى اللّه تعالى في الآية غير الولاية المنسوبة إلى الّذين آمنوا» لكان الاَنسب أن تفرّد ولاية أُخرى للموَمنين بالذِّكر، دفعاً للالتباس، كما نرى نظيرها في الآيات التالية:

قال تعالى: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُوَْمِنُ باللّهِ و يُوَْمِنُ للمُوَمِنِين ).(1)

نرى أنّه سبحانه كرر لفظ الاِيمان، و عدّاه في أحدهما بالباء، و في الآخر


(1)التوبة: 61.

(115)

باللاّم لاختلاف في حقيقة إيمانه باللّه، و للموَمنين حيث إنّ إيمانه باللّه سبحانه إيمان جدّي و تصديق واقعي، بخلاف تصديقه للموَمنين المخبرين بقضايا متضادة حيث لا يمكن تصديق الجميع تصديقاً جدّياً، و الذي يمكن هو تصديقهم بالسماع و عدم الرفض و الرد، ثمّ التحقيق في الاَمر، و ترتيب الاَثر على الواقع المحقّق.

و ممّا يكشف عن وحدة الولاية في الآية المبحوثة انّه سبحانه أتى بلفظ «وليكم» بالاِفراد ، و نسبه إلى نفسه و إلى رسوله و إلى الّذين آمنوا، و لم يقل: «إنّما أولياوَكم»، وما هذا إلاّ لاَنّالولاية في الآية بمعنى واحد و هو: الاَولى بالتصرف، غير أنّ الاَولوية في جانبه سبحانه بالاَصالة و في غيره بالتبعية.

وعلى ضوء ذلك يُعلم أنّ القصر والحصر المستفاد من قوله:«إنّما» لقصر الاِفراد ، و كأنّ المخاطبين يظنون أنّ الولاية عامّة للمذكورين في الاَُمة و غيرهم، فأُفرد المذكورون للقصر، و أنّالاَولياء هوَلاء لا غيرهم.

ثمّيقع الكلام في تبيين هوَلاء الّذين وصفهم اللّه سبحانه بالولاية و هم ثلاثة:

1. اللّه جلّجلاله.

2. و رسوله الكريم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

وهما غنيان عن البيان.

3. فبما أنّه كان مبهماً بيّنه بذكر صفاته و خصوصياته الاَربع:

1.( الّذين آمنوا).

2.( الّذين يقيمون الصلاة).

3. (و يوَتون الزكاة) .


(116)

و لا شكّ أنّهذه السمات، سمات عامة لا تميّز الولي عن غيره.

فالمقام بحاجة إلى مزيد توضيح يجسّد الولي و يحصره في شخص خاص لا يشمل غيره، و لاَجل ذلك قيّده بالسمة الرابعة أعني قوله:(و هم راكعون) .

وهي جملة حاليّة لفاعل «يوَتون»، وهو العامل فيها. وعند ذلك انحصر في شخص خاص على ما ورد في الروايات المتضافرة.

هذا هو منطق الشيعة في تفسير الآية لا تتجاوز في تفسيرها عن ظاهرها قيد أنملة.

* بلاغ رسمي في غديرخُم

تقدّم أنَّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قد فوَّض في كلامه أمر الخلافة إلى اللّه سبحانه، فقد كان يترصد أمره سبحانه في ذلك المجال حتى وافاه الوحي، وخاطبه بقوله سبحانه: (يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْفَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي القَومَ الكافِرين) .(1)

نزلت الآية الشريفة يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة حجة الوداع فيالعام العاشر منالهجرة، لما بلغ النبي الاَعظم غدير خم فأتاه جبرئيل بها، فقال: يا محمد إنّ اللّه يقرئك السلام ويقول لك:(يا أيّها الرَّسُول بَلِّغ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك) وكان أوائل القوم قريبين من الجحفة، فأمرُه أن يرد من تقدّم منهم ، ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان، وأن يقيم عليّاً - عليه السّلام- علماً للناس ويبلغهم ما أنزل اللّه فيه و أخبره بأنّاللّه عزّوجلّ قد عصمه من الناس.


(1)المائدة: 67.

(117)

وقد اتّفقت الشيعة الاِمامية على نزول الآية في يوم غدير خم، وافقهم على ذلك لفيف من المحدّثين والموَرِّخين، فقد ذكر الواقعة الطبري في تفسيره، كما رواها السيوطي في الدر المنثور عن جماعة من الحفاظ، منهم:

1. الحافظ ابن أبي حاتم أبو محمد الحنظلي الرازي (المتوفّى 327هـ).

2. الحافظ أبو عبد اللّه المحاملي(المتوفّى 330هـ).

3. الحافظ أبو بكر الفارسي الشيرازي(المتوفّىّ 407هـ).

4. الحافظ ابن مردويه (المتوفّى 716هـ)

وغيرهم من أعلام الحديث والتاريخ ، وقد جمع المحقّق الاَميني أسماء من روى نزول هذه الآية في يوم غدير خم من أصحاب السنّة فبلغ 30 رجلاً.(1)

وعلى كلّ حال فقد قام النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بتحقيق البلاغ في يوم غدير خم، فخطب خطبة، و قال: «أيّها الناس، إنّي أوشك أن أُدعى فأُجِبْتُ، وإنّي مسوَول وأنتم مسوَولون، فماذا أنتم قائلون؟»

قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت، وجهدت، فجزاك اللّه خيراً.

قال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلاّاللّه، وأنّ محمّداً عبده و رسوله، وأنّجنته حق، وناره حق، وأنّالموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّاللّه يبعث من في القبور؟»

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال: «اللّهمّ اشهد»، ثمّ قال: أيّها الناس، ألا تسمعون؟

قالوا: نعم.


(1) الغدير: 1|214 ـ 223.

(118)

قال: «فإنّي فرط على الحوض، فانظروني كيف تخلّفوني في الثقلين».

فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول اللّه ؟

قال: «الثقل الاَكبر، كتاب اللّه، والآخر الاَصغر عترتي، وإنّ اللطيف الخبير نبَّأني انَّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا».

ثمّ أخذ بيد علي فرفعها، حتى رُوَي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال: «أيّها الناس من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟».

قالوا: اللّه ورسوله أعلم.

قال:« إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم.فمن كنت مولاه، فعليّ مولاه» ـ يقولها ثلاث مرات ـ

ثمّ قال: «اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، و ابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب».

ثمّ لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله:

(اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ وَأَتْمَمْتُعَلَيْكُمْ نِعْمَتي) الآية، فقال رسولاللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «اللّه أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة ورضى الربّ برسالتي، والولاية لعليّ من بعدي».

ثمّ أخذ الناس يهنِّئون علياً، وممن هنّأه في مقدم الصحابة الشيخان أبو بكر وعمر، كلّيقول: بخ بخ، لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كلّموَمن وموَمنة.

وقال حسان: ائذن لي يا رسول اللّه أن أقول في عليٍّ أبياتاً، فقال: قل على


(119)

بركة اللّه ، فقام حسان، فقال:

يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخمٍّ واسمع بالرسول منادياً

فقال فمن مولاكم ونبيكم * فقالوا ولم يُبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت نبيّنا * ولم تلق منا في الولاية عاصياً

فقال له قم يا عليُّ فإنّني * رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فمن كنت مولاه فهذا وليُّه * فكونوا له أتباع صدق مواليا

هناك دعا اللّهمّ وال وليّه * وكن للذي عادى عليّاً معادياً

فلمّا سمع النبي أبياته، قال: «لا تزال يا حسّان موَيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك».(1)

إنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وإن أشار إلى ولاية الاِمام علي بن أبي طالب بعد رحيله، فتارة في بدء الدعوة ، و أُخرى في غزوة تبوك(2) ، غير انّما ذكره متقدماً على حديث الغدير لم يكن بياناً رسمياً لعامة الاَُمة بل كانت بلاغات مقطعية، وأمّا في ذلك اليوم فقد قام بإبلاغ المحتشد العظيم على نحو أخذ منهم الاِقرار والاعتراف بولاية علي - عليه السّلام- .

وبذلك أكمل دعائم دينه وأتم نعمة اللّه عليهم كما سيوافيك.

وأمّا تواتر الحديث فحدّث عنه ولا حرج، فقد رواه من الصحابة ما يربو على 120 صحابياً وأمّا من التابعين ما يقارب 84 تابعياً، وأمّا العلماء الذين نقلوه عبر القرون فيزيد على 360 عالماً، تجد نصوصهم و أسماءهم وأسماء كتبهم


(1)الغدير:2|34ـ 42.

(2)حديثالمنزلة: أنت بمنزلة هارونَ من موسى اِلاّ أنَّه لا نبيَّ بعدي.

(120)

بتفصيل في كتاب الغدير.(1)

ولا أظن انّ ذا مسكة و من له إلمام بعلم الحديث و قراءة الصحاح والمسانيد ينكر صحة حديث الغدير أو تضافره بل تواتره، ولو أنكره فإنّما أنكره بلسانه لا بجنانه وقلبه اللّهمّ إلاّإذا كان غير ملم بعلم الحديث.

وإنّما المهم دلالة الحديث على ولاية الاِمام وإمامته.

وقد استخدم النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لفظة «مولى» وقال: «من كنت مولاه » فهي بمعنى أولى، كما في قوله سبحانه: (فَالْيَوْمَ لا يُوَْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَولاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).(2)

والمعنى أولى بكم النار كما فسره غير واحد من المفسرين، وهناك قرائن توَيد على أنّالمقصود من المولى هو الاَولى. الوارد في قوله سبحانه: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُوَْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) .(3)

وهناك قرائن لفظية محفوفة بالحديث وقرائن حالية تثبت انّالمراد من المولى هو الاَولى الوارد في الآية المتقدمة، وإليك تلك القرائن:

القرينة الاَُولى: قوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في صدر الحديث:«أَلَسْتُ أولى بِكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ» وهو دليل على أنّالمرادمن قوله: «فمن كنت مولاه» هو الاَولى و ذلك لاَنّه رتب الثاني على الاَوّل.

القرينة الثانية: دعاوَه في صدر الحديث: «اللّهم وال من والاه ،و عاد من عاداه» فلو أُريد منه غير الاَولى بالتصرّف فما معنى هذا التطويل؟ فانّه لا يلتئم


(1)الغدير: 1|73ـ 152، تحت عنوان «طبقات الرواة من العلماء».

(2)الحديد: 15.

(3)الاَحزاب: 6.

(121)

ذكر هذاالدعاء إلاّبتنصيب علي - عليه السّلام- مقاماً شامخاً يوَهله لهذا الدعاء.

القرينة الثالثة: أخذ الشهادة من الناس، حيث قال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «ألستم تشهدون أن لاإله إلاّاللّه وأنّمحمّداً عبده و رسوله» فانّوقوع «من كنت مولاه» في سياق الشهادة بالتوحيد والرسالة والمعاد، يُحقق كون المراد الاِمامة والخلافة الملازمة للاَولوية على الناس.

القرينة الرابعة: التكبير على إكمال الدين حيث لم يتفرقوا بعد كلامه حتى نزل إليه الوحي، بقوله تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم) فقال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي، فبأي معنى يكمل به الدين وتتم به النعم و يرضى به الرب في عداد الرسالة، غير الاِمامة التي بها تمام الرسالة وكمال نشرها وتوطيد دعائمها.

القرينة الخامسة: نعى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- نفسه إلى الناس حيث قال : «كأنِّي دعيت فأجبت»، وفي نقل آخر انّه يوشك أن أُدعى فأُجيب، وهو يعطي هذا الانطباع انّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قد بلّغ أمراً مهمّاً كان يحذر أن يدركه الاَجل قبل الاِشارة إليه، و هو يعرب عن كون ما أشار إليه في هذا المحتشد هو تبليغ أمر مهم يخاف فوته وليس هو إلاّالاِمامة.

القرينة السادسة: الاَمر بإبلاغ الغائبين حيث أمر في آخر خطبته بأن يبلغ الشاهد الغائب، فلو لم يكن هذا الاَمر الاِمامة فما معنى هذا التأكيد؟!

إلى غير ذلك من القرائن التي استقصاها شيخنا الاَميني في غديره.(1)

وقد أفرغ أُدباء الاِسلام حديث النبي في قالب الشعر، فترى أنّهم يعبرون عن


(1)الغدير: 1|370ـ 383.

(122)

حديث الغدير بقرائضهم وقصائدهم، وفي ذلك دلالة باهرة على أنّ المراد من المولى هي الاَولوية، وها نحن نذكر شيئاً ممّا أنشد في عصر الرسالة أو بعده وراء مانقلناه عن حسان بن ثابت.

قال علي - عليه السّلام- في أُرجوزته:

وأوجب لي ولايته عليكم * رسول اللّه يوم غدير خم(1)

وقال قيس بن سعد بن عبادة ذلك الصحابي العظيم:

وعـــليٌّ إمـامـنــــا وإمـــامٌ * لسوانا أتـى به التنزيـلُ

يوم قال النبيُّ من كنت مولا * ه فهذا مولاه خطبٌ جليلٌٌ(2)

إنّداهية العرب عمرو بن العاص أنشد قصيدة طويلة معروفة بالجلجلية معترضاً فيها على معاوية حيث لم يف بما وعده، و جاء فيها ما يلي:

وكم قد سمعنا من المصطفى * وصايا مخصّصة فـي عـلي

وفي يـوم خم رقى منـبراً * يُبلّغ والركب لم يرحلِ

فأنحله إمـرة المـوَمنين * من اللّه مُستخلف المنحلِِ(3)

إلى غير ذلك من القصائد و المنظومات والاَراجيز لاَُدباء العصروشعراءالاِسلام الَّذين يحتجّ بقولهم و كلماتهم، فقد صَبُّوا حديث الغدير في قرائضهم ولم يفهم الجميع منها إلاّ الاَولوية، كأولوية الرسول التي هي مناط الاِمامة والخلافة ، فلو لم يكن القائد أولى من المقود لما كان لكلامه نفوذ.

وفي الختام نذكر نزول آية إتمام النعمة في حقّ علي - عليه السّلام- ليُعلم أنّ حديث


(1)الغدير: 2|25 و 67 و 115.

(2)الغدير: 2|25 و 67 و 115.

(3)الغدير: 2|25 و 67 و 115.

(123)

الغدير محفوف بآيتين : آية قبل النزول وهي آية التبليغ، وآية بعده وهي آية الاِكمال، قال سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاِسلام ديناً) .

أصفقت الاِمامية عن بكرة أبيهم على نزول هذه الآية الكريمة حول نص الغدير بعد أصحار النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بولاية مولانا أمير الموَمنين - عليه السّلام- بألفاظ درّية صريحة، فتضمَّن نصّاً جليّاً عرفته الصحابة وفهمته العرب فاحتج به من بلغه الخبر، وصافق الاِماميَّة على ذلك كثيرون من علماء التفسير وأئمة الحديث وحفظة الآثار من أهل السنة، وهو الذي يساعده الاعتبار ويوَكّده النقل الثابت في تفسير الرازي (3|529) عن أصحاب الآثار : انّه لمّا نزلت هذه الآية على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لم يُعمّر بعد نزولها إلاّ أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين، وعيَّنه أبو السعود في تفسيره بهامش تفسير الرازي :(3|523) وذكر الموَرخون منهم: انّ وفاته - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في الثاني عشر من ربيع الاَوّل، وكأنّ فيه تسامحاً بزيادة يوم واحد على الاثنين وثمانين يوماً بعد إخراج يومي الغدير والوفاة.

وعلى أي حال فهو أقرب إلى الحقيقة من كون نزولها يوم عرفة، كما جاء في صحيحي البخاري و مسلم وغيرهما لزيادة الاَيام حينئذ، على أنّ ذلك معتضد بنصوص كثيرة لا محيص عن الخضوع لمفادها.(1)

وقد أُثيرت حول الاستدلال بالآية إشكالات من قبل الاِمام الفخر الرازي (543ـ 608هـ) في تفسيره الكبير.(2)


(1)الغدير:1|230.

(2)التفسير الكبير:12|26 . وقد أجبنا عن هذه الاَسئلة بتفصيل في مقال خاص طبع في كتاب رسائل و مقالات، لاحظ ص 568 ـ 575 من الكتاب المذكور.

(124)

تمّ البحث حول الاِمامة والخلافة، وكما ذكرنا في المقدّمة لمّا كان بين الاِمامة والتعرف على أهل البيت: صلة وثيقة عقدنا فصلاً حول أهل البيت في القرآن الكريم يتناول سماتهم و حقوقهم:


(125)

أهل البيت: في القرآن الكريم

لقد حاز أهل البيت: على أهمية بالغة في القرآن الكريم، وأشار إليهم في غير واحد من آياته ببيان سماحتهم، وحقوقهم، وما يمت إليهم بصلة، لا سيما آية التطهير المعرفة بين المسلمين، أعني: قوله سبحانه: (إِنّما يُريدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً).

ولاَجل أهمية الموضوع ألّف غير واحد من علماء الفريقين كتباً ورسائل حوله، أفاضوا فيها الكلام حول هوية أهل البيت ومناقبهم وفضائلهم.

وقد استرعى انتباهّي في الفترة الاَخيرة كتابان حول أهل البيت: أحدهما: «حقوق أهل البيت:» لابن تيمية (المتوفّى عام 728 هـ)، والآخر: «الشيعة وأهل البيت» للكاتب المعاصر إحسان إلهي ظهير حيث بذلا الواسع لبيان نزول الآية في نساء النبي6 والكاتب الثاني أشدّ بخساً في هذا المجال. وقد أنصف الكتاب الاَوّل بعض الاِنصاف.

هذا وذاك مّما دعاني إلى تبيين هوية أهل البيت من خلال القرائن الموجودة في الآية والروايات المتضافرة، مضافاً إلى بيان سماتهم وحقوقهم عسى أن يجيز بعض ما هضم من حقوقهم في ذينك الكتابين خصوصاً الكتاب الاَخير.

وأود أن أشير في الختام إلى نكتة وهّي انّ آية التطهير لحنها الحن الثناء والتمجيد على أهل البيت: في حين انّ الآيات الواردة في نساء النبي6 النصح والوعظ تارة، والتنديد والتوبيخ أُحرى.


(126)

أمّا الاَوّل في الآيات الواردة في سورة الاَجزاب.

يقول سبحانه: (يا أَُيها النَّبىُّ قُل لاََزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدُّنيا وَزِينتَها فَتعاَليْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسرِّحْكُنَّ سَراحاً جَميلاً)(1) (يانِساءَ النَّبيّ مّنْ يَأتِ منُكُنَّ بِفاحِشة مُبيّنةٍ يُضاعَف لَها العَذابُ ضِعْفَينِ وَكانَ ذلِكَ عَلى الله يَسيراً)(2)

(يا نِساءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأحَدَ منَ النِّساءِ إِن اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِه مرَضٌ وَقُلْنَ قَولاً مَعْرُوفاً)(3)

(وَقَرَنَ فِي بُيُوتكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليّةِ الاَُولى وَأَقمّنَ الصَّلاةَّ وَآتِينَ الزَّكاةَ وأَطِعْنَ الله ورَسولَهُ)(4)

وأمّا الثاني أي التنديد والتوبيخ ففي الآيات الواردة في سورة التحريم:

(يا أُيّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمّ ما أَحلَّ الله لَكَ تَبْتَغِيمرَضاةَ أَزْواجِكَ والله غَفُورٌ رَحيم)(5).

(إن تَتُوبا إلى الله فَقَد ضَغَتُ قُلُوبُكُما وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإٍنَّ الله هُوَ مَولاُه وجِبْريلُ وصَالحُ الْمؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعَدَ ذلِكَ ظَهِير)(6)

(عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقْكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيراً مِنْكَنَّ مُسْلِماتٍ مؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيَّباتٍ وَأَبْكاراً)(7)

فأُمهات المؤمنين كسائر الصحابيات لهنّ من الفضل ما لغيرهنّ، ولكن آية التطهير بلغت من الثناء على أهل البيت بمكان تأبى من الانطباق عليهن بما عرفت لهنّ من السمات في الآيات وستوافيك دلالة الآية على عصمة أهل البيت وتنزيههم من الزلل والخطأ.


(1) الاحزاب: 28.

(2) الاحزاب: 30.

(3) الاَحزاب: 32.

(4) الاحزاب: 33.

(5) الحريم: 1.

(6) التحريم: 4.

(7) التحريم: 5.

(127)

أهل البيت - عليهم السّلام-


سماتهم و حقوقهم

لقد وردت لفظة «أهل البيت » مرّتين في القرآن الكريم.

قال سبحانه حاكياً عن لسان الرسل: (قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أمرِ اللّهِ رَحمةُ اللّهِ وبَركاتُهُ عَلَيْكُمْ أهلَ البَيْتِ إنّهُ حَمِيدٌ مَجِيد) . (1)

وقال تعالى :(وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَّ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الاَُولى وأقِمْنَ الصلاةَ وآتِينَ الزكاةَ واطِعْنَّ اللّهَ ورَسُولَهُ إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُم تَطهِيراً) . (2)

فالآية الاَُولى تخاطب أهل بيت خليل اللّه عند ما جاءتهم الرسل فبشّـروا امرأته بإسحاق ومن وراء إسحاق بيعقوب.

ولمّا كانت هذه البشارة على خلاف السنن الكونية حيث كان الخليل شيخاً وزوجته طاعنة في السن، فلذلك تعجبت وقالت مخاطبة الرسل: (يا وَيْلَتي ءَأَلِدُ وأنَا عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إنّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيب) (3)فوافاها الجواب من


(1) هود: 73.

(2)الاَحزاب: 33.

(3)هود: 72.

(128)

جانب الرسل الذين كانوا ملائكة وتمثّلوا بصورة الاِنسان، قائلين: (أتعجبين من أمر اللّه رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت انّه حميد مجيد) .

وأمّا الآية الثانية فقد وردت في ثنايا الآيات التي نزلت في شأن نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بدعوتهنّإلى التخلّـي عن الدنيا والتحلّـي بالتقوى إلى غير ذلك من الوصايا التي وردت ضمن آيات. (1)

والمهم في هذا المقام هو معرفة أهل البيت في الآية الثانية وما هي سماتهم وحقوقهم في الذكر الحكيم؟

فهناك مباحث ثلاثة:

من هم أهل البيت - عليه السّلام- ؟

و ماهي سماتهم؟

وماهي حقوقهم؟

وها نحن نقوم بدراسة هذه المواضيع في فصول ثلاثة مستمدين من اللّه العون والتوفيق.


(1)انظر سورة الاَحزاب، الآيات : 28 ـ 34.


(129)

الفصل الاَوَّل

من هم أهل البيت - عليهم السّلام-

إنّ المعروف بين المفسرين والمحدّثين، هو انّ المراد من أهل البيت في الآية المباركة، العترة الطاهرة الذين عرّفهم الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في حديث الثقلين، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي».

غير انّ تحقيق مفاد الآية وتبيين المراد من أهل البيت فيها وانطباقها على حديث الثقلين يستدعي البحث في موردين:

أ. أهل البيت لغة وعرفاً.

ب. أهل البيت في الآية المباركة.

وإليك الكلام فيهما واحداً تلو الآخر .

***


(130)

أ. أهل البيت لغة وعرفاً:

هذا اللفظ مركب من كلمتين ولكل مفهوم، ويمكن تحديد مفهوم «الاَهل» من موارد استعماله فيقال:

1. أهل الاَمر والنهي. 2. أهل الاِنجيل.

3. أهل الكتاب. 4. أهل الاِسلام.

5. أهل الرجل. 6. أهل الماء.

وهذه الموارد توقفنا على أنّ كلمة «أهل» تستعمل مضافاً فيمن كان له علاقة قوية بمن أُضيف إليه، فأهل الاَمر والنهي هم الذين يمارسون الحكم والبعث والزجر، وأهل الاِنجيل هم الذين لهم اعتقاد به كأهل الكتاب وأهل الاِسلام.

وقد اتفقت كلمة أهل اللغة على أنّ الاَهل والآل كلمتان بمعنى واحد، قال ابن منظور: آل الرجل: أهله، وآل اللّه وآل رسوله: أولياوَه، أصلها أهل ثم أُبدلت الهاء همزة فصارت في التقدير أأل، فلمّـا توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفاً، كما قالوا: آدم وآخر، وفي الفعل آمن وآزر .

وقد أنشأ عبد المطلب عند هجوم ابرهة على مكة المكرمة، وقد أخذ حلقة باب الكعبة وقال:

وانصر على آل الصليب * وعابديــه اليـــوم آلك

وعلى ما ذكرنا، فهذا اللفظ إذا أُضيف إلى شيء يقصد منه المضاف الذي له علاقة خاصة بالمضاف إليه، فأهل الرجل مثلاً هم أخص الناس به، وأهل المسجد، المتردّدون كثيراً إليه، وأهل الغابة القاطنون فيها ... فإذا لاحظنا موارد


(131)

استعمال هذه الكلمة لا نتردّد في شمولها للزوجة والاَولاد، بل وغيرهم ممّن تربطهم رابطة خاصة بالبيت من غير فرق بين الاَولاد والاَزواج، ولاَجل ذلك ترى أنّه سبحانه يطلقه على زوجة إبراهيم كما عرفت في الآية.

هذا هو حق الكلام في تحديد مفهوم هذه الكلمة، ولنأت ببعض نصوص أئمّة اللغة.

قال ابن منظور: أهل البيت سكانه، وأهل الرجل أخص الناس به، وأهل بيت النبي : أزواجه وبناته وصهره، أعني: علياً - عليه السّلام- ، وقيل: نساء النبي والرجال الذين هم آله. (1)

فلقد أحسن الرجل في تحديد المفهوم أوّلاً ، وتوضيح معناه في القرآن الكريم ثانياً، كما أشار بقوله: «قيل» إلى ضعف القول الآخر، لاَنّه نسبه إلى القيل.

وقال ابن فارس ناقلاً عن الخليل بن أحمد: أهل الرجل: زوجه، والتأهّل، التزوّج، وأهل الرجل: أخص الناس به، وأهل البيت: سكّانه، وأهل الاِسلام: من يدين به. (2)

وقال الراغب في «مفرداته»: أهل الرجل من يجمعه وإيّاهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل في الاَصل من يجمعه وإيّاهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإيّاهم النسب وتعورف في أُسرة النبي عليه الصلاة والسلام مطلقاً إذا قيل أهل البيت. (3)

وقال الفيروز آبادي: أهل الاَمر : ولاته، وللبيت سكّانه، وللمذهب من يدين به، وللرجل زوجته كأهله، وللنبي أزواجه وبناته وصهره علي ـ رضي اللّه تعالى


(1)لسان العرب: 11|29، مادة «أهل».

(2)معجم مقاييس اللغة: 1|150.

(3)المفردات: 29.

(132)

عنه ـ أو نساوَه والرجال الذين هم آله. (1)

هذه الكلمات ونظائرها بين أعلام أهل اللغة كلّها تعرب عن أنّ مفهوم أهل البيت في اللغة هم الذين لهم صلة وطيدة بالبيت، وأهل الرجل من له صلة به بنسب أو سبب أو غيرهما.

هذا هو الحق الذي لامرية فيه والعجب من إحسان إلهي ظهير الذي ينقل هذه النصوص من أئمّة اللغة وغيرهما ثم يستظهر انّ أهل البيت يطلق أصلاً على الاَزواج خاصة، ثم يستعمل في الاَولاد والاَقارب تجوّزاً، ثم يقول: هذا ما يثبت من القرآن الكريم كما وردت هذه اللفظة في قصة إبراهيم بالبشرى، فقال اللّه عزّ وجلّ في سياق الكلام: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَـقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ* قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) (2) وقال: فاستعمل اللّه عزّ وجلّ هذه اللفظة على لسان ملائكته في زوجة إبراهيم - عليه السّلام- لا غير، وهكذا قال اللّه عزّ وجلّ في كلامه المحكم في قصة موسى عليه الصلاة والسلام : (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الاَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لاَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً) (3)، فالمراد من الاَهل زوجة موسى - عليه السّلام- ، وهي بنت شعيب. (4)

نحن نسأل الكاتب من أين استظهر من كلمات أهل اللغة انّ «الاَهل»


(1)القاموس المحيط: 3|331.

(2)هود: 73.

(3)القصص: 30.

(4)الشيعة وأهل البيت: 16 ـ 17.

(133)

تطلق أصلاً على الاَزواج خاصة، ثم تستعمل في الاَولاد تجوّزاً ؟!

أليس قد تقدّم لنا كلام ابن منظور: أهل الرجل: أخص الناس به؟ ! أليس الاَولاد أخص الناس بالرجل؟ ومن فسره بقوله: أهل الرجل زوجه لا يريد اختصاصه بالزوج، بل يشير إلى أحد موارد استعماله، ولاَجل ذلك يستدركه ويصرح بقوله: أهل الرجل: أخص الناس به.

ثم نسأله عن دلالة الآيتين على اختصاص الاَهل بالاَزواج وهل في منطق اللغة والاَدب جعل الاستعمال دليلاً على الانحصار ؟ فلا شك انّ الاَهل في الآيتين أُطلق على الزوجة، وليس الاِطلاق دليلاً على الانحصار، على أنه أُطلق في قصة الخليل وأُريد الزوجة والزوج معاً، أي نفس الخليل بشهادة قوله تعالى: (عليكم أهل البيت) والاِتيان بضمير الجمع المذكر، وإرادة واحد منهما وحمل الخطاب العام على التعظيم، لا وجه له في المقام.

وحصيلة الكلام: انّ مراجعة كتب اللغة، وموارد استعمال الكلمة في الكتاب والسنّة تعرب عن أنّ مفهوم «الاَهل» هو المعنى العام وهو يشمل كل من له صلة بالرجل والبيت صلة وطيدة موَكدة من نسب أو سبب أو غير ذلك، من غير فرق بين الزوجة والاَولاد وغيرهم، وانّ تخصيصها بالزوجة قسوة على الحق، كما أنّ تخصيصها لغة بالاَولاد وإخراج الاَزواج يخالف نصوص القرآن واستعمالها كما عرفت في الآيات الماضية.

هذا هو الحق في تحديد المفهوم، فهلّم معي نبحث عما هو المراد من هذا المفهوم في الآية الكريمة، وهل أُريد منه كل من انتمى إلى البيت من أزواج وأولاد أو أنّ هناك قرائن خاصة على أنّ المقصود قسم من المنتمين إليه؟ وليس هذا بشيء غريب، لاَنّ المفهوم العام قد يطلق ويراد منه جميع الاَصناف والاَقسام كما يطلق


(134)

ويراد منه حسب القرائن بعضهم، وقد عرفت أنّ المراد من الاَهل في قصة موسى زوجته وفي قصة إبراهيم زوجته، وعلى هذا لا شك في شمول كلمة أهل البيت للزوجة والاَولاد وغيرهما إلاّ أن تقوم قرائن على أنّ المراد صنف خاص، والمدّعى انّه قد قامت القرائن على إرادة صنف خاص منهم، وتتبيّـن في البحث الآتي:

ب. أهل البيت في الآية المباركة؟

اختلف المفسرون في بيان ما هو المراد من «أهل البيت» في الآية المباركة على أقوال، غير انّ العبرة بقولين، والاَقوال الاَُخر شاذة لا يعبأ بها، وانّما اختلقت لحل الاِشكالات الواردة على القول الثاني كما سيوافيك بيانها في آخر البحث.

1. المراد بنت النبي وصهره وولداهما الحسن والحسين - عليهم السّلام- .

2. نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- . (1)

ولا بد من إمعان النظر في تعيين المراد بعد قابلية اللفظ لشمول كلتا الطائفتين، فيقول: إنّ هناك قرائن تدل بوضوح على أنّ المراد من هذه الكلمة جماعة خاصة منتمين إلى البيت النبوي بوشائج خاصة لا كل المنتمين إليه، وإليك تلك القرائن:

القرينة الاَُولى: اللام في «أهل البيت» للعهد

لا شك أنّ اللام قد تطلق ويراد منها الجنس المدخول كقوله سبحانه: (إنّ الاِنسان لفي خُسر). (2)


(1)وهناك أقوال أُخر شاذة جداً ستوافيك في مختتم البحث.

(2)العصر : 2.

(135)

وقد يطلق ويراد منها استغراق أفراده كقوله سبحانه : (يَا أَيُّها النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ). (1)

وثالثة تستعمل في العهد باعتبار معهودية مدخولها بين المتكلّم والمخاطب.

ولا يمكن حمل اللام في «البيت» على الجنس أو الاستغراق، لاَنّ الاَوّل انّما يناسب إذا أراد المتكلم بيان الحكم المتعلّق بالطبيعة كما يعلم من تمثيلهم لذلك بقوله تعالى: (إِنَّ الاِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً) (2) ، ومن المعلوم أنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة أهل البيت ، كما لا يصح أن يحمل على العموم، أي: جميع البيوت في العالم، أو بيوت النبي ، وإلاّ لناسب الاِتيان بصيغة الجمع فيقول: أهل البيوت، كما أتى به عندما كان في صدد إفادة ذلك، وقال في صدر الآية : (وقرن في بيوتكن) .

فتعين أن يكون المراد هو الثالث، أي البيت المعهود، فالآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص، معهود بين المتكلم والمخاطب، وحينئذ يقع الكلام في تعيين هذا البيت المعهود، فما هو هذا البيت؟ هل هو بيت أزواجه، أو بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسين - عليهم السّلام- ؟

لا سبيل إلى الاَوّل، لاَنّه لم يكن لاَزواجه بيت واحد حتى تشير اللام إليه، بل تسكن كل واحدة في بيت خاص، ولو أُريد واحداً من بيوتهن لاختصت الآية بواحدة منهم، وهذا ما اتفقت الاَُمّة على خلافه.

أضف إلى ذلك أنّه على هذا يخرج بيت فاطمة مع أنّ الروايات ناطقة بشمولها، وانّما الكلام في شمولها لاَزواج النبي كما سيوافيك بيانه.


(1)التوبة: 73.

(2)المعارج: 19.

(136)

هذا كلّه على تسليم انّ المراد من البيت هو البيت المبني من الاَحجار والآجر والاَخشاب، فقد عرفت أنّ المتعيّـن حمله على بيت خاص معهود ولا يصح إلاّ حمله على بيت فاطمة، إذ ليس هناك بيت خاص صالح لحمل الآية عليه.

وأمّا لو قلنا بأنّ البيت قد يطلق ويراد منه تارة هذا النسق، كما في قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاَُولى) ، وأُخرى غير هذا النمط من البيت، مثل قول القائل: «بيت النبوة» و «بيت الوحي» تشبيهاً لهما على المحسوس، فلا محيص أن يراد منه المنتمون إلى النبوة والوحي بوشائج معنوية خاصة على وجه يصح مع ملاحظتها، عدّهم أهلاً لذلك البيت، وتلك الوشائج عبارة عن النزاهة في الروح والفكر، ولا يشمل كل من يرتبط ببيت النبوة عن طريق السبب أو النسب فحسب، وفي الوقت نفسه يفتقد الاَواصر المعنوية الخاصة، ولقد تفطّن العلاّمة الزمخشري صاحب التفسير لهذه النكتة، فهو يقول في تفسير قوله تعالى: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) (1)، لاَنّها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والاَُمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وان تسبح اللّه وتمجّده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولها: (رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت) أرادوا انّ هذه وأمثالها ممّا يكرمكم به رب العزة، ويخصّكم بالاَنعام به يا أهل بيت النبوة. (2)

وعلى ذلك لا يصح تفسير الآية بكل المنتسبين عن طريق الاَواصر الجسمانية لبيت خاص حتى بيت فاطمة، إلاّ أن تكون هناك الوشائج المشار


(1)هود: 73.

(2)الكشاف: 2|107.

(137)

إليها، ولقد ضل من ضل في تفسير الآية بغير تلك الجماعة عليها السلام، فحمل البيت في الآية على البيت المبني من حجر ومدر مع أنّ المراد غيره.

ولقد جرى بين قتادة ذلك المفسر المعروف وبين أبي جعفر محمد بن علي الباقر - عليه السّلام- محادثة لطيفة أرشده الاِمام فيها إلى هذا المعنى الذي أشرنا إليه، قال ـ عندما جلس أمام الباقر - عليه السّلام- ـ : لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك. قال له أبو جعفر - عليه السّلام- : «ويحك، أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي: (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ * رجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ) (1)فأنت ثم ونحن أُولئك» فقال له قتادة: صدقت واللّه جعلني اللّه فداك، واللّه ما هي بيوت حجارة ولا طين. (2)

وهذه القرينة تحضّ المفسر على التحقيق عن الاَفراد الذين يرتبطون بالبيت بأواصر معينة، وبذلك يسقط القول بأنّ المراد منه أزواج النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، لاَنّه لم تكن تلك الوشائج الخاصة باتفاق المسلمين بينهم وأقصى ما عندهن انهن كن مسلمات موَمنات.

* القرينة الثانية: تذكير الضمائر

نرى أنّه سبحانه عندما يخاطب أزواج النبي يخاطبهن حسب المعتاد بضمائر التأنيث، ولكنّه عندما يصل إلى قوله: (إنّما يريد اللّه ليذهب ...) يغير الصيغة الخطابية في التأنيث ويأتي بصيغة التذكير، فما هو السر في تبديل الضمائر لو كان المراد أزواج النبي؟ وإليك نص الآيات:


(1)النور : 36 ـ 37.

(2)الكافي: 6|256 ـ 257.

(138)

(يا نِسَاءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً). (1)

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الاَُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً). (2)

(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ آياتِ اللّهِ وَالحِكْمَةِ إنّ اللّهَ كانَ لَطِيفَاً خَبِيراً). (3)

ترى أنّه سبحانه يخاطبهن في الآية الاَُولى بهذه الخطابات:

1. لستن. 2. اتقيتن. 3. فلا تخضعن. 4. وقلن.

ويخاطبهن في الآية الثانية بهذه الخطابات:

1. قرن. 2. بيوتكن. 3. لا تبرجن. 4. أقمن. 5. آتين. 6. أطعن.

كما يخاطبهن في الآية الثالثة بقوله:

1. واذكرن . 2. بيوتكن.

وفي الوقت نفسه يتخذ في ثنايا الآية الثانية موقفاً خاصاً في الخطاب ويقول:

1. عنكم. 2. يطهركم.

فما وجه هذا العدول إذا كان المراد نساء النبي ؟!

أو ليس هذا يدل على أنّ المراد ليس نساءه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .


(1)الاَحزاب: 32.

(2)الاَحزاب: 33.

(3)الاَحزاب: 34.

(139)

وقد حاول القرطبي التفصّي عن الاِشكال فقال: إنّ تذكير الضمير يحتمل لاَن يكون خرج مخرج «الاَهل» كما يقول لصاحبه: كيف أهلك، أي امرأتك ونساوَك؟ فيقول: هم بخير، قال اللّه تعالى: (أتعجبين من أمر اللّه رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت). (1)

ولكن المحاولة فاشلة فانّ ما ذكره من المثال على فرض سماعه من العرب، إنّما إذا تقدّم «الاَهل» وتأخّر الضمير، دون العكس كما في الآية، فإنّ أحد الضميرين مقدّم على لفظ «الاَهل» في الآية كما يقول: (عنكم الرجس أهل البيت) .

وأمّا الاستشهاد في الآية فغير صحيح، لاَنّ الخطاب فيها لاِبراهيم وزوجته، فيصح التغليب تغليب الاَشرف على غيره في الخطاب والمفروض في المقام انّ الآية نزلت في زوجاته ونسائه خاصة فلا معنى للتغليب.

نعم انّما تصح فكرة التغليب لو قيل بأنّ المراد منه، هو أولاده وصهره وزوجاته، وهو قول ثالث سنبحث عنه في مختتم البحث، وسيوافيك انّ بقية الاَقوال كلها مختلقة لتصحيح الاِشكالات الواردة على النظرية الثانية، فلاحظ.

القرينة الثالثة: الاِرادة تكوينية لا تشريعية

سيوافيك الكلام عند البحث في سمات أهل البيت، انّ من سماتهم، كونهم معصومين من الذنب وذلك بدليل كون الاِرادة في قوله: (إنّما يريد اللّه...)هي الاِرادة التكوينية، التي لا ينفك المراد فيها عن الاِرادة وبكون متحقّقاً وثابتاً في


(1)جامع الاَحكام: 14|182.

(140)

الخارج، وبما أنّ المراد هو إذهاب الرجس وإثبات التطهير وتجهيزهم بالاَسباب والمعدّات المنتهية إلى العصمة، فلا يصح أن يراد من أهل البيت أزواج النبي ، إذ لم يدّع أحد من المسلمين كونهن معصومات من الذنب ومطهرات من الزلل . فلا مناص عن تطبيقه على جماعة خاصة من المنتمين إلى البيت النبوي الذين تحقّق فيهم تعلّقهم بالاَسباب والمقتضيات التي تنتهي بصاحبها إلى العصمة ولا ينطبق هذا إلاّ على الاِمام علي وزوجته والحسنين - عليهم السّلام- ، لاَنّ غيرهم مجمع على عدم اتصافهم بهذه الاَسباب.

القرينة الرابعة انّ الآيات المربوطة بأزواج النبي تبتدىَ من الآية 28 وتنتهي بالآية 34 ، وهي تخاطبهن تارة بلفظ «الاَزواج» ومرتين بلفظ «نساء النبي» الصريحين في زوجاته، فما هو الوجه في العدول عنهما إلى لفظ «أهل البيت» فإنّ العدول قرينة على أنّ المخاطب به غير المخاطب بهما .

أهل البيت في كلام النبي الاَكرم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم-

قد وقفت على المراد من أهل البيت في الآية المباركة من خلال دراسة مفردات الآية وجملها وهدفها.

وهناك طريق آخر للتعرّف عليهم، وهو دراسة الاَحاديث الواردة في كلام النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فإنّها تكشف عن وجه الحقيقة، فنقول: إنّ للنبي الاَكرم عناية وافرة بتعريف أهل البيت لم ير مثلها إلاّ في أقلِّ الموارد، حيث قام بتعريفهم بطرق مختلفة سيوافيك بيانها، كما أنّ للمحدّثين والمفسرين وأهل السير والتاريخ عناية كاملة بتعريف أهل بيت نبيه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في مواضع مختلفة حسب المناسبات التي تقتضي طرح هذه المسألة، كما أنّ للشعراء الاِسلاميين المخلصين في طوال قرون، عناية بارزة


(141)

ببيان فضائل أهل البيتوالتعريف بهم، والتصريح بأسمائهم على وجه يظهر من الجميع اتفاقهم على نزول الآية في حق العترة الطاهرة، وسيوافيك نزر من شعرهم في مختتم البحث.

كل ذلك يعرب عن أنّ الرأي العام بين المسلمين في تفسير أهل البيت هو القول الاَوّل، وانّ القول بأنّ المقصود منهم زوجاته كان قولاً شاذاً متروكاً ينقل ولا يعتنى به، ولم ينحرف عن ذلك الطريق المهيع إلاّ بعض من اتخذ لنفسه تجاه أهل البيت موقفاً يشبه موقف أهل العداء والنصب.

قام النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بتعريف أهل البيت بطرق ثلاثة نشير إليها:

1. صرّح بأسماء من نزلت الآية في حقّهم حتى يتعين المنزول فيه باسمه ورسمه.

2. قد أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء، ومنع من دخول غيرهم، وأشار بيده إلى السماء وقال: «اللّهم إنّ لكل نبي أهل بيت وهوَلاء أهل بيتي» كما سيوافيك نصه.

3. كان يمر ببيت فاطمة عدة شهور، كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت: (إنَّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).

وبهذه الطرق الثلاثة حدّد أفراد أهل البيت وعين مصاديقهم على وجه يكون جامعاً لهم ومانعاً عن غيرهم، ونحن ننقل ما ورد حول الطرق الثلاثة في التفسيرين: الطبري والدر المنثور للسيوطي، ثم نأتي بما ورد في الصحاح الستة حسب ما جمعه ابن الاَثير الجزري في كتابه «جامع الاَُصول» وأخيراً نشير إلى


(142)

الجوامع التي جمعت فيها أحاديث الفريقين حول نزول الآية في حق الخمسة الطيبة، ونترك الباقي إلى القارىَ الكريم، فإنّ البحث قرآني لا حديثي والاستيعاب في الموضوع يحوجنا إلى تأليف مفرد.

الطائفة الاَُولى: التصريح بأسمائهم

1. روى الطبري: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «نزلت هذه الآية في خمسة : فيّ، وفي عليّ رضي اللّه عنه، وحسن رضي اللّهعنه، وحسين رضي اللّه عنه، وفاطمة رضي اللّه عنها: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ».

2. عن أبي سعيد، عن أُم سلمة زوج النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- انّ هذه الآية نزلت في بيتها (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول اللّه ألست من أهل البيت ؟ قال: «إنّك إلى خير، أنت من أزواج النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- » قالت: وفي البيت رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي اللّه عنهم.

وفي «الدر المنثور » ما يلي:

3. روى السيوطي عن ابن مردويه، عن أُم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) وفي البيت سبعة: جبريل، وميكائيل عليمها السَّلام ، وعلي ، وفاطمة، والحسن، والحسين رضي اللّه عنهم؛ وأنا على باب البيت، قلت: يا رسول اللّه ألست من أهل البيت ؟ قال: «إنّك إلى خير، إنّك من أزواج النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ».

4. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري ـ


(143)

رضي اللّه عنهـ، قال: قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ، وفي علي، وفاطمة، وحسن، وحسين (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .

الطائفة الثانية: إدخالهم تحت الكساء

إدخالهم تحت الكساء أو «مرط أو ثوب» أو «عباءة أو قطيفة»: فقد وردت حوله هذه الروايات:

5. أخرج الطبري قال: قالت عائشة: خرج النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ذات غداة وعليه مِرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).

6. أخرج الطبري قال: عن أُمّ سلمة قالت: كان النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- عندي وعلي وفاطمة والحسن والحسين فجعلت لهم خزيرة فأكلوا وناموا وغطّى عليهم عباءة أو قطيفة ثم قال: «اللّهمّ هوَلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».

7. أخرج الطبري: عن أبي عمار قال: إنّـي لجالس عند واثلة بن الاَسقع إذ ذكروا عليّاً رضي اللّه عنه فشتموه، فلمّا قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا، انّي عند رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين فألقى عليهم كساء له ثم قال: اللّهم هوَلاء أهل بيتي، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

8. أخرج الطبري: عن أبي عمار قال: سمعت واثلة بن الاَسقع يحدث قال: سألت عن علي بن أبي طالب في منزله، فقالت فاطمة: قد ذهب يأتي برسولاللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إذ جاء، فدخل رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ودخلت، فجلس رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- على


(144)

الفراش وأجلس فاطمة عن يمينه وعليّاً عن يساره وحسناً وحسيناً بين يديه، فلفع عليهم بثوبه، وقال: «(إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) اللّهم هوَلاء أهلي اللّهم أهلي».

9. أخرج الطبري: عن أبي سعيد الخدري عن أُمّ سلمة قالت: لمّا نزلت هذه الآية (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ) دعا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّل عليهم كساءً خيبرياً، فقال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي، اللّهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، قالت: أُمّ سلمة قلت: ألست منهم؟ قال: «أنت إلى خير».

10. أخرج الطبري: عن أبي هريرة، عن أُم سلمة: قالت: جاءت فاطمة إلى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة تحلها على طبق، فوضعته بين يديه فقال: «أين ابن عمك وابناك؟» فقالت: «في البيت» فقال: «ادعيهم»، فجاءت إلى علي فقالت: «أجب النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أنت وابناك»، قالت أُمّ سلمة: فلما رآهم مقبلين مدَّ يده إلى كساء كان على المنامة فمدّه وبسطه وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الاَربعة بشماله فضمه فوق روَوسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربِّه، فقال: «هوَلاء أهل البيت فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».

11. أخرج الطبري: عن عمر بن أبي سلمة، قال: نزلت هذه الآية على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في بيت أُمّ سلمة: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) فدعا حسناً وحسيناً وفاطمة فأجلسهم بين يديه، ودعا علياً فأجلسه خلفه، فتجلّل هو وهم بالكساء، ثم قال: «هوَلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، قالت أُم سلمة: أنا معهم، قال: «مكانك، وأنت على خير».


(145)

12. أخرج الطبري: قال عامر بن سعد، قال: قال سعد: قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- حين نزل عليه الوحي فأخذ علياً وابنيه وفاطمة، وأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: «رب هوَلاء أهلي وأهل بيتي».

13. أخرج الطبري: عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عند أُم سلمة، قالت: فيه نزلت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) قالت أُم سلمة: جاء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إلى بيتي فقال: لا تأذني لاَحد، فجاءت فاطمة فلم استطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن فلم استطع أن أمنعه أن يدخل على جدّه وأُمّه، وجاء الحسين فلم استطع أن أحجبه، فاجتمعوا حول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- على بساط فجللهم نبي اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بكساء كان عليه ثم قال: «هوَلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط. قالت فقلت: يا رسول اللّه: وأنا ؟ قال: «إنّك إلى خير».

14. روى السيوطي: وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أُم سلمة رضي اللّه عنهما زوج النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أنّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كان ببيتها على منامة له عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة رضي اللّه عنها ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «ادعي زوجك وابنيك حسناً وحسيناً»، فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) فأخذ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بفضلة أزاره فغشاهم إياها، ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء ثم قال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، قالها ثلاث مرات، قالت أُم سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ : فأدخلت رأسي في الستر، فقلت: يا رسول اللّه وأنا


(146)

معكم؟ فقال: «إنّك إلى خير» مرّتين.

15. روى السيوطي: وأخرج الطبراني عن أُم سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ انّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال لفاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ : «إئتني بزوجك وابنيه»، فجاءت بهم، فألقى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- عليهم كساءً فدكياً ثم وضع يده عليهم، ثم قال: اللّهم إنّ هوَلاء أهل محمد وفي لفظ: آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد». قالت أُم سلمة ـ رضي اللّه عنهاـ : فرفعت الكساء لاَدخل معهم فجذبه من يدي وقال: «إنّك على خير».

16. روى السيوطي: وأخرج الطبراني عن أُم سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ قالت: جاءت فاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ إلى أبيها بثريدة لها، تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه، فقال لها: «أين ابن عمك؟» قالت: «هو في البيت». قال: «اذهبي فادعيه وابنيك»، فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما في يد وعلي ـ رضي اللّه عنه ـ يمشي في أثرهما حتى دخلوا على رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، فأجلسهما في حجره وجلس علي ـ رضي اللّه عنه ـ عن يمينه وجلست فاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ عن يساره، قالت أُمّ سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ : فأخذت من تحتي كساء كان بساطناً على المنامة في البيت. (1)

17. روى السيوطي: وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري ـ رضي اللّه عنه ـ قال: كان يوم أُمّ سلمة أُم الموَمنين ـ رضي اللّه عنها ـ فنزل جبرئيل - عليه السّلام- على رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بهذه الآية (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) قال: فدعا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بحسن وحسين وفاطمة وعلي فضمهم إليه ونشر عليهم الثوب، والحجاب على أُم سلمة مضروب، ثم قال:


(1)واجمال الحديث وابهامه يرتفع بالرجوع إلى سائر ما روي عن أُم سلمة في ذلك المضمار .

(147)

«اللّهم هوَلاء أهل بيتي، اللّهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، قالت أُم سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ: فأنا معهم يا نبي اللّه ؟ قال: «أنت على مكانك، وأنّك على خير».

18. روى السيوطي: وأخرج الترمذي وصحّحه، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصحّحه، وابن مردويه والبيهقي في سننه، من طرق، عن أُمّ سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ قالت: في بيتي نزلت: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجلّلهم رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بكساءكان عليه ثم قال: «هوَلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».

19. روى السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم عن عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ قالت: خرج رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين ـ رضي اللّه عنهما ـ فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .

20. روى السيوطي: وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه، عن سعد قال: نزل على رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه ثم قال: «اللّهم هوَلاء أهلي وأهل بيتي».

21. روى السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن جرير، وابن المنذر،وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن واثلة ابن الاَسقع ـ رضي اللّه عنه ـ قال: جاء رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إلى فاطمة ومعه حسن وحسين وعلي، حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً


(148)

وحسيناً كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثم تلاهذه الآية:(إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).

الطائفة الثالثة: تعيينهم بتلاوة الآية على بابهم

22. أخرج الطبري: عن أنس، انّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة، فيقول: الصلاة أهل البيت : (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ».

23. أخرج الطبري: أخبرني أبو داود، عن أبي الحمراء، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال: رأيت النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: الصلاة الصلاة: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .

24. أخرج الطبري: عن يونس بن أبي إسحاق باسناده، عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- مثله.

25. روى السيوطي: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسّنه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصحّحه، وابن مردويه، عن أنس ـ رضي اللّه عنـه ـ أنّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كان يمرّ بباب فاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: «الصلاة يا أهل البيت: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ».

26. روى السيوطي: أخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري ـ رضي اللّه عنه ـ قال: لما دخل علي رضي اللّه عنه بفاطمة رضي اللّه عنها جاء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أربعين


(149)

صباحاً إلى بابها يقول: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته، الصلاة رحمكم اللّه (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ) أنا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم».

27. روى السيوطي: أخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن أبي الحمراء رضي اللّه عنه قال: حفظت من رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرّة يخرج إلى صلاة الغداة إلاّ أتى إلى باب علي رضي اللّه عنه فوضع يده على جنبّتي الباب ثم قال: «الصلاة الصلاة: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ».

28. روى السيوطي: وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنهمـاـ قال: شهدنا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عند وقت كل صلاة، فيقول: «السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أهل البيت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) الصلاة رحمكم اللّه» كل يوم خمس مرّات.

29. روى السيوطي: وأخرج الطبراني عن أبي الحمراء رضي اللّه عنه ، قال: رأيت رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يأتي باب علي وفاطمة ستة أشهر فيقول: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً). (1)

مرور على ما رواه العلمان

قد تعرفت على أكثر ما رواه الطبري والسيوطي في تفسيرهما، وتركنا بعض ما


(1)لاحظ للوقوف على مصادر هذه الروايات تفسير الطبري: 22| 5 ـ 7، والدر المنثور: 5|198 ـ 199.

(150)

نقلاه في ذلك المجال عن أعلام التابعين، وما رويناه ينتهي اسناده إلى أقطاب الحديث من الصحابة وعيون الاَثر ، وهم:

1. أبو سعيد الخدري.

2. أنس بن مالك.

3. ابن عباس.

4. أبو هريرة الدوسي.

5. سعد بن أبي وقاص.

6. واثلة بن الاَسقع.

7. أبو الحمراء، أعني: هلال بن الحارث.

8. أُمّهات الموَمنين: عائشة وأُم سلمة.

أيصح بعد هذا لمناقش أن يشك في صحة نزولها في حق العترة الطاهرة؟! وليس الطبري والسيوطي فريدين في نقل تلك المأثورة، بل سبقهما، أصحاب الصحاح والمسانيد فنقلوا نزول الآية في حقهم صريحاً أو كناية، ولا بأس بنقل ما جاء في خصوص الصحاح حتى يعضد بعضه بعضاً فنقول:

30. أخرج الترمذي: عن سعد بن أبي وقاص ـ رضي اللّه عنه ـ ، قال: لمّا نزلت هذه الآية : (فَقُلْ تَعالَوا نَدعُ أبناءَنا وأبناءَكُمْ ونساءَنا ونساءَكُمْ) (1) الآية،دعا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: «اللّهم هوَلاء أهلي».


(1)آل عمران: 61.

(151)

31. أخرج الترمذي: عن أُم سلمة رضي اللّه عنها: قالت إنّ هذه الآية نزلت في بيتي (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ) قالت: وأنا جالسة عند الباب فقلت: يا رسول اللّه ألست من أهل البيت؟ فقال: «إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- »، قالت: وفي البيت رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وعلي وفاطمة وحسن وحسين، فجلّلهم بكسائه وقال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».

وفي رواية انّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة ثم قال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي وحامَّتي اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً». قالت أُم سلمة: وأنا معهم يا رسول اللّه ؟ قال: «إنّك إلى خير».

32. أخرج الترمذي: عن عمر بن أبي سلمة قال: نزلت هذه الآية على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) في بيت أُم سلمة، فدعا النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّلهم بكساء، وعليٌّ خلف ظهره، ثم قال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً». قالت أُم سلمة: وأنا معهم يا نبي اللّه؟ قال: «أنت على مكانك وأنت على خير».

33. أخرج الترمذي: عن أنس بن مالك: انّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كان يمرُّ بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية قريباً من ستة أشهر يقول: الصلاة أهل البيت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .

34. أخرج مسلم: عن عائشة قالت: خرج النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وعليه مِرط مُرَحَّل أسود، فجاءه الحسن فأدخله، ثم جاءه الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة


(152)

فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس) ) الآية.

35. أخرج مسلم: عن زيد بن أرقم: قال يزيد بن حيان: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصلّيت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، قال: يا ابن أخي، واللّه لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، فما حدثتكم فاقبلوا ومالا فلا تكلّفونيه، ثم قال: قام رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يوماً فينا خطيباً بماء يدعى: خماً، بين مكة والمدينة، فحمد اللّه وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أمّا بعد: ألا أيّـها الناس، إنّما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربّـي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما: كتاب اللّه فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب اللّه، واستمسكوا به، فحث على كتاب اللّه ورغّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساوَه من أهل بيته؟ قال: نساوَه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال: ومن هم؟ قال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هوَلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم ، زاد في رواية «كتاب اللّه فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل».

وفي أُخرى نحوه: غير أنّه قال: «وإنّـي تارك فيكم ثقلين أحدهما: كتاب اللّه وهو حبل اللّه فمن اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة، وفيها


(153)

فقلنا: من أهل بيته؟ نساوَه قال: لا وأيم اللّه انّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته: أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده. (1)

هذا ما رواه أصحاب الصحاح حول نزول الآية في حق العترة الطاهرة وتركنا ما رواه الاِمام أحمد في مسنده روماً للاختصار، وفي هذا غنى وكفاية لمن رام الحق واتبعه وعرف الباطل فاجتنبه، ومن أراد التوسع فعليه الرجوع إلى المصادر التالية:

1. العمدة للمحدث الحافظ يحيى بن سعيد المتوفّـى عام 600 هـ الطبعة الحديثة. (2)

2. بحار الاَنوار : 35|206 ـ 226.

3. غاية المرام: 287و 294، فقد أورد فيه واحداً وأربعين حديثاً من كتب أهل السنّة، وأربعاً وثلاثين من كتب الشيعة.

4. تفسير البرهان: 3|309 ـ 325، فقد أورد فيه خمساً وستين حديثاً.

5. نور الثقلين: 4|270 ـ 277، أورد فيه خمسة وعشرين حديثاً.

6. إحقاق الحق: 2|502 ـ 544، فقد نقل نزول الآية في حق العترة الطاهرة عن كتب أهل السنة حديثاً وتفسيراً، ثم استدرك ما فاته في الجزء التاسع والرابع عشر.


(1)راجع للوقوف على هذه المأثورات جامع الاَُصول لابن الاَثير: 10| 100 ـ 103، وصحيح مسلم: 7|122 ـ 123.

(2)حُقّق تحقيقاً أنيقاً ونشر من قبل موَسسة الاِمام الصادق - عليه السّلام- في عام 1412 هـ .

(154)

7. آية التطهير في حديث الفريقين فقد استقصى في جزء خاص الاَحاديث الواردة حول الموضوع من طريق الفريقين شكر اللّه مساعي الجميع.

وبعد هذا، حان حين البحث عن دلائل القول الآخر : وهو نزول الآية في نسائه.

نزولها في نسائه عليه الصلاة والسلام

قد تعرفت على دلائل القول وقرائنه وموَيداته وأحاديثه المتواترة التي أطبق على نقلها تسع وأربعون (1)صحابياً وصحابية من أُمهات الموَمنين، وقد تلقته الاَُمّة بالقبول في القرون الماضية، وأمّا القول الثاني أعني نزولها في نسائه وزوجاته - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فقد نسب إلى أشخاص نقل عنهم، منهم:

1. ابن عباس.

2. عكرمة.

3. عروة بن الزبير .

4. مقاتل بن سليمان.

أمّا الاَوّل: فقد نقل عنه تارة، عن طريق سعيد بن جبير، وأُخرى عن طريق عكرمة، قال السيوطي في الدر المنثور: وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس عن قوله: (إنّما يريد اللّه ...) قال: نزلت في نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

وقال أيضاً: أخرج ابن مردويه عن طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس


(1)سيوافيك مصدره.

(155)

قال: نزلت في نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

وأمّا الثاني: أعني عكرمة، فقد نقله عنه الطبري، عن طريق «علقمة» وانّ عكرمة كان ينادي في السوق: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس ...) نزلت في نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

ونقل في الدر المنثور : أخرج ابن جرير وابن مردويه، عن عكرمة في قوله: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم... ) إنّه قال ليس بالذي تذهبون إليه إنّما هو نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

وأمّا الثالث: أعني: عروة بن الزبير، فقال السيوطي: وأخرج ابن سعد عن عروة بن الزبير انّه قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال: أزواج النبي نزلت في بيت عائشة.

وأمّا الرابع: فقد نقل عنه في أسباب النزول. (1)

تحليل هذه النقول

أمّا نقله عن ابن عباس فليس بثابت، بل نقل عنه خلاف ذلك، فقد نقل السيوطي في «الدر المنثور» قال: وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: شهدنا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: «السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أهل البيت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ».

وليس ابن مردويه فريداً في هذا النقل، فقد نقله عنه الحاكم الحسكاني في


(1)تفسير الطبري: 22|7 و 8؛ والدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي: 5|198؛ وأسباب النزول للواحدي: 204.

(156)

شواهد التنزيل (1)بسند ينتهي إلى أبي صالح، عن ابن عباس: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) نزلت في رسول اللّه وعلي وفاطمة والحسن والحسين. والرجس: الشك .

كما نقله الحافظ الحسين بن الحكم الحبري في «تنزيل الآيات» عن أبي صالح بمثل ما سبق. (2)

وممن رواه عن ابن عباس صاحب أرجح المطالب ص 54 طبع لاهور، والعلاّمة إسماعيل النقشبندي «في مناقب العترة».

أضف إلى ذلك أنّ من البعيد أن يخفى على ابن عباس حبر الاَُمّة ما اطّلع عليه عيون الصحابة وأُمّهات الموَمنين، وقد أنهى بعض الفضلاء السادة (3)عدد رواة الحديث من الصحابة إلى تسعة وأربعين صحابياً. وجمعها من مصادر الفريقين في الفضائل والمناقب.

وأمّا عكرمة

فقد ثبت تقوّله بذلك كما عرفت، لكنّ في نفس كلامه دليلاً واضحاً على أنّ الرأي العام يوم ذاك في شأن نزول الاَُمّة هو نزولها في حق فاطمة، وانّما تفرّد هو بذلك، ولاَجله رفع عقيرته في السوق بقوله: ليس بالذي تذهبون إليه وإنّما هو نساء النبي. أضف إلى ذلك: انّ تخصيص هذه الآية بالنداء في السوق وانّها نزلت في نساء النبي يعرب عن موقفه الخاص بالنسبة إلى من اشتهر نزول الآية في حقهم،


(1)شواهد التنزيل: 2|30.

(2)تنزيل الآيات: 24 «مخطوط» منه نسخة في جامعة طهران. لاحظ إحقاق الحق: 14|53.

(3)آية التطهير في حديث الفريقين.

(157)

وإلاّ فالمتعارف بين الناس هو الجهر بالحقيقة بشكل معقول لا بهذه الصورة المعربة عن الانحراف عنهم.

هذا كله حول ما نقل عنه، وأمّا تحليل شخصيته وموقفه من الاَمانة والوثاقة، وانحرافه عن علي وانحيازه إلى الخوارج وطمعه الشديد بما في أيدي الاَُمراء فحدث عنه ولا حرج، ولاَجل إيقاف القارىَ على قليل مما ذكره أئمّة الجرح والتعديل في حقه نأتي ببعض ما ذكره الاِمام شمس الدين الذهبي نقّاد الفن في كتابيه: «تذكرة الحفاظ»، و «سير أعلام النبلاء»، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب الجرح والتعديل.

نقل الاِمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفّـى 748هـ في «سير أعلام النبلاء» هذه الكلمات في حق عكرمة:

1. قال أيوب: «قال عكرمة: إنّـي لاَخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلّم بالكلمة فينفتح لي خمسون باباً من العلم...» ما معنى هذه الكلمة؟ وهل يقولها إنسان يملك شيئاً من العقل والوقار ؟!

2. قال ابن لهيعة: وكان يحدّث برأي نجدة الحروري (1)وأتاه، فأقام عنده ستة أشهر، ثم أتى ابن عباس فسلّم، فقال ابن عباس: قد جاء الخبيث .

3. قال سعيد بن أبي مريم، عن أبي لهيعة، عن أبي الاَسود قال: كنت أوّل من سبّب لعكرمة الخروج إلى المغرب وذلك أنّـي قدمت من مصر إلى المدينة فلقيني عكرمة وسألني عن أهل المغرب، فأخبرته بغفلتهم، قال: فخرج إليهم وكان أوّل ما أحدث فيهم رأي الصفريّة. (2)


(1)هو نجدة بن عامر الحروري الحنفي من بني حنيفة رأس الفرقة النجدية، انفرد عن سائر الخوارج بآرائه.

(2)هم فرقة من الخوارج أتباع زياد بن الاَصفر.

(158)

4. قال يحيى بن بكير: قدم عكرمة مصر ونزل هذه الدار وخرج إلى المغرب، فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا .

5. قال علي بن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدة الحروري.

6. وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين يقول: إنّما لم يذكر مالك عكرمة ـ يعني في الموطأ ـ قال: لاَنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفريّة.

7. وروى عمر بن قيس المكي، عن عطاء قال: كان عكرمة أباضياً. (1)

8. وعن أبي مريم قال: كان عكرمة بيهسياً. (2)

9. وقال إبراهيم الجوزجاني: سألت أحمد بن حنبل عن عكرمة، أكان يرى رأي الاَباضية؟ فقال: يقال: انّه كان صفرياً، قلت: أتى البربر ؟ قال: نعم، وأتى خراسان يطوف على الاَُمراء يأخذ منهم.

10. وقال علي بن المديني: حكى عن يعقوب الحضرمي عن جده قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلاّ كافر. قال: وكان يرى رأي الاباضية. (3)

وقال في «ميزان الاعتدال» (4): وقد وثقه جماعة، واعتمده البخاري، وأمّا مسلم فتجنّبه، وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك، وتحايده إلاّ في حديث أو حديثين.

عفان، حدثنا وهيب قال: شهدت يحيى بن سعيد الاَنصاري ، وأيوب، فذكرا عكرمة فقال يحيى: كذاب، وقال أيوب: لم يكن بكذاب.


(1)هم أتباع عبد اللّه بن أباض، رأس الاَباضية.

(2)فرقة من الصفرية أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر الضبغي رأس الفرقة البيهسية من الخوارج.

(3)لاحظ سير أعلام النبلاء للذهبي: 5|18 ـ 22.

(4)ميزان الاعتدال: 3|93 ـ 97.

(159)

عن عبد اللّه بن الحارث: دخلت على علي بن عبد اللّه بن عباس فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش فقلت: ألا تتقي اللّه؟ قال: إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي .

سئل محمد بن سيرين عن عكرمة؟ فقال: ما يسوَني أن يكون من أهل الجنة ولكنّه كذّاب.

هشام بن عبد اللّه المخزومي: سمعت ابن أبي ذئب يقول: رأيت عكرمة وكان غير ثقة.

وعن بريد بن هارون قال: قدم عكرمة البصرة، فأتاه أيوب ويونس وسليمانالتيمي، فسمع صوت غناء فقال: اسكتوا، ثم قال: قاتله اللّه لقد أجاد.

وعن خالد بن أبي عمران قال: كنّا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم فقال: وددت أن بيدي حربة فاعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً.

وعن يعقوب الحضرمي عن جده قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلاّ كافر . قال: ويرى رأي الاَباضية، انّ عكرمة لم يدع موضعاً إلاّ خرج إليه: خراسان والشام واليمن ومصر وافريقية، كان يأتي الاَُمراء فيطلب جوائزهم.

وقال عبد العزيز الدراوردي: مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فما شهدهما إلاّ سودان المدينة.

وعن ابن المسيب أنّه قال لمولاه «برد»: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.

أفبعد هذه الكلمات المتضافرة الحاكية عن انحراف الرجل عن جادة الحق،

وتكفيره عامّة المسلمين، وتمنّيه أن يقتل كل من شهد الموسم، يصح الاعتماد عليه في تفسير الذكر الحكيم؟ والاَسف أنّ المفسرين نقلوا أقواله وأرسلوها ولم يلتفتوا إلى أنّ الرجل كذّاب على مولاه وعلى المسلمين، فواجب على عشاق الكتاب العزيز وطلاب التفسير، تهذيب الكتب عن أقوال وآراء ذلك الدجال ومن يحذو حذوه .


(160)

عروة بن الزبير

وأمّا عروة بن الزبير فيكفي في عدم حجية قوله، عداوَه لعلي وانحرافه عنه، ففي هذاالصدد يقول ابن أبي الحديد: روى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران عليّاً - عليه السّلام- فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه السَّلام ، فجاء حتى وقف عليهما، فقال: أما أنت يا عروة فإنّ أبي حاكم أباك إلى اللّه فحكم لاَبي على أبيك، وأمّا أنت يا زهري فلو كنت بمكة لاَريتك كير أبيك.

وقد روي من طرق كثيرة: أنّ عروة بن الزبير كان يقول: لم يكن أحد من أصحاب رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يزهو إلاّ علي بن أبي طالب، وأُسامة بن زيد.

وروى عاصم بن أبي عامر البجلي، عن يحيى بن عروة قال: كان أبي إذا ذكر عليّاً نال منه، وقال لي مرّة: يا بني واللّه ما أحجم الناس عنه إلاّ طلباً للدنيا، لقد بعث إليه أُسامة بن زيد أن أبعث إلي بعطائي فواللّه انّك لتعلم انّك لو كنت في فم أسد لدخلت معك. فكتب إليه: إنّ هذا المال لمن جاهد عليه، ولكن لي مالاً بالمدينة، فأصب منه ما شئت.


(161)

قال يحيى: فكنت أعجب من وصفه إياه بما وصفه به ومن عيبه له وانحرافه عنه. (1)

مقاتل بن سليمان

وهو رابع النقلة لنزول الآية في نسائه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ويكفي في عدم حجية قوله ما نقله الذهبي في حقه في «سير أعلام النبلاء» قال: قال ابن عيينة: قلت لمقاتل: زعموا أنّك لم تسمع من الضحاك؟ قال: يغلق علي وعليه باب فقلت في نفسي: أجل باب المدينة.

وقيل: إنّه قال: سلوني عمّـا دون العرش، فقالوا: أين أمعاء النملة؟ فسكت، وسألوه لما حج آدم من حلق رأسه؟ فقال: لا أدري. قال وكيع: كان كذّاباً.

وعن أبي حنيفة قال: أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل (2) ومقاتل مشبّه، مات مقاتل سنة نيف وخمسين ومائة، وقال البخاري: مقاتل لا شيء البتة. قلت: اجمعوا على تركه. (3)

تجد اتفاق المتكلمين من الاَشاعرة والمعتزلة ومن قبلهم على أنّ القول بالتشبيه انّما تسرب إلى الاَوساط الاِسلامية من مقاتل، فهو الزعيم الركن بالقول


(1)شرح النهج لابن أبي الحديد: 4|102؛ وراجع سير أعلام النبلاء: 4|421 ـ 437 ما يدل على كونه من بغاة الدنيا وطالبيها، وقد بنى قصراً في العقيق وأنشد شعراً في مدحه، وكان مقرباً لدى الاَمويين خصوصاً عبد الملكبن مروان.

(2)التعطيل: هو انّ لا تثبت للّه الصفات التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- والتشبيه:أن يُشبَه اللّه سبحانه وتعالى بأحد من خلقه.

(3)سير أعلام النبلاء: 7|202.

(162)

بأنّ له سبحانه أعضاء مثل ما للاِنسان من اليد والرجل والوجه وغير ذلك، قاتل اللّه مقاتل، كيف يفتري على اللّه سبحانه كذباً ويُفسر آياته بغير وجهها ؟!

وقال الذهبي أيضاً في «ميزان الاعتدال» (1)، ما هذا تلخيصه: قال النسائي: كان مقاتل يكذب.

وعن يحيى: حديثه ليس بشيء. وقال الجوزجاني: كان دجّالاً جسوراً.

وقال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان يشبّه الرب بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث.

وعن خارجة بن مصعب: لم استحل دم يهودي، ولو وجدت مقاتل بن سليمان خلوة لشققت بطنه.

وقال ابن أبي حاتم: حديثه يدل على أنّه ليس بصدوق.

مشكلة السياق؟!

قد تعرفت على ما هو المراد من أهل البيت في الآية الشريفة من خلال الامعان فيها وفي ظل الروايات الواردة في كلام النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، غير انّهناك مشكلة باسم مشكلة السياق وهي انّالآية وردت في ثنايا الآيات المربوطة بنساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- على وجه يكون قبلها وبعدها راجعاً إليهنّ ومع ذلك كيف يمكن أن تكون هذه الآية راجعة إلى أهل البيت بالمعنى الذي عرفت؟

وبعبارة أُخرى: إنّ آية التطهير جزء من الآية الثالثة الثلاثين، التي يرجع صدرها وذيلها إلى نساء النبي، فعندئذ كيف يصح القول بأنّـها راجعة إلى


(1)ميزان الاعتدال: 4|172 ـ 175.

(163)

غيرهنّ، فإنّ وحدة السياق قاضية على أنّ الكل راجع إلى موضوع واحد، وإرجاعها إلى غير نسائه يستلزم التفكيك بين أجزاء آية واحدة، نعم لو كانت آية التطهير آية مستقلة لكان الاَمر سهلاً إذ كان الاِشكال أضعف، ولكنّها جزء من آية واحدة نزلت في نساء النبي.

والجواب: لا شك أنّ السياق من الاَُمور التي يستدل بها على كشف المراد ويجعل صدر الكلام ووسطه وذيله قرينة على المراد، ووسيلة لتعيين ما أُريد منه، ولكنه حجة إذا لم يقم دليل أقوى على خلافه، فلو قام ترفع اليد عن وحدة السياق وقرينيّته.

وبعبارة أُخرى: إنّ الاعتماد على السياق إنّما يتم لو لم يكن هناك نص على خلافه، وقد عرفت النصوص الدالة على خلافه.

أضف إليه أنّ هناك دلائل قاطعة على أنّ آية التطهير آية مستقلة نزلت كذلك ووقعت في ثنايا الآية المربوطة بأزواج النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لمصلحة كان صاحب الشريعة أعرف بها. (1)وإليك الدلائل الدالة على استقلالها:

الدليل الاَُوّل:

أطبقت الروايات المنتهية إلى الاَصحاب وأُمّهات الموَمنين والتابعين لهم بإحسان على نزولها مستقلة، سواء أقلنا بنزولها في حق العترة الطاهرة أو زوجات النبي أو أصحابه، فالكل ـ مع قطع النظر عن الاختلاف في المنزول فيه ـ اتفقوا


(1)نقل السيوطي عن ابن الحصّار : إنّ ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنّما كان بالوحي كان رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا. لاحظ الاِتقان: 1|194، الفصل الثامن عشر فيجمع القرآن وترتيبه من طبعة مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.

(164)

على نزولها مستقلة، وقد مضت النصوص عن الطبري و«الدر المنثور» والصحاح ترى أنّ أُمَّ سلمة تقول: نزلت في بيتي (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) .

ويروي أبو سعيد الخدري، عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «نزلت هذه الآية في خمسة: فيَّ وفي علي وفاطمة وحسن وحسين (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) ».

وروت عائشة: خرج النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ذات غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) . إلى غير ذلك من النصوص.

حتى انّ ظاهر كلام عكرمة وعروة بن الزبير نزولها مستقلة بقول السيوطي: كان عكرمة ينادي في السوق (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) نزلت في نساء النبي .

وأخرج ابن سعد عن عروة بن الزبير أنّه قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال: أزواج النبي، نزلت في بيت عائشة. (1)

فالموافق والمخالف اتفقا على كونها آية مستقلة إمّا نزلت في بيت أُمّ سلمة أو بيت عائشة، وإمّا في حق العترة أو نسائه.

وعلى ذلك تسهل مخالفة السياق، والقول بنزولها في حق العترة الطاهرة، وانّ الصدر والذيل راجعان إلى نسائه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لا ما ورد في ثناياها، فهو راجع إلى غيرهن.


(1)لاحظ : 140 ـ 153 من هذا الجزء.

(165)

ولا غرو في أن يكون الصدر والذيل راجعين إلى موضوع وما ورد في الاَثناء راجعاً إلى غيره فإنّ ذلك من فنون البلاغة وأساليبها، نرى نظيره في الذكر الحكيم وكلام البلغاء، وعليه ديدن العرب في محاوراتهم، فربما يرد في موضوع قبل أن يفرغ من الموضوع الذي كان يبحث عنه ثم يرجع إليه ثانياً.

يقول الطبرسي: من عادة الفصحاء في كلامهم انّهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه، والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب وأشعارهم. (1)

قال الشيخ محمد عبده: إنّ من عادة القرآن أن ينتقل بالاِنسان من شأن إلى شأن ثم يعود إلى مباحث المقصد الواحد المرة بعد المرة. (2)

وروي عن الاِمام جعفر الصادق - عليه السّلام- : «إنّ الآية من القرآن يكون أوّلها في شيء وآخرها في شيء». (3)

ولاَجل أن يقف القارىَ على صحة ما قاله هوَلاء الاَكابر نأتي بشاهد، فنقول: قال سبحانه ناقلاً عن «العزيز» مخاطباً زوجته: (إِنّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ )


(1)مجمع البيان: 4|357.

(2)تفسير المنار: 2|451.

(3)الكاشف: 6|217.

(166)

أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِين).(1)نرى أنّ العزيز يخاطب أوّلاً امرأته بقوله: (إِنّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ) وقبل أن يفرغ من كلامه معها، يخاطب يوسف بقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) ... ثم يرجع إلى الموضوع الاَوّل ويخاطب زوجته بقوله: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ) ... فقوله (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) جملة معترضة وقعت بين الخطابين، والمسوّغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين، وكانت له صلة تامّة بالواقعة التي رفعت إلى العزيز.

والضابطة الكليّة لهذا النوع من الكلام هو وجود التناسب المقتضي للعدول من الاَوّل إلى الثاني، ثم منه إلى الاَوّل ، وهي أيضاً موجودة في المقام، فإنّه سبحانه يخاطب نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بالخطابات التالية:

1. (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) .

2. (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن ...) .

3. (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاَُولى) .

فعند ذلك صح أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وذلك لوجهين:

1. تعريفهنّ على جماعة بلغوا في التورع والتقى، الذروة العليا، وفي الطهارة عن الرذائل والمساوىَ، القمة. وبذلك استحقوا أن يكونوا أُسوة في الحياة وقدوة في مجال العمل، فيلزم عليهن أن يقتدين بهم ويستضيئنّ بضوئهم.

2. التنبيه على أنّ حياتهنّ مقرونة بحياة أُمّة طاهرة من الرجس ومطهرة من الدنس، ولهن معهم لحمة القرابة ووصلة الحسب، واللازم عليهن التحفّظ على شوَون هذه القرابة بالابتعاد عن المعاصي والمساوىَ، والتحلّـي بما يرضيه سبحانه ولاَجل ذلك يقول سبحانه : (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)، وما هذا إلاّ لقرابتهن منه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وصلتهن بأهل بيته. وهي لا تنفك عن المسوَولية الخاصة، فالانتساب للنبي الاَكرم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ولبيته الرفيع، سبب المسوَولية ومنشوَها، وفي ضوء


(1)يوسف: 28 ـ 29.

(167)

هذين الوجهين صح أن يطرح طهارة أهل البيت في أثناء المحاورة مع نساء النبي والكلام حول شوَونهن.

ولقد قام محقّقو الاِمامية ببيان مناسبة العدول في الآية ، نأتي ببعض تحقيقاتهم، قال السيد القاضي التستري: «لا يبعد أن يكون اختلاف آية التطهير مع ما قبلها على طريق الالتفات من الاَزواج إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وأهل بيته - عليهم السّلام- على معنى أنّ تأديب الاَزواج وترغيبهن إلى الصلاح والسداد، من توابع إذهاب الرجس والدنس عن أهل البيت - عليهم السّلام- ، فالحاصل نظم الآية على هذا: انّ اللّه تعالى رغب أزواج النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إلى العفة والصلاح بأنّه إنّما أراد في الاَزل أن يجعلكم معصومين ياأهل البيت واللائق أن يكون المنسوب إلى المعصوم عفيفاً صالحاً كما قال: (والطّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ)(1) . (2)

وقال العلاّمة المظفر: وإنّما جعل سبحانه هذه الآية في أثناء ذكر الاَزواج وخطابهن للتنبيه على أنّه سبحانه أمرهن ونهاهن وأدّبهن إكراماً لاَهل البيت وتنزيهاً لهم عن أن تنالهم بسببهن وصمة، وصوناً لهم عن أن يلحقهم من أجلهن عيب، ورفعاً لهم عن أن يتصل بهم أهل المعاصي، ولذا استهل سبحانه الآيات بقوله: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) ضرورة أنّ هذا التميّز انّما هو للاتصال بالنبي وآله، لا لذواتهن فهن في محل، و أهل البيت في محل آخر، فليست الآية الكريمة إلاّ كقول القائل: يا زوجة فلان لست كأزواج سائر الناس فتعفّفي، وتستّـري، وأطيعي اللّه تعالى، إنّما زوجك من بيت أطهار يريد اللّه حفظهم من الاَدناس وصونهم عن النقائص. (3)


(1)النور: 26.

(2)إحقاق الحق: 2|570.

(3) دلائل الصدق: 2|72.

(168)

الدليل الثاني

إنّ لسان الآيات الواردة حول نساء النبي لسان الاِنذار والتهديد، ولسان الآية المربوطة بأهل بيته لسان المدح والثناء، فجعل الآيتين آية واحدة وإرجاع الجميع إليهن ممّا لا يقبله الذوق السليم، فأين قوله سبحانه : (يا نساء النبي من يأت منكنَّ بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب) من قوله: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) ؟!

كما انّ لسان القرآن في أزواج النبي، لسان المدح والانذار ويكفيك الاِمعان في آيات سورة التحريم فلاحظ.

الدليل الثالث

إنّ قوله سبحانه : (إنّما يريد اللّه ...) في المصاحف جزء من الآية الثالثة والثلاثين فلو رفعناه منها لم يتطرق أيّ خلل في نظم الآية ومضمونها وتتحصل من ضم الآية الرابعة والثلاثين إلى ما بقيت، آية تامة واضحة المضمون، مبينة المرمى منسجمة الفاصلة، مع فواصل الآيات المتقدمة عليها، وإليك تفصيل الآية في ضمن مقاطع:

ألف. (وقرن في بيوتكن ولا تبرَّجن تبرُّج الجاهلية الاَُولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن اللّه ورسوله) .

ب. (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)(1)


(1)الاَحزاب: 33.

(169)

ج. (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات اللّه والحكمة إنّ اللّه كان لطيفاً خبيراً). (1)

فلو رفعنا قوله: (إنّما يريد اللّه) وضممنا ما تقدم عليه بما تأخر، جاءت الآية تامة من دون حدوث خلل في المعنى والنظم، وهذا دليل على أنّ قوله تعالى: (إنّما يريد اللّه) آية مستقلة وردت في ضمن الآية لمصلحة ربما نشير إليها.

إنّ الاَحاديث على كثرتها صريحة في نزول الآية وحدها، ولم يرد حتى في رواية واحدة نزولها في ضمن آيات نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ولا ذكره أحد حتى القائل باختصاص الآية بأزواج النبي كما ينسب إلى عكرمة وعروة، فالآية لم تكن حسب النزول جزءاً من آيات نساء النبي ولا متصلة بها، وانّما وضعت إمّا بأمر النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أو عند التأليف بعد الرحلة.

ويوَيده أنّ آية (وقرن في بيوتكن) باقية على انسجامها واتصالها لو قدّر ارتفاع آية التطهير من بين جملها. (2)

وليس هذا أمراً بدعاً فله نظير في القرآن الكريم .

فقد تضافرت السنّة، وروى الفريقان أن قولــه سبحانــه : (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَـرُوا مِنْ دِينِكُـمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِيناً)(3) نزلت في غدير خم عندما نصّب النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- علياً إماماً للاَُمّة وولياً للموَمنين، مع أنّه في المصاحف جزء الآية الثالثة من «سورة المائدة» التي تبيّـن أحكام اللّحوم، وإليك نفس الآية في مقاطع


(1)الاَحزاب: 34.

(2)الميزان: 16|330.

(3)المائدة: 3.

(170)

ثلاثة:

ألف.(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ الْسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ). (1)

ب. (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاِسلام ديناً) .

ج . (فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْـرَ مُتَجَانِفٍ لاَثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (2)

فإذا رفعنا الجزء الثاني يحصل من ضم الاَوّل إلى الثالث آية تامة من دون طروء خلل في مضمونها ونظمها، وذلك دليل على أنّ الجزء الثاني آية مستقلة وردت في ضمن آية أُخرى بتصويب صاحب الشريعة الغراء أو بتصويب من جامعي القرآن بعد رحلته - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

أضف إلى ذلك أنّ مضمون الآية ـ أعني: أحكام اللحوم ـ قد ورد في آيات أُخر من دون أن تشتمل على هذه الزيادة، فهذه قرينة على أنّ ما ورد في الاَثناء ليس من صميم الآية في سورة المائدة، وإنّما وضع في أثنائها بأمر من النبي الاَكرم لمصلحة عامة نشير إليها .

ما هو السر في جعلها جزءاً من آية أُخرى

قد اتضح مما ذكرنا أن القرآن الكريم إنّما انتقل إلى موضوع أهل البيت


(1) المائدة: 3.

(2) المائدة: 3.

(171)

وخطابهم لاَجل إعلام نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بأنّهن في جوار هوَلاء المطهرين فيجبعليهن القيام بأداء حقوق هوَلاء العظماء، الذين ميّزهم اللّه تعالى عن غيرهم من هذه الاَُمّة بالتطهير والعصمة و الاقتداء بهم في القول والسلوك.

ولكن يبقى هنا سوَال آخر، وهو أنّه إذا كانت الآية ، آية مستقلة فلماذا جاءت في المصحف جزءاً من آية أُخرى، ولم تكتب بصورة آية تامّة في جنب الآيات الاَُخرى ؟

الجواب: التاريخ يطلعنا بصفحات طويلة على موقف قريش وغيرهم من أهل البيت - عليهم السّلام- ، فإنّ مرجل الحسد ما زال يغلي والاتجاهات السلبية ضدهم كانت كالشمس في رابعة النهار، فاقتضت الحكمة الاِلهية أن تجعل الآية في ثنايا الآيات المتعلّقة بنساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- من أجل تخفيف الحساسية ضد أهل البيت ، وان كانت الحقيقة لا تخفى على من نظر إليها بعين صحيحة، وأنّ الآية تهدف إلى جماعة أُخرى غير نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كما بيّناه قبل قليل.

وللسيد عبد الحسين شرف الدين هنا كلام ربّما يفصل ما أجملناه فإنّه ـ قدّس اللّه سرّه ـ بعد ما أثبت أنّ قوله سبحانه : (إنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلاةَ وَيُوَْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (1)منزل في حق الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام- طرح سوَالاً، وهو أنّه إذا كان أمير الموَمنين - عليه السّلام- هو المراد من الآية فلماذا عبر عن المفرد بلفظ الجمع؟

فقال: إنّ العرب قد تعبّـر عن المفرد بلفظ الجمع لنكتة التعظيم حيث يستوجب، ثم قال: وعندي في ذلك نكتة ألطف وأدق، وهي أنّه إنّما أُتي بعبارة الجمع دون عبارة المفرد بُقياً منه تعالى على كثير من الناس، فإنّ شانئي علي وأعداء


(1)المائدة: 55.

(172)

بني هاشم وسائر المنافقين وأهل الحسد والتنافس لا يطيقون أن يسمعوها بصيغة المفرد إذ لا يبقى لهم حينئذ مطمع في التمويه ولا ملتمس في التضليل فيكون منهم بسبب يأسهم حينئذ ما تخشى عواقبه على الاِسلام فجاءت الآية بصيغة الجمع مع كونها للمفرد اتقاء من معرتهم، ثم كانت النصوص بعدها تترى بعبارات مختلفة ومقامات متعددة وبث فيهم أمر الولاية تدريجاً حتى أكمل اللّه الدين وأتمَّ النعمة جرياً منه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- على عادة الحكماء في تبليغ الناس ما يشق عليهم، ولو كانت الآية بالعبارة المختصة بالمفرد لجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكباراً، وهذه الحكمة مطردة في كل ما جاء في القرآن الحكيم من آيات فضل أمير الموَمنين وأهل بيته الطاهرين كما لا يخفى، وقد أوضحنا هذه الجمل وأقمنا عليها الشواهد القاطعة والبراهين الساطعة في كتابينا «سبيل الموَمنين» و «تنزيل الآيات» والحمد للّه على الهداية والتوفيق والسلام. (1)


(1)المراجعات:المراجعة: 42 ص 166.

(173)

نظريات أُخرى في تفسير الآية

قد عرفت القولين المعروفين حول الآية ، كما عرفت الحق الواضح منهما، فهلم معي ندرس سائر الاَقوال الشاذة التي لا تعتمد على ركن وثيق وإنّما هي آراء مختلقة لاَجل الفرار من المشاكل المتوجهة إلى ثاني القولين، ونحن نذكرها واحداً بعد آخر على نحو الاِيجاز :

1. المراد من «البيت»هو بيت اللّه الحرام والمراد من أهله هم المقيمون حوله.

2. المراد من «البيت» هو مسجد النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- والمراد من أهله هم القاطنون حوله، وكان لبيوتهم باب إلى المسجد .

3. المراد من تحرم عليهم الصدقة وهم ولد أبي طالب: علي، جعفر، وعقيل، وولد العباس.

4. المراد من البيت بيت النسب والحسب، فيعم أبناء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ونساءه. (1)

وهذه الوجوه كلّها عليلة ، أمّا الاَوّل والثاني، فلاَنّ إطلاق «أهل البيت» واستعماله في أهل مكة والمدينة استعمال بعيد لا يحمل عليه الكلام إلاّ بقرينة قطعية، والمتبادر منه هو أهل بيت الرجل، وعلى ذلك جرى الذكر الحكيم في موردين أحدهما في قصة إبراهيم قال سبحانه : (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ). (2)وثانيهما في قصة موسى قال سبحانه: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ). (3)

أضف إليه أنّ الآية واقعة في سياق البحث عن نساء النبي، فصرف الآية عنه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وإرجاعها إلى من جاور بيت اللّه أو من بات حول مسجده لا يساعد عليه


(1)لاحظ في الوقوف على هذه الاَقوال تفسير الطبري: 22|5 ـ 7؛ وتفسير القرطبي: 14|182؛ ومفاتيح الغيب للرازي: 6|615؛ والكشاف: 2|538؛ وغيرها.

(2)هود: 73.

(3)القصص: 12.

(174)

ظاهر الآيات أبداً .

ويتلوهما الثالث: فإنّ تفسير «أهل بيت النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- » بمن تحرم عليه الصدقة من صلب أبي طالب والعباس تفسير بلا شاهد ، وكأنّه حمل البيت على البيت النسبي، أضف إليه أنّ الصدقة غير محرمة على خصوص أبنائهما، بل هي محرمة على أبنائهما وكل من كان من نسل عبد المطلب .

قال الشيخ الطوسي في الخلاف: تحرم الصدقة المفروضة على بني هاشم من ولد أبي طالب العقيليين والجعافرة والعلويين، وولد العباس بن عبد المطلب، وولد أبي لهب، وولد الحارث بن عبد المطلب، ولا عقب لهاشم إلاّ من هوَلاء، ولا يحرم على ولد المطلب، ونوفل، وعبد شمس بن عبد مناف، قال الشافعي: تحرم الصدقة المفروضة على هوَلاء كلهم وهم جميع ولد عبد مناف. (1)

وقال بمثله أيضاً في كتاب قسمة الصدقات: 2|353، المسألة 26.

وعلى ذلك فليس لهذه النظرية دليل سوى ما رواه مسلم عن زيد بن أرقم، وقد قدمنا نصّه عند ذكر الاَحاديث الواردة حول الآية. (2)

وأمّا النظرية الرابعة: فقد ذهب إليها بعضهم، جمعاً بين الاَحاديث المتضافرة الحاكية عن نزول الآية في العترة الطاهرة، وسياق الآيات الدالة على رجوعها إلى نسائه، فحاول القائل الجمع بين الدليلين بتفسير الآية بأولاده وأزواجه، وجعل عليّاً أيضاً منهم بسبب معاشرته وملازمته للنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

قال الرازي: والاَولى أن يقال هم: أولاده وأزواجه والحسن والحسين منهموعلي معهم، لاَنّه كان من أهل بيته بسبب معاشرته بيت النبي وملازمته. (3)

وقال البيضاوي: والتخصيص بهم أولاده لا يناسب ما قبل الآية


(1)الخلاف: 2|227، المسألة 4 كتاب الوقوف والصدقات.

(2)لاحظ ص 150، الحديث 35.

(3)مفاتيح الغيب: 6|615.

(175)

ومابعدها، والحديث يقتضي أنّهم من أهل البيت لا أنّ غيرهم ليس منهم. (1)

وقال المراغي: أهل بيته من كان ملازماً له من الرجال والنساء والاَزواج والاِماء والاَقارب. (2)

وهذه النظرية موهونة أيضاً

أوّلاً: انّ اللام في «أهل البيت» ليس للجنس ولا للاستغراق، بل هي لام العهد وهي تشير إلى بيت معهود بين المتكلم والمخاطب، وهو بيت واحد، ولو صح ذلك القول لوجب أن يقول «أهل البيوت» حتى يعم الاَزواج والاَولاد وكل من يتعلّق بالنبي نسباً أو حسباً أو لعلاقة السكنيّة مثل الاِماء.

والحاصل: انّه لو أُريد «بيت النبي» المادي الجسماني لا يصح، إذ لم يكن له بيت واحد، بل كان لكل واحدة من نسائه بيت مشخص، فكان النبي صاحب البيوت لا البيت الواحد.

ولو أُريد منه بيت النسب، كما يقال: بيت من بيوتات «حمير» أو «ربيعة»، فلازمه التعميم إلى كل من ينتمي إلى هذا البيت بنسب أو سبب، مع أنّه كان بعض المنتمين إليه يوم نزول الآية من عبدة الوثن وأعداء النبي ، فإنّ سورة الاَحزاب نزلت سنة ست من الهجرة، وقد ورد فيها زواج النبي من زينب بنت جحش، وهو حسب ما ذكره صاحب «تاريخ الخميس» من حوادث سنة الخمس، وعلى ذلك فلا تتجاوز الآيات النازلة في نساء النبي عن هذا الحد وكان عند ذاك، بعض من ينتمي إلى النبي بالنسب مشركاً، كأبي سفيان بن عبد المطلب ابن عم رسول اللّه، وعبد اللّه بن أُمية بن المغيرة ابن عمته، وقد أسلما في عام الفتح، وأنشد الاَوّل قوله في إسلامه واعتذر إلى النبي ممّا كان مضى منه فقال:


(1)أنوار التنزيل: 4|162.

(2)تفسير المراغي: 22|7.

(176)

لعمرك إنّـي يوم أحمِلُ رايةًلتَغْلِبَ خَيلَ اللات، خيلُ محمد

لكالمُدلج الحيرانِ أظلم ليلُــهُفهذا أواني حين أُهدي وأهْتدي (1)

ولو أُريد منه «بيت الوحي» فلازمه الاختصاص بمن بلغ من الورع والتقوى ذروتهما، حتى يصح عدّه من أهل ذلك البيت الرفيع المعنون، ومثله لا يعم كل من ينتمي بالوشائج النسبية أو الحسبية إلى هذا البيت، وإن كان في جانب الاِيمان والعمل في درجة نازلة تلحقه بالعاديين من المسلمين.

ثانياً: قد عرفت أنّ الاِرادة الواردة في الآية تكوينية تعرب عن تعلّق إرادته الحكيمة على عصمة أهل ذلك البيت، ومعه كيف يمكن القول بأنّ المراد كل من ينتمي إلى ذلك البيت بوشائج النسب والحسب؟!

ثالثاً: انّ النظرية في جانب مخالف للاَحاديث المتضافرة الدالة على نزول الآية في حق العترة الطاهرة، وقد قام النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بتفسيرها بوجوه مختلفة أوعزنا إليها عند البحث عن القول الاَوّل، والنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- هو المبين الاَوّل لمفاد كتابه الذي أرسل معه قال سبحانه : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). (2)

فليست وظيفة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- القراءة والتلاوة بل التبيين والتوضيح من وظائفه التي تنص الآية عليها.

هذا هو موجز القول في تفسير الآية ولا بأس بإكمال البحث بنقل بعض ما أنتجته قريحة الشعراء الاِسلاميين حول أهل البيت وفضائلهم، على وجه يعرب عن أنّ المتبادر من ذلك اللفظ في القرون الاِسلامية لم يكن إلاّ العترة الطاهرة، أعني: فاطمة وأباها وبعلها وابنيها سلام اللّه عليهم أجمعين ، وإليك نزراً يسيراً في هذا المجال.


(1)السيرة النبوية: 2|401.

(2)النحل: 44.

(177)

خاتمة المطاف

أهل البيت في الاَدب العربي

ما حقَّقناه حول الآية كان أمراً واضحاً لا لبس فيه عند المسلمين في الصدر الاَوّل فقد فهموا عن الآية الكريمة و بفضل الروايات من هم أهل البيت من دون تردّد أو تريّث، وصاغوا ما فهموه في قوالب شعرية رائعة، فنقتطف منها هذه الشذرات.

قال عمرو بن العاص في قصيدته الجلجلية المعروفة يمدح بها الاِمام علي ابن أبي طالب، وفيها هذا البيت في حق العترة الطاهرة:

فوال مواليه يا ذا الجلال * وعاد معادي أخ المرسل

ولا تنقضوا العهد من عترتي * فقاطعهم بي لم يوصل(1)

و قال الكميت بن زيد الاَسدي في قصيدة له:


(1)الغدير: 2|115.

(178)

ألم ترني من حب آل محمـد * أروح وأغدو خائفاً أترقب

فإن هي لم تصلح لحي سواهم * فإنّ ذوي القربى أحق وأوجب

يقولون لم يورث ولولا تراثه * لقد شركت فيها بكيل وأرحب (1)

قال العبدي الكوفي (المتوفّـى 120 هـ) :

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل

ركبت على اسم اللّه في سفن النجا * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

وأمسكت حبل اللّه وهو ولاوَهم * كما قد أمرنا بالتمسّك بالحبل (2)

وقال الاِمام الشافعي:

يا أهل بيت رسول اللّه حبكم * فرض من اللّه في القرآن أنزله


(1)الغدير: 2|191.

(2)الغدير: 2|290 ـ 326.

(179)

كفاكم من عظيم القدر أنّكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له (1)

وذكر ابن الصباغ المالكي في «الفصول» لقائل:

هم العروة الوثقى لمعتصم بها * مناقبهم جاءت بوحي وانزال

مناقب في شورى وسورة هل أتى * وفي سورة الاَحزاب يعرفها التالي

وهم آل بيت المصطفى فودادهم * على الناس مفروض بحكم وإسجال (2)

وذكر الشبلنجي في «نور الاَبصار» عن أبي الحسن بن جبير:

أحب النبيّ المصطفى وابنَ عمه * علياً وسبطيه وفاطمة الزهرا

هم أهل بيت أذهب الرجس عنهم * وأطلعهم أفق الهدى أنجماً زهرا

موالاتهم فرض على كل مسلم * وحبهم أسنى الذخائر للاَُخرى


(1)الغدير: 2|303.

(2)الغدير: 2|310 ـ 311، نقلاً عن الفصول: 13.

(180)

وما أنا للصحب الكرام بمبغض * فإنّي أرى البغضاء في حقهم كفرا (1)

وقال العبدي:

يا سادتي يا بني علي * يا «آل طه» و «آل صاد»

من ذا يوازيكم وأنتم * خلائف اللّه في البلاد

أنتم نجوم الهدى اللواتي * يهدي بها اللّه كل هاد

لولا هداكم إذاً ضللنا * والتبس الغي بالرشاد

لازلت في حبكم أوالي * عمري وفي بغضكم أعادي

وما تزودت غير حبي * إياكم وهو خير زاد

وذاك ذخري الذي عليه * في عرصة الحشر اعتمادي


(1)الغدير: 2|311، نقلاً عن نور الاَبصار : 13.

(181)

ولاكم والبراءة ممن * يشنأكم اعتقادي(1)

وقال دعبل الخزاعي:

أتسكب دمع العين بالعبرات * وبتَّ تقاسي شدّة الزفرات؟!

وتبكي لآثار لال محمد * فقد ضاق منك الصدر بالحسرات

ألا فابكهم حقّاً وبلَّ عليهم * عيوناً لريب الدهر منسكبات

ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم * وداهية من أعظم النكبات

سقى اللّه أجداثاً على أرض كربلا * مرابيع أمطار من المزنات

وصلّـي على روح الحسين حبيبه * قتيلاً لدى النهرين بالفلوات

قتيلاً بلا جرم فجعنا بفقده * فريداً ينادي: أين أين حماتي


(1)الغدير: 2|317.

(182)

أنا الظامىَ العطشان في أرض غربة * قتيلاً ومظلوماً بغير ترات

وقد رفعوا رأس الحسين على القنا * وساقوا نساءً ولّهاً خفرات

فقل لابن سعد عذب اللّه روحه * ستلقى عذاب النار باللعنات

سأقنت طول الدهر ما هبت الصبا * واقنت بالآصال والغدوات

على معشر ضلّوا جميعاً وضيّعوا * مقال رسول اللّه بالشّبهات (1)

وقال أيضاً:

نطق القرآن بفضل آل محمد * وولاية لعليّه لم تجحد

بولاية المختار من خير الذي * بعد النبي الصادق المتودد(2)


(1)الغدير: 2|381 ـ 382.

(2)الغدير: 2|381 ـ 382.

(183)

وقال الحماني (المتوفّـى 301 هـ) :

يا آل حاميم الذين بحبهم * حكم الكتاب منزَّلٌ تنزيلا

كان المديح حُلـى الملوك وكنتم * حلل المدايح غرّةً وحجولا

بيت إذا عَدَّ المآثر أهله * عدّوا النبي وثانياً جبريلا

قوم إذا اعتدلوا الحمايل أصبحوا * متقسِّمين خليفة ورسولا

نشأوا بآيات الكتاب فما انثنوا * حتى صدرن كهولة وكهولا

ثقلان لن يتفرَّقا أو يطفيا * بالحوض من ظمأ الصدور غليلا

وخليفتان على الاَنام بقوله * الحق أصدق من تكلّم قيلا

فأتوا أكف الآيسين فأصبحوا * ما يعدلون سوى الكتاب عديلا (1)


(1)الغدير: 3|66.

(184)

وقال العجلوني (المتوفّـى 1162 هـ ) :

لقد حاز آل المصطفى أشرف الفخر * بنسبتهم للطاهر الطيَّب الذكر

فحبهم فرض على كل موَمن * أشار إليه اللّه في محكم الذكر

ومن يدعي من غيرهم نسبة له * فذلك ملعون أتى أقبح الوزر

وقد خص منهم نسل زهراء الاَشرف * بأطراف تيجان من السندس الخضر

ويُغنيهمُ عن لبس ما خصَّهم به * وجوهٌ لهم أبهى من الشمس والبدر

ولم يمتنع من غيرهم لبس أخضر * على رأي من يعزى لا سيوط ذي الخبر

وقد صححوا عن غيره حرمة الذي * رآه مباحاً فاعلم الحكم بالسبر (1)

وقال جرير بن عبد اللّه البجلي:

فصلى الاِله على أحمد * رسول المليك تمام النعم


(1)الغدير: 3|173.

(185)

وصلى على الطهر من بعده * خليفتنا القائم المدَّعْم

عليّاً عنيت وصي النبي * يجالد عنه غواة الاَُمم

له الفضل والسبق والمكرما * ت وبيت النبوّة لا المهتضم (1)

وقال الزاهي (المتوفّـى 352 هـ) :

يا سادتي يا آل ياسين فقط * عليكم الوحي من اللّه هبط

لولاكم لم يقبل الفرض ولا * رحا لبحر العفو من أكرم شط

أنتم ولاة العهد في الذرِّ ومن * هواهم اللّه علينا قد شرط

ما أحد قايسكم بغيركم * ومازج السلسل بالشرب اللمط

إلاّ كمن ضاهى الجبال بالحصى * أو قايس الاَبحر جهلاً بالنقط (2)


(1)الغدير: 3|233.

(2)الغدير: 3|391.

(186)

وقال أيضاً ضمن أبيات:

هم آل أحمد والصيد الجحاجحة الز * هر الغطارفة العلوية الغرر

وقال أيضاً:

يا آل أحمد ماذا كان جرمكم * فكل أرواحكم بالسيف تنتزع (1)

قال الناشىَ الصغير (المتوفّـى 365 هـ) :

بآل محمّد عرف الصواب * وفي أبياتهم نزل الكتاب

هم الكلمات والاَسماء لاحت * لآدم حين عزّ له المتاب

وهم حجج الاِله على البرايا * بهم وبحكمهم لا يستراب

إلى آخر الآبيات التي يقول فيها:

يقول لقد نجوت بأهل بيت * بهم يصلى لـظى وبهم يثاب


(1)الغدير: 3|396.

(187)

هم النبأ العظيم وفلك نوح * وباب اللّه وانقطع الخطاب (1)

وقال البشنوي الكردي (المتوفّـى بعد 380 هـ) :

أليّة ربي بالهدى متمسكاً * باثني عشر بعد النبي مراقباً

أبقي على البيت المطهر أهله * بيوت قريش للديانة طالباً (2)

وقال أيضاً :

يا ناصبي بكل جهدك فاجهد * إنّي علقت بحب آل محمد

الطيبين الطاهرين ذوي الهدى * طابوا وطاب وليهم في المولد

واليتهم وبرئت من أعدائهم * فاقلل ملامك لا أباً لك أوزد

فهم أمان كالنجوم وانّهم * سفن النجاة من الحديث المسند (3)


(1)الغدير: 4|25.

(2)الغدير: 4|35.

(3)الغدير: 4|38.

(188)

وقال الصاحب بن عبّاد ( المتوفّـى 385 هـ) :

أُواليكم يا آل بيت محمد * فكلّكم للعلم والدين فرقد

وأترك من ناواكم وهو هتكه * ينادى عليه مولد ليس يحمد (1)

وقال ابن الحجاج البغدادي (المتوفّـى 391 هـ) :

فما وجدت شفاء تستفيد به * إلاّ ابتغاءك تهجو آل ياسين

كافاك ربُّك إذ أجرتك قدرته * بسب أهل العلا الغرِّ الميامين

إلى أن يقول:

وانّ أجر ابن سعد في استباحة * آل النبوّة أَجر غير ممنون (2)

وقال أبو الفتح كشاجم (المتوفّـى 360 هـ) من قصيدة:

له في البكاء على الطاهرين * مندوحة عن بكاء الغزل


(1)الغدير: 4|60.

(2)الغدير: 4|89.

(189)

فكم فيهم من هلال هوى * قبيل التمام وبدر أفل

هم حجج اللّه في خلقه * ويوم المعاد على من خذل

ومن أنزل اللّه تفضيلهم * فردَّ على اللّه ما قد نزل

فجدّهم خاتم الاَنبياء * ويعرف ذاك جميع الملل(1)

وقال أيضاً :

آل النبي فضّلتم * فضل النجوم الزاهرة

وبهرتم أعداءكم * بالمأثرات السائرة(2)

وقال أبو محمد الصوري الشاعر (المتوفّـى 419 هـ) :

فهل ترك البين من أرتجيه * من الاَوّلين والآخرينا


(1)الغدير: 4|3.

(2)الغدير: 4|17.

(190)

سوى حب آل نبي الهدى * فحبهم أمل الآملينا

هم عدّتي لوفاتي هم * نجاتي هم الفوز للفائزينا (1)

وقال من قصيدة في أهل البيت :

بماذا ترى تحتجُّ يا آل أحمد * على أحمد فيكم إذا ما استعدت

وأشهر ما يروونه عنه قوله * تركت كتاب اللّه فيكم وعترتي

ولكن دنياهم سعت فسعوا لها * فتلك التي فلّت ضميراً عن التي (2)

وقال أيضاً من قصيدة:

فلهذا أبناء أحمد أبناء علي * طرايد الآفاق

فقراء الحجاز بعد الغنى الاَكبر * أسرى الشام قتلى العراق


(1)الغدير: 4|222 و 225.

(2)الغدير: 4|227.

(191)

جانبتهم جوانب الاَرض حتى * خلت انّ السماء ذات انطباق

ان أقصر يا آل أحمد أو أغر * ق كان التقصير كالاِغراق (1)

وقال الشبراوي الشافعي في كتابه «الاتحاف بحب الاَشراف»:

آل طه ومن يقل آل طه * مستجيراً بجاهكم لا يرد

حبكم مذهبي وعقد يقيني * ليس لي مذهب سواه وعقد (2)

وقال أيضاً في قصيدة أُخرى:

آل بيت النبي ما لي سواكم * ملجأ أرتجيه للكرب في غد

لست أخشى ريب الزمان وأنتم * عمدتي في الخطوب يا آل أحمد

من يضاهي فخاركم آل طه * وعليكم سرادق العز ممتد


(1)الغدير: 4|227 ـ 228.

(2)الاِتحاف بحبّا لاَشراف: 99.

(192)

إلى أن يقول في قصيدته هذه:

يا إلهي ما لي سوى حب آل البيت * آل النبي طه الممجد

أنا عبد مقصر لست أرجو * عملاً غير حب آل محمد (1)

وقال أيضاً من قصيدة:

يا كرام الاَنام يا آل طه * حبكم مذهبي وعقد ولائي

ليس لي ملجأ سواكم وذخر * أرتجيه في شدتي ورخائي

فاز من زار حيكم آل طه * وجنا منكم ثمار العطاء (2)

وقال أيضاً في قصيدة:

أنا في عرض آل بيت نبي * طهر اللّه بيتهم تطهيراً

سادة أتقياء أعطاهم اللّه * مقاماً ضخماً وملكاً كبيراً


(1)الاِتحاف بحب الاَشراف: 100 و 101.

(2)الاِتحاف بحب الاَشراف: 100 و 101.

(193)

إلى أن يقول:

يا بحور الكمال يا آل طه * كم مننتم وكم جبرتم كسيراً

هل على غير بيتهم نزل الو * حي بجبريل خادماً مأموراً

هل سواكم قد أذهب اللّه عنه الرجـ * ـس نصّاً في ذكره مسطوراً (1)

(أُولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده) (2)

* الشيعة وآية التطهير

استدلت الشيعة عن بكرة أبيها بآية التطهير على عصمة العترة الطاهرة، وأفاض المفسرون منهم القول حول الآية وأتوا ببيانات شافية في وجه دلالتها على عصمتهم.

وهناك جماعة من العلماء قاموا بتأليف رسائل مفردة حول دلالتها وشأن نزولها، نشير إلى ما وقفنا عليه في ما يلي:

1. «السحاب المطير في تفسير آية التطهير» ، للسيد السعيد القاضي نور اللّه المرعشي الشهيد عام 1019 هـ .


(1)الاِتحاف بحبّ الاَشراف: 106 ـ 109.

(2)الاَنعام: 90.

(194)

2. «تطهير التطهير» ، تأليف الفاضل الهندي ( المتوفّـى عام 1035هـ ) .

3. «شرح تطهير التطهير» ، تأليف السيد عبد الباقي الحسيني كتبه شرحاً لكتاب الفاضل الهندي.

4. «إذهاب الرجس عن حظيرة القدس»، للعلاّمة الشيخ عبد الكريم بن محمد طاهر القمي.

5. «الصور المنطبعة»، له أيضاً في هذا المجال.

6. «أقطاب الدوائر»، للعلاّمة عبد الحسين بن مصطفى أحد علمائنا في القرن الثاني عشر فرغ منه عام 1138 هـ ، وطبع عام 1403 هـ .

7. «تفسير آية التطهير»، تأليف الشيخ إسماعيل بن زين العابدين التبريزي الملقّب بمصباح ( المتوفّـى عام 1300 هـ) .

8. التنوير في ترجمة رسالة «آية التطهير» باللغة الاَوردية، تأليف السيد عباس الموسوي، طبع في الهند عام 1341 هـ ، وهو ترجمة لرسالة السيد القاضي نور اللّه .

9. «جلاء الضمير في حل مشكلات آية التطهير» ، للشيخ محمد البحراني، طبع في بُمباي عام 1325 هـ .

10. رسالة قيمة في تفسير آية التطهير، للعلاّمة المحقق الشيخ لطف اللّه الصافي، طبعت عام 1403 هـ من منشورات دار القرآن الكريم في قم المقدسة، وله رسالة أُخرى في العصمة طبعت معها، حيّاه اللّه وبيّاه.

11. «آية التطهير» في جزءين، للسيد الجليل علي الاَبطحي، وقد استقصى الكلام فيها حول المأثورات الواردة فيها في الجزء الاَوّل، ودلالتها على العصمة في الجزء الثاني.


(195)

12. «آية التطهير» ، للشيخ محمد مهدي الآصفي وهي دراسة حول مداليل الآية الكريمة (إنّما يريد اللّه ...) واختصاصها بأهل البيت - عليهم السّلام- نشرتها موَسسة دار القرآن الكريم في قم المقدسة سنة 1411 هـ .

13. «آية التطهير ، روَية مبتكرة»، لآية اللّه الشيخ محمد الفاضل اللنكراني، طبع في إيران 1970 م بالفارسية. و 1987م بالعربيَّة.

14. «آية التطهير في الخمسة أهل الكساء»، للسيد محيي الدين الموسوي الغريفي، طبع في النجف الاَشرف ـ 1377 هـ | 1958 م.

15. أخيرها ـ لا آخرها ـ ما قدمناه لكم في هذه الصحائف لكاتب هذه السطور، عفا اللّه عنه، ورزقه شفاعة محمد وأهل بيته يوم لا ينفع مال ولا بنون.


(196)



(197)

الفصل الثاني

سمات أهل البيت - عليهم السّلام-

قدتعرَّفت على من هم أهلالبيت من خلال التعريف بالحدِّ التامّ الذي عرَّف به رسولاللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أهل بيته، أهلبيتالنبوّة و الرّسالة، وكأنَّالتعريفالسابق كان بمنزلةالتعريف بالحدّ أيالتعريف بالذات.

و يمكن أن نتعرف عليهم من خلالالتعريف على سماتهم وخصوصيّاتهمالّتي تشبهالتعريف بالرّسم والتعريف بالعرضي.

و سماتهم و خصوصيّاتهم كثيرة مبثوثة في ثناياالآيات و الاَحاديثالنبويَّة، و لكن نقتصر فيالمقام على ما ورد منالسمات في الذكرالحكيم.


(198)



(199)

من سمات أهلالبيت - عليهم السّلام-

1

العصمة

لقد تعرفت على ما هو المراد من أهل البيت في الآية المباركة على وجه لم يدع لقائل كلمة، ولا لمجادل شبهة، في أنّ المقصود منه هو العترة الطاهرة قرناء الكتاب في كلام النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- :

فحان البحث للتطرق إلى سماتهم وخصوصياتهم، وهي على قسمين:

1. ما يستفاد من الآية الشريفة.

2. ما يستفاد من سائر الآيات.

أمّا الاَوّل، فالآية ـ بعد الاِمعان فيها ـ تدلّ على عصمتهم وطهارتهم من 1. ما هو المراد من الرجس ؟

2. هل الارادة في الآية المباركة إرادة تكوينية أو تشريعية؟

1. ما هو المراد من الرجس؟

المراد من الرجس: هو القذارة الاَعم من المادية والمعنوية، وقد اتفق على ذلك أئمّة اللغة.

قال ابن فارس: الرجس: أصل يدل على اختلاط، ومن هذا الباب:


(200)

الرجس: القذر لاَنّه لطخ وخلط. (1)

وقال ابن منظور : الرجس: القذر، وكل قذر رجس، وفي الحديث: أعوذ بك من الرجس النجس. وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح والعذاب واللعن والكفر . قال الزجّاج: الرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل ... فبالغ اللّه في ذم أشياء وسمّـاها رجساً، وقال ابن الكلبي: رجس من عمل الشيطان أي مأثم.(2)

وقد استعملت هذه اللفظة في الذكر الحكيم ثمانية مرات: ووصف به الخمر والميسر والاَنصاب والاَزلام والكافر غير الموَمن باللّه والميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير والاَوثان وقول الزور ... إلى غير ذلك من الموارد التي وصفت به في الذكر الحكيم.

ونكتفي بنقل بعض الآيات قال سبحانه : (إِنَّمَا الخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاَنْصَابُ وَالاَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ). (3)

وقال سبحانه : (إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ). (4)

وقال سبحانه : (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُوَْمِنُونَ)(5)) ، إلى غير ذلك من الآيات.

والمتفحص في كلمات أئمّة أهل اللغة، والآيات الواردة فيها تلك اللفظة،


(1)معجم مقاييس اللغة: 2|490.

(2)لسان العرب: 6|94 ـ 95، مادة «رجس».

(3)المائدة: 90.

(4)الاَنعام: 145.

(5)الاَنعام: 125.

(201)

يصل إلى أنّها موضوعة بمعنى القذارة التي تستنفر منها النفوس، سواءً أكانت مادية، كما وردت في الآيات، أم معنوية كما هو الحال في الكافر وعابد الوثن ووثنه.

فلو وصف به العمل القبيح عرفاً أو شرعاً، فلاَجل انّ العمل القبيح يوصف بالقذارة التي تستنفرها الطباع السليمة، وعلى هذا فالمراد من الرجس في الآية هي الاَعمال القبيحة عرفاً أو شرعاً، ويدل عليه قوله سبحانه بعد تلك اللفظة: (ويطَّهركُم تَطْهيراً) ، فليس المراد من هذا التطهير إلاّ تطهيرهم من الرجس المعنوي الذي لا تقبله النفوس السليمة.

وقد ورد نظير قوله: (ويطهركم تطهيراً) في حق السيدة مريم عليها السَّلام ، قال سبحانه : (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِين). (1)

نعم: انّ لتطهير النفوس وطهارتها مراتب ودرجات، ولا تكون جميعها مستلزمة للعصمة، وانّما الملازم لها هو الدرجة العليا، قال سبحانه : (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِِّرِينَ). (2)

قال العلاّمة الطباطبائي: الرجس ـ بالكسر والسكون ـ صفة من الرجاسة وهي القذارة، والقذارة هيئة في النفس توجب التجنّب والتنفّر منها، وهي تكون تارة بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير ، قال تعالى : (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) وبحسب باطنه، أُخرى، وهي الرجاسة والقذارة المعنوية كالشرك والكفر وأثر العمل السيّء، قال تعالى: (وأمّا الّذِينَ فِي ُقُلوِبِهمَ َمٌرضَ َفزَاْدُتْهمِ ْرجساً إلى رِجْسِهِمْ ومَاتُوا وَهُمْ كافِرون) (3)، وقال: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً )


(1)آل عمران: 42.

(2)التوبة: 108.

(3)التوبة: 125.

(202)

حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُوَْمِنُونَ). (1)

وأيّاً ما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري يحدث من تعلّق القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيّء وإذهاب الرجس عبارة عن إزالة كل هيئة خبيثة في النفس تضاد حق الاعتقاد والعمل، وعند ذلك يكون إذهاب الرجس معادلاً للعصمة الاِلهية التي هي صورة علمية نفسانية، تحفظ الاِنسان من رجس باطني الاعتقاد وسيّء العمل. (2)

* المنفي مطلق الرجس

إذا كان المراد من الرجس في الآية الكريمة هو الاَفعال القبيحة عرفاً أو شرعاً والمعاصي صغيرها وكبيرها، فيجب أن يقال: إنّ المنفي في الآية هو عموم الرجس، وذلك لاَنّ المنفي هو جنس الرجس لا نوعه ولا صنفه، ونفي الجنس يلازم نفي الطبيعة بعامة مراتبها، ولاَجل ذلك لم يكتف سبحانه بقوله: (ليذهب عنكم الرجس) بل أكّده بقوله: (ويطهّركم تطهيراً) ، فلو كان المراد نفي قسم خاص من الرجس ـ أعني: الشرك، أو الاَوسع منه كالمعاصي الكبيرة ـ لما كان لهذه العناية وجه.

والحاصل: انّ المفهوم من قول القائل لا خير في الحياة، أو لا رجل في الدار، هو المفهوم من قوله: ليذهب عنكم الرجس، والتفكيك بين المقامين غير مقبول.هذا هو الاَمر الاَوّل وإليك الكلام في الاَمر الثاني :


(1)الاَنعام: 125.

(2)الميزان: 16|330.

(203)

2. هلالاِرادة في الآية تكوينية أم تشريعية ؟

إنّ انقسام إرادته سبحانه إلى تكوينية وتشريعية من الانقسامات الواضحة التي لا تحتاج إلى بسط في القول، ومجمل القول فيها هو انّه إذا تعلّقت إرادته سبحانه على إيجاد شيء وتكوينه في صحيفة الوجود، فهي الاِرادة التكوينية ولا تتخلّف تلك الاِرادة عن مراده، وربّما يعبّـر عنها بالاَمر التكويني قال سبحانه : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون). (1)

ففي هذا المجال يكون متعلّق الاِرادة تكوّن الشيء وتحقّقه وتجسّده، واللّه سبحانه لاَجل سعة قدرته ونفوذ إرادته لا تنفك إرادته عن مراده ولا أمره التكويني عن متعلّقه.

وأمّا إذا تعلّقت إرادته سبحانه بتشريع الاَحكام وتقنينها في المجتمع حتى يقوم المكلّف مختاراً بواجبه، فهي إرادة تشريعية، ففي هذا المجال يكون متعلّق الاِرادة تحقيقاً هو التشريع والتقنين، وأمّا قيام المكلّف فهو من غايات التكليف، ولاَجل ذلك ربّما تترتب عليه الغاية، وربّما تنفك عنه، ولا يوجب الانفكاك خللاً في إرادته سبحانه ، لاَنّه ما أراد إلاّ التشريع وقد تحقق، كما انّه ما أراد قيام المكلّف بواجبه إلاّ مختاراً، فقيامه بواجبه أو عدم قيامه من شعب اختياره، هذا هو إجمال القول في الاِرادتين، وللتفصيل محل آخر .

والقرائن التي ستمر عليك تدل على أنّ الاِرادة في الآية تكوينية لا تشريعية بمعنى انّ إرادته التكوينية التي تعلّقت بتكوين الاَشياء وإبداعها في عالم الوجود، تعلّقت أيضاً بإذهاب الرجس عن أهل البيت، وتطهيرهم من كل رجس وقذر، ومن كل عمل يستنفر منه، وإليك تلك القرائن:


(1)يس: 82.

(204)

1. انّ الظاهر من الآية هو تعلّق إرادة خاصة بإذهاب الرجس عن أهل البيت، والخصوصية إنّما تتحقّق لو كانت الاِرادة تكوينية، إذ لو كانت تشريعية لما اختصت بطائفة دون طائفة، لاَنّ الهدف الاَسمى من بعث الاَنبياء هو إبلاغ تشريعاته ودساتيره إلى الناس عامة لا لاَُناس معيّنين، ولاَجل ذلك ترى أنّه سبحانه عندما شرّع للمسلمين الوضوء والغسل بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ...) علّله بقوله: (وَلَكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1)خاطب سبحانه الموَمنين عامة بالوضوء والغسل وعلّل تشريعه العام بتطهيرهم وإتمام نعمته عليهم وهذا بخلاف الآية التي نحن بصددها، فإنّـها خصّصت إرادة تطهيره بجمع خاص تجمعهم كلمة «أهل البيت» وخصّهم بالخطاب وقال: «عنكم أهل البيت» أي لا غيركم.

وبالجملة فتخصيص تعلّق الاِرادة بجمع خاص على الوجه الوارد في الآية، يمنع من تفسير الاِرادة بالاِرادة التشريعية التي عمّت الاَُمّة جميعاً.

نعم لا يتوهم من ذلك انّ أهل البيت خارجون عن إطار التشريع، بل التشريع في كل المجالات يعمّهم كما يعم غيرهم، ولكن هنا إرادة تكوينية مختصة بهم.

2. انّ العناية البارزة في الآية المباركة أقوى شاهد على أنّ المقصود بالاِرادة، الاِرادة التكوينية لا التشريعية، لوضوح أنّ تعلّق الاِرادة التشريعية بأهل البيت لا يحتاج إلى العناية في الآية، وإليك بيان تلك العناية:


(1)المائدة: 6.

(205)

أ. ابتدأ سبحانه كلامه بلفظ الحصر، ولا معنى له إذا كانت الاِرادة تشريعية، لاَنّها غير محصورة بأُناس مخصوصين.

ب. عيّـن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص، فقال: (أهل البيت) )أي أخصّكم أهل البيت.

ج. قد بيّـن متعلّق إرادته بالتأكيد، وقال بعد قوله: (ليذهب عنكم الرجس ... ويطهركم) .

د. قد أكّده أيضاً بالاِتيان بمصدره بعد الفعل، وقال: (ويطهّركم تطهيراً) ) ليكون أوفى في التأكيد.

هـ . انّه سبحانه أتى بالمصدر نكرة، ليدل على الاِكبار والاِعجاب، أي تطهيراً عظيماً معجباً.

و . انّ الآية في مقام المدح والثناء، فلو كانت الاِرادة إرادة تشريعية لما ناسب الثناء والمدح.

وعلى الجملة: العناية البارزة في الآية تدل بوضوح على أنّ الاِرادة هناك غير الاِرادة العامة المتعلّقة لكل إنسان حاضر أو باد، ولاَجل ذلك فإنّ المحقّقين من المفسرين يفسرون الاِرادة في المقام بالاِرادة التكوينية ويجيبون عن كل سوَال يطرح عنها.

قال الشيخ الطبرسي: إنّ لفظة (إنّما) محقّقة لما أُثبت بعدها، نافية لما لم يثبت، فإنّ قول القائل: إنّما لك عندي درهم، وإنّما في الدار زيد، يقتضي انّه ليس عنده سوى الدرهم وليس في الدار سوى زيد، وعلى هذا فلا تخلو الاِرادة في الآية أن تكون هي الاِرادة المحضة التشريعية ، أو الاِرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس؛ ولا يجوز الوجه الاَوّل، لاَنّ اللّه تعالى قد أراد من كل مكلّف هذه الاِرادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق، ولاَنّ هذا القول يقتضي


(206)

المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة ولا مدح في الاِرادة المجرّدة، فثبت الوجه الثاني، وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح. (1)

وقال السيد ابن معصوم المدني في تقريب دلالة الآية على عصمة المعنيّين بالآية: إنّ لفظة (إنّما) محقّقة لما أُثبت بعدها، نافية لما لم يثبت، فإنّ قول القائل إنّما لك عندي درهم، وإنّما في الدار زيد، يقتضي انّه ليس له عنده سوى درهم وليس في الدار سوى زيد، إذا تقرر هذا فلا تخلو الاِرادة في الآية أن تكون هي الاِرادة المطلقة أو الاِرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس، فلا يجوز الوجه الاَوّل، لاَنّ اللّه تعالى قد أراد من كل مكلّف هذه الاِرادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق. وهذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك ولا شبهة ولا مدح في الاِرادة المجرّدة، فثبت الوجه الثاني، وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيّين بالآية من جميع القبائح، لاَنّ اللام في الرجس للجنس، ونفي الماهية نفي لكل جزئياتها، وقد علمنا أنّ من عدا ما ذكرناه من أهل البيت حين نزول الآية غير مقطوع على عصمته، فثبت أنّ الآية مختصة بهم، لبطلان تعلّقها بغيرهم. وما اعتمدوا عليه من أنّ صدر الآية وما بعدها في الاَزواج، فجوابه انّ من عرف عادة العرب العرباء في كلامهم واسلوب البلغاء والفصحاء في خطابهم لا يذهب عليه انّ هذا من باب الاستطراد، وهو خروج المتكلم من غرضه الاَوّل إلى غرض آخر ثم عوده إلى غرضه الاَوّل، واتفقت كلمة أهل البيان على أنّ ذلك من محاسن البديع في الكلام نثراً ونظماً والقرآن المجيد وخطب البلغاء وأشعارهم مملوءة من ذلك. (2)


(1)مجمع البيان: 4|357 تفسير سورة الاَحزاب ؛ وقريب منه ما أفاده الشيخ الطوسي في تبيانه: 8|340.

(2)رياض السالكين: 497، الروضة السابعة والاَربعون، وقد نقلنا عن الطبرسي ما يقرب منه.

(207)

أسئلة وأجوبة

قد تعرفت على مفاد الآية: واتضح لديك انّ القرائن الداخلية في نفس الآية تدل بوضوح على أنّ الاِرادة الواردة في الآية إرادة تكوينية تعلّقت بطهارة أهل البيت وإذهاب الرجس عنهم، ويكون وزان الاِرادة فيها وزان الاِرادة الواردة في الآيات التالية ونظائرها:

1.(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ). (1)

2. (وَيُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ). (2)

3. (وَمَنْ يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). (3)

وعند ذلك تطرح في المقام أسئلة لا بد من الاِجابة عليها:

* السوَال الاَوّل: هلالاِرادةالتشريعيّة تتعلَّق بفعلالغير؟

هل يصح تعريف الاِرادة التشريعية بالاِرادة المتعلّقة بفعل الغير، كتكليفه سبحانه عباده بالصلاة والزكاة، وتكليف الآمر البشري غيره بالسقي والرعي؟ وإذا كانت الاِرادة التشريعية عبارة عمّـا ذكر، فتكون الاِرادة التكوينية عبارة عن تعلّقها بفعل نفس المريد كتعلّق إرادته سبحانه بخلق السماوات والاَرض، وإرادة غيره بالاَكل والشرب ؟

الجواب: انّ تعريف الاِرادة التكوينية بما ذكر وإن كان صحيحاً، لكن


(1)القصص: 5.

(2)الاَنفال: 7.

(3)المائدة: 41.

(208)

تعريف التشريعية منها بتعلّقها بفعل الغير غير صحيح قطعاً، وذلك لاَنّ الاِرادة لا تتعلّق إلاّ بأمر اختياري وهو فعل المريد، وأمّا فعل الشخص الآخر، فهو بما انّه خارج عن اختيار المريد، لا تتعلّق به إرادته، وكيف يصح لشخص أن يريد صدور فعل من الغير مع أنّ صدوره منه تابع لاِرادة ذلك الغير وليس تابعاً لاِرادة المريد الآخر ؟

وإن شئت قلت: إنّ زمام فعل الفاعل المختار بيد الفاعل المباشر ، فلو أراده لقام به. ولو لم يرده لما قام به وليس زمامه بيد الآمر، حتى يريده منه جداً ولا تصيّره إرادة الآمر مسلوب الاختيار ولا تجعله مضطراً مقهوراً مسخراً في مقابل إرادة الآمر، لاَنّ المفروض انّ الفاعل بعد، فاعل مختار، ومن هذا شأنه لا تتعلّق بفعله، إرادة الغير الجدية، لاَنّ معنى تعلّقها بفعل الغير أنّه في اختيار المريد ومتناوله، ويوجد بإرادته وينتفي بانتفائه، مع أنّه ليس كذلك وإنّما يوجد بإرادة الفاعل المباشر وينتفي بانتفاء إرادته، ولا ملازمة بين إرادة الآمر وإرادة المأمور ولاَجل ذلك كثيراً ما يعصى ويخالف.

وفي الجملة: ليست ماهية الاِرادة التشريعية أمراً يخالف ماهية الاِرادة التكوينية، بل الكل من واد واحد تختلفان في الاسم وتتحدان في الماهية، والجميع يتعلّق بفعل نفس المريد، غير انّ المراد فيهما مختلف حسب الاعتبار، وهو في التكوينية، عبارة عن الفعل الخارجي الصادر عنه مباشرة ، كالتكوين والتصنيع، سواء كان المريد هو اللّه سبحانه أم أحد عباده القادرين على الاَفعال الخارجية باقداره، ولكنّه في التشريعية عبارة عن نفس الطلب والاِنشاء بالاِيماء والاِشارة واللفظ والكتابة، وهو أيضاً فعل المريد الواقع في اختياره، وأمّا قيام الغير بالمطلوب فهو من غايات إرادة المريد ومقاصده وأغراضه، وهي تترتب تارة،


(209)

وتنفك أُخرى، فلو تكونت في نفسه مبادىَ الخوف والرجال لقام به وإلاّ فلا يقوم به ولا تتحقّق الغاية لكن تتم عليه الحجة.

وعلى ذلك فما اشتهر على الاَلسن من أنّ الاِرادة التشريعية عبارة عن تعلّق إرادة الآمر بفعل الغير تسامح في التعبير ومن باب إقامة الغاية مكان ذيها.

والذي يوضح ذلك: انّ إرادته سبحانه لا تنفك عن مراده، ومن المستحيل أن يخاطب شيئاً بـ «كن» ولا يتحقّق، ولسعة قدرته وعموميتها، قال سبحانه : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (1)، فلو تعلّقت إرادته بفعل العباد كالصلاة والصوم لما انفك عنهم ولو تعلّقت على إيمانهم وهدايتهم، لما وجد على أديم الاَرض عاص ومتمرد، قال سبحانه : (وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (2)، وتكون نتيجة ذلك كونهم مجبورين في قبول الهداية، ومضطرين إلى الطاعة، فلا يقام لمثلها وزن ولا قيمة، وهذا يعرب بوضوح عن أنّ متعلّق إرادته في مجال التشريع هو فعل نفس المشرع وهو التشريع، وهو بعد غير منفك عن إرادته، موجود معها.

* السوَال الثاني : هلالاِرادةالتكوينيّة توجب سلبالاختيار؟

لو كانت الاِرادة في المقام إرادة تكوينية فبما انّ إرادته سبحانه لا تتخلّف عن المراد فلازمها هنا كون طهارتهم وابتعادهم عن الرجس أمراً جبرياً لا يتخلّف، وهذا لا يعد فضيلة وثناء لاَهل البيت مع أنّ الآية بصدد الثناء عليهم.

وقد أجاب عنه المحقّقون على وجه الاِجمال وقالوا: إنّ القدرة والتمكّن من فعل المعصية ثابت للمعصوم، والعصمة مانع شرعي، ولا منافاة بين عدم القدرة الشرعية والقدرة الذاتية، وهذا الجواب بإجماله كاف لاَهل التحقيق ولكن يحتاج


(1)يس: 82.

(2)الاَنعام: 35.

(210)

إلى إيضاح، فنقول:

إنّ مشكلة الجبر تنحل بالتعرّف على كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد، والاِمعان في هذا الموضوع يكفي لحل بعض المشاكل المطروحة في مسألة الجبر والاختيار.

وبعبارة أُخرى: هل تعلّقت إرادته سبحانه بصدور أفعال العباد عنهم باختيارهم وإرادتهم، أم تعلّقت بصدورها منهم مطلقاً وإن لم تكن مسبوقة باختيارهم وإرادتهم، فالجبر لازم القول الثاني، والاختيار نتيجة القول الاَوّل، والحق هو القول الاَوّل فنقول في توضيحه:

إنَّ لازم التوحيد في الفاعلية والخالقية ـ كما هو منصوص الآيات ومقتضى البراهين ـ هو انّ كل ما يقع في صفحة الوجود سواء كان فعلاً للعباد أم لغيرهم لا يخرج عن إطار الاِرادة التكوينية للّه سبحانه ، ولا يقع شيء في الكون إلاّ بإرادته وإذنه سبحانه ، قال تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللّهِ) (1)، وهذه الآية وغيرها تدلّ بصراحة على أنّ أفعال العباد حلالها وحرامها غير خارجة عن إطار الاِرادة التكوينية للّه وإلاّ لزم أن يكون الاِنسان أو الفواعل الاَُخر مستقلة في الفعل والتأثير، وهو يستلزم الاستقلال في الذات، وهو عين الشرك ونفي التوحيد في الاَفعال والخالقية.

ومع ذلك فليس العباد مجبورين في أفعالهم وتصرفاتهم، لاَنّ إرادته سبحانه وإن تعلّقت بأفعالهم لكن إرادته سبحانه متعلّقة بأفعالهم بتوسط إرادتهم الخاصة وفي طول مشيئتهم، وبذلك صح أن يقال لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الاَمرين.


(1)الحشر: 5.

(211)

وعلى ذلك فاللّه سبحانه وإن أراد طهارتهم عن الذنوب بالاِرادة التكوينية ولكن تلك الاِرادة تعلّقت بها، لما علم سبحانه انّهم بما زودوا من إمكانات ذاتية ومواهب مكتسبة نتيجة تربيتهم وفق مبادىَ الاِسلام، لا يريدون إلاّ ما شرّع لهم سبحانه من أحكام، فهم لا يشاءون إلاّ ما يشاء اللّه، وعند ذلك صح له سبحانه أن يخبر بأنّه أراد تكويناً إذهاب الرجس عنهم، لاَنّهم - عليهم السّلام- ما داموا لا يريدون لاَنفسهم إلاّ الجري على وفق الشرع لا يفاض عليهم إلاّ هذا النوع من الوصف.

وحصيلة الكلام: انّ مبنى الاِشكال هو الغفلة عن كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد حيث توهّم المستشكل:

أوّلاً: انّ أفعال العباد خارجة عن إطار الاِرادة التكوينية للّه سبحانه ، وغفل عن أنّ هذا النوع من الاعتقاد يساوق الشرك ويصادم التوحيد.

وثانياً: انّ سبق الاِرادة التكوينية على أفعال العباد يستلزم سلب الاختيار عنهم، وغفل عن أنّ إرادته سبحانه انّما تتعلّق بتوسط إرادة العباد واختيارهم، فهم إذا أرادوا لاَنفسهم شيئاً، فاللّه سبحانه يريد ذلك الشيء لهم تكويناً، وليس في ذلك أيّة رائحة للجبر، بل هو الاَمر بين الاَمرين.

وعندئذ يكون المراد من تطهيرهم ـ بعد تجهيزهم بإدراك الحق في الاعتقاد والعمل، وإعطائهم البصيرة الكاملة لمعرفة الحق في مجال الاعتقاد والعمل ـ تعلّق إرادته التكوينية بطهارتهم من الذنوب، لاَجل تعلّق إرادتهم بذلك، فقد تعلّقت إرادته سبحانه بتنزيههم عن طريق إرادتهم واختيارهم، وأين هذا من الجبر ؟

* تفسير آخر للاِرادة التكوينية

ما ذكرناه في كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد، جواب عام سار في


(212)

جميع الموارد ورافع للاِشكال في مجال الجبر، وانّ من أعضل الموارد في الجبر والاختيار ، هي تحليل كيفية تعلّق إرادته بأفعال العباد وانّه : هل يوجب الجبر ويسلب الاختيار، باعتبار انّ إرادته لا تنفك عن المراد، أم لا ؟ لاَنّ إرادته تعلّقت بصدور أفعالهم عن أنفسهم عن مبادئها المكونة فيهم وهي إرادتهم واختيارهم، فلو صدرت عنهم بلا هذه الخصوصية لزم انفكاك إرادته عن مراده.

ولمّا استشكل هذا المطلب على بعضهم انصرفوا إلى إخراج أفعال العباد عن إطار إرادته سبحانه ، وانّما تتعلّق بالكائنات دون أفعالهم، وهو كما ترى ، لاَنّه يستلزم تحقّق شيء في صحيفة الوجود بغير إذنه وإرادته، مع أنّ مقتضى التوحيد في الخالقية انتهاء كل ما في عالم الاِمكان إلى وجوده وخالقيته، وبالتالي إلى إرادته، فإخراج أفعال العباد عن مجال إرادة اللّه، يخالف الاَُسس التوحيدية التي جاء بها القرآن ودعمها العقل.

إلاّ أنّ في مسألة العصمة وكيفية تعلّق إرادته تعالى بعصمة المعصوم تحليلاً آخر يختص بهذا المقام ولا يتعدّاه.

وحاصل هذا التحليل يتوقف على معرفة كيفية العصمة وحقيقتها، فنقول:

إنّ حقيقة العصمة ترجع إلى الدرجة العليا من التقوى، بمعنى انّ التقوى إذا بلغت قمتها تعصم الاِنسان عن اقتراف الذنب وجميع القبائح.

وإن شئت قلت: العصمة نتيجة العلم القطعي الثابت والعرفان بعواقب المعصية علماً يصد الاِنسان عن اجتراح المعاصي واقتراف المآثم، كالاِنسان الواقف أمام الاَسلاك التي يجري فيها التيار الكهربائي، فانّه لا يقدم بنفسه على إمساكها.


(213)

وبعبارة ثالثة: العصمة: الاستشعار بعظمة الرب وكماله وجلاله استشعاراً منقطع النظير حيث يحدث في المستشعر التفاني في الحق، والعشق لجماله، وكماله، بحيث لا يستبدل برضاه شيئاً.

فإذا كانت حقيقة العصمة نفس هذه الحقائق أو قريباً منها، فليس اتصاف الاِنسان بهذه الحقائق موجباً للجبر وسالباً للاختيار ، بل المعصوم مع هذه المواهب الاِلهية قادر على اقتراف المعاصي وارتكاب الخطايا غير انّه لاَجل حصوله على الدرجة العليا من التقوى، والعلم القطعي بآثار المعاصي والاستشعار المنقطع النظير بعظمة الخالق، يختار الطاعة وترك المعصية مع القدرة على خلاف ذلك، فحاله كالوالد العطوف لا يقدم على قتل ولده ولو أُعطيت له الكنوز الكثيرة .

إنّ هذه الحقائق الموهوبة للمعصوم أشبه بحبل يلقى إلى الغارق في البحر والساقط في البئر حتى يتمسك به وينجي نفسه، فلا شك انّ العاقل يتمسّك به دائماً وينجي نفسه، ولكن هذا العمل لا يخالف قدرته على ترك التمسك به وإلقاء نفسه في مهاوي الهلكة.

فهذه الحقائق النفسانية الموهوبة ليست إلاّ أسباباً لترك العصيان ومقتضيات للطاعات، ومعدّات لقرب العبد من ربّه، ومع ذلك تتوسط بينها وبين فعل العبد من طاعة أو عصيان، إرادته واختياره، فليست هذه المواهب عللاً تامة لتوجه العبد إلى جانب واحد وانحيازه عن جانب آخر، بل هي أسباب مقربة ومعدات للاِرادة، ومع ذلك كله فاختيار المعصوم وإرادته باقيان على حالهما.

فمعنى تعلّق إرادته سبحانه بعصمتهم ليس تعلّقها بالطاعة وترك العصيان، بل معناه تعلّق إرادته التكوينية بإفاضة هذه المواهب عليهم وجعلها في


(214)

مكامن نفوسهم وتحليتهم بهذه الحلية الاِلهية، ولكن هذا الجعل والتحلية لا يهدف إلى كونهم مكتوفي الاَيدي أمام التكاليف ومسوقين إلى جانب واحد، فالاشتباه في المقام حصل في تعيين ما هو المفاض من اللّه سبحانه على هذه الشخصيات فتخيل: «انّ المفاض هو العصمة المفسرة بترك المعصية ونفس الطاعة» غفلة عن أنّ المفاض هو هذه الكيفيات والصفات العليا النفسانية عليهم، وهي توجد استعداداً في النفس بترك العصيان واختيار الطاعة مع القدرة على الخلاف.

نعم: لو كان هناك جبر، فالجبر في تحليتهم بهذه المواهب والعطايا الاِلهية، ولكنّهم معها مختارون في التوجه، لاَي طرف أرادوا، وإن كانوا لا يشاءون إلاّ الطاعة وترك المعصية.

* ما هو الوجه لتفسير الاِرادة بالتشريعية؟

ثمّ إنّ الجمهور لمّا ذهبوا إلى كون الاِرادة تشريعية احتالوا في توجيهها يقول المفسر المعاصر سيد قطب في هذا الصدد: إنّه سبحانه يجعل تلك الاَوامر ـ الاَوامر الواقعة قبل الآية من قوله: (وقرن ... ولا تبرجن) ـ وسيلة لاِذهاب الرجس وتطهير البيت، فالتطهير وإذهاب الرجس يتم بوسائل يأخذ الناس بها أنفسهم ويحقّقونها في واقع الحياة العملي ... ويختم هذه التوجيهات لنساء النبي بمثل ما بداها، بتذكيرهنّ بعلو مكانتهنّ وامتيازهنّ على النساء بمكانتهنّ من رسول اللّه وبما أنعم اللّه عليهنّ فجعل بيوتهنّ مهبط القرآن ومنزل الحكمة وتشرف النور والهدى والاِيمان، وانّه لحظ عظيم يكفي التذكّر به لتحس النفس جلالة قدره ولطيف صنع اللّه فيه وجزالة النعمة التي لا يعد لها نعيم. (1)


(1)في ظلال القرآن، في تفسير سورة الاَحزاب.

(215)

وحاصل ما ذكره مبني على نزول القرآن في مورد نساء النبي، وانّه سبحانه علّل خطاباته لهنّ بأنّه يريد من هذه التكاليف إذهاب الرجس عنهنّ، ويكون المعنى انّ التشديد في التكاليف وتضعيف الثواب والعقاب ليس لانتفاع اللّه سبحانه به، بل لاِذهاب الرجس عنكنّ وتطهيركنّ.

ولا يخفى انّ ما ورد في الآيات من الاَحكام ليست أحكاماً خاصة بنساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، فهذا قوله سبحانه قبل آية التطهير:(وَقَرْنَ فِي بُيْوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الاَُوْلَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ). (1)

وهذا قوله سبحانه بعد الآية: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات اللّه والحكمة ...) كلّها أحكام عامة لنساء المسلمين، فاللّه سبحانه بهذه التكاليف يريد أن يطهر الكل وإذهاب الرجس عن عموم النساء، لا عن زوجات النبي خاصة، وعندئذ لا وجه لتخصيصهنّ بالخطاب بالعناية التي عرفت.

وإنّما ذهب بعض الجمهور إلى ما ذهب، لاَجل انّهم تصوّروا نزول الآية في حق نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، فاحتالوا لتفسير الاِرادة بما ذكره سيد قطب ونظراوَه، وانّما ذهبوا إلى ذلك بزعمهم اتصال الآية بما قبلها من الآيات، مع أنّه سيوافيك انّ الآية آية التطهير آية مستقلة لا صلة لها بما قبلها ولا ما بعدها، وانّما وضعت في هذا الموضع لمصلحة خاصة سنشير إليها، والاَحاديث بكثرتها البالغة ناصة على نزول الآية وحدها، ولم يرد نزولها في ضمن آيات نساء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، ولا ذكره أحد حتى أنّ القائل باختصاص الآية بأزواج النبي ينسب القول إلى عكرمة وعروة لا إلى الرواية.

فالآية لم تكن بحسب النزول من آيات النساء، ولا متصلة بها، وستوافيك


(1)الاَحزاب: 33.

(216)

الروايات الكثيرة الواردة في هذا المضمار .

* السوَال الثالث: هل العصمة الموهوبة مفخرة ؟

وهذا سوَال ثالث يتردد في المقام وفي غيره، وقد طرحناه عند البحث عن العصمة على وجه الاِطلاق ونطرحه هنا بشكل آخر، وهو انّ عصمة أهل البيت لو كانت أمراً موهوباً من اللّه سبحانه كيف يمكن أن تعد مفخرة لاَهله؟

والاِجابة عن هذا السوَال واضحة بعد الوقوف على معنى العصمة الموهوبة لهم، وقد عرفت أنّ المراد من هبتها لهم هو إعطاء المقتضيات والمعدات لهم التي لا تسلب الاختيار عنهم وهم بعد قادرون على الطاعة والعصيان والنقض والاِبرام، والسائل تخيل انّ العصمة الموهوبة هي نفس ترك العصيان والمخالفة، فزعم أنّ شيئاً مثلها لا يعد فخراً ولا يوجب ثناءً، وقد أوضحنا هذا في السوَال السابق، فراجع.

* السوَال الرابع: هل الآية تدل على فعلية التطهير ؟

وربّما يقال: إنّ أقصى ما تدل عليه الآية هو إخباره سبحانه عن أنّه يريد إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم، وليس في الآية ما يدل على تحقّق هذه الاِرادة بالفعل، وانّـها صدرت منه سبحانه ، مع أنّ القائلين بعصمة أهل البيت يذهبون بدلالتها على اتصافهم بالعصمة، وفي هذا الصدد ينقل الشيخ زين الدين البياضي العاملي إشكالاً عن المخالف ويقول: (يريد) لفظ مستقبل، فلا دليل على وقوعه. (1)


(1)الصراط المستقيم: 1|184.

(217)

ولا يخفى أنّ هذا الاِشكال نشأ من اتخاذ موقف خاص بالنسبة إلى أهل البيت بشهادة انّ هذه اللفظة وردت في كثير من الآيات مع أنّه ما خطر ببال أحد مثل هذا الاِشكال قال سبحانه : (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ) (1)، وقال: (وَاللّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (2)، وقال: (يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) (3)، وقال: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (4)، أضف إلى ذلك انّ هناك قرينة واضحة على تحقّق الاِرادة بشهادة انّ الآية في مقام المدح والثناء.

وأمّا الاِتيان بصيغة المستقبل والعدول عن الماضي، فهو لاَجل ظهور فعل المستقبل في الدوام، وهو سبحانه يريد إفادة دوام هذه الاِرادة واستمرارها مدى الاَيام والسنين.

* السوَال الخامس: هل الاِذهاب يستلزم الثبوت؟

خلاصة هذا السوَال ترجع إلى أنّ الاِذهاب يتعلّق بشيء موجود، فعلى ذلك يستلزم أن يكون هناك رجس موجود أذهبه اللّه وطهرهم منه، وهذا يضاد مقالة أهل العصمة، ولكن السائل أو المعترض غفل عن أنّ هذه التراكيب كما تستعمل في إذهاب الشيء الموجود، كذلك تستعمل فيما إذا لم يكن موجوداً، ولكن كانت هناك مقتضيات ومعدات له حسب الطبيعة الاِنسانية وإن لم يكن موجوداً بالفعل كقول الاِنسان لغيره: أذهبَ اللّه عنك كل مرض، ولم يكن حاصلاً له، ولكن كانت بعض المعدات للمرض موجودة.


(1)النساء: 26.

(2)النساء: 27.

(3)النساء: 28.

(4)النساء: 26.

(218)

وفي المقام نزيد توضيحاً: انّ الاِنسان حسب الطبيعة الاَوّلية مجهّز بالغرائز والميول العادية المتجاوزة عن الحدود، ولم يشذ أهل البيت عنها ولم تكن لهم في العالم الجسماني خلقة خاصة بهم، فكانت هناك أرضية صالحة للتعدي والطغيان، فلمّا جهّزوا بهذه الغرائز أوّلاً، ثم بالعصمة ـ بالمعنى الذي عرفت ـ ثانياً صح أن يقال: إنّه سبحانه أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً من العصيان.

وهذه الاَسئلة وأشباهُها لا تحتاج إلى البسط في المقال، ولاَجل ذلك نطوي الكلام عنها.


(219)

من سمات أهل البيت - عليهم السّلام-

2

المحبّة في قلوب الموَمنين

إنّ الاِيمان باللّه و العمل الصالح يُورث محبَّة في قلوب الناس، إذ للاِيمان أثر بالغ في القيام بحقوق اللّه أوّلاً، وحقوق الناس ثانياً، لا سيَّما إذا كان العمل الصالح نافعاً لهم، و لذلك استقطبالموَمنون حُبَّالنّاس، لدورهم الفعّال في إصلاحالمجتمعالاِنساني. وهذا أمر ملموس لكلّ النّاس، وإليه يشير قوله سبحانه: (إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمن وُداً) .(1)

وبما أنّ الاَنبياء بلغوا قمَّة الاِيمان كما بلغوا في العمل الصالح ذروته، نرى أنّ لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس لا يضاهيها شيء، لاَنّهم صرفوا أعمارهم في سبيل إصلاح أُمور الناس وإرشادهم إلى مافيه الخير و الرشاد. هذا حال الاَنبياء ويعقبهم الاَوصياء والاَولياء والصلحاء.

أخرج أبو إسحاق السعدوي في تفسيره باسناده عن البراء بن عازب، قال:


(1)مريم:96

(220)

قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لعلي: «اللّهمَّ اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور الموَمنين مودَّة»، فأنزل اللّه تعالى الآية المذكورة آنفاً.

إنّ أهل البيت - عليهم السّلام- لاَجل انتسابهم إلى البيت النبوي الرفيع حازوا مودة الناس واحترامهم بكلّ وجودهم. وقد أُشير إلى ذلك في آثارهم وكلماتهم.

روى معاوية بن عمّار عن الاِمام الصادق - عليه السّلام- قال: قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «إنّ حبّ علي - عليه السّلام- قُذف في قلوب الموَمنين، فلا يُحبّه إلاّ موَمن ولا يبغضه إلاّمنافق، وإنّ حبّ الحسن والحسين عليمها السَّلام قذف في قلوب الموَمنين والمنافقين والكافرين فلا ترى لهم ذامّاً، و دعا النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- الحسن والحسين عليمها السَّلام قرب موته فقبَّلهما وشمّهما وجعل يرشفهما وعيناه تهملان».(1)

و قد تعلَّقت مشيئته سبحانه على إلقاء محبتهم في قلوب الموَمنين الصالحين، حتى كانت الصحابة يميّزون الموَمن عن المنافق بحبّ علي أو بغضه.

روى أبو سعيد الخدري، قال: إنّا كنّا لَنَعرف المنافقين نحن معشرَ الاَنصار ببغضهم عليّ بن أبيطالب - عليه السّلام- .(2)

وقد تضافر عن علي أمير الموَمنين - عليه السّلام- أنّه قال: «والَّذي فلق الحبة وبرأ النسمة، انّه لعهد النبي اللاَُمّي إليّ: انّه لا يحبني إلاّ موَمن ولا يبغضني إلاّمنافق».(3)

و يروى عنه - عليه السّلام- أيضاً أنَّه قال: واللّه إنّه ممّا عهد إليَّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- انَّه لا


(1)المناقب لابن شهر آشوب: 3|383؛ سفينة البحار: مادة حبب: 1|492.

(2)جامع الترمذي : 5| 635 برقم 3717؛ حلية الاَولياء:6|295.

(3)أسنى المطالب: 54، تحقيق محمد هاديالاَميني.

(221)

يبغضني إلاّ منافق و لا يُحبّني إلاّ موَمن .(1)

و قد أعرب عن ذلك الاِمام علي بن الحسين عليمها السَّلام في خطبته في جامع دمشق، عند ما صعد المنبر وعرَّف نفسه فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ خطب خطبة أبكى منها العيون، و أوجل منها القلوب، ثمّ قال:

«أيّها الناس أُعطينا ستّاً و فُضِّلنا بسبع، أُعطينا : العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، و المحبَّة في قلوب الموَمنين».(2)

و لا عجب في أنّه تبارك و تعالى سمّاهم كوثراً أي الخير الكثير، وقال: (إِنّا أَعْطَيْناكَ الكَوثر...) قال الرازي: الكوثر: أولاده، لاَنّ هذه السورة إنّما نزلت ردّاً على من عابه - عليه السّلام- بعدم الاَولاد ، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّالزمان ، فانظر كم قتل من أهل البيت - عليهم السّلام- ، ثم العالم ممتلىَ منهم ولم يبق من بني أُمية في الدنيا أحد يُعبأ به، ثمّ انظر كم كان فيها من الاَكابر من العلماء كالباقر و الصادق و الكاظم والرضا - عليهم السّلام- .(3)

إنّ محبة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- للحسين - عليه السّلام- لم تكن محبة نابعة من حبه لنسَبه بل كان واقفاً على ما يبلغ إليه ولده الحسين عليه السَّلام في الفضل والكمال والشهادة في سبيله، ونجاة الاَُمّة من مخالب الظلم، والثورة على الظلم والطغيان، و هناك كلام للعلاّمة المجلسي يقول:

إنّ محبة المقربين لاَولادهم وأقربائهم وأحبّائهم ليست من جهة الدواعي


(1)مسند أحمد:1|84 ، إلى غير ذلك من المصادر المتوفرة.

(2)بحار الاَنوار: 45|138.

(3)تفسير الفخر الرازي:32|124.

(222)

النفسانية والشهوات البشرية، بل تجرّدوا عن جميع ذلك و أخلصوا حُبَّهم، و وُدَّهم للّه. و حُبّهم لغير اللّه إنّما يرجع إلى حبهم له، ولذا لم يحب يعقوب من سائر أولاده مثل ماأحب يوسف - عليه السّلام- منهم، و لجهلهم بسبب حبه له نسبوه إلى الضلال، و قالوا: نحن عصبة، ونحن أحقّ بأن نكون محبوبين له، لاَنّا أقوياء على تمشية ما يريده من أُمور الدنيا، ففرط حبّه يوسف إنّما كان لحب اللّه تعالى له واصطفائه إيّاه فمحبوب المحبوب محبوب.(1)


(1)سفينة البحار:1|496، مادة حبب.

(223)

من سمات أهل البيت - عليهم السّلام-

3

استجابة دعائهم - عليهم السّلام-

الابتهال إلى اللّه وطلب الخير منه أو طلب دفع الشرِّ ومغفرة الذنوب، أمر مرغوب، يقوم به الاِنسان تارة بنفسه، وأُخرى يتوصل إليه بدعاء الغير.

واستجابة الدعاء رهن خرق الحجب و الوصول إليه سبحانه، حتى يكون الدعاء مصداقاً لقوله سبحانه: (أُدْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (1)وليس كلّدعاء مستجاباً و صاعداً إليه سبحانه، فانّ لاستجابة الدعاء شروطاً مختلفة قلّما تجتمع في دعاء الاِنسان العادي.

نعم هناك أُناس مطهرون من الذنوب يكون دعاوَهم صاعداً إلى اللّه سبحانه و مستجاباً قطعاً، ولذلك حثَّ سبحانه المسلمين على التشرّف بحضرة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- و طلب الاستغفار منه، قال سبحانه:(وَلَو أنّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أنفسهُمْ جاءُوكَ فاستغْفروا اللّه وَاسْتَغْفر لَهُمُ الرَّسُول لَوَجدوا اللّه تَوّاباً رَحيماً).(2)

وقال سبحانه: (وَإِذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوا يَسْتَغْفِر لَكُمْ رَسُول اللّه لَوّوا رُءُوسهُمْ)


(1)غافر: 60.

(2)آل عمران: 65.

(224)

وَرأيتهم يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ). (1)

ولذلك طلب أبناء يعقوب من أبيهم أن يستغفر لهم كما يحكيه قله سبحانه: (قالُوا يا أَبانا استَغْفِر لَنا ذُنُوبنا إنّاكُنّا خاطِئين).(2)

ويظهر ممّا جرى بين النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- و وفد نجران من المحاجَّة والمباهلة انّأهل البيت إذا أمَّنوا على دعاء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يُستجاب دعاءه، فقد وفد نصارى نجران على الرسول و طلبوا منه المحاجَّة، فحاجَّهم الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ببرهان عقلي تشير إليه الآية المباركة: (إِنَّ مَثل عيسى عِنْدَ اللّه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍثُمَّ قال لَهُ كُنْ فَيَكُون).(3)

فقد قارعهم النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بهذا البيان البليغ الذي لا يرتاب فيه ذو مرية، حيث كان نصارى نجران يحتجون ببنوة المسيح بولادته بلا أب فوافاهم الجواب: «بأنّ مثل المسيح كمثل آدم، إذ لم يكن للثاني أب ولا أُمّ مع أنّه لم يكن ابناً للّه سبحانه» وأولى منه أن لا يكون المسيح ابناً له.

ولمّا أُفحموا في المحاجَّة التجأوا إلى المباهلة والملاعنة، وهي وإن كانت دائرة بين الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- و رجال النصارى، لكن عمَّت الدعوة للاَبناء والنساء، للدلالة على اطمئنان الداعي بصدق دعوته وكونه على الحقّ ، و ذلك لما أودع اللّه سبحانه في قلب الاِنسان من محبة الاَولاد والشفقة عليهم، فتراه يقيهم بنفسه ويركب الاَهوال و الاخطار دونهم، ولذلك قدَّم سبحانه في الآية المباركة الاَبناء على النساء، وقال: (فَمَنْ حاجّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكََ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ )


(1)المنافقون: 5.

(2)يوسف: 97.

(3)آل عمران: 59.

(225)

أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنساءَناو نساءكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنُفسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَة اللّه عَلى الكاذِبين) .(1)

وإنَّ إتيانه سبحانه بلفظ الاَبناء بصيغة الجمع يعرب عن أنّ طرف الدعوى لم يكن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وحده بل أبناوَه ونساوَه، ولذلك عدَّتهم الآية نفس النبي ونساء النبي وأبناءه من بين رجال الاَُمة ونسائهم و أبنائهم .

ثمّ إنّالمفسرين قد ساقوا قصة المباهلة بشكل مبسوط منهم صاحب الكشاف، قال: لماّ دعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع و ننظر.

فلّما تخالوا قالوا للعاقب، وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: واللّه لقد عرفتم يامعشر النصارى أنّمحمّداً نبيّ مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، واللّه ما باهل قوم نبياً قط، فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكنّ ، فإن أبيتم إلاّ إِلف دينكم والاِقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.

فأتوا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وقد غدا محتضناً الحسين، آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه، وعليّ خلفها، وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمِّنوا».

فقال أُسقف نجران: يا معشر النصارى! إنّي لاَرى وجوهاً لو شاء اللّه أن يُزيل جبلاً من مكانه لاَزاله بها فلا تباهلوا فتُهلكوا، ولا يبقى على وجه الاَرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرّك على دينك، ونثبت على ديننا. قال: «فإذا أبيتم المباهلة، فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم».


(1)آل عمران:61.

(226)

فأبوا. قال: «فإنّي أُناجزكم»، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا، ولا تخيفنا، ولا تردُّنا عن ديننا، على أن نوَدّي إليك كلّ عام ألفي حلّة، ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك.

وقال: «والذي نفسي بيده انّ الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير و لاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتى الطير على روَوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتى يهلكوا».

وعن عائشة انّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة ،ثمّ علي، ثمّ قال: (إنّما يريداللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) .(1)

الشاهدعلى استجابة دعائهم أمران:

أ: قول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إذا أنا دعوت فأمّنوا، فكان دعاء النبي يصعد بتأمينهم، وأيُّ مقام أعلى وأنبل من أن يكون دعاء النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- صاعداً بفضل دعائهم.

ب: قول أُسقف نجران: «إنّي لاَرى وجوهاً لو شاء اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لاَزاله بها» والضمير يرجع إلى الوجوه، أي لاَزاله بدعائهم أو لاَزاله بالقسم على اللّهبهم، وقد أيَّد القول الثاني ابن البطريق في «العمدة» حيث قال: المباهلة بهم تصدق دعوى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، فقد صار إبطال محاجَّة أهل نجران في القرآن الكريم بالقسم على اللّه بهم.(2)


(1)الكشّاف: 1|326ـ 327، ط عام 1367هـ.

(2)العمدة: 243.

(227)

وقد تركت مباهلة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وأهل بيته أثراً بالغاً في نفوس المسلمين، يشهد عليها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ،عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما يمنعك أن تسبَّ أباتراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، فلن أسبَّه، لاَن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم.

سمعت رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول اللّه، خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي؟

و سمعته يوم خيبر، يقول: لاَُُعطينّ الراية رجلاً يحب اللّه و رسوله، و يحبّه اللّه ورسوله .

قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد العين، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح اللّه على يديه.

ولما نزلت هذه الآية : (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) دعا رسول اللّه عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: اللّهم هوَلاء أهل بيتي.(1)


(1)صحيح مسلم: 7|120، باب فضائل علي بن أبي طالب - عليه السّلام- .


(228)

من سمات أهل البيت - عليهم السّلام-

4

ابتغاء مرضاة اللّه تعالى

الاِنسان الكامل، هو الذي لا يفعل شيئاً ولا يتركه إلاّلابتغاء مرضاة اللّه تبارك و تعالى، فيصل في سلوكه ورياضاته الدينيَّة إلى مكان تفنى فيه كلّالدوافع والحوافز إلاّ داع واحد و هو طلب رضا اللّه تبارك و تعالى، فإذا بلغ هذه الدرجة فقد بلغ الذروة من الكمال الاِنساني، وربَّما يبلغ الاِنسان في ظل الرضا درجة لا يتمنّى وقوع مالم يقع، أو عدم ما وقع، وإلى ذلك المقام يشير الحكيم السبزواري بما في منظومته:

وبهجة بما قضى اللّه رضا * و ذو الرضا بما قضى ما اعترضا

اعظمباب اللّه، فيالرضا وُعي(1) * وخازن الجنة رضواناً دُعي

فقرا على الغنى صبورٌ ارتضى * وذان سيّان لصاحب الرضا

عن عارف عُمّر سبعين سنة * إن لم يقل رأساً لاَشيا كائنة

يا ليت لم تقع و لا لماّ * ارتفعمما هو المرغوب ليته وقع(2)


(1)ِشارة إلى ما روي انّ الرضا باب اللّه الاَعظم.

(2) شرح منظومةالسبزواري:352.

(229)

وممَّن يمثل ذلك المقام في الاَُمّة الاِسلامية هو إمام العارفين وسيد المتّقين علي أمير الموَمنين - عليه السّلام- فهو في عامَّة مواقفه ، في جهاده و نضاله، وعزلته وقعوده في بيته، وفي تسنّمه منصَّة الخلافة بإصرار من الاَُمّة، فهو في كلّهذه الاَحوال والمواقف، لا همّ له إلاّ طلب رضوانه تعالى.

و قد صرح الاِمام بذلك عندما طلب منه تسلّم مقاليد الخلافة، فقال:«أما والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ اللّه على العلماء ألاّ يقارُّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لاَلقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولاَلفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز».(1)

و قد تجلّت هذه الخصلة في علي - عليه السّلام- حين مبيته في فراش النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

روى المحدّثون أنّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لمّا أراد الهجرة خلّف علي بن أبي طالب - عليه السّلام- بمكة لقضاء ديونه و ردّ الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه فقال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- له: يا علي اتَّشح ببردي الحضرمي الاَخضر، ثمّ نم على فراشي، فانّه لا يخلص إليك منهم مكروه، إن شاء اللّه عزّوجلّ، ففعل ذلك - عليه السّلام- فأوحى اللّه عزّوجلّ إلى جبرئيل وميكائيل عليمها السَّلام إنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيّكما يوَثر صاحبه بالحياة؟، فاختار كلاهما الحياة، فأوحى اللّه عزّوجلّ إليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمّد - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فنام على فراشه يفديه بنفسه ويوَثره بالحياة ، اهبطا إلى الاَرض فاحفظاه من عدوّه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه.


(1)نهج البلاغة:الخطبة 3.

(230)

فقال جبرئيل: بَخٍّ بَخٍّ مَن مثلك يابن أبي طالب ؟ يباهي اللّه بك الملائكة، فأنزل اللّه تعالى على رسوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- و هو متوجِّه إلى المدينة في شأن علي بن أبي طالب - عليه السّلام- : (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَهُ ابْتِغاءَمَرْضاتِ اللّه). (1)

وقد نقل غير واحد نزول الآية في حقّ علي - عليه السّلام- .

وقال ابن عباس : أنشدني أمير الموَمنين شعراً قاله في تلك الليلة:

وقيت بنفسي من وطىَ الحصا * وأكرم خلق طاف بالبيت والحجر

وبتُّ أُراعي منهم ما يسوءني * و قدصبَّرت نفسي على القتلوالاَسر

وبات رسول اللّه في الغار آمناً * ومازال في حفظ الاِله وفي الستر(2)

وإلى هذه الفضيلة الرابية وغيرها يشير حسان بن ثابت في شعره عند مدح علي - عليه السّلام- :

من ذا بخاتمه تصدَّق راكعا * و أسرّها في نفسه إسرارا

من كان بات على فراش محمّد * ومحمد اسرى يوَم الغارا

من كان في القرآن سمّي * في تسع آيات تلين غزارا(3)

محاولة طمس الحقيقة لولا...

إنّ عظمة هذه الفضيلة وأهمية هذا العمل التضحويّ العظيم، دفعت بكبار علماء الاِسلام إلى اعتبارها واحدة من أكبر فضائل الاِمام علي - عليه السّلام- ، وإلى أن


(1)البقرة: 207.

(2)شواهد التنزيل: 1|130؛ أُسد الغابة:4|25.

(3)سبط ابن الجوزي: تذكرةالخواصّ: 25، ط عام 1401هـ.

(231)

يَصِفُوا بها علياً بالفداء و البذل و الاِيثار، وإلى أن يعتبروا نزول الآيةالمذكورة في شأنه من المسلّمات، كلّما بلغ الحديث في التفسير والتاريخ إليها.(1)

إنّ هذه الحقيقة لا تنسي أبداً، فإنّه من الممكن إخفاء وجه الواقع والتعتيم عليه بعض الوقت إلاّ أنّه سرعان ما تمزّق أشعةُ الحقيقة الساطعة حجبَ الاَوهام، وتخرج شمس الحقيقة من وراء الغيوم.

إنّ معاداة معاوية لاَهل بيت النبوة وبخاصة للاِمام أمير الموَمنين علي عليه السَّلام ممّا لا يمكن النقاش فيه.

فقد أراد هذا الطاغية من خلال تطميع بعض صحابة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أن يلوّث صفحات التاريخ اللامعة ويخفي حقائقه بوضع الاَكاذيب، ولكنّه لم يحرز في هذا السبيل نجاحاً.

فقد عمد«سمرة بن جندب» الذي أدرك عهد رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ثمّ انضمّ بعد وفاته - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إلى بلاط معاوية بالشام، عمد إلى تحريف الحقائق مقابل أموال أخذها من الجهاز الاَموي، الحاقد على أهل البيت.

فقد طلب منه معاوية بإصرار أن يرقى المنبر ويكذّب نزول هذه الآية في شأن علي - عليه السّلام- ، ويقول للناس أنّها نزلت في حقّ قاتل عليّ ( أي عبد الرحمن بن ملجم المرادي)،ويأخذ في مقابل هذه الاَُُكذوبة الكبرى، وهذا الاختلاق الفضيع ـالذي أهلك به دينهـ، مائة ألف درهم.

فلم يقبل «سمرة» بهذا المقدار ولكن معاوية زاد له في المبلغ حتى بلغ أربعمائة ألف درهم، فقبل الرجل بذلك، فقام بتحريف الحقائق الثابتة، مسوَّداً


(1)الغدير:2|48.

(232)

بذلك صفحته السوداء أكثر من ذي قبل، وذلك عندما رقى المنبر وفعل ما طلب منه معاوية.(1)

وقبل السامعون البسطاء قوله، ولم يخطر ببال أحد منهم أبداً أنّ (عبد الرحمن بن ملجم) اليمنيّ لم يكن يوم نزول الآية في الحجاز بل لعلّه لم يكن قد وُلِد بعد آنذاك. فكيف يصحّ؟!

ولكن الحقيقة لا يمكن أن تخفى بمثل هذه الحجب الواهية، ولا يمكن أن تُنسى بمثل هذه المحاولات العنكبوتية الرخيصة.

فقد زالت حكومة معاوية و هلك أعوانها ، واندثرت آثار الاختلاق والافتعال الذي وقع في عهدها المشوَوم، و طلعت شمس الحقيقة من وراء حُجبُ الجهل والافتراء مرة أُخرى، و اعترف أغلبُالمفسرين الاَجلّة والمحدّثين الاَفاضل ـ في العصور والاَدوار المختلفةـ بأنّ الآية المذكورة نزلت في «ليلة المبيت»في بذل علي - عليه السّلام- ومفاداته النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بنفسه.


(1)لاحظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:4|73.

(233)

من سمات أهل البيت - عليهم السّلام-

5

الاِيثار

إنّه سبحانه تبارك وتعالى وصف الاِيثار في كتابه الكريم، و هو من صفات الكرام حيث يقدِّمون الغير على أنفسهم، يقول سبحانه في وصف الاَنصار:(وَالّذِينَ تَبَوَّءُو الدّارَ وَالاِِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّون َ مَنْ هاجَرَإِليْهِمْ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهمْ حَاجةً مِمّا أُوتوا ويُوَْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْكانَ بِهِمْ خَصاصَة وَمَنْ يوقَ شُحَّ نَفْسهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون).(1)

كما أنّه سبحانه أمر بالوفاء بالنذر، قال سبحانه: (ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نذر فَانَّ اللّهَ يعلمهُ) (2)، وقال سبحانه: (ثُمَّ لْيقضُوا تَفثهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورهُمْ). (3)

وفي الوقت نفسه ندب إلى الخوف من عذابه، يقول سبحانه:(يَخافُونَ يَوماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوب وَالاََبْصار...)(4) و قال سبحانه: (وَالّذِينَ يصلُونَ ما أَمَر اللّه بهِ )


(1)الحشر:9.

(2)البقرة: 270.

(3)الحجّ: 29.

(4)النور: 37.

(234)

أَنْ يُوصل وَيَخشونَ ربَّهم ويخافُونَ سُوء الحِساب) .(1)

ما ذكرنا من الصفات الثلاث هي من أبرز الصفات التي يتحلّى بها أولياوَه سبحانه، ونجد هذه الصفات مجتمعة في أهل البيت - عليهم السّلام- في سورة واحدة، يقول سبحانه:

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوماًكانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً *وَيطعِمُونَ الطَّعام عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسيراً* إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّه لا نُريدُ مِنْكُمْ جزاءً وَلا شكوراً* إِنَّا نَخاف مِنْ رَبِّنا يَوماً عَبُوساً قَمْطَريراً).(2)

فقوله سبحانه :(ويُطْعِمُونَ الطَّعام عَلى حُبِّه) إشارة إلى إيثارهم الغير على أنفسهم، والضمير في (عَلى حُبِّهِ) يرجع إلى الطعام أي انّهم مع حبّهم للطعام قدَّموا المسكين على أنفسهم، كما أنّ قوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْر...) إشارة إلى صلابتهم في طريق إقامة الفرائض.

ثمّ قوله: (وَيَخافُونَ يَوماً) إشارة إلى خوفهم من عذابه سبحانه يوم القيامة.

وقد نقل أكثر المفسرين لو لم نقل كلّهم، انّ الآيات نزلت في حقّ أهل البيت - عليهم السّلام- .

روي عن ابن عباس (رض) انّ الحسن والحسين عليمها السَّلام مرضا فعادهما رسولاللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في أُناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما، إن شفاهما اللّه تعالى أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا وما


(1)الرعد: 21.

(2)الاِنسان: 7 ـ 10.

(235)

معهم شيء، فاستقرض علي - عليه السّلام- من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم ووضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمّد ،مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم اللّه من موائد الجنة، فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلاّ الماء و أصبحوا صائمين.

فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، وجاءهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ علي - عليه السّلام- بيد الحسن والحسينعليمها السَّلام و دخلوا على الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فلمّاّ أبصرهم، وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك.

فنزل جبرئيل - عليه السّلام- و قال: خذها يا محمّد هنّأك اللّهُ في أهل بيتك، فأقرأه السورة.(1)

روى السيوطي في الدر المنثور، وقال: اخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: (ويُطعمون الطَّعام على حُبِّهِ) الآية، قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .(2)

ورواه الثعلبي في تفسيره، وقال: نزلت في علي بن أبي طالب و فاطمةعليمها السَّلام وفي جاريتهما فضة، ثمّذكر القصة على النحو الذي سردناه لكن بصورة مبسطة.

وقال: وذهب محمّد بن علي صاحب الغزالي على ما ذكره الثعلبي في كتابه


(1)الكشاف: 3|297؛ تفسير الفخر الرازي: 30|244.

(2)الدر المنثور:8|371، تفسير سورة الاِنسان.

(236)

المعروف بـ«البلغة» انّهم - عليهم السّلام- نزلت - عليهم السّلام- مائدة من السماء فأكلوا منها سبعة أيّام، وحديث المائدة ونزولها عليهم في جواب ذلك مذكور في سائر الكتب.(1)

وقد سرد سبب نزول هذه الآية في حقّ أهل البيت - عليهم السّلام- غير واحد من أئمّة الحديث.(2)


(1)العُمدة: 2|407ـ 410.

(2)شواهد التنزيل:2|405 ـ 408؛ أُسد الغابة: 5|530؛ مناقب ابن المغازلي:272.

(237)

من سمات أهل البيت - عليهم السّلام-

6


هم خير البريّة

إنّ خير الناس في منطق القرآن الكريم من آمن باللّه ورسوله وعرف خالقه ومنعمه، وقد قال سبحانه:(لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَل الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ البرَّ مَنْآمَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وََالمَلائِكَةِ وَالكِتابِ وَالنَّبِيّينَ وَآتَى المالَ عَلى حُبّهِ ذَوِي القُربَى وَاليَتامَى وَالْمَساكينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسّائلينَ وَفِي الرِّقابِ و أقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرينَ فِي البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْس أُولئكَ الّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون).(1)

وهذه الصفات المذكورة في الآية تجدها، متمثلة في أهل البيت عليهم السَّلام شهد على ذلك سيرتهم، ولذلك صاروا خير البرية.

أخرج الطبري في تفسير قوله سبحانه: (إِنَّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات أُولئِكَ هُمْ خَيْرُالْبَرِيَّة ) .(2)باسناده عن أبي الجارود ،عن محمد بن علي ، قال:


(1)البقرة: 177.

(2)البيّنة: 7.

(238)

قال النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «أنت يا علي و شيعتك».(1)

روى الخوارزمي عن جابر قال: كنّا عند النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فأقبل علي بن أبي طالب، فقال رسول اللّه: «قد أتاكم أخي» ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثمّ قال: «والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة»، ثمّ قال: «إنّه أوّلكم إيماناً معي، وأوفاكم بعهد اللّه، وأقومكم بأمر اللّه، وأعدلكم في الرعيّة، وأقسمكم بالسوّية،وأعظمكم عند اللّه مزيّة»، قال: وفي ذلك الوقت نزلت فيه: (إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحات أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّة) ، و كان أصحاب النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إذا أقبل عليّ، قالوا:قد جاء خير البرية.(2)

وروى أيضاً من طريق الحافظ ابن مردويه، عن يزيد بن شراحيل الاَنصاري، كاتب علي - عليه السّلام- ، قال: سمعت عليّاً يقول: «حدَّثني رسول اللّه وأنا مُسْنده إلى صدري، فقال أي عليّ! ألم تسمع قول اللّه تعالى: (إِنَّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات أُولئكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّة) ؟ أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الاَُمم للحساب تُدعون غرّاً محجّلين».(3)

وأرسل ابن الصباغ المالكي في فصوله عن ابن عباس، قال: لمّا نزلت هذه الآية، قال النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لعلي - عليه السّلام- : «أنت و شيعتك تأتي يوم القيامة، أنت و هم راضين مرضيين، ويأتي أعداوَك غضاباً مقمحين».(4)


(1)تفسير الطبري:30|146.

(2)المناقب للخوارزمي: 111 برقم 120.

(3)المناقب للخوارزمي: 265 برقم 247.

(4)الفصول: 122.

(239)

من سمات أهل البيت - عليهم السّلام-

7

أهل البيت - عليهم السّلام- ورثة الكتاب

اختلفت الاَُمّة الاِسلامية بعد رحيل النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في أمر الخلافة ـ وإن كان اللائق بها عدم الاختلاف فيها، للنصوص الصحيحة الصادرة عنه في مختلف الموارد ـ وقد استقصينا البحث فيها في مبحث الاِمامة من هذا الجزء.

والذي نركِّز عليه في هذا البحث هو تبيين المرجع العلمي بعد رحيله ـ سواء أكانت الخلافة لمن نصَّ عليه النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في يوم الغدير أو من اختاره بعض الصحابة في سقيفة بني ساعدة ـ.

والمراد من المرجع العلمي مَن ترجع إليه الاَُمّة في أُصول الدين وفروعه، ويصدر عنهم في تفسير القرآن وتبيين غوامضه، ويستفهم منه أسئلة الحوادث المستجدَّة.

يقول سبحانه:(وَالّذي أَوحَيْنا إِلَيْكَ الكِتابَ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللّه بِعِبادِهِ لَخبير بَصير* ثُمَّ أَورَثْنَا الكِتاب الّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالخَيرات بِإِذْنِ اللّه ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ )


(240)

الكَبير ).(1)

المراد من الكتاب في قوله: (أوحينا إليك الكتاب) هو القرآن بلا شكّ وكونه حقّاً لاَجل براهين قطعية تُثبت أنّه منزل من ربّه فانّ قوانينه تنسجم مع الفطرة الاِنسانية، والقصص الواردة فيها مصونة من الاَساطير، والمجموع خالٍ من التناقض إلى غير ذلك من القرائن الدالة على أنّه حقّ. ومع ذلك هو مصدِّق لما بين يدي الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- من الكتاب السماوي.

هذا هو مفاد الآية الاَُولى.

ثمّ إنّه سبحانه يقول: (ثُمَّ أَورَثْنا الكتاب) المراد من الكتاب هو القرآن: لاَنَّ اللاّم للعهد الذكري أي الكتاب المذكور في الآية المتقدمة، والوراثة عبارة عمّا يستحصله الاِنسان بلا مشقة وجهد، والوارث لهذا الكتاب هم الذين أُشير إليهم بقوله: (الذين اصطفينا من عبادنا) ، فلو قلنا بأنّ «من» للتبيين فيكون الوارث هو الاَُمة الاِسلامية جميعاً، ولو قلنا: إنّ «مِن» للتبعيض فيكون الوارث جماعة خاصة ورثوا الكتاب.

والظاهر هو التبيين كما في قولنا :(وَسَلامٌ عَلى عِبادِه الّذينَ اصْطَفى ).(2)

ولكن الاَُمة الاِسلامية صاروا على أقسام ثلاثة:

أ: ظالم لنفسه: الَّذين قصَّروا في وظيفتهم في حفظ الكتاب والعمل بأحكامه، وفي الحقيقة ظلموا أنفسهم، فلذلك صاروا ظالمين لاَنفسهم.

ب: مقتصد : الذين أدُّوا وظيفتهم في الحفظ و العمل لكن لا بنحو كامل


(1)فاطر: 31 ـ 32.

(2)النمل: 59.

(241)

بل قصَّروا شيئاً فيهما .

ج: سابق بالخيرات بإذن اللّه: هم الجماعة المثلى أدّوا وظائفهم بالحفظ والعمل على النحو الاَتم، فلذلك سبقوا إلى الخيرات كما يقول سبحانه: (سابِقٌ بالخَيرات بِإِذْنِ اللّهْ) .

و على هذا فإنَّ ورثة الكتاب في الحقيقة هم الطائفة الثالثة أعني الذين سبقوا بالخيرات.

وأمّا ما هو المراد من الطائفة الثالثة، فيتكفَّل الحديث لبيان ملامحها .

روى الكليني عن أبي جعفر الباقر - عليه السّلام- في تفسير الآية انّه قال: «السابق بالخيرات الاِمام، والمقتصد العارف بالاِمام، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الاِمام».

وروي نفس الحديث عن الاِمام الرضا - عليه السّلام- .

وهناك روايات أُخرى توَيد المضمون فمن أراد فليراجع.(1)

ثمّ إنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قد أوضح ورثة الكتاب في حديثه المعروف الذي اتّفق على نقله أصحاب الصحاح والمسانيد.

أخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم رضي اللّه عنه، قال: قام رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يوماً فينا خطيباً، بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد اللّه تعالى، وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثمّ قال:

«أمّا بعد: ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللّهُ استمسكوا به»، فحثّ على كتاب اللّه و رغَّب فيه؛ ثمّ قال: «وأهل بيتي، أُذكِّركم اللّه في أهل


(1)البرهان في تفسير القرآن: 3|363.

(242)

بيتي، أُذكِّركم اللّه في أهل بيتي، أُذكِّركم اللّه في أهل بيتي».(1)

هذا ما أخرجه مسلم، و من الواضح انّه لم ينقل على وجه دقيق، وذلك لاَنّ مقتضى قوله: «أوّلهما»، أن يقول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : ثانيهما أهل بيتي، مع أنّه لم يذكر كلمة «ثانيهما».

و قد رواها الاِمام أحمد بصورة أفضل ممّا سبق، كما رواه النسائي في فضائل الصحابة كذلك.

أخرج أحمد في مسنده عن أبي الطفيل، عن زيد بن الاَرقم، قال: لما رجع رسول اللّه من حَجّة الوداع و نزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: «كأنّي قد دعيت فأجبت: إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

ثمّ قال:« إنّ اللّه مولاي، وأنا ولي كلّ موَمن»، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: «من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه».(2)

هذه إلمامة سريعة بحديث الثقلين، ومن أراد أن يقف على أسانيده ومتونه فعليه أن يرجع إلى الكتب الموَلفة حوله، وأبسط كتاب في هذا الموضوع ما ألفه السيد المجاهد «مير حامد حسين» حيث خصّ أجزاءً من كتابه «العبقات» لبيان تفاصيل أسانيده ومضمونه، وقد طبع ما يخصَّ بالحديث في ستَّة أجزاء.

كما بسط الكلام في أسانيده و أسانيد غيره سيد مشايخنا البروجردي (1292ـ 1380هـ) في كتابه «جامع أحاديث الشيعة»، فقال بعد استيفاء


(1)صحيح مسلم:4|1873 برقم 2408، ط عبد الباقي.

(2)المسندالجامع: 5|505 برقم 3828.

(243)

نصوص الحديث وأسانيده: وقد ظهر ممّا ذكرنا انّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أوجب على الاَُمّة قاطبة التمسُّك بالعترة الطيبة في الاَُمور الشرعية والتكاليف الاِلهية ، وأكَّد وجوبه وشدَّده و أوثقه وكرَّره بكلمات عديدة وألفاظ مختلفة بحيث لا يمكن إنكاره ولا يجوز تأويله، و قد اكتفينا بذلك و أنّ كثيراً من طرق الحديث قد ضمن مضافاً إلى المذكورات، ما يدل على حجّية أقوالهم ووجوب اتّباعهم وحرمة مخالفتهم.(1)

والجدير بالمسلمين التركيز على مسألة تعيين المرجع العلمي بعد رحيل النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، إذ لا يسوغ في منطق العقل أن يترك صاحب الرسالة، الاَُمّة المرحومة بلا راع، وهويعلم أنّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- برحيله سوف يواجه المسلمون حوادث مستجدة ووقائع جديدة تتطلب أحكاماً غير مبيّنة في الكتاب والسنَّة، فلا محيص من وجود مرجع علمي يحُلُّ مشاكلها ويذلّل أمامها الصعاب، وقد قام - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ببيان من يتصدّى لهذا المنصب بحديث الثقلين.

ومن العجب أنّكثيراً من المسلمين يطرقون كلّباب إلاّ باب أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- مع أنّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لم يذكر شيئاً ممّا يرجع إلى غير هوَلاء، فلا أدري ما هو وجه الاِقبال على غيرهم والاِعراض عنهم؟!

قال السيد شرف الدين العاملي: والصحاح الحاكمة بوجوب التمسك بالثقلين متواترة، وطرقها عن بضع وعشرين صحابياً متضافرة. وقد صدع بها رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في مواقف له شتى.

تارة يوم غدير خم كما سمعت، وتارة يوم عرفة في حجّة الوداع، وتارة بعد انصرافه من الطائف، ومرّة على منبره في المدينة، وأُخرى في حجرته المباركة في


(1)جامع أحاديث الشيعة:1|131ـ 132.

(244)

مرضه، والحجرة غاصَّة بأصحابه، إذ قال: «أيّها الناس يوشك أن أُقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب اللّه عزّوجلّ وعترتي أهل بيتي»، ثمّ أخذ بيد علي فرفعها، فقال: «هذا علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض».

وقد اعترف بذلك جماعة من أعلام الجمهور، حتى قال ابن حجر: ثم اعلم أنّ لحديث التمسك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً.

قال: ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق انّه قال:ذلك بحجّة الوداع بعرفة، وفي أُخرى انّه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلاَت الحجرة بأصحابه، وفي أُخرى انّه قال: ذلك بغدير خم، وفي أُخرى انّه قال: ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف.

قال: ولا تنافي إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.

وحسب أئمّة أهل العترة الطاهرة أن يكونوا عند اللّه ورسوله بمنزلة الكتاب، لا يأتيه ا لباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكفى بذلك حجة تأخذ بالاَعناق إلى التعبُّد بمذهبهم، فانّ المسلم لا يرتضي بكتاب اللّه بدلاً، فكيف يبتغي عن أعداله حولاً.(1)


(1)المراجعات: المراجعة رقم 8.

(245)

من سمات أهلالبيت - عليهم السّلام-

8

حرمة الصدقة عليهم

اتّفق الفقهاء على أنّه لا تحل الصدقة المفروضة على بني هاشم الواردة في الآية المباركة، أعني: قوله سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقة تُطهِّرهُمْ وتُزَكِّهِمْ بِها و َتُصلِّ عليهم انَّ صَلاتكَ سَكنٌ لَهُمْ) .(1)وذلك لاَنّ التطهير والتزكية إنّما يتعلَّق بما فيه وسخ وأهل البيت أعلى من أن يعيشوا بأوساخ الناس.

قال ابن قدامة: «لا نعلم خلافاً في أنّ بني هاشم لا تحلُّ لهم الصدقة المفروضة».(2)

وقد تضافرت الروايات على ذلك وجمعها ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام، نقتبس منها ما يلي:

1. عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، قال: قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمّد، إنّما هي أوساخ النّاس».(3)

وفي رواية: «وانَّهالا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد» رواه مسلم.(4)


(1)التوبة: 103.

(2)المغني: 2|547.

(3)بلوغالمرام: 129، برقم 665.

(4)بلوغالمرام: 129، برقم 665.

(246)

2. روى أبو هريرة، قال: أخذ الحسن بن علي عليمها السَّلام تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «كخٍ، كخٍ » ليطرحها، ثمّ قال: «أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة»، رواه الشيخان البخاري و مسلم.

ولمسلم: أما علمت أنّا لا تحل لنا الصدقة.(1)

3. عن أنس انّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- مرّبتمرة في الطريق، وقال: «لولا أن تكون من الصدقة لاَكلتها».

رواه مسلم وأبو داود.(2)

4. عن عائشة، قالت: أُتي النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بلحم، فقلت: هذا ما تصدّق به على بريرة، فقال: «هو لها صدقة، ولنا هديَّة».

رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود.(3)

5. كان النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إذا أُتي بطعام سأل عنه، فإن قيل: هدية أكل منها، وإن قيل: صدقة، لم يأكل منها.

رواه الترمذي ومسلم.(4)

6. عن عبد اللّه بن حرث الهاشمي ـ وساق حديثاً حتى قالـ: إنّ هذه الصدقات إنّما هي أوساخ الناس وانّها لا تحل لمحمّد ولا لآل محمّد.

رواه مسلم والنسائي.(5)

7. عن أبي رافع أنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لاَبي رافع:اصحبني فإنّك تصيب منها، قال: حتى آتي النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فأسأله، فأتاه فسأله ، فقال: مولى القوم من أنفسهم وإنّا لا تحلُّلنا الصدقة.

أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.(6)


(1)التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

(2)التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

(3)التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

(4)التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

(5)التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

(6)التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

(247)

الفصل الثالث

حقوق أهل البيت - عليهم السّلام-

في القرآن الكريم

قد عرفت من هم أهل البيت - عليهم السّلام- في الآيات والروايات الواردة على لسان النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، وما جادت به القرائح العربية حولهم من قصائد و أراجيز كما عرفت سماتهم و خصوصياتهم.

وحان البحث لبيان حقوقهم على المسلمين الَّتي نزل بها الوحي في الكتاب العزيز، وها نحن نذكر بعض حقوقهم:


(248)



(249)

من حقوق أهل البيت - عليهم السّلام-

1

ولاية أهل البيت - عليهم السّلام-

قد دلّت الروايات المتضافرة على أنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ارتحل وقد نصّب عليّاً - عليه السّلام- للولاية والخلافة، فأبان ولايته وولاية من بعده من الاَئمّة في مواقف مختلفة، نذكر منها موقفين:

الاَوّل: انّ سائلاً أتى مسجد النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وعليّ عليه السَّلام راكع، فأشار بيده للسائل، أي اخلع الخاتم من يدي، فنزل قوله سبحانه: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوَْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُون) .(1)

وقد تضافرت الروايات على نزول الآية في حقّ علي - عليه السّلام- و نقلها الحفّاظ، منهم: ابن جرير الطبري(2) والحافظ أبو بكر الجصاص الرازي(3) و الحاكم النيسابوري(4) و الحافظ أبو الحسن الواحدي النيسابوري(5) وجار اللّه الزمخشري(6)، إلى غيرهم من أئمّة الحفاظ و كبار المفسِّرين ربَّما ناهز عددهم السبعين . وهم بين


(1)المائدة: 55.

(2)تفسير الطبري:6|186.

(3)أحكام القرآن:2|542.

(4)معرفة أُصول الحديث:102.

(5)أسباب النزول : 113.

(6)الكشاف:1| 468.

(250)

محدِّث ومفسّر وموَرِّخ.

والذي يجب التركيز عليه هو فهم معنى الولي الوارد في الآية المباركة والذي وقع وصفاً للّه سبحانه ولرسوله ومن جاء بعده.

المراد من الولي في الآية هو الاَولوية الواردة في قوله سبحانه:(النَّبيُّ أولى بِالمُوَْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) .(1)

فالنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أولى من الموَمنين بأنفسهم و أموالهم، فهو بما انّه زعيم المسلمين ووليّهم، يتصرّف فيهم حسب ما تقتضيه المصالح في طريق حفظ كيان الاِسلام وصيانة هويَّتهم والدفاع عن أراضيهم لغاية نشر الاِسلام.

وليست الغاية من هذه الولاية الموهوبة للنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- هي حفظ مصالح النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- الشخصية، بل الغاية كما عرفت صيانة مصالح الاِسلام والمسلمين.

فالولاية بهذه المعنى هي المراد من قوله سبحانه: (إِنَّما وَليّكُمُ اللّهَُ وَرَسُولُه) و القرائن الدالَّة على تعُّين هذا المعنى كثيرة، نذكر منها ما يلي:

الاَوّل: إذا كان المراد من الوليّ هو الزعامة، يصحّ تخصيصها باللّه سبحانه ورسوله ومن أعقبه، وأمّا لو كان المراد منه هو الناصر و المحب، فهو ليس مختصاً بهوَلاء، لاَنّ كلّموَمن محب للآخرين أو ناصر لهم كما يقول سبحانه: (وَالمُوَْمِنُونَ وَ المُوَْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَولياءُ بَعْضٍ).(2)

الثاني: انّ ظاهر الآية انّ هناك أولياء و هناك مولّى عليهم، ولا يتحقّق التمايز إلاّ بتفسير الولاية بمعنى الزعامة حتى يتميّز الزعيم عن غيره، وهذا بخلاف ما لو فسرّناه بمعنى الحب والود أو النصر، فتكون الطوائف الثلاث عندئذ على حد سواء


(1)الاَحزاب: 6.

(2)التوبة: 71.

(251)

الثالث: إذا كان المراد من الولي هو الزعيم، يصحّ تخصيصه بالموَمن الموَدّي للزكاة حال الصلاة، و أمّا لو كان المراد بمعنى المحبّ والناصر و ما أشبههما يكون القيد زائداً ، أعني: إعطاء الزكاة في حال الصلاة، فانّ شرط الحب هو إقامة الصلاة وأداء الزكاة، وأمّا تأديتها في حال الركوع فليس من شرائط الحب والنصرة، وهذا دليل على أنّ المراد فرد أو جماعة خاصة يوصفون بهذا الوصف لا كلّ الموَمنين.

الرابع: انّ الآية التالية تفسر معنى الولاية، يقول سبحانه: (ومَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُون) .(1)

فانّ لفظة (الّذين آمنوا) في هذه الآية هو الوارد في الآية المتقدمة، أعني: (وَالّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاة) ، وعلى هذا يكون المراد من الولي أخذهم زعيماً وولياً بشهادة انّ حزب اللّه لا ينفك من زعيم يدبِّر أُمورهم.

إلى هنا تبيّن انّ الاِمعان في القرائن الحافَّة بالآية تفسّر معنى الولي وتعيَّن المعنى و تثبت انّ المقصود هو الزعيم، لكن من نكات البلاغة في الآية انّه سبحانه صرح بولايته و ولاية رسوله ومن جاء بعده و على ذلك صارت الولاية للثلاثة، وكان اللازم عندئذٍ أن يقول إنّما أولياوَكم بصيغة الجمع لكنّه أتى بصيغة المفرد إشارة إلى نكتة، وهي انّ الولاية بالاَصالة للّه سبحانه وأمّا ولاية غيره فبإيهاب من اللّه سبحانه لهم ، ولذلك فرّد الكلمة ولم يجمعها، لكن هذه الولاية لا تنفك من آثار، وقد أُشير إلى تلك الآثار في آيات مختلفة، وإليك بيانها:

1. (أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاََمْرِمِنْكُمْ) .(2)

فانّ لزوم إطاعة اللّه والرسول وغيرهما من آثار ولايتهم وزعامتهم، فالزعيم


(1)المائدة: 56.

(2)النساء: 59.

(252)

يجب أن يكون مطاعاً.

2. (وَماكانَ لِمُوَْمِنٍ وَلا مُوَْمِنَةٍ إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).(1)

فينفذ قضاوَه سبحانه و الَّذي هو من آثار الزعامة، ونظيره قوله سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ).(2)

3.(فَلْيَحْذَرِ الّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرهِ أنْ تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَو يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ).(3) فحرمة مخالفة أمر اللّه ورسوله من توابع زعامتهم وولايتهم.

فهذه الحقوق ثابتة للنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بنص القرآن الكريم ولمن بعده بحكم انّهم أولياء بعد النبي فانّ ثبوتها للنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لاَجل ولايته فإذا كانت الولاية مستمرة بعده فيتمتع كلّوليٍّ بهذه الحقوق.

وبهذا تبيَّنت دلالة الآية على ولاية علي - عليه السّلام- وانّها حقّ من حقوق أهلالبيت - عليهم السّلام- لصالح الاِسلام والمسلمين.

نعم بعض من لا تروقهم ولاية أهل البيت - عليهم السّلام- وزعامتهم حاولوا تضعيف دلالة الآية بشبهات واهية واضحة الرد، وقد أجبنا عنها في بعض مسفوراتنا فلنكتف في المقام بهذا المقدار.

غير انّا نركز على نكتة وهي انّ الصحابة الحضور لم يفهموا من الآية سوى الولاية ولذلك صبَّ شاعر عهد الرسالة حسان بن ثابت ما فهمه من الآية بصفاء ذهنه في قالب الشعر ، وقال:


(1)الاَحزاب: 36.

(2)النساء: 105.

(3)النور: 63.

(253)

فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكعٌ * فدتك نفوس القوم يا خيـر راكـع

بخـاتمـك الميمـون يـا خيـر سيد * ويـا خيـر شـارٍثـمّ يا خيــر بايعٌ

فـأنـزل فيــك اللّهُ خيــرَ ولايــة* وبيَّنها فـي محكمـات الشـرائـع(1)

والظاهر ممّا رواه المحدّثون انّ الاَُمّة الاِسلامية سيُسألون يوم القيامة عن ولاية علي - عليه السّلام- ، حيث ورد السوَال في تفسير قوله سبحانه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْوَولُون).(2)

روى ابن شيرويه الديلمي في كتاب «الفردوس» في قافية الواو، باسناده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْوَولُون) عن ولاية علي بن أبي طالب.(3)

ونقله ابن حجر عن الديلمي، وقال: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْوَولُون) أي عن ولاية علي وأهل البيت، لاَنّ اللّه أمر نبيّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أن يعرف الخلق أنّه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجراً إلاّ المودة في القربى، والمعنى انّهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة.(4)

الثاني(5): من تلك المواقف هو يوم الغدير و هو أوضحها وآكدها وأعمّها وقد صدع بالولاية في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام في منصرفه من حجّة الوداع، وقد قام في محتشد كبير بعدما خطب خطبة مفصَّلة وأخذ من الناس الشهادة على التوحيد والمعاد ورسالته وأعلن انّه فرط على الحوض، ثمّ ذكر الثقلين وعرَّفهما، بقوله:« الثقل الاَكبر: كتاب اللّه، والآخر الاَصغر: عترتي؛ وانّ اللطيف


(1)مناقب الخوارزمي:178؛ كفاية الطالب للكنجي:200 ؛ تذكرة ابن الجوزي:25.

(2)الصّافات: 24.

(3)شواهد التنزيل :2|106.

(4)الصواعق المحرقة:149.

(5)مضى الاَوّل: 247.

(254)

الخبير نبَّأني انّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»، ثمّقال: «أيّها الناس من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟» قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: «إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه»، ثمّ قال: «اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب».

ففي هذه الواقعة الفريدة من نوعها أعلن النبي ولاية علي - عليه السّلام- للحاضرين وأمرهم بإبلاغها للغائبين، ونزل أمين الوحي بآية الاِكمال، أعني: قوله سبحانه: (الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي) .(1)

فقال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «اللّه أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالتي، والولاية لعلي من بعدي».

ثمّ طفق القوم يهنّئون أمير الموَمنين - عليه السّلام- و ممَّن هنَّأه في مقدّم الصحابة : الشيخان أبو بكر وعمر، كلّ يقول:

بَخٍّ بَخٍّ لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّموَمن وموَمنة.

وقد تلقّى الصحابة الحضور انّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أوجب ولايته على الموَمنين، وقد أفرغ شاعر عهد الرسالة حسّان بن ثابت ما تلقّاه عن الرسول، في قصيدته وقال:

فقال لـه قـم يـا علـيّ فانّنـي * رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فمن كنـت مـولاه فهـذا وليـّه * فكونوا له أنصار صدق موالياً

قد ذكرنا مصادر الخطبة والاَبيات عند البحث عن الاِمامة فراجع.


(1)المائدة: 3.

(255)

من حقوق أهل البيت - عليهم السّلام-

2


أهل البيت - عليهم السّلام-
وضرورة إطاعتهم

أمر سبحانه بإطاعة الرسول و أُولي الاَمر، وقال: (يا أَيُّهَاالّذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللّه والرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر ذلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً).(1)

تأمر الآية بإطاعة اللّه كما تأمر بإطاعة الرسول و أُولي الاَمر لكن بتكرار الفعل، أعني: (وأَطيعُوا الرَّسُول) وما هذا إلاّ لاَنّ سنخ الاِطاعتين مختلف، فإطاعته سبحانه واجبة بالذات، و إطاعة النبي و أُولي الاَمر واجبة بإيجابه سبحانه.

والمهم في الآية هو التعرُّف على المراد من أُولي الاَمر، فقد اختلف فيه المفسرون على أقوال ثلاثة:

1. الاَُمراء، 2. العلماء، 3. صنف خاص من الاَُمّة، وهم أئمّة


(1)النساء: 59.

(256)

أهل البيت - عليهم السّلام- .

وبما انّه سبحانه أمر بإطاعة أُولي الاَمر إطاعة مطلقة، غير مقيَّدة بما إذا لم يأمروا بالمعصية يمكن استظهار أنّ أُولي الاَمر المشار إليهم في الآية والذين وجبت طاعتهم على الاِطلاق، معصومون من المعصية والزلل، كالنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- حتى اقترنوا في لزوم الطاعة في الآية.

وبعبارة أُخرى: انّه سبحانه أوجب طاعتهم بالاِطلاق، كما أوجب طاعته، وطاعة رسوله، ولا يجوز أن يوجباللّه طاعة أحد على الاِطلاق إلاّ من ثبتت عصمته،وعلم أنّ باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط والاَمر بالقبيح،وليس ذلك بحاصل في الاَُُمراء، ولا العلماء سواهم، جلّ اللّه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أوبالانقياد للمختلفين في القول والفعل، لاَنّه محال أن يطاع المختلفون، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه.(1)

وقد أوضحه الرازي في تفسيره، وذهب إلى أنّ المقصود من أُولي الاَمر هم المعصومون في الاَُمّة، وإن لم يخض في التفاصيل، ولم يستعرض مصاديقهم ،لكنّه بيّن المراد منهم بصورة واضحة، وقال:

والدليل على ذلك انّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع، لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأً منهي عنه، فهذا يُفضي إلى اجتماع الاَمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد وانّه


(1)مجمع البيان:3|100.

(257)

محال.

فثبت انّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على سبيل الجزم، وثبت أنّكلّمن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم، وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الاَمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً.(1)

وقد أوضح السيد الطباطبائي دلالة الآية على عصمة أُولي الاَمر ببيان رائق وإليك نصّه، قال: الآية تدل على افتراض طاعة أُولي الاَمر هوَلاء، ولم تقيّده بقيد ولا شرط، وليس في الآيات القرآنية ما يقيّد الآية في مدلولها حتى يعود معنى قوله: (وَأَطيعُوا الرَّسُول وَأُولي الاََمْر مِنْكُمْ) إلى مثل قولنا: وأطيعوا أُولي الاَمر منكم فيما لم يأمروا بمعصية أو لم تعلموا بخطئهم، فإن أمروكم بمعصية فلا طاعة عليكم، وإن علمتم خطأهم فقوِّموهم بالردّ إلى الكتاب والسنّة و ليس هذا معنى قوله: (وَأَطيعُوا الرَّسُول وَأُولي الاََمْرِمِنْكُمْ) .

مع أنّاللّه سبحانه أبان ما هو أوضح من هذا القيد فيما هو دون هذه الطاعة المفترضة، كقوله في الوالدين: (وَوَصَّيْنَا الاِِنْسان بِوالِدَيهِ حُسناً وَإِنْ جاهَداكَ لتشرِكَ بِي مالَيْسَلَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) .(2)فما باله لم يُظهر شيئاً من هذه القيود في آية تشتمل على أُس أساس الدين، وإليها تنتهي عامة اعراق السعادة الاِنسانية.

على أنّ الآية جمع فيها بين الرسول و أُولي الاَمر، وذكر لهما معاً طاعة واحدة، فقال: (وأطيعوا الرسول وأُولي الاَمر منكم) ، ولا يجوز على الرسول أن يأمر


(1)التفسير الكبير: 10|144.

(2)العنكبوت: 8.

(258)

بمعصية أو يغلط في حكم، فلو جاز شيء من ذلك على أُولي الاَمر، لم يسع إلاّ أن يذكر القيد الوارد عليهم فلا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير أن تقيّد، ولازمه اعتبار العصمة في جانب أُولي الاَمر، كما اعتبر في جانب رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- من غير فرق.(1)

وبذلك تبيَّن أنّ تفسير أُولي الاَمر بالخلفاء الراشدين أو أُمراء السرايا أو العلماء أمر غير صحيح، لاَنّ الآية دلَّت على عصمتهم ولا عصمة لهوَلاء، فلابدّ في التعرُّف عليهم من الرجوع إلى السنَّة التي ذكرت سماتهم ولا سيما حديث الثقلين حيث قورنت فيه العترة بالكتاب، فإذا كان الكتاب مصوناً من الخطأ، فالعترة مثله أخذاً بالمقارنة.

ونظيره حديث السفينة: «مَثَل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».(2)

إلى غير ذلك من الاَحاديث التي تنصُّ على عصمة العترة الطاهرة، فإذاً هذه الاَحاديث تشكّل قرينة منفصلة على أنّ المراد من أُولي الاَمر هم العترة أحد الثقلين.

بل يمكن كشف الحقيقة من خلال الاِمعان في آية التطهير، وقد عرفت دلالتها على عصمة أهل البيت الذين عيَّنهم الرسول بطرق مختلفة.

وعلى ضوء ذلك فآية التطهير، وحديث الثقلين، وحديث السفينة إلى غيرها من الاَحاديث الواردة في فضائل العترة الطاهرة كلّها تدل على عصمتهم.

هذا من جانب و من جانب آخر دلَّت آية الاِطاعة على عصمة أُولي الاَمر،


(1)الميزان:4|391.

(2)الحاكم :المستدرك: 3|151 أخرجه مسنداً إلى أبي ذر.

(259)

فبضم القرائن الآنفة الذكر إلى هذه الآية يتضح المراد من أُولي الاَمر الذين أمر اللّه سبحانه بطاعتهم و قرن طاعتهم بطاعة الرسول.

وأمّا الرواية عنالنبيّ: فقد روى ابن شهراشوب عن تفسير مجاهد انّهذه الآية نزلت في أمير الموَمنين - عليه السّلام- حين خلّفه رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في المدينة، فقال: «يا رسول اللّه، أتخلّفني بين النساء و الصبيان؟» فقال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «يا علي، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، حين قال له: ( اخلفني في قومي وأصلح)، فقال: أبلى واللّه؛ (وأُولي الاَمر منكم) قال: علي بن أبيطالب ولاّهاللّه أمرالاَُمَّة بعد محمّد حين خلّفه رسولاللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بالمدينة فأمراللّهالعباد بطاعته و ترك خلافه» .(1)

وأمّا ما رُوي عن أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- حول الآية فحدث عنها ولا حرج، فلنقتصر في المقام على رواية واحدة نقلها الصدوق باسناده عن جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، قال:

لمّا أنزل اللّه عزّ وجلّ على نبيّه محمد - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : (يا أيّها الّذين آمنوا أَطيعوا اللّه وأَطيعُوا الرسول وأُولي الاََمْر منكم) قلت: يا رسول اللّه ، عرفنا اللّه ورسوله، فمن أولوالاَمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك ؟ فقال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي، أوّلهم علي بن أبي طالب، ثمّالحسن، ثمّالحسين، ثمّعلي بن الحسين، ثمّ محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ستدركه ياجابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علي بن موسى، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ علي بن محمّد، ثمّ الحسن بن علي، ثمّ سَمِيِّ محمّد و


(1)المناقب لاِبن شهراشوب: 3| 15، ط المطبعةالعلميّة.

(260)

كنيتي، حجة اللّه في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح اللّه تعالى على يديه مشارق الاَرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيه على القول بإمامته إلاّ من امتحن اللّه قلبه للاِيمان».

قال جابر: فقلت له: يا رسول اللّه فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «اي والذي بعثني بالنبوة إنّهم يستضيئون بنوره،وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب.

يا جابر هذا من مكنون سر اللّه ومخزون علم اللّه ،فاكتمه إلاّ عن أهله».(1)


(1)البرهان في تفسير القرآن: 1|381.


(261)

من حقوق أهل البيت - عليهم السّلام-

3

وجوب مودَّتهم وحبِّهم

قام الرسل بابلاغ رسالات اللّه سبحانه إلى الناس، دون أن يبغوا أجراً منهم، بل كان عملهم خالصاً لوجهه سبحانه، لاَنّ إبلاغ رسالاته كانت فريضة إلهية على عواتقهم، فكيف يطلبون الاَجر للعمل العبادي الذي لا يبعثهم إليه إلاّ طاعة أمره وطلب رضاه،ولذلك كان شعارهم دوماً، قولهم(وَما أسْأَلُكُمْ عَليهِ مِنْ أَجْرٍ إِن أَجْرِي إِلاّعلى ربِّ العالَمِين).(1)

فقد ذكر سبحانه على لسان الاَنبياء تلك الآية في سورة الشعراء، ونقلها عن عديد من أنبيائه، نظراء:

نوح (2)، هود(3) صالح(4) لوط(5) شعيب(6)

وقد جاء هذا الشعار في سور أُخرى نقلها القرآن الكريم عن رسله وأنبيائه، فقد كانوا يخاطبون أُمَمهم بقولهم:


(1)الشعراء: 109.

(2)الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.

(3)الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.

(4)الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.

(5)الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.

(6)الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.

(262)

(وَ يا قَوْمِ ْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى اللّهِ).(1)

(يا قَوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إنْ أجْرِيَ إِلاّ عَلىَ الّذي فطرني).(2)

فإذا كان هذا موقف الاَنبياء من أُمَمهم، فكيف يصح للنبي الخاتم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أن يطلب الاَجر؟! بل هو أولى بأن يكون عمله خالصاً للّه، لاَنّه خاتم الرسل وأفضلهم، وقد كان يرفع ذلك الشعار أيام بعثته، بأمر منه سبحانه و يتلو قوله تعالى: (قُلْلا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُو إِلاّذِكرى لِلْعالَمين) ) (3)

هذه هي حقيقة قرآنية لا يمكن إنكارها، ومع ذلك نرى انّه سبحانه يأمره في آية أُخرى بأن يطلب منهم مودة القربى أجراً للرسالة.

ويقول: (قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّالمَودَّةَ فِي القُربى) .(4)

فكيف يمكن الجمع بين هذه الآية، وما تقدم من الآية الخاصَّة بالنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- والآيات الراجعة إلى سائر الاَنبياء، فانّهم عليهم السَّلام كانوا على نهج واحد؟

هذا هو السوَال المطروح في المقام.

والاِجابة عليه تتوقَّف على نقل ما ورد حول الموضوع في القرآن الكريم، فنقول:

الآيات التي وردت حول أجر النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- على أصناف أربعة:

الاَوّل: أمره سبحانه بأن يخاطبهم بأنّه لا يطلب منهم أجراً، قال سبحانه: (قُلْلا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُو َ إِلاّذِكرى لِلْعالَمين) .(5)


(1)هود:29.

(2)هود: 51.

(3)الاَنعام: 90.

(4)الشورى: 23.

(5)الاَنعام: 90.

(263)

الثاني: ما يشعر بأنّه طلب منهم أجراً يرجع نفعهإليهم دون النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : فيقول سبحانه: ( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْأَجْرِيَ إِلاّعلى اللّهِ وهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد).(1)

الثالث: ما يُعرّف أجره، بقوله: (قُلْ ما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِمِنْ أَجْرٍ إِلاّمَنْ شاء أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِسَبيلاً) .(2)فكان اتخاذ السبيل إلى اللّه هو أجر الرسالة.

الرابع: ما يجعل مودة القربى أجراً للرسالة، ويقول: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّالمَوَدَّةَ فِي القُربى) .

فهذه العناوين الاَربعة لابدّأن ترجع إلى معنى واحد، وهذا هو الذي نحاول أن نسلّط عليه الاَضواء.

الجواب: انّ لفظة الاَجر يطلق على الاَجر الدنيوي والاَُخروي غير انّ المنفي في تلك الآيات بقرينة نفي طلبه عن الناس هو الاَجر الدنيوي على الاِطلاق، ولذلك لم ينقل التاريخ أبداً أن يطلب نبي لدعوته شيئاً بل نقل خلافه.

هذه هي قريش تقدَّمت إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وفي طليعتهم أبو الوليد، فتقدم إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وقال: يابن أخي إن كنت إنّما تريد بما جئت به من هذا الاَمر، مالاًً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الطبَّ، وبذلنا فيه أموالنا حتينُبرئك منه، فانّه ربما غلب التابع عليالرجلحتى يداوى منه، أو كما قال له


(1)سبأ: 47.

(2)الفرقان: 57.

(264)

حتى إذا فرغ عتبة، ورسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني قال: أفعل، فقال:(بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِالرَّحيم* حم* تَنْزَيلٌ مِنَ الرَّحْمنِالرَّحيم* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرآناًعَرَبِياً لِقَومٍ يَعْلَمُونَ* بَشيراً وَنَذِيراً فَأعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُون* وَقالُوا قُلُوبُنا في أَكِنَّةٍ مَمّا تَدْعُونا إِلَيْه) ).(1)

ثمّ مضى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فيها يقروَها عليه. فلمّا سمعها منه عتبة، أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه، ثمّانتهى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إلى السجدة منها، فسجد ثمّ قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.(2)

هذا النصّ وغيره يعرب عن أنّ مدار الاِثبات والنفي هو الاَجر الدنيوي بعامة صوره، وهذا أمر منفي جداً لا يليق لنبي أن يطلبه من الناس.

قال الشيخ المفيد: إنّ أجر النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في التقرُّب إلى اللّه تعالى هو الثواب الدائم، وهومستحق على اللّه تعالى في عدله وجوده وكرمه، وليس المستحق على الاَعمال يتعلَّق بالعباد، لاَنّ العمل يجب أن يكون للّه تعالى خالصاً، وما كان للّه فالاَجر فيه على اللّه تعالى دون غيره.(3)

إذا عرفت ذلك، فنقول:

إنّ مودة ذي القربى وإن تجلّت بصورة الاَجر حيث استثنيت من نفي الاَجر، لكنّه أجر صوري وليس أجراً واقعياً، فالاَجر الواقعي عبارة عمّا إذا عاد نفعه إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، ولكنّه في المقام يرجع إلى المحب قبل رجوعه إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، وذلك لاَنّ مودة ذي القربى تجرّ المحب إلى أن ينهج سبيلهم في الحياة، ويجعلهم أُسوة في


(1)فصّلت: 1 ـ 5.

(2)السيرة النبوية:1|293ـ 294.

(3)تصحيح الاعتقاد: 68.

(265)

دينه ودنياه، ومن الواضح انّ الحبّ بهذا المعنى ينتهي لصالح المحب. قال الصادق - عليه السّلام- : «ما أحب اللّه عزّ و جلّ من عصاه» ثمّ تمثَّل، فقال:

تعصي الاِله وأنت تظهر حبه * هذا محـال في الفعـال بديـع

لو كان حبك صادقاً لاَطعتـه * انّ المحـبّ لمـن يحـب مطيـع(1)

وسيوافيك انّ المراد من ذوي القربى ليس كلّ من ينتمي إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بنسب أو سبب، بل طبقة خاصة من أهل بيته الذين عرفهم بأنّهم أحد الثقلين في قوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».(2)

فإذا كان المراد من ذوي القربى هوَلاء الذين أنيط بهم أمر الهداية والسعادة فحبُّهم ومودَّتهم يرفع الاِنسان من حضيض العصيان والتمرد إلى عزّ الطاعة.

إنّ طلب المودة من الناس أشبه بقول طبيب لمريضه بعد ما فحصه وكتب وصفة: لا أُريد منك أجراً إلاّ العمل بهذه الوصفة، فانّ عمل المريض بوصفة الطبيب و إن خرجت بهذه العبارة بصورة الاَجر، ولكنّه ليس أجراً واقعياً يعود نفعه إلى الطبيب بل يعود نفعه إلى نفس المريض الذي طلب منه الاَجر.

وعلى ذلك فلابدّ من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع، كأن يقول: قل لا أسألكم عليه أجراً، وإنّما أسألكم مودة ذي القربى، وليس الاستثناء المنقطع


(1)سفينة البحار: مادة حبَّب.

(2)أخرجه الحاكم في مستدركه:3|148، وقال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين و لم يخرجاه؛ وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك معترفاً بصحته على شرط الشيخين أقول: هذا حديث متواتر وقدألَّف غير واحد من المحقّقين رسائل حوله.

(266)

أمراً غريباً في القرآن بل له نظائر مثل قوله: (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّسَلاماً).(1) ?

وعلى ذلك جرى شيخ الشيعة المفيد في تفسير الآية، حيث طرح السوَال، وقال:

فإن قال قائل: فما معنى قوله: (قُلْ لا أَسألكم عليهِ أَجْراً إِلاّالمَودَّة فِي القُربى) أو ليس هذا يفيد انّه قد سألهم مودة القربى لاَجره على الاَداء؟

قيل له: ليس الاَمر على ما ظننت لما قدمنا من حجّة العقل والقرآن، والاستثناء في هذا المكان ليس هو من الجملة لكنّه استثناء منقطع، ومعناه قل لا أسألكم عليه أجراً لكنّي ألزمكم المودة في القربى و اسألكموها، فيكون قوله: (قُلْ لا أسْألكُمْ عليهِ أَجراً) كلاماً تاماً، قد استوفى معناه، ويكون قوله: (إِلاّالمودة في القُربى) كلاماً مبتدأً، فائدته لكن المودة في القربى سألتكموها، وهذا كقوله: (فَسَجَدَ المَلائِكةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاّإِبْلِيس).(2)والمعنى فيه لكن إبليس، وليس باستثناء من جملة.(3)

وعلى ضوء ذلك يظهر معنى قوله سبحانه: (ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ).(4)

وقد تبَّين انّ حبّ الاَولياء والصالحين لصالح المحب قبل أن يكون لصالحهم.

كما تبيَّن معنى قوله سبحانه في شأن ذلك الاَجر: (ما أَسأَلكُمْ عليه مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبيلاً) .(5)


(1)مريم: 62.

(2)الحجر: 30 ـ 31.

(3)تصحيح الاعتقاد:68.

(4)سبأ: 47.

(5)الفرقان: 57.

(267)

فانّ اتخاذ السبيل لا يخلو من أحد احتمالين:

1. مودَّة القربى والتفاني في حبهم الذي سينتهي إلى العمل بالشريعة الموجب لنيل السعادة.

2. نفس العمل بالشريعة الذي يصل إليها الاِنسان عن طريق حبهم ومودتهم.

وبذلك ترجع الآيات الثلاث إلى معنى واحد من دون أن يكون بينهما أي تناف واختلاف.

وقد جاء الجمع بين مفاد الآيات الثلاث في دعاء الندبة الذي يشهد علو مضامينه على صدقه، حيث جاء فيه:

«ثمّ جعلت أجر محمّد - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- مودّتهم في كتابك ، فقلت (لا أسألكم عليه أجراً إلاّالمودة في القربى)، و قلت : (ما سألتكم من أجر فهو لكم)، وقلت: (ما أسألكم عليه من أجر إلاّمن شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلاً) ، فكانوا هم السبيل إليك، والمسلك إلى رضوانك».

وإلى ذلك يشير شاعر أهل البيت و يقول:

موالاتهم فرض، وحبهم هدى * وطاعتـهم ودٌّ، و ودُّهـم تقـوا

* * *

وأمّا القربى فهو على وزن البشرى والزلفى بمعنى القرابة، يقول الزمخشري : القربى مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى القرابة والمراد في الآية «أهل القربى».(1)

وقد استعمل القرآن الكريم لفظة القربى في عامة الموارد بالمضاف، فتارة


(1)الكشاف:3|81 في تفسير الآية.

(268)

بلفظة ذي، قال سبحانه: (وِبالوالدَيْنِ إِحْساناً وذِي القُربى واليَتامى) .(1)

وأُخرى بلفظة ذوي، قال سبحانه: (وَ آتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوي القُربى وَاليَتامى) . (2)

وثالثة: بلفظة «أُولي»، قال سبحانه: (ما كان َلِلنَّبىِّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوكانُوا أُولِي قُربى) .(3)

و قد جاءت مرَّة واحدة دون إضافة وهي نفس الآية المباركة، فلاَجل ذلك يلزم تقدير شيء مثل لفظة «أهل» كما قدَّره الزمخشري أو لفظاً غير ذلك مثل كلمة «ذي» أو «ذوي» أو «ذوي قربى».

إلى هنا تمَّت الاِجابة عن السوَال الاَوّل حول الآية.

السوَال الثاني(4)

دلَّت الآية الكريمة على أنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فرض مودة ذي القربى، على المسلمين ولكن يبقى هنا سوَال وهو انّ الآية تحتمل وجهين:

أ: أن يكون المراد مودَّة ذوي القربى من أقرباء النبي وأهل بيته.

ب: أن يكون المراد ودّ كلّمسلم أقربائه وعشيرته و من يمتُّ إليه بصلة، وليس في الآية ما يدل على المعنى الاَوّل.

أقول: إنّ ذي القربى كما علمت بمعنى صاحب القرابة والوشيجة النسبية، و يتعيَّن مورده بتعينُّ المنسوب إليه، وهو يختلف حسب اختلاف موارد الاستعمال،


(1)البقرة: 83.

(2)البقرة: 177.

(3)التوبة: 113.

(4)مضيالسوَال الاَوّل: 260.

(269)

ويستعان في تعيينه بالقرائن الموجودة في الكلام، وهي:

الاَشخاص المذكورون في الآية أو ما دلَّ عليه سياق الكلام.

فتارة يراد منه الاَقرباء دون شخص خاص، مثل قوله سبحانه: (ما كانَلِلنَّبي وَالّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَو كانُوا أُولي قُربى). (1)

وقوله سبحانه: (وَإِذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُربى).(2)

فانّ ذكر النبي والذين آمنوا معه آية على أنّ المراد قريب كلّ إنسان، كما أنّ جملة (فإذا قلتم فاعدلوا) آية أنّ المراد كل إنسان قريب إليه.

وأمّا قوله سبحانه: (قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَوَدَةَ فِي القُربى) )فالفعل المتقدّم عليه يعني (لا أسألكم) آية انّ المراد أقرباء السائل، مثل قوله سبحانه: (ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِالقُرى فَلِلّهِ وللرَّسُولِ وَلِذِيالقُربى).(3)

فانّ لفظة (على رَسُولِهِ) آية أنّ المراد أقرباء الرسول.

وعلى ذلك فلابدّ من الرجوع إلى القرائن الحافَّة بالآية وتعيين المراد منه، وبذلك ظهر أنّالمراد هو أقرباء الرسول.

يقول الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام- ناقداً انتخاب الخليفة الاَوّل في السقيفة لاَجل انتمائه إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بالقرابة:

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيــرك أولــــى بالنبــي و أقــــرب(4)


(1)التوبة: 113.

(2)الاَنعام: 152.

(3)الحشر: 7.

(4)شرح ابن أبي الحديد:18|416.

(270)

السوَال الثالث

إنّ سورة الشورى سورة مكية، فلو كان المراد من ذوي القربى هو عترته الطاهرة، أعني: عليّاً وفاطمة والحسن والحسين - عليهم السّلام- فلم يكن يومذاك بعض هوَلاء كالحسن والحسين عليمها السَّلام ؟

والجواب: إنّ الميزان في تمييز المكي عن المدني، أمران، وكلاهما يدلاّن على أنّالآية نزلت في المدينة المنورة.

الاَمر الاَوّل: دراسة مضمون الآيات

فقد كانت مكافحة الوثنية والدعوة إلى التوحيد والمعاد هي مهمة النبي قبل الهجرة، ولم يكن المجتمع المكّي موَهلاً لبيان الاَحكام والفروع أو مجادلة أهل الكتاب من اليهود و النصارى، ولذلك تدور أغلب الآيات المكّية حول المعارف والعقائد والعبرة بقصص الماضين، و ما يقرب من ذلك.

ولمّا استتب له الاَمر في المدينة المنورة واعتنق أغلب سكّانها الاِسلام حينها سنحت الفرصة لنشر الاِسلام وتعاليمه و لمناظرة اليهود والنصارى حيث كانوا يثيرون شبهاً ويجادلون النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فنزلت آيات حول اليهود و النصارى في السور الطوال.

فلو كان هذا هو الميزان بغية تميّز المكّي عن المدني، فالآية مدنية قطعاً دون ريب لعدم وجود أيَّة مناسبة لسوَال الاَجر أو طلب مودة القربى من أُناس لم يوَمنوا به بل حشَّدوا قواهم لقتله، بخلاف البيئة الثانية فقد كانت تقتضي ذلك حيث التفَّ حوله رجال من الاَوس والخزرج وطوائف كثيرة من الجزيرة العربية.


(271)

الاَمر الثاني: الاعتماد على الروايات والمنقولات

فلو كان هذا هو الميزان فقد صرح كثير منهم بأنّ أربعة آيات من سورة الشورى مكّية، حتى أنّ المصاحف المطبوعة في الاَزهر وغيره، تصرح بذلك و تُقرأ فوق السورة هذه الجملة: سورة الشورى مكية الآيات إلاّ ثلا ث وعشرين وأربع وعشرين وسبع وعشرين.

أضف إلى ذلك انّ كثيراً من المفسّرين و المحدِّثين صرحوا بذلك.(1)

وهذا هو البقاعيّ موَلف «نظم الدرر وتناسب الآيات والسور» يصرح بأنّ الآيات مدنيّة، كما نقله المحقّق الزنجاني في «تاريخ القرآن».(2)

السوَال الرابع

الاِنسان مفطور على حب الجميل وكراهة القبيح فيكون الودّأمراً خارجاً عن الاختيار، فكيف يقع في دائرة السوَال ويطلبه النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- من الموَمنين مع أنّه كذلك؟.

والجواب: أوّلاً: انّالحبّ لو كان أمراً خارجاً عن الاختيار فلا يتعلَّق به الاَمر، كما لا يتعلَّق به النهي، مع أنّه سبحانه ينهى عن ود من حادَّ اللّه ورسوله، ويقول: (لا تَجد قَوماً يُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوادّونَ مَنْ حادَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ) ) .(3)


(1)انظر الكشاف: 3|81؛ تفسير الرازي: 7|655؛ تفسير أبي السعود في هامش تفسير الرازي نفس الصفحة ؛ تفسير أبي حيان: 7|516؛ تفسير النيسابوري:6|312.وأمّا من المحدّثين كمجمع الزوائدللهيتمي:9|168؛ الصواعق المحرقة:101 ـ 135،

(2)تاريخ القرآن: 57.

(3)المجادلة: 22.

(272)

كما أنّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يدعو إلى التراحم والتعاطف النابعين عن الود والحب، ويقول:

«مثل الموَمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».(1)

كلّ ذلك يدل على أنّ الودّ والبغض ليس على النسق الذي وصفه السائل، ولذلك نرى الدعوة الكثيرة إلى الحب في اللّه والبغض في اللّه.

قال الاِمام الصادق - عليه السّلام- : «من أوثق عرى الاِيمان أن تحب في اللّه وتبغض في اللّه».(2)

وقد كتب الاِمام علي - عليه السّلام- إلى عامله في مصر مالك الاَشتر رسالة قال فيها: «واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم».(3)

روى الخطيب في تاريخه عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «عنوان صحيفة الموَمن حبّ علي بن أبي طالب - عليه السّلام- ».(4)

و قال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال علياً بعدي، وليوال وليّه، وليقتد بالاَئمّة من بعدي، فانّهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً و علماً».(5)

روى أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه قول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «من أحبني فليحب عليّاً».(6)


(1)مسند أحمد: 4|270.

(2)سفينة البحار: 2|11 مادة الحبّ.

(3)نهج البلاغة: قسم الرسائل: الرسالة 53.

(4)تاريخ بغداد: 4|410.

(5)حلية الاَولياء: 1|86.

(6)مسند أحمد:5|366؛ صحيح مسلم: كتاب الفتن: 119.

(273)

و أخرج أحمد في مسنده عن الرسول : «من أحبني وأحب هذين وأباهما وأُمُّهما، كان معي في درجتي يوم القيامة».(1)

وثانياً: أنّ الاِيصاء إنّما لا يفيد إذا لم يتوفر في الموصى له ملاك الحب والود كما إذا كان الرجل محطّاً للرذائل الاَخلاقية، وأمّا إذا كان الموصى له إنساناً مثالياً متحلياً بفضائل الاَخلاق ومحاسنها، فانّالاِيصاء به يعطف النظر إليه وبالتالي يجيش حبّه كلَّما تعمَّقت الصلة به.

وحاصل الكلام : أنّ دعوة الناس إلى الحبّ تقوم على إحدى دعامتين:

الاَُولى: الاِشادة بفضائل المحبوب وكمالاته التي توجد في نفس السامع حبّاً وولعاً إليه.

الثانية: الاِيصاء بالحب والدعوة إلى الودّ، فانّه يعطف نظر السامع إلى الموصى له، فكلَّما توطَّدت الاَواصر بينهما وانكشفت آفاق جديدة من شخصيته ازداد الحبّ والود له. وعلى كلّتقدير فالنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- هو المحبوب التام لعامة المسلمين، فحبُّه لا ينفك عن حبّ من أوصى بحبِّه وأمر بودّه.

وخير ما نختم به هذا البحث حديث مروي عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- نقله صاحب الكشاف حيث قال، قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّآل محمّد مات تائباً، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات موَمناً مستكمل الاِيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشرَّه ملك الموت بالجنة ثمّ منكر ونكير، ألا و من مات على حبّآل محمد يُزفُّ إلى الجنة كما تزفُّ العروس إلى بيت زوجها،


(1)مسند أحمد:1|77.

(274)

ألا و من مات على حبّ آل محمّد فتح اللّه له في قبره بابين إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّآل محمّد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا و من مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيساً من رحمة اللّه، ألا و من مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا و من مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنة».(1)

وروى أيضاً: انّه لما نزلت هذه الآية، قيل: يا رسول اللّه من قرابتك هوَلاء الذين وجبت علينا مودَّتهم؟

فقال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «علي و فاطمة و ابناهما».(2)


(1)الكشاف:3|82، تفسير سورة الشورى، ط عام 1367.

(2)الكشاف:3|81.

(275)

من حقوق أهل البيت - عليهم السّلام-

4

الصلوات عليهم

إنّمن حقوق أهل البيت - عليهم السّلام- هي الصلوات عليهم عند الصلاة على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ وَمَلائكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيّ يا أَيُّهَاالّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وََسَلِّمُوا تَسْلِيماً).(1)

ظاهر الآية هو تخصيص الصلاة على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لكن فهمت الصحابة انّ المراد هو الصلاة عليه وعلى أهل بيته، وقد تضافرت الروايات على ضمّ الآل إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- عند التسليم والصلاة عليه، وقد جاء ذلك في الصحاح والمسانيد، نقتصر منها على ما يلي:

1. أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، قال: ألا أُهدي لك هدية سمعتها من النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، فقلنا: يا رسول اللّه، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فانّ اللّه قد علّمنا كيف نسلم؟ قال:

«قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى


(1)الاَحزاب: 56.

(276)

آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد».(1)

وأخرجه أيضاً في كتاب التفسير عند تفسير سورة الاَحزاب.(2)

كما أخرجه مسلم في باب الصلاة على النبي من كتاب الصلاة.(3)

2.أخرج البخاري أيضاً ، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا يا رسول اللّه، هذا التسليم فكيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد عبدك ورسولك، كما صلّيت على آل إبراهيم ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم».(4)

3. أخرج البخاري، عن ابن أبي حازم، عن يزيد، قال: «كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمّد و آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم».(5)

4. أخرج مسلم، عن أبي مسعود الاَنصاري، قال: أتانا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا اللّه تعالى أن نصلِّي عليك، يا رسول اللّه: فكيف نصلِّي عليك؟

قال: فسكت رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- حتى تمنّينا انّه لم يسأله.

ثمّ قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صليت على آل إبراهيم،وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم


(1)صحيح البخاري: 4|146 ضمن باب «يزفُّون النَسَلان في المشي» من كتاب بدء الخلق.

(2)صحيح البخاري: 6|151، تفسير سورة الاَحزاب.

(3)صحيح مسلم: 2|16.

(4)صحيح البخاري: 6|151، تفسير سورة الاَحزاب.

(5)المصدر السابق.

(277)

في العالمين انّك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم».(1)

إنّ ابن حجر ذكر الآية الشريفة، وروى جملة من الاَخبار الصحيحة الواردة فيها، وانّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قرن الصلاة على آله بالصلاة عليه، لمّا سئل عن كيفية الصلاة والسلام عليه، قال: وهذا دليل ظاهر على أنّالاَمر بالصلاة على أهل بيته، وبقية آله مراد من هذه الآية، وإلاّ لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عُقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر، فلمّا أُجيبوا به دلّعلى أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به،وانّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أقامهم في ذلك مقام نفسه، لاَنّ القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه، ومنه تعظيمهم، ومن ثمّ لمّا أدخل من مرّفي الكساء، قال: «اللّهمّ انَّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم»، وقضية استجابة هذا الدعاء: انّ اللّه صلّى عليهم معه فحينئذٍ طلب من الموَمنين صلاتهم عليهم معه.

ويروى: لا تصلّوا عليّالصلاة البتراء، فقالوا: و ما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد و تمسكون ،بل قولوا: اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمد. ثمّ نقل عن الاِمام الشافعي قوله:

يا أهل بيـت رسول اللّه حبـكم * فرض من اللّه في القرآن أنـزلـه

كفاكم من عظيم القدر إنّكـم * من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له

فقال:فيحتمل لا صلاة له صحيحة فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة على الآل، ويحتمل لا صلاة كاملة فيوافق أظهر قوليه.(2)


(1)صحيح مسلم: 2|46، باب الصلاة على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بعد التشهد من كتاب الصلاة.

(2)الصواعق المحرقة: 146، ط عام 1385هـ.

(278)

هذا كلّه حول الصلاة على الآل عند الصلاة على الحبيب.

و أما حكم الصلاة على آل البيت في التشهد، فقال أكثر أصحاب الشافعي: انّه سنّة.

وقال التربجي: من أصحابه هي واجبة، ولكن الشعر المنقول عنه يدل على وجوبه عنده، ويوَيده رواية جابر الجعفي ـالذي كان من أصحاب الاِمامين الباقر والصادق عليمها السَّلام ، وفي طبقة الفقهاءـ، عن أبي جعفر عن أبي مسعود الاَنصاري، قال: قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «من صلّى صلاة لم يصل فيها عليّ ولا أهل بيتي لم تقبل منه».(1)

وجابر الجعفي ممَّن ترجمه ابن حجر في تهذيبه، ونقل عن سفيان في حقّه:

ما رأيت أورع في الحديث منه،وقال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكّوا في أنّ جابراً ثقة.

وقال سفيان أيضاً لشعبة: لاَن تكلَّمت في جابر الجعفي لاَتكلمنَّ فيك. إلى غير ذلك.(2)

قال ابن حجر: أخرج الدار قطني والبيهقي حديث من صلّى صلاة ولم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه، وكأنّهذا الحديث هو مستند قول الشافعي انّ الصلاة على الآل من واجبات الصلاة، كالصلاة عليه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لكنّه ضعيف، فمستنده الاَمر في الحديث المتفق عليه، قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، والاَمر للوجوب حقيقة على الاَصحّ.(3)

وقال الرازي: إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء


(1)سنن الدارقطني:1|355.

(2)تهذيب التهذيب:2|46.

(3)الصواعق المحرقة: 234، ط الثانية، عام 1385هـ.

(279)

خاتمة التشهد في الصلاة، وقوله : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد.

وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدل على أنّ حبّ آل محمّد واجب، وقال الشافعي:

يا راكباً قف بالمحصَّب من منى * واهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى * فيضاً كما نظم الـفرات الفائض

إن كان رفضـاً حـبُّ آل محمـّد * فليشهد الثقـلان أنّي رافضـي(1)

وقال النيسابوري في تفسيره عند قوله تعالى: (قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَوَدَّة فِي القُربى) كفى شرفاً لآل رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كلّصلاة.(2)

وروى محب الدين الطبري في الذخائر عن جابر بن عبد اللّه الاَنصاري رضياللّْه عنه انّه كان يقول: لو صلّيت صلاة لم أُصلِّ فيها على محمّد وعلى آل محمّد ما رأيت أنّها تقبل.(3)

وقال المحقّق الشيخ حسن بن عليّ السقاف: تجب الصلاة على آل النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في التشهد الاَخير على الصحيح المختار، لاَنّ أقصر صيغة وردت عن سيدنا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ثبت فيها ذكر الصلاة على الآل، ولم ترد صيغة خالية منه في صيغ تعليم الصلاة، فقد تقدّم حديث سيدنا زيد بن خارجة، انّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال:


(1) تفسير الفخر الرازي:27|166،تفسير سورة الشورى.

(2)تفسير النيسابوري: تفسير سورة الشورى.

(3)ذخائر العقبى:19، ذكر الحث على الصلاة عليهم.

(280)

«صلّوا عليّ واجتهدوا في الدعاء، وقولوا:اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد».(1)

بلاغ وإنذار

لقد تبين ممّا سبق كيفية الصلاة على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- و انّه لا يصلّى عليه إلاّ بضم الآل إليه، ومع ذلك نرى أنّه قد راجت الصلاة البتراء بين أهل السنَّة في كتبهم ورسائلهم، مع أنّ هذه البلاغات من النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- نصب أعينهم ولكنَّهم رفضوها عملاً واكتفوا بالصلاة عليه خاصة، حتى أنّ ابن حجر الهيتمي(899 ـ 974هـ) نقل كيفية الصلاة على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ولكن كتابه المطبوع مليء بالصلاة البتراء. وإليك نصّ ما قال: ويروى لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، قالوا: وما الصلاة البتراء؟، قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون، بل قولوا: اللّهمّ صلّعلى محمّد وعلى آل محمّد ولا ينافي ما تقرر حذف الآل في الصحيحين، قالوا: يا رسول اللّه : كيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه و ذرِّيته، كما صليت على إبراهيم إلى آخره.

لاَنّ ذكر الآل ثبت في روايات أُخر، وبه يعلم أنّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال ذلك كلّه فحفظ بعض الرواة مالم يحفظه الآخر.(2)

وفي الختام نذكر ما ذكره الرازي، انّه قال: أهل بيته ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه و عليهم في التشهد، وفي السلام، والطهارة، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبّة.(3)


(1) صحيح صفة صلاة النبي: 214.

(2)الصواعق المحرقة:146، ط الثانية، عام 1385.

(3) الغدير: 2|303، ط طهران نقله عن تفسير الرزاي: 7|391 ولم نعثر عليه في الطبعتين.

(281)

من حقوق أهل البيت - عليهم السّلام-

5

دفع الخمس إليهم

الاَصل في ضريبة الخمس، قوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أنّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فأنّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربى وَاليَتامى وَالمَساكِينِ وَابْنِ السَّبيلِ إِنْكُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ الْتَقى الجَمْعانِ وَاللّهُ عَلى كُلِّ شَْيءٍ قَدِير...).(1)

نزلت الآية يوم الفرقان ، يوم التقى الجمعان وهي غزوة بدر الكبرى، واختلف المفسرون في تفسير الموصول في «ما غنمتم»هل هو عام لكلّما يفوز به الاِنسان في حياته، كما عليه الشيعة الاِمامية، أو خاص بما يظفر به في الحرب، وهذا بحث مهم لا نحوم حوله، لاَنّه خارج عّما نحن بصدده، وقد أشبعنا الكلام فيه في كتابنا«الاعتصام بالكتاب والسنة» وأثبتنا بفضل القرآن والاَحاديث النبوية انّالخمس يتعلَّق بكلّ ما يفوز به الاِنسان في حياته، وانّ نزول الآية في مورد الغنائم الحربية لا يُخصص الحكم الكلي.(2)


(1)الاَنفال: 41.

(2)الاعتصام بالكتاب والسنَّة:91ـ 105.

(282)

إنّما الكلام في تبيين مواضع الخمس، وقد قسّم الخمس في الآية إلى ستة أسهم، أعني: للّه و للرسول و لذي القربى واليتامى و المساكين وابن السبيل.

فالسهمان الاَوَّلان واضحان، إنّما الكلام في السهم الثالث و ما بعده، فالمراد من ذي القربى هم أقرباء النبي وذلك بقرينة الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، و قد سبق منّا القول في تفسير آية المودة :انّ تبيين المراد من القربى رهن القرائن الحافَّة بالآية فربما يراد منها أقرباء الناس، مثل قوله: (وَإِذا قُلتُمْ فاعْدِلُوا وَلَو كانَذا قُربى).(1)المراد أقرباء المخاطبين، بقرينة قوله: (قلتم فاعدلوا) نظير قوله :(وإِذا حضر القسمة ذوي القربى) والمراد أقرباء الميت.

وعلى ضوء ذلك فإذا تقدَّم عليه لفظ « الرسول» يكون المراد منه أقرباء الرسول كما في الآية ( للرسول و لذي القربى)، و مثله قوله: (ما أفاءَ اللّهُ عَلى رسولهِ مِنْ أهلِ القُرى فللّهِ ولِلرَّسولِ وَ لِذي القُربى وَ اليَتامى وَ المَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ) .(2)وقوله: (فَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ).(3)

فالمراد من ذي القربى هم أقرباء الرسول بقرينة توجَّه الخطاب إليه أعني «فآت».

ومنه يعلم المراد من المساكين في الآيتين وآية الخمس، أي مساكين ذي القربى وأيتامهم وأبناء سبيلهم.

هذا هو المفهوم من الآية، و على ما ذكرنا فكلّما يفوز به الاِنسان في مكسبه ومغنمه أو ما يفوز به في محاربة المشركين والكافرين، يُقسّم خمسه بين ستة سهام كما عرفت.


(1)الاَنعام: 152.

(2)الحشر: 7.

(3)الروم: 38.

(283)

ويوَيده الروايات التالية:

1. روي عن ابن عباس : كان رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقسّم الخمس على ستة : للّه وللرسول سهمان وسهم لاَقاربه، حتى قبض.(1)

2. وروي عن أبي العالية الرياحي: كان رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يوَتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة فتكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثمّ يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة وهو سهم اللّه، ثم يقسَّم ما بقي ،على خمسة أسهم: فيكون سهم للرسول، وسهم لذي القربى ، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. قال: والذي جعله للكعبة فهو سهم اللّه.(2)

وأمّا تخصيص بعض سهام الخمس بذي القربى ومن جاء بعدهم من اليتامى والمساكين وابن السبيل، فلاَجل الروايات الدالة على أنّه لا تحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس.

أخرج الطبري عن مجاهد، انه قال: كان آل محمّد - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم الخمس.(3)

و أخرج أيضاً عنه: قد علم اللّه أنّفي بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة(4).

كما تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- أنّ السهام الاَربعة من الخمس، لآل محمّد - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .(5)


(1)تفسير النيسابوري: 10|4، المطبوع بهامش الطبري.

(2)تفسير الطبري: 10|4 ؛ أحكام القرآن:3|60.

(3)الظاهر زيادة لفظ «خمس» بقرينة ما نقله ثانياً عن مجاهد.

(4)تفسيرالطبري: 10|5.

(5)الوسائل: 6|الباب29 من أبواب المستحقّين للزَّكاة.

(284)

هذا ظاهر الآية ويا للاَسف لعب الاجتهاد دوراً كبيراً في تحويل الخمس عن أصحابه وظهرت أقوال لا توافق النص القرآني، وإليك مجملاً من آرائهم:

1. قالت الشافعية و الحنابلة: تقسّم الغنيمة، وهي الخمس إلى خمسة أسهم: واحد منها سهم الرسول ويصرف على مصالح المسلمين، و واحد يعطى لذوي القربى وهم من انتسب إلى هاشم بالابوة من غير فرق بين الاَغنياء والفقراء، والثلاثة الباقية تنفق على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل سواء أكانوا من بني هاشم أو من غيرهم.

2. وقالت الحنفية: إنّسهم الرسول سقط بموته ، أمّا ذوو القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من الرسول.

3. وقالت المالكية : يرجع أمر الخمس إلى الاِمام يصرفه حسبما يراه من المصلحة.

4. وقالت الاِمامية: إنّ سهم اللّه وسهم الرسول وسهم ذوي القربى يفوِّض أمرها إلى الاِمام أو نائبه، يضعها في مصالح المسلمين، والاَسهم الثلاثة الباقية تعطى لاَيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ولا يشاركهم فيها غيرهم.(1)

5. وقال ابن قدامة في المغني بعدما روى أنّأبا بكر وعمر قسَّما الخمس على ثلاثة أسهم: و هو قول أصحاب الرأي أبي حنيفة وجماعته، قالوا: يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وأسقطوا سهم رسول اللّه بموته وسهم قرابته أيضاً.

6. وقال مالك: الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال.

7. وقال الثوري: والخمس يضعه الاِمام حيث أراه اللّه عزّوجلّ.


(1)الفقه على المذاهب الخمسة: 188.

(285)

وما قاله أبو حنيفة مخالف لظاهر الآية فإنّ اللّه تعالى سمّى لرسوله وقرابته شيئاً وجعل لهما في الخمس حقاً، كما سمّى الثلاثة أصناف الباقية، فمن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب، و أمّا جعل أبي بكر وعمر سهم ذيالقربى ، في سبيل اللّه، فقد ذُكر لاَحمد فسكت وحرك رأسه ولم يذهب إليه، و رأى أنّ قول ابن عباس و من وافقه أولى، لموافقته كتاب اللّه وسنة رسوله.(1)

وقد أجمع أهل القبلة كافة على أنّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كان يختص بسهم من الخمس ويخص أقاربه بسهم آخر منه، وأنّه لم يعهد بتغيير ذلك إلى أحد حتى دعاه اللّه إليه، واختار اللّه له الرفيق الاَعلى.

فلمّا ولى أبوبكر تأوّل الآية فأسقط سهم النبي وسهم ذي القربى بموت النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، و منع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم.

قال الزمخشري عن ابن عباس: الخمس على ستة أسهم : للّه ولرسوله سهمان، وسهم لاَقاربه، حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روي عن عمر و من بعده من الخلفاء، قال: وروي أنّ أبابكر منع بني هاشم الخمس.(2)

و رويالبخاري في صحيحه عن عائشة أنَّ فاطمة - عليها السّلام- أرسلت إلى أبيبكر، تسأله ميراثها من رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ستة أشهر،


(1)الشرح الكبير على هامش المغني: 10|493ـ 494.

(2)الكشاف: 2|126.

(286)

فلمّا توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يوَذن بها أبا بكر وصلّى عليها.(1)

وفي صحيح مسلم عن بريد بن هرمز، قال: كتب نجدة بن عامر (الحروري الخارجي) إلى ابن عباس، قال ابن هرمز: فشهدت ابن عباس حين قرأ الكتاب وحين كتب جوابه، وقال ابن عباس: واللّه لولا أن أرد عن نَتْن يقع فيه، ما كتبت إليه ولا نُعْمةَ عينٍ، قال: فكتب إليه إنّك سألت عن سهم ذي القربى الذي ذكرهم اللّه من هم ؟ وإنّا كنّا نرى أنّ قرابة رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- هم نحن فأبى ذلك علينا قومنا.(2)


(1)صحيح البخاري: 5|139، باب غزوة خيبر.

(2)صحيح مسلم: 2|105، كتاب الجهاد و 167 السير ، باب النساء الغازيات.

(287)

من حقوق أهل البيت - عليهم السّلام-

6


الفيء لاَهل البيت - عليهم السّلام-

الفيء عبارة عن الغنائم التي يحصل عليها المسلمون بلا خيل ولا ركاب، فإنّ هذه الاَموال تقع تحت تصرّف الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- باعتباره رئيساً للدولة الاِسلامية، وكان الفيء في حياة الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أمراً هاماً في تنمية الثروة في المجتمع الاِسلامي ولا سيَّما انتقال الثروة من يد الاَغنياء إلى يد الفقراء.

والاَساس فيه قوله سبحانه: (وَما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍوَلكِنَّ اللّهَ يُسَلّطُ رُُُُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير).(1)

(ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربى وَاليَتامى وَالمَساكِينِ وَابْنِ السَّبيلِ ِكَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاََغْنياء مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ و َما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقاب).(2)

بيَّن سبحانه أحكام الفيء، وقال: (وَما أفاءَ اللّه عَلى رَسُولهِ مِنْهُمْ) )


(1)الحشر: 6.

(2)الحشر: 7.

(288)

الضمير يرجع إلى اليهود، ولكن الحكم سار على جميع الكفّار.

(فَما أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكاب) أي الفيء عبارة عن الاَموال التي استوليتم عليها بلا إيجاف خيل ولا إبل ولم تسيروا إليها على خيل ولا إبل.

هذا هو الفيء، وأمّا المواضع التي يصرف بها هذا الفيء فقد بيَّنها سبحانه في الآية الثانية ، وقال: (ما أَفاءَ اللّه عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل القُرى)، أي ما ردَّ ما كان للمشركين على المسلمين بتمليك اللّه إيّاهم ذلك، ( فللّه) و (للرَّسُول) ) و(لذي القُربى)، فهو للّه بالذات وللرسول و لذي القربى بتمليك اللّه إيّاهم.

والمراد من ذي القربى بقرينة الرسول أهل بيت رسول اللّه وقرابته، و هم بنو هاشم.

(واليتامى والمساكين وابن السبيل) أي منهم، بقرينة الرسول، فيكون المعنى ويتامى أهل بيته ومساكينهم وأهل السبيل منهم.

وعلى ذلك فالفيء يقسّم على ستة أسهم:

1. سهم للّه المالك لكلّشيء غير محتاج لشيء، جعل نفسه قريناً لسائر الاسماء تكريماً لهم.

2. سهم الرسول و هو يوَمّن بذلك حاجاته وحاجة الدولة الاِسلامية.

3. سهم ذوي القربى أي أقرباء الرسول، فبما أنّ الصدقة تحرم عليهم حلّ ذلك محلّه.

4. سهم اليتامى.

5. سهم المساكين.

6. سهم أبناء السبيل.


(289)

وبكلمة جامعة:

«الغنيمة» ـ كلّما أُخذ من دار الحرب بالسيف عنوة مما يمكن نقله إلى دار الاِسلام، ومالا يمكن نقله إلى دار الاِسلام ـ لجميع المسلمين ينظر فيه الاِمام، ويصرف انتفاعه إلى بيت المال لمصالح المسلمين.

«الفيء» ـ كلّما أُخذ من الكفّار بغير قتال أو انجلاء أهلها ـ للنبي، يضعه في المذكورين في هذه الآية، ولمن قام مقامه من الاَئمّة وقد بيّنه سبحانه في ضمن الآيتين.(1)


(1)التبيان:9|564.


(290)

من حقوق اهل البيت - عليهم السّلام-

7

الاَنفال لاَهل البيت - عليهم السّلام-

وردت لفظة «الاَنفال» في القرآن مرتين في آية واحدة، قال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاََنْفالِ قُلِ الاََنْفالُ للّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّه وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطيعُوا اللّهَوَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُوَْمِنين).(1)

أقول: إنَّ الضرائب الواردة في القرآن الكريم لا تتجاوز الاَربع:

أ: الزكاة ومقسمها ثمانية.

ب: الخمس ومقسمه هو الستة.

ج: الفيء ومقسمه مقسم الخمس كما عرفت.

د: الاَنفال ومقسمها اثنان، وهما ما ذكر في الآية من قوله :(للّهِ والرَّسُول)، لكن الكلام في بيان المراد من الاَنفال.

اختلف المفسّرون في تفسير الاَنفال اختلافاً كثيراً، والذي يمكن أن يقال انّالاَنفال من النفل و هو الزائد من الاَموال، فيشمل كلّ زائد عن حاجات


(1)الاَنفال: 1.

(291)

الحياة، و لكن السنَّة المروية عن أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- فسرته بالنحوالتالي:

1. روى حفص البختري عن الاِمام الصادق - عليه السّلام- قال: «الاَنفال مالم يوجف عليه بخيل أو ركاب(1) أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكلّ أرض خربة، وبطون الاَودية، فهو لرسول اللّه، وهو للاِمام بعده يضعه حيث يشاء».(2)

2. وروى حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن الاِمام الكاظم عليه السَّلام في حديث: «والاَنفال كلّأرض خربة باد أهلها، وكلّأرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحاً وأعطوا بأيديهم على غير قتال، وله روَوس الجبال، وبطون الاَودية والآجام، وكلّ أرض ميتة لا ربّ لها، وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لاَنّ الغصب كلّه مردود، و هو وارث من لا وارث له، يعول من لا حيلة له».(3)

3. موثقة إسحاق بن عمّار المروية في تفسير القمي قال: سألت أبا عبداللّه - عليه السّلام- عن الاَنفال، فقال - عليه السّلام- :« هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها، فهي للّه وللرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، و ما كان للملوك فهو للاِمام ، و ما كان من الاَرض الخربة لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكلّأرض لا ربّلها، والمعادن منها، من مات وليس له مولى فماله من الاَنفال».(4)

إلى غير ذلك من الروايات.

وعلى الرواية الاَُولى يكون الفيء من أقسام الاَنفال، ولم نجد في تفاسير أهل السنَّة من يوافق الشيعة الاِمامية في تفسير الاَنفال إلاّ شيئاً قليلاً، فقد عقد أبو


(1)وعلى هذا يكون الفيء قسماً من الاَنفال.

(2)وسائل الشيعة: 6، الباب الاَوّل من أبواب الاَنفال، الحديث 1، 4، 20.

(3)وسائل الشيعة: 6، الباب الاَوّل من أبواب الاَنفال، الحديث 1، 4، 20.

(4)وسائل الشيعة: 6، الباب الاَوّل من أبواب الاَنفال، الحديث 1، 4، 20.

(292)

إسحاق الشيرازي باباً للاَنفال وفسرها بقوله: يجوز لاَمير الجيش أن ينفل لمن فعل فعلاً يفضي إلى الظفر بالعدو ، كالتجسيس ، والدلالة على طريق أو قلعة، أو التقدم بالدخول إلى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد خروج الجيش منها.(1)


(1)المهذَّب في فقه الاِمام الشافعي: 2|243.

(293)

من حقوق أهل البيت - عليهم السّلام-

8

ترفيع بيوتهم

لقد أذن اللّه تعالى في ترفيع البيوت التي يذكر فيها اسمه ويسبِّح له بالغدوِّ والآصال في آية مباركة، وقال:(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ وَالآصالِ* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِالزَّكاةِ يَخافُونَ يَوماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالاََبْصار).(1)

وتفسير الآية رهن دراسة أمرين:

الاَوّل: ما هو المقصود من البيوت؟

الثاني: ما هو المراد من الرفع؟

أمّا الاَوّل فربما قيل انّالمراد من البيوت هو المساجد.

قال صاحب الكشّاف: (في بيوت) يتعلّق بما قبله، مثل نوره كمشكاة في بعض بيوت اللّه، وهي المساجد.(2)

ولكن الظاهر أنّ التفسير غير صحيح، لاَنّ البيت هو البناء الذي يتشكَّل


(1)النور: 36 ـ 37.

(2)الكشاف:2|389.

(294)

من جدران أربعة وعليها سقف قائم، فالكعبة بيت اللّه لاَجل كونها ذات قوائم أربعة وعليها سقف، والقرآن يعبِّر عنالبيت بالمكان المسقَّف، ويقول:(وَلَولا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمعارِج عَلَيْها يَظهَرُون).(1)

فالمستفاد من الآية أنّ البيت لا ينفك عن السقف، هذا من جانب.ومن جانب آخر: لا يشترط في المساجد وجود السقف، هذا هو المسجد الحرام تراه مكشوفاً تحت السماء ودون سقف يظلّله.

وقد ورد لفظ البيوت في القرآن الكريم (36 مرّة )بصور مختلفة، واستعمل في غير المسجد، يقول سبحانه: (طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفينَ وَالعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِالسُّجُود).(2)(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلىَ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّهِ وَالحِكْمَة) ).(3)

إلى غير ذلك من الآيات، فكيف يمكن تفسيره بالمساجد؟

وبما أنّ جميع المساجد ليس على هذا الوصف، التجأ صاحب الكشاف بإقحام كلمة«بعض»، وقال: في بعض بيوت اللّه وهي المساجد، وهو كما ترى، وهناك حوار دار بين قتادة فقيه البصرة وأبي جعفر الباقر - عليه السّلام- يوَيد ما ذكرنا .

حضر قتادة في مجلس الاِمام أبي جعفر الباقر - عليه السّلام- فقال له الاِمام: من أنت؟

قال: أنا قتادة بن دعامة البصري.

فقال أبو جعفر: أنت فقيه أهل البصرة؟

فقال : نعم. قال قتادة: أصلحك اللّه، ولقد جلستُ بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم، ما اضطرب قدّامك!


(1)الزخرف: 33.

(2)البقرة: 125.

(3)الاَحزاب: 34.

(295)

فقال أبو جعفر - عليه السّلام- : ما تدري أين أنت؟ أنت بين يدي ( بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ وَالآصال* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وإقام الصَّلاة وإيتاءِالزَّكاة) ونحن أُولئك.

فقال له قتادة: صدقت، واللّه جعلني فداك، واللّه ماهي بيوت حجارة ولا طين.(1)

و يوَيّد ما رواهالصدوق فيالخصال عنالنبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : ان اللّه اختار منالبيوتات أربعة ثم قرأ هذهالآية: (إنّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً و آلَ إِبْراهِيمَ و آلَ عِمْرانَ عَليالْعالَمِينَ* ذُرِّيَةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ)(2) (3) وعلى هذا الحوار فالمراد من البيت، بيت الوحي وبيت النبوَّة، ومن يعيش في هذه البيوت من رجال لهم الاَوصاف المذكورة في الآية الكريمة.

هذا كلّه حول الاَمر الاَوّل.

وأمّا الاَمر الثاني، أعني: ما هو المراد من الرفع؟ فيحتمل وجهين:

الاَوّل: أن يكون المراد الرفع المادي الظاهري الذي يتحقَّق بإرساء القواعد وإقامة الجدار والبناء، كما قال سبحانه:(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهيمُ الْقَواعِدَ مِنْ البَيْتِ وَإِسماعيل).(4)و على هذا تدل الآية على جواز تشييد بيوت الاَنبياء والاَولياء وتعميرها في حياتهم بعد مماتهم.

الثاني: أن يكون المراد الرفع المعنوي والعظمة المعنوية، وعلى هذا تدل الآية بتكريم تلك البيوت وتبجيلها وصيانتها وتطهيرها مما لا يليق بشأنها.


(1)البرهان في تفسير القرآن:3|138.

(2)آل عمران:33 ـ 34.

(3)الخصال:1|107.

(4)البقرة: 127.

(296)

قال الرازي: المراد من رفعها، بنائها لقوله تعالى: (رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها) (1) وثانيها (ترفع) اي تعظم.(2)

هذا كلّه حسب ما تدل عليه الآية، وأمّا بالنظر إلى الروايات فنذكر منها ما يلي:

1. روى الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك و بريدة، انّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قرأ قوله تعالى: (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْترفَع) فقام إليه رجل وقال: أيّ بيوت هذه يا رسول اللّه؟

فقال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «بيوت الاَنبياء».

فقام إليه أبو بكر وقال: يا رسول اللّه، وهذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت علي و فاطمةعليمها السَّلام .

فقال النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «نعم من أفاضلها».(3)

2. روى ابن شهراشوب عن تفسير مجاهد و أبي يوسف، يعقوب بن سفين، قال ابن عباس في قوله تعالى: (وَإِذا رَأَوا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً)(4):إنّدحية الكلبي جاء يوم الجمعة من الشام بالميرة، فنزل عند أحجار الزيت، ثمّضرب بالطبول ليوَذن الناس بقدومه، فمضوا الناس إليه إلاّعلي والحسن والحسين وفاطمة - عليهم السّلام- وسلمان وأبو ذر والمقداد وصهيب، وتركوا النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قائماً يخطب على المنبر، فقال النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : قد نظر اللّه يوم الجمعة إلى مسجدي فلولا


(1)النازعات: 28

(2)تفسيرالفخرالرازي:24|3.

(3)تفسير الدر المنثور:5|50.

(4)الجمعة: 11.

(297)

هوَلاء الثمانية الذين جلسوا في مسجدي لاَضرمت المدينة على أهلها ناراً، وحُصبوا بالحجارة كقوم لوط، ونزل فيهم رجال لا تلهيهم تجارة.(1)

وقد وصف الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام- هوَلاء الرجال الذين يسبِّحون في تلك البيوت؛ عند تلاوته: (رِجالٌ لا تُلهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِاللّه) : وإنّ للذكر لاَهلاً أخذوه من الدُّنيا بدلاًً، فلم يشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم اللّه في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه فكأنَّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنّما اطَّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الاِقامة فيه، وحقَّقت القيامة عليهم عِداتُها، فكشفوا غطاء ذلك لاَهل الدنيا، حتى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون مالا يسمعون.(2)


(1)البرهان في تفسير القرآن:3|139.

(2)نهج البلاغة: الخطبة 222.

(298)

خاتمة المطاف

أهل البيت


في كلام الاِمام علي - عليه السّلام-

إلى هنا تمّ ما أردنا استعراضه من سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم، ولو حاول الباحث أن يستعرض أوصافهم وخصوصيّاتهم الواردة في الاَحاديث النبوية لاحتاج إلى تأليف مفرد، و بما انّمحور بحوثنا هو القرآن الكريم اقتصرناعلى ذلك، وهذا لا يمنعنا أن نذكر ما روي عن علي - عليه السّلام- في ذلك المجال:

1. يقول في حقّهم: «...فَإنّهم عيش العلم،وموت الجهل ، هم الذين يُخبركم حُكمُهم عن علمهم، وصَمتُهم عن منطقهم، وظاهرهُم عن باطنهم، لا يخالفون الدين، ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهدٌ صادق، وصامت ناطق».(1)

2. وفي خطبة أُخرى: «لا يقاس بآل محمّد - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- من هذه الاَُمّة أحد، ولا يُسوَّى بهم مَن جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساسُ الدين،وعمادُ اليقين، إليهم يفيءُ الغالي، وبهم يُلحق التالي، ولهم خصائص حقِّ الولاية، وفيهم الوصية والوراثة ، الآنَ إذ رجع الحقّ إلى أهله، ونُقل إلى منتقله».(2)


(1)نهج البلاغة: الخطبة 147.

(2)نهج البلاغة: الخطبة 2.

(299)

3. وقال - عليه السّلام- : «نحنُ الشعار والاَصحاب، والخزنة والاَبواب، ولا توَتى البيوتُ إلاّمن أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سُمّي سارقاً».

منها: «فيهم كرائمُ القرآن، وهم كنوز الرحمن، إن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا».(1)

4. وقال - عليه السّلام- :« ألا إنّ مثل آل محمّدٍ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، كَمَثَلِ نجوم السَّماء: إذا خوى نجم، طَلَعَ نَجم، فكأنّكم قد تكاملت من اللّه فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون».(2)

5.وقال - عليه السّلام- : «ألا و إنّ لكلِّ دمٍ ثائراً، ولكلِّ حقٍّ طالباً . و إنَّ الثّائِرَ في دمائِنا كالحاكِمِ في حقِّ نفسِهِ ، وهُوَ اللّهُ الذي لا يُعجِزُهُ من طَلَبَ، ولا يفُوتُهُ من هرب».(3)

6. وقال - عليه السّلام- : «أيّهاالناس، خذوها عن خاتم النبيّين - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : إنّه يموت من ماتَ منّا وليس بميِّت، ويبلى من بَلي منَّا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرِفُون، فإنّ أكثرَ الحقِّ فيما تُنكِرون، واعذِروا من لا حُجّة لكم عليه ـ و هو أنّا ـ ألم أعمل فيكم بالثَّقل الاَكبر، وأترُك فيكم الثَّقل الاَصغر، قد ركْزتُ فيكُمْ راية الاِيمانِ، ووقفتُكُم على حُدودِ الحلالِ والحرام، وألبستُكُمُ العافيةَ من عدلي، وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي،وأريتُكُم كرائمَ الاَخلاقِ من نفسي، فلا تستعملوا الرأيَ فيما لا يُدْرِكُ قعرَهُ البصرُ، ولا تتغلغل إليهِ الفِكرُ».(4)


(1)نهج البلاغة: الخطبة154.

(2)نهج البلاغة: الخطبة100.

(3)نهج البلاغة: الخطبة105.

(4)نهج البلاغة: الخطبة87.

(300)

إلى غير ذلك، الكلمات الناصعة في خطبه ورسائله وقصار كلمه مما نقله الرضي في «نهج البلاغة» وغيره في الكتب الحديثية والتاريخية، ولنقتصر على ذلك فانّ الاِفاضة في القول في هذا المضمار يوجب الاِطالة.


(301)

الشيعة و التفسير

تدويناً و تطويراً


(302)


عرض موجز لتاريخ التفسير

عند الشيعة

يتناول بيان تعريف القرآن بنفسه، و ومقف النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وأهل بيته الطاهرين، في مجال تفسيره، وما قام به أعلام الشيعة طيلة أربعة عشر قرناً، منذ وفاة النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إلى هذا اليوم من خدمات كبرى في شتّى أصعده التفسير، تدويناً واتطويراً، ونذكر أسماء مشاهيرهم، ونقد الاتّهامات الموجّهة إلى تفاسير العترة و شيعتهم نقداً موضوعيَاً هادئاً.

(303)

الشيعة والتفسير

تدويناً وتطويراً

إنّ التعرّف على عظمة القرآن الكريم وقيمته المثلى، لا يتوقّف على الرجوع إلى كاتب شرقيّ وناطق غربيّ... إلى هذا العالِم أو ذاك الباحث، لغرض جمع الشواهد على عظمته، وسموّ منزلته، وإن كانت هذه الشواهد من مختلف الطبقات لها مكانتها الخاصّة. ومن حسن الحظّ أنّ هناك كمّية هائلة من الدلائل على علوّ شأنه، وسموّ مقامه، في اللفظ والمعنى، وفي الشكل والمحتوى، يعرفها كلّ من وقف على الدراسات القرآنية التي قام بها الباحثون، من شرقيّهم وغربيّهم، منذ نزول القرآن إلى عصرنا هذا.

غير أنّ هناك طريقاً متقناً للاطّلاع على شأن القرآن الكريم، وعلوّمقاصده، وهو الرجوع إلى نفس ذلك الكتاب العزيز، واستنطاقه في هذا المجال، والجثوّ أمامه واستفساره،وما ذاك إلاّ لاَنّ الكلّ معترفون بأنّه لا يبالغ في إخباره وتقييمه، وأنّ كلّ شيء منه، حتى كلمه وحروفه جاءت في الآيات ووفق حسابات دقيقة، بلا إفراط ولا تفريط. وعلى هذا الاَساس نرجع إلى الذكر الحكيم، ونسأله عن أهدافه وأبعاده، وموقفه من الاِنسان في الهداية والضلالة، والسعادة والشقاء، والسلم والحرب، إلى غير ذلك من الاَبعاد الكثيرة التي يجدها الباحث المتعمّق في ذلك


(304)

الكتاب. ولكنّ هذه الدراسة ليست دراسة مختصرة، بل يمكن أن تقع موضوعاً لبحث خاصّ للدارسين له، حسب التفسير الموضوعيّ.

وبما أنّ الهدف ليس هو التوسّع في ذلك، فلنقتصر على نصوص الآيات المليئة بالنكات:

1. القرآن نور و ضياء للقلوب والعقول. قال سبحانه: (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ) .(1)

2. القرآن كتاب هداية للمتّقين وذوي القلوب المستعدّة. قال سبحانه: (ذلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقينَ) .(2)

3. القرآن كتاب نفيس مشحون بالمثل والقيم. قال سبحانه: (إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَريمٌ) .(3)

4. القرآن كتاب الظفر والانتصار بعيد عن وصمة الهزيمة والخذلان. قال سبحانه: (إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ) .(4)

5. القرآن زاخر بالحكمة والموعظة والبرهنة. قال سبحانه: (يس* وَالْقُرآنِ الحَكيم) .(5)

6. القرآن فيه من العظمة والجلالة والمقدرة لو نزل على جبلٍ لتصدّع أمامه. قال سبحانه: (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا القُرآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّه) .(6)

7.القرآن يهدي إلى الطريق المستقيم، الذي ليس فيه عوج، ولا أمت. قال


(1)المائدة:15.

(2)البقرة:2.

(3) الواقعة:77.

(4)فصّلت: 41.

(5)يس: 1ـ2.

(6)الحشر:21.

(305)

سبحانه: (إِنَّ هذا القُرآن يَهْدِي للَّتي هِيَ أَقْوَم) .(1)

8. القرآن سليم من التناقض، والاختلاف في التعبير والمضمون. قال سبحانه: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاً كَثيراً).(2)

9. القرآن كتاب يدور مع الحقّ حيث دار، والحقّيدور معه. قال سبحانه: (ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ أَنْزَلَالكِتابَ بِالحَقّ) .(3)

10. القرآن كتاب مبارك، حافل بالمعارف والمواعظ التي توقظ العقول، وتذكر القلوب. قال سبحانه: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُباركٌ لِيَدَبَّرُوا آياتِهِ) .(4)

11. القرآن كتاب أنزله سبحانه على رسوله، ليبلغه إلى الناس حتى يقوموا بالقسط. قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا مَعهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ) .(5)

12. إنّالقرآن يتضمن أمثالاً بديعة، تهدف إلى معان سامية في سبيل إيجاد نهضة فكرية بين البشر. قال سبحانه : (وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هذَا القُرآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ).(6)

13. القرآن كتاب التزكية للاَرواح ، والتصفية للقلوب. قال سبحانه: (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَوَالْحِكْمَة) .(7)

14. القرآن جاء بأحسن الحديث وأتقنه، بحيث تتقبّله النفوس بسرعة، وتعيه العقول بدون عناء. قال سبحانه: (اللّهُنَزَّلَ أَحْسَنَ الحَديثِ كِتاباً )


(1)الاِسراء:9.

(2)النساء: 82.

(3)البقرة: 176.

(4)ص:29.

(5)الحديد: 25.

(6)الكهف: 54.

(7)الجمعة: 2.

(306)

مُتَشابِهاً...) .(1)

15. القرآن يتلو علينا أحسن القصص وأجملها، ممّا فيه العبر الغالية. قال سبحانه: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ...) .(2)

16. القرآن يبيّن كلّ دقيق وجليل، ممّا له صلة بسعادة الاِنسان وشقائه. قال سبحانه: (ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَتِبْياناً لِكُلِّ شَيءٍ...) .(3)

17. القرآن أفضل فرقان لتمييز الحقّ من الباطل، وخير محكّ لمعرفة السراب عن الماء. قال سبحانه: (تبارَكَ الّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمينَ نَذيراً) .(4)

18. القرآن خير دليل على صدق النبيّ في نبوّته ورسالته، لفصاحة ألفاظه، وجمال عباراته، وبلاغة معانيه وسموّها، وروعة نظمه وتأليفه، وبداعة أُسلوبه. قال سبحانه: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَيُتلى عَلَيْهِمْ) .(5)

19. القرآن ذكر وتذكير لما يعرفه الاِنسان بفطرته السليمة. قال سبحانه: (وَلَقَدْيَسَّرْنا القُرآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْمِنْمُدَّكِرِ) .(6)

20. وفي الختام نقول: إنّالقرآن كتاب يربو عن الريب واعتراء الشكّ. قال سبحانه:(تَنزيلُ الكِتابِلا رَيْبَ فيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمين) .(7)

لقد أنزل اللّه سبحانه القرآن الكريم على قلب سيّد المرسلين، ليكون للعالمين نذيراً، يهدي به اللّه من اتّبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات


(1)الزمر:23.

(2)يوسف: 3.

(3)النحل: 89.

(4)الفرقان:1.

(5)العنكبوت: 51.

(6)القمر: 32.

(7)السجدة: 2.

(307)

إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، ويكون مهيمناً لما بين يدي النبيّ من الكتاب. قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (1) وقاضياً بين بني إسرائيل فيما يختلفون. قال سبحانه:(إِنَّ هذا القُرآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَالّذي فيهِ يَخْتَلِفُونَ) .(2)

ولاَجل تلك المكانة العليا التي حظي بها، صار الحجّة القويمة للنبيّ الاَكرم في عصره وحياته، والمعجزة الخالدة بعد مماته، على مرّ العصور والاَحقاب. وما ذلك إلاّ لاَنّ الدين الخالد، والرسالة الاَبديّة يحتاج في قضاء العقل إلى حجّة قويّة، ومعجزة خالدة، تشقّالطريق، وتنير المسير (حَتّى لا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللّه حُجَّةً) ، بل يكون للّه الحجة البالغة... نزل القرآن الكريم نجوماً منذ بعثة النبيّ إلى أُخريات أيّامه في بضع وعشرين سنة، فقرع الآذان حتى وصل إلى الجنان، وملك مجامع قلوب الناس، وسيطر على أحاسيسهم ومشاعرهم، فدخل الناس في طاعة القرآن زرافاتٍ ووحداناً، فأقام النبيُّ الاَكرم صرح الحقّ على أنقاض الباطل، بفضل الكتاب الكريم وحجته الخالدة.

هذه لمحة خاطفة عن مكانة القرآن، وتأثيره في النفوس، أخذناها من الكتاب العزيز نفسه، ولا نطيل الكلام فيها. كيف وقد أفاض المحقّقون الكلام في رسائلهم وكتبهم فيه؟! وإنّما الهدف في المقام الاِيعاز إلى ما قام به المسلمون من أروع الخدمات في سبيل كتابهم، على وجه لا تجد له مثيلاً لدى أصحاب الشرائع والديانات، حتى صارت تلك الخدمات حافزاً لتأسيس علوم خاصّة لفهم كتاب اللّه سبحانه، فدوّنوا علم النحو والصرف، وعلوم البلاغة والفصاحة، والقراءة


(1)المائدة: 48.

(2)النمل: 76.

(308)

والتجويد، وقسماً من التاريخ والمغازي والفقه، لفهم القرآن العزيز. وفي ظلّ تلك العلوم بقي القرآن مفهوماً للاَجيال، وصارت اللغة العربية لغة خالدة على جبين الدهر.

ولقد شارك المسلمون عامّة لتسهيل فهم القرآن في تأليف كتب ورسائل خاصة، في مجالات مختلفة، اختلفت بذكرها المعاجم والفهارس، منذ رحلة النبيّالاَكرم إلى يومنا. فلا تجد ظرفاً من الظروف إلاّ فيه اهتمام كبير بفهم القرآن، وتفسير مفاهيمه السامية بصور مختلفة، كلّذلك بإخلاص ونيّة طاهرة، من غير فرق بين السنّة و الشيعة. فخدّام القرآن ومفسروه ـ شكر اللّه مساعيهم ـ أدّوا وظائفهم الكبرى في سبيل رسالتهم الاِسلاميّة، ولن تجد أُمّة خدمت كتابها الديني مثل الاَُمّة الاِسلامية طوال قرون، فقد خدموه بشتّى ألوان الخدمة، بحيث يعسر إحصاوَها وحصرها. ولو قمنا بجمع ما أُلّف حول القرآن في القرون الغابرة، لجاء مكتبة ضخمة، تأتي فهارسها في أجزاء كثيرة.

كما إنّك لا تجد كتاباً سماويّاً، أوجد رجّة وتحوّلاً في الحياة البشريّة مثلما أوجده القرآن الكريم في حياة الاَُمم. فهو كوّن الاَُمّة الاِسلامية وأرسى كيانها، وأعطى لها دستوراً كاملاً في مجال الحياة العامّة. وهذا من خصائص الاَُمّة الاِسلامية في القرآن الكريم.

فها نحن نأتي بأسماء أعلام التفسير ـ بعد الرسول و الاَئمّة المعصومين ـ من الشيعة ، أفاض اللّه على الجميع شآبيب الرحمة والرضوان. ولكنّ ذلك بعد تبيين موقف الرسول الاَعظم وأئمّة أهل البيت من الكتاب العزيز.


(309)

الرسول الاَكرم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- هو المفسّر الاَوّل

إنّ مهمّة الرسول لم تكن منحصرة في تلاوة القرآن الكريم، وإقرائه للناس، بل كان عليه وراء ذلك، تبيين معالمه،وتوضيح مقاصده. يقول سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون).(1)

نرى أنّه سبحانه يقول(لتُبيّن) مكان لتقرأ فمهمّة الرسول الخطيرة هي توضيح مفاهيم الذكر الحكيم، وسبر أغواره. ولاَجل ذلك كان الرسول يفسّر الآيات واحدة بعد أُخرى أو مجموعة بعد مجموعة.

قال أبو عبد الرحمن السلميّ: حدّثنا الذين كانوا يقرأون القرآن كعثمان بن عفّان، وعبد اللّه بن مسعود،وغيرهما أنّهما كانوا إذا تعلّموا من النبيّ عشر آيات، لم يتجاوزوها حتّى يعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلّمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. ولهذا كانوا يبقون مدّة في حفظ السورة.(2)

فإذا كان الرسول مأموراً من جانبه سبحانه ببيان القرآن و تفسيره، فأين هذه الاَحاديث التي صدع بها الرسول ووعاها السلف الصالح؟

نرى أنّ جميع ما ورد عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- من التفاسير المصرّح برفعها إليه ـ غير ما ورد من أسباب النزول ـ لا يتجاوز المائتين وعشرين حديثاً تقريباً. وقد أتعب جلال الدين السيوطيّ نفسه، فجمعها من مطاوي الكتب في آخر كتابه الاِتقان، فرتّبها على ترتيب السور من الفاتحة إلى سورة الناس.(3) ومن المعلوم أنّ هذا المقدار


(1)النحل:44.

(2)الاِتقان:4|175ـ176، ط مصر.

(3)المصدر نفسه: 170.

(310)

لا يفي بتفسير القرآن الكريم، ولا يمكن لنا التقوّل بأنّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- تقاعس عن مهمته، أو أنّه لم يكن مأموراً بأزيد من ذلك.

نعم؛ قام الرسول بمهمته الكبيرة مع ما له من الواجبات الوافرة تجاه رسالته، ووعتها عنه أُذُن واعية، وبلّغها إلى المستحفظين من أُمّة الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، غير أنّ أهل السنّة ـ إذ لم يهتمّوا بالاَخذ والنقل من تلكم الآذان الواعية ـ قصرت أيديهم عن أحاديث الرسول الاَعظم في مجال التفسير. فلو أنّهم رجعوا إلى باب علم النبيّ عليه الصلاة والسلام وأهل بيته المطهّرين من الرجس بنصّالذكر الحكيم (1)لوقفوا على كميّة هائلة من أحاديث الرسول حول القرآن وتفسيره عن طرقهم، منتهية إلى صاحب الرسالة، وإنّ هذا واللّه لخسارة كبيرة، وحرمان أصاب أهل السنّة والجماعة، حيث أخذوا الحديث من نظراء كعب الاَحبار، ووهب بن منبه، وتميم الداريّ، وأمثالهم ومُسْلِمة أهل الكتاب، أو أخذوا من أُناس كانوا يأخذون قصص الاَنبياء، وبدء الخليقة من أهل الكتاب(2)، ولم يدقّوا باب أهل بيته حتى يسألوهم عمّا ورثوه عن رسول الله ، و قد قال سبحانه: (ثُمَّ أَورَثْنا الكِتابَالّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا...)(3)(4) ولاَجل ذلك قامت الشيعة بتدوين آثار الرسول عن طريق أهل بيته، فألّفوا في هذا المضمار كتباً جليلة، تفسّر القرآن الكريم بالاَثر المرويّ عنه و عن أهل بيته، كما ستوافيك أسماوَها وأسماء مصنّفيها، عند البحث عن مفسّري الشيعة في القرون


(1)الاَحزاب:33.

(2)المقدمة(ابن خلدون): 439؛ ولاحظ «بحوث في الملل و النحل»:1|76ـ 108.

(3)فاطر:32.

(4)فلازم على الباحث أن يبحث عن المصطفين من عباده سبحانه الذين أورثهم فهم الكتاب .

(311)

الاَُولى. ولنذكر نماذج ممّا أُثر عن النبيّ الاَكرم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في مجال التفسير تيمّناً و تبرّكاً:

1. لمّا نزل قوله سبحانه: (وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاََبْيَضُمِنَ الْخَيْطِالاََسْودِ مِنَ الْفَجْرِ) .(1)قال عديّ بن حاتم: إنّي وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود، فكنت أنظر فيهما، فلا يتبين لي. فضحك رسول اللّه حتّى روَيت نواجذه ثمّ قال: «ذلك بياض النهار، وسواد الليل».(2)

2. روى علي - عليه السّلام- في تفسير قوله سبحانه: (هَلْ جَزاءُ الاِِحْسانِ إِلاّ الاِِحْسانُ).(3)قال سمعت رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقول: «إنّ اللّه عزّوجلّ قال: ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلاّ الجنّة».(4)فالاِيمان بتوحيد ذاته وصفاته وأفعاله عمل العبد، قدّمه إلى بارئه، فيجزيه بالجنّة. وفي الوقت نفسه كلاهما من جانبه سبحانه، فهو الذي يوفق عبده للاِيمان.

3. ولمّا نزل قول اللّه سبحانه: (الّذينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الاََمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون) (5) فقال أصحابه:وأيّنا لم يظلم نفسه؟ ففسّر النبيّ الظلم بالشرك، لقوله سبحانه: (انِّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظيمٌ)(6) (7)وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن. كيف واللّه سبحانه يصفه بأنّه تبيان لكلّ شيء ويقول: (نزّلنا عَلَيْكَ الكِتابَتِبْياناً لِكُلِّ شَيءٍ) (8)فهل يمكن أن يكون تبياناً لكلّشيء ولا يكون تبياناً لنفسه؟


(1)البقرة:187.

(2)مجمع البيان:1|281، ط صيدا.

(3)الرحمن: 60.

(4)تفسير البرهان:4|272.

(5)الاَنعام:82 .

(6)لقمان: 13

(7)الاِتقان:4|214ـ 215.

(8)النحل:89.

(312)

الوصيّ هو المفسر الثاني

من سبر كتب التفسير والحديث يجد أنّ الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السَّلام هو المفسر الاَكبر بعد النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، فعنه أخذ كثير من الصحابة. قال السيوطيّ: أمّا الخلفاء فأكثر ما روي عنه منهم عليّ بن أبي طالب - عليه السّلام- ، والرواية من الثلاثة نزرة جداً، فأمّا عليّ - عليه السّلام- فروي عنه الكثير. وقد روى معمّر عن وهب بن عبد اللّه، عن أبي الطفيل قال: شهدت عليّاً يخطب، فيقول: «فواللّه لا تسألوني عن شيء إلاّأخبرتكم،وسلوني عن كتاب اللّه، فواللّه ما من آية إلاّوأنا أعلم أبليلٍ نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل».

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود، قال: إنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلاّوله ظهر وبطن، وإنّعليّ بن أبي طالب عنده منه الظاهر والباطن.

وأخرج أيضاً من طريق أبي بكر بن عيّاش، عن نصير بن سليمان الاَحمسيّ، عن أبيه، عن عليّ، قال: «واللّه ما نزلت آية إلاّوقد علمت فيم أُنزلت؟ وأين أُنزلت؟ أنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً،ولساناً سوَولاً».(1)

يقول الذهبي في مكانة «عليّ» في التفسير:جمع علي رضي اللّه عنه إلى مهارته في القضاء والفتوى، علمه بكتاب اللّه وفهمه لاَسراره وخفيّمعانيه، فكان أعلم الصحابة بمواقع التنزيل، ومعرفة التأويل، فقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب - عليه السّلام- .(2)


(1)الاِتقان:4|204.

(2)التفسير والمفسّرون:1|89ـ 90.


(313)

عثرة لا تقال

إنّ الدكتور محمد حسين الذهبيّ جعل علي بن أبي طالب ـ بحسب كثرة من روى عنه ـ في الدرجة الثالثة، وجعل عبد اللّه بن عبّاس في الدرجة الاَُولى، ثمّ ابن مسعود في الدرجة الثانية(1)والرجل بخس حقّ عليّبخساً بيّناً، فلو سلّمنا أنّ ما روي عن ابن عبّاس أكثر مما روي عن أمير الموَمنين، فهل يمكن لنا أن ننكر اعتراف حبر الاَُمّة بأنّه تخرّج على يد عليّ بن أبي طالب وأنّ ما أخذ من تفسير القرآن فإنّما أخذه عن عليّبن أبي طالب - عليه السّلام- ! كيف لا، وقد لازم عليّاً قرابة ثلاثين سنة كما هو واضح لمن درس حياته؟! قال ابن أبي الحديد: ومن العلم علم تفسير القرآن، وعنه أُخذ، ومنه فرِّع. وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحّة ذلك، لاَنّ أكثره عنه وعن عبد اللّه بن عبّاس. وقد علم الناس حال ابن عبّاس في ملازمته له، وانقطاعه إليه، وأنّه تلميذه وخرّيجه. وقيل له: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.(2)

ومن أراد أن يقف على نموذج من علم الاِمام بالتفسير وأقسامه المختلفة، فعليه الرجوع إلى الخطبة المرويّة عنه حول القرآن وأقسام تفسيره،وقد رواها القمّي في أوّل كتابه ، وأدرجها البحرانيّ في تفسيره، عند البحث عن مقدّمات التفسير، وإليك مستهلّ الخطبة:(3)

«ولقد علم المستحفظون من أُمّة محمّد أنّه قال: إنّي وأهل بيتي مطهّرون، فلا


(1)المصدر نفسه.

(2)شرح نهج البلاغة:1|19.

(3)تفسير عليّ بن إبراهيم :1|5ـ10، والاِمعان فيه يعرب عن دخول ما ليس من كلامه فيه؛ ولاحظ تفسير البرهان:1|32.

(314)

تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتخلَّفوا عنهم فتزلُّوا، ولا تخالفوهم فتجهلوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم. هم أعلم الناس كباراً، وأحلم الناس صغاراً، فاتّبعوا الحقّوأهله حيث كان ـ إلى أن قال ـ فالقرآن منه ناسخ و منسوخ، ومنه محكم ومتشابه، ومنه خاصّ وعامٌّ...» إلى آخر ما ذكر من أقسام، وأعطى لكلّ قسم مثالاً من القرآن. والخطبة جديرة بالمطالعة، وهي من خطبه الجليلة، وربما نسبها الغافل إلى غيره وقد طبعت مع مقدمة قصيرة منسوبة إلى السيّد المرتضى قدَّس سرَّه باسم«المحكم والمتشابه»، لكنّه من خطأ الناسخ والطابع.

هذا وإنّ للذهبيّ عثرات كثيرة، وزلاّت وافرة، خصوصاً فيما يرجع إلى قضائه في حقّ الشيعة وكتبهم التفسيريّة، فقد قصّر في أداء الواجب، وبخس حقّهم، ولنا مع الرجل موقف آخر نوَدّي فيه حقّالمقال إن شاء اللّه تعالى.

ذكر الذهبيّ مشاهير المفسّرين من الصحابة، وعدّ منهم ـ مضافاً إلى من عرفت أسماءهم ـ أُبيّ بن كعب كما ذكر من مشاهير التابعين: سعيد بن جبير، مجاهد بن جبر، عكرمة البربريّ، عطاء بن رباح ،أبا العالية رفيع بن مهران، محمّد بن كعب القرظيّ، علقمة بن قيس، مسروق بن الاَجدع، الاَسود بن يزيد، مرّة الهمدانيّ، عامر الشعبيّ، الحسن البصريّ، و قتادة الدوسيّ.

ولكنّه تنكّب عن مهيع الطريق، فلم يعدّالحسن والحسين ممّن روي


(315)

عنهما التفسير من الصحابة، كما لم يعد الاِمام زين العابدين، ومحمّداً الباقر وجعفراً الصادق في التابعين الذين روي عنهم التفسير. وهب أنّه لم يستقص رواة التفسير من الصحابة حتّى يكون له عذر في ترك ذكر الاِمامين الهُمامين السبطين الشريفين، ولكنّه لماذا لم يذكر أئمّة المسلمين وسادة العارفين والصادقين - عليهم السّلام- الذين روي عنهم العلوم في مجالات شتّى، وفي التفسير خاصّة، حتى نقل الناس عن أحدهم،وهو الاِمام جعفر الصادق عليه السَّلام من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان.

هذا هو الرازيّ يقول في تفسيره سورة الكوثر: «ثمّ انظر كم كان فيهم (أولاد الرسول) من الاَكابر من العلماء كالباقر و الصادق، والكاظم والرضا عليهم السَّلام والنفس الزكيّة و أمثالهم».(1)

هذا هو الحسن البصريّ الذي أثنى عليه الذهبيّ ثناءً جزيلاً يكتب إلى السبط الاَكبر ـ الذي أهمل ذكره ـ قائلاً: «فإنّكم معشر بني هاشم، الفلك الجاريّة في اللجج الغامرة، والاَعلام النيّرة الشاهرة، أو كسفينةنوح التي نزلها الموَمنون، ونجا فيها المسلمون».(2)

أو ليس عدم الاِشادة بذكره وذكر أخيه بخساً لحقّهم؟! وإن كان الاَئمّة الطاهرون الذين أسميناهم، والذين من بعدهم أعرف من أن يُعرفوا، وهم روّاد العلم وقادته، إليهم تنسب كلّ فضيلة غالية، سواء أتى على ذكرهم الذهبيّ أم لم يأتِ.

من تلقَ منهم تلقَ كهلاً أو فتىً * علم الهدى، بحر الندى المورودا

ولاَجل ذلك نذكر في مقدم المقال أئمّة الشيعة، وهم أئمّة المسلمين جميعاً، وننقل عن كلّواحد نزراً يسيراً في مجال التفسير، ومن أراد الاستيعاب في المقام، فعليه الرجوع إلى كتب التفسير، بالاَثر، ليجد فيها بُغيته كما يقف بالرجوع إليها على


(1)مفاتيح الغيب:8|498، الطبعة المصرية في ثمانية أجزاء.

(2)تحف العقول: 166، طبع بيروت.

(316)

مدى تقصير القوم ـ الذهبيّ وأساتذته ـ في غابر القرون(1)عن الرجوع إليهم، والاِشادة بذكرهم والاستضاءة بأنوارهم.

على أنّنا نختار من المأثورات الكثيرة عنهم في مجال التفسير ما يدور على أحد المحاور الثلاثة: إمّا أن يكون تفسيراً للآية بأُختها، أو تفسيراً لغويّاً وبيانيّاً، أو استدلالاً بالآية على مبدأ اعتقاديّ، وإن كانت ألوان التفسير في رواياتهم متشعّبة.

نماذج ممّا روي عن أمير الموَمنين - عليه السّلام- في مجال التفسير

كان - عليه السّلام- يستخرج محاسن المعاني عن الآيات ممّا يبهر العيون ويحيّر العقول قال صلوات اللّه عليه بعد رحلة الرسول:

1. «كان في الاَرض أمانان من عذاب اللّه، وقد رفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسّكوا به، أمّا الاَمان الذي رفع فهو رسول اللّه، وأمّا الاَمان الباقي فهو الاستغفار، قال اللّه تعالى: (وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللّهَ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ».(2)

2. ومن محاسن الاستخراج ولطائف الاستنباط قضاوَه في أقلّالحملِ، وفهمه من كتاب اللّه سبحانه ما يلي:

«أخرج الحافظان أبو حاتم والبيهقيّ عن أبي حرببنأبيالاَسودالدوَلي: أنّعمر بن الخطاب رفعت إليه امرأة ولدت لستّة أشهر فهمّ برجمها. فبلغ ذلك


(1)كالحافظ شمس الدين الداوديّ في طبقات المفسّرين، وعادل نويهض في معجم المفسّرين، وأخيراً الذهبيّفي التفسير والمفسّرون.

(2)نهج البلاغة: قسم الحكم، الحكمة رقم 88.

(317)

عليّاً، فقال :« ليس عليها رجم» فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه، فسأله، فقال: قال اللّه تعالى: (وَالوالداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَيْن) وقال: (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) فستة أشهر حمله، وفصاله في حولين، وذلك ثلاثون شهراً فخلّى عنها، فقال عمر: اللّهمّ لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب.(1)

3. سأل يهوديّ عليّاً - عليه السّلام- عن مدّة لبث أصحاب الكهف، فقال: (وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثمائة سِنينَ وَازْدادُوا تِسعاً) . فقال اليهودي: إنّا نجد في كتابنا: ثلاثمائة، فقال - عليه السّلام- :«ذاك بسنيّ الشمس، وهذا بسنيّالقمر».(2)

وبذلك بيّن الاِمام وجه عدول الآية عن التعبير الرائج في أمثال المقام إلى ما ورد فيها، فإنّ التعبير الرائج فيها هو فلبثوا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين، ولكنّه عبّر عنه بقوله: (وازدادُوا تِسْعاً) ، وما هذا إلاّللاِشارة إلى أنّ التعبيرين كليهما صحيحان، واحد منهما بالسنوات الشمسيّة، والآخر بالقمريّة.

وكم لعليّ - عليه السّلام- من هذه المواقف في استخراج حكم الوقائع من كتاب اللّه وسنّة نبيّه، وكم له من حلّللمعضلات من الاَُمور عن طريق تفسير الكتاب، وبما أنّها مبثوثة في الكتب، مشهورة بين المحدّثين والمفسّرين اكتفينا بهذه النماذج.

الحسن بن علي - عليه السّلام- والتفسير

الحسن بن علي هو السبط الاَكبر، وريحانة رسول اللّه، ووارث علم أبيه، وحامل راية الاِمامة بعده، بتنصيص من الرسول والوالد، وقد أُثر عنه في مجال


(1)السنن الكبرى:7|442؛ ولاحظ تفسير الرازي :7|44، الطبعة المصريّة القديمة.

(2)بحارالاَنوار: 58|352.

(318)

التفسير ما تعلو عليه القوّة والجدارة، رغم ما منيت به آثاره من إعراض وإنكار. وإليك نماذج من آرائه في القرآن وتفسيره:

«إنّ هذا القرآن فيه مصابيح النور، وشفاء الصدور، فليجلُ جالٍبضوئه،وليلجم الصفة قلبه، فإنّ التفكير حياة القلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور».(1)

«ما بقي من الدنيا بقيّة غير هذا القرآن، فاتخذوه إماماً يدلّكم على هُداكم، وإنّ أحقّ الناس من عمل به، وإن لم يحفظه، وأبعدهم من لم يعمل به، وإن كان يقرأه».(2)

«إنّ هذا القرآن يجيء يوم القيامة قائداً وسائقاً: يقود قوماً إلى الجنّة، أحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وآمنوا بمتشابهه؛ ويسوق قوماً إلى النار، ضيّعوا حدوده وأحكامه، واستحلّوا محارمه».(3)

«من قال في القرآن برأيه، فأصاب، فقد أخطأ».(4)

وإليك نماذج ممّا روي عنه في مجال التفسير:

1. سئل - عليه السّلام- عن معنى الشاهد والمشهود، في قوله سبحانه: (وشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) (5) فقال: أمّا الشاهد فمحمّد - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، وأمّاالمشهود فيوم القيامة، أما سمعته يقول: (إِنّا أرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً...)(6). وقال تعالى: (ذلِكَ يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَومٌ مَشْهُود) (7).(8) وهذا كما ترى تفسير للقرآن بالقرآن، وكم له من نظائر في أحاديث أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- .


(1)كشف الغمة: 2|195.

(2)إرشاد القلوب :81.

(3)نفس المصدر.

(4)نفس المصدر.

(5)البروج:3.

(6)الاَحزاب:45.

(7)هود: 103.

(8)بحار الاَنوار:1|13.

(319)

2. وسئل عن تفسير قوله تعالى: (...آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً) )قال: هي العلم والعبادة في الدنيا، والجنّة في الآخرة».(1)فقد نبّه الاِمام في كلامه هذا إلى ما يغفل عنه أكثر العامة، إذ أيّة حسنة أعلى من العلم والمعرفة، وعبادته سبحانه في الدنيا؟ وثمرة المعرفة هي الطاعة والعبادة.

3. كان الحسن بن عليّ إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، وقال: «إنّ اللّه جميل، ويحبّالجمال، فأتجمّل لربّي، وقرأ: (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)»(2). (3)فالصلاة وفود العبد إلى اللّه سبحانه، فيليق بالوافد أن يحضر بأجمل الحالات، وأحسن الاَوضاع، لاَنّ الموفود إليه مالك الملك والملكوت.

الاِمام السبط الشهيد - عليه السّلام- والتفسير

الاِمام السبط الشهيد ريحانة رسول اللّه، وسبطه الاَصغر، وهو من أهل بيت النبوّة بنصّ من النبيّالاَكرم، وقد استشهد عام 61هـ في أرض الطفّ بيد الجور والعدوان. وقد عاصر الاِمام خلافة معاوية عشر سنين، وكانت سياسة ذلك الداهية هي سياسة القمع والاِرهاب فلم ينتشر من الاِمام إلاّ بعض خطبه ورسائله، وكلماته الحكيمة. ومع ذلك ففي هذا النزر اليسير الذي أفلت من يد الاَيّام، الحجة البالغة والبرهان اللائح على أنّه وارث علم النبيّ وعلم أبيه، كيف وهو من الثقلين اللّذين أمر النبيّ بالتمسّك بهما؟ وإليك نماذج ممّا أُثر عنه في مجال التفسير:

1. كتب أهل البصرة إليه يسألونه عن «الصمد» فكتب إليهم:«بسم اللّه


(1)الاثنا عشرية(الحسيني):53.

(2)الاَعراف: 31.

(3)تفسير الصافي: 2|189، ط بيروت.

(320)

الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد؛ فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه بغير علم، فقد سمعت جدّي رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقول: من قال في القرآن بغير علم، فليتبوّأ مقعده من النار، وإنّ اللّه سبحانه قد فسّر الصمد، فقال: (اللّه أَحَدٌ* اللّهُالصَّمَدُ) ثمّ فسره فقال: (لمْ يَلِدْوَلَمْ يُولَد* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) . لم يلد: لم يخرج منه شيء كثيف كالولد، وسائر الاَشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين، ولا شيء لطيف كالنفس، ولا يتشعّب منه البدوات كالسنة، والنوم، والخطرة، والهمّ، والحزن، والبهجة، والضحك، والبكاء، والخوف، والرجاء، والرغبة، والسأمة، والجوع، والشبع، تعالى أن يخرج منه شيء، وأن يتولّد منه شيء كثيف أو لطيف... بل هو اللّه الصمد الذي لا من شيء، ولا في شيء، ولا على شيء. مبدع الاَشياء وخالقها، ومنشىَ الاَشياء بقدرته، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته، ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه، فذلكم اللّه الصمد الذي لم يلد ولم يولد، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال».(1)

2. سأله رجل عن معنى قوله سبحانه: (يَومَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍبِإمامِهِمْ)(2) فقال - عليه السّلام- : «إمام دعا إلى اللّه فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى الضلالة فأجابوه إليها. هوَلاء في الجنة، وهوَلاء في النار. وهو قول اللّه عزّوجلّ: (فَريقٌ فِي الجَنّةِ وَفَريقٌ في السَّعير) (3)(4) 3. سأله نضر بن مالك، وقال: يا أبا عبد اللّه حدِّثني عن قول اللّه عزّوجلّ: (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ)(5) فقال - عليه السّلام- : «نحن و بنو أُمية اختصمنا


(1)توحيد الصدوق:56.

(2)الاِسراء:71.

(3)الشورى: 7.

(4)بلاغة الحسين :87.

(5)الحج:19.

(321)

في اللّه عزّوجلّ، قلنا: صدق اللّه، وقالوا: كذب اللّه. فنحن وإيّاهم الخصمان يوم القيامة».(1) والاِمام فسر الآية بالتنبيه على المصداق الواضح. وعلى هذا جروا في تفسيرهم للآيات القرآنية، فهم يفسّرونها بمصاديق واضحة، وجزئيّات خاصّة، ولا يريدون انحصار مفهومها فيه.

4. سئل عن معنى قول اللّه :(وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (2) فقال عليه السَّلام : «أمر النبيّأن يحدّث بما أنعم اللّه به عليه في دينه».(3)وقد لفت الاِمام في هذا التفسير نظر السائل إلى أظهر مصاديق النعمة وأكملها، بما ربما يغفل عنه الاِنسان، ويتصوّر أنّ النعم التي يجب التحدّث بها هي النعم الدنيويّة، مع أنّها ضئيلة في مقابل النعم الاَُخرويّة، فقد قلنا: إنّ هذا النمط من التفسير في كلامهم كثير، وهذا التفسير هو ما يسمّيه العلاّمة الطباطبائي بالجري والتطبيق. ولا يراد انحصار الآية في المصداق الخاصّ، وربما يتصوّر الجاهل بأنّ هذا النوع من التفسير تفسير بالرأي أو تفسير بالباطن، غافلاً عن أنّه تفسير بالمصداق والتطبيق، لاَنّ إعطاء الضابطة بالمثال أوقع في النفوس، وأقرب إلى ترسيخها فيها، خصوصاً إذا كان المصداق ممّا يغفل عنه المخاطب.

هذه نماذج ما روي عن الاِمام السبط الشهيد، حسين الاِباء والعظمة أبي الشهداء، سلام اللّه عليه سلاماً لا نهاية له.

زين العابدين - عليه السّلام- والتفسير

الاِمام زين العابدين، إمام العارفين، وقائد الزاهدين، وسيّد الساجدين،


(1)بلاغةالحسين:87.

(2)الضحى:11.

(3)تفسير الصافي:3|368؛ و نور الثقلين :3|476، نقلاً عن الخصال.

(322)

رابع أئمّة العصمة والطهارة، ولد بالمدينة المنورة سنة ستّوثلاثين من الهجرة يوم فتح البصرة ونزول النصرة على أبي الاَئمّة، وتوفّي فيها سنة خمس و تسعين مسموماً، ودفن بالبقيع، وعاش مع جدّه عليّأربع سنين، ومع عمّه الحسن عشر سنين، ومع أبيه كذلك، إلى أن استلم الوصاية والولاية من أبيه.

ومن آثاره الباقية أدعيته المعروفة بالصحيفة السجاديّة، وقد بلغت في جزالة اللفظ، وبلاغة التعبير، وجودة السبك، ورقة المعاني، ولطافة المفاهيم مبلغاً، لا يدرك شأوه. كما روي عنه - عليه السّلام- أحاديث وافرة في مجال التفسير، ونأتي بنماذج قليلة منها ليكون مثالاً لما لم ننقله عنه:

1. كان التقشّف سائداً على زهاد عصره، فيتخيّلون أنّ الزهد في ترك ملاذّ الحياة وملابسها، ولبس الثوب الخشن، وأكل الطعام الجشب، مع أنه من مظاهر الزهد لا من مقوماته وحقيقة الزهد يرجع إلى أن لا يملك الاِنسان شيء، فجاء رجل، فسأله عن الزهد، فقال: إنّ الزهد كلّه في آية من كتاب اللّه: (لِكَيْلا تَأْسوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللّهُلا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍفَخُورٍ)(1)(2) فكان يشتري كساء الخزّ بخمسين ديناراً، ويقول: (مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللّهِالّتي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ) .(3)(4)

وعلى هذا مشى الاَئمّة فكان الحسن السبط ـ كما عرفت ـ إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقتل الحسين وعليه جبّة خزّ، وكان للاِمام الصادق عليه السَّلام جبّة خزّ وطيلسان خزّ، فإذا سئل عن لبسه قرأ قوله سبحانه: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ )


(1)الحديد:23.

(2)مجمع البيان:5|240.

(3)الاَعراف: 32.

(4)المصدر نفسه:4|413؛ ورواه الآلوسيّ في روح المعاني:8|111.

(323)

اللّهِ الّتي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَالرِّزْقِ) .(1)

فالجاهل ينظر إلى الصور والظواهر، ويغترّبها، ويتخيّل أنّ كلّمتقّشّف خشن الثوب والطعام زاهد، وإن ملاَ قلبه حبُّ الدنيا والرئاسة. والموَمن ينظر إلى النيّات والبواطن، فمن كان قلبه فارغاً عن كلّشيء إلاّحبّه سبحانه، فهو زاهد بتمام معنى الكلمة، ولكن من علّق قلبه بثوب خلق، وعصاًبالية، فهو راغب غير زاهد.

2. سئل علي بن الحسين عن قوله سبحانه: (وَرَتِّلِالقُرآنَ تَرْتيلاً) فقال: «معناه بيّنه تبياناً، ولا تنثره نثر البقل، ولا تهذّه هذّالشعر(2) فقفوا عند عجائبه، لتحرّكوا به القلوب، ولا يكون همّ أحدكم آخر السورة».(3)

3. قال سعيد بن جبير: سألت عليّبن الحسين عليمها السَّلام عن قول اللّه تعالى: (قُلْلا أَسْأَلُكمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَوَدَّةَ فِي القُربى) ، قال: «هي قرابتنا أهل البيت».(4). إنّ الآيات القرآنيّة تشهد على أنّ شعار الأنبياء في طريق دعوتهم كان دائماً هو رفض الاَجر، وعدم طلبه من الاَُمّة، وكلّهم يهتفون بهذا (إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ العالَمين) .(5)

وعند ذلك كيف يصحّ للنبيّ أن يبدّل هذا الشعار، ويجعل مودّة أقربائه أجراً على رسالته؟! والجواب عن هذا السوَال واضح. فإنّ المراد هي الاَُجور


(1) المصدر نفسه:4|412.

(2)الهذّ: القطع بسرعة.

(3)نوادر الراوندي: ص30، طبع مع غيبة الشيخ المفيد.

(4) أحكام القرآن:3|475.

(5)الشعراء: 109، 127، 145، 164، 180.

(324)

الدنيوية التي كان بإمكان البشر تقديمها إلى الرسل. وأمّا مودّة أهل بيتهم وولائهم فليس أجراً دنيويّاً، بل الاتّصال بهم من خلال هذه المودّة ذريعة لتكامل الاَُمّة في المراحل الفكريّة والعمليّة، فعندئذٍ تنتفع بها الاَُمّة الاِسلاميّة قبل أن تنتفع بها العترة، وفي هذه الصورة لا تكون المودّة في القربى أجراً، وإن أُخرجت في الآية بصورة الاَجر. ومن المعلوم أنّالاَُمّة الاِسلاميّة إنّما تنتفع ببعض أقرباء النبيّ لا كلّهم، وهم أهل بيته الذين طهّرهم اللّه عن الرجس.

4. روى ابن كثير في تفسيره ذكر ما جرى بين الاِمام والرجل الشاميّ، يوم جيء به أسيراً إلى الشام، وقال له عن جهل بالاِمام: الحمد للّه الذي قتلكم، فقرأ عليّ بن الحسين عليه آيات من القرآن و منها هذه الآية، و قال: «نحن قرابته».(1)

الاِمام محمّد الباقر - عليه السّلام- والتفسير

الاِمام محمّد الباقر - عليه السّلام- من أعلام أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- ، وأفذاذ العترة الطاهرة، قام بالاِمامة والقيادة الروحيّة بعد أبيه زين العابدين، ولد عام (57هـ) ولبّى دعوة ربّه عام (114هـ)، وقد وقف حياته كلّها لنشر العلم والحديث بين الناس، ولم يعرف التاريخ له مثيلاً إلاّولده البارّ جعفر الصادق، وقد غذّى رجال الفكر، وروّاد العلم بعلمه، وأرسى مدرسة كبيرة علميّة، زخرت بكبار الفقهاء والمحدّثين والمفسّرين، يقف عليها من درس رجال الحديث في الشيعة، كما صرف قسماً كبيراً من عمره في تفسير القرآن، وقد تخرّج عليه لفيف من المفسّرين.

فهذا أبو الجارود زياد بن المنذر فسّر القرآن من أوّله إلى آخره.


(1)تفسير ابن كثير:4|112.

(325)

يقول النجاشي: له كتاب تفسير القرآن، رواه عن أبي جعفر - عليه السّلام- .(1)

وقال ابن النديم في «الفهرست»، عند عرضه للكتب الموَلّفة في تفسير القرآن: «كتاب الباقر محمد بن علي بن الحسين رواه عنه أبوالجارود، زياد بن المنذر»(2) قد روي قسم منه في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي، وسنوافيك بأسماء لفيف من تلامذته، وخرّيجي مدرسته، ممّن ألّفوا في مجال التفسير كتاباً، فانتظر.

نماذج من تفسير الاِمام الباقر - عليه السّلام-

1. سئل الاِمام عن معنى قوله سبحانه: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبي فَقَدْهَوى) (3) وما هو المراد من غضب اللّه؟ فأجاب الاِمام : «طرده وعقابه».(4)

وبذلك أعرب الاِمام عن أنّ الصفات الخبريّة، كالغضب و الرضا، واليد والعين، وغير ذلك إنّما تجري على اللّه سبحانه، مجرّدة عن لوازم المادّة والجسمانيّات، فلا مناصَمن تفسيره بمظاهر الغضب، وهو الطرد والعقاب.

2. سأل بريد العجليّ الاِمام الباقر - عليه السّلام- عن الملك العظيم في قوله تعالى: (فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهيمَ الكِتابَوَالحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (5)فقال: «الملك العظيم أن جعل فيهم أئمّة من أطاعهم أطاع اللّه، ومن عصاهم فقد عصى اللّه، فهو الملك العظيم».(6)فقد نوّه الاِمام بتفسيره هذا أنّ الملك العظيم في لسان الشرع ليس هو السلطة الجبّارة التي تركب رقاب الناس، من دون أن تكون لها أيّة مشروعيّة، وإنّما الملك العظيم من استند في سلطته إلى اللّه سبحانه تكون طاعته


(1)رجال النجاشي: 1|388 برقم 446.

(2)فهرست ابن النديم: 56.

(3)طه:82.

(4)الفصول المهمّة:227.

(5)النساء: 54.

(6)البحار: 23|287 ح 10.

(326)

طاعته، وعصيانه عصيانه.

3. روى جابر الجعفي أنّه سأل الاِمام - عليه السّلام- عن قوله سبحانه :(لَوْلا أَنْ رَأى بُرهانَ رَبِّهِ) .(1)فقال الاِمام : «ما يقول فقهاء العراق في هذه الآية؟» قال جابر: رأى يعقوب عاضاً على إبهامه، فقال - عليه السّلام- : «حدّثني أبي عن جدّي علي بن أبي طالب - عليه السّلام- : أنّالبرهان الذي رآه أنّها حين همّت به وهمّبها، فقامت إلى صنم، فسترته بثوب أبيض خشية أن يراها، أو استحياءً منه. فقال لها يوسف: تستحين من صنم لا ينفع ولا يضر ولا يبصر؟ أفلا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كلّنفس بما كسبت؟ ثمّ قال: واللّه لا تنالين منّي أبداً! فهو البرهان».(2)

4. جلس قتادة المفسّر المعروف بين يدي الاِمام الباقر - عليه السّلام- وقال له: لقد جلست بين يدي الفقهاء، وقدّام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك. قال له أبو جعفر الباقر - عليه السّلام- : «ويحك أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي(بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْتُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوِّ وَالآصال* رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإيتاءِالزَّكاة) (3) فأنت ثمّ ونحن أُولئك»، فقال له قتادة: صدقت واللّه ـ جعلني اللّه فداك ـ ما هي بيوت حجارة ولا طين.(4)

5. روى جابر بن يزيد الجعفيّ عن الاِمام الباقر - عليه السّلام- أنّه سئل عن قوله سبحانه : (وَلاَُضِلَّنَّهُمْ وَلاَُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الاََنْعامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّه) (5) فقال: «المقصود دين اللّه».(6)إنّ تفسير «خلق اللّه» بـ«دين اللّه» ليس


(1)يوسف:24.

(2)البداية والنهاية: 9|310.

(3)النور: 36ـ 37.

(4)الكافي:6|256.

(5)النساء: 119.

(6)تفسير العياشي: 1|276.

(327)

بأمر غريب، كيف لا؟ وقد أسمى سبحانه دين اللّه فطرة اللّه، وقال: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ) .(1)

6. إنّ مذهب الاِمام في صلاة المسافر هو لزوم التقصير، لا التخيير بينه وبين الاِتمام، كما عليه أئمّة المذاهب الاَُخرى. فسأله بطلان من تلامذته ـ زرارة ومحمد بن مسلم ـ عن معنى قوله سبحانه: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الاََرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْتَقْصروا مِنَ الصَّلاةِ) (2) وقالا: كيف صار التقصير في السفر واجباً واللّه سبحانه يقول: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ). ولم يقل: افعَلُوا؟ (فالاِمام فسر الآية بأُختها)، فقال: أو ليس قال اللّه : (إِنَّ الصَّفا وَالمَروة من شعائِر اللّه فَمَنْ حَجَّ البَيتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَوَّفَ بِهِما)(3)ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض، وأنّ اللّه عزّ وجلّ ذكره في كتابه، وصنعه نبيّه، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبيّ وذكره اللّه تعالى في كتابه.(4)

7. اختلفت كلمة الفقهاء في وجوب استيعاب الرأس عند المسح أو كفاية البعض، فقد سأل زرارة الاِمام الباقر - عليه السّلام- عن ذلك، قال: قلت لاَبي جعفر - عليه السّلام- : ألا تخبرني من أين علمت، وقلت، إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك، فقال: يا زرارة قاله رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، ونزل به الكتاب من اللّه عزّوجلّ، لاَنّاللّه عزّوجلّ قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) ) فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن


(1)الروم:30.

(2)النساء:101.

(3)البقرة:158.

(4)تفسير البرهان: 1|410.

(328)

يُغسل، ثمّ قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرافِق) فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما، أن يُغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: (وَامْسَحُوا بِرءُوسِكُمْ) فعرفنا حين قال:(برءُوسكم) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال: (وَأَرجُلَكُمْ إلى الكَعبين) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- للناس فضيّعوه....(1)

الاِمام جعفر الصادق - عليه السّلام- و التفسير

الاِمام أبو عبد اللّه جعفر الصادق - عليه السّلام- من أبرز أئمّة المسلمين، ولد في حجر الرسالة، ونشأ في بيت النبوّة، وترعرع في ربوع الوحي، وتربّى بين جدّه زين العابدين، وأبيه الاِمام الباقر - عليه السّلام- ولد عام (83هـ)، واستشهد في خلافة المنصور عام (148). نشأ في عصر تنازعت فيه الاَهواء، واضطربت فيه الاَفكار، وتلاطمت أمواج الظلم والاِرهاب. فبينما كان القوم يتنازعون في الرئاسة، والتسنّم على عرش الخلافة، واشتعلت نيران الحرب بين الاَمويّين والعباسيّين، اغتنم - عليه السّلام- الفرصة وأعطى للاَُمّة دروساً خالدة، وغذّى تلاميذه بروح العلم والتفكير، وغرس في قلوبهم بذور المعارف الاِلهية، وشحذ أذهانهم، وأرهف طباعهم، فتخرّج من مدرسته أعلام يستضاء بأنوارهم.

وقد نقل الموَرّخون أنّه «نقل الناس عن الصادق - عليه السّلام- من العلوم ما سارت به الركبان، و انتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- العلماء ما نقل عنه، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الاَخبار، ولا نقلوا عنهم مثلما


(1)وسائل الشيعة:1|290ـ291، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(329)

نقلوا عن أبي عبد اللّه، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل»(1)وهم بين فقيه بارع، يفتي الناس في مسجد المدينة، كأبان بن تغلب(2) و مفسّر متضلّع، ومحدّث واعٍ، إلى غير ذلك، حفظ التاريخ والرجال أسماءهم وللاِمام خطوات واسعة في التفسير، وآثار خالدة جمعها بعده تلامذته، وسنشير إليها عند البحث عن مفسري الشيعة في القرون الاِسلامية. وإليك نزراً يسيراً من تفسيره، حتى يكون نموذجاً من الينبوع المتفجّر، ونمير علمه الصافي:

1. لقد كانت الزنادقة في عصر الصادق - عليه السّلام- بصدد التشكيك في العقائد، وبذر الشُّبه في الاَوساط. وممّا كان تلوكه أشداقهم هو ما سأله ابن أبي العوجاء، هشام بن الحكم فقال له: فأخبرني عن قول اللّه عزّوجلّ: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألاّتَعْدِلُوا فَواحِدَة) (3) أليس هذا فرض؟ قال هشام: بلى. وقال: فأخبرني عن قوله عزّ وجلّ: (وَلَنْ تَسْتَطيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَميلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَة) (4) فقال ابن أبي العوجاء أيّحكيم يتكلّم بهذا؟

فرحل هشام إلى المدينة، و قصد دار الاِمام الصادق - عليه السّلام- ، فقال: «يا هشام في غير وقت حجّ ولا عمرة؟» قال: نعم ـ جعلت فداك ـ لاَمر أهمّني. إنّ ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة، لم يكن عندي فيها شيء قال: وما هي؟ قال: فأخبره بالقصّة، فقال الاِمام: «فأمّا الآية الاَُولى فهي في النفقة، وأمّا الآية الثانية فإنّما


(1)إرشاد المفيد: 289،طبع إيران.

(2)لاحظ الفهرست لابن النديم: 322، ط مصر مطبعة الاستقامة؛ رجال النجاشي: 1|73 برقم 6، ط بيروت، و كلّما ننقله فهو من هذه الطبعة.

(3)النساء: 3.

(4)النساء: 129.

(330)

عنت المودّة، فإنّه لا يقدر واحد أن يعدل بين امرأتين في المودّة». فقدم هشام بالجواب وأخبره. قال ابن أبي العوجاء: واللّه ما هذا من عندك. وفي حديث آخر قال: هذا حملته من الحجاز.(1)

2. إنّ قوله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِم ألَسْتُ بِرَبِّكُمْْ قالُوا بَلى) (2)ممّا اضطرب فيه كلمات المفسّرين في تبيينها، وذهب كلّ إلى مذهب ورأي. ولكنّ الاِمام الصادق عليه السَّلام فسّرها بوجه واضح ينطبق على ظاهر الآية، فعندما سأل عبد اللّه بن سنان عن قول اللّه عزّوجلّ :(فِطْرَةَ اللّهِ الّتي فَطَرَ الناسَ عَلَيها) (3)ما تلك الفطرة؟ قال: «هي الاِسلام، فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وفيه الموَمن والكافر». وقد فسّر الاِمام آية الذرّ بآية الفطرة، و بيّن أنّه لم يكن هناك أيُّ كلام عن الاستشهاد والشهادة اللفظيّين.

وجاء في رواية أُخرى رواها أبو بصير قال: قلت لاَبي عبد اللّه - عليه السّلام- كيف أجابوا وهم ذرّ؟ قال: «جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه».(4)

وبذلك أعرب الاِمام عن مفاد الآية ، و بيّن أنّ الآيتين تهدفان إلى معنى واحد، وهو أنّكلّ إنسان في بدء تكوّنه وظهوره، ينطوي فطريّاً تكوينيّاً على السرّ الاِلهي، أعني: التوحيد، منذ أن كان موجوداً ذرّياً صغيراً في رحم أُمّه، وكأنّ أوّل خلية إنسانيّة تستقرّ في رحم الاَُمّ تنطوي على هذه الوديعة الاِلهيّة، وهي الشعور الطبيعيّ باللّه، والانجذاب إليه، وكأنّ جينات الخليّة لدى كلّ إنسان تحمل بين


(1)تفسير البرهان:1|420.

(2)الاَعراف:172.

(3)الروم: 30.

(4)تفسير البرهان: 2|47.

(331)

جوانحها هذه الخاصيّة الروحيّة، وأنّ هذه الخاصيّة تنمو و تتكامل مع تكامل الخليّة ونموّها.

وبهذا البيان أغنى الاِمام الاَُمّة عن كثير من الوجوه المذكورة في الآية التي لا تنطبق على ظاهرها، وأوضح أنّ المفاد هو كون الاِنسان مفطوراً على التوحيد.

3. كانت المرجئة من أخطر الطوائف الاِسلاميّة على شباب المسلمين، حيث ذهبوا إلى أنّ الاِيمان قول بلا عمل، ونيّة بلا فصل، وأنّه لا يزيد ولا ينقص، وبذلك أعطوا للعصاة الضوء الاَخضر حتى يقترفوا المعاصي الكبيرة، و الآثام الموبقة، من دون أن يكون لذاك تأثير على إيمانهم. وقد حذّر الاِمام في خطبه وكلمه الشيعة من هذه الطائفة، وقال: «بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة».

وعند ما سأل أبو عمرو الزبيريّ الاِمام الصادق عن الاِيمان قائلاً: هل هو عمل أو قول بلا عمل؟ يجيب الاِمام قائلاً: «الاِيمان عمل كلّه، والقول بعد ذلك العمل». ثمّ عندما يسأله هل الاِيمان يتمّ وينقص ويزيد؟ يقول الاِمام: «نعم». فقال السائل: فما الدليل على أنّه يزيد؟ فقال: «قول اللّه عزّوجلّ: (وَإِذا ما أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمّا الّذينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمّا الّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُون) (1)وقال سبحانه: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهُمْ بِالحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً) (2) فلو كان الاِيمان واحداً، لا زيادة فيه ولا نقصان، لم يكن لاَحدٍ منهم فضل على الآخر».(3)


(1)التوبة:144ـ145.

(2)الكهف:13.

(3)تفسير البرهان : 2|173ـ 175، وقد أخذنا موضع الحاجة من الحديث.

(332)

4. روى مسعدة بن صدقة، قال: قيل لاَبي عبد اللّه - عليه السّلام- : إنّ الناس يروون أنّعليّاً - عليه السّلام- قال على منبر الكوفة: أيّها الناس؛ إنّكم ستُدعَون إلى سبّي، ثمّ تُدعون إلى البراءة منّي، فلا تبرّأوا منّي، فقال الاِمام الصادق - عليه السّلام- : «ما أكثر ما يكذب الناس على عليّ - عليه السّلام- ، ثمّ قال: إنّما قال: إنّكم ستدعون إلى سبّي، فسبّوني ثمّ تدعون إلى البراءة منّي، وإنّي لعلى دين محمّد - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ولم يقل: ولا تبرّأوا منّي» فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ قال: «واللّه ما ذلك عليه، وما له إلاّ ما مضى عمار بن ياسر، حيث أكرهه أهل مكّة وقلبه مطمئن بالاِيمان، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: (إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِِيمان) ، فقال له النبيّ عندها: يا عمّار إن عادوا فعد، فقد أنزل اللّه عزّوجلّ عذرك(إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِِيمان) وآمرك أن تعود إن عادوا».(1)

ترى أنّ الاِمام يرجع الحديث إلى الآية، ويقضي بها في حقّه، وأنّه كيف لا يجوز البراءة مع أنّ عماراً، حسب الرواية، وظهور الآية، تبرّأ من النبيّ ، ولم يكن عليه شيء قال سبحانه: (إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِِيمان) ، وأئمّة الشيعة ـ مع شدّة تركيزهم على هذا الموقف، من إرجاع الاَحاديث المشكوكة إلى القرآن، فما خالف منها القرآن، يضرب عرض الجدار ـ قاموا بتطبيق هذا المبدأ عمليّاً في غير واحد من الاَحاديث التي لا يسع المقام ذكرها.

5. وقد ورد «الفقراء والمساكين» في آية الصدقات، وجعلا من الاَصناف الثمانية الذين تقسّم الزكاة بينهم. وأمّا الفرق بين الصنفين، فقد كثر البحث فيها بين الفقهاء تبعاً للمفسّرين، ولكنّ الاِمام الصادق - عليه السّلام- يفسّر الفقراء في ضوء ما يمليه الذكر الحكيم، ويقول في تفسير قوله سبحانه: (إِنَّما الصَّدقاتُ للفُقراءِ )


(1)تفسير البرهان:2|385.

(333)

وَالمَساكين وَالعامِلينَ عَلَيها وَالمُوَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفِي الرِّقابِ وَالغارِمينَ وَفي سَبيلِ اللّه ِ وابْنِالسَّبِيلِ فَريضَة مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَليمٌ حَكيمٌ) .(1)

«أخرج اللّه من الصدقات جميع الناس، إلاّهذه الثمانية الاَصناف الذي سمّاهم، والفقراء هم الذين لا يسألون الناس، وعليهم موَونات من عيالهم، والدليل على أنّهم لا يسألون قول اللّه: (للفُقراءِ الّذينَ أُحصرُوا في سَبيلِ اللّهِ لا يَستَطيعُونَ ضَرباً فِي الاََرضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أَغْنياءَمِنَ التّعفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسيماهُمْ لا يَسْأَلُونَ الناسَ إلحافاً...)(2)، والمساكين هم أهل الزمانة من العميان والعرجان والمجذومين، وجميع أصناف الزمنى من الرجال والنساء والصبيان...».(3)

والاِمام ـ كما ترى ـ يفسّر الآية بالآية، و القرآن بالقرآن، وكم له من نظير في أحاديثهم - عليهم السّلام- ؟ وهذا من أحسن الطرق، وأتقنها للتفسير، ولو قام باحث بجمع ما أُثر عنهم في ذاك المجال لجاء بكتاب.

6. قال الصادق - عليه السّلام- : «ما من شيء إلاّوله حدّينتهي إليه، إلاّالذكر فليس له منتهى إليه. فرض اللّه عزّوجلّ الفرائض، فمن أدّاهنّ فهو حدّهنّ، وشهر رمضان، فمن صامه فهو حدّه، والحجّ فمن حجّ فهو حدّه، إلاّالذكر فإنّ اللّه عزّوجلّ لم يرضَ منه بالقليل، ولم يجعل له حدّاً ينتهي إليه. قال اللّه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّهَ ذِكْراً كَثيراً) .(4)لم يجعل له حدّاً ينتهي إليه.(5)


(1)التوبة: 60.

(2)البقرة:273.

(3)تفسير البرهان: 2|134، الحديث 4.

(4)الاَحزاب:41.

(5)تفسير نور الثقلين:4|285، الحديث 147.

(334)

والروايات المأثورة عن الاِمام الصادق - عليه السّلام- في مجال التفسير كثيرة، لا يحيط بها إلاّمن صرف شطراً كبيراً من عمره في علم المأثور عنهم.

ثمّ إنّ هناك جماعة من غير الشيعة رموا الروايات المرويّة عن الباقر والصادق عليمها السَّلام في مجال التفسير بالطائفية، وأنّها تخرج الكتاب العزيز عن كونه كتاباً عالمياً، إلى كتاب طائفيّ، لا يهمّه إلاّ أهل البيت، وفي مقدّمتهم الاِمام عليّ ابن أبي طالب - عليه السّلام- ، وسيوافيك الجواب عن هذا الاعتراض، وسنثبت هناك أنّهوَلاء الناقدين لم يفرقوا بين «التفسير» و «التطبيق» و بين «التنزيل» و«التأويل»، وأنّ لاَئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- موقفين متغايرين في تبيين الذكر الحكيم. وسيوافيك توضيحه في خاتمة الفصل، فانتظر.

الاِمام موسى الكاظم - عليه السّلام- والتفسير

إنّ الاِمام الكاظم - عليه السّلام- هو الاِمام السابع عند الشيعة، و قد قام بأمر الاِمامة بإيصاء من أبيه الاِمام جعفر الصادق - عليه السّلام- وقد روى عنه لفيف من محدّثي الاَُمّة وعلمائها، وروت الشيعة عنه أحاديث كثيرة في المعارف العامّة، والتفسير والفقه والاَخلاق، وقام الباحث عزيز اللّه العطاردي بجمع ما أُثر عنه في كتاب مستقلّ أسماه مسند الاِمام الكاظم، وقد طبع ونشر في ثلاثة أجزاء، وخصّ باباً مفرداً في التفسير، ذاكراً فيه كلّما روي عنه في هذا الصعيد على ترتيب السور، ونقتطف منه ـ مع الاِشارة إلى مصادره ـ قليلاً من كثير ليكون نماذج من تفسيره.

1. روى سليمان الفرّاء عنه - عليه السّلام- في تفسير قوله تعالى: (واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) . قال: الصبر: الصوم، إذا نزلت بالرجل الشدة أو النازلة فليصم.


(335)

قال:اللّه تعالى يقول: (وَاستَعينُوا بِالصَّبرِ وَالصَّلاة) .(1)الصبر: الصوم».(2)

وهذا تفسير للآية ببعض المصاديق الخفيّة، وكم له من نظير في تفسير أئمّة أهل البيت.

2. روى محمد بن الفضل عنه - عليه السّلام- في تفسير قوله سبحانه:(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) .(3)قال: «من اجتنب ما وعد اللّه عليه النار، إذا كان موَمناً كفّر اللّه عنه سيّئاته».(4)

3. روى عمر بن إبراهيم أخو العباسي قال: سألت الاِمام الكاظم عليه السَّلام عن قول اللّه عزّوجلّ : (وَالّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتين) .(5)فقال: «تجدّد لهم النعم مع تجديد المعاصي».(6) فما أخصر كلامه وأبلغ معناه! في تبيين معنى الاستدراج.

4. روى أحمد بن عمير عن أبي الحسن الاِمام الكاظم - عليه السّلام- قال: سئل عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللّهُ عَمَلكُمْ وَرَسُولُهُ وَ المُوَْمِنُون) .(7)قال: «إنّ أعمال العباد تعرض على رسول اللّه كلّصباح أبرارها، وفجّارها فاحذروا»(8) وعلى ذلك فالمراد من «الموَمنون» طبقة خاصّة منهم، ولا يعم كلّ من يطلق عليه الموَمن، كما ورد في تفسير الشهداء في رواية الاِمام الصادق - عليه السّلام- .(9)


(1)البقرة:45.

(2)تفسير العياشي:1|43.

(3)النساء: 31.

(4)تفسير العياشي: 1|238.

(5)الاَعراف:182ـ 183.

(6)مسند الاِمام الكاظم:2|24، نقلاً عن أصل علي بن أسباط المخطوط.

(7)التوبة: 105.

(8) بصائر الدرجات: 204.

(9)لاحظ نور الثقلين:1|113 في تفسير قوله سبحانه: (وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً) (البقرة:143).

(336)

هذه نماذج من تفسير الاِمام، فمن أراد التوسّع فليرجع إلى مسند الاِمام الكاظم - عليه السّلام- .

الاِمام علي بن موسى الرضاعليمها السَّلام والتفسير

الاِمام الرضا، عالم الاَُمّة وإمامها، ولد عام (148هـ)، وقبض في صفر سنة (203هـ)، وقد انتشر عنه العلم ما لم ينتشر من غيره من الاَئمّة سوى الصادقينعليمها السَّلام ، وقد أُتيحت له الفرصة، ولم تعارضه السلطة، فناظر أحبار اليهود، و بطارقة النصارى، والمجسّمة، والمشبّهة من أصحاب الحديث، فظهر برهانه، وعلا شأنه. يقول كمال الدين بن طلحة في حقّه: نما إيمانه، وعلا شأنه، وارتفع مكانه، وظهر برهانه... فمهما عدّ من مزاياه كان - عليه السّلام- أعظم منه، ومهما فصّل من مناقبه كان أعلى رتبة منه.(1)

كان - عليه السّلام- يعيش في عصر تفتّحت فيه العقول، وانتشرت بذور الشكّ والضلال بين المسلمين عن طريق احتكاك الثقافتين الاِسلاميّة والاَجنبيّة، وانتشار تراجم الكتب اليونانيّة والهنديّة والفارسيّة، وكان جبلاً صامداً في وجه الآراء الساقطة المضادة للكتاب والسنّة، وسيوافيك بعضها:

1. روى صفوان بن يحيى قال: سألت الرضا - عليه السّلام- عن قول اللّه عزّ وجلّ لاِبراهيم: (أَوَ لَمْ تُوَْمِن قالَبَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلبِي) (2) أكان في قلبه شك؟ قال: «لا، كان على يقين، ولكنّه أراد من اللّه الزيادة في يقينه».(3)

2. روى ابن الفضيل عن الرضا - عليه السّلام- قال: سألته عن قول اللّه : (إِذا حَضَرَ )


(1)مطالب السوَول: 85.

(2)البقرة:260.

(3)المحاسن:247.

(337)

أَحَدَكُمُ المَوتُ حينَ الوَصِيَةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَو آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ).(1)قال: «اللّذان منكم مسلمان، واللّذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس، لاَنّ رسول اللّه، قال: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب، وذلك إذا مات الرجل المسلم بأرض غربة فطلب رجلين مسلمين يشهدهما على وصيّته، فلم يجد مسلمين يشهدهما فرجلين من أهل الكتاب مرضيّين عند أصحابهما».(2)

قد شاع الجبر والقدر في عصر الاِمام الرضا - عليه السّلام- ، فمن قائل بالجبر السالب للاختيار الجاعل الاِنسان مكتوف الاَيدي أمام الميول والاحاسيس، ومن قائل بالتفويض يصوّر الاِنسان خالقاً ثانياً لاَعماله، غير أنّ «شبهة الجبر» كانت أرسخ في النفوس من «شبهة التفويض»، فهلمّ معي نرى كيف يفسر الآيات التي جعلت ذريعة إلى الجبر عند الحشوية.

3. روى إبراهيم بن أبي محمود قال: سألت أبا الحسن - عليه السّلام- عن قول اللّه تعالى: (وَتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ) (3)فقال: «إنّ اللّه تعالى و تبارك لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضلال، منعهم المعاونة واللطف وخلّى بينهم و بين اختيارهم». قال وسألته عن قول اللّه عزّوجلّ:(ختَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَة)(4) قال: «الختم هو الطبع على قلوب الكفّار عقوبة على كفرهم، كما قال عزّوجلّ: (بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُوَْمِنُونَ إِلاّ قَليلاً)» (5).(6) ترى أنّه - عليه السّلام-


(1)المائدة: 106.

(2)تفسير العياشي:1|349 بتلخيص.

(3)البقرة:17.

(4)البقرة: 7.

(5)النساء: 155.

(6)عيون أخبار الرضا:1|424.

(338)

يفسّر الآية بالآية ويجتث شبهة الجبر ببيان أنّالطبع على القلوب كان عقوبة من اللّه في حقّهم لجرائم اقترفوها، ولم يكن الطبع ابتدائياً بلا مبرر، إذ كيف يطلب منهم الاِيمان ثمّ يطبع على قلوبهم ابتداء، أو ليس يصف نفسه بقوله: (وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبيدِ)(1)(2) 4. روى أبو ذكوان، قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول: كنّا في مجلس الرضا - عليه السّلام- فتذاكروا الكبائر وقول المعتزلة فيها: إنّها لا تغفر (إذا مات صاحبها بلا توبة)، فقال الرضا - عليه السّلام- : قال أبو عبد اللّه - عليه السّلام- : «قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة، قال اللّه عزّوجلّ: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) (3)(4)

وجه الاستدلال أنّ قوله: (عَلى ظُلْمِهِمْ) حال من قوله: (للنّاس) ، ومعنى الآية : أنّ غفران اللّه شامل لهم في حال كونهم ظالمين، والآية نظير قول القائل: «أودّ فلاناً على غدره وأصله على هجره»، فمن مات بلا توبة عن كبيرة فلا يحلّ لنا الحكم بأنّه لا يغفره، لاَنّ رحمة اللّه تشمل الناس في حال كونهم تائبين أو ظالمين. نعم ليس للمقترف الاعتماد على هذه الآية، لاَنّه وعدٌ مجمل كالشفاعة.

5. وروى الحسين بن بشار، قال: سألت علي بن موسى الرضا عليه السَّلام أيعلم اللّه الشيء الذي لا يكون أن لو كان كيف كان؟ قال: «إنّاللّه هو العالم بالاَشياء قبل كون الاَشياء ، وقال لاَهل النار: (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) .(5)

وقال للملائكة لما قالت: (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) ، قال: (إِنّي أَعْلَمُ)


(1)فصّلت:46.

(2)لاحظ ذيل الحديث.

(3)الرعد:6.

(4)التوحيد: 406، ولاحظ مجمع البيان:3|278.

(5)الاَنعام: 28.

(339)

ما لا تَعْلَمُون) (1)فلم يزل اللّه عزّوجلّ علمه سابقاً للاَشياء قديماً قبل أن يخلقها».(2)

6. روى الحسين بن خالد، عن الرضا - عليه السّلام- قلت له: أخبرنا عن قول اللّه : (وَالسَّماء ذاتِ الحُبُك) ، قال: «هي محبوكة إلى الاَرض، مشبكة بين أصابعه»، فقلت: كيف تكون محبوكة إلى الاَرض واللّه يقول: (رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَونَها) ؟ فقال: «سبحان اللّه أليس يقول: ( بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَونَها) ؟» قلت: بلى، قال: «فثمّ عمد، لكن لا ترونها».(3)

والاِمام يصرّح في كلامه هذا بوجود عمدٍ في السماء غير مرئية، ولعلّه يريد قانون الجاذبيّة العامّة التي كشف عنها العلم، والتفصيل موكول إلى محلّه.

7. قد شاع في عصر الاِمام الاعتقاد بالروَية التي دخلت في أوساط المسلمين من طريق الاَحبار والرهبان، واغترّ بها أكثر المحدّثين البسطاء، وربّما كانوا يستدلّون عليها بما ورد في معراج النبيّ، وأنّه وصل في معراجه إلى مكان لم يبق بينه و بين ربّه سوى قاب قوسين أو أدنى، قائلاً: بأنّالمراد من قوله: (ثُمَّ دَنا فَتَدلّى) أي دنا من اللّه ومقامه الكائن فيه، ولكنّ الرضا - عليه السّلام- يواجه هذه الفكرة بالنقد الحاسم، والردّالعنيف، وإليك القصة: دخل أبو قرّة المحدّث على أبي الحسن الرضا فقال: إنّا روينا أنّ اللّه قسّم الروَية والكلام بين نبيّين، فقسم الكلام لموسى و لمحمّد الروَية؟! فقال أبو الحسن - عليه السّلام- : «فمن المبلّغ عن اللّه إلى الثقلين من الجن والاِنس، (لا تُدْرِكُهُ الاََبْصار) و(وَلا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً) و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء) ثمّ أليس محمّد؟» قال: بلى. قال: « كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه وانّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه فيقول: (لا )


(1)البقرة:30.

(2)عيون أخبار الرضا:1|118.

(3)تفسير علي بن إبراهيم: 646.

(340)

تُدْرِكُهُ الاََبْصارُ ) و(وَلا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً) و (لَيْسَكَمِثْلِهِ شَيء) ثمّ يقول: انا رأيته بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر؟! أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتي من عند اللّه بشيء، ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر». قال أبو قرّة: فانّه يقول: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخرى) فقال أبو الحسن عليه السَّلام : «إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال: (ما كَذب الفُوَاد ما رأى) يقول: ما كذب فوَاده ما رأت عيناه، ثمّ أخبر بما رأى، فقال: لقد رأى من آيات ربّه الكبرى، فآيات اللّه غير اللّه، وقد قال: (وَلا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً) ، فإذا رأته الاَبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة»، فقال أبو قرّة: فتكذب بالروايات؟ فقال أبو الحسن: «إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علماً، ولا تدركه الاَبصار، وليس كمثله شيء».(1)

الاِمام محمد الجواد - عليه السّلام- والتفسير

الاِمام أبو جعفر محمد الجواد من أئمّة أهل البيت، وهو تاسع الاَئمّة عند الشيعة، ولد عام (195هـ)(2)ورث الشرف من آبائه وأجداده، واستسقت عروقه من منبع النبوّة، ورضعت شجرته ثدي الرسالة، وتهدّلت أغصانه ثمر الاِمامة. قام بأمر الولاية، بعد شهادة والده الرضا - عليه السّلام- عام (203هـ)، واستشهد هو مثل الوالد ببغداد عام (220هـ) أدرك خلافة المأمون، وأوائل خلافة المعتصم. روى عنه لفيف من المحدّثين والفقهاء، يربو عددهم على (121)(3)، وروى عنه في مجال


(1)تفسير البرهان: 4|248.

(2)تاريخ بغداد:3|55؛ وابن خلكان في وفيات الاَعيان:3|315.

(3)مسند الاِمام محمد الجواد العطاردي، وقد خصّ باباً للرواة عن الاِمام - عليه السّلام- .

(341)

الفقه، والدعاء، والتفسير روايات وافرة نذكر نماذج ممّا روي عنه في مجال التفسير.

1. روي العياشي، ،قال: رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم، وهو يروي هذه القصّة:

إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّعليه، فسأل الفقهاء عن موضع القطع، فمن قائل: يجب قطعه من الكرسوع، لاَنّ اليد هي الاَصابع والكف إلى الكرسوع لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأيْدِيَكُمْ منْه)(1) إلى آخر يقول: يجب القطع من المرفق، لاَنّ اللّه قال: (وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرافِق)(2) فدلّ على أنّحدّاليد هو المرفق، و لمّا رأى المعتصم اختلافهم التفت إلى «محمد بن علي» فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: «قد تكلّم القوم فيه». قال: دعني ممّا تكلّموا به. أي شيء عندك؟ قال:« أعفني عن هذا، يا أمير الموَمنين!» قال: أقسمت عليك باللّه لما أخبرت بما عندك فيه. فقال: «أمّا إذا أقسمت عليّ باللّه إنّي أقول: إنّهم أخطأوا فيه السنّة، فانّ القطع يجب أن يكون من مفصل أُصول الاَصابع، فيترك الكفّ». قال: وما الحجّة في ذلك؟ قال: «قول رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : السجود على سبعة أعضاء: الوجه،واليدين، والركبتين،والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق، لم يبق له يد يسجد عليها، وقال تعالى: (وأنَّ المساجِدَ للّهِ) يعني به هذه الاَعضاء السبعة التي يسجد عليها (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحداً)(3) وما كان للّه لم يقطع». فأعجب المعتصم ذلك، وأمر بقطع يد السارق من مفصل الاَصابع دون الكف، قال ابن أبي داود: قامت قيامتي وتمنّيت أنّي لم أك حياً.(4)


(1)المائدة:6.

(2)المائدة:6.

(3)الجن:18.

(4)تفسير العياشي:1|319ـ 320.

(342)

وقد نقل ما ذكره الاِمام، عن سعيد بن جبير، والفرّاء، والزجّاج، وأنّ المراد من المساجد الاَعضاء السبعة التي يسجد عليها في الصلاة، وعلى هذا فالمراد أنّ مواقع السجود من الاِنسان للّه، اختصاصاً تشريعيّاً، والمراد من الدعاء السجدة لكونها أظهر مصاديق العبادة، أو المراد الصلاة بما أنّها تتضمّن السجود للّه.(1)

وروى حماد بن عيسى، عن الاِمام الصادق - عليه السّلام- في حديث: وسجد الاِمام على ثمانية أعظم: الكفين، والركبتين، وإبهامي الرجلين، والجبهة والاَنف، وقال: «سبعة منها فرض يسجد عليها، وهي التي ذكرها اللّه في كتابه فقال: (وَانَّ المَساجِدَ للّهِ فَلا تَدعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً) ، وهي: الجبهة، والكفّان، والركبتان، والاِبهامان، ووضع الاَنف على الاَرض سنّة».(2)

2. عن محمد بن سعيدالاَزدي صاحب موسيبن محمدالرضا عن موسى قال لاَخيه كتب يحيى بن أكثم المروزي إليه يسأله عن مسائل، وقال: أخبرني عن قول اللّه : (وَرَفَعَ أَبَويهِ عَلى العرشِوَخَرُّوا لَهُ سُجّداً) أسجد يعقوب وولده ليوسف؟ قال: «فسألت أخي عن ذلك، فقال: أمّا سجود يعقوب وولده ليوسف فشكراً للّه، لاجتماع شملهم، ألا ترى أنّه يقول في شكر ذلك الوقت: (رَبّ قد آتَيْتَني مِنَ المُلْكِ وَعَلّمتني من تَأَويل الاََحاديث)» .(3)

3. سأل عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني محمد بن علي الرضا - عليه السّلام- عن قولاللّه عزّوجلّ: (أَولى لَكَ فَأَولى* ثُمَّ أَولى لَكَ فَأَولى)(4) فقال: «يقول اللّه عزّوجلّ: بعداً لك من خير الدنيا بعداً، وبعداً لك من خير الآخرة».(5)


(1)الميزان: 20|125.

(2)تفسير البرهان:4|394.

(3)تفسير العياشي:2|197.

(4)القيامة:34ـ 35.

(5)عيون أخبار الرضا:2|54.

(343)

لا ريب أنّها كلمة تهديد كرّرت لتأكيد التهديد، وقد جاء قبل الآية قوله: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى *وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى* ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى) .(1)

فاللائق بهذا الاِنسان الذي لم يصدق ولم يصل، ولكن كذب وتولى، ثمّ ذهب إلى أهله يتمطّى متبختراً مختالاً، هو البعد عن غفران اللّه سبحانه ورحمته، وخيره في الدنيا والآخرة، ونظير الآية قوله سبحانه: (رَأَيتَ الّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ِ فَأَولى لَهُمْ)(2)، أي هذه الحالة أولى لكم لتذوقوا وبال أمركم في الدنيا والآخرة، وفي مورد الآية المعنى الابتدائي، هو أنّهذه الحالة أولى له، لاَنّه لا يستحق إلاّإيّاها ليذوق وبال أمره وليبتعد من خير الدنيا والآخرة، ففسّر الآية بما هو المقصود من كون هذه الحالة أولى له.

4. روى علي بن أسباط، قال: قلت لاَبي جعفر محمد الجواد: يا سيدي إنّ الناس ينكرون عليك حداثة سنّك (ونيلك مقام الاِمامة والقيادة الروحية)، قال: «وما ينكرون من ذلك. فواللّه لقد قال اللّه لنبيّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : (قُلْهذِهِ سَبيلي أَدْعُوا إِلَى اللّهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي...)(3) وما أتبعه غير علي، وكان ابن تسع سنين وأنا ابن تسع سنين».

والآية مكّية تنطبق على ما يذكره الاِمام حيث إنّ الاَوّل من آمن بمحمّد من الرجال هو عليّبن أبي طالب - عليه السّلام- .

هذه نماذج ممّا روي عن الاِمام التاسع محمد الجواد - عليه السّلام- في مجال التفسير، ومن أراد التوسّع فليرجع إلى مسنده وسائر الكتب الحديثيّة التي تضمّنت أخباره - عليه السّلام- .


(1)القيامة:31ـ 33.

(2)محمّد: 20.

(3)يوسف: 108.


(344)

الاِمام علي الهادي - عليه السّلام- والتفسير

الاِمام علي الهادي - عليه السّلام- ، الاِمام العاشر، والنور الزاهر، ولد عام (212هـ) و توفي بسامراء سنة (254هـ) وهو من بيت الرسالة، والاِمامة، ومقر الوصاية، والخلافة، وثمرة من شجرة الرسالة، قام بأمر الاِمامة بعد والده الاِمام الجواد، وكان في سني إمامته، بقية ملك المعتصم ثمّ الواثق والمتوكّل والمنتصر والمستعين والمعتزّ، وله مع هوَلاء قضايا ليس المقام يسع ذكر البعض، وقد روت الشيعة عنه أحاديث في مجال الفقه والتفسير، وإليك نماذج ممّا روي عنه في الاَخير:

1. قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فأسلم فقال يحيى بن أكثم: الاِيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكّل إلى الاِمام الهادي يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت»، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم(فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحدَهُ وَكَفَرنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكين* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللّهِ الّتي قَدْخَلَتْ في عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُون) (1) فأمر به المتوكّل فضرب حتى مات.(2)

إنّ الاِمام الهادي - عليه السّلام- ببيانه هذا شقّ طريقاً خاصّاً لاستنباط الاَحكام من الذكر الحكيم، طريقاً لم يكن يحلم به فقهاء عصره، وكانوا يزعمون أنّ مصادر الاَحكام الشرعيّة هي الآيات الواضحة في مجال الفقه التي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، وبذلك أبان للقرآن وجهاً خاصاً لا يلتفت إليه إلاّمن نزل القرآن في بيته،وليس


(1)غافر:84ـ 85.

(2)مناقب آل أبي طالب:4|405.

(345)

هذا الحديث غريباً في مورده، بل له نظائر في كلمات الاِمام وغيره من آبائه وأبنائه - عليهم السّلام- .

2. لما سمّ المتوكّل نذر للّه إن رزقه اللّه العافية أن يتصدّق بمال كثير، أو بدراهم كثيرة، فلمّا عوفي اختلف الفقهاء في مفهوم «المال الكثير»، فلم يجد المتوكّل عندهم فرجاً، فبعث إلى الاِمام علي الهادي - عليه السّلام- فسأله، قال: «يتصدّق بثلاثة وثمانين ديناراً»، فقال المتوكّل، من أين لك هذا؟ فقال: من قوله تعالى: (لَقَدَ نَصَرَكُمُ اللّه في مَواطِنَ كَثيرة...) (1) والمواطن الكثيرة: هي هذه الجملة، وذلك لاَنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- غزا سبعاً وعشرين غزاة، وبعث خمساً وخمسين سرّية، وآخر غزواته يوم حنين»،وعجب المتوكّل والفقهاء من هذا الجواب.(2)وقد ورد عن طريق آخر أنّه قال: بثمانين مكان«ثلاثة وثمانين»، وذلك لاَنّ عدد المواطن التي نصر اللّه المسلمين فيها إلى يوم نزول هذه الآية كان أقلّمن ثلاثة وثمانين.(3)

3. إنّ للاِمام الهادي - عليه السّلام- رسالة في الردّ على الجبر والتفويض، وإثبات المنزلة بين المنزلتين، فقد استعان في إبطال المذهبين الذين كان يدين بهما أهل الحديث، والمعتزلة بكثير من الآيات على شكل بديع، ولاَجل إيقاف القارىَ على نماذج من إحاطته بالآيات ونضدها بشكل يوصل الجميع إلى الغاية المطلوبة، نقتبس منها ما يلي:

فأمّا الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ، فهو قول من زعم أنّ اللّه ـ جلّوعزّ ـ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، و من قال بهذا القول، فقد ظلم اللّه في حكمه وكذّبه ورّد عليه قوله: (...ولا يَظْلِمُرَبُّكَ أَحداً) (4) وقوله: (إِنَّ اللّهَلا )


(1)التوبة:25.

(2)تذكرة الخواص: 202.

(3)مناقب آل أبي طالب: 4|402.

(4)الكهف:49.

(346)

يَظْلِمُ النّاسَ شَيئاً وَلكنَّ الناسَ أَنفسَهُمْ يَظْلِمُون) .(1)

فمن دان بالجبر، أو بما يدعو إلى الجبر فقد ظلم اللّه ونسبه إلى الجور والعدوان، إذ أوجب على من أجبره العقوبة، و من زعم أنّ اللّه أجبر العباد، فقد أوجب على قياس قوله: إنّاللّه يدفع عنهم العقوبة(أي لازم القول بالجبر أنّاللّه لا يعذّب العصاة، لاَنّه دفعهم إلى المعاصي)، ومن زعم أنّ اللّه يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذب اللّه في وعيده، حيث يقول:(بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطيئتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُون) .(2)

وقوله: (إِنَّ الّذينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ اليَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأَكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ناراً وَسيصلَوْنَ سَعيراً) (3)وقوله: (إِنَّ الّذينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَنُصْلِيهِمْ ناراً كُلّما نَضِجَت جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيرها لِيَذُوقُوا العَذابَ إِنَّ اللّهَ كانَ عَزيزاً حَكيماً) (4)، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا الفن ممّن كذب وعيد الله ويلزمه في تكذيبه آية من كتاب اللّه، الكفر، وهو ممّن قال اللّه [في حقّه]: (أَفَتُوَْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّخِزيٌ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيَومَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ العَذابِ وَما اللّهُ بِغافِلٍعَمّا تَعْمَلُون).(5)

بل نقول إنّ اللّه عزّوجلّ يجازي العباد على أعمالهم ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملّكهم إيّاها، فأمرهم ونهاهم بذلك ونطق كتابه: (مَنْ جاءَبِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيئَةِ فَلا يُجزى إِلاّمِثْلها وَهُمْ لا يُظْلَمُون) (6). وقال جلّذكره : (يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَتْمِنْخَيرٍ مُحضَراً وَما)


(1)يونس:44.

(2)البقرة:81.

(3)النساء:10.

(4)النساء:56.

(5)البقرة: 85.

(6)الاَنعام:160.

(347)

عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَو أَنَّ بَيْنها وَبينَهُ أَمَداً بَعيداً وَيُحذِّركُمُ اللّهُ نَفسَهُ) (1) وقال: (اليومَ تُجزى كُلُّ نَفسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلمَ اليومَ)(2) فهذه آيات محكمات تنفي الجبر، ومثلها في القرآن كثير. ثمّ شرع في إبطال التفويض وأبان خطأ من دان به وتقلده.

ولنقتصر على هذا المقدار، وفيه كفاية، وما جاء في هذه الرواية من التفسير نمط بديع، وهو ما نسمّيه اليوم بالتفسير الموضوعي، وقد أتى الاِمام - عليه السّلام- في رسالته بأكثر الآيات التي ربّما تقع ذريعة للمجبّرة والمفوّضة، وأبان تفسيرهما بإرجاع المتشابهات إلى المحكمات، كما أثبت أنّ الحقيقة هو المنزلة بين الجبر والتفويض، فمن أراد التوسّع فليرجع إلى نفس الرسالة التي نقلها الحسن بن شعبة الحرّاني في كتابه.(3)

الاِمام العسكري - عليه السّلام- والتفسير

أبو محمّد الحسن بن علي أحد أئمّة أهل البيت، و الاِمام الحادي عشر عند الشيعة الملقّب بالعسكري، ولد عام (232هـ).(4)وقال الخطيب في تاريخه وابن الجوزي في كتابه: ولد أبو محمد في المدينة سنة (231هـ)(5) وأشخص بشخوص والده إلى العراق سنة (236) وله من العمر أربع سنين وعدّة شهور، وقام بأمر الاِمامة والقيادةالروحية بعد شهادة والده، وقد اجتمعت فيه خصال الفضل، وبرز


(1)آل عمران:30.

(2)غافر:17.

(3)تحف العقول: 338ـ 352.

(4)الكافي: 1|503.

(5)تاريخ بغداد:7|366 ؛ تذكرة الخواص: 362.

(348)

تقدّمه على كافة أهل العصر، واشتهر بكمال العقل والعلم والزهد والشجاعة. روى عنه لفيف من الفقهاء والمحدثين ما يربو على (150) شخصاً، وقد أدرج «العطاردي» أسماءهم في مسند الاِمام العسكري وتوفّي عام (260هـ)، ودفن في داره التي دفن فيها أبوه بسامراء، وللاِمام روايات تلقّاها الرواة في مجال العقائد والفقه والتفسير، نذكر نزراً يسيراً لتعلم مكانته في التفسير:

1. لقد شغلت الحروف المقطّعة بال المفسرين فضربوا يميناً ويساراً، وقد أنهى الرازي أقوالهم فيها في أوائل تفسيره الكبير إلى قرابة عشرين قولاً، ولكن الاِمام - عليه السّلام- يعالج تلك المعضلة بأحسن الوجوه وأقربها للطبع، فقال: كذبت قريش واليهود بالقرآن، وقالوا سحر مبين تقوّله.

فقال اللّه: (الم* ذلِكَ الكِتاب) .[فقل:] يا محمّد، هذا الكتاب الذي نزّلناه عليك هو الحروف المقطّعة التي منها«الف»، «لام»، «ميم»، وهو بلغتكم وحروف هجائكم فأتوا بمثله إن كنتم صادقين،واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن انّهم لا يقدرون عليه بقوله: (قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِِنْسُ وَالجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثلِ هذا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَو كانَ بَعضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً)(1).(2)وقد روي هذا المعنى عن أبيه الاِمام الهادي - عليه السّلام- .(3)

2. كان أهل الشغب والجدل يلقون حبال الشكّ في طريق المسلمين فيقولون: إنّكم تقولون في صلواتكم:(إِهْدِنا الصِّراط المُسْتَقيم) ، أو لستم فيه؟ فما معنى هذه الدعوة؟ أو أنّكم متنكّبون عنه فتدعون ليهديكم إليه؟ ففسّر الاِمام


(1)الاِسراء:88.

(2)معاني الاَخبار: 24، وللحديث ذيل فمن أراد فليرجع إلى الكتاب.

(3)الكافي: 1|24ـ25، كتاب العقل والجهل، الحديث 20.

(349)

الآية قاطعاً لشغبهم فقال: «ادم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيّامنا حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمالنا».

ثمّ فسّر الصراط بقوله: «الصراط المستقيم هو صراطان: صراط في الدنيا، وصراط في الآخرة. أمّا الاَوّل: فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل. وأمّا الطريق الآخر: فهو طريق الموَمنين إلى الجنّة الذي هو مستقيم، لايعدلون عن الجنّة إلى النار ولا إلى غير النار سوى الجنة».(1)

وقد استفحل أمر الغلاة في عصر الاِمام العسكري، ونسبوا إلى الاَئمّة الهداة أُموراً هم عنها براء، ولاَجل ذلك يركز الاِمام على أنّ الصراط المستقيم لكلّ مسلم هو التجنّب عن الغلوّ والتقصير.

3. ربّما يغترّ الغافل بظاهر قوله سبحانه: (صِراطَ الّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ...) ) ويتصوّر أنّ المراد من النعمة هو المال والاَولاد وصحّة البدن، وإن كان كلّهذا نعمة من اللّه، ولكنّ المراد من الآية بقرينة قوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالّينَ) هو نعمة التوفيق والهداية.

ولاَجل ذلك نرى أنّ الاِمام يفسّر الاَنعام بقوله: «قولوا:إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك وهم الذين قال اللّه عزّوجلّ: (وَمَنْ يُطِعِ اللّه وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ والصِّديقينَ وَالشُّهداء وَالصّالِحين وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً) ، ثمّ قال: ليس هوَلاء المنعم عليهم بالمال وصحّة البدن، وإن كان كلّهذا نعمة من اللّه ظاهرة».(2)

4. لقد تفشت فكرة عدم علمه سبحانه بالاَشياء قبل أن تُخلق استلهاماً من


(1) معاني الاَخبار:33.

(2)معاني الاَخبار: 36.

(350)

بعض المدارس الفكرية الفلسفيّة الموروثة من اليونان، فسأله محمّد بن صالح عن قول اللّه: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُوَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ) (1)فقال: هل يمحو إلاّما كان، وهل يثبت إلاّ ما لم يكن؟ فقلت في نفسي: هذا خلاف ما يقوله هشام الفوطي. انّه لا يعلم الشيء حتى يكون، فنظر إليّ شَزَراً، وقال: «تعالى اللّه الجبّار العالم بالشيء قبل كونه، الخالق إذ لا مخلوق، والربّ إذ لا مربوب، والقادر قبل المقدور عليه.(2)

حصيلة البحث

هوَلاء هم أئمّة الشيعة وقادتهم، بل أئمّة المسلمين جميعاً، وكيف لا يكونون كذلك، وقد ترك رسول اللّه بعد رحلته الثقلين وحثّ الاَُمّة على التمسّك بهما، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً».(3)

ولكن الموَسف أنّ أهل السنّة والجماعة لم يعتمدوا في تفسير كتاب اللّه العزيز على أقوال أهل البيت، وهم قرناء القرآن وأعداله والثقل الآخر من الثقلين، وإنّما استعانوا في تفسيره بأُناس لا يبلغون شأوهم و لا يشقّون غبارهم، نظراء :مجاهد بن جبر(المتوفّى104هـ) وعكرمة البربري (المتوفّى104هـ) وطاووس بن كيسان اليماني(المتوفّى106هـ) وعطاء بن أبي رباح(المتوفّى114هـ) ومحمد بن كعب القرظي (المتوفّى118هـ)، إلى غير ذلك من أُناس لا يبلغون في الوثاقة والمكانة


(1)الرعد:39.

(2)إثبات الوصية: 241.

(3) رواه غير واحد من أصحاب الصحاح والمسانيد وهو من الاَحاديث المتواترة،(لاحظ نشرة دار التقريب بين المذاهب الاِسلامية. حول هذا الحديث، ترى اسنادها موصولة إلى النبيّالاَكرم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ).

(351)

العلمية معشار ما عليه أئمّة أهل البيت صلوات اللّه عليهم....

وقد بلغت إحاطة أئمّة أهل البيت بالكتاب العزيز إلى حدّ يقول الاِمام الباقر - عليه السّلام- : «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاَُمّة إلى يوم القيامة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله، وجعل لكلّ شيء حداً وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه».(1) ويقول الاِمام الصادق - عليه السّلام- : «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّوله أصل في كتاب اللّه عزّوجلّ ولكنّ لا تبلغه عقول الرجال».(2)

أسنادهم موصولة إلى النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم-

إنّ أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام- لا يروون في مجال الفقه والتفسير والاَخلاق والدعاء، إلاّما وصل إليهم عن النبيّ الاَكرم عن طريق آبائهم وأجدادهم، وليس مرويّاتهم آراءهم الشخصيّة التي تنبع من عقليّتهم، فمن قال بذلك وتصوّرهم مجتهدين مستنبطين، فقد قاسهم بالآخرين ممّن يعتمدون على آرائهم الشخصيّة، وهو في قياسه خاطىَ فهم منذ نعومة أظفارهم إلى أن لبّوا دعوة ربّهم لم يختلفوا إلى أندية الدروس، ولم يحضروا مجلس أحد من العلماء، ولا تعلّموا شيئاً من غير آبائهم، فما يذكرونه علوم ورثوها من رسول اللّه وراثة غيبيّة لا يعلم كنهه إلاّ اللّه سبحانه والراسخون في العلم.

وهذا جابر الجعفي، قال: قلت لاَبي جعفر الباقر - عليه السّلام- : إذا حدثتني بحديث فاسنده لي، فقال: «حدّثني أبي عن جدّي، عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- عن جبرئيل عن اللّه تبارك و تعالى فكلّ ما أُحدثك بهذا الاسناد، ثمّ قال: «لحديث واحد


(1)الكافي: 1|48 من كتاب فضل الاَئمة.

(2)المصدر نفسه.

(352)

تأخذه من صادق عن صادق خير لك من الدنيا وما فيها».(1)

وروى حفص بن البختري. قال: قلت لاَبي عبد اللّه الصادق - عليه السّلام- أسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من أبيك؟ فقال: «ما سمعته منّي فاروه عن أبي، وما سمعته منّي فاروه عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ».(2)

فأئمّة المسلمين على حدّ قول القائل:

ووال أُنـاســا نقلهـم و حديثهـم * روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري

ولقد عاتب الاِمام الباقر - عليه السّلام- سلمة بن كهيل و الحكم بن عيينة حيث كانا يتعاطيان الحديث من الناس، ولا يهتمّان بأحاديث أهل البيت، فقال لهما:« شرّقا وغرّبا، فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت».

تلك ـ واللّه ـ خسارة فادحة، حيث إنّ جماعة من المحدّثين والفقهاء والمفسّرين دقّوا كلّ باب ولم يدقّوا باب أهل البيت إلاّشيئاً لا يذكر ففسّروا كتاب اللّه بآرائهم وأفتوا في المسائل الشرعية بالمقاييس الظنية التي ليس عليها مسحة من الحقّ، ولا لمسة من الصدق حتى حشوا تفاسيرهم بإسرائيليّات ومسيحيّات بثّها مسلمة أهل الكتاب ككعب الاَحبار ووهب بن منبه وتميم الداري وأضرابهم بين المسلمين، وأخذها عنهم المحدّثون والرواة والمفسّرون في القرون الاَُولى، زاعمين أنّها علوم ناجعة وقضايا صادقة، فيها شفاء العليل، ورواء الغليل والحال أنّك إذ فتّشت التفاسير الموَلّفة في القرون الغابرة لا تجد تفسيراً علمياً أو روائياً من أهل السنّة إلاّوهو طافح بآرائهم الشخصية وأقوالهم التي لا قيمة لها في سوق العلم، وقد استفحل أمر هوَلاء الرواة حتى اغترّ بهم بعض المفسّرين من الشيعة، فذكروا


(1)وسائل الشيعة:18، الباب8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 67.

(2)المصدر نفسه، الحديث 86.

(353)

جملة منالاِسرائيليات في ثنايا تفاسيرهم، وما ذلك إلاّ لاَنّ تلك الاَفكار كانت رائجة إلى حدّ كان يعدّ الجهل بها، وعدم نقلها قصوراً في التفسير وقلّة اطلاع فيه، ولاَجل ذلك لم يجد شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي بداً من نقل آراء هوَلاء في تفسيره «التبيان»، وتبعه أمين الاِسلام في تفسير «مجمع البيان»، ولكن لم يكن ذكرهم لآراء هوَلاء لاَجل الاعتماد عليهم والركون إليهم، وإنّما ألجأتهم إليه الضرورة الزمنيّة والسياسة العلمية السائدة على الاَوساط آنذاك.

إذا وقفت على أئمّة التفسير وأساتذته، فهلمّ معي ندرس حياة شيعتهم ممّن خدموا القرآن في عصرهم، وبعدهم وهم الذين تربّوا في حجورهم، وارتووا من نمير علمهم الصافي، وتمسّكوا بأهداب معارفهم، وقد خدموا القرآن بمختلف أشكال الخدمة، نشير إليها على وجه الاِجمال، ونحيل التفصيل إلى آونة أُخرى.

1. الشيعة وتفسير غريب القرآن

ارتحل النبيّ الاَكرم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، ،فعكف المسلمون على دراسة القرآن، ولكن أوّل ما فوجئوا به كان هو قصور باع لفيف منهم عن معرفة معاني بعض ألفاظه، فما هذا إلاّ لاَنّ في القرآن ما قد ورد بغير لغة أهل الحجاز. انّ القرآن وإن نزل بلغة أهل الحجاز بشكل عام، لكن ربّما وردت فيه ألفاظ ذائعة بين القبائل الاَُخرى، وقد عقد السيوطي باباً فيما ورد في القرآن بغير لغة أهل الحجاز(1)، وأظنّ أنّه قد أفرط في هذا الباب، ولكنّه لا يمكن إنكار هذا الأصل في القرآن الكريم من أساسه، وممّا يشهد بذلك (مفاجأة المسلمين بغريب القرآن) ما رواه القرطبي في تفسيره فقال:


(1)الاِتقان:2|69ـ 104.

(354)

عن عمر أنّه قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى:(أَوْ يَأخُذَهُمْ عَلى تَخوّفٍ)(1) فسكتوا، فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا. التخوّف :التنقص، قال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم. قال: شاعرنا ـ زهير ـ أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقّص السير سنامها بعد تمكِه واكتنازه:

تَخَوَّفَ الرحلُ مِنها تامكاً قَرداً * كَما تخوّفَ عُود النبعة السفن(2)

فقال عمر: أيّها الناس عليكم بديوانكم لا يضلّ، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فانّ فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم.

روى أبو الصلت الثقفي أنّ عمر بن الخطاب: قرأ قول اللّه: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلّهُ يَجْعَل صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً) (3)بنصب الراء وقرأها بعض من عنده من أصحاب رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بخفض الراء، فقال: أبغوني رجلاً من كنانة، و اجعلوه راعياً وليكن مدلجياً، فأتوه به، فقال له عمر:يا فتى! ما الحرجة فيكم؟ فقال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الاَشجار الّتي لا تصل إليها راعية ولا وحشيّة ولا شيء، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.(4)

روى عبد اللّه بن عمر قال: قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية: (ما جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) ، ثمّ قال: ادعوا لي رجلاً من بني مدلج، قال عمر: ما الحرج فيكم؟ قال: الضيق.(5)

وكم لهذه القصص من نظائر في التاريخ، وهذا هو نافع بن الاَزرق، لمّا رأى


(1)النحل: 47.

(2)التفسير (للقرطبي):10|110، تَمَكَ السنام: طال وارتفع، القرد: المتراكم بعض لحمه فوق بعض، النبعة: شجرة من أشجار الجبال، يتخذ منها القسي، السفن: القشر.

(3)الاَنعام: 125.

(4)الدر المنثور:3|45.

(5)كنز العمال:1|257.

(355)

عبد اللّه بن عباس جالساً بفناء الكعبة، وقد اكتنفه الناس ويسألونه عن تفسير القرآن، فقال لنجدة بن عويمر(1)الحروري: قم بنا إلى هذا الذي يجترىَ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنّا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب اللّه فتفسّرها لنا وتأتينا بمصادقة من كلام العرب، فانّ اللّه تعالى أنزل القرآن بلسانٍ عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عمّا بدا لكم ، فقال نافع: أخبرني عن قول اللّه تعالى: (عَنِ الْيَمينِ وَعَنِ الشِّمال عِزين) (2)قال: العزون: الحلَق الرقاق، فقال: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عبيد بن الاَبرص وهو يقول:

فجاءُوا يُهْرَعُونَ إليـه حتى * يكونُوا حولَ منبِرْهَ عِزينا

ثمّ سألاه عن أشياء كثيرة عن لغات القرآن الغريبة ففسّرها مستشهداً بالشعر الجاهلي، ربّما تبلغ الاَسئلة والاَجوبة إلى مائتين، ولو صحّت تلك الرواية لدلّت قبل كلّ شيء على نبوغ ابن عباس في الاَدب العربي، وإلمامه بشعر العرب الجاهلي حيث استشهد على كلّ لغة فسّرها بشعر منهم، وقد جاءت الاَسئلة والاَجوبة في الاتقان.(3)

وهذه الاَحاديث والاَخبار تعرب عن أنّ الخطوة الاَُولى لتفسير القرآن الكريم كانت تفسير غريبه وتبيين ألفاظه التي ربّما تشكل على البعض، ولعلّ ذلك كان الحافز القوي للفيف من جهابذة الاَُمّة، حيث استثمروا تلك الخطوة وبلغوا الغاية فيه من غير فرق بين السنّة والشيعة، ونحن نذكر في هذا المجال ما ألّفه علماء الشيعة وأُدباوَهم بعد ابن عباس، ونكتفي من الكثير بمشاهيرهم الذين كان لهم دوي في الاَوساط اللغوية والاَدبية، ونترك من لم يكن له ذلك الشأن، فليكن ذلك


(1)الرجلان من روَوس الخوارج، توفي نافع عام (65هـ) وتوفي نجدة عام (69هـ).

(2)المعارج:37.

(3)الاِتقان:2|55ـ88.

(356)

عذراً لمن يقف على موَلّفات لهم في غريب القرآن، ولم نذكرها في تلك القائمة.

1. غريب القرآن، لاَبان بن تغلب بن رباح البكري(المتوفّى141هـ) من أصحاب علي بن الحسين والباقر والصادق - عليهم السّلام- ، وكانت له منزلة عندهم، وقد نصّبه أبو جعفر الباقر - عليه السّلام- للافتاء، وقال: «اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فانّي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك»، وقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام- لمّا أتاه نعيه: «واللّه أوجع قلبي موت أبان». وقال النجاشي: عظيم المنزلة في أصحابنا، وكان قارئاً من وجوه القرّاء فقيهاً لغوياً، سمع من العرب وحكى عنهم، وكان أبان رحمه اللّه مقدّماً في كلّ فن من العلم، في القرآن والفقه والحديث والاَدب واللغة والنحو. وله كتب منها تفسير غريب القرآن وكتاب الفضائل، ولاَبان قراءة مفردة مشهورة عند القرّاء. مات أبان في حياة الاِمام الصادق سنة (141هـ).(1)

2. غريب القرآن : لمحمد بن السائب الكلبي(المتوفّى 146هـ)وهو من أصحاب الاِمام الصادق - عليه السّلام- ووالد هشام بن محمد بن السائب الكلبي العالم المشهور والنسّابة المعروف.(2)

3. غريب القرآن : لاَبي روق(3)عطيّة بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي. قال ابن عقدة: كان ممّن يقول بولاية أهل البيت - عليهم السّلام- .(4)


(1)رجال النجاشي: 1|73 برقم 6؛ بغية الوعاة:76؛ تهذيب التهذيب:1|93؛ الطبقات الكبرى:6|36؛ ميزان الاعتدال:1|5 وغيرهم من أصحاب المعاجم.

(2)رجال النجاشي:1|78؛ تنقيح المقال: 3|119.

(3)كذا في رجال النجاشي، وفي فهرست الشيخ «أبي ورق»، والصحيح هو الاَوّل ذكره ابن النديم أيضاً: ص 57.

(4)رجال النجاشي: 1|78؛ الطبقات الكبرى:6|368؛ خلاصة الاَقوال:131؛ معجم الاَُدباء:1|107 برقم 2.

(357)

4. غريب القرآن : لعبد الرحمن بن محمد الاَزدي الكوفي، جمعه من كتاب أبان و محمد بن السائب الكلبي، وأبي روق عطية بن الحارث، فجعله كتاباً واحداً

فبيّن ما اختلفوا فيه وما اتّفقوا عليه، فتارة يجيء كتاب أبان مفرداً، وتارة يجيء مشتركاً.(1)

ويظهر من سند الشيخ الطوسي إليه في الفهرست أنّه ممّن صحب أبان بن تغلب، وينقل عنه ابن عقدة المتوفّى عام (333هـ) بواسطة حفيده (أبو أحمد بن الحسين بن عبد الرحمن الاَزدي)، فالرجل من علماء القرن الثاني.

5. غريب القرآن : للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد الطبري الآملي الوزير الشيعي المتوفّى عام (313هـ).(2)

6. غريب القرآن: للشيخ أبي الحسن علي بن محمد العدوي الشمشاطي النحوي المعاصر لابن النديم الذي ألّف فهرسته عام (377هـ). قال النجاشي: «كان شيخنا بالجزيرة، وفاضل أهل زمانه وأديبهم، له كتب كثيرة منها كتاب «الاَنوار والثمار». قال لي سلامة بن ذكاء: إنّ هذا الكتاب ألفان وخمسمائة ورقة يشتمل على ذكر ما قيل في الاَنوار والثمار من الشعر». ثمّ عدّ كتبه،ومنها كتاب غريب القرآن إلى أن قال: قال سلامة: وكتاب مختصر الطبري، حيث حذف الاَسانيد والتكرار، وزاد عليه من سنة ثلاث وثلاثمائة إلى وقته فجاء نحو ثلاثة آلاف ورقة، وتمّم كتاب « الموصل» لاَبي زكريا زيد بن محمد، وكان فيه إلى سنة


(1) فهرست الطوسي: 641 ؛ رجال النجاشي: 1|78 . وفي الثاني «الحارث» مكان «الحرث» كما عرفت الاختلاف في «روق» و «ورق».

(2)فهرست ابن النديم: 58.

(358)

(321هـ)، فعمل فيه من أوّل سنة(322هـ) إلى وقته، وذكر النجاشي فهرس كتبه، منها غريب القرآن.(1)

7. غريب القرآن : للشيخ فخر الدين الطريحي المتوفّى عام (1085هـ)، وقد طبع في النجف الاَشرف في جزء واحد عام (1372هـ)، وأسماه الموَلّف بـ«نزهة الخاطر وسرور الناظر وتحفة الحاضر».

8. مجمع البحرين ومطلع النيرين: وهو في غريب القرآن والحديث ولغتهما للشيخ الطريحي أيضاً، وهو كتاب كبير معجم للغاتهما، طبع في ستة أجزاء.

9. البيان في شرح غريب القرآن: للشيخ قاسم بن حسن آل محيي الدين طبع بالنجف عام (1374هـ)، بإشراف وتصحيح مرتضى الحكمي.

10. غريب القرآن: للسيد محمد مهدي بن السيد الحسن الموسوي الخرسان يقع في جزءين.(2)

هذه عشرة كاملة نكتفي بها، وهناك كتب أُلّفت في توضيح مفردات القرآن بغير اللغة العربية، فمن أراد فليرجع إلى الفهارس.

فإذا كانت هذه الكتب تهدف إلى تفسير غريب القرآن وتبيين مفرداته، فهناك كتب تهدف إلى تفسير غريب جمله التي جاءت في القرآن بصورة المجاز أو الكناية أو الاستعارة على الفرق الواضح بينها، وإليك بعض ما أُلّف في ذلك المجال:

1. مجاز القرآن: لشيخ النحاة الفرّاء يحيى بن زياد بن عبد اللّه الديلمي


(1)رجال النجاشي:2|93 برقم 687، وترجمة الياقوت في معجم الاَُدباء:14|240 برقم 39.

(2)الذريعة إلى تصانيف الشيعة:16|50برقم 308.

(359)

الكوفي الذي توفّى في طريق مكّة عام (207هـ).(1)

2. المجاز من القرآن: لمحمّد بن جعفر أبو الفتح الهمداني، المعروف بـ«المراغي». يقول النجاشي: كان وجيهاً في النحو واللغة ببغداد، حسن الحفظ، صحيح الرواية فيما نعلمه، ثمّ ذكر كتبه وقال: كتاب ذكر المجاز من القرآن.(2)

3. مجازات القرآن: للشريف الرضي و هو أحسن ما أُلّف في هذا المجال، وأسماه «تلخيص البيان في مجازات القرآن»، وقد طبع مرّات أحسنها ما قام بطبعه موَتمر الذكرى الاَلفيّة للسيد الشريف الرضي عام (1406)، وهو من أنفس الكتب.

هوَلاء مشاهير الموَلّفين في غريب القرآن ولغته ومجازاته، وهناك عدّة أُخرى جالوا في هذا الميدان، لكن لا على وجه الاستقلال، بل أدرجوه في التفسير. فهذا هو الشيخ الطوسي يبيّن مفردات القرآن واشتقاقاتها بوجه دقيق في تبيانه، كما أنّ أمين الاِسلام الطبرسي قام بهذه المهمّة في تفسيره «مجمع البيان»، ولو قام الباحث باستخراج ما ذكره هذان العلمان في مجال مفردات الكتاب العزيز لجاء كتاباً حافلاً.

وفي الختام ننبّه على نكتة، وهو أنّالتفسير اللغوي للقرآن صار أمراً رائجاً في عصرنا هذا واشتهر باسم التفسير البياني، ومن المصرّين على هذا النمط من التفسير أمين الخولي المصري، والكاتبة المصرية عائشة بنت الشاطىَ، وقد انتشرت منهما في ذلك المجال كتب، وقاما بتفسير القرآن بالرجوع إلى نفس القرآن الكريم، والتفتيش عن موارد استعمالها في جميع الآيات، وهذا النمط من التفسير يعالج


(1)الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 17|351 برقم 1567.

(2)رجال النجاشي: 2|319 برقم 1054.

(360)

جانباً واحداً من مهمّة التفسير، وهناك جوانب أُخرى لا يستغني الباحث عنها إلاّبالتمسّك بصحيح الاَثر وغيره.

2. الشيعة والتفسير الموضوعي بأقسامه

إنّ نزول القرآن نجوماً، وتوزع الآيات الراجعة إلى أكثر الموضوعات في سور القرآن يقتضي نمطاً آخر من التفسير غير تفسير القرآن سورة فسورة وآية فآية، وهذا النمط عبارة عن تفسيره حسب الموضوع بجمع آيات كلّموضوع في محلّ واحد وتفسير مجموعتها مرّة واحدة، مثلاً المفسّر الذي يحاول التعمق في الحديث عن السماء والاَرض، أو عن المعاد، أو قصص الاَنبياء، أو في أفعال الاِنسان من جهة الجبر والاختيار، لابدّ أن يتبع هذا النمط الذي ذكرناه ليتمكّن من جمع أطراف الموضوع جمعاً كاملاً وشاملاً.

إنّ من جملة الاَسباب التي دعت إلى ظهور عقائد مختلفة بين المسلمين، وتشبّث صاحب كلّ مذهب بآيات القرآن، هو أنّهم اهتمّوا بقسم خاص من آيات الموضوع دون الاَخذ بكلّ ما يرجع إليه، ولو أنّهم اهتموا في كلّ مسألة من المسائل الاعتقادية بمجموع الآيات لدروَوا عن أنفسهم الوقوع في المهاوي السحيقة.

ومن باب المثال نذكر أصحاب عقيدة الجبر في أفعال الاِنسان، أو مذهب التفويض فيها، فانّهم ابتلوا بما ذكرناه، وخبطوا خبطة عشواء في فهم المقاصد الاِلهيّة وتفسيرها. إنّ الرجوع إلى الفهارس ومعاجم الكتب خصوصاً فيما ألّف في أحوال رجال كانوا يعيشون في القرون الاَُولى الاِسلامية إلى رابعة القرون وخامستها يكشف عن أنّ هناك لفيفاً من علماء الشيعة وفطاحلهم اهتموا بهذا النمط من


(361)

التفسير في إطار خاصّ، فترى أنّهم ألّفوا كتباً تفسيريّة في خصوص موضوعات محدودة، فجمعوا آياتها في رسائلهم وكتبهم وأدّوا حقّ الكلام في الموضوع الذي لا يمكن في النمط الآخر من التفسير، ونذكر في المقام بعض ما ألّف في ذلك المجال:

أ: المحكم والمتشابه

إنّ القرآن الكريم يصنّف الآيات القرآنية ويقسّمها إلى محكم ومتشابه، فالمحكم هو أُمّ الكتاب، والمتشابه ما يجب أن يرجع إليها في تبيين مفهومه، فكأنّ المحكم أصل، والمتشابه فرع، ويجب أن نستعين في فهم المتشابه بالاَُمّ، قال سبحانه: (هُوَ الّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهات) .(1)

ثمّإنّه وقع الاختلاف في تفسير المتشابه إلى أقوال كثيرة ذكرها الفخر الرازي في تفسيره، وأنهاها إلى قرابة عشرين قولاً لا يسع المقام ذكرها ونقدها، وإنّما الغرض هو الاِشارة إلى ما قام به الشيعة الاِمامية طوال القرون من تأليف رسائل خاصّة في ذلك الموضوع، والبحث عن الآيات المتشابهة إلى جانب الآيات المحكمة، ونذكر في هذه القائمة مشاهير الموَلّفين ونترك الباقي لاَصحاب المعاجم:

1. متشابه القرآن: لاِمام القرّاء أحد البدور السبعة، أبي عمارة، حمزة بن حبيب الزيّات الكوفي، من أصحاب الاِمام الصادق - عليه السّلام- ، والمتوفّى أيّام المنصور، عام (158هـ)، ذكره ابن النديم.(2)


(1)آل عمران:7.

(2)فهرست ابن النديم: 61.

(362)

2. محكم القرآن ومتشابهه: لسعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الاَشعري القمي. قال النجاشي: شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها، إلى أن قال: ولقي مولانا أبا محمد - عليه السّلام- ، له كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، والظاهر أنّ كتابه في فصلين أحدهما: الناسخ و المنسوخ، والثاني: في المحكم والمتشابه، أو هما رسالتان جمعهما في جزء واحد، توفّي سعد عام (301هـ).(1)

3. متشابه القرآن: تأليف أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي. قال النجاشي: شيخنا المتكلّم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها، ثمّ عدّ كتبه الكثيرة وقال: «...متشابه القرآن، وله مجالس مع الشيخ أبي القاسم البلخي المعتزلي (المتوفّى 319هـ).(2)

4. متشابه القرآن: للشيخ أبي عبد اللّه محمد بن هارون، أُستاذ الشيخ محمد ابن المشهدي، صاحب «المزار»، (المتوفّى عام530هـ).(3)

5.متشابه القرآن و مختلفه: تأليف الشيخ رشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني، المولود عام (488هـ)، والمتوفّى عام (588هـ)، وهو كتاب نفيس ينبىَ عن طول باعه، وسيوافيك الكلام فيه في قائمة أعلام التفسير في القرن السادس.

6.متشابه القرآن: لصدر المتألّهين المولى محمد بن إبراهيم الشيرازي، المولود عام (979هـ)، والمتوفّى عام (1050هـ).(4)


(1)رجال النجاشي: 1|401برقم 465.

(2)رجال النجاشي: 1|179برقم 146.

(3)أمل الآمل: 2|311 برقم 947، يعرّفه بقوله: فاضل جليل، صالح فقيه، له كتب: منها :مختصر التبيان في تفسير القرآن، وكتاب متشابه القرآن....

(4)الذريعة إلى تصانيف الشيعة:19|62 برقم 328.

(363)

7. متشابهات القرآن و محكماته: تأليف العلاّمة محمد هادي معرفة، وهو يشكّل جزءاً خاصّاً من موسوعته: «التمهيد في علوم القرآن»، وقد درس الآيات المتشابهة حسب ترتيب السور، وهو كتاب ممتع.

8.أضواء على متشابهات القرآن: تأليف الشيخ خليل ياسين المعاصر، طبع في بيروت في جزءين عام (1388هـ).

ونكتفي بما ذكر، وقد قام المعاصرون بتأليف رسائل مستقلة حول متشابهات القرآن، وفيما ذكرنا غنى وكفاية.

ب: الناسخ والمنسوخ

إنّ البحث عن الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم من الموضوعات التي لفتت نظر الباحثين والمحقّقين، وقد ألّف في ذلك الموضوع كتب ورسائل، وقد قام أبو بكر النحّاس بجمع الآيات التي ادّعى نسخها في كتاب أسماه «الناسخ والمنسوخ» فبلغت (138)آية.

إنّ النسخ في الاصطلاح عبارة عن «رفع أمر ثابت» في الشريعة المقدّسة بارتفاع أمده وزمانه، و المعروف بين الاِلهيين، جواز النسخ أي رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والاِنشاء، وخالف في ذلك اليهود، فادّعوا استحالة النسخ، واستندوا في ذلك إلى شبه واهية.(1)

والمقصود في المقام هو نسخ الاَحكام الواردة في القرآن الكريم، لا مطلق نسخ الاَحكام وإن لم يرد في القرآن الكريم، فانّ القسم الثاني ممّا لا كلام فيه، فقد


(1)قوانين الاَُصول: 2|92، المقصد الخامس في النسخ.

(364)

صرّح القرآن الكريم بنسخ لزوم التوجّه إلى القبلة الاَُولى في الصلاة، والكلام في أن يكون شيء من أحكام القرآن منسوخاً بالقرآن أو بالسنّة القطعية أو بالاِجماع، وقد قسّموا النسخ إلى ثلاثة أقسام:

1. نسخ التلاوة والحكم.

2. نسخ التلاوة دون الحكم.

3. نسخ الحكم دون التلاوة.

والاَوّل: بيّن الفساد لا يقول به إلاّ القائل بالتحريف في الكتاب العزيز، والمسلمون برآء منه إلاّ الحشوية من العامّة وبعض الاَخباريّين من الخاصّة.

ومُثّل للثاني: بآية الرجم، وانّه كان في القرآن الكريم ثمّ نسخ، والقول به أيضاً يلازم القول بالتحريف المصون عنه كتاب اللّه العزيز.

والقسم الثالث: هو المشهور بين العلماء والمفسّرين، فأنكر جماعة وجوده، وخالفهم بعض آخر بعد الاتّفاق على الاِمكان، والعدد الذي ذكره النحّاس إفراط، كما أنّ نفيه من رأس تفريط، والتحقيق موكول إلى محلّه، وها نحن نذكر في هذا المقام الرسائل الموَلّفة في هذا الموضوع من غير فرق بين أن يكون الموَلّف مثبتاً، أو نافياً وإليك البيان:

1. الناسخ والمنسوخ: لعبد اللّه بن عبد الرحمن الاَصم المسمعي، المنسوب إلى طائفة من العرب باسم المسامعة ذكره النجاشي، وقال: وله كتاب الناسخ والمنسوخ(1) يروي عنه محمد بن عيسى بن عبيد المتوفّى عام (262هـ)، ويروي هو عن مسمع بن كردين، وهو من أصحاب الاِمام الصادق - عليه السّلام- .


(1)رجال النجاشي: 2|15 برقم 564؛ الذريعة إلى تصانيف الشيعة:24|12 برقم 59.

(365)

2. الناسخ والمنسوخ: تأليف حسن بن واقد الذي هو أخو عبد اللّه بن واقد المعدود من أصحاب الاِمام الصادق - عليه السّلام- .(1)

3. الناسخ والمنسوخ: لدارم بن قبيصة التميمي الدارمي السائح، وهو ممّن روى عن الاِمام الرضا - عليه السّلام- وله كتاب آخر باسم الوجوه والنظائر. (2)

4. الناسخ والمنسوخ:تأليف حسن بن علي بن فضّال الكوفي، من أصحاب الاِمام الرضا - عليه السّلام- (3)المتوفّى عام (422هـ).

5. الناسخ و المنسوخ: لاَحمد بن محمد بن عيسى الاَشعري. قال النجاشي: شيخ القميين ووجههم وفقيههم غير مدافع، وكان أيضاً الرئيس الذي يلقى السلطان، ولقي الرضا - عليه السّلام- وله كتب، ولقي أبا جعفر الثاني وأبا الحسن العسكري، له كتاب الناسخ والمنسوخ(4)توفي بعد سنة (472)، أو (280).

6. الناسخ والمنسوخ: لسعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الاَشعري القمي، شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها، ولقي مولانا أبا محمد العسكري، ثمّ ذكر كتبه، منها ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، توفّي عام (299هـ) أو (301هـ).(5)

7. الناسخ والمنسوخ: لشيخ القميين علي بن إبراهيم بن هاشم الذي كان حيّاً عام (307هـ)، وقد أكثر الكليني النقل عنه.(6)


(1)فهرست ابن النديم: 57؛ الذريعة إلى تصانيف الشيعة:24|11 برقم 52 ونقله عن النجاشي أيضاً ولم نجده، وله تفسير أيضاً سيوافيك في محلّه.

(2)رجال النجاشي: 1|372برقم 427.

(3)رجال النجاشي: 1|127 برقم 71.

(4)رجال النجاشي: 1|216 برقم 196.

(5)رجال النجاشي: 1|401 برقم 465.

(6)رجال النجاشي: 2|86 برقم 678.

(366)

8. الناسخ والمنسوخ: لعبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي الاَزدي البصري، شيخ البصرة وأخباريها، وكان عيسى الجلّودي من أصحاب أبي جعفر - عليه السّلام- ذكره النجاشي و ذكر له كتباً كثيرة، منها كتاب الناسخ والمنسوخ، كما ذكر له كتاب التفسير وسيجيء في محلّه، وهو من شيوخ محمد بن جعفر بن قولويه، موَلّف كامل الزيارات (المتوفّى عام 367هـ).(1)

9. الناسخ والمنسوخ: لمحمد بن العباس المعروف بابن الحجام يروي عنه التلعكبري سماعاً عنه سنة (328هـ).(2)

10. الناسخ والمنسوخ: للشيخ الصدوق، (المتوفّى عام381هـ)، والنسخة موجودة بالنجف الاَشرف مكتبة الشيخ علي كاشف الغطاء(3) واحتمل شيخنا المجيز الطهراني أن تكون النسخة للناسخ والمنسوخ تأليف الشيخ عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي، كما سيجيء.

11. الناسخ والمنسوخ من القرآن العظيم: لقطب الدين سعيد بن هبة اللّه ابن الحسن الراوندي (المتوفي عام573هـ) توجد منه نسخة في طهران، وهو موَلّف «الخرائج والجرائح» المعروف.(4)

12. الناسخ والمنسوخ: لعبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي، المتوفى عام (760هـ)، والنسخة موجودة في النجف.(5)


(1)رجال النجاشي: 2|54 برقم 638؛ الذريعة إلى تصانيف الشيعة:24|11 برقم 56.

(2)فهرست الطوسي: 177 برقم 652.

(3)رجال النجاشي:2|311 برقم 1050؛ الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 24|11 برقم 55.

(4)الذريعة إلى تصانيف الشيعة:24|11 برقم 57.

(5)الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 24|14 برقم 69.

(367)

13. الناسخ والمنسوخ: لجمال الدين أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن الحسن بن المتوّج البحراني من أجلاّء تلاميذ فخر المحقّقين (المتوفّى عام 771هـ)، والمعاصر للشهيد الاَوّل، (المتوفّى عام 786هـ)، وقد بسط في الكتاب القول في بيان الآيات الناسخة والمنسوخة، قال سليمان الماحوزي: «وقد قرأته على بعض مشايخي في حداثة سنّي، سنة (1091هـ)» والنسخة موجودة في النجف الاَشرف(1) 14. الناسخ والمنسوخ: لعلي بن شهاب الدين الحسيني العلوي الهمداني، (المتوفّى عام 786هـ)، ومنه نسخة في مكتبة المرعشي بقم.(2)

15. الناسخ والمنسوخ من الآيات القرآنية: لفخر الدين أحمد بن عبد اللّه بن سعيد بن المتوّج البحراني، شيخ ابن فهد الحلي، (المتوفّى عام 841هـ)، وتلميذ فخر المحقّقين، (المتوفي عام 771هـ) وهو غير جمال الدين أحمد بن عبد اللّه الذي مضى برقم 13.(3)

16. الناسخ والمنسوخ: لشهاب الدين أحمد بن فهد الاحسائي موَلّف خلاصة التنقيح (المتوفّى 806هـ) شرحه عبد الجليل الحسيني القاري، شارح الجزرية في التجويد سنة (972هـ)، وقد شرح هذا الكتاب سنة (976هـ)، وطبع في طهران (عام 1384هـ).(4)

17. الناسخ والمنسوخ: للشيخ محمد مهدي بن جعفر الكاشاني الموسوي،


(1)المصدر نفسه:24|9 برقم 47.

(2)المصدر نفسه:24|12 برقم 62.

(3)المصدر نفسه:24|13 برقم 68.

(4)الذريعة إلى تصانيف الشيعة:24|10 برقم 49.

(368)

ألّفه عام (1250هـ)، وهو حفيد الوحيد البهبهاني.(1)

18. الناسخ و المنسوخ: للشيخ محمد شريف الموسوي الاصفهاني المجاز من الفاضل الايرواني، (المتوفي عام 1206هـ)، والشيخ زين العابدين المازندراني الحائري، طبع مع رسالته «نسيم السحر» في سنة (1323هـ).(2)

هوَلاء مشاهير الموَلّفين في الناسخ والمنسوخ، ومن أراد التوسّع فليرجع إلى المعاجم والفهارس، غير أنّ هنا لفيفاً من أعلام الطائفة درس مسألة الناسخ والمنسوخ في الذكر الحكيم دراسة معمّقة في ثنايا تفسيرهم أو مقدّماته، وأخصّ بالذكر مادبّجته يراعة المرجع الاِسلامي الكبير السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ـ دام ظلّه ـ، فقد طرح القسم الثالث من الناسخ والمنسوخ في كتابه «البيان في تفسير القرآن»، واقتصر في البحث على (36) آية، وخرج بأنّها غير منسوخة.(3)

والجدير بالذكر أنّه لم يبحث عن آية العدّة، أعني قوله سبحانه: (وَالّذِينَ يُتَوفَّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصيّةً لاَزْواجِِهِمْ مَتاعاً إِلَى الحَولِ غَيْرَ إِخْراجٍ) ) (4)، فانّ هذه الآية ناظرة إلى الحول المعروف في الجاهلية الذيكان عدّة للنساء فيها، وقد أقرّ القرآن هذا الحكم موَقّتاً ونسخ حكماً بقوله سبحانه: (وَالّذينَ يُتوَفّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزواجاً يَتَربَّصنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشراً)(5)، فقد تضافرت النصوص على ذلك من أئمّة أهل البيت.(6)


(1)الذريعة إلى تصانيف الشيعة:24|13 برقم 65.

(2)المصدر نفسه:24|11 برقم 54.

(3)البيان: 277، 381.

(4)البقرة:240.

(5)البقرة:234.

(6)وسائل الشيعة: 15|451، الباب 30 من أبواب العدد.

(369)

ج: آيات الاَحكام

الآيات التي تقع ذريعة لاستنباط الاَحكام الشرعية المتعلّقة بعمل المكلّف في حياته الفردية والاجتماعية هي الآيات المعروفة بآيات الاَحكام، وهي على المشهور ثلاثمائة آية تقريباً، وهناك أُناس يستنبطون من كثير من الآيات القرآنية أحكاماً عملية، ولا تعدّ من آيات الاَحكام وقد تعرّفت على بعضها في الاَحاديث المرويّة عن الاِمام الجواد والاِمام الهادي عليمها السَّلام .

وقد أفردها لفيف من علماء الشيعة بالتأليف والتفسير بين رسائل صغيرة إلى كتب حافلة بالتحقيق، وربّما حازوا قصب السبق في هذا المضمار كما سيتضح، وإليك أسماء مشاهيرهم في هذا الفصل مقتصرين عليهم:

1. آيات الاَحكام: لاَبي نصر محمد بن السائب بن بشر الكلبي من أصحاب أبي جعفر الباقر وأبي عبد اللّه الصادق عليمها السَّلام (المتوفّى عام 146هـ)، وهو والد هشام الكلبي النسابة الشهير، وصاحب التفسير الكبير الذي هو أبسط التفاسير كما أذعن به السيوطي في الاِتقان.

قال ابن النديم في الفهرست عند ذكره للكتب الموَلّفة في أحكام القرآن ما لفظه:

«كتاب أحكام القرآن للكلبي رواه عن ابن عباس، وهو أوّل من صنّف في هذا الفن لا الاِمام الشافعي محمّد بن إدريس المتوفّى سنة (204هـ) كما زعم السيوطي، وكيف لا يكون كذلك وقد توفّي الكلبي قبل ولادة الشافعي بأربع سنين حيث ولد الشافعي عام 150.(1)


(1)فهرست ابن النديم: 57؛ تأسيس الشيعة لفنون الاِسلام: 321. لاحظ الذريعة إلى تصانيف الشيعة:1|40برقم 192.

(370)

2. آيات الاَحكام، الموسوم بمنهاج الهداية: للشيخ جمال الدين أحمد بن عبداللّه بن محمد بن علي بن الحسن بن المتوّج البحراني، تلميذ فخر المحقّقين.(1)

3. آيات الاَحكام، الموسوم بالنهاية في تفسير خمسمائة آية: للشيخ فخر الدين أحمد بن عبد اللّه بن سعيد بن المتوّج البحراني،وهذا الموَلّف، والموَلِّف المتقدّم من أُسرة واحدة، وكلاهما من تلامذة فخر المحقّقين.(2)

4. آيات الاَحكام: للشيخ ناصر بن الشيخ أحمد بن الشيخ عبد اللّه بن المتوّج البحراني، ووالده الشيخ أحمد من تلامذة فخر المحقّقين ابن العلاّمة الحلّي (المتوفّى عام 771هـ)، حكى شيخنا المجيز في «الذريعة» عن أُستاذه المجيز السيد حسن الصدر أنّه رآه في مكتبات النجف.(3)

5. آيات الاَحكام: للشيخ أبي عبد اللّه المقداد بن عبد اللّه بن محمد بن الحسين بن محمد السيوري الاَسدي الحلي (المتوفّى عام 826هـ)، وقد طبع باسم «كنز العرفان في فقه القرآن»، وهو من أنفس الكتب في موضوعه، وقد ترجم إلى الفارسيّة والاردية حسب ما حكاه السيّد شهاب الدين المرعشي قدَّس سرَّه في تقديمه على مسالك الاَفهام.

6. آيات الاَحكام، الموسوم بمعارج السوَول و مدارج المأمول: لكمال الدين حسن بن شمس الدين محمد الاسترآبادي النجفي، ألّفه سنة (891هـ).(4)

7. آيات الاَحكام، للمولى شرف الدين علي بن محمد الشيفنكي (المتوفّى عام


(1)الذريعة إلى تصانيف الشيعة:1|42 برقم 211.

(2)المصدر السابق: برقم 213.

(3)المصدر السابق: برقم 220.

(4) المصدر السابق: برقم 217.

(371)

907هـ) حكاه شيخنا المجيز عن رياض العلماء، و حكاه هو عن تاريخ حسن بيك روملو.(1)

8. آيات الاَحكام، للمحقّق أحمد بن محمد الاَردبيلي ثمّ النجفي، (المتوفّى عام 993هـ)، وطبع باسم «زبدة البيان في براهين أحكام القرآن» مرّتين، مرّة بطهران عام (1305هـ)، و أُخرى في سنة (1386هـ)، محقّقة منقّحة.

9. آيات الاَحكام، للعلاّمة الاَمير أبو الفتح بن الاَمير مخدوم بن الاَمير شمس الدين محمد الحسيني ألّفه للسلطان محمد قطب شاه سنة (1021هـ)، وطبع في تبريز.

10. آيات الاَحكام، للسيد ميرزا محمد الحسيني الاستر آبادي، صاحب الكتب الرجالية الشهيرة: «الكبير» و «الوسيط» و«الصغير»، وقد توفّي عام (1026هـ)، ومنه نسخة في مكتبة المرعشي.(2)

11. آيات الاَحكام: للشيخ أبي عبد اللّه محمد بن الجواد شمس الدين الكاظمي، والمشتهر بالفاضل الجواد من تلاميذ شيخنا البهائي (المتوفّى 1030هـ)، وقد شرح كتاب أُستاذه في الحساب، أعني: خلاصة الحساب، وطبع الشرح بطهران عام (1273هـ.ق)،وقد طبعت آيات الاَحكام باسم «مسالك الاَفهام إلى آيات الاَحكام» في جزءين كبيرين وعنيت بنشره و تحقيقه المكتبة المرتضوية .

12. آيات الاَحكام: للشيخ أحمد بن إسماعيل بن العلاّمة الشيخ عبد النبيّ الجزائري النجفي (المتوفّى سنة 1150هـ)طبع باسم «قلائد الدرر»، وقد


(1)مقدّمة مسالك الاَفهام(تقديم آية اللّه المرعشي):10.

(2)الذريعة: 1|43؛ مقدمة مسالك الاَفهام: 11.

(372)

طبع مرّتين ، مرّة في طهران وأُخرى بالنجف الاَشرف عام (1386هـ)، شكر اللّه مساعي الجميع.

هذه اثنا عشر تأليفاً حول آيات الاَحكام اكتفينا بها، ومن أراد التوسّع والوقوف على ما ألّفه أصحابنا حول آيات الاَحكام من رسائل وكتب وموسوعات، فعليه الرجوع إلى معاجم الكتب.(1)

وهذه الكمّيّة الهائلة تعرب عن عناية الشيعة بفهم القرآن الكريم، وتبويب مفاهيمه.

د: ما نزل من القرآن في حقّ النبيّ والآل

لم ينحصر هذا النمط من التفسير (أي التفسير الموضوعي) فيما سبق من الموضوعات (المحكم والمتشابه، الناسخ والمنسوخ، وآيات الاَحكام)، بل توجّهت همم الاَصحاب وعنايتهم إلى تأليف رسائل وكتب في موضوعات قرآنية، نظير ما نزل من الآيات في حقّ أهل البيت، وإليك نزراً يسيراً ممّا أُلّف في هذا المجال من الاَقدمين،وأمّا المتأخّرين فهو على عاتق المعاجم القرآنيّة.

إنّ أهل البيت - عليهم السّلام- ممّن خصّهم اللّه سبحانه بالذكر في غير واحد من الآيات، فقال: (إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَالبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (2) وقال سبحانه: (قُل لا أَسأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجراً إِلاّ المَودَّةَ فِي القُربى) (3)، وقال سبحانه: (وَآتِ ذَا القُربى حَقَّهُ وَالمِسْكِينَ وَابنَ السَّبيلِ وَلا تُبَذِّر تَبْذِيراً) (4)


(1)لاحظ: الذريعة:1|40ـ 44 وج4|234ـ 351، وتقديم آية اللّه المرعشي لكتاب مسالك الاَفهام.

(2)الاَحزاب:33.

(3)الشورى:23.

(4)الاِسراء:26.

(373)

إلى غير ذلك من الآيات، فلا عتب على المفسّر الواعي أن يخصّ أهل البيت بالتفسير الموضوعي ويفرد آياته بالتأليف، وكيف لا يكون كذلك وقد روى عكرمة عن ابن عباس، وقال: ما نزل من القرآن (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا) إلاّ وعليٌّ رأسها وأميرها، وقد عاتب اللّه أصحاب محمد في غير مكان، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير.(1)

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما نزل في أحد من كتاب اللّه ما نزل في علي.(2)

وقال ابن عباس: نزلت في عليّ أكثر من ثلاثمائة آية في مدحه.(3)

ولاَجل هذا وذاك قام لفيف من المفسّرين والمحدّثين من العامّة والخاصّة بتأليف رسائل مفردة في هذا المجال، وفي الحقيقة كلّها تفاسير موضوعيّة نذكر منها ما يلي:

1. ما نزل من القرآن في علىّّ - عليه السّلام- : تأليف هارون بن عمر بن عبد العزيز ابن محمد، أبو موسى المجاشعي، صحب الاِمام الرضا - عليه السّلام- وله هذا الكتاب.(4)

2. ما نزل من القرآن في عليّ - عليه السّلام- : تأليف عبد العزيز بن يحيى بن أحمد ابن عيسى الجلودي الاَزدي البصري من أصحاب الاِمام الجواد عليه السَّلام فله تآليف كثيرة ذكرها النجاشي، وله كتاب التفسير كما سيوافيك في قائمة التفاسير الروائيّة.(5)

3. ذكرما نزل من القرآن في أهل البيت - عليهم السّلام- : تأليف أحمد بن الحسن


(1)مسند أحمد بن حنبل:1|190؛ تاريخ الخلفاء:171.

(2)الصواعق المحرقة:76، الباب التاسع ، الفصل الثالث.

(3)تاريخ الخلفاء: 172.

(4)رجال النجاشي:2|406، برقم 1183.

(5)رجال النجاشي: 2|54 برقم 637.

(374)

الاسفرائيني، المفسّر الضرير، قال النجاشي: له كتاب المصابيح في ذكر ما نزل من القرآن في حقّ أهل البيت - عليهم السّلام- ، وهو كتاب حسن كثير الفوائد، سمعت أبا العباس أحمد بن علي بن نوح يمدحه ويصفه.(1)

4. ما نزل من القرآن في أمير الموَمنين - عليه السّلام- : تأليف إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي، أصله كوفي، وسعد بن مسعود أخو أبي عبيد بن مسعود عم المختار، وانتقل إلى إصفهان وأقام بها، وقد وفد إليه أحمد بن خالد المتوفّى عام (274هـ) وسألوه الانتقال إلى قم فأبى، وله كتب ممتعة في التاريخ والسيرة، وهو موَلف «الغارات»المعروفة.(2)

5. كتاب ما نزل من القرآن في أهل البيت - عليهم السّلام- : تأليف محمد بن العباس بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام، قال النجاشي: ثقة ثقة، من أصحابنا عين، سديد، كثير الحديث، له كتاب ما نزل من القرآن في أهل البيت، وقال جماعة من أصحابنا: إنّه كتاب لم يصنّف في معناه مثله، قيل: إنّه ألف ورقة ، وذكره الشيخ في رجاله في باب من لم يرو عنهم - عليهم السّلام- برقم (71)، وقال: سمع منه التلعكبري سنة (328هـ)، وله منه إجازة، وذكره في الفهرست برقم 649.(3)

6. كتاب ما نزل من القرآن في أمير الموَمنين - عليه السّلام- : تأليف محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن إسماعيل الكاتب، أبو بكر يعرف بابن أبي الثلج، وأبو الثلج هو عبداللّه بن إسماعيل، ثقة، عين، كثير الحديث، وذكر النجاشي فهرس كتبه، ومنها


(1)رجالالنجاشي:1|238 برقم 229.

(2)رجال النجاشي: 1|90 برقم 18؛ فهرست الطوسي: 27ـ 29 برقم 7.

(3)رجال النجاشي: 2|294 برقم 1031، ولاحظ الرجال والفهرست للشيخ الطوسي.

(375)

تاريخ الاَئمّة - عليهم السّلام- ، وقد طبع أخيراً، وذكره الخطيب في تاريخه(1) وذكره الشيخ في رجاله في باب من لم يرو عنهم برقم (64)، و قال: سمع منه التلعكبري سنة (322هـ)، و ما بعدها إلى سنة (325هـ)، وفيها مات، وله منه إجازة.(2)

7. ما نزل من القرآن في أهل البيت - عليهم السّلام- : تأليف الحسين بن الحكم الجبري الكوفي، وطبع عام (1375هـ)، وقدّم له: العلاّمة السيد أحمد الحسيني استقصى فيها ما ألّف من التفاسير في أهل البيت من القدماء فبلغ (44) كتاباً(3) حياه اللّه وبياه.

هذه نماذج ممّا أُلّف حول أهل البيت من الكتب والرسائل بشكل التفسير الموضوعي نقتصر على ذلك، وانّ التوسّع يخرجنا عمّا هو الهدف، وهو الاِشادة بذكر المفسّرين من الشيعة في المجالات المختلفة، و من سبر المعاجم، وكتب التراجم وقف على أنّ موضوع مناقب أهل البيت وفضائلهم ـكتاباً وسنةـ كان موضع اهتمام العلماء منذ الصدر الاَوّل وفي القرون التالية إلى القرن الحاضر.

ولو جمعت تلك الكتب المطبوعة والمخطوطة الموجودة منها، لشكّلت مكتبة كبرى، والجدير بالذكر أنّ المحقّق السيد عبدالعزيزالطباطبائيـرحمهاللّهـ قام مشكوراً بفهرسة كبيرة في خصوص مناقب آل البيت، وأسماه بـ «أهل البيت في المكتبة العربية»، ولو ضمّ إليها ما أُلّف بسائر اللغات لضاق النطاق على المحصي والموَلّف.


(1)تاريخ الخطيب:1|249.

(2)رجال النجاشي:2|299 برقم 1038، وقد عرفت سائر المصادر في المتن.

(3)لاحظ المقدّمة للمصحّح:12ـ 17.


(376)

هـ: التأليف حول أمثال القرآن وأقسامه وقصصه

قد ورد في القرآن الكريم قرابة ستين مثلاً، والمثل بطبعه يقرب البعيد، ويصبّ المعقول في قالب المحسوس،وقد أفرد غير واحد من علماء الشيعة أمثال القرآن بالبحث والتأليف. هذا ابن النديم يعرف أبا علي بن أحمد بن الجنيد(المتوفي 381هـ) بأنّه قريب العهد، من أكابر الشيعة، ثمّ يذكر كتبه ويقول في موضع آخر منه عند تسمية الكتب الموَلّفة في معان شتّى من القرآن ما لفظه:«وكتاب الاَمثال لابن الجنيد».(1)

فلو قام ابن الجنيد وهو من قدماء علمائنا بهذا المجهود، فقد قام الشيخ أحمد بن عبد اللّه التبريزي النجفي (المتوفّى عام 1327هـ) بجمع الاَمثال القرآنية وتفاسيرها وما يتعلّق بها وأسماه «روضة الاَمثال» وطبع عام (1325هـ)(2)، وقد تضافر التأليف حول أمثال القرآن في العصر الحاضر من أكابر الشيعة باللغتين العربية والفارسية، وطبع الاَكثر باسم أمثال القرآن.(3)

كما قد ورد في القرآن الكريم قرابة أربعين قسماً حلف فيه سبحانه بالشمس والقمر والليل والنهار إلى غير ذلك من عظائم الموجودات، المليئة بالاَسرار، وما هذا إلاّليتدبّر الاِنسان فيها ويقف على ما فيها من العجائب والغرائب، حتى أنّه سبحانه حلف في سورة الشمس أحد عشر مرّة بأشياء كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والاَرض والنفس، ثمّ رتّب عليها جواباً، وقال: (قَدْأَفْلَحَ مَنْ )


(1)فهرست ابن النديم: 64و219.

(2)الذريعة :11|28 برقم 1750.

(3)كأمثال القرآن للدكتور إسماعيل، ط طهران |1368هـ.ش؛ وأمثال القرآن لعلي أصغر حكمت الشيرازي.

(377)

زَكّاها) ، وقد بحث المفسرون عن هذه الاَقسام وتركوا البحث عن أمر مهم، وهو ما هو الصلة بين المقسم به وجوابه، حتى أنّ ابن القيّم (المتوفّى751هـ) أفرد كتاباً في أقسام القرآن، طبع باسم أقسام القرآن، ولكنّه بحث عن المقسم به في جميع الآيات، وأهمل البحث عن الصلة بينه و بين جوابه في شتّى الآيات. نعم قام أخيراً ولدنا الفاضل الروحاني الشهيد أبو القاسم الرزاقي(1)بتأليف كتاب حول أقسام القرآن، وسدّ هذا الفراغ الموجود في التفاسير، وقد أغرق نزعاً في التحقيق، وطبع حديثاً.

إنّ قصص القرآن من المواضيع الهامّة التي تحتاج إلى دراسات فنية، وفيها من العبر ما لا يحصى، وقد أفرد غير واحد من أصحابنا قصص القرآن قديماً وحديثاً (2) بالتأليف، أخيرهم ما ألّفه الدكتور محمود البستاني، فبحث عن القصص القرآنية حسب تسلسلها في السور الكريمة، وطبع عام (1408هـ) وقد خصّصنا الجزء التاسع من هذه الموسوعة بالاَمثال والاَقسام.

و: معارف القرآن واحتجاجاته

معارف القرآن تشكّل قسماً هامّاً من مفاهيمه، خصوصاً فيما يرجع إلى المبدأ والمعاد، وقد ورد أكثر ما يرجع إلى المعارف الغيبية في السور المكيّة حيث كان النبي يحتج على المشركين، كما ورد فيما يرجع إلى الكتب والشرائع السماوية وديانات اليهود و النصارى في السور الطوال حيث نزلت أوائل الهجرة.

فقد أفرد غير واحد من أصحابنا كتباً ورسائل حول معارف القرآن أخيرهاـ


(1)استشهد قدَّس سرَّه في الحرب المفروضة على إيران الاِسلامية في حادث إسقاط طائرتهم على يد العدوان البعثي العفلقي قرب مطار الاَهواز، ومعه لفيف من العلماء والمسوَولين الكبار.

(2)لاحظ الذريعة إلى تصانيف الشيعة:17|102و 107.

(378)

لا آخرها ـ معارف القرآن للشيخ محمد تقي المصباح، طرح فيه الآيات المتعلّقة بمعرفة العالم والملائكة والجنّ والشيطان، نقله إلى العربية عبد المنعم الخاقاني، وطبع في بيروت.

كما أنّ الحوار والاحتجاج في القرآن له أساليبه ومعطياته، فقد قام بالاحتجاج على الملحدين والمشركين وعلى أهل الكتاب، فقد أفرد غير واحد من أصحابنا بالتأليف أخيرها ـ لا آخرها ـ الحوار في القرآن للسيد محمد حسين فضل اللّه العاملي، طبع في بيروت.

ز: أسباب النزول

إنّ التعرّف على أسباب النزول يسلّط الضوء على مفاد الآية ومفهومها وهو غير خفي على من له إلمام بالتفاسير، فقد قام غير واحد من أصحابنا بالتأليف حوله، نذكر نموذجين:

1. أسباب النزول، للشيخ قطب الدين سعيد بن هبة اللّه الراوندي، (المتوفّى عام573هـ)، وهو من مصادر بحار الاَنوار.(1)

2. الاَسباب والنزول على مذهب آل الرسول، للشيخ رشيد الدين محمد بن علي شهر آشوب السروي (المتوفّى عام 588هـ).(2)

هذه نماذج من التفسير الموضوعي أتينا بها إيقافاً للقارىَ على جهود علماء الشيعة في العصور السابقة والعصر الحاضر، وقد تركنا كثيراً من الموضوعات القرآنيّة التي أفردت بالتأليف كالاَخلاق والسياسة والمسائل العائلية وغير ذلك


(1)الذريعة إلى تصانيف الشيعة:2|12 برقم 35 و 37.

(2)الذريعة إلى تصانيف الشيعة:2|12 برقم 35 و 37.

(379)

من الموضوعات الهامّة التي تداولتها أقلام المحقّقين في العصر الحاضر بالبحث والتحقيق، و من راجع المكتبات العربية، أو استعرض فهارس مكتبات العالم يقف على مجموعة كبيرة من الكتب تبحث عن موضوعات قرآنيّة حسب التفسير الموضوعي، وبما أنّ الهدف هنا الاِيجاز تركنا التفصيل في ذلك.

التفسير الموضوعي في العصر الحاضر

لقد استقطب «التفسير الموضوعي» للقرآن الكريم في العصر الحاضر قسطاً كبيراً من اهتمام العلماء نظراً لاَهميّة هذا النهج من التفسير ومساعدته على درك المفاهيم القرآنيّة، والمعارف الاِلهية الدقيقة العميقة، فانّ القرآن كما أسلفنا ذكر هذه المعارف بصورة متفرّقة تبعاً للمناسبات، ولو جمعت هذه المعارف في محل، ثمّ درس المفهوم القرآني المعيّن في ضوء كلّما يرتبط به من آيات، لاَمكن الحصول على فكرة متكاملة وصورة شاملة لذلك المفهوم.

ولهذا اندفع العلماء المهتمون بالثقافة القرآنية في عصرنا هذا إلى خوض هذا الميدان الشريف الهام بمختلف الصور، وأتوا بنتائج طيّبة، وأثمرت جهودهم ثماراً يانعة، ومن وقف على الدراسات القرآنيّة في جامعة «قم» يرى أنّلهذا القسم من الدراسات قسطاً كبيراً.

وقد اتّبعنا هذا المنهج منذ عام (1389هـ) و كانت حصيلة هذه السنوات عشرة أجزاء من التفسير الموضوعي تحت عنوان «مفاهيم القرآن»، تناولت بالترتيب قضايا التوحيد والشرك، والحكومة الاِسلامية، والاَسماء والصفات، والنبوة العامّة والخاصّة، ،وما يرتبط بالسيرة النبوية في ضوء القرآن الكريم

ولقد لقيت هذه الدراسات إقبالاً واسعاً ممّا يكشف عن أهمية هذا المنهج


(380)

من التفسير.

ومن الجدير بالذكر أنّالعلاّمة المجلسي هو أوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه في جمع موضوعات القرآن والبحث عنها بحثاً قرآنياً. فانّ ما وصل إلينا من القدماء هو تخصيص موضوع خاصّ بالتفسير، وأمّا غوّاص بحار درر الاَحاديث الشيخ محمد باقر المجلسي، (المتوفّى عام 1111هـ)، اتّبع هذا المنهج في جميع أبواب كتابه وموسوعته النادرة، فجمع الآيات المربوطة بكلّموضوع في أوّل الاَبواب وفسّرها تفسيراً سريعاً، و هذه الخطوة وإن كانت قصيرة لكنّها جليلة في عالم التفسير، وقد قام بذلك مع عدم توفّر المعاجم القرآنية الرائجة في هذه الاَعصار.

وتجدر الاِشارة إلى أنّ جهاز الكمبيوتر الذي ثبتت له قدرة كبرى في عملية فرز المعلومات وتجميعها وتحضيرها وبالتالي تقديم تسهيلات هامّة في مجال التحقيق العلمي في شتّى حقول المعرفة... لو أنّ هذا الجهاز الفعّال استخدم في مجال التفسير الموضوعي لحصل الباحث على نتائج باهرة.

وكلّ أملنا أن تهتمّ الشخصيّات والموَسسات المهتمة بالمسائل القرآنيّة بهذا الاقتراح، أو توليه المزيد من العناية به لنستطيع مواكبة العصر الحديث في تقدّمه الصاعد وتلبية حاجاته الماسّة الملحّة.

الشيعة و التفسير الترتيبي

قد تعرّفت على منهج التفسير الموضوعي فهلمّ معي ندرس المنهج الرائج بين المفسّرين وهو المنهج الترتيبي، وأظنّأنّ القارىَ في غنى عن تعريفه لشيوعه. وقد قام المسلمون بهذا النمط من التفسير على اختلاف مشاربهم في تفسير القرآن،


(381)

وقام فضلاء الشيعة من أصحاب أمير الموَمنين - عليه السّلام- وسائر الاَئمّة المعصومين بهذا النمط من التفسير، وقد أخذوا علوم القرآن وتبيين مفاهيمها عن أئمّتهم، فأوّل من دوّن أقواله في التفسير منهم هو عبد اللّه بن العباس (المتوفّى سنة 68هـ)، وأوّل من كتب تفسيراً تلميذه سعيد بن جبير (المتوفّى عام 95هـ)(1)، واستمرّ الاَمر إلى عصرنا هذا، بل لم يكتف كثير منهم بتأليف تفسير واحد حتى ضمّ إليه آخر، بل كثير منهم عزّزهما بثالث ورابع، وقد استخرج أسماء هوَلاء المعزّزين شيخ الباحثين «آغا بزرگ الطهراني» في معجمه.(2)

والغالب على التفاسير المدوّنة في القرون الاَُولى هو تفسير القرآن بالاَثر، ومن نماذجه تفسير «فرات بن إبراهيم الكوفي» الراوي عن جعفر بن محمد بن مالك البزاز الفزاري الكوفي (المتوفّى حوالي300هـ)، والمعلّم لاَبي غالب الزراي (المولود285هـ)، وتفسير «علي بن إبراهيم القمي»(حياً عام 307هـ)، و «تفسير العياشي» محمد بن مسعود أُستاذ الشيخ الكليني (المتوفّى عام 329هـ)، إلى غير ذلك من التفاسير الموَلّفة في العصور الاَُولى، فانّ الجلّ لولا الكلّ تفاسير روائية، وكأنّهم كانوا يجتنبون تفسير القرآن تفسيراً فكرياً تحليليّاً علمياً تحرّزاً من وصمة التفسير بالرأي، وقد كان هذا النمط سائداً إلى أواخر القرن الرابع بين الشيعة، حتى أحسّ العلماء بالحاجة الشديدة إلى التفسير العلمي والتحليلي، منضمّاً إلى ما روي عن النبيّ والاَئمّة - عليهم السّلام- ، وأوّل(3)من فتح هذا الباب الشريف الرضي (المتوفّى406هـ) فألّف كتاب «حقائق التأويل»، في عشرين جزءاً، ثمّ أخوه الشريف المرتضى (المتوفّى436هـ) في أماليه المسمّى بـ«الغرر والدرر» ، ثمّ تلميذه


(1)فهرست ابن النديم: 57.

(2)الذريعة إلى تصانيف الشيعة:4|233ـ 346.

(3)نذكر ذلك على وجه التقريب، لاَنّه لم يصل إلينا ممّن تقدّم عليه، تفسير عليه ذاك الطابع.

(382)

الاَكبر الشيخ الطوسي موَلف «التبيان»(المتوفّى460هـ) إلى أن صار هذا المنهج هو المنهج المتّبع الشائع في جميع الاَعصار إلى عصرنا هذا، وقلّت العناية بالمنهج الروائي المحض إلاّفي بعض الاَعصار (القرنين الحادي عشر والثاني عشر)، كما سيوافيك تفصيله، وبذلك حصل التطوّر الواضح في تفسير القرآن الكريم، ولعلّ العناية بالاَثر وصيانة تلك الكنوز عن الاندراس حملت المفسّرين في تلك الاَعصار على تفسير القرآن بنمط واحد ولون فارد، وهو التفسير بالاَثر من غير فرق بين السنّة والشيعة حتى أنّ أبا جعفر الطبري (المتوفّى310هـ)، وضع تفسيره على ذلك المنهج، وقلّما يتّفق أن يستكشف أسرار الآيات ويبسط الكلام فيها.

غير أنّ احتكاك الثقافات والضرورات الاجتماعية فرضت على المفسّرين المنهج العلمي من التفسير حتى يكون ملبّياً لحاجاتهم، فانّ القرآن بحر لا ينزف. فأدخلوا في التفسير قراءة القرآن، وإعرابه، وغوامضه، ومشكلاته، ومعانيه، وجهاته، ونزوله، وأخباره، وقصصه، وآثاره، وحدوده،وأحكامه، وحلاله وحرامه، والكلام على مطاعن المبطلين، والاستدلال على ما يتفرّد به المفسّـر في المذهب الفقهي أو الاعتقادي، وقد ألّف في أواسط القرن الرابع علي بن عيسى الرماني تفسيره المعروف، وهو بمنهجه العلمي تفوّق على التفاسير المتقدّمة عليه

وها نحن نذكر أسماء أعلام المفسّرين بالاَثر المروي عن النبيّ والآل، ثمّ نبتعهم بسرد أسماء مشاهير المفسّرين بالتفسير العلمي، فالمنهج الاَوّل يمتد إلى نهاية القرن الرابع، كما أنّالمنهج الثاني يبتدىَ بطلوع القرن الخامس حسبما وصل إلينا من كتبهم، وبما أنّ أكثر ما أُلّف في العصور الاَُولى غير واصلة إلينا، لا يمكن لاَحد القضاء الباتّ في الموضوع، وأنّ جميع ما في تلك القرون تفاسير روائيّة، وإنّما نعتمد في ذلك على الحدس وما ذكره الشيخ في أوّل التبيان، واللّه العالم.


(383)

مشاهير المفسّـرين بالرواية والاَثر

من الشيعة

إذا كان التفسير البياني أو اللغوي أمراً رائجاً بعد رحلة النبيّ الاَكرم، كان التفسير بالرواية والاَثر أيضاً رائجاً، ولا يمكن لنا أن نقضي قضاءً باتّاً بتقدّم إحدى المرحلتين على الاَُخرى، وليس من البعيد أن يكون كلا النمطين رائجين في عصر واحد، وقد تعرّفت على مشاهير مفسّـري الشيعة بالتفسير البياني فحان وقت ذكر مشاهير مفسّريهم بالحديث والاَثر سواء أكان مرويّاً من النبيّ الاَكرم، أو من أئمّة أهل البيت، وقد عرفت أنّ أسانيدهم في الرواية تنتهي إلى الرسول الاَعظم، ونحن نقتصر في القائمة التالية بالمشاهير دون كلّمن ألّف تفسيراً حديثيّاً، وإلاّفيحوجنا الاستقصاء إلى تأليف مفرد، كما نذكر من روي منه التفسير بالاَثر، سواء أكان له تأليف أو لا، وسيوافيك أنّ عصر التدوين متأخّر عن عصر بزوغ التفسير، وتداوله بين الصحابة و التابعين، وإليك أسماء الشخصيّات اللامعة في أربعة قرون خدموا القرآن عن طريق الاَثر عن النبيّ والآل:

أعلام التفسير في القرن الاَوّل

1. عبد اللّه بن عباس: هو ترجمان القرآن، ابن عمّ النبيّ الاَكرم، ولد قبل


(384)

الهجرة بثلاث سنين ، وتوفّي بالطائف سنة (68هـ)، ذكره ابن النديم في تسمية الكتب المصنّفة في التفسير بعد ما ذكر كتاب التفسير للاِمام الباقر - عليه السّلام- وقال: كتاب ابن عباس، رواه مجاهد وهو أبو الحجاج المقري، المفسّر المكّي مجاهد بن جبر، (المتوفّى عام 102هـ)، ورواه عن مجاهد حميد بن قيس الذي توفّي في زمن السفّاح...، وسيوافيك أنّ عبد العزيز بن يحيى الجلودي (المتوفّى عام 332هـ) يروي تفسيراً عن ابن عباس.(1)وقد طبع تفسير موسوم بـ«تنوير المقباس من تفسير عبد اللّه بن عباس» في أربعة أجزاء، وطبع في بولاق مصر عام (1290هـ)، وأمّا من هو الموَلّف لهذا التفسير فقد نسبه الحافظ شمس الدين السخاوي في «الضوء اللامع» إلى محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، صاحب القاموس(المتوفّى عام 818هـ)، والكلام في هذا الكتاب ذو شجون، والتحقيق موكول إلى محله، وعلى أي تقدير فالرجل في الرعيل الاَوّل من المفسّرين بين الصحابة والتابعين،وقد عرفت مأخذ تفسيره فلا نعيد، ولم يثبت له كتاب.

2. ابن جبير: هو سعيد بن جبير (الشهيد عام 95هـ) بأمر الحجاج بن يوسف الثقفي، ذكره ابن النديم في «الفهرست»، وقد استشهد الرجل لولائه وتشيّعه، وقصته معروفة.(2)

3. عطيّة العوفي: هو المعروف بالجدلي، وهو غير عطيّة العوفي المعروف


(1)فهرست ابن النديم: 56. قال في فهرس كتبه: الكتب المتعلّقة بعبد اللّه بن العباس ـ رضي اللّه عنهـ : مسنده ، كتاب التنزيل عنه، كتاب التفسير عنه، كتاب تفسيره عن أصحابه، كتاب القراءات عنه، كتاب الناسخوالمنسوخ عنه. الذريعة إلى تصانيف الشيعة:4|243ـ 244 برقم 1185.

(2)فهرست ابن النديم: 57. وسعيد بن جبير أوّل موَلّف من الشيعة في التفسير، كما سيوافيك، وعلى فرض ثبوت تأليف لابن عباس يكون هو الموَلّف الاَوّل، وقد أثبت ابن النديم لهما كتاباً.

(385)

بالبكالي، فانّ الثاني من أصحاب أمير الموَمنين، والاَوّل من أصحاب الاِمام الباقر الذي توفّي سنة (114هـ)، وقد أخذ عنه: أبان بن تغلب،وخالد بن طهمان، وزياد بن المنذر، كما ذكره النجاشي في تراجم هوَلاء، وقد جاءت ترجمته في كتب رجال العامّة كتهذيب الكمال وخلاصة التهذيب.(1)

أعلام التفسير في القرن الثاني

4. السُدّي: أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي التابعي الكوفي(المتوفّى سنة 127هـ) المعروف بالسدي الكبير، نسبة إلى سدة مسجد الكوفة ، من أصحاب الاَئمّة: علي بن الحسين و محمد بن علي الباقر وجعفر الصادق - عليهم السّلام- . قال السيوطي في «الاِتقان»: إنّ تفسير إسماعيل السدّي من أمثل التفاسير، ونرى المرويّات عنه في كتب التفسير كثيراً.(2)

5. جابر بن يزيد الجعفي: قال النجاشي: عربي قديم، ثمّسرد نسبه وقال: لقى أبا جعفر وأبا عبد اللّهعليمها السَّلام ، مات سنة (128هـ)، له كتب منها التفسير. عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الاِمام الباقر - عليه السّلام- .(3)

6. زيد بن أسلم العدوي: عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الاِمام السجّاد والاِمام الصادق عليمها السَّلام. (4)وذكر ابن النديم له كتاب التفسير، وقال: كتاب التفسير عن زيد بن أسلم، وهو بخط السكري، وهو أبو سعيد الحسن بن حسين


(1)الذريعة:4|282 برقم 1293.

(2)فهرست ابن النديم:57؛ الذريعة:4|276 برقم 1275.

(3)رجال النجاشي:1|313 برقم 330؛ رجال الطوسي: 111 برقم 6.

(4)فهرست ابن النديم: 57؛ رجال الطوسي:90و197؛ الذريعة : 4 |275برقم 1273.

(386)

ابن عبد اللّه السكري، النحوي، اللغوي، (المتوفّى عام 275هـ).

7. أبان بن تغلب: وهو أبان بن تغلب بن رباح البكري الجريري، (المتوفّى عام 141هـ)، قال ابن النديم: كتاب التفسير لابن تغلب، ثمّذكر في مكان آخر ما لفظه: كتاب معاني القرآن، لطيف وكتاب القراءات، والظاهر أنّ المراد من معاني القرآن هو تفسير غريبه، وقد مرّ ذكره.(1)

8. محمّد بن السائب الكلبي: هو محمد بن السائب بن بشر الكلبي، (المتوفّى146هـ)، من أصحاب الاِمامين الباقر والصادق عليمها السَّلام ، وهو والد أبي المنذر هشام الكلبي النسّابة (المتوفّى206هـ)، ترجمه ابن النديم وذكر تفسيره، وقال: وهو تفسير كبير، وقد عدّه الشيخ من أصحاب الاِمام الصادق عليه السَّلام .(2)

9. أبو حمزة الثمالي: هو ثابت ابن أبي صفيّة. قال النجاشي: كوفي ثقة، وكان آل المهلب يدّعون ولاءه، وليس من قبيلتهم، لاَنّهم من العتيك(والعتيك: بطن من الاَزد)، لقي علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد اللّه وأبا الحسن (الكاظم) - عليهم السّلام- ، وروى عنهم، وكان من خيار أصحابنا وثقاتهم ومعتمديهم في الرواية والحديث، وروى عن أبي عبد اللّه أنّه قال: أبو حمزة في زمانه مثل سلمان في زمانه، ومات سنة (150هـ)، وذكره ابن النديم في فهرسته، والكاتب الجلبي في كشف الظنون، ويروي عن هذا التفسير: الثعلبي (المتوفّى427هـ) في الكشف والبيان، كما يروي عن هذا التفسير ابن شهر آشوب في كتابيه«الاَسباب والنزول»، و«المناقب». وقال ابن حجر في «التقريب» (1|116): رافضي مات في خلافة أبي جعفر المنصور.(3)


(1)فهرست ابن النديم:50وص 322.

(2)فهرست ابن النديم: 57؛ رجال الطوسي: 289 برقم 144.

(3)فهرست ابن النديم: 57؛ رجال النجاشي: 1|289 برقم 294؛ الذريعة: 4|252 برقم 1205.

(387)

10. أبوالجارود: زياد بن المنذر، المعروف بأبي الجارود الهمداني. عرّفه النجاشي بقوله: كوفي من أصحاب أبي جعفر، وروى عن أبي عبد اللّه، له كتاب تفسير القرآن، رواه عن أبي جعفر، ومات في حياة الاِمام الصادق - عليه السّلام- ، وذكره الشيخ في أصحاب الاِمام الباقر. و راجع ترجمته في تقريب التهذيب، وتهذيب التهذيب.(1)

11. حسن بن واقد: هو أخو عبد العزيز، عبد اللّه بن واقد الذي هو من أصحاب الاِمام الصادق، وذكر ابن النديم في فهرسته كتاب التفسير له كما ذكر له الناسخ والمنسوخ.(2)

12. أبو جنادة السلولي: هو الحصين بن المخارق بن عبد الرحمن السلولي، بن ورقاء بن حبشي بن جنادة ويعدّجدّه الحبشي من الصحابة، وقد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق والكاظم عليمها السَّلام ، وذكر له التفسير. قال النجاشي: الحبشي (جدّه) صاحب النبيّ، روى عنه ثلاثة أحاديث، أحدها: «عليّ منّي وأنا منه»، ثمّ قال: له كتاب التفسير والقراءات.(3)

13. وهيب بن حفص: هو المعروف بأبي علي الحريري مولى بني أسد، روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (الكاظم)، وكان ثقة وصنّف كتباً، منها: كتاب تفسير القرآن و كتاب في الشرائع.(4)

14. علي بن أبي حمزة البطائني: عرّفه النجاشي بقوله: كوفي، روى عن أبي


(1)رجال النجاشي: 1|387 برقم 446؛ رجال الطوسي: 122برقم 4 وتعليقته للعلاّمة السيد صادق بحر العلوم.

(2)فهرست ابن النديم: 57؛ الذريعة:4|271 برقم 1260.

(3)رجال الطوسي: 178 برقم 222؛ رجال النجاشي:1|342 برقم 374.

(4)رجال النجاشي: 2|393 برقم 1160.

(388)

الحسن موسى (الكاظم)، وروى عن أبي عبد اللّه، وصنّف كتباً، منها: كتاب جامع في أبواب الفقه، وكتاب التفسير وأكثره مروي عن أبي بصير، وذكره الشيخ في أصحاب الصادق - عليه السّلام- .(1)

أعلام التفسير في القرن الثالث

15. الاِمام الحافظ الكبير عبد الرزاق بن همام اليماني، (126 ـ 211هـ)، ترجمه الذهبي في «تذكرة الحفاظ» وعدّه الشيخ في عداد أصحاب الاِمام الصادق - عليه السّلام- ، وذكر النجاشي اسمه في ترجمة أبي علي محمد بن همام بن سهيل الاسكافي البغدادي، وتوجد نسخة من تفسيره في بعض مكتبات مصر، سنة كتابته(724هـ)، وقد أكثر فيه الرواية عن أبي عروة: معمر بن راشد الصنعاني البصري من أصحاب الاِمام الصادق - عليه السّلام- .(2)

16. ابن محبوب: هو الحسن بن محبوب (150 ـ 224هـ)، قال الشيخ: كوفي ثقة، روى عن أبي الحسن الرضا - عليه السّلام- ، وروى عن ستين رجلاً من أصحاب أبي عبد اللّه، وكان جليل القدر ويعدّ من الاَركان الاَربعة في عصره، ثمّ عدّكتبه، وقال: وزاد ابن النديم كتاب التفسير.(3)

17. ابن فضّال الكبير: وهو أبو محمد الحسن بن علي الفضّال الكوفي، (المتوفي عام 224هـ)، ذكر تفسيره ابن النديم، وله أيضاً«الشواهد من كتاب اللّه»،


(1)رجال النجاشي:2|69 برقم 654؛ رجال الطوسي: 242 برقم 312.

(2)رجال النجاشي: 2|295 برقم 1033؛ الذريعة:4|350 برقم 1200.

(3)فهرست الطوسي:71 برقم 162؛ الذريعة:4|248 برقم 1193.لاحظ فهرست ابن النديم: 309. والعجب أنّ النجاشي لم يعقد لابن محبوب ترجمة مستقلة مع أنّه من أصحاب الاِجماع.

(389)

وذكر النجاشي له خصوص الناسخ والمنسوخ، وقال الشيخ: روى عن الرضا - عليه السّلام- ، وكان خصيصاً به، وكان جليل القدر عظيم المنزلة زاهداً ورعاً ثقة في الحديث وفي رواياته، ثمّ ذكر كتبه، وقال: وزاد ابن النديم كتاب التفسير.(1)

18. الحسن بن سعيد الاَهوازي: قال النجاشي: شارك أخاه الحسين في الكتب الثلاثين المصنّفة. خاله جعفر بن يحيى بن سعد الاَحول من رجال أبي جعفر الثاني (الجواد)، وكُتبُ ابني سعيد كتب حسنة معوّل عليها وهي ثلاثون كتاباً، ومنها: كتاب تفسير القرآن. وقد ذكرهما الشيخ من أصحاب الرضا عليه السَّلام وتوفّي الاِمام الرضا - عليه السّلام- عام (203هـ).(2)

19. محمد بن خالد بن عبد الرحمان الكوفي البرقي: قال النجاشي: وكان أديباً حسن المعرفة بالاَخبار وعلوم العرب، له كتب منها: كتاب التفسير، وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد - عليه السّلام- ، كما عدّه أيضاً في موضع آخر من أصحاب الرضا - عليه السّلام- .(3)

20. عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي: من أصحاب الاِمام الجواد، وذكر النجاشي له كتباً كثيرة، وقال: كتاب التفسير عن علي، ثمّ قال: وكتاب تفسيره عن الصحابة، وهو من المكثرين في التفسير، وقد مرّ أنّ له كتب التفسير عن ابن عباس وغيره،وقد ذكر له ما يقرب من مائتي كتاب، وقال الشيخ: «عبد العزيز الجلودي من أهل البصرة، امامي المذهب، له كتب في السير والاَخبار...»، وقد ذكر المعلّق على فهرست الشيخ أنّه توفّي سنة (232هـ).(4)


(1)رجال النجاشي:1|127 برقم 71؛ فهرست الطوسي: 73 برقم 164؛ فهرست ابن النديم: 226.

(2)رجال النجاشي: 1|171 برقم 135؛ رجال الطوسي: 395.

(3)رجال النجاشي: 2|200، برقم 899؛ رجال الطوسي:404و386.

(4)رجال النجاشي: 2|54 برقم 638؛ فهرست الطوسي: 145؛ فهرست ابن النديم:172.

(390)

21. محمد بن عباس بن عيسى: قال النجاشي: كان يسكن بني غاضرة، روى عن أبيه والحسن بن علي بن أبي حمزة وعبد اللّه بن جبلة، له كتب منها: كتاب التفسير.(1)

22. علي بن الحسن بن فضّال: قال النجاشي: «كان فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم وعارفهم بالحديث المسموع قوله فيه، سمع منه شيء كثير، ولم يعثر له على زلّة فيه ولا ما يشينه، وقلّما روى عن ضعيف، وصنّف كتباً كثيرة منها: كتاب التفسير، ومنها: كتاب التنزيل من القرآن والتحريف»، ولعلّ المراد أسباب النزول الصحيحة والمحرّفة. عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الهادي والعسكري، توفّي أبوه سنة (224هـ). وقال الشيخ: ثقة كوفي كثير العلم، واسع الرواية والاَخبار، جيد التصانيف، وعدّ كتبه ومنها: كتاب التفسير.(2)

23. أحمد بن محمد بن خالد البرقي: موَلّف كتاب «المحاسن»، وهو مشتمل على عدّة كتب منها كتاب التفسير و التأويل، وله كتاب فضل القرآن أيضاً، توفي عام (274هـ)، وذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الجواد والهاديعليمها السَّلام.(3)

أعلام التفسير في القرن الرابع

24. فرات بن إبراهيم الكوفي: وقد أكثر فيه الرواية عن الحسن بن سعيد


(1)رجال النجاشي: 2|232 برقم 917.

(2)رجال النجاشي: 2|82 برقم674؛ فهرست الطوسي: 118 برقم 393؛ ورجال الطوسي: 419و 433.

(3)رجال النجاشي: 1|204 برقم 180؛ رجال الطوسي: 398 برقم 8، و410 برقم 16.

(391)

الكوفي الاَهوازي الذي أدرك الاِمام الرضا والجواد والهادي - عليهم السّلام- ، كما أكثر فيه من الرواية عن جعفر بن مالك البزاز الكوفي (المتوفّى حدود300هـ)، كما أكثر من الرواية عن عبيد بن كثير العامري الكوفي(المتوفّى سنة294هـ)، فالموَلّف من أعيان الاِمامية، في أوائل القرن الرابع، ويروي عنه والد الشيخ الصدوق علي بن الحسين ابن بابويه القمي (المتوفّى سنة 329هـ). طبع مرّتين، المرّة الثانية طبعة محقّقة.(1)

25. محمد بن أوْرَمة: أبو جعفر القمي، ترجمه النجاشي في رجاله، وذكره الشيخ في باب من لم يرو عن الاَئمّة - عليهم السّلام- ، وذكر النجاشي له كتباً كثيرة منها: كتاب تفسير القرآن.(2)

26. علي بن إبراهيم بن هاشم الكوفي القمي: أُستاذ الكليني، وكان في عصر أبي محمد العسكري وبقي حياً إلى سنة (307هـ)، وقد ر