welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الاَمثال في القرآن الكريم*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الاَمثال في القرآن الكريم

الاَمثال
في
القرآن الكريم

دراسة مبسّطة
حول الاَمثال الواردة في الكتاب العزيز

تأليف
العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني


(2)



(3)


بسم الله الرحمن الرحيم

(لَوْ أَنْزلْنا هَذَا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعَاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الاَْمثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يِتَفَكّرُون)(1)


1- (الحشر: 21)

(4)



(5)

الاَمثال في القرآن

وقبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:

الاَوّل: المثل في اللغة

يظهر من غير واحد من المعاجم، كلسان العرب والقاموس المحيط، أنّ للفظ "المثل" معانى مختلفة، كالنظير والصفة والعبرة وما يجعل مثالاً لغيره يُحذا عليه إلى غير ذلك من المعانى. (1)

قال الفيروز آبادي: المِثْل ـ بالكسر والتحريك ـ الشبه، والجمع أمثال؛ والمَثَلُ ـ محرّكة ـ الحجة،والصفة؛ والمثال: المقدار والقصاص، إلى غير ذلك من المعانى.(2)

ولكن الظاهر أنّ الجميع من قبيل المصاديق، وما ذكروه من باب خلط المفهوم بها وليس للّفظ إلا معنى أو معنيين، والباقي صور ومصاديق لذلك المفهوم، وممن نبَّه على ذلك صاحب معجم المقاييس، حيث قال:

المِثْل والمثَل يدلاّن على معنى واحد وهو كون شيء نظيراً للشيء، قال


1- لسان العرب:13|22، مادة مثل.

2- القاموس المحيط:4|49، مادة مثل.

(6)

ابن فارس: "مثل" يدل على مناظرة الشيء للشىء، وهذا مثل هذا، أي نظيره، والمثل والمثال بمعنى واحد. وربما قالوا: "مثيل كشبيه"، تقول العرب: أمثل السلطان فلاناً، قتله قوداً، والمعنى أنّه فعل به مثلما كان فعله.

والمِثْل: المثَل أيضاً، كشِبْه وشبَه، والمثل المضروب مأخوذ من هذا، لانّه يذكر مورّى به عن مثله في المعنى.

وقوله: مَثَّلَ به إذا نُكِّل، هو من هذا أيضاً، لاَنّ المعنى فيه إذا نُكل به: جعل ذلك مثالاً لكل من صنع ذلك الصنيع أو أراد صنعه. والمثُلات أيضاً من هذا القبيل، قال الله تعالى: (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلات ) (1) أي العقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لاَجله، وواحدها:مُثُل. (2)

وعلى الرغم من ذلك فمن المحتمل أن يكون من معانيه الوصف والصفة، فقد استعمل فيه إمّا حقيقة أو مجازاً، وقد نسب ابن منظور استعماله فيه إلى يونس ابن حبيب النحوي (المتوفّى182هـ)، ومحمد بن سلام الجمحي(المتوفّى 232هـ)، وأبي منصور الثعالبي (المتوفّى 429 هـ). (3)

ويقول الزركشى(المتوفّى 794هـ) : إنّ ظاهر كلام أهل اللغة أن المثل هو الصفة، ولكن المنقول عن أبى على الفارسى (المتوفّى 377هـ) أنّ المثل بمعنى الصفة غير معروف في كلام العرب، إنّما معناه التمثيل. (4)

ويدل على مختار الاَكثر ما أورده صاحب لسان العرب، حيث قال: قال


1- الرعد:6.

2- معجم مقاييس اللغة:5|296.

3-لسان العرب: 13|22، مادة مثل.

4- البرهان في علوم القرآن:1|490.

(7)

عمر بن أبى خليفة: سمعت مُقاتِلاً صاحب التفسير، يسأل أبا عمرو بن العلاء، عن قول الله عزّ وجلّ: (مَثَلُ الجَنّة )، ما مَثَلُها؟ فقال: (فيهَا أنهارٌ مِنْ ماءٍ غيرِ آسن)، قال: ما مَثَلُها؟ فسكت أبو عمرو.

قال: فسألت يونس عنها، فقال: مَثَلها صفتها، قال محمد بن سلام: ومثل ذلك قوله: (ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِِنْجِيل )(1) أي صفتهم.

قال أبو منصور: ونحو ذلك روي عن ابن عباس، وأمّا جواب أبى عمرو لمقاتل حين سأله ما مثَلُها، فقال: فيها أنهار من ماءٍ غير آسنٍ، ثمّ تكريره السوَال ما مَثَلُها وسكوت أبى عمرو عنه، فانّ أبا عمرو أجابه جواباً مقنعاً، ولما رأى نبوة فَهْمِ مقاتل، سكت عنه لما وقف من غلظ فهمه. وذلك انّ قوله تعالى: (مثل الجنّة) تفسير لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُدخِلُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات جَنّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهار ) (2) وصف تلك الجنات، فقال: مَثَلُ الجنة التي وصفتها، وذلك مثل قوله: (ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِِنْجيل ) أي ذلك صفة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه في التوراة ، ثم أعلمهم أنّ صفتهم في (3) الاِنجيل كزرعٍ.

ثمّ إنّ الفرق بين المماثلة والمساواة، أن المساواة تكون بين المختلفين في الجنس والمتفقين، لاَنّ التساوي هو التكافوَ في المقدار لا يزيد ولا ينقص، وأمّا المماثلة فلا تكون إلاّ في المتفقين. (4)


1- الفتح:29.

2- الحج:14.

3- لسان العرب: مادة مثل.

4- لسان العرب: مادة مثل.

(8)

وأمّا الفرق بين المماثلة والمشابهة هو أنّ الاَُولى تستعمل في المتفقين في الماهية والواقعية، بخلاف الثانية فإنّما تستعمل غالباً في مختلفي الحقيقة، المتفقين في خصوصية من الخصوصيات.

وبهذا يعلم أنّ التجربة تجري في المتماثلين والمتفقين في الحقيقة، كانبساط الفلز حينما تمسُّه النار، وهذا بخلاف الاستقراء، فإنّ مجراه الاَُمور المختلفة كاستقراء أنّ كل حيوان يتحرك فكه الاَسفل عند المضغ، فيتعلّق الاستقراء بمختلفي الحقيقة كالشاة والبقرة والاِبل.

وقد تكرر في كلام غير واحد من أصحاب المعاجم أن المَـثَل والمثْل سيان، كالشَبَه والشبْه، ومع ذلك كلّه نرى أنّ القرآن ينفي المثْل لله ، ويقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء ) (1) وفي الوقت نفسه يُثبت له المثَل، ويقول: (لِلَّذينَ لا يُوَْمِنُونَ بِالآخرةِ مَثَلُ السَّوءِ وَللهِ المَثَلُ الاََعْلى وَهُوَ الْعَزيزُ الحَكِيم ). (2) والجواب: أنّه لا منافاة بين نفي المِثْل لله واثبات المَثَل له؛ أمّا الاَوّل، فهو عبارة عن وجود فرد لواجب الوجود يشاركه في الماهية، ويخالفه في الخصوصيات، فهذا أمر محال ثبت امتناعه في محلّه، وأمّا المَثَلُ فهو نُعوت محمودة يُعرف بها الله سبحانه كأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وعلى هذا، المَثَلُ في هذه الآية وما يشابهها بمعنى ما يوصف به الشيء ويعبَّر به عنه ، من صفات وحالات وخصوصيات.

فهذه الآية تصرّح بأنّ عدم الاِيمان بالآخرة مبدأ لكثير من الصفات


1- الشورى:11.

2- النحل: 60.

(9)

القبيحة، ومصدر كل شر، وفي المقابل أنّ الاِيمان بالآخرة هو منشأ كل حسنة ومنبع كلّ خير وبركة، فكلّ وصف سوء وقبيح يلزم الاِنسان ويلحقه، فإنّما يأتيه من قبل عدم الاِيمان بالآخرة، كما أنّ كلّ وصف حسن يلزم الاِنسان ينشأ من الاِيمان بها، وبذلك ظهر معنى قوله: (لِلَّذينَ لا يُوَْمِنُونَ بِالآخِرَة مَثَل السَّوء) الذي يدلّ بالملازمة للذين يوَمنون بالآخرة لهم مثل الحسن.

وأمّا قوله سبحانه: (وَللهِ المَثَلُ الاََعلى) فمعناه أنّه منزّه من أن يوصف بصفات مذمومة وقبيحة كالظلم، قال سبحانه: (ولا يَظلم رَبُّك أَحداً ). (1) وفي الوقت نفسه فهو موصوف بصفات محمودة.

فكلّ وصف يستكرهه الطبع أو يردعه العقل فلا سبيل له إليه، فهو قدرة لا عجز فيها، وحياة لا موت معها إلى غير ذلك من الصفات الحميدة، بخلاف ما يقبله الطبع فهو موصوف به.

وقد أشار إلى ذلك في غير واحد من الآيات أيضاً، قال: (وَلَهُ المَثَلُ الاََعلى فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ ) (2) وقال: (لَهُ الاََسْماءُ الحُسْنى ) (3)، فالاَمثال منها دانية ومنها عالية فإنّما يثبت له العالي بل الاَعلى. (4)

ومنه يعلم أنّ الاَمثال إذا كان جمع مثْل ـ بالسكون ـ فالله سبحانه منزّه من المثْل والاَمثال، وأمّا إذا كان جمع مثَل ـ بالفتح ـ بمعنى الوصف الذي يحمد به سبحانه، فله الاَمثال العليا، والاَسماء الحسنى كما مرّ.


1- الكهف:49.

2- الروم:27

3- طه:8.

4- لاحظ: الميزان: 12|249.

(10)

الثاني: المَثَلَ في الاصطلاح

المَثَلُ: قسم من الحكم، يرد في واقعة لمناسبة اقتضت وروده فيها، ثمّ يتداولها الناس في غير واحد من الوقائع التي تشابهها دون أدنى تغيير لما فيه من وجازة وغرابة ودقة في التصوير.

فالكلمة الحكيمة على قسمين: سائر منتشر بين الناس ودارج على الاَلسن فهو المثل، وإلا فهي كلمة حكيمة لها قيمتها الخاصة وإن لم تكن سائرة. فما ربما يقال : "المثل السائر" فالوصف قيد توضيحي لا احترازي، لاَنّ الانتشار والتداول داخل في مفهوم المثل، ويظهر ذلك من أبى هلال العسكري (المتوفّى حوالى 400هـ )، حيث قال: جعل كل حكمة سائرة، مَثَلاً، وقد يأتى القائل بما يحسن من الكلام أن يتمثل به إلاّ أنّه لا يتفق أن يسير فلا يكون مَثَلاً. (1)

وكلامه هذا ينم"انّ الشيوع والانتشار وكثرة الدوران على الاَلسن هو الفارق بين الحكمة والمثل، فالقول الصائب الصادر عن تجربة يسمّى حكمة إذا لم يتداول،ومثلاً إذا كثر استعماله وشاع أداوَه في المناسبات المختلفة".

ولاَجل ذلك يقول الشاعر:

ما أنت إلا مثل سائـريعرفه الجاهل والخابر

وأمّا تسمية ذلك الشيء بالمثال، فهو لاَجل المناسبة والمشابهة بين الموردين على وجه يُصبح مثالاً لكل ما هو على غراره.


1- جمهرة أمثال العرب:1|5.

(11)

قال ابن السكيت(المتوفّى عام 244هـ) : المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له، ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ، شبّهوه بالمثال الذي يعمل عليه غيره. (1)

وبما انّ وجه الشبه والمناسبة التي صارت سبباً لاِلقاء هذه الحكمة غير مختصة بمورد دون مورد، وإن وردت في مورد خاص يكون المثل آية وعلامة أو علماً للمناسبة الجامعة بين مصاديق مختلفة.

يقول المبرّد: فحقيقة المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الاَوّل، كقول كعب بن زهير:

كانت مواعيد عرقوب لها مَثَلا ًومـا مـواعيـدهـا إلاّ الاَباطيل

فمواعيد عرقوب علم لكل ما لا يصح من المواعيد (2)

وعلى ذلك فالمثل السائر كقوله: "في الصيف ضيعتِ اللبن" علم لكل من ضيَّع الفرصة وأهدرها، كما أن قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : "لا ينتطح فيها عنزان" علم لكلّ أمر ليس له شأن يعتد به. (3)

كما أنّ قول أبى الشهداء الحسين بن على (عليهما السلام) : "لو ترك القطا ليلاً لنام" الذي تمثل به الاِمام (عليه السلام) في جواب أُخته زينب (عليها السلام) ،علم لكل من لا يُترك بحال أو من حُمل على مكروه من غير إرادة، إلى غير ذلك من الاَمثال الدارجة.


1- مجمع الاَمثال:1|6.

2- مجمع الاَمثال:1|6.

3- مجمع الاَمثال:2|225.

(12)

الثالث: فوائد الاَمثال السائرة

ذكر غير واحد من الا َُدباء فوائد جمة للمثل السائر:

1. قال ابن المقفّع (المتوفّـى عام 143هـ) : إذاجعـل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث.

2. وقال إبراهيم النظّام (المتوفّـى عام 231هـ) : يجتمـع في المثل أربعـة لا تجتمع في غيره من الكلام : إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة.

وقال غيرهما: سُمِّيت الحِكَم القائم صدقها في العقول أمثالاً، لانتصاب صورها في العقول مشتقة من المثول الذي هو الانتصاب. (1)

وقد نقل ابن قيم الجوزية (المتوفّى عام 751هـ) كلام النظّام بشكل كامل، وقال:

وقد ضرب الله ورسوله الاَمثال للناس لتقريب المراد وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن السامع، وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثّل به فقد يكون أقرب إلى تعقّله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره، فإن النفس تأنس بالنظائر والاَشباه وتنفر من الغربة والوحدةوعدم النظير.

ففي الاَمثال من تأنّس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره، وكلّما ظهرت الاَمثال ازداد المعنى ظهوراً ووضوحاً، فالاَمثال شواهد المعنى المراد، وهي خاصية العقل ولبّه وثمرته. (2)


1- مجمع الاَمثال :1|6.

3- أعلام الموقعين:1|291.وما ذكره من الفائدة مشترك بين المثل السائر الذي هو موضوع كلامنا، والتمثيل الذي شاع في القرآن، وسيوافيك الفرق بين المثل السائر والتمثيل.

(13)

وقال عبد القاهر الجرجاني (المتوفّى عام 471هـ) : إعلم أنّ مما اتّفق العقلاء عليه انّ التمثيل إذاجاء في أعقاب المعانى، أو أُبرزت هي باختصار في معرضه، ونُقلت عن صورها الاَصلية إلى صورته كساها أُبّهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار من أقاصى الاَفئدة صبابة وكلفاً، وقسر الطّباع على أن تُعطيها محبة وشغفاً.

فإن كان ذمّاً: كان مسه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشدّ، وحدّه أحد.

وإن كان حجاجاً: كان برهانه أنور،وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر.

وإن كان افتخاراً: كان شأوه أمدّ، وشرفه أجد (1) ولسانه ألد.

وإن كان اعتذاراً: كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم أسلّ، ولغَرْب الغضب أفلّ،وفي عُقد العقود أنفث،وحسن الرجوع أبعث.

وإن كان وعظاً: كان أشفى للصدر ، وأدعى إلى الفكر ، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر أن يجلى الغياية (2) ويُبصّـر الغاية، ويبريَ العليل، ويشفي الغليل.(3)

4. وقال أبو السعود (المتوفّى عام 982هـ) : إنّ التمثيل ليس إلاّ إبراز المعنى المقصود في معرض الاَمر المشهور، وتحلية المعقول بحلية المحسوس، وتصوير أوابد المعانى بهيئة المأنوس، لاستمالة الوهم واستنزاله عن معارضته للعقل، واستعصائه عليه في إدراك الحقائق الخفيّة، وفهم الدّقائق الاَبيّة؛ كي


1- من الجد: الحظ، يقال: هو أجدّ منك، أي أحظ.

2- الغياية: كل ما أظلك من فوق رأسك.

3- أسرار البلاغة: 101 ـ 102.

(14)

يتابعه فيما يقتضيه، ويشايعه إلى ما لا يرتضيه، ولذلك شاعت الاَمثال في الكتب الاِلهية والكلمات النبوية، وذاعت في عبارات البلغاء، وإشارات الحكماء.

إن التمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل واستنزاله من مقا الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبىّ، وقمع سورة الجامح الاَبىّ، كيف لا، وهو رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبرازها لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف، وإظهار للوحشي في هيئة المألوف. (1)

ولعلّ في هذه الكلمات غنى وكفاية فلا نطيل الكلام، غير انّه يجب التنبيه على نكتة، وهي أن السيوطى نقل في "المزهر" عن أبى عبيد أنّه قال:

الاَمثال حكمة العرب في الجاهلية والاِسلام وبها كانت تعارض كلامها فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في المنطق بكناية. (2)

ولا يخفى أنّ الاَمثال ليست من خصائص العرب فحسب ، بل لكلّ قوم أمثال وحكم يقرّبون بها مقاصدهم إلى إفهام المخاطبين ويبلغون بها حاجاتهم، وربما يشترك مَثَلٌ واحد بين أقوام مختلفة، ويصبح من الاَمثال العالمية، وربما تبلغ روعة المثل بمكان يقف الشاعر أمامه مبهوراً فيصب مضمونه في قالب شعري.

روى الطبري عن مهلّب بن أبي صفرة، قال: دعا المهلَّب حبيباً ومن حضره من ولده، ودعا بسهام فحزمت، وقال: أترونكم كاسريها مجتمعة؟ قالوا: لا، قال: أفترونكم كاسريها متفرقة؟ قالوا: نعم، قال: فهكذا الجماعة. (3)

وليس المهلب أوّل من ساق هذا المثل على لسانه، فقد سبقه غيره إليه.


1- هامش تفسير الفخر الرازي:1|156، المطبعة الخيرية، ط الا َُولى، مصر ـ 1308هـ.

2- المزهر:1|288.

3- تاريخ الطبري: حوادث سنة 82 هـ .

(15)

روى أبو هلال العسكري في جمهرته، عن قيس بن عاصم التميمى (المتوفّـى عام 20 هـ ) الاَبيات التالية التي تعرب بأنّ المثل صبّ في قالب الشعر أيضاً:

بصلاح ذات البين طول بقائكم إن مُدّ في عمري وإن لم يُمدد

حتى تلين قلوبكم وجلودكم لمسوّد منكم وغير مسوّد

إنّ القداح إذا جمعن فرامها بالكسر ذو حنق وبطش باليد

عزّت فلم تكسر وإن هي بُدّدت فالوهن والتكسير للمتبدّد (1)

وقد نقل المسعودي في ترجمة عبد الملك بن مروان، وقال:

كان الوليد متحنّناً على إخوته، مراعياً سائر ما أوصاه به عبد الملك، وكان كثير الاِنشاد لاَبيات قالها عبد الملك حين كتب وصيته، منها:

انفوا الضغائن عنكم وعليكم عند المغيب وفي حضور المشهد

إنّ القداح إذا اجتمعن فرامها بالكسر ذو حنق وبطش باليد

عزّت فلم تكسر وإن هي بُدّدت فالوهن والتكسير للمتبدّد (2)


1- جمهرة الاَمثال:1|48.

2- مروج الذهب: أخبار الوليد بن عبد الملك.

(16)

الكتب الموَلّفة في الاَمثال العربية

وقد أُلّفت في الاَمثال العربية قديمها وحديثها كتباً كثيرة، وأجمع كتاب في هذا المضمار هو ما ألّفه أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الميداني (المتوفّى عام 518هـ) وأسماه بـ"مجمع الاَمثال" لاِحتوائه على عظيم ما ورد منها وهي ستة آلاف ونيف. (1)

الرابع: الاَمثال القرآنية

دلّت غير واحدة من الآيات القرآنية على أنّ القرآن مشتمل على الاَمثال، وأنّه سبحانه ضرب بها مثلاً للناس للتفكير والعبرة، قال سبحانه: (لَوْ أَنْزَلْنا هذا الْقُرآنَ عَلى جَبلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصدّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الاََمْثالُ نَضْربُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفكَّرون ). (2)

إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على وجود الاَمثال في القرآن، وانّ الروح الاَمين نزل بها، وكان مَثَلاً حين النزول على قلب سيد المرسلين، هذا هو المستفاد من الآيات.

ومن جانب آخر أنّ المثل عبارة عن كلام أُلْقيَ في واقعة لمناسبة اقتضت إلقاء ذلك الكلام، ثمّ تداولت عبر الزمان في الوقائع التي هي على غرارها، كما هو الحال في عامة الاَمثال العالمية.


1- مجمع الاَمثال:1|5.

2- الحشر:21.

(17)

وعلى هذا فالمثل بهذا المعنى غير موجود في القرآن الكريم، لما ذكرنا من أنّ قوام الاَمثال هو تداولها على الاَلسن وسريانها بين الشعوب، وهذه الميزة غير متوفرة في الآيات القرآنية.

كيف وقد أسماه سبحانه مثلاً عند النزول قبل أن يعيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقرأها للناس ويدور على الاَلسن، فلا مناص من تفسير المثل في القرآن بمعنى آخر، وهو التمثيل القياسي الذي تعرّض إليه علماء البلاغة في علم البيان وهو قائم بالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز، وقد سمّاه القزويني "في تلخيص المفتاح" المجاز المركب وقال:

إنّه اللفظ المركب المستعمل فيما شُبّه بمعناه الاَصلى تشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه، ثمّ مثّل بما كتب يزيد بن وليد إلى مروان بن محمد حين تلكأ عن بيعته: أمّا بعد، فإنّي أراك تقدّم رجلاً وتوَخّر أُخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيّهما شئت، والسلام. (1)

فلهذا التمثيل من المكانة ما ليس له لو قصد المعنى بلفظه الخاص، حتى أنّه لو قال مثلاً: بلغنى تلكّوَك عن بيعتى، فإذا أتاك كتابى هذا فبايع أو لا، لم يكن لهذا اللفظ من المعنى بالتمثيل، ما لهذا.

فعامة ما ورد في القرآن الكريم من الاَمثال فهو من قبيل التمثيل لا المثال المصطلح.

ثمّ إنّ الفرق بين التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز أمر واضح لا حاجة لاِطناب الكلام فيه، وقد بيّنه علماء البلاغة في علم البيان، كما طرحه أخيراً


1- الاِيضاح:304؛ التلخيص:322.

(18)

علماء الاَُصول في مباحث الاَلفاظ، ولاَجل ذلك نضرب الصفح عنه ونحيل القاريَ الكريم إلى الكتب المدونة في هذا المضمار.

ويظهر من بعضهم أنّ التمثيل من معاني المثل، قال الآلوسي: المثل مأخوذ من المثول ـ و هو الانتصاب ـ و منه الحديث "من أحبّ أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوّأ مقعده من النار" ثم أطلق على الكلام البليغ الشائع الحسن المشتمل إمّا على تشبيه بلا شبيه أو استعارة رائقة تمثيلية وغيرها، أو حكمة وموعظة نافعة، أو كناية بديعة أو نظم من جوامع الكلم الموجز. (1)

ولولا قوله "الشائع" لانطبقت العبارة على التمثيل القياسي.

"وقد امتازت صيغة المثل القرآني بأنّها لم تنقل عن حادثة معينة، أو واقعة متخيلة، أُعيدت مكرورة تمثيلاً، وضرب موردها تنظيراً، وإنّما ابتدع المثل القرآني ابتداعاً دون حذو احتذاه، و بلا مورد سبقه فهو تعبير فني جديد ابتكره القرآن حتى عاد صبغة متفردة في الاَداء والتركيب والاِشارة".

"وعلى هذا فالمثل في القرآن الكريم ليس من قبيل المثل الاصطلاحي، أو من سنخ ما يعادله لفظاً ومعنى، الفقر بالاَمثال بمضمونه، بل هو نوع آخر أسماه القرآن مثلاً من قبل أن نعرف علوم الاَدب"المثل"، و من قبل أن تسمّي به نوعاًمن الكلام المنثور وتضعه مصطلحاً له. بل من قبل أن يعرف الاَُدباء "المثل" بتعريفهم". (2)


1- روح المعاني:1|163.

2- الصورة الفنية في المثل القرآني: 72، نقلاً عن كتاب المثل لمنير القاضي.

(19)

الخامس: أقسام التمثيل

قد عرفت أنّ التمثيل عبارة عن إعطاء منزلة شيء لشيء عن طريق التشبيه أو الاستعارة أو المجاز أو غير ذلك، فهو على أقسام:

1. التمثيل الرمزي: وهو ما ينقل عن لسان الطيور والنباتات والاَحجار بصورة الرمز والتعمية ويكون كناية عن معاني دقيقة، وهذا النوع من التمثيل يعجّ به كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع، وقد استخدم هذا الاَُسلوب الشاعر العارف العطار النيشابوري في كتابه "منطق الطير".

ويظهر من الكتاب الاَوّل أنّه كان رائجاً في العهود الغابرة قبل الاِسلام ، وقد ذكر الموَرّخون أنّ طبيباً إيرانياً يدعى "برزويه" وقف على كتاب "كليلة ودمنة" في الهند مكتوباً باللغة السنسكريتية ونقلها إلى اللغة البهلوية، وأهداه إلى بلاط أنوشيروان الساساني، وقد كان الكتاب محفوظاً بلغته البهلوية إلى أن وقف عليه عبد الله بن المقفع (106ـ143هـ) فنقله إلى اللغة العربية، ثمّ نقله الكاتب المعروف نصر الله بن محمد بن عبد الحميد في القرن السادس إلى اللغة الفارسية وهو الدارج اليوم في الاَوساط العلمية.

نعم نقله الكاتب حسين واعظ الكاشفى إلى الفارسية أيضاً في القرن التاسع ومن حسن الحظ توفر كلتا الترجمتين.

وقام الشاعر "رودكي" بنظم، ما ترجمه ابن المقفع، باللغة الفارسية.

ويظهر من غير واحد من معاجم التاريخ أنّه تطرق بعض ما في هذا الكتاب من الاَمثلة إلى الاَوساط العربية في عصر الرسالة أوبعده، وقد نقل أنّ عليّاً(عليه السلام) قال: "إنّما أُكلت يوم أُكل الثور الاَبيض" وهو من أمثال ذلك الكتاب.


(20)

وهناك محاولة تروم إلى أنّ القصص القرآنية كلّها من هذا القبيل أي رمز لحقائق علوية دون أن يكون لها واقعية وراء الذهن، وبذلك يفسرون قصة آدم مع الشيطان، وغلبة الشيطان عليه، أو قصة هابيل وقابيل وقتل قابيل أخاه، أو تكلم النملة مع سليمان (عليه السلام) ، وغيرها من القصص، وهذه المحاولة تضادّ صريح القرآن الكريم، فانّه يصرّح بأنّها قصص تحكى عن حقائق غيبيّة لم يكن يعرفها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا غيره، قال سبحانه: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاَُولى الاََلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُوَْمِنُون ). (1)

فالآية صريحة في أنّ ما جاء في القصص ليس أمراً مفترىً، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على أنّ القرآن بأجمعه هو الحقّ الذي لا يدانيه الباطل.

2. التمثيل القصصي: وهو بيان أحوال الاَُمم الماضية بغية أخذ العبر للتشابه الموجود. يقول سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امرأةَ نُوحٍ وَامرأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيئاً وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِين ). (2)

والقصص الواردة في أحوال الاَُمم الغابرة التي يعبر عنها بقصص القرآن ، هي تشبيه مصرّح، وتشبيه كامن والغاية هي أخذ العبرة.

3. التمثيل الطبيعي: وهو عبارة عن تشبيه غير الملموس بالملموس، والمتوهم بالمشاهد، شريطة أن يكون المشبه به من الاَُمور التكوينية، قال سبحانه: (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاََرْضِ )


1- يوسف:111.

2- التحريم:10.

(21)

مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالاََنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الاََرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيّنَت وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالاََمْسِ كَذلِكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون ). (1)

والاَمثال القرآنية تدور بين كونها تمثيلاً قصصيّاً، أو تمثيلاً طبيعيّاً كونيّاً. وأمّا التمثيل الرمزي فإنّما يقول به أهل التأويل.

السادس: الاَمثال القرآنية في الاَحاديث

إنّ الاَمثال القرآنية بما أنّها مواعظ وعبر قد ورد الحث على التدبّر فيها عن أئمّة أهل البيت (عليهما السلام) ، ننقل منها مايلي:

1. قال أمير الموَمنين على (عليه السلام) :"قد جرّبتم الاَُمور وضرّستموها، ووُعظتم بمن كان قبلكم، وضُـربت الاَمثال لكم، ودعيتم إلى الاَمر الواضح، فلا يصمّ عن ذلك إلا أصمّ ، ولا يعمى عن ذلك إلا أعمى، ومَن لم ينفعه الله بالبلاء والتجارب لم ينتفع بشيء من العظة". (2)

2. وقال (عليه السلام) : "كتاب ربّكم فيكم، مبيّناً حلاله وحرامه،وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصّه وعامّه، وعبره وأمثاله". (3)

3. قال أمير الموَمنين (عليه السلام) : "نزل القرآن أرباعاً: ربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام". (4)


1- يونس:24.

2- نهج البلاغة، الخطبة 176.

3- نهج البلاغة: الخطبة 81.

4- بحار الاَنوار:24|305 ح1، باب جوامع تأويل ما نزل فيهم 8.

(22)

4. روى الاِمام الصادق (عليه السلام) عن جده أمير الموَمنين علي (عليه السلام) أنّه قال لقاض "هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟"، قال: لا، قال:" فهل أشرفت على مراد الله عزّ وجل في أمثال القرآن؟"،قال: لا، قال: "إذاً هلكت وأهلكت". والمفتي يحتاج إلى معرفة معاني القرآن وحقائق السنن وبواطن الاِشارات والآداب والاِجماع والاختلاف والاطّلاع على أُصول ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه ، ثم حسن الاختيار، ثم العمل الصالح، ثم الحكمة، ثم التقوى، ثم حينئذٍ إن قدر .(1)

5. قال أمير الموَمنين على (عليه السلام) : "سمّوهم بأحسن أمثال القرآن، يعنى :عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، هذا عذب فرات فاشربوا، وهذا ملح أُجاج فاجتنبوا". (2)

6. وقال علي بن الحسين 8 في دعائه عند ختم القرآن:

"اللّهمّ انّك أعنتنى على ختم كتابك الذي أنزلته نوراً وجعلته مهيمناً على كل كتاب أنزلته ـ إلى أن قال:ـ اللّهم اجعل القرآن لنا في ظلم الليالي موَنساً، ومن نزعات الشيطان وخطرات الوساوس حارساً، ولاَقْدامِنا عن نقلها إلى المعاصي حابساً، ولاَلسنتنا عن الخوض في الباطل من غير ما آفة مخرساً، ولجوارحنا عن اقتراف الآثام زاجراً، ولما طوت الغفلة عنّا من تصفح الاعتبار ناشراً، حتى توصل إلى قلوبنا فهم عجائبه وزواجر أمثاله التي ضعفت الجبال الرواسي على صلابتها عن احتماله". (3)

7. وقال علي بن الحسين 8في مواعظه: "فاتّقوا الله عباد الله ، واعلموا أنّ الله عزّ وجلّ لم يحب زهرة الدنيا وعاجلها لاَحد من أوليائه ولم يرغّبهم فيها و في عاجل زهرتها وظاهر بهجتها، وإنّما خلق الدُّنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها


1- بحار الاَنوار:2|121 ح34، باب النهى عن القول بغير علم من كتاب العلم.

2- بحار الاَنوار:92|116، الباب 12 من كتاب القرآن.

3- الصحيفة السجادية: من دعائه 7 عند ختم القرآن.

(23)

أيّهم أحسن عملاً لآخرته، وأيم الله لقد ضرب لكم فيه الاَمثال وصرّف الآيات لقوم يعقلون ولا قوّة إلاّ بالله ".(1)

8. وقال الاِمام الباقر (عليه السلام) لاَخيه زيد بن علي: "هل تعرف يا أخى من نفسك شيئاً مما نسبتها إليه فتجيىَ عليه بشاهد من كتاب الله ، أو حجّة من رسول الله ، أو تضرب به مثلاً، فانّ الله عز وجلّ أحلَّ حلالاً وحرّم حراماً، فرض فرائض، وضرب أمثالاً، وسنَّ سنناً". (2)

9. روي الكليني عن إسحاق بن جرير، قال: سألتني امرأة أن استأذن لها على أبى عبد الله (عليه السلام) فأذن لها ،فدخلت ومعها مولاة لها، فقالت: يا أبا عبد الله قول الله عزّ وجلّ: (زَيتُونةٍ لا شَرْقيةٍ وَلا غَرْبية ) (3) ما عنى بهذا؟ فقال: "أيّتها المرأة إنّ الله لم يضرب الاَمثال للشجر إنّما ضرب الاَمثال لبنى آدم". (4)

10. روى داود بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "يا داود إنّ الله خلقنا فأكرم خلقنا وفضلنا وجعلنا أُمناءه وحفظته وخزّانه على ما في السماوات وما في الاَرض، وجعل لنا أضداداً وأعداءً، فسمّـانا في كتابه وكنّى عن أسمائنا بأحسن الاَسماء وأحبها إليه، وسمّى أضدادنا وأعداءنا في كتابه وكنّى عن أسمائهم وضرب لهم الاَمثال في كتابه في أبغض الاَسماء إليه ...". (5)

هذه عشرة كاملة من كلمات أئمّتنا المعصومين حول أمثال القرآن.

x x x


1- الكافي:8|75.

2- بحار الاَنوار:46|204، الباب 11.

3- النور:35.

4- الكافي: 5|551، الحديث 2، باب السحق من كتاب النكاح.

5- البحار : 24|303، الحديث 14.

(24)

وقد حازت الاَمثال القرآنية على اهتمام المفكرين، فذكروا حولها كلمات تعرب عن أهمية الاَمثال ومكانتها في القرآن :

1. قال حمزة بن الحسن الاصبهاني (المتوفّى عام 351هـ) : لضرب العرب الاَمثال واستحضار العلماء النظائر ، شأن ليس بالخفي في إبراز خفيّات الدقائق ورفع الاَستار عن الحقائق، تريك المتخيَّل في صورة المتحقق، والمتوهَّم في معرض المتيقن، والغائب كأنّه مشاهد، وفي ضرب الاَمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة، وقمع لسَورة الجامح الاَبيّ، فإنّه يوَثر في القلوب مالا يوَثّر وصف الشيء في نفسه ولذلك أكثر الله تعالى في كتابه وفي سائر كتبه الاَمثال، ومن سور الاِنجيل سورة تسمّى سورة الاَمثال وفشت في كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكلام الاَنبياء والحكماء. (1)

2. قال الاِمام أبو الحسن الماوردي(المتوفّى عام 450هـ) : من أعظم علم القرآن علم أمثاله، والنّاس في غفلة عنه لاشتغالهم بالاَمثال، وإغفالهم الممثَّلات،والمثل بلا ممثَّل كالفرس بلا لجام والناقة بلا زمام. (2)

3.قال الزمخشري (المتوفّى عام 538هـ ) في تفسير قوله سبحانه: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ) ) (3) وضرب العرب الاَمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر ، إلى آخر ما نقلناه عن الاصبهاني. (4)

4. وقال الرازي (المتوفّى عام 606هـ) : "إن المقصود من ضرب الاَمثال


1- الدرّة الفاخرة في الاَمثال السائرة: 1|59 ـ 60 والعجب أن هذا النص برمّته موجود في الكشّاف في تفسير قوله سبحانه: (فَما رَبِحَتْ تِجارتهم وَما كانُوا مُهْتَدين مَثَلُهُمْ كَمَثل الَّذي استَوقَدَ ناراً) (انظر الكشّاف:1|149).

2- الاِتقان في علوم القرآن:2|1041.

3- البقرة:17.

4- الكشّاف: 1|72.

(25)

انّها توَثر في القلوب ما لا يوَثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لاَنّ الغرض في المثل تشبيه الخفى بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل ،وذلك في نهاية الاِيضاح، ألا ترى أنّ الترغيب إذا وقع في الاِيمان مجرّداً عن ضرب مثل له لم يتأكد وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مُثّل بالنور، وإذا زهد في الكفر بمجرّد الذكر لم يتأكد قبحه في العقول، كما يتأكد إذا مثل بالظلمة، وإذا أخبر بضعف أمر من الاَُمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الاِخبار بضعفه مجرّداً، ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين،وفي سائر كتبه أمثاله،قال تعالى: (وَتِلْكَ الاََمْثال نَضْرِبها لِلنّاس) (1) (2)

5. وقال الشيخ عزالدين عبدالسلام (المتوفّى عام 660هـ) : إنّما ضرب الله الاَمثال في القرآن،تذكيراً ووعظاً، فما اشتمل منها على تفاوت في ثواب، أو على إحباط عمل، أو على مدح أو ذم أو نحوه، فإنّه يدل على الاحكام. (3)

6. وقال الزركشى(المتوفّى عام 794هـ) : وفي ضرب الاَمثال من تقرير المقصود مالا يخفى، إذ الغرض من المثل تشبيه الخفى بالجلى، والشاهد بالغائب، فالمرغب في الاِيمان مثلاً، إذا مثّل له بالنور تأكّد في قلبه المقصود،والمزهَّد في الكفر إذا مثل له بالظلمة تأكد قبحه في نفسه وفيه أيضاً تبكيت الخصم،وقد أكثر الله تعالى في القرآن، وفي سائر كتبه من الاَمثال. (4)

لكن يرد على ما ذكره الزمخشري والرازي والزركشي أنّ ما ذكروه راجع


1- العنكبوت:43.

2- مفاتيح الغيب:2|72ـ73.

3- الاِتقان في علوم القرآن:2|1041.

4- البرهان في علوم القرآن: 1|488.

(26)

إلى نفس الاَمثال لا إلى الضرب بها، فانّ الاَمثال شيء وضرب الاَمثال شيء آخر، لاَنّ إبراز المتخيل بصورة المحقّق، والمتوهم في معرض المتيقن، ليس من مهمة ضرب الاَمثال، وإنّما هي مهمة نفس الاَمثال، "وذلك أنّ المعاني الكلية تعرض للذهن مجملة مبهمة، فيصعب عليه أن يحيط بها وينفذ فيها فيستخرج سرّها، والمثل هو الذي يفصّل إجمالها، ويوضّح إبهامها، فهو ميزان البلاغة وقسطاسها ومشكاة الهداية ونبراسها". (1)

السابع: الكتب الموَلفة في الاَمثال القرآنية

ولاَجل هذه الاَهمية التي حازتها الاَمثال القرآنية، قام غير واحد من علماء الاِسلام القدامى منهم والجدد، بتأليف رسائل وكتب حول الاَمثال القرآنية نذكر منها ما وقفنا عليه:

1. "أمثال القرآن" للجنيد بن محمد القواريري (المتوفّى سنة 298هـ).

2." أمثال القرآن" لاِبراهيم بن محمد بن عرفة بن مغيرة المعروف بنفطويه(المتوفّـى سنة 323هـ).

3. "الدرة الفاخرة في الاَمثال السائرة" لحمزة بن الحسن الاصبهاني (المتوفّـى 351 هـ ).

4. "أمثال القرآن" لاَبي على محمد بن أحمد بن الجنيد الاسكافي(المتوفّى عام 381هـ).

5. "أمثال القرآن" للشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن حسين السلمي النيسابوري (المتوفّـى عام 412هـ).


1- تفسير المنار: 1|237.

(27)

6. "الاَمثال القرآنية" للاِمام أبي الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردي الشافعي (المتوفّـى سنة 450هـ).

7." أمثال القرآن" للشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية (المتوفّـى سنة 754هـ). وقد طبعت موَخّراً .

8." الاَمثال القرآنية" لعبد الرحمن حسن حنبكة الميداني.

9. "أمثال القرآن" للمولى أحمد بن عبد الله الكوزكناني التبريزي (المتوفّـى عام 1327 هـ ). المطبوعة على الحجر في تبريز عام 1324 هـ .

10. "أمثال القرآن" للدكتور محمود بن الشريف.

11. " الاَمثال في القرآن الكريم" للدكتور محمد جابر الفياضي. وقد طبعت موَخّراً .

12. "الصورة الفنية في المثل القرآني" للدكتور محمد حسين علي الصغير. وقد طبعت موَخّراً .

13. " أمثال قرآن" (بالفارسية) لعلي أصغر حكمت. وقد طبعت موَخّراً .

14. "تفسير أمثال القرآن" (بالفارسية) للدكتور إسماعيل إسماعيلي. وقد طبعت موَخّراً .

الثامن: تقسيم الاَمثال القرآنية إلى الصريح و الكامن

ذكر بدر الدين الزركشي ان الاَمثال على قسمين: ظاهر وهو المصرّح به، وكامن وهو الذي لا ذكر للمثل فيه وحكمه حكم الاَمثال. (1)

وقد نقل السيوطى ذلك النص بنفسه وحاول تفسير المثل الكامن، وقال


1- البرهان في علوم القرآن :1|571.

(28)

ما هذا نصّه: فمن أمثلة الاَوّل، قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذي اسْتَوقَدَ ناراً... )(1) ضرب فيها للمنافقين مثلين : مثلاً بالنار ومثلاً بالمطر ـ ثمّ قال ـ : وأما الكامنة: فقال الماوردي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم، يقول: سمعت أبى يقول: سألت الحسين بن فضل، فقلت: إنّك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، فهل تجد في كتاب الله : "خير الاَُمور أوسطها"؟ قال: نعم في أربعة مواضع:

قوله تعالى: (لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ ). (2)

وقوله تعالى: (وَالّذينَ إِذا أَنْفَقُوا لم يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُروا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً). (3)

وقوله تعالى: (وَلا تَجْعَل يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ).(4)

وقوله تعالى: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبيلاً).(5)

قلت: فهل تجد في كتاب الله "من جهل شيئاً عاداه"؟ قال: نعم، في موضعين:

(بَل كَذّبُوا بما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ). (6)


1- البقرة:17ـ20.

2- البقرة:68.

3- الفرقان:67.

4- الاِسراء:29.

5- الاِسراء:110.

6- يونس:39.

(29)

(وَإِذ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَديم ). (1)

قلت: فهل تجد في كتاب الله "احذر شر من أحسنت إليه"؟ قال: نعم.

(وما نَقمُوا إِلاّ أن أغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ). (2)

قلت: فهل تجد في كتاب الله "ليس الخبر كالعيان"؟ قال: في قوله تعالى: (قالَ أَوَ لَمْ تُوَْمِن قال بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبي ). (3)

قلت: فهل تجد "في الحركات البركات"؟ قال: في قوله تعالى: (وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبيلِ اللهِ يَجِدْ في الاََرْضِ مُراغَماً كَثيراً وَسَعَة ). (4)

قلت: فهل تجد"كما تدين تدان"؟ قال: في قوله تعالى: (مَنْ يعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه).(5)

قلت: فهل تجد فيه قولهم "حين تَقْلي تدري"؟ قال: (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حينَ يَرَونَ العَذابَ مَن أَضلُّ سَبِيلاً ). (6)

قلت: فهل تجد فيه : "لا يُلدغ الموَمن من جحر مرّتين"؟ قال: (هَلْ آمنُكُمْ عَليهِ إِلا كَما أَمِنتُكُمْ عَلى أَخيهِ مِنْ قَبْلُ ). (7)

قلت: فهل تجد فيه "من أعان ظالماً سُلّط عليه"؟ قال: (كَتَبَ عَليهِ أَنَّهُ مَنْ )


1- الاَحقاف:11.

2- التوبة:74.

3- البقرة:260.

4 vـ النساء:100.

5- النساء:123.

6- الفرقان:42.

7- يوسف:64.

(30)

تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعير ). (1)

قلت: فهل تجد فيه قولهم: "ولا تلد الحية إلا حيّة"؟ قال: قوله تعالى: (وَلا يَلِدُوا إِلا فاجِراً كَفّاراً ). (2)

قلت: فهل تجد فيه: "للحيطان آذان"؟ قال: (وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ ). (3)

قلت: فهل تجد فيه: "الجاهل مرزوق والعالم محروم"؟ قال: (مَنْ كانَ فِي الضَّلالةِ فلَيَمْدُد لَهُ الرَّحْمنُ مَدّاً ). (4)

قلت: فهل تجد فيه: "الحلال لا يأتيك إلا قوتاً، والحرام لا يأتيك إلا جزافاً"؟ قال: (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَومَ سَبْتِهِمْ شُرّعاً وَيَومَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهم)(5).(6)

وقد أخذ عليه "بأنّه لو حققْتَ النظر فيما أورده الماوردي، لما وجدت مثلاً قرآنياً واحداً بالمعنى الذي يراد التعبير عنه بأنّه مثل كامن، على أنّ الماوردي لم ينقل عن الحسين بن الفضل بأنّ متخيّره هذا مثل كامن، ولاسمَّى الماوردي ذلك به، وإنّما أورد رواية للمقارنة بما يمكن أن يعد أمثالاً من كلام العرب والعجم، ووضع قائمة مختارة ازاءه من كتاب الله بما يبذّ كلامهم ويعلو على أمثالهم.

فالتسمية إذن اختارها السيوطي متابعاً فيها الزركشي. وطبّق عليها هذه


1- الحج:4.

2- نوح:27.

3- التوبة:47.

4- مريم:75.

5- الاَعراف:163.

6- الاِتقان في علوم القرآن:2|1045ـ 1046.

(31)

الاَمثلة . فهي فيما عنده أمثال كامنة ولكنّه من الواضح أن هذه العبارات القرآنية لا تدخل في باب الاَمثال، فإن اشتمال العبارة على معنى ورد في مثل من الاَمثال، لا يكفى لاِطلاق لفظ المثل على تلك العبارة، فالصيغة الموروثة ركن أساس في المثل، لذلك نرى أنّ اصطلاح العلماء على تسمية هذه العبارات القرآنية (أمثالاً كامنة) محاولة لا تستند على دليل نصّي ولا تاريخي. (1)

تفسير آخر للمثل الكامن:

ويمكن تفسير المثل الكامن بالتمثيلات التي وردت في الذكر الحكيم من دون أن يقترن بكلمة "مثل" أو "كاف" التشبيه، ولكنّه في الواقع تمثيل رائع لحقيقة عقلية بعيدة عن الحسن المجسّد بما في التمثيل من الاَمر المحسوس، ومن هذا الباب قوله سبحانه:

1. (أَفَمَنْ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيرٌ أَمْ مَن أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بهِ في نارِ جَهَنَّم وَاللهُ لا يَهْدي القَوم الظّالِمين ). (2)

إنّه سبحانه شبَّه بنيانهم على نار جهنم بالبناء على جانب نهر هذا صفته، فكما أنّ من بنى على جانب هذا النهر فإنّه ينهار بناءه في الماء ولا يثبت، فكذلك بناء هوَلاء ينهار ويسقط في نار جهنم، فالآية تدلّ على أنّه لا يستوي عمل المتقي وعمل المنافق، فإنّ عمل الموَمن المتقي ثابت مستقيم مبني على أصل صحيح ثابت، وعمل المنافق ليس بثابت وهو واهٍ ساقط. (3)


1- الصورة الفنية في المثل القرآني: 118، نقلاً عن كتاب "الاَمثال في النثر العربي القديم".

2- التوبة:109.

3- مجمع البيان:3|73.

(32)

2. (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَروا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدخُلُونَ الجنَّةَ حتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِين ). (1)

كانت العرب تمثّل للشيء البعيد المنال، بقولهم: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب، وحتى يَبْيَضَّ القار، إلى غير ذلك من الاَمثال .

يقول الشاعر:

إذا شاب الغراب أتيت أهليوصار القار كاللبن الحليب

ولكنّه سبحانه مثّل لاستحالة دخول الكافر الجنّة بأنّهم يدخلون لو دخل الجمل في ثقب الاِبرة، وقال: ولايدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط، معبراً عن كونهم لا يدخلون الجنة أبداً.

ففي الآية تمثيل وليس لها من لفظ المثل وحرف التشبيه أثر.

3. (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُون ). (2)

إنّ هذا مثل ضربه الله تعالى للموَمن والكافر فأخبر بأنّ الاَرض كلّها جنس واحد، إلا أنّ منها طيّبة تلين بالمطر، ويحسن نباتها ويكثر ريعها، ومنها سبخة لا تنبت شيئاً، فإن أنبتت فممّـا لا منفعة فيه، وكذلك القلوب كلّها لحم ودم ثمّ منها ليّن يقبل الوعظ ومنها قاسٍ جافٍ لا يقبل الوعظ، فليشكر الله تعالى من لانَ قلبه بذكره.(3)


1- الاَعراف:40.

2- الاَعراف:58.

3- مجمع البيان:2|432.

(33)

وفي ذيل الآية (كَذلِكَ نُصَرّفُ الآيات )إلمام إلى كونه تمثيلاً، كما في الآية التالية.

4.قال سبحانه: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلّ الثَّمراتِ وَأَصابَهُ الكِبَر وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعفاءُ فَأَصابَها إعصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون ). (1)

أخرج البخاري عن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب يوماً لاَصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم ) فيمن ترون هذه الآية نزلت (أَيَوَدُّ أَحدكُمْ أَنْ تَكُون لَهُ جَنَّة مِنْ نَخيل وَأَعْناب )؟

قالوا: الله أعلم، فغضب عمر، و قال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء، فقال: يابن أخي: قل ولا تحقِّر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعملٍ، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني عمل بطاعة الله ، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. (2)

وحصيلة البحث: إنّ التمثيل الوارد في القرآن الكريم، تارة يقترن بكلمة المثل، وأُخرى يقترن به مع لفظ الضرب حيث اختار سبحانه مادة الضرب لقسم كبير من أمثال القرآن، وثالثة بحرف كاف التشبيه، ورابعة بذكر مادة المثل بدون اقتران بواحد منهما مثل قوله: (وَالْبَلَدُ الطَّيّبُ يخْرجُ نَباتهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذِي خَبُثَ لا يَخرجُ إِلا نَكِداً ). (3)


1- البقرة:266.

2- صحيح البخاري: التفسير: تفسير سور ة البقرة، باب قوله: (أيودّ أحدكم )رقم 4264.

3- الاَعراف: 58.

(34)

التاسع: ما هو المراد من ضرب المثل؟

قد استعمل الذكر الحكيم كلاً من لفظي "المَثَل" و"المِثْل" في غير واحد من سوره وآياته حتى ناهز استعمالهما ثمانين مرة، إلاّ أنّ الثاني يزيد على الاَوّل بواحد.والاَمثال جمع لكليهما ويميّزان بالقرائن قال سبحانه: (إِنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ )(1) وهو في المقام، جمع المِثْل لشهادة أنّه يحكم على آلهتهم بأنّها مثلهم في الحاجة والاِمكان.

وقال سبحانه: (تِلْكَ الاََمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لعلّهُمْ يَتفَكَّرُون ). (2)

فاقتران الاَمثال بلفظ الضرب، دليل على أنّه جمع مَثَل. إلاّ أنّ المهم هو دراسة معنى "الضرب" في هذا المورد ونظائره، فكثيراً ما يقارن لفظ المثل لفظ الضرب، يقول سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً ). (3)وقال سبحانه: (وَلَقَدْضَرَبْنا للنّاسِ في هذا القُرآن مِنْ كُلّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرون ). (4)

وقد اختلفت كلمتهم في تفسير لفظ "الضرب" في هذا المقام، بعد اتّفاقهم على أنّه في اللغة بمعنى إيقاع شيء على شيء، ويتعدّى باليد أو بالعصى أو بغيرهما من آلات الضرب، قال سبحانه: (أَنِ اضْرِب بِعَصاكَ الْحَجَر) (5)وقد ذكروا وجوهاً :

الاَوّل: إنّ الضرب في هذه الموارد بمعنى المَثَل، والمرا د هو التَمثيل، وهو


1- الاَعراف:194.

2- الحشر:21.

3- إبراهيم:24.

4- الزمر:27.

5- الاَعراف:160.

(35)

خيرة ابن منظور واستشهد بقوله: (واضْربْ لَهُمْ مَثَلاً أَصحابَ القَرْيَةِ إِذْ جاءَها الْمُرسَلُون ) (1)أي مثّل لهم مثلاً وهو حال أصحاب القرية، وقال: (يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالباطِل ) (2)أي يمثل الله الحقّ والباطل. (3)وهذا خيرة صاحب القاموس أيضاً.

الثاني: إنّ الضرب بمعنى الوصف والبيان، وقد حُكي عن مقاتل بن سليمان، وفسر به قوله سبحانه: (وضَرَبَ الله مَثلاً عَبداً مَمْلُوكاً لاَ يَقْدِرُ عَلى شَىء). (4)

واستشهد بقول الكميت:

وذلك ضرب أخماس أريدت لاَسداس عسى أن لا تكونا (5)

الثالث: إنّ الضرب بمعنى الاعتماد والتثبيت، وهو خيرة الشيخ الطوسى(6) (385ـ 460هـ)، والزمخشري، (7)والآلوسى، (8)(المتوفّى عام 0721) فقد فسّروا به قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ). (9)

الرابع: إن الضرب في المقام من باب الضرب في الاَرض وقطع المسير،


1- يس: 13

2- الرعد:17.

3- لسان العرب:2|37 ، مادة ضرب.

4- النحل:75.

5- تفسير الطبرى:1|175.

6- التبيان في تفسير القرآن:7|302.

7- الكشّاف:2|553.

8- روح المعاني:1|206.

9- الحج:73.

(36)

وضرب المثل عبارة عن جعله سائراً في البلاد كقولك : ضرب في الاَرض إذا صار فيها، ومنه سُمِّيَ الضارب مضارباً. (1)

فإذا كان الضرب بمعنى قطع الاَرض وطيّها، فضرب المثل عبارة عن جعله شيئاً سائراً بين الاَقوام والشعوب يمشى ويسير حتى يستوعب القلوب.

وفي المقام كلمة لابن قيم، يوضّح فيها أكثر هذه الاحتمالات:

ضرب الله سبحانه لعباده، الاَمثال، وضرب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) لاَُمّته الاَمثال، وضرب الحكماء والعلماء والموَدّبون الاَمثال، فما معنى ضرب المثل؟

قد يكون مشتقّاً من قولك (ضرب في الاَرض) أي سار فيها.

فمعنى ضرب المثل جعله ينتشر ويذيع ويسير في البلاد. وإلى هذا ذهب أبو هلال في مقدمة كتابه. (2)

وقد يكون معنى "ضرب المثل" نصبه للناس بإشهاره لتستدلّ عليه خواطرهم كما تستدلّ عيونهم على الاَشياء المنصوبة. واشتقاقه حينئذٍ من قولهم:(ضربت الخباء) إذا نصبته .

وقوله تعالى: (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالباطل ) (3)أي ينصب منارهما ويوضح أعلامهما ليعرف المكلّفون الحق بعلاماته فيقصدوه، ويعرفون الباطل فيجتنبوه، كما قال الشريف الرضيّ (359ـ 406هـ) في كتابه "تلخيص البيان في مجازات القرآن" :


1- الحكم والاَمثال:79.

2- انظر مقدمة كتاب جمهرة الاَمثال.

3- الرعد:17.

(37)

وقد يفهم من ضرب المثل صنعه وإنشاوَه، فيكون مشتقّاً من ضرب اللّبْنِ وضرب الخاتم.

أو قد يكون من الضرب بمعنى : إبقاء شيء على شيء. (1)

ومنه ضرب الدراهم: أي إيقاع النموذج الذي به الصّكُ على الدراهم لتنطبع به، فكأنّ المثل مطابق للحالة، أي للصفة التي جاء لاِيضاحها، وخلاصة القول: ضرب المثل مأخوذ: إمّا من:

1. ضرَب في الاَرض بمعنى : سار.

2. ضربه: نصبه للناس وأشهره.

3. ضرب: صنع وأنشأ.

4. ضرب: إبقاء شيء على مثال شيء. (2)

وبذلك يُعلم تفسير قوله سبحانه: (... وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراًx انْظُر كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الاََمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ). (3)
نرى أنّ المشركين وصفوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) بكونه رجلاً مسحوراً، فيردّ عليه سبحانه باستنكار ويقول: (انظر ـ أيّها النبي ـ كيف ضربوا لك الاَمثال) أي كيف وصفوك بأنّك مسحور مع أنّ سيرتك تشهد على خلاف ذلك، وما تتلو من الآيات كلامه سبحانه لا صلة له بالسحر وإنّ ما يجدونه خلاَّباً للعقول وآخذاً بمجامع القلوب فإنّه هو لاَجل عذوبته وجماله وإعجازه الخارق وأين هو من السحر؟!


1- تلخيص البيان في مجازات القرآن: 107.

2- الاَمثال في القرآن الكريم:20ـ 21.

3- الفرقان: 8 ـ 9.

(38)

وعلى ذلك فالمعنى المناسب لتفسير الآية ، هو تفسير الضرب بالوصف، وقد تقدّم أنّ الوصف أحد معانيه، وأقرّ به ابن منظور: أن انظر كيف وصفوك بكونك مسحوراً.

وأمّا تفسيره بالتمثيل بأن يقال: انظر كيف مثّلوا لك المثال أو التمثيل، فغير تام، لاَنّ وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) بكونه "مسحوراً"، لا مثَل سائر، ولا تمثيل قياسي.

ونظيره تفسيره بقطع الاَرض، لاَنّ المشركين ما وصفوه به ليشهّروه حتى يصير قولهم "سيراً في الاَرض".

العاشر: الاَمثال القرآنية وانسجامها مع البيئة

لا شكّ أنّ كلّ خطيب يتأثر بالظروف التي يعيش فيها، وبسهولة يمكن فرز كلام المدني عن القروي، وكلامهما عن كلام البدوي، وما ذاك إلاّ لاَنّ البيئة تُعدّ أحد الاَضلاع الثلاثة التي تُكوّن شخصية الاِنسان ، و من هذا الجانب أصبح بإمكان المحقّق الخبير بالتاريخ أن يميز الشعر الجاهلي عن الشعر في العصر الاِسلامي، و الشعر في العصر الاَموي عن الشعر في العصر العباسي، وما هذا إلاّ نتيجة انعكاسات البيئة على التراث الاَدبي، ولكن القرآن بما أنّه كلامه سبحانه قد تنزّه عن هذه الوصمة، لاَنّ الله سبحانه خالق كلّ شيء فهو منزَّه من أن يتأثر بشىء سواه.

ومع ذلك كلّه نزلت الاَمثال القرآنية لهداية الناس ولذلك رُوعيَ فيها الغايات التي نزلت لاَجلها، فنجد ان الطابع المكي يعلو هامة الاَمثال المكية، والطابع المدني يعلو هامة الاَمثال المدنية.

أمّا الاَمثال المكية، فكانت دائرة مدار معالجة الاَدواء التي ابتلي بها


(39)

المجتمع المكى لا سيما وانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يجادل المشركين ويسفّه أحلامهم ويدعوهم إلى الاِيمان بالله وحده، وترك عبادة غيره، والاِيمان باليوم الآخر، ففي خِضمّ هذا الصراع يأتي القرآن بأروع مثل ويشبّه آلهتهم المزعومة التي تمسّكوا بأهدابها ببيت العنكبوت الذي لا يظهر أدنى مقاومة أمام النسيم الهاديَ، وقطرات المطر ، وهبوب الرياح.

يقول سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَولياء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيتاً وإِنَّ أَوهَنَ الْبُيُوتِ لَبيتُ العَنْكَبُوتِ لو كانُوا يَعْلَمون ). (1)

فقد شبّه آلهتهم التي اتخذوها حصوناً منيعة لاَنفسهم بخيوط العنكبوت، وبذلك صغّرهم وذلّلهم.

كما أنّه سبحانه في آية أُخرى شبّه آلهتهم بالذباب، وقال: (يا أَيُّهَا النّاس ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا له إِنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ولَوِ اجْتَمَعوا لَهُ وإن يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوب).(2)
فقد كانت قريش تعبد 360 إلهاً يطلونها بالزعفران فيجفّ، فيأتى الذباب فيختلسه فلا يقدرون عن الدفاع عن أنفسهم، ففي هذا الصدد، قال سبحانه: (ضعف الطالب والمطلوب )أي الذباب والمدعوّ .

فأي مثل أقرع من تشبيه آلهتهم بهذه الحشرة الحقيرة.ولقد مضى على الناس منذ ضرب لهم كتاب الاِسلام هذا المثل أربعة عشر قرناً، وما يزال المثل القرآني يتحدَّى كل جبروت الغزاة وعبقرية العلماء، وما يزال على الذين غرّهم الغرور بما حقّق إنسان العصر الحديث من معجزات العلم، أن ينسخوا ذلك، بأن


1- العنكبوت:41.

2- الحج:73.

(40)

يجتمعوا فيخلقوا ذباباً، أو يستنقذوا شيئاً سلبتهم إيّاه هذه الحشرة الضئيلة التي تقتلها ذرّة من هواء مشبع بمُبيد الحشرات، وتستطيع مع ذلك أن تسلب مخترع المبيد حياته، بلمسة هيّنة خاطفة تحمل إليه جرثومة داء مميت.(1)

هذا في مجال الردِّ على عبادتهم للاَوثان والاَصنام، أمّا في مجال ركونهم إلى الدنيا والاِعراض عن الآخرة، يستعرض مثلاً يشير فيه إلى أنّ الدنيا ظل زائل وليست خالدة، قال سبحانه: (إِنَّما مَثَلُ الحَياة الدُّنيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاََرض مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالاََنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الاََرْضُ زُخْرُفَها وَ ازّيّنَتْ وَظَنّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَليها أَتاها أَمْرُنا لَيلاً أو نَهاراً فَجَعَلْناها حَصيداً كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالاََمْسِ كَذلِكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَتَفكَّرُون ). (2)
هذا بعض ما يمكن أن يقال حول الاَمثال التي نزلت في مكة.

وأمّا الاَمثال التي نزلت في المدينة، فقد نجد فيها الطابع المدني لاَجل انّها بصدد علاج الاَدواء التي ابتلي بها المجتمع يومذاك وهي الاَدواء الخلقية مكان الشرك والوثنية، أو مكان إنكار الحياة الاَُخروية، فلذلك ركّز الوحي على معالجة هذا النوع من الاَدواء بالتمثيلات التي سنشير إليها.

فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مهجره مبتلياً بالمنافقين الذين كانوا يبطنون الكفر ويظهرون الاِسلام بغية الاِطاحة بالحكومة الاِسلامية الفتيّة، وفي هذا الصدد نرى أنّ الاَمثال المدنية تطرّقت في آيات كثيرة إلى المنافقين و بيّنت خطورة موقفهم على الاِسلام والمسلمين، فتارة يضرب الله سبحانه لهم مثلاً بالنار وأُخرى بالمطر، يقول سبحانه: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ )


1- الصورة الفنية في المثل القرآني: 99، نقلاً عن كتاب "القرآن وقضايا الاِنسان" لبنت الشاطىَ.

2- يونس:24.

(41)

ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ في ظُلماتٍ لا يُبْصِرُون x صُمّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُون x أَوْ كَصَيّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوتِ وَاللهُ مُحيطٌ بِالكافِرين ). (1)

كان المجتمع المدني يضمُّ في طيّاته طوائف ثلاث من اليهود وهم: بنو قينُقاع، وبنو النضير، وبنو قُريظة؛ وقد جبلوا على المكر والحيلة والغدر ، وكانوا يقرأون سمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في توراتهم، ويمرّون عليها مرار الاَُمي الذي لا يجيد القراءة والكتابة، وهذه السمة أدت إلى أن يشبّههم سبحانه بالحمار الذي يحمل أسفاراً قيّمة دون أن يستفيدوا منها شيئاًً، يقول سبحانه: (مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُوا التَّوراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ القَومِ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي القَومَ الظالِمين ). (2)

وأمّا المسلمون الذين عاصروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانوا بحاجة إلى هداية إلهية تصلح أخلاقهم، فقد كان البعض منهم ينفقون أموالهم رئاءً دون ابتغاء مرضاة الله، أو ينفقونها بالمنّ والاَذى، فنزل الوحي الاِلهي بمثل خاص يبيّن موقف المنفق في سبيل الله، والمنفق بالمنِّ والاَذى أو رئاء الناس، قال سبحانه: (مَثَلُ الَّذينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مائةُ حَبّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَليم ). (3)

وقال سبحانه: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لاتُبْطِلُوا صَدقاتِكُمْ بِالمَنّ وَالاََذى كَالّذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُوَْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفوانٍ عَليه )


1- البقرة:17ـ 19.

2- الجمعة:5.

3- البقرة:261.

(42)

تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَركَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ على شَىءٍ مِمّا كَسَبوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقومَ الكافِرِين ). (1)

هذه إلمامة خاطفة لملامح الاَمثال القرآنية التي نزلت قبل الهجرة وبعدها، وسيوافيك البحث في تلك الاَمثال عند تفسير الآيات واحدة تلو الاَُخرى.

الحادي عشر: استنكار الاَمثال القرآنية

يظهر من بعض الآيات أنّ بعض المخاطبين بالاَمثال كانوا يستنكرونها ويستغربون منها، و ما ذلك إلا لاَنّ المثل كان يكشف عن نواياهم ويبيّـن واقع عقيدتهم، ويسفّه أحلامهم، فيبعث فيهم القلق والاضطراب، ذلك عندما يجمع سبحانه في أمثاله تارة بين الذباب و العنكبوت والبعوضة ـ كما مرّ ـ وأُخرى بين الكلب والحمار :

كقوله سبحانه:

(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْب إنْ تَحْمِل عَلَيهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ). (2)

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوراة ثمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً).(3)

وقد نقل سبحانه استنكارهم، وقال: (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوقَها فَأَمّا الّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبّهِمْ وَأَمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلّ بِهِ كَثيراً وَيَهْدي بِهِ كَثيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلا )


1- البقرة:264.

2- الاَعراف:176.

3- الجمعة:5.

(43)

الفاسِقين ). (1)

قال الزمخشري: والتمثيل إنّما يصار إليه لكشف المعاني، وإدناء المتوهّم من الشاهد، فإن كان المتمثَّل له عظيماً كان المتمثّل به مثله، وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك. (2)

وربما سرت تلك الشبهة إلى عصرنا الحاضر، فقد استغرب بعضهم من ضرب المثل بالحشرات والاَُمور الحقيرة الضئيلة، ولكنّه غفل عن أنّ العبرة في ضرب الاَمثال ليس بأدواتها وآلاتها، وإنّما بمكنوناتها وغاياتها،وما يدرينا بسرّ الاِعجاز في التركيب الجثماني للبعوضة، مثلاً، وما فيه من إبداع وتحدٍّ وإعداد، ولعل فيه من الاِنجاز الخلقي ما لا نشاهده بأكثر الاَجسام ضخامة وكبراً، على أن المبدع لها جميعاً هو الله وكفى، "والله رب الصغير والكبير وخالق البعوضة والفيل، والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل، إنّها معجزة الحياة، معجرة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله على أنّ العبرة في المثل ليست في الحجم، إنّما الاَمثال أدوات للتنوير والتبصير، وليس في ضرب الاَمثال ما يعاب، وما من شأنه الاستحياء من ذكره. والله ـ جلّت حكمته ـ يريد بها اختبار القلوب وامتحان النفوس". (3)

الثاني عشر : التمثيلات القرآنية

قد عرفت أنّ المثل السائر غير التمثيل الوارد في القرآن الكريم، وأنّه


1- البقرة:26.

2- الاِتقان في علوم القرآن:2|1042.

3- في ظلال القرآن:1|57.

(44)

سبحانه عند ما يقول: (وَتِلْكَ الاََمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفكَّرون ) (1)يريد التمثيل لا المثل السائر، وهذه التمثيلات هي نمط آخر من علوم القرآن وباب عظيم من معارفه.

وقد ألّف غير واحد في توضيح رموزها كتباً ورسائل، ذكرنا أسماءها في قائمة خاصة، ولعلّ ما لم أقف عليه أكثر من ذلك.

ولاَجل إيقاف القارىَ الكريم على الآيات التي سنتناولها بالبحث في هذا الكتاب، نذكر التمثيلات القرآنية حسب ترتيب السور التي وردت فيها،وقد تحمّل عبأ جمعها الدكتور محمد حسين على الصغير في كتابه "الصورة الفنية في المثل القرآني" على الرغم من ذلك فقد فاته بعض الآيات كما عدّ منها ما ليس منها ويتضح ذلك في دراسة هذه الآيات:

1. (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لايُبْصِرُونَ x صُمّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُون ). (2)

2. (أَوْكَصَـيّبٍ مِنَ السَّماءِ فيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوتِ وَاللهُ مُحيطٌ بِالكافِرين xيَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوا فيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَو شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلّ شَىْءٍ قَدير ). (3)

3. (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمّا الّذينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبّهِمْ وَأَمّا الّذينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثيراً وَيَهْدي بِهِ كَثيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلا الفاسِقينَ x الّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ )


1- الحشر:21.

2- البقرة:17ـ 18.

3- البقرة:19ـ20.

(45)

ميثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الاََرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرونَ ). (1)

4. (وَمَثَلُ الّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الّذي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنداءً صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون ).(2)

5. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَما يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَريبٌ ). (3)

6. (أَو كَالّذي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيي هذهِ اللهُ بَعْدَ مَوتِها فَأَماتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوماً أَوْ بَعْضَ يَومٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُر إلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَ انْظُرْ إِلى العِظامِ كَيْفَ نَنْشِزُُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ قالَ أَعلَم أَنّ الله عَلى كُلّ شَىءٍ قَديرٌ ). (4)

7. (مَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلّّ سُنْبُلَةٍ مِائةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَليمٌ ). (5)

8. (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالمَنّ وَالاََذى كَالّذي يُنْفِقُ مالَهُ رئاءَ النّاسِ ولا يُوَْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَليهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ )


1- البقرة:26ـ27.

2- البقرة:171.

3- البقرة:214.

4- البقرة:259.

5- لبقرة:261.

(46)

وابِلٌ فَتَركَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّاكَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الكافِرينَ).(1)

9. (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ ) . (2)

10. (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ لَهُ فيها مِنْ كُلّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفكَّرُون ) . (3)

11. (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). (4)

12. (مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هذهِ الحَيوةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ ريحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) . (5)

13. (أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيّنَ لِلْكافِرينَ ما كانُوا يَعمَلُون ) . (6)


1- البقرة:264.

2- البقرة:265.

3- البقرة:266.

4- آل عمران:59.

5- آل عمران:117.

6- الاَنعام:122.

(47)

14. (وَالبَلَدُ الطَّيّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرّفُ الآياتِ لِقَومٍ يَشْكُرُونَ ) . (1)

15. (وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ *وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الاََرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ القَومِ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ * ساءَ مَثَلاً القَومُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ) . (2)

16. (إِنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاََرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالاََنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الاََرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرنا لَيلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصيداً كأنْ لَمْ تغنَ بِالاََمْسِ كَذلِكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ ). (3)

17. (مَثَلُ الفَريقَينِ كَالاََعْمى وَالاََصَمِّ وَالْبَصيرِ وَالسَّميعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ ). (4)

18. (لَهُ دَعْوَةُ الحَقّ وَالَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَمَا دُعاءُ الكَافِرينَ إِلا في ضَلالٍ).(5)


1- الاَعراف:58.

2- الاَعراف:175ـ 177.

3- يونس:24.

4- هود:24.

5- الرعد:14.

(48)

19. (أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيِهِ فِي النّار ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الاََرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الاََمْثَالَ ). (1)

20. (مَثَلُ الْجَنَّةِ الّتي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْري مِنْ تَحْتِها الاََنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الكافِرِينَ النّارُ ). (2)

21. (مَثَلُ الّذينَ كَفَرُوا بِرَبّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرّيحُ في يَومٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا على شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعيد ). (3)

22. (أَلَمْ تَرَ كيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُوَْتي أُكُلَها كُلَّ حينٍ بِإِذْنِ رَبّها وَيَضْرِبُ اللهُ الاََمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون ). (4)

23. (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبيثةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوقِ الاََرْضِ مَالَها مِنْ قَرار ).(5)

24. (وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الّذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الاََمْثالَ ). (6)


1- الرعد:17.

2- الرعد:35.

3- إبراهيم:18.

4- إبراهيم:24ـ 25.

5- إبراهيم:26.

6- إبراهيم:45.

(49)

25. (للَّذِينَ لا يُوَْمِنُونَ بِالآخِرَة مَثَلُ السَّوْءِ وَللهِ المَثَلُ الاََعلى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ). (1)

26. (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ على شَىءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوونَ الحَمدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ).(2)

27. (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شىءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَولاهُ أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ). (3)

28. (وَلاتَكُونُوا كَالَّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ الله بِهِ وَلَيُبيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفُونَ ). (4)

29. (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلّ مَكانٍ فَكَفَرتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالخَوفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ).(5)

30. (وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لاََحَدِهِمَا جَنَّتَينِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُما زَرْعاً *كِلْتَا الْجَنَّتينِ آَتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرَاً * وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً *وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبيدَ هذه أَبَداً *وَما أَظُنُّ )


1- النحل:60.

2- النحل:75.

3- النحل:76.

4- النحل:92.

5- النحل:112.

(50)

السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبّي لاَجِدَنَّ خَيراً مِنْها مُنْقَلَباً * قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالّذي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً *لَكِنّا هُوَ اللهُ رَبّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبّي أَحَداً * وَلَولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ باللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً *فَعَسى رَبّي أَنْ يُوَتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتصبِحَ صَعيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَاوَهَا غَوراً فَلَنْ تَسْتَطيعَ لَهُ طَلَباً *وَأُحِيطَ بِثَمَرهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفقَ فِيهَا وَهِىَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَني لَمْ أُشْرِكَ بِرَبّي أَحَداً * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصراً *هُنالِكَ الولايَةُ للهِ الحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ).(1)

31. (وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيَا كَماءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاََرْضِ فَأَصْبَحَ هَشيماً تَذْرُوهُ الرّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلّ شَىْءٍ مُقْتَدِراً ). (2)

32. (يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنّ الّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذباباً وَلَوِ اجْتَمعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ ). (3)

33. (اللهُ نُورُ السَّمواتِ وَالاََرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأْنَّها كَوكَبٌ دُرِيّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرةٍ مُبارَكةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقيةٍ وَلا غَرْبيةٍ يَكادُ زَيْتُها يُِضِيءُ وَلَوْ لَمْ تمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَِهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الاََمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ). (4)


1- الكهف:32 ـ 44.

2- الكهف:45.

3- الحج:73.

4- النور:35.

(51)

34. (وَالَّذينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآن ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الحِسابِ ). (1)

35. (أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّىٍّ يَغْشاهُ مَوجٌ مِنْ فَوقِهِ مَوجٌ مِنْ فَوقِهِ سَحابٌ ظُلماتٌ بَعْضُها فَوقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ). (2)

36. (مَثَلُ الَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَولياءَ كَمَثلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ). (3)

37. (وَهُوَ الَّذي يَبْدَوَُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الاََعْلى فِي السَّمواتِ وَالاََرْضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ ).(4)

38. (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعقِلُونَ ). (5)

39. (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرى الْفُلْكَ فيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون ). (6)


1- النور:39.

2- النور: 40.

3- العنكبوت:41.

4- الروم:27.

5- الروم:28.

6- فاطر:12.

(52)

40. (وَما يَسْتَوي الاََعْمى وَالْبَصيرُ * وَلا الظُّلُماتُ وَلاَ النُّورُ * وَلا الظّلُّ وَلا الحَرُورُ * وَما يَسْتَوِي الاََحْياءُ وَلا الاََمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ). (1)

41. (وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَها الْمُرْسَلُونَ *إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ *قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ *قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لمُرسَلُونَ * وَما عَلَيْنا إِلا الْبَلاغُ الْمُبينُ *قالُوا إِنّا تَطَيَّرنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمسَّنكُمْ مِنّا عَذابٌ أَليمٌ *قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ * وَجاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قالَ يا قَومِ اتَّبعُوا الْمُرسَلينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَماليَ لا أَعْبُدُ الَّذي فَطَرني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنّي شَفاعَتُهُم شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونَ * إِنّي إِذاً لَفي ضَلالٍ مُبينٍ * إِنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَومي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لي رَبّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمين * وَما أَنْزَلْنا عَلى قَومِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلينَ * إِنْ كانَتْ إِلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ * يا حَسْرَةً عَلَى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ). (2)

42. (أَوَلَمْ يَرَ الاِِنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبينٌ * وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظامَ وَهِيَ رَميمٌ * قُلْ يُحْيِيها الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَليمٌ ). (3)


1- فاطر:19ـ22.

2- يس:13ـ30.

3- يس:77ـ 79.

(53)

43. (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فيهِ شُركاءُ مُتَشاكِسونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَويانِ مَثلاً الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ). (1)

44. (وَإِذا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجهُهُ مُسْودّاً وَهُوَ كَظيمٌ * أَوَ مَنْ يُنَشَّوَُا في الحِلْيَةِ وَهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبينٍ ). (2)

45. (فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعين * فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثلاً للآخِرِينَ ). (3)

46. (وَلَما ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثلاً إذا قَومُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أآلهتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدلاً بَلْ هُمْ قَومٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثلاً لِبَني إِسْرائيلَ ). (4)

47. (ذلِكَ بِأنَّ الَّذينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وَأَنَّ الَّذينَ آمَنُوا اتَّبعُوا الحَقَّ مِنْ رَبّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ ). (5)

48. (مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَير آسنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّر طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّى وَلَهُمْ فيها مِنْ كُلّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَميماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ ). (6)


1- الزمر:29.

2- الزخرف:17ـ 18.

3- الزخرف: 55ـ 56.

4- الزخرف:57ـ 59.

5- محمد:3.

6- محمد:15.

(54)

49. (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ في الاِِنْجِيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطأهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُّ الزرّاعَ لِيَغيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظيماً ). (1)

50. (اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الاََمْوالِ وَالاََولادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَما الحَياةُ الدُّنيا إِلا مَتاعُ الْغُرُورِ ). (2)

51. (كَمَثَلِ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَريباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ ) . (3)

52. (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ للاِنْسانِ اكْفُر فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنّي بَريءٌ مِنْكَ إِنّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمينَ ).(4)

53. (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصدّعاً مِنْ خَشيةِ اللهِ وَتِلْكَ الاََمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ). (5)


1- الفتح:29.

2- الحديد:20.

3- الحشر:15.

4- الحشر:16.

5- الحشر:21.

(55)

54. (مَثَلُ الَّذينَ حُمّلُوا التَّوراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ القَومِ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدي القَومَ الظّالِمينَ ) . (1)

55. (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَ امْرَأة لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلينَ ). (2)

56. (وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلّذِينَ آمَنُوا امْرأةَ فِرْعَونَ إِذْ قالَتْ رَبّ ابْنِ لى عِنْدَكَ بَيْتاً في الجَنَّةِ وَنَجّني مِنْ فِرْعَونَ وَعَمَلِهِ وَنَجّني مِنَ الْقَومِ الظّالِمينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ الّتي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلماتِ رَبّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ القانِتين ). (3)

57. (وَما جَعَلَنا أَصحابَ النّارِ إِلا مَلائِكةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلّذينَ كَفَروا لِيَسْتَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذينَ آمَنُوا إِيماناً ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكتابَ وَالْمُوَْمِنُونَ وَلِيَقولَ الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنودَ رَبّكَ إِلا هُوَ وَما هِيَ إِلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ). (4)

هذا ما ذكره الكاتب، ولكنّه غير جامع إذ هناك آيات تتضمن تمثيلاً وإن لم


1- الجمعة:5.

2- التحريم:10.

3- التحريم:11ـ 12.

4- المدثر:31.

(56)

يشتمل على لفظ المثل أو حرف التشبيه ولكن التمثيل برَّمة أركانه موجود فيها، قال سبحانه: (الّذينَ يَأْكُلُونَ الرّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسّ ) (1) فشبّه آكل الربا بمن مسَّه الجن فصار مذعوراً لا يملك عقله ونفسه. إلى غير ذلك من الآيات.

قال بعض العلماء: ضرب الاَمثال في القرآن يستفاد منه أُمور كثيرة: التذكير ، والوعظ، والحث والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره بصورة المحسوس، فانّ الاَمثال تصوّر المعاني بصورة الاَشخاص، لاَنّها أثبت في الذهن لاستعانة الذهن فيها بالحواس، ومن ثمّ كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجليّ و الغائب بالشاهد.

وتأتى أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الاَجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الاَمر وتحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطاله.(2)

ثمّ إنّ الآيات التي جاء فيها التصريح بالمثل، عبارة عن الآيات التالية:

1. (وَلَقَدْ صَرَّفنا لِلنّاسِ في هذا القُرآنِ مِنْ كُلّ مَثَل ). (3)

2. (وَلَقَدْ صَرّفنا في هذَا القُرآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلّ مَثَل ). (4)

3. (وَللهِ الْمَثَلُ الاَعْلى وَهُوَ الْعَزيزُ الحَكِيمُ ). (5)


1- البقرة:275.

2- رياض السالكين:5|461.

3- الاِسراء:89.

4- الكهف:54.

5- النحل:60.

(57)

4. (وَلَهُ المَثَلُ الاََعْلى فِي السَّمواتِ وَالاََرْضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيم ). (1)

5. (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هذا الْقُرآنِ مِنْ كُلّ مَثَل ). (2)

6. (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هذا القُرآن مِنْ كُلّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذكَّرون ). (3)

7. (كَذلِكَ يَضْرِب اللهُ الاََمْثال ). (4)

8. (وَيَضْرِبُ اللهُ الاََمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذكَّرون ). (5)

9. (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِم وَضَرَبْنا لَكُمُ الاََمْثال ). (6)

10. (وَيَضْرِبُ اللهُ الاََمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلّ شَىءٍ عَليم ). (7)

11. (وَتِلْكَ الاََمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلا الْعالمون ). (8)

12. (وَتِلْكَ الاََمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتفَكَّرُونَ ). (9)

13. (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ ). (10)

14. (وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبيّناتٍ وَمَثلاً مِنَ الّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوعِظَةً لِلْمُتَّقين ). (11)

15. (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالحَقّ وَأَحْسَنَ تَفسيراً ). (12)

ولكن الاَمثال أعم مما ورد فيه لفظ المثل أو كاف التشبيه كما مرّ .


1- الروم:27.

2 ـ الروم:58.

3 ـ الزمر:27. 4- الرعد:17.
5- إبراهيم:25. 6- إبراهيم:45. 7- النور:35. 8- العنكبوت:43.

9- الحشر:21. 10- محمد:3. 11- النور:34. 12- الفرقان:33.

(58)

الثالث عشر: الآيات التي تجري مجرى المثل

القرآن الكريم كلّه حكمة وعظة، بلاغ وعبرة، وقد قام غير واحد من المحقّقين باستخراج الحكم الواردة فيه التي صارت أمثالاً سائرة عبر القرون لتداولها على الاَلسن في حياتهم العملية. وقد سبق منّا القول إنّ هذه الآيات لم تنزل بوصف المثل، لاَنّ المثل عبارة عن كلام تداولته الاَلسن فصار به أمثالاً سائرة دارجة، ومن الواضح أنّ الحكم الواردة في القرآن نزلت من دون سبق مثال لها، فلم تكن يوم نزولها موصوفة بوصف المثل، وانّما أُضفي عليها هذا الوصف عبر مرّ الزمان وتداول الاَلسن.

ثم إنّ جعفر بن شمس الخلافة (1)المتوفّى عام 226هـ) عقد باباً في ألفاظ القرآن الجارية مجرى المثل، ونقله السيوطي عنه في كتاب "الاِتقان"، وقال: وهذا هو النوع البديعي المسمّى بإرسال المثل.

وإليك ما أورده من هذا الباب:

1. (وَعَسى أَنْ تكرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ). (2)

2. (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَة ). (3)

3. (لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها ). (4)


1- هو أبو الفضل جعفر بن محمد شمس الخلافة الاَفضلي البصري المتولّد عام 543هـ، ترجمه ابن خلكان في "وفيات الاَعيان" موَلف كتاب "الآداب" وهو كتاب وجيز في الحكم والاَمثال من النثر والنظم طبع في مصر عام 1349هـ.

2- البقرة:216.

3- البقره:249.

4- البقرة:286.

(59)

4. (لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّون ). (1)

5. (ما عَلى الرَّسُولِ إِلا البَلاغُ ). (2)

6. (قُلْ لا يَسْتَوي الْخَبيثُ وَالطَّيّب ). (3)

7. (لِكُلّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٍ ). (4)

8. (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيراً لاَسمَعَهُمْْ ). (5)

9. (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل ). (6)

10. (الآن وَقَدْ عَصَيْتَ قبلُ ). (7)

11. (أَلَيْسَ الصُّبحُ بِقَرِيب ). (8)

12. (قُضِي الاََمْرُ الَّذى فِيهِ تَسْتَفْتِيان ). (9)

13. (الآن حَصْحَصَ الحَقّ ). (10)

14. (قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه ). (11)

15. (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداك ). (12)

16. (ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوب ). (13)

17. (كُلُّ حِزبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُون ). (14)


1- آل عمران:92. 2- المائدة:99. 3- المائدة:100. 4- الاَنعام:67.

5- الاَنفال:23.

6 ـ التوبة:91. 7- يونس:91. 8- هود:81.
9- يوسف:41. 10- يوسف:51. 11- الاِسراء:84. 12- الحج:10.
13- الحج:73.

14- الروم:32.


(60)

18. (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي البَرّ وَالْبَحْر ). (1)

19. (وَقليلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُور ). (2)

20. (وَحيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُون ). (3)

21. (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبير ). (4)

22. (وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيّءُ إِلا بِأَهْلِهِ ). (5)

23. (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ ). (6)

24. (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُون ). (7)

25. (وَقَليلٌ ما هُمْ ). (8)

26. (لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ الله كاشِفَة ). (9)

27. (هَلْ جَزاءُ الاِِحْسان إِلاّ الاِِحْسان ). (10)

28. (فَاعْتَبِرُوا يا أُولي الا ََبْصار ). (11)

29. (تَحْسَبُهُمْ جَميعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى ). (12)

30. (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَة ). (13)


1- الروم:41. 2- سبأ:13. 3- سبأ:54. 4- فاطر:14. 5- فاطر:43.
6- يس:78. 7- الصافات:61. 8- ص:24. 9- النجم:58.
10- الرحمن:60. 11- الحشر:2. 12- الحشر:14. 13- المدثر:38.

(61)

هذا ما نقله السيوطى في "الاِتقان "عن كتاب "الآداب" لجعفر بن شمس الخلافة، ولكن المذكور في كتاب "الآداب" ما يناهز 69 آية، وقد صارت هذه الآيات في عصره أمثالاً سائرة. (1)

ثمّ إنّ شهاب الدين محمد بن أحمد أبا الفتح الابشيهي المحلي (790ـ 850هـ) في كتابه "المستطرف في كل فن مستظرف" ذكر من حِكم القرآن التي تجري مجرى الاَمثال أكثر مما نقله السيوطي في إتقانه عن كتاب الآداب.

قال صاحب المستطرف: إنَّ الاَمثال من أشرف ما وصل به اللبيب خطابه، وحلّى بجواهره كتابه، وقد نطق كتاب الله تعالى وهو أشرف الكتب المنزلة بكثير منها، ولم يخلُ كلام سيدنا رسول الله 6عنها، وهو أفصح العرب لساناً وأكملهم بياناً، فكم في إيراده وإصداره من مثل يعجز عن مباراته في البلاغة كلّ بطل،.... فمن أمثال كتاب الله ، قوله تعالى: (لَنْ تَنالُوا البِرّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّون)، (الآن حَصْحَصَ الحَق )، و (قُضِي الاََمْرُ الذي فيهِ تَسْتَفْتِيان )إلى آخر ما ذكره. (2)

ثمّ إنّ بعض من ألّف في أمثال القرآن، استدرك عليهما الحِكم التي صارت مثلاً بين الناس والتي يربو عددها على 245 آية. (3)

كما أنّ الدكتور محمدحسين الصغير ذكر في خاتمة كتابه من هذه المقولة فبلغ 495 آية. (4)

ولكن الذي فاتهم هو التركيز على أنَّ هذه الآيات لم تكن أمثالاً يوم


1- الاِتقان:2|1046النوع السادس والستون.

2- المستطرف في كلّ فن مستظرف:1|27.

3- َمثال القرآن، علي أصغر حكمت.

4- الصورة الفنّية في المثل القرآني:387ـ 402.

(62)

نزولها، بل كانت حِكماً وإنّما جاءت مثلاً حسب مرّ الزمان.

وأخيراً نزيد أنّ هناك آيات أُخرى غير ما تقدَّم أكثر تداولاً على الاَلسن في أكثر البلاد الاِسلامية نشير إلى قسم منها، وربما يوجد بعض منها فيما ذكره موَلف الآداب، وهذه الآيات هي:

1. (كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ). (1)

2. (هذا فراقٌ بَيْنِى وَبَيْنِك ). (2)

3. (نُورٌ عَلى نُور ). (3)

4. (وَ ما عَلى الرَّسُولِ إِلاّ البَلاغ ). (4)

5. (يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيّتِ وَيُخْرِجُ المَيّتَ مِنَ الحَيّ ). (5)

6. (هَلْ يَسْتَوي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لا يَعْلَمُون ). (6)

7. (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ ). (7)

8. (هَلْ جَزاء الاِِحْسانِ إِلاّ الاِِحسانُ ). (8)

9. (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُون ). (9)

10. (لَكُمْ دِينُـكُمْ وََلِي دِين ). (10)

هذه آيات عشر صارت مثلاً سائراً بين أكثر المسلمين.


1- الاَعراف:31.

2- الكهف:78. 3- النور:35. 4- النور:54. 5- الروم:19. 6- الزمر:9.
7- الفتح:10. 8- الرحمن:60. 9- الصف:2. 10- الكافرون:6.

(63)

ثم إنّ المحقّق بهاء الدين العاملي (953 ـ1030هـ) عقد فصلاً تحت عنوان "فيما ورد من كتاب الله تعالى مناسباً لكلام العرب" ويريد بذلك انّ هناك معادلات في كلام العرب لما جاء في القرآن من الحكم، وذكر الآيات والاَمثال التالية:

أ: العرب تقول في وضوح الاَمر:"قد وضح الصبح لذي عينين".

وقال الله تعالى: (الآن حَصْحَصَ الحَقّ ). (1)

ب: وتقول العرب في فوات الاَمر: "سبق السيف العذل".

قال الله تعالى: (قُضِيَ الاََمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتيان ). (2)

ج: وتقول في تلافي الاِساءة "عاد غيث على ما أفسد".

قال الله تعالى: (مكانَ السَّيئةِ الحَسنة ). (3)

د: وتقول في الاِساءة لمن لا يقبل الاِحسان:"اعط أخاك ثمرة فإن أبى فجمرة".

وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِين).(4)

هـ: وتقول في فائدة المجازاة : "القتل أنفى للقتل".

وقال تعالى: (وَلَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُولى الاََلْباب ). (5)


1- يوسف:51.

2- يوسف:41.

3- الاَعراف:95.

4- الزخرف:36.

5- البقرة:179.

(64)

و : وتقول في اختصاص الصلح: "لكّل مقام مقال".

وقال تعالى: (لِكُلّ نَبأٍ مُسْتَقر ) (1) (2)

ثمّ إنّ بهاء الدين العاملى عاد إلى الموضوع في كتابه "المخلاة" ونقل شيئاً من أمثال العرب التي استفادها العرب من القرآن الكريم، فأوضح أنّ القرآن هو المنبع المهم لهذه الاَمثال، قال:

أ: قولهم: ما تزرع تحصد: (مَنْ يَعْمَل سُوءاً يُجْزَ بِهِ ). (3)

ب: قولهم: للحيطان آذان: (وَفيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ ). (4)

ج: قولهم: احذر شرَّ من أحسنت إليه: (وَما نَقَمُوا إِلاّ أنْ أغناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ). (5)

د: وقولهم: لا تلد الحيّة إلاّ حيّة: (وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كفّاراً ) (6) (7)

وما ذكره شيخنا العاملى هو الذي سبق ذكره في كلام الآخرين تحت عنوان "الاَمثال الكامنة".

ولعلّ ما ذكره ابن شمس الخلافة والسيوطى والبهائى ليس إلاّ جزءاً يسيراً من الحكم التي سارت بين الناس، أو صارت نموذجاً لصبّ بقية الاَمثال في قالبها، وهذا من القرآن ليس ببعيد.

كيف وقد وصفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : "لا تُحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه". (8)


1- الاَنعام:67.

2- أسرار البلاغة:616ـ 617.

3- النساء:123.

4- التوبة:47.

5- التوبة:74.

6- نوح:27.

7- المخلاة: 307.

8- الكافي: 2|599، كتاب فضل القرآن، الحديث 2.

(65)

الرابع عشر: الاَمثال النبوية

إذا كان المثل إبراز المعنى المقصود في معرض الاَمر المشهود،وتحلية المعقول بحلية المحسوس، واستنزال الحقائق المستعصية، فهو من أدوات التبليغ والتعليم، ولذلك ذاع التمثيل في القرآن الكريم والكلمات النبوية، وكلمات أئمّة أهل البيت (عليهما السلام) ، إلى عبارات البلغاء وإشارات الحكماء.

وقد قام غير واحد من المحدثين بجمع الاَمثال النبوية.

وقد ذكر المحقّق المعاصر الشيخ محمد الغروي ـ حفظه الله ـ في مقدمة كتابه "الاَمثال النبوية" حوالي عشرة كتب حول الاَمثال النبويّة، وهو بكتابه هذا أوصل العدد إلى أحد عشر كتاباً، وقد نقل عن عبد المجيد محمود موَلف كتاب "أمثال الحديث" العبارة التالية:أمّا أمثال الحديث فلم تحظ بالعناية التي نالتها أمثال القرآن أو الاَمثال العربية العامة، ولم أر أحداً من أصحاب الكتب الستة أفردها بالتأليف أو أفرد لها باباً في كتابه، سوى الاِمام الترمذي الذي خصص لاَمثال الحديث مكاناً في جامعه تحت عنوان: "أبواب الاَمثال عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنّه لم يذكر تحت هذا العنوان غير أربعة عشر حديثاً، ولهذا يقول ابن العربي: ولم أر أحداً من أهل الحديث صنف فأفرد لها باباً غير أبي عيسى ـ يعني الترمذي ـ ولله درّه لقد فتح باباً أو بنى قصراً أو داراً، ولكن اختط خطاً صغيراً، فنحن نقتنع به ونشكره عليه. (1)

ثمّ إنّ شيخنا الغروي قام بجمع شوارد الاَمثال النبوية في جزءين كبيرين مع تفسيرها، مرتباً إياها وفق حروف التهجّي، وأسمى كتابه "الاَمثال النبويّة"،


1- أمثال الحديث:88، ولكلامه صلة.

(66)

وطبع في بيروت.

وها نحن نذكر نماذج من الاَمثال النبوية التي جمعها السيوطي في "الجامع الصغير" لتكون زينة للكتاب.

1. "مثل الاِيمان مثل القميص تقمَّصه مرّة، وتنزعه أُخرى".

2. "مثل البخيل والمتصدّق كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأمّا المنفق فلا ينفق إلاّ سبغت على جلده، حتى تخفي بنانه، وتعفو أثره، وأمّا البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلاّ لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسّعها فلا تتسع".

3. "مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه، مثل الحيّ والميّت".

4. "مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحدّاد، لا يعدمك من صاحب المسك، إمّا أن تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك، أو تجد منه ريحاً خبيثة".

5."مثل الجليس الصالح مثل العطّار، إن لم يعطك من عطره أصابك من ريحه".

6. "مثل الرّافلة في الزينة في غير أهلها، كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها".

7. "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جارٍ عذب على باب أحدكم، يغتسل فيه كلّ يوم خمس مرّات، فما يبقي ذلك من الدَّنس".

8. "مثل العالم الذي يعلّم الناس الخير وينسى نفسه، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه".


(67)

9. "مثل القلب مثل الريشة تقلّبها الرياح بفلاة".

10. "مثل الذي يعتق عند الموت، كمثل الذي يهدي إذا شبع".

11. "مثل الذي يتعلّم العلم، ثمّ لا يحدّث به، كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه".

12. "مثل الذي يتعلّم العلم في صغره كالنقش على الحجر، ومثل الذي يتعلّم العلم في كبره، كالذي يكتب على الماء".

13. "مثل الذي يجلس يسمع الحكمة ولا يحدّث عن صاحبه إلاّ بشرّ ما يسمع، كمثل رجل أتى راعياً، فقال: يا راعي اجزرني شاة من غنمك، قال: اذهب فخذ بأُذنِ خيرها شاةً، فذهب فأخذ بأُذنِ كلب الغنم".

14. "مثل الذي يتكلّم يوم الجمعة والاِمام يخطب، مثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: "انصت" لا جمعة له".

15. "مثل الذي يعلّم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة ، تضيء للناس وتحرق نفسها".

16. "مثل الذي يعين قومه على غير الحقّ، مثل بعير تردّى وهو يجرّ بذنبه".

17. "مثل الذين يغزون من أُمّتى ويأخذون الجعل يتقوّون به على عدوهم، مثل أُمّ موسى، ترضع ولدها وتأخذ أجرها".

18. "مثل الموَمن كمثل العطار، إن جالسته نفعك، وإن ماشيته نفعك، وإن شاركته نفعك".

19. "مثل الموَمن مثل النخلة ما أخذت منها من شيء نفعك".

20. "مثل الموَمن إذا لقي الموَمن فسلّم عليه، كمثل البنيان يشدّ بعضه


(68)

بعضاً".

21. "مثل الموَمن مثل النحلة، لا تأكل إلاّ طيباً، ولا تضع إلاّ طيباً".

22. "مثل الموَمن مثل السنبلة، تميل أحياناً، وتقوم أحياناً".

23. "مثل الموَمن مثل السنبلة، تستقيم مرّة، وتخرّ مرّة، ومثل الكافر مثل الاَرزّة، لا تزال مستقيمة حتى تخرّ ولا تشعر".

24. "مثل الموَمن مثل الخامة، تحمرُّ مرّة، وتصفرُّ أُخرى، و الكافر كالاَرزّة".

25. "مثل الموَمن كمثل خامة الزرع من حيث أتتها الريح كفتها، فإذا سكنت اعتدلت،وكذلك الموَمن، يكفّأ بالبلاء، ومثل الفاجر كالاَرزّة صمّاء معتدلة، حتى يقصمها الله تعالى إذا شاء".

26. "مثل الموَمن الذي يقرأ القرآن كمثل الاَُترجُّة ريحها طيّب وطعمها طيّب.ومثل الموَمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلوٌ. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر".

27. "مثل الموَمن مثل النحلة إن أكلت أكلت طيّباً، وإن وضعت وضعت طيّباً، وإن وقعت على عود نخر لم تكسره، ومثل الموَمن مثل سبيكة الذهب إن نفخت عليها احمرّت،وإن وزنت لم تنقص".

28. "مثل الموَمن كالبيت الخرب في الظاهر، فإذا دخلته وجدته مونفاً، ومثل الفاجر كمثل القبر المشرف المجصّص، يعجب من رآه وجوفه ممتلىَُ نتناً.

29.مثل الموَمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمّى".


(69)

30.مثل المجاهد في سبيل الله ، كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صدقة، حتى يرجع، وتوكّل الله تعالى للمجاهد في سبيله إن توفّاه أن يدخله الجنّة أو يرجعه سالماً مع أجرٍ أو غنيمة".

31. "مثل المرأة الصالحة في النساء، كمثل الغراب الاَعصم الذي إحدى رجليه بيضاء".

32. "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرّة، وإلى هذه مرّة، لا تدري أيّهما تتبع".

33. "مثل ابن آدم وإلى جنبه تسعة وتسعون منيّة، إن أخطأته المنايا وقع في الهرم حتى يموت".

34. "مثل أصحابي مثل الملح في الطعام، لا يصلح الطعام إلاّ بالملح".

35. "مثل أُمّتي مثل المطر، لا يُدرى أوّله خير، أم آخره".

36. "مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا و من تخلّف عنها غرق".

37. "مثل بلال كمثل نحلة،غدت تأكل من الحلو والمرّ ثم يمسي حلواً كلّه".

38. "مثل بلعم بن باعوراء في بني إسرائيل، كمثل أُمية بن أبي الصلت في هذه الاَُمّة".

39. "مثل منىً كالرحم في ضيقه، فإذا حملت وسعها الله ".

40. مثل هذه الدنيا مثل ثوب شُقَّ من أوّله إلى آخره، فبقي متعلّقاً بخيط في آخره، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع".


(70)

41. "مثلي ومثل الساعة كفرسي رهان، مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قوم طليعة، فلمّـا خشي أن يسبق ألاح بثويبه: أُتيتم أُتيتُم، أنا ذاك، أنا ذاك".

42. "مثلي و مثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذُبّـهنّ عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي". (1)

الخامس عشر: الاَمثال العلوية

كان أمير الموَمنين (عليه السلام) مشرّع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولّدها، ومنه 7ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كلّ قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، وعلى كلامه مسحة من العلم الاِلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي.

فقد قام غير واحد من روّاد الفصاحة والبلاغة بجمع شوارد كلامه، وكلمه القصار والطوال، فنافت على اثنتي عشرة ألف كلمة، وفيما جمعه عبد الواحد الآمدي (المتوفّى حدود 550هـ) في كتابه "غرر الحكم ودرر الكلم"غنىً وكفاية لطلاّب الحق ولذلك نطوي عنها كشحا .

وأمّا التمثيل في كلمات سائر الاَئمة الاثني عشر فحدّث عنه ولا حرج، وقد شمّر المحقّق الغرويّ عن ساعد الجدّ فألّف موسوعات في هذا المضمار، شكر الله مساعيه الجميلة.


1- الجامع الصغير: 2|527ـ534.

(71)

السادس عشر: أمثال لقمان الحكيم

اختلفت الاَقوال في شخصية لقمان الحكيم، روى ابن عمر، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "لم يكن لقمان نبيّاً ، ولكن كان عبداً كثير التفكّر حسن اليقين، أحبّ الله فأحبّه و منّ عليه بالحكمة". (1)

وقد بلغ سموُّ كلامه إلى حدّ نقل سبحانه وتعالى شيئاً من حكمه في القرآن الكريم، وأنزل سورة باسمه، كما قام غير واحد من العلماء بجمع حكمه المبثوثة في الكتب.

وقد قام أمين الاِسلام الطبرسي بنقل شيء من حكمه في تفسيره، وقد وصفه الاِمام الصادق (عليه السلام) بقوله: "والله ما أُوتي لقمان الحكمة لحسب ولا مال ولا بسط في جسم ولا جمال، ولكنّه كان رجلاً قويّاً في أمر الله ، متورّعاً في الله ساكتاً سكيناً، عميق النظر، طويل التفكّر، حديد البصر، لم ينم نهاراً قطّ، ولم يتكىَ في مجلس قوم قطّ، ولم يتفل في مجلس قوم قطّ، ولم يعبث بشىء قطّ، ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط قطّ، ولا على اغتسال لشدّة تستره وتحفّظه في أمره، ولم يضحك من شيء قطّ، ولم يغضب قطّ مخافة الاِثم في دينه، ولم يمازح إنساناً قطّ، ولم يفرح بما أوتيه من الدنيا، ولا حزن منها على شيء قطّ، ... ولم يمرّ بين رجلين يقتتلان أو يختصمان إلاّ أصلح بينهما، ولم يمض عنهما حتى تحاجزا، ولم يسمع قولاً استحسنه من أحد قطّ، إلاّ سأله عن تفسيره وعمّن أخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والعلماء، وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين، فيرثي للقضاة بما ابتلوا به، ويرحم الملوك والسلاطين لعزتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك، ويتعلّم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه،


1- مجمع البيان:4|315.

(72)

ويحترز من السلطان، وكان يداوي نفسه بالتفكّر والعبر، وكان لا يظعن إلا فيما ينفعه، ولا ينظر إلا فيما يعينه، فبذلك أُوتي الحكمة ومنح القضية". (1)


1- مجمع البيان:4|317ـ 318.

(73)

سورة البقرة

1

التمثيل الاَوّل

قال سبحانه: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنّا وَإِذَا خَلَوْا إِلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون * اللهُ يَسْتَهْزِىَُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُون * أُولئِكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدَى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدين * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوقَدَ نَاراً فَلَمّا أَضَاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمّ بُكمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُون ). (1)

تفسير الآيات

الوقود ـ بفتح الواو ـ الحطب، استوقد ناراً، أو أوقد ناراً، كما يقال: استجاب بمعنى أجاب.

افتتح كلامه سبحانه في سورة البقرة بشرح حال طوائف ثلاث:

الاَُولى: الموَمنون، واقتصر فيهم على آيتين.

الثانية: الكافرون، واقتصر فيهم على آية واحدة.

الثالثة: المنافقون، وذكر أحوالهم وسماتهم ضمن اثنتى عشرة آية.


1- البقرة: 14ـ 18.

(74)

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على أنّ النفاق بوَرة الخطر، وانّهم يشكلون خطورة جسيمة على المجتمع الاِسلامى. وقد مثل بمثلين يوقفنا على طبيعة نواياهم الخبيثة وما يبطنون من الكفر.

بدأ كلامه سبحانه في حقهم بأنّ المنافقين هم الذين يبطنون الكفر ويتظاهرون بالاِيمان (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون ).

ثمّ إنّه سبحانه يردّ عليهم، بقوله: (اللهُ يَسْتَهْزِىَُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُون) والمراد أنّه سبحانه يجازيهم على استهزائهم.

ثمّ وصفهم بقوله: (أُولئِكَ الَّذينَ اشْتَرَوا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدين )، أي أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، واستبدلوا الكفر بالاِيمان، فلم يكونوا رابحين في هذه التجارة والاستبدال، ثمّ وصفهم بالتمثيل الآتى:

نفترض أنّ أحداً، ضلّ في البيداء وسط ظلام دامس وأراد أن يقطع طريقه دون أن يتخبّط فيه، ولا يمكن أن يهتدي ـ والحال هذه ـ إلاّ بإيقاد النار ليمشي على ضوئها ونورها ويتجنب المزالق الخطيرة، وما أن أوقد النار حتى باغتته ريح عاصفة أطفأت ما أوقده، فعاد إلى حيرته الا َُولى .

فحال المنافقين كحال هذا الرجل حيث إنّهم آمنوا بادىَ الاَمر واستناروا بنور الاِيمان ومشوا في ضوئه، لكنّهم استبدلوا الاِيمان بالكفر فعمَّهم ظلام الكفر لا يهتدون سبيلاً.

هذا على القول بأنّ المنافقين كانوا موَمنين ثمّ عدلوا إلى الكفر، وأمّا على


(75)

القول بعدم إيمانهم منذ البداية، فالنار التي استوقدوها ترجع إلى نور الفطرة الذي كان يهديهم إلى طريق الحق، ولكنّهم أخمدوا نورها بكفرهم بآيات الله تبارك و تعالى.

والحاصل: أنّ حال هوَلاء المنافقين لمّا أظهروا الاِيمان وأبطنوا الكفر كحال من ضلَّ في طريقه وسط الظلام في مكان حافل بالاَخطار فأوقد ناراً لاِنارة طريقه فإذا بريح عاصفة أطفأت النار وتركته في ظلمات لا يهتدي إلى سبيل.

وهذا التمثيل الذي برع القرآن الكريم في تصويره يعكس حال المنافقين في عصر الرسالة، ومقتضى التمثيل أن يهتدي المنافقون بنور الهداية فترة من الزمن ثمّ ينطفىَ نورها بإذن الله سبحانه، وبالتالي يكونوا صمّاً بكماً عمياً لا يهتدون، فالنار التي اهتدى بها المنافقون عبارة عن نور القرآن، وسنّة الرسول، حيث كانوا يتشرّفون بحضرة الرسول ويستمعون إلى كلامه وحججه في بيانه ودلائله في إرشاده وتلاوته لكتاب الله ، فهم بذلك كمن استوقد ناراً للهداية، فلمّـا أضاءت لهم مناهج الرشد ومعالم الحقّ تمرّدوا على الله بنفاقهم، فخرجوا عن كونهم أهلاً للتوفيق والتسديد، فأوكلهم الله سبحانه إلى أنفسهم الاَمّارة وأهوائهم الخبيثة، وعمّتهم ظلمات الضلال بسوء اختيارهم.

وعلى هذا ابتدأ سبحانه بذكر المثل بقوله: (مَثَلُهمْ كَمَثلِ الَّذى استوقَد ناراً فلَمّا أَضاءَت ما حوله )وتمّ المثل إلى هنا .

ثمّ ابتدأ بذكر الممثل بقوله: (ذَهَبَ الله بِنُورهِمْ وَتَرَكَهُمْ في ظُلماتٍ لا يُبصرون).

فإن قلت: فعلى هذا فما هو جواب "لمّا" في قوله (فلمّا أَضاءَت )؟


(76)

قلت: الجواب محذوف، لاَجل الوجازة، وهو قوله "خمدت".

فإن قلت: فعلى هذا فبم يتعلّق قوله: (ذهب الله بنورهم )؟

قلت: هو كلام مستأنف راجع إلى بيان حال الممثل، وتقدير الكلام هكذا: فلَمّا أَضاءَت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام متحيرين متحسّرين على فوات الضوء، خائبين بعد الكدح من إيقاد النار.

فحال المنافقين كحال هوَلاء، أشعلوا ناراً ليستضيئوا بنورها لكن (ذَهَب الله بنورهم وتَرَكَهُمْ في ظُلمات لا يُبصرون ).

وبكلمة موجزة: ما ذكرنا من الجمل هو المفهوم من الآية، والاِيجاز بلا تعقيد من شوَون البلاغة. (1)

فقوله سبحانه: (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) بمعنى أنّ ذلك كان نتيجة نفاقهم وتمرّدهم وبالتالي تبدّد قابليتهم للاهتداء بنور الحقّ (فَتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُون) أي في أهوائهم وسوء اختيارهم يتخبّطون في ظلمات الضلال، لا يبصرون طريق الحقّ والرشاد.

ترى أنّ التمثيل يحتوي على معانى عالية وكثيرة بعبارات موجزة، ولو حاول القرآن أن يبيّن تلك المعاني عن غير طريق التمثيل يلزم عليه بسط الكلام كما بسطناه، وهذا من فوائد المثل، حيث يوَدي معاني كثيرة بعبارات موجزة.

ثمّ إنّه سبحانه يصفهم بأنّهم لما عطّلوا آذانهم فهم صمّ، وعطّلوا ألسنتهم فهم بكم، وعطّلوا عيونهم فهم عمى، قال: (صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُون ).

والمراد من التعطيل أنّهم لم يكونوا ينتفعون بهذه الاَدوات التي بها تعرف


1- لاحظ الكشاف:1|153.

(77)

الحقائق، فما كانوا يسمعون آيات الله بجدٍّ، ولا ينظرون إلى الدلائل الساطعة للنبوة إلاّ من خلال الشك. (1)

إلى هنا تمّ استعراض حال المنافقين بحال من أوقد ناراً للاستضاءة، ولكن باءت مساعيه بالفشل.

وممّا يدل على أنّ المنافقين آمنوا بالله ورسوله في بدء الاَمر ثمّ طغى عليهم وصف النفاق، قوله سبحانه: (ذلِكَ بأَنّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِـعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُون ). (2)

وممّا يدل على أنّ الاِسلام نور ينوّر القلوب والاَنفس قوله سبحانه: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلاِسْلام فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ). (3)

وأمّا الظلمة التي تحيط بهم بعد النفاق وتجعلهم صمـّاً بكماًعمياً، فالمراد ظلمات الضلال التي لا يبصرون فيها طريق الهدى والرشاد، يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلياوَُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصحَابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُون ). (4)

وبذلك ظهر أنّ تفسير الظلمة التي يستعقبها إطفاء النور بظلمة القبر وحياة البرزخ ومابعدها من مواقف الحساب والجزاء غير سديد، وإن كان هناك ظلمة للمنافق لكنّها من نتائج الظلمة الدنيوية.


1- انظر مجمع البيان:1|54؛ آلاء الرحمن:1|73.

2- المنافقون:3.

3- الزمر:22.

4- البقرة:257.

(78)

فاستشهاد صاحب المنار على كون المراد هو ظلمة القبر و البرزخ بقوله سبحانه: (يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالمُنافِقاتُ لِلَّذينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالتَمِسُوا نُوراً... ) (1)ليس بأمر صحيح، والآية ناظرة إلى حياتهم الدنيوية التي يكتنفها الاِيمان والنور ، ثمّ تحيط بهم الظلمة والضلالة، ولا نظر للآية لما بعد الموت.

سوَال وإجابة

إنّ مقتضى البلاغة هو الاِتيان بصيغة الجمع حفظاً للتطابق بين المشبّه والمشبّه به، مع أنّه سبحانه أفرد المشبّه به (كالذي استوقد ناراً) وجمع المشبّه أعني قوله: (مثلهم) (ذهب الله بنورهم )، فما هو الوجه؟

أجاب عنه صاحب المنار بقوله: إنّ العرب تستعمل لفظ "الذي" في الجمع كلفظي "ما" و "مَن" ومنه قوله تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالّذِى خَاضُوا ) (2)وإن شاع في "الذي" الافراد، لاَنّ له جمعاً، وقد روعي في قوله (استوقد) لفظه، وفي قوله (ذهب الله بنورهم) معناه. والفصيح فيه مراعاة التلفظ أوّلاً، ومراعاة المعنى آخراً، والتفنّن في إرجاع الضمائر ضرب من استعمال البلغاء. (3)

ولنا مع هذا الكلام وقفة، وهي أنّ ما ذكره مبني على أنّ قوله سبحانه: (ذَهَبَ الله بنورهِمْ وَتَرَكهم في ظُلماتٍ لا يُبصرون) في تتمة المثل، وأجزاء المشبه به، ولكنّك قد عرفت خلافه، وانّ المثل تمّ في قوله: (فلمّا أضاءت ما )


1- الحديد:13.

2- التوبة:69.

3- تفسير المنار:1|169.

(79)

حوله )، وذلك بحذف جواب "لمّـا"، لكونه معلوماً في الجملة التالية، وهو عبارة عن إخماد ناره فبقى في الظلام خائفاً متحيّراً.

وإلاّ فلو كان قوله (ذهب الله بنورهم) من أجزاء المشبّه به، وراجعاً إلى مَن استوقد ناراً، يلزم أن تكون الجملة التالية أعني قوله: (صمّ بكمٌ عُمىٌ) كذلك، أي من أوصاف المستوقد، مع أنّها من أوصاف المنافق دون أدنى ريب، ولو أردنا أن نصيغ المشبه والمشبه به بعبارة مفصّلة، فنقول:

المشبه به: الذي استوقد ناراً فلمّا أضاءت ما حوله أُطفأت ناره.

والمشبه: المنافقون الذين استضاءوا بنور الاِسلام فترة ثمّ ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، صمّ بكم عمي فهم لا يرجعون.

وأمّا وجه الافراد، فهو أنّه إذا كان التشبيه بين الاَعيان فيلزم المطابقة، لاَنّ عين كلّ واحد منهم غير أعيان الآخر. ولذلك إنّما يكون التشبيه بين الاَعيان إذا روعي التطابق في الجمع والاِفراد، يقول سبحانه: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) (1)، وقوله: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ). (2)

وأمّا إذا كان التشبيه بين الاَفعال فلا يشترطون التطابق لوحدة الفعل من حيث الماهية والخصوصيات، يقال في المثل: ما أفعالكم كفعل الكلب. أي ما أفعالكم إلاّ كفعل الكلب.

وربما يقال: إنّ الموصول " الذي" بمعنى الجمع ، قال سبحانه: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (3) (4)


1- المنافقون:4.

2- الحاقة:7.

3- الزمر:33.

4- انظر التبيان في تفسير القرآن:1|86.

(80)

سورة البقرة

2

التمثيل الثاني

قال سبحانه: (أَوْ كَصَيّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِير ). (1)

تفسير الآيات

الصيّب: المطر، وكلّ نازل من علوّ إلى أسفل، يقال فيه: صاب يصوب، وهو عطف على قوله (كَمَثَلِ الّذي استوقَدَ ناراً )، ولما كان المثل الثاني أيضاً مثلاً للمنافقين، فمقتضى القاعدة أن يقول "وكصيّب" مكان (أو كصيّب) ولكن ربّما يستعمل "أو" بمعنى "و" قال الشاعر:

نال الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى ربّه موسى على قدر

ويحتمل أن يكون "أو" للتخيير، بأن مَثل المنافقين بموقد النار، أو بمن وقع في المطر.


1- البقرة:19ـ20.

(81)

والرعد: هو الصوت الذي يُسمَع في السحاب أحياناً عند تجمعه.

والبرق: هو الضوء الذي يلمع في السحاب غالباً، وربما لمع في الاَُفق حيث لا سحاب، وأسباب هذه الظواهر اتحاد شحنات السحاب الموجبة بالسالبة كما تقرر ذلك في علم الطبيعيات.

والصاعقة: نار عظيمة تنزل أحياناً أثناء المطر والبرق، وسببها تفريغ الشحنات التي في السحاب بجاذب يجذبها إلى الاَرض.

والاِحاطة بالشيء: الاِحداق به من جميع الجهات.

والخطف: السلب والاَخذ بسرعة، ومنه نهي عن الخطفة بمعنى النهبة.

قوله: (وَإِذا أَظلَم )بمعنى إذا خفت ضوء البرق.

إلى هنا تمّ تفسير مفردات الآيات، فلنرجع إلى بيان حقيقة التمثيل الوارد في الآية، ليتضح من خلالها حال المنافقين، فانّ حال المشبه يعرف من حال المشبه به، فالمهم هو التعرّف على المشبه به.

والاِمعان في الآيات يثبت بأنّ التمثيل يبتدأ من قوله (أو كصيّبٍ من السَّماء) وينتهي بقوله: (وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ).

وأمّا قوله: (وَاللهُ محيطٌ بِالكافرين) جملة معترضة جىء بها في أثناء التمثيل، وقوله بعد انتهاء التمثيل: (وَلَو شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) يرجع إلى المشبه.

هذا ما يرجع إلى مفردات الآيات وكيفية انسجامها، والمهمّ هو ترسيم ذلك المشهد الرهيب.

فلنفترض أنّ قوماً كانوا يسيرون في الفلوات وسط أجواء سادها الظلام


(82)

الدامس، فإذا بصيّب من السماء يتساقط عليهم بغزارة ، فيه رعود قاصفة وبروق لامعة تكاد تخطف الاَبصار من شدتها وصواعق مخيفة، فتولاّهم الرعب والفزع والهلع ممّا حدا بهم إلى أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم خشية الموت للحيلولة دون سماع ذلك الصوت المخيف، فعندئذٍ وقفوا حيارى لا يدرون أين يولّون وجوهم، فإذا ببصيص من البرق أضاء لهم الطريق فمشوا فيه هنيئة، فلما استتر ضوء البرق أحاطت بهم الظلمة مرة أُخرى وسكنوا عن المشي.

ونستخلص من هذا المشهد أنّ الهول والرعب والفزع والحيرة قد استولى على هوَلاء القوم لا يدرون ماذا يفعلون، وهذه الحالة برمَّتها تصدق على المنافقين، ويمكن تقريب ذلك ببيانين:

البيان الاَوّل: التطبيق المفرق لكلّ ما جاء من المفردات في المشبه به، كالصيّب والظلمات والرعد والبرق، على المشبَّه، وقد ذكر المفسرون في ذلك وجوهاً أفضلها ما ذكره الطبرسي تحت عنوان الوجه الثالث.

وقال: إنّه مثل للاِسلام، لاَنّ فيه الحياة كما في الغيث الحياة، وشبه ما فيه من الظلمات بما في إسلامهم من إبطان الكفر، ومافيه من الرعد بما في الاِسلام من فرض الجهاد وخوف القتل، وبما يخافونه من وعيد الآخرة لشكّهم في دينهم، وما فيه من البرق بما في إظهار الاِسلام من حقن دمائهم ومناكحتهم وموارثتهم، وما فيه من الصواعق كما في الاِسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل. ويقوى ذلك ما روي عن الحسن (عليه السلام) انّه قال: "مثل إسلام المنافق كصيّب هذا وصفه". (1)

وربّما يقرّر هذا الوجه بشكل آخر، وهو ما أفاده المحقّق محمد جواد


1- مجمع البيان:1|57.

(83)

البلاغي (المتوفّى1352هـ) فقال: الاِسلام للناس ونظام اجتماعهم كالمطر الصيّب فيه حياتهم وسعادتهم في الدارين وزهرة الاَرض بالعدل والصلاح والاَمن وحسن الاجتماع، ولكن معاندة المعاندين للحق وأهله جعلت الاِسلام كالمطر لا يخلو من ظلمات شدائد وحروب ومعاداة من المشركين ورعود قتل وقتال وتهديدات مزعجات لغير الصابرين من ذوي البصائر والذين ارخصوا نفوسهم في سبيل الله ونيل السعادة، وفيه بروق من النصر وآمال الظفر واغتنام الغنائم وعزّ الانتصار والمنعة والهيبة. فهم إذا سمعوا صواعق الحرب أخذهم الهلع والحذر من القتل وشبهت حالهم في ذلك بأنّهم (يجعلون أصابعهم في آذانهم من )أجل (الصواعق حذر الموت) وخوفاً من أن تخلع قلوبهم من هول أصواتها، وسفهاً لعقولهم أين يفرون عن الموت وماذا يجديهم حذرهم والله محيط بالكافرين. (1)

وهذان التقريران يرجعان إلى التطبيق المفرّق كما عرفت.

البيان الثاني: التطبيق المركّب، وهو إنّ الغاية من وراء هذا التمثيل أُمور ثلاثة ترجع إلى بيان حالة المنافقين.

وقبل أن نستوعب البحث عنها نذكر نص كلام الزمخشري في هذا الصدد.

قال الزمخشري: والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطّونه أنّ التمثيلين جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به وهو القول الفصل والمذهب الجزل. (2)

إذا عرفت ذلك، فإليك البحث في الاَُمور الثلاثة:


1- آلاء الرحمن:1|74.

2- الكشاف:1|162ـ 163.

(84)

الاَوّل: إحاطة الرعب والهلع بالمنافقين إثر انتشار الاِسلام في الجزيرة العربية ودخول القبائل فيه وتنامي شوكته، مما أوجد رعباً في قلوبهم وفزعاً في نفوسهم المضطربة، ويجدون ذلك بلاءً أحاط بهم كالقوم الذين يصيبهم الصيّب من السماء فيه ظلمات و رعد وبرق وإليه أشار قوله سبحانه: (أو كصيّب من السماء فيه رعد وبرق ).

الثاني: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا كان يخبرهم عن المستقبل المظلم للكافرين والمدبرين عن الاِسلام والاِيمان خصوصاً بعد الموت صار ذلك كالصاعقة النازلة على روَوسهم فكانوا يهربون من سماع آيات الله ويحذرون من صواعق براهينه الساطعة، مع أنّ هذا هو منتهى الحماقة، لاَنّ صمّ الآذان ليس من أسباب الوقاية من أخذ الصاعقة ونزول الموت وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (يَجْعَلُون أَصابعهُمْ في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَر المَوت وَالله مُحيطٌ بِالكافِرين ).

الثالث: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعوهم إلى أصل الدين ويتلوا عليهم الآيات البيّنة ويقيم لهم الحجج القيّمة، فعنئذٍ يظهر لهم الحق، فربّما كانوا يعزمون على اتّباعه والسير وراء أفكاره، ولكن هذه الحالة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما يعودون إلى تقليد الآباء، وظلمة الشهوات والشبهات، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (يَكادُ الْبَرقُ يَخْطَفُ أَبْصارهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشوا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ).

إلى هنا تمّ التطبيق المركب لكن في مقاطع ثلاثة.

ثمّ إنّه سبحانه أعقب التمثيل بقوله: (وَلَو شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصارِهِم إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدير) أي انّه سبحانه قادر أن يجعلهم صمّـاً وعمياًحتى لا ينجع فيهم وعظ واعظ ولا تجدي هداية هادٍ.

وذهاب سمعهم وأبصارهم نتيجة أعمالهم الطالحة التي توصد باب


(85)

التوفيق أمامهم فيصيرون صمّـاً وبكماً وعمياً.

ثمّ إنّ الآيات القرآنية تفسر تلك الحالة النفسانية التي كانت تسود المنافقين في مهجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كانوا في حيطة وحذر من أن تنزل عليهم سورة تكشف نواياهم، كما يشير إليه قوله سبحانه: (يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أَن تُنَزَّل عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُون ). (1)

ومن جانب آخر يشاهدون تنامي قدرة الاِسلام وتزايد شوكته على وجه يستطيع أن يقطع دابرهم من أديم الاَرض، يقول سبحانه: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالمُرجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً * مَلْعُونينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتّلُوا تَقْتِيلاً ). (2)

هذا بعض ما يمكن أن يقال حول التمثيل الوارد في حق المنافقين، ولكن المهمَّ تطبيق هذا التمثيل على منافقي عصرنا، فدراسة حال المنافقين في عصرنا هذا من أهم وظيفة المفسّر، فانّ حقيقة النفاق واحدة، ترجع إلى إظهار الاِيمان وإبطان الكفر لغاية الاِضرار بالاِسلام والمسلمين، وهم يقيمون في خوف ورعب، وفي الوقت نفسه صم بكم عمي فهم لا يرجعون.


1- التوبة:64.

2- الاَحزاب: 60ـ61.

(86)

سورة البقرة

3

التمثيل الثالث

قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمّا الّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبّهِمْ وَأَمّا الّذينَ كَفَروا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الْفاسِقِينَ * الَّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الاََرضِ أُولئِكَ هُمُ الخاسِرُون ). (1)

تفسير الآيات

الحياء تغيّر وانكسار يعتري الاِنسان من تخوّف مايعاب به ويُذمّ، يقال: فلان يستحي أن يفعل كذا، أي أنّ نفسه تنقبض عن فعله.

فعلى هذا فالحياء من مقولة الانفعال، فكيف يمكن نسبته إلى الله سبحانه مع أنّه لا يجوز عليه التغيّر والخوف والذم؟

الجواب: إنّ إسناد الحياء كإسناد الغضب والرضا إلى الله سبحانه، فإنّها جميعاً تسند إلى الله سبحانه متجردة عن آثار المادة، ويوَخذ بنتائجها، وقد اشتهر قولهم: "خذوا الغايات واتركوا المبادىَ" فالحياء يصدُّ الاِنسان عن إبراز ما


1- البقرة:26ـ27.

(87)

يضمره من الكلام، والله سبحانه ينفى النتيجة، أي لا يمنعه شيء عن إبراز ما هو حق، قال سبحانه: (فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُوَْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِ مِنَ الحَقّ ). (1)

وأمّا ضرب المثل فقد مرّ الكلام فيه، وقلنا: إنّ لاستخدام كلمة "ضرب المثل" في التمثيل بالاَمثال وجوهاً:

منها: أنّ ضرب المثل في الكلام يذكر لحال ما يناسبها، فيظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفياً، وهو مأخوذ من ضرب الدراهم، وهو حدوث أثر خاص فيها، كأن ضرب المثل يقرع به أذن السامع قرعاً ينفذ أثره في قلبه، ولا يظهر التأثير في النفس بتحقير شيء وتقبيحه إلاّ بتشبيهه بما جرى العرف بتحقيره ونفور النفوس منه. (2)

البعوضة: حيوان حقير يشبه خرطومه خرطوم الفيل، أجوف وله قوّة ماصة تسحب الدم، وقد منح الله سبحانه هذا الحيوان قوة هضم ودفع كما منحه أُذناً وأجنحة تتناسب تماماً مع وضع معيشته، وتتمتع بحساسية فائقة، فهي تفر بمهارة عجيبة حين شعورها بالخطر، وهي مع صغرها وضعفها يعجز عن دفعها كبار الحيوانات. وقد اكتشف علماء الحيوان موَخراً انّ البعوضة قادرة على تشخيص فريستها من مسافة تقرب عن 65 كيلومتراً.

قال أمير الموَمنين علي (عليه السلام) في حقّها: "كيف ولو اجتمع جميع حيوانها، مناطيرها وبهائمها، وما كان من مراحها وسائمها، وأصناف أسناخها وأجناسها، ومتبلدة أُممها وأكياسها، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت


1- الاَحزاب:53.

2- تفسير المراغى:1|70.

(88)

كيف السبيل إلى إيجادها، ولتحيّـرت عقولها في علم ذلك وتاهت وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة، عارفة بأنّها مقهورة، مقرة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها". (1)

يقول الاِمام جعفر بن محمد الصادق 8بشأن خلقة هذا الحيوان الصغير:

"إنّما ضرب الله المثل بالبعوضة على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخرين، فأراد الله سبحانه أن ينبّه بذلك الموَمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعته". (2)

إلى هنا تمّ تفسير مفردات الآية، وأمّا تفسير الآية برمّتها فقد نقل المفسرون في سبب نزولها وجـهين0

الاَوّل: أنّ الله تعالى لما ضرب المثلين قبل هذه الآية للمنافقين، أعني قوله: (مثلهم كمَثل الذي استوقد ناراً) وقوله: (أو كصيّب من السماء) قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الاَمثال، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

الثاني: أنّه سبحانه لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت تكلّم فيه قوم من المشركين وعابوا ذكره، فأنزل الله هذه الآية. (3)

ولا يخفى ضعف الوجه الاَوّل، فإنّ المنافقين لم ينكروا ضرب المثل، وإنّما أنكروا المثلين اللّذين مثّل بهما سبحانه حال المنافقين، وعند ذلك لا يكون التمثيل بالبعوضة جواباً لردّ استنكارهم، لاَنّهم أنكروا المثلين اللّذين وردا


1- نهج البلاغة: الخطبة186.

2- مجمع البيان:1|67.

3- مجمع البيان: 1|67.

(89)

في حقهما، فلا يكون عدم استحيائه سبحانه من التمثيل بالبعوضة ردّاً على اعتراضهم.

وأمّا الثاني، فقد ورد ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في مكة المكرمة، لاَنّ الاَوّل ورد في سورة الحج، وهي سورة مكية، والآخر ورد في سورة العنكبوت، وهي أيضاً كذلك. وهذه الآية نزلت في المدينة، فكيف تكون الآية النازلة في مهجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جواباً على اعتراض المشركين في موطنه؟

وعلى كلّ تقدير فالآية بصدد بيان أنّ الملاك في صحة التمثيل ليس ثقل ما مثّل به أو كبره، فلا التمثيل بالبعوضة عيب ولا التمثيل بالاِبل والفيل كمال، وإنّما الكمال أن يكون المثل مبيناً لحقيقة وواقعة غفل عنها المخاطب من دون فرق بين كون الممثل صغيراً أو كبيراً.

وبعبارة أُخرى: إذا كان الغرض التأثير فالبلاغة تقضي بأن تضرب الاَمثال لما يراد تحقيره بحقيرها ولما يراد التنفير بما اعتادت النفوس النفور منها، فالملاك هو كون المثل مفيداً لما يريد المتكلم تحقيقه، من غير فرق بين حقير الاَشياء وكبيرها، وهو سبحانه يشير إلى ذلك المعنى بقوله: (إِنَّ الله لا يَسْتَحْيي أن يضربَ مثلاً ما بَعوضة) (بل) فوقها في الصغر كالجراثيم التي لا ترى إلاّ بالمجهر، كما تقول: فلان لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما فوقه أي مما فوقه في القلة.

ولو أُريد ما فوقه في الكثرة يقول مكانه "فضلاً عن الدرهم والدرهمين".

فما في كلام بعض المستشرقين من أنّ الصحيح أن يقول "فما دونه" غير تام. للفرق بين قوله: "فما فوقه" وقوله "فضلاً" و الاَوّل بقرينة المقام بمعنى فما فوقه في الصغر والحقارة لا بمعنى "فضلاً".

وربما تفسر الآية بأنّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها في


(90)

الكبر، ولكن الاَوّل هو الاَوفق لمقصود المتكلم . كما يقال عند لوم المتجرى: بأنّك تقترف جريمة لاَجل دينار بل فوقه، أي نصف دينار، والمراد من الفوقية هو الفوقية في الحقارة.

وقد أورد الزمخشري على نفسه سوَالاً، وهو: كيف يضرب الله المثل لما دون البعوضة وهي في النهاية في الصغر؟ ثمّ أجاب:

إنّ جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلاً للدنيا، وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن جناحها ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحاد إلاّ تحركها فإذا سكنت، فالسكون يواريها، ثمّ إذا لوّحت لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها، فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة، وتفاصيل خلقتها، ويبصر بصرها، ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر سبحان الذي خلق الاَزواج كلّها مما تنبت الاَرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون.(1)

وقال البيضاوي: لما كانت الآيات السابقة متضمنة لاَنواع من التمثيل عقب ذلك ببيان حسنه، وما هو الحق له والشرط فيه، وهو أن يكون على وفق الممثل له من الجهة التي تعلق بها التمثيل في العظم والصغر، والخسة والشرف، دون الممثل، فانّ التمثيل إنّما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له، ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس، ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فانّ المعنى الصرف إنّما يدركه العقل مع منازعة من الوهم، لاَنّ من طبعه الميل إلى الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الاَمثال في الكتب الاِلهية وفشت في عبارات البلغاء، وإشارات الحكماء، فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم


1- الكشاف:1|205ـ 206.

(91)

بالعظيم، وإن كان المثل أعظم من كلّ عظيم، كما مثل في الاِنجيل على الصدور بالنخالة، والقلوب القاسية، بالحصاة، ومخاطبة السفهاء، بإثارة الزنابير، وجاء في كلام العرب: أسمع من قراد، وأطيش من فراشة، وأعز من مخ البعوض. (1)

وربّما يتصور أنّ التمثيل بالاَشياء الحقيرة الخسيسة لا يليق بكلام الفصحاء، وعلى هذا فالقرآن المشتمل على النمل والذباب والعنكبوت والنحل لا يكون فصيحاً فضلاً عن كونه معجزاً.

وأجاب عنه صدر المتألهين الشيرازي (المتوفّى عام 1050هـ)بقوله: إنّ الحقارة لا تنافي التمثيل بها، إذا شرط في المثال أن يكون على وفق الممثل له من الجهة التي يستدعي التمثيل به كالعظم والحقارة، والشرف والخساسة، لا على وفق من يوقع التمثيل ويضرب المثال، لاَنّ الغرض الاَصلي منه إيضاح المعنى المعقول، وإزالة الخفاء عند إبرازه في صورة المشاهد المحسوس، ليساعد فيه الوهم العقل ولا يزاحمه، فانّ العقل الاِنساني مادام تعلقه بهذه القوى الحسيّة لا يمكنه إدراك روح المعنى مجرّداًعن مزاحمة الوهم ومحاكاته، لاَنّ من طبعه كالشياطين الدعابة في التخييل وعدم الثبات على صورة.

ولذلك شاعت الاَمثال في الكتب الاِلهية، وفشت في عبارات الفصحاء من العرب وغيرهم، وكثرت في إشارات الحكماء ومرموزاتهم، وصحف الاَوائل ومسفوراتهم، تتميماً للتخيّل بالحس، فهناك يضاعف في التمثيل، حيث يمثل أوّلاً المعقول بالمتخيل، ثمّ يمثل المتخيل بالمرسوم المحسوس المهندس المشكل. (2)

ثمّ إنّه سبحانه يذكر أنّ الناس أمام الاَمثال على قسمين:


1- تفسير البيضاوى:1|43.

2- تفسير القرآن الكريم:2|192ـ 193.

(92)

أ: الموَمنون: وهم الذين قال سبحانه في حقّهم: (فَأَمّا الّذين آمَنُوا فَيَعْلَمُون انّهُ الحَقُّ مِنْ رَبّهِمْ ).

ب: الكافرون: وهم الذين قال سبحانه في حقّهم: (وَأَمّا الّذين كَفَروا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مثَلاً ). والظاهر أنّ قولهم (أراد اللّهُ) كان على سبيل الاستهزاء بادّعاء الرسول أنّ المثل وحي منزل من الله ، وإلاّ فانّ الكافرين والمنافقين كانوا ينكرون الوحي أصلاً.

ولا غرو في أن يكون شيء سبب الهداية لطائفة وسبب الضلال لطائفة أُخرى، وما هذا إلاّ لاَجل اختلاف القابليات، فمن استعد لقبول الحقّ والحقيقة فتصبح الآيات الاِلهية سبب الهداية، وأمّا الطائفة الاَُخرى المعاندون الذين صمّوا مسامعهم عن سماع كلمة الحق وآياته فينكرون الآيات ويكفرون بذلك.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ قوله سبحانه: (يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلاّ الفاسقين) من كلامه سبحانه، ولا صلة له بكلام المنكرين، بل تم كلامه بقوله: (بها مثلاً) وهو انّ الاَمثال توَثر في قوم دون قوم.

ثمّ إنّه يعلّل إضلال غير الموَمنين بفسقهم ويقول: (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الفاسقين )، والفسق: عبارة عن خروج النواة من التمر، وفي الاصطلاح: من خرج عن طاعة الله ، سواء أكان مسلما متجرياً أو كافراً فاسقاً.

وقد أطنب المفسرون الكلام في مفاد الجملة الاَخيرة أعني: (يُضِلُّ به كثيراً وَيَهْدي بهِ كَثيراً) فربما يتوهم أنّ الآية بصدد الاِشارة إلى الجبر، فحاولوا تفسير الآية بشكل يتلاءم مع الاختيار، وقد عرفت أنّ الحقّ هو أنّ الآية بصدد بيان أنّ المواعظ الشافية والكلمات الحِكَمية لها تأثير معاكس فيوَثر في القلوب المستعدة تأثيراً إيجابياً وفي العقول المنتكسة تأثيراً سلبياً.


(93)

هذا هو تفسير الآية .

وربّما يحتمل أنّ الآية ليست بصدد بيان ضرب المثل بالبعوضة كضربه بالعنكبوت والذباب، بل الآية خارجة عن نطاق ضرب المثل بالمعنى المصطلح، وإنّما الآية بصدد بيان قدرته وعظمته وصفاته الجمالية و الجلالية، والآية بصدد بيان أنّ الله سبحانه لا يستحيي أن يستدل على قدرته وكماله وجماله بخلق من مخلوقاته سواء أكان كبيراً وعظيماً كالسماوات والاَرض، أو صغيراً و حقيراً كالبعوضة والذباب، فمعنى ضرب المثل هو وصفه سبحانه بصفات الجلال أو الكمال.

ويدل على ذلك أنّه سبحانه استدل على جلاله وكماله بخلق السماوات والاَرض وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الّذِي خَلقَكُمْ وَالّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الّذي جَعَلَ لَكُمُ الاََرضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ). (1)

يلاحظ على تلك النظرية بأمرين:

أوّلاً: لو كان المراد من ضرب المثل وصفه سبحانه بالقدرة العظيمة لكان اللازم أن يأتي بالآية بعد هاتين الآيتين مع أنّه فصل بينهما بآيات ثلاث تركّز على إعجاز القرآن و التحدّي به، ثمّ التركيز على الجنة وثمارها كما هو معلوم لمن راجع المصحف الكريم.

وثانياً: انّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، فقد جاء قوله: (فَأَمّا الّذينَ آمنوا فيعلمون انّه الحق من ربّهم) في سورة الرعد بعد تشبيه الحق و الباطل بمثل رائع


1- البقرة:21ـ 22.

(94)

يأتي البحث عنه إن شاء الله.

قال سبحانه: (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فسالَتْ أَودِيَةٌ بِقَدَرِها...) إلى أن قال: (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الاََمثالَ) ثمّ قال: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ انّمَا أُنزل إِلَيكَ مِن ربِّكَ الحقُّ كَمَن هو أعمى إِنّما يَتَذَكّرُ أُولُوا الاَلباب * الّذين يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ولاَ يَنْقُضُونَ المِيثاقَ).(1)

تجد أنّ الآيات في سورتي البقرة والرعد كسبيكة واحدة يفسر بعضها البعض.

ففي سورة البقرة ذكر ضرب المثل بالبعوضة، كما ضرب في سورة الرعد مثلاً للحق والباطل.

ففي سورة البقرة قال سبحانه: (وَأَمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم ).

وفي سورة الرعد قال سبحانه: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أنّ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبّكَ الحَقُّ كمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الاََلباب ).

وفي سورة البقرة قال: (وَما يُضِلُّ بهِ إِلاّ الفاسِقينَ )، وفسَّره بقوله: (الّذين ينقضون عهد الله من بَعْدِ ميثاقِهِ...) الخ.

وفي سورة الرعد، فسّر أُولي الاَلباب بقوله: (الّذينَ يُوفُونَ بعَهدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ المِيثاق ). (2)

فبمقارنة هذه الآيات يعلم أنّ المراد من ضرب المثل هو المعنى المعروف أي التمثيل بالبعوضة لتحقير معبوداتهم أو ما يشبه ذلك.

نعم ما نقلناه عن الاِمام الصادق (عليه السلام) ربّما يوَيد ذلك الوجه كما مرّ ،فتدبّر.


1- الرعد: 17 ـ 20.

2- الرعد:20.

(95)

سورة البقرة

4

التمثيل الرابع

(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَانَّ مِنَ الحِجارَة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاََنْهارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُون ). (1)

تفسير الآية

جاءت الآية بعد قصة البقرة التي ذبحها بنو إسرائيل، وقد كانوا يجادلون موسى (عليه السلام) بغية التملّص من ذبحها، ولكن قاموا بذبحها و ما كادوا يفعلون.

وكان ذبح البقرة لاَجل تحديد هوية القاتل الذي قام بقتل ابن عمه غيلة واتهم بقتله شخصاً آخر من بني إسرائيل، فصاروا يتدارأون ويدفعون عن أنفسهم هذه التهمة، فرجعوا في أمرهم إلى موسى (عليه السلام) ، وشاء الله أن يظهر حقيقة الاَمر بنحو معجز، فقال لهم موسى (عليه السلام): (انّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة )، فلمّـا ذبحوها ـ بعد مجادلات طويلة ـ أمر سبحانه أن يضربوا المقتول ببعض البقرة حتى يحيى المقتول ويعين هوية القاتل.

قال سبحانه: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يحيي اللهُ المَوتى وَيُريكُمْ آياتِهِ )


1- البقرة:74.

(96)

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ). (1)

ومع روَية هذه المعجزة الكبرى التي كان من المفروض أن تزيد في إيمانهم وانصياعهم لنبيهم موسى (عليه السلام)، لكن ـ و للاَسف ـ قست قلوبهم بنحو يحكي سبحانه شدة تلك القساوة و يقول:

(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كالحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة ).

وبما أنّ الحجر هو المعروف بالصلابة والقساوة شبّه سبحانه قلوبهم بالحجارة وقال: إنَّ قُلوبهُمْ (كالحِجارَة أَوْ أَشَدّ قَسوَة) أي: بل أشدّ قسوة، فكلمة "أو" موضوعة مكان بل.

ثمّ إنّ القلوب إمّا بمعنى النفوس الناطقة، فعندئذ تكون نسبة القساوة إلى الروح نسبة حقيقية. أو انّ المراد منها هو العضو المودع في الجهة اليسرى من الصدر الذي ليس له دور سوى تصفية الدم وإرساله إلى سائر الاَعضاء، وعندئذٍ تكون النسبة مجازية، وإنّما نسبت القساوة إلى ذلك العضو ، لاَنّه مظهر من مظاهر الحياة الاِنسانية، وأوّل عضو يتأثر بالاَُمور النفسانية كالفرح والغضب والحزن والجزع، فلامنافاة في أن يكون المدرك هو النفس الناطقة، ومع ذلك يصحّ نسبة الاِدراك إلى القلب.

ثمّ إنّه سبحانه وصف قلوبهم بأنّها أشدّ قسوة من الحجارة، وعلّل ذلك بأُمور ثلاثة:

الاَوّل: (وَانّ مِنَ الحِجارة لَما يَتَفَجَّرُ مِنْه الاََنْهار ).

الثاني: (وَانَّ مِنْها لما يَشَّقّق فيَخرج مِنْهُ الماء ).


1- البقرة:73.

(97)

الثالث: (وَإنّ مِنْها لما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله ).

أمّا الاَوّل: أي تفجّر الاَنهار من الحجارة، كالعيون الجارية من الجبال الصخرية.

وأمّا الثاني: كالعيون الحادثة عند الزلازل المستتبعة للانشقاق والانفجار المستعقب لجريان الاَنهار.

وأمّا الثالث: كهبوط الحجارة من الجبال العالية إلى الاَودية المنخفضة من خشية الله .

ولا مانع من أن يكون للهبوط علة طبيعية كالصواعق التي تهبط بها الصخور وعلة معنوية التي كشف عنها الوحي، وهي الهبوط من خشية الله .

وعلى ضوء ذلك فالحجارة على الرغم من صلابتها تتأثر طبقاً للعوامل السالفة الذكر، وأمّا قلوب بني إسرائيل فهي صلبة لا تنفعل أمام وحيه سبحانه وبيان رسوله، فلا تفزع نفوسهم ولا تخشع لاَمره ونهيه.

ومن عجيب الاَمر أنّ بني إسرائيل رأوا بأُمّ أعينهم ليونة الحجارة حيث استسقى موسى لقومه، فأمر بأن يضرب بعصاه الحجر ، فلمّا ضربه انفجرت منه اثنتا عشرة عيناً بعدد الاَسباط .

ثمّ إنّ ظاهر الآية نسبة الشعور إلى الحجارة حيث إنّها تهبط من خشية الله ، وهذه حقيقة علمية كشف عنها الوحي وإن لم يصل إليها الاِنسان بأدواته الحسية.

يقول صدر المتألهين: إنّ الكون بجميع أجزائه يسّبح لله ويحمده ويثني عليه تعالى عن شعور، فلكلّ موجود من هذه الموجودات نصيب من الشعور والاِدراك بقدر ما يملك من الوجود من نصيب.


(98)

وعلى هذا الشعور تسّبح الموجودات كلّها، خالقها وبارئها وربّها سبحانه وتنزّهه عن كلّ نقص وعيب.

ثمّ يقول: إنّ العلم والشعور والاِدراك كلّ ذلك متحقّق في جميع مراتب الوجود، ابتداء من "واجب الوجود" إلى النباتات والجمادات، وانّ لكلّ موجود يتحلّى بالوجود سهماً من الصفات العامة كالعلم والشعور والحياة. و...و... ولا يخلو موجود من ذلك أبداً، غاية ما في الاَمر أنّ هذه الصفات قد تخفى علينا ـ بعض الاَحيان ـ لضعفها وضآلتها.

على أنّ موجودات الكون كلما ابتعدت عن المادة والمادية، واقتربت إلى التجرد، أو صارت مجردة بالفعل ازدادت فيها هذه الصفات قوة وشدة ووضوحاً، وكلّما ازدادت اقتراباً من المادة والمادية، وتعمّقت فيها، ضعفت فيها هذه الصفات، وضوَلت حتى تكاد تغيب فيها بالمرّة، كأنّها تغدو خلوة من العلم والشعور والاِدراك، ولكنّها ليست كذلك ـ كما نتوهم ـ إنّما بلغ فيها ذلك من الضعف، والضآلة بحيث لا يمكن إدراكها بسهولة وسرعة. (1)

وليست هذه الآية هي الفريدة في بابها، بل هناك آيات توَكد على جريان الشعور في أجزاء العالم من الذرة إلى المجرّة.

يقول سبحانه: (تُسَبّحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ وَالاََرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلاّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ). (2)

وبما أنّنا بسطنا الكلام في سريان الشعور إلى أجزاء العالم برمّته في الجزء الاَوّل من هذه الموسوعة، فلنقتصر على ذلك، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى محلّه.


1- الاَسفار:1|118 و 6|139، 140.

2- الاِسراء:44.

(99)

سورة البقرة

5

التمثيل الخامس

(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ). (1)

تفسير الآية

النعيق: صوت الراعي لغنمه زجراً، يقال: نعق الراعي بالغنم، ينعق نعيقاً، إذا صاح بها زجراً.

والنداء: مصدر نادى ينادي مناداة، وهو أخص من الدعاء، ففيه الجهر بالصوت ونحوه، بخلاف الدعاء.

وفي تفسير الآية وجوه:

الاَوّل: انّ الآية بصدد تشبيه الكافرين بالناعق الذي ينعق بالغنم، ولا يصح التشبيه عندئذٍ إلاّ إذا كان الناعق أصم، ويكون معنى الآية: انّ الذين كفروا الذين لا يتفكرون في الدعوة الاِلهية، كمثل الاَصم الذي ينعق بما لا يسمع نفسه ولا يميز من مداليل نعاقه معنى معقولاً إلاّ دعاءً ونداءً وصوتاً بلا معنى.

وجه التشبيه: انّ الناعق أصم كما أنّ هوَلاء الكافرين صم بكم عمي لا يعقلون.


1- البقرة:171.

(100)

وفي هذا المعنى المشبه هو الكافرون الذين لا يفهمون من الدعوة النبوية إلاّ صوتاً ودعوة فارغة من المعنى.

والمشبه به: هو الناعق الاَصم الذي ينعق بالغنم، ولكن لا يسمع من نعاقه إلاّ دعاءً ونداءً.

وهذا الوجه وإن كان ينطبق على ظاهر الآية، ولكنّه بعيد من حيث المعنى، إذ لو كان الهدف هو التركيز على أنّ الكافرين صم بكم عمي لا يعقلون لكفى تشبيههم بالحيوان الذي هو أيضاً كذلك، فما هو الوجه لتشبيههم بإنسان عاقل أخذ منه سمعه لا يسمع من نعاقه إلاّ صوتاً ونداءً؟

الثاني: انّ المشبه هو النبي (صلى الله علثيه وآله وسلم)، والمشبه به هو الناعق للغنم، والمراد ومثلك أيها النبي في دعاء الذين كفروا كمثل الذي ينعق في البهائم التي لا تسمع من نعيقه إلاّ دعاءً ونداءً ما، فتنزجر بمجرد قرع الصوت سمعها من غير ان تعقل شيئاً، فهم ـ الكافرون ـ صمّ لا يسمعون كلاماً يفيدهم، وبكم لا يتكلمون بما ينفع، وعمي لا يبصرون، فهم لا يعقلون شيئاً، لاَنّ الطرق الموَدية إلى التعقل موصدة عليهم.

ومن ذلك ظهر أنّ في الكلام قلباً أو عناية أُخرى يعود إليه، فانّ المثل بالذي ينعق بما لا يسمع إلاّ دعاءً ونداءً مثل الذي يدعوهم إلى الهدى لا مثل الكافرين المدعوين إلى الهدى، إلاّ انّ الاَوصاف الثلاثة التي استنتجت واستخرجت من المثل وذكرت بعده، وهي قوله: (صمّ بكمٌ عميٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون) ، لما كانت أوصافاً للذين كفروا لا لمن يدعوهم إلى الحقّ استوجب ذلك أن ينسب المثل إلى الذين كفروا لا إلى رسول الله تعالى فأنتج ما أشبه القلب. (1)


1- الميزان:1|420.

(101)

ثمّ إنّ صاحب المنار فسّر الآية على الوجه الاَوّل وقال: (مثل الذين كفروا) أي صفتهم في تقليدهم لآبائهم وروَسائهم كمثل الذي لا يسمع إلاّ دعاء ونداءً، أي كصفة الراعي للبهائم السائمة ينعق ويصيح بها في سوقها إلى المرعى ودعوتها إلى الماء وجزها عن الحمى، فتجيب دعوته وتنزجر بزجره بما ألفت من نعاقه بالتكرار. شبّه حالهم بحال الغنم مع الراعي يدعوها فتقبل، ويزجرها فتنزجر، وهي لا تعقل مما يقول شيئاً، ولا تفهم له معنى وإنّما تسمع أصواتاً تقبل لبعضها وتدبر للآخر بالتعويد، ولا تعقل سبباً للاِقبال ولا للاِدبار. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الآية بصدد ذمهم وانّهم لا يعتنقون الاِيمان ولا يمتثلون الاَوامر الاِلهية ونواهيها، وعلى ذلك تصبح الآية نوع مدح لهم، لاَنّهم لو كانوا كالبهائم السائمة يجيبون دعوة النبي كقبولها دعوة الراعي وينزجرون بزجره(صلى الله عليه وآله وسلم) كانتهائها عن نهي الراعي، فيكون ذلك على خلاف المقصود، فانّ المقصود بشهادة قوله (صم بكم عمي )انّهم لا يسمعون كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا ينطقون بالحقّ ولا ينظرون إلى آيات الله وانّهم في واد والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في واد آخر.

وأين هم من البهائم السائمة التي تقع تحت يد الراعي فتنتهى بنهيه؟!


1- تفسير المنار:2|93ـ 94.

(102)

سورة البقرة

6

التمثيل السادس

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالّذين آمنوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ). (1)

نزلت الآية عندما حوصر المسلمون واشتد الخوف والفزع بهم في غزوة الاَحزاب فجاءت الآية لتثبّت قلوبهم وتعدهم بالنصر.

وقيل: إنّ عبد الله بن أُبي قال للمسلمين عند فشلهم في غزوة أحد: إلى متى تتعرضون للقتل، ولو كان محمّد نبياً لما واجهتم الاَسر والتقتيل؟، فنزلت الآية.

تفسير الآية

وردت لفظة "أم" للاِضراب عما سبق و تتضمن معنى الاستفهام، و المعنى "بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة".

و (البَأساء ): هي الشدة المتوجهة إلى الاِنسان من خارج نفسه كالمال والجاه والاَهل.

و"الضرّاء": هي الشدة التي تصيب نفس الاِنسان كالجرح و القتل، وقيل:


1- البقرة:214.

(103)

انّ "البأساء"نقيض "النعماء"، "الضراء" نقيض "السراء" ، و"الزلزلة" شدة الحركة، و الزلزال البلية المزعجة لشدة الحركة والجمع زلازل، وأصله من قولك زلّ الشيء عن مكانه، ضوعف لفظه بمضاعف معناه، نحو صرى وصرصر، وصلى وصلصل، فإذا قلت زلزلته، فمعناه كرّرت تحريكه عن مكانه.

وقد جاء ما يقرب من مضمون الآية في آيات أُخرى، منها قال سبحانه: (وَالصّابِرينَ فِي البَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُولئِكَ الّذينَ صَدَقُوا وَأُوْلئِكَ هُمُ المُتَّقُون ). (1)

وقال سبحانه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُون ). (2)

وقال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَهَا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرّعُون ). (3)

تدلُّ مجموع هذه الآيات على دوام الابتلاء والامتحان في جميع الاَُمم خصوصاً في الاَُمة الاِسلامية.

ثمّ إنّ الهدف من امتحان أبناء البشر هو تحصيل العلم بكفاءة الممتحن، لكنّه فيه سبحانه يستهدف إلى إخراج ما بالقوة من الكمال إلى الفعلية مثلاً: فانّ إبراهيم (عليه السلام) كان يتمتع بموهبة التفاني في الله و بذل ما يملك في سبيله غير انّه لم تكن لها ظهور و بروز، فلما وقع في بوتقة الامتحان ظهرت تلك الموهبة إلى الوجود بعد ما كانت بالقوة.


1- البقرة:177.

2- الاَنعام:42.

3- الاَعراف:94.

(104)

وما ذكرنا هو المستفاد من الآيات وقد صرح به الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: قال:

"لا يقولنّ أحدكم: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة، لاَنّه ليس أحد إلاّ و هو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن، فانّ الله سبحانه يقول: (وَاعْلَمُوا أنّما أَموالكُمْ وَأَولادكُمْ فِتْنَة) ومعنى ذلك انّه يختبرهم بالاَموال والاَولاد ليتبيّن الساخط لرزقه والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الاَفعال التي بها يُستحق الثواب والعقاب". (1)

إلى هنا تبين معنى مفردات الآية وسبب نزولها والآيات التي وردت في هذا الصدد في حقّ سائر الاَُمم.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآية.

يقول سبحانه: إنّ الابتلاء بالبأساء والضراء سنة إلهية جارية في الاَُمم كافة ولا تختص بالاَُمة الاِسلامية، فالتمحيص وتمييز الموَمن الصابر عن غير الصابر رهن الابتلاء. فلا يتمحض إيمان المسلم إلاّ إذا غربل بغربلة الامتحان ليخرج نقياً.ولا يترسخ الاِيمان في قلبه إلاّ من خلال الصمود والثبات أمام أعاصير الفتن الهوجاء.

وكأنّ الآية تسلية لنبيه وأصحابه مما نالهم من المشركين وأمثالهم، لاَنّ سماع أخبار الاَُمم الماضية يسهّل الخطب عليهم، وانّ البلية لا تختص بهم بل تعم غيرهم أيضاً، ولذلك يقول: (أَمْ حَسِبْتُمْ )أي أظننتم وخلتم أيها الموَمنون أن تدخلوا الجنة (ولمّا يَأْتِكُمْ مَثلُ الّذين خَلوا مِنْ قَبْلِكُم )، أي أن تدخلوا الجنة ولما تبتلوا وتمتحنوا بمثل ما ابتليت به الاَُمم السالفة وامتحنوا به. فعليكم بالصبر والثبات كما صبر هوَلاء وثبتوا.


1- نهج البلاغة: قسم الحكم: الحكمة 93.

(105)

وعلى ضوء هذا فالمثل بمعنى الوصف ـ وقد تقدم منّا القول ـ بأنّ من معانى المثل هو الوصف. فقوله: (وَلَما يَأْتِكُم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء )، أي" لمّا يأتكم وصف الذين خلوا من قبلكم" فلا يدخلون حظيرة الاِيمان الكامل إلاّ أن يكون لهم وصف مثل وصف الذين واجهوا المصائب والفتن بصبر وثبات وعانوا الكثير من القلق والاضطراب، كما قال تعالى في حقّ الموَمنين: (وَزلزلوا زِلزالاً شَديداً) ففي خضّم هذه الفتنة التي تنفد فيها طاقات البشر ، فإذا بالرحمة تنزل عليهم من خلال دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وصالح الموَمنين.

كما قال سبحانه: (وَزلزلوا حتى يقول الرسول والّذين آمنوا معه متى نصر الله)والجملة ليست إلاّ طلب دعاء للنصر الذي وعد الله به رسله والموَمنين بهم واستدعاءً له، كما قال تعالى: (وَلَقدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُون ) (1)، وقال تعالى: (كَتَبَ اللهُ لاََََغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلي ). (2)

يقول الزمخشري: ومعناه طلب الصبر وتمنّيه واستطالة زمان الشدة، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الاَمر في الشدة، وتماديه في العظم... فإذا لم يبق للرسل صبر حتى ضجّوا، كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح ورائها.

وعند ذلك يخاطبون بقوله سبحانه: (ألا إنّ نصر الله قريب) أي يقال لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر. (3)

ثمّ إنّ القراءة المعروفة هي الرفع في قوله: (حَتى يَقول الرسول )، وعند ذلك تكون الجملة لحكاية حال الاَُمم الماضية . وقرىَ بنصب "يقول" و على


1- الصافات:171ـ172.

2- المجادلة:21.

3- الكشاف:1|270في تفسير الآية.

(106)

هذا تكون الجملة في محل الغاية لما سبقها وهو قوله (مسّتهم البأساء والضراء) و (زلزلوا) ولعل القراءة الا َُولى أفضل لبعد كون الجملة غاية لمس البأساء والضراء والزلزال.

وقد تبين ممّا ذكرنا أنّ المثل بمعنى التمثيل والتشبيه، فتشبيه حال الاَُمة الاِسلامية بالاَُمم السابقة في أنّهم يعمّهم البأساء والضراء والزلزال، فإذا قرب نفاد طاقاتهم وصمودهم في المعارك يدعو الرسول ومن معه من الموَمنين لهم بالنصر والغلبة والنجاح.

ثمّ إنّ بعض الكتّاب ممن كتب في أمثال القرآن جعل الآيات الثلاث التالية من الاَمثال القرآنية. (1)

أ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِي حاجَّ إِبْراهيمَ فِي رَبّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبّي الّذي يُحْيي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الظّالِمين).(2)

ب: (أَوْ كَالّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مائَةَ عامٍ فَانْظُر إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُر إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَانْظُرْ إِلى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ). (3)


1- الدكتور محمد حسين علي الصغير: الصورة الفنية في المثل القرآني:144؛و الدكتور إسماعيل إسماعيلي: تفسير أمثال القرآن:191.

2- البقرة: 258.

3- البقرة:259.

(107)

ج: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَ لَمْ تُوَْمِن قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِى قالَ فَخُذْ أَرْبَعةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ). (1)

ولا يخفى ما فيها من الضعف.

أمّا الآية الاَُولى فلاَنّ المراد من التمثيل هو التشبيه الذي يصور فيه غالباً غير المحسوس بالمحسوس ويقرّب المعنى إلى ذهن المخاطب، ولكن التشبيه في الآية الا َُولى الذي قام به مناظر إبراهيم كان تشبيهاً غير صحيح، وذلك لاَنّه لمّا وصف إبراهيم ربّه بأنّه يحيي ويميت أراد منه من يضفي الحياة على الجنين ويقبضه عندما يَطعن في السن، ولكن المناظر فسّره بوجه أعم وقال: أنا أيضاً أُحيي وأُميت، فكان إحياوَه بإطلاق سراح من كُتب عليه القتل، وقتل من شاء من الاَحياء، مع الفرق الشاسع بين الاِحياء والاِماتة في كلام الخليل وكلام المناظر، فلم يكن هناك أي تشبيه بل مغالطة واضحة فيه.

وأمّا الآية الثانية، فلم يكن هناك أي تشبيه أيضاً، لاَنّه يشترط في التمثيل الاختلاف بين المشبه و المشبه به اختلافاً نوعياً، كتشبيه الرجل الشجاع بالاَسد ومُحمرَّ الشقيق بأعلام الياقوت، و أمّا الآية المباركة فانّما هي من قبيل إيجاد مِثْل للمشبه، فالرجل لما مرّ على القرية الخاوية على عروشها و قد شاهد بأنّه باد أهلها ورأي عظاماً في طريقها إلى البِلاء فقال: (كيف يحيي هذه الله بعد موتها) فأماته الله سبحانه مائة عام ثم أحياه كما هو ظاهر الآية، وعلى ذلك فأوجد مِثْلاً للمشبه مع الوحدة النوعية وإنّما الاختلاف في الصنف، وقد عرفت لزوم وجود التباين النوعي بين المشبّه و المشبّه به.


1- البقرة:260.

(108)

وأمّا الآية الثالثة، فمفادها هو أنّ إبراهيم كان موَمناً بقدرته على إحياء الموتى ولكن طلب الاِحياء ليراه بعينه، لاَنّ للعيان أثراً كبيراً في الاطمئنان ورسوخ العلم في القلب، فطلب الروَية ليطمئن قلبه ويزداد يقينه، فخاطبه سبحانه بقوله: (فَخُذْ أَربَعة من الطّير فصرهنّ إليك )، أي أملهنّ وأجمعهنّ وضمهنّ إليك. (ثُمّ اجعل عَلى كُلّ جَبل مِنهُنَّ جزءاً) هذا دليل على أنّه سبق الاَمر بقطعهنّ وذبحهنّ. (ثمّ ادعُهُنَّ يأتينك سعياً )، ولم يذكر في الآية قيام إبراهيم بهذه الاَعمال استغناء عنه بالقرائن.

هذا هو مفهوم الآية وأمّا انّها ليست مَـثَلاً، فلعدم توفر شرائط المثَل من المشبه والمشبه به، وإنّما هو من قبيل إيجاد الفرد من الاَمر الكلي أي إحياء الموتى سواء أكان إنساناً أم لا.

فالاَولى عدّ هذه الآيات من القصص التي حكاها القرآن الكريم للعبرة والعظة لكن لا في ثوب المثل. فلننتقل إلى التمثيل السابع في سورة البقرة.


(109)

سورة البقرة

7

التمثيل السابع

(مَثَلُ الّذينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنْبُلَةٍ مائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيم *الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ ثُمّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا منّاً وَلا أَذى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون * قَولٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِىّ حَليم ). (1)

تفسير الآيات

وعد سبحانه في غير واحد من الآيات بالجزاء المضاعف، قال سبحانه: (مَنْ ذَا الّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثيِرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وإليهِ تُرْجَعُون ). (2)

ولاَجل تقريب هذا الاَمر أتى بالتمثيل الآتي وهو:

أنّ مثل الاِنفاق في سبيل الله كمثل حبة أنبتت ساقاً انشعب سبعة شعب خرج من كلّ شعبة سنبلة فيها مائة حبة فصارت الحبة سبعمائة حبة،بمضاعفة الله لها، ولا يخفى أنّ هذا التمثيل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعة، فإنّ في


1- البقرة:261ـ 263.

2- البقرة:245.

(110)

هذه إشارة إلى أنّ الاَعمال الصالحة يمليها الله عزّ وجلّ لاَصحابها كما يملي لمن بذر في الاَرض الطيبة.

وظاهر الآية أنّ المشبه هو المنفق، والمشبه به هو الحبة المتبدلة إلى سبعمائة حبة، ولكن التنزيل في الواقع بين أحد الاَمرين:

أ: تشبيه المنفق بزارع الحبة.

ب: تشبيه الاِنفاق بالحبة المزروعة.

ففي الآية أحد التقديرين.

ثمّ إنّ ما ذكره القرآن من التمثيل ليس أمراً وهمياً وفرضاً خيالياً بل هو أمر ممكن واقع، بل ربما يتجاوز هذا العدد، فقد حكى لى بعض الزُّرّاع أنّه جنى من ساق واحد ذات سنابل متعددة تسعمائة حبة، ولا غرو في ذلك فانّه سبحانه هو القابض والباسط.

ثمّ إنّه سبحانه فرض على المنفق في سبيل الله الطالب رضاه ومغفرته أن لا يتبع ما أنفقه بالمنّ والاَذى.

أمّا المنُّ، فهو أن يتطاول المعطي على من أعطاه بأن يقول: "ألم أعطك""ألم أحسن إليك" كلّ ذلك استطالة عليه، وأمّا الاَذى فهو واضح.

فهوَلاء ـ أي المنفقون ـ غير المتبعين إنفاقهم بالمنّ والاَذى (لهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يَحْزنون ).

ثمّ إنّه سبحانه يرشد المعوزين بأن يردّوا الفقراء إذا سألوهم بأحد نحوين:

أ: (قول معروف )كأن يتلطف بالكلام في ردّ السائلين والاعتذار منهم والدعاء لهم.


(111)

ب: (ومغفرة )لما يصدر منهم من إلحاف أو إزعاج في المسألة.

فالمواجهة بهاتين الصورتين (خير من صدقة يتبعها أذى ).

وعلى كلّ حال فالمغني هو الله سبحانه، كما يقول: (وَالله غني )، أي يغني السائل من سعته ،ولكنّه لاَجل مصالحكم في الدنيا والآخرة استقرضكم في الصدقة وإعطاء السائل. (حليم) فعليكم يا عباد الله بالحلم و الغفران لما يبدر من السائل.


(112)

سوره البقرة

8

التمثيل الثامن

(يَا أَيُّها الّذِينَ آمَنوا لا تُبطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنّ وَالاََذى كَالّذى يُنْفِقُ مَالَهُ رئَاءَ النّاسِ وَلا يُوَْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصَابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُون َعَلى شيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي القَومَ الكَافِرِين).(1)

الرئى من الروَية، وسمي المرائي مرائياً، كأنّه يفعل ليرى غيره ذلك.

والصفوان واحدته صفوانة، مثل سعدان وسعدانة، ومرجان و مرجانة، وهي الحجر الاَملس.

و"الوابل": المطر الشديد الوقع.

و "الصلد": الحجر الاَملس أي الصلب،و"الصلد" من الاَرض مالا ينبت فيه شيئاً لصلابته.

قدمرّ في التمثيل السابق انّ التلطف بالكلام في رد السائل والاعتذار منه، والعفو عما يصدر منه من إلحاف وإزعاج، أفضل من أن ينفق الاِنسان ويتبع عمله بالاَذى.

وأمّا ما هو سببه، فقد بيّنه سبحانه في هذا التمثيل، وذلك بأنّ المنَّ والاَذى


1- البقرة: 264.

(113)

يبطل الاِنفاق السابق، لاَنّ ترتب الاَجر على الاِنفاق مشروط بترك تعقبه بهما، فإذا اتبع عمله بأحد الاَمرين فقد افتقد العمل شرط استحقاق الاَجر.

وبهذا يتبيّن أنّ الآية لا تدلّ على حبط الحسنة بالسيئة، لاَنّ معنى الحبط هو إبطال العمل السىّء الثواب المكتوب المفروض، والآية لا تدلّ عليه لما قلنا من احتمال أن يكون ترتب الثواب على الاِنفاق مشروطاً من أول الاَمر بعدم متابعته بالمنِّ والاَذى في المستقبل، فإذا تابع عمله بأحدهما فلم يأت بالواجب أو المستحب على النحو المطلوب، فلا يكون هناك ثواب مكتوب حتى يزيله المنّ والاَذى.

وأمّا استخدام كلمة الاِبطال، فيكفي في ذلك وجود المقتضي للاَجر وهو الاِنفاق، ولا يتوقف على تحقّق الاَجر ومفروضيته على الله بالنسبة إلى العبد.

ثمّ إنّ الحبط باطل عقلاً وشرعاً.

أمّا الاَوّل فلما قُرِّر في محله من استلزامه الظلم، لاَنّ معنى الحبط أنّ مطلق السيئة يذهب الحسنات وثوابها على وجه الاِطلاق مع أنّه مستلزم للظلم، لاَنّ من أساء وأطاع وكانت إساءته أكثر ـ فعلى القول بالاِحباط ـ يكون بمنزلة من لم يحسن.

وإن كان إحسانه أكثر يكون بمنزلة من لم يسىَ، وإن تساويا يكون مساوياً لمن يصدر عنهما. (1)

وأمّا شرعاً فلقوله سبحانه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَذَرَّةٍ شَراً يَرَه). (2)


1- كشف المراد: المقصد السادس، المسألة السابعة.

2- الزلزلة:7ـ 8.

(114)

وإلى هذين الوجهين أشار المحقّق الطوسى بقوله:

والاِحباط باطل، لاستلزامه الظلم ولقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَل مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه). (1)

ثمّ إنّ العبد بما انّه لا يملك شيئاً إلاّ بما أغناه الله وأعطاه، فهو ينفق من مال الله سبحانه، لاَنّه وما في يده ملك لمولاه فهو عبد لا يملك شيئاً إلاّ بتمليكه سبحانه، فمقتضى تلك القاعدة أن ينفق لله وفي سبيل الله ولا يتبع عمله بالمنّ والاَذى.

وبعبارة أُخرى: أنّ حقيقة العبودية هي عبارة عن حركات العبد وسكناته لله سبحانه، ومعه كيف يسوّغ له اتّباع عمله بالمنِّ والاَذى.

ولذلك يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالمَنّ وَالاََذى ).

ثمّ إنّه سبحانه شبّه أصحاب المنِّ والاَذى بالمرائي الذي لا يبتغي بعمله مرضاة الله تعالى، ولا يقصد به وجه الله غير انّ المانّ والموَذي يقصد بعمله مرضاة الله ثمّ يتبعهما بما يبطله بالمعنى الذي عرفت، والمرائي لا يقصد بأعماله وجه الله سبحانه فيقع عمله باطلاً من رأس، ولذلك صحّ تشبيههما بالمرائي مثل تشبيه الضعيف بالقوي.

وأمّا حقيقة التمثيل فتوضيحها بالبيان التالي:

نفترض أرضاً صفواناً أملس عليها تراب ضئيل يخيل لاَوّل وهلة أنّها أرض نافعة صالحة للنبات، فأصابها مطر غزير جرف التراب عنها فتركها صلداً


1- المصدر نفسه.

(115)

صلباً أملس لا تصلح لشىء من الزرع، كما قال سبحانه: (كمَثَل صَفْوان عَلَيْهِ تُراب فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكهُ صَلداً لا يَقْدِرُون على شيء مِمّا كسبوا ).

فعمل المرائي له ظاهر جميل وباطن ردىء، فالاِنسان غير العارف بحقيقة نيّة العامل يتخيل أنّ عمله منتج، كما يتصور الاِنسان الحجر الاَملس الذي عليه تراب قليل فيتخيل انّه صالح للنبات، فعند ما أصابه مطر غزير شديد الوقع ونفض التراب عن وجه الحجر تبين أنّه حجر أملس لا يصلح للزراعة، فهكذا عمل المرائي إذا انكشفت الوقائع ورفعت الاَستار تبين أنّه عمل ردىء عقيم غير ناتج.

ثمّ إنّ المانّ و الموَذي بعد الاِنفاق أشبه بعمل المرائي .


(116)

سورة البقرة

9

التمثيل التاسع

(وَمَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغاءَ مَرضَاتِ اللهِ وَتَثْبيتاً مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَين فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ). (1)

تفسير الآية

"الربوة" : هي التلُّ المرتفع .

و"الطلّ": المطر الخفيف، يقال: أطلّت السماء فهي مطلِّة. وروضة طلّة ندية.

شبّه سبحانه في التمثيل السابق عمل المانِّ والموَذي بعد الاِنفاقب والمرائى بعمله بالاَرض الصلبة التي عليها تراب يصيبها مطر غزير يكتسح التراب فلا يظهر إلاّ سطح الحجر لخشونته وصلابته، على عكس التمثيل في هذه الآية حيث إنّها تشبّه عمل المنفق لمرضاة الله تبارك و تعالى بجنة خضراء يانعة تقع على أرض مرتفعة خصبة تستقبل النسيم الطلق و المطر الكثير النافع، وقيّد المشبه به ببستان مرتفع عن الاَرض، لاَنّ تأثير الشمس والهواء فيه أكمل فيكون أحسن منظراً وأذكى ثمراً، أمّا الاَماكن المنخفضة التي لا تصيبها الشمس في الغالب إلاّ قليلاً فلا تكون كذلك .


1- البقرة:265.

(117)

قال الرازي: إنّ المراد بالربوة الاَرض المستوية الجيدة التربة بحيث تربو بنزول المطر عليها وتنمو ، كما قال سبحانه: (فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الماء اهْتَزَّت وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ ).

ويوَيده أنّ المثل مقابل الصفوان الذي لا يوَثر فيه المطر.

وعلى كلّ حال فهذا النوع من الاَرض إن أصابها وابل أتت أُكلها ضعفين فكان ثمرها مِثْلَي ما كانت تثمر في العادة، وإن لم يصبها وابل بل أصابها الطلّ تعطي أُكلها حسب مايترقّب منها.

فالذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أشبه بتلك الجنة ذات الحاصل الوافر المفيد والثمين.

ثمّ إنّ قوله سبحانه: (ابتغاء مرضات الله و تثبيتاً من أنفسهم )بيان لدوافع الاِنفاق وحواجزه وهو ابتغاء مرضاة الله أولاً، وتقوية روح الاِيمان في القلب ثانياً، ولعلّ السرّ في دخول "من" على (من أنفسهم )مع كونه مفعولاً لقوله (تثبيتاً) لبيان أنّ هذا المنفق ينفق من نفس قد روّضها وثبّتها في الجملة على الطاعة حتى سمحت لله بالمال الغزير فهو يجعل من مقاصده في الاِنفاق، تثبيتها على طاعة الله وابتغاء مرضاته في المستقبل.


(118)

سورة البقرة

10

التمثيل العاشر

(أَيَوَّدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلّ الثَّمَراتِ وَأَصابهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون ). (1)

تفسير الآية

ودّ الشيء: أحبه. و"الجنة" هي الشجر الكثير الملتفّ كالبستان سمّيت بذلك، لاَنّها تجن الاَرض وتسترها وتقيها من ضوء الشمس ونحوه.

و"النخيل" جمع نخل أو اسم جمع.

و"الاَعناب" جمع عنب وهو ثمر الكرم، والقرآن يذكر الكرم بثمره والنخل بشجره لا بثمره.

و"الاِعصار" ريح عاصفة تستدير في الاَرض ثمّ تنعكس عنها إلى السماء حاملة معها الغبار كهيئة العمود، جمعه أعاصير، وخصّ الاَعاصير بما فيها نار، وقال: (إعصار فيه نار )، وفيه احتمالات:

أ: أن يكون المراد الرياح التي تكتسب الحرارة أثناء مرورها على الحرائق


1- البقرة:266.

(119)

فتحمل معها النيران إلى مناطق نائية.

ب: العواصف التي تصاحبها الصواعق وتصيب الاَرض وتحيلها إلى رماد.

ج: البرد الشديد الذي يطلق على كلّ ما يتلف الشيء ولو بتجفيف رطوبته.

والمتعين أحد الاَوّلين دون الثالث، وإلاّ لكان له سبحانه أن يقول كمثل ريح صرّ وهو البرد الشديد، قال سبحانه في صدقات الكفار ونفقاتهم في الدنيا: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ في هذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ ريحٍ فِيهَا صِرّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون ). (1)

نعم ربما يفسر الصرّ بالسموم الحارة القاتلة. (2)وعندئذ تّتحد الآيتان في المعنى.

وعلى كلّ حال فالمقصود هو نزول البلاء على هذه الجنة الذي يوَدي إلى إبادتها بسرعة.

ثمّ إنّه سبحانه بينما يقول: (جنّة من نَخيلٍ وَأَعْناب )الظاهر في كون الجنّة محفوفة بهما، يقول أيضاً: (فِيها مِنْ كُلّ الثَّمَرات )، فكيف يمكن الجمع بين الاَمرين؟

والظاهر انّ النخيل والاَعناب لمّا كانا أكرم الشجر وأكثرها نفعاًخصّهما بالذكر وجعل الجنة منهما، وإن كانت محتوية على سائر الاَشجار تغليباً لهما على غيرهما.

إلى هنا تم تفسير مفردات الآية.


1- آل عمران:117.

2- مجمع البيان:1|491.

(120)

وأمّا التمثيل فيتركب من مشبه ومشبه به.

أمّا المشبه فهو عبارة عمن يعمل عملاً صالحاً ثمّ يردفه بالسيئة، كما هو المروي عن ابن عباس، عندئذٍ يكون المراد من ينفق ويتبع عمله بالمنّ والاَذى.

قال الزمخشري: ضربت الآية مثلاً لرجل غني يعمل الحسنات، ثمّ بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها. (1)

وأمّا المشبه به فهو عبارة عن رجل طاعن في السن لَحِقته الشيخوخة وله أولاد صغار غير قادرين على العمل وله جنّة محفوفة بالنخيل والاَعناب تجري من تحتها الاَنهار وله من كلّ الثمرات، وقد عقد على تلك الجنة آمالاً كبيرة، وفجأة هبّت عاصفة محرقة فأحرقتها وأبادتها عن بكرة أبيها فكيف يكون حال هذا الرجل في الحزن والحسرة والخيبة والحرمان بعد ما تلاشت آماله، فالمنفق في سبيل الله الذي هيأ لنفسه أجراً وثواباً أُخروياً عقد به آماله، فإذا به يتبع عمله بالمعاصي، فقد سلط على أعماله الحسنة تلك أعاصير محرقة تبيد كلّ ما عقد عليه آماله.


1- الكشاف:1|299.

(121)

سورة البقرة

11

التمثيل الحادي عشر

(الّذينَ يَأْكُلُونَ الرّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الّذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذلِكَ بأنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرّبوا وَأَحَلَّ اللهُ البيعَ وَحَرَّمَ الرّبوا فَمَنْ جاءَهُ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ). (1)

تفسير الآية

"الربا" الزيادة كما في قولهم ربا الشيء يربو إذا زاد، والربا هو الزيادة على رأس المال، فلو أقرض أحد أحداً عشرة إلى سنة فأخذ منه في نهاية الاَجل أكثر ممّا دفع فهو ربا إذا شرطه في العقد.

و"التخبّط" والخبط بمعنى واحد ، و هو المشي على غير استواء، يقال: خبط البصير إذا اختلّت جهة مشيه، ويقال للذى يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: هو يخبط خبطة عشواء، أي يضرب على غير اتساق.

وعلى هذا فالمراد من قوله: (يَتَخَبَّطهُ الشَّيْطان )أي يخبطه الشيطان ويضربه، وبالتالي يصرعه.


1- البقرة:275.

(122)

و"السَلَف" أي الماضي يقال سلف يسلف سلوفاً، ومنه الاَُمم السالفة أي الماضية.

وأمّا قوله (مِنَ المَسّ )فالظرف متعلق بيقوم، أي لا يقومون إلاّ كما يقوم المصروع من المسّ.

وحاصل معنى الآية أنّ آكل الربا لا يقوم إلاّ كقيام من يخبطه الشيطان فيصرعه، فكما أنّ قيامه على غير استواء فهكذا آكل الربا.

فالتشبيه وقع بين قيام آكل الربا و قيام المصروع من خبط الشيطان ، فيطرح هنا سوَالان:

الاَوّل: ما هو المراد من أنّ آكل الربا لا يقوم إلاّ كقيام المصروع؟

الثاني: ما هو المراد من كون الصرع من مس الشيطان؟

أمّا الاَوّل: فقد اختلف فيه كلمة المفسرين على وجوه:

1. ذهب أكثرهم إلى أنّ المراد قيامهم يوم القيامة قيام المتخبطين، فكأنّ آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً، وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا، فيعرفه أهل الموقف أنّه آكل الربا في الدنيا.

و على ضوء هذا فيكون معنى الآية انّهم يقومون مجانين كمن أصابه الشيطان بمسٍّ.

2. انّهم إذا بعثوا من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله: (يخرجون من الاَجداث سراعاً )إلاّ آكلة الربا فانّهم يقومون ويسقطون ، لاَنّه سبحانه أرباه في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون ويسقطون ويريدون الاِسراع ولا يقدرون.


(123)

ويوَيده ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: أُسري بي إلى السماء رأيت رجالاً بطونهم كالبيوت فيها الحيّات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هوَلاء ياجبرئيل؟ قال: هوَلاء آكلة الربا.

3. انّ المراد من المسّ ليس هو الجنون، و إن كان المسّ يستعمل فيه، بل المراد من تبع الشيطان وأجاب دعوته، كما هو الحال في قوله سبحانه: (إِنَّ الّذينَ اتَّقَوا إِذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُون ) (1)، وذلك لاَنّ الشيطان يدعو إلى طلب اللّذات والشهوات والاشتغال بغير الله ، فهذا هو المراد من مسّ الشيطان، و من كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطاً، فتارة يجرّه الشيطان إلى اتّباع النفس والهوى، وتارة تجرّه الفطرة إلى الدين والتقوى فتضطرب حياته ويسودها القلق.

فلا شكّ أنّ آكل الربا يكون مفرطاً في حب الدنيا متهالكاً عليها، ولذلك تكون حياته الدنيوية حياة غير منظمة وعلى غير استواء.

وهناك وجه رابع ذكره السيد الطباطبائي وهو:

إنّ الاِنسان الممسوس الذي اختلّت قوته المميزة لا يفرق بين الحسن والقبيح، والنافع والضار، والخير والشر، فهكذا حال المرابي في أخذه للربا فانّ الذي تدعو إليه الفطرة أن يعامل بمعاوضة ما عنده من المال الذي يستغني عنه مما عند غيره من المال الذي يحتاج إليه. وأمّا إعطاء المال وأخذ ما يماثله بعينه مع زيادة، فهذا شيء ينهدم به قضاء الفطرة وأساس المعيشة، فانّ ذلك ينجرّ من جانب المرابى إلى اختلاس المال من يد المدين وتجمّعه وتراكمه عند المرابي، فانّ هذا المال لا يزال ينمو و يزيد، ولا ينمو إلاّ من مال الغير، فهو


1- الاَعراف:201.

(124)

بالانتقاص والانفصال من جانب، والزيادة والانضمام من جانب آخر.

وينجرّ من جانب المدين الموَدىى للربا إلى تزايد المصرف بمرور الزمان تزايداً لا يتداركه شيء مع تزايد الحاجة، وكلما زاد المصرف أي نما الربا بالتصاعد زادت الحاجة من غير أمر يجبر النقص ويتداركه وفي ذلك انهدام حياة المدين.

فالربا يضادّ التوازن والتعادل الاجتماعي ويفسد الانتظام الحاكم على هذا الصراط المستقيم الاِنساني الذي هدته إليه الفطرة الاِلهية.

وهذا هو الخبط الذي يبتلى به المرابي كخبط الممسوس، فانّ المراباة يضطره أن يختل عنده أصل المعاملة والمعاوضة فلا يفرّق بين البيع والربا، فإذا دُعي إلى أن يترك الربا ويأخذ بالبيع، أجاب: انّ البيع مثل الربا لا يزيد على الربا بمزية، فلا موجب لترك الربا وأخذ البيع، ولذلك استدل تعالى على خبط المرابين بما حكاه من قولهم: (إِنَّما البيعُ مثْل الرّبا ). (1)

وهناك سوَال: وهو انّه لماذا قيل البيع مثل الربا بل كان عليهم القول بأنّ الربا مثل البيع، لاَنّ الكلام في الربا لا في البيع فوجب عليهم أن يشبهوا الربا بالبيع، لا على العكس.

والجواب انّهم شبهوا البيع بالربا لاَجل المبالغة وهو انّهم جعلوا حلّية الربا أصلاً، وحلّية البيع فرعاً، فقالوا: إنّ البيع مثل الربا.

هذا كلّه حول الاَمر الاَوّل.

وأمّا الاَمر الثاني وهو كون الجنون معلولاً لوطأة الشيطان ومسّه، فنقول:

إنّ ظاهر الآية أنّ الجنون نتيجة تصرف الجن في المجانين، مع أنّ العلم


1- الميزان:2|411.

(125)

الحديث كشف علّة الجنون وهو حدوث اختلالات في الاَعصاب الاِدراكية، فكيف يجمع بين مفاد الآية وما عليه العلم الحديث، وهذا من قبيل تعارض النقل والعقل؟

وأجاب عنه بعض المفسرين بأنّ هذا التشبيه من قبيل المجاراة مع عامّة الناس في بعض اعتقاداتهم الفاسدة حيث كان اعتقادهم بتصرف الجن في المجانين، ولا ضير في ذلك، لاَنّه مجرد تشبيه خال عن الحكم حتى يكون خطأً غير مطابق للواقع.

فحقيقة معنى الآية هو أنّ هوَلاء الآكلين للربا حالهم حال المجنون الذي يتخبطه الشيطان من المس، وأمّا كون الجنون مستنداً إلى مس الشيطان فأمر غير ممكن، لاَنّ الله سبحانه أعدل من أن يسلط الشيطان على عقل عبده، أو على عبده الموَمن. (1)

وأجاب عنه السيد الطباطبائي بأنّ الله تعالى أجلّ من أن يستند في كلامه إلى الباطل، و لغو القول بأي نحو كان من الاستناد إلاّ مع بيان بطلانه ورده على قائله، وقد قال تعالى في وصف كلامه: (وَإِنَّهُ لكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ). (2)

وقال تعالى: (إِنَّهُ لَقَولٌ فَصْلٌ * وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ). (3)

وأمّا انّ استناد الجنون إلى تصرف الشيطان و ذهاب العقل ينافي عدله تعالى، ففيه انّ الاشكال بعينه مقلوب عليهم في اسنادهم ذهاب العقل إلى


1- نقله في الميزان: 2|413 ولم يذكر المصدر ؛ وفي تفسير المنار : 3|95 ما يقرب من ذلك نقله عن البيضاوى في تفسيره .

2- فصلت:42.

3- الطارق:13ـ 14.

(126)

الاَسباب الطبيعية فانّها مستندة أخيراً إلى الله تعالى مع إذهابها العقل. (1)

وهناك كلام آخر للسيد الطباطبائي ولعلّه يقلع الشبهة: انّ استناد الجنون إلى الشيطان ليس على نحو الاستقامة ومن غير واسطة بل الاَسباب الطبيعية كاختلال الاَعصاب والآفة الدماغية أسباب قريبة وراءها الشيطان ، كما أنّ أنواع الكرامات تستند إلى الملك مع تخلل الاَسباب الطبيعية في البين، وقد ورد نظير ذلك فيما حكاه الله عن أيوب (عليه السلام) إذ قال: (أنّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ)(2)، وإذ قال: (أَنّى مَسَّنِيَ الضُرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ ) (3)والضرّ هو المرض وله أسباب طبيعية ظاهرة في البدن، فنسب ما به من المرض المستند إلى أسبابه الطبيعية إلى الشيطان. (4)


1- الميزان: 2|412.

2- ص:41.

3- الاَنبياء:83.

4- الميزان:2|413.

(127)

آل عمران

12

التمثيل الثاني عشر

(إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون * الحَقُّ مِنْ رَبّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِين ). (1)

تفسير الآية

ذكر سبحانه كيفية ولادة المسيح من أُمّه "مريم العذراء" وابتدأ بيانه بقوله: (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ...) ) وانتهى بقوله: (قالَتْ رَبّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشَاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ). (2)

وبذلك أثبت انّ المسيح مخلوق لله سبحانه مولود من أُمّه العذراء دون أن يمسّها بشر وانّه (عليه السلام) آية من آيات الله سبحانه، ولما كانت النصارى تتبنّى ألوهية المسيح وانّه يوَلف أحد أضلاع مثلث الاَُلوهية الرب و الابن وروح القدس، وكانت توَمن انّه ابن الرب، لاَنّه ولد من مريم بلا أب .

ولما احتجوا بهذا الدليل أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وافاه الوحي مجيباً على


1- آل عمران:59ـ60.

2- آل عمران: 45ـ47.

(128)

استدلالهم بأنّ كيفية خلق المسيح يضاهي كيفية خلق آدم. حيث إنّ آدم خلق من تراب بلا أب وأُمّ، فإذا كان هذا أمراً ممكناً، فمثله المسيح حيث ولد من أُمّ بلا أب فهو أهون بالاِمكان.

وبعبارة أُخرى: انّ المسيح مثل آدم في أحد الطرفين، ويكفي في المماثلة المشاركة في بعض الاَوصاف، ففي الحقيقة هو من قبيل تشبيه الغريب بالاَغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة الشبهة.

إنّ من الاَسئلة المثارة حول قوله سبحانه: (ثُمَّ قال لَهُ كُنْ فيكون) ) هو انّ الاَنسب أن يقول: "ثم قال له كن فكان" فلماذا قال: (فيكون) ) لاَنّ أمره سبحانه بالتحقّق أمر يلازم تحقّق الشيء دفعة؟.

والجواب انّه وضع المضارع مكان الماضي وهو أمر جائز، والنكتة فيه هي تصوير الحالة الماضية فإنّ تكوّن آدم كان أمراً تدريجياً لا أمراً دفعياً.

وبعبارة أُخرى: انّ قوله: (كن )وإن كان دالاً على انتفاء التدريج ولكنّه بالنسبة إليه سبحانه، وأمّا بالنسبة إلى المخلوق فهو على قسمين: قسم يكون فاقداً له كالنفوس والعقول الكلية، وقسم يكون أمراً تدريجياً حاصلاً بالنسبة إلى أسبابها التدريجية، فإذا لوحظ الشيء بالقياس إليه تعالى فلا تدريج هناك ولا مهلة ـ لانتفاء الزمان والحركة في المقام الربوبي، ولذا قال سبحانه: (وَما أَمْرنا إِلاّ واحدةٌ كَلَمْحٍ بالْبَصَر ) (1)وأمّا إذا لوحظ بالقياس إلى وجود الممكن وأسبابه فالتدريج أمر متحقق، وبالجملة فقوله (فيكون )ناظر إلى الحالة الماضية. (2)

وهناك وجه آخر ذكره المحقّق البلاغي عند تفسير قوله سبحانه: (بَدِيعُ )


1- القمر : 50.

2- الميزان: 3|212؛ المنار:3|319.

(129)

السَّمواتِ والاََرْض وَإِذا قَضى أَمْراً فَانَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون ).

إنّ قوله: (فيكون )تفريع على قوله (يقول )وليس جزاءً لقوله تعالى (كن)، لاَنّ الكون بعد الفاء، هو نفس الكون المأمور به لا جزاءه المترتب عليه، وتوهم أنّه جزاء لذات الطلب أو ملكوت مع الطلب مدفوع، بأنّه لو صحّ لوجب أن ينصب مع أنّه مرفوع. (1)

وعلى كلّ تقدير فالقرآن الكريم يستدل على إبطال إلوهية المسيح بوجوه مختلفة، منها هو تشبيه ولادة المسيح بآدم. والتمثيل المذكور يتكفّل بيان هذا الاَمر أيضاً، وفي الحقيقة الآية منحلّة إلى حجتين تفي كلّ واحدة منهما بنفي الاَلوهية عن المسيح.

إحداهما: انّ عيسى مخلوق لله ـ على ما يعلمه الله لا يضل في علمه ـ خلقة بشر وإن فقد الاَب ومن كان كذلك كان عبداً لا رباً.

وثانيهما: انّ خلقته لا تزيد على خلقة آدم، فلو اقتضى سنخ خلقه أن يقال بإلوهيته بوجه لاقتضى خلق آدم ذلك مع أنّهم لا يقولون بها فيه فوجب أن لا يقولوا بها في عيسى (عليه السلام) أيضاً لمكان المماثلة.

ويظهر من الآية انّ خلقة عيسى كخلقة آدم خلقة طبيعية كونية و إن كانت خارقة للسنّة الجارية في النسل وهي حاجة الولد في تكوّنه إلى والد. (2)


1- آلاء الرحمن:1|120.

2- الميزان:3|212.

(130)

آل عمران

13

التمثيل الثالث عشر

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَولادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصحَابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ * مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هذِهِ الحَياةِ الدُّنيا كَمَثَلِ ريحٍ فِيها صِرّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون ). (1)

تفسير الآيات

الصرّ : الريح الباردة نحو صرصر، قال الشاعر:

لا تعدلنّ أتاويين (2)تضربهمنكباء صرّ بأصحاب المحلات

ونقل الطبرسي عن الزجّاج أنّه قال: الصرّ صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح، وأضاف: و يجوز أن يكون الصرّ صوت الريح الباردة الشديدة.

وعلى كلّ تقدير فالمراد هو الريح السامة التي تهلك الحرث.

والمراد من (حرث قوم ظلموا أنفسهم )الذين زرعوا في غير موضع


1- آل عمران: 116ـ 117.

2- الاَتاوي: جمع الاِتاوة: الخراج .

(131)

الزراعة أو في غير وقتها، فهبّت عليه العواصف فذهب أدراج الرياح، إذ لا شكّ انّ للزمان و المكان تأثيراً بالغاً في نمو الزرع، فالنسيم الهادىَ الذي يهب على الزرع ويلامسه والاَرض الخصبة كلها عوامل تزيد في طراوة الزرع ونضارته.

هذا هو المشبه به، فالكافر إذا أنفق ماله في هذه الحياة الدنيا بغية الانتفاع به، فهو كمن زرع في غير موضعه أو زمانه، فلا ينتفع من إنفاقه شيئاً، فانّ الكفر وما يتبعه من الهوى يبيد إنفاقه، ولذلك قال سبحانه: (إِنَّ الّذينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْني عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَولادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً ).


(132)

الاَنعام

14

التمثيل الرابع عشر

(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِى بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيّنَ لِلْكافِرِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُون ). (1)

تفسير الآية

نزلت الآية في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل بن هشام، و ذلك انّ أبا جهل آذى رسول الله فأخبر بذلك حمزة، وهو على دين قومه، فغضب وجاء ومعه قوس فضرب بها رأس أبي جهل وآمن، وهو المروي عن ابن عباس.

وقيل: إنّها نزلت في عمار بن ياسر حين آمن وأبي جهل، و هو المروي عن أبى جعفر، ولكن الظاهر انّها عامة في كلّ موَمن وكافر، ومع ذلك لا يمنع هذا نزولها في شخصين خاصين.

ففي هذه الآية تمثيلات وتشبيهات جعلتها من قبيل التشبيه المركب نذكرها تباعاً:

1. يقول سبحانه: (أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ )وقد شبّه الكافر بـ"الميت" الذي هو مخفف الميّت والموَمن بالحي.


1- الاَنعام:122.

(133)

وليست الآية نسيجاً وحدها فقد شبّه الموَمن في غير واحد من الآيات بالحي، والكافر بالميت، قال سبحانه: (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوتَى )(1) (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيّاًً) (2) و (وَما يَسْتَوِي الاََحْياءُ وَلاَ الاََمْواتُ ). (3)

2. يقول سبحانه: (وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشي بِهِ فِي النّاسِ) فقد شبّه القرآن بالنور، حيث إنّ الموَمن على ضوء القرآن يشق طريق السعادة، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ قَد ْ جاءَكُم بُرهانٌ مِنْ رَبّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبيناً ). (4)

وقال سبحانه: (مَا كُنْتَ تَدري مَا الكِتابُ ولاَ الاِِيمَانُ ولكِن جَعَلْناهُ نُوراً)(5) ، فالقرآن ينوّر الدرب للموَمن.

3.يقول سبحانه (كمَن مَثله فِي الظُلمات لَيْس بِخارجٍ مِنْها )، فالمراد من الظلمة إمّا الكفر أو الجهل، ويوَيد الاَوّل قوله سبحانه: (اللهُ وَلِيُّ الّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّور ). (6)

ثمّ إنّه سبحانه شبه الكافر بالذي يمكث في الظلمات لا يهتدى إلى شيء بقوله: (كَمَنْ مَثَلهُ فِي الظُّلمات )ولم يقل: كمن هو في الظلمات، بل توسط لفظ المثل فيه، ولعل الوجه هو تبيين انّه بلغ في الكفر والحيرة غاية يضرب به المثل.

هذا هو تفسير الآية على وجه التفصيل.


1- الروم:52.

2- يَس:70.

3- فاطر:22.

4- النساء:174.

5- الشورى:52.

6- البقرة:257.

(134)

وحاصل الآية: انّ مثل من هداه الله بعد الضلالة ومنحه التوفيق لليقين الذي يميز به بين المحق والمبطل، والمهتدي والضال، ـ مثله ـ من كان ميتاً فأحياه الله و جعل له نوراً يمشي به في الناس مستضيئاً به، فيميز بعضه من بعض.

هذا هو مثل الموَمن، ولا يصح قياس الموَمن بالباقي على كفره غير الخارج عنه، الخابط في الظلمات المتحير الذي لا يهتدي سبيل الرشاد.

وفي الحقيقة الآية تشتمل على تشبيهين:

الاَوّل: تشبيه الموَمن بالميّت المحيا الذي معه نور.

الثاني: تشبيه الكافر بالميّت الفاقد للنور الباقي في الظلمات، والغرض انّ الموَمن من قبيل التشبيه الاَوّل، دون الثاني.


(135)

الاَعراف

15

التمثيل الخامس عشر

(وَهُوَ الّذِي يُرْسِلُ الرّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ المَوتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون * وَالبَلَد الطَّيّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرّفُ الآيات لِقَومٍ يَشْكُرُون ). (1)

تفسير الآية

"أقلّ" من الاِقلال، وهو حمل الشيء بأسره.

والنكد: العسر الممتنع من إعطاء الخير، يقال نكد إذا سئل فبخل ، قال الشاعر:

وأعطي ما أعطيته طيّباًلا خير في المنكود والناكد "البلد الطيب": عبارة عن الاَرض الطيب ترابها، ففي مثلها يخرج الزرع نامياً زاكياً من غير كدٍّ ولا عناء، كلّ ذلك بإذنه سبحانه.

والبلد الخبيث هي الاَرض السبخة التي خبث ترابها لا يخرج ريعها إلاّ


1- الاَعراف:57ـ 58.

(136)

شيئاً قليلاً، و كأنّها لا تعطي إلاّ شيئاً قليلاً وهو بالعسر.

وتصريف الآيات عبارة عن تكررها.

ذكر سبحانه في الآية الا َُولى بأنّه يرسل الرياح مبشرةً برحمته، فإذا حملت سحاباً ثقالاً بالماء ساقه سبحانه إلى بلد ميت فتحيا به الاَرض وتوَتي ثمراتها.

وعاد سبحانه في الآية الثانية إلى القول بأنّ هطول المطر وسقي الاَرض جزء مما يتوقف عليه خروج النبات، وهناك شرط آخر وهو أن تكون الاَرض خصبةصالحة للزراعة دونما إذا كانت خبيثة، هذا هو حال المشبه به.

وأمّا المشبه فهو انّه سبحانه يُشبِّهُ الموَمن بأرض طيبة تلين بالمطر ويحسن نباتها ويكثر ريعها، كما تشبه قلب الكافر بالاَرض السبخة لا تنبت شيئاً، فقلب الموَمن كالاَرض الطيبة وقلب الكافر كالاَرض السبخة.


(137)

الاَعراف

16

التمثيل السادس عشر

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الّذي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغَاوِين *وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاََرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْركْهُ يَلْهَث ذلِكَ مَثَلُ الْقَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * ساءَ مَثَلاً الْقَومُ الّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُون ). (1)

تفسير الآيات

النبأ: الخبر عن الاَمر العظيم ومنه اشتقاق النبوة، أخلد إلى الاَرض أي سكن إليها.

السلخ: النزع، وقوله : (أخْلد إلى الاَرض )لصق بها، واللهث أن يدلع الكلب لسانه من العطش، واللهاث حرّ العطش.

هذا هو تفسير مفردات الآية، وأمّا المضمون فالآية تمثيل يتضمن مشبهاً ومشبهاً به، أمّا الثاني فقد اختلفت كلمة المفسرين في المراد منه، فالاَكثر على أنّ المراد هو بلعم بن باعوراء الذي كان عالماً من علماء بني إسرائيل، وقيل من


1- الاَعراف:175ـ177.

(138)

الكنعانيين أُوتي علم بعض كتاب الله ، ولكنّه كفر به ونبذه وراء ظهره، فلحقه الشيطان وصار قريناً له وكان من الغاوين الضالين الكافرين.

والاِمعان في الآية يعرب عن بلوغ الرجل مقاماً شامخاً في العلم والدراية، وعلى الرغم من ذلك فقد سقط في الهاوية، وإليك ما يدل على ذلك في الآية:

أ: لفظ (نبأ) حاك عن أنّه كان خبراً عظيماً لا خبراً حقيراً.

ب: قوله: (الذي آتَيْناهُ آياتنا) حاك عن إحاطته بالحجج والبيّنات وعلم الكتب السماوية.

ج: قوله: (فانسلخ منها )يدل على أنّ الآيات والعلوم الاِلهية كانت تحيط به إحاطة الجلد بالبدن إلاّ انّه خرج منها.

ويوَيد ذلك انّه سبحانه يعبر عن التقوى باللباس، ويقول: (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيرٌ ). (1)

د: قوله: (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطان )يدل على أنّ الشيطان كان آيساً من كفره وقد انقطعت صلته به، لكنّه لما انسلخ من الآيات لحقه الشيطان واتبعه فأخذ يوسوس له كلّ يوم إلى أن جعله من الضالين.

إلى هنا تم تفسير الآية الا َُولى، وأمّا الآية الثانية فهي تتضمن حقيقة قرآنية، وهي انّه سبحانه تبارك و تعالى كان قادراً على رفعه وتنزيهه وتقريبه إليه، ولكنّه لم يشأ، لاَنّ مشيئته سبحانه لا تتعلق بهداية من أعرض عنه واتّبع هواه، إذ كيف يمكن تعلق مشيئته بهداية من أعرض عن الله وكذب آياته، ولذلك يقول:

(وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها )أي لرفعناه بتلك الآيات "ولكن ما شئنا" وليس


1- الاَعراف:26.

(139)

ذلك للبخل منه سبحانه، بل لفقدان الاَرضية الصالحة، لاَنّه أخلد إلى الاَرض ولصق بها، وكأنّها كناية عن الميل والنزوع إلى التمتع بالملاذ الدنيوية، ومعه كيف تشمله العناية الربانية.

ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى وجه آخر لعدم تعلّق مشيئته بهدايته، وهو انّ هذا الاِنسان بلغ في الضلالة والغواية مرحلة صارت سجية وطبيعة له، ومزج بها روحه ونفسه وفطرته، فلا يصدر منه إلاّ التكذيب والاِدبار عن آياته، فلذلك لا يوَثر فيه نصيحة ناصح ولا وعظ واعظ، ولتقريب هذا الاَمر نأتي بتمثيل في ضمن تمثيل، ونقول:

(فَمَثَلهُ كَمَثل الكَلْب انْ تَحْمل عَلَيه يَلْهَث أَوْ تَتْركهُ يَلهَث )، وذلك لاَنّ اللهث أثر طبيعي لسجيته فلا يمكن أن يخلّص نفسه منها.

هذا هو المشبه به، وهو يعرب عن أنّ الهداية والضلالة بيد الله تبارك وتعالى، وقد تعلّقت مشيئته بهداية الناس بشرط أن تتوفر فيه أرضية خصبة توَهله لتعلّق مشيئته تعالى به، فمن أخلد إلى الاَرض ولصق بها، أي أخلد إلى المادة والماديات، فلا تشمله الهداية الاِلهية بل هو محكوم بالضلال لكن ضلالاً اختيارياً مكتسباً.

هذا هو حال المشبه به، وقد عرفت أنّ التمثيل يتضمن تمثيلاً آخر.

وأمّا المشبه فقد اختلفت كلمة المفسرين فيه، فربما يقال: إنّ المراد أُمية بن أبي الصلت الثقفي الشاعر، وكانت قصته انّه قرأ الكتب وعلم أنّ الله سبحانه يرسل رسولاً في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلمّـا بعث سبحانه محمداً حسده ومرّ على قتلى بدر فسأل عنهم، فقيل: قتلوا في حربهم مع النبي، فقال: لو كان نبياً لما قتل أقرباءه، وقد ذهب إلى الطائف ومات بها،


(140)

فأتت أُخته الفارعة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فسألها عن وفاته، فذكرت له انّه أنشد عند موته:

كل عيش وإن تطاول دهراًصائر مرة إلى أن يزولا

ليتني كنت قبل ما قد بداليفي قلال الجبال أرعى الوعولا

إنّ يوم الحساب يوم عظيمشاب فيه الصغير يوماً ثقيلاً ثمّ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لها أنشديني من شعر أخيك فأنشدت:

لك الحمدُ والنعماءُ والفضلُ ربّناولا شيء أعلى منك جدّاً وأمجدُ

مليكٌ على عرش السّماءِ مهيمنٌلعزّته تعنُو الوجوهُ وتسجدُ

ثمّ أنشدته قصيدته التي يقول فيها:

وقف الناس للحسابِ جميعاً فشقيّ معذّب وسعيد والتي فيها:

عند ذي العرش تُعرضونَ عليهيعلمُ الجهرَ والسِـراءَ الخفيّا

يوم يأتي الرحمنُ وهو رحيمإنّه كان وعدُهُ مأتيّا


(141)

ربّ إن تعفُ فالمعافاةُ ظنّيأو تُعاقِبْ فلم تعاقِب بريّا

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "إنّ أخاك آمن شعره، وكفر قلبه" وأنزل الله تعالى الآية.(1)

وقيل: إنّه أبو عامر بن النعمان بن صيفى الراهب الذي سمّاه النبي الفاسق، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فقدم المدينة، فقال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما هذا الذي جئت به، قال: "جئت بالحنيفية دين إبراهيم"، قال: فأنا عليها، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : "لست عليها ولكنّك أدخلت فيها ما ليس منها".

فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منّا طريداً وحيداً، فخرج إلى أهل الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا السلاح، ثمّ أتى قيصر وأتى بجند ليخرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة، فمات بالشام طريداً وحيداً.

والظاهر انّ المشبه ليس خصوص هذين الرجلين، بل كما قال الاِمام الباقر( عليه السلام ): " الاَصل في ذلك بلعم، ثم ضربه الله مثلاً لكل موَثر هواه على هدى الله من أهل القبلة". (2)

وفي الآية دلالة واضحة على أنّ العبرة في معرفة عاقبة الاِنسان هي أُخريات حياته، فربما يكون موَمناً في شبابه ويرتد عن الدين في شيخوخته وهرمه، فليس صلاح الاِنسان وفلاحه في عنفوان شبابه دليلاً على صلاحه ونجاته في آخر عمره.


1- مجمع البيان:2|499ـ 500.

2- مجمع البيان:2|500.

(142)

وبذلك يعلم أنّ ترضّي القرآن عن المهاجرين والاَنصار في قوله سبحانه: (لَقَدْ رَضِي اللهُ عَنِ الْمُوَْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ). (1)

ويوَيد ما ذكرناه انّه سبحانه حدّد ظرف الرضا بقوله: (إِذ يُبايعونك )ولا يكون دليلاً على رضاه طيلة حياتهم، فلو دلّ دليل على زلّة واحد منهم، فيوَخذ بالثاني جمعاً بين الدليلين.

وقد يظهر مفاد قوله سبحانه: (والسَّابِقُونَ الاََوّلُونَ مِنَ المُهاجِرينَ وَالاََنْصَارِ وَالّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْري تَحْتَهَا الاََنهَارُ خالِدينَ فِيهَا أَبَداً ذلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ ). (2)

فانّ الآية دليل على شمول رضى الله لهم، فيوَخذ بالآية مالم يدل دليل قطعي على خلافها، فلو ثبت بدليل متواتر أو خبر محفوف بالقرينة ارتداد واحد منهم أو صدور معصية كبيرة أو صغيرة، فيوَخذ بالثاني، وليس بين الدليلين أي خلاف، إذ ليس مقام صحابي أو تابعي أعلى من مقام ما جاء في هذه الآية، أعني من آتاه الله سبحانه آياته وصار من العلماء الربانيين ولكن اتبع هواه فانسلخ عنها.

فما ربما يتراءى من إجماع غير واحدمن المفسرين بهذه الآيات كلى عدالة كافة الصحابة فكأنّها غفلة عن مفادها وإغماض عما صدر عن غير واحد من الصحابة من الموبقات والمعاصي والله العالم.


1- الفتح:18.

2- التوبة:100.

(143)

سورة التوبة

17

التمثيل السابع عشر

(وَالذّين اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُوَْمِنينَ وإِرْصاداً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ الحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَومٍ أَحقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهّرين * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ على تَقْوَى مِنَ اللهِوَرِضْوانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدي القَومَ الظّالِمين ). (1)

تفسير الآيات

"الضرار": هو إيجاد الضرر عن عناد.

"الاِرصاد" بمعنى الاِعداد.

"البنيان" مصدر بنى.

و "التقوى" خصلة من الطاعة يحترز بها عن العقوبة، والواو فيه مبدلة من الياء لاَنّها من وقيت.

"شفا": شفا البئر وغيره، جُرفُه، ويضرب به المثل في القرب من الهلاك.


1- التوبة:107ـ 109.

(144)

"الجرف" جرف الوادي جانبه الذي يتحفر أصله بالماء،وتجرفه السيول فيبقى واهياً.

قال الراغب: يقال للمكان الذي يأكله السيل فيجرفه، أي يذهب به، جرف هار البناء وتهوّر : إذا سقط، نحو: إنهار.

ذكر المفسرون انّ بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء، وبعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم، فأتاهم وصلى فيه، فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غُنْم بن عوف، فقالوا: نبني مسجداً فنصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد وكانوا اثني عشر رجلاً، وقيل خمسة عشر رجلاً، منهم: ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، ونبتل بن الحرث، فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء، فلمّا فرغوا منه، أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتجهّز إلى تبوك.

فقالوا: يا رسول الله إنّا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّي فيه لنا وتدعو بالبركة.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إنّي على جناح سفر، ولو قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلّينا لكم فيه"، فلمّـا انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تبوك نزلت عليه الآية في شأن المسجد.

إنّ الآية تشير إلى الفرق الشاسع بين من بنى بنياناً على أساس محكم، ومن بناه على شفا جرف، فالاَوّل يبقى عبر العصور ويحتفظ بكيانه في الحوادث المدمرة، بخلاف الثاني فانّه سوف ينهار لا محالة بأدنى ضربة.

فالموَمن هو الذي يعقد إيمانه على قاعدة محكمة وهو الحقّ الذي هو تقوى الله ورضوانه، بخلاف المنافق فانّه يبني إيمانه على أضعف القواعد


(145)

وأرخاها وأقلّها بناءً وهو الباطل، فإيمان الموَمن و دينه من مصاديق قوله: (أَفَمَنْ أسَّس بُنيانه على تقوى من الله ورضوان )ولكن دين المنافق كمن (أسّس بنيانه على شفا جرف هار )فلا محالة ينهار به في نار جهنم.


(146)

سورة يونس

18

التمثيل الثامن عشر

(إِنَّما مَثَلُ الحَياة الدُّنيا كَمَاءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاََرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النَّاسُ والاََنْعَامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الاََرْضُ زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْهَا أَتاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأن لَمْ تَغْنَ بالاَمْسِ كَذلِكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُون * واللهُ يَدعُو إلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ). (1)

تفسير الآيات

قوله: (فاخَتلَطَ بهِ نَبات الاََرض )فلو قلنا بأنّ الباء للمصاحبة، يكون معناه أي اختلط مع ذلك الماء نبات الاَرض، لاَنّ المطر ينفد في خلل النبات، وإن كانت الباء للسببية يكون المراد انّه اختلط بسبب الماء بعض النبات ببعض حيث إنّ الماء صار سبباً لرشده والتفاف بعضه ببعض.

قوله: (ازّيّنت )أصله تزينت، فادغمت التاء بالزاى وسكِّنت الزاي فاجلبت لها ألف الوصل.

فقوله: (أخذت الاََرْضُ زُخرفها وازَّيّنت )تعبير رائع حيث جعلت


1- يونس:24ـ 25.

(147)

الاَرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كلّ لون فاكتستها وتزينّت بغيرها من ألوان الزين.

قوله: (قادرون عليها )، أي متمكنون من استثمارها والانتفاع بثبوتها.

قوله: (أتاها أمرنا )كناية عن نزول بعض الآفات على الجنات والمزارع حيث يجعلها "حصيداً" شبيهاً بما يحصد من الزرع في استأصاله.

قوله: (كأن لم تغن )بمنزلة قوله: كأن لم ينبت زرعها.

قوله: (دار السلام )فهو من أوصاف الجنة، لاَنّ أهلها سالمون من كل مكروه، بخلاف المقام فانّها دار البلاء.

هذا ما يرجع إلى تفسير مفردات الآية.

وأمّا تفسيرها الجملي، فنقول:

نفترض أرضاً خصبة رابية صالحة لغرس الاَشجار وزرع النبات وقد قام صاحبها باستثمارها من خلال غرس كلّ ما ينبت فيها، فلم يزل يتعاهدها بمياه الاَمطار والسواقي، فغدت روضة غنّاء مكتظة بأشجار ونباتات متنوعة، وصارت الاَرض كأنّها عروس تزيّنت وتبرجت، وأهلها مزهوّون بها يظنّون انّها بجهدهم ازدهرت، وبإرادتهم تزيّنت وانّهم أصحاب الاَمر لا ينازعهم فيها منازع. فيعقدون عليها آمالاً طويلة، ولكن في خضم هذه المراودات يباغتهم أمره سبحانه ليلاً أو نهاراً فيجعل الطري يابساً، كأنّه لم يكن هناك أي جنة ولا روضة.

هذا هو المشبه به والله سبحانه يمثل الدنيا بهذا المثل، وهو انّ الاِنسان ربما يغتر بالدنيا ويعوّل الكثير من الآمال عليها مع سرعة زوالها وفنائها، وعدم ثباتها واستقرارها.


(148)

يقول موَيد الدين الاصفهاني المعروف بالطغرائي في لاميته المعروفة بلامية العجم:

ترجو البقاء بدار لا ثبات لهافهل سمعت بظل غير منتقل وقد أسماها سبحانه متاع الحياة الدنيا في مقابل الآخرة التي أسماها بدار السلام في الآية التالية، وقال: (الله يدعو إلى دار السلام ).

ثمّ إنّه يبدو من كلام الطبرسي انّ هذا التمثيل من قبيل التمثيل المفرد، فذكر أقوالاً:

أحدها : انّه تعالى شبَّه الحياة الدنيا بالماء فيما يكون به من الانتفاع ثمّ الانقطاع.

وثانيها : إنّه شبهها بالنبات على ما وصفه من الاغترار به ثمّ المصير إلى الزوال عن الجبائي وأبي مسلم.

وثالثها: إنّه تعالى شبَّه الحياة الدنيا بحياة مقدَّرة على هذه الاَوصاف. (1)

والحقّ أنّه من قبيل الاستعارة التمثيلية حيث يعبر عن عدم الاعتماد والاطمئنان بالدنيا بما جاء في المثل، وإنّما اللائق بالاعتماد هو دار السلام الذي هو سلام على الاِطلاق وليس فيها أي مكروه.

وقد قيّد سبحانه في الآية دار السلام، بقوله: (عند ربّهم) للدلالة على قرب الحضور وعدم غفلتهم عنه سبحانه هناك.

ويأتي قريب من هذا المثل في سورة الكهف، أعني :قوله:


1- مجمع البيان:3|102.

(149)

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاََرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذرُوهُ الرّياحُ وَكانَ اللهُ على كُلّ شَىْءٍ مُقْتَدراً ). (1)

وسيوافيك بيانها في محلها.

ويقرب من هذا ما في سورة الحديد، قال سبحانه:

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ ولَهْو وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ في الاََمْوالِ وَالاََولادِ كَمَثلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهيج فَتَراهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الحَياةُ الدُّنيا إِلاّ مَتاعُ الغُرُور ). (2)


1- الكهف:45.

2- الحديد:20.

(150)

سورة هود

19

التمثيل التاسع عشر

(إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات وَأَخْبتُوا إِلى رَبّهِمْ أُولئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُون * مَثَلُ الفَريقَين كَالاََعْمى وَالاََصَمّ وَالبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُون ). (1)

تفسير الآيات

يصوّر سبحانه الكافر كالاَعمى والاَصم، والموَمن بالبصيروالسميع، ثمّ ينفي التسوية بينهما ـ كما هو معلوم ـ غير انّ هذا التمثيل يستقي مما وصف به سبحانه كلا الفريقين بأوصاف خاصة.

فقال في حقّ الكافر: (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُون ). (2)

والمراد كان لهم أسماعاً وأبصاراً ولكنّهم لم يكونوا يستخدمونها في سماع الآيات وروَية الحقائق، فنفي الاستطاعة كناية عن عدم استخدام الاَسماع، كما أنّ نفى الاَبصار كناية عنه.

ثمّ إنّه سبحانه وصف الموَمن في الآية التالية بأوصاف ثلاثة:


1- هود:23ـ 24.

2- هود:20.

(151)

أ: الاِيمان بالله .

ب: العمل الصالح.

ج: التسليم إلى الله حيث قال: (وأخبتوا إلى ربّهم ).

فالموَمن الصالح ثمرة من شجرة الاِيمان كما انّ التسليم والانقياد والخضوع والاطمئنان لما وعد الله من آثاره أيضاً.

فالموَمن هو الذي يسمع آياته ويبصرها في سبيل ترسيخ الاِيمان في قلبه واثماره.

ثمّ إنّه مثّل الكافر و الموَمن بالتمثيل التالي، وقال: (مَثَلُ الفَريقَين كَالاََعْمى والاََصم وَالبَصير وَالسَّميع هَلْ يَسْتَويان مَثلاً أَفَلا تَذَكَّرُون ).

أي مثل فريق المسلمين كالبصير والسميع. ومثل فريق الكافرين كالاَعمى والاَصم، لاَنّ الموَمن ينتفع بحواسه بأعمالها في معرفة المنعم وصفاته وأفعاله، والكافر لا ينتفع بها فصارت بمنزلة المعدومة.

ثمّ إنّه وصف الوضع بين الاَعمى والاَصم كما وصفها بين البصير والسميع، وذلك لاِفادة تعدّد التشبيه بمعنى:

أنّ حال الكافر كحال الاَعمى.

وحال الكافر أيضاً كحال الاَصم.

كما أنّ حال الموَمن كالبصير.

وحاله أيضاً كالسميع.

وحاصل الكلام: انّه لا يستوى البصير والسميع مع الاَعمى والاَصم، والموَمن والكافر أيضاً لا يستويان.


(152)

سورة الرعد

20

التمثيل العشرون

(لَهُ دَعْوَةُ الحَقّ وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَىءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الماءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَمَا دُعاءُ الكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ ). (1)

تفسير الآية

تقدم الظرف في قوله: (لَهُ دَعْوَةُ الحَقّ) لاَجل إفادة الحصر، ويوَيّده ما بعده من نفي الدعوة عن غيره.

كما أنّ إضافة الدعوة إلى الحقّ من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، أي الدعوة الحقّة له ، لاَنّ الدعوة عبارة عن توجيه نظر المدعو إلى الداعي، والاِجابة عبارة عن إقبال المدعو إليه، وكلا الاَمرين يختصان بالله عزّ اسمه. وأمّا غيره فلا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ـ وعند ذاك ـ كيف يمكن أن يجيب دعوة الداعي.

فالنتيجة انّ الدعوة الحقّة التي تستعقبها الاِجابة هي لله تبارك و تعالى، فهو حي لا يموت، ومريد غير مكره، قادر على كلّ شيء، غني عمّن سواه.


1- الرعد:14.

(153)

وبذلك يعلم أنّ الدعوة على قسمين : دعوة حقّة ودعوة باطلة، فالحقّة لله ودعوة غيره دعوة باطلة، أمّا لاَنّه لا يسمع ولا يريد، أو يسمع ولا يقدر. و أشار إلى القسم الباطل بقوله: (وَالّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجيبُونَ لَهُمْ بِشَىءٍ )، وقد عرفت وجه عدم الاستجابة.

ثمّ إنّه سبحانه استثنى صورة واحدة من عدم الاستجابة، لكنّه استثناء صوري وهو في الحقيقة تأكيد لعدم الاستجابة، وقال: (إِلاّ كَباسِط كَفَيّه إِلى الماء لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ ).

فدعوة الاَصنام والاَوثان وطلب الحاجة منهم، أشبه بحال الظمآن البعيد من الماء كالجالس على حافة البئر والباسط كفه داخل البئر ليبلغ الماء فاه، مع البون البعيد بينه و بين الماء.

قال الطبرسي: هذا مثل ضربه الله لكلّ من عبد غير الله ودعاه رجاء أن ينفعه، فانّ مثله كمثل رجل بسط كفيه إلى الماء من مكان بعيد ليتناوله ويسكن به غلته، وذلك الماء لا يبلغ فاه لبعد المسافة بينهما، فكذلك ما كان يعبده المشركون من الاَصنام لا يصل نفعها إليهم ولا يستجيب دعاءهم. (1)

وربما تفسّر الآية بوجه آخر، ويقال: لا يستجيبون إلاّ استجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم. (2)

والظاهر رجحان الوجه الاَوّل، لاَنّ الآلهة بين جماد لا يشعر أو ملك أو


1- مجمع البيان:3|284.

2- الكشاف:2|162.

(154)

جن أو روح يشعر ولكن لا يملك شيئاً، فهذا الوجه يختص بما إذا كان الاِله جماداً لا غير.

ثمّ إنّه سبحانه يقول في ذيل الآية : (وَما دُعاء الكافرينَ إلاّ في ضَلالٍ )، فانّ الضلال عبارة عن الخروج عن الطريق وسلوك ما لا يوصل إلى المطلوب، ودعاء غيره خروج عن الطريق الموصل إلى المطلوب، لاَنّ الغاية من الدعاء هو إيجاد التوجّه ثمّ الاِجابة، فالآلهة الكاذبة إمّا فاقدة للتوجّه، وإمّا غير قادرة على الاستجابة، فأي ضلال أوضح من ذلك.


(155)

سورة الرعد

21

التمثيل الواحد والعشرون

(أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فسالَتْ أَودِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْربُ اللهُ الحَقَّ وَالبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأمَّا مَا يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاََرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الاََمْثالَ ). (1)

تفسير الآية

"الوادي": سفح الجبل العظيم، المنخفض الذي يجتمع فيه ماء المطر، ولعل منه اشتقاق الدية، لاَنّه جمع المال العظيم الذي يوَدى عن القتيل.

"القدر": اقتران الشيء بغيره دون زيادة أو نقصان، فإذاكانا متساويين فهو القدر، والقدْر والقَدَرْ لغتان مثل الشَّبْر والشَّبَر.

والاحتمال: رفع الشيء على الظهر بقوة الحامل.

و"الزبد": هو خبث الغليان ومنه زبد القدر وزبد السيل.

و"الجفاء" ممدوداً يقال: أجفأت القدر بزبدها، إذا ألقَتْ زبدها.

و"الاِيقاد": إلقاء الحطب في النار.


1- الرعد:17.

(156)

"والمتاع" ما تمتّع به.

و"الحق" في اللغة هو الاَمر الثابت ويقابله الباطل، فالاَوّل بمفهومه الواسع يشمل كلّ موجود أو ناموس ثابت لا يطرأ عليه التحول والتبدل حتى أنّ القوانين الرياضية والهندسية وكثير من المفاهيم الطبيعية إذا كانت على درجة كبيرة من الثبات فهي حقّ لا غبار عليها.

و "المكث": الكون في المكان عبر الزمان.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الآية تمثل للحق والباطل مثلاً واحداً يستبطن تمثيلات متعددة:

الاَوّل: انّ السيل المتدفق من أعالي الجبال الجاري في الوديان يحمل معه في سيره زبداً رابياً عليه، فالحقّ كماء السيل والباطل الزبد الطافح عليه.

الثاني: انّ المعادن والفلزات المذابة في القدر إذا أوقدت عليها النار، تذاب ويعلو عليها الخبث، فالغاية من الاِذابة هو فصل المعادن والفلزات النفيسة عن خبثها وزبدها.

وعندئذٍ فالحقّ كالذهب والفضة والمعادن النفيسة والباطل كخبثهاوزبدها الطافح.

الثالث: انّ ما له دوام و بقاء ومكث وينتفع به الناس كالماء وما يتخذ للحلية أو المتاع يمثّل الحق، وما ليس كذلك كزبد السيل وخبث القدر الذي يذهب جفاءً يمثّل الباطل.

وأمّا التفصيل فإليك توضيح الآية:

(أَنْزَلَ مِنَ السماء ماءً فَسالَتْ أَودِيَة) الواقعة في محل الاَمطار المختلفة في


(157)

السعة والضيق، والكبر والصغر (بقدرها) أي كلّ يأخذ بقدره، ففيضه سبحانه عام لا يحدد وإنّما التحديد في الآخذ، فكلّ يأخذ بقدره وحده، فقدر النبات يختلف عن قدر الحيوان، وهو عن الاِنسان، فكلّ ما يفاض عليه الوجود إنّما هو بقدر قابليته، كما أنّ السيل المنحدر من أعالي الجبال مطلق غير محدد، ولكن يستوعب كل وادٍ من ماء السيل بقدر قابليته وظرفيته.

(فَاحْتَمَل السَّيْلُ زَبداً رابِياً) أي طافياً عالياً فوق الماء.

إلى هنا تمّت الاِشارة إلى التمثيل الاَوّل.

ثمّ إنّ الزبد لا ينحصر بالسيل الجارف بل يوجد طافياً على سطح أنواع الفلزات والمعادن المذابة التي تصاغ منها الحلي للزينة والاَمتعة، كما قال سبحانه (ومِمّا يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ).

إلى هنا تمّت الاِشارة إلى التمثيل الثاني، كما قال: (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحقّ وَالباطل) أي كذلك يوصف الحقّ والباطل ليأخذ طريقه بين الناس، ثمّ أشار إلى التمثيل الثالث وهو انّ من سمات الحق بقاءه وانتفاع الناس به (فَأمّا الزبد فيذهب جفاءً ) حيث إنّ زبد السيل وزبد ما يوقدون عليه ينطفىَ بعد مدة قصيرة كأن لم يكن شيئاً مذكوراً فيذهب جفاءً باطلاً متلاشياً.

(وَأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الاَرض ) فانّ الماء الخالص أو المعادن الخالصة التي فيها انتفاع الناس يمكث في الاَرض.

ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله: (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الاََمْثال ) وقد مرّ في المقدمات معنى ضرب المثل، وقلنا انّ المراد هو وصف حال المشبه وبيانه.

هذا ما يرجع إلى تفسير ظاهر الآية، لكن الآية من غرر الآيات القرآنية


(158)

التي تبحث عن طبيعة الحقّ والباطل وتكونهما وكيفية ظهورهما والآثار المترتبة عليهما، ولا بأس بالاِشارة إلى ما يمكن الاستفادة من الآية.

1. انّ الاِيمان والكفرمن أظهر مصاديق الحق والباطل، ففي ظل الاِيمان بالله تبارك و تعالى حياة للمجتمع وإحياء للعدل، والعواطف الاِنسانية، فالاَُمّة التي لم تنل حظها من الاِيمان يسودها الظلم والاَنانية وانفراط الاَواصر الاِنسانية التي تعصف بالمجتمع الاِنسانى إلى الهاوية.

2. انّ الزبد أشبه بالحجاب الذي يستر وجه الحقّ مدة قصيرة، فسرعان ما يزول وينطفىَ ويظهر وجه الحقيقة أي الماء و الفلزات النافعة.

فهكذا الباطل ربما يستر وجه الحقيقة من خلال الدعايات المغرضة، ولكنّه لا يمكث طويلاً فيزول كما يزول الزبد، يقول سبحانه: (وَقُلْ جَاءَ الحَقّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ). (1)

وقال تعالى: (وَيَمْحُ اللهُ الباطِلَ وَيُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ). (2)

3. انّ الماء والفلزات منبع البركات والخيرات له، والزبد خبث لا ينتفع منه، فهكذا الحق والباطل، فما هو الحقّ كالاِيمان و العدل ينتفع به الناس، وأمّا الباطل كالكفر والظلم لا ينتفع منه الناس.

4. انّ الماء فيض مادي يفيضه الله سبحانه إلى السماء على الوديان والصحارى، فكل يأخذ بمقدار سعته، فالوادي الكبير يستوعب ماء كثيراً بخلاف الوادي الصغير فلا يستوعب سوى قليلاًمن الماء وهكذا الحال في الاَرواح والنفوس فكل نفس تنال حظها من المعارف الاِلهية حسب قابليتها، فهناك نفس


1- الاِسراء:81.

2- الشورى:24.

(159)

كعرش الرحمن ونفس أُخرى من الضيق بمكان يقول سبحانه: (ولَقَدْ خَلَقكُمْ أَطواراً ).

وفي الحديث النبوي : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة". (1)

وقال أمير الموَمنين (عليه السلام) لكميل: "إنّ هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها".(2)

فالمعارف الاِلهية كالسيل المتدفق والقلوب كالاَودية المختلفة.

ويمكن أن يكون قوله (بقدرها ) إشارة إلى نكتة أُخرى، وهي انّ الماء المتدفق هو ماء الحياة الذي ينبت به الزرع والاَشجار المثمرة في الاَراضي الخصبة. دون الاَراضي السبخة التي لا ينبت فيها إلاّ الاَشواك.

5. انّ الماء يمكث في الاَرض وينفذ في أعماقها ويبقى عبر القرون حتى ينتفع به الناس من خلال استخراجه، فهكذا الحقّ فهو ثابت لا يزول، ودائم لا يضمحل، على طرف النقيض من الباطل، فللحق دولة وللباطل جولة.

6. انّ الباطل ينجلي بأشكال مختلفة، كما أنّ الزبد يطفو فوق الماء والمعدن المذاب بأنحاء مختلفة، فالحقّ واحد وله وجه واحد،أمّا الباطل فله وجوه مختلفة حسب بعده من الحقّ وتضادّه معه.

7. انّ الباطل في وجوده رهن وجود الحقّ، فلولا الماء لما كان هناك زبد، فالآراء والعقائد الباطلة تستمد مقوماتها من العقائد الحقّة من خلال إيجاد تحريف في أركانها و تزييفها، فلو لم يكن للحقّ دولة لما كان للباطل جولة، وإليه يشير سبحانه: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً ).


1- بحار الاَنوار:4|405.

2- نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 127.

(160)

8. انّ في تشبيه الحقّ بالماء والباطل بالزبد إشارة لطيفة إلى أنّ الباطل كالزبد، فكما أنّه ينعقد في الماء الذي له هيجان واضطراب والذي لا يجري على منوال هادىَ، فهكذا الباطل إنّما يظهر في الاَوضاع المضطربة التي لا يسودها أي نظام أو قانون.

9. انّ حركة الباطل وإن كانت موَقتة إنّما هي في ظل حركة الحقّ ونفوذه في القلوب، فالباطل يركب أمواج الحق بغية الوصول إلى أهدافه، كما أنّ الزبد يركب أمواج الماء ليحتفظ بوجوده.

10. انّ الباطل بما انّه ليس له حظ في الحقيقة ، فلو خلص من الحقيقة فليس بإمكانه أن يظهر نفسه، ولو في فترة قصيرة، ولكنّه يتوسم من خلال مزجه بالحقّ حتى يمكن له الظهور في المجتمع، ولذلك فالزبد يتكون من أجزاء مائية، فلو خلص منها لبطل، فهكذا الباطل في الآراء والعقائد.

قال أمير الموَمنين علي (عليه السلام) :

"فلو انّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، و لو انّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين،ولكن يوَخذ من هذا ضغث، ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى". (1)

x x x

ثمّ إنّ بعض من كتب في أمثال القرآن جعل قوله سبحانه : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الّتي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّهُا تِلْكَ عُقْبَى الّذينَ اتَّقَوا )
1- نهج البلاغة، الخطبة 49.

(161)

وَعُقْبَى الْكافِرينَ النّارُ ). (1) من الاَمثال.

ولكن الظاهر انّه ليس من باب التمثيل، لاَنّه فرع وجود مشبه ومشبه به مع أنّ الآية هي بصدد بيان جزاء المتقين والكافرين، فقال: إنّ جزاء المتقين هو انّهم يسكنون الجنة التي تجري من تحتها الاَنهار وأُكلها وظلها دائم.

وهذا بخلاف الكافرين فانّ عقباهم النار، وليست هاهنا أُمور أربعة بل لا تتجاوز الاثنين، وعلى ذلك فيكون المثل بمعنى الوصف، أي حال الجنة ووصفها التي وعد المتقون هو هذا.

نعم ذكر الطبرسي وجهاً ربما يصح به عدّ الآية مثلاً، فلاحظ. (2)


1- الرعد:35.

2- مجمع البيان:3|296.

(162)

سورة إبراهيم

22

التمثيل الثاني والعشرون

(مَثَلُ الّذِينَ كَفَرُوا بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرّيحُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَىءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيد ). (1)

تفسير الآية

"العصف" :شدة الريح، يوم عاصف أي شديد الريح ،وإنّما جعل العصف صفة لليوم مع أنّه صفة للريح لاَجل المبالغة، وكأنّ عصف الريح صار بمنزلة جعل اليوم عاصفاً، كما يقال: ليل غائم ويوم ماطر.

انّه سبحانه يشبّه عمل الكافرين في عدم الانتفاع به برماد في مهب الريح العاصف، فكما لا يقدر أحد على جمع ذلك الرماد المتفرق، فكذلك هوَلاء الكفار لا يقدرون مما كسبوا على شيء فلا ينتفعون بأعمالهم البتة.

وقال سبحانه في آية أُخرى: (وَقَدِمْنَا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً). (2)

والمراد من أعمالهم ما يعد صالحاً في نظر العرف كصلة الاَرحام وعتق


1- إبراهيم:18.

2- الفرقان:23.

(163)

الرقاب وفداء الاَُسارى وإغاثة الملهوفين، لاَنّهم بنوا أعمالهم على غير معرفة الله والاِيمان به فلا يستحقون شيئاً عليه.

وأمّا الاَعمال التي تعد من المعاصي الموبقة، فهي خارجة عن مصبّ الآية لوضوح حكمها.والآية دليل على أنّ الكافر لا يثاب بأعماله الصالحة يوم القيامة إذا أتى بها لغير وجه الله .

نعم لو أتى بها طلباً لرضاه ورضوانه فلا غرو في أن يثاب به ويكون سبباً لتخفيف العذاب.


(164)

سورة إبراهيم

23

التمثيل الثالث والعشرون

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَة أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُوَْتي أُكُلَهَا كُلَّ حينٍ بِإِذْنِ رِبّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الاََمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون ). (1)

تفسير الآيات

انّه سبحانه تبارك و تعالى مثل للحق و الباطل، أو الكفر والاِيمان بتمثيلات مختلفة، وقد جاء التمثيل في هذه الآية بأنّ مثل الاِيمان كشجرة لها الصفات التالية:

أ: انّها طيبة: أي طاهرة ونظيفة في مقابل الخبيثة، فانّ الشجر على قسمين: منها ما هو طيب الثمار كالتين والنخل والزيتون وغيرها، ومنها ما هو خبيث الثمار كالحنظل.

ب: أصلها ثابت، أي لها جذور راسخة في أعماق الاَرض لا تزعزعها العواصف الهوجاء ولا الاَمواج العاتية.

ج: فرعها في السماء، أي لها أغصان مرتفعة، فهي بجذورها الراسخة تحتفظ بأصلها وبفروعها في السماء و تنتفع من نور الشمس والهواء والماء.


1- إبراهيم:24ـ 25.

(165)

وهذه الفروع والاَغصان من الكثرة بحيث لا يزاحم أحدها الآخر، كما أنّها لا تتلوث بما على سطح الاَرض.

د: (تعطى أُكلها كل حين ) أي في كلّ فصل وزمان، لا بمعنى كلّ يوم وكل شهرحتى يقال بأنّه ليس على وجه البسيطة شجرة مثمرة من هذا النوع.

وبعبارة أُخرى: انّ مثل هذه الشجرة لا تبخس في عطائها، بل هي دائمة الاَثمار في كل وقت وقّته الله لاثمارها.

هذا حال المشبه به، وأمّا حال المشبه، فقد اختلفت كلمتهم إلى أقوال لا يدعمها الدليل، والظاهر انّ المراد من المشبه هو الاعتقاد الحقّ الثابت، أعني التوحيد والعدل وما يلازمهما من القول بالمعاد.

فهذه عقيدة ثابتة طيبة لا يشوبها شيء من الشرك والضلال ولها ثمارها في الحياتين.

والذي يدل على ذلك هو انّه سبحانه ذكر في الآية التالية، قوله : (يُثَبّتُ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ )(1)، وهذا القول الثابت عبارة عن العقيدة الصالحة التي تمثلها كلمة التوحيد والشهادة بالمعاد وغيرهما، قال السيد الطباطبائي:

القول بالوحدانية والاستقامة عليه، هو حقّ القول الذي له أصل ثابت محفوظ عن كلّ تغير وزوال وبطلان، وهو الله عزّ اسمه أو أرض الحقائق، و له فروع نشأت ونمت من غير عائق يعوقه عن ذلك من عقائد حقة فرعية وأخلاق زاكية وأعمال صالحة يحيا بها الموَمن حياته الطيبة ويعمر بها العالم الاِنسانى


1- إبراهيم:27.

(166)

حق عمارته، وهي التي تلائم سير النظام الكونى الذي أدى إلى ظهور الاِنسان بوجوده المنظور على الاعتقاد الحق والعمل الصالح. (1)

ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله: (وَيَضْرِبُ اللهُ الاََمْثال للنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون )، أي ليرجعوا إلى فطرتهم فيتحقّقوا من أنّ السعادة رهن الاعتقاد الصحيح المثمر في الحياتين.

وبذلك يعلم انّ ما ذكره بعض المفسرين بأنّ المراد كلمة التوحيد لا يخالف ما ذكرنا، لاَنّ المراد هو التمثل بكلمة التوحيد لا التلفظ بها وحده حتى أنّ قوله سبحانه: (إِنَّ الّذينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوفٌ عََلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون) ) (2) تلا يراد منه التحقّق بقوله (ربّنا الله) لا التلفظ بها، وقد أشار سبحانه إلى العقيدة الصحيحة، بقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ)(3)

فالكلم الطيّب هو العقيدة، والعمل الصالح يرفع تلك العقيدة.

وبذلك يعلم أنّ كلّ عقيدة صحيحةلها جذور في القلوب، ولها فروع وأغصان في حياة الاِنسان ولهذه الفروع ثمار، فالاعتقاد بالواجب العادل الحكيم المعيد للاِنسان بعد الموت يورث التثبت في الحياة والاجتناب عن الظلم والعبث والفساد إلى غير ذلك من العقائد الصالحة التي لها فروع.

إلى هنا تمّ المثل الاَوّل للموَمن والكافر أو للاِيمان والكفر.


1- الميزان:12|52.

2- الاَحقاف:13.

3- فاطر:10.

(167)

وربما يقال: الرجال العظام من الموَمنين هم كلمة الله الطيبة، وحياتهم أصل البركة، ودعوتهم توجب الحركة، آثارهم وكلماتهم وأقوالهم وكتبهم وتلاميذهم وتاريخهم... وحتى قبورهم جميعها ملهمة وحيّة ومربّية.

ولكن سياق الآيات لا يوَيده، لاَنّه سبحانه يفسر الكلمة الطيبة بما عرفت، أعني قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ).

والمراد من القول الثابت هو الكلمة الطيبة ، وقلب الموَمن هو الاَرض الطيبة التي ترسخ فيها جذور تلك الشجرة.


(168)

سورة إبراهيم

24

التمثيل الرابع والعشرون

(وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ منْ فَوْقِ الاََرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار). (1)

تفسير الآية

مثّل سبحانه تبارك وتعالى للعقيدة الصالحة بالمثل السابق ومقتضى الحال أن يمثل للعقيدة الباطلة بضد المثل السابق، فهي على طرف النقيض مما ذكر في الآية السابقة، وإليك البيان:

فالكفر كشجرة لها هذه الاَوصاف:

أ: انّها خبيثة مقابلة الطيبة، أي لا يطيب ثمارها كشجرة الحنظل.

ب: (اجتثت من فوق الاَرض) في مقابل قوله (أصلها ثابت) وحقيقة الاجتثاث هي اقتلاع الشيء من أصله ، أي اقتطعت واستؤصلت واقتلعت جذورها من الاَرض.

ج: (ما لها من قرار) أي ليس لتلك الشجرة من ثبات، فالريح تنسفها وتذهب بها، وبالتالي ليس لها فروع وأغصان أو ثمار.


1- إبراهيم:26.

(169)

هذا هو المشبه به، وأمّا المشبه فهو عبارة عن العقيدة الضالة الكافرة التي لا تعتمد على برهان ولا دليل، يزعزعها أدنى شبهة وشك.

فينطبق صدر الآية التالية على التمثيل الاَوّل، وذيله على التمثيل التالى، أعني: قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) هذا هو المنطبق على التمثيل الاَوّل

وأمّا المنطبق على التمثيل الثاني فهو قوله: (وَيُضِلُّ الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) أي يضل أهل الكتاب بحرمانهم من الهداية، وذلك لاَجل قصورهم في الاستفادة عن الهداية العامة التي هي متوفرة لكل إنسان، أعني: الفطرة ودعوة الاَنبياء.

وقوله: (يفعل الله ما يشاء) بمعنى انّه تعلّقت مشيئته بتثبيت الموَمنين وتأييدهم وإضلال الظالمين وخذلانهم، ولم تكن مشيئته عبثاً وإنّما نابعة من حكمة بالغة.


(170)

سورة إبراهيم

25

التمثيل الخامس والعشرون

(وَأَنذِرِ النّاسَ يَوم يَأْتِيهِمُ العَذَابُ فَيَقُولُ الّذينَ ظَلَمُوا رَبّنَا أَخّرْنَا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ *وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الاََمْثالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولَ مِنْهُ الجِبال). (1)

تفسير الآيات

إنّ الآية تمثل حال قوم شاهدوا نزول جزء من العذاب والبلاء فعادوا يظهرون الندم على أعمالهم البغيضة ويطلبون الاِمهال حتى يتلافوا ما فاتهم من الاِيمان والعمل الصالح، كما يحكي عنه سبحانه، ويقول: (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ) أي مشاهدة نزول العذاب في الدنيا بشهادة استمهالهم، كما في قوله تعالى: (فَيَقول الذين ظلموا ربّنا أخّرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك و نتبع الرسل ).

فيرد دعوتهم بأنّ هذا الطلب ليس طلباً صادقاًوإنّما ألجأهم إليه روَية


1- إبراهيم:44ـ 46.

(171)

العذاب.

فيخاطبهم سبحانه بقوله: (أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال).

وعلى ما ذكرنا يكون مفاد الآية : حلفتم قبل نزول العذاب بأنّه ليس لكم زوال من الراحة إلى العذاب، وظننتم انّكم بما تمتلكون من القوة والسطوة أُمّة خالدة مالكة لزمام الاَُمور، فلماذا تستمهلون؟ ثمّ يخاطبهم بجواب آخر وهو قوله: (وَسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبيّن لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الاَمثال ) أي سكنتم ديار من كذب الرسل فأهلكهم الله وعرفتم ما نزل بهم من البلاء و الهلاك والعذاب كقوم عاد وثمود، وضربنا لكم الاَمثال وأخبرناكم بأحوال الماضين لتعتبروا فلم تتعظوا.

وعلى ذلك فالمشبه به هو حال الاَُمم الهالكة بأفعالهم الظالمة.

والمشبه هو الاَُمم اللاحقة لهم الذين رأوا العذاب فاستمهلوا الاَجل وندموا ولات حين مناص.


(172)

النحل

26

التمثيل السادس والعشرون

(وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمٍ تَاللهِ لَتُسئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَه وَلَهُمْ ما يَشْتَهون * وإِذا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِالاَُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيم * يَتوارَى مِنَ القَومِ مِنْ سُوءِ ما بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُون * لِلَّذينَ لا يُوَْمِنُونَ بِالآخِرَة مثلُ السَّوءِ وَللهِ المَثَلُ الاََعلى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيم ) . (1)

تفسير الآيات

إنّ الله سبحانه هو الواجب الغني عن كل من سواه، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيد ) (2) فلا يصحّ وصفه بما يستشمُّ منه الفقر والحاجة، لكن المشركين غير العارفين بالله كانوا يصفونه بصفات فيها وصمة الفقر والحاجة، و قد حكاها سبحانه في غير واحد من الآيات، فقال: (وَجَعَلُوا للهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالاََنْعامِ نَصِيباً فَقَالُوا هذا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَمَا كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلى اللهِ وَمَا كانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ سَاءَ ما يَحْكُمُون ). (3)


1- النحل:56ـ60.

2- فاطر: 15.

3- الاَنعام:136.

(173)

فقد أخطأوا في أمرين:

أ: فرز نصيب لله من الحرث والاَنعام ،وكأنّه سبحانه فقير يجعلون له نصيباً ممّا يحرثون و يربّون من أنعامهم.

ب: الجور في التقسيم و القضاء، فيعطون ما لله إلى الشركاء دون العكس، وما هذا إلاّ لجهلهم بمنزلته سبحانه وأسمائه وصفاته.

وقد أشار إلى ما جاء تفصيله في سورة الاَنعام على وجه موجز في المقام، وقال: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفتَرُون ).

ونظير ما سبق انّهم كانوا يبغضون البنات ويجعلونها لله ، ويحبون البنين ويجعلونهم لاَنفسهم، وإليه يشير سبحانه بقوله: (وَيَجْعَلُونَ للهِ البَناتِ سُبحانهُ وَلَهُم ما يَشتَهُون ) والمراد من الموصول في (ما يشتهون ) هو البنون، وبذلك تبيّن معنى قوله سبحانه: (لِلّذِينَ لا يُوَْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوء ) أي انّ المشركين المنكرين للآخرة يصفونه سبحانه بصفات السوء التي يستقبحها العقل ويذمّها، وقد عرفت كيفية وصفهم له فوصفوه عند التحليل بالفقر والحاجة والنقص والاِمكان، والله سبحانه هو الغني المطلق، فهو أعلى من أن يوصف بأمثال السوء، ولكن الموحّد يصفه بالكمال كالحياة والعلم والقدرةوالعزّة والعظمة والكبرياء، والله سبحانه عند الموَمنين (هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ الْمُوَْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الجَبّارُ الْمتَكَبّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبَارِىَُ الْمُصَوّرُ لَهُ الاََسْماءُ الْحُسْنى ) (1) و يقول سبحانه: (وَلَهُ المَثَلُ الاََعلى )


1- الحشر:23ـ 24.

(174)

فِي السَّموات وَالاََرض ) (1) وقال: (لَهُ الاََسماءُ الحُسْنى ). (2)

ومنه يظهر جواب سوَال طرحه الطبرسي في "مجمع البيان" ، وقال: كيف يمكن الجمع بين قوله سبحانه (وَلله المثل الاَعلى ) وقوله: (فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الاََمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون ). (3)

والجواب انّ المراد من ضرب الاَمثال هو وصفه بما يدل على فقره وحاجته أو تشبيهه بأُمور مادية، وقد تقدم انّ المشركين جعلوا له نصيباً من الحرث والاَنعام، كما جعلوا الملائكة بناتاً له، يقول سبحانه: (وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الّذينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمن اناثاً ) ، (4) ويقول سبحانه: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنّة نَسباً). (5) إلى غير ذلك من الصفات التي يتنزه عنها سبحانه، فهذا النوع من التمثيل أمر محظور، وهو المراد من قوله (فَلا تَضْرِبُوا لله الاََمْثال ).

وأمّا التمثيل لله سبحانه بما يناسبه كالعزّةوالكبرياء والعلم والقدرة إلى غير ذلك، فقد أجاب عليه القرآن ولم ير فيه منعاً وحظراً، بشهادة انّه سبحانه بعد هذا الحظر أتى بتمثيلين لنفسه، كما سيتضح في التمثيل الآتى.

وربما يذكر في الجواب بأنّ الاَمثال في الآية جمع "المِثْل" بمعنى "الند"، فوزان قوله (لا تضربوا لله الاَمثال ) كوزان قوله : (فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً ) (6)، ولكنّه معنى بعيد، فانّ المثل بفتح العين يستعمل مع الضرب، دون المثل بسكون


1- الروم:27.

2- طه:8.

3- النحل:74.

4- الزخرف:19.

5- الصافات:158.

6- البقرة:22.

(175)

العين بمعنى الند فلم يشاهد اقترانه بكلمة الضرب.

ويقرب ممّا ذكرنا كلام الشيخ الطبرسي حيث يقول:

إنّ المراد بالاَمثال الاَشباه، أي لا تشبّهوا الله بشىء، و المراد بالمثل الاَعلى هنا الوصف الاَعلى الذي هو كونه قديماً قادراً عالماًحياً ليس كمثله شيء.

وقيل إنّ المراد بقوله: (المثل الاَعلى ) : المثل المضروب بالحق، وبقوله: (فلا تضربوا لله الاَمثال ) : الاَمثال المضروبة بالباطل. (1)

وفي الختام نودُّ أن نشير إلى نكتة، وهي انّ عدّ قوله سبحانه (للّذين لا يوَمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الاَعلى وهو العزيز الحكيم ) من قبيل الاَمثال القرآنية لا يخلو من غموض، لاَنّ الآية بصدد بيان نفي وصفه بصفات قبيحة سيئة دون وصفه بصفات عليا فأين التمثيل؟

إلاّ أن يقال: إنّ التشبيه ينتزع من مجموع ما وصف به المشركون، حيث شبّهوه بإنسان له حاجة ماسّة إلى الزرع والاَنعام وله بنات ونسبة مع الجن إلى غير ذلك من أمثال السوء، فالآية بصدد ردّ هذا النوع من التمثيل، وفي الحقيقة سلب التمثيل، أو سوق الموَمن إلى وصفه سبحانه بالاَسماء الحسنى والصفات العليا.


1- مجمع البيان:3|367.

(176)

النحل

27

التمثيل السابع و العشرون

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالاََرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ *فَلا تَضْرِبُوا للهِ الاََمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَىْءٍ وَمن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَستَوون الحمدُ للهِ بَلْ أَكْثَرهُمْ لا يَعْلَمُون ). (1)

تفسير الآيات

ندّد سبحانه بعمل المشركين الذين يعبدون غير الله سبحانه، بأنّ معبوداتهم لا تملك لهم رزقاً ولا نفعاً ولا ضراً، فكيف يعبدونها مع أنّها أشبه بجماد لا يرجى منها الخير والشر، وإنّما العبادة للاِله الرازق المعطى المجيب للدعوة ؟

هذا هو المفهوم من الآية الاَُولى.

ثمّ إنّه سبحانه يمثّل لمعبود المشركين والمعبود الحق بالتمثيل التالي:

افرض مملوكاً لا يقدر على شيء ولا يملك شيئاً حتى نفسه، فهو بتمام معنى الكلمة مظهر الفقر والحاجة، ومالكاً يملك الرزق ويقدر على التصرف فيه، فيتصرف في ماله كيف شاء وينعم كيف شاء. فهل هذان متساويان؟ كلاّ.


1- النحل:73ـ 75.

(177)

وعلى ضوء ذلك تمثّل معبوداتهم الكاذبة مثل العبد الرق المملوك غير المالك لشىء، ومثله سبحانه كمثل المالك للنعمة الباذل لها المتصرف فيها كيف شاء.

وذلك لاَنّ صفة الوجود الاِمكاني ـ أي ما سوى الله ـ نفس الفقر والحاجة لا يملك شيئاً ولا يستطيع على شيء.

وأمّا الله سبحانه فهو المحمود بكلّ حمد والمنعم لكلّ شيء، فهو المالك للخلق والرزق والرحمة والمغفرة والاِحسان والاِنعام، فله كلّ ثناء جميل، فهو الربّ ودونه هو المربوب، فأيّهما يصلح للخضوع والعبادة؟

ويدل على ما ذكرنا انّه سبحانه حصر الحمد لنفسه، وقال: الحمد لله أي لا لغيره، فالحمد والثناء ليس إلاّ لله سبحانه، و مع ذلك نرى صحة حمد الآخرين بأفعالهم المحمودة الاختيارية، فنحمد المعطي بعطائه والمعلم لتعليمه والوالد لما يقوم به في تربية أولاده.

وكيفية الجمع انّ حمد هوَلاء تحميد مجازى، لاَنّ ما بذله المنعم أو المعلم أو الوالد لم يكن مالكاً له، وإنّما يملكه سبحانه فهو أقدرهم على هذه الاَعمال، فحمد هوَلاء يرجع إلى حمده وثنائه سبحانه، ولذلك صح أن نقول: إنّ الحمد منحصر بالله لا بغيره.ولذلك يقول سبحانه في تلك الآية: (وَالحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرهُمْ لا يَعْلَمُون ) أي الشكر لله على نعمه، يقول الطبرسي: وفيه إشارة إلى أنّ النعم كلّها منه. (1)


1- مجمع البيان:3|375.

(178)

النحل

28

التمثيل الثامن والعشرون

(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَىءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَينَمَا يُوَجّههُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقيم ). (1)

تفسير الآية

كان التمثيل السابق يبيّن موقف الآلهة الكاذبة بالنسبة إلى العبادة والخضوع وموقفه تبارك و تعالى حيالها، ولكن هذا التمثيل جاء لبيان موقف عبدة الاَصنام والمشركين وموقف الموَمنين والصادقين، فيشبّه الاَوّل بالعبد الاَبكم الذي لا يقدر على شيء، ويشبّه الآخر بإنسان حرّ يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم.

نفترض عبداً رِقاً له هذه الصفات :

أ: أبكم لا ينطق وبالطبع لا يسمع لما في الملازمة بين البكم وعدم السماع، بل الاَوّل نتيجة الثاني، فإذا عطل جهاز السمع يسري العطل إلى اللسان أيضاً، لاَنّه إذا فقد السمع فليس بمقدوره أن يتعلم اللغة.

ب: عاجز لا يقدر على شيء، ولو قلنا بإطلاق هذا القيد فهو أيضاً لا


1- النحل:76.

(179)

يبصر، إذ لو أبصر لا يصح في حقّه انّه لا يقدر على شيء.

ج: (كَلّ على مولاه ) : أي ثقل ووبال على وليّه الذي يتولّى أمره.

د: (أَينما يُوجّهه لا يَأْتِ بِخَير ) لعدم استطاعته أن يجلب الخير، فلا ينفع مولاه، فلو أرسل إلى أمر لا يرجع بخير.

فهذا الرق الفاقد لكلّ كمال لا يرجى نفعه ولا يرجع بخير.

وهناك إنسان حرٌّ له الوصفان التاليان :

أ: يأمر بالعدل.

ب: وهو على صراط مستقيم.

أمّا الاَوّل، فهو حاك عن كونه ذا لسان ناطق، وإرادة قوية، وشهامة عالية يريد إصلاح المجتمع، فمثل هذا يكون مجمعاً لصفات عليا، فليس هو أبكمَ ولا جباناً ولا ضعيفاً ولا غير مدرك لما يصلح الاَُمة والمجتمع. فلو كان يأمر بالعدل فهو لعلمه به فيكون معتدلاً في حياته وعبادته ومعاشرته التي هي رمز الحياة.

وأمّا الثاني: أي كونه على صراط مستقيم، أي يتمتع بسيرة صالحة ودين قويم.

فهذا المثل يبيّن موقف الموَمن والكافر من الهداية الاِلهية، وقد أشار سبحانه إلى مغزى هذا التمثيل في آية أُخرى، وقال: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلى الحَقِّ أحَقُّ أن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدِّي إلاّ أن يُهَدى فَما لكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون ). (1)

هذا التفسير مبني على أنّ التمثيل بصدد بيان موقف الكافر والموَمن غير انّ هناك احتمالاً آخر، وهو انّ التمثيل تأكيد للتمثيل السابق وهو تبيين موقف الآلهة الكاذبة و الاِله الحق.


1- يونس:35.

(180)

النحل

29

التمثيل التاسع والعشرون

(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الاََ يْمَانَ بَعْدَ تَوكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُون * وَلا تَكُونُوا كالّتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوةٍ أَنكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمّةٌ هِي أَرْبى مِنْ أُمّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيّننَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون ). (1)

تفسير الآيات

التوكيد: التشديد، يقال أوكدها عقدك، أي شدّك، وهي لغة أهل الحجاز و"الاَنكاث": الاَنقاض، وكلّ شيء نقض بعد الفتح، فقد انكاث حبلاً كان أو غزلاً.

و"الدخل"ما أُدخل في الشيء على فساد، وربما يطلق على الخديعة، وإنّمااستعمل لفظ الدخل في نقض العهد، لاَنّه داخل القلب على ترك البقاء، وقد نقل عن أبي عبيدة، انّه قال: كلّ أمر لم يكن صحيحاً فهو دخل، وكلّ ما دخله عيب فهو مدخول.

هذا ما يرجع إلى تفسير لغات الآية وجملها.


1- النحل:91 ـ 92.

(181)

وأمّا شأن نزولها فقد نقل عن الكلبي أنّها امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار، ثمّ تأمرهنَّ أن ينقضن ما غزلن ولا يزال ذلك دأبها، واسمها "ريطة" بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، وكانت تسمّى فرقاء مكة. (1)

إنّ لزوم العمل بالميثاق من الاَُمور الفطرية التي جُبل عليها الاِنسان، ولذلك نرى أنّ الوالد إذا وعد ولده شيئاً، ولم يف به فسوف يعترض عليه الولد، وهذا كاشف انّ لزوم العمل بالمواثيق والعهود أمر فطر عليه الاِنسان.

ولذلك صار العمل بالميثاق من المحاسن الاَخلاقية التي اتّفق عليها كافة العقلاء.

وقد تضافرت الآيات على لزوم العمل به خصوصاً إذا كان العهد لله ، قال سبحانه: (وَأَوفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَكانَ مَسْوَولاً ) (2)

وقال تعالى: (وَالّذِينَ هُمْ لاََماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُون ). (3)

وفي آية ثالثة: (وَأَوفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ). (4)

وفيما نحن فيه يأمر بشىء وينهى عن آخر.

أ: فيقول (أَوفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ) فيأمر بالوفاء بعهد الله ، أي العهود التي يقطعها الناس مع الله تعالى. ومثله العهد الذي يعهده مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) وأئمة المسلمين، فكلّ ذلك عهود إلهية وبيعة في طريق طاعة الله سبحانه.


1- الميزان:12|335.

2- الاِسراء:34.

3- الموَمنون:8.

4- البقرة:40.

(182)

ب: (وَلا تَنْقُضُوا الاََ يْمان بَعْد تَوكيدها ) فالاَيمان جمع يمين.

فيقع الكلام في الفرق بين الجملتين، والظاهر اختصاص الاَُولى بالعهود التي يبرمها مع الله تعالى، كما إذا قال: عاهدت الله لاَفعلنّه، أو عاهدت الله أن لا أفعله.

وأمّا الثانية فالظاهر انّ المراد هو ما يستعمله الاِنسان من يمين عند تعامله مع عباد الله .

وبملاحظة الجملتين يعلم أنّه سبحانه يوَكد على العمل بكلّ عهد يبرم تحت اسم الله ، سواء أكان لله سبحانه أو لخلقه.

ثمّ إنّه قيّد الاَيمان بقوله: بعد توكيدها، وذلك لاَنّ الاَيمان على قسمين: قسم يطلق عليه لقب اليمين،بلا عزم في القلب وتأكيد له، كقول الاِنسان حسب العادة والله وبالله .

والقسم الآخر هو اليمين الموَكد، وهو عبارة عن تغليظه بالعزم والعقد على اليمين، يقول سبحانه: (لاَ يُوََاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُوََاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الاََ يْمان ). (1)

ثمّ إنّه سبحانه يعلّل تحريم نقض العهد، بقوله: (وَقَد جَعَلتم الله علَيكم كفيلاً انّ الله يعلم ما تَفْعلون ) أي جعلتم الله كفيلاً بالوفاء فمن حلف بالله فكأنّه أكفل الله بالوفاء.

فالحالف إذا قال: والله لاَفعلنّ كذا، أو لاَتركنّ كذا، فقد علّق ما حلف عليه نوعاًمن التعليق على الله سبحانه، وجعله كفيلاً عنه في الوفاء لما عقد عليه


1- المائدة:89.

(183)

اليمين، فإن نكث ولم يفِ كان لكفيله أن يوَدبه، ففي نكث اليمين، إهانة وإزراء بساحة العزة.

ثمّ إنّه سبحانه يرسم عمل ناقض العهد بامرأة تنقض غزلها من بعد قوة أنكاثاً، قال: (وَلاتَكُونُوا كَالّتى نَقَضَت غزلها مِنْ بعْدل قُوّة أنكاثاً ) مشيراً إلى المرأة التي مضى ذكرها و بيان عملها حيث كانت تغزل ما عندها من الصوف والشعر، ثمّ تنقض ما غزلته، وقد عرفت في قوله بـ"الحمقاء" فكذلك حال من أبرم عهداً مع الله وباسمه ثمّ يقدم على نقضه، فعمله هذا كعملها بل أسوأ منها حيث يدل على سقوط شخصيته وانحطاط منزلته.

ثمّ إنّه سبحانه يبين ما هو الحافز لنقض اليمين، ويقول إنّ الناقض يتخذ اليمين واجهة لدخله وحيلته أوّلاً ، ويبغي من وراء نقض عهده ويمينه أن يكون أكثر نفعاً ممّا عهد له ولصالحه ثانياً، يقول سبحانه: (تَتَّخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أُمّة هي أربى من أُمّة ) فقوله "أربى" من الربا بمعنى الزيادة، فالناقض يتخذ أيمانه للدخل والغش، ينتفع عن طريق نقض العهد وعدم العمل بما تعهد، ولكن الناقض غافل عن ابتلائه سبحانه، كما يقول سبحانه: (إنّما يبلوكم الله به وليبيّننَّ لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ).

أي انّ ذلك امتحان إلهي يمتحنكم به، وأقسم ليبيّنن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون فتعلمون عند ذلك حقيقة ما أنتم عليه اليوم من التكالب على الدنيا وسلوك سبيل الباطل لاِماطة الحق، ودحضه ويتبين لكم يومئذ من هو الضال و من هوا لمهتدي. (1)


1- الميزان:12|336.

(184)

النحل

30

التمثيل الثلاثون

(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهِ فأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ والْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظالِمُون ).(1)

تفسير الآيات

"رغد" عيش رغد ورغيد: طيّب واسع، قال تعالى: (وكلا منها رغداً ).

يصف سبحانه قرية عامرة بصفات ثلاث:

أ: آمنة: أي ذات أمن يأمن فيها أهلها لا يغار عليهم، ولا يُشنُّ عليهم بقتل النفوس وسبي الذراري ونهب الاَموال، وكانت آمنة من الحوادث الطبيعية كالزلازل والسيول.

ب: مطمئنة: أي قارّة ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بخوف أو ضيق، فانّ ظاهرة الاغتراب إنّما هي نتيجة عدم الاستقرار، فترك الاَوطان وقطع الفيافي وركوب البحار وتحمّل المشاق رهن عدم الثقة بالعيش الرغيد فيه، فالاطمئنان رهن الاَمن.


1- النحل:112ـ113.

(185)

ج: (يأتيها رزقها رغداً من كلّ مكان )، الضمير في يأتيها يرجع إلى القرية، والمراد منها حاضرة ما حولها من القرى، والدليل على ذلك، قوله سبحانه حاكياً عن ولد يعقوب: (وَاسئلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ التِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنّا لَصادِقُون). (1) والمراد من القرية هي مصر الحاضرة الكبيرة يومذاك.

وعلى ذلك فتلك القرية الواردة في الآية بما انّها كانت حاضرة لما حولها من الاَصقاع فينقل ما يزرع ويحصد إليها بغية بيعه أو تصديره.

هذه الصفات الثلاث تعكس النعم المادية الوافرة التي حظيت بها تلك القرية.

ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى نعمة أُخرى حظيت بها وهي نعمة معنوية، أعنيبعث الرسول إليها، كماأشار إليه في الآية الثانية، بقوله: (وَلَقد جاءهُمْ رسول منهم).

وهوَلاء أمام هذه النعم الظاهرة والباطنة بدل أن يشكروا الله عليها كفروا بها.

أمّا النعمة المعنوية، أعني: الرسول فكذّبوه ـ كما هو صريح الآية الثانية ـ وأمّا النعمة المادية فالآية ساكتة عنها غير انّ الروايات تكشف لنا كيفية كفران تلك النعم.

روى العياشي، عن حفص بن سالم، عن الاِمام الصادق (عليه السلام ) ، أنّه قال: "إنّ قوماً في بني إسرائيل توَتى لهم من طعامهم حتى جعلوا منه تماثيل بمدن كانت في بلادهم يستنجون بها، فلم يزل الله بهم حتى اضطروا إلى التماثيل يبيعونها


1- يوسف:82.

(186)

ويأكلونها، وهو قول الله : (ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " ). (1)

وفي رواية أُخرى عن زيد الشحّام، عن الصادق (عليه السلام ) قال: كان أبي يكره أن يمسح يده في المنديل وفيه شيء من الطعام تعظيماً له إلاّ أن يمصّها، أو يكون إلى جانبه صبيّ فيمصّها، قال: فانّي أجد اليسير يقع من الخوان فأتفقده فيضحك الخادم، ثم قال: إنّ أهل قرية ممّن كان قبلكم كان الله قد وسع عليهم حتى طغوا، فقال بعضهم لبعض: لو عمدنا إلى شيء من هذا النقي فجعلناه نستنجي به كان ألين علينا من الحجارة.

قال (عليه السلام ) : فلمّا فعلوا ذلك بعث الله على أرضهم دواباً أصغر من الجراد، فلم تدع لهم شيئاً خلقه الله إلاّ أكلته من شجر أو غيره، فبلغ بهم الجهد إلى أن أقبلوا على الذي كانوا يستنجون به، فأكلوه وهي القرية التي قال الله تعالى: (ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ). (2)

وبذلك يعلم أنّ ما يقوم به الجيل الحاضر من رمي كثير من فتات الطعام في سلة المهملات أمر محظور وكفران بنعمة الله . حتى أنّ كثيراً من الدول وصلت بها حالة البطر بمكان انّها ترمي ما زاد من محاصيلها الزراعية في البحار حفظاً لقيمتها السوقية، فكلّ ذلك كفران لنعم الله .

ثمّ إنّه سبحانه جزاهم في مقابل كفرهم بالنعم المادية والروحية، وأشار


1- تفسير نور الثقلين:3|91، حديث 247.

2- تفسير نور الثقلين: 3|92، حديث 248.

(187)

إليها بآيتين:

الاَُولى: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ).

الثانية: (فَأخذهم العذاب وهم ظالمون ).

فلنرجع إلى الآية الاَُولى، فقد جزاهم بالجوع والخوف نتيجة بطرهم.

وهناك سوَال مطروح منذ القدم وهو أنّه سبحانه جمع في الآية الاَُولى بين الذوق واللباس، فقال: (فَأَذاقَهَا الله لِباسَ الجُوعِ ) مع أنّ مقتضى استعمال الذوق هو لفظ طعم، بأن يقول: "فأذاقها الله طعم الجوع".

ومقتضى اللفظ الثاني أعني: اللباس، أن يقول: "فكساهم الله لباس الجوع" فلماذا عدل عـن تلك الجملتين إلى جملة ثالثــة لا صلـة لها ـ حسب الظاهر ـ بين اللفظين؟

والجواب: انّ للاِتيان بكلّ من اللفظين وجهاً واضحاً.

أمّا استخدام اللباس فلبيان شمول الجوع والخوف لكافة جوانب حياتهم، فكأنّ الجوع والخوف أحاط بهم من كلّ الاَطراف كإحاطة اللباس بالملبوس، ولذلك قال: (لباس الجوع والخوف ) ولم يقل "الجوع والخوف" لفوت ذلك المعنى عند التجريد عن لفظ اللباس.

وأمّا استخدام الذوق فلبيان شدة الجوع، لاَنّ الاِنسان يذوق الطعام ،وأمّا ذوق الجوع فانّما يطلق إذا بلغ به الجوع والعطش و الخوف مبلغاً يشعر به من صميم ذاته، فقال: (فَأَذاقَهُمُ الله لِباس الجوع والخَوف ).

هذا ما يرجع إلى تفسير الآية، و أمّا ما هو المرادمن تلك القرية بأوصافها الثلاثة، فقد عرفت من الروايات خصوصياتها.


(188)

نعم ربما يقال بأنّ المراد أهل مكة، لاَنّهم كانوا في أمن وطمأنينة ورفاه، ثمّ أنعم الله عليهم بنعمة عظيمة وهي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) فكفروا به وبالغوا في إيذائه، فلا جرم أن سلط عليهم البلاء.

قال المفسرون: عذّبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام.

وأمّا الخوف، فهو انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.

ويوَيد ذلك الاحتمال ما جاء من وصف أرض مكة في قوله: (أَوَ لَمْ نُمَكّن لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلّ شَىْءٍ ). (1)

ومع ذلك كلّه فتطبيق الآية على أهل مكة لا يخلو من بُعد.

أمّا أوّلاً: فلاَنَّ الآية استخدمت الاَفعال الماضية مما يشير إلى وقوعها في الاَزمنة الغابرة.

وثانياً: لم يثبت ابتلاء أهل مكة بالقحط والجوع على النحو الوارد في الآية الكريمة، وان كان يذكره بعض المفسرين.

وثالثاً: انّ الآية بصدد تحذير المشركين من أهل مكة من مغبّة تماديهم في كفرهم،والسورة مكية إلاّ آيات قليلة، ونزولها فيها يقتضي أن يكون للمثل واقعية خارجية وراء تلك الظروف، لتكون أحوال تلك الاَُمم عبرة للمشركين من أهل مكة و ما والاها.


1- القصص:57.

(189)

الاِسراء

31

التمثيل الواحد والثلاثون


(وَلا تَجْعَل يَدَكَ مَغْلُولَة إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْط فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً *إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ). (1)

تفسير الآيات

"الغلُّ" :ما يقيَّد به، فيجعل الاَعضاء وسطه، وجمعه أغلال، ومعنى قوله: (مغلولة إلى عنقك ) أي مقيَّدة به.

"الحسرة": الغم على ما فاته والندم عليه، وعلى ذلك يكون محسوراً، عطف تفسير لقوله "ملوماً" ، ولكن الحسرة في اللغة كشف الملبس عما عليه، وعلى هذا يكون بمعنى العريان.

أمّا الآية فهي تتضمن تمثيلاً لمنع الشحيح وإعطاء المسرف، والاَمر بالاقتصاد الذي هو بين الاِسراف والتقتير، فشبّه منع الشحيح بمن تكون يده مغلولة إلى عنقه لا يقدر على الاِعطاء والبذل، فيكون تشبيه لغاية المبالغة في النهي عن الشح والاِمساك، كما شبّه إعطاء المسرف بجميع ما عنده بمن بسط يده حتى لا يستقر فيها شيء، وهذا كناية عن الاِسراف، فيبقى الثالث وهو


1- الاِسراء:29ـ30.

(190)

المفهوم من الآية وإن لم يكن منطوقاً، وهو الاقتصاد في البذل والعطاء، فقد تضمّنته آية أُخرى في سورة الفرقان، وهي: (وَالّذينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُروا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ). (1)

وقد ورد في سبب نزول الآية ما يوضح مفادها.

روى الطبرى أنّ امرأة بعثت ابنها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) وقالت: قل له: إنّ أُمّي تستكسيك درعاً، فإن قال: حتى يأتينا شيء.، فقل له: انّها تستكسيك قميصك.

فأتاه، فقال ما قالت له، فنزع قميصه فدفعه إليه، فنزلت الآية.

ويقال انّه (عليه السلام ) بقي في البيت إذ لم يجد شيئاً يلبسه ولم يمكنه الخروج إلى الصلاة فلامه الكفّار، وقالوا:إنّ محمداً اشتغل بالنوم و اللهو عن الصلاة (إِنَّ ربّك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) أي يوسع مرة ويضيق مرة، بحسب المصلحة مع سعة خزائنه. (2)

روى الكليني عن عبدالملك بن عمرو الاَحول، قال: تلا أبو عبد الله هذه الآية: (وَالّذينَ إِذا أَنْفَقُوا لَم يسرفُوا وَلم يقتروا وَكان بين ذلكَ قواماً ).

قال: فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الاِقتار الذي ذكره الله في كتابه، ثمّ قبض قبضة أُخرى، فأرخى كفه كلها، ثمّ قال: هذا الاِسراف، ثمّ قبض قبضة أُخرى فأرخى بعضها، وقال: هذا القوام. (3)


1- الفرقان:67.

2- مجمع البيان: 3|412.

3- البرهان في تفسير القرآن: 3|173.

(191)

هذا ما يرجع إلى تفسير الآية، وهذا الدستور الاِلهي تمخض عن سنّة إلهية في عالم الكون، فقد جرت سنته سبحانه على وجود التقارن بين أجزاء العالم و انّ كلّ شيء يبذل ما يزيد على حاجته إلى من ينتفع به، فالشمس ترسل 450 ألف مليون طن من جرمها بصورة أشعة حرارية إلى أطراف المنظومة الشمسية وتنال الاَرض منها سهماً محدوداً فتتبدل حرارة تلك الاَشعة إلى مواد غذائية كامنة في النبات والحيوان وغيرهما، حتى أنّ الاَشجار والاَزهار ما كان لها أن تظهر إلى الوجود لولا تلك الاَشعة.

إنّ النحل يمتصّ رحيق الاَزهار فيستفيد منه بقدر حاجته ويبدل الباقي عسلاً، كل ذلك يدل على أنّ التعاون بل بذل ما زاد عن الحاجة، سنة إلهية وعليها قامت الحياة الاِنسانية.

ولكن الاِسلام حدّد الاِنفاق ونبذ الاِفراط والتفريط، فمنع عن الشح، كما منع عن الاِسراف في البذل.

وكأنّ هذه السنّة تجلت في غير واحد من شوَون حياة الاِنسان، ينقل سبحانه عن لقمان الحكيم انّه نصح ابنه بقوله: (وَ اقْصُدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الاََصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِير ). (1)

بل يتجلّى الاقتصاد في مجال العاطفة الاِنسانية، فمن جانب يصرح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنّ عنوان صحيفة الموَمن حبّ على بن أبى طالب (عليه السلام). (2)

ومن جانب آخر يقول الاِمام على (عليه السلام ) : "هلك فىَّ اثنان :محب غال، ومبغض قال". (3)


1- لقمان: 19.

2- حلية الاَولياء:1|86.

3- بحار الاَنوار: 34|307.

(192)

فالاِمعان في مجموع ما ورد في الآيات والروايات يدل بوضوح على أنّ الاقتصاد في الحياة هو الاَصل الاَساس في الاِسلام، ولعله بذلك سميت الاَُمة الاِسلامية بالاَُمة الوسط، قال سبحانه: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ). (1)

وهناك كلمة قيمة للاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام ) حول الاعتدال نأتي بنصها:

دخل الاِمام على العلاء بن زياد الحارثى و هو من أصحابه يعوده، فلمّا رأي سعة داره، قال:

"ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج؟

بلى إن شئت بلغت بها الآخرة، تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرَّحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة".

فقال له العلاء: يا أمير الموَمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد. قال: "وماله؟" قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا. قال: "عليّ به". فلمّا جاء قال:

"يا عديّ نفسك: لقد استهام بك الخبيث! أما رحمت أهلك وولدك! أترى الله أحلّ لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها؟! أنت أهون على الله من ذلك".

قال: يا أمير الموَمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك!

قال: "ويحك، إنّي لست كأنت، إنّ الله تعالى فرض على أئمّة العدل (الحق) أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره!" (2)


1- البقرة:143.

2- نهج البلاغة، الخطبة 209.

(193)

الكهف

32

التمثيل الثاني والثلاثون

(وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لاََحَدِهِما جَنَّتين مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً * وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبيدَ هذِهِ أَبَداً * وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبّي لاََجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً * قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً * لكِنّا هُوَ اللهُ رَبّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبّي أَحَداً * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلداً * فَعَسى رَبّي أَنْ يُوَْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ ماوَُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطيعَ لَهُ طَلَباً * وَأُحيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّي أَحَداً * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَ ما كانَ مُنْتَصِراً). (1)

تفسير الآيات

"الحفُّ" من حفَّ القوم بالشيء إذا أطافوا به، وحفاف الشيء جانباه


1- الكهف:32ـ43.

(194)

كأنّهما أطافا به، فقوله في الآية (فَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ ) أي جعلنا النخل مطيفاً بهما، وقوله: (ما أظن أن تبيد ) فهو من باد الشيء، يبيد بياداً إذا تفرق وتوزع في البيداء أي المفازة.

"حسباناً": أصل الحسبان السهام التي ترمى، الحسبان ما يحاسب عليه، فيجازى بحسبه فيكون النار والريح من مصاديقه، وفي الحديث انّه قال (صلى الله عليه وآله وسلم) في الريح : "اللهم لا تجعلها عذاباً ولا حسباناً".

"الصعيد" يقال لوجه الاَرض "زلق" أي دحضاً لا نبات فيه ويرادفه الصلد، كما في قوله سبحانه: (فتركه صلداً ) (1)

هذا ما يرجع إلى مفردات الآية.

وأمّا تفسيرها، فهو تمثيل للموَمن و الكافر بالله و المنكر للحياة الاَُخروية، فالاَوّل منهما يعتمد على رحمته الواسعة، والثاني يركن إلى الدنيا و يطمئن بها، ويتبين ذلك بالتمثيل التالى:

قد افتخر بعض الكافرين بأموالهم و أنصارهم على فقراء المسلمين، فضرب الله سبحانه ذلك المثل يبين فيها بأنّه لا اعتبار بالغنى الموَقت وانّه سوف يذهب سدى، أمّا الذي يجب المفاخرة به هو تسليم الاِنسان لربه وإطاعته لمولاه.

وحقيقة ذلك التمثيل انّ رجلين أخوين مات أبوهما وترك مالاً وافراً فأخذ أحدهما حقه منه و هوالموَمن منهما فتقرب إلى الله بالاِحسان والصدقة، وأخذ الآخر حقه فتملك به ضياعاً بين الجنتين فافتخر الاَخ الغني على الفقير، وقال: (أنا أكثر منك مالاً وأعزّ نفراً )، وما هذا إلاّ لاَنّه كان يملك جنتين من


1- البقرة: 264.

(195)

أعناب ونخل مطيفاً بهما و بين الجنتين زرع وافر، وقد تعلّقت مشيئته بأن تأتي الجنتان أُكلها ولم تنقص شيئاً وقد تخللها نهر غزير الماء و راح صاحب الجنتين المثمرتين يفتخر على صاحبه بكثرة المال والخدمة.

وكان كلما يدخل جنته يقول: ما أظن أن تفنى هذه الجنة و هذه الثمار ـ أي تبقى أبداًـ وأخذ يكذب بالساعة، ويقول: ما أحسب القيامة آتية، ولو افترض صحة ما يقوله الموحِّدون من وجود القيامة، فلئن بعثت يومذاك، لآتاني ربي خيراً من هذه الجنة، بشهادة أعطائي الجنة في هذه الدنيا دونكم، و هذا دليل على كرامتي عليه.

هذا ما كان يتفوّه به وهو يمشي في جنته مختالاً، و عند ذاك يواجهه أخوه بالحكمة والموعظة الحسنة.

و يقول: كيف كفرت بالله سبحانه مع أنّك كنت تراباً فصرت نطفة، ثمّ رجلاً سوياً، فمن نقلك من حال إلى حال وجعلك سوياً معتدل الخلقة؟

وبما انّه ليس في عبارته إنكار للصانع صراحة، بل إنكار للمعاد، فكأنّه يلازم إنكار الربّ.

فإن افتخرت أنت بالمال، فأنا أفتخر بأنّي عبد من عباد الله لا أُشرك به أحداً.

ثمّ ذكّره بسوء العاقبة، وانّك لماذا لم تقل حين دخولك البستان ما شاء الله ، فانّ الجنتين نعمة من نعم الله سبحانه، فلو بذلت جهداً في عمارتها فإنّما هو بقدرة الله تبارك و تعالى.

ثمّ أشار إلى نفسه، وقال: أنا وإن كنت أقل منك مالاً وولداً ، ولكن أرجو أن


(196)

يجزيني ربي في الآخرة خيراً من جنتك، كما أترقب أن يرسل عذاباً من السماء على جنتك فتصبح أرضاً صلبة لا ينبت فيها شيء، أو يجعل ماءها غائراً ذاهباً في باطن الاَرض على وجه لا تستطيع أن تستحصله.

قالها أخوه و هو يندّد به ويحذّره من مغبّة تماديه في كفره وغيّه ويتكهن له بمستقبل مظلم.

فعندما جاء العذاب وأحاط بثمره، ففي ذلك الوقت استيقظ الاَخ الكافر من رقدته، فأخذ يقلّب كفّيه تأسّفاً وتحسّراً على ما أنفق من الاَموال في عمارة جنتيه، وأخذ يندم على شركه، ويقول: يا ليتني لم أكن مشركاً بربى، ولكن لم ينفعه ندمه ولم يكن هناك من يدفع عنه عذاب الله ولم يكن منتصراً من جانب ناصر.

هذه حصيلة التمثيل، وقد بيّنه سبحانه على وجه الاِيجاز، بقوله: (المالُ والبنونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنيا وَالباقيِاتُ الصّالِحاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً).(1)

وقد روى المفسرون انّه سبحانه أشار إلى هذا التمثيل في سورة الصافات في آيات أُخرى، وقال: (قالَ قائلٌ مِنْهُمْ إِنّي كانَ لِي قَرينٌ *يَقول أءِنّكَ لَمِنَ المُصَدّقينَ *أإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أإِنّا لَمَدِينُونَ * قالَ هَل أَنْتُمْ مُطَّلِعُون * فَاطَّلَعَ فرآهُ فِي سَواءِ الجَحِيم ). (2)

إلى هنا تبيّـن مفهوم المثل، و أمّا تفسير مفردات الآية وجملها، فالاِمعان فيما ذكرنا يغني الباحث عن تفسير الآية ثانياً، ومع ذلك نفسرها على وجه الاِيجاز.


1- الكهف:46.

2- الصافات: 51ـ55.

(197)

(واضرب لهم ) أي للكفار مع الموَمنين (مثلاً رجلين جعلنا لاَحدهما) ) أي للكافر (جنتين ) أي بستانين (من أعناب وحففناهما ) أحدقناهما بنخل (وجعلنا بينهما زرعاً ) يقتات به (كلتا الجنتين آتت أكلها ) ثمرها (لم تظلم) تنقص (منه شيئاً وفجّرنا خلالهما نهراً ) يجري بينهما (و كان له ) مع الجنتين (ثمر فقال لصاحبه ) الموَمن (وهو يحاوره ) يفاخره (أنا أكثر منك مالاً وأعزّ نفراً ) عشيرة (ودخل جنته ) بصاحبه يطوف به فيها ويريه ثمارها. (وهو ظالم لنفسه ) بالكفر (قال ما أظن أن تبيد ) تنعدم (هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربّي ) في الآخرة على زعمك (لاَجدنّ خيراً منها منقلباً ) مرجعاً (قال له صاحبه و هو يحاوره ) يجادله (أكفرت بالذى خلقك من تراب) لاَنّ آدم خلق منه (ثم من نطفة ثمّ سوّاك ) عدلك وصيّرك (رجلاً ). أمّا أنا فأقول (لكنّا هو الله ربي ولا أُشرك بربي أحداً ولولا إذ دخلت جنتك قلت) عند اعجابك بها (ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله ). (إن ترن أنا أقل منك مالاً و ولداً فعسى ربي أن يوَتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً ) و صواعق (من السماء فتصبح صعيداً زلقاً) أي أرضا ً ملساء لا يثبت عليهاقدم (أو يصبح ماوَها غوراً ) بمعنى غائراً (فلن تستطيع له طلباً ) حيلة تدركه بها (وأُحيط بثمره) مع ما جنته بالهلاك فهلكت (فأصبح يقلب كفيه ) ندماً وتحسراً (على ما أنفق فيها ) في عمارة جنته (وهي خاوية ) ساقطة (على عروشها ) دعائمها للكرم بأن سقطت ثمّ سقط الكرم (ويقول يا ليتني ) كأنّه تذكّر موعظة أخيه (لم أُشرك بربي أحداً و لم تكن له فئة ) جماعة (ينصرونه من دون الله ) عند هلاكها و ( ما كان منتصراً ) عند هلاكها بنفسه (هنالك ) أي يوم القيامة (الولاية) الملك (لله الحقّ ). (1)


1- السيوطى: تفسير الجلالين: تفسير سورة الكهف.

(198)

الكهف

33

التمثيل الثالث والثلاثون

(وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاََرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلّ شَيءٍ مُقتدراً ). (1)

تفسير الآيات

"الهشيم": ما يكسر و يحطم في يبس النبات، و"الذر" و التذرية: تطيير الريح الاَشياء الخفيفة في كلّ جهة.

تحدّث التمثيل السابق عن عدم دوام نعم الدنيا التي ربما يعتمد عليها الكافر، ولاَجل التأكيد على تلك الغاية المنشودة أتى القرآن بتمثيل آخر يجسم فيها حال الحياة الدنيوية وعدم ثباتها بتمثيل رائع يتضمن نزول قطرات من السماء على الاَراضي الخصبة المستعدة لنمو البذور الكامنة فيها، فعندئذٍ تبتدىَ الحركة فيها بشقها التراب وإنباتها وانتفاعها من الشمس إلى أن تعود البذور باقات من الاَزهار الرائعة، فربما يتخيل الاِنسان بقاءها ودوامها، فإذا بالاَعاصير والعواصف المدمِّرة تهب عليها فتصيرها أعشاباً يابسة، وتبيدها عن بكرة أبيها وكأنّها لم تكن موجودة قط. فتنثر الرياح رمادها إلى الاَطراف، فهذا النوع من


1- الكهف:45.

(199)

الحياة والموت يتكرر على طول السنة ويشاهده الاِنسان بأُمّ عينه، دون أن يعتبر بها، فهذا ما صيغ لاَجله التمثيل.

يقول سبحانه: (وَاضربْ لَهُم مثل الحياة الدُّنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الاَرض ) على وجه يلتف بعضه ببعض، يروق الاِنسان منظره، فلم يزل على تلك الحال إلى أن ينتقل إلى حالة لا نجد فيها غضاضة، وهذا ما يعبر عنه القرآن، بقوله : (فأصبح هشيماً ) أي كثيراً مفتتاً تذوره الرياح فتنقله من موضعه إلى موضع، فانقلاب الدنيا كانقلاب هذا النبات (و كان الله على كلّ شيء مقتدراً ).

ثمّ إنّه سبحانه يشبّه المال والبنين بالورود والاَزهار التي تظهر على النباتات ووجه الشبه هو طروء الزوال بسرعة عليها، فهكذا الاَموال والبنون.

وإنّما هي زينة للحياة الدنيا، فإذا كان الاَصل موَقتاً زائلاً، فما ظنّك بزينته، فلم يكتب الخلود لشيء مما يرجع إلى الدنيا، فالاعتماد على الاَمر الزائل ليس أمراً صحيحاً عقلائياً، قال سبحانه: (المال وَالبَنُون زينَة الحَياة الدُّنيا ).

نعم ، الخلود للاَعمال الصالحة بمالها من نتائج باهرة في الحياة الاَُخروية، قال سبحانه: (وَالباقياتُ الصّالِحاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبّك ثَواباً وخَيرٌ مَردّا ). (1)

ثمّ إنّه سبحانه يوَكد على زوال الدنيا وعدم دوامها من خلال ضرب أمثلة، فقد جاء روح هذا التمثيل في سورة يونس الماضية. (2)


1- مريم:76.

2- انظر التمثيل الرابع عشر وسورة يونس 25، كما يأتي مضمونها عند ذكر التمثيل الوارد في سورة الحديد، الآية 20.

(200)

ايقاظ

ثمّ إنّه ربما يُعدُّ من أمثال القرآن قوله : (وَلَقَد صرفنا في هذا القرآن للناسِ من كلّ مثل وكانَ الاِنسان أكثر شيء جدلاً ). (1)

والحق انّه ليس تمثيلاً مستقلاً وإنّما يوَكد على ذكر نماذج من الاَمثال خصوصاً فيما يرجع إلى حياة الماضين التي فيها العبر.

ومعنى قوله: (ولقد صرّفنا ) أي بيّنا في هذا القرآن للناس من كلّ مثل وإنّما عبر عن التبيين بالتصريف لاَجل الاِشارة إلى تنوّعها ليتفكر فيها الاِنسان من جهات مختلفة و مع ذلك (وَكانَ الاِنسانُ أكثرَ شىءٍ جَدلاً ) أي أكثر شىء منازعة ومشاجرة من دون أن تكون الغاية الاهتداء إلى الحقيقة.


1- الكهف:54.

(201)

الحج

34

التمثيل الرابع و الثلاثون

(يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثلٌ فَاستَمِعُوا لَهُ إِنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلوِ اجْتَمعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيئاً لا يَسْتَنْقِذُوه مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالمَطْلُوبُ * ما قَدَرُوا اللهَ حقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيّ عَزِيز ). (1)

تفسير الآيات

كان العرب في العصر الجاهلي موحدين في الخالقية، ويعربون عن عقيدتهم، بأنّه لا خالق في الكون سوى الله سبحانه، و قد حكاه سبحانه عنهم في غير واحد من الآيات، قال سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالاََرضَ لَيقُولُنَّ خَلقهُنَّ العَزِيزُ العَلِيم ). (2)

ولكنّهم كانوا مشركين في التوحيد في الربوبية، وكأنّه سبحانه ـ بزعمهم ـ خلق السماوات والاَرض وفوّض تدبيرهما إلى الآلهة المزعومة، ويكشف عن ذلك إطلاق المشركين لفظ الاَرباب في جميع العهود على آلهتهم المزعومة، يقول سبحانه: (أَأَرْبابٌ مُتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الواحِدُ القَهّار ) (3) والآية وإن كانت


1- الحج:73ـ74.

2- الزخرف:9.

3- يوسف:39.

(202)

تفصح عن عقيدة المشركين في عهد يوسف إلاّ أنّها تماثل إلى حد كبير عقيدة المشركين في مكة، بشهادة انّ الآية نزلت للتنديد بهم والحطِّ من عقيدتهم الفاسدة.

وهناك آيات أُخرى تكشف عن شركهم في الربوبية :

يقول سبحانه: (وَ اتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلهةً لَعلَّهُمْ يُنْصَرُون ) (1) فقد كانوا يعبدون آلهتهم في سبيل نصرتهم في ساحات الوغى، قال سبحانه: (وَ اتّخذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلهةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ). (2)

فكان الهدف من الخضوع لدى الآلهة هو طلب العزّ منهم في مختلف المجالات، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أنّ مشركي عصر الرسول لم يكونوا موحدين في الربوبية، وإن كانوا كذلك في مجال الخالقية.

وهناك آيات كثيرة تصف الاَصنام والاَوثان بأنّها لا تملك كشف الضرّ، كما لا تملك النفع والضرّ، ولا النصر في الحرب، ولا العزة في الحياة ،كل ذلك يدل على أنّ المشركين كانوا يعتقدون أنّ في آلهتهم قوة وسلطاناً يكشف عنهم الضرّ ويجلب إليهم النفع، وهذه عبارة أُخرى عن تدبيرهم للحياة الاِنسانية، يقول سبحانه: (قُلِ ادْعُوا الّذينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّر عَنْكُمْ وَلا تحْوِيلاً ). (3) وقال تعالى: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرّك).(4)

وقال تعالى: (إِن تَدَعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ) (5) إلى غير ذلك من الآيات التي تبطل تدبير الآلهة المزيفة.


1- يَس:74.

2- مريم:81.

3- الاِسراء:56.

4- يونس:106.

5- فاطر:14.

(203)

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه سبحانه ضرب في المقام أمثالاً أبطل بها ربوبية الاَصنام، بالبيان التالى:

أمّا الذباب، فهو عندهم أضعف الحيوانات وأوهنها، ومع ذلك فآلهتهم عاجزون عن خلق الذباب، وإن سلب الذباب منهم شيئاً لا يستطيعون استنقاذه منه.

فقد روي أنّ العرب كانوا يطلون الاَصنام بالزعفران و روَوسها بالعسل ويغلقون عليها الاَبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله، يقول سبحانه : (يا أَيُّها الناس ضربَ مثل فاستمعوا له انَّ الذينَ تَدعُون مِنْ دُونِ الله ) أي يعبدونه والدعاء هنا بمعنى العبادة، كما في قوله سبحانه: (وَقالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِين ) (1) فدعاوَه سبحانه عين عبادته كما أنّ دعاء الآلهة المزيّفة ـ بما انّها أرباب عند الداعي ـ عبادة لها.

(لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ) مع صغره وضعفه (وان يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه ) كما عرفت من أنّ الذباب ربما يأكل العسل الموجود على روَوس الاَصنام.

(ضعف الطالب والمطلوب ) وفيها احتمالات:

الاَوّل: انّ المراد من الطالب و المطلوب هو العابد و المعبود، فالاِنسان ضعيف كما هو واضح، وقال سبحانه: (وَخلق الاِنْسان ضعيفاً ) والمطلوب، أعني: الاَصنام مثله لاَنّه جماد لا يقدر على شيء.


1- غافر:60.

(204)

الثاني: ويحتمل أن يكون المراد من الطالب هو الذباب الذي يطلب ما طليت به الاَصنام، والمطلوب هي الاَصنام التي تريد استنقاذ ما سلب منها.

الثالث: المراد من الطالب الآلهة فانّـهـم يطلبون خلق الذباب فلا يقدرون على استنقاذ ما سلبهم، والمطلوب الذباب حيث يطلب للاستنقاذ منه، والغاية من التمثيل بيان ضعف الآلهة لتنزيلها منزلة أضعف الحيوانات في الشعور والقدرة.

ثمّ إنّه سبحانه يعود ليبين منشأ إعراضهم عن عبادة الله وانكبابهم على عبادة الآلهة، بقوله: (ما قَدَرُوا الله حقّ قدره انّ اللهَ لقوىّ عَزيز ) أي ما نزلوه المنزلة التي يستحقها ولم يعاملوه بما يليق به، فلذلك أعرضوا عن عبادة الخالق وانصرفوا إلى عبادة المخلوق الذي لا ينفع ولا يضر، فلو كان هوَلاء عارفين بالله وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، لاعترفوا بأنّه لا خالق ولا رب سواه، وعلى ضوء ذلك لا معبود سواه، ولكن لم يقدروا الله بما يليق به، فلذلك شاركوه أضعف المخلوقات وأذلّهم، مع أنّه سبحانه (هو القويُّ العَزيز ) بخلاف الآلهة فانّهم الضعفاء والاَذلاّء.


(205)

النور

35

التمثيل الخامس والثلاثون

(اللهُ نُورُ السَّمواتِ وَالاََرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكوة فِيها مِصْباحٌ المِصْباحٌ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوكَبٌ دُرِيّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرة مُبارَكةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الاََمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيم ). (1)

تفسير الآية

المشكاة: كوّة غير نافذة، وتُتخذ في جدار البيت لوضع بعض الاَثاث ومنها المصباح وغيره، وربما تكون الكوّة مشرفة على ساحة الدار وتجعل بينها زجاجة، لتحفظ المصباح من الرياح، ولتضيء الساحة والغرفة معاً.

ومنه حافظة المصباح، وهي ما تصنع على شكل مخروطي توضع على المصباح لتحفظه من الرياح، وفي أعلاها ثقب يخرج منه الدخان.

"المصباح" : السراج، وهو آلة يتألف من أُمور أربعة:

أ: وعاء للزيت، ب: فتيل يشتعل بالزيت، ج: زجاجة منصوبة عليه، د: آلة التحكم بالفتيل.


1- النور:35.

(206)

ثمّ إنّ أفخر أنواع الزيوت هو المأخوذ من شجرة الزيتون المغروسة في مكان تشرق عليه الشمس من كل الجوانب حيث تكون في غاية الصفاء وسريعة الاشتعال، بخلاف المغروسة في جانب الشرق أو جانب الغرب، فانّها لا تتعرض للشمس إلاّ في أوقات معينة .

قال العلاّمة الطباطبائي:

والمراد بكون الشجرة لا شرقية ولا غربية، انّها ليست نابتة في الجانب الشرقي، ولا في الجانب الغربي حتى تقع الشمس عليها في أحد طرفي النهار، ويضيء الظل عليها في الطرف الآخر، فلا تنضج ثمرتها، فلا يصفو الدهن المأخوذ منها، فلا تجود الاِضاءة. (1)

إلى هنا تمَّ ما يرجع إلى مفردات الآية، فعلى ذلك فالمشبه به عبارة عن مشكاة فيها مصباح و عليها زجاجة، يوقد المصباح من زيت شجرة الزيتون المغروسة المتعرضة للشمس طول النهار على وجه يكاد زيتها يضىء و لو لم تمسسه نار، لاَنّ الزيت إذا كان خالصاً صافياً يرى من بعيد كأنّ له شعاعاً فإذا مسّتْهُ النار ازداد ضوءاً على ضوء.

فالمشبه به هو النور المشرق من زجاجة مصباح، موقد من زيت جيد صافٍ موضوع على مشكاة، فانّ نور المصباح تجمعه المشكاة وتعكسه فيزداد إشراقاً.

وأمّا قوله في آخر الآية: (نور على نور ) بمعنى تضاعف النور وأنّ نور الزجاجة مستمد من نور المصباح في إنارتها.

قال العلاّمة الطباطبائي:


1- الميزان: 15|124.

(207)

فأخذ المشكاة، لاَجل الدلالة على اجتماع النور في بطن المشكاة وانعكاسه إلى جوِّ البيت.

واعتبار كون الدهن من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية للدلالة على صفاء الدهن و جودته الموَثر في صفاء النور المشرق عن اشتعاله.

وجودة الضياءعلى ما يدل عليه كون زيته يكاد يضىء ولو لم تمسسه نار.

واعتبار كون النور على النور للدلالة على تضاعف النور أو كون نور الزجاجة مستمد من نور المصباح. (1)

هذا هو حال المشبه به، و إنّّما الكلام في المشبه أو الممثل له، فقد طبقت كلّ طائفة ذلك الممثل على ما ترومه، وإليك الاَقوال:

القول الاَوّل: المشبه به هداية الله ، إذ قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات وصارت بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية وفي الزجاجة مصباح يتّقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.

وأمّا عدم تشبيهها بضوء الشمس مع أنّه أبلغ، فلاَجل انّ المراد وصف الضوء الكامل وسط الظلمة، لاَنّ الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنّما هي الشبهات التي هي كالظلمات، وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات.

القول الثاني: المراد من النور: القرآن، و يدل عليه قوله تعالى: (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبين ). (2)


1- لميزان: 15|125.

2- المائدة:15.

(208)

القول الثالث: المراد هو الرسول، لاَنّه المرشد، ولاَنّه تعالى قال في وصفه: (وسِراجاً مُنِيراً ). (1) ولعلّ مرجع القولين الاَخيرين هو الاَوّل، لاَنّ القرآن والرسول من شعب هداية الله سبحانه.

القول الرابع: إنّ المراد ما في قلب الموَمنين من معرفة الشرائع، ويدل عليه انّه تعالى وصف الاِيمان بأنّه نور والكفر بأنّه ظلمة، فقال: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للاِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبّهِ ). (2)

وقال تعالى: (لِتُخْرِجَ الناسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّور ) (3). وحاصله انّ إيمان الموَمن قد بلغ في الصفاء عن الشبهات و الامتياز عن ظلمات الضلالات مبلغ السراج المذكور.

وعلى هذا فالتمثيل مفرداً وهو تشبيه الهداية وما يقرب منها بنور السراج، ولا يجب أن يكون في مقابل كل ما للمشبه به من الاَُمور موجود في المشبه بخلاف الوجه التالى.

القول الخامس: إنّ المراد هو القوى المدركة ومراتبها الخمس، وهي: القوة الحسّاسة، القوة الخيالية، القوة العقلية، القوة الفكرية، القوة القدسية.

وإليها أشارت الآية الكريمة: (وَكَذلِكَ أَوحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنتَ تَدري ما الكِتابُ وَلا الاِِيمانُ ولكِن جعلناهُ نُوراً نهدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادنا).(4)

فإذا عرفت هذه القوى فهي بجملتها أنوار ، إذ بها تظهر أصناف


1- الاَحزاب:46.

2- الزمر:22.

3- إبراهيم:1.

4- الشورى: 52.

(209)

الموجودات، و هذه المراتب الخمس يمكن تشبيهها بالاَُمور الخمسة التي ذكرها الله تعالى، و هي: المشكاة، والزجاجة، والمصباح، والشجرة، والزيت.

وعلى هذا فالتمثيل مركباً نظير القول الآتى:

القول السادس: إنّ النفس الاِنسانية قابلة للمعارف والاِدراكات المجردة، ثمّ إنّه في أوّل الاَمر تكون خالية عن جميع هذه المعارف، فهناك تسمى عقلاً هيولانياً، وهي المشكاة.

وفي المرتبة الثانية يحصل فيها العلوم البديهية التي يمكن التوصل بتركيباتها إلى اكتساب العلوم النظرية. ثم إن أمكنه الانتقال إن كانت ضعيفة فهي الشجرة، وإن كانت أقوى من ذلك فهي الزيت، وإن كانت شديدة القوة فهي الزجاجة التي كأنّها الكوكب الدرّي، وإن كانت في النهاية القصوى وهي النفس القدسية التي للاَنبياء فهي التي (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ).

وفي المرتبة الثالثة يكتسب من العلوم الضرورية العلوم النظرية، إلاّ أنّها لا تكون حاضرة بالفعل، ولكنها تكون بحيث متى شاء صاحبها استحضارها قدر عليه، وهذا يسمّى عقلاً بالفعل وهو المصباح.

وفي المرتبة الرابعة أن تكون تلك المعارف حاصلة بالفعل، وهذا يسمّى عقلاً مستفاداً، وهو نور على نور، لاَنّ الحكمة ملكة نور و حصول ما عليه الملكة نور آخر. ثم إنّ هذه العلوم التي تحصل في الاَرواح البشرية، إنّما تحصل من جوهر روحاني يسمى بالعقل الفعال وهو مدبر ما تحت كرة القمر وهو النار.

القول السابع: إنّه سبحانه شبّه الصدر بالمشكاة، والقلب بالزجاجة، والمعرفة بالمصباح، وهذا المصباح إنّما يوقد من شجرة مباركة وهي إلهامات الملائكة. وإنّما شبّه الملائكة بالشجرة المباركة لكثرة منافعهم، ولكنّه وصفها


(210)

بأنّها لا شرقية ولا غربية لاَنّها روحانية، ووصفهم بقوله: (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) لكثرة علومهم وشدة اطّلاعهم على أسرار ملكوت الله تعالى.

القول الثامن: إنّ المراد من (مثل نوره ) ، أي مثل نور الاِيمان في قلب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كمشكاة فيها مصباح، فالمشكاة نظير صلب عبد الله ، والزجاجة نظير جسد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و المصباح نظير الاِيمان في قلب محمد أو نظير النبوة في قلبه.

القول التاسع: إن"المشكاة" نظير إبراهيم (عليه السلام ) ،والزجاجة نظير إسماعيل (عليه السلام ) ، والمصباح نظير جسد محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والشجرة النبوة والرسالة.

القول العاشر: إنّ قوله: (مثل نوره ) يرجع إلى الموَمن. (1)

إنّ المشبه هو نور الله المشرق على قلوب الموَمنين، والمشبه به النور المشرق من زجاجة، وقوله سبحانه: (يَهدي الله لنوره من يشاء ) استئناف يعلّل به اختصاص الموَمنين بنور الاِيمان والمعرفة وحرمان غيرهم، ومن المعلوم من السياق انّ المراد بقوله: (من يشاء ) هم الذين يذكرهم الله سبحانه بقوله بعد هذه الآية : (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله ) (2) فالمراد بمن يشاء الموَمنون بوصف كمال إيمانهم.والمعنى انّ الله إنّما هدى المتلبسين بكمال الاِيمان إلى نوره دون المتلبسين بالكفر. (3)

وقوله : (يضرب الله الاَمثال للناس والله بكلّ شيء عليم ) إشارة إلى أنّ المثل المضروب تحته طور من العلم، وإنّما اختير المثل لكونه أسهل الطرق لتبين الحقائق والدقائق، ويشترك فيه العالم والعامي فيأخذ منه كلّ ما قسم له، قال تعالى: (وَتِلْكَ الاََمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاّ العالِمُون ). (4)


1- تفسير الفخر الرازى: 23|231ـ 235.

2- النور:37.

3- الميزان: 18|125ـ 126.

4- العنكبوت:43.

(211)

النور

36

التمثيل السادس والثلاثون

(وَالّذينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَمآنُ ماءً حَتّى إذَا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئاً وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوفّاهُ حِسَابَهُ وَالله سَرِيعُ الحِسَابِ ). (1)

تفسير الآية

"السراب": ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهيرة يسرب على وجه الاَرض كأنّه ماء يجري، و"القيعة": بمعنى القاع أو جمع قاع، وهو المنبسط المستوي من الاَرض، والظمآن هو العطشان.

يشبه سبحانه أعمال الكفار تارة بالسراب كما في هذه الآية، وأُخرى بالظلمات كما في التمثيل الآتي، ولعلّ المشبه في الاَوّل هو حسناتهم، وفي الثاني قبائح أعمالهم.

وإليك توضيح التمثيل الوارد في الآية:

قال سبحانه: (وَالّذِينَ كَفَرُوا أَعمالهم ) أي ما يعملون من الطاعات ويقدمون من قرابين وأذكار يتقربون بها إلى آلهتهم، مثلها كـ (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء).


1- النور:39.

(212)

فقد وصف الظمآن بصفات عديدة:

الاَُولى: حسبان السراب ماءً ،كما قال سبحانه: (كَسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء).

الثانية: إذا وصل إلى السراب لم يجده شيئاً نافعاً، كما قال سبحانه (حتّى إذا جاءه لم يجده شيئاً ) وإنّما خصّ الظمآن به مع أنّ السراب يتراءى ماء لكلّ راءٍ، لاَن المقصود هو مجيء الرائي إلى السراب، ولا يجيئه إلاّ الظمآن ليرتوي ويرفع عطشه.

الثالثة: عند ما يشرف على السراب لا يجد فيه ماءً، ولكن يجد الله سبحانه عنده، كما قال سبحانه: (وَوَجد الله عنده ).

وهذا خبر عن الظمآن، ولكن المقصود منه في هذه الجملة هو الكافر، والمعنى وجد أمر الله ووجد جزاء الله ، وذلك عند حلول أجله واشرافه على الآخرة.

فالكافر يتصوّر أنّ ما يقدم من قرابين وأذكار سوف ينفعه عند موته و بعده، وسوف تقوم الآلهة بالشفاعة له، ولكن يتجلّـى له خلاف ذلك وانّ الاَمر أمر الله لا أمر غيره فلا يجدون أثراً من ألوهية آلهتهم.

فعند ذلك يجدون جزاء أعمالهم، كما يقول سبحانه: (فَوَفّاهُمُ اللهُ حسابهم ).

ثمّ إنّه سبحانه يصف نفسه بقوله: (وَاللهُ سريع الحساب ).

وبذلك تبين انّ الآية المباركة لبيان حال الظمآن الحقيقى إلى قوله: (لم يجده شيئاً )، كما أنّها من قوله (ووجد... ) يرجع إلى الظمآن لكن بالمعنى المجازي وهو الكافر.


(213)

وحاصل التمثيل هو انّ الطاعة والعبادة والقربات كلها لله تبارك وتعالى، فمن قدمها إليه و قام بها لاَجله فقد بذر بذرة في أرض خصبة سوف ينتفع بها في لقائه سبحانه.

وأمّا من عبد غيره و قدم إليه القربات راجياً الانتفاع به، فهو كرجاء الظمآن الذي يتصوّر السراب ماءً فيجيئه لينتفع به ولكنّه سرعان ما يرجع خائباً.

إلى هنا تمَّ ما يشترك فيه الظمآن والكافر، أي المشبه به والمشبه، ولكن المشبه، أعني: الكافر الذي شبه بالظمآن فهو يختص بأُمور أُخرى.

أولاً: انّه عند مجيئه إلى الانتفاع بأعماله يجد الله هو المجازي لا غير.

وثانياً: انّه سبحانه يجزيه بأعماله.

وثالثاً: فيوفيه حسابه.

وما ذلك إلاّ لاَنّ الله سريع الحساب.

وعلى ضوء ما ذكرنا فقد أُريد من الظمآن الاسم الظاهر الظمآن الحقيقي، وأُريد من الضمائر الثلاثة في "وجد" "وفّاه " "حسابه" الظمآن المجازي أعني الكافر الخائب.


(214)

النور

37

التمثيل السابع والثلاثون

(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاها وَمَنْ لَمْ يَجعلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ). (1)

تفسير الآية

"اللجيّ": منسوب إلى اللجّة، وهي في اللغة البحر الواسع العميق، ولكنّه استخدم في لازم معناه وهو تردد أمواجه، فانّ البحر كلما كان عميقاً وواسعاً تزداد أمواجه، وعلى ذلك فيكون المراد من قوله (بحرٍ لجيّ ) أي بحر متلاطم.

و "السحاب": عبارة عن الغيوم الممطرة، بخلاف الغيم فهو أعم، وانّمااستخدم كلمة السحاب ليكون سبباً لازدياد الظلم.

هذا ما يرجع إلى تفسير مفردات الآية، وأمّا المقصود فهو كالتالي.

انّه سبحانه شبه في الآية السابقة أعمال الكافرين، لاَجل عدم الانتفاع بها بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء، ولكنّه تعالى شبّه أعمالهم في هذه الآية بالظلمة وخلوّها من نور الحق ببحر لجيّ فوقه سحابة سوداء ممطرةويعلو ماءه


1- النور:40.

(215)

موج فوق موج، فراكب هذا البحر تغمره ظلمة دامسة لا يرى أمامه شيئاً حتى لو أخرج يده فانّه لا يراها مع قربها منه.

هذا هو المشبه به، و أمّا المشبه فالاَعمال التي يقوم بها الكافر باطلة محضة ليس فيها من الحقّ شيء مثل هذا البحر اللجي المحيط به عتمة الظلام الذي ليس فيه نور.

ثمّ إنّ الآية تشير إلى ظـلمات ثلاث.

الاَُولى: ظلمة البحر المحجوب من النور.

الثانية: ظلمة الاَمواج المتلاطمة.

الثالثة: السحاب الاَسود الممطر.

فتراكم هذه الظلمات يحجب كلّ نور من الوصول، وهكذا الحال في الكافر ففي أعماله ظلمات ثلاث يمكن بيانها بأنحاء مختلفة:

النحو الاَوّل: ظلمة الاعتقاد، ظلمة القول، ظلمة العمل.

النحو الثاني: ظلمة القلب، ظلمة البصر، ظـلمة السمع.

النحو الثالث: ظلمة الجهل، ظلمة الجهل بالجهل، ظلمة تصوّر الجهل علماً. (1).

ويمكن أن تكون هذه الظلمات المتراكمة إشارة إلى أمر آخر وهو إصرار الكافر المتزايد على كفره وقبائح أعماله.

ولذلك يصفه سبحانه بقوله: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ).


1- انظر تفسير الفخر الرازى: 24|8 ـ 9.

(216)

إيقاظ

ثمّ إنّ بعض الموَلفين في أمثال القرآن ذكروا الآية التالية واعتبروها من الاَمثال، قال سبحانه: (وَقَالُوا ما لِهذا الرَّسُول يَأْكُلُ الطَّعام وَيَمْشي فِي الاََسْواقِ لَوْلاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الاََمْثال فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ). (1)

ولكن الآية رغم ما جاء فيها من لفظ الاَمثال ليست من قبيل التمثيل، وإنّما هي بصدد نقل ما وصف به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في لسان الكفّار ، حيث وصفوه بأنّه يأكل الطعام، ويمشي في الاَسواق، فلا يصلح للرسالة.

ثمّ نقموا منه بأنّا سلمنا انّه رسول، ولكنّه لماذا لا ينزل إليه ملك فيكون معه نذيراً ليتصل إنذاره بالغيب بتوسط الملك؟

ثمّ نقموا منه أيضاً بأنّه لماذا لم يُلقَ إليه كنز من السماء حتى يصرفه في حوائجه المادية، أو لماذا لا تكون له جنّة يأكل منها، ثمّ في الختام وصفوه بأنّه مسحور.

فقال سبحانه اعتراضاً وتنديداً بوصفهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إيجاباً وسلباً بقوله (انظر كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الاََمْثال ) أي انظر كيف وصفوك تارة بأنّك تأكل وتمشي في الاَسواق، وأُخرى بعدم اقترانك بملك، وثالثة بالفقر ، ورابعة بكونك مسحوراً بتخيّل انّه رسول يأتيه ملك الوحي بالرسالة والكتاب.

وليس هاهنا مشبه ولا مشبه به ولا تمثيل ليبين موقف الرسول، ولاَجل ذلك صرّحنا في المقدمة انّه ليس من الاَمثال القرآنية.


1- الفرقان:7 ـ 9.

(217)

العنكبوت

38

التمثيل الثامن والثلاثون

(مَثَلُ الّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَولياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُون *إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيم * وَتِلْكَ الاََمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُهَا إِلاّ العالِمُون). (1)

تفسير الآيات

ضرب سبحانه لآلهة المشركين مثلاً بالذباب تارة، وبيت العنكبوت أُخرى، أمّا الاَوّل فقد مضى البحث عنه، وأمّا الثاني فهو ما تتضمنه الآية من تشبيه آلهة المشركين ومعبوداتهم المزيفة بأوهن البيوت وهو بيت العنكبوت.

وقد مرّ انّ التشبيه يترك تأثيراً بالغاً في النفوس مثل تأثير الدليل والبرهان، فتارة ينهى عن الغيبة ويقول: لا تغتب فانّه يوجب العذاب ويورث العقاب، وأُخرى يمثل عمله بالمثل التالي: وهو انّ مثل من يغتاب مثل من يأكل لحم الميت، لاَنّك نلت من هذا الرجل وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيب، فكان نيلك منه كعمل من يأكل لحم الميت وهو لا يعلم ما يفعل به ولا


1- العنكبوت:41 ـ 43.

(218)

يقدر على الدفع.

ثمّ إنّ الغرض من تشبيه الآلهة المزيفة بهوام وحشرات الاَرض كالبعوض والذباب والعنكبوت هو الحط من شأنها والاستهزاء بها.

إنّ العنكبوت حشرة معروفة ذكورها أصغر أجساداً من إناثها، وهي تتغذى من الحشرات التي تصطادها بالشبكة التي تمدها على جدران البيوت، فتصنع تلك الشبكة من مادة تفرزها لها غدد في باطنها محتوية على سائل لزج تخرجه من فتحة صغيرة، فيتجدد بمجرد ملامسته للهواء و يصير خيطاً في غاية الدقة، وما أن تقع الفريسة في تلك الشبكة حتى تنقض عليها وتنفث فيها سمـاً يوقف حركاتها، فلا تستطيع الدفاع عن نفسها. (1)

ومع ذلك فما نسجته بيتاً لنفسها من أوهن البيوت، بل لا يليق أن يصدق عليه عنوان البيت، الذي يتألف من حائط هائل، وسقف مظلٍّ، وباب ونوافذ، وبيتها يفقد أبسط تلك المقومات هذا من جانب، و من جانب آخر فانّ بيتها يفتقد لاَدنى مقاومة أمام الظواهر الجوية والطبيعية، فلو هبّ عليه نسيم هادىَ لمزق النسيج، ولو سقطت عليه قطرة من ماء لتلاشى، ولو وقع على مقربة من نار لاحترق، ولو تراكم عليه الغبار لمزق.

هذا هو حال المشبه به، والقرآن يمثل حال الآلهة المزيفة بهذا المثل الرائع. وهو انّها لا تنفع ولا تضرّ، لا تخلق ولاترزق، ولا تقدر على استجابة أي طلب.

بل حال الآلهة المزيفة الكاذبة أسوأ حالاً من بيت العنكبوت، وهو انّ العنكبوت تنسج بيتها لتصطاد به الحشرات ولولاه لماتت جوعاً، ولكن الاَصنام والاَوثان لا توفر شيئاً للكافر.


1- انظر دائرة معارف القرن الرابع عشر:6|772.

(219)

وبذلك تقف على عظمة التمثيل الوارد في قوله: (وَإِنّ أَوهن البُيُوت لَبَيْتُ العَنْكَبُوت لَو كانُوا يَعْلَمُون ).

ثمّ إنّ قوله: (لو كانوا يعلمون ) ليس قيداً لقوله: (أَوهن البُيُوت لَبَيْتُ العَنْكَبُوت)، لاَنّه من الواضح لكلّ أحد انّ بيت العنكبوت في غاية الوهن، وانّما هو من متمّمات قوله: (اتخذوا ) أي لو علموا انّ عبادة الآلهة كاتخاذ العنكبوت بيتاً سخيفاً، ربما أعرضوا عنها.

ثمّ إنّه سبحانه أردف المثل بآية أُخرى، وقال: (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يدعُونَ مِنْ دُونِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيم ) والظاهر انّ "ما" في قوله: (ما يدعون ) موصولة ، أي انّه يعلم ما يعبد هوَلاء الكفار و ما يتخذونه من دونه أرباباً. ولكن علمهم لا يضر إذ هو العزيز الذي لا يغالب فيما يريد والحكيم في جميع أفعاله.

ثمّ قال سبحانه: (وَتِلْكَ الاََمْثال نَضْرِبها لِلنّاس وما يعقلها إِلاّ العالمون ) أي نذكر تلك الاَمثال، وما يفهمها إلاّ العلماء العاقلون.


(220)

الروم

39

التمثيل التاسع والثلاثون

(وَلَهُ مَنْ فِي السَّموات وَالاََرْضِ كُلّ لَهُ قانِتُون * وَهُوَ الّذي يَبْدَوَُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الاََعْلى فِي السَّموات وَالاََرضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم * ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً من أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَومٍ يعْقِلُون ). (1)

تفسير الآيات

"القانت": هو الخاضع، الطائع، فقوله: (كلّ له قانتون ) أي خاضعون وطائعون له في الحياة والبقاء والموت والبعث، وبالجملة كلّ ما في الكون مقهور لله سبحانه.

ثمّ إنّ هذه الآيات تتضمن برهاناً على إمكان المعاد وتمثيلاً على بطلان الشرك في العبادة، أمّا البرهان فقوله سبحانه: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّموات وَالاََرْض كُلّ لَهُ قانِتُون ) واللام في قوله "وله"للملكية، والمراد منه الملكية التكوينية، كما أنّ قنوطهم وخضوعهم كذلك، ومفاد الآية انّ زمام ما في الكون بيده سبحانه، والكل مستسلمون لمشيئته سبحانه دون فرق بين الصالحين والطالحين، وذلك


1- الروم:26ـ 28.

(221)

لاَنّه سبحانه هو الخالق الذي يدبر العالم كيفما يشاء، والمربوب مستسلم لربه.

ثمّ إنّه سبحانه رتَّب على ذلك مسألة إمكان المعاد، بقوله: (وَهُوَ الّذي يَبْدَوَُا الخَلْق ثُمَّ يُعيدهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ).

وحاصل البرهان: انّـه سبحانـه قادر على الخلق من العدم ـ كما هو المفروض ـ فالقادر على ذلك قادر على الاِعادة، إذ ليس هو إعادة من العدم، بل إعادة لصورة الاَجزاء المتماسكة وتنظيم المتفرقة، فالخالق من لا شيء أولى من أن يكون خالقاً من شيء.

ثمّ إنّ هذه الاَولوية حسب تفكيرنا وروَيتنا، وإلاّ فالاَُمور الممكنة أمام مشيئته سواء، قال على (عليه السلام) :

وما الجليل واللطيف، والثقيل والخفيف، والقوى والضعيف في خلقه إلاّ سواء.(1)

ولاَجل توضيح هذا المعنى، قال سبحانه: (وَلَهُ المَثَلُ الاََعلى فِي السَّمواتِ وَالاََرْض وَهُوَ الْعَزيزُ الحَكيم ) والمراد من المثل الوصف، والمراد من المثل الاَعلى هو الوصف الاَتم والاَكمل، الذي له سبحانه، فهو علم كله، قدرة كله، حياة كله، ليس لاَوصافه حد.

إلى هنا تمَّ ما ذكره القرآن من البرهان على إمكانية قيام المعاد بحشر الاَجسام.

وإليك بيان الاَمر الثاني وهو التنديد بالشرك في العبادة من خلال التمثيل الآتي.


1- نهج البلاغة: الخطبة 185.

(222)

ألقى سبحانه المثل بصورة الاستفهام الاِنكاري، وحاصله: هل ترضون لاَنفسكم أن تكون عبيدكم وإماوَكم شركاء لكم في الاَموال التي رزقناكم إيّاها على وجه تخشون التصرف فيها بغير إذن هوَلاء العبيد والاِماء ورضاً منهم، كما تخشون الشركاء الاَحرار.

والجواب: لا، أي لا يكون ذلك أبداً ولا يصير المملوك شريكاً لمولاه في ماله، فعندئذٍ يقال لكم: كيف تجوزون ذلك على الله ، وأن يكون بعض عبيده المملوكين كالملائكة والجن شركاء له، امّا في الخالقية أو في التدبير أو في العبادة.

والحاصل: انّ العبد المملوك وضعاً لا يصحّ أن يكون في رتبة مولاه على نحو يشاركه في الاَموال، فهكذا العبد المملوك تكويناً لا يمكن أن يكون في درجة الخالق المدبر فيشاركه في الفعل، كأن يكون خالقاً أو مدبراً، أو يشاركه في الصفة كأن يكون معبوداً.

فالشىء الذي لا ترضونه لاَنفسكم، كيف ترضونه لله سبحانه، و هو ربّ العالمين؟ وإلى ذلك المثل أشار، بقوله:

(ضَرَبَ الله لَكُم مَثلاً مِنْ أَنْفُسكُم ) أي ضرب لكم مثلاً متخذاً من أنفسكم منتزعاً من حالاتكم (هَل لَكُمْ من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم) فقوله: (هل لكم) شروع في المثل المضروب، والاستفهام للاِنكار، وقوله "ما" في (مما ملكت ) إشارة إلى النوع أي من نوع ما ملكت أيمانكم من العبيد و الاِماء.

فقوله: (من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء ) مبين للشركة، فقوله شركاء مبتدأ والظرف بعده خبره، أي شركاء فيما رزقناهم على وجه تكونون فيه سواء، و على ذلك يكون من في شركاء، زائدة.


(223)

فقوله: (تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) بيان للشركة، أي يكون العبيد كسائر الشركاء الاَحرار، فكما أنّ الشريك يخاف من شركائه الاَحرار، كذلك يخاف من عبده الذي يعرف أنّه شريك كسائر الشركاء.

ثمّ إنّه يتم الآية، بقوله: (كَذلك نُفصّل الآيات لقوم يعقلون )، وعلى ذلك فالمشبه هو جعل المخلوق في درجة الخالق، والمشبه به جعل المملوك وضعاً شريكاً للمالك.


(224)

فاطر

40

التمثيل الاَربعون

(وَما يَسْتَوي البَحْران هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمن كُلّ تَأْكُلُون لَحْماً طَريّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِليةً تَلْبَسُونَها وَتَرى الفُلكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون ). (1)

تفسير الآية

"الفرات": الماء العذب، يقال للواحد والجمع ، قال سبحانه: (وأَسْقَيناكُمْ ماءً فُراتاً)، وعلى هذا يكون عذب قيداً توضيحياً.

"الاَُجاج" : هو شديد الملوحة والحرارة من قولهم أجيج النار.

"مواخر" من مخر، يقال مخرت السفينة مخراً، إذا شقت الماء بجوَجئها مستقبلة له.

فالآية بصدد ضرب المثل في حقّ الكفر والاِيمان، أو الكافر والموَمن.

وحاصل التمثيل: انّ الاِيمان والكفر متمايزان لا يختلط أحدهما بالآخر، كما أنّ الماء العذب الفرات لا يختلط بالملح الاَُجاج.

وفي الوقت نفسه لا يتساويان في الحسن والنفع ، قال سبحانه: (وَما يَسْتَوى البَحْران هذا عَذبٌ فُراتٌ سائِغٌ شرابهُ وَهذا مِلحٌ أُجاج ) بل انّ الكافر أسوأ


1- فاطر:12.

(225)

حالاً من البحر الاَُجاج الذي يشاطر البحر الفرات في أمرين:

أ: يستخرج من كلّ منهما لحماً طرياً يأكله الاِنسان، كما قال سبحانه: (وَمن كلٍّ تأكُلون لَحماً طَرياً ).

ب: يستخرج من كلّ منهما اللآليَ التي تخرج من البحر بالغوص وتلبسونها وتتزينون بها.

إلى هنا تمَّ التمثيل، ثمّ إنّه سبحانه شرع لبيان نعمه التي نزلت لاَجلها السورة، وقال:

(وَتَرى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله لعلّكم تشكرون )، والدليل على أنّه ليس جزء المثل تغير لحن الكلام، حيث إنّ المثل ابتدأ بصيغة الماضي، و قال: (وَما يستوى البحران ) ولكن ذيله جاء بصيغة المخاطب (وترى الفلك ) وهذا دليل على أنّه ليس جزء المثل.

مضافاً إلى أنّ مضمون الجملة جاء في سورة النحل، وقال: (وَهُوَ الّذي سَخَّرَ البَحْرَ لتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ). (1)

وبذلك يظهر انّ وزان الآية، وزان قوله سبحانه: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوُبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهى كَالحِجارة أَو أَشَدُّ قَسوةً وانّ مِنَ الحِجارةِ لَمَا يَتفجّرُ مِنْهُ الاََنْهارُ وَإنّ مِنْها لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإِنّ مِنْها لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَما اللهُ بِغافلٍ عَمّا تعْمَلُون ). (2)

فكما أنّ الحجارة ألين من قلوبهم، فهكذا الملح الاَُجاج أفضل من الكافر ، حيث إنّه يفيد.


1- النحل:14.

2- البقرة: 74.

(226)

فاطر

41

التمثيل الواحد و الاَربعون

(وَما يَسْتَوِي الاََعْمى وَالبَصِير * وَلا الظُّلُماتُ وَلاَ النُّورُ * وَلاَ الظِلُّ وَلاَ الْحَرُورُ * وَما يَسْتَوِي الاَحْياءُ وَلاَ الاََمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَ ما أَنْتَ بِمُسْمعٍ مَنْ فِي الْقُبُور ). (1)

تفسير الآيات

"الحرور": شدة حرّ الشمس، وقيل: هو السموم.وقال الراغب: الحرور: الريح الحارة.

هذا تمثيل للكافر والموَمن، أمّا الكافر فقد شبّهه بالصفات التالية:

1.الاَعمى، 2. الظلمات، 3. الحرور، 4. الاَموات.

كما شبّه الموَمن بأضدادها التالية:

1. البصير، 2. النور، 3. الظل، 4. الاَحياء.

وما ذلك إلاّ لاَنّ الكافر لاَجل عدم إيمانه بالله سبحانه وصفاته وأفعاله، فهو أعمى البصر تغمره ظلمة دامسة لا يرى ما وراء الدنيا شيئاً، وتحيط به نار ،


1- فاطر:19ـ 22.

(227)

قال سبحانه: (انّ جَهَنّم لَمُحيطَةٌ بِالكافِرين ) (1) وظاهر الآية انّ النار محيطة بهم في هذه الدنيا و إن لم يشعروا بها، كما أنّه ميت لا يسمع نداء الاَنبياء وإن كان حياً يمشي، وهذا بخلاف الموَمن فانّه يبصر بنور الله يغمره نور زاهر. يرى دوام الحياة إلى ما بعد الموت، فهو في ظلّ ظليل رحمته، وانّه يسمع نداء الاَنبياء ويوَمن به.

وبعبارة واضحة: الكافر مجالد مكابر، والموَمن واعٍ متدبر.


1- التوبة:49.

(228)

يس

42

التمثيل الثاني والاَربعون

(وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ * قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ *وَما عَلَيْنا إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبينُ * قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ * قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ *وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ *وَماليَ لا أَعْبُدُ الّذي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * ءَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنّيإِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ * إِنّي آمَنْتُ بِرَبّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لي رَبّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ * وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلينَ * إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ * يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ). (1)


1- يس:13ـ 30.

(229)

تفسير الآيات

"التعزيز": النصرة مع التعظيم، يقول سبحانه في وصف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) (فَالّذينَ آمَنُوا بهِ وَعَزّروه وَنَصَرُوه ) (1)

"طيّـر ": تطير فلان وإطيّـر ، أصله التفاوَل بالطير، ثمّ يستعمل في كلّ ما يتفاءل به ويتشاءم ، فقوله (إِنّا تطيرنا بِكُمْ ) أي تشاءمنا بكم.

وبذلك يظهر معنى قوله: (إِنّما طائِرُكُمْ مَعَكُمْ ) أي انّ الذي ينبغي أن تتشاءموا به هو معكم، أعني: حالة إعراضكم عن الحق الذي هو التوحيد وإقبالكم على الباطل.

"الرجم": الرمي بالحجارة.

"الصيحة" :رفع الصوت.

هذا التمثيل تمثيل إخباري يشرح حال قوم بعث الله إليهم الرسل، فكذبوهم وجادلوهم بوجوه واهية.

ثمّ أقبل إليهم رجل من أقصى المدينة يدعوهم إلى متابعة الرسل بحجة انّ رسالتهم رسالة حقّة، ولكنّ القوم ما أمهلوه حتى قتلوه، وفي هذه الساعة عمّت الكاذبين الصيحة فأهلكتهم عامة، فإذا هم خامدون.

هذا إجمال القصة وأمّا تفصيلها:

فقد ذكر المفسرون انّ المسيح (عليه السلام) بعث إلى قرية انطاكية رسولين من الحواريّين باسم: شمعون ويوحنّا، فدعيا إلى التوحيد وندّدا بالوثنية، وكان القوم وملكهم غارقين في الوثنية.


1- الاَعراف:158.

(230)

وناديا أهل القرية بانّا إليكم مرسلون، فواجها تكذيب القوم و ضربهما، فعززهما سبحانه برسول ثالث، واختلف المفسرون في اسم هذا الثالث، ولا يهمنا تعيين اسمه، وربما يقال انّه "بولس". فعند ذلك أخذ القوم بالمكابرة و المجادلة والعناد، محتجين بوجوه واهية:

أ: انّكم بشر مثلنا ولا مزية لكم علينا، و ما تدعون من الرسالة من الرحمن ادّعاء كاذب، فأجابهم الرسل بأنّه سبحانه يعلم انّا لمرسلون إليكم، وليس لنا إلاّ البلاغ كما هو حق الرسل.

ب: انّا نتشاءم بكم، وهذه حجة العاجز التي لا يستطيع أن يحتج بشىء، فيلوذ إلى اتهامهم بالتشاوَم والتطيّر.

ج: التهديد بالرجم إذا أصرّوا على إبلاغ رسالتهم والدعوة إلى التوحيد والنهي عن عبادة الاَوثان، وقد أجاب الرسل بجوابين:

الاَوّل: انّ التشاوَم والتطير معكم، أي أعمالكم وأحوالكم، وابتعادكم عن الحق، وانكبابكم على الباطل هو الذي يجر إليكم الويل والويلات.

الثاني: انكم قوم مسرفون، أي متجاوزون عن الحد.

كان الرسل يحتجون بدلائل ناصعة وهم يردون عليهم بما ذكر، وفي خضمِّ هذه الاَجواء جاء رجل من أقصى المدينة نصر وعزّز قول الرسل ودعوتهم محتجاً بأنّ هوَلاء رسل الحقّ، وذلك للاَُمور التالية:

أوّلاً : انّ دعوتهم غير مرفقة بشيء من طلب المال والجاه والمقام، و هذا دليل على إخلاصهم في الدعوة،وقد تحمّلوا عناء السفر و هم لا يسألون شيئاً.

ثانياً: انّ اللائق بالعبادة من يكون خالقاً أو مدبراً للعالم، ومن بيده مصيره


(231)

في الدنيا والآخرة وليس هو إلاّ الله سبحانه الذي ينفعني، فكيف أترك عبادة الخالق الذي بيده كلّ شيء، وأتوجه إلى عبادة المخلوق (الآلهة المزيفة) التي لا تستطيع أن تدفع عني ضراً ولا تنفعني شفاعتهم؟! فلو اتخذت إلهاً غيره سبحانه كنت في ضلال مبين، فلمّا تم حجاجه مع القوم و عزز الرسل و بين برهان لزوم اتباعهم، أعلن، وقال: أيّها النّاس: (إنّي آمنت بربّكم فاسمَعُون ).

ثمّ يظهر من القرائن انّ القوم هجموا عليه و قتلوه، ولكنّه سبحانه جزاه، فأدخله الجنة، وهو فرح مستبشر يودّ لو علم قومه بمصيره عند الله .

فلمّا تبيّن عناد القوم وقتل من احتج عليهم بحجج قوية نزل عذابه سبحانه، فعمَّتهم صيحةواحدة أخمدت حياتهم و صيّرتهم جماداً.

ففي هذه اللحظة الحاسمة التي يختار الاِنسان الضلالة على الهداية، والباطل على الحقّ، يصح أن يخاطبهم سبحانه، و يقول:

(يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلاّ كانوا به يسْتهزءون ).

هذه حقيقة القصة استخرجناها بعد الاِمعان في الآيات، وقد أطنب المفسرون في سرد القصة، نقلاً عن مستسلمة أهل الكتاب الذين نشروا الاَساطير بين المسلمين، نظراء وهب بن منبّه، فلا يمكن الاعتماد على كلّ ما جاء فيها. (1)

ثمّ إنّ في الآيات نكات جديرة بالمطالعة:

الاَُولى: يذكر المفسرون انّ الرسولين لم يكونا مبعوثين من الله مباشرة، وانّما بعثا من قبل المسيح (عليه السلام) . مثل الرسول الثالث، ولما كان بعث المسيح بأمر من الله سبحانه، نسب فعل المسيح إليه سبحانه، وقال: (إِذْ أرسلنا إليهم اثنين ).


1- لاحظ مجمع البيان:4|418ـ 420.

(232)

الثانية: لقد وقفت على أنّ القوم قاموا بالجدال والعناد، فقالوا :ما أنتم إلاّ بشر مثلنا، والجملة تحتمل وجهين:

الوجه الاَوّل: أنتم أيّـهـا الرسل بشر، والبشر لا يكون رسولاً من الله ، و على هذا فالمانع من قبول رسالاتهم كون أصحابها بشراً.

الوجه الثاني: انّ المانع من قبول دعوة الرسالة هي عدم توفر أي مزية في الرسل ترجحهم، ويشعر بذلك قوله: "مثلنا" وإلاّ فلو كان الرسل مزودين بشىء آخر ربما لم يصح لهم جعل المماثلة عذراً للربّ.

الثالثة: انّ القصة تنمُّ عن أنّ منطق القوة كان منطق أهل اللجاج، فالقوم لما عجزوا عن رد برهانهم التجأوا إلى منطق القوة، بقتل دعاة الحق وصلحائه، وقالوا: (لئن لم تنتهوا لنرجمنَّكم ).

الرابعة: انّ التطير كان سلاح أهل العناد والمكابرة، ولم يزل هذا السلاح بيد العتاة الجاحدين للحق، فيتطيرون بالعابد ، وغير ذلك.

الخامسة: يظهر من صدر الآيات انّ الرسل بعثوا إلى القرية، وقد تطلق غالباً على المجتمعات الكبيرة والصغيرة، ولكن قوله: (وجاء من أقصى المدينة رجل) يعرب انّها كانت مدينة ومجتمعاً كبيراً لا صغيراً.

السادسة: انّه سبحانه يصف الرجل الرابع الذي قام بدعم موقف الرسل بأنّه كان من أقصى المدينة، وما هذا إلاّ لاَجل الاِشارة إلى عدم الصلة والتواطىَ بينه وبين الرسل، ولذلك قدّم لفظ أقصى المدينة على الفاعل، أعني: "رجل"، وقال: (وجاء من أقصى المدينة ).

السابعة: انّ قوله: (ومالي لا أعبد الذي فطرني ) دليل على أنّ العبادة هي


(233)

الخضوع النابع عن الاعتقاد بخالقية المعبود ومدبريته، وماله من الاَوصاف القريبة من ذلك، ولذلك يرى أنّه يعلل إيمانه وتوحيده، بقوله: (مالي لا أعبد الذي فطرني ).

كما أنّه يعلل حصر عبادته له وسلبها عن غيره، بعجزهم عن رد ضرّ الرحمن بعدم الجدوى في شفاعتهم.

الثامنة: قلنا أنّ القرائن تشهد بأنّ من قام بالدعوة إلى طريق الرسل من القوم، قتل عند دعوته وجازاه الله سبحانه بأن أدخله الجنة، والمراد من الجنة هو عالم البرزخ لا جنة الخلد التي لا يدخلها الاِنسان إلاّ بعد قيام الساعة.

التاسعة: كما أنّ في كلام الرجل المقتول، بقوله: (يا لَيْت قومي يعلمون بما غفر لي ربّي ) دليلاً على وجود الصلة بين الحياة البرزخية والمادية، حيث أبلغ بلاغاً إلى قومه، وتمنى أن يقفوا على ما أنعم الله عليه بعد الموت، حيث قال: (قيل ادخل الجنّة قال يا ليت قومي يعلمون ).


(234)

يس

43

التمثيل الثالث والاَربعون

(أَوَ لَمْ يَرَ الاِِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِين * وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم * قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ). (1)

تفسير الآيات

روى المفسرون أنّ أُبي بن خلف، أو العاص بن وائل جاء بعظم بالٍ متفتت، وقال: يا محمد أتزعم انّ الله يبعث هذا، فقال: نعم، فنزلت الآية (أَوَ لم يَرَ الاِِنْسان ).

فضرب الكافر مثلاً، وقال: كيف يحيي الله هذه العًام البالية؟

وضرب سبحانه مثلاً آخر، و هو انّه يحييها من أنشأها أوّلاً، فمن قدر على إنشائها ابتداءً يقدر على الاِعادة، وهي أسهل من الاِنشاء والابتداء، وقد عرفت أنّ إطلاق لفظ الاَسهلية إنّما هو من منظار الاِنسان، وأمّا الحقّ جلّ و علا فكل الاَشياء أمامه سواء.

قال سبحانه: (وَضَرَبَ لَنا مثلاً ) أي ضرب مثلاً في إنكار البعث بالعظام


1- يس:77ـ 79.

(235)

البالية، واستغرب ممن يقول انّ الله يحيي هذه العظام ونسي خلقه (قال من يحيي العظام وهي رميم ) ومثل سبحانه بالرد عليه بمثال آخر، وقال: (قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرة وهو بكلّ خلق عليم ) من الابتداء والاعادة، وقد مرّ هذا المثل بعبارة أُخرى في قوله: (وَهُوَ الّذِي يَبْدَوَُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ).(1)


1- الروم:27.

(236)

الزمر

44

التمثيل الرابع و الاَربعون

(وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هذا القُرآن مِنْ كُلّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون * قُرآناً عَربياً غَيرَ ذي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون * ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُركاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَويانِ مَثلاً الحمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُون ). (1)

تفسير الآيات

"الشكس" :السيء الخلق، يقال: شركاء متشاكسون، أي متشاجرون لشكاسة خلقهم.

"سلماً": أي خالصاً لا يملكه إلاّ شخص واحد ولا يخدم إلاّ إياه.

هذه الآيات تمثل حالة الكافر والموَمن، فهناك مشبه ومشبه به.

أمّا المشبّه به، فهو عبارة عن عبد مملوك له شركاء سيئى الخلق متنازعون فيه، فواحد يأمره وآخر ينهاه، و كلّ يريد أن يتفرّد بخدمته، في مقابل عبد مملوك لرجل يطيعه ويخدمه ولا يشرك في خدمته شخصاً آخر.

فهذان المملوكان لا يستويان.

وأمّا المشبه فحال الكافر هو حال المملوك الذي فيه شركاء متشاكسون،


1- الزمر:27ـ 29.

(237)

فهو يعبد آلهة مختلفة لكلّ أمره ونهيه وخدمته، ولا يمكن الجمع بين الآراء والاَهواء المختلفة، بخلاف الموَمن فانّه يأتمر بأمر الخالق الحكيم القادر الكريم.

وهذا المثل وإن كان مثلاً واضحاً ساذجاً مفهوماً لعامة الناس، ولكن له بطن لا يقف عليه إلاّ أهل التدبر في القرآن، فهو سبحانه بصدد البرهنة على توحيده الذي أشار إليه في قوله: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُون ). (1)

وقال سبحانه: (ءَأَربابٌ مُتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الواحِدُ القَهّار ). (2)


1- الاَنبياء:22.

2- يوسف:39.

(238)

الزخرف

45

التمثيل الخامس والاَربعون


(وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الاََوّلِينَ* وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبيٍّ إِلاّ كانوا بِهِ يَسْتَهْزءُون* فَأَهْلَكْنا أَشدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمضى مَثَلُ الاََوّلِين ). (1)

تفسير الآيات

"البطش": تناول الشيء بصولة، و ربما يراد منه القوة والمنعة، يذكر سبحانه في هذه الآيات الاَُمم الماضية التي بعث الله سبحانه رسله إليهم، فكفروا بأنبيائه وسخروا منهم لفرط جهالتهم وغباوتهم فأهلكهم الله سبحانه بأنواع العذاب مع مالهم من القوة والنجدة.

هذا هو حال المشبه به، والمشبه عبارة عن مشركي عصر الرسالة الذين كانوا يستهزئون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيوعدهم سبحانه بما مضى على الاَوّلين، بأنّه سبحانه أهلك من هو أشد قوةومنعة من قريش وأتباعهم فليعتبروا بحالهم، يقول سبحانه: (كَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الاََوّلين ) أي الاَُمم الماضية (وما يأتيهم من نبي إلاّ كانوا به يستهزءُون ) فكانت هذه سيرة الاَُمم الماضية، ولكنه سبحانه لم يضرب عنهم صفحاً فأهلكهم، كما قال: (فأهلكنا أشدّ منهم بطشاً ومضى مثل )


1- الزخرف:6ـ 8.

(239)

الاَوّلين ). أي مضى في القرآن ـ في غير موضع منه ـ ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تصير مسير المثل.

وبعبارة أُخرى: انّ كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي مثلما نزل بالا َُمم الغابرة، فقد ضربنا لهم مثَلَهم، كما قال تعالى: (وَكُلاً ضَرَبنا لَهُمُ الاََمْثال ). (1)

إيقاظ

ثمّ إنّه ربما عدّ من أمثال القرآن، قوله سبحانه: (وَإِذا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيم ). (2)

كان المشركون في العصر الجاهلي يعدّون الملائكة إناثاً وبناتاً لله تبارك و تعالى، يقول سبحانه: (وَجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ) فردّ عليهم بقوله: (أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون ).

وقال سبحانه: (وَيَجْعَلُونَ للهِ البَناتِ سُبحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُون ) (3)

فعلى ذلك فالملائكة عند المشركين بنات الله سبحانه.

ثمّ إنّ الآية تحكي عن خصيصة المشركين بأنّـهم إذا رزقوا بناتاً ظلّت وجوههم مسودة يعلوها الغيظ والكظم، قال سبحانه: (وَإِذا بشّر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ) أي وصف الله به، وقد عرفت انّهم وصفوه بأنّ الملائكة بنات الله .


1- الفرقان:39.

2- الزخرف:17.

3- النحل: 57.

(240)

(ظلّ وجهه مسودّاً وهو كظيم ) فليست الآية من قبيل المثل الاخباري ولا الانشائي، وإنّما هي بمعنى الوصف، أي وصفوه بأنّه صاحب بنات، و هم كاذبون في هذا الوصف، فلا يصح عدّ هذه الآية من آيات الاَمثال.


(241)

الزخرف

46

التمثيل السادس والاَربعون

(فَاسْتَخَفَّ قوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِين * فَلَمّا آسفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقناهُمْ أَجْمَعِين * فَجَعَلْناهُمْ سلفاً وَمَثَلاً للآخِرِين ). (1)

تفسير الآيات

"آسفونا": مأخوذ من أسف أسفاً إذا اشتد غضبه.

وقال الراغب: الآسف: الحزن و الغضب معاً، وقد يقال لكلّ واحد منهما على الانفراد، و المراد في الآية هو الغضب.

السلف: المتقدم.

انّه سبحانه يخبر عن انتقامه من فرعون وقومه، ويقول: فلمّا آسفونا، أي أغضبونا، وذلك بالاِفراط في المعاصي و التجاوز عن الحد، فاستوجبوا العذاب، كما قال سبحانه: (انتقمنا منهم ) ثمّ بين كيفية الانتقام، وقال: (فَأَغْرَقناهم أجمعين) فما نجا منهم أحد (فجعلناهم سلفاً و مثلاً للآخرين )، أي جعلناهم عبرة وموعظة لمن يأتى من بعدهم حتى يتّعظوا بهم.

فالمشبه به هو قوم فرعون واستئصالهم، والمشبه هو مشركو أهل مكة وكفّارهم، فليأخذوا حال المتقدمين نموذجاً متقدماً لمصيرهم.


1- الزخرف:54ـ56.

(242)

الزخرف

47

التمثيل السابع والاَربعون

(وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ * وَقالُوا ءالِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُون * إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ * وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الاََرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَ اتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيم ). (1)

تفسير الآيات

"الصدّ": بمعنى الانصراف عن الشيء، قال سبحانه: (يصدّون عنك صدوداً )، ولكن المراد منه في الآية هو ضجة المجادل إذا أحس الانتصار.

"تمترُنَّ" :من المرية وهي التردد بالاَمر.

ذكر المفسرون في سبب نزول الآيات انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قرأ: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُون * لَوْ كانَ هوَُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلّ فِيها خالِدُونَ * لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ ). (2)


1- الزخرف:57ـ 61.

2- الاَنبياء:98ـ 100.

(243)

امتعضت قريش من ذلك امتعاضاً شديداً، فقال عبد الله بن الزبعرى: يا محمد أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الاَُمم؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :" هو لكم و لآلهتكم ولجميع الاَُمم".

فقال: خصمتك و ربّ الكعبة، ألست تزعم انّ عيسى بن مريم نبي وتثني عليه خيراً، وعلى أُمّه، وقد علمت أنّ النصارى يعبدونهما، وعزير يعبد، والملائكة يعبدون، فإن كان هوَلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن و آلهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا. (1)

وإلى فرحهم وضجّتهم، يشير سبحانه بقوله: (إذا قومك منه يصدّون) حيث زعموا انّهم وجدوا ذريعة للرد عليه وإبطال دعوته، فنزلت الآية إجابة عن جدلهم الواهي، قال سبحانه:

(ولمّا ضرب ابن مريم مثلاً ) أي لما وصف المشركون ابن مريم مثلاً وشبهاً لآلهتهم (إذا قومك منه يصدون ) أي أحس قومك في هذا التمثيل فرحاً وجذلاً وضحكاً لمّا حاولوا إسكات رسول الله بجدلهم، حيث قالوا في مقام المجادلة: (وقالوا ءآلهتنا خير أم هو ) يعنون آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب النار كانت آلهتنا هيناً.

وبذلك يعلم انّ المشركين هم الذين ضربوا المثل حيث جعلوا المسيح شبهاً و مثلاً لآلهتهم، ورضوا بأن تكون آلهتهم في النار إذا كان المسيح كذلك ازداد فرح المشركين وظنوا انّهم التجأوا إلى ركن ركين أمام منطق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ثمّ إنّه سبحانه يشير في الآيات السابقة إلى القصة على وجه الاِجمال،


1- الكشاف:3|100.لاحظ سيرة ابن هشام:1|385، وقد ذكرت القصة بتفصيل.

(244)

ويجيب على استدلال ابن الزبعرى.

أوّلاً: انّهم ما أرادوا بهذا التمثيل إلاّ المجادلة والمغالبة لا لطلب الحق، وذلك لاَنّ طبعهم على اللجاج والعناد، يقول سبحانه: (ما ضربوه لك إِلاّ جدلاً بل هم قوم خصمون ).

وثانياً: انّهم ما تمسكوا بهذا المثل إلاّ جدلاً وهم يعلمون بطلان دليلهم، إذ ليس كلّ معبود حصب جهنم، بل المعبود الذي دعا الناس إلى عبادته كفرعون لا كالمسيح الذي كان عابداً لله رافضاً للشرك، فاستدلالهم كان مبنياً على الجدل وإنكار الحقيقة، وهذا هو المراد من قوله: (ما ضربوه لك إلاّ جدلاً بل هم قوم خصمون ).

ولذلك بدأ سبحانه يشرح موقف المسيح وعبادته وتقواه و انّه كان آية من آيات الله سبحانه، وقال: (إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثلاً لِبَني إِسرائيل)، أي آية من آيات الله لبني إسرائيل، فولادته كانت معجزة، وكلامه في المهد معجزة ثانية وإحياوَه الموتى معجزة ثالثة، فلم يكن يدعو قطُّ إلى عبادة نفسه.

ثمّ إنّه سبحانه من أجل تحجيم شبهة حاجته إلى عبادة الناس، يقول: (وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَة في الاََرض يخلفُون ) أي يطيعون الله ويعبدونه، فليس الاِصرار على عبادتكم وتوحيدكم إلاّ طلباً لسعادتكم لا لتلبية حاجة الله ، وإلاّ ففي وسعه سبحانه أن يخلقكم ملائكة خاضعين لاَمره.

ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى خصيصة من خصائص المسيح، وهي انّ نزوله من السماء في آخر الزمان آية اقتراب الساعة.


(245)

إلى هنا تم تفسير الآية، وأمّا التمثيل فقد تبين ممّا سبق حيث شبهوا آلهتهم بالمسيح ورضوا بأن تكون مع المسيح في مكان واحد وإن كان هو النار. فالذي يصلح لاَن يكون مثلاً إنّما هو قوله: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً ) وقد عرفت انّ الضارب هو ابن الزبعرى، وأمّا قوله: (وَجَعَلناه مثلاً لبنى إِسرائيل ) فالمثل فيه بمعنى الآية.

إيقاظ:

ربما عُدّت الآية التالية من الاَمثال القرآنية: (وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحاتِ وَآمنُوا بِما نُزّلَ على مُحمّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِنْ رَبّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّ الّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وَأَنَّ الّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِنْ رَبّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ )(1) والظاهر انّ المثل في الآية بمعنى الوصف لا بمعنى التمثيل المصطلح، أي تشبيه شيء بشيء ويعلم ذلك من خلال تفسير الآيات.

تفسير الآيات

"بال" البال: الحال التي يكترث بها، ولذلك يقال:ما باليت بكذا بالةً أي ما اكترثت به، قال: (كفّر عَنْهُمْ سَيّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالهُم )، وقال: (فَما بال القُرونالاَُولى ) أي حالهم وخبرهم، و يعبَّر بالبال عن الحال الذي ينطوي عليه الاِنسان، فيقال خطر كذا ببالي. (2)


1- محمد:2 ـ 3.

2- مفردات الراغب: 67 مادة بال.

(246)

إنّ هذه الآيات بشهادة ما تليها تبين حال كفّار قريش و مشركي مكة الذين أشعلوا فتيل الحرب في بدر. فقال: (انّ الّذين كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبيلِ الله ) أي منعوا الآخرين من الاهتداء بهدى الاِسلام، فهوَلاء أضلّ أعمالهم، أي أحبط أعمالهم وجعلها هباءً منثوراً. فلا ينتفعون من صدقاتهم وعطياتهم إشارة إلى غير واحد من صناديد قريش الذين نحروا الاِبل في يوم بدر و قبله.

فيقابلهم الموَمنون كما قال: (وَالّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات وَآمنوا بِما نزّل على محمّد وَهُوَ الحَقّ مِنْ رَبّهِمْ ).

فلو انّه سبحانه أضلّ أعمال الكافرين وأحبط ما يقومون به من صدقات، لكنّه سبحانه من جهةأُخرى جعل صالح أعمال الموَمنين كفارة لسيئاتهم وأصلح بالهم.

فشتّان ما بين كافر وصادّ عن سبيل الله ، يحبط عمله.

وموَمن بالله و بما نزّل على محمد، يكفّر سيئاته بصالح أعماله.

ومن هذا التقابل علم مكانة الكافر والموَمن، كما علم نتائج أعمالهما.

ثمّ إنّه سبحانه يدلّل على ذلك بأنّ الكافرين يقتفون أثر الباطل ولذلك يضل أعمالهم، وأمّا الموَمنون فيتبعون الحقّ فينتفعون بأعمالهم، وقال: (ذلك بأَنَّ الّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وَأَنَّ الّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِنْ رَبّهِمْ ).

وفي ختام الآية الثانية، قال: (كذلِكَ يضرب الله للنّاس أمثالهم ) أي كذلك يبين حال الموَمن والكافر و نتائج أعمالهما و عاقبتهما.

وعلى ذلك فالآية ليست من قبيل التمثيل، بل بمعنى الوصف، أي كذلك يصف سبحانه للناس حال الكافر والموَمن و عاقبتهما. فليس هناك أي تشبيه


(247)

وتنزيل، وإنّما الآيات سيقت لبيان الحقيقة، فالآية الا َُولى تشير إلى الكافر و نتيجة عمله، والآية الثانية تشير إلى الموَمن و مصير عمله ،و الآية الثالثة تذكر علة الحكم، وهو انّ الكافر يستقي من الماء العكر حيث يتبع الباطل والموَمن ينهل من ماء عذب فيتبع الحقّ.


(248)

محمد

48

التمثيل الثامن و الاَربعون

(مَثَلُ الْجَنَّةِ الّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَير آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصفىً وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِوَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمعاءَهُمْ ). (1)

تفسير الآية

"آسن" يقال: أسن الماء، يأسن: إذا تغير ريحه تغيراً منكراً، وماء غير آسن: أي غير نتن.

"الحميم":الماء الشديد الحرارة.

قوله: "مثل الجنة" أي وصفها وحالها، وهو مبتدأ خبره محذوف، أي جنة فيها أنهار. فلو أردنا أن نجعل الآية من آيات التمثيل فلابدّ من تصور مشبه و هو الجنة الموعودة، ومشبه به وهو جنة الدنيا بما لها من الخصوصيات.

ولكن الظاهر انّ الآية صيغت لبيان حال الجنة ووصفها وسماتها، وهي كالتالي :


1- محمد:15.

(249)

1. فيها أنهار أربعة وهي عبارة عن:

أ: (أنهار من ماء غير آسن ) أي الماء الذي لا يتغير طعمه ورائحته ولونه لطول البقاء.

ب: (أنهار من لبن لم يتغير طعمه )، ولا يعتريها الفساد بمرور الزمان.

ج: أنهار من خمر لذة للشاربين، فتقييد الخمر بكونه لذة للشاربين احتراز عن خمر الدنيا ،و قد وصف القرآن الكريم خمر الجنة في آية أُخرى، وقال: (يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأسٍ مِنْ مَعِين * بَيضاءَ لَذّةٍ للشّارِبينَ * لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُون ). (1)فقوله: (لذّة للشاربين ) أي ليس فيها ما يعتري خمر الدنيا من المرارة والكراهة، فقوله: (لا فيها غول )، أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها،وقوله: (ولا هم عنها ينزفون ) أي يسكرون. وبذلك يمتاز خمر الآخرة على خمر الدنيا.

د: أنهار من عسل مصفّى وخالص من الشمع.

وهذه الاَنهار الاَربعة لكلّ غايته و غرضه: فالماء للارتواء، و الثاني للتغذّي، والثالث لبعث النشاط والروح، والرابع لاِيجاد القوة في الاِنسان.

2. وفيها وراء ذلك من كلّ الثمرات، كما قال سبحانه: (وَلَهُمْ فيها مِنْ كُلّ الثَّمرات ) فالفواكه المتنوعة تحت متناول أيديهم لا عين رأتها و لا أُذن سمعتها ولا خطرت على قلب بشر.

3. وفيها وراء هذه النعم المادية، نعمة معنوية يشير إليها بقوله: (وَمَغْفِرة مِنْ رَبّهِم ).


1- الصافات:45ـ 47.

(250)

وبذلك تبيّن لنا وصف الجنة وحال المتقين فيها، بقي الكلام في تبيين حال أهل الجحيم ومكانهم، فأشار إليه بقوله:

(كمن هُوَ خالِدٌ في النّار ) هذا وصف أهل الجحيم، وأمّا ما يرزقون فهو عبارة عن الماء الحميم لا يشربونه باختيارهم وإنّما يسقون، ولذلك يقول سبحانه : (وسقوا ماءً حميماً) الذي يقطّع أمعاءهم كما قال: (فقطّع أمعاءهم ).

وعلى كلّ تقدير، فلو قلنا :إنّ الآية تهدف إلى تشبيه جنة الآخرة بجنة الدنيا التي فيها كذا وكذا فهو من قبيل التمثيل، وإلاّ فالآية صيغت لبيان وصف جنة الآخرة وانّ فيها أنهاراً وثماراً ومغفرة.

والظاهر هو الثاني، فالاَولى عدم عدّ هذه الآية من الاَمثال القرآنية وإنّما ذكرناها تبعاً للآخرين.


(251)

الفتح

49

التمثيل التاسع والاَربعون

(هُوَ الّذي أرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدّينِ كُلّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهيداً * مُحَمّدٌ رَسُولُ الله وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ على الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللهِ وَرِضواناً سيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الاِِنْجِيلِ كَزَرعٍ أَخْرَجَ شطأهُ فَآزره فَاسْتَغْلَظَ فَاستَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجراً عَظِيماً ). (1)

تفسير الآيات

"السيماء": العلامة، فقوله: (سيماهم في وجوههم )، أي علامة إيمانهم في وجوههم.

شطأ الزرع: فروخ الزرع، وهو ما خرج منه، وتفرع في شاطئيه أي في جانبيه وجمعه إشطاء، وهو ما يعبر عنه بالبراعم.

"الاَزر": القوة الشديدة ، آزره أي أعانه وقوّاه.

"الغلظة" :ضد الرقة.


1- الفتح:28 ـ 29.

(252)

"السوق" :قيل هو جمع ساق.

القرآن يتكلم في هاتين الآيتين عن النبي تارة و أصحابه أُخرى:

أمّا الاَوّل فيعرّفه بقوله: (هُوَ الّذي أرسَلَ رَسُولهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدّينِ كُلّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهيداً ) والضمير "ليظهره" يرجع إلى دين الحقّ لا الرسول، لاَنّ الغاية ظهور دين على دين لا ظهور شخص على الدين، والمراد من الظهور هو الغلبة في مجال البرهنةوالانتشار، وقد تحقّق بفضله سبحانه و سوف تزداد رقعة انتشاره فيضرب الاِسلام بجرانه في أرجاء المعمورة، ولا سيما عند قيام الاِمام المهدي المنتظر (عليه السلام) .

يقول سبحانه في هذا الصدد: (محمّد رسول الله ) أي الرسول الذي سوف يغلب دينه على الدين كله، وقد صرح باسمه في هذه الآية، إلاّ أنّه أجمل في الآية الاَُولى ، و قال: "أرسل رسوله".

إلى هنا تمّ بيان صفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسماته، و أمّا صفات أصحابه فجاء ذكرهم في التوراة و الاِنجيل.

أمّا التوراة فقد جاء فيها وصفهم كالتالي:

1. (والّذين معه أشداء على الكفّار )، الذين لا يفهمون إلاّ منطق القوة، فلذلك يكونون أشداء عليهم.

2. (رُحماء بَينهم ) فهم رحماء يعطف بعضهم على بعض ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : مثل الموَمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. (1)


1- مسند أحمد بن حنبل: 4|270 و 268 و 274.

(253)

3. (تراهم ركّعاً سُجّداً )، هذا الوصف يجسّد ظاهر حالهم و انّهم منهمكون في العبادة، فلذلك يقول: (تراهم ركعاً سجداً )، أي تراهم في عبادة، التي هي آية التسليم لله سبحانه.

ومع ذلك لا يبتغون لعبادتهم أجراً وإنّما يأملون فضل الله ، كما يقول : (يبتغون فضلاً من الله ورضواناً )، ولعل القيد الاَخير إشارة إلى أنّ الحافز لاَعمالهم هوكسب رضاه سبحانه.

ومن علائمهم الاَُخرى انّ أثر السجود في جباههم، كما يقول : (سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) فسيماهم ووجوههم تلمح إلى كثرة عبادتهم وسجودهم وخضوعهم لله سبحانه، وهذه الصفات مذكورة أيضاً في الاِنجيل.

إنّ أصحاب محمد لم يزالوا يزيدون باطّراد في العدة والقوة وبذلك يغيظون الكفار، فهم كزرع قوي وغلظ وقام على سوقه يعجب الزارعين بجودة رشده.

ولم يزالوا في حركة دائبة ونشيطة، فمن جانب يعبدون الله مخلصين له الدين بلا رياء ولا سمعة، و من جانب آخر يجاهدون في سبيل الله بغية نشر الاِسلام ورفع راية التوحيد في أقطار العالم.

فعملهم هذا يغيظ الكفار ويسرّ الموَمنين ، قال سبحانه: (ومثلهم في الاِنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفّار ).

فالمجتمع الاِسلامي بإيمانه وعمله وجهاده وحركته الدوَوبة نحو التكامل يثير إعجاب الاَخلاّء وغيظ الاَلدّاء.

ثمّ إنّه سبحانه وعد طائفة خاصة من أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) مغفرة وأجراً


(254)

عظيماً، وذلك لاَنّ المنافقين كانوا مندسّين في صفوف أصحابه، فلا يصح وعد المغفرة لكلّ من صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورآه وعاش معه وقلبه خال من ا لاِيمان ، ولذلك قال سبحانه: (وَعَدَ اللهُ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات مِنْهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْراً عظيماً ) فكلمة "منهم" تعرب عن أنّ المغفرة لا تعم جميع الاَصحاب بل هي مختصة بطائفة دون أُخرى.

وما ربما يقال من أنّ "من" بيانية لا تبعيضية غير تام.

لاَنّ «من» البيانية لا تدخل على الضمير، ويوَيد ذلك قوله: (وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النّفاقِ لاتَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) . (1)

والحاصل: انّه لا يمكن القول بشمول أدلة المغفرة والاَجر العظيم لقاطبة من صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنّهم على أصناف شتى.

فمن منافق معروف، عرّفه الذكر الحكيم بقوله: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُون).(2)

إلى آخر مختفٍ لا يعرفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِ المَدينَة مَرَدُوا علَى النّفاق لا تعلَمهم نَحنُ نَعْلَمهم ) .

إلى ثالث يصفهم الذكر الحكيم بمرضى القلوب، ويقول: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً ) . (3)

إلى رابع سمّاعون لنعق كل ناعق فهم كالريشة في مهب الريح يميلون


1- التوبة:101.

2- المنافقون:1.

3- الاَحزاب:12.

(255)

تارة إلى المسلمين وأُخرى إلى الكافرين، يصفهم سبحانه بقوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً وَلاَوضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمين ) . (1)

إلى خامس خالط العمل الصالح بالسيّء يصفهم سبحانه بقوله: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وآخَرَ سَيّئاً ) . (2)

إلى سادس أشرفوا على الارتداد، عرّفهم الحق سبحانه بقوله: (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقّ ظَنَّ الجاهِليةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الاََمْرِ مِنْ شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الاََمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ) . (3)

إلى سابع يصفه القرآن فاسقاً، و يقول: (يا أَيّها الّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأٍ فَتَبَيَّنُوا أن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِين ) . (4)

والمراد هو الوليد بن عقبة صحابي سمي فاسقاً، وقال تعالى: (فَإِنَّ اللهَ لا يَرضَى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِين ).(5)

إلى ثامن يصفهم الذكر الحكيم مسلماً غير موَمن و يصرِّح بعدم دخول الاِيمان في قلوبهم، و يقول: (قالَتِ الاََعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُوَْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلمّا يَدْخُلِ الاِِيمانُ فِي قُلُوبِكُم ) . (6)

إلى تاسع أظهروا الاِسلام لاَخذ الصدقة لا غير، وهم الذين يعرفون


1- التوبة:47.

2- التوبة:102.

3- آل عمران:154.

4- الحجرات:6.

5- التوبة:96.

6- الحجرات:14.

(256)

بالموَلّفة قلوبهم، قال: (إِنّما الصّدقاتُ لِلْفُقَراءِوَالْمَساكِين وَالعامِلِينَ عَلَيْها وَالمُوَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) . (1)

إلى عاشر يفرّون من الزحف فرار الغنم من الذئب، يقول سبحانه:

(يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الّذينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الاََدْبار* وَمَنْ يُوَلِّهْم يَومَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحيِّزاً إِلى فئِةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمأْواهُ جَهَنَّمُ وَبئسَ المَصير ) . (2)

وكم نطق التاريخ بفرار ثلّة من الصحابة من ساحات الوغى، يقول سبحانه عند ذكر غزوة أُحد: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ) (3)، ولم يكن الفرار مختصاً بغزوة أُحد بل عمّ غزوة حنين أيضاً، يقول سبحانه: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَة وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الاََرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِين ). (4)

هذه إلمامة عابرة بأصناف الصحابة المذكورة في القرآن الكريم، أفيمكن وعد جميع هذه الاَصناف بالمغفرة؟!

مضافاً إلى آيات أُخرى تصف أعمالهم.

نعم كان بين الصحابة رجال مخلصون يستدرُّ بهم الغمام، و قد وصفهم سبحانه في غير واحد من الآيات التي لا تنكر.

والكلام الحاسم: انّ وعد المغفرة لصنف منهم لا لجميع الاَصناف، كما أنّ عدالتهم كذلك.


1- التوبة:60.

2- الاَنفال:15ـ 16.

3- آل عمران:153.

4- التوبة:25.

(257)

الحديد

50

التمثيل الخمسون

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الاََمْوالِ وَالاََولادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهيجُ فَتَراهُ مُصْفَرّاً ثُمّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الحَياةُ الدُّنيا إِلاّ مَتاعُ الغُرُور ). (1)

تفسير الآية

"الكفّار": جمع الكافر بمعنى الساتر، والمراد الزارع، ويطلق على الكافر بالله لستره الحق، والمراد في المقام الزارع، لاَنّه يستر حبّه تحت التراب ويغطّيها به، يقول سبحانه : (كَزَرْعٍ ... يُعْجِبُ الزُّرّاعَ ). (2)

"هيج": يقال: هاج البقل يهيج، أي أصفرّ، والمراد في قوله: (ثُمّ يهِيج ) أي ييبس (فتراه مصفرّاً ) أي إذا قارب اليبس .

و"الحطام" بمعنى كسر الشيء، قال سبحانه: (لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ ) . (3)


1- الحديد:20.

2- الفتح:29.

3- النمل:18.

(258)

فالآية تتضمن أمرين:

الاَمر الاَوّل: ترسيم الحياة الدنيا والمراحل المختلفة التي تمر على الاِنسان:

أ: اللعب، ب: اللهو، ج: الزينة، د: التفاخر، هـ: التكاثر في الاَموال والاَولاد.

والاَمر الثاني: تشبيه الدنيا بداية ونهاية بالنبات الذي يعجب الزارع طراوته ونضارته، ثمّ سرعان ما يتحول إلى عشب يابس تذروه الرياح.

ثمّ استنتج من هذا التمثيل: انّ الحياة الدنيا متاع الغرور، أي وسيلة للغرور و المتعة، يغتر بها المخلدون إلى الاَرض يتصورونها غاية قصوى للحياة، ولكنّها في نظر الموَمنين قنطرة للحياة الاَُخرى لا يغترّون بها، بل يتزودّون منها إلى حياتهم الاَُخروية.

هذا هو ترسيم إجمالي لمفهوم الآية، والتمثيل إنّما هو في الشق الثاني منها، فلنرجع إلى تفسير كلّ من الاَمرين.

إنّ حياة الاِنسان من لدن ولادته إلى نهاية حياته تتشكل من مراحل خمس:

المرحلة الاَُولى: اللعب

واللعب هو محل منظوم لغرض خيالي كلعب الاَطفال، وهي تقارن حياة الاِنسان منذ نعومة أظفاره وطفولته، ويتخذ ألواناً مختلفة حسب تقدم عمره، وهو أمر محسوس عند الاَطفال.

المرحلة الثانية: اللهو

واللهو ما يشغل الاِنسان عمّا يهمه، وهذه المرحلة تبتديَ حينما يبلغ


(259)

ويشتد عظمه، فتجد في نفسه ميلاً و نزوعاً إلى الملاهي وغيرها.

المرحلة الثالثة: حب الزينة.

والزينة نظير ارتداء الملابس الفاخرة والمراكب البهية والمنازل العالية، وجنوحه إلى كل جمال وحسن.

المرحلة الرابعة: التفاخر.

إذا تهيّأ للاِنسان أسباب الزينة يأخذ حينها بالمفاخرة بالاَحساب والاَنساب، وما تحت يديه من الزينة.

المرحلة الخامسة: التكاثر في الاَموال و الاَولاد.

وهذه المرحلة هي المرحلة الخامسة التي يصل فيها الاِنسان إلى مرحلة من العمر يفكر في تكثير الاَموال والاَولاد، ويشيب على ذلك الاِحساس.

ثمّ إنّ تقسيم المراحل التي تمر على الاِنسان إلى خمس، لا يعني انّ كلّ هذه المراحل تمر على الاِنسان بلا استثناء، بل يعني انّها تمر عليه على وجه الاِجمال، غير انّ بعض الناس تتوقف شخصيتهم عند المرحلتين الاَُوليين إلى آخر عمره، فيكون اللعب واللهو أهم مائز في سلوكهم، كما أنّ بعضهم تمر عليه المرحلة الثالثة والرابعة فيحرص على ارتداء الملابس الفاخرة والتفاخر بما لديه من أسباب.

روي عن الشيخ البهائى انّ الخصال الخمس المذكورة في الآية مترتبة بحسب سني عمر الاِنسان ومراحل حياته، فيتولّع أوّلاً باللعب وهو طفل أو مراهق، ثمّ إذا بلغ واشتد عظمه تعلّق باللهو و الملاهي، ثمّ إذا بلغ أشده اشتغل بالزينة من الملابس الفاخرة والمراكب البهية والمنازل العالية وتوله للحسن


(260)

والجمال، ثمّ إذا اكتهل أخذ بالمفاخرة بالاَحساب والاَنساب، ثمّ إذا شاب سعى في تكثير المال والولد. (1)

هذا ما يرجع إلى بيان حال الدنيا من حيث المراحل التي تمر بها.

الاَمر الثاني: أي التمثيل الذي يجسد حال الدنيا ويشبهها بأرض خصبة يصيبها مطر غزير، فتزدهر نباتها على وجه يعجب الزرّاع، ولكن سرعان ما تذهب طراوتها وتفارقها فيصيبها الاِصفرار واليبس وتذروها الرياح في كلّ الاَطراف وتصبح كأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً، و عند ذلك تتجلّى الحقيقة أمام الاِنسان وانّه اغتر بطراوة هذه الروضة .

وهكذا حال الدنيا فيغتر الاِنسان بها ويخلد إليها، ولكن سرعان ما تسفر له عن وجهها وتكشف عن لثامها ، وعلى أية حال فالآية تهدف إلى تحقير الدنيا وتعظيم الآخرة.


1- الميزان:19|164.

(261)

الحشر

51

التمثيل الواحد و الخمسون

(لاَ يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ* كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيم ). (1)

تفسير الآيات

"الحصن" :جمعه حصون، والقرى المحصنة التي تحيطها القلاع المنيعة التي تمنع من دخول الاَعداء.

البأس والبأساء: الشدة.

الوبال: الاَمر الذي يخاف ضرره.

الآية تصف حال بني النضير من اليهود الذين أجلاهم الرسول وقد تآمروا على قتله، وكيفية الموَامرة مذكورة في كتب التاريخ، فأمرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) بالجلاء وترك الاَموال و قد كانوا امتنعوا من تنفيذ أمر الرسول ، و كان المنافقون يصرّون عليهم بعدم الجلاء وانّهم يناصرونهم عند نشوب حرب بينهم وبين المسلمين، فبقي بنو النضير أياماً قلائل في قلاعهم لا يجلون عنها بغية وصول إمدادات تعزّز قواهم.


1- الحشر:14ـ15.

(262)

فالآيات تشرح حالهم بإمعان وتخبر بأنّهم "لا يقاتلونكم" معاشر الموَمنين جميعاً إلاّ في قرى محصنة، أي لا يبرزون لحربكم خوفاً منكم، وإنّما يقاتلونكم متدرّعين بحصونهم، أو "من وراء جدر"، أي يرمونكم من وراء الجدر بالنبل والحجر.

(بأسهم بينهم شديد )، والمراد من البأس هو العداء، أي عداوة بعضهم لبعض شديدة، فليسوا متّفقي القلوب، ولذلك يعقبه بقوله: (وقلوبهم شتى )، ثمّ يعلل ذلك بقوله: (ذلك بأنّهم لا يعقلون ) .

ثمّ يمثّل لهم مثلاً، فيقول: إنّ مثلهم في اغترارهم بعددهم وعدّتهم وقوتهم (كمثل الذين من قبلهم )، و المراد مشركو قريش الذين قتلوا ببدر قبل جلاء بني النضير بستة أشهر، ويحتمل أن يكون المراد قبيلة بني قينقاع حيث نقضوا العهد فأجلاهم رسول الله بعد رجوعه من بدر.

فهوَلاء (ذاقوا وبال أمرهم )، أي عقوبة كفرهم ولهم عذاب أليم.


(263)

الحشر

52

التمثيل الثاني و الخمسون

(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ للاِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنكَ إِنّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ ) . (1)

تفسير الآية

هذه الآية أيضاً ناظرة إلى قصة بني النضير، فلمّا تآمروا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) بالجلاء، ولكنّ المنافقين وعدوهم بالنصر، فقالوا لهم: (لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم) .

ولكن كان ذلك الوعد كاذباً، ولذلك يقول سبحانه: (والله يشهد انّهم لكاذبون ) وآية كذبهم : (لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الاََدْبارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُون ) . (2)

ولقد صدق الخبر الخبر ، فأجلاهم الرسول بقوة وشدة، فما ظهر منهم أي نصر وموَازرة و دعم، فكان وعدهم كوعد الشيطان، إذ قال للاِنسان أكفر فلمّا كفر قال إنّي بريء منك إنّي أخاف الله ربّ العالمين، بمعنى انّه أمره بالكفر ولكنّه تبرّأ منه في النهاية.

وهل المخاطب في قوله: "اكفر" مطلق الاِنسان الذي ينخدع بأحابيل


1- الحشر:16.

2- الحشر:12.

(264)

الشيطان و وعوده الكاذبة ثمّ يتركه و يتبرّأ منه، أو المراد شخص معين؟ وجهان.

فلو قلنا بالثاني، فقد وعد الشيطان قريشاً بالنصر في غزوة بدر، كما يحكي عنه سبحانه، و يقول (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنّي بَرِىءٌ مِنْكُمْ إِنّي أَرى ما لاَ تَرَوْنَ إِنّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ العِقابِ ) . (1)

وهناك قول ثالث، و هو انّ الشيطان وعد عابداً من بني إسرائيل اسمه برصيصا حيث انخدع بالشيطان و كفر، وفي اللحظات الحاسمة تبرّأ الشيطان منه. ذكر المفسرون انّ برصيصا عبد الله زماناً من الدهر حتى كان يوَتى بالمجانين يداويهم و يعوّذهم فيبرأون على يده، و انّه أُتِي بامرأة في شرف قد جنّت و كان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزيّن له حتى وقع عليها، فحملت، فلمّا استبان حملها قتلها ودفنها، فلمّا فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب و انّه دفنها في مكان كذا، ثمّ أتى بقية إخوتها رجلاً رجلاً فذكر ذلك له، فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آت فذكر لي شيئاً يكبر عليّ ذكره، فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه فأقرّ لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلمّا رفع على خشبته تمثّل له الشيطان، فقال: أنا الذي ألقيتك في هذا، فهل أنت مطيعي فيما أقول لك، أُخلصك مما أنت فيه؟ قال : نعم، قال: اسجد لي سجدة واحدة، فقال: كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة، فقال: اكتفي منك بالاِيماء فأُوحى له بالسجود، فكفر بالله ، وقتل الرجل. (2)


1- الاَنفال: 48.

2- مجمع البيان:5|265.

(265)

الحشر

53

التمثيل الثالث و الخمسون

(لَوْ أَنْزَلْنا هذَا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدّعاً مِنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الاََمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) . (1)

تفسير الآية

"الخشوع": الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح على عكس الضراعة، فانّ أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب، وقد روي إذا ضرع القلب خشعت الجوارح.

ويوَيد ما ذكره انّه سبحانه ينسب الخشوع إلى الاَصوات و الاَبصار، و يقول: (وخشعت الاَصوات )، (خاشعة أبصارهم )، (أبصارهم خاشعة ) .

ولو أردنا أن نُعرّفه، فنقول: هو عبارة عن السكينة الحاكمة على الجوارح مستشعراً بعظمة الخالق.

و "التصدع": التفرق بعد التلاوَم.

إنّ للمفسرين في تفسير الآية رأيين:

أحدهما: انّه لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، مع ما له من الغلظة والقسوة


1- الحشر:21.

(266)

وكبر الجسم وقوة المقاومة قبال النوازل، لتأثّر وتصدّع من خشية الله ، فإذا كان هذا حال الجبل، فالاِنسان أحقّ بأن يخشع لله إذا تلا آياته.

فما أقسى قلوب هوَلاء الكفّار وأغلظ طباعهم حيث لا يتأثرون بسماع القرآن واستماعه وتلاوته.

ثانيهما: انّ كلّ من له حظّ في الوجود فله حظ من العلم والشعور، و من جملتها الجبال فلها نوع من الاِدراك والشعور، كما قال سبحانه: (وَإِنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاََنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ مِنْها لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ). (1)

فعلى هذا، فمعنى الآية انّ هذا القرآن لو نزل على جبل لتلاشى و تصدّع من خشية الله ، غير انّه لم ينزل عليه.

وعلى كلا المعنيين، فليست الآية من قبيل التمثيل أي تشبيه شيء بشىء، بل من قبيل وصف القرآن و بيان عظمته بما يحتوى من الحقائق والاَُصول، وإنّها على الوصف التالي: "لو أنزلناه على جبل لصار كذا و كذا".

نعم يمكن أن يعد لازم معنى الآية من قبيل التشبيه، وهو انّه سبحانه يشبّه قلوب الكفّار والعصاة الذين لا يتأثرون بالقرآن بالجبل والحجارة، وانّ قلوبهم كالحجارة لو لم تكن أكثر صلابة، بشهادة انّ الحجارة يتفجر منها الاَنهار أو تهبط من خشية الله ، فلاَجل ذلك جعلنا الآية من قبيل التمثيل وإن كان بلحاظ المعنى الالتزامي لها.


1- البقرة:74.

(267)

الجمعة

54

التمثيل الرابع والخمسون

(مَثَلُ الّذينَ حُمّلُوا التُّوراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الظّالِمِين ) . (1)

تفسير الآية

"الاَسفار":السَّفر : كشف الغطاء، ويختص ذلك بالاَعيان نحو سَفَرَ العمامة عن الرأس، و الخمار عن الوجه، إلى أن قال: والسّفْر الكتاب الذي يسفر عن الحقائق و جمعه أسفار. (2)

ذكر المفسرون انّه سبحانه لما قال: إنّه بعثه إلى الاَُميّين أخذت اليهود الآية ذريعة لاِنكار سعة رسالته، وقالوا: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم ) بعث إلى العرب خاصة ولم يبعث إليهم، فعند ذلك نزلت الآية و شبّهتهم بالحمار الذي يحمل أسفاراً لا ينتفع منها، إذ جاء في التوراة نعت الرسول والبشارة بمقدمه والدخول في دينه.

مضافاً إلى أنّه يمثل حال من يفهم معاني القرآن ولا يعمل به ويعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، و المراد من قوله (حُمّلُوا ) أي كلّفوا بالقيام بها، و قيل:


1- الجمعة:5.

2- مفردات الراغب: مادة "سفر " .

(268)

ليس هو من الحمل على الظهر، وإنّما هو من الحمالة بمعنى الكفالة والضمان ، ولذا قيل للكفيل: الحميل، والمراد والذين ضمنوا أحكام التوراة، ثمّ لم يحملوها، أي لم يأدّوا حقها ولم يحملوها حق حملها، فهوَلاء أشبه بالحمار، كما قال: (كَمَثَلِ الحِمار يَحْمِلُ أَسْفاراً ) .

وانتخب الحمار من بين سائر الحيوانات لما فيه من الذل و الحقارة ما ليس في غيره بل والجهل و البلادة، مضافاً إلى المناسبة اللفظية الموجودة بين لفظ الاَسفار والحمار.

فعلى كلّ تقدير فالآية تندّد باليهود، وفي الوقت نفسه تحذر عامة المسلمين في أن لا يكون حالهم حال اليهود، في عدم الانتفاع بالكتاب المنزل الذي فيه دواء كلّ داء وشفاء لما في الصدور.

وللاَسف الشديد أصبح القرآن بين المسلمين مهجوراً، إذ يتبرك به في العرائس، أو يجعل تعاويذ للاَطفال، أو زينة الرفوف، أو يقرأ في القبور إلى غير ذلك ممّا أبعد المسلمين عن النظر في القرآن بتدبّر .

ثمّ إنّه سبحانه يصف اليهود المكذبة للقرآن و آياته، بقوله: (بِئْسَ مَثَلُ القَومِ الّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي القَوم الظالِمين ).


(269)

التحريم

55

التمثيل الخامس والخمسون

(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوط كانَتا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبادِنا صالِحَينِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيئاً وَقيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلين ) . (1)

تفسير الآية

إنّ إحدى الاَساليب التربوية هي عرض نماذج واقعية لمن بلغ القمة في مكارم الاَخلاق وجلائلها أو سقط في حضيض مساوىَ الاَخلاق، والقرآن في هذه الآية يعرض زوجتين من زوجات الاَنبياء ابتليتا بالنفاق والخيانة ولم ينفعهما قربهما من أنبياء الله .

ثمّ إنّ الحافز لهذا التمثيل هو التنديد بزوجتي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) اللّتين اشتركتا في إفشاء سره، والغرض هو إيقافهما على أنّهما لا تنجوان من العذاب لمجرد مكانتهما من الرسول كما لم ينفع زوجة نوح و لوط، فواجهتا العذاب الاَليم.

يذكر سبحانه في هذه الصورة قصة إفشاء سرّ النبي بواسطة بعض أزواجه يقول: (وَإِذْ أَسَـرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَديثاً فَلَمّـا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ)


1- التحريم:10.

(270)

عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الخَبير ). (1)

وهذه الآية على اختصارها تشتمل على مطالب:

1. انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) أسرّ إلى بعض أزواجه حديثاً، كما يقول سبحانه: (وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثاً )، وأمّا ما هو السر الذي أسرّه إليها فغير واضح، ولا يمكن الاعتماد بما ورد في التفاسير من تحريم العسل على نفسه و غيره.

2. انّ هذه المرأة التي أسرّ إليها النبي لم تحتفظ بسره وأفشته، فحدّثت به زوجة أُخرى، كما يقول سبحانه: (فلمّا نبّأت به )، و المفسرون اتفقوا على أنّ الاَُولى منهما هي حفصة و الثانية هي عائشة.

وبذلك أساءت الصحبة وأفشت سر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، مع أنّ واجبها كان كتم هذا السر .

3. انّه سبحانه أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) به، كما يقول سبحانه: (وأظهره الله عليه) أي أطلعه الله عليه.

4. انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) عرّف حفصة ببعض ما ذكرت وأعرض عن ذكر كلّ ما أفشت، و كان (صلى الله عليه وآله وسلم ) قد علم جميع ذلك و لكنّه أخذ بمكارم الاَخلاق، فلم يذكر لها جميع ما صدر منها، والتغافل من خلق الكرام، و قد ورد في المثل: "مااستقصى كريم قط".

5. لما أخبر رسول الله حفصة بما أظهره الله عليه سألت، وقالت: من أخبرك بهذا؟ فأجاب الرسول: نبّأني العليم الخبير ، كما يقول سبحانه: (فلمّا )


1- التحريم:3.

(271)

نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير ).

وبما انّ مستمع السر كمفشيه عاص، يعود سبحانه يندّد بهما ويأمرهما بالتوبة، لاَجل ما كسبت قلوبهما من الآثام، وانّه لو لم تكُفَّا عن إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فاعلما انّ الله يتولّـى حفظه ونصرته، وأمين الوحي معين له وناصر يحفظه، وصالح الموَمنين وخيارهم يوَيدونه، وبعدهم ملائكة الله من أعوانه. كما يقول سبحانه: (ان تتوبا فقد صغت قلوبكما ) أي مالت إلى الاِثم، وإن تظاهرا عليه أي تعاونا على إيذاء النبي، فانّ الله مولاه وجبرئيل و صالح الموَمنين والملائكة بعد ذلك ظهير.

هاتان الآيتان توقفنا على مكانة الزوجتين من القيام بوظائف الزوجية، حيث إنّ حفظ الاَمانة من واجب الزوجة حيال زوجها، كما أنّ الآية الثانية تعرب عن مكانتهما عند الله سبحانه حيث تجعلهما على مفترق الطرق: إمّا التوبة لاَجل الاِثم، وإمّا التمادي في غيّهما وإحباط كلّ ما تهدفان إليه، لاَنّ له أعواناً مثل ربه والملائكة وصالح الموَمنين.

وبما انّ السورة تكفّلت بيان تلك القصة ناسب أن يمثل سبحانه حالهما بزوجتين لرسولين أذاعتا سرهما وخانتاهما.إذ لم تكن خيانتهما خيانة فجور لما ورد: ما بغت امرأة نبي قط، و إنّما كانت خيانتهما في الدين.

قال ابن عباس: كانت امرأة نوح كافرة تقول للناس: إنّه مجنون، وإذا آمن بنوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح، كما أنّ امرأة لوط دلّت على أضيافه.

وعلى كلّ حال فقد شاركت هذه الزوجات الاَربع في إذاعة أسرار أزواجهنّ، وبذلك صرن نموذجاً بارزاً للخيانة.

وقد كنَّ يتصورنّ انّ صلتهن بالرسل تحول دون عذاب الله ، ولم يقفن


(272)

على أنّ مجرد الصلة لا تنفع مالم يكن هناك إيمان وعمل صالح، قال سبحانه: (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَومَئِذٍ ) (1) وقال سبحانه مخاطباً بني آدم: (يا بَنِى آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) . (2)

ومن هنا تقف على أنّ صحبة الرسول لا تنفع مالم يضم إليه إيمان خالص وعمل صالح، فلا تكون مجالسة الرسول دليلاً على العدالة ولا على النجاة، وأصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) أمام الله سبحانه كالتابعين يحكم عليهم بما يحكم على التابعين، فكما أنّ الصنف الثاني بين صالح وطالح، فهكذا الصحابة بين صالح وطالح.


1- الموَمنون:101.

2- الاَعراف:35.

(273)

التحريم

56

التمثيل السادس والخمسون

(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلّذِينَ آمَنُوا امرأتَ فِرْعَون إِذْ قالَتْ رَبّ ابنِ لى عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الجَنّةِ وَنَجّني مِنْ فِرْعَونَ وَعَمَلِهِ وَنَجّني مِنَ الْقَومِ الظّالِمين* وَمَرْيم ابْنَتَ عِمْرانَ الّتي أحصَنَت فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقت بِكَلِماتِ رَبّها وَكُتُبهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتين ) . (1)

تفسير الآيات

"الحصن" :جمعه حصون وهي القلاع، ويطلق على المرأة العفيفة، لاَنّها تحصّن نفسها بالعفاف تارة وبالتزويج أُخرى.

القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، قوله: (كُلّ لَهُ قانِتُون ) أي خاضعون.

لما مثّل القرآن بنماذج بارزة للفجور من النساء أردفه بذكر نماذج أُخرى للتقوى والعفاف من النساء بلغن من التقوى والاِيمان منزلة عظيمة حتى تركن الحياة الدنيوية ولذائذها وعزفن عن كل ذلك بغية الحفاظ على إيمانهنّ، وقد مثل القرآن بآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، فقد بلغت من الاِيمان والتقوى بمكان انّها طلبت من الله سبحانه أن يبني لها بيتاً في الجنة، فقد آمنت بموسى


1- التحريم:11ـ12.

(274)

لمّا رأت معاجزه الباهرة ودلائله الساطعة، فأظهرت إيمانها غير خائفة من بطش فرعون و قد نقل انّه وتدها بأربعة أوتاد واستقبل بها الشمس.

هذه هي المرأة الكاملة التي ضحّت في سبيل عقيدتها واستقبلت الشهادة بصدر رحب ولم تعر للدنيا و زخارفها أيّة أهمية، وكان هتافها حينما واجهت الموت قولها: (ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجّني من فرعون وعمله ونجّني من القوم الظالمين ) .

فقولها: "عندك"، يهدف إلى القرب من رحمة الله ، وقولها: "في الجنة" يبين مكان القرب.

فقد اختارت جوار ربها والقرب منه وآثرت بيتاً يبنيه لها ربها على قصر فرعون الذي كان يبهر العقول، ولكن زينة الحياة الدنيا عندها نعمة زائلة لا تقاس بالنعمة الدائمة.

ثمّ إنّه سبحانه يضرب مثلاً آخر للموَمنات مريم ابنة عمران، ويصفها بقوله : (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدّقت بكلمات ربّها وكتبه وكانت من القانتين ) .

ترى أنّه سبحانه يصفها بالصفات التالية:

1. (أحصنت فرجها ) فصارت عفيفة كريمة وهذا بإزاء ما افتعله اليهود من البهتان عليها، كما يعرب عنه قوله سبحانه: (وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً)(1) وفي سورة الاَنبياء قوله: (وَالّتي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنَا فِيها مِنْ رُوحِنا).(2)


1- النساء:156.

2- الاَنبياء:91.

(275)

2. (فنفخنا فيه من روحنا ) : أي كونها عفيفة محصّنة صارت مستحقة للثناء والجزاء، فأجرى سبحانه روح المسيح فيها، وإضافة الروح إليه إضافة تشريفية، فهي امرأة لا زوج لها انجبت ولداً صار نبياً من أنبياء الله العظام.

وقد أُشير إلى هذين الوصفين في سورة الاَنبياء، قال سبحانه: (وَالّتي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنَا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَ ابْنَها آيَةً لِلْعالَمِين ) .

وهناك اختلاف بين الآيتين، فقد جاء الضمير في سورة الاَنبياء موَنثاً فقال: (فنَفخنا فيها من روحنا ) و في الوقت نفسه جاء في سورة التحريم مذكراً (فنفخنا فيه من روحنا ) .

وقد ذكر هنا وجه وهو:

إنّ الضمير في سورة الاَنبياء يرجع إلى مريم، وأمّا المقام فإنّما يرجع إلى عيسى، أي فنفخنا فيه حتى أنّ من قرأه "فيها" أرجع الضمير إلى نفس عيسى والنفس موَنثة.

أقول: هذا لا يلائم ظاهر الآية، لاَنّه سبحانه بصدد بيان الجزاء لمريم لاَجل صيانة فرجها، فيجب أن يعود الجزاء إليها، فالنفخ في عيسى يكون تكريماً لعيسى ولا يعد جزاءً لمريم.

3. (صدَّقت بكلمات ربّها وكتبه ) : ولعل المراد من الكلمات الشرائع المتقدمة، والكتب: الكتب النازلة، كما يحتمل أن يكون المراد الوحي الذي لم يكن على شكل كتاب.

4. (وكانت من القانتين ) : أي كانت مطيعة لله سبحانه، ومن القوم المطيعين لله الخاضعين له الدائمين عليه، وقد جيء بصيغة المذكر تغليباً، يقول


(276)

سبحانه: (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرّاكِعين ) . (1)

ونختم البحث بذكر ثلاث روايات:

1. روى الطبري، عن أبي موسى، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلاّ أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، و مريم بنت عمران، و خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد " (صلى الله عليه وآله وسلم ) . (2)

2. أخرج الحاكم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) : "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون مع ما قص الله علينا من خبرهما في القرآن (قالت ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنّة"). (3)

3. أخرج الطبراني، عن سعد بن جنادة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) : "إنّ الله زوجني في الجنة: مريم بنت عمران، وامرأة فرعون، وأُخت موسى".


1- آل عمران: 43.

2- مجمع البيان: 5|320.

3- و 4. الدر المنثور :8|229.

(277)

الملك

57

التمثيل السابع والخمسون

(أَمَّنْ هذا الّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَه بَل لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ* أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْههِ أَهْدى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيم ) . (1)

تفسير الآيات

"لجّ" :من اللجاج: التمادي و العناد في تعاطي الفعل المزجور عنه.

"عُتُوّ": التمرّد.

"النفور":التباعد عن الحقّ.

"مكب": من الكبو، و هو إسقاط الشيء على وجهه، قال سبحانه : (فَكُبَّتْ وُجُوهُهُم فِي النّار ) . ومنه قوله:"إنّ الجواد قد يكبو" أي قد يسقط، والمراد هنا بقرينة مقابله: (يمشي سوياً )، أي من يمشي ووجهه إلى الاَرض لا الساقط. وقال الطبرسي: أي منكساً رأسه إلى الاَرض، فهو لا يبصر الطريق ولا من يستقبله.

وأمّا الآيات فقد جاءت بصيغة السوَال بين الضالين الذين لجّوا في عتو ونفور وظلّوا متمسّكين بالاَوثان والاَصنام ، وبين المهتدين الذين يمشون في


1- الملك:21ـ22.

(278)

جادة التوحيد ولا يعبدون إلاّ الله القادر على كلّ شيء.

فمثل هوَلاء مثل من يمشي على أرض متعرجة غير مستوية يكثر فيها العثار ، وبالتالى يسقط الماشي مكباً على وجهه، ومن يمشي على جادة مستوية مستقيمة ليس فيها عثرات، فيصل إلى هدفه بسهولة.

فالاختلاف بين هاتين الطائفتين ليس في كيفية المشي، وإنّما الاختلاف في طريقهم حيث إنّ طرق الكفّار ملتوية متعرجة فيها عقبات كثيرة، وطريق المهتدين مستقيمة لا اعوجاج فيها، فعاقبة المشي في الطريق الاَُوّل هو الانكباب على الاَرض، وعاقبة المشى في الطريق الثاني هو الوصول إلى الهدف، فتأويل الآية : أفمن يمشي على طريق غير مستقيم بل متعرج ملتوٍ مكبّاً على وجهه أهدى أم من يمشي على صراط مستقيم بقامة مستقيمة.

قال العلاّمة الطباطبائي: والمراد أنّهم بلجاجهم في عتوّ عجيب ونفور من الحقّ، كمن يسلك سبيلاً و هو مكب على وجه لا يرى ما في الطريق من ارتفاع وانخفاض ومزالق ومعاثر ، فليس هذا السائر كمن يمشي سوياً على صراط مستقيم، فيرى موضع قدمه و ما يواجهه من الطريق على استقامة، وما يقصده من الغاية، وهوَلاء الكفّار سائرون سبيل الحياة وهم يعاندون الحقّ على علم به، فيغمضون عن معرفة ما عليهم أن يعرفوه والعمل بما عليهم أن يعملوا به، ولا يخضعون للحق حتى يكونوا على بصيرة من الاَمر ويسلكوا سبيل الحياة وهم مستوون على صراط مستقيم فيأمنوا الهلاك. (1)


1- الميزان:19|360ـ 361.

(279)

خاتمة المطاف

ربما عدّ غير واحد ممّن كتب في أمثال القرآن، الآية التالية منها:

(وَما جَعَلْنا أَصحابَ النّارِ إِلاّ مَلائكةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُم إلاّ فِتْنةً لِلّذينَ كَفَرُوا ليَستَيْقِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وَيَزدادَ الّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرتابَ الّذينَ أُوتُوا الكِتابَ وَالمُوَْمِنُونَ وَلِيَقُول الّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالكافِرُون ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلّ اللهُ مَن يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَمايَعْلمُ جنودَ رَبّكَ إِلاّ هُوَ وَماهِيَ إِلاّ ذِكرى لِلبَشر ) . (1)

تفسير الآية

لمّانزل قوله سبحانه (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ* و ما أدراكَ ما سَقَرُ*لا تُبْقِي ولا تَذَرُ* لواحَةٌ للبشرِ* عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ) . (2)

قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أُمّهاتكم أتسمعون ابن أبي كبيشة يخبركم انّ خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم (3) الشجعان، أفيعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم.


1- المدثر:31.

2- المدثر:26ـ 30.

3- الدهم: الجماعة الكثيرة.

(280)

فقال أبو أسد الجمحي: أنا أكفيكم سبعة عشر، عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، فأكفوني أنتم اثنين، فنزلت هذه الآية: (وَماجعلنا أصحاب النّار إلاّ ملائكة )، أي جعلنا أصحاب النار ملائكة أقوياء مقتدرون وهم غلاظ شداد، يقابلون المذنبين بقوة، وهم أمامهم ضعفاء عاجزون، ويكفي في قوتهم انّه سبحانه يصف واحداً منهم بقوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ) . (1)

فالكفّار ما قدروا الله حقّ قدره وما قدروا جنود ربّهم، وظنوا انّ كلّ جندي من جنوده سبحانه يعادل قوة فرد منهم.

ثمّ إنّه سبحانه يذكر الوجوه التالية سبباً لجعل عدتهم تسعة عشر:

1. (فتنةللذين كفروا ).

2. (ليستيقن الذين أُوتوا الكتاب ).

3. (يزداد الّذين آمنوا إيماناً ) .

4. (لا يرتاب الّذين أُوتوا الكتاب والموَمنون ) .

5. (وَليقول الّذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ) .

وإليك تفسير هذه الفقرات:

أمّا الاَُولى: فيريد انّه سبحانه لم يجعل عدتهم تسعة عشر إلاّ للاِفتتان والاختبار، قال سبحانه: (واعلموا انّما أموالكم وأولادكم فتنة ) أي يختبر بهم الاِنسان، فجعل عدتهم تسعة عشر يختبر بها الكافر والموَمن، فيزداد الكافر حيرة واستهزاءً ويزداد الموَمن إيماناً وتصديقاً، كما هو حال كلّ ظاهرة تتعلق بعالم الغيب. يقول سبحانه: (وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ )


1- النجم:5ـ 6.

(281)

إيماناً فَأَمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمَّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُون ) . (1)

ولا تظن انّ عمله سبحانه هذا يوجب تعزيز داعية الكفر، وهو أشبه بالجبر وإضلال الناس ووجه ذلك انّ الاستهزاء والابتعاد عن الحقّ أثر الكفر الذي اختاره على الاِيمان، فهذا هو السبب في أن تكون الآيات الاِلهية موجبة لزيادة الكفر والابتعاد عن الحقّ، والدليل على ذلك انّ هذه الآيات في جانب آخر نور وهدى وموجباً لزيادة الاِيمان و التصديق.

وأمّا الثانية: أي استيقان أهل الكتاب من اليهود والنصارى انّه حقّ وانّ محمّداً رسول صادق حيث أخبر بما في كتبهم من غير قراءة ولا تعلم.

وأمّا الثالثة: وهي ازدياد إيمان الموَمنين، وذلك بتصديق أهل الكتاب، فإذا رأوا تسليم أهل الكتاب و تصديقهم يترسخ الاِيمان في قلوبهم.

وأمّا الرابعة: أعني قوله: (ولا يرتاب الّذين أُوتوا الكتاب والموَمنون )، فهو أشبه بالتأكيد للوجه الثاني والثالث.

وفسره الطبرسي بقوله: وليستيقن من لم يوَمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) ومن آمن به صحة نبوته إذا تدبّروا وتفكّروا.

وأمّا الخامسة:وهي تقوّل الكافرين ومن في قلوبهم مرض بالاعتراض، بقولهم: ماذا أراد الله بهذا الوصف والعدد، وهذه الفقرة ليست من غايات جعل عدتهم تسعة عشر ، وإنّما هي نتيجة تعود إليهم قهراً، ويسمّى ذلك لام العاقبة، كما في قوله سبحانه: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ) (2) ومن


1- التوبة:124ـ 125.

2- القصص:8.

(282)

المعلوم انّ فرعون لم يتخذه لتلك الغاية وإنّما اتخذه ليكون ولداً له، كما في قول امرأته: (لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُون ) (1) و لكن ترتبت تلك النتيجة على عملهم شاءوا أم أبوا .

وهكذا المقام حيث أخذت الطائفتان أي الذين في قلوبهم مرض والكافرين بالاستهزاء، وقالوا: (ماذا أراد الله بهذا مثلاً ) .

وقد فسر قوله: (الّذين في قلوبهم مرض ) بالمنافقين، كما فسروا الكافرين بالمتظاهرين بالكفر من المشركين، غير انّ هنا سوَال، و هو انّ السورة مكية ولم تكن هناك ظاهرة النفاق و إنّما بدأت بالمدينة.

ولكن لا دليل على عدم وجود النفاق بمكة، إذ ليس الخوف سبباً منحصراً للنفاق، فهناك علل أُخرى وهي الاِيمان لاَجل العصبية والحميّة أو غير ذلك. يقول العلاّمة الطباطبائي: لا دليل على انتفاء سبب النفاق في جميع من آمن بالنبي بمكة قبل الهجرة وقد نقل عن بعضهم انّه آمن ثمّ رجع أو آمن عن ريب ثمّ صلح.

على أنّه تعالى يقول: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِين* وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقين)(2)(3)

ثمّ إنّه سبحانه يختم الآية بقوله: (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء )، أي الحقائق الناصعة والآيات الواضحة تتلقاها القلوب المختلفة تلقياً


1- القصص:9.

2- العنكبوت:10ـ11.

3- الميزان:20|90.

(283)

مختلفاً يهتدي بها فريق و يضل بها آخر حسب ما يشاء سبحانه، وليست مشيئته سبحانه خالية عن الملاك والسبب، فهدايته وإضلاله رهن اهتداء الاِنسان من هداياته العامة، فمن استهدى بها تشمله هدايته الثانية، وهي التي وردت في هذه الآية، ومن أعرض عنها فيشمله إضلاله سبحانه بمعنى قطع فيضه عنه.

الآية ليست من الاَمثال

ومع ما بذلنا من الجهد في تفسير الآيات، فالظاهر انّها ليست من قبيل التمثيل لما عرفت من أنّه عبارة عن تشبيه شيء بشيء وإفراغ المعنى المعقول في قالب محسوس لغاية الاِيضاح، ولكن الآيات لا تمتُّ إليه بصلة وإنّما هي بصدد بيان سبب جعل الزبانية تسعة عشر وانّ لها آثاراً خاصة.

وعلى ذلك فقوله سبحانه: (ماذا أَرادَ الله بِهذا مَثَلاً )، أي ماذا أراد الله به وصفاً، فالمثل في هذه الآية نظير ما ورد في سورة فرقان حيث بعد ما ذكر انّ المشركين وصفوه بأنّه رجل مسحور، قال: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الاََمْثالَ ) (1) أي انظر كيف وصفوك، فليس مطلق الوصف تمثيلاً.

تمَّ الكتاب ـ بحمد الله سبحانه ـ بيدموَلّفه جعفر السبحاني

وقد لاح بدر تمامه في شهر جمادى الآخرة من شهور عام 1420

من الهجرة النبوية على هاجرها آلاف الثناء والتحية

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

Website Security Test