welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 7*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مفاهيم القرآن / ج 7

مفاهيم القرآن

الجزء السابع

يبحث عن شخصيّة النبي الأكرم
(صلى الله عليه وآله وسلم)
وحياته في القرآن الكريم

تأليف

جعفر السبحاني

نشر ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


(2)

مواصفات الكتاب

اسم الكتاب :   مفاهيم القرآن

الموضوع:   شخصيّة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحياته في القرآن الكريم

الجزء:   السابع

المؤلف:    جعفر السبحاني

الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الطبعة الأُولى:   1412 هـ

عدد النسخ:    3000 نسخة

المطبعة:   مهر

الصفّ والإخراج الفنّي الكمپيوتري:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الإخراج الفني في صفحة wab : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) _ السيد محسن البطاط


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

عواطف ساخنة و مشاعر تقدير

من أرض الذكريات الإسلاميّة: الحبشة (أثيوبيا)

وصلنا كتاب من العالم الجليل الاُستاذ محمد كمال آدم المدرس في مدرسة أهل البيت يحمل في طيّاته عواطف ساخنة، حول «سلسلة مفاهيم القرآن» و ما فيها من بحوث في التوحيد و النبوّة، و قد وجد فيها صاحب الرسالة ما يعالج مشاكل العصر التي تثيره الأقلّيّات الدينية في تلك الديار و إليك بعض ما ورد في الكتاب:

حضرة العالم العلاّمة و الحجّة الفهّامة، الاُستاذ جعفر سبحاني أطال اللّه بقاءه ذخراً للاسلام و المسلمين.

السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته

يسرّني غاية السرور و مزيد الفرحة أن تصل رسالتى هذه إليكم، و أنتم في تمام الصحّة و العافية و أتمنّى لكم النجاح و التوفيق في كل أعمالكم.

سيدي العزيز أنا أخوكم المسلم الأثيوبي محمد كمال آدم المدرس في مدرسة أهل البيت و إنّي أحد المتولّعين بمطالعة مؤلّفاتكم الكثيرة المفيدة، و الرائعة، التي قمتم بتأليفها لمعالجة المسائل الإسلامية معالجة جديدة و الدفاع عن حوزة الدين الإسلامي، في جميع جهات المعركة الفكرية مع الأعداء، فأوّل ما ظفرت به من مؤلّفاتكم هو كتاب «معالم التوحيد في القرآن الكريم» فطالعته سطراً بعد سطر فأثلج صدري بالفرح و السرور، و الخطبة و الحبور، و ألفيته قد انطبق على مسمّاه اسمه، و تناسب تركيبه و رسمه.


(4)

حقّاً إنّ هذا الكتاب يُسحر الألباب و يجذب الأحباب، يحقِّقُ و يبيِّن الصواب، و يفحم المتقوّل الكذّاب، حيث يقوم بتوضيح التوحيد الخالص، و يفنِّد مزاعم من يشوّهون مفاهيم الدين الإسلامي و يقومون بتكفير اخوانهم المسلمين.

فقدجمع بين دفّتيه دراسات كثيرة و مناقشات عديدة، فيا بشراكم انّكم من الذين أدركوا حقيقة الدين الإسلامي، و حملتهم غيرتهم على دينهم إلى أن يطلعوا الآخرين على ثمرات الحقائق فجزاكم اللّه خير الجزاء.

اُستاذي الحبيب نحن في أثيوبيا نفتخر بكم و بمؤلّفاتكم القيّمة و أستشعر شعوراً بأنّكم الحجّة و البرهان للدفاع عن الدين الإسلامي في هذا الزمان، متّعنا اللّه بكم و وفّقنا لرؤيتكم.

و أخيراً نرجوا أن تزوّدنا بمعلومات يكشف عن عدد مؤلّفاتكم لنكون قادرين على متابعتها و جمعها، و نحن واثقون بأنّكم تحققون مطلبنا هذا في أسرع وقت ممكن، و اللّه يجزيكم عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء و دمتم في رعاية اللّه و حفظه و تقبّلوا فائق تحيّاتنا.

أديس أبابا ـ أثيوبيا
محمد كمال آدم   
28/12/1411هـ 
الموافق 10/7/1991م


(5)

تقدير و اكبار

تفضل به الاُستاذ المجاهد و الكاتب القديـر: الشيـخ حسن الصفـار من علماء المنطقة الشرقية في الجزيرة العربية (قطيف) حيّاه اللّه و بيّاه

سماحة العلاّمة الحجة الشيخ جعفر السبحاني... حفظه اللّه

السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته... و مما جاء فيه:

كما أنّ الجيش في ميدان القتال يحتاج إلى دعم و امداد بالمؤنة و العتاد«الوجستيك» كذلك الدعاة إلى اللّه و طلائع الحركة الإسلامية، هم في أمسِّ الحاجة إلى من يرفدهم بالفكر العميق، و الدراسات العلمية و البحوث الهادفة عن قضايا العقيدة و مفاهيم الإسلام.

فالاُمّة الإسلامية تخوض اليوم صراعاً حضارياً، فكريّاً ضارياً حيث يخشى الإستكبار العالمي من أن تعود للاُمّة ثقتها بدينها، و تبني صرح الحضارة الإسلامية من جديد على أنقاض الحضارة الماديّة التي ذاق الإنسان ويلاتها، و اتّضح لدية فسادها و انحطاطها.

إنّ العدوان العسكري و الحرب المفروضة التي شنّت على الجمهوريّة الإسلاميّة و حملات الإرهاب، و القمع الشرسة التي يواجهها المؤمنون الرساليون في كل مكان، و أعاصير الإعلام المضلّل المناوئ للثورة و الحركة الإسلامية... هذه كلّها مظاهر و وسائل للمعركة الرئيسية و الصراع الحقيقي بين الحضارة الإسلامية المرتقبة، و الحضارة المادية المنحرفة.

و إذا كانت القيادة الميدانيّة، و الإدارة اليومية لشؤون التحرّك و الصراع مع الأعداء تأخذ كل وقت و جهد العلماء و المفكّرين الإسلاميين الواعين، فإنّ ذلك سيترتك فراغاً خطيراً في مجال الدراسات العلمية العقائدية و العطاء الفكري.


(6)

فلابدّ و أن تتوجّه ثلّة من العلماء و المفكّرين العارفين بأبعاد الصراع الحضاري، و المدركين لتطلّعات الاُمّة، ليقوموا بدور الإمداد و الدعم الفكري و العلمي، خلف جبهة الصراع العسكري و السياسي و الإعلامي.

و سماحتكم هو في طليعة من يطمئن و يعتمد عليه لملء هذا الفراغ الكبير و سدّ هذه الحاجة الماسَّة.

إنّ اهتمامكم باصدار البحوث العقائدية و الفكرية الرائعة ليشكّل سنداً و دعماً ضرورياً لكل الرساليين المجاهدين لإعلاء كلمة اللّه و انقاذ العالم من حضيض الإنحطاط المادّي.

لقد قرأت العديد من أجزاء موسوعتكم (التفسير الموضوعي للقرآن) و بحثكم القيّم حول (التوحيد و الشرك) فوجدت فيها الضالّة المنشودة من حيث الفكر العميق، و الشموليّة الدقيقة و الطرح الهادئ الموضوعي فشكر اللّه سعيكم و أدام توفيقكم و نفع المسلمين بفيض علمكم.

أرجو أن تتابعوا كتاباتكم و بحوثكم في مجال التفسير الموضوعي للقرآن كما أرى ضرورة الإسراع في ترجمة هذه البحوث إلى اللغات العالمية الحية، و خاصّة اللغة الإنكليزية، فهناك الكثيرون من المسلمين ممّن لايجيدون اللغة العربية، يتطلّعون بفارغ الشوق إلى مثل هذه الدراسات العلمية، كما أنّ بعض مفكّري الغرب و الشرق يهمّهم الإطّلاع على مفاهيم الإسلام من بعد ما لفتت الثورة الإسلامية المباركة أنظارهم نحو الإسلام.

أسأل اللّه لكم دوام الصحّة و النشاط و لكلّ العاملين المؤمنين التوفيق و النجاح.

و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته

حسن موسى الصفار
القطيف      


(7)

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و سيرته في القرآن الكريم

كانت حياة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ ولادته و نعومة أظفاره، و حتى ساعة رحلته، و لقائه ربّه، طافحة بالحوادث، زاخرة بالوقائع، وقدلفتت تلك الحوادث و الوقائع أنظار المفكّرين و الباحثين و دفعتهم إلى ضبط كلّ جليل و دقيق منها، و هم بين مؤمن بدينه و رسالته، و شريعته و كتابه، و منكر لصلته باللّه سبحانه و بعثته من قبله و لكن مذعن بشخصيته الفذَّة، و حياته المثالية، فلاتجد شخصية في التاريخ وقعت محطّاً للبحث و الدراسة، و لفتت نظر الباحثين كشخصية رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) .

و لو اُتيح لإنسان أن يقوم باستقصاء ما أُلِّف حول حياته طيلة هذه القرون، أو ما جادت به القرائح من القصائد و الأراجيز، لعثر على مكتبة ضخمة حافلة بآلاف الكتب و الرسائل، و الدواوين، و لاُذعن ـ عندئذ ـ كلّ قريب و بعيد، و كل صديق و مناوئ بأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نسيج وحده، لم تسمع اُذنُ الدنيا بأحد مثله و لمتر عينالدهر نظيراً له.

و قدخدم المؤرخون الاُمّة الاسلاميّة بل البشريّة جمعاء بتآليفهم و تصانيفهم حول حياته و شخصيّته و جهوده و مساعيه في سبيل إنقاذ البشريّة من أغلال الوثنيّة


(8)

والجنوح إلى كلّ معبود سوى اللّه تعالى، غير أنَّ نظر كلّ مؤلِّف كان إلى زاوية خاصّة من زوايا حياته، و إلى بعد واحد من أبعاد سيرته.

فمن باحث عن أخلاقه المثاليّة، و رأفته، و عبادته و تهجّده، و حسن سلوكه مع الناس، و أمانته التي أقرَّ بها العدو و الصديق.

إلى آخر يهتمَّ ببيان كيفيّة نزول الوحي عليه، و قيامه ـ بمفرده ـ بنشر دعوته، والإجهار برسالته، و الصمود في سبيل عقيدته، و تحمّل المشقّة كالجبل الراسخ لاتحرّكه العواصف.

إلى ثالث يُلقي الضوء على الجانب السياسي من حياته، فيجمع رسائله الموجّهة إلى الملوك و الساسة و رؤساء القبائل، كوثائق و كتب سياسية.

إلى رابع أعجبه ذكر مغازيه و بعثه للسرايا، و جهاده ضدّ المشركين و المنافقين و الخونة من أهل الكتاب.

إلى خامس ركّز اهتمامه على الجليل و الدقيق من حياته من دون أن يجنح لجانب دون جانب لكنّه جمع و حشّد من دون تحقيق و لاتنقيب، فكتب كلّ ما عثر عليه في هذه المجالات.

شكر اللّه مساعي الجميع حيث خدموا البشريّة ببحثهم عن هذه الفريدة و هذه الحلقة الأخيرة من سلسلة الأنبياء و المرسلين، الّتي خصّها اللّه سبحانه بكتابه الخاتم، و دينه الخالد، و شريعته الأبديّة.

و لقد استند هؤلاء في تصوير حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصف ما جرى عليه قبل البعثة، و بعدها، أو ما واجهه من الأحداث و الوقائع، إلى الروايات المرويّة عن الصحابة و التابعين الذين شاهدوا نور الرسالة كما شاهدوا القضايا و الحوادث باُمّ أعينهم.

و لكن هناك طريقاً آخر أمثل و أشرف من الطريق الأوّل لم يهتم به الباحثون اهتماماً كافياً و لازماً، و إن التفتوا إليه في بعض الأحيان، و هو الإستضاءة ـ في


(9)

تدوين معالم حياته ـ بكتاب اللّه الكريم، المنزّل على قلبه، ففيه تصريحات بمعالم حياته، و إشارات إلى خصوصيّاتها.

و القرآن الكريم و إن لم يكن كتاب تاريخ، بل هو كما وصف نفسه (هُدىً للنّاس)أي كتاب هدي لجميع الناس إلى أن تقوم الساعة، و لكنّه ربّما يتعرّض في بعض المناسبات لخصوصيّات حياته و أفعاله، و جهوده و مساعيه، ومن خلال ذلك يستطيع الإنسان المتتبّع أن يستخرج صورة وضّاءة لحياته بالتدبّر في هذا القسم من الآيات و يقف على خلقه و سلوكه و سائر شؤونه، و بالتالي تتجلّى لناحياته من أوثق المصادر و أمتنها، فيرى القارئ صورته في مرآة القرآن كما ترى سيرته في ثنايا الكتب و السير، مع الفارق الكبير بين الصورتين، و المرآتين.

و هذا ما نقوم به في هذا الجزء من موسوعتنا القرآنية «مفاهيم القرآن» و نحن نعترف بأنّ هذا عب لايقوم به إلاّ لجنة تفسيريّة تتناول الموضوع بصورة شاملة و موسّعة و معمّقة غير أنّ الميسور لايسقط بالمعسور، و ما نقوم به عمل فردي ليس له من المزايا ما للعمل الجماعي، و لكن «ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه». و توخّياً للتسهيل، خصّصنا لكلّ موضوع و ما يناسبه فصلاً.

و في الختام نتقدّم بالشكر الجزيل، إلى العالم الجليل و الكاتب القدير، الشيخ محسن آل عصور ـ حفظه اللّه ـ حيث ساعدنا في تأليف هذه الجزء و تحريره وترصيفه و تقريره حتى خرج بهذه الصورة البهيّة. شكر اللّه مساعيه الجميل.

نسأله سبحانه أن يوفّقنا في هذا السبيل و يصوننا عن الزلل و الخطأ في فهم كتابه إنّه مجيب الدعاء.و يكتب التوفيق لكلّ مجاهد في سبيل القرآن، و مخلص في خدمة الذكر الحكيم.

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
جعفر السبحاني         


(10)


(11)

(1)
بشائره في الكتب السماويّة

لقد تعلّقت مشيئة اللّه الحكيمة ببعث رجال صالحين لإنقاذ البشرية من الجهالة و الضلالة، و سوقهم إلى مرافئ السعادة، و أنزل عليهم شرائع فيها أحكامه و تعاليمه، و هذه الشرائع و إن كانت تختلف بعضها عن البعض الآخر، لكنّها تتّحد جوهراً و حقيقة، و لو أنّها تفترق صورة و شكلاً كما يشير إليه قوله سبحانه: (اِنَّالدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)(آلعمران/19). و قوله: (مَاكَانَ اِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَنَصْرَانِيّاً وَ لَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(آلعمران/67)(1).

فالدين النازل من اللّه سبحانه إلى كافّة البشر في جميع الأجيال و القرون أمر واحد، و هو الإسلام، و قد اُمر بتبليغه جميع رسله و أنبيائه من غير فرق بين السالفين و اللاّحقين.

هذا و قديتفنّن القرآن الكريم في التعبير عن وحدة الشرائع من حيث الاُصول والمبادئ و اختلافها شكليّاً بتصوير الدين نهراً كبيراً يجري فيه ماء الحياة المعنويّة، و الاُمم كلّها قاطنة على ضفَّة هذا النهر يردونه و يصدرون عنه، و ينهلون منه حسب حاجاتهم و اقتضاء ظروفهم، و كل ظرف يستدعي حكماً فرعيّاً خاصّاً.

قال سبحانه:

(لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجَاً وَ لَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً)(المائدة/48).

فالحقيقة ماء عذب، و الاختلاف في المشرعة و المنهل، و الطريقة والمنهاج.


1 . لاحظ سورة البقرة/132 و الزخرف/28.


(12)

إنّ وحدة الشرائع جوهراً، و اختلافها شكلاً و عَرْضا، لاتعني ما يلوكه بعض الملاحدة من جواز التديّن بكلّ شريعة نازلة من اللّه سبحانه إلى اُمّة من الاُمم في العصور السابقة حتى أنّه يسوغ التديّن بشريعة إبراهيم في زمن بعثة الكليم، أو التمسّك بشريعة اليهود في عهد المسيح، أو التديّن بالشرائع السابقة في عهد بعثة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل المفروض على كلّ اُمّة أن تتمسّك بالشريعة التي جاء بها نبيّها، فلايجوز لليهود سوى تطبيق التوراة، و لاللنصارى سوى العمل بما جاء به المسيح، و لاللاُمّة المتأخّرة عنهما إلاّ العمل بالقرآن و السنّة النبويّة، و ذلك لأنّ للشكل و العَرْض سهماً وافراً في إسعاد الاُمّة و رقيّها، فلكلّ اُمّة قابليات و مواهب فلا تسعدها إلاّ الشريعة التي تناسبها و تتجاوب معها.

فربّ اُمّة متحضّرة تناسبها سنن و أنظمة خاصّة لاتناسب اُمّة اُخرى لم تبلغ شأنها في التكامل و التحضّر.

و هذا هو السبب في إختلاف الشرائع السماويّة في برامجها العباديّة و الإجتماعيّة و السياسيّة و الإقتصاديّة، فكانت كلّ شريعة كاملة بالنسبة إلى الأمّة التي نزلت لهدايتها و إسعادها، و لكنّها لاتتجاوب مع حاجات الاُمم المتأخّرة و لاتكفي لإحياء قابلياتها و ترشيد مواهبها، فكأنَّ الاُمم التي خُصّت بالشرائع الالهيّة تلاميذ صفوف مدرسة واحدة، و كلّ شريعة برنامج لصفّ خاصّ، فمازالت البشريّة ترتقي من صفّ إلى صفّ، و تتلقّى شريعة بعد شريعة، حتّى تنتهي إلى الصفّ النهائي و الشريعة الأخيرة التي لاشريعة بعدها، و قدأوضحنا حقيقة ذلك الأمر عند البحث عن الخاتمية(1).

أخذ الميثاق من النبيين على الإيمان به و نصره

إنّ وحدة الشرائع في الجوهر و الحقيقة أدَّت إلى أخذ الميثاق من النبيين بأنّه سبحانه مهما آتاهم الكتاب و الحكمة، و جاءهم رسول مصدّق لما معهم، يجب


1 . لاحظ مفاهيم القرآن ج3 ص 119ـ123.


(13)

عليهم الإيمان به و نصره، بل أخذ الإصر من اُممهم على ذلك، فكان من وظائف كل رسول تصديق النبي اللاحق و الإيمان به، و نصره، عن طريق التبشير به و أمر اُمّته بالتصديق به و مؤازرته ـ إذا أدركوه ـ فعلى ذلك أخذ سبحانه من إبراهيم الخليل ذلك العهد بالنسبة إلى الكليم، و من الكليم بالنسبة إلى المسيح، و منه على النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و من جهة اُخرى أخذ الميثاق من الجميع على الإيمان بنبوّة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و نصره، و التبشير به، ودعوة اُممهم إلى تصديق دعوته و الإقرار بها.

و المعاصرون للأنبياء السابقين و إن لم يدركوا عصر النبي الأكرم غير أنّ ذلك الهتاف العالمي وصل إلى أخلافهم و أولادهم فوجب عليهم تلبية النبي الخاتم بوصيّة من أنبيائهم، و هذا هو المتبادر من قوله سبحانه:

(وَ اِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيْثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَ حِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌّ مُصَدَّقٌّ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَ اَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ اِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَ اَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)(آلعمران/81).

ظهور الآية فيما ذكرناه من أخذ الميثاق من كلّ متقدّم للمتأخّر، و من الجميع للأخير يتوقّف على تفسير الآية و تحليلها جملة بعد جملة:

1 ـ قوله: (وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيْثَاقَ النَّبِيِّينَ).

إنّ المراد من النبيين هم المأخوذ منهم الميثاق، و يدلّ على ذلك قوله: (ءَأَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ اِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَ اَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ).

غير أنّ النبي الواقع في أوّل السلسلة يتمحّض في أنّهُ من أخذ منه الميثاق كنوح (عليه السلام) فإنّه من بُدء به نزول الشريعة، و هداية الناس و تعريفهم بوظائفهم و تكاليفهم السماوية، كما أنّ النبي الواقع في آخر السلسلة يتمحّض في أنّه ممّن اُخذ له الميثاق لأنّ المفروض أنّه لانبيّ بعده.


(14)

و أمّا الأنبياء الواقعون في ثنايا السلسلة فهم من جهة أخذ منهم الميثاق ومأخوذ لهم الميثاق.

فالكليم مأخوذ منه الميثاق للمسيح و مأخوذ له الميثاق من الخليل و هكذا.

2 ـ قوله سبحانه: (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَ حِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌّ مُصَدِّقٌّ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ).

إنّ «ما» في هذه الجملة أشبه بالشرطيّة من الموصولة لوجود «اللام» في جزائها و المعنى: مهما آتيتكم من كتاب و حكمة ثُمَّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنّن به و لتنصرنّه.

والآية تهدف إلى أنّ اللّه سبحانه أخذ من الأنبياء الميثاق بأنّه لو جاء رسول إليهم مصدّق لدعوتهم إلى التوحيد ورفض الوثنيّة والإقرار بعبوديّة الكلّ للّه تعالى يلزم عليهم أمران:

الأوّل: الإيمان بهذا الرسول المُقْبِل.

الثاني: نصره.

فكأنّ إيتاء الكتاب والحكمة يلازم ـ عند تطابق الدعوتين ـ الإيمان بالداعي اللاحق ونصرته، و على ذلك فالضمير المجرور والمنصوب في قوله: (لتؤمننّ به ولتنصرنّه)عائدان إلى الرسول المُقبِل.

3 ـ قوله سبحانه: (ءَاَقْرَرْتُمْ وَاَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُم إصْري).

يعرب هذا عن أنّه سبحانه لم يأخذ الميثاق من النبيّين وحدهم بل فرض عليهم أخذ الميثاق من اُممهم على ذلك، ولأجل ذلك يخاطبهم بقوله: (ءأقررتم) أنتم يامعشر النبيين، وهل أخذتم على ذلك عهدي؟ فأجابوا بالإقرار.

وإنّما اقتصر في الجواب بإقرار الأنبياء فقط، ولم يذكر أخذ الإصر من اُممهم للإكتفاء بقوله: (فَاشْهَدُوا و َانَا مَعَكُم مِنَ الشَّاهِدِينَ)لظهور الشهادة في أنّها على


(15)

الغير، فإذا كان اللّه سبحانه مع أنبيائه شهوداً فيجب أن يكون هناك مشهوداً عليهم وهو اُممهم.

فظهر أنّ الآية تهدف إلى أخذ العهد والإصر من الأنبياء، واُممهم على الإيمان والنصرة.

فإذا راجعنا ا لقرآن الكريم نرى أنّ ا لمسيح قام بمسؤوليته الكبيرة حيث بشّر بالنبيّ وقال ـ كما حكى عنه سبحانه: (واذْ قَالَ عيْسَى ابْنُ مَريمَ يَا بَني إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ اِليْكُم مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيَّ منَ التَّورَاةِ ومبشِّراً برسُول يَأتِي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أحْمدُ فلَمَّا جَاءَهُم بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحرٌ مُبينٌ)(الصف/6).

وليس المسيح نسيج وحده في هذا المجال بل الأنبياء ا لسابقون قاموا بنفس هذه الوظيفة، يقول سبحانه: (الَّذينَ ا تَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كمَا يَعْرِفُونَ أَبنَاءَهُمْ وإِنَّ فرِيقاً مِنْهُمْ ليَكْتُمُونَ الحَقَّ وهُمْ يَعلَمُونَ) (البقرة /146).

والضمير في «يعرفونه» يرجع إلى النبيّ الأكرم وهو المفهوم من سياق الآية بشهادة تشبيه عرفانهم إيّاه بعرفان أبنائهم.

وما زعمه بعض المفسّرين من أنّ الضمير راجع إلى الكتاب الوارد في الآية لايناسب هذا التشبيه، والآية بصدد بيان أنّهم يعرفون النبيّ بما في كتبهم من البشارة به، ومن نعوته وأوصافه وصفاته التي لا تنطبق على غيره، وبما ظهر من آياته وآثار هدايته، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولّون تربيتهم وحياطتهم حتّى لا يفوتهم من أمرهم شيء، قال عبد اللّه بن سلام ـوكان من علماء اليهود وأحبارهم ـ: أنا أعلم به منّي با بني(1).

فالمراد من أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وكانت الأغلبية في المدينة اليهود، والآية تعرب من أنّ الكليم قام بنفس ما قام به المسيح من التعريف بالنبيّ الخاتم حتّى عرّفهم ا لنبىّّ الخاتم بعلائم واضحة عرفته به اُمّتهُ عرفانَها بأبنائها.


1 . المنار ج2 ص20.


(16)

وعلى ضوء ذلك فالدّين السماوي دين موحّد، والمبلِّغون له رجال صالحون، متلاحقون، موحّدون في الهدف والغاية، مختلفون في الشريعة والمنهل، والجميع يبشّرون بالحلقات التالية بأمانة وصدق وإخلاص.

وهذه الآية و إن كانت تركّز على أخذ الميثاق من السابقين على اللاحقين ولكن الآية التالية تعرب بفحوى الكلام على أنّ المتأخّر أيضاً كان مأموراً بتصديق السابق، و لأجل ذلك قال المسيح عند بعثته:

(مُصدِّقاً لِمَا بَينَ يدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ)(الصف/6).

وقد أمر النبيّ اُمتّه بالإيمان بما اُنزل على من سبقه من الأنبياء، وقال سبحانه:

(قُلْ آمنَّا باللّهِ ومَا اُنزلَ عَليْنَا ومَا اُنزِلَ علَى إبرَاهيمَ وإسْمَاعِيلَ وَ إسحَاقَ وَيَعْقُوبَ والاَسبَاطَ ومَا أُوتِيَ مُوسَى وعيِسَى والنَّبيُّونَ منْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بينَ أَحَد مِنْهُمْ ونَحْنُ لهُ مُسْلِمُونَ)(آل عمران/84).

ثمّ إنّ القرآن الكريم يذكر ذلك الميثاق في آية اُخرى على وجه الاختصار ويقول: (وَإِذْ اخَذْنَا منَ النَّبيِّينَ ميْثَاقَهُمْ وَمنْكَ(1) وَمِنْ نُوح وابرَاهِيمَ ومُوسَى وَعيسَى ابن مَريَمَ واَخَذَنا مِنْهُم مِيثَاقاً غَليِظاً)(الأحزاب/7)


1 . و قد ذكر سبحانه النبيين بلفظ عام يشمل الجميع ثمّ سمّى خمسة منهم بأسمائهم بالعطف عليهم، و لم يخصّهم بالذكر إلاّ لعظمة شأنهم و رفعة مكانتهم، فإنّهم أصحاب الشرائع، وقدعدّهم على ترتيب زمانهم لكن قدّم النبي و هو آخرهم زماناً لفضله و شرفه، و تقدّمه على الجميع، و سمّى هذا الميثاق بالميثاق الغليظ، إذ به تستقر كلمة التوحيد و رفض الوثنية في المجتمع البشري، فلو لم يؤمن نبي سابق باللاحق و لم ينصره، كما أنّه لم يصدّق نبي لاحق النبي السابق لفشلت الدعوة الإلهية من الإنتشار و سادت الفوضى في الدين. و في الآية إحتمال آخر، و هي إنّها ناظرة إلى ميثاق آخر مأخوذ من الأنبياء و هو أخذ الوحي من اللّه وأدائه إلى الناس من دون تصرّف، و يشهد على ذلك قول الإمام عليّ (عليه السلام) في حقّهم: «و اصطفى سبحانه من ولده أنبياء، أخذ على الوحي ميثاقهم، و على تبليغ الرسالة أمانتهم».نهج البلاغة، الخطبة/1.


(17)

إنّ إضافة الميثاق إلى النبيّين (ميثاقهم) يعرب عن كون المراد الميثاق هو الميثاق الخاص بهم، كما أنّ ذكرهم بوصف النبوّة مشعر بذلك فهناك ميثاقان:

ميثاق مأخوذ من عامّة البشر وهو الذي يشير إليه قوله: (وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ منْ بَني آدمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمَ وَاشْهَدَهُمْ عَلَى اَنْفُسِهِمْ اَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلَى)(الأعراف/172).

وميثاق مأخوذ من النبيّين خاصّة بما أنّهم أنبياء وهو الذي تدل عليه الآية وهي وإن كانت ساكتة عن متعلّق الميثاق لكن تبيّنه الآية السابقة، وهو أخذ الميثاق من النبيّين عامّة على أنّه إذا جاءهم رسول مصدّق لما معهم، يفرض عليهم الإيمان به والنصرة له.

هذا وإنّ الهدف الأسمى من فرض الإيمان والنصرة هو تأييد بعضهم ببعض حتّى تستقرّ في ظل وحدة الكلمة،كلمة التوحيد في المجتمع البشري ويكون الدّين كلّه للّه سبحانه كما قال: (اِنَّ هَذهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدةً وَانَا رَبُّكُمْ فَاعْبدُونِ)(الأنبياء/92). وقال: (شَرَعَ لَكُمْ منَ الدِّينِ ما وَصَّى بِه نُوحاً والَّذي أَوْحَيْنَا إِليكَ و مَا وَصَّينَا بهِ إِبْرَاهِيمَ ومُوسَى وَعِيْسَى أَنْ اَقِيْمُوا الدِّينَ وَلاتَتَفَرَّقُوافِيْهِ...)(الشورى/13).

ولأجل اتّفاق الأنبياء في الهدف والغرض يعدّ سبحانه قوم نوح مكذّبين للمرسلين، وقال: (كذَّبَتْ قَوْمُ نُوح المُرسلِينَ * اِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ اَلاَ تتَّقُونَ)(الشعراء/105 و 106).

مع أنّهم لم يكذّبوا إلاّ واحد منهم وهو نوح (عليه السلام) ، وذلك لأجل أنّ دعوتهم واحدة وكلمتهم متّفقة على التوحيد، فيكون المكذّب للواحد منهم، مكذّباً للجميع، ولذا عدّ اللّه سبحانه الإيمان ببعض رسله دون بعض، كفراً بالجميع، قال تعالى: (إِنَّ الَّذينَ يَكفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلهِ وَيُرِيدُونَ اَنْ يُفرِّقُوا بينَ اللّهِ ورسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤمِنُ بِبَعْض وَنْكفُرُ ببَعْض وَيُرِيْدونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلكِ سَبيلاً * اُولئِكَ هُمُ الكافِرونَ


(18)

حَقّاً) (النساء/150 ـ 151)(1).

وبما أنّ رسالة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) رسالة عالميّة خاتمة لجميع الرسالات اُخذ من جميع الأنبياء الميثاق على الايمان به، ونصرته، والتبشير به ليسدَّ باب العذر على جميع الاُمم حتّى يتظلّل الكلّ تحت لواء رسالته ويسيّر البشر عامّة تحت قيادته إلى السعادة.

ويشهد على ما ذكرنا ما روي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:«إنّ اللّه أخَذَ الميثاق على الأنبياء قَبْلَ نبيّنا أن يخبروا اُممهم بمبعثه ورفعته ويبشّروهم به ويأمروهم بتصديقه»(2).

ورويا الطبري والسيوطي عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: «لم يبعث اللّه نبيّاً آدم فمن بعده إلاّ أخذ عليه العهد في محمّد، لئن بعث وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه، وأمره بأن يأخذ العهد على قومه، ثمّ تلى هذه الآية: (وَإِذْ اَخَذَ اللّهُ ميثَاقَ النَّبيِّينَ لَمَاآتيْتُكُم مِنْ كتاب وَحِكْمة..)(3).

ويظهر من بعض الروايات أنّه أخذ الميثاق منهم على وصيّ النبيّ الخاتم.

روى الحديث المحدّث البحراني عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: لميبعث اللّه نبيّاً ولا رسولاً إلاّ وأخذ عليه الميثاق لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوّة ولعليّ (عليه السلام) بالإمامة(4).

وتخصيص ا لميثاق في هذه الروايات بالإيمان بالنبي الخاتم لا ينافي ما ذكرنا من عموميّة مفاد الآية، وأنّها تعمّ جميع الأنبياء فالمتقدّم منهم كان مفروضاً عليه التبشير بالمتأخّر عن طريق الإيمان به ودعوة ا ُمّته إلى نصرته، واقتفائه كائناً من كان،


1 . الميزان ج19 ص321.
2 . مجمع البيان ج2 ص 468 (طبع صيدا).
3 . تفسير الطبري ج3 ص237، و الدر المنثور ج2 ص27، و رواه الرازي في مفاتيح الغيب ج2 ص507(طبع مصر)، و الطبرسي في مجمعه ج2 ص468.
4 . تفسير البرهان ج1 ص294.


(19)

لكن وجه التخصيص في تلك الروايات بالنبي الخاتم، لأجل وقوعه آخر السلسلةوبه ختم باب وحي السماء إلى الأرض، فكأنَّ الكلّ بعثوا للتبشير به والدعوة إلى الإيمانبه ونصرته.

بشائر النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتب السماويّة

لا تجد إنساناً سالماً في نفسه وفكره يقبل دعاوي الآخرين بلا دليل يثبتها، وهذا أمر بديهي فطري جُبِل الإنسان عليه، يقول الشيخ الرئيس: «من قبل دعوى المدّعي بلا بيّنة وبرهان فقد خرج عن الفطرة الإسلامية»(1).

على هذا فيجب أن تقترن دعوى النبوّة بدليل يثبت صحّتها وإلاّ كانت دعوى فارغة غير قابلة للإذعان والقبول، لكن طرق التعرّف على صدق ا لدعوى ثلاث:

1ـ التحدّي بالأمر الخارق للعادة على الشرائط المقرّرة في محلّه (الإعجاز).

2 ـ تصديق النبيّ ا لسابق بنبوّة النبيّ ا للاحق.

3 ـ جمع القرائن والشواهد من حالات المدّعي، و المؤمنين به ومنهجه والأداة التي استعان بها في نشر رسالته، إلى غير ذلك من القرائن التي تفيد العلم بكيفيّة دعوى المدّعي صدقاً وكذباً.

وقد استدلّ القرآن على صدق النبي الخاتم بتنصيص أنبياء الاُمم على نبوّته، وقد عرفت تنصيص المسيح عليه بالاسم والتبشير به(2)كما عرفت انّ سماته الواردة في العهدين كانت في الكثرة والوفور إلى درجة كانت الاُمم تعرفه على وجه دقيق كما تعرف أبناءها(3).

وقد صرّح القرآن بأنّ أهل الكتاب يجدون اسم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 . نقله سيدنا الاُستاذ الإمام القائد الراحل في درسه و لم يذكر مصدره.
2 . الصف/6.
3 . البقرة/46.


(20)

مكتوباً في التوراة و الإنجيل، قال عزّ من قائل:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الاُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِى التَّورَاةِ وَالاِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ)(الأعراف/157).

و قد آمن كثير من اليهود و النصارى بنبوّة النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته و مماته لصراحة البشائر الواردة في التوراة و الإنجيل، بل لم يقتصر سبحانه على ذكر اسمه و سماته في العهدين، بل ذكر سمات أصحابه و قال:

(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ اَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجََّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِنْ اَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِى الإِنْجِيلِ كَزَرْع اَخْرَجَ شَطْئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوْقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ اَجْراً عَظِيماً)(الفتح/29).

كما لم يقتصر على أخذ العهد من النبيين ببيان البشائر به، بل أخذ الميثاق من أهل الكتاب على تبيين بشائره للناس و عدم كتمانها، قال سبحانه:

(وَ اِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ اُوتُو الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لاَتَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)(آلعمران/187).

و هذه الآية تؤيّد ما استظهرناه من قوله سبحانه: (وَ اِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَ حِكْمَة... وَ أَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ اِصْرِى...) و إنّ أخذ الميثاق لم يكن مختصّاً بالأنبياء، بل أخذ سبحانه الميثاق من اُممهم بواسطتهم، و ممّا أخذ منهم الميثاق عليه هو تبيين سمات الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم كتمانها.

و قد كان ظهور النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الاُمّيين على وجه كان اليهود يستفتحون به على مشركي الأوس و الخزرج، و كانوا يقولون لمن ينابذهم: هذا نبيّ قد أطلّ زمانه ينصرنا عليكم، قال سبحانه:


(21)

(وَ لَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِاللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَاعَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الكَافِرِينَ)(البقرة/89).

روى الطبرسي عن معاذبن جبل، و بشربن البراء: إنّهما خاطبا معشر اليهود وقالا لهم: اتّقوا اللّه وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد و نحن أهل الشرك، وتصفونه و تذكرون أنّه مبعوث، فقال سلام بن مسلم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، ما هو بالذي كنّا نذكر لكم، فنزلت هذه الآية(1).

و عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه لما كثر الحيّان (الأوس والخزرج) بالمدينة، كانوا يتناولون أموال اليهود، فكانت اليهود تقول لهم: أمّا لو بعث محمد لنخرجنّكم من ديارنا و أموالنا، فلمّا بعث اللّه محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) آمنت به الأنصار، و كفرت به اليهود، و هو قوله تعالى:

(وَ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)(2).

و بالرغم من أخذ الميثاق من الاُمم، و بالرغم من تعرّف تلك الاُمم على النبي الخاتم، عمد أصحاب الأهواء منهم إلى كتمان البشائر به، و إخفاء علائمه، وسماته الواردة في كتبهم كما يقول سبحانه: (اِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا اَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الكِتَابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً اُولئكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ اِلاَّ النَّارَ وَ لاَيُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَ لاَيُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌّ اَلِيمٌّ)(البقرة/174).

و قال سبحانه:

(اِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا اَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَ الهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَاهُ لِلنَّاسِ فِى الكِتَابِ اُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ)(البقرة/159).

و المعنيّ بالآية نظراء كعب بن الأشرف و كعب بن أسد و ابن صوريا و غيرهم


1 . مجمع البيان ج1 ص158.
2 . تفسير العياشي ج1 ص 50.


(22)

من علماء اليهود و النصارى الذين كتموا أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونبوّته و هم يجدونه مكتوباً في التوراة و الإنجيل مثبّتاً فيهما.

قال ا(1)لعلاّمة الطباطبائي: المراد بالكتمان و هو الإخفاء أعمّ من كتمان أصل الآية و عدم إظهارها للناس، أو كتمان دلالتها بالتأويل، أو صرف الدلالة بالتوجيه كما كانت اليهود تصنع ببشارات النبوّة ذلك فما يجهله الناس لايظهرونه، و ما يعلم به الناس يؤوّلونه بصرفه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) (2).

و قال سبحانه:

(وَ إِذْ اَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ اُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لاَتَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ).

و الضمير في «لتبيّننّه» إمّا عائد إلى النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) المفهوم من سياق الآية، أو إلى الكتاب المذكور قلبه، و على كل تقدير يدخل في الآية، بيان أمر النبي لأنّه في الكتاب، و الظاهر أنّ الآية مطلقة تعمّ كل ما يكتمونه من بيان الدين و الأحكام و الفتاوى و الشهادات.

النبي الأكرم و دعاء الخليل

أمر سبحانه إبراهيم الخليل بتعمير بيته، و قدقام الخليل بما اُمر، و بمساهمة فعليّة من ابنه «إسماعيل» و قدحكى سبحانه دعاءه عند قيامه بهذا العمل و قال:

(وَ إِذْ يَرْفَعُ اِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَ اِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا اِنَّكَ اَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * رَبَّنَا وَ اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ وَ مِنْ ذُرِيَّتِنَا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ اَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا اِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ اِنَّكَ اَنْتَ العَزِيزُ


1 . مجمع البيان ج1 ص195.
2 . الميزان ج1 ص394.


(23)

الحَكِيمُ)(البقرة/127ـ129).

فقد دعا إبراهيم لذرّيته من نسل إسماعيل القاطنين في مكّة و حواليها، ولميبعث سبحانه من تتوفّر هذه الأوصاف الواردة في الآية من تلاوة الآيات و تعليم الكتاب و الحكمة و التزكية سوى النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

و الآية تدلّ على أنّ إبراهيم و إسماعيل دعيا لنبيّنا بجميع شرائط النبوّة لأنّ تحت التلاوة الاداء، و تحت التعليم البيان، و تحت الحكمة السنّة، و دعوا لاُمّته باللطف الذي لأجله تمسّكوا بكتابه و شرعه فصاروا أزكياء، و بما أنّ المرافق والمشارك في الدعاء مع إبراهيم هو ابنه، فيجب أن يكون النبي من نسل إبراهيم من طريق ابنه، و لم يكن في ولد إسماعيل نبيّ غير نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) سيّدالأنبياء.

و قداستجاب اللّه سبحانه دعاء الخليل و ابنه إذ بعث في ذرّيته رسولاً و قال:

(لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ اِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ اَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ وَ اِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلاَل مُبِين)(آلعمران/164).

و قال تعالى: (هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ وَ اِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلاَل مُبِين)(الجمعة/2).

و لقد نقَّب علماء الإسلام في العهدين(التوراة و الإنجيل) و جمعوا البشارات الواردة فيهما على وجه التفصيل، و من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى الكتب المعدّة لذلك(1). و نحن نعرض عن نقل تلكم البشائر في هذه الصحائف لأنّ نقلها يوجب الاسهاب في الكلام و الخروج عن وضع المقال.


1 . مثل أنيس الأعلام في نصرة الإسلام لفخر الاسلام الشيخ محمد صادق، في ستة أجزاء واظهار الحق تأليف الشيخ رحمة اللّه الهندي و هو كتاب ممتع، و الهدى إلى دين المصطفى تأليف الشيخ العلاّمة محمد جواد البلاغي، و في كتاب بشارات العهدين غنى و كفاية.


(24)


(25)

(2)
ثقافة قومه و حضارة بيئته

إنّ الإنسان مهما بلغ من الكمال لايستطيع أن يجرّد نفسه و فكره، و منهجه الإصلاحي عن معطيات بيئته، فهو يتأثّر عن لاشعور بثقافة قومه، و حضارة موطنه، و لكن إذا راجعنا تفكير إنسان و شخصيته فوجدناها منقطعة عن تأثيرات الظروف التي نشأ فيها، و مباينة لمقتضياتها، بل كانت على النقيض منها، فتكشف أنّ لماجاء به من التشريع و التقنين و لما قدّمه إلى اُمّته من مبادئ الإصلاح خلفيّة سماويّة غير خاضعة لثقافة قومه، و تقاليد قبيلته.

و هذا نجده في ما حمله رسول الإسلام إلى قومه و إلى البشرية جمعاء من عقائد و أخلاق و تشريعات.

و للوقوف على هذه الحقيقة نقدّم عرضاً خاطفاً عن حياة العرب في عصره قبل ميلاده و بعده، و من المعلوم أنّ الإسهاب في ذلك يتوقّف على الغور في التاريخ والسيرة و هو خارج عن هدفنا، بل نقدّم موجزاً ممّا يذكره القرآن عن حياتهم المنحطّة البعيدة عن الحضارة، و ستقف أيّها القارئ الكريم من خلال ذلك على أنّ الذي جاء به رسول الإسلام الكريم، من عقائد و أخلاق و سنن، تضاد مقتضيات ظروفه، فهو بدل أن يؤكّد تفكير قومه و طقوس قبيلته و تقاليد وسطه الذي كان يعيش فيه، بدأ يكافحها و يفنّدها بالإسلوب المنطقي.

لقدنشأ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين قومه و قد كانوا منقطعين عن الأنبياء و برامجهم حيث لم يبعث فيهم نبيّ، قال سبحانه في هذا الصدد:


(26)

(وَ لَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكرُونَ)(القصص/46).

يقول تعالى:

(اَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا آتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْقَبْلِكَلَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)(السجدة/3).

و قال سبحانه:

(لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)(يس/6).

و هذه الآيات تعرب من أنّ اُمّ القرى و ما حولها لم يبعث فيها أي بشير أو نذير، و الآيات تعني هذه المناطق و القاطنين فيها، و لاتعني العرب البائدة التي بعث فيها أنبياء عظام كهود و صالح و شعيب، و لاعامّة المناطق في الجزيرة العربيّة و لاعامّة القبائل من القحطانيين و العدنايين، و قدكان فيهم بشير و نذير كخالدبن سنان العبسي و حنظلة على ما في بعض الروايات و الأخبار.

و من المعلوم أنّ الاُمّة البعيدة عن تعاليم السماء خصوصاً في العصور البعيدة التي كانت المواصلات فيها ضعيفة بين الاُمم، و كانت عقلية البشر في غالب المناطق قاصرة عن تنظيم برنامج ناجح للحياة الإنسانية، فحياتهم لاتتعدّى عن حياة الحيوانات بل الوحوش في الغابات، ولايكون لهم من الإنسانية شيء إلاّ صورتها، ولا من الحضارة إلاّ رسمها.

و هذا هو القرآن يصفهم بأنّهم كانوا على شفا حفرة من النار، ولم يكن بين سقوطهم واقتحافهم فيها إلاّ خطوات ودقائق بل لحظات لولا أنّ النبيّ الأكرم أنقذهم من النار، قال تعالى:

(وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نعمَةَ اللّهِ علَيْكُم اِذْ كُنْتُمْ اَعداءً فَاَلَّفَ بيْنَ قُلُوبِكُمْ فَاَصْبَحْتُمْ بِنِعْمتهِ إِخْوانَاً وَكُنتُمْ علَى شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ فَاَنْقَذكُمْ مِنْهَا) (آل عمران/103).


(27)

وقد تضمّن قوله سبحانه: (وَاعْتصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ) استعارة بليغة حيث صوّر قوم النبيّ كالساقطين في قعر هوَّة سحيقة لا يقدورن على الخروج، وفي يد النبيّ حبل ألقاه في قعر تلك الهوّة يدعوهم إلى التمسّك به حتّى يستنقذهم من الهلكة.

هذا ما يصف به القرآن الكريم بيئة النبيّ وعقلية عشيرته، على الوجه الكلّي، ولكنّه يصفهم في الآيات الأُخر بالإنحطاط والإنهيار بشكل مفصّل.

وإليك بيان ذلك في ضوء الآيات القرآنية.

1 ـ الشرك أو الدين السائد.

كان الدين السائد في العرب في الجزيرة العربية عامّة، ومنطقة أُمُ القرى خاصّة، هو الشرك باللّه سبحانه، فهم وإن كانوا موحّدين في مسألة الخالقيّة، وكان شعارهم هو أنّ اللّه هو الخالق للسماوات والأرض، ولكنّهم كانوا مشركين في المراحل الاُخرى للتوحيد.

أمّا كونهم موحّدين في مجال الخالقيّة فلقوله سبحانه: (وَلئنْ سأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأَرضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ)(لقمان/25)(1).

وأمّا كونهم مشركين في المراتب الاُخرى للتوحيد فيكفي في ذلك كونهم مشركين في أمر الربوبية (تدبير العالم) هو أنّ الوثنية دخلت مكّة وضواحيها، بهذا اللون من الشرك (الشرك في الربوبية).

روى ابن هشام عن بعض أهل العلم أنّه قال: «كان عمرو بن لحى أوّل من أدخل الوثنية إلى مكّة ونواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام اُناساً يعبدون الأوثان وعندما سألهم عمّا يفعلون، قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها، فتمطرنا، ونستنصرها، فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها فأسير بها إلى أرض


1 . و لهذا المضمون آيات اُخر لاحظ العنكبوت/61، الزمر/38، و الزخرف/9و78.


(28)

العرب فيعبدوه، فاستصحب معه إلى مكّة صنماً باسم «هبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعى الناس إلى عبادتها»(1).

وأمّا الشرك في العبادة: فقد كان يعمّهم قاطبة إلاّ أُناساً لا يتجاوز عددهم عن عدد الأصابع، فالأغلبيّة الساحقة كانوا يعبدون الأصنام مكان عبادته سبحانه زاعمين أنّ عبادتهم تقرّبهم إلى اللّه، قال سبحانه:

(والَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ اَوليَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبونَا اِلى اللّهِِ زُلفى ا ِنَّ اللّهَ يَحُكمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فيهِ يَختلِفُونَ)(الزمر/3).

والقرآن شدّد النكير على فكرة الشرك أكثر من كل شيء، وفنّدها بأساليب علميّة وعقليّة، ولقد صوّر واقع الشرك ووضع المشرك ببعض التشبيهات البليغة التي تقع في النفوس بأحسن الوجوه قال سبحانه:

(مثَلُ الَّذينَ اتَّخذُوا منْ دُونِ اللّهِ اَولياَء كَمثَلِ الَعنكَبُوتِ اتَّخذَتْ بيْتاً واِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكبوتِ لوْ كانُوا يَعلمُونَ)(العنكبوت/41).

وقال تعالى:

(ومَنْ يُشرِكْ باللّهِ فَكَأنَّما خَرَّ منَ السَّماءِ فَتَخْطفُهُ الطَّيرُ اَوْ تَهْوِى بهِ الرِّيحُ في مَكان سَحيق)(الحجّ/31).

فالمعتمد على الحجر، والخشب الذي لا يبصر، ولا يسمع، ولا ينفع، ولايضرّ، كالمعتمد على بيت العنكبوت الذي تخرقه قطرة ماء، وتحرقه شعلة نار وتكسحه هبّة ريح.

2 ـ إنكار الحياة بعد الموت

الإعتقاد بالحياة بعد الموت هو الرصيد الكامل للتديّن، وتطبيق العمل على الشريعة، ولكن العرب كانت تنزعج من نداء الدعوة إلى الإيمان بها، لأنّ الإيمان


1 . السيرة النبويّة لابن هشام ج1 ص79.


(29)

بالحياة المستجدة، يستدعي كبح جماح الشهوات، ووضع السدود والعوائق دون المطامح و المطامع، وأين هذا من نزعة الاُمّة المتطرّفة التي لا تهمّها إلاّ غرائزها الطاغية ورغباتها الجامحة.

وبما أنّ ذكر الموت والحياة بعده يلازمان الحساب والجزاء، لهذا كان العرب يقابلون النبيّ بالسبّ والشتم واتّهامه بالجنون، لأجل إنبائه عن أمر غير مقبول، وحادث غير معقول، قال سبحانه:

(وَقَالَ الَّذينَ كَفرُوا هَلْ ندُلُّكُمْ عَلى رجُل يُنبِّئكُم إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمزَّق إِنَّكُم لَفِي خَلْق جديد * افتَرَى عَلى اللّهِ كذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بل الَّذينَ لا يُؤمِنُونَ بالآخِرَةِ فِي العَذَابِ والضَّلالِ البَعِيدِ)(سبأ/7 ـ 8)

3 ـ عقيدتهم في الملائكة والجنّ

ومن عقائدهم: إنّ الملائكة بنات اللّه سبحانه، وفي الوقت نفسه كانوا يكرهون البنات لأنفسهم، يقول سبحانه:

(اَلِرَبِّكَ البنَاتُ وَلَهمُ البَنُون * اَمْ خلَقْنَا الملاَئكَةَ إنَاثاً وَهُمْ شَاهِدونَ * اَلا إنَّهُمْ منْ اِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَد اللّهُ وإنَّهُمْ لكَاذِبُون * اصْطَفَى البَنَاتِ عَلَى البَنينَ * مَا لَكُم كَيْفَ تَحكُمُونَ)(الصافّات /149 ـ 154).

والآية ترد عليهم وتفنّد عقيدتهم بوجوه:

1 ـ إنّ تصوير الملائكة بناتاً للّه سبحانه يستلزم تفضيلهم عليه سبحانه ـ حسب عيقدتهم ـ لأنّهم يفضلّون البنين على البنات، ويشمئزون منهنّ، ويئدونهنّ، فكيف تجعلون البنات للّه وإليه أشار بقوله سبحانه:

(اَلِرَبِّكَ البَنَاتُ وَلَهُمُ البَنُونَ)؟.

2 ـ إنّهم يقولون شيئاً لم يشاهدوه، فمتى شاهدوا الأُنثويّة للملائكة؟ وإليه


(30)

يشير بقوله: (اَمْ خَلَقْنَا المَلائِكَةَ إناثَاً وَهُمْ شَاهِدُونِ)؟.

3 ـ إنّ توصيف الملائكة بناتاً للّه يستدعي أنّه سبحانه ولدهنّ وهو منزّه عن الإيلاد والاستيلاد، وإليه يشير قوله: (لَيقُولُونَ ولَدَ اللّهُ واِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

ثمّ إنّهم كانوا يتخيّلون وجود نسب بين اللّه والجنّ، والوحي يحكي ذلك على وجه الإجمال قوله سبحانه:

(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبيْنَ الجنَّةِ نَسَباً ولَقدْ عَلِمَتْ الجنَّةُ إنّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)(الصافات/158).

وقد ذكر المفسّرون وجوهاً مختلفة لتبيين ذلك النسب أظهرها بالاعتبار أنّهم قالوا: صاهر اللّه الجنّ فوجدت الملائكة تعالى اللّه عن قولهم.(1)

4 ـ سيادة الخرافات

إنّ الأمّة البعيدة عن تعاليم السماء، وهداية الأنبياء يعيشون غالباً في خِضمِّ الخرافة، ويستسلمون في مجال العقيدة إلى الأساطير والقصص الخرافية، وكذلك كانت الأمّة العربية عصر نزول القرآن ، فقد كانت غارقة في الخرافات والأساطير، وقدجمع «الآلوسي» تقاليدهم الإجتماعية، وطقوسهم الدينيّة في كتابه «بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب» حيث يجد القارئ فيها تلاًَّ من الأوهام والخرافات، وقد ذكر القرآن الكريم نماذج من عقائدهم، ونحن نشير إلى بعض ما وقفنا عليه في القرآن.

أ ـ كانت العرب في عصر حياة النبي قبل البعثة تحكم على بعض الأصناف من الأنعام بأحكام خاصّة تنشأ عن نيّة التكريم وقصد التحرير لها، غير أنّ تلك الأحكام كانت تؤدِّي إلى الإضرار بالحيوان، وتلفه وموته عن جوع وعطش، وقد حكى سبحانه تلك الأحكام عنهم وقال: (مَا جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَة ولا سَائِبَة وَلا وصِيْلة وَلا حِام ولَكنَّ


1 . مجمع البيان ج4 ص46.


(31)

الَّذينَ كَفرُوا يَفتَرُونَ علَى اللّهِ الكَذِبَ وَاكْثرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)(المائدة/103).

والآية تعرب من أنّهم كانوا ينسبون أحكامهم في هذه الحيوانات والأنعام الأربعة إلى اللّه سبحانه، ولأجل ذلك وصف سبحانه تلك النسبة بالإفتراء عليه، وثلاثة منها أعني «البحيرة» و«السائبة» و«الحامي» من الإبل، و الوصيلة من الشاة، وقد اختلف المفسّرون في تفسير هذه الكلمات، ولكن الجميع يشتركون في أنّ الأحكام المترتبة عليها كانت مبنية على تحريرها والعطف عليها، ونحن نذكر تفسيراً واحداً لهذه الكلمات، ومن أراد التبسّط والتوسّع فليرجع إلى كتب التفسير.

1 ـ البحيرة: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكراً، شقُّوا اُذنها شقّاً واسعاً وامتنعوا من ركوبها ونحرها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع عن مرعى، فإذا لقيها المعيي لم يركبها.

2 ـ السائبة: وهي ما كانوا يسيبونه من الإبل، فإذا نذر الرجل للقدوم من السفر أو للبرء من علّة أو ما أشبه ذلك، قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها، ولا تطرد عن ماء ولا تمنع عن مرعى.

3 ـ الحامي: وهو الذكر من الإبل كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره، فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى.

4 ـ الوصيلة: وهي في الغنم، كانت الشاة إذا ولدت اُنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكراً واُنثى، قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم(1).

وقد أشار القرآن إلى أنّ الدافع لإتّباع هذه الأحكام حتّى بعد نزول الوحي هو تقليد الآباء، وقد أشار إليه بقوله: (وَإذا قِيْلَ لَهُمْ تَعَالَوُا إلى مَا أنْزَلَ اللّهُ وَإلى الرَّسولِ


1 . مجمع البيان ج2 ص352، و لم نذكر سائر التفاسير لاشتراك الجميع في أنّ الأحكام كانت مبتنية على تسريحها و إظهار العطف لها.


(32)

قَالُوا حَسبُنَا مَا وجَدنَا عَلَيهِ آباءَنَا أوَلَوْْ كانَ ا باؤُهُمْ لاَ يَعْلَمونَ شَيئاً ولاَيَهْتَدونَ)(المائدة/4).

ثمّ إنّ هذه الأحكام وإن كانت لغاية تسريحها وإظهار العطف عليها لكنّها كانت تؤدّي بالمآل إلى موتها وهلاكها عن جوع وعطش، لأنّ تسريحها في البوادي والصحاري من دون حماية راع ولا رائد كان ينقلب إلى هلاكها.

ب ـ إنّ القرآن الكريم يحكي عن العرب المعاصرين لنزول الوحي خرافة أُخرى في مجال الأطعمة إذ قال سبحانه:

(وَجَعَلُوا للّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَ الاَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَيَصِلُ اِلَى اللّهِ وَ مَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ اِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)(الأنعام/136).

و الآية تحكي من أنّ المشركين كانوا يخرجون من الزرع و المواشي نصيباً للّه ونصيباً للأوثان، فما كان للأصنام لايصل إلى اللّه، وما كان للّه فهو يصل إلى الأصنام.

و قد إختلف المفسّرون في كيفيّة هذا التقسيم الجائر فنذكر تفسيراً واحداً.

قالوا: إنّهم كانوا يزرعون للّه زرعاً، و للأصنام زرعاً، و كان إذا زكى الزرع الذي زرعوه للّه، و لم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام، جعلوا بعضه للأصنام و صرفوه إليها، و يقولون: إنّ اللّه غني، و الأصنام أحوج، و إن زكى الزرع الذي جعلوه للأصنام، و لم يزك الزرع الذي زرعوه للّه، لم يجعلوا منه شيئاً للّه، و قالوا: هو غنيّ، وكانوا يقسّمون النعم فيجعلون بعضه للّه، و بعضه للأصنام، فما كان للّه أطعموه الضيفان، و ما كان للصنم أنفقوه على الصنم(1).

ج ـ و من تقاليدهم: إنّه إذا ولدت الأنعام حيّاً يجعلونه للذكور و يحرمون النساء منه، و إذا ما ولد ميّتاً أشركوا النساء و الرجال، و إليه يشير قوله سبحانه:


1 . مجمع البيان ج2 ص370.


(33)

(وَ قَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَ مُحَرَّمٌ عَلَى اَزْوَاجِنَا وَ اِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ اِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)(الأنعام/139).

و على ضوء الآية فأجنّة البحائر و السيب كانت مختصّة بالرجال إذا ولدت حيّة، و إذا ولدت ميّتةً أكله الرجال و النساء، فما وجه هذا التقسيم غير التفكير الخرافي؟

د ـ كانوا يقسّمون الأنعام إلى طوائف، فطائفة يجعلونها لآلهتهم و أوثانهم، وطائفة يحرّمون الركوب عليها، و هي السائبة و البحيرة و الحامي، و طائفة لايذكرون اسم اللّه عليها.

كل ذلك تقاليد باطلة ردّها الوحي الإلهي بقوله: (وَ قَالُوا هذِهِ اَنْعَامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ لاَيَطْعَمُهَا اِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَ اَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَ اَنْعَامٌ لاَيَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(المائدة/138).

و الحجر بمعنى الحرام و هو ما خصّوه بآلهتهم و لايطعمونه إلاّ من شاؤوا.

هذا بعض ما وقفنا عليه من تقاليد العرب الخرافية الباطلة قبل الإسلام و حين ظهوره ممّا جاء ذكره في القرآن الكريم.

***

5 ـ ثقافة قومه

يصف القرآن الكريم قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل القاطنين في اُمّ القرى و من حولها بالاُمّية و يقول:

(هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الاُمِّيِّينَ رُسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ)(الجمعة/2).

و قال: (... وَ قُلْ لِلَّذِينَ اُوتُوا الكِتَابَ وَ الاُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَاِنْ اَسْلَمُوا


(34)

فَقَدِاهْتَدَوْا...)(آلعمران/20).

و قدبلغت الاُمّيّة عند العرب إلى حد اشتهروا بذلك حتّى وصفهم أهل الكتاب بها كما يحكي عنه سبحانه بقوله:

(... وَ مِنْهُمْ مَنْ اِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَار لاَيُؤَدِّهِ إِلَيْكَ اِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الاُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)(آلعمران/75).

و الاُمّيّون جمع الاُمّي و هو المنسوب إلى الاُم، قال الزجّاج: الاُمّي الذي هو على صفة اُمّة العرب، قال عليه الصلاة و السلام: إنّا اُمّة اُمّيّة لانكتب ولانحسب(1).

فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون و لايقرؤن و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان كذلك، فلهذا السبب وصفه بكونه اُمّيّاً(2).

و قال البيضاوي: الاُمّي من لايكتب و لايقرأ.

قال ابن فارس: الاُمّي في اللّغة، المنسوب إلى ما عليه جبلّة الناس لايكتب فهو في أنّه لايكتب على ما ولد عليه(3).

و الزمخشري يفسّر قوله تعالى: ( وَ مِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الكِتَابَ اِلاَّ أَمَانِىَّ وَاِنْ هُمْ اِلاَّ يَظُنُّونَ)(البقرة/78). بأنّهم لايحسنون الكتاب فيطالعوا التوراة و يتحقّقوا ما فيها.

هذا هو معنى الاُمّي و قدأصفقت عليه أئمّة اللّغة في جميع الأعصار إلى أن جاء الدكتور عبد اللطيف الهندي فزعم للاُمّي معان اُخرى لاتوافق ما اتّفقت عليه أئمّة اللّغة، و سنذكر أراءه الساقطة في معنى «الأُمّي» عند البحث عن أوصاف النبي، و منها أنّه «اُمّي» فانتظر.


1 . ايعاز إلى ما رواه البخاري في صحيحه ج1 ص327 عن النبي أنّه قال: إنّا اُمّة...
2 . مفاتيح الغيب ج4 ص309.
3 . مقاييس اللغة ج1 ص218.


(35)

و العرب في اُمّ القرى و ما حولها كانت اُمّيّة لاتقرأ و لاتكتب، و قدنشأ النبيّ بينهم، و يؤيّد ذلكَ ما ذكره الإمام البلاذري في «فتوح البلدان» حيث أتى بأسماء الذين كانوا عارفين بالقراءة و الكتابة فما تجاوز عن سبعة عشر رجلاً في مكّة، و عن أحد عشر نفراً في يثرب(1).

وعلى ضوء ذلك فالسائد على تلك المنطقة كانت هي الاُمّيّة المطلقة إلاّ من شذّ.

نعم، ما ذكرنا من سيادة الاُمّيّة على العرب لاينافي وجود الحضارة في عرب اليمن حيث كانوا على أحسن ما يكون من المدنيّة، فقدبنوا القصور المشهورة، وشيّدوا الحصون، و كانت لهم مدن عظيمة، قال في كتابه الكريم:

(لَقَدْ كَانَ لِسَبَأ فِى مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جنَّتَانِ عَنْ يَمِين وَ شِمَال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ)(سبأ/15).

و كان لهم ملوك و اقيال دوّخوا البلاد، و استولوا على كثير من أقطار الأرض، و لكن تلك الحضارة زالت و بادت بسيل العرم، قال سبحانه:

(فَاَعْرَضُوا فَاَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَ بَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ اُكُل خَمْط وَ اَثْل وَ شَىْء مِنْ سِدْر قَلِيل * ذلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَ هَلْ نُجَازِى اِلاَّ الكَفُورَ)(سبأ/16و17).

و أمّا بنو عدنان و من جاورهم من عرب اليمن فقد اختلّ أمرهم و تغيّر حالهم بعد أن فرّقهم حادث سيل العرم، فمن ذلك اليوم فشى الجهل بينهم، و قلّ العلم فيهم، و أضاعوا صنائعهم و تشتّتوا في الأطراف و الأكناف، و وقع التنازع و التشاجر بين القبائل، و تكاثرت البغضاء بينهم، فلم يبق عندهم علم منزل، و لاشريعة موروثة من نبي، و لا العلوم كالحساب و الطب، و انحصر عملهم بما سمحت قرائحهم من الشعر و الخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم و أيامهم، أو ما احتاجوا


1 . فتوح البلدان ص457.


(36)

إليه في دنياهم من الأنواء و النجوم و صنع آلات الحرب و غير ذلك.(1)

فالمثقّف عندهم من جادت قريحته بالشعر،أو قدر على إلقاء الخطب والوصايا إرتجالاً،أو من عرف أنساب الناس، أو عرف أخبار الاُمم و بالأخص أيام العرب.

نعم كان عند بعض العرب علم الفراسة و الكهانة و العرافة، و يراد من الأوّل من يستدل بهيئة الإنسان و أشكاله و ألوانه و أقواله على أخلاقه و سجاياه و فضائله ورذائله، و لعلّه إليه يشير قوله سبحانه:

(تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ)(البقرة/273).

(وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القَوْلِ)(محمد/30).

و يراد من الثاني من يتنبّأ بما سيقع من الحوادث في الأرض.

و العرّافة هو قسم من الكهانة، لكنّها تختصّ بالاُمور الماضية و كأنّه يستدل ببعض الحوادث الغابرة على الحوادث القادمة.

هذا هو عرض خاطف عن ثقافة قوم النبي عصر نزول القرآن أتينا به ليكون دليلاً واضحاً على انقطاع شريعة النبي عن تعاليم بيئته وتقاليدها.

والقرآن الكريم يصف ذلك العصر في غير واحد من الآيات بالجاهليّة، يقولسبحانه: (اَفَحُكمَ الجَاهِليَّة يَبغُونَ) (المائدة/50).

ويقول سبحانه: (يظُنُّونَ بِاللّهِ غيرَ الحَقِّ ظَنّ الجَاهِليَّة) (آل عمران/154).

ويقول سبحانه: (وَلاَ تَبرَّجنَ تَبَر ُّجَ الجَاهِليَّة الأُولَى)(الأحزاب /33).

ويقول تعالى: (إِذْ جَعَلَ الَّذينَ كَفَروا فِي قُلُوبِهِمُ الحَميَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِليَّةَ)(الفتح/26).


1 . بلوغ الارب ج3 ص80ـ81، و من أراد أن يقف على ثقافة العرب عامّة، قحطانيهم وعدنانيهم، فليرجع إلى ذلك الكتاب.


(37)

وأغلب المفسّرين يفسّرون الجاهليّة بفساد العقيدة في جانب الدين فقط، ولكنّه تخصيص بلا جهة، فكان القوم يفقدون العلم الناجع كما يفقدون الدين الصحيح.

6 ـ الإنهيار الخلقي

طبيعة العيش في الصحراء تفرض على الإنسان نزاهة خاصّة في الخلق، تصون نفسه عن الإنهيار الخلقي، و لأجل ذلك نرى أنّ الفساد في المناطق المتحضّرة أكثر منها في البدو وسكّان الصحاري.

وقد كان من المترقّب من سكنة أُمّ القرى وما حولها النزاهة عن المجون والفساد، غير أنّ في الآيات القرآنية أخباراً عن شيوع الفساد الخلقي بينهم.

فهذا القرآن الكريم يركّز على النهي عن الفحشاء ظاهره وباطنه، والفحشاء وإن فسّر بما عظم قبحه من الأفعال والأقوال الذميمة ولكنها منصرفة إلى الزنا وكناية عنها، قال سبحانه:

(إلاّ اَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَة مُبيَّنة) (النساء/19).

وقال سبحانه: (وَاللاَّتِى يأْتينَ الفَاحِشةَ مِنْ نسائكُمْ)(النساء/ 15).

وقال سبحانه: (وَلاَ يَخرجْن إلاّ أنْ يأْتينَ بِفَاحِشة مُبَيِّنَة)(الطلاق/1).

وكل هذا يعرف عن شيوع هذا العمل الشنيع المنكر بينهم.

فإنّنا نرى أنّ اللّه سبحانه ينهي عن إتخاذ الخدن ويقول:

(وَأْتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمعَرُوفِ مُحصنَات غَيْرَ مُسافِحَات وَلا مُتَّخِذَاتِ اَخدان...)(النساء/25).

ويقرب منها قوله في سورة المائدة، الآية 5.

و «الأخدان» جمع «خدن» وهو يطلق على الصاحب و الصاحبة بأن يكون


(38)

للمرأة صاحب أو خليل يزني بها سـرّاً ، وهكذا في جانب ا لرجل، فالخدن يطلق على الذكر والأُنثى، وكان الزنا في الجاهلية على قسمين: سرّ وعلانية، عامّ وخاصّ.

فالخاص السري هو أن يكون للمرأة خدن يزني بها سرّاً، ولا تبذل نفسها لكلّ أحد.

والعام الجهري هو المراد بالسفاح كما قال ابن عبّاس وهو البغاء.

وكان البغاء من الإماء وكنّ ينصبن الرايات الحمر لتعرف منازلهن وبيوتهن.

روى ابن عبّاس: إنّ أهل الجاهلية كانوا يحرّمون ما ظهر من الزنا، ويقولون: إنّه لوم، وييستحلّون ما خفي ويقولون: لا بأس به، ولتحريم القسمين يشير قوله سبحانه:

(ولاَ تَقْرَبُوا الفَواحِشَ مَا ظَهر منْهَا ومَا بَطَن)(الأنعام/151)(1).

وممّا يعرب عن رسوخ الإنحلال الخلقي فيهم ما نقله «تميم بن جراشة» وهو ثقفي، قال قدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وفد ثقيف، فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط، فقال: اكتبوا ما بدالكم، ثمّ ائتوني به، فسألناه في كتابه أن يحلّ لنا الربا والزنا، فأبى عليّ (رضي الله عنه) أن يكتب لنا، فسألناه خالد بن سعيد بن العاص، فقال له عليّ: تدري ما تكتب؟ قال: اكتب ما قالوا ورسول اللّه أولى بأمره، فذهبنابالكتاب إلى رسول اللّه، فقال للقارئ إقرأ، فلمّا انتهى إلى الربا، فقال: ضع يدي عليها في الكتاب، فوضع يده، فقال: (يَا ايُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَروا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا...)(البقرة/278). ثمّ محاها، وألقيت عليها السكينة فما راجعناه، فلمّا بلغ الزنا، وضع يده عليها، وقال:


1 . المنار ج5 ص22، و زاد في المصدر قوله: و هذان النوعان معروفان الآن في بلاد الافرنج والبلاد التي تقلّد الافرنج في شرور مدنيّتهم كمصر و والاستانة و بعض بلاد الهند، و يسمّي المصريون الخدن الرفيق، و من هؤلاء الافرنج و المتفرنجون من هم كأهل الجاهلية يستحسنون الزنا السريّ، و يستقبحون الجهري.


(39)

(ولاَ تَقرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً)(الاسراء/32).

ثمّ محاها وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا(1).

وممّا يدل على الإنحلال الخلقي في أمر النساء قوله سبحانه:

(وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ علَى البِغَاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبَتَغَوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيَا...) (النور/33).

فالآية تعرب عن الإنهيار الخلقي الذي كان يعاني منه بعضهم حتّى بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، وقد رووا: إنّ عبد اللّه بن أُبي كان له ستّ جوار كان يكرههنّ على الكسب عن طريق الزنا، فلمّا نزل تحريم الزنا، أتين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكين إليه، فنزلت الآية(2).

7 ـ معاقرة الخمور وإرتياد نواديها

كان الاستهتار بمعاقرة الخمور رائجاً بين العرب منذ زمن بعيد، وقد بلغ شغفهم بها حتّى أنّهم جعلوها أحد الأطيبين مع أنّ النبي الأكرم كان قد حرّم الخمر حتّى قبل هجرته إلى المدينة، ولكنّه لم يتحقّق ما أمر به إلاّ بعد مضي سنوات من هجرته، ونزول آيات مختلفة الاُسلوب متنوّعة البيان وإليك بيان هذا التدرّج:

1 ـ قال سبحانه: (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخيلِ وَالأعنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُُ سَكَراً ورِزْقاً حَسَناً إنّ فِي ذَلكَ لاََيَةً لَقوم يَعْقِلُونَ)(النحل/67) والآية مكّيّة نزلت في ظروف قاسية لا تتحمّل إنذاراً أكثر وأشد من هذا ، ولهذا اكتفى فيه بعد اتّخاذ السكر ضد الرزق الحسن.


1 . اُسد الغابة ج1 ص216 ترجمة تميم بن جراشة.
2 . مجمع البيان ج4 ص141.


(40)

2 ـ قال سبحانه: (يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمرِ والمَيْسرِ قُلْ فِيْهِمَا إثْمٌ كَبيِرٌ وَمَنافِعُ للِنَّاسِ وَإِثمُهُما أكبَرُ مِن نَفعِهمَا) (البقرة/ 219).

فالآية تشير إلى أنّه لو كان هناك لذّة وطرب لشارب الخمر، أو مال للاعب الميسر حيث يفوز به من غير كدّ ولا مشقّة، ولكن إثمهما أكبر من نفعهما.

فلأجل ذلك يجب ترك النفع القليل في مقابل الضرر الكبير، والآية مدنيّة كافية في التحريم، وذلك لأنّها تصرّح بوجود الإثم في الخمر والميسر، وقد حرّم الوحي الإلهي الإثم على وجه القطع واليقين قبل هجرة النبي، قال سبحانه:

(إنّمَا حرَّمَ ربِّيَ الَفواحِشَ مَا ظَهرَ مِنْهَا وَما بَطنَ والإثْمَ وَالبَغْيَ)(الأعراف/33).

وأي بيان أوضح لتحريم الخمر إذا قرنت الآيتان: الواحدة إلى الأُخرى؟ فالآية الأُولى تحقّق الصغرى وهو أنّ الخمر إثم، والآية الثانية تصرّح بالكبرى، وهي أنّ اللّه سبحانه حرّم الإثم، فيستنتج منهما أنّه سبحانه حرم الخمر.

والعجب إنّ القوم (مع أَنَّ الآية الثانية التي تحرّم الإثم على وجه الحتم والبت نزلت بمكّة)، لم يتنزّهوا من هذا العمل المزيل للعقل، والمضاد للكرامة الإنسانية، فكانوا يشربون الخمر في نواديهم حتّى وافاهم الوحي الإلهي بتحريم الصلاة وهم في حال السكر، إذ قال سبحانه:

(يَا أيُّها ا لَّذينَ آمَنُوا لاَ تَقْربُو ا الصّلاة وأنتُم سُكارى حَتَّى تَعْلمُوا مَاتَقولُونَ)(النساء /43).

وهذه الآيات الثلاث التي تعرّفت عليها تلقّاها بعض الصحابة بأنّها ليست بياناً وافياً، فظلّ يترصّد البيان الأوفى حتّى وافى الوحي الإلهي، وقال سبحانه: (اِنَّما الخَمْرُ والمَيسرُ والاَنصَابُ وَالازلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيطانِ فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفلِحونَ * اِنَّمَا يُريدُ الشَّيطانُ اَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الَعداوَةَ وَالبغْضاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسرِ ويَصدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَن الصَّلاةِ فَهَلْ اَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)؟ (المائدة/90 و91).


(41)

ولمّا أخبر النبي عن نزول الوحي وتلا الآيتين إرتفعت أصواتهم بقولهم: اتنهينا. اتنهينا.

وكلّ هذا يعرف عن رسوخ هذه العادة الشنيعة وهذا العمل القبيح في المجتمع العربي آنذاك إلى درجة إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستطع ـ تحت ضغط الظروف ـ أن يقطع مادة ا لفساد منذ هبوطه أرض المدينة دفعة واحدة، بل تدرّج في تحقيق التحريم، وترسيخه في أذهانهم ونفوسهم.

رووا أصحاب السنن والمسانيد أنّه لمّا نزل تحريم الخمر قال عمر: اللّهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً ، فنزلت الآية التي في البقرة: (يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسرِ) قال فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللّهمّ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في سورة النساء: (يَا ايُّها ا لَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَانْتُم سُكَارى) فكان منادي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا اُقيمت الصلاة ينادي ألا يقربنّ الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللّهمّ بيّن لنا بياناً شافياً، فنزلت:(اِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ ا َنْ يُوْقِعَ بَيْنَكُمْ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ فِي الَخمْرِ والمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ ا للّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ اَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).

قال عمر: اتنهينا. اتنهينا(1).

ويظهر ممّا رواه ابن هشام عن بعض أهل العلم: إنّ نهي الرسول عن الخمر كان مشهوراً عندما كان مقيماً بمكّة بين ظهراني قريش، وخرج الأعشى إلى رسول ا للّه يريد الإسلام ومعه قصيدته المعروفة في مدح النبي التي مستهلّها:

الم تغتمض عينـك ليلة أرمـدا *** وبتّ كما بات السليم مسهّدا

وما ذاك من عشق النساء و إنّما *** تناسيت قبل اليوم صحبة مَهددا


1 . سنن أبي داود ج2 ص128،مسند أحمد ج1 ص 153، سنن النسائي ج8 ص187، مستدرك الحاكم ج2 ص278، إلى غير ذلك من المصادر.


(42)

إلى أن قال:

فإيّاك و الميتات لاتقـربنها *** لا تأخذن سهماً حديداً لتفصدا

و لاتقربنَّ حرّة كان سـرها *** عليك حراماً فانكحن أو تأبّدا(1)

فلمّا كان بمكّة أو قريباً منها إعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنّه يريد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) للسلم فقال له: يا أبا بصير إنّه حرّم الزنا، فقال الأعشى واللّه إنّ ذلك لأمر ما لي فيه من ارب، فقال له يا أبا بصير:

فإنّه يحرّم الخمر، فقال الأعشى:

أمّا هذه فو اللّه إنّ في النفس منها لعلالات، ولكنّي منصرف فاتروى منها عامي هذا، ثم آتيه فاُسلم، فانصرف فمات في عامه هذا، ولم يعد إلى رسول اللّه(2).

وببالي إنّه جاء في بعض المصادر أنّه قيل له: إنّه يحرّم الأطيبين والمراد بهما الخمر والزنا، وقد عرفت أنّه مع ما رأى من نور النبوّة ودخل عليه من بصيص الإيمان لم يتحمّل ترك الخمر، فعاد ليتروّى منها، ليعود بعد عام إلى المدينة، ولكن وافاه الأجل قبل أن يسلم.

وهذا مَثل آخر يعرب عن ترسّخ هذه العادة القبيحة في ذلك ا لمجتمع.

8 ـ وأد البنات

أوّل من لطّخ يده بدم البنات البريئات هم العرب الجاهليّون، فقد كانوا يئدون بناتهم لأعذار مختلفة واهية، فتارة يتذرّعون بخشية الإملاق، والاُخرى يتجنّون بحجّة


1 . الأرمد: الذي يشتكي عينيه من الرمد، و السليم: الملدوغ، و المسهّد: الذي منع من النوم، و المهدد ـعلى وزن معللـ: اسم امرأة، و تأبّد: أي تعزّب و ابتعد عن النساء.
2 . السيرة النبوية ج1 ص386.


(43)

الاجتناب عن العار ، وقد حكى سبحانه عقيدة العرب في بناتهم ووأدهنّ في آيات نذكر ما يلي:

(وَإذا بُشِّرَ اَحَدُهُمْ بالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يتَوَارَى مِنَ الَقْومِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بهِ اَيُمْسكُهُ عَلَى هُونِ اَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ اَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)(النحل/58 و59).

والآية تصوّر احساس القوم وإنفعالهم عندما كان أحدهم يبشّر بولادة أُنثى له، فكان يتجهّم وجهه ويتغيّر إلى السواد، ويظهر فيه أثر الحزن والكراهة، والقوم يكرهون الاُنثى مع أنّهم جعلوها للّه سبحانه(1)، ثمّ لم يزل الحزن يتزايد فيمتلئ الشخص غيظاً، وعند ذلك يستخفي من القوم الذي يستخبرونه عمّا ولد له، إستنكافاً منه، وخجلاً ممّا بشّر به من الاُنثى، ثمّ هو ينكر في أمر البنت المولودة له أيحفظها على ذل وهوان، أم يخفيها في التراب، ويدفنها حيّة وهذا هو الوأد (اَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمونَ) أي في قتل البنات البريئات المظلومات.

ثمّ إنّه سبحانه يحارب بشدّة هذا العمل الإجرامي في بعض الآيا ت ويقول:

(وَلاَ تَقْتُلُوا اَوْلادَكُمْ خَشيَةَ اِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقهُمْ واِيَّاكُمْ اِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطَأكَبِيراً)(الإسراء/31).

فاللّه سبحانه هو المتكفّل برزقهم ورزق أولادهم وقتلهم خطأ عظيم عند اللّه.

وقال سبحانه: (وَلاَ تَقْتُلُوا اَوْلادَكُمْ مِنْ اِمْلاق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ واِيَّاهُمْ)(الأنعام/151)

ويؤكّد القرآن على تحريم قتل هذه البنات المظلومات بأنّ المؤودة سيسأل منها يوم القيامة، قال سبحانه : (وإذَا الموْءُوْدَةُ سُئِلَتْ)(التكوير/8).


1 . إشارة إلى قوله سبحانه: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الاُنْثَى * تِلْكَ إِذَاً قِسْمَةٌ ضِيزَى)(النجم/21و22).


(44)

وقد ذكر أصحاب السير بعض الدوافع التي دفعت العرب إلى اتّخاذ مثل هذا الموقف الظالم بشأن تلك البريئات لا يسع المجال لنقلها، ولكن يظهر ممّا نقله صعصعة بن ناجية ـجد الفرزدقـ: إنّ ذلك العمل الإجرامي كان شائعاً ورائجاً في غير و احدة من القبائل آنذاك، وإليك البيان:

إنّ صعصعة بن ناجية بن عقال كان يفدّي ا لمؤودة من القتل، ولمّا أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا رسول اللّه إنّي كنت أعمل عملاً في الجاهلية، أفينبغي ذلك اليوم؟ قال: وما عملك؟ فقال: إنّه حضر ولادة امرأة من العرب بنتاً، فأراد أبوها أن يئدها، قال فقلت له: أتبيعها؟ قال: وهل تبيع العرب أولادها؟ قال: قلت إنّما أشتري حياتها ولا أشتري رقّها، فاشتريتها منه بناقتين عشراوين و جمل، وقد صارت لي سُنَّة في العرب على أن أشتري ما يئدونه بذلك فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا مؤودة وقد أنقذتها.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لك أجره إذ منّ اللّه عليك بالإسلام(1).

وقد ذكر الفرزدق احياء جدّه للمؤودات في كثير من شعره كما قال:

ومنّا الذي منع الوائدات *** وأحيى الوئيد فلم يؤدد(2)

ويعرب عن شيوع هذه العادة الوحشيّة والمروّعة قوله سبحانه:

(وَكَذلَك زُيِّنَ لِكَثِيرِ مِنَ المُشْرِكيِنَ قَتْلَ اَوْلادِهِمْ شُركَاؤهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَليَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِيْنَهُمْ وَلَو شَاءَ اللّه مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفتَرُونَ )(الأنعام /137).

وكذا قوله: (قَدْ خَسِرَ الَّذيِنَ قَتَلُوا اَوْلاَدَهُمْ سَفَهَاً بِغَيْرِ عِلْم وَحرَّمُوا مَا رَزَقهُمُ اللّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهتَديِنَ)(الأنعام/140).


1 . بلوغ الارب ج3 ص44.
2 . المصدر نفسه.


(45)

9ـ أكل الخبائث من الدماء والحشرات

كانت العرب تأكل لحوم الأنعام وغيرها من الحيوانات كالفأر والضب الوزغ، وتأكل من الأنعام ما قتلته بذبح ونحوه، وتأكل الميتة بجميع أقسامها أعني المنخنقة، والموقوذة، والمتردّية والنطيحة، وما أكل السبع، و كانوا يملؤون الأمعاء من الدم و يشوونه و يطعمونه الضيف وكانوا إذا أجدبوا جرحوا إبلهم بالنصال وشربوا ما يسيل منها من الدماء.

هذا ورغم أنّه مضى على ظهور التشريع الإسلامي إلى الآن أربعة عشر قرناً كثيراً من الاُمم غير المسلمة تأكل أصناف الحيوانات حتّى الكلب والهر، بل والديدان والأصداف، وقد إتّخذ الإسلام بين هذا وذاك طريقاً وسطاً، فأباح من اللحوم ما تستطيبه الطباع المعتدلة من بني الإنسان، فحلّل من البهائم الضأن والمعز والبقر والإبل، وكرّه أكل لحوم الفرس والحمار، وحلّل من الطيور غير ذات الجوارح ممّا له حوصلة ودفيف ولا مخلب له، كما حلّل من لحوم البحر بعض أنواع السمك، واشترط في كل واحدمن هذه اللحوم نوعاً من التذكية.

والإمعان في الآية التالية يقودنا إلى أنّ العرب كانت تفقد نظام التغذية، أو كانت تتغذّى من كلّ ما وقعت عليه يدها من اللحوم، كما أنّها كانت تفقد الطريقة الصحيحة لذبح الحيوان، فكانوا يقتلونه بالتعذيب بدل ذبحه، وإليه يشير قوله سبحانه:

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المِيتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخْنزير وَمَا اُهِلَّ لِغَيرِ اللّهِ بهِ وَالُمنخَنِقَةُ وَالموْقُوذَةُ وَالُمتَردِّيةُ وَالنَّطِيْحَةُ وَمَا اَكَلَ السَّبُعُ اِلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ و َمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصبِ وَأَنْ تَستقْسِمُوا بالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) (المائدة/3).

فقد كانوا ينتفعون من الميتة والدم ولحم الخنزير والمذبوح باسم الأصنام والأوثان.

كما كانوا يستفيدون من «المنخنقة» وهي التي تدخل رأسها بين شعبتين من


(46)

شجرة فتختنق فتموت أو تخنق بحبل الصائد، «والموقوذة» وهي التي تضرب حتّى تموت، «والمترديّة» وهي التي تقع من جبل أو مكان عال أو تقع في بئر، «والنطيحة» وهي التي ينطحها غيرها فتموت.

10 ـ التقسيم بالأزلام

كان التقسيم بالأزلام ميسّراً رائجاً بينهم، وكان لهذا العمل صبغة الدين، وقدإختلفوا في تفسيره على قولين:

1 ـ قالوا: المراد طلب قسم الأرزاق بالقداح التي كانوا يتفائلون بها في أسفارهم، وابتداء أُمورهم، وهي سهام كانت في الجاهليّة مكتوب على بعضها: «أمرني ربّي»، وعلى بعضها «نهاني ربّي»، وبعضها غفل لم يكتب عليه شيء، فإذا أرادوا سفراً أو أمراً يهتمّون به، ضربوا على تلك القداح، فإن خرج السهم الذي عليه «أمرني ربّي»، مضى الرجل في حاجته، وإن خرج الذي عليه «نهاني ربّي» لميمض، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعاد.

2 ـ روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين كيفيّة التقسيم بالأزلام بشكل آخر، فقال:

إنّ الأزلام عشرة، سبعة لها انصباء وثلاثة لا انصباء لها، فالتي لها انصباء: الفذ، التوأم، المسبل، النافس، الحلس، الرقيب، المعلى. فالفذ له سهم، والتوأم له سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستّة أسهم، والمعلى له سبعة أسهم.

والتي لا انصباء لها: السفيح والمنيح والوغد.

وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزّئونه أجزاء، ثمّ يجتمعون عليه فيخرجون السهام ، ويدفعونه إلى رجل، وثمن الجزور على من تخرج له « التي لا انصباء لها»


(47)

وهو القمار، فحرّمه اللّه تعالى(1).

والتفسير الثاني أنسب لكون البحث في الآية عن اللحوم المحرّمة.

11 ـ النسي في الأشهر الحرم

لقد شاع في الألسن إنّ العرب لمّا كانوا أصحاب غارات وحروب وكان استمرار الحروب والغارات مانعاً عن إدارة شؤون المعاش، عمدوا إلى تحريم القتال والحرب في الأشهر الأربعة المعروفة بالأشهر الحرم أعني: «رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرّم».

والظاهر من بعض الآيات أنّ التحريم هذا كان مستنداً إلى تشريع سماوي، كما هو المستفاد من قول اللّه تعالى:

(اِنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا اَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ انْفُسَكُمْ) (التوبة/36).

فإنّ قوله (ذلِكَ الدَّينُ القيّم) إشارة إلى أنّه جزء من الدّين ا لقيّم لا من طقوس العرب الجاهلي، و لعلّه كان سنّة من سنن النبي إبراهيم ورثتها عنه العرب.

وعلى كلّ تقدير فقد كان العرب يتدخّلون في هذا التشريع الإلهي فيؤخّرون الحرمة من الشهر الحرام إلى بعض الأشهر غير المحرّمة.

وبعبارة اُخرى كانوا يؤخّرون الحرمة، ولا يبطلونها برفعها من أساسها و أصلها حفاظاً على السنّة الموروثة عن أسلافهم عن النبي إبراهيم (عليه السلام) .

فمثلاً كانوا يؤخّرون تحريم محرّم إلى صفر، فيحرّمون الحرب في صفر


1 . مجمع البيان ج2 ص158 و ما أشبه التقسيم بالأزلام بالعمل المعروف في عصرنا بـ«اليانصيب الوطني».


(48)

ويستحلّونها في محرّم فيمكثون على ذلك زماناً ثمّ يزول التحريم عن صفر ويعود إلى محرّم، وهذا هو المعنى بالنسي (أي التأخير).

وكان الدافع وراء هذا النسي هو انّهم أصحاب حروب وغارات، فكان يشقّ عليهم أن يمتنعوا عن القتال ثلاثة أشهر متوالية وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرّم، ولا يغزون فيها، ولهذا كانوا يؤخّرون تحريم الحرب في محرّم إلى شهر صفر، قال سبحانه:

(اِنّما النَّسِيءُ زيَادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُو عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ)(التوبة/37).

روى أهل السير أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في خطبة حجّة الوداع:

«ألا وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات، ذو القعدة وذو الحجّة ومحرّم ورجب مضربين جمادى وشعبان»(1).

والحديث يعرب عن شكل آخر للنسي غير ما ذكرناه فإنّ ما ذكرناه كان مختصاً بتأخير حكم الحرب من محرّم إلى صفر، ولكن النسي المستفاد من الحديث على وجه آخر وهو انّ المشركين كانوا يحجّون في كل شهر عامين فحجّوا في ذي الحجة عامين، وحجّوا في محرّم عامين، ثمّ حجوا في صفر عامين، وكذا في بقيّة الشهور اللاحقة حتّى إذا وافقت الحجّ التي قبل حجّة الوداع في ذي القعدة ثمّ حجّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في العام القادم حجّة الوداع، فوافقت في ذي الحجة، فعند ذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ألا إنّ الزمان قداستدار كهيئته».


1 . مجمع البيان ج3 ص22.


(49)

12 ـ الربا ذلك الاستغلال الجائر

كان العرب الجاهليّون يرون البيع والربا متماثلين، ويقولون : «إنّما البيع مثل الربا» فيضفون الشرعيّة على الربا كإضفائها على البيع، ولكن شتّان ما بين البيع والربا، فإنّ الثاني ينشر القسوة والخسارة، ويورث البغض والعداوة، ويفسد الأمن والاستقرار، ويهيء النفوس للانتقام بأية وسيلة ممكنة ويدعو إلى الفرقة والاختلاف سواء كان الربا مأخوذاً من قبل الفرد أو مأخوذ من جانب الدولة.

وفي الثاني من المفاسد ما لا يخفى إذ أدنى ما يترتّب عليه تكديس الثروة العامّة، وتراكمها في جانب، وتفشّي الفقر والحرمان في الجانب الآخر، وظهور الهوّة السحيقة بين المعسرين والموسيرين بما لا يسدّه شيء.

ولسنا هنا بصدد بيان هذه المفاسد والمساوئ، لكن الهدف هو الإشارة إلى أنّ الربا كان من دعائم الاقتصاد الجاهلي، والقرآن نزل يوبّخ العرب على ذلك بوجه لا مثيل له، ويقول سبحانه:

(يَا اَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرَّبَا اِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ * فإنْ لَمْتَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ واِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ اَمْوالِكُمْ لاَ تَظلِمُونَ وَلاَتُظْلَمُونَ)(البقرة/278 و279).

ويقول سبحانه: (الَّذينَ يأْكُلُونَ الرِّبا لاَ يَقُومُونَ إلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذي يَتخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلكَ بِانّهُمْ قَالُوا اِنّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)(البقرة/275).

والآية تشبّه آكل الربا بالممسوس المجنون، فكما أنّه لأجل اختلال قوّته المميّزة لا يفرّق بين الحسن والقبح، والنافع والضار، والخير والشر، فهكذا حال المرابي عند أخذ الربا، فلأجل ذلك عاد لا يفرّق بين الربا والبيع، ويقول : «اِنّمَا البَيَعُ مِثْلُ الرِّبَا» مع أنّ الذي تدعو إليه الفطرة وتقوم عليه الحياة الإجتماعية للإنسان، هو أن يعامل بمعاوضة ما عنده من المال الذي يستغني عنه، بما عند غيره من المال الذي يحتاج إليه.


(50)

وأمّا إعطاء المال وأخذ ما يماثله بعينه، مع زيادة فهذا شيء يخالف قضاء الفطرة وأساس المعيشة، فإنّ ذلك يؤدِّي من جانب المرابي إلى إختلاس مال المدين، وتجمّعه عند المرابي وهذا المال لا يزال ينمو ويزيد، ولا ينمو إلاّ من مال الغير، فهو في الانتقاص والانفصال من جانب، وفي الزيادة والانضمام من جانب آخر، ونتيجة ذلك هو ظهور الاختلاف الطبقي الهائل الذي يؤول إلى انقسام المجتمع إلى طبقتين: طبقة ثريّة تملك كل شيء، وطبقة فقيرة تفقد كل شيء، والأُولى تعاني من البطنة، والثانية تتضرر من السغب.

خاتمة المطاف

ونختم البحث بما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره من أنّه قدم أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس ـ وهما من الخزرج ـ وكان بين الأوس والخزرج حرب قد بغوا فيها دهوراً طويلة، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان آخر حرب بينهم يوم بعاث، وكانت الأوس على الخزرج، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكّة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعُتبة بن ربيعة، فنزل عليه فقال له: إنّه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناكم نطلب الحلف عليهم. فقال عتبة: بعدت دارنا عن داركم ولنا شغل لا نتفرّغ لشيء.

قال: وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟

قال له عتبة: خرج فينا رجل يدّعي أنّه «رسول اللّه» سفَّه أحلامَنا وسبَّ آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرّق جماعتنا.

فقال له أسعد: من هو منكم؟

قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطلب من أوسطنا شرفاً وأعظمنا بيتاً.

وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بيينهم: النضير وقريظة وقينقاع، إنّ هذا أوان نبيّ يخرج بمكّة يكون مهجره المدينة لنقتلنّكم به يا معشر العرب.


(51)

فلمّا سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود.

فقال: فأين هو؟ قال: جالس في الحجر وإنّهم لا يخرجون من شعبهم إلاّ في الموسم فلا تسمع منه ولا تكلَّمه فإنّه ساحر يسحرك بكلامه، وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب.

فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر؟ لابدّ أن أطوف بالبيت، فقال له: ضع في أُذنيك القطن.

فدخل أسعد المسجد وقد حشّى اُذنيه من القطن، فطاف بالبيت ورسوله اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم فنظر إليه فجأة.

فلمّا كان الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل منّي أيكون مثل هذا الحديث بمكّة فلا أعرفه حتّى أرجع إلى قومي فأخبرهم، ثمّ أخذ القطن من اُذنيه ورمى به، وقال لرسول اللّه: «أنعم صباحاً» فرفع رسول اللّه رأسه إليه وقال: قد أبدلنا اللّه به ما هو أحسن من هذا، تحيّة أهل الجنّة: السلام عليكم.

فقال أسعد: إنّ عهدي بهذا لقريب، إلى ما تدعو يا محمّد؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إلى شهادة اَن لاَ إلَه إلاّ اللّه وإنّي رسولُ اللّهِ وأدعوكم:

1 ـ أنْ لاَ تُشْركُوا بهِ شيئاً.

2 ـ وبِالوَالِدَينِ إحْسَاناً.

3 ـ وَلاَ تَقْتُلُوا أوْلاََدَكُمْ مِنْ اِمْلاَق نَحْنُ نَرْزقُكُمْ و َاِيّاهُمْ.

4 ـ وَلاَ تَقْربُوا الفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَما بَطَنَ.

5 ـ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّنفسَ ا لَّتي حَرَّمَ ا للّهُ إلاّ بالحَقِّ ذَلِكُمْ وصَّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ.

6 ـ وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاّ بِالَّتي هِيَ أحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ.

7 ـ وَاَوفُوا الكَيْلَ والمِيْزانَ بِالقِسْطِ.


(52)

8 ـ لانُكَلِّف نَفسْاً إلاّ وُسْعَهَا.

9 ـ وَإذا قُلْتُم فَاعْدِلُوا وَلوْ كَانَ ذَا قُرْبى.

10 ـ وَبِعَهْدِ اللّهِ أوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّروُنَ(الأنعام/151و152).

فلمّا سمع أسعد هذا قال: أشهد أنْ لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وإنّك رسول اللّه، يا رسول اللّه بأبي أنت وأُمّي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، بيننا وبين إخواننا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها اللّه بك، فلا أحد أعزّ منك، ومعي رجل من قومي فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن ينعم اللّه لنا أمرنا فيه، واللّه يا رسول اللّه لقد كنّا نسمع من اليهود خبرك، كانوا يبشّروننا بمخرجك ويخبروننا بصفتك وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك، وعندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد للّه الذي سا قني إليك، واللّه ما جئت إلاّ لنطلب الحلف على قومنا، وقد آتانا اللّه بأفضل ممّا أتيت له....(1).

إنّ هذا النص التاريخي يدفعنا إلى القول بأنّ رئيس الخزرج كان قد وقف على داء قومه العيّاء، ودوائه الناجع، وإنّ قومه لن يسعدوا أبداً بالتحالف مع هذا وذاك وشن الغارات وإن انتصروا على الأوس، وإنّما يسعدون إذا رجعوا إلى مكارم الأخلاق، وتحلّوا بفضائلها التي جاءت أُصولها في هاتين الآيتين اللتين تلاهما رسول ا للّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجر إسماعيل.

عرف وافد الخزرج على أنّ مجتمع يثرب ومن والاه قد أشرفوا على الدمار والإنهيار، لأجل أنّهم غارقين في غمرات ا لشرك، ووأد البنات، واقتراف الفواحش، وقتل النفس المحترمة، وأكل مال اليتيم، وبخس الأموال عند الكيل والتوزين، وترك العدل والقسط في القول والعمل، ونقض عهود اللّه إلى غير ذلك من الأعمال السيئة فلا يصلحهم إلاّ إذا خرجوا عن شراك هذه المهالك والموبقات.


1 . أعلام الورى بأعلام الهدى،ص57، و للقصة ذيل جدير بالمطالعة و قدأخذنا منها موضع الحاجة.


(53)

فخرج إلى يثرب ومعه مبعوث من قبل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أعني «مُصعبَ بن عُمير» فبشّر أهل يثرب بما عرف من الحقّ، وصار ذلك تمهيداً لقدوم الرسول الأكرم إلى بلده، بعد ما بعثوا وفوداً إلى مكّة ليتعرّفوا على رسول اللّه ويبايعوه على ما هو مذكور في السيرة والتاريخ.

فنقول: كان هذا هو موطن النبي ودار ولادته وهذه هي ثقافة قومه وحضارة بيئته، وهذه صفاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهذه هي علومهم ومعارفهم، حروبهم وغاراتهم، عطفهم وحنانهم، كل ذلك يعرب عن إنحطاط حضاري، وإنحلال خلقي، كاد أن يؤدي بهم إلى الهلاك والدمار لو لا أن شاء ا للّه حياتهم الجديدة وميلادهم الحديث.

وأين هذا ممّا جاء به القرآن الكريم والسنّة النبويّة من الدعوة إلى التوحيد، ورفض الأصنام والأوثان، وحرمة النفوس، والأعراض والأموال، والدعوة إلى العلم، والقراءة والكتابة، والحث على العدل والقسط في القول والعمل، والتجنّب عن الدعارة والفحشاء، ومعاقرة الخمر والميسر، فلو دلّ ذلك على شيء فإنّما يدل على أنّ ما جاء به من الأُصول لا يمتّ إلى بيئته بصلة.

هذا ما في الذكر الحكيم حول الوضع الإجتماعي والثقافي والعقائدي والعسكري للعرب في العصر الجاهلي وما كانوا عليه من حيرة وضلال، وسقوط وانهيار، فهلمّ معي ندرس وضع العرب الجاهلي عن طريق آخر وهو الإمعان في كلمات الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) الذي عاين الوضع الجاهلي بأُمّ عينيه، فقد قام الإمام في خطبه ورسائله وقصار كلماته ببيان أحوال العرب قبل البعثة، وما كان يسودهم من الوضع المؤسف، وبما أنّ الإمام هو الصادق المصدّق، نقتطف من كلامه في مجال الخطب والرسائل والكلم القصار ما يمتّ إلى الموضوع بصلة، وفي ذلك غنى وكفاية لمن أراد الحقّ:


(54)

أ ـ الفوضويّة العقائديّة

1 ـ «وَأَهْلُ الأَرْضِ يَوْمئِذ مِلَلٌ مُتَفَرِّقةٌ، وَأهْواءٌ مُنتَشِرَةٌ، وَطَرائِقُ مُتَشَتِّتةٌ، بَيْنَ مُشَبِّه للّهِ بِخَلْقِهِ، اَوْ مُلْحِد فِي اسْمِهِ اَوْ مُشِير إلَى غَيْرِه، فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ وَاَنْقَذَهُمْ بِمَكَانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ»(1).

2 ـ «بَعَثَهُ وَ النَّاسُ ضُلاَّلٌ فِى حَيْرَة، وَ حَاطِبُونَ فِى فِتْنَة، قَدِاسْتَهْوَتْهُمُ الأَهْوَاءُ، وَ اسْتَزَلَّتْهُمُ الكِبْرِيَاءُ، وَ اسْتَخَفَّتْهُمُ الجَاهِلِيَّةُ الجَهْلاَءُ، حَيَارَى فِى زَلْزَال مِنَ الأَمْرِ، وَبَلاَء مِنَ الجَهْلِ فَبَالَغَ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِى النَّصِيْحَةِ وَ مَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ وَدَعَا اِلَى الحِكْمَةِ وَ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ»(2).

3 ـ «وَ النَّاسُ فِى فِتَن انْجَزَمَ فِيْهَا حَبْلُ الدِّينِ، وَ تَزَعْزَعَتْ سَوَارِى اليَقِينِ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ، وَ تَشَتَّتَ الأَمْرُ، وَ ضَاقَ المَخْرَجُ، وَ عَمِىَ المَصْدَرُ، فَالهُدَى خَامِلٌ، وَالعَمَى شَامِلٌ، عُصِيَ الرَّحْمنُ، وَ نُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَ خُذِلَ الاِيمَانُ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وَ تَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَ دَرَسَتْ سُبُلُهُ، وَ عَفَتْ شُرُكُهُ. اَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ، بِهِمْ سَارَتْ اَعْلاَمُهُ، وَ قَامَ لِوَاؤُهُ. فِى فِتَن دَاسَتْهُمْ بِاَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بِاَظْلاَفِهَا، وَ قَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا، فَهُمْ فِيْهَا تَائِهُونَ، حَائِرُونَ، جَاهِلُونَ، مَفْتُونُونَ، فِى خَيْرِ دَار وَ شَرِّ جِيْرَان، نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَ كُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بِاَرْض عَالِمِهَا مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُهَا مُكْرَمٌ»(3).

4 ـ «وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، ابْتَعَثَهُ وَ النَّاسُ يَضْرِبُونَ فِى غَمْرَة، وَيَمُوجُونَ فِى حَيْرَة، قَدْقَادَتْهُمْ اَزِمَّةُ الحَيْنِ، وَ اسْتَغْلَقَتْ عَلَى اَفْئِدَتِهِمْ اَقْفَالُ الرَّيْنِ»(4).


1 . نهج البلاغة، الخطبة1.
2 . نهج البلاغة، الخطبة95.
3 . نهج البلاغة، الخطبة2.
4 . نهج البلاغة، الخطبة191.


(55)

5 ـ «ثُمَّ اِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بِالحَقِّ حِيْنَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الاِنْقِطَاعُ، وَ اَقْبَلَ مِنَ الآخِرَةِ الإِطِّلاعُ، وَ اَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ اِشْرَاق، وَ قَامَتْ بِاَهْلِهَا عَلَى سَاق، وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ، وَ اَزِفَ مِنْهَا قِيادٌ، فِى انْقِطَاع مِنْ مُدَّتِهَا، وَاقْتِرَاب مِنْ اَشْرَاطِهَا، وَ تَصَرُّم مِنْ اَهْلِهَا، وَ انْفِصَام مِنْ حَلْقَتِهَا، وَ انْتِشَار مِنْ سَبَبِهَا، وَ عَفَاء مِنْ اَعْلاَمِهَا، وَ تَكَشُّف مِنْ عَوْرَاتِهَا، وَ قِصَر مِنْ طُولِهَا،جَعَلَهُ اللّهُ بَلاَغاً لِرِسَالَتِهِ، وَ كَرَامَةً لاُِمَّتِهِ، وَ رَبِيعاً لاَِهْلِ زَمَانِهِ، وَ رِفْعَةً لاَِعْوَانِهِ، وَ شَرَفاً لاَِنْصَارِهِ»(1).

ب ـ الوضع الإجتماعي في العصر الجاهلي

6 ـ «اَرْسَلَهُ عَلَى حِيْنِ فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ، وَ طُوْلِ هَجْعَة مِنَ الاُمَمِ، وَ اعْتِزَام مِنَ الفِتَنَ وَ انْتِشَار مِنَ الاُمُورِ، وَ تَلَظّ مِنَ الحُرُوبِ، وَ الدُّنْيَا كَاسِفَةُ النٌّورِ، ظَاهِرَةُ الغُرُورِ، عَلَى حِيْنِ اصْفِرَار مِنْ وَرَقِهَا، وَ اِيَاس مِنْ ثَمَرِهَا، وَ اغْوِرَاء مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الهُدَى، وَ ظَهَرَتْ اَعْلاَمُ الرَّدَى، فَهِىَ مُتَجَهِّمَةٌ لاَِهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِى وَجْهِ طَالِبِهِا ثَمَرُهَا الفِتْنَةُ، وَ طَعَامُهَا الجِيْفَةُ، وَ شِعَارُهَا الخَوْفُ، وَ دِثَارُهَا السَّيْفُ، فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللّهِ وَاذْكُرُوا تِيْكَ الَّتِى آبَاؤُكُمْ وَ اِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ»(2).

ج ـ المستوى الثقافي لأهل الجاهلية

7 ـ «وَ لاَتَكُونُوا كَجُفَاةِ الجَاهِلِيَّةِ، لاَ فِى الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ، وَ لاَ عَنِ اللّهِ يَعْقِلُونَ، كَقَيْضِ بَيْض فِى اَدَاح يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً وَ يُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّاً».(3)


1 . نهج البلاغة، الخطبة 198.
2 . نهج البلاغة، الخطبة89.
3 . نهج البلاغة، الخطبة166.


(56)

8 ـ «اَمَّا بَعْدُ فَاِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ لَيْسَ اَحَدٌ مِنَ العَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً، وَ لاَيَدَّعِي نُبُوَّةً، وَ لاَ وَحْياً»(1).

د ـ سيادة الوثنية

9 ـ «فَبَعَثَ اللّهُ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بِالحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ اِلَى عِبَادَتِهِ، وَ مِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ اِلَى طَاعَتِهِ بِقُرْآن قَدْبَيَّنَهُ وَ اَحْكَمَهُ»(2).

10 ـ «بَعَثَهُ حِينَ لاَعَلَمٌ قَائِمٌ، وَ لاَمَنَارٌ سَاطِعٌ، وَ لاَمَنْهَجٌ وَاضِحٌ»(3).

هـ ـ العصبية الجاهليّة

11 ـ «اَضَاءَتْ بِهِ البِلاَدُ بَعْدَ الضَّلاَلَةِ المُظْلِمَةِ، وَ الجَهَالَةِ الغَالِبَةِ، وَ الجَفْوَةِ الجَافِيَةِ، وَ النَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الحَرِيمَ وَ يَسْتَدِلُّونَ الحَكِيمَ، وَ يَحْيَونَ عَلَى فَتْرَة، وَيَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَة»(4).

و ـ مأكلهم و مشربهم

12 ـ «اِنَّ اللّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَ اَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَ اَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِين وَ فِى شَرِّ دَار، مُنْيِخُونَ بَيْنَ حِجَارَة خُشْن، وَ حَيَّات صُمّ، تَشْرَبُونَ الكَدِرَ، وَ تَأْكُلُونَ الجَشِبَ وَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ،


1 . نهج البلاغة، الخطبة104و33.
2 . نهج البلاغة، الخطبة147.
3 . نهج البلاغة، الخطبة196.
4 . نهج البلاغة، الخطبة151.


(57)

وَتَقْطَعُونَ اَرْحَامَكُمْ، الاَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَ الآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ».(1)

ز ـ مكانة المرأة في الجاهلية

13 ـ كلامه في المرأة الجاهلية مخاطباً عسكره قبل لقاء العدوّ بصفّين: «وَلاَتَهِيْجُوا النِّسَاءَ بِأَذىً وَ اِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَ سَبَبْنَ اُمَرَاءَكُمْ، فَاِنَّهُنَ ضَعِيفَاتُ القُوَى وَ الاَنْفُسِ وَ العُقُولِ، اِنْ كْنَّا لَنُؤْمَرُ بِالكَفِّ عَنْهُنَّ وَ إِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ وَ اِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ المَرْأَةَ فِى الجَاهِلِيَّةِ بِالفَهْرِ، أَوِ الهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَ عَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ»(2).

(إِنَّ فِى ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ)


1 . نهج البلاغة، الخطبة26.
2 . نهج البلاغة، الكتاب رقم14 من وصيّته له (عليه السلام) .


(58)


(59)

(3)
ميلاد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
أو
تبلّج النور في الظلام الحالك

إنّ التعرّف على حياة النبي يتوقّف على دراسة مراحل ثلاث تشكّل فصول عمره المبارك وهي:

1 ـ من ولادته إلى بعثته.

2 ـ من بعثته إلى هجرته.

3 ـ من هجرته إلى رحلته.

إنّ أصحاب السير والتواريخ درسوا الفصول الثلاثة على ضوء الروايات والأحاديث التي تلقّوها عن الصحابة والتابعين، ونحن ندرسها على ضوء القرآن الكريم، فنقول:

اتّفق المؤرخون على أنّ النبي الأكرم ولد عام الفيل، وهي السنة الّتي عمد أبرهة إلى تدمير الكعبة وهدمها ولكنّه باء بالفشل وهلك هو وجنوده بأبابيل، كما يحكي عنه قوله سبحانه: (ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل * فجعلهم كعصف مأكول)(الفيل/1 ـ5).

ومن أراد الوقوف على تفصيل القصّة فعليه المراجعة إلى كتب السيرة والتفسير والتاريخ.


(60)

ويظهر ممّا أخرجه مسلم أنّ هذا اليوم يوم مبارك، قال: إنّ أعربياً قال: يارسول اللّه ما تقول في صوم يوم الإثنين؟ فقال: ذلك يوم ولدت فيه، واُنزل عليّ فيه(1).

لم يذكر القرآن ما يرجع إلى المرحلة الاُولى من حياته إلاّ شيئاً قليلاً نشير إليها إجمالاً:

1 ـ عاش يتيماً فآواه سبحانه.

2 ـ كان ضالاًّ فهداه.

3 ـ كان عائلاً فأغناه.

4 ـ كما ذكر أسماءه في غير واحد من السور.

5 ـ جاءت البشارة باسمه «أحمد» في الإنجيل.

6 ـ كان أُمّياً لم يدرس ولم يقرأ ولم يكتب.

7 ـ كان قبل البعثة مؤمناً موحّداً عابداً للّه فقط.

فإليك البحث عن هذه الاُمور واحد بعد آخر:

1 ـ الإيواء بعد اليُتمْ

ولد النبيّ الأكرم من والدين كريمين فوالده عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم.

واتّفقت الإماميّة والزيديّة وجملة من محقّقي السنّة على أنّه كان موحّداً مؤمناً.

ويستدل من صفاته المحمودة، وفضائله المرموقة، والأشعار المأثورة، على


1 . مسند أحمد، ج5 ص297ـ299، و السنن الكبرى للبيهقي ج4 ص293، و صحيح مسلمـ كتاب الصيام باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ج1 ص97.


(61)

أنّه كان على خط التوحيد وعلى دين آبائه، نقل المؤرّخون: إنّ عبد اللّه بن عبدالمطلب أقبل من الشام في عِير لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتّى توفّي ودفن في دار النابغة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك، وليس بين أصحابنا فيه اختلاف(1).

وقد مات (رضي الله عنه) والنبي جنين في بطن أُمّه.

وأمّا والدته فهي «آمنة بنت وهب» خرجت مع النبي وهو ابن خمس أو ستّ سنين ونزلت بالمدينة تزور أخوال جدّه، وهم بنو عدي بن النجار، ومعها أُمُّ أيمن فأقامت عندهم، ولمّا خافت على ولدها من اليهود خرجت من المدينة، فلمّا وصلت إلى الإبواء توفّيت ودفنت فيها(2).

وبذلك ولد النبي يتيماً وعاش يتيماً وإليه يشير قوله سبحانه ويقول:

(اَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى)؟ (الضحى/6).

ولعلّ الحكمة في تولّده ونشوئه يتيماً أحد الأُمور التالية أو جميعها:

أ ـ إنّ هذا الطفل سيلقى عليه في مستقبل حياته قولاً ثقيلاً كما يقول سبحانه:

(ا ِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقيِلاً) (المزمّل/5).

وأيّ قول أثقل من هداية الأُمّة الأُميّة إلى معالم السعادة، ولا يقوم بهذا العبء الثقيل إلاّ الأمثل فالأمثل من الشخصيات التي ملأ روحها الصمود والثبات، ولاتحصل تلك الحالة إلاّ بعد تذوّق مرارة الدهور ومآسي الأيّام حتّى يقع في بوتقة الأحداث ويخرج مؤهّلاً لحمل عبء الرسالة وهداية النّاس، وقد صار كزبر الحديد، عركته المحن، وحنَّكته التجارب.

ب ـ ولد يتيماً ونشأ يتيماً حتّى يقف على الوضع المأساوي السائد على الأيتام


1 . تاريخ الطبري ج1 ص8.
2 . الاتحاف للبشراوي ص144، سيرة زيني دحلان، بهامش السيرة الحلبية ج1 ص57.


(62)

في عامّة الأجيال، ولأجل ذلك يترتّب على قوله: (اَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآَوَى)قوله: (فَاَمّا اليَتِيم فَلاَ تَقْهَرْ).

ج ـ ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «إنّ اللّه عزّ وجلّ أيْتَمَ نَبِيَّه لِئَلاّ يكون لأحد عَلَيْهَ طَاعَة»(1).

وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «لئلاّ يجب عليه حق لمخلوق»(2).

نعم ربّما يفسّر اليتيم في الآية الكريمة بالوحيد كما يقال الدرّة اليتيمة ولكنّه لايناسب قوله: (فَآوَى) كما أنّه لا يناسب مع ما رتّب عليه من عدم قهر اليتيم.

2 ـ الهداية بعد الضلالة

الضلالة ضد الهداية فماذا يراد من الضلالة في الآية؟

هل يراد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في فترة من عمره مضطرب العقائد، منحرف السلوك، ولم يكن على طريق واضح مطمئن ثم هداه اللّه بالأمر الذي أوحى به إليه؟ أو أنّ المراد من الضلالة ، وهو الضلالة الذاتية التي تعمّ كُلّ الموجودات الحيّة من النبات والحيوان والإنسان، لولا هداية اللّه تبارك وتعالى التي اُشير إليها في قوله سبحانه:

(الَّذِي اَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمّ هَدَى)(طه/50). وقال: (وَالَّذِي قَدَّر فَهَدَى)(الأعلى/3).

والنبات بما هو موجود ممكن، ضالّ لايهدي إلى طريق إلاّ بهداية اللّه تبارك وتعالى، وكذلك الحشرات والحيوانات، فالنحل بوحي منه سبحانه يسلك سبيل الكمال، كما أنّ الحيوان بهداية منه سبحانه يقف على طريق الحياة، والإنسان بما


1 . علل الشرايع ج1 ص131.
2 . عيون أخبار الرضا ص210.


(63)

أنّه ممكن ضالّ فاقد للهداية، وإنّما يعرف طرق السعادة بهداية منه سبحانه، وعلى ذلك فالآية تشير إلى الضلالة الذاتية التي هي من لوزام وجود الإنسان الممكن ولايمكن تحديد ذلك بوقت دون وقت، بل الإنسان منذ أن خرج من بطن أُمّه يُولَد ضالاًّ، واللّه سبحانه في الآية المتقدّمة يشير إلى ذاك النوع من الضلالة.

ويؤيّده أنّ مدار البحث في الآيات ما يرجع إلى أيّام طفوليته وصباه فتفسيرها بالضلالة بمعنى الحيرة في العقيدة، وضلال الشعاب التي تتبلور في أيام الشباب وما بعده بعيد عن سياق الآيات ويخالف ما هو المعلوم من حال النبي انّه كان موحّداً مؤمناً منذ طفولته إلى شبابه إلى أن أوحى اللّه إليه سبحانه.

إنّ الضلالة تطلق على معنيين يجمعهما فقد الهداية:

الأول: هيئة نفسانيّة تحيط بالقلب فيكفر باللّه سبحانه، و آياته، وبيّناته، وأنبيائه، ورسله، أو ببعض منها، فالضلالة في الكفّار والمنافقين من هذا القسم، فهم منحرفون في التصوّرات والعقائد، منحرفون في السلوك والأوضاع.

الثاني: فقد الهداية مع كونه لائقاً بها غير أنّه يكون باب الهداية مسدوداً في وجهه كما هو الحال في الأطفال والأحداث فهؤلاء في أوان حياتهم يفقدون الهداية لولا أنّ اللّه سبحانه يريهم الطريق من طرق الفطرة وهداية العقل ثمّ الشرع.

فالنبي كان ضالاًّ بهذا المعنى أي كان يفقد الهداية الذاتية وإنّما هداه اللّه سبحانه منذ أن تعلّقت مشيئته بهدايته، وربّما يذكر مبدأها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض كلماته وقال: «ولقد قرن اللّه من لدن إن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليلاً ونهارا»ً(1).

فوزان قوله تعالى: (فَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى)وزان قوله سبحانه: (الَّذي اَعْطَى كُلّ شَيىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) وقوله: (إنّ الإنْسانَ لَفِي خُسْر إلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا


1 . نهج البلاغة الخطبة 117 (طبع عبده).


(64)

الصَّالحِاتَ) (العصر/2و3).

فليس الخسران في الآية أمراً وجوديّاً مثل الخسران الموجود في الكافر والمنافق فإنّ الخسران فيهما ينقلب إلى أمر وجودي وهيئة ظلمانيّة في النفس والروح، بل المراد هو عدم الهداية الذاتية لغرض إنّ كلّ إنسان ممكن، وكلّ ممكن غير واجد لشيء من صميم ذاته، وإنّما يجد ما يجد من جانبه سبحانه.

نعم، لو عاش وصار شابّاً وكهلاً وأنكر آيات اللّه، ودلائل وجوده، وأنبيائه، ورسله، فعند ذلك يتبدّل الخسران بمعنى فقد الهداية إلى هيئة ظلمانيّة تحدق بالقلب وتظلمه. فالضلالة بالمعنى الأوّل تقارن وجود الإنسان منذ أن يفتح عينه على الحياة، وبالمعنى الثاني تكون مكتسبة.

فتحصل من هذا البحث: إنّ الآية لا تمت بحيرة العقيدة، وضلال الشعاب في فترة من العمر حتّى يستدل بها عليه كونه كافراً قبل البعثة أو في برهة من حياته، ويحقّق هذا المعنى ويثبّته بوضوح إنّ السورة بموضوعها وتعبيرها تعكس لمسة من حنان، ونسمة من رحمة، وطائف من ودّ، وكلّها تسلية وترويج وتطمين للنبي، وإنّه سبحانه قام بأمر حياته وهدايته من أوان يتمه وفقده لأبيه، وهذا يجر إلى القول بأنّه ناظر إلى الهداية أوان الحياة بعد طروء اليتم عليه، وعندئذ فالضلالة تعتبر أمراً عدميّاً لا أمراً وجوديّاً.

3 ـ الإغناء بعد العيلولة

يذكر سبحانه من مننه الكبرى على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّه كان فقيراً فأغناه اللّه تعالى بالكسب.

روى ابن هشام: كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم، فكانت قريش قوماً تجّاراً فلمّا بلغها عن رسول اللّه ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه بعثت


(65)

إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجّار مع غلام لها يقال له «ميسرة»، فقبله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) منها وخرج في مالها ذلك، وخرج معها غلامها «ميسرة» حتّى قدم الشام، ثمّ باع رسول اللّه سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري(1).

ويظهر ممّا رواه أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار، إنّ عمّه أبا طالب هو الذي أرشده إلى هذا الأمر و أنّه قال لابن أخيه: إنّ هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر النّاس، وهي تعطي مالها سائر من يسألها التجارة ويسافرون، فهل لك يا ابن أخي أن تمضي معي إليها، ونسألها أن تعطيك مالاً تتّجر فيه؟ فقال: نعم(2).

وقد صرّح أبو طالب في خطبته خديجة لابن أخيه بأنّه عائل مُقلّ، فقال: هذا محمّد بن عبد اللّه لا يوازن برجل من قريش إلاّ رجّح عليه، ولا يقاس بأحد منهم إلاّ عظم عنه، وإن كان في المال مقلاًّ، فانّ المال ورق حائل، وظلّ زائل(3)، وهذا يعرب وقت الإغناء، وانّه تحقّق بعد الاتّجار بمال خديجة.

فهذه الآيات الثلاث تعرب عن الودّ، والحبّ، والرحمة والإيناس التي عمّ النبي في أوان حياته والكل ظاهر من خلال الآيات الثلاث:

(اَلَمْ يَجِدْكَ يتيماً فآوَى * وَوَجَدكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَ وَجَدَكَ عَائِلاً فَاَغْنَى)

4 ـ تسميته بمحمّد وأحمد

إنّ القرآن الكريم يتفنّن في توصيف النبي وذكره بل في تسميته والإيماء إليه.

فتارة يشير إليه بإحدى الصفات العامّة الشاملة لكل إنسان كما في قوله


1 . السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص199.
2 . بحار الأنوار ج16 ص22.
3 . المصدر نفسه ص6 نقلاً من مناقب ابن شهر آشوب ج1 ص26.


(66)

سبحانه: (فَاَوْحَى إلى عَبْدِهِ مَا اَوْحَى)(النجم/10).

وفي إضافة العبد إلى نفسه إلماع إلى تكريمه وتقرّبه منه.

وأُخرى يخاطبه بالألقاب الخاصّة بأنبيائه ورسله فيقول: (يَا ايُّها النَّبيّ) أو (يَا اَيُّها الرَّسُول).

وثالثة يخصّه بإسميه اللّذين يدعى بهما في الإسلام أعني «محمداً» و«أحمد».

أمّا الأول فقد جاء في مواضع أربعة من القرآن:

1 ـ (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَا اَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلكِن رَسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النَّبيِّينَ)(الأحزاب/40)

2 ـ (وَمَا مُحَمَّدٌ اِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ ا لرُّسُلُ)(آل عمران/144).

(وَالَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ آمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلى مُحمَّد)(محمد/2).

4 ـ (مُحمَّدٌ رَسُولُ ا للّهِ و َالَّذينَ مَعَهُ اَشدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)(الفتح/29).

وأمّا الثاني فقد جاء في موضع واحد حيث يقول سبحانه:

(وَاذْ قَالَ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَني اِسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللّهِ إلَيْكُمْ مُصدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التّوْراةِ و َمُبشِّراً بِرَسُول يأْتِي مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ اَحْمَدُ فَلَمّا جَاءَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)(الصف/6).

وليس الرسول بدعاً من بين الرسل في كونه ذا اسمين، فقد سبقه في ذلك ثلّة من الأنبياء كيوشع بن نون وهو ذو الكفل في القرآن، ويعقوب بن إسحاق وهو إسرائيل، ويونس وهو ذو النون في القرآن، و عيسى وهو المسيح.

ويظهر من الروايات المتضافرة إنّ اسمهُ في السماء أحمد، فقد جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا سألوه انّه لم سمّيت محمداً


(67)

وأحمد و...، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أمّا محمّد فإنّي محمود في الأرض، وأمّا أحمد فإنّي محمود في السماء(1).

والمراد من السماء عالم الوحي ويؤيّده ما دلّت عليه آية الصف من تبشير المسيح بمعنى نبيّ اسمه أحمد.

«أحمد» من أسمائه (صلى الله عليه وآله وسلم)

لا ريب في أنّ أحمد أحد أسمائه المعروفة ولا يتردّد في تسميته به من له تتبّع في سيرته وتاريخ حياته، وهذا أبو طالب شيخ الأباطح يذكره في أشعاره بهذا الإسم.

قال أبو طالب:

أَلا أنّ خير النـاس نفسـاً ووالـداً *** إذا عدّ سادات البريّة أحمد(2)

وقال ابن هشام: ولمّا خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوّذ فيها بحرم مكّة و بمكانه منها، وتودّد أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من أنّه غير مسلّم رسول اللّه ولا تاركه بشيء أبداً حتّى يهلك دونه، ومن تلك القصيدة قوله:

لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد *** وأحببته حبّ الحبيب المواصل

فلا زال في الدّنيا جمالاً لأهلها *** وزيناً لمـن والاه ربّ المشاكـل

فأصبـح فينـا أحمـد فـي أرومة *** تقصّر عنهـا سـورة المتـطاول

وقال «حسان بن ثابت» شاعر عهد الرسالة في رثاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :


1 . علل الشرايع ص53.
2 . ديوان أبي طالب ص13.


(68)

مفجعة قـد سفّها فقد أحمد *** فظلّت لآلاء الرسول تعدد

أطالت وقوفاً تذرف العين جحده *** على طلل القبر الذي فيه أحمد(1)

إلى غير ذلك من القصائد التي طفحت باسمه (صلى الله عليه وآله وسلم) «أحمد» وقد أوعزنا إلى جملة منها في «مفاهيم القرآن»(2).

5 ـ تبشير المسيح بالنبي باسم «أحمد»

أخبر القرآن الكريم بأنّ المسيح يوم بعث إلى بني إسرائيل بشّر بالنبي الخاتم باسمه أحمد وقال:

(وَمُبشِّراً بِرَسُول يأتِي مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ اَحْمدَ...)

ثمّ إنّ رجال الكنائس أمام هذه البشارة على قولين:

تارة يقولون: إنّ المسيح بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد وهذا لا ينطبق على نبي الإسلام، فإنّ اسمه محمّد بنص القرا ن واتّفاق ا لمسلمين.

وأُخرى ينكرون أصل وجود البشارة في الأناجيل، وإنّه لم يرد أيّ تبشير بهذا.

والوجه الأوّل من السقوط والردائة بمرحلة لا يستحقّ الجواب، فقد عرفت أنّ القرآن كما أسماه محمّداً سمّاه أحمد، و أيضاً كما عرفت إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعى منذ نعومة أظفاره بكلا الاسمين وقد أطراه الشعراء وفي مقدّمتهم عمّه البارّ في قصائدهم واسموه بأحمد.(3)

والمهم هو القول الثاني، ولكن إنكاره لجاج وعناد، وهنا نذكر مورداً واحداً:


1 . السيرة النبويّة ج1 ص272.
2 . السيرة النبوية ج2 ص667و 669.
3 . مفاهيم القرآن ج3 ص550ـ556.


(69)

قد وردت هذه البشارة في أبواب إنجيل يوحنّا ونحن ننقلها عن التراجم العربية المطبوعة عام 1821م وسنة 1831م وسنة 1844م في مدينة «لندن» فالباب الرابع عشر من إنجيل يوحنّا يتضمّن العبارات التالية:

1 ـ «إنْ كُنْتُم تُحِبُّونِي فَاحفَظُوا وَصَايَاي»(15) .

2 ـ «واَنَا اَطْلبُ مِنَ الأبِ فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معُكمْ إلى الأبد»(16).

3 ـ «روح ا لحَقّ الَّذي لَنْ يطيق العالم أن يقبله لأنّه ليس يراه ولا يعرفه وأنتم تعرفونه لأنّه مقيم عندكم وهو ثابت فيكم»(17).

4 ـ «والفار قليط، روح القدس، الذي يرسله الأب بإسمي هو يعلّمكم كل شيء وهو يذكّركم كلّما قلته لكم»(26).

5 ـ «والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون»(30).

وفي الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنّا هكذا:

1 ـ «إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب ، روح الحقّ الذي من الأب ينبثق هو يشهد لأجلي»(26).

2 ـ «وأنتم تشهدون لأنّكم معي من الإبتداء»(27).

و في الباب السادس عشر من انجيل يوحنّا جاءت العبارات التالية:

1 ـ «لكنّي أقول لكم الحق انّه خير لكم أن أنطلق لأنّي إن لم أنطلق لم يأتكم الفار قليط فأمّا إن انطلقت أرسلته إليكم»(7).

2 ـ «فاذا جاء ذلك فهو يوبّخ العالم على خطيّة و على برّ و على حكم»(8).

3 ـ «أمّا على الخطية فلأنّهم لم يؤمنوا بي»(9).

4 ـ «و أمّا على البر فلانّي منطلق إلى الأب و لستم تروني بعد»(10).


(70)

5 ـ «و أمّا على الحكم فإنّ اركون(1) هذا العالم قددين»(11).

6 ـ «و إنّ لي كلاماً كثيراً أقوله لكم و لكنّكم لستم تطيقون حمله الآن»(12).

7 ـ «و إذا جاء روح الحق ذاك فهو يعلّمكم جميع الحق لأنّه ليس ينطق من عنده بل يتكلّم بكل ما يسمع و يخبركم بما سيأتي»(13).

8 ـ «و هو يمجّدني لأنّه يأخذ ممّا هو لي و يخبركم»(14).

9 ـ «جميع ما هو للأب فهو لي فمن أجل هذا قلت إنّ ممّا هو لي يأخذ ويخبركم»(15).

قبل تبيين الإستدلال على دلالة هذه الجمل على البشارة بأحمد، نقدّم ذكر أمرين.

1 ـ أجمع المؤرّخون على أنّ الأناجيل الثلاثة غير «متّي» كتبت من أوّل يومها باللّغة اليونانيّة، و أمّا إنجيل متّي فكان عبرياً من أوّل إنشائه، و على هذا فالمسيح بشّر بما بشر ـ في إنجيل يوحنّا ـ باللّغة العبرية، و إنّما نقله إلى اليونانيّة كاتب الإنجيل الرابع يوحنّا و كان عليه التحفّظ على اللفظ الذي تكلّم به المسيح في مورد المبشّر به، لأنّ القاعدة الصحيحة عدم تغيير الاعلام و الإتيان بنصّها الأصلي لاترجمة معناه، و لكن «يوحنّا» لم يراجع هذا الأصل و ترجمه إلى اليونانيّة، فضاع لفظه الأصلي الذي تكلّم به المسيح و بقيت ترجمته، فاللفظ العبراني الذي قاله عيسى (عليه السلام) مفقود، و اللفظ اليوناني الموجود ترجمة.

وفي غبّ ذلك حصل الإختلاف في المراد منه، ثمّ مترجموا العربية عرّبوا اللّفظ اليوناني بـ «فارقليط».

و أمّا اللفظ اليوناني الذي وضعه الكاتب يوحنّا مكان اللفظ العبري، فهو مردّد بين كونه «باراكلي طوس» الذي هو بمعنى المُعزّي و المسلِّي و المعين و الوكيل، أو «بيركلوطوس» الذي هو بمعنى المحمود الذي يرادف أحمد، و لأجل تقارب


1 . و في الترجمة المطبوعة في بيروت «رئيس هذا العالم».


(71)

الكلمتين في الكتابة، و التلفّظ، و السماع، حصل التردّد في المبشّر به، و مفسّروا إنجيل يوحنّا يصرّون على الأوّل، و ادعوا أنّ المراد منه هو روح القدس و انّه نزل على الحواريين في اليوم الخمسين بعد فقد المسيح كما ذكر في كتاب «أعمال الرسل»(1).

و إليك نصّه: «لمّا حضر يوم الخمسين (بعد عروج المسيح أو صلبه على زعمهم) كان الجميع معها بنفس واحدة، و صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة ملأ كل البيت، حيث كانوا جالسين و ظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار، و استقرّت على كل واحد منهم، و امتلأ الجميع من روح القدس وابتدؤا يتكلّمون بالسنة اُخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا».

و لكن القرائن المفيدة للقطع و اليقين تفيد إنّ المراد منه هو الأوّل، و إنّ المسيح بصدد التبشير عن ظهور نبي في مستقبل الأيّام و إليك بيان هذه القرائن:

1 ـ إنّ المسيح قال: «إن كنتم تحبّوني فاحفظوا وصاياي و أنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر».

إنّ هذا الخطاب يناسب أن يكون المبشّر به نبيّاً من الأنبياء، إذ لو كان «فارقليط» عبارة عن الروح النازل يوم الدار لما كان هناك حاجة إلى هذا التأكيد، لأنّ تأثيره في القلوب تأثير تكويني ـ كما عرفت من النّص ـ لايمكن لأحد التخلّف عنه ولايبقى في القلوب معه شك، و هذا بخلاف تأثير النبي فإنّه يؤثّر ببيانه و كلامه في القلوب، و هو يختلف حسب اختلاف طبائع المخالفين و استعدادهم، و لأجل ذلك أُصرّ على الإيمان به في بعض جمله و هو:

«و الآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون به».

و قد عرفت ممّا نقلناه من كتاب أعمال الرسل إنّ تأثير روح القدس كان تأثيراً تكوينيّاً غير خاضع لإرادة الإنسان.


1 . أعمال الرسل، الإصحاح الثاني: الجمل1ـ4.


(72)

2 ـ إنّه وصف المبشّر به بلفظ «آخر» و هذا لايناسب كون المبشّر به روح القدس لعدم تعدّده و اتّحاده بالأب و الابن اتّحاداً حقيقيّاً، فلايقال في حقّه «فارقليط» آخر، بخلاف الأنبياء فإنّهم يجيئون واحداً بعد الآخر في فترة بعد فترة.

3 ـ إنّ المسيح قال: «هو يذكّركم كلّما قلته لكم».

إنّ من البعيد نسيان الحواريين تعاليم المسيح في مدة لاتزيد على خمسين يوماً حتى يذكّرهم روح القدس، و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المراد هو النبي الخاتم الذي ظهر بعد مضي قرون ستّة، و قدلعبت الأهواء بتعاليم الأنبياء و حرّفت الكنائس و الرهبان ما جاء به المسيح (عليه السلام) .

4 ـ إنّ المسيح قال: «هو يشهد لأجلي» فلو كان المراد هو نزول الروح يوم الدار بعد خمسين يوماً كانت هذه الشهادة لغواً لعدم حاجة التلاميذ إلى شهادته لأنّهم كانوا يعرفون المسيح حق المعرفة، و المنكرون للمسيح لم تحضرهم تلك الروح، و هذا بخلاف ما إذا اُريد منه النبي المبشّربه فإنّ نبيّنا شهد للمسيح و صدّقه و نزّهه عن ادعاء الاُلوهيّة كما أبرأ اُمّه من تهمة الزنا، و هذا واضح لمن تدبّر آيات الذكر الحكيم.

5 ـ إنّ المسيح قال: «إن لم أنطلق، لم يأتكم الفارقليط، فأمّا إن انطلقت أرسلته إليكم».

فعلّق مجيئه بذهاب نفسه مع أنّ مجي الروح غير معلّق على ذهاب المسيح بشهادة أنّه نزل على الحواريين في حضور المسيح، لمّا أرسلهم إلى الأطراف و الأكناف فنزوله ليس مشروط بذهابه، فلابد أن يكون المراد منه شخص يكون مجيئه موقوفاً على ذهاب المسيح كما هو الحال في النبي الخاتم لأنّه جاء بعد ذهاب المسيح، و كان مجيئه موقوفاً على ذهابه لأنّ وجود رسولين ذوي شريعتين مستقلّتين في زمان واحد غير جائز، بخلاف ما إذا كان الآخر متبعاً لشريعة الأوّل أو يكون كل من الرسل متبعاً لشريعة واحدة فيجوز في هذه الصورة وجود اثنين أو أكثر في زمان


(73)

واحد و مكان واحد كما ثبت وجودهم بين زمان «الكليم» و «المسيح».

6 ـ قال المسيح: «إنّه يوبّخ العالم».

و هذا لاينطبق إلاّ على نبي الإسلام لأنّه وبّخ العالم من المشركين و اليهود والنصارى توبيخاً لايشك فيه إلاّ معاند متكبّر بخلاف الروح النازل يوم الدار، إذ لميكن هناك وجه للتوبيخ لأنّه لميكن هناك مخالفين للمنهج الصحيح.

7 ـ قال المسيح:

«إنّ لي كلاماً كثيراً أقوله لكم و لكنّكم لستم تطيقون حمله الآن».

هذا يعرب من أنّ فارقليط يأتي بأحكام لم يكونوا يطيقونها زمان تكلّم المسيح، هذا لاينطبق على نزول الروح يوم الدار، لأنّه ما زاد حكماً على أحكام المسيح و أي أمر حصل لهم أزيد من أقواله إلى زمان صعوده؟

نعم بعد نزول هذا الروح أسقطوا جميع أحكام التوراة ما عدا بعض الأحكام العشرة المذكورة في الباب العشرين من سفر الخروج و أحلّوا جميع المحرّمات.

و هذا بخلاف ما إذا اُريد نبي يزيد في شريعته أحكاماً إلى أحكام موروثة من المسيح و يثقل حملها على المكلّفين، ضعفاء الإيمان.

8 ـ إنّ المسيح قال: «لأنّه ليس ينطق من عنده بل يتكلّم بكل ما يسمع ويخبركم بما سيأتي».

هذا يعرب من أنّ فارقليط سيواجه التكذيب فسوف يكذّبه بنو اسرائيل فأراد دعم دعوته و انّه صادق في كل ما يقول و لامجال لمظنّة التكذيب في حق الروح النازل يوم الدار، على أنّ الروح أحد الثلاثة و بوجه نفسه سبحانه، فلامعنى لقوله بل يتكلّم بما يسمع، و هذا بخلاف أن يراد منه نبي من الأنبياء الذين لايتكلّمون إلاّ بوحي منه، قال سبحانه:

(وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * اِنْ هُوَ اِلاَّ وَحْى يُوحَى)(النجم/3و4).


(74)

هذه القرائن و غيرها ممّا يظهر للقاري بعد التدبّر فيما ورد في الإصحاحات الثلاث(الرابع عشر، الخامس عشر، و السادس عشر)، تفيد القطع و اليقين بأن المبشّربه هو نبي لاغير»(1).

و ممّا يؤيد ذلك انّ المراد من «الفارقليط» هو النبي هو ما ذكره مؤرّخوا المسيحيين أنّ بعض الناس قبل ظهور النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إدّعى أنّه هو الفارقليط الموعود قالوا: إنّ «منتنس» المسيحي الذي كان في القرن الثاني من الميلاد و كان مرتاضاً شديداً ادّعى في قرب سنة 177 من الميلاد أنّه هو الفارقليط الموعود الذي وعد بمجيئه عيسى (عليه السلام) و تبعه اُناس كثير و هذا يعرب عن اُنّ المتبادر من الفارقليط في القرون الاُولى المسيحية هو النبي المبشّربه. وعن صاحب«لب التواريخ»: إنّ اليهود المسيحيين من معاصري محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا منتظرين لنبي و كان هذا سبباً لرجوع عدّة من المسيحيين إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي ادّعى انّه هو ذاك المنتظر.

إنجيل «برنابا» و التبشير بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الكتاب الذي جاء به المسيح (عليه السلام) كان كتاباً واحداً و هو عبارة عن هديه و الأحكام التي جاء بها و بشارته بمن يجيء بعده، و إنّما كثرت الأناجيل لأنّ كل من كتب سيرته سمّاه إنجيلاً لاشتماله على ما بشّر و هدى به الناس، و من تلك الأناجيل، إنجيل برنابا و «برنابا» حواري من أنصار المسيح الذين يلقّبهم رجال الكنيسة بالرسل، صحبه بولس زمناً بل هو الذي عرّف التلاميذ ببولس بعد ما اهتدى بولس و رجع إلى اُورشليم و لم يكن من هذا الإنجيل أثر في المجتمع المسيحي حتى عُثِرَ في اُروبا على نسخة منه منذ قرابة ثلاثة قرون و هذا هو الإنجيل الذي حرّم


1 . لاحظ في الوقوف على تلك القرائن و غيرها اظهار الحق ج2 ص283ـ287، و أنيس الاعلام في نصرة الإسلام ج5 ص179ـ239، و لمؤلّف الكتاب الأخير قصّة عجيبة حول الوقوف على مفاد «فار قليط» التي صارت سبباً لاستبصاره، فراجعه.


(75)

قرائته «جلاسيوس الأوّل في أواخر القرن الخامس للميلاد» و هذا الإنجيل يباين الأناجيل الأربعة في النقاط التالية:

1 ـ ينكر الوهية المسيح و كونه ابن اللّه.

2 ـ يعرف الذبيح بأنّه إسماعيل لا إسحاق.

3 ـ و إنّ المسيح المنتظر هو محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) و قد ذكر محمداً باللفظ الصريح في فصول وافية الذيول.

4 ـ إنّ المسيح لم يصلب بل حمل إلى السماء و إنّ الذي صلب إنّما كان «يهوذا» الخائن فجاء مطابقاً للقرآن، قدقام بترجمته من الإنجليزية إلى العربية الدكتور خليل سعادة و قدّم له مقدّمة نافعة و طبع في مطبعة المنار بتقديم السيد محمد رشيد رضا عام 1326هـق.

روى البيهقي: قال أبو زكريا: و لنبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة أسماء في القرآن: محمد، و أحمد، و عبداللّه، و طه، و يس.

قال اللّه عزّ وجلّ في ذكر محمّد: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ...)و قال: (وَ مُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ اَحْمَد...) وقال اللّه عزّ و جلّ في ذكر عبداللّه: (وإنّهلمّا قام عبد اللّه يدعوه)ـ يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الجن ـ (كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً)(الجن/19).

و إنّما كانوا يقعون بعضهم على بعض، كما أنّ اللبد يتّخذ من الصوف، فيوضع بعضه على بعض فيصير لبداً، وقال عزّ وجلّ: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرآنَ لِتَشْقَى)(طه/1و2) و القرآن إنّما نزل على رسول اللّه دون غيره، و قال عزّ و جلّ: (يس)يعني يا إنسان و الإنسان هنا العاقل و هو محمد، إنّك لمن المرسلين.

ثمّ قال: قلت وزاد غيره من أهل العلم، فقال: سمّاه اللّه تعالى في القرآن: رسولاً، نبيّاً، اُمّيّاً. و سمّاه: شاهداً، و مبشّراً، و نذيراً، و داعياً إلى اللّه باذنه،


(76)

وسراجاً منيراً. و سمّاه: رؤوفاً رحيماً. و سمّاه: نذيراً مبيناً. و سمّاه: مذكراً، و جعله رحمة، و نعمة، و هادياً. و سمّاه: عبداً (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيراً(1).

أقول: و المراد من الإسم هنا أعم من الوصف، فإنّ كثيراً منها صفاته ـصلوات اللّه عليهـ لا إسمه بمعنى العلم.

و روى أيضاً بسنده عن محمّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ لي أسماء.

أنا محمد، أنا أحمد، و أنا الماحي الذي يمحو بي الكفر، و أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، و أنا العاقب الذي ليس بعده أحد(2).

قال العلماء: «كثرة الأسماء دالّة على عظم المسمّى و رفعته و ذلك للعناية به وبشأنه و لذلك ترى المسمّيات في كلام العرب أكثرها محاولة و اعتناء».

قال النواوي: و غالب هذه الأسماء التي ذكروها إنّما هي صفات كالعاقب والحاشر، فإطلاق الإسم عليها مجاز، و نقل الغزالي: «الإتّفاق على أنّه لايجوز أن نسمّي رسول اللّه باسم لم يسمّه به أبوه و لاسمّا به نفسه الشريفة» أقرّه الحافظ ابن حجر في «الفتح» على ذلك(3).

قلت: ما ادعاه من الإتّفاق غير ثابت، و المسألة غير معنونة في كلام الكثير فكيف يمكن ادّعاء الاتّفاق عليه، و كلّ صفة تنبثق عن تكريمه و توقيره و كان(صلّى


1 . دلائل النبوّة ج1 ص159ـ160.
2 . دلائل النبوّة ج1 ص152. و أخرجه البخاري كما في التعليقة في كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول اللّه.
3 . دلائل النبوّة ج1 ص155، في التعليقة: إنّ جماعة أفردوا أسماء رسول اللّه بالتصنيف منهم بدر الدين البلقيني، و كانت قصيدته الميميّة بديعة لم ينسج على منوالها ناسج، و رتّب السيوطي أسماءه على حروف المعجم في كتابه «الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة».


(77)

اللّه عليه و آله و سلّم) واجداً لمبدءها فيصحّ توصيفه به.

روى البيهقي عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ اللّه عزّ و جلّ قسّم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً، و ذلك قوله: (وأصحاب اليمين) و (أصحاب الشمال) فأنا من أصحاب اليمين و أنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين ثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله تعالى:(فأصحاب الميمنة) (و السابقون السابقون). فأنا من السابقين، و أنا خير السابقين. ثمّ جعل الأثلاث: قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، و ذلك قول اللّه تعالى: (وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ اَتْقَاكُمْ اِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) و أنا أتقى ولد آدم، و أكرمهم على اللّه و لافخر، ثمّ جعل القبائل بيوتاً، فجعلني في خيرها بيتاً، و ذلك قوله عزّ و جلّ:(اِنَّمَا يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ اَهْلَ البَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) فأنا و أهل بيتي مطهّرون من الذنوب(1).

6 ـ اُمّيّة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

القرآن الكريم يصف النبي في غير واحد من الآيات بالاُمّية و يقول: (اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الاُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِى التَّورَاةِ وَ الإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ اِصْرَهُمْ وَ الأَغْلاَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ...)(الأعراف/157).

فقد وصف سبحانه نبيّه في هذه الآية بخصال عشر و هي أنّه:

1 ـ رسول، 2 ـ نبي، 3 ـ اُمّي، 4 ـ مكتوب اسمه في التوارة والإنجيل، 5ـمنعوت فيهما بأنّه يأمر بالمعروف 6 ـ وينهى عن المنكر، 7 ـ ويحل لهم الطيبات، 8ـ ويحرّم عليهم الخبائث،9ـ ويضع عنهم إصرهم، 10 ـ ويضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم.


1 . دلائل النبوّة ج1 ص170و171.


(78)

ويقول سبحانه أيضاً: (فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسولِهِ النَّبِيّ الاُمّيّ الَّذي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِماتِه وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتدُونَ)(الأعراف/158).

وقد عرفت أنّه سبحانه يصف قوم النبي بالأُمّيين بل العرب جميعاً بهذا الوصف، كما تعرّفت على معنى الأُمّي عند البحث عن ثقافة قوم النبي وحضارتهم، فلا حاجة إلى إعادة البحث عن معنى الاُمّي وذكر نصوص أئمّة اللّغة إنّما المهم في المقام نقد الآراء الشاذة في تفسير الاُمّي وإليك البحث عنها واحداً بعد آخر:

أ ـ الأُمّي منسوب إلى أُمّ القرى

ربّما يقال: إنّ الأُمّي هو المنسوب إلى «أُمّ القرى» وهي علم من أعلام مكّة كما يشير إليه قوله سبحانه:

(وَكَذلكَ أوْحَيْنَا إليْكَ قُرْآناً عرَبِيّاً لتِنْذِرَ أُمَّ ا لقُرى وَمَنْ حَوْلَها)(الشورى/7).

وعلى ذلك فلا يدل على أنّ النبي كان أُمّيّاً بمعنى أنّه لا يقرأ ولا يكتب.

يلاحظ عليه:

أوّلاً: إنّ أُمّ القرى ليست من أعلام مكّة وإنّما هي كلّية لها مصاديق، منها مكّة المكرّمة، يقول سبحانه:

(وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعثَ في أُمِّها رَسُولاً)(القصص/59). أي حتّى يبعث في أُمّ القرى وعاصمتها رسولاً.

قال ابن فارس في المقاييس: «كل مدينة هي ا ُمّ ما حولها من القرى».

ثانياً: لو صحّ كونها من أعلام مكّة، فالصحيح عند النسبة إليها «هو القروي» لا «الأُمّي»(1).


1 . راجع شرح ابن عقيل ج2 ص391 عند البحث عن «ياء» النسب.


(79)

ثالثاً: لو كان المراد من الأُمّي هو المنسوب إلى أُمّ القرى لكان الإتيان به في ثنايا الخصال العشر إقحاماً بلا وجه واقتضاباً بلا جهة، بخلاف ما إذا قلنا بأنّه إيعاز إلى أُمّيّته وعدم قراءته وكتابته ولكن في الوقت نفسه جاء بكتاب عجز كلُّ البلغاء عن معارضته، واخرسّ الفصحاء عن مباراته.

وعلى الجملة انّ توصيف النبي بالأُمّي وقومه بالأُمّيين، إيعاز إلى هذه النكتة، وإنّ هذا النبي خرج من قوم غير قارئين ولا كاتبين ولا متحضّرين كما هو أيضاً غير قارئ ولا كاتب، ومع ذلك أتى بشريعة متقنة وسنن محكمة وكتاب بديع بلا بديل.

ب ـ الأُمّي غير المنتحل لملّة أو كتاب سماوي

وربّما يقال: إنّ الأُمّي هو غير المنتحل لملّة أو كتاب من الكتب السماوية ولو أطلق على العرب أنّهم ا ُمّيون فالمراد أنّهم غير منتحلين لكتاب من الكتب السماوية ويدل على ذلك أنّه سبحانه يجعل أهل الكتاب في مقابل الأُمّيين ويقول:

(وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ والأُمِّيِّينَ ءأسْلَمْتُمْ فَإنْ اَسْلَمُوا فَقَد اهْتَدَوْا وَاِنْ تَوَلَّوْا فإنّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ وَاللّهُ بَصيرٌ بِالِعبادِ) (آل عمران/20).

يلاحظ عليه: إنّ توصيف العرب بالاُميّيين لا لأجل عدم إنتحالهم لملّة أو كتاب سماوي بل لأجل عدم إقتدارهم على القراءة والكتابة، فقد كانت الاُمّية بهذا المعنى سائدة عليهم كما كان التعرّف عليهما هو الغالب على أهل الكتاب، فصحّ لأجل ذلك التقابل بين أهل الكتاب والأُمّيين ويعود معنى الآية: «قل» للطائفتين الأُمّيين غير القارئين والكاتبين وأهل الكتاب الذين لهم اقتدار بهما.

والذي يدل على أنّ هذا هو ملاك التقابل هو أنّه سبحانه يصف بعض أهل الكتاب بالاُميّة ويقول: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إلاّ اَمَانِىَّ واِنْ هُمْ إلاّ يَظُنُّونَ)(البقرة/78).


(80)

فالآية بحكم رجوع الضمير «ومنهم» إلى اليهود تقسّم اليهود إلى طائفتين:

طائفة يعلمون الكتاب لثقافتهم وتمكّنهم من القراءة والكتابة وبالتالي تمكّنهم من التطلّع على التوراة والإستفادة منها.

وطائفة فاقدة للثقافة وغير قادرة على القراءة والكتابة وبالتالي جاهلين بكتابهم الذي نزل بلسانهم والجهل بلغتهم قراءة وكتابة يلازم جهلهم بسائر اللغات غالباً خصوصاً في بيئة اليهود الذين يقدّمون تعليم لغتهم على سائر اللغات.

فلو كان الاُمّي بمعنى غير المنتحل لكتاب ولا ملّة فما معنى تقسيم أهل الكتاب إلى طائفيتن أُمّي وغير أُمّي؟.

ج ـ الاُمّي من لا يعرف المتون السامية

الأُمّي عبارة عمّن لم يعرف المتون العتيقة السامية التي كتبت بها زبر الأوّلين من التوارة والإنجيل وإن كان عالماً بسائر اللغات قادراً بقرائتها وكتابتها يقول سبحانه:

(وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إلاّ اَمَانِىَّ وإنْ هُمْ إلاّ يَظُنُّونَ).

فإنّ قوله: «لا يعلمون الكتاب» جملة تفسيريّة لقوله «أُمّيون» فالأُمّي من لايحسن تلاوة الإنجيل والتوراة.

يلاحظ عليه: إنّ إرادة المعنى المذكور من «الأُمّيّين» في الآية لا يثبت أنّ الأُمّي عبارة عمّن لا يعرف اللّغة السامية بل الأُمّي من لا يعرف القراءة والكتابة وذلك يختلف حسب البيئة والظروف.

ففي العصور التي سادت فيها اللّغة السامية التي بها تكتب الدواوين والرسائل، و عليها لغة دينهم و كتابهم، يكون الاُمّي عبارة عمّن لايعرف تلك اللغة، ـوبحسب الطبع ـ من كان جاهلاً في أمثال تلك الظروف بلغته الواجبة الضرورية،


(81)

يكون جاهلاً لسائر اللغات أيضاً، وعلى ذلك فليس للأُمّي إلاّ معنى واحد وله مصاديق وأفراد حسب الظروف التي تستعمل ا لكلمة فيها، واطلاقه في الآية على من لم يعرف اللغات السامية لا يكون دليلاً على كونه موضوعاً لخصوص هذا المعنى، كما أنّ إطلاق الإنسان وإرادة فرد منه بالقرينة لا يكون دليلاً على كونه موضوعاً لذلك الفرد.

هذا هو خلاصة المقال في وصف الاُمّي الذي جاء توصيف النبي به في الذكر الحكيم وهناك آيات أُخر تثبت ذلك المعنى (اُمّية النبي) قال سبحانه:

(وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلهِ مِنْ كِتاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذاً لاَرتَابَ المُبْطِلونَ)(العنكبوت/48).

فالآية بحكم وقوع النكرة فيها في سياق النفي تفيد شمول السلب وعمومه لتلاوة أي كتاب وممارسة أية كتابة.

ثم إنّه سبحانه علّل هذا السلب بأنّه خير عون لنفي ريب المبطلين وشك المشكّكين إذ لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممارساً للقراءة والكتابة قبل البعثة، لاتّهمه اليهود والنصارى والمشركون بأنّ الشريعة التي جاء بها تلقّاها عن طريق قراءة الصحف وتلاوتها، ولأجل صد هذا الريب وقلع جذور هذا الشك لميُمكّن نبيّه عن تعلّم الكتابة والقراءة حتّى يكون ذا بيّنة قويّة على أنّ شريعته شريعة سماوية.

ومع أنّ النبي ا لأكرم عاش أربعين سنة بلا ممارسة للكتابة والقراءة فقد اتّهمه بعض المعاندين بأنّ قرآنه استنساخ منه لما تملى عليه، قال سبحانه:

(وَقال الّذِينَ كَفَرُوا اِنْ هَذَا ا ِلاّ اِفْكٌ افْتَرَاهُ وَاَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَد جَاءُوا ظُلماً وَزُوراً * وَقَالُوا اَسَاطِيرُ الاوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكَرَةً وَأَصِيلاً)(الفرقان/4و5).

وكان المعاند يبثّ بذر هذا الشك حتّى وافاه الوحي الإلهي بالنقد والرد بقوله


(82)

سبحانه:

(قُلْ لَوْ شَاءَ اللّهُ مَاَ تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ اَدْرأكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيْكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ اَفَلاَ تَعَقِلُونَ)(يونس/16).

ومعنى الآية إنّكم أيّها العرب تحيطون بتاريخ حياتي، فقد لبثت فيكم عمراً يناهز الأربعين فهل رأيتموني أقرأ كتاباً أو أخطّ صحيفة، فكيف ترمونني بالإفك الشائن بأنّه أساطير الأوّلين التي اكتتبتها وافتريتها على اللّه وأعانني على ذلك قوم آخرون؟ فإذا كنتم واقفين على سيرتي وحياتي في الفترة الماضية فاعلموا أنّه منزّل من اللّه سبحانه كما أمر اللّه نبيّه أن يجبهم بقوله:

(قُلْ أنْزَلَهُ الّذى يَعْلَمُ ا لسِّرَّ فِى السَّمواتِ و الأَرْضِ ا ِنّه كَانَ غَفُوراً رَحيِماً)(الفرقان/6)

نعم ربّما يقال بأنّ قوله: (مَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ) لا يدل على أنّ النبي كان أُمّياً بل فيها أنّه لم يكن يكتب الكتاب، وقد لا يكتب الكتاب من يحسنه كما لايكتب من لايحسنه(1).

يلاحظ عليه: إنّ التعليل الوارد في الآية إنّما يصحّ وقوعه علّة لصدر الآية إذا كان النبي غير مستطيع لأن يقرأ ويكتب لا أن يكون عالماً بهما وإن لم يمارسهما، وذلك لأنّ التعليل بصدد إزالة الشك والريب في أنّه كتاب سماوي وليس من صنع النبي ولا يمت إليه بصلة وذلك إنّما يتحقّق إذا كان النبي أُمّياً محضاً غير قادر عليهما لا ما إذا كان عارفاً بهما ولكن تركهما لمصلحة أو لعلّة أُخرى.

***


1 . التبيان في تفسير القرآن ج8 ص216، طبع بيروت. و يظهر من الآلوسي في تفسيره أنّه إعتمد على هذا.


(83)

وضع النبي بعد البعثة

اتّفق المحقّقون من السنّة والشيعة على أنّه كان أُمّياً قبل البعثة لا يحسن الكتابة والقراءة، وأمّا وضعه بعد البعثة و إنّه هل بقي على ما كان عليه قبلها أو تغيّر وضعه وصار عارفاً بالكتابة والقراءة، وعلى فرض ثبوت معرفته بهما فهل مارسهما في بعض الفترات من عمره أو لا؟ فهذه بحوث خارجة عن موضوع بحثنا لأنّ البحث في حياته و سيرته قبل البعثة وما ذكر يرجع إلى سيرته بعدها، ولعلّنا نرجع إلى تلك المسألة في المستقبل.

***

7 ـ إيمان النبي قبل البعثة

لم يشك أحد من أهل التاريخ والسير في أنّ النبي الأكرم كان على خط التوحيد قبل البعثة ويدل عليه مأثورات كثيرة والمسألة إتفاقية بين المسلمين ولاتحتاج إلى اطناب، وقد دلّت الآثار على أنّه كان يكافح الوثنيّة منذ نعومة أظفاره ومن إبّان طفوليته وشبابه.

روى صاحب المنتقى: إنّ النبي لمّا تمّ له ثلاث سنين، قال يوماً لوالدته أي مرضعته «حليمة السعديّة»: ما لي لا أرى أخويّ بالنهار؟ قالت له: يابُنيّ إنّهما يرعيان غنيمات.

قال: فما لي لا أخرج معهما؟

قالت له: أتحبّ ذلك؟

قال :نعم.

قالت حليمة السعدية: فلمّا أصبح محمّد دهّنته وكحّلته و علّقت في عنقه


(84)

خيطاً فيه جزع يماني فنزعه ثمّ قال لأُمّه: «مهلاً يا أُمّاه فإنّ معي من يحفظني»(1).

ونكتفي في المقام بهذا المقدار وقد بسطنا الكلام في ا لمأثورات حول توحيده وإيمانه في محلّه(2).

إنّما المهم تعيين الشريعة التي كان يطبّقها في أعماله الفردية والإجتماعية العبادية وغيرها.

الشريعة التي كان يتعبّدبها قبل البعثة

أمّا الشريعة التي كان يطبقها في أعماله فقد إختلفت الأنظار فيه وانتهت إلى أقوال و إحتمالات:

1 ـ إنّه لم يكن يتعبّد بشريعة من الشرائع وإنّما يكتفي في أعماله الفردية والإجتماعية بما يوحي إليه عقله.

وهذا القول لا يُعرَّج عليه، إذ لم تكن أعماله منحصرة في المستقلاّت العقليّة كالاجتناب عن البغي والظلم والتحنّن على اليتيم، والعطف على المسكين، بل كانت له أعمال عبادية لاتصحّ بدون الركون إلى شريعة لأنّه كان يخرج في شهر رمضان إلى «حراء» فيعتكف فيه وهل يمكن الاعتكاف بدون الاعتماد على شريعة، وقد رويت عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) إنّه حجّ عشرين حجّة مستتراً(3) ولميكن البيع والربا ولا الخل والخمر ولا المذكّى والميتة ولا النكاح والسفاح عنده سواسية، فطبيعة الحال تقتضي أن يكون عارفاً بأحكام عباداته وأفعاله.


1 . المنتقى للكازروني، الباب الثاني من القسم الثاني، ونقله المجلسي في البحار ج15، ص392.
2 . لاحظ «مفاهيم القرآن» ج5 ص 351ـ352.
3 . الوسائل ج8، الباب45 ص87ـ88.


(85)

2 ـ إنّه كان يعمل بشريعة إبراهيم وسننه وطقوسه المعروفة وهذا هو الذي كان السيّد العلاّمة الطباطبائي يستظهره كأحقّ الأقوال بشهادة أنّ أجداد النبي واُسرة البيت الهاشمي وجميع الأحناف في الجزيرة العربية كانوا على دين إبراهيم ولم ينقل أحد من أهل السير تهوّدهم أو تنصّرهم.

ويتوجّه على هذا القول: إنّ لازم ذلك كونه عاملاً بالشريعة المنسوخة فإنّ الشريعتين اللاحقتين كشريعة الكليم و المسيح نسختا تلك الشريعة، إلاّ أن يقال: إنّ سنن إبراهيم (عليه السلام) وطقوسه كانت باقية على ما هي عليها في الشرائع اللاحقة لها، وإنّما انقضت نبوّته، ولكن شريعته كانت باقية في غضون الشرائع اللاحقة، ولأجل ذلك صارت الشريعة الإبراهيمية هي الأساس للشرائع اللاحقة وإنّما زيد عليها في الفترات اللاحقة أحكام وأُصول أُخر جاء بها الكليم، أو المسيح أو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

نعم يبقى على هذا القول إشكال آخر وهو انّه لازم هذا القول أن يكون النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) جزء من أُمّة إبراهيم (عليه السلام) تابعاً له، واقتداء الفاضل بالمفضول غير صحيح عقلاً ولم يخصّ أحد تفضيله على سائر الأنبياء بوقت دون وقت، فيجب أن يكون أفضل في جميع الأوقات فلاحظ وتأمّل.

3 ـ أن يكون تابعاً للشريعة الأخيرة وهي شريعة المسيح، وإمّا شريعة الكليم فلا شك أنّها كا نت منسوخة بالشريعة اللاحقة، ولكن هذا الاحتمال مبني على أن يكون النبي واقفاً بشريعة المسيح ولم يكن له طريق إلاّ مخالطة أهل الكتاب وعلمائهم، وحياته (صلى الله عليه وآله وسلم) لاتنسجم مع هذا الإحتمال، إذ لميتعلّم منهم شيئاً ولم يسألهم.

4 ـ إنّه كان يعمل حسب ما يُلهم ويوحى إليه سواء أكان مطابقاً لشرع من قبله أم مخالفاً، وسواء أكان مطابقاً لما بعث عليه من الشريعة فيما بعد أم لا؟ وهذا هو أظهر الأقوال، ويؤيّد ذلك ما نقل عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال:


(86)

«لَقَدْ قَرَنَ ا للّهُ بِهِ مِنْ لَدُنْ انْ كَانَ فَطيماً اعَظَمَ ملكاً منَ مَلائكتِهِ يَسلُكُ به طَريق المَكَارِم وَمحَاسِن اخلاَقِ العَالمِ ليله ونهاره وَلَقَدْ كنْتُ اَتبَعهُ اتِّباعَ الفَصِيل إثر أُمّه، يَرْفَعُ لِي في كُلِّ يوْم منْ أخْلاَقِهِ علماً فاَراه وَلا يَرَاه غَيرِي».

وعلى ذلك(1) لا جدوى من البحث بعد ما كان العمل على ضوء ما يلهم ويؤيّد ذلك أنّه سبحانه أنعم على المسيح و يحيى بالنبوّة أيام صغرهما قال سبحانه حاكياً عن المسيح:

(قَالَ اِنّى عَبْدُ اللّهِ آتانِىَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً)(مريم/30).

وقال سبحانه مخاطباً يحيى:

(يَا يَحْيَى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّة وآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً)(مريم/12).

ولازم ذلك، إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يُلْهم منذ صباه إلى أن بعثه اللّه سبحانه نبيّاً وهادياً للبشر وليس ذلك أمراً غريباً، وتؤيّد ذلك المأثورات المتضافرات في بدء نزول الوحي عليه فكان له الرؤية الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه ـ وهو التعبّد ـ الليالي ذوات ا لعدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك وقال: «اقرأ»(2).

خاتمة المطاف

نحن مهما جهلنا بشيء فلا يليق بنا الجهل بأنّ النبوّة منصب إلهي لا يتحمّله


1 . نهج البلاغة الخطبة رقم 187 طبعة عبده.
2 . صحيح البخاري ج1 ص3، باب بدء الوحي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و السيرة النبوية ج1 ص234.


(87)

إلاّ الأمثل فالأمثل من الناس، ولا يفاض إلاّ لمن له مقدرة روحيّة عظيمة ولا يتهيّب عندما يتمثّل له رسول الرب وأمين الوحي ويميّز بين وحي الحقّ وكلامه ووسوسة الشياطين وإلقاءاتهم، ومن المعلوم أنّه عب فادح ومسؤولية عظمى، لا يحملها إلاّ من وقع تحت رعاية ا للّه وتربيته، ولا تتحقّق تلك الغاية إلاّ باقتران ملك من ملائكته يرشده إلى معالم الهداية، ويصونه من صباه إلى شبابه إلى كهولته عن كل سوء وخطأ حتّى تستعدّ نفسه لتمثّل أمين الوحي وتحمّل كلامه سبحانه . وهذا ما أشار إليه الإمام أمير المؤمنين في كلامه ا لسابق فلاحظ.


(88)


(89)

(4)
الوحى في القرآن الكريم

لقد تعرّفت على حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة وما ورد حولها من الآيات في القرآن الكريم، وبذلك تمّ بيان ما يرجع إلى الشطر الأوّل من حياته، وتسلسل البحث يدفعنا إلى البحث عن الشطر الثاني من حياته وهو ما يرجع إلى الحوادث التي مرّت عليه بعد البعثة ونزول الوحي عليه قبل هجرته إلى المدينة المنوّرة، وقد أقام بعد أن حباه اللّه بالنبوّة والرسالة قرابة ثلاثة عشر سنة يقود فيها أُمّته إلى الصلاح والفلاح بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن.

ولمّا ضاق عليه الأمر في موطنه الأوّل ودارت عليه الدوائر من قبل أعدائه وأعداء رسالته إضطرّ إلى مغادرة موطنه وألقى رحاله في مهجره أعني المدينة المنورة وبقي فيها زهاء عشر سنين إلى أن اختاره اللّه سبحانه إلى جواره، وبذلك طويت صفحات عمره المشرقة، وبقيت آثارها لامعة في سماء الإنسانيّة مشعلاً للهداية على مرّ العصور والتاريخ، وقد إجتازت مراحل ثلاثة:

1 ـ حياته قبل البعثة.

2 ـ حياته بعد البعثة إلى الهجرة.

3 ـ حياته بعد الهجرة حتى الإرتحال إلى الرفيق الأعلى.

فها نحن في رحاب المرحلة الثانية من مراحل حياته الشريفة وجاءت الحوادث في هذه المرحلة تترى وتقارع شخصيّته الصامدة وقبل أن نخوض في تحليل هذه


(90)

الحوادث حسب التسلسل التاريخي على ضوء ما نستفيده من القرآن الكريم ونستوحيه من خلال آياته; نذكر حادثة نزول الوحي عليه وتكليله بوسام النبوّة التي هي من هبات اللّه تعالى الجسيمة يمنحها لمن يشاء من عباده (اللّهُ اَعَلم حَيْثُ يَجْعل رسالته).

الوحي لغة واصطلاحاً

الوحي في اللّغة هو الإلقاء في خفاء.نصّ على ذلك ابنفارس في المقاييس، ثم إنّ أئمّة اللّغة وإن ذكروا للوحي معان مختلفة لكن الجميع يرجع إلى أصل واحد وهو تعليم الغير بخفاء، قال ابن منظور: الوحي : الإشارة ، والكتابة، والرسالة، والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك يقال وحيت إليه الكلام، والمستفاد من كلماتهم: إنّ الوحي هو الإعلام بخفاء بطريق من الطرق والعنصر المقوّم لمعنى الوحي هو الخفاء، وأمّا غيره كالسرعة على ما في مفردات الراغب فليس بمقوّم لمعنى الوحي كما أَنّ الإشارة و الكتابة و الإلهام إلى القلب كلّها من طرق الوحي و وسائله.

و قد أُستعمل الوحي في القرآن الكريم في موارد مختلفة كلّها مصاديق و موارد لهذا المعنى الجامع و إن شئت قلت من قبيل تطبيق المعنى الكلّي على مصاديقه المختلفة المتنوّعة، و إليك البيان:

1 ـ تقدير الخلقة بالسنن و القوانين:

قال سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى اِلَى السَّمَاءِ وَ هِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَ لِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً اَوْ كَرْهاً قَالَتَا اَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَات فِى يَوْمَيْنِ وَ أَوْحَى فِى كُلِّ


(91)

سَمَاء أَمْرَهَا)(فصّلت/11و12).

فقوله سبحانه: (وَ أَوحَى فِى كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا) يحتمل وجهين:

(الأوّل): أودع في كل سماء السنن و الأنظمة الكونية و قدّر عليها دوامها إلى أجل معيّن. و بما أنّ السماوات تلقّت هذه السنن و النظم بالإشارة في خلقتها استعير في التعبير لفظ الوحي.

(الثاني): إنّ الشعور و الإدراك ساريان في جميع مراتب الوجود من أعلاه كواجبه إلى أدناه كالهيولي في عالم التكوين، و لكن كل حسب درجته و مرتبته، فالسماوات تلقّت ما أوحى إليها سبحانه بخفاء فقامت بامتثاله ما أوحى إليها من الوظائف.

و من هذا القبيل قوله سبحانه: (اِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَ اَخْرَجَتِ الأَرْضُ اَثْقَالَهَا * وَ قَالَ الإِنْسَانُ مَالَهَا * يَوْمَئِذ تُحَدِّثُ اَخْبَارَهَا * بِاَنَّ رَبَّكَ اَوْحَى لَهَا)(الزلزلة/1ـ5).

2 ـ الإدراك و الغريزة:

قال سبحانه: (وَ اَوْحَى رَبُّكَ اِلَى النَّحْلِ اَنِ اتَّخذِى مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً)(النحل/68و69).

فالأعمال المدهشة الخلاّبة للعقول التي تقوم بها النحل في صنع بيوته و القيام بشؤون وظائفها ثم التجوّل بين البساتين، و مص رحيق الأنهار، ثمّ إيداعها في صفائح الشهد، شيء تتعلّمه بإيحاء من اللّه سبحانه و ذلك بإيداع الغرائز الكفيلة بذلك، و بما أنّ تأثّر النحل بها بخفاء و بلا إلتفات من الشعور و الإدراك اُطلق عليه لفظ الوحي.

و يحتمل أيضاً هناك معنى آخر ذكرناه في الوحي إلى السماء.


(92)

3 ـ الإلهام و الإلقاء في القلب:

و قداستعمل الوحي في الإلقاء إلى القلب في موارد في الذكر الحكيم.

منها قوله سبحانه: (وَ أَوْحَيْنَا اِلَى اُمِّ مُوْسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ)(القصص/7).

و منها قوله: (وَ اِذْ اَوْحَيْتُ اِلَى الحَوَارِيِّينَ اَنْ آمَنُوا بِى وَبِرَسُولِى)(المائدة/111).

و منها قوله تعالى في شأن يوسف (عليه السلام) عِندما جعلوه في غيابت الجبّ، قال سبحانه:

(وَ اَوْحَيْنَا اِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِاَمْرِهِمْ هَذَا وَ هُمْ لاَيَشْعُرُونَ)(يوسف/15).

إلى غير ذلك من الموارد.

4 ـ الإشارة:

قال سبحانه: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فَاَوْحَى اِلَيْهِمْ اَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيّاً)(مريم/11).

و بما أنّه استخدم الإشارة في تفهيم مراده فأشبه فعله إلقاء الكلام بخفاء فصار ذلك مصحّحاً لاستعمال لفظ الوحي.

5 ـ الإلقاءات الشيطانيّة:

قال سبحانه: (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكْلِّ نَبِىّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الاِنْسِ وَ الجِنِّ يُوْحِى بَعْضُهُمْ اِلَى بَعْض زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً)(الأنعام/112).

و يعلم وجه استعمال الوحي هنا ممّا ذكرنا فيما سبق.


(93)

6 ـ كلام اللّه المنزّل على نبي من أنبيائه:

قال سبحانه: (كَذَلِكَ يُوْحِى اِلَيْكَ وَ اِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ)(الشورى/3).

وقد عرّف هذا النوع من الوحي بأنّه تعليمه تعالى من اصطفاه من عباده كلّما أراد اطّلاعه على ألوان الهداية و أشكال العلم و لكن بطريقة خفيّة غير معتادة للبشر.

و حصيلة البحث: إنّ للوحي معنى واحداً و له مصاديق متنوّعة و ليست هي بمعان متكثّرة، و إنّ حقيقة الوحي تعليم غيبي لمن اصطفاه سبحانه من عباده، لايشابه الطرق المألوفة بين العباد، وإن أردت المزيد من الإطّلاع فإليك البيان التالي:

قنوان المعرفة الثلاثة:

إنّ أمام الإنسان طرق ثلاثة للوصول إلى مقاصده:

الطريق الأوّل ـ يستفيد منه جموع الناس غالباً ـ بينما يستفيد طائفة خاصّة منهم من الطريق الثاني، و لايستفيد من الطريق الثالث إلاّ أفراد معدودين تكاملت عقولهم و تسامت أرواحهم و هي كالتالي:

1 ـ الطريق الحسّي و التجربي:

و المقصود منه الإدراكات و المعلومات الواردة إلى الذهن عن طريق الحواس الظاهريّة أو بفضل التجربة التي أسّست الحضارة المعاصرة عليها.

2 ـ الطريق التعقّلي النظري:

إنّ المفكّرين يتوصّلون إلى كشف الاُمور الخارجة عن إطار الحسّ و التجربة عن طريق الإستدلال و أعمال النظر و إنهاء المجهولات إلى البديهيات، و قدتوصّل


(94)

البشر بهذا الطريق إلى المسائل الفلسفيّة الكلّية و ما يضاهيها.

3 ـ طريق الإلهام:

و هذا هو الطريق الثالث و هو فوق نطاق الحس و التعقّل. إنّه نوع جديد من المعرفة، و نمط متميّز من إدراك الحقائق ليس محالاً من وجهة نظر العلم، و إن كان يصعب على أصحاب الإتجاه المادي قبوله لكونه طريقاً خارجاً عن إطار الحسّ والتعقّل.

إنّ طريق التعرّف على حقائق الكون ـ في منهج المادّيين و أصحاب النزعة المادّية ـ ينحصر في قناتين لاغير و هما اللّذان سبق ذكرهما في حين إنّ هناك حسب نظر الإلهيين قناة ثالثة أيضاً.

إنّ هذا الطريق الثالث أقوى اُسساً و أوسع آفاقاً عند من يدّعون الرسالة و النبوّة من جانب اللّه سبحانه و إنّ نفوس اُولئك الأشخاص لتبدو أكثر صفاءً و طراوة وزهواً.

كلّما حصل ارتباط بين اللّه سبحانه و فرد من أفراد النوع الإنساني على نحو تلقّي الحقائق من دون توسيط الحواس و أعمال الفكر يسمّى بالإلهام تارة و الإشراق اُخرى و كلّما نتجت من هذا الإرتباط سلسلة تعاليم عامّة يطلق عليها اسم الوحي ويسمّى المتلقّي نبيّاً، و من هنا اعتبر العلماء «الوحي» الطريقة المطمئنّة الوحيدة إلى المعرفة العامّة.

أنواع الوحي و أقسامه:

إنّ النبي تارة يتلقّى الوحي على نحو الإلهام في القلب، و اُخرى يسمع عبارات و كلمات من وراء حجاب كسماع موسى (عليه السلام) كلام اللّه سبحانه في الطور، و ثالثة تنكشف الحقائق له في عالم الرؤيا انكشاف النهار كرؤيا إبراهيم


(95)

الخليل (عليه السلام) ذبح ولده إسماعيل، و قدينزل عليه ملك من جانب اللّه تعالى معه كلامه سبحانه و هو الذي يسمّى بالروح الأمين.

و إلى الطرق الثلاثة: «سوى الرؤيا» اُشير بقوله سبحانه: (وَ مَا كَانَ لِبَشَر اَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ اِلاَّ وَحْياً اَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب) و إلى نزول الملك بقوله: (اَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) و أمّا الرؤيا الصادقة فيكفي في ذلك قوله سبحانه حاكياً عن الخليل (عليه السلام) : (يَا بُنَىَّ إِنِّى اَرَى فِى المَنَامِ أَنِّى اَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَا ذَا تَرَى قَالَ يَا اَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(الصافّات/102).

فلو لم تكن رؤيا الخليل إدراكاً قطعيّاً و اتّضح بها وجه الحقيقة كفلق الصبح لما أخبر ولده بها و لما أجابه الولد بالإمتثال طائعاً. نعم اُشير إلى الملك الحامل لكلام اللّه سبحانه بقوله: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذَرِينَ)(الشعراء/193و194).

إنّ هناك من يحاول أن يفسّر الوحي بالاُصول المادّية و الطرق الحسّية و لهم في ذلك آراء و نظريات يشبه كثيرها بكلام بعض المشركين في تقييم الوحي و القرآن الكريم، و إليك بيان هذه النظريات واحدة تلو الاُخرى.

1 ـ الوحي وليد النبوغ:

و يقولون: يتميّز بين أفراد الإنسان المتحضّر أشخاص يملكون فطرة سليمة، و عقولاً مشرقة تهديهم إلى ما فيه صلاح المجتمع وسعادة الإنسان، فيضعون قوانين فيها مصلحة المجتمع و عمارة الدنيا، و الإنسان المتصدّي لهذه الوظيفة هو النبي، والفكر المترشّح من مكامن عقله و ومضات نبوغه هو الوحي، و القوانين التي يسنّها لصلاح المجتمع هي الدين، و الروح الأمين(جبرئيل) هو نفسه الطاهرة التي تفيض هذه السنن و القوانين إلى مراكز إدراكه، و الكتاب السماوي هو كتابه الذي يتضمّن تلك السنن و القوانين، و الملائكة التي تؤيّده في حلّه و ترحاله هي القوى الطبيعية،


(96)

و الشيطان الذي ينابذه و ينادده هي النفس الأمّارة بالسوء.

أقول: إنّ تفسير النبوّة بالنبوغ و إن صيغ في قالب علمي جديد ليس نظرية جديدة بحدّ ذاتها، فإنّ جذوره تمتد إلى عصر المشركين المعاصرين للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّهم كانوا يحسّون بحالة الإنجذاب للقرآن وبلاغته الخلاّبة فينسبونه إلى الشعر و يصفون قائله بالشاعر، قال سبحانه حاكياً عنهم: (بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا اُرْسِلَ الاَوَّلُونَ)(الأنبياء/5).

و يجيبهم القرآن بقوله: (وَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِى لَهُ إِنْ هُوَ اِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ)(يس/69).

إنّ هذه النظرية إبتنت على إنكار ماوراء الطبيعة فصار الوجود عندهم مساوقاً للمادّة فلم يجدوا منتدحاً عن تفسير الوحي بما جاء في هذه النظرية.

إنّا إذا سبرنا تاريخ المصلحين في العالم نجدهم على فئتين.

فئة تتكلّم باسم الدين الإلهي و تخبر عن اللّه سبحانه و ينسب كل ما يأمر وينهي إلى عالم الغيب و لايرى لنفسه شأناً سوى كونه مبلّغاً لرسالات اللّه و مؤدّيا لبلاغها و إنذارها.

و فئة تتكلّم باسم المصلح الإجتماعي و ينسب كل ما يتفوّه به إلى بنات فكره و عقله، فلو صحّت تلك النظرية لما كان لهذا التقسيم مفهوم صحيح و عندئذ يتساءل: لما ذا نسبت الفئة الاُولى ما جاؤوا به من التعاليم إلى عالم الغيب مع أنّه من ومضات فكرتهم هذا، و من جانب آخر إنّ المصلحين بإسم الأنبياء كانوا رجالاً صادقين و صالحين لم يبدر منهم ما ينافي صدقهم و صلاحهم، و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّهم كانوا يحسّون من صميم ذاتهم بأنّهم مبعوثون من جانبه سبحانه.

إنّ هذه النظرية التي تفسّر الوحي بالنبوغ و توسّم الأنبياء بالنوابغ لم تدرس أحوال النوابغ و العلل و المبادئ التي يرتكز عليها النبوغ حتّى تقف على أنّ أحوال


(97)

الأنبياء على طرف نقيض من أحوال النوابغ، فإنّ أفكار النوابغ تتوقّد و تزدهر تحت لواء المجتمعات الراقية، و تحت ظل الحضارات الإنسانية، و أمّا المجتمعات المتخلّفة فلو كانت تمتلك نوابغاً بالذات لاُخمد فيها ذكاؤهم و بارت فيها فطنتهم.

و أمّا الظروف التي كان يعيش فيها الأنبياء خصوصاً النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كانت على نقيض هذا الجانب، فقد بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) بين قوم يغطّون في سبات التخلّف و الإنحطاط، فكيف يمكن تفسير النبوّة الخاتمة بالنبوغ مع هذا البون الشاسع بين ظروف النوابغ و ظروف خاتم المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) .

أضف إلى ذلك: إنّ النوابغ تسودهم العزلة و الإنزواء مع أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بين الناس يعيش معهم في حياتهم الإجتماعية و إن لميكن على سيرتهم و سلوكهم، فقد قضى عمره في الرعي و التجارة إلى أن بعثه اللّه سبحانه نبيّاً لهداية الاُمّة.

و إنّى للنوابغ الكتاب الذي حارت فيه العقول و خرست الألسن عن النطق بمثله؟ و أين لهم هذه النظم و التشريعات الحيّة النابضة التي تتلائم و تنسجم مع جميع الحضارات الإنسانية، فهي كما وصفها شبلي شمّيل اللبناني المتوفّى عام1335هـق في رسالته إلى صاحب المنار:

إلى السيّد محمد رشيد رضا صاحب(المنار):

أنت تنظر إلى محمّد كنبيّ و تجعله عظيماً، و أنا أنظر إليه كرجل و أجعله أعظم، و نحن و إن كنّا في الاعتقاد على طرفيّ نقيض، فالجامع بيننا العقل الواسع والإخلاص في القول، و ذلك أوثق لنا لعرى المودّة(الحق أولى أن يقال):

دع من محمّد في صدى قرآنه *** ما قد نحاء للحمة الغايات

إنّي وإن أك قد كفرت بدينه *** هل أكفرن بمحكم الآيات؟

أو ما حوت في ناصع الألفاظ من *** حكم روادع للهوى وعظات


(98)

و شرايع لو أنّهم عقلوا بها *** ما قيّدو ا العمران بالعادات؟

نعم المدبّر و الحكيم و إنّه *** ربّ الفصاحة مصطفى الكلمات

رجل الحجى رجل السياسة والدهاء *** بطل حليف النصر في الغارات

ببـلاغة القرآن قد خلـب النهى *** و بسيفه أنحى على الهامات

من دونه الأبطال في كل الورى *** من سابق أو غائب أو آت

2 ـ الوحي ثمرة الأحوال الروحيّة:

هذه النظرية هي التي يعتمد عليها المستشرقون في تحليل نبوّة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) و فسّرها من بينهم«اميل درمنغام»، وخلاصتها:

إنّ الوحي إلهام يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا من الخارج، وذلك إنّ سريرته الطاهرة، وقوّة إيمانه باللّه، والإعتقاد بوجوب عبادته، وترك ما سواها من عبادة وثنيّة وتقاليد وراثيّة موبؤة، يحدث في عقله الباطن، الرؤى والأحوال الروحيّة فيتصوّر ما يعتقد وجوبه، إرشاداً إليه، نازلاً عليه من السماء بدون وساطة، أو يتمثّل له رجل يلقّنه ذلك ،يعتقد انّه ملك من عالم الغيب، وقد يسمعه يقول ذلك ولكنّه إنّما يرى ويسمع ما يعتقده في اليقظة كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند جميع الأنبياء، فكلّما يخبر به النبي انّه كلام القى في روعه، أو ملك ألقاه على سمعه، فهو خبر صادق عنده(1).

نبوّة أو أضغاث أحلام؟!

وممّا يلاحظ على تلك النظرية إنّها ليست بشيء جديد وإن كانت ربّما تنطلي


1 . الوحي المحمدي ص66.


(99)

على السذج من الناس بأنّها نظرية جديدة ذات قيمة علمية.

إنّ الذكر الحكيم يحكي لنا مقالة المشركين في سالف عهدهم في حقّ ا لنبي الأكرم وكتابه حيث كا نوا يحلّلون نبوّته والوحي المنزّل عليه، بأنّها أضغاث أحلام، قال تعالى حاكياً عنهم: (أَضغاث أَحلام) أي أنّ ما يحكيه عن اللّه تبارك وتعالى إنّما هو وحي الأحلام يجري على لسانه، وعلى ذلك فليست تلك النظرية إلاّ تفسير للنبوّة بالجنون الذي هو في مرتبة عالية وشديدة من تجلّي النزعات الخيالية فاستغلّه المستشرقون، واستعرضوه بثوب جديد يوهم السذّج أنّها تحليل علمي بني على أساس علمي رصين، ولكن المساكين غير و اقفين على أنّه نفس النظرية الجاهلية التي جوبه بها النبي حيث قالوا:(يَا اَيُّها الّذى نُزِّل عَليِْه الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ)(الحجر/6).

وقد حكيت هذه التهمة عن لسان المشركين في غير سورة. سبحانك يا رب ما أعظم جناية الإنسان على الصالحين البالغين، ذروة الكمال في العقل والدراية حتى وسمهم هؤلاء المفترون تارة بالخبطة وأُخرى بالمسّ والجنون.


(101)

(5)
بعثته ونزول الوحي إليه

«بَعَثَ اللّه سُبْحانَهُ نَبِيّهُ الأَكْرَمِ عَلَى حِيْنِ فَتَرة مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجعَة مِنَ الاُمَمِ، وَاعْتِزَام مِنَ الفِتَنِ وَانتِشَار مِنَ الأُمُورِ، وَتَلَظِّ مِنَ الحُروبِ، والدُّنْيَا كَاسفَةٌ النُّورِ، ظَاهِرةُ الغُرورِ، عَلى حِيْنِ اصْفِرَارِ مِنْ وَرَقِهَا، وإياس مِنَ ثَمرِهَا، وَاغوِرَار مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ مَنَار الهُدى، وَظَهَرتْ اَعلامُ الرَّدى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَة ٌ لأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبَها، ثَمَرُهَا الفِنتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الجِيْفَةُ، وَشِعارُهَا الخَوْفُ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُ»(1).

بعث على رأس الأربعين من عمره، وبُشّر بالنبوّة والرسالة، وأمّا الشهر الذي بعث فيه، ففيه أقوال وآراء، فالشيعة الإمامية تبعاً لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث في سبع وعشرين من رجب.

روى الكليني عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: لا تدع صيام يوم سبع وعشرين من رجب فإنّه اليوم الذي نزلت فيه النبوّة على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) (2).

وروى أيضاً عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه قال: بعث اللّه عزّ وجلّ محمّداً رحمة للعالمين في سبع وعشرين من رجب(3).

روى المفيد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: في اليوم السابع والعشرين من رحب نزلت النبوّة على رسول اللّه، إلى غير ذلك من الروايات(4).

وأمّا غيرهم فمن قائل بأنّه بعث في سبعة عشر من شهر رمضان أو ثمانية عشر أو أربع وعشرين من هذا الشهر أو في الثاني عشر من ربيع الأوّل.


1 . إقتباس من كلام الإمام أمير المؤمنين في نهج البلاغة الخطبة85، طبعة عبده.
2 . البحار ج18 ص189ـ نقلاً عن الكافي و أمالي ابن الشيخ.
3 . البحار ج18 ص189ـ نقلاً عن الكافي و أمالي ابن الشيخ.
4 . البحار ج18 ص189ـ نقلاً عن الكافي و أمالي ابن الشيخ.


(102)

وبما أنّ أهل البيت أدرى بما في البيت، كيف وهم نجوم الهدى ومصابيح الدجى وأحد الثقلين الذين تركهما رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعده، فيجب علينا الوقوف دون نظرهم ولا نجتازه، نعم دلّ الذكر الحكيم على أنّ القرآن نزل في شهر رمضان قال سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيْهِ ا لقُرآنُ...)(البقرة/185).

وقال سبحانه: (إِنَّا اَنْزَلنَاهُ فِى لَيْلَةِ القَدرِ)(القدر/1).

وقال سبحانه: (اِنَّا اَنْزِلنَاهُ فِى لَيْلَة مُبارَكَة اِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ)(الدخان/3).

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على نزوله في شهر رمضان.

والإستدلال بهذه الآيات على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث في شهر رمضان مبني على إقتران البشارة بالنبوّة، بنزول القرآن وهو بعد غير ثابت، فلو قلنا بالتفكيك وانّه بعث في شهر رجب، وبشّر بالنبوّة فيه، ونزل القرآن في شهر رمضان ، لما كان هناك منافاة بين بعثته في رجب، ونزول القرآن في شهر رمضان.

ويؤيّد ذلك أي عدم اقتران النبوّة بنزول القرآن ما نقله غير واحد عن عائشة: إنّ أوّل ما بدء به رسول اللّه من النبوّة حين أراد اللّه كرامته، الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رؤيا في نومه إلاّ جاءت كفلق الصبح، قالت: وحبّب اللّه تعالى إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحبّ إليه من أن يخلو وحده(1).

لكن الظاهر من ذيل ما روته عائشة أنّ النبوّة كانت مقترنة بنزول الوحي والقرآن الكريم، ولنذكر نص الحديث بتمامه ثمّ نذيّله ببيان بعض الملاحظات حوله.روى البخاري: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه وهو التعبّد في الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى جاء الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: إقرأ . قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ثمّ أرسلني فقال: إقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني


1 . صحيح البخاري ج1 ص3، السيرة النبوية ج1 ص 334.


(103)

فقال: إقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثالثة ثمّ أرسلني، فقال: (إِقْرَأْبِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق * إِقْرَأْ وَ رَبُّكَ الأَكْرَمُ).

و في هذه ال(1)رواية تأمّلات واضحة:

1 ـ ما هو المبرّر لجبرئيل أن يروّع النبي الأعظم، و أن يؤذيه بالعصر إلى حدّ أنّه يظن إنّه الموت؟ يفعل به ذلك و هو يراه عاجزاً عن القيام بما يأمره به، و لايرحمه ولايلين معه.

2 ـ لما ذا يفعل ذلك ثلاث مرات لاأكثر و لاأقل؟

3 ـ لما ذا صدّقه في الثالثة، لا في المرّة الاُولى و لا الثانية مع أنّه يعلم أنّ النبي لايكذب؟

4 ـ هل السند الذي روى به البخاري قابل للإحتجاج مع أنّ فيه الزهري وعروة.

أمّا الزهري فهو الذي عرف بعمالته للحكام، و إرتزاقه من موائدهم، و كان كاتباً لهشام بن عبدالملك و معلّماً لأولاده، و جلس هو و عروة في مسجد المدينة فنالا من علي، فبلغ ذلك السجاد (عليه السلام) حتى وقف عليهما فقال: أمّا أنت ياعروة فإنّ أبي حاكم أباك، فحُكِم لأبي على أبيك، و أمّّا أنت يا زهري فلو كنت أنا وأنت بمكّة لأريتك كن أبيك(2).

أمّا عروة بن الزبير الذي حكم عليه ابن عمر بالنفاق وعدّه الاسكافي من التابعيين الذين يضعون أخباراً قبيحة في عليّ (عليه السلام) (3).

نعم رواه ابن هشام و الطبري في تفسيره و تاريخه(4) بسند آخر ينتهي إلى


1 . صحيح البخاري ج1 ص3.
2 . أي بيت أبيك.
3 . الصحيح من سيرة النبي الأعظم ص223.
4 . السيرة النبوية ج1 ص235، تفسير الطبري ج30 ص162، و تاريخه ج3 ص353.


(104)

أشخاص يستبعد سماعهم الحديث عن نفس الرسول الأكرم و دونك أسماؤهم:

1 ـ عبيدبن عمير، ترجمه ابن الاثير، قال: ذكر البخاري أنّه رأى النبي و ذكر مسلم انّه ولد على عهد النبي و هو معدود من كبار التابعين يروي عن عمر وغيره(1).

2 ـ عبد اللّه بن شداد، ترجمه ابن الأثير و قال: ولد على عهد النبي، روى عن أبيه و عن عمر و عليّ(2).

3 ـ عائشة، زوجة النبي، حيث تفرّدت بنقل هذا الحديث و من المستبعد جداً أن لايحدّث النبي هذا الحديث غيرها مع تلهف غيرها إلى سماع أمثال هذا الحديث.

نعم ورد مضمون الحديث في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) و نقله من أعلام الطائفة ابن شهر آشوب في مناقبه(3) أو المجلسي في بحاره(4).

لكن الكلام في صحّة نسبة التفسير الموجود إلى الإمام العسكري (عليه السلام) و أمّا المناقب فإنّه يورد الأحاديث و التواريخ مرسلة لامسندة، و المجلسي إعتمد على هذه المصادر التي عرفت حالها.

و بذلك يظهر أنّه لا دليل على أنّ البشارة بالنبوّة كانت مقترنة بنزول القرآن، وبذلك ينسجم نزول القرآن في شهر رمضان مع كون البعثة في شهر رجب، نعم أورد العلاّمة الطباطبائي على هذه النظرية بقوله: إذا بعث النبي في اليوم الثاني و العشرين من شهر رجب و بينه و بين شهر رمضان أكثر من ثلاثين يوماً فكيف تخلو البعثة في هذه المدّة من نزول القرآن؟ على أنّ سورة العلق أوّل سورة نزلت على رسول اللّه و أنّها


1 . اُسد الغابة ج3 ص 353.
2 . نفس المصدر ج4 ص183.
3 . مناقب آل أبي طالب ج1 ص40ـ44.
4 . بحار الأنوار ج18 ص196.


(105)

نزلت بمصاحبة البعثة(1).

يلاحظ على ما ذكر:

1 ـ إنّ الوجه الأوّل من كلامه مجرّد استبعاد فأي إشكال في أن يكون النبي قدبشّر بالنبوّة و نزِّل القرآن بعد شهر و بضعة أيام.

2 ـ و أمّا الوجه الثاني فلأنّ الروايات نطقت بأنّها أوّل سورة نزلت و ليس فيها مايدلّ على إقتران نزولها بأوّل عهد البعثة.

سؤال و إجابة:

إذا كان القرآن نازلاً في شهر رمضان فإنّ معناه أنّ مجموعه نزل في هذا الشهر مع أنّه نزل قرابة مدّة ثلاثة و عشرين سنة فكيف التوفيق بين هذين الأمرين؟

و أمّا الإجابة فقد اُجيب عنه بأجوبة نذكرها واحداً تلو الآخر.

الأوّل: إنّ للقرآن نزولين: نزول دفعي و قدعبّر عنه بلفظ الإنزال الدال على الدفعة، و نزول تدريجي و هو الذي يعبّر عنه بالتنزيل. قال سبحانه: (كِتَابٌاُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير)(هود/1) فإنّ هذا الإحكام في مقابل التفصيل، و التفصيل هو جعله فصلاً فصلاً، و قطعة قطعة، و الإحكام كونه على وجه لايتفصّل فيه جزء من جزء و لايتميّز بعض من بعض، لرجوعه إلى معنى واحد، لاأجزاء و لافصول فيه، فعلى ذلك فالقرآن نزل دفعة واحدة على قلب النبي الأعظم، ثم صار ينزل تدريجياً حسب المناسبات و الوقائع و الأحداث(2).

و على ذلك فلا مانع من نزول جميع القرآن في شهر رمضان نزولاً دفعياً، ثمّ نزوله نحو ما في بضعة و عشرين سنة.


1 . تفسير الميزان ج2 ص13.
2 . الميزان ج2 ص14ـ16.


(106)

و يلاحظ عليه: إنّ ما ذكره مبني على الفرق بين «الإنزال» و «التنزيل»، و إنّ الأوّل عبارة عن النزول الدفعي، و الثاني عن النزول التدريجي مع أنّه لادليل عليه، فإنّ الثاني أيضاً استعمل في النزول الدفعي. قال تعالى حاكياً عن المشركين: (وَلَنْنُؤْمِنَ لِرُقِّيِكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ)(الاسراء/93).

و قال تعالى: (وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)(الفرقان/32) فلو كان التنزيل هو النزول التدريجي فلماذا وصفه بقوله: «جملة واحدة...».

الثاني: إنّ القرآن نزل دفعة واحدة إلى البيت المعمور حسب ما نطقت به الروايات الكثيرة ثمّ صار ينزل تدريجياً على الرسول الأعظم.

روى حفص بن غياث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: (شَهْرُ رَمَضَانِ الَّذِى اُنْزِلَ فِيهِ القُرْآن) و إنّما اُنزل في عشرين بين أوّله وآخره، فقال أبو عبداللّه (عليه السلام) «نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ثمّ نزل في طول عشرين سنة».(1)

و لو صحّت الرواية يجب التعبّد بها، و إلاّ فما معنى نزول القرآن الذي هو هدى للناس إلى البيت المعمور و أي صلة بهذا النزول بهداية الناس الذي يتكلّم عنه القرآن و يقول: (شهر رمضان الذي اُنزل فيه القرآن هدى للناس و بيّنات من الهدى والفرقان).

قال الشيخ المفيد:

«الذي ذهب إليه أبو جعفر(2) حديث واحد لايوجب علماً و لاعملاً و نزول


1 . البرهان في تفسير القرآن ج1 ص182، و الدر المنثور ج6 ص 370.
2 . مراده الصدوق، و قد ذهب إلى أنّ القرآن قد نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور ثمّ انزل من البيت المعمور في مدة عشرين سنة.


(107)

القرآن على الأسباب الحادثة حالاً لايدلّ على خلاف ما تضمّنه الحديث، و ذلك انّه قدتضمّن حكم ما حدث، و ذكر ما جرى على وجهه، و ذلك لايكون على الحقيقة إلاّ لحدوثه عند السبب،... الخ.

ثمّ استعرض آيات كثيرة نزلت لحوادث متجددة(1).

الثالث: إنّ القرآن يطلق على الكلّ و الجزء، فمن الممكن أن يكون المراد بنزول القرآن في شهر رمضان هو شروع نزوله في ليلة مباركة و هي ليلة القدر، فكما يصحّ نسبة النزول إليه في شهر رمضان إذا نزل جملة واحدة، تصحّ نسبتة إليه إذا نزل أوّل جزء منه في شهر رمضان و استمرّ نزوله في الأشهر القادمة طيلة حياة النبي.

فيقال: نزل القرآن في شهر رمضان أي بدأ نزوله في هذا الشهر، و له نظائر في العرف، فلو بدأ فيضان الماء في المسيل يقال جرى السيل في يوم كذا و إن استمرّ جريانه و فيضانه عدّة أيام.

و هذا هو الظاهر من صاحب«المنار» حيث يقول: و أمّا معنى إنزال القرآن في رمضان مع أنّ المعروف باليقين أنّ القرآن نزل منجّماً في مدّة البعثة كلّها، فهو انّ إبتداء نزوله كان في رمضان، ذلك في ليلة منه سمّيت ليلة القدر أي الشرف، و الليلة المباركة كما في آيات اُخرى. و هذا المعنى ظاهر لاإشكال فيه، على أنّ لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كلّه و يطلق على بعضه.

الرابع: إنّ جملة القرآن و إن لم تنزل في تلك الليلة، لكن لمّا نزلت سورة الحمد بها و هي تشتمل على جلِّ معارف القرآن، فكأنّ القرآن اُنزل فيه جميعاً فصحّ أن يقال: إنّا اَنزلناه في ليلة القدر.

يلاحظ عليه: إنّه لو كانت سورة الحمد أوّل سورة نزلت على رسول اللّه لكان حق الكلام أن يقال: قل بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمدللّه رب العالمين، أو يقال:


1 . تصحيح الإعتقاد ص58.


(108)

بسم اللّه الرحمن الرحيم، قل: الحمد للّه ربّ العالمين(1).

و هذا يعرب عن أنّ سورة الحمد ليست أوّل سورة نزلت على النبي.

هذه هي الوجوه التي ذكرها المفسّرون المحقّقون و الثالث هو الأقوى.

أوّل ما نزل على رسول اللّه:

ذكر أكثر المفسّرين إنّ أوّل سورة نزلت على رسول اللّه هي سورة العلق، و تدل عليه روايات أئمّة أهل البيت. روى الكليني عن الصادق (عليه السلام) قال:أوّل مانزل على رسول اللّه (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ...) و آخر سورة هو قوله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ و َالفَتْحُ...)ومثله عن الإمام الرضا (عليه السلام) (2).

و لعلّ المراد نزول آيات خمس من أوّلها لاجميع السورة.

لأنّ قوله سبحانه في نفس تلك السورة: (اَرَأَيْتَ الَّذِى يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى...)لايناسب أن تكون أوّل ما نزل، بل هو حاك عن وجود تشريع للصلاة، ووجود من يقيمها حتّى واجه نهي بعض المشركين و هذا لايتّفق مع كونه أوّل ما نزل.

أساطير و خرافات

دلّت الأدلة العقلية و الآيات القرآنية على أنّ الأنبياء مصونون عن الخطأ والإشتباه في تلقّي الوحي أوّلاً، و ضبطه ثانياً، و إبلاغه ثالثاً و انّهم لايشكّون فيما يلقى في روعهم من أنّه ربّ العالمين و أنّ ما يعاينونه رسول إله العالمين، و الكلام كلامه، لايشكّون في ذلك طرفة عين و لايتردّدون بل يتلقّونه بنفس مطمئنة.


1 . الميزان ج2 ص21ـ22.
2 . البرهان في تفسير القرآن ج1 المقدّمة الباب الخامس عشر ص29، و تاريخ القرآن للزنجاني ص30.


(109)

هذا هو القرآن الكريم يذكر كيفيّة بدء نزول الوحي إلى موسى و إنّه تلقّاه بلاتردّد و لاتريّث. بذكره في سور مختلفة:

يقول: (فَلَمَّا اَتَاهَا نُودِىَ يَا مُوسَى * اِنِّى اَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ اِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوىً * وَ اَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوْحَى * إِنَّنِى اَنَا اللّهُ لاَ اِلَهَ اِلاَّ اَنَا فَاعْبُدْنِى وَاَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِى * اِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ اَكَادُ اُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا تَسْعَى * ... اذْهَبْ اِلَى فِرْعَونَ اِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى * و يَسِّرْلِى أَمْرِى * وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِى * يَفْقَهُوا قَوْلِى * وَ اجْعَلْ لِى وَزِيراً مِنْ اَهْلِى * هَارُونَ اَخِى * اشْدُدْ بِهِ اَزْرِى وَ اَشْرِكْهُ فِى اَمْرِى * كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً * اِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً)(طه/11ـ35).

ترى أنّ الكليم عندما فُوجئ بنزول الوحي، تلقّاه بصدر رحب، و لم يتردّد في أنّه وحيه سبحانه و أمره، و لذلك سأل سبحانه أن يشرح له صدره، و ييسر له أمره، ويحلّ العقدة التي في لسانه، و يجعل له وزيراً من أهله، يشدّ به أزره و يشركه في أمره.

يقول سبحانه: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِى النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ)(النحل/8ـ9).

و جاءت هذه القصة في سورة القصص على وفق ما وردت في السورتين(1).

و من لاحظ هذه الآيات يقف على أنّ موقف الأنبياء من الوحي هو موقف الإنسان المتيقّن المطمئنّ إليه، و هذه خاصّة تعمّ جميع الأنبياء (عليهم السلام) .

نرى أنّه سبحانه يذكر رؤية النبي الأكرم، و مواجهته لمعلّمه الذي وصفه القرآن بـ«شديد القوى».

يقول: (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوْحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى * ذُومِرَّة فاَسْتَوَى * وَ هُوَ بِالاُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ اَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ


1 . القصص 29ـ35.


(110)

مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى)(النجم/4ـ12).

فأي كلمة أصرح في توصيف إيمان النبي و إذعانه في مجال الوحي و مواجهة أمينه من قوله سبحانه: (مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى) أي صدق القلب عمل العين. ويحتمل أن يكون المراد، ما رآه الفؤاد.

قال العلاّمة الطباطبائي:

فالمراد بالفؤاد، فؤاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ضمير الفاعل في «ما رأى» راجع إلى الفؤاد، و الرؤيا رؤيته و لابدع في نسبة الرؤية و هي مشاهدة العيان إلى الفؤاد، فإنّ للإنسان نوعاً من الإدراك الشهودي وراء الإدراك بإحدى الحواسّ الظاهرة، و التخيّل و التفكّر بالقوى الباطنة كما أنّنا نشاهد من أنفسنا انّنا نرى و ليست هذه المشاهدة العيانية رؤية بالبصر و لامعلوماً بالفكر و كذا نرى من أنفسنا أنّنا نسمع و نشمّ و نذوق و نلمس، و نشاهد أنّنا نتخيّل و نتفكّر، و ليست هذه الرؤية ببصر أو بشيء من الحواسّ الظاهرة أو الباطنة(1).

فاللّه سبحانه يؤيّد صدق النبي فيما يدّعيه من الوحي و رؤية آيات اللّه الكبرى، سواء كانت بالعين أو بالفؤاد.

و على كل تقدير فهذه الآيات و غيرها تدلّ على أنّ الأنبياء و غيرهم لايشكّون و لايتردّدون فيما يواجهون من الاُمور الغيبيّة.

و على ضوء ذلك تقف على أنّ ما ملأ كتب السيرة و بعض التفاسير في مجال بدء الوحي و أنّه تردّد النبي و شكّ عند ما بشّر بالنبوّة و شاهد ملك الوحي و امتلأ روعاً و خوفاً إلى حدّ حاول أن يلقي نفسه من شاهق، و عاد إلى البيت فكلّم زوجته فيما واجهه، و عادت زوجته تسلّيه و تقنعه بأنّه رسول ربّ العالمين، و إنّ ما رآه ليس إلاّ أمراً حقّاً.

إذ كل ذلك أساطير و خرافات، تناقض البراهين العقليّة و ما يتلقّاه الإنسان


1 . الميزان ج19 ص30.


(111)

من قصص الأنبياء الواردة في القرآن الكريم، و قد دسّها الأحبار و الرهبان و سماسرة الحديث و القصّاصون في كتب القصص و السير و الحديث، و نحن نكتفي في المقام بما ذكره البخاري في صحيحه و ابن هشام في سيرته، فإنّ استقصاء كل ما ورد حول هذا الموضوع من الروايات المدسوسة يدفع بنا إلى تأليف رسالة مفردة، و لكن فيما ذكرنا غنىً و كفاية. قال البخاري:

(بعد ذكر نزول أمين الوحي عليه في جبل حراء)«فرجع بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد (رضي اللّه عنها) فقال: زمّلوني زمّلوني، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة ـو أخبرها الخبرـ لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلاّ و اللّه ما يخزيك اللّه أبداً إنّك لتصل الرحم، و تحمل الكل و تكسب المعدوم، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحقّ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عمّ خديجة، و كان أُمرأً تنصّر في الجاهلية، و كان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب، و كان شيخاً كبيراً قدعمي، فقالت له خديجة يا ابن عمّ اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل اللّه على موسى ياليتني فيها جذعاً ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمخرجي هم؟ قال: نعم، لميأتِ رجل قطّ بمثل ما جئت به إلاّ عودي، و إن يدركني يومك، أنصرك نصراً مؤزّراً ثم لم ينشب(1) ورقة أن توفّي و فتر الوحي»(2).

هذا ما لدى البخاري و أمّا صاحب السيرة النبوية فبعد ما ذكر مسألة الغت ينقل عن النبي أنّه قال:

«فخرجت حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول:


1 . أي لم يلبث .
2 . صحيح البخاري ج1 ص3.


(112)

يامحمد، أنت رسول اللّه و أنا جبرئيل، قال:فوقفت أنظر إليه، فما أتقدّم وما أتأخّر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، قال: فلاأنظر في ناحية منها إلاّ رأيته كذلك، فمازلت واقفاً، ما أتقدّم أمامي، و ما أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا على مكّة و رجعوا إليها، و أنا واقف في مكاني ذلك، ثمانصرف عنّي و انصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فو اللّه لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكّة و رجعوا إليّ، ثمّ حدّثتها بالذي رأيت، فقالت: ابشر يا ابن عمّ واثبت، فو الذي نفس خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الاُمّة».

ثمّ يذكر انطلاق خديجة إلى ورقة بن نوفل، و ما أجابها به ورقة بنفس النص الذي ذكره البخاري ثمّ يذكر لقاء النبي ورقة بن نوفل، و هو يطوف بالكعبة، فسأله ورقة بما رأى و سمع، فأخبره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنّك لنبيّ هذه الاُمّة.

ثمّ عقبه بذكر ما قامت به خديجة من إمتحان صدق نبؤته فذكر أنّها قالت لرسول اللّه: أي ابن عمّ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا إذا جاءك؟ قال: نعم. قالت: فإذا جاءك فاخبرني به، فجاءه جبرئيل، فقال رسول اللّه لخديجة: هذا جبرئيل قدجائني، قالت: قم يا بن عمّ فاجلس على فخذي اليسرى، قال: فقام رسول اللّه فجلس عليها، قالت: هل ترى؟ قال: نعم، قالت: فتحوّل فاجلس على فخذي اليمنى، فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحوّل واجلس في حجري، فتحوّل فجلس في حجرها،قالت هل تراه،قال:نعم، فتحسّرت و ألقت خمارها و رسول اللّه جالس في حجرها، ثم قالت له: هل تراه؟ قال: لا.

قالت: يا ابن عم اثبت و ابشر، فو اللّه هذا ملك و ما هذا بشيطان(1).

و قال الطبري ـ بعد ما ذكر نزول جبرئيل إليه و تعليم آيات من سورة العلق ـ


1 . السيرة النبوية ج1 ص237ـ239، و تاريخ الطبري ج2 ص49ـ50.


(113)

ثمّ دخلت على خديجة و قلت: زمّلوني زمّلوني حتى ذهب عنّي الروع، ثمّ أتاني وقال: يا محمد، أنت رسول اللّه.

قال: لقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل فتبدّى لي حين هممت بذلك، فقال: يا محمد، أنا جبرئيل و أنت رسول اللّه، ثمّ قال: إقرأ، قلت: ما اقرأ؟ قال: فأخذني فغتني ثلاث مرات حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ قال: اقرأ باسم ربّك الذي خلق، فقرأت فأتيت خديجة، فقلت: لقد أشفقت على نفسي، فأخبرتها خبري فقالت: ابشر فو اللّه لايخزيك اللّه أبداً، و و اللّه إنّك لتصل الرحم، و تصدق الحديث، و تؤدّي الأمانة، و تحمل الكل، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحقّ، ثمّ انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، فقالت: اسمع من ابن أخيك، فسألني فأخبرته خبري، فقال: هذا الناموس الذي اُنزل على موسى بن عمران....

نظرة تحليلية حول هذه النصوص:

إنّ هذه النصوص التاريخية التي نقلها المشايخ كالبخاري و ابن هشام و الطبري، و تلقّاها الآخرون من بعدهم على أنّها حادثة متسالم عليها تضاد ما يستشفه الإنسان من التدبّر في حالات الأنبياء في القرآن الكريم و تناقض البديهة العقلية، و إليك بيان ما فيها من نقاط الضعف و علائم الجعل و التهافت:

1 ـ إنّ النبوّة كما عرفت منصب إلهي لايفيضه اللّه إلاّ على من امتلك زخماً هائلاً من القدرات الروحية و القوى النفسية العالية حتّى يقوى على معاينة الوحي، ومشاهدة الملائكة، فعندئذ فلا معنى لما ذكره البخاري: «لقد خشيت على نفسي» أفيمكن أن ينزل الوحي الإلهي على من لايفرّق بين لقاء الملك، و لقاء الجنّ ومكالمتهما حتى يخشى على نفسه الجنون أو الموت؟

2 ـ و أسوأ منه ما ذكره الطبري من أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) همّ أن يرمي بنفسه من شاهق من جبل، فندم عليه و رجع عنه حين سمع كلام جبرئيل يامحمد أنا جبرئيل.


(114)

إنّ هذا الكلام يعرب من أنّ نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن نفساً مستعدّة لتحمّل الوحي على حدّ همّ أن يقتل نفسه بالإلقاء من حالق، و هل هذا هو إلاّ نفس الجنون الذي كان المشركون يصفونه به طيلة بعثته، فواعجباً نسمعه من أعوانه و أنصاره و من لسان زوجته.

3 ـ إنّ قول خديجة لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كلاّ و اللّه ما يخزيك اللّه أبداً، تعرب من أنّها كانت أوثق إيماناً بنبوّته من نفس الرسول. فهل يمكن التفوّه بذلك، و ما حاجة النبي الأعظم الذي قال تعالى في حقّه: (وَ عَلَّمَكَ مَالَمْتَكُنْ تَعْلَمُ وَ كَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)(النساء/113) إلى هذا التسلّي؟

و هل يصحّ و يتعقّل للنبيّ أن يشكّ في رسالة نفسه حتى يستفتي زوجته فيزول شكّه بتصديقها؟

4 ـ ذكر البخاري: إنّ خديجة انطلقت مع رسول اللّه إلى ورقة، فأخبره رسول اللّه بما وقع، فأجاب ورقة بما ذكره، و إنّ ما نزل عليه هو الناموس الذي نزّله اللّه على موسى.

و معنى هذا أن يكون ورقة أعلم بالسرّ المودع في قلب رسول اللّه من نفسه، كما أنّ معنى ذلك إنّ كلاًّ من الزوجين كانا شاكّين في صحّة الرسالة، فانطلقا إلى متنصّر و قرأ و ريقات من العهدين حتى يستفتياه ليزيل عنهما حجاب الشكّ و غشاوة الريب.

5 ـ إنّ معنى ما ذكره البخاري من أنّ ورقة أخبر النبي بأنّه: يسخرمنك قومك، وتعجّب الرسول من هذا الكلام و قال: أو مخرجي هم؟ كون المرسل إليه أعلم من الرسول و أفضل منه.

6 ـ إنّ ما ذكره ابن هشام من «إنّ الرسول كلّما رفع رأسه إلى السماء لينظر ما رأى إلاّ رجلاً صافّاً قدميه في اُفق السماء، فلاينظر في ناحية من السماء إلاّ رآه فيها» يشبه كلام المصابين في عقولهم و شعورهم، و المختلّين في أفكارهم، فلا يرون في


(115)

كل جهة إلاّ الصورة المتخيّلة، لطغيانها على مخيّلتهم و شعورهم، أعاذنا اللّه من إكالة الشنائع بمقام النبوّة، بنحو لايليق بساحة العاديين من الناس فضلاً عن النبي الأكرم خاتم النبّيين.

7 ـ إنظر إلى امتحان خديجة لبرهان النبوّة فإنّ ظاهرها أنّها كانت شاكّة في نبوّة زوجها، و لكنّها استحصلت اليقين على الوجه الذي سمعته في كلام ابن هشام والطبري، و لكن أي صلة بين رفع الخمار و إلقائه و عدم رؤية جبرئيل، و هل لرفع الخمار و تعرية شعر الرأس تأثير في غياب أمين الوحي عن البيت؟

نرى أنّه سبحانه ينقل في غير سورة من سور القرآن الكريم مكالمة الملائكة زوجة الخليل و تبشيرها بالولد. فهل يمكن لنا أن نقول بعد ذلك: إنّ زوجة الخليل لوكانت مكشوفة الرأس لامتنعت الملائكة من دخول بيت الخليل (عليه السلام) (1).

8 ـ إنّ ورقة بن نوفل على حدّ تصريح نصّ الرواية كان بادي بدئه نصرانيّاً بعد ما كان مشركاً، فمقتضى الحال أن يشبّه الرسول الأعظم بالمسيح الذي كان يعتقد بنبوّته، لابالكليم.أو ليس هذا يعرب عن لعب يد الأحبار في الخفاء في اصطناع هذه الأحاديث و دورهم في تشويش صفاء رسالة الرسول الأعظم بأمثال هذه الأساطير والمهاترات و الخرافات؟

9 ـ نحن على ثقة و يقين بأنّ النبوّة منصب إلهي لايتحمّله إلاّ الأمثل و الأكمل فالأكمل من الناس، و لايقوم بأعباءمهامّها إلاّ من امتلك قدرة روحيّة خاصّة تبعث في نفسه الإذعان و التسليم، و الإنقياد حينما يتمثّل له رسول ربّه و أمين وحيه، فلاتأخذه المسكنة و لايستولي عليه الخوف عند سماع كلامه و وحيه، و قددرسنا وضع الكليم عندما فوجئ بالوحي فما حاق به الروع و لاأحاط به الخوف، و لاهمّ بإلقاء نفسه... إلى غير ذلك ممّا ورد في هذه الروايات، و بما أنّ القرآن هو المرجع الفصل في تمييز الصحيح من الزائف في جملة هذه الروايات، يحتّم علينا إعراض


1 . لاحظ هود/71ـ73، الذاريات/29.


(116)

الصفح عنها، و ضربها عرض الجدار، مضافاً إلى ما فيها من التناقض و الإختلاف في حكاية القصّة كما هو معلوم لمن تدبّر فيها و تأمّل نصّها.

فرية إنقطاع الوحي و فتوره

وقفت على ما في الروايات السابقة من الوضع و الدسّ بهدف تشويه صفاء صورة رسالة النبي الأكرم فهلمّ معي نتناول فريّة اُخرى حيكت على المنوال السابق، وللغاية نفسها، و هي مسألة إنقطاع الوحي بعد نزول آيات من سورة العلق، أو سورة المدّثّر، أو سورة الحمد على إختلاف في أوّل سورة نزلت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و قدحازت هذه الفريّة على نصيب من الإهتمام و التقدير في كتب السيرة و التفسير حتى إنّ الدكتور محمد حسين هيكل، أرسلها إرسال المسلّمات في كتابه بقوله: «انتظر هداية الوحي إيّاه في أمره، و إنارة سبيله، فإذا الوحي يفتر، و إذا جبرئيل لاينزل عليه،... إلى أن قال: و قد روي أنّ خديجة قالت له: ما أرى ربّك إلاّ قدقلاك، و تولاّه الخوف و الوجل، فهما يبعثانه من جديد، يطوي الجبال و ينقطع في حراء يرتفع بكل نفسه ابتغاء وجه ربّه، يسأله: لم قلاه بعد أن اصطفاه، و لمتكن خديجة بأقلّ منه إشفاقاً و وجلاً و يتمنّى الموت صادقاً لولا أنّه كان يشعر بما اُمر به، فيرجع إلى نفسه، ثمّ إلى ربّه، و لقد قيل: إنّه فكّر في أن يلقي بنفسه من أعلى حراء أو أبي قبيس و أيّ خير في الحياة، و هذا أكبر عمله فيها يدوي و ينقضي، و أنّه لذلك تساور هذه المخاوف، إذ جاءه الوحي بعد طول فتوره إذ نزل عليه بقوله تعالى: (وَ الضُّحَى * وَ اللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَاوَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مَا قَلَى * وَ لَلاْخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الاُوْلَى * وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى اَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَاَغْنَى * فَاَمَّا اليَتِيمَ فَلاَتَقْهَرْ * وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلاَتَنْهَرْ * وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)(سورة الضحى)(1).

هذا ما يذكره رجل مثقّف في القرن العشرين في حقّ النبي الأكرم، فما ظنّك


1 . حياة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ص138.


(117)

بغيره ممّن سبقه من الذين يتعبّدون بالروايات و لايحيدون عن شاذّها و سقيمها قيد أنملة و قدر شعرة، و أصل هذه الفريّة يرجع إلى كتب السيرة و التفسير، و إليك ما يذكره واحد من اُولئك من أمثال الطبري حيث يصرّح في تفسيره بما نصّه:

1 ـ عن ابن زيد: إنّ هذه السورة نزلت على رسول اللّه تكذيباً من اللّه قريشاً في قيلهم لرسول اللّه لمّا أبطأ عليه الوحي: «قد ودّع محمداً ربّه و قلاه» .

2 ـ عن ابن عبداللّه: لمّا أبطأ جبرئيل على رسول اللّه، فقالت امرأة من أهله أو من قومه: ودّع الشيطان محمداً، فأنزل اللّه عليه: (و الضحى...ـ إلى قوله ـ ماودّعك ربّك و ما قلى).

3 ـ عن جندب البجلي: أبطأ جبرئيل على النبي حتّى قال المشركون ودّع محمداً ربّه، فأنزل اللّه: «و الضحى...»، و عنه قالت امرأة لرسول اللّه: ما أرى صاحبك إلاّ قد أبطأ عنك، فنزلت هذه الآية.

و في رواية اُخرى عنه: ما أرى شيطانك إلاّ قدتركك.

4 ـ عن عبداللّه بن شدّاد: إنّ خديجة قالت للنبي: ما أرى ربّك إلاّ قدقَلاك، فأنزل اللّه «والضحى».

5 ـ و عن قتادة: إنّ جبرئيل أبطأ عليه بالوحي، فقال ناس من الناس: ما نرى صاحبك إلاّ قدقلاك فودّعك، فأنزل اللّه: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مَا قَلَى).

6 ـ عن ضحّاك: مكث جبرئيل عن محمّد، فقال المشركون: قد ودّعه ربّه.

7 ـ عن ابن عروة، عن أبيه قال: أبطأ جبرئيل على النبي، فجزع جزعاً شديداً، و قالت خديجة: أرى ربّك قدقلاك، ممّا نرى من جزعك، قالت: فنزلت «والضحى»(1).

يلاحظ على هذه الروايات و على فريّة فترة إنقطاع الوحي عدّة اُمور:

1 ـ إنّ هذه الروايات التي ملأت التفاسير و كتب السير، رويت عن اُناس


1 . تفسير الطبري ج30 ص148.


(118)

لا يركن إليهم كقتادة و الضحّاك فإنّهما كانا يأخذان تفسير القرآن عن أهل الكتاب(1). وجلّها بل كلّها مرسلة غير مسندة إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

2 ـ إنّها اختلفت في القائل الذي شمت برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «ودّعك ربّك» فربّما يسند إلى امرأة من أهله أو قومه و اُخرى إلى المشركين، و ثالثة إلى طائفة من الناس، و رابعة إلى زوجته خديجة.

إنّ نسبة هذا القول إلى زوجته الطاهرة التي آمنت به يوم بعثته، و قدعرفت فضائله و ملكاته النفسيّة عن كثب، بعيداً جداً.

3 ـ إنّها إختلفت في مدة الفترة. قال ابن جريج: احتبس عنه الوحي اثنى عشر يوماً، و قال ابن عباس: خمسة عشر يوماً، و قيل: خمسة و عشرين يوماً، و قال مقاتل: أربعين يوماً (2)، و في فتح الباري: انّه كان ثلاث سنين(3) كما في السيرة الحلبية و فيها أيضاً: إنّها كانت سنتين و نصفاً، و على قول: سنتين، إلى غير ذلك من الأقوال المختلفة التي تحكي عن اضطراب في الرواية و النقل.

4 ـ إختلفت الرواية في سبب الفترة و انقطاع الوحي.فتارة زعموا أنّ سببها هو أنّ اليهود سألوا رسول اللّه عن مسائل ثلاث: عن أصحاب الكهف و عن الروح و عن قصّة ذي القرنين، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : سأخبركم غداً و لم يستثنِ، فاحتبس عنه الوحي، فقال المشركون ما قالوا، فنزلت(4).

و اُخرى قالوا: إنّ عثمان أهدى إليه عنقود عنب، و قيل: عذق تمر، فجاء سائل فأعطاه، ثمّ اشتراه عثمان بدرهم، فقدّمه إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 . لاحظ آلاء الرحمن في تفسير القرآن، ج1، ص46، يقول: إنّ الضحّاك بن مزاحم فقد ضعّفه يحيى بن سعيد، و كان يروي عن ابن عباس، و أنكر ملاقاته له حتى قيل: إنّه ما رآه قط، و أمّا قتادة فقد ذكروا: إنّه مدلّس.
2 . تفسير القرطبي ج20 ص92.
3 . السيرة الحلبية ج1 ص 262.
4 . روح المعاني ج10 ص157، نقله عن جمع من المفسرين.


(119)

ثانياً، ثمّ عاد السائل فأعطى و هكذا ثلاث مرّات، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ملاطفاً لاغضبان: أسائل أنت يا فلان أم تاجر؟ فتأخّر الوحي أيّاماً فاستوحش فنزلت.

و ثالثة: رووا عن ابن أبي شيبة في مسنده و الطبراني و ابن مردويه من حديث خولة، و كانت تخدم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن جرواً دخل تحت سرير رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فمات و لم تشعر به، فمكث رسول اللّه أربعة أيّام لاينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة! ما حدث في بيت رسول اللّه؟ جبرئيل لايأتيني! فقلت يا نبي اللّه ما أتى علينا يوم خير من هذا اليوم، فأخذ برده فلبسها وخرج، فقلت في نفسي لو هيّأت البيت و كنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا بشيء ثقيل فلم أزل به حتى بدا لي الجرو ميّتاً، فأخذته بيدي فألقيته خلف الدار، فجاء النبي ترعد لحيته، و كان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة، فقال يا خولة دثّريني، فأنزل اللّه تعالى: (و الضحى و الليل إذا سجى)(1).

و رابعة: إنّ المسلمين قالوا: يا رسول اللّه مالك لاينزل عليك الوحي؟ فقال: وكيف ينزل عليّ و أنتم لاتنقّون رواجبكم، و في رواية: براجمكم، و لاتقصّون أظفاركم، و لاتأخذون من شواربكم، فنزل جبرئيل بهذه السورة، فقال النبي: ماجئت حتى اشتقت إليك، فقال جبرئيل: و أنا كنت أشدّ إليك شوقاً، و لكنّي عبد مأمور، ثمّ أنزل عليه: (وَ مَا نَتَنَزَّلَ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ)(مريم/64)(2).

إنّ الإضطراب في أسباب فتور الوحي يعرب عن عدم صحّة الرواية.

أمّا الأوّل: فلو صحّ فيلزم كون زمان إنقطاع الوحي في العام السابع من البعثة لأنّ قريشاً أرسلت النضر بن الحارث و ابن أبي معيط إلى أحبار اليهود يسألانهم عن النبي الأكرم، و قالا لهم: إنّكم أهل التوراة و قدجئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، فقالت لهم أحبار اليهود: سلوهُ عن ثلاث نأمركم بهنّ، فجاؤوا إلى رسول اللّه، وقالوا: يا محمّد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل، قد كانت لهم قصّة عجب،


1 . روح المعاني ج10 ص157.
2 . تفسير القرطبي ج20 ص93، و مجمع البيان ج10 ص55(طبع صيدا).


(120)

وعن رجل كان طوّافاً قدبلغ مشارق الأرض و مغاربها، و أخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أخبركم بما سألتم عنه غداً ولميستثن، فانصرفوا عنه(1).

نحن ننزّه ساحة النبي الأكرم الذي نشأ نشأة الأنبياء في عالم مليئ بالطهر والقداسة، أن يخبرهم على وجه قاطع بأنّه سيجيبهم غداً على أسئلتهم تلك فمن أين علم أنّه سبحانه ينزل الوحي عليه غداً؟ أو أنّه سبحانه يجيب عن أسئلتهم عن طريق الوحي؟

و أمّا الثاني: فهو أشبه بالقصص الموضوعة، فهل من المعتاد أن يباع عنقود عنب ثلاث مرّات في السوق، و مثله عذق تمر؟ و لعلّ الجاعل كان يهدف إلى إختلاق الفضائل لعثمان فحسب أنّ هذا الموضع مناسب له.

و أمّا الثالث: فبعيد جدّاً، إذ كيف يمكن أن يموت الجرو تحت سرير النبي أو في زاوية من البيت و لايلتفت إليه؟ على أنّ ظاهر الرواية أنّ إنقطاع الوحي كان بعد تلقّي النبي لنزول الوحي مدّة مديدة حيث إنّ خولة قالت: «و كان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة» فإنّ ذلك يعرب عن أنّ الحادثة كانت في أزمنة متأخّرة من بدء البعثة، مع أنّ المشهور انّه كانت في بدء البعثة ـ أي بعد نزول سورة العلق أو آيات منه ـ.

و أمّا الرابع: فهو أشبه بحمل النبي وزر الغير، فإنّ عدم قصّ المسلمين شواربهم، أو عدم تنظيف رواجبهم لايكون سبباً لإنقطاع الوحي، قال سبحانه: (وَلاَتَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(الأنعام/164).

هذه الوجوه كلّها تدفع بنا إلى القول: بأنّ مسألة انقطاع الوحي فرية تاريخيّة صنعتها يد الجعل و الوضع لغاية أو غايات خاصّة، و لم يكن هناك أيّة فترة، و إنّما المسألة كانت بصورة اُخرى:


1 . السيرة النبويّة لإبن هشام ج1، ص 301.


(121)

هي أنّه تعلّقت مشيئته سبحانه على نزول الوحي نجوماً ـ أي فترة بعد فترة ـ حسب المقتضيات و الأسباب الموجبة لنزوله أوّلاً، و تثبيت فؤاد النبي بذلك ثانياً، قال سبحانه مشيراً إلى مشيئته الحكيمة:

(وَ قُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث وَ نَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً)(الأسراء/106). و قال سبحانه مشيراً إلى أنّ من بواعث نزول الوحي تدريجيّاً كونه سبباً لتثبيت فؤاده: (وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)(الفرقان/32) فعلى ضوء ذلك لم يكن هناك إلاّ مسألة طبيعية على صعيد الوحي و هو نزوله تدريجيّاً لادفعة واحدة، غير أنّ المشركين الجاهلين بمشيئته سبحانه و أسرار نزول الوحي تدريجيّاً، كانوا يترقّبون نزول الوحي عليه دوماً و في كل يوم و ساعة، أو نزول مجموع الشريعة دفعة واحدة كما نزلت التوراة على موسى. قال سبحانه: (وَ كَتَبْنَا لَهُ فِى الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَىْء مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَىْء فَخُذْهَا بِقُوَّة وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِاَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ)(الأعراف/145). فلمّا شاهدوا خلاف ما كانوا يترقّبونه من مدّعي النبوّة إنصرفوا إلى اتّهام النبي بأنّه ودّعه ربّه الذي ينزّل عليه الوحي أو الشيطان الذي يلهمه على حدّ تعبيرهم.

فحصيلة البحث: إنّه لم يكن هناك إنقطاع و لافتور و لاسبب من الأسباب المذكورة في الروايات بل كان مجرّد توهّم توهّموه.

ثُمّ إنّ المعروف بين المفسّرين أنّ سورة الضحى حسب الترتيب النزولي، السورة الحادية عشرة، و كانت الاُولى هي العلق، فالقلم، فالمزّمّل، فالمدّثّر، فلهب، فالتكوير، فالأعلى، فالإنشراح، فالعصر، فالفجر، فالضحى(1).

و الظاهر ممّن ينقل مسألة إنقطاع الوحي و فتوره أنّها نزلت في بدء الوحي بعد إنقطاعه أي نزل بعد العلق أو بعد المدثّر مع أنّها نزلت متأخّرة، و كان الوحي ينزل على النبي تترى حسب مقتضيات الظروف و المناسبات و الوقائع و الأحداث.


1 . تاريخ القرآن للزنجاني ص36.


(122)

نعم ذكر اليعقوبي أنّ سورة«الضحى» هي السورة الثالثة، و لعلّه متفرّد في ذلك القول(1).

مراحل الدعوة الثلاث

نزل الأمين جبرئيل مبشّراً النبي الأكرم بالنبوّة و الرسالة، و ألقى على عاتقه مقاليد مهامّها هداية الاُمّة، التي يصوّرها قوله سبحانه: (إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)(المزّمّل/5).

و قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا المدَّثِّرُ * قُمْ فَاَنْذِرْ * وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ)(المدّثّر/1 ـ 3) و أيّ مسؤولية أثقل من مسؤولية هداية الاُمّة الغارقة في ظلمات الجهل و أوحال عبادة الأصنام و الأوثان، المنغمسة في الدنيا، المعرضة عن الآخرة، فقام الرسول مؤدّياً رسالته مستضيئاً بهدى الوحي قدقطعت رسالته مراحل ثلاث حتّى تكلّلت بالنجاح وبلغت الغاية المنشودة، و إليك تبيين هذه المراحل التي أشار إليها القرآن الكريم في مواضع متفرّقة.

المرحلة الاُولى: السرّية في الدعوة

إتّخذ الرسول الدعوة السرّية خطوة اُولى خطاها في سبيل تحقيق إنجاح الدعوة الإلهيّة، و لم يكن الغرض من التركيز على السرّيّة في الدعوة الخوف على نفسه وصيانتها من كيد الأعداء، بل هذه هي الخطّة الرائجة بين الدعاة المخلصين، فلايجهرون بالدعوة، و لايعلنونها بادئ بدء، بل يبدأون بعرض الدعوة سرّاً على الأفراد الذين يطمئنّون لهم ـ و لأجل ذلك ـ بدأ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة السرّية إلى الاسلام فدخل تحتها عدّة من الشباب، فتعلّموا الفرائض و السنن سرّاً وكانوا يذهبون إلى شعاب مكّة فيقيمون الفرائض فيها.


1 . تاريخ اليعقوبي ج2، ص33.


(123)

وهذه الثلّة القليلة الّتي تشرّفت باعتناق الإسلام، هم الذين يعبّر عنهم القرآن الكريم بقوله: (والسّابِقُونَ السّابِقُونَ اُوْلئِكَ المُقَرّبُونَ)(الواقعة/10و11)

فكان النبي الأ كرم يعرض دعوته على من يتفرّس فيه علائم قبول الإسلام ولذلك لمّا هبط من غار حراء عرضه على زوجته خديجة وابن عمّه علي، وقد تمكّن الإسلام بذلك في قلوب عدّة سجّلت أسماؤهم في التاريخ(1) مثل زيد بن حارثة وعثمان بن مظعون وقدامة بن مظعون وغيرهم. يقول ابن هشام في تفسير قوله: (وَاَمّابِنعِمَةِ رَبّكَ فَحَدّث)أي بما جاءك من اللّه من نعمته وكرامته، من النبوّة فحدّث أي اذكرها، فادع إليها، فجعل رسول اللّه يذكر ما أنعم اللّه به عليه وعلى العباد به من النبوّة سرّاً إلى من يطمئنّ إليه من أهله(2).

وليس في الذكر الحكيم آية تكشف عن أحداث هذه المرحلة غير ما ذكرنا من الآيتين، فمن أراد التفصيل فيجب عليه أن يرجع إلى كتب السيرة النبويّة، ولنكتف ببعض ما جاء في المقام.

1 ـ روى ابن هشام عن ابن إسحاق أنّه ذكر بعض أهل العلم: إنّ رسول اللّه كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكّة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من أبيه ومن جميع أعمامه وسائر قومه فإذا أمسيا رجعا ومكثا كذلك ما شاء اللّه أن يمكثا.... ثم أسلم زيد بن حارثة وكان أوّل ذكر أسلم وصلّى بعد علي بن أبي طالب(3).

2 ـ روى الطبري عن جابر قال: بعث النبي يوم الاثنين وصلّى علي يوم الثلاثاء، وروي عن زيد بن أرقم قال: أوّل من أسلم مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب، ويقول علي: أنا عبد اللّه وأخو رسوله أنا الصّدّيق الأكبر


1 . السيرة النبوية ج1 ص 247ـ262.
2 . السيرة النبويّة ج1 ص243.
3 . السيرة النبويّة ج1 ص246.


(124)

لا يقولها بعدي إلاّ كاذب مفتر صلّيتُ مع رسول اللّه قبل الناس بسبع سنين(1).

ولعلّ بعض هذه السنين يرجع إلى ما قبل البعثة حيث إنّ الرسول كان يتعبّد للّه سبحانه في غار حراء في كل سنة.

3 ـ يقول ابن إسحاق: وكان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا صلّوا ذهبوا في الشعاب فاستخْفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقّاص في نفر من أصحاب رسول اللّه في شعب من شعاب مكّة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلّون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقّاص يومئذ رجلاً من المشركين بلَحى بعير، فشجَّه، فكان أوّل دم أهريق في الإسلام(2).

اتّخاذ النبي دار الأرقم مركزاً لنشر الدعوة.

كان النبي يؤدّي رسالته مستخفياً من قريش بمكّة ويعرض الإسلام لمن يطمئن إليه، وقد ألجأته الظروف إلى إتّخاذ بيت لتبليغ تعاليمه، وإقامة المؤمنين فيها فرائضهم، وقد وقع الإختيار على دار الأرقم بمكّة على الصفا(3) مركزاً لهذه المهمّة فدخل (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه مستخفين فيها بعد وقوع الصدام بين سعد ابن أبي وقّاص وبعض المشركين، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه يقيمون الصلاة بها ويعبدون اللّه فيها إلى أن أمره اللّه تعالى بالإعلان عنها، فامتثل صادعاً بما اُمر، وقد إختلفت كلمة أصحاب السيرة في مدّة هذه المرحلة بين ثلاث سنين إلى خمس سنين، كما اختلفوا في مدّة اقامتهم في دار زيد بن الأرقم بين كونه


1 . تاريخ الطبري ج2 ص56، و فيه نصوص اُخرى على أنّه (عليه السلام) أوّل من آمن برسولاللّه.
2 . السيرة النبويّة ج1، ص262.
3 . هي المعروفه الآن بدار الخيزران عند الصفا، اشتراها الخليفة المنصور و أعطاها ولده المهدي، ثمّ أعطاها المهدي للخيزران اُمّ ولديه: موسى الهادي و هارون الرشيد. لاحظ: السيرة الحلبيّة ج1، ص283.


(125)

شهراً أو أزيد، كما إختلفت كلمتهم في عدد المؤمنين بالنبي في تلك المرحلة فقد أنهاه ابن هشام في سيرته معتمداً على سيرة ابن إسحاق بما يربو على خمسين بين رجل وامرأة وإن كان الأكثر هم الرجال ولأجل أن يقف القارئ على هؤلاء الأشخاص وأسمائهم نستعرض ذكرهم إجمالاً على النحو التالي.

1 ـ خديجة بنت خويلد (زوجة النبي). 2 ـ علي بن أبي طالب. 3 ـ زيد بن حارثة. 4 ـ أبو بكر. 5 ـ عثمان بن عفّان .6 ـ عبد الرحمن بن عوف. 7 ـ الزبير بن العوّام. 8 ـ سعد بن أبي وقّاص. 9 ـ طلحة بن عبيد اللّه. 10 ـ أبو عبيدة. 11ـأبوسلمة. 12 ـ أرقم. 13 ـ قدامة بن مظعون. 14 ـ عبد اللّه بن مظعون. 15ـعبيدة بن الحارث. 16 ـ سعيد بن زيد. 17 ـ امرأته (فاطمة بنت الخطاب). 18 ـ أسماء بنت أبي بكر. 19 ـ خباب بن الأرت. 20 ـ عمير بن أبي وقاص. 21ـعبد اللّه بن مسعود. 22 ـ مسعود بن القارئ. 23 ـ سليط بن عمرو. 24ـحاطب بن عمرو. 25 ـ عيّاش بن أبي ربيعة. 26 ـ أسماء بنت سلامة. 27ـخنيس بن حذافة. 28ـعامر بن ربيعة. 29 ـ عبد اللّه بن جحش. 30ـأبوأحمد بن جحش. 31ـجعفر بن أبي طالب. 32 ـ أسماء بنت عميس. 33ـحاطب بن الحارث. 34 ـ حطّاب بن الحارث 35 ـ معمّر بن الحارث. 36ـسائب بن عثمان بن مظعون. 37 ـ مطلب بن أزهر. 38 ـ زوجته (رملة بنت أبي عوف). 39 ـ نعيم بن عبد اللّه. 40 ـ عامر بن فهيرة. 41 ـ خالد بن سعيد. 42ـاُميّة بنت خلف. 43 ـ أبو حذيفة. 44 ـ واقد بن عبد اللّه. 45 ـ خالد بن بكير. 46ـعامر بن بكير . 47ـعاقل بن بكير. 48 ـ اياس بن بكير. 49 ـ عمّار بن ياسر 50 ـ صهيب بن سنان(1).

هذا ما ذكره ابن هشام، وقد ذكر في ثنايا كلامه ممّن آمن في تلك الفترة عائشة بنت أبي بكر، وهو غير صحيح جدّاً لأنّها ولدت في السنة الرابعة من البعثة، وقد عقد عليها النبي في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين وهي بنت ست سنين، وبنى بها رسول


1 . السيرة النبويّة، ج1، ص262.


(126)

اللّه وهي بنت تسع بالمدينة في شوال في السنة الاُولى من الهجرة، فكيف تكون من المؤمنات في المرحلة السرّية؟ (1).

أضف إلى ذلك إنّ أبا ذر من السابقين إلى الإسلام وقد أخرج ابن سعد في الطبقات عن طريق أبي ذر، قال: كنت في الإسلام خامساً، وفي لفظ أبي عمرو وابن الاثير: «أسلم بعد أربعة»، وفي لفظ آخر يقال: «أسلم بعد ثلاثة»، ويقال: «بعد أربعة»، وفي لفظ الحاكم: «كنت رابع الإسلام أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع»، وفي لفظ أبي نعيم: «كنت رابع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة وأنا الرابع»، وفي لفظ المناوي: «أنا رابع الإسلام»، وفي لفظ ابن سعد من طريق ابن أبي وضّاح البصري: «كان إسلام أبي ذر رابعاً أو خامساً»(2).

وقد ذكر الشيخان في الصحيحين وابن سعد في طبقاته كيفيّة إسلامه ومن أراد فليرجع إليهما.

المرحلة الثانية: دعوة الأقربين

إجتازت الدعوة المحمّدية المرحلة السرّية إلى مرحلة ثانية بعد ما آمن به جماعة من قريش وغيرهم ودخل الناس في الإسلام آحاداً من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكّة، فتحدّث به القريب والنائي، فعندئذ أمر سبحانه بدعوة الأقربين، بقوله: (وَأَنْذر عَشِيْرتَكَ الأَقْرَبِينَ * و اخفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ * فَإِنْ عصَوكَ فَقُلْ إنّي برِيءٌ ممّا تعْمَلُونَ) (الشعراء /214 ـ216).

إنّ المعاجلة والمسارعة لدعوة العشيرة الأقربين قبل البدء بإعلان الدعوة العامّة يمكن أن يكون فيها سرّ إجتماعي وتوضيحه بما يلي:


1 . لاحظ: أعلام النساء ج3 ص11 نقلاً عن طبقات ابن سعد و سنن النسائي و صحيح البخاري و شرح الزرقاني على المواهب و السمط الثمين.
2 . الغدير ج 8 ص308ـ309.


(127)

أوّلاً: إنّ النبي الأكرم كان مطّلعاً على أنّ قومه سوف يجابهونه بالعنف والشدّة ويتآمرون للقضاء عليه قبل تمكّنه من تحقيق اُمنيته، فصيانة الدعوة من مكائد الأعداء مرهونة بوجود قوّة داخلية تحصّنها من غوائلهم ولا يمكن تصوّرها إلاّ في قومه وعشيرته من آل هاشم.

وثانياً: إنّ إنقياد قومه لدعوته وعشيرته لدعوته لدليل واضح على قداسته ونزاهته وصدق كلامه وانّهم ما رأوا منه إلا الصدق والصلاح طيلة أربعين سنة فأجابوا دعوته وصدّقوا كلامه. فإنّ الإنسان مهما كان فطناً مهتمّاً بستر عيوبه وزلاّته لا يتمكّن من سترها عن بطانته وخاصّته، فإيمان البطانة وقبولهم دعوته دليل واضح على صفاء سريرته، فلأجل ذلك بدأ بدعوة العشيرة قبل إعلان الدعوة العامّة، وهذا بطبيعة الحال يكون مؤثّراً في إعداد الأرضية الصالحة لقبول المرحلة الاُخرى. وبعبارة ثانية: إنّ ضمان نجاح المصلحين في الدعوة العامّة يكمن في نجاحهم في دعوة اُسرتهم، فلوافترضنا أنّ الداعي لم ينجح في دعوة اُسرته، يكون حظّ نجاحه في الدعوة العامّة طفيفاً لأنّ رفض الاُسرة لدعوة المصلح وعدم إيمانها به، سوف يتّخذ ذريعة إلى تقوّل الآخرين وسخريتهم بأنّه لو كان الصادع محقّاً في كلامه فاُسرته أولى بقبول دعوته.

وقد نقل المفسّرون وأهل السير في تفسير قوله سبحانه: (وأنذر عشيرتك الأقربين)كيفيّة دعوة الاُسرة، وإليك نصّ ما ذكره الطبري في تاريخه عن عليّ (عليه السلام) : لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه فقال لي: يا علي! إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً و عرفت أنّي متى أبدأهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمّمت عليه حتى جاءني جبرئيل، فقال: يا محمد إنّك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك، فاصنع لنا صاعاً من طعام و اجعل عليه رجل شاة و املأ لنا عِسّاً من لبن ثم إجمع لي بني عبد المطلب(1)، حتى اُكلّمهم و اُبلّغهم ما اُمرت به، ففعلت ما أمرني به ثمّ دعوتهم له و هم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبوطالب و حمزة و العبّاس و أبولهب، فلمّا إجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي


1 . و في البداية و النهاية ج 3 ص40 «بني هاشم» و هو الأصح.


(128)

صنعت لهم، فجئت به، فلمّا وضعته تناول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حذية من اللحم فشقّها بأسنانه ثمّ ألقاها في نواحي الصفحة ثم قال: خذوا باسم اللّه، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة و ما منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم، ثمّ قال: اسق القوم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا منه حتى رووا منه جميعاً، و أيم اللّه إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلمّا أراد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكلّمهم بدره أبولهب إلى الكلام فقال: لقد سحركم صاحبكم، فتفرّق القوم و لميكلّمهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال في الغد: يا علي إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما قدسمعت من القول فتفرّق القوم قبل أن اُكلّمهم، فعد لنا بمثل ما صنعت ثمّ اجمعهم ـإلى أن قال ـ: ففعلت، ثمّ جمعتهم ثمّ دعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة، ثمّ قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعاً، ثمّ تكلّم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا بني عبد المطلب إنّي واللّه ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قدجئتكم به، إنّي قدجئتكم بخير الدنيا و الآخرة، وقدأمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، و قلت و إنّي لأحدثهم سنّاً و أرمضهم عيناً وأعظمهم بطناً و أحمشهم ساقاً: أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه؟ فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا ، قال: فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب: قدأمرك أن تسمع لابنك و تطيع(1).

هذا هو النصّ الذي رواه الطبري حول حادثة بدء الدعوة و قد ذكره غيره، فمن أراد الوقوف على مصادر الحديث فليرجع إلى كتاب الغدير(2).

إنّ الحديث يستفاد منه اُمور عن تاريخ بدء الدعوة نشير إليها بالنقاط التالية:

1 ـ إنّ الخلافة تتمشّى مع النبوّة جنباً إلى جنب و إنّهما لايفترقان أبداً لأنّ النبيّ يوم صدع بالرسالة أعلن خلافة عليّ (عليه السلام) و كانت الخلافة تعدّ إكمالاً


1 . تاريخ الطبري ج1 ص63.
2 . الغدير ج2 ص278ـ284.


(129)

لوظائف الرسالة و إنّ الخليفة يقوم بتكميل وظائف النبي حيث يبيّن ما أجمله و يفصّل ما أوجزه.

2 ـ إنّ عليّاً في ذاك اليوم و إن كان صغيراً لايتجاوز عمره الحلم لكنّه كان في القوّة و المقدرة على حدّ قام بتضييف مجموعة كبيرة تربو على أربعين نفراً فقد صنع لهم طعاماً و دعاهم إلى الضيافة، و هذا العمل كما يكشف عن مرحلة من النضوج البدني يكشف عن تفتّح عقله و شعوره حيث قام بأمر لايقوم بأعبائه إلاّ الرجال الكبار.

3 ـ إنّ الطبري في تاريخه نقل القصّة كما مرّ و لكنّه جنى على الحقيقة في تفسيره، فذكر القصة و لكنّه عندما وصل إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي حرّفه و جاء مكانه بقوله: «فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و كذا وكذا»(1).

فما معنى هذا التحريف أهكذا تصان الأمانة التاريخية و يتحفّظ في نقل الحديث؟!

و إن تعجب فعجب عمل ابن كثير فإنّه وضع تاريخه على غرار تاريخ الطبري حذو النعل بالنعل، و لكنّه لمّا وصل إلى هذا المقام من تاريخه أعرض عن نقل نصّ الطبري في تاريخه و اعتمد على النصّ الذي ذكره الطبري في تفسيره، و ما هذا إلاّ لأنّه رآه دليلاً قاطعاً على خلافة علي و وصايته، و أعجب منه عمل محمد حسين هيكل في تاريخه فإنّه ارتكب جناية مفضوحة و أثبت الحديث في الطبعة الاُولى من كتابه و اكتفى منه بسؤال النبي بقوله: «فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم» و أغفل ذكر جواب النبي لعلي عندما قام، و لم يذكر منه شيئاً، لكنّه في الطبعة الثانية أسقط جميع ما يرجع إلى أمير المؤمنين من كلام


1 . تفسير الطبري ج19 ص74، و قد رواه العلاّمة الأميني في غديره: 2/279ـ284.
و العلاّمة السيد جعفر مرتضى في كتابه: الصحيح من سيرة النبي ج2 ص12 عن مصادر كثيرة تعرب عن تضافر الرواية و تواترها.


(130)

النبي(1).

4 ـ إنّ ابن تيميّة لمّا رأى دلالة الحديث على خلافة الإمام علي (عليه السلام) عكف على المناقشة في سند الحديث، و أنّه يشتمل في رواية الطبري على أبي مريم الكوفي، و هو مجمع على تركه، و قال أحمد: ليس بثقة، و اتّهمه ابن المديني بوضع الحديث(2).

و لكنّه ترك توثيق الآخرين لأبي مريم، فقد قال ابن عدي: سمعت ابن عقدة يثني على أبي مريم و يطريه و تجاوز الحدّ في مدحه و اثنى عليه شعبة، و قال الذهبي: كان ذا إعتناء بالعلم و بالرجال(3).

و أظنّ إنّ تضعيف الرجل لغاية تشيّعه و حبّه للوصي، فإنّ التشيّع بالمعنى العام(من يحب عليّاً و يبغض أعدائه الذين خرجوا عليه في حروبه الثلاثة) أحد المضعّفات عند القوم، و مع ذلك فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن الشيعة كثيراً، و قد قام العلاّمة السيد عبد الحسين شرف الدين بوضع قائمة لأسماء، من روى عنهم الشيخان و غيرهما في صحيحيهما من الشيعة(4).

على أنّ أحمد قد روى الحديث بسند آخر وجميع رجاله رجال صحاح بلاكلام، و هم عفّان بن مسلم، عن أبي عوانه، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق(مسلم الكوفي)، عن ربيعة بن ناجذ(5) و بهذا السند و المتن أخرجه الطبري في تاريخه و غيره(6).


1 . لاحظ حياة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الطبعة الاُولى: ص104ـ و الطبعات الاخر: ص142.
2 . منهاج السنّة ج4 ص81.
3 . الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج2 ص14.
4 . المراجعات: ص42ـ105، و ما جاء فيها يشكلّ رسالة اسماها شيخ الأزهر سليم البشري:«إسناد الشيعة في إسناد السنة».
5 . مسند أحمد ج1 ص159.
6 . تاريخ الطبري ج2 ص63.


(131)

5 ـ و هناك مناقشات أو مشاغبات لابن تيميّة حول الحديث نبعت من موقفه تجاه فضائل الإمام أمير المؤمنين، فإنّه يردّ كثيراً من فضائل علي (عليه السلام) ويضعّفه جزافاً و ممّا قال في حق الحديث:

«إنّ مجرّد الإجابة للمعاونة على هذا الأمر لايوجب أن يكون المجيب وصيّاً وخليفة بعده، فإنّ جميع المؤمنين أجابوه إلى الإسلام و أعانوه على هذا الأمر، وبذلوا أنفسهم و أموالهم في سبيله، كما أنّه لو أجابه الأربعون أو جماعة منهم فهل يمكن أن يكون الكل خليفة له؟»(1).

إنّ هذا الإشكال يرجع إلى أمرين:

الأوّل: إنّ مجرّد الإجابة للمعاونة لايلازم أن يكون المجيب و صيّاً، و لكنّه غفلة عن التدبّر في الرواية فإنّه لم يجعل مطلق الإجابة دليلاً على كون المجيب وصيّاً حتى يقال: إنّ جميع المؤمنين أجابوا إلى الإسلام بل جعل الإجابة من العشيرة فقط علّة للوصاية، فلايشمل المؤمنين الخارجين عن دائرة إطارهم.

الثاني: لو افترضنا إنّ الكل أجابوه، فهل يكون الكل خليفة؟

و الجواب: إنّ النبي الأكرم كان مطّلعاً على أنّه لايجيبه غير علي، لأنّهم لميكونوا مطّلعين على مبادئ رسالته، و خصوصيّات شريعته، فلايبادرون بالإجابة بخلاف عليّ (عليه السلام) فإنّه قدنشأ و تربّى في أحضان النبي و تغذى بلبانه، وقدصلّى مع النبي قبل الناس بسنين، فكان سبقه أمراً طبيعيّاً بالنسبة له.

إنّ كتب السيرة تذكر أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاطبهم في هذا الإجتماع بقوله: «إنّ الرائد لايكذب أهله، و اللّه لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، و لو غررت الناس جميعاً ما غررتكم، و اللّه الذي لا إله إلاّ هو، إنّي لرسول اللّه إليكم خاصّة و إلى الناس عامّة، و اللّه لتموتنّ كما تنامون، و لتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، و لتجزونّ بالإحسان إحساناً، و بالسوء سوءاً، فإنّها الجنّة أبداً


1 . منهاج السنة :ص83.


(132)

و لنار أبداً. يا بني عبد المطلب ما أعلم شابّاً جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به إنّي قدجئتكم بخير الدنيا و الآخرة»، فتكلّم القوم كلاماً ليّناً غير أبي لهب، فإنّه قال: «يابني عبد المطلب هذه و اللّه لسوأة خذوا على يديه و امنعوه عن هذا الأمر بحبس أو غيره قبل أن يأخذ على يده غيركم، فإن التمسوه حينئذ ذللتم و إن منعتموه قتلتم»، فقالت اُخته صفيّة عمّة رسول اللّه اُمّ الزبير: «أي أخي! أيحسن بك خذلان ابن أخيك؟ فو اللّه ما زال العلماء يخبرون أنّه يخرج من ضئضئ(الأصل) عبد المطلب نبي فهو هو» قال أبولهب: «هذا و اللّه الباطل و الأماني، و كلام النساء في الحجال، فإذا قامت بطون قريش و قامت العرب معها بالكلاب فما قوّتنا بهم؟ فو اللّه ما نحن عندهم إلاّ أكلة رأس»، فقال أبوطالب: «و اللّه لنمنعنّه ما بقينا»(1).

و هل النبي خطب بهذه الخطبة في الدعوة الاُولى أو الثانية؟ فلو صحّت فهي بالدعوة الاُولى ألصق لما تضافر أنّ أبالهب لم يكن مدعوّاً في الدعوة الثانية، و يظهر من سيرة زيني دحلان أنّه خطب بها في الدعوة الاُولى فلمّا أصبح رسول اللّه بعث إلى بني عبد المطلب فحضروا و كان فيهم أبولهب، فلمّا أخبرهم بما أنزل اللّه عليه، أسمعه أبولهب ما يكره و قال: تبّاً لك، ألهذا جمعتنا؟ و أخذ حجراً ليرمي به، وقال: ما رأيت أحداً جاء بني أبيه و قومه بأشرّ ممّا جئتهم به، فسكت رسول اللّه و لم يتكلّم في ذلك المجلس.

الدعوة العامة و كسح العراقيل الماثلة أمامه

كان للدعوة السرية أوّلاً و دعوة الاُسرة ثانياً دور خاص في استقطاب لفيف من الناس و استمالة قلوب طائفة منهم إلى الإسلام، و قد أوجد هذا الإقبال أرضيةً صالحةً لمرحلة ثالثة من الدعوة و هي التي يصحّ وصفها بالدعوة العامّة، و كانت تهدف إلى توسيع نطاقها، فقام النبي الأكرم بها إمتثالاً لقوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ)(الحجر/94).


1 . سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبيّة ج1 ص194.


(133)

إنّ هذه الآية تناسب الدعوة العامّة بقرينة قوله: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ)(الحجر/95).

نقل الطبري عن سعيد بن جبير أسماء المستهزئين برسول اللّه و هم خمسة: الوليدبن المغيرة، و العاص بن وائل، و أبو زمعة، و الحرث بن عيطلة، و الأسود بن قيس، و كلّهم هلكوا قبل بدر(1).

و قد حكى أصحاب السير خطبة النبي في بدء تلك المرحلة، قالوا:

1 ـ دعا النبي جميع قريش و هو قائم على الصفا و قال: إن أخبرتكم إنّ خيلاً تخرج من صفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم تكذّبوني؟ قالوا: و اللّه ما جرّبنا عليك كذباً، فقال: «يا معشر قريش إنقذوا أنفسكم من النار فإنّي لاأغني عنكم من اللّه شيئاً إنّي لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد».

2 ـ و في رواية: «إنّ مثلي و مثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله أن يسبقوه إلى أهله فجعل يهتف: يا صباحاه! يا صباحاه! أتيتم أتيتم أنا النذير العريان(2) الذي ظهر صدقه»(3).

3 ـ و في رواية: دعا قريشاً فخصّ و عمّ و قال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني زهرة أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، يا صفيّة عمّة محمد أنقذي


1 . تفسير الطبري ج14 ص49.
2 . العريان: الذي أقبل عرياناً ينذر بالعدو. إنّه لايتّهم بخلاف الذي لم يجرّد فإنّه قد يتّهم والمعنى أنا النذير الذي لا أتّهم.
3 . سيرة زيني دحلان، على هامش السيرة الحلبيّة ج1 ص194ـ195، و البداية و النهاية ج3 ص38، و تاريخ الخميس ج1 ص288.


(134)

نفسك من النار، فإنّي لاأملك لكم من اللّه شيئاً(1).

ولو كان المراد من فاطمة هي فاطمة بنت النبي فالرواية بأجمعها أو خصوص هذه الجملة موضوعة لأنّها ولدت في السنة الخامسة من الهجرة، وقد جاء في تاريخ الخميس توصيفها بـ (بنت محمد) حيث قال: «يا صفيّة بنت عبد المطلب، يافاطمة بنت محمد لا أغني عنكم من اللّه شيئاً، سلاني من مالي ما شئتم».

ولذلك إحتمل زيني دحلان أنّ فاطمة من خلط الرواة وانّما ذكرت في حديث آخر وقع بالمدينة جاء فيه الزوجات والبنات وقال لهن: «لا أغني عنكنّ من اللّه شيئاً» حثّاً لهنّ على صالح الأعمال.


1 . تاريخ الخميس ج1 ص288، و سيرة زيني دحلان على هامش السيرة الحلبية ج1 ص193.


(135)

(6)
الإيجابيات والسلبيات
تجاه الدعوة المحمّدية

لم تكن الدعوة المحمّدية بدعاً من الرسالات السماويّة، فقد واجهت ما واجهته سائر الرسالات فحظيت بالقبول من بعض، بينما حاربتها الأكثرية الساحقة، شأنها شأن ما سلفها من الدعوات الإصلاحية حذو القذة بالقذّة، ومن سَبَر تاريخ الأنبياء وتاريخ الدعوات الإصلاحية بإمعان يقف على أنّ النجاح لم يكن حليفهم خصوصاً في الوهلة الاُولى من دعوتهم بل كان الناس على مفرق طريقين، فهم بين مؤمن بالدعوة ومصدّق لها ومستنفد طاقته في سبيلها ومضحّ بنفسه ونفيسه، ومكذّب عنود يضع في طريق دعوة المصلحين الموانع والعراقيل الكفيلة بصدّهم عمّا يطمحون إليه من الغايات المنشودة.

وكانت هذه المجابهة والمحاربة المستميتة مع المصلحين وليدة حالة من الجهل والإنحطاط الفكري والثقافي، وكلّما كان القوم أبعد غوراً في تعصّبهم لآبائهم وأجدادهم وما كانوا يدينون به من العقائد الشنيعة والسخيفة كانت المكافحة أشدّ والمنابذة أقوى.

ولمّا كانت الدعوة الإصلاحية سواء كانت سماوية أم أرضية، وضعية تؤدّي إلى تفويت مصالح بعض الطبقات الخاصّة كالإقطاعيين وذووا رؤوس الأموال الطائلة، لم تحظ الدعوة في أغلب صورها وحالاتها بقبول الرأي العام، وهذه هي الظاهرة المألوفة غالباً، فترى أنّ المسيطرين على المجتمع في كافّة الأجيال و الأحقاب كانوا على طرف نقيض من الدعوة الإصلاحية، وكان التصويب بالإذعان والإيمان مختصّاً بالطبقة المحرومة المقهورة المستضعفة.


(136)

هذا هو جون. اف.كندي الذي تربّع على منصّة الحكم بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1960 م، بعد أن انتخب رئيساً بالغالبية العظمى، فلقد كان صاحب نظرة خاصّة في الملوّنين الأمريكيين، وكان بصدد اصلاح حياتهم المليئة بالبؤس والشقاء عن طريق منحهم بعض الحقوق والحريات استلهاماً من الفطرة الإنسانية، ولكن ما أن طلع نجمه إلاّ وقد اُغتيل من جانب المتعصّبين العنصريين بشكل لميعهد التاريخ له مثيل إلاّ القليل النادر، فعلى الرغم من عظمة جهاز الاستخبارات الأمريكية وسطوته لم يعرف قاتله ولم يعثر له على أثر أو خبر يذكر، وكان التخطيط قددبّر ليلاً.

وتصوّر لنا هذه الظاهرة في محكية عن قوم نوح بقوله تعالى: (فَقالَ المَلأُ الّذينَ كَفرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إلاّ بَشَراً مِثلَنا ومَا نَراكَ اتّبعَكَ إلاّ الّذينَ هُمْ اَراذِلُنَا بادِيَ الرّأي وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْل بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِين) (هود/27).

هذه هي الظاهرة الملموسة في حياة الأنبياء وما لا قوّه في سبيل انجاح دعوتهم، وعلى ضوء ذلك فلا ينتابك العجب عندما تلقي بنظرة خاطفة على حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في بدء دعوته حيث كان الإيمان والانطواء تحت راية الرسالة مختصّاً برجال أحرار الفطرة أصفياء الطوية لم يعمِ بريق زخارف الدنيا وزينتها بصائرهم فلبّوا دعوة الرسول بصدر رحب.


(137)

الف: العراقيل و الموانع تجاه دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

ظلّ النبي الأكرم في موطنه قرابة ثلاثة عشر عاماً ولم يكن النصر حليفه وما كان ذلك إلاّ نتيجة الموانع والعراقيل التي حيكت ضدّه، وإليك لمحة خاطفة عنها:

1 ـ إنّ الرسالة المحمدية كسائر الرسالات الإلهية كانت تهدف إلى انتشال المستضعفين من حضيض التخلّف المادي والمعنوي والرقي بهم إلى حالة الإزدهار الحضاري، ومن المعلوم أنّ تلك الخطّة ما كانت تنسجم مع مطامع أصحاب السلطة والثروة الذين يسيطرون على المجتمع بسطوتهم وجبروتهم ويمتصّون دماء المحرومين بلا هوادة، يقول سبحانه:

(وَلاَ تَطرُدِ الّذينَ يَدعُونَ رَبّهُم بِالغَدواةِ والعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ مَا عَليْكَ مِنْ حِسابِهِم مِنْ شيء وَما مِنْ حسابِك عَليهِم مِنْ شَيء فَتَطْرُدَهُمْ فَتكونَ مِنَ الظّالِمينَ)(الأنعام/52).

روى الثعلبي في تفسيره باسناده عن عبد اللّه بن مسعود، قال: مرّ الملأ من قريش على رسول اللّه وعنده صهيب وخباب وبلال وعمّار وغيرهم من ضعفاء المسلمين وقالوا: يا محمد! أرضيت بهؤلاء من قومك، أفنحن نكون تبعاً لهم، أهؤلاء الذين منّ اللّه عليهم؟ اطردهم عنك ولعلّك إن طردتهم اتّبعناك(1).

2 ـ التعصّب المقيت لسيرة الآباء والأجداد أمر جبلي للبشر يتنامى في اطار حياتهم القبلية، وكانت دعوة النبي على خلاف سيرتهم ولذلك اهتمّوا بمكافحته ومنازعته قائلين: بأنّ دعوتك تضاد سيرة آبائنا، ولم يكتفوا بذلك حتى استدلّوا على صحّة سيرتهم بأنّه لولا مشيئة اللّه سبحانه لما عبد الآباء الأصنام والأوثان، يقول سبحانه حاكياً عنهم: (وَقالَ الّذينَ اَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا عَبدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شيء نَحنُ


1 . مجمع البيان ج2 ص305، طبع صيدا.


(138)

وَلا آباؤنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن دُونهِ مِنْ شيء كَذلكَ فَعَلَ الّذينَ مِنْ قَبْلهِمْ فَهَلْ على الرُّسُلِ إلاّ البلاغُ المُبينُ)(النحل/35)، وقال سبحانه: (بَلْ قَالُوا إنّا وَجدْنَا آباءَنَا عَلى أُمّة وإنّا عَلى آثارهِمْ مُهْتدُونَ)(الزخرف/22) ويظهر من غير واحد من الآيات انّ تلك الظاهرة الروحية لم تزل تعرقل خطى الدعوة في أكثر الرسالات السماوية، قال سبحانه: (وَكذلِكَ مَا اَرسَلنْا مِنْ قَبلكَ في قَريْة مِنْ نَذِير إلاّ قَالَ مُتَرفُوهَا إنّا وَجدْنَا آباءَنَا عَلى أُمّة وإنّا عَلى آثارِهِم مُقتدُونَ * قال أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأهدى مِمّا وَجدْتُمْ عَلَيْه آباءَكُمْ قَالُوا إنّا بما أُرْسلْتمُ بِهِ كَافِرُونَ)(الزخرف/23و24).

3 ـ لقد كانت الاُمّية والإنحطاط الثقافي متفشّية في شبه الجزيرة العربية آنذاك خصوصاً في أُمّ القرى وما حولها، فكانت العقلية الإنسانية التي تميّز الحق من الباطل والصالح من الفاسد متدهورة جدّاً. وهذا هو البلاذري يعكس لنا صورة هذا التدهور الثقافي بقوله في كتابه:

«دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً كلّهم يكتب: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب...» (1).

وقال ابن خلدون:

«إنّ عهد قريش بالكتابة والخط العربي لم يكن بعيداً بل كان حديثاً وقريباً بعهد الرسول وقد تعرّفوا عليها قبيل ظهور الإسلام» (2).

فإذا كان هذا مبلغ تعرّفهم على الكتابة والقراءة، فليكن هذا مقياساً لثقافتهم ومدى ازدهار قواهم العقلية.

4 ـ ارتكزت الدعوة المحمّدية على دعامتين أصيلتين:

أ ـ اختصاص العبودية للّه سبحانه ورفض عبادة غيره.


1 . فتوح البلدان: ص 457.
2 . مقدمة ابن خلدون: ص348.


(139)

ب ـ الاعتقاد بيوم الحساب وأنّ وراء الحياة الدنيوية، حياة اُخرى تجزى فيها كل نفس بما عملت من خير وشر، وانّ الناس في ذلك اليوم على فئتين: فئة ضاحكة مستبشرة وفئة بائسة مكفهرّة، وانّ الظالمين والمتجاوزين سوف يحاسبون فيها أشدّ الحساب ودقيقه.

يقول سبحانه: (فإذا جاءتِ الصّاخّةُ * يَوْمَ يَفرُّ المَرءُ مِنْ أَخِيِه * واُمّهِ وَأَبيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيِه * لِكُلِّ امْرىء منْهُمْ يَوْمَئِذ شأنٌ يُغنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئذ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَومئذ عَليْها غَبَرَةٌ * تَرهَقُها قَتَرةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الَكَفرةُ الفَجَرةُ)(عبس/33 ـ 42).

ويقول عزّ اسمه في سورة اُخرى: (يَا اَيُّها النّاسُ اتّقُوا ربّكُمْ اِنّ زَلزَلَةَ السّاعَةِ شَيءٌ عَظيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرضِعة عَمّا اَرضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْل حَمْلَهَا وتَرى النّاسَ سُكَارى وَمَا هُمْ بِسُكارَى وَلَكنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ)(الحج/1و2).

كانت هذه الندءات الربّانيّة تبعث الرعب والهلع في قلوب المشركين، لأنّهم يجدون أنفسهم أمام عذاب أليم لا مناصّ منه ولا مفرّ عنه، وبما أنّهم كانوا يعانون من تبنّي هذه الفكرة بل من سماعها واحتمال صدقها، فجنحوا إلى إراحة أنفسهم من هذا العذاب الآجل بإنكار الدعوة وتكذيبها من الأساس.

إنّ هؤلاء الجناة كانوا معتادين أن ينحروا للأصنام طلباً لمحو سيئاتهم ثم تتركهم في القتل والنهب وارتكاب الفحشاء وغيرها في مستقبل حياتهم، وأمّا الدعوة التي لاتقبل الرشوة والمهادنة وترفض القرابين والنحور فلا تحقّق أملهم ولا تلقي إليهم بالضوء الأخضر حتّى يقترفوا ما يشاؤوا.

5 ـ إنّ المترفين والملأ كانوا يكافحون دعوة الأنبياء وينابذونها والقرآن قد سجّل أعمالهم الإجرامية في غير واحد من الآيات، قال سبحانه: (قَالَ المَلأُ الّذِينَ اسْتَكبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخرِجَنّكَ يَا شُعيْبُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَريَتِنا اَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلّتِنَا قَالَ أَوَلَوْكُنّا كَارهِينَ)(الأعراف/88).


(140)

ويقول سبحانه في حق المترفين: (وَمَا اَرْسَلنا في قَرْيَة مِنْ نَذِير إلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنّا بِمَا اُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرونَ)(سبأ/34).

إنّ طبيعة الترف وانبساط النعمة والعيش الرغيد تؤدّي إلى الجموح والطغيان والتغافل عن كل ما من شأنه أن يحول بينه وبين شهواته وميوله وغرائزه، يقول سبحانه: (اِنّ الاِنْسانَ لَيطْغَى * اَنْ رَآهُ اسْتغْنَى)(العلق/6و7).

أين هذه الفكرة من طبيعة الشريعة السماوية التي تفرض على الإنسان الاعتدال في الشهوات وسلوك الجادة القويمة، فلا ينسفها من رأس ولا يرخي لها العنان.

فلأجل ذلك نرى أنّ الملأ في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحاب المجون والترف عارضوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخالفوا لمّا رأوا أنّه يريد أن يضع حدوداً في طريق ميولهم والحيلولة دون اشباع نهم غرائزهم المستعرة، فلذلك قاموا بتكثيف الجهود في وجه الدعوة المحمّدية.

6 ـ إنّ الحسد والتنافس والتنازع من العوامل التي تصطنع حجباً أمام البصائر فلا تتمكّن من رؤية الحقائق على ما هي عليه و مثله الكبر والغرور فيصدّان الإنسان عن رؤية الحقيقة بل يبعثان إلى اختلاف أعذار واهية للتنكّب عن قبول الحقّ والإذعان به، فنحن نرى ذلك العامل في وجه الدعوة النبويّة حيث إنّ قريشاً كانت تشعر بأنّ النبوّة مقام شامخ إلهي يستعقب عزّة الصادع بها وقومها على القبائل الاُخر، فكان ذلك رادعاً عن قبول عدّة من أكابر قريش الدعوة الإلهيّة قائلين: لماذا لم ينزل هذا القرآن على الوليد بن المغيرة وهو أحقّ به من النبي بزعمهم.

يقول سبحانه: (وَقالُوا لَوْلا نُزّلَ هَذا القُرْآنُ علَى رَجُل مِنَ القَرْيتَيْنِ عَظِيم * اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيْشَتَهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيَا وَرَفعْنَا بَعضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعَضاً سُخريّاً وَرَحْمتُ ربّكَ خيرٌ ممّا يَجمَعُونَ)(الزخرف/31و32).

هذه هي الموانع التي اصطنعتها قريش في وجه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)


(141)

للحيلولة دون بلوغ أهدافه التي كان يطمح لإقرارها وتثبيت اُسسها في برهة زمنية قياسية، فكانت لهم ردود فعل مثبّطة نشير إليها.

قد وقفت على الدوافع الروحية الباعثة على مخالفة النبي الأكرم غير أنّها تبلورت في الاُمور التالية:

1 ـ إكالة التهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .

2 ـ الاستنكار والاحتجاج بالاُمور الواهية.

3 ـ الاقتراحات الباطلة كشروط لقبول الرسالة.

4 ـ ايقاع الأذى على النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه.

وإليك بيان هذه الاُمور واحداً تلو الآخر حسبما يستفاد من آيات القرآن الكريم:


(142)

الف ـ اكالة التهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

كان اسلوب تحطيم الشخصيات عن طريق إكالة التّهم إليهم أقدم حربة بيد الجهّال يطعنون بها على المصلحين، وقد إستعملها مشركوا عصر الرسالة في بدء الدعوة ولم تكن الفرص تسنح لهم بقتله واغتياله، فحاولوا إغتيال شخصيّته ليسقطوه عن أعين الناس، فإنّ نجاح المصلح في نشر دعوته يكمن في اتّسامه بالقداسة والطهارة والعقلية الرزينة، فلو افتقد المصلح تلك ـ السمات عن طريق الاتّهام بما يضادها ـ ذهب سعيه أدراج الرياح وأصبحت جهوده سدى، فلأجل ذلك إختارت قريش القيام بشن حرب نفسيّة ضروس لا هوادة فيها للحطّ من قيمته وكرامته والحيلولة دون نفوذ كلمته.

ولكنّهم مهما بذلوا من جهود لإنجاح مؤامراتهم لم تتجاوز تهمهم عن الكهانة والسحر والجنون وأشباهها لأنّ النّبي قد كان في الطهارة النفسيّة والأمانة المالية وسائر الصفات الكريمة على حدّ حال دون إلصاق تهم اُخرى به ككونه خائناً سارقاً قاتلاً غير غفيف، وهذا أحد الدلائل البارزة المشرقة على أنّه كان فوق التهم المشينة المزرية، وكانت حياته طيلة أربعين سنة مقرونة بالصلاح والفلاح والأمانة ولو كانت هناك أرضية صالحة لتوصيف النبيّ بها، لما أمسكوا عنها.

نعم قام العدو باتّهامه باُمور يشكل اثباتها كما يشكل نفيها عن المتهم، وهذه هي الطريقة المألوفة عند بني الشياطين لمس كرامة المصلحين حيث يشنّون عليهم بمثل هذه التّهم لغاية إسقاطهم عن أعين النّاس. يقول سبحانه: (كَذلَك مَا اَتى الّذِينَ مِنْ قَبْلِهم مِنْ رَسُول إلاّ قَالُوا سَاحِرٌ اَوْ مجْنُونٌ)(الذاريات/52).


(143)

هكذا كانت سيرة الأعداء في طرد المصلحين عن الساحة.

ثمّ إنّ التّهم الّتي حكاها القرآن عن لسان أعداء النبيّ تتلخّص في العناوين التالية:

1 ـ الكهانة: وهي في اللغة عبارة عن اتّصال الإنسان بالجن ليتلقّى منهم أنباء الماضين وأخبار اللاّحقين ومن خلالها يتمكّن من التنبّؤ بالمستقبل، يقول سبحانه مشيراً إلى تلك التّهمة وردّها: (وَلا بِقَولِ كَاهِن قَليلاً مَا تَذَكّرُونَ)(الحاقة/42).

2 ـ السحر: وهو قوّة نفسانيّة للساحر يقدر معها على إنجاز اُمور خارقة للعادة مموّهة، ومن تلك الاُمور التفريق بين المرء وزوجته والوالد وولده بل بين أفراد العائلة كافّة. قال سبحانه: (وَعَجِبُوا اَنْ جَاءهُم مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذا سَاحِرٌ كَذّابٌ)(ص/4).

3 ـ المسحورية: والمراد منه تأثّره بسحر الآخرين، وإنّ هناك ساحراً أو سحرة سحروا النبيّ و أثّروا فيه. يقول سبحانه حاكياً عن المشركين: (اِنْ تَتَّبِعُونَ إلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً)(الفرقان/8). ثمّ يردّه بقوله سبحانه: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيْعُونِ سَبيِلاً)(الفرقان/9) والمراد من قوله (ضَرَبوا لَكَ الأَمْثَالَ)أي وصفوك بالمسحورية، وقد اتّهم بنفس تلك التهمة النبيّ صالح. قال سبحانه حاكياً عن أعدائه: (قَالُوا اِنّما اَنْتَ مِنَ المُسَحّرِينَ)(الشعراء/153) وممّا يجدر ذكره أنّ اتّهام النبيّ بالمسحورية ليست تهمة مستقلّة تغاير الجنون جوهراً بل هي نفس التهمة ولكنّها صيغت بلفظ أكثر أدباً، وهذه شيمة الدهاة حيث يمزجون السم بالعسل.

4 ـ الجنون: ومفهومه غني عن البيان وقد مضى أنّها تهمة شائعة تُلصق بالمصلحين من جانب خصومهم من غير فرق بين النبيّ وغيره، وبين نبيّنا وسائر الأنبياء كما عرفت(1). قال سبحانه نقلاً عن المشركين: (وَقَالُوا يَا اَيُّهَا الّذَي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرُ إنّكَ لَمَجنُونٌ)(الحجر/6)، قال تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُم


1 . الذاريات/52.


(144)

بِمَجْنُون)(التكوير/22)، وقال عزّ من قائل: (فَذَكّر فَمَا اَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِكاهِن وَلا مَجْنُون)(الطور/29) والمبرّر لهم بوصفه بالجنون ومؤاخذتهم له، وقوفه لوحده في وجه الرأي العام المتمثّل في الشرك. والسذّج من النّاس يصفون من يتبنّى الفكر الذي لا يوافقه عليه الرأي العام وهو يريد تطبيقه في المجتمع، بأَنّه مجنون لا يعرف قدر نفسه ومنزلته وسوف يهدر دمه لا محالة.

ما أسخف هذه التهم إذ كيف يتّهمون من هو أرجحهم عقلاً وأبينهم قولاً منذ ترعرع إلى أن بلغ أشدّه بالجنون والكهانة مضافاً إلى ما في هذا من التناقض والإضطراب، فإنّ الكهنة كانوا من الطبقة العليا بين الناس يرجع إليهم القوم في المشاكل والمعضلات وأين هو من الجنون؟ فكيف جمعوا بين كونه كاهناً ومجنوناً؟

ولقد لمسنا ذلك في حياتنا القصيرة في مجتمعنا ورأينا كيف رمي رجال الإصلاح بنظائر هذه التهم وما ذلك إلاّ لأنّهم قاموا في وجه المستعمرين والناهبين لثروة أقطار العالم الإسلامي، فما كان نصيبهم جرّاء مقاومتهم تلك، إلاّ اتّهامهم بالجنون والتدهور العقلي، والغربة عن الواقع والحياة.

5 ـ التعلّم من الغير: إنّ أعداء النبيّ من قريش وغيرهم وقفوا على مدى عظمة تعاليمه وسموّها، ولكن الحالة النفسية قد صدّتهم عن تصديق قوله والإذعان برسالته الإليهة وانتسابه إلى الوحي والسماء، فقاموا بتزوير آخر وهو انّه مُعَلّم، قد تلقّى تعاليمه من غيره. يقول سبحانه: (وَقدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُبينٌ * ثُمّ تَوَلُوا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلّمٌ مَجْنُونٌ)(الدخان/13و14).

وأمّا من هو المعلّم الذي كان قد علّم النبي وغذّاه بتلك المبادئ والقيم فلم يذكروه، ولكن إقتران هذه التهمة بتهمة الجنون يدلّ على أنّ المعلّم المزعوم هو الجن فهو عن طريق صلته بهم تلقّى رسالته عنهم ـ وبالتالي ـ اُصيب في عقله فصار معلّماً مجنوناً بزعمهم.

وهناك إحتمال آخر وهو أنّه تلقّى مبادئه عن بشر آخر، وقد اُشير إليه في قوله


(145)

سبحانه: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُبِينٌ)(النحل/103).

قال ابن عباس: قالت قريش: إنّما يعلّمه بلعام (و كان قينا بمكّة روميّاً نصرانياً) و قال الضحّاك: أرادوا به سلمان الفارسي(1) قالوا إنّه يتعلّم القصص منه، وقال مجاهد و قتاده: أرادوا به عبداً لبني الحضرمي روميّاً يقال له يعيش أو عائش صاحب كتاب، أسلم و حسن إسلامه، و قال عبد اللّه بن مسلم: كان غلامان في الجاهلية نصرانيّان من أهل عين التمر، اسم أحدهما يسار و اسم الآخر خير، كانا صيقلين يقرءان كتاباً لهما بلسانهم و كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ربّما مرّ بهما و استمع لقراءتهما، فقالوا: إنّما يتعلّم منهما، ثم ألزمهم اللّه تعالى الحجّة وأكذبهم بأن قال: لسان الذي يضيفون إليه التعليم و يميلون إليه القول، أعجميّة لايفصح و لايتكلّم بالعربية، فكيف يتعلّم منه من هو في أعلى طبقات البيان؟ و هذا القرآن بلسان عربي مبين، فإذا كانت العرب تعجز عن الإتيان بمثله و هو بلغتهم فكيف يأتي الأعجمي بمثله؟(2)

قال ابن هشام: قالوا: إنّما يعلّمه رجل باليمامة يقال له الرحمان و لن نؤمن به أبداً، فنزل قوله سبحانه: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى اُمَّة قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّى لاَإِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتَابِ)(الرعد/30)(3)

روى ابن هشام: إنّ النضر بن الحارث كان إذا جلس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مجلساً، فدعا فيه إلى اللّه تعالى و تلا فيه القرآن، و حذّر فيه قريشاً ما أصاب الاُمم الخالية، خلّفه في مجلسه إذا قام، فحدّثهم عن رستم و اسفنديار وملوك فارس ثم يقول: و اللّه ما محمد بأحسن حديثاً منّي و ما حديثه إلاّ أساطير


1 . كيف يقول ذلك مع أنّ سلمان أدرك النبي في مهجره، لا في موطنه.
2 . مجمع البيان ج3 ص386.
3 . السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص331.


(146)

الأوّلين، اكتتبها كما اكتتبتها، فأنزل اللّه فيه: (وَ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً و أَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)(الفرقان/5و6).

و نزل فيه: (وَيْلٌ لِكْلِّ أَفَّاك أَثِيم يَسْمَعُ آيَاتِ اللّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنَ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بَعَذَاب أَلِيمٌ)(الجاثية/7)(1).

6 ـ كذّاب: و ما وصفوه به إلاّ لأجل أنّه كان يكافح عقيدتهم و يقارع دينهم. قال سبحانه حاكياً عنهم تلك التهمة: (وَ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قَالَ الكَافِرونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)(ص/4).

فلماذا لايكون عندهم كذّاباً و قدرفض الآلهة المتعدّدة و جعلها إلهاً واحداً. قال سبحانه حاكياً عنهم:(أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)(ص/5).

7 ـ مفتر: و إنّما وصفوه به لأنّه ينسب تعاليمه إلى السماء. يقول سبحانه حاكياً عنهم: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَيَعْلَمُونَ)(النحل/101) و يقول أيضاً: (وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَ أَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ وَ قَدْجَاؤُوا ظُلْماً وَ زُوراً)(الفرقان/4). و هذه الآية تعبّر عن أنّهم كانوا يتّهمونه بأنَّ القرآن ليس من صنعه وحده بل هناك قوم أعانوه عليه، فربّما كانوا يفسّرونه بشكل آخر و هو إنّ القرآن ليس شيئاً جديداً بل هي أساطير الأوّلين تملى عليه بكرة و أصيلاً، كما قال سبحانه: (وَ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)(الفرقان/5).

و قد أدحض الوحي هذه التهمة و كشف عن زيفها بأمرين:

الأوّل: لو صحّ قولكم إنّ هذا الكتاب من صنع محمد فنسبه إلى الوحي فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، فإنّه لبشر مثلكم و أنتم بشر مثله. قال سبحانه:


1 . السيرة النبويّة لابن هشام: 1 ص357.


(147)

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا اُنْزِلَ بَعِلْمِ اللّهِ وَ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(هود/13و14).

الثاني: كيف تقولون بأنّه استنسخ هذه الأساطير بإملاء الغير مع أنّه ما تلى كتاباً، و لاخطّ صحيفة، فكيف تتّهمونه بالاستنساخ و الاستكتاب؟ قال سبحانه: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَ لاَتَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ المُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِى صُدُورِ الَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ وَ مَا يَجْحَدُ بآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ)(العنكبوت/48و49).

8 ـ مفتر أو مجنون: ـ على ترديد بينهما ـ ربّما كان القوم يتردّدون في توصيف النبي بين كونه عاقلاً مفترياً على اللّه سبحانه أو مجنوناً معدم العقل و الشعور، و هذه شيمة الدهاة في استنقاص فضل الأشخاص حيث يكيلون التهم على مخالفيهم الأقوياء بلسان التردّد و عدم الجزم، لدفع نسبة شناعة التهمة عن أنفسهم كما يحكي عنهم سبحانه: (افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)(سبأ/8).

9 ـ شاعر: إنّ القوم كانوا اُسود الفصاحة و فرسان البلاغة و قدأدركوا بفطرتهم سموّ القرآن و علوّ مرتبته في ذلك المجال، و من جانب كانوا في العداء و الحسد على مرتبة صدّتهم عن الاعتراف بكونه كتاباً منزّلاً من السماء، حاولوا أن يفسّروه بالشعر فوصفوه بالشاعر و قالوا: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ)(الطور/30) و حاصل هذه التهمة إنّه شاعر و «أعذب الشعر أكذبه»، فلنصبر عليه و لنتربّص به صروف الدهر و أحداثه فسيكون حاله حال زهير و النابغة وأضرابهم ممّن انقرضوا و صاروا كأمس الدابر.

و قد ردّ سبحانه على تلك التهمة يأمر نبيّه بقوله: (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّى مَعَكُمْ مِنَ المُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَيُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)(الطور/31ـ34).


(148)

إنّ اللّه سبحانه أمر النبي أن يتهدّدهم ويتوعّدهم باُمور:

أ ـ (قُل تربّصوا فانّي مَعكُم مِنَ المُتربّصين): انتظروا وتمهّلوا في ريب المنون فإنّي متربّص معكم منتظر قضاء اللّه فيّ وفيكم وستعلمون لمن تكون حسن العاقبة والظفر في الدّنيا والآخرة.

ب ـ (أم تأْمرهُمْ أحلاَمَهُم بِهذا)؟ أي هل تأمرهم عقولهم بنشر هذه التّهمة، فإنّ التهم الثلاث لا تجتمع بحسب مدّعاهم في آن واحد، فإنّ المجنون من زال تعقّله وإدراكه، فكيف يقوى على إنشاء الشعر الرصين، وكيف يكون قوله حجّة في الإخبار عن المغيّبات؟.

وقصارى القول: إنّ هؤلاء المتحاملين كانوا قد فقدوا رشدهم فأخذوا يتخبّطون في تهمهم وكلامهم من دون وعي.

ج ـ (اَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) : بل الحقّ، إنّ الذي حملهم على ما يقولون هو عنادهم وعتوّهم عن الحقّ وطغيانهم.

د ـ (اَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ) أي إنّ عقولهم لم تأمرهم بهذا ولم تدعهم إليه بل حملهم الطغيان على تكذيبك، ولأجل ذلك يقولون: افتعل القرآن من تلقاء نفسه.

هـ ـ (بَلْ لاَ يُؤمِنُونَ) أي قصارى القول: إنّهم لا يؤمنون ولا يصدّقون بذلك عناداً وحسداً واستكباراً، وإنّما هذه تهم اتّخذوها ذريعة إلى التمويه وستروا بها عداءهم وعنادهم.

و ـ (فَلْيأتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ اِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) أي إن كان شاعراً فلديكم الشعراء الفصحاء، أو كاهناً فلديكم الكهّان الأذكياء، وإن كان قد تقوّله فلديكم الخطباء الّذين يحضرون الخطب ويجيدون إنشاء القول في كلّ فنون الكلام، فليأتوا بمثل هذا القرآن إن كانوا صادقين فيما يزعمون، فإنّ أسباب التحدّي بالقول متوفّرة لديكم كما هي متوّفّرة لديه، بل فيكم من طالت مزاولته للخطب والأشعار وكثرة الممارسة لأساليب النظم والنثر وحفـظ أيّام العرب ووقائعها أكثر من محمّد (صلى الله عليه وآله


(149)

وسلم) (1).

وقال سبحانه ردّاً على هذه الفرية: (وَمَا عَلّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ اِنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبينٌ)(يس/69) فأين القرآن من الشعر وأين محمّد من الشعراء؟.

10 ـ أضغاث أحلام: والمراد منه تخاليط أحلام رآها في المنام، ويحكي عنهم سبحانه بقوله: (وَاَسَرُّوا النّجوَى الّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ اَفَتَأتُونَ السّحْرَ وَاَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبّي يَعْلَمُ القَوْلَ فِي السّماءِ وَ الأَرْضِ وَهُو السّمِيعُ الَعلِيمُ * بَلْ قَالُوا اَضغاثُ اَحْلام بَل افْتَراهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَليَأتِنَا بِآية كَما اُرْسِلَ الأَوَّلُونَ)(الأنبياء/3ـ5).

بيّن سبحانه في هاتين الآيتين إقتسامهم القول في النبيّ، فقال بعضهم أخلاط أحلام قد رآها في النوم، وقال آخرون: بل إختلقه من تلقاء نفسه ونسبه إلى اللّه، وقال قوم: بل هو شاعر وما أتى به شعر، يخيّل إلى السامع معاني لا حقيقة لها، مضافاً إلى أنّهم استبعدوا أن يكون بشر مثلهم نبيّاً.

وهذا الإضطراب والتردّد في القول دأب المحجوج المغلوب على أمره، لايتردّد إلاّ بين باطل وأبطل ويتذبذب بين فاسد وأفسد منه.

فلو بنى على تحليل القرآن بواحد من هذه الوجوه، فكونه سحراً ـ مع كونه فاسداً ـ أقرب من كونه أضغاث أحلام، فأين هذا النظم البديع من تخاليط الكلام التي لا تضبط؟ وادّعاء كونها مفتريات أبعد وأبعد، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اشتهر بالأمانة والصدق، مضافاً إلى أنّهم أعرف النّاس بالفرق بين النظم والنثر، فكيف يصفونه بالشعر؟ كما أنّهم يفرّقون بين الغايات التي يصاغ له الشعر والغايات التي يشدها القرآن كيف يتّهمونه بالشعر مع أنّهم يعلمون أنّه لم ينشد شعراً وما اجتمع بالشعراء ولا حام حوله مدى أربعين سنة؟(2).


1 . تفسير المراغي:ج25 ص32.
2 . تفسير المراغي: ج17 ص7.


(150)

إنّ المتمعّن في أحوال النبيّ ينتهي من خلال هذه التهم إلى أنّه كان رجلاً صالحاً طاهراً ديّناً عفيفاً نقي الجيب مأموناً على المال والعرض والنفس، لم يدنّس نفسه بفاحشة ولم يتجاوز حقّ أحد قط بل كانت حياته حياة إنسان مثالي، فلأجل ذلك لم يجد الأعداء سبيلاً إلى رميه بهذه التهم، فحاولوا أن يتّهموه باُمور نفسيّة يعسر إثباتها كما يعسر نفيها، وأمّا انّهم كيف اتّهموه بالسحر؟ فيقول ابن هشام:

«إنّ الوليد بن المغيرة إجتمع إليه نفر من قريش، إنّه قد حضر الموسم، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأياً نقول به، قال: بل أنتم فقولوا و أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: لا واللّه ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهّان فما هو بزمزمة الكاهن ولاسجعه، قالوا : فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالُجه ولا وسوسته، قالوا فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحّار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولاعقدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: واللّه إنّ لقوله لحلاوة، وإنّ أصله لعذق، وإنّ فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلاّ عرف أنّه باطل، وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل النّاس حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحد إلاّ حذّروه إيّاه، وذكروا لهم أمره. فأنزل اللّه تعالى في الوليد بن المغيرة في ذلك من قوله: (ذَرْني وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهّدْتُّ لَهُ تَمْهِيداً * ثمّ يَطمَعُ اَنْ اَزِيدَ * كَلاّ اِنّهُ كَانَ لآِياتِنَا عَنيداً) أي خصيماً (سَاُرْهِقُهُ صَعُوداً * اِنّهُ فَكّرَ وَقَدّر * فَقُتِلَ كَيفَ قَدّرَ * ثُمّ قُتِلَ كَيفَ قَدّر * ثُم نَظَرَ * ثُمّ عَبَسَ وَبَسَر * ثُمّ اَدْبَرَ واسْتَكْبَر * فَقالَ اِنْ هَذا اِلاّ سِحرٌ يُؤثَرُ * اِنْ هَذَا اِلاّ قَوْلُ البَشَر)(المدّثّر/11ـ25).


(151)

وأنزل اللّه في النفر الذين كانوا يصنّفون القول في رسول اللّه وفيما جاء به من اللّه تعالى: (كَمَا اَنْزَلْنَا عَلى المُقْتَسِمِينَ * الّذِينَ جَعَلوا القُرآنَ عضينَ * فَوَ رَبّكَ لَنسْألنَّهُمْ اَجْمَعِينَ * عَمّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(الحجر/90 ـ 93)(1).

***


1 . السيرة النبويّة لابن هشام: ج1 ص270.


(152)

ب ـ الاستنكار والاحتجاج بالاُمور الواهية.

قد اطّلعت على الظنون والشبهات التي نسجها القوم على منوال التّهم وعرفت إجابة القرآن عنها، فهلمّ معي ندرس إستنكارات القوم الباطلة التي جعلوها سدّاً في وجه الإذعان برسالته، وهاتيك الإحتجاجات وإن كانت قد صدرت من أفواه رجال طعنوا في السن ولكنّها أشبه شيء بمنطق الّذين لا يعون ما يقولونه وإليك سردها واحدة واحدة:

1 ـ لماذا لم ينزل القرآن على رجل مُثْر؟!

إنّ الوليد بن المغيرة كان رجلاً مثرياً معروفاً في مكّة ومثله عروة بن مسعود الثقفي في الطائف، فكان من حججهم الواهية على النّبي أنّه لماذا لم ينزل ما تدّعيه من القرآن عليهما ونزل عليك؟ فهما مثريان وأنت معوز فقير، فبما أنّ الرجلين كانا عظيمي قومهما و من أصحاب الأموال الطائلة في البلدين، فدخلت الشبهة عليهم حتّى اعتقدوا إنّ من كان كذلك فهو أولى بالنبوّة. قال سبحانه حاكياً عنهم: (لَوْلانُزِّلَ هَذَا القُرآنُ عَلى رَجُل مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيم)(الزخرف/31) فهؤلاء وإن كانوا صادقين في أنّ شأن القرآن أن ينزل على من له مكانة مرموقة يمتاز بها عن الآخرين، ولكنّهم أخطأوا في جعل السموّ والعظمة في الثروة والمال لأنّ نزول الوحي رهن كون المنزول عليه رجلاً تقيّاً طاهر النفس، صامداً في تحمّل أعباء الرسالة الإلهيّة، لايخاف من مواجهة الملك، ولايخفى عليك أنّه لاصلة لهذه الشروط بالغنى والفقر، أو الثروة وخلّو اليد، والقرآن يردّ على تلك الفرية بقوله: (اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتّخِذَ


(153)

بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْريّاً وَرَحْمَتُ رَبّكَ خَيْرٌ ممّا يَجْمَعُونَ)(الزخرف/32) والمعنى إنّهم لا يملكون النبوّة الّتي هي رحمة اللّه ولطفه الّذي يختصّ به من يشاء من عباده حتّى يمنعوك منها، فيعطوها من شاؤوا، فهم عاجزون عن قسمة ما هو دون النبوّة بمراحل وهو معيشتهم في الحياة الدّنيا فنحن قسّمناها بينهم، فكيف يتدخّلون فيما هو أرفع منزلة منها بما لا يقدّر قدره، ألا وهي النبوّة الّتي هي من شؤون الباري جلّ وعلا؟

2 ـ الرسالة الإلهيّة فوق طاقة البشر.

كان عرب الجاهليّة يزعمون: إنّ الرسالة الإلهيّة فوق قدرة البشر وإنّما هي شؤون الملك، وإليه يشير قوله سبحانه: (وَاَسَرُّوا النّجوَى الّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا اِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أفَتَأتُونَ السِّحْرَ وَأنْتُمْ تُبصِرُونَ)(الأنبياء/3) وقال سبحانه: (وَمَا مَنَعَ النّاسَ اَنْ يُؤمِنُوا إذْ جَاءَهُمُ الهُدى اِلاّ اَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَسُولاً)(الاسراء/94) ويظهر من غير واحد من الآيات إنّ تلك الظاهرة الفكرية كانت تدور في أذهان أقوام نوح وثمود وعاد من قبل، حيث إعترضوا على رسلهم بأنّهم بشر مثلهم، قال سبحانه حاكياً عنهم: (قَالُوا اِنْ اَنْتُمْ اِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ اَنْ تَصُدُّونَا عمّا كَانَ يَعْبُدُ آباؤنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَان مُبِين * قَالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ اِنْ نَحْنُ اِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنّ اللّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)(إبراهيم/10و11) ويلوح من بعض الآيات إنّ بعض اليهود المعاصرين للنبيّ الأكرم كانوا يتذرّعون بهذه الحجّة الواهية كما يحكي عنهم بقوله: (وَمَا قَدرُو اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ اِذْ قَالُوا مَا اَنْزَلَ اللّهُ عَلى بَشَر مِنْ شَيء) يقولون ذلك بصلافة ووقاحة في الوقت الذي كانوا يعتقدون بنبوّة موسى وكتابه ، وإليه يشير قوله سبحانه: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِى جَاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَ تُخْفُونَ كَثِيراً)(الأنعام/91).

و القوم على جهل بسر لزوم كون الرسول بشراً لاملكاً، و لو كانوا على إحاطة به و منصفين في الحكم لما احتجّوا بمثل تلك الحجّة الواهية، إذ يترتّب على وجود المماثلة النوعية بين الرسول و المرسل إليه ما لا يترتّب على عدمها و ذلك لاُمور:


(154)

أوّلاً: المسانخة و المماثلة أساس ترتكز عليه القيادة، فلو عدمت لانتّفت الغاية المنشودة، فإنّ القائد إذا كان مشاكلاً للمقود يكون واقفاً على حدود طاقات المرسل إليهم و غرائزهم و طبائعهم و ميولهم، فيبادر إلى معالجة ما يعانونه من تخلّف و جهل و إنحطاط كما يقوم بتنمية طاقاتهم و إستعداداتهم في مجالي المادة و المعنى، إذ يحسّ منهم ما يحسّ من نفسه، فأين طبيعة الملك من فطرة الإنسان ، فالملك مخلوق على نمط خاص لايحيد عنه فلايتمكّن من العصيان، وأمّا البشر فقد خلق مخيّراً بين الطاعة و المخالفة إن شاء إمتثل و آمن، و إن شاء إرتدّ و كفر.

و بعبارة ثانية: إنّ الإنسان جبل على غرائز متضادّة سائدة عليه، ففيه الشهوة والغضب و هما من الميول السفلية في كيان ذاته، كما فيه الميول العلوية التي تجرّه إلى الخير و الإحسان و التجافي عن الطبيعة و التوجّه إلى ماوراءها، فالإنسان المثالي هو من يقوم بتعديل تلك الفطريّات المتضادّة، و أمّا الملك فقد جبل على سلوك الخير و الطاعة، فلايقدر على الخلاف و العصيان، فهل يدرك هذا الموجود المفارق موقف الإنسان الذي خلق هلوعاً.

و ثانياً: إنّ القائد كما يهدي بكلامه و مقاله، يهدي بفعله و عمله، فهو قدوة في مجالي القول و العمل، و الدعوة بالفعل أرسخ في القلوب من الدعوة بالقول، وهذا يقتضي و جود السنخية بين الرسول و المرسل إليهم حتّى يكون الرسول في الغرائز الباعثة إلى الشرّ و العصيان، مثل المرسل إليهم في ذلك المجال، و بالتالي يكون سلوكه طريق الخير و الصلاح حجّة على المرسل إليهم، و لولا السنخيّة لما تمّت الحجّة و بقى مجال للإعتراض .

و إلى بعض ما ذكرنا يمكن أن يشير قوله سبحانه: (وَ مَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَسُولاً * قُلْ لَوْ كَانَ فِى الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً)(الأسراء/94و95) أي لو وجد


(155)

في الأرض ملائكة يمشون كما يمشي البشر، و يقيمون فيها كما يقيم و يسهل الإجتماع يهم، و تلقّي الشرائع منهم، لنزّلنا عليهم من السماء رسلاً من الملائكة للهداية و الإرشاد و تعليم الناس ما يجب عليهم تعلّمه، و لكن طبيعة الملك لاتصلح للإجتماع بالبشر، فلايسهل عليهم التخاطب و التفاهم معهم، لبعد ما بين الملك و بينهم، و من ثمّ لم نبعث ملائكة، بل بعثنا خواص البشر، لأنّ اللّه قدوهبهم نفوساً زكيّة، و أيّدهم بأرواح قدسية، و جعل لهم ناحية ملكية بها يستطيعون أن يتلقّوا من الملائكة، و ناحية بشرية بها يبلّغون رسالات ربّهم إلى عباده(1).

و قد نبّه سبحانه إلى عظيم هذه الحكمة و جليل تلك النعمة بقوله: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ...)(آل عمران/164) و قوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيِهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(التوبة/128). و قوله: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُم آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)(البقرة/151) إلى غير ذلك من الآيات التي وقع التنصيص فيها بكون الرسول من جنس البشر.

3 ـ نبذ سنّة الآباء:

التشبّث بسيرة الآباء من الاُمور الجبلية للبشر، خصوصاً فيمن يعيش في واحات الصحراء بعيداً عن الحضارة و أسبابها، فقد كان العرب متعصّبين على مسلك آبائهم تعصّباً حال بينهم و بين الإيمان بالرسول بحجّة انّه يدعوا إلى خلاف سيرة آبائهم، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالُوا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَائَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَيَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلايَهْتَدُونَ)(المائدة/104) وقدعرفت الكلام في ذلك عند البحث عن الدوافع الروحيّة التي منعتهم عن الإيمان إجمالاً.


1 . تفسير المراغي: ج15 ص97.


(156)

و على ضوء ذلك كانوا يتعجّبون من جعل الآلهة المتعدّدة إلهاً واحداً، فقدكان للعرب أصنام منصوبة على سطح الكعبة، كاللات و العزّى و هبل، و يعكفون على عبادتها، فقال لهم النبي: يا معشر العرب، أدعوكم إلى عبادة اللّه، و خلع الأنداد والأصنام، و أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، فقالوا: أنَدَع ثلاث مائة و ستين إلهاً و نعبد إلهاً واحداً، و إليه الإشارة في قوله سبحانه: (وَ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلهة إِلهَاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)(ص/4و5)(1).

روى المفسّرون أنّ أشراف قريش و هم خمسة و عشرون منهم: الوليد بن المغيرة و هو أكبرهم، و أبوجهل، و اُبي و اُميّْة إبنا خلف، و عتبة و شيبة ابنا ربيعة، و النضر بن الحارث، أتوا أباطالب، و قالوا: أنت شيخنا و كبيرنا و قدأتيناك لتقضي بيننا و بين ابن أخيك، فإنّه سفّه أحلامنا وشتم آلهتنا، فدعا أبو طالب رسولاللّه وقال: يا بن أخي هؤلاء قومك يسألونك، فقال: ما ذا يسألونني؟ قالوا: دعنا وآلهتنا، ندعك و إلهك، فقال: أتعطوني كلمة تملكون بها العرب و العجم؟ فقال أبو جهل للّه أبوك، نعطيك ذلك عشر أمثالها، فقال: قولوا لا إله إلاّ اللّه، فقاموا وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً، و روي أنّ النبي استعبر ثمّ قال: يا عمّ واللّه لووضعت الشمس في يميني و القمر في شمالي ما تركت هذا القول حتى أنفذه أو اُقتل دونه، فقال له أبوطالب: امض لأمرك فواللّه لاأخذلُك أبداً(2).

4 ـ الدعوة إلى الحياة الاُخروية

كانت عرب الجاهلية خصوصاً المترفين منهم يخافون من سماع أخبار البعث و النشور، و أنّ الإنسان سيبعث بعد موته و يحاسب و يجزى حسب أعماله، و كان


1 . مناقب ابن شهر آشوب: ج1 ص49، بحار الأنوار: ج18 ص115، و لاحظ تاريخ الطبري: ج2 ص66.
2 . مجمع البيان: ج8 ص465.


(157)

هذا أحد الدوافع للإعراض عن الدعوة، و قدجاء في الذكر الحكيم ما ذكروه في هذا المجال من الحجج الواهية، و سنوافيك به عند البحث عن المعاد في الذكر الحكيم و نكتفي في هذا المقام ببعض الآيات، فقال سبحانه: ( وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِى الأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْق جَدِيد)(السجدة/10)، و قال سبحانه: (وَ قَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقَاً جَدِيداً)(الإسراء/98)، و قال سبحانه: (وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِى خَلْق جَدِيد)(سبأ/7).

و تعرب الآية الاُولى عن أنّهم كانوا يظنّون إنّ الموت إفناء للإنسان و اعدام واضمحلال له، فكيف يمكن إحياؤه ثانياً؟ و القرآن يجيب عنه بقوله سبحانه: (قُلْيَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(السجدة/11). إنّالوفاء في الآية بمعنى الأخذ، و حاصل الجواب: إنّ ملك الموت الذي وكّل بكم يأخذكم فلاتضلّون في الأرض ثمّ إلى ربّكم ترجعون.

و بعبارة ثانية:إنّ الإنسان مركّب من جسم و روح فما يبقى في الأرض هو جسمه و ليس حقيقته و واقعيّته، و أمّا حقيقة الإنسان فهي روحه و نفسه و هي محفوظة عندنا يأخذها ملك الموت فما بقي فهو غير حقيقته، و ما هو واقعية الإنسان(الروح)، و النفس فهي محفوظة عنداللّه غير ضالة في الأرض.

قال العلاّمة الطباطبائي: «أمر سبحانه رسوله أن يجيب عن حجّتهم المبنيّة على الاسبتعاد بأنّ حقيقة الموت ليس بطلاناً لكم و ضلالاً منكم في الأرض، بل ملك الموت الموكّل بكم يأخذكم تامّين كاملين من أجسادكم أي ينزع أرواحكم من أبدانكم بمعنى قطع علاقتها من الأبدان، و أرواحكم تمام حقيقتكم، فأنتم أي ما يعني لفطة «كم» محفوظون لايضل منكم شيء من الأرض، و إنّما تضلّ الأبدان وتتغيّر من حال إلى حال، و قدكانت في معرض التغيّر من أوّل كينونتها، ثمّ إنّكم محفوظون حتّى ترجعوا إلى ربّكم بالبعث و رجوع الأرواح إلى أجسادها»(1).


1 . الميزان: ج16 ص252.


(158)

و تعرب الآية الثانية عن أنّ سبب الإنكار هو تخيّل قصور القدرة و عدم إمكان البعث، فكيف يمكن إحياء العظام الرميمة؟ فردّ عليه سبحانه بقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَ الأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم)(الإسراء/99) فليس إحياء العظام الرميمة أكبر و أعظم من خلق السموات و الأرض، فالقادر على خلقهما قادر على إحيائهم من جديد(1).

5 ـ طلب المشاركة في امتيازات النبوّة

كان المشركون ـ لأجل قصور معارفهم عن درك مقام النبوّة السامي، يطلبون المشاركة في أمر النبوّة، فكان الوليد بن المغيرة يقول: لو كانت النبوّة حقّاً لكنت أولى بها منك، لأنّي أكبر سنّا و أكثر منك مالاً! و قال أبوجهل: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى صرنا كفرسي رهان. قالوا منّا نبيّ يوحى إليه، و اللّه لانؤمن به و لانتبعه أبداً إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه(2).

و إلى هذه الحجّة الواهية يشير قوله سبحانه حاكياً عنهم: (وَ إِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا اُوتِىَ رُسُلُ اللّهِ)(الأنعام/124).

إنّ كلامهم هذا ينمّ عن حقد دفين و عناد مستبطن فردّ عليهم سبحانه بقوله: (اَللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(الأنعام/124). فهو سبحانه أعلم منهم و من جميع الخلق بمن يصلح لتنفيذ رسالاته، و يعلم من له الأهلية بتحمّل أعباء الرسالة.

6 ـ المطالبة بمثل ما اُوتي سائر الرسل

كان المشركون المتواجدون في عصر الرسالة بلغ مسامعهم بأنّ الكليم موسى


1 . قد جمعنا مجموع شبهاتهم الواهية في إمكان المعاد و تحقّقه في الجزء المختص بالمعاد و قد إكتفينا بهذا المقدار هنا روماً للإختصار.
2 . مجمع البيان: ج2 ص362(ط صيدا).


(159)

بعث بمعاجز مثل العصا إذا رمى بها في مجال التحدّي تنقلب ثعباناً، و بإدخال اليد في الجيب إذا أخرجها منه تكون بيضاء للناظرين، فاعترضوا عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه يجب أن تكون حجّة رسالته كحجج الكليم موسى (عليه السلام) وقدحكى ذلك منهم سبحانه بقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ الحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوْسَى)(القصص/48).

و في آية اُخرى: (وَ قَالُوا لَوْ لاَ نُزِّلَ عَلَيِهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَيَعْلَمونَ)(الأنعام/37). و ربّما يحتجّ بهذا الإعتراض من في قلبه مرض من المستشرقين، فيجب علينا تناوله بشيْء من الدراسة و التحليل لرفع ما فيه من الإيهام و الإبهام و ذلك من خلال جوابين مستفادين من القرآن الكريم:

أ ـ إنّ هذا الإعتراض كان لمحض إختلاق المعاذير، و الشاهد على ذلك إنّ هؤلاء المشركين وصفوا ما اُوتي الكليم بالسحر أيضاً، فقد روى المفسّرون أنّ المشركين بعثوا رهطاً إلى رؤوس اليهود في عيد لهم فسألوهم عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبروهم بنعته وصفته في كتابهم التوراة، فرجع الرهط إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك: (سِحْرَانِ تَظَاهَرَا) و إليه يشير قوله سبحانه: (أَوَلَمْيَكْفُرُوا بِمَا اُوتِىَ مُوْسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرانِ تَظَاهَرَا وَ قَالُوا إنّا بِكُلّ كَافِرُونَ)(القصص/48).

و يظهر من الآيات الواردة بعد هذه الآية أنّهم رجعوا إلى أهل الكتاب واستفتوهم في أمره و عرضوا عليهم بعض القرآن النازل عليه، فأجابوا عنه بتصديقه والإيمان به، فساء ذلك المشركين و أغلظ عليهم بالقول و أعرض الكتابيّون عنهم وقالوا: سلام عليكم لانبتغي الجاهلين. قال سبحانه:(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ... وَ إِذَا سَمِعُوا الْلَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَ قَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَ لَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لانَبْتَغِى الجَاهِلِينَ)(القصص/52 ـ55)(1).


1 . لاحظ التفاسير.


(160)

ب ـ إنّ هؤلاء جاهلون بالحكمة في إختلاف المعاجز و الآيات التي تنزل على أنبياء اللّه تعالى و يزعمون أنّه يجب أن تكون معاجز الجميع على حد سواء مع أنّ المصالح تقتضي أن تختلف معاجز الأنبياء ذاتاً و سنخاً حتى تتم الحجّة على المرسل إليهم، و تفصيل القول في ذلك إنّه يجب أن تكون معجزة كل نبي مجانسة للفن الرائج في عصره حتى إذا عرضت على مهرة ذلك الفن و خبرائه، أذعنوا بتفوّقه على قدراتهم و طاقاتهم، و الذي جاء به مدّعي النبوّة فوق حدود العلم و الفن الذي تمرّسوا فيه، و هذا يقتضي كون المعجزة مسانخة لما برعوا فيه في ذلك العصر إذ لوكان مغايراً و مفارقاً لما تمّت الحجة و لما اُلزموا بها إذ بوسعهم أن يعترضوا ويقولون: لاخبرة بشأن ما اُتيت به، فكيف لنا التحدّي و المناجزة أو التصديق بأنّ ما جئت به معجزة إلهية تفوق قدرة البشر، فاقتضت المصلحة تسانخ المعاجز للفنون الرائجة في عصر كل نبي.

و قدبلغ فن السحر و الشعبذة في عصر الكليم موسى الذروة و القمّة كما اكتسب الطب في عصر المسيح أهميّة بالغة، فجاء الكليم موسى بالعصا و اليد البيضاء فأبطل سحرهم و أثبت أنّ ما أتى به معجزة تفوق حد السحر و إن كان بينهما مشاكلة في الصورة و لكنّها تباينه بالذات، كما أنّ المسيح بابراء الأكمه و الأبرص وإحياء الموتى كان قدأثبت أنّ ما أتى به فوق علمهم و طاقتهم و براعتهم، و خارج عن الموازين الطبيعية التي كانوا يعتمدونها في الإبراء و المداواة.

فنفس تلك المصلحة تتطلّب أن تكون معجزة النبي الأكرم مشابهة لما برع فيه العرب في العصر الجاهلي لأنّه كان قدراج بينهم إنشاء الخطب البليغة الفصيحة ونظم الشعر و التحدّي بينهم في ذلك، فجاء بكتاب متحدّياً بصريح نصّه: (وَ إِنْ كُنْتُمْ فِى رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى وَ قُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ اُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)(البقرة/23و24).

و إلى هذا الجواب يشير قوله سبحانه في ذيل الآية التي نبحث عنها:


(161)

(قُلْ فَاتْوا بكَتاب مِنْ عِنْدِ اللّهِ هُوَ أهدى مِنْهُمَا(1) اَتّبِعْهُ اِنْ كُنْتُمْ صَادقِينَ)(القصص/49).

ويدلّ على هذه الحقيقة مضافاً إلى ذلك ما روي عن أبي السكيت أنّه قال لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) :

«لماذا بعث اللّه موسى بن عمران (عليه السلام) بالعصا، و يده البيضاء، و آلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى جميع الأنبياء ـ بالكلام والخطب؟.

فقال أبو الحسن (عليه السلام) : إنّ اللّه لمّا بعث موسى (عليه السلام) كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند اللّه بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم. وإنّ اللّه بعث عيسى (عليه السلام) في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج النّاس إلى الطب، فأتاهم من عند اللّه بما لميكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن اللّه، وأثبت به الحجّة عليهم.

وإنّ اللّه بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام. وأظنّه قال: الشعر، فأتاهم من عند اللّه من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجّة عليهم»(2).

أضف إلى ذلك إنّ نبوّة الرسول الأكرم نبوّة خالدة ورسالته رسالة أبدية فهو خاتم الأنبياء والمرسلين كما أنّ كتابه خاتم الكتب، ورسالته خاتمة الرسالات، فيجب أن تقترن الرسالة الأبديّة بمعجزة خالدة حتّى تتمّ الحجّة على مرّ الأجيال والعصور، ولا يختلق الجاهل عذراً يبرّر له رفضه لتلك الرسالة بعد رحيل الصادع بها، وتباعد العهد وطول الشقّة الزمنيّة.


1 . الضمير راجع إلى التوراة و القرآن.
2 . الكافي: ج1«كتاب العقل و الجهل» الرواية20.


(162)

كلّ ذلك كان حافزاً لدعم دعوة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن الكريم الّذي ما أفلت أنواره منذ أن بزغ نجمه في أوّل مرّة.

7 ـ لماذا لا ينزلّ عليه ملك؟!

وهذا الإعتراض يحكيه عنهم قوله سبحانه: (وَقَالُوا لَوْلا اُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ)(الأنعام/8) وما كانوا يقصدون به أنّه لماذا لا ينزل الملك إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه كان يدّعي نزول الملك عليه والقرآن أيضاً يصدّقه في ذلك بقوله: (نَزَلَ بِهِ الُّروحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكونَ مِنَ المُنْذِرينَ)(الشعراء/193 و 194).

وقال سبحانه: (إِنّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * ذِي قُوّة عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكيِن * مُطَاع ثَمّ اَمِين)(التكوير/19 ـ 21) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ الوحي ينزل على النّبيّ بتوسّط الملك، ومع هذا التصريح فما معنى قوله: (لَوْلاَ اُنْزِلَ علَيْهِ مَلَكٌ)؟.

أقول: إنّ الاقتراحات الّتي تقدّم بها المشركون في نزول الملك معه أو إليه كانت على أنحاء:

الأوّل: إنّهم كانوا يطلبون المشاركة في امتيازات مقام النبوّة ويقولون: إنّه لوصحّ نزول الملك على النبيّ فلماذا لا ينزل علينا مباشرة على جهة الاستقلال؟ وقدورد في ذلك آيات نحو قوله تعالى: (وَقَالَ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ اُنْزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ اَوْ نَرىَ رَبّنَا)(الفرقان/21) وقال سبحانه: (اِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ اَيْدِيْهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ اَلاّ تَعْبُدُوا إلاّ اللّهَ قَالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنَا لأنْزَلَ مَلائكَةً فَانّا بِمَا اُرْسلْتُمْ به كَافِرُونَ)(فصّلت/14).

إنّ هذا القسم من الآيات مبني على إعتقادهم بأنّه لا يصحّ لأحد من البشر ولوكان أرقاهم عقلاً وخلقاً وأدباً أن يكون رسولاً وواسطة بين اللّه و عباده، لأنّهم يأكلون ويشربون وفي ذلك قال سبحانه حاكياً عنهم:(مَا هَذا إلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَاْكُلُ مِمّا تَاكُلُونَ مِنْهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرِبُونَ * وَلَئنْ اَطعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ اِنّكُمْ اذاً


(163)

لَخَاسِرونَ)(المؤمنون/33 ـ 34).

الثاني: كانوا يطلبون أن ينزل مع النّبيّ ملك يصدّقه، وقد ورد هذا المعنى في عدّة آيات، قال سبحانه: (وَقَالُوا مَا لِهذَا الرّسُولِ يَأكُلُ الطّعامَ وَيمشِي فِي الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ اِليْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً)(الفرقان/7) فالغاية من نزول الملك إلى النبي كونه نذيراً معه ومصدّقاً له، قال سبحانه: (فَلوْلاَ اُلْقِيَ عَلَيْهِ اَسْوِرةٌ مِنْ ذَهَب أوْ جَاءَ مَعَهُ المَلائِكةُ مُقترِنيِنَ)(الزخرف/53) وقال سبحانه: (فَلَعَلَّكَ تَاركٌ بَعْضَ مَا يُوْحَى اِليْكَ وضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ اَنْ يَقُولُوا لَوْلا اُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جَاءَ مَعَه مَلَكٌ اِنّما اَنْتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلّ شَيء وَكيِلٌ)(هود/12).

وعلى ذلك يحمل قوله سبحانه: (وَقَالُوا لَوْلا اُنْزِلَ عَلَيْه مَلَكٌ وَلَوْ اَنْزِلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمّ لاَ يُنْظرُونَ)(الأنعام/8).

ويحتمل أن يكون المراد مشاهدة الملك معه فقط سواء أنذر معه أو لا؟ فيدخل في القسم الثالث الآتي.

ثمّ إنّ إنزال الملك مع النبيّ ليصدّق دعوته وينذر معه يتصوّر على وجهين:

أ ـ أن ينزل الملك بصورته الواقعية ـ وسيوافيك في القسم الثالثـ إنّ نتيجة ذلك هو موت المنذرين لأنّهم لا يحتملون رؤيته ومشاهدته بحسب طاقتهم البشريّة إلاّ بالانسلاخ عن الماديّة والإنتقال إلى مرحلة أعلى منها.

ب ـ أن ينزل الملك لا بصورته الواقعيّة بل يتمثّل بصورة إنسان وهذا لا يفيد شيئاً لأنّهم باستطاعتهم أن يتّهمونه بأنّه بشر مثل النبيّ وليس بملك.

وبعبارة اُخرى: لو جعله ملكاً في صورة بشر لجزموا ببشريّته لأنّهم لا يدركون منه إلاّ صورته الظاهرية وصفاته البشريّة التي تمثّل بها، وحينئذ لا يصدّقونه ويرجع الأمر كما كان في بادي ذي بدء، وإليه يشير قوله سبحانه: (وَلَوْ جَعَلنَاهُ مَلَكاً لَجَعلْنَاهُ رَجُلاً وَللَبَسْنَا عَليْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)(الأنعام/9) أي لكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما


(164)

لحق، وهذا إحتجاج عليهم بأنّ الّذي طلبوه لا يزيدهم بياناً بل يكون الأمر عبثاً ولغواً لا طائل وراءه(1).

الثالث: كانوا يطلبون مشاهدة الملك عياناً على أن يكون الإتيان بالملك، احدى معاجزه مثل قوله سبحانه: (اَوْ تَأتِيَ بِاللّهِ والمَلائِكَةِ قَبيلاً)(الإسراء/92)، قال سبحانه: (لَوْ مَا تَاْتِيْنَا بِالمَلائكَةِ اِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقينَ)(الحجر/7)، قال سبحانه: (وَلَوْ أنّنا نَزّلنَا اِليْهِمُ المَلائِكَةَ وَكَلّمَهُمُ المَوتَى وَحَشَرنْا عَليْهِمْ كُلّ شَيء قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤمِنُوا اِلاّ أنْ يَشَاءَ اللّهُ وَلَكِنّ أكْثَرهُمْ يَجْهلُونَ)(الأنعام/111).

ويرد القرآن على هذا الاحتجاج: (وَلَوْ أنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمّ لا يُنْظرُونَ)(الأنعام/8)أي يكون هلاكهم قطعيّاً على ما يوضّحه النص التالي:

إنّ نفوس المتوغّلين في عالم المادّة لا تطيق مشاهدة الملائكة لو نزلوا عليهم واختلطوا بهم لكون ظرفهم غير ظرف الملائكة فلو إرتفع الناس إلى المرتبة الوجودية للملائكة لم يكن ذلك إلاّ إنتقالاً منهم من حضيض المادة إلى ذروة ما وراءها وهو الموت كما قال تعالى: (وَقَالَ الّذِينَ لاَ يَرجُونَ لِقاءَناَ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكةُ أوْ نَرَى رَبّنَا لَقَد إسّتَكبَرُوا فِي أنْفُسِهمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً * يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لاَ بُشّرَى يَوْمئِذ لَلْمُجرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً)(الفرقان/21 و 22)(2). قال ابن عباس: ولوأتاهم ملك في صورته لأهلكناهم ثمّ لا يؤخّرون(3).

8 ـ التفاؤل بغلبة فارس على الروم.

قد نشبت حرب دامية بين الروم والفرس، والنبيّ والمسلمون بمكّة حوالي سنة سبع من البعثة، فغلبت الفرس على الروم فتفألت بذلك قريش بحجّة أنّ الفرس


1 . مجمع البيان: ج2 ص 76و77.
2 . الميزان: ج7 ص16.
3 . دلائل النبوّة للبيهقي: ج2 ص 332.


(165)

وثنيّون والروم أهل كتاب فقالوا: الروم أهل كتاب وقد غلبتهم الفرس وأنتم تزعمون أنّكم ستغلبون بالكتاب الّذي اُنزل على نبيكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل اللّه سبحانه: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي اَدنى اَلأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعَدِ غَلَبِهِمْ سَيَغلِبُونَ * فَي بِضْعِ سِنِينَ للّهِ الاَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعَدُ وَيوْمَئذ يَفْرَحُ المُؤمِنُونَ * بِنْصرِ اللّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرّحِيمُ)(الروم/1 ـ 5).

والآية تتضمن خبراً غيبياً بل خبرين حيث يخبر عن غلبة الروم على الفرس أوّلاً في بضع سنين أي في مدة لا تتجاوز تسع سنين، وانّه في ذلك اليوم ينزل النصر على المؤمنين أيضاً وقد تحقّق الخبران يوم ظهر المسلمون على مشركي قريش يوم بدر. قال عطية: وسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال التقينا مع رسول اللّه ومشركي العرب، و التقت الروم وفارس فنصرنا اللّه على مشركي العرب ونصر أهل الكتاب على المجوس ففرحنا بنصر اللّه إيّانا على مشركي العرب ونصر أهل الكتاب على المجوس، وذلك قوله: (يَوْمئِذ يَفْرَحُ المُؤمِنُونَ بِنَصْرِ اللّه)(1).

9 ـ طلب رفع العذاب.

لمّا رأى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الناس إدباراً فقال: اللّهمّ سبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكّة فقالوا يا محمّد، إنّك تزعم أنّك بعثت رحمة وأنّ قومك قدهلكوا فادع اللّه لهم، فدعا رسول اللّه فسقوا فأطبقت عليهم سبعاً، فشكى الناس كثرة المطر، فقال: اللّهمّ حوالينا ولا علينا،. فانحدرت السحابة عن رأسه فسقى الناس حولهم(2).

وروى السيوطي: إنّ قريشاً لمّا استعصيت على رسول اللّه وأبطأؤا عن الإسلام قال: اللّهمّ أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف فأصابهم جهد وقحط حتّى أكلوا العظام


1 . مجمع البيان: ج4 ص295.
2 . دلائل النبوّة: ج2 ص326.


(166)

فجعل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع فأنزل اللّه: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السّمَاءُ بِدُخان مُبِين * يَغْشَى النّاسَ هَذا عَذابٌ اَلِيمٌ)(الدخان/10 و11) فأتى النبيّ فقيل: يا رسول اللّه استسق اللّه لمضر، فاستسقى لهم فسقوا فأنزل اللّه : (اِنّا كَاشِفُوا العَذابِ قَليِلاً اِنّكُمْ عائِدُونَ)(الدخان/15)، فلمّا أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل اللّه: (يَوْمَنَبْطِش البَطْشَة الكُبُرى اِنّا مُنْتَقِمُونَ)(الدخان/16) فانتقم اللّه منهم يوم بدر(1).

10 ـ كيف يمكن إحياء العظام البالية؟

مشى اُبي بن خلف إلى رسول اللّه بعظم بال قد اُرفت فقال: يا محمّد إنّك تزعم أنّ اللّه يبعث هذا بعدما أرم؟ ثمّ فتّه بيده، ثمّ نفخه في الريح، فقال رسول اللّه: نعم أنا أقول ذلك، يبعثه اللّه وإيّاك بعدما تكون هكذا ثمّ يدخلك اللّه النار، فأنزل اللّه تعالى فيه: (وَضَربَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحيِيهَا الّذي اَنشأهَا أَوّلَ مَرّة وَهُوَ بِكلِّ خَلْق عَلِيمٌ * الّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشّجَرِ الاَخْضَرِ نَاراً فَاذِا اَنْتُم مِنْهُ تُوقِدُونَ)(يس/78 ـ80)(2).

11 ـ هل المسيح حصب جهنّم؟!

جلس رسول اللّه مع الوليد ين المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث، حتّى جلس معهم في المجلس وفي المجلس غير واحد من رجال قريش فتكلّم رسول اللّه، فعرض له النضر بن الحارث، فكلّمه رسول اللّه حتّى أفحمه ثمّ تلى عليه وعليهم: (اِنّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ اَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ


1 . الدر المنثور: ج6 ص28.
2 . السيرة النبويّة لابن هشام: ج1 ص361و362. و سيوافيك جميع حججهم الواهية حول المعاد في الجزء المختص به بإذن اللّه، و لذلك آثرنا في المقام الإختصار.


(167)

هَؤُلاءِ آلِهَةَ مَا وَردُوهَا وَكُلٌ فِيْهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفيِرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ)(الأنبياء/98ـ100).

فأقبل عبد اللّه بن الزبعري السهمي حتّى جلس فقال الوليد بن مغيرة لعبد اللّه ابن الزبعري: واللّه قد زعم محمّد إنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنّم. فقال عبد اللّه بن الزبعري: أمّا واللّه لو وجدته لخصمته، فسلوا محمداً أكلُّ ما يعبد من دون اللّه في جهنّم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنّصارى تعبد عيسى بن مريم، فعجب الوليد ومع من كان معه في المجلس من قول عبد اللّه بن الزبعري ورأوا أنّه قد احتجّ وخاصم فذكر ذلك لرسول اللّه من قول ابن الزبعري.... فأنزل اللّه تعالى عليه: (اِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى اُؤلئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَيَسْمَعُونَ حَسِيْسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ اَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ)(الأنبياء/101و102) أي عيسى بن مريم وعزيراً ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة اللّه فاتّخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون اللّه.

فنزل فيما يذكرون أنّهم يعبدون الملائكة، وإنّهنَّ بنات اللّه : (وَقَالُوا اتّخذ الرّحْمنُ وَلداً سُبحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهَمْ بِأمْرِهِ يَعْملُونَ... ـإلى قوله ـ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّى اِلهٌ مِنْ دُوِنهِ فَذَلِكَ نجْزِيِهِ جهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمينَ)(الأنبياء/26 ـ29).

ونزل في ما ذكر من أمر عيسى بن مريم أنّه يعبد من دون اللّه. وعجب الوليد ومن حضر من حجّته وخصومه (وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيمَ مَثَلاً اِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصدُّونَ * إنْ هُوَ اِلاّ عَبْدٌ ا َنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي اِسرائِيلَ * و َلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكة فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَ اِنّهُ لَعِلْمٌ للِسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنّ بِهَا وَاتّبِعُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتقِيمٌ)(الزخرف/57 و 59 ـ61).

***


(168)

خاتمة المطاف:

دعاء النّبيّ على سبعة من قريش

استقبل رسول اللّه البيت فدعا على نفر من قريش سبعة فيهم أبو جهل، واُميّة ابن خلف، وعتبة بن ربيعةوشيبة بن ربيعة ، وعتبة بن أبي معيط، قال عبد اللّه بن مسعود اُقسم باللّه لقد رأيتهم صرعى على بدر، قد غيّرتهم الشمس وكان يوماً حارّاً(1).

وقد نزلت آيات في حقّهم وحقّ غيرهم تقدّم بعضها وإليك البقية الباقية منها:

1 ـ لمّا أرادت قريش البطش بالنبيّ أخذوا يتناولونه بالنبز واللمز والهمز وصور الاستهزاء المختلفة وجعل القرآن ينزل في قريش يخبر عن أعمالهم وعدائهم، فمنهم من سمّي لنا، ومنهم من لم يسمّ، وممّن سمّي لنا من قريش عمّه أبو لهب بن عبد المطلب وامرأته اُم جميل بنت حرب بن اُميّة، حمّالة الحطب، وإنّما سمّاها اللّه تعالى حمّالة الحطب، لأنّها كانت ـ تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ حيث يمرّ، فأنزل اللّه تعالى فيهما: (تَبّت يَدَا أبِي لَهَب وَتَبْ * مَا أغنَى عَنهُ مَالهُ ومَا كَسَبَ * سَيَصلَى نَاراً ذَاتَ لَهَب * و امْرأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبلٌ مِّن مّسد )(2).

2 ـ إنّ اُميّة بن خلف كان إذا رأى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهمزه و لمزه، فأنزل اللّه تعالى فيه: (وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَة لُمَزَة * الّذي جَمَعَ مَالاً وعَدّدهُ * يَحْسَبُ اَنّ مَالهُ اَخلَدَهُ * كَلاّ لَيُنْبَذَنّ فِي الحُطَمَةِ * وَمَا اَدْراكَ مَا الحُطَمَةُ * نَارُ اللّهِ المُوقَدَةُ * الّتي تَطَّلِعُ عَلَى الاَفْئدِةِ * اِنّها عَلَيْهِم مُؤصَدَةٌ * فِي عَمَد مُمَدّدة)(الهمزة/1 ـ9)(3).


1 . دلائل النبوة: ج2 ص335.
2 . السيرة النبوية لابن هشام: ج1 ص355.
3 . المصدر السابق: ج1 ص356.


(169)

3 ـ لقى أبو جهل بن هشام رسول اللّه فقال له: واللّه يا محمّد لتتركنّ سب آلهتنا أو لنسبنّ إلهك الذي تعبد، فأنزل اللّه تعالى: (وَلاَ تَسُبّوا الّذِينَ يَدعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسِبُّوا اللّه عَدْواً بِغيْرِ عِلْم)(الأنعام/108)(1).

لمّا نزل قوله سبحانه: (سَاُصْليهِ سَقرَ * ومَا أَدْراكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقي وَلا تَذَرُ * لوّاحَةٌ لِلْبَشرِ * علَيْهَا تِسْعةَ عَشَرَ)(المدثر/26 ـ30)، قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم اُمّهاتكم أتسمعون ابن أبي كبيشة يخبركم بأنّ خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنّم، فقال أبو الأسد الجمحي: أنا أكفيكم سبعة عشر، عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، فاكفوني أنتم اثنين، فنزل قوله: (وَمَا جَعَلْنَا اَصْحَابَ النّارِ اِلاّ مَلائِكةً وَمَا جَعَلْنَا عِدّتَهُمْ اِلاّ فِنْتنَةً لِلذِينَ كَفَرُوا لِيسْتَيْقنَ الّذِينَ اُوتُوا الكِتَابَ وَيَزْدَادَ الّذينَ آمَنُوا اِيماناً)(المدثر/31)(2).

لمّا ذكر اللّه عزّ وجلّ شجرة الزقوم ترهيباً بها و قال: (اَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً اَمْ شَجَرةُ الزّقُّوم * اِنّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ * اِنّهَا شَجَرَةٌ تَخرُج فِي اَصْلِ الجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَانّهُ رُؤوسُ الشّياطِينِ * فَانّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا البُطُونَ * ثُمّ اِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيم * ثُمّ اِنّ مَرجِعَهُمْ لاَلى الجَحيمِ)(الصافات/62 ـ 68).

قال أبو جهل: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزّقوم ا لّتي يخوّفكم بها محمّد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد، واللّه لئن استمكنّا منها لنتزقمنّها تزقّماً. فأنزل اللّه تعالى فيه: (اِنّ شَجَرةَ الزّقُّومِ * طَعَامٌ الاَثِيمِ * كَالمُهْلِ يَغْلِي فِي البُطُونِ * كَغَلْي الحَمِيمِ)(الدخان/43 ـ 46).


1 . المصد السابق: ج1 ص357.
2 . لاحظ مجمع البيان: ج5 ص388. و الميزان: ج20 ص170، و المقصود ما أخبرنا عن عدّتهم انّها تسعة عشر إلاّ ليكون فتنة للذين كفروا، و في الوقت نفسه يكون سبباً لاستيقان أهل الكتاب، لأنّهم يجدونه موافقًا لما جاء في كتابهم كما يكون سبباً لزيادة إيمان المؤمنين بسبب ما يجدون من تصديق أهل الكتاب ذلك.


(170)

قال ابن هشام: المهل كلّ شيء أذبته من نحاس أو رصاص، أو ما أشبه ذلك، فيما أخبرني أبا عبيدة: قال: كان عبد اللّه بن مسعود والياً لعمر بن الخطاب على بيت مال الكوفة وأنّه أمر يوماً بفضة فاُذيبت فجعلت تلوّن ألواناً، فقال: هل بالباب من أحد؟ قالوا: نعم. قال: فاُدخلوهم، فاُدخلوا، فقال: إنّ أدنى ما أنتم راوون شبهاً بالمهل كهذا(1).

4 ـ إنّ اُبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط كانا متصافيين حسناً ما بينهما، فكان عقبة قد جلس إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمع منه، فبلغ ذلك اُبيّاً، فأتى عقبة فقال (له): ألم يبلغني إنّك جالست محمّداً و سمعت منه وجهي من وجهك حرام أن اُكلّمك ـ واستغلظ من اليمين ـ إن أنت جلست إليه أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل في وجهه. ففعل ذلك عدو اللّه عقبة بن أبي معيط لعنه اللّه. فأنزل اللّه تعالى فيهما: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يِقُولُ يَاليْتَنِي اتّخذْتُ مَعَ الرّسُولِ سَبيلاً... إلى وقوله تعالى: (لِلإنْسَانِ خَذُولاً)(الفرقان/27 ـ 29).

5 ـ ابن أخنس بن شريف الذهبي حليف بني زهرة،كان من أشراف القوم وممّن يستمع منه، وكان يصيب من رسول اللّه ويرد عليه، فأنزل اللّه تعالى فيه: (وَلاَتُطِعْ كُلّ حَلاّف مَهِين * هَمّاز مَشّاء بِنَمِيم * مَنّاع لِلخَيْرِ مُعْتَد اَثيِم * عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيِم)(القلم/10 ـ 13).

قال ابن هشام: ولم يقل«زنيم» لعيب في نسبه وإنّ اللّه لا يعيب أحداً بنسب ولكنّه حقّق بذلك نعته ليعرف، والزنيم العديد (الدعيّ) للقوم(2).

6 ـ إنّ العاص بن وائل كان من أعداء النبيّ وكان خبّاب بن الأرتّ،صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قيناً بمكّة يعمل السيوف، و كان قد باع من العاص بن وائل سيوفاً عملها له حتى كان عليه مال، فجاءه يتقاضى، فقال له


1 . السيرة النبوية: ج1 ص362و363.
2 . السيرة النبويّة لابن هشام: ج1 ص360.


(171)

ياخبّاب أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أنّ في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب، أو فضّة، أو ثياب، أو خدم. قال خبّاب: بلي. قال: فانظرني إلى يوم القيامة يا خبّاب حتى أرجع إلى تلك الدار فاقضيك هنالك حقّك، فواللّه لاتكون أنت و صاحبك يا خبّاب آثر عند اللّه منّي، و لاأعظم حظّاً في ذلك. فأنزل اللّه تعالى فيه:(أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَ قَالَ لاَُوتَيَنَّ مَالاً وَ وَلَدَاً * أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدَّاً * وَ نَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً)(مريم/77ـ80).

7 ـ وقف الوليد بن المغيرة مع رسول اللّه و رسول اللّه يكلّمه و قد طمع في إسلامه، فبينما هو في ذلك إذ مرّ به ابن اُم مكتوم الأعمى فكلّم الأعمى رسول اللّه وجعل يستقرئه القرآن، فشقّ ذلك منه على رسول اللّه حتى اضجره و ذلك أنّه شغله عمّا كان فيه من أمر الوليد و ما طمع فيه من إسلامه، فلمّا أكثر عليه انصرف عنه عابساً و تركه، فأنزل اللّه تعالى فيه: (عَبَسَ وَ تَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَ مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَ أَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَ هُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ)(عبس/1ـ12)(1).

و ما ذكره ابن هشام و غيره و إن كان ينطبق على ظاهر الآيات و لكنّه لايتفق مع خلق النبي الذي وصفه سبحانه بقول: (وَ إِنَّكَ لَعَلَى خُلْق عَظِيم).

و في بعض الروايات إنّ العباس المتولّي، رجل من بني اُميّة، كان عند النبي فدخل على النبي ابن اُم مكتوم فعبس الرجل و قبض وجهه فنزلت الآيات.

قال العلاّمة الطباطبائي: و ليست الآيات ظاهرة الدلالة على أنّ المراد بها هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه، بل فيها مايدل على أنّ المعني بها غيره، لأنّ العبوس ليس من صفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 . السيرة النبويّة: ج1 ص363، و أكثر التفاسير نقلوا هذا المضمون.


(172)

مع الأعداء فضلاً عن المؤمنين به و الموالين له، و على كلّ تقدير، فإنّ توصيفه بأنّه يميل للأغنياء و يعرض عن الفقراء لايتناسب مع أخلاقه الكريمة كما عن المرتضى (رحمه الله) .

و قد أوضحنا الحال في الجزء الخامس من هذه الموسوعة(1).

8 ـ كان العاص بن وائل السهمي ـإذا ذكر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قال: دعوه، فإنّما هو رجل أبتر لاعقب له، لو مات لانقطع ذكره و استرحتم منه، فأنزل اللّه في ذلك: (إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ) ما هو خير لك من الدنيا و ما فيها، و الكوثر: العظيم.

إنّ هذه الآية تتضمّن خبراً غيبيّاً و هو أنّه سيكثر نسل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و إنّ تعيير العدو يرجع إلى نفسه، و على الرغم من أنّ أهل بيته لاقوا من الاُمّة مالاقوا من القتل و التشريد و التنكيل، و مع ذلك نجد نسل الرسول قد بلغ من التصّور ما بلغ. قال الرازي: «فانظر كم قتل من أهل البيت ثمّ العالم ممتلئ منهم ولم يبق من بين اُميّة في الدنيا أحد يعبأ به، ثمّ انظر كم فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر و الصادق و الكاظم و الرضا (عليهم السلام) و النفس الزكية وأمثالهم»(2).

هذا ما يقوله الرازي في القرن السابع أو أواخر القرن السادس، و نحن في أوائل القرن الخامس عشر، و قد ملأ العالم نسل البتول، و هذه بلاد المغرب و تونس والجزائر و مصر و الشام و تركيا و إيران و العراق زاخرة بالشرفاء من أبناء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فصدق قول اللّه العلي العظيم: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ).

إنّ منصب نقابة الطالبين في عصر الرضا (عليه السلام) و بعده إلى عصر الشريف الرضي الذي تصدّر هذا المنصب عام 380هـ، لأوضح دليل على كثرة


1 . مفاهيم القرآن: ج5 ص130 عند البحث عن عصمة النبي.
2 . مفاتيح الغيب: ج8 ص498 (طبع مصر ـ 1308).


(173)

الطالبيين من نسل البتول إلى حد عيّن لهم نقيب كالإمام الرضا والشريف الرضي، والمسؤولية الملقاة على عاتقه، ضبط مواليدهم و وفياتهم و أنسابهم و القيام بمهام اُمورهم و هدايتهم و إرشادهم إلى ما فيه صلاح دنياهم و آخرتهم على حد ما ذكره الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية(1).


1 . الأحكام السلطانية: ص82 ـ 86.


(174)

ج ـ الإقتراحات الباطلة لقبول الرسالة

الدارج و المألوف بين الدبلوماسيين إذا كانوا بصدد رفع ما بينهم من خصومة ومرافعة، هو الجلوس على طاولة المفاوضات و إبداء بعض التنازلات عن المصالح الجزئية لقاء الحفاظ على مصالح اُخرى أكثر أهميّة بالنسبة لهم مع سعيهم الحثيث للحفاظ على حرمة الاُصول المبدئية للطرفين.

و لكن القوم لتشبّثهم بما كانوا عليه، و غربتهم عن العلم باُصول دعوة الأنبياء و أهدافها السامية، كانوا يطلبون من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اُموراً مختلفة: منها ما يضاد الاُصول التي بنيت عليها الشرائع السماوية، و منها ما يدخل في المحالات بالذات، و منها ما هو خارج عن نطاق وظائف الرسل و الأنبياء، ولايمت بصدق دعوتهم و رسالتهم، و إليك جملة من هذه الطلبات التي تقدّموا بها على ضوء الكتاب العزيز:

1 ـ التشريك في العبادة

روى المفسرون أنّ نفراً من قريش منهم الحارث بن قيس السهمي، و العاص ابن أبي وائل، و الوليد بن المغيرة و غيرهم، قالوا: اتبع ديننا نتبع دينك، و نشركك في أمرنا كلّه، تعبد آلهتنا سنة و نعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيراً ممّا بأيدينا كنا قد شركناك فيه و أخذنا بحظّنا منه، و إن كان الذي بأيدينا خيراً ممّا في يديك كنت قدشركتنا في أمرنا و أخذت بحظّك منه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : معاذ اللّه أن اُشرك به غيره. قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدّقك و نعبد إلهك فقال: حتى انظر ما يأتى من عند ربي، فنزل: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ) فعدل رسول اللّه


(175)

(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسجد الحرام و فيه الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم، ثمّ قرأ عليهم حتى فرغ من السورة فأيسوا عند ذلك، فآذوه و آذوا أصحابه، قال ابن عباس: و فيهم نزل قوله: (أَفَغَيْرُ اللّه تَأْمُرُونِى أَعْبُدُ أَيُّها الجَاهِلُونَ)(الزمر/64)(1).

و روى أبو حفص الصائغ عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قالوا: نعبد إلهك سنة و تعبد إلهنا سنة، فأنزل اللّه عليه: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ...)(2).

نظراً لابتعاد هؤلاء عن النبوّة و الأنبياء يخالون أنّ برامج الأنبياء في رسالاتهم برامج بشرية يسوغ لهم المساومة فيها و إبداء التنازلات عنها، و لأجل ذلك نزل الوحي رادّاً على تلك الفكرة الخاطئة و قال: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَ لاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَ لاَ أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْدِينُكُمْ وَ لِىَ دِينٌ).

إنّ الدعوة إلى التوحيد في العبادة و رفض عبادة الغير هو الحجر الأساس الذي تهدف إليه الدعوة الإلهية المتمثّلة في رسالات الأنبياء، و لم يبعث نبي قط إلاّ و كان هذا هو المحور المهمّ في صلب دعوته، فكيف يخوّل له التنازل عن هذا الأصل الأصيل. قال سبحانه: (وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ اُمَّة رَسُولاً أَنْ اعْبُدُو اللّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(النحل/36).

و يعرب أيضاً عن وجود مثل هذا الاقتراح قوله سبحانه: (وَ إِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَ إِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَ لَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لاََذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لاَتَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً)(الأسراء/73ـ75).

هذه الآيات تفصح عن شدة مكر المشركين و تماديهم في إنكار التوحيد حيث


1 . مجمع البيان: ج5، ص252.
2 . السيرة النبويّة لابن هشام: ج1 ص362، بحار الأنوار: ج7 ص239.


(176)

أرادوا أن يفتنوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بعض ما اُوحي إليه أن مال إلى الركون إليهم بعض الميل، و لكنّهم لم يحظوا بما كانوا يصبون إليه و يرمون تحقيقه من ميل النبي إليهم وافتتانه عن بعض ما اُوحي إليه و الشاهد على ذلك أمران:

1 ـ قوله سبحانه: (وَ إِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) و هو صريح في أنّه لم يتحقّق الإفتتان.

2 ـ قوله عزّ و جلّ: (وَ لَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْكَدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئَاً قَلِيلاً)والمراد من التثبيت هو العصمة و لأجل ذلك قال: (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) ولميقل: «كنت» و المراد القرب من الركون و إنّه لولا التثبيت لقرب ركونه إليهم ولكنّه لم يحصل القرب فضلاً عن الركون لأجل التثبّت.

2 ـ تبديل القرآن بغيره

و قد كان من جملة الإقتراحات التي قدّمت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أزاء قبول دعوته هو تبديل القرآن لأنّه يشتمل على تخطئة ما كانوا هم و آباؤهم عليه من الإعتقاد و العمل، فاقترحوا عليه أن يأتي بقرآن خالي من ذلك،قال سبحانه في محكية عنهم: (وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَيَرْجُونَ لِقَائَنَا ائْتِ بِقُرآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ)(يونس/15).

و هذا الإقتراح على غرار ما سبق ينبع عن جهل بمبادئ النبوّة و الرسالة التي يتحمّلها الرسول من خلال دعوته و ابلاغه و ليس له حق في تحويره و إبداله بل هو مأمور لاتتجاوز وظيفته حد الإبلاغ.قال سبحانه مشيراً إلى هذا الجواب: (قُلْ مَا يَكُونَ لِى أَنْ اُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِى إِنْ اَتَّبِعُ اِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْم عَظِيم)(يونس/15).

فهذه الآية تفسّر حقيقة النبوّة و تبيّن حدود وظيفة النبي، فإنّه خاضع للوحي وليس له إِلاّ إبلاغ ما يوحى إليه و إنّ تبديل الموحى إليه عمل إجرامي لا يغتفر


(177)

وعصيان للرب موجب للثبور و الخسران.

ثمّ إنّه سبحانه يرشد النبي إلى أن يستدل عليهم بأنّ القرآن ليس كلامه و إنّما هو وحي يوحى إليه من خلال تسليط الضوء على سيرته بينهم حيث عاش فيهم عمراً و لم يسمعوا منه شيئاً ممّا يشبه القرآن، فلو كان القرآن حصيلة فكره و نتاج عقله لبدر منه شيء طيلة أربعين سنة من عمره المنصرم إذ (مَا أَضْمَرَ أْحَدٌ شَيْئاً إِلاَّ ظَهَرَ فِى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَ فَلَتَاتِ لِسَانِهِ)(1).

فامساكه في هذه الحقب و الأعوام عن التفوّه بما يماثل ذلك لأوضح دليل على أنّه وحي أوحى إليه في حاضر دعوته فكيف تقترحون عليه أن يأتي بقرآن غيره هذا إذ ليس القرآن رهن إشارته وطوع اختياره و إرادته حتى يأتي بطائفة منه و يعزف عن طائفة اُخرى و إليه يشير قوله سبحانه:

(قُلْ لَوْ شَاء َ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ ُ عَلَيْكُمْ وَ لاَ أَدْرَأَكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتَ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)(يونس/16).

فهؤلاء القوم مرضى القلوب و الضمائر و ضعفاء العقول و البصائر، يقترحون على الطبيب الإلهي أن يكتب لهم الوصفة العلاجية لدائهم المزمن حسبما تشتهي أنفسهم و أهواؤهم.

3 ـ شروط تعجيزية

قد بلغ عناد القوم و لجاجهم في وجه الدعوة المحمديّة حدّاً كانوا يقترحون عليه اُموراً تارةً تدخل في حيّز المستحيلات و لاتتعلّق بها القدرة و إن بلغت ما بلغت، و اُخرى اُموراً ممكنة و لكنّها خارجة عن نطاق وظائف النبي في دعوته ورسالته و تضاد أهدافها و لاتمت بالاستدلال على صدقها بصلة و لاتعد دليلاً على


1 . مقتبس من كلام لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) في قصار حكمه(رقم26) من نهجالبلاغة.


(178)

ربانيّة رسالته(1).

و قدتعرّض القرآن الكريم لهذه الشروط المستحيلة أو الصعبة بأشكالها المختلفة في ضمن الآيات التالية:

(وَ قَالُوا لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ:

1 ـ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً

2 ـ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيل وَ عِنَب فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيراً

3 ـ أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً

4 ـ أَوْ تَأْتِىَ بِاللّهِ

5 ـ وَ المَلاَئِكَةِ قَبِيلاً

6 ـ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف

7 ـ أَوْ تَرْقَى فِى السَّمَاءِ

8 ـ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ).

هذا تصوير لجملة شروط القوم، و أمّا الجواب عنها فقد أوجزه في كلمتين:

1 ـ (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى

2 ـ هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً)(الأسراء/90ـ93)

هذه مطالبهم و إليك تفصيل القول فيها:

إنّ هذه المطالب بين محال لاتدخل في نطاق القدرة، و بين ما هو خارج عن وظيفة الرسول و رسالته، و بين ما هو يضادّ أهداف دعوته، أو لايمت بصلة إلى صدق دعوته، كما سبق ذكره، و إليك بيانها بمزيد من التفصيل:


1 . لاحظ السيرة النبويّة: ج1 ص296و297و309.


(179)

أمّا الأول: أعني تفجير الينبوع من الأرض فهو يحتمل معنيين:

1 ـ أن يفجّر الينبوع من الأرض وفق رغبتهم لنفسه حتى يكون رجلاً ثريّاً.

2 ـ أن يفجّر الينبوع من الأرض لأجل هؤلاء حتى تصبح أراضيهم و مراتعهم مخضرّة مزهرة يانعة الثمار.

أمّا الإحتمال الأول: فلايعد دليلاً على صدق الدعوة، و لو اُريد الثاني فهو على خلاف السنّة الإلهية فقد تعلّقت مشيئته الحكيمة بتحصيل هذه المواهب المادّية عن طريق الكدح و الجد في ظل أعمال الطاقات البشرية، بالإضافة إلى أنّه خارج عن وظائف الرسالة، فإنّ الأنبياء قدبعثوا لهداية الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدارين باراءة الطريق الموصل إليها، و أمّا القيام بتفجير الينبوع من الأرض فهو أمر خوّل إلى الناس أنفسهم.

و أمّا الثاني: فهو أن يكون للنبيّ جنّة من نخيل و عنب تجري الأنهار خلالها فلاصلة له بصدق الدعوة إذ أقصى ما يستدلّ به على أنّه رجل عاقل عارف بشؤون الفلاحة والتجارة أو رجل له مكانة مرموقة في المجتمع و لاتدلّ كثرة الأموال و الإنتعاش الإقتصادي على صدق الدعوة، و قدمرّ تحقيق ذلك في تفسير قوله: (وَلَوْلاَ نُزِّل هِذَا القُرْآن عَلَى رَجُل مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيم).

و أمّا الثالث: أعني إسقاط السماء على رؤوسهم فهو يضادّ هدف الدعوة، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث لهداية الناس و رحمة بهم لا لأهلاكهم، نعم يمكن تصوّر ذلك إذا تمّت الحجّة عليهم و لم يبق لهم عذر في عدم قبول الدعوة، فربّما يشملهم العذاب و هو خارج عن موضوع البحث.

أمّا الرابع: أعني الإتيان باللّه فهو طلب أمر محال، فهؤلاء كانوا يطلبون رؤية اللّه سبحانه قبيلاً و مواجهة. و اللّه فوق الزمان و المكان لايحيط به شيء، و لايمكن أن تراه العيون بمشاهدة الأبصار و إنّما تراه القلوب بحقائق الإيمان.


(180)

و أمّا الخامس: أعني الإتيان بالملائكة قبيلاً و مشاهدتهم بانقلاب الغيب شهوداً فهو من المعاجز التي لو تحقّقت و لم يترتب عليها منهم إيمان و إذعان لعمّهم العذاب و لاينظرون، و قد مرّ ذلك في تفسير قوله: (وَ لَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِىَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَيُنْظَرُونَ)(الأنعام/8).

و أمّا السادس: و هو أن يكون له بيت من ذهب فلاصلة له بصدق الدعوة.

و أمّا السابع: و هو الرقي في السماء فهو أشبه باقتراح الصبيان و لو فرض تحققه عن طريق الإعجاز لما آمنوا به بشهادة قولهم في الإقتراح الثامن: (وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ). حيث صرحوا بأنّ رقيه في السماء غير كاف في إيمانهم و إذعانهم بل يجب أن يقترح عليه أمراً ثامناً و هو أن ينزل عليهم كتاباً يقرؤونه، و لعلّ مقصودهم أن ينزل كتاباً فيه اسمه و رسالته.

إنّ هذه الإقتراحات التعجيزية أوضح شاهد على أنّ القوم لم يكونوا بصدد كشف الحقيقة و تحرّى الواقع و الصدق و لو افترضنا النبي قد امتثل لبعض اقتراحاتهم الممكنة لوجدناهم يأتون بحجج واهية اُخرى بقصد التعجيز لاغير و لأجل ذلك يقول سبحانه في حق هؤلاء و أشباههم: (وَ لَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِى قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)(الأنعام/7).

و يقول سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّ قَرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى بَلْ للّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً)(الرعد/31).و هذه الآية و نظائرها تدلل بشواهد صادقة لايشوبها الريب على أنّ القوم لم يكونوا بصدد الوقوف على الحقيقة و استكشافها ولأجل ذلك كانوا يقترحون على النبي اُموراً تنم عن روح العناد و المكابرة، و أمّا الذكر الحكيم فقد أجاب عنه بوجهين:

1 ـ (سُبْحَانَ رَبِّى...) و لعلّه جواب عن قولهم أو يأتي باللّه، و اللّه سبحانه منزّه عن المادّة و آثارها و ليس للبشر تصحّ رؤيته بحاسة الأبصار. قال سبحانه: (لاَتُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)(الأنعام/103).


(181)

2 ـ (هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً) و معناه أنّه بشر مأمور لايستطيع القيام بالممكن من هذه الاُمور إلاّ بإذنه سبحانه، شأن كل رسول في إنجاز رسالته.

و بعبارة اُخرى إنّكم إن كنتم تطلبون هذه الاُمور منّي بما أنا بشر، فالممكن منها خارج عن إطار قدرة البشر، و إن كنتم تطلبون مني بما إنني رسول مبلغ فلاأستطيع التصرف بلاإذن و رخصة منه سبحانه، و على كل تقدير فهؤلاء الجهلة المجادلون ما كانوا ليؤمنوا و لو جاءهم النبي بأضعاف ما لم يطلبوا به. قال تعالى: (وَ لَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلاَئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَ حَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً مَا كَانُوا لَيُؤْمُنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ وَ لَكِنْ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)(الأنعام/111).

و المراد من قوله: (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ) هو المشيئة القاهرة التي تجبر الناس على الإيمان بالرسالة، و عندئذ لايقام لمثل هذا الإيمان وزن و لاقيمة(1).

***

4 ـ طلب طرد الفقراء

روى الثعلبي باسناده عن عبداللّه بن مسعود قال مر الملأ من قريش على رسول اللّه و عنده صهيب و خباب و بلال و عمّار و غيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقال: يامحمد أرضيت بهؤلاء من قومك أفنحن نكون تبعاً لهم؟ أهؤلاء الذين منَّ اللّه عليهم؟ أطردهم عنك فلعلّك إن طردتهم اتّبعناك، فأنزل اللّه تعالى:(وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ...)(2).


1 . لقد بسطنا الكلام في الجزء الرابع من هذه الموسوعة في تحديد الشروط التي يجب للنبي دونها القيام بالمعجزة وبيّنّاه في مفاد الآيات النافية للإعجاز،لاحظ:ص95ـ154من ذلك الجزء.
2 . مجمع البيان: ج4 ص305.


(182)

قال ابن هشام: و كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جلس في المسجد و جلس إليه المستضعفون من أصحابه: خباب و عمّار و أبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمَيّة بن محرث و صهيب و أشباههم من المسلمين، هزأت بهم قريش و قال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء منّ اللّه عليهم من بيننا بالهدى و الحق؟ لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، و ما خصّهم اللّه به دوننا، فأنزل اللّه تعالى فيهم: (وَ لاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاوَةِ وَ العَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء وَ مَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمُ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَ كَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَيَقُولُوا أَهَؤُلاَء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَ إِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَة ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(الأنعام/52ـ54 )(1).

و قد ذكر في شأن نزول الآية وجه آخر يناسب كونها مدنيّة لامكيّة، علماً بأنّ جميع آيات السورة مكيّة و هذا يبعد أن تكون هذه الآية وحدها مدنيّة مع أنّ لحن الآية يناسب كونها مكّية.

و مثله قوله سبحانه: (وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدوةِ وَ العَشِىِّ يُرِيدُنَ وَجْهَهُ وَ لاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ لاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَ كَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)(الكهف/28).

و السورة مكيّة و مفاد الآية يشبه مفاد الآيات المكيّة، وقد ذكر في شأن نزولها أيضاً ما يعرب عن كونها مدنيّة، و إليك النص الدال على ذلك:

روى السيوطي في الدر المنثور: جاء الأقرع بن حابس التميمي و عيينة بن حصين الفزاري فوجدا النبي قاعداً مع بلال و صهيب و عمّار و خباب في اُناس ضعفاء من المؤمنين فلمّا رأوهم حقّروهم، فأتوه فخلوا به فقالوا: إنّا نحب أن تجعل


1 . السيرة النبويّة، لابن هشام: ج1 ص392و393.


(183)

لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلاً، فإنّ و فود العرب ستأتيك فنستحيي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمه معنا فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت، قال نعم، قالوا: فاُكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة و دعا عليّا ليكتب و نحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل بهذه الآية: (وَ لاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدوةِ وَ العَشِىِّ) إلى قوله (فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)فألقى رسول اللّه الصحيفة من يده، فأتيناه و هو يقول: (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) فكنّا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام و تركنا، فأنزل اللّه: (وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدوةِ وَ العَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)قال: فكان رسول اللّه يقعد معنا بعد فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا و تركناه حتى يقوم(1).

يقول العلاّمة الطباطبائي في هذا الصدد: «إستفاضت الروايات على نزول سورة الأنعام دفعةً، هذا و التأمل في سياق الآيات لايبقي ريباً أنّ هذه الروايات إنّما هي من قبيل ما نسمّيه تطبيقاً، بمعنى أنّهم وجدوا مضامين بعض الآيات تقبل الإنطباق على بعض القصص الواقعة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعدّوا القصّة سبباً لنزول الآية لابمعنى أنّ الآية إنّما نزلت وحدها دفعة لحدوث تلك الواقعة و رفع الشبهة الطارئة من قبلها بل بمعنى أنّ الآية يرتفع بها ما يطرء من قبل تلك الواقعة من الشبهة كما ترفع بها الشبه الطارئة من قبل سائر الوقائع من أشباه الواقعة و نظائرها كما يشهد بذلك ما ترى في هذه الروايات الثلاث الواردة في سبب نزول قوله: (وَ لاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ...)الآية، فإنّ الغرض فيها واحد لكن القصص مختلفة في عين أنّها متشابهة فكأنهم جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و اقترحوا عليه أن يطرد عنه الضعفاء كرّة بعد كرّة و عنده في كل مرّة عدّة من ضعفاء المؤمنين و في مضمون الآية إنعطاف إلى هذه الإقتراحات أو بعضها(2).


1 . الدر المنثور: ج3 ص13، و نقله في مجمع البيان عند تفسير الآيتين فلاحظ.
2 . الميزان: ج7 ص110 بتصرّف يسير.


(184)

و يضيف قائلاً: «إنّ ما اقترح المشركون على النبي نظير ما اقترحه المستكبرون من سائر الأمم على رسلهم من أن يطردوا عن أنفسهم الضعفاء و الفقراء من المؤمنين تعزّزاً و تكبّرا و قد حكى اللّه سبحانه عن قوم نوح فيما حكى من محاجّته (عليه السلام) حجاجا يشبه ما في هذه الآيات من الحجاج قال تعالى: (فَقَالَ المَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قوْمِهِ مَا نَرَاكَ إلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَ مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَأْيِ وَ مَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذَيِين) إلى أن قال: (وَ مَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَ لَكِنِّى أَرَاكُمْ قَوْمَاً تَجْهَلُونَ * وَ يَا قَوْمِ مَنْ يَنُصُرُنِى مِنَ اللّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)(هود/27و29و30)(1).


1 . الميزان: ج7 ص110 بتصرّف يسير.


(185)

د ـ تعذيب النبيّ و أصحابه

قد كان إيقاع الأذى على الدعاة المصلحين من سنن المجتمعات الجاهلية حيث قد كان أهلها يخالونهم أعداء لأنفسهم و مصالحهم فكانوا يقابلونهم بالإيذاء والشتم و الضرب و القتل فلم يكن النبي فيما لاقاه من الأذى و السب و التنكيل به وبأصحابه بدعاً من الاُمور.

و قد أدار المشركون رحى الشر عليهم طيلة لبثهم في مكة فجاء الوحي يحثّهم على الصبر و الثبات بتعابير و أساليب مختلفة و إليك توضيح ذلك:

1 ـ نزل الوحي مسليّاً بقوله: (وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَاكُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَ لَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ المُرْسَلِينَ)(الأنعام/34) و قوله: (وَ اصْبِرْ وَ مَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَ لاَتَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)(النحل/127).

2 ـ و محفزاً تارة اُخرى بتذكيره (صلى الله عليه وآله وسلم) بجَلَد أولى العزم في إداء رسالاتهم بقوله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ اُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ لاَتَسْتَعْجِل لَهُمْ)(الأحقاف/35).

3 ـ و ثالثة داعياً له (صلى الله عليه وآله وسلم) تفويض الأمر إلى اللّه و التريث حتى يأتي موعده بقوله: (وَ اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَ اصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ وَ هُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ)(يونس /109).

4 ـ و رابعاً مروّضا له (صلى الله عليه وآله وسلم) في قبال ما يكال إليه من


(186)

صنوف الايذاء بقوله: (وَ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً)(المزمل/10).

5 ـ و خامساً منبّهاً له (صلى الله عليه وآله وسلم) بتجنب ما وقع فيه النبيّ يونس بقوله سبحانه: (وَ لاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ إِذْ نَادَى وَ هُوَ مَكْظُومٌ)(القلم/48).

فهذه الآيات و نظائرها تعرب عن عظم درجة الايذاء و الوصب الذي عاناه النبي في سبيل إرساء قواعد دعوته حيث قابلها برحابة صدر وسعة نفس، و على الرغم من كل ذلك فلم تتحرك شفتاه بطلب إنزال العذاب عليهم. سواء عندما كان في مكة أم بعد مغادرتها إلى المدينة فكان يقابل تزمّت قومه و عنادهم بالحكمة و الموعظة الحسنة ما وجد لذلك سبيلاً.

المضطهدون في صدر البعثة

و قد جاء في كتب السيرة أسماء الذين عذّبوا بيد قريش من صحابة النبي الأكرم و على رأسهم«ياسر» و «سميّة» أبوا عمّار، و «صهيب» و «بلال» و «خباب» وقداُستشهد أبو عمّار و اُمّ عمّار بتعذيب المشركين و أمّا عمّار فقد أعطاهم بلسانه ما أرادوا منه و بقي قلبه مطمئن بالإيمان و عندما جاء خبر تعذيب قريش لنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يزل يلهج بهم و يدعو لهم و يقول: اصبروا آل ياسر موعدكم الجنّة، و يقول:أبشروا آل ياسر موعدكم الجنّة، و يقول: اللّهمّ اغفر لآل ياسر و قد فعل.

يقول ابن هشام: و كان بنو مخزوم يخرجون بعمّار و أبيه و أمّه و كانوا أوّل أهل بيت في الإسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة فيمر بهم رسول اللّه فيقول: صبراً آل ياسر موعدكم الجنّة. صبراً آل ياسر فإنّ مصيركم إلى الجنّة(1).


1 . سيرة ابن هشام: ج1 ص319ـ320.


(187)

يروي أبو نعيم عن عثمان بن عفان قال: لقيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبطحاء فأخذ بيدي فانطلقت معه، فمرّ بعمّار و اُمّ عمار و هم يعذّبون، فقال: صبراً آل ياسر فإنّ مصيركم إلى الجنّة.

و روى أيضاً عن مجاهد: أوّل من أظهر الإسلام سبعة، فعدّ منهم عمّار وسميّة ـ اُمّ عمّار ـ.

و كانوا يلبسونهم أدراع الحديد ثمّ يسحبونهم في الشمس فبلغ منهم الجهد ماشاء اللّه أن يبلغ من حر الحديد و الشمس، فلمّا كان من العشيّ أتاهم أبوجهل ـلعنه اللّهـ و معه حربة فجعل يشتمهم و يوبّخهم(1).

ثمّ إنّ المشركين أصابوا عمّار بن ياسر فعذّبوه ثمّ تركوه(لأنّه أعطاهم ما يطلبون) فرجع إلى رسول اللّه فحدّثه بالذي لقي من قريش.

و في رواية: أخذ بنو المغيرة فغطّوه في بئرميمون و قالوا: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك و قلبه كاره.

و في رواية ثالثة: أخذ المشركون عمّار بن ياسر فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا، فشكى ذلك إلى النبي، فقال النبي: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : فإن عادوا فعد، فنزل قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيْمَانِهِ إِلاَّ مَنْ اُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَ لَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(النحل/106).

فأخبر اللّه سبحانه أنّه من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من اللّه و له عذاب أليم، و أمّا من أكره و تكلّم بها لسانه و خالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه فلاحرج عليه، لأنّ اللّه سبحانه إنّما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم(2).


1 . حلية الأولياء: ج1 ص140.
2 . تفسير الطبري: الجزء14، ص122.


(188)

لقد تطرّق إلى بعض القلوب أنّ عمّاراً كفر، فقال النبي: إنّ عمّاراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه و اختلط الإيمان بلحمه و دمه، و جاء عمّار إلى رسول اللّه و هو يبكي، فقال: ماوراءك؟ فقال: شر يا رسول اللّه، ماتركت حتى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخير، فجعل رسول اللّه يمسح عينيه و يقول: إن عادوا لك فعدلهم بما قلت، و أضاف الطبرسي أنّ ياسراً و سميّة أبوي عمّار أوّل شهيدين في الإسلام(1).

إنّ الأساليب التي أنتهجتها و تبنّتها قريش لشل حركة تقدم الدعوة النبويّة لمّا أضحت فاشلة، أضطرّت إلى اللجوء إلى أسلوب آخر و هو اثارة الضوضاء والضجيج، للحيلولة دون بلوغ القرآن إلى مسامع الناس.

إثارة الضوضاء عند تلاوة النبي للقرآن

كان القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى للنبي و كانت العرب تعرف بفطرتها أنّه كلام فوق كلام البشر، و أنّ له لحلاوة و أن عليه لطلاوة و أن أعلاه لمثمر و أن أسفله لمغدق و أنّه يعلو و ما يعلى عليه(2).

هكذا و صف القرآن بعض أعداء النبي، و قد كانت الشباب من قريش و غيره يدركون حلاوة القرآن بذوقهم السليم فيندفعون إلى الإعتناق به حيث كان القرآن يأخذ بمجامع قلوبهم و يوردهم المنهل العذب من الإيمان، فلم ير أعداء النبي بدّاً من نهي العرب عن الاستماع إليه و قد كان النبي يجهر بالقرآن في الأشهر الحرم في المسجد الحرام، فاحتالوا بالمكاء و التصفير و التخليط في المنطق على رسول اللّه حتى لايسمع صوته و لايعلم كلامه، و إليه يشير قوله سبحانه: (وَ قَالَ الذِينَ كَفَرُوا لاَتَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَ الْغَوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)(فصّلت/26). حتى يصدّوا بذلك


1 . مجمع البيان: ج3 ص388.
2 . اقتباس من كلام الوليد بن المغيرة، راجع مجمع البيان: ج5 ص387، و السيرة النبويّة: ج5 ص382.


(189)

من اَراد استماعه، فإذا لم يسمع و لم يفهم لايتبعه فيغلبون بذلك محمداً(1). فأوعدهم اللّه سبحانه بقوله: (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ اَسْوَأَ الَّذِى كَانُوا يَعْلَمُونَ) و لقد تحقّق وعده سبحانه في الدنيا يوم بدر فقتل منهم من قتل و أسر منهم من اُسر، فنالوا جزاء أعمالهم، و بقي عليهم العذاب الأكبر الذي يجزون به في يوم البعث. يقول سبحانه: (ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)(فصّلت/27و28).

العذر الأخير للإمتناع عن قبول الدعوة

و أقصى ما كان عند قريش من العذر لتبرير عملهم و عدم إعتناقهم لدين النبي، هو أنّهم كانوا يخافون من مشركي الجزيرة العربيّة حيث إنّهم كانوا على خلاف التوحيد بل على عبادة الأصنام، فقالوا: لو إعتنقنا دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و رفضنا الأصنام و الأوثان، لثار الجميع علينا، و هذا ما يحكيه عنهم قوله سبحانه: (وَ قَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا...)(القصص/57) والآية تعطي أنّهم كانوا واقفين على أنّ دين النبي حق و لكن الذي منعهم عن اتباع الهدى مخافة أن تتخطّفهم العرب من أرضهم و ليس لهم طاقة بهم(2).

فردّه الوحي بأنّ اللّه سبحانه جعل بهم مكّة دار أمن و أمان و دفع ضرّ الناس عنهم عندما كانوا مشركين فإذا آمنوا و أعتنقوا دين اللّه يعمّهم الأمن و السلامة أيضاً لأنّهم في حالة الإيمان أقرب إلى اللّه سبحانه من حالة الكفر، فالخالق الذي قطع أيدي الأشرار عن بلدهم قادر في كلتا الحالتين و إليه يشير قوله سبحانه: (...أَوَلَمْنُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إلَيِهِ ثَمَرَات كُلِّ شَيْء رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لَكِنَّ


1 . تفسير الطبري الجزء 24 ص72.
2 . التخطّف: أخذ الشيء على وجه الإضطراب من كل وجه، و المصطلح الدارج هو الإختطاف.


(190)

أَكْثَرَهُمْ لاَيَعْلَمُونَ)(القصص/57).

كان على هؤلاء أن يعتبروا بأقوام متمرّدين الذين أعطوا المعيشة الواسعة، فلميعرفوا حق النعمة و كفروا فعمّهم الهلاك و هذه ديار عاد و ثمود و قوم لوط صارت خالية عن أهلها و هي قريبة منهم، فإنّ ديار عاد إنّما كانت بالأحقاف و هو موضع بين اليمن و الشمال و ديار ثمود بوادي القرى، و ديار لوط بسدوم و كانت قريش تمر بهذه المواضع في تجارتها، و إليه يشير قوله سبحانه: (وَ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة بَطِرَتْ(1) مَعِيشَتهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَ كُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ)(القصص/58).

هذا آخر ما كان عندهم من المبرّرات لعدم الإيمان بالدّعوة.

خرافة الغرانيق

كان اللازم علينا ضرب الصفح عن تناول هذه الخرافة التاريخية بالبحث لاناقد إعتمدنا في سرد حوادث السيرة النبوية و فق ما ورد في القرآن الكريم، فما جاء في خلال آياته نذكره و ما لم يرد نتركه إلى كتب السيرة و التاريخ غير أنّ هذه القصة لمّا الصقت بساحة القرآن الكريم القدسيّة بالإستناد إلى بعض الآيات الموهمة لذلك كذباً و زوراً، فصارت ذريعة في الآونه الأخيرة بيد أعداء الدين من المستشرقين كـ«بروكلمان» في كتاب تاريخ الشعوب الإسلامية، ص34، و كتاب «الإسلام» لفرويد هيوم، لزم علينا التطرّق لتلك الخرافة و تحليلها تحليلاً علميّاً مؤيّداً بالبرهان الرصين و الحجّة الدّامغة حتى لا يبقى لمشكك شكّ و لا لمريب ريب إلاّ من أخذته العصبية العمياء فأنّها داء لا علاج له، خصوصاً ما نشاهده في المؤامرة الأخيرة التي حاكتها بريطانيا وغيرها من أذناب الكفر العالمي حيث زمّروا و طبّلوا لكتاب «الآيات الشيطانية» لمؤلّفه «سلمان رشدي» و منحوا له جائزة أدبية في ذلك المجال، و الرجل


1 . البطر: الطغيان عن النعمة .


(191)

هندي الأصل بريطاني الجنسيّة و الدراسة و قد ترجم الكتاب بإيعاز من الدول المستعمرة إلى أكثر اللغات العالميّة مع أنّه ليس بكتاب أدبي و لا علمي ولاتاريخي، بل أشبه بأضغاث أحلام نسجها الخيال و روّج لها الإستعمار، و إليك القصّة على وجه الإجمال:

«جلس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنّى يومئذ أن لايأتيه من اللّه شيء فينفروا عن، فأنزل اللّه عليه: (وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوَى)فقرأه رسول اللّه حتى إذا بلغ (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الاُخْرَى) ألقى عليه الشيطان كلمتين:

«تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى وَ إِنَّ لَشَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْجَى» فتكلّم بها ثمّ مضى فقرأ السورة كلّها فسجد في اّخر السورة و سجد القوم جميعاً معه، و رفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه و كان شيخاً كبيراً لايقدر على السجود، فرضوا بما تكلّم به، وقالوا: قدعرفنا أنّ اللّه يحيي و يميت و هو الذي يخلق و يرزق و لكنّ آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذ جعلت لهانصيباً، فنحن معك. قالا(محمد بن كعب القرظي ومحمد ابن قيس): فلمّا أمسى أتاه جبرئيل (عليه السلام) فعرض عليه السورة فلمّا بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إفتريت على اللّه و قلت على اللّه ما لم يقل!! فأوحى اللّه عليه: (وَ إِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لَتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ... ثُمَّ لاَتَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً). فما زال مغموماً مهموماً حتّى نزلت عليه: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَ لاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى اُمْنِيَتِهِ فَيَنْسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(الحج/52)، قال فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة إنّ أهل مكّة قد أسلموا كلّهم، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحبّ إلينا، فوجدوا القوم قد إرتكسوا حين نسخ اللّه ما يلقي الشيطان»(1).


1 . تفسير الطبري الجزء 17، ص131.


(192)

و تحقيق القوم في تلك القصّة يتوقّف على البحث عن سند الرواية التي أوردها الطبري في تفسيره و السيوطي في الدر المنثور أوّلاً، و دراسة متنها و عرضه على العقل و القرآن ثانياً لكي يتجلّى الحق بأجلي مظاهره.

تحليل سند الرواية

إنّ هذه الروايات لايمكن الإحتجاج بهالوجهين:

الأوّل:إنّ أسانيدها تنتهي إلى التابعين الذين لم يدركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

من أمثال:

1 ـ محمد بن كعب القرظي 2 ـ محمد بن قيس 3 ـ أبو العالية 4 ـ سعيد بن جبير 5 ـ الضحّاك 6 ـ ابن شهاب.

و لم يدرك واحد منهم النبي قطّ و هم قد ساقوا القصّة من دون أن يذكروا الواسطة بينهم و بينه، و إليك نصوص علماء الرجال في حقّهم:

الف ـ محمد بن كعب القرظي

قال ابن حجر: قال العجلي: مدني تابعي... و قال البخاري: إنّ أباه كان ممّن لم يَثْبُت يوم قريظة فترك، و ما نقل من قتيبة من أنّه ولد في عهد النبي لاحقيقة له. إنّما الذي ولد في عهده، هو أبوه، و قد ذكروا إنّه كان من سبي قريظة ممّن لميحتلم و لم ينبت فخلّوا سبيله، حكي ذلك البخاري في ترجمة محمد، و يدلّ على ذلك إنّه مات سنة 108 هـ ق و قيل: 117هـ ق و هو ابن ثمان و سبعين سنة، وجاء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق أنّه قال: يخرج من أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لايدرسها أحد يكون بعده. قال ربيعة: فكنّا نقول: هو محمد بن كعب، و الكاهنان قريظة و النضير ـ إلى أن يقول ـ:


(193)

...فكان يقص في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقف، فمات هو وجماعة معه(1).

ب ـ محمد بن قيس

و هو محمد بن قيس المدني قاض عمر بن عبد العزيز، روى عن أبي هريرة وجابر، و يقال: مرسل، توفّي أيام الوليد بن يزيد. روى عنه أبو معشر ـ قال ابن معين: ليس بشيء لايروى عنه(2).

ج ـ ابن شهاب

و هو محمد بن مسلم الزهري ـ كان يدلّس في النادر ـ و هو أحد التابعين بالمدينة، و قال ابن حجر محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب ابن عبداللّه بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري و كنيته أبو بكر و هو من رؤوس الطبقة الرابعة مات سنة خمس وعشرين ]بعد المائة [وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين(3).

د ـ أبو العالية

و هو رفيع بن مهران الرياحي أدرك الجاهلية و أسلم بعد وفاة النبي بسنتين ودخل على أبي بكر وصلّى خلف عمر... حتى قيل: إنّه أدرك عليّاً ولم يسمع منه(4).


1 . تهذيب التهذيب ج9 ص421.
2 . تهذيب التهذيب ج9 ص414.
3 . ميزان الإعتدال ج4 ص40، و تقريب التهذيب ج2 ص207، و وفيات الاعلام ج4 برقم563.
4 . تهذيب التهذيب ج3 ص384.


(194)

هـ ـ سعيد بن جبير

فهو سعيد بن جبير الكوفي روى عن ابن عباس و ابن الزبير و غيره، قتله الحجاج صبراً سنة95(1).

و ـ الضحّاك

و هو الضحّاك بن عثمان. قال أبو زرعة: ليس بقوي، و قال أبو حاتم: يكتب حديثه و لايحتج به. مات بالمدينة سنة ثلاث و خمسين(2).

هؤلاء الذين ينتهي إليهم السند كلّهم تابعون، نعم رواه الطبري أيضاً عن ابن عباس فهو ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ـ مات سنة ثمان و ستين بالطائف و هو أحد المكثرين من الصحابة، و لكنّه لم يكن حاضراً في زمن القصة بل لم يكن متولّداً فيه(لأنّ تاريخها يرجع إلى السنة الخامسة من البعثة و هو ولد قبل الهجرة بثلاث سنين) فتكون روايته مقطوعة.

و على كل تقدير فكل ما رواه الطبري في هذا المجال مراسيل أو مقطوعات لايمكن الإحتجاج بها.

الثاني: إنّ الأسانيد تشتمل على رجال ضعاف لايمكن الإحتجاج بهم سوى طريق سعيد بن جبير و قد عرفت أنّه أيضاً مرسل.

هذا ما لدى الطبري في تفسيره و أمّا ما نقله السيوطي فلايقصر عمّا نقله الطبري في الضعف و الإرسال، و قدرواه عن «أبي صالح» و أبي بكر بن عبد الرحمان ا بن الحارث و «السدى» أيضاً.


1 . تهذيب التهذيب ج4 ص11.
2 . تهذيب التهذيب ج4 ص447.


(195)

أمّا الأوّل فهو مشترك بين 19 شخصاً لم يرو واحد منهم عن النبي فالجلّ لولا الكل تابعون(1).

و أمّا الثاني فهو أبوبكر بن عبد الرحمان بن الحارث ولد في خلافة عمر(2).

و أمّا الثالث فهو محمد بن مروان تابعي. قال ابن معين: ليس بثقه، قال ابن غير: ليس بشيء و كان كذّاباً(3).

نعم رواه أيضاً عن سعيد بن جبير و ابن عباس و قد عرفت حالهما، و رواه عن السدي و هو أيضاً تابعي.

مضافاً إلى إشتمال الإسناد على رجال ضعاف و أمّا ذكره السيوطي من أنّه أخرج الطبراني و البزاز و ابن مردويه و الضياء في المختار بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس فهو غير صحيح لما عرفت من أنّ المرسل والمقطوع لايوصفان بالصحة على الإطلاق و لو وصفا بالصحّة فالمراد هو الصحّة النسبية، فلايحتج بها.

إنّ علماء الإسلام و أهل العلم و الدراية من المسلمين، قد أشبعوا هذه الرواية نقضاً وردّاً و إبراماً فوصفها السيد مرتضى: بأنّها خرافة وضعوها(4).

و قال النسفي عند القول بها: غير مرضي. و قال الخازن في تفسيره: إنّ العلماء وهّنوا أصل القصّة ولم يروها أحد من أهل الصحّة، و لاأسندها ثقة بسند صحيح، أو سليم متّصل، و إنّما رواها المفسّرون و المؤرّخون المولعون بكل غريب، الملفّقون من الصحف كل صحيح و سقيم، و الذي يدل على ضعف هذه القصّة اضطراب رواتها و إنقطاع سندها و إختلاف ألفاظها(5).


1 . راجع تهذيب التهذيب، ج12 ص 130ـ131.
2 . تهذيب التهذيب ج12 ص 130ـ133.
3 . تهذيب التهذيب ج9 ص436 برقم 719.
4 . تنزيه الأنبياء ص109.
5 . الهدى إلى دين المصطفى ج1 ص130.


(196)

و قال القاضي عياض: إنّ هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحّة ولا رواه ثقة بسنده سليم متصل، و إنّما أولع به المفسّرون، و المؤرّخون، المولعون بكل غريب، و المتلقّفون من الصحف كل صحيح و سقيم، و صدق القاضي بكر بن العلا المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء و التفسير، و تعلّق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته، و إضطراب رواياته، و إنقطاع أسناده و إختلاف كلماته(1).

و قال أمين الإسلام الطبرسي: أمّا الأحاديث المروية في هذا الباب فهي مطعونة و مضعّفة عند أصحاب الحديث، و قد تضمّنت ما ينزّه الرسل عنه، فكيف يجوز ذلك على النبي و قدقال سبحانه: (كَذَلِكَ لِنَثبتَ بِهِ فُؤَادَكَ) و قال: (سَنُقْرِؤُكَ فَلاَ تَنْسَى).

و أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لماتلا سورة والنجم و بلغ إلى قوله: (أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَ العُزَّى وَ مَنَاةَ الثَّالِثَةَ الاُخْرَى)علمت قريش من عادته أنّه كان يعيبها، قال بعض الحاضرين من الكافرين: (تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى) فـظنّ الجهال أن ذلك من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2).

و قال السيّد الطباطبائي: إنّ الأدلّة القطعية على عصمته تكذّب متنها، و إن فرضت صحّة سندها، فمن الواجب تنزيه ساحته المقدّسة عن مثل هذه الخطيئة، مضافاً إلى أنّ الرواية تنسب إليه أشنع الجهل و أقبحه فقد تلا«تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى» و جهل أنّه ليس من كلام اللّه، و لانزل به جبرئيل، و جهل أنّه كفر صريح يوجب الإرتداد، و دام على جهله، حتى سجد و سجدوا في آخر السورة، و لم يتنبّه ثمّ دام على جهله حتى نزل عليه جبرئيل، و أمره أن يعرض عليه السورة فقرأها عليه و أعاد الجملتين و هو مصر على جهله، حتى أنكره عليه جبرئيل، ثمّ أنزل عليه آية تثبت نظير هذا الجهل الشنيع و الخطيئة الفاضحة لجميع الأنبياء


1 . الشفاء ج2 ص126.
2 . الطبرسي مجمع البيان ج4 ص61و62.


(197)

والمرسلين و هي قوله: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَ لاَنَبِىَّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى اُمْنِيَّتِهِ).

لو جاز مثل هذا التصرّف من الشيطان في لسانه بالقائه جملة أو جملتين، في ثنايا الوحي، لارتفع الأمن عن الكلام الإلهي، فكان من الجائز حينئذ أن تكون بعض الآيات القرآنية من إلقاء الشيطان فيلقي نفس هذه الآية(وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَ لاَنَبِىّ) فيضعه في لسان النبي و ذكره، فيحسبها من كلام اللّه الذي نزل به جبرئيل كما حسب حديث الغرانيق كذلك ـ إلى أن قال ـ و بذلك يرتفع الإعتماد والوثوق بكتاب اللّه من كل جهة، و تلغى الرسالة و الدعوة النبويّة بالكليّة جلّت ساحة الحق من ذلك(1).

هذا كلّه راجع إلى إسناد الرواية و كلمات العلماء بشأنه، وأمّا ما يرجع إلى متنها فنشير إلى أمرين كل واحد كاف لإبطال الرواية:

تحليل متن الرواية

1 ـ إنّ هذه الروايات أجمعت على أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ سورة والنجم فلمّا بلغ إلى قوله (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَ العُزَّى وَ مَنَاةَ الثَّالِثَةَ الاُخْرَى)وسوس إليه الشيطان بهاتين الجملتين ثمّ مضى في التلاوة حتى إذا بلغ آية السجدة في آخر السورة، سجد و سجد معه المشكرون.

فنقول: إنّ الذين كانوا في المسجد كانوا على قدر من الوعي و الدراية فكيف يعقل منهم أنّهم سمعوا هاتين الجملتين، اللتين تتضمّنان مدح أصنامهم و أوثانهم، و غاب عن سمعهم ما يتضمّن التنديد و الازراء بشأن آلهتهم، فإنّه قدجاء بعد هاتين الجملتين المدّعيتين قوله سبحانه: (إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى الأَنْفُس وَ لَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ


1 . الطباطبائي: الميزان ج14 ص435و436.


(198)

رَبِّهِمْ الهُدَى)(النجم/33).

فهل يتعقّل أن ينسب إلى أوتاد الفصاحة و البلاغة أنّهم أقنعوا بهاتين الجملتين، و فاتهم ما تضمّنته الآيات الكثيرة التي أعقبتها.

فهذه حجة بالغة على أنّ واضع القصة كان غافلاً عن تلك الآيات التي ترد على هاتين الجملتين بصلابة.

2 ـ إنّ وجود التناقض في طيّات الرواية من جهات شتّى دليل واضح على كونها مختلقة حاكتها أيدي القصّاصين.

و أمّا بيان ذلك التناقض فمن وجوه:

أ ـ تروي الروايات أنّ النبي و المسلمين و المشركين سجدوا إلاّ الوليد ابن المغيرة فإنّه لم يتمكّن من السجود لشيخوخته، و قيل مكانه سعيد بن العاص، و قيل كلاهما، و قيل: اُميّة بن خلف، و قيل: أبو لهب، و قيل: المطّلب.

ب ـ تضمّن بعضها أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأها و هو قائم يصلّي، و تضمّن البعض الآخر أنّه قرأها بينما هو جالس في نادي قومه.

ج ـ يقول بعضها حدّث بها نفسه و آخر جرت على لسانه.

د ـ يقول بعضها أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تنبّه لها حين تلاوتها، والآخر أنّه لم يتنبّه إلى المساء حتى جاء إليه جبرئيل فعرضها عليه ثمّ تبيّن له الخطأ، إلى غير ذلك من وجوه التناقض التي يقف عليها المتتبع عند التأمّل و إمعان النظر في متون الروايات المختلفة التي جمعها ابن جرير و السيوطي في تفسيرهما.

فحصيلة الكلام: إنّ الرواية بشتّى طرقها وصورها لاتصحّ الإحتجاج بها لكون إسنادها مراسيل و مقاطيع من جانب، و كونها متضاربة المضمون من جانب آخر، والذي يسقط الرواية عن الحجّية أنّها تنتهي إلى قصّاصين نظير محمد بن كعب


(199)

القرظي و محمد بن قيس، و هما مولعان بذكر كل صحيح و سقيم في أنديتهم ومجالسهم، لأنّ لكل غيريب لذّة، ليس في غيره، خصوصاً أنّ محمد بن كعب ابن بيت يهودي أباد النبي قبيلته، و لم يبق منه إلاّ نفراً قليلاً، فمن المحتمل جداً أنّه حاكها على نول الوضع لينتقم من النبي الأكرم و ليشوِّه عصمته، و الآفة كل الآفة من هؤلاء المستسلمين مثل كعب الأحبار و وهب بن منبه.

ثمّ إنّ الآية التي زعمت الرواية أنّها نزلت في تلك الواقعة أعني قوله سبحانه:

(وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَ لاَنَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى اُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(الحج/52). وقدفرغنا من تفسيره في هذه الموسوعة عند البحث عن عصمة الأنبياء فلانعيد(1).


1 . مفاهيم القرآن ج4 ص348ـ450.


(200)


(201)

(7)
إسراءه و معراجه

إنّ الأنبياء و الرسل هم أوّل من سبروا أعماق الفضاء بأكنافه و آفاقه، و لو صحّ لنا تسميتهم: «روّاد الفضاء» فهم أولى بإطلاق ذلك الإسم عليهم دون غيرهم، فقد عرجوا قبل أن يكون هناك أثر لوجود روّاد الفضاء في روسيا أو الولايات المتحدة الأمريكية، بل لم تكن هناك أية فكرة لتسخير الفضاء أو التجاسر على التفكير به، وأخطاره في الأذهان، فقد كانت العلوم الرائجة في تلك العصور تستحيله و تجعله في مصافّ المحالات، لأنّهم كانوا على القول بإمتناع الخرق و الإلتئام في طبقات السماء فهم (عليهم السلام) أوّل من كسروا حاجز هذه الخرافة و أثبتوا بتطبيقهم العملي عن طريق العروج و الإسراء إنّه ليست هناك حجب تخرق، أو تلتئم بعد الخرق، بل السماء فضاء رحب، و الكواكب إنّما هي عبارة عن أجرام معلّقة في أرجائه، تحكمها قوانين الطرد و الجذب المركزية، و إنّ الإنسان بفضل معونة القدرة الغيبية، يستطيع الإفلات من قوّة الجاذبية الأرضية، كما أنّه يقدر على اختراق الغلاف الكثيف المحيط بالأرض كل ذلك بفضل المواهب السنيّة التي يجلّل بها الخالق جلّ جلاله عبده.

إنّ الاُمنية البعيدة غوراً في تاريخ الفكر الإنساني، و التي أصبحت في متناول إنسان العصر الحديث بفضل إزدهار ورقي حضارته المادّية، و تسخير قوى الطبيعة لصالحه، تحقّقت بالأنبياء و اُمناء الغيب بفضل ما حباهم الباري عزّ شأنه به من الوسائل الغيبية للصعود و الإرتقاء في أعماق الفضاء الواسع.

و بذلك يفترق عمل الأنبياء في ذلك المجال عن عمل روّاد الفضاء و إن كان الكل مثيراً للإعجاب لأنّهم كانوا يعتمدون على أسباب غيبية لاتخضع للموازين


(202)

البشرية، و هذا بخلاف عمل روّاد الفضاء فإنّهم يستمدّون في تحقيق اُمنيتهم، بتوسّط الأسباب و العلل الطبيعية و الأجهزة الصناعيّة التي عكف على صنعها وإعدادها مئات بل اُلوف من المفكّرين و العباقرة في مختلف العلوم البشرية و بإنفاق المليارات من العملة الصعبة.

هذا هو الذكر الحكيم يصوّر لنا كيفيّة إرتقاء النبي سليمان (عليه السلام) إلى السماء و سياحته في جوّ الأرض و ذلك بتسخير الريح العاصفة له تسير به طواعية تحت أمره حيثما شاء في قوله: (وَ لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَ كُنَّا بِكُلِّ شَيْء عَالِمِينَ)(الأنبياء/81).

فهذه الآية تعرب عن أنّ الريح العاصفة تسير به إلى الأرض التي باركها سبحانه و هي أرض الأنبياء المشار إليها في آية اُخرى: (إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ)(الأسراء/1).

و مثلها قوله سبحانه: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ)(ص/36).

و الرخاء هو اللين و لعلّ المراد بأنّ الريح العاصفة التي من طبيعتها الجموح والإهلاك كانت مطيعة لسليمان تجري بأمره طواعية ذلولاً كما أنّ قوله(حيث أصاب) أي بمعنى حيث شاء سليمان و قصد، سواء كان المقصد البقاع المباركة أو غيرها.

كما أنّ هناك آية اُخرى تحدّد لنا مقاطع حركتها الزمنية و كيف إنّه كانت في يوم واحد تقوم بقطع مسافة كانت تقطعها وسائل النقل في تلك العصور مدّة شهرين في قوله:

(وَ لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَ رَوَاحُهَا شَهْرٌ)(سبأ/12).

فلو إفترضنا أنّ وسائل النقل تقطع في كلّ يوم أربعاً و أربعين كيلومتراً على وفق ما هو المتعارف عليه يومذاك، يكون مجموع مقدار المسافة اليوميّة في إمتداد شهر(1320) كيلومتراً فإذا كان غدوّها شهراً و رواحها شهراً يكون مجموع المسافة التي كان يقطعها سليمان في يوم واحد تبلغ(2640) كيلومتراً.


(203)

و الحقّ إنّه كانت كرامة عظيمة كرّمه اللّه سبحانه بها، و ليس سليمان وحيداً في الإختصاص بتلك المكرمة بل تلاه المسيح عيسى بن مريم عند ما إجتمع أجلاف اليهود و جلاوزتهم على قتله حيث رفعه إليه و نجّاه من كيدهم. يقول سبحانه:

(وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيْسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَ مَا قَتَلُوهُ وَ مَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِى شَكّ مِنْهُ مَالَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَ كَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكَيماً)(النساء/157و158).

فالآية تتضمّن دعويين:

الاُولى: ما يقوله اليهود و هو قتل المسيح وصلبه.

الثاني: ما يصرّح به القرآن و هو نفي قتله و عدم صلبه بل رفعه.

و بما أنّ متعلّق القتل و الصلب هو الوجود الخارجي أي جسم المسيح وروحه فيكون ذلك متعلّق الرفع أيضاً، فهو رفع بجسمه و روحه، و بعبارة أكثر وضوحاً إنّه رفع حيّاً لا أنّه قد اُميت ثمّ رفع على ما هو المصرّح به في الأناجيل المحرّفة من موت المسيح ثمّ رفعه بعد إسبوع من صلبه أو أيام قلائل، فما ربّما يظهر من جنوح بعض المتأخّرين من المفسّرين إلى هذا التفسير، فهو تفسير بمحض الرأي و مخالف لظاهر الآية فإنّ الإضراب الوارد في قوله تعالى(بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ) لايكون إضراباً عن قول اليهود إلاّ برفعه حيّاً لابرفعه ميّتاً، فإنّ هذا الرفع كان لغاية تخليص المسيح من سطوة اليهود سواء أمات بعد ذلك أم بقي حيّاً بإبقاء اللّه تعالى له، و على كل تقدير فلايكون قوله(بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ) إبطالاً لقول اليهود إلاّ إذا رفع حيّاً.

و أمّا قوله سبحانه: (إِذْ قَالَ اللّهَ يَا عِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَ رَافِعُكَ إِلَىَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)(آلعمران/55)، فليس التوفّي هناك بمعنى الإماتة و الإزهاق بل ليس للتوفّي إلاّ معنى واحد و هو القبض و الأخذ، يقال: توفّيت المال منه واستوفيته: إذا أخذته كلّه، و يقال توفّيت عدد القوم: إذا عددتهم كلّهم، كما يقال: توفّي فلان


(204)

وتوفّاه اللّه إذا قبض(1). و على ذلك فليس للتوفّي إلاّ معنى الأخذ و له مصاديق مختلفة، فالإماتة من مصاديقه كما أنّ النوم بما أنّه نوع أخذ للإنسان مصداق آخر له قال سبحانه: (وَ هُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ)(الأنعام/60) وعلى ضوء ذلك فمعنى(إِنِّيمُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ): قابضك من الأرض حيّاً إلى جواري ورافعك من بين أعدائك، فالآيات متضافرة المضمون على أنّه رفع من الأرض حيّاً إليه سبحانه.

و رفعه من الأرض حيّاً يلازم رفعه إلى السماء، و بذلك تقف على تفسير قوله سبحانه حيث يحكي عن المسيح قوله: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُواللّهَ رَبِّى وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتَ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)(آلعمران/155).

معراج النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الوقوف على إسراء النبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى و عروجه منه إلى سدرة المنتهى من معاجزه و كراماته التي أثبتهما القرآن الكريم في سورتي الإسراء و النجم، و تفصيل ما ظهر له فيهما من الآيات يتوقّف على نقل شأنهما في الذكر الحكيم. أمّا الإسراء فقال فيه:

(سُبْحَانَ الَّذِى أَسَرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إَلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذَى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)(الإسراء/1).

1 ـ إبتدأ سبحانه كلامه بالتسبيح و قال: (سُبْحَانَ)(2) و هي كلمة تنزيه للّه عزّ


1 . لسان العرب: ج15 ص400 مادّة «وفى».
2 . سبحان علم للتسبيح كعثمان للرجل، و انتصابه بفعل مضمر لايظهر تقديره يسبّح اللّه سبحان، ثمّ نزل سبحان منزلة الفعل و سدّ مسدّه و دلّ على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداؤه.


(205)

اسمه عمّا لايليق به من الصفات، و قد يراد به التعجيب، ولكن الظاهر هو الأوّل.

و لعلّ الوجه في إبتدائها بالتنزيه هو التصريح بتنزيهه سبحانه عن العجز لماسيذكر بعده من الإسراء بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في فترة زمنية قصيرة، و يمكن أن يكون الوجه إرادة تنزيهه سبحانه عن التجسيم و الجهة والرؤية وكل ما لا يليق بعزّ جلاله و صفات كماله، حتّى لايتوهّم متوهّم أنّ المقصود من المعراج هو رؤية اللّه تبارك و تعالى في ملكوت عرشه و جبروت سلطانه، و الأوّل أقرب.

2 ـ الإسراء لغة هو السير في الليل. يقال: سرى بالليل و أسرى بمعنى، و أمّا الإتيان بلفظة«ليلاً» مع الإستغناء عنه فيأتي وجهه.

3 ـ قوله«بعبده» يدل على أنّ الإسراء كان بمجموع الروح و الجسد يقظة لامناماً و لم يطلق العبد في القرآن إلاّ على المجموع منهما. قال سبحانه: (الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ)(البقرة/178).و قال سبحانه: (وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِك)(البقرة/221).

إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها لفظ العبد و التي تناهز 28 آية، و يؤيّد ذلك أنّه سبحانه ابتدأ السورة بالتنزيه فقال: (سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ...)خصوصاً إذا قلنا بأنّه للتعجّب فإنّه يكون في الاُمور العظام الخارقة للعادة، و لو كان الإسراء بمجرّد الروح، مناماً لم يكن فيه كبير شأن و لم يكن مستعظماً، و ما ورد في المقام من الروايات المنتهية إلى أمثال معاوية ابن أبي سفيان بأنّه قال: كان رؤيا من اللّه صادقة، مرفوض فإنّ معاوية يومئذ كان من المشركين لايقبل خبره في مثل هذا، ومثله ما روي عن عائشة زوجة النبي بأنّه قال: ما فقد جسد رسول اللّه و لكن اُسري بروحه، فإنّ عائشة يومئذ كانت صغيرة و لم تكن زوجة رسول اللّه، بل لم تولد بعد على إحتمال، و هناك كلام لأبي جعفر الطبري في تفسيره نقتطف منه ما يلي:

«الصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنّ اللّه أسرى بعبده محمد(صلّى


(206)

اللّه عليه و آله و سلّم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما أخبر اللّه عباده وكما تضافرت به الأخبار عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ اللّه حمله على البراق حتى أتى به فصلّى هناك بمن صلّى من الأنبياء و الرسل فأراه ما أراه من الآيات، و لامعنى لقول من قال: اُسري بروحه دون جسده، لأنّ هذا الإسراء لايشكّل دليلاً على نبوّته و لاحجة له على رسالته، و لا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك. إذ لم يكن منكراً عندهم و لا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو مسيرة شهر أو أقل؟ وبعد، فإنّ اللّه إنّما أخبر في كتابه أنّه أسرى بعبده و لم يخبرنا أنّه أسرى بروح عبده، فليس جائزاً لأحد أن يتعدّى ما قال اللّه إلى غيره ـ ]مضافاً[ إلى أنّ الأدلّة الواضحة والأخبار المتداولة عن رسول اللّه أسري به على دابة يقال لها البراق، فلو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق، إذ كانت الدواب لاتحمل إلاّ الأجساد(1).

4 ـ «ليلاً» و هو يدل على أنّ الإسراء في بعض الليل كما يفيده التنكير فلايستفاد ذلك من لفظ الإسراء، فإنّه يدل على صرف كونه في الليل.

قال الزمخشري: إنّ تنكير «ليلاً» للدلالة على أنّه اُسرى به بعض الليل من مكّة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، و ذلك إنّ التنكير قد دلّ على معنى البعضيّة و يشهد لذلك قراءة عبداللّه بن حذيفة: «من الليل» أي بعض الليل، كقوله: (وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ)(أي من بعضه)(2). ثمّ إنّ الحركة بهذه السرعة ممكنة في نفسها، فقد جاء في القرآن أنّ الرياح كانت تسير بسليمان إلى المواقع البعيدة في الأوقات الزمنية القليلة كما مرّ.

و حكى سبحانه عن الذي كان عنده علم من الكتاب أنّه أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر، حيث قال: (قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرِّاً عِنْدَهُ قَالَ


1 . تفسير الطبري: ج15 ص130.
2 . الكشّاف: ج2 ص223 (طبع مصر).


(207)

هَذَا مَنْ فَضْلِ رَبِّى)(النمل/40).

فإذا أجاز هذا لدى طائفة من الناس، ممّن سبقه، صحّ وقوعه منه(1).

و ها نحن في كل يوم نشاهد من صنوف المخترعات في ميادين النقل والمواصلات ما يتمكّن بواسطتها من قطع المسافات الشاسعة كالطائرات التي تجتاز المحيطات في ساعات قلائل و ينتقل من قارة إلى قارة و من قطر إلى قطر بيسر وسهولة، و هذا ليدفعنا إلى الإعتقاد الجازم بشهادة العيان بأنّ ما جاء في هذه الرحلة الخارقة لقوانين الطبيعة ليس أمراً عزيز الحصول أو مستحيلاً، فإذا كان هذا بوسع الإنسان بحسب طاقاته المحدودة و هو الذي خلق ضعيفاً، فاللّه سبحانه أقدر عليه وعلى غيره من كل أحد(وَ مَا قَدَرُو اللّه حَقَّ قَدْرِهِ).

5 ـ (مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى) و هذه الجملة تعرب عن تحديد بدء السير و منتهاه، و أنّه إبتدأ من المسجد الحرام و انتهى إلى المسجد الأقصى و هو بيت المقدس بقرينة قوله: (الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ)و القصى العبد، وسمّي المسجد الأقصى به لكونه أبعد مسجد بالنسبة إلى مكان النبي و من معه من المخاطبين و هو مكّة التي فيها«المسجد الحرام».

و ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّه أسري به من دار اُم هاني اُخت علي بن أبي طالب و زوجها هبيرة بن أبي لهب المخزومي، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) نائماً تلك الليلة في بيتها، و أنّ المراد بالمسجد الحرام هنا مكّة، و الحرم كلّها مسجد(2).

و قال بعضهم: إنّما اُسري به من شعب أبي طالب.

و الوجه الأوّل هو الأوفق بظاهر الكتاب و مع ذلك يمكن تصحيح الوجهين الأخيرين بوجهين:


1 . تفسير المراغي: ج15، ص6، بتصرّف يسير.
2 . مجمع البيان: ج6 ص399.


(208)

الأوّل: إنّه لو كان في المكان الوسيع شيء معروف و متبرّك يطلق اسمه على جميع المكان نظير ذلك مسجد الشجرة حيث يطلق و يراد منه ذو الحليفة، و مشهد الإمام عليّ (عليه السلام) يطلق و يراد منه النجف برمّتها، إلى غير ذلك، و من الممكن أن يكون المراد من المسجد الحرام، الحرم كلّه بالملاك المذكور فيشمل مكّة و البيت الذي اُسري منه النبي أو الشعب الذي كان النبي لاجئاً إليه يومذاك.

الثاني: أن يكون الإسراء قد حدث مرّتين أحدهما من المسجد الحرام و الآخر من بيت أم هاني أو من الشعب، و يؤيّد ذلك ما رواه الكليني أنّه سأل أبو بصير أباعبداللّه (عليه السلام) فقال: جعلت فداك و كم عرج برسول اللّه؟ فقال: مرّتين(1).

6 ـ (أَلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ) أي جعلنا البركة فيما حوله من الأشجار و الثمار والنبات و الأمن و الخصب حتّى لايحتاجون إلى أن يجلب إليهم من موضع آخر. أضف إلى ذلك إنّه سبحانه جعله مقر الأنبياء و مهبط الملائكة، فقد إجتمعت فيه بركات و خيرات الدين و الدنيا.

7 ـ (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) و الجملة متكفّلة ببيان الهدف من الإسراء و هو إراءة عجائب الآيات و غرائب الصنع، و منها إسراءه في ليلة واحدة من مكّة إلى المسجد الأقصى، و هي فترة قياسية خارقة للعادة.

فلو كان المسجد الأقصى منتهى سيره في ذلك الإسراء، فيكون المراد من الآيات التي أراه اللّه سبحانه إيّاها مجرّد ما رأته عيناه في طريقة إلى المسجد الأقصى وما فيه من مقامات الأنبياء و قبورهم و آثارهم.

و أمّا إذا كان العروج إلى السماء متّصلاً بذلك الإسراء فتتّسع نطاق الآيات، وفي السياق دلالة على عظمة هذه الآيات التي كشف له عنها اللّه سبحانه، و حيث أراه بعضها لاكلّها، و فيه تصريح بأنّ الهدف هو إراءة الآيات الكونية الباهرة ليرجع


1 . نور الثقلين: ج3 ص98.


(209)

النبي من إسرائه بصدر منشرح و قلب متفتّح قد إنعكست فيه آيات العظمة و سبحات الجلال و الجمال، و أمّا ما يتخيّل من أنّ الهدف رؤية اللّه سبحانه فهو ممّا حاكته يد الدس و نسجته أغراض التزوير.

و في الأحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت تنديد بهذا الفكر النابي. روى الصدوق في علل الشرائع: عن ثابت بن دينار، قال سألت زين العابدين ـ علي بن الحسينـ (عليه السلام) عن اللّه جلّ جلاله هل يوصف بمكان؟ فقال: تعالى عن ذلك، قلنا: فلم أسرى نبيّه إلى السماء؟ قال: ليريه ملكوت السماوات و ما فيها من عجائب صنعه و بدائع خلقه.

و في حديث آخر عن يونس بن عبد الرحمان، قال: قلت لأبي الحسن موسى ابن جعفر (عليهما السلام) : لأيّ علّة عرج اللّه ـ عزّ و جلّ ـ نبيّه إلى السماء و منها إلى سدرة المنتهى؟ و منها إلى حجب النور؟ و خاطبه و ناجاه هناك؟ و اللّه لايوصف بمكان؟ فقال (عليه السلام) : إنّ اللّه تبارك و تعالى لايوصف بمكان و لايجري عليه زمان، و لكنّه عزّ وجلّ أراد أن يشرّف ملائكته و سكّان سماواته و يكرمهم بمشاهدته و يريه من عجائب عظمته و يخبر به بعد هبوطه، و ليس ذلك على ما يقوله المشبّهون. سبحان اللّه و تعالى عمّا يشركون.

8 ـ (إنّه هُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ) و هذا تعليل لإراءة آياته، و معناه أنّه سميع لأقوال عباده، بصير بأفعالهم، يسمع أقوال من صدّقه أو كذّبه و يبصر أفعالهم.

عروجه إلى السماء

هذا كلّه حول إسرائه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، و قد جاء في القرآن في سورة واحدة و هي سورة الإسراء، و أمّا عروجه إلى السماء فقد تكفّلت ببيانه سورة النجم، و إليك نصّ ما ورد بشأن ذلك فيها:


(210)

قال سبحانه: (وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوَى * وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَ هُوَ بِالاُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى)

(وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَاطَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى)(النجم/1ـ18)

والطائفة الاُولى من الآيات راجعة إلى بدء الدعوة و لاتمتّ إلى حديث المعراج بصلة، وأمّا الطائفة الثانية فهي مصرّحة بمعراجه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

و لأجل الوقوف على ما تهدف إليه الآيات يحتّم علينا أن نفسّرها واحدة بعد الاُخرى، فنقول:

1 ـ (وَ النَّجْمِ إِذَا هَوَى). و هو حلف من اللّه بمخلوقه، و المراد من الهوى سقوطه للغروب.

2 ـ (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوَى) أي لم يخرج عن الصراط المستقيم، والمراد من الصاحب هو النبي، كما أنّ المراد من الغيّ هو الإعتقاد الفاسد، أي ماخرج النبي عن الطريق الموصل إلى الغاية المطلوبة ولم يخطئ في إعتقاده ورأيه.

3 ـ (وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى) المراد بالهوى هوى النفس و رأيها، و مقتضى ورود النفي على النطق هو نفي الهوى في مطلق نطقه، إلاّ أنّ ذيله قرينة على أنّ المراد نفي سلطة الهوى في ما يدعوهم إلى اللّه.

4 ـ (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى) أي لاينطق فيما يدعوكم إلى اللّه عن هوى نفسه ورأيه و ليس ذلك إِلاَّ وحياً يوحى إليه من اللّه تعالى.

5 ـ (عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى) المراد من شديد القوى هو جبرئيل بقرينة قوله


(211)

سبحانه: (ذِى قُوَّة عِنْدَ ذِى العَرْشِ مَكِين)(التكوير/20) و بذلك يضعف إحتمال كون المراد هو اللّه سبحانه، و الضمير في «علّمه» يرجع إلى الصاحب، المراد منه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و إحتمال رجوعه إلى الوحي أو القرآن ضعيف لإستلزامه تقدير مفعول له مثل قولنا: «علّمه إيّاه» و هو خلاف الظاهر.

6 ـ(ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى) المرّة ـ بكسر الميم ـ الشدّة و حصافة العقل و الرأي، أي ذو حصافة في عقله و رأيه أو ذو شدّة في جنب اللّه، و إحتمال كون المراد منه هو النبي يستلزم جعله صفة لـ «صاحبكم» و هو بعيد، بل هو صفة لشديد القوى الذي جاء بعده، و هو أيضاً دليل على أنّ المراد من شديد القوى هو جبرئيل. كما أنّ المراد من قوله «فاستوى» إستقام على صورته الأصليّة التي خلق عليها، لأنّ جبرئيل كان ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صور مختلفة، و لكنه في بدء الدعوة ظهر له في صورته الأصليّة.

7 ـ (وَ هُوَ بِالاُفُقِ الأَعْلَى) و الضمير يرجع إلى شديد القوى، و المراد منه جبرئيل، كما أنّ المراد بالاُفُق الأعلى ناحية المشرق من السماء، لأنّ المشرق مطلّ على المغرب و يحتمل أن يكون المراد اُفق أعلى من السماء من غير إعتبار كونه شرقياً، و الجملة، هي جملة حالية من ضمير فاستوى.

8 ـ (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) و الضميران راجعان إلى جبرئيل، و المراد من «الدنوّ» القرب كما أنّ المراد من التدلّي هو الإعتماد على جهة السفل مأخوذ من الدلو، والمراد قرب جبرئيل متدلّياً من الاُفق الأعلى.

9 ـ (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) ألقاب مقدار الشيء، و القوس معروف وهي آلة الرمي، و المعنى قرب جبرئيل على حدّ لم يبق بينه و بين النبي إلاّ قدر قوسين أو أقلّ.

10 ـ (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) و الضمير في كلا الفعلين يرجع إلى جبرئيل على نسق رجوع سائر الضمائر إليه. نعم الضمير في «عبده» يرجع إلى اللّه


(212)

سبحانه، و المعنى فأوحى جبرئيل إلى عبد اللّه ما أوحى.

و ربّما يحتمل رجوع الضمائر الثلاث إلى اللّه سبحانه، و المراد فأوحى اللّه بتوسّط جبرئيل إلى عبده، و هو و إن كان صحيحاً و لكنه على خلاف السياق.

11 ـ (مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى) و الكذب كما يتّصف به الكلام كذلك يطلق على خطأ القوّة المدركة، يقال: كذّبته عينه أي أخطأت في رؤيتها، و نفي الكذب عن الفؤاد كناية عن تنزيهه عن الخطأ، و المراد من الفؤاد فؤاد النبي، و ضمير الفاعل في «ما رأى» راجع إلى الفؤاد، و الرؤية رؤيته، و لا إشكال في إسناد الرؤية إلى الفؤاد لأنّه يطلق على شهود النفس رؤيتها.

12 ـ (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) و هو توبيخ لهم على مماراتهم إيّاه، حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدّعي رؤية جبرئيل و هم يجادلونه في ما رآه وشاهده، و لامجال للمجادلة فيما شوهد بالحسّ و العيان.

إلى هنا تمّت الطائفة الاُولى من الآيات و الكلّ يهدف إلى إستعراض قصّة بدء الدعوة أنّ جبرئيل الذي هو شديد القوى كان قد علّمه القرآن و رآه النبي و هو بالاُفق الأعلى، و قد قرب من النبي متدلّياً إليه فلم يبق بينه و بين النبي إلاّ مسافة قوسين أو أدنى، و ليس هناك بحث عن رؤية النبي للّه سبحانه كما لاصلة لهذه الآيات بحديث المعراج و عروجه إلى السماء.

و بالإمعان فيما ذكرنا تظهر اُمور:

أ ـ إنّ الضمائر من قوله علّمه إلى قوله: (إَلَى عَبْدِه مَا أَوْحَى )كلّها يرجع إلى شديد القوى و المراد منه جبرائيل إلاّ الضمير في (إِلَى عَبْدهِ)فإنّه يرجع إلى اللّه.

و على إحتمال، يرجع الضميران في الفعلين (فَأَوْحَى... مَا أَوْحَى)إلى اللّه سبحانه، و بعد ذلك لامعنى للإستدلال بهذه الآيات على أنّ النبي رأى ربّه، والإشتباه إنّما حصل من إرجاع الضمائر الثلاثة من قوله:(ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) إلى النبي


(213)

الأكرم و أنّ المرادنا منه سبحانه و هو ممّا لايساعد عليه سياق الآيات.

ب ـ إنّ الكاتب الإنگليزي«جان. ديون. بورت» فسّر قوله دنا فتدلّى بأنّ النبي استجاز ربّه للحضور عنده، فقرب منه إلى حدّ لم يبق بينه و بين ربّه إلاّ قاب قوسين، و هو غلط كما أوضحناه. أضف إلى ذلك: إنّ هذا القسم من الآيات لايمتّ إلى حديث المعراج بصلة، و إنّما هو بصدد بيان حادثة بدء الدعوة و لم يكن هناك يومئذ معراج من النبيّ حتى يستأذن للحضور عند ربّه، و منشأ الإشتباه مضافاً إلى ذلك هو إرجاع الضميرين في دنا فتدلّى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ج ـ إنّ بعض المستشرقين يذكر في تفسير الآيات: إنّ النبي قرب من اللّه سبحانه حتى سمع صرير قلمه و وقف على أنّه سبحانه مهتمّ بصيانة حساب عباده، سمع صرير قلمه و لم يرشخصه، كل ذلك خلط و خبط، يفعلون ذلك على الرغم من أنّهم غير متضلّعين في اللغة العربيّة و أساليبها و قواعدها و أسرارهاو في القرآن الكريم و إشاراته و نكاته، ثمّ يكتبون عن النبي و الإسلام و القرآن كل شيء دعتهم إليه أغراضهم و لاعلم لهم بشيء منها إلاّ ما لايلتفت إليه.

إذا وقفت على مفاد الطائفة الاُولى من الآيات نعرج بك على تفسير الطائفة الثانية التي وردت في معراج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و إنّما جاءت بعد الطائفة الاُولى لصلة تامّة بينهما و هو التركيز على أنّ النبي رأى جبرئيل على صورته الواقعيّة في كلتا المرحلتين، اُولاهما بدء الدعوة حيث رآه بالاُفق الأعلى، و ثانيهما عند المعراج إذ رآه عند سدرة المنتهى التي عندها جنّة المأوى، و يؤكّد على أنّ الرؤية كانت رؤية صادقة غير خاطئة، فيركّز على صدق الرؤية في ضمن الطائفة الاُولى بقوله: (مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَآى) و في ضمن الطائفة الثانية بقوله: (مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى) و أنّ الرؤية رؤية واقعيّة غير مشوبة بالزيغ و الخطأ، ثمّ قال سبحانه:

13 ـ (وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً اُخْرَى) النزلة بناء مرة من النزول فمعناه نزول واحد، فتدلّ الآية على أنّ هذه قصّة رؤية في نزول آخر، و الآيات السابقة تحكي نزولاً آخر، و لأجل


(214)

ذلك قلنا إنّ الطائفتين تهدف كل منهما إلى قصّة خاصة، و ضمير الفاعل يرجع إلى النبي، و ضمير المفعول لجبرئيل و النزلة نزول جبرئيل إليه ليعرج به إلى السموات.

14 ـ (عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى) و هو ظرف للرؤية، لا للنزلة و المراد برؤيته رؤيته و هو في صورته الأصليّة، و المعنى أنّه نزل عليه نزلة اُخرى، و عرج به إلى السماوات، و رآه النبي عند سدرة المنتهى و هو في صورته الأصليّة، و السدر شجر معروف و التاء للوحدة، و المتنهى كأنّه إسم مكان، و لعلّ المراد به منتهى السماوات بدليل أنّ جنّة المأوى عنده و الجنّة في السماء، فينتج إنّ سدرة المنتهى في السماء، و أمّا كون الجنّة في السماء فبدليل قوله: (وَ فِى السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ)(الذاريات/22) و أمّا ما هو المراد من تلك الشجرة فليس في كلامه سبحانه ما يفسّره، و يؤيّده قوله: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) و سيوافيك تفسيره.

15 ـ (عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى) و المراد هي جنّة الآخرة التي يأوى إليها المؤمنون. قال تعالى: (فَلَهُمْ جَنَّاتُ المَأْوَى نُزُولاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(السجدة/19). و هي أيضاً في السماء على ما دلّ عليه قوله: (و في السماء رزقكم و ما توعدون).

16 ـ (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) غشيان الشيء الإحاطة به، و ما موصولة والمعنى إذ يحيط بالسدرة ما يحيط بها، و قدأبهم اللّه تعالى حقيقة تلك الشجرة كما أبهم ما يغشاها.

17 ـ (مَا زَاغَ البَصَرُ وَ مَا طَغَى) زيغ البصر إدراكه المبصر على غير ما هو عليه، و طغيانه إدراكه مالاحقيقة له، و المراد بالبصر بصر النبي، والمعنى أنّه لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقة، و لاأبصر ما لاحقيقة له بل أبصر إبصاراً لايشوبه الخطأ.

و قال العلاّمة الطباطبائي: إنّ المراد بالإبصار رؤيته بقلبه لابجارحة العين، فإنّ المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله:(وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً اُخْرَى)المشير إلى مماثلة هذه


(215)

الرؤية لرؤية النزلة الاُولى التي يقول فيها: (مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَآى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَايَرَى)(1) غير أنّه لامنافاة بين أن يراه بعينه و يراه بقلبه، فإنّ الرؤية بالجارحة وسيلة والرؤية الحقيقية بالقلب.

18 ـ (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى) فهو رأى بعض آيات ربّه الكبرى، ورؤية الآيات نوع رؤية لذيها و لايمكن رؤية ذي الآية أعني ذاته المقدسة بلاتوسيط آية. قال سبحانه: (وَ لاَيُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) إلى غير ذلك من الآيات المنكرة لإمكان وقوع الرؤية على ذاته عزّ و جلّ، و الإمعان في مجموع الآيات الواردة حول إسرائه وعروجه ينتهي بنا إلى عدّة اُمور:

1ـ إنّه قد اُسري بالنبي ليلاً على جهة القطع، و لكن هل كان عروجه في الليل أيضاً؟ ليس في الآيات شيء يدل على ذلك، فلو كان عروجه إلى السماوات متّصلاً بإسرائه فيتّحد معه زماناً.

2 ـ إنّ النبي اُسري و عرج بروحه و جسده و لم يكن ذلك رؤياً.

3 ـ بدأ الإسراء من المسجد الحرام أو مكّة المكرمة على ما مرّ ذكره، و أمّا مبدأ المعراج فلو كان متّصلاً بالإسراء فيكون مبدؤه من المسجد الأقصى.

4 ـ منتهى الإسراء هو المسجد الأقصى، و أمّا منتهى المعراج فهو منتهى السماوات كما يفيده قوله: (عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى) أي رأى جبرئيل عند شجرة السدرة الواقعة في منتهى السماوات.

5 ـ كان الغرض من الإسراء و المعراج إراءة الآيات كما يتضمّنه قوله: (لنريهمن آياتنا)و قوله: (و لقد رأى من آيات ربّه الكبرى).

6 ـ إنّ النبي رآى جبرئيل بصورته الأصليّة مرّتين، مرّة في بدء الدعوة و مرّة في المعراج.


1 . الميزان: ج19 ص32.


(216)

7ـ قد دنا جبرئيل من النبي على حد لم يبق بينهما مسافة إلاّ مقدار قاب قوسين أو أدنى.

8 ـ لم يكن هناك خطأ في تلك الرؤية، فما أخطأ فؤاده وما زاغ بصره وماطغى.

كل ذلك ممّا تفيده الآيات و بقيت هنا عدّة اُمور لم يرد في كلامه سبحانه مايوضحه:

الف ـ ما هو حقيقة شجرة السدرة؟

ب ـ بما ذا غشى السدرة؟

ج ـ ما ذا أوحى إلى النبي في بدء الدعوة؟

فلابدّ في الوقوف على هذه الاُمور من الرجوع إلى الروايات.

ثمّ إنّ الروايات الواردة في الإسراء ومعراج النبي تنقسم جملتها عن أربعة أوجه:

أوّلاً: ما يقطع بصحّتها لتواتر الأخبار به و لإحاطة العلم بصحّته.

ثانياً: ما ورد في ذلك ممّا تجوّزه العقول و لاتأباه الاُصول، و نحن نجوّزه ثمّ نقطع بأن ذلك كان في يقظته دون منامه.

ثالثاً: ما يكون ظاهره مخالفاً لبعض الاُصول إلاّ أنّه يمكن تأويلها على وجه يوافق المعقول، فالأولى أن نؤوّله إلى ما يطابق الحق و الدليل.

رابعاً: ما لايصحّ ظاهره و لايمكن تأويله إلاّ بالتعسّف البعيد، فالأولى أن لانقبله.

أمّا الأوّل المقطوع به، فهو أنّه أسرى به.

و أمّا الثاني فمنه ما روي أنّه طاف في السماوات و رأى الأنبياء و العرش وسدرة المنتهى و الجنّة و النار و نحو ذلك.


(217)

و أمّا الثالث فنحو ما روي أنّه رأى قوماً في الجنّة يتنعّمون فيهاو قوماً في النار يعذّبون فيها، فيحمل على أنّه رأى صفتهم أو أسماءهم.

و أمّا الرابع فنحو ما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّم اللّه سبحانه جهرة و رآه و قعد معه على سريره و نحو ذلك ممّا يوجب ظاهره التشبيه، و اللّه سبحانه يتقدّس عن ذلك.

و كذلك ما روي أنّه شقّ بطنه و غسله، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان طاهراً مطهّراً من كل سوء و عيب، و كيف يطهر القلب و ما فيه من الاعتقاد بالماء؟(1)

***

إستشارة قريش أحبار اليهود في أمر دعوة النبي:

كان النضر بن الحارث من شياطين قريش، و كان ممّن يؤذي رسول اللّه وينصب له العداوة، و كان قد قدم الحيرة، و تعلّم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم و إسبنديار، و كان يقول: أنا و اللّه يا معشر قريش أحسن حديثاً منه فأنا اُحدّثكم أحسن من حديثه، ثمّ يحدّثهم عن ملوك فارس و رستم و إسبنديار، ثمّ يقول: بما ذا محمد أحسن حديثاً منّي؟

و هو الذي نزل في حقّه قوله: (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَو قَالَ اُوحِىَ إِلَىَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ...)(الأنعام/93).

فلمّا قال ذلك النضر بن الحارث، بعثته قريش مع عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود و قالوا لهما: سلاهم عن محمد، وصفا لهم صفته، و إخبراهم بقوله،


1 . مجمع البيان: ج3 ص395 (طبع طهران).


(218)

فإنّهم أهل الكتاب الأوّل و عندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول اللّه و وصفاً لهم أمره، و أخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنّكم أهل التوراة و قدجئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، فقال لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، و إن لميفعل فالرّجل متقوّل، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ما كان أمرهم؟ و أنّه قدكان لهم حديث عجب، و سلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض و مغاربها ما كان نبأه، و سلوه عن الروح ما هي، فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنّه نبي، و إن لميفعل فهو رجل متقوّل فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر بن الحارث وعقبة ابن أبي معيط حتى قد ما مكة على قريش، و قالا: يا معشر قريش قدجئناكم بفصل مابينكم و بين محمد،قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء آمرونا بها فإن أخبركم عنها فهو نبي وإن لم يفعل فالرجل متقوّل، فروا فيه رأيكم.

فجاؤا رسول اللّه و ذكروا الأسئلة حسبما تلقّوه من أحبار يهود، فوافاه الوحي في الموارد الثلاثة.

أمّا الفتية التي ذهبوا في الدهر الأوّل، فبيّنتها آيات من سورة الكهف مبتدئة من قوله: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً...) و منتهية بقوله: (قُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىّ وَ لاَيُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَداً)(الكهف/26).

و أمّا الرجل الطوَّاف الذي قد بلغ مشارق الأرض و مغاربها، فنزل في حقّه آيات من سورة الكهف، مبتدئة بقوله: (وَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِى القَرْنَينِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً)(الكهف/83) و منتهية بقوله: (وَ تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِى بَعْض وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً)(الكهف/99).

و أمّا الروح فوافاهم الجواب بقوله: (وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قَلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَ مَا اُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)(الإسراء/85).


(219)

ثمّ إنّ النبي الأكرم لمّا قدم المدينة قالت أحبار اليهود: يا محمد أرأيت قولك (وَ مَا اُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) إيّانا تريد، أم قومك؟ قال: كلاّ، قالوا: فإنّك تتلو فيما جاءك: «إنّا قداُوتينا التوراة فيها بيان كل شيء فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّها في علم اللّه قليل، و عندكم في ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه». قال: فأنزل اللّه تعالى عليه فيما سألوه عنه من ذلك: (وَ لَوْ أَنَّ مَا فِى الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَ البَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي أنّ التوراة في هذا من علم اللّه قليل(1).

هذا ما رواه ابن هشام في سيرته، و لكن المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) يختلف معه في جهات:

الاُولى: إنّ صريح ما ورد في السيرة هو أنّ قريشاً بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة و المروي عنه (عليه السلام) أنّ قريشاً بعثوا إلى نجران.

الثانية:إنّ المبعوث على ما في السيرة شخصان، و لكن المرويّ عنه ثلاثة أشخاص، و الثالث العاص بن وائل.

الثالثة: إنّ المسألة الثالثة على ما في السيرة هو السؤال عن الروح و المروي عنه هو قصّة موسى حين أمره اللّه عزّ وجلّ أن يتبع العالم و يتعلّم منه، فمن هو ذلك العالم وكيف تبعه و ما كانت قصّته معه؟

الرابعة: صريح السيرة أنّ السؤال كان عن ثلاث مسائل، و المرويّ عنه أنّ السؤال كان عن أربع مسائل، و المسألة الرابعة هو السؤال عن وقت الساعة، فإن ادّعى علمها فهو كاذب، فإنّ قيام الساعة لايعلمها إلاَّ اللّه(2).

و يؤيّد كون السؤال عن أمر موسى باتباع العالم إنّ هذه المسائل الثلاث وردت


1 . السيرة النبويّة: ج1 ص307و308.
2 . تفسير القمي: ج2 ص31.


(220)

في سورة الكهف(1) و أمّا السؤال عن الروح فقد ورد في سورة الأسراء، الآية85. ولوكان السؤال عن الروح لكان الأنسب الإجابة عن الجميع في سورة واحدة.

و على فرض التسليم بذلك فما هو المراد من الروح، فهل المراد هو روح الإنسان أو جبرئيل(روح الأمين) و الأقرب هو الثاني، و ذلك بقرينة كون السؤال من هو اليهود، فقدكان لهم عقيدة خاصة في جبرئيل و كانوا يسمّونه ملك العذاب، ولأجل ذلك كانوا ينصبون له العداء، و هم الذين يتهمونه بأنّه خان حيث نقل النبوّة من نسل إسرائيل إلى أولاد إسماعيل، و قدإشتهر منهم قولهم«خان الأمين»، و في الوقت نفسه كانوا يظهرون المودّة لميكائيل، و لأجل ذلك جاء الوحي مندّداً بهم بقوله: (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَ بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)(البقرة/97) و قال: (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَ مَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوُّ لِلْكَافِرِينَ)(البقرة/98) و قال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ)(الشعراء/193ـ194).

و وصفه بالأمين لرد إتهام اليهود إياه بالخيانة، و أنّه نقل النبوّة من نسل إسرائيل إلى أولاد إسماعيل، و أنّ قولهم«خان الأمين» إفتراء على أمين الوحي.

كل ذلك يعرب عن أنّ اليهودكانوا يكنّون العداء لجبرئيل أو يظهرونه له، و عند ذلك طرحوا هذا السؤال حتى يعلم لهم موقف النبي(مدّعي النبوّة) من عدوّهم(جبرئيل) فإن قام بذمّه، كان من أنصارهم، و إنّ مدحه، قاموا في وجهه، فنزل الوحي بأنّ الروح من أمر اللّه أي من مظاهر أمره سبحانه، فهو لايقوم بما يقوم إلاّ بأمر منه، فلو قام بإنزال البشارة فبأمره، و لو جاء بأمر العذاب و الإبادة فهو أيضاً من أمره وبذلك يعلم أنّ تفسير الروح بروح الإنسان بعيد عن البيئة التي طرح فيها السؤال، فإنّ البحث عن الروح و حقيقتها و حدوثها و قدمها يناسب البيئات الفلسفية لا غير.


1 . أعني قوله سبحانه: (إذ قال موسى لفتيه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقباً...)(الكهف/60ـ82).


(221)

وفد الحبشة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للإستطلاع على أمر الدعوة:

لمّا بلغ خبر رسول اللّه إلى الحبشة و هم نصارى، فقدم منهم إلى مكّة عشرون رجلاً ليقفوا على حقيقة الأمر عن كثب، فوجدوا النبي في المسجد، فجلسوا إليه وكلّموه و سألوه، و رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلمّا فرغوا من مسألة رسول اللّه عمّا أراد، و دعاهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اللّه عزّ و جلّ و تلا عليهم القرآن، فلمّا سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثمّ استجابو للّه وآمنوا بالنبيّ و صدّقوه و عرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلمّا قاموا عنه إعترضهم أبوجهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم: خيّبكم اللّه من ركب بعثكم من ورائكم من أهل دينكم، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئنّ مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، و صدّقتموه بما قال، مانعلم ركباً أحمق منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم لانجاهلكم، لنا ما نحن عليه، و لكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيراً، و فيهم نزل قوله سبحانه:

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * اُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَ إِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَنَبْتَغِى الجَاهِلِينَ)(القصص/52ـ55)(1).

إلى هنا تمّ الفراغ من بيان الحوادث المهمّة في الفترة الواقعة بين بعثته و هجرته وبقيت هناك عدّة حوادث يقف عليها من سبر التفاسير، فتركنا ذكرها روماً للإختصار.


1 . السيرة النبويّة، لابن هشام: ج1 ص392، مجمع البيان: ج4 ص358، مع اختلاف يسير بين المصدرين.


(222)


(223)

(8)
في رحاب الهجرة إلى يثرب

الهجرة في اللّغة هو الخروج من أرض إلى أرض(1) فلو ترك إنسان أرضاً وانتقل إلى أرض اُخرى لغاية من الغايات، يقال إنّه هاجر، و لكنّها في مصطلح القرآن هو الإنتقال من أرض إلى أرض لغاية قدسية كحفظ الإيمان و التمكّن من إقامة الفرائض على وجه تكون قداسة الهدف مقوّماً لمفهوم المهاجرة إلى حدّ استعمله النبيّ في ترك المحرّمات و نبذ المعاصي و إن لم يكن هناك إنتقال من مكان إلى مكان، بل كان هناك إنتقال الرّوح من العصيان إلى الطّاعة. قال: «المهاجر من هجر ما حرّم اللّه عليه»(2).

و الهجرة في مصطلح أهل السيرة و التاريخ و التفسير من المسلمين هو هجرة الرسول من موطنه إلى يثرب للتخلّص من مؤامرة قريش على سجنه أو قتله أو نفيه، وليس الرسول بدعاً في ذلك فقد ذكر القرآن مهاجرة لفيف من الأنبياء.

فهذا هو إبراهيم الخليل لمّا اُلقي في النار، و نجّاه اللّه سبحانه غادر موطنه، قال سبحانه حاكياً قصّته:

(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِى الجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِى مِنَ


1 . لسان العرب: مادة« هجر».
2 . جامع الاُصول: ج1 ص154.


(224)

الصَّالِحِينَ)(الصافّات/97ـ100)فنزل الخليل الأراضي المقدّسة و وهبه سبحانه إسحاق و يعقوب. قال تعالى:

(وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً)(مريم/49).

و هذا لوط و قد تبع إبراهيم و غادر موطنه كما يحكي عنه قوله سبحانه: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّى إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)(العنكبوت/26).

و هذا موسى بن عمران فلمّا وقف على أنّ الملأ يأتمرون به ليقتلوه غادر أرض الفراعنة و نزل مدين. يقول سبحانه: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ)(القصص/21).

و أمّا النبيّ الأكرم فقد خرج في موسم الحج و لقيه فيه نفر من الخزرج فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلاتجلسون أكلّمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى اللّه عزّ و جلّ و عرض عليهم الإسلام، و تلى عليهم القرآن. قال: و كان ممّا صنع اللّه بهم في الإسلام أنّ اليهود كانوا معهم في بلادهم، و كانوا أهل كتاب و علم، و كانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، و كانوا قد غزوهم ببلادهم، و كانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إنّ نبيّنا مبعوث الآن قد أظلّ زمانه نتبعهُ فنقتلكم معهُ قتل عاد و إرم، فلمّا كلّم رسول اللّه اُولئك النفر و دعاهم إلى اللّه، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا و اللّه إنّه للنبيّ الذي توعدكم به اليهود، فلاتسبقنّكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، و قالوا: إنّا قد تركنا قومنا، و لاقوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم اللّه بك، فستقدم عليهم، فندعوعم إلى أمرك، و تعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم اللّه عليه فلا رجل أعزّ منك.

ثمّ انصرفوا عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا و صدّقوا. فلمّا قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول اللّه و دعوهم إلى الإسلام، حتّى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلاّ و فيه ذكر لرسول اللّه.


(225)

حتّى إذا كان في العام المقبل و أتى الموسم من الخزرجيين اثنا عشر رجلاً بالعقبة، فبايعوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على بيعة النساء(1) و ذلك قبل أن تفرض عليهم الحرب...

يقول عبادة بن الصامت: فبايعنا على أن لانشرك باللّه شيئاً و لانسرق و لانزني و لانقتل أولادنا ولانأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا و أرجلنا، و لانعصيه في معروف. و قال النبيّ: فإن وفّيتم فلكم الجنّة و إن خشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى اللّه عزّ و جلّ إن شاء عذّب و إن شاء غفر...

ثمّ إنّ النبي بعث إلى يثرب مصعب بن عمير ليعلّمهم القرآن، و ذلك باستدعاء أسعد بن زرارة ـ أحد رؤساء الخزرجيين ـ، فصارت نتيجة ذلك أن وافى النبيّ في العام المقبل في العقبة الثانية وفود من الخزرجيين و الأوسيين، فبايعوا النبيّ في الشعب...

فتكلّم رسول اللّه، فتلا القرآن، و دعا إلى اللّه، و رغَّب في الإسلام. ثمّ قال اُبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم و أبناءكم...

فقام أبوالهيثم بن التيهان، و قال يا رسول اللّه: إنّ بيننا و بين الرجال حبالاً وإنّا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسمّ رسول اللّه ثمّ قال: بل الدم بالدم، و الهدم بالهدم(2) أنا منكم وأنتم منّي، أحارب من حاربتم، و اُسالم من سالمتم...

ثمّ قال: اخرجوا إليّ منكم اثنّي عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم،


1 . ذكر اللّه تعالى بيعة النساء في القرآن و قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَيُشْرِكْنَ بِاللّهِ شَيْئاً وَ لاَيَسْرِقْنَ وَ لاَيَزْنِينَ وَ لاَيَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَ لاَيَأْتِينَ بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لاَيَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوف فَبَايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(الممتحنة/12). ترى المماثلة بين بيعة الخزرجيّين و بيعة النساء في الموادّ والمضامين.
2 . الهدم: الحرمة، أي ذمتي و حرمتي حرمتكم.


(226)

فأخرجوا منهم اثنّي عشر نقيباً تسعة من الخزرج و ثلاثة من الأوس...

فلمّا انتشرت مبايعة الأوس و الخزرج لرسول اللّه، خافت قريش على نفسها خصوصاً بعد ما وقفوا على أنّ المعذّبين في مكّة أخذوا يهاجرون إلى يثرب، فأذعنوا أنّ النبيّ أيضاً سوف يخرج إليهم و يتّخذها مأوى لنفسهِ و أصحابه، و ليشنّ عليهم الحرب و ينكّلهم، فاجتمعوا...

قال ابن إسحاق: «فلمّا رأت قريش أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قدصارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم و رأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنّهم قد نزلوا داراً، وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم، و عرفوا أنّه قد أجمع لحربهم. فاجتمعوا له في دار الندوة و هي دار قصيّ بن كلاب التي كانت قريش لاتقضي أمراً إلاّ فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين خافوه...

فتشاوروا فقال قائل منهم: إحبسوه في الحديد و اغلقوا عليه باباً، ثمّ تربّصوا به ما أصاب من الشعراء الذين كانوا قبله: زهيراً و النابغة حتّى يصيبهُ ما أصابهم، وقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، و قال أبوجهل بن هشام: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتىً شابّاً جليداً نسيباً و سيطاً فينا، ثمّ نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثمّ يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنوعبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فرضوا منّا بالعقل فعقلناه لهم، فتفرّق القوم على ذلك و هم مجمعون له، فأتى جبرئيل و قال: لاتبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال فلمّا كان عتمة من الليل إجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلمّا رآى رسول اللّه مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي و تسبّح ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فخرج عليهم رسول اللّه، و أخذ اللّه تعالى على أبصارهم عنه، وجعل القوم يتطلّعون فيرون عليّاً على الفراش متسجّياً ببرد رسول اللّه، فيقولون: و اللّه إنّ هذا لمحمد نائماً عليه، برده فلم يبرحوا كذلك، و حتى أصبحوا، فقام عليّ


(227)

(رضي اللّه عنه) عن الفراش»(1)... فباؤوا بالفشل وانصرفوا عن إيذاء علي وقتله.

و إلى تلك المؤامرة يشير قوله سبحانه: (وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَو يَقْتُلُوكَ أَو يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللّهُ وَ اللّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ)(الأنفال/30). و فيه تصريح بآرائهم الثلاثة التي أبدوا بها في الندوة، و أجمعوا على القتل.

عزب عن قريش أنّه سبحانه تعهّد على نفسه نصر أنبيائه و رسله، فقال سبحانه: (وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لَعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ)(الصافّات/171ـ172).

أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً أن يتخلّف بعده بمكّة حتّى يؤدّي عن رسول اللّه الأمانة التي كانت عنده للناس، و ليس بمكّة أحد عنده شيء إلاّ وضعه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عند علي، فخرج رسول اللّه عامداً إلى غار بثور(2) و بقى فيها ثلاثاً و استنفدت قريش طاقتها في الوقوف على محلّه، وجعلت مائة ناقة لمن يردّه إليها، فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مع دليله(عبداللّه بن أرقط) و معهما أبوبكر فسلك بهما أسفل مكّة ثمّ مضى على الساحل حتّى عارض الطريق أسفل من عسفان حتى قدم قباء باثنتى عشرة ليلة خلّت من شهر ربيع الأوّل يوم الإثنين، حتّى اشتدّ الضحى و كانت الشمس تعتدل(3).

و إلى هجرته هذه و إختفائه في الغار و نزول نصرته سبحانه عليه يشير قوله سبحانه:

(إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ اثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَتَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُود لَمْ تَرَوْهَا وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَ كَلِمَةُ اللّهِ هِىَ العُلْيَا وَ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة/40).


1 . السيرة النبوية، لابن هشام: ج1 ص428ـ483.
2 . جبل بأسفل مكّة.
3 . السيرة النبويّة: ج1 ص485ـ492.


(228)

و الضمير في قوله: (أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ)يرجع إلى النبيّ بشهادة قوله: (وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَمْ تَرَوْهَا). فما هي النكتة في أفراد الضمير؟

روى البيهقي عن ابن عباس كان رسول اللّه بمكّة فاُمر بالهجرة و اُنزل عليه: (وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْق وَ أَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْق واجْعَلْ لِى مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً)(الإسراء/80)(1).

و قد نقل غير واحد من المفسّرين: إنّ النبيّ لما بلغ في هجرته الجحفة تذكّر موطنه، فنزل عليه الوحي مبشّراً بأنّه سوف يرد إلى موطنه و يزوره، قال سبحانه: (إِنَّالَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد)(القصص/85).

روى السيوطي: «لما خرج النبي من مكّة فبلغ الجحفة إشتاق إلى مكّة فأنزلاللّه: (إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد): إلى مكّة، و عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: كل القرآن مكّي أو مدني غير قوله: (إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد) فإنّها اُنزلت على رسول اللّه بالجحفة حين خرج إلى المدينة فلاهي مكّية و لامدنية، و كل آية نزلت على رسول اللّه قبل الهجرة فهي مكيّة نزلت بمكة أو بغيرها من البلدان، و كل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنّها مدنيّة نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان»(2).

و قد أشار الذكر الحكيم إلى موطنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِى أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَنَاصِرَ لَهُمْ)(محمد/13).


1 . دلائل النبوّة: ج2 ص516، و أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب تفسير سورة الإسراء الحديث 3139.
2 . الدر المنثور في التفسير بالمأثور: ج5 ص139و140، و مجمع البيان: ج7 ص268و269.


(229)

قدومه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قباء

قدم النبي حسب ما يذكره ابن هشام قباء لاثنتيّ عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل يوم الإثنين حين إشتدّ الضحى و كانت الشمس تعتدل، و أقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاثة ليال و أيامها حتى أدّى عن رسول اللّه الودائع التي كانت لرسول اللّه عنده، حتى إذا فرغ منها لحق برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

فأقام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بـ «قباء» في بني أمر بن عوف يوم الإثنين و يوم الثلاثاء و يوم الأربعاء و يوم الخميس، و أسّس مسجده الذي اُشير إليه في قوله سبحانه: (لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَنْ تَقُومُ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّهُ يُحِبُّ المُطَهّرينَ)(التوبة/108)(1).

إطلالة على نشأة التاريخ الهجري

المشهور إنّ أوّل من أرّخ بالتاريخ الهجري هو عمر بن الخطاب. يقول اليعقوبي: «و فيها (سنة 16هـ) أرّخ عمر الكتب و أراد أن يكتب التاريخ منذ مولد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال من المبعث، فأشار عليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يكتبه من الهجرة، فكتبه من الهجرة(2).

و روى الحاكم عن سعيد بن المسيب أنّه قال: جمع عمر الناس فسألهم من أي يوم يكتب التاريخ؟ فقال علي بن أبي طالب: من يوم هاجر رسول اللّه، و ترك أرض الشرك، ففعله عمر (رضي الله عنه) ، هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاهُ(3).


1 . مجمع البيان: ج3 ص72.
2 . تاريخ اليعقوبي: ج2 ص135(طبع النجف).
3 . مستدرك الصحيحين، الحاكم: ج3 ص14.


(230)

و يظهر من ابن كثير الدمشقي أنّ اليعقوبي و الحاكم لخّصا القصة و كانت هي أطول ممّا ذكراه. حيث نقل عن الواقدي أنّه قال:

«و في الربيع الأوّل من هذه السنة ـ أعني سنة16ـ كتب عمر بن الخطاب التاريخ و هو أوّل من كتبه.

و أضاف ابن كثير قائلاً: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك انّه رفع إلى عمر صكّ مكتوب لرجل على آخر بدين يحلّ عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ ثمّ جمع الناس فقال:ضعوا للناس شيئاً يعرفون فيه حلول ديونهم، فيقال: إنّهم أراد بعضهم أن يؤرّخوا كما تؤرّخ الفرس بملوكهم كلّما هلك ملك أرّخوا من تاريخ ولاية الذي بعده فكرهوا ذلك، و منهم من قال: أرّخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك، ولطوله أيضاً، و قال قائلون: أرّخوا من مولد رسول اللّه، وقال آخرون من مبعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و أشار علي بن أبي طالب و آخرون أن يؤرّخ من هجرته من مكّة إلى المدينة لظهوره لكل أحد، فإنّه أظهر من المولد و المبعث، فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرّخ من هجرة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأرّخوا من أوّل تلك السنة من محرّمها، و عند مالك (رحمه الله) فيما حكاه عن السهيلي(1) و غيره أنّ أوّل السنة من ربيع الأوّل لقدومه (صلى الله عليه وآله وسلم) على المدينة، والجمهور على أنّ أوّل السنة من المحرّم لأنّه أضبط لئلاّ تختلف الشهور، فإنّ المحرّم أوّل السنة الهلالية العربية(2).

و لكن الجزم و الإذعان بصحّة هذه النقول مشكل، و الظاهر أنّ أوّل من أرّخ بالسنة الهجريّة، هو النبيّ الأكرم حسب تضافر النصوص الموجودة في ثنايا الكتب وماظفرنا عليه من النصوص تدلّ على كون التأريخ بالهجرة في زمن النبي و بعده.


1 . كذا في المصدر و الظاهر زيادة كلمة«عن».
2 . البداية و النهاية: ج7 ص75و76. طبع دار الكتب العلميّة.


(231)

1 ـ ما روي عن الزهري: إنّ رسول اللّه لمّا قدم المدينة مهاجراً أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأوّل(1).

2 ـ ما رواه الحاكم و صحّحه عن عبد اللّه بن العباس أنّه قال: كان التاريخ في السنة التي قدم فيها رسول اللّه المدينة، وفيها ولد عبد اللّه بن الزبير(2).

و دلالته على المقصود واضحة، لأنّه قال: «كان التاريخ في السنة» و لم يقل «من السنة».

3 ـ إنّ بعض الصحابة كانوا يعدّون بالأشهر من مهاجرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أواسط السنة الخامسة، مثلاً أرّخوا تحويل القبلة على رأس سبعة عشر شهراً، و فرض رمضان على رأس ثمانية عشر شهراً من هجرة الرسول(3).

4 ـ ما رواه أبو نعيم عن عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لسلمان الفارسي و هو مؤرّخ بسنة تسع للهجرة، و هو ينقل عن الحسين بن محمد بن عمرو الوثابي: إنّه رأى هذا السجل بشيراز بيد سبط لغسّان بن زاذان بن شاذويه بن ماهبنداز، و هو أخو سلمان، و هذا العهد بخط علي بن أبي طالب، مختوم بخاتم النبي، فنسخ منه ما صورته:

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. هذا كتاب من محمد رسول اللّه ـ سأله سلمان وصيّة بأخيه ماهبنداز أهل بيته و عقبه...» و في آخر العهد: «و كتب علي بن أبي طالب بأمر رسول اللّه في رجب سنة تسع من الهجرة، و حضره أبوبكر، و عمر، و عثمان، وطلحة، و الزبير، و عبد الرّحمان، و سعد، و سعيد، و سلمان، و أبوذر، وعمّار، و عيينة، و صهيب، و بلال، و المقداد، و جماعة آخرون من المؤمنين».


1 . فتح الباري: ج7 ص208، و إرشاد الساري: ج6 ص233.
2 . مستدرك الصحيحين، للحاكم النيسابوري: ج3 ص13و14.
3 . تاريخ الخميس: ج1 ص368، و من راجع الكتب المؤلّفة حول السيرة يجد ذلك بوضوح، فإنّ أكثر الحوادث في السنين الاُولى بعد الهجرة مؤّرخة بالشهور.


(232)

و ذكره أيضاً أبو محمد بن حيّان عن بعض من عني بهذا الشأن: إنّ رهطاً من ولد أخي سلمان بشيراز زعيمهم رجل يقال له(غسّان) بن زاذان معهم هذا الكتاب بخط علي بن أبي طالب في يدغسان، مكتوب في أديم أبيض مختوم بخاتم النبي وخاتم أبي بكر و علي ـ رضي اللّه عنهما ـ على هذا العهد حرفاً بحرف إلاّ أنّه قال: وكتب علي بن أبي طالب، و لم يذكر عيينة مع الجماعة(1).

و نقل أيضاً عن أبي كثير بن عبدالرحمان بن عبد اللّه بن سلمان الفارسي، عن أبيه، عن جدّه أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أملى هذا الكتاب على علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : هذا مافادى محمد بن عبداللّه رسول اللّه فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الأشهل اليهودي، ثمّ القرظي بغرس ثلاثمائة نخلة و أربعين أوقية ذهب، فقد برء محمد بن عبداللّه رسول اللّه لثمن سلمان الفارسي، و ولاّه لمحمد بن عبداللّه رسول اللّه و أهل بيته فليس لأحد على سلمان سبيل. شهد على ذلك: أبوبكر الصديق و عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب... و كتب علي بن أبي طالب يوم الإثنين في جمادي الاُولى مهاجر محمد بن عبداللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) (2).

5 ـ كتب خالد بن وليد لأهل دمشق: إنّي قد أمنتهم على دمائهم و أموالهم وكنائسهم...و في آخره شهد أبو عبيدة بن الجرّاح و شرحبيل بن حسنة، و كتب سنة13(3).

إلى غير ذلك من النصوص التي جاء بها الفاضل المتتبّع السيّد جعفر مرتضى


1 . ذكر أخبار اصبهان: ج1 ص53.
2 . المصدر السابق: ج1 ص52، و الظاهر أنّ المراد من «المهاجر» هو عام الهجرة لامكانها، ويؤيّد ذلك إنّ سلمان عرف الرسول إبّان قدومه بالمدينة و آمن و التحق به، و الظاهر أنّ توصيف أبي بكر بما في الرواية من تلاعب الرواة، حيث لم يكن يوم ذلك معروفاًبه. لاحظ: السيرة النبويّة لابن هشام: ج1 ص218و219.
3 . الأموال لأبي عبيد الثقفي القاسم بن سلام، ـ ( المتوفّى 224 ): ص297.


(233)

العاملي في مقاله في مجلة الهادي(1) و هذا يعرب عن أنّ التاريخ بالهجرة كان قبل الخليفة، و غاية ما يمكن تصحيح ما ورد بأنّ الخليفة أرّخ بالهجرة هو أنّ النبيّ أرّخ بالهجرة و لم يشتهر بين الناس لقلّة حاجاتهم إلى التاريخ، فلمّا إنتشر الإسلام خارج الجزيرة مسّت الحاجة إلى تاريخ الكتب و الرسائل الواردة من مختلف الأرجاء، جمع الخليفة صحابة النبي وأشار الإمام بنفس مافعله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

و ممّا يؤسف له أنّ المسلمين نسوا أمجادهم التاريخية و الحضارية التي كرّمهم الإسلام بها، فعادوا يؤرّخون كتبهم و رسائلهم بالتاريخ المسيحي، فكأنّهم(نَسُوا اللّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) و قد رأيت بعيني رسالة لشيخ الأزهر الشيخ محمود عبد الحليم و قد أرّخها بالتاريخ المسيحي الميلادي و لم يذكر ـ حتّى في جنبه ـ التاريخ الهجري، فإذا كان هذا حال شيخ الأزهر فما ظنّك بغيره؟

إذا كان ربّ البيت بالدّف مولعاً *** فشيمة أهل البيت كلّهم رقص

و من الواجب على المسلمين أن لايتنازلوا عن أقل شيء ممّا يرجع إلى تاريخهم و حضارتهم و دينهم، حتى إنّ ذكر التاريخ الميلادي جنب التاريخ الهجري نوع ترويج له و مماشاة مع الكفر، و لم يزل أعداء الدين يتآمرون على الإسلام و المسلمين بمسخ شخصيتهم الإسلاميّة و اقتلاع جذور مبادئها، وقدشهدنا في بلدنا العزيز إيران مثل ذلك عام1396 هـ ـ ق. فقد قام طاغوت إيران بتبديل التاريخ الإسلامي إلى التاريخ«الشاهنشاهي» المجعول الذي لاسند له، و فرضه على الناس وعادت الرسائل و الكتب الرسمية تؤرّخ به، و كادت أن ترسّخ في القلوب لولا أن بدّد اللّه شمله و أزال ملكه و حاق به العذاب و البلاء بانتصار الثورة الإسلاميّة عام 1398هـ.ق (قُلْجَاءَ الحَقُّ وَ زَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً).


1 . العدد السادس من السنة الخامسة و هو مقال ممتع.


(234)

نزول النبيّ بالمدينة:

خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الجمعة من(قبا) فأدرك الجمعة في بني سالم بن عوف فكانب أوّل جمعة أقامها بالمدينة، و كان لايمر على قبيلة إلاّ قالوا أقم عندنا، فيقول النبيّ خلّوا سبيلها(الناقة) فإنّها مأمورة حتّى إذا أتت دار بني مالك بن النجّار، بركت ناقته على باب مسجده و هو مريد(1) فنزل رسول اللّه فاحتمل أبو أيّوب رحله فوضعه في بيته، و سأل عن المربد لمن هو، فقال معاذبن عفراء: هو لسهل و سهيل ابني عمرو و هما يتيمان لي و سارضيهما منه، فاتّخذه مسجداً، فأمر به رسول اللّه أن يبني مسجداً، و نزل رسول اللّه حتى بنى مسجده ومسكنه، فعمل فيه رسول اللّه ليرغّب المسلمين في العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار و دأبوا، فقال قائل من المسلمين:

لئـن قعـدنـا و النبـي يعمـل *** لـذاك منّـا العمــل المضـلّل

و ممّن ساهم في بناء المسجد عمّار بن ياسر و قد أثقلوه باللبن، فقال يارسول اللّه: قتلوني، يحمّلون عليّ مالا يحملون، قالت اُمّ سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : فرأيت رسول اللّه ينفض و فرته بيده و كان رجلاً جعداً، و هو يقول: ويح ابن سميّة ليسوا بالذين يقتلونك إنّما تقتلك الفئة الباغية.

و ارتجز علي بن أبي طالب (عليه السلام) يومئذ:

لا يستوي من يعمّر المساجدا *** يدأب فيــه قائمــاً و قاعــداً

و من يرى عن الغبار حائداً

و قد كان بين أصحاب رسول اللّه من يستنكف العمل، فهذا الرجز من علي (عليه السلام) كان بقصد التعريض به، و قد قال ابن إسحاق: إنّ المقصود به عثمان بن عفّان، و في المواهب، للدنية: إنّ المقصود عثمان بن مظعون.


1 . الموضع الذي يجفّف فيه التمر.


(235)

فأقام رسول اللّه بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأوّل إلى صفر من السنة التالية حتّى بنى له فيها مسجده و مساكنه، فلم يبق دار من دور الأنصار إلاّ أسلم أهلها إلاّ حيّ من الأوس، فإنّهم أقاموا على شركهم.

و لأجل إستتباب الأمن، و إضفاء طابع الوحدة السياسية على القبائل التي تستوطن يثرب و ما جاورها كتب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً بين المهاجرين و الأنصار، وادع فيه اليهود وعاهدهم و أقرّهم على دينهم و أموالهم وشرط لهم و إشترط عليهم.

و قد نقل ابن هشام الكتاب برمّته و هو أوّل منشور سياسي أدلى به النبي إبّان نزوله بالمدينة.

و لم يكتف بذلك حتى آخى بين المهاجرين و الأنصار، فقال: تآخوا في اللّه أخوين أخوين، ثمّ أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال: هذا أخي، فكان رسول اللّه سيّد المرسلين و إمام المتّقين و رسول رب العالمين الذي ليس له نظير من العباد وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) أخوين، و كان حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه وأسد رسوله و عمّه و زيد بن حارثة مولى رسول اللّه أخوين، و إليه أوصى حمزة يوم اُحدحين حضره القتال إن حدث به حادث الموت، فهكذا تآخى المهاجرون والأنصار أخوين أخوين.

فلمّا إطمأنّ رسول اللّه بالمدينة و التفّ حوله إخوانه من المهاجرين و إجتمع أمر الأنصار، إستحكم أمر الإسلام، فقامت الصلاة و فرضت الزكاة و الصيام و قامت الحدود و فرض الحلال و الحرام، و شرع الآذان(1).

و لمّا استحكمت شوكة المسلمين ظهرت من أحبار اليهود العداوة حسداً وضغناً و إلتحق بهم رجال من الأوس و الخزرج فتظاهروا بالإسلام، و نافقوا في السرّ و كان هواهم مع اليهود.


1 . السيرة النبويّة: ج1 ص494ـ512.


(236)

و كان أحبار اليهود هم الذين يسألون رسول اللّه و يشاغبونه ليلبسوا الحق بالباطل، فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه.

و كان المجتمع اليهودي عبارة عن مجموع قبائل ثلاث:

1 ـ بني قينقاع.

2 ـ بني النضير.

3 ـ بني قريظة.

و كانت تلك القبائل مليئة بالأحبار و هم الذين شنُّو حرب الإستنزاف الخفية على النبي، و استمدّوا ممّن إجتمع إليهم من منافقي الأنصار، وإليك إستعراض مابدر منهم من جدال على ضوء ما ورد في القرآن الكريم.

مجادلة أهل الكتاب

كانت بيئة مكّة قاعدة للشرك و المشركين و لم يكن هناك حبر و لاراهب، بل و لايهودي و لانصراني إلاّ شرذمة قليلة لاتتجاوز عدد الأصابع من أمثال ورقة بن نوفل، و عثمان بن حويرث اللّذين تنصّرا قبل الإسلام، و كانت قريش تغط في الكفر و الشرك إلاّ اُناس قليل المقتفين أثر الخليل المسمّين بالأحناف(1).

إنّ ما ورد من الآيات حول جدال أهل الكتاب مع النبي، آيات مدنية تناثر ذكرها في السور الطوال كالبقرة و آل عمران و غيرهما.

كان الجدال محتدماً على قدم و ساق في الفترة التي كانت القبائل الثلاث مقيمة في المدينة، و بعد ما اُزيلوا عنها اُخمدت نار فتنتهم، و كان أكثر ما جادلوا فيه ما يرجع إلى النبي و علائمه في العهدين، و لسنا في هذا المقام بصدد نقل كل حوار


1 . السيرة النبويّة: ج1 ص222ـ224.


(237)

ورد في القرآن الكريم سواء أكانت راجعة إلى الأحبار و الرهبان أم إلى غيرهم، وإنّما الهدف تبيين مادار بين النبي وبين أحبار اليهود في يثرب قبل إجلائهم وإبادتهم، وكان الكل في السنين الخمس الاُولى إلى أوان حرب الخندق حيث استأصل نسل اليهود في المدينة و لم يبق منهم أحد إلاّ كعب القرظي(1).

تنبّؤ القرآن عن شدّة عداوة اليهود:

تنبّأ القرآن الكريم عن قسوة اليهود و شدّة عدائهم كالمشركين بينما كان المسيحيون على خلاف ذلك، فكانوا أقرب الناس مودّة للّذين آمنوا، قال سبحانه: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسَ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبَاناً وَ أَنَّهُمْ لاَيَسْتَكْبِرُونَ * وَ إِذَا سَمِعُوا مَا اُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)(المائدة82ـ83) و لأجل ذلك نرى أنّه لميسلم من اليهود و لا من أحبارهم إلاّ أقل القليل، كعبد اللّه بن سلام و كعب الأحبار من الذين دسُّوا بإسلامهم كثيراً من البدع اليهودية بين المسلمين، بينما نرى أنّه بعد ما إنتشر الإسلام في ربوع الأراضي المسيحية، دخل المسيحيّون أفواجاً في الإسلام وماذلك إلاّ لأنّه كان فيهم قسّيسون و رهبان، مالوا إلى الحق و اعتنقوه وصدّقوا به فتبعهم غيرهم.

و هناك سبب آخر لتصلّب اليهود و عدم رضوخهم لدعوة الإسلام، يتمثّل في حرصهم على زينة الحياة و زبرجها و هو أكبر حجاب بين بصيرة الإنسان، و الحق الذي يجب أن يتّبع، قال سبحانه:


1 . هو والد محمد بن كعب القرظي، القصّاص الذي ملأت كتب التاريخ و التفسير قصصه، فتدبّر.


(238)

(وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَة وَ مَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أَنْ يُعَمَّر وَ اللّه بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)(البقرة/96).

الدعوة إلى أصل مشترك بين الشرائع السماوية:

إنّ التوحيد في العبادة هو الأصل المشترك الذي قام عليه صرح الشرائع السماوية، و من العجب إنّ أهل الكتاب الذي يضفون على أنفسهم أنّهم من أنصار لواء التوحيد، قدإنحرفوا عن هذا الأصل الأصيل، فعاد يتّخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون اللّه، فجاء الوحي يدعوهم إلى العودة إلى هذا الأصل، و الإنضواء تحت رايته الخفّاقة، قال سبحانه:

(قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَة سَواء بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَنُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاَيَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(آل عمران/64).

و لأجل إيقاف القارئ على نماذج من إنحراف اليهودو النصارى عن هذا الأصل المشترك على أبعاده المختلفة(التوحيد في العبادة ـ التوحيد في الربوبية...) نذكر بعض عقائدهم الخرافية حسبما ورد في القرآن الكريم.

الإعتقاد بمبدأ البنوّة للباري جلّ و علا:

و قد تمخّض الانحراف عن أصل التوحيد، و بلغ الذروة حيث إتّخذوا للّه ابناً باسم عزير و المسيح و هم يضاهئون بذلك قول الكافرين، و إليه الإشارة في قوله عزّ و جلّ: (وَ قَالَتْ اليَهُودُ عُزَيْزٌ ابْنُ اللّهِ وَ قَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذِلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)(التوية/30).


(239)

إنّ اليهود اليوم و إن كانت تنكر تلك النسبة و لاتدين بها ولكنّها كانت موجودة في عصر نزول القرآن، و لأجل ذلك لم تعترض اليهود على النبي الأكرم.

و المستفاد من الآية إنّ الإعتقاد بمبدأ البنوّة للباري جلّ و علا ذات خلفية تاريخية و لعلّ الآية تشير إلى عقيدة التثليث التي كانت تدين بها الهندوكية كما هو الظاهر من آثار آلهتكم المجسّمة المثلّثة(1).

و بما أنّ للتثليث دعامة راسخة في الديانة النصرانية أفاض القرآن القول فيه، يليق بنا الإسهاب في تناول أطراف هذا الموضوع.

ذاتية التوحيد و ظاهرة التثليث:

لقد تمثّلت ظاهرة التثليث في الديانة النصرانية عصر نزول القرآن في صور مختلفة تناولها القرآن الكريم بالذكر.

فتارة يقولون المسيح هو اللّه.

و اُخرى يصرّحون بالثالوث المقدّس، و إنّ هناك ثلاث آلهات بإسم إله الأب، و إله الابن، و روح القدس.

و ثالثة إنّ المسيح ابن اللّه

و لعلّ الجميع تعبيرات متنوّعة عن حقيقة واحدة أو أنّها عبارة عن نظريات مختلفة يتبنّى كل واحد منها طائفة منهم و إليك التوضيح.

أ ـ المسيح هو اللّه:

يقول سبحانه حاكياً عنهم تلك العقيدة: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ


1 . لاحظ: الآثار الوثنية في الديانة النصرانية.


(240)

المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ المَسِيحُ يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّى وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْحَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ النَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)(المائدة/72).

فالآية تعرب عن أنّ المسيح عند طائفة منهم هو الرّب الخالق، و بعبارة اُخرى: إنّ اللّه إتّحد بالمسيح إتّحاد الذات، فصارا شيئاً واحداً و صار الناسوت لاهوتاً(1).

و الذين يقولون من النصارى: إنّ اللّه هو المسيح ابن مريم هم اليعقوبية، واللائق بهذا القول هو إنكار التثليث، و لكنّ لايخلوا مذهب من مذاهب النصارى منه، و قد ردّ القرآن على ذلك الزعم بما نقله عن المسيح بأنّه قال: (يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا رَبِّى وَ رَبَّكُمْ...)فهو يدّل على أنّه عبد مثلهم كما أنّ قوله: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكُ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) يدلّ على أنّ من يجعل للّه شريكاً في اُلوهيّته، فهو مشرك كافر، محرّم عليه الجنّة. و في هذا القول مزيد عناية بإبطال ما ينسبونه إلى المسيح من حديث التفدية و أنّه (عليه السلام) باختياره الصلب فدّى بنفسه عنهم، فهم مغفور لهم، مرفوع عنهم التكاليف الإلهية، و مصيرهم إلى الجنة ولايمسّون ناراً.

كيف يقولون ذلك مع أنّه (عليه السلام) كان يقول: (مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ النَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)(2).

ب ـ اللّه ثالث ثلاثة أو الثالوث المقدّس:

و كان هناك قسم آخر من الإنحراف عن خط التوحيد يتجسّد في القول بأنّ اللّه ثالث ثلاثة كما يحكيه قوله سبحانه:

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَ مَا مِنْ إِله إِلاَّ إِلهٌ وَاحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(المائدة/73) و القائل بهذه


1 . مجمع البيان: ج2 ص228.
2 . التبيان: ج3 ص587.


(241)

المقالة هم جمهور النصارى من الملكانية و اليعقوبية، و النسطورية و المقصود أنّه أحد الثلاثة: الأب و الابن و روح القدس أي أنّه ينطبق على كل واحد من الثلاثة وهذا لازم قولهم: إنّ الأب إله، و الابن إله، و الروح إله، و هو ثلاثة و هو واحد، ويمثّلون لذلك بقولهم: إنّ زيدبن عمرو إنسان فهناك اُمور ثلاثة هي زيد، و ابن عمرو و الإنسان، و هناك أمر واحد و هو المنعوت بهذه النعوت.

و يلاحط عليه: إنّ هذه الكثرة إن كانت حقيقية غير إعتبارية أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة، و إنّ المنعوت إن كان واحداً حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة إعتباريّة غير حقيقيّة، فالجمع بين هذه الكثرة العددية و الوحدة العددية كما في المثال بحسب الحقيقة ممّا يستنكف العقل عن تعقله.

و لأجل ذلك التجأ دعاة النصارى في الآونة الأخيرة إلى القول بأنّ مسألة التثليث من المسائل المأثورة من مذاهب الاثلاث و هي لاتخضع للموازين العلميّة(1).

و قد ردّ الذكر الحكيم على ذلك بقوله: (وَ مَا مِنْ إِلِه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ...)ببيان أنّ اللّه سبحانه لايقبل بذاته المتعالية، الكثرة بوجه من الوجوه فهو تعالى ذاته واحد وإذا اتّصف بصفاته الكريمة و أسمائه الحسنى لم يزد ذلك على ذاته الواحدة شيئاً، و لا الصفة إذا اُضيفت إليها أورثت كثرة و تعدّداً، فهو تعالى أحديّ الذات لاينقسم لا في خارج و لافي وهم و لا في عقل.

و يستفاد من قوله: (وَ إِنْ لَمْ يَتْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)بحكم الإتيان بلفظ(منهم) المشعرة بالتبعيض ـ، إنّ هناك طائفة لايعتقدون بالتثليث و لايقولون في المسيح إلاّ إنّه عبد اللّه و رسوله كما عليه مسيحيّة الحبشة بعضهم أو جلّهم.


1 . الميزان: ج4 ص70.


(242)

مشكلة الجمع بين التوحيد و التثليث:

إنّ المسيحيّين يعتبرون أنفسهم موّحدين و إنّهم من المقتفين أثر التوحيد الذي جاءت به جميع الشرائع السماوية، و من جانب آخر يعتقدون بالتثليث إعتقاداً جازماً، و هذان لايجتمعان إلاّ أن يكون أحد الوصفين حقيقيّاً و الآخر مجازيّاً ولكنّهم ياللأسف يقولون بكونهما معاً حقيقيين، و لأجل ذلك أصبحت عندهم: 1=3 و هو محال ببداهة العقل.

و القرآن الكريم ينسب التثليث إلى أقوام آخرين كانوا قبل المسيح و المسيحيّة و هؤلاء إنّما اتّبعوا اُولئك، و لعلّ الثالوث الهندي هو الأصل حيث يعتقدون بأنّ الإله الواحد له مظاهر ثلاثة: «برهما»: «الموجد»، و «فيشفو»: «الحافظ»، و «سيفا»: «المميت» فقد دان بتلك العقيدة المسيحيّون بعد رفع المسيح آماد متطاولة، ولمّاجاء المتأخّرون منهم و رأوا أنّ الوحدة الحقيقية لاتخضع للكثرة كذلك حاولوا أن يصحّحوه بوجهين:

الأوّل: تفكيك المسائل الدينية عن المسائل العلميّة و أنّ الدين فوق العلم وأن مسألة 1=3 و إن كانت باطلة حسب القوانين الرياضية المسلّمة و لكن الدين قبلها ونحن نعتقد بها. و لكنّه عذر أقبح من ذنب فكيف نعتنق ديناً يتصادم مع أوضح الواضحات و أبده البديهيّات.

الثاني: إنّ المعادلة الرياضية السابقة ليست باطلة و ذلك لوجود نظائرها في الخارج، فإنّ الشمس بها جرم و لها نور و لها حرارة و مع ذلك فهي شيء واحد.

و هذا الإستدلال يكشف عن جهل مطبق بحقيقة الوحدة المعتبرة في حقه سبحانه فإنّ المقصود منها في حقه هو الوحدة الحقيقية التي لاكثرة فيها لاخارجاً ولاذهناً و لا وهماً و أين هو من وحدة الشمس التي هي وحدة إعتبارية لاحقيقية حيث تتركّب من جرم و نور و حرارة و كل منها ينقسم إلى انقسامات.

و على كلّ تقدير فماذا يريدون من قولهم(إنّه إِله واحد) و في الوقت نفسه


(243)

ثلاثة، فهل يريدون أنّ هناك أفراداً متميّزة و متشخّصة من الإله الصادق هو عليهم صدق الكلي على الأفراد؟

أو يريدون أنّ هناك فرداً واحداً ذا أجزاء و ليس لكل واحد منها إستقلال ولاتشخّص و إنّما يتشكّل الإله من تلك الأجزاء؟

فالفرض الأوّل يستلزم تعدّد الإله تعدّداً حقيقيّاً و هو لايجتمع مع التوحيد بحال من الحالات.

و الفرض الثاني لايخلو إمّا أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء واجبة الوجود أو ممكنة، فعلى الأوّل يلزم منه كثرة الإله(واجب الوجود) و هم يدّعون الفرار منه.

و على الثاني يلزم أن يكون واجب الوجود محتاجاً في تحقّقه و تشخّصه إلى أجزاء ممكنة و هو كما ترى.

و لأجل ذلك نرى أنّ الذكر الحكيم ينادي ببطلان التثليث بأيّ نحو يمكن أنّ يتصوّر بقوله: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَتَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَ لاَتَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَ لاَتَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِى السَّمواتِ وَ مَا فِى الأَرْضِ وَ كَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً)(النساء/171).

إنّ الآية تركّز على أنّ نسبة الإلوهيّة إلى المسيح من آثار الغلوّ في حقه فلو تنزّه القوم عن هذا التمادي الفكريّ المفرط لوقفوا على سمة المثالية فيه و نفوا عنه مقام الإلوهية.

و الآية تصف المسيح بالصّفات الخمس:

1 ـ عيسى ابن مريم 2 ـ رسول اللّه 3 ـ كلمته 4 ـ ألقاها إلى مريم 5 ـ روح منه .إنّ بعض هذه الصفات المسلّمة في حق المسيح تشهد بعبوديّته و تنفي الوهيّته وإليك مزيد من التوضيح حولها:


(244)

1 ـ عيسى ابن مريم: و قد ورد في الذكر الحكيم ذكره عشر مرّات و بنوّته لمريم التي لاتنفك عن كونه جنيناً رضيعاً في المهد صبيّاً يافعاً و... لدليل واضح على بشريّته.

2 ـ رسول اللّه: و معناه مبعوثه و مرسله و ليس نفسه.

3 ـ كلمة اللّه: و قد أطلق القرآن لفظ الكلمة على المسيح كما أطلقه على جميع الموجودات الإمكانية و قال: (قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَذ كَلِمَاتُ رَبِّى)(الكهف/109).

و أمّا إطلاق الكلمة على الموجودات الإمكانية لأجل وجود التشابه بين الكلمة و الموجود الإمكاني فإنّ الكلمة تكشف عمّا يقوم في ذهن المتكلّم من المعاني فهكذا الموجودات الإمكانية عامّة، و خلقة المسيح على وجه الإعجاز خاصّة تكشف هي الاُخرى عن علم و قدرة وسيعين و كما ل لا متناه يكمن في ذاته سبحانه و لأجل ذلك يعد القرآن المسيح و جميع العوالم الإمكانية كلمات اللّه سبحانه.

4 ـ ألقاها إلى مريم: إنّ الإلقاء إلى رحم الاُم آية كونه مخلوقاً و قد ذكر تفصيله في سورة مريم، الآية16 إلى 36 و اختتمها بقوله: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ)(مريم/34).

5 ـ و روح منه: إنّ هذا التعبير ربّما وقع دليلاً على تطرّف فكرة الاُلوهيّة في حق المسيح و هم يتخيّلون إنّ(منه) تبعيضية و لكنّها إبتدائية مثل قوله سبحانه: (وَسَخَّرَلَكُمْ مَا فِى السَّمواتِ وَ مَا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ)(الجاثية/13) و المعنى إنّ السموات و ما في الأرض جميعاً ناشئ منه و حاصل من عنده، و مبتدأ منه، فذوات الأشياء تبتدئ منه بإيجاده لها من غير مثال سابق و كذلك خواصّها و آثارها. قالتعالى: (أَللّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)(الروم/11).

أضف إلى ذلك إنّ ذلك التعبير لايفوق في حق آدم حيث قال: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(الحجر/29).


(245)

فقد وصف آدم (عليه السلام) بلفظة «من روحي» و لم يقل أحد بأنّه جزء من الإله.

ثمّ إنّه سبحانه ختم تلك الصفات بقوله: (فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لاَتَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ).

سمات العبودية في المسيح:

إنّ الذكر الحكيم يستدل على عبوديته بوجوه ثلاثة:

1 ـ كيفيّة خلق المسيح و اُمّه.

2 ـ طبيعة عيشهما في المجتمع.

3 ـ تصريح المسيح بعبوديّته.

هذه هي الوجوه التي يستدلّ بها القرآن الكريم على عبوديّته، أمّا الأوّل فقد بسط الذكر الحكيم في تناولها في سورة مريم كما مرّ و هذه الآيات تلقي الضوء على كيفيّة خلقه إلى أن توّج بالرسالة فيقول سبحانه:

(فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَ كُنْتُ نَسِيّاً مَنْسَيّاً)إلى أن يقول: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ).

و لو تمّسك الخصم على عدم بشريته بأنّه ولد من غير أب فهو محجوج بخلقة آدم فقد خلق من غير اُم و والد، قال سبحانه: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(آلعمران/59).

و أمّا الثاني فيلمح إليه ما ورد بأنّ المسيح و اُمّه كانا يعيشان شأنهما كشأن سائر بني آدم و لايحيدان عنها قيد شعرة، قال سبحانه: (مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْطُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ


(246)

الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونُ)(المائدة/75) فمن الممتنع أن يكون آكل الطعام إله العالمين.

و أمّا الثالث فيشير إليه قوله سبحانه: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً للّهِ وَ لاَ المَلاَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَ يَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً)(النساء/172).

و ليس بوسع إنسان أن ينكر عبادة المسيح و هي آية وجود المعبود له و هناك كلمة قيّمة للإمام الطاهر علي بن موسى الرضا في مناظرته مع الجاثليق، قال الإمام: يا نصراني واللّه إنّا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد و ما ننقم على عيسى شيئاً إلاّ ضعفه و قلّة صيامه و صلاته.

قال الجاثليق: أفسدت و اللّه علمك و ضعفت أمرك و ما كنت أظن إلاّ إنّك أعلم أهل الإسلام.

قال الرضا: و كيف ذلك؟

قال الجاثليق: من قولك إنّ عيسى كان ضعيفاً قليل الصيام و الصلاة وما أفطر عيسى يوم قط و ما نام بليل قط و ما زال صائم الدهر قائم الليل.

قال الرضا: فلمن كان يصوم و يصلّي؟

فخرس الجاثليق و انقطع(1) الحديث.

إنّ الذكر الحكيم يصرّح بأنّ المسيح سوف يعترف يوم البعث بعبوديته على رؤوس الأشهاد و أنّه لم يأمر قطّ الناس بعبادة نفسه:

(وَ إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ إتَّخِذُونِى وَ اُمِّى إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ)(المائدة/116).


1 . الاحتجاج: ج2 ص203و204.


(247)

و قال عزّ اسمه حاكياً عنه : (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّى وَ رَبُّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)(المائدة/117).

ج ـ المسيح ابن اللّه:

قد طرأت أزمة حادّة على خط التوحيد من قبل المشركين و اليهود و النّصارى بزعم وجود الابن أو البنت للّه سبحانه، فتارة جعلوا بينه وبين الجِنَّة نسباً، و اُخرى اتّهموه بأنّه اتّخذ من الملائكة إناثاً، و ثالثة نسبوا إليه الولد بصورة مطلقة، و قد جاء الجميع في الذكر الحكيم مشفوعاً بالردّ و النقض:

1 ـ الجن: (وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً)(الصافّات/158).

و أمّا ما هذا النسب، فيحتمل أن يكون المراد نسب البنوّة و الاُبوّة و لأجل ذلك كان جماعة من العرب يعبدون الجن، كما ورد في قوله سبحانه: (قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ...)(سبأ/41).

2 ـ الملائكة: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ المَلاَئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَولاً عَظِيماً)(الإسراء/40) و لأجل ذلك كان جماعة أيضاً من العرب تعبد الملائكة، و بما أنّهم كانوا يتخيّلون الملائكة على أنّهم خلقوا بصور جذّابة جميلة خالوا إنّهم اُناثاً قال سبحانه: (وَ جَعَلُوا المَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثاً)(الزخرف/19).

3 ـ المسيح: و قد اشتهر النصارى بأنّهم جعلوا«المسيح» إبناً للّه تعالى، وهذه الفكرة الخاطئة و إن لم تكن منحصرة فيهم، بل كان لليهود أيضاً مثل تلك الفكرة في حقّ«عزير» لكن النصارى أكثر، اشتهاراً بهذه النسبة، غير نافين عن أنفسهم هذا العار، و اليهود يؤوّلون الفكرة بأنّه ولد فخري لاحقيقي.

و القرآن الكريم يندّد بتلك الفكرة في غير واحد من الآيات مشيراً إلى براهين


(248)

عقلية محتاجة إلى التوضيح، و إليك نقل الآيات مع توضيح مضامينها:

1 ـ البقرة/116ـ117.

(وَ قَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِى السَّمواتِ وَ الأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ وَ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

تريك هذه الآية كيف إنّهم نسبوا إلى اللّه ولداً من غير فرق بين أن يكون الناسب يهوديّاً أو مسيحيّاً، و لكنّ الآيتين تتضمّنان ردّاً لهذه النسبة يستفاد من الإمعان في الجمل التالية:

1 ـ سبحانه. 2 ـ بل له ما في السموات و الأرض كل له قانتون.

3 ـ بديع السموات و الأرض. 4 ـ و إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون.

و إليك شرح هذه الجمل التي يعد كل واحد منها بمثابة ردّ و نقض للفكرة الخاطئة المصرّحة بالبنوّة للّه عزّ و جلّ.

أ ـ «سبحانه»: و هذه الكلمة تفيد تنزيه اللّه سبحانه من كل نقص و عيب وشائنة، و لأجل ذلك يأتي هذا اللفظ في آية اُخرى بعد بيان تلك النسبة الخاطئة، قال تعالى: (قَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغَنِىُّ)(يونس/68).

و اللفظة تفيد إنّ اتّخاذ الولد نقص و عيب على اللّه تعالى، يجب تنزيهه عنه، و ذلك لأنّ اتّخاذ الولد إمّا لغاية إشباع الغريزة الجنسية أو لأجل الإستعانة من الولد أيّام الهرم و الكهولة، أو لأجل إبقاء النسل و إدامته التي تعد نوع بسط وجود للشخصية، و الكل غير لائق بساحته سبحانه.

و يمكن أن يكون اللفظ مشيراً إلى أمر آخر و هو أنّ اتّخاذ الابن فرع التوالد والتناسل و هو من شؤون الموجودات المادية حيث ينتقل جزءً من الأب إلى رحم الاُم فتتّحد نطفة الأب مع البويضة في رحم الاُمّ فتخصبها فينتج عن ذلك نشأة الجنين واللّه سبحانه أعلى و أجل و أنبل عن أن يكون جسماً أو جسمانيّاً.


(249)

ب ـ (بَلْ لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ):

إنّ هذه الجملة مشعرة ببرهان دامغ و هو أنّ كل ما في الكون قانت للّه و خاضع لسلطته و مسخّر و مقهور له و من هذا شأنه لايتصوّر أن يكون له ولد و ذلك لأنّ الولد يكون مماثلاً للوالد، فكما هو واجب الوجود يكون الولد مشاطراً له في ذلك، و ما هو كذلك لايمكن أن يكون مقهوراً و مسخّراً لموجود من الموجودات.

ج ـ( بَدِيعُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ):

أي انّه سبحانه خالق مبدع لهما و ما فيهما و المراد من الإبداع هو خلقهما بلامثال سابق و لامادّة متقدّمة، فيكون المجموع مسبوقاً بالعدم، و ما هو كذلك كيف يمكن أن يكون ولداً للّه سبحانه؟ لما عرفت من أنّ الولد يماثل الوالد في الاُلوهيّة و وجوب الوجود، و هو لايجتمع مع كون السموات و الأرض و ما فيهما مخلوقاً حادثاً مسبوقاً بالعدم.

د ـ (وَ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ):

و هذه الآية تفيد أنّ سنّة اللّه تبارك و تعالى في الإيجاد و الإنشاء و الخلق و أنّه لو أراد إيجاد شيء فإنّه يوجد بلاتريّث أو تلبّث، و لكنّ الولد إنّما يتكوّن من إلتقاء النطفتين في رحم الاُم ثمّ يتكامل تدريجيّاً على إمتداد أمد بعيد و هذا لايجتمع مع مامرّ ذكره في السنّة الحكيمة.

ثمّ إنّ العلاّمة الطباطبائي جعل الجمل الثلاث مشيرة إلى برهانين(لا إلى ثلاثة براهين كما أوضحناه) فقال:

إنّ قوله: (بَلْ لَهُ مَا فى السَّموَاتِ...) يشتمل على برهانين ينفي كلّ منهما الولادة و تحقّق الولد منه سبحانه، فإنّ اتّخاذ الولد هو أن يجزي موجود طبيعي، بعض أجزاء وجوده و يفصله عن نفسه فيصيّره بتربية تدريجية فرداً من نوعه مماثلاً لنفسه، وهو سبحانه منزّه عن المثل بل كل شيء ممّا في السموات و الأرض مملوك له قائم الذات به قانت ذليل عنده ذلّة وجودية فكيف يكون شيء من الأشياء ولداً له


(250)

مماثلاً نوعيّاً بالنسبة إليه؟ و هو سبحانه بديع السموات و الأرض، إنّما يخلق ما يخلق على غير مثال سابق فلايشبه شيء من خلقه خلقاً سابقاً و لايشبه فعله فعل غيره في التقليد و التشبيه و لا في التدريج و التوّصل بالأسباب إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون من غير مثال سابق و لاتدريج، فكيف يمكن أن ينسب إليه اتّخاذ الولد؟ وتحقّقه يحتاج إلى تربية و تدريج فقوله: (لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)برهان تام، و قوله: (بَدَيعُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ وَ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ)برهان آخر تام(1).

2 ـ الأنعام/100ـ102

(وَ جَعَلُوا للّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَ خَلقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَنَات بِغَيْرِ عِلْم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)(الأنعام/100).

(بَدَيعُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ أَنَّى يَكْونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْء وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)(الأنعام/101).

(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ)(الأنعام/102).

و في هذه الآيات إشارات إلى بطلان النظرية القائلة بكون الجن شركاء للّه سبحانه و خرق بنين و بنات له بغير علم، و إليك بيانها:

أ ـ (سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ): و قد مرّ توضيح تلك الجملة في القسم الأوّل من الآيات.

ب ـ (بَدِيعُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ): و قد تقدّم معناه أيضاً.

ج ـ (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ): و هذه الجملة تشير إلى أنّ إتّخاذ الابن يستلزم اتّخاذ الزوجة حتى يقع جزء من الزوج في رحم الزوجة و اللّه


1 . الميزان: ج1 ص261.


(251)

سبحانه منزّه، عن أن تكون له زوجة.

د ـ (وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْء): فإذا كان هو خالق كل شيء، و الكل مخلوق له فلايتصوّر كون المخلوق ولداً، لأنّ الولد يشاطر الوالد في الطبيعة و النوعيّة فإذا كان سبحانه واجب الوجود لاستغنى عن العلّة و الخالق و لترفّع عن حيز الإمكان، والمفروض خلافه.

3 ـ يونس/68:

(قَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغَنِىُّ لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَ مَا فِى الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَان بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَتَعْلَمُونَ).

و هذه الآية تشتمل على مثل ما إشتملت عليه الآيات السابقة و إليك تفصيل جملها.

أ ـ (سُبْحَانَهُ هُوَ الغَنِىُّ): و قد عرفت أنّ إتّخاذ الولد إمّا لغاية إشباع الغريزة الجنسية أو لاستعانة به في أيّام الكهولة أو لبسط نفوذ الشخصية، و اللّه غني عن الجميع.

ب ـ (لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَ مَا فِى الأَرْضِ): و فيه إشارة إلى أنّ كل ما في الكون مقهور و مسخّر فكيف يكون شيء منه ولداً له مع لزوم المماثلة بين الولد والوالد.

ج ـ (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَان بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَتَعْلَمُونَ): و هو إشارة اُخرى إلى أنّه إنّما تبنّوا هذه الفكرة تقليداً بلا علم و برهان، و قد تقدّم في الآيات السابقة(بغير علم سبحانه).

4 ـ الكهف/4و5:

(وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتْخَذَ اللّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم وَ لاَ لاِبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً).


(252)

و في هذه الآية إكتفاء ببرهان واحد و هو أنّ القوم يتفوّهون بذلك بلا علم لهم ولا لآبائهم.

5 ـ مريم/35:

(مَا كَانَ للّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وفي الآية إشارة إلى برهانين أحدهما قوله(سبحانه) و الثاني (إذا قضى)، و قد مرّ تفسيرهما فلانعيد.

6 ـ مريم/88 ـ95:

(وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً).

(لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً).

(تَكَادُ السَّموَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدّاً).

(أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً).

(وَ مَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً).

(إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمن عَبْداً).

(لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً).

(وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً).

و قد ركّزت الآيات على برهانين:

أحدهما قولهُ: (وَ مَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) و هذه الجملة واقعة مكان لفظة (سبحانه) في الآيات السابقة.

و ثانيهما: قوله: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمنِ عَبْداً) وهو يفيد نفس ما يفيده قوله: (بَلْ لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَ مَا فِى الأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)في الآيات السابقة و المعنى بعد التطبيق واضح و محصّله أنّ من في الكون عبد


(253)

مسخّر للّه سبحانه، و هو لايجتمع مع كون واحد منهم ولداً لأنّه يقتضي المماثلة والمشاركة في الوجوب و الإستغناء عن العلّة مع أنّ المفروض كونه ممكناً.

7 ـ الأنبياء/26و27:

(وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ).

(لاَيَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ).

فلفظة (سُبْحَانَهُ) مشيرة إلى أنّ إتّخاذ الولد ملازم للنقص و العيب و هو سبحانه منزّه عنه.

و قوله:(بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) إشارة إلى ما مرّ من أنّ العبودية لاتجتمع مع البنوّة لأنّ مقتضى البنوّة المشاركة و المسانخة مع الوالد في الطبيعة، و المفروض وجوب وجود الوالد فيكون الولد واجباً و هو محال.

8 ـ المؤمنون/91:

(مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِله).

و الآية تشير إلى أنّ اتّخاذ الولد ينافي التوحيد و الوحدانية لأنّ الولد يجب أن يكون مماثلاً للوالد على نحو ما مرّ ذكره و عندئذ يكون إلهاً مثله، و المفروض أنّه ليس معه إله.

9 ـ الزمر/4:

(لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ).

و في الآية إشارة إلى دحض تلك العقيدة المنحرفة باُمور ثلاثة:

أ ـ (سُبْحَانَهُ).


(254)

ب ـ (الوَاحِدُ).

ج ـ (القَهَّارُ).

أمّا الأوّل فدلالته على نفي البنوّة مثل الآيات السابقة.

و أمّا الثاني أعني كونه واحداً، فهو يدلّ على نفي البنوّة لأنّ اتّخاذ الابن يستلزم المماثلة بين الأب و الولد، فيلزم تعدّد الإله و واجب الوجود.

و أمّا الثالث أعني كونه قهّاراً و غيره مقهوراً عليه فدلالته مثل دلالة قوله: (إِنَّ كُلَّ مَنْ فِى السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ إِلاَّ آتَى الرَّحْمن عَبْداً) و قوله: (بَلْ لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)و قوله: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) و ذلك لأنّ اتّخاذ الابن يستلزم أن يكون له مماثل من ذاته لأنّ الولد يماثل الوالد في النوعية و الطبيعة فيلزم أن يكون الولد واجب الوجود، و المفروض أنّه مقهور و مسخّر للّه سبحانه.

و أنت إذا قارنت هذه الآيات بعضها ببعض لوقفت على أنّ الجميع في المادة و المعنى و كيفيّة الإستدلال مصبوب في قالب واحد بينها كمال الإئتلاف والتناسب، و العبارات الواردة في المقام و إن كانت مختلفة المواضع و لكنّ المؤدّى والمعنى واحد، و تلك الآيات نزلت على النبيّ في ظروف مختلفة و أجواء متباينة والنبيّ لم يزل بين كونه منهمكاً في الحرب وهادئ البال في الصلح و السلم ومع ذلك يتكلّم على نسق واحد مع كونه أمّيّاً لم يقرأ قطّ و لم يكتب. صدق اللّه العليّ العظيم حيث قال: (وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)(النساء/82).

قسمة ضيزي:

و من عجائب اُمورهم أنّهم اتّخذوا لأنفسهم البنين و نسبوا إلى اللّه عزّ و جلّ الإناث من الملائكة، قال سبحانه: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالبَنِينِ وَ اتَّخَذَ مِنَ المَلاَئِكَةِ إِنَاثاً)(الإسراء/40).


(255)

و قال تعالى: (أَمْ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات وَ أَصْفَاكُمْ بِالبَنِينَ)(الزخرف/16).

و قال تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الاُنْثَى * تِلْكَ إِذَاً قِسْمَةٌ ضِيزَى)(النجم/21ـ22).

ثمّ إنّه سبحانه أبطل ادّعاءهم بكون الملائكة إناثاً و قال: (وَ جَعَلُوا المَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ)(الزخرف/19) فكيف يدّعون ما لم يشهدوه؟!

إلى هنا تمّ حوار القرآن مع اليهود و النّصارى في اتّخاذه سبحانه و لداً من الإنس و الجنّ و الملائكة، و قوّة البرهان القرآني و إتقانه و تعاضد بعضه بعضاً يدلّ على أنّه وحي إلهي نزل به الروح الأمين على قلبه، و انّى للإنسان الغارق في الحياة البدائيّة أن يأتي بمثل ذلك لولا كونه مسدّداً بالوحي، مؤيّداً بالمدد الغيبي منه سبحانه.

و إليك بقية المناظرات الواردة في القرآن الكريم.

اليهود و نقض المواثيق و العهود

حطّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) رحاله بالمدينة، و التفّ حوله الأوس و الخزرج، ففشى أمر الإسلام و شاع خبره و ذكره بين الناس و القبائل القاطنة بأطراف المدينة، و كان ذلك بمثابة جرس إنذار لليهود ينبئ عن إقتراب اُفول شوكتهم في المدينة و ماوالاها بل في شبه الجزيرة العربية برمّتها.

و كانت اليهود في سابق عهدها تفتخر على سائر الاُمم بأنّها تقتفي أثر التوحيد و أنّ لهم كتاباً سماويّاً يجمع بين دفّتيه الأحكام الإلهية، و لكنّ تلك المفخرة أو شكت أن تذهب أدراج الرياح بدعوة النبيّ الأكرم الناس كافّة إلى التوحيد الأصيل ونزول القرآن عليه، فما كانت لهم بعد إذ ذاك ميزة يمتازون بها على العرب.

و كانت اليهود لفرط حبّهم للدنيّا و زبرجها تمكّنوا من السيطرة على مقاليد أزّمة


(256)

إدارة التجارة، و كان وجود الشّقة السحيقة بين الأوس و الخزرج، و النزاعات القبلية بينهما، خير معين للإنفراد بإدارة دفّة القوافل التجارية، غير أنّ تلك الأرضية التي فسحت لهم المجال لتسلّم زمام التجارة فيما مضى كادت تنعدم بالاُخوّة الإسلامية التي جاء بها الإسلام، فصار المتصارعان متصافيين متآخيين متآلفين في مقابل اليهود و أطماعهم.

كلّ ذلك صار سبباً لتحفيز اليهود لإثارة الشبهات حول رسالة الرسول الأكرم وبثّ السموم و تشوية معالم الرسالة الجديدة ليضعضعوا أركان الإيمان الفتي في قلوب المؤمنين بالإسلام، و قد غاب عن خلدهم أنّ سنّة اللّه الحكيمة تتكفّل بنصر رسله. قال سبحانه:

(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)(غافر/51).

و إليك نماذج من أسئلتهم و شبهاتهم التي أثاروها حول الرسالة النبويّة:

1 ـ إفشاء علائم النبوّة:

إنّ أوّل خطوة خطوها لأجل إيقاف مدّ الصحوة الدينية و الإيمان برسالة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو إصدار مرسوم يقضي بكتمان علائم نبوّته التي وردت في التوراة حتى لاتقع للمسلمين ذريعة يتمسّكون بها ضدّهم في عزوفهم عن قبول الدعوة، و هذا ما يحكي عنه الذكر الحكيم بقوله:

1 ـ (وَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَ إِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاتَعْقِلُونَ)(البقرة/76).

و روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين حدّثوهم بما في التوراة من صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فنهاهم كبراؤهم عن ذلك و قالوا: لاتخبروهم بما


(257)

في التوراة من صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيحاجّوكم به عند ربّكم(1).

و ردّ سبحانه عليهم بقوله: (أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَ مَا يُعْلِنُونَ)(البقرة/77) فاللّه سبحانه يحتجّ بكتابهم عليهم سواء تفوّهوا بسمات النبيّ الأكرم المذكورة في التوراة أم لم يتفوّهوا بها على الرّغم من أنّهم كانوا يستفتحون ويستنصرون على الأوس و الخزرج برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل مبعثه فلمّا بعثه اللّه من بين العرب و لم يكن من بني إسرائيل، كفروا به و جحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذبن جبل و بشر بن البراء ابن معرور: يا معشر اليهود اتّقوا اللّه و أسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد و نحن أهل الشرك، و تصفونه وتذكرون أنّه مبعوث، فقال سلام بن مثكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وماهو بالذي كنّا نذكر لكم، فأنزل اللّه تعالى قوله:

(وَ لَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الكَافِرِينَ)(البقرة/89).

2 ـ السؤال عن الروح الأمين:

إنّ نفراً من أحبار اليهود جاؤا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يامحمداً أخبرنا عن أربع نسألك عنهنّ، فإن فعلت ذلك اتّبعناك و صدّقناك و آمنّا بك، فقال لهم رسول اللّه: عليكم بذلك عهداللّه وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدّقنّني، قالوا: نعم، قال: فسألوا عمّا بدا لكم... و ممّا سألوا عنه نوم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: كيف نومك؟ فقال: تنام عيني و قلبي يقظان. قالوا فاخبرنا عمّا حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: حرّم على نفسه لحوم الإبل و ألبانها، فصدّقوه في الإجابة عن هذاين السؤالين، ثمّ قالوا له: فاخبرنا عن الروح،


1 . مجمع البيان: ج1 ص286 (طبع بيروت).


(258)

قال: أنشدكم باللّه و بأيّامه عند بني إسرائيل هل تعلمونه جبرئيل و هو الذي يأتيني؟ قالوا: اللّهم نعم، و لكنّه يا محمد لنا عدوّ و هو ملك إنّما يأتي بالشدّة و سفك الدماء و لولا ذلك لاتّبعناك، فأنزل اللّه عزّ و جلّ فيهم: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوّاً للّهِ وَ مَلاَئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوُّ لِلْكَافِرِينَ)(البقرة/97و98)(1).

و ما ذكرنا من شأن النزول يؤيّد ما ذكرناه سابقاً من أنّ المقصود من الروح في قوله سبحانه: (وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ)(الإسراء/85) هو الروح الأمين لا الروح الإنسانية، و أنّ ما اُثير حولها في التفاسير المختلفة مبني على تفسير الروح بالروح الإنسانية و هو غير صحيح.

و على أي تقدير فنصب العداء لجبرئيل نصب للعداء له سبحانه، لأنّ جبرئيل مأمور من جانبه و مبلّغ عنه هو و جميع الملائكة: (لاَيَعْصُونَ اللّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(التحريم/6).

3 ـ إنكار نبوّة سليمان (عليه السلام) :

إنّ رسول اللّه لمّا ذكر سليمان بن داود في المرسلين، قال بعض أحبارهم ألا تعجبون من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يزعم أنّ سليمان بن داود كان نبيّاً، واللّه ما كان إلاّ ساحراً، فأنزل اللّه تعالى في ذلك: (وَ اتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَ مَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَ لَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)(البقرة/102)(2).


1 . السيرة النبويّة: ج1 ص543. مجمع البيان: ج2 ص324 (طبع بيروت).
2 . السيرة النبوية: ج1 ص540. مجمع البيان: ج2 ص336 (طبع بيروت).


(259)

4 ـ كتابه إلى يهود خيبر:

كتب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يهود خيبر بكتاب جاء فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللّه صاحب موسى و أخيه والمصدّق لما جاء به موسى على أنّ اللّه قد قال لكم يا معشر أهل التوراة، و أنّكم لتجدون ذلك في كتابكم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْوَانَاً سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِى الإِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوْقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْرَاً عَظِيماً).

و إنّي انشدكم باللّه، و انشدكم بما أنزل عليكم و انشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المنّ و السلوى، و انشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون و عمله إلاّ أخبرتموني: هل تجدون فيما أنزل اللّه عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فإن كنتم لاتجدوني ذلك في كتابكم فلاكره عليكم(قَدْتَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَىّ)فأدعوكم إلى اللّه و إلى نبيّه(1).

5 ـ إنكار أخذ الميثاق منهم:

إنّ أحد أحبار اليهود قال لرسول اللّه: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه و ما أنزل اللّه عليك من آية بيّنة فنتّبعك لها، و قد كانوا ينكرون العهد الذي أخذه الأنبياء عليهم أن يؤمنوا بالنبيّ الاُمّي، فأنزل اللّه سبحانه في ردّهم: (وَ لَقَد أَنْزَلْنَا آيَات بَيِّنَات وَمَايَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفَاسِقُونَ * أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَيُؤْمِنُونَ)(البقرة/99و100).


1 . السيرة النبويّة: ج1 ص544 ـ 545.


(260)

و لفظة «كلّما» تفيد التكرّر فيقتضي تكرّر النقض منهم(1).

6 ـ الإقتراحات التعجيزيّة:

و قد كان اليهود قد تقدّموا بإقتراحات تعجيزيّة على غرار ما بدر من المشركين فقد سألت العرب محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم باللّه فيروه جهرة، فنزل قوله سبحانه: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)(البقرة/108).

و قال رافع بن حريملة لرسول اللّه: يا محمد إن كنت رسولاً من اللّه كما تقول فقل للّه فيكلّمنا حتى نسمع كلامه، فنزل قوله سبحانه: (وَ قَالَ الَّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَا الآيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ)(2).

7 ـ تنازع اليهود و النصارى عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

لمّا قدم أهل نجران من النصارى على رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أتتهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء، و كفر بعيسى و بالإنجيل، فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحد نبوّة موسى و كفر بالتوراة، فأنزل اللّه في ذلك قولهم:

(وَ قَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْء وَ قَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيْء وَ هُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(البقرة/113).


1 . مجمع البيان: ج1 ص327.
2 . السيرة النبوية: ج1 ص549.


(261)

فقوله سبحانه (وَ هُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ) إشارة إلى أنّ كلاّ من الفريقين يتلو في كتابه تصديق ما كفر به، أي كفر اليهود بعيسى بن مريم و عندهم التوراة فيما أخذ اللّه عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، و في الإنجيل ما جاء به عيسى (عليه السلام) من تصديق موسى (عليه السلام) و ما جاء به من التوراة من عنداللّه و كل يكفر بما في يد صاحبه.

و قوله سبحانه: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) إشارة إلى أنّ مشركي العرب الذّين هم جهّال و ليس لهم كتاب، هكذا قالوا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و أصحابه: إنّهم ليسوا على شيء من الدين مثل ما قالت اليهود والنصارى بعضهم لبعض(1).

و ربمّا بلغ تجاسرهم بساحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فطلبوا منه أن يقتدي بإحدى الشريعتين، قال ابن عباس: إنّ جماعة من اليهود و نصارى نجران ذمّوا أهل الإسلام، كل فرقة تزعم أنّها أحق بدين اللّه من غيرها، فقالت اليهود: نبيّنا موسى أفضل الأنبياء و كتابنا التوراة أفضل الكتب، و قالت النصارى: نبيّنا عيسى أفضل الأنبياء و كتابنا الإنجيل أفضل الكتب و كل فريق منهما قالوا للمؤمنين كونوا على ديننا، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، و قيل انّ ابن صوريا قال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما الهدى إلاّ ما نحن عليه فاتّبعنا تهتدِ، و قالت النصارى مثل ذلك، فأنزل اللّه هذه الآية. (وَ قَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهَتَدُوا).

فرّد اللّه عليهم بقوله: (بَلْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفَاً وَ مَا كَانَ مِنَ المُشِركِينَ)(البقرة/135).

8 ـ التشبّث بالكلمات المتشابهة:

كان اليهود لايألون جهداً في إثارة القلاقل و الفتن و الإستهزاء بالنبيّ إلى حدّ


1 . السيرة النبوية: ج1 ص549، و مجمع البيان: ج1 ص359.


(262)

يصرّون على إستعمال الكلمات المشتركة بين المعنى الحسن و المعنى القبيح.

فعلى سبيل المثال عندما كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدّث، كان المسلمون يطلبون منه التأنّي في التحدّث فيقولون «راعنا» بمعنى أمهلنا مشتق من مادّة «رعى» فحرّفت اليهود هذه اللفظة، فقالوا يا محمد راعنا، و هم يلحدون إلى الرعونة يريدون به النقيصة و الوقيعة و معناه «حمّقنا»، و لأجل ذلك وافى الوحي وأمر أن يتركوا هذه الكلمة و يستعملوا مكانه «انظرنا» قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو لاَتَقُولُوا رَاعِنَا وَ قُولُوا انْظُرْنَا وَ اسْمَعُوا وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(البقرة/104).

و قال العلاّمة الطباطبائي في الآية نهي شديد عن قول «راعنا» و هذه الكلمة ذكرتها آية اُخرى و بيّنت معناها في الجملة و هي قوله تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَ عَصَيْنَا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَ رَاعِنَا لَيّاً بِاَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِى الدِّينِ)(النساء/46).

و منه يعلم أنّ اليهود كانوا يريدون بقولهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) راعنا نحواً من معنى قوله: (اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع) و لذلك ورد النهي عن خطاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك و حينئذ ينطبق على ما نقل: إنّ المسلمين كانوا يخاطبون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك إذا ألقى إليهم كلاماً يقولون «رَاعِنَا يَا رَسُولَ اللّهِ» يريدون أمهلنا و انظرنا حتّى نفهم ما تقول، و كانت اللفظة تفيد في لغة اليهود معنى الشتم، فاغتنم اليهود ذلك فكانوا يخاطبون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك يظهرون التأدّب معه و هم يريدون الشتم، و معناه عندهم اسمع لااسمعت، فنزل: (مَنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَ رَاعِنَا...) و نهى اللّه المؤمنين عن الكلمة و أمرهم أن يقولوا ما في معناه و هو انظرنا، فقال: (لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَ قُولُوا انْظُرْنَا)(1).


1 . الميزان: ج1 ص248.


(263)

9 ـ كتمان الحقائق:

سأل معاذبن جبل، و سعد بن معاذ، و خارجة بن زيد، نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم و أبوا أن يخبروهم عنه، فأنزل اللّه تعالى فيهم: (إِنَّالَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَ الهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَاهُ لِلنَّاسِ فِى الكِتَابِ اُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ)(البقرة/159)(1).

و لو أنّ أحبار اليهود مثل كعب بن الأشرف و كعب بن أسد و ابن صوريا وغيرهم من علماء النصارى بيّنوا للناس ما ورد في التوراة و الإنجيل من أوصافه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّ الإسلام شرق العالم و غربه و يا للأسف رجّحوا الإحتفاظ بمناصبهم على ثواب الآخرة.

10 ـ النبيّ الأكرم و بيت المدارس:

دخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بيت المدارس(2) على جماعة من اليهود فدعاهم إلى اللّه، فقال لهم النعمان بن عمرو و الحارث بن زيد على أي دين أنت يا محمد؟ قال على ملّة إبراهيم و دينه، قال: فإنّ إبراهيم كان يهوديّاً. فقال لهما رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فهلمّا إلى التوراة فهي بيننا و بينكم. فأبيا عليه، فأنزل اللّه تعالى فيهما: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ اُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتَابِ يُدْعَونَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مَعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودات وَ غَرَّهُمْ فِى دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(آلعمران/23و24).

و قد رووا أنّ أحبار اليهود و نصارى نجران إجتمعوا عند رسول اللّه، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلاّ يهوديّاً، و قالت النصارى من أهل نجران: ما كان إبراهيم


1 . السيرة النبوية: ج1 ص551.
2 . بيت المدارس: هو بيت اليهود يتدارسون فيه كتابهم.


(264)

إلاّ نصرانيّاً، فأنزل اللّه عزّ و جلّ فيهم: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرَاهِيمَ وَمَا اُنْرِلَتِ التَّوْرَاةُ وَ الإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ اللّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْْ لاَتَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَ لاَنَصْرَانِيّاً وَ لِكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هَذَا النَّبِىُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللّهُ وَلِىُّ المُؤْمِنِينَ)(آلعمران/65ـ68)(1).

إنّ ادّعاءهم بأنّ إبراهيم (عليه السلام) كان يهوديّاً أو نصرانيّاً نابع عن جهلهم المطبق بحياة إبراهيم، فكيف يكون إبراهيم يهوديّاً أو نصرانيّاً و هو والد إسحاق الّذي هو والد يعقوب المعروف بيهودا فما ظنّك بكونه نصرانيّاً؟

11 ـ الإيمان غدوة و الكفر عشيّة:

لمّا رأت اليهود أنّ الإسلام ينتشر شيئاً فشيئاً فحاولوا تشويه سمعته بالتظاهر بالإنتماء إلى الإسلام صباحاً و الخروج عنه عشيّة حتّى يلبسوا على المسلمين دينهم ويصيروا مثلهم، فقال جماعة منهم: تعالوا نؤمن بما اُنزل على محمد و أصحابه غِدوة و نكفر به عشيّة حتّى نلبس عليهم دينهم لعلّهم يصنعون كما نصنع و يرجعون عن دينه، فأنزل اللّه تعالى فيهم: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِل وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَ قَالَتِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِى اُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَ لاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا اُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(آلعمران/71ـ73).

12 ـ إتّهام النبيّ بأنّه يُؤَلِّهُ نفسه:

اجتمعت الأحبار من اليهود و النصارى من أهل نجران عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 . السيرة النبوية: ج1 ص553.


(265)

فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: أتريد منّا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ و قال رجل من أهل نجران: أو ذاك تريد منّا يامحمد؟ و إليه تدعونا؟ فقال رسول اللّه: معاذ اللّه أن أعبد غير اللّه أو آمر بعبادة غيره فما بذلك بعثني اللّه و لا أمرني. فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهما: (مَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الكِتَابَ وَ الحُكْمَ وَ النٌّبُوَّةَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِى مِنْ دُونِ اللّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَ بِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَ لاَيَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلاَئِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالكُفِرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(آلعمران/79و80).

و محصّل ما يستفاد من الآية إنّ البشر الذي آتاه اللّه تعالى الكتاب و الحكم والنبوّة كائناً من كان ـ عيسى كان اُم محمدـ إنّما يدعوكم إلى التلبّس بالإيمان واليقين بما في الكتاب الذي تعلّمونه و تدرسونه من اُصول المعارف الإلهيّة والإتّصاف بالملكات و الأخلاق الفاضلة التي يشتمل عليها و العمل بالصالحات حتى تنقطعوا بذلك إلى ربّكم و تكونوا به علماء ربّانيين.

ثمّ إنّ الربّاني منسوب إلى الرب، زيد عليه الألف و النون للدلالة على التفخيم كما يقال «لحياني» لكثير اللحية و نحو ذلك، فمعنى الربّاني شديد الإختصاص بالرب و كثير الإشتغال بعبوديّته و عبادته(1).

13 ـ سعيهم للوقيعة بين الأنصار:

نزل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مدينة يثرب فوجد الأوس والخزرج في شقاق، فآخى بينهما و جعل الجميع صفّاً واحداً في وجه اليهود، فشقّ ذلك على الكافرين فحاولوا جاهدين أن يشقّوا عرى وحدتهم بوسائل مختلفة، فمرّ شاس بن قيس ـ و كان شيخاً عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد


1 . السيرة النبوية: ج1 ص554، الميزان: ج3 ص276.


(266)

الحسد عليهم ـ على نفر من أصحاب رسول اللّه من الأوس و الخزرج، في مجلس قدجمعهم يتحدّثون فيه فغاظه ما رأى من إلفهم وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، و قال: قد إجتمع ملأ بني قيلة بهذا البلاد، لا و اللّه ما لنا معهم إذا إجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتىً شابّاً من اليهود كان معهم، فقال أعمد إليهم، فاجلس معهم ثمّ اذكر يوم بعاث و ماكان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقوّلوا فيه من الأشعار، ففعل ذلك الشاب، فتكلّم القوم عند ذلك و تنازعوا و تفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيّين... فبلغ ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين! اللّه اللّه! أبدعوى الجاهلية. و أنا بين أظهركم بعد أن هداكم اللّه للإسلام و أكرمكم به و قطع به عنكم أمر الجاهلية، و استنقذكم به من الكفر، و ألّف به بين قلوبكم، فعرف القوم أنّها نزعة من الشيطان و كيد من عدوهم فبكوا و عانق الرجال من الأوس و الخزرج بعضهم بعضاً ثمّ انصرفوا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سامعين مطيعين قد أطفأ اللّه عنهم كيد عدوّ اللّه شاس بن قيس، فأنزل اللّه تعالى في شاس بن قيس و ما صنع: (قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَ مَا اللّهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ)(آلعمران/98و99)(1).

14 ـ الحط من شأن مَنْ آمن من اليهود:

قد سبق و أن عرفت أنّ اليهود كانوا ـ و مازالوا ـ أكثر تعصّباً لقوميتهم و دينهم ولأجل ذلك لم يدخل منهم في الإسلام إلاّ الأقل القليل مثل عبد اللّه بن سلام، وثعلبة بن سعية، و أسيد بن سعية، و أسد بن عبيد و من أسلم من اليهود معهم، فخاف الملأ من اليهود أن يدخل الإسلام في سائر البيوت، فنشروا بينهم: ما آمن بمحمد و لااتّبعه إلاّ شرارنا و لو كانوا من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم و ذهبوا إلى غيره،


1 . السيرة النبوية: ج1 ص556.


(267)

فأنزل اللّه تعالى في ذلك: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ)(آلعمران/113).

15 ـ دعوة المسلمين إلى البخل:

كان الإسلام ينتشر صيته في الربوع و الآفاق بفضل ما كان يمتلكه من مبادئ سامية و قيم مثالية و إيثار معتنقيه النفس و النفيس، فشق ذلك على اليهود فحاولوا خداع المسلمين حتّى يصدّوهم عن البذل في سبيل نصرة الدعوة المحمدية وخوّفوهم بحلول القحط.

قال ابن هشام: كان رجال من اليهود يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم ينتصحون لهم من أصحاب رسول اللّه، فيقولون لهم: لاتنفقوا أموالكم فإنّنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها و لاتسارعوا في النفقة فإنّكم لاتدرون على ما يكون، فأنزل اللّه فيهم: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهَيناً)(النساء/37).

16 ـ تفضيلهم الوثنية على الإسلام:

كانت فكرة تأليب العرب هي الفكرة التي إختمرت في نفوس يهود المدينة خصوصاً بعد غزوة بدر و أُحد، فخرجوا من المدينة نازلين بمكة، فقالت قريش لليهود: يا معشر اليهود إنّكم أهل الكتاب الأوّل و أهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن و محمد أفديننا خير أم دينه؟ قالت اليهود: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه، فنزل القرآن ردّاً عليهم بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ اُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفُرُوا هؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * اُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً)(النساء/51و52).

و في موقف اليهود هذا من قريش و تفضيلهم و ثنيّتهم على توحيد


(268)

محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول الدكتور إسرائيل و لفنسون في كتابه(تاريخ اليهود في بلاد العرب):

«كان من واجب هؤلاء ألاّ يتورّطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش و ألاّ يصرّحوا أمام زعماء قريش بأنّ عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي و لو أدّى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطالبهم لأنّ بني إسرائيل الّذين كانوا مدّة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الاُمم الوثنية بإسم الآباء الأقدمين و الذين نكبوا بنكبات لاتحصى من تقتيل و إضطهاد بسبب إيمانهم باله واحد في عصور شتّى من الأدوار التاريخية، كان من واجبهم أن يضحّوا بحياتهم و كل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين، هذا فضلاً عن أنّهم بإلتجائهم إلى عبدة الأصنام إنّما كانوا يحاربون أنفسهم و يناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام و بالوقوف منهم موقف الخصومة»(1).

17 ـ إدّعاؤهم أنّهم أحبّاء اللّه و أصفياؤه:

أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة من اليهود فكلّموه و كلّمهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و دعاهم إلى اللّه و حذّرهم نقمته، فأنزل اللّه تعالى فيهم: (وَ قَالَتِ اليَهُودُ وَ النَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَ للّهِ مُلْكُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ إِلَيْهِ المَصِيرُ)(المائدة/18).

18 ـ إنكارهم نزول كتاب بعد موسى:

دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اليهود إلى الإسلام و رغّبهم فيه، وحذّرهم غِيْرَ اللّه و عقوبته، فأبوا عليه و كفروا بما جاءهم به، فقال لهم معاذ بن


1 . السيرة النبوية: ج1 ص562، حياة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لهيكل، ص328ـ329.


(269)

جبل و سعد بن عبادة و عقبة بن وهب: يا معشر اليهود إتّقو اللّه فواللّه إنّكم لتعلمون أنّه رسول اللّه و لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه و تصفونه لنا بصفته، فقال بعضهم: ما قلنا لكم هذا قط و ما أنزل اللّه من كتاب بعد موسى و لاأرسل بشيراً و لانذيراً بعده، فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهما:

(يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْجَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِير وَ لاَ نَذِير فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(المائدة/19)(1).

19 ـ رجوعهم إلى النبيّ في حكم الرجم:

إنّ أحبار اليهود إجتمعوا في بيت المدارس، حين قدم رسول اللّه المدينة وقدزنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من اليهود قد أحصنت، فقالوا: إبعثوا بهذا الرّجل و هذه المرأة إلى محمد فسلوه كيف الحكم فيهما، و ولّوه الحكم عليهما فإن عمل فيهما بعمل من التجبية فاتّبعوه(2)فإنّما هو ملك و صدّقوه، و إن هو حكم فيهما بالرجم فإنّه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه، فأتوه فقالوا: يا محمد! هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت فاحكم فيهما، فقد ولّيناك الحكم فيهما، فمشى رسول اللّه حتّى أتى أحبارهم في بيت المدارس، فقال: يا معشر اليهود! إخرجوا إليّ علماؤكم فاُخرج له عبد اللّه بن صوريا و غيره، فقالوا: هؤلاء علماؤنا، و قالوا: إنّ عبداللّه ابن صوريا أعلم من بقى بالتوراة، فخلي به رسول اللّه وكان غلاماً شابّاً من أحدثهم سنّاً، فألحّ رسول اللّه عليه المسألة و قال له: أنشدك اللّه و اُذكّرك بأيّامه عند بني إسرائيل، هل تعلم أنّ اللّه حكم في من زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟


1 . السيرة النبوية: ج1 ص563ـ564.
2 . الجلد بحبل من ليف مطلي بقار ثمّ تسوّد وجوههما، ثمّ يحملان على حمارين و تجعل وجوهها من قبل ادبار الحمارين.


(270)

قال: اللّهم نعم! أما واللّه يا أبا القاسم إنّه ليعرفونك أنّك لنبيّ مرسل و لكنّهم يحسدونك، فخرج رسول اللّه فأمر بهما فرجما في باب مسجده، ثمّ كفر بعد ذلك ابن صوريا و جحد نبوّة رسول اللّه، فأنزل اللّه سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَيَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الكُفِرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْم آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ اُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَ إِنْ لَنْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَ مَنْ يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً اُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يِطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاؤوكَ فَاحْكمْ بَيْنَهُمْ أَو أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ)(المائدة/41و42).

و نقل ابن هشام عن ابن إسحاق: إنّه لما حكّموا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهما، دعاهم بالتوراة و جلس حبر منهم يتلوها و قد وضع يده على آية الرجم، فضرب عبد اللّه بن سلام يد الحبر ثمّ قال: هذه يا نبيّ اللّه آية الرجم يأبى أن يتلوها عليك، فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : و يحكم يا معشر يهود! ما دعاكم إلى ترك حكم اللّه و هو بأيديكم؟ قال: «فقالوا أما و اللّه أنّه قد كان فينا يعمل به، حتّى زنى رجل منّا بعد إحصانه من بيوت الملوك و أهل الشرف فمنعه الملك من الرّجم ثمّ زنى رجل بعده فأراد أن يرجمه فقالوا: لا و اللّه حتّى ترجم فلاناً! فلمّا قالوا له ذلك إجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبية و أماتوا ذكر الرجم، و العمل به». قال: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فأنا أوّل من أحيا أمر اللّه وكتابه و عمل به، ثمّ أمر بهما فرجما عند باب مسجده، قال عبد اللّه بن عمر: فكنت فيمن رجمهما(1).


1 . السيرة النبوية: ج1 ص566.


(271)

20 ـ ظلمهم في الديّة:

كانت قبيلة بني النضير يؤدّون الديّة كاملة وبنو قريظة كانوا يؤدّون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول اللّه، فنزل قوله سبحانه: (وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ)(المائدة/42).

فحملهم رسول اللّه على الحق ذلك و جعل الديّة سواء.

21 ـ قصدهم الفتنة برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :

قال جماعة من اليهود: اذهبوا بنا إلى محمد لعلّنا نفتنه عن دينه فإنّما هو بشر، فأتوه فقالوا له: «يا محمد إنّك قد عرفت انّا أحبار اليهود وأشرافهم و سادتهم و إنّا إن إتّبعناك إتّبعتك اليهود و لم يخالفنا و إنّ بيننا و بين بعض قومنا خصومة أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم و نؤمن بك و نصدّقك؟» فأبى ذلك رسول اللّه، فأنزل اللّه فيهم: (وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ وَ لاَتَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمَاً لِقَوم يُوقِنُونَ)(المائدة/49و50).

22 ـ إنكار نبوّة المسيح:

مناصبة اليهود العداء للمسيحيين لها جذور متأصّلة في التاريخ فمذ أعلن المسيح بنبوّته و رسالته قامت اليهود في وجهه و أنكروا رسالته، يقول سبحانه: (وَإِذْقَالَ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِى إِسْرائِيلَ إِنِّى رُسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هِذِا سِحْرٌ مُبِينٌ)(الصف/6).

نعم نرى اليوم تحالف اليهود مع المسيحيين لضمان المصالح المشتركة التي


(272)

على رأسها و أهمّها القضاء على الإسلام و إبعاده عن المجتمع و الحياة، و لأجل ذلك نرى أنّ البابا قام مؤخّراً بزيارة الكنيست اليهودي في روما و أعلن خلال زيارته له براءة اليهود من دم المسيح من أجل توحيد الصف و دعم الجهود الكفيلة بالقضاء على المسلمين و دينهم، و لاكنّهم في الواقع و الحقيقة لازالوا يكنوّن نفس العداء التاريخي المتأصّل في نفوسهم.

روي أنّ نفراً من اليهود أتوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألوه عمّن يؤمن به من الرّسل؟ فقال: اُؤمن باللّه، فعند ذاك جحدوا نبوّة المسيح و قالوا و اللّه مانعلم أهل دين قطّ أخطأ في الدّنيا و الآخرة منكم و لاديناً شرّاً من دينكم، فأنزلاللّه: (قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تنقمون مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَ مَا أَنْزَلَ إِلَيْنَا وَ مَا أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسَقُونَ)(المائدة/59)(1).

23 ـ إشراكهم باللّه عزّ و جلّ:

إنّ العصبية العمياء ربّما تبلغ بالإنسان حدّاً ينكر ما كان يدين به هو وقومه طيلة قرون إنصرمت، فهؤلاء اليهود المعاصرون كانوا يفتخرون و يتمجّدون بدين التوحيد، وأنّهم ضحّوا في سبيله نفسهم و نفيسهم، و لكنّهم لمّا رأوا أنّ النبيّ الأكرم يدعو إلى هذا المبدأ، و يتّخد منه الحجر الأساس لدعوته، عادوا ينكرونه و يروّجون الشرك تشفّياً لغيظهم و حنقهم.

أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة من اليهود فقالوا له: يامحمد أما تعلم مع اللّه إله غيره؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّه لا إله إلاّ هو بذلك بعثت و إلى ذلك أدعوا»، فأنزل اللّه فيهم و في قولهم: (قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا القُرْآنُ لاُِنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ ءَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَة اُخُرَى قُلْ لاَ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَ إِنَّنِى


1 . السيرة الحلبية: ج1 ص567، مجمع البيان: ج3 ص329 (طبع بيروت).


(273)

بَرِىءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)(الأنعام/19)(1).

24 ـ سؤالهم عن محين الساعة:

تعلّقت مشيئته الحكيمة بكتمان وقت الساعة، قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)(لقمان/34)، و مع ذلك جاء جماعة من اليهود قالوا: أخبرنا متى تقوم الساعة إن كنت نبيّاً، فنزل قوله سبحانه: (يُسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّى لاَيُجَلِّيهَا لَوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِى السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ لاَتَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللّهِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَيَعْلَمُونَ)(الأعراف/187).

و لم يكن هذا السؤال إلاّ تعنّتاً و عناداً لأنّهم هم الذين ذكروا لقريش: إسألوا محمداً عن وقت الساعة فإن خوّل علمها إلى اللّه سبحانه فاعلموا أنّه نبي...(2).

هذه نماذج من مناظراتهم و مشاغباتهم التي تنم عن مبلغ لجاجهم و عنادهم و ممّا يصوّر لك طبيعتهم.

25 ـ تهجّمهم على ذات اللّه عزّو جل:

أتى رهط من اليهود إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يامحمّد هذا اللّه خلق الخلق، فمن خلق اللّه؟ فغضب رسول اللّه حتّى إنتقع لونه ثمّ ساورهم(3) غضباً لربّه، فجاءه جبرئيل (عليه السلام) فسكّنه فقال: خفّض عليك يامحمد و جاءه عن اللّه بجواب ما سألوه عنه: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْيَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ * وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ).


1 . السيرة النبويّة: ج1 ص568.
2 . قد ذكرنا تفصيل القصّة في ص199ـ 201.
3 . ساورهم: واثبهم و باطشهم.


(274)

فلمّا تلاها عليهم، قالوا: فصف لنا يا محمد كيف خلقه(اللّه)، كيف ذراعه، كيف عضده؟ فغضب رسول اللّه أشدّ من غضبه الأوّل و ساورهم، فأتى جبرئيل فقال له مثل ما قال له أوّل مرّة، و جاءه من اللّه تعالى بجواب ما سألوه يقول اللّه تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَ السَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(الزمر/67).

26 ـ طلبهم كتاباً من السماء:

إنّ اليهود كانت جاهلة بحكمة نزول القرآن تدريجيّاً و قد ورد النص بها في غير واحد من الآيات، قال سبحانه: (وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاَنُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)(الفرقان/32).

إنّ في نزول القرآن تدريجيّاً منجّماً حسب الوقائع و الأحداث لدلالة واضحة على أنّه وحي إلهي ينزل شيئاً فشيئاً حسب الحاجات و ليس شيئاً متعلّماً عن ذي قبل من إنس أو جن، و لكن جهل اليهود بحكمته دعاهم إلى أن يطلبوا عن رسول اللّه نزول القرآن جملة واحدة من السماء حتّى يروا باُمّ أعينهم أنّه كتاب سماوي اُنزل من عند اللّه سبحانه و هم يضاهئون في هذا الإقتراح قول المشركين في مكّة(1).

أتى جماعة من اليهود رسول اللّه، فقالوا: يا محمد! إنّ هذا الذي جئت به لحقّ من عند اللّه فإنّا لانراه متّسقاً كما تتّسق التوراة؟ فقال لهم رسول اللّه: أما و اللّه لأنّكم لتعرفون أنّه من عند اللّه تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة و لو إجتمعت الإنس و الجنّ على أن يأتوا بمثله ما جاؤا به، فقالوا: يا محمّد أما يعلّمك هذا إنس ولاجن؟ فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أما واللّه إنّكم تعلمون أنّه من عند اللّه و إنّي لرسول اللّه تجدون ذلك مكتوباً عندكم في التوراة، فقالوا: يا محمد فإنّ اللّه يصنع لرسول إذا بعثه ما يشاء ويقدر منه على ما أراد، فأنزل علينا كتاباً من السماء


1 . الإسراء/93، و قد مضى تفسيرها.


(275)

نقرؤه و نعرفه و إلاّ جئناك بمثل ما تأتي به، فأنزل اللّه تعالى فيهم و فيما قالوا: (قُلْلَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَ الجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هِذَا القُرْآنِ لاَيَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْكَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً)(الإسراء/88).

27 ـ تحويل القبلة إلى الكعبة:

كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي إلى بيت المقدس في المدينة المنوّرة إلى سبعة عشر شهراً(1) من الهجرة، و كانت اليهود تعيّر المسلمين على تبعيّة قبلتهم و يتفاخرون بذلك عليهم، فحزن رسول اللّه ذلك فخرج في سواد الليل يقلّب وجهه في السماء ينتظر الوحي من اللّه سبحانه و كشف همّه، فنزل الوحي بقبلة جديدة، فقطع تعييرهم و تفاخرهم، قال سبحانه: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَّنَكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَ إِنَّ الَّذِينَ اُوتُوا الكتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ مَا اللّهُ بِغَافِل عَمَّا يَعْمَلُونَ)(البقرة/144).

و روى الصدوق أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة و تسعة عشر شهراً بالمدينة ثمّ عيّرته اليهود، فقالوا: إنّك تابع قبلتنا فاغتمّ لذلك غمّا شديداً، فلمّا كان في بعض الليل خرج يقلّب وجهه في آفاق السماء فلمّا أصبح صلّى الغداة فلمّا صلّى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل فقال له: (قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينّك قبلة ترضاها فوّل وجهك شطر المسجد الحرام...) ثمّ أخذ بيد النبي فحوّل وجهه إلى الكعبة و حوّل من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء و النساء مقام الرجال، فكان أوّل صلاته إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة، فبلغ الخبر مسجداً بالمدينة و قد صلّى أهله من العصر ركعتين فحوّلوا نحو القبلة، فكان أوّل صلاتهم إلى بيت المقدس و آخرها إلى الكعبة فسمّي


1 . و في رواية الفقية كما سيوافيك تسعة عشر شهراً.


(276)

ذلك المسجد مسجد القبلتين(1).

و قد أثار هذا الأمر أسئلة و اعتراضات من جانب اليهود بل المؤمنين أنفسهم وجاء الذكر الحكيم مجيباً عنها بما يلي:

1 ـ أتى جماعة من اليهود مثل رفاعة بن قيس و كعب بن الأشرف و غيرهما فقالوا: يا محمد ماولاّك عن قبلتك التي كنت عليها و أنت تزعم أنّك على ملّة إبراهيم و دينه أرجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتّبعك و نصدّقك. و إنّما يريدون بذلك فتنته عن دينه، و هذا هو الإعتراض الذي يتناوله الوحي مشفوعاً بالجواب: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا) و بعبارة اُخرى إنّ التحوّل كان بأمر من اللّه فكيف يأمر به مع انّه هو الذي جعل بيت المقدس قبلة فكيف ينقض حكمه و ينسخ ما شرعه(و اليهود من القائلين بامتناع النسخ) و إن كان بغير أمر اللّه فهو إنحراف عن الصراط المستقيم.

و أمّا الجواب فهو إنّ جعل بيت من البيوت أو بناء من الأبنية قبلة ليس لإقتضاء ذاتي فيه يستحيل التعدّي عنه، بل جميع الأجسام و الأبنية بل جميع الجهات من الشرق و الغرب إليه سبحانه على السواء يحكم فيها ما يشاء و كيف يشاء و متى شاء، و إنّ الإعتراض نابع من قلّة عقلهم أو عدم إستقامته في درك حقيقة التشريع.

و إلى هذا الجواب يشير قوله سبحانه: (قُلْ للّهِ المَشْرِقُ وَ المَغْرِبُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(البقرة/142).

2 ـ لمّا كان المقدّر أن تكون الكعبة هي القبلة الأخيرة فما هو السبب في جعل بيت المقدس قبلة اُولى للمسلمين؟

و الجواب: إنّ المصالح كانت تقتضي أن يصلّي المسلمون إلى القبلة الاُولى في مكّة و المدينة في أوائل البعثة و أوائل الهجرة و ذلك لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكّة المكرمة و بعد الهجرة بقليل كان مبتلى بالمشركين الذين


1 . من لايحضره الفقيه ج1 ص178 ج3.


(277)

لا يصلّون للّه سبحانه و لايعبدونه و إنّما يعبدون الأوثان و الأصنام، فعندئذ أمر النبي بالصلاة إلى بيت المقدس(الذي كان الموحّدون من اليهود و النصارى يصلّون إليه) حتّى يتميّز الموحّدون عن المشركين و يكون ذلك سمة التوحيد و علامته، فكانت الصلاة إلى بيت المقدس وسيلة لتميّز الموّحدين عن المشركين.

و لمّا كانت العرب شديدة الاُلفة بمكّة و قبلتها فأحبّ اللّه تعالى أن يمتحن القوم بغير ما ألفوا ليميّز من يتّبع الرسول عمّن ينقلب على عقبيه.

و لأجل هذين الوجهين(تميّز الموحّدون عن المشركين و امتحان من يتّبع الرسول ممّن ينقلب على عقبيه من العرب الآلفة بمكّة و قبلتها) أمر المسلمون بالصلاة إلى بيت المقدس مؤقّتاً و إلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَ مَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كَانَتْ لَكِبِيرةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ)(البقرة/143).

و لعلّ قوله:(لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) إشارة إلى الوجه الأوّل.

كما أنّ قوله: (وَ إِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ) إشارة إلى الوجه الثاني و هو اختبار من يخالف العادة و الاُلفة لأجل إمتثال أمر الرسول، فإنّ مخالفة العادات و التقاليد كبيرة إلاّ على الذين هدى اللّه.

و الحاصل إنّ جعل بيت المقدس قبلة لأجل تمحيص المؤمنين من غيرهم وتميّز المطيعين من العاصين و المنقادين من المتمرّدين.

و أمّا العدول عن بيت المقدس إلى الكعبة فقد عرفت أنّه ليس لمكان أو بيت شرفٌ ذاتي بل الحكم يدور مدار المصلحة، فصارت المصالح مقتضية بأن يتميّز المسلمون من اليهود بتفكيك قبلتهم التي كانوا يصلّون إليها عن قبلة اليهود، و يميّز المنافق المتظاهر بالإسلام من اليهود عن المؤمن المنقاد الواقعي، و لأجل ذلك حوّلت القبلة إلى الكعبة.

3 ـ ما حكم الصلوات التي كان المسلمون قد أدّوها إلى بيت المقدس؟


(278)

و الجواب: إنّ القبلة قبلة ما لم تنسخ و إنّ اللّه سبحانه إذا نسخ حكماً نسخه من حين النسخ لا من أصله لرأفته و رحمته بالمؤمنين، و إليه يشير قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيْمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(البقرة/143).

و أمّا الإقتراح الذي تقدّمت به اليهود إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من رجوعه إلى القبلة السابقة حتّى يتّبعوه و يصدّقوه فإنّما هو وعد مكذوب لايتّبعون قبلته إلى آخر الدهر، و إليه يشير قوله سبحانه: (وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ اُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَة مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَ مَا أَنْتَ بِتَابِع قِبْلَتَهُمْ وَ مَا بَعْضُهُمْ بِتَابِع قِبْلَةَ بَعْض وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ)(البقرة/145).

و المراد من الإيمان في الآية في قوله: (مَا كَانَ اللّهُ لِيُضَيِّعَ إِيمَانَكُمْ) هو العمل. قال ابن عباس: قالوا كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك؟ و كان قد مات أسعد بن زرارة و البراء بن معرور و كانا من النقباء.

و بذلك يعلم أنّ ما ذكره سبحانه قبل هذه الآيات من قصّة إبراهيم و أنواع كرامته و كرامة ابنه إسماعيل و دعوتهما للكعبة و مكّة و للنبيّ و الاُمّة المسلمة وبنائهما البيت و الأمر بتطهيره للعبادة، كل ذلك تمهيد لحادثة تغيير القبلة و إتّخاذ الكعبة قبلة، فإنّ تحويل القبلة من أعظم الحوادث الدينية و أهم التشريعات التي قوبل بها الناس بعد هجرة النبيّ إلى المدينة. فكانت محتاجة إلى ترويض النفوس لقبولها.

28ـ مباهلة النبيّ نصارى نجران:(1)

لمّا كتب رسول اللّه إلى ملوك العرب و العجم رسائلة التبليغية و بعث رسله إلى


1 . نجران في مخاليف اليمن من ناحية مكة، و بها كان خبر الأخدود و إليها تنسب كعبة نجران، و كانت بيعة، بها أساقفة مقيمون منهم السيّد و العاقب اللّذان جاءا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أصحابها و دعاهم إلى المباهلة و بقوابها حتّى أجلاهم عمر. وقال زيني دحلان:
نجران بلدة كبيرة واسعة على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن تشتمل على ثلاث وسبعين قرية.
مراصد الإطلاع في معرفة الأمكنة و البقاع، مادة(نجران).


(279)

الاقوام و القبائل، أرسل عتبة بن غزوان، و عبد اللّه بن أبي اُميّة و صهيب بن سنان إلى نجران و نواحيه و كتب معهم(1) إلى أساقفة نجران يدعوهم إلى رفض الأقانيم والأنداد و إلتزام التوحيد و عبادة اللّه تعالى، و ها نحن نسوق إليك نصّ كتابه:

«بسم إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب، من محمّد النبيّ رسول اللّه إلى أسقف نجران، فإنّي أحمد إليكم إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب، أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى عبادة اللّه من عبادة العباد و أدعوكم إلى ولاية اللّه من ولاية العباد، و إن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب»(2).

و لمّا قرأ الأسقف الكتاب فزع و ارتاع و شاور أهل الحجى و الرأي منهم، فقال شرحبيل و كان ذالبّ و رأي بنجران: قد علمت ما وعد اللّه إبراهيم في ذريّة إسماعيل من النبوّة فما يؤمنك أن يكون هذا الرجل؟ و ليس لي في النبوّة رأي لو كان أمر من اُمور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك.

فبعث الأسقف إلى واحد من بعد واحد من أهل نجران فتشاوروا فكثر اللغط وطال الحوار، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا وفداً يأتي رسول اللّه فيرجع بخبره.

فأوفدوا إليه ستّين راكباً و فيهم ثلاثة عشر رجلاً من أشرافهم و ذوو الرأي والحجى منهم و ثلاثة يتولّون أمرهم: العاقب إسمه عبد المسيح، أمير الوفد الذي لايصدرون إلاّ عن رأيه، و السيّد و إسمه الأيهم و هو ثمالهم و صاحب رحلهم، وأبوحارثة بن علقمة أسقفهم الأوّل و حبرهم و إمامهم و صاحب مدارسهم و هو


1 . و كان بخط الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) راجع: صبح الاعشى ج1 ص65(طبعبيروت).
2 . تاريخ اليعقوبي ج2 ص65، دلائل النبوّة ج5 ص385، البداية و النهاية ج5 ص53.


(280)

الأسقف الأعظم(1).

فجاءوا إلى النبي حتّى دخلوا على رسول اللّه وقت العصر، فدخلوا المسجد وعليهم ثياب الحبرات(2) و أردية الحرير مختمين بخواتيم الذهب و أظهروا الصليب و أتوا رسول اللّه فسلّموا عليه، فلم يرد عليهم السلام و لم يكلّمهم، فانطلقو يبتغون عثمان بن عفّان و عبد الرحمن بن عوف و كان لهما معرفة بهم فوجدوهما في مجلس من المهاجرين، فقالوا: إنّ نبيّكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه وسلّمنا عليه فلم يردّ سلامنا و لم يكلّمنا. فما الرأي؟

فقالا لعلي بن أبي طالب: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ قال: أرى أن يضعوا حللهم هذه، و خواتيمهم ثمّ يعودون إليه، ففعلوا ذلك، فسلّموا فردّ عليهم سلامهم، ثمّ قال: و الذي بعثني بالحق لقد آتيتموني المرّة الاُولى و إنّ إبليس لمعكم(3).

و كانوا قد آتوا معهم بهديّة و هي بسط إلى النبيّ فيها تماثيل و مسوح، فصار الناس ينظرون للتماثيل، فقال: أمّا هذه البسط فلاحاجة لي فيها، و أمّا هذه المسوح فإن تعطونيها آخذها، فقالوا: نعم نعطيكها، و لمّا رأى فقراء المسلمين ما عليه هؤلاء من الزينة و الزيّ الحسن، تشوّقت نفوسهم، فنزل قوله سبحانه:

(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْر مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوا عِنْد رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيها وَ أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ وَ اللّهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ)(آلعمران/15).

ثمّ أرادوا أن يصلّوا بالمسجد بعد أن حانت وقت صلاتهم، و ذلك بعد العصر فأراد الناس معهم، فقال النبي: دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلّوا صلاتهم فلمّاقضوا صلاتهم ناظروه.


1 . دلائل النبوّة ج5 ص386، الدر المنثور ج2 ص38، و تاريخ اليعقوبي ج2 ص66.
2 . ثوب من ثياب اليمن.
3 . السيرة الحلبية ج3 ص239.


(281)

فقالوا لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إلى ما تدعو؟ فقال إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه و أنّي رسول اللّه و إنّ عيسى عبد مخلوق، يأكل و يشرب، و يُحدث، فقالوا فمن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول اللّه، فقال: قل لهم: «ما تقولون في آدم أكان عبداً مخلوقاً يأكل و يشرب و يُحدث و ينكح؟ فسألهم النبيّ، فقالوا: نعم، فقل: فمن أبوه؟ فبهتوا، فأنزل اللّه:

(إِنَّ مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثِمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَتَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلَ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ)(آلعمران/59ـ61).

الدعوة إلى المباهلة

فلأجل ذلك قال لهم رسول اللّه فباهلوني فإن كنت صادقاً اُنزلت اللّعنة عليكم و إن كنت كاذباً اُنزلت عليّ، فقالوا: «أنصفت»، فتواعدوا للمباهلة، فلمّا رجعوا إلى منازلهم، قال لهم رؤساؤهم ـ السيّد و العاقب و الأيهم ـ: إن باهلنا بقومه باهلناه فإنّه ليس نبيّاً، و إن باهلنا بأهل بيته خاصّة لم نباهله فإنّه لايقدّم أهل بيته إلاّ و هو صادق، فلمّا أصبحوا جاءوا إلى رسول اللّه و معه أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن والحسين، فقال النصارى من هؤلاء؟ فقيل لهم: هذا ابن عمه و صهره علي بن أبي طالب و هذه ابنته فاطمة و هذان ابناه الحسن و الحسين، ففزعوا، فقالوا لرسول اللّه: نعطيك الرّضا فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول اللّه على الجزية و انصرف(1).

و روى الطبرسي: و لمّا كان الغد جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آخذ بيد علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين (عليهم السلام) بين يديه يمشيان وفاطمة (عليها السلام) تمشي خلفه، و خرج النصارى يتقدّمهم أسقفهم فلمّا رأى


1 . تفسير القمي ج1 ص


(282)

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أقبل بمن معه، سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمّه و زوج ابنته و أحب الخلق إليه و هذان ابنا بنته من علي (عليه السلام) و هذه الجارية بنته فاطمة، أعزّ الناس عليه و أقربهم إلى قلبه، و تقدّم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فجثا على ركبتيه.

قال أبو الحارثة الأسقف: جثا و اللّه كما جثا الأنبياء للمباهلة، فسكع ولميقدم على المباهلة، فقال السيّد: إدن يا أبا حارثة للمباهلة، فقال: لا، إنّي لأرى رجلاً جريئاً على المباهلة و أنا أخاف أن يكون صادقاً و لئن كان صادقاً لم يحل و اللّه علينا الحول و في الدنيا نصراني يطعم الماء، فقال الأسقف: يا أبا القاسم إنّا لانباهلك و لكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به، فصالحهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ألفي حلّة من حلل الأواقي قسمة كل حلّة أربعون درهماً فما زاد و نقص فعلى حساب ذلك، و على عارية ثلاثين درعاً، و ثلاثين رمحاً، وثلاثين فرساً إن كان باليمن كيد، و رسول اللّه ضامن حتّى يؤديها و كتب لهم بذلك كتاباً.

و روي أنّ الأسقف قال لهم: إنّي لأرى وجوهاً لوسألوا اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلاتباهلوا فتهلكوا و لايبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، وقال النبيّ: و الذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة و خنازير، و لاضطرم الوادي عليهم ناراً، و لما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلّهم، قالوا: فلمّارجع وفد نجران، لم يلبث السيّد و العاقب إلاّ يسيراً، حتّى رجعا إلى النبيّ، وأهدى العاقب له حلّة و عصا و قدحاً و نعلين و أسلما(1).

و هناك كلمة قيّمة للزمخشري يقول فيها:

فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلاّ لتبيّن الكاذب منه و من خصمه وذلك أمر يختصّ به و بمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء و النساء؟

قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله و استيقانه بصدقه حيث تجرّأ على


1 . مجمع البيان: ج2 ص762 و 763 (طبع بيروت).


(283)

تعريض أعزّته و أفلاذ كبده و أحبّ الناس إليه لذلك، و لم يقتصر على تعريض نفسه له و على ثقته بكذب خصمه حتّى يهلك خصمه مع أحبّته و أعزّته هلاك الإستئصال إن تمّت المباهلة. و خصّ الأبناء و النساء لأنّهم أعزّ الأهل و ألصقهم بالقلوب، و ربّما فداهم الرجل بنفسه، و حارب دونهم حتّى يقتل، و من ثمّ كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، و يسمّون الذادة عنهم بأرواحهم: «حماة الحقائق» و قدّمهم في الذكر على الأنفس(في الآية) لينبّه على لطف مكانهم، و قرب منزلتهم و ليؤذن بأنّهم مقدّمون على الأنفس مفدون بها، و فيه دليل لاشيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (عليهم السلام) وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النبيّ لأنّه لم يرو أحد من موافق و لامخالف أنّهم أجابوا إلى ذلك(1).

و من أمعن فيما ورد من سبب النزول و شرحه في كتب الحديث و التفسير يقف على مكرمة و فضيلة عظيمة لأهل البيت (عليهم السلام) في تلك الحادثة، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء» للسيّد شرف الدين(ص197ـ203).

و هناك نكتة اُخرى نقلها الرازي عن بعض معاصريه من الشيعة و لم يناقش في كلامه مع غرامه بنقض المحكمات و هيامه في التشكيكات و الشبهات، قال:

كان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي و كان معلّم الإثنى عشرية و كان يزعم أنّ عليّاً (رضي الله عنه) أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و استدلّ على ذلك بقوله تعالى: (وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَكُم) إذ ليس المراد بقوله(وَ أَنْفُسَنَا)نفس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّ الإنسان لايدعو نفسه بل المراد غيرها، و أجمعوا على أنّ ذلك الغير كان علي بن أبي طالب(رض) فدلّت الآية على أنّ «نفس علي» هي محمد، و لايمكن أن يكون المراد إنّ هذه النفس هي عين تلك، فالمراد إنّ هذه النفس مثل تلك النفس، و ذلك


1 . الكشاف: ج1 ص327.


(284)

يقتضي المساواة في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوّة و في حق الفضل لقيام الدلائل على أنّ محمداً عليه الصلاة و السلام كان نبيّاً و ما كان علي كذلك و لإنعقاد الإجماع على أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أفضل من علي(رض) فبقى فيما وراءه معمولاً به ثمّ الإجماع دلّ على أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أفضل من سائر الأنبياء (عليهم السلام) فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء(1).

29 ـ الخلفيّة التشريعيّة لحرمة الأشهر الحرم:

ربّما نقرأ في بعض الصحف و الكتب أنّ عرب الجاهلية هم الذين حرّموا الحرب في الأشهر الحرم و أضفوا عليها مسحة قدسية خاصة، و ذلك لأنّهم كانوا متوغّلين في الحروب و الغارات و كان تمادي الظاهرة القبليّة الشاذّة موجباً لفكّ عرى الحياة، و لأجل ذلك إستثنوا هذه الأشهر لتقويم أودهم و ضمان أمن طرق التجارة وتيسير أمر زيارة الكعبة.

و لكنّها فكرة خاطئة تخالف ما نستلهمه من القرآن الكريم، فإنّ الظاهر منه أنّ حرمة الأشهر لها جذور دينية و أنّها جزء من صميم الدين القيّم الذي جاء به إبراهيم (عليه السلام) إلى اُمّته، قال سبحانه: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِى كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّموَاتِ وَ الأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلاَتَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ...)(التوبة/36).

فإنّ قوله: (ذلك الدين القيّم) ربّما يشير إلى أنّ إتّصاف الأربعة بالحرم جزء من الدين القيّم و تشريعاته.

و على ذلك الأساس فالنبيّ الأكرم أولى بأن يحافظ على حرمتها و يراعي قدسيّتها، و بذلك يسهل لك القضاء في الحادثة الدموية التي وقعت في مستهلّ


1 . تفسير الرّازي ج8 ص81(طبع بيروت).


(285)

شهر رجب بيد المسلمين و هي التي إستغلّتها قريش للتعيير بالنبيّ و الإزدراء به، وأنّه هدم قدسيّة تلك الأشهر و إراقة الدم فيها، و إليك نصّ القصة:

بعث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عبد اللّه بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب مقفلة من بدر الاُولى و بعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، و كتب لهم كتاباً و أمره أن لاينظر فيه حتّى يسير يومين ثمّ ينظر فيه، فيمضي بما أمره به و لايستكره من أصحابه أحداً.

فلمّا سار عبد اللّه بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتّى تنزل نخلة بين مكّة و الطائف، فترصد بها قريشاً و تعلم لنا من أخبارهم.

فلمّا نظر عبد اللّه بن جحش في الكتاب قال: سمعاً و طاعة، ثمّ قال: لأصحابه قد أمرني رسول اللّه أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشاً حتّى آتيه منهم بخبر، و قد نهاني أن أستكره أحداً منكم فمن كان منكم يريد الشهادة و يرغب فيها فلينطلق و من كره ذلك فليرجع، فأمّا أنا فماض لأمر رسول اللّه، فمضى و مضى معه أصحابه لم يتخلّف منهم أحد.

و سلك إلى الحجاز حتّى إذا كان بمعد فوق «الفرع» يقال له بحران أضلّ سعد بن أبي وقّاص و عتبة بن غزوان بعيراً لهما، كانا يتعاقبانه، فتخلّفا عليه في طلبه ومضى عبد اللّه بن جحش و بقيّة أصحابه حتّى نزل بنخلة، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيباً و أدماً وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي، فلمّا رآهم القوم(1) هابوهم و قد نزلوا قريباً منهم، فأشرف لهم عكاشة ابن محصن و كان قد حلق رأسه فلمّا رأوه أمنوا و قالوا: عمّار لابأس عليكم منهم، و تشاور القوم فيهم و ذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم:(2) و اللّه لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم


1 . المقصود عير قريش.
2 . المقصود المسلمون.


(286)

فليمتنعنّ منكم به(1) و لئن قتلتموهم لنقتلنّهم في الشهر الحرام، فتردّد القوم(2) و هابوا الإقدام عليهم ثمّ شجّعوا أنفسهم عليهم و أجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى و اقد بن عبد اللّه التيمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وإستأسر عثمان بن عبد اللّه و الحكم بن كيسان و أفلت القوم(3) نوفل ابن عبد اللّه فأعجزهم و أقبل عبد اللّه بن جحش و أصحابه بالعير و بالأسيرين حتّى قدموا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

فلمّا قدموا على رسول اللّه المدينة، قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقّف العير و الأسيرين و أبى أن يأخذ من ذلك شيئاً، فلمّا قال ذلك رسول اللّه، سقط في أيدي القوم و ظنّوا أنّهم قد هلكوا و عنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد إستحلّ محمّد و أصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم و أخذوا فيه الأموال و أسروا فيه الرجال.

و قد توقّع اليهود لأجل هذه الحادثة بالمسلمين الشر، فلمّا أكثر الناس في ذلك أنزل اللّه على رسوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَ إِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ وَ الفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ وَ لاَيَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وِ هُوَ كَافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَ اللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(البقرة/217و218).

و الآية الثانية تحكي عن نزول المغفرة لعبد اللّه بن جحش و أصحابه و ذلك لأجل أنّهم كانوا ذوو سابقة حسنة و بلاء محمود كما يشير إليه قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا


1 . أي يتحصنون يالحرم.
2 . المقصود هم المسلمون.
3 . أي فر من بين أيديهم فلم يتمكنّوا من اللحاق به و القبض عليه.


(287)

وَ الَّذِينَ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ).

قال ابن هشام: لمّا تجلّى عن عبد اللّه بن جحش و أصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن (الآية الاُولى) طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول اللّه أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطي فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل اللّه عزّ و جلّ فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هَاجَرُوا...).

فلمّا نزل القرآن بهذا و فرّج اللّه تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول اللّه العير و الأسيرين. و بعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد اللّه و الحكم بن كيسان(الأسيرين)، فقال رسول اللّه لانفديكموهما حتّى يقدم صاحبانا ـيعني سعد بن أبي وقاص و عتبة بن غزوانـ فإنّا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما، نقتل صاحبيكم، فقدم سعد و عتبة فأفداهما رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم.

فأمّا الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه و أقام عند رسول اللّه حتّى قتل يوم بئر معونة شهيداً، و أمّا عثمان بن عبد اللّه فلحق بمكّة حتّى مات بها كافراً.

هذا كلّه راجع إلى حكاية القصّة بجزئيّاتها و أمّا تحليل الحادثة و توضيح الجواب الذي جاءت به الآية الاُولى فهو بالشكل التالي.

لاشك أنّ عمل عبد اللّه بن جحش لم يكن خاضعاً للضوابط العسكرية، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمره بالقتال بل أمر بإستطلاع أخبار القوم ونقل أخبارهم إليه، فقتاله كان عصياناً لأوامر قائده أوّلاً و هتكاً لقداسة الشهر ثانياً، ولأجل ذلك لمّا جاء إلى النبيّ لم يقبل منه العير و الأسيرين و انتظر الوحي الإلهي حتّى وافاه، و ليس من الصحيح أن يؤاخذ الأمير و رئيس القوم بإجرام واحد من قادة عسكره.

و إليه يشير قوله سبحانه: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)أي إنّ القتال فيه و إن كان صغيراً في نفسه: أمر كبير مستنكر لعظيم حرمته، و لكن الذي ينبغي إلفات النظر إليه هو أنّ الناقدين أعني قريشاً قد إرتكبوا جريمة أكبر ممّا إرتكبه ذلك القائد


(288)

العسكري و ذلك:

1 ـ إنّهم صدّوا الناس عن سبيل اللّه و منعوهم عن الطريق الموصل إلى اللّه تعالى و هو الإسلام، حيث كان المشركون يضطهدون المسلمين و يقتلون من يسلم أو يؤذونه في نفسه و أهله و ماله فيمنعونه من الهجرة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

2 ـ إنّهم كفروا باللّه سبحانه.

3 ـ إنّهم صدّوا عن المسجد الحرام و منعوا المؤمنين من الحج و الإعتمار.

4 ـ إنّهم أخرجوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) و المهاجرين.

و كلّ هذه أكبر عند اللّه من قتال المسلمين المشركين في الشهر الحرام.

5 ـ و الفتنة أكبر من القتل أي فتنة المسلمين في دينهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم أو بتعذيبهم كما فعلوا بعمّار بن ياسر و بلال و خبّاب بن الأرت و غيرهم، أكبر من قتل المشركين.

و القتال في الشهر الحرام أهون من الفتنة عن الإسلام لو لم يحفّ بها غيرها من الآثار، كيف و قد قارنها الصدّ عن سبيل اللّه، و الكفر به، و الصد عن المسجد الحرام و إخراج أهله منه، فمن وقف على فتنة المشركين لضعفاء المسلمين طيلة ثلاث عشرة سنة و إستمرارها بعد هجرته في حقّ المستضعفين القاطنين في مكّة، يقف على أنّ قتل مشرك و أسر نفرين منهم أهون بكثير ممّا إرتكبوه طوال هذه السنين.

و إلى هذا يشير قوله سبحانه:

(وَ صَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَ إِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ وَ الفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ).


(289)

(9)
الإشتباك المسلّح مع اليهود بالمدينة:

1 ـ إجلاء بني قينقاع من المدينة:

قد وقفت فيما سبق على المناظرات و الإجتجاجات التي دارت رحاها بين النبيّ و اليهود، و اتّضح لك إنّها لم تكن من اليهود بغرض كشف الحقيقة و إنّما كانت مماراة منهم حتّى يشوّهوا الحقيقة على طلاّبها و يضعوا العراقيل في وجه إنتشار الإسلام و تعاظم قدرة المسلمين، و قد كان النبيّ الأكرم صابراً على إيذائهم، ولكنّهم لمّا بلغت جرأتهم إلى حدّ هتكوا عرض امرأة مسلمة و قتلوا رجلاً من المسلمين في سوقهم، قام النبيّ في وجههم فرفض الميثاق الذي عقدوه بينهم و بين النبيّ لأنّهم بأعمالهم الإجرامية نقضوا بنوده و مضامينه فلم يبقوا له حرمة، و لكن النبيّ الأكرم أخذ كل طائفة من اليهود بجرمها و لم يأخذ جميع طوائف اليهود بجرم واحدة منها.

فأجلى بني قينقاع لأجل ذينك العملين(هتك حرمة المرأة المسلمة و قتل مسلم) و أبقى الطائفتين الاُخريين على حالهما، فلمّا همّ بنو النضير بقتل النبيّ الأكرم، أجلاهم بمؤامرتهم و أبقى بني قريظة على حالها في المدينة إلى أن إرتكبت الثالثة جريمة كبيرة، فجازاهم بعملهم حسبما يوافيك بيانه.

و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النبيّ الأكرم كان يحترم العهود والمواثيق المبرمة بينه و بين سائر الملل و النحل و أنّه لو لم تنقض اليهود عهودها ومواثيقها لما خطا النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) خطوة واحدة في طريق


(290)

الحرب ضدّهم، و لأجل ذلك يجب علينا دراسة العوامل التي حفّزت النبي إلى إتّخاذ موقف حازم و صارم في وجه اليهود القاطنين في المدينة، و قبل إيضاحها نذكر لك نص الميثاق الذي عقده النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) معهم إبّان نزوله المدينة.

روى القمّي في تفسيره: و جاءته اليهود ـقريظة و النضير و قينقاع ـ فقالوا: يامحمّد إلى ما تدعو؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه و أنّي رسول اللّه و أنّي الذي تجدونني مكتوباً في التوراة و الذي أخبركم به علماؤكم أنّ مخرجي بمكة و مهاجري في هذه الحرّة، و أخبركم عالم منكم جاءكم من الشام فقال: «تركت الخمر والخمير و جئت إلى البؤس و التمور لنبيّ يبعث في هذه الحرّة مخرجه بمكة ومهاجره هاهنا، و هو آخر الأنبياء و أفضلهم، يركب الحمار و يلبس الشملة و يجتزي بالكسرة، في عينيه حمرة و بين كتفيه خاتم النبوّة، و يضع سيفه على عاتقه لايبالي من لاقى، و هو الضحوك القتال يبلغ سلطانه منقطع الخف و الحافر» فقالوا له: قدسمعنا ما تقول وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لانكون لك و لاعليك ولانعين عليك أحداً ولانتعرّض لأحد من أصحابك و لاتتعرّض لنا و لا لأحد من أصحابنا حتّى ننظر إلى ما يصير أمرك و أمر قومك، فأجابهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك و كتب بينهم كتاباً: ألاّ يعينوا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و لا على أحد من أصحابه بلسان و لايد و لابسلاح و لابكراع في السرّ والعلانية، لابليل ولابنهار، اللّه بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول اللّه في حِلّ من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم و نسائهم، و أخذ أموالهم. و كتب لكل قبيلة منهم كتاباً على حدّة، و كان الذي تولّى أمر بني النضير حيّي بن أخطب، فلمّا رجع إلى منزله قال له اُخوته(جديّ بن أخطب و أبوياسر بن أخطب): ما عندك؟ قال: هو الذي نجده في التوراة و الذي يبشّرنا به علماؤنا و لاأزال له عدوّاً لأنّ النبوّة خرجت من ولد إسحاق، وصارت في ولد إسماعيل، و لانكون تبعاً لولد إسماعيل أبداً.

و كان الذي ولي أمر قريضة كعب بن أسد، و الذي ولي أمر بني قينقاع مخيريق و كان أكثرهم مالاً و حدائق، فقال لقومه: تعلمون أنّه النبيّ المبعوث؟


(291)

فهلمّوا نؤمن به و نكون قد أدركنا الكتابين، فلم تجبه قينقاع إلى ذلك(1).

هذا هو نص الميثاق، و سنوافيك في هذا البحث و ما يتلوه إنّهم كيف ضربوا به عرض الجدار خصوصاً بعد ما بلغهم إنتصار المسلمين على قريش في غزوة بدر فانتابهم الهلع و الخوف، و ترقّبوا الخطر المحدق بهم، و قد بلغ النبيَّ أخبار بني قينقاع، و ما أخذوا يتفوّهون به ضدّه، فلأجل إتمام الحجة جمعهم رسول اللّه في سوق بني قينقاع بعد نزوله عن بدر، فقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم اللّه بمثل ما أصاب به قريشاً، فقالوا له: يا محمّد لايغرّنّك من نفسك أنّك قتلت نفراً من قريش، كانوا أغماراً(2) لايعرفون القتال، إنّك و اللّه لو قاتلتنا لعرفت انّا نحن الناس وإنّك لنتلقى مثلنا، فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهم: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ المِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِى فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَ اُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ العَيْنِ وَ اللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِى ذِلِكَ لَعِبْرَةً لاُِولِى الأَبْصَارِ)(آل عمران/12و13)(3).

و بين ما هم عليه من إظهار العداوة و نقض العهد، جاءت امرأة نزيعة(4) من العرب تحت رجل من الأنصار إلى سوق بني قينقاع، و جلست عند صائغ في حُليّ لها، فجاء رجل من يهود قينقاع فجلس من ورائها و لاتشعر، فخلّى(5) درعها إلى ظهرها بشوكة، فلمّا قامت المرأة بدت عورتها، فضحكوا منها، فقام إليه رجل من المسلمين فاتّبعه فقتله، فاجتمعت بنو قينقاع فتحايشوا، فقتلوا الرّجل و نبذوا العهد إلى النبيّ و تحصّنوا في حصنهم(6).


1 . البحار ج19 ص110 ـ111(طبع بيروت).
2 . الأغمار جمع الغمر و هو الذي لم يجرّب الاُمور.
3 . السيرة النبويّة ج1 ص552، مجمع البيان ج2 ص 706، المغازي للواقدي ج1 ص176.
4 . المرأة التي تزوّجت في غير عشيرتها.
5 . أي جمع بين طرفي الشيء.
6 . المغازي للواقدي ج1 ص176و177.


(292)

فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فحاصرهم رسول اللّه حتّى نزلوا على حكمه.

روى الواقدي: لمّا رجع(رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ) من بدر حسدوه فأظهروا الغشّ، فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية: (وَ أَمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَة فَأْنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سِوَاء إِنَّ اللّهَ لاَيُحِبُّ الخَائِنِينَ)(الأنفال/58).

قال: فلمّا فرغ جبرئيل قال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنا أخافهم. فسار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الآية حتّى نزلوا على حكمه و لرسول اللّه أموالهم، و لهم الذرّية و النساء(1).

فقام عبد اللّه بن اُبي بن سلول رئيس المنافقين في المدينة بالشفاعة لهم فقال: يا محمّد أحسن في موالي، و كانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول اللّه، فقال: يامحمّد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول اللّه، فقال له رسول اللّه: أرسلني، و غضب رسول اللّه حتّى رأوا لوجهه ظللاً، ثمّ قال: ويحك أرسلني، قال: لا و اللّه لاأرسلك حتّى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر(2) وثلاث مائة دارع، قد منعوني من الأحمر و الأسود، تحصدهم في غداة واحدة إنّي واللّه أمرؤٌ أخشى الدوائر، فقال رسول اللّه: هم لك، فاستعمل رسول اللّه على المدينة في محاصرته إيّاهم بشير بن عبد المنذر، و كانت محاصرته إيّاهم خمس عشرة ليلة.

و كان لعبادة بن الصامت مثل الحلف الذي كان لهم من عبد اللّه بن اُبي، فجاء عبادة بن الصامت و قال: يا رسول اللّه أتولّى اللّه و رسوله و المؤمنين، و أبرأُ من حلف هؤلاء الكفّار و ولايتهم، و في تلك القصّة نزلت الآيات التالية:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَتَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَ النَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَيَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ


1 . مغازي الواقدي ج1 ص180.
2 . الحاسر الذي لادرع له و يقابله الدارع.


(293)

مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهُمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَنْ يَأْتِيَه بِالفَتْحِ أَوْ أَمْر مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِى أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ)(المائدة/51ـ53).

فلمّا أصرّ ابن اُبي فيهم تركهم رسول اللّه و أمر بهم أن يجلوا من المدينة.

و روى الواقدي: كان ابن اُبيّ أمرهم أن يتحصّنوا و زعم أنّه سيدخل معهم، فخذلهم و لم يدخل معهم، و لزموا حصنهم فما رموا بسهم، و لاقاتلوا حتّى نزلوا على صلح رسول اللّه و حكمه، و أموالهم لرسول اللّه، فلمّا نزلوا و فتحوا حصنهم، كان محمّد بن مسلمة هو الذي أجلاهم و قبض أموالهم، و أمر رسول عبادة بن الصامت أن يجليهم، فقالت قينقاع، يا أبا الوليد نحن مواليك فعلت هذا بنا؟

قال لهم عبادة لمّا حاربتم جئت إلى رسول اللّه فقلت: يا رسول اللّه إنّي أبراُ إليك منهم و من حلفهم، و كان ابن اُبي وعبادة بن الصامت منهم بمنزلة واحدة في الحلف، فقال عبداللّه بن اُبي: تبرّأت من حلف مواليك، فقال عبادة: أبا الحبّاب تغيّرت القلوب و محي الإسلام العهود، فخرجوا إلى الشام و لحقوا بإذرعات(1) ثمّ هلكوا(2).


1 . بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقا و عمان «معجم البلدان ج1 ص162).
2 . السيرة النبويّة ج1 ص47ـ49، المغازي للواقدي ج1 ص176ـ180.


(294)

2 ـ إجلاء بني النضير

قدم أبو براء، عامر بن مالك على رسول اللّه المدينة فعرض عليه رسول اللّه الإسلام و دعاه إليه، فلم يسلم و لم يبعد من الإسلام، و قال: يا محمّد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى نجد، فادعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول اللّه: إنّي أخشى عليهم أهل نجد، قال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك، فبعث رسول اللّه المنذر بن عمرو في أربعين رجلاً(1) من خيار المسلمين فساروا حتّى نزلوا بئر معونة و هي بين أرض بني عامر، و حرة بني سليم، كلا البلدين منها قريب و هي إلى حرّة بني سليم أقرب.

فلمّا نزلوها بعثوا ابن ملحام بكتاب رسول اللّه إلى عامر بن الطفيل، فلمّا أتاه لمينظر في كتابه حتّى عدى على ا لرجل فقتله، ثمّ استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا لن نحفر(2) أبا براء لقد عقد لهم عقداً و جواراً، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتّى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم ثمّ قاتلوهم حتّى قتلوا من عندآخرهم إلاّ كعب بن زيد فإنّهم تركوه وبه رمق، فرفع من بين القتلى فقدم المدينة.

و كان في مسير القوم عمرو بن اُميّة الضمري و رجل من الأنصار فلمّا إطّلعا على قتل إخوانهم، قال عمرو بن اُميّة: نخبر رسول اللّه، فقال الأنصاري: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، فقاتل القوم حتّى قتل و اُسر عمرو ابن اُميّة، و أطلقه عامر بن الطفيل و جزّ ناصيته، فأقبل عمرو بن اُميّة إلى المدينة


1 . أو سبعين رجلاً على ما في صحيح البخاري و مسلم.
2 . أي لاننقض عهده.


(295)

ولقى في مسيره رجلين من بني عامر و قد سألهما ممّن أنتما؟ فقالا: من بني عامر فأمهلهما حتّى إذا ناما، عدى عليهما فقتلهما و هو يرى أنّه أصاب بهما الثأر من بني عامر، فيما أصابوا من أصحاب رسول اللّه، فلمّا قدم عمرو بن اُميّة على رسول اللّه فأخبره الخبر، قال رسول اللّه: لقد قتلت قتيلين لاُدِينهما(1) .

خرج رسول اللّه إلى بني النضير يستعينهم في ديّة ذينك القتيلين من «بني عامر» اللذين قتلهما عمرو بن اُميّة الضمري، فكان بين بني النضير و بين بني عامر عقد وحلف، فلمّا أتاهم رسول اللّه يستعينهم في أداء الديّة، قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أجبت ممّا استعنت بنا عليه، ثمّ خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنّكم لنتجدوا الرجل على مثل حاله هذه، و رسول اللّه إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد، فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيرحنا منه، فانتبذ لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فصعد ليلقي عليه صخرة و رسول اللّه في نفر من أصحابه.

فأتى الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام و خرج إلى المدينة «و كأنّه يريد أن يقضي حاجة و ترك أصحابه في مجلسهم»(2) فلمّا إستلبث النبيّ أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلاً المدينة، فأقبل أصحاب رسول اللّه حتّى إنتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما أراد اليهود من الغدر إليه، وأمر رسول اللّه بالتهيّؤ لحربهم، و السير إليهم، و استعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم فتحصّنوا في الحصون.

و قد بعث عبد اللّه بن اُبي بعض أصحابه إلى بني النضير، فقال لهم: إثبتوا وتمنّعوا فإنّا لن نسلّمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، و إن اُخرجتم خرجنا معكم،


1 . أي لأدفع ديّتهما، و وجهه: إنّ القتل وقع بقبيلة بني سليم لاببني عامر، فإنّهم و إن لميدافعوا عن المسلمين و خذلوهم، و لكنّهم لم يشتركوا في مقاتلتهم، فكان قتل هذين الرجلين بلاظلامة اقترفاها، و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الرسول كان يقوم بالعدل ولايأخذه في ذلك شيء من الأهواء.
2 . ما بين القوسين ممّا رواه الواقدي.


(296)

فتربّصوا ذلك من نصرهم، و لم يكن وعده إلاّ خداعاً، و في ذلك نزل الوحي:

(أَلَمْ تَرَ إِلِى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لاِِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفُرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ اُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لاَنُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ اُخْرِجُوا لاَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لاَيَنْصُرُونَهُمْ وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَيُنْصَرُونَ * لاَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِنَ اللّهِ ذِلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَيَفْقَهُونَ * لاَيُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعَاً إِلاَّ فِى قُرىً مُحَصَّنَة أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى ذِلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَيَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَ بَالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(الحشر/11ـ15) ففي هذه الآيات ملاحم و تنبّؤات غيبية كشف عنها الوحي. و إليك الإشارة إليها:

1 ـ إنّ اليهود لعلاقتهم الشديدة بالحياة لايجرأون على مقاتلتكم خارج حصونهم، و إنّما يقاتلونكم متمنّعين بحصونهم، و يكتفون في ذلك برشقهم بالحجارة و نحوها، كما أشار إليه قوله: (لاَيُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِى قُرَىً مُحَصَّنَة أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر).

2 ـ يستأسدون عند الإجتماع ببعضهم البعض و لكنّهم عند لقاء المسلمين ينتابهم الخوف و الرعب و الهلع، و يستفاد ذلك من ضم الآيتين أعني قوله: (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) إلى قوله: (لاَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِنَ اللّهِ).

3 ـ إنّهم يتظاهرون بوحدة الكلمة، و لكنّها وحدة شكلية صورية و قلوبهم شتّى، و إليه يشير قوله سبحانه: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى).

ثمّ إنّ الذكر الحكيم يصفهم بأنّهم قوم لايعقلون و لايتّخذون العبرة ممّا لاقاه بنو قينقاع، و إليه يشير قوله: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَ بَالَ أَمْرِهِمْ).

ثمّ إنّ الملاحم الواردة فيما سبق من الآيات لاتنحصر بذلك بل تنبّأت بأنّ وعد النصر من جانب المنافقين وعد خاو و مكذوب لايفون به، و إليه يشير قوله سبحانه: (لَئِنْ اُخْرِجُوا لاَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لاَيَنْصُرُونَهُمْ وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَيُنْصَرُونَ).


(297)

و قد تنبّأ القرآن بكل ما ذكرنا قبل وقوع النصر و غلبة المسلمين عليهم.

روى البيهقي: إنّ النبيّ مضى لأمر اللّه تعالى فأمر أصحابه فأخذوا السلاح، ثمّ مضى إليهم و تحصّنت اليهود في دورهم و حصونهم، فلمّا إنتهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أزقّتهم و حصونهم فأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم أن تهدم، وبالنخل أن تحرق و تقطع، و كفّ اللّه تعالى أيديهم و أيدي المنافقين فلم ينصرونهم، و ألقى اللّه عزّو جلّ في قلوب الفريقين الرعب(1).

لم يكن عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المجال إلاّ إيجاداً للرعب في قلوب الكافرين و التعجيل في إستسلامهم، فإنّ اليهود ما زالوا و لن يزالوا عالقين بالمال و الثروة، و يحبّونهما كحب الأنفس و الأولاد، فلم يكن للنبيّ إلاّ الإضرار ببعض أموالهم و ثرواتهم لتلك الغاية، و الشاهد على ذلك أنّ النبيّ لم يقطع إلاّ بعض النخيل قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى اُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللّهِ وَ لِيُخْزِىَ الفَاسِقِينَ)(الحشر/5)، و أمّا الدور التي هدمها النبي فكانت عبارة عن الدور الواقعة خارج الحصن بشهادة أنّهم هدموا دورهم بأيديهم عند مغادرة المدينة، يقول سبحانه: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِى المُؤْمُنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا اُولِى الأَبْصَارِ)(الحشر/2).

فهذا العمل العسكري من النبي و أصحابه كان عملاً تكتيكيّاً لغاية قصوى، وهو الإستيلاء عليهم بلا إراقة الدم من الجانبين، و لولا ذلك ربّما طال الحصار وكان من المتوقّع تحقّق الإشتباك الدموي بين الطرفين. فلما رأوا أنّ النبيّ مصمّم على الإستيلاء عليهم، سألوه أن يجليهم و يكف عن دماءهم على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلاّ السلاح، فقبل النبيّ، فاحتملوا من أموالهم ما إستقالت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف(2) بابه، فيضعه على ظهر بعيره


1 . دلائل النبوّة ج3 ص181، و المغازي للواقدي، ج1 ص374، و السيرة النبويّة لابنهشام ج2 ص191.
2 . نجاف ـعلى وزن كتابـ: العتبة التي على الباب.


(298)

فينطلقبه، فخرجوا من المدينة إلى خيبر و بعضهم صار إلى الشام.

و من الذين صاروا إلى خيبر سلاَّم بن أبي الحقيق و كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق و حُيي بن الأخطب.

و العجب انّهم خرجوا بنساءهم و أبنائهم و أموالهم ومعهم الدفوف و المزامير و القيان يعزفن خلفهم، و ماهذا إلاّ لأجل إلقاء الستار على خذلانهم فكأنّهم أرادوا بالخروج بهذه الكيفية أنّهم ليسوا بمغلوبين ولامحزونين، وإنّما يخرجون مع النشاط والسرور لأنّهم ينتقلون إلى أمكنة خصبة بالعطف والحنان(1).

و أمّا الأراضي التي تركوها فجعلها سبحانه نفلاً لرسول اللّه و لم يجعل فيها سهماً لأحد غيره، قال سبحانه: (وَمَا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ(2) عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَ لاَرِكَاب وَ لَكِنَّ اللّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلّه وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِى القُرْبَى وَ اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَىْ لاَيَكُونَ دُوْلَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ اُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْوَانَاً وَ يَنْصُرُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ اُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)(الحشر/6ـ8).

فالآيات الكريمة تحدّد مواضع صرف الأموال التي أفاء اللّه على رسوله، فذكر مصارفها المتعدّدة فيها، و لكنّ النبيّ حسب ما ورد في السيرة قسّمها على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار إلاّ سهل بن حنيف و أبا دجانة الأنصاري ـسماك بن حرشةـ ذكرا فقراً فأعطاهما رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

و لم يسلم من بني النضير إلاّ رجلان. أسلما على أموالهما فأحرزاها.


1 . قال الواقدي: و مرّوا يضربون بالدفوف، و يزمّرون بالمزامير... مظهرين ذلك تجلّداً المغازي للواقدي ج1 ص375.
2 . فما أوجفتم: أي ما حرّكتم و أتعبتم في السير، قال سبحانه:(قُلُوب يَوْمَئِذ وَاجِفَة).


(299)

و قد نزلت سورة الحشر في هذه القصة و اللّه سبحانه يمنّ على المؤمنين، بأنّه سبحانه سلّطهم على الكافرين عن طريق إيجاد الرعب في قلوبهم، كما يبيّن بأنّهم جوزوا بسوء أعمالهم، قال سبحانه:

(هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لاَِوَّلِ الحَشْرِ مَاظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّهِ فَأَتَاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْيَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِى المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبُرُوا يَا أُولِى الأَبْصَارِ * وَ لَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مِنْ يُشَاقِّ اللّهَ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ)(الحشر/2ـ4).

و بإجلاءهم لم تبق في المدينة طائفة من اليهود، إلاّ قبيلة بني قريظة، و كان النبي يحترم عهودهم ماداموا حافظين عليها. و لمّا ظهرت منهم بادرة النقض، أخذهم النبيّ أخذ عزيز مقتدر، كما سيبيّن في الفصل القادم.


(300)

3 ـ إبادة بني قريظة

لقد أجلى النبيّ الأكرم قبيلتي بني قينقاع، و بني النضير، و جزاهم بأعمالهم الإجرامية، و كانت فكرة تأليب العرب على النبي و المسلمين فكرة إختمرت في نفوس رؤساء بني النضير، و قبلهم بني قينقاع، نظراء حيي بن أخطب و سلاّم بن أبي الحقيق و كنانة بن الربيع بن أبي حقيق، الذين نزلوا حصن خيبر، فأرادوا درك ثأرهم من المسلمين بتأليب الأحزاب عليهم، فقدموا إلى قريش، و دعوهم إلى حرب رسول اللّه و قالوا: إنّا سنكون معكم عليه، حتّى نستأصله، و قدسألتهم قريش و قالوا يا معشر يهود: إنّكم أهل الكتاب الأوّل، و أهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن و محمد. أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منه(1).

و لم يكتف زعماء بني النضير بتأليب قريش على النبي الأكرم بل خرجوا إلى غطفان و كلّ من له عند المسلمين ثأر، حرّضوهم على الأخذ بثأرهم، و يذكرون لهم متابعة قريش إيّاهم على حرب محمد، فاتّفقوا على الخروج و الحضور في المدينة في يوم واحد، و أحاطوا المدينة رجالاً و ركباناً و قد بلغ عددهم عشرة آلاف، و كان قد بلغ النبي مؤامرتهم فضرب الخندق على المدينة حتّى يكون كالحصن لها حائلاً بينه و بينهم، و قد طال الحصار على المدينة قرابة شهر، و وقع هناك إشتباك بينهم وبين العدوّ على وجه سنذكره في مغازي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .

و قد أدركت الأحزاب المؤلّفة من قريش و غطفان و يهود خيبر و على رأسهم حيي بن أخطب أنّ الإنتصار على محمد أمر غير ميسور، مادام الخندق يحول بينه و


1 . قد مرّ نقل هذا الخطأ الفاحش في مناظرات النبيّ مع اليهود، فلاحظ.


(301)

بين العدوّ، و قد وضع المسلمون الأحجار إلى جانب الخندق، يرمون بها من أراد العبور، فعند ذلك قام حيي بن أخطب بمؤامرة اُخرى و هو فتح الطريق لدخول يثرب من ناحية اُخرى، و هو إقناع بني قريظة(الطائفة الوحيدة المتبقّاة من اليهود في المدينة) على رفض عهدها مع محمد، و انضمامها إلى الأحزاب، فاجتمع مع أكابر الأحزاب، و قال: إنّه مقنع بني قريظة بنقض عهد موادعتهم محمداً و المسلمين، حتّى يقطعوا بذلك المدد و المير عنه، و يفتحوا الطريق لإجتياز الأحزاب من حصونهم إلى داخل المدينة، و لمّا سمعت ذلك قريش و قبائل غطفان فرحوا بذلك و زعموا أنّ هذه الخطوة سوف تكون ناجحة، و أنّها مفتاح الإنتصار، فخرج حيي بن أخطب حتّى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة و عهدهم، و لمّا سمع كعب بحيي بن أخطب، أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له فناداه حينئذ: و يحك يا كعب، إفتح لي. قال: و يحك يا حيي إنّك رجل مشؤوم، و إنّي قد عاهدت محمداً و لست بناقض ما بيني و بينه، و لم أر منه إلاّ وفاءً و صدقاً. قال: ويحك إفتح لي اُكلّمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: و اللّه إن أغلقت دوني إلاّ خوفاً عن جشيشتك أن آكل معك منها، فعندئذ غضب كعب ففتح له فقال: و يحك يا كعب جئتك بعزّ الدهر و بحر طامّ(1)، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، قد عاهدوني و عاقدوني على أن لايبرحوا حتّى يستأصلوا محمداً و من معه. قال: فقال له كعب: جئتني و اللّه بذلّ الدهر، و يحك يا حيي! فدعني وما أنا عليه، فإنّي لم أر من محمّد إلاّ صدقاً و وفاءً. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتّى سمع له، على أن أعطاه عهداً(من اللّه) و ميثاقاً: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمّداً أن يدخل معه في حصنه حتّى يصيبه ما أصابه، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ ممّا كان بينه وبين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

و قد بلغ المسلمين نبأ إنضمام قريظة إلى الأحزاب، فاهتزّوا و خافوا مغبّته فبعث رسول اللّه سعد بن معاذ، و هو سيد الأوس و سعد بن عبادة و هو سيد الخزرج و معهما لفيف من المسلمين، فقال: إنطلقوا حتّى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء


1 . يشير إلى الأحزاب المؤلّفة.


(302)

القوم أم لا؟ فإن كان حقّاً فألحنوا لي لحناً(1) أعرفه، و لاتفتّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا غير ناقضين فأجهروا به للناس، قال فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فيما نالوا من رسول اللّه و قالوا: مَن رسول اللّه؟ لاعهد بيننا وبين محمد و لاعقد، فشاتمهم سعد بن معاذ و شاتموه، و كان رجلاً فيه حدّه، فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا و بينهم أعظم من المشاتمة، فأقبلا إلى رسول اللّه فسلّموا عليه، و قالوا: «عضل و القارة» أي غدروا كغدر عضل و القارة، وأصحاب الرجيع، فقال رسول اللّه: اللّه أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين. و عظم عند ذلك البلاء و اشتدّ الخوف و ذلك لأنّهم لو قطعوا المير و المدد وفتحوا الطريق للأحزاب، لدخلوا المدينة و استأصلوا أهلها، فما مضى وقت حتّى بدت بوادر النقض فقطعوا المدد و الميرة عن المسلمين، و خرجوا يطيفون في أزقّة المدينة، يخوّفون النساء والصبيان. قالت صفيّة و كانت في حصن«حسّان»: مرّ بنا رجل من اليهود فجعل يطيف بالحصن، فقلت: يا حسّان! إنّ هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإنّي واللّه ما آمنه أن يدلّ على عورتنا مَنْ وراءنا من يهود، و قد شغل عنّا رسول اللّه وأصحابهم، فانزل إليه فاقتله. قال: يغفر اللّه لك يا ابنة عبد المطلب! و اللّه لقدعرفت ما أنا بصاحب هذا! قالت: فلمّا قال لي ذلك، و لم أر عنده شيئاً إحتجزت(2) ثمّ أخذت عموداً ثمّ نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود، حتّى قتلته. قالت: فلمّا فرغت منه، رجعت إلى الحصن(3).

ثمّ إنّه سبحانه سلّط على الأحزاب البرد و الريح الشديدة، و فرّق كلمتهم على وجه سيوافيك تفصيله، و تفرّقوا و جلوا عن جوانب المدينة و رجعوا إلى أوطانهم من دون أن ينالوا من المسلمين شيئاً.و لم يكن عود الأحزاب بعد فصل الشتاء أمراً غير بعيد في نظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و بنو قريظة هم الأعداء الغدرة، و من الممكن أن يتكرّر التاريخ و يقع المسلمون في مغبّته، و بينما كان النبيّ يفكر في


1 . أي تكلّموا بالإشارة و التعريض، و لاتوهنوا عزائم المسلمين.
2 . شددت معجري.
3 . السيرة النبويّة لابن هشام، ج2 ص228.


(303)

ذلك و قد صلّى الظهر، جاء جبرئيل و قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فأمر رسول اللّه مؤذناً فأذّن في الناس من كان سامعاً مطيعاً فلايصلّين إلاّ ببني قريظة(1) و لبس رسول اللّه السلاح و المغفر و الدرع و البيضة و أخذ قناتاً بيده، وتقلّد الترس، و ركب فرسه، و حفّ به أصحابه، و تلبّسوا السلاح و ركبوا الخيل، وكانت ستّة و ثلاثين فرساً، و كان رسول اللّه قد قاد فرسين و ركب واحداً، و انتهى رسول اللّه إلى بني قريظة، فنزل على أسفل حرّة بني قريظة، و كان عليّ (عليه السلام) قد سبق في نفر من المهاجرين و الأنصار، فيهم أبو قتادة، و طلع رسول اللّه، فلّما رأى رسول اللّه عليّاً أمره بأخذ اللواء و كره أن يسمع رسول اللّه أذاهم و شتمهم، فتقدّمه أسيد بن حضير، قال: فقال: يا أعداء اللّه لانبرح حصنكم حتّى تموتوا جوعاً. قال: يا بن الحضير نحن مواليكم دون الخزرج. قال: لا عهد بيني و بينكم و دنا رسول اللّه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا إخوة القردة و الخنازير و عبدة الطواغيت أتشتموني؟ قالوا: فجعلوا يحلفون بالتوراة التي أنزلت على موسى ما فعلنا وقالوا:نكلّمك، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : نعم فانزلوا نباش بن قيس، و قالوا: يا محمّد ننزل على ما نزلت عليه بنو النضير. لك الأموال و الحلقة وتحقن دمائنا و نخرج من بلادكم بالنساء و الذراري و لنا ما حملت الإبل إلاّ الحلقة فأبى رسول اللّه و قال: لا إلاّ أن تنزلوا على حكمي. فرجع نبّاش إلى أصحابه بمقالة رسول اللّه و لمّا وقف القوم على عزم رسول اللّه بنزولهم على حكمه، عقدوا مجلساً للمشاورة إشترك فيها أكابر القوم، فاقترح كعب بن أسد عليهم عدّة إقتراحات، يعرب بعضها عن ضآلة تفكيره و يدلّ البعض الآخر على قسوته، و إليك تلك الإقتراحات:

1 ـ الإيمان بما جاء به محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)

يا معشر بني قريظة إنّكم لتعلمون أنّ محمداً نبي اللّه و ما منعنا من الدخول معه إلاّ الحسد بالعرب، و لقد كنت كارهاً لنقض العقد و العهد، و لكنّ البلاء و شؤم


1 . قال الواقدي: صار إليهم النبيّ لسبع بقين من ذي القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يوماً، ثمّ انصرف يوم الخميس سبع خلون من ذي الحجة سنة خمس.


(304)

هذا الجالس(1) علينا و على قومه... فتعالوا نصدّقه و نؤمن به، فنأمن على دمائنا و أبنائنا و نساءنا و أموالنا فنكون بمنزلة من معه، قالوا لانكون تبعاً لغيرنا. نحن أهل الكتاب و النبوّة، فجعل كعب يردّ عليهم الكلام بالنصيحة لهم. قالوا: لانفارق التوراة و لاندع ما كنا عليه من أمر موسى.

2 ـ قتل النساء و الأولاد

إذا كنتم كارهين للإيمان بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فهلمّوا نقتل أبناءنا و نساءنا ثمّ نخرج و في أيدينا السيوف إلى محمّد و أصحابه، فإن قتلنا قتلنا، و ماوراءنا أمر نهتم به، و إن ظهرنا لنتّخذن النساء و الأبناء.

فصاح حيّي بن أخطب و قال: ما ذنب هؤلاء المساكين؟ و قالت رؤساء اليهود: ما في العيش خير بعد هؤلاء.

3 ـ الخروج على أصحاب محمّد ليلة السبت

إنّ محمّداً و أصحابه آمنين لنا فيها أن نقاتله، فنخرج فلعلّنا أن نصيب منه غرّة قالوا نفسد سبتنا و قد عرفت ما أصابنا فيه. قال حيّي: قد دعوتك إلى هذا و قريش وغطفان حضور فأبيت أن تكسر السبت فإن أطاعتني اليهود فعلوا. فصاحت اليهود: لانكسر السبت. قال نبّاش بن قيس و كيف نصيب منهم غرّة و أنت ترى أنّ أمرهم كل يوم يشتدّ كانوا أوّل ما يحاصروننا إنّما يقاتلون بالنّهار و يرجعون بالليل، فهم الآن يبيتون الليل و يظلّون النهار، فأي غرّة نصيب منهم؟ هي ملحمة و بلاء كتب علينا، فاختلفوا و سقط في أيديهم و ندموا على ما صنعوا ورقّوا على النساء و الصبيان و كنّ يبكين.

وعندئذ قال ثعلبة وأسيد إبنا سعيّد وأسد بن عبيد عمّهم: يا معشر بني قريظة!

و اللّه إنّكم لتعلمون أنّه رسول اللّه، و أنّ صفته عندنا. حدّثنا بها علماؤنا


1 . يعني حيّي بن أخطب وقد وفى بعهده، بعد تفرّق الأحزاب، فدخل حصن بني قريظة ليشترك معهم في المصير.


(305)

وعلماء بني النضير،. هذا أوّلهم يعني حيّي بن أخطب مع جبير بن الهيّبان. أصدق الناس عندنا و هو خبّرنا بصفته عند موته. قالوا: لانفارق التورة، فلمّا رآى هؤلاء النفر إباءهم، نزلوا في الليلة التي في صبحها نزلت قريظة، فأمنّوا على أنفسهم و أهلهم وأموالهم.

اقتراح رابع

و إقترح عمرو بن سعد و قال: يا معشر اليهود إنّكم حالفتم محمداً على ما حالفتموه عليه، أن لاتنصروا عليه أحداً من عدوّه و أن تنصروه ممّن دهمه فنقضتم ذلك العهد الذي كان بينكم و بينه فلم أدخل فيه و لم أشرككم في عذركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه، فاثبتوا على اليهوديّة و أعطوا الجزية، فو اللّه ما أدري يقبلها أم لا؟ قالوا: نحن لانقرّ للعرب بخرج في رقابنا يأخذوننا به، القتل خير من ذلك.

و لمّا طال الحصار و أذعنت بنو قريظة أنّ النبيّ الأكرم لايتركهم إلاّ أن ينزلوا على حكمه، بعثوا إلى رسول اللّه حتّى يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر، و كان حليف الأوس ليستشيروه في أمرهم، فأرسله رسول اللّه فلّما رأوه قام إليه الرجال، و بكت النساء و الصبيان، فرّق لهم، و قالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمّد؟ فأشار بيده إلى حلقه، يعني أنّه الذبح.

ثمّ ندم أبو لبابة من إذاعة سرّ رسول اللّه، قال: فو اللّه ما زالت قد ماي من مكانهما حتّى عرفت أنّي قد خنت اللّه و رسوله، ثمّ إنطلق أبو لبابة على وجهه ولميأت رسول اللّه حتّى إرتبط في المسجد إلى عمود من عمده و قال: لا أبرح مكاني هذا حتّى يتوب اللّه عليّ ممّا صنعت، و عاهد اللّه أن لاأطأ بني قريظة أبتداء ولاأرى في بلد خنت اللّه و رسوله فيه أبداً، و في ذلك نزل قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَتَخُونُوا اللّهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(الأنفال/27).

فمكث سبعة أيّام لايذوق فيها طعاماً و لاشراباً حتّى خرّ مغشياً عليه، ثمّ تاب اللّه عليه، فقيل له يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: لا واللّه لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول اللّه هو الذي يحلّني، فجاءه فحلّه بيده، ثمّ قال أبو لبابة: إنّ من تمام توبتي أن


(306)

أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب و أن أنخلع من مالي، فقال النبيّ: يجزيك السدس أن تصدّق به.

و قد نزل أيضاً في توبته قوله سبحانه: (وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(التوبة/102)(1).

فلمّا أصبحوا، نزلوا على حكم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول اللّه و قد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قدعلمت(يريدون بني قينقاع ـو كانوا حلفاء الخزرجـ فسأله إيّاهم عبد اللّه بن أبي، فوهبهم له) قال رسول اللّه: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: نعم. قال رسول اللّه: فذلك إلى سعد بن معاذ، فلمّا حكّمه رسول اللّه أتاه قومه إلى رسول اللّه، فلمّا إنتهى سعد إلى رسول اللّه قال ـ يخاطب الأوسيين ـ: قوموا إلى سيّدكم، قالت الأوس ـالذين بقوا عند رسول اللّهـ: يا أبا عمرو! إنّ رسول اللّه قد ولاّك الحكم، فأحسن فيهم و اذكر بلاءهم عندك، فقال سعد بن معاذ: أترضون بحكمي لبني قريظة؟ قالوا: نعم، قد رضينا بحكمك و أنت غائب عنّا، قال سعد: عليكم عهد اللّه و ميثاقه أنّ احكم فيكم ما حكمت. قالوا: نعم، قال سعد: فإنّي أحكم فيهم أن يقتل من جرت عليه الموسى، و تسبى النساء و الذريّة و تقسّم الأموال، وفي نقل آخر: أحكم فيهم أن تقتل الرجال و تقسّم الأموال و تسبى الذراري و النساء، ورضي رسول اللّه بحكم سعد(2).

و قال ابن هشام: إنّ بني قريظة طلبوا من النبيّ أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، قال: إنّ علي بن أبي طالب صاح و هم محاصرو بني قريظة: يا كتيبة الإيمان! و تقدّم هو و الزبير بن العوّام، فقال: و اللّه لأذوقنّ ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم، فقالوا: يا محمّد ننزل على حكم سعد بن معاذ، و اُجري الحكم حسبما رأى سعد.


1 . السيرة النويّة، لابن هشام، ج2 ص237، و المغازي للواقدي ج2 ص505 و مجمعالبيان ج4 ص824.
2 . المغازي للواقدي ج2 ص512.


(307)

إنّ المستشرقين قد استغلّوا هذه الواقعة، فحاولوا أن يتّهموا قضاء سعد بن معاذ بالقسوة و الخروج عن العدل، و لكنّهم نظروا إلى الواقعة بعين واحدة، فنظروا إلى ما حاق ببني قريظة من الذّلّ و الخزي، و قد أحاطت بهم نساؤهم و أطفالهم بالبكاء عليهم، فزعموا أنّ مقتضى العدل و الرحمة هو الإغماض عنهم، و عن جريمتهم، ولأجل دعم أنّ العدل و الحق كانا يقضيان بما قضى به سعد بن معاذ نشير للاُمور التالية.

لاشك أنّ عواطف سعد و أحاسيسه و مشاعره و مناظر الصبيان و نساء بني قريظة، و أوضاع رجالهم و ملاحظة الرأي العام(الأوسيين)، كان يثير الإشفاق لهم والإغماض عن جريمتهم. كلّ هذه الإعتبارات كانت تقتضي أن تجعل القاضي فريسة العاطفة، و يبرّئ بني قريظة الجناة الخونة و أن يخفّف من عقوبتهم أكبر قدر ممكن، لكنّ منطق العقل و حرّية القاضي و استقلاله، و قبل كلّ شيء مراعاة المصالح العامّة، قاده إلى الحكم بقتل رجالهم الخونة و سبي نسائهم و أطفالهم، ولقد استند الحاكم في حكمه إلى الاُمور التالية:

1 ـ إنّ يهود بني قريظة كانوا قد تعهّدوا للنّبي ـ عند نزوله بالمدينة ـ بأنّهم لو تآمروا ضدّ الإسلام و المسلمين و ناصروا أعداء التوحيد و ألّبوهم على المسلمين، كان للنبيّ أن يقوم بقتلهم و سبي نسائهم، و إليك نقل هذه الإتفاقيّة:... ألاّ يعينوا على رسول اللّه، و لا على أحد من أصحابه بلسان و لايد و لا بسلاح و لا بكراع في السرّ والعلانية لابليل و لابنهار. اللّه عليهم بذلك شهيد، فإن فعلوا فرسول اللّه في حلّ من سفك دماءهم، و سبي ذراريهم و نسائهم، و أخذ أموالهم(1).

إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كتب لكل قبيلة منهم كتاباً على حدة وكان الذي تولّى أمر بني النضير: حيي بن أخطب و هو الذي رغّب رئيس بني قريظة على نقض العهد و رفضه، كما أنّ الذي تولّى أمر بني قريظة هو كعب بن أسد،


1 . بحار الأنوار ج19 ص111، و نقله الصدوق في كمال الدين، و أخرجه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره.


(308)

الذي نقض عهد النبي و سبّه بمحضر من أصحابه من سعدين و غيرهما.

فلو حكم سعد بن معاذ على قتل رجالهم و سبي نسائهم فإنّما استند إلى هذه الإتفاقية التي تولّى أمرها رؤساؤهم و أكابرهم، فلو كان سعد حاكماً بغير ما ورد فيها، فقد بخس حقْ المسلمين و ظلمهم، فالعدل في القضاءكان يقتضي عدم الخضوع لحكم العاطفة.

2 ـ إرتكبت بنو قريظة جريمة عظيمة في ظروف حرجة عندما لم يبق بين المسلمين، و إبادتهم و استئصالهم و استيلاء الأحزاب عليهم و نسفهم من رأس إلاّ خطوة أو خطوتان لولا أنّ اللّه بدّد شمل الكفّار، و سخّر عليهم الرياح و البرد، و فرّق كلمتهم، و نشر فيهم سوء الظن بحلفائهم.

هذا ما قد كان، و لكنّ التاريخ يمكن أن يعيد نفسه و يرجع الأحزاب في العام القابل أو بعد برهة من الزمن مستمدّين في إستيلائهم من هذا الطابور الخامس المتواجد بين المسلمين، و لم يكن ذلك الإحتمال أمراً بعيداً في نظر القاضي بل أمراً قريباً جدّاً، فلو كان حكم عليهم بالعفو لخان بمصالح المسلمين العامّة و جعلهم في دائرة الخطر.

إنّ بني قريظة قد جسّدوا العداوة بين اليهود و المسلمين و أثبتوا أنّ بني إسرائيل لاتطيب نفوسهم إلاّ باستئصال المسلمين، فلو عادت الأحزاب إلى المدينة من جديد لعادوا إلى مشاركة العرب و قريش في حربهم ضدّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أفهل يمكن للقاضي العادل أن ينظر إلى هذا الإحتمال بعين التساهل؟!

3 ـ من المحتمل جداً أنّ سعد ابن معاذ رئيس قبيلة الأوس الموالين ليهود بني قريظة كان واقفاً على قانون العقوبات لدى اليهود. فإنّ التوراة تنصّ على ما يلي:

«حين تقرب من مدينة لكي تحاربها إستدعها إلى الصلح. فإن أجابتك إلى الصلح و فتحت لك فكل الشعب الموجود فيها، يكون لك للتسخير و يستعبد لك،


(309)

وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها، وإذا دفعها الربّ إلهك إلى يدك فاضرب جمعى ذكورها بحدّ السيف، وأمّا النساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة كلّ غنيمتها فتغتنمها لنفسك»(1).

4. والّذي نتصوّره أنّ أكبر أسباب هذا الحكم هو أنّ سعد بن معاذ رأى باُمّ عينيه أنّ رسول الله عفا عن بني قينقاع ونزل على طلب الخزرجيين منه العفو منهم، واكتفى من عقابهم بإخراجهم من المدينة، ولكنّ تلك الزومرة ما غادرت أراضي الإسلام حتّى بدأت بالمشاغبة والمؤامرة الدنيئة ضد الإسلام، فذهب كعب بن الأشرف إلى مكّة وأخذ يتباكى دجلاً وخداعاً على قتلى بدر ولم يفتأ عن تأليب قريش ضد الرسول، وكانت نتيجة تلك المؤامرة وقعة اُحد الّتي استشهد فيها أزيد من سبعين صحابيّاً من خيرة أبناء الإسلام .

هكذا عفا الرسول عن بني النضير المتآمرين واكتفى من عقابهم بمجرّد الإجلاء، ولكنّهم قابلوا هذا الموقف الإنساني بتأليب القبائل العربية ضد الإسلام، حتّى أنّهم عقدوا إتّحاداً عسكريّاً فيما بينهم، وكانت من أخطر المعارك على الإسلام لولا منّه سبحانه وحنكة رسوله وتضحيات أصحابه.

وقد أعطت هاتان الواقعتان للقاضي دروساً كافية، فوقف على أنّ الإفراج عن بني قريظة ـ هذه الشرذمة الباغية والطغمة الظالمة ـ سوف يثير على المسلمين ما كانوا يجتنبون عنه، فسوف يقومون باتّحاد عسكري أوسع ويؤلّبون العرب على الإسلام .

والّذي يكشف عن إخلاص ونواياه الحسنة أنّ قومه الأوسيين كانوا مصرّين على العفو عن بني قريظة والحنان لهم، وكان الرئيس أحوج ما يكون إلى تأييد قومه، وكانت مخالفتهم توجّه إليه أكبر ضربة، ولكنّ القاضي الحر أدرك أنّ جميع هذه الشفاعات تخالف مصالح الآلاف من المسلمين، فانطلق من منطق العقل ورفض رضا قومه فأخذ برضا الله .


1 . التوراة، سفر التثنية الفصل العشرون /10ـ14.


(310)

4 ـ غزوة خيبر أو بؤرة الخطر:

كانت منطقة خيبر منطقة واسعة خصبة تقع على بعد 176 كيلومتراً من المدينة و كانت تسكنها قبائل من اليهود مشتغلين فيها بالزراعة و جمع الثروة، و كانوا متسلّحين بأقوى الوسائل الدفاعيّة، حيث كان عدد نفوسهم يقارب عشرين ألف نسمة بينهم عدد كبير من الأبطال الشجعان(1).

إنّ النبي الأكرم قد أجلى بني قينقاع و بني النضير من المدينة، و أباد بني قريظة، و ظلّ السلام يخيّم على المدينة و أطرافها، غير أنّه كان بقرب المسلمين حصن حصين ليهود خيبر، و هم الذين شجّعوا جميع القبائل العربية على محاربة الحكومة الإسلامية و القضاء عليها، فلم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يضرب الصفح عنهم و لايفكّر فيهم، و هم الذين موّنوا جيش العرب بأموالهم، وثرواتهم، و وعدوهم بثمار المدينة.

و بما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عقد الصلح مع قريش في السنة السادسة من الهجرة و اطمئنّ من جانبهم، و بما أنّه راسل الملوك والسلاطين ودعاهم جميعاً إلى الإسلام، فلم يكن من المستبعد أن يستغلّ كسرى و قيصر يهود خيبر فيتعاونوا على القضاء على الإسلام.

و من هنا رأى النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لايضيّع هذه الفرصة حيث إنّ قريش صالحت رسول اللّه على أن لاتتعاون عليه، فقد فرغ باله من جانبهم، فلو دخل هو في محاربة اليهود، لما ساعدتهم قريش، و لكن كان من الممكن أن تقوم قبائل النجد بمساعدتهم، فخطّط رسول اللّه للإستتار، و فاجأهم على وجه لميعلموا به حتّى وجدوا جيش المسلمين أمام حصونهم.


1 . تاريخ الطبري، ج2 ص46، السيرة الحلبية ج3 ص36.


(311)

غادر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة و أمر أن ينادى فيها بأنّه لايخرج معي إلاّ راغب في الجهاد، أمّا الغنيمة فلا، و استخلف فيها نميلة بن عبد اللّه الليثي، فأخذ يسير إلى شمال المدينة، و كان المسلمون يظنّون أنّه يريد غزو قبائل غطفان و قزارة الذين تعاونوا مع قريش في معركة الأحزاب، و لكنّه عندما وصل أرض الرجيع، عرّج بجيشه صوب خيبر، و بهذا قطع الطريق على أيّة إمدادات عسكرية من ناحية الشمال إلى خيبر، و حال بين قبائل غطفان و قزارة و يهود خيبر، فعلى الرّغم من أنّ الحصار إمتدّ على اليهود قرابة شهر لم تستطع القبائل المذكورة أن تمدّ حلفاءهم اليهود بأيّ شيء(1).

فلمّا نزل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قرب خيبر مع 1600 مقاتل والخيبريّون بين عشرين ألف نسمة، دعا بهذا الدعاء:

«اللّهم ربّ السموات و ما أظللن، و ربّ الأرضين و ما أقللن... نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها»(2).

و هذا الدعاء يكشف عن نوايا النبي و هو يدعو به أمام 1600 من جنوده الشجعان الذين كان كل واحد منهم شعلة وهّاجة من الشوق إلى القتال في سبيل اللّه، و لكنّ هذا الدعاء أنار الهدف من هذا الغزو و أنّه يطلب خير هذه القرية و خير أهلها و خير ما فيها، ثمّ أمر بإحتلال المواقع و المواضع الحسّاسة ليلاً بحيث لميقف واحد من الخيبريين، و لا القاطنين في أبراج حصونهم السبعة على قدوم المسلمين، و احتلالهم القلاع السبع، و صدّ الطريق على سائر القبائل، و لمّا طلع الشمس خرج الفلاّحون من الحصن مغادرين بيوتهم إلى مزارعهم و بساتينهم، ففوجئوا بجيش التوحيد، فرجعوا إلى حصونهم و هم يقولون: محمد و الجيش معه. فبادروا إلى إغلاق أبواب الحصون. ثمّ عقدوا إجتماعاً عسكرياً داخل حصنهم المركزي، فلمّا رأى رسول اللّه مساحي اليهود، إستغلّ تلك المنظرة فقال:


1 . السيرة النبويّة ج2 ص303.
2 . الكامل لابن الأثير ج2 ص147.


(312)

«اللّه أكبر خربت خيبر. إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»

و قد إتّخذت اللجنة العسكرية قراراً خاصاً، و هو أن يجعل الأطفال و النساء في واحد من الحصون، و يجعل الطعام و الذخيرة في حصن آخر، و يستقرّ المقاتلون على الأبراج و يدافعوا عن كل حصن بالأحجار، ثمّ يخرج الأبطال الصناديد من كلّ حصن و يقاتلون المسلمين خارجه.

كانت هذه خطّة اليهود الدفاعيّة لمواجهة جنود الإسلام، و قد أصرّوا على تنفيذها حتّى آخر لحظة، و بهذا التخطيط استطاعوا أن يقاوموا الجيش الإسلامي قرابة شهر كامل، إلى أن وفّق اللّه تبارك و تعالى المسلمين بفتح هذه القلاع واحدة بعد اُخرى.

فكان أوّل حصن إفتتح حصن ناعم، ثمّ القموص(حصن بني أبي الحقيق) وهكذا سائر الحصون افتتحت واحد بعد الآخر.

ثمّ إنّ الآيات الواردة في هذه الواقعة على قسمين:

قسم نزل في صلح الحديبيّة، حيث إنّ النبي الأكرم صالح قريشاً، و كانت تلك المصالحة مرّة في مذاق بعض الأصحاب، فنزل الوحي بأنّهم سوف يصيبهم مغانم كثيرة يريد بها غنائم خيبر. قال سبحانه:

(وَ مغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَ كَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَعَدَكُمُ اللّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَ كَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَ لِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَ يَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً * وَ اُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللّهُ بِهَا وَ كَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيراً)(الفتح/19ـ21).

و هذه الآيات نزلت في قصّة الحديبيّة، و بذلك كسب النبي رضا بعض الصحابة الذين كان تهمّهم الغنيمة و الفوز بالمال.

فإذا كان المراد من الآية: (وَعَدَكُمُ اللّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا) هو غنائم خيبر يكون المراد من قوله: (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) هو قصّة الحديبيّة، فقد كان للمسلمين في


(313)

صلحها فوز عظيم، وإن لم يقف عليها السطحيون منهم،كما أنّ المراد من الناس في قوله: (وَ كَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنْكُمْ) هو قريش، و بذلك يعلم أنّ تفسير هاتين الجملتين بغزوة خيبر تفسير على وجه بعيد و إن اختاره أمين الإسلام في مجمعه.

و من أمعن النظر في سورة الفتح يرى أنّ الجميع على سبيكة واحدة فركّز على قصّة الحديبيّة و يعد الفوز بمغانم كثيرة و ليس هو إلاّ غزوة غنائم خيبر.

و قسم آخر نزل عند مغادرة النبي المدينة قاصداً إلى خيبر و هو قوله سبحانه:

(سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُريدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللّهِ قُلْ لَّنْ تَتَّبِعُونَا كَذِلِكُمْ قَالَ اللّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لاَيَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)(الفتح/15).

قال الطبرسي:

« لمّا انصرف المسلمون عام الحديبيّة بالصلح وعدهم اللّه تعالى فتح خيبر وخصّ بغنائمها من شهد الحديبية دون من تخلّف عنها فلمّا انطلقوا إليها، قال هؤلاء المخلّفون «ذرونا نتبعكم» يريدون بذلك تبديل كلام اللّه و مواعيده لأهل الحديبيّة بغنيمة خيبر خاصّة، فأرادوا بالمشاركة ابطال هذا النبأ، ثمّ قال سبحانه:

(قُلْ لَّنْ تَتَّبِعُونَا كَذِلِكُمْ قَالَ اللّهُ مِنْ قَبْلُ...)(1).

قصّة فدك و التصالح مع أهالي وادي القرى

لمّا فرغ رسول اللّه من خيبر قذف اللّه الرعب في قلوب أهل «فدك» حين بلغهم ما أوقع اللّه تعالى بأهل خيبر، فبعثوا إلى رسول اللّه يصالحونه على النصف من فدك فقدمت عليه رسلهم بخيبر، فقبل ذلك منهم رسول اللّه، فكانت فدك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خالصة لأنّه لم يوجف عليها من خيل و لا ركاب(2).


1 . مجمع البيان ج5 ص114.
2 . السيرة النبويّة لابن هشام، ج2 ص353.


(314)

قال سبحانه: (وَ مَا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَرِكَاب وَلَكِنَّ اللّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(الحشر/6).

كانت فدك منطقة خصبة كثيرة الخير قرب خيبر و هي تبعد عن المدينة مايقارب من خمس كيلومترات، فقد شاء اللّه تبارك و تعالى أن تكون ملكاً مطلقاً للرسول الأكرم يصرفه في مصالح الإسلام و المسلمين حسبما يشاء، و من ثمّ وهب رسول اللّه فدكاً لابنته الطاهرة و ذلك بعد ما نزل قوله سبحانه:

(وَ آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَتُبَذِّرْ تَبْذِيراً)(الإسراء/26).

و أكّد المفسّرون من الشيعة و السنّة على أنّها نزلت في أقرباء رسول اللّه وبالأخص إبنته الزهراء (عليها السلام) فإنّها كانت أقوى مصاديق «ذى القربى» و كان المسلمون يعرفونها بأنّها هي المراد من الآية.

يقول السيوطي:

«كان علي بن الحسين السجّاد (عليه السلام) في الشام بعد واقعة كربلاء فسأله بعض الشاميين عن نسبه، فتلى علي بن الحسين (عليه السلام) تلك الآية للتعريف عن نفسه، فقال الشامي متعجّباً: و إنّكم القرابة التي أمر اللّه أن يعطى حقّها»؟!(1).

نعم إختلفوا في أنّ النبي وهب ساعة نزول الآية فدكاً لابنته فاطمة أو لا؟ فالشيعة على الأوّل و وافقهم جمع من السنّة، و إن خالف بعضهم الآخر.

و لمّا أراد المأمون العباسي إعادة فدك إلى بني الزهراء كتب إلى المحدّث المعروف عبد اللّه بن موسى و طلب منه أن يرشده في هذا الأمر، فوافاه الجواب بلإيجاب، فأعاد المأمون فدكاً إلى أبناء الزهراء و ذرّيتها(2).


1 . الدر المنثور ج4 ص176، مجمع البيان: ج3 ص411.
2 . مجمع البيان ج3 ص411، و فتوح البلدان ص46.


(315)

و قد جلس المأمون ذات يوم على كرسي خاصّ للإستماع إلى مظالم الناس وشكاياتهم، فكانت أوّل ما اُعطي له رسالة وصف صاحبها نفسه فيها بأنّه يدافع عن الزهراء، فقرأ المأمون الرسالة و بكى مدّة، ثم قال: من هذا المحامي عن الزهراء، فقام شيخ كبير و قال: أنا هوذا، فانقلب مجلس المأمون من مجلس القضاء إلى مجلس الحوار بينه وبين ذلك الشيخ و وجد نفسه محجوجاً لأدلّة الشيخ، فأمر رئيس ديوانه بالكتابة إلى عامله أن يردّ فدك إلى أبناء الزهراء، ثمّ وشّحه المأمون بتوقيعه، وفي ذلك يقول دعبل الخزاعي:

أصبح وجه الزمان قد ضحكا *** بــردّ مأمـون هـاشـم فدكـاً(1)

و ليست الشيعة بحاجة في ذلك المقام إلى إقامة الدلائل بأنّ فدكاً كانت ملكاً موهوباً لبنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و يكفي في ذلك ما قاله الإمام علي (عليه السلام) في رسالته إلى عثمان بن حنيف عامله بالبصرة:

«بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنهانفوس قوم آخرين، و نعم الحكم اللّه!»(2).

لقد بدأ منع بني الزهراء من فدك في عهد الخليفة الأوّل، و كان الحال على ذلك حتّى تسنّم معاوية سدّة الحكم، فوّزع فدكاً بين ثلاثة هم مروان ابن الحكم وعمرو بن العثمان و ابنه يزيد، و لمّا ولّى الأمر مروان ابن الحكم، سيطر على فدك بصورة كاملة و وهبها لابنه عبد العزيز و هو وهبها لولده عمر بن عبد العزيز(3).

و هو أوّل من ردّ فدك إلى بني فاطمة، ثمّ إنتزعها الخلفاء الذين توالوا بعده من أبناء الزهراء، و كانت بأيديهم حتّى إنقرض حكم الأمويين.


1 . شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج16 ص217.
2 . نهج البلاغة، الكتاب رقم 45.
3 . شرح نهج البلاغة: ج16 ص216.


(316)

و قد أضطرب أمر فدك إضطراباً عجيباً أيام الخلافة العباسية، فلمّا ولّي أبوالعباس السفّاح ردّها على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، ثمّ قبضها أبو جعفر من بني الحسن، ثمّ ردّها محمد المهدي ابنه على ولد فاطمة (عليها السلام) ، ثمّ قبضها موسى الهادي بن المهدي و هارون أخوه، لأسباب سياسيّة خاصّة، حتّى وصل الدور إلى المأمون فردّها على الفاطميين أصحابها الشرعيّين ضمن تشريفات خاصة وبصورة رسمية، ثمّ اضطرب أمر فدك من بعده أيضاً، فربّما سلبت من أصحابها وربّما ردّت إليهم، و هكذا تراوحت بين السلب و الردّ.

و لقد اُستغلّت فدك في عهد الأُمويين و العباسيين في أغراض سياسّية بحتة قبل أن تستغل في أغراض إقتصاديّة.

فلقد كان الخلفاء في صدر الإسلام يحتاجون إلى عائدات فدك المالية مضافاً إلى أنّهم إنتزعوها من يد الإمام علي (عليه السلام) لغرض سياسي، و لكن في العصور المتأخّرة عن ذلك كثرت ثروة الخلفاء وزادت زيادة هائلة بحيث لم يكونوا بحاجة إلى عائدات فدك، و لهذا فإنّ عمر بن عبد العزيز لمّا أعاد فدكاً إلى بني فاطمة إحتجّ عليه بنو اُميّة و اعترضوا قائلين: «هجنت فعل الشيخين، و إن أبيت إلاّ هذا فامسك الأصل و اقسم الغلّة»(1).

إنّ دراسة قصّة فدك و ما ورد حولها من الأقوال و الآراء يحتاج إلى بسط في الكلام و هو خارج عن مقاصد هذه الموسوعة، و قد أشبعنا الكلام فيها في بعض كتبنا الخاصّة ببيان سيرة الأئمّة الطاهرين و في مقدّمتهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فمن شاء فليرجع إليه.


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص278.


(317)

(10)
غزوات النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 ـ غزوة بدر

ليس الهدف في المقام تبيين غزوات النّبي و سراياه طيلة حياته، فإنّ ذلك يقع على عاتق كتب السير الوافرة، و إنمّا الهدف الإشارة إلى الغزوات التّي قادها بعد هجرته، و لها جذو ر في القرآن الكريم، و لأجل ذلك نقتصر في عرض جهاده في سبيل اللّه على القليل منه الذي جاء ذكره في القرآن الكريم.

و من أسمى مغازيه و أعظمها أثراً و أكبرها دويّاً غزوة بدر الكبرى التّي وقعت في «وادي بدر» المنسوب إلى «بدربن يخلدبن نضربن كنانة» و وادي بدر معروف، وبينه و بين المدينة قرابة(150) كيلومترا.

بلغ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أباسفيان بن حرب، مقبل من الشام في عير عظيمة لقريش، فيها أموال لهم و تجارة من تجاراتهم، فيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل و عمروبن العاص، فندب المسلمين إليهم و قال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعلّ اللّه ينفلكموها(1) هذا مايذكره أصحاب السير، و هو بظاهره يكشف عن جانب من جوانب القضيّة، و لكنْ كان هناك حافز آخر دفع النبي للتعرّض إلى عير قريش و هو أنّ المسلمين في اُمّ القرى، كانوا يعانون من ضغط المشركين و ظلمهم، فقد كانوا يستبيحون دماءهم ويصادرون أموالهم و يخرجونهم من مساكنهم و ديارهم ظلماً و بغياً، فأراد النبي أن


1 . السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص606ـ607، و مغازي الواقدي ج1 ص20.


(318)

يوقف قريشاً على خطورة ما يفعلون، و أنهّم إذا تمادوا في أعمالهم الإجراميّة في مكّة، فسوف يقوم المسلمون بقيادة نبيّهم، بسد منافذ تجارتهم و مصادرة قوافلهم.

فخرج رسول اللّه في ثمان ليال خلون من شهر رمضان و استعمل عمرو بن اُم مكتوم على الصلاة بالناس، و ردّ أبا لبابة من الروحاء و استعمله على المدينة، فسلك طريقه من المدينةـ و بعد ما قطع منازل ـ نزل على واد يقال له«ذفران ». و كان أبوسفيان حين دنامن الحجاز يتحسّس الأخبار ويسأل من لقى من الركبان حتّى أصاب خبراً من بعضهم أنّ النّبي قد استنفر أصحابه قاصداً إيّاه و عيره، فحذر عند ذلك، فاستأجر«ضمضم بن عمرو الغفاري » فبعثه إلى مكّة و أمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم، و يخبرهم أنّ محمّداً قد عرض لها في أصحابه، فخرج«ضمضم بن عمرو » سريعاً إلى مكّة، و دخل و هو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، و قد جدع بعيره، و حوّل رحله، و شقّ قميصه، و هو يقول:

« يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها الغوث، الغوث».

فتجهّز الناس سراعاً و قالوا: أيظن محمد و أصحابه أن تكون (عيرنا) كعير ابن الحضري، كلاّ واللّه، ليعلمنّ غير ذلك، فكانوا بين رجلين أمّا خارج و أمّا باعث مكانه رجلاً. و أوعبت قريش، فخرجوا كلّهم إلى الغزو، فلم يتخلّف من أشرافها إلاّ أبالهب فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة.

أقبل أبوسفيان بن حرب، و تقدّم العير حذراً، حتّى وردالماء، فقال لـ«مجدي بن عمرو»: هل أحسست أحداً. فقال: ما رأيت أحداً أنكره، إلاّ إنّي قدرأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن(1) لهما، ثم انطلقا، فأتى أبوسفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففتَّه فإذا فيه النوى، فقال: هذه واللّه علائف يثرب، فرجع إلى أصحابه سريعاً، فضرب وجه عيره عن الطريق و أخذ بها جهة


1 . أي قربة، و هي آلة حمل الماء.


(319)

الساحل و ترك بدراً يساراً، و انطلق حتّى أسر ع.

و لمّا رأى أبوسفيان أنّه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم و رجالكم و أموالكم، فقد نجّاها اللّه، فارجعوا.

فقال أبوجهل بن هشام: واللّه لا نرجع حتى نرد بدر اًـ و كان بدر موسماً من مواسم العرب، يجتمع به سوق كل عام ـ فنقيم عليه ثلاثاً، فننحر الجزر، و نطعم الطعام، و نسقي الخمر، و تعزف علينا القيان، و تسمع بنا العرب و بمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها.

فمضت قريش حتّى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي يتوسّط بينها و بين وادي البدر كثيب.

ثمّ إنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس و أخبرهم عن قريش، فأظهر كل رأيه. فقال عمر بن الخطاب ـ مهوِّلاً خطورة الموقف ـ : إنّها واللّه قريش و عزّها، واللّه ما ذلّت منذ عزّت، والله ما آمنت منذ كفرت، والله لا تسلم عزّها أبداً، و لتقاتلنّك، فاتّهب لذلك اُهبته، وأعد لذلك عدتّه(1).

ثمّ قام المقداد بن عمرر، فقال: « يا رسول اللّه، أمض لما أراك اللّه، فنحن معك، والله لانقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (إذْهَبْ أنْتَ وَ رَبُّكَ فَقَاتِلاَ انَّا هَاهُنَا قَاعِدُون). و لكن إذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فوالّذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد(2) ، لجادلنا معك من دونه حتّى تبلغه». فقال له رسول اللّه خيراً و دعا له بخير.

ثمّ قال رسول الله: « أشِيروا عليّ أيّها الناس» و إنّما يريد(رسول الله) الأنصار، و كان يظن أنّ الأنصار لا تنصره إلاّ في الدار، و ذلك انّهم شرطوا له أن يمنعوه ممّا


1 . المغازي، للواقدي ج1 ص48.
2 . موضع بناحية اليمن، و قيل هو أقصى حجر، و قيل إنّها مدينة في الحبشة.


(320)

يمنعون منه أنفسهم و أولادهم، و عند ذلك قام سعد بن معاذ، فقال: « أنا اُجيب عن الأنصار، و كأنّك تريدنا يا رسول اللّه؟ » قال: « أجل» ; قال:

«فقد آمنّا بك و صدّقناك، و شهدنا أنّ ماجئت به هوالحقٌ، و آتيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطّاعة، فامض يا رسول اللّه لما أردت، فنحن معك، فو الّذي بعثك بالحق لواستعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، و ما نكَره أن تلقى بناعدونا غداً، و إنّا لصبُرٌ في الحرب، صُدق في اللقاء، لعلّ اللّه يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة اللّه» .

فسرّ رسول اللّه بقول سعد، و نشّطه ذلك، ثم قال: « سيروا وابشروا، فإنّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، واللّه كإنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم» .

ثم إنّه سبحانه يشير إلى خروج قريش من مكّة و إصرارهم على إدامة السير إلى وادى بدر ليقيموا هناك أيّاماً يسقون الخمر و تعزف عليهم القيان بقوله سبحــانـه:(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذيِنَ خَرَجُوا دِيَارِهِم بَطَراً وَ رِئَاءَ اْلنَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اْللّهِ وَ اْللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ( الأنفال/ 47).

روى ابن عباس في تفسيرالآية: «لمّا رأى أبوسفيان أنّه أحرز عيره، أرسل إلى قريش أن ارجعوا، فقال أبوجهل: واللّه لا نرجع حتّى نرد بدراً...» (1) و قد تقدّم ذكره.

إنّّ غزوة بدر، كانت أوّل غزوة قام بها المسلمون، و لم يكن لهم تدريب في الحرب، و لأجل ذلك كره فريق من المؤمنين الحرب، قال سبحانه: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِاْلحَقِّ وَ إِنَّ فَريِقاً مِّنَ المُؤمِنيِنَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِ لُونَكَ فِى اَلحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى اْلمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ)(الأنفا ل/5ـ6).

و الآية ظاهرة في كراهة لفيف من المؤمنين للخروج من المدينة عند مغادرتها، و يحتمل أن تكون إشارة إلى كراهة بعضهم للخروج في مجلس المشورة في منطقة «ذفران»، و قد تعرّفت على بعض نصوص الكارهين.


1 . مجمع البيان ج2 ص548.


(321)

و كان أكثر المؤمنين يريدون مواجهة العير دون النفير، مواجهة غير ذات الشوكة، حتّى يكسبوا الأموال و يجمعوا الغنائم. و إليه يشير قوله سبحانه:(وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اْللّهُ إحْدَى اْلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَ تُوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُريِدُ اْللّهُ أَنْ يُحِقَّ اْلحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَ يَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الحقَّ وَ يُبْطِلَ البَاطِلَ وَ لَوْكَرِهَ المُجْرِمُونَ)(الأنفال/7ـ8).

و قد عرفت أنّ النّبي قال لهم: «إنّ اللّه تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين» ولكنّ إرادة اللّه سبحانه غلبت على إرادتهم فالتقوا بالنفير دون العير، لما في ذلك من إظهار للحق، و عزاز للإسلام، و إستئصال للكافرين، و إبطال للباطل.

إنتقال الرّسول إلى مكان قريب من بدر

و لمّا وقف الرّسول على أنّ الأنصار مستعدّون للحرب و القتال، و أنّ حربهم و قتالهم عن رغبة و رضى، ارتحل الرّسول من «ذفران» و قطع منازل حتّى نزل قريباً من «وادي بدر» ، فركب هو (صلى الله عليه وآله وسلم) و رجل من أصحابه يتعرّفان أخبار قريش، فوقف (صلى الله عليه وآله وسلم) على شيخ في المنطقة، فسأله عن قريش و عن محمّد و أصحابه.

قال الشيخ: إنّه بلغني أنّ محمّداً و أصحابه خرجوا يوم كذا و كذا، فإن كان الذّي أخبرني صدق، فهم اليوم بمكان كذا و كذا(فسمّى المكان الّذي به رسول اللّه)، و بلغني أنّ قريشاً خرجوا يوم كذا و كذا، فإن كان الّذي أخبرني صدق، فهم اليوم في مكان كذا و كذا (فسمّى المكان الّذي فيه قريش); ثم انصرف. فلمّا أمسى بعث علي بن أبي طالب مع غيره يلتمسون الخبر له، فأصابوا راوية(1) لقريش، و عليها غلامان لهم، فأتوا بهما فسألوهما، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء و هؤلاء وراء هذا الكثيب; فقال لهما رسول اللّه: كم القوم؟ قالا: كثير، قال: ما


1 . الإبل التي يستقي عليها الماء.


(322)

عدّتهم؟ قالا: لاندري، قال: كم ينحرون كل اليوم؟ قالا: يوماًتسعاً و يوماً عشراً، فقال رسول اللّه القوم بين التسعمائة و الألف. ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ فسمّوا أسماء عدّة منهم، فأقبل رسول اللّه على النّاس، فقال: هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها.

و لم يكتف النّبي بما وصل اليه من الأخبار، فأرسل بعض أصحابه حتّى نزل بدراً، فأناخ إلى تل قريب من الماء، ثمّ أخذ زقّاً يستقي فيه، فسمع جاريتين تتنازعان في دين عند«مجدي بن عمرو الجهني» شيخ القبيلة، فقالت إحداهما للاُخرى، عند ما تأتي العير غداً أو بعد غد، فأعمل لهم، ثمّ اقضي الّذي لك، فقال مجدي: صدقت: ثّم خلص بينهما. فرجع إلى النّبي، فأخبره بما سمع، فأذعن النّبي بأنّ موضع العدو قريب وهم وراء الكثيب.

نزول النّبي في وادي بدر

لمّا كانت قلب المياه في بدر، أسرع النّبي بالسّير حتّى ينزل ببدر في العدوة الدّنيا، فمضى و كان الوادي ليّناً و لكن قليل الرمل، و جاءت الأمطار فلبّدت الأرض للنّبي و أصحابه و لم يمنعهم عن السير، و لكن أصاب قريشاً من المطر مالم يقدروا على أن يرتحلوا معه، فخرج رسول اللّه يبادرهم إلى الماء، حتّى إذا جاء أدنى ماء من بدر، نزل به.

ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) به: أشيروا عليّ في المنزل. فقال الحبّاب بن المنذر: يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه اللّه، فليس لنا أن نتقدّمه و لا نتأخّر عنه، أم هو الرأي و الحرب و المكيدة. قال: بل هو الرأي والحرب و المكيدة. قال: فإن هذا ليس بمنزل انطلق بنا إلى أدنى ماء القوم، فإنّي عالم بها و بقلبها، بها قليب قد عرفت عذوبة مائه، و ماء كثير لا ينزح، ثم نبني عليها حوضاً و نقذف فيه الآنية فنشرب و نقاتل، و نغور ماسواها من القلب.


(323)

فقال رسول اللّه: يا حبّاب أشرت بالرأي، و بادر القوم إلى الماء حتّى إذا وصلوا إلى ما يريدون نزلوا فيه. ثم أمر بالقلب فغورت، و بنى حوضاً على القليب الّذي نزل عليه. فملي ماء ثمّ قذ فوا فيه الآنية(1).

بناء العريش

فلمّا استقرّ لهم المكان إقترح سعدبن معاذ على النّبي، فقال: يا نبي اللّه ألا نبني لك عريشاً تكون فيه و نعدّ عندك ركائبك ثم نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا اللّه و أظهرنا على عدوّنا، كان ذلك ما أحبنا، و إن كانت الاُخرى، جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلّف عنك أقوام، يا نبي اللّه، ما نحن بأشدّ لك حبّاً منهم، ولوظنّوا انّك تلقى حرباً ما تخلّفوا عنك، يمنعك اللّه بهم، يناصحونك و يجاهدون معك. فاثنى عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خيراً، و دعا له بخير، ثم بنى لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عريش، فكان فيه(2).

تعليق على تغوير القلب و بناء العريش

هذا ما تذكره كتب السيرة، و لكن للنظر في كلا الأمرين المذكورين مجالاً، أمّا تغوير القلب و طمّها، فهو لا يناسب شأن النبي الأكرم، فقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يوصي قادة سراياه عند ما كان يبعثها باُمور، و يقول: سيروا باسم اللّهو باللّه، وفي سبيل اللّه، و على ملّة رسول اللّه، لا تغلو، و لا تمثّلوا، و لا تغدروا، و لا تقتلوا شيخاً فانياً، و لا صبيّاً، و لا امرأة، و لا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها.

و في رواية اُخرى: و لا تحرقوا النخل، و لا تغرقوه بالماء، و لا تقطعوا شجرة مثمرة، و لا تحرقوا زرعاً، لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه(3).


1 . السيرة النبويّة ج1 ص620، مغازي الواقدي ج1 ص53.
2 . السيرة النبويّة لابن هشام ج1 ص6