welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 8*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مفاهيم القرآن / ج 8

مفاهيم القرآن
المعاد
في القرآن الكريم

تفسير موضوعي فريد من نوعه مبتكر في بابه
يتناول دراسة الآيات وفق موضوعاتها

الجزء الثامن

تأليف

العلاّمة
جعفر السبحاني


(2)

مفاهيم القرآن ـ المعاد في القرآن الكريم

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الموضوع:   تفسير موضوعي

المطبعة:   اعتماد ـ قم

الطبعة:   الأُولى

التاريخ:   1420 هـ

الكمية:   2000

صف وإخراج ونشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الإخراج الفني في صفحة wab : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) _ السيد محسن البطاط

توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء


(3)

كتاب كريم حبّره يراع الأُستاذ الفذ آية الله الشيخ محمد هادي «معرفة»

مؤلف كتاب «التمهيد في علوم القرآن» ننشره بإكبار وإجلال

التفسير الموضوعي
ضرورة رساليّة إسلاميّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.

أمّا بعد.. فممّا يبعث على اعتزاز هذه الأُمّة المرحومة اختصاصها بكتاب الله العزيز الحميد، المضمون له السلامة والبقاء عبر القرون.

قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)(1). وقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(2) .

الأمر الّذي يستدعي خلود هذه الأُمّة بخلود كتابها المجيد.. حاملةً رسالةً إلهية إلى الأجيال عبر الأيّام والعصور (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(3).

إنّ هذه الأُمّة تحمل رسالة إلهيّة إلى العالمين، وقد تضمّنها القرآن كلام رب العالمين. فكان على الأُمّة تبيينها والإيفاء بهذا الواجب بأداء ما عليها من وظيفة البلاغ والبيان، كما كان على نبيّها الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) من واجب البلاغ والبيان... قال

تعالى: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(4)، فقد كان عليه البيان والتفسير، كما كان عليه البلاغ والإنذار والتبشير.

وهكذا الواجب على الأُمّة الوسطى أن تقوم بواجب البيان إلى جنب واجب البلاغ.. فيكون إلى جنب الدعوة إلى الإسلام، تبيين أهدافه ومقاصده في إسعاد البشريّة.. والّتي تضمّنها القرآن، الكلام الإلهي الخالد.

القرآن يحمل رسالة إلى الناس: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلتي هِيَ أَقْوَمُ)(5). فَعَلى نُبَهاء الأُمّة وعلماء الملة أن يبلّغوا هذا النداء الصارخ، إلى الخافقين، ويُسمعوهم ما يحتويه من أهداف عالية ومقاصد زاكية. لا بقراءة اللفظ وتلاوة الكلام فحسب، بل بالشرح والتفصيل والتبيين والتفسير.

والتفسير على منهجين: ترتيبي (حسب النظم القائم في القرآن) وموضوعي (حسب المسائل المطروحة في القرآن).. فأيّهما المطلوب بالذات؟

لا شكّ أنّ الّذي تستدعيه طبيعة الدعوة، والّذي يطلبه الإنسان الواعي، الساعي وراء درك حقائق القرآن، هي: دراسة ما في القرآن من مفاهيم ومعارف أتحف بها البشرية، وآداب وتعاليم قدّمها للإنسان، ليسعد بها ويتصاعد على مدارج الكمال.

إنّ البشرية الآن بحاجة ماسّة إلى الوقوف على ما في القرآن من معارف وأحكام، وبانتظار ما يقدّمه علماء المسلمين إليهم من مسائل ومباحث أُصولية جاء بها القرآن كحقائق راهنة تُنير لها درب الحياة وتضيء للإنسان معالم السعادة وتؤمّن عليه كرامته في النشأتين.

إنّ الإنسان اليوم يتطلّع إلى معالم هذا الكتاب، والمعارف الّتي احتضنتها هذه الرسالة الإلهية الخالدة، الأمر الّذي استرعى انتباهه منذ حين، ولا يهمّه أن يكون لفظه كذا أو تعبيره كذا، إنّما يُهمّه أمر المحتوى وما تحتويه هذه الرسالة


1 . فاطر: 32 .
2 . الحجر: 9 .
3 . البقرة: 143 .
4 . النحل: 44 .
5 . الإسراء: 9 .


(4)

القرآنية، من مسائل جسام.

إذن فواجب العلماء أن يلفتوا أنظار العالمَ المتحضّر إلى هذا الجانب من كتاب الله، ويفرغوا ما بوسعهم في إبداء ما يحتضنه من مسائل ودلائل ومعارف وأحكام، وهو جانب خطير من التفسير الأصيل نُعبّر عنه بالتفسير الموضوعي.

والتفسير الموضوعي لم يُبد وجهَه سلفاً في سوى مقطّعات كانت بصورة دراسات قرآنية، غير مستوفاة ولا مستوعبة لكل مسائل القرآن دراسة موضوعية بحتة، إنّما جاء الخلف ـ ولا سيما في القرن الأخير ـ ليستكملوا هذا الأمر ويستوفوا من شؤونه في عرض شامل.

وأفضل من وجدته قائماً بأعباء هذا الأمر الخطير، مُشمّراً عن ساعد الجدّ، في استيفاء تام، وإحاطة علمية فائقة، هو العلم العلاّمة والمحقّق الفهّامة، زميلنا الأُستاذ الشيخ جعفر السبحاني، فلا زالت معالم العلم بضياء نوره وهّاجة، ودلائل التحقيق في ضوء دراساته فياضة.

فقد قام ـ ولله جدّ أمره ـ بدراسة مفاهيم القرآن والإفصاح عن معالمه، والإبانة عن دلائله ومسائله المعروضة بشكل مستوعب، وكانت عن جدارة علمية فائقة، وعن صلاحية ذاتية لائقة، قلّما يوجد مثيل دراساته القيمة، ولدلائله الواضحة اللائحة.

وكنت منذ تعرّفت إلى جنابه وتشرّفت بمطالعة كتابه، تشوّقت إلى الإزدياد من معرفة لباب تحقيقه والتشوّف إلى عباب فيض تنميقهو تنسيقه، فما أحسنه من تأليف أنيق وما أكرم مؤلّفه من استاذ محقق واسع الآفاق.

والكتب والدفاتر الّتي تحمل عنوان «الدراسات القرآنية ـ التفسير الموضوعي» كثيرة جادت بها قرائح وقّادة من علماء معاصرين، غير أنّ في غالبيتها خروجاً ـ بعض الشيء ـ عن اسلوب التفسير القرآني، إلى شكل مقالات تبحث عن مسائل إسلامية عريقة، كانت إحدى دلائلها آياتٌ من الذكر الحكيم، الأمر

الّذي كان يبعدها عن واقع الدراسات القرآنية البحتة، والّتي ترمي إلى فهم ما عرضه القرآن بالذات.

إنّ الدراسة القرآنية تستهدف وراء ما في القرآن من مسائل ودلائل عرضها للبشرية كودائع إلهيّة أورثها لعباده الذين اصطفى، أمّا مجرّد الاستناد إلى آية أو آيات، لغرض إثبات ما يرميه المقال، فلا يمسّ هذا الجانب، ولا يورثه هذا العنوان الزاهي.

ومن ثمّ، فإنّ الّذي يمتاز به، هذا المؤلَّف العظيم، على يد هذا المؤلِّف الكريم، هو جانب رعايته التامّة للحفاظ على كون الدراسة دراسة قرآنية، بما يحمله هذا العنوان من جليل المعنى وفخيم المحتوى .

فقد ركّز المؤلّف الجليل دراساته ـ بشكل مستوعب ـ على أساس جمع الآيات المترابطة، وضم بعضها إلى بعض، ليرفع من إجمال كل بما في أُخرى من بيان وتفصيل، وليكمل من قصور كل بما في الأُخرى من تمام وكمال، ثمّ صبّها في قالب دراسة موضوعية شاملة، حتّى إذا اكتمل البحث واستوفى هدفه، أردفه بسائر الدلائل والمسائل تتميماً للفائدة، وتكميلاً للعائدة.

والّذي يُلفت النظر في هذه الدراسات، هو جانب دقّتها والأخذ بجانب الحيطة والحذر عن أن يكون تحميلاً على القرآن دون أن يكون تبييناً له، الأمر الّذي ابتلي به غير واحد من المفسرين المتسرّعين، والّذي تجنّبه بشدة هذا المؤلَّف، في جميع مسائله ودلائله، حسبما تعرّفت إلى أكثر مبانيه ولمست أغلب مراميه.

هذا ما يجعله فذّاً فريداً وعلماً وحيداً يهتدى به إلى معالم القرآن المجيد، نفعنا الله به وبمؤلفه على ذمّة البقاء، آمين.

محمد هادي معرفة     
قم المقدسة        
رجب الأصب 1420 هـ


(5)

الحمد للّه الذي خلق الإنسان لغاية مُثلى ولم يخلقه عبثاً ولا سدى.

والصلاة والسلام على نبيّه محمد الذي فتح اللّه له من كنوز غيبه، وعلى آله عيبة أسراره وحملة شرعه وحفظة سننه.

أمّا بعد;

يوم الحشر و معاد الإنسان

لقد جُبل الإنسان على حب البقاء وكراهة الزوال و الفناء، و هذا أمر مشهود عند كلّ إنسان حتى أنّ الّذي ينتحر فهو يعدم وجوده و بقاءه، ولكنّه ـ في الحقيقة ـ يبغي من وراء ذلك، الوصول إلى الراحة التامة، لأنّ المشكلات والأزمات الحادّة، قد ضيّقت عليه الخناق فحدت به إلى القيام بهذه العملية، فهو بفعله هذا يدرأ خطر تلك الأزمات ليصل إلى عالم فسيح خال عنها.

وهذا الميل الفطري أوضح دليل على أنّ الموت ليس فناء للإنسان، فلو كان الموت ملازماً لفنائه يلزم عبث ذلك الميل المشاهَد عند كل إنسان .

وصفوة القول انّ الموت عبارة عن الخروج من حياة ضيقة إلى حياة أُخرى واسعة.


(6)

هذا ما تقضي به الفطرة عند تحليلها، بيد انّ الشرائع السماوية جاءت تفسر تلك الفطرة الإنسانية، ببيان انّ الموت انتقال من دار إلى دار، و من نشأة إلى نشأة أُخرى، ولذلك أصبح الإيمان بالمعاد ركناً أساسياً في العقائد على وجه لو طرح ذلك الأصل، لانهارت الشرائع قاطبة.

ولأجل تلك الأهمية ألقت بحوث المعاد بظلالها على القرآن الكريم و بلغت آيات المعاد 1400 آية أو أكثر من ذلك، ولذلك قلما تجد سورة في القرآن الكريم ليس فيها دعوة إلى الإيمان بالمعاد بالتصريح أو بالإشارة، ولو أخذنا تلك الآيات بنظر الاعتبار لتجاوز عددها أكثر ممّا ذكر.

فها نحن نخصّ هذا الجزء من كتاب مفاهيم القرآن بالبحث عن المعاد من منظار القرآن الكريم، ضمن فصول:


(7)

الفصل الأوّل:

أسماء القيامة في القرآن الكريم

إنّ الإيمان بالمعاد يشكِّل إجابة على أحد الأسئلة التي تراود الذهن الإنساني، وهي عبارة:

1. من أين جِئتُ؟، 2. لماذا جئتُ؟، 3. إلى أين أذهب؟

وكلّ إنسان ميّال بطبعه إلى الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة، وقد عجزت المناهج البشرية عن الإجابة عليها فلم يجد الإنسان بغيته فيها، فالإنسان في تلك المناهج ككتاب خطي سقط أوّله و آخره، فإذا سألتها عن مبدأ الإنسان والغاية المنشودة من وراء خلقته ومصيره بعد الموت لاعترفت بالعجز عن الإجابة، فكأنّه خلق لأن يعيش في هذه الدنيا كسائر الدواب يأكل و يشرب ثمّ يفنى.

وأمّا المناهج السماوية فقد أجابت عن تلك الأسئلة بأجوبة واضحة رصينة.

فتجيب عن السؤال الأوّل بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَة).(1)

كما أنّها تجيب عن السؤال الثاني بأنّ من وراء خلق الإنسان غاية تعدّ كمالاً


1 . الملك:23.


(8)

له، يقول سبحانه:(وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُون).(1)

كما أنّها تجيب عن السؤال الثالث بأنّ الحياة الدنيويّة قنطرة للحياة الأُخروية، وليس الموت فناء للإنسان، بل انتقال من نشأة إلى أُخرى، تبتدأ بموته وتستمر بحياته البرزخية ثمّ الأُخروية حتى يبلغ مصيره في تلك النشأة.

ولأجل الإشارة إلى أنّ الحياة الأُخروية أكمل من الحياة الدنيوية، سمّى بداية تلك النشأة بأسماء مختلفة، وهي بين ما عبّر عنها بلفظ اليوم مضافاً أو موصوفاً، بوصف من أوصاف ذلك اليوم، أمّا الأوّل فكالتالي:

1. يوم القيامة، 2. يوم الدين، 3. يوم الآخر، 4. يوم عظيم، 5. يوم كبير، 6.يوم محيط، 7. يوم الحسرة، 8. يوم عقيم، 9. يوم عليم، 10. يوم الوقت المعلوم، 11. يوم الحق، 12. يوم مشهود، 13. يوم البعث، 14. يوم الفصل، 15. يوم الحساب، 16. يوم التلاق، 17. يوم الأزفة، 18. يوم التناد، 19. يوم الجمع، 20.يوم الوعيد، 21. يوم الخلود، 22. يوم الخروج، 23. يوم عسير، 24. يوم التغابن، 25. اليوم الموعود، 26.يوماً عبوساً، 27. يوم معلوم، 28. يوم لا ريب فيه، 29. يوم الفتح.(2)

فقد أُضيف اليوم في هذه الأسماء إلى شيء يومئ إلى حال من أحوال ذلك اليوم، وأمّا الثاني أي تسميته بشيء من أوصافه، وهي أيضاً كالتالي:


1 . الذاريات:56.
2 . «يوم الفتح» ( قُلْ يَوم الفَتْح لا يَنْفَعُ الَّذينَ كَفَرُوا ايمانَهُمْ وَلا هُمْ ينظرون) .(السجدة:29).
والمراد من الفتح هو الحكم بالثواب والعقاب يوم القيامة، وكان المشركون يسمعون المسلمين يستفتحون باللّه عليهم، فقالوا لهم: متى هذا الفتح، أي متى هذا الحكم فينا؟ فأُجيبوا بما في الآية ويؤيده قوله سبحانه: ( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبّنا ثُمَّ يفتَح بَيْننا بِالحَق وَهُوَ الفَتّاحُ العَليم) (سبأ:26).


(9)

1. «الساعة»: (يَسْأََلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها) .(1)

2.«الآزفة» : (أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللّهِ كاشِفَة) .(2)

و«الازف» في اللغة بمعنى القرب، و كأنّه يشير إلى أنّ الساعة قريبة وليست ببعيدة و إن كان الناس يتخيّلون خلافه.

3. «الحاقة» :(الحاقَّةُ * مَا الْحاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحاقَّة) .(3)

والحاقّة مؤنث الحق يطلق على شيء حتمي الوقوع.

4. «القارعة» : (القارِعَةُ * ما القارِعَةُ * و ما أَدْراكَ مَا القارِعَة).(4)

والقرع بمعنى الضرب المبرح، وكأنّ القيامة تهزّ القلوب هزاً شديداً.

5.«الطامة الكبرى» : (فَإِذا جاءَتِ الطامَّةُ الكُبْرى) .(5)

الطامّة في اللغة بمعنى المصيبة، وكأنّ المصيبة التي يواجهها الإنسان ذلك اليوم، تُنسِي سائر المصائب التي مرّت به، و لذلك وصفت بالكبرى.

6.«الواقعة»: (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَة) .(6)

والواقعة هي الحادثة، والاسم كناية عن عظمها وهولها.

7. «الصاخّة»: (فَإِذا جاءَتِ الصّاخَّة) .(7)

والصاخّة هي الصوت المرعب، ولعلّها كناية عن نفخ الصور الذي سيوافيك تفصيله بإذن اللّه.

8. «الغاشية»: (هَلْ أَتاكَ حَديثُ الْغاشِيَة) .(8)


1 . الأعراف:187.
2 . النجم:57ـ 58.
3 . الحاقة:1ـ3.
4 . القارعة:1ـ3.
5 . النازعات:34.
6 . الواقعة:1.
7 . عبس:33.
8 . الغاشية:1.


(10)

الغاشية هي المحيطة، وكأنّ الحوادث المرعبة تحيط بجميع الناس.

9. «الآخرة»:(وإنّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُون).(1)

وسمّيت بالآخرة لأنّها متأخّرة عن الدنيا.

10. «الميعاد»: (إِنَّ اللّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعاد) .(2)

وثمة آيات أُخرى تصف يوم القيامة وتذكر شيئاً من أحوالها وأهوالها، قال سبحانه: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْب سَلِيم) .(3)

وقال سبحانه:(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوء) .(4)

و قال سبحانه:(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه) .(5)

ونظائر هذه الآيات كثيرة في الذكر الحكيم لم نذكرها في عداد أسماء يوم القيامة لأنّها بصدد التوصيف لا التسمية.


1 . المؤمنون:74.
2 . آل عمران:9.
3 . الشعراء:88 ـ89.
4 . آل عمران:30.
5 . آل عمران:106.


(11)

الفصل الثاني:

المعاد في الشرائع السماوية

الإيمان بالمعاد يَرسم هدفَ الخلقة ويبيّن حكمتها على نحو لو طرح الإيمان بالمعاد جانباً لأصبح الإيجاد بلا غاية والخلق عبثاً، ولذلك ذهبت جماعة من منكري المعاد إلى أنّ خلق الإنسان أمر عبث كصانع الكوز يصنعها من طين و يطبخها ثمّ يَكسرها، فحياة الإنسان كصنع الكوز، وموته ككسرها ولهم في ذلك كلمات معروفة.

وأمّا الشرائع السماوية فقد فنّدت تلك الشبهة ودَحَضْتها بأنّ الغاية من الخلقة هي الحياة الأُخروية المستمرّة التي لا تتحقق إلاّ بالتجرّد عن المادة وآثارها، قال سبحانه:

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وأَنّكُمْ إِلَيْنا لا تُرجَعُون) .(1)

وهذا النداء ليس هو نداء الإسلام فحسب، بل نجد مضمونه في جميع الشرائع السماوية التي جاءت قبل الإسلام حتى في قصة آدم (عليه السلام) ، و لأجل الوقوف على أنّ العقيدة بالمعاد كانت ركناً أساسياً في جميع الشرائع السماوية نعكس ما ورد في الذكر الحكيم نقلاً عن لسان الأنبياء الماضين.


1 . المؤمنون:115.


(12)

1. آدم (عليه السلام) والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

عندما هبط آدم (على نبيّنا وآله و (عليه السلام) ) البسيطةَ خُوطِب هو وذرّيتُه في الآيات التالية:

1. قال سبحانه:(قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقرٌ وَمَتاعٌ إِلى حين).(1)

وفي قوله: (وَمتاعٌ إِلى حين) إشارة إلى أنّ الإنسان يتمتع في البسيطة إلى أجل محدود، و لعلّ الأجل المحدود كناية عن وقوع القيامة.

2. قال سبحانه: (قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُون).(2)

3. قال سبحانه:(يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّار هُمْ فِيها خالِدُونَ) .(3)

وهذه الآيات الواردة في سورة الأعراف التي تحكي خطاباته سبحانه في بداية الخلقة تدلّ على أنّ الإيمان بالمعاد من البلاغات العامة التي بلّغها سبحانه إلى الناس كافة، من قبل آدم (عليه السلام) إلى خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) .

والنبي آدم (عليه السلام) وإن لم يكن ذا شريعة، ولكنّه كان نبيّاً مبعوثاً لدعوة الناس إلى الإيمان باللّه واليوم الآخر، وقد تضمّنت الآيات تصريحاته سبحانه في ذلك المضمار إليه و إلى الناس أجمعين.


1 . الأعراف:24.
2 . الأعراف:25.
3 . الأعراف:35ـ 36.


(13)

2. نوح (عليه السلام) والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

إنّ نوحاً (عليه السلام) شيخ الأنبياء أوّل من نزلت عليه الشريعة السماوية وتحمّل أعباءها، وكان يذكّر الناس بالمعاد في خطاباته ودعواته، يقول سبحانه حاكياً عنه:

1. (وَاللّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً).(1)

2.و في آية أُخرى:(رَبّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرينَ) .(2)

والآية الأُولى تصرّح بعود الإنسان إلى الحياة الأُخرى، و في الآية الثانية إيماء إليها، والمراد من خسرانه هو خسرانه يوم القيامة.

3. إبراهيم (عليه السلام) والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

جاءت الدعوة إلى الإيمان بالمعاد في خطابات إبراهيم (عليه السلام) أكثر ممّا جاءت في كلمات آدم و نوح (عليهما السلام) ، ويعلم ذلك من خلال سرد الآيات التي تحكي عن دعوته:

1. قال سبحانه:(مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِر) .(3)

2. قال سبحانه:(رَبَّنا اغْفِر لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِساب).(4)


1 . نوح:17ـ18.
2 . هود:47.
3 . البقرة:126.
4 . إبراهيم:41.


(14)

3.قال سبحانه: (وَلا تُخزِني يَوْمَ يُبْعَثُون) .(1)

4.قال سبحانه: (وَاشْكُروا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُون) .(2)

5. يقول سبحانه: (وَإِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيي الْمَوتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعلَمُ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكيم) .(3)

وقد انفردت الآية الأخيرة بالاشارة إلى انّ دعوة إبراهيم إلى المعاد قد ارفقها بالدليل والبرهان بوحي من اللّه سبحانه، دون أن نرى له أثراً في كلمات آدم ونوح (عليهما السلام) .

4. موسى (عليه السلام) والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

الدعوة إلى الإيمان بالمعاد وإن كانت غير شائعة في التوراة، ولعلّ يد التحريف حذفت ما يرجع إلى الإيمان بهذا اليوم، ولكن القرآن الكريم يحفل بخطابات موسى (عليه السلام) التي تعبّر عن الدعوة إلى الإيمان بالمعاد بوفرة، ونذكر منها ما يلي:

1. انّه سبحانه يندّد بقوم موسى ويخاطبه بقوله: (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقّ... ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلين * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الآخِرَة حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّما كانُوا يَعْمَلُونَ).(4)


1 . الشعراء:87.
2 . العنكبوت:17.
3 . البقرة:260.
4 . الأعراف:146ـ147.


(15)

2. يدعو موسى (عليه السلام) على آل فرعون بقوله: (وَاشدُدْ عَلى قُلُوبِهِم فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الأَلِيم) .(1)

3. انّه (عليه السلام) يحتج على من يصف آياته بالسحر، ويقول:(وَقالَ مُوسى رَبّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالهُدى مَنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ).(2)

4. لما هدّد فرعون الملأ وقومه بقوله: (إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ في الأَرْضِ الفساد) أجابه موسى بقوله: (وَقالَ مُوسى إِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبّر لا يُؤْمِنُ بِيَومِ الحِساب).(3)

5. إنّ مؤمن آل فرعون ـ الذي كان يُخفي إيمانه ويظهر كفره ـ كان يحتج على فرعون وملئه بالإيمان إلى المعاد كما في الآيات التالية: (وَيا قَوْم إِنّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّناد) .(4)

وقال: (وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ القَرار) .(5)

وقال: (وَأَنَّ مَرَدّنا إلى اللّه) .(6)

وهذه الآيات تعرب عن أنّ الإيمان بالمعاد كان متفشياً في مصر، و إنّ مؤمن آل فرعون كان يستدل به ليخفّف من وطأة جور فرعون على موسى (عليه السلام) .

6. انّ بني إسرائيل كانوا ولم يزالوا أُمّة لجوجة عنيدة تُصيغ كلّ شيء غيبي في قالب الحس، ولتلك الغاية خاطبوا موسى (عليه السلام) ، بقولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَة)(7) كما أنّهم طلبوا رؤية إحياء الموتى بأُمّ أَعينهم، وقد شاهدوها في


1 . يونس:88.
2 . القصص:37.
3 . غافر:27.
4 . غافر:32.
5 . غافر:39.
6 . غافر:43.
7 . البقرة:55.


(16)

البقرة التي حكاها سبحانه بقوله: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارأتُمْ فِيها وَاللّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلَنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحيِي اللّهُ الْمَوتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) .(1)

وقد ورد في شأن نزولها: أنّه قُتل إنسان من دون أن يعلم قاتله، فأمر سبحانه بذبح البقرة وضرب بعض المقتول ببعض البقرة ليحيا ويخبر عن قاتله، وبذلك رأوا بأُمّ أعينهم إحياء الموتى.

5. المسيح (عليه السلام) والدعوة إلى الإيمان بالمعاد

الإيمان بالمعاد والدعوة إليه كان مرّفقاً بلسان المسيح (عليه السلام) منذ ولادته إلى أن رفعه اللّه إليه:

1. يقول سبحانه حاكياً عنه: (وَالسَّلامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدتُ وَيَومَ أَموتُ وَيَومَ أُبعَثُ حَيّاً) .(2)

2. وقال سبحانه: (إِذْ قالَ اللّهُ يا عِيسَى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذينَ كَفَرُوا إِلى يَوْم القِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) .(3)

إلى غير ذلك من الآيات الواردة التي تعرب عن دعوة الأنبياء إلى الإيمان بالمعاد، وفيما ذكرنا غنى وكفاية.


1 . البقرة:72ـ 73.
2 . مريم:33.
3 . آل عمران:55.


(17)

المعاد في العهد العتيق

إنّ العهدين وإن عبث بهما الزمان و مع ذلك يوجد فيهما تصريحات وإيماءات إلى المعاد، ففي العهد العتيق: الرب يميت و يحيي.(1)

تحيى أَمواتك يوم تقوم الجثث، استيقظوا ترنَّموا ياسكان التراب.(2)

المعاد في العهد الجديد

على الرغم من قلة التصريح بالحياة الأُخروية في العهد العتيق نجد التصريح بها بوفرة في العهد الجديد في موارد كثيرة، منها ما يلي:

1.«فانّ ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه، وملائكته، وحينئذ يجازي كلّ واحد حسب عمله».(3)

2. «هكذا يكون في انقضاء العالم، يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من بين الأبرار، ويطرحونهم في أتون النار هناك يكون البكاء، وصرير الاسنان».(4)

3. «في ذلك اليوم جاء إليه حدقيون، الذين يقولون ليس قيامه، فسألوه * قائلين: يا معلم، قال موسى ان مات أحد وليس له أولاد، يتزوج أخوه بامرأته، ويقيم نسلاً لأخيه * فكان عندنا سبعة اخوة وتزوج الأوّل ومات، وإذ لم يكن له نسل ترك امرأته لأخيه، وكذلك الثاني و الثالث إلى السبعة * وآخر الكل ماتت المرأة أيضاً * ففي القيامة لمن من السبعة تكون الزوجة فانّها كانت للجميع * فأجاب يسوع، وقال لهم: تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة اللّه* لانّهم في


1 . صموئيل الأوّل: الاصحاح الثاني: الجملة6، ط دار الكتاب المقدس.
2 . اشعيا: الاصحاح26: الجملة 19، ط دار الكتاب المقدس.
3 . انجيل متى: الاصحاح16: الجملة 27، ط دار الكتاب المقدس.
4 . انجيل متى: الاصحاح13: الجملتان 49 و50، ط دار الكتاب المقدس.


(18)

القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة اللّه في السماء».(1)

وهذا يعرب عن كون المعاد عند كاتب الإنجيل روحانياً محضاً، لا جسمانياً وروحانياً كما عليه الذكر الحكيم.

4. «و إن أعثرتك رجلك، فاقطعها، خير لك أن تدخل الحياة أعرج، من أن تكون لك رجلان وتطرح في جهنم في النار التي لا تطفأ * حيث دُوْدُهم لا يموت والنار لا تطفأ * وإن أعثرتك عينك فاقلعها خير لك أن تدخل ملكوت اللّه أعور من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار * حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ».(2)

5. «وهذه مشيئة الأب الذي أرسلني، انّ كلّ ما أعطاني لا أتلف منه شيئاً بل أقيمه في اليوم الأخير * لأنّ هذه هي مشيئته الذي أرسلني انّ كلّ من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير».(3)

هذا، وفي العهدين جمل أُخرى تصرح أو تشير إلى يوم القيامة، وقد اقتصرنا على ما ذكرنا روماً للاختصار.

وثمة نكتة جديرة بالاشارة وهي عدم اهتمام اليهود، والنصارى، بالبعث ويوم القيامة و ما فيها من الحساب والجزاء، وهذا هو الذي جرّأهم على اقتراف المعاصي، والمجون، و الانحلال من كلّ القيم الأخلاقية، أعاذنا اللّه من ذلك.


1 . انجيل متى: الاصحاح22: الجملات 23ـ 31، ط دارالكتاب المقدس.
2 . انجيل مرقس: الاصحاح9: لاحظ الجملات 42ـ 49، ط دار الكتاب المقدس.
3 . انجيل يوحنا: الاصحاح6: الجملتان39ـ 40، ط دار الكتاب المقدس.


(19)

الفصل الثالث:

الدلائل الجلية على لزوم المعاد

يستدلّ القرآن الكريم على ضرورة إحياء الناس بعد موتهم ـ التي هي سنّة قطعية لا مناص عنها ـ بطرق مختلفة:

1. المعاد، رمز الخلقة.

2. المعاد، مظهر العدل الإلهي.

3. المعاد، مجلى الوعد الإلهي.

4. المعاد، مظهر رحمته الواسعة.

5. المعاد، نهاية السير التكاملي للإنسان.

6. المعاد، مظهر ربوبيته.

1. المعاد: رمز الخلقة

من الأسئلة المثارة عند كلّ إنسان هو السؤال عن أصل الخلقة وانّه لماذا خلق، وماذا أُريد من خلقه؟

والناس أمام هذا السؤال على صنفين:

فصنف يرى أنّ حظ الإنسان هو علّتان من العلل الأربع:


(20)

الف. العلّة المادية.

ب. العلة الصورية.

وكأنّ العالم بجزئياته وذراته تفاعلت فيما بينها وشكّلت صورة الإنسان، وليس وراء هاتين العلتين علّة أُخرى، فهم ينكرون العلة الفاعلية (الخالق) والعلّة الغائية ويقتصرون على العلّة المادية والصورية، وبذلك أراحوا أنفسهم من عناء الإجابة، بل أذعنوا بأنّه ليس وراء خلق الإنسان هدف ولا غاية.

وصنف آخر يرى أنّ وراء العلّتين الماضيتين، علّتين أُخريين: أحدهما: العلّة الفاعلية، والأُخرى: العلة الغائية، والمراد من الأُولى ما يخرج المادة والصورة إلى الوجود، كما أنّ المراد من الثانية الغرض المترتب على الفعل، و حيث إنّ الفاعل موجود حكيم لا يفعل عبثاً دون غرض، فلفعله غرض مترتب عليه، وليس هو إلاّ العبور من قنطرة الدنيا إلى الآخرة وانتقاله إلى نشأة أُخرى يُعد غرضاً أسمى لفعله سبحانه.

وتدل على تلك الغاية طائفتان من الآيات:

الأُولى: ما تدل على أنّ إنكار المعاد يلازم العبث.

الثانية: ما تصف فعله سبحانه (الإيجاد) بالحق المطلق الذي لايدانيه الباطل، وما هو كذلك يمتنع أن يكون عبثاً بلا غرض.

أمّا ما يدل على الطائفة الأُولى فلفيف من الآيات:

1. (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) .(1)

ولأجل انّ العبث لا يدبُّ إلى فعله ولا يتسرب إلى إيجاده، يصفه بعد تلك الآية بالملك الحق، ويقول: (فَتَعالَى اللّهُ المَلِكُ الحَقُّ لاإِلهَ إِلاّهُوَ رَبُّ العَرْشِ


1 . المؤمنون:115.


(21)

الْكَرِيم) .(1)

2.(وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ) .(2)

والآية تعرب عن أنّ نفي الغاية لخلق السماوات والأرض وما بينهما كان شعار الكافرين بل ربما أنكر البعضُ العلةَ الفاعلية، قال سبحانه:(وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاّالدَّهْر ) .(3)

تجد انّهم كانوا ينسبون الإحياء والإماتة إلى الدهر والزمان .

3. (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبين * ما خَلَقْناهُما إِلاّبِالحَقِّوَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ ميقاتُهُمْ أَجْمَعين).(4)

وهذه الآية تصف فعله سبحانه بالحقّ، وانّ الخلق كان فعلاً موصوفاً بالحقّ المحض، وما هو كذلك يلازم الغرض ويفارق العبث وإلاّ لم يكن حقّاً مطلقاً.

4. (عَمّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَبَأِ الْعَظيم * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ).(5)

والمراد من النبأ العظيم هو يوم القيامة، ويصفه بكونه نبأً قطعياً لا ريب فيه.

إنّه سبحانه يذكر في الآيات التالية النظام السائد في الكون، و يقول: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهاداً * وَالجِبالَ أَوتاداً * وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً * وَجَعَلْنا نَومَكُمْ سُباتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً * وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً * وَبَنَيْنا فَوقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً * وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَباتاً * وَجَنّات


1 . المؤمنون: 116.
2 . ص: 27.
3 . الجاثية: 24.
4 . الدخان: 38ـ 40.
5 . النبأ:1ـ5.


(22)

أَلْفافاً) .(1)

ثمّ إنّه سبحانه يردف هذه الآيات بآيات القيامة التي يصفها بيوم الفصل، ويقول: (إِنَّ يَومَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً) .(2)

والنظم المنطقي بين هذه الطوائف الثلاث من الآيات في سورة واحدة عجيب جداً، ففي الطائفة الأُولى يذكر المعاد بما أنّه أمر مفروغ عنه.

وفي الطائفة الثانية يذكر شيئاً من النظام السائد في الكون.

وفي الطائفة الثالثة يذكر يوم القيامة مشعراً بأنّه لولا هذا اليوم لعاد خلق النظام السائد فيه أمراً عبثاً.

وبذلك تظهر الصلة بين الآيات.

وأمّا ما يدل على الطائفة الثانية ـ أعني: انّ الحقّ المطلق يلازم الهدف وليس هو إلاّ استمرار الحياة في النشأة الأُخرى ـ فلفيف من الآيات:

1. (ذلِكَ بأَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ وأَنَّهُ يُحيِي الْمَوْتى وأَنّهُ عَلى كُلّ شَيْء قَدير).(3)

ترى أنّه سبحانه يصف نفسه بـ(هُوَ الحَقّ) ويردفه بقوله: (وانّه يحيي الموتى) مشعراً بأنّ الحقّ المطلق لا ينفك عن إحياء الموتى لاستمرار الحياة وصون الفعل عن اللغوية.

وبعبارة أُخرى: انّ الموجود لا يوصف بكونه حقاً على الإطلاق إلاّ إذا كانت


1 . النبأ:6ـ16.
2 . النبأ:17ـ18.
3 . الحج:6.


(23)

ذاته و صفاته وفعله نزيهة عن النقص، ولا يكون فعله كذلك إلاّ إذا كان مقروناً بالغاية.

ثمّ إنّه سبحانه يؤكد على كونه حقّاً مطلقاً ويقول: (وَانّ السّاعَة آتِيَةٌ لا رَيْبَ فيها وَانّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور) .(1)

2. وعلى ذلك المنوال جرى كلامه سبحانه في الآية التالية:

(ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنّ اللّهَ هُوَ العَلِيُّ الْكَبِير).(2)

فالذكر الحكيم يصفه بأنّه الحقّ وانّ ما يدعونه من دونه هو الباطل والحقّ المطلق ما يكون نزيهاً من النقص في ذاته ووصفه وفعله، ولما كانت نزاهته في الأوّلين أمراً لا غبار عليه، برهن على نزاهة فعله بالآية التالية وقال:

(وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنّ الإِنْسانَ لَكَفُور).(3)

3. وربما يتفنّن القرآن فيذكر إحياء الموتى واستمرار الحياة أوّلاً، ثمّ يذكر برهانه بأنّ وعد اللّه حقّ على خلاف ما مضى في الآيات السابقة، ويقول:

(ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّكَنَفْس واحِدَة إِنّ اللّهَ سَميعٌ بَصير).(4)

ثمّ يذكر في آية أُخرى قوله: (ذلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وانّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الّباطِل وَانّ اللّهَ هُوَ العَلِيُّ الْكَبير) .(5)

ثمّ يعقبها قوله:(يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبّكُمْ وَاخْشَوا يَوماً لا يجزي والِدٌ عَنْ وَلدِهِ وَلا مولُودٌ هوَ جاز عَنْ والِدِهِ شَيئاً إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا


1 . الحج:7.
2 . الحج:62.
3 . الحج:66.
4 . لقمان:28.
5 . لقمان:30.


(24)

يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ الغَرُور) .(1)

والإمعان في تلك الآيات يورث الإعجاب، فهو يذكر بعث النفوس أوّلاً، ثمّ يردفه في آية أُخرى بأنّه سبحانه هو الحقّ.

ثمّ يطرح في آية أُخرى مسألة الجزاء وانّه لا يجزي والد عن ولده، ويصف وعد اللّه بالحقّ، ففي كلا المقامين جاء المدّعى مرفقاً بالدليل، فوصفه بالحقّ كوصف وعده به آية صحّة المدعى وانّه لا مناص من إحياء الموتى وإلاّ لعاد الحقّ المطلق حقّاً نسبياً.

وهذا النوع من الكلام من إنسان أُمّي لا يجيد القراءة والكتابة دليل على أنّ كتابه ليس وليد فكره ونتاج عقله، بل هو وحي إلهي نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المنذرين.

ثمّ إنّ الذكر الحكيم يحثّ المؤمنين على التفكير في خلق السماوات والأرض واختلاف اللّيل والنَّهار وغيرها من الأنظمة السائدة في الكون حتّى يعلموا أنّ فعله سبحانه لم يكن باطلاً ولا عبثاً. قال سبحانه: (إِنّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآيات لأُولي الأَلباب * الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّار) .(2)

وقد نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الدنيا مزرعة الآخرة».

وكأنّ الإنسان يزرع في هذه الحياة الدنيا ويحصد ما زرعه في الآخرة، وهو يشير إلى وجود الغاية لخلق الإنسان والعالم.


1 . لقمان:33.
2 . آل عمران:190 ـ 191.


(25)

الإمام علي (عليه السلام) وهدف الخلقة

وقد نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب وكلمات تشير إلى سرّ الخلقة وهدفها وانّها لا تتحقق إلاّ بالبعث بعد الموت والنشأة بعد النشأة، وها نحن نسرد بعض كلماته:

1. قال (عليه السلام) : «وإنّ الخلق لا مقصر لهم عن القيامة، مُرقِلين في مضمارها إلى الغاية القصوى».(1)

2. ويقول (عليه السلام) أيضاً في نفس تلك الخطبة: «قد شخصوا من مستقر الأجداث، وصاروا إلى مصائر الغايات».(2)

3. ويقول (عليه السلام) : «فانّ الغاية القيامة، وكفى بذلك واعظاً لمن غفل، و معتبراً لمن جهل، وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الارماس، وشدّة الإبلاس، وهول المطلع».(3)

4. وفي وصية كتبها لولده الإمام الحسن (عليه السلام) يقول : «واعلم يا بنيّ أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنّك في قلعة ودار بلغة، وطريق إلى الآخرة».(4)

2. المعاد مظهر العدل الإلهي

القول بالعدل وانّه يلزم على اللّه سبحانه أن يتعامل مع عباده بالعدل، من فروع القول بالتحسين والتقبيح العقليين. وقد ذهبت العدلية إلى أنّ العقل له


1 . نهج البلاغة: الخطبة 156.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 156.
3 . نهج البلاغة: قسم الخطب، الخطبة 190.
4 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، الرسالة 31.


(26)

قابلية إدراك الفعل الحسن أو القبيح واقعاً، فالموضوع لحكمه هو فعل الفاعل المختار وانّه ينقسم إلى حسن وقبيح.

وبذلك يظهر انّ حكمه على الموضوع بأحد الوصفين حكم عام يعمّ فعل الواجب والممكن دون مدخلية لوجود الفاعل وجوباً أو إمكاناً، فالفعل بما هو صادر عن فاعل عالم مختار إمّا حسن يجب العمل به، وإمّا قبيح يجب الاحتراز عنه. إلاّ أنّ اللّه سبحانه لا يقوم إلاّ بالفعل الحسن، وبالتالي لا يتعامل مع عباده إلاّبالعدل، يقول سبحانه:

(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولو العِلْمِ قائِماً بالقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّهُوَ الْعَزيزُ الحَكيم) .(1)

وقال سبحانه:(إِنَّ اللّهَ لا يظلِمُ النّاسَ شَيْئاً) .(2)

بل هو لا يظلم ولا ينسب إليه الظلم أبداً، قال سبحانه:(وَما رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبِيد) .(3)

أي لا ينسب الظلم إليه، نظير قول القائل في النيل من خصمه: «وليس بنبّال» أي لا صلة بينه و بين رمي النبل.

نعم ربما يقال بعجز العقل عن إدراك محاسن الأفعال ومساويها وبالتالي لا يمكن الوصول إليها إلاّ من خلال تنصيص الشرع. وقد أوضحنا وهن ذلك القول في بحوثنا الكلامية، وذكرنا انّ لازمه عدم إمكان الحكم بالحسن والقبح مطلقاً لا عقلاً ولا شرعاً.(4)


1 . آل عمران:18.
2 . يونس:44.
3 . فصلت:46.
4 . لاحظ كشف المراد: 59، الفصل الثالث، المسألة الأُولى في إثبات الحسن والقبح العقليين عند قول الماتن: «ولانتفائهما مطلقاً لو ثبت شرعاً».


(27)

فخلاصة القول: إنّ فعله سبحانه يوصف بالعدل لا بالجور والظلم، وعليه فمقتضى حكمته أن يتعامل مع العباد بالعدل.

هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ عباده أمام تكاليفه على صنفين، مطيع وعاص، فيتصور بادئ الأمر أربعة احتمالات:

الف. أن يُثيب الجميع.

ب. أن يُعاقب الجميع.

ج. أن يغض النظر عن إثابتهم أو عقابهم.

د. أن يثيب المطيع ويعاقب العاصي.

والاحتمالات الثلاثة الأُول من الوهن بمكان، لأنّها تناقض العدل، فالتسوية بين المطيع والعاصي سواء أكانت بإثابة الجميع أو عقابهم كذلك أو تركهم سدى يعد ظلماً وجوراً، وهو أمر قبيح، وفعله سبحانه نزيه عنه، فيتعيّن الاحتمال الرابع.

وبتعبير آخر: انّ التسوية بين العباد سواء أكانت بشكل إثابة الجميع أو عقوبتهم أو تسويتهم إنّما يتجه إذا كان الجميع سالكاً طريقاً واحداً من سبيلي الإطاعة والعصيان، فلو أطاع الجميع لكانت إثابتهم نفس العدل، ولو عصوا لكانت عقوبتهم كذلك، كما أنّ له سبحانه أن يتركهم سدى، وأمّا إذا كانوا مطيعين فلأنّ الثواب تفضّل من اللّه سبحانه فله أن لا يتفضل وليس بحقّ عليه، كما أنّ عقوبتهم حقّ فله أن يتغاضى عن حقّه.

إنّما الكلام فيما إذا كان العباد على صنفين بين مطيع وعاص، فالتسوية في هذه الصورة سواء أكانت بصورة إثابة الجميع أو عقوبتهم، أو تركهم سُدى ظلم قبيح على اللّه سبحانه، فلا محيص عن التفريق بإثابة المطيع ومعاقبة العاصي.


(28)

وحيث إنّ الحياة الدنيا يتساوى في الانتفاع بنعمها المطيع والعاصي، فلابدّ من يوم آخر يكون مجلى لعدله سبحانه ومظهراً له، وليس هو إلاّ يوم القيامة.

يقول سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالْفُجّار ).(1)

ويقول أيضاً: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ * مالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون).(2)

ويقول أيضاً: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُون).(3)

وهذه الآيات تثبت انّ التسوية بين المطيع والعاصي لا يليق بساحته سبحانه. وثمة آيات أُخرى تعيّن اليوم الذي يكون مظهراً لعدله.

1. يقول سبحانه: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيم وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُون).(4)

2. (يَوْمَ تُبدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا للّهِ الواحِدِ القَهّار * وَتَرَى الْمُجْرِمينَ يَومَئِذ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفادِ * سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِران وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ * لِيَجزيَ اللّهُ كُلَّ نَفْس ما كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِساب).(5)


1 . ص:28.
2 . القلم:35ـ36.
3 . الجاثية:21.
4 . يونس:4.
5 . إبراهيم:48ـ 51.


(29)

3. (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ... * لِيَجْزيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْز أَلِيم).(1)

4. (إِنّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُأُخفِيها لِتُجزى كُلُّ نَفس بِماتَسْعى).(2)

5. (يَومَئِذ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لَيُرَوا أَعمالَهُمْ).(3)

وممّا يلفت النظر انّه سبحانه بعدما يطرح الحياة الأُخروية وقيام القيامة، يعقبها بقوله: «لتجزى» أو «ليجزى» أو «ليروا» مشعراً بأنّ الهدف الإلهي من حشر الناس في ذلك اليوم هو إثابة المطيع ومعاقبة العاصي.

وأنت إذا قارنت هذه الطائفة من الآيات التي تصرّح بأنّ الهدف من الحشر هو الجزاء مع ما مضى في الطائفة الأُولى من الآيات تجد انّ التسوية لا تتماشى مع عدله وانّ الجزاء هو مقتضى العدل الإلهي.

ما ذكرناه هو المستفاد من الآيات الكريمة، وثمة كلمات منقولة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وفيها إشارة إلى انّ يوم الجزاء مجلى لعدله سبحانه:

1. «وذلك يوم يجمع اللّه فيه الأوّلين والآخرين لنقاش الحساب وجزاء الأعمال».(4)

2. «فجدّدهم بعد إخلاقهم، وجمعهم بعد تفرّقهم، ثم ميّزهم لما يريده من مسألتهم عن خفايا الأعمال وخبايا الأفعال وجعلهم فريقين: أنعم على هؤلاء وانتقم من هؤلاء...».(5)


1 . سبأ:3ـ5.
2 . طه:15.
3 . الزلزلة:6.
4 . نهج البلاغة: الخطبة102.
5 . نهج البلاغة: الخطبة109.


(30)

3. المعاد مجلى الوعد الإلهي

وعد سبحانه المطيعَ بالثواب والعاصيَ بالعقاب، فله أن يغضَّ النظر عن عقاب العاصي لأنّه حقه، ولكن ليس له غض النظر عن الوعد للفرق بين الوعد والوعيد.

أمّا الأوّل فيجب العمل به ويعدُّ خُلْفه قبيحاً، بخلاف الوعيد فلا يعدُّ خُلفه إخلالاً بالعدل، وقد صبّ الشاعر المفلق هذا المعنى في قالب شعريّ وقال:

وانـّي إذا أوعـدتـه أو وعـدته *** لمخلف ميعادي و منجز موعدي

وقال الآخر:

إذا وعـد السّراء انجـز وعـده *** وإن أوعد الضرّاء فالعفو مانع

وإن شئت قلت:الخلف في الوعد إسقاط لحقّ الغير. وإمساك عن أداء ما عليه من الحقّ، وأمّا الوعيد فانّه إسقاط لحقّ نفسه، والعقل يستقل بقبح الأوّل دون الثاني.

وعلى ضوء ذلك فله سبحانه أن يغضَّ النظر عن العاصي دون العمل بوعده للمطيع فلابدّمن يوم يكون مجلى لإنجاز وعده وإظهار عدله.

وهذا البرهان يمتاز عمّـا سبقه ، بأنّ السابق بصدد بيان انّ التسوية بين المطيع والعاصي أمر قبيح سواء أكان هناك وعداً ووعيداً أم لا، ولذلك قلنا: إنّه لو كان الجميع مطيعين فلا يضرّ عدم الإثابة بعدله، أو كانوا عاصين فلا يخلُّ العفو كذلك، وإنّما المخل هو التسوية بين المطيع والعاصي.

وأمّا هذا البرهان، فهو مبني على مقدمة شرعية وحكم عقلي.


(31)

أمّا المقدمة فقد أرشدنا القرآن إليها، إذ وعد فيها المؤمنين كما أوعد الكافرين والمنافقين.

وأمّا الحكم العقلي فهو انّ غضّ النظر عن عقاب العاصي لا يخلُّ بالعدل، ولكن الخلف بالوعد قبيح عند العقل.

وليس لإنجاز وعده وقت سوى حشر الناس بعد الموت.

وأمّا الآيات الواردة في هذا المضمار فهي على أصناف:

فصنف يدل على أنّ قيام القيامة وعد من اللّه سبحانه، وصنف آخر يدل على أنّه ظرف لمجلى وعده ووعيده.

وصنف ثالث يدلّ على أنّ هذا الوعد قطعيّ الوقوع والتحقق، وإليك البيان:

أمّا الصنف الأوّل فيدل عليه الآيتان التاليتان:

قال سبحانه:(كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْق نُعيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلين).(1)

وقال سبحانه:(فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَومَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ).(2)

وأمّا الصنف الثاني فقد وردت فيه الآيات التالية:

قال سبحانه:(وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعيد * هذا ما تُوعَدُون).(3)

وقال سبحانه:(وَإِنَّ جَهَنَّمَ لمَوعِدُهُمْ أَجْمَعين).(4)


1 . الأنبياء:104.
2 . الزخرف:83.
3 . ق:31ـ 32.
4 . الحجر:43.


(32)

وقال سبحانه:(وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزابِ فَالنّارُ مَوعِدُهُ).(1)

وهناك صنف ثالث يدل على أنّ هذا الوعد قطعي الوقوع والتحقّق.

قال سبحانه: (رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوم لا رَيْبَ فيهِ إِنَّ اللّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعاد).(2)

وقال سبحانه:(وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنِّكَ لا تُخْلِفُ الْميعاد).(3)

ثمّ إنّ المتكلّمين استدلوا على لزوم المعاد بأمرين، أشار إليهما المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد، بقوله: «ووجوب إيفاء الوعد والحكمة تقتضي وجوب البعث».(4)

ففي هذه العبارة إشارة إلى دليلين:

الأوّل: وجوب إيفاء الوعد، وهذا هو الذي مرّ بيانه آنفاً.

الثاني: الحكمة، ولعلّها إشارة إلى ما مرّ من أنّ الحشر هو رمز الخلقة.

4. المعاد مظهر رحمته الواسعة

يستفاد من بعض الآيات انّ حشر الناس يوم القيامة من مظاهر رحمته سبحانه وانّه التزم على نفسه أن ينظر إلى العباد بعين الرحمة ولذلك حشرهم يوم القيامة، قال سبحانه:

(قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ قُلْ للّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ


1 . هود:17.
2 . آل عمران:9.
3 . آل عمران:194.
4 . كشف المراد: المقصد السادس، المسألة الرابعة.


(33)

لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فيه الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ).(1)

تجد انّه سبحانه يردف قوله: (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَة) بقوله: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ القِيامَة) مشعراً بأنّ جمع الناس يوم القيامة من مظاهر رحمته.

وثمة سؤال وهو انّه كيف يكون حشر الناس من مظاهر رحمته مع أنّ الكفّار و المنافقين معذّبون في الدرك الأسفل من النّار؟

والإجابة عنها واضحة.

إذ انّ الهدف من وراء البعث و النشور إيصال كلّ ممكن إلى كماله المطلوب، ونيل الرحمة الإلهية وهو غاية طبيعية للحشر، فلو تخلّف الكافر عن نيل ذلك الكمال والرحمة فلا يضرّ بالهدف المتوخّى من البعث.

وهذا نظير الامتحان، فانّ الغاية منه إظهار ما في كنه الممتَحن من الكمال على نحو لولاه لما ظهر، فمثلاً ابتلاء إبراهيم بذبح إسماعيل كان سبباً لظهور الكمالات الكامنة فيه كالاخلاص للّه.

وعلى ضوء هذا فانّ رسوب شخص لا يضرّ بالغاية المتوخاة منه، مادام التقصير يعود إلى الراسب لا غير.

ونظيره المقام، فالغرض من خلق الإنسان وبعثه شيء واحد، وهو إيصاله إلى الكمال المطلوب، فلو قصر الكافر فيكون هو المسؤول في ذلك المجال فحسب.


1 . الأنعام:12.


(34)

5. المعاد نهاية السير التكاملي للإنسان

قالت الحكماء: إنّ الحركة تتوقف على أُمور ستة:

1. المقولة، أي ما يقع فيه الحركة كالكيف.

2. العلّة الفاعلية التي يعبر عنها بالمحرّك.

3. العلّة المادية التي تقبل الحركة.

4. الزمان أي مقدار الحركة.

5. المبدأ.

6. المنتهى(العلّة الغائية).

فهذه الأُمور ممّا لا تنفك عن الحركة ومنها الغاية التي تتحرك المقولة إليها وتسكن عندها، و الإنسان منذ نشوئه في رحم أُمّه لم يزل متحركاً من صورة إلى صورة ومن حالة إلى حالة، وتستمرّ الحركة معه حتى بعد ولادته فلا تزال تتوارد عليه الصور، فلا ترى له قراراً وثباتاً مادام في عالم الطبيعة.

وحيث إنّ الغاية من لوازم الحركة فيجب أن تكون لحركة الإنسان غاية تُعد الكمال المطلوب لحركته، وهذه الغاية غير متحققة في عالم الطبيعة بل في الآخرة ليصل المتحرك إلى كماله المطلوب.

وهذا البرهان الفلسفي يثبت وجود النشأة الأُخرى التي تعد غاية وهدفاً لحركة الإنسان من النقص إلى الكمال.

ويمكن استظهار ذلك البرهان من طوائف من الآيات:

1. الآيات التي تتكفل لبيان المراحل التي مرّت على خلقة الإنسان وانتهت إلى بعثه يوم القيامة.


(35)

قال سبحانه:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَونَا العِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأَناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنَ الْخالِقينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُون * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَة تُبْعَثُونَ).(1)

فالمراحل التي مرّت على الإنسان منذ أن كان خلية في رحم أُمّه إلى أن صار بشراً سوياً تحكي عن عدم ثباته وقراره وحركته وتحوله المرافق لعدم تحقق الغاية وإنّما يستقر بانتقاله من هذه النشأة إلى نشأة أُخرى وبعثه يوم القيامة.

فالآيات الآنفة الذكر إلى قوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُون)تُبيّن حركة الإنسان وتحوله المستمر، وقوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ...)تبيّن حصول الغاية التي تلازم قراره وثباته واستقراره.

2.الآيات التي تتكفّل لبيان خلق الإنسان من نطفة ثمّ يحكم عليه بالنشأة الأُخرى إيماء إلى ذلك البرهان، قال سبحانه:(وَأَنّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ وَالأُنْثى * مِنْ نُطْفَة إِذا تُمنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَشْأَةَ الأُخرى).(2)

وكأنّ النشأة الأُخرى غاية لحركة الإنسان من الصورة المنوية إلى الصورة الإنسانية.

3. الآيات التي تصف يوم القيامة بأنّه المنتهى والمستقر والمساق والرجعى ودار القرار .

قال سبحانه:(وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إِلاّ ما سَعى * وَانّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأَوفَى * وَانّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى).(3)


1 . المؤمنون:12ـ16.
2 . النجم:45ـ 47.
3 . النجم:39ـ 42.


(36)

وقال سبحانه: (إِلى رَبّكَ يَومَئِذ الْمُسْتَقَر).(1)

وقال سبحانه: (إِلى رَبِّكَ يَومَئِذ الْمَساق).(2)

وقال تعالى: (إِنّ إِلى رَبّكَ الرُّجْعى).(3)

وقال عزّ من قائل: (إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنّ الآخرَةَ هِيَ دارُ الْقَرار).(4)

وكأنّ وجود الإنسان في خِضمِّ بحر متلاطم تسوقه الأمواج العاتية من جانب إلى آخر فلم يزل في حركة وسيلان وتصرم حتى انتقاله إلى النشأة الأُخرى، فعندئذ يصل إلى غايته المنشودة وتكون منتهى حركته واستقرار ذاته ووجوده ونهاية سيره إلى ربّه.

وفي كلمات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمحات إلى هذا البرهان لمن تأمل فيها وأمعن النظر، قال: «وإنّ الخلق لا مقصر لهم عن القيامة، مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى».(5)

وقد اعتمد على ذلك البرهان صدرالمتألهين وقرره بوجه واضح وقال:

الآيات التي فيها ذكرت النطفة وأطوارها الكمالية وتقلّباتها من صورة أنقص إلى صورة أكمل ومن حال أدون إلى حال أعلى، فالغرض من ذكرها إثبات انّ لهذه الأطوار والتحوّلات غاية أخيرة، فللإنسان توجه طبيعي نحو الكمال ودين إلهي فطري في التقرب إلى المبدأ الفعال، والكمال اللائق بحال الإنسان المخلوق


1 . القيامة:12.
2 . القيامة:30.
3 . العلق:8.
4 . غافر:39.
5 . نهج البلاغة: الخطبة156.


(37)

أوّلاً من هذه المواد الطبيعية، والأركان لا يوجد في هذا العالم الأدنى، بل في عالم الآخرة التي إليها الرجعى وفيها الغاية والمنتهى، فبالضرورة إذا استوفى الإنسان جميع المراتب الخلقية الواقعة في حدود حركته الجوهرية الفطرية من الجمادية والنباتية والحيوانية وبلغ أشدّه الصوري وتمّ وجوده الدنيوي الحيواني فلابدّ أن يتوجّه نحو النشأة الآخرة، ويخرج من القوة إلى الفعل، ومن الدنيا إلى الأُخرى، ثمّ المولى وهو غاية الغايات منتهى الأشواق والحركات.(1)

6. المعاد، مظهر ربوبيته

الربّ في اللغة بمعنى الصاحب، يقال: «ربّ الدار» و «رب الضيعة» وشأن الرب هو تدبير المربوب وإيصاله إلى الكمال وصيانته عن الزوال كما هو حال صاحب الدار والضيعة، وبذلك يعلم انّ الربوبية غير الخالقية، فالثانية هي مرحلة الإيجاد والإنشاء، وأمّا الأُولى فهي مرحلة المحافظة على المُنشأ وتربيته وسوقه إلى الكمال.

وحيث إنّ حقيقة الربوبية والمربوبية في الإنسان تتجلّى في كونه عبداً للّه تبارك وتعالى، وشأن العبد هو الإطاعة بما أمر ونهى عنه والتجنّب عن معصيته ومخالفته، ولا ينفك ذلك عن يوم يحاسب فيه العبد حتى يتجلّى مدى إطاعته وامتثاله، ولذلك نرى أنّه سبحانه حينما يخبر عن لقاء الإنسان يوم القيامة يؤكد على ربوبيته ويقول: (يا أَيُّهَا الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقيهِ)(2) فكأنّ مقتضى الربوبية مثول العبد أمام اللّه تبارك وتعالى في يوم يحاسب فيجزى حسب ما عمل، وقال سبحانه:(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجبٌ قَولُهُمْ أإِذا كُنّا تُراباً أءِنّا لَفِي


1 . الأسفار:9/159.
2 . الانشقاق:6.


(38)

خَلْق جَدِيد أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ).(1)

فكأنّ منكر المعاد يكفر بربوبية اللّه تبارك و تعالى ولو أذعن بها لما أنكر المعاد، إذ هو اليوم الذي يحشر فيه جميع العباد للسؤال بمقتضى الربوبية.

الدوافع والشبهات لإنكار المعاد

إنّ الإيمان بالمعاد كالتوحيد أصلان لا ينفكان، وقد أُمر الأنبياء بتبليغهما وتعليمهما للناس ليؤمنوا بأنّ الربَّ واحد وانّ اللّه يبعث من في القبور.

وقد كان الإيمان بالمعاد شديد الوقع على أكثر الناس في العهود السابقة لا سيما في العهد النبوي فراحوا ينكرونه بشدة، ودفعهم إلى ذلك أمران:

الأمر الأوّل: الدوافع النفسية التي تدفعهم إلى إنكار المعاد وعدم قبوله.

الأمر الثاني: الشبهات الطارئة على أذهانهم.

وقد ذكر القرآن شيئاً من الدوافع والشبهات، فها نحن نستعرض الدوافع أوّلاً، ثمّ نعقبه ببيان الشبهات:

الدوافع النفسية لإنكار المعاد

إنّ الإيمان بيوم الحساب وانّ الإنسان سيجزى بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، يفرض بحسب طبيعته، قيوداً وحدوداً لا ينبغي تجاوزها هذا من جانب، ومن جانب آخر فالإنسان بطبعه ميّال إلى الدعة والراحة و إرضاء الغرائز الحيوانية بأي أُسلوب أمكن، وهذان الأمران لا يجتمعان ولذلك وقفوا أمام دعوة الأنبياء بإنكار المعاد، وقد أُشير إلى ذلك في القرآن الكريم، قال سبحانه:


1 . الرعد:5.


(39)

(أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ).(1)

ففي هذه الآية يذكر القرآن الشبهة الطارئة على أذهانهم ويجيب عنها كما يأتي، ولكنّه سبحانه يتعرض بعد هاتين الآيتين إلى الدافع الحقيقي من وراء إنكار المعاد، وهو انّ الإنسان يريد أن يتحرّر عن كلّ قيد وحاجز، والإيمان بالمعاد يكبّله بالقيود، يقول سبحانه:

(بَلْ يُرِيدُالإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْأَلُ أَيّانَ يَومُ القِيامَة).(2)

فالفجر في اللغة بمعنى الشق، فكأنّ الإنسان العاصي يريد أن يشقَّ القيود والحدود ويرفع الموانع أمام غرائزه الجامحة ويكون إنساناً متحرراً عن كلّ التزام وشرط.

الدوافع السياسية لإنكار المعاد

وهناك دافع آخر، وهو انّ المنكرين كانوا أصحاب قدرة ونفوذ وكبر ونخوة، والعقيدة بالمعاد تنازع سلطتهم وتحدّمن نفوذهم، وهؤلاء هم الذين يعبّر عنهم القرآن الكريم بالملأ، يقول سبحانه:

(وَقالَ المَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّبَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأَكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلُكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُون * أَيَعِدُكُمْ أَنّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً


1 . القيامة:3ـ4.
2 . القيامة:5ـ6.


(40)

وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّحَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثين * إِنْ هُوَ إِلاّرَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤمِنينَ).(1)

إنّ الإمعان في هذه الآيات يثبت انّ المنكرين للمعاد كانوا من الأشراف والأعيان الذين يعبّر عنهم القرآن بالملأ، وكانوا ينكرون المعاد لدافعين:

الأوّل: الدافع النفسي، وهو الترف و الرفاه كما يعرّفهم قوله سبحانه:(وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا) ومن الواضح انّ الإيمان بالمعاد يحدَّ من ترفهم ويضع قيوداً لروحهم ورواحهم.

الثاني: الدافع السياسي، وهو توطيد سلطانهم وحفظ نفوذهم فراحوا يخاطبون من يخضع لسياستهم ونفوذهم بالقول ( أَيَعِدكُمْ أَنّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُون).

ويشير في آية أُخرى إلى أنّ ما يطرحه هؤلاء من الشبهات تعد واجهة لما يكنّون من الدوافع، وهو تكذيب الأنبياء، ولولا التكذيب لخضعوا للحق، يقول سبحانه:

(أإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رجْعٌ بَعيد * قَدْ عَلِمنا ما تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ في أَمْر مَريج).(2)

فالآية تطرح شبهاتهم في صدرها (وسيوافيك بيانها) ولكن تعود وتؤكد على أنّ الدافع الحقيقي شيء آخر وهو (بَلْ كَذّبوا بِالحقّ لمّاجاءَهم).

وقد تكرّر ذلك في آية أُخرى، قال سبحانه: (وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرضِ


1 . المؤمنون:33ـ 38.
2 . ق:3ـ5.


(41)

أءِنّا لَفِي خَلْق جَديد بَلْ هُمْ بِلقاءِ رَبِّهِمْ كافِرونَ * قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ المَوتِ الَّذي وُكّل بِكُمْ).(1)

والآيتان تتعرضان لأُمور ثلاثة:

الأوّل: الشبهة العالقة في أذهانهم، وهو قوله: (أإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْض...).

الثاني: الجواب عن الشبهة، أعني قوله: (قُلْ يَتَوَفّاكُمْ)وسيوافيك بيانها في البحث التالي.

الثالث: بيان الدافع الحقيقي للإنكار، وانّه ليس هو الشبهة كما يدّعون، بل الدافع هو انّهم كفروا بلقاء اللّه وأنكروه.

إلى هنا تبيّنت الحوافز التي كانت تدفعهم إلى إنكار المعاد.

نعم كانت لهم شبهات عقيمة طرأت على عقولهم وأذهانهم حالت دون الإيمان بالمعاد، وهذا ما سنقوم باستعراضه في البحث التالي:

الشبهات حول المعاد

قد تعرض الذكر الحكيم إلى شبهاتهم في آيات عديدة، ونحن نذكر منها ما يربو على عشر شبهات على وجه الإيجاز.

1. لا دليل على المعاد

كان المنكرون للمعاد يتظاهرون بعدم توفر الدليل عليه، يقول سبحانه:

(وَإِذا قيلَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فيها قُلْتُم ما نَدْرِي ما السّاعَةُ


1 . السجدة:10ـ 11.


(42)

إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنّاً وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنينَ).(1)

فقوله: (وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنين) أي ليس هناك دليل يجرنا إلى الإذعان به وإلاّاتّبعناه، ونظيره قوله سبحانه: (فَإِنْ تَعْجَب فَعَجَبٌ قَولُهُم أإِذا كُنّا تُراباً أءِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد).(2)

فانّ الاستفهام الإنكاري الذي يتضمنه قوله: (أإِذا كُنّا تُراباً)يحكي عن أنّ المعاد أمر مبهم لا يمكن الإذعان به.

2. الإيمان بالمعاد أُسطورة

كان المنكرون للمعاد يعتقدون انّه أُسطورة تاريخية حيكت في القرون الغابرة وليس أمراً جديداً، يقول سبحانه حاكياً عنهم: (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِن هذا إِلاّ أَساطِيرُ الأَوّلِين).(3)

ولم يكن المعاد نسيجَ وحده في ذلك الاتهام المزعوم بل شاركه الدين ومعارفه، يقول سبحانه،حاكياً عنهم: (وَقالُوا أَساطِيرُ الأَوّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).(4)

وكأنّهم ماعقلوا انّ التجدّد ليس آية الحقّ ولا التقدم آية البطلان، والحقائق تابعة لبراهينها.

3. الدعوة إلى المعاد: افتراء على اللّه

كانت ثلة من الناس تزعم انّ الدعوة إلى المعاد افتراء على اللّه و الداعي إليه إمّا كاذب عمداً أو مجنون لا اعتبار بقوله، قال سبحانه: (وَقالَ الَّذِينَ


1 . الجاثية:32.
2 . الرعد:5.
3 . المؤمنون:83.
4 . الفرقان:5.


(43)

كَفَرُوا هَل نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد * أَفْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّة).(1)

فالآية تتضمن شبهتين: إحداهما: امتناع إعادة البدن البالي، وثانيتهما: انّ القائل به إمّا كاذب أو مجنون، وهذا التردّد منهم نابع من الخدعة والمكر وإخفاء الحقيقة، وربما يكون في وصفه بالكذب فقط إثارة لتعصّب الآخرين.

4. الدعوة إلى المعاد: وإحياء الآباء

وربما تمسك البعض بشبهة عجيبة وهي انّ الداعي إلى المعاد لو كان صادقاً فليأت بآبائنا حتى نرى رجوعهم إلى الحياة بأُمّ أعيننا، ونذعن بأنّه سبحانه يقدر على إحيائنا يوم القيامة، قال سبحانه: (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيّنات ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّأن قَالُوا ائتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِين).(2) ولقد وقعت تلك الشبهة ذريعة لإنكار المعاد.

فلو قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإحياء أقارب الكافرين لجاءته الطلبات تترى عليه من كلّ حدب وصوب وهو أمر غير معقول، وإلاّ لعلّق كلّ إنسان إيمانه بالمعاد بإحياء شخص من ذويه.

5. الدعوة إلى المعاد: دعوة ساحرة

وقد اتّهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه يتشبّث بالسحر والشعبذة في دعوته إلى المعاد، قال سبحانه: (وَلَئِنْ قُلتَ انّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِين).(3)


1 . سبأ:7و8.
2 . الجاثية:25.
3 . هود:7.


(44)

كما ونسبت سائر معجزاته إلى السحر والشعبذة، قال سبحانه:(وَإِذا رَأَوا آيةً يَسْتَسْخِرونَ * وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّسِحْرٌ مُبين).(1)

6. الدعوة إلى المعاد خارجة عن نطاق القدرة

كان بعض الناس يتصورون انّ إحياء الموتى أمر محال، وقد انعكس ذلك في الآية التالية: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِي العِظامَوَهِيَ رَمِيم)(2) .وسيوافيك أجوبة تلك الشبهة.

7. إحياء الأموات أمر عسير

لقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الاعتراض وأجاب عليه سبحانه: (إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير).(3)وقال سبحانه:(ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسير)(4)، وقال عزّمن قائل: (وَذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير).(5) بل انّه سبحانه يصور الإحياء بعد الإماتة من السهولة بمكان أنّه قادر عليه في زمن أدنى من لمح البصر، قال سبحانه: (وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَب)(6) وفي آية أُخرى يصف المعاد بأنّه أهون من الإبداع، قال سبحانه: (وَهُوَ الَّذي يَبدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه)(7).

نعم وصف الإعادة بالأهونية بالنسبة إلى الإبداع إنّما هو من منظار فكر البشر، لأنّ الإبداع خلق بلا مادة متقدمة بخلاف الإعادة فانّه تصوير لمادة


1 . الصافات:14ـ15.
2 . يس:78.
3 . العنكبوت:19.
4 . ق:44.
5 . التغابن:7.
6 . النحل:77.
7 . الروم:27.


(45)

موجودة والثاني أهون عند البشر من الأوّل، وأمّا بالنسبة إليه سبحانه فالجميع على حدّ سواء.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «وما الجليل واللطيف، والثقيل والخفيف، والقوي والضعيف في خلقه إلاّ سواء».(1)

8. الموت فناء للإنسان

كان الناس في عصر الرسالة يتصوّرون انّ الموت فناء للإنسان وانحلال له، فكيف يمكن إعادته ويحكيه سبحانه عنهم بقوله: (وَقالُوا أإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ أءِنّا لَفِي خَلْق جَديد).(2) وسيوافيك الإجابة عنها في الفصل التالي.

9. فقدان الصلة بين الدنيا والآخرة

إنّ الإنسان إذا مات فقد عُدِم ولم يبق من إنسانيته شيء، فإذا أحياه اللّه سبحانه ثانية ـ على سبيل الفرض ـ فلم يكن هناك صلة بين الحياتين، وهذه الشبهة أجاب عنها الذكر الحكيم، بقوله:(قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون)(3) وحاصل الآية انّ الصلة بين الحياتين، والتي على ضوئها يحكم بأنّ المعاد نفس المبتدى، عبارة عن النفس الخالدة التي بها تتجلى شخصية كلّ إنسان في كلتا النشأتين.

ولما كانت النفس في المبتدى والمعاد واحدة يحكم على الثانية بأنّها نفس الأُولى، وسيوافيك تفصيله.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 185.
2 . السجدة:10.
3 . السجدة:11.


(46)

10. الدعوة إلى المعاد والأجزاء المبعثرة المختلطة

إنّ الموت عبارة عن اندثار أجزاء البدن واختلاط ذراته، فكيف يمكن حشر جميع الناس وقد امتزجت ذرات أبدانهم الرميمة بعضها مع بعض في الدنيا؟ وقد أشار الذكر الحكيم إلى تلك الشبهة وجوابها وقال: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتاب مُبِين).(1) والشبهة وإن لم تكن مذكورة صريحة لكن التأكيد على علمه سبحانه بالغيب وعدم عزوب مثقال ذرة عنه يوضح لنا حقيقة الشبهة، لذلك نرى انّه سبحانه يؤكد في آية أُخرى على علمه بكلّ شيء، قال سبحانه: (وَضَرَبَ لَنا مَثلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيي الْعِظامَ وَهِيَ رَميم * قُلْ يُحْييها الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيم).(2) والإمعان في الآية يرشدنا إلى أنّ شبهتهم تدور حول محورين:

الأوّل: امتناع تعلّق القدرة بإحياء العظام الرميمة.

الثاني: عدم إمكان تشخيص الأجزاء المتفرقة.

واللّه سبحانه يجيب عن الشبهة الثانية في الآية نفسها بقوله:(وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيم).

إلى هنا تمّ بيان الدوافع النفسية والسياسية والشبهات التي طرحوها والتي كانت تصدّهم عن الإيمان بالمعاد، فلنأت بملخص شبهاتهم التي مرت عليك:

1. لا دليل على المعاد، 2. الإيمان به أُسطورة، 3. الدعوة إلى المعاد افتراء


1 . سبأ:3.
2 . يس:78ـ 79.


(47)

على اللّه، 4. المعاد و إحياء الآباء، 5. الدعوة إلى المعاد: دعوة ساحرة، 6. المعاد: خارج عن نطاق القدرة، 7. المعاد أمر عسير، 8. الموت فناء مطلق فلا يبقى موضوع للإعادة ، 9. فقدان الصلة بين الدنيا والآخرة، 10. المعاد: والأجزاء المبعثرة المختلطة.


(48)

الفصل الرابع:

نقد الشبهات الواردة حول المعاد

قد تعرفت على الشبهات التي ساورت الكافرين حول الدعوة النبوية إلى المعاد، وقد ناف عددها على عشر شبهات، وأكثرها سخيفة لا تستحق الإجابة، إنّما المهم منها هي الشبهات التالية:

الشبهة الأُولى: المعاد فوق نطاق القدرة.

الشبهة الثانية: المعاد والعظام البالية.

الشبهة الثالثة:المعاد والعلم الإلهي.

الشبهة الرابعة:الصلة بين الحياتين: الدنيوية والأُخروية.

الشبهة الأُولى: المعاد فوق نطاق القدرة

ذهب المنكرون للمعاد إلى أنّ إحياء الموتى أمر غير ممكن إمّا ذاتاً أو وقوعاً، والفرق بينهما واضح. ففي الأوّل يكفي تصوّر الموضوع في الحكم على الامتناع، كما هو الحال في الحكم باجتماع النقيضين أو الضدين.

وأمّا الثاني: فلا يكفي تصور الموضوع بالحكم عليه بالامتناع إلاّ أنّه ربما يمتنع لأجل عارض خارجي طرأ على ماهية الموضوع، مثل امتناع تمييز الأجزاء


(49)

فلم يكن الإحياء في حدّنفسه محالاً وإنّما استحالته لأجل اختلاط ذرات الأبدان البالية بعضها ببعض.

وقد أجاب سبحانه عن تلك الشبهة بأجوبة مختلفة قالعة للشك، وإليك بيانها:

1. سعة قدرته سبحانه

إنّ المنكر للبعث والنشور يتخذ قدرة الإنسان المحدودة مقياساً للجواز والامتناع، مع أنّ المقياس في المعجزات والكرامات والأُمور الخارقة للعادة هو قدرته سبحانه الواسعة، فلو كان المنكرون يقدرون اللّه تعالى حقّ قدره ويعرفون شأنه لما أنكروا إعادة المعاد، قال سبحانه: (وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضتُهُ يَوْمَ القِيامَة وَالسَّماواتُ مَطويّاتٌ بيَمينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاّمَنْ شاءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ ينظُرونَ).(1)

والمراد من القدر في الآية هو الشأن أي ما عرفوا شأنه وكماله، ومن شؤون معرفته سبحانه هو معرفة قدرته.

وبما انّ البرهان على إمكان المعاد هو سعة قدرته، نرى أنّه سبحانه يذكر المعاد ويردفه بسعة القدرة إمّا متقدماً عليه كما في الآيتين الماضيتين، فقد ذكر سعة قدرته ثمّ أردفه بالنفخ في الصور، أو متأخراً عنه، قال سبحانه: (أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِير).(2) وقال سبحانه: (إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِير ).(3)


1 . الزمر:67ـ 68.
2 . البقرة:148.
3 . هود:4.


(50)

ففي هاتين الآيتين يذكر المدعى ثمّ يأت بدليله، وهو قدرته على كلّ شيء، وحيث إنّ إحياء الموتى أمر ممكن بالذات وليس محالاً فسعة قدرته شاملة لهذا المورد أيضاً.

2. البعث وخلق السماوات والأرض

إنّ الذي يبعث الموتى هو خالق السماوات والأرض، فالقادر على الثاني أولى بأن يكون قادراً على الأوّل فخلق السماوات والأرض أكبر من خلقهنّ، قال سبحانه:(أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيم)(1) بناء على انّ الضمير في (مثلهم)يرجع إلى خلق الإنسان واحيائه، وقال سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادر عَلى أَنْ يُحيي المَوتى)(2).(3)

وأساس الاستدلال في الثاني غيره في الأوّل، فقد اعتمد سبحانه في الدليل الأوّل على سعة قدرته، وفي الثاني استدل بالخلق الأشد والأعظم على إمكان خلق غيره قياساً أولوياً.

3. قياس المعاد بالمبدأ

إنّ من الدلائل الواضحة على إمكان الشيء وقوعه، هذا من جانب و من جانب آخر حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد، فهاتان القاعدتان تدلان على إمكان المعاد، فإذا كان خلق الإنسان بدءاً أمراً ممكناً، فهذا يدل


1 . يس:81.
2 . الأحقاف:33.
3 . لاحظ سورة الإسراء:69.


(51)

على أنّ ماهية الإنسان ممكنة وإلاّ لما وجد فرد واحد منه، فإذا كان الفرد الأوّل ممكناً فالفرد الثاني والثالث وجميع الأمثال، يسودها حكم واحد، فاللّه سبحانه هو المبدئ وهو المعيد، فليس الخلق الجديد أشد من الخلق القديم، وإلى ذلك البرهان يشير قوله سبحانه: (وَقالُوا أإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاًأءِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلقاً جَديداً) إلى أن قال: (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة).(1)

ويقول عزّ من قائل: (أَيَحْسبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيّ يُمنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسوّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ وَالأُنْثى * أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِر عَلى أَنْ يُحيِيَ الْمَوتى)(2) ترى أنّه سبحانه يشرح خلق الإنسان والمراحل التي مرّ بها إلى أن يخرج بقوله: (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوجين الذَّكر والأُنْثى) ثمّ يعقبه بقوله: (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِر عَلى أَنْ يُحيي الْمَوتى) فيجعل خلق الإنسان بدءاً، دليلاً على إمكان معاده.

إلى هنا تمت أجوبة الشبهة الأُولى وهي امتناع الإحياء، وثبت جوازه بوجوه ثلاثة اقتبسناها من الذكر الحكيم.

الشبهة الثانية: المعاد والعظام البالية

كان المنكرون يؤكِّدون على العظام البالية وانّه كيف يمكن إحياؤها؟ ويعبِّرون عنها بتعابير مختلفة، فتارة يقولون: (مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيم)(3)، وأُخرى: (أإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أءِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلقاً جَديداً)(4)


1 . الإسراء:49ـ 51.
2 . القيامة:36ـ 40.
3 . يس:78.
4 . الإسراء:49.


(52)

ونظيرها في الآية 98، وثالثة: (أإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً * قالُوا تِلْكَ إِذا كَرّةٌ خاسِرة).(1)

إلى غير ذلك من الآيات التي تعبر عن شبهاتهم بأنّ العظام البالية لا يمكن إعادة الحياة فيها، يقول سبحانه حاكياً عنهم: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أإِذا كُنّا تُراباً وَآباؤُنا أءِنّا لَمُخْرَجُون).(2)

وقد أجاب الذكر الحكيم عن تلك الشبهة التي ليست ـ في الواقع ـ إلا استبعاداً لا برهاناً بهدايتهم إلى خلق الإنسان والنبات من التراب.

تجلّي القيامة في خلق الإنسان والنبات

إنّ الإنسان يرى بأُمّ عينيه في كلّ يوم نموذجاً مصغراً من البعث في خلق الإنسان ونمو الأشجار وتفتح الأزهار.

أمّا الأوّل فيعطف نظر المنكر إلى أنّ بدء خلق الإنسان هو التراب، فاللّه سبحانه بقدرته ومشيئته أضفى على ذلك التراب حياةً ونمواً وصورة إلى أن صار إنساناً، فهو سبحانه قادر على أن يضفي على ذلك التراب أيضاً مثلما أضفى على الأوّل.

وأمّا الثاني فالإنسان طيلة حياته يرى بأُم عينيه إحياء الأرض وتفتَّح البراعم والأزهار على الأشجار، فالأرض بحركتها تُحيي ما كان ميتاً في فصل الشتاء، فالقادر على إحياء الأرض قادر على إحياء الموتى. ترى ذينك البيانين بوضوح في الآيات التالية:

قال سبحانه:(يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ في رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ


1 . النازعات:11ـ12.
2 . النمل:67.


(53)

تُراب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَير مُخَلّقة لِنُبيّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَل مُسَمّى ثُمَّ نُخْرِجُكُم طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِعِلْم شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوج بَهيج).(1)

ترى أنّه سبحانه يذكر في المقطع الأوّل خلق الإنسان من تراب، ثمّ يسرد المراحل التي مرّت على خلق الإنسان، ويذكر في المقطع الثاني اهتزاز الأرض بعد ان كانت هامدة وإنباتها من كلّ زوج بهيج، ثمّ بعد ذلك يرتب عليه إمكان إحياء الموتى، ويقول:

(ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَانّهُ يُحْيِي الْمَوتَى وأَنّهُ على كُلِّ شَيْء قَدِير * وَأَنّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فيها وَأَنّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور).(2)

وقد جاء ذلك البيان في القرآن غير مرّة، فيذكر حياة الأرض واهتزازها عقب هطول المطر وظهور الثمار على الأشجار بعد سباتها، ثمّ يذكر إحياء الموتى، يقول سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَي رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَد مَيِّت فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءََ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).(3)

ويقول سبحانه أيضاً: (وَالَّذي نزّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَر فَأَنْشرنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُون).(4)


1 . الحج:5.
2 . الحج :6ـ7.
3 . الأعراف:57.
4 . الزخرف:11.


(54)

فهذه الآيات تذكر الإنسان نماذج من إحياء الموتى، كخلق الإنسان من تراب و إحياء الأرض بالنبات والأشجار حتى يمحو تلك الشبهة العالقة في ذهنه.

الشبهة الثالثة: المعاد و العلم الإلهي

كان المنكرون يعتمدون في إنكارهم على شبهة ثالثة، تنحل إلى أمرين:

الأمر الأوّل: انّ انتشار ذرات بدن الإنسان البالي يوجب اختلاط تلك الذرات، فكيف يمكن تمييز بعضها عن بعض؟

وبعبارة أُخرى: إذا تعلّق المعاد بإحياء الناس كافة مع اختلاط ذرات بعضهم ببعض، فكيف يمكن التمييز بين هذه الذرات المختلطة؟ ولعلّ الآية التالية ناظرة إلى هذا الجانب من الشبهة، قال سبحانه حاكياً عنهم: (أإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعيد).(1)

والجواب ما تذكره الآية التالية:(قَدْعَلِمنا ما تَنْقُصُ الأَرض مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظ).

فالآية الثانية تفسر بجوابها واقع الشبهة.

الأمر الثاني: كيف يمكن الإحاطة بالأعمال التي صدرت عن الإنسان خيرها وشرها، وتمييز عمل كلّ أحد عن عمل الآخر حتى يجزى على وفق أعماله؟ وكانت الشبهة نابعة عن عجزهم عن درك علمه وسعته واللّه سبحانه يجيب عن الشبهة، ويقول: (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْس واحِدَة إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصيرٌ).(2)


1 . ق:3.
2 . لقمان:28.


(55)

فليس خلق الناس جميعاً ولا بعثهم إلاّ كخلق نفس واحدة وبعثها، فإذا كان الثاني أمراً ممكناً غير عسير فخلق الجميع وبعثهم مثله.

وقد شغلت هذه الشبهة العقول منذ عصور غابرة، وذلك عندما دعا موسى فرعون إلى عبادة الربّ فخاطبه فرعون بقوله: (فَمَنْ رَبُّكُما يا موسى) فأجاب موسى، بقوله:(قالَ رَبُّنا الَّذي أعطى كُلَّ شيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى).

وعندها دار بينه وبين فرعون ذلك الحوار الذي نوّه فيه إلى تلك الشبهة والتي يذكرها الذكر الحكيم بقوله: (قالَ فَما بالُ القُرونِ الأُولى * قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبّي في كِتاب لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى).(1)

يقول فرعون: فما بال الأُمم الماضية، فانّها لم تقر باللّه ومن تدعو إليه، بل عبدت الأصنام والأوثان مثل قوم نوح وعاد وثمود؟ فيجيب موسى بأنّ أعمالهم محفوظة عند اللّه ومكتوبة في لوح خاص يجازيهم بها، فما يذهب عليه شيء ولا يخطأ ولا ينسى.

الشبهة الرابعة: الصلة بين الحياتين: الدنيوية والأُخروية

هذه الشبهة هي الأخيرة من الشبهات الأربع التي انتخبناها، وحاصلها: انّ الموت فناء للإنسان وإعدام له، فبموته تبطل شخصيته وكيانه، فإذا تعلّقت مشيئته سبحانه بإحيائه ليجزيه وفق أعماله فلا صلة بين الحياتين ولا بين الشخصين، فكيف يمكن القول بأنّ المعاد هو نفس الإنسان الذي مات وبطلت شخصيته؟

وهذه الشبهة هي التي يبيّنها قوله تعالى عنهم: (أإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ أءِنّا لَفِي خَلْق جَديد).(2)


1 . طه:51ـ 52.
2 . السجدة:10.


(56)

وهذه الآية وإن لم تكن صريحة في بيان الشبهة، لكن يوضّحها ما أجاب به سبحانه عنها، بقوله:

(بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُون) و قد مرّ بيانه.

(قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون).(1)

ولا يقف الإنسان على حقيقة الجواب إلاّ بإمعان النظر في قوله:(يتوفّاكم)، فليس المراد من التوفّي هو الموت كما هو الدارج على الألسن، بل المراد منه هو الأخذ، وقد فسره به ابن منظور في لسان العرب.(2)

ويفسره أمين الإسلام الطبرسي، بقوله: أي يقبض أرواحكم جميعاً.(3)

وعلى ذلك فالقرآن يرد على الشبهة بأنّ حقيقة الإنسان عبارة عمّا يأخذه ملك الموت الذي وكّل بأخذه بأجمعه وهو شيء لا يضلَّ في الأرض، وأمّا الضالّ في الأرض كالعظام البالية والأجزاء المتلاشية فهي طارئة على الإنسان.

فإذا كانت حقيقة الإنسان محفوظة عند الربّ بأجمعها، فالإتيان به يوم الحشر إتيان لنفس الإنسان الذي عاش في الحياة الدنيا.

وإن شئت قلت: الإنسان مؤلف من بدن وروح، فالبدن قشر والروح هو الأصل، والحافظ للوحدة بين البدنين هو الروح، فإذا كانت الروح باقية في كلتا النشأتين فلا تضرُّ بشخصيته، فيصدق على المحيا في النشأة الأُخرى، انّه نفس الإنسان الذي عاش في نشأة الدنيا.

ونلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ الآية ليست ناظرة إلى بيان أنّ المعاد


1 . السجدة :11.
2 . لسان العرب:15، مادة وفى.
3 . مجمع البيان:4/328.


(57)

روحاني لا جسماني بل هي ساكتة عن هذا الأمر، وإنّما يعلم ذلك من خلال الآيات الأُخرى الدالّة على أنّ المعاد روحاني وجسماني.

بل هي ناظرة إلى دفع الشبهة العالقة في الأذهان، وهي كيف يمكن جزاء الإنسان في النشأة الأُخرى بالأعمال التي اكتسبها في النشأة الدنيا مع أنّه بموته بطلت شخصيته وانفصمت وحدته.

فيجيب سبحانه بأنّ الحافظ للوحدة، هو وحدة الروح والنفس، في أيّ بدن دخلت، وبأي بدن حشرت، فهناك صلة قويمة بين الحياتين.

نعم دلّت الآيات على أنّه سبحانه سيجمع عظامه ورفاته فينشئ نفس ما أنشأه في الحياة الدنيوية.

قال سبحانه: (قُلْ يُحْييها الَّذي أَنشأها أَوّلَ مرّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليم).(1)

هذا هو جواب الذكر الحكيم عن الشبهة، وهو مبني على تجرّد الروح عند الموت الذي يصحح بقاءه وإن فسدت مادته وتناثرت أوصاله، وهذا الجواب مدعم بدلائل عقلية دامغة، وإليك بيانها:

البرهان الأوّل: ثبات الشخصية في دوّامة التغيير

إنّ الإنسان منذ نعومة أظفاره إلى ريعان شبابه إلى كهولته وشيخوخته في دوامة التغيّرات والتحوّلات، وهو أمر ملموس لكلّ إنسان.

وعلى الرغم من ذلك فثمة أمر ثابت غير متغير يواكبه في جميع تلك التغييرات والتحولات وإليه ينسب أفعاله كلّها التي صدرت منه طيلة حياته، وهذا الأمر الثابت يعبّر عنه بـ«أنا».ويقول كنت طفلاً رضيعاً ثمّ صرت مراهقاً ثمّ


1 . يس:79.


(58)

شاباً ثمّ كهلاً وشيخاً هرماً، وهذا يدل على أنّ المنسوب إليه أمر ثابت في منأى عن طروء التحول والتغير عليه، وما هذا شأنه فهو مجرّد لا مادي.

وبتعبير آخر: انّ الجانب المادي للإنسان عبارة عن البدن الذي يتألف من خلايا كثيرة التي لم تزل في تحول و تغير مستمر، وهذه الخلايا تقطع أشواطاً طويلة حتى تصل إلى الهرم ثمّ تموت وتحل محلها خلايا أُخرى جديدة، هذا من جانب، ومن جانب آخر يلمس كلّ إنسان انّ ثمة أمر ثابت لا يتغير بتغير الزمان ويكون محوراً لتلك التغييرات، وهو عبارة عن بقاء ذاته وشخصيته وانيّته عبر الزمان.

فثبت من ذلك أمران:

أ. الجانب المادي في مهبِّ التغيّرات والتحوّلات.

ب. الجانب الروحي والنفسي ثابت غير خاضع للتغيّر.

فنستنتج من هاتين المقدمتين: انّ النفس الإنسانية التي تدور عليها شخصيته وذاته أمر غير مادي بشهادة انّها غير خاضعة لآثار المادة.

البرهان الثاني: علم الإنسان بنفسه مع الغفلة عن بدنه

إنّ الإنسان قد يغفل في ظروف خاصة عن كلّ شيء حتى عن بدنه وأعضائه وما حوله من الأشياء ولكن لا يغفل أبداً عن نفسه سليماً كان أم سقيماً، وهذا يدل على أنّ المغفول عنه غير اللا مغفول عنه.

توضيحه: تخيّل نفسك في حديقة غنّاء زاهرة وأنت مستلق لا تُبصر أطرافك، ولا تنتبه إلى شيء، ولا تتلامس أعضاؤك، لئلاّ تحس بها،بل تكون منفرجة ومرتخية في هواء طلق، لا تحس فيه بكيفية غريبة من حرّ أو برد أو ما


(59)

شابهه ممّا هو خارج عن بدنك، فانّك في مثل تلك الحالة تغفل عن كلّ شيء حتى عن أعضائك الظاهرة وقواك الداخلية فضلاً عن الأشياءالتي حولك، إلاّ عن ذاتك فلو كانت الروح نفس بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك، للزم أن تغفل عن نفسك إذا غفلت عن أعضائك والتجربة أثبتت خلافه.(1)

البرهان الثالث: عدم الانقسام في الشخصية

إنّ من آثار المادة هو التجزئة والانقسام، فكلّ أمر مادي حتى الجزء الذي يسمّونه بما لا يتجزّأ أمر منقسم عند العقل وإن تعذر تقسيمه بالأجهزة الحديثة، فما يسمّى في الفيزياء بالجزء الذي لا يتجزّأ هو مصطلح علمي أسموه بذلك لعدم استطاعة الأجهزة تجزئته، ولكنّه عند العقل جزء يتجزّأ كما ذكرنا.

وبناء على هذا الأصل فكلّ موجود مادي قابل للانقسام ولكن الشخصية الإنسانية التي تكون محوراً لأفعاله وأوصافه لا تقبل التجزئة والتقسيم فلا يتصور لشخصيته التي يعبر عنها بـ«أنا» أجزاء، وهذا دليل على أنّ الشخصية الإنسانية رغم ازدواجها مع المادة غير خاضعة لأحكامها، فهي أمر ثابت غير منقسم، وما هذا شأنه أمر مجرّد غير مادي.

إنّ هذه البراهين الساطعة تدعم وجهة النظر القائلة انّ الإنسان لا يفنى بموته وإنّما الفاني غير الباقي، و أنّ النفس أمر مجرد فما ينسب إليها أيضاً مثله.

مثلاً انّ حبك لولدك وبغضك لعدوك ممّا لا يقبل الانقسام وإن كانا


1 . هذا البرهان ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات:2/92; وفي كتاب الشفاء قسم الطبيعيات في موردين، ص 282 و 464.


(60)

يقبلان الشدة والضعف، فالنفس والنفسانيات أو الروح والروحيات أُمور فوق المادة لا تخضع لآثارها.

القرآن وخلود النفس

إنّ الذكر الحكيم يؤكّد على خلود الروح وبقائها، والآيات في هذا المضمار على قسمين: قسم يدل بصراحة على التجرّد، وقسم آخر ظاهر فيه، وإليك نقل شيء من القسمين:

القسم الأوّل: ما هو صريح في خلود الروح، يقول سبحانه:

1. (اللّهُ يَتَوفَّى الأَنْفُسَ حينَ مَوتِها وَالّتي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتي قَضى عَلَيْهَا الْمَوتَ وَيُرسِلُ الأُخرى إِلى أَجَل مُسَمًّى إِنَّ في ذلِكَ لآيات لِقَوْم يَتَفَكَّرُون).(1)

ودلالة الآية مبنية على إمعان النظر في لفظة «التوفّي» وهي بمعنى الأخذ والقبض لا الإماتة، وعلى ذلك فالآية تدل على أنّ للإنسان وراء البدن شيئاً يأخذه سبحانه حتى عند الموت والنوم.

فيمسكه إن كتب عليه الموت ويرسله إن لم يكتب عليه ذلك إلى أجل مسمّى، فلو كان الإنسان متمحضاً في المادة وآثارها فلا معنى «للأخذ» و«الإمساك» و«الإرسال».

2. (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللّهِ وَفَضْل وَأنَّ اللّهَ لا يُضيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنينَ).(2)


1 . الزمر:42.
2 . آل عمران:169ـ 171.


(61)

وصراحة الآية غير قابلة للإنكار حيث تعدّهم أحياء أوّلاً، وتحكم عليهم بالرزق وتثبت لهم آثاراً نفسية كالفرح والاستبشار وعدم الخوف والحزن.

ونظيره قوله سبحانه: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ).(1)

وربما يتراءى من بعض الذين أخلدوا إلى المادة، تفسير حياة الشهداء بخلود ذكراهم في المجتمع والأندية والمحافل، ولكنّه تفسير بعيد عن الصواب، إذ لو كان المراد هو هذا فما معنى قوله سبحانه: (يرزقون) ، (فرحين) ، (يستبشرون) ، بل وما معنى قوله : (ولكن لا تشعرون) فانّ الحياة بالمعنى الذي ذُكر أمر يشعر بها كلّ الناس؟!

3. (وحاقَ بِآل فِرْعَونَ سُوءُ العَذاب * النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَومَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَونَ أَشَدَّ العَذَاب).(2)

نرى أنّه سبحانه يحكم على آل فرعون بأنّهم يعرضون على النار كلّ يوم وليلة قبل يوم القيامة ولكنّهم يدخلون في النار حين تقوم الساعة، فلو كان الموت بطلاناً للشخصية فما معنى عرضهم على النار صباحاً ومساءً؟

4. (مِمّا خَطيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْصاراً).(3)

فالآية تحكي عن أنّ قوم نوح (عليه السلام) بعدما غرقوا أُدخلوا النار بلا تراخ، فلو كان المراد من دخول النار هو نار القيامة لا يصح التعبير عنه بالفاء، في قوله: (فَأُدْخِلُوا ناراً)الحاكية عن الاتصال، وعلى ذلك فالمراد من النار هي النار


1 . البقرة:154.
2 . غافر:45ـ 46.
3 . نوح:25.


(62)

الموجودة في النشأة البرزخية.

إلى غير ذلك من الآيات الصريحة عن خلود الشخصية الإنسانية وبقائها بعد موته.

القسم الثاني: ما هو غير صريح في خلود الروح وإن كان ظاهراً في تجرّده وخلوده.

1. (فَالْيَومَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آية).(1)

نرى أنّه سبحانه يخصّ النجاة ببدنه، وهو يعرب عن أنّ هناك شيئاً آخر لم يشمله النجاة.

أضف إلى ذلك خطابه سبحانه بقوله: (نُنَجيكَ بِبَدَنِكَ) حيث يدل على أنّ هناك واقعية وراء البدن يكلمها ويخاطبها ويُعْلِمْها بأنّ النجاة يشمل البدن لا غير.

2. (فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِين * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمين * فَتَولّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتكُمْ رِسالَةَ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحين).(2)

فهذه الآية والآية التالية تدلاّن على بقاء الروح بعد الموت ووجود الصلة بين النشأتين الدنيوية، والبرزخية، وإليك الآية الثانية:

(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنوا فيها الَّذينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالاتِ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ


1 . يونس:92.
2 . الأعراف:77ـ 79.


(63)

فَكَيْفَ آسى على قَوم كافِرين).(1) ودلالة الآيتين على نمط واحد حيث إنّ كلاً من صالح وشعيب يخاطبان قومهما بعد هلاكهم ويقولان: (ياقَوْمِ لَقَدْأَبْلَغْتُكُمْ)فلو كان الموت فناء الشخصية، فما معنى هذا الخطاب الجدي والذي يوضحه دخول الفاء على قوله: «فتولى» والذي يعرب عن تأخّر التولّي والمحاورة عن هلاكهم؟!

3. (وَاسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمن آلهةً يُعْبَدُونَ).(2)

والآية تأمر النبي بسؤال المتقدمين من الرسل في شأن التوحيد، والسؤال فرع وجود المسؤول أوّلاً وإمكان الاتصال ثانياً، فالآية ظاهرة في وجود أرواح الأنبياء وإمكان الإتصال بهم.

وهناك آيات أُخرى صريحة أو ظاهرة في خلود الروح وإمكان الاتصال بها، اقتصرنا على ما ذكرنا روماً للاختصار.


1 . الأعراف:92ـ 93.
2 . الزخرف:45.


(64)

الفصل الخامس:

ذكر نماذج من إحياء الموتى في الشرائع السابقة

إنّ للمتّقين مراتب ودرجات، فاليقين بأنّ النار حارة أمر يقبل الاشتداد، فتارة نتصور النار ونعلم بأنّها حارة، وأُخرى نشاهدها عن كثب، وثالثة نقترب منها ونحس حرارتها، ولاختلاف درجات اليقين صار العلم بشيء واحد يوصف تارة بعلم اليقين، وأُخرى بحقّ اليقين، وثالثة بعين اليقين.

يقول سبحانه: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقين * لَتَرَونَّ الجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عينَ الْيَقين).(1)

وعلى ضوء ذلك فيصح لإنسان مذعن بإمكان إحياء الموتى أن يطلب من اللّه سبحانه زيادة اليقين بمشاهدة الإحياء بأُم عينيه و ما هذا إلاّ عملاً، بقوله سبحانه: (وَقُلْ رَبِّ زِدْني عِلْماً).(2)

فما جاء في الذكر الحكيم من إحياء الموتى للأنبياء والصالحين كان من هذا القبيل، وإليك ذكرَها على وجه الإيجاز.


1 . التكاثر:5ـ 7.
2 . طه:114.


(65)

1. إبراهيم (عليه السلام) وإحياء الموتى

ذكر المفسرون انّ إبراهيم (عليه السلام) رأى جيفة تفترسها السباع ويأكل منها سباع البر ودواب البحر، فسأل اللّه سبحانه، وقال: يا ربّ، قد علمت أنّك تجمعها من بطون السباع والطير ودواب البحر فأرني كيف تحييها لأُعاين ذلك.

يقول سبحانه: (وَإِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحيي الْمَوتَى قالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْر فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَم أَنَّ اللّهَ عَزيزٌ حَكيم).(1)

وما ذكرنا من شأن النزول يكشف عن هدف إبراهيم، وهو انّه كيف يمكن إحياء الميت بعد تشتّت أوصاله واختلاطها بأوصال حيوانات أُخرى؟ فلذلك أمره سبحانه بأخذ طيور مختلفة فقطعها ومزقها ثمّ فرقهنّ على جبال ثمّ أخذ بمناقيرهنّ ثمّ دعاهنّ باسمه سبحانه فأتتن سعياً فكانت تجتمع ويأتلف لحم كلّ واحد وعظمه إلى رأسه حتى قامت احياءً بين يديه، وبذلك ازداد يقين إبراهيم حيث عاين إمكان إعادة أجزاء بدن كلّ حيّ إليه وإن اختلط بحي آخر، فلو أكلت سباع البراري وجوارح السماء وحيتان البحر، بدن الإنسان فصار جزءاً لأبدانها، فالاختلاط لا يكون مانعاً عن الإحياء والإعادة.

وبعبارة أُخرى: لم يسأل إبراهيم (عليه السلام) عن أصل إحياء الموتى وإلاّلكفى في الإجابة بإحياء فرد واحد من الطيور و الإنسان، بل كان يستهدف الوقوف على كيفية إعادة أجزاء كلّ ميت إليه بعد الاختلاط، ولذلك أمره سبحانه بأخذ طيور أربعة وقطع رؤوسهنّ وخلط أعضائهنّ وتفريقهنّ على رؤوس الجبال ثمّ دعوتهنّ.


1 . البقرة:260.


(66)

وبذلك اطمئنّ قلب إبراهيم واذعن بأنّه سبحانه له القدرة على إعادة أجزاء بدن الميت وإن اختلطت أجزاؤه بأجزاء ميت آخر. و انّ اختلاط أجزاء الموتى أو ضلالتها في الأرض لا يمنع من الإعادة ، قال سبحانه: (قَدْعَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأَرضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفيظ).(1)

ومن غريب التفسير ما ذكره صاحب المنار حيث قال في معنى الآية ما حاصله: خذ أربعة من الطير فضُمَّها إليك، وآنسها بك، حتى تأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك، فإنّ الطيور من أشدّ الحيوانات استعداداً لذلك، ثمّ اجعل كلّ واحد منها على جبل ثمّ ادعها، فانّها تسرع إليك من غير أن يمنعها تفرق أمكنتها وبعدها، كذلك أمر ربّك إذا أراد إحياء الموتى، يدعوهم بكلمة التكوين: «كونوا أحياء » فيكونوا أحياء كما كان شأنه في بدء الخلقة، إذ قال للسماوات والأرض: (ائْتيا طَوعاً أَوْ كرهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعين).(2)

قال: والدليل على ذلك من الآية، قوله تعالى: (فَصُرْهُنّ) فانّ معنى «أملهنّ» أي أوجد ميلاً بها، و آنسها بك، ويشهد به تعديته بإلى، فإنّ صار إذا تعدى بإلى كان بمعنى الأمالة.(3)

ما ذكره من التفسير بعيد عن الصواب لوجوه:

الوجه الأوّل: انّ إبراهيم كان بصدد الوصول إلى معرفة تامة بحقيقة إحياء الموتى، وطلب من اللّه سبحانه أن يرى الإحياء بأُم عينه ويشاهده عن كثب، فلم يكن تشبيه الإحياء والتمثيل له يجدي نفعاً ، كأن يشبه دعوة إبراهيم الطيور ومجيئهن إليه، بدعوة اللّه سبحانه الموتى ومجيئهم إليه.


1 . ق:4.
2 . فصلت:11.
3 . تفسير المنار:3/55ـ 58، وذكر وجوهاً في دعم هذه النظرية التي نقلها عن أبي مسلم وقد استحسنها في آخر كلامه، وقال: «وللّه در أبي مسلم ما أدقّ فهمه وأشدَّ استقلاله فيه ».


(67)

الوجه الثاني: لو كان المراد ما ذكره، لكان اللازم أن يقول: «ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنَّ واحداً » بدل أن يقول: (ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزءاً).

الوجه الثالث: انّ لفظة (فصرهنَّ) إمّا من «صيّر» بمعنى الميل والأُنس، فعندئذيكون الأمر بالقطع مقدراً، فكأنّه يقول: «أملهنَّ إليك ثمّ اقطعهنَّ».

أو من «صرى» بمعنى القطع، فعندئذ تكون متضمنة معنى الميل، فكأنّه يقول: اقطعهنّ متمايلات إليك، كتمايل كلّ طير إلى صاحبه.

وعلى كلّ حال فالآية تدل صراحة على أنّ إبراهيم قطعهنّ وخلط أجزاءهنّ، ثمّ فرقها على الجبال، ثمّ دعاهنّ، فأتينّه سعياً.

2. إحياء نفس عزير(1)

يحكي الذكر الحكيم انّ رجلاً صالحاً مرّعلى قرية خاوية وقد سقطت سقوفها فتساءل في نفسه كيف يحيي اللّه أهلها بعد ما ماتوا؟ ولم يقل ذلك إنكاراً ولا ارتياباً، بل أحبَّ أن يريه اللّه إحياءها مشاهدة مثل قول إبراهيم، فأماته اللّه مائة سنة ثمّ أحياه، فسمع نداءً (كم لبثت)فقال: (لَبِثْتُ يَوماً أَوْ بَعْض يَوم ) لأنّ اللّه أماته في أوّل النهار وأحياه بعد ـ مائة سنة ـ في آخر النهار، فقال: (يوماً) ثم التفت فرأى بقية من الشمس، فقال: (أَو بَعْض يوم) فوافاه النداء: (بَلْ لَبِثْتَ مائة سنة)فانظر إلى طعامك و شرابك لم تغيره السنون، ثمّ أمر بأن ينظر إلى حماره كيف تفرقت أجزاؤه وتبدّدت عظامه، فجعل اللّه سبحانه إحياءه آية للناس وحجّة في البعث. ثمّ جمع اللّه عظام حماره وكساها لحماً وأحياه.

يقول سبحانه: (أَوْ كَالّذي مَرَّ عَلى قَرْيَة وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قال أَنّى


1 . المعروف انّ المحيى هو عزير، ولكن ليس في الآية دليل عليه، وما يدل عليه هو انّ السائل كان رجلاً صالحاً، وأمّا انّه هو عزير فلا نقطع به.


(68)

يُحْيِي هذهِ اللّهُ بَعْدَ مَوتِها فَأَماتَهُ اللّهُ مِائةَ عام ثُمَّ بَعَثَهُ قال كَمْ لَبِثْتَ قال لَبِثْتُ يَوماً أَوْبَعْضَ يوم قال بَلْ لَبِثْتَ مِائةَ عام فَانْظُر إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلنَجْعَلَكَ آيةً لِلنّاس وَانْظُر إِلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدير).(1)

والإمعان في قوله سبحانه: (فَأَماتَهُ اللّه مائة عام) يفيد أنّه أماته سبحانه، ثمّ أحياه بعد تلك المدة.

كما أنّ الإمعان في قوله: (وَانْظُر إِلى العِظام) سواء أُريد منه عظام حماره أو غيره، يفيد انّه سبحانه كساها لحماً ثمّ أحياه، فكان هناك إحياء لميتين.

والعجب انّ الذي يتطرق إليه الفساد بسرعة كالطعام والشراب لم يتغير طيلة هذه المدة ولكن ما لا يتطرق إليه الفساد إلاّ بعد مدّة طويلة فقد تفرقت أجزاؤه وتلاشت أعضاؤه، وبذلك ازداد إيمان الرجل الصالح بالبعث والحشر.

بيد انّ صاحب المنار سلك في تفسير الآية نفس التفسير السابق فحمل الموت على السُّبات وهو النوم المستغرق الذي سمّاه اللّه سبحانه وفاة، واستعان في تقريب مراده بأنّه قد ثبت في هذا الزمان انّ من الناس من تحفظ حياته زمناً طويلاً يكون فيه فاقد الحس والشعور، فلبث الرجل الذي ضرب على سمعه مائة سنة غير محال في نظر العقل.(2)

والتفسير بعيد عن الصواب، وذلك لأنّ تفسير الموت بالسبات بحاجة إلى دليل، والمتبادر من الإماتة هي الإماتة الحقيقية، وقياس المقام بأصحاب الكهف قياس مع الفارق، لأنّ المتبادر من الآيات هناك هو السبات والنوم، يقول سبحانه: (فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ فِي الكَهْفِ سِنينَ عَدداً).(3)


1 . البقرة:259.
2 . تفسير المنار:3/50.
3 . الكهف:11.


(69)

ويقول أيضاً: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيقاظاً وَهُمْ رقُود)(1) بخلاف المقام.

على أنّ ما ذكره لو صحّ في نفس الرجل الصالح لا يصح في حماره حيث إنّ الآية صريحة بأنّه سبحانه أماته ثمّ أحياه ونشز عظامه و كساها لحماً، قال سبحانه: (وَانْظُرْإِلَى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً).

3. إحياء قوم من بني إسرائيل

ذكر المفسّرون انّ قوماً من بني إسرائيل فرّوا من الطاعون أو الجهاد لما رأوا انّ الموت كثر فيهم، فأماتهم اللّه جميعاً وأمات دوابهم، ثمّ أحياهم لمصالح مذكورة في الآية، قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَإِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوت فَقالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْل عَلى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ).(2)

والرؤية في قوله: (أَلَمْ تَرَ) بمعنى العلم، والمعنى: «ألم تعلم» والآية كما تثبت وقوع إحياء الموتى بعد إمكانه، تثبت إمكان الرجعة إلى الدنيا على ما تتبنّاه الشيعة الإمامية كما هو الحال في إحياء عزير.

وممّا يثير العجب ما ذكره صاحب المنار، حيث قال: الآية مسوقة سوق المَثَل، والمراد بهم قوم هجم عليهم أُولو القوة والقدرة من أعدائهم لاستذلالهم واستخدامهم وبسط السلطة عليهم، فلم يدافعوا عن استقلالهم، وخرجوا من ديارهم وهم أُلوف، لهم كثرة وعزّة، حذر الموت، فقال لهم اللّه: موتوا موت الخزي والجهل، والخزي موت، والعلم وإباء الضيم حياة، فهؤلاء ماتوا بالخزي، وتمكّن الأعداء منهم، وبقوا أمواتاً ثمّ أحياهم بإلقاء روح النهضة والدفاع عن الحقّ فيهم


1 . الكهف:18.
2 . البقرة:243.


(70)

فقاموا بحقوق أنفسهم واستغلوا في ذلك.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الظاهر انّ الآية تبيّن قصة واحدة، وهي فرار قوم من الموت، فأماتهم اللّه، ثمّ أحياهم، لا قصتين. بمعنى تشبيه من لم يدافعوا عن عزتهم، وغُلبوا، وبقوا كذلك حتى نفث في روعهم روح النهضة، فقاموا للدفاع ، بقوم فرّوا من الموت الحقيقي، فأماتهم اللّه موتاً حقيقياً، ثمّ أحياهم، ولو كانت الآية جارية مجرى المثل لوجب أن يكون هناك مشبه ومشبه به، مع أنّ الآية لا تحتمل ذلك.

ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه عندما يريد التمثيل بمضمون آية، يأتي بلفظ «مثل»، ويقول: (كَمَثَلِ الَّذي اسْتَوقَدَ ناراً)(2) و (إِنّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كماء أَنْزَلْناهُ) (3) و (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً).(4)

وثانياً: لو كان المراد من الموت، موت الخزي، ومن الحياة، روح النهضة، للزم على اللّه سبحانه مدحهم وذكرهم بالخير، مع أنّه يذمهم في ذيل الآية، فانّ فيها: (وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْل عَلَى النّاسِ وَلكِنّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُون).(5)

ثمّ إنّ صاحب المنار استعان في ردّ نظرية الجمهور، بقوله سبحانه: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوت إِلاّ الْمَوتَةَ الأُولى)(6) فلا حياة في هذه الدنيا إلاّ حياة واحدة.(7)

ولكن عزب عنه انّ ما جاء في الآية يدلّ على سنّة اللّه تعالى في عموم الناس،


1 . لاحظ تفسير المنار:2/458ـ 459.
2 . البقرة:17.
3 . يونس:24.
4 . الجمعة:5.
5 . النمل:73.
6 . الدخان:56.
7 . تفسير المنار:2/459.


(71)

وهذا لا يخالف اقتضاء مصالح معيّنة، أن يذوق البعض النادر منهم حياتين، وسيوافيك الكلام في ذلك عند البحث في الحياة البرزخية.

4. إحياء قتيل بني إسرائيل

روى المفسرون انّ رجلاً من بني إسرائيل قتل أحد أبناء عمومته ليرثه وأخفى قتله له، ورغب اليهود في معرفة قاتله، فأمرهم اللّه أن يذبحوا بقرة ويضربوا بعض القتيل ببعض البقرة ليحيا ويخبر عن اسم قاتله، وقاموا بذبح تلك البقرة بعد ان طرحوا عدّة تساؤلات على موسى تعرب عن لجاجهم وعنادهم، ثمّ ضربوا بعض القتيل بها، فقام حيّاً وأوداجه تشخب دماً، وقال: قتلني «فلان بن عمي» ثمّ قُبض، يقول سبحانه:

(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلينَ * ... وإِذْقَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُون * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحيِي اللّهُ المَوتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).(1)

كان الهدف من وراء ذبح البقرة وضرب القتيل ببعضها، أُمور:

الأوّل: أن يعرف القاتل بالأُسلوب الذي جاء في الآية.

الثاني: أن يزداد إيمان بني إسرائيل بالبعث والنشر، وانّه سبحانه قادر على إحياء الموتى كما أحيا المقتول في المقام.

الثالث: أمرهم بذبح البقرة بأيديهم، لأنّ بني إسرائيل كانوا قد أُشربوا بعبادة العجل، كما يقول الذكر الحكيم:(وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)(2)، فذبح العجل بأيديهم صار آية على تحقير معبودهم لئلاّ يرجعوا إلى


1 . البقرة:67ـ 73.
2 . البقرة:93.


(72)

عبادته من جديد.

هذا ما استظهره جمهور المفسرين من الآية الكريمة بيد انّ صاحب المنار اتخذ موقفاً سلبياً حيال الآية تعرب عن انفراده بتفسير آخر، فقال بعد ما ذكر نظرية جمهور المفسرين: والظاهر ممّا قدمنا انّ ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل، إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله، ليعرف الجاني من غيره، فمن غسل يده وفعل ما رُسِم لذلك في الشريعة، برئ من الدم، ومن لم يفعل، ثبتت عليه.ومعنى إحياء الموتى على هذا، حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تُسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس، أي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حد، قوله تعالى:

(وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَميعاً)(1) وقوله: (ولَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ)(2).(3)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ هذا التفسير لا ينطبق على قوله: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها)، فانّ معناه: اضربوا بعض النفس المقتولة ببعض جسم البقرة، وأين هذا من غسل أيدي المتهمين في دم الرجل المقتول، فهل غسل الأيدي في دمها عبارة عن ضرب المقتول ببعض البقرة؟

وثانياً : أنّه سبحانه يقول:(كَذلِكَ يُحْيى اللّهُ الْمَوتى وَيُريكُمْ آياته). فالقصة تتضمن آية من آيات اللّه، ومعجزة من المعاجز، فهل في غسل الأيدي بدم العجل ودرء التهمة عن المتهم إراءة للآيات الإلهية.

وثالثاً: أنّ تفسير الآية بالاستناد إلى الإسرائيليات والمسيحيات، مسلك


1 . المائدة:32.
2 . البقرة:179.
3 . تفسير المنار:1/345 ـ351.


(73)

ضالّ في تفسير كتاب اللّه العزيز، وليس اللجوء إليها إلاّ لأجل ما اتخذه صاحب المنار من موقف مسبق حيال المعاجز وخوارق العادات، وإصراره على إرجاع عالم الغيب إلى الشهادة.

5. المسيح (عليه السلام) وإحياء الموتى

إنّ الذكر الحكيم يقص لنا إحياء المسيح (عليه السلام) للموتى، قال تعالى حاكياً عنه: (أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَوَأُحْيي الْمَوتى بِإِذْنِ اللّهِ).(1)

وقال تعالى: (إِذْ قالَ اللّهُ يا عِيْسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْنِعْمَتِي عَلَيْكَ...وَتُبْرئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْتُخرِجُ الْمَوتى بِإِذْني).(2)

وقد تضافر في التاريخ والإنجيل والحديث قيام المسيح (عليه السلام) بإحياء الموتى مرّات عديدة بحيث صار المسيح علماً وسمة لإحياء الموتى وعلاج الأمراض المستعصية.

6. إحياء سبعين رجلاً من قوم موسى

ذكر المفسّرون انّ موسى (عليه السلام) اختار من قومه سبعين رجلاً حينما خرج إلى الميقات ليكلّمه اللّه سبحانه بحضرتهم، فيكونوا شهداء له عند بني إسرائيل لعدم وثوقهم بأنّ اللّه سبحانه يكلّمه، فلمّا حضروا الميقات وسمعوا كلامه تعالى سألوا الرؤية فأصابتهم الصاعقة فماتوا ثمّ أحياهم اللّه تعالى.

يقول سبحانه: (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّه جَهْرَةً


1 . آل عمران:49.
2 . المائدة:110.


(74)

فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(1)

ويقول سبحانه: (وَاخْتارَمُوسى قَومَهُ سَبْعينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكَتهُمْ مِنْ قَبلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُمِنّا إِنْ هِيَ إِلاّفِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُوَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ).(2)

والمتبادر من الآية هو إحياؤهم بعد الموت، ولا يفهم أي عربي صميم من قوله:(ثمّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِمَوتِكُمْ) ، سوى البعث من الموت.

ولكن صاحب المنار وحسب وجهة نظره اتخذ في تفسير الآية موقفاً سلبياً حيال المعاجز وخوارق العادات، فذهب إلى أنّ المراد من البعث هو كثرة النسل، أي انّه بعد ما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن ان سينقرضون، بارك اللّه في نسلهم، ليعِد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحقّ الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حلّ بهم العذاب بكفرهم لها، ولكن هذا التفسير من الوهن بمكان.

أوّلاً: أنّ الظاهر من قول موسى: (لو شِئْتَ أَهْلَكْتهم مِنْ قَبل) انّه سبحانه أجاب دعوته وأحياهم حتى يدفع عنه عادية اعتراض القوم بأنّه ذهب بهم إلى الميعاد فأهلكهم فتركهم هناك ورجع وحيداً، ولا يدفع ذلك الاعتراض إلاّ بإحيائهم حقيقة.

وثانياً: انّ الرجفة لم تصب إلاّسبعين رجلاً من قومه، فليس في إهلاكهم مظنة انقراض نسلهم.

إلى هنا تمّ ما أورده القرآن الكريم من ذكر نماذج لإحياء الموتى يستدل به على جواز إمكان النشر والحشر، ولكن جاءت في القرآن الكريم نماذج أُخرى نظير إيقاظ الناس بعد سبات عميق، الذي هو أشبه بالموت.


1 . البقرة:55ـ 56.
2 . الأعراف:155.


(75)

7. إيقاظ أصحاب الكهف

روى المفسرون أنّ فتية من قوم آمنوا باللّه تعالى وكانوا يخفون إيمانهم خوفاً من مَلِكِهم، الذي كان يعبد الأصنام ويدعو إليها، ويقتل من خالفه، والفتية كانوا على دين المسيح، وكان كلّ واحد منهم يكتم إيمانه عن صاحبه. ثمّ اتّفق انّهم اجتمعوا وأظهروا أمرهم لبعضهم، ولجأوا إلى كهف، فضرب سبحانه على آذانهم فناموا في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، ثمّ بعثهم، يقول سبحانه:

(إِذ أَوَى الفِتْيَةُ إِلَى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهيِّئ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً * فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ فِي الكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِما لَبِثُوا أَمَداً).(1)

فإنامة اللّه سبحانه هؤلاء الفتية هذه المدة المديدة، ثمّ إيقاظهم، لا يقصر عن الإماتة والإحياء، والقادر عليه قادر على إحياء الموتى.


1 . الكهف:10ـ 12.


(76)

الفصل السادس:

المعاد الجسماني و الروحاني

من المسائل الشائكة في مبحث المعاد هو تبيين كيفيته، وانّه هل هو جسماني فحسب أو روحاني كذلك، أو هو جسماني وروحاني معاً؟ آراء وأقوال، وها نحن نستعرض الآراء المهمة المطروحة على هذا الصعيد.

1. المعاد، جسماني فحسب

المحكي عن المحدّثين هو انّ المعاد جسماني فحسب، وذلك لأنّه لا واقعية للإنسان سوى هيكله الجسماني، وانّ الروح سار في بدنه سريان النار في الفحم والماء في الورد، فإذا بطل البدن بالموت بطلت الروح أيضاً، فلا يبقى هناك واقعية باسم الروح حتى تُعاد، وإنّما المعاد ما يبقى من الإنسان بعد موته من عظامه وسائر أجزاء بدنه.

2. المعاد روحاني فحسب

ذهب أكثر المشائين من الفلاسفة إلى القول بأنّ المعاد روحاني فقط، لانقطاع الصلة بين الروح والبدن بالموت فيستحيل حينئذ أن تتعلق الروح بالمادة من جديد.


(77)

3. المعاد جسماني وروحاني معاً

ذهب المحقّقون من المتكلّمين والحكماء كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي والمحقّق الطوسي والعلاّمة الحلّي من الإمامية، والغزالي والكعبي والحليمي والراغب الاصفهاني من السنّة، إلى أنّ المعاد جسماني وروحاني، لأنّ النفس وإنْ كانت مجرّدة إلاّ أنّ تجرّدها ليس تامّاً حتى يستحيل تعلّقها بالمادة من جديد.

هذه هي الآراء المطروحة، إنّما الكلام في تبيين الضوابط والمعايير التي على ضوئها يوصف المعاد بالجسمانية والروحانية، وهذا هو المهم في الباب.

لأنّ القول بكون المعاد جسمانيّاً فقط ،لا يخلو عن غموض، فلو أريد من جسمانيته هو بعث البدن المنسلخ عن الروح، فيعود إلى القول بمعاد الإنسان بصورة جماد فاقد للإدراك والشعور، ومن الواضح انّ مثل هذا لا يقبل الجزاء ولا الثواب والعقاب، فينتفي الغرض من المعاد.

وإن أُريد منه البدن المرافق مع الروح، فلا يكون المعاد عندئذ جسمانياً فقط، ولأجل ذلك عاد كثير من المتشرّعة إلى القول بجسمانية المعاد وروحانيته.

واللازم قبل اتّخاذ موقف صريح في ذلك تعيين معيار على أساسه يطلق الجسمانية أو الروحانية على المعاد. فنقول:

إنّ ثمة ملاكين للوصف بالجسمانية أو الروحانية، حيث يرجع أحدهما إلى بيان واقع الإنسان وحقيقته، والآخر إلى بيان نوع الجزاء من كونه جسمانياً أو روحانياً، وها نحن نستعرض كلا الملاكين.


(78)

أ. ما هي واقعية الإنسان

اختلفت الأنظار في واقع الإنسان وحقيقته، فأهل الحديث يرون أنّ واقع الإنسان هو الهيكل الظاهري بما أنّ له حساً وحركة وإدراكاً، وانّه ليس له وراء ذلك واقعية أُخرى باسم الروح والنفس، فهؤلاء حطُّوا من المكانة الرفيعة للإنسان وجعلوه في عداد الحيوانات، غير أنّ له صفات خاصة في مجال الحس والإدراك.

فهؤلاء يصحّ لهم وصف المعاد جسمانياً لا بمعنى عود الإنسان جماداً، بل عوده إلى ما كان عليه في الدنيا من الهيكل الإنساني المساوق للحس والحركة.

فهذه الثُّلّة ليس لها وصف المعاد بالروحانية وراء الجسمانية، بل المعاد عندها جسماني محض. بالمعنى الذي عرفت.

وفي مقابلهم أهل الفكر والتدبّر من المحقّقين الذين ذهبوا إلى أنّ للإنسان وراء ذلك الهيكل الظاهري المساوق للحس والحركة، واقعية أُخرى أطلق عليها «النفس المجرّدة»، وهي مجردة لها ارتباط وثيق بالمادة أي البدن من خلال تدبيره وإدارة شؤونه.

وعند ذاك فلو كان المحشور هو الروح المتعلقة بالبدن فقط، يكون المعاد روحانياً محضاً، ولو قلنا بعود الروح والجسم معاً فيصحّ وصف المعاد بالجسمانية والروحانية.

أمّا كونه جسمانياً فلعود الهيكل الإنسانـي ـ المرافق للحس والحركة ـ إلى المحشر.

وأمّا كونه روحانياً، فلعود الروح إلى البدن من جديد.

فتلخّص ممّا سبق أنّ من لم يذعن بوجود النفس المجردة يكون المعاد عنده جسمانياً محضاً، وأمّا المذعن بها فالمعاد عنده يمكن أن يكون روحانياً محضاً، أو روحانياً وجسمانياً.

إلى هنا تمّ الملاك الأوّل.


(79)

ب. أصناف الثواب والعقاب

وثمة ملاك آخر لوصف المعاد بالجسمانية أو الروحانية، وهو اختلاف الثواب والعقاب فانّ هناك صنفاً من الثواب والعقاب لا ينالها الإنسان إلاّ ببدنه وهيكله المرافق للحس والحركة، كالأكل والشرب من نعيم الجنة والالتذاذ برؤية مناظر الجنة الخلاّبة، فعندئذ يكون معاد الإنسان معاداً جسمانياً.

كما أنّ هناك صنفاً آخر لا ينالها الإنسان إلاّ بعقله وروحه، فلو تجرّد الروح عن البدن لما كان للبدن ذلك كنيل رضوان اللّه والابتعاد عن رحمته.

وعلى ذلك الاصطلاح درج الشيخ الرئيس في الشفاء(1) وصدر المتألّهين في الأسفار، والحكيم السبزواري في شرح المنظومة.

قال صدر المتألّهين: إنّ للنفس الإنسانية نشاءات ثلاثة إدراكية.

النشأة الأُولى: هي الصورة الحسية الطبيعية، ومظهرها الحواس الخمس الظاهرة، ويقال لها الدنيا لدنوها وقربها ولتقدمها على الأخيرتين.

وعالم الشهادة لكونها مشهودة بالحواس، وشرورها وخيراتها معلومة لكلّ أحد لا يحتاج إلى البيان، وفي هذه النشأة لا يخلو موجود عن حركته واستحالته، ووجود صورتها لا تنفك عن وجود مادتها.

والنشأة الثانية: هي الأشباه والصور الغائبة عن هذه الحواس، ومظهرها الحواس الباطنة، ويقال لها عالم الغيب والآخرة لمقايستها إلى الأُولى.

والنشأة الثالثة: هي العقلية وهي دار المقربين ودار العقل والمعقول، ومظهرها القوة العاقلة من الإنسان إذا صارت عقلاً بالفعل، وهي لا تكون إلاّخيراً محضاً ونوراً صرفاً.


1 . الإلهيات: 460 المقالة التاسعة، الفصل الثامن، ط 1418 هـ .


(80)

فالنشأة الأُولى دار القوة والاستعداد والمزرعة لبذور الأرواح، ونبات النيات والاعتقادات، والأُخريتان كلّ منهما دار التمام والفعلية وحصول الثمرات وحصاد المزروعات.(1)

ويقول الحكيم السبزواري:

انّ الذي بالعقل بالفعل انتقى *** فهــو لعـالم العقـول مـرتقـى

في المعاد الروحاني وهو الحشر إلى اللّه وصفاته وأفعاله الإبداعية، «انّ الذي» من العقل بالقوة «بالعقل بالفعل انتقى» والانتقاء بمعنى الاختيار، «فهو لعالم العقول» اللام بمعنى إلى «مرتقى» بعد المفارقة عن البدن بالموت، والمراد من الارتقاء أعمّ ممّا هو بعد أزمنة المكث قليله أو كثيره في عالم المثال متنعماً بالصور البهية المستنيرة وممّا هو بغير مكث فانّ الذي صار عقلاً بالفعل أعمّ من الكامل في الحكمتين العلمية والعملية والكامل في العلمية دون العملية فانّ النفس لا تخلو عن أقسام خمسة: إمّا أن تكون كاملة في الحكمتين العلمية والعملية، أو متوسطة فيهما، أو كاملة في العلمية دون العملية، أو في العملية دون العلمية، أو ناقصة فيهما.(2)


1 . الأسفار:9/21ـ 22.
2 . شرح المنظومة:329ـ 330.


(81)

الفصل السابع:

القرآن والمعاد الجسماني والروحاني

لقد تعرفنا على الملاكين اللّذين يناط بهما وصف المعاد بالجسمانية والروحانية، وإليك دراسة الآيات القرآنية حتى نستنتج منها ما هو موقف القرآن من جسمانية المعاد وروحانيته حيال كلا الملاكين.

المعاد الجسماني بالملاك الأوّل

قد عرفت أنّ الملاك الأوّل لكون المعاد جسمانياً هو حشر الأبدان لتعلّق النفوس بها.

فلو كان هذا هو المعيار، فقد تضافرت الآيات عليه وهي على طوائف.

الطائفة الأُولى: الآيات التي دلّت على إحياء الموتى في هذه النشأة من باب الإعجاز والكرامة، وفي جميع تلك الآيات كان الحشر بعود البدن الدنيوي لا البرزخي، بل العنصري.

هذا من جانب، ومن جانب آخر ترى أنّ القرآن الكريم يصف الدار الآخرة بأنّها الحياة الواقعية، يقول سبحانه: (وَإِنَّ الدّارَ الآخرةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)(1) فلابدّ من التوفيق بين هذين الأمرين.


1 . العنكبوت:64.


(82)

وبعبارة أُخرى: يبدو لأوّل وهلة أنّ ثمة تهافتاً وتناقضاً، فمن جانب يكون المحشور في الآخرة هو البدن الدنيوي، والحياة الدنيوية حياة غير كاملة، ومن جانب آخر تكون الحياة الأُخروية هي الحيوان، فكيف يمكن الجمع بين كون المحشور هو البدن الدنيوي العنصري وبين كون الحياة الأُخروية كاملة، فلا محيص من القول إنّ البدن المحشور مع أنّه عين البدن الدنيوي لكن يتمتع بكمال خاص.

ونحن مع الاعتراف بأنّ المحشور هو البدن الدنيوي، لا البدن البرزخي، ولا الصور المجردة عن المادة، إلاّ أنّنا نعتقد بكمال هذا البدن .

وربما تتوهم وحدة الحياتين لأنّ نقص الحياة الأُولى لتوقيتها بأمد محدود، وتمامية الحياة الأُخرى لدوامها.

يلاحظ عليه بأنّه لا يضفي على الحياة الأُخروية الكمال إذا كانتا متساويتين في الكمال; مع انّا نرى أنّ القرآن يصف الحياة الدنيوية بالمجازية، والحياة الأُخروية بالحقيقية، وهذا لا يتماشى إلاّإذا كانت الحياة الدنيوية حياة كاملة عالية.

وبعبارة أوضح لو كانت الحياة في النشأتين حقيقة واحدة وكان الاختلاف مختصاً بالتوقيت والدوام، لما كان هناك أيّ حاجة إلى زوال السماوات والأرض وإيجاد نظام آخر، ولأجل ذلك نأخذ بكلا الأمرين:

أ. أنّ المحشور هو البدن الدنيوي العنصري لا البرزخي.

ب.أنّ المحشور يحظى بدرجة عالية من الحياة.

نعم الوقوف على حقيقة الحياة الأُخروية وكمالها أمر مستور علينا.

الطائفة الثانية: الآيات التي تبيّن بدء الخلقة، وانّ الإنسان خلق من تراب ويعاد إليها، ثمّ يخرج منها :


(83)

يقول سبحانه: (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخرى).(1)

ويقول سبحانه: (ثُمَّ يُعيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً).(2)

الطائفة الثالثة: الآيات التي تشرح كيفية الحشر وانّ الناس يبعثون من القبور:

قال سبحانه:(فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ).(3)

وقال سبحانه: (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِر ).(4)

الطائفة الرابعة: الآيات التي تدل على أنّ الأعضاء والجوارح تشهد على الإنسان:

يقول سبحانه: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يََعْمَلُون).(5)

وقال سبحانه: (الْيَومَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ).(6)

الطائفة الخامسة: الآيات التي تدل على طروء التبدل و التغير على البدن الأُخروي الملازم لكون المحشور بدناً مادياً عنصرياً لا صورياً مجرداً عن المادة.

قال سبحانه: (كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذاب).(7)

ويقول أيضاً: (وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمعاءَهُمْ).(8)


1 . طه:55.
2 . نوح:18.
3 . يس:51.
4 . القمر:7.
5 . النور:24.
6 . يس:65.
7 . النساء:56.
8 . محمد:15.


(84)

الطائفة السادسة: الآيات التي تبيّن شبهة المنكرين للمعاد من امتناع إحياء العظام البالية، وهي تدل على أنّ المدّعى كان هو إحياء البدن الدنيوي حسب ما كان.

قال سبحانه: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيم).(1)

وقال سبحانه: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُل يُنبّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَديد).(2)

إنّ هذه الطوائف من الآيات تعرب عن موقف القرآن حيال المعاد الجسماني بالملاك الأوّل وانّ المعاد هو البدن الدنيوي حقيقة.

المعاد الروحاني بالملاك الأوّل

قد تعرفت على المعاد الجسماني بالملاك الأوّل، وإليك الكلام في المعاد الروحاني بنفس ذلك الملاك وهو حشر الإنسان مع روحه ونفسه، وثمة كلام وهو انّه إن أُريد من المعاد الروحاني هو حشر البدن الدنيوي مع روحه ونفسه فليس ذلك معاداً روحانياً في الاصطلاح بل هو معاد جسماني، لأنّ من يصف المعاد بالجسماني لا يريد منه البدن المماثل للجماد بل البدن الذي نفخ فيه روحه وصار ذا حس وحركة وعقل وإدراك.

وإن أُريد منه حشر النفوس والأرواح مجردة عن البدن فيصحّ وصفه بالروحاني لكنّه يخالف صريح القرآن لما عرفت من تأكيده على حشر الأبدان الدنيوية بنحو يكون مناسباً للحشر الأُخروي.


1 . يس:78.
2 . سبأ:7.


(85)

المعاد الجسماني بالملاك الثاني

وثمة ملاك ثان في وصف المعاد بالجسمانية أو الروحانية وهو الثواب والعقاب الذي يواجههما الإنسان.

فقسم لا يدرك إلاّ بالحواس الظاهرية كأكثر ما وعد في سورتي الواقعة والرحمن.

وهناك ثواب وعقاب يدركهما الإنسان بعقله لا بحواسه ولا بقواه الجسمانية.

وبذلك يتضح انّ جزاء الإنسان بما يدركه بالحواس الظاهرية تعبير عن كون المعاد جسمانياً كما أنّ جزاءه بما يدركه العقل والنفس في مقام التجرد تعبير عن كون المعاد روحانياً، وبما انّ الآيات الواردة في أكثر السور الّتي ترجع إلى الجزاء بالأُمور الحسية ، معلومة لدى القرّاء الأعزاء، فنعطف عنان القلم إلى المثوبات والعقوبات التي تدرك بالعقل والنفس.

1. رضوان اللّه

إنّه سبحانه بعد ما يذكر المثوبات المدركة بالحواس يعقبها بذكر جزاء عظيم لا يدرك إلاّ بالعقل، قال سبحانه: (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْن وَرِضْوانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوزُ الْعَظِيم).(1)

تجد انّه سبحانه بعد ما يذكر الجنات والأنهار والمساكن الطيبة التي هي ملاكات لجسمانية المعاد يذكر رضوان اللّه تبارك وتعالى الذي هو جزاء روحاني


1 . التوبة:72.


(86)

عقلاني لا صلة له بالأدوات الحسية.

قال الإمام السجاد (عليه السلام) في تفسير الآية:

«إذا صار أهل الجنّة في الجنة ودخل وليّ اللّه إلى جنانه ومساكنه واتكأ كلّ مؤمن منهم على أريكته حفّته خدّامه. وتهدّلت عليه الثمار، وتفجّرت حوله العيون، وجرت من تحته الأنهار وبسطت له الزرابيّ، وصفّفت له النمارق، وأتته الخدّام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك، قال: ويخرج عليهم الحور العين من الجنان فيمكثون بذلك ما شاء اللّه.

ثمّ إنّ الجبّار يشرف عليهم فيقول لهم: أوليائي وأهل طاعتي وسكّان جنتي في جواري ألا هل أُنبّئكم بخير ممّا أنتم فيه؟ فيقولون: ربّنا وأيّ شيء خير ممّا نحن فيه؟! نحن فيما اشتهت أنفسنا، ولذّت أعيننا من النّعم في جوار الكريم، قال: فيعود عليهم بالقول، فيقولون: ربّنا نعم فأتنا بخير ممّا نحن فيه، فيقول لهم تبارك وتعالى: رضاي عنكم ومحبّتي لكم خير وأعظم ممّا أنتم فيه، قال: فيقولون: نعم يا ربّنا رضاك عنّا ومحبّتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا». ثمّ قرأ عليّ بن الحسين (عليهما السلام) هذه الآية:(وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْن وَرِضْوانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوزُ الْعَظيم).(1)

2. البعد عن رحمته

إذا كان نيل رضوانه سبحانه سبباً للّذة والثواب، يكون البعد عن رحمته سبباً للعذاب، يقول سبحانه: (وَعَدَ اللّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيم).(2)


1 . البحار:8/140ـ 141.
2 . التوبة:68.


(87)

إنّ هذه الآية ندُّ الآية السابقة، غير انّ الأُولى تعد المؤمنين والمؤمنات بالنعم الحسية ثمّ الروحية كما عرفت، وهذه الآية تعد المنافقين والمنافقات بالعذاب الحسي أعني قوله: (نارُ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ) والعذاب الروحي الذي يشير إليه بقوله: (وَلَعَنَهُمُ اللّه) واللعن عبارة عن البعد عن رحمة اللّه تبارك وتعالى. ويعقبه قوله: (وَلَهُمْ عَذابٌ مُقيم) فيمكن أن يكون مشيراً إلى خلودهم في النار أو مشيراً إلى بعدهم الدائم عن رحمة اللّه، والمقايسة بين الآيتين وتطبيق كلّ على الأُخرى توقف الإنسان على اللّف والنشر اللافت.

3. الحزن والحسرة

إذا كان البعد عن رحمته سبحانه عذاباً روحياً، فالحزن والحسرة على ما مضى من العمر الذي أتلفه الإنسان مع ماله من القابليات يُعد عذاباً روحياً، وقد أشار إليه سبحانه في بعض الآيات بلفظ :(يوم الحسرة) و(حسرات) ، قال سبحانه: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَة إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ في غَفْلَة وَهُمْ لا يُؤْمِنُون).(1)

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا دخل أهل الجنّة الجنة وأهل النار النار، قيل: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، وقيل: يا أهل النار، فيشرئبون و ينظرون فيجاء بالموت كأنّه كبش أملح، فيقال لهم تعرفون الموت، فيقولون: هذا وهذا وكلّ قد عرفه.

قال: فيقدم فيذبح، ثمّ يقال: يا أهل الجنّة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، قال: وذلك قوله :(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَة)الآية.

ورواه أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) ثمّ جاء في آخره فيفرح أهل


1 . مريم:39.


(88)

الجنّة فرحاً لو كان أحد يومئذ ميتاً لماتوا فرحاً، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتاً لماتوا.(1)

وقال تعالى: (وَقالَ الَّذينَ اتّبَعُوا لَوْ أَنّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمالَهُمْ حَسرات عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجينَ مِنَ النّار).(2)

وقال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله: (كذلِكَ يُرِيهِمُ اللّه أَعْمالهم حَسرات عَلَيْهِم)بقوله: «هو الرجل يكتسب المال ولا يعمل فيه خيراً فيرثه من يعمل فيه عملاً صالحاً فيرى الأوّل ما كسبه حسرة في ميزان غيره».(3)

4. لقاء المحبوب

من المعارف القرآنية هي مسألة لقاء اللّه ولقاء الرب الذي جاء في غير واحد من السور بتعابير مختلفة:

فتارة يعبر عنه، (بلقاء اللّه)، قال سبحانه: (قَدْخَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللّه) .(4)

وأُخرى بـ :(ِلِقاءِ رَبِّهِمْ) ، يقول سبحانه: (أَلا إِنَّهُمْ في مِريَة مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ).(5)

وثالثة: (بِلقاءِ رَبِّكُمْ) ، قال سبحانه:( اللّهُ الَّذي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها ... يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون) .(6)


1 . مجمع البيان: 3/515.
2 . البقرة:167.
3 . مجمع البيان:1/251.
4 . الأنعام:31.
5 . فصلت:54.
6 . الرعد:2.


(89)

ورابعة بـ: (لِقاءَنا) قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا) .(1)

وخامسة: (مُلاقُوا رَبِّهِمْ) قال سبحانه: (الَّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ).(2)

وهذه الآيات التي وردت في الذكر الحكيم يربو عددها على 18 آية، وقد اختلف المفسرون في تفسير لقاء اللّه.

فقد فسر بلقاء يوم القيامة تارة بشهادة قوله سبحانه: (فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَومِكُمْ هذا) .(3)

وأُخرى بلقاء الآخرة، قال سبحانه :(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) .(4)

وأُخرى : بنيل الثواب والعقاب ، قال سبحانه: (أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا)(5)، غير أنّ العرفاء الشامخين أخذوا بحرفية تلك الكلمة وقالوا بلقاء الإنسان ربّه لقاءً قلبياً شهودياً لا لقاءً حسياً بل لقاء يدرك ولا يوصف ولا يمكن التعبير عنه باللفظ والكلمة، وقد تبنى ذلك المعنى العارف الحكيم الشيخ جواد الملكي التبريزي (المتوفّى 1343هـ) فقال في كتابه «لقاء اللّه» ما هذا مثاله:

ثمّ إنّ المفسّرين أمام تلك الآيات على أحد رأيين:

الرأي الأوّل: الأخذ بما دلّ على تنزيه الربّ من كلّ جسم وجسمانية،


1 . يونس:7.
2 . البقرة:46.
3 . السجدة:14.
4 . الأعراف:147.
5 . القصص:61.


(90)

وبالتالي تأويل ما دلّ من الآيات والروايات على اللقاء بوجه، وهو انّ المراد هو الموت ولقاء الثواب والعقاب.

الرأي الثاني: حمل ما دلّ على التنزيه بالمعرفة الحسية أو المعرفة بالكنه، وحمل ما دلّ على اللقاء أو التشبيه على المعرفة الإجمالية، ومعرفة أسمائه وصفاته التي هي مجلى ذاته سبحانه.

ولا يخفى انّ كلا التفسيرين تفسير مجازي فانّ حمل اللقاء بلقاء الثواب والعقاب مجاز لا دليل عليه، كما أنّ تفسيره بالمعرفة الإجمالية كمعرفة أسمائه وصفاته مجاز مثله، فأين معرفة أسمائه كالعالم و القادر على وجه يليق بالحكيم من لقائه سبحانه.

وهناك مسلك ثالث أدق من المسلكين تبنّاه بعض العارفين وهو انّ للّقاء مراتب بين الإمكان والاستحالة، فيجوز للممكن في سيره وسلوكه لقاء واقعي، وإن كان بالنسبة إلى الدرجات المستحيلة لقاءً غير واقعي.

ثمّ أيّد ذلك بما ورد في القرآن والأدعية، فقد ورد فيهما كلمات تعرب عن تحقّق اللقاء حقيقة، نظير قول الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) :«ولا يحرمني من النظر إلى وجهك» وقوله: «ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان». وقول الإمام الحسين (عليه السلام) في المناجاة الشعبانية: «وألحقني بنور عزّك الأبهج فأكون لك عارفاً».

وقوله (عليه السلام) : «وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعزّ قدسك»، و في الدعاء الذي علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل:

«فهبني صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك».

إلى غير ذلك من الألفاظ الدالة على اللقاء الحقيقي على وجه يلازم التنزيه


(91)

ويفارق التشبيه، ومع ذلك يكون هناك لقاءٌ حسب ما يمكن تحقّقه للموجود الإمكاني.(1)

ومن أراد الوقوف على التفصيل فعليه الرجوع إلى كتابه.

5. عذاب فراق المحبوب

كما أنّ قرب المحبوب يلازم السرور والفرح، فهكذا فراقه يثير ألماً روحيّاً، وقد أشار إليه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعائه الذي علّمه لكميل بن زياد النخعي التابعي حيث يقول (عليه السلام) مخاطباً اللّه سبحانه: «فهبني صبرت على عذابك ، فكيف أصبر على فراقك».


1 . رسالة لقاء اللّه، المقدمة.


(92)

الفصل الثامن:

المعاد الجسماني وآراء الحكماء والمتكلّمين

قد تعرّفت على تضافر الآيات على أنّ الحشر يتعلّق ببدن جسماني مرافق للروح والنفس، وأنّ ما خلق أوّلاً هو المعاد في الآخرة، غير أنّه اختلفت كلماتهم في واقع هذا البدن الجسماني الذي يتعلق به الروح، فها نحن نذكر بعض الآراء.

الأوّل: المعاد الجسماني ورأي المعلم الثاني الفارابي(المتوفّى339هـ)

وحاصل كلامه: أنّ الناس على صنفين، فصنف بلغ من الكمال درجة استغنى بها عن البدن، ولا همّ لهم سوى الرغبة في إدراك حقائق العالم العلوي، وصنف يسمّيهم الفارابي «بالبدنيين» على عكس الصنف الأوّل، لا همّ لهم سوى إدراك البدن و ما يترتبط بالعالم السفلي.

ويفسره صدر المتألّهين بقوله: إنّ هؤلاء إذا فارقوا الأبدان وهم بدنيُّون وليس لهم تعلّق بما هو أعلى من الأبدان، فيشغلَهم التزامَ النظر إليها والتعلّق بها عن الأشياء البدنية، وإنّما لأنفسهم إنها زينة لأبدانهم فقط ولا يعرف غير الأبدان والبدنيات، أمكن أن يعلقهم نوع تشوقهم إلى التعلّق ببعض الأبدان التي من شأنها أن تتعلق بها الأنفس لأنّها طالبة بالطبع ـ إلى أن قال: ـ و يجوز أنْ يكون هذا


(93)

الجرم متولداً من الهواء والأدخنة ويكون مقارناً لمزاج الجوهر المسمّى روحاً الذي لا يشك الطبيعيون أنّ تعلّق النفس به لا بالبدن. وانّه لو جاز أن لا يتحلل ذلك الروح مفارقاً للبدن والاخلاط ويقوم، لكانت النفس تلازمه الملازمة النفسانية.(1)

ثمّ إنّ الشيخ الرئيس استحسنه وقال في حقّه: ويشبه أيضاً أن يكون ما قاله بعض العلماء حقّاً، وهو: انّ هذه الأنفس إن كانت زكية وفارقت البدن وقد رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة التي تكون لأمثالهم على مثل ما يمكن أن يخاطب به العامة وتصور في أنفسهم عن ذلك، فانّهم إذا فارقوا الأبدان ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التي فوقهم، لا كمال فيسعدوا تلك السعادة، ولا شوق كمال فيشقوا تلك الشقاوة، بل جميع هيئاتهم النفسانية متوجهة نحو الأسفل منجذبة إلى الأجسام، ولا منع من المواد السماوية عن أن تكون موضوعة لفعل نفس فيها.(2)

إنّ من عجيب القول تفسير البدن بالبدن الناشئ من الهواء والأدخنة، مع أنّه يشترط أن يكون بين النفس والبدن نوع انسجام وإمكان تعلّق، فكيف يجوّز المعلم الثاني تعلّق النفس بهذا النوع من البدن؟

وقد نقده صدر المتألّهين بقوله: إنّ القول بتجويز أن يكون موضوع تصور النفس وتخيلها بعد التجرّد عن هذا البدن متولداً من الهواء والدخان، كيف يصحّ من رجل ذي بضاعة من الفلسفة الطبيعية، فكيف من الفلسفة الإلهية، أليس مثل هذا الجسم الدخاني المتولّد من بعض المواد العنصرية، يتفرق ويتحلل بأدنى سبب إذا لم يكن له طبيعة حافظة إياه عن التبدد وعن التحلل شيئاً فشيئاً بإيراد


1 . الأسفار:9/148ـ 149.
2 . الإلهيات من الشفاء: 472ـ473، المقالة التاسعة، الفصل الثامن، منشورات مكتب الاعلام الإسلامي.


(94)

البدل كما في الروح الطبي حتى يبقى تهيئه لتصرف النفس فيكون هو في ذاته نوعاً نباتاً بل حيواناً لكونه موضوع الإدراك التخيلي فإذاً أليس هذا عين التناسخ؟! وأليس صار هذا الجرم الدخاني حيواناً غير إنسان تعلّقت به نفس الإنسانية فصار هذا الإنسان منسلخاً عن إنسانيته إلى حيوان آخر؟!(1)

وأظن ـ و ظن الألمعي صواب ـ انّ الذي دعا المعلم الثاني والشيخ الرئيس إلى القول بتعلّق الروح بالبدن المتولّد من الهواء والدخان، أمران:

الأوّل: تصوّر انّ تعلّق النفس بالبدن الدنيوي العنصري تناسخ وهو باطل.

الثاني: انّ الصور الحسية التي بها تلتذ النفس أو تتألم أُمور حسية، والنفس في إدراك هذا النوع من الأُمور رهن أدوات مادية أعني البدن، فلا مناص من تصوير بدن يكون أداة لتصور النفس تلك الصور الحسية الملذة أو المؤلمة، وحيث إنّ تعلّق النفس بالبدن الدنيوي تناسخ ممّا حدا إلى القول بخلق هذا البدن من الدخان والهواء.

الثاني: المعاد الجسماني ورأي صدر المتألّهين (979ـ 1050هـ)

ذهب صدر المتألّهين إلى المعاد الجسماني، وانّ البدن المحشور في الآخرة هو البدن الدنيوي، ويصرُّ على هذا القول في أوائل البحث على نحو يذعن الإنسان بأنّه بصدد إثبات ما عليه المتشرعة من المعاد الدنيوي العنصري، هذا بالنظر البدوي، وأمّا حينما ينتقل إلى أواخر البحث فيذهب إلى تعلّق النفس ببدن مثالي برزخي، مطابق لما عليه الإشراقيون من الفلاسفة، بيد انّهم عجزوا عن إثبات عينية البدن المثالي للبدن الدنيوي، ولكن صدر المتألّهين قام بهذا العمل الجبار ورفض التعددية بين البدنين وأرجع الاختلاف بينهما إلى الاختلاف في الكمال والنقص.


1 . الأسفار:9/149ـ 150.


(95)

توضيح النظريتين : انّ الإشراقيين قالوا بوجود بدن مثالي للإنسان في عالم المثال، كما أنّ له بدناً طبيعياً مادياً في هذه النشأة، والنفس بعد مفارقتها البدن الدنيوي تتعلّق ببدن مثالي مستقل نشأ من ذي قبل.

ثمّ إنّ الدافع من وراء طرح هذه النظرية تصوّر أنّ تعلّق النفس بالبدن الدنيوي يعد تناسخاً وهو أمر باطل لا محالة، مضافاً إلى أنّ النفس إنّما تلتذ أو تتألم بالصور الحسية، والنفس في إدراكها للصور الحسية بحاجة إلى بدن، فمسّت الحاجة إلى تصوير بدن للنفس حتى يتحقق به إدراك الصور الحسية جميلها وقبيحها، لذيذها ومؤلمها.

إلاّ أنّ هذه النظرية لا تصمد أمام النقاش.

أمّا أوّلاً: إذا كان البدن المثالي مغايراً للبدن الدنيوي ومخلوقاً من ذي قبل، فكيف ينطبق على هذا النوع من الحشر، قوله سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)؟(1)

وثانياً: أنّ البدن المثالي المخلوق من ذي قبل له استعداد لتعلّق النفس به، حينها يتهيأ لقبول الفيض الإلهي، من قبل اللّه سبحانه، فتتعلّق النفس بالبدن في ظرفها، فلو تعلّقت به نفس أُخرى بعد الموت يلزم اجتماع نفسين في بدن واحد، وهو عين التناسخ.

ولما أثارت هذه النظرية إشكالاً واضحاً عدل عنها صدر المتألّهين وذهب إلى الوحدة بين البدنين المادي والمثالي، وأنّ التفاوت بينهما بالكمال والنقص وانّ البدن المثالي هو عين البدن المادي لكن بنحو أكمل، وبذلك استطاع التخلّص من الإشكال الأوّل من لزوم كون المعاد في الآخرة هو البدن الدنيوي.

كما أنّه تخلّص من الإشكال الثاني بأنّ البدن المثالي لم يخلق من ذي قبل بل


1 . يس:79.


(96)

خلق مع البدن الدنيوي ويتكامل في ظل تكامله.

وقد استدل على وجود ذلك البدن بأُمور منها:

انّ النفس تفعل وتنفعل بهذا البدن المثالي في عالم النوم، واستقرب وجود ذلك البدن المثالي بوجهين: ذكرهما تلميذه عبد الرزاق اللاهيجي في كتابه:

1. انّ الإنسان في هذه النشأة يتصوّر جميع أجزاء بدنه وأعضائه ظاهرة وباطنة، والمتصوّر بالذات غير هذا البدن الدنيوي وليس إلاّ البدن المثالي.

2. انّ الإنسان يفعل ويتفاعل في النوم ببدن غير مادي، فهو يتكلّم ويذهب ويقعد ويضرب، كلّ ذلك ببدن غير مادي، وليس هو إلاّ البدن المثالي.

وعلى ذلك فالبدن المثالي ليس مخلوقاً من ذي قبل، وإنّما يخلق بالتكامل الذي يناله الإنسان.(1)

ثمّ إنّ صدر المتألّهين بنى ما اختاره من المعاد على مقدمات كثيرة، ربت على إحدى عشرة مقدمة غير انّ المهم منها لا يتجاوز عن ثلاث مقدمات، وإليك نقلها:

الأصل الأوّل: التشكيك في الوجود

إنّ الوجود حقيقة واحدة ولها مراتب ومظاهر، وليس التفاوت بينها إلاّ بالشدّة والضعف، والكمال والنقص.

وبتعبير آخر: ليس في لوح الواقع إلاّ شيءٌ واحدٌ وهو الوجود، فإذاً يرجع التفاوت بين الوجودات إلى الشدّة والضعف والنقص والكمال، وليست الشدة والضعف إلاّ نفس الوجود، فلا الوجود الشديد مركب من وجود وشدة، ولا


1 . گوهر مراد: 371.


(97)

الوجود الضعيف مركب من وجود وعدم، بل كلّها وجود لكن بمراتب ودرجات متعددة.

الأصل الثاني: انّ هوية الإنسان بنفسه

إنّ هوية البدن وتشخصه إنّما يكون بنفسه لا بجرمه، فزيد مثلاً زيد بنفسه لا بجسده، ولأجل ذلك يستمر وجوده وتشخّصه مادامت النفس باقية فيه، وإن تبدّلت أجزاؤه وتحولت لوازمه، من أينه وكَمّه وكيفه ووضعه ومتاه، كما في طول عمره; وكذا القياس لو تبدلت صورته الطبيعية بصورة مثالية، كما في المنام، وفي عالم القبر والبرزخ إلى يوم البعث، أو بصورة أُخروية كما في الآخرة، فانّ الهوية الإنسانية في جميع هذه التحولاّت والتقلّبات واحدة هي هي بعينها، لأنّها واقعة على سبيل الاتصال الوحداني التدريجي، ولا عبرة بخصوصيات جوهرية وحدود وجودية واقعة في طريق هذه الحركة الجوهرية، وإنّما العبرة بما يستمرّ ويبقى وهي النفس لأنّها الصورة التمامية في الإنسان التي هي أصل هويته وذاته، ومجمع ماهيته وحقيقته.(1)

وعلى هذا فالإنسان في حركته الجوهرية من الجماد إلى النبات، ومنه إلى الحيوان، ثمّ الإنسان، وإن مرّت به تلك المراحل، لكنّها ـ في الواقع ـ علل إعدادية لحصول النفس الإنسانية، وعليه تكون واقعية نفسها وحقيقتها الكمال الذي وصلت إليه في نهاية الحركة، فالإنسان هو الإنسان وإن تجرّد عن الجرم والجسم والجسد والبدن، بشهادة أنّه قد مرّ عليه أبدان وأجساد وهو بعدُ شخص واحد ووحدته محفوظة، ولذا لو جنى في شبابه ولاقى جزاءه العادل في هرمه لا يكون ظلماً في حقّه.


1 . الأسفار:9/190.


(98)

الأصل الثالث: العوالم الثلاثة

إنّ أجناس العوالم والنشآت مع كثرتها منحصرة في ثلاثة، وإن كانت دار الوجود واحدة لارتباط بعضها مع بعض:

أدناها عالم الصور الطبيعية الكائنة الفاسدة.

وأوسطها عالم الصور الإدراكية الحسيّة المجرّدة عن المادة.

وأعلاها، عالم الصور العقلية والمثل الإلهية.

فاعلم أنّ النفس الإنسانية مختصة من بين الموجودات بأنّ لها هذه الأكوان الثلاثة مع بقائها بشخصها، فللإنسان كون طبيعي وهو بحسبه إنسان بشري. ثمّ يتدرج في هذا الوجود ويتكامل ويتلطف شيئاً فشيئاً في تجوهره إلى أن يحصل له كون آخر مثالي، وهو بحسبه إنسان مثالي، وله أعضاء مثالية وهو الإنسان الثاني.

ثمّ قد ينتقل من هذا الكون أيضاً نتيجة تكامله فيحصل له كون عقلي، وهو بحسبه إنسان عقلي، وله أعضاء عقلية وهو الإنسان الثالث.

وهذه المراحل التي يمرّ بها الإنسان مختصة بنوعه . فإنّ الأشياء وإن كانت برُمَّتها سائرة إلى الحضرة الإلهية، لكن الذي يمرّ على الصراط المستقيم منتهياً إلى غاية الغايات ليس هو إلاّ النوع الإنساني.

فالإنسان بحسب فطرته الأصلية يتحرك نحو الآخرة بالتدريج ويرجع إلى غاية مقصودة، فيبتدئ بوجوده الدنيوي المادي إلى وجوده الأُخروي الصوري إذ نسبة الدنيا إلى الآخرة نسبة النقص إلى الكمال، ونسبة الطفل إلى البالغ، فإذا بلغ الوجود أشده الجوهري يخرج من هذا الوجود الدنيوي إلى وجود أُخروي ويستعد للخروج من هذه الدار إلى دار القرار.

ثمّ إنّه (قدس سره) استنتج من هذه الأُصول ، وقال: من تدبّر في هذه الأُصول لم


(99)

يبق له شكّ وريب في مسألة المعاد وحشر النفوس والأجساد، ويعلم يقيناً ويحكم بأنّ هذا البدن بعينه سيحشر يوم القيامة بصورة الأجساد، وينكشف له أنّ المعاد في المعاد مجموع النفس والبدن بعينهما وشخصهما وانّ المبعوث في القيامة هذا البدن بعينه لا بدن آخر مبائن له عنصرياً ـ كان كما ذهب إليه جمع من الإسلاميين ـ أو مثالياً ـ كما ذهب إليه الإشراقيون ـ فهذا هو الاعتقاد الصحيح المطابق للشريعة والملة الموافق للبرهان والحكمة.(1)

وإيضاحاً لمختاره نقول: إنّ مقتضى الأصل الأوّل انّ الإنسان في حركته الجوهرية ينتقل من كمال إلى كمال، ومقتضى الأصل الثالث انّ له نشاءات ثلاث:

طبيعية، ومثالية، وعقلية، وبحكم الأصل الثالث انّ فعلية شيء بصورته لا بمادته، فالإنسان في النشأة المثالية هو الإنسان في النشأة الطبيعية، لأنّ الصورة محفوظة بكمالها لا بحدودها، ففعلية البدن هو صورته وهي محفوظة في عالم المثال، كما أنّ فعلية الإنسان نفسه وهي أيضاً محفوظة، فإذا حشر الإنسان بالبدن المثالي الذي كانت النفس تلازمه في عالم الطبيعة، يكون حشره حشر البدن العنصري لكن لا بحدوده.

هذه عصارة ما ذكره صدر المتألّهين في تفسير المعاد الجسماني وهو يختلف عن مسلك الإشراقيين في واقع البدن المثالي، فانّه على مسلكهم يكون بدناً مخلوقاً من ذي قبل تتعلّق به النفس بعد فراقه عن البدن، وعلى مسلكه يكون البدن المثالي مخلوقاً مع البدن العنصري وفي داخله وحالّة فيه ويتكامل مع تكامله على نحو لو تركت النفس تعلّقها بالبدن الدنيوي لبقيت متعلّقة بالبدن المثالي، وتمكث في عالم البرزخ إلى يوم القيامة ثمّ تحشر معه متعلّقة به.

فهنا سؤال وهو انّ حاجة النفس إلى البدن المثالي يدور حول أحد أمرين:


1 . الأسفار:9/194ـ 198.


(100)

الأوّل: انّ تكامل النفس بعد تركها البدن الدنيوي رهن تعلّقها بذلك البدن حتى تتكامل تحت ظل ذلك التعلّق.

الثاني: انّ النفس بحاجة إلى ذلك البدن لأجل نيل الثواب والعقاب ولولاه لما تيسر لها نيلهما.

أما الثاني فهو مخالف لمختاره في القوة الخيالية للنفس، فانّها قوة جوهرية معلولة للنفس قائمة بها قيام المعلول بالعلة، وليست حالَّة في البدن ولا في أعضائه، وعلى هذا تكون الصور المخلوقة بتلك القوة مخلوقة للقوة قائمة بها، قيام المعلول بالعلة من دون أن تكون حالّة في الأعضاء

فإذا كانت القوّة والصور القائمة بها، أُموراً جوهرية قائمة بالنفس فلا حاجة لها بالبدن المثالي .

نعم القوة الخيالية في النشأة الأُولى لا تستطيع خلق الصور إلاّ عن طريق إعمال القوى الحسية الموجودة في الأعضاء، فلا يُبصر إلاّ بالعين، ولا يُسمع إلاّ بالسمع، وحيث إنّ الصور في هذه النشأة تأتي إلى النفس والقوة من خارج ذاتهما فلا محيص من الاستعانة بالبدن العنصري، وهذا بخلاف الصور الجميلة أو المؤلمة في النشأة الأُخرى فانّ الصور تبرز من داخل النفس والقوة إلى خارجهما حسب الملكات التي يكتسبها الإنسان طيلة عمره، فالنفس ذي الملكة الحسنة تخلق صوراً جميلة يلتذ بها على خلاف الملكة السيئة، وعلى ذلك فلا حاجة للنفس ولا للقوّة الخيالية في إيجاد الصور للبدن المثالي.

فتعين الوجه الأوّل، وهو انّ النفس في تكاملها رهن البدن المثالي فعندئذ نطرح هنا أمرين:

الأوّل: انّ كثيراً من الناس يعوزهم الاستعداد اللازم للانتقال إلى عالم العقول، بل يبقوا في عالم المثال أبد الدهر، وعندئذ يكون استخدام البدن المثالي


(101)

أمراً زائداً طفيلياً لا ينفع.

وأمّا الأنبياء والأولياء فلهم استعداد الانتقال إلى عالم العقول فيتركون البدن المثالي لغاية الوصول إلى عالم العقل، فيكون حشرهم الجسماني أمراً مؤقتاً لا أمراً دائمياً وهو على خلاف القرآن.

الثاني: المختار عند صدر المتألّهين في العوالم الثلاثة انّها عوالم غير منفصلة فمع انّ كلاً في طول الآخر، لكن عالم العقل باطن عالم المثال، وعالم المثال باطن عالم الطبيعة.

فالنفس في عالم الطبيعة واجدة للمراتب الثلاثة دفعة واحدة فهي بما انّها مبدأ للحياة الحيوانية مظهر لعالم الطبيعة وبما انّـها تدرك الصور الحسية مظهر لعالم المثال، وبما انّها تدرك المفاهيم الكلية والحقائق المرسلة مظهر عالم العقل، ولأجل ذلك اشتهر قولهم:«النفس في وحدتها كل القوى» فهي بوجودها الجمعي جامعة لتلك المراتب دفعة واحدة وإن كانت كلّ مرتبة في طول الأُخرى.

فإذا كانت هذه حالة النفس، فلماذا لا تحافظ على تلك الحالة في عالم الحشر أيضاً، بأن يكون لها حشر طبيعي ومثالي وعقلاني، فهي بوجودها الطبيعي تثاب وتعاقب بما يناسب عالم الطبيعة كما أنّها بوجودها المثالي تثاب بالصور وتعاقب بها، كما أنّها بمرتبتها العقلية تصل إلى ما هو الغاية القصوى، وحيث إنّه لا تزاحم بين المراتب في وجود النفس فلا مانع من أن يكون حشر واحد للنفس في جميع مراتبها لا بحدودها؟

وخلاصة القول: إنّ عالم الطبيعة تدبر بالعوالم الثلاثة، فعالم الطبيعة تحت ظل عالم المثال، كما أنّ كليهما تحت ظل عالم العقل، فلا تزاحم بين العوالم الثلاثة خارج النفس، كذلك لا تزاحم بين تلك العوالم في وجود النفس في الحشر الأُخروي.


(102)

وفي الختام نعطف نظر القارئ العزيز إلى أنّ لو كان القول بتعلّق النفس بالبدن المثالي لأجل الجمع بين الشريعة والبرهان، فهذا الجمع بعيد عن الصواب لا سيما و إنّ أكثر الآيات الواردة في المعاد الجسماني صريحة في المعاد العنصري لا في المعاد المثالي.

الثالث: المعاد الجسماني والرأي السائد بين المتكلّمين

الرأي السائد بين المتكلّمين هو انّه سبحانه يخلق من الأجزاء المتفرقة للبدن بدناً، فيعيد إليه نفسه المجردة الباقية بعد بلاء البدن، ولا يضر انّه غير البدن الأوّل بحسب الشخص، ولا يبعد أن يكون قوله تعالى: (أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيم)(1) إشارة إلى هذا.

فإن قيل: على هذا يكون المثاب والمعاقب باللّذات والآلام الجسمانية، غير من عمل الطاعة وارتكب المعصية.

قلنا: العبرة في ذلك بالإدراك وإنّما هو للروح ولو بواسطة الآلات وهو باق بعينه، وكذا الأجزاء الأصلية من البدن، ولهذا يقال للشخص من الحداثة إلى الشيخوخة انّه هو بعينه وإن تبدلّت الصور و الهيئات، بل كثير من الآلات والأعضاء، ولا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب إنّها عقوبة لغير الجاني.

ويدل عليه من الآيات:

قوله سبحانه: (قالَ مَنْ يُحْيي العِظامَ وَهِيَ رَمِيم * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة).(2)


1 . يس:81.
2 . يس:78ـ79.


(103)

وقوله تعالى: (فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ).(1)

(أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ).(2)

(وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلّ شَيْء).(3)

(كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرها) .(4)

(يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلكَ حشرٌ عَليْنا يَسير) .(5)

(أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُور)(6). إلى غير ذلك من الآيات.

وبالجملة فإثبات الحشر من ضروريات الدين وإنكاره كفر.

فإن قيل: الآيات المشعرة بالمعاد الجسماني ليست أكثر وأظهر من الآيات المشعرة بالتشبيه والجبر والقدر ونحو ذلك وقد وجب تأويلها قطعاً، فلنصرف هذه أيضاً إلى بيان المعاد الروحاني، وأحوال سعادة النفوس وشقاوتها بعد مفارقة الأبدان على وجه يفهمه العوام، فانّ الأنبياء مبعوثون إلى كافة الخلائق لإرشادهم إلى سبيل الحقّ، وتكميل نفوسهم بحسب القوة النظرية والعملية وتبقية النظام المفضي إلى صلاح الكلّ وذلك بالترغيب والترهيب بالوعد والوعيد والبشارة بما يعتقدونه لذة وكمالاً، والإنذار عمّا يعتقدونه ألماً ونقصاناً، وأكثرهم عوام تقصر


1 . يس:51.
2 . القيامة:3ـ4.
3 . فصلت:21.
4 . النساء:56.
5 . ق:44.
6 . العاديات:9.


(104)

عقولهم عن فهم الكمالات الحقيقية واللذات العقلية وتقتصر على ما ألفوه من اللذات والآلام الحسية وعرفوه من الكمالات والنقصانات البدنية، فوجب أن تخاطبهم الأنبياء بما هو مثال للمعاد الحقيقي ترغيباً وترهيباً للعوام وتتميماً لأمر النظام، وهذا ما قاله أبو نصر الفارابي إنّ الكلام مثل.

قلنا: إنّما يجب التأويل عند تعذر الظاهر، ولا تعذر هاهنا سيما على القول بكون البدن المعاد مثل الأوّل لا عينه. وما ذكرتم من حمل كلام الأنبياء ونصوص الكتاب على الإشارة إلى مثال معاد النفس والرعاية للمصلحة العامة،نسبة للأنبياء إلى الكذب فيما يتعلّق بالتبليغ والقصد إلى تضليل أكثر الخلائق والتعصب طول العمر لترويج الباطل وإخفاء الحقّ لأنّهم لا يفهمون إلاّهذه الظواهر التي لا حقيقة لها عندكم.

نعم لو قيل: إنّ هذه الظواهر مع إرادتها من الكلام وثبوتها في نفس الأمر، مثل للمعاد الروحاني واللذات والآلام العقلية، وكذا أكثر ظواهر القرآن على ما يذكره المحقّقون من علماء الإسلام، لكان حقاً لا ريب فيه و لا اعتداد بمن ينفيه.(1)

إنّ ما ذكره سعد الدين التفتازاني كلام حقّ لا سترة عليه، وهو الموافق للقرآن الكريم.

ونضيف إلى كلامه أمرين:

الأوّل: انّ القرآن يطرح إمكان المعاد من خلال بيان قصص تتضمن عود الموتى إلى الحياة، كقصة إبراهيم، وعزير، وأُمّة من بني إسرائيل، وقصة البقرة، وغيرها، فلا يمكن أن تفسر تلك البراهين بالمثَل.


1 . شرح المقاصد:2/212 ـ 213، ط الآستانة.


(105)

الثاني: انّ ثمة فرقاً بين ما دلّ على الجبر، وبين ما دلّ على المعاد الجسماني، فما يدل على الأوّل يخالف العقل الصريح، ولفيف من الآيات، كما يضاد الغاية من وراء بعث الأنبياء، فلا محيص عن التأويل.

وأمّا المعاد الجسماني فليس هناك أيّ داع إلى التأويل، سوى الشبهات التي نطرحها على طاولة البحث، وسنحللها بفضل من اللّه سبحانه حينها حتى تنجلي الحقيقة ناصعة لا يشوبها لبس ولا غموض.

الرابع: المعاد الجسماني ورأي بعض المتكلمين

ذهب لفيف من المتكلّمين إلى أنّ للإنسان أجزاءً أصلية صلبة لا يتطرق إليها الزيادة والنقصان ولا التغيّر والتبدّل، وإنّما تطرأ إلى ما يضيف إليها.(1)

وبعبارة أُخرى: المعاد عبارة عن جمع متفرقات أجزاء مادية لأعضاء أصلية باقية عندهم، وتصويرها مرّة أُخرى بصورة مثل الصورة السابقة ليتعلّق النفس بها مرّة أُخرى.

يقول الإمام الرازي: إنّ قوله تعالى في سورة الواقعة من الآيات إشارة إلى جواب شبهة المنكرين الذين هم من أصحاب الشمال المجادلين، فانّهم قالوا: (ءَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً ءَإِنّا لَمَبْعُوثُون * أَوَ آباؤُنا الأَوّلُون)(2) وأشير إلى إمكانها هذا بوجوه أربعة:

أوّلها، قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُون * ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُون).(3)


1 . كشف المراد: 259، المسألة الرابعة في وجوب المعاد الجسماني.
2 . الصافات:16ـ 17 والواقعة:47ـ 48.
3 . الواقعة: 58ـ 59.


(106)

وجه الاستدلال بهذا انّ المني إنّما يحصل من فضلة الهضم الرابع، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء ولهذا يشترك كلّ الأعضاء ويجب غسلها بالالتذاذ الواقع لحصول الانحلال عنها كلّها، ثمّ إنّ اللّه تعالى سلّط قوّة الشهوة على البنية حتّى إنّها تجمع تلك الأجزاء الطلية، فالحاصل انّ تلك الأجزاء كانت متفرقة جداً أوّلاً في أطراف العالم.

ثمّ إنّ اللّه جمعها في بدن ذلك الحيوان وجمعها اللّه في أوعية المني ثمّ إنّه أخرجها ماءً دافقاً إلى قرار الرّحم، فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكوَّن منها هذا الشخص فإذا افترقت بالموت مرة أُخرى، فكيف يمتنع عليه جمعها مرّة أُخرى؟!(1)

انّ ما ذكره المتكلّمون إنّما هو لإثبات انّ المعاد عنصري لا مثالي، وهذا حقّ في الجملة، لكن القول بأنّ لكلّ إنسان أجزاء صلبة لا تتبدل ولا تتغير إلى شيء فهو أمر لم يثبته العلم ولا التجربة ولا البرهان العقلي.

نعم لو تضافرت عليه الأخبار نأخذ به تعبداً.(2)


1 . الأسفار: 9/153ـ 154.
2 . الأسفار: 9/153ـ 154.


(107)

الفصل التاسع:

المعاد الجسماني والشبهات المطروحة

قد نسب إلى الشيخ الرئيس أنّه لا يمكن إثبات إمكان المعاد الجسماني إلاّ عن طريق الشرع، وحيث إنّه أخبر عن وقوعه نستكشف إمكانه.

ولكن عبارته في الشفاء تنادي بخلاف ذلك، فهو لا يدّعي أنّ إمكانه رهن خبر الشارع وإنّما يدّعي انّ وقوعه رهن خبر الشارع.

وبعبارة أُخرى: إمكان المعاد الجسماني أمر مسلم، وإنّما الكلام في لزوم وقوعه، والعقل يدل على لزوم المعاد الروحاني، ولم يدل دليل عقلي على لزوم المعاد الجسماني، وإليك عبارته:

يجب أن يعلم أنّ المعاد منه ما هو منقول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلاّمن طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة وهو الذي للبدن عند البعث.(1)

تجد انّه يقول: «لا سبيل إلى إثباته» أي لزوم وقوعه لا إمكانه، ولولا الشرع لم يكن دليل على لزوم وقوعه.

يقول صدر المتألّهين: يستفسر عن هؤلاء المنكرين للمعاد الجاحدين لأحكام الشريعة بناء على قصور مداركهم عن دركها إنّهم هل يدّعون الامتناع


1 . الشفاء: الإلهيات ، الفصل الثاني من المقالة التاسعة.


(108)

أو يمنعون الإمكان والجواز؟ فعلى الأوّل، يقال لهم: إنّ عليكم البيّنة وإثبات ما ادّعيتم وما لكم فيما قلتم به من هذا عين ولا أثر. وعلى الثاني كلّ ما أُزيل ظاهره عن الإحالة والامتناع قام التنزيل الإلهي والأخبار النبوية الصادرة عن قائل مقدس عن شوب الغلط والكذب مقام البراهين الهندسية في المسائل التعليمية والدعاوي الحسابية.(1)

والمهم تحليل الشبهات المطروحة حول المعاد الجسماني.

الشبهة الأُولى: المعاد إعادة للمعدوم

لقد ذكر سعد الدين التفتازاني بعض الشبهات في مقاصده وشرحه، أحدها: بأنّ المعاد إعادة للمعدوم وهو أمر محال.

ثمّ نقل عن الشيخ الرئيس، القول التالي: إنّ كلّ من رجع إلى فطرته السليمة، ورفض عن نفسه الميل والعصبية، شهد عقله الصريح بأنّ إعادة المعدوم ممتنع.

وقد أجاب المحقّق التفتازاني عن الإشكال بقوله:

أوّلاً: منع امتناع الإعادة، وقد تكلّمنا عن أدلّته.

وثانياً: أنّ المراد إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف والحياة و نحو ذلك ولا يضرنا كون المعاد مثل المبدأ لا عينه.(2)

أقول: أمّا الجواب الأوّل فليس بشيء، فانّ إعادة المعدوم بعينه أمر ممتنع بالذات، لأنّ المقصود من الإعادة هو تعلّق القدرة ثانياً، بإيجاده في الزمان الثاني، ومثل ذلك لا يكون إعادة للمعدوم بعينه بل إعادة له بمثله.


1 . الأسفار: 9/167ـ 168.
2 . شرح المقاصد: 2/213.


(109)

فلو كان المراد من إعادة المعدوم هو خرق الحجب والموانع والرجوع إلى الزمن الماضي ورؤية كلّ شيء في محلّه، فهذا ليس إعادة للمعدوم بل مشاهدة لوجود شيء في ظرفه.

وإن شئت قلت: إنّ الواقع لا ينقلب عمّا هو عليه، وكلّ شيء إذا حدث فهو محفوظ في ظرفه، وإن كان غير محفوظ في الظروف التي تعقبه.

فمثلاً الحوادث التي وقعت في عهد نوح منذ دعوته ومكابرة قومه، واستيلاء الغرق عليهم، وركوب السفينة وسيرها على الماء ونزولها على الجودي، أمر غابر لكنه موجود في ظرفه،لا يمكن قلبه عمّا هو عليه وإن كان غير موجود في الأزمنة التي تعقبه.

فإن أُريد من إعادة المعدوم هو خرق الحجب ورؤية كلّ شيء في ظرفه، فهو ليس إعادة للمعدوم ولا خلقاً له، ومن الواضح أنّ المعاد ليس من هذا القبيل، ولا يراد منه خرق الحجب لرؤية المؤمنين والكافرين في ظروفهم الزمنية.

وإن أُريد تعلّق الخلق وقدرته سبحانه على إيجادهم بعد انعدامهم ، فهذا ليس إعادة للمعدوم بل إيجاداً لمثله، ضرورة تعدد الفعل والخلق.

وبذلك ظهر أنّ الجواب الثاني الذي أشار إليه التفتازاني هو المهم في الباب.

توضيحه: أنّ المعاد ليس من قبيل إعادة المعدوم، بل إيجاد للمعدوم ثانياً، على نحو يطلق على الثاني انّه عين الأوّل عرفاً وإن كان مثله عقلاً، وذلك لأنّ الإنسان بموته يترك أمرين.

الأوّل: العظام والعروق واللحوم التي تتحول إلى رميم وتتبدل إلى ثرى .

الثاني: الروح والنفس التي يتوفّاها ملك الموت.


(110)

وعلى ذلك ليس كلّ ممّا ترك أمراً معدوماً، بل أمر موجود، غاية الأمر إنّما فقد الاتصال والتماسك بين الأجزاء التي هي مبدأ للروح الحيوانية، فلو أعيد الاجتماع والانضمام إلى الأجزاء وتعلّق بها الروح المحفوظة ، يكون المعاد نفس الإنسان السابق.

وممّا يؤكد ذلك ما أثبته العالم الفرنسي لافوازيه عام 1775م فقد أثبت بأنّ المادة لا تعدم ولا تستحدث بل تتحول من شكل إلى آخر، وانّ التفاعلات الكيمياوية أو الفيزياوية لا تعدم فيها المادة بل المادة باقية بحالها، غاية الأمر تتحول من شكل إلى شكل آخر.

الشبهة الثانية: شبهة الآكل والمأكول

هذه الشبهة من أقدم الشبهات التي طرحت في المعاد الجسماني، وقد جاء ذكرها في أكثر الكتب الكلامية.

وقد قررت بوجوه، أوضحها ما ذكره العلاّمة الحلّي في كشف المراد، حيث قال:

إنّ إنساناً لو أكل آخر أو اغتذى بأجزائه فإن أعيدت أجزاء الغذاء إلى الأوّل عدم الثاني، وإن أُعيدت إلى الثاني عدم الأوّل.

وأيضاً إمّا أن يعيد اللّه تعالى جميع الأجزاء البدنية الحاصلة من أوّل العمر إلى آخره أو القدر الحاصل له عند موته، والقسمان باطلان:

أمّا الأوّل: فلأنّ البدن دائماً في التحلّل والاستخلاف، فلو أُعيد البدن مع جميع الأجزاء منه لزم عظمه في الغاية، ولأنّه قد يتحلّل منه أجزاء تصير أجساماً غذائية ثمّ يأكلها ذلك الإنسان بعينه حتى تصير أجزاء من عضو آخر غير العضو الذي كانت أجزاء له أوّلاً، فإذا أُعيدت أجزاء كلّ عضو إلى عضوه لزم جعل ذلك


(111)

الجزء جزءاً من العضوين، وهو محال.

وأما الثاني: فلأنّه قد يطيع العبد حال تركبه من أجزاء بعينها ثمّ تتحلّل تلك الأجزاء، ويعصي في أجزاء أُخرى، فإذا أُعيد في تلك الأجزاء بعينها وأثابها على الطاعة لزم إيصال الحقّ إلى غير مستحقه.(1)

وقد لخصها سعد الدين التفتازاني، وقال: لو أكل إنسان إنساناً وصار غذاء له جزءاً من بدنه فالأجزاء المأكولة إمّا أن تعاد في بدن الآكل، أو في بدن المأكول، وأيّاً ما كان لا يكون أحدهما بعينه معاداً بتمامه ،على أنّه لا أولوية لجعلها جزءاً من بدن أحدهما دون الآخر، ولا سبيل لجعلها جزءاً من كلّ منهما، وأيضاً إذا كان الآكل كافراً والمأكول مؤمناً يلزم تنعيم الأجزاء العاصية أو تعذيب الأجزاء المطيعة.(2)

إجابة المتكلّمين عن الشبهة

وقد أجاب المتكلّمون عن الشبهة بالأصل الذي اختاروه في تفسير المعاد الجسماني، وهو:

انّ لكلّ مكلّف أجزاء أصيلة لا يمكن أن تصير جزءاً من غيرها، بل تكون فواضل من غيره لو اغتذى بها، فإذا أُعيدت جعلت أجزاءً أصلية لما كانت أصلية له أوّلاً، وتلك الأجزاء هي التي تعاد، وهي باقية من أوّل العمر إلى آخره.(3)

واختاره التفتازاني أيضاً حيث قال:

انّا نعني بالحشر إعادة الأجزاء الأصلية الباقية من أوّل العمر إلى آخره، لا


1 . كشف المراد: 260، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
2 . شرح المقاصد: 2/213، ط الآستانة.
3 . كشف المراد: 260.


(112)

الحاصلة بالتغذية، فالمعاد من كلّ من الآكل والمأكول الأجزاء الأصلية الحاصلة في أوّل الفطرة من غير لزوم فساد.(1)

وقد عرفت عدم ثبوت أصل النظرية من أنّ لكلّ إنسان أجزاء صلبة أصلية لا تكون جزءاً للغير، فيسقط الجواب مادام لم يثبت الأصل.

إجابة صدر المتألّهين عن الشبهة

أجاب الحكماء عن الشبهة بمسألة انّ تشخّص كلّ إنسان إنّما يكون بنفسه لا ببدنه، وأنّ البدن المعتبر فيه أمر مبهم لا تحصُّل له إلاّ بنفسه، وليس له من هذه الحيثية تعيّن ولا ذات ثابتة، ولا يلزم من كون بدن زيد محشوراً أن يكون الجسم الذي منه صار مأكولاً لسبع أو إنسان آخر، محشوراً، بل كلّما يتعلّق به نفسه هو بعينه بدنه الذي كان، فالاعتقاد بحشر الأبدان يوم القيامة هو أن يبعث أبدان من القبور إذا رأى أحد كلّواحد واحد منها يقول هذا فلان بعينه، أو هذا بدن فلان، ولا يلزم من ذلك أن يكون غير مبدَّل الوجود والهوية، كما لا يلزم أن يكون مشوّه الخلق، والأقطع والأعمى والهرم محشوراً على ما كان من نقصان الخلقة وتشويه البنية كما ورد في الأحاديث.(2)

وما ذكره من الجواب هو اللائح من قوله سبحانه: (قالُوا أَءِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْض ءَإِنّا لَفي خَلْق جَديد بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ * قُل يَتَوفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذي وكّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ ترجعُون).(3)

فانّ الشبهة جاءت في صدر الآية تحت عنوان الضلال في الأرض، أعني


1 . شرح المقاصد: 2/213، ط الآستانة.
2 . الأسفار:9/199ـ 200.
3 . السجدة :10ـ 11.


(113)

قولهم:(أَءِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْض) وجاء الجواب في قوله: (قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَك المَوت) ، ولا تحسم مادة الإشكال إلاّ بالتفسير التالي، وهو:

إنّ ضلال أجزاء البدن في الأرض وتبعثرها لا يخل بالمعاد الجسماني، ولا يكون دليلاً على محو الشخصية، لأنّ الأصل في الإنسان هو الروح فالشخصية تدور مدار بقاء الروح ، فعندئذ لو حشر مع بدن عنصري حينها ستحفظ شخصيته ووحدته سواء أكان البدن الذي عاشت معه النفس في الدنيا أم الآخرة، لأنّ البدن آلة لإدراك الألم، والمؤلم حقيقة هي النفس والبدن أداة لإيلامها، فلا فرق بين كون البدن نفس البدن الدنيوي أو غيرها.

ويتضح ذلك من خلال القول انّ النفس ربما لا تتألم بالآلام الجسمانية إلاّ عن طريق البدن، فالضرب على البدن لأجل إيلام الروح دون البدن فلا يكون الضرب على غير البدن الذي عاشت معه ظلماً وخارجاً عن الحدّ.

هذا ما يمكن به توجيه كلام الحكماء.

أقول: ولنا تقرير آخر في دفع هذه الشبهة، وقبل الخوض ننبّه على أنّ الشبهة يمكن أن تقرر بوجهين:

الوجه الأوّل: انّه إذا صار جزء من بدن الإنسان، عضواً لبدن إنسان آخر، فحشر كلا الإنسانين، يستلزم وجود النقص في واحد منهما.

الوجه الثاني: انّ حشرهما بأيّ صورة كانت مخالف للعدل الإلهي، حيث يمكن أن يكون الإنسان الأوّل مطيعاً والثاني عاصياً، فيلزم أن يعذب جزء من بدن الإنسان المؤمن في نار جهنم إذا صار عضواً لبدن الكافر.

وهانحن نصب البحث على الإشكال الأوّل ثمّ نرجع إلى الاشكال الثاني، فنقول:


(114)

إنّ تحوّل جزء من بدن إنسان إلى بدن إنسان آخر بالمباشرة نادراً ما يتفق، وإنّما الشائع هو التحول من خلال تحول البدن الإنساني إلى تراب ومن ثمّ انتقاله إلى نبات وحيوان ثمّ يتغذى بها الإنسان ، وبناء عليه فانّ الصور المفروضة أربع:

أ. أن يحشر كلّ واحد من الآكل والمأكول بنفس الجزء المستهلك.

ب. أن يحشر آكله به دون المأكول.

ج. على العكس.

د. أن يحشر كلّ واحد من الآكل والمأكول دون الجزء المستهلك.

أمّا الصورة الأُولى فهي افتراض محال، لاستلزامه كون شيء واحد في زمان واحد في محلين. وكلّ من الصورة الثانية والثالثة تستلزم نقصاً في المحشور امّا في الآكل أو في المأكول.

وفي الصورة الرابعة يستلزم النقص في كلا المحشورين.

وربّما يتصور أن لازم الصورتين الثانية والثالثة أن يكون المحشور أحد البدنين فقط، لافتراض انّ بدن أحدهما صار جزءاً لبدن الآخر فلم يبق للإنسان الأوّل بدن يحشر به.

ولكن هذا التصور من الوهن بمكان، لأنّه قلّما يتّفق أن يكون بدن الإنسان بتمام أجزائه بدناً لإنسان آخر، إذ الغالب تحوّل جزء ضئيل من بدن المأكول إلى بدن الآكل، لا كلّ الأجزاء.

هذه هي صور الشبهة وإليك الجواب عنها:

لا شكّ انّ الصورة الأُولى والرابعة خارجة عن نطاق البحث، فالأُولى تستلزم المحال، و الرابعة مجرّد افتراض لم يتفوّه بها أحد، فتنحصر الشبهة في الصورتين الثانية والثالثة، فعندئذ نقول:


(115)

إنّ للصورتين الثانية والثالثة فروضاً مختلفة:

1. أثبت العلم الحديث انّ بدن الإنسان في تحوّل وتغيّر مستمر، فهو في ظل هذا التحوّل ذو أبدان كثيرة، وقيل انّ خلايا البدن الإنساني تتغير برمتها كلّ ثمان سنين.

2. إذا افترضنا انّ البدن الأخير وماتقدمه من الأبدان صادف المانع وأصبح جزءاً لإنسان آخر، ولو من خلال تحول البدن إلى تراب ونبات وحيوان، ولكن ليس عامّة الأجزاء من كلّ بدن مأكولاً لفرد آخر، وإنّما يتحول جزء من كل بدن، فعند ذلك يحشر بأي بدن شاء اللّه وإن كان بدناً نحيلاً، لأنّه يكفي في المعاد انّ البدن الأُخروي نفس البدن الدنيوي ولم يدل دليل على العينية من حيث السمن والضعف.

3. لو افترضنا ـ و إن كان الفرض من النُدرة بمكان ـ أن تتحول أغلب الأجزاء من كلّ بدن إلى بدن إنسان آخر بحيث لا يكون الباقي كافياً في تشكيل بدن الآكل، وعندئذ لا مانع من إكمال البدن بالاستعانة بأجزاء ترابية وهوائية أُخرى، ولا يعدّ ذلك نقضاً في الحشر، لما عرفت من أنّ الملاك هو صدق العينية عرفاً لا عقلاً، ولذلك يعبر سبحانه عن ذلك بقوله: (أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوات وَالأَرْض بِقادِر على أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الخَلاّقُ الْعَلِيم)(1) بناء على أنّ الضمير في «مثلهم» يرجع إلى الإنسان، وقال عزّ من قائل: (أَوَ لَمْ يَرَوا أنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَق السَّماواتِ وَالأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فيهِ فَأَبى الظّالِمُونَ إِلاّكَفُوراً) .(2)

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) :«وإذا قبضه (أي روح المؤمن) اللّه إليه سيّر تلك


1 . يس:81.
2 . الإسراء:99.


(116)

الروح إلى الجنة في صورة كصورته، فيأكلون ويشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفهم بتلك الصورة التي كانت عليها في الدنيا».(1)

وإلى هذا الجواب يشير صدر المتألّهين بقوله: لا عبرة بخصوصية البدن وانّ تشخصه والمعتبر في الشخص المحشور جسمية ما أية جسمية كانت، وانّ البدن الأُخروي ينشأ من النفس بحسب صفاتها لا أنّ النفس يحدث من المادة بحسب هيئاتها واستعداداتها كما في الدنيا.(2)

وما ذكره ينطبق على ما ذكرنا إذا أراد من البدن، البدن العنصري، لكنّه (قدس سره) كما عرفت يصرح بالبدن البرزخي ويقول: وانّ البدن الأُخروى ينشأ من النفس بحسب صفاتها.

هذا كلّه حول الشبهة من المنظار الأوّل، وإليك دراسة الشبهة من منظار العدل الإلهي.

شبهة الآكل والمأكول من منظار العدل الإلهي

كان التقرير السابق للشبهة من منظار عدم وفاء المادة لحشر كلّ إنسان على النحو الأكمل.

ولكن البحث في المقام يركز على أنّه إذا كان المؤمن مأكولاً للكافر، يلزم تعذيب المؤمن بتعذيب الكافر، أو بالعكس. ونجيب عن هذا التقرير بوجهين:

الوجه الأوّل: انّه إذا صار عضو من بدن المؤمن جزءاً لبدن الكافر يكون تعذيبه تعذيباً للكافر لا للمؤمن، لأنّ الجزء في ظل الحركة الجوهرية انقطعت صلته بالمأكول واندكّ في الآكل على نحو صار جزءاً منه، فتعذيبه أو تنعيمه يرجع


1 . البحار: 6/229، الحديث 32، من أحاديث باب أحوال البرزخ.
2 . الأسفار:9/200.


(117)

إلى الآكل لا إلى المأكول، ونظيره زرع الأعضاء الرائج في الطب الحديث فانّ الكلية مثلاً إذا أخذت من بدن شخص وزرعت في بدن شخص آخر على نحو التحمت مع سائر الأعضاء، فتعذيبه وتنعيمه يرجع إلى المأكول لا إلى الآكل.

الوجه الثاني: انّ الشبهة نابعة من التفكير المادي، حيث يحصر واقع الإنسان في اللحم والجلد والعظام، مع أنّ واقع الإنسان شيء أعمق من ذلك، وهو روحه ونفسه، فإذا صار عضو من الإنسان جزءاً من إنسان آخر انقطعت صلة الروح عن الجزء المقطوع فلا يكون مدبَّراً للنفس، فتكون الآلام واللّذات منصبَّة على الآكل لا على المأكول، ولعل هذا البحث المبسوط، فيه الكفاية لذوي الألباب.

وأنا بدوري أعتذر للقرّاء الكرام من إطالة الكلام في هذا المقام.

الشبهة الثالثة: ما هو الهدف من الجزاء؟

إذا كان الهدف من إعادة الإنسان ليجزى بما عمل من خير أو شر، فما هو السر وراء تعذيب المجرم؟ فانّ هناك احتمالات عدّة:

الأوّل: التشفّي وتسكين الآلام.

الثاني: تأديب المجرم.

الثالث: أن يكون التعذيب عبرة وعظة للآخرين.

وهذه الفروض إنّما تصحّ في التعذيب الدنيوي، فولي الدم يقتص من القاتل للتشفي وتسكين آلامه، كما أنّ تأديب المجرم غاية تختص بالدنيا، فانّ القاضي والحاكم يؤدّب المجرم بالضرب والسجن أو غيرها ليصلح حاله، في مستقبل حياته.

كما أنّ أخذ العبرة من تعذيب الغير أمر يختص بالدنيا لئلاّ يقترف الآخرون


(118)

الجرائم، كما هو الحال في قوله:(وَيَشْهَد عَذابَهُما طائِفةٌ مِنَ المُؤْمِنينَ).(1)

فإذا كانت الغايات الثلاث ممّا تتحقق في الحياة الدنيا، فيكون التعذيب في الآخرة أمراً عبثاً لا غاية له.

ثمّ إنّ المستشكل عطف الثواب الأُخروي على العذاب الدنيوي فزعم انّه أيضاً بلا غاية، وقال:

وأمّا الالتذاذ فهو أيضاً باطل، لأنّ اللذة الجسمانية لا حقيقة لها، وإنّما هو دفع الألم بالاستقراء وانّه لو ترك على حاله ولم يعد لم يكن له ألم فهذا الغرض حاصل بدون الإعادة فلا فائدة فيها.(2)

والجواب: انّ المستشكل زعم أنّ المعاد أمر ممكن فسأل عن غايته وأغراضه، فإذا انتفى الغرض فيه حكم ببطلانه، وهذا أمر بعيد عن الصواب، فالمعاد أمر ضروري حسب الأدلة الستة، وفيه العلّة الفاعلية والغائية، ومعها كيف يكون أمراً عبثاً؟! وكفى في العلّة الغائية انّها مظهر لعدله سبحانه، ومجلى لقسطه على وجه يكون تركه أمراً قبيحاً، بل هو مجلى لوعده ووعيده.

وأمّا ما ذكره أخيراً من عدم أصالة اللذة الجسمانية، وإنّما هو دافع للألم كالأكل الذي هو دافع لألم الجوع، فلا أساس له من الصحة، فهل يتصور انّ الالتذاذ من خلال النظر إلى المناظر الجميلة والحدائق المكتظة بالأشجار أمر لا حقيقة له، بل هو رافع للألم فحسب؟!

وثمّة جواب آخر وهو: انّ ما ذكره من الإشكال إنّما يتم في الجزاء الجعلي، فيسأل عن حكمتها وغاياتها بأحد الوجوه، وأمّا إذا كان الجزاء خارجاً عن هذا الإطار وكان من لوازم وجود الملكات التي اكتسبها الإنسان طيلة حياته على نحو


1 . النور:2.
2 . شرح المواقف: 8/296 ; شرح المقاصد: 2/214، ط الآستانة.


(119)

تكون الصور الجميلة الملِذَّة أو الصور القبيحة المؤلمة من لوازم الملكات المكتسبة التي تعد جزءاً لبدن الإنسان، فالسؤال عندئذ ساقط من أصله لأنّها من لوازم الوجود، واللازم لا يُعلَّل، كما أنّ الزوجية من لوازم الأربعة فإيجاد الأربعة إيجاد للزوجية، كما أنّ إعادة الإنسان بماله من الملكات إعادة للوازمه بلا حاجة إلى جعل آخر.

وهناك جواب ثالث وهو: انّ الجزاء خيره وشره صور برزخية للأعمال الدنيوية التي يكتسبها الإنسان طيلة حياته، وكأنّ للعمل كالصلاة والصوم وجودين، وجوداً دنيويّاً ووجوداً أُخرويّاً، فالصلاة في هذه النشأة أذكار وحركات، وفي النشأة الأُخرى نور وقربة، كما أنّ الصوم في هذه النشأة إمساك، وفي النشأة الأُخرى جُنّة من النار.

فليس الجزاء خيره وشره أمراً مخلوقاً، بل إعادة لنفس الأعمال لكن بوجودها البرزخي، ولا مانع من أن يكون لشيء واقعية واحدة وتجليات مختلفة، فالذهب والفضة المكنزان يتجلّيان في هذه النشأة بصورة برّاقة تسرّ الناظرين، وفي النشأة الأُخرى بصورة نار تكوى بها جلودهم وظهورهم، فالنار الأُخروية التي تكوى بها هي نفس الكنز المحتكر ولكن لها تجليات حسب اختلاف النظر، وإليه يشير سبحانه ويقول: (وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَليم * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُون).(1)

فقوله سبحانه: (هذا ما كنزتم) إشارة إلى النار التي تكوى بها الجباه والجنوب، فالنار حسب الرؤية القرآنية هي نفس الذهب أو الفضة ولكن تجلّت بوجود برزخي.


1 . التوبة:34ـ 35.


(120)

وهناك احتجاج للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على من أنكر عذاب القبر في هذه الدنيا.

أخرج العاصمي في كتابه «زين الفتى في شرح سورة ( هل أتى)» من طريق شيخه أبي بكر محمد بن إسحاق بن مهشاد يرفعه، أنّ رجلاً أتى عثمان بن عفان وهو أمير المؤمنين وبيده جمجمة إنسان ميت، فقال: إنّكم تزعمون النار يعرض على هذا وانّه يعذب في القبر وأنا قد وضعت عليها يدي فلا أحسَّ منها حرارة النار؟ فسكت عنه عثمان وأرسل إلى علي بن أبي طالب المرتضى يستحضره، فلمّا أتاه وهو في ملأ من أصحابه، قال للرجل: أعد المسألة. فأعادها، ثمّ قال عثمان بن عفان: أجب الرجل عنها يا أبا الحسن، فقال علي (عليه السلام) : ائتوني بزند وحجر، والرجل السائل والناس ينظرون إليه فأتي بهما فأخذهما وقدَّح منهما النار، ثمّ قال للرجل: ضع يدك على الحجر. فوضعها عليه، ثمّ قال: ضع يدك على الزند، فوضعها عليه، فقال: هل أحسست منهما حرارة النار؟ فبهت الرجل، فقال عثمان: لولا علي لهلك عثمان.(1)

ثمّ إنّ مسألة تجسم الأعمال بمعانيها المختلفة بحث قرآني سنمر عليه في الفصول اللاحقة.

الشبهة الرابعة: المعاد العنصري عود إلى الدنيا

إنّ الذكر الحكيم يصف المعاد بالنشأة الأُخرى أو دار العقبى وما شابههما، يقول سبحانه: (ثُمَّ اللّهُ يُنْشِئُ النَشأَة الآخرة)(2) وقال سبحانه: (وَأنَّ عَلَيْهِ النَشأَةَ الأُخرى)(3) ويقول سبحانه: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنةِ السَّيئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبى


1 . الغدير: 8/214.
2 . العنكبوت:20.
3 . النجم:47.


(121)

الدّار )(1) وقال عزّ من قائل: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّار).(2)

فإذا كان المعاد عودَ الإنسان بالبدن العنصري فيكون عوداً إلى النشأة الأُولى لا النشأة الأُخرى، وعوداً إلى الدار الأُولى لا إلى عقبى الدار.

والجواب: انّ صدق العناوين المتقدّمة ليس رهن أنّ المعاد مثالي أو روحي، بل تصدق وإن كان المعاد عنصريّاً وماديّاً، ويكفي في تسمية أحدهما بالأُولى والآخر بالأُخرى، انّ الأُولى دار العمل والسعي، والثانية دار الحصاد، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : «وانّ اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل».(3)

أضف إلى ذلك انّ تسمية أحدهما بالأُولى والآخر بالأُخرى لأجل أنّ الإنسان في الدار الآخرة أكمل ممّا عليه في دار الدنيا، لأنّ تعلّق النفس بالبدن في النشأة الأُولى تعلّق تدبيري فيكون ارتباطها بالبدن ارتباطاً وثيقاً إذ لولاها لفسد البدن، وهذا بخلاف دار الآخرة فانّ تعلّقها بالبدن بغية نيل الجزاء المادي، أو نيل الثواب والعقاب، ولذلك تختلف الحياة في النشأة الأُخرى عن الحياة في النشأة الدنيا من حيث الكمال.

والحاصل: انّ الدنيا والآخرة موطنان للإنسان غير أنّ أحدهما أكمل وألطف من الآخر.

الشبهة الخامسة: لزوم التناسخ

إنّ للتناسخ أقساماً، والمراد هنا تعلّق نفسين ببدن واحد، لأنّ إعادة الإنسان


1 . الرعد:22.
2 . الرعد:24.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 42.


(122)

بعينه وجمع أشلائه وأعضائه وصيرورته إنساناً سويّاً من حيث الظاهر استعد لأن يفاض عليه من اللّه سبحانه نفس، هذا من جانب، ومن جانب آخر تتعلّق به نفسه المستنسخة لأجل نيل الثواب أو العقاب، فيلزم تعلّق نفسين ببدن واحد.

يقول صدر المتألّهين: إنّ مفسدة التناسخ بحسب المعنى ـ كما ذكره ـ واردة هاهنا بلا مرية، وهي لزوم كون بدن واحد ذا نفسين، فانّ تلك الأجزاء لو كانت قابليتها لتعلّق النفس حين التفرّق باقية، لم تفارق عنها النفس، فكان زيد حال الموت حياً وقد فرض ميتاً، وإن لم تكن باقية فاحتاجت في قبولها للنفس إلى انضمام أمر إليها به يستعد للقبول فإذا انضم إليها ذلك الأمر وصارت مستعدة باستعداد آخر جديد لابدّ أن يفاض عليها من المبدأ الجواد فيض جديد وروح مستأنف، فإذا تعلّق بها الروح المعاد أيضاً كان لبدن واحد روحان وهو ممتنع.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذه الشبهة إنّما تتم بناء على خلق الأرواح قبل الأبدان، ، فلو قلنا بهذا الأصل لكان للشبهة مجال، لأنّ إحياء الإنسان وجمع أشلائه وأعضائه يستدعي تعلّق الروح به من العالم العلوي فلو تعلّقت به النفس المستنسخة لكان تناسخاً.

وأمّا لو قلنا بأنّ الروح هي نتيجة الحركة الجوهرية للمادة، وأنّ الجنين في مدارج تكامله وحركته يصل إلى مرتبة يتبدل إلى أمر مجرّد، دون أن ينقص من المادة شيء، فليست الروح شيئاً مخلوقاً من ذي قبل، وإنّما هي نتيجة تكامل المادة وتحولها إلى أمر مجرد له صلة بالمادة، ويتكامل حسب تكامل الجنين في رحم أُمّه، كما يتكامل بعد خروجه منه.

وهذا هو الذي ارتضاه صدر المتألّهين وهو صدر الآراء، وعلى ضوء هذا فالشبهة لا تصمد أمام النقاش، لأنّه لو كان المعاد أمراً تدريجياً وعود الإنسان إلى


1 . الأسفار:9 / 170.


(123)

عالم الحياة نظير نشأته في هذه الدنيا يلزم هنا التناسخ وتعلّق نفسين، إحداهما نتيجة الحركة الجوهرية الثانية والتكامل التدريجي للمادة، والأُخرى نفسه المستنسخة المتكونة من الحركة الجوهرية الأُولى للمادة.

وأمّا إذا كان المعاد أمراً دفعياً كما هو الظاهر من الآيات الكريمة، فليس هناك إلاّنفس واحدة وهي نفسه المستنسخة ، وأمّا النفس الأُخرى فهي وليدة الحركة والتكامل التدريجي، والمفروض انّه لم يكن هناك أي حركة وتدريج وتكامل، بل كان إنشاءً ثانياً للبدن السوي بحيث يصلح لتعلّق النفس به.

ويدل على أنّ المعاد، دفعي لا تدريجي آيات الذكر الحكيم:

قال سبحانه:(فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُون) .(1)

وقال تعالى: (خشّعاً أَبْصارهم يخرجُونَ مِنَ الأَجداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنتشر) .(2)

وقال عزّ من قائل: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْداثِ سراعاً كأَنَّهُمْ إِلى نصب يوفضون) .(3)

وقال سبحانه: (ثُمَّ نُفِخَ فيهِ أُخرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُون) .(4)

وقال: (هَل يَنْظُرُونَ إِلاّ الساعة أن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُون).(5)

إلى غير ذلك من الآيات.

نعم لو قلنا بما ذهب إليه المشّاء من خلق الأرواح قبل الأبدان، فإذا صارت


1 . يس:51.
2 . القمر:7.
3 . المعارج:43.
4 . الزمر:68.
5 . الزخرف:66.


(124)

النطفة بدناً سوياً تتعلّق بها الروح من العالم العلوي، وعند ذلك يلزم تعلّق نفسين إحداهما النفس المستنسخة، والثانية النفس التي استعدت لهبوطها إلى البدن.

ولكن الشبهة طبقاً لهذا الأصل أيضاً غير صحيحة، إذ لا صلة بين الروح الثانية وهذا البدن، مع وجود الصلة بين البدن السوي والروح المستنسخة.

وعلى كلّ حال، فلنعطف أنظار القارئ إلى هذه النكتة وهي انّ المعاد العنصري خال عن المفاسد المترتبة على القول بالتناسخ.

لأنّ القول بالتناسخ منطق المنكرين للمعاد، فعود الإنسان إلى هذه الدار مرّة تلو أُخرى سيَخْلِفُ القول بالمعاد ويغني عن الإيمان به، ولا أثر لهذا المنطق في القول بالمعاد في النشأة الأُخرى.

كما أن القول بالتناسخ يستلزم تعلّق نفسين ببدن واحد، لأنّ التناسخ هو عود الإنسان عن طريق تعلّق الروح بالنطفة وتكاملها وحركتها وبلوغها إلى أن تتبدل إلى روح مجرّدة فهذا يستلزم تعلّق نفسين ببدن واحد، إحداهما النفس المستنسخة، والأُخرى النفس المتولّدة من الحركة الجوهرية الثانية. وهو محال ، لأنّ النفس المستنسخة حينما تركت البدن كانت نفساً كاملة مدركة للكليات، فكيف يمكن أن تتعلّق تلك النفس مع ما لها من المنزلة، بخلية في الرحم أي بالعلقة والمضغة حتى تمرّ على هذه المراحل ويكون البدن سوياً قابلاً لتعلّق المستنسخة به؟!

والعجب انّه (قدس سره) قد تنبه إلى بعض ما ذكرنا، حيث قال: إنّ منشأ حدوث النفس وما يجري مجراها هو الحركة الجوهرية الذاتية الاستكمالية لمادة ما في الصور الجوهرية على سبيل الترقي من الأدنى إلى الأعلى حتى يقع انتهاء الأكوان الصورية إلى النفس وما بعدها.(1)


1 . الأسفار:9/205ـ 206.


(125)

الشبهة السادسة: المعاد العنصري وظواهر الآيات

إنّ ظواهر بعض الآيات وإن كانت تنسجم مع المعاد الجسماني، غير أنّ ثمة آيات أُخرى لا تنسجم مع كون المعاد هو البدن العنصري السابق، وذلك لأنّه سبحانه يستخدم لفظة «انشأ» و«مثل»، و من الواضح أنّ الإنشاء عبارة عن الإيجاد بلا مثال سابق، كما أنّ لفظة «مثل» تحكي عن كون المعاد ليس نفس المنشأ أوّلاً، بل مثله، قال سبحانه: (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوت وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِأَكُمْ فِيما لا تَعْلَمُون)(1)، وقال عزّمن قائل: (نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدَنا أَسْرهُمْ وَاذا شِئْنا بَدَّلنا أمثالَهم تبديلاً) .(2)

قال صدر المتألّهين بعد تفسير الآيات:ولا يخفى على ذي بصيرة أنّ النشأة الثانية طور آخر من الوجود يباين هذا الطور المخلوق من التراب والماء والطين، وانّ الموت والبعث ابتداء حركة الرجوع إلى اللّه أو القرب منه لا العود إلى الخلقة المادية والبدن الترابي الكثيف الظلماني.(3)

والجواب: انّ مادة الإنشاء كما تستعمل في الإيجاد بلا مثال تستعمل في مطلق الإيجاد أيضاً، وإن كان له مثال سابق، قال سبحانه:

(هُوَ الَّذي يُريكُمُ الْبَرقَ خَوفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَحابَ الثقال)(4) فإنّ إنشاء السحاب بمعنى إيجاد فهو بالنسبة إلى شخصها إيجاد، وبالنسبة إلى نظائرها إيجاد مع سبق مثال له، وعلى ذلك فإطلاق الإنشاء على إعادة الإنسان بملاك الإيجاد وانّه خلق ثان وإيجاد بعد الإيجاد.


1 . الواقعة:61.
2 . الإنسان:28.
3 . الأسفار:9/153.
4 . الرعد:12.


(126)

وأمّا لفظ «مثل» فلا يدل إلاّعلى وجود التغاير بين المثلين، وإلاّانتفت الاثنينية، وأمّا تفسير التفاوت بالقول بانّ الإيجاد الأوّل عنصريّ، والثاني غير عنصري فهذا مما لا يدل عليه استعمال المثل في الآية، بل غاية ما يستفاد منها هو وجود التغاير والاثنينية، وأمّا ما هو ملاك التفاوت والاثنينية فلا تدل الآية عليه .

الشبهة السابعة: المعاد العنصري عود إلى الدنيا

إذا كان المعاد عنصرياً، وعاد الإنسان إلى الحشر بنفس البدن الدنيوي فهذا يكون عوداً إلى الدنيا بعد خروجه عنها، ولا يكون رجوعاً إلى اللّه وقرباً منه، وكيف يعد ذلك المعاد غاية للخلقة؟ وهذا ما أشار إليه صدر المتألّهين، بقوله: ولم يتفطنوا بأنّ هذا حشر في الدنيا لا في النشأة الأُخرى وعود إلى الدار الأُولى، دار العمل والتحصيل لا إلى الدار العقبى ودار الجزاء والتكميل.(1)

إنّ كون المعاد رجوعاً إلى اللّه أو اقتراباً منه وغاية للخلقة يعود إلى نفسه لا إلى بدنه، فهي التي تتحمل هذه الصفات لابدنه، فسواء تعلّقت بالبدن العنصري أو البدن المثالي، فرجوعها إلى اللّه رهن تكاملها لا خروجها من البدن العنصري وتعلّقها بالبدن المثالي، وإن استغربت من هذا الكلام فلاحظ النفس في هذه الدار فالنفس موجود طبيعي لها أصل في الطبيعة، كما انّ إدراكها الصورة الجسمية المجرّدة يجعلها موجوداً مثالياً لها أصل في عالم المثال، كما أنّ إدراكها للكليات والحقائق المرسلة موجود عقلائي لها أصل في عالم العقول.

وبالجملة كون الحياة الأُخروية غاية ورجوعاً إلى اللّه يتبلور في أمرين متحققين في الحياة الأُخروية.

أ. تجسم أعماله وتبلور أفعاله وما تواجه من جزاء الخير والشر.


1 . الأسفار:9/153.


(127)

ب. انتهاء القوى والاستعدادات إلى الكمال، ووقوف الحركة الاستكمالية للإنسان.

وهذان الأمران غير متحققين في الدنيا وإنّما يتحققان في الآخرة، كما أنّهما ينسجمان مع حشر البدن العنصري، أمّا تجسّم الأعمال وتبلورها فهو ينسجم مع الحشر المثالي أو البرزخي، وأمّا توقّف الحركة عن الاستكمال، فلما عرفت من أنّ تعلّق النفس بالبدن في اليوم الآخر لأجل نيل الثواب والعقاب لا للتدبير، وبذلك يختلف تعلّقها بالبدن في الآخرة عن تعلّقها به في الدنيا، وبالتالي لا ينفك ذلك التعلّق عن الحركة الاستكمالية في النشأة الأُولى ولكن تنتهي الحركة الاستكمالية في النشأة الأُخرى، وما ذلك إلاّلتغاير التعلّقين.

الشبهة الثامنة: النفس يوم القيامة قائمة بذاتها

إنّما سمّي يوم الآخرة بيوم القيامة ،لأنّ الروح فيه تنسلخ عن هذا البدن الطبيعي مستغنياً عنه في وجوده قائماً بذاته، والبدن الأُخروي قائم بالروح في تلك النشأة والروح قائمة بالبدن الطبيعي هاهنا لضعف وجودها الدنيوي وقوة وجودها الأُخروي، وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون البدن الأُخروي مثل البدن الدنيوي لما عرفت انّ الروح لأجل ضعف وجودها الدنيوي قائمة بالبدن الطبيعي بخلاف الروح بوجودها الأُخروي فانّها لقوة وجودها قائمة بنفسها، والبدن قائم بالروح.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ النفس في يوم القيامة قائمة بذاتها لا بالبدن على خلاف ما في الدنيا، أمر لم يقم عليه برهان، وإنّما اتخذه المستدل أصلاً موضوعياً وبنى عليه الدليل، من خلال إطلاق لفظة «القيامة» والتي توحي إلى قيام النفس بذاتها، مع أنّه لا دليل عليه بل إطلاق القيامة على ذلك اليوم لأجل


(128)

قيام الحساب والاشهاد والروح (الروح الأمين) والناس، قال سبحانه:

1. (يَومَ يَقُومُ الحِساب) .(1)

2. (يَوْمَ يَقُومُ الأَشهاد) .(2)

3. (يَومَ يَقُومُ الرُّوح وَالمَلائِكة صَفاً) .(3)

4. (يَوْمَ يَقُومُ النّاس لربّ العالمين) .(4)

وهذه الآيات تفسر وجه تسمية ذلك اليوم، بيوم القيامة وانّ التسمية جاءت لأجل قيام الحساب وغيره.

الشبهة التاسعة: استغراب الحياة المثالية

لما كان إثبات نحو آخر من الوجود يخالف هذا الوجود الطبيعي الوضعي، وإثبات نشأة أُخرى باطنة تباين هذه النشأة الظاهرة، أمراً صعب الإدراك مستعصياً على أذهان أكثر الناس جحدوه وأنكروه، وأيضاً لألفهم بهذه الأجساد وشهواتها ولذّاتها يصعب عليهم تركها وطلب نشأة تضاد هذه النشأة، ولذلك لم يتدبروا في تحقيقها وكيفيتها بل أعرضوا عنها وعن آياتها، كما قال تعالى: (وَكَأَيِّن مِن آية في السَّماوات والأَرض يمّرون عليها وَهُمْ عَنْها مُعرضون)(5)، ورضوا بالحياة الدُّنيا واطمأنّوا بها وأخلدوا إلى الأَرض كما قال تعالى: (ولكنّه أخْلَدَ إلَى الأَرضِ واتَّبَعَ هَواهُ)(6) .


1 . إبراهيم:41.
2 . غافر:51.
3 . النبأ:38.
4 . المطففين:6.
5 . يوسف:105.
6 . الأعراف:176.


(129)

ونحن رأينا كثيراً من المنتسبين إلى العلم والشريعة انقبضوا عن إثبات عالم التجرّد واشمأزّت قلوبهم عن ذكر العقل والنفس والروح، ومدح ذلك العالم وخدمة الأجساد وشهواتها المحسوسة ودثورها وانقطاعها وأكثرهم توهموا الآخرة كالدنيا ونعيمها كنعيم الآخرة إلاّ أنّها أوفر وأدوم وأبقى.(1)

وحاصل هذه الشبهة يرجع إلى أمرين:

أ. انّ إنكار المشركين المعاد لأجل كون الحياة الأُخروية فوق الحس، وهذا لا ينسجم مع كون المعاد عنصرياً.

ب. هؤلاء المنكرون لفرط حبهم بالبدن وآثاره كان من الصعب عليهم تركها وطلب نشأة تضاد هذه النشأة.

يلاحظ على الأمر الأوّل: أنّ المشركين كانوا يستوحشون من إحياء البدن العنصري تارة أُخرى، ولأجل ذلك كانوا ينسبون القائل بذلك إلى الجنون و الخلط.

إنّ إحياء الأموات ليس أمراً سهلاً حتى يصدقه كلّ من خوطب به، بل أمر يصعب فهمه على السذج من العقول يقول سبحانه: (وَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا هَل نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُل يُنبِّئَكُمْ إِذا مُزّقتُمْ كُلّ مُمَزَّق إِنّكُمْ لَفِي خَلْق جَديد * أَفْتَرى على اللّه كَذِباً أمْ بِهِ جِنَّة)(2) فالذي كانت تستغربه الأفهام الساذجة هو إحياء البدن البالي، وهذا ينسجم مع المعاد العنصري.

ولأجل رفع تعجبهم وتقريب المطلب إلى أفهامهم يضرب القرآن بكلّ مثل في هذا الباب كما سبق ذكره.


1 . الأسفار:9/157ـ 158.
2 . سبأ:7ـ8.


(130)

وأمّا الأمر الثاني، فلأنّ إنكارهم لم يكن مبنياً على أنّ المعاد الذي يدعو إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعد مغايراً لهذه الحياة الدنيا، بل كان إنكارهم لأجل خوفهم من سوء الحساب والجزاء لا من تغاير الحياتين واختلافهما، يقول سبحانه: (انَّ الَّذينَ يضلّونَ عَنْ سَبيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ بِما نَسُوا يَومَ الحِساب)(1) وقال سبحانه: (انّهُم كانُوا لا يَرجُونَ حِساباً) .(2)

والحاصل أنّ التغاير بين الحياتين لا يكون داعياً إلى الإنكار خصوصاً إذا كانت الحياة الثانية أكمل من الأُولى وانّ الذي يجر المنكر إلى إنكار المعاد هو خوفه من نصب الموازين بالقسط والجزاء بما عمل، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

الشبهة العاشرة: تعلّق النفس بالبدن العنصري رهن مرجّح

إنّ تعلّق النفس بالبدن أمر طبيعي منشأه الملازمة التامة والاستعداد الكامل للمادة المخصِّص لها بهذه النفس دون غيرها، ولابدّ أن يكون هذا التخصص والاستعداد ممّا لم يوجد إلاّ لهذه المادة الواحدة بالقياس إلى النفس المعينة الواحدة لئلا يلزم التخصص بلا مخصص، أو تعلّق نفس واحدة ببدنين، على أنّ منشأ حدوث النفس وما يجري مجراها هو الحركة الذاتية الاستكمالية لمادة ما في الصور الجوهرية على سبيل الترقي من الأدنى إلى الأعلى حتى يقع انتهاء الأكوان الصورية إلى النفس وما بعدها، فعلى هذا لا معنى لبقاء المناسبة الذاتية للأجزاء الترابية إليها.(3)

والجواب: أنّ المناسبة بين النفس والأجزاء الترابية وإن كانت منتفية إلاّ أنّها


1 . ص :26.
2 . النبأ:27.
3 . الأسفار:9/206.


(131)

موجودة بين النفس والبدن المُعاد. وبما أنّ المُعاد في دار العقبى هو نفس البدن الدنيوي الذي تعلّقت به النفس في هذه النشأة، فتتعلّق به النفس في النشأة الآخرة.

نعم البدن المُعاد وإن لم يكن عين البدن الدنيوي إلاّ أنّه مثله، فيشتمل على كافة الخصوصيات الموجودة في البدن الدنيوي، وهذه الخصوصيات كافية في إيجاد المرجح لتعلّق النفس بذلك البدن دون الآخر.

فاللّه سبحانه عندما يُعيد البدن الدنيوي فإنّما يعيده بكافة الخصوصيات المتحقّقة في هذه النشأة غير النفس، وهذا المقدار يكفي في المرجحية وإخراج التعلّق عن كونه تعلّقاً بلا مرجح.

الشبهة الحادية عشرة: رجوع الفعلية إلى القوة

إنّ النفس الإنسانية تتكامل شيئاً فشيئاً في الحياة الدنيا تحت ظل الحركة الجوهرية فتصل من الأدنى إلى الأعلى حتى تقع انتهاء الأكوان الصورية من النفس وعند ذلك تتبدل قواها إلى الفعلية وطاقاتها إلى الوجود الواقعي، فلو أُعيد إلى الدنيا يلزم رجوع الفعلية إلى القوة وهو أمر على خلاف الحكمة.

يقول صدر المتألّهين:إنّ النشأة الثانية طور آخر من الوجود يباين هذا الطور المخلوق من التراب والماء والطين، وانّ الموت والبعث ابتداء حركة الرجوع إلى اللّه أو القرب منه لا العود إلى الخلقة المادية والبدن الترابي الكثيف الظلماني.(1)

إنّ هذا الإشكال أي استلزام المعاد العنصري رجوع الفعليات إلى القوى لا يختص بالمعاد، بل يعم الخلقة الابتدائية عند من يقول بخلق الأرواح قبل الأبدان، فانّ الروح المجرّد موجود متكامل نفذ طاقاته وانقلب قواه إلى الفعلية، فلو تعلّق


1 . الأسفار:9/153.


(132)

بالجنين السويّ يلزم تنزله من المقام الأعلى إلى المقام الأدنى حتى ينسجم مع البدن، وإلاّلكان التعلّق أمراً محالاً لعدم الإنسجام بين البدن والروح. وهذا الإشكال هو الذي حاول الشيخ الرئيس أن يجيب عنه بعدما طرح الإشكال مبسطاً، وقال في قصيدته المعروفة بالعينيّة:

هبطت إليك من المحل الأرفع *** ورقاء ذات تعزِّز وتمنِّع

محجوبة عن كلّ مقلة عارف *** وهي التي سفرت ولم تتبرقع

وصلت على كره إليك وربما *** كرهت فراقك وهي ذات تفجع

انفت وما ألفت فلمّا و اصلت *** ألفت مجاورة الخراب البلقع

واظنها نسيت عهوداً بالحمى *** ومنازلاً بفراقها لم تقنع(1)

إلى آخر ما قال...

إنّ الإشكال مبني على أنّ الروح بخروجها عن البدن موجود متكامل ومجرّد محض، ليس فيها أيّة قوة وطاقة فلذلك تفقد ملاك تعلّقها بالبدن، وأمّا إذا قلنا بانّ النفس في هذه الدنيا مجرّد ممزوج مع القوة، فهي بما انّـها تتأثر باللذائذ والآلام المادية، موجود طبيعي، وبما أنّها تخلق صوراً بلا مادة كالصورة الذهنية موجود مثالي، وبما انّها تدرك المفاهيم الكلية والحقائق المرسلة موجود عقلاني.

فعلى ذلك فإنّ النفس لها أُصول في العوالم الثلاثة، فلا مانع من أن تتعلّق بالبدن المادي والهوية الطبيعية.

لا شكّ انّ الحياة الأُخروية أكمل من الحياة الدنيوية، لكن مدار الكمال ليس كون إحداهما مادية والأُخرى مجرّدة كاملة، وإنّما يتحقّق التفاوت بأُمور أُخرى


1 . الكنى والألقاب:1/321.


(133)

نظير ما يلي:

1. انّ الخمر في هذه الحياة مسكر ومطفئ لمصباح العقل بخلافه في الدار الآخرة.

قال سبحانه: (يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْس مِنْ مَعِينِ * بَيْضاءَ لَذَّة لِلشّارِبينَ * لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) .(1)

2. انّ الفواكه واللبن وما أشبهها يتسارع إليها الفساد في هذه الدنيا بخلافه في الدار الآخرة، قال سبحانه: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الّتي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيْها أَنْهارٌ مِنْ ماء غْيرِ آسِن وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشّارِبينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَل مُصَفّى) .(2)

3. انّ الحياة في النشأة الأُولى منقطعة، بخلاف الآخرة فانّ الحياة فيها خالدة، قال سبحانه: (لا يَذُوقُونَ فِيها الْمَوْتَ إِلاّ الْمَوتَةَ الأُولى).(3)

وقال سبحانه: (وَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُجَهَنَّمَ لا يُقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا).(4)

4. انّ الإنسان في هذه النشأة يمتلك الحواس التي يستعين بها للارتباط بمحيطه كالإحساس بالحرارة والبرودة مثلاً مع أنّها في الآخرة ليست كذلك، قال سبحانه: (لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً).(5)

وعلى ضوء ذلك فالاختلاف بين الحياتين ليس رهن كون إحداهما مادية


1 . الصافات:45ـ 47.
2 . محمد:15.
3 . الدخان:56.
4 . فاطر:36.
5 . الدهر:13.


(134)

والأُخرى مجردة مثالية، بل يكفي كونها من سنخ واحد ولكن على نحو أكمل ممّا نشاهده في هذه الدنيا.

كيف يمكن أن يقال إنّ خروج النفس عن البدن آية تكاملها ونفاد قواها واستعدادها مع أنّ أكثر أنواع الموت انتشاراً هو الموت الاخترامي لا الطبيعي؟

وللسيد العلاّمة الطباطبائي كلام مفصل في نقد هذه الشبهة، إذ يقول:

إنّ عود الميت إلى حياته الدنيا ثانياً في الجملة وكذا المسخ ليسا من مصاديقه، بيان ذلك: أنّ المحصل من الحس والبرهان أنّ الجوهر النباتي المادي إذا وقعت في صراط الاستكمال الحيواني فانّه يتحرك إلى الحيوانية، فيتصور بالصورة الحيوانية، وهي صورة مجرّدة بالتجرّد البرزخي، وحقيقتها إدراك الشيء نفسه بإدراك جزئي خيالي وهذه الصورة وجود كامل للجوهر النباتي وفعلية لهذه القوّة تلبس بها بالحركة الجوهرية ومن المحال أن ترجع يوماً إلى الجوهر المادي فتصير إيّاه إلاّ أن تفارق مادتها فتبقى المادة مع صورة مادية كالحيوان تموت فيصير جسداً لاحراك به.

ثمّ إنّ الصورة الحيوانية مبدأ لأفعال إدراكية تصدر عنها، وأحوال علمية تترتب عليها، تنتقش النفس بكلّ واحد من تلك الأحوال بصدورها منها، ولا يزال نقش عن نقش، وإذا تراكمت من هذه النقوش ماهي متشاكلة متشابهة تحصل نقش واحد وصار صورة ثابتة غير قابلة للزوال، وملكة راسخة، وهذه صورة نفسانية جديدة يمكن أن يتنوع بها نفس حيواني فتصير حيواناً خاصاً ذا صورة خاصة منوعة كصورة المكر والحقد والشهوة والوفاء والافتراس وغير ذلك وإذا لم تحصل ملكة بقي النفس على مرتبتها الساذجة السابقة، كالنبات إذا وقفت عن حركتها الجوهرية بقي نباتاً ولم يخرج إلى الفعلية الحيوانية، ولو أنّ النفس البرزخية تتكامل من جهة أحوالها وأفعالها بحصول الصورة دفعة لانقطعت علقتها مع البدن في أوّل وجودها لكنّها تتكامل بواسطة أفعالها الإدراكية المتعلّقة


(135)

بالمادة شيئاً فشيئاً حتى تصير حيواناً خاصاً إن عمّر العمر الطبيعي أو قدراً معتداً به، وإن حال بينه وبين استتمام العمر الطبيعي أو القدر المعتد به مانع كالموت الاخترامي بقي على ما كان عليه من سذاجة الحيوانية، ثمّ إنّ الحيوانية إذا وقعت في صراط الإنسانية وهي الوجود الذي يعقل ذاته تعقلاً كلياً مجرداً عن المادة ولوازمها من المقادير والألوان وغيرهما خرج بالحركة الجوهرية من فعلية المثال التي هي قوة العقل إلى فعلية التجرّد العقلي، وتحققت له صورة الإنسان بالفعل، ومن المحال أن تعود هذه الفعلية إلى قوتها التي هي التجرد المثالي على حدّما ذكر في الحيوان.

ثمّ إنّ لهذه الصورة أيضاً أفعالاً وأحوالاً تحصل بتراكمها التدريجي صورة خاصة جديدة توجب تنوع النوعية الإنسانية إلى حدّ ما ذكر نظيره في النوعية الحيوانية.

إذا عرفت ما ذكرناه ظهر لك أنّا لو فرضنا إنساناً رجع بعد موته إلى الدنيا وتجدد لنفسه التعلق بالمادة وخاصة المادة التي كانت متعلّقة نفسه من قبل لم يبطل بذلك أصل تجرد نفسه فقد كانت مجرّدة قبل انقطاع العلقة ومعها أيضاً وهي مع التعلّق ثانياً حافظة لتجرّدها، والذي كان لها بالموت أنّ الأداة التي كانت رابطة فعلها بالمادة صارت مفقودة لها فلا تقدر على فعل مادي كالصانع إذا فقد آلات صنعته والأدوات اللازمة لها، فإذا عادت النفس إلى تعلّقها الفعلي بالمادة أخذت في استعمال قواها وأدواتها البدنية ووضعت ما اكتسبتها من الأحوال والملكات بواسطة الأفعال فوق ما كانت حاضرة وحاصلة لها من قبل واستكملت بها استكمالاً جديداً من غير أن يكون ذلك منها رجوعاً قهقري وسيراً نزولياً من الكمال إلى النقص، ومن الفعل إلى القوة.(1)

ولأجل إيضاح الموضوع نقول:


1 . الميزان:1/206ـ 207.


(136)

إنّ هناك فرقاً بين النفس المجرّدة التي كانت كذلك منذ بدء أمرها وبين النفس المجرّدة التي يكون تجردها حصيلة تكامل البدن ووقوعه في السير التكاملي للحركة الجوهرية، فالنفس على النحو الأوّل أي المخلوق مجرّداً من بدء خلقها لا يمكن تعلّقها بالبدن، لأنّها تفقد الانسجام المطلوب بينها وبين البدن، بخلاف النفس الثانية التي يكون تجردها حصيلة الحركة الجوهرية.

فانّها تحتفظ بشيء من استعداداتها وقابلياتها عند مفارقتها للبدن، وبذلك تحافظ على انسجامها عند تعلقها بالبدن.

أضف إلى ذلك أنّ تعلّق المجرّد بالمادي إنّما يعد نقصاً إذا صار سبباً لنزوله من الدرجة العالية إلى الدرجة السافلة، وأمّا إذا كان الشيء الواحد ذا درجات ومراتب فلا مانع من أن يتعلق بالمادة بمالها من الدرجة الدانية، وقد عرفت أنّ النفس في وحدتها موجود طبيعي مثالي عقلاني.

بل يمكن أن يقال: إنّ تعلّق النفس بالبدن العنصري يوم القيامة كتعلّق عالم الشهادة بعالم الغيب وعالم الطبيعة بعالم النفوس والعقول، فكما أنّ العالمين مدبرتان لعالم الطبيعة ومع ذلك لا يلزم وقوعهما في قوس النزول، فهكذا الحال عند تعلّق النفس بالبدن يوم القيامة لا يستلزم وقوعها في القوس النزولي.

على أنّ ثمّة احتمالاً آخر وهو انّ تعلّق النفس بالبدن يوم القيامة لأجل إمكان درك الثواب والعقاب الماديين، إذ ثمة نوع من الثواب والعقاب لا يمكن أن تدركها النفس إلاّ أن تكون متعلقة بالبدن وتكون كاللباس حين الخلع.

إلى هنا تمّ ما نرمي إليه من استعراض الشبهات المطروحة على هذا الصعيد مع نقدها ومناقشتها.


(137)

الفصل العاشر:

المعاد الروحاني من منظار الحكماء

قد مرّ آنفاً على أنّ ثمة محاور عديدة للبحث، وهي كالتالي:

1. أقوال الحكماء والمتكلّمين في المعاد.

2. ما هو الملاك لوصف المعاد بالجسمانية والروحانية؟

3. المعاد من حيث الكيفية من منظار القرآن الكريم.

4. آراء الحكماء والمتكلّمين في المعاد الجسماني.

5. المعاد الروحاني من منظار الحكماء.

6. المعاد الجسماني والتناسخ.

وقد استوفينا الكلام في المحاور الأربعة الماضية، وبقي الكلام في المحورين الأخيرين اللّذين سنعقد لهما الفصلين التاليين.

قد تقدّم انّ للمعاد الروحاني ملاكين:

أحدهما : حشر الأرواح مجرّدة عن الأبدان.

والآخر: حشر الإنسان بغية إدراك اللذائذ العقلية.

وقد عرفت أنّ المعاد الروحاني بالمعنى الأوّل وإن كان ممكناً ولكنّه غير


(138)

واقع، لأنّ حشر الأرواح إنّما يتمُّ مع الأبدان. وأمّا المعاد الروحاني بالمعنى الثاني فملاك وصفه بالروحانية ليس هو حشر الروح مجرّدة عن البدن، بل الملاك دركه اللذائذ العقلية التي لا تدرك بالحواس سواء أكان المحشور هو الروح أو الروح والبدن، وهذا النوع من المعاد ممكن وواقع.

توضيحه: انّ مقتضى الحكمة الإلهية والرحمة الواسعة إيصال كلّ ممكن إلى كماله المطلوب، فثمة فئة من الناس لا همَّ لها سوى نيل اللذائذ المادية وتتلخص السعادة عندها فيها ، فليس لها معاد سوى الجسماني لا تتجاوز عنه، ولكن ثمة فئة أُخرى لها همة قعساء لكسب الكمالات المعنوية بغية التقرّب إلى الحقّ فمقتضى رحمته الواسعة إيصال هذه الفئة أيضاً إلى كمالها المطلوب.

وبعبارة أُخرى: انّ السعداء والكُمّل في العلم والعمل يكتسبون حياة معنوية حسب ما يقومون به من صالح الأعمال، ولكن صلة الإنسان بالمادة تحول دون ظهور تلك الكمالات المعنوية، لكنّها تتجسد يوم القيامة عند رفع الحجب، فعندئذ يطلب القربة إلى الحقّ والاتصال بالموجودات النورانية في النشأة الآخرة.

وهذا النوع من الحياة المعنوية المنتهية إلى المشاهدات القلبية هو حصيلة المعرفة الدنيوية، ولذلك قيل: المعرفة بذر المشاهدة، وقد أشار إلى ما ذكرنا الحكيم السبزواري في كلامه هذا: انّ الخلق طبقات، فالمجازاة متفاوتة، فلكل منها محبوب ومرغوب وجزاء يليق بحالها، واللذائذ الحسية والمبتهجات الصورية للكُمّل في العلم والعمل كالظل غير الملتفت إليه بالذات والتفاتهم بباطن ذواتهم وما فوقهم.(1)

نعم هذا النوع من المعاد لا يعم جميع الناس لما عرفت من انقسام الناس إلى


1 . شرح المنظومة، بحث المعاد، الفريدة الثانية.


(139)

قسمين بين من أخلد إلى الأرض ولا يبغي سوى نيل اللذات الحسية، وبين من لا يهمه إلاّاللذات العقلية وما يناسب تلك القوّة من الكمال.

ذهب المحقّقون من الحكماء إلى أنّ حقيقة اللذة هي الإدراك أي إدراك الشيء الملائم للمدرك، فلو كان المدرِك أمراً حسياً فكماله إدراك الأُمور الحسية، وإن كان المدرِك قوة عقلية ونفساً مجردة فكماله هو دركه الصور والمعاني الكلية وقربه من الحقّ ولقائه ومشاهدة الجواهر النورية.

يقول صدر المتألّهين: إنّ نفوسنا إذا استكملت وقويت وبطلت علاقتها بالبدن ورجعت إلى ذاتها الحقيقية وذات مبدعها، تكون لها من البهجة والسعادة ما لا يمكن أن يوصف أو يقاس به اللذات الحسية، وذلك لأنّ أسباب هذه اللذة أقوى وأتم وأكثر وألزم للّذات المبتهجة.

امّا أنّها أقوى فلأنّ أسباب اللّذة هي الإدراك والمدرِك والمدرَك، وقوة الإدراك بقوة المدرِك، والقوة العقلية أقوى من القوة الحسية ومدركاتها أقوى.(1)

ويقول أيضاً: فانّ الصور العقلية إذا عقلها العقل يستكمل بها ويصير ذاتها كما علمت، بل كان بعضها قبل أن يقع الشعور به مقدماً لذات العقل وكان غافلاً عنه لاشتغاله بغيره فإذا استشعر وتنبّه يرى ذلك البهاء والجمال في ذاته فصار مبتهجاً بذاته غاية البهجة.

وهذه اللذة شبيهة بالبهجة التي للمبدأ الأوّل بذاته، وبلذات المقربين بذواتهم وذات مبدئهم... ونحن لا نشتهي تلك اللذات مادمنا متعلّقين بهذه الأبدان.(2)

إلى أن قال: إذا انقطعت العلاقة بين النفس والبدن وزال هذا الشوب


1 . الأسفار:9/122.
2 . الأسفار:9/123.


(140)

صارت المعقولات مشاهدة، والشعور بها حضوراً، والعلم عيناً، والإدراك رؤية عقلية، فكان الالتذاذ بحياتنا العقلية أتم وأفضل من كلّ خير وسعادة، وقد عرفت أنّ اللذيذ بالحقيقة هو الوجود وخصوصاً الوجود العقلي لخلوصه عن شوب العدم، وخصوصاً المعشوق الحقيقي والكمال الأتم الواجبي لأنّه حقيقة الوجود المتضمنة لجميع الجهات الوجودية، فالالتذاذ به هو أفضل اللذات وأفضل الراحات بل هي راحة التي لا ألم معها.(1)

وقد تحصل من كل ذلك أنّ المانع من المشاهدات واللّذات العقلية هو تعلّق الإنسان بالبدن والخلود إلى الأرض، فإذا تخلّص منه حينها يفسح له المجال لدرك هذا النوع من الجزاء.

ويمكن أن يقال: إذا كان المانع من نيل هذه الدرجات هو تعلّق النفس بالبدن فهذا النوع من التعلّق موجود في النشأة الآخرة لما عرفت من أنّ المعاد عنصري لا مثالي؟

والإجابة عن هذا السؤال واضحة، لأنّ البدن المحشور وإن كان عنصرياً ولكنّه أكمل وألطف من البدن الدنيوي فلا يكون مانعاً عن نيل ذلك النوع من الجزاء.

على أنّك وقفت على اختلاف التعلّقين، فتعلق النفس بالبدن في هذه النشأة لغاية التدبير ولكن تعلّقه في النشأة الأُخرى استخدامه لأجل نيل الجزاء الحسي.

وهناك احتمال ثالث يذكره المتكلّم الطائر الصيت الفاضل المقداد (المتوفّى عام 828هـ) وهو أنّ النفس بعد انفكاكها عن البدن تتقوى في عالم البرزخ في الفترة بين الموت والحشر، فبعد التعلّق بالبدن يكون استعدادها أقوى لتقبل


1 . الأسفار:9/125.


(141)

الحقائق العلوية.

حيث يقول: دلّ العقل على أنّ سعادة النفوس في معرفة اللّه تعالى ومحبته، وعلى أنّ سعادة الأبدان في إدراك المحسوسات، ودلّ الاستقراء على أنّ الجمع بين هاتين السعادتين في الحياة الدنيا غير ممكن، وذلك انّ الإنسان حال استغراقه في تجلّي أنوار عالم الغيب لا يمكنه الالتفات إلى اللّذات الحسية، وإن أمكن كان على ضعف جداً بحيث لا يعد التذاذاً، وبالعكس، لكن تعذر ذلك، سببه ضعف النفوس البشرية هنا، فمع مفارقتها واستمدادها الفيض من عالم القدس تقوى وتشرق، فمع إعادتها إلى أبدانها غير بعيد أن تصير هناك قوية على الجمع بين السعادتين على الوجه التام وهو الغاية القصوى في مراتب السعادة. قالوا: وهذا لم يقم على امتناعه برهان، فلذلك أثبتوا المعادين.(1)


1 . اللوامع الإلهية: 378.


(142)

الفصل الحادي عشر:

المعاد الجسماني والتناسخ

التناسخ مأخوذ من نسخ وهو يتضمن معنيين، التحوّل والانتقال أوّلاً، والتعاقب بين الظاهرتين ثانياً، يقول الراغب في مفرداته: النسخ إزالة شيء بشيء يتعاقبه، كنسخ الشمس الظل، والظل الشمس، والشيب الشباب.

غير أنّ التناسخ الذي يبحث عنه في المعاد لا يتضمن إلاّالقيد الأوّل وهو الانتقال، وأمّا التعاقب ومجيئ الظاهرة الثانية بعد الظاهرة الأُولى فليس هو شرطاً، نعم هو شرط في النسخ الشرعي، حيث إنّ نسخ حكم يلازم تشريع حكم ثان يزيله وينسخه، وإليك أنواع الانتقال:

الأوّل: انتقال النفس الإنسانية من النشأة الأُولى إلى النشأة الآخرة.

الثاني: انتقال النفس في هذه النشأة من مرتبة إلى مرتبة أفضل في ظل الحركة الجوهرية كما هو الحال في الطفل الوليد.

الثالث: انتقال النفس بعد خروجها عن هذه الدنيا إلى خلية نباتية أو نطفة حيوانية أو جنين إنساني.

وفي الحقيقة لا يراد من التناسخ المصطلح إلاّ الثالث، وحقيقته أنّ الإنسان بعد موته ينتقل إلى هذه النشأة، سواء انتقلت إلى جسم نباتي أو حيواني أو إنساني،


(143)

ولازم ذلك أنّ الروح بعدما تكاملت وتبدّلت قواها إلى الفعلية تأخذ بالقوس النزولي فيتعلق بالنبات والحيوان والجنين فتبدأ حياتها من جديد، فتجزى حسب أعماله في الحياة السابقة، هذا هو التناسخ المصطلح بين الإسلاميين وفلاسفة الاغريق.

وكثيراً ما يلتجئ إلى هذه الفرضية من ينكر المعاد، لأنّ رجوعه إلى عالم الدنيا لأجل الجزاء، ومعه لا حاجة إلى المعاد.

ذهب القائلون بالتناسخ إلى أنّ الإنسان في هذه الدنيا بين محسن ومسيء فيعود إلى الدنيا ليجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فما يرى من ابتلاء طائفة بالمصائب والمتاعب فإنّما هي جزاء أعمالها السيئة، بخلاف طائفة أُخرى حيث ترغد بالعيش والرفاه التي هي نتيجة أعمالها الحسنة.

وثمة نكتة جديرة بالذكر وهي أنّ أكثر من يروّج تلك الفكرة هم أصحاب السلطة والنفوذ الذين يمتلكون المال والجاه الواسع ، يروّجون التناسخ ليبرّروا به الأعمال الجائرة التي يقترفونها والأوضاع السيئة التي يعاني منها الفقراء والمساكين. فنعيماً على الطائفة الأُولى وبؤساً على الطائفة الثانية، جزاءاً بما كانوا يعملون في الحياة الأُولى، هذا هو منطقهم الواهي.

فلو قيل بأنّ الدين أفيون الشعوب، فإنّما يصحّ في حقّ هذا النوع من الدين الذي يبرر به اعمال تلك الطغمة الغاشمة.

والعجب انّ هذه الفكرة تسرّبت إلى أُمّة تعيش بين غنى مفرط وفقر مدقع كالهنود، فأضحت تلك الفكرة ونشرها بين الضعفاء عائقاً يمنعهم عن أيّ ثورة عارمة ضد الظلم والعدوان بزعم أنّ الثائرين أحقّ بالوضع الموجود، كما أنّ أصحاب السلطة أحقّ بما هم عليه.

وعلى أيّة حال فلنتناول الموضوع بالبحث من منظار القواعد الفلسفية العقلية.


(144)

أقسام التناسخ

التناسخ عند القائلين به على أقسام نطرحها على طاولة البحث:

أ. التناسخ المطلق أو اللا محدود

يطلق التناسخ ويراد منه خروج النفس من بدن إلى بدن آخر على وجه الاستمرار وذلك، لأنّ النفوس البشرية عند خروجها من البدن ليست مجرّدة كاملة، فلا مانع من تعلّقها ببدن آخر، وثالث، ورابع، وهكذا تستمر في تقمصها الأبدان.

يقول شارح حكمة الإشراق: ومن القدماء من يقول بعدم تجرّد جميع النفوس بعد المفارقة، وهم المترفون بـ«التناسخية» فانّهم يزعمون أنّ النفوس جرمية دائمة الانتقال في الحيوانات، وهؤلاء أضعف الحكماء وأقلّهم تحصيلاً.

ثمّ أورد عليه بأنّ العناية الإلهية تقتضي إيصال كلّ ذي كمال إلى كماله، وكمال النفس الناطقة العلمي، صيرورتها عقلاً مستفاداً فيها جميع صور الموجودات، والعملي تجرّدها عن العلائق البدنية، فلو كانت دائمة الانتقال كانت ممنوعة عن كمالها أزلاً وأبداً، وهو محال.(1)

وهذا النوع من التناسخ على طرف النقيض من القول بالمعاد، إذ لا ينقطع تعلّقها بالبدن الدنيوي مادامت موجودة، فلا مجال للمعاد عندئذ.

ب. التناسخ النزولي المحدود

القائل بهذا النوع من التناسخ يدّعي أنّ النفوس على صنفين، فصنف يبلغ


1 . شرح حكمة الإشراق: شمس الدين محمد الشهرزوري: 519، بتحقيق حسين الضيائي التربتي.


(145)

في الحكمة العلمية والعملية بمكان لا تعود حينها النفس إلى هذه النشأة بعد خروجها من البدن بل تلتحق بعالم المجرّدات والمفارقات، ولا مسوِّغ لرجوعها إلى الدنيا لبلوغها الكمال المطلوب.

وثمّة صنف آخر لم يكتسب من الكمال العلمي والعملي إلاّ شيئاً يسيراً، ولذا استدعت الحاجة إلى عود النفس إلى النشأة الأُولى بغية بلوغها الكمال المطلوب، وذلك من خلال الانتقال بين الأبدان.

وهذا القسم من التناسخ ينقطع ببلوغ النفس المرتبة الكاملة من العلم والعمل بعودها إلى الدنيا مرّة بعد أُخرى.

والفرق بين القسم الأول وهذا القسم من التناسخ من وجهين:

الأوّل: هو عمومية الأوّل وشموليته لكافة الأفراد، بخلاف الثاني فانّه يختص بغير الكمَّلين في العلم والعمل.

الثاني: استمرار التناسخ عبْر الزمان دون أن يقف إلى حدّ معيّن في الأوّل، دون الثاني، الذي ربّما ينتهي ببلوغ النفس المستنسخة الكمالَ المطلوب في العلم والعمل.

يقول شارح حكمة الإشراق: وأمّا الحكماء الأوائل كهرمس وانباذقلس وفيثاغورس وسقراط وإفلاطون و غيرهم من حكماء يونان ومصر وفارس والهند والصين، وهم القائلون بتجرّد النفوس الكاملة بعد المفارقة البدنية، إلى العالم العقلي المذكور، وأمّا الناقصون فانّهم لا يتجرّدون بالكلية بل تتناسخ أرواحهم في أبدان الحيوانات الصامتة بحسب الهيئات الرديئة التي لهم ومناسبة أخلاقهم لأخلاق الحيوانات المنتقلة إليها.(1)


1 . شرح حكمة الإشراق: 519.


(146)

ج. التناسخ الصعودي

إنّ النبات أكثر استعداداً من غيره من الأجسام لكسب الفيض، كما أنّ الإنسان له قدر كبير من الاستعداد لإفاضة الحياة عليه بعد الحياتين: النباتية والحيوانية، فعلى ضوء ذلك فقد تعلّقت مشيئته سبحانه على تعلّق الحياة في سيرها التكاملي بالنبات الأقرب إلى الحيوان، ثمّ تنتقل منها إلى عالم الحشرات، ومنها إلى الحيوانات هي أقرب إلى الإنسان ، ومنها تنتقل الحياة قفزة إلى الإنسان للاستكمال.(1)

التناسخ والمعاد

التناسخ بالمعنى الأوّل: أي التناسخ المطلق اللامحدود على طرف النقيض من المعاد، فالاعتقاد به يصدُّ الإنسان عن الإيمان بالمعاد.

وهذا بخلاف التناسخ النزولي فقد عرفت أنّه ليس أمراً عامّاً لجميع أفراد البشر، فالكاملون في العلم والعمل يلتحقون بعالم المجرّدات النورانية والمفارقات، والناقصون فيهما يتكاملون شيئاً فشيئاً عبر الرجوع إلى الدنيا وانتقال أرواحهم بين الأبدان مرّة تلو أُخرى حتى تصل تلك الأرواح إلى كمالها المطلوب فلا تعود حينها إلى الدنيا.

وأمّا التناسخ بالمعنى الثالث ـ أعني: التناسخ الصعودي ـ فلا ينافي القول بالمعاد، وإنّما أخطأوا في تفسير تكامل النفس حيث جعلوا مدارج الكمال منفصلة بعضها عن بعض.

فالنفس تارة تعيش في النبات الأقرب إلى الحيوان ثمّ تستقر في أوكار


1 . اسرار الحكم.


(147)

الحيوان ثمّ تنتقل إلى الإنسان، وهي ترافق البدن حتى تنفصل عنه ويكون مصيرها إلى المعاد.

والقائل بتلك النظرية لو جعل مدارج الكمال متصلة لشكّلت نقطة التقاء واضحة مع نظرية صدر المتألّهين، فانّ النفس بناء على نظريته تمرّ بمراحل النبات والحيوان والإنسان بنحو مستمر دون أن يتخلّل في الوسط انفصال وخلاء في الموضوع ثمّ تعرج نحو المعاد.

التناسخ المطلق والعناية الإلهية

1. انّ القائلين بالتناسخ المطلق أطاحوا بالمعاد زعماً منهم بأنّ القول به يغني عن الإيمان بالحياة الأُخرى، لأنّ غاية المعاد هو الجزاء، وهو حاصل بالقول بالتناسخ، ولكن عزب عنهم أنّ الغاية من المعاد لا تنحصر في الجزاء، بل هو ضرورة في عالم التكوين لإيصال كلّ موجود إلى كماله المطلوب، وهذا لا يحصل إلاّ بانتقال الإنسان إلى النشأة الأُخرى. وقد أقمنا براهينه الستة في صدر الكتاب.

2. انّ النفس على القول بالتناسخ المطلق (أي انتقال النفس من بدن إلى بدن) لا تخلو إمّا أن تكون عرضاً منطبعة في البدن الأوّل قائمة به، أو تكون جوهراً، لها حظ من التجرّد، وإن كان لها علقة بالمادة.

ففي الصورة الأُولى يلزم انتقال العرض من موضوع إلى موضوع، وهو أمر محال، لأنّ واقع العرض عبارة عن قيامه بالموضوع، وهذا لا ينفك عنه أبداً، فهناك أُمور ثلاثة:

أ. النفس في البدن الأوّل.

ب. النفس حالة الانتقال من البدن الأوّل إلى الثاني.

ج. النفس بعد الانتقال إلى البدن الثاني.


(148)

لا غبار في الأوّل والثالث لقيام العرض في موضوعه.

إنّما الكلام في واقع العرض حال الانتقال فيلزم في هذه الحال قيام العرض بلا موضوع، وهو من الاستحالة بمكان.

وأمّا في الصورة الثانية، أعني: تعلّق النفس التي لها حظ من التجرّد، بالبدن استمراراً، وهذا أيضاً محال، لأنّه يلزم أن لا يصل الموجود القابل، إلى كماله مع أنّ له قابلية الوصول، لأنّ النفس مجرّدة ذاتاً ومادية فعلاً، فلو كان تعلّقها بالمادة دائمياً يلزم أن يكون فعله سبحانه على خلاف عنايته من إيصال كلّ موجود إلى كماله.

يقول صدر المتألّهين في بيان الشقين: إنّ النفس إمّا أن تكون منطبعة في الأبدان، أو مجرّدة، وكلاهما محال، أمّا الأوّل فلما عرفت من استحالة انطباع النفوس الإنسانية، ومع استحالته مناف لمذهبهم أيضاً لامتناع انتقال المنطبعات صوراً كانت أو اعراضاً من محلّ إلى محل آخر مبائن للأوّل.

وأمّا الثاني فانّ العناية الإلهية تأبى ذلك، لأنّها مقتضية لإيصال كلّ موجود إلى غايته وكماله، وكمال النفس المجردة إمّا العلمي فبصيرورتها عقلاً مستفاداً فيها صور جميع الموجودات، وإمّا العملي فبانقطاعها عن هذه التعلّقات وتخليتها عن رذائل الأخلاق ومساوئ الأعمال، وصفاء مرآتها عن الكدورات، فلو كانت دائمة التردد في الأجساد من غير خلاص إلى النشأة الأُخرى ولا اتصال إلى ملكوت ربّنا الأعلى كانت ممنوعة عن كمالها اللائق بها أبد الدهر والعناية تأبى ذلك.(1)

وما ذكره (قدس سره) في الفرض الثاني لا يخلو عن مناقشة، لأنّ تعلّق النفس بالبدن لا يكون مانعاً عن سيرها وصعودها نحو الكمال، وإلاّ يلزم أن يكون تعلّق النفس بالبدن في النشأة الأُخرى مانعاً عن سيرها التكاملي، مع أنّك عرفت تضافر الآيات


1 . الأسفار:9/7.


(149)

على جسمانية الحشر.

والحقّ في الجواب أن يقال: إنّ القول بالتناسخ المستمر حتى فيما إذا كانت النفس جوهراً مجرداً يلزم نفي الحشر والمعاد، وقد عرفت تضافر الأدلّة على ضرورته وانّه من لوازم الخلقة وغاياتها ولا يمكن إخلاء الكون عن تلك الغاية.

هذا كلّه حول التناسخ المستمر المطلق. وإليك البحث في القسمين الآخرين، أعني: التناسخ النزولي والتناسخ الصعودي.

المعاد والتناسخ النزولي

قد تقدّم أنّ الكاملين في العلم والعمل عند أصحاب هذا القول يلتحقون بالمفارقات والمجردات ولا يعودون إلى الدنيا، وإنّما ترجع الطائفة التي لم تنل من العلم والعمل نصيباً وافراً عن طريق التعلق بالخليّة النباتية أو الحيوانية أو النطفة الإنسانية.

قال في شرح حكمة الإشراق: النور الاسفهبد إذا فارق البدن الإنساني ولم يكتسب فيه الكمالات العقلية والهيئات الخلقية الفاضلة، بل اكتسب فيه أضداد ذلك من الجهالات المركبة، والأخلاق المذمومة، فلا يشتاق إلى المبادئ النورانية والأُمور العقلية بل شوقه إلى ما تمكن فيه من الهيئات الظلمانية والآثار الجسمانية فينجذب لذلك بعد الموت إلى بعض الحيوانات المنتكسة الرؤوس التي أخلاقها مناسبة لتلك الهيئات الرديئة البدنية المتمكنة في ذاته.(1)

والتناسخ بهذا المعنى غير صحيح، لأنّ النفس الإنسانية في هذه النشأة إذا مكثت أربعين سنة مرافقة للبدن فسوف تكتسب فعليات ويتحول استعدادها إلى كمالات، وعندئذ فلو تعلّقت بخلية من الخلايا الثلاث فإمّا أن تتعلّق بها مع حفظ


1 . شرح حكمة الإشراق: 522.


(150)

كمالاتها وفعلياتها، أو تتعلّق بحذفها وسلبها عن نفسها.

أمّا الصورة الأُولى فهي غير معقولة، لأنّه يشترط في تدبير النفس للبدن وجود الانسجام الكامل بينهما وهو مفقود في النفس التي رافقت البدن طيلة 40 سنة وتعلّقت بخلية ليس لها من الفعلية سوى كونها قوة للكمال، فكيف تكون تلك النفس مدبرة لها؟

وأمّا الصورة الثانية: فهي أيضاً كالصورة الأُولى، لأنّ سلب تلك الكمالات رهن عامل داخلي أو خارجي، أمّا الداخلي فهو غير ممكن إذ معنى ذلك انّ الحركة من الكمال إلى النقص خصيصة الشيء وهو غير متصوّر.

وأمّا الخارجي فهو أيضاً كالأوّل، لأنّ عنايته سبحانه تعلّقت بإرسال القوى إلى الكمال وإيصال كلّ ممكن إلى غايته المنشودة، لا سلب الكمالات والفعليات عنه.

وهذا هو الذي أشار إليه صدر المتألّهين في كلام مبسّط وما ذكرناه هو حصيلة مراده، حيث قال: العمدة في بطلان التناسخ على جهة النزول، أنّ الموجودات الصورية كالطبائع والنفوس متوجهة نحو غاياتها الوجودية خارجة عمّا لها من القوة الاستعدادية إلى الفعلية، والنفس مادامت في بدنها يزيد بجوهرها وفعليتها فيصير شيئاً فشيئاً أقوى وجوداً وأشد تحصلاً سواء أكانت من السعداء في النشأة الأُخرى أو من الأشقياء، وقوة الوجود يوجب الاستقلال في التجوهر والاستغناء عن المحل أو المتعلّق به حتى يصير المتصل منفصلاً والمقارن مفارقاً، فكون النفس الإنسانية حين حدوثها في البدن مجردة الذات مادية الفعل، وعند فساد البدن بحيث صارت مادية الذات والفعل جميعاً، كما يلزم من كلامهم في نفوس الأشقياء حيث تصير بعد فساد البدن نفساً حيوانية غير مجردة ذاتاً وفعلاً، كما رأوه، ممّا يحكم البرهان على فساده، ويصادمه القول بأنّ للأشياء غايات


(151)

ذاتية وانّها بحسب الغايات الزمانية طالبة لكمالاتها مشتاقة بغرائزها إلى غاياتها، فهذه الحركة الرجوعية في الوجود من الأشد إلى الأنقص، ومن الأقوى إلى الأضعف بحسب الذات، ممتنع جدّاً.(1)

التناسخ الصعودي

التناسخ الصعودي عبارة عن تكامل النفس عبْر قنوات النباتية ثمّ الحيوانية ثمّ الإنسانية، بنحو يكون بينها فصل حقيقي يتخلّله الزمان. ولكن التناسخ بهذه الصورة من الوهن بمكان، فانّ النفس لا تخلو عن حالتين:

إمّا أن تكون صورة منطبعة في النبات أو الحيوان أو الإنسان، أو تكون أمراً مجرداً.

فعلى الأوّل، تكون للنفس هناك حالات ثلاث:

1. وجودها منطبعة في الموضوع المتقدّم.

2. وجودها منطبعة في الموضوع المتأخر.

3. حالة الانتقال من الأوّل إلى الثاني.

والحالتان الأُوليتان لا غبار عليهما، إنّما الإشكال في الحالة الثالثة لقيام العرض بلا موضوع.

وأمّا إذا كانت النفس موجوداً مجرّداً غير قائم بالبدن وإنّما تحتاج إليه في مقام الفعل والعمل، فعندئذ نقول: كيف يمكن أن تتعلّق النفس الحيوانية بالبدن الإنساني، لأنّ كمال الأُولى هو كونها ذات قوة شهوية وغضبية غير معدلة ولا محددة وهذا يعد لها كمالاً، فلو تعلّقت النفس المذكورة بالبدن الإنساني فستكون عائقة عن تكامله، لأنّ تكامل الإنسان يكمن في أن تكون قواه معدلة وشهوته


1 . الأسفار:9/16.


(152)

وغضبه محددة، وأمّا لو تعلّقت به بعد تحديدها وتعديلها فسيكون نقصاً للنفس الحيوانية وسيراً نزوليّاً لها.

وبعبارة أُخرى: إمّا أن تتعلّق النفس الحيوانية بالبدن الإنساني بما لها من التعيّنات والخصوصيات، فهذا يوجب انحطاط الإنسان، وإمّا أن تتعلّق به منعزلة عن القوى الحيوانية، فقد فقدت حيوانيتها وكمالها عندما تعلّقت بالبدن الإنساني.

وعلى كلّ حال فأصحاب ذلك القول أصابوا في المدعى وأخطأوا في التخطيط، فانّ النفس تمر عبر قنوات النباتية والحيوانية والإنسانية لكن لا بمدارج منفصلة وتعينات مختلفة، بل النباتية بكمالها لا بحدودها تنقلب إلى الحيوانية، وهي بكمالها لا بحدودها تصير إنساناً، كما هو الحال في القول بالحركة الجوهرية، فانّ المتحرك يتحرك من مرحلة نازلة إلى مرحلة كاملة، وعندما يصل إليها يحمل كمالات المرحلة الأُولى لا بحدودها، وهكذا الحال في الإنسان، فالنفس النباتية بكمالها تتحرك إلى الحيوانية وهي أيضاً بكمالها لا بحدودها تصير إلى الإنسانية.

إلى هنا تمّ ما يرجع إلى التناسخ، وقد علمت انّ التناسخ بأقسامه الثلاثة باطل، غير أنّ التناسخ له أقسام مختلفة وأُصول الأقسام ما ذكرنا.

يقول الشهرزوري عند شرحه لحكمة الإشراق: ويسمّون انتقال النفس من البدن الإنساني إلى بدن إنساني آخر «نسخاً» وإلى بدن حيواني «مسخاً» وإلى البدن النباتي «فسخاً» وإلى الجمادي «رسخاً»، وصاحب أخوان الصفا يميل إلى جواز انتقال النفوس إلى جميع هذه الأجسام مترددة فيها أزماناً طويلة أو قصيرة إلى أن تزول الهيئات الرديئة ثمّ تنتقل منها إلى العالم الفلكي الخيالي. ومن أراد الوقوف على صنوفه الكثيرة فعليه الرجوع إلى شرح حكمة الإشراق.(1)


1 . شرح حكمة الإشراق: 519ـ 520.


(153)

أسئلة وأجوبة

1. هل المسخ في الأُمم السابقة من قسم التناسخ؟

ربما يطرح هذا السؤال بأنّه إذا كان التناسخ أمراً محالاً فلماذا طرأ المسخ على طائفة من الأُمم السابقة كأصحاب السبت فانقلبوا قردة خاسئين يقول سبحانه: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ مِنْ ذلِكَ مثُوبَةً عِنْدَ اللّهِ مَن لَعَنَهُ اللّهُ وغَضِبَ علَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدةَ وَالخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عن سَواءِ السَّبيل)(1)؟.

وفي آية أُخرى: (فَلَمّا عَتَوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئين)(2).(3)

والجواب: انّ التناسخ يتقوّم بأمرين:

أ. تعدّد البدن وخروج النفس من بدن إلى بدن آخر، سواء كان البدن الآخر خلية نباتية، أو نطفة حيوانية أو إنسانية.

ب. السير النزولي بأن تتقهقر النفس إلى الوراء فتفقد كمالاتها عند تعلّقها بالبدن الآخر.

وكلا الشرطين غير متوفرين في المورد.

أمّا الأوّل: فالبدن هو نفس البدن، فالممسوخ له بدن واحد، تبدّلت صورته إلى صورة أُخرى، وانقلبت صورته البهية إلى صورة رديئة.


1 . المائدة:60.
2 . الأعراف:166.
3 . شرح المقاصد:2/40، ط الاستانة.


(154)

وأمّا الثاني: فهو أيضاً كذلك، أي لم يكن هناك أيُّ سير قهقرائي للنفس، وذلك لأنّ الهدف من المسخ هو تعذيبهم وجزاؤهم جزاءً سيئاً، ولا يتحقق ذلك إلاّ بتحولهم إلى قردة بعد ان كانوا أُناساً، وهذا النوع من الإدراك عند التوجه إليه يؤلمهم روحاً ويعذبهم فكراً، ولذلك يقول سبحانه: (فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوعِظَةً لِلْمُتَّقِين).(1)

وبكلمة موجزة: انّواقعية المسخ عبارة عن انقلاب الإنسان إلى صورة حيوان مع التحفظ على إنسانيته، وهو غير التناسخ الباطل.

2. هل الرجعة من أقسام التناسخ؟

الشيعة تعتقد بعودة جماعة ـ بعد قيام المهدي (عليه السلام) ـ إلى هذه النشأة، قال الشيخ المفيد: إنّ اللّه تعالى يحيي قوماً من أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موتهم، قبل يوم القيامة، وهذا مذهب يختص به آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) . والرجعة إنّما هي لممحضي الإيمان من أهل الملّة وممحضي النفاق منهم دون من سلف من الأُمم الخالية.(2)

وصار ذلك سبباً لصب التُهَم على الشيعة بأنّهم قائلون بالتناسخ.(3)

والجواب: انّ الرجعة تفارق التناسخ جوهراً وذاتاً، لما ذكرنا من أنّه يتقوّم بأمرين: تعدّد البدن، وتراجع النفس عن كمالها إلى النقص، وكلا الأمرين غير موجودين في الرجعة.

أمّا الأوّل: فلأنّ الحياة ترجع إلى نفس البدن الذي تركته حين الموت فيتعلّق نفس كلّ إنسان ببدنه.


1 . البقرة:66.
2 . المسائل السروية:32و35.
3 . فجر الإسلام: 277.


(155)

وأين هذا من تعلّق النفس بخلية نباتية أوحيوانية أو إنسانية أو غير ذلك؟

وأمّا الثاني: فلا تراجع للنفس عن مقامها الشامخ إلى درجة نازلة، بل هي مع مالها من الفعلية والكمالات تتعلّق بالبدن الذي فارقته حين الموت دون أيِّ تقهقر.

ليت شعري لو كان العود إلى الحياة الدنيوية تناسخاً على وجه الإطلاق، فبماذا يفسر إحياء الموتى الذي كان يقوم به المسيح (عليه السلام) يقول سبحانه: (وَإِذْ تُخْرِجُ المَوتى بِإِذْني)؟!(1).

نعم هنا سؤال نحيل الإجابة عنه إلى مجال آخر، وهو انّ الرجوع إلى النشأة الدنيوية لأجل الاستكمال فما هو الوجه لرجوع الصالحين أو الفاسقين إلى الدنيا، فانّ الطائفة الأُولى انقلبت استعداداتها إلى الفعلية وقد درجوا عامة المنازل والمدارج فلم يبق كمالٌ إلاّ ولجوه، كما أنّ الطائفة الثانية لا يرجى لهم أن يكتسبوا خيراً; ومع غياب هذه الغاية فكيف يرجعون إلى الدنيا؟

وعلى كلّ حال فهذا سؤال نحيل الإجابة عنه إلى مجال آخر.

3. السنّة الإلهية والرجوع إلى الدنيا

ما هي سنّة اللّه من وراء رجوع الإنسان إلى هذه الدنيا؟ والمراد إعطاء الضابطة الكلية في هذه المسألة .

والمستفاد من القرآن أنّ السنة الإلهية قد جرت على إيصاد كافة أبواب رجوع الإنسان إلى الدنيا وإن التمس الرجوع فيخاطب بالرد والنفي، يقول سبحانه: (حَتّى إِذا جاءَأَحَدَهُمُ الْمَوتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما


1 . المائدة:110.


(156)

تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِ يُبعَثُون).(1)

ومن العجب انّ هناك من يدّعي بأنّه قادر على جلب الأرواح من عالمها العلوي والارتباط بها فيسألهم عن أحوالهم فربما يجيبون بأنّ أرواحهم في بدن طائر أو نبات والآن في بدن إنسان، ويبغي من وراء ذلك أن يبث تلك الفكرة بين المسلمين.

نعم هؤلاء يتصلون بالأرواح عن طريق التنويم المغناطيسي ومخاطبة الوسيط النائم بسؤال الأرواح عن واقعهم وماضيهم وأحوالهم، فربما يجيب النائم ببعض هذه الأجوبة، ويقول: إنّ الروح الفلانية في هذا العالم في جسم نبات أو حيوان أو إنسان.

ولكن من أين علم بصدق ما جاء على لسان الوسيط وانّه ليس بوحي الشيطان، ولا قواه الخيالية؟ إلى غير ذلك من مصادر إلقاء الكلام على لسان الوسيط.

واللّه سبحانه يعصمنا من وساوس الشيطان ومزالق الأقدام.


1 . المؤمنون:99ـ 100.


(157)

الفصل الثاني عشر:

الموت نافذة تطل على الحياة الجديدة

إنّ الموت حسب ما يصفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوّل منزل من منازل الآخرة وآخر منزل من منازل الدنيا، فثمة مباحث لها صلة بالموت، نطرحها في المقام واحداً تلو الآخر.

أ. الموت في اللغة والقرآن.

ب. هل الموت أمر عدمي؟

ج. الموت سنّة عامة قطعية.

د. خوف الإنسان من الموت.

هـ . أقسام الموت في القرآن الكريم.

و. الموت والأجل المحتومان.

ز. التوبة والندامة قُبيل الموت أو حينه.

ح. الوصية حال الموت.

ط. سرّ جهل الناس بآجالهم.

ي. الموت والملائكة الموكّلون

فهذه مباحث عشرة نتناولها بالبحث على ضوء القرآن الكريم.


(158)

أ. الموت في اللغة والقرآن

الموت حسب ما يقوله صاحب المقاييس(1) ولسان العرب(2) عبارة عن ذهاب القوّة في الشيء. وبمناسبة هذا المعنى، استعمل لفظ الموت في موارد كثيرة يظن انّها معاني مختلفة له، بل الحقّ أنّ المعنى واحد وهذه مصاديق لهذا الجامع، ولو كانت هناك خصوصيات تميّز كلّواحد عن الآخر، فإنّما هي من لوازم تلك المصاديق لا من خصوصيات المعنى.

ولذلك يستعمله القرآن الكريم تارة في الأرض الجرداء القاحلة ويقول:(وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ المَيْتَة) .(3) وأُخرى في الأصنام الفاقدة للحركة، ويقول:(أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياء).(4) وثالثة في مراحل الخلقة التي يمرّ بها الإنسان قبل ولوج الروح ويقول: (وَكُنْتُمْ أَمواتاً فَأَحياكُمْ).(5) ورابعة في الإنسان المنزوع عنه الروح ، قال سبحانه: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُون).(6)وهذه المراحل تشترك في المعنى الجامع للموت، وهو ذهاب القوّة عن الشيء، فيكون اللفظ مشتركاً معنوياً له مصاديق متنوعة.

ب. هل الموت أمر عدمي؟

إذا كان المراد من الموت هي الحالة العارضة على الإنسان بعد نزع روحه


1 . مقاييس اللغة:5/283.
2 . لسان العرب:2/90.
3 . يس:33.
4 . النحل:21.
5 . البقرة:28.
6 . المؤمنون:15


(159)

وذهاب قواه فهو أمر عدمي بلا شك، لأنّ مرجعه إلى فقدان القوى، وهو أمر غير وجوديّ، وعلى الرغم من ذلك يمكن تناول الموت من منظار آخر:

1. أخذ القوى والطاقات، فلا شكّ انّه أمر وجودي، لأنّه فعل وحركة وإن كانت نتيجته عروض حالة عدمية على الإنسان.

2. الموت لا بما انّه نهاية الحياة الدنيوية بل بما انّه انتقال من مرحلة إلى مرحلة أُخرى، ومن حياة دانية إلى حياة عالية، فهو بهذا المعنى ليس أمراً عدميّاً، قال علي (عليه السلام) : «أيّها الناس إنّا وإيّاكم خلقنا للبقاء لا للفناء، لكنّكم من دار إلى دار تنقلون».(1)

وقال الإمام الحسين سيّد الشهداء (عليه السلام) لأصحابه يوم عاشوراء عند ما رأى استعدادهم للتضحية والفداء في سبيل الحق وخاطبهم بقوله: «صبراً بني الكرام ، فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسع والنعيم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟ وما هو لأعدائكم إلاّ كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب، انّ أبي حدثني عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :انّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ، ما كذبت ولا كُذبت».(2)

3. ربما يضاف الموت إلى البدن وأُخرى إلى الروح، ففي الإضافة الأُولى يكون الموت أمراً عدمياً، لأنّ البدن يفقد الحركة والانتقال، ولكنّه في الإضافة الثانية أمر وجودي، وهو عبارة عن انتقاله من عالم إلى آخر، ولا يفقد الروح شيئاً، ولأجل ذلك نرى أنّ الموت أُضيف في القرآن إلى البدن دائماً لا إلى الروح.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ القرآن يعدّ الموت مخلوقاً للّه كالحياة ويقول:


1 . الإرشاد للمفيد: 127.
2 . البحار:6/154.


(160)

(الّذي خَلَقَ الْمَوتَ وَالحَياةَ)(1)، والخلق والجعل لا يتعلّق بأمر عدمي وإنّما أُضيف إليه باعتبار بعض المعاني التي ذكرنا أنّ الموت فيها أمر وجودي.

وهناك وجه آخر لبيان تعلّق الجعل بالموت، وهو أنّ الموت عبارة عن تقدير الحياة في النشأة الأُولى، ونفس التقدير أمر وجودي، قال سبحانه: (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِين) .(2)

وأمّا تذييل الآية بقوله: (وما نَحنُ بِمَسْبُوقين) لغرض بيان أنّ موت الإنسان ليس معلولاً لقدرة أُخرى حتى تسبق قدرةَ اللّه سبحانه، وإنّما ذلك سنّة إلهية جارية في الأحياء، فلم يُكتب على حيّ في هذه النشأة الخلود والدوام.

ج. الموت سنّة عامة قطعية

أثبتت العلوم الحديثة أنّ الكون يسير باتجاه موت حراري وشيخوخة يصطلح عليها في الفيزياء بالانتروبي.

يقول الدكتور «فرانك الن»: إنّ قوانين الديناميكا الحرارية تدل على أنّ مكوِّنات هذا العالم تفقد حرارتها تدريجياً، وانّها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة البالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة وتستحيل الحياة، ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت.

أمّا الشمس المستقرة والنجوم المتوهّجة والأرض الغنية بأنواع الحياة فكلّها دليل واضح على أنّ أصل الكون وأساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معيّنة فهو


1 . الملك:2.
2 . الواقعة:60.


(161)

أيضاً حدث من الأحداث.(1)

ويقول الدكتور «دونالد روبرت كار»: إنّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليّاً ولو كان كذلك لما بقيت فيه أيّ عناصر إشعاعية .ويتفق هذا الرأي مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية.(2)

أقول: إنّ هذا الأصل يثبت لنا أمرين:

الأوّل: حدوث المادة وكونها مسبوقة بالعدم كما أفاده الدكتور «دونالد»، إذ لو كانت قديمة بلا أوّل لنفدت طاقاتها عبر القرون غير المتناهية، لأنّ صرف القوى المحدودة في زمان غير محدود ينتهي إلى نفاد القوى وعدم بقاء شيء منها، فإذا رأينا بقاء المادة ونشاطها وتفجّر طاقاتها، ننتقل إلى أنّها مسبوقة بالعدم، وانّها وجدت في ظروف محدودة بنحو نفدت بعض طاقاتها.

الثاني: تقويض أُسس النظام السائد تحت غطاء نفاد الطاقات وتساوي الأجسام من حيث الفعل والانفعال والحرارة والبرودة، والإنسان جزء من هذا النظام السائد فهو أيضاً مكتوب عليه الموت.

إنّ العلم الحديث وإن بادر إلى مكافحة الموت وبذل الحياة للإنسان كي يعمّر طويلاً إلاّ أنّ هذه المبادرة باءت بالفشل فلم يمكنه أن يهب للإنسان الحياة الخالدة لأنّه سيواجه الموت مهما عمّر، لأنّ الموت سنّة إلهية قطعية، وإلى ذلك تشير الآيات والروايات:

1. (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوتُ وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوج مُشَيَّدَة).(3)

2. (كُلُّ نَفْس ذائِقَةُ الْمَوت) .(4)

3. (وَما جَعَلْنا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ).(5)


1 . اللّه يتجلى في عصر العلم: 27 و 85.
2 . اللّه يتجلى في عصر العلم: 27 و 85.
3 . النساء:78.
4 . آل عمران:185.
5 . الأنبياء:34.


(162)

وفي الأحاديث ما يدعم ذلك.

قال الإمام علي (عليه السلام) : «فلو انّ أحداً يجد إلى البقاء سُلّماً أو لدفع الموت سبيلاً، لكان ذلك سليمان بن داود (عليهما السلام) الذي سُخّر له ملك الجن والإنس».(1)

ويقول أيضاً في موضع آخر: «إنّ للّه ملكاً ينادي في كلّ يوم: لِدُوا للموت».(2)

د. خوف الإنسان من الموت

للإنسان حسب فطرته، رغبة في الاستمرار في الحياة، وهذا ممّا لا ينبغي الشكّ فيه، لأنّ الرغبة إلى الحياة أمر جبلي، ولعلها دليل على أنّ بعد الموت حياة أُخرى فيها تتحقق أُمنيّة الإنسان ولولاها لكانت تلك الرغبة في خلقته أمراً عبثاً سدىً.

والفلاسفة يستدلّون بوجود الرغبة في الحياة على وجود المرغوب إليه في الخارج.

بيد أنّ الناس أمام الموت على صنفين:

فصنف يتصوّر أنّ الموت نهاية الحياة، ولذلك كلّ ما يسمع لفظة الموت يأخذه الحزن والأسى ويتجسّد الموت أمامهم كأنّه غول ذو مخالب فتّاكة يريد أن يبطش بهم.

وآخر ممّن لا يستوحش من الموت ولا من سماعه، لأنّه هو الذي وقف على حقيقة الحياة الدنيا، وأنّ الموت ليس إلاّ قنطرة إلى الحياة الأُخرى، ولذلك يستقبل الموت برحابة صدر ووجه مستبشر.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 182.
2 . نهج البلاغة: من كلماته القصار، برقم 132.


(163)

ثمّ إنّ الأسباب الكامنة من وراء الخوف من الموت أمران:

الأوّل: كون الموت خاتمة المطاف.

الثاني: الإيمان بالحشر والجزاء، وانّ الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

إنّ القرآن الكريم يصف حالة اليهود ويؤكد على أنّ خوفهم من الموت نجم من جرّاء الأمر الثاني، ويقول: (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوا المَوتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين * وَلَنْ يَتَمَنَّوهُ أَبداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالمين)(1) ، ويقول في سورة أُخرى: (قُلْ يا أَيُّهَا الَّذينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَولياءُ للّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوتَ إِنْ كُنْتُم صادِقِين * وَلا يتَمَنَّونَهُ أَبَدَاً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمين).(2)

وقد أشير في بعض الروايات إلى سبب الخوف من الموت.

روى السكوني عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، عن أبيه (عليه السلام) انّه قال: أتى النبي رجل فقال: مالي لا أحب الموت؟ فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ألك مال؟» قال: نعم. قال: «فقدمته؟»، قال: لا. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «فمن ثمّ لا تحب الموت».(3)

وقد أشار الإمام في خطبه وكلمه إلى الأسباب الداعية إلى كراهة الموت، يقول (عليه السلام) : «واعلموا أنّه ليس شيء إلاّ ويكاد صاحبه يشبع منه ويملّه إلاّ الحياة فانّه لا يجد في الموت راحة».(4)

وقال (عليه السلام) : «ولا تكن ممّن يكره الموت لكثرة ذنوبه».(5)


1 . البقرة:94ـ95.
2 . الجمعة:6ـ7.
3 . البحار: 6/127.
4 . نهج البلاغة: الخطبة 129، ط عبده.
5 . نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 150.


(164)

وقال رجل للحسن بن علي (عليهما السلام) : ما لنا نكره الموت ولا نحبّه؟ فقال: «إنّكم أخربتم آخرتكم وعمّرتم دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب».(1)

قيل للإمام محمد بن علي بن موسى (عليهم السلام) : ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت ؟ قال: «لأنّهم جهلوه فكرهوه، ولو عرفوه وكانوا من أولياء اللّه عزّوجلّ لأحبّوه ولعلموا أنّ الآخرة خير لهم من الدنيا».(2)

والرواية تشير إلى السبب الأوّل وهو الجهل بحقيقة الموت وانّه انتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة الأُخرى، ولذلك نرى أنّ علياً (عليه السلام) يشتاق إلى الموت ويتحنّن إليه، ويقول: «واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه».(3)

وفي خطبة أُخرى يقول (عليه السلام) : «فواللّه ما أُبالي دخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ».(4)

هذه من خصائص الأولياء وميزاتهم، حيث يستقبلون الموت بصدر رحب لأنّهم يرون الموت قنطرة من الحياة الدنيا إلى حياة طيبة، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُون * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ في مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَومُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) .(5)


1 . البحار:6/129.
2 . معاني الأخبار: 209.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 5.
4 . نهج البلاغة: الخطبة 55.
5 . الأنبياء:101ـ 103.


(165)

هـ . أقسام الموت في القرآن الكريم

إذا كان الموت انتقالاً من دار إلى دار ومن حياة ضيقة إلى حياة واسعة، فطبيعة الحال تقتضي أن لا يكون أمراً يسيراً بل يتزامن مع العسر والحرج، وهذا نظير انتقال الجنين من رحم الأُمّ الضيّق إلى الدنيا الواسعة ويتزامن هذا الانتقال مع العسر.

نعم هذا العسر يكون مقدمة لحياة جديدة مرافقة لليسر.

وقد أشار الإمام الثامن (عليه السلام) إلى المواقف التي يشهدها الإنسان مع الخوف والوجل:

1. الولادة 2. الموت 3. البعث.

ولأجل المواقف العسيرة التي يواجهها الإنسان في هذه الأدوار الثلاثة نجد أنّ اللّه سبحانه وعد يحيى (عليه السلام) بالسلامة من كلّ مكروه في هذه المواقف، قال سبحانه: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَومَ وُلِدَ وَيَومَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً).(1)

إذا عرفت ذلك فلنشرح أقسام الموت:

1. الموت العسير واليسير

إنّ حقيقة الموت ترجع ـ في الواقع ـ إلى نزع الروح من البدن مرفقاً بعسر وحرج وضيق عند قاطبة الناس ويشتد خاصة عند من يواجه الموت مقترفاً للذنوب يقول سبحانه: (وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوتِ بِالحَقّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيد).(2)


1 . مريم:15.
2 . ق:19.


(166)

وفي آية أُخرى: (فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُم).(1)

وفي مقابل هؤلاء المؤمنون المطيعون لأوامر ربّهم ونواهيه فهم يقابلون بالسلام، يقول سبحانه: (الّذينَ تَتَوفّاهُمُ المَلائِكَةُ طيِّبينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ).(2)

وفي آية ثانية يخاطب سبحانه النفس المطمئنّة، بقوله: (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّة).(3)

وهذا التقسيم الذي تبنّاه الكتاب الإلهي من تقسيم الناس حين الموت إلى من يبشر بالسوء والخير، شائع في روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .

يقول الإمام الحسن (عليه السلام) : «أعظم سرور يرد على المؤمنين إذا نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد».(4)

وقال الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) : «الموت للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة وفك قيود وأغلال ثقيلة، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح وأوطئ المراكب وآنس المنازل; وللكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل عن منازل أنيسة، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل وأعظم العذاب».(5)

إلى غير ذلك من الروايات.


1 . محمد:27.
2 . النحل:32.
3 . الفجر:27ـ28.
4 . البحار:6/154.
5 . البحار:6/155.


(167)

2. موت البدن والقلب

قد ينسب الموت إلى البدن، وأُخرى إلى القلب، فإذا انقطعت علاقة الروح بالبدن فهذا موت البدن، ولكن إذا كانت العلاقة موجودة ولكن الإنسان بلغ من التفكير والتعقّل درجة نازلة تلحقه بميت الأحياء، ولذلك يعد سبحانه الفئة المعاندة للإسلام أمواتاً، ويقول: (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدبِرين)(1) ، وقد ورد هذا المضمون في آيات أُخرى من الذكر الحكيم.

ويقول سبحانه: (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمات لَيْسَ بِخارِج مِنْها).(2)

والمراد من «الميت» هو ميت القلب الغافل عن الحقائق والمعارف، فإذا أشرق نور الإسلام على قلبه صار حيّاً بحياة معنوية يمشي بنوره بين الناس، فليس هو كمن بقي في الظلمات ولا يستطيع الخروج منها.

ومن لطائف الكلام ما نلمسه في خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث يصف حياة المتخلفين عن الجهاد أمام أعدائهم موتاً، كما يصف الشهادة في ميادين الجهاد حياة، ويقول (عليه السلام) : «فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين».(3)

لأنّ الحياة المعنوية رهن آثار وأهمها الدفاع عن كيان الدين ودفع عادية المعتدين، فالطائفة الأُولى فقدوا هذه الخصيصة فكأنّهم ليسوا بأحياء بل أمواتٌ، بيد أنّ تلك الخصيصة متوفرة عند الطائفة الثانية فهم وإن ضُرّجوا بدمائهم في


1 . الروم:52.
2 . الأنعام:122.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 51.


(168)

ساحات الوغى ولكنّهم دافعوا عن كيان الإسلام فصانوا دينهم وديارهم ونواميسهم.

ونظير ذلك تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي استولت الأنانية عليه وغفل عن الآخرين فهو حيّ ظاهراً وميت حقيقةً، إذ لا يشعر بأي مسؤولية حيال إزالة المفاسد الاجتماعية التي تهدِّد المجتمع.

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : «ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده فذلك ميت الأحياء».(1)

ويقول أيضاً فيمن يهتمُّ بحياة البدن دون القلب: «يرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم وهم أشدّ إعظاماً لموت قلوب أحيائهم».(2)

3. موت الإنسان والمجتمع

يصف علماء الاجتماع المجتمع تارة بالطفولة، وأُخرى بالريعان والنضج، وثالثة بالانحطاط والهرم وفقاً للحالات الطارئة على الإنسان من طفولة إلى ريعان الشباب ثمّ الشيخوخة والهرم.

فالإنسان في مرحلة الطفولة تكمن فيه استعدادات وقابليات مختلفة، فإذا اجتاز تلك المرحلة تتفجر طاقاته الكامنة رويداً رويداً حتى يبلغ مرحلة الشباب ثمّ يجتاز تلك المرحلة إلى مرحلة الشيخوخة فتنهار قواه وتأخذ بالضعف، وهكذا المجتمع.

وهناك تقسيم آخر وهو:

إنّ الإنسان من حين ولادته إلى أن يبلغ مرحلة شبابه تتكامل شخصيته


1 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 374.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 230.


(169)

شيئاً فشيئاً، فإذا اشتدّت قواه، يبدأ باستغلالها بغية نيل الأموال والمناصب وغيرها، وكلّما تقدم في العمر يزداد حرصاً وطمعاً فإذا اجتاز تلك المرحلة ودخل مرحلة الهرم فيشرع بحفظ ما جمعه وبلغت إليه يده من الأموال والثروات إلى أن يبلغ أجله.

فالمرحلة الأُولى: مرحلة التكوين، والثانية :مرحلة الهجوم، والثالثة: مرحلة التدافع; والرابعة: مرحلة الانقراض، وهكذا المجتمع في مراحله الأربع.

فالحضارات الإنسانية ، مرَّت بتلك المراحل إلى أن اضمحلّت واندثرت .

يقول سبحانه: (وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون)(1) فيعد للأُمة حياةً وأجلاً.

عوامل أُفول الحضارات

إنّ بزوغ نجم الحضارات وأُفولها من السنن القطعية الإلهية فلا تدوم حضارة عبر القرون والدهور بل تتبعها حضارة أُخرى وهكذا.

نعم هذا البزوغ والأُفول رهن عوامل داخلية وخارجية وليس أمراً اعتباطياً، يقول سبحانه:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون).(2)

إنّ اضمحلال الحضارة واندثارها ناجم عن عوامل كثيرة أهمها تفشي الظلم في المجتمعات وغياب العدالة الاجتماعية في حياتها، وهذا بمرور الزمان يستفحل شيئاً فشيئاً حتى يصل مرحلة لا يطيقها المجتمع فيؤول إلى عصيان عام


1 . الأعراف:34.
2 . الأعراف:96.


(170)

يؤدي إلى سقوط الحضارة، يقول سبحانه: (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَأَهْلُها مُصْلِحُون)(1)، ويقول في آية أُخرى: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَولُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً * وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوح وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبيراً بَصِيراً) .(2)

فقد عدّت الآية الأُولى والثانية الظلم والفسق وارتكاب الذنوب من أسباب انهيار الحضارات وزوالها، ووجهه واضح، لأنّ الفسق والزنا وأكل الأموال بالباطل والغش والسرقة، طغيانٌ على الفطرة السليمة وخروجٌ عليها، ومعه تنفصم عرى الحضارة الإنسانية. فضلاً عن بثِّ العداوة والبغضاء في القلوب.

نعم هناك ذنوب تترك آثاراً سلبية في المجتمع، وإن لم نقف على الصلة بينها، فقد ورد في الحديث: «انّه إذا كثر الزنا، كثر موت الفجأة». وهناك صلة بين الأمرين وإن لم تثبته العلوم الحديثة.

وأمّا تأثير الظلم وبعض الذنوب التي تخالف الفطرة كالزنا واللواط وجمع الأموال بالباطل فهو واضح حسب المعايير الاجتماعية كما ذكرناه.

4. الموت المشرّف

إنّ بعض أنواع الموت يعد مشرّفاً في حدّ ذاته، وهذا كالموت في سبيل طلب العلم وإقامة العدل وغير ذلك من الأهداف السامية، ولذلك يعد سبحانه هؤلاء أحياءً لا أمواتاً ويقول: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُون) .(3)


1 . هود:117.
2 . الإسراء:16ـ17.
3 . البقرة:154.


(171)

كما أنّه سبحانه يعد من مات في سبيل العلم مجاهداً مأجوراً عند اللّه، يقول سبحانه: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ) .(1)

و. الموت والأجل المحتوم

القرآن الكريم يقسّم الأجل إلى أجل مطلق وأجل مسمّى، ويقول: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ).(2)

كما أنّه يصرّح بأنّ للشمس والقمر أجلاً مسمّى، يقول: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمّى)(3). إلى غير ذلك من الآيات الناصة على الأجل المطلق والمسمّى.

وقد بسط المفسرون الكلام في تفسير الأجلين، ولكن الذي نفهمه من الآيات هو أنّه سبحانه جعل لكلّ شيء أجلاً طبيعياً بمعنى قابليته لأن ينتهي إليه، ولكن ربّما تعوق المعوِّقات عن بلوغ ذلك الأمد، وهذا كالإنسان فله استعداد أن يحيى 120 سنة ولكن الظروف البيئية ربما تحول دون ذلك، فالمقدّر لكلّ شيء حسب طبيعته هو الأجل المطلق وأمّا ما ينتهي إليه مصير الشيء، فهو يختلف، فتارة ينقص عن الأجل المطلق لأجل عوائق تحول بينه وبين الأجل المطلق، وأُخرى يجتازه ويعمر أكثر من العمر الطبيعي لأجل توفّر عوامل بيئية ونفسية مناسبة .

وهذا التقسيم أيضاً جار في الصنائع، فلكلّ مصنوع عمر محدد مفيد، ولكنّه


1 . النساء:100.
2 . الأنعام:2.
3 . فاطر:13.


(172)

ربّما يواجه ظروفاً وعوامل خاصّة تنقص من ذلك العمر المفيد، كما أنّه ربما يجتازه لأجل رعاية الأساليب الفنية في استخدام ذلك المصنوع.

ز. التوبة والندامة قبيل الموت أو حينه

الموت يلازم رفع الحجب المادية عن البصر، فيرى الإنسان المحتضر مصيره بأُمِّ عينيه، فالصالحون يرون روحاً وريحاناً وحياة فيستقبلون الموت بوجوه مشرقة وصدور رحبة، وأمّا الظالمون المستكبرون فيلمسون حياة مريرة تعانق الآلام والنيران فيحاولون جهد إمكانهم أن يدّاركوا ما اقترفوه من الآثام بالتوبة والندامة ليتخلّصوا بذلك من العذاب الأليم، ولات حين مناص، فلا تنفع الندامة لأنّ الهدف من التوبة هو طهارة الروح من أدران المعصية والآثام وهذه الأمنية رهن صدور التوبة عن اختياره ورغبته إلى الطهارة، وهذا غير متحقق في حال الاحتضار، لأنّه يتوب ويندم بلا اختيار.

وبعبارة أُخرى: التائب إنّما تقبل توبته إذا كان أمامه طريقان فينتخب الطريق الحقّ باختياره، وهذا إنّما يتيسر له ذلك في ثنايا حياته لا في حال الاحتضار الذي يسلب عنه اختياره، ولذلك يقول سبحانه: (وَلَيْسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ قالَ إِنّي تُبْتُ الآن)(1) وفي آية أُخرى: (حتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ قالَ رَبّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُون) .(2)

إنّ فرعون مصر لما كاد أن يغرق، ورأى مصيره المرير حاول أن يتوب ويظهر إيمانه بربّ موسى ولكنّه جُوبه بالرفض والاستنكار، قال سبحانه: (حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ


1 . النساء:18.
2 . المؤمنون:99ـ100.


(173)

الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أنّهُ لا إِلهَ إِلاّ الَّذي آمَنتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمين * ءَآلانَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفسِدِين) .(1)

وليست هذه خصيصة فرعون فحسب، بل الأُمم الغابرة الغارقة في الفساد حاولوا ردّ العذاب بالتوبة بعدما نالوا من الأنبياء والمصلحين وسخروا منهم فلم تغن عنهم توبتهم في شيء قال سبحانه: (فَلَمّا رَأَوا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِين * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللّهِ الّتي قَدْخَلَتْ في عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُون) .(2)

والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يصف بعض الظالمين الذين يواجهون أنواع العذاب حين الموت ويقول: «فهو يعضُّ يده ندامة على ما أضمر له عند الموت من أمره».(3)

وقد علم من كلّ ذلك أنّ رفض توبة الإنسان في تلك الحالة لا يدل على عدم سعة رحمته، لما عرفت من أنّ قبول التوبة فرع سموِّ الإنسان عن اقتراف الذنوب الذي يلازم الاختيار، وهذا غير متحقّق حين الموت.

ح. الوصية في حال الموت

يُستحب للإنسان في جميع الأحوال أن يوصي بما عليه من الديون والحقوق لا سيما إذا حضره الموت، يقول سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمُوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَةُ لِلْوالِدَينِ وَالأَقْرَبينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى الْمُتَّقِين) .(4)


1 . يونس:90ـ 91.
2 . غافر:84ـ 85.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 109.
4 . البقرة:180.


(174)

ومن الواضح أنّ هذه اللحظة هي آخر ما يتمكن الإنسان من الوصية والأَولى أن يقدّمها على الاحتضار سواء أكان شاباً أم هرماً، قال علي (عليه السلام) : «ما ينبغي لامرئ أن يبيت ليلة إلاّ ووصيته تحت رأسه».(1)

ويستحب أن يشهد على الوصية عدلان، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ حينَ الْوَصِيَةِ اثْنانِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوت).(2)

فالآية ترغِّب إلى شهادة عدلين من المسلمين إذا أمكن، وإلاّ فليشهد من غير المسلمين من أهل الكتاب كما إذا كان الموصي ضارباً في الأرض ولم يجد من نحلته من يُشهده على وصيته فعليه أن يُشهد من غيرهم، وما هذا إلاّ لأجل أن يوصد باب الأعذار على ورثة الميت ويقطع دابر الحيل التي ربما تحول دون تنفيذ الوصية.

ط. جهل الإنسان بموته

إنّ حبّ البقاء من الأُمور التي جبل الإنسان عليها، ولو سلب عنه ذلك الحب لأُطفئت جذوة حياته، فحبّ البقاء مصباح منير لحياته، كما أنّ اليأس من الحياة ظلام دامس لها; روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، انّه قال: «الأمل رحمة لأُمّتي ولولا الأمل ما رضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجرة».(3)

ولو كان الإنسان مطلعاً على زمان موته ومكانه لاستولى عليه الحزن واليأس قبل أن يموت بسنين، وربما يموت قبل أجله المقرر، ولذلك يعد الجهل بزمان موته


1 . وسائل الشيعة:13، كتاب الوصايا، باب 1، حديث7.
2 . المائدة:106.
3 . سفينة البحار: مادة أمل.


(175)

من علل بقاء حياته ونشاطه، ولذلك ستر سبحانه علم هذا الموضوع عن الناس إلاّ في موارد خاصة لملاكات كذلك.

على أنّ لهذا الجهل أثراً تربوياً، فانّ الرجوع إلى اللّه سبحانه والتوبة من المعاصي مع الرجاء بالبقاء أفضل من التوبة والرجوع إليه عند اقتراب أجله وقبل إطفاء مصباح حياته.

نعم ربما يكون الجهل بالموت سبباً للغرور والاغترار حيث إنّ المغتر يزعم انّه سيعيش عمراً طويلاً، ولكنّه يرى موته أمراً بعيداً، فيقترف المعاصي في شبابه على أمل أن يتوب منها في هرمه، ولكنه في الوقت نفسه عامل تربوي للحد من الغرور لأنّه يحتمل أن يكون قد اقترب أجله ويكون هو على مقربة من الموت.

ولهذه الوجوه ستر سبحانه علمه عن الناس وقال: (وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوت) .(1)

ويدل على ذلك ما دلّ من الآيات على أنّ الأجل المسمّى عنده، وهو يلازم جهل الإنسان بموته لانحصار علمه باللّه سبحانه.

ي. الموت والملائكة الموكّلون

إنّ من مراتب التوحيد حصر التدبير في اللّه سبحانه، وانّه لا مدبّر إلاّهو ولو كانت الشمس مشرقة والقمر منيراً وغيرهما من العوامل الطبيعية ذات الآثار الخاصة فإنّما هو بأمره سبحانه، كما يقول: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِين) .(2)


1 . لقمان:34.
2 . الأعراف:54.


(176)

ولكن الإيمان بحصر التدبير في اللّه لا ينافي وجود عوامل أُخرى مؤثرة تدبر الكون، بأمر من اللّه سبحانه، فانّ هذا التدبير الظلي التبعي في طول تدبير اللّه سبحانه، ولأجل ذلك ينسب اللّه تعالى توفّي الأنفس إليه ويقول: (اللّهُ يَتَوفّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها)(1) ، ولكنّه في الوقت نفسه ينسبه إلى الملائكة تارة وملك الموت أُخرى، ويقول: (الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَة)(2)ويقول سبحانه: (قُلْ يَتََوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذي وكِّل بِكُمْ ثمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون) .(3)

فهناك فعل واحد نسب إلى فواعل ثلاثة، تارة إلى اللّه، وأُخرى إلى الملائكة، وثالثة إلى ملك الموت، فالفعل واحد والفواعل متعددة، لأنّ فعل الجميع هو فعل اللّه سبحانه بالتسبيب.

وترى نظير ذلك في قوله سبحانه: (وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبيِّتُون)(4) حيث ينسب الكتابة إلى اللّه، وفي آية أُخرى ينسبها إلى الرسل، ويقول: (أَمْ يَحْسَبونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون) .(5)

وتتجلّى تلك الحقيقة في الآيات التالية الواردة في الموت والحياة، يقول سبحانه: (انّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَلِيّ وَلا نَصِير)(6)، ويقول: (وَأَنّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا)(7).

ويقول أيضاً: (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنكُمُ المَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِين)(8).


1 . الزمر:42.
2 . النحل:28.
3 . السجدة:11.
4 . النساء:81.
5 . الزخرف:80.
6 . التوبة:116.
7 . النجم:44.
8 . الواقعة:60.


(177)

إلى غير ذلك من الآيات التي تعد الإماتة والإحياء فعلاً للّه سبحانه، وفي الوقت نفسه تعدّهما فعلاً لغيره، ويقول: (حَتّى إِذا جَاءَأَحْدَكُمُ المَوتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُون) .(1)

نعم تجعل بعض الآيات زمام الموت والحياة بيد الملائكة الموكّلين، وما هذا إلاّ لأنّ عملهم عمله سبحانه.

نعم الذي لا يمكن أن ينكر انّ الذكر الحكيم يركّز على أنّ ما في الكون أثر فعله سبحانه تكريساً للتوحيد في الربوبية.


1 . الأنعام:61.


(178)

الفصل الثالث عشر:

القبر وعالم البرزخ

إذا كانت حالة الاحتضار نهاية النشأة الأُولى وبداية النشأة الثانية، فالتكفين والصلاة على الميت والتدفين في القبر، هو المنزل الثاني من النشأة الثانية، وهو منزل ضيق للغاية، ولعل الإنسان لا أُنس له بهذا النوع من المنازل ، وتنقطع صلته عن الحياة الدنيويّة إذا وُري جثمانه الثرى، وهذا أمر ملموس، يشير إليه قوله سبحانه: (ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ)(1).

ولكن في بطن هذا المنزل من تلك النشأة، عالم فسيح يحيا فيه الإنسان لا بهذا البدن المقبور، بل ببدن يناسب تلك النشأة، وهو البدن المثالي الذي له آثار المادة وإن تجرّد عنها، وهذا ما يعبر عنه بعالم البرزخ، وقد صرح به الذكر الحكيم ، يقول تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِ يُبْعَثُون)(2)، فقوله:(وَمِنْ وَرائِهِمْ) بمعنى أمامهم لا بمعنى خلفهم، بشهادة قوله سبحانه:(وَكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْباً).(3)


1 . عبس:21.
2 . المؤمنون:100.
3 . الكهف:79.


(179)

والبرزخ بمعنى الحائل والفاصل، يقول تعالى: (بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيان)(1) وإنّما أطلق على هذا النوع من الحياة لفظ البرزخ، لأجل الفصل بين الحياتين على وجه لا يمكن للإنسان أن يتجاوز الفاصل والحائل ويعود إلى الدنيا.

والآيات الدالة عليه كثيرة.

منها: ما دلّت على تجرّد النفس وبقائها بعد الموت، وقد مرّ ما يدل على ذلك.

ومنها : ما دلت على حياة الشهداء، وانّهم في ذلك العالم فرحين مستبشرين بنعم اللّه سبحانه.

ومنها: ما ورد في حقّ آل فرعون، وانّهم يعرضون على النار غدواً وعشياً، ويوم القيامة يدخلون النار، كما ورد نظيره في حقّ قوم نوح (عليه السلام) وقد مرّت هذه الآيات في فصل تجرد النفس فلاحظ.

وثمّة آيات أُخرى تدل على الحياة البرزخية لم نذكرها فيما سبق.

قال سبحانه: (قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَل إِلى خُرُوج مِنْ سَبِيل) .(2)

فالآية تحكي عن إماتتين وإحياءين، فالإماتة الأُولى في النشأة الدنيا، والإماتة الثانية في عالم البرزخ عند نفخ الصور.

يقول سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللّه) .(3) فالموت عند نفخ الصور يلازم وجود الحياة قبل النفخ، وليس هو إلاّ الحياة البرزخية، وأمّا الإحياءان فالأوّل منهما عبارة عن الحياة


1 . الرحمن:20.
2 . غافر:11.
3 . الزمر:68.


(180)

في عالم البرزخ، والثاني هو الإحياء بعد نفخ الصور. يقول سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُون) .(1)

ولأجل إعطاء صورة واضحة عن طبيعة الإماتتين والإحياءين، نقول:

الإماتة الأُولى عند حلول أجله القطعي.

والإماتة الثانية عند نفخ الصور الأوّل.

والإحياء الأوّل بعد الموت وانتقاله إلى النشأة الأُخرى.

والإحياء الثاني عند نفخ الصور الثاني.

وبهذا يعلم وجود الحياة البرزخية بين النشأة الأُولى وقيام الساعة.

وقد ذكر لهاتين الإماتتين، وهذين الإحياءين، وجه آخر ولكن لا ينطبق على ظواهر الآيات.

الحياة البرزخية في الروايات

وقد وردت أحاديث كثيرة في كيفية وطبيعة ذلك العالم نقتصر على هذا الحديث.

روى أبو بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أرواح المؤمنين، فقال: «في حجرات في الجنة يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون ربّنا أقم لنا الساعة، وانجز لنا ما وعدتنا» وسألته عن أرواح المشركين، فقال: «في النار يعذبون ويقولون ربّنا لا تقم لنا الساعة ولا تنجز لنا ما وعدتنا».(2)


1 . يس:51.
2 . بحار الأنوار:6/269، الحديث 122 و126وما ذكرناه حديث واحد وإن جعله العلاّمة المجلسي حديثين.


(181)

السؤال في معنى القبر

يطلق القبر ويراد منه تارة ذلك المكان الضيّق، وأُخرى ما يعيش فيه الإنسان بالبدن البرزخي في عالم فسيح، فقد يطلق القبر في الروايات ويراد منه هذا المعنى.

روى الزهري، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) ، انّه (عليه السلام) تلا قوله تعالى:(وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْم يُبْعَثُون)(1) وقال: «هو القبر، وانّه لهم فيه لمعيشة ضنكا، واللّه إنّ القبر لروضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار».(2)

روى الكليني، عن عمرو بن يزيد، قلت لأبي عبد اللّه: إنّي سمعتك، وأنت تقول: كلّ شيعتنا في الجنة على ما كان فيهم، قال: «صدّقتك، كلّهم واللّه في الجنة» قال: قلت: جعلت فداك انّ الذنوب كثيرة كبائر، فقال: «أمّا في القيامة فكلّكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع، أو وصيّ النبيّ، ولكنّي واللّه أتخوّف عليكم في البرزخ» قلت: وما البرزخ؟قال: «القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة».(3)

وعلى ذلك فكلّما أُطلق القبر فهو كناية عن تلك الحياة، وذلك العالم الفسيح، والآيات والروايات تشهد على أنّه أمر عام يشمل جميع أفراد الإنسان دون فرق بين من مات حتف أنفه أو افترسه السبع أو غرق في الماء، ومن تحوّل بدنه إلى تراب فأثارته الرياح ونشرته، فأكثر هؤلاء لا قبر لهم بالمعنى الملموس، وإن كان لهم قبر بالمعنى الكنائي.

إذا عرفت معنى القبر في الروايات، فهنا مسائل ثلاث:


1 . المؤمنون:100.
2 . بحار الأنوار: 6/159، باب سكرات الموت، الحديث 19.
3 . بحار الأنوار: 6/267، باب أحوال البرزخ والقبر وعذابه وسؤاله، الحديث 116.


(182)

1. السؤال في القبر.

2. ما يسأل عنه.

3. عمّن يسأل.

السؤال في القبر

قال الصدوق في رسالة العقائد: اعتقادنا في المسألة في القبر أنّها حقّ لابدّ منها، فمن أجاب بالصواب، فإذا بروح وريحان في قبره، وبجنة نعيم في الآخرة; ومن لم يأت بالصواب فله نزل من حميم في قبره، وتصلية جحيم في الآخرة.(1)

وقال الشيخ المفيد: جاءت الآثار الصحيحة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّ الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم على أديانهم، وألفاظ الأخبار بذلك متقاربة فمنها أنّ ملكين للّه تعالى، يقال لهما ناكر ونكير ينزلان على الميّت فيسألانه عن ربِّه ونبيه ودينه وإمامه، فإن أجاب بالحقّ سلّموه إلى ملائكة النعيم، وإن ارتج عليه سلموه إلى ملائكة العذاب.(2)

وقال المحقّق الطوسي: وعذاب القبر واقع للإمكان وتواتر السمع بوقوعه.(3)

والسؤال في القبر والتعذيب والتنعيم من العقائد الإسلامية التي اتّفقت عليها كافّة الفرق الإسلامية.

قال أحمد بن حنبل: وعذاب القبر حقّ يسأل العبد عن دينه، وعن ربّه، ويرى مقعده من النار والجنة، ومنكر ونكير حقّ.(4)


1 . البحار: 6/279، باب أحوال البرزخ.
2 . شرح عقائد الصدوق: 45، ط تبريز.
3 . كشف المراد: المقصد السادس، المسألة 14.
4 . كتاب السنّة لأحمد بن حنبل: 44ـ50.


(183)

وقال الإمام الأشعري: ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير ومساءلتهما المدفونين في قبورهم.(1)

وقال القاضي عبد الجبار ـ و هو من أعاظم متكلّمي المعتزلة في القرن الخامس ـ : لا خلاف فيه بين الأُمّة، إلاّ شيء يحكى عن ضرار بن عمرو، وكان من أصحاب المعتزلة، ثمّ التحق بالمجبرة، ولهذا ترى ابن الراوندي يشنع علينا، ويقول: إنّ المعتزلة ينكرون عذاب القبر ولا يقرّون به.(2)

وهذا النوع من الاعتقاد العام رهن روايات وردت في القبر وسؤاله وعذابه، والروايات في هذا الباب متضافرة بل متواترة، ولكن ليس فيها أيّ إشارة إلى أنّ المسؤول هو البدن العنصري، ولذلك قلنا إنّ المسؤول هو البدن البرزخي فلا مناص من إرجاع السؤال والعذاب والروح والريحان إلى البدن البرزخي.

نعم ربما يعبر عنه بالقالب المثالي، وهذا هو الإمام الصادق (عليه السلام) يصف البدن، يقول أبو ولاّد الحناط :قلت له :جعلت فداك يروون أنّ أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش، فقال: «لا، المؤمن أكرم على اللّه من أن يجعل روحه في حوصلة طير، لكن في أبدان كأبدانهم».(3)

وفي رواية أُخرى عنه (عليه السلام) : «فإذا قبضه اللّه عزّوجلّ صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا».(4)

نعم ربما يستفاد من بعض الروايات أنّ المسؤول والمعذَّب والمنعّم هو هذا


1 . مقالات الإسلاميين: 320ـ 325.
2 . شرح الأُصول الخمسة: 730.
3 . البحار: 6/268، باب أحوال البرزخ الحديث 119.
4 . البحار: 6/270، باب أحوال البرزخ، الحديث 124.


(184)

البدن العنصري، في ذلك المكان الضيق إلاّ انّ تأويلها أفضل من الاعتماد عليها.(1)

إلى هنا اتضحت الأُمور الثلاثة التالية:

1. المراد من القبر هو عالم البرزخ.

2. انّ السؤال والتعذيب والتنعيم أمر متفق عليه بين المذاهب الإسلامية.

3. انّ المسؤول هو البدن المثالي.

نعم بقي هناك أمران وهما:

1. الأُمور التي يسأل عنها.

2. المسؤولون في البرزخ. وإليك البحث عن هذين الأمرين.

1. الأُمور التي يسأل عنها

لقد تكفّلت الأخبار بتحديد الأُمور التي يسأل عنها.

فقد روى زر بن حبيش الأسدي الكوفي (وهو من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ) قال: سمعت عليّاً، يقول: «إنّ العبد إذا أُدخل حفرته أتاه ملكان اسمهما منكر ونكير، فأوّل ما يسألانه عن ربّه، ثمّ عن نبيه، ثمّ عن وليّه، فإن أجاب نجا، وإن عجز عذباه» فقال له رجل: ما لمن عرف ربّه ونبيه ولم يعرف وليّه؟

فقال:« مذبذب(2)، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل فلن تجد له سبيلاً ذلك لا سبيل له».(3)


1 . لاحظ البحار: 6 / 222 ـ 226، باب أحوال البرزخ، الحديث 22 و 26.
2 . متحير و متردد بين أمرين.
3 . البحار: 6/233، باب أحوال البرزخ، الحديث 46.


(185)

وروى سعيد بن المسيب، قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يعظ الناس ويزهدهم في الدنيا ويرغّبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كلّ جمعة في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحفظ عنه وكتب، كان يقول:« أيّها الناس اتّقوا اللّه، واعلموا أنّكم إليه ترجعون، فتجد كلّ نفس ما عملت في هذه الدنيا من خير محضراً، وما عملت من سوء تود لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم اللّه نفسه، ويحك ابن آدم، الغافل، وليس بمغفول عنه.

ابن آدم انّ أجلك أسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك ويوشك ان يدركك، وكأن قد أُوفيتَ أجلك وقبض الملك روحك، وصرتَ إلى منزل وحيداً فرد إليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكاك: منكراً ونكيراً، لمساءلتك وشديد امتحانك، ألا وإنّ أوّل ما يسألانك عن ربّك الذي كنت تعبده، وعن نبيِّك الذي أُرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاّه، ثمّ عن عمرك فيما أفنيته؟ ومالك من أين اكتسبته وفيما أتلفته؟ فخذ حذرك وانظر لنفسك».(1)

2. المسؤولون في البرزخ

أمّا المسؤولون في البرزخ فتحديدهم رهن نقل الأخبار والروايات:

1. روى أبو بكر الحضرمي، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «لا يُسأل في القبر إلاّ


1 . البحار: 6/223، باب أحوال البرزخ، الحديث 24.


(186)

من محضّ الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً» فقلت له: فسائر الناس؟ فقال: «يلهى عنهم».(1)

2. روى محمد بن مسلم، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لا يسأل في القبر إلاّ من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً».(2)

إلى هنا تمّ ما أردنا ذكره في هذا المقام ممّا يرجع إلى عالم البرزخ، وهناك بحوث شيقة لها صلة به نطوي الكلام عنها بغية الاختصار.

وليعلم أنّ تعلّق النفس بالبدن البرزخي ليس هو من التناسخ بشيء، لما عرفت من أنّه عبارة عن تعلّق النفس بعد كمالها، ببدن آخر، ولكن البدن المثالي ليس بدناً آخر، بل هو عينه ولكن ألطف منه.


1 . البحار: 6/235، باب أحوال البرزخ، الحديث 52.
2 . البحار: 6/260، باب أحوال البرزخ، الحديث100.


(187)

الفصل الرابع عشر:

أشراط الساعة

تطلق أشراط الساعة ويراد منها علائم القيامة، ثمّ إنّ أشراط الساعة على قسمين:

1. الحوادث التي تتحقق قبل القيامة، وأهمها تقويض أركان النظام السائد في الكون.

2. الحوادث التي ترافق اختلال النظام وانهياره، ويعبر عنها بمشاهد القيامة.

وإليك البحث في كلا القسمين ضمن فصلين:

إنّ الذكر الحكيم يذكر بعض أشراط الساعة في مجموعة من الآيات لا تتجاوز عن سبع:

1. (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْجَاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ) .(1)

الأشراط جمع الشرط على وزن الصدف بمعنى العلامة.


1 . محمد:18.


(188)

يقول ابن منظور: أشراط الساعة علائمها.(1)

وأمّا الشرط على وزن الصبر، فيطلق ويراد ما يتوقف عليه وجود الشيء بنحو من أنحاء التوقف، فالأوّل يجمع على الأشراط، والثاني على الشروط.

فهذه الآية تخبر عن تحقّق بعض أشراط الساعة، حيث قال: (فَقَدْجاءَ أشْراطُها) وأمّا ما هو المراد من هذه الشرط المحقق فقد فسر ببعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتماداً على قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «بعثت أنا والساعة كهاتين».(2)

وهناك سؤال وهو انّه كيف يمكن أن تعدّبعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من علائم القيامة مع أنّ الفاصل الزماني بينهما ليس بقليل؟

ويجاب عنه: انّا إذا قسّمنا ما بقي من عمر الدنيا بالنسبة إلى ما مضى، لعلم أنّ ما بقي أقل بكثير ممّا مضى، فانّ الدنيا تجتاز مرحلة النضوج إلى مرحلة الهرم، فيصح عند ذلك جعل البعثة من علائم القيامة.

وربما يفسر بشقّ القمر في قوله سبحانه: (اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).(3)

وربما يفسر بنزول القرآن الكريم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وعلى كلّ حال فهذه الآية تحكي عن تحقّق بعض علائم الساعة.

2. (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبّي فَإِذا جاءَوَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً) .(4)

فسياق الآية تحكي عن أنَّ ذا القرنين بنى سداً منيعاً للحيلولة دون هجوم يأجوج ومأجوج، بناه من زبر الحديد ، قال سبحانه: (حَتّى إِذا سَاوى بَيْنَ


1 . لسان العرب: 7/329، مادة شرط.
2 . مجمع البيان: 5/102.
3 . القمر:1.
4 . الكهف:98.


(189)

الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَما اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَروُهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) .(1)

ثمّ أردف هذه الآيات بقوله: (هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ) فاندكاك السدّ من أشراط الساعة غير انّه لم يعلم انّه من القسم الأوّل الذي يتحقق مع وجود الإنسان على الأرض أو من القسم الثاني.

ولعلّ الآية التالية تكشف اللثام عن وجه الحقيقة.

3. (حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْكُنّا في غَفْلَة مِنْ هذا بَلْ كُنّا ظالِمينَ).(2)

إنّ قوله سبحانه في هاتين الآيتين:(حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ )بمنزلة قوله سبحانه في الآية السابقة :(فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ) وحيث إنّ الآيتين تحكيان عن استيلاء يأجوج ومأجوج على السدّ، وانسلالهم من الاتلال والأحداب إلى ذلك الجانب، فيعلم انّ الدكّ إنّما يتحقق قبل قيام الساعة والإنسان بعدُ في الدنيا، فيكون من أشراط الساعة والصنف الأوّل منها.

4. (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) .(3)

والمراد انّ نزول عيسى من أشراط الساعة يعلم بها قربها (فلا تمترنّ بها)بالساعة فلا تكذّبوا بها ولا تشكّوا فيها. والقراءة المعروفة هي العلم على وزن الحلم، وقرأ ابن عباس وقتادة والضحاك «علم» على وزن سلف بمعنى العلامة.(4)


1 . الكهف:96ـ 97.
2 . الأنبياء:96ـ 97.
3 . الزخرف:61.
4 . مجمع البيان:9ـ10/82.


(190)

غير انّ هناك بحثاً آخر وهو انّ نزول عيسى (عليه السلام) من أعلام القيامة وأشراطها، فهل المراد تولده ثمّ بعثه إلى بني إسرائيل؟ أو المراد هو نزوله عند ظهور المهدي؟ يظهر من بعض الروايات انّ المراد هو المعنى الثاني.

قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم».

وروي أيضاً أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تزال طائفة من أُمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى، فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا. فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أُمراء، تكرمة اللّه هذه الأُمّة».(1)

وهناك احتمال آخر وهو انّ الهدف من سرد قصة المسيح (عليه السلام) وحياته هو إزاحة الشكّ والغموض عن قيام الساعة، لأنّ حياة المسيح منذ ولادته إلى عروجه معجزة من معاجز اللّه تبارك وتعالى، فالقيامة أيضاً كذلك، فلا معنى للتبعيض بينهما، ويؤيد ذلك الاحتمال قوله في الآية: (فلا تمترن بها) .

يقول الطباطبائي في تفسيره: إنّ عيسى يعلم به الساعة في خلقه من غير أب وإحيائه الموتى فيعلم به انّ الساعة ممكنة فلا تشكّوا في الساعة ولا ترتابوا فيها البتة.(2)

وهذا التفسير لا ينافي التفسير الأوّل، إذ لا منافاة بين أن يكون المسيح بوجوده دليلاً على إمكان القيامة وفي الوقت نفسه آية من آياتها.

5. (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخان مُبين * يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ * أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنّا كاشِفُوا العَذابِ قَليلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ *


1 . جامع الأُصول لابن الأثير: 11/47ـ 48.
2 . الميزان: 18/118.


(191)

يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ).(1)

هذه الآيات السبع تخبر عن حوادث في مقاطع زمانية خاصة:

1. مجيء السماء بدخان مبين.

2. استيلاء العذاب المبين على الناس.

3. تضرّع الناس إلى اللّه بغية كشف العذاب عنهم.

4. موافاة الجواب بتكذيبهم رسول اللّه ورميه بالجنون.

5. كشف العذاب عنهم قليلاً وعودهم إلى ما كانوا عليه.

وقد اختلفت كلمة المفسرين في الزمان الذي تتحقق فيه تلك الحوادث، وهم على رأيين:

أ. هذه الحوادث تتحقق قبل القيامة وهي من أشراط الساعة ويدل عليه الآية التالية الواقعة بعد هذه الآيات: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى)(2) فانّ توصيف البطشة بالكبرى يناسب يوم القيامة. قال سبحانه: (فَإِذا جاءَتِ الطّامَّةُ الْكُبْرى)(3)، وقال: (فَيُعَذِّبُهُ اللّهُ الْعَذابَ الأَكْبَر)(4) وعندئذ تنسجم الآيات من حيث المضمون. ويكون المراد انّ هؤلاء مع ما رأوا العذاب بأُمّ أعينهم طلبوا كشف العذاب، فكشفنا عنهم العذاب قليلاً، ولكنّهم لم يعتبروا بالحوادث المريرة، فلما حان يوم القيامة انتقم منهم سبحانه، كما يقول: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُون) .

وعلى ضوء ذلك التفسير تكون الآيات الست من أشراط الساعة و الآية


1 . الدخان:10ـ 16.
2 . الدخان:16.
3 . النازعات:34.
4 . الغاشية:24.


(192)

السابعة راجعة إلى نفس القيامة.

ب. وهناك رأي آخر ذكره المفسرون، وهو: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا على قومه لمّا كذّبوه، فقال: اللّهمّ سنين كسنيّ يوسف، فأجدبت الأرض فأصابت قريشاً المجاعة، وكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان، وأكلوا الميتة والعظام ثمّ جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقالوا: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وقومك قد هلكوا فلتسأل اللّه تعالى لهم بالخصب والسعة فكشف عنهم، ثمّ عادوا إلى الكفر.

فعلى ضوء ذلك فالمراد من البطشة الكبرى، هي غزوة بدر التي انتقم اللّه منهم في ذلك اليوم.

ويحتمل على ضوء هذا التفسير أن يراد منه يوم القيامة أيضاً كما في التفسير الأوّل.

أقول: هذا التفسير بعيد عن الصواب لوجهين:

الوجه الأوّل: انّ قوله سبحانه: (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخان مُبين)هي صيرورة السماء دخاناً لا انّ الناس يرونها دخاناً لأجل الجوع والعطش كما في التفسير الثاني.

الوجه الثاني: انّ أهل السير لم يخبروا عن هذه الحادثة في عصر الرسول عندما كان في موطنه، على أنّ خلقه العظيم وسعة صدره يأبيان عن الدعاء على قومه، كيف وقد كُسرت رباعية رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) السفلى وشقّت شفته وكُلِم في وجنته وجبهته في أُصول شعره من قبل المشركين يوم أُحد ومع ذلك لم ينبس عليهم ببنت شفة وما دعا عليهم، والكلام الذي كان يتردّد على شفتيه، هو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّهمّ اهدِ قومي فانّهم لا يعلمون».


(193)

وحاصل التفسيرين: انّه طبقاً للتفسير الأوّل يكون المراد من اليوم في قوله:(يوم تأتي) هو قبيل القيامة، كما يكون المراد من اليوم في قوله: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى) هي يوم القيامة.

وعلى التفسير الثاني يكون اليومان متقاربين في عصر الرسول، غير انّ الأوّل يعد من أيام قبل الهجرة، والثاني من أيام بعد الهجرة أي يوم بدر.

6.(وَإِذا وَقَعَ الْقَولُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ).(1)

وفي هذه الآية مواضع للتساؤل.

الأوّل: ما هو المراد من قوله سبحانه: (وَإِذا وَقَعَ الْقَولُ عَلَيْهِمْ )؟

الثاني:ما هو المراد من الدابة الخارجة من الأرض ؟

الثالث:ما هو المراد من قوله: (تُكَلِّمُهُمْ) وماذا يقول لهم؟

الرابع: ما هو المقصود من الآيات الواردة في آياتنا؟ فهل هي آيات تكوينية أو المراد المعاجز والكرامات؟

الخامس: ما هو الهدف لإخراج الدابة من الأرض، وهل الهدف جلب المعاندين إلى حظيرة الإسلام أو إيجاد الحسرة في قلوب الكافرين؟

السادس:ما هو المراد من قوله: ( أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُون)؟ فهل هو علّة لنزول العذاب الذي يدلُّ عليه قوله :(وَإِذا وَقَعَ الْقَولُ عَلَيْهِمْ )، أو هو مقول قول الدابة؟ أو غير ذلك؟

هذه الاستفسارات تحوم حول الآية، وليس في الذكر الحكيم آية تعد نظيرتها


1 . النمل:82ـ 83.


(194)

حتى تفسر إحداهما بالأُخرى.

يقول العلاّمة الطباطبائي: ولا نجد في كلامه تعالى ما يصلح لتفسير هذه الآية وانّ هذه الدابة التي سيخرجها لهم من الأرض فتكلمهم ما هي؟ وما صفتها؟ وكيف تخرج؟ وماذا تتكلم به؟ بل سياق الآية نِعْمَ الدليل على أنّ القصد إلى الإبهام فهو كلام مرموز فيه.(1)

وعلى الرغم من ذلك فلنقوم بالإجابة على تلك الاستفسارات.

أمّا الأوّل: فالظاهر انّ المراد من قوله:( وَقَعَ الْقَولُ عَلَيْهِمْ ) هو حتمية العذاب، كما يقول سبحانه في نفس تلك السورة : (حَتّى إِذا جاءُوا قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحيطُوا بِها عِلْماً أَمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَولُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ).(2)

ولكن المراد من القول ليس هو القول اللفظي بل القول التكويني الذي يعبّر عنه بلفظة كن، ويعود المعنى حتمية العذاب الخارجي ووقوعه عليهم.

وأمّا الثاني: فالدابة في لغة العرب والقرآن مطلق ما يدبّ في الأرض سواء أكان إنساناً أو حيواناً، قال سبحانه: (وَاللّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّة مِنْ ماء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشي على أَرْبَع يَخْلُقُ اللّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ على كُلِّ شَيْء قَديرٌ )(3) ومع كونه يطلق لفظ الدابة على الإنسان يحتمل أن يكون المراد منها غيره حتى يكون خروجها من الأرض وتكلمها مع الناس آية أُخرى، ومع ذلك فيبقى مجرد احتمال لا تدعمه الروايات.

وأمّا الثالث: فالظاهر أنّ قوله: (أنّ النّاس كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُون)مقول


1 . الميزان:15/396.
2 . النمل:84ـ 85.
3 . النور:45.


(195)

قول الدابة فهي تخبر عن عناد المشركين والمنافقين.

وأمّا الرابع: فيحتمل أن يكون المراد من الآيات، الآيات الكونية الدالة على علمه وقدرته وحكمته سبحانه، كما يحتمل أن يكون المراد المعاجز التي تدل بنفسها على صحّة بعثة الأنبياء وصدق دعوتهم من جانب اللّه سبحانه. وهناك احتمال ثالث وهو انّ المراد هو الكتب السماوية التي أنزلها اللّه سبحانه مع رسله، ولعلّ الاحتمال الثالث هو الأقوى بالنظر إلى سائر الآيات، قال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الكِتاب فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَة مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَني إِسْرائيلَ * وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُون)(1) فهذه الآيات التي أذعن بها الأئمة وأنكرها المشركون شيء واحد وهو الكتب النازلة من اللّه سبحانه، بقرينة قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الكِتاب)في صدر هاتين الآيتين.

وأمّا الخامس: فلم نجد شيئاً يبيّن الغاية من إخراج الدابة، ولعلّ الهدف تمييز الطيب عن الخبيث، والمؤمن عن الكافر.

وأمّا السادس: أنّ في قوله سبحانه: (أنّ النّاس كانُوا بآياتنا لا يُوقِنُون)احتمالين:

احتمال انّه مقول قول الدابة، واحتمال انّه علة لنزول العذاب، وعلى كلّ حال، فقوله سبحانه: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلّ أُمّة فَوْجاً) دليل على أنّ هذا الحشر يقع قبل القيامة، لأنّ الحشر في ذلك اليوم يعمّ الجميع، قال سبحانه: (وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِر مِنْهُمْ أَحَداً) .(2)

وحصيلة البحث انّ تلك الطائفة من الآيات ذكرت من أشراط الساعة أمرين.


1 . السجدة:23ـ 24.
2 . الكهف:47.


(196)

خروج الدابة وتكلّمها مع الناس، حشر فئة من الناس قبل القيامة وقبل نفخ الصور.

7. (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأَتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأَتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأَتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ).(1)

إنّ هذه الآيات تحكي عن عناد المشركين وعمى قلوبهم، لأنّهم جعلوا إيمانهم رهن أُمور إمّا غير متحققة أو غير نافعة لحالهم، وهي عبارة عن:

1.إتيان الملائكة إليهم، وقد أخبر القرآن الكريم انّ نزول الملائكة إليهم يكون مقروناً بالعذاب والهلاك قال سبحانه: (ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِين) .(2)

2. إتيانه سبحانه ورؤيتهم له بأُم أعينهم، وهذا أمر محال، ويحتمل أن يكون مرادهم من إتيانه سبحانه هو مجيء يوم القيامة الذي تزاح فيه الأغشية فيتجلّى فيه توحيده وسائر أسمائه، ولو أُريد ذلك لكان الإيمان في ذلك اليوم غير مفيد.

3. انّـهم كانوا منتظرين بعض آيات اللّه سبحانه كما يحكي عنه قوله: (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبّك) ، ويحتمل أن يكون المراد أشراط الساعة أو نفس القيامة.

وعلى كلّ حال فلا ينفع الإيمان في ذلك اليوم.


1 . الأنعام:158.
2 . الحجر:8.


(197)

أشراط الساعة في الروايات والأحاديث

وقد ورد في الروايات أشراط الساعة وهي على طائفتين:

أ. ما يطرأ على أفكار الإنسان وسلوكه من التغير والتبدل.

ب. الحوادث الخارقة للعادة.

غير انّ دراسة هذه الروايات خارجة عن إطار التفسير الموضوعي فلنكتف برواية واحدة، وهي ما رواه حذيفة بن أسيد، قال:

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غرفة ونحن أسفل منه فاطلع إلينا، فقال: «ما تذكرون؟ » قلنا: الساعة، قال:«إنّ الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدّجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس...، ونزول عيسى بن مريم، وريح تلقي الناس في البحر».(1)

ورواه الصدوق في خصاله بشكل آخر قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في غرفة فاطّلع علينا، فقال: «فيم أنتم؟» فقلنا: نتحدّث، قال: «عمّ ذا؟» قلنا: عن الساعة.

فقال: «إنّكم لا ترون الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، وثلاثة خسوف تكون في الأرض: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج عيسى بن مريم (عليه السلام) ، وخروج يأجوج ومأجوج، وتكون في آخر الزمان نار تخرج من اليمن من قعر الأرض لا تدع خلفها أحداً تسوق الناس إلى المحشر كلّما قاموا قامت لهم


1 . صحيح مسلم:8/179، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة من كتاب الفتن.


(198)

تسوقهم إلى المحشر».(1)

وأمّا الروايات الحاكية عن طروء التغيّر والتبدّل على حياة الناس وسلوكهم شياع الفساد والعصيان فكثيرة جمعها العلامة المجلسي في البحار.(2)


1 . البحار:6/304، باب اشراط الساعة، حديث 3.
2 . بحار الأنوار: 6/505، باب أشراط الساعة، حديث6.


(199)

الفصل الخامس عشر:

مشاهد الساعة

قد عرفت أشراط الساعة وهي الحوادث التي تتحقّق، قبيل القيامة، بقي الكلام في مشاهد الساعة أعني الحوادث التي تتزامن مع قيامها وهي عدّة أُمور أشار إليها الذكر الحكيم. وليعلم انّ كلّ ممكن في هذه النشأة لم يكتب له البقاء والخلود بل يفنى إذا بلغ أجله، قال سبحانه: (ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُون)(1)، وفي آية أُخرى: (ما خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ وَالأَرضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالحَقِّ وَأَجَل مُسَمًّى وَإِنّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُون) .(2)

وعلى ضوء ذلك يذكر القرآن الكريم مشاهد الساعة وانّه كيف تنشق السماء وتنفطر، وتنشق الأرض وينهار النظام السائد، إلى غير ذلك من مشاهدها التي نذكرها تباعاً.

1. سير الشمس والقمر إلى أجل مسمّى

إنّ الشمس والقمر من الأجرام السماوية ولكلّ واحد أجل معين، فإذا جاء


1 . الأحقاف:3.
2 . الروم:8.


(200)

أجلهما يتوقفان عن السير وبالتالي يزول نظامهما، قال سبحانه: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري إِلى أَجَل مُسمًّى).(1)

2. الأجل المحدود لعمر الإنسان

إنّ لكلّ إنسان أجلاً محدَّداً فإذا انتهت حياته إلى ذلك الحد، ينطفئ مصباح عمره، يقول سبحانه: (اللّهُ يَتَوفّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوتِها وَالّتي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الّتي قَضى عَلَيْهَا الْمَوتَ وَيُرْسِلُ الأُخرى إِلى أَجَل مُسَمًّى) .(2)

فمطيّة الموت تنوخ عند عتبة كلّ إنسان شاء أم أبى.

3. أجل الأُمم

القرآن يذكر أنّ لكلّ أُمّة أجلاً كما أنّ لكلّ فرد أجلاً خاصاً، فللأُمم حياة وموت، وبزوغ حضارة وأُفولها، يقول سبحانه:

(لِكُلِّ أُمّة أَجَلٌ إِذا جاءَأَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) .(3) وقد تكرر هذا المضمون في سور أُخرى.(4)

وهذه الآيات توحي إلى أنّ مجموعة الظواهر الكونية كتب عليها البقاء إلى أجل مسمّى، فإذا جاء أجلها قضي على حياتها ووجودها.

طروء حوادث في الكون عند قيام الساعة

ينص القرآن الكريم على أنّ قيام الساعة يتزامن مع حوادث كونية يضمّحل فيها النظام الكوني وينهار، وهذه الحوادث هي كالتالي:


1 . لقمان:29.
2 . الزمر:42.
3 . يونس:49.
4 . لاحظ:الأعراف:34; الحجر:5; المؤمنون:43.


(201)

الحوادث التي تقع في السماء

القرآن الكريم يحكي مشاهد الساعة في الآيات التالية، ويستخدم فيها الألفاظ التالية: الانشقاق، الانفطار، الانفتاح، الانفراج، الانطواء، التبدل، المور، المهل، وردةً كالدهان، التكوير، خسف القمر، واجتماع الشمس والقمر، إلى غير ذلك من التعابير الواردة في الآيات، وكلّ تعبير يشير إلى جانب من تلك الحوادث، يقول سبحانه:

1.(إِذا السَّماءُ انْشَقَّتْ) .(1)

2. (إِذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) .(2)

3. (وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً) .(3)

4. (وَإِذا السَّماءُفُرِجَت) .(4)

5. (يَوْمَ نَطْوي السَّماءَ كَطَيّ السِّجِلِّ لِلْكُتُب) .(5)

6. (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماوات) .(6)

7. (يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً) .(7)

8. (يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْل) .(8)


1 . الانشقاق:1.
2 . الانفطار:1.
3 . النبأ:19.
4 . المرسلات:9.
5 . الأنبياء:104.
6 . إبراهيم:48.
7 . الطور:9.
8 . المعارج:8.


(202)

9. (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخان) .(1)

10. (فَكانَتْ وَردَةً كالدِّهان) .(2)

11. (وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ) .(3)

إلى غير ذلك من الآيات التي ترسم لنا مشاهد الساعة بما فيها من الحوادث المرعبة التي تقضي على حياة الكون ونظامه، فالسماء التي كانت تتراءى كأنّها سقف محفوظ، تنشق وتنفطر وتنفرج وتنطوي كطي السجل للكتب، وتمور وتضطرب وتتموج وتأتي كالصفر المذاب وتأتي بصورة دخان كأنّها وردة كالدهان ، وكأنّ السماء كشطت وأزيلت وتمددت، إلى غير ذلك من الأحوال المتعاقبة التي تطرأ على السماء.

وثمّة نكتة جديرة بالإشارة وهي انّ القرآن الكريم ينص على أنّ السماء في بدء الخلقة كانت من دخان وسيؤول إليه عند الانقضاء، حيث يشير إلى بدء الخلقة، بقوله: (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخان).(4) كما يشير إلى زوالها وصيرورتها دخاناً بقوله: (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخان مُبِين) .(5)

النجوم والشمس والقمر في مشاهد القيامة

إنّ النجوم التي كانت تزّين السماء وتهدي الإنسان، تنطمس وتنكدر وتندثر يوم القيامة، قال سبحانه:


1 . الدخان:10.
2 . الرحمن:37.
3 . التكوير:11.
4 . فصلت:11.
5 . الدخان:10.


(203)

1. (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) .(1)

2. (وَإِذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) .(2)

3.(وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ) .(3)

4. (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) .(4)

5.(وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَر) .(5)

والمراد من جمع الشمس والقمر هو زوال النظام السائد عليهما، فالفاصل الموجود بينهما سيزول يوم القيامة ويكونان مقترنين.

فالنظام السائد ينهار ويزول لانتهاء أجله، ويحلّ محله نظام آخر أكمل منه، فيكون الزوال مقدمة لنظام آخر.

الأرض في مشاهد القيامة

إنّ الأرض سيارة كسائر السيارات لم يكتب لها البقاء، وكلّما تقدم بها الزمان تتقدم في العمر وتصل إلى أجلها المحتوم، وعند ذلك تقوم الساعة، والذكر الحكيم يصف مشاهد الساعة في الأرض ويقول:

1.(إِذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقالَها).(6)

2. (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وَتَرَى الأَرْضَ بارِزَة) .(7)


1 . المرسلات:8.
2 . التكوير:2.
3 . الانفطار:2.
4 . التكوير:1.
5 . القيامة:8ـ9.
6 . الزلزلة:1ـ2.
7 . الكهف:47.


(204)

3. (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيرَ الأَرْض) .(1)

4. (يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً) .(2)

5. (كَلاّ إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً) .(3)

6. (إِذا رُجَّتِ الأَرضُ رَجّاً) .(4)

7. (وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّت) .(5)

إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّن وضع الأرض عند قيام الساعة، والقرآن الكريم يستخدم في تبيينه مشاهد الساعة في الأرض كلمة الزلزال وتسيير الجبال وبروز الأرض وتبدّلها وتشقّقها ودكّها ورجّها ومدّها.

فهذه الطائفة من الآيات تحكي حال الأرض عند قيام الساعة، وبعد ما يحلَّ النظام الجديد تكون الأرض مشرقة بنور ربّها، كما يقول سبحانه: (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الكِتابُ وَجيءَ بالنَّبيّينَ وَالشُّهداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَهُمْ لا يظْلمُون) .(6)

فأين الأرض المضطربة التي صادفت تلك الحوادث الصعبة من الأرض المشرقة بنور ربها؟!

البحار والجبال في مشاهد القيامة

إنّ البحار والجبال من الظواهر الأرضية، ولكلّ دور في ظهور الحياة على


1 . إبراهيم:48.
2 . ق:44.
3 . الفجر:21.
4 . الواقعة:4.
5 . الانشقاق:3.
6 . الزمر:69.


(205)

الأرض فالجبال أوتاد عائقة عن تفكك الأرض إلى قطعات مختلفة كما أنّ البحار لها هذا الدور أيضاً، واللّه سبحانه يصف وضعهما عند قيام الساعة فيقول:

1. (وَإِذَا البِحارُ سُجِّرَت) .(1)

2. (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُور) . (2)

3. (وَإِذا البِحارُ فُجِّرَت) . (3)

وهذه الآيات تصوّر لنا حال البحار يوم القيامة، والمراد من تسجير البحار هو اختلاط عذب مائها بمالحها، ومالحها بعذبها ،كما أنّه المراد من تفجيرها هو كذلك، فيصير الجميع بحراً واحداً على خلاف ما في هذه الدنيا فانّ الماء العذب ينفصل عن الملح الأُجاج، قال سبحانه: (هُوَ الَّذي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَ هذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً) .(4) وقال سبحانه: (مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيان).(5)

هذا حال البحار في الدنيا، ولكن يتغير وضع البحار في يوم القيامة ويكون الجميع شيئاً واحداً مختلطاً كأنّها فحم ملتهب.

وأمّا الجبال في يوم القيامة فيرسمها الذكر الحكيم، بالشكل التالي:

1. (وَإِذَا الجِبالُ سُيِّرَتْ) .(6)

2. (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبال) .(7)


1 . التكوير:6.
2 . الطور:6.
3 . الانفطار:3.
4 . الفرقان:53.
5 . الرحمن:19.
6 . التكوير:3.
7 . الكهف:47.


(206)

3. (وَتَسيرُ الجِبالُ سَيراً) .(1)

4. (وَسُيِّرتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَراباً) .(2)

5. (وَتَكُونُ الجِبالُ كَالْعِهنِ المَنْفُوش) .(3)

6. (وَإِذَا الجِبالُ نُسِفَتْ) .(4)

7. (يَوْمَ تَرجُفُ الأرْضُ وَالجِبالُ وَكانَتِ الجِبالُ كَثيباً مهيلاً).(5)

8. (وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسَّاً * فَكانَتْ هباءً مُنْبَثاً) .(6)

9. (وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالجِبالُ فَدُكَّتا دَكّةً واحِدة) .(7)

وهذه الآيات تحكي عن طروء تحولات وتغيرات على الجبال، منها:

1. الحركة والسير والرجف وهي الحركة الشديدة والاضطراب.تسفر عن نسف الجبال من أصلها.

2. وتعود في المرحلة الثانية كأنّها غبار منبث في الفضاء.

3. وأخيراً تؤول نهايتها إلى أطلال من تراب.

وهذه التحولات التي يمرّ بها النظام الكوني السابق، توحي إلى صورة كئيبة ومرعبة عن وضع العالم ولكنّها تبشر ـ في الوقت نفسه ـ بظهور نظام أكمل من ذي قبل.


1 . الطور:10.
2 . النبأ:20.
3 . القارعة:5.
4 . المرسلات:11.
5 . المزمل:14.
6 . الواقعة:5ـ6.
7 . الحاقة:14.


(207)

الفصل السادس عشر :

النفخ في الصور
أو بداية حياة جديدة

قد مرّ في الفصل السابق مشاهد القيامة والحوادث التي ترافقها، وها نحن نبحث الآن موضوع النفخ في الصور الذي هو بداية لحياة جديدة وقد عقدنا الفصل لأجله.

وفي الواقع أنّ النفخ في الصور بتفاصيله مازال مجهولاً لنا، وهو من الأُمور الغيبيّة التي يجب الإيمان بها، وقد عبر عنها القرآن بأمر محسوس من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وعلى كلّ حال فالنفخ له مرحلتان:

المرحلة الأُولى: مرحلة الإماتة، وهي قُبيل يوم القيامة يسفر عن هذا النفخ الصعقُ و الفزع اللّذان كُنّيَ بهما عن الموت.

المرحلة الثانية: مرحلة الإحياء وإحضار الناس إلى المحشر.

وقد ذكرت النفختان في الآية التالية: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأَرضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ ثُمَّ إِذا نُفِخَ فِيهِ أُخرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُون).(1)


1 . الزمر:68.


(208)

فقوله:(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ ...) إشارة إلى النفخة الأُولى التي تميت من في السماء والأرض إلاّمن شاء اللّه.

وقوله :( ثُمَّ إِذا نُفِخَ فيهِ أُخرى) إشارة إلى النفخة الثانية التي يقوم فيها الناس من الأجداث منتظرين لمصيرهم.

وهناك آية أُخرى صرّحت بالنفخة الأُولى وأشارت إلى نتيجة النفخة الثانية، من دون أن تصرّح بالنفخة الثانية، قال: (وَيَومَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزعَ مَنْ فِي السَماواتِ وَمَنْ فِي الأَرضِ إِلاّمَنْ شاءَ اللّهُ وَكُلٌّ أَتوهُ داخِرين) .(1)

فقوله: (يَوم يُنْفَخُ في الصور) إلى قوله: (إِلاّ مَنْ شاء اللّه)تتحد مع ما جاء في الآية الأُولى.

وأمّا قوله: (وَكُلٌّ أَتوهُ داخِرين) معناه يأتونه في المحشر إذلاّء صاغرين، وهذه نتيجة النفخة الثانية غير المذكورة ، وكأنّه قال: «ثمّ نفخ فيه أُخرى وكلّ أتوه داخرين».

وعلى كلّ حال فقد وردت النفخة الثانية في القرآن الكريم في سبع آيات، وهي:

1. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً) .(2)

2. (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَومَئِذ...) .(3)

3. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيد) .(4)


1 . النمل:87.
2 . الكهف:99.
3 . المؤمنون:101.
4 . ق:20.


(209)

4. (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِنَفْخَةٌ واحِدَةٌ...) .(1)

5. (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّور) .(2)

6. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنحْشُرُ المُجْرِمينَ يَوْمَئِذ زُرْقاً) .(3)

7. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً) .(4)

تعابير أُخرى عن النفخة في الصور

وقد عبر القرآن الكريم عن تلك الواقعة المفزعة، ثمّ المحيية بتعابير أُخرى، وهي كالتالي:

1. الصيحة:

وهي الصوت العالي، والقرآن يحكي عن تعدّدها كالنفخ، وهي صيحة الإماتة، وصيحة الإحياء، ويذكر الأُولى بقوله: (ما يَنْظُرونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوصِيةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ).(5)

فهذه الصيحة عبارة عن النفخة الأُولى أو نتيجتها، والناس حينها أحياء يتخاصمون بعضهم مع بعض ولكنّها لا تمهل الناس أن يوصوا بشيء أو يرجعوا إلى أهلهم فيوافيهم الموت.

وأمّا الصيحة الثانية القائمة مكان النفخة الثانية، فقد أُشير إليها بقوله سبحانه: (إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُون).(6)


1 . الحاقة:13.
2 . الأنعام:73.
3 . طه:102.
4 . النبأ:18.
5 . يس:49ـ 50.
6 . يس:53.


(210)

فقوله سبحانه: (فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرون) ، نظير قوله في النفخة الثانية: (فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرونَ) أو قوله: (كُلٌّ أَتوهُ داخِرينَ).

يقول سبحانه: (وَاسْتمِعْ يَوْم يُنادِ المنادِ مِنْ مَكان قَريب * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَة بِالحَقّ ذلِكَ يَوم الخُرُوج) .(1)

والظاهر انّ الآية تشير إلى النفخة الثانية لقوله بعد سماع الصيحة: (ذلِكَ يَوم الخُروج) وقد كانت الصيحة الأُولى، صيحة الإماتة لا الخروج من الأجداث وإنّما كانت الصيحة الثانية ملاك الخروج والمثول أمام اللّه سبحانه.

2. الصاخّة:

وهناك تعابير في القرآن الكريم تنطبق مع النفخة الثانية، وهي الصاخّة والنقر والزجرة، يقول سبحانه: (فَإِذا جاءَتِ الصاخَّة * يَوْمَ يَفِرُ المَرْءُ مِنْ أَخيهِ * وَأُمّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيه * لِكُلِّ امْرِء مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) .(2)

والصاخّة: هي الصيحة والصوت العالي التي تكاد تصُم الآذان، والمراد منها هي النفخة الثانية بشهادة أمرين:

الأوّل: انّه جاء بعده فرار المرء من أعزّائه، وهي من خصائص يوم القيامة لا قبلها.

الثاني: انّ الآيات التالية تصنّف الناس إلى قسمين كما في قوله تعالى:

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَة * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَة * وَوُجُوهٌ يَومَئِذ عَلَيْها غَبَرَة * تَرْهَقُها قَتَرَة) .(3)


1 . ق:41ـ42.
2 . عبس:33ـ 37.
3 . عبس:38ـ 41.


(211)

ومن الواضح انّ هذا التقسيم من خصائص يوم القيامة.

3. الزجرة

(فَإِنّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَة * فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَة) .(1)

ومعنى قوله:(زَجْرَةٌ واحِدَة) أي صيحة واحدة، (فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَة) أي فإذا هم ملقون على وجه الأرض، وسميت الأرض بالساهرة لأنّها لا تنام بشهادة أنّها تنبت النبت ليلاً ونهاراً عملاً دؤوباً دون انقطاع. وبما انّها تحكي عن ظهور الناس على الأرض فهي بالنفخ الثاني الذي يحيا فيه الناس أوفق.

4. النقر

(فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُور * فَذلِكَ يَوْمَئِذ يَومٌ عَسير * عَلَى الكافِرينَ غَيْرُ يَسير) .(2)

والمراد من النقر: هو النفخة الثانية، بشهادة ما جاء بعده من إحياء الكافرين وانّه يوم عسير عليهم، وهذا بخلاف النفخة الأُولى فانّ أهوالها تعمّ المؤمن والكافر، ولذلك قال سبحانه: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرضِ) .(3)

5. الراجفة والرادفة

يقول سبحانه:(يَوْمَ تَرْجُفُ الراجِفَة * تَتْبَعُهَا الرادِفَة)(4) و«الراجفة»: صيحة عظيمة فيها تردد و اضطراب كالرعد إذا تمخض، وهي تنطبق على النفخة الأُولى، و«الرادفة»: كلّ شيء تبع شيئاً آخر فقد ردفه، ولعلّ المراد النفخة الثانية التي تعقب النفخة الأُولى، وهي التي يبعث معها الخلق، والشاهد على أنّ الرادفة


1 . النازعات:13 ـ 14.
2 . المدثر:8ـ10.
3 . الزمر:68.
4 . النازعات:6ـ7.


(212)

هي النفخة الثانية، قوله سبحانه: (قُلُوبٌ يَومَئِذ واجِفَة * أَبْصارها خاشِعَة)(1) أي: قلوب مضطربة شديدة وأبصار خاشعة ذليلة من هول ذلك اليوم.

ما هي حقيقة النفخ في الصور؟

إنّ الآيات السالفة الذكر تؤكِّد على أنّه ينفخ في الصور مرتين، ولكلّ نفخ أثره الخاص، إنّما الكلام في حقيقة هذا النفخ.

أمّا كلمة «نفخ» فمعلوم، يقال: نفخ نفخاً بفمه أي أخرج منه الريح، وأمّا الصور فهو القرن الذي ينفخ فيه(2)، ولعلّ الوسيلة الوحيدة للنفخ في ذلك الزمان كان هو القرن، فكان ينفخون فيه للإيقاظ، وقد تطورت الكلمة من حيث المصداق وأصبحت تطلق اليوم على كلّ وسيلة ينفخ فيها بغية إيجاد الصوت لغايات شتى.

وعلى أيّة حال فظاهر الآيات يوحي إلى وجود النفخ في الصور قبل يوم القيامة وحينه. لكن هل ثمة صور ونفخ حقيقيان، أو هما كناية عن إيجاد الصوت المهيب للإماتة والإحياء؟

والذي يمكن أن يقال إنّ هناك صوتين أحدهما قبل قيام الساعة والآخر بعده، فالصوت المرعب الأوّل لغاية إماتة الإنسان وإزالة النظام الكوني، وأمّا الصوت المرعب الثاني فهو لغاية إحياء الإنسان وحشره للحساب.

أمّا ما هو حقيقة هذا النفخ والصور؟ فهما من المسائل الغيبية التي يجب الإيمان بها، وإن لم نقف على حقيقتها وواقعها، وللعلامة الطباطبائي كلام في هذا الموضع نأتي بنصه:


1 . النازعات:8 ـ 9.
2 . مجمع البيان:3/496، تفسير الآية 99 من سورة الكهف.


(213)

ولا يبعد أن يكون المراد بالنفخ في الصور يومئذ مطلق النفخ أعمّ ممّا يميت أو يحيي، فانّ النفخ كيفما كان من مختصات الساعة ويكون ما ذكر من فزع بعضهم وأمن بعضهم من الفزع وسير الجبال من خواص النفخة الأُولى، وما ذكر من إتيانهم داخرين من خواص النفخة الثانية.(1)

سؤال وإجابة

ربما يطرح هنا سؤال وهو: ما هو مقدار الفاصل الزماني بين النفختين الذي يحكي عنه تخلّل لفظة «ثمّ» بين النفختين، يقول سبحانه: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُون)؟ .(2)

والجواب: انّه غير معلوم لنا مقدار الفاصل الزماني بينهما، ولعلّه من الأُمور التي استأثر اللّه بعلمها لنفسه، يقول سبحانه: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَة) .(3)

والعلم بالفاصل الزمني يستلزم العلم بزمن وقوع القيامة، فمثلاً الذي يعلم جميع أشراط الساعة إذا وقف على الفاصل الزمني بين النفختين لعلم بالضرورة زمن وقوع يوم القيامة مع أنّه سبحانه يقول: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ) .(4)

عن ثوير بن أبي فاختة، عن علي بن الحسين قال: سئل عن النفختين كم بينهما؟ قال: «ما شاء اللّه».(5)


1 . الميزان:15/400، ط بيروت.
2 . الزمر:68.
3 . لقمان: 34.
4 . الأعراف:187.
5 . بحار الأنوار:6/324.


(214)

سؤال آخر وإجابة

انّه سبحانه يستثني طائفة خاصة من الناس من الصعق عند النفخة الأُولى، ويقول: (وَنُفِخَ فِي الصُّور فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِوَمَنْ فِي الأَرْض إِلاّ مَنْ شاءَ اللّه ثُمَّ نُفِخَ فيهِ أُخرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنظُرُون).(1)

وعندئذ يطرح السؤال التالي وهو من هم الذين شاء اللّه أن لا يصعقهم عند النفخة؟

ويمكن الإجابة من خلال التدبّر في الآيات التالية:

1. (مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَع يَومَئِذ آمِنُون * وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَة فَكبَّت وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَل تُجْزونَ إِلاّما كُنْتُمْ تَعْمَلُون) .(2)

إنّ قوله سبحانه: (فكبت وجوههم في النار) دليل على أنّ المراد من اليوم في قوله: (وَهُمْ مِنْ فَزَع يَومئذ آمِنُون) هو يوم القيامة وانّ من جاء بالحسنة يكون آمناً في ذلك اليوم.

2. (لا يَحْزنهُم الفَزَعُ الأَكْبر وَتَتَلقاهُمُ المَلائِكَة هذا يَومكُمُ الّذي كُنْتُمْ تُوعَدُون) .(3)

وهذه الآية تشهد على أنّ هناك طائفة لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم القيامة فتتحد الآيتان من حيث المدلول.

لكن الكلام في تحديد من جاء بالحسنة، فهل المراد مطلق من جاء بالحسنة، وإن كانت حسنة تكتنفها الذنوب؟ فيلزم أن يكون كلّ من أتى بحسنة مأموناً من الفزع، وهذا مالا يمكن الإذعان به.


1 . الزمر:68.
2 . النمل:89ـ 90.
3 . الأنبياء:103.


(215)

أو المراد من جاء بالحسنة المطلقة؟ أي لا يوجد في كتابه إلاّ الحسنة، مقابل من لا يوجد في كتابه إلاّ السيّئة.

ولذلك يكون مصير الطائفة الثانية هو الانكباب في النار على وجوههم كما يكون مصير الطائفة الأُولى هو الأمن من الفزع، ومن الواضح انّ هذه الطائفة نادرة.

وعلى هذا فالطائفة المستثناة طائفة خاصّة تتميز بعمق الإيمان والاستقامة على الدين حتى صاروا ذوي نفوس مطمئنة لا تزعزعهم الحوادث المرعبة كما كانوا كذلك في الحياة الدنيا، وليس هؤلاء إلاّ الأنبياء والأوصياء.

ويمكن تحديد المستثنى بوجه آخر وهو انّه سبحانه يذكر انّ كلّ من شمله الصعق والفزع في النفخة الأُولى، يقوم عند النفخة الثانية وينتظر حساب عمله، قال: (ثُمَّ نُفِخَ فيهِ أُخرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنظُرون)(1) وقال في آية أُخرى: (وَكُلٌّ أَتوه داخرين).(2)

هذا من جانب، ومن جانب آخر تستثني بعض الآيات المخلصين من الحضور للحساب، وتقول: (فَإِذا هُمْ جَميعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ)(3) وفي آية: (فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاّعِبادَ اللّه المُخْلَصين).(4)

فالمخلصون من عباده سبحانه لا يحضرون إلى الحساب كما لا يحزنهم الفزع الأكبر ولا تصعقهم وتفزعهم النفخة الأُولى.

وأمّا المراد من المخلصين الذين لا يعمهم الفزع الأكبر فتوضحه الآيات


1 . الزمر:68.
2 . النمل:87.
3 . يس:53.
4 . الصافات:127ـ 128.


(216)

التالية:

1. يحكي سبحانه كلام إبليس ويقول: (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْر إِنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحقّ وَوعدتُكُمْ فَأَخلفتكُمْ وما كانَ لي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلطان إِلاّ أَن دعوتكم فاستَجَبتم لي فَلا تَلُومُوني وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ ما أَنَا بِمصرخكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصرِخيَّ إِنّي كَفَرتُ بِما أَشْرَكْتُمُون مِنْ قَبْلُ إِنّ الظّالِمينَ لَهُمْ عَذابٌ أَليم) .(1)

إلاّ أنّ الشيطان يعود ويستثني تسلّطه على المخلصين وإغواءهم ويقول: (قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَني لأُزيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْض وَلأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعين * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصين) .(2)

وقال: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعين * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصين)(3)، ومن خلال ضمّ هذه الآيات بعضها إلى بعض، يعلم انّ الآمنين من الصعق هم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر، ولا يحضرون إلى الحساب، وهم المخلصون الذين لا يتعرض لهم إبليس بالإغواء وليس هؤلاء إلاّ المعصومون من عباد اللّه، أعني: من الأنبياء والرسل والأئمّة.

سؤال ثالث وإجابة

دلّت الآيات على أنّه لم يكتب لأحد البقاء في هذه النشأة، وانّ الناس يموتون حتى الأنبياء والرسل، قال سبحانه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون) .(4)

وعندئذ فكيف يصحّ استثناء المخلصين، إذ يكون معنى الآية انّ كلّ من في


1 . إبراهيم: 22.
2 . الحجر:39ـ 40.
3 . ص:82ـ 83.
4 . الزمر:30.


(217)

السماوات والأرض لميتون عند النفخة الأُولى إلاّ المخلصين، مع أنّ أخلص المخلصين هو نبيّنا الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خوطب بقوله: (إِنَّكَ مَيِّت) ؟

والجواب: انّ الصعقة لو كانت بمعنى الفزع والخوف فالاستثناء يرجع إلى ذلك لا إلى الإماتة.

نعم لو كان الصعق والفزع في الآيتين بمعنى الموت فلا محيص من القول بأنّ المخلصين لا يموتون لأجل النفخ بل يموتون لأجل عامل آخر.


(218)

الفصل السابع عشر:

القيامة ومحاسبة الأعمال

إنّ من أسماء القيامة، يوم الحساب(1) أي اليوم الذي يحاسب سبحانه فيه العباد على أعمالهم، وهذا الأمر بمكان من الوضوح ممّا حدا بالإمام علي (عليه السلام) إلى بيان الفرق بين الدارين بتسمية الدار الأُولى، دار العمل، والدار الثانية دار الحساب، وقال: «واليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل».(2)

وقد وردت حول الحساب آيات وروايات، يجب على المفسّر دراستها بدقّة وإمعان لما فيها من الحقائق الشامخة، وفيها إجابة عن بعض الأسئلة المطروحة في هذا المضمار، وإليك عناوين المسائل:

1. ما هو الهدف من وراء محاسبة الأعمال؟

2. من المحاسِب؟

3. ما هي الأعمال التي يُحاسَب عليها؟

4. هل الحساب يعمُّ الجميع؟

5. ما معنى كونه سبحانه سريع الحساب؟


1 . انظر: سورة إبراهيم:41; ص: 16، 26، 53; غافر:27.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 42.


(219)

6. ما هو المقصود من سوء الحساب؟

7. من هم الذين يحاسبون حساباً يسيراً؟

8. اختلاف العباد عند الحساب.

9. إتمام الحجة على العباد عند الحساب.

10. الاعتراف بالذنوب ورجاء العفو والمغفرة.

هذه هي العناوين الرئيسية التي سنتناولها في هذا الفصل واحدة تلو الأُخرى.

1. ما هو الهدف من وراء محاسبة الأعمال؟

لقد اعتاد الإنسان في حياته العملية أن يجري الموازنة بين الدخل والصرف يبغي من وراء ذلك تنظيم حياته على وفقها.

واللّه سبحانه عالم بكلّ شيء فلا حاجة له إلى محاسبة الأعمال حتى يقف على خير الأعمال وشرها ونسبة أحدهما إلى الآخر، يقول سبحانه حاكياً عن لسان لقمان:(يا بُنَيَّ إِنّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَتَكُنْ في صَخْرَة أَو فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ إِنَّ اللّهَ لَطيفٌ خَبير)(1).

فلا محيص عن كون الداعي إلى المحاسبة شيئاً آخر، وهو إراءة عدله وجوده وحكمته عند المحاسبة، فلو عفا فلجوده وكرمه، وإن عذّب فلعدله وحكمته.

فمحاسبته تبارك وتعالى كابتلاء عباده، فانّ الهدف من الابتلاء ليس هو الوقوف على ما يَكْمُن في نفوس العباد من الخير والشر، بل الغاية إكمال العباد وتبديل طاقات الخير إلى فعليته، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : «لا يقولنَّ


1 . لقمان:16.


(220)

أحدكم: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة» لأنّه ليس أحد إلاّ وهو مبتل بفتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن، فانّ اللّه سبحانه يقول: (وَاعْلَمُوا أَنَّما أَموالكُمْ وَأَولادكُمْ فِتْنَة) ومعنى ذلك انّه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبين الساخط لرزقه والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتَظْهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب، لأنّ بعضهم يحبُّ الذكور ويكره الإناث، وبعضهم يحب تثمير المال، ويكره انثلام الحال».(1)

2. من المحاسِب؟

دلّت الأُصول التوحيدية على أنّ في صحيفة الوجود مدبراً واحداً وهو اللّه سبحانه، والمحاسبة نوع تدبير لهم فلابدّ من صلتها به إمّا مباشرة أو مع الواسطة بإذنه سبحانه. غير أنّ ظاهر كثير من الآيات على أنّ المحاسب هو اللّه سبحانه.

قال تعالى: (إِنّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) .(2)

وقال تعالى: (فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنا الحِساب) .(3)

وقال عزّ من قائل: (إِنْ حِسابُهم إِلاّ على رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ).(4)

وقال تعالى: (وَكَفى بِاللّهِ حَسِيباً) .(5)

وهذه الآيات صريحة في أنّه تعالى هو المحاسب.


1 . نهج البلاغة: من كلماته القصار، برقم 93.
2 . الغاشية:25ـ 26.
3 . الرعد:40.
4 . الشعراء:113.
5 . النساء:6 والأحزاب:38.


(221)

ولكن بعض الآيات تشير إلى أنّ المحاسب هو نفس الإنسان من خلال قراءة كتابه الّذي (لا يُغادِرُ صَغيرة وَلا كَبيرة إِلاّ أَحصاها)(1) ، قال سبحانه: (وَكُلَّ إِنْسان أَلْزَمْناهُ طائرَهُ في عُنُقه وَنخرج لَهُ يَومَ القِيامَة كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * إِقْرأ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوم عَلَيْكَ حَسيباً) .(2)

إِلاّ أنّ هذه الآيات لا تعارض الآيات الآنفة الذكر، لأنّ حساب العباد أنفسهم في طول محاسبته سبحانه لأعمالهم، فانّ الكتاب الذي في عنق الإنسان مكتوب بأمره سبحانه، وهو أيضاً قارئ بأمره، فلا تكون تلك المحاسبة مغايرة لمحاسبته سبحانه.

وأمّا الروايات فطائفة منها تؤيد الأوّل.

قال أمير المؤمنين في حقّ عائشة: «وأمّا فلانة فأدركها رأي (رائحة) النساء، وَضِغنٌ غلا في صدرها كَمِرْجَلِ القَيْنِ، ولو دعيت لِتَنالَ من غيري ما أتت إليَّ، لم تفعل، ولها بعد حرمتها الأُولى. والحساب على اللّه تعالى».(3)

والظاهر من بعض الروايات انّه سبحانه فوض أمر الحساب إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .

روى عبد اللّه بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، انّه قال: إذا كان يوم القيامة وكلنا اللّه بحساب شيعتنا.(4)

وقد ورد في تفسير قوله سبحانه: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابهم)(5) انّ الإمام


1 . الكهف:49.
2 . الأسراء:13ـ14.
3 . نهج البلاغة: الخطبة156، ط صبحي الصالح.
4 . البحار:7/264.
5 . الغاشية:26.


(222)

الصادق (عليه السلام) قال: «إذا كان يوم القيامة جعل اللّه حساب شيعتنا إلينا».(1)

وفي الزيارة الجامعة قوله: «وََإِيابُ الخَلْقِ إِلَيْكُمْ وَحِسابهُ عَلَيْكُمْ».

ولو صحت تلك الروايات فلا تنافي حصر الحساب في اللّه سبحانه، لأنّ محاسبتهم لحسنات شيعتهم أو ذنوبهم بأمر من اللّه سبحانه، فكما أنّ الملائكة لو قامت بحساب الأعمال بأمر من اللّه سبحانه لم يكن مخالفاً لحصر الحساب فيه سبحانه، وكذا غيرهم ممن لهم مقام شامخ يوم القيامة ولنبينا مقام محمود آتاه اللّه له فهو يشفع بإذن اللّه سبحانه لمن ارتضاه.

3. ما هي الأعمال التي يحاسب عليها؟

الآيات الواردة في هذا الصدد على صنفين:

أ. ما يدل على أنّه يسأل عن عامّة الأفعال، قال سبحانه:

(وَلَتُسئلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُون) .(2)

(لا يُسئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسئَلُون) .(3)

(ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُور) .(4)

(يَومَئِذ يَصْدُرُ النّاسُ أَشتاتاً لِيُروا أَعمالَهم) .(5)


1 . البحار:7/274.
2 . النحل:93.
3 . الأنبياء:23.
4 . الزمر:7.
5 . الزلزلة:6.


(223)

ب. ما يدل على أنّه يسأل عن بعض الأُمور، وهذه الأُمور عبارة عن:

ـ النعم الإلهية : قال سبحانه: (ثُمَّ لَتُسئَلُنَّ يَومَئِذ عَنِ النَّعيم)(1) ويمكن عدّ هذه الآية من الصنف الأوّل الذي دل على أنّ السؤال يتعلّق بجميع النعم، لأنّ كلّ ما يقوم به الإنسان من الأعمال حسناً كان أم قبيحاً، حلالاً أو حراماً، إنّما هو تصرف في نعمه سبحانه، فالسؤال عن النعم سؤال عن جميع الأفعال.

ـ القـرآن الكريم: قـال سبحانـه: (وَإِنَّهُ لَذِكْـرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ فَسَـوفَ تُسْأَلُونَ).(2)

وقال أيضاً: (الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُون) .(3)

ـ الشهادة : قال سبحانه: (سَتُكْتَبُ شَهادتهُمْ ويُسْأَلُون) .(4)

ـ المؤودة: قال سبحانه: (وَإِذا المؤودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ).(5)

ـ الكذب والتهمة: قال سبحانه: (تَاللّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تفترون).(6)

ـ الصدق: قال سبحانه: (لِيَسْئَلَ الصادِقينَ عَنْ صِدقِهِمْ وَأَعدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً) .(7)

غير انّ تخصيص هذه الأُمور بالسؤال عنها لا ينافي تعلّق السؤال بعامّة


1 . التكاثر:8.
2 . الزخرف:44.
3 . الحجر:91ـ 93.
4 . الزخرف:19.
5 . التكوير:8ـ9.
6 . النحل:56.
7 . الأحزاب:8.


(224)

الأفعال، فكأنّها من باب ذكر الخاص بعد العام.

وقد نشاهد هذا النوع من التقسيم في الروايات، حيث ورد فيها تعلّق السؤال بأُمور خاصة.

فصنف يدل على تعلّق السؤال بعامة الأفعال.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «وأعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم».(1)

وكتب (عليه السلام) إلى بعض عمّاله الذي خانه واستولى على بيت المال وذهب به إلى الحجاز:«فكأنّك قد بلغت المَدَى، ودفنت تحت الثرى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلِّ الذي ينادي الظّالم فيه بالحسرة، ويتمنّى المضيّع فيه الرجعة، ولات حين مناص».(2)

وصنف آخر يخصص السؤال ببعض الأُمور.

ويستفاد من جملة من الأخبار انّ الأُمور التالية يُسأل عنها بعينها:

1. التوحيد، 2. النبوة، 3. الولاية، 4. القرآن الكريم، 5. محبة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، 6. الصلاة، 7. عمر الإنسان، 8. شبابه، 9. أعضاؤه، 10. الثروة، التي اكتنزها، وفي أي شيء صرفها.

روى الصدوق في الخصال والأمالي بسنده عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن آبائه ، قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت».(3)


1 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 6.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 41.
3 . البحار: 7/58، باب محاسبة الأعمال، الحديث 1.


(225)

روى المفيد بسنده عن ابن عيينة، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، يقول: «ما من عبد إلاّ وللّه عليه حجّة، إمّا في ذنب اقترفه، وإمّا في نعمة قصّرعن شكرها».(1)

روى الشيخ في التهذيب، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة فإن قبلت قبل ما سواها».(2)

روى الصفار في بصائر الدرجات، عن أبي شعيب الحداد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا أوّل قادم على اللّه، ثمّ يقدم عليَّ كتاب اللّه، ثمّ يقدم عليَّ أهل بيتي، ثمّ يقدم عليَّ أُمّتي فيقفون فيسألهم في كتابي وأهل بيت نبيكم».(3)

روى القمي في تفسيره، عن جميل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: قلت قول اللّه (لتسألنَّ يومئذ عن النعيم)، قال: «تسأل هذه الأُمّة عمّا أنعم اللّه عليهم برسول اللّه، ثمّ بأهل بيته».(4)

روى الصدوق في عيون أخبار الرضا، عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا علي! إنّ أوّل ما يسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه، وأنّك وليُّ المؤمنين بما جعله اللّه وجعلته لك، فمن أقرَّ بذلك وكان يعتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له».(5)

النعم الدنيوية والسؤال عنها

إنّ الروايات الواردة في هذا المقام على أصناف:


1 . البحار: 7/262، باب محاسبة الأعمال، الحديث 13.
2 . المصدر نفسه، الحديث 33.
3 . المصدر نفسه، الحديث 22.
4 . المصدر نفسه، الحديث 39.
5 . المصدر نفسه، الحديث41.


(226)

1. ما دلّ على أنّ النعم الدنيوية يُسأل عن حلالها وحرامها، قال أمير المؤمنين: «ما أصف من دار أوّلها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب».(1)

2. ويُسأل عن كلّ شيء حتى البقاع والبهائم، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : «اتّقوا اللّه في عباده وبلاده، فانّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا اللّه ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشرّ فأعرضوا عنه».(2)

3. يُسأل عن كلّ شيء سوى ما صرف في سبيل اللّه، قال: «كلّ نعيم مسؤول عنه يوم القيامة إلاّ ما كان في سبيل اللّه».(3)

4. لا يُسأل عن الطعام الذي أكله، والثوب الذي لبسه، والزوجة الصالحة، قال الصادق (عليه السلام) : «ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهنَّ; طعام يأكله، وثوب يلبسه، وزوجة صالحة تعاونه ويحصن بها فرجه».(4)

هذه هي الروايات الواردة في المقام.

أمّا الأُولى والثانية فتدلاّن على سعة المسؤولية حتى يُسأل عن البقاع المتروكة والبهائم المرسلة في البيداء.

وأمّا الثالثة فلأنّ عدم السؤال عمّا صرف في سبيل اللّه، فهو أمر مرغوب إليه لا حاجة إلى السؤال. وأمّا عدم السؤال عن المأكل والملبس وغيرهما التي تعد من لوازم الحياة فلكرمه سبحانه على عباده، وتكون النتيجة السؤال عن كلّ شيء إلاّ ما صرف في سبيل اللّه أو ما تتوقف عليه ضرورة الحياة.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 82.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 167.
3 . البحار: 7/261، الباب الحادي عشر من كتاب العدل والمعاد، الحديث 10.
4 . المصدر نفسه: الحديث23.


(227)

4. هل الحساب يعمّ الجميع؟

هل الحساب يعمّ جميع أفراد الإنسان حتى الأنبياء والمرسلين، وكلّ من وضع عليه قلم التكليف أم لا؟ فالآيات الواردة في هذا المجال على أصناف:

أ. ما دلّ على أنّ السؤال يعمّ الجميع حتى العلماء والصديقين، قال سبحانه: (فَلَنَسْأَلَنَّ الّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) .(1)

وهذه الآية أوضح ما في الباب في عموم السؤال، ويؤيده ما روي عن أمير المؤمنين، انّه قال: «وذلك يوم يجمع اللّه فيه الأوّلين والآخرين لنقاش الحساب وجزاء الأعمال».(2)

ب. ما دلّ على أنّ السؤال مرفوع عن الجميع، قال سبحانه: (فَيَوْمَئِذ لا يُسأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جان) .(3)

وقال: (ولا يُسأَلُ عَنْ ذُنُوبهِمُ المُجْرِمُون) .(4)

ج. ما دلّ على سؤال المجرمين، قال سبحانه:(احْشُرُوا الّذينَ ظَلَمُوا وَأَزواجَهُم وَما كانُوا يعبدُون * مِنْ دُونِ اللّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُون) .(5)

د. ما دلّ على أنّ الصابرين يجزون بلا حساب، قال سبحانه: (قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذينَ أَحْسَنُوا في هذِِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللّهِ واسِعَةٌ إِنَّما


1 . الأعراف:6.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 102.
3 . الرحمن:39.
4 . القصص:78.
5 . الصافات: 22ـ 24.


(228)

يُوَفّى الصّابِرُونَ أَجْرهُمْ بِغَيْرِ حِساب) .(1)

فهل كلمة (بغير حساب) قيد للفعل، بمعنى يوفّى الصابرون بغير حساب؟ أو قيد لقوله: أجرهم، أي يوفّى الصابرون أجراً هو بغير حساب؟

فعلى الأوّل: فالصابرون غير مسؤولين أبداً، فانّ من يوفّى أجره توفية بغير حساب فهو يلازم عدم المحاسبة إذ لو كان هناك حساب لكانت التوفية بمقداره.

روى العياشي، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ولم ينشر لهم ديوان »، ثمّ تلا هذه الآية: (إِنَّما يُوَفَّى الصابِرُونَ أَجْرهُمْ بِغَيْرِ حِساب).(2)

الحساب التكويني والتدويني

يُصنّف الحساب إلى تكويني وتدويني، والمراد من الأوّل أنّ عالم الكون خلق على نظم خاصة لا تتخلف، فحركة الشمس والقمر، بزوغ النجوم وأفولها، مهبّ الرياح وهبوط الأمطار، واخضرار الأشجار، إلى غير ذلك من الآيات الكونية، قد خلقت على نظام معين، يقول سبحانه: (اَلشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبان)(3)، (وَالشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيز الْعَلِيم) .(4)

وليس هذا من خصائص الظواهر الطبيعية فحسب، بل تتعدّاها إلى الحوادث الاجتماعية التي لها ارتباط وثيق بحياة الإنسان والمجتمع.


1 . الزمر:10.
2 . مجمع البيان:4/492.
3 . الرحمن:5.
4 . يس:38.


(229)

وهذه هي التي يعبر عنها القرآن الكريم في غير واحدة من الآيات:

قال سبحانه: (سُنَّةَ اللّهِ فِي الَّذِينَ خَلَواْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْديلاً)(1) .(2)

فكلّ ما يصدر من الإنسان من الأعمال الحسنة والسيئة فهو ذو تأثير على مصير الفرد والمجتمع يسوقهما إلى السعادة والتكامل أو إلى الشقاء والانحطاط، أو إلى غير ذلك من الآثار.

بل تؤثر في الحياة الأُخروية ومصير الإنسان فيها، ولذلك قالوا: الدنيا مزرعة الآخرة، فما يزرعه فيها يحصده في الدار الآخرة.

وعلى ضوء ذلك فلو كان المراد من الحساب المحاسبة التكوينية، فالأعمال كلّها تُحاسب بمعنى انّها تؤثر في مصير الإنسان وحياته الأُخروية حسنها وسيّئها ولا يغادر فعل في ذلك المقام.

ولأجل ذلك يفترق الإنسان إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال.لأجل جزاء أعماله ولا يتطرق التخصيص إلى المحاسبة الكونية، فانّ التكوين لا يقبل التخصيص.

هذا كلّه حول الحساب التكويني، وأمّا الحساب التدويني فهو أمر راجع إلى الأفراد والحكومات، فكلّ فرد يوازن بين دخله ومصرفه كما تفعل ذلك كافة الدوائر والمؤسسات الحكومية والمالية وغيرها.

وهل الحساب في الدار الآخرة بهذا النحو الذي يمارسه الإنسان في دار الدنيا فتفتح الدواوين والكتب التي هي اضبارة لأعماله فتجمع الحسنات في


1 . الأحزاب:62.
2 . ولاحظ فاطر:43;غافر:85; الفتح:23; الإسراء:77.


(230)

قائمة والسيّئات في قائمة أُخرى ثمّ يوازن بينها فإن رجحت حسناته على سيئاته، فيعطى كتابه بيمينه، وإن رجحت سيئاته على حسناته يعطى كتابه بشماله، قال سبحانه:

(فَأمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ * فَسَوفَ يُحاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً).(1)

(وَأَمّا مَنْ أُوتيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَني لَمْ أُوتَ كتابِيَه).(2)

دراسة الآيات السالفة الذكر

إنّ الاختلاف في شمولية الحساب وعدمها راجع إلى الحساب التدويني، وأمّا الحساب التكويني فشموليته أمر لا خلاف فيه، لأنّ مرجع الحساب التكويني يعود إلى الآثار الواقعية للعمل التي لا تنفك عنه، ولذلك يعم الجميع من دون فرق بين صالح وصالح أو طالح وطالح.

إنّما الكلام في شمولية الحساب التدويني بالمعنى الذي عرفت، فقد مرّ أنّ بعض الآيات تثبت الشمولية لكافة الناس دون فرق بين الرسول والذين أرسل إليهم.(3)

كما أنّ بعض الآيات تنفي السؤال عن الإنس والجن(4) الذي يلازم نفي الحساب عنهم، فما هو وجه الجمع بين الطائفتين؟

وقد اختلفت كلمة المفسرين في الجمع بين الآيات بوجوه:

الأوّل: انّ الآيات النافية للسؤال لا تنفيه بتاتاً، بل تنفي السؤال على غرار


1 . الانشقاق:7ـ8.
2 . الحاقة:25.
3 . لاحظ الأعراف:6.
4 . لاحظ الرحمن:39.


(231)

السؤال في المحاكم.

حيث يُسأل الشخص عن الأعمال التي اقترفها ولِمَ فعلها؟ بيد انّ السؤال في المحكمة الإلهية ليس على هذا الغرار، بل انّ آثار الجرائم والذنوب تتجلّى في وجوده على وجه لا يمكن التملص منها، ولذلك نرى أنّه سبحانه أردف قوله: (فَيَومَئِذ لا يُسأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَان)(1) بقوله: (يُعْرفُ المُجْرِمُونَ بِسيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالْنَّواصِي وَالأَقْدامِ).(2)

الثاني: إزاحة الاختلاف بين الطائفتين باختلاف المواقف في يوم القيامة، حيث يُسأل الإنسان في موقف ولا يُسأل في موقف آخر.

الثالث: حمل الآيات النافية للسؤال، على السؤال عن طريق اللسان حيث تتكلم الأعضاء مكان الإجابة باللسان، قال سبحانه: (الْيَومَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون) .(3)

الرابع: الآيات المثبتة للسؤال ناظرة إلى الأحوال التي يمرّ بها الإنسان في غضون محاكمته، كما أنّ الآيات النافية ناظرة إلى المواقف التي ختمت فيها محاكمته واتضح مصيره من الجنة والنار. ولعلّ هذا الوجه يرجع إلى الوجه الثاني.

وعلى ذلك فتوفية الصابرين أُجورهم بغير حساب استثناء من الآيات المذكورة.

دراسة شمولية الحساب في الروايات

إنّ الروايات الواردة في هذا المضمار على طوائف:


1 . الرحمن:39.
2 . الرحمن:41.
3 . يس:65.


(232)

الأُولى: شمولية الحساب للجميع.

الثانية: شمولية الحساب للجميع عدا المشركين الذين يدخلون الجحيم بلا حساب.

الثالثة: شموليته لهم عدا بعض المؤمنين الذين يدخلون الجنة بلا حساب.

وإليك بعض ما روي في المقام.

أ. روى الإمام الباقر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «يا معاشر قرّاء القرآن، اتّقوا اللّه عزّ وجلّ فيما حملكم من كتابه فانّي مسؤول وانّكم مسؤولون، انّي مسؤول عن تبليغي، وأمّا أنتم فتسألون عمّا حملتم من كتاب ربّي وسنتي».(1)

ويصف الإمام علي (عليه السلام) يوم القيامة في بعض خطبه، ويقول: «وذلك يوم يجمع اللّه فيه الأوّلين والآخرين لنقاش الحساب».(2)

ب. وقال الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) : «اعلموا عباد اللّه انّ أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ولا تنشر لهم الدواوين وإنّما تنشر الدواوين لأهل الإسلام».(3)

روى الصدوق عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ يحاسب كلّ خلق إلاّ من أشرك باللّه عزّوجلّ فانّه لا يحاسب ويؤمر به إلى النار».(4)

ج. روى المفيد في أماليه بسنده، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن آبائه، عن رسول اللّه: «إذا كان يوم القيامة جمع اللّه الخلائق في


1 . أُصول الكافي:2/606.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 102.
3 . بحار الأنوار: 7/258، الباب 11 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 2.
4 . المصدر السابق: الحديث 7.


(233)

صعيد واحد ونادى مناد من عند اللّه يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم، يقول: أين أهل الصبر؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون لهم: ماكان صبركم هذا الذي صبرتم؟ فيقولون: صبرنا أنفسنا على طاعة اللّه، وصبرناها عن معصيته، قال: فينادي مناد من عند اللّه: صدق عبادي خلّوا سبيلهم ليدخلوا الجنة بغير حساب; قال: ثمّ ينادي مناد آخر يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم، فيقول: أين أهل الفضل؟ فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم الملائكة، فيقولون: ما فضلكم هذا الذي ترديتم به؟ فيقولون: كنا يجهل علينا في الدنيا فنحتمل، ويساء إلينا فنعفو، قال: فينادي مناد من عند اللّه تعالى صدق عبادي، خلّوا سبيلهم ليدخلوا الجنة بغير حساب; قال: ثمّ ينادي مناد من اللّه عزّ وجلّ يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم، فيقول: أين جيران اللّه جلّ جلاله في داره؟ فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم زمرة من الملائكة، فيقولون لهم: ما كان عملكم في دار الدنيا فصرتم به اليوم جيران اللّه تعالى في داره؟ فيقولون: كنّا نتحاب في اللّه عزّوجلّ، ونتباذل في اللّه، ونتوازر في اللّه، قال: فينادي مناد من عند اللّه تعالى: صدق عبادي خلّوا سبيلهم لينطلقوا إلى جوار اللّه في الجنة بغير حساب، قال: فينطلقون إلى الجنة بغير حساب». ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام) : «فهؤلاء جيران اللّه في داره يخاف الناس ولا يخافون، ويحاسب الناس ولا يحاسبون».(1)

إنّ الطائفة الأُولى من الروايات تتفق مع الطائفة الأُولى من الآيات في شمولية الحساب، كما أنّ الطائفة الثالثة من الروايات تتفق مع ما جاء في الطائفة الثالثة من الآيات في استثناء الصابرين من الحساب، وإن كانت الروايات أوسع شمولاً من الآيات حيث عطف على الصابرين المخلصين والعافين عن الناس.


1 . بحار الأنوار: 7/171ـ 172، باب أحوال المتقين والمجرمين في القيامة من كتاب العدل والمعاد، الحديث 1.


(234)

ثمّ إنّ عدم سؤال المؤمنين نوع تكريم لهم، ولكن عدم سؤال المشركين نوع إهانة لهم، ولا غروة في أن يكون عملٌ واحدٌ تكريماً لقوم واهانة لقوم آخرين.

وعلى أيّة حال فالسؤال ونفيه يرجعان إلى السؤال التدويني لا التكويني فانّها عامة قطعاً.

5. ما معنى كونه سبحانه سريع الحساب؟

إنّ الذكر الحكيم يصف اللّه سبحانه بأنّه سريع الحساب، يقول: (الْيَومَ تُجْزَى كُلُّ نَفْس بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَومَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسَاب)(1) وقد ورد ذلك الوصف في غير واحد من السور.(2)

وفي الدعاء المعروف بالجوشن الكبير: «يا من هو سريع الحساب».

وحينها يطرح هذا السؤال وهو ما معنى وصفه سبحانه بأنّه سريع الحساب؟

قد ذكر المفسرون في تفسير ذلك الوصف وجوهاً:

الوجه الأوّل: انّه سبحانه سيجزي المؤمنين والكافرين.

والوصف كناية عن اقتراب الساعة، قال سبحانه: (وَمَا أَمْرُالسّاعَةِ إِلاّكَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَب) .(3)

وربما يطلق الحساب ويراد منه الجزاء.

الوجه الثاني: انّ سريع الحساب كناية عن أنّ العباد سيحاسبون في أسرع


1 . غافر:17.
2 . لاحظ البقرة:202; آل عمران:19، 199; المائدة:4; الأنعام:62; الرعد:41; إبراهيم:51; النور:39.
3 . النحل:77.


(235)

وقت دون أن يظلم أحد منهم.

روي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال: «إنّه يحاسب الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة».(1)

الوجه الثالث: انّ الحساب لا يختص بالآخرة بل يشمل الدنيا أيضاً، سواء أكان العمل حسناً أم قبيحاً، فيحاسب كلّ إنسان حسب عمله ويجزى على وفقه. ويجزى المحسن بتوفيقه للطاعة والإحسان ويجزى المجرم بخذلانه وحرمانه من الخير.

فكلّ عمل أعمّ من الخير والشر يعقبه الجزاء، بيد انّ الإنسان العادي لا يدرك الجزاء، ولكن العارف الواعي الذي يحاسب نفسه كلّ يوم يقف على جزاء عمله، ولذلك ورد في الحديث: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا».(2)

هذه هي الوجوه المذكورة في تفسير ذلك الوصف، والوجهان الأوّلان ناظران إلى أنّ ظرف الحساب هو النشأة الآخرة، والوجه الأخير ناظر إلى أنّ ظرفه هو النشأة الدنيوية، ولكلّ دليل يدعمه.

أمّا الوجهان الأوّلان، فيدل عليهما الآيات التالية التي تنص على أنّ ظرف الحساب هو النشأة الآخرة.

1. (وَتَرى المُجْرِمِينَ يَومَئِذ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ... لِيَجْزِيَ اللّهُ كلَّ نَفْس ما كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسَاب) .(3)

2. (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ أَلا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسِبيِن) .(4)


1 . مجمع البيان:1/298; الكشاف: 1/248.
2 . تفسير الصافي: للفيض الكاشاني.
3 . إبراهيم :49ـ51.
4 . الأنعام:62.


(236)

3. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالَهُمْ كَسَراب بِقيعَة يَحْسَبُهُ الظَمآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللّه عِنْدَهُ فَوفّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الحِسَاب) .(1)

غير انّ بعض الآيات يستظهر منها الإطلاق والشمولية للدنيا والآخرة، يقول سبحانه:

(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللّه فَإِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسَاب) .(2)

والدليل على إطلاقه وشموليته الآية التالية بعدها، يقول:

(أُولئِكَ الَّذينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَة وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِين).(3)

وجه دلالته: انّه سبحانه يحكم في هذه الدنيا بحبط أعمالهم في النشأتين، ولا يحكم بالحبط إلاّ بعد الحساب.

وممّا يؤيد الشمول قوله سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُل أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ وَمَاعَلَّمْتُم مِنَ الجَوارحِ مُكلِّبِينَ تعلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسَاب) .(4)

وظاهر الآية انّه سبحانه تبارك وتعالى يوصي في الصيد بالتقوى والإعراض عن اللهو والهوى وأن يكون الصيد لأجل سدّ العيلة، وما ذلك إلاّ لأنّه سبحانه بالمرصاد لهم وهو سريع الحساب.

فتحصل ممّا ذكرنا انّ الآيات على طائفتين:


1 . النور:39.
2 . آل عمران:19.
3 . آل عمران: 22.
4 . المائدة:4.


(237)

الأُولى: ما هي صريحة أو ظاهرة في أنّ ظرف الحساب هي النشأة الأُخرى.

الثانية: ما هي ظاهرة في أنّ ظرفه هي النشأة الدنيوية، أو مطلقة تعم النشأتين.

وعلى ضوء هذا التقسيم يكون المعنى الثاني والثالث أوفق بتفسير «سريع الحساب».

وأمّا المعنى الأوّل الذي يفسر الحساب بالجزاء فهو أبعد من ظاهر الآية فانّه يجعل الوصف كناية عن اقتراب الساعة وهو في غاية البعد.

ولا غرو في أن يكون سبحانه سريع الحساب، فكما هو يسمع دعاء الجميع في آن واحد ويرزقهم مجتمعين يحاسبهم كذلك.

سئل علي (عليه السلام) كيف يحاسب اللّه الخلق على كثرتهم؟ فقال (عليه السلام) : «كما يرزقهم على كثرتهم» فقيل كيف يحاسبهم ولا يرونه؟ فقال (عليه السلام) : «كما يرزقهم ولا يرونه».(1)

6. ما هو المقصود من سوء الحساب؟

إنّ الذكر الحكيم يصف الحساب في موارد بالسوء، ويقول: (وَالَّذينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَونَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الحِساب) .(2) وفي آية أُخرى: (أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحِسَاب) .(3)

وعندئذ يطرح السؤال التالي نفسه:

إذا كان الموكلون للحساب أُمناء صادقين فما هو الوجه في وصف الحساب بالسوء؟


1 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 300.
2 . الرعد:21.
3 . الرعد:18.


(238)

والجواب: انّ المراد من سوء الحساب هو الحساب الصادق الذي يسيء صاحبه، لأنّه يرى كلّ صغير وكبير من أعماله فيه مستتراً وعند ذلك تثور ثورته ويناله ذلك الحساب الصادق.

روى هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (وَيَخافُونَ سُوء الحِساب) ، انّه قال:« الاستقصاء والمداقة» وقال: «يحسب عليهم السيئات ولا يحسب لهم الحسنات».(1)

روى حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال لرجل: «يا فلان مالك ولأخيك؟!» قال: جعلت فداك كان لي عليه حقّ فاستقصيت منه حقّي، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «أخبرني عن قول اللّه:(وَيخافُون سُوء الحِساب)أتراهم خافوا أن يجور عليهم أو يظلمهم؟ لا واللّه خافوا الاستقصاء والمداقة».(2)

وروى محمد بن عيسى(3) عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال لرجل شكاه بعض إخوانه: «ما لأخيك فلان يشكوك» فقال: أيشكوني ان استقصيت حقي؟! قال: فجلس مغضباً، ثمّ قال: «كأنّك إذا استقصيت لم تسئ، أرأيت ما حكى اللّه تبارك وتعالى: (وَيخافُون سوء الحِساب) أخافوا أن يجور عليهم؟ لا واللّه ما خافوا إلاّالاستقصاء. فسمّاه اللّه سوء الحساب، فمن استقصى فقد أساء».(4)

7. من هم الذين يحاسبون حساباً يسيراً؟

انّه كما يذكر سبحانه سوء الحساب يذكر يسر الحساب أيضاً، يقول


1 . بحار الأنوار:7، الباب 11 من كتاب العدل و المعاد، الحديث 27.
2 . بحار الأنوار:7، الباب 11 من كتاب العدل و المعاد، الحديث 28.
3 . المراد به محمد بن عيسى العُبيد.
4 . المصدر السابق، الحديث 29.


(239)

سبحانه: (فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً)(1) غير أنّ المهم هو الوقوف على من يحاسب بهذا النوع من الحساب.

ويستفاد من الآية التالية: أنّ صلة الرحم توجب يسر الحساب، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَونَ ربَّهُمْ وَيَخافُون سُوءَ الحِسَاب) .(2) وهذا يوحي إلى أنّ قطع الرحم يوجب سوء الحساب ووصلها يوجب يسره، وقد ورد في بعض الروايات أنّ صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة، ثمّ قرأ: (يَصِلُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَونَ ربَّهُمْ وَيَخافُون سُوءَ الحِساب) .

8. اختلاف العباد عند الحساب

انّه سبحانه كما يحاسب بعض العباد بالدقة والاستقصاء، يحاسب بعضهم بالعفو والإغماض، فمن بلغ في العقل والوعي مرتبة سامية يحاسب حساباً دقيقاً، بخلاف من لم يبلغ تلك المرتبة من العقل والوعي فانّه يحاسب دون ذلك.

يقول الإمام الباقر (عليه السلام) : «إنّ ما يداقّ اللّه العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا».(3)

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) انّه قال: «إذا كان يوم القيامة وقف عبدان مؤمنان، للحساب كلاهما من أهل الجنة، فقير في الدنيا، وغني في الدنيا، فيقول الفقير: يا ربّ على ما أوقف؟ فوعزتك إنّك لتعلم أنّك لم تولّني ولاية فأعدل فيها أو أجور، ولم ترزقني مالاً فأُؤدّي منه حقاً أو أمنع، ولا كان رزقي يأتيني منها


1 . الانشقاق:7ـ8.
2 . الرعد:21.
3 . بحار الأنوار: 7/267، الباب 11 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 32.


(240)

إلاّ كفافاً على ما علمت وقدّرت لي، فيقول اللّه جلّ جلاله: صدق عبدي خلّوا عنه يدخل الجنّة. ويبقى الآخر حتّى يسيل منه من العرق ما لو شربه أربعون بعيراً لكفاها، ثمّ يدخل الجنة، فيقول له الفقير، ماحبسك؟ فيقول: طول الحساب، مازال الشيء يجيئني بعد الشيء يغفر لي، ثمّ اسأل عن شيء آخر حتى تغمّدني اللّه عزّوجلّ منه برحمة وألحقني بالتائبين، فمن أنت؟ فيقول:أنا الفقير الذي كنت معك آنفاً، فيقول: لقد غيّرك النعيم بعدي».(1)

9. إتمام الحجّة على العباد عند الحساب

إنّ الحساب على أصناف:

أ. إذا كان جاهلاً وكان جهله عن قصور، فترك الواجب أو اقترف الحرام من دون أن يحتمل كون المتروك واجب الفعل، والمأتي واجب الترك، فهذا هو الجاهل القاصر الذي يكون معذوراً سواء أكان بين العلماء ولم يحتمل كون المتروك واجباً أو المفعول حراماً، أو لم يكن بينهم بل كان يقطن في بيئة نائية عن العلم.

ب. إذا اقترف المحرمات أو ارتكب الواجبات عن تقصير، بأن كان جاهلاً ولم يتعلّم، وهذا نظير القسم الثالث أي العالم بالأحكام.

فربما يعتذر ذلك الجاهل بجهله ويتترّس به، فيخاطب لماذا لم تتعلم؟

روى هارون، عن ابن زياد، قال: سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول وقد سئل عن قوله تعالى:(قُلْ فَلِلّه الحُجَّةُ البالِغَة) ؟ فقال: «إنّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال كنت جاهلاً، قال له: أفلا تعلَّمت حتى تعمل؟ فيخصم، فتلك الحجّة


1 . بحار الأنوار: 7/259، الباب 11 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 4.


(241)

للّه عزّ وجلّ على خلقه»(1).

روى عبد الأعلى مولى آل سام، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، يقول: «يؤتى بالمرأة الحسناء يوم القيامة التي قد افتتنت في حسنها، فتقول: يا ربِّ حسنت خلقي حتى لقيت ما لقيت، فيجاء بمريم (عليها السلام) ، فيقال: أنت أحسن أو هذه؟ قد حسّنّاها فلم تُفتتن، ويجاء بالرجل الحسن الذي قد افتتن في حسنه، فيقول: يا ربّ حسّنتَ خلقي حتى لقيتُ من النساء ما لقيتُ، فيجاء بيوسف (عليه السلام) ، فيقال: أنت أحسن أو هذا؟ قد حسنّاه فلم يفتتن، ويجاء بصاحب البلاء الذي قد أصابته الفتنة في بلائه، فيقول: يا ربّ شددت عليّ البلاء حتى افتتنت، فيجاء بأيوب (عليه السلام) ، فيقال: أبليّتك أشد أو بلية هذا؟ فقد ابتلي فلم يفتتن».(2)

10. الاعتراف بالذنوب ورجاء العفو والمغفرة

يظهر من غير واحد من الروايات أنّ كثيراً من الناس يعترفون بذنوبهم مع حسن الظن بربّهم ويكون ذلك سبباً لمغفرتهم، وقد وردت في ذلك روايات نذكرها تباعاً لتكون حسن ختام لهذا الفصل.

روى علي بن رئاب قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «يؤتى بعبد يوم القيامة ظالم لنفسه، فيقول اللّه له: ألم آمرك بطاعتي؟ ألم أنهك عن معصيتي؟ فيقول: بلى يا ربِّ، ولكن غلبت عليَّ شهوتي، فان تعذّبني فبذنبي لم تظلمني، فيأمر اللّه به إلى النار، فيقول: ما كان هذا ظني بك، فيقول: ما كان ظنك بي؟ قال: كان ظنّي بك أحسن الظن، فيأمر اللّه به إلى الجنة، فيقول اللّه تبارك وتعالى: لقد


1 . بحار الأنوار:7/285، الباب 13 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 1.
2 . بحار الأنوار: 7/285، الباب 13 من كتاب العدل و المعاد، الحديث3.


(242)

نفعك حسن ظنك بي الساعة».(1)

وروى سليمان بن خالد، قال: قرأت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) هذه الآية: (إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يُبَدّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَنات)(2)، فقال: هذه فيكم، انّه يؤتى بالمؤمن المذنب يوم القيامة حتى يوقف بين يدي اللّه عزّ وجلّ، فيكون هو الذي يلي حسابه فيوقفه على سيئاته شيئاً شيئاً، فيقول: عملتَ كذا في يوم كذا في ساعة كذا، فيقول: اعرف يا رب، قال: حتى يوقفه على سيئاته كلّها، كلّ ذلك يقول: أعرف، فيقول: سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، أبدلوها لعبدي حسنات، قال: فترفع صحيفته للناس، فيقولون: سبحان اللّه، أما كانت لهذا العبد سيئة واحدة؟ وهو قول اللّه عزّوجلّ: (أُولئكَ يُبدّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِم حَسَنات) .(3)


1 . بحار الأنوار: 7/288، الباب 14 من كتاب العدل و المعاد، الحديث4.
2 . الفرقان:70.
3 . بحار الأنوار: 7/288، باب 14 من كتاب العدل و المعاد، الحديث5.


(243)

الفصل الثامن عشر:

مواقف القيامة وطول يومها

دلّت الآيات الكريمة على طول يوم القيامة وانّ للإنسان فيه مواقف يُعبَّر عنها بالعقبات.

أمّا طول يومها فيدل ظاهر بعض الآيات على أنّ مقداره خمسون ألف سنة، وفي الوقت نفسه يستظهر من بعض الآيات انّ طوله ألف سنة، فكيف يمكن التوفيق بينهما؟

أمّا ما يدل على أنّ طوله خمسون ألف سنة فقوله سبحانه: (تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوم كانَ مِقْدَارُهُ خَمسِينَ أَلْفَ سَنَة).(1)

والمراد من يوم هو يوم القيامة بشهادة قوله سبحانه بعده: (إِنَّهُمْ يَرَونَهُ بَعِيداً * وَنَراهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالمُهْلِ * وَتَكُونُ الجِبالُ كَالعِهْن) .(2)

وما يدل على أنّ طول يومها ألف سنة قوله سبحانه: (يُدَبِّرُ الأَمْر مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ في يَوم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِمّا تَعُدُّون).(3)


1 . المعارج:4.
2 . المعارج: 6ـ9.
3 . السجدة: 5.


(244)

وقوله سبحانه: (وَيَسْتَعجِلُونَكَ بِالعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِمّا تعُدُّون).(1)

فقوله: (ممّا تعدون) شاهد صدق على أنّ المقياس لهذا العدد هو السنين الدنيوية، وعليه يختلف مضمون الآيات بين ما يعد طوله 50 ألف سنة من السنين الدنيوية وألف سنة كذلك.

وقد اختلف المفسرون في التوفيق بين الآيتين، وأحسن ما ذكر هو انّ للناس يوم القيامة «50» موقفاً يلبث الإنسان المحاسب في كلّ واحد ألف سنة، فيكون مجموع لبثه فيها خمسين ألف سنة.

روى المفيد في أماليه، قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) : «ألا فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فانّ في القيامة خمسين موقفاً كلّ موقف مثل ألف سنة ممّا تعدون» ثمّ تلا هذه الآية(في يوم كانَ مِقدارهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة)(2) .(3)

وهنا سؤال يطرح نفسه وهو :هل تعم تلك المدة جميع المحشورين، أو انّها تختلف؟

يظهر من بعض الروايات انّها تخفف عن المؤمن.

روى أبو سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول اللّه ما أطول هذا اليوم؟ فقال: «والذي نفس محمد بيده انّه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدنيا».(4)


1 . الحج:47.
2 . المعارج:4.
3 . بحار الأنوار: 7/126، الباب6 من أبواب كتاب العدل و المعاد، الحديث 3.
4 . مجمع البيان:5/353، تفسير سورة المعارج.


(245)

وعلى ضوء هذا فليوم القيامة خمسون موقفاً يقف عندها الإنسان للسؤال والحساب فمن ثقلت موازينه فهو يجتازها بسرعة، وأمّا من خفت موازينه فيلبث فيها مدة طويلة تدوم إلى خمسين ألف سنة، وقد مرَّ على أنّ المؤمن الفقير يحاسب بأسرع مما يحاسب به المؤمن الثري وهكذا، وسيوافيك في فصل الصراط ما يدل على أنّ الصراط أحدّ من السيف وأدق من الشعرة إنّما هو بالنسبة إلى غير المؤمن، وأمّا بالنسبة إلى المؤمن فهو عريض وغير حاد.

إلى هنا تبيّن طول يوم القيامة وقصرها إلى الكافر والمؤمن، وإليك البحث في مواقفها.

مواقف يوم القيامة

دلّت الروايات الماضية على أنّ ليوم القيامة مواقف تقف فيها العصاة ويعبّر عنها بالقنطرة تارة، والعقبة أُخرى، والمواقف ثالثة.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام) : «واعلم انّ أمامك عقبة كؤوداً، المخف فيها أحسن حالاً من المثقل، والمبطئ عليها أقبح حالاً من المسرع، وانّ مهبطك بها لا محالة إمّا على جنة أو على نار».(1)

نعم اختلف العلماء في حقيقة تلك المواقف والعقبات ففسّرها الصدوق بظواهر ما ورد في الروايات وانّ لكلّ عقبة اسماً من الفرائض يقول: اعتقادنا في العقبات التي على طريق المحشر انّ كلّ عقبة منها اسمها اسم فرض وأمر ونهي، فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة اسمها فرض وكان قد قصر في ذلك الفرض حبس عندها وطولب بحقّ اللّه فيها، فإن خرج منها بعمل صالح قدّمه أو برحمة تداركه نجا منها إلى عقبة أُخرى، فلا يزال يدفع من عقبة إلى عقبة، ويحبس عند كلّ عقبة


1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل رقم 31.


(246)

فيسأل عمّا قصر فيه من معنى اسمها، فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء فيحيا حياة لا موت فيها أبداً، وسعد سعادة لا شقاوة معها أبداً، وسكن في جوار اللّه مع أنبيائه وحججه والصدّيقين والشهداء والصالحين من عباده، وان حبس على عقبة فطولب بحقّ قصر فيه فلم ينجه عمل صالح قدّمه ولا أدركته من اللّه عزّوجلّ رحمة زلت به قدمه عن العقبة فهوى في جهنم ـ نعوذ باللّه منها ـ وهذه العقبات كلّها على الصراط، اسم عقبة منها الولاية، يوقف جميع الخلائق عندها فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن أتى بها نجا وجاز، ومن لم يأت بها بقي فهوى، وذلك قول اللّه عزّوجلّ: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسؤولُون)وأهمّ عقبة منها المرصاد وهو قول اللّه عزّوجلّ: (إِنَّ رَبّكَ لَبِالْمِرصاد)ويقول عزّ وجلّ: وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم . واسم عقبة منها الرحم، واسم عقبة منها الأمانة، واسم عقبة منها الصلاة، وباسم كلّ فرض أو أمر أو نهي عقبة يحبس عندها العبد فيسأل.(1)

وقد اكتفى الصدوق بظواهر الروايات، فزعم انّ هناك عقبة واقعية لكلّ اسم من أسماء الفرائض وغيرها وانّ أهمّ العقبات عقبة المرصاد، قال أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «وإن أمهل اللّه الظالم فلن يفوت أخذه وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه».(2)

ويدل على ما ذكره الصدوق لفيف من الروايات:

1. ما رواه الصدوق في ثواب الأعمال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّوجلّ: (إِنَّ ربّـكَ لَبِالْمِرصاد) قال: «قنطرة على الصـراط لا يجـوزها عبد بمظلمة».(3)


1 . بحار الأنوار: 7 / 128، من كتاب العدل والمعاد، الحديث 11.
2 . نهج البلاغة:الخطبة 71.
3 . بحار الأنوار: 8/ 66، الباب 22 من كتاب العدل و المعاد، الحديث 6.


(247)

2. روى ابن عباس في تفسير قوله:(إِنَّ ربّكَ لَبِالْمِرصاد) ، قال: «انّ على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عند أوّلها عن شهادة أن لا إله إلاّاللّه، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاماً جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحج، فإن جاء به تاماً جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة، فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم، فإن خرج منها وإلاّ يقال: انظروا، فإن كان له تطوّع أكمل به أعماله فإذا فرغ انطلق به إلى الجنّة».(1)

وحصيلة هذه الروايات انّ هناك مواقف وقناطر على الصراط سمّي كلّ واحد بواحد من أسماء الفرائض يوقف فيها الإنسان ويُسأل عنها.

هذا تفسيرٌ وللشيخ المفيد تفسير أفضل من تفسير الصدوق، وحاصل ما أفاده هو: انّ المراد من العقبات هي الفرائض، فيسأل الإنسان عنها، دون أن يكون في البين جبال وعقبات يعبرها الإنسان حتى يصل إلى الجنة أو النار، وإنّما سمّيت الفرائض بالعقبات لأنّ إطاعتها لا تخلو عن صعوبة ومشقة، يقول الشيخ المفيد:

العقبات عبارة عن الأعمال الواجبة والمساءلة عنها والمواقفة عليها، وليس المراد به جبال في الأرض تقطع، وإنّما هي الأعمال شبّهت بالعقبات، وجعل الوصف لها يلحق الإنسان في تخلصه من تقصيره في طاعة اللّه تعالى، كالعقبة التي تجهده صعودها وقطعها قال اللّه تعالى: (فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَة * وَما أَدراكَ مَا الْعَقَبَة * فَكُّ رَقَبَة)فسمّى سبحانه الأعمال التي كلّفها العبد عقبات تشبيهاً بالعقبات والجبال، لما يلحق الإنسان في أدائها من المشاق، كما يلحقه في صعود العقبات


1 . مجمع البيان:9ـ10/739، تفسير سورة الفجر.


(248)

وقطعها، وقال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه: «إنّ أمامكم عقبة كؤوداً، ومنازل مهولة لابدّ من الممرّ بها، والوقوف عليها، فإمّا برحمة اللّه نجوتم، وإمّا بهلكة ليس بعدها انجبار». أراد (عليه السلام) بالعقبة تخلّص الإنسان من العقبات التي عليها، وليس كما ظنه الحشوية من أنّ في الآخرة جبالاً وعقبات يحتاج الإنسان إلى قطعها ماشياً وراكباً، وذلك لا معنى له فيما توجبه الحكمة من الجزاء، ولا وجه لخلق عقبات تسمّى بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من الفرائض يلزم الإنسان أن يصعدها، فإن كان مقصراً في طاعة اللّه، حال ذلك بينه وبين صعودها، إذ كان الغرض في القيامة المواقفة على الأعمال والجزاء عليها بالثواب والعقاب، وذلك غير مفتقر إلى تسمية عقبات، وخلق جبال وتكليف قطع ذلك وتصعيبه أو تسهيله، مع أنّه لم يرد خبر صحيح بذلك على التفصيل فيعتمد عليه وتخرج له الوجوه، وإذا لم يثبت بذلك خبر كان الأمر فيه ما ذكرناه.(1)

ويدل على صحة ما ذكره المفيد هو انّه سبحانه أسمى بعض الفرائض بالعقبات، فقد سمّى فك الرقبة أو الإطعام في يوم المسغبة عقبة، فقال سبحانه: (فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَما أَدراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعامٌ في يَوم ذي مَسْغَبَة * يَتِيماً ذا مَقْرَبَة * أَوْمِسْكِيناً ذا مَتْرَبَة).(2)

فقد شبّه القيام بالفرائض بمن يقطع العقبات في الصعوبة والمشقة من دون أن تكون هناك جبال ومنعرجات، فمن استقبل الفرائض برحابة صدر فقد قطع العقبات بسرعة وأمّا من لم يستقبلها أبداً أو استقبل بعضها دون بعض فهو مثل من يقطع العقبات بشق الأنفس.

والذي يدل على ما ذكرنا قوله سبحانه بعد تلك الآية:(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذينَ


1 . بحار الأنوار:7/129.
2 . البلد:11 ـ 16.


(249)

آمَنُوا وَتَواصَوا بِالصَّبْرِوَتَواصَوا بِالمَرحَمَة * أُولئِكَ أَصْحَابُ المَيْمَنَة * وَالَّذينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصحابُ المَشْئَمَة * عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤصَدَة) .(1)

وحصيلة المعنى بعد جمع الآيات الواردة في سورة البلد هو انّ شقاء الإنسان وسعادته في الآخرة رهن عبور تلك العقبات وماهي إلاّ فك الرقبة أو إطعام الأيتام والفقراء والمساكين والأمر بالصبر والرحمة إلى غير ذلك من الفرائض، فينتهي أمره إلى أن يكون من أصحاب الميمنة كما انّ عكسه ينتهي إلى أن يكون من أصحاب المشئمة دون أن تكون هناك عقبات ومنعرجات صعبة العبور يؤمر أهل المحشر بطيّها وعبورها.

والذي يدلّك على صحّة ما ذكره الشيخ المفيد أنّ طي العقبات الدنيوية رهن الكفاءات الذاتية، دون العقبات الأُخروية فانّها رهن الإيمان والعمل الصالح، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على أنّ العقبات كناية عن العمل بالفرائض التي يتوقف العمل بها على الصبر والإيمان الراسخ باللّه والصبر على طاعته.


1 . البلد:17ـ 20.


(250)

الفصل التاسع عشر

ميزان الأعمال

دلّت الآيات والروايات على وجود الميزان يوم القيامة الذي تُوزن به الأعمال، إنّما الكلام في واقع هذا الميزان، والآيات الواردة في هذا الصدد على صنفين، فصنف يذكر أصل وجود الميزان، وصنف آخر يتعرض لنتائجه، وإليك بعض ما يدل على الصنف الأوّل:

1. (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ القِسْطَ لِيَومِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفسٌ شَيئاً وإن كانَ مِثْقالَ حَبّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبين).(1)

الموازين جمع الميزان، والآية صريحة في أنّ نصبه يوم القيامة مظهر عدله وقسطه.

2.(أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَومَ القِيامَةِ وَزْناً) .(2)

فقوله: (فلا نقيم) بمعنى ان لا نقيم لهم ميزاناً توزن به أعمالهم، وذلك لأنّهم حبطت أعمالهم فلم يبق في صحيفة أعمالهم شيء حسن حتى يوزن به، وهذه


1 . الأنبياء:47.
2 . الكهف:105.


(251)

الآيات ناظرة إلى أصل وجود الميزان.

وإليك ما يدل على الصنف الثاني:

1. (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ في جَهَنَّمَ خالِدُون) .(1)

2. (فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ * فَهُو فِي عِيشَة راضِيَة * وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هاوِيَة) .(2)

3. (وَالوَزْنُ يَومَئِذ الحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِروا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُون) .(3)

هذه هي الآيات الواردة في أصل الميزان ونتائجه:

وإليك البحث في محورين آخرين:

الأوّل: نظرية المفسرين والمتكلّمين في حقيقة الميزان.

الثاني: الميزان من منظار القرآن والحديث.

وإليك البحث في المحور الأوّل.

قد فسر الميزان بتفاسير مختلفة نذكر منها ما يلي:

1. الميزان يوم القيامة كموازين الدنيا

ذهب بعض المتكلّمين من المعتزلة وقاطبة أهل الحديث إلى أنّه ينصب يوم القيامة ميزان كموازين الدنيا وتوضع الأعمال الصالحة في كفة


1 . المؤمنون:102ـ 103.
2 . القارعة:6ـ9.
3 . الأعراف:8ـ9.


(252)

والطالحة في كفة أُخرى، فيوزن، فلو رجحت كفة الأعمال الصالحة على الطالحة فهو سعيد، وإلاّ فهو شقي.

قال العلاّمة في كشف المراد:

قال شيوخ المعتزلة: إنّه يوضع ميزان حقيقي له كفتان يوزن به ما يتبيّن من حال المكلّفين في ذلك الوقت لأهل الموقف، إمّا بأن يوضع كتاب الطاعات في كفة الخير ويوضع كتاب المعاصي في كفة الشر ويجعل رجحان أحدهما دليلاً على إحدى الحالتين، أو بنحو من ذلك، لورود الميزان سمعاً، والأصل في الكلام الحقيقة مع إمكانها.(1)

وقد اعترض على هذا الوجه جماعة من المتكلّمين ، بقولهم: إنّ الأعمال من مقولة الأعراض وهي تفقد الثقل فكيف توزن؟

وقد حكى عنهم صاحب المقاصد هذا الاعتراض بقوله: إنّ للميزان كفتين ولسان وساقين عملاً بالحقيقة لإمكانها، وأنكره بعض المعتزلة ذهاباً إلى أنّ الأعمال أعراض لا يمكن وزنها فكيف إذا زالت وتلاشت، وأجاب عنه الآخرون بأنّ المراد توزين صحائف الأعمال أو جعل الحسنات أجساماً نورانية والسيّئات أجساماً ظلمانية.(2)

والأولى أن يقال: إنّ هذا النوع من التفسير أخذ بحرفية النص دون التدبّر في مغزاه ، فانّ للكلام ظهورين:

أ. ظهور تصوّري بدوي.

ب. ظهور تصديقي.


1 . كشف المراد:297، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
2 . شرح المقاصد: 2/223، ط الاستانة.


(253)

والمراد من الأوّل هو ما يفهمه الإنسان عند سماع اللفظ دون تدبّر في القرائن الحافة به.

والمراد من الثاني هو ما يذعن به الإنسان بعد الإحاطة بالقرائن الحافة بالكلام. فربما يكون المتبادر عندئذ من الكلام غير ما هو المتبادر من الظهور الابتدائي، وهذا ما نوضحه بمثال:

قد اشتهرت الكناية عن السخاء والجود بقولهم فلان باسط اليد، ولا يغلق بابه، فالظهور البدوي منه عبارة عمّا يتبادر من ظاهر اللفظ وهو كون يده المحسوسة مبسوطة لا تجمع، وانّ بابه لا يغلق، ولكنّه ليس بمراد قطعاً، وإنّما المراد هو الظهور التصديقي، وهو التأمّل في مفهوم هذه الجمل والانتقال إلى ما صيغ لأجله الكلام، وهو أنّه سخي، وبابه مفتوح لكلّ من يحلّ ضيفاً عليه، وآفة أهل الحديث انّهم يفسرون الآيات الراجعة إلى المعارف بحرفيتها ولا يتأملون في القرآئن الحافة بالكلام حتى يقفوا على ما أُريد من الآيات.

2. الميزان هو العدل الإلهي

يقول صاحب المقاصد: المراد به العدل الثابت في كلّ شيء، ولذا ذكره بلفظ الجمع.(1)

وحاصل هذه النظرية :انّه سبحانه يتعامل مع عباده بالعدل والقسط ويقضي به، وهذا هو المراد من نصب الموازين.

أقول: إنّ النظرية الأُولى نظرية بعيدة عن الصواب، وأمّا الثانية فهي تتعرض إلى نتيجة الميزان من دون أن تشير إلى واقعه، وانّه بعدما تم التوزين يتعامل سبحانه في قضائه بالعدل والقسط، فلابدّ قبل القضاء والتعامل من أداة تبيّن


1 . شرح المقاصد: 2/223، ط آستانة.


(254)

حال العباد من حيث الطاعة والعصيان، حتى تصل النوبة إلى قضائه سبحانه، فما هي تلك الأداة التي تكون معياراً لكثرة الطاعات أو قلتها؟ وهذا ما سنتناول البحث فيه ضمن أُمور:

أ. الميزان واستعمالاته في القرآن

إنّ للميزان معناً واحداً وله تطبيقات مختلفة:

ـ الميزان الذي يوزن به المتاع، قال سبحانه: (وَيا قَومِ أُوفُوا المِكْيالَ وَالمِيزَانَ بِالقِسْط) .(1)

ـ الميزان : هو الانسجام والنظم السائدة في عالم الخلق، قال سبحانه: (وَالسَّماءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَان) .(2)

فقوله: (وَالسَّماء رفعها) قرينة على أنّ المراد من الميزان هو منح النظم التي بها قامت السماوات والأرض فمنظومتنا الشمسية قائمة على أساس التعادل والموازنة بين الجاذبية المركزية للشمس، والقوى الطاردة لسائر السيارات، ولولا هذا التعادل الذي عبر عنه القرآن الكريم بالميزان لما قامت لمنظومتنا الشمسية دعامة.

ـ الميزان : هو القوانين العادلة التي تقنّن في سبيل خدمة الإنسان والمجتمع، قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالْمِيزان لِيَقُومَ النّاس بِالقِسْط)(3) فالمراد من الميزان بقرينة قوله: ( أنزلنا) هو التشريع السماوي الذي أنزله سبحانه بإنزال كتابه، كما يحتمل أن يكون المراد من الميزان هو قضاء العقل


1 . هود:85.
2 . الرحمن:7.
3 . الحديد:25.


(255)

الحصيف، ولا غرو في أنّ الميزان بهذا المعنى منزلٌ كإنزال الحديد، قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) .(1)

هذه هي تطبيقات لمفهوم الميزان في القرآن.

ب. لكلّ شيء ميزان يوزن به

الألفاظ الواردة في القرآن الكريم التي تصف مشاهد القيامة لها حقائق غيبية غير معلومة لنا، ومن هذه الألفاظ لفظ «الميزان» الذي نحتمل أن يكون له واقعية غير ما نشاهد من الموازين العرفية، ويتضح ذلك من خلال البيان التالي:

كان الميزان يطلق قبل فترة طويلة على ما يوزن به المتاع بشيء له كفتان ولسان وساقان، وظلّ البشر يستعمل الميزان في ذلك المصداق ولكن الثورة الصناعية التي اجتاحت الغرب كشفت عن موازين لم تكن موجودة من ذي قبل، فأخذ يوزن استهلاك الماء والكهرباء والغاز والهاتف وغيرها، بل أحدث ميزاناً يوزن به حرارة الهواء وضغط الجو والدم الذي يجري في عروق الإنسان وقلبه، كما أنّه نجح نجاحاً باهراً في صناعة الكامبيوتر فأحدث تحولاً جذرياً في حياته، حتى عرف هذا العصر بعصر الكامبيوتر، فأصبح كمعيار لتصحيح الأغلاط التي يقع الإنسان فيها.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ لكلّ شيء ميزاناً خاصاً يناسب وجود الشيء وليس الميزان منحصراً بماله كفتان ولسان وساقان، وعندئذ يصحّ أن نقول: إنّ الميزان المنصوب يوم القيامة شيء أعظم ممّا وصل إليه الفكر البشري.

وخلاصة القول فيه: إنّه شيء يعلم به صالح الأعمال عن طالحها، قلّتها


1 . الحديد: 25 .


(256)

عن كثرتها، والعقائد الصحيحة والباطلة، وإن لم يعلم لنا ما هي خصوصيات ذلك الميزان.

إذا علمت ذلك فلنرجع إلى تفسير قوله سبحانه: (وَالْوَزْنُ يَومَئِذ الحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُون).(1)

وقد اختلفت كلمة المفسرين في تفسير الآية، نذكر منها ثلاثة احتمالات:

الأوّل: أنّ الوزن مصدر بمعنى التوزين، وهو مبتدأ خبره الحق، والمراد أنّ توزين الأعمال ومحاسبتها أمر حقّ لا سترة فيه.

الثاني: أنّ الوزن بمعنى الميزان أي ما يوزن به، ويكون المراد أنّ ما يوزن به هو الحقّ، فالحقّ هو الذي يعرف به حقائق الأعمال عند قياسها إليه. فكلّ عمل تمتع بقسط وافر من الحقّ ثقل الميزان عندئذ في مقابل عمل لا يتمتع بقسط من الحقّ أو يتمتع بشيء قليل فيخفف ميزانه. فيصبح الحقّ مثل الثقل في الموازين العرفية غير انّ الثقل فيها يوضع في كفة والمتاع في كفة أُخرى.

وأمّا الحقّ فلا يكون شيئاً منفكَّاً عن العمل، بل بمقدار ما يتمتع به ترجح كفته.

الثالث: انّ الحقّ بمنزلة الثقل في الموازين العرفية، ويكون له تجسّم واقعيٌّ يوم القيامة، فبمطابقته وعدمها يعرف صلاح الأعمال عن غيرها.

والفرق بين الثاني والثالث واضح ، فإنّ الحقّ على المعنى الثاني يكون داخلاً في جوهر الأعمال فبمقدار ما يوصف به العمل من الحقّ، وأمّا الاحتمال الثالث فالحقّ بالذات هو الموجود المجسَّم يوم القيامة، ولا يعلم صلاح الأعمال عن


1 . الأعراف:8 ـ9.


(257)

ضدها، إلاّ بعرضها على الحقّ المجسَّم فبمقدار ما يشبهه ويناسبه يكون موصوفاً بالحقّ، دون مالم يكن كذلك فيوصف بالباطل.

وهذا المعنى الثالث هو المستفاد من بعض الروايات، قال الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله: (وَنَضَعُ الْمَوازينَ القِسط) هم الأنبياء والأوصياء(1)، ولعلّ أعمال كلّ أُمّة تعرض على أنبيائهم فبالمطابقة مع أعمالهم ومخالفتها معهم يعلم كونه سعيداً أوشقياً، ويؤيد ذلك ما نقرأه في زيارة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث ورد فيه،« السلام على يعسوب الإيمان وميزان الأعمال».(2)

وكأنّ الإمام أمير المؤمنين حقّ مجسّم فمن شابهه فهو ممن ثقلت موازينه، ومن لم يشابهه فهو ممن خفت موازينه.

وإن شئت قلت: إنّ الإنسان المثالي أُسوة في الدنيا والآخرة يميّز به الحقّ عن الباطل، بل الطيب عن الخبيث، وهذا أمر جار في الدنيا والآخرة.

وبذلك تقف على إتقان ما روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) ، وقد قال فيما كان يعظ به الناس: «ثمّ رجع القول من اللّه في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب، فقال عزّ وجلّ: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظَالِمين)(3)، فإن قلتم أيّها الناس، إنّ اللّه عزّوجلّ إنّما عني بهذا أهل الشرك فكيف ذلك، وهو يقول: (وَنَضَعُ المَوازينَ القِسطَ لِيَوم القِيامة فَلا تُظْلمُ نفسٌ شَيئاً وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنا بِها وكَفَى بِنا حاسِبين)(4) واعلموا عباد اللّه أنّ أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ولا تنشر لهم الدواوين وإنّما يحشرون إلى


1 . بحار الأنوار:7/249، الباب العاشر من كتاب العدل و المعاد، الحديث 6.
2 . مفاتيح الجنان، الزيارة الرابعة للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) .
3 . الأنبياء:46.
4 . الأنبياء:47.


(258)

جهنم زمراً، وإنّما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الإسلام».(1)

ويؤيد ذلك أيضاً ما نقل عن الإمام السجاد (عليه السلام) انّه قال: «ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق».(2)

وبما انّ حسن الخلق من أبرز صفات الأنبياء فمن تمتع به فهو أشبه بالأنبياء من غيرهم فيكون عمله عملاً قيماً له أثره الخاص.

وللمحقّق الكاشاني كلام في تفسير الملكين المعروفين بمنكر ونكير يناسب ذكره في المقام لصلته بما ذكرنا، يقول: ويخطر بالبال انّ المنكر عبارة عن جملة الأعمال المنكرة التي فعلها الإنسان في الدنيا فتمثلتا في الآخرة بصورة مناسبة لها مأخوذ مما هو وصف الأفعال في الشرع، أعني: المذكور في مقابلة المعروف.

والنكير هو الإنكار لغة ولا يبعد أن يكون الإنسان إذا رأى فعله المنكر في تلك الحال أنكره ووبخ نفسه عليه فتمثل تلك الهيئة الإنكارية أو مبدؤها من النفس بمثال مناسب لتلك النشأة فانّ قوى النفس ومبادئ آثارها كالحواس ومبادئ اللجم تسمّى في الشرع بالملائكة.

ثمّ إنّ هذا الإنكار من النفس لذلك المنكر يحملها على أن تلتفت إلى اعتقاداتها وتفتش عنها، أهي صحيحة حسنة حقة أم فاسدة خبيثة باطلة؟ ليظهر نجاتها وهلاكها ويطمئن قلبها.

وذلك لأنّ قبول الأعمال موقوف على صحّة الاعتقاد بل المدار في النجاة على ذلك كما هو مقرر ضروري من الدين، وإليه أُشير بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «حب علي حسنة لا تضر معها سيئة، وبغض علي سيئة لا تنفع معها حسنة».(3)


1 . بحار الأنوار: 7/250، الباب العاشر من كتاب العدل والمعاد، الحديث 8.
2 . بحار الأنوار: 7/249، الباب العاشر من كتاب العدل و المعاد، الحديث 7.
3 . الحقائق في محاسن الأخلاق: 446.


(259)

ويقول الحكيم عبد الرزاق اللاهيجي ما هذا تعريبه: إنّ المفاهيم الكلية ذات مصاديق مختلفة عبر الزمان، فهذا لفظ القلم كان يطلق على القلم المنحوت من القصب، ولكن تلك الخصوصية لم تؤخذ في ماهيته ولذلك يطلق على ما إذا كان من حديد وغيره.

ونظيره الميزان فانّ منه ما يوزن به المتاع ومنه ما يوزن به الوقت ومنه ما يوزن به الأشكال الهندسية كالفرجال و المسطرة و القوس، ومنه ما يوزن به الأشعار كعلم العروض ومنه ما يوزن به خطأ الإدراكات وصحتها كالمنطق، وعلى هذا فلا مانع من أن يكون نفس الأنبياء موازين الأعمال، فكل عمل يشبه أعمالهم فهو حقّ وكلّ عمل يخالف أعمالهم فهو باطل.

فكلّ عمل عند المقايسة إلى أعمالهم يعلم كونه صالحاً أو طالحاً، صحيحاً أم فاسداً.(1)

ويؤيده الحديث التالي:

عن هشام بن سالم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّوجلّ: (وَنَضَعُ الْمَوازينَ الْقِسط لَيوم القِيامَة فلا تظلم نَفْسٌ شَيئاً)قال: «هم الأنبياء والأوصياء».(2)


1 . گوهر مراد: 478.
2 . بحار الأنوار:7/249، باب الميزان، الحديث 6.


(260)

الفصل العشرون

الإشهاد يوم القيامة

إنّ القضاء في المحاكم العرفية يبتني أحياناً على شهادة شهود لصالح شخص أو ضدّه، فإذا كانت الشهادة حائزة للشرائط يُصدر القاضي رأيه على وفقها، والقرآن الكريم يحكي عن وجود شهود يوم القيامة فيقومون ويشهدون، يقول سبحانه: (وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) (1)، ويقول في آية أُخرى: (يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هؤلاءِ الذينَ كَذبُوا عَلى رَبِّهِمْ) . (2)

غير أنّ الشهود يوم القيامة على صنفين:

1. الشهود، 2. شهود الأعضاء.

ولنتناول الصنف الأوّل بالبحث.

إنّ القرآن الكريم يخبر عن وجود شهود، يشهدون على عمل الإنسان خيره وشرِّه، ويذكرهم بالنحو التالي:

1. اللّه سبحانه

انّه سبحانه أكبر وأصدق شاهد على عمل الإنسان لإحاطته به منذ نشوئه


1 . غافر:51.
2 . هود:18.


(261)

إلى موته، يقول سبحانه: (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهيدٌ عَلى ما تَعْمَلُون)(1) ويقول أيضاً:(إِنَّ اللّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيامَة إِنَّ اللّهَ على كُلِّ شَيْء شَهيد)(2)، وفي آية ثالثة: (فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهيدٌ عَلى ما يَفْعَلُون)(3) .

ولا غرو في ذلك فهو سبحانه محيط بالإنسان وهو معه أينما كان يراه ليلاً ونهاراً، ويقف على ظواهر أعماله سرائرها وما يكمن في ضميره.

2. أنبياء اللّه

الشاهد الثاني من الشهود هم أنبياء اللّه تبارك وتعالى، يقول سبحانه: (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤلاءِ شَهِيداً) . (4)

والآية تتضمن أمرين:

الأوّل: انّ لكلّ أُمّة شهيداً، وأمّا من هو؟ فالآية ساكتة عنه، ويمكن استظهار انّ المراد من الشهيد هو نبي كلّ أُمّة، بشهادة انّه سبحانه صرّح بانّ المسيح (عليه السلام) يكون شهيداً على أُمّته، قال سبحانه: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ إِلاّ ليُؤمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوتِهِ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهيداً) . (5)

الثاني: انّ النبي الخاتم بحكم الآية الأُولى شهيد على هؤلاء، إنّما الكلام في تعيين المشار إليه، فهل المراد انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شاهد على الأنبياء الذين هم شهود؟ أو شاهد على أُممهم؟ هناك احتمالان:


1 . آل عمران:98.
2 . الحج:17.
3 . يونس:46.
4 . النساء:41.
5 . النساء:159.


(262)

وثمة نكتة جديرة بالإشارة وهي أنّ شهادة النبي والأنبياء عليهم وعلى أُممهم رهن علم وسيع بأحوال الأُمّة، فانّ أداء الشهادة فرع تحمّلها، وتحمُّلها فرع حضور الشاهد الواقعة حضوراً يرى الواقع على نحو يصح له أن يشهد. ومن الواضح بمكان أنّ العلوم التي ينالها الإنسان لا تغني عن هذا النوع من الشهادة وذلك لبعد الشاهد زماناً ومكاناً عن المشهود له أو المشهود عليه، وهذا يدل على أنّ لهم إحاطة علمية بما يجري على أُممهم من الأعمال والأفعال.

ولا غرو في ذلك فانّه تبارك وتعالى إذا أراد أن يتخذ منهم شهوداً يمدّهم بالعلم الكافي في عالم الشهادة حتى يقفوا على ما يجري في أذهانهم ونفوسهم من الأفكار والآراء الصحيحة والباطلة، وهذا إن دل على شيء فإنّما يدل على سعة علمهم.

3. النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)

يظهر من غير واحد من الروايات أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخاتم شاهد على أعمال أُمّته، وقد ورد في ذلك غير واحد من الآيات، يقول سبحانه: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَليْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ) . (1)

وفي آية أُخرى:(وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِوَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً) . (2)

وقد وصفت بعض الآيات نبي الإسلام بأنّه شاهد، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) . (3)


1 . الحج:78.
2 . البقرة:143.
3 . الأحزاب:45 و الفتح:8.


(263)

وفي آية أُخرى(إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ)(1).

والمراد شهادته على أعمال أُمّته من خير وشر وصلاح وفساد، وأداء الشهادة فرع تحمّلها ولا يتحمله إنسان إلاّ بعد العلم بظواهر أعمالهم وبواطنها، وخير نياتهم وشرّها، وهذا يدل على سعة علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالظواهر و البواطن، والحقائق والدقائق.

4. المثاليّون من الأُمة الإسلامية

قال سبحانه: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاس).(2)

فيقع الكلام في تعيين ما هو المقصود من المخاطبين، فهل المراد الأُمّة الإسلامية قاطبة؟ وعلى هذا يكون المشهود عليهم هم الأُمم السالفة، أو المراد شهادة بعض الأُمّة على بعض؟

والظاهر انّ الثاني هو المتعيّن، إذ لو كانت الأُمّة الإسلامية أُمة صالحة برُمَّتها لصحت شهادتهم، وأمّا إذا كانت غالبية الأُمة غير شاكرين، كما يقول سبحانه: (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين)(3) فكيف تكون تلك الأُمة بعامتهم شهداء؟!

فلا محيص عن كون المراد بعض الأُمّة لا جميعهم، وليس هذا البعض إلاّ من اختارهم اللّه سبحانه أئمّة على الأُمّة وحكّاماً على البلاد.

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : فإن ظننت انّ اللّه عنى بهذه الآية جميعَ أهل القبلة من الموحدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر،


1 . المزمل:15.
2 . البقرة:143.
3 . الأعراف:17.


(264)

يطلب اللّه شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية؟! كلا لم يعن اللّه مثل هذا في خلقه. (1)

ويبقى ثمة سؤال، وهو انّه إذا كان المراد بعض الأُمّة الذين شملتهم العناية الإلهية وجعلتهم صفوة عباده، فلماذا ينسب الحكم إلى الجميع؟

والجواب: انّ ذلك ليس بغريب، فقد ورد نظير ذلك في الذكر الحكيم حيث وصف جميع بني إسرائيل بجعلهم ملوكاً مع أنّ البعض القليل منهم قد تصدّوا لمنصة الحكم كداود وسليمان وغيرهما، يقول سبحانه: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فيكُمْ أَنْبياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً)(2) وهذا يدل على أنّه تصحّ نسبة الحكم إلى الجميع وإن كان الحكم خاصّاً ببعضهم. والقدر المتيقن من شهداء الأُمة الذي يخبر عنه قوله سبحانه: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ)(3) هم الأئمّة المعصومون قرناء الكتاب وأعداله بنصِّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي».

وقال سبحانه:(ثُمَّ أَورَثْنَا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبَادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيرات بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضُل الكَبيرُ).(4)

دلت الآية على أنّه سبحانه أورث علم الكتاب المصطفين من عباده لا جميع عباده، وثمة سؤال انّه لماذا لم يورث علم الكتاب جميع عباده؟ وتجيب الآية بأنّهم على ثلاثة أصناف، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، وهاتان الطائفتان لا تستحقان وراثة علم الكتاب، ومنهم سابق بالخيرات بإذن اللّه، فهؤلاء هم الذين اصطفاهم اللّه من عباده ورزقهم فضلاً كبيراً، كما يقول في ذيل الآية (ذلِكَ هُوَ


1 . تفسير البرهان: 1/160.
2 . المائدة:20.
3 . البقرة:143.
4 . فاطر:32.


(265)

الفَضْلُ الكَبير) ، فهذه الفضيلة الكبيرة إنّما هي للمصطفين من عباده سبحانه لا لجميعهم.فعلى المفسّر الخبير، أن يتعرف على هؤلاء الذين اصطفاهم اللّه من عباده، وينيخ مطيّته على عتبة أبوابهم.

5. الملائكة

دلّت غير واحدة من الآيات على أنّ الملائكة من شهداء الأعمال، وهم الذين يستنسخون ما يقوم به الإنسان من أعمال ثمّ يشهدون عليه يوم القيامة، وربّما يسوقون المشهود عليه إلى المحشر، يقول سبحانه: (وَجاءَتْ كُلُّ نَفْس مَعَها سائِقٌ وَشَهيد * لَقَدْكُنْتَ في غَفْلَة مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَديد * وَقال قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ) . (1)

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : «وانتفعوا بالذكر والمواعظ، فكأن قد علقتكم مخالب المنية، وانقطعت منكم علائق الأُمنية، ودهمتكم مفظعات الأُمور، والسِّياقة إلى الورد المورود فـ : (كُلُّ نَفْس مَعَها سائِقٌ وَشَهيد) سائق يسوقها إلى محشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها». (2)

وقد ذكرنا أنّ الملائكة الشهود هم الذين يكتبون أعمال الإنسان ويسجّلونها، ويدل عليه قوله سبحانه: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَول إِلاّ لَدَيْهِ رَقيبٌ عَتِيد)(3)، وقال عزّ من قائل: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبين * يَعْلَمُونَ ما تََفْعَلُون)(4) وطبيعة الحال تقتضي أن يكون كتّاب الأعمال هم الشهود عنده في المحشر ولعلهم هم الساقة أيضاً إلى النار أو الجنة.


1 . ق:21ـ 23.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 85.
3 . ق:18.
4 . الانفطار:10ـ 12.


(266)

6. الأرض

أخبر سبحانه بأنّ الأرض تحدّث أخبارها عند قيام القيامة، يقول سبحانه: (يَومَئِذ تُحَدِّثُ أَخْبارها * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوحى لَها)(1) وليس في الآية ما يدل على تعيين ما يخبر عنه غير أنّ مناسبة المقام تقتضي على أنّ المراد التحدّث بالأعمال التي اقترفها الإنسان سواء أكانت خيراً أم شراً، ولأجل ذلك أردفه بجزاء الإنسان بأعماله، قال سبحانه:(يَومَئِذ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوا أَعْمالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَل مِثقالَ ذَرَّة شراً يَرَه). (2)

وقد روي في السنّة انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: «أخبارها أن تشهد على كلّ عبد بما عمل على ظهرها تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، وهذه أخبارها».(3)

وأمّا البحث في أنّ الأرض كيف تتحمل تلك الشهادة وتؤدّيها يوم القيامة فهو خارج عن موضوع بحثنا، وقد قلنا في محله: إنّ كلّ موجود ـ و إن بلغ من الضعف بمكان ـ له نصيب من العلم والإدراك، وانّ الوجود في جميع المراتب يساوق العلم والقدرة، غاية الأمر علماً وقدرة يناسبان مقام الوجود المفروض له، قال سبحانه: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسبيحهُمْ) .(4)

وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :«أما إنّ اللّه عزّ وجلّ كما أمركم أن تحتاطوا لأنفسكم


1 . الزلزلة:4ـ5.
2 . الزلزلة:6ـ8.
3 . مجمع البيان:9ـ10/798، تفسير سورة الزلزلة.
4 . الإسراء:44.


(267)

وأديانكم وأموالكم باستشهاد الشهود العدول عليكم، فكذلك قد احتاط على عباده ولكم في استشهاد الشهود عليهم، فلله عزّوجلّ على كلّ عبد رقباء من كلّ خلقه ومعقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر اللّه ويحفظون عليه ما يكون منه من أعماله وأقواله وألفاظه وألحاظه والبقاع التي تشتمل عليه شهود ربّه له أو عليه، والليالي والأيام والشهور شهوده عليه أو له، وسائر عباد اللّه المؤمنين شهوده عليه أو له، وحفظته الكاتبون أعمالَه، شهود له أو عليه».(1)

سأل أبو كهمس أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال: يصلّي الرجل نوافله في موضع أو يفرّقها؟ قال: «لا، بل هاهنا وهاهنا فانّها تشهد له يوم القيامة».(2)

7. الزمان

إذا كانت الأرض تحدّث أخبارها يوم القيامة، فهكذا الزمان يشهد على ما عمل به الإنسان، روى الكليني في الكافي باسناده انّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، قال:«إنّ النهار إذا جاء قال يابن آدم اعمل في يومك هذا خيراً أشهد لك به عند ربّك يوم القيامة، فانّي لم آتك فيما مضى ولا آتك فيما بقي، وإذا جاء الليل قال مثل ذلك».(3)

كما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) ، قال: «الليل إذا أقبل نادى مناد بصوت يسمعه الخلائق إلاّ الثقلين: يابن آدم إنّي على ما فيّ شهيد فخذ منّي، فانّي لو طلعت الشمس لم تزدد فيّ حسنة ولم تستعتب فيَّ من سيئة، وكذلك يقول النهار إذا أدبر اللّيل».(4)


1 . بحار الأنوار: 7/315، الباب 16 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 11.
2 . بحار الأنوار: 7/318، الباب 16 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 15.
3 . بحار الأنوار: 7/325، الباب 16 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 22.
4 . بحار الأنوار: 7/325، الباب 16 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 21.


(268)

8. القرآن

تدلّ بعض الآيات على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يشتكي من أُمّته لهجرهم القرآن(وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخذُوا هذا الْقُراّنَ مَهْجُوراً).(1)

والآية بما انّـها مصدرة بالفعل الماضي أعني: «قال» يمكن أن يقال إنّ الرسول يشتكي في هذه النشأة كما يحتمل أن ترجع شكايته إلى النشأة الأُخرى وانّ استعمال الفعل الماضي فيما لم يتحقق لأجل كونه محقّق الوقوع.

وعلى كلّ حال فالروايات تدل على أنّ نفس القرآن يشتكي يوم القيامة.

روى سعد الخفّاف، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال:«...انّه سبحانه يخاطب القرآن الكريم، ويقول: يا حجتي في الأرض... كيف رأيت عبادي؟ فيقول: منهم من صانني وحافظ عليَّ ولم يضيع شيئاً، ومنهم من ضيّعني واستخف بحقّي وكذب وأنا حجتك على جميع خلقك، فيقول اللّه تبارك وتعالى: وعزَّتي وجلالي وارتفاع مكاني لأُثيبنَّ عليك اليوم أحسن الثواب ولأُعاقبنّ عليك اليوم أليم العقاب».(2)

9. صحيفة الأعمال

إنّ من الشهود الصحف التي تكتبها الملائكة الموكّلون على أعمال الإنسان ليلاً ونهاراً فلا يفترون عن كتابة كلّ صغير وكبير، وقد دلت الآيات على ذلك وإليك بعض ما ورد.

(قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُون) .(3)


1 . الفرقان:30.
2 . بحار الأنوار:7/319ـ320، الباب 16 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 16.
3 . يونس:20.


(269)

(أَمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ).(1)

والآيتان صريحتان في أنّ الملائكة الموكّلين يكتبون الأعمال ظاهرها وخفيّها، ولكن ليس فيها تصريح بالاحتجاج بهما يوم القيامة، وبما انّ كتابة الأعمال يجب أن تكون مقترنة بالغرض ليخرج عن كونه عبثاً، فلا محيص من القول بأنّ الكتابة مقدمة للاحتجاج بها على العباد، وهذا (أي الاحتجاج بصحائف الأعمال) هو الظاهر من الآيات التالية:

قال سبحانه: (وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقينَ مِمّا فيهِ).(2)

وليس إشفاقهم إلاّ لأجل انّهم يجدون فيه جليل أعمالهم ودقيقها، كما يقول سبحانه حاكياً عن لسان المشركين: (ما لِهذا الكِتاب لا يُغادِر صَغيرةً وَلا كَبيرةً إِلاّ أَحْصاها) .(3)

ويقول سبحانه:(وَيَومَ تَقُومُ السّاعَةُ يَومَئذ يَخْسَرُ المُبْطِلُون * وَتَرَى كُلَّ أُمّة جاثِيَةً كلُّ أُمَّة تُدْعَى إِلى كِتابها... * هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالحَقّ)(4).

ويستفاد من بعض الآيات أنّ صحيفة الأعمال تُعلَّق على عنق الإنسان، يقول سبحانه: (وَكُلَّ إِنْسان أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقهِ وَنُخْرجُ لَهُ يَومَ القِيامَة كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) .(5)

وثمة سؤال، وهو انّ ما جاء في تلك الصحف لا يتجاوز عن كونها صحفاً نسب فيها إلى الإنسان عدّة جرائم، فكيف يمكن أن يحتج بها على الإنسان؟


1 . الزخرف:80.
2 . الكهف:49.
3 . الكهف:49.
4 . الجاثية:27ـ29.
5 . الإسراء:13.


(270)

والجواب: انّ واقع هذه الصحف غير معلوم لنا، ونحن نتصوّر أنّها صحف كصحف الدين وانّ صحيفة عمل كلّ إنسان كاضبارة المحاكم، فعندئذ يطرح السؤال التالي: كيف يمكن، أن يحتج بالصحيفة المجردة عن الاعتراف بالذنب؟

والجواب: يمكن أن تكون واقع الصحف على نحو لا يمكن للإنسان إنكار ما سجِّل فيها; ولأجل ذلك يقول سبحانه: (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَومَ عَلَيْكَ حَسِيباً) .(1)

وقد تقدّم في آية أُخرى أنّ المجرم حينما يرى صحيفة أعماله يعترف بأنّه ما غادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها.

وهذا السؤال ونظائره ناجم من قياس حال هذه النشأة بالنشأة الأُخرى، مع أنّ النشأتين متشابهتان لا متماثلتان، ولا يمكن إجراء حكم هذه النشأة في الآخرة.

وتشير بعض الروايات إلى محاولة الشغب التي يثيرها بعض المجرمين بغية إنكار ما سجِّل في صحيفة أعمالهم، وربَّما يحلفون بأنّهم لم يفعلوا ذلك فعندئذ تشهد عليهم أعضاؤهم وجوارحهم على ما اقترفوه فيُفحمون.

روى القمي في تفسير قوله سبحانه: (اليَومَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ).(2)

قال: «إذا جمع اللّه الخلق يوم القيامة دفع إلى كلّ إنسان كتابه فينظرون فيه فينكرون أنّهم عملوا من ذلك شيئاً، فيشهد عليهم الملائكة فيقولون: ياربّ ملائكتك يشهدون لك، ثمّ يحلفون انّهم لم يعملوا من ذلك شيئاً وهو قوله:


1 . الإسراء:14.
2 . يس:65.


(271)

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ)(1) فإذا فعلوا ذلك ختم على ألسنتهم وينطق جوارحهم بما كانوا يكسبون».(2)

وروى أيضاً: (حَتّى إِذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنا اللّهُ الَّذي أَنْطَقَ كُلَّ شيء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة وَإِلَيهِ ُترْجَعُون) .(3)

فانّها نزلت في قوم تعرض عليهم أعمالهم فينكرونها، فيقولون: ما عملنا منها شيئاً، فيشهد عليهم الملائكة الذين كتبوا عليهم أعمالهم.

فقال الصادق (عليه السلام) : «فيقولون للّه: يا ربّ هؤلاء ملائكتك يشهدون لك، ثمّ يحلفون باللّه ما فعلوا من ذلك شيئاً، وهو قول اللّه: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ )(4) وهم الذين غصبوا أمير المؤمنين، فعند ذلك يختم اللّه على ألسنتهم وينطق جوارحهم، فيشهد السمع بما سمع ممّا حرّم اللّه، ويشهد البصر بما نظر به إلى ما حرّم اللّه، وتشهد اليدان بما أخذتا، وتشهد الرجلان بما سعتا ممّا حرم اللّه، وتشهد الفرج بما ارتكب ممّا حرّم اللّه، ثمّ أنطق اللّه ألسنتهم فيقولون هم لجلودهم: (لِمَ شَهِدتُمْ عَلَيْنا)فيقولون:(أَنْطَقَنَا اللّه الذي أَنْطَقَ كُلّ شَيء وَهُوَ خَلََقَكُمْ أَوْلَّ مَرَّة وَإِلَيْهِ تُرجعُون * وَما كُنْتم تَسْتَتِرُون)(5) أي من اللّه (أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ) والجلود الفروج(وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُون) .(6)


1 . المجادلة:18.
2 . بحار الأنوار: 7/312، الباب 16 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 3.
3 . فصلت:20ـ 21.
4 . المجادلة:18.
5 . فصلت: 21ـ 22.
6 . بحار الأنوار: 7/312، الباب 16 من كتاب العدل و المعاد، الحديث 4.


(272)

10ـ11. شهادة الأعضاء والجلود

يذكر القرآن الكريم أنّ الجوارح والجلود تشهد على ما اقترفه المذنبون، يقول سبحانه: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)(1)، فالآية صريحة في شهادة اللسان على ما فعله ولعلّه في موقف خاص من مواقف القيامة بشهادة انّ القرآن يذكر انّه يختم على أفواههم فلا تتكلّم ألسنتهم وإنّما تتكلّم أيديهم وأرجلهم، كما قال سبحانه: (الْيَومَ نَخْتِمُ على أَفواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون).(2)

وأمّا شهادة الجلود فيدل عليه قوله سبحانه: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللّهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّى إِذا ما جاءوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُون * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللّهُ الّذي أَنْطَقَ كُلَّ شَيء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة وَإِلَيْهِ ترجعُون).(3)

فالآية صريحة على شهادة الجلود بما اقترفه، وربّما يقال من أنّ المراد من الجلود هو خصوص الفروج، وإنّما كني بها صيانة لحسن التعبير، ولكنّه غير ظاهر لوروده في القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ).(4)

بقي هنا سؤال وهو أنّ المذنبين يعترضون على خصوص شهادة الجلود ولا يعترضون على شهادة سائر الأعضاء والجوارح، فما هو وجهه؟

والجواب: انّ الجلود تشهد على ما يصدر عنها بالمباشرة، بخلاف السمع


1 . النور:24.
2 . يس:65.
3 . فصلت:19ـ21.
4 . المؤمنون:5.


(273)

والبصر فانّها كسائر الشهود تشهد بما ارتكبه غيرها.(1)

والمقصود أنّ الأعضاء والجوارح كسائر الشهود الذين يشهدون على ما صدر عن غيرهم فلا يعترض عليهم بشيء، وهذا بخلاف الجلود فانّها تشهد على ما صدر عنهم مباشرة فتستحق أن يعترض على شهادتها، لأنّ الفعل قد صدر عنها.

إلى هنا تمّ ما نرمي إليه من البحث في الشهود يوم القيامة، ولو أُضيف إليه تجسّم الأعمال الذي هو شاهد صدق على صلاح الأعمال وطلاحها لبلغ عدد الشهود إلى اثني عشر شاهداً، وسنعقد فصلاً خاصاً للبحث في تجسم الأعمال إن شاء اللّه.


1 . الميزان:17/379.


(274)

الفصل الواحد والعشرون

القيامة والصراط

الصراط في اللغة هو الطريق، وقد استعمل في الذكر الحكيم في هذا المعنى، قال سبحانه: (وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقِيم)(1)، وقد أطلق الصراط على الطريق الذي ينتهي إلى الجحيم، قال سبحانه: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعبُدُون * مِنْ دُونِ اللّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الجَحيم).(2)

قال الراغب: الصراط الطريق المستسهل.

ولعلّ وجه إطلاقه على الطريق المنتهي إلى الجحيم والجنة هو سهولة سلوك طريقهما، أمّا طريق الجنة فسلوكه رهن العمل بالشرائع السماوية الموافقة للفطرة، وأمّا سلوك طريق الجحيم فهو رهن الاستجابة لميول الغرائز الحيوانية; وربّما يطلق الصراط على الجسر الذي يوصل بين ضفَّتي النهر.

الصراط: معبر عام

دلّت الآيات والروايات على أنّ الصراط معبر عام تجتازه الخلائق برمتها دون


1 . البقرة:213.
2 . الصافات:22ـ 23.


(275)

فرق بين المتقين و الفجار، قال سبحانه: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظالِمينَ فيها جِثِيّاً).(1)

والضمير في قوله: (واردها) يرجع إلى جهنم التي ذكرت قبل هذه الآية، قال سبحانه: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثيّاً)(2) إلى أن قال: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدها) .

وعلى ضوء هذا فالناس قاطبة يردون جهنم، فهل المراد من الورود هو الاقتراب و الإشراف، أو المراد هو الدخول والاقتحام؟ وجهان.

يشهد على الوجه الأوّل انّ القرآن يستعمل الورود بمعنى الإشراف والاقتراب، يقول سبحانه: (وَلما ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ).(3)

ومن الواضح انّ موسى لم يطأ الماء بقدميه وإنّما اقترب منه، بشهادة انّه سبحانه يردفه بقوله: (وَجَدَ عَلَيهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امرَأَتين تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شيخٌ كَبِير) .(4)

ولا شكّ انّ الناس لا سيما المرأتين لم يدخلوا المشرعة بل أشرفوا عليها.

ونظيره قوله سبحانه في قصة يوسف: (وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشرى هذا غُلامٌ) .(5)

والمراد من الوارد هو الساقي الذي يدخل الدلو في البئر لإخراج الماء، وعلى ضوء هذا، فالمراد من قوله سبحانه: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها )هو انّ أهل الجنة


1 . مريم:71ـ 72.
2 . مريم:68.
3 . القصص:23.
4 . القصص:23.
5 . يوسف:19.


(276)

والجحيم يشرفون عليها دون أن يدخلوها، غير انّ من كتب عليه النجاة سيغادرها إلى الجنة وأمّا من كتب عليه الشقاء فيلقى في النار.

ويشهد على الوجه الثاني انّ المتبادر من الورود هو الدخول، و المتبادر من الآية انّ كلتا الطائفتين سيدخلون الجحيم ثمّ ينجو منها السعداء ويمكث فيها الأشقياء.

وقد استدل على هذا الوجه ببعض الآيات: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأورَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَورُود) .(1)

فقوله سبحانه (يقدم قومه) يحكي عن تجسّم ما كان عليه فرعون في نشأة الدنيا وانّه كان يتزعم قومه فيها، وهكذا الحال في يوم المحشر يتزعمهم فيقودهم ويدخلهم النار.

فلفظة «أورد» في الآية بمعنى أدخل، نظير الآية التالية: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُون * لَو كانَ هؤلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وكلٌّ فِيها خالِدُونَ) .(2)

فقد استدل سبحانه بورود معبود المشركين في النار على عدم الوهيته. فقد استخدم لفظة الورود في الآيتين بمعنى الدخول.

وأمّا استعمال الورود بمعنى الاقتراب والإشراف في قصة يوسف، فإنّما هو من باب المجاز دلَّت عليه القرائن.

فلو تعبدنا بظاهر الآية فلا مناص من الأخذ بهذا الوجه، وانّ المؤمنين والكافرين يدخلون النار ثمّ ينجِّي اللّه الذين آمنوا ويترك المشركين فيها.


1 . هود:98.
2 . الأنبياء:98ـ 99.


(277)

الصراط في الروايات

1. روى علي بن إبراهيم، عن الإمام الباقر (عليه السلام) ، في تفسير قوله سبحانه: (وَجِيءَ يَومَئِذ بِجَهَنَّمَ يَومَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى) .(1)

قال: «سئل عن ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أخبرني الروح الأمين انّ اللّه لا إله غيره إذا برز الخلائق وجمع الأوّلين والآخرين أتى بجهنم تقاد بألف زمام، يقودها مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد لها هدّة وغضب وزفير وشهيق ـ إلى أن قال:ـ ثمّ يوضع عليها الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف».(2)

2. وروى المفضل بن عمر، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصراط، قال: «هو الطريق إلى معرفة اللّه عزّوجلّ وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأمّا الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفروض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه، مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردّى في نار جهنم».(3)

ويستفاد من هاتين الروايتين انّ الصراط جسر ممدود على جهنم، وقد وصف في الحديث الثاني بأنّه أحد من السيف وأدق من الشعرة.

قال الشيخ المفيد: الصراط في اللغة هو الطريق، فلذلك سمِّي الدين صراطاً لأنّه طريق إلى الصواب، وله سمِّي الولاء لأمير المؤمنين والأئمّة من ذريته صراطاً. ومن معناه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «أنا صراط اللّه المستقيم وعروته الوثقى التي لا انفصام لها» يعني انّ معرفته والتمسك به طريق إلى اللّه سبحانه،


1 . الفجر:23.
2 . بحار الأنوار: 8/65، باب 22 من كتاب العدل و المعاد، الحديث 2.
3 . المصدر نفسه، الحديث 3.


(278)

وقد جاء الخبر بأنّ الطريق يوم القيامة إلى الجنة كالجسر يمرُّ به الناس وهو الصراط الذي يقف عن يمينه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن شماله أمير المؤمنين (عليه السلام) ويأتيهما النداء من قبل اللّه تعالى: (أَلقيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّار عَنِيد)(1) .(2)

وقال التفتازاني: الصراط جسر ممدود على متن جهنم يرده الأوّلون والآخرون، أدق من الشعر وأحد من السيف على ما ورد في الحديث الصحيح، ويشبه أن يكون المرور عليه هو المراد بورود كلّ أحد النار على ما قال تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها)(3) .(4)

هذه طائفة من الروايات وكلمات العلماء الواردة حول الصراط.

وخلاصة القول: إنّ الصراط عبارة عن الطريق الممدود على متن الجحيم يجتازه المؤمنون والمشركون على حدّ سواء، غير انّ الفئة الأُولى تجتازه بإذنه سبحانه، والفئة الثانية تسقط في هاوية جهنم. ومع أنّ هذا هو الظاهر المتبادر، إلاّ أنّ ثمة احتمالاً آخر وهو انّ الصراط كناية عن الطريق الذي يختاره كلّ من المؤمن والكافر في هذه الدنيا فالطريق الذي اختاره المؤمن يوصله إلى الجنة، والطريق الذي اختاره الكافر ينتهي به إلى نار جهنم، والمعنى الأوّل هو الأوفق بالظواهر، ولكن المعنى الثاني أيضاً محتمل، ويؤيد الاحتمال الثاني ما روي عن علي (عليه السلام) انّه قال: «ألا وإنّ الخطايا خيل شُمس حمل عليها أهلها وخلعت لُجُمُها فتقحَّمت بهم في النار، ألا وإنّ التَّقوى مطايا ذُلُل حمل عليها أهلها وأُعطُوا ازمّتها فأوردتهم الجنة».(5)


1 . ق:24.
2 . تصحيح الاعتقاد: 50، ط . تبريز.
3 . مريم:71.
4 . شرح المقاصد: 2/223، ط . الآستانة.
5 . نهج البلاغة: الخطبة 16.


(279)

وهذا التعبير من الإمام يؤيد الاحتمال الثاني وهو انّ الطريق الذي يسلكه كلٌّ من المؤمن والفاجر هو صراطهما في النشأة الأُخرى، فيوصل أحدهما إلى الغاية المنشودة والآخر إلى النار. فكلّ من اختار طريق الطاعة فهو يوصله إلى الجنة، ومن اختار طريق العصيان فهو يوصله إلى الجحيم.

فصراط كلّ إنسان هو الطريق الذي يسلكه في نشأة الدنيا، ثمّ يتجسد في الآخرة فيجتازه إمّا إلى الجنة أو إلى النار.

ومع ذلك كلّه فالاحتمالان على حد سواء عندنا دون أن نجزم بأحدهما.

أوصاف الصراط

قد وصف الصراط في الروايات بأوصاف عديدة نذكرها تباعاً:

أ. انّه أدق من الشعرة وأحد من السيف.

ب. فمنهم من يمرّ مثل البرق، فيمضي أهل بيت محمد وآله زمرة على الصراط مثل البرق الخاطف.

ج. ثمّ قوم مثل الريح.

د. ثمّ قوم مثل عدو الفرس.

هـ. ثمّ يمضي قوم مثل المشي.

و. ثمّ قوم مثل الحبو.

ز. ثمّ قوم مثل الزحف.

ح. ويجعله اللّه على المؤمنين عريضاً وعلى المذنبين دقيقاً.(1)

إنّ الأعمال والأفعال التي يقوم بها البشر في نشأة الدنيا تتبلور في النشأة الأُخرى بشكل حقائق أُخروية، فالإنسان المثالي الذي ينهج الشريعة في سلوكه


1 . انظر بحار الأنوار: 8/67، باب الصراط من كتاب العدل و المعاد، الحديث 8.


(280)

ويتناوب معها، فهو يمرُّ كالبرق الخاطف على الصراط، وأمّا الإنسان الذي يلبي كافة غرائزه الحيوانية الجامحة ولا يولي أهمية للشريعة فهو يسقط في هاوية الجحيم ولا يجتاز الصراط، وبينهما مراتب متفاوتة حسب اختلاف سلوك الإنسان في العمل بالشريعة.

وأمّا كون الصراط أحدُّ من السيف وأدقّ من الشعرة، فقد فسره الشيخ المفيد بقوله: إنّ المراد لا يثبت لكافر قدم على الصراط يوم القيامة من شدّة ما يلحقهم من أهوال يوم القيامة، ومخاوفها فهم يمشون عليه كالذي يمشي على الشيء الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف، وهذا مثل مضروب لما يلحق الكافر من الشدة في عبوره على الصراط، وهو طريق إلى الجنة وطريق إلى النار يشرف العبد منه إلى الجنة ويرى من أهوال النار وقد يمر به عن الطريق المعوج، فلهذا قال اللّه تعالى:(وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً) .(1)

فميّز بين طريقه الذي دعا إلى سلوكه من الدين وبين طرق الضلال، وقال اللّه تعالى فيما أمر به عباده من الدعاء وتلاوة القرآن: (اهْدِنَا الصِّراطَ المُسْتَقِيم)(2) فدلّ على أنّ سواه صراط غير مستقيم وصراط اللّه تعالى دين اللّه. وصراط الشيطان طريق العصيان، والصراط في الأصل ـ على ما بيناه ـ هو الطريق والصراط إلى يوم القيامة، هو الطريق المسلوك إلى الجنة أو النار.(3)

وعلى ضوء هذا فالعمل بالحقّ والحقيقة والسير على ضوء البعد الملكوتي للإنسان هو الصراط الذي يسير عليه المؤمن وينتهي به إلى الجنة، كما أنّ الجنوح إلى الشهوات والانقياد للبعد الحيواني طريق إلى النار، فالأوّل صراط المؤمن،


1 . الأنعام:153.
2 . الحمد:6.
3 . تصحيح الاعتقاد:51.


(281)

والثاني صراط الكافر، والأوّل بما أنّه يوافق الفطرة صراط مستقيم، والثاني بما انّه يخالفها صراط معوج، فيثبت قدم المؤمن في الأوّل لاستقامته، ويزل قدم الكافر لإعوجاجه.

هذا هو الذي استظهره المفيد من الروايات وهو أمر لا بأس به وإن اعترض عليه المجلسي، بما هذا مثاله: لا ضرورة تلجئنا إلى تأويل الظواهر الشرعية الدالة على أنّ للصراط واقعية يوم القيامة وانّها حقيقة أدق من الشعرة وأحد من السيف مالم تكن هناك ضرورة في التأويل.(1)

ونحن نوافق المجلسي في أنّه ليس لنا تأويل الظواهر ما لم يكن هناك قرينة على التأويل ولكن ما ذكره المفيد ليس تأويلاً بلا قرينة، والشاهد عليه أنّ هذه الجملة: «أدق من الشعرة و أحد من السيف» مثل يضرب للأُمور المستصعبة، كما أنّه ورد في الروايات انّ الصراط على المؤمنين عريض وعلى المذنبين دقيق و انّه سبحانه يجعله كذا وكذا.(2)

مع أنّ ظاهر الروايات الأُخرى انّ الصراط واحد وانّ الجميع يؤمرون بالاجتياز دون اختلاف في العرض والطول.

والذي يؤيد ما ذكره الشيخ المفيد هو أنّ بعض الآيات تدّل على أنّ الحياة الأُخروية حقيقة للحياة الدنيوية وواقعها، وانّ الحياة الدنيوية لها ظاهر وباطن، تتجلّى في الآخرة بباطنها وفي هذه الدنيا بظاهرها، يقول سبحانه: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم)(3) والآية ظاهرة في أنّه ليس للنور منشأ سوى وجودهم فكأنّهم بأيمانهم تشع نوراً ويمشون على ضوء


1 . بحار الأنوار:8/71، باب 22 من كتاب العدل والمعاد.
2 . بحار الأنوار: 8/67، الحديث 8.
3 . الحديد:12.


(282)

هذا النور، وليس ذلك النور إلاّ انعكاساً لإيمانهم وتقواهم.

فقد روى القمي في تفسيره عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يقسّم النور بين الناس يوم القيامة على قدر إيمانهم.

ويؤيده أيضاً انّ المنافقين والمنافقات يطلبون الاقتباس من نور المؤمنين ويقولون: (انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)حتى نمشي على ضوء نوركم، فيُجابون بقولهم: (ارجعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً)يعني انّ هذا النور هو تجسيد للأعمال الصالحة التي قاموا بها في الحياة الدنيا، وانّكم لو كنتم تبتغون نوراً فيجب أن تلتمسوه في الحياة الدنيوية، وهيهات.

الولاية، رخصة لعبور الصراط

يستفاد من الروايات أنّ لموالي أهل البيت (عليهم السلام) امتيازاً خاصاً في اجتياز الصراط، وقد رويت عدة أحاديث في هذا الصدد.

1. روى الصدوق في فضائل الشيعة باسناده، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أثبتكم قدماً على الصراط أشدكم حباً لأهل بيتي».(1)

2. روى الصدوق في معاني الأخبار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا علي! إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على الصراط فلم يجز أحد إلاّ من كان معه كتاب فيه براءة».(2)

3. روى الصدوق في علل الشرائع باسناده ،عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:« لفاطمة وقفة على باب جهنم، فإذا كان يوم القيامة


1 . بحار الأنوار:8/69، باب 22 من كتاب العدل والمعاد، الحديث16.
2 . المصدر السابق، الحديث 4.


(283)

كتب بين عيني كلّ رجل مؤمن أو كافر، فيؤمر بمحبّ قد كثرت ذنوبه إلى النار فيقرأ بين عينيه محباً، فتقول: إلهي وسيدي سمّيتني فاطمة وفطمت بي من تولاّني وتولّى ذريتي من النار ووعدك الحقّ وأنت لا تخلف الميعاد، فيقول اللّه عزّوجلّ: صدقت يا فاطمة، إنّي سمّيتك فاطمة وفطمت بك من أحبّك وتولاّك وأحبّ ذريتك وتولاّهم من النار، ووعدي الحقّ وأنا لا أُخلف الميعاد، و إنّما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأُشفّعك، ليتبيّن لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفك مني ومكانتك عندي، فمن قرأت بين عينيه مؤمناً فجذبت بيده وأدخلته الجنّة».(1)

فيستفاد من هذه الروايات أنّ أعداء أهل البيت (عليهم السلام) يمنعون عن اجتياز الصراط، كما أنّ مودتهم تسهل العبور وتغفر الذنوب.

وأمّا تأثير المودة على غفران الذنوب بأسرها أو طائفة منها فهو أمر موكول إلى البحث في الشفاعة.


1 . المصدر السابق، باب الشفاعة من كتاب العدل والمعاد، الحديث 58.


(284)

الفصل الثاني والعشرون:

أصحاب الأعراف وسيماهم

قد وردت كلمة الأعراف في القرآن مرّتين، تارة بلفظ: (على الأعراف) ، وأُخرى بلفظ: (وَأصحاب الأعراف) ، وكلتا الآيتين لهما ارتباط بالقيامة.

أمّا الأعراف، فهو جمع العرف، ويطلق على النقطة المرتفعة.(1)

فيكون الأعرافي هو المنتسب لهذه النقطة الرفيعة، يقول الصدوق: اعتقادنا في الأعراف انّه سور بين الجنة والنار، (وَعَلَى الأَعْرافِ رِجالٌ


1 . أقرب الموارد: مادة عرف.


(285)

يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ) والرجال هم النبي وأوصياؤه (عليهم السلام) لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه، وعند الأعراف، المرجون لأمر اللّه إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم.(1)

وقال المفيد: قد قيل انّ الأعراف جبل بين الجنة والنار، وقيل أيضاً انّه سور بين الجنة والنار، وجملة الأمر في ذلك انّه مكان ليس من الجنّة ولا من النار، وقد جاء الخبر بما ذكرناه وانّه إذا كان يوم القيامة كان به رسول اللّه وأمير المؤمنين والأئمّة من ذريته (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم الذين عنى اللّه سبحانه، بقوله: (وَعَلَى الأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوا أَصحابَ الجَنَّة أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُون) .(2)

وذلك انّ اللّه تعالى يُعلِّمُهم أصحابَ الجنة وأصحابَ النار بسيماهم يجعلها عليهم وهي العلامات، وقد بيّن ذلك في قوله تعالى: (يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسيماهُمْ ) (يُعْرفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ)(3) وقد قال تعالى: (إِنَّ في ذلِكَ لآيات لِلْمُتَوَسِّمين * وإِنّها لَبِسَبِيل مُقيم)(4) فأخبر انّ في خلقه طائفة يتوسمون الخلق فيعرفونهم بسيماهم».(5)

إنّ الأعراف كما تقدم ورد في القرآن الكريم على النحو التالي حتى سمّيت السورة بذلك الاسم لما ورد فيها آياته:

1. (وَبَيْنَهما حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسيماهُمْ وَنادَوا أَصحابَ الجَنَّةِ أَن سَلامٌ علَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يطمَعُون).(6)

2. (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَومِ الظّالِمِين).(7)

3.(وَنادى أَصْحابُ الأَعْراف رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُون) .(8)

4. (أَهؤلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا ينالُهُمْ اللّهُ بِرَحْمَة ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ


1 . بحار الأنوار:8/340، باب ذبح الموت من كتاب العدل والمعاد، الحديث 23.
2 . الأعراف:46.
3 . الرحمن:41.
4 . الحجر:75ـ76.
5 . تصحيح الاعتقاد: 48 و49.
6 . الأعراف:46.
7 . الأعراف:47.
8 . الأعراف:48.


(286)

عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُون) .(1)

دلّت الآية الأُولى على أنّ الواقفين على الأعراف يعرفون أهل الجنّة وأهل النار، فإذا بأصحاب الجنة ينادونهم بالتسليم عليهم، وهم بعدُ لم يدخلوا الجنة ولكن ينتظرون الدخول، كما يقول سبحانه: (ونادَوا أَصحاب الجنّة) أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنّة ان (سلام عليكم)تحية منهم إليهم وهم بعد لم يدخلوها ولكن ينتظرون أن يأذن لهم بالدخول وكأنّهم مصطفون على أبواب الجنّة ينتظرون فتح أبوابها.

ثمّ إنّ أصحاب الأعراف ينظرون إلى أصحاب النار نظر عداء، فلا ينظرون إليهم إلاّ إذا صرفت وجوههم إليهم ولأجل التبرّي من أعمالهم يقولون: (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَومِ الظّالِمين) كما يقول سبحانه: (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصحابِ النّارِقالُوا ربّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَومِ الظّالِمين) .

وبما انّ أصحاب الأعراف نادوا أصحاب الجنة ـ فبطبع الحال ـ ينادون أصحاب النار الذين تبرّأوا منهم فنادوهم بما يحكي عنهم سبحانه، ويقول:(وَنادى أَصْحابُ الأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُون) .

ولما كان أصحاب النار يستهزئون بالمؤمنين ويصفونهم بأنّهم لا يصيبهم اللّه برحمة وخير ولا يدخلون الجنّة، حاول أهل الأعراف تقريعهم وتكذيبهم وقالوا: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمة.

فانظروا كيف نالتهم رحمة اللّه وهم مصطفون على أبواب الجنة ينتظرون الدخول فإذا بأصحاب الأعراف يجيزون لهم بالدخول أمام أعين أصحاب النار ويخاطبونهم (ادْخُلُوا الجَنَّة لا خَوفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُون) ، وعلى ما ذكرنا،


1 . الأعراف:49.


(287)

فقوله: (لَمْ يدخلوها وهم يطمعون) في الآية الأُولى راجع إلى المؤمنين المصطفين على أبواب الجنة.

كما أنّ قوله في الآية الرابعة: (ادخلوا الجنّة) راجع إلى هؤلاء الذين كانوا من أصحاب الجنّة وهم بعد لم يدخلوها.

هذا ما وصلنا إليه بعد التدبّر في أطراف الآية، وبذلك يظهر أنّ ما ذكره المفسرون أو بعضهم في تفسير الآيات ليس بتام.

هذا ولنرجع إلى الآيات وإلى ما يستفاد منها:

1. انّ الأعراف مقام شامخ رفيع عليه رجال مشرفون على الجنة والنار وأهلهما.

2. الأعراف مكان خاص وراء الجنة والنار، وهو مشرف عليهما.

3. انّ أصحاب الأعراف يتمتعون بمعرفة خاصة يعرفون على ضوئها أصحاب الجنّة والنار.

هذا ما يستفاد من الآيات، ولكن من هم أصحاب الأعراف؟ فقد اختلفت فيهم كلمة المفسرين إلى أقوال:

أ. فئة من الناس لهم مكانة خاصّة، وقد شملتهم عناية اللّه.

ب. هم الذين تستوي حسناتهم وسيئاتهم، ولأجل ذلك لا يدخلون الجنة والنار بل يمكثون بينهما، وإن كانت عاقبتهم الجنة لشمول رحمة اللّه سبحانه لهم.

ج. الملائكة المتمثلون بصورة الرجال يعرفون الجميع.

د. الفئة العادلة من كلّ أُمّة الذين يشهدون على أُمّتهم.

هـ . فئة صالحة من حيث العلم والعمل.

هذه هي الأقوال المذكورة في المقام، لكن القول الثاني مردود، لأنّ


(288)

المتوسطين في العلم والعمل ليس لهم أي امتياز حتى يهنئّوا يسلّموا على أصحاب الجنّة وينددوا ويوبخوا أصحاب النار.

كما انّ القول الثالث لا يدعمه الدليل.

وأمّا القول الرابع والخامس فقريبان من القول الأوّل، ويمكن إرجاع الجميع إلى قول واحد.

والحاصل انّ أصحاب الأعراف هم الرجال المثاليّون الذين بلغوا في العلم والعمل درجة ممتازة ويُشكِّل الأنبياء والأولياء معظمهم، ثمّ الصالحون والصادقون.

4. ما تضمنته هذه الآيات إنّما هو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، ويحكي لنا حقيقة رائعة لا تدرك إلاّ بهذا النحو الوارد في الآيات، وكأنّ الحكومة المطلقة للّه سبحانه تتجلّى يوم القيامة بالشكل التالي:

ـ طائفة متنعمة (أصحاب الجنة) جزاء لأعمالهم الحسنة.

ـ طائفة معذبة (أصحاب النار) جزاء لأعمالهم السيئة.

ـ طائفة تنفِّذ أوامره سبحانه بإدخال أهل الجنّة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار.

هذا ما يستفاد من الآيات، وإليك ما ورد في الروايات:

الأعراف في الروايات

وقد ركزت الروايات على أمرين:

أ. ما هي الأعراف؟

ب. من هم أصحابها؟


(289)

أمّا الأوّل: فقد روى القمي في تفسيره، عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، أنّه قال: «إنّ الأعراف كثبان بين الجنة والنار، أي طريق بينهما».(1)

وفي رواية أُخرى، عن الإمام الباقر (عليه السلام) ، قال: «الأعراف صراط بين الجنّة والنار».(2)

وليعلم انّه لو ثبت أنّ الأعراف بمعنى الصراط، فهو غير الصراط الذي تكفَّلت ببيانه الآيات الأُخرى، لأنّ الصراط المتقدم ذكره، طريق عام يجتازه كلّ من المؤمن والكافر مع أنّ الأعراف مقام خاص لعدَّة من الناس.

وأمّا تسمية الأعراف بالصراط فلأجل أنّ لفيفاً من المؤمنين العصاة يحتفُّون حوله وينتظرون مصيرهم بشفاعة النبي وآله، وهؤلاء غير الذين يقفون على الأعراف.

وأمّا الثاني: أي من هم أصحاب الأعراف؟ فقد اختلفت فيهم الروايات:

1. الأئمّة المعصومون

وهذا القول ورد فيه روايات تربو على 14 حديثاً.(3)

ولنقتصر على رواية واحدة.

قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) : «هم آل محمد لا يدخل الجنة إلاّ من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه».(4)

2. المؤمنون العصاة

وهذا ما يستفاد مما رواه القمي في تفسيره ، وقال: الأئمّة (عليهم السلام) يقفون على


1 . بحار الأنوار:8/335، باب الأعراف من كتاب العدل والمعاد، الحديث 2.
2 . بحار الأنوار:8/335، باب الأعراف من كتاب العدل والمعاد، الحديث 3.
3 . انظر بحار الأنوار:8/329ـ 341.
4 . بحار الأنوار: 8/331، باب الأعراف من كتاب العدل والمعاد.


(290)

الأعراف مع شيعتهم وقد سبق المؤمنون إلى الجنة بلا حساب.

فيقول الأئمّة لشيعتهم من أصحاب الذنوب: انظروا إلى إخوانكم في الجنة قد سبقوا إليها بلا حساب، وهو قول اللّه تبارك وتعالى: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُون) .

ثمّ يقال لهم: انظروا إلى أعدائكم في النار، وهو قوله: (وَإِذا صرفت أبصارهم تِلقاءَ أَصحاب النّار قالُوا رَبّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوم الظّالِمين) .

(وَنادى أَصْحابُ الأَعْراف رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ ـ فِي النّار ـ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ـ فِي الدنيا ـ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُون).

ثمّ يقول لمن في النار من أعدائهم هؤلاء شيعتي وإخواني الذين كنتم أنتم تحلفون في الدنيا أن لا ينالهم اللّه برحمة.

ثمّ يقول الأئمّة لشيعتهم: (ادخلوا الجنّة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) ثمّ نادى أصحاب النار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم اللّه.(1)

ولا يخفى انّ هذا التفسير لا يلائم ظاهر الآية، لما سبق منّا انّ قوله: ( لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُون) راجع إلى أصحاب الجنّة، لا العصاة الموجودين حول الأعراف الذين ينتظرون مصيرهم.

كما أنّ قوله: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم) راجع إلى هؤلاء المنتظرين.

3. الذين تتساوى سيئاتهم مع حسناتهم

يظهر ممّا رواه العياشي أنّ أصحاب الأعراف هم الذين تتساوى حسناتهم مع سيئاتهم.


1 . بحار الأنوار: 8/335، باب الأعراف من كتاب العدل والمعاد، الحديث 2.


(291)

سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) وقال: قلت له: أي شيء أصحاب الأعراف؟ قال:« استوت الحسنات والسيئات ، فإن أدخلهم اللّه الجنّة برحمته وإن عذبهم لم يظلمهم».(1)

وهذا القول لا يلائم ظاهر الآيات لما عرفت من أنّ أصحاب الأعراف هم الذين يهنّئون أصحاب الجنة ويباركون لهم دخولها، كما ينددون بأصحاب النار ولا تصدر مثل هذا الكلمات إلاّ ممّن حاز على منزلة كبيرة لا ممّن تساوت حسناته وسيئاته.

فما ذكره الشيخ الصدوق هو الأقوى حيث قال: والرجال هم النبي وأوصياؤه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدخل الجنة إلاّ من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه.(2)


1 . بحار الأنوار:8/337، باب الأعراف من كتاب العدل والمعاد، الحديث11.
2 . بحار الأنوار:8/340، باب ذبح الموت، من كتاب العدل والمعاد، الحديث 23.


(292)

الفصل الثالث والعشرون

خلق الجنة والنار

اختلفت أقوال المتكلمين والمفسرين في أنّ الجنة والنار هل هما مخلوقتان بالفعل، أو ستخلقان في المستقبل؟ واختار كلٌ منهما طائفة.

فأكثر المتكلّمين والمحدثين على الرأي الأوّل.

قال الصدوق: اعتقادنا في الجنة والنار انّهما مخلوقتان وانّ النبي قد دخل الجنة ورأى النار حين عرج به.(1)

قال المفيد: إنّ الجنة والنار في هذا الوقت مخلوقتان، وبذلك جاءت الأخبار وعليه إجماع أهل الشرع والآثار، وقد خالف في هذا القول المعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية، فزعم أكثر من سميناه انّ ما ذكرناه من خلقهما من قسم الجائز دون الواجب.(2)

ووقفوا في الوارد به من الآثار، وقال من بقي منهم بإحالة خلقهما، واختلفوا في الاعتلال، فقال أبو هاشم بن الجبائي: إنّ ذلك محال لأنّه لابدّ من فناء العالم قبل نشره وفناء بعض الأجسام فناء لسائرها، وقد انعقد الإجماع على أنّ اللّه تعالى لا


1 . اعتقادات الصدوق: 89.
2 . لعلّ المراد من الجائز هو الممكن ومن الواجب المتحقق.


(293)

يفني الجنة والنار. وقال الآخرون وهم المتقدمون كأبي هاشم: خلقهما في هذا الوقت عبث، لا معنى له واللّه تعالى لا يعبث في فعله ولا يقع منه الفساد.(1)

وقال العلاّمة الحلّي في كشف المراد: اختلف الناس في أنّ الجنة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا؟ فذهب جماعة إلى الأوّل، وهو قول أبي علي، وذهب أبو هاشم والقاضي (عبد الجبار) إلى أنّهما غير مخلوقتين، ثمّ نقل احتجاج كلّ على رأيه.(2)

وقال التفتازاني: جمهور المسلمين على أنّ الجنة والنار مخلوقتان الآن، خلافاً لأبي هاشم والقاضي عبد الجبار ومن يجري مجراهما من المعتزلة حيث زعموا انّهما يخلقان يوم الجزاء.(3)

وربّما نسب القول بعدم الخلقة إلى زرارة بن أعين.(4)

ويظهر من السيد الشريف الرضي اختيار القول بعدم كونهما مخلوقتين، وقد طرح الموضوع في تفسيره وبحث في أدلّة الطرفين وذهب إلى القول بعدم الخلقة.(5)

وقد تحصل ممّا ذكرنا أنّ الأقوال ثلاثة:

أ. القول بأنّهما مخلوقتان وهو المشهور.

ب. القول بعدم خلقهما ولكن الخلقة ليست أمراً محالاً، وهو للمعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية.

ج. القول باستحالة خلقتهما، وهو لأبي هاشم والقاضي عبد الجبار من المعتزلة.


1 . أوائل المقالات:102.
2 . كشف المراد: 298، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
3 . شرح المقاصد: 2/218، ط الآستانة.
4 . أوائل المقالات: قسم التعليقات، بقلم فضل اللّه الزنجاني: 103.
5 . حقائق التأويل: 365.


(294)

أدلّة القول بالخلق

واعلم أنّه سبحانه استعمل الجنة والنار في غير الجنة التي وعد بها المتقون، أو النار التي أوعد بها المجرمون، و يظهر ذلك من الإمعان في المراد منهما في غير واحد من الآيات، وإليك بعض تلك الموارد:

أ. يذكر سبحانه محادثة رجلين جعل لأحدهما جنتين من أعناب وحفّهما بنخل وجعل بينهما زرعاً، يقول: (وَلَولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللّهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلُّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً).(1)

ومن الواضح انّ المراد من الجنة هي جنة الدنيا وما أكثرها.

ب. يحكي سبحانه عن وجود جنتي سبأ، ويقول: (لَقَدْ كانَ لِسَبإ في مَسْكَنِهِمْ آيةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمين وَشِمال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَربٌّ غَفُور)(2) ولا يحتمل أحد من المفسرين انّ المراد هو جنة الآخرة والجميع يفسرونه بجنان الدنيا.

ج. يحكي سبحانه عن خلقة آدم في الجنة، وقال: (وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوجُكَ الجَنَّة وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظّالِمِين) .(3)

وقد استدل غير واحد من المتكلّمين والمفسرين بهذه الآية ونظيرتها، على أنّهما مخلوقتان.

قال التفتازاني: لنا وجهان:


1 . الكهف:39.
2 . سبأ:15.
3 . البقرة:35.


(295)

الأوّل: قصة آدم وحواء وإسكانهما الجنة ثمّ إخراجهما عنها بأكل الشجرة وكونهما يخصفان عليهما من ورق الجنة على ما نطق به الكتاب والسنّة وانعقد عليه الإجماع قبل ظهور المخالفين، وحملها على بستان من بساتين الدنيا يجري مجرى التلاعب بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين.(1)

ولكن هذا الاستدلال لا يصمد أمام النقاش لاحتمال أن يكون المراد من الجنة هي الدنيا لأنّ جنة الآخرة مكتوب عليها الخلود، يقول سبحانه: (قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتي وُعِدَ المُتَّقُون) .(2)

كما أنّ القرآن الكريم يصف الواردين عليها بأنّهم خالدون، يقول سبحانه: (وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ).(3)

وعلى ضوء ذلك فلا عتب على من يحملها على جنة الدنيا.

نعم ثمة احتمال آخر ربما يؤيد انّ المراد هو جنة الآخرة، وذلك بنقد ما قيل من أنّه لو كان المراد هو جنة الآخرة لما خرج عنها وذلك بتخصيص الخلود بمن يدخل فيها لأجل عقيدته الصحيحة وأعماله الصالحة فهؤلاء هم الذين كتب عليهم الخلود، وجزاؤهم غير مقطوع، قال سبحانه: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مادامَتِ السَّماواتُ وَالأَرْضُ إِلاّما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذ) .(4)

وأمّا الذي أو التي ولد أو ولدت فيها فلا دليل على خلودهم، فلا يكون خروج آدم ولا زوجه عنها منافياً لآيات الخلود.


1 . شرح المقاصد: 218، ط الآستانة.
2 . الفرقان:15.
3 . البقرة:25.
4 . هود:108.


(296)

وعلى كلّ حال فالآية صالحة للاستدلال لا على وجه يفيد القطع واليقين.

وثمّة نكتة أُخرى وهي انّه ربما تطلق الجنة والنار ويراد منهما الجنة والنار البرزخيتان لا الجنة والنار الأُخرويتان، فلا يصحّ الاستدلال بخلقة الأُولى على خلقة الثانية، وإليك نماذج من تلك الآيات:

أ. يحكي سبحانه عمّن جاء من أقصى المدينة مؤيداً لرسل عيسى (عليه السلام) ، وقال: (وَجاءَمِنْ أَقْصَا المَدِينِةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَومِ اتَّبِعُوا المُرْسَلين).(1)

وحاول القوم الكافرون المنكرون لرسالة المسيح ضربه وقتله إلى أن وصلوا إلى أمنيتهم فقتلوه، وعندئذ أُمر بالدخول في الجنة، وقد حكاه سبحانه بقوله: (قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمين * وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْد مِنَ السَّماءِوَما كُنّا مُنْزِلِين * إِنْ كانَتْ إِلاّصَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ).(2)

ودراسة سياق الآيات يثبت بأنّ المراد من الجنة هي الجنة البرزخية، والتي منها بلّغ هتافه لقومه وقال ما قال.

ب. (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَونَ أَشَدَّ العَذاب) .(3)

والمراد من النار هي النار البرزخية لقوله في ذيل الآية: (وَيَومَ تَقُومُ السّاعَة)وعلى ضوء ذلك فلا يصحّ لنا الاستدلال بلفظ الجنة والنار على الإطلاق بل لابدّ من إمعان النظر ليعلم ما هو المراد منها.


1 . يس:20.
2 . يس:26ـ29.
3 . غافر:46.


(297)

نعم يمكن الاستدلال على خلقة الجنة والنار الأُخرويين بالآيات التالية:

1. انّه سبحانه يصف معراج النبي وعروجه إلى السماء ورؤيته أمين الوحي عند سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى، ويقول: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى).(1)

بيان الاستدلال هو أنّ المراد من جنة المأوى هي الجنة الموعودة للمؤمنين التي يعبَّر عنها في بعض الآيات بجنات عدن، والآية تحكي عن أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى أمين الوحي عند سدرة المنتهى التي تقع جنة المأوى في جنبها. فلو لم تكن الجنة مخلوقة لما صحّ الإخبار عنها بقوله :(عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى) .

2. انّه سبحانه يصف الجنة والنار بالاعداد، وانّ الجنة أُعدّت للمتقين والنار للكافرين، ولفظ الاعداد حاك عن وجودهما في ظرف الحكاية، ولنذكر بعض الآيات:

ـ (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقين) .(2)

ـ (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ) .(3)

ـ (وَاتَّقُوا النّارَ الّتي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) .(4)

ـ (وَأَعدَّ لَهُمْ جَنّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهار) .(5)

ـ (وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً) .(6)


1 . النجم:13ـ15.
2 . آل عمران:133.
3 . الحديد:21.
4 . آل عمران:131.
5 . التوبة:100.
6 . الأحزاب:57.


(298)

وحملها على التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي مبالغة في تحقّقه مثل:(وَنُفِخَ فِي الصُّور) و(نادى أَصحابُ الجَنَّةِ أَصحابَ النّار)خلاف الظاهر فلا يعدل إليه بدون قرينة.(1)

والحقّ انّ هذه الآيات صالحة للاستدلال إذا لم يكن هناك دليل قاطع للتأويل.

وأمّا الروايات فهي دالة على كون الجنّة مخلوقة بالفعل:

1. روى الصدوق في توحيده، عن الهروي، قال: قلت للرضا (عليه السلام) : يابن رسول اللّه أخبرني عن الجنة والنار أهما اليوم مخلوقتان؟ فقال:« نعم، وانّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد دخل الجنّة ورأى النّار لمّا عرج به إلى السماء» قال: فقلت له: فانّ قوماً يقولون إنّهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين.

فقال (عليه السلام) : «ما أُولئك منّا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنّة والنار فقد كذّب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذبنا وليس من ولايتنا على شيء وخلد في نار جهنم».(2)

2. روى ابن عمارة، عن أبيه، قال: قال الصادق (عليه السلام) : «ليس من شيعتنا من أنكر أربعة أشياء: المعراج، والمساءلة في القبر، وخلق الجنة و النار، والشفاعة».(3)

3. وروى الفضل عن الرضا (عليه السلام) ، قال: «من أقر بتوحيد اللّه ـ و ساق الحديث ، إلى أن قال: وأقر بالرجعة، والمتعتين، وآمن بالمعراج والمساءلة في القبر، والحوض، والشفاعة، وخلق الجنّة والنار، والصراط والميزان والبعث والنشور، والجزاء والحساب، فهو مؤمن حقاً، وهو من شيعتنا أهل البيت».(4)


1 . شرح المقاصد:2/218ـ 219، ط الآستانة.
2 . بحار الأنوار:8/119، باب الجنة ونعيمها من كتاب العدل والمعاد، الحديث6.
3 . بحار الأنوار:8/197، باب الجنة ونعيمها من كتاب العدل والمعاد، الحديث 186.
4 . بحار الأنوار:8/197، باب الجنة ونعيمها من كتاب العدل والمعاد، الحديث 187.


(299)

هذه دلائل القائلين بخلق الجنة والنار فها نحن نتناول بالبحث دلائل المنكرين .

أدلّة المنكرين للخلق

استدل القائلون بعدم الخلق بالنقل والعقل.

أمّا النقل: فبالآيات التالية:

انّه سبحانه يصف الجنّة بالأوصاف التالية:

(جَنَّةُ الخُلْد) ، ويقول: (قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الّتي وُعِدَ المُتَّقُون) .(1)

ويصف نعيمها: بأنّ أكلها وظلها دائمان، يقول سبحانه: (مَثَلُ الجَنَّة الّتي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهار أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها).(2)

هذا من جانب، ومن جانب آخر يحكي بأنّ كلّ شيء هالك يوم القيامة إلاّوجهه وذاته، يقول: (كُلُّ شَيْء هالِكٌ إِلاّوَجْهَهُ) .(3)

فلو كانت الجنة والنار مخلوقتين فعلاً يلزم تدميرهما وإهلاكهما يوم قيام الساعة وهو يناف الطائفة الأُولى من الآيات الواصفة لها ولنعيمها بالخلود.

والجواب: انّ قوله سبحانه: (كُلُّ شَيء هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ) ناظر إلى النظام السائد في الدنيا، وأمّا الموجودات الأُخروية فلا تشملها الآية، والشاهد على ذلك انّه سبحانه يصف وراء الجنة والنار بالبقاء وعدم النفاد، ويقول: (ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدْ


1 . الفرقان:15.
2 . الرعد:35.
3 . القصص:88.


(300)

وَما عِنْدَ اللّهِ باق)(1) فما عند اللّه خالد لا يشمله الهلاك ونظيره، قوله سبحانه: (قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظ)(2) فالكتاب الحفيظ مكتوب عليه بالبقاء وعدم النقص مع أنّه سبحانه، يقول: (كُلُّ شَيء هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ)وهذا يدل على أنّ دائرة الهلاك لا تتجاوز العالم المادي الذي فيه الإنسان دون التجاوز إلى عالم البرزخ والنشأة الأُخروية، يقول سبحانه: (وَقالُوا ءَإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ ءَإِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون) .(3)

والآية الثانية بصدد الرد على منكر المعاد القائل بأنّ الموت ضلال الإنسان في الأرض وانعدام لشخصيته، فلو جيئ به ثانياً فلا يكون عين الأوّل، فيجيب سبحانه بأنّ ما يتشخّص به الإنسان هو روحه وهو ما يأخذه ملك الموت، وهو محفوظ عندنا لا يطرأ عليه التبدل والتغيّر.

وفي ضوء هذه الآيات يمكن أن يقال بأنّ ما دلّ على هلاك كلّ شيءإلاّ وجهه، راجع إلى الأُمور الدنيوية والنظامات السائدة فيها، من دون نظر إلى الأُمور الأُخروية.

وأمّا العقل: فقد استدلوا على عدم الخلق بأنّ خلقها قبل يوم الجزاء عبث لا يليق بالحكيم.(4)

والجواب: انّ المستدل خلط عدم العلم بالمصلحة بالعلم بعدمها، فوضع الأوّل مكان الثاني، فمن أين علم بأنّ خلقهما عبث ولعل هناك مصالح لا نحيط بها.

على أنّ لخلقهما قبل الجزاء تأثيراً هامّاً في الوعد والوعيد.


1 . النحل:96.
2 . ق:4.
3 . السجدة:10ـ11.
4 . شرح المقاصد:2/219، ط الآستانة.


(301)

مكان الجنة والنار

إذا ثبت انّ الجنة والنار مخلوقتان، يقع البحث في مكانهما، وقد يستفاد من الذكر الحكيم انّ مكانهما قريب من سدرة المنتهى، يقول سبحانه: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخرى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوَى) .(1)

يقول التفتازاني: لم يرد نص صريح في تعيين مكان الجنة والنار، والأكثرون على أنّ الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش، تشبثاً بقوله تعالى: ( عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى)وقوله: «سقف الجنة عرش الرحمن والنار تحت الأرضين السبع».

والحقّ تفويض ذلك إلى علم العليم.(2)

انّ ما نقله التفتازاني هو رواية عكرمة، عن ابن عباس، انّه قال: قدم يهوديان فسألا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقالا: أين تكون الجنة؟ وأين تكون النّار؟ قال: أمّا الجنّة ففي السماء، وأمّا النار ففي الأرض، قالا: فما السبعة؟ قال: سبعة أبواب النّار متطابقات، قال: فما الثمانية؟ قال: ثمانية أبواب الجنة.(3)

ولكن عكرمة أباضي لا يعتمد عليه.(4)

والمستفاد من ظواهر الآيات أنّ الجنّة والنار خارجتان عن نطاق السماوات والأرض، والشاهد عليه انّه سبحانه يصف سعة الجنة بسعة السماوات والأرض،


1 . النجم:13ـ15.
2 . شرح المقاصد: 2/220، ط الآستانة.
3 . بحار الأنوار:8/128، باب الجنة ونعيمها من كتاب العدل والمعاد، الحديث 28.
4 . هو أبو عبد اللّه القرشي، مولاهم المدني، البربري الأصل، كان لحصين بن أبي الحر العنبري فوهبه لابن عباس، وذكر انّه كان يرى رأي الخوارج وكان يكذب على ابن عباس، قال ابن حنبل: مضطرب الحديث يختلف عنه وما أدري وروي عن الشافعي، قال: لا أرى لأحد أن يقبل حديثه، توفي سنة أربع ومائة.


(302)

يقول: (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين)(1) فالآية شاهدة على أنّها خارجة عنهما غير انّ سعتها كسعتهما، ولا محيص عن القول بأنّ مكان الجنة والنار من الأُمور الغيبية التي نفوّض علم مكانهما إلى اللّه سبحانه.

نعم ذكر العلاّمة المجلسي في مكان الجنة والنار، قوله: وأمّا مكانهما فقد عرفت أنّ الأخبار تدل على أنّ الجنة فوق السماوات السبع، والنار في الأرض السابعة وعليه أكثر المسلمين.(2)

الجنّة والنار خارجتان عن هذا العالم

إنّما يحسن السؤال عن مكان الجنة والنار إذا كانتا جزءاً من هذا العالم، فيسأل عن كونهما فوقاً أو تحتاً، وأمّا إذا كانتا عالمين مستقلين منفكين عن السماوات والأرض فلا مجال للسؤال عن مكانهما.

وبعبارة أُخرى: إنّما يتصوّر المكان، لشيء يكون جزءاً من هذا العالم، وأمّا مجموع العالم بما هو مجموع فليس له مكان خاص، لأنّه بتحقّقه يصنع لنفسه المكان لا أنّه كان هناك مكان خال فوجد العالم فيه وملأ فراغه، ولذلك لما أعلن العالم الفيزيائي أنشتاين بأنّ العالم لم يزل في سعة سئل عن مكانه، فأجاب بأنّه بسعته يوجد مكانه ولا يحتاج إلى مكان فارغ قبل السعة حتى يتحقّق فيه.(3)

وهكذا نقول في الجنة والنار المخلوقتين، فلو كانتا عالماً مستقلاً خارجاً عن هذا العالم فهما بوجودهما يوجدان مكانهما، والسؤال عن مكانهما غير صحيح بالمرّة.


1 . آل عمران:133.
2 . بحار الأنوار: 8/205، باب الجنة ونعيمها من كتاب العدل والمعاد.
3 . وإليه تشير الآية الكريمة:( وَالسَّماء بنيناها بأَيد وَانّا لَمُوسعون) (الذاريات:47).


(303)

الفصل الرابع والعشرون

الخالدون في النار

الجذور التاريخية لهذه المسألة

إنّ من أوائل المسائل الكلامية التي طرحت على صعيد البحث بين المسلمين ـ بعد مسألة القضاء والقدر ـ هي مسألة حكم مرتكب الكبيرة.

فذهب المتطرفون من المسلمين الذين عابوا على عثمان وعمّاله ما اقترفوه من الاحداث إلى أنّ مرتكب الكبيرة كافر كفر ملّة.

وذهب آخرون منهم إلى أنّه كفر نعمة.

ولما وصلت النوبة إلى المعتزلة قالت بمنزلة بين منزلتين، لا هو كافر ولا مؤمن.

وذهبت الإمامية والأشاعرة إلى أنّه مؤمن فاسق عن طاعة اللّه تبارك و تعالى، وعلى ضوء ذلك ذهب المتطرّفون والمعتزلة إلى خلوده في النار، خلافاً للآخرين، حيث خصّوا الخلود بالكفار دون المسلمين وإن كانوا مرتكبين للكبائر.

قال الشيخ المفيد: اتّفقت الإمامية على أنّ الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة باللّه تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة، ووافقهم على هذا القول كافة المرجئة سوى محمد بن شبيب


(304)

وأصحاب الحديث قاطبة، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عام في الكفار وجميع فساق أهل الصلاة.

واتّفقت الإمامية على أنّ من عُذِّب بذنبه من أهل الإقرار والمعرفة والصلاة لم يخلد في العذاب وأخرج من النار إلى الجنة فينعم فيها على الدوام، ووافقهم على ذلك من عددناه، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعموا انّه لا يخرج من النار أحد دخلها للعذاب.(1)

وقال التفتازاني: أجمع المسلمون على خلود أهل الجنة في الجنة، وخلود الكفار في النار، واختلف أهل الإسلام فيمن ارتكب الكبيرة من المؤمنين ومات قبل التوبة فالمذهب عندنا عدم القطع بالعفو ولا بالعقاب، بل كلاهما في مشية اللّه لكن على تقدير التعذيب نقطع بأنّه لا يخلد في النار بل يخرج البتة لا بطريق الوجوب على اللّه تعالى، بل بمقتضى ما سبق من الوعد وثبت بالدليل كتخليد أهل الجنة.

وعند المعتزلة القطع بالعذاب الدائم من غير عفو ولا إخراج من النار، ويعبّر عن هذا بمسألة وعيد الفساق، وعقوبة العصاة، وانقطاع عذاب أهل الكبائر، ونحو ذلك.

وذهب مقاتل بن سليمان وبعض المرجئة إلى أنّ عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلاً وإنّما النار للكفّار.(2)

قال السيد الشريف في شرح المواقف: غير الكفار من العصاة ومرتكبي الكبائر لا يخلد في النار، لقوله تعالى: (فَمَنْ يعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه) ولا شكّ أنّ مرتكب الكبيرة قد عمل خيراً هو إيمانه، فإمّا أن تكون رؤيته للخير قبل دخول


1 . أوائل المقالات: 14.
2 . شرح المقاصد: 2/228ـ 229، ط الآستانة.


(305)

النار وهو باطل بالإجماع، أو بعد خروجه عنها فهو المطلوب.(1)

إلى هنا وقفت على جذور المسألة وأقوال المتكلّمين فيها، فحان البحث لدراسة أدلة القائلين بعدم الخلود.

فقد استدلوا على عدم الخلود بأدلة نقلية وعقلية.

الدلائل النقلية

احتجوا بآيات على عدم الخلود ونحن نذكرها تباعاً.

أ. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه)(2) وقد وقفت على كيفية الاستدلال في كلام السيد الشريف.

ونزيد بياناً على أنّ رؤية هؤلاء ثواب إيمانهم إمّا تتقدم على الورود في الجحيم أو يكون معه، أو تتأخر عنه.

فالأوّل خلاف الإجماع، فانّ معنى رؤية ثواب إيمانه هو دخوله الجنة ولازم ذلك الخروج منها، وهو على خلاف المجمع عليه.

والثاني أمر محال كما هو واضح، فتعيّن الثالث.

لكن الاستدلال بالآية مبني على أن لا يكون مرتكب الكبيرة ممن تحبط أعماله الصالحة، وإلاّفعلى القول بالإحباط نستكشف انّه لم يكن هناك أيّ ثواب له، لأنّ الثواب كان مشروطاً بالموافاة ـ أي أن لا يرتكب الكبيرة طيلة عمره ـ و ارتكابه كاشف عن فقدان الشرط، وفقدانه كاشف عن فقدان المشروط.

وبعبارة أُخرى: أنّ دلالة الآية متوقفة على عدم الدليل على خلود مرتكب


1 . شرح المواقف: 8/209.
2 . الزلزلة:7.


(306)

الكبيرة في النار، وإلاّ فخلوده يكشف عن حبط عمله، لا بمعنى إبطال الثواب بعد تحقّقه، بل بمعنى كشف عدم الثواب له من أوّل الأمر، لاشتراطه بعدم ارتكاب الكبيرة.

ب. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقاب) .(1)

وقد قرر غير واحد من علمائنا دلالة الآية على عدم القطع بخلود مرتكبي الكبيرة في النار.

قال المرتضى: هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة، لأنّه سبحانه دلّنا على أنّه يغفر لهم مع كونهم ظالمين لأنّ قوله: (على ظلمهم) إشارة إلى الحال التي يكونون عليها ظالمين ويجري ذلك مجرى قول القائل : أنا أودّ فلاناً على غدره وأصله على هجره.(2)

وبعبارة أُخرى: أنّ الآية تخبر عن حكمين:

1. انّ هؤلاء تشملهم مغفرته سبحانه.

2. كما يمكن أن يشملهم عقابه سبحانه.

ويشير إلى الأوّل بقوله: (لَذُو مَغْفِرَة لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) ، وإلى الثاني بقوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَديدُ العِقاب) .

وأمّا تعيّن أحدهما فلا يعلمه إلاّ اللّه سبحانه، فلو كان مرتكب الكبيرة خالداً في النار لما صحّ إلاّ الخبر الثاني وهو قوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَشَديدُ العِقاب) .

نعم انّ هذه الآية ونظائرها لا ترخص لمرتكبي الكبائر أن يقترفوا المعاصي


1 . الرعد:6.
2 . مجمع البيان:3/278، تفسير سورة الرعد.


(307)

اتكالاً عليها، وإنّما هو بصيص أمل ورجاء لهؤلاء وليس حكماً قطعياً في حقّهم.

والاستدلال بالآية يستند على جعل قوله سبحانه: (عَلى ظُلْمِهِمْ) حالاً، أي انّه سبحانه لذو مغفرة للناس في الحالة التي هم عليها من الظلم والعصيان.

ج. (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْركَ بِهِ وَيَغْفِرُما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء).(1)

إنّ قوله سبحانه: (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء) ناظر إلى الذنوب التي مات صاحبها بلا توبة، ففي هذا النوع من الذنوب يفرق سبحانه بين الشرك وغيره وانّه لا يغفر الشرك، ويغفر ما دون ذلك، وأمّا الذنوب التي مات مقترفها مع التوبة، فلا فرق فيها بين الشرك وغيره، فانّ التائب من ذنبه مطلقاً كمن لا ذنب له.

وعلى ضوء ذلك، فلا يمكن القطع بخلود مرتكب الكبيرة في النار لاحتمال شمول غفرانه سبحانه له، ودخوله تحت مشيئته.

نعم الآية ليست دليلاً قاطعاً على فلاح مرتكب الكبيرة وإنّما هي بصيص أمل لمقترفي الكبائر. ومعه لا يصحّ قول المعتزلة ولا الخوارج بخلودهم في النار وعدم خروجهم عنها على وجه القطع.

هذه هي الآيات التي تصلح للاستدلال على عدم خلودهم في النار.

وثمة روايات تؤيد تلك النظرية، وها نحن نذكر بعضها:

1. روى الصدوق في توحيده بسنده عن ابن أبي عمير، قال: سمعت موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: «لا يخلّد اللّه في النار إلاّ أهل الكفر والجحود، وأهل


1 . النساء:48و 116.


(308)

الضلال والشرك».(1)

2. روى الحسين بن سعيد الأهوازي، عن عمر بن أبان، قال: سمعت عبداً صالحاً يقول في الجهنميين: «إنّهم يدخلون النار بذنوبهم ويخرجون بعفو اللّه».(2)

3. وكتب الإمام الرضا (عليه السلام) للمأمون في رسالته: «انّ اللّه لا يدخل النار مؤمناً وقد وعده الجنة، ولا يخرج من النار كافراً وقد أوعده النار والخلود فيها، ومذنبو أهل التوحيد يدخلون النار ويخرجون منها، والشفاعة جائزة لهم».(3)

4. وقد روى الفريقان انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي».(4)

وقد حقّق في محله انّ معنى الشفاعة هو حط الذنوب ولا تختص بترفيع الدرجة، والآيات النازلة حول الشفاعة ناظرة إلى ما هو الدارج بين أهل الكتاب من اليهود والنصارى والشفاعة عندهم كانت بمعنى غفران الذنوب والخروج من النار، والذكر الحكيم يدعم الشفاعة بهذا المعنى، ولكن بشروط وحدود يخرجها عن جعلها ذريعة إلى ترك العمل من خلال وضع شروط في المشفوع له و في الذنب الذي يكون محطاً للشفاعة، وبذلك ظهر انّ الروايات أيضاً تؤيد مفاد الآيات.

الدلائل العقلية

استدل على عدم الخلود بوجهين عقليين:


1 . بحار الأنوار: 8 / 351 ، باب من يخلد في النار و من يخرج منها من كتاب العدل والمعاد، الحديث 1.
2 . بحار الأنوار: 8/ 361، باب من يخلد في النار و من يخرج منها من كتاب العدل والمعاد، الحديث 32.
3 . بحار الأنوار: 8/ 362، باب من يخلد في النار و من يخرج منها من كتاب العدل والمعاد، الحديث 36.
4 . بحار الأنوار: 8/34، باب الشفاعة من كتاب العدل والمعاد، الحديث 1; مسند أحمد:1/281 ; موطأ مالك: 1/166.


(309)

الأوّل: انّه يستحق الثواب بإيمانه، لقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه) والإيمان أعظم أفعال الخير، فإذا استحق العقاب بالمعصية، فإمّا أن يقدم الثواب على العقاب وهو باطل بالإجماع، لأنّ الثواب المستحق بالإيمان دائم على ما تقدم، أو بالعكس وهو المراد، والجمع محال.

الثاني: يلزم أن يكون مَنْ عَبَدَ اللّه تعالى مدة عمره بأنواع القربات إليه ثمّ عصى في آخر عمره معصية واحدة مع بقاء إيمانه، مخلداً في النار كمن أشرك باللّه تعالى مدة عمره، وذلك محال لقبحه عند العقلاء.(1)

وذكر التفتازاني وجوهاً أُخرى نذكر منها ما يلي:

الثالث: انّ من واظب على الإيمان والعمل الصالح مائة سنة وصدر عنه في أثناء ذلك أو بعده جريمة واحدة كشرب جرعة من الخمر فلا يحسن من الحكيم أن يعذبه على ذلك أبد الآباد ولولم يكن هذا ظلماً فلا ظلم، أو لم يستحق بهذا ذماً فلا ذم.(2)

وحاصل هذه الأدلة: انّ النظر إلى المؤمن المقترف للكبيرة والكافر المشرك على حد سواء يخالف العدالة ، بل يجب أن يكون هناك فرق بينهما، إمّا في مدّة العذاب، أو في كيفيته، فجعلهما على حد سواء يرده العقل السليم، يقول سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون) .(3)

نعم غاية ما تُثبت بعض الأدلة العقلية وجود الفروق بين المؤمن والكافر، أمّا في الكمية كما هو المطلوب، أو في الكيفية وهذا المقدار يكفي في رفع الظلم.

نعم مقتضى الدليل العقلي الأوّل هو وجود الفرق من حيث الكمية،


1 . كشف المراد: 276.
2 . شرح المقاصد:2/229.
3 . القلم:35ـ 36.


(310)

فلاحظ.

إلى هنا تمّت دراسة أدلّة القائلين بعدم الخلود، وإليك ما استدل به القائلون بالخلود من الآيات.

أدلة القائلين بالخلود

استدلت المعتزلة وغيرهم من القائلين بخلود مرتكبي الكبيرة في النار، بآيات وردت في حقّ طوائف مختلفة كلّهم محكومون بالخلود ويجمعهم اشتراكهم في اقتراف المعاصي الكبيرة، وتلك الطوائف يربو عددها على 16 طائفة نسرد أسماءها والآيات الواردة في حقّها على وجه موجز ثمّ يتبعه التفصيل، وهؤلاء هم:

1. الكفار.

2. المشركون (النحل/29، الأحزاب/64ـ 65، الزمر/71ـ 72،غافر/ 76، التغابن/10، البينة/6 وآيات أُخرى).

3. المنافقون (التوبة/68، المجادلة/17).

4. المرتدون(آل عمران/86ـ 88).

5. المكذبون بآيات اللّه (الأعراف/36).

6. أعداء اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (التوبة/63).

7. العصاة و المتمردون على أمر اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (الجن/22ـ 23).

8. الظالمون (يونس/52، الأنعام/128ـ 129).

9. الأشقياء(هود/106ـ 107).

10. المجرمون (الزخرف/74ـ 75، السجدة/12ـ 14).

11. المتوغلون في الخطايا(البقرة/81).


(311)

12. المرتكبون للقبائح (الفرقان/68ـ 69).

13. المعرضون عن القرآن(طه/100ـ 101).

14. المطففون في الميزان (المؤمنون/103ـ 104).

15.الآكلون للربا (البقرة/275).

16. قاتلو المؤمنين (النساء/93، الفرقان/68).

هذه هي العناوين التي حكم الذكر الحكيم بخلود أصحابها في النار، ولكن عند إمعان الدقة والنظر في الآيات والقرائن المحفوفة بها، نقف على أنّ المخلّدين في النار هم الذين ينطبق عليهم أحد العناوين الأربعة الأُولى، أعني: الكافرين والمشركين والمنافقين والمرتدين، وأمّا أصحاب سائر العناوين فلا يخرجون عن هذا الإطار.

وقبل دراسة الآيات الواردة حول هذه الطوائف الست عشرة نلفت نظر القارئ الكريم إلى أمرين مهمين:

الأمر الأوّل: انّ الأُسلوب الصحيح في تفسير الآيات لا سيما فيما يرجع إلى هذه الطوائف هو تفسير الآيات على وفق ما يتبادر منها في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فانّ لغة العرب قد تطورت طيلة 14 قرناً فربما يكون المتبادر منه في زماننا هذا غير ما يتبادر في عصر الرسول، وإن كان بينهما قدر مشترك، فلا محيص للمفسر عن تفسير الآيات حسب استعمال مفرداتها وجملها في عصر الرسول، وهذا أمر له بالغ الأهمية في تفسير القرآن و إن كان تحصيل اليقين بذلك أمراً عسيراً، فانّ الوقوف على جذور المعاني والمصطلحات القرآنية التي كانت هي الرائجة في عصر الرسول بحاجة إلى عناية ودقة كافية، ولعلّ كتاب المقاييس لابن فارس يعين المفسر في هذا الطريق، لأنّه بصدد بيان أُصول المعاني وجذورها، لا المعاني المتطورة.

الأمر الثاني: دراسة القرائن الحافة بالآيات فانّ بعضها وإن كانت في بادئ


(312)

الأمر تعم مرتكب الكبيرة وإن كان مؤمناً ولكن بعد الدقة فيها يعلم أنّ المراد هو غير المؤمن فتنحصر في الكافر.

وفي ظل رعاية هذين الأمرين، نطرح الآيات الواردة حول هذه الطوائف المحكومة بالخلود.

وبما انّ هذه العناوين الأربعة المتقدمة غنية عن البحث والدراسة حيث اتفق الجميع على خلودهم في النار، فلنقتصر على دراسة بقية الطوائف.

5. المكذبون بآيات اللّه

ورد في أوّل الخليقة خطابات إلهية تخاطب فيها أبناء آدم، منها قوله: (يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأَتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).(1)

فالآية أوعدت المكذبين بآيات اللّه والمستكبرين عنها بالخلود في النار، وهؤلاء هم الكافرون، فليست هذه الطائفة إلاّ قسماً من الكافرين، فخلودهم في النار لا يعني إلاّ خلود الكافر في النار.

6. أعداءُ اللّهِ ورسولهِ

إنّ الذكر الحكيم يصف من يحادد اللّهَ ورسولهَ انّه من أصحاب النار الخالدين، يقول: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظيمُ)(2) وليس المراد في الآية مطلق العداء بل من بلغ غاية


1 . الأعراف:35ـ 36.
2 . التوبة:63.


(313)

العداء، بشهادة انّه سبحانه يقول: (مَنْ يُحادد)وهو من الحد، والمراد مَنْ وصل إلى النهاية، قال الطبرسي: المحادة مجاوزة الحد بالمشاقة(1). ومن الواضح أنّ هذه الطائفة هم المكذبون لأنبياء اللّه ورسله وهو يلازم الكفر، فليس خلودهم في النار إلاّرمزاً لخلود الكافر.

على أنّ سياق الآيات يدل على أنّها نزلت في حقّ المنافقين وهم الذين أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان.

7. العصاة والمتمردون على أمر اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)

أوعد اللّه سبحانه العصاة بالخلود في نار جهنم قال سبحانه: (إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيها أَبَداً * حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً) .(2)

انّ قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ) يشمل مطلق العاصي وإن كان مؤمناً مقترفاً للكبيرة، ولكن القرائن الحافة بهذه الآية تثبت بأنّ المراد هم منكرو الرسالة الذين كانوا يحقّرون المؤمنين، وهذه القرائن عبارة عن سياق الآيات المتقدمة عليها أو المتأخرة عنها.

إنّ الموضوع في الآيات 18 إلى 28 هم المشركون والكافرون، الذي جاء في ثنايا تلك الآيات بشهادة انّه يقول: (وَانَّ المَساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعو مَعَ اللّهِ أَحَداً) .

ويقول أيضاً: (قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً) .(3)

فهاتان الآيتان راجعتان إلى المشركين الذين كانوا يدعون مع اللّه الأصنام


1 . مجمع البيان:3/43.
2 . الجن:23ـ 24.
3 . الجن:20.


(314)

والأوثان ويعبدونهم مع اللّه سبحانه فتكون هاتان الآيتان دليلاً على أنّ المراد من العصاة هم المشركون.

ويؤيده قوله في الآية 24: ( حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً) فكأنّهم كانوا يحقّرون الأنبياء لقلة الناصر، فإذا رأوا ما يوعدون من نار جهنم فسيقفون على خطئهم وانّهم كانوا أقلّ ناصراً وأقل عدداً.

والحاصل انّ القرائن الحافة بالآيات تُحقِّق بأنّ المراد من العصيان هو الكفر، ومن العصاة هم الكافرون.

8. الظالمون

هدّد سبحانه الظالمين بعذاب الخلد، قال سبحانه: (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَل تُجْزَونَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُون).(1)

وظاهر الآية وإن كان يشمل كلّ ظالم وإن كان مؤمناً مسلماً لكن كان مقترفاً للظلم، ولكن سياق الآيات يدل على أنّ المراد ليس مطلق من ظلم، بل الظالمون المنكرون ليوم الوعد، وإليك الآيات الواردة قبلها:

يقول سبحانه في نفس السورة:(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين) .(2)

وقال سبحانه: (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ أَلآن وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) .(3)

ففي حقّ هؤلاء الذين كانوا يستبعدون النشأة الأُخرى وكانوا يستعجلون بها يقول سبحانه: (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْد) .


1 . يونس:52.
2 . يونس:48.
3 . يونس:51.


(315)

ومن هنا يعلم أنّ حال الآيات الأُخرى التي تحكم على الظالمين بالخلود، ويقول: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقالَ أَولياؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْض وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) .(1)

وهاتان الآيتان وإن كانتا ظاهرتين في مطلق الظالمين لكن سياق الآيات يدل على أنّ المراد هم المكذبون لأنبياء اللّه ورسله من الأُمم السالفة ولو عمَّت بعض الأُمّة الإسلامية فإنّما عمتهم بهذا الملاك.

وإليك ما يخصّص الظالمين بالمكذبين.

يقول سبحانه قبل هاتين الآيتين: (وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى تُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللّه) .(2)

ويقول بعد هذه الآية : (يا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنّهُمْ كانُوا كافِِرينَ) .(3)

فبملاحظة الآيات التي وقعت قبل الآيتين أو التي أعقبتهما يتضح بأنّ المراد هم الكافرون المنكرون للتوحيد والرسالة لا سيما رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

9. الأشقياء

إنّ مصير الأشقياء حسب الذكر الحكيم هو الدخول في النار التي لهم فيها


1 . الأنعام:128ـ 129.
2 . الأنعام:124.
3 . الأنعام:130.


(316)

زفير وشهيق، يقول سبحانه: (فَأَمَّا الَّذينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خالِدينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيد).(1)

ففي هاتين الآيتين حكم عليهم بالخلود في النار، وللمفسرين حول هذه الآية كلمات لا سيما في الاستثناء الوارد في قوله: (إِلاّ ما شاءَ ربُّك)فمن أراد فليرجع إلى التفاسير، ولكن الأمر المهم هو انّ من عصى اللّه سبحانه ولو في معصية صغيرة فقد شقي، فللشقاء درجات كما أنّ الأشقياء أصناف، ولكن المراد في الآية ليس كلّ من شقي ولو بغير الكفر، وإنّما المراد من شقي لأجل كفره وعدم إيمانه، ويؤيده سياق الآيات، فقد جاء بعد هاتين الآيتين، قوله سبحانه: (فَلا تَكُ فِي مِرْيَة مِمّا يَعْبُدُ هؤلاءِ ما يَعْبُدُون إِلاّكما يَعْبُدُ آباؤُهمُ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص).(2) فهذه الآية قرينة على أنّ المراد من الذين شقوا هم المشركون الذين يعبدون الأصنام دون اللّه سبحانه.

ويؤيد ذلك التفسير: انّه سبحانه فسر الأشقى في بعض الآيات بمن كذب وتولى، وقال: (فَأَنْذَرْتكُمْ ناراً تَلَظّى * لا يَصْلاَها إِلاّ الأَشْقى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) .(3)

10. المجرمون

إنّ المجرمين حسب الذكر الحكيم مخلّدون في النار، قال سبحانه: (إِنَّ الْمُجْرِمينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فيهِ مُبلسُون) .(4)


1 . هود:106ـ 107.
2 . هود:109.
3 . الليل:14ـ16.
4 . الزخرف:74ـ 75.


(317)

غير انّ اللازم هو دراسة سياق الآيات ليتضح من خلالها المراد من المجرمين، لأنّ سياقها يشهد على أنّ المراد ليس كلّ من ارتكب معصية، بل المراد غير هذه الفئة، وإليك الآيات:

إنّ الآيات المتقدمة تصنّف الناس إلى صنفين:

أ. مؤمن بآيات اللّه فيُجزى بالجنة.

ب. مجرم يجزى بالخلود في الجحيم.

فالتقابل السائد بين الآية الثانية والآية الأُولى يمكن أن يفسر على ضوئه لفظ «المجرم» وانّ المراد منه غير المؤمن بآيات اللّه سبحانه والذي يساوق المشرك، يقول سبحانه في حقّ الطائفة الأُولى:

(يا عِباد لا خَوفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوم وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُون * الَّذينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مِسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُون).(1)

ويصف الطائفة الثانية، بقوله: (إِنَّ الْمجْرِمينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفتَّرَ عَنْهُمْ وَهُمْ فيهِ مُبْلِسُونَ * وَما ظَلَمناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمين) .(2)

وبملاحظة الآيات وتقابل الموضوعين يتضح المراد من« المجرم » فالموضوع في الطائفة الأُولى: (الّذين آمنوا بآياتنا وكانُوا مُسلِمين) .

كما أنّ الموضوع في الطائفة الثانية: (انّ المُجْرِمين في عَذابِ جَهَنَّم) .

فبالتقابل يتبين انّ جرم هؤلاء هو كفرهم وعدم إيمانهم بآيات اللّه سبحانه، ومن الواضح بمكان أنّ الكفار والمشركين خالدون في النار، ويؤكد ذلك أنّ


1 . الزخرف:68ـ 70.
2 . الزخرف:74ـ 76.


(318)

السورة من السور المكية التي تدور بحوثها حول المشرك والكافر ولا تجنح إلى المؤمنين المسلمين الذين ربما يقترفون المعاصي تلبية لأهوائهم لا كفراً بربوبية اللّه سبحانه.

وليست تلك الآيات فريدة في إيضاح المقصود من المجرمين، بل هناك آيات أُخرى تفسر المجرمين بغير المؤمنين بيوم اللقاء، قال سبحانه:

(وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤسِهِمْ عِنْدَ رَبّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرنا وَسَمِعنا فَارجِعنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُون... فَذُوقُوا بِما نَسيتُمْ لِقاءَ يَومِكُمْ هذا إِنّا نَسيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون).(1)

تجد أنّه سبحانه يصف المجرمين بأنّهم يوم القيامة يرغبون في الرجوع إلى الدنيا، ويقولون: (ارجعنا نعمل صالحاً انّا مُوقنون)وهذا يعرب عن أنّهم لم يكونوا مؤمنين بيوم الجزاء واللقاء وإنّما أيقنوا لما شاهدوا النار.

ويؤيّدُ ذلك انّه سبحانه يصف المؤمنين ـ في نفس تلك السورة ـ في مقابل المجرمين، بقوله:

(إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُون) .(2)فالمجرمون هم الذين لا يؤمنون بآيات اللّه، ومن الواضح انّ من لا يؤمن لا يخرج عن إطار الشرك.

11. المتوغلون في الخطايا

يحكم القرآن المجيد على من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ، انّه من أصحاب النار ، يقول سبحانه:(بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ


1 . السجدة:12ـ 14.
2 . السجدة:15.


(319)

أَصحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُون) .(1)

فالمخلدون في النار في هذه الآية ذو سمتين:

السمة الأُولى: اقتراف السيئات.

السمة الثانية: الإصرار على ارتكابها على نحو تحيط بقلوبهم وأرواحهم ونفوسهم.

ومن الجدير بالذكر أنّ إحاطة الخطايا بالروح والنفس تُسفر عن انسداد طرق الهداية أمام القلوب والأرواح والأنفس، فلا يستجيب لنداء الأنبياء والرسل ومثل هذا يساوق الشرك والكفر.

والدليل على أنّ المراد ليس مطلق من اقترف الخطيئة، انّه سبحانه يعطف على قوله: (كسب سيئة) قوله: (وأحاطت به خطيئته)وبيّن بذلك أنّ هذا الإنسان صار لكثرة الذنوب والخطايا غاصّاً فيها لا يتأثر بهداية الهادين، ونصح الناصحين.

وبعبارة أُخرى: انّ الإنسان الغارق في الآثام و المعاصي ينزلق ـ رويداً رويداً ـ إلى هاوية الكفر والجحود بآيات اللّه ورسله، يقول سبحانه: (ثُمَّ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أْساءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللّه) .(2)

فالآية إنذار لمن يقترف المعاصي ويظن انّه لا يضر الإيمان، فانّ اقتراف المعاصي شيئاً فشيئاً بلا توبة وندم بينها ربما يؤول مصيره إلى الكفر وتكذيب آيات اللّه.

وممّا يؤكد ورود الآية (بَلى من كسب) في حقّ الكافرين ، الآية المتقدمة


1 . البقرة:81.
2 . الروم:10.


(320)

عليها، يقول سبحانه:

(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ) .(1)

فالآية تفسر أنّ المراد ( ممن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته)، هم أحبار بني إسرائيل الذين يكتبون الكتاب بأيديهم لبيعه بثمن بخس، ( فويل لهم ممّا كتبت أيديهم وويل لهم ممّا يكسبون).

كما أنّ الآية المتأخرة واردة في حقّ المؤمنين،يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات أُولئِكَ أَصحابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُون).(2)

فبالمقابلة بين قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) في هذه الآية وقوله: (بَلى من كَسَبَ سَيِّئَة) في الآية المتقدمة يتضح انّ المراد هو الكافر والمؤمن، فالأوّل مخلّد في النار، والمؤمن مخلّد في الجنة.

12. المرتكبون للقبائح

يوعد الذكر الحكيم الذين أشركوا وقتلوا النفس المحرّمة وزنوا بالخلود في العذاب، يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّبِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلقَ أَثاماً * يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَومَ القِيامَةِ وَيَخْلُد فِيهِ مُهاناً).(3)

والكلام في تعيين المشار إليه في قوله: (ومن يفعل ذلك) ، ففيه احتمالات ثلاثة:

أ. أي زنى.


1 . البقرة:79.
2 . البقرة:82.
3 . الفرقان:68ـ 69.


(321)

ب. أشرك وقتل النفس المحترمة.

ج. أو اقترف المعاصي الثلاث.

والاحتمال الأوّل من البعد بمكان، إذ لو كان المراد مطلق من زنى، فما هو الوجه لمضاعفة العقاب الذي أُشير إليه بقوله: (يضاعف له العذاب) ، والاحتمال الثاني لا يوافق القواعد العربية إذ لا يصحّ أن يذكر المتكلم أُموراً ثلاثة ثمّ يشير إلى الأمرين الأُوليين بلا قرينة، فيتعين الاحتمال الثالث، أي من اقترف الأُمور الثلاثة، ويكون المراد من أشرك وقتل النفس المحترمة وارتكب الزنا.

وهذا مما لا خلاف فيه، لأنّ المشرك مخلد في النار، ويؤيد ذلك أمران:

أ. حكم عليه سبحانه بضعف العذاب، وهذا يناسب المشرك.

ب. استثنى في الآية التالية من تاب وآمن أي تاب من الشرك وآمن باللّه، فهذا دليل على أنّ المستثنى منه هو من لم يؤمن باللّه سبحانه، قال تعالى: (إِلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَنات وَكانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً).(1)

وبما ذكرنا يتضح وجه مضاعفة العذاب، لأنّ الموضوع ليس هو مطلق المشرك بل المشرك الذي ضم إلى شركه في العقيدة، قبيحاً في العمل، وهو قتل النفس المحترمة وهتك الأعراض.

13. المعرضون عن القرآن

أوعد سبحانه المعرضين عن الذكر بالخلود في النار، يقول سبحانه:


1 . الفرقان:70.


(322)

(كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَومَ القِيامَة وِزراً * خالِدينَ فِيهِ وساءَ لَهُمْ يَومَ القِيامَةِ حِمْلاً).(1)

إنّ الضمير في قوله: (خالدين فيه) يرجع إلى الوزر بمعنى العبء الثقيل، و الخلود في الوزر كناية عن الخلود في جزائه وهو العذاب، فينتج انّ المعرض عن الذكر يخلد في العذاب.

ولكن المراد من المعرض ليس مطلق من أعرض عن تلاوته أو عن العمل ببعض أحكامه، بل من لا يؤمن بالقرآن فيتركه مهجوراً، وهو يساوق الكفر، ولذلك يصف سبحانه المعرضين عن القرآن بالكفر وعدم الإيمان، يقول سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ انّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدوا إِذاً أَبَداً).(2)

ولا شكّ انّ الإعراض بهذا النحو الوارد في الآية يساوق الكفر.

14. المُطَفَّفُون في الميزان

يقسّم القرآن الكريم الإنسان يوم المعاد إلى من ثقلت موازينه و من خفت موازينه، فيقول: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في جَهَنَّمَ خالِدُون) .(3)

وظاهر هذه الآية هو خلود مطلق من خفّت موازينه في النار سواء أكان مؤمناً أم كافراً.


1 . طه:99ـ 101.
2 . الكهف:57.
3 . المؤمنون:102ـ 103.


(323)

ولكن سياق الآيات يدل على أنّ المراد ممن خفّت موازينه هم المكذبون بآيات اللّه سبحانه وأنبيائه، يقول سبحانه بعد هذه الآية: (أَلَمْ تَكُنْ آياتي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تكَذِّبُونَ) .(1)

ويقول أيضاً: (إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْري وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ).(2) فيستنتج ـ مع ملاحظة هذه الآيات ـ أنّ المحكومين بالخلود هم المكذبون وغير المؤمنين بيوم القيامة.

15. الآكلون للربا

أوعد اللّه سبحانه آكلي الربا بالخلود في النار، قال سبحانه:

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).(3)

فالآية وإن كانت توعد مطلق آكل الربا بالخلود في النار ولكن قوله: (فمن عاد)قرينة على أنّ المراد من لا يؤمن بتحريم الربا ويكرر قوله:(إِنّما البيع مِثْل الرِّبا)ويترك قول اللّه سبحانه: (وَأَحَلَّ اللّه البَيْع وَحَرَّمَ الرِّبا) ، ومثل هذا هو ممن لا يؤمن بالتشريع السماوي والتقنين الإلهي.

وبعبارة أُخرى كان العرب في العصر الجاهلي يعتقدون بحلية الربا


1 . المؤمنون:105.
2 . المؤمنون : 109ـ110.
3 . البقرة:275.


(324)

ومساواته مع البيع، وكانوا يتعاطونه في حياتهم ، فمن انتهى عن هذا العمل بعد ورود النهي فله ما سلف وأمره إلى اللّه، وأمّا من لم ينزجر عنه ومكث على ما كان عليه، فأُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، ومثل هؤلاء لا يخرجون عن إطار الكفر حيث أنكروا الوحي والرسالة بالإصرار على موقفهم السابق.

16. قاتلو المؤمنين

يوعد القرآن الكريم من قتل مؤمناً متعمداً بالخلود في نار جهنم، يقول سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنهُ وَأَعَدَّ لَهُ عذاباً أَلِيماً) .(1)

إنّ هذه الآية ذريعة أُخرى للقائلين بأنّ مرتكب الكبيرة يخلد في النار، حيث إنّه سبحانه حكم على من قتل مؤمناً بالخلود في نار جهنم، والآية تشمل المؤمن والكافر.

يذكر الطبرسي في شأن نزول الآية، ويقول:

نزلت في مقيس بن صبابة الكناني وجد أخاه هشاماً قتيلاً في بني النجار فذكر ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسل معه قيس بن هلال الفهري، وقال له: قل لبني النجار إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ليقتصّ منه، وإن لم تعلموا فادفعوا إليه ديته، فبلّغ الفهري الرسالة فأعطوه الدية، فلما انصرف ومعه الفهري وسوس إليه الشيطان، فقال: ما صنعت شيئاً، أخذت دية أخيك فيكون سُبَّة(2) عليك: اقتل الذي معك لتكون نفس بنفس والدية فضل، فرماه بصخرة فقتله، وركب بعيراً ورجع إلى مكة كافراً، وأنشد يقول:


1 . النساء:93.
2 . السُّبَّة: العار.


(325)

قتلتُ به فهراً وحمّلتُ عقلَهُ *** سراة بني النجار أرباب فارع

فادركتُ ثأري واضطجعتُ مُوسَداً *** وكنتُ إلى الأوثان أوّلَ راجع

فقال النبي:«لا أُؤمنه في حلّ ولا حرم» فقُتِلَ يوم الفتح.(1)

ولعل ما ذكره الطبرسي من سبب للنزول يؤيد قول القائلين بالخلود، ولكن المخالفين لهذا القول أجابوا عن الاستدلال بوجوه:

أ. انّ قوله: (متعمداً) دليل على أنّ المحكوم بالخلود من قتل المؤمن لأجل إيمانه، فعندئذ تختص الآية بالكافر ولا يعم المسلم الذي يقتل أخاه لأجل هواه.

ب. الخلود كناية عن الإقامة الممتدة التي إذا طالت يعبر عنها بالخلود.

ج. الخلود وإن كان ظاهراً في التأبيد، ولكنه ليس أمراً قطعياً لاحتمال خروجه عن النار بالعفو والشفاعة، وقد مرّقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ) .(2)

حصيلة البحث: انّ ما استدل به من الآيات مرجعها إلى أحد العناوين الأربعة التي لا شكّ في أنّ أصحابها من الخالدين في النار، وقد عرفت القرائن التي تؤكد هذا.

وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ خصوص قاتل المؤمن مخلّد في النار لا كل الفساق ومرتكبي الكبائر وبذلك يتضح انّ مضامين الآيات لا تنافي ما روي عن ا لإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) ، قال: «لا يخلّد اللّه في النار إلاّ أهل الكفر والجحود وأهل الضلال و الشرك ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر... » فقلت له: يابن رسول اللّه فالشفاعة لمن تجب من المذنبين؟


1 . مجمع البيان: 3ـ4/141.
2 . النساء:48.


(326)

فقال: «حدثني أبي عن آبائه، عن علي (عليه السلام) قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي، فأمّا المحسنون منهم فما عليهم من سبيل».(1)

فلو دلّت الآية على أنّ قاتل المؤمن خالد في النار فليس معناه انّ الخلود حكم قطعي في حقّه بحيث لا يمكن أن يتغيّر أو يتبدّل، بل معناه وجود المقتضي للخلود لو لم يمنع عنه مانع وهو شمول الشفاعة له.

يقول صدر المتألهين: إنّ الأشياء كلّها طالبة لذاتها للحق، مشتاقة إلى لقائه بالذات، وانّ العداوة والكراهة طارئة بالعرض، فمن أحب لقاء اللّه بالذات أحب اللّه لقاءَه بالذات، ومن كره لقاء اللّه بالعرض لأجل مرض طار على نفسه، كره اللّه لقاءه بالعرض، فيعذبه مدة حتى يبرأ من مرضه ويعود إلى فطرته الأُولى أو يعتاد بهذه الكيفية المرضية زال ألمه وعذابه لحصول اليأس، ويحصل له فطرة أُخرى ثانية، وهي فطرة الكفار الآيسين من رحمة اللّه الخاصة بعباده.

وأمّا الرحمة العامة فهي التي وسعت كلّ شيء، كما قال تعالى: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء).(2)

ثمّ نقل عن القيصري في شرح الفصوص كلاماً في خلود أهل النار، جاء فيه: انّ من اكتحلت عينه بنور الحقّ يعلم انّ العالم بأسره عباد اللّه وليس لهم وجود وصفة وفعل إلاّ باللّه وحوله وقوته، وكلّهم محتاجون إلى رحمته وهو الرحمن الرحيم، ومِنْ شأن مَن هو موصوف بهذه الصفات أن لا يعذب أحداً عذاباً أبداً، وليس ذلك المقدار أيضاً إلاّ لأجل إيصالهم إلى كمالهم المقدر لهم، كما يذاب الذهب


1 . توحيد الصدوق: 407، الباب 63، الحديث 6.
2 . الأعراف:156.


(327)

والفضة بالنار لأجل الخلاص ممّا يكدره وينقص عياره، فهو متضمن لعين اللطف كما قيل: «وتعذيبكم عذب، وسخطكم رضا، وقطعكم وصل، وجوركم عدل».(1)

ثمّ إنّ ما ذكره صدر المتألهين أو الشيخ ابن عربي في الفتوحات كلام جدير بالاهتمام، فلو لم نقل به على الوجه الكلي فهو مقبول على نحو الموجبة الجزئية.


1 . الأسفار: 9/346، الفصل 28 في كيفية خلود أهل النار.


(328)

خاتمة المطاف

العصيان المحدود والعذاب الدائم

إنّ من المقرر في محله هو لزوم مساواة العذاب مع العصيان، وضرورة إقامة الموازنة بينهما وعندئذ يُطرح هذا السؤال وهو:

كيف يحكم على هؤلاء بالخلود في النار مع أنّ العصيان كان محدوداً بمقطع زماني خاص، ولكن الجزاء غير متناه، وهذا مخالف للعدل الذي يحكم به العقل؟

هذا هو الإشكال الذي أثير بعد رحيل الرسول في أوساط المسلمين، ويجاب عن هذا السؤال بالنحو التالي:

لو كان الجزاء أمراً جعليّاً من قبل المقننين، كالحكم الصادر على السارق والغاصب والزاني لصحت الموازنة، لأنّ العقل يحكم بلزوم كون الجزاء على قدر الجرم، ولذلك يكون جزاء السارق أشدّ من جزاء السابّ بلسانه وإن كان كلٌّ منهماجرماً في نفسه.

وأمّا إذا كان الجزاء أمراً تكوينياً لازماً لوجود الجرم دون أن يكون هناك جعل قانوني فحينها تمتنع إقامة الموازنة بين الجرم والجزاء، ولذلك ربما يكون الجرم أمراً آنياً ويورث أثراً دائمياً.

ويتضح ذلك من خلال المثال التالي:


(329)

إذا انتحر إنسان فقد ارتكب جرماً آنياً، ولكن خلّف جزاءً غير متناه وهو فقد الحياة، فإذا صحّ ذلك في الحياة الدنيوية، فليصح في الحياة الأُخروية، إذ ربما يكون الشرك باللّه تعالى مخلِّفاً لظلمة نفسانية توجب العذاب الدائم الذي هو من ثمرات وجوده وملكاته التي اكتسبها في النشأة الدنيوية.

وبتعبير آخر: لو كانت صلة الجزاء بالعمل صلة اعتبارية بحيث يعتبره الجاعل جزاءً للعمل كان لهذا السؤال حظٌ من الصحة، فيقال كيف تكون الجريمة محدودة والجزاء غير محدود؟!

وأمّا إذا كانت صلة الجزاء بالعمل صلة تكوينية على نحو يورث العمل في نفس المجرم هيئة راسخة لا تفارقه تكون مبدأ للجزاء وتعد من لوازم وجوده، فعند ذلك يسقط السؤال لأنّ ترتّب المعلول على العلة ترتب ضروري لا يمكن تحديده بزمان أو مكان.

ولعلّ في بعض الآيات والروايات إشارة إلى ما ذكرنا، يقول سبحانه: (مَنْ كَانَ يُرِيدُحَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ)(1). كما ورد في الحديث النبوي:«الدنيا مزرعة الآخرة» والإنسان يحصد في النشأة الأُخرى ما زرعه في هذه النشأة فما يحصده عبارة عن نتائج أعماله.

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : «العمل الصالح حرث الآخرة».(2)

هذا هو الجواب الإجمالي عن هذا السؤال، وقد بسطنا الكلام حوله في بحوثنا الكلامية.(3)


1 . الشورى:20.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 221.
3 . راجع تلخيص الإلهيات: 474.


(330)

الفصل الخامس والعشرون

تجسّم الأعمال والملكات المكتسبة

مسألة تجسّم الأعمال والملكات من الحقائق التي كشف عنها القرآن الكريم، وقد أشرنا إليها عند البحث عن ضرورة إقامة الموازنة بين العمل والجزاء، وحقيقته عبارة عن القول بأنّ للعمل الإنساني ظهورين:

ظهور بوجوده الدنيوي، وظهور بوجوده الأُخروي. فما يكتسبه من الأعمال الحسنة كالصلاة والصوم والحج أو ما يحقّقه من أعمال الخير كالزكاة والصدقة وما يقوم به من البر والإحسان كلّها أعمال دنيوية ولا ظهور لها بحسب هذه النشأة سوى ما نشاهد ه منها.

ولكنّ لها ظهوراً في النشأة الأُخروية بوجود يناسبها كالجنة ونعيمها وحورها وغلمانها وما تشتهيه الأنفس وتلتذ به، فليس لها حقيقة وراء تلك الأعمال التي اكتسبها أو حقّقها في حياته، فالأعمال الدنيوية الصالحة تظهر بهذا النحو من الجزاء.

كما أنّ ما يقترفه الإنسان من الأعمال السيئة كالشرك باللّه سبحانه وظلم العباد وهتك الأعراض وسفك الدماء في هذه النشأة تظهر في يوم القيامة بوجودها المناسب لها فتظهر بصورة الجحيم ونارها وما يواجهه من أنواع العذاب.

هذه هي حقيقة القول بتجسّم الأعمال، وقد سبق منّا القول إنّ من الشهود


(331)

تجسّم الأعمال بواقعها الأُخروي كي لا تكون هناك ذريعة للمجرم.

فكما أنّ للأعمال ظهورين، فهكذا الحال للملكات التي يكتسبها الإنسان في هذه الدنيا، فتارة يكتسب ملكة الإطاعة والعدل، وأُخرى يكتسب ملكة التمرد والعصيان، فلكلّ من الملكتين ظهور دنيوي وظهور أُخروي يتنعم الإنسان بواحدة منهما ويعذب بالأُخرى، وهكذا الحال في النيات.

يقول الحكيم السبزواري في هذا الصدد:

فاعتبار خُلقه الإنسانُ *** مَلَكٌ أو أعجمُ أو شيطان

فهو وإن وحد دنيا، وزعا *** أربعة عقبى فكان سبعاً

بهيمة مع كون شهوة غضب *** شيمته وان عليه قد غلب

مكرٌ فشيطانٌ وإذ سجية *** سنيّة فصورة بهيّة(1)

هذا إجمال ما ذكره أهل المعرفة في تجسّم الأعمال، وعلى ضوء ذلك فليس للجنة ولا للنار حقيقة وراء تجسّم الأعمال التي اكتسبها الإنسان.

ويمكن أن يقال أنّ تجسّم الأعمال يشكل حيزاً من الجنة والنار، ولكن لهما حقيقة أوسع من تجسم الأعمال.

فلنذكر من الآيات والروايات ما يدل عليه.


1 . منظومة السبزواري: 347، الفريدة الرابعة من المقصد الثالث.


(332)

تجسّم الأعمال على ضوء القرآن والروايات

إنّ هناك طائفة من الآيات تدل بوضوح على أنّ ما اكتسبه الإنسان من خير أو شر يجده أمامه يوم القيامة فيجزى به.

1. قال سبحانه: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَو أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعيداً) .(1)

2. (وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمّا فيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً إِلاّ أَحْصيها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً).(2)

3. (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ).(3)

فهذه الآيات تثبت انّ نفس الأعمال التي اكتسبها واقترفها الإنسان يجدها أمامه يوم القيامة بأعيانها وتحضر بواقعها، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في كيفية الظهور وإلاّ فالعمل نفس العمل، والواقعية محفوظة وظهورها مختلف.

هذه الآيات الثلاث أوضح ما في الباب للدلالة على تجسّم الأعمال، فانّ الآية الأُولى تصرِّح بحضور عمل الإنسان من خير وشر في النشأة الأُخرى، وأمّا كيفية التجسم فتستفاد من الآية الثانية والثالثة فهما صريحتان في أنّ عمل السوء ـ أعني: كتمان الحقيقـة في مقابل ثمن بخس، أو أكل مال اليتيم ظلماً ـ يتجسّم بصورة النار، فكأنّ للعمل الدنيوي ظهورين، ظهور في الدنيا وهو ما يشاهده كلّ إنسان، وظهور في الآخرة هو تجلّيه بصورة النار المحرقة.


1 . آل عمران:30.
2 . الكهف:49.
3 . التكوير:14.


(333)

ويؤيد ذلك انّه سبحانه يصف الآخرة بأنّها يوم تبلى السرائر، ويقول: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِر) .(1) فكأنّ الحقيقة اختفت تحت اللثام فأضحت سراً مستوراً وفي ذلك اليوم تزول كافة الحُجُب وتظهر الحقيقة في أنصع صورها.

4. (يَوْمَ تَرى الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَيمانِهِمْ بُشراكُمُ الْيَومَ جَنّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُخالِدينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوزُ الْعَظِيم) .(2)

وظاهر الآية انّ نور المؤمنين يسعى أمامهم في ذلك الطريق المظلم، وليس للنور مبدأ سوى وجودهم الذي يشع نوراً ويضيء الطريق كما تضيء مصابيح الحافلة، الطريقَ لسائقها فيسير على ضوئها.

ولأجل انّه لم يكن لنور المؤمنين الساطع مبدأ سوى وجودهم، يسألهم المنافقون عن النظر إليهم بغية الانتفاع من نورهم كما يحكي عنهم سبحانه بقوله: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ).(3)

ولما كان النور هو تجسيد للعمل الصالح الذي اكتسبه المؤمن والمؤمنة في النشأة الأُولى يجابون بقولهم: (قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً)(4) معرباً عن أنّ هذا النور هو ظهور لما قاموا به من الأعمال الصالحة، فمن لم يغتنم الدنيا في إقامة الأعمال الصالحة فهو محروم من هذا النور.

وليس أمرهم بالرجوع إلى الدنيا والتماس النور إلاّ أمراً تعجيزياً، كقوله سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ) .(5)


1 . الطارق:9.
2 . الحديد :12.
3 . الحديد: 13.
4 . الحديد: 13.
5 . البقرة:23.


(334)

5. (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّة ولا يُنْفِقُونَها في سَبيلِ اللّه فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَليم * يَوْمَ يُحمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُون) .(1)

والآية صريحة في أنّ الذهب والفضة يُحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباه المكنزين وجلودهم وظهورهم.

كما أنّها صريحة في أنّ النار نفس ما اكتنزوه في النشأة الأُولى، فكأنّ للكنز ظهورين: ظهوراً بصورة الفلز وآخر بصورة النار المكوية، وهذا هو الذي ركزنا اهتمامنا عليه في صدر البحث، وهو انّ لكلّ عمل من خير وشر ظهورين ووجودين حسب اختلاف النشآت.

6.(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيطوّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَة).(2)

وظهور هذه الآية كظهور الآية السابقة وهو انّ ما كان يبخل به الإنسان من الذهب والفضة وغيرهما يظهر في النشأة الأُخرى بهيئة سلسلة من نار تُطوِّق العنق وتلتف حوله وتقحمه النار.

7. (يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَتَكُنْ في صَخْرَة أَو في السَّماواتِ أَوْ في الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ) .(3)

وظاهر الآية أنّ نفس العمل يؤتى به يوم القيامة، فيؤتى بالصلاة والزكاة بثوبهما المناسب للنشأة الأُخروية، وهكذا الحال في الأعمال الطالحة.


1 . التوبة:34ـ 35.
2 . آل عمران:180.
3 . لقمان:16.


(335)

8. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَل مِثْقالَ ذَرَّة شَراً يَرَهُ) .(1)

فالضمير في قوله :(يره) يرجع إلى العمل المستفاد من قوله: (يعمل) أو إلى الخير والشر، وعلى كلا التقديرين فالإنسان يرى عمله من صالح وطالح، فيرى السرقة والنميمة بوجودهما المناسب لتلك النشأة كما يرى الإحسان والعمل والخير بظهورها المناسب لتلك النشأة.

قال سبحانه: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعدَّتْ لِلِكافِرينَ) .(2)

9. وفي آية أُخرى يقول:(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعصُون اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُون) .(3)

ويقول سبحانه:(إِنّ الَّذينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَولادُهُمْ مِنَ اللّهِ شَيئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّار) .(4)

ويقول أيضاً:(إِنَّكُمْ وَماتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُون) .(5)

فهذه الآيات تعد العصاة والأصنام والأوثان(الحجارة) وقوداً لنار جهنم، والوقود ما تشعل به النار، فيصير وجود الإنسان والأصنام المعبودة بؤرة نار تؤجج به نار الجحيم.


1 . الزلزلة:7ـ8.
2 . البقرة:24.
3 . التحريم:6.
4 . آل عمران:10.
5 . الأنبياء:98.


(336)

10. (مَنْ جاءَ بِالسَّيِئَة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَل تُجْزَونَ إِلاّما كُنْتُمْ تَعْمَلُون) .(1) ويقول سبحانه: (فَاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَونَ إِلاّما كُنْتُمْ تَعْمَلُون) .(2)

فالآيتان ظاهرتان في أنّ الجزاء هو نفس العمل وليس الجزاء شيئاً وراء العمل فبظهوره حسب النشأة الأُخرى يجزى به الإنسان من صالح وطالح.

11.(لَقَدْكُنْتَ في غَفْلَة مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَومَ حَدِيد) .(3)

فالآية تؤكد على أنّ الإنسان كان في غفلة من يوم الوعيد، وانّ لكلّ نفس سائقاً وشهيداً، فهذه الحقيقة كانت مستورة عن الإنسان في هذه النشأة ويرتفع الغطاء عن بصره وبصيرته فيرى ما خفي عليه ويتذكر وإن كان لا يجدي نفعاً، يقول سبحانه: (يَوْمَ يَتَذَّكَرُ الإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى) .(4)

هذه هي الآيات التي يستنبط منها تجسّم الأعمال، وهي بحاجة إلى دراسة أوسع ممّا ذكرنا.

ففي هذه النشأة تتبدل الأفعال التي يقوم بها الإنسان إلى طاقة على خلاف ما في الآخرة، فتلك النشأة عبارة عن تبدل الطاقة المتجسمة بالأفعال إلى الأجسام الأُخروية والجواهر غير الدنيوية.

تجسّم الأعمال في الروايات

ثمة أحاديث تؤيد ما دلّت عليها الآيات القرآنية، نأتي بنماذج منها:


1 . النحل:90.
2 . يس:54.
3 . ق:22.
4 . القمر:23.


(337)

1. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اتّقوا الظلم فانّها ظلمات يوم القيامة».(1)

وكأنّ الظلم يتجلّـى في الآخرة بصورة الظلمة، فللظلم ظهوران دنيوي وأُخروي.

2.وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «فإذا أُخرجوا من قبورهم خرج مع كلّ إنسان عمله الذي كان عمله في دار الدنيا، لأنّ عمل كلّ إنسان يصحبه في قبره».(2)

3. وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في ضمن وصاياه لقيس بن عاصم: «إنّه لابدّ لك يا قيس من قرين يُدفن معك وهو حيّ، وتُدْفَن معه وأنتَ ميّت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ثمّ لا يُحشَر إلاّ معك ولا تُبعث إلاّمعه ولا تُسأل إلاّ عنه فلا تجعله إلاّ صالحاً».(3)

4. قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : «وأعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم».(4)

5. روى أبو بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «من أكل مال أخيه ظلماً ولم يرده إليه أكل جذوة من النار يوم القيامة».(5)

فكأنّ ما يأكله في هذه الدنيا يتجلّى في الآخرة بهيئة جذوة من النار.

6. وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : «عش ما شئت فإنّك ميت، وأحبب ما شئت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه».(6)


1 . الكافي:2/332، باب الظلم من كتاب الكفر والإيمان، الحديث 11.
2 . البرهان: 4/87 في تفسير قوله ( ونفخ في الصور) من سورة الزمر.
3 . أمالي الصدوق: المجلس الأوّل، الحديث 4.
4 . نهج البلاغة: قسم الحكم: الحكمة 6.
5 . الكافي: 2/333، باب الظلم من كتاب الإيمان والكفر، الحديث 15.
6 . الكافي:3/255، باب النوادر من كتاب الجنائز، الحديث 17.


(338)

وقوله:«واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه» دليل على أنّ الإنسان يلاقي نفس العمل، وحمله على لقاء جزائه خلاف الظاهر.

7. وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : «ما من موضع قبر إلاّوقد ينطق كلّ يوم ثلاث مرّات» إلى أن قال: «فإذا دخله عبد مؤمن، قال: مرحباً وأهلاً، أما واللّه لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري، فكيف إذا دخلت بطني فسترى ذلك، قال: فيفسح له مدّالبصر ويفتح له باب يرى مقعده من الجنة، قال أو يخرج من ذلك رجل لم تر عيناه شيئاً قط أحسن منه فيقول: يا عبد اللّه ما رأيت شيئاً قط أحسن منك فيقول: أنا رأيك الحسن الذي كنت عليه، وعملك الصالح الذي كنت تعمله».(1)

والحديث صريح في تجسّم العمل الصالح بصورة إنسان جميل.

8.وقال الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث طويل: «إذا بعث اللّه المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدمه أمامه، كلّما رأى المؤمن هولاً من أهوال يوم القيامة، قال له المثال: لا تفزع ولا تحزن وأبشر بالسرور والكرامة من اللّه عزّوجلّ حتى يقف بين يدي اللّه عزّوجلّ فيحاسبه حساباً يسيراً، ويأمر به إلى الجنة والمثال أمامه، فيقول له المؤمن: يرحمك اللّه نعم الخارج، خرجت معي من قبري، وما زلت تبشرني بالسرور والكرامة من اللّه حتى رأيت ذلك، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني اللّه عزّوجلّ منه لأُبشّرك».(2)

9. وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : «إذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره ستُ صور، فيهن صورة هي أحسنهنّ وجهاً، وأبهاهنّ هيئة، وأطيبهنّ ريحاً،


1 . الكافي: 3/241، باب ما ينطق به موضع القبر من كتاب الجنائز، الحديث 1.
2 . البحار: 7/197، باب أحوال المتقين والمجرمين في القيامة من كتاب العدل والمعاد، الحديث 69.


(339)

وأنطقهنّ صورة، قال: فيقف صورة عن يمينه، وأُخرى عن يساره، وأُخرى بين يديه، وأُخرى خلفه، وأُخرى عند رجليه، ويقف التي هي أحسنهنّ فوق رأسه، فإن أُتي عن يمينه، منعته التي عن يمينه، ثمّ كذلك إلى أن يؤتى من الجهات الست، قال: فتقول أحسنهنّ صورة من أنتم جزاكم اللّه عني خيراً؟ فتقول التي عن يمين العبد: أنا الصلاة، وتقول التي عن يساره: أنا الزكاة، وتقول التي بين يديه، أنا الصيام، وتقول التي خلفه، أنا الحج والعمرة، وتقول التي عند رجليه: أنا بر من وصلت من إخوانك، ثمّ يقلن: من أنت؟ فأنت أحسننا وجهاً، وأطيبنا ريحاً، وأبهانا هيئة، فتقول: أنا الولاية لآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ».(1)

10. روى الصدوق بسنده عن العلاء بن محمد بن الفضل، عن أبيه، عن جده، قال: قال قيس بن عاصم: وفدت مع جماعة من بني تميم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخلت وعنده الصلصال بن الدلهمس، فقلت: يا نبي اللّه عظنا موعظة ننتفع بها فانّا قوم نعبر في البرية.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يا قيس إنّ مع العز ذلاً، و إنّ مع الحياة موتاً، وإنّ مع الدنيا آخرة، وإنّ لكلّ شيء حسيباً وعلى كلّ شيء رقيباً، وإنّ لكلّ حسنة ثواباً ولكلّ سيئة عقاباً، ولكلّ أجل كتاباً، وانّه لابدّ لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتُدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك ثمّ لا يحشر إلاّ معك ولا تبعث إلاّمعه ولا تُسأل إلاّ عنه، فلا تجعله إلاّ صالحاً، فانّه إن صلح آنست به، وإن فسد لا تستوحش إلاّمنه وهو فعلك.(2)

هذه هي بعض الأحاديث الدالة على تجسّم الأعمال، ومن أراد الاستقصاء فعليه الرجوع إلى الجوامع الحديثية.

وقد حان البحث في تجسم الأعمال من منظار العقل والعلم.


1 . المحاسن للبرقي: 1/288، الحديث 432.
2 . أمالي الصدوق: 12 ح4، المجلس الأوّل.


(340)

تجسّم الأعمال من منظار العقل والعلم

إلى هنا وقفت على أدلة تجسّم الأعمال من جانب الكتاب والسنّة، وإكمال البحث يفرض علينا طرحه على صعيد العقل والعلم.

إنّ لفيفاً من المفسرين والمتكلّمين أنكروا تجسّم الأعمال وقالوا بامتناعه، وأوّلوا ما ورد من الآيات والروايات في ذلك المقام، والسبب الداعي إلى ذلك أمران:

أ. انّ ما يقوم به الإنسان من الأعمال الصالحة والطالحة يفنى بعد تحقّقه ويذهب سدى، فكيف يمكن إعادته بعد انعدامه؟!

ب. انّ الأعمال من مقولة العرض، وهو قائم بالجوهر، ومعنى تجسّمها هو تحقّق العرض بلا جوهر، وهذا أمر محال.

هذا هو الشيخ الطبرسي ينقل في تفسير قوله سبحانه: (يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ منْ خَيْر مُحْضراً)، الكلام التالي:

اختلف في كيفية وجود العمل محضراً، فقيل: تجد صحائف الحسنات والسيئات، عن أبي مسلم وغيره، وهو اختيار القاضي.

وقيل: ترى جزاء عملها من الثواب والعقاب، فأمّا أعمالهم فهي أعراض قد بطلت، ولا تجوز عليها الإعادة فيستحيل أن ترى محضرة.(1)

وفي المقابل، هناك من يرفض تلك النظرية ويصحّح تجسّمها بالبيان التالي:

يقول بهاء الدين العاملي: إنّ الحيّات والعقارب، بل والنيران التي تظهر في القبر والقيامة، هي بعينها الأعمال القبيحة والأخلاق الذميمة والعقائد الباطلة التي ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة وتجلببت بهذه الجلابيب، كما أنّ الروح


1 . مجمع البيان : 1/431، ط صيدا.


(341)

والريحان والحور والثمار هي الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة والاعتقادات الحقّة التي برزت في هذا العالم بهذا الزي وتسمَّت بهذا الاسم، إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف الأماكن، فتحلّى في كلّ موطن بحلية، وتزيّى في كلّ نشأة بزيّ، وقالوا: إنّ اسم الفاعل في قوله تعالى: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَمَّ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرينَ )(1) ليس بمعنى الاستقبال بأن يكون المراد انّها ستحيط بهم في النشأة الأُخرى.(2)

ففي قوله: إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف الأماكن فتحلّى في كلّ موطن بحلية، جواب عن الإشكالين الماضيين.

وحاصل الجواب: انّه لا مانع من أن يكون لشيء واحد تجليان حسب اختلاف الظروف، ولم يكتب على جبين العرض انّه عرض في كلتا النشأتين.

يقول العلاّمة المجلسي : القول باستحالة انقلاب الجوهر عرضاً، والعرض جوهراً في تلك النشأة مع القول بإمكانها في النشأة الآخرة قريب من السفسطة، إذ النشأة الآخرة ليست إلاّمثل تلك النشأة، و تخلّل الموت والإحياء بينهما لا يصلح أن يصير منشأ لأمثال ذلك، والقياس على حال النوم واليقظة أشد سفسطة إذ ما يظهر في النوم إنّما يظهر في الوجود العلمي، وما يظهر في الخارج فإنّما يظهر بالوجود العيني، ولا استبعاد كثيراً في اختلاف الحقائق بحسب الوجودين، وأمّا النشأتان فهما من الوجود العيني ولا اختلاف بينهما إلاّبما ذكرنا، وقد عرفت أنّه لا يصلح لاختلاف الحكم العقلي في ذلك.

وأمّا الآيات والأخبار فهي غير صريحة في ذلك، إذ يمكن حملها على أنّ اللّه تعالى يخلق هذه بازاء تلك أو هي جزاؤها، ومثل هذا المجاز شائع، وبهذا الوجه


1 . العنكبوت:54.
2 . البحار: 7/229 ، باب أحوال المتقين من كتاب العدل والمعاد.


(342)

وقع التصريح في كثير من الأخبار والآيات، واللّه يعلم وحججه (عليهم السلام) .(1)

إنّ أساس الإشكال الأوّل باطل من رأسه، فانّ البرهان العقلي قائم على أنّ من طرأ عليه الوجود لا يعدم أصلاً، وعدمه بعد انقضاء زمانه عدم نسبي لا عدم مطلق، فكلّ شيء موجود في ظرفه ولا يمكن أن يطرأ العدم عليه.

نعم كلّ موجود زماني محدَّد بزمان خاص فهو غير موجود في غير زمانه، ولكنّه موجود في ظرفه لا يطرأ عليه العدم.

هذا هو القضاء الحاسم للعقل ويؤيده النقل، يقول سبحانه: (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّة فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِوَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ في كِتاب مُبين)(2).(3)

فعلى ضوء ذلك، فالإشكال الأوّل لا أساس له من الصحة، وكلّ فعل موجود في ظرفه لا يطرأ عليه العدم، فالعمل يوم المعاد يحضر بنفس وجوده المحقق في ظرفه.

إنّما المهم هو الإشكال الثاني ـ أعني: انقلاب العرض جوهراً ـ وهو أيضاً أمر ممكن لأنّ جسمانية المعاد ليس بمعنى سيادة القوانين الدنيوية جميعها على النشأة الأُخرى، بل اختلاف النشأتين ربما يورث اختلافهما في بعض القوانين.

يقول سبحانه: (يَوْمَ تُبدّلُ الأرضُ غيرَ الأَرضِ والسَّماواتُ وَبَرَزُوا للّهِ الواحدِ القَهّار) .(4)

نعم القوانين العامة السائدة على الوجود بإطلاقه تكون محفوظة في


1 . البحار:7/229ـ 230، باب أحوال المتقين من كتاب العدل والمعاد.
2 . يونس:61.
3 . انظر سبأ: 3، النمل:75.
4 . إبراهيم: 48.


(343)

النشأتين كامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، واجتماع الضدين.

وليس من ذلك تبدل العرض جوهراً، فانّ كون العرض غير قائم إلاّبالموضوع في تلك النشأة لا يكون دليلاً على كونه كذلك في النشأة الأُخرى، إذ من الممكن أن يكون العرض قائماً بنفسه في النشأة متبدلاً، متجليّاً بصورة النار والأغلال والسلاسل، أو أن يكون العمل الصالح كالصلاة والصوم قائماً بنفسه في النشأة الأُخرى متجلّياً بصورة الحور والجنات والعيون.

وما ذكرنا لا يختص بتجسم الأعمال بل يجري في الصراط والميزان والأعراض، وقد قلنا إنّ حقائقها خفية علينا، وانّ التعبير عنها بالميزان وغيره تقريب للذهن بالحقائق المستورة.

وعلى ما ذكرنا فلا مانع من تجسّم الأعمال، ولنذكر بعض كلمات الأعلام في هذا الصدد:

يقول صدر المتألّهين: كما أنّ كلّ صفة تغلب على باطن الإنسان في الدنيا وتستولي على نفسه بحيث تصير ملكة لها، يوجب صدور أفعال منه مناسبة لها بسهولة يصعب عليه صدور أفعال أضدادها غاية الصعوبة، وربما بلغ ضرب من القسم الأوّل حدّ اللزوم، وضرب من القسم الثاني حدّ الامتناع ، لأجل رسوخ تلك الصفة. لكن لما كان هذا العالم دار الاكتساب والتحصيل قلما تصل الأفعال المنسوبة إلى الإنسان الموسومة بكونها بالاختيار في شيء من طرفيها حدّ اللزوم والامتناع بالقياس إلى قدرة الإنسان وإرادته دون الدواعي والصوارف الخارجية لكون النفس متعلّقة بمادة بدنية قابلة للانفعالات والانقلابات من حالة إلى حالة، فالشقي ربما يصير بالاكتساب سعيداً وبالعكس، بخلاف الآخرة فانّها ليست دار الاكتساب والتحصيل، كما أشير إليه بقوله تعالى: (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمانِها خَيْراً) (1)، وكلّ صفة بقيت في النفس


1 . الأنعام:158.


(344)

ورسخت فيها وانتقلت معها إلى الدار الآخرة صارت كأنّها لزمتها ولزمت لها الآثار و الأفعال الناشئة منها بصورة يناسبها في عالم الآخرة والأفعال والآثار التي كانت تلك الصفات مصادر لها في الدنيا، وربما تخلفت عنها لأجل العوائق والصوارف الجسمانية الاتفاقية، لأنّ الدنيا دار تعارض الأضداد وتزاحم المتمانعات بخلاف الآخرة لكونها دار الجمع والاتفاق لا تزاحم ولا تضاد فيها، والأسباب هناك أسباب وعلل ذاتية كالفواعل والغايات الذاتية دون العرضية فكلّما يصلح أثر الصفة النفسانية لم يتخلّف عنها هناك كما يتخلف عنها هاهنا لمصادفة مانع له ومعاوقة صارف عنه، إذ لا سلطنة هناك للعلل العرضية والأسباب الاتفاقية ومبادئ الشرور بل الملك للّه الواحد القهار.

ثمّ إنّ صدر المتألّهين ضرب مثالاً لتقريب الموضوع، يقول: إنّ الجسم الرطب متى فعل ما في طبعه من الرطوبة في جسم الآخر قَبِلَ الجسم المنفعل الرطوبةَ فصار رطباً مثله، ومتى فعل فعله الرطوبة في قابل غير جسم كالقوة الدراكة الحسية والخيالية إذا انفعلت عن رطوبة ذلك الجسم الرطب، لم يقبل الأثر الذي قبله الجسم الثاني ولم يصر بسببه رطباً بل يقبل شيئاً آخر من ماهية الرطوبة لها طور خاص في ذلك كما يقبل القوة الناطقة متى نالت الرطوبة أو حضرتها في ذاتها شيئاً آخر من ماهية الرطوبة وطبيعتها من حيث هي، ولها ظهور آخر عقلي فيه بنحو وجود عقلي مع هوية عقلية، فانظر حكم تفاوت النشآت في ماهية واحدة لصفة واحدة، كيف فعلت وأثرت في موضع الجسم شيء وفي قوة أُخرى شيئاً آخر، وفي جوهر شيئاً آخر و كلّ من هذه الثلاثة حكاية للآخرين، لأنّ الماهية واحدة والوجودات متخالفة، وهذا القدر يكفي المستبصر لأن يؤمن بجميع ما وعد اللّه ورسوله أو توعد عليه في لسان الشرع من الصور الأُخروية المرتبة على الاعتقادات الحقّة أو الباطلة أو الأخلاق الحسنة والقبيحة المستتبعة


(345)

للّذات والآلام إن لم يكن من أهل المكاشفة والمشاهدة.(1)

ثمّ إنّه (قدس سره) ضرب مثالاً آخر لتقريب ما رام إليه، وقال:

إنّ شدة الغضب في رجل توجب ثوران دمه، واحمرار وجهه، وحرارة جسده، واحتراق موادّه، على أنّ الغضب صفة نفسانية موجودة في عالم الروح الإنساني وملكوته والحركة والحمرة والحرارة والاحتراق من صفات الأجسام وقد صارت هذه الجهات والعوارض الجسمانية نتائج لتلك الصفة النفسانية في هذا العالم، فلا عجب من أن يكون سورة هذه الصفة المذمومة مما يلزمها في النشأة الأُخرى نار جهنم التي تطّلع على الأفئدة فاحترقت صاحبها كما يلزم هاهنا عند شدة ظهورها وقوة تأثيرها إذا لم يكن صارف عقلي أو زاجر عرفي يلزمها من ضربان العروق واضطراب الأعضاء وقبح المنظر ربما يؤدي إلى الضرب الشديد والقتل لغيره بل لنفسه، وربما يموت غيظاً فإذا تأمل أحد في استتباع هذه الصفة المذمومة لتلك الآثار فيمكن أن يقيس عليها أكثر الصفات المؤذيات والاعتقادات المهلكات وكيفية انبعاث نتائجها ولوازمها يوم الآخرة من النيران وغيرها، وكذا حال أضدادها من حسنات الأخلاق والاعتقادات وكيفية استنباط النتائج والثمرات من الجنات والرضوان والوجوه الحسان.(2)

تجسّم الأعمال من منظار العلم

ما ذكرناه سابقاً كان تحليلاً لتجسّم الأعمال من زاوية العقل والفلسفة الإسلامية، فحان البحث عنه من منظار آخر وهو منظار العلم.

إنّ تجسم الأعمال أُرسي على قواعد ثابتة وهي:


1 . المبدأ والمعاد :341ـ 342.
2 . المبدأ والمعاد :343.


(346)

انّ المادة والطاقة مظهران لحقيقة واحدة، المادة عبارة عن الطاقات المتراكمة، وربما تتبدّل المادة في ظروف خاصة إلى الطاقة، فتكون الطاقة وجوداً منبسطاً للمادة، كتبدّل مادة الغذاء الذي يتناوله الإنسان إلى حركة، وكتبدّل وقود الحافلات إلى طاقة حركية.

إنّ مفهوم حفظ الطاقة أحد المفاهيم الأساسية الذي يكون حاكماً على كافة الظواهر الطبيعية، بمعنى انّ كافة التفاعلات والتحولات التي تحدث في عالم الطبيعة لا تخرج عن هذا الإطار العام وهو انّ عموم الطاقة لا يتغير فيها أبداً.

فالطاقة يمكن أن تتبدّل إلى أنواع مختلفة، وهذه الأنواع تشمل الطاقة الحركية، الحرارية، الكهربائية، الكيميائية، والنووية.(1)

حقيقة العمل من الإنسان

كلّ عمل يقوم به الإنسان ـ سواء كان طاعة أو معصية ـ يعدّ جزءاً من عالم المادة وليس له حقيقة إلاّتبدل جزء ضئيل من المادة إلى طاقة حركية، فتعود حقيقة العمل في الإنسان إلى تبدل المادة إلى طاقة.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ تجسّم الأعمال يبتني على قواعد أربع:

1. حقيقة العمل هو تبديل المادة إلى طاقة.

2. الطاقة الموجودة في العالم ثابتة لا تتغير.

3. المادة والطاقة حقيقتها واحدة.

4. كما أنّ المادة تتبدّل إلى الطاقة فهكذا تتبدّل الطاقة في ظروف خاصة إلى المادة.


1 . دائرة المعارف البريطانية:6/894.


(347)

فهذه المقدمات تنتج انّ تجسم الأعمال الذي ترجع حقيقته إلى تبدّل الطاقة إلى المادة أمر ممكن وإن لم يكن واقعاً في عالم الطبيعة، ولعلّ العلم سيحقق هذه الأمنية، ولكن القرآن الكريم طرح هذه المسألة قبل 14 قرناً يوم لم يكن للإنسان أي معرفة بها. غير انّ الأكابر من علماء الإسلام وصلوا إليها عن طريق المكاشفة ودراسة الأُصول الفلسفية.

نعم ما ذكرناه إنّما هو صورة ضبابية لما يتحقق في النشأة الأُخرى، ولا يمكن للإنسان الذي هو رهين عالم المادة أن يتصور ما يحدث خارج عالمه على وجه تام.

سؤال وإجابة

إنّ ما دلّ من الآيات والروايات على تجسّم الأعمال ممّا لا غبار عليه، وانّ الإنسان يجزى من خلال تجسّم عمله الصالح أو الطالح وتمثّله بصورة النعمة والنقمة فيتنعّم به المؤمن، ويعذّب به الكافر.

لكن بقي سؤال: وهو انّ طائفة من الآيات دلت على أنّ الجزاء يوم القيامة أمر جعلي أشبه بمجازات المجرمين أو بإثابة المطيعين، فعلى ذلك يكون الجزاء أمراً خارجاً عن نطاق عمل الإنسان بل مفروضاً عليه من الخارج.

وبعبارة أُخرى: انّ القول بأنّ الجزاء يكمن في تمثّل عمل الإنسان بالجنة والنار يخالف مع ما دلّت عليه بعض الآيات من وجود جنة وجحيم خارج إطار عمل الإنسان من خير وشر، وإنّما خلقهما اللّه سبحانه للمطيعين أو المذنبين قبل أن يخلق المطيع والعاصي، فكيف يمكن الجمع بين هاتين الطائفتين من الآيات؟

والجواب: انّ القرآن الكريم نزل من اللّه سبحانه: على قلب سيد المرسلين دون أن يكون فيه أي اختلاف، وذلك آية انّه كلام اللّه سبحانه المنزّه من الخطأ والاشتباه والتناقض والتعارض، يقول سبحانه: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ وَلَو كانَ مِنْ


(348)

عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختلافاً كَثيراً).(1)

وعلى ضوء ذلك فلا مانع من أن يكون هناك نعمة ونقمة من خلال تجسّم الأعمال وتمثّلها، وجنة ونار خارجين عن إطار عمل الإنسان وفعله، فالجزاء الأوّل أمر تكويني يلازم وجود الإنسان، والثاني أمر جعلي مفروض عليه حسب ما اكتسب من الحسنات والسيّئات.

سؤال وإجابة

إنّ حقيقة تجسّم الأعمال ترجع إلى أنّ الإنسان حسب اكتساب الطاعات أو اقتراف السيئات يخلق ملكات حسنة أو سيئة تبعاً لها على نحو تكون تلك الملكات جزء وجوده وصميم ذاته، ومن الواضح بمكان انّ كلّ ملكة تستتبع مقتضاها، فالملكة الحسنة تستتبع صوراً مثالية حسنة أو صوراً مثالية قبيحة يتلذّذ بها أو يتعذّب وليست خلاّقية الملكات لهذه الصور فعلاً اختيارياً، بل لم تزل خلاّقة للصور حسب مقتضاها.

وإذا كانت الصور المثالية أمراً تكوينياً من لوازم وجود الإنسان بحيث لا ينفك عن وجوده مهما نزل أو سكن، فما معنى الشفاعة التي تمحو المجازات الجعلية المفروضة عليه من خارج وجوده؟

والجواب: انّ الملكات المكتسبة وإن كانت خلاّقة للصور المثالية جميلة كانت أو قبيحة شاء أم أبى، لكن ثمة مرتبة من الشفاعة تؤثر في صميم الإنسان وذاته بنحو تؤثر على ملكاته السيئة وليس تأثير الشفيع في ملكات المشفوع له بأصعب من تأثير دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الاعجاز في عالم الكون حيث يعود ـ بفضل دعائه ـ الميت حياً والأعمى بصيراً والسقيم صحيحاً، فكما انّ دعاء النبي وإرادته


1 . النساء:82.


(349)

تؤثر في التكوين، فهكذا الحال في شفاعة النبي في الآخرة تؤثر في الملكات السيئة وتقلبها رأساً على عقب.

ونظير ذلك دعاء المذنب في هذه الدنيا واستغفاره قبل الموت حيث إنّه يؤثر فيما اكتسب من الملكات ويقلبها إلى غيرها.

وحصيلة البحث: انّ تأثير الملكات في الصور المثالية يتم على نحو المقتضي لا العلة التامة، فهي تؤثر مادام العامل الخارجي وإلاّفلا، وبذلك يمكن الجمع بين القول بالشفاعة وتجسّم الأعمال.


(350)

الفصل السادس والعشرون

الأحوال الطارئة على الإنسان يوم القيامة

إنّ الذكر الحكيم يصف أحوال الإنسان وما يطرأ عليه وصفاً دقيقاً يهزّالمشاعر ويُثير الرعب فينعكس على سلوكه التربوي حيث يختار معه الطاعة على العصيان، والدخول في ربقة الطاعة، فكما أنّ الإيمان بنفس المعاد له أثرتربوي من خلال كبت غرائز الإنسان الجامحة، فهكذا وصف ما يطرأ على الإنسان من الحالات ـ يوم القيامة مؤثر في كبت النفس الجامحة في هذه الدنيا، وإيقافها عن الولوج في المعاصي.

إنّ الآيات الواردة في هذا الصدد على قسمين: فتارة تتخذ نفس الإنسان موضوعاً لوصف حاله في القيامة من دون أن يشير إلى طائفة دون أُخرى، وأُخرى تصنّف الإنسان إلى طوائف خاصة وتصف حالة كلّ طائفة. وإليك الكلام في كلتا الطائفتين:

الطائفة الأُولى: الآيات التي تتكفل بيان حال الإنسان يوم القيامة دون أن تخصه بطائفة:


(351)

1. كلّ إنسان له شأن يغنيه

يقول سبحانه: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ يَومَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ).(1)

فما هو الوجه في تحيّره واستغراقه بنفسه وغفلته عن سواه، يعلم ذلك من الآيات التي تصف مشاهد القيامة وقد مرت أوصافها.

2. لا يملك إنسان لإنسان نفعاً

قال سبحانه:(فَاليَوْم لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْض نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الّتي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُون).(2)

وفي آية أُخرى: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْس شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذ للّهِ الواحِد القَهّار).(3)

والسبب في ذلك انّ النظام السائد في الدنيا سينهار في الآخرة وتنفصم معه كافة العلاقات والروابط والأسباب، فلا تملك نفس لنفس شيئاً، يقول سبحانه: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأوُا العَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْباب).(4)

والمراد من الأسباب المنقطعة هي الأسباب الدنيوية لا مطلق الأسباب، فانّ ذلك النظام أيضاً مبني على أسباب خاصة لتلك النشأة.


1 . عبس:34ـ 37.
2 . سبأ:42.
3 . الانفطار:19.
4 . البقرة:166.


(352)

3. ما لا ينفع الإنسان

يصرح الذكر الحكيم بأنّ المال والثروة والأولاد والأرحام لا تنفع أبداً، يقول سبحانه: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُون).(1)

وفي آية أُخرى: (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرحامُكُمْ وَلا أَولادُكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ يَفصِلُ بَيْنَكُم).(2)

والوجه هو ما تقدم آنفاً من إيجاد نظام آخر قائم على أسباب خاصة وانقطاع الأسباب الدنيوية فيه.

4. لا تنفع الأعذار

يقول سبحانه: (فَيَومَئِذ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرتُهُم وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُون).(3)

والسبب في ذلك انّه سبحانه يبعث الأنبياء والرسل كي يوصد باب الأعذار ويتم الحجة.

5. ما ينفع يوم القيامة

قد صرح الذكر الحكيم بأمرين ينفعان يوم القيامة.

أ. القلب السليم: يقول سبحانه:(إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْب سَلِيم)(4) ، والمراد من القلب السليم هو القلب النزيه عن الشرك الخالي من حب الدنيا.


1 . الشعراء:88.
2 . الممتحنة:3.
3 . الروم:57.
4 . الشعراء:89.


(353)

يقول الطبرسي: وإنّما خصّ القلب بالسلامة، لأنّه إذا سلم القلب، سلمت سائر الجوارح من الفساد من حيث إنّ الفساد بالجارحة لا يكون إلاّ عن قصد بالقلب الفاسد، وروي عن الصادق (عليه السلام) ، انّه قال: «هو القلب الذي سلم من حب الدنيا»، ويؤيده قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :«حب الدنيا رأس كلّ خطيئة».(1)

ب. الصدق: قال سبحانه: (هذا يَومُ يَنْفَعُ الصادِقينَ صِدقُهُم).(2)

6. الأخلاّء بعضهم عدو لبعض

ومن الشواهد على أنّ النظام السائد يوم القيامة غير ما هو السائد في هذه النشأة، هو انّ الأخلاّء في هذه الدنيا سيكونون أعداء، يقول سبحانه: (الأَخِلاّءُ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقِين).(3)

وما هذا إلاّ لأنّ التقوى تربط المتقين، فالمؤمنون الأخلاّء في هذه النشأة أخلاّء في النشأة الآخرة بخلاف الكفار والمنافقين.

7. منطق المؤمنين مع الكافرين

لقد كان الكافرون يستهزئون بالمؤمنين في الحياة الدنيا، ففي الآخرة يعكس الأمر فالمؤمنون يستهزئون بالكافرين، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُون * وَإذا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ انْقَلَبُوا فَكِهين * وَإِذا رَأَؤْهُم قالُوا إِنَّ هؤلاءِ لضالُّون).(4)


1 . مجمع البيان:4/194.
2 . المائدة:119.
3 . الزخرف:67.
4 . المطففون:29ـ 32.


(354)

هذه الآية تعكس نظر الكافرين إلى المؤمنين وانّهم كانوا يتغامزون بهم ويصفونهم بالضلال، ولكن الأمر في الآخرة ينقلب لصالح المؤمنين، يقول سبحانه: (فَاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُون * عَلى الأَرائِكِ يَنْظُرونَ * هَل ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُون).(1)

وما هذا إلاّلأنّ الأسباب الدنيوية تنقطع بهم في الآخرة، وانّ السائدة في النشأة الأُخرى هي قوانين تخصّها.

الطائفة الثانية: تتكفل بيان صنف خاص، مقتصرة عليه أو تتعداه إلى ضدّه.

السعداء والأشقياء

يركز القرآن الكريم في غير واحد من آياته على تصنيف الناس إلى تصانيف مختلفة يجمعها انّهم بين فرحين مستبشرين بما يلحقهم من الجزاء، وبين مغمومين يدعون ويلاً وثبوراً لما يلحقهم من الشقاء.

وقد عبر القرآن عن ذلك التصنيف بتعابير مختلفة فتارة يركز على وصف الحالات التي تطرأ على وجوههم التي تخبر عما في ضميرهم من السرور والفرح أو الحزن والقلق، وإليك الآيات:

يقول سبحانه: (وُجُوهٌ يَومَئِذ مُسْفِرَة * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَة).

ويقول سبحانه:(وَوُجُوهٌ يَومَئِذ عَلَيْها غَبرَة * تَرْهَقُها قَتَرَة).(2)

يقول سبحانه: (وُجوهٌ يَومَئذ ناضِرةٌ * إلى ربِّها ناظِرَة).

ويقول سبحانه: (وَوُجوهٌ يَومَئِذ باسِرَة * تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بها فاقِرَة).(3)


1 . المطففون:34ـ 36.
2 . عبس:38ـ 41.
3 . القيامة:22ـ 25.


(355)

ويقول سبحانه: (وُجُوهٌ يَومَئِذ خاشِعَةٌ * عامِلَةٌ ناصِبَةٌ * تَصْلى ناراً حامِيَةً * تُسْقى من عين آنية * لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إلاّمِن ضَرِيعٌ * لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِنْ جُوع).

ويقول: (وُجُوهٌ يَومَئِذ ناعِمَةٌ * لِسَعيِها راضِيَةٌ * في جَنَّة عالِيَة * لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَة).(1)

يقول سبحانه: (يَوْمَ تَبيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وجُوهٌ * فَأَمَّا الَّذينَ اسْوَدَّتْوُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانكُمْ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُون * وَأَمّا الّذِينَ ابيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ففِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيها خالِدُون).(2)

وأُخرى يشير إلى تصنيفهم عن طريق أخذ كتابهم باليمين أو اليسار، فمن أُوتي كتابه بيمينه فقد بوركت عليه الحياة في تلك النشأة.

وأمّا من أُوتي كتابه بشماله أو وراء ظهره، فسوف يجزى بحياة قاسية وعذاب دائم.

وقال سبحانه: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدرِ ما حِسابِيَه).(3)

وقال سبحانه: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ انُاس بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً).(4)

وقال سبحانه: (فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِه * فَسَوفَ يُحاسبُ حِساباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً).

وقال سبحانه: (وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراء ظَهْرِهِ * فَسَوفَ يَدْعُوا ثُبُوراً *


1 . الغاشية:2ـ11.
2 . آل عمران:105ـ 107.
3 . الحاقة:25 ـ26.
4 . الإسراء:71.


(356)

وَيَصْلى سَعيراً * إِنَّهُ كانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً).(1)

وثالثة يصنّفهم إلى أصحاب الميمنة والمشأمة.

يقول سبحانه: (فَأَصحابُ المَيْمَنةِ ما أَصحابُ المَيْمَنَة * وَأَصحابُ المَشْأَمَةِ ما أَصحابُ المَشأَمة * وَالسّابِقُونَ السابِقُونَ * أُولئكَ المُقَرَّبُونَ).(2)

هؤلاء الأصناف الذين أشار إليهم القرآن الكريم تارة عن طريق وصف وجوههم، وأُخرى عن طريق أخذ كتابهم، وثالثة بكونهم من أصحاب الميمنة أو المشأمة ليسوا أصحاب مصير واحد بل يختلف مصيرهم حسب اختلاف درجاتهم من السعادة والشقاء، ولذلك يصف القرآن الكريم مصير هذه الأصناف بما يليق بهم من الجزاء، ونحن نقتصر بالقليل من الكثير.

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المؤمنون في الآخرة

يظهر من الآيات انّ المؤمنين يلتفون حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونورهم يسعى بين أيديهم.

يقول سبحانه: (يَوْمَ لا يُخْزِي اللّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِر لَنا إِنَّكَ على كُلّ شيء قَدير).(3)

المتقون

إنّ للمتّقين عند اللّه سبحانه مكانة عالية تعرب عنها الآيات التالية :

يقول سبحانه: (وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِين).(4)


1 . الانشقاق:7ـ13.
2 . الواقعة:8ـ 11.
3 . التحريم:8.
4 . النحل:30.


(357)

ويقول: (إِنَّ الْمُتَّقينَ في مَقام أَمين).(1)

ويقول: (أُدخُلُوها بِسَلام آمِنين).(2)

ويقول سبحانه: (إِنَّ الْمُتَّقينَ في ظلال وَعُيُون).(3)

ويقول سبحانه: (إِنَّ المُتَّقِينَ في جَنّات وَعُيُون).(4)

ويقول: (لَهُمْ ما يَشاءُونَ كَذلِكَ يَجزِي اللّهُ الْمُتَّقِين).(5)

ويقول: (فاكِهينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُم).(6)

ويقول: (وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ إِخْواناً عَلى سُرُر مُتَقابِلين).(7)

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة حول المتَّقين، فمن أراد فليرجع إلى الآيات المذكورة في الهامش.(8)

الصابرون

إنّ للصابرين في طريق الطاعة ومواجهة البلايا والمصائب ومكافحة المعاصي مكانة عظيمة عند اللّه سبحانه وتعالى، فهؤلاء يصفهم اللّه سبحانه بالنحو التالي:

أ. يسلم عليهم الملائكة عند دخولهم الجنة، يقول سبحانه: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ


1 . الدخان:51.
2 . الحجر:46.
3 . المرسلات:41.
4 . الحجر:45.
5 . النحل:31.
6 . الطور:18.
7 . الحجر:47.
8 . النبأ:31ـ 36، المرسلات: 41ـ 43، الحجر: 45ـ 47، الدخان: 51ـ 57، الرعد: 35، الفرقان:15، محمد:15، آل عمران:133، الشعراء: 90، الزخرف:35، القلم:34، القمر:54، الذاريات:15.


(358)

بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّار).(1)

ب. يعطون أجرهم مرتين، يقول سبحانه: (أُولئِكَ يُؤتُوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَروا).(2)

ج. يجزون بالوجه الأحسن، يقول سبحانه: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صََبَرُوا أَجرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُون).(3)

د. يجزون غرف الجنة، يقول سبحانه: (أُولئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلاماً).(4)

وليعلم أنّ الصابرين ليسوا قسماً مغايراً للمتّقين أو المؤمنين بل الجميع صنف واحد ولكن لهم ميزات وصفات خاصة بهم.

المصلّون

إنّ الصلاة هي الرابطة الوثيقة بين العبد وخالقه ولها أهمية خاصة في الذكر الحكيم، فاللّه سبحانه يذكر المصلين ويمدحهم بمدائح مختلفة، لما في الصلاة من تأثير خاص في كرامة الإنسان وصفاء روحه والقيام بالوظائف الملقاة على عاتقه.

فقد جاء في سورة المعارج من الآية 19ـ 35 ذكر للصلاة وذكر تأثيرها في مختلف المجالات، وها نحن نذكر تلك الآثار من خلال التدبر في تلك الآيات.

1. انّ الصلاة تحد من حرص الإنسان وطمعه، لأنّ المصلي بصلاته يرتبط بالعالم الغيبي وتصير الدنيا صغيرة في عينيه، يقول سبحانه: (إِنَّ الإِنْسانَ خُلِقَ


1 . الرعد:24.
2 . القصص:54.
3 . النحل:96.
4 . الفرقان:75.


(359)

هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعاً * وإِذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاّ المُصَلِّين * الّذين هُمْ عَلى صلاتِهِم دائِمُون).(1)

2. إذا كانت الصلاة تمثل علاقة الإنسان مع خالقه فهي تبعثه في نفس الوقت إلى عدم تناسي علاقته مع الناس، ولذلك تبعث المصلي إلى أداء حقوق المحرومين والمستحقين، يقول سبحانه في حقّ المصلين: (وَالَّذينَ في أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسّائِلِ وَالمَحْرُوم).(2)

3. انّ الصلاة أذكار وأفعال، ومن أذكارها ما يقرأه المصلّي في سورة الحمد، ويقول: (مالِكِ يَوم الدِّين) فلا محيص للمصلّي عن تصديقه بيوم الدين، ولذلك يصف سبحانه المصلين، بقوله: (وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَومِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُون * إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون).(3)

4. انّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر حسب الذكر الحكيم، ولذلك يصف سبحانه المصلّين بقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُمَلُومِين * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْعادُون).(4)

5. انّ الخيانة الأمانة من المنكرات التي تنهى عنها الصلاة، ولذلك يصف سبحانه المصلين بقوله: (وَالَّذينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وَعَهْدهِمْ راعُون).(5)

6. انّ كتمان الحق خيانة لصاحبه والصلاة تنهى عن المنكر الذي تعد الخيانة من أكبر مصاديقه، ولذلك يصف سبحانه المصلين بقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ


1 . المعارج:19ـ 23.
2 . المعارج: 24ـ 25.
3 . المعارج: 26ـ 28.
4 . المعارج: 29ـ 31.
5 . المعارج:32.


(360)

بِشَهاداتهمْ قائِمُون).(1)

كلّ ذلك من أوصاف المصلين الواردة في تلك السورة، وقد ورد في القرآن حول الصلاة آيات كثيرة فضلاً عن الروايات.

السابقون

إنّه سبحانه يصف المحشورين يوم القيامة بصفات ويصنّفهم إلى السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وإليك التوضيح:

فالمراد من السابقين هم السابقون إلى الخيرات والحسنات، ولو أُريد منهم السابقون إلى الإسلام فهو من مصاديق هذا المفهوم الكلي، ويشير إلى ما ذكرنا قوله سبحانه: (أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُون).(2)

ويقول سبحانه: (ثُمَّ أَورَثْنَا الكِتابَ الَّذِينَ اصطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّه).(3)

فالآية الأخيرة تقسم العباد إلى ظالم لنفسه، وإلى مقتصد في الحياة، ومعتدل في السلوك وإلى سابق بالخيرات بإذن اللّه تبارك وتعالى، وللإمام علي (عليه السلام) كلام يشبه أن يكون تفسيراً لهذه الآية:

(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسان رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).(4)

شُغِل من الجنة والنار أمامه، ساع سريع نجا، وطالب بطيء رجا، ومقصر في


1 . المعارج: 33.
2 . المؤمنون:61.
3 . فاطر:32.
4 . التوبة:100.


(361)

النار هوى، اليمين والشمال مضلّة والطريق الوسطى هي الجادة.(1)

ثمّ إنّ للسابقين إلى الخيرات ميزات ذكرها القرآن الكريم في غير واحد من الآيات:

أ. يخشون ربّهم قال سبحانه: (إِنَّ الّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ).

ب. يؤمنون بآيات ربّهم ولا ينكرونها قال: (وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون).

ج. لا يشركون باللّه طرفة عين : (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُون).

د. يدفعون ما فرض اللّه في أموالهم يقول: (وَالَّذينَ يُؤْتُُونَ ما آتوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُون).

ثمّ إنّ جميع هذه الصفات من صفات السابقين بشهادة انّه سبحانه يذكر بعد هذه الميزات، ويقول: إنّ الموصوفين بها هم المسارعون في الخيرات، يقول سبحانه: (أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ).(2)

إلى هنا تمّ ما ذكره القرآن الكريم من صفات السابقين، وإليك ما ذكره القرآن في المنازل التي يفوزون بها في الجنّة.

إنّ السابقين إلى الخيرات هم المقرّبون، كما يقول سبحانه: (وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُون)(3) ولأجل مكانتهم الرفيعة عند اللّه تبارك و تعالى لهم من الأجر ما يحكي عنه القرآن الكريم في الآيات التالية:


1 . نهج البلاغة: الخطبة 16.
2 . المؤمنون:57ـ 61.
3 . الواقعة:10ـ 11.


(362)

(في جَنّاتِ النَّعِيم * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلين * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِين * عَلى سُرُر مَوضُونَة * مُتَّكئِينَ عليها مُتَقابِلين).

(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْواب وَأَبارِيقَ وَكَأْس مِنْ مَعين * لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُون).

(وَ فاكِهَة مِمّا يَتَخَيَّرُون).

(وَ لَحْمِ طَيْر مِمّا يَشْتَهُون).

(وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثال اللُّؤلُؤِ المَكْنُون).

وهذه الكرامة من اللّه سبحانه و تعالى لم تكن اعتباطية بل جزاء لعملهم في الدنيا، كما يقول: (جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُون).

(لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً).(1)

هؤلاء هم السابقون وهذه مكانتهم عند اللّه تبارك و تعالى، وهذا جزاؤهم في الآخرة.

بقيت هنا نكتة أُخرى، وهي انّه سبحانه وصف جماعة بالمقربين، وقال: (فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوحٌ وَرَيحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم).(2)

والمراد من المقرّبين هنا هم السابقون لما وصفه سبحانه في أوّل السورة بالمقرّبين، وقال: (وَالسّابقُونَ السابِقُونَ * أُولئكَ المُقَرَّبُون).

وحيث إنّ المراد من السابقين، هم السابقون بالخيرات، وصف المسيح بأنّه من المقرّبين، وقال: (وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبين).(3)


1 . الواقعة:12ـ 26.
2 . الواقعة:88ـ 89.
3 . آل عمران: 45.


(363)

ثمّ إنّه سبحانه وصف المقرّبين في آية أُخرى بأنّهم شهداء كتاب الأبرار، وقال: (إِنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّين * وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ).(1)

وعلى هذا فالسابقون هم المقرّبون وهم شهداء كتاب الأبرار.

إلى هنا تمّ ما ورد في القرآن الكريم في حقّ السابقين، وحان البحث عن أصحاب اليمين وأصحاب الشمال.

أصحاب اليمين

أصحاب اليمين هم الطائفة الثانية ذكرهم سبحانه و تعالى، بقوله: (وَأَصحابُ اليَمينِ ما أَصحابُ اليَمين).(2)

ثمّ ذكر انّ أصحاب اليمين هم ثلّة من الأوّلين وثلة من الآخرين.

واختلف المفسرون في المقصود من أصحاب اليمين والمعروف في المقام نظريتان:

الأُولى: انّ المراد منهم هم الذين يعطون كتابهم بيمينهم، وقد استدلّوا عليه بالآيات التالية:

(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناس بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَأونَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً).(3)


1 . المطففون:18ـ 21.
2 . الواقعة:27.
3 . الإسراء:71.


(364)

(فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينهِ فَيَقُولُ هاؤمُ اقْرَأُوا كِتابِيَه).(1)

(فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ * فَسَوفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً).(2)

وعلى ذلك فهؤلاء الذين اتّسموا بأصحاب اليمين لأجل استلام كتبهم بيمينهم يتمتعون بمنزلة عظيمة عند اللّه سبحانه ذكرها سبحانه في غير واحد من الآيات بعد الحديث عن دفع كتبهم إلى يمينهم، يقول:

(وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً).(3)

(فَهُوَ في عِيشَة راضِيَة).(4)

(في جَنَّة عالِيَة * قُطُوفُها دَانِيَة).(5)

(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيّامِ الخالِيَة).(6)

هذه هي النظرية الأُولى في تفسير أصحاب اليمين، وإليك الكلام في النظرية الثانية.

الثانية: انّ المقصود من اليمين هو اليمن والبركة وهؤلاء هم الذين وصفهم سبحانه في صدر سورة الواقعة بأصحاب الميمنة، وقال: (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَة * فَأَصحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصحابُ الْمَيْمَنَة)(7) ، وبما انّ أصحاب الميمنة يقابلون أصحاب المشأمة المأخوذ من الشؤم والشقاء، فيكون أصحاب الميمنة


1 . الحاقة:19.
2 . الانشقاق:7 ـ8.
3 . الانشقاق:9.
4 . الحاقة:21.
5 . الحاقة:22ـ 23.
6 . الحاقة:24.
7 . الواقعة:7ـ8.


(365)

مقابلاً لهم، فهؤلاء غارقون في البركة والنعمة، كما أنّ الذين يقابلونهم غارقون في الشقاء والوصب.

وممّا يؤيد انّ أصحاب اليمين هم المتمتعون بنعم اللّه في الآخرة، قوله سبحانه: (فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَما أَدْراكَ مَا العَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبة * أَوْ إِطْعامٌ في يَوم ذِي مَسْغَبَة * يَتِيماً ذا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَة * ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بالْمَرْحَمَةِ * أُولئكَ أَصحابُ المَيْمَنَة).(1)

والإمعان في سورة الواقعة التي هي الأصل في تصنيف الناس يوم القيامة يعطي هذا الانطباع انّ أصحاب الميمنة هم أصحاب اليمين لا صنفٌ آخر، والدليل على ذلك انّ السورة تصنّف الناس إلى أصناف ثلاثة:

أ. (فَأصْحابُ المَيْمَنةِ ما أصحابُ المَيْمَنَة).

ب. (أصحابُ المَشْأَمَةِ ما أصحابُ المَشْأَمَة).

ج. (السّابِقُونَ السّابِقُون * أُولئكَ المُقَرَّبُون).

ثمّ يبدأ بذكر السابقين وما لهم من منزلة وكرامة وعندما ينتهي عن ذكر أوصافهم، يبتدئ بذكر أصحاب الميمنة، بقوله: (وَأصحابُ اليَمين ما أصحابُ اليَمِين)ويذكرهم إلى الآية الأربعين.

ثمّ يبدأ بأصحاب الشمال إلى الآية 56.

وبذلك يعلم أنّ الأصناف لا تتجاوز عن الثلاثة، وانّ المقرّبين مدرجون في السابقين وأصحاب الميمنة من أصحاب اليمين، ثمّ أصحاب الشمال وليس لهم اسم خاص، وبذلك تتكفّل الآية لبيان تفاصيل الأصناف الثلاثة، إلى قوله: (هذا نُزُلُهُمْ يَومَ الدِّين).(2)


1 . البلد:11ـ 18.
2 . الواقعة:56.


(366)

المحسنون

يصف سبحانه طائفة من المؤمنين بالمحسنين، وليس هؤلاء طائفة خاصة، وإنّما يدخلون امّا في السابقين أو في أصحاب اليمين، وقد وصفهم سبحانه بالصفات التالية:

(كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ).

(وَبِالأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون).

(وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسائِلِ وَالْمَحْرُوم).(1)

هذه هي صفاتهم البارزة التي يُعرفون من خلالها.

وأمّا ما وعدوا من الجزاء فيكفي في ذلك الآيات التالية:

(إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين).(2)

(إِنَّ رَحْمَةَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين).(3)

(وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِين).(4)

(وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين).(5)

(إِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِين).(6)


1 . الذاريات:17ـ 19.
2 . البقرة:195.
3 . الأعراف:56.
4 . الحج:37.
5 . العنكبوت: 69.
6 . التوبة:120 .


(367)

الأبرار

الأبرار جمع بار، وهو المبالغة في الإحسان، فيكون مقام الأبرار فوق مقام المحسنين، فالمؤثرون على أنفسهم هم الأبرار ولكن المحسنين دونهم، ولذلك يكون الأبرار طائفة خاصة من المحسنين.

وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم وسرد أوصافهم في الآيات التالية:

(الّذِينَ يَذكُرونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ).

(وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْض).

]يقولون[ (ربّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّار).

(رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّر عَنّا سَيّئاتِنا وَتَوفَّنا مَعَ الأَبْرار).(1)

وظاهر الآيات انّ الموصوفين في الآية هم المحسنون الذين يدعون اللّه سبحانه بغية الوصول إلى مقام الأبرار، فصح أن يقال: إنّ ما ذكر من صفات الأبرار.

ومن صفاتهم البارزة أيضاً ما ورد في سورة الدهر حيث يطرح فيها موضوع الأبرار ويقول: (إِنَّ الأَبْرار...) ثمّ يسرد صفاتهم، ويقول:

(يُوفُونَ بِالنَّذْر).

(وَيَخافُونَ يَوماً كانَ شَرُّهُ مَسْتَطِيراً).

(وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً).

(إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً).


1 . آل عمران:191ـ 193.


(368)

(إِنّا نَخافُ مِنْ رَبّنا يَوْماً عَبُوساً قَمطَرِيراً).(1)

ومن صفاتهم أيضاً ما ذكر في سورة البقرة:

(وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالكِتابِ وَالنَّبِيّين).

(وَآتَى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقاب).

(وَأَقامَ الصَّلاة).

(وَآتَى الزَّكاة ).

(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا).

(وَالصّابِرينَ فِي البَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ البَأْس).

(أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا).

(وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون).(2)

هذا بعض ما ورد من أوصافهم.

وأمّا جزاؤهم في الآخرة فتحكي عنه الآيات التالية:

(فَوَقاهُمُ اللّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوم).(3)

(إِنَّ الأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْس كانَ مِزاجُها كافُوراً).(4)

(وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً).(5)


1 . الدهر:7ـ 10.
2 . البقرة: 177.
3 . الدهر:11.
4 . الدهر:5.
5 . الدهر:17.


(369)

(وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً).(1)

(لا يَرَونَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهُا).(2)

(وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً).(3)

(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً).(4)

(وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَة مِنْ فِضَّة وَأَكْواب كانَتْ قَواريرا * قَوارِير مِنْ فِضَّة قَدَّرُوها تَقْديراً).(5)

(عالِيَهُمْ ثِيابُ سُنْدُس خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَق).(6)

(وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّة).(7)

(إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً).(8)

(إِنَّ كِتابَ الأَبْرارِ في عِلِّيّين).(9)

(إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيم * عَلى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ).(10)

(تَعْرِ