welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 10*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مفاهيم القرآن / ج 10

مفاهيم القرآن
العدل والاِمامة

الجزءالعاشر

يبحث عن العدل والاِمامة
وحقوق أهل البيت
في القرآن الكريم وتاريخ التفسير

تأليف

العلامة المحقّق

جعفر السبحاني


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي قام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حكمه، الصلاة والسلام على من كلامه، الفصل وحكمه، العدل سيد المرسلين وأفضل النبّيين الخلافة.

أمّا بعد:

لقد قام الاِسلام على دعائم متينة وأُسس راسحة تمثَّلت في أُصول الدين الّي من أبرزها التوحيد والمعاد والنبوة، وهذا ما اتّفق عليه المسلمون بكافة طوائفهم ونحلهم، فلا يدخل أحد في خطيرة الاِسلام إلاّ إذا آمن بتوحيده سبحانه ذاتاً وفعلاً وعبادة، و آمن بمعاده وانّه سبحانه يبعث من في القبور، وآمن بنبوّة محمّد6 وانّها الحلقة الاَخيرة من نظام النبوة التي ترتبط بالسماء.

وثمة أُصول أُخرى وقعت مثاراً للجدل والنقاش من قِبَل الفرق الاِسلامية فمنهم من عدّها من جوهر الدين وصميمه، كما أنّ منهم من عدّها من فروع الدين، وهذه كالاِمامة والخلافة بعد الرسول فهي عند السنَّة من فروع الدين، لاَنّ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع وجود إمام عادل ذي قوة وقدرة وصولة، فتكون الاِمامة كا لمقدمة لهذه المسؤولة الخطيرة، ومنهم من يعدّها من أُصول الدين لاَنهم يرون الاِمامة منصباً إلهيّاً وانّ وظيفتها هي استمرار وظائف النبوة، وإن


(6)

كانت النبوة منقطعة بارتحال الرسول لكن الوظيفة بعد باقية.

وكالعدل الّذي اتّفق المسلمون برمّتهم على وصفه سبحانه به، ولكن اختلفوا في مفهوم العدل وحقيقته كما سيوافيك، ولذلك نكرّس جلّ جهودنا على تبيين هذين الموضوعين متمثّلين بقول الصاحب بن عباد حيث يقول:

لو شُق عن قلبي يُرى وسطَهسطران قد خُطّا بلا كاتب

العدل والتوحيد في جانبوحبّ أهل البيت في جانب

ولّما كان بين الاِمامة والتعرّف على أهل البيت: الذين طهرّهم الله، صلة قويمة، أثرنا فتح باب لبيان سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم.

ومّما تجدر الاِشارة إليه انّ هذه الموسوعة تشكّل الحلقة الاَخيرة من سلسلة مفاهيم القرآن، فالواجب يحتّم علينا التنويه بالسير التاريخي للتفسير لدى الاِماميّة، وقد ذكرنا من ألوان تفاسيرهم وأسماء كتبهم ما سمح به الوقت، فانّ الاِحاطة بها رهن تأليف مفرد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العاليمن

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الاِمام الصادق - عليه السلام -

21 شوال 1420 هـ



(7)

العدل و الاِمامة

المقدّمة

إنّ العقيدة الاِسلامية تنقسم إلى قسمين:

الاَوّل: ما يعرف بأُصول الدين.

الثاني: ما يعرف بأُصول المذهب.

ويراد من الاَوّل، الاَُصولُ الَّتي اتّفق عليها عامة المسلمين ولم يخالف فيها أحد، وفي الحقيقة تُناط تسمية الاِنسان مسلماً بهذه الاَُصول الثلاثة ، وهي كالتالي:

أ: التوحيد بمراتبه.

ب: المعاد.

ج: النبوة العامة والخاصة.

وهذه الاَُصول الثلاثة قد أشبعنا البحث فيها ضمن أجزاء هذه الموسوعة، بقي الكلام في القسم الثاني، وهو ما يعبَّر عنه بأُصول المذهب، التي هي عقيدة بعض المذاهب الاِسلامية وهي اثنان:

أ: العدل

ب: الاِمامة.


(8)

أمّا الاَوّل: فيوَمن به الاِمامية والمعتزلة، ويخالفهما الاَشاعرة، وسوف يوافيك تفصيل البحث فيه.

وأمّا الثاني :فهو مما يتميّز به المذهب الاِمامي الاثنا عشري عن سائر المذاهب، كما سيوافيك.

وربما يُثار سوَال وهو أنّه كيف يمكن عدّ الاَصل الاَوّل من خصائص الاِمامية والمعتزلة على الرغم من أنّ كافّة الطوائف الاِسلامية تصف اللّه سبحانه بالعدل، ولا نجد بين المسلمين من يقول بأنّاللّه ظالم ليس بعادل؟

والجواب : انّ ما ذكر صحيح، وانّ جميع الفرق تصف اللّه سبحانه بأنّه عادل لا يجور، غير أنّهم يختلفون في معنى «العدل» وكونه عادلاً لا جائراً.

فالاِمامية والمعتزلة أصفقت على أنّالعدل له مفهوم واحد، ومعنى فارد، اتّفق عليه قاطبة العقلاء.

مثلاً: أخذ البريء بذنب المجرم ظلم يتنزّه عنه اللّه سبحانه، و هكذا، فكلّ ما حكم العقل بفعل انّه ظلم، فاللّه سبحانه منزَّه عنه.

وعلى ذلك فالحكم بالعدل وتمييز مصاديقه وجزئياته، وانّ هذا عدل وذاك ظلم كلّها ترجع إلى العقل.

وأمّا الاَشاعرة فهم وان يصفون اللّه سبحانه بالعدل، لكنّهم لا يحدّدون العدل، بمفهوم واضح، بل يوكلون ذلك إلى فعل اللّه سبحانه، وانّ كلّ ما صدر منه فهو عدل، وكلّ ما نهى عنه فهو ظلم، وبذلك أقصوا العقل عن القضاء في ذلك المقام.

وبعبارة أُخرى: انّ الشيعة والمعتزلة يرون أنّ للعدل والظلم ملاكاً عند


(9)

العقل، وبه يتميز أحدهما عن الآخر، ويوصف الفعل بالعدل أو الظلم، ولكن الاَشاعرة ينكرون ذلك الملاك، ويرون انّ أفعاله سبحانه فوق ما يدركه العقل القاصر.

ولذلك كلّ ما يصدر منه فهو عدل، محتجّين بقوله سبحانه: (لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).(1)

وعلى ضوء ذلك يتبين أنّ وحدة الفرق الاِسلامية في وصفه سبحانه بالعدل وحدة صورية، وإلاّفالملاك عند الفرقتين للعدل غير ملاكه عند الاَشاعرة. فلو أمر سبحانه بتعذيب الاَنبياء والاَولياء والصدّيقين فهو عند الاَشاعرة عدل لا مانع من صدوره عنه، ولكنّه عند غيرهم أمر قبيح لا يصدر منه سبحانه.وهو و إن كان متمكناً من ذلك العمل وقادراً عليه لكن حكمته سبحانه تحول دون ارتكابه.

هذا كلّه حول العدل.

وأمّا الاِمامة : فيثار حولها نظير السوَال السابق، فالمسلمون قاطبة يوَمنون بأصل الاِمامة وانّه لابدّ للمسلمين من إمام يأتمّون به، ولكنّهم اختلفوا في خصوصياتها، فهل الاِمامة منصب إلهي كالنبوة لا يناله إلاّالاَمثل فالاَمثل من الاَُمة، ولا يمكن الوقوف على القائم بأعباء الاِمامة إلاّمن خلال نصبه سبحانه؟

أو انّه منصِب بشري و مقام اجتماعي يقوم بأعبائه من تُعيّنه طائفة من الاَُمّة؟ وبذلك تختلف وجهة النظر في واقع الاِمامة عند الطائفتين.

نبدأ الكلام فيالاَصلالاَوّل من أُصولالمذهب، و هوالعدل الاِلهي.


(1)الاَنبياء:23.

(10)

(11)

المعدل الاِلهي


وفيه فصول
(12)



(13)

الفصل الاَوّل

العدل الاِلهي في الكتاب العزيز

آيات الموضوع

1.(شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لاإِلهَ إِلاّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ لاإِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزيزُ الحَكِيم) .(1)

2. (ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيد) .(2)

3. (إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرّةٍوَإِنْ تَكُ حَسنَةً يُضاعِفْها وَيُوَْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً).(3)

4. (فَمَا كانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكن كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون).(4)

5. (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* فَأَصَابَهُمْ سَيّئاتُ ما عَمِلُوا).(5)

6.(وَمَا اللّهُ يُريدُظُلْماً لِلْعِباد) .(6)


(1)آل عمران:18.

(2)آل عمران:182.

(3)النساء:40.

(4)التوبة:70.

(5)النحل:33 ـ 34.

(6)الموَمن:31.

(14)

وقبل أن نخوض في تفسير الآيات، نشير إلى مقدمة، وهي:

إنّ العدلية تصف اللّه سبحانه بالعدل بالمعنى المتفق عليه بين العقلاء، وبرهانها على ذلك هو انّالعقل قادر على تمييز الحسن عن القبيح، والعدل عن الظلم، واللّه سبحانه بما انّه حكيم لا يجور أبداً، فهاهنا دعويان:

الاَُولى: انّ العقل له القابلية على تمييز الحسن عن القبح، وانّ التحسين والتقبيح من الاَُمور المنوطة بقضاء العقل.

الثانية: إذا تبيَّن أنَّ العدل حسن و الظُّلم قبيح فاللّه سبحانه موصوف بالعدل، نزيه عن فعل الظلم. وإليك بيان كلا الدعويين.

أمّا الدعوى الاَُولى فتدلُّ عليها أُمور:

الاَوّل: التحسين والتقبيح من الاَُمور البديهية

إنّ التحسين والتقبيح من الاَُمور البديهيَّة التي يدركها كلّ إنسان سليم الفطرة، فمثلاً يدرك انّ العمل بالميثاق حسن، والتخلّف عنه قبيح، أو انّ جزاء الاِحسان بالاِحسان جميل، وجزاءه بالسيّء قبيح.وهكذا سائر الاَفعال التي توصف بالحسن والقبح.

وموضوع قضاء العقل بالحسن والقبح هو نفس الفعل بما هوهو، سواء أكان الفاعل واجباً أم ممكناً، خالقاً أم مخلوقاً، فيوصف الفعل من أي فاعل صدر بأحد الوصفين.

وبعبارة أُخرى: كما أنّمسائل الحكمة النظرية تنقسم إلى نظرية وبديهية، ويستنبط حكم الاَُولى من الثانية، ولذلك عدّوا مسألة امتناع اجتماع النقيضين أو


(15)

ارتفاعهما من المسائل البديهية في الحكمة النظرية.

فهكذا الاَمر في الحكمة العملية فمسائلها تنقسم إلى بديهية وغير بديهية، ويستنبط حكم الثانية من الاَُولى.

والتحسين والتقبيح من المسائل البديهية في الحكمة العملية، وقد حازتا على اهتمام واسع نظراً لدورهما في استنباط سائر مسائل الحكمة العملية.

ولاَجل إيضاح المراد نقول: إنّتحسين بعض الاَفعال وتقبيحها من الاَُمور البديهية للعقل، ويدلّك على ذلك اتّفاق عامة العقلاء مع اختلاف ثقافاتهم وبيئاتهم على وصف أفعال بالحسن، وأفعال أُخرى بالقبح، نظير:

أ: حسن العدل وقبح الظلم.

ب: حسن العمل بالميثاق وقبح نقضه.

ج: حسن جزاء الاِحسان بالاِحسان و قبح جزائه بالسيّء.

د: حسن الصدق وقبح الكذب.

هـ: حسن أداء الاَمانة وقبح الخيانة بها.

إلى غيرها من الاَُمور التي لا يختلف فيها اثنان، وهذا يدل على أنّتلك الاَفعال موصوفة بالحسن والقبح بالبداهة، وإلاّ لما اتفق عليه العقلاء كافة، ولذلك قلنا: إنّ التحسين والتقبيح أمران عقليان.

* الثاني: إنكار إدراك العقل يلازم النفي مطلقاً

لقد أنكرت الاَشاعرة قابلية إدراك العقل حسنَ الاَفعال وقبحها ، وذهبوا إلى أنّ القضاء بالتحسين والتقبيح بيد الشرع، فكلّ ما أخبر بحسنه فهو حسن،


(16)

وما أخبر بقبحه فهو قبيح، ولكنّهم غفلوا عن أنّهم بإنكارهم قابلية العقل لاِدراك الحسن والقبح، أثبتوا عدم ثبوت الحسن والقبح مطلقاً حتى مع تصريح الشرع، وذلك لاَنّه إذا كان تمييز الحسن عن القبيح بيد الشرع دون العقل فإذا أخبر النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بحسن شيء وقبحه، فمن أين نعلم أنّه يصدق في أخباره ولا يكذب، والمفروض انّ العقل عاجز عن درك حسن الاَوّل وقبح الثاني؟ فلا يصحّ إثبات حسن شيء أو قبحه من خلال تصريح الشارع، إلاّ أن يثبت قبلاً انّ الصدق حسن والكذب قبيح، ويثبت انّه سبحانه نزيه عن فعل القبيح، ولولا هذان الاَمران لذهب الاِخبار بحسن الشيء أو قبحه سدى.

* الثالث: لولا التحسين العقلي لما ثبتت شريعة

لو لم نقل بالتحسين والتقبيح العقليين يلزم عدم ثبوت شريعة من الشرائع السماوية، حتى تثبت بها شريعة تحكم بحسن شيء أو قبحه، وذلك لاَنّ القائل بالتحسين والتقبيح العقليين، يقول : إنّ حكمته سبحانه تصدّه عن تزويد الكاذب بالمعجزة، فلو ادّعى رجل النبوة من اللّه وأتى بمعجزة عجز الناس عن مباراته، فهي دليل على صدقه في دعوته.

وأمّا إذا أنكرنا قدرة العقل واستطاعته على درك الحسن والقبح، لكان باب احتمال تزويد الكاذب بالمعجزة مفتوحاً على مصراعيه، و ليس هنا دليل يردّ هذا الاحتمال فلا يحصل يقين بصدق دعواه.

وهذه الاَدلّة الثلاثة التي سردناها على وجه الاِيجاز، تُشرف القارىَ على القطع بأنّ العقل له المقدرة على درك الحسن والقبح.هذا كلّه حول الدعوى الاَُولى.


(17)

وأمّا الدعوى الثانية وهي انّه بعد ما تبيَّن انّ العدل حسن، والظلم قبيح، فاللّه سبحانه موصوف بالعدل ومنزّه عن الظلم، وذلك، مضافاً إلى أنَّه سبحانه حكيم، والحكيم يعدل ولا يجورـ أنّ الجور رهن أحد أمرين، إمّا الجهل بقبح العمل ، أو الحاجة إليه، والمفروض انتفاء كلا المبدأين عنه سبحانه.

وربما يقال إنّكون الشيء حسناً أو قبيحاً عند الاِنسان لا يلازم كونه كذلك عند اللّه، فكيف يمكن استكشاف انّه سبحانه لا يفعل القبيح؟

والجواب عنه واضح لاَنّ المدرَك للعقل هو حسن الفعل على وجه الاِطلاق، أو قبحه كذلك، من دون أن تكون للفاعل مدخلية فيه سوى كونه فاعلاً مختاراً، وأمّا كونه واجباً أو ممكناً فليس بموَثرٍ في قضاءالعقل. وعلى ذلك فإذا ثبت كون الشيء جميلاً أو قبيحاً فهو عند الجميع كذلك.

* شمولية عدله سبحانه

يظهر من الآية الاَُولى انّعدله يعمُّ جميع شوَونه، حيث يقول: (شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لاإِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولوا العلمِِ قائِماً بِالقِسْطِ) (1)فقوله: «قائماً» حال من لفظ الجلالة، في قوله: شهد اللّه، أو الضمير المنفصل، أعني: إلاّ هو.

والمتبادر منه أنّه سبحانه يجري العدل في عامة شوَونه في خلقه وتشريعه فهو عادل ذاتاً وفعلاً.

و تشهد على ذلك مضافاً إلى شهادته سبحانه به، شهادة الملائكة وأُولي العلم، فكأنّ الآية تنحل إلى الجمل التالية:


(1)آل عمران:18.

(18)

1.«شهد اللّه انّه لاإله إلاّ هو قائماً بالقسط».

2. «شهدت الملائكة انّه لاإله إلاّ هو قائماً بالقسط».

3. «شهد أُولو العلم انّه لاإله إلاّ هو قائماً بالقسط».

فالآية تدلُّ على شهادته سبحانه على أمرين:(1)

الاَوّل: لاإله إلاّ هو ، لا نظير له.

الثاني: انّه قائم بالقسط.

ومن المعلوم انّالشهادتين ليستا من مقولة الشهادة اللفظية، وإنّما هي من مقولة الشهادة التكوينية، ففعله سبحانه في عالم الخلقة يدل على أمرين:

الاَوّل: لا خالق ولا مدبّر إلاّهو، فانّ اتقان النظام، وسيادته على جميع الكائنات من الذرّة إلى المجرّة، لاَوضح دليل على أنّ الخالق والمدبّر واحد ، وإلاّ لانفصمت عرى الانسجام والاتصال بين أجزاء الكون، وقد أوضحنا في محلّه أنّ تعدّد العلة واختلاف السببين يستلزم اختلافاً في المسبب، فلا يمكن أن يكون النظام الواحد معلولاً لفاعلين مدبّرين مختلفين في الحقيقة.

الثاني: يشهد فعله سبحانه في عالم التكوين والتشريع انّه سبحانه عادل وقائم بالعدل.

وأفضل كلمة قيلت في تعريف العدل هي ما روي عن علي - عليه السّلام- ، حيث قال:

«العدل يضع الاَُمور مواضعها».(2)


(1)ما ذكرنا مبنيٌّ على أنَّ قيامه بالقسط منالمشهود به خلافاً للسيّدالطباطبائي حيث خصَّ الشهادة بالتوحيد.

(2)نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 437.

(19)

بيان ذلك انّ لكلّ شيء وضعاً خاصاً يقتضيه إمّا بحكم العقل، أو بحكم الشرع والمصالح الكلية في نظام الكون، فالعدل هو رعاية ذلك الوضع وعدم الانحراف إلى جانب الاِفراط والتفريط.

نعم موضع كلّ شيء بحسبه، ففي التكوين بوجه، وفي المجتمع البشري بوجه آخر، وهكذا . وبلحاظ اختلاف موارده تحصل له أقسام ليس هنا مقام بيانها، إلاّ أنّ العدل بالنسبة إلى اللّه تعالى على أنحاء ثلاثة:

1. العدل التكويني: وهو إعطاوَه تعالى كلّ موجود ما يستحقه ويليق به من الوجود فلا يهمل قابلية، ولا يعطل استعداداً في مجال الاِفاضة والاِيجاد.

2. العدل التشريعي: وهو انّه تعالى لا يهمل تكليفاً فيه كمال الاِنسان وسعادته، وبه قوام حياته المادية والمعنوية الدنيوية، والاَُخروية، كما أنّه لا يكلّف نفساً فوق طاقتها.

3. العدل الجزائي: وهو انّه تعالى لا يساوي بين المصلح والمفسد، والموَمن والمشرك، في مقام الجزاء والعقوبة، بل يُجزي كلّإنسان بما كسب، فيُجزي المحسن بالاِحسان والثواب، والمسيء بالاِساءة والعقاب، كما أنّه تعالى لا يعاقب عبداً على مخالفة التكاليف إلاّ بعد البيان والاِبلاغ.

وبذلك تبيَّن معنى الآية، وشهادته سبحانه على كونه قائماً بالقسط في جميع الاَنحاء.

وأمّا شهادة الملائكة و أُولي العلم وذلك فبتعليم منه سبحانه.

وأمّا سائر الآيات التي أوردناها في صدر الفصل، فهي غنية عن التفسير، لاَنّها بصدد بيان أنّ العذاب في الدنيا والآخرة رهن عمل الاِنسان، فلو عُذّب فإنّما


(20)

هو لاَجل القبائح والذنوب التي اقترفها، يقول سبحانه: (ذلِكَ بِما قَدَّمَت أيديكُمْ وَ أنّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبيد) .(1)

وقال عزّ من قائل: (فََمَاكانَ اللّهُُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهم يَظْلِمُون).(2)

واللّه سبحانه لا يظلم عباده ولو جاء العبد بحسنة يضاعفها، كما قال سبحانه: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُوَْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) .(3)

ولاَجل إيضاح عدله سبحانه في عالم التكوين والتشريع نعطف النظر إلى آيات تدل على ذلك في الفصل التالي.


(1)آل عمران:182.

(2)التوبة:70.

(3)النساء:40.

(21)

الفصل الثاني

مظاهر العدل الاِلهي

في عالم الخلق

آيات الموضوع

1.(خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَونَها وَأَلْقَى فِي الاََرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوجٍ كَريمٍ) ) .(1).

2.(إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالاََرْضَ أَنْ تَزُولا).(2)

3. (وَالسَّماءَ رَفَعها وَوَضَعَ الْمِيزان) . (3)

إنّ لعدله سبحانه مظاهر في عالم الخلق والتشريع، و سنعرض في هذا الفصل مظاهر عدله في عالم الخلقة.

* 1. السماوات ورفعها بغير عمد

يقول سبحانه في هذا الصدد:(خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَونَها) .


(1)لقمان:10.

(2)فاطر:41.

(3)الرحمن:7.

(22)

إنّ رفع صرح هذا البناء الشامخ دون الاستعانة بدعائم مرئيَّة يكشف عن تناغم دقيق في عالم الخلقة، ولولاه لتداعت أركان العالم وانهارت، وهذا النظام الرائع تقاسمته قوّتا الجاذبية والطاردة(النابذة)،وفي ظلّ التعادل القائم بينهما انتظمت حركة النجوم و الكواكب والمجرّات في مساراتها.

فالجاذبية قانون عام جار على جميع الاَجسام في هذا العالم، وهي تتناسب عكسياً مع الحدّ الفاصل بين الجسمين إذ تتعاظم كلما تضاءلت المسافة، وتتضاءل كلما ازدادت الفاصلة، فلو دارت رحى النظام الكوني الدقيق على قوة الجاذبية فقط لارتطمت الكواكب والنجوم بعضها مع بعض ولتداعى النظام السائد، ولكن في ظـل قانون الطرد يحصل التعادل المطلوب، وقوة الطرد تلك تنشأ من الحركة الدورانية للاَجسام.

ومهما يكن من أمر ففي ظل هاتين القوتين تبقى الملايين من المنظومات الشمسية والمجرّات معلّقة في الفضاء دون عَمَد ، وتحول دون سقوطها وفنائها، وإلى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم، ويقول: (اللّهُ الّذي رفع السَّماوات بِغَير عَمَدٍ تَرَونها) .(1)

وتتضح دلالة الآية من خلال ملاحظة أمرين:

الاَوّل: انّ قوله «ترونه» وصف لـ «عَمَد» و هي جمع عمود.

الثاني: انّ الضمير في «ترونها» يرجع إلى الاَقرب الذي هو «عمد» لا إلى السماوات التي هي أبعد، ومعنى الآية أنّه سبحانه رفع السماوات من دون أعمدة مرئية ، و هو لا ينفي العمود بتاتاً، بل و إنّما ينفي العمود المرئي، ولازم ذلك وجود العمد في رفع السماوات من دون أن يراها البشر، وهذا هو المعنى الذي اختاره ابن


(1)الرعد:3.

(23)

عباس وغيره.(1)

وهو الظاهر مما رواه الحسين بن خالد، عن علي بن موسى الرضا - عليه السّلام- ، فإنّه - عليه السّلام- قال في تفسير الآية: «أليس اللّه يقول: بغير عمد ترونها؟» فقلت: بلى، قال: «ثمَّ عَمَد لكن لا ترونها ».

ويوَيده ما روي عن الاِمام علي - عليه السّلام- ، انّه قال: «هذه النجوم التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الاَرض، مربوطة كلّمدينة إلى عمود من نور».(2)

ورواه الطريحي أيضاً لكن قال: «عمودين من نور» مكان قوله«عمود من نور».(3)

ولعل المراد من العمودين هما قوتا الجاذبية والطاردة.

إنّ الكتاب الكريم صاغ الحقيقة المكتشفة من قبل «نيوتن»، بعبارة يسهل فهمها على عامة الناس، وقال: (بغير عمد ترونها).

وقد أشار سبحانه في غير واحد من الآيات، أنّه سبحانه هو الممسك للسماوات من الزوال، وقال: (إِنّاللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالاََرْض أَنْ تَزُولا) ).(4)

وكونه سبحانه هو المُمْسِك لا يمنع من وجود علل طبيعية حافظة لسقوط السماوات وزوالها، فقد جرت سنّته سبحانه على تدبير العالم من خلال العلل الطبيعية التي هي من سننه سبحانه وجنوده الغيبية.

وأشار الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام- في غير واحد من خطبه إلى خلقة الاَرض، و قال: «أرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوام، ورفعها بغير دعائم».

وعلى كلّ تقدير فالتوازن الموجود في خلق السماوات والاَرض هو مظهر من


(1)التبيان:6|213.

(2)سفينة البحار:مادة نجم.

(3)مجمع البحرين: مادة كوكب.

(4)فاطر:41.

(24)

مظاهر عدله في عالم الخلقة.

* 2. الجبال وحركاتها

وليس رفع السماوات و إبداعها وتنظيم حركاتها هو الوحيد في كونه مظهراً لعدله سبحانه في التكوين، بل إبداع الجبال وإيجادها مظهر آخر من مظاهر التوازن والتعادل في الخلقة.

يقول سبحانه: (وَأَلقى فِي الاَرْضِ رَواسيَ أَنْ تَميدَ بِكُمْ) .(1)

وقال سبحانه: (وَالجِبالَ أَوتاداً) .(2)

إنّ الرواسي التي استخدمها القرآن جمع «راسية»، والمراد منها الاَََنجَر التي هي مرساة السفينة، فللجبال دور المرساة، فكما أنّها تحول دون اضطراب السفينة وتقاذفها من قِبل أمواج البحر العاتية، فهكذا الجبال لها دور في تنظيم حركة الاَرض.

وإلى هذا الحقيقة يشير الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام- في بعض خطبه، ويقول: «وتّد بالصُّخُُور مَيدان أَرضه».(3)

وقال - عليه السّلام- أيضاً: «وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها».(4)

* 3. الحياة وتوازنها الدقيق

إنّ من مظاهر عدله سبحانه وجود الحياة في الاَرض، وهي رهن توفر


(1)النحل:15. وقد جاءت أيضاً بنفس العبارة في سورة لقمان الآية 10.

(2) النبأ:7.

(3)نهج البلاغة: الخطبة 1.

(4)نهج البلاغة: الخطبة 87.

(25)

الظروف المناسبة لها، مثلاً انّالفاصلة الدقيقة بين الشمس والاَرض هيّأت أجواءً مناسبةً لنمو ورشد الخلايا، و هذه ما كان لها أن تنمو لو طرأ على تلك الفاصلة أدنى تغيير. و هذا يرشدك إلى توازن دقيق للغاية بين السماء والاَرض.

واعطف نظرك إلى النباتات والحيوانات، فانّ حياة الحيوان رهن استنشاق غاز الاَوكسجين( O2 ) الذي تُولّده النباتات، وحياة النبات رهن استنشاق غاز ثاني أوكسيد الكاربون ( CO2 ) الذي تُولّده الحيوانات من خلال تنفّسها، فالتوازن الموجود بين الاِنتاج والاستهلاك مهّد المناخ المناسب لحياة كلّمن النبات والحيوان، فلو كانت الاَرض محتضنة للحيوان فقط أو للنبات فقط لما قامت للحياة قائمة.

فالتوازن القائم بين الغازين على وجه البسيطة مظهر من مظاهر عدله سبحانه، يقول سبحانه: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوجٍ كَرِيم)(1)

ويزخر عالم النباتات والحيوانات بعدد لا حصر له من هذا النوع من التوازن والتعادل، وها نحن نذكر نموذجاً آخر.

كان الملاّحون يعانون من مرض تشقّق الجلد وسيلان الدم منه، وسببه يعود إلى قلة الفيتامينات في أبدانهم، إلى أن اكتشف أحد الاَخصائيين في «مدغشقر» أنّ علاجه الوحيد هو تناول وجبات كافية من الليمون والنارنج، ففيها كمّيات هائلة من تلك الفيتامينات، وبذلك نجا الملاّحون من هذا المرض الذي كانوا يعانون منه.


(1)لقمان:10.

Website Security Test