welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 6*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مفاهيم القرآن / ج 6

مفاهيم القرآن

يبحث عن أسمائه وصفاته سبحانه
في القرآن الكريم

تأليف

جعفر السبحاني

نشر ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


(2)


هوية الكتاب

اسم الكتاب:   مفاهيم القرآن

الموضوع:    أسماؤه وصفاته سبحانه في القرآن الكريم

الجزء:   السادس

المؤلف:   جعفر السبحاني

الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الطبعة الأُولى:   عام 1412 هـ

عدد النسخ:   3000 نسخة

المطبعة:   مهر

الصفّ والإخراج الفنّي الكمپيوتري:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الإخراج الفني في صفحة wab : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) _ السيد محسن البطاط


(3)

الحمد للّه الذي بطن خفيّات الاُمور، و دلّت عليه أعلام الظهور، و امتنع على عين البصير، فلاعين من لم يره تُنكره، و لاقلبُ من أَثْبَتَهُ يُبصره، سبق في العلوّ فلاشيء أعلى منه، و قرب في الدنوّ فلاشيء أقرب منه، فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه، و لاقربه ساواهم في المكان به، لم يطلع العقول على تحديد صفته، و لم يحجبها عن واجب معرفته، و هو الذي تشهد له أعلام الوجود، على إقرار قلب ذي الجحود، تعالى اللّه عمّا يقول المشبّهون به و الجاحدون له علوّاً كبيراً(1).

نفتتح هذا الجزء(السادس) من أجزاء موسوعتنا «مفاهيم القرآن الكريم» بهذه الخطبة المباركة، المنقولة عن أمير البيان و البلاغة، و سيد الموحّدين و قدوة العارفين، و فيها براعة استهلال لما نرومه في هذا الجزء، و هو البحث عن أسمائه وصفاته و إثباتها له سبحانه في عين التنزيه، و تنزيهه سبحانه عن شوائب الإمكان مع التوصيف.


1 . اقتباس من خطبة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) (نهج البلاغة، الخطبة49).


(4)

إنّ البحث عن أسمائه و صفاته سبحانه من أجلّ المعارف القرآنية التي لم تبلغها عقول ذوي الأفكار و لم تحم حولها أعين ذوي الإعتبار نقدّمه إلى القرّاء الكرام، تفسيراً لأسمائه و صفاته في ضوء القرآن الكريم و في إطار التفسير الموضوعي، و نشكره سبحانه على توفيقه للغور في هذه المباحث الدقيقة، و الإغتراف من هذه البحار العذبة إنّه حميد مجيد.

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
جعفر السبحاني           
18 صفر المظفّر 1412       


(5)

التفكر العقلي و الاستدلال المنطقي
في الذكر الحكيم

إنّ النظرة الفاحصة إلى المجتمع البشري تكشف من أنّ الإلهيين يشكّلون الأكثرية الساحقة من الاُمم و الشعوب، و هم الذين يعتقدون بوجود مبدأ أعلى للعالم وراء المادة و تخالفهم شرذمة قليلة تنكر ذلك بل تنكر كلّ ماوراء الطبيعة، و إنّما وصفناهم ـ بالقلّة ـ مع انّهم يشكلّون جماعة كبيرة في العالم، و يسمّونها معسكر الشرق بفئاته المختلفة، لأنّ ذلك المعسكر قد فرض على تلك الشعوب الالحاد و الماديّة، بحيث لو ارتفع الضغط لترى كيف خالط الإيمان ضميرهم، و أنّهم ما برحوا على صلة وثيقة بالدين بفطرتهم، و لو تظاهروا بالماديّة، فإنما يتظاهرون تحت ضغط القوى المسيطرة عليهم التي ألجأتهم إلى ذلك.(1)

و قد كان المتوقع من الإلهيين أن يشكلّوا صفاً واحداً و أن لايختلفوا في ما يتعلّق بالمبدأ إلاّ أنّهم ـ مع الأسف ـ إختلفوا في أبسط المسائل فضلاً عن العميقة منها، و تفرقوا إلى مذاهب و شيع، و السبب الأساسي ـ لهذا الإختلاف هو تنازعهم في أسمائه سبحانه و صفاته و أفعاله، و هذا هو المنشأ الحقيقي لإفتراق الالهيين و ظهور الديانات و المذاهب في المجتمع الإلهي.


1 .ترى أنّ غوربا تشوف لمّا منح الحرّية النسبية لشعب الاتّحاد السوفيتي ارتفعت من جديد أصوات المآذن في أجواء ذلك البلد، وأقبل الناس حتّى الشباب منهم على القضايا الدينية، حتّى انّ وكالات الأنباء نقلت أخباراً عن بناء مساجد جديدة، وقيام اجتماعات دينية واسعة، والمطالبة بمنح المزيد من الحرّيات الدينية والاعتقادية.


(6)

الاختلاف في الأسماء و الصفات سبب تعدد الديانات

الثنوية بعد تسليمها بوجوده سبحانه تميّزت عن سائرالإلهيين بإنكار صفة من صفاته سبحانه أعني التوحيد فهم بين ثنوي في الذات و ثنوي في الفعل، فتارة يصور للعالم مبدءً غير واحد و هذا هو الثنوي في الذات، و اُخرى يوحّد المبدأ و يقول بإله واحد و لكنه يفترض استقلالاً للمخلوقات فى البقاء دون الحدوث، و ثالثة تفترض الاستقلال في الفعل و الايجاد كمن زعم أنّ وجود الممكنات قائم باللّه لكنّها مستقلاّت في أفعالها، غير محتاجات إلى الإله في الإيجاد و الإبداع، و على كلّ تقدير فهم يمتازون عن سائر الفرق في وصفه سبحانه و هو كونه واحداً في الذات لاشريك له فيها كما هو واحد في الفعل لاموجد غيره، و لو كان هناك إيجاد منسوب إلى غيره فإنّما هو بارادته و مشيئته و حوله و قوّته.

و الثنوية بالمعنى الأوّل هي السائدة في الديار الهنديّة و الصينيّة و شائعة بين البراهمة و البوذيين و الهندوس، كما أنّ الثنوية بالمعنى الثاني ذائعة بين القائلين بالتفويض، و انّه سبحانه فوّض امر الخليقة إلى جماعة مخصوصة أو فوّض أمر الإنسان إلى نفسه فهو يقوم بالفعل بلااستعانة، فالإنسان محتاج في ذاته دون فعله، و لو أنّ الطائفتين درسوا التوحيد على ما هو عليه و ميّزوا بين الممكن و الواجب لاتّحدت الصفوف و تراصّت.

و المسيحية و إن افترقت إلى يعقوبيّة و إلى نسطورية و إلى ملكانيّة لكن الكلّ متمسّكون بالتثليث أي تصوير اله العالم الواحد بصور ثلاث «الالهالأب» و «الالهالإبن» و «روحالقدس» و بذلك نزّلوا الإله القدّوس إلى عالم المادة حتى جسّدوه في المسيح الذي صلب ليخلّص الناس من «عقدة الإثم» الذي ورثوه من أبيهم آدم و لو أنّ القوم فقهوا توحيده سبحانه، لتقاربت الخطى و قلّ التباعد، يقول سبحانه ـ و يأمر نبيّه أن يتلو عليهم قوله ـ : (قُلْ هُوَ اللّهُ اَحَد * اَللّهُ الصَّمَدُ * لَمْيَلِدْ وَ لَمْيُولَدْ * وَ لَمْيَكُنْ لَهُ كُفُواً اَحَدٌ).


(7)

و المسلمون تفرّقوا إلى طوائف و شعوب و جلّ اختلافهم يرجع إلى أسمائه سبحانه و صفاته و أفعاله.

فالعدليه منهم يصرّون على تنزيهه و توحيده و هم «المعتزلة» و «الإمامية» و «الزيدية» بفرقهم المختلفة،فاللّه سبحانه عندهم ليس بجسم و لاجسماني لاتحيطه جهة و لامكان ليس بجوهر و لاعرض إلى غير ذلك من الصفات الجلاليّة كما أنّه سبحانه عندهم حكيم لايصدر عنه قبيح، لايظلم و لايجوز عليه الظلم و إن كان قادراًعليه.

و لكن «أهل الحديث» و «و الحنابلة» لابتعادهم عن البحوث العقلية، وقعوا في مهالك التجسيم و التشبيه، و تجويز نسبة القبيح إليه سبحانه بحجّة أنّه ليس للعبد فرض شىء على اللّه سبحانه، فله الحكم و له المشية، و قد أصبحت الدعوة السلفيّة شعاراً لمن يريد التخلّص من مخالب الإختلاف، و الإبتعاد عن التفكّر و التدبّر في المعارف.

و صفوة القول: إنّك إذا لاحظت الكتب الكلامية تقف على أنّ اُصول الاختلاف في الديانات و المذاهب ترجع إلى اختلافهم في أسمائه و صفاته و أفعاله و شئونه فهذا هو الذي أوجد مدارس كلاميّة شتّى و اتجاهات متغايرة بين الالهيين فلازم علينا ان ندرس هذا الجانب دراسة موضوعيّة دون تحيّز إلى فئة دون فئة.

الإنسان يأنس المحاكاة و التشبيه

الإنسان محبوس في إطار المادّة و الماديات، ولابث بين جدران الزمان و المكان، يأنس بالتعرف على الأشياء عن طريق التشبيه و المحاكاة، فيصعب عليه تصوّر موجود ليس له جسم، و ليس له جهة و لامكان، و لايحوطه زمان و لايوصف بالكيف و الكم،ّ فلأجل ذلك نرى كثيراً من الالهيين لاينفكّون عن تشبيه ماوراء الطبيعة بما فيها، و كأنّ تفكيرهم أصبح أسير المادة و الجسمانية و قلّ من نجى من مخاطر التشبيه، و مخالب التجسيم.


(8)

يقول العلاّمة الطباطبائي:

«إنّ مزاولة الإنسان للحسّ و المحسوس مدى حياته و انكبابه على المادة، عوّده أن يمثّل كلّ ما يتعقّله و يتصوّره تمثيلاً حسّياً، و إن كان المتصوّرةُ المعقول لاطريق للحسّ و الخيال إليه البتة، كالكلّيات و الحقائق المنزّهة عن المادّة. على أنّ الإنسان إنّما ينتقل إلى المعقولات من طريق الإحساس و التخيل فهو أنيس الحسّ و أليف الخيال، فقد قضت العادة اللازمة على الإنسان أن يصوّر لربه صوراً خياليّة على حسب ما يألفه من الأمور المادية الحسّية و قلَّ أن يتفق لإنسان أن يتوجه إلى ساحة العزة و الكبرياء و نفسه خالية عن هذه المحاكاة(1).

هذا هو الأصل الذي توحي إليه ظروف الحياة و ملابسات الإدراك و الناس أمام هذا الاصل على طوائف نشيرإلى الأركان منها:

1 ـ «المشبّهة»

إنّ البسطاء من المجتمع الإنساني الذين سادت عليهم ظروف الحياة و ليست لهم قدرة عقليّة كافية للتخلّص عمّا تفرض عليهم تلك الملابسات، بنوا عقائدهم الدينيّة على هذا الأساس فلاينفكّون عن وصفه سبحانه تشبيهاً و تجسيماً فيقولون إنّ له جسماً و إنّه على صورة إنسان، و له لحم و دم و شعر و عظم، و له جوارح و أعضاء من يد و رجل و رأس و عينين، وانّ له وفرة سوداء وله شعر قطط، غير أنّ بعضهم أراد التظاهر بالتنزيه بأقلّ ما يمكن فقال: «اعفوني عن الفرج و اللحية، و اسئلوني عما وراء ذلك» (2).

فهذه هي المجسّمة و المشبّهة لايتورّعون عن وصفه بكلّ ما توحي إليهم القوّة الخيالية الأسيرة لعالم الحسّ و المادّة.


1 . الميزان ج 10 ص 273.
2 . الملل و النحل ج 1 ص 100 ـ 104.


(9)

2 ـ المعطّلة (1)

و هناك طائفة اُخرى عطلوا العقول عن الوصول إلى المعارف نتيجة كون الإنسان يعيش في عالم الطبيعة و قد تطبّع تفكيره على الماديّات و المحسوسات فلايمكنه إدراك ماوراء ذلك فلابد من التوقف و تعطيل العقول. و هم الذين يقولون: إنّ كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته و السكوت عليه (2) .

و قد بنيت الدعوة السلفية في العصور السابقة و اللاحقة على هذا الأساس وكأنّ القرآن نزل للتلاوة و القراءة دون التفكّر و الامعان و التدبّر.

مع أنّه سبحانه يقول: (اَفَلا يَتَدَبَروُنَ الْقُرْآنَ اَمْ عَلى قُلُوب اَقْفالُها)(محمد/24).

و يقول: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْك مُبارَكٌ لِيَدَّبَّروُا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوألاَْلْبابِ)(ص/29).

و العجب انّ بعض هؤلاء يتفلسف قائلاً إنّما اُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية فمن شغل ما اعطى لإقامة العبودية بإدراك الربوبيّة، فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية (3).

و القائل بهذا الكلام يفسّر العبوديّة بالقيام و القعود و الامساك و الصيام التي هي من واجبات الأعضاء و لكنّنا نقول لهم: إنّ العبوديّة تقوم على ركنين ركن منه يرجع إلى فرائض الأعضاء و واجباتها، و ركن آخر يرجع إلى العقل و اللب،ّ فتعطيل العقول عن معرفة المعبود بالمقدار الذى يستطيع الإنسان الوصول إليه، تعطيل لاقامة العبودية أو لجزئها.


1 . «المعطّلة» لقب المعتزلة في كتب الأشاعرة لتعطيلهم الذات عن التوصيف بالصفات غير أنّها لاتتناسب مع عقيدتهم، و الحق إنّ المعطّلة هم الذين وصفناهم هنا.
2 . الرسائل الكبرى: لابن تيمية ج 1 ص 32 ـ نقله عن سفيان بن عيينة.
3 . علاقة الاثبات و التفويض نقلا عن الحجّة في بيان المحجّة ص 33.


(10)

ولو اقتصر الإنسان في إقامة العبوديّة بالقيام و القعود من دون ادراك للمعبود بصفات الجمال و الجلال و لما هناك من أسماء و صفات; لكانت عبوديّته كعبوديّة الحيوان و النبات و الجماد، فهؤلاء أيضا يقومون بواجبهم الجسماني بل ربّما تكون عبوديته أنزل من عبوديتهم كيف و قد قال سبحانه:

(وَ اِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاَْنْهارُ وَ اِنَّ مِنْها لَما يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ اِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَ ما اللّهُ بِغافِل عَمّا تَعْمَلُونَ)(البقرة /74).

فالحجر يستشعر بعظمته سبحانه حسب مقدرته، و لكن الإنسان تفرض عليه تلاوة كتابه سبحانه و السكوت ثم السكوت عليه؟

إنّ الدعوة السلفية التي عادت إلى الساحة الاسلامية من جديد مبنية على هذا الأساس، و هؤلاء و إن كانوا لايقرّون بالتشبيه و التجسيم بملئ أفواههم و ألسنتهم، و لكنّهم لايفترقون عن المشبهة إلاّ في التصريح و التلميح.

قال ابن خزيمة: إنما نثبت للّه ما اثبته لنفسه نقر بذلك بألسنتنا و نصدّق بذلك في قلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين(1).

قال ابن قدامة المقدسي: « و على هذا درج السلف و الخلف فهم متّفقون على الإقرار و الإمرار و الإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله و سنّة رسوله من غير تعرّض لتأويله(2).

قال ابن تيمية ـ مثيرالدعوة السفلية بعد اندراسها ـ: إنّ لله يدين مختصّتينبه، ذاتيتين له كما يليق بجماله، و إنّه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة و إبليس و إنّه سبحانه يقبض الأرض و يطوي السماء بيده اليمنى(3).

يقول الخطّابي: «و ليس اليد عندنا الجارحة و إنّما هي صفة جاء بها التوقيف


1 . علاقة الاثبات و التفويض ص 58.
2 . نفس المصدر ص 59.
3 . نفس المصدر ص 59.


(11)

و نحن نطلقها على ما جاء و لانكيّفها»(1).

هذه العبارات و نظائرها التي ملأ بها مؤلّف «علاقة الاثبات و التفويض» كتابه المنشور في مهد الدعوة السلفية، ترمي إلى أحد الأمرين: إمّا التجسيم و التشبيه و إمّا تعطيل العقول عن معرفة الكتاب العزيز، فانّ اليد و الوجه و الرجل موضوعات في اللّغة العربية للأعضاء الخاصّة، فإن اُريد منها المعنى الحقيقي و هو الذي يطلق عليه المعنى الكيفي، فيلزم التشبيه، و إن اطلق عليه بلاهذا القيد، فيلزم التأويل، و هم يفرّون منه فرار المزكوم من المسك، فإنّ القول بأنّ له سبحانه وجهاً بلاكيف مهزلة و شعار خادع، إذ ليس هما معنى ثالث تلتجىء إليه السلفية فالأمر يدور بين اثنين، و ثالثهما غير متصوّر.

1 ـ اليد بما له من الكيفيّة الخاصّة فيلزم منه التشبيه.

2 ـ تأويله بالمعنى المجازي فيكون كناية عن القوّة و القدرة.

و أمّا الثالث أعني الوجه بلاكيف، فهو أشبه بأسد لاذنب له و لارأس ولا...

فإنّ واقعية اليد قائمة بكيفيّتها، فسلب الكيفية سلب لحقيقتها، فلا يمكن حفظ أصله و رفض كيفيّته، فحذف الكيفيّة يلازم حذف أصل المعنى فقوامه بكيفيتها و عماده و سناده نفس هوّيتها الخارجية.

و أظن ـ وظن الألمعي صواب ـ: إنّ هؤلاء هم المشبّهة و المجسّمة ولكنّهم يخجلون من التفوّه بالتجسيم فيأتون به في قوالب خدّاعة، و عبارات معقّدة، أو أنّهم هم المعطّلة فإنّ امرار الصفات و اثباتها على حسب ما جاء في الكتاب بلا توضيح لما يراد منه، نفس التعطيل أي تعطيل العقول عن المعارف، فهم بين مجسّمة تخفي عقيدتها، أو معطّلة لاتريد الرقي من سلّم المعارف درجة، فتكتفي بالألفاظ ولقلقة اللسان.


1 . فتح الباري ج 13 ص 417.


(12)

و بذلك تقف على قيمة ما روي عن الامام مالك عند ما سئل عن معنى قوله سبحانه (الرحمن على العرش استوى)فقال الاستواء معروف، و الكيفيّة مجهولة، و السؤال بدعة، و الإيمان به واجب(1).

و لاأدري كيف جمع بين قوله «الاستواء معلوم» و «الكيفيّة مجهولة» إذ ليس للاستواء إلاّ معنى واحد و كيفيته هو حقيقته، فلو جُهلت الكيفية، جُهل الأصل فلامعنى للاستواء (و هم يفسّرونه بالجلوس و الاستقرار لابالاستيلاء و الاستعلاء) مع القول بجهالة الكيفية فإنّ الكيفيّة و الحقيقة متساويتان.

أضف إلى ذلك أنّه لم يعلم وجه قوله :«و إنّ السؤال عنه بدعة» مع أنّ السائل يريد تفسير الآية و التدبّر فيها ؟ وهل السؤال عن مفهوم الآية بقصد التعلم بدعة ؟

و بهذا عطّلوا العقول عن التدبّر في الكتاب العزيز و تفسير أسمائه و صفاته و أفعاله مع قدرتها على التعرف على ما هناك من الكمال و البهاء و الجمال و الجلال.

3 ـ المعطّلة بثوبها الجديد

و قد ظهر التعطيل أى تعطيل العقول عن المعارف و الالهيات بثوبها الجديد في العصر الأخير، و قد حمل رايتها المغترّون بالعلوم الطبيعية، و قد صبغوا نظريتهم بصبغة مادية خدعوا بها عقول البسطاء.

قال « فريد وجدي » :

«بما أنّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسّية و العلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم، فنجلعهما عمدتنا في هذه المباحث بل لامناص لنا من الاعتماد عليهما لأنّهما اللذان أوصلا الإنسان إلى هذه المنصّة من العهد الروحاني» (2).


1 . الملل و النحل للشهرستاني ج 1 ص 65، و الرسائل الكبرى لإبن تيمية ص32 ـ33.
2 . على أطلال المذهب المادي ج 1 ص 16.


(13)

و قال «الندوي» :

«و قد كان الأنبياء ـ عليهم السلام ـ أخبروا الناس عن ذات اللّه وصفاته و أفعاله و عن بداية هذا العالم و مصيره و ما يهجم على الناس بعدموتهم، و آتاهم الله علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بلاتعب، و كفوهم مؤونة البحث و الفحص في علوم ليس عندهم مبادئها و لامقدّماتها الّتي يبنون عليها بحثهم ليتوصّلوا إلى مجهول لأنّ هذه العلوم وراء الحسّ و الطبيعة لاتعمل فيها حواسهم، و لايؤدّي إليها نظرهم، و ليست عندهم معلوماتها الأوّلية... الذين خاضوا في الالهيات من غير بصيرة وعلى غير هدى جاؤوا في هذا العلم بآراء فجّة، و معلومات ناقصة، و خواطر سانحة، و نظريات مستعجلة فضلّوا و اضلّوا(1).

و يلاحظ على كلاالتقريرين:

أوّلا: إنّ الاعتماد على الفلسفة الحسّية و التركيز على الحسّ من بين أدوات المعرفة، مقتبس من الفلسفة المادية التي ترفض الاعتماد على العقل و أدواته و لايعترف إلاّ بالحسّ و تحسبه أداة منحصرة للمعرفة، و العجب أن يلهج بهذا الأصل من يدّعي الصلة بالاسلام و يعد من المناضلين ضدالفلسفة الماديّة، ففي القول بهذا ابطال للشرائع السماوية، فانّها مبنية على النبوّة و الوحي و نزول الملك و سائر الاُمور الخارجة عن إطار الحسّ التي لاتدرك إلاّ بالعقل و البرهنة، فمن العجيب أن يلعب فريدوجدي و مقلد الدعوة السلفية «ابوالحسن الندوي» بحبال المادية من غير شعور ولااستشعار.

و ثانياً: إنّه لو صحّ قول « الندوي» إنّ هذه العلوم وراء الحسّ و التجربة لاتعمل فيها حواسّهم، و لايؤدّي إليها نظرهم، و ليست عندهم معلوماتها الأوّليه، فلما ذا يطرح الذكرالحكيم لفيفاً من المعارف، و يحرّض على التدبّر فيها و هي ممّا


1 . ماذا خسر العالم ص 97.


(14)

يقع وراء الحسّ و الطبيعة، و ليست الغاية من طرحها هو التلاوة و السكوت حتى تصبح الآيات لقلقة لسان لاتخرج عن تراقي القارئ بدل أن تتسلّل إلى صميم الذهن و أعماق الروح.

و إن كنت في ريب من وجود هذه المعارف العليا في الكتاب العزيز فلاحظ الآيات التاليه:

( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى/11).

( وَ لِلّهِ المَثَلُ الاَعْلى ) (النحل/60).

( لَهُ الاَسْماءُ الحُسْنى ) (طه/8).

( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) (البقرة/115).

( هُوَ الاَْوَّلُ وَ الآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَىء عَليمٌ)(الحديد/3).

( وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ ) (الحديد/4).

( اَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَىء اَمْ هُمْ الخالِقُونَ )(الطور/35).

( وَ كَذلِكَ نُرى اِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنينَ)(الأنعام/75).

( لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ الّا اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهُ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ)(الانبياء/22).

( ما اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ اِله اِذاً لَذَهَبَ كُلُّ اِله بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ) (المؤمنون/91).

إلى غير ذلك من الآيات التي وردت فيها اُصول المعارف الالهية التي تقع وراء الحسّ و الطبيعة و ليس عندنا حسب فرض الندوي معلوماتها الأوّلية.

هذا و إنّ القرآن يحثّ المجتمع البشري على تحصيل البرهان في كلّ ما يعتقدونه في المبدئ و المعاد و يقول:


(15)

( اَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ ها تُوا بُرْهانَكُمْ هَذا ذِكْرُ مَنَ مَعى وَ ذِكْرُ مَنَ قَبْلِى بَلْ اَكْثَرُهُمْ لايَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ)(الأنبياء/24).

كلّ ذلك يعرب عن عناية القرآن بتفهيم الإنسان المعارف و الاصول التي هي خارجة عن اطار الحسّ و المادّة بقناعة كاملة لابلقلقة اللسان.

إنّ هناك اصولاً يعتقدبها الالهيّون و في مقدّمتهم المسلمون البارعون، عن طريق العقل و البرهنة، و لايمكن للعلوم الطبيعيّة أن تساعدهم في فهمها و لا أن تهدي إليها البشر. كالبحث من انّ المصدر لهذا العالم و المبدئ له، ازلي أو حادث، واحد أو كثير، بسيط أو مركّب، جامع لجميع صفات الجمال و الكمال أملا؟ هل لعلمه حدّ ينتهى إليه أم لا؟ هل لقدرته نهاية ام لا؟ هل هو أوّل الأشياء و آخرها أم لا؟ هل هو ظاهر الاشياء و باطنها أم لا؟

فالاعتقاد بهذه المعارف عن طريق العلوم الطبيعية و الحسّية غير ممكن و الاعتماد على الوحي للتعرف عليها غير مقدور لكلّ إنسان، مضافاً إلى أنّه يجب معرفتها قبل معرفة النبي فكيف يتعرّف عليها عن طريق النبي و الوحي المنزل.

وثالثا: نرى أنّه سبحانه يذكر الفؤاد إلى جانب السمع و البصر.

و يقول:

( وَ اللّهُ اَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ اُمُّهاتِكُمْ لاتَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الاَبصارَ وَ الاَْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(النحل/78).

و المراد من الشكر في ذيل الآية صرف النعمة في مواضعها فشكر السمع و البصر هو ادراك المسموعات و المبصرات بهما، و شكر الفؤاد هو درك المعقولات و غير المشهودات به، فالآية تحّرض على استعمال الفؤاد و القلب و العقل في ما هو خارج عن اطار الحسّ و غير واقع في متناول أدواته، و لأجل ذلك يتّخذ القرآن في بعض المجالات موقف المعلّم فيعلّم المجتمع البشري كيفية البرهنة العقليّة على


(16)

توحيد الخالقيّة و التدبير فيقول:

( نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَولا تُصَدِّقُونَ * اَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ اَم نَحْنُ الخالِقُونَ... أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْناهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * اَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِى تَشْرُبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ اَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْناهُ اُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ * اَفَرأَيتُمُ اَلنّارَ اَلَّتِى تُورُونَ * أَأَنْتُمْ اَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها اَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ)(الواقعة/57و72).

إنّ تعطيل العقول عن المعارف الالهية يجر الإنسان إلى التشبيه و التجسيم، و إن تبرأ منهما و إنبرى إلى نفي هذه الوصمة عن نفسه وأهل ملّته، هذا هو ابن تيمية محيي الدعوة السلفيّة في القرن الثامن يقول:

«أهل السنّة و الجماعة يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف (تأويل) و لاتعطيل و من غير تكييف و لاتمثيل (تشبيه)، بل هم الوسط في فرق الاُمّة كما أنّ الاُمّة هي الوسط في الاُمم، فهم وسط كما في باب صفات الله سبحانه و تعالى بين أهل التعطيل (الجهميّة) و أهل التمثيل (المشبّهة) (1).

و القارىء الكريم يتصوّر أنّه مشي على هذا الأصل إلى آخر كتابه و لكنّه يقف على أنّه سرعان ما انقلب على وجهه و ارتدّ على أدباره و غرق في التشبيه و التجسيم و نادى به و قال:

(وممّا وصف الرسول به ربّه في الأحاديث الصحاح التي تلقّاها أهل المعرفة بالقبول و وجب الايمان بها قوله ـ ص ـ: «ينزل ربّنا إلى سماء الدنيا كلّ ليلة حين يبقى ثلث اللّيل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ و من يستغفرني فأغفر له؟ و قوله يضحك الله إلى رجلين: أحدهما يقتل الآخر كلاهما


1 . مجموعة الرسائل ص 400.


(17)

يدخل الجنة، وقوله «لاتزال جهنّم يلقى فيها و تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزّة فيها قدمه ينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: «قط قط» و هذه الأحاديث متّفق عليها؟)(1).

نحن نسأل «ابن تيميّة» و من لفّ لفّه: فهل يأخذ بظواهر هذه الأحاديث التي لووردت في حقّ غيره سبحانه لقطعنا بكونه جسماً، كالإنسان له أعضاؤه، أو يحملها على غيرها، فعلى الأوّل يقع في مغبّة التشبيه، و على الثاني يقع في عداد المؤوّلين و هو يتبرّأ منهم.

و الأخذ بظواهرها لكن بقيد «بلاتكييف» و «لاتشبيه» ـ مضافاً إلى أنّه لم يرد في النصوص ـ ما يوجب صيرورة الصفات مجملة غير مفهومة، فإنّ واقعيّة النزول والضحك و وضع القدم،إنّما هي بكيفيتها الخارجيّة، فحذفها يعادل عدمها. فما معنى الإعتقاد بشيء يصير في نهاية المطاف أمراً مجملاً و لغزاً غير مفهوم؟ فهل يجتمع هذا مع بساطة العقيدة و سهولة التكليف التي تتبنّاها السلفيّة في كتبهم؟

فلو صحّ تصحيح هذه الأحاديث و الصفات الجسمانية بإضافة قولهم «بلاتمثيل» فليصحّ حمل كلّ وصف جسماني عليه باضافة هذا القيد بأن يقال: اللّه سبحانه جسم لاكهذه الأجسام، له صدر و قلب لاكمثل هذه الصدور و القلوب، إلى غير ذلك مما ينتهي الإعتقاد به إلى نفي الاله الواجب الجامع لصفات الجمال والجلال.

إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد و تفسير القرآن و الحديث، لاينتج إلاّ إجلاسه سبحانه على عرشه فوق السماوات، يقول «ابن قتيبة» ـ المدافع عن الحشوية و أهل الحديث ـ في تفسير قوله:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَ الاَرْض) يستوحشون أن يجعلوا لله كرسيّاً أو سريراً و يجعلون العرش شيئاً آخر، و العرب لاتعرف العرش إلاّ السرير، و ما عرش من السقوف و الابار. يقول اللّه (وَ رَفَعَ اَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ) أي على السرير.


1 . نفس المصدر 398 ـ 399.


(18)

و اُميّة بن ابي الصلت يقول:

مجّدوا اللّه و هو للمجد أهل *** ربّنا في السماء أمسى كبير

بالبناء الاعلى الذي سبق النا *** س وسوّى فوق السماء سرير

شرجعا(1) ما يناله بصر الـ *** عين ترى دونه الملائك صورا(2)و (3)

ترى أنّه يصور اللّه سبحانه ملكاً جبّاراً جالساً على عرشه، و الخدم دونه ينظرون إليه بأعناق مائلة، و هو يتبجّح بذلك تبجّح المتكبّر باستصغار الناس و ذلتهم.

و يقول أيضا:

«كيف يسوغ لاحد أن يقول: إنّه بكلّ مكان على الحلول مع قوله:

( اَلرَّحْمن عَلى الْعَرْشِ اِسْتَوى ) أي استقر، كما قال: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ اَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الفُلْكِ) أي استقرت.

و مع قوله تعالى:( اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ).

كيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرفع إليه عمل و هو عنده (4).

ثم إنّه يستشهد بكونه سبحانه في السماء بما ورد في الحديث:

« إنّ رجلاً أتى رسول اللّه بأمة أعجميّة، للعتق فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أين اللّه تعالى؟

فقالت: في السماء قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول اللّه فقال (عليه السلام): هي مؤمنة و أمر بعتقها(5).


1 . أي طويلا.
2 . جمع «أصور» و هو المائل العنق.
3 . تأويل مختلف الحديث: ص 67.
4 . نفس المصدر: ص 271.
5 . المصدر نفسه: ص 272.


(19)

فقد غاب عن «ابن قتيبة» إنّ المراد من كونه سبحانه بكلّ مكان ليس هو حلوله فيه، بل المراد أنّ العالم بكلّ أجزائه و ذرّاته قائم به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي و ان ّوجوده سبحانه وجود فوق الزمان و الزمانيّات و المكان و المكانيّات، غني عنهما، لايحتاج إليهما، بل هو الخالق لهما، و أمّا الحديث الذي استدل به فليس فيه دلالة على تصديق رسول اللّه بكلّ ما تعتقده الاُمّة بل انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اكتفى بما أظهرت من الاعتقاد الساذج بوجوده سبحانه و نبوّة نبيّه و ان اخطأت في الحكم بأنّه في السماء و لم يكن الظروف ـ إذ ذاك ـ تساعد، أو لم تكن الاُمّة مستعدّه لتفهيمها إنّه سبحانه منزّه عن المكان و الزمان و الجهة، و إنّه ليس جسما و لاجسمانياً حتى يحلّ في السماء .

4 ـ بين التشبيه و التعطيل

و هناك طائفة اُخرى يسلكون طريقاً وسطاً لايوافقون أهل التشبيه ـ بصبّ المعارف العليا في قوالب جسميّة وصفات ماديّة ـ و لا أهل التعطيل فلايسدّون نوافذ عقولهم وأفهامهم من التطلّع إلى ماوراء الطبيعة و الوقوف على ما هناك من أسماء و صفات و حقائق رفيعه لاينالها إلاّ الأمثل فالأمثل من الإنسان، و هؤلاء يقولون: إنّه يمكن للإنسان التعرّف على ماوراء الطبيعة بما فيها من الجمال و الكمال و العالم الفسيح، عن طريق التدبّر و امعان النظر، إمّا بترتيب الأقيسة المنطقية و تنظيم الحجج العقلية، أو بالنظر إلى ما يحتوي عالم الطبيعة من آثار ذلك الجمال و آياته، فعنذ ذلك يخرج الإنسان عن مهلكة التشبيه و مغبّة التعطيل، و إفراط المجسّمة و تفريط المعطّلة و هذا هو الذي يحصل به الجمع بين آيات القرآن و الأحاديث الصحيحة و قد عرفت بعض الآيات الداعية إلى التدبّر و الامعان في كلّ ما ورد في الكتاب من الحكم و المعارف(1).


1 . و يكفيك انّ الذكر الحكيم يستعمل مادّة التعقّل في مشتقّاته المختلفة 47 مرّة و التفكّر 18 مرّة و اللب 16 مرّة و التدبر 4 مرّات و النهي مرّتين.


(20)

أمّا السنّة فقد قال علي (عليه السلام):لم يطّلع العقول على تحديد صفته،و لم يحجبها عن واجب معرفته(1).

يريد (عليه السلام) انّ العقول و ان كانت غير مأذونة في تحديد صفاته، ولكنّها غير محجوبة عن التعرّف عليها إجمالا كيف و قال سبحانه (وَ ما خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الاِنْسَ اِلّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات/56).

و العبادة الصحيحة الكاملة لاتتيسّر إلاّ بعد تحقّق المعرفة الكاملة الممكنة للعابد، و قال الامام علي بن الحسين (عليهما السلام): لما سئل عن التوحيد: إنّ اللّه عزّ و جلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه تعالى سورة قل هو اللّه أحد و الآيات الستّ من سورة الحديد (2).

و كتب الامام الصادق (عليه السلام) في جواب سؤال « عبدالرحيم بن عتيك القصير » ـ عند ما سأله عن قوم بالعراق يصفون اللّه بالصورة و بالتخطيط ـ «سألت رحمك اللّه عن التوحيد و ما ذهب إليه من قبلك فتعالى اللّه الذي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، تعالى عمّا يصفه الواصفون المشبّهون اللّه بخلقه المفترون على اللّه. فاعلم رحمك اللّه أنّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات اللّه عزّ و جلّ، فانف عن اللّه تعالى البطلان و التشبيه، فلا نفى و لاتشبيه هو اللّه الثابت الموجود، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون، و لا تعدوا القرآن فتضلّوا بعد البيان»(3).

و سئل الإمام أبوجعفر الثاني (عليه السلام): يجوز أن يقال: إنه شيء؟ قال: نعم، يخرجه من الحدّين: حد التعطيل و حد التشبيه(4).


1 . نهج البلاغة: الخطبه 29.
2 . الكافي ج 1 باب النسبة ص 91 الحديث 3، و نور الثقلين ج 5 ص 231.
3 . الكافي ج 1 باب «النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه» الحديث 1.
4 . الكافي ج 1 باب «اطلاق القول بأنّه شيء» الحديث 2، 5.


(21)

و قال الإمام الصادق ـ في جواب السائل عن الكيفية له ـ :لا لأنّ الكيفيّة جهة و الاحاطة، و لكن من الخروج من جهة التعطيل و التشبيه (1).

و هذه الأحاديث تحدّد موقف المعرفة و أنّها بين التعطيل و التشبيه.

فاتضح انّ رائدنا في مجال المعارف الالهية أمران:

1 ـ الأقيسة العقليّة.

2 ـ التأمّل في آثار الرب في العوالم المختلفة.

و لأجل ايضاح الحال و انّه يمكن الحصول على المعارف و صفات الواجب عزّ و جلّ عن طريق ترتيب الأقيسة المنطقيّة أوّلاً، و التدبّر في صنعه و خلقه ثانياً، نأتي بالبيان التالي:

1 ـ الاستدلال بالأقيسة العقليّة المنطقيّة

و له صور نشير إليها:

إذا ثبت كونه سبحانه غنيّاً غير محتاج إلى شيء بل الكلّ محتاج إليه فالعقل يتّخذه مبدأً لكثير من احكامه على الواجب عزّ اسمه، فيصفه بما يناسب غناه و ينزّهه عمّا لايجتمع معه، و قدسلك الفيلسوف الإسلامي الكبير نصير الدين الطوسي هذا السبيل للبرهنة على جملة من الصفات الجلالية قال:

«و وجوب الوجود (الغني) يدل على سرمديته، و نفي الزائد، و الشريك و المثل، و التركيب بمعانيه، و الضد، و التحّيز و الحلول، و الاتحاد، و الجهة، و حلو الحوادث فيه، و الألم و اللذّة و المعاني و الأحوال و الصفات الزائدة عيناً و الرؤية.»


1 . الكافي ج 1 باب «اطلاق القول بأنّه شيء» الحديث 2، 5.


(22)

بل انطلق المحقّق من نفس هذه القاعدة لاثبات سلسلة من الصفات الثبوتيّة حيث قال: «و وجوب الوجود يدل على ثبوت الوجود، و الملك و التمام و الحقّية و الخيرية و الحكمة و التجّبر و القهر و القيوميّة» (1).

فقد سبقه إلى ذلك صاحب كتاب « الياقوت» في علم الكلام إذ قال و هو بصدد تنزيهه سبحانه عن الصفات غير اللائقة بساحة قدسه: «و ليس بجسم و لاجوهر و لاعرض و لاحالاًّ في شيء و لاتقوم الحوادث به و إلاّ لكان عرضاً» (2).

و إن شئت قلت: إنّ ذاته سبحانه نفس الكمال، و فوق ما يتصوّر من الكمال، و ليس للنقص إليه سبيل، فإذا كان كذلك فيجب أن يوصف بكلّ ما يُعدّ كمالاً فينزّه عمّا يعدّ نقصاً، فالصفات الذاتية صفات كمال لا محيص عن الاتّصافبها، كما أنّ الصفات السلبيّة صفات تنزيهيّة طاردة للنقص عن ساحة ذاته فيجب التنزيه عنها، فإذا كان العلم و القدرة و الحياة أوصاف كمال و كانت الجسميّة و التركّب و الحالّيّه و المحلّيّة صفات نقص فيجب التوصيف بالأولى و التنزيه عن الثانية و لأجل ذلك قلنا: إنّ الصفات الثبوتية و السلبية ترجع إلى اثبات أمر واحد و هو الكمال، و سلب أمر واحد و هو النقص.

و بتعبير آخر لاثبات صفاته و هو أنّ الوجودات الامكانية وجودات متدلّية قائمة بوجود الواجب و ما لها من صفات كمال كالعلم و القدرة و الحياة، فالمالك الحقيقيّ لها هو اللّه سبحانه، و المعطي لها هو اللّه سبحانه. قال تعالى:(لِلّهِ مَا فِى السَّمواتِ وَ مَا فِى الأَرْضِ). فالعلم و القدرة و الحياة كلّّها تجلّيات لعلمه و قدرته و حياته، فإذا كان كذلك فالعلم الاصيل و القدرة الاصيلة و الحياة الحقيقيّة للهسبحانه.


1 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 178 ـ 185(ط صيدا).
2 . أنوار الملكوت في شرح الياقوت: ص 76 ـ80 ـ81 ـ 92.


(23)

يقول العلاّمة الطباطبائي: نحن أوّل ما نفتح أعيننا، يقع ادراكنا على أنفسنا، و على أقرب الاُمور منا، و هي صلتنا بالكون الخارج، لكنّا لانري أنفسنا إلاّ مرتبطة بغيرها و لاقوانا و لاأفعالنا إلاّ كذلك، فالحاجة من أقدم ما يشاهده الإنسان، يشاهدها من نفسه و من كلّ ما يرتبط به من قواه و أعماله و الدنيا الخارجة. و عند ذلك يقضي بذات ما يقوم بحاجته و يصد خلّته، و إليه ينتهي كلّ شيء و هو اللّه سبحانه و يصدقنا في هذا النظر و القضاء قوله سبحانه:( يا اَيُّها الْنّاسُ اَنْتُمْ الْفُقَراءُ اِلى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الغَنِىُّ الْحَمِيد)(فاطر/15).

ثمّ إنّ أقدم ما نواجهه في البحث عن المعارف الالهيّه إنّا نذعن بانتهاء كلّ شيء إليه، و كينونته و وجوده منه، فهو يملك كلّ شيء لعلمنا أنّه لو لم يملكها لم يمكن أن يفيضها ويفيدها لغيره، على أنّ بعض هذه الأشياء مما ليست حقيقته إلاّ مبنيّة على الحاجة و هو تعالى منزّه عن كلّ حاجة و نقيصة لأنّه الذي يرجع إليه كلّ شيء في رفع حاجته و نقيصته.

فله الملك ـ بكسر الميم وضمها ـ على الاطلاق فهو سبحانه يملك ما وجدنا في الوجود من صفة كمال كالحياة و القدرة و العلم و السمع و البصر و الرزق و الرحمة و العزّة.

فهو سبحانه حيّ، قادر، بصير، حليم، لأنّ في نفيها اثبات النقص و لاسبيل للنقص إليه، ورازق و رحيم و عزيز و محي و مميت و مبدع و معيد و باعث إلى غير ذلك لأنّ الرزق و الرحمة و العزّة و الاحياء و الاماتة و الابداع و الاعادة و البعث له سبحانه و هو السبّوح، القدّوس، العلي، الكبير، المتعال، إلى غير ذلك، فنعني بها نفي كلّ نعت عدمي، و نفي كلّ صفة نقص عنه(1).

ترى أنّه ـ قدس اللّه سره ـ استدل على الصفات الثبوتية بمبدء واحد و هو أنّ


1 . الميزان ج 8 ص 366 ـ 367.


(24)

الملك له لالغيره، فكلّ ما يملكه الإنسان فهو يملكه، فصار هذا منشأً لاثبات كثير من الصفات الثبوتية.

2 ـ مطالعة الكون و آيات وجوده

الطريق الثاني التي يمكن التعرّف بها على ما في ذاته سبحانه من الجمال و الكمال طريق التدبّر في النفس و الكون أي في آياته الأنفسية و الافاقية امتثالاً لقوله سبحانه:

( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فى الاْفاقِ وَ فِى اَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ اَنَّهُ الْحَقُّ أَوْ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَىء شَهِيدٌ)(فصّلت/53)(1).

فمطالعة الكون المحيط بنا و ما فيه من بديع النظام و غريب الموجودات يكشف لنا عن علمه الوسيع و قدرته المطلقة فمن خِلال هذه القاعدة و عبر هذا الطريق، يمكن للإنسان أن يهتدي إلى قسم كبير من الصفات الالهية الجماليّة (الثبوتية) و الجلالية (السلبية) و قد سلك هذا الطريق المحقّق نصيرالدين و قال:«و الأحكام و التجرّد و استناد كلّ شيء إليه دلائل علمه» .

(2)و قول شيخنا المحقّق الطوسي ليس فريداً في ذلك الباب بل سبقه شيخنا أبوجعفر الطوسي في بعض كتبه و قال عند البحث عن علمه سبحانه:

«و أمّا الذي يدل على أنّه عالم هو أنّ إلاحكام ظاهر في أفعاله كخلق الإنسان و غيره من الحيوان لأنّ فيه من بديع الصنعة و منافع الأعضاء و تعديل الامزجة و تركيبها على وجه يصحّ معه أن يكون حيّاً لايقدر عليه إلاّ من هو عالم بما يريد فعله،


1 . والاستدلال مبني على عود الضمير المنصوب في «انّه الحق» الى اللّه سبحانه.
2 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 174 (ط صيدا) و الاستدلال بالتجرّد، استدلال عقلي و الاستدلال بالأحكام و استناد كل شيء اليه، استدلال بآيات وجوده على كماله.


(25)

لأنّه لو لم يكن عالماً لما وقع على هذا الوجه من الإحكام و النظام، و الاختلاف في بعض الأحوال و لمّا كان ذلك واقعاً على حد واحد، و نظام واحد، و اتساق واحد دل على أنّ صانعه عالم»(1).

و هناك ـ وراء الإستدلال العقلي و النظر في آثار الرب ـ طريقان آخران نشير إليهما.

3 ـ المعرفة عن طريق الوحي

إنّ الوحي ادراك مصون عن الخطأ و الزلل كما أنّ السنّة الصحيحة فرع من فروعه فكلّ ما ورد في الكتاب و السنّة من الإلهيات و المعارف،يصلح الاستدلال به غير أنّ الآيات القرآنية في ذلك المجال على قسمين: فتارة تتخد لنفسها موقف المعلم و المفكّر الذي يريد تعليم اتباعه فيكون موقف المخاطَب عندئذ موقف الاستلهام و الاستعلام كما هو الحال في البراهين التي أقامها القرآن في مجال اثبات الصانع و نفي الشريك عنه و كثير من صفاته الثبوتية، فتكون تلك الآيات حجّة عقليّة من دون استلزام الدور، و اُخرى يتخذ لنفسه موقف الرسول المتكلّم باسم الوحي المنبىء عن اللّه سبحانه فعندئذ يكون قوله حجّة تعبديّة و لايمكن الاعتماد على مثله إلاّ بعد ثبوت وجود الصانع و بعض صفاته و ثبوت النبوّة العامّة و الخاصة، و لكن الغالب على الآيات القرآنيه و السنّة الصحيحة المرويّة عن أئمّة أهل البيت هو الأوّل. يقف على ذلك من خالط القرآن روحه و قلبه و قرأ القرآن متدبّراً متعمّقاً.

4 ـ المعرفة عن طريق الكشف و الشهود

هناك طريق رابع و هو التعرّف على الحقائق من خلال الكشف و الشهود، و القائلون به يرون أنّ سبيل الحصول على حقائق المعارف هو السعي إلى صفاء القلب


1 . الاقتصاد، الهادي الى سبيل الرشاد ص28، ولاحظ إرشاد الطالبين للفاضل المقداد ص194.


(26)

حتى ينعكس ما في ذلك العالم على قلب العارف و ضميره، و يدرك ما في ماوراء الطبيعة من الجمال و الكمال ادراكاً يقينيّاً لايخالطه الشك، و لايمازجه الريب، ولكنه طريق(قلّ سالكيه) يختصّ بطائفة خاصّة ولايكون حجّة إلاّ لصاحب الكشف.

و على كلّ تقدير فليس المدّعى لمن يسلك هذه الطرق الأربعة هو معرفة كنه الذات الالهية و كنه صفاته و أسمائه، بل المراد التعرّف على ما هناك من الجمال والكمال و نفي النقص و العجز حسب المقدرة الإنسانية.

إلى هنا تبيّن إنّ التفكير الصحيح ممّا دعى إليه الكتاب العزيز و الفطرة السليمة، و هناك كلام للعلاّمة الطباطبائي حول التفكّر الذي يدعو إليه القرآن و هو بحث مسهب نقتبس منه ما يلي، قال:

«إنّك لو تتبّعت الكلام الإلهي ثم تدبّرت آياته، وجدت ما لعلّه يزيد على ثلاثمائة آية تتضمّن دعوة الناس إلى التفكّر أو التذكّر أو التعقّل أو تلقّن النبي الحجّة لاثبات حقّ أو ابطال باطل كقوله: ( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ اَرادَ أَنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ اُمَّهُ ) (المائدة/17).

أو ينقل الحجّة الجارية على لسان أنبيائه و أوليائه كنوح و إبراهيم و موسى وغيرهم من الأنبياء العظام و لقمان و مؤمن آل فرعون كقوله:

( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ )(إبراهيم/10).

و قوله: ( وَ اِذْ قالَ لُقْمانُ لاِِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَىَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ اِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )(لقمان/13).

و قوله: ( وَ قال رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنٌ آلِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ اِيمانَهُ اَتَقْتُلُونَ رَجُلاً اَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اَللّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ )(غافر/28).

و قوله حكاية عن سحرة فرعون ( قالُوا لَنْ نُوءْثِرُكَ عَلى ما جاءَنا مَنْ البَيِّناتِ


(27)

وَالَّذِى فَطَرَنا فَاقْضِ ما اَنْتَ قاض اِنَّما تَقْضِى هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا )(طه/72).إلى آخر ما احتجّوا به.

و لم يأمر تعالى عباده في كتابه و لا في آية واحدة أن يؤمنوا به أو بشيء ممّا هو عنده أو يسلكوا سبيلاً على العمياء و هم لايشعرون حتّى أنّه علّل الشرائع و الأحكام التي جعلها لهم ممّا لاسبيل للعقل إلى تفاصيل ملاكاته، ـ علّل ـ باُمور تجري مجرى الاحتجاجات كقوله: ( اِنَّ الصَّلوةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُاللّهِ اَكْبَرُ)(العنكبوت/45).

و قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(البقرة/183).

و قوله (في آية الوضوء): ( ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (المائدة/6).

الى غير ذلك من الايات الواردة حول تحريم الخمر و الميسر.

و هذا الادراك العقلي الذي يدعو إليه القرآن و يبني على تصديقه، ما يدعو إليه من حقّ أو خير أو نفع، و يزجر عنه من باطل أو شرّ أو ضرّ، هو الذي نعرّفه بالخلقة و الفطرة ممّا لايتغيّر و لايتبّدل و لايتنازع فيه إنسان و إنسان، و العجب انّ المخالفين للتفكّر المنطقي يعتمدون في اثبات دعاويهم و مقاصدهم على الاُسس المنطقيّة بحيث لو حلّلت مقالهم و دليلهم لعاد على صورة أقيسة منطقية يستدل بها المخالف على بطلان الاستدلال المنطقي (1).

و نذكر من باب المثال قولهم: « لو كان المنطق طريقاً موصلاً لم يقع الاختلاف بين أهل المنطق، لكنّا نجدهم مختلفين في آرائهم» ترى أنّه استعمل القياس الاستثنائي من حيث لايشعر و أمّا الجواب: فإنّ المنطق آلة تصون الفكر عن


1 . الميزان: ج 5 ص274 ـ 275.


(28)

الخطأ في كيفية الاستدلال و لكن صحّة الاستدلال مبنيّة على دعامتين:

1ـ صحّة المادّة.

2ـ صحّة الهيئة.

و المنطق يصون الإنسان عن الخطأ في الجانب الثاني دون الأوّل و أجاب عنه العلاّمة الطباطبائي بوجه آخر و قال:

« إنّ معنى كون المنطق آلة الاعتصام انّ استعماله كما هو حقّه يعصم الإنسان عن الخطأ و أمّا انّ كلّ مستعمل له فإنّما يستعمله صحيحاً فلايدعيه أحد و هذا كما انّ السيف آلة القطع لكن لايقطع إلاّ عن استعمال صحيح» (1) .

القرآن الكريم يهدي العقول إلى استعمال ما فطروا على استعماله بحسب طبعهم و هو ترتيب المعلومات لاستنتاج المجهولات و الذي فطرت عليه العقول هو ترتيب مقدمات حقيقيّة يقينيّة لاستنتاج المعلومات التصديقيّة الواقعيّة، و هو البرهان أو استعمال المقدّمات المشهورة أو المسلّمة و هو الجدل، أو استعمال مقدّمات ظنيّة لغاية الارشاد و الهداية إلى خير مظنون و شر مثله و هو العظة، قال تعالى: (اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِى هِىَ اَحْسَن)(النحل/125).

و الظاهر أنّ المراد بالحكمة هو البرهان كما ترشد إلى ذلك مقابلته بالعظة و الجدل.

ثمّ إنّ آخر ما في كنانة القوم هو ادّعاء انّ جميع ما تحتاج إليه النفوس الإنسانيّة مخزونة في الكتاب العزيز، مودعة في الأحاديث فما الحاجة إلى أساليب الكفّار والملاحدة؟

يلاحظ عليه: إنّ اشتمال الكتاب و السنّة على جميع ما يحتاج إليه لايلازم


1 . الميزان ج 5 ص 288.


(29)

استغناء البشر عن التفكّر الصحيح الموصل إلى ما في الكتاب و السنّة، فليس فهم الكتاب و السنّة غنيَّا عن التدبّر و الامعان، و ليس أصحاب الفلسفة و المنطق من الكفّار و الملاحدة، و الواجب على المسلم الواعي هو استماع القول ـ من أيّ ابن انثى صدر ـ ثم اتّباع أحسنه.

و على كلّ تقدير فابطال الاستدلال العقلي عن طريق الاستدلال العقلي غريب و عجيب جداً و من قابَلَ التفكّر و التعقّل و اقامة البرهنة فقد عارض إنسانيّته و فطرته التي تدعوه إلى الاعتناء بالتفكر الصحيح و التعقّل الرصين عن طريق اعمال الأقيسة الصحيحة من حيث المادة و الهيئة.

و بذلك تقف على قيمة عمل أهل الحديث و اسلوب دعوتهم إلى المعارف و الحقايق حتى إنّ الأشعري لما تاب عن الإعتزال و لحق بأصحاب أحمدبن حنبل، و استدل على عقيدة أهل الحديث مثل الرؤية و كون أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه، رفضته الحنابلة قائلة: بأنّ الاستدلال ليس طريقاً دينيا،ً و إنّما الطريق البرهنة بالآية و الحديث مكان التعقل.

قال ابن أبي يعلي في طبقات الحنابلة عن طريق الأهوازي قال: قرأت على عليّ القومسي، عن الحسن الاهوازي قال سمعت أباعبدالله الحمراني يقول:

لما دخل الأشعري بغداد جاء إلى «البربهاري» فجعل يقول رددت على الجبائي و على أبي هاشم و نقضت عليهم و على اليهود و النصارى و المجوس و قلت و قالوا و أكثر الكلام فلمّا سكت قال البربهاري و ما أدري ممّا قلت لاقليلاً و لاكثيرا،ً و لانعرف إلاّ ما قاله أبو عبدالله أحمدبن حنبل، فخرج من عنده وصنف كتاب « الابانة» فلم يقبله منه (1).

هذا و إذا بان لك انّ الاستدلال المنطقي على المعارف العقليّة هو طريق


1 . تعليقة «تبيين كذب المفتري» ص 391.


(30)

الفطرة التي دعا إليها القرآن، و لايشذ عنها إلاّ من احتجبت عنده الفطرة الإنسانيّة.

فيلزم علينا البحث عن أسمائه وصفاته الواردة في الذكر الحكيم و سنّة نبيه و أحاديث عترته صلوات الله عليهم أجمعين على ضوء البرهان و القياس العقلي.


(31)

أسماؤه و صفاته
في القرآن الكريم

قد احتلّ البحث عن أسمائه و صفاته سبحانه في كتب الكلام و التفسير المكانة العليا، فالقدماء شرحوا معاني أسمائه و صفاته و أفعاله و المتأخّرون اكتفوا من مباحثهابالبحث عن أمرين:

1ـ مغايرة الاسم للمسمّى.

2ـ كون أسمائه توقيفية.

و نحن في هذه الفصول نجمع بين الطريقين فنأتي بما يتعلّق بها من المباحث المفيدة و نعرض عمّا لايهمّنا جدّاً ثم نفسّر أسماءه و صفاته الواردة في الذكرالحكيم، وبناء عليه سيقع البحث في اُمور:

1ـ الفرق بين الاسم و الصفة

دلّت الآيات الكريمة على أنّ له سبحانه الأسماء الحسنى كما ورد ذلك في الأحاديث أيضاً.

قال سبحانه: ( وَ لِلّهِ الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها )(الأعراف/180).

و قال: ( أَيّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الاَسْماءُ الحُسْنى )(الاسراء/110).

و قال : ( اَللّهُ لا اِلهَ اِلّا هُوَ لَهُ الاَسْماءُ الحُسْنى )(طه/8).


(32)

وقال: (هُوَ اَللّهُ الخالِقُ البارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَْسْماءُ الحُسْنى)(الحشر/24).

و قال: ( وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى اَسْمائِهِ )(الأعراف/180).

و الاسم مشتق إمّا من «السمو» على ما ذهب إليه البصريون، أو من «السمة» على ما اختاره الكوفيون، و على كلّ تقدير فلو كان الملاك في تسميه اللفظ اسما هو سموّه على المعنى، و تقدمه عليه أو كونه علامة له، فالكلمه بأقسامها الثلاثه اسم لوجود كلاالملاكين فيها (1).

و مع ذلك كلّه فالاسم في مصطلح النحويين يطلق على قسم واحد من أقسام الكلمة، و عرّفوه بأنّه ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بالزمان، فالاسم بهذا المعنى يقابل الفعل و الحرف، فالفعل يدل على معنى مستقل مقترن بالزمان، و الحرف يدل على معنى في غيره.

و هناك اصطلاح ثالث للاسم و هو كلّ ماهيّة تعتبر من حيث هي هي فهو أسم أو من حيث انّها موصوفة بصفه معينة فهو وصف، فالأوّل كالسماء و الأرض و الرجل و الجدار، و الثاني كالخالق و الرازق و الطويل و القصير. ذكره الرازي و قال: هذا هو الفرق بين الاسم و الصفة على قول المتكلّمين (2).

يلاحظ عليه : إنّ حاصل كلامه يرجع إلى أنّ الجوامد أسماء، و أسماء الفاعلين و نظائرها صفات مع أنّه لاينطبق على مصطلح المتكلّمين فإنّ الخالق و الرازق من أسمائه سبحانه لا من صفاته، فكيف يعده من صفاته و مقابل أسمائه والحق أن يقال:


1 . اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ اطلاق الاسم على خصوص قسم من الكلمة لأجل كون معناه سامياً و مرتفعاً بين معاني سائر الكلمات أعني الفعل و الحرف فعندئذ يختص بالقسم المعروف عند النحويين.
2 . لوامع البينات للرازي ص 27 (طبع القاهره).


(33)

ما هو المختار في الفرق بين أسماءه و صفاته

«الاسم هو اللفظ المأخوذ إما من الذات بما هي هي، أو بكونها موصوفاً بوصف أو مبدء الفعل، فالأوّل كلفظ الجلالة له سبحانه و الرجل و الإنسان لغيره، والثاني كالعالم و القادر، و الثالث كالرازق و الخالق، و أمّا الصفة فهو الدال على المبدء مجرّداً عن الذات كالعلم و القدرة و الرزق و الخلقة ولأجل ذلك يصحّ أن يقال الاسم ما يصحّ حمله كما يقال الله عالم و خالق ورحمان و رحيم، و الصفة لايصحّ حملها كالعلم و الخلق و الرحمة، و هذا هو المشهور بين المتكلّمين بل الحكماء والعرفاء، فالصفات مندكة في الأسماء من غير عكس.

يقول العلاّمة الطباطبائى: لا فرق بين الصفة و الاسم، غير أنّ الصفة تدلّ على معنى من المعاني تتلبّس به الذات،أعم من العينيّة و الغيريّة و الاسم هو الدال على الذات مأخوذة بوصف، فالحياة و العلم صفتان ،و الحي و العالم اسمان(1).

هذا كلّه على ما هو المشهور و يوافقه ظاهر الكتاب العزيز من انّ أسماءه سبحانه من قبيل الألفاظ و المعاني فيكون لفظ الجلالة و سائر الأسماء كالرحمان والرحيم، و العالم و القادر أسماء الله الحسنى الحقيقية، و لها معان و مفاهيم فينتقل إليها الذهن عند السماع.

الأسماء و الصفات عند اهل المعرفة

إنّ لأهل المعرفة اصطلاحا خاصّاً فالأسماء و الصفات عند هم ليست من قبيل الألفاظ و المفاهيم بل حقيقة الصفه ترجع إلى كمال وجودي قائم بالذات، و الاسم عبارة عن تعين الذات بنفس ذلك الكمال و الأسماء و الصفات الملفوظة، أسماء وصفات لتلك الأسماء و الصفات الحقيقية التي سنخها سنخ الوجود و الكمال،


1 . الميزان 8/369.


(34)

والتحقّق و التعيّن، فلفظ الجلالة ليس اسماً بل اسماً للاسم، و مثله العلم و القدرة و الحياة فليست صفات بالحقيقة، بل مرايا لأوصافه الحقيقيّة.

فالقولان متّفقان على أنّ الذات مع التعيّن هو الاسم، و التعيّن بما هو هو، هو الوصف، و يختلفان من كونها من قبيل الألفاظ و المفاهيم أو من قبيل الحقايق والواقعيات. يقول أهل المعرفه: إنّ الذات الأحدية، بما أنّه وجود غير متناه، عار عن المجالي و المظاهر، يسمّى «غيب الغيب» و إذا لوحظ في رتبة متأخّرة، بتعيّن من التعيّنات الكماليّة كالعلم و القدرة، فهو مع هذا التعيّن اسم، و نفس التعيّن بلا ملاحظة الذات، وصف.

يقول الحكيم السبزواري: «فالذات الموجودة مع كلّ منها (التعيّنات ) يقال لها الاسم في عرفهم، و نفس ذلك المحمول العقلي هي الصفه عندهم»(1). و يقول في موضع آخر:«و الوجود بشرط التعيّن هو الاسم، و نفس التعيّن هو الصفة»(2).

و يقول أيضاً: «الاسم عند العرفاء هو حقيقة الوجود مأخوذة بتعيّن من التعيّنات الصفاتية من كمالاته تعالى، أو باعتبار تجلّ خاص من التجليّات الإلهية» فالوجود الحقيقي مأخوذاً بتعين « الظاهرية بالذات » و « المظهرية للغير » اسم «النور » و بتعيّن كونه « ما به الانكشاف لذاته و لغيره » اسم «العليم » و بتعيّن «كونه خيراً محضا» و «عشقا صرفاً » اسم «المريد » و بتعيّن «الفياضية الذاتيه » للنورية عن علم و مشيئة، اسم «القدير »و بتعيّن «الدراكيّة »و «الفعاليّة » اسم «الحي» و بتعيّن «الاعراب عمّا في الضمير » المخفي و المكنون العيني اسم «المتكلّم» و هكذا»(3).


1 . شرح الاسماء الحسنى 19.
2 . شرح الاسماء الحسنى 215.
3 . شرح الاسماء الحسنى 214.


(35)

2 ـ هل الاسم نفس المسمّى أو غيره

من المباحث التي شغلت بال القدماء و المتأخّرين، هو مسألة اتحاد الاسم و المسمّى و هو بحث لايحتاج إلى التفصيل، يقول الرازي: إنّ هذا البحث ممّا لايمكن النزاع فيه بين العقلاء، فإن كان المراد من الاسم هو اللفظ الدال على الشيء بالوضع، و كان المسمّى عبارة عن نفس ذلك الشيء، فالعلم الضروري حاصل بأنّ الاسم غير المسمّى و إن كان الاسم عبارة عن ذات الشيء ( المدلول ) و المسمّى ايضاً ذات الشيء كان معنى قولنا الاسم نفس المسمّى هو أن ذات الشيء نفس ذات الشيء فثبت أن الخلاف الواقع في هذه المسألة إنّما كان بسبب أنّ التصديق ما كان مسبوقاً بالتصوّر و كان اللائق بالعقلاء أن لايجعلوا هذا الموضع مسألة خلافية (1).

هذا و ان شيخ مذهبه «أباالحسن الأشعري» قد زاد في الطين بلّة فعاد يفصّل فيها و يقول: إنّ الاسم (يريدمدلوله ) عين المسمّى أي ذاته من حيث هي هي نحو اللّه فإنّه اسم للذات من غير اعتبار معنى فيه، و قد يكون غيره نحو الخالق و الرازق ممّا يدل على نسبته إلى غيره، و لاشك انّ تلك النسبة غيره و قد يكون لاهو و لاغيره كالعليم و القدير مما يدل على صفة حقيقية قائمة بذاته (2).

و لايخفى إنّ صحّة كلامه يتوقف على تسليم اصطلاح خاص له.

ففي الشق الأوّل الذي يدعى فيه انّ الاسم عين المسمّى يريد من الاسم المدلول لا اللفظ المتكلّم به و هو اصطلاح جديد لم نسمعه إلاّ منه و من أمثاله.

كما أنّ حكمه بأنّ الخالق و الرازق غيره، مبني على كون المشتق بمعنى المبدء أي الخلق و الرزق، و انّ معنى المشتق هو نسبة المبدء إلى الذات على نحو خروج الذات عن مدلول المشتق.


1 . لوامع البينات للرازي ص 18.
2 . شرح المواقف ج 8 ص 207.


(36)

و أمّا الثالث فهو نظرية أخرى بين القول بإتحاد صفاته الذاتية مع الذات و مغايرته، فالمعتزله على الأوّل و أهل الحديث على الثاني، و لمّا لم ينجح الشيخ في القضاء الحاسم بين النظريتين إختار قولاً ثالثاً و هو أنّه لاهو و لاغيره، و هو بحسب ظاهره أشبه بارتفاع النقيضين إلاّ أن يفسّر بوجه يرفع ذلك الاشكال.

و الشيخ الأشعري يصّر في كتاب «الابانة» على أنّ الاسم نفس المسمّى و لايذكر وجهه (1).

و ما ذكرنا من المبني ( مراده من الاسم المدلول ) لتوجيه كلامه فإنّما ذكره اتباع مذهبه كـ «الايجي» في المواقف و «التفتازاني» في المقاصد و شرحه، و السيد الشريف في شرحه على المواقف.

يؤاخذ على الشيخ بأنّه أي حاجة في جعل هذا الاصطلاح أي اطلاق الاسم و ارادة المدلول منه حتى نحتاج إلى هذه التوجيهات.

ثم إنّ القائلين بالاتحاد استدلّوا بوجوه:

1 ـ قالوا : إنّ اللّه تعالى أمر بتسبيح اسمه و قال: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَْعْلى)(الاعلى/1). و دلّ العقل على أنّ المسبّح هو اللّه تعالى لاغيره و هذا يقتضي انّ اسم اللّه تعالى هو هو لاغيره.

2 ـ و قالو: إنّه سبحانه أخبر انّ المشركين عبدوا الأسماء و قال: ( ما تَعْبِدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها اَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ) (يوسف/40).

و القوم ما عبدوا إلاّ تلك الذوات فهذا يدل على أنّ الاسم هو المسمّى.


1 . وراجع مقالات الاسلاميين، ص 290 ـ الطبعة الثالثة الفصل الخاص لبيان عقيدة أهل الحديث و السنّة.


(37)

3 ـ قالوا: اسم الشيء لو كان عبارة عن اللفظ الدال عليه لوجب ان لايكون للّه تعالى في الأزل شيء من الأسماء إذ لم يكن هناك لفظ و لالافظ و ذلك باطل.

4 ـ قالوا: إذا قال القائل: محمد رسول اللّه فلو كان اسم محمد غير محمد لكان الموصوف بالرسالة غير محمد.

5 ـ قالوا: إنّ لبيد يقول: «اسم السلام» و يريد نفس السلام حيث قال:

« إلى الحول ثم اسم السلام عليكما و من يبكِ عاماً كاملاً فقد اعتذر»(1).

و هذه الحجج التي نقلها الرازي تعرب من أنّ للمستدل كالشيخ الأشعري إصطلاح خاص في الاسم، فهو كلّما يطلق الاسم إنّما يريد المدلول لا اللفظ الدال.

و على ضوء ذلك فنقول:

أمّا الدليل الأوّل: فلأنّ الظاهر أنّ الآية تحثّ على تسبيح الإسم و تقديسه و تنزيهه لاعلى تنزيه المسمّى و ذلك لأنّه كما يجب تنزيه المدلول يجب تنزيه الدال، و ذلك بأن لايسمّى به غيره، فيكون ذلك نهياً عن دعاء غيراللّه تعالى باسم من أسماء اللّه فإنّ المشركين كانوا يسمّون الصنم باللات و كانوا يسمّون أوثانهم آلهة.

و يمكن أن يكون المراد تفسيره بما لايليق بساحته و لايصحّ ثبوته في حقه سبحانه.

و هناك وجه ثالث و هو أن تصان أسماء اللّه عن الإبتذال و الذكر لا على وجه التعظيم.

و وجه رابع و هو أنّه يمكن أن يكون تسبيح الاسم كناية عن تسبيح الذات كما في قولهم سلام على المجلس الشريف و الجناب المنيف إلى غير ذلك من الوجوه التي يمكن أن تكون باعثة لتسبيح الاسم نفسه.


1 . لوامع البينات للرازي ص21 ـ 22.


(38)

أمّا الدليل الثاني: فلأنّ المراد من قوله سبحانه: (ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ اِلاّ أسْماء سَمَّيْتُمُوها) إنّه ليس لها من الألوهية إلاّ التسمية و هي أسماء بلامسميات، وهذا كما يقال لمن سمّى نفسه باسم السلطان انّه ليس له من السلطنة إلاّ الاسم وكذا هنا و على ذلك فالمراد من قوله: (ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ اِلاّ أَسْماء سَمَّيْتُمُوهَا ) اي إلاّ أشخاصاً أنتم سمّيتموها آلهة و ليسوا بآلهة.

و أمّا الدليل الثالث: فلامحذور أن لايكون له اسم ملفوظ في الأزل غير أنّ فقدان هذه الأسماء لايلازم فقدان المدلولات، فاللّه سبحانه كان جامعاً لكمالات هذه الأسماء و مداليلها، و إن لم يكن هناك اسم على النحو اللفظي.

و أمّا الدليل الرابع: فساقط جداً لأنّ المبتدأ أعني قولنا: محمد يمثّل طريقاً إلى المدلول، و الحكم على ذي الطريق لاعلى نفس الطريق، و هذا حكم كلّ لفظ موضوع اسما كان أو فعلاً أو حرفاً.

و أمّا الدليل الخامس: فهو تمسّك بشعر شاعر علم بطلانه ببديهة العقل ومن المحتمل جدا انّ اقحام لفظة اسم في البيت لأجل الضرورة و إلاّ فلاوجه للعدول من « السلام عليكما » إلى « اسم السلام عليكما » (1).

و الرازي مع أنّه جعل المسألة بديهية، أخذ في الاستدلال على أنّ الاسم غير المسمّى لاقناع غيره الذي وقع في الشبهة مقابل البديهية، فقال: الذي يدل على أنّ الاسم غير المسمّى وجوه:

منها:إنّ أسماء اللّه كثيرة و المسمّى ليس بكثير.

منها قوله تعالى: (وَ لِلّهِ الاَْسْماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِها ) حيث أمرنا أن ندعواللّه تعالى بأسمائه، و الشيء الذي يدعي مغاير للشيء الذي يدعى به ذلك المدعو.

إلى غير ذلك من الوجوه التي لاتحتاج إلى الذكر و البيان.


1 . لاحظ لوامع البينات للرازي ص 21 ـ 22، و شرح المواقف ج 8 ص207 ـ 208، و شرح المقاصد للتفتازاني ج 2 ص 69 ـ 70.


(39)

بيان آخر لوحدة الاسم و المسمّى

نعم هناك بيان آخر لتوحيد الاسم مع المسمّى غير معتمد على اصطلاح الأشعري من تفسير الاسم بالمدلول الذي هو متّحد مع المسمّى، و هذا الوجه هو ما أشار إليه علماء العرفان من انّ كلاًّ من العالم و القادر و الخالق ليس اسماً للذات المقدسة بل اسم للاسم، و الاسم للذات المقدسة هو الذات المنكشفة بحقيقة العلم أو القدرة.

توضيح ذلك: إنّه قد يطلق الأسم على اللفظ الدال على الذات المتّصفة بوصف الكمال، دلالة بالجعل و المواضعة و عندئذ يكون الاسم من قبيل الألفاظ والمسمّى من قبيل الأمر الخارجي، و على ذلك فلامسوّغ للبحث عن الاتحاد.

و قد يطلق على الذات المنكشفة، بوصف من صفاته الكمالية و ذلك لأنّ ذاته سبحانه مبهمة في غاية الإبهام غير معروفة لأحد من خلقه، و إنّما تعرف عن طريق صفاته الجمالية، ولولا الصفات لما عرف سبحانه بوجه، و على ذلك يكون المراد من الاسم هو الحقيقية الخارجية المبهمة غاية الابهام، المنكشفة لنا بواحد من صفاته و على هذا يكون المراد من الاسم الذات المنكشفة، و المراد من الوصف نفس الكمال الواقعي، و الاسم و الوصف بهذا المعنى ليسا من الأمور الملفوظة أو الذهنية بل من الاُمور الواقعيّة الحقيقيّة العينيّة و عندئذ يكون ألفاظ الحي، و القادر، و العالم أسماء للاسم، كما يكون الحياة، و القدرة، و العلم أوصافاً للوصف لاأسماء وصفاتاً لذاته سبحانه، فالاسم نفس المسمّى لكن اسم الاسم غيره، و هذا المعنى الدقيق العرفاني لايقف عليه إلاّ من له قدم راسخ في الأبحاث العرفانية و أين هو من تفسير الشيخ، الاسم بالمدلول و الحكم بأنّ المدلول نفس المسمّى؟

و على أيّ تقدير فالظاهر من الروايات أنّ القول بالاتحاد كان ذائعاً في عصر أئمّة أهل البيت و ما ذكره الشيخ الأشعري كان توجيهاً لتلك العقيدة الباطلة و إن كان أصحابها غافلين عن ذلك التوجيه، و إليك ما روي عنهم (عليهم السلام) في


(40)

ذلك الباب:

1 ـ روى الكليني عن عبدالاعلى، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: « اسم اللّه غيره، و كلّ شيء وقع عليه اسم شيء»(1)فهو مخلوق ما خلااللّه، فأمّا ما عبّرته الألسن أو ما عملت الأيدي فهو مخلوق ـ إلى أن قال ـ: و اللّه خالق الأشياء لا من شيء كان، واللّه يسمى بأسمائه و هو غير أسمائه و الأسماء غيره (2).

2 ـ روي الكليني عن علي بن رئاب، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال:

«من عبداللّه بالتوهّم فقد كفر.

و من عبد الاسم دون المعنى فقد كفر.

و من عبد الاسم و المعنى فقد أشرك.

و من عبد المعنى بايقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه، و نطق به لسانه في سرائره و علانيته، فأولئك أصحاب أميرالمؤمنين حقّاً»(3).

ترى أنّه (عليه السلام) يقسّم العابد حسب اختلاف المعبود إلى أقسام:

الف ـ فمن عابد للّه سبحانه لكن بالتوهّم و الشك فهو كافر باللّه لأنّ الشك كفرٌبه.

ب ـ و من عابد للاسم أي الحروف أو المفهوم الوضعي معرضاً عن المعنى المعبّر عنه فقد كفر أيضا لأنّه لم يعبد المعبّر عنه بالاسم لأنّ الحروف و المفهوم غير الواجب الخالق للكلّ فإنّما الاسم بلفظه و مفهومه تعبير عن المعنى المقصود.


1 . أي لفظ «الشيء».
2 . الكافي ج 1 باب حدوث الأسماء ص 112 الحديث 4، و توحيد الصدوق باب أسماء اللّه ص 192 الحديث 5.
3 . الكافي ج 1 باب المعبود ص 87 الحديث1.


(41)

ج ـ و من عابد للاسم و المعنى أي كلّّ واحد منهما أو مجموعهما فقد أشرك.

و التعبير بالشرك و الكفر في القسمين الأوّلين لايخفى لطفه.

د ـ و من عابد للمعنى المقصود من هذه الأسماء بأن اعتقد الهاً خارجاً عن اطار الألفاظ و المفاهيم الذهنية و عقد عليه قلبه و جعل اللفظ معبراً عنه، فهو موحّد يقتفي أثر سيّدالموحّدين علي (عليه السلام).

3 ـ و روي عن هشام بن الحكم انّه سأل أباعبداللّه (عليه السلام) عن أسماء اللّه و اشتقاقها: اللّه ممّا هو مشتق؟ قال فقال: يا هشام، اللّه مشتق من اِله، و الاله يقتضي مألوهاً، و الاسم غير المسمّى، فمن عبدالاسم دون المعنى فقد كفر، و لم يعبد شيئاً، و من عبد الاسم و المعنى فقد كفر و عبد اثنين، و من عبد المعنى دون الاسم فذلك التوحيد. أفهمت يا هشام؟

قال: فقلت: زدني، قال:« إنّ للّه تسعة و تسعين اسماً فلو كان الاسم هو المسمّى، لكان كلّ اسم منها إلهاً، و لكن اللّه معنى يُدَلُّ عليه بهذه الأسماء و كلّها غيره ـ إلى أن قال ـ يا هشام، الخبز اسم للمأكول، و الماء اسم للمشروب، و الثوب اسم للملبوس، و النار اسم للمحرق، أفهمت يا هشام فهماً تدفع به و تناضل به أعداءنا و المتخذين مع اللّه جلّ و عزّ غيره؟» (1).

و رواه أيضاً عن عبدالرحمن بن أبي نجران لكن باختلاف يسير، قال: كتبت إلى أبي جعفر أو قلت له: جعلني اللّه فداك نعبد الرحمن الرحيم الواحد الأحد الصمد؟ قال: فقال: إنّ من عبد الاسم دون المسمّى بالأسماء أشرك و كفر و جحد، و لم يعبد شيئاً بل اعبدوا اللّه الواحد الأحد الصمد المسمّى بهذه الأسماء، دون الأسماء، إنّ الأسماء صفاته وصف بها نفسه(2).


1 . الكافي ج1 باب المعبود ص 87 الحديث 2.
2 . المصدر نفسه، الحديث 3.


(42)

ترى أنّه (عليه السلام) يستدل على المغايرة بوجهين:

الأوّل: إنّ لله أسماء متعدّدة فلو كان الاسم عين المسمّى لزم تعدد الالهة لبداهة مغايرة تلك الأسماء بعضها لبعض.

الثاني: إنّ الخبز اسم لشيء يحكم عليه بأنّه مأكول، و معلوم أنّ هذا اللفظ غير مأكول.

3 ـ هل اسماؤه توقيفية أو لا ؟

المراد من توقيفية أسمائه توقف اطلاقها على الاذن فيه، و ليس الكلام في الأسماء الموضوعة له بين شعوب العالم حسب اختلاف ألسنتهم حيث أنّ العرب يسمّيه سبحانه «اللّه» و العجم «خدا» و الترك «تارى» و قسم من الافرنج « God» كلّ اُمّة من الامم تسميه سبحانه باسم يشيرون به إلى ما يؤمنون به بالفطرة.

إنّما النزاع في غير هذا القسم كالذي يشعر بوصف من صفاته أو أفعاله كالعالم و القادر.

فذهبت المعتزلة و الكرّامية إلى أنّه إذا دلّ العقل على اتّصافه تعالى بصفة وجودية أو سلبية: جاز أن يطلق عليه اسم يدل على اتصافه بها سواء ورد بذلك أذن شرعي أو لم يرد و كذا الحال في الأفعال.

و قال القاضي الباقلاني من الأشاعرة: كلّ لفظ دلّ على معنى ثابت للّه تعالى جاز إطلاقه عليه بلاتوقيف إذا لم يكن إطلاقه موهماً لما لايليق بكبريائه، فمن ثمّ لم يجز أن يطلق عليه لفظ العارف لأنّ المعرفة قد يراد بها علم يسبقه غفلة، و لا لفظ الفقيه لأنّ الفقه فهم غرض المتكلّم من كلامه، و ذلك مشعر بسابقة الجهل، و لا لفظ العاقل لان العقل علم مانع عن الاقدام على ما لاينبغي، مأخوذ من العقال،و إنّما يتصوّر هذا المعنى في من يدعوه الداعي إلى ما لاينبغي و لالفظ الطبيب لأنّ الطب يراد به علم مأخوذ من التجارب إلى غير ذلك من الأسماء التي فيها نوع ايهام


(43)

بما لايصحّ في حقّه تعالى.

و ذهب بعض آخر إلى أنّه يشترط وراء ذلك الإشعار بالتعظيم حتّى يصحّ الاطلاق بلاتوقيف.

و ذهب الشيخ الأشعري و متابعوه إلى أنّه لابد من التوقيف و ذلك للاحتياط احترازاً عمّا يوهم باطلاً لعظم الخطر في ذلك، فلايجوز الإكتفاء في عدم ايهام الباطل، بمبلغ ادراكنا بل لابد من الاستناد إلى إذنالشارع(1).

و قال الغزالي: «إنّ الأسماء موقوفة على الاذن و أمّا الصفات فغير موقوفة عليه و هو خيرة الرازي في كتابه» (2).

و حجّة من ذهب إلى التوقيف على الاطلاق هو أنّه لو لم يتوقّف ذلك على الاذن لجاز تسميته عارفاً و فقيهاً و عاقلاً و فطناً و طبيباً، و لكنّه مدفوع بما ذكره الباقلاني من أنّ الجواز فيما إذا لم يكن هناك نوع ايهام لما لايصحّ في حقّه تعالى و ما ذكر من الأمثلة من هذا القبيل، و لأجل ذلك لايمكن تسميته سبحانه بالخادع والماكرو المستهزيء، و إن نسب سبحانه الافعال إلى نفسه و قال:

( يُخادِعُونَ اللّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ ) (النساء/142).

(اِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَ اَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً)(الطارق/17).

( اَللّهُ يَسْتَهْزىءُ بِهِمْ وَ يَمَدُّهُمْ فِى طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (البقرة/15).

فلايصحّ في مقام الدعاء أن يقول: يا أيّها الخادع و الكائد و المستهزىء اقض حاجتي، فإنّ الجري و النسبة غير التسمية و الأوّل خال عن الإيهام لأنّ اللفظ ورد من باب المشاكلة في الكلام، كما هو واضح لمن لاحظ الآيات بخلاف التسمية، فإنّه


1 . شرح المواقف ج 8 ص 210، و شرح المقاصد ج 2 ص 171.
2 . لوامع البينات للرازي ص 36.


(44)

خال عن تلك القرينة.

و أمّا التفصيل الذي ذكره الغزالي و اختاره الرازي فحجّته إنّا أجمعنا على أنّه لايجوز لنا أن نسمّي الرسول باسم ما سماه اللّه به، و لاباسم ما سمّى هو نفسه به فإذا لم يجز ذلك في حقّ الرسول بل في حقّ أحد من آحاد الناس فهو في حقّ اللّه تعالى أولى(1).

يلاحظ عليه: إنّ ما لايجوز في حقّ الرسول هو التسمية على وجه العلميّة كأن يقول:مكان يا محمداً و يا أحمد يا شيث فإنّه يعد نوع تصرف في سلطان الغير، ولكن المراد بالتسمية هنا هو توصيفه بما صدر منه من الأفعال أو اتّصف به من الصفات فمنعه موضع تأمّل، فلو قال رجل للنبي الأكرم أيها الصابر أمام العدو،والصافح عنه فلاوجه لمنعه، فالغزالي و الرازي خلطا التسمية على وجه العلمية بالتسمية بمعنى توصيفه بمحامد صفاته و جلائل أفعاله.

ثمّ انّه أورد على نفسه و قال: أليس انّ العجم يسمّون اللّه تعالى بقولهم: «خداى» و الترك بقولهم «تنكرى» و الاُمّة لايمنعون من هذه الألفاظ؟ أجاب: إنّ ذلك من باب الاجماع فيبقى ما عداه على الأصل(2).

يلاحظ عليه: إنّ جواز ذلك ليس من باب الاجماع فإنّ ذلك كان ذائعاً قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه و آله فإنّ كلّ أمّة حسب وحي الفطرة تشير إلى القوّة الكبرى السائدة على العالم بلفظ من الألفاظ و لم ينقل عن أحد منع الشعوب عن التكلّم بلسانها عمّا تجده في فطرتها و الزامهم على التعبير عنه باللفظ العربي أو غيره.

و الذي أظن أنّ تسميته بما ليس فيه ايهام لما لايصحّ وصفه به جائز لامانع منه، و أمّا توصيفهبه، فلاوجه لمنعه لأنّ مدلول اللفظ لمّا كان ثابتاً في حقّه تعالى كان وصفاللّه تعالى به كلاماً صادقاً.


1 . لوامع البينات للرازي ص 39.
2 . لوامع البينات للرازي ص 39.


(45)

ثم إنّه ربما يستدل على التوقيفية بقوله سبحانه:(وَ للّهِ الاَْسْماءُ الْحُسْنى فَاُدْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى اَسْمائِهِ سَيُجْزَونَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)(الأعراف/180).

و الاستدلال مبني على أمرين:

1 ـ إنّ اللام في الأسماء الحسنى للعهد تشير إلى الأسماء الواردة في الكتاب والسنّة.

2 ـ إنّ الالحاد هو التعدي إلى غير ما ورد فيهما.

و كلا الأمرين غير ثابت، أمّا الأوّل فالظاهر ان اللام في الأسماء للاستغراق قدّم عليها لفظ الجلالة لأجل إفادة الحصر و معنى الاية انّ كلّّ اسم أحسن في عالم الوجود فهو للّه سبحانه لايشاركه فيه أحد، فإذا كان اللّه سبحانه ينسب بعض هذه الأسماء إلى غيره كالعالم و الحيّ فأحسنها للّه أعني الحقائق الموجودة بنفسها، الغنيّة عن غيرها و الثابتة أيضاً لغيره من العلم و الحياة و القدرة المفاضة من جانبه سبحانه من تجلّيات صفاته و فروعها و شؤنها، و الآية بمنزلة قوله سبحانه: ( اِنَّ الْقُوَةَ لِلّهِ جَمِيعاً )(البقرة/165) و قوله: ( فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) (النساء/139) و على ذلك فمعنى الاية: إنّ للّه سبحانه حقيقة كلّ اسم أحسن لايشاركه غيره إلاّ بما ملّكهم منه كيفما أراد و حيث شاء.

و أمّا الثاني فلأن الالحاد هو الميل عن الوسط إلى أحد الجانبين و هو يتصوّر في أسمائه بوجوه:

1 ـ اطلاق أسمائه على الأصنام بتغييرما كاطلاق «اللات» المأخوذ من الاله بتغيير على «الصنم» المعروف، و اطلاق «العزّى» المأخوذ من العزيز، فكان المشركين يلحدون و يميلون عن الحقّ بسبب هذه الإطلاقات لإرادتهم التشريك والحطّ من مرتبة اللّه.


(46)

2 ـ تسميته بما لايجوز وصفه به لما فيه من النقص كوصفه سبحانه بأبيض الوجه وجعد الشعر، و مثله تسميتة بالخادع و الماكر و الكائد.

3 ـ تسميته ببعض أسمائه دون بعض حيث كان العرب يقولون:«يا اللّه و يا رحيم» و لايقولون «يا رحمان» و لدفع ذلك قال سبحانه: (قُلِ ادْعُوا اللّهَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ اَيّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الاَْسْماءُ الْحُسْنى ) (الاسراء/10). و قال سبحانه: ( وَ اِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ ما الْرَّحْمن اَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَ زادَهُمْ نُفُوراً)(الفرقان/60).

إلى غير ذلك من أقسام الإلحاد و العدول عن الحقّ في أسمائه.

و بذلك يظهر أنّه لامانع من توصيفه سبحانه بالواجب أو واجب الوجود أو الصانع أو الأزلي أو الابدي و ان لم ترد فيها النصوص مع أنّه سبحانه يقول: (صُنْعَ اللّهِ الَّذِى اَتْقَنَ كُلَّ شَىء)(النمل/88).

و أضعف من القول بالتوقيف، القول بأنّ الذي ورد به التوقيف تسعة و تسعون اسماً، حيث روا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «إنّ للّه تبارك و تعالى تسعة و تسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة» و قد أخرج الترمذي و ابن المنذر و ابن حبّان و ابن مندة و الطبراني و الحاكم و المردويه و البيهقي فهرس هذه الأسماء باسنادهم عن أبي هريرة(1).

مع انّه ورد في الكتاب و السنّة أسامي خارجة عن التسعة و التسعين كالبارئ، و الكافي، و الدائم، و البصير، و النور، و المبين، و الصادق، و المحيط، والقديم، و القريب، و الوتر، و الفاطر، و العلاّم، و المليك، و الأكرم، و المدبّر، و الرفيع، و ذي الطول، و ذي المعارج، و ذي الفضل، و الخلاّق، و المولى، والنصير، و الغالب، و الرب، و الناصر، وشديدالعقاب، و قابل التوب، وغافرالذنب، و مولج الليل في النهار، و مولج النهار في الليل، و مخرج الحي من


1 . سيوافيك نقله من صحيح الترمذي، و نقله السيوطي عنه في الدرّ المنثور.


(47)

الميت، ومخرج الميت من الحي، والسيّد، والحنّان، والمنّان.

وقد شاع في عبارات العلماء المريد، و المتكلّم، و الشىء، و الموجود، والذات، و الأزلي، و الصانع، و الواجب(1). أضف إلى ذلك: إنّ اثبات الشيء لايدل على نفي ماعداه، فعدم ورود بعض الأسماء في هذه الرواية لايدل على تحريم تسميتهبه.

الروايات و توقيفية الأسماء

و ربّما يستدل على توقيفية الأسماء ببعض الروايات المرويّة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

1 ـ فعن محمدبن حكيم قال: كتب أبوالحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) إلى أبي:« إنّ اللّه أعلى و أجل و أعظم من أن يبلغ كنه صفته، فصفوه بما وصف به نفسه و كُفّوا عمّا سوى ذلك»(2).

و الشاهد في قوله: «كفّوا عمّا سوى ذلك»

2 ـ ما رواه حفص أخو مرازم عن المفضّل. قال سألت أباالحسن (عليه السلام) عن شيء من الصفة فقال:لاتجاوزوا ما في القرآن(3).

و الروايتان لاتخلوان من الضعف سنداً و دلالة، فقد ورد في سندهما سهل بن زياد و هو ضعيف، كما اشتمل الثاني على ضعيف كسندي بن ربيع، و مجهول كحفص «أخومرازم»، و امّا ضعف الدلالة فمن المحتمل جداً إنّ الهدف منع تسميته بما يسمّى به عوام الناس من غير اكثرات، فربما يسمّونه باُمور يشتمل على


1 . شرح المقاصد للتفتازاني ج 2 ص 172.
2 . الكافي ج 1 باب النهي عن الصفة بغير ما وصف اللّه به نفسه الحديث 6.
3 . المصدر نفسه.


(48)

جهات من النقص و التشبيه، فلأجل ذلك يقول الامام:«كفّوا عمّا سوى ذلك» أو «لاتتجاوزوا ما في القرآن»، و أمّا إذا كانت التسمية بريئة عن النقص و العيب، مناسبة لساحته سبحانه من العزّ و التنزيه كتوصيفه بواجب الوجود فالروايات منصرفة عنه.

و الذي يقوّي ذلك الاحتمال انّه ورد في الأوساط الاسلامية صفات خبرية تعد من بدع اليهود و النصارى فقد أدخلها أحبار اليهود و رهبان النصارى حتى يشوّهوا بذلك عقائد المسلمين كما حقّفناه في موسوعتنا حول الملل و النحل(1).

و أمّا إذا كانت التسمية و التوصيف مطابقة للضوابط التي يستقل به العقل في توصيفه و تحميده و تكريمه فالروايتان منصرفتان عنه، و بذلك يتّضح أنّه يصحّ تسميته بواجب الوجود، و توصيفه بالضرورة الأزلية، و غير هما مما ورد في كتب الفلسفة و العرفان.

4 ـ بساطة الذات و كثرة الأسماء

إنّ الكتاب و السنّة يثبتان للّه سبحانه أسماءً و صفات متكثّرة و مختلفة هذا من جانب، و من جانب آخر تدل البراهين العقلية على أنّه سبحانه بسيط غير متكثّر فعندئذ كيف تجتمع البساطة مع كثرة الصفات؟ فهما متغايران في بدء النظر.

و إن شئت قلت: إنّ الوحدة كمال و الكثرة نقصان، و هذا يقتضي وحدة الذات من دون طروء كثرة هناك. هذا من جانب.

و من جانب آخر: إنّ الموجود الذي هو قادر على جميع المقدورات، و عالم بجميع المعلومات، حيّ، حكيم، سميع، بصير، أكمل من الموجود الذي ليس كذلك فلامناص من اثبات الصفات المختلفة عليه و عندئذ يقع العقل في حيرة


1 . لاحظ: الجزء الأوّل من تلك الموسوعة التي انتشرت باسم «بحوث في الملل و النحل».


(49)

ودهشة بسبب تعارض هذين الأمرين و كلّ منهما يهدف إلى اثبات الكمال للّه سبحانه ولأجل ذلك ذهبت فرقة إلى نفي الصفات خوفاً من انكار الوحدانية، كما انّ طائفة اُخرى وقعوا في مغبّة الكثرة رغبة في توصيفه بالصفات الكمالية، و هناك ثلّة جليلة جمعوا بين الوحدة و البساطة، و كونه متّصفا بصفات كمالية مختلفة.

ثمّ ان الإشكال إنّما هو في الصفات الجمالية التي يعبّر عنها بالصفات الثبوتية لكونها راجعة إلى صفات وجودية تختلف كلّ منها عن الاُخرى، فيُشكل الجمع بينها و بين القول بالوحدة و البساطة، و أمّا الصفات الجلاليّة أعني الصفات السلبية مثل قولنا ليس بجسم و لاعرض فلاتوجب كثرة السلوب، كثرة في الذات بشهادة انّه يصحّ سلب كثير من الاُمور عن الجزء الذي لايتجزئ.

و مثلها كثرة النسب و الاضافات التي تنسب إلى الذات في مرحلة متأخّرة فهي لاتوجب كثرة في الذات، و ذلك نظير الوحدة فإنّها أبسط الأشياء مع أنّه يلحقها اُمور إضافية و نسبيّة. فيقال: الواحد نصف الاثنين، و ثلث الثلاثة، و ربع الأربعة وهكذا إلى غير النهاية من النسب و الاضافات العارضة للواحد ، فالكلام كلّه في الصفات الثبوتية كالعلم و القدرة و الحياة التي لها حقائق خارجية.

ثمّ ان بعض المتكلّمين لمّا لم يتوفّق للجمع بين وحدة الذات و كثرة الصفات لجأ إلى أحد الأمرين:

الأوّل: إرجاع الصفات الثبوتية إلى السلبية و قد عرفت انّ كثرة السلوب لاتنثلم به وحدة الشيء فمعنى كونه عالماً أنّه ليس بجاهل، و معنى كونه قادرا أنّه ليس بعاجز و هكذا و هذه النظرية منسوبة إلى أبي إسحاق النظام، و لكنّها غير تامّة لأنّه سبحانه واجد لواقعيّة هذه الكمالات حسب الأقيسة العقلية، و حسب ما يرشد إليه الكتاب و السنّة فهو متصف بالعلم و القدرة، و بالتالي يطرد عن ذاته الجهل والعجز في الدرجة الثانية لا أنّه ليس له هذه الكمالات و إنّما يسلب عنه النقائص.


(50)

الثاني: القول بالنيابة و حاصله أنّه ليس هناك علم و لاقدرة ولاحياة و لكن يترتب على الذات ما يترتب على وجود هذه الصفات، فالذات لأجل كمالها تقوم مقامها و هذا القول منقول عن بعض المعتزلة(1). و هو أيضاً مخالف للبرهان وظاهر الكتاب و السنّة.

إنّ هناك طائفة جليلة و في مقدّمتهم الراسخون في الحكمة الالهية جمعوا بين بساطة الذات و اتّصافه بحقائق هذه الأوصاف بمعنى: إنّ وجوداً واحدا كلّه علم، وكلّه قدرة، و كلّه حياة، لا أنّ بعضه علم، و بعضه الآخر قدرة، و بعضها الثالث حياة و لايقف عليه إلاّ من له قدم راسخ في الأبحاث الفلسفية و لأجل ذلك نرى أنّ الفخر الرازي يردّ هذه النظرية بسهولة، فيقول «و هذا أيضاً ضعيف لأنّ المفهوم من كونه «قادراً» غير المفهوم من كونه «عالماً » و حقيقة الذات الواحدة، حقيقة واحدة والحقيقة الواحدة لاتكون عين الحقيقتين، لأنّ الواحد لايكون نفس الاثنين»(2).

ثمّ اختار أنّ صفاته سبحانه زائدة على الذات و لم يبال بوجود الكثرة في ساحة الذات و تعدد القدماء، و الحقّ إنّ المسألة تعدّ من الأسرار الالهية التي يستصعب ادراكها إلاّ على من آتاه اللّه من لدنه علماً و حكمة كما أشار إليه صدرالمتألّهين(3).

فنقول: إنّ ما ذكره الرازي مردود بوجهين:

أوّلاً: فبالنقض بأنّ موجوداً امكانياً كزيد كلّه معلوم للّه سبحانه، و كلّه مقدور له و حيثيّة المعلومية في الخارج،نفس حيثية المقدورية و ليست حيثية المعلومية في الخارج مغايراً لحيثية المقدورية، و إلاّ يلزم أن تكون الحيثيّة الثانية غير معلومة للّه سبحانه، و هو خلف، لفرض كونه عالماً بكلّ شىء و لأجل ذلك نقول: ثبت في


1 . هو رأي «عبّاد بن سليمان المعتزلي» و الجبائيان خلافاً لأبي الهذيل العلاّف عنهم، لاحظ «بحوث في الملل و النحل ج 2 ص 80 ـ 81».
2 . لوامع البينات للرازي ص 24.
3 . الأسفار الأربعة: ج 6 ص 10.


(51)

محله أنّ الكثير قابل للانتزاع من الواحد من حيث أنّه واحد و إن كان الواحد من حيث أنّه واحد لايمكن انتزاعه من الكثير بما هو كثير.

و ثانياً: فبالحل: فإنّ ما ذكره من أنّ المفهوم من كونه قادراً غير المفهوم من كونه عالماً و ان كان صحيحاً لكن ما رتّب عليه من قوله «و الحقيقه الواحدة لاتكون عين الحقيقتين، لأنّ الواحد لايكون نفس الاثنين» غير صحيح و منشأ الاشتباه هو الخلط بين التغاير المفهومي و التغاير الخارجي فكلّ مفهوم يستحيل أن يكون في عالم المفهومية نفس المفهوم الآخر، فلو قال قائل زيد موجود و أراد إنّ نفس مفهوم المسند إليه نفس مفهوم المسند فقد أخطأ خطأً عظيماً، و ليس مفاد الحمل الشائع الحكاية عن الوحدة في عالم المفهوم و لو أراد الرازي هذا لصحّ قوله:«الواحد لايكون نفس الأثنين».

و أمّا لو أراد الحقيقة الخارجية فهو غير صحيح إذ لامانع من أن يكون شيء واحد بما هو واحد مصداقاً لمفهومين مختلفين، وقد عرفت أنّ كلّ موجود امكاني كلّه معلوم للّه سبحانه، كما أنّ كلّه مقدور، و ليست حيثيّة المعلوميّة مغايرة للحيثيّة المقدوريّة و إلاّ يلزم ان يكون جهة المعلوميّة خارجة عن اِطار قدرته، أو العكس.

قال الحكيم السبزواري: «اختلط عليهم المفهوم و المصداق فيرون اختلاف المفاهيم و يتوهّمون اختلاف وجودها و مصداقها بحسبها، و كأنّهم لم يقرع أسماعهم جواز انتزاع مفاهيم مختلفة من مصداق واحد و هذا نظير أنّه يصدق عليك إنّك مقدور للّه و معلوم، و مراد و معلول له، و أنّك مشخص واحد، و لايمكنك أن تقول: أنا مقدور من جهة، و معلوم من جهة اُخرى مثلاً، إذ يلزم أن تكون حيثيّة مقدوريتك غير معلومة له مع أنّه لايعزب عن علمه مثقال ذرّة و حيثيّة معلوميتك غير مقدورة له مع ثبوت عموم قدرته، فظهر أنّ اتّحاد مفاهيم كثيرة في الوجود و المصداق واقع»(1).


1 . شرح المنظومة للحكيم السبزواري ص154 ـ 155.


(52)

قال صدر المتألهين: «واجب الوجود و إن وصف بالعلم و القدرة و الإرادة لكن ليس وجود هذه الصفات فيه إلاّ وجود ذاته بذاته، فهي و إن تغايرت مفهوماتها لكنّها في حقّه تعالى موجودة بوجود واحد» قال الشيخ في التعليقات: «الأوّل: إنّه تعالى لايتكثر لأجل تكثّر صفاته لأنّ كلّ واحدة من صفاته إذا حقّقت تكون صفة أخرى بالقياس إليه، فيكون قدرته حياته، و حياته قدرته، و تكونان واحدة، فهو حيّ من حيث هو قادر، و قادر من حيث هو حيّ، و كذا في سائر صفاته»(1).

و إن شئت قلت: إنّ الوجود ربّما يبلغ في الكمال مرتبة كاملة لايتصور فوقه فيكون بوحدته و بساطته نفس هذه الكمالات من العلم و القدرة و الحياة من غير أن تتكثّر الذات و تتعدّد حقيقة أو اعتباراً و حيثيةً، و ذلك لأنّ حيثيّة الذات بعينها حيثية هذه الصفات.قال أبو نصر الفارابي:

«وجود كلّه، وجوب كلّه، علم كلّه، قدرة كلّه، حياة كلّه لا أنّ شيئاً منه علم وشيئاً آخر منه قدرة ليلزم التركيب في ذاته، و لا أنّ شيئاً فيه علم و شيئاً آخر فيه قدرة ليلزم التكثّر في صفاته الحقيقية»(2).

بيان آخر لوحدة الصفات

ثمّ إنّ الراسخين في الحكمة الالهيّة أرجعو الصفات الثبوتية إلى وصف واحد و الصفات السلبية إلى سلب واحد، كما ارجعوا الصفات الاضافية إلى اضافة واحدة و ليس هذا الارجاع أمراً اعتبارياً ذهنيّاً بل التعليل العقلي يشهد بذلك مثلاً إنّ سلب الامكان عنه تعالى مبدأ لسائر السلوب فأنّ الجوهرية و العرضية و الحدوث و الحلول كلّها من لوازم الامكان فسلبه يلازم سلب كلّ هذه الصفات السلبية، كما أنّ جميع


1 . الأسفار: ج 6 ص 120.
2 . الأسفار: ج 6 ص 121، و الفرق بين القسمين هو: إنّ العلم في الشقّ الأوّل موجود في مرتبة الذات بخلافه في الشقّ الثاني فهو فيه زائد عليها.


(53)

الصفات الثبوتية من العلم و القدرة و الحياة يرجع إلى أصل واحد و هو وجوب الوجود و الوجود المتأكّد و قد عرفت أنّ المحقّق الطوسي إستنتج من توصيفه سبحانه بالغني، و الوجود، جميع الصفات الكمالية، كما أنّ جميع الصفات الإضافية كالخالقية و الرازقية و العلية ترجع إلى إضافة واحدة و هي اضافة القيّوميّة، فانّ كونه بحيث يقوم به غيره من وجود أو حيثية وجودية عبارة اُخرى عن قيّوميّته، فالخلق والرزق و الحياة و العزّة و الهداية حيثيّات وجوديّة و هي قائمة به مفاضة من عنده.

فاتّضح أنّه يمكن الجمع بين الكمالين: كمال البساطة و كمال اتّصاف الذات بواقع الصفات الكماليّة بشرط أن تقف على موضع الوحدة، و انّ المدّعى ليس اتحادها مع الذات في اطار المفهوم بل المدّعى اتّحاد واقعية الذات مع واقعيّة هذه الصفات في الخارج، و كم له من نظير في عالم الأعيان(1) .

5 ـ تقسيم صفاته إلى الجماليّة و الجلاليّة

إنّ صفات اللّه تعالى على نوعين: جماليّة و جلاليّة.

فالجماليّة عبارة عن الألفاظ الدالّة على معان قائمة بذات اللّه تعالى كقولنا: عالم، قادر، حيّ.

و الجلاليّة عبارة عن سلب معان عن اللّه سبحانه كقولنا: «اللّه ليس بجسم ولاجسمانيّ و لاجوهر و لاعرض» و لعلّه إلى القسمين يشير قوله سبحانه: (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلالِ وَ الاِْكْرامِ) (الرحمن/78).

فصفة الجلال ما جلّت ذاته عن مشابهة الغير، و صفة الاكرام ما تكرمت


1 . و سنرجع الى هذا البحث عند دراسة كون صفاته عين ذاته، و ما ذكر هنا ـ كثرة أسمائه وبساطة ذاته ـ و ماسيأتي: صفاته عين ذاته، وجهان لعملة واحدة غير أنّ حيثيّة البحث في المقامين مختلفة.


(54)

ذاتهبها و تجملت(1).

و بعبارة أخرى الصفة إمّا ايجابيّة ثبوتيّة، و إمّا سلبيّة تقديسيّة، و قد حصروا الاولى في ثمانية و هي العلم، و القدرة، و الحياة، و السمع، و البصر، و التكلّم، و الغنى، و الصدق، كما حصروا الثانية في سبعة و هي انّه تعالى ليس بجسم، ولاجوهر، و لاعرض، و لايُرى، و ليس بمتحيّز، و لاحالّ في غيره، و لايتّحد بشيء.

و بعبارة ثالثة لو كانت الصفة تثبت وجود كمال في الموصوف و واقعية في ذاته، تعدّ كمالاً لها و سميّت ثبوتية أو جماليّة أو كماليّة أو معنويّة على اختلاف مصطلحاتهم، و لو كانت الصفة تهدف إلى نفي نقيصة و حاجة عنه سبحانه سمّيت سلبية أو جلاليّة، فالعلم و القدرة و الحياة من الصفات الثبوتيّة لأنّها تعرب عن وجود كمال في الذات الالهيّة كما انّ نفي الجسمانيّة و الحلول و التحيّز من الصفات السلبيه لأنّها تهدف إلى سلب هذه النقائص عن ساحته وذاته.

و على وجه الإجمال كلّ اسم يدل على تنزّهه تعالى و خروجه عن الحدّين: حد الإبطال و حد التشبيه فهو جلاليّ، مثل: عزيز، و سبّوح، و جليل، و سرمد، و غيرها مما تدلّ على غناه عمّا سواه و عدم مشابهته بشيء من خلقه، و كلّ اسم يدل على شيء من كمالاته تعالى فهو جماليّ مثل: عليم، و قدير، و سميع، و بصير، مما يدلّ على استحقاقه لشيء من الكمالات فجلاله عين جماله، و جماله عين جلاله، و كلاهما عين ذاته، و لكن التعدّد في عالم الأسماء فالأسماء الجلاليّة مظاهر عالم العزّة، و الأسماء الجمالية مظاهر عالم العظمة.

و لأجل ذلك ذهب المحقّقون إلى أنّ الصفات الثبوتيّة و السلبيّة لاتنحصر في الثمانية و السبعة فإذا كان الملاك فيهما اثبات كمال أو رفع نقص فكلّ كمال و جمال


1 . الأسفار ج 6 ص 118، و العجب إنّ الرازي جعل قوله «و الاكرام» إشارة الى الصفات الإضافيّة. لاحظ لوامع البينات: ص 33.


(55)

ثابت للّه سبحانه و هو واجد له،و كلّ نقص وحاجة منفيّ عنه سبحانه ومسلوب عنه.

و من هناك يمكن أن يقال: إنّه ليس لنا من الصفات الثبوتيّة إلاّ وصف واحد، و هو ثبوت الكمال المطلق له سبحانه، و من الصفات السلبيّة إلاّ سلب واحد و هو سلب النقص على وجه الاطلاق، فذاته سبحانه لاتخلو عن كلّ كمال و جمال، فلو وصفناها بالعلم و القدرة و الحياة و غيرها، فلأجل ان كلّ ذلك كمال و عدمها نقص، كما انّ سلب الجهل و العجز و الموت و الجسميّة و التركيب و الانفعال ليس إلاّ لاجل إنّها علامة النقص و الافتقار. على ضوء ذلك يمكن ارجاع جميع الصفات الثبوتية إلى وصف واحد، و ارجاع الصفات السلبيّة إلى سلب واحد من دون أن يكون هناك عناية بالثمانية أو السبعة، و يؤيّد ذلك إنّ الصفات و الأسماء التي وردت في القرآن الكريم تفوق بأضعاف المرّات هذا العدد الذي ذكره المتكلّّمون و الحكماء من الصفات للّه.

و قد عرفت كلام صدرالمتألّهين في هذا المضمار فلانعيد.

6 ـ تقسيم صفاته إلى الذاتيّة و الفعليّة

إنّ لصفاته سبحانه وراء التقسيم الماضي تقسيماً آخر و هو كون الصفة صفة ذات، أو كونه صفة فعل، فيعدّون العلم و القدرة و الحياة من صفات الذات، كما يعدّون صفة الخلق و الرزق و المغفرة من صفات الفعل، و هذا تقسيم متين جداً غير أنّ المهم تعريفهما بنحو جامع و مانع و إليك تعريفهما:

إذا كان فرض الذات و حدها كافياً في حمل الوصف عليه، فالوصف ذاتي.

و أمّا إذا لم يكن فرضها كافياً في توصيف الذات بها، بل توقّف على فرض غيرها «و لاغير في دار الوجود إلاّ فعله» فالصفة صفة فعل، و هذا كالخالق فإنّ الذات غير كافية لانتزاع الخلق و الرزق، بل يتوقّف على فرض الغير و هو فعله


(56)

سبحانه، فالذات إذا لوحظت مع الفعل و وصفت بأوصاف تسمّى تلك الأوصاف صفات الفعل(1) .

و إن شئت قلت: إنّ ما يحتاج في تحقّقه إلى فرض تحقّق الذات قبلاً، كالخلق و الرزق فهي الصفات الفعلية و هي زائدة على الذات، منتزعة عن مقام الفعل، و معنى انتزاعها عن مقام الفعل إنّا مثلاً نجد هذه النعم «التي نتنعّم بها ونتقلّب فيها» نسبتها إلى اللّه سبحانه نسبة الرزق المقرّر للجيش من قبل السطان فنسمّيها رزقاً و إن كان منتهياً إليه تعالى نسميه رزّاقاً و مثله الخلق و الرحمة و المغفرة و سائر الصفات الفعليّة، فهي تطلق عليه تعالى و يسمّى هو بها من غير أن يتلبّس بمعانيها كتلبّسه بالحياة و القدرة و غيرها من الصفات، و لو تلبّس بها حقيقة لكانت صفات ذاتيه غير خارجه من الذات(2) .

و على ضوء ذلك فالصفات على قسمين:

1 ـ ما لايحتاج في تحقّقه إلى فرض تحقّق الذات قبل الوصف و ذلك مثل العلم و القدرة و الحياة من غير فرق بين كونها متّحدة مع الذات في مقام الوجود كما عليه العدلية، و بين كونها زائدة عليها كما عليه أهل الحديث و الأشاعرة، فإنّ القول بالزيادة ليس بمعنى تحقّق الذات قبلاً ثم عروض هذه الصفات، و إنّما يكفي في ذلك تحقّق الذات و الصفة معاً، فهذه هي الصفات الذاتيه.

2 ـ ما يحتاج في تحقّقها في الخارج إلى فرض تحقّق الذات قبلاً كالخلق والرزق فهي الصفات الفعلية، و هي زائدة على الذات بحكم انتزاعها باعتبار صدور شيء منها.


1 . الميزان ج 8 ص 368.
2 . نهاية الحكمة: ص 284 و يقرب من ذلك ما ذكره الشيخ المفيد في «أوائل المقالات» ص


(57)

تعريف آخر للذاتية و الفعلية

و هناك تعريف آخر لتمييز الذاتية عن الفعلية و هو إنّ كلّ ما يجري على الذات على نسق واحد فهو صفة الذات مثل قولنا «يعلم» و «يقدر» و إنّه «حي» ولايصح أن يقال «لايعلم» و «لايقدر» و انّه «ليس بحي» أيضاً، و أمّا ما يجري عليه سبحانه على وجهين أي بالايجاب تارة و بالسلب اُخرى، فهذا صفة الفعل فيصح أن يقال يخلق و لايخلق، و يرزق و لايرزق،و يرحم و لايرحم.

قال الشيخ المفيد: «لايصحّ وصفه تعالى بأنّه يموت أو بأنّه يعجز أو بأنّه يجهل، و لايصحّ وصفه بالخروج عن كونه حيّاً و عالماً و قادراً، و لكن يصحّ الوصف بأنّه غير خالق اليوم، و لارازق لزيد، و لامحيي لميت، و لامبدىء لشيء في هذا الحال و لامعيد له، و يصح الوصف له بأنّه يرزق، و يمنع، و يحيي، و يميت، و يبدي، و يعيد، و يوجد، و يعدم، فثبت إنّ العبرة في أوصاف الذات و أوصاف الأفعال بما ذكرنا»(1).

و قد اختار هذا الملاك الشيخ الكليني في كافيه فانّه بعد ما نقل جملة من الروايات حول صفات الذات و صفات الفعل له تعالى قال:

«إنّ كلّ شيئين وصفت اللّه بهما و كانا جميعاً في الوجود أي ايجاباً و سلباً، اثباتا و نفياً فذلك صفة الفعل(2).

و لعلّ في بعض الروايات ما يؤيّد هذا التعريف(3).

7 ـ تقسيم صفاته إلى نفسيّة و اضافيّة

ثمّ انّه لصفاته الثبوتية تقسيماً آخر و هو تقسيمه إلى النفسيّة و الإضافيّة.


1 . تصحيح الاعتقاد: ص 185ـ 186.
2 . الكافي ج 1 ص 111.
3 . التوحيد للصدوق ـ باب صفات الذات و صفات الأفعال: الحديث 1 ص 139.


(58)

قال صدرالمتألّهين:

«و الثبوتيّة تنقسم إلى حقيقية كالعلم و الحياة، و اضافية كالخالقية و الرازقيّة و العليّة و جميع الحقيقيّات ترجع إلى وجوب الوجود أعني الوجود المتأكّد و جميع الاضافات ترجع إلى إضافة واحدة و هي اضافة القيّوميّة»(1).

و بعبارة اُخرى: فما لاإضافة في معناه إلى الخارج عن مقام الذات كالحياة، فهو نفسيّ، و ماله اضافة إلى الخارج سواء كان معنى نفسيّاً ذااضافة كالصنع والخلق فهي النفسيّة ذات الاضافة، أو معنى إضافيّاً محضاً كالخالقيّة و الرازقيّة فهي الإضافة المحضة(2).

8 ـ تقسيم آخر منسوب إلى أهل المعرفه

و هناك تقسيم آخر ينسب إلى أهل المعرفة ذكره الحكيم السبزواري في «أسرار الحكم» و حاصله: تقسيم صفاته إلى تنزيهيّة و تشبيهيّة، و المقصود من الأوّل ما لايوجد إلاّ في الواجب جلّ اسمه، كقولنا: القديم الأزلي، و الذاتي، و البسيط المحض، و القدّوس المفسّر عندهم بما لاماهية له، فإنّها صفات خاصّة، لايوجد نظيرها في الموجودات الامكانية حتّى بالمعنى المناسب لها.

و المراد من الثاني ما يوجد نظيره في الممكنات كالسميع و البصير، فإنّه و إن كان فرق واضح بين كونه سميعاً و بصيراً و كون الإنسان كذلك، لكن النتيجة مشتركة بينهما(3).

و هذا التقسيم أمر لاطائل تحته: لأنّ صفاته تحمل عليه، بقيد التجريد عن وصمة الامكان وسمة المادية، و عندئذ يكون الجميع أوصاف كمال و صفات جمال تنزّه بها ربّنا عن النقائص.


1 . الاسفار ج 6 ص 118 ـ 119.
2 . الميزان ج 8 ص 369.
3 . أسرار الحكم ص 49.


(59)

9 ـ تقسيم صفاته إلى الذاتيّة و الخبريّة

قسّم بعض المتكلّمين صفاته سبحانه إلى ذاتية و خبرية، و المراد من الاُولى أوصافه المعروفة من العلم و القدرة و الحياة، و المراد من الثانية ما أثبتته ظواهر الآيات و الأحاديث له سبحانه و أخبرت عنها كالقدم و الوجه و اليدين و القدوم والنزول إلى غير ذلك، و هذه الصفات قد أوجدت ضجّة كبرى بين المتكلّمين، فقسّمتهم إلى طوائف مختلفة، و سنبحث عن هذه الصفات في فصل خاص.

10 ـ تقسيمها إلى صفات اللطف و القهر

إنّ صفاته سبحانه تنقسم ـ حسب الظاهر ـ إلى صفات لطف و صفات قهر. فالمتبادر من الرحمن و الرحيم و الغفور و الحليم، يضاد المتبادر من القاهر والجبّار و المنتقم، و قد ورد في الأدعية توصيفه بـ«قاصم الجبارين» و «مبيرالظالمين» ولكلّ مجال و مظاهر، و لذلك عند ما يأمر بقطع يدالسارق يصف نفسه بأنّه عزيز حكيم، يقول سبحانه: (وَ السَارِقُ وَ السَارِقَةُ فَاقْطَعُوا اَيْدِيَهُمَا جَزَاءَ بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(المائدة/38).و المقام يناسب لأن يتجلّى سبحانه بأوصافه القهاريّة، و لو قال مكانهما غفور رحيم لكان مخلاً بالبلاغة.

و لكنه سبحانه في المواضع التي تطلب بلاغة المقال يتجلى بوصف الرحمة والمغفرة و... و لكن هذا التقسيم، تقسيم ظاهري، و الكلّ مظاهر رحمته و مجالي رأفته، ولأجل ذلك قال أهل المعرفة: «تحت كلّ لطف قهر و تحت كلّ قهر لطف».

يقول سيد الموحّدين:

و كم للّه من لطف خفى *** يدقّ خفاه عن فهم الذكي

كيف و هو سبحانه يصف نفسه بقوله: (وَ رَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء)(الأعراف/155) و في الدعاء المأثور عن أميرالمؤمنين «يا من سبقت رحمته


(60)

غضبه» و لأجله نؤمن انّ في قهره رحمة للمقهور عليه، و إنّ في عذابه لطفاً خفيّاً للمعذّب.

11 ـ الأسماء العامّة و الخاصّة

إنّ بين نفس الأسماء سعة وضيقاً، و عموماً و خصوصاً، فمنها خاصة، و منها عامة، فالعالم اسم خاص بالنسبة إلى الحيّ، و عام بالنسبة إلى السميع و البصير والشهيد و اللطيف و الخبير.

و الرزّاق خاص بالنسبة إلى الرحمان، و عام بالنسبة إلى الشافي و الناصر، والهادي، و على هذا القياس.

فللأسماء الحسنى عرض عريض تأخذ في السعة و العموم، ففوق كلّ اسم ما هو أوسع منه و أعم، حتّى ينتهي إلى اسم اللّه الأكبر الذي يسع وحده، جميع حقائق الأسماء، و تدخل تحته شتات الحقائق بُرمّتها، و هو الذي نسمّيه غالباً بالاسمالأعظم.

و من المعلوم انّه كلّّما كان الاسم أعم، كانت آثاره في العالم أوسع،و البركات النازلة منه أكبر و أتم لما انّ الآثار للأسماء كما عرفت، فما في الاسم من حال العموم و الخصوص يحاذيه بعينه أثره، فالاسم الأعظم ينتهي إليه كلّ أثر و يخضع له كلّأمر(1).

12ـ هل الاسم الاعظم من قبيل الألفاظ؟

قد اشتهر بين الناس انّ للّه سبحانه بين أسماءه اسم أعظم مَن دعاه به استجيب دعوته، و هل هو من قبيل الألفاظ أو أنّ له حقيقة وراءها؟ فقد حقّق حاله سيدنا


1 . الميزان ج 8 ص 370 ـ 371.


(61)

الاُستاذ «قدس اللّه سره» في تفسيره نأتي برمّته.

شاع بين الناس انّه اسم لفظي من أسماء اللّه سبحانه إذا دعي به استجيب، ولايشذ من أثره شيء، غير أنّهم لمّا لم يجدوا هذه الخاصّة في شيء من الأسماءالحسنى المعروفة و لا في لفظ الجلالة، اعتقدوا انّه مؤلّف من حروف مجهولة تأليفاً مجهولاً لنا، لو عثرنا عليه أخضعنا به لإرادتنا كلّ شيء.

و في مزعمة أصحاب العزائم و الدعوات، إنّ له لفظاً يدل عليه بطبعه لا بالوضع اللغوي، غير ان حروفه و تأليفها تختلف باختلاف الحوائج و المطالب، ولهم في الحصول عليه طرق خاصّة يستخرجون بها حروفه أوّلاً، ثم يؤلّفونها و يدعون بها على ما يعرفه من راجع فنَّهم.

و في بعض الروايات الواردة اشعار ما بذلك كما ورد انّ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من بياض العين إلى سوادها،و ما ورد أنّه في آية الكرسي و أوّل سورة آل عمران، و ما ورد انّ حروفه متفرّقه في سورة الحمد يعرفها الإمام و إذا شاء ألّفها و دعا بها فاستجيب له.

و ما ورد إنّ آصف بن برخيا وزير سليمان دعا بما عنده من حروف «اسماللّهالاعظم» فاحضر عرش ملكة سبأ عند سليمان في أقل من طرفة عين، و ما ورد إنّ الاسم الأعظم على ثلاث و سبعين حرفاً قسّم اللّه بين أنبيائه اثنتين و سبعين منها، و استأثر بواحدة منها عنده في علم الغيب، إلى غير ذلك من الروايات المشعرة بأنّ له تأليفا لفظيّاً.

و البحث الحقيقي عن العلّة و المعلول و خواصّها يدفع ذلك كلّه، فإنّ التأثير الحقيقي يدور مدار وجود الأشياء في قوّته و ضعفه، و المسانخة بين المؤثّر، والاسم اللفظي إذا اعتبر من جهة خصوص لفظه، كان مجموعة أصوات مسموعة هي من الكيفيّات العرضيّة، و إذا اعتبر من جهة معناه المتصوّر كان صورة ذهنيّة لا أثر لها من حيث نفسها في شيء البتة، و من المستحيل أن يكون صوت «أوجدناه من طريق


(62)

الحنجرة أو صورة خياليّة نصورها في ذهننا» يقهر بوجوده وجود كلّ شيء، و يتصرّف فيما نريده على ما نريده فيقلب السماءأرضاً، و الأرض سماء، و يحول الدنيا إلى الآخرة و بالعكس و هكذا، و هو في نفسه معلول لارادتنا.

و الأسماء الالهية واسعة، و اسمه الأعظم خاصّة و ان كانت مؤثّرة في الكون بوسائطه و أسبابه لنزول الفيض من الذات المتعاليّة في هذا العالم المشهود، لكنّها إنّما تؤثر بحقائقها لا بالأ لفاظ الدالّة عليها، و لا بمعانيها المفهومة من ألفاظها المتصوّرة في الاذهان، و معنى ذلك إنّ اللّه سبحانه هو الفاعل الموجد لكلّ شيء بماله من الصفة الكريمة المناسبة له التي يحويها الاسم المناسب لا تأثير اللفظ أو الصورة المفهومة في الذهن أو حقيقة اُخرى غير الذات المتعالية.

إلاّ انّ اللّه سبحانه وعد اجابة دعوة من دعاه كما في قوله: (اُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ اِذا دَعانِ) (البقرة/186)، و هذا يتوقّف على دعاء و طلب حقيقي، و أن يكون الدعاء و الطلب منه تعالى لا من غيره ـ كما تقدّم في تفسيرالايةـ فمن انقطع عن كلّ سبب و اتّصل بربّه لحاجة من حوائجه فقد اتّصل بحقيقة الاسم المناسب لحاجته فيؤثر الاسم بحقيقته و يستجاب له، و ذلك حقيقة الدعاء بالاسم، فعلى حسب حال الاسم الذي انقطع إليه الداعي يكون حال التأثير خصوصاً و عموماً، و لو كان هذا الاسم هو الاسم الأعظم لإنقاد لحقيقته كلّ شيء، و استجيب للداعي به دعاؤه على الاطلاق. و على هذا يجب أن يحمل ما ورد من الروايات و الأدعية في هذا الباب دون الاسم اللفظي أو مفهومه.

و معنى تعليمه تعالى نبيّاً من أنبيائه أو عبداً من عباده اسماً من أسمائه أو شيئاً من الاسم الأعظم، هو أن يفتح له طريق الانقطاع إليه تعالى باسمه ذلك في دعائه ومسألته، فان كان هناك اسم لفظي و له معنى مفهوم فإنّما ذلك لأجل انّ الالفاظ ومعانيها وسائل و أسباب تحفظ بها الحقائق نوعاً من الحفظ فافهم ذلك.

و اعلم أنّ الاسم الخاص ربّما يطلق على ما لا يسمّى به غير اللّه سبحانه كما


(63)

قيل به في الاسمين: اللّه، و الرحمان.

أمّا لفظ الجلالة فهو علم له تعالى خاص به ليس اسماً بالمعنى الذي نبحثعنه.

و أمّا الرحمان فقد عرفت أنّ معناه مشترك بينه و بين غيره تعالى لما انّه من الأسماء الحسنى، هذا من جهة البحث التفسيري، و أمّا من حيث النظر الفقهي فهو خارج عن مبحثنا.

13 ـ صفاته عين ذاته لا زائدة عليه

قد عرفت عند البحث عن كثرة صفاته مع بساطة ذاته انّه يمكن انتزاع مفاهيم كثيرة عن البسيط غاية البساطة و انّ من منع ذلك فقد خلط بين التغاير المفهومي و المصداقي(1).

و ليس المراد وحدة الصفات مفهوماً بل المراد وحدتها تحقّقاً و مصداقاً، ولقد كان لهذا البحث صدى كبيراً في الأدوار السالفة و قد افترق فيه المسلمون إلى فرقتين فالقائلون بالاتّحاد سمّوا بنفاة الصفات، كما انّ القائلين بالزيادة نوقشوا بالقول بالقدماء الثمانية، فيجب علينا تحقيق الحق في ذلك المجال مضافاً إلى ما ذكرناه في البحث السابق.

إنّ كيفية اجراء صفاته سبحانه على ذاته أوجد هوّة سحيقة بين متكلّمي المعتزلة و الأشاعر،ة فمشايخ الاعتزال لأجل حفظ التوحيد، و رفض تعدد القديم، و تنزية الخالق عن التشبيه، ذهبوا إلى أنّ ملاك اجراء هذه الصفات هو الذات، وليست هنا أية واقعيّة للصفات غير ذاته إلاّ ان عقيدتهم في ذلك المجال تقرّر بوجهين:


1 . سبق الكلام عن المقام عند البحث عن «بساطة ذاته و كثرة أسمائه» و قدعرفت انّ البحثين وجهان لعملة واحدة و هما متّحدان جوهراً و مختلفان حيثيّة.


(64)

الأوّل: ما نسبه إليه خصمهم أبوالحسن الأشعري من انّ اللّه عالم، قادر، حي بنفسه، لابعلم و قدرة و حياة(1).

و معنى هذا انّه ليس هناك حقيقة العلم و القدرة و الحياة، غير أنّ الآثار المترقّبة من الصفات مترتبة على الذات، مثلاً خاصية العلم اتقان الفعل و هي تترتب على نفس ذاته بلاوجود وصف العلم فيه و قد اشتهر بينهم: «خذ الغايات و اترك المبادىء»، و هذا النظر ينسب إلى أبي علي و أبي هاشم الجبائيين، و هؤلاء هم المعروفون بنفاة الصفات، و لايخفى إنّ هذه النظرية لايناسب ما تضافر عليه الكتاب من اثبات هذه الصفات عليه سبحانه بوضوح، كما تصادمه البراهين الفلسفية من انّه لايشذ عن حيطة وجوده أي كمال و انّه بسيط الحقيقة مع كونه جامعاً لكلّ الكمالات و أصحاب تلك النظرية و إن صاروا إليها لأجل حفظ التوحيد و التحرّز عن تعدد القدماء، لكن عملهم هذا أشبه بعمل الهارب من المطر إلى الميزاب. أو من الرمضاء إلى النار، أفيصح في منطق العقل إنكار هذه الكمالات للّه سبحانه بحجّة انّ اثباتها يستلزم التركيب؟ فلو كان أصحاب تلك النظرية غير قادرين على الجمع بين بساطة الذات و اثبات الصفات كان اللازم عليهم الأخذ بالواضح المعلوم و هو كونه سبحانه عالماً قادراً حيّاً و السكوت عن كيفيّة اثباتها و إمرارها عليه، و احالة العلم بكيفيتهما إلى اللّه سبحانه و الراسخين في العلم.

الثاني: ما نقل عن أبي الهذيل العلاّف المعتزلي، فقد ذهب إلى ما ذهبت إليه الاماميّة تبعاً لإمامهم سيدالموحّدين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأثبت إنّ للّه علماً و قدرة و حياة حقيقية و لكنّها في مقام التحقق و العينيّة نفس ذاته، و إليك نص عبارته:

«هو عالم بعلم هو هو، هو قادر بقدرة هي هو، هو حي بحياة هي هو، ـ إلى أن قال ـ إذا قلت: إنّ اللّه عالم، اثبتّ له علماً هو اللّه و نفيت عن اللّه جهلاً، و دللت على معلوم كان أو يكون، و إذا قلت قادر نفيت عن اللّه عجزاً، و اثبتت له


1 . مقالات الاسلاميين ج1 ص 224.


(65)

قدرة هي اللّه سبحانه و دللت على مقدور، فإذا قلت: «اللّه حي أثبتّ له حياةً و هي اللّه و نفيت عن اللّه موتاً»(1).

و الفرق بين الرأيين جوهري، فالرأي الأوّل يركز على أنّ اللّه عالم قادر حي بنفسه لابعلم و لاقدرة و لاحيا،ة و أمّا الثاني و هو يركز على كونه سبحانه موصوفاً بهذه الصفات و إنّه عالم بعلم، و قادر بقدرة، و لكنها تتّحد مع الذات في مقام الوجود و العينيّة.

هذا هو الذي فهمنا من عبارة أبي الهذيل العلاّف و ان أصرّ القاضي عبدالجبار على ارجاع مقالته إلى ما يفهم من عبارة أبي علي و ابنه أبي هاشم، وقال: إنّه لم تتلخص له العبارة، و هذه النظرية هي المروية عن علي (عليه السلام) في خطبه و كلماته، و نأتي منها بما يرتبط بالمقام:

1 ـ «كمال توحيده الاخلاص له، و كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كلّ صفة انّها غير الموصوف و شهادة كلّ موصوف انّه غير الصفة»(2).

2 ـ «و لاتناله التجزئة و التبعيض»(3).و قد مضى بعض الاحاديث التي تتعلق بهذا الشأن عند البحث عن بساطة الذات و كثرة الصفات.

و بذلك يعلم أنّ ما ردّ به أبوالحسن الأشعري نظرية وحدة الصفات مع ذات، إنّما ينسجم مع نظرية النيابة لا مع نظرية أبي الهذيل: «قال إنّ الزنادقة قالوا: إنّ اللّه ليس بعالم ولاقادر ولاحي ولاسميع ولابصير، و قول من قال من المعتزله: إنّه لاعلم للّه و لاقدرة له، معناه: إنّه ليس بعالم و لاقادر و التفاوت في الصراحة والكناية»(4).


1 . شرح الاصول الخمسة: للقاضي عبدالجبار المعتزلي ص 183، و مقالات الاسلاميين ص225.
2 . نهج البلاغة الخطبة 1 ـ طبع عبده ـ.
3 . نهج البلاغة الخطبة81 ـ طبع عبده ـ.
4 . الابانة: ص 108.


(66)

و هذا النقد ـ لو سلم ـ فإنّما يتوجّه إلى النظرية الاُولى لا الثانية، و مع ذلك يمكن لأصحاب النظرية الاُولى الدفاع عن أنفسهم أيضاً قائلين بالفرق بين قول الزنادقة و هذه النظرية، فالزنادقة ينفون المبادئ على الاطلاق، و المعتزله ينفون المبادئ لكن يقيمون الذات مقام الصفات في الأثر و الغاية.

نعم ما أجاب به الأشعري عن النظرية الثانية ساقط جداً حيث قال لو كان علم اللّه هو اللّه يلزم ان يصح أن نقول يا علم اللّه اغفرلي و ارحمني(1).

و هذا النقد يعرب عن عدم تفريق الشيخ بين الوحدة المفهوميّة و الوحدة المصداقيّة و المعتزلة أعني أباالهذيل و من تبعه أو من سبقه لايدّعون الوحدة المفهومية حتى يصحّ أن نقول: يا علم اللّه اغفرلي، و إنّما يقولون بالوحدة المصداقية و اتّحاد العلم مع الذات لايسوّغ استعمال العلم في الذات.

أدلّة القائلين بعينيّة صفاته مع ذاته

القائلون بوحدة صفاته مع ذاته يستدلّون بدليلين واضحين:

أحدهما : إنّ القول بالزيادة يستلزم تركيب الذات مع الصفات، و التركيب آية حاجة المركّب إلى كلّ واحد من الجزئين، و الحاجة حليف الامكان، و الممكن لايكون واجباً.

ثانيهما: إنّ القول بالزيادة يستلزم تعدّد القدماء، لأنّ المغايرة حقيقية واقعيّة لامفهوميّة، و أدلّة وحدة الواجب تضادها، فلامحيص من القول بالتوحيد، و في ذلك يقول الإمام اميرالمؤمنين (عليه السلام):

«و كمال الاخلاص له نفي الصفات (الزائدة) عنه لشهادة كلّ صفة انّها غير


1 . نفس المصدر ص 108.


(67)

الموصوف، و شهادة كلّ موصوف انّه غير الصفة فمن وصف اللّه (أي بوصف زائد على ذاته) فقد قرنه (أي قرن ذاته بشيء غيرها) و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه و من جزّأه فقد جهله»(1).

و أي برهان أوضح من هذا البيان فإنّ القول بالاتّحاد يوجب تنزيهه عن التجزئة و نفي الحاجة عن ساحته، و لكن إذا قلنا بالتعدّد و الغيريّة، فذلك يستلزم التركيب و يتولّد منه التثنيه، و التركيب آية الحاجة و اللّه الغني المطلق لايحتاج إلى ما سواه.

قال الصادق (عليه السلام): «لم يزل اللّه جلّ و عزّ ربّنا، و العلم ذاته ولامعلوم، و السمع ذاته و لامسموع، و البصر ذاته و لامبصر، و القدرة ذاته ولا مقدور»(2).

هذا و يمكن الاستدلال على الوحدة بالذكر الحكيم، نرى أنّه سبحانه يقول في سورة التوحيد: (قُلْ هُوَ اللّهُ اَحَدٌ) و يقول في آخرها: (وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً اَحَدٌّ).

فلو قلنا بأنّ الصدر ناظر إلى نفي المثليّة يلزم التكرار، و أمّا لو قلنا بأنّه ناظر إلى بساطة الذات و عدم تركبه فعندئذ يكون الصدر دليلا على نفي التركيب، و الذيل دليلاً على نفي المثليّة.

و هناك كلمة قيّمة لأميرالمؤمنين في جواب اعرابي يوم الجمل:فقال يا أميرالمؤمنين أتقول ان اللّه واحد؟ قال (الراوي)، فحمل الناس عليه قالوا: يا اعرابي أما ترى مافيه أمير المؤمنين من تقسم القلب، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): دعوه، فإنَّ الذي يريده الاعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال : يا اعرابي، اِنَّ القول في انَّ اللّه واحد على أربعة أقسام فوجهان منها لايجوزان على اللّه عزّ و جلّ، ووجهان يثبتان فيه ـ إلى أن قالـ: «و أمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو


1 . نهج البلاغة: الخطبة 1.
2 . التوحيد للصدوق ص 139.


(68)

واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ربّنا. و قول القائل: انّه عزّ و جلّ أحديّ المعنى يعني به أنّه لاينقسم في وجود و لاعقل و لاوهم. كذلك ربّنا»(1).

و هذا الحديث العلوي يركّز على البساطة و نفي توهّم الجزئية على الاطلاق سواء كان مبدأ التركيب هو زيادة الصفات على الذات أو غيرها كما هو الحال في تثليث المسيحيّين.

و أمّا أدلة القائلين بالزيادة فتبتني على أنّ واقعيّة الصفة هي البينونة، فيجب أن يكون هناك ذات و عرض ينتزع من إتصاف الاُولى بالثاني، عنوان العالم و القادر. فالعالم من له العلم، و القادر من له القدرة، لا من ذات نفسهما فيجب أن يفترض ذات غير الوصف(2).

يلاحظ عليه: إنّ الشيخ الأشعري يريد اقتناص الحقائق الفلسفيّة عن طريق اللّغة فإنّه لاشك إنّ لفظ العالم و القادر ظاهر فيما ذكر إلاّ انّه يجب رفع اليد عن هذا الظاهر بالبرهان العقلي، و عدم وقوف العرف على هذا المصداق من العالم و القادر لايمنع من صحّة اطلاقهما عليه.

أضف إلى ذلك إنّ الفرق بين القول بالعينيّة و القول بالزيادة، كالفرق بين قولنا زيد عدل و زيد عادل، فالاُولى من القضيتين آكد في اثبات المبدأ من الآخر و لأجل ذلك كان القول بالعينية آكد في اثبات العلم له سبحانه من القول بالزيادة، فلو بلغ وجود امكاني إلى مبلغ من الكمال،بأن صار ذاته علماً و قدرة فهو اُولى بالاتّصاف بهما ممّن يغاير ذاتُه صفتَه، و عدم وقوف العرف على هذا النوع من الصفات لايضرّ بالاتّصاف.


1 . التوحيد للصدوق ص 83 ـ 84.
2 . اللمع للشيخ الاشعري ص 30 بتقرير منّا.


(69)

مضاعفات القول بالزيادة

إذا كان في القول بعينيّة الصفات مع الذات، نوع مخالفة لظاهر صيفة الفاعل اُعني العالم و القادر، كان في القول بالزيادة مضاعفات، لايقبلها العقل السليم، ونشير إلى بعضها:

1 ـ تعدّد القدماء بعدد الأوصاف الذاتيّة، فلو كانت النصرانية قائلة بالتثليث، فالقائلون بالزيادة يقولون بقدماء كثيرة.

نعم القائلون بالزيادة يتمحّلون في رفع الاشكال بأنّ « المراد من الزيادة هو أنّها ليست ذاته و لاغيرها» و لكنّك ترى أنّه كلام صوري ينتهي عند الدّقة إلى ارتفاع النقيضين.

إنّ القول بأنّ له سبحانه صفات زائدة على الذات، قديمة مثله، ممّا لايجترئ عليه مسلم واع، و لم يكن أحدٌ متفوّهاً بهذا الشرك من المسلمين غير الكلابية، وعنهم أخذ الأشعري.

قال القاضي عبد الجبار: « و عند الكلاّبيّة أنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان أزليّة و أراد بالأزليّ: القديم، إلاّ أنّه لمّا رأى المسلمين متّفقين على أنّه لاقديم مع اللّه لم يتجاسر على اطلاق القول بذلك، ثمّ نبغ الأشعري و أطلق القول: بأنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان قديمة، لوقاحته و قلّة مبالاته بالاسلام والمسلمين»(1).


1 . الاصول الخمسة: ص183،ط مصر.


(70)

2. إنّ القول باتّحاد صفاته مع ذاته، يستلزم غناه في العلم بماوراء ذاته، من غيره فيعلم بذاته كلّ الأشياء من دون حاجة إلى وراء الذات. و هذا بخلاف القول بالزيادة إذ عليه يعلم سبحانه بعلم سوى ذاته، و يخلق بقدرة خارجة عن ذاته، و كون هذه الصفات أزليّة، لايدفع الفقر و الحاجة عن ساحته سبحانه، مع أنّ وجوب الوجود يلازم الغنا عن كل شيء.

إنّ «الصفاتيّة» في علم الكلام و تاريخ العقائد هم الأشاعرة و من لفّ لفّهم في القول بالاُوصاف الزائدة، كما أنّ المعطّلة هم نفاة الصفات وهم المعتزلة(حسب زعم الأشاعرة) حيث عطّلوا الذات عن التوصيف بالأوصاف الكمالية، و قالوا بالنيابة.

و قد عرفت أنّه ليس في القول بوحدة الصفات مع الذات «لا القول بالنيابة» أيّ تعطيل لتوصيف الذات بالصفات الكمالية.

إلى هنا انتهى البحث عن صفاته الثبوتية و وحدتها مع الذات، بقي هنا بحثان:

الأوّل: البحث عن صفاته الفعلية و إنّ الإرادة و التكلّم هل هما من صفات الفعل أو من صفات الذات؟

الثاني: عن كيفيّة حمل الصفات الخبرية عليه سبحانه، و قد كان لهذا البحث دويّ في القرون الاولى الاسلامية، و إليك بيان الأوّل، و نؤخّر بيان الثاني إلى أن نفرغ عن تفسير أسمائه في القرآن.


(71)

14 ـ الإرادة صفة الذات أو صفة الفعل؟

قد تعرّفت على أنّ صفاته سبحانه تنقسم إلى ذاتية و فعلية، و عرفت الملاك فيهما غير أنّه وقع البحث في بعض الصفات و أنّها هل هي من صفات الذات أو من صفات الفعل؟ و نخص بالذكر صفتي الإرادة و التكلّم فنقول:

الإرادة و الكراهة كيفيّتان نفسانيّتان كسائر الكيفيّات النفسانيّة حاضرتان لدى النفس بلاتوسيط شيء مثل اللّذة و الألم فتكونان معلومتين للنفس بعلم حضوري لاحصولي كما هو الحال في كلّ الاُمور الوجدانية، و المهم تبيين ماهية الإرادة في الإنسان ثم البحث عن إرادته سبحانه.

فنقول: إنّ في إرادة الإنسان آراء مختلفة نشير إليها(1).

أ: رأي المعتزلة في الإرادة

الإرادة عبارة عن اعتقاد النفع، و الكراهة عبارة عن اعتقاد الضرر، و نسبة القدرة إلى طرفي الفعل و الترك متساوية، فإذا حصل في النفس الاعتقاد بالنفع في أحد الطرفين، يرجّح بسببه ذلك الطرف ويصير الفاعل مؤثّراً فيه.

يلاحظ عليه: إنّه تفسير للإرادة و الكراهة ببعض مبادئهما فإنّ الإرادة تنبثق عن الاعتقاد بالنفع كما ان الكراهة تنبثق عن الاعتقاد بالضرر، و لكن الاعتقاد غير الإرادة بشهادة انّ الاعتقاد بالنفع لايستتبع إرادة في جميع المجالات.

ب ـ الإرادة: الشوق النفساني

يظهر من بعض المشايخ «إنّ الإرادة هو الشوق النفساني الحاصل في النفس من الاعتقاد بالنفع».


1 . لاحظ: الوقوف على آراء المتكلمين في حقيقة الإرادة: شرح المواقف ج 8 ص81ـ82.


(72)

يلاحظ عليه: إنّ تفسير الإرادة بالشوق تفسير ناقص إذ ربّما تتحقّق الإرادة و لاتكون هناك أيّة شوق كما في تناول الأدوية المرّة لأجل العلاج، و ربّما يتحقّق الشوق المؤكّد و لاتكون هناك إرادة كما في مورد المحرمات للرجل المتّقي فالنسبة بين الشوق و الإرادة عموم و خصوص من وجه.

ج ـ الإرادة هي العزم و الجزم

الإرادة لدى البعض عبارة عن كيفيّة نفسانيّة متخلّلة بين العلم الجازم و الفعل و يعبر عنه بالقصد و العزم تارة، و بالإجماع و التصميم اُخرى، و ليس القصد من مقولة الشوق كما انّه ليس من مقولة العلم ـ رغم حضوره لدى النفس كسائر الكيفيّات النفسانيّة ـ و بإختصار: الإرادة هي القصد و إجماع النفس على الفعل و العزم القاطع هذا هو حقيقة الإرادة في الإنسان.

الإرادة الامكانية تلازم الحدوث

و على كلّ تقدير الإرادة في الإنسان بأيّ معنى فسّرت ظاهرة تظهر في لوح النفس تدريجيّة فيتقدّمها اُمور من تصوّر الشيء و التصديق بما فيه من الفائدة ثمّ حصول الاشتياق إليه في موارد خاصّة، ثمّ رفع الموانع عن طريق ايجاد الشيء و أخيراً حالة التصميم و القصد القطعي المحرّك للعضلات نحو المقصود.

و هذا أمر واضح يقف عليه الإنسان إذا تدبّر في حالات نفسه، و من المعلوم انّ الإرادة بهذا المعنى لايمكن توصيفه سبحانه به لأنّه يستلزم كونه موجوداً مادياً يطرأ عليه التغير و التبدل، و التكامل من النقص إلى الكمال، و من الفقدان إلى الوجدان و ما هذا شأنه لايليق بساحة الباريء.

الإرادة ملاك الاختيار

إنّ الإرادة ملاك الإختيار، فالفعل إنّما يوصف بالاختيار إذا صدر عن مشيئة


(73)

الفاعل و إرادته سواء أقلنا إنّ نفس الإرادة أيضاً أمر اختياري أو خارج عنه، و هذا لايهمنا في هذا البحث، و إنّما المهم إناطة اختياريّة الفعل بسبق الإرادة عليها و الفاعل المريد المختار أكمل من الفاعل غير المريد المختار، و على ضوء ذلك لايمكن سلب الإرادة و الاختيار عنه سبحانه لأنّ فقدان الإرادة يستلزم أمرين:

1 ـ كونه فاعلاً غير مريد و بالتالي غير مختار.

2 ـ كونه فاعلاً غير كامل لأنّ المريد أكمل من غيره و بالتالي المختار أفضل من غيره.

و إن شئت قلت: إنّه سبحانه أمّا ان يكون فاعلاً فاقداً للعلم.

أو يكون عالماً فاقداً للإرادة.

أو يكون عالماً و مريداً لكن عن كراهة لفعله لأجل جبر خارجي عليه يقهره على الإرادة.

أو يكون عالماً و مريداً و راضياً بفعله غير مكره.

و الثلاثة الأوّل غير لائقة بساحته، فيتعيّن كونه فاعلاً مريداً مالكاً لزمام فعله و عمله، و لايكون مقهوراً في الإيجاد و الخلق، لأجل وجود جبر قاهر عليه.

إذا وقفت على ذلك فالباحث عن إرادته سبحانه و كونها صفة الذات أو صفة الفعل واقع بين أمرين متخالفين:

فمن جهة إنّ حقيقة الإرادة لاتنفكّ عن الحدوث و التدريج يستحيل أن يكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، لاستلزامه طروء الفعل و الانفعال على ذاته سبحانه و هو محال، و لأجل ذلك ذهب كثير من المتكلّمين إلى انّ الإرادة من صفات فعله، فارادته هو إيجاده كما انّ خالقيته عبارة عن فعله و إيجاده، و رازقيّته عبارة عن انعام الخلق بنعمه.

و من جهة اُخرى انّ سلب الإرادة عن ذاته و حصر إرادته في الفعل و الايجاد


(74)

يستلزم كونه فاعلا غير مختار و تصور فاعل اكمل منه و هو لايليق بساحته وإليكالبيان.

هل الإرادة صفة الذات أو صفة الفعل؟

إنّ الإرادة بما أنّها آية الاختيار تستلزم أن تعدّ من صفات الذات فإنّ سلبها عن مقام الذات يستلزم سلب كمال منها غير أن أمام هذا موانع تمنع عن عدّها من صفاتها و إليك بيانه:

1 ـ إنّ الإرادة لاتنفك عن الحدوث و التدريج، فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث لاستلزامه طروء الفعل و الانفعال على ذاته و هو محال.

2 ـ إنّ الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تفسّر الإرادة بنفس الفعل و الايجاد، و هذا يكشف عن كونها صفة الفعل. و سيوافيك بيان هذه الأحاديث.

3 ـ إنّ الملاك الذي ذكره الكليني لتمييز صفة الذات عن صفة الفعل، يستلزم عدّها من صفات الفعل لا من صفات الذات، فإنّ صفات الفعل تقع تحت النفي والاثبات و يقال: «يَخلق و لايُخلق» «يَغفر و لايُغفر» بخلاف صفة الذات فإنّها تقع تحت الاثبات دون النفي ، يقال: «يعلم و يقدر» و لايقال: «لايعلم و لايقدر»، وعلى ضوء هذا فبما أنّه سبحانه يريد الحق و لايريد الباطل، يريد إيجاد شيء مطابق للحكمة و لايريد إيجاد ما يخالفها، فهي من صفات الفعل لا من صفات الذات(1).

4 ـ لو كانت الإرادة نفس ذاته; لزم قدم العالم لأنّها متّحدة مع الذات والذات موصوفة بها و هي لاتنفك عن المراد، فيلزم أن لاينفكّ العالم عن الذات.

فهذه هي الموانع الأربعة أمام عدّ الإرادة من صفات الذات فلقائل بكونها من


1 . الكافي ج 1 ص 109.


(75)

صفاتها يجب عليه حلّ عقدها و رفع مشاكلها، و لأجل ذلك نطرحها على بساط البحث فنقول:

الاشكال الأوّل: الإرادة أمر تدريجي حادث

لو كانت الإرادة صفة الذات، يلزم كون الذات محلاًّ للحوادث فنقول: قداُجيب عن هذا الاشكال بامور نشير إليها:

أ: إرادته سبحانه، علمه بالذات

إنّ إرادته سبحانه عبارة عن علمه بالنظام الأصلح و الأتم و الأكمل، قال صدر المتألهين: «معنى كونه مريداً: إنّه سبحانه يعقل ذاته، و يعقل نظام الخير الموجود في الكلّ من ذاته، و إنّه كيف يكون؟ و ذلك النظام يكون لامحالة كائناً ومستفيضاً و هو غير مناف لذات المبدأ الأوّل»(1).

و قال أيضاً:

«إنّ إرادته سبحانه هي العلم بنظام الكلّ على الوجه الأتمّ و إذا كانت القدرة و العلم شيئاً واحداً مقتضياً لوجود الممكنات على النظام الأتمّ، كانت القدرة و العلم و الإرادة شيئاً واحداً في ذاته، مختلفاً بالاعتبارات العقليّة(2).

و قال الحكيم السبزواري: «الواجب جلّ مجده حيث يتعالى من أن يفعل بآلة، و من أن يكون له شوق إلى ما سواه، إذ هو موجود غير فقيد، لكونه تامّاً و فوق التمام، و من أن يكون علمه انفعاليّاً، فإنّ علمه تعالى فعلي غير معلّل بالأغراض الزائدة فالداعي، و الإرادة، و القدرة، عين علمه العنائي و هو عين ذاته(3).


1 . الأسفار الأربعة ج 6 ص 316.
2 . نفس المصدر ص 331.
3 . شرح الأسماء الحسنى ص 42.


(76)

مناقشة هذه النظرية

لاشك انّه سبحانه عالم بذاته، و عالم بالنظام الأكمل و الأتم و الأصلح، و لكن تفسير الإرادة بالعلم، يرجع إلى انكار حقيقة الإرادة فيه سبحانه، فانكارها في مرتبة الذات، مساوق لانكار كمال فيه، إذ لاريب أن الفاعل المريد أكمل من الفاعل غير المريد، فلو فسّرنا إرادته سبحانه بعلمه بالنظام، فقد نفينا ذلك الكمال عنه، و عرّفناه فاعلاً يشبه الفاعل المضطر في فعله، و بذلك يظهر النظر فيما أفاده صدر المتألّهين و السبزواري. حيث تصوّرا انّ الإرادة و العلم شيء واحد بذاته، مختلف بالاعتبار، ولأجل عدم صحّة هذا التفسير نرى أنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ينكرون تفسيرها بالعلم. قال بكير بن أعين: قلت لأبي عبداللّه الصادق (عليه السلام) : «علمه و مشيئته مختلفان أو متّفقان»؟

فقال (عليه السلام) : «العلم ليس هو المشيئة، ألاترى أنّك تقول سأفعل كذا إن شاء اللّه، و لاتقول سأفعل كذا إن علم اللّه»(1).

و إن شئت قلت: «إنّ الإرادة صفة مخصّصة لأحد المقدورين، أي الفعل و الترك، و هي مغايرة للعلم و القدرة، لأنّ خاصيّة القدرة صحّة الإيجاد و اللاإيجاد، و ذلك بالنسبة إلى جميع الأوقات و إلى طرفي الفعل و الترك على السواء، فلاتكون نفس الإرادة التي من شأنها تخصيص أحد الطرفين، و اخراج القدرة عن كونها متساوية بالنسبة إليهما.

و أمّا العلم فهو من المبادىء البعيدة للإرادة، و الإرادة من المبادىء القريبة إلى الفعل، فلا معنى لعدّهما شيئاً واحداً.

نعم، كون علمه بالمصالح و المفاسد مخصّصاً لأحدالطرفين، و إن كان أمراً معقولاً، لكن لاتصحّ تسميته إرادةً و إن اشترك مع الإرادة في النتيجة و هي تخصيص


1 . الكافي ج 1 ص 109 باب الارادة.


(77)

الفاعل قدرته بأحدالطرفين، إذ الاشتراك في النتيجة لايوجب أن يقوم العلم مقام الإرادة و يكون كافياً لتوصيفه بذلك الكمال أي الإرادة.

ب: إرادته سبحانه ابتهاجه بفعله

إنّ إرادته سبحانه ابتهاج ذاته المقدّسة بفعلها و رضاها به، و ذلك لأنّه لمّا كانت ذاته سبحانه صرف الخير و تمامه، فهو مبتهج بذاته أتمّ الابتهاج، و ينبعث من الابتهاج الذاتي ابتهاج في مرحلة الفعل، فإنّ من أحب شيئاً أحبّ آثاره و لوازمه، و هذه المحبّة الفعلية هي الإرادة في مرحلة الفعل، و هي التي وردت في الأخبار التي جعلت الإرادة من صفات فعله، فللإرادة مرحلتان: إرادة في مقام الذات، و إرادة في مقام الفعل، فابتهاجه الذتي إرادة ذاتيّه، و رضاه بفعله إرادة في مقام الفعل.

يلاحظ عليه: إنّ هذه النظرية كسابقتها لاترجع إلى محصّل، فإنّ حقيقة الإرادة غير حقيقة الرضا و غير حقيقة الابتهاج، و تفسير أحدهما بالآخر إنكار لهذا الكمال في ذاته سبحانه، و قد مرّ أنّ كون الفاعل مريداً ـ في مقابل كونه فاعلاً مضطراً موجباًـ، أفضل و أكمل فلايمكن نفي هذا الكمال عن ذاته على الاطلاق.

ج ـ الإرادة: إعمال القدرة

و ربّما تفسر إرادته سبحانه بإعمال القدرة كما عن بعضهم. قال قائل:

«إنّا لانتصوّر لإرادته تعالى معنى غير إعمال القدرة و السلطنة، و لمّا كانت سلطنته تعالى تامّة من جميع الجهات، و لايتصوّر فيه النقص أبداً فبطبيعة الحال يتحقّق الفعل في الخارج، و يوجد بصرف إعمال القدرة من دون توقّفه على أيّة مقدّمة اُخرى كما هو مقتضي قوله سبحانه: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(يس/82)(1).


1 . المحاضرات ج 2 ص 38.


(78)

يلاحظ عليه: إنّ إعمال القدرة و السلطنة إمّا فعل اختياري له سبحانه أو اضطراري، و لاسبيل إلى الثاني لأنّه يستلزم أن يكون تعالى فاعلاً مضطراً و لايصح توصيفه بالقدرة و لاتسميته بالقادر، و على الأوّل فما هو ملاك كونه فاعلاً مختاراً؟ لأنّه لابد أن يكون هناك قبل إعمال السلطنة و تنفيذ القدرة، شيء يدور عليه كونه فاعلاً مختاراً، فلايصحّ الاكتفاء في مقام تفسير الإرادة، بإعمال القدرة.

و باختصار: إنّ الاكتفاء باعمال القدرة من دون إثبات وصف الاختيار له في المقام بنحو من الأنحاء غير مفيد، و المعروف انّ ملاك الاختيار هو الإرادة، نعم لعلّ ما ذكره ـ دام ظله ـ يرجع إلى ما سنذكره.

د ـ إرادته، كونه مختاراً بالذات

الحق إنّ الإرادة من الصفات الذاتية و تجري عليه سبحانه على التطوير الذي ذكره المحقّقون في توصيفه بالحياة، ولأجل توضيح المطلب نأتي بكلمة جارية في جميع صفاته سبحانه و هي:

يجب على كلّ إلهي ـ في إجراء صفاته سبحانه عليه ـ تجريدها من شوائب النقص و سمات الإمكان، و حملها عليه بالمعنى الذي يليق بساحته مع حفظ حقيقتها و واقعيّتها حتّى بعد التجريد.

مثلاً، انّا نصفه سبحانه بالعلم، و نجريه عليه مجرّداً عن الخصوصيّات و الحدود الإمكانية، و لكن مع حفظ واقعيّته، و هو حضور المعلوم لدى العالم، و أمّا كون علمه كيفا نفسانيّاً أو إضافة بين العالم و المعلوم، فهو منزّه عن هذه الخصوصيّات، و مثل ذلك الإرادة، فلاشك انّها وصف كمال له سبحانه و تجري عليه مجرّدة عن سمات الحدوث و الطروء و التدرّج و الانقضاء بعد حصول المراد، فإنّ ذلك كلّه من خصائص الإرادة الامكانية و إنّما يراد من توصيفه بالإرادة كونه فاعلاً مختاراً في مقابل كونه فاعلاً مضطراً، و هذا هو الأصل المتبع في إجراء صفاته سبحانه.


(79)

إنّ الإرادة صفة كمال لا لأجل كونها حادثة طارئة منقضية بعد حدوث المراد، و إنّما هي صفة كمال لكونها رمز الإختيار و سمة القاهريّة حتى أنّ الفاعل المريد المكره له قسط من الاختيار، حيث يختار أحد طرفي الفعل على الآخر تلو محاسبات عقليّة فيرجّح الفعل على الضرر المتوعّد به، فإذا كان الهدف و الغاية من توصيف الفاعل بالإرادة هو اثبات الاختيار و عدم المقهوريّة فتوصيفه سبحانه بكونه مختاراً غير مقهور في سلطانه، غير مجبور في إعمال قدرته، كاف في جري الإرادة عليه، لأنّ المختار واجد لكمال الإرادة على النحو الأتمّ و الأكمل، و قد مرّ أنّه يلزم في اجراء الصفات ترك المبادىء و الأخذ بجهة الكمال، فكمال الإرادة ليس في كونها طارئة زائلة عند حدوث المراد، أو كون الفاعل خارجاً بها عن القوّة إلى الفعل، أو من النقص إلى الكمال،بل كمالها في كون صاحبها مختاراً، مالكاً لفعله آخذاً بزمام عمله فلو كان هذا هو كمال الإرادة، فاللّه سبحانه واجد له على النحو الاكمل إذ هو الفاعل المختار غير المقهور في سلطانه، (وَ اللّهُ غالِبٌ عَلى اَمْرِهِ)(يوسف/21)، و ليس هذا بمعنى انّها وصف سلبي و هو كونه تعالى غير مغلوب و لامستكره، كما نقل عن النجّار(1) بل هي وصف وجودي هو نفس ذاته و التعبير عنه بوصف سلبي لايجعله أمراً سلبياً كتفسير العلم بعدم الجهل، و القدرة بعدم العجز.

إجابة عن سؤال:

و يمكن أن يقال: إنّ تفسير الإرادة بالاختيار يستلزم نفس ما يستلزمه تفسير الإرادة بالعلم فعلى كلا التفسيرين الإرادة بمفهومها الحقيقي منفيّة عن الذات الالهية.

و الإجابة عن هذا السؤال واضح بملاحظة ما قدّمناه من التحليل في تفسير صفاته سبحانه فإنّ الصفات الكماليّة تحمل على اللّه سبحانه بحذف نقائصها و زوائدها لابالمفهوم الحرفي الابتدائي الذي يتبادر إلى الاذهان مثلاً إنّا نصفه سبحانه بالحياة و إنّه حي، و من المعلوم أنّ ما يتبادر من الحياة هو ما نعرفه في النبات بالدفع


1 . كشف المراد ص 177.


(80)

و الجذب و انتاج المثل، و في الحيوان بإضافه الحس و الحركة، و في الإنسان بزيادة التعقل و التفكر، و من المعلوم انّ الحياة بهذا المعنى غير قابل للحمل على اللّه سبحانه لكونها نقصاً.

فكما أنّ تفسير الحياة في العلوم الطبيعية بما ذكرنا لاينافي توصيفه سبحانه بالحياة لأنّه يؤخذ منه اللبّ و يحذف القشر، فكونه سبحانه عالما قادراً أي درّاكاً، فعّالاً، يكفي في توصيفه بالحياة فهكذا توصيف الإرادة بالعزم و الجزم الطارئين على النفس بعد مقدمات، لاينافي توصيفه سبحانه بالإرادة لكن على التحليل الذي بيّنّاه و هو طرد القشر و الأخذ باللب، فبما أنّ الإرادة آية الإختيار، و الإختيار جوهر الإرادة و روحها، فيكفي في توصيفه بالإرادة، تفسيره بالإختيار و أين هذا من تفسير الإرادة بالعلم الذي لاصلة بينهما إلاّ على وجه بعيد؟

فكما أنّ ما ذكر من الخصائص للحياة من الحسّ و الحركة و غيرهما ليس عنصراً مقوّماً للحياة، و إنّما هي تجلّيات لوجود عنصر الحياة في الإنسان، فهكذا الإرادة تجلّ لوجود عنصر الاختيار في الذات، فإذا كان ما يتجلّى به غير لائق لتوصيفه سبحانه به، ينحصر التوصيف باللب و التجلّي بالمفهوم و هو الاختيار.

إلى هنا تمّ البحث حول المانع الأوّل و بقي الكلام في الموانع الاُخرى.

الإشكال الثاني: الروايات تعدّ الإرادة من صفات الفعل

كيف تعدّ الإرادة من صفات الذات، مع أنّ الروايات المتضافرة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تفسّره بالإيجاد مشيرة إلى أنّها من صفات الفعل كالخالقيّة والرازقيّة.

قال المفيد: إنّ إرادة اللّه تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله، و إرادته لأفعال خلقه، أمره بالأفعال، و بهذا جاءت الآثار عن أئمّة الهدى من آل محمد (عليهم السلام) و هو مذهب سائر الإماميّة إلاّ من شذّ منها عن قرب، و فارق


(81)

ما كان عليه الأسلاف(1).

و إليك ما ورد في ذلك المجال:

1ـ روى الكليني بسند صحيح عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أخبرني عن الإرادة من اللّه و من الخلق. قال: فقال: الإرادة من الخلق، الضمير يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، و أمّا من اللّه تعالى فإرادته إحداثه، لاغير ذلك لأنّه لايروّي و لايهمّ و لايتفكّر، و هذه الصفات منفيّة عنه، و هي صفات الخلق، فإرادة اللّه الفعل لاغير ذلك، يقول له كن فيكون بلالفظ، و لانطق بلسان، و لاهمّة و لاتفكّر و لاكيف لذلك، كما أنّه لاكيف له(2).

2 ـ و روي الشيخ الطوسي عن صفوان بن يحيى قال قلت لأبي الحسن: اخبرني عن الإرادة من اللّه تعالى قال: «إرادته احداثه الفعل لاغير ذلك لأنّه جلّ اسمه لايهم و لايتفكّر»(3).

3 ـ روي الكليني عن الحسن بن عبدالرحمان الحماني، عن الامام الكاظم (عليه السلام) في رواية قال:«إنّما تكون الأشياء بإرادته و مشيئته من غير كلام و لاتردد في نفس و لانطق»(4).

روى الطبرسي في الاحتجاج عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: «فيكون بمشيئته من غير تردّد في نفس»(5).

4 ـ روى الكليني عن يعقوب بن جعفر، عن الإمام الكاظم (عليه السلام) في حديث: «و لكن كما قال اللّه تعالى كن فيكون بمشيئته من غير تردّد في نفس»(6).


1 . أوائل المقالات ص 19.
2 . الكافي ج 1 باب الاراده الحديث 3، و رواه البرقي في المحاسن ص 244.
3 . أمالي الطوسي ص 214.
4 . الكافي ج 1 باب النهي عن الجسم و الصورة الحديث 6 ص 106.
5 . الاحتجاج ج 2 ص 156.
6 . الكافي ج1 باب الحركة و الانتقال ص125 الحديث1.


(82)

و الجواب: إنّ هذه الروايات و إن كانت صريحة في كون إرادته سبحانه فعله، لكنّها ليست بصدد سلب كون الإرادة صفة الذات حتّى بالمعنى المناسب لذاته عنه على الاطلاق، و انما هي بصدد أنّ الإرادة الإمكانية الموجودة في الإنسان لاتصلح لذاته سبحانه لأنّها تقترن بالتردّد و التروّي و التفكّر و الهمّ و الكلّ من سمات الامكان و الحدوث و هو سبحانه منزّه عن ذلك.

و فرق بين نفي أصل الإرادة عن ذاته سبحانه، و لو بمعنى غير مستلزم لكون ذاته معرضاً للحوادث، و الإرادة الموجودة في الإنسان و الحيوان و بما أنّه كلّما أطلقت الإرادة لايراد منها سوى المعنى المتعارف من التفكّر و الهم ّو القصد، و صرح الإمام بنفي الإرادة بذلك المعنى عن ذاته و ارجاعها فيه سبحانه إلى صفة الفعل، حتّى يصدر السائل عن حضوره بشيء مقنع و بما أنّ عقليّة بعض الرواة في ذلك العصر لاتتحمّل كثيرا من المعارف الدقيقة اقتنع الامام بتفهيم ما تتحمله عقليته، و بما أنّ قسماً من الإرادة صفة للفعل، و قسم منها صفة للذات كعلمه سبحانه، فإنّ قسماً منه صفة للفعل، و قسم منه صفة للذات، اكتفى الامام ببيان أحد القسمين دونالآخر.

و هذا أصل مطرد في باب المعارف، فهم صلوات اللّه عليهم يكلّّمون الناس على قدر عقولهم و لايكلّّفونهم بما هو خارج عن طاقة شعورهم.

هذا هو سيدالموحّدين علي (عليه السلام) ينهي عن الغور في القدر و يقول:

«طريق مظلم فلاتسلكوه، و بحر عميق فلاتلجوه، و سراللّه فلا تتكلّفوه»(1).

و مع ذلك فهو صلوات اللّه عليه بحث عن القضاء و القدر و يشهد لذلك ما رواه الرضي في نفس نهج البلاغه(2).


1 . نهج البلاغة قسم الحكم الرقم 287.
2 . نهج البلاغة قسم الحكم الرقم 78.


(83)

و الحاصل لمّا كان المتبادر في ذهن الراوي و أمثاله من الإرادة، هو المعنى المعروف من الهم ّو التفكّر و العزم و كان جعل الإرادة من صفات الذات ـ في ذهن الراوي ـ مستلزماً لكون إرادته سبحانه مثل الإرادات الامكانية، رأى الإمام أن يعلّمه أحد القسمين من إرادته و هو الإرادة الفعلية كالعلم الفعلي، و أضرب عن القسم الآخر، و يعرب عن ذلك قوله في الروايات الثلاث الأخيرة، حيث قال:

«إنّما تكون الأشياء بإرادته و مشيئته، من غير كلام و لاتردّد في نفس».

و هذا يعرب من انّ الإمام بصدد صيانة الراوي عن الوقوع في الخطأ في تفسير الرواية، ولم يكن بصدد تفسير الإرادة بجميع مراتبها وأقسامها، فلو كان هناك للإرادة قسما آخر يناسب ذاته سبحانه كما أوضحناه لما كانت هذه الروايات نافية لها.

هناك وجه آخر لجعل الإرادة من صفات الفعل و هو انّ الإرادة في الإنسان لاينفك عن المراد، فلو جعلت الإرادة فيه سبحانه من صفات الذات ربّما يستنتج الراوي منه قدم العالم، فلأجل صيانة ذهن الراوي عن الخطأ فسّرت الإرادة بالأحداث و الايجاد، و يشهد على ذلك الوجه بعض الروايات:

1ـ روى الصدوق في توحيده عن محمد بن مسلم،عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «المشيئة محدثة»(1).

2 ـ روى الصدوق عن عاصم بن حميد، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «قلت له لم يزل اللّه مريداً»؟! فقال: « إنّ المريد لايكون إلاّ المراد معه بل لم يزل عالماً قادراً ثم أراد»(2).

3 ـ روى الصدوق عن سليمان بن جعفر الجعفري قال: قال الرضا (عليه السلام) : «المشيئة و الإرادة من صفات الأفعال فمن زعم أنّ اللّه تعالى لم يزل مريداً شائياً فليس بموحّد»(3).


1 . التوحيد للصدوق ص 338 ـ 146 ـ 336.
2 . التوحيد للصدوق ص 338 ـ 146 ـ 336.
3 . التوحيد للصدوق ص 338 ـ 146 ـ 336.


(84)

و هذه الأحاديث تعرب من انّ جعل الإرادة صفة الفعل إنّما هولأجل صيانة ذهن الراوي عن توهّم قدم العالم و انّه لم يزل كان مع اللّه سبحانه، و إن شئت قلت: إنّ الإرادة التي سأل عنها الراوي كان يراد منها العزم على الفعل الذي لاينفك عن المراد، فاراد الإمام هدايته إلى أنّ الإرادة بهذا المعنى لايوصف بها سبحانه لأنها تستلزم قدم المراد أو حدوث المريد، ولأجل أن يتلقّى الراوي معنى صحيحاً للإرادة يناسب مستوى تفكيره، فسّرها الامام بالمعنى الذي يجري عليه سبحانه في مقام الفعل، و قال في جواب سؤال السائل:

«لم يزل اللّه مريداً؟: إنّ المريد لايكون إلاّ المراد معه، لم يزل اللّه عالماً قادراً ثمّ أراد»(1).

عصر الإمام الكاظم (عليه السلام) و المذاهب الكلاميّة

كان عصر الإمام الكاظم (عليه السلام) (ت128 ـ م183) عصر ازدهار المذاهب الكلامية و كانت الأمصار و حواضرها الكبرى ميدانا لمطارحات الفرق المختلفة.

فمن سلفيّ يقتصر في توصيفه سبحانه على الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة و يأخذ بمعانيها الحرفية من دون امعان و تدبّر، و يرفع عقيرته بأنّ للّه يداً و وجها و أنّه مستو و مستقرّ على عرشه و أنّ له رجلاًو ...

إلى معتزلي يجعل للعقل قسطاً أوفر في مجال العقائد و المعارف و يتجاوز حدّه فيؤوّل الكتاب و السنّة فيما لايوافق معتقده و عقليّته.

إلى مرجئيّ يكتفي في الإيمان بالقول و يقدّمه و يؤخّر العمل، و لايحكم على


1 . الكافي ج1 ص 109،باب الارادة.


(85)

مرتكب الكبيرة بعقوبة.

إلى مُحكِّم يكفّر كلّ الطوائف الاسلامية غير أهل نحلته الذين يبغضون الخليفتين عثمان و عليّاً و يكفّرون الصدّيق الاعظم عليّاً (عليه السلام).

إلى غير ذلك من المذاهب الإسلاميّة التي ظهرت في القرن الثاني.

و يعرب عن تشتت الفرق و تكثّرها ما رواه الكشّي عن محمدبن عيسى العبيدي، عن يونس، عن هشام، إنّه لما كان أيّام المهدي، شدّد على أصحاب الهوى، و كتب له ابن المفضل صنوف الفرق صنفاً صنفاً، ثمّ قرأ الكتاب على الناس، فقال يونس:

قد سمعت الكتاب يقرأ على الناس على باب الذهب بالمدينة و اُخرى بمدينة الوضّاح(1).

و لم يكن الخلاف مقتصراً على معتقدات الطوائف الماضية بل كان عصر الإمام يتسم بموجات رهيبة من النزعات الشعوبية و الاتجاهات التي لاتمت إلى الاسلام بصلة، و لأجل ذلك يجب امعان النظر في الروايات الواردة عن الكاظم (عليه السلام) و غيره مع ملاحظة الظروف السائدة عليه، فإذا كان هذا عصر الإمام و الأئمّة بعده فلابدّ أن تكون رواياتهم متضمّنة ردّ أصحاب الأهواء و دعاة الضلال، وأكثر ما ورد في المقام عن الإمامين الكاظم و الرضا (عليهما السلام) حول الإرادة و أنّها صفة فعله سبحانه لاذاته إنّما ورد في تلك الظروف المحرجة.

الإشكال الثالث: الإرادة يتوارد عليها النفي و الاثبات

كيف نعد الإرادة من صفات الذات؟ مع أنّ الملاك الذي ذكره الكليني لاينطبق


1 . رجال الكشي: ترجمة هشام بن الحكم رقم131 ص227، و لعلّ هذا الكتاب أوّل ما اُلّف في المذاهب الاسلامية.


(86)

عليه بل ينطبق على كونها من صفات الفعل و حاصله:

إنّ كلّ وصف يقع في اطار النفي و الاثبات فهو من صفات الفعل مثل قولنا: يعطي و لايعطى، و ما لايقع في إطارهما، بل يكون اُحادية التعلّق من صفات الذات فيقال «يعلم» و لايقال «لايعلم».

و على ضوء هذا تكون الإرادة من صفات الفعل لأنّها ممّا يتوارد عليه النفي و الاثبات. يقول سبحانه: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(البقرة/185).

و الجواب على هذا السؤال بوجهين:

أحدهما: إنّ الإرادة التي يتوارد عليها النفي و الاثبات هي الإرادة في مقام الفعل، و أمّا الإرادة في مقام الذات التي فسّرناها بكمال الإرادة و هو الاختيار، فلاتقع في إطار النفي و الاثبات.

و ثانيهما: ما أجاب به صدر المتألّهين قائلاً بأنّ للّه سبحانه إرادة بسيطة مجهولة الكنه و إنّ الذي يتوارد عليه النفي و الإثبات، الإرادة العددية الجزئية المتحقّقة في مقام الفعل، و أمّا أصل الإرادة البسيطة، و كونه سبحانه فاعلاً عن إرادة لا عن اضطرار و ايجاب، فلايجوز سلبه عن اللّه سبحانه، و إنّ منشأ الاشتباه هو الخلط بين الإرادة البسيطة في مقام الذات التي لاتتعدّد و لاتتثنّى، و بين الإرادة العددية المتحقّقة في مقام الفعل التي تتعدّد و تتثنّى و يرد عليها النفي و الاثبات.

قال:«الفرق بين الإرادة التفصيلية العددية التي يقع تعلّقها بجزئي من اعداد طبيعية واحدة أو بكلّ واحد من طرفي المقدور، كما في القادرين من الحيوانات، و بين الإرادة، البسيطة الحقّة الالهيّة التي يكلّّ عن ادراكها عقول أكثر الحكماء فضلاً عن غيرهم»(1).


1 . الاسفار ج 6 ص 324.


(87)

الإشكال الرابع: لو كانت الإرادة صفة للذات، لزم قدم العالم

هذا هو الإشكال الرابع في طريق جعل الإرادة من صفات الذات و حاصله: إنّ صفات الذات متّحدة معها، فلو كانت الإرادة صفة للذات، يلزم قدم العالم لأنّ الإرادة لاتنفك عن مرادها فقدم الذات يلازم قدم الإرادة و هو يلازم قدم المعلول و هو العالم.

يلاحظ عليه أوّلاً: إن الإشكال لايختصّ بمن جعل الإرادة بمعناها الحقيقي وصفاً لذاته سبحانه، بل الإشكال يتوجه أيضاً على من فسّر إرادته بالعلم بالأصلح، لاستناد وجود الأشياء إلى العلم بالنظام الأتم الذي هو عين ذاته، و استحالة انفكاك المعلوم عن العلّة أمر بيّن من غير فرق بين تسمية هذا العلم إرادة أو غيرها، فلو كان النظام الأصلح معلولاً لعلمه، و المفروض انّ علمه قديم، لزم قدم النظام لقدم علّته.

و ثانياً: إذا قلنا بأنّ إرادته سبحانه عبارة عن كونه مختاراً غير ملزم بواحد من الطرفين، لايلزم عندئذ قدم العالم إذا اختار ايجاد العالم متأخّراً عن ذاته.

و ثالثاً: إنّ لصدر المتألّهين و من حذا حذوه في الاعتقاد بالإرادة الذاتية البسيطة المجهولة الكنه، أن يجيب بأنّ جهلنا بحقيقة هذه الإرادة و كيفيّة إعمالها، يصدّنا عن البحث عن كيفيّة صدور فعله عنه، و أنّه لماذا خلق العالم حادثاً و لم يخلقه قديماً؟

و ها هنا نكتة نعلّقها على هذا البحث بعد التنبيه على أمر و هو: إنّ الزمان كمّ متّصل ينتزع من حركة الشيء و تغيّره من حال إلى حال، و من مكان إلى مكان ، ومن صورة نوعية إلى أخرى، فمقدار الحركة عبارة عن الزمان، فلولا المادة و حركتها لما كان للزمان مفهوم حقيقي، بل كان له مفهوم وهمي. هذا ما أثبتته الأبحاث العميقة في الزمان و الحركة، و قد كان القدماء يزعمون: إنّ الزمان يتولد من حركة


(88)

الافلاك و النيّرين و غيرهما من الكواكب السيارة، و لكن الحقيقة أن كلّ حركة حليفة الزمان و راسِمته و مولدته، و إنّ التبدّلات عنصريّة كانت أو أثيرية، مشتملة على أمرين:

الأوّل: حالة الانتقال من المبدأ إلى المنتهى، سواء كان الانتقال في الوصف،أو في الذات.

الثاني: كون ذلك الإنتقال على وجه التدريج و السيلان لا على نحو دفعي.

فباعتبار الأمر الأوّل توصف بالحركة، و باعتبار الأمر الثاني توصف بالزمان، فكأن شيئاً واحداً باسم التغير و التبدل و الانتقال، يكون مبدأ لانتزاع مفهومين منه، لكن كلّ واحد منهما باعتبار خاص، هذا من جانب.

و من جانب آخر إنّ المادّة تتحقق على نحو النتدريج و التجزئة و لايصحّ وقوعها بنحو جمعي، لأنّ حقيقتها حقيقة سيّالة متدرّجة أشبه بسيلان الماء، فكلّّ ظاهرة مادية تتحقق تلو سبب خاص، و ما هذا حاله يستحيل عليه التحقق الجمعي أو تقدّم جزء منه أو تأخّره بل لامناص عن تحقّق كلّ جزء في ظرفه و موطنه، و بهذا الاعتبار تشبه الأرقام و الأعداد، فالعدد مثل «الخمسة» ليس له موطن إلاّ الوقوع بين «الأربعة»و «الستة» و تقدمه على موطنه كتأخّره عنه مستحيل، و على ذلك فالأسباب و المسبّبات المترتبة بنظام خاص، يستحيل عليها خروج أي جزء من أجزائها عن موطنه و محله.

إذا عرفت هذا الأمر، نرجع إلى بيان النكتة و هي ما ذا يريد القائل من قوله «لو كانت الإرادة صفة ذاتية للّه سبحانه، يلزم قدم العالم؟» فان أراد أنّه يلزم تحقّق العالم في زمان قبله و في فترة ماضية فهذا ساقط بحكم المطلب الأوّل، لأنّ المفروض انّه لازمان قبل عالم المادة لما عرفت من أنّ حركة المادة ترسم الزمان و تولّده.

و إن أراد لزوم تقديم بعض أجزائه على البعض الآخر أو على مجموع العالم


(89)

فقد عرفت استحالته فإنّ اخراج كلّ جزء عن إطاره أمر مستحيل مستلزم لانعدامه.

ما هو المراد من الحدوث الزماني للعالم؟

اتّفق الالهيّون على أنّ العالم حادث ذاتاً بمعنى أنّه مسبوق بعدم حقيقي و انّه لم يكن فكان و الفاعل المتخلّل في قولنا: «لم يكن فكان» هو الفاصل بين الواجب والممكن نظير الفصل بين حركة اليد و حركة المفتاح، فالحركتان واقعتان في زمان واحد غير أنّ الثانية متأخّرة عن الاُولى رتبة لأنّها ناشئة من الاُولى، و حركة اليد نابعة من ذاتها، و حركة المفتاح ناشئة من حركتها، فهي في طول الحركة الاولى.

نعم هنا فرق بين المثال و الممثّل له، فالعلّة و المعلول في المثال زمانيان دون الممثّل له فالعلّة هنا منزّهة عن الزمان و الزماني و هذا مما لاشبهة فيه، إنّما الكلام في اثبات حدوث آخر للعالم و هو الحدوث الزماني.

إنّ المتشرّعة تثبت للعالم وراء الحدوث الذاتي حدوثاً زمانياً بمعنى كونه مسبوقاً بعدم زماني واقعي مثلا كما أنّ حوادث اليوم مسبوقة بالعدم الزماني حيث إنها لم تكن قبل ذلك اليوم ثم حدث، فهكذا العالم لم يكن في وقت ثم حدث. و هذه المسألة ممّا تصرّ عليها المتشرّعة حتى انّ الشيخ الأعظم الأنصاري في الفرائد عند البحث عن حجّية القطع الحاصل من غير الكتاب و السنّة يقول: «أجمعت الشرايع السماويّة على انّ العالم حادث زماناً(1).

و لكن تصوير الحدوث الزماني لكلّ جزء من أجزاء العالم بالنسبة إلى الزمان المتقدّم عليه أمر سهل يصدّقه البرهان و الحسّ فـ«زيد» المتولّد في هذا اليوم، مسبوق بعدم زماني يوم أمس.


1 . الفرائد، رسالة حجّية القطع.


(90)

إنّما الكلام في اثبات الحدوث الزماني لمجموع العالم إذا أخذ صفقة واحدة و لوحظ شيئاً واحداً، فإنّ اثبات الحدوث الزماني أمر لايخلو من خفاء و ذلك ببيانين:

1 ـ إنّ الزمان مقدار الحركة، و كلّّ حركه تعانق زمانا ما يعدّ مقداراً لها، و ليس في العالم زمان واحد يتولّد من حركة الفلك أو الشمس و القمر بل كلّّ حركة مولد زماناً فيكون ذلك الزمان مقداراً لها كما حقّق في محلّه، فإذا كان الزمان وليد الحركة و نتيجة سيلان المادّة إلى الغاية فكيف يمكن أن نقول بأنّه كان وقت حقيقي لميكن العالم فيه ثمّ حدث و وجد؟ لأنّ المفروض انّ هذا الوقت نتيجة حركة المادة التي لم تخلق بعد، فلايتصوّر شيء بمعنى الوقت و الزمان قبل إيجاد العالم حتّى يتضمّن عدمه.

2 ـ إنّه ينقل الكلام إلى نفس الزمان فهل هو حادث ذاتي و قديم زماناً أو لا؟

فعلى الأوّل يجب الاعتراف بممكن حادث ذاتاً و قديم زماناً، فلو كان القول بالقدم الزماني مقبولاً فيه فليكن مقبولاً في مجموع العالم إذا لوحظ شيئاً واحداً أو في الجزء الأوّل منه. و على الثاني يلزم أن يكون للزمان زمان حتّى يتضمّن الزمان الثاني عدم الزمان الأوّل في حاقّه، و عندئذ إمّا يتوقّف تسلسل الزمان فيلزم كون الزمان الثاني قديماً زمانيّاً و إن لم يتوّقف يلزم التسلسل.

فلأجل هذين الوجهين يعسر التصديق بالحدوث الزماني لمجموع العالم و يكتفى بالحدوث الذاتي، ثم إنّ الداعي إلى ذهابهم إلى الحدوث الزماني للعالم كلّّه امران:

أ: التركيز على التوحيد، و إنّه لاقديم سواه و إنّ كلّ ما في الكون فهو حادث زماني مسبوق بعدم زماني حقيقي، فحصر القديم في اللّه سبحانه يصدّهم عن الاعتراف بقدم العالم زماناً و الاكتفاء بالحدوث الذاتي.


(91)

يلاحظ عليه: إنّ تنزيه الحق عن الشرك و النّد لايتوقف على اثبات الحدوث الزماني للعالم، بل يكفي هنا القول بأنّه سبحانه قديم بالذات و إنّ غيره حادث كذلك سواء أكان له حدوث زماني أو لا، و بعبارة اُخرى التنزيه و نفي الشرك يحصل بحصر ضرورة الوجود في اللّه سبحانه و إنّ وجوده نابع من صميم ذاته بخلاف غيره فإنّ وجوده مستعار و مكتسب من جانبه سبحانه.

ب: ما ورد في الروايات من أنّه كان اللّه و لم يكن معه شيء مستظهراً بأنّ المراد من الكينونة للّه سبحانه، و عدم غيره، هو كونه في وقت مقروناً بعدم كون شيءفيه.

يلاحظ عليه: إنّ الروايات المرويّة عن أئمّة أهل البيت خصوصاً ما روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام)و أبي جعفر (عليه السلام) يعرب من انّ المراد غير ذلك و أنّ ما يتبادر من هذه الجملة في الأذهان البسيطة غير مراد، و يعلم ذلك بسرد الروايات عنهم صلوات اللّه عليهم:

1 ـ روى الصدوق عن يعقوب بن جعفر الجعفري، عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنّه قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى كان لم يزل، بلازمان و لامكان و هو الآن كما كان(1).

2 ـ ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى كان و لاشيء غيره، نوراً لاظلام فيه، و صادقاً لاكذب فيه، و عالماً لاجهل فيه، و حيّاً لاموت فيه، و كذلك هو اليوم، و كذلك لايزال أبداً(2).

3 ـ ما ذكره الإمام الرضا (عليه السلام) في جواب عمران الصابئي حيث سأله الصابئي بقوله: أخبرني عن الكائن الأوّل و عمّا خلق. قال الرضا (عليه السلام) سألت فافهم: «أمّا الواحد فلم يزل واحداً كائناً لاشيء معه، بلاحدود، و لااعراض، و


1 . مسند الامام الكاظم (عليه السلام) ج 1 ص 270 ـ نقلاً عن توحيد الصدوق ص 178.
2 . التوحيد للصدوق ـ باب صفات الذات و صفات الفعل ـ الحديث 5 ص 141.


(92)

لا يزال كذلك(1).

و الذي يجب إمعان النظر فيه هو هذه الجمل التالية في حديث الإمام الكاظم (عليه السلام) و غيره.

أ: قوله في الحديث الاول: «و هو الآن كما كان».

ب: قوله في رواية أبي جعفر (عليه السلام): «و كذلك هو اليوم فكذلك لايزال أبداً».

ج: قوله في كلام الرضا (عليه السلام): «و لايزال كذلك».

فهذه الأحاديث تعرب من أنّ توصيفه سبحانه بالجملة التالية: «كان اللّه و لم يكن معه شيء» لايختص بالآزال قبل خلق العالم بل هذا الوصف مستمر له إلى الآن حتى بعد ما خلق العالم، و من المعلوم أنّه لو كان المراد من قوله: « كان اللّه و لم يكن معه شيء» إنّه كان وقت، و لم يكن في ذلك الوقت شيء من الممكنات، يجب ان يخصّص هذا الوصف بظرف خاص و هو قبل خلق العالم، و أمّا بعده فلايمكن أن يقال: إنّه مستمر إلى زماننا هذا لفرض تكوّن أشياء و تحقّقها مع تحقّق اللّه سبحانه.

و هذا يعرب: إنّ المراد من أنّه سبحانه قد كان و لم يكن معه شيء مستمراً إلى زماننا هذا، هو كونه سبحانه في درجة رفيعة من الوجود و رتبة متقدّمة على معلوله فهو في كلّ ظرف و زمان، كائنٌ، و ليس معه في هذه الرتبة شيء من الممكنات من غير فرق بين مرحلة خلق العالم و قبله، لأنّ العلّة لعلوّ مقامه و شموخ درجته على وجه لايتجافى المعلول عن رتبته، حتى يكون معه، و لاشيء معه في هذا المقام مطلقاً سواء قبل خلق العالم أم بعده.


1 . التوحيد: باب ذكر مجلس الرضا(ع) ص 430.


(93)

و الحاصل: إنّ هذه الروايات تركّز على نكتة فلسفيّة تغيب عن أذهان المتوسّطين و هو انّه سبحانه واحد ليس معه شيء، و إنّ هذا التوحيد مستمر في جميع الأوقات و الأزمان و من المعلوم أنّ الاعتراف بهذا النوع من التوحيد و التنزيه، و نفي أن يكون شيء معه لايتم إلاّ بالاعتراف بالحدوث الذاتي للعالم، و إنّ وجوده نابع من وجوده سبحانه، فليس في ذلك المقام أثر من الإمكان من غير فرق بين قبل التجلّي وبعده ،فالمعلوم أقصر من أن يصل إلى مقام العلّة و يجتمع معها.

هذا ما وصلنا إليه بعد التدبّر في الروايات.

نعم، إنّ صدر المتألّهين و تلامذة منهجه حاولوا في المقام أن يثبتوا للعالم حدوثاً زمانيّاً وراء الحدوث الذاتي، فمن أراد التبسّط فعليه المراجعة إلى كلامهم(1) ولكنّهم و إن بذلوا جهوداً كبيرة في تصوير الحدوث الزماني لكنّه لايثبت ما ترومه المتشرّعة إذ أقصى ما يثبت بيانهم إنّ كلّ جزء من العالم مسبوق بعدم زماني بالنسبة إلى الجزء المتقدّم، و هو ليس موضع بحث و نقاش و إنّما البحث في اثبات الحدوث لجملة العالم.

ثمّ إنّ لبعض المحقّقين ممّن عاصرناه كلاماً في المقام لايخلو من فائدة، فنأتي به برمته، قال:

«اعلم انّ الذي يظهر لي في هذا المقام العويص، هو أن يقال: إنّ المراد من العالم(بمعنى ما سوى اللّه) إمّا يكون هو هذا العالم المشهود لنا من السماء و السماويّات و العنصر و العنصريّات، و إمّا يكون مطلق ما سوى اللّه ممّا يتصوّر من عالم مادي أو مجرّد، فالأوّل أعني هذا العالم المحسوس، فالحق انّه ليس على قدمه دليل، و لا في القول بحدوثه محذور بل هو حادث زماني أعني مسبوقاً بالعدم


1 . الاسفار ج 6 ص 368.


(94)

الزماني العرضي، و يكون وعاء عدمه زماناً منتزعاً من عالم قبله و هو أي العالم الذي قبله أيضاً حادث زماني مسبوق بعدمه، الواقع في عالم ثالث قبل ذاك العالم الثاني، و ليس هذا شيء يخالفه العقل،بل الهيئة الجديدة ناطقة بأنّ الامر كذلك، إذ شمسنا التي تدور حولها أرضنا مع بقية الكواكب عندهم عالم من العوالم، حادث، مسبوق بعدم واقعي، قد انقضى الأكثر من عمره و ما بقي منه إلاّ صبابة كصبابة الاناء، و هو مع جميع توابعه مسبوق بعدم واقعي متأخّر عن عالم متألّف من شمس اُخرى مع ما حولها من كواكبها، و هكذا كلّ كوكب من الثوابت شمس و كم انقضى منها و كم لم يوجد بعد، وكم من موجود منها لم نشاهده ذلك تقدير العزيز الحكيم.

هذا بالقياس إلى حكم العقل و لم يثبت في الشرع ما يدل على خلافه بل لعل فيه ما يدل على وفاقه من انّ قبل هذا الخلق خلق، و قبل هذا العالم عوالم إلى ثلاثين ألف، الكاشف عن كثرتها(1) و قول الحكماء بانحصار العالم المحسوس في هذا العالم من فلك الأفلاك إلى الأرض و قدم أفلاكه مادّة و صورة و أعراضاً حتى بالنسبة إلى أصل الحركة و أصل الوضع إلاّ في جزئيات الحركة و الوضع، قول محض لاشاهد عليه إلاّ حدسيات أبطلتها الهيئة الجديدة.

و الثاني أعني مطلق العوالم و جملة ماسواه، فالحق انّ حدوثه بهذا المعنى شيء لم يتّفق عليه الملّيون و لم يثبت له الحدوث بهذا المعنى في شرعنا المقدّس كيف وقد عرفت ورود ما يدل على وجود العوالم قبل عالمنا و كذا بعد خرابه، و هو الموافق مع الحكمة و يطابقه العقل الصريح و يلائم مع كونه تعالى دائم الفضل على البريّة و باسط اليدين بالعطية و لاامساك له عن الفيض، و على هذا فيمكن أن يكون


1 . قال أبوجعفر الباقر (عليه السلام): و لعلّك ترى أنّ اللّه تعالى إنّما خلق هذا العالم الواحد، و ترى أنّ اللّه تعالى لم يخلق بشراً غيركم بلى و اللّه لقدخلق اللّه تعالى الف الف عالم، و ألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم و اُولئك الاُمّيين. قال الحكيم السبزواري بعد نقل الحديث: و المراد من العدد الكثرة. «شرح الأسماء الحسنى ص 240».


(95)

النزاع في حدوث العالم و قدمه لفظيّاً الاّ على قول الحكماء بقدم هذا العالم من أفلاكه و فلكياته و عناصره البسيطه حيث إنّ النزاع في قدمه و حدوثه معنوي كما لايخفى.

وأمّا بالنسبة إلى ماسوى هذا العالم فالحكماء ينكرون أصل وجوده، و يزعمون انحصار العالم في عالمنا، و لو كان له وجود قبل عالمنا فلامحالة يكون عالمنا حادثاً بالحدوث الزماني المسبوق بالعدم الواقعي، كما أنّ الاعتراف بوجود العقول وعالم الجبروت يساوق الاعتراف بوجود الممكن القديم بالزمان كما لايخفى(1).

15 ـ تكلّمه و كلامه سبحانه

قد تعرّفت على أنّ صفة التكلّم ممّا وقع فيه الكلام و أنّه هل هو صفة فعل أو صفة ذات، و قد أثارت هذه المسألة في أواخر القرن الثاني و أوائل القرن الثالث ضجّة كبيرة بين المسلمين، و أوجدت محنة في التاريخ سمّيت بمحنة أحمد، و قد بالغت شيعة أحمد كإبن الجوزي في مناقبه في تحرير هذه المحنة و تحليلها فجاء بقصص و روايات لم يروها غيره و جعل منه بطلاً دينيّاً، مجاهداً من أجل عقيدته و آرائه. و على كلّ تقدير فنحن نبحث عنها على ضوء البرهان و هدى الكتاب والسنّة.

أجمع المسلون تبعاً للكتاب و السنّة على كونه سبحانه متكلّّماً و قد شغلت هذه المسألة بال العلماء و المفكّرين في العصور المتقدّمة و وقع الجدال في موضعين:

الأوّل: ما هو المراد من هذا الوصف؟

الثاني: هل كلامه(القرآن) حادث أو قديم؟


1 . درر الفوائد: للمحقق الشيخ محمد تقي الآملي ـ قدس سره ـ ج 1 ص272ـ274.


(96)

و قبل البحث في كلا الأمرين نقدّم النصوص القرآنية التي تضافرت الآيات على توصيفه به، قال تعالى: (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّهُ)(البقرة/253).

و قال تعالى: (وَ كَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً)(النساء/164)

و قال سبحانه : (وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ)(الأعراف/143).

و قال تعالى: (وَ ما كانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ اِلاّ وَحْياً اَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب اَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِى بِاِذْنِهِ ما يَشاءُ اِنَّهُ عَلىٌّ حَكِيمٌ)(الشورى/51).

و قد بيّن تعالى انّ تكليمه الأنبياء لايعدو عن الأقسام التالية:

1 ـ وحياً.

2 ـ من وراء حجاب.

3 ـ يرسل رسولاً.

فقد أشار بقوله: «إلاّ وحياً» إلى الكلام الملقى في روع الأنبياء بسرعة و خفاء كما أشار بقوله: «أو من وراء حجاب»إلى الكلام المسموع لموسى (عليه السلام) في البقعة المباركة قال تعالى:(فَلَمّا أَتاها نُودِىَ مِنْ شاطِىء الْوادِ الأَيْمَنْ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةَ مِنَ الشَّجَرَةَ اَنْ يا مُوسى إِنِّى أَنَا اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ)(القصص/30).

وأشار بقوله سبحانه:(أَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً) إلى الإلقاء الذي يتوسّط فيه ملك الوحي.

قال سبحانه: (وَ اِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبُّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَْمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)(الشعراء/192ـ194).

ففي الحقيقة «الموحي» هو اللّه سبحانه و هو تارة يوحي بلاواسطة عن طريق الالقاء في الروع، أو عن طريق التكلّم من وراء حجاب بحيث يسمع الصوت


(97)

الموحى و اُخرى بواسطة الرسول، فهذه الأقسام الثلاثة هي الواردة في الآية المباركة.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّه اختلفت كلمة المتكلّمين و الحكماء في حقيقة كلامه إلى نظريات:

1 ـ نظرية المعتزلة

قالت المعتزلة كلامه تعالى أصوات و حروف ليست قائمة بذاته تعالى بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرئيل أو النبي. قال القاضي عبدالجبار:

«حقيقة الكلام: الحروف المنظومة و الأصوات المقطعة وهذا كما يكون منعماً بنعمة توجد في غيره، و رازقاً برزق يوجد في غيره، فهكذا يكون متكلّما بايجاد الكلام في غيره و ليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه فعلاً(1).

و الظاهر أنّ كونه سبحانه متكلّما بهذا المعنى لاخلاف فيه إنّما الكلام في حصر التكلّم في هذا المعنى. قال السيد الشريف:

«هذا الذي قالته المعتزلة لاننكره بل نحن نقوله و نسمّيه كلاماً لفظياً و نعترف بحدوثه و عدم قيامه بذاته تعالى و لكن نثبت أمرا وراء ذلك»(2).

و نزيد في الملاحظة: إنّ تفسير كلامه سبحانه بايجاد الحروف و الأصوات في الأشياء أو الالقاء في الروع إنّما يصحّ في ما إذا كان لكلامه سبحانه مخاطباً معيّناً كما في تكليمه الأنبياء و غيرهم كاُمّ موسى قال سبحانه:

(وَ أَوْحَيْنا اِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَاِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى اليَمِّ وَ لاتَخَافِى وَ لاتَحْزَنِى اِنّا رادُّوهُ اِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنْ المُرْسَلِينَ)(القصص/7).


1 . شرح الاُصول الخمسة ص 528، و شرح المواقف ج 8، ص495.
2 . شرح المواقف ج 8 ص 93.


(98)

و لايرى و قال سبحانه: (فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّتَحْزَنِى قَدْجَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَ هُزِّى اِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً)(مريم/24 و25).

و أمّا إذا لم يكن هناك مخاطب خاص لجهة الخطاب فلابد ان يكون كلامه سبحانه على وجه الاطلاق معنى آخر سنذكره فيما بعد.

2 ـ نظريّة الحكماء

لاشك انّ الكلام في انظار عامّة الناس هو الحروف و الأصوات الصادرة من المتكلّم القائمة به، و هو يحصل من تموّج الهواء و اهتزازه بحيث إذا زالت الأمواج غاب الكلام عنه، و لكن الإنسان الاجتماعي يتوسّع في اطلاقه فيطلقه على الخطبة المنقولة أو الشعر المروي عن شخص، و يقول هذا كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو شعر اُمرىء القيس مع أنّ كلامهما قد زالا بزوال الموجات و الاهتزازات، و ما هذا إلاّ من باب التوسّع في الاطلاق و مشاهدة ترتّب الاثر على المرويّ و المنقول و على هذا يتوسّع بأزيد من هذا، فكلّ فعل من المتكلّم أفاد نفس الأثر الذي يفيده كلامه اللفظي يسمّيه كلاماً لاشتراكهما في ابراز ما يضمره المتكلّم في قرارة ذهنه من المعاني و الحقائق، و بذلك تكون اللوحة الفنيّة كلاماً لرسّامها حتى انّ البناء الشامخ كلام يعرب عن نبوغ البنّاء و المعمار و المهندس، فلأجل ذلك نرى انّه سبحانه يصف عيسى بن مريم بأنّه كلمة اللّه ألقاها إلى مريم العذراء فيقول: (يا اَهْلَ الْكِتابِ لاتَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَ لاتَقُولُوا عَلى اللّهِ اِلاّ الْحَقَّ اِنَّما الْمَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَ كَلِمَتُهُ اَلْقاها اِلى مَرْيَمَ وَ رَوْحٌ مِنْهُ)(النساء/171).

و كيف لايكون سيّدنا المسيح كلمة اللّه مع أنّه كاشف عن قدرته العظيمة على خلق الإنسان في الرحم من دون لقاح بين انثى وذكر، ولأجل ذلك عدّ وجوده آية ومعجزة.

و في ضوء هذا البيان يظهر وجه عدّ جميع ما في الكون كلمات اللّه سبحانه،


(99)

قال:

(قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ اَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّى وَلَوْجِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً)(الكهف/109).

و يقول سبحانه: (وَ لَوْ اَنَّما فِى الاَْرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ اَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ اِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(لقمان/27).

فكلّ ما في صحيفة الكون من الموجودات الإمكانية كلامه و تخبر عمّا في المبدأ من كمال و جمال و علم و قدرة، و بذلك يكون العالم بموجوداته الكتاب التكويني.

و قال علي (عليه السلام):

«يخبر لابلسان و لهوات، و يسمع لابخروق و أدوات، يقول و لايلفظ، ويحفظ و لايتحفّظ، و يريد و لايضمر، يحب و يرضى من غير رقّة، و يبغض ويغضب من غير مشقّة يقول لمن أراد كونه، «كن» فيكون، لا بصوت يقرع و لا بنداء يسمع، و إنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثّله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولوكان قديماً لكان إلها ثانياً»(1).

و على هذين المعنيين فالتكلّم من صفات فعله سبحانه لا من صفات الذات نعم، حاولت الأشاعرة أن تجعل كلامه سبحانه صفة ذاته و جاءت بنظرية معقدة غير واضحة سمّتها بالكلام النفسي، و إليك بيانها:

3 ـ نظرية الأشاعرة

ذهبت الأشاعرة إلى كون التكلّم من صفات الذات بالقول بالكلام النفسي


1 . نهج البلاغة: الخطبة 184.


(100)

القائم بذات المتكلّّم، وهذه النظرية مع اشتهارها من الشيخ أبي الحسن الأشعري لم نجدها في «الإبانة» و «اللمع» و إنّما ركّز فيهما على البحث عن المسألة الثانية، وهو كون كلامه حادثاً أو قديماً، ولكن اتباعه المتأخّرين نقلوها عنه. قال «الشهرستاني»:

«و صار أبوالحسن الأشعري إلى أنّ للكلام معنى قائماً بالنفس الإنسانية و بذات المتكلّم و ليس بحروف و لا أصوات و إنّما هو القول الذي يجده القائل في نفسه و يجيله في خلده»(1).

و قال الآمدي:

«ذهب أهل الحق من الإسلاميين إلى كون الباري تعالى متكلّما بكلام قديم أزلي نفساني أحدي الذات، ليس بحروف و لا أصوات، و هو مع ذلك مغاير للعلم و القدرة و الإرادة و غير ذلك من الصفات»(2).

و قال «الايجي» بعد نقل نظرية المعتزلة:

«و هذا لاننكره لكنّا نثبت أمراً وراء ذلك، و هو المعنى القائم بالنفس و نزعم انّه غير العبارات إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة و الأمكنة و الأقوام بل قد يدلّ عليه بالإشارة و الكتابة...إلى أن قال: «....و هو غير العلم»(3).

و قد حارت العقول في فهم المقصود من الكلام النفسي، ولأجل ذلك قام رجال من الأشاعرة بتبيينه. فأوضحه «الشهرستاني» بقوله:

«العاقل إذا راجع نفسه و طالع ذهنه وجد من نفسه كلاماً و قولاً يجول في قلبه تارة اخباراً عن اُمور رآها على هيئة وجودها أو سمعها من مبتدئها إلى منتهاها على وفق ثبوتها، و تارة حديثاً مع نفسه بأمر و نهي و وعد و وعيد لأشخاص على تقدير


1 . نهاية الاقدام: ص 320.
2 . غاية المرام: ص 88.
3 . المواقف: ص 294.


(101)

وجودهم و مشاهدتهم، ثمّ يعبّر عن تلك الأحاديث وقت المشاهدة، و تارة نطقاً عقليّاً إمّا بجزم القول: إنّ الحق و الصدق كذا، و إمّا بترديد الفكر انّه هل يجوز أن يكون الشيء كذا أو يستحيل أو يجب إلى غير ذلك من الأفكار حتى انّ كلّ صانع، يُحدِّث نفسه أوّلاً بالغرض الذي توجهت إليه صنعته، ثم تنطق نفسه في حالة الفعل محادثةً مع الآلات و الأدوات و المواد و العناصر، و من أنكر أمثال هذه المعاني فقد جحد الضرورة»(1).

و قال الفاضل القوشجي:

«إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو اخبار أو استخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبّر عنها يسمّيها بالكلام الحسّي، و المعنى الذي يجده في نفسه و يدور في خلده، و لايختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع و الاصطلاحات، و يقصد المتكلّم حصوله في نفس السامع على موجبه هو الذي نسميه الكلام النفسي»(2).

يلاحظ عليه: انّه لو كان المراد من المعنى النفسي هو المعاني المنتظمة في خلد المتكلّم، التي لاتختلف حسب اختلاف الألفاظ و التعبيرات فهو إمّا معاني مفردة أو معاني مركبة.

و على كلاالتقديرين فهما من أقسام العلم التصوّري أو التصديقي و ليستا خارجتين عنه مع أنّ المدّعى كون التكلّم وصفاً مغايراً للعلم كما أنّ المعنى الموجود في الذهن في الانشائيات هو الإرادة و الكراهة المبرزتين بالأمر و النهي و ليست شيئاً ورائهما مع أنّ المدّعي انّ الكلام النفسي غير الإرادة و الانشاء.

و لقد انصف القاضي الايجي حيث أوعز إلى انّ هذا البيان لايتم إلاّ إذا


1 . نهاية الاقدام: ص 231، و لكلامه ذيل فراجع.
2 . شرح التجريد للقوشجي: ص 420.


(102)

تلك المعاني التي تدور في النفس غير العلم و الإرادة(1).

ثمّ إنّ للأشاعرة دلائل خاصّة في اثبات الكلام النفسي، و إنّ هناك معاني في النفس و هو غير العلم و الإرادة و الكراهة كلّّها فاسدة، و قد أوضحنا حالها في بعض موسوعاتنا الكلاميّة(2).هذا كلّه حول حقيقة كلامه. بقي البحث عن حدوثه و قدمه فنحن في غنى عن هذا البحث بعد ثبوت كونه من صفاته الفعلية و من المعلوم أنّ فعله سبحانه غيره، و كلّ ما هو غيره مخلوق، حادث غير قديم. نعم يجب علينا أن نجتنب عن توصيف القرآن بكونه مخلوقاً و نقول مكان كونه مخلوقاً «محدثاً» و ذلك لئلاّ يفسّر بكونه «مختلقاً» و مصنوعاً للبشر قال سبحانه حاكياً عن المشركين: ( اِنْ هذا اِلاّ قُولُ البَشَرِ)(المدثّر/25).

ولأجل ذلك قال الإمام الرضا (عليه السلام) عند السؤال عن القرآن:

«كلام اللّه لاتتجاوزوه و لاتطلبوا الهدى في غيره فتضلّوه»(3).

و نقل سليمان بن جعفر الجعفري انّه سأل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن القرآن و انّه مخلوق أو غير مخلوق؟ فقال: «إنّي لاأقول في ذلك ما يقولون، و لكنّي أقول: إنّه كلام اللّه»(4).

ترى أنّ الإمام (عليه السلام) يبتعد عن الخوض في تلك المسألة لما رأى أنّ الخوض فيها ليس لصالح الإسلام، و أنّ الإكتفاء بأنّه كلام اللّه أحسم لمادّة الخلاف، و لكنّهم (عليهم السلام) عندما أحسّوا بسلامة الموقف، و هدوء الأجواء أدلوا برأيهم في الموضوع، و صرّحوا بأنّ الخالق هو اللّه و غيره مخلوق و القرآن ليس


1 . المواقف: ص 294.
2 . لاحظ «بحوث في الملل و النحل» ص271 ـ 278 ، و الالهيات ص197ـ204.
3 . التوحيد للصدوق باب «القرآن ما هو؟» ص223 الحديث 2.
4 . نفس المصدر: ص 224 الحديث 5 .


(103)

نفسه سبحانه، و إلاّ يلزم اتّحاد المُنزِل و المُنزَل، فهو غيره، فيكون لامحالة مخلوقاً.

فقد روى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، قال: كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا (عليهم السلام) إلى بعض شيعته ببغداد:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، عصمنا اللّه و إيّاك من الفتنة، فإن يفعل فقد أعظم بها نعمة، و إن لايفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل و المجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، و يتكلّف المجيب ما ليس عليه، و ليس الخالق إلاّ اللّه عزّ و جلّ و ما سواه مخلوق، و القرآن كلام اللّه، لاتجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين، جعلنا اللّه و إيّاك من الذين يخشون ربّهم بالغيب و هم من الساعة مشفقون»(1).

و في الروايات المرويّة اشارة إلى المحنة التي نقلها المؤرّخون فقد كان أحمد بن أبي دؤاد كتب في عصر المأمون إلى الولاة في العواصم الإسلامية أي يختبروا الفقهاء و المحدّثين في مسألة خلق القرآن و فرض عليهم أن يعاقبوا كلّ من لايرى رأي المعتزلة في هذه المسألة، و جاء المعتصم و الواثق فطـبّقا سيرة المأمون و سياسته مع خصوم المعتزلة و بلغت المحنة أشدّها على المحدّثين، و لمّا جاء المتوكّل نصر مذهب الحنابلة و أقصى المعتزلة و أحاطت المحنة باُولئك الذين كانوا بالأمس القريب يفرضون آراءهم بالقهر و القوّة.

با للّه عليك هل يمكن عدّ مثل هذا الجدال إسلاميّاً، و قرآنيّاً و بذلك تقف على أنّه لماذا كتب الإمام الهادي إلى بعض شيعته ببغداد: «عصمنا اللّه و إيّاك من الفتنة...».

قال المفيد: «إنّ كلام اللّه محدث و بذلك جاءت الآثار عن آل محمد (عليهم السلام) و عليه اجماع الإماميّة و المعتزلة بأسرها و المرجئة إلاّ من شذّ عنها و جماعة من أهل الحديث و أكثر الزيدية و الخوارج. و أقول: إنّ القرآن كلام


1 . توحيد الصدوق، باب القرآن ماهو، الأحاديث:2 و 3 و 4 و 5 .


(104)

اللّه و وحيه، و انّه محدث كما وصفه تعالى و اَمْنعُ من إطلاقِ القول عليه بأنّه ثبت أنّ مخلوق، و بهذا جاءت الآثار عن الصادقين و عليه كافة الإمامية إلاّ من شذّ منهم، و هو قول جمهور البغداديين من المعتزلة و كثير من المرجئة و أصحاب الحديث»(1).

***

إلى هنا تمّ الكلام حول الصفتين: الإرادة و التكلّم و تعرّفت على أنّ الاُولى من الذات على معنى و من صفات الفعل على معنى آخر، كما أنّ الثاني من صفات فعلهعلى الاطلاق.


1 . أوائل المقالات: ص 18 ـ 19.


(105)

16 ـ اسماؤه في القرآن و السنّة

قد ورد في القرآن الكريم مائة و اثنان و ثلاثون اسماً للّه سبحانه بين بسيط و مركّب، و روى الفريقان عن النبي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إن للّه تبارك و تعالى تسعة و تسعين اسماً(مائة إلاّ واحدة) من أحصاها دخل الجنّة(1). و المراد من احصائها هو الوقوف على معانيها أو التمثّل و التشبّه بها مهما أمكن.

و يحتمل أن يكون المراد الاجتهاد في التقاطها من الكتاب و السنّة، و جمعها و حفظها، كما يحتمل أن يكون المراد عدّها و التلفّظ بها و في القاموس: «أحصاه: عدّه أو حفظه أو عقله».

فلنقدّم أسماءه سبحانه في الكتاب العزيز ثمّ نردفه بما ورد عن أئمّة أهلالبيت (عليهم السلام) حول تسعة و تسعين اسماً، ثمّ نذكر ما رواه أهل السنّة و نعتمد في ذلك على رواية الترمذي التي هي السند لكثير من الحفّاظ في هذا المقام.

أسماؤه في القرآن

ورد في القرآن الكريم مائة و اثنان وثلاثون اسما للّه تعالى و إليك بيانها على الترتيب:

«الإله، الأحد، الأوّل، الآخر، الأعلى، الأكرم، الأعلم، أرحم الراحمين، أحكم الحاكمين، أحسنالخالقين، أسرعالحاسبين، أهلالتقوى، أهلالمغفرة، الأقرب، الأبقى، الباري، الباطن، البديع، البِرّ، البصير، التوّاب، الجبّار، الجامع، الحكيم، الحليم، الحي، الحق، الحميد، الحسيب، الحفيظ، الحفيّ، الخبير، الخالق، الخلاّق، الخير، خيرالماكرين، خيرالرازقين، خيرالفاصلين، خيرالحاكمين، خيرالفاتحين، خيرالغافرين، خيرالوارثين، خيرالراحمين،


1 . سيوافيك مصدر الرواية.


(106)

خيرالمنزلين، خيرالناصرين، ذوالعرش، ذوالطول، ذوانتقام، ذوالفضلالعظيم، ذوالرحمة، ذوالقوّة، ذوالجلالوالإكرام، ذوالمعارج، الرحمن، الرحيم، الرؤوف، الرب، ربالعرش، رفيعالدرجات، الرازق، الرقيب، السميع، السلام، سريعالحساب، سريعالعقاب، الشهيد، الشاكر، الشكور، شديدالعذاب، شديدالعقاب، شديدالمحال، الصمد، الظاهر، العليم، العزيز، العفو، العلي، العظيم، علاّمالغيوب، عالمالغيبوالشهادة، الغني، الغفور، الغالب، غافرالذنب، الغفّار، فالقالاصباح، فالقالحبّوالنوى، الفاطر، الفتّاح، القوي، القدّوس، القهّار، القاهر، القيّوم، القريب، القادر، القدير، قابلالتوب، القائم على كلّّنفس بما كسبت، الكبير، الكريم، الكافي، اللطيف، الملك، المؤمن، المهيمن، المتكبّر، المصوّر، المجيد، المجيب، المبين، المولى، المحيط، المقيت، المتعال، المحيي، المتين، المقتدر، المستعان، المبدىء، المعيد، مالك الملك، النصير، النور، الوهّاب، الواحد، الولي، الوالي، الواسع، الوكيل، الودود، الهادي.

أسماؤه في احاديث أئمّة اهل البيت (عليهم السلام)

روى الصدوق باسناده عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه، عن علي (عليه السلام) قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ للّه تبارك و تعالى تسعة و تسعين اسماً من أحصاها دخل الجنّه و هي: «اللّه، الإله، الواحد، الأحد، الصمد، الأوّل، الآخر، السميع، البصير، القدير، القاهر، العلي، الأعلى، الباقي، البديع، البارىء، الأكرم، الظاهر، الباطن،الحيّ، الحكيم، العليم، الحليم، الحفيظ، الحق، الحسيب، الحميد، الحفي، الرب، الرحمن، الرحيم، الذاري، الرازق، الرقيب، الرؤوف، الرائي، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، السيّد، السبّوح، الشهيد، الصادق، الصانع، الطاهر، العدل، العفو، الغفور،


(107)

الغني، الغياث، الفاطر، الفرد، الفتّاح، الفالق، القديم، الملك، القدوس، القوي، القريب، القيّوم، القابض، الباسط، قاضي الحاجات، المجيد، المولى، المنّان، المحيط، المبين، المقيت، المصوّر، الكريم، الكبير، الكافي، كاشفالضر، الوتر، النور، الوهّاب، الناصر، الواسع، الودود، الهادي، الوفي، الوكيل، الوارث، البر، الباعث، التوّاب، الجليل، الجواد، الخبير، الخالق، خيرالناصرين، الديّان، الشكور، العظيم، اللطيف، الشافي»(1).

و المذكور في الحديث مائة اسم، لكن الظاهر أنّ لفظة الجلالة ليست من الأسماءالحسنى،و قد ذكر بعنوان المسمّى الجاري عليه الأسماء، وبذلك يستقيم العدد.

أسماؤه سبحانه في أحاديث أهل السنّة

أخرجالترمذي، و ابنالمنذر، و ابنحبان، و ابنمندة، و الطبراني،و الحاكم، و ابنمردويه، و البيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ للّه تسعة و تسعين اسما مائة إلاّ واحد، من أحصاها دخل الجّنة، إنّه و تريحب الوتر: هو اللّه الذي لا إله إلاّ هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارىء، المصوّر، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرازق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدىء، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد،


1 . التوحيد للصدوق: ص 194 ج 8.


(108)

الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأوّل، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التوّاب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالكالملك، ذوالجلال والاكرام،المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور»(1).

و نحن امتثالا لأمر النبي الأكرم، نرجع إلى احصاء الأسماء التي وردت في القرآن الكريم، ولو سمح الوقت نرجع إلى احصاء ما ورد في حديث أئمّة أهلالبيت (عليه السلام) لعلّ اللّه يرزقنا الجنّة حسب وعد نبيّه الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

تمّ البحث عن الاُمور التي كان طبع البحث يقتضي ايرادها و هي خمسة عشر أمراً.و من هنا ندخل في صلب البحث و هو تفسير أسماءه الواردة في الذكر الحكيم على حسب الحروف الهجائيّه إلاّ ما شذّ.


1 . صحيح الترمذي ج 5 باب الدعوات، ص 530 الحديث 507.


(109)

تفسير أسمائه الواردة في القرآن الكريم

قد عرفت أنّه ورد في الذكر الحكيم مأة و باثنان و ثلاثون اسماً له سبحانه فعلينا البحث عن معانيها، و ما تهدف إليهاتلك الأسماء، نذكرها مع تفسيرها على ترتيب الحروف الهجائيّة إلاّ إذا اقتضى المقام الجمع بين الاسمين فنفسّرهما معاً من غير مراعاة الترتيب.

و التفسير الصحيح يعتمد على أمرين:

1 ـ تحديد معناه اللغويّ تحديداً معتمداً على المعاجم الموثوق بها.

2 ـ عرض الاسماء بعضها على بعض، و الامعان في القرائن الواردة حوها في الآيات.

و إليك البحث واحداً بعد آخر.

حرف الالف

الأوّل: الإله

قد جاء لفظ الجلالة(اللّه) في الذكر الحكيم 980 مرّة كما جاء لفظ الإله بصوره المختلفة(إله، إلها، الهك، إلهكم، و إلهنا) 147 مرّة و الاسهاب في البحث يقتضي الكلام في المواضع التالية:

1 ـ لفظ الجلالة عربي أو عبري؟

قد نقل عن أبي زيد البلخي: إنّ لفظ الجلالة ليس بعربي بل عبري أخذه العرب عن اليهود، و استدل عليه بأنّ اليهود يقولون:«إلاها» و العرب حذفت المدة


(110)

التي كانت موجودة في آخرها في العبرية ككثير من نظائرها العبرية فتقول«أب» بدل «أباه» و «روح» بدل «روحا» و «نور» بدل «نورا» إلى غير ذلك.

و ذهب الباقون إلى أنّها عربية صحيحة و قد كانت العرب تستعمل تلك اللفظة قبل بعثة النبي بقرون، و لاتشذّ عن سائر الاُمم، فإنّ لكلّّ اُمّة على أديم الأرض لفظاً خاصّاً لخالق العالم و بارئه و مدبّره، فالفرس عندهم «خدا» و «ايزد» كما أنّ للترك «تاري» و من البعيد أن لايكون عند العرب المعروفين بالبيان و الخطابة لفظ يعبّرون به عمّا تهديهم فطرتهم إليه و تدلّهم عليه قال سبحانه: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ لَيَقُولُنَّ اللّهُ)(لقمان/25 ـ الزمر/38).

و اشتراك الشعبين في التعبير عن مبدأ العالم لايدل على أنّ العرب أخذت من اليهود خصوصاً إذا قلنا بأنّ اللسانين يرجعان إلى أصول و مواد واحدة، و إنّما طرأ عليهما الاختلاف لعلل و ظروف إجتماعية و غيرها و الكلّّ من العنصر «السامي».

2 ـ لفظ الجلالة مشتقّ أو لا؟

اختلفوا في انّ لفظ الجلالة مشتق من اسم آخر أو لا؟ بعد ما اتّفقوا على انّ ما سوى هذه اللفظة من أسمائه سبحانه من باب الصفات المشتقة، أمّا هذه اللفظة فقد نقل عن «الخليل» و «سيبويه» و «المبرّد» أنّها غير مشتقة و جمهور المعتزلة و كثير من الأدباء على أنّها من الأسماء المشتقة.

ثمّ القائلين بالاشتقاق اختلفوا في المعنى المشتق منه إلى أقوال كثيرة يطول المقام بذكرها و ذكر حججها و إنّما نشير إليها إجمالا:

أ ـ إنّ لفظ الجلالة مشتق من الاُلوهية بمعنى العبادة، و التالّه: التعبّد، و هذا هو المعروف بين كثير من المحدّثين و المفسّرين، و يظهر من روايات بعض أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).


(111)

روى الكليني عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبداللّه (عليه السلام) عن أسماءاللّه و اشتقاقها:

اللّه ممّا هو مشتق؟ قال: فقال لي: «يا هشام، اللّه مشتق من إله، و الاله يقتضي مألوهاً و الاسم غير المسمّى فمن عبدالاسم دون المعنى فقد كفر و لم يعبد شيئا»(1).

و قال الصدوق: اللّه و الإله هو المستحق للعبادة ولايحق العبادة إلاّ له، و تقول لم يزل إلها بمعنى أنّه يحق له العبادة و لهذا ضلّ المشركون فقدّروا أنّ العبادة تجب للأصنام سمّوها الالهه و أصله «الإلاهة» و هي العبادة(2).

ب ـ إنّه مشتق من «الوله» و هو التحيّر.

ج ـ إنّه مشتق من قولهم الهت إلى فلان أي فزعت إليه لأنّ الخلق يألهون إليه أي يفزعون إليه في حوائجهم.

د ـ إنّه مشتق من ألهت إليه سكنت إليه لان الخلق يسكنون إلى ذكره.

ه ـ انّه من «لاه» أي احتجب فمعناه إنّه المحتجب بالكيفيّة عن الأوهام(3).

و ـ إنّه مشتق من الوله: المحبة الشديدة، فابدلت الواو همزة فقالوا: أله يأله.

ز ـ إنّه مشتق من لاه يلوه إذا ارتفع، والحق سبحانه مرتفع بالمكان أو بالمقام.

ح ـ إنّه مشتق من قولك ألهت بالمكان إذا أقمت فيه، فإنّه تعالى استحق هذا الاسم لدوام وجوده(4).


1 . الكافي ـ كتاب التوحيد ـ : باب المعبود، ص 87، و رواه الصدوق في كتاب التوحيد باب أسماء اللّه الحديث 13.
2 . التوحيد للصدوق باب أسماء اللّه تعالى في ذيل الحديث رقم 9، ثم ترك سائر الوجوه الاتية.
3 . مجمع البيان ج 1 ص 16 طبع صيدا.
4 . لوامع البينات للرازي:ص106 ـ 120، فقد أسهب الكلام في ذكر الأقوال وحججها ونقدها.


(112)

و على كلّ تقدير فاللّه اصله «اله» فحذفت همزته و ادخل عليه الألف و اللام و ادغمت اللامان فصار «اللّه» و خص بالباري تعالى، قال تعالى(هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)(مريم/65)(1).

و الظاهر انّ القائلين بالاشتقاق و المنكرين له لايختلفون في أنّه علم لذاته سبحانه و إنّما يختلفون في أنّ التسمية هل كانت ارتجالية و انّه لم تلاحظ في مقام التسمية أية مناسبة بين المعنيين أو كانت غير ارتجالية، و قدنقل عن المعنى اللغوي إلى المعنى العلمي لمناسبة موجودة بينهما، فالقائلون بالاشتقاق على الأوّل و المنكرون له على الثاني.

هذا هو لبّ النزاع في المقام.

و العجب إنّ الرازي توهّم إنّ النزاع في اشتقاقه و عدمه راجع إلى أنّ لفظ الجلالة علم أو لا؟ فحسب ان القول بالاشتقاق ينافي العلمية ثمّ استدل على نفيه بأنّه لو كان مشتقاً لما كان قولنا «لا اله إلاّ اللّه» تصريحاً بالتوحيد لأنّه حينئذ مفهوم كلّّي لايمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فلو كان مشتقا لكان كلّّياً، و لو كان كذلك لم يكن قولنا «لا إله إلاّ اللّه» مانعاً من وقوع الشركه(2).

يلاحظ عليه: إنّه لامانع من كون لفظ الجلالة مشتقا من «أله» بأيّ معنى تصوّر ثم يكون علماً للذات بالمناسبة الموجودة بين المنقول منه و المنقول إليه شأن كلّّّ الاعلام المشتقة و سيأتي تمام الكلام في البحث الرابع.

3 ـ «اللّهمّ» مكان «اللّه»

و قديعبر عن لفظ الجلالة بـ«اللّهمّ» قال سبحانه: (قُلْ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ


1 . مفردات الراغب: مادّة «إله».
2 . لوامع البينات: ص 108، و قس على ذلك سائر ما استدلّ به.


(113)

تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)(آل عمران/26)، و حكى سبحانه عن بعض الكافرين قولهم: (وَ اِذْ قالُوا اللّهُمَّ اِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَاَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ)(الأنفال/32) و قداختلفوا في تفسيره عن «الخليل» و تلميذه «سيبويه»: معناه يا اللّه و الميم المشدّده عوض من ياء النداء و عن «الفرّاء» إنّه كان «يا اللّه آمنّا بخير» فلمّا كثر في الكلام حذفوا حرف النداء و حذفوا الهمزة من أمّ فصار «اللهمّ» بل حذفوا ضمير المتكلّّم مع الغير أيضاً في «اُمنّا».

4 ـ ما هو المقصود من «الإله» في الذكر الحكيم

قدعرفت و جود الاختلاف في اشتقاق لفظ الجلالة من لفظة «إله» و عدمه كما عرفت اختلاف القائلين بالاشتقاق في المعنى الذي اشتق منه ذلك اللفظ و جعله علماً للذات. هذا و على كلّّّ تقدير فلايتبادر من لفظ الجلالة إلاّ الذات المستجمع لصفات الجمال و الجلال، فهو علم بلااشكال يعادله ما في سائر لغات العالم ممّا يستعمل في ذلك المجال.

غير أنّه يجب أن يعلم انّ لفظ الجلالة و لفظ «الإله» كانا لايفهم منهما في عصر نزول القران إلاّ الخالق البارىء للعالم، و أمّا ما ذكر من المعاني للاله و الوجوه المختلفة لاشتقاق لفظ الجلالة منه، فكلّّها يرجع ـ على فرض الصحّة ـ إلى ماقبل عصر نزرل القرآن، فلعلّه كان يفهم من لفظ «إله» العبادة، و التحيّر، و العلو، والسكون، و الفزع، أو كان يفهم من لفظ الجلالة الذات الواجدة لاحدى هذه المعاني، و أمّا في عصر نزول القرآن فلم تكن هذه المعاني مطروحة لأهل اللّغة أبداً لا في لفظ الجلالة و لا في لفظ «الإله» و إنّما المفهوم منهما ما تهدي إليه فطرتهم وتدل عليه عقولهم من البارىء الخالق المدبّر للعالم الذي بيده ناصية كلّ شيء أو ناصية الإنسان على الأقل.سواء كان إلها واقعيّاً أو إلهاً مختلقاً لايملك من الاُلوهية سوى الاسم كالأصنام المعبودة للعرب و غيرهم.


(114)

فالكلمتان: «اللّه و إله» لفظان متّحدان معنى غير أنّ أحدهما علم يدل على فرد خاص و الآخر كلّّي يشمل ذلك الفرد و غيره، و بما أنّ اللغة العربيّة تتمتع بالسعة و العموم وضعوا لفظين يشيرون بواحد منه إلى الفرد و بالآخر إلى الكلّّي الجامع له و لغيره، فالاسم العام هو الإله و الاسم الخاص هو اللّه.

و أمّا سائر اللغات فالغالب عليها هو اتحاد اللفظ الموضوع للمعنى الكلّّي و المعنى العلمي فيتوسّلون لتعيين المراد منه بالعلامة و القرينة. مثلاً يكتبون في اللغة الانكليزية لفظة «گاد» بصورة « god» عندما يراد منه المعنى الكلّّي و بصورة « God» عند ما يراد منه المعنى العلمي، و بهذا يشيرون إلى المعنى المقصود و امّا اللغات الفارسية و التركية و الارديّة فالمكتوب و الملفوظ في المقامين واحد، و إنّما يعلم المراد بالقرائن الحافّة بالكلام.

و الحاصل: إنّ المعاني المذكورة للفظ «إله» أو المناسبات المتصورة لاشتقاق لفظ الجلالة من مادة «اله» لو صحّ فإنّما يصحّ في الأدوار السابقة على نزول القرآن، و أمّا بقاء تلك المناسبات إلى زمان نزول القرآن و ادعاء ان القرآن استعملها بملاحظة احدى هذه المعاني و المناسبات فأمر لادليل عليه.

على أنّ لقائل أن يقول: إنّ هذه المعاني من لوازم معنى الإله و آثاره و ليست من الموضوع له بشيء فإنّ من اتّخذ أحدا «إلهاً» لنفسه فهو يعبده قهراً و يفزع إليه عند الشدائد، و يسكن قلبه عنده إلى غير ذلك من لوازم صفة الاُلوهيّة و آثارها.

هذا هو المدّعى و الذي يثبت ذلك وجود لفيف من الآيات ورد فيها لفظ الاله و لايصحّ تفسيره إلاّ بما ذكرنا أي كون المقصود منه هو الخالق البارىء لكن بشرط العموم و الكلّّية، لابسائر المعاني المذكورة، أو بمعنى المتصرف المدبّر، أو من بيده ازمة الاُمور أو مايقرب من ذلك ممّا يعد فعلاً له تعالى و إليك الآيات:

1 ـ (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ اِلّا اللّهُ لَفَسَدَتا)(الأنبياء/22) فإنّ البرهان على نفي تعدد الآلهة لايتم إلاّ إذا جعلنا «الاله» في الآية بمعنى المتصرّف المدبّر أو من بيده


(115)

أزمّة الاُمور أو ما يقرب من هذين. و لو جعلنا الإله بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لبداهة تعدد المعبودين في هذا العالم، مع عدم الفساد في النظام الكوني، و قدكانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحم بالآلهة، و مركزها مع كون العالم منتظماً غير فاسد.

و عندئذ يجب على من يجعل «الاله» بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ «بالحق» أي لو كان فيهما معبودات ـبالحقـ لفسدتا و لما كان المعبود بالحق مدبّراً و متصرفاً لزم من تعدّده فساد النظام، و هذا كلّّه تكلّّف لا مبرر له.

2 ـ (ما اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ اِله اِذاً لَذَهَبَ كُلُّ اِله بِما خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض)(المؤمنون/91).

و يتم هذا البرهان أيضاً لو فسّرنا الإله بما ذكرنا من انّه كلّّيّ ما يُطلق عليه لفظ الجلالة. و إن شئت قلت: إنّه كناية عن الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من يقوم بأفعاله و شؤونه، و المناسب في هذا المقام هو الخالق، و يلزم من تعدّده ما رتب عليه في الآية من ذهاب كلّّّ إله بما خلق و اعتلاء بعضهم على بعض.

و لو جعلناه بمعنى المعبود لانتقض البرهان ، و لايلزم من تعدّده أي اختلال في الكون. و أدل دليل على ذلك هو المشاهدة. فإنّ في العالم آلهة متعدّدة، و قدكان في أطراف الكعبة المشرفة ثلاثمائة و ستون إلهاً و لم يقع أي فساد و اختلال في الكون.

فيلزم على من يفسّر «إله» بالمعبود ارتكاب التكلّّف بما ذكرناه في الآية المتقدمة.

3 ـ (قُلْ لَو كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ اِذاً لاَبْتَغَوا اِلى ذِى العَرْشِ سَبِيلاً)(الاسراء/42) فانّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من بيده أزمّة اُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الالوهيّة، و أمّا تعدد المعبود فلا يلازم ذلك إلاّ بالتكليف الذي أشرنا إليه فيما سبق.


(116)

4 ـ (اِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ اَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤلاَءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها)(الأنبياء/98و99) و الاية تستدل بورود الأصنام و الأوثان في النار على كونها غير آلهة إذ لو كانت آلهة ما وردت النار.

و الاستدلال إنّما يتم لو فسّرنا الآلهة بما أشرنا إليه فانّ خالق العالم أو مدبّره و المتصرّف فيه أو من فوّض إليه أفعال اللّه أجلّ من أن يحكم عليه بالنار و أن يكون حصب جهنّم.

و هذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود فلايتم البرهان لأنّ المفروض انّها كانت معبودات وقدجعلت حصب جهنم. و لو امعنت في الايات التي ورد فيها لفظ الإله و الآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه و إليك مورداً منها:

(فَاِلهُكُمْ اِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ اَسْلِمُوا وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)(الحج/34).

فلو فسر الإله في الآية بالمعبود لزم الكذب، إذ المفروض تعدّد المعبود في المجتمع البشري، و لأجل هذا ربّما يقيّد الإله هنا بلفظ «الحق» أي المعبود الحق إله واحد. و لو فسّرناه بالمعنى البسيط الذي له آثار في الكون من التدبير و التصرّف و ايصال النفع، و دفع الضر على نحو الاستقلال لصحّ حصر الإله ـ بهذا المعنى ـ في واحد بلاحاجة إلى تقدير كلمة بيانية محذوفة إذ من المعلوم أنّه لا إله في الحياة البشرية و المجتمع البشري يتصف بهذه الصفات التي ذكرناها.

و لانريد أن نقول: إنّ لفظ الاله بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الشفيع الغافر، إذ لايتبادر من لفظ الاله إلاّ المعنى البسيط، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الموضوع له لفظ الإله، و معلوم أنّ كون هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى البسيط، غير كونها معنى موضوعاً للفظ المذكور كما أنّ كونه تعالى ذات سلطة على العالم كلّه أو بعضه سلطة مستقلة غير معتمدة على غيره، وصف مشير إلى المعنى البسيط الذي نتلقاه من لفظ الإله، لا أنّه نفس معناه(1).


1 . لاحظ الجزء الأول من مفاهيم القرآن ص 440 ـ 442.


(117)

5 ـ إنّ الذكر الحكيم ربّما يستعمل لفظ الجلالة مكان الاله، بمعنى أنّه يريد منه المعنى الكلّي و الوصفي دون العلمي، و هذا يعرب عن أنّ اللفظين متّحدان أو متقاربان في ا لمعنى.

قال سبحانه: (وَ هُوَ اللّهُ فِى السَّمواتِ وَ فِى الاَْرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ) (الأنعام/3).

و قال سبحانه: (هُوَ اللّهُ الَّذِى لا اِلهَ اِلاّ هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ)(الحشر/23).

و قال سبحانه: (هُوَ اللّهُ الْخَالِقُ البارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَْسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِى السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(الحشر/24).

و قال سبحانه: (وَ لا تَقُولُوا ثَلاثةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ اِنَّما اللّهُ اِلهٌ واحِدٌ سُبْحَانَهُ اَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) (النساء/171).

فانّ وزان «اللّه» في هذه الآيات وزان «الإله» في قوله سبحانه:

(وَ هُوَ الَّذِى فِى السَّماءِ اِلهٌ وَ فِى الاَْرْضِ اِلهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (الزخرف/84).

فقد اُريد من لفظ الجلالة في الآيات الأربع المتقدمة نفس ما أريد من لفظ الإله من المعنى الكلّي في الآية الأخيرة و معناه انّه «الاله» الذي يتّصف بكذا و كذا و ليس كذا و كذا فكأنّه اطلق لفظ الجلالة و اُريد منه اله العالم و خالقه و بارئه و لم يرد منه الفرد الخارجي و لأجل ذلك عاد إلى التنبيه على أنّه واحد لاكثير و ذلك ببيان صفاته الجمالية و الكمالية.

6 ـ إنّ الذكر الحكيم يستعمل لفظ الإله في الخالق البارىء المدبّر و لايمكن لأي مفسّر تفسيره باحدى المعاني المتقدمة و يقول: (قُلْ اَرَأَيْتُمْ اِنْ جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ


(118)

اللَّيْلَ سَرْمَداً اِلى يَوْمِ القِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِيَأْتِيكُمْ بِضِياء اَفلاتَسْمَعُونَ)(القصص/71).

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ اِنْ جَعَلَ اللّهُعَلَيْكُمْ النَّهارَ سَرْمَداً اِلى يَوْمِ القِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ)(القصص/72).

فلفظ «الاله» في هاتين الآيتين معادل للفظ الجلالة لكن بشرط العمومية و الكلّية أو إلغاء الجزئيّة و الخصوصيّة و لايستقيم البرهان الوارد فيهما إلاّ بتفسير الإله بما يعادل الخالق المدبّر لابتفسيره بالمعبود و المحبوب إلاّ بتكلّّف و الاية بصدد البرهنة على أنّه ليس في الكون مدبّر سواه و لذلك لو جعل اللّه عليكم الليل سرمداً من إله(مدبّر) غير اللّه يأتيكم بضياء، و لو جعل عليكم النهار سرمداً من إله غيره سبحانه يأتيكم بليل، فإذاً الالوهيّه(المعادلة للخالقيّة و المدبريّة) منحصرة فيه، لايشاركه فيها غيره فهو إله واحد ليس غيره.

أضف إلى ذلك إنّ مقتضي كون الاستثناء متّصلاً، دخول المستثنى منه في المستثنى دخولاً واقعياً، و بما أنّ المراد من المستثنى هو الخالق الذي بيده مصير الإنسان و الأشياء فليكن هو المراد من المستثنى منه لكن بتفاوت انّ احدهما كلّي و الاخر جزئي.

و قد عرفت انّ القول بإنّ لفظ الجلالة علم للذات المستجمع لجميع صفات الجمال و الكمال أو الخالق و البارىء للاشياء أو لمن بيده مصير العالم و الإنسان فلايراد دخول هذه المفاهيم بالصورة التفصيليّة في معناه و إنّما هي موضوع لما تهدي إليه الفطرة أو تدل عليه العقول من سيطرة قدرة على العالم لها تلك الخصوصيّات فهي من الخصوصيّات الفرديّة التي يمتاز بها عمّن سواه من الأفراد لا أنّها أجزاء للمعنى و الجامع بين أفراد الإله المفروضة ،لاالمحققة أمر بسيط يشار إليه بأمر من الاُمور.


(119)

7 ـ و الذي يعرب بوضوح إنّ الإله ليس بمعنى المعبود هو كلمة الاخلاص «لا إله إلاّ اللّه» إذ لو كان المقصود من الإله المعبود لكان هذه الجملة كذباً، لأنّ من البديهي وجود آلاف المعبودات في هذه الدنيا غير اللّه و مع ذلك كيف يمكن نفي معبود سوى اللّه و لاجل ذلك اضطرّ القائل أن يقول «الإله» بمعنى المعبود و أن يقدّر لفظ «بحق» لتكون الجملة هكذا: «لا اله بحق إلاّ اللّه»، مع أنّ تقدير لفظ «بحق» خلاف الظاهر فإنّ كلمة الإخلاص تهدف إلى نفي أي إله في الكون سوى «اللّه» و إنّه ليس لهذا المفهوم مصداق بتاتاً سواه، و هذا لاينسجم إلاّ أن يكون «الاله» مع لفظ الجلالة متّحدين في المعنى و أمّا جعل لفظ الجلالة علماً للذات و جعل الإله بمعنى المعبود أو ما يشابهه فلايحصل منه المعنى المقصود بسهولة.

و أمّا جمعه على لفظ الآلهة مع أنّ مصداقه منحصر في فرد فلايدلّ على أنّه بمعنى المعبود بل لأجل أنّ العرب كانت معتقدة بتعدّد مصداقه قال سبحانه: (اَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا)(الأنبياء/43)

إلى هنا تبيّن أنّ المفهوم من لفظ الجلالة و لفظ الاله واحد، و أمّا ما ذكر من المعاني من الخلق و التدبير و الإحياء و الإماتة و كون مصير الإنسان بيده فإنّما هو من لوازم الإلوهية واقعاً أو عند المتصور.

و ربما يستدل على أنّ الإله في الذكر الحكيم بمعنى المعبود و انّ أَلَهَ بمعنى عَبَدَ، تمسكاً بقوله: (وَ قالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِى الاَْرْضِ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ)(الاعراف/127) حيث قرء «و إلاهتك» اي يذرك و عبادتك و لكن الإجابة عنه واضحة.

أمّا أوّلا فلأن القراءة المتواترة هي «و آلهتك» أي ليذرك و آلهتك التي أنت تعبدها حيث كان فرعون يستعبد الناس و يعبد الأصنام بنفسه(1).


1 . مجمع البيان ج 2 ص 464.


(120)

و ثانياً: على فرض صحّة القراءة فالمراد منها هو الإلوهية بالمعنى المتبادر في سائر الايات أي يتركوا قولاً و عملاً أنك إله و أنت ربّهم الأعلى إلى غير ذلك من العناوين المشيرة إلى معنى الإله أي ينكروا إنّك إلههم و إله العالمين.

نعم قال الراغب: و «إله» جعلوه اسماً لكلّ معبود لهم، و كذا الذات(1) وسمّوا الشمس إلاهة لاتّخاذهم ايّاها معبوداً و أله فلان يأله عبد و قيل تألّه فالإله على هذا هو المعبود(2) و كلامه هذا قابل للتوجيه و على فرض ظهوره في كون الإله بمعنى المعبود فقد عرفت عدم استقامته في كثير من الايات.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة: إنّ لفظ الجلالة علم للذات الذي نشير إليه بصفات الجمال و الكمال و انّ لفظ الإله موضوع لذلك المعنى لكن بصورة الكليّة و السعة، و أنّه يجب أن يفسّر «الإله» في جميع الآيات بهذا النحو و انّ تفسيره بالمعبود و غيره تفسير بالمعنى اللازم لا بالمعنى الموضوع له.

و هاهنا نكتة نشير إليها و هو انّ كتب الوهابيّة مليئة بتقسيم التوحيد إلى قسمين: توحيد في الربوبيّة، و توحيد في الالوهيّة، و يريدون من الأوّل التوحيد في الخالقيّة و من الثاني التوحيد في العبادة و كلا التفسيرين غير صحيح أمّا الربوبيّة فليست مرادفة للخالقيّة بل هو أمر آخر وراء الخلقة و لو أردنا أن نفسّره فليفسّر بالتوحيد في التدبير و ادارة العالم، و أمّا الالوهية فقد عرفت أنّ الإله و الإلوهية ليس بمعنى العبادة و إنّما العبادة من لوازم الاعتقاد بكون الموجود الها، فلو أردنا أن نعبّر عن التوحيد في ذلك المجال فيجب أن نقول التوحيد في العبادة(3).


1 . كذا في النسخة المطبوعة و يحتمل أن يكون لفظ «الذات» مصحّف «اللات».
2 . المفردات: ص 21.
3 . و قد مرّ في الجزء الأوّل من كتابنا ما يفيدك في المقام، لاحظ: ص 348.


(121)

خاتمة المطاف

و ممّا يقضي منه العجب أنّ جلّ من ينسبون أنفسهم إلى مذهب السلفيّة ينكرون ذكر اللّه تعالى بالاسم المفرد(اللّه) دون ذكره في جملة ذات معنى تامّ، و ينسبون من يذكر اللّه باسمه المفرد وحده إلى الضلال و يستدلّون على ذلك بأنّ جميع ما ورد من صيغ الأذكار في القرآن و السنّة جمل أو كلمات ذات دلالة على معنى يتضمّن حكماً كاملاً مثل لا إله إلا اللّه، استغفر اللّه و ليس فيها لفظ الجلالة المفرد، فذكر اللّه بهذا اللفظ المفرد باطل، ويضيف ابن تيميّة بأنّ الاستمرار على ذكر اللّه بهذا اللفظ المفرد من شأنه أن يزجّ الذاكر شيئاً فشيئاً في أوهام الحلول و وحدة الوجود(1).

لقد عزب عنه و مضافاً إلى أنّ اطلاقات الأدلّة(2) كاف في ذلك أنّه سبحانه يأمر نبيّه أن يذكر اللّه باسمه المفرد و يقول: (قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)(الانعام/91).

و إمّا ما ذكره به في آخر كلامه من أنّ الاستمرار على ذكر اللّه عسى أن يزجّ الرجل في أوهام الحلول شيئاً فشيئاً لاقيمة له فانّه اجتهاد تجاه النص أولاً، و هو بنفسه موجود في سائر الأسماء ثانياً.

الثاني: الأحد

قد ورد لفظ «الأحد» بصوره المختلفة في الذكر الحكيم 74 مرّة و قد وقع وصفاً له سبحانه في موردين فقط.


1 . مجموع الفتاوى ج 10 ص 556.
2 . مثل قوله سبحانه: (و اذكر اسم ربك بكرة و أصيلاً) (الدهر/25)، و قوله سبحانه: (واذكر ربّك فى نفسك تضرّعاً و خيفة و دون الجهر من القول بالغدوّ و الاصال و لاتكن من الغافلين) (الأعراف/205).


(122)

قال سبحانه:(قُلْ هُوَ اللّهُ اَحَدٌ اللّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً اَحَدٌ).

قال ابن فارس: أحد و الأصل «وحد»، و عن الزجّاج: إنّه مأخوذ من «الواحد» و قال الأزهري: أنّه يقال: وحد يوحد فهو وَحَد، كما يقال: حسن يحسن فهو حسن ثم انقلبت الواو همزة فقالوا «أحد»، و الواو المفتوحة قد تقلب همزة كما تقلب المكسورة و المضمومة و منها امرأة اسماء بمعنى وسماء من الوسامة.

و قد ذكروا فروقاً بين الواحد و الأحد و إليك البيان:

1 ـ إنّ الواحد اسم لمفتتح العدد فيقال: واحد، اثنان، ثلاثة، و لايقال أحد، اثنان، ثلاثة، قال الصدوق: الأحد ممتنع من الدخول في الضرب و العدد و القسمة و في شيء من الحساب، و الواحد منقاد للعدد و القسمة و غيرهما داخل في الحساب فتقول: واحد في اثنين أو ثلاثة، و «الأحد» ممتنع عليه هذا، فلايقال: أحد بين اثنين(1).

2 ـ إنّ لفظه «أحداً» إذ وضعت في حيّز النفي تفيد عموم النفي بخلاف لفظة «الواحد» فهو منصرف إلى نفي العدد لا إلى نفي الجنس، فلو قيل ما في الدار واحد يصحّ أن يقال بل فيها اثنان، و امّا لو قيل ما في الدار أحد بل اثنان كان خطأ.

3 ـ إنّ لفظ الواحد يمكن جعله وصفاً لكلّ شيء يقال رجل واحد، ثوب واحد بخلاف الأحد فلايصحّ وصف شيء في جانب الاثبات بالأحد إلاّ اللّه الأحد فلايقال رجل أحد و لاثوب أحد فكأنّه تعالى استأثر بهذا النعت.

و أمّا في جانب النفي فقد يذكر هذا في غير اللّه تعالى أيضاً فيقال: ما رأيت أحداً و على هذا فالأحد و الواحد كالرحمان و الرحيم.


1 . التوحيد للصدوق: ص 197 بتلخيص.


(123)

فالأوّل مختص دون الثاني، فكذلك الأحد فهو مختص به في مقام التوصيف دون الواحد، و قال الراغب(من أقسام استعمالاته) أن يستعمل مطلقاً وصفاً و ليس ذلك إلاّ في وصف اللّه(قل هو اللّه أحد)(1).

و قداحتمل الرازي أنّ تنكير أحد في قوله «قل هو اللّه أحد» لأجل أنّه صار نعتاً للّه عزّ و جلّ على الخصوص فصار معرفة فاستغنى عن التعريف.

و يحتمل أن يكون التنكير لأجل التنبيه على كمال الوحدانية كقوله سبحانه: (وَ لَتَجِدَنَّهُمْ اَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياة)(البقرة/96). أي على حياة كاملة مضافاً إلى استعمال الأحد في الأدعية معرفة.

قال الأزهري سئل أحمد بن يحيى عن الآحاد هل هو جمع الأحد؟ فقال: معاذ اللّه ليس للأحد جمع و لايبعد أن يقال الآحاد جمع واحد كما أنّ الاشهاد جمع شاهد(2).

ثمّ إنّه اجتمع في قوله سبحانه: (قُلْ هُوَ اللّهُ اَحَدٌ)ألفاظ ثلاثة من أسماء اللّه و كلّّ واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات السائرين إلى اللّه.

أمّا الأوّل أعني لفظة «هو» فقد جاء به من دون ذكر مرجع و قد زعم النحويّون غير البارعين في المعارف الإلهية انّه للشأن و لكن يمكن أن يقال: انّه ليس للشأن و إنّما يرجع إليه سبحانه و التعبير به من دون ذكر المرجع يناسب البارعين الذين نظروا إلى صفحة الوجود فلم يروا موجوداً مستحقاً لاطلاق اسم الوجود أو الموجود إلاّ ايّاه فكأنّه ليس في الدار غيره ديّار فكان قوله «هو» كافياً في حق هذه الطائفة لأنّه إذ لم يكن في صفحة الوجود إلاّ هو كانت الإشارة المطلقة لاتتوجه إلاّ إليه و غيره يحتاج إلى مرجع.


1 . المفردات: ص 12.
2 . لوامع البينات: ص 331.


(124)

ثمّ انّه سبحانه أوضحه بقوله «اللّه» و لعلّه لتفهيم طبقة اُخرى تليهم في المعرفة و هم الذين يرون الكثرة في الوجود و انّ هناك واجباً و ممكناً فاحتاج ضمير الإشارة إلى مميز و ذلك هو قوله اللّه، و على هذا فالمجموع «هو اللّه» راجع إلى الطبقتين.

و أمّا الطبقة الثالثة الذين يجوّزون الكثرة لا في الوجود بل في الإله، فردّ سبحانه وهمهم بقوله «هو اللّه أحد» لهدايتهم(1).

ثم انّه سبحانه كرر لفظة «أحد» في سورة الإخلاص و وصف نفسه به مرّتين و قال قل هو اللّه أحد ثم قال: و لم يكن له كفوا احد، فهل اُريد من اللفظة في كلاالموردين معنى واحد أو اُريد معنيان؟ و بعبارة واضحة هل اللفظتان تشيران إلى قسم واحد من التوحيد أو إلى قسمين، فالظاهر أنّ الاية الثانية ناظرة إلى التوحيد الذاتي بمعنى انّه واحد لامثيل له و لانظير بل لايتصور له التعدد و الاثنينية، و أمّا الاية الاُولى فهي ناظرة إلى التوحيد الذاتي لكن بمعنى البساطة و نفي التجزئة عن الذات.

و قد فسّره الصدوق بذلك في توحيده فقال: الأحد معناه أنّه واحد في ذاته أي ليس بذي أبعاض و لاأجزاء و لاأعضاء(2).

قال الطبرسي: الأحد هو الذي لايتجزأ و لاينقسم في ذاته و لا في صفاته(3).

و يقول الجزائري في «فروق اللغات» في الفرق بين الواحد و الأحد:

إنّ الواحد، الفرد الذي لم يزل وحده و لم يكن معه آخر، و الأحد الفرد الذي لايتجزّأ و لاينقسم.

يقول العلامة الطباطبائي (ره):

«و الأحد وصف مأخود من الوحدة كالواحد غير أنّ الأحد إنّما يطلق على ما


1 . لوامع البينات: ص 311، و توحيد الصدوق: ص 196.
2 . توحيد الصدوق: ص 196.
3 . مجمع البيان: ج 5 ص 564.


(125)

لايقبل الكثرة لاخارجا و لاذهناً»(1).

و في ضوء هذا يمكن أن يقال: إنّ قوله سبحانه و لم يكن له كفواً أحد بشهادة لفظ «كفوا» ناظر إلى نفي المثيل و النظير له سبحانه، فهو واحد في الذات فلاذات كذاته كما هو واحد في الفعل فلاخالق و لامدبّر سواه و انّ قوله: «قل هو اللّه أحد» ناظر إلى نفي أي نوع من التركيب و التجزئة في ذاته سبحانه، و بذلك يعلم أنّ هذه السورة نزلت ردّاً لمزعمة النصارى بل اليهود أيضاً فالنصارى بحجّة أنّهم قالوا بالتثليث و اليهود بحجة أنّهم يقولون: إنّ العزير ابن اللّه محجوجون بما ورد في هذه السورة فاللّه سبحانه واحد لامثيل له، بسيط لاجزء له. فلو كان مرجع التثليث عند المسيحية إلى أنّ كلّّ واحد من «الأب» و «الابن» و «روحالقدس» إله مستقل متفرّد في الإلوهية فله كفو بل كفوان مع أنّه سبحانه «لم يكن له كفوا أحد» أي لم يكن له مثيل و لانظير فلايتكرر و لايتعدد، و إن لم يكن كلّّ واحد إلهاً مستقلاً بل كلّّ واحد يشكّل جزء من الالوهية فاللّه سبحانه هو المركب من هذه الثلاثة فهو سبحانه عندهم مركّب لابسيط متجزىء منقسم. فردّ عليهم سبحانه بقوله: (قل هو اللّه أحد).

و قد ورد في ما روي عن بعض أئمّة اهل البيت (عليهم السلام) ما يؤيّد هذا الاستظهار. قال الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب اعرابي سأله يوم الجمل عن تفسير قوله: «إنّ اللّه واحد» فقال (عليه السلام) في كلام مبسوط:

«و إمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا و قول القائل انّه عزّ و جلّ أحدي المعنى يعني به أنّه لاينقسم في وجود و لاعقل و لاوهم كذلك ربنا»(2).

و بذلك تقف على أنّ التوحيد الذاتي ينقسم إلى التوحيد في الواحديّة و


1 . الميزان ج 20 ص 543.
2 . توحيد الصدوق: ص 83 ـ84.


(126)

التوحيد في الأحديّة فيفسر الأوّل بنفي المثل و الثاني بنفي التركيب و التجزئة و التقسيم.

و بذلك يمكن إصطياد البرهان على كون صفاته سبحانه الثبوتيّة الكماليّة عين ذاته كما عليه الاماميّة من العدليّة و بعض المعتزلة، لازائد عليه كما عليه الشيخ الأشعري و من تبعه لوضوح انّ حديث الزيادة يستلزم التركيب و التجزئة، و هما آيتاالامكان، و الامكان ينافي الوجوب، و إلى ذلك يشير الامام أميرالمؤمنين (عليه السلام) بقوله: «و كمال الإخلاص له نفي الصفات(الزائدة) عنه بشهادة كلّّ صفة أنّها غير الموصوف وشهادة كلّّ موصوف أنّه غير الصفة. فمن وصف اللّه(أي بوصف زائد على ذاته) فقد قرنه أي قرن ذاته بشيء غيره، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه فقد جهله»(1).

و هذا بعض الكلام حول «الاحد»، و سيوافيك ما يفيدك عند البحث عن اسم«الواحد».

الثالث و الرابع: الأوّل و الآخِر

لقد ورد لفظ «الأوّل» بصوره المختلفة في الذكر الحكيم 62 مرّة و وقع وصفاً له سبحانه في آية واحدة، قال: (هُوَ الاَْوَّلُ وَ الاْخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ)(الحديد/3).

قال ابن فارس: الأوّل: ابتداء الأمر و الاخر نقيض المتقدّم(2) و قال الراغب: «فالأوّل هو الذي يترتّب عليه غيره»(3).

و قد وصف سبحانه في الآية بصفات متضادّة غير مجتمعة حيث تصفه بأنّه


1 . نهج البلاغة الخطبة1.
2 . المقاييس ج 1 ص 158 و 70 .
3 . المفردات: ص 31.


(127)

الأوّل و في الوقت نفسه الاخِر، كما تصفه بأنّه الظاهر و في الوقت نفسه بأنّه الباطن فلو كان أوّلاً كيف يكون آخراً، و لو كان ظاهراً فكيف يكون باطناً؟ فأوّل الناس في العمل لايكون آخرهم فيه و هكذا الظاهر و الباطن، و مع ذلك كلّه فاللّه سبحانه جمع بين هذه الصفات جمعاً حقيقياً واقعياً لامجازياً و ذلك بإحاطته على الموجودات الامكانية و قيامهم به قيام المعنى الحرفي بالاسمي، فكما لايمكن خلو المعنى الحرفي عن الاسمي فهكذا لايمكن خلو الوجود الإمكاني عن الوجود الواجبي، و ليس حديث نفي الخلو حديث الممازجة بل المقصود الاحاطة القيومية التي له سبحانه بالنسبة إلى العالم كلّه، فالعالم بما فيه من الكبير إلى الصغير و من المجرّة إلى الذرّة، و من المادّي إلى المجرّد، قائم به سبحانه قيام المعلول بعلّته، نظير قيام الصور الذهنيّة بالنفس فهو مع الأشياء كلّها (وَ هُوَ مَعَكُمْ اَيْنَما كُنْتُمْ)( الحديد/57) فإذا كان محيطاً بوجوده على كلّّ شيء فكلّ ما فرض أوّلاً فهو قبله بحكم كونه محيطا و الشيء محاطا، فهو الأوّل دون الشيء المفروض اولا، و كلّّ ما فرض آخراً فهو بعده لحديث إحاطة وجوده به من كلّّ جهة، فهو الآخر دون الشيء المفروض و ليست أوليّته تعالى و لاآخريته زمانيّة و لامكانيّة بل بمعنى كونه محيطاً بالأشياء على أيّ نحو فرض و كيفما تصوّرت.

و على ذلك فالأوّل و الآخر من فروع اسمه «المحيط» فبما أنّ وجوده محيط بكلّ شيء فهو الأوّل قبل الاشياء و الاخر بعد الأشياء.

و لأجل ذلك روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: «ما رأيت شيئاً إلاّ و رأيت اللّه قبله و معه و بعده». و هذا هو العرفان الكامل.

و الظاهر أنّ توصيفه بالأوليّة و الآخريّة مبني على إحاطة وجوده بالأشياء و يؤيّده قوله في الاية التالية (وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ)(الحديد/57) و إمّا تفسير الاية باحاطة قدرته كما عن بعض المفسّرين فلاينافي ما ذكرناه بل هو يرجع إلى ما ذكرنا لكون قدرته نفس ذاته فإحاطة قدرته لاتنفك عن إحاطة ذاته، و على ذلك فمعنى الاية


(128)

هو أوّل الأشياء و آخرها، و انّه لو فرض شيء فهو أوّله كما أنّه آخره بحكم المحيطيّة و المحاطيّة.

و يمكن أن يقال: إنّ الوصفين تعبيران عن أزليّته و أبديّته فبما أنّه واجب الوجود و انّ وجوده نابع من صميم ذاته غير مكتسب من مقام آخر، يكون أزليّاً فلايكون لوجوده ابتداء كما لايكون لوجوده انتهاء، و بعبارة اخرى فرض كون وجوده واجباً بالذات يستلزم أن لايتطرّق إليه العدم أبداً لا في السابق و لافي اللاحق و هو يساوق أزليّته و أبديّته و هو يستلزم أن لايكون له ابتداء و لاانتهاء و لاأوّل و آخر، ولو وصف بالأوليّة و الآخرية يكون المراد منهما أنّه الأول بلاابتداء و الآخر بلاانتهاء، و هذا معنى آخر غير ما ذكرنا.

و الفرق بين المعنيين واضح فإنّ توصيفه بهما في المعنى الأوّل ينبع من كونه محيطا بالأشياء كما أنّ توصيفه بهما في المعنى الثاني ينبع من كونه واجب الوجود ممتنع العدم، و هو خيرة الصدوق في توحيده حيث قال: «إنّه الأوّل بغير ابتداء و الاخر بغير انتهاء(1).

ثمّ إنّ هذه الآية قدوقعت مجالاً لأرباب الاشارات فذكروا في تفسيرها وجوهاً كثيرة تناهز 24 وجهاً(2) كلّها من قبيل التفسير الإشاري، و قد ذكرنا في محله ان قسماً منه تفسير جائز و قسماً آخر تفسير ممنوع.

الخامس: «الأعلى»

و قدورد لفظ « الأعلى» في الذكر الحكيم 9 مرّات و وصف به سبحانه في


1 . توحيد الصدوق: ص 197، و ذكر ابن فارس في المقاييس: «إنّ العرب تقول: أوّل ذي أول. و أول أول و يريد قبل كل شيء» ج 1 ص 158.
2 . لوامع البينات: ص 323 ـ 326.


(129)

آيتين قال: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَْعْلى)(الاعلى/1).

و قال سبحانه: (وَ ما لاَِحَد عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَة تُجْزى اِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الاَْعْلى)(الليل/20).

و ربّما وصف به مثله(بالفتح) سبحانه قال: (لِلَّذِينَ لايُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَ لِلّهِ الْمَثَلُ الاَْعْلى وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(النحل/60).

و قال سبحانه: (وَ هُوَ الَّذِى يَبْدَؤُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُو أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ الْمَثَلُ الاَْعْلى فِى السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(الروم/27).

و الأعلى في الآيتين الأوليّتين ـ كما هو الظاهر ـ وصف للرّبّ، و في الاخيرتين وصف للمثل(بالفتح)، و المراد من «المثل» هو الوصف و التوصيف(1).

و «الأعلى» من العلو و هو الرفعة قال ابن فارس: «العلوّ: أصل واحد يدل على السموّ و الإرتفاع، لايشذ عنه شيء، من ذلك العلى و العلوّ، و يقولون: تعالى النهار: ارتفع».

أقول: المراد من العلوّ، هو العلوّ من حيث الرتبة و الدرجة لأنّه المبدأ لكلّّ شيء، و المفيض له و المحيط به، فذاته سبحانه أرفع من كلّّ موجود محدود، يعلو كلّّ عال ويقهر كلّّ شيء فبما أنّه عال و له العلوّ المطلق، فله الوجود الكامل، و هذا يلازم كونه ذا أسماء حسنى ومعه يجب تسبيح اسمه وتنزيهه عمّا لايليق من الأسماء.

و كما انّه عليّ في ذاته، عال من حيث الصفات و الأوصاف، و للّه سبحانه


1 . قال سبحانه: (اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَيَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) (الفرقان/9)، و المراد من ضرب المثل للرسول هو توصيفه بصفات لاتليق به، مثل توصيفه بأنّه «رجل مسحور» كما جاء في الآية المتقدمة عليها حيث قال سبحانه: (وَ قَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً) (الفرقان/8).


(130)

الصفات العليا فله العلم الذي لايطرأ عليه الجهل، و القدرة التي لاتعرضه عجز، و الحياة التي لايحدّدها موت،فهو سبحانه أعلى من أمثال السوء التي يتصف بها غيره.

فاللّه سبحانه أعلى ذاتاً و وجوداً، و أعلى صفة وسمة. أمّا علوّ ذاته فلأجل كونه واجب الوجود و مبدع الممكنات و موجدها، و أمّا علوّ صفاته فلأنّ كلّّ وصف كمالي يوصف به شيء في السماوات و الأرض كالحياة و القدرة و العلم و الملك و الجود و الكرم و العظمة و الكبرياء، فله السهم الأعلى و لغيره الأدنى و ذلك لعدم محدوديّة صفاته بخلاف غيره.

ثم انّه ربّما يفسّر «الأعلى» بالقاهر. قال الصدوق: و أمّا الأعلى فمعناه العليّ و القاهر و يؤيّد ذلك قوله عزّ و جلّ لموسى (عليه السلام) : (لاتَخَفْ اِنَّكَ اَنْتَ الاَْعْلى)(طه/68) اي القاهر و قوله عزّ و جلّ في تحريض المؤمنين على القتال: (وَ لاتَهِنُوا وَ لاتَحْزَنُوا وَ اَنْتُمُ الاَْعْلَونَ اِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(آل عمران/139) و قوله عزّوجلّ: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الاَْرْضِ)(القصص/4). أي غلبهم و استولى عليهم، و قال الشاعر في هذا المعنى:

فلمّا علونا و استوينا عليهم *** تركنا هم صرعى لنسر و كاسر

ثم قال، و هناك معنى ثان و هو إنّه متعال عن الأشباه و الأنداد أي متنزّه كما قال: (وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(يونس/18).

و الظاهر تعين المعنى الثاني و هو الذي عبّرنا عنه بالرفعة وجوداً و صفة ثم الرفعة كما تتحقق بالصفات الكمالية على ما أوضحنا، تتحقق بالتنزّه عن الأشباه و الأنداد و هو الذي ذكره الصدوق، و أمّا المعنى الأوّل فالظاهر أنّه لازم المعنى الثاني فانّ العلو رتبة بل و مكاناً يستلزم القهر و الغلبة، فالقهر و الغلبة، من لوازم المعنى وليست نفس المعنى.


(131)

السادس: «الأعلم»

و قد ورد في الذكر الحكيم لفظ «الأعلم» 49 مرّة و لم يوصف به غيره سبحانه.

قال سبحانه: (يَقُولُونَ بِاَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَ اللّهُ اَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ)(آل عمران/167).

و قال سبحانه: (اللّهُ اَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ)(الأنعام/124) إلى غير ذلك من الموارد.

و صيغة «أعلم» صيغة المفاضلة و معناه انّه يثبّت العلم لنفسه و غيره و لكنّه يفضّل علمه على غيره غير أنّه يعدل عنه في موارد بقرائن خاصّة مثل قوله سبحانه: (وَ إِذا جائَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤتى مِثْلَ ما أُوتِىَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ اَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ)(الانعام/124) فعلّقوا إيمانهم و تصديقهم على أن يؤتوا مثل ما أوتى رسل اللّه بأن ينزّل عليهم الملك و الوحي، فاجيبوا بقوله سبحانه (اَللّهُ اَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) و المناسب لمقام الرد هو انسلاخ صيغة التفضيل من المفاضلة أي إنّه العالم دونهم بحجّة انّهم علّقوا ايمانهم على صدق النبي على أن يكونوا أنبياء مثله و هذا دليل على جهلهم المطبق، فهم جهلاء و اللّه سبحانه هو العالم، و نظير ذلك قوله سبحانه نقلاً عن «لوط» في حق بناته: (يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ)(هود/78) و قوله سبحانه حاكياً عن يوسف (رَبِّ السِّجْنُ اَحَبُّ إِلَىَّ مِمّا يَدْعُونَنِى اِلَيْهِ)(يوسف/33) و المناسب لمقام العصمة كون السجن محبوباً إليه دون غيره أعني الفحشاء، و الحبّ بمعنى كونه موافقاً للغريزة الجنسية خارج عن مجال البحث قال سبحانه: (قُلْ اَذلِكَ خَيْرٌ اَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ المُتَّقُونَ)(الفرقان/15) و المراد انّها خير دون الجحيم بل هي شر، و على ذلك فالأصل في الصيغة هو الحمل على المفاضلة إلاّ إذا دلّ الدليل على خلافه، نعم أدب العرفان و العبوديّة يقتضي توصيفه سبحانه فقط بالعلم.


(132)

السابع: «الأكرم»

و قد وردت هذه اللفظة في الذكر الحكيم مرتين الاُولى قوله سبحانه: (اِنَّ اَكْرَمَكُمْ عِنْدَاللّهِ اَتْقكُمْ)(الحجرات/13) و الثانية قوله سبحانه: (اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ الاَْكْرَمُ)(العلق/3).

قال الراغب في مفرداته: «الكرم إذا وصف اللّه تعالى به فهو اسم لإحسانه و إنعامه المتظاهر نحو قوله: (فَاِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ) (النمل/40) و إذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق و الأفعال المحمودة التي تظهر منه و لايقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه.

و على ذلك فمعنى قوله (وَ رَبُّكَ الاَْكْرَمُ) اي الأكثر كرماً الذي يفوق عطاؤه ما سواه، فهو يعطى لا عن استحقاق و ما من نعمة إلا و تنتهي إليه سبحانه.

قال الطبرسي: أي الأعظم كرماً فلايبلغه كرم كريم لأنّه يعطي من الكرم ما لايقدر على مثله غيره، فكلّ نعمة توجد فمن جهته تعالى أمّا بأن اخترعها و أمّا بأن سبّبها و سهّل الطريق إليها.

هذا و يمكن أن يقال:

إنّه من الكرم بمعنى الشرف سواء كان في الشيء نفسه أو في خُلق من الأخلاق. يقال: رجل كريم و فرس كريم، و أمّا السخاء و العطاء و الصفح عن ذنب المذنب فهو من آثاره، قال في المقاييس نقلاً عن ابن قتيبة: الكريم: الصفوح و اللّه تعالى هو الكريم الصفوح عن ذنوب عباده المؤمنين(1) و على ذلك فمعنى قوله (وَ رَبُّكَ الاَْكْرَمُ) هو الأكمل في الشرف ذاتاً و فعلاً.


1 . معجم مقاييس اللغة ج5 ص 171 ـ 172.


(133)

الثامن: «أرحم الراحمين»

و قد جاء «أرحم الراحمين» في الذكر الحكيم أربع مرّات و صفاً له سبحانه. قال سبحانه: (وَ أَدْخِلْنا فِى رَحْمَتِكَ وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرّاحِمِينَ)(الاعراف/151). و قال سبحانه: (فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَ هُوَ اَرْحَمُ الرّاحِمِينَ)(يوسف/64)، و قال سبحانه: (قالَ لاتَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَ هُوَ اَرْحَمُ الرّاحِمِينَ)(يوسف/92). و قال سبحانه: (وَ اَيُّوبَ اِذْ نادى رَبَّهُ إِنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَ اَنْتَ أَرْحَمُ الراحِمِينَ)(الأنبياء/83).

و جاء فيه «خير الراحمين» وصفاً له سبحانه مرّتين. قال: (رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ اَنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ)(المؤمنون/109). و قال:(وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ اَنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ)(المؤمنون/118).

قال ابن فارس: «الرحم أصل واحد يدل على الرقّة و العطف و الرأفة يقال من ذلك: رحمه يرحمه إذا رقّ له و تعطّف عليه، و الرحم، و المرحمة و الرحمة بمعنى، و الرحم علاقة القرابة ثم سمّيت رحم الأنثى رحماً من هذا لأنّ منها ما يكون ما يرحم و يرقّ له من ولد».

قال الراغب: «و الرحمة رقّة تقتضي الإحسان إلى المرحوم و قد تستعمل في الرقة المجرّدة و تارة في الاحسان المجرّد عن الرقّة نحو «رحم اللّه فلانا» و إذا وصف به الباري فليس يراد به إلاّ الإحسان المجرّد دون الرقّة، و على هذا روي: «إنّ الرحمة من اللّه إنعام و إفضال، و من الآدميّين رقّة و تعطّف...».

و ظاهر هذا أنّ الرقّة و التعطّف داخل في معنى الرحمة غير أنّ البرهان العقلي يجرّنا عند توصيفه سبحانه به إلى تجريده عن الرقّة لاستلزامها الإنفعال و هو محال على اللّه سبحانه.

قال العلاّمة الطباطبائي: «الرحمن الرحيم من الرحمة و هي وصف انفعالي و


(134)

تأثر يلمّ بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتم به أمره، فيبعث الإنسان إلى تتميم نقصه و رفع حاجته إلاّ أنّ هذا المعنى يرجع بحسب التحليل إلى الإعطاء والافاضة لرفع الحاجة و بهذا المعنى يتّصف سبحانه بالرحمة»(1).

التاسع: «أحكم الحاكمين»

و قد ورد «احكم الحاكمين» في القرآن وصفاً للّه سبحانه مرّتين.

قال: (وَ نادى نُوْحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ اِنَّ ابْنِى مِنْ اَهْلِى وَ اِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ اَنْتَ اَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)(هود/45).

و قال سبحانه: (اَلَيْسَ اللّهُ بِاَحْكَمِ الحَاكِمِينَ)(التين/8).

و الحكم في اللغة بمعنى المنع لإصلاح، و سمّيت اللجام حَكَمة الدابّة لأنّها تمنعها و منه قول الشاعر:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم *** إنّي أخاف عليكم ان اغضبا

ثمّ استعير في الحكم الفاصل و القضاء الباتّ بأنه كذا و كذا أو ليس بكذا وكذا لأنّه يمنع الخصمين عن التعدّي، و سمّيت الحكمة حكمة لأنّها تمنع الرجل من فعل ما لاينبغي.

قال سبحانه: (وَ اِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ اَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(النساء/58) وقال: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ)(المائدة/95) فكما وصفه القرآن بأنّه «احكم الحاكمين» كذلك خصّ له الحكم و قال: (اَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ اَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)(الأنعام/62) و قال: (وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ اِلَيهِ تُرْجَعُونَ)(القصص/70) وقال:(اَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ)(الزمر/46) إلى غير ذلك من الايات. بقي الكلام في المراد من قوله «أحكم الحاكمين».


1 . الميزان ج1 ص 16.


(135)

و أمّا قوله «أحكم» فهل المراد أنّه سبحانه أقضى القاضين؟ كما نقله الطبرسي وجهاً، فقال: فيحكم بينك يا محمد و بين أهل التكذيب.

الظاهر أنّ صيغة التفضيل في المقام بعد تسليم كونه بمعنى القضاء متضمّنة لمعنى الاحكام و الاتقان خصوصاً في الاية الاُولى حيث أنّها وردت بعد قول نوح: (رَبِّ اِنَّ ابْنِى مِنْ اَهْلِى وَ اِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) فلايناسب تفسيره بأنّك أقضى القاضين إلاّ بتضمين «أحكم» معنى الإتقان و معناه إنّك فوق كلّّ حاكم في إتقان الحكم و حقّيّته و نفوذه من غير اضطراب و وهن فما جرى على ابني من الغرق في الماء عين حكمك الحكيم و قضاؤك الرصين.

العاشر: «أحسن الخالقين»

و قد ورد «أحسن الخالقين» وصفاً للّه سبحانه في الذكر الحكيم مرتين. قال سبحانه: (... ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ اَحْسَنُ الخَالِقِينَ)(المؤمنون/14). و قال سبحانه ناقلاً عن إلياس: (أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللّهَ * رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبائِكُمُ الاَْوَّلِينَ)(الصّافات/125ـ126) فهو سبحانه يصف نفسه في هاتين الايتين بأنّه «أحسن الخالقين» كما أنّه يصف فعله حسناً على الاطلاق في الايات الاُخر قال:

(اَلَّذِى أَحْسََنَ كُلَّ شَىء خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الاِنْسانِ مِنْ طِين)(السجدة/7).

و قال: (وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَيِّبَاتِ)(غافر/64).

أمّا الخلق لغة فقد فسّر بمعنى تقدير الشيء، يقال خلقت الأديم للسقاء إذا قدّرته. قال زهير:

و لانت تفري ما خلقت و *** بعض القوم يخلق ما يفري


(136)

و من ذلك الخُلق: و هي السجيّة لأنّ صاحبه قد قدر عليه، و الخلاق: النصيب لأنّه قد قدّر لكلّ أحد نصيبه.

و يؤيّد كونه متضمّناً معنى الإيجاد قوله سبحانه: (صُنْعَ اللّه الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ)(النمل/88) فانّ الصنع في الاية مكان الخلق و ليس الصنع صرف التقدير بل العمل عن تقدير. قال سبحانه: ( اَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا)(المؤمنون/27).

قال الراغب: ثم إنّ الخلق تارة يستعمل في إبداع الشيء من غير مادّة و لا احتذاء قال سبحانه: (خلق السموات و الارض)(الأنعام/6) أي أبدعهما بدلالة قوله (بديع السموات و الارض)(الأعراف/189) و أخرى في ايجاد الشيء من الشيء نحو: (خلقكم من نفس واحدة). و قال: (خَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِج مِنْ نار)(الرحمن/15) ثم قال: و الخلق الذي هو الابداع للّه تعالى و لهذا قال في الفصل بينه تعالى وبين غيره:(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لايَخْلُقُ أَفَلاتَذَكَّرُُونَ)(النحل/17) و أمّا الذي يكون بالإستحالة فقد جعله اللّه تعالى لغيره في بعض الأحوال كعيسى حيث قال: (وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِى)(المائدة/110)(1).

و الظاهر أنّ الراغب بصدد الجمع بين مفاد الاية المثبت لكون الخلق صفة مشتركة بين اللّه و بين غيره، و بين الآيات الحاصرة لها في اللّه سبحانه حيث يقول: (ذلِكُمْ اللّهُ رَبُّكُمْ لا اِلهَ اِلّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْء فَاعْبُدُوه)(الأنعام/102) فحصر الخلق في ابداع الشيء من غير أصل و لا احتذاء في اللّه سبحانه، و أمّا الخلق بمعنى الإستحالة فأثبته للمسيح، و بذلك ارتفع الخلاف بين الآيتين، و إليه ذهب الطبرسي حيث قال: و في الاية دليل على أنّ اسم الخلق قد يطلق على فعل غير اللّه إلاّ أنّ الحقيقة في الخلق للّه سبحانه فقط، فإنّ المراد من الخلق ايجاد الشيء مقدّراً


1 . المفردات للراغب: ص 157 ـ ماده خلق.


(137)

تقديراً لاتفاوت فيه، و هذا إنّما يكون من اللّه سبحانه و تعالى دليله قوله:(ألا لهُ الخلق)(1).

يلاحظ عليهما: إنّ الخلق من غير أصل يوصف به سبحانه و غيره فانّ النفوس المجرّدة تخلق الصور في صقع النفس من غير مادة، و إنّما يرتفع الإختلاف بين القسمين من الايات بأنّه لامانع من تخصيص الخلق باللّه سبحانه و تشريك الغير معه أيضاً و ذلك لأنّ الخلق بمعنى فعل الفاعل، المستقل في فعله، غير المعتمد في خلقه على شيء، غير المستعين في عمله من أحد يختصّ باللّه سبحانه، وأمّا الخلق بمعنى فعل الفاعل،غير المستقل في فعله،المعتمد في وجوده وفعله على الواجب، المستعين في كلّّ آن من الفياض المطلق، فهو للإنسان خاصّة، و يجمعهما لفظ الخلق وهو على وجه وصف مشترك، وعلى وجه مختصّ باللّه سبحانه.

الحادي عشر: «أسرع الحاسبين»

و قد ورد في الذكر الحكيم في مورد واحد. قال سبحانه: (أَلاَ لَهُ الحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ)(الأنعام/62). كما وصفه في آية بأنّه أسرع مكراً.

قال سبحانه:( قُلِ اللّهُ اَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ)(يونس/21).

و سيأتي البحث عنه عند الكلام في وصفه: «سريع الحساب». كما يأتي البحث عن الاخر في البحث عن «خير الماكرين».

الثاني عشر و الثالث عشر: «أهل التقوى و أهل المغفرة»

و قد ورد في الذكر الحكيم هذان الاسمان في مورد واحد و وقعا اسمين له


1 . مجمع البيان ج4 ص 101، طبع صيدا.


(138)

سبحانه. قال سبحانه: (وَ ما يَذْكُرُونَ اِلّا اَنْ يَشاءَ اللّهُ هُوَ اَهْلُ التَّقْوى وَ اَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)(المدثر/56).

قال الطبرسي: أي هو أهل أن تتّقى محارمه و أهل أن يغفر الذنوب. روي مرفوعاً عن أنس قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تلا هذه الآية و قال: قال اللّه سبحانه: أنا أهل أن اُتقى فلايجعل معي إله، فمن اتّقى أن يجعل معي الهاً فأنا أهل أنأغفرله(1).

و الظاهر أنّ الأهل في الاية بمعنى الجدير. قال الراغب: «يقال فلان أهل لكذا أي خليق به»(2) و منه اشتقّ المؤهّل أي الجدير، و المؤهّلات: القابليات.

قال العلاّمة الطباطبائي: إنّ قوله: (هو أهلُ التقوى و أهلُ المغفرة)تعليل لقوله(و ما يذكرون إلاّ أن يشاءَ اللّهُ)فإنّ كونه تعالى أهل التقوى و أهل المغفرة لايتمّ إلاّ بكونه ذا إرادة نافذة فيهم سارية في أعمالهم(3).

الرابع عشر: «الأبقى»

قد ورد لفظ «الأبقى» في الذكر الحكيم سبع مرّات، و قد وصف به عذابه و رزقه و ما عنده و الاخرة، و ورد في آية واحدة وصفاً له سبحانه فقال: (إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَ ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَ اللّهُ خَيْرٌ وَ اَبْقى)(طه/73).

و مضمون الآية إجابة على ما هدّد به فرعون السحرة و قال: (وَ لاَ ُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ وَ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَ اَبْقى)(طه/71) و الآيتان (اَيُّنَا اَشَدُّ عَذَاباً وَ اَبْقَى) (وَ اللّهُ خَيْرٌ وَ اَبْقَى) على وتيرة واحدة و الضمير في صيغة التفضيل يرجع إلى


1 . مجمع البيان ج5 ص 362.
2 . المفردات: ص 30.
3 . الميزان ج2 ص 185.


(139)

اللّه سبحانه. إنّما الكلام في تعيين المتعلّق، فربما يقال: إنّه الثواب أي و اللّه خير لنا منك و ثوابه أبقى لنا من ثوابك، و ربما يقال: إنّ المتعلّق هو العقاب و المراد: و اللّه خير ثواباً للمؤمنين و أبقى عقاباً للعاصين و هذا جواب لقوله: و لتعلمنّ أيّنا أشدّ عذاباً و أبقى و لكن الظاهر أنّ المراد أوسع من ذلك و كأنّه قيل: إنّما آثرنا غفرانه على احسانك، لأنّه خير و أبقى أي خير من كلّّ خير و أبقى من كلّّ باق ـلمكان الاطلاقـ فلايؤثر عليه شيء، و بذلك يعرف معنى المقابلة بين كلام فرعون و السحرة فإنّه يصف نفسه في الاية الاُولى بالأبقى و السحرة تقابله بأنّه سبحانه أبقى.

الخامس عشر: «الأقرب»

و قد وردت اللفظة في القرآن 11مرّة و وردت توصيفاً له سبحانه مرتين قال:(و نحنُ أقرب إليه من حبل الوريد)(ق/16) و قال سبحانه: (وَ نَحْنُ اَقْرَبُ اِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لاتُبْصِرُونَ)(الواقعة/85) و فسرت الأقربيّة بالعلم: أي نحن أقرب إليه بالعلم من حبل الوريد و يكون معنى الآية: نحن أعلم به. و تحقيق الكلام في مفاد الاية يتوقف على بيان معنى الأقربيّة الواردة فيها فنقول:

إنّ الأقربيّة ليست أقربيّة مكانيّة كما أنّ قربه سبحانه من العبد ليس منحصراً بالافضال عليه بل لقربة سبحانه من العبد، و أقربيته إليه من حبل الوريد معنى آخر لايقف عليه إلاّ المرتاض في المعارف الإلهية و الخارج عن أسر التعطيل و حبال التشبيه.

انّه سبحانه يصرّح بأنّه مع عباده أينما كانوا و يقول: (وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ)(الحديد/4).

و يعد نفسه رابع الثلاثة و سادس الخمسة و يقول:(مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَخَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَأَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَ لاَأَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ)(المجادلة/7)


(140)

كما أنّه يصف نفسه الهاً في السماوات و الأرض و يقول: (وَ هُوَ اَللّهُ فِى السَّمواتِ وَ فِى الاَْرْضِ)(الأنعام/3) إلى غير ذلك من الايات التي تدل على إحاطة وجوده سبحانه بكلّ شيء و كونه مع كلّّ شيء.

ثمّ إنّ المسلمين في مقابل هذه الايات على طائفتين:

الاُولى: أهل الحديث و الحنابلة و المتقشّفون المغترّون بالظواهر التصوّريّة البدئيّة غير المتعمّقين في الايات و الأحاديث، فهؤلاء أخذوا بظاهر قوله سبحانه: (الرَّحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى)(طه/5) ففسّروا الإستواء بالإستقرار لا بالإستيلاء و السلطة، فجعلوه مستقرّا على عرشه وسريره فوق السماوات و أقصى ما عند المتظاهرين بالتنزيه إضافة قولهم: بلاكيف أي لانعلم كيفية سريره و استقراره، قال الشيخ الأشعري: «نقول: إنّ اللّه عزّ و جلّ يستوي على عرشه كما قال يليق به من غير طول الاستقرار»(1).

و هؤلاء ـ الذين حبسوا القاهر المحيط في نقطة خاصّة من العالم ـ تحيّروا أمام هذه الايات التي دلّت على احاطة وجوده لكلّ شيء و صحيفة الكون، فلجأوا إلى التأويل المبغوض عندهم فقالوا في تفسير الآية في سورة المجادلة: المراد انّه سبحانه هو بعلمه رابعهم، و بعلمه سادسهم، و لا أدنى من ذلك و لا أكثر إلا هو معهم، نعني بعلمه فيهم، كما أوّلوا قوله سبحانه: (و هو اللّهُ فِى السَّمواتِ َو فِى الأَرْضِ) بأنّ المراد هو إله من في السموات، و إله من في الارض و هو على العرش، و قدأحاط علمه بما دون العرش، و لايخلو من علم اللّه مكان، و لايكون علم اللّه في مكان دون مكان(2).

إنّ اتّخاذ الرأي المسبق في إحاطته سبحانه على الأشياء و تحديد وجوده بالاستقرار على السرير الموضوع على العرش، لاينتج سوى هذا أي التلاعب بآيات


1 . الإبانة للأشعري: ص18 و 85.
2 . السنّة لابن حنبل: ص 34 و 36 طبع القاهره.


(141)

المعارف التي هي إحدى المعاجز القرآنية.

و لمّا حسب القائل باستقراره سبحانه على عرشه انّ مراد القائلين باحاطة وجوده لكلّ شيء، و كونه في كلّّ مكان و زمان، هو الإحاطة المكانية و انّه موجود في كلّّ شيء كوجود الجسم في مكانه بدأ بالاعتراض، وقال: عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الربّ شيء فان قالوا: أي مكان؟ قلنا أجسامكم و أجوافكم و أجواف الخنازير و الحشوش و الأماكن القذرة ليس فيها من عظم الرب شيء(1).

و العجب انّ الشيخ الأشعري الذي تربّى في حضن الاعتزال قرابة أربعين سنة و وقف على مقالهم عن كثب بل و على مقال كلّّ من يقول باحاطة وجوده على كلّّ شيء، و قيام كلّّ شيء بوجوده، و مع ذلك أخذ يكرّر كلام إمام مذهبه الثاني قريباً عن عبارته و يتكلّم مثل من ليس له إلمام بالمعارف العقليّة و يقول: «إنّ من المعتزلة و الجهميّة و الحروريّة قالوا: إنّ قول اللّه عزّ و جلّ: (الرَّحمنُ عَلَى العرشِ استَوَى)(طه/5) انّه استولى و ملك و قهر، و إنّ اللّه عزّ و جلّ في كلّّ مكان، و جحدوا أن يكون اللّه عزّ و جلّ على عرشه كما قال أهل الحق و ذهبوا في الاستواء إلى القدرة.

و لو كان هذا كما ذكره فلافرق بين العرش و الأرض السابعة فاللّه سبحانه قادر عليها و على الحشوش و على كلّّ ما في العالم، فلو كان اللّه مستويا على العرش بمعنى الإستيلاء و هو عزّ و جلّ مستو على الأشياء كلّها لكان مستوياً على العرش، و على الأرض، و على السماء، و على الحشوش، و الأقذار، لأنّه قادر على الأشياء مستول عليها و إذا كان قادراً على الاشياء كلّها و لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إنّ اللّه عزّ و جلّ مستو على الحشوش و الأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش، الإستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلّها، و وجب أن يكون معناه استواء يختصّ بالعرش دون الأشياء كلّها.


1 . السنّة لابن حنبل: ص33.


(142)

وزعمت المعتزلة و الحروريّة و الجهميّة أنّ اللّه عزّ و جلّ في كلّّ مكان فلزمهم انّه في بطن مريم و في الحشوش و الاخلية و هذا خلاف الذين تعالى اللّه عن قولهم «علوّا كبيرا»(1).

عزب عن امام الحنابلة و من تبع مذهبه انّ الاستدلال متفرّع على تفسير العرش بأنّه مخلوق كهيئة السرير له قوائم و هو موضوع على السماء السابعة مستو عليه كاستواء الملوك على عروشهم، فعند ذلك يتوجّه إليهم السؤال بأنّه لو كان المراد من «استوى» هو الاستيلاء ـلا الإستقرارـ فلماذا خصّ الاستيلاء به مع أنّه مستو على الأشياء كلّّها؟ و أمّا إذا قلنا بأنّ العرش كناية عن صفحة الوجود و عالم الكون فاستيلائه عليه كناية عن استيلائه على عالم الخلق، فيسقط السؤال بأنّه لماذا خصّ الاستيلاء بعرشه دون غيره إذ ليس هنا شيء وراء صفحة الوجود، و اللغة العربيّة مليئة بالمجاز و الكناية، و لايلزم في صدق الكناية وجود المعنى المكنىّ به و من يرير و استقرار المستوى عليه، بل يطلق و إن لم تكن هناك تلك المظاهر، قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف و دم مهراق

و الذي يعرب عن ذلك أي انّ المراد استيلائه على عرش التدبير، إنّ الذكر الحكيم لايذكر استوائه على العرش إلاّ و يذكر فعلاً من أفعاله أو وصفاً من أوصافه، أمّا قبله أو بعده مثل قوله:

(خَلَقَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضَ فِى سِتَّةِ اَيّام ثُم اسْتَوى عَلى الْعَرْشِ يُغْشِى اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً)(الأعراف/54).

و قوله: (خَلَقَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضَ فِى سِتَّةِ اَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ)(يونس/3).

و قوله: (اَللّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وَ


1 . الإبانة للأشعري: ص86 ـ 87.


(143)

سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ)(الرعد/2).

و قوله: (تَنْزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَ السَّمواتِ العُلَى اَلرَّحْمنُ عَلى العَرْشِ اسْتََوى)(طه/4و5).

و قوله: (اَلَّذِى خَلَقَ السَّمواتِ وَ الاَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِى سِتَّةِ اَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً)(الفرقان/59).

و قوله: (اَللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِى سِتَّةِ اَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى الْعَرْشِ)(السجدة/4).

و قوله: (هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضَ فِى سِتَّةِ أيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِى الاَْرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها)(الحديد/4).

إنّ قوله سبحانه ثمّ استوى على العرش يحتمل في بادىء النظر معنيين و لايتعيّن أحدهما إلاّ بالتدبّر فيما حُفّ به من المطالب و إليك المحتملين:

1 ـ إنّه سبحانه مستقر على العرش كاستقرار الملوك على عروشهم غاية ما في الباب إنّ الكيفية مجهولة و هذا خيرة الحنابلة و الأشاعرة.

2 ـ إنّه سبحانه مستول على عالم الخلقة و صفحة الكون و قاهر عليه و بالتالي يدبّر العالم كلّّه بلااستعانة من أحد و من دون أن يمسّه في هذا تعب و لالغوب، و هذا خيرة العدليّة كالاماميّة و المعتزلة و ليس هذا تأويلاً له بل سياق جمل الاية يؤيّد ذلك، فهو ظاهر في هذا المعنى و العدول عن الظاهر تأويل، لا الأخذ بالظاهر. و الميزان في تشخيص الظاهر، هو الظهور التصديقي الجملي، لا الظهور الحرفي و التصوّري.

هلمّ معي نستظهر أحد المعنيين من خلال التدبّر في الايات التي تلوناها عليك.


(144)

نقول: إنّه سبحانه كلّّما ذكر استوائه سبحانه على العرش ضمّ إليه إمّا بيان فعل من عظائم أفعاله أو وصفاً من أوصافه العليا و إليك بيان ذلك.

1 ـ (خَلَقَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِى سِتَّةِ اَيّام)(الأعراف/54ـ يونس/3 ـ الفرقان/59ـ السجدة/3ـ الحديد/4).

2 ـ (خَلَقَ الاَْرْضَ وَ السَّمواتِ العُلى)(طه/4).

3 ـ (رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها)(الرعد/2).

4 ـ (يُغْشِى اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً)(الأعراف/54)

5 ـ (سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ)(الرعد/2).

6 ـ (يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِى الاَْرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها)(الحديد/4)

فعند ذلك فأيّ المعنيين يناسب مع ذكر هذه الامور؟

هل استقراره على السرير و إن كانت الكيفيّة مجهولة؟

أو استيلاؤه على العالم و صفحة الكون و كونه قاهراً على الخلق و بالتالي مدبّراً للعالم و انّ الخلق لم يضعفه عن القيام بالتدبير.

حَكِّم وجدانَك ثم اختر أحد المعنيين المناسب لما حفّ به من القرائن اللفظيّة .

لاشك انّ البحث عن عظائم الامور و الأفعال يناسب الأخبار عن فعل عظيم له صلة بما جاء فيه من سائر الأفعال و الأوصاف و هو استيلاؤه على العالم كلّّه، و لذلك ربّما يرتّب عليه تدبير الامر(يونس/3) و اُخرى غشيان الليل النهار و طلبه لها حثيثاً(الأعراف/54) و ثالثة تسخير الشمس و القمر(الرعد/2) و رابعة علمه الوسيع بما يلج في الارض و ما يخرج منها(الحديد/4) فالجملة ظاهرة في الاستيلاء لا ظاهرة في الاستقرار حتى يسمّى تفسيرها بالاستيلاء تأويلاً لأنّ التأويل هو العدول عن


(145)

ظاهر الكلام، فإذا أيّدت القرائن كون المراد هو الاستيلاء فالتفسير بالاستقرار تأويل بلا دليل لا العكس كما هو المعروف في كتب أهل الحديث و الحنابلة.

أظنّ أن ّهذا البيان يقنع القارىء في أنّ المراد هو الإستيلاء لا الإستقرار و لو فرضنا أنّه في ريب و تردّد في اختيار أحد المعنيين فنأتي بمثال يقرّب إليه المطلوب و هو:

إذا بلغ طبيب في فنّ الجراحة مقاماً عظيماً فأخذ يصف أعماله العجيبة في ذلك المجال و يقول: إنّي قمت بعمل كذا و كذا فيذكر إبداعاته و اعجازاته العلميّة أفيصح أن يرتجل في اثناء هذه المذاكرة و يقول: إنّي مستقرّ على عرشي في بيتي، ولو تكلّّم بذلك يعدّ كلامه غير منسجم، فيقول المخاطب في نفسه: أيّ صلة بين ما قام به من الأعمال العجبية في مجال الجراحة و بين استقراره على السرير في بناء رفيع.

و هذا بخلاف ما إذا كان جميع الجمل مربوطة إلى عمله و فعله في الموضوع الذي أخذ بتفسيره و بيانه، و بهذا المثال تقدر على تقييم المعنى الذي لم يزل يسيطر على ذهن القشريين من الحنابلة و أهل الحديث، إذ أيّ مناسبة بين هذه الأفعال العجيبة و استقراره على العرش و جلوسه على السرير و ان كانت الكيفية مجهولة، و أمّا إذا قلنا: بأنّ المراد استيلاؤه على صحيفه الكون و انّ الخلق ما أوقعه في التعب و اللغوب(1) و لم يضعفه عن القيام بأمر التدبير بشهادة استيلائه عليه، تكون الجمل مترابطة متناسبة.


1 . اشارة الى قوله سبحانه: (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّمواتِ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّام وَ مَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوب)(ق/38) اقرأ هذه الآية و راجع التوراة. ترى أنّه يقول في سفر التكوين:الإصحاح الثاني: و فرغ في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك اللّه اليوم السابع و قدّسه لأنّه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل اللّه خالقا.


(146)

ثمّ إنّ إمام الحنابلة لأجل إتخاذ رأي مسبق في معنى الاية، التبس الأمر عليه في كلامه السابق من جهات ثلاث:

1 ـ لمّا رأى ظهور الايات في إحاطة وجوده سبحانه بالعالم، عمد إلى تأويلها بالإحاطة العلميّة مع أنّ حصرها فيها خلاف ظاهرها، لأنّها ظاهرة في الإحاطة الوجوديّة المستلزمة للإحاطة العلمية.

2 ـ زعم أنّ العرش في الاية عند القائلين بالإحاطة الوجوديّة بمعنى السرير، فردّ عليهم بأنّه «إذا كان مستولياً على العالم كلّّه، فلماذا خصّ في هذه الايات استيلائه بالعرش» و لم يقف على أنّ القائلين بالإحاطة الوجوديّة يرون الاستيلاء على العرش بأجمعه كناية عن استيلائه على صفحة الوجود كاستيلاء الملوك على بلدانهم، غير أنّهم يدبّرون البلد بالجلوس على سررهم، و اللّه سبحانه يدبّر العالم من دون أن يكون له سرير.

3 ـ زعم أنّ القائلين بالاحاطة الوجوديّة يفسّرونه بالاحاطه الحلوليّة المكانيّة فأورد «بأنّ المسلمين يعرفون أمكنة ليس فيها من عِظم الربّ شيء» و غفل أنّ الاحاطة هنا إحاطة قيوميّة لا إحاطة مكانيّة، و لأجل إيضاح الحال نبحث عن هذا النوع من الإحاطة القيوميّة.

«الإحاطة القيوميّة لا الإحاطة المكانيّة»

إنّ نسبة الوجود الإمكاني إلى الواجب جلّ اسمه كنسبة المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي، فكما أنّ المعنى الحرفي قائم بالثاني، و متقوّم به، و لايتصوّر له الانعزال عنه و الاّ لصار باطلاً معدوماً فهكذا الوجود الإمكاني الصادر عنه سبحانه، فالممكن بذاته قائم بالغير، متدل به، لايتصوّر له البينونة عن الواجب و العزلة عنه و إلاّ بطل وجوده.


(147)

هذا هو المدّعى و أمّا الدليل عليه فهو إنّ الامكان قديقع وصفاً للماهيّة، و قديقع وصفاً للوجود فعندما يقع وصفاً للماهيّة يكون معناه مساواة نسبة الوجود و العدم إليها، فلو وجد فمن جانب وجود علّته، و إن اتّصف بالعدم فمن جانب عدم علّته و عندما يقع وصفاً للوجود، فليس هو بمعنى مساواة الوجود و العدم إلى الوجود، ضرورة إنّه إذا كان الموضوع هو الوجود، لامعنى لمساواة الوجود و العدم إليه، بل المراد من اتّصاف الوجود بالإمكان هو تعلّقه بعلّته و قيامه و تدلّيه بها تعلقاً و تدلّيا و قياماً داخلاً في حقيقة وجوده بحيث لاحقيقة له إلاّ هذا.

و بعبارة اُخرى إنّ الوجود الإمكاني أمّا أن يكون مستقلا في ذاته أو يكون متعلّقا بالغير كذلك، لاسبيل إلى الأوّل، لأنّ الاستقلال مناط الغنى عن العلّة و مثله يمتنع أن يكون معلولاً بل و يمتنع أن يتّصف بالإمكان، فتعيّن الثاني أي ما يكون متعلّقا بالغير بذاته، و ما هو كذلك يمتنع عليه العزلة عمّا يتعلّق به، لانّ المفروض إنّه لاحقيقة له إلاّ التعلّق بالغير فيجب أن يكون معه، معيّة المتدلّي بالمتدلّى به، و معيّة المعنى الحرفي مع المعنى الاسمي، فالعوالم الامكانيّة بعامّة مراتبها من جبروتها إلى ملكوتها إلى ملكها حاضرة عنده سبحانه، غير غائبة عنه، لاكحضور المبصرات الخارجية لدى الإنسان، بل كحضور الصور الذهنية لدى النفس المبدعة الخالقة لها، بل أشدّ من ذلك.

و لعلّه إلى ما ذكرنا يشير قوله سبحانه: (يا اَيُّها النّاسُ اَنْتُمُ الْفُقَراءُ اِلى اللّهِ وَ اَللّهُ هُوَ الغَنِىُّ الحَمِيدُ)(فاطر/15).

و مثل هذا كيف يتصوّر له العزلة و البينونة فان فرضهما فرض بطلانه.

هذا البرهان الذي أجملنا الكلام في بيانه يكشف الستر عن حقيقة المعيّة أي معيّة الممكن مع الواجب، و يفسر الاحاطة الوجوديّة له، و إنّه ليس المراد حلول الواجب في جوف الممكن و نفوذه في ذرّاته، كنفوذ الماء بين ذرّات الطين، بل المراد أنّ مقتضي قيوميّته المطلقة قيام العوالم الممكنة به و حضورها لديه، و بما أنّ


(148)

التعلّق و القيام في الممكنات نفس حقيقتها و واقعها، فلايمكن لها الغيبة عن اللّه سبحانه و لا العزلة عنه، و إن أردت تقريب هذا في ضمن مثال فنقول:

إنّ النفس فاعل إلهي و فعله مثال لفعله سبحانه، فالنفس هي مصدر الصور الذهنيّة و مبدعها و ليست الصور منعزلة عن النفس مباينة عنها، بل لها مع الصور معيّة قيوميّة تحيط بها، و لاتحلّ فيها و لايربط النفس بأفعالها سوى إحاطتها عليها مع أنّ لها مقاماً آخر ليس للصور فيها شأن و دخل.

قال الإمام الطاهر موسى بن جعفر: «إنّ اللّه تبارك و تعالى، لم يزل بلازمان و لامكان و هو الآن كما كان، لايخلو منه مكان، و لايشغل به مكان، و لايخل في مكان، ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم، و لاخمسة إلاّ هو سادسهم، ولاأدنى من ذلك و لا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا، ليس بينه و بين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب، و استتر بغير ستر مستور، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال»(1).

و لعلّه إليه ينظر قول ابن العربي في خصوصه:

فإن قلت بالتنزيه كنت مقيّداً *** وإن قلت بالتشبيه كنت محدّداً

وإن قلت بالأمرين كنت مسدداً *** وكنت إماماً في المعارف سيّداً

فإيّاك والتشبيه إن كنت ثابتاً *** وإيّاك والتنزيه إن كنت مفرداً

والمراد من التنزيه هو تصوّر العزلة والبينونة الكاملة الّتي تستلزم استقلال الممكن، وغناء عن الواجب كما عرفت.


1 . التوحيد للصدوق: ص 179.


(149)

ما هو المقصود من الأقربيّة؟

و على ضوء هذا إنّ قوله سبحانه: (وَ نَحْنُ أَقْرَبُ اِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ)(ق/16) تقريب للمقصود بجملة ساذجة تفهمه العامّة «و الوريد» هو مطلق العرْق أو عبارة عن العرق الموجود في العنق حيث انّ حياة الإنسان قائمة به فلو قطعنا النظر عن ظاهر الاية فأمر قربه سبحانه إلى الإنسان أعظم من ذلك و لكن الاية اكتفت بما تفهمه العامّة، و أحال سبحانه المعنى الدقيق منه إلى الايات الاُخر. كيف و الاية جعلت للإنسان نفساً و جعلت لها آثاراً، قال سبحانه: (وَ نَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)(ق/16) و جعلت سبحانه هو المتوسط بين الإنسان و نفسه، و بين نفسه و آثارها، مع أنّه سبحانه أقرب إلى الإنسان من كلّّ أمر مفروض حتى نفسه، كلّّ ذلك يعرب من أنّ الاية بصدد تفهيم قرب يقع في متناول فهم العامّة و نظيره قوله سبحانه: (وَ اعْلَمُوا اَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَ قَلْبِهِ)(الأنفال/24).

و في روايات أئمّة أهل البيت تصريحات بالقرب القيومي و الاحاطة الوجوديّة نكتفي منها بما يلي:

1 ـ روى الكليني عن الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) أنّه ذكر عنده قوم يزعمون أنّه اللّه تعالى ينزل إلى السماء الدنيا فقال: «إنّ اللّه لاينزل و لايحتاج إلى أن ينزل،وإنّما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد»(1).

2 ـ روى الكليني عن محمد بن عيسى قال: كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام): «جعلني اللّه فداك يا سيّدي قد روي لنا أنّ اللّه في موضع دون موضع على العرش استوى... » فوقّع (عليه السلام) : «و اعلم أنّه إذا كان في السماء الدنيا فهو كما هو على العرش و الأشياء كلّّها له سواء علماً و قدرة و ملكاً وإحاطة»(2).


1 . الكافي ج 1، باب الحركة، ص 125 الحديث 1.
2 . المصدر نفسه: الحديث 4، ص 126.


(150)

3 ـ روى الكليني عن أبي عبداللّه (عليه السلام): إنّ أميرالمؤمنين استنهض الناس في حرب معاوية في المرّة الثانية، فلمّا حشر الناس قام خطيباً فقال: «سبحان الذي ليس أوّل مبتدأ و لاغاية منتهى و لاآخر يفنى سبحانه هو كما وصف نفسه، و الواصفون لايبلغون نعته، و حدّ الأشياء كلّّها عند خلقه ـ إلى ان قال ـ: لم يحلل فيها فيقال هو فيها كائن، و لم ينأ عنها فيقال هو منها بائن، و لم يخل منها فيقال له أين؟ لكنّه سبحانه....»(1).

4 ـ روى ابن عساكر «في تاريخ دمشق»:

«إنّ نافع بن الأزرق قائد الأزارقة من الخوارج قال للحسين (عليه السلام): صف ربّك الذي تعبده، قال الحسين (عليه السلام): «يابن الأزرق أصف إلهي بما وصف به نفسه: لايدرك بالحواس، و لايقاس بالناس، قريب غير ملتصق، و بعيد غير مستقصي، يوحّد و لايبعّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلا هو الكبير المتعال»(2).

و ما أليق بالمقام قول القائل:

لا تقل دارها بشرقيّ نجد *** كلّ نجد لعامرية دار

ولها منزل على كلّ ماء *** وعلى كلّ دمنة آثار


1 . المصدر نفسه: باب جوامع التوحيد، ص 135 الحديث 1.
2 . تاريخ دمشق: ج 4، ص 323.


(151)

حرف الباء

السادس عشر: البارئ

قد ورد لفظ البارئ في القرآن ثلاث مرّات ولم يستعمل في غيره.

قال سبحانه: (هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى)(1).

وقال سبحانه: (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ)(2).

وقال سبحانه: (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(3).

قال ابن فارس: البرأ له أصلان إليهما ترجع فروع الباب، أحدهما: الخلق يقال برأ الله الخلق يبروهم برأً. والبارئ: الله جلّ ثناؤه، والأصل الاخر: التباعد من الشيء ومزايلته من ذلك البُرء وهو السلامة من السقم. وفي المفردات: البارئ خصّ بوصف الله نحو قوله: البارئ المصوّر، والبريّة: الخلق.


1 . الحشر: 24 .
2 . ابقرة: 54 .
3 . البقرة: 54 .


(152)

و قال الطبرسي هو الخالق الصانع.

قال اُميّة بن الصلت:

الخالق البارئ المصوّر في الـ *** ارحام ماءً حتى يصير دماً

و الفرق بين البارئ و الخالق، أنّ البارئ هو المبدىء، المحدث، و الخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال(1).

و قال ابن منظور:« البارئ هو الذي خلق الخلق لا عن مثال و قال هذه اللفظة في الاختصاص بخلق الحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، و قلّما تستعمل في غير الحيوان فيقال: برء اللّه النسمة و خلق السماوات و الأرض»(2).

و على ضوء هذين النصّين يتلخّص الفرق بين البارئ و الخالق في أمرين:

1 ـ البارئ هو الخالق لا عن مثال، و الخالق هو الأعم، و لايختصّ بالناقل من حال إلى حال كما هو الحال في فعل المسيح، قال سبحانه ناقلاً عنه: (أَنِّى أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)( آل عمران/ 49). بل هو أعمّ من ذلك بقرينة قوله سبحانه: (خَلَقَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضَ فِى سِتَّةِ ايّام) (يونس/3).

2 ـ إنّ البارئ يستعمل في الحيوان كثيراً دون الخالق، و لأجل ذلك صحّ الجمع بين الخالق و البارئ في بعض الايات كما مرّ.

السابع عشر و الثامن عشر: الباطن و الظاهر

ورد لفظ «الباطن» في الذكر الحكيم مرّة واحدة و وقع وصفاً له، قال سبحانه: (هُوَ الاَوَّلُ وَ الآخِر وَ الظاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ)(الحديد/3).


1 . مجمع البيان ج 1 ص 112 طبع صيدا.
2 . لسان العرب ج 1 ص 30.


(153)

وورد لفظ «الظاهر» بصوره المختلفة عشر مرّات و وقع اسماً له في مورد واحد، كما عرفت في الاية السابقة.

قال «ابن فارس»: الظهر له أصل صحيح واحد يدلّ على قوّة و بروز، من ذلك ظهرَ الشيء يظهر ظهوراً ،و لذلك سمّي وقت الظهر و الظهيرة، و هو أظهر أوقاتالنهار و أضوؤها، و منه يعلم معنى البطن و هو خلاف الظهور أعني الخفاء، و لعلّه لذلك سمّي أعلى الحيوان ظهراً و أسفله بطناً لظهور الأوّل و خفاء الثاني.

قال الراغب: و البطن خلاف الظهر في كلّّ شيء، ويقال للجهة السفلى بطن و للجهة العليا ظهر، و به شبّه بطن الامر و بطن البوادي، يقال لكلّ غامض بطن، ولكلّ ظاهر ظهر، و منه بطنان القِدر و ظهرانها.

و قد استعمل في الذكر الحكيم كلا اللفظين على هذا المنوال، قال تعالى: (وَ ذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَ بَاطِنَهُ)(الأنعام/120)، و قال تعالى:(وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً)(لقمان/20)، و من هذا الباب قولهم لدخلاء الرجل الذين يبطنون أمره: هم بطانته، قال اللّه تعالى: (يا اَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ)(آلعمران/118).

و على هذا فالمراد من توصيفه بالظاهر و الباطن هو ظهوره و خفائه و أنّه سبحانه جامع بين الوصفين الضدّين.

و لأرباب الإشارات في تفسير هذين الاسمين و جوه أنهاها الرازي إلى أربعة وعشرين وجها(1) و سنذكر الأقلّ منها:

1 ـ الظاهر بآياته التي أظهرها من شواهد قدرته و آثار حكمته و بيّنات حجّته الذي عجز الخلق جميعاً عن إبداع أصغرها، و انشاء أيسرها و أحقرها عندهم،


1 . لاحظ لوامع البينات: ص 323.


(154)

والباطن كنهه، و الخفي حقيقته، فلاتكتنهه الأوهام و لاتدركه الأبصار، فهو باطن كلّّ باطن و محتجب كلّّ محتجب.

2 ـ العالم بما ظهر و العالم بما بطن.

3 ـ الظاهر: الغالب العالي على كلّّ شيء، فكلّّ شيء دونه، و الباطن: العالم بكلّّ شيء فلا أحد أعلم منه.

4 ـ ان اتّصافه بهذين الوصفين من شؤون احاطته بكلّّ شيء فإنّه تعالى لمّا كان قديراً على كلّّ شيء مفروض، كان محيطاً بقدرته على كلّّ شيء من كلّّ جهة فكلّ ما فرض أوّلا فهو قبله، و كلّ شيء فرض ظاهراً فهو أظهر منه لإحاطة قدرته به، فهو الظاهر دون المفروض ظاهراً و كلّ شيء فرض أنّه باطن فهو تعالى أبطن منه لإحاطته به من ورائه فهو الباطن دون المفروض باطناً(1).

التاسع عشر: البديع

قد ورد لفظ «البديع» في القرآن مرّتين و وقع وصفاً له في آيتين قال سبحانه:

(بَدِيعُ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ وَ اِذا قَضى اَمْراً فَاِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(البقره/117).

(بَدِيعُ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ اَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَ خَلَقَ كُلَّ شَىْء وَ هُوَ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ)(الانعام/101).

قال ابن فارس: «الإبداع إبتداء الشيء و صنعه لا عن مثال كقولهم أبدعت الشيء قولاً أو فعلاً إذا ابتدعته لا عن سابق مثال.


1 . الميزان ج 19 ص 165 و لاحظ توحيد الصدوق: ص 200 ـ 201، و مجمع البيان ج 5، ص 230، و مفاتيح الغيب للرازي ج 8، ص 85.


(155)

قال الراغب: «الإبداع إنشاءُ صنعة بلا احتذاء و اقتداء، و منه قيل رَكِيّة بديعة أي جديدة الحضر و إذا استعمل في اللّه تعالى فهو بمعنى إيجاد الشيء من غير آلة و لا مادّة و لا زمان و لا مكان و ليس ذلك إلاّ للّه».

و يؤيّد ذلك قوله سبحانه (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ)(الاحقاف/9): أي مبدعاً لم يتقدّمني رسول، أو مبدعاً في ما أقوله و منه اشتق البدعة للمذهب و هو إيراد قـول لـم يستَنّ قائلها و فاعلهـا فيه بصاحب الشريعة و مثله قولـه سبحانـه: (وَ رَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ)(الحديد/27)(1).

و منه يظهر أنّ قوله سبحانه «بديع السموات» برهان عقلي على أنّه ليس له ولد و لاصاحبة، فإنّ مبدع السموات و الأرض و منشئهما هو من أوجدهما لا من شيء و لا على مثال سبق، و هو لايجتمع مع اتّخاذ الولد لأنّه فرع اتّخاذ الزوجة أوّلا، و فرع اللقاح ثانياً، و فرع الولادة ثالثاً، و الكلّّ ينافي كونه سبحانه بديعاً في فعله، منشىء في الإيجاد بلامادّة و لامثال سبق.

قال الرازي: «البديع عبارة عن من يوجد الشيء بلا آلة و لا مادّة و لا زمان و لايخلوا اتّخاذ الولد من واحد منها، و على ذلك فالبديع من صفات الفعل لا من صفات الذات. نعم لو فسّر بأنّه الذي لامثل له و لاشبيه، كما يقال هذا شيء بديع إذا كان عديم المثل كان من صفات الذات، و هو تعالى أولى الموجودات بهذا الاسم و الوصف لأنّه يمتنع أن يكون له مثل أزلاً و أبداً».(2)

العشرون: البر

قد ورد لفظ «البرّ» 15 مرّة في القرآن و قد وقع وصفاً له في آية واحدة. قال


1 . المفردات: ص 45 .
2 . لوامع البينات: ص 350 .


(156)

سبحانه: (إنّا كُنّا مِنْ قِبْلُ نَدْعُوهُ اِنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيم)(الطور/28).

قد ذكر ابن فارس «للبَر» مثلثاً اُصولاً أربعة: الصدق، و حكاية صوت، وخلاف البحر، و نبت.

أمّا الصدق مثل قوله: صدق فلان و برّ، و برّت يمينه أي صدقت، و أبّرها أمضاها على الصدق.

و أمّا حكاية الصوت فالعرب تقول: لايعرف هِراً من برّ، فالهر دعاء الغنم، والبرّ الصوت بها إذا سقيت.

و أمّا خلاف البحر مثل قوله سبحانه: (ظَهَرَ الفَسادُ فِى البَرِّ وَالْبَحْرِ)(الروم/41) .

و أمّا النبت فمنه البُرّ و هِيَ الحِنْطَةُ، الواحدة: بُرّة.

ثمَّ إنّه رتّب على المعنى الأوّل قولهم: يبرّ ذا قرابته، و قال: و أصله الصدق يقال: رجل برّ و بارّ و بررت والديّ.

و على هذا فالبرّ هو الصادق و اُطلق على المحسن لأنّه صادق في حبّه، و قد وصف به سبحانه في القرآن كما وصف به يحيى و المسيح قال سبحانه واصفاً ليحيى: (وحناناً مِنْ لَدُنّا وَ زَكاةً وَ كانَ تَقِيّاً * وَ بَرّاً بِوالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبّاراً عِصِّياً)(مريم/13و14) و حكى عن المسيح و قال: (وَ اَوْصانى بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً * وَ بَرّاً بِوالِدَتِى وَ لَمْيَجْعَلْنِى جَبّاراً شَقِيّاً)(مريم/31و32).

هذا ما يستفاد من كلام الخبير ابن فارس غير أنّ الراغب في مفرداته جعل الأصل هو خلاف البحر فاشتقّ منه سائر المعاني فقال: البرّ خلاف البحر و تصوّر منه التوسّع فاشتقّ منه البرّ أي التوسع في فعل الخير(1) و ينسب ذلك إلى اللّه تعالى


1 . و لعلّه لأجل انّ البَرّ مركز الخير عند العرب، و البحر محل الشرّ.


(157)

نحو (إِنَّهُ هُوَ البرّ الرَّحِيم)(الطور/28) و إلى العبد تارة فيقال: برّ العبد ربّه، أي توسّع في طاعته، فمن اللّه تعالى الثواب و من العبد الطاعة إلى آخر ما ذكره.

و على ذلك فيحتمل أن يكون المراد، الصادق في ما وعده، و الرحيم بعباده، و اختارها الصدوق و نقله الطبرسي وجهاً، كما يحتمل أن يكون المراد المحسن، وإليه يرجع ما يقال أي اللطيف و أصله اللطف مع عظم الشأن(1).

الواحد و العشرون و الثاني و العشرون: «البصير و السميع»(2)

قد ورد لفظ «البصير» في القرآن 51مرّة و وقع اسماً له سبحانه في 43آية كما أنّ «السميع» ورد في الذكر الحكيم 47مرّة، و وقع وصفاً له سبحانه في جميع الموارد إلاّ آية واحدة أعني ما ورد في وصف خلق الإنسان. قال سبحانه: (فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً)(الإنسان/2). و لنرجع إلى تحقيق المعنى الأصيل للفظ «البصير» والظاهر من ابن فارس أنّ له أصلا واحداً و هو وضوح الشيء ثم اشتقّ منه سائر المعاني و منها إطلاق اسم «البصر» على العين(3).

و لكن الظاهر من «الراغب» إنّ المعنى الجذري له هو الجارحة الناظرة و منه اشتقّ سائر المعاني.

قال: «البصر» يقال للجارحة الناظرة نحو قوله تعالى:(كَلَمْحِ البَصَرِ)(النحل/77)و (القمر/50) و (إِذْ زَاغَتْ الأَبْصَار)(الأحزاب/10) و يقال للقوّة التي فيها، و يقال لقوّة القلب المدركة «بصيرة» و «بصر» نحو قوله تعالى: (فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدُ) ( ق/22) و قال: (مَا زَاغَ البَصَر وَ


1 . التوحيد للصدوق: ص 215، مجمع البيان ج 5، ص 116.
2 . لوجود الصلة بين هذين الاسمين، بحثنا عنهما في حرف الباء.
3 . مقاييس اللغة ج 1، ص 253 ـ 254.


(158)

مَاطَغَى)(النجم/17)، و جمع «البصر»: «أبصار» و جمع «البصيرة»: «بصائر»(1).

و على كلّّ تقدير إنّ البصر و السمع من أعظم أدوات المعرفة و أنفعها و أكثر ما يرتبط به الإنسان مع الخارج بهذين الحسّين، فهما من أشرف الحواسّ الظاهرة ولعلّه ـ لأجل ذلك ـ اُطلق عليه سبحانه «السميع البصير» دون غيرهما من أسماء الحواسّ، فلايطلق عليه «الشامّ» و «الذائق» و «اللامس» و إن فسّرت بما يفسّر به «السميع» و «البصير» بمعنى حضور المبصرات و المسموعات، و هذا يعرب عن كرامة هذين الحسّين و أعظمها نفعاً و أوسعها في ايجاد الصلة للإنسان بالخارج. ونقدّم الكلام في «البصير» على «السميع» حفظاً للترتيب الأبجدي.

و التتبّع في الايات يعطي أنّ البصير قد يطلق و يراد منه حضور المبصرات عنده كما سيأتي بيانه و ذلك عند ما استعمل مع «السميع»، قال سبحانه: (اِنَّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمُ بِهِ اِنَّ اللّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً)(النساء/58) و قس عليه ما جاء بهذا المنوال و قد يراد منه العلم بالجزئيات و الاشراف عليها عن كثب و أنه لايعزب عنه شيء من الأشياء و ذلك عندما يستعمل متعدّياً بالباء.

قال سبحانه: (إنّه كان بعباده خبيراً بصيراً)(الاسراء/30) و قال سبحانه: (وَ كَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)(الاسراء/17) و قال سبحانه: (وَ كانَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً)(الفتح/24) و قال سبحانه: (ما يُمْسِكُهُنَّ اِلّا الرَّحْمنُ اِنَّهُ بِكُلِّ شَيء بَصِيرٌ)(الملك/19).

و المتعلّق في هذه الايات يختلف سعة وضيقاً فقد تعلّق بـ«كلّ شيء» مّرة، وبـ«العباد» ثانيا، و بـ«أعمالهم» ثالثة، و بـ«ذنوبهم» رابعة، فعندئذ لايصحّ تفسير البصير فيها بحضور المبصرات فإنّ كثيراً من الذنوب و كثيراً من الأشياء ليس أمراً مبصراً مرئيّا بالعيون، و مع ذلك هو بصير بكلّ شيء، فالبصير هناك يرادف العلم


1 . المفردات للراغب: ص 49.


(159)

بالجزئيّات بدقّة و امعان و لعلّ «الخبير» تأكيد لمعناه أو هو تأكيد له، و الايات بصدد بيان أنّ علمه سبحانه بما يجري في الكون ليس علماً اجماليّاً بل هو علم تفصيلي يشمل كلّّ ما جلّ و دق، و كلّّ شيء خَفِي أو ظهر، و بذلك يبطل قول من ينكر علمه سبحانه بالجزئيات بحجّة أنّها في مظان التغير و التبدّل، فيوجب الحدوث و التبدّل في ذات البارئ ذاهلاً عن أنّ التغيّر في المعلوم لا في جانب العلم، و لعلّنا نرجع إلى نقد هذه الشبهة عند البحث عن اسم «العالم».

و لأجل اشتمال هذه الكلمة على الدقّة و الامعان يقول سبحانه: (بَلِ الاِْنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرةٌ * وَ لَوْ اَلْقى مَعاذِيرَهُ)(القيامة/14و15). و يقول سبحانه حاكياً عن السامري: (بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ...)(طه/96).

هذا كلّّه حول البصير و أمّا «السميع» فقد استعمل في معنيين: أحدهما سماع المسموعات الذي يرجع معناه فيه سبحانه إلى حضورها لديه، و عدم غيبتها عن ذاته، و هذا المعنى هو الأكثر، و اخرى بمعنى «المجيب» مثل قوله: (سَمِيعُ الدُّعَاءِ)(آلعمران/38) و (إبراهيم/39) و الحقّ أن يقال: إنّ السميع في هاتين الايتين كالسميع في غيرهما، و إنّه استعمل في معنى واحد و هو سماع الدعاء غير أنّ السماع إذا لم يكن مقترناً بالاجابة لايكون نافعاً للعبد، فلأجل ذلك فسّر بمجيب الدعاء لا أنّه استعمل اللفظ في المجيب بل الاجابة من لوازم المقصود، و مثله مايقال: اسمع ما أقول، أو يقال: لِمَ لاتسمع ما قلت.

و قال سبحانه:(سَمِعْنا وَ اَطَعْنا)(البقرة/285). و «الراغب» فسّر بعض الايات و قول القائل: «اسمع ما أقول» بالطاعة، و الحقّ أنّ السماع استعمل في نفس المعنى اللغوي و لكن لمّا كانت الغاية من السماع هو الفهم ثم العمل دلّ الكلام عليه بما أنّه من لوازم المعنى اللغوي في المقام.


(160)

تفسير كونه «سميعاً بصيراً»

إنّ السماع في الإنسان يتحقّق بأجهزة و أدوات طبيعيّة، و يتحقّق السماع في الإنسان بوصول الأمواج الصوتية إلى الصماخ و منها إلى المخ ثمّ إلى النفس.

كما أنّ حقيقة الأبصار في الإنسان تتحقّق بأجهزة و آلات طبيعية حيث تنقل الأضواء الحاملة لصورة الشيء المرئي إلى عدسة العين و منها ـبعد أعمال فيزياويّةـ إلى النقطة الصفراء إلى أن يتحقّق الإبصار، و لكن إطلاقهما على اللّه سبحانه ليس بتحقّق هذه المقدّمات فيه أيضاً و ذلك لأنّ هذه الأدوات و التفاعلات من لوازم تحقّق الأبصار و السماع في الحيوان و الإنسان و ليست داخلة في حقيقتهما بصورة عامّة، و بعبارة اُخرى: انّ هذه الآلات و الأدوات و الأعمال الفيزياوية التي اثبتها العلم إنّّما هي من لوازم الابصار و السماع في الإنسان و الحيوان اللذين لايمكنهما القيام بعملية السماع و الأبصار إلاّ في ظلّ هذه الامور، فلو تمكن موجود من الوصول إلى ما يصل إليه الإنسان من دون أداة و فعل و انفعال فهو أولى بأن يكون سميعاً و بصيراً،لأنّ الغاية الحاصلة بعد عمل الحسّ هو حضور الأمواج و الصور عند النفس فلو أمكن حضورهما لديه بلاأداة أو بلاعمل فيزياوي أو كيمياوي فهو سميع و بصير قطعاً لتحقق الغاية المتوخّاة.

و بما أنّ جميع العوالم الامكانيّة حاضرة لديه، و اللّه سبحانه محيط بالموجودات إحاطة قيوميّة و العالم الإمكاني قائم به من الذرّة إلى المجرّة ،فتكون المسموعات و المبصرات حاضرة لديه حضور سائر الأشياء و لأجل ذلك إنّ كثيراً من المحقّقين جعلوا كونه «سميعاً» و «بصيراً» من شعب علمه و لكن علمه بالجزئيات(1).

و المراد من كونه من شُعب علمه بالجزئيات حضور المسموعات و المبصرات


1 . الأسفار الأربعة ج 6 ص 421.


(161)

لديه حضوراً واقعيّاً، و ليس للعلم حقيقة وراء حضور المعلوم لدى العالم و لعلّ هذا هو مراد من قال من المتكلّمين: سمعه تعالى يؤول إلى علمه بالمسموعات إذ لاجارحة له، و إلاّ فالتعليل المذكور لايكون دليلاً على عدم كونه سميعاً حقيقة.

قال الحكيم السبزواري: اللّه سبحانه يسمع جميع الأصوات التي كانت و ستكون بسمع واحد حضوري اشراقي، و من أسماءه الحسنى: «من لايشغله سمع عن سمع» فمناط السمع حضور الأصوات، حتى لو فرضت حضور الأصوات لك، بلاقرع صماخ لكنت سميعاً فما ظنّك بمن حضور إله، أشد من حضورها لانفسها، فلاقيمة دفت من يقول من المتكلّمين: سمعه تعالى يؤول إلى علمه بالمسموعات إذ لاجارحة له بل الأمر كما قال شيخ الاشراق: إنّ علمه تعالى يرجع إلى بصره و سمعه لا أنّ بصره و سمعه يرجعان إلى علمه(1) .

أقول كما أنّ ارجاع سمعه إلى علمه بحجّة أنّه لاجارحة له غير صحيح، كذلك ارجاع علمه في جميع الموارد إليهما غير تامّ إلاّ إذا كان المراد ارجاع خصوص علمه بهما لامطلق علمه كما هو واضح.

و ربّما يقال: «من أنّه إذا كان ملاك توصيفه سبحانه بالسميع و البصير هو حضور المسموعات و المبصرات فليكن هذا مبرّراً لتوصيفه بأنّه ذائق شامّ لامس لحضور المذوقات و المشمومات و الملموسات عنده» و هذا غير تام لما عرفت أنّ شرافة الحسّين و كرامتهما و عظم نفعهما صار سبباً لتسميته سبحانه بهما دون غيرهما من أسماء الحواس الظاهرة ، مضافاً لما عرفت في باب توقيفيّة الأسماء و إنّ كلّّ اسم يكون موهماً لكونه جسماً أو جسمانياً فتكون التسمية به ممنوعة. نعم أهل الحديث و الحنابلة و السلفية يصفونه سبحانه بهما على وجه يوهم كونه سبحانه سميعاً و بصيراً بنفس المعنى الموجود في الإنسان و الحيوان، و آخر ما يوجد عند المتظاهرين بالتنزيه منهم أنّهم يقولون: إنّه سميع و بصير بلاكيف.


1 . شرح الأسماء الحسنى:ص 36، للحكيم السبزواري.


(162)

قال الأشعري: «و نثبت للّه السمع و البصر و لاننفي ذلك كما نفته المعتزلة و الجهميّة و الخوارج»(1).

و قال في موضع آخر: «و زعمت المعتزلة أنّ قول اللّه عزّ و جلّ (وَ اَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(الحج/61). معناه عليم. ثم أجاب بأنّه إذا قال عزّ و جلّ: (اِنَّنِى مَعَكُما اَسْمَعُ وَ اَرى)(طه/46) و قال: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قُولَ الَّتِى تُجادِلُكَ فِى زَوْجِها)(المجادلة/1) فهل معنى ذلك عندكم «علم» فإن قالوا نعم، قيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله أسمع و أرى: أعلم و أعلم إذ كان معنى ذلك العلم. ثم قال: إذا كان معنى سميع و بصير هو أنّه عالم فيلزم أن يكون معنى قادر هو عالم ـ إلى آخر ما ذكره ـ (2).

يلاحظ عليه:

أوّلا: إنّه لو قيل بأنّ كونه «سميعاً» و «بصيراً» من شعب علمه بالكلّيّات فلاشك أنّه خاطىء في رأيه لأنّ السمع و البصر من أدوات المعرفة الجزئيّة و السميع و البصير من يعرف المسموعات و المبصرات عرفاناً شخصياً جزئياً، و أمّا لو قيل بأنّه من شعب علمه بالجزئيات الذي يعبّر عنه بالعرفان و المعرفة فلايرد عليه ما ذكره الشيخ أبوالحسن من إنكار كونه سميعاً و بصيراً و ما نسب إلى المعتزلة من أنّهم ينفون أن يكون للّه السمع و البصر غير صحيح فانّهم يثبتان للّه سبحانه هذين الأمرين لكن بالتطور الذي قد عرفته، و سيجيء نظيره في الحياة، فاللّه سبحانه «سميع» بالحقيقة «بصير» واقعا و المسموعات و المبصرات مشهودة له لكن بلاحاجة إلى الحسّ وإعماله.

قال الصدوق: «و ليس وصفنا له تبارك و تعالى بأنّه سميع بصير، وصفاً بأنّه


1 . الابانة: ص 19.
2 . الابانة: ص117 و 118.


(163)

عالم بل معناه ما قدّمناه من كونه مدركاً و هذه الصفة صفة كلّّ حيّ لا آفة به»(1).

و بذلك يعلم أنّ قوله «أسمع و أرى» يفيد معنيين متغايرين فقوله «أسمع» إشارة إلى حضور المسموعات و قوله «أرى» إشارة إلى حضور المبصرات عنده.

و ثانيا: إنّ تفسير «السميع» و «العليم» بالعالم لايستلزم تفسير القادر به لما عرفت من أنّ حضور المبصرات و المسموعات لدى العالم نوع معرفة له لكن معرفة جزئيّة مشخّصة لامعرفة كلّّية، و أمّا القدرة فلاصلة له بالعلم، فالسمع و البصر من أدوات المعرفة و العلم دون القدرة.

و ثالثا: إنّ الوحدة المصداقية، لاتلازم الوحدة المفهوميّة فكم فرق بين القول بأنّ واقع كونه بصيراً و سميعاً، هو علمه بالمبصرات و المسموعات، لابشيء آخر، و القول بأنّ مفهومهما هو نفس مفهوم العلم و انّ الموضوع في الكلّ واحد و المدّعى هو الأوّل، و ما ذكر من الاشكال إنّما يترتّب على الثاني، و على ذلك فلايلزم من القول بأنّهما من شعب علمه تفسير قوله سبحانه: (إنّى معكما أسمع و أرى): «اعلم و اعلم».

و كم للشيخ الاشعري من هذه التخليطات.

نعم الأشعري و إمام الحنابلة و من لفّ لفّهما غير الراسخين في تنزيهه سبحانه عن الجسم و الجسمانيات ربّما يروق لهم اثبات أجهزة كالعين و السمع له سبحانه و لكن لايتظاهرون بذلك بل يتظاهرون بالتنزيه باضافة «بلاكيف»، و قد عرفت أنّ هذه اللفظة لاتفيد شيئاً في مقام التنزيه.


1 . التوحيد للصدوق: ص 197.


(164)

روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المجال

قال الامام أميرالمؤمنين (عليه السلام): «و البصير لابتفريق آلة و الشاهد لابمماسّة»(1).

و قال عليه السلام: «و يسمع لابخروق و أدوات»(2).

و قال عليه السلام: «بصير لايوصف بالحاسّة»(3).

و قال الامام الصادق (عليه السلام): «سميع بصير، أي سميع بغير جارحة، و بصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه و يبصر بنفسه»(4).

و قال الامام الباقر (عليه السلام): «إنّه سميع بصير: يسمع بما يبصر، و يبصر بما يسمع»(5).

و في هذا الحديث إشارة إلى اتّحاد صفاته بعضها مع بعض و المجموع مع الذات لكن اتّحاداً في الخارج و المصداق لا في المفهوم.

و أمّا الثاني فكما قال سبحانه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ)(البقرة/37) و قال: (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ)(البقرة/54) و قال: (لَقَدْ تَابَ اللّهُ عَلَى النَبِىِّ وَ المُهَاجِرِينَ وَ الأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ العُسْرَةِ)(التوبة/117).

و بذلك يعلم أنّ معنى التوّاب هو قابل التوبة عن العباد و ذلك لأجل وروده بعد قوله «فتاب عليه» أو «فتاب عليكم» و هو بمنزلة العلّة للجملة المتقدّمة.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 155.
2 . نهج البلاغة: الحكمة 186.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 182.
4 . التوحيد للصدوق: ص 144.
5 . التوحيد للصدوق: ص 144.


(165)

حرف التّاء

الثالث و العشرون: «التوّاب»

قد ورد لفظ التوّاب في الذكر الحكيم 11 مرّة و وقع في الجميع اسماً له سبحانه قال: (فَتَلَقّى آدَمُ مُنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ اِنَّهُ هُوالتوّابُ الرَّحِيمُ)(البقرة/37).

قال ابن فارس: التوب كلمة واحدة يدلّ على الرجوع. يقال: تاب من ذنبه أي رجع عنه، يتوب إلى اللّه توبة و متاباً فهو تائب، و التوب: التوبة، قال اللّه: (و قابل التوب)(1).

أصل التوبة الرجوع عمّا سلف، و الندم على ما فرّط، فالعبد إذا تاب يقال له تائب إلى اللّه بندمه على معصيته، و إذا قبل توبته يقال اللّه تعالى تائب على العبد بقبول توبته.

و الحاصل أنّه إذا تعدّى بكلمة «إلى» يكون بمعنى التوبة و إذا تعدّى به «على» يكون بمعنى قبول التوبة، أمّا الأوّل فقال سبحانه: (فَتُوبُوا اِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا اَنْفُسَكُمْ)(البقرة/54) و قال سبحانه: (وَ اَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا اِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً)(هود/3) و قال سبحانه: (وَ تُوبُوا اِلى اللّهِ جَمِيعاً اَيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(النور/31) إلى غير ذلك من الايات.


1 . مقاييس اللغة ج1 ص357.


(166)

وأمّا الثاني فكما قال سبحانه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(1) وقال: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(2) وقال: (لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِىِّ وَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)(3).

وبذلك يعلم أنّ معنى التوّاب هو قابل التوبة عن العباد وذلك لأجل وروده بعد قوله «فتاب عليه» أو «فتاب عليكم» وهو بمنزلة العلّة للجملة المتقدّمة.


1 . البقرة: 37 .
2 . البقرة: 54 .
3 . التوبة: 117 .


(167)

حرف الجيم

الرابع و العشرون: «الجبّار»

قد ورد هذا اللفظ في موارد عشرة في القرآن الكريم و وقع وصفاً له في مورد واحد قال سبحانه: (اَلْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(الحشر/23) و هو من الصفات التي إذا وقع وصفاً له سبحانه يتبادر منه المدح و إذا وصف به غيره يتبادر منه الذم. قال سبحانه: (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلى كُلِّ قَلْب مُتَكَبِّر جَبّار)(غافر/35) و قال سبحانه: (وَ عَصَوا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا اَمْرَ كُلِّ جَبّار عَنِيد)(هود/59) و يمكن توضيح ذلك بوجوه:

1 ـ قال ابن فارس: الجبر هو جنس من العظمة و العلوّ و الاستقامة. فالجبّارُ الذي طال و فات اليد. يقال فرس جبّار و نخلة جبارة(1).

و قال الرازي: الجبّار: العالي الذي لاينال، و منه نخلة جبّارة: إذا طالت و علت و قصرت الأيدي عن أن تنال أعلاها، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ)(المائدة/22) أي عظماء، فيقال: رجل جبّار إذا كان متعظّماً متجبّراً لايتواضع ولاينقاد لأحد وهذا الاسم في حقّ اللّه سبحانه يفيد أنّه سبحانه وتعالى بحيث لاتناله الأفكار و لاتحيط به الأبصار، و لايصل إلى كنه عزّه عقول العقلاء، و لاترقي إلى مبادي اشراق جلاله علوم العلماء، و هو بهذا المعنى من صفات التنزيه(2).


1 . مقاييس اللغة ج 1 ص 501.
2 . لوامع البينات: ص 197.


(168)

يلاحظ عليه:

الظاهر أنّ الجبّار بمعنى واحد صفة مدح في حقّه سبحانه و وصف ذمّ في غيره، و على ضوء ذلك فيجب أن يفسّر على وجه يكون نفس المعنى في مورد مدحاً و في مورد آخر ذمّاً من دون أن يكون هناك معنيان، و ما ذكر من المعاني للجبّار لايحقّق ذلك المطلوب و إليك البيان:

1 ـ الجبّار: العالي الذي لاينال

هذا المعنى هو المتبادر ممّا ذكره «ابن فارس» و «الرازي» ولو صحّ لايحقّق ما هو المطلوب بأن يكون معنى واحد مدحاً في حقّ الواجب و ذمّاً في حقّ الممكن، فإنّ كون الشيء عالياً لاينال مدح على كلّ حال، و تعليل كونه ذمّاً في حقّ الممكن بعدم كونه كذلك، لايستلزم كونه وصف ذمّ في ذلك المورد و إلاّ يلزم أن يكون وصف العالم في حقّ الجاهل وصف ذمّ إذا ادّعى لنفسه.

2 ـ الجبّار: العظيم الشأن في الملك

و هذا هو المستفاد من كلام الطبرسي حيث قال: الجبّار بـ«العظيم الشأن في الملك» و لايستحق أن يوصف به على الاطلاق إلاّ اللّه تعالى، فإن وصف به غيره فإنّما يوضع اللفظ في غير موضعه فيكون ذمّاً»(1).

يلاحظ عليه: بنفس ما لوحظ به على كلام الرازي، فإنّ ما ذكره من المعنى صحيح في حقّ البارئ سبحانه، إنّما الكلام في وجه كونه وصف ذم في حقّ غيره فالظاهر من الآيات أنّه كذلك بنفس معناه وصف ذم لا لكون المبدء غير موجود فيهم. فكم فرق بين كون الشيء وصف ذمّ، و بين كونه في حدّ ذاته مدحاً، و لكنه لأجل كونه مدعياً لما ليس فيه وصف ذمّ.


1 . مجمع البيان ج 2 ص 179، و ج 5 ص 267.


(169)

3 ـ «الجبّار»: من يصلح الشيء بضرب من القهر

هذا المعنى يظهر من «الراغب» في مفرداته. قال الجبر: إصلاح الشيء بضرب من القهر و قديقال في الاصطلاح المجرد مثل قوله علي (عليه السلام): «يا جابر كل كسير»(1) و يطلق على الإنسان بمعنى من يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالى لايستحقّها. و هذا لايقال إلاّ على طريق الذم(2).

أقول ما ذكره محتمل في حقّه سبحانه و يمكن تقريره بوجه واضح و هو أنّه سبحانه و تعالى باعتبار جمع شتيت اُمور خلقه، و لمّ شعثهم و شعب ما تفرّق عنهم، و استصلاح ما فسد منهم،و رتق ما فتق منهم، فهو جبّار من في السموات و من في الارض دائماً(3).

و لكن عدّه وصف ذم بهذا المعنى أيضا في حقّ الغير أمر مشكل، فإنّ من يجبر النقيصة بادعاء منزلة من التعالي لايستحقها ليس مذموماً إلاّ من جهة عدم وجود المبدأ فيه، و هو غير كونه بذاته ذمّاً و قدحاً و الظاهر أنّ قوله «بادّعاء منزلة من التعالي لايستحقّها ليس داخلا في معنى الجبّار و ذلك لأنّه على هذا الاحتمال يصدق على اللّه سبحانه و على الناس بمعنى واحد و إلاّ يلزم أن يكون مشتركا لفظياً فاذا اطلق على اللّه سبحانه يكون القيد هو الايجاب أعني يستحقّها مكان لايستحقّها.

و الذي يمكن أن يقال: إنّ المراد منه قهر الناس على ما يريده من دون أن يكون له ذلك الحق و يؤيّده توصيفه بالشقيّ في آية، و العنود في آية اُخرى، و هما يناسبان مع كونه بمعنى القهر و الجبر ضد الاختيار. قال سبحانه واصفاً ليحيى: (وَبِرّاً بِوَالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً)(مريم/14) و قال عن لسان المسيح (وَ بِرّاً بِوَالِدَتِى وَ لَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً)(مريم/32) و قال سبحانه: (وَ عَصَوا رُسُلَهُ وَ


1 . و في المصباح المنير: جبرت العظم الكسير: اصلحته.
2 . المفردات: ص 86.
3 . شرح الأسماء الحسنى للسيد حسين الهمداني: ص 39.


(170)

اتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّار عَنِيد)(هود/59) فبحكم المقابلة أي مقابلة جبّار مع البرّ، وتوصيفه بالشقاء و العناد، يعلم معنى الجبّار الموصوف به الانسان، كما أنّ المراد من قوله سبحانه: (قالُوا يا مُوسى اِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ وَ اِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَاِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَاِنّا داخِلُونَ)(المائدة/22) هو كونهم شديدي البطش والبأس وهو يلازم قهر الناس على الحرب و المقابلة.

الخامس و العشرون: «الجامع»

و قد ورد اللفظ في القرآن الكريم ثلاث مرّات و وقع وصفاً له سبحانه في آيتين قال: (رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوم لارَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لايُخْلِفُ الْمِيعادَ)(آلعمران/9).

و قال سبحانه: (اِنَّ اللّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ وَ الكافِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً)(النساء/140) و نظير الاية الاُولى قوله سبحانه: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ)(التغابن/9) و قوله سبحانه: (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)(هود/103).

و الظاهر أنّ المراد من كونه جامعاً هو جمع الخلق في موقف القيامة بشهادة قوله سبحانه: (هذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَ اَلاَوَّلِينَ)(المرسلات/38) و قوله سبحانه: (اِنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهُمْ اَجْمَعِينَ * يَوْمَ لايُغْنِى مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُم يُنُصَرُونَ * اِلّا مَنْ رَحِمَ اللّهُ)(الدخان/40ـ42)، و الذي يوضح ذلك أنّ قوله (رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ)بمنزلة التعليل لسؤال الرحمة الوارد في الاية المتقدمة: أعني (رَبَّنا لاتُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ)(آلعمران/8). فعلّل سؤاله الرحمة بأنّه سبحانه يجمع الناس في يوم القيامة الذي لايغني فيه أحد عن أحد، و على ضوء ذلك فما ذكره الرازي من الوجوه كلّها ساقطة فلاحظ(1).


1 . الايات البينات: ص 243.


(171)

حرف الحاء

السادس و العشرون: «الحسيب»

و قد ورد اللفظ في الذكر الحكيم أربع مرّات و وقع وصفاً له في موارد ثلاث قال سبحانه: (وَ كَفَى بِاللّهِ حَسِيباً)(النساء/6).

(اِنَّ اللّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَىْء حَسِيباً)(النساء/86).

(وَ لايَخْشَوْنَ اَحَداً اِلّا اللّهَ وَ كَفى بِاللّهِ حَسِيباً)(الاحزاب/39).

و قال ابن فارس: إنّ لـ «حسب» اُصولا أربعة:

1 ـ العدّ. تقول: حسبت الشيء أحسبه حسباً و حسباناً...

2 ـ الكفاية. تقول: شيء حساب أي كاف...

3 ـ الحسبان. و هي جمع حسبانة و هي الوسادة الصغيرة...

4 ـ الأحسب الذي ابيضّت جلدته...

و المتناسب في المقام هو المعنيان الأوّلان. أمّا الاية الاُولى فالمناسب فيها هو المعنى الأوّل بقرينة ما قبله. فالاية واردة في الارتزاق من أموال اليتامى.

قال سبحانه: (وَ مَنْ كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَاِذا دَفَعْتُمْ اِلَيْهِمْ اَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَ كَفى بِاللّهِ حَسِيباً)(النساء/6).

و على هذا «الحسيب» بمعنى المحاسب كالنديم بمعنى المنادم، و الجليس بمعنى المجالس قال تعالى: (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)(الاسراء/14) و


(172)

معنى الاية كفى باللّه محاسباً فاحذروا محاسبته في الآخرة كما تحذرون محاسبة اليتيم بعد البلوغ، و إلى ذلك يرجع تفسيره بأنّه بمعنى «رقيبا» يحاسبهم عليه. فإنّ الحساب لغاية الرقابة و الحفظ، و مثله من فسّره بالحفيظ فانّ الكلّ من الغايات المترتبة على العدّ و الحساب. و ربّما يحتمل أن يكون من الأصل الأوّل بمعنى «وكفى باللّه حسيبا» أي شاهداً على دفع المال إليهم و كفى بعلمه وثيقة.

و أمّا الاية الثانية أعني قوله تعالى: (و إذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا باَحسن منها أَوْ ردّوها إنّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىء حَسِيباً)(النساء/86) فالظاهر أنّه أيضاً من الأصل الأول و إليه يرجع تفسيره بـ«حفيظا» فانّ الحفظ نتيجة العدّو الحساب.

و أمّا الاية الثالثة: (اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّهِ وَ يَخْشَونَهُ وَ لايَخْشَونَ اَحَداً اِلّّا اللّهَ وَ كَفى بِاللّهِ حَسِيباً)(الاحزاب/39) فالظاهر أنّه من الأصل الثاني أي كفى كفاية بقرينة قوله: (وَ لايَخْشَونَ أَحَداً إلاّ اللّهَ) و يحتمل أن يكون من الأصل الأوّل أي حافظاً على أعمال خلقه، و محاسباً و مجازياً عليها.

السابع و العشرون: «الحفيظ»

و قد ورد «الحفيظ» في القرآن الكريم احدى عشرة مرّة و وقع وصفاً له سبحانه في آيتين:

قال سبحانه: (فَاِنْ تَوَلَّوا فَقَدْ اَبْلَغْتُكُمْ ما اُرْسِلْتُ بِهِ اِلَيْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لاتَضُرُّونَهُ شَيْئاً اِنَّ رَبِّى عَلى كُلِّ شَىْء حَفِيظٌ)(هود/57).

و قال سبحانه: (وَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطان اِلّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالاْخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِى شَكّ وَ رَبِّكَ عَلى كُلِّ شَىْء حَفِيظٌ)(سبأ/21).

و في آية ثالثة جاء وصفاً للكتاب قال سبحانه: (قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الاْرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ)(ق/4).

و أمّا معناه فقد قال ابن فارس: له أصل واحد يدلّ على مراعاة الشيء... و


(173)

التحفّظ و قلّة الغفلة و الحفاظ: المحافظة على الامور.

و قال الراغب: الحفيظ: الحافظ.

و لكن المناسب للايتين الأوّليتين تفسيره «بعليم»، نعم هو في الاية الثالثة بمعنى الحافظ، يظهر ذلك بالامعان في معنى الايات.

الثامن و العشرون: «الحفيّ»

قد ورد «الحفي» في الذكر الحكيم مرّتين و وقع وصفاً له في آية واحدة. قال حاكياً عن ابراهيم عندما هجر آزر: (قالَ سَلامٌ عَلَيكَ سَاَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى اِنَّهُ كانَ بِى حَفِيّاً)(مريم/47).

و قال في غيره سبحانه: (يِسّأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَاللّهِ)(الأعراف/187).

قال ابن فارس: «إنّ للحفي اُصولاً ثلاثة: المنع، و استقصاء السؤال، والحفاء خلاف الانتعال...»(1).

و من الأصل الثاني قوله سبحانه: (اِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا...)(محمد/37) أي أن يجهدكم بمسألة جميع أموالكم و يبالغ في المسألة تبخلوا.

و أمّا الحفيّ عند ما وقع وصفاً له فهو بمعنى البرّ اللطيف و لايرجع معناه إلى الاصول التي طرحها ابن فارس و لأجل ذلك فسّره الراغب بما ذكرناه و قال: الحفيّ: البرّ اللطيف و أضاف: يقال أحفيت بفلان و تحفّيت به: إذا عنيت بإكرامه، والمناسب لسياق الاية هو هذا لأنّ الاية تذكر وعد ابراهيم لأبيه آز انه سيستغفر له وكأنّه يريد: و يقبل سبحانه دعائي لأنّه حفيّ بي.


1 . مقاييس اللغة ج 2 ص 83.


(174)

التاسع و العشرون: «الحكيم»

قد ورد لفظ «الحكيم» في القرآن الحكيم 97 مرّة و وقع اسماً له سبحانه في92 موردا.

و أمّا الموارد الاُخر، فقد وقع وصفاً للاُمور التالية: 1ـالذكر، 2ـالكتاب، 3ـالقران، 4ـالأمر، قال سبحانه: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَ الذِكْرِ الحَكِيمِ)(آلعمران/58)، و قال تعالى: (آيات الكتاب الحكيم)(يونس/1 و لقمان/2) و قال: (يس * و القران الحكيم)(يس/1ـ2) و قال: (كُلّ أَمْر حَكِيم)(الدخان/1) .

و أمّا معناه في اللغة فقد مضى البحث عنه في تفسير أحد أسمائه: «اُحكمالحاكمين» فقلنا: إنّ له أصلاً واحداً و هو المنع، و سمّيت حكمة الدابّة بها، لأنّها تمنعها، يقال: حكّمت الدابّة و أحكمتها، و الحكمة هذا قياسها، لأنّها تمنع من الجهل.

و ممّا يجدر بالذكر أنّه لم يقع الحكيم اسماً له سبحانه إلاّ معه اسم آخر من علمه و عزّته و غيرهما، و إليك الايات التي ورد فيها اسم الحكيم مع سائر الأسماء و نذكر من كل قسم آية واحدة.

1 ـ العليم: قال سبحانه: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَعِلْمَ لَنَا اِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ)(البقره/32).

2 ـ العزيز: قال سبحانه: (وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ اِنَّكَ اَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)(البقرة/129).

3 ـ الخبير: قال سبحانه: (وَ هُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ هُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ)(الأنعام/18).

4 ـ التوّاب: قال سبحانه: (وَ لَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ اَنَّ اللّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ)(النور/10).


(175)

5 ـ عليّ: قال سبحانه: (اَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِاِذْنِهِ ما يَشاءُ اِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ)(الشورى/51).

6 ـ واسع: قال سبحانه: (وَ اِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهَ كُلاًّ مِنْ سِعَتِهِ وَ كانَ اللّهُ واسِعاً حَكِيماً)(النساء/130).

7 ـ حميد: قال سبحانه: (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)(فصلت/42).

و أمّا معناه فقد اختلفوا فيه على أقوال:

1 ـ ذهب «الأزهري» إلى أنّه من صفات اللّه كالحكم و الحاكم و معاني هذه الأسماء متقاربة و اللّه أعلم بما أراد بها و علينا الايمان بأنّها من أسمائه.

يلاحظ عليه: إنّ القرآن نزل للتدبّر و التعقّل لا للتلاوة فقط و ارجاع معاني ألفاظها إلى اللّه سبحانه، و إنّما يرجع إليه كنه حقائقها.

2 ـ قال ابن الاثير: الحكم و الحكيم بمعنى الحاكم و هو القاضي فهو فعيل لمعنى فاعل.

يلاحظ عليه: إنّه لاينطبق على جميع الايات. مثلا يصحّ في قوله سبحانه: (فَاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنْ اللّهِ وَ اللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(المائدة/38) ولايصحّ في قوله: (وَ ما النَّصْرُ اِلّا مِنْ عِنْدِاللّهِ اِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(الانفال/10) أو قوله: (وَ اِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللّهَ مِنْ قَبْلُ فَاَمْكَنَ مِنْهُمْ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(الأنفال/71) أضف إلى ذلك أنّ القاضي ليس من معاني الحاكم و إنّما يستعمل فيه بمناسبة خاصّة.

3 ـ هو الذي يحكم الأشياء و يتقنها فهو فعيل بمعنى مفعل.

4 ـ الحكيم: ذوالحكمة و الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم و به فسّر العلاّمة الطباطبائي قوله: (و القرآن الحكيم)(يس/2) قال: وقدوصف القرآن بالحكيم لكون الحكمة مستقرّة فيه و كذلك حقايق المعارف وما يتفرّع


(176)

عليها من الشرائع و العبر و المواعظ(1).

5 ـ الحكيم بمعنى العالم. ذهب إليه الجوهري، قال الحكم و الحكمة من العلم، و الحكيم: العالم، و الحكم: العلم و الفقه. قال اللّه تعالى: (وَآتَيْنَاهُالحُكْمَ صَبِيّاً) أي علما و فقهاً، و في الحديث: إنّ من الشعر لحكمة أي أنّ في الشعر كلاماً نافعاً يمنع من الجهل و السفه و ينهى عنه(2).

يلاحظ عليه: إنّه لو صحّ تفسير الحكيم بالعليم فإنّما هو في ما إذا كان مجرّداً عن العليم مع أنّه استعمل في الذكر الحكيم منضمّاً إليه. قال سبحانه: (قالُواسُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).

و قال الصدوق: معناه انّه عالم و الحكمة في اللغة العلم، و منه قوله عزّ وجلّ (يُؤْتى الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) و معنى ثان أنّه محكم و أفعاله محكمة متقنة من الفساد، و قد حكمته و أحكمته لغتان، و حكمة اللجام سمّيت بذلك لأنّها تمنعه من الجهل الشديد و هي ما أحاطت بحنكِه(3).

و الظاهر أنّ الحكيم أخذ من الحكم بمعنى المنع فلو اُطلق على العلم فلأنّه يمنع الجهل، و لكنّه إذا وصفت به الأفعال يكون المراد منه كونها محكمة متقنة مصونة محفوظة عن الفساد و بما أنّه وقع في كثير من الايات تعليلاً للحكم يستظهر أنّ المراد هو المتقن فعله، مثلاً إنّ الملائكة تعتذر عن عدم علمهم بالأسماء بقولهم: (لاَ عِلْمَ لَنَا ِالاَّ مَا عَلَّمْتَنَا). ثمّ تعلّل قصورها عن علمها بها بقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ) أي ما قمت به من تعليم آدم و عدم تعليمنا فهو ناشىء عن علمك بالواقع أو فعلك المتقن، و مثله قوله سبحانه الذي حكم فيه بقطع يد السارق و أتمّ كلامه بقوله (وَ اللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) و هذا الحكم صدر عن اللّه الغالب المتقن


1 . الميزان في تفسير القرآن: ج 17 ص 62.
2 . لسان العرب: ج 12، مادة «حكم» ص 140.
3 . التوحيد للصدوق: ص 201.


(177)

حكمه و فعله و قس على ذلك سائر الايات، و إلى ذلك يرجع تفسير الحكيم بذي الحكمة، فهو سبحانه حكيم في تشريعه، حكيم في تكوينه، متقن في كل ما يشرع و يكون، المراد من الاتقان اتقان التدبير و حسن التقدير الذي يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَ خَلَقَ كُلَّ شَىء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)(الفرقان/2).

و منه يعلم أنّ تفسيره بالمنزّه عن فعل ما لاينبغي من فروع هذا المعنى، فإنّ التحرّز من البحث من فروع الاتقان، قال سبحانه: (وَ ما خَلَقْنا السَّماءَ وَ الاَْرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلاً)(ص/27).

و الحاصل انّ الحكم بمعنى المنع، و الحكيم يراد به المتقن بصلة بين الاتقان و المنع، فمن أتقن فعله تشريعاً و تكويناً فقد منع من طروء الزوال و الفساد، و من تحرز عن العبث في فعله فقد صان فعله عن الفساد و الزوال.

و على ضوء ذلك يستفاد من الحكيم أمران: أحدهما كون الفعل في غاية الإحكام و الإتقان.

ثانيهما: كون الفاعل لايفعل قبيحاً و لايخلّ بواجب.

و الثاني من لوازم الأوّل.

و على ذلك فهو من صفات الذات بوجه و من صفات الفعل بوجه آخر فبما أنّ القيام باتقان الفعل و التجنّب عن العبث سيتوقّف على العلم الوسيع فهو من صفات الذات، و بما أنّ الفعل يوصف بالحكمة و الاتقان و بالحقّ و التنزّه عن الباطل فهو من صفات فعله، و إليك البحث في كلا المقامين على وجه الاجمال.

الحكيم: المتقن فعله

أمّا اتقان الفعل فيكفي في ذلك معطيات العلوم الطبيعيّة فقد كشفت عن الإتقان الهائل في الفلكيّات و الطبيعيّات و يكفي في ذلك ملاحظة كل عضو من أعضاء الانسان فقد حفّ بقوانين و سنن تُدهش النفوس و تبهر العقول.


(178)

قال سبحانه:

(وَ تَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدةً وَ هِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللّهِ الَّذِى اَتْقَنَ كُلَّ شَىْء اِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ)(النمل/88) و قال الإمام علي (عليه السلام): «قدّر ما خلق فَأحكم تقديره»(1).

و قال (عليه السلام): «مبتدأ الخلائق بعلمه، و منشئهم بحكمه، بلاإقتذاء وتعليم و لااحتذاء لمثال صانع حكيم»(2).

ثم إنّ بعض المغرورين أثاروا شكوكاً حول حكمته تعالى و سألوا عن فوائد الاُمور التالية:

1 ـ الزائدة الدوديّة.

2 ـ اللوزتان.

3 ـ ثدي الرجل

4 ـ صيون الاذن

5 ـ الفضاء الوسيع

و لكن الاعتراض بهذه الأعضاء نتيجة الجهل المطبق و ذلك لضآلة علوم الانسان و قلّة اطّلاعه على سنن الكون و رموزه فوضع عدم العلم بالفائدة مكان عدمها مع أنّ العلم كشف عن فوائدها و قد أوضحنا حالها في أبحاثنا الكلامية(3).

الحكيم: المنزّه عن فعل ما لاينبغي

هذا هو المعنى الثاني للحكمة غير المعنى الذي سبق توضيحه و إن كان من


1 . نهج البلاغة: الخطبة 91.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 191.
3 . لاحظ: اللّه خالق الكون ص 370 ـ 378.


(179)

لوازمه عند الدقّة، و أساس ذلك هو توصيف الأفعال بالحسن و القبح الذاتيّين، وتمكّن العقل من دركهما و على ضوئه توصيفه سبحانه بالحكيم أي من لايفعل القبيح و لايخلّ بالواجب، و قداختلفت كلمة المتكلّمين في حسن الأفعال و قبحها هل هما عقليان و إنّ للعقل درك حسن الفعل بذاته و قبحه كذلك أولا؟ فالعدليّة على الأوّل، و أهل الحديث و الحنابلة و بعدهم الأشاعرة على الثاني حيث ذهبوا إلى أنّه لاحكم للعقل في حسن الأفعال و قبحها، فلاحسن و لاقبح لها قبل الشرع، فكل ما أمر به الشرع فهو حسن، و كل ما نهى عنه فهو قبيح، فلو عكس الشارع القضية فنهى عمّا أمر و أمر بما نهى تنقلب القضيّة من حيث الحسن و القبح. هذا والخوض في هذه المسأله بمبادئها و مقدماتها يحوجنا إلى القيام بتأليف كتاب مفرد ولأجل ذلك نأتي هنا بملخّص القول الذي فصّلناه في منشوراتنا الكلامية(1).

1 ـ ما هو المراد من الحسن و القبح العقليين

أ ـ المراد من الحسن و القبح العقليّين الذاتيّين، ثبوتهما للأفعال بما هي من غير حاجة إلى ضمّ حيثيّة تعليلية أو تقيّدية بل وزان الحسن و القبح في الأفعال وزان الزوجيّة بالنسبة إلى الأربعة، فكما أنّه لايحتاج الزوجية في ثبوتها له إلى شيء وراء فرض كون الشيء أربعة فهكذا الحسن و القبح لايفتقر توصيف الأفعال بأحدهما سوى فرض وجودها. هذا هو الذي ذهب اليه المحقّقون و هو المختار عندنا و على هذا فالحسن حسن على كل حال، و القبيح قبيح على كل حال غير أنّ الانسان ربّما يضطر إلى ارتكاب القبيح لترك الأقبح فيكون الفعل موصوفاً بالقبح لكن رخّص لأجل دفع المحذور الأهم، و في مقابل هذا القول أقوال اُخر نسبت إلى العدليّة نشير إلى رؤوسها.

ب ـ إنّهما ثابتان لذوات الأفعال لكن لا على وجه العليّة التامّة بل على وجه الاقتضاء فمن الممكن أن تعارض ذلك الاقتضاء جهة خارجية تمنعها عن مقتضاها و


1 . لاحظ: بحوث في الملل و النحل ج 2، ص ؟؟؟، والالهيات ج 1، ص ؟؟؟.


(180)

القائلون بهذا القول يتمسّكون بالصدق و الكذب، فيتبدّل حسن الصدق إلى القبح إذا كان ضارّاً، و قبح الكذب إلى الحسن إذا كان نافعاً.

ج ـ إنّ الأفعال انّما تتّصف بالحسن و القبح إذا قيست إلى الجهات الخارجية فالعدل بما أنّه سبب لبقاء النظام، و الظلم بما أنّه هادم له يوصفان بالحسن و القبح فليست الأفعال في حدّ ذاتها حسنة و لاقبيحة و إنّما توصف بهما بالنظر إلى الجهات الخارجية، و إلى ذلك القول يرجع كل من قال بأنّ حسن العدل و قبح الظلم من القضايا المشهورة التي اتّفق العقلاء على حسن الأوّل و قبح الثاني.

د ـ التفصيل بين الحسن و القبح فالأوّل يكفي فيه نفس الذات دون الثاني، و نسب هذا القول إلى أبي الحسين البصري و كأنّه يريد أن الحسن يستند إلى نفس الذات و القبح يرجع إلى أمر خارج عنها.

هـ ـ إنّهما يتبعان للفعل بالوجوه و الاعتبارات، فليس شيء منها مستنداً إلى نفس الذات و لايعد من الصفات اللازمة للأفعال و ذلك كضرب اليتيم فإنّه حسن لو كان بنيّة التأديب، و قبيح لو كان بنيّة الايذاء.

و لك أن ترجع مجموع أقوال القائلين بالحسن و القبح العقليين إلى اُصول ثلاثه:

أ: إنّ الحسن و القبح من الامور الذاتيّة، فلو قلنا بأنّ نفس الفعل علّة تامّة فهو القول المختار، و إن قلت إنّه من قبيل المقتضي فهو القول الثاني.

ب: إنّ الحسن و القبح ليسا من الامور الذاتيّة بل من الامور الاجتماعيّة و العقلائيّة، فكل فعل وقع في اطار مصلحة الفرد و المجتمع فهو حسن، و ما وقع في خلافه فهو قبيح، و إلى هذا القول يرجع كل من أراد اثبات الحسن و القبح للأفعال بتعليلها بالمصالح الفردية و الإجتماعية.

ج ـ إنّ الحسن و القبح يتبعان نيّة الفاعل و هدفه، فربّ فعل يصير حسناً إذا


(181)

صدر عن نيّة صالحة و قبيحاً إذا صدر عن نيّة فاسدة(1).

هذه الأقوال من فروع القول بالحسن و القبح العقليّين و الجميع في مقابل المنكرين أعني أهل الحديث و الأشاعرة.

و لكنّ الحقّ هو القول المختار حيث أنّ هناك أفعالاً يقوم العقل بدرك حسنها أو قبحها بنفسها من أيّ فاعل صدر، و في أيّ موّرد وقع، بلاملاحظة جهة خارجية و حيثيّة تعليلية أو تقييديّة و من دون ملاحظة نيّة الفاعل و قصده فضلاً عن ملاحظة كونه ملائماً للطبع و غيره، نعم و إنّما يفتقر إلى ملاحظة النيّة في توصيف الفاعل بأنّه محسن أو مسيئ و أمّا نفس الفعل فلايحتاج في الحكم عليه بشيء منهما وراء فرض الموضوع.

هذا هو المدّعى و إليك الدليل في البحث الثاني.

2 ـ العقل النظري و العقل العملي

ينقسم العقل عند الحكماء إلى عقل نظري و عقل عملي. فالأول هو الذي به يحوز الانسان علم ما ليس من شأنه ذلك العلم أن يعمله. و الثاني هو الذي يعرف به ما من شأنه أن يعمله الانسان بإرادته(2).

و ظاهر هذه العبارة أنّ هنا عقلين أحدهما نظري و الاخر عملي و لكنّه خلاف التحقيق، بل الظاهر أنّ تفاوت العقل النظري مع العقل العملي بتفاوت المدرَكات من حيث أنّ المدرك من قبيل أن يُعلَم، أو من قبيل ما ينبغي أن يؤتى به أو لايؤتى به،


1 . هذا القول أي كون الحسن و القبح يدوران مدار النوايا و الأهداف غير القول بكون الحسن و القبح أمراً يعتبره العقل من ادراك الملائمة للطبع، الذي حقّقه العلاّمة الطباطبائي، و هو خيرة بعض فلاسفة العرب، فقد طوينا الكلام عن ذلك القول في هذا البحث لما اسهبنا عنه في أبحاثنا الكلامية. لاحظ: «مناهج الجبر و الاختيار».
2 . شرح المنظومة: ص 305، نقلا عن المعلّم الثاني.


(182)

فالأوّل هو العقل النظري و الثاني هو العقل العملي(1).

و على ضوء ذلك فالنظري و العملي وجهان لعملة واحدة لايختلفان جوهراً و ذاتاً، فإن كان المدرك ممّا ينبغي أن يعلم فيسمّى المدرك عقلاً نظرياً، و إن كان المدرك ممّا ينبغي أن يفعل أو لايفعل فالمدرك هو العقل العملي.

3 ـ الحكمة العملية و قضاياها الواضحة

إنّ الحكمة العملية تتمشّى مع الحكمة النظريّة في كيفيّة البرهنة و الاستدلال فكما أنّ في الحكمة النظرية قضايا بديهية بأصولها الستة تنتهي إليها القضايا النظريّة فهكذا في الحكمة العملية قضايا واضحة تنتهي إليها القضايا غير الواضحة.

نعم إنّ تقسيم القضايا إلى نظريّة و بديهيّة و إن كان دارجاً في الحكمة النظريّة دون العملية، غير أنّ الحقّ عدم اختصاص التقسيم بها بل قضايا الحكمتين تنقسم إلى قسمين: واضحة و غير واضحة، و تنتهي الثانية إلى الواضحة في كلتا الحكمتين، و العقل كما يدرك القضايا البديهية في الحكمة النظريّة من صميم ذاته أو من تصوّر الطرفين مع النسبة فهكذا يدرك القضايا الواضحة في الحكمة العملية إذا لوحظت بذاتها.

هذا هو المهم في باب الحكم بالحسن و القبح العقليين، و بالوقوف على هذه الحقيقة تعلم قيمة سائر الأقوال فيهما و بما أنّ الحكم في المقيس عليه«الفعلالنظري» واضح لاحاجة فيه إلى البيان، فلنرجع إلى بيانه في الفعل العملي فنقول: إنّ القضايا عند العقل العملي ليس على وزان واحد بل هو على قسمين: منها ما هي مغمورة مجهولة لايحكم العقل فيها بواحد من الطرفين«الايجاب و النفي» و منها ما هو مبيّنة واضحة لدى العقل مع غضّ النظر عن كل شيء و الاقتصار على لحاظ نفس القضية فيجب أن تكون تلك القضايا مقدّمة


1 . نهاية الدراية: ج 2، ص 124.


(183)

لحلّ القضايا الاُولى و بأنّها ترجع إليها، و من تلك القضايا البديهية مسألة التحسين و التقبيح في جملة من الأفعال أو جميعها مثلاً جزاء الاحسان بالاحسان حسن، و جزاء الاحسان بالإساءة قبيح، أو العمل بالميثاق حسن، ونقضه قبيح، أو العدل حسن، والظلم قبيح، فهذه القضايا قضايا بديهية في الحكمة العملية والعقل يدركها من صميم ذاته ويقف عليها من ملاحظة القضية مع نسبتها، وعلى هذه القضايا البديهية يبتني كل ما يَردُ على العقل في مجال الأخلاق وتدبير المنزل وسياسة المدن.

و بذلك يعلم أنّ تحليل حسن العدل و الاحسان، و قبح الظلم و العدوان و غيرهما ممّا عددناه بأنّ القضية الأولى حافظة للنظام و الثانية هادمة له، و لأجل تلك التوالي عمّ الاعتراف بها من قبل الجميع ـ إنّ ذلك التحليل ـ إنكار للحسن و القبح العقليين الذاتيين فإنّ مدار البحث كما عرفت مركّز على نفس العقل مع غضّ النظر عن تواليه و توابعه، و إنّ العقل هل يقوم بنفسه بمدح إحسان المحسن بالاحسان، وبذمّ جزاء المحسن بالإساءة أو لا، و هل العقل يحسن الملتزم بالميثاق أو لا؟ لابالنظر إلى الأعراض و المصالح المترتّبة سواء كانت المصالح فردية أم اجتماعية.

و العجب أنّ أكثر المحقّقين الباحثين في هذا الموضوع فسّروا حكم العقل بما يترتّب عليه من المصالح و المفاسد، مع أنّ الهدف من طرح هذا البحث إنّما هو التوصّل إلى معرفة أفعال اللّه و اكتشاف ما هو الحسن و القبيح عنده، فكيف يمكن تفسير حسن العدل و قبح ضدّه بكونه حافظاً للنظام أو هادماً له؟

لاشك أنّ العدل و الظلم يترتّب عليهما صيانة النظام و هدمه و يوصف الأوّل بالحسن و الثاني بالقبيح لهذه الجهه أيضا، لكنّ المطروح في هذا الباب ما هو أوسع من ذلك و هو درك العقل العملي حسن الفعل و قبحه بما هو هو سواء كان هناك نظام أو لا؟ و سواء أكان هناك خلق أو لا؟

و بذلك يعلم بطلان سائر الأقوال من القائلين للحسن و القبح حيث جعلوا ملاك الحسن و القبح الملائمة للطبع و المنافرة له سواء كان المراد الطبع الفردي أو


(184)

الطبع النوعي، لأنّ ذلك على فرض صحّته إطلاق الحسن و القبح خارج عن محل البحث.

كما يعلم بطلان القول بأنّ الحسن ما يوافق الغرض و القبيح ما يخالفه، فإنّ ذلك أيضاً كالسابق خارج عن محلّ البحث. كما يعلم فساد تفسير الحسن بما فيه المصلحة، و القبيح بما فيه المفسدة و إنّ ما خلا منهما ليس بحسن و لاقبيح(1).

و على الجملة فالمحور في حكم العقل بالحسن و القبح هو ملاحظة نفس القضية مع غضّ النظر عن كل شيء لا كونه حافظاً للنظام أو هادماً، و لا كونه موافقاً للطبع الفرديّ، أو النوعيّ، و لا كونه محصّلاً للغرض و عدمه، أو كونه متضمناً للمصلحة أو المفسدة، فالكل انحراف عن مسير البحث و كلام زائد ملأ كتب المتكلّمين بل الاصوليين من الشيعة إلاّ القليل منهم، و لأجل ذلك ضربنا البحث عن تحليل هذه الأقوال من شعب القول بالتحسين و التقبيح العقليين، و أظنّ أنّ هذه الأقاويل و إن نسبت إلى القائلين بالتحسين و التقبيح العقليّين لكنّها أشبه بقول المنكرين، فإنّه لما اتسع على الأشاعرة سبيل الانتقاد و ضاق عليهم طريق الاعتذار أرادوا الدفاع عن منهجهم فعمدوا إلى تكثير معاني الحسن و القبح إلى معان، أو تكثير ملاكاتهما و الأولى للقائل بالحسن و القبح العقليين الذي يريد استكشاف حال افعال الواجب الاعراض عن هذه التفاصيل.

و الحاصل أنّ هناك أفعالاً إذا تصوّرها العقل حكم بحسنها أو قبحها بمجرد الوقوف على القضيّة و حكم بمدح فاعلها أو ذمّه كائناً من كان الفاعل.

و إن شئت قلت: إنّ كل عاقل مميّز يجد من صميم ذاته حسن بعض الأفعال و قبح بعضها، سواء كان الشخص مؤمناً أو كافراً، معتقداً بالشرايع الإلهيّة أو لا، وسواء أصدر الفعل من الممكن أم من الواجب و سواء تصوّر كونه حافظاً للنظام أولا، و سواء تصوّر كونه ذات مصلحة أو مفسدة، أو كونه موافقاً للطبع الفردي أو


1 . شرح التجريد للقوشجي: ص 337.


(185)

النوعي، بل هو مع الغفلة عن كل هذا يدرك حسن بعض و قبح بعض آخر، و لو نرى اتّفاق جميع العقلاء من جميع المذاهب و الطوائف على هذا الحكم فلأنّه نابع من صميم القوّة العاقلة و هو أمر مشترك بين الناس.

و أقول رعاية للحقّ: إنّ أوّل من هذّب محلّ النزاع بوجه رائع هو المحقّق اللاهيجي في تأليفيه النفيسين(1).

و نزيد تأكيداً على أنّ هذا هو المدار، و هو أنّ الغرض من طرح هذه المسألة هو التوصل إلى التعرف على أفعاله تعالى و هو لايتمّ إلاّ إذا لوحظت المسألة على النحو الذي بيّنّاه.

نعم يمكن توجيه القول بالطبع من هذه الأقوال و إرجاعه إلى ما ذكرنا و هو أنّ صدق القضايا العقليّة في الحكمتين، وتوصيفهما بالحقّ والصدق يتوقّف على وجود ملاك له. و هو في قضايا الحكمة النظريّة، نفس الواقع و الخارج بعرضها العريض.

فقولنا الإنسان متعجّب أو ممكن أو نوع من القضايا الصحيحة في الحكمة النظرية و ملاك صدقها هو مطابقتها للخارج العريض و لاتشذّ عنها قضايا الحكمة العمليّة فإنّ توصيفها بالصدق و الحقّ يتوقف على الملاك، فقولنا: «العدلحسن» و «الظلمقبيح» قضّيتان صحيحتان و نقيضاهما باطلان و كاذبان. فما هو الملاك في الحكم بالأوّليتين بالحقّ و الصدق و بالثانيتين بالكذب و البطلان؟

أقول: الملاك في هذا الباب هو مطابقة حكم القضية للطبع الإنساني و لايراد منه الطبع الحيواني الذي يجنح إلى العبث و الفساد بل الجانب الأعلى و المثل الأعلى للانسان و الوجه المثالي منه، فلو اريد من الطبع هذا المعنى لاتّفق القولان.

فالانسان بما هو ذو فطرة مثاليّة يتميز بها عن الحيوانات يجد بعض القضايا


1 . گوهر مراد: ص 122ـ 123، و سرماية ايمان: ص 33 ـ 35.و ما حقّقناه توضيح و تحقيق لكلامه.


(186)

ملائمة لذلك و البعض الآخر منافياً له. فيصف الملائم بالحسن و لزوم العمل، و المنافي بالقبح و لزوم الاجتناب، و بما أنّ هذا الموضوع يحتاج إلى بسط في الكلام حتى يعلم اتّفاق القولين في الهدف و المرمى نقوم بالاسهاب فيه.

4 ـ الانسان و قوى الخير و الشر

إنّ واقع الانسان يتألّف من قوى الشر و الخير، الحيوانية و الإنسانية، و لكلّ دوره في حياة الانسان، غير أنّ واقع الانسان يتمثّل و يتجلّى في الجانب الثاني، ففي الجانب الأوّل تتجلّى الشهوة و الغضب و الأنانيّة و القسوة و غيرها من رذائل الأخلاق كما أنّ الجانب الثاني تتجلّى فيه القيم الأخلاقية و المثل الإنسانية و غير ذلك من خصال الخير، و هذا الجانب هو الأصيل في الانسان دون الجانب الأوّل.

و الشاهد على ذلك إنّه عندما يقع الانسان في صراع بين جانبيه: الحيواني و الانساني «الملكوتي» فإذا غلب الجانب الثاني على الجانب الأوّل، يحسّ من صميم ذاته بالسرور و الرضا، فلو كان واقع الانسان يتمثّل في الجانب الحيواني لما صحّ السرور و الرضا لأنّ المفروض مغلوبيّة القوى الحيوانية و المغلوب يكون محزوناً لامسروراً، و هذا يفيد بجلاء إنّ واقع الإنسان هو الجانب الثاني أي كونه موجوداً ملكوتياً، إلهيَّ النزعة، طالبا للخير و الكمال و السموّ و الارتقاء.

فلو أراد القائل من كون ملاك حكم العقل هو موافقة الحكم للطبع هو ما ذكرنا فنعم الوفاق، و إلاّ فهو غير تام كسائر الأقوال.

و إن شئت قلت: لاحقيقة للحسن و القبح إلاّ كون الشيء ملائماً لطبع الانسان أو غير ملائم، لكنّ المراد منه ليس هو الطبع السافل بل الطبع العالي، و الطبع العالي ينزع إلى الخير ويميل إلى الكمال، و الطبع السافل ينزع إلى الشرّ، فكل فعل أحبّه الإنسان بروحه المتعالية و عقله المتكامل فهو حسن، و كل ما وقع في خلاف ذلك يعدّ قبيحاً، و على ضوء ذلك تقدر على تحليل جميع الأمثلة.


(187)

5 ـ الاُصول الأخلاقية الثابتة

إذا كان الميزان في الحكم بالحسن و القبح و في الحكم بالقيم الأخلاقية هو درك العقل مع غضّ النظر عن كل شيء على ما ذكرنا، أو كون القضية المدركة مطابقة للجانب المثالي الأعلى للإنسان، تقف على أنّ هناك اُصولاً أخلاقيّة ثابتة لاتتغير مع مرور الدهور و العصور، و تبدّل الحضارات، لأنّ الشخصيّة المثالية العليا في الكيان الإنساني ثابتة لاتتغير و لاتتبدل.

فإذا كان الملاك هو الملائمة و المنافرة بالقياس إليه تصبح الاُصول ثابته دائمة بثبات الحيثية العليا من الإنسان و دوامها.

و لأجل ذلك إنّ الاُصول الأخلاقيّة لاتختلف عند الأمم و الشعوب لأنّهم متشابهون و متشاركون في الجانب الأعلى للانسان، نعم يختلفون في العادات و الأخلاق التابعة للمحيط و العائلة و ليس لها جذور في الفطرة الإنسانية.

نعم يختلفون في الأشكال و الصور و التجلّيات و المظاهر و يتّحدون في اللبّ و الجوهر، فالكل يحكم باحترام المعلّم و الاستاذ لأنّ عقله يحكم بلزوم إحسان المحسن و قبح إساءته غير أنّهم يختلفون في كيفيّة الاحترام، و هذا الاختلاف نابع من التقاليد و العادات، فربما يحترمون بالقيام عند الورود و اخرى برفع القلنسوة عن الرأس و ثالثة...

6 ـ الاُصول الثابتة في الشرائع السماوية

لاشكّ انّ هناك اُصولا ثابتة في جميع الشرائع السماوية من حرمة الشرك باللّه تعالى في العبادة و حرمة الظلم و لزوم تكريم الوالدين و غير ذلك، و ما ذلك إلاّ لأنّ الاُصول الثابتة توافق الجانب الأعلى من الإنسان و هو ثابت عبر القرون و العصور، و بذلك يتجلّى سرّ خاتميّة الاسلام و دوام اُصوله الخلقية، و تشريعاته المطابقة للشخصية الانسانية العالية، فبما أنّ الشخصيّة المثاليّة لاتمسّها يد التغيّر و التبدل


(188)

في جميع العصور و الحضارات، و تكون الأحكام و التشريعات المطابقة لتلك الجوهرة المتعالية ثابتة لاتمسّها يد التغيير.

7 ـ القرآن و كونه سبحانه حكيماً

إذا كانت الحكمة بمعنى التحرّز عمّا يجب الاجتناب عنه مما يحكم العقل بقبحه، فقد تضافر توصيفه سبحانه بـ«الحكيم» في القرآن الكريم.

ترى أنّ القرآن الكريم يذكّر بلطيف بيانه انه سبحانه بريء من القبيح و فعل ما يجب التنزّه عنه. قال سبحانه: (وَ اِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْهَا آبائَنا وَ اللّهُ اَمَرَنا بِها قُلْ اِنَّ اللّهَ لايأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ)(الأعراف/28).

و قال سبحانه: (قُلْ اِنَّما حَرَّمَ رَبِّىَ الفَواحِشَ)(الاعراف/33)

و قال سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الاَْرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجّارِ)(ص/28) و قال سبحانه: (هَلْ جَزاءُ الاِْحْسانِ إِلّا الاِْحْسانُ)(الرحمن/60).

فهذه الآيات تعرب بوضوح أنّ هناك اُموراً توصف بالاحسان و الفحشاء و المنكر و البغي و المعروف قبل تعلّق اُمر الشارع بها أو نهيه عنها، و أنّ الانسان يجد اتّصاف الأفعال بواحد من هذه العناوين من صميم ذاته، و ليست معرفة الانسان بهذا الاتّصاف موقوفاً على تعلّق حكم الشرع و إنّما دور الشرع هو إرشاد حكم العقل الذي يأمر بالحسن و ينهي عن القبيح.

قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإحْسانِ وَ اِيتاءِ ذِى الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنْ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(النحل/90).

و بذلك تقف على قيمة كلام الأشعري في جواز تعذيب أطفال الكفّار في الاخرة.


(189)

قال في «الابانة»: يجوز أن يؤلم أطفال الكافرين في الاخرة ليغيظ بذلك آباءهم و يكون ذلك منه عدلا؟!(1).

و قال في اللمع: فإن قال قائل: هل للّه تعالى أن يؤلم الأطفال في الاخرة إذا قيل للّه تعالى ذلك، و هو عادل ان فعله؟ ـإلى أن قالـ: و لايقبح منه أن يعذّب المؤمنين، و يدخل الكافرين الجنان، و إنّما نقول: إنّه لايفعل ذلك لأنّه أخبرنا أنّه يعاقب الكافرين و هو لايجوز عليه الكذب في خبره(2).

الثلاثون: «الحق»

قد ورد الحق معرّفاً و منكراً في الذكر الحكيم 239 مرّة و وقع وصفاً له سبحانه في سبعة موارد:

قال سبحانه: (ثُمَّ رُدُّوا اِلى اللّهِ مَوْليهُمُ الْحَقِّ اَلا لَهُ الحُكْمُ وَ هُوَ اَسْرَعُ الحاسِبِينَ)(الانعام/62).

و قال سبحانه: (فَذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ اِلاّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ)(يونس/32).

و قال سبحانه: (ذلِكَ بِاَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ وَ اَنَّهُ يُحْيِى المَوْتى وَ اَنَّهُ عَلى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ)(الحج/6).

و قال سبحانه: (ذلِكَ بِاَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ وَ اَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الباطِلُ وَاَنَّ اللّهَ هُوَ العَلِىُّ الكَبِيرُ)(الحج/62).

و قال سبحانه: (يَوْمَئِذ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ اَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ)(النور/25).


1 . الابانة: ص 133.
2 . اللمع: ص 116 ـ 117.


(190)

و قال سبحانه: (ذلِكَ بِاَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ وَ اَنَّ مايَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الباطِلُ وَ اَنَّ اللّهَ هُوَ العَلِىُّ الكَبِيرُ)(لقمان/30).

و قال سبحانه: (فَبِعِزَّتِكَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ اَجْمَعِينَ * اِلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ * قالَ فَالْحَقُّ وَ الْحَقَّ اَقُولُ)(ص/82ـ84).

و قد استعمل الحق ف(1)ي مقابل الباطل في غير واحد من الايات فهل هما من قبيل المتضادّين أو من قبيل المتضائفين أو من قبيل العدم و الملكة أو السلب و الايجاب، لاسبيل إلى الأوّل لما سيوافيك أنّ البطلان أمر عدمي لاوجودي، و بذلك يعلم عدم كونهما من قبيل المتضايفين لاشتراط كونهما أمرين وجوديين حيث يلزم من تصوّر أحدهما تصوّر الاخر، فانحصر الاحتمال بين الثالث و الرابع، و لعلّ الثالث أقرب، و على كل تقدير فلو كان أحد المفهومين واضحاً يمكن استظهار معنى الاخر من خلاله.

قال ابن فارس: الحق أصل واحد و هو يدلّ على إحكام الشيء و صحّته فالحق نقيض الباطل ثم يرجع كل فرع إليه بجودة الاستخراج و حسن التلفيق. يقال حقّ الشيء أي وجب، و يقال ثوب محقّق إذا كان محكم النسج، و الحقّة من أولاد الابل: ما استحقّ أن يحمل عليه كأنَّه احكمت عظامه و اشتدّت فاستحق الحمل، و الحاقة: القيامة لأنّها تحقّ بكل شيء(2).

و قال الراغب في مادة «بطل»: الباطل نقيض الحق و هو ما لاثبات له عند الفحص عنه، قال تعالى: (ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ إِنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ).

اقول: إنّ الحقّ و الباطل قد يوصف بهما الاعتقاد و اُخرى نفس الواقع الخارجي مع قطع النظر عن الاعتقاد به، فاذا قدّر للشيء نوع من الوجود أو نوع من


1 . بناء على انّ المراد من الحق الأوّل هو اللّه سبحانه على انّ التقدير فالحق اقسم به، وفيه أقوال.
2 . مقاييس اللغة: ج 2، ص 15 ـ 17.


(191)

الوصف ثم قيس إلى الخارج و كان الخارج على وفق ما قدّر و وصف كان الاعتقاد حقّاً و القضيّة الذهنيّة حقّة، و أمّا إذا لم يكن كذلك يكون الاعتقاد باطلاً و القضية باطلة.

قال سبحانه: (كانَ الناسُ أُمّةً واحِدةً فَبَعَثَ اللّهُ النَبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ... فَهَدى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِاِذْنِهِ وَ اللّهُ يَهْدِى مَنْ يَشاءُ اِلى صِراط مُسْتَقِيم)(البقرة/213). اي هداهم إلى العقائد الحقّة المطابقة لنفس الأمر.

هذا إذا وقع الحق و الباطل و صفين للإعتقاد و القضيّة الذهنيّة، و أمّا إذا وقعا وصفين لنفس الأمر و الواقع الخارجي فتوصيفه بهما يدور مدار ثبوته و عدمه.

فإذا كان الواقع واجب الوجود أي ماله ثبوت لايشوب ثبوته بطلان، و يكون ثابتاً من جميع الجهات و موجوداً على أيّ تقدير، و موصوفاً بالوجود مطلقا غير مقيّد بقيد و لامشروطاً بشرط فهو الحقّ المطلق الذي لايتطرّق اليه البطلان بوجه ما، و الحقّ بهذا المعنى ينحصر فيه سبحانه لاغير و لأجل ذلك قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ) فأتى بضمير الفصل و عرّف الخبر باللام لغاية القصر أي حصر المبتدأ في الخبر، فاللّه سبحانه حقّ بذاته على الاطلاق بلاشرط و قيد.

أمّا إذا كان الواقع ممكن الوجود فهو حقّ بمقدار ماله من الثبوت و باطل بمقدار ما لاثبوت له، فبما أنّ الممكن يتّصف بالوجود من جانب علّته، فيكون له الثبوت بفضلها فهو حقّ، و بما أنّه ليس له الوجود من صميم ذاته، و انّه إذا لم يكن له الموجد لبقي على العدم فهو باطل و هالك.

و هناك آيتان ناظرتان إلى ما ذكرنا أعني قوله سبحانه:

1 ـ (كُلُّ شَىْء هالِكٌ اِلّا وَجْهَهُ)(القصص/88).

2 ـ (وَ يُحِقُّ اللّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ لَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ)(يونس/82).

فالاية الأولى ناظرة إلى بطلان الممكن من حيث هو هو، و لأجل ذلك يحكم


(192)

بهلاكه فعلاً و مستقبلاً فغيره سبحانه محكوم بالهلاك في جميع الأزمان، و الاية الثانية ـلو قلنا بأنّ المراد بكلماته هو أفعالهـ ناظرة إلى أنّ كل ممكن حقّ لكن بإحقاقه سبحانه، إذ هو الذي يعطي الوجود و الثبوت.

و للحكيم الفارابي كلام لابأس بنقله: يقال: حقّ: للقول المطابق للمخبر عنه، إذا طابق القول، و يقال: حقّ للموجود الحاصل بالفعل، و يقال: حقّ للموجود الذي لا سبيل للبطلان إليه، و الأوّل تعالى حقّ من جهة المخبر عنه، حقّ من جهة الوجود، و حقّ من جهة أنّه لا سبيل للبطلان إليه. لكنّا إذا قلنا: إنّه حقّ فلأنّه الواجب الذي لايخالطه بطلان، و به يجب وجود كل باطل.

ألا كل شيء خلا اللّه باطل *** و كل نعيم لامحالة زائل(1)

و بذلك خرجنا إلى هذه النتيجه أنّه سبحانه حقّ على الاطلاق، و أمّا الممكن فبما أنّه يفقد الوجود من صميم الذات فهو باطل، و بما أنّه متصف بالوجود الظلّي و الثبوت التبعي فهو حقّ، و لعلّ إلى بعض ما ذكرنا يشير قول لبيد الذي تقدّم آنفاً.

هذا حال الواجب و الممكن و قدعرفت أنّ الأوّل حقّ مطلق، و الثاني حقّ من جهة و باطل من جهة اُخرى، و أمّا الممتنع فهو الباطل المحض، ليس له منه حظ.

قال بعض المحقّقين: كل ما يخبر عنه فأمّا باطل مطلقاً، و أمّا حقّ مطلقا، و أمّا حقّ من وجه و باطل من وجه، فالممتنع بذاته هو الباطل مطلقاً، و لاحقيقة له أصلاً، فإنّ الحقيقة هي التي بها ذوحقيقة، حقّ و ثابت، لايمكن انكاره و هي خصوصيّة وجوده الذي يثبت له، و الواجب بذاته هو الحق مطلقاً، و الممكن بذاته الواجب بغيره فهو حقّ من وجه و باطل من وجه آخر، فهو من حيث ذاته لاوجود له، و من حيث استفادة الوجود من غيره موجود، فهو من هذا الوجه حقّ و ثابت له حقيقة ينتهي إليها و أصل ينبعث منه و يجب وجوده به و يظهر بنوره الظاهر المظهر له


1 . شرح الأسماء الحسنى: ص 271.


(193)

فلا يكون له وجود وظهور في نفسه بل يكون وجوده و ظهوره من أصله المظهر بايجاب وجوده المحقّق لحقيّته و ثباته، و الممكن من جهة نفسه باطل و لذلك قال: (كُلُّشَىْء هالِكٌ اِلّا وَجْهَهُ)(1).

و بذلك يعلم أنّ قوله سبحانه: (ذلِكَ بِاَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ وَ اَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الباطِلُ وَ اَنَّ اللّهَ هُوَ العَلِىُّ الكَبِيرُ)(لقمان/30). من غرر الايات القرآنية، تشتمل على معارف الهيّة نشير إلى إجمالها:

1 ـ إنّ الحقّ المطلق ثابت للّه سبحانه و إنّه لايوصف به إلاّ هو.

2 ـ إنّ الأصنام و الأوثان التي كانت العرب عابدة لها ليس لها من الألوهية شيء، فهي من هذا الجانب باطل محض لاتملك منها شيئاً إلاّ الإسم و هذا لاينافي أن يوصف بالحقّ من حيث أنّ لها درجة من الوجود ككونها جماداً أو نباتاًً أو حيوانا غير أنّ محور البحث كونها آلهة فهي في هذا النظر لاتوصف إلاّ بالبطلان.

3 ـ إنّ توصيفه سبحانه بالعليّ في الاية يشير إلى صفاته السلبية و يفيد تنزّهه عمّا لايليق بساحته فاللّه سبحانه حقّ منزّه عن كل نقص من الجهل و العجز و الزمان و المكان و الجسم، فما يدعون من الآلهة ليس لهم من الحقيقة شيء و لا إليهم من الخلق و التدبير شيء، و لا إليهم شيء ممّا يعدّ فعلاً للربّ ككونهم مالكين للمغفرة و الشفاعة.

4 ـ إنّ توصيفه سبحانه بالكبير إشارة إلى صفاته الثبوتية و يفيد سعة وجوده و اشتماله على كل كمال وجودي و هو مجمع الصفات الكمالية و الجمالية، فهي الذات المستجمعة لجميع صفات الكمال فهو اللّه عزّ اسمه.

و على ذلك فلحق في الاية و في كل ما وقع وصفاً له سبحانه يعادل واجب الوجود و «العليّ» يقوم مقام الصفات السلبية و «الكبير» يقوم مقام الصفات الثبوتية.


1 . كتاب كاشف الأسماء في شرح الأسماء الحسنى في اسم الحق.


(194)

توصيف الفعل بالحق

إنّ الحقّ كما يوصف به نفس الواجب و ذاته فكذلك يوصف به فعله سبحانه لكن بلحاظ آخر قال سبحانه: (هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ ما خَلَقَ اللّهُ ذلِكَ اِلّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ)(يونس/5).

أفعاله سبحانه معلّلة بالاغراض

إنّ الذكر الحكيم يصف كثيراً من أفعاله سبحانه بقوله: «بالحق» و بذلك يشير إلى أنّ أفعاله أفعال حكيمة مصونة عن العبث و اللغو، و لأجل ذلك ذهبت العدلية إلى أنّ افعاله معلّلة بالاغراض خلافاً للاشاعرة، فإذا كان الهادي في مجال العقائد هو الكتاب فآياته صريحة في ذلك، يقول سبحانه:

(اَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ اَنَّكُمْ اِلَيْنا لاتُرْجَعُونَ)(المؤمنون/115).

و قال عزّ من قائل: (وَ ما خَلَقْنا السَّمواتِ وَ الاَْرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ)(الدخان/38).

و يقول سبحانه: (وَ ما خَلَقْنا السَّماءَ وَ الاَْرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّار)(ص/27).

و قال سبحانه: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الاِْنْسَ اِلّا لِيَعْبُدُون)(الذاريات/56).

و المراد في المقام هو إيجاده بحسب مقتضى الحكمة و بالتالي نزاهة فعله من العبث و اللغو، و بذلك يعلم معنى ما يقال: انّ فعله سبحانه كلّه حقّ كما يعلم سرّ اقتران لفظة «بالحق» بكثير من أفعاله التي جاءت في الذكر الحكيم، قال سبحانه: (اَلمْ تَرَ اَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضَ بِالْحَقِّ اِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْق


(195)

جَدِيد)(إبراهيم/19). و تعرب الاية عن أنّ هنا صلة بين خلق السموات و الأرض و وجود الإنسان في هذا الكوكب فقال سبحانه: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُدًى وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل/102). أفيمكن توصيف الفعل العاري عن الغرض و الهدف حتى ما يُرجع إلى المخلوق بأنّه نزّل بالحقّ؟

و العجب إنّ الأشاعرة و عامّة أهل الحديث الذين يلتزمون التعبّد بظاهر النصوص تعبداً حرفياً قدخرجوا في هذا المقام عن هذا الأصل و قالو بعدم كون أفعاله معلّلة بالأغراض فماذا جوابهم تجاه هذه الآيات و تكرّر «بالحق» وصفاً لفعله؟ لاأدري و لاالمنجّم يدري.

هلمّ معي ندرس ما ذكره العقليون من الأشاعرة:

1 ـ قالوا: «لو كان فعله تعالى تابعاً لغرض لكان ناقصاً لذاته مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض لأنّه لايصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من عدمه و هو معنى الكمال»(1).

إنّ المستدلّ خلط بين الغرض الراجع إلى الفاعل و الغرض الراجع إلى الفعل فالاستكمال موجود في الأوّل دون الثاني، و القائل بكون أفعاله تابعة للأغراض و الغايات و الدواعي و المصالح إنّما يعني به الثاني دون الأوّل، و الغرض بالمعنى الأوّل ينافي كونه غنيّاً بالذات وغنيّاً في الصفات و غنيّاً في الأفعال، والغرض بالمعنى الثاني يوجب خروج فعله عن كونه عبثاً و لغواً و كونه سبحانه عابثاً و لاهياً، فالجمع بين كونه غنيّاً غير محتاج إلى شيء، و كونه حكيماً منزّهاً عن العبث و اللغو يتحقق بالقولباشتمال أفعاله على مصالح وحكم ترجع إلى العباد و النظام لاإلى وجوده و ذاته.

2 ـ قالوا: إنّ العلّة الغائيّة هي احدى أجزاء العلّة التامّة و يراد منها في مصطلح


1 . المواقف «للقاضي عضدالدين»: ص 231.


(196)

الحكماء ما يخرج بها الفاعل من القوّة إلى الفعل و من الامكان إلى الوجوب، فهي السبب لخروج الفاعل عن كونه فاعلاً بالقوّة إلى كونه فاعلاً بالفعل، مثلا النجّار لايقوم بصنع الكرسي إلاّ لغاية مطلوبة ولولا تصوّرها لبقى على كونه فاعلاً بالقوّة، فلو كان لأفعاله سبحانه غاية لزم كونه ناقص الفاعليّة في ذاته، وتامّ الفاعليّة بغاية الفعل فيحتاج في فاعليّته إلى شيء وراء ذاته.

يلاحظ عليه: إنّ ما ذكروه في تفسير العلّة الغائية حقّ لاغبار عليه و قد أخذته مفكّروا الأشاعرة من الفلاسفة و استغلوه في غير موضعه، وخرجوا بهذه النتيجة: إنّ فعله سبحانه عار عن أية غاية و غرض و جعلو فعله كفعل العابثين و اللاعبين يفعل بلاغاية و يعمل بلاغرض، و العلّة الغائيّة بهذا المعنى تنطبق على وجود الغرض للفاعل، و لاتنطبق على وجود الغرض للفعل، و قدعرفت أنّ القائلين بتبعيّة أفعاله للأغراض إنّما يعنون القسم الثاني دون الأوّل، فلاشكّ انّه سبحانه تامّ الفاعلية بالنسبة إلى كلا الفعلين: ما يترتب عليه الغرض و ما لايترتب عليه الغرض لعموم قدرته، لكن كونه حكيماً يصدَّه عن اختيار القسم الثاني، فلايختار من الأفعال الممكنة إلاّ ما يناسب ذلك المبدأ.

و هذا كعموم قدرته للفعل المقترن بالعدل و الجور كسوق المطيع إلى الجنة و النار لكن اتّصافه بالعدل يصدّه عن سوقهم إلى النار، و لايختار إلاّ الأوّل و هذا لايعني انّه في مقام الذات و الفاعلية يستكمل بهذا الغرض بل هو في مقام الفاعلية تامّ لكلا العملين، لكن عدله وحكمته و ما يناسبهما تقتضي أن يختار هذا دون ذاك، فلو أنّ النافين للأغراض يفرّقون بين الغرضين لما تطرفوا في نفي اقتران فعله بالغرض.

و بذلك يعلم المراد من انتخاب الأصلح و انّه لايخلق إلاّ الأصلح و يترك اللغو و العبث، و ليس المراد من ذلك تحديد قدرته و مشيئته من جانب العبد بل العبد يستكشف من خلال صفاته و كمالاته، إنّه لايختار إلاّ الأصلح و الأولى مع عموم قدرته على كلا الطرفين، و أظنّ أنّ المسائل الكلامية لو طرحت في جو هادئ


(197)

فربّما ينتظم الكلّ في أكثر المسائل في صف واحد و يذوب الاختلاف في كثير من المسائل.

الواحد و الثلاثون «الحليم»

قد ورد لفظ «الحليم» مرفوعاً و منصوباً 15 مرّة و وصف به سبحانه كما وصف به بعض أنبيائه كإبراهيم الخليل و شعيب النبيّ، و قد جاء وصفاً له سبحانه في(11) مورداً و جاء مقترناً بلفظ «غفور» تارة و «عليم» ثانياً و «غني» ثالثاً قال سبحانه: (وَ لَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ اِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(آلعمران/155).

و قال سبحانه: (وَ اللّهُ يَعْلَمُ ما فِى قُلُوبِكُمْ وَ كانَ اللّهُ عَلِيماً حَلِيماً)(الأحزاب/51).

و قال سبحانه: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَة يَتْبَعُها أَذىً وَ اللّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ)(البقرة/263).

قال ابن فارس: «الحلم» له اُصول ثلاثة:الأوّل: ترك العجلة، و الثاني: تثقّب الشيء، و الثالث: رؤية الشيء في المنام، و هي متباينة جدّاً تدلّ على أنّ بعض اللغة ليس قياساً و إن كان أكثره منقاساً.

فالأوّل «الحلم» خلاف الطيش، و الثاني قولهم: حلم الأديم إذا تثقّب و فسد، و الثالث قد حلم في نومه حلماً.

قال الراغب: «الحلم» ضبط النفس و الطبع عن هيجان الغضب، و جمعه أحلام قال تعالى: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ اَحْلامُهُمْ بِهذا اَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ)(الطور/32).

و قيل: معناه عقولهم و ليس الحلم في الحقيقة هو العقل لكن فسّروه بذلك لكونه من مسببّات العقل.

الظاهر أنّ المراد من توصيفه سبحانه بالحليم في المقام هو الذي لايعجل


(198)

بالانتقام، يقول سبحانه: (وَ لَوْيُؤاخِذُ اللّهُ الناسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دابَّة وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى اَجَل مُسَمّىً فَاِذا جاءَ اَجَلُهُمْ فَاِنَّ اللّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً)(فاطر/45).

و قال سبحانه: (وَ رَبُّكَ الغَفُورُ ذُوالرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً)(الكهف/58).

و هو يجري على اللّه سبحانه بهذا المعنى و أمّا ما ذكره «الراغب» بأنّه ضبط النفس و الطبع عن هيجان الغضب، فإنّما هو من خصائص الإنسان الحليم، و ليس من صميم معناه حتى يتوقّف توصيفه سبحانه به على تجريده من معناه اللغوي.

قال الصدوق: معناه حليم عمّن عصاه لايعجل عليهم بعقوبته(1).

و قال الكفعمي: الحليم ذوالحلم و الصفح الذي يشاهد معصية العصاة ثمّ لايسارع إلى الانتقام مع غاية قدرته، و لايستحقّ الصافح مع العجز اسم «الحليم» إنّما الحليم هو الصفوح مع القدرة.

ثمّ إنّ الرازي ذكر هنا كلاماً فقال من لايعجل الانتقام إن كان على عزم ان ينتقم بعد ذلك فهذا يسمّى حقوداً، و ان كان على عزم أن لاينتقم البتّة فهذا هو العفو والغفران، و أمّا إذا كان على عزم أن لاينتقم لكن بشرط أن لايظهر ذلك فهو حليم فإن أظهره كان ذلك عفوّاً»(2).

قال بعض المحقّقين: إنّ موقف العلم و عدم الانتصاف و الانتقام فيما إذا صدر الظلم منه بالنسبة إلى حقوق اللّه فله ترك الانتقام مع القدرة عليه على سبيل العجلة و الاسراع كي يندم و يستغفر فيُغفر فإنّه جلّ شأنه لاتضرّه المعصية و لا تنقصه المغفرة(3).


1 . التوحيد: ص 202.
2 . لوامع البينات: ص 242.
3 . كاشف الأسماء في شرح الأسماء الحسنى للسيد عمادالدين المتوفّي عام 1110.


(199)

و أمّا حظّ العبد من هذا الاسم فهو انّه يمكن أن يكون الإنسان من مظاهر أسمائه فلايعجل في الانتقام، و لأجل ذلك عدّ الحلم من محاسن الأخلاق، و لمّا دعا الخليل ربّه و قال: (وَ اجْعَلْ لِى لِسانَ صِدْق فِى الآخِرِينَ)(الشعراء/84).

فاُجيبت دعوته بقوله: (فَبَشَّرناهُ بِغُلام حَلِيم)(الصافّات/101).

و قد وصف به «إبراهيم» الخليل و «شعيب» النبيّ في بعض الآيات كماعرفت.

الثاني و الثلاثون «الحميد»

و قد ورد ذلك اللفظ في الذكر الحكيم بالرفع و النصب (17) مرّة و قد وصف به سبحانه في جميعها، و قد انضمّ اليه «غنيّ» تارة و «مجيد» ثانياً و «العزيز» ثالثاً و «حكيم» رابعاً و «الولي» خامساً قال سبحانه: (وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ اِلاّ اَنْ تُغْمِضُوا فِيه وَ اعْلَمُوا اَنَّ اللّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ)(البقرة/267).

و قال سبحانه: (رَحْمَتُ اللّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ اَهْلَ البَيْتِ اِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)(هود/73).

و قال سبحانه: (لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنْ الظُّلُماتِ اِلى النُّورِ بِاِذْنِ رَبِّهِمْ اِلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ)(إبراهيم/1).

و قال سبحانه: (لايَأْتِيهُ الباطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)(فصّلت/42).

و قال سبحانه: (وَ هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَ يَيْشُرُ رَحْمَتَهُ وَ هُوَ الْوَلِىُّ الحَمِيدُ)(الشورى/28).

قال ابن فارس: «الحمد له أصل واحد يدلّ على خلاف الذم يقال: حمدت


(200)

فلانا أحمده، ورجل محمود ومحمداً إذا كثرت خصاله المحمودة غيرالمذمومة»(1).

و قال الراغب: قوله عزّ و جلّ (إنّه حميدٌ مجيدٌ)يصح أن يكون في معنى المحمود و أن يكون في معنى الحامد.

أقول: الحمد على ما هو المعروف: الثناء على الشخص بالفضيلة في ما يصدر منه من الأفعال الاختياريّة.

قال الصدوق: الحميد معناه المحمود و هو فعيل في معنى المفعول و الحمد نقيض الذمّ و يقال: «حمدت فلاناً إذا رضيت فعله و نشرته في الناس»(2). و هو أخص من المدح فإنّه في مقابل كلّ جميل سواء كان اختياريّا أو تسخيرياً كما إذا مدحت اللؤلؤ بصفاته، و على ذلك فالحميد أمّا فعيل بمعنى الفاعل، و عندئذ يكون المراد اللّه الحامد فإنّه لم يزل يثني على نفسه كما في قوله: (الحمدُ للّهِ رَبِّ العالمينَ) و أمّا فعيل بمعنى المفعول كالقتيل بمعنى المقتول أي هو محمود بحمده لنفسه و حمد عباده له، و منه قوله: (وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ)(البقرة/30). و يحتمل أن يكون المراد المستحقّ للحمد و الثناء.

و أمّا حظ العبد من هذا الاسم فيقع مظهراً له إذا كان محمود العقيدة و الفعل فيستحقّ أن يثنى عليه.

و أمّا الفرق بين الحمد و الشكر فسيوافيك عند البحث عن اسم الشاكر و الشكور.

الثالث و الثلاثون «الحي»

و قد جاءت اللفظة في الذكر الحكيم 14مرّة و وقع وصفاً له في موارد أربعة قال سبحانه:


1 . مقاييس اللغة: ص 110.
2 . التوحيد: ص 202.


(201)

(اللّهُ لا اِله اِلّا هُوَ الحَىُّ القَيُّومُ)(آلعمران/2).

و قال سبحانه: (وَ عَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَىِّ القَيُّومِ وَ قَدْخابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً)(طه/111).

و قال سبحانه: (وَ تَوَكَّلْ عَلى الحَىِّ الَّذِى لايَمُوتُ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِهِ)(الفرقان/58).

و قال سبحانه: (هُوَ الْحَىُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(غافر/65).

و أمّا معناه فقد قال ابن فارس: لـِ«الحي» أصلان أحدهما خلاف الموت و الاخر الاستحياء الذي هو ضدّ الوقاحة، فأمّا الأوّل فالحياة و الحيوان و هو ضدّ الموت و الموتان و يسمّى المطر حيّاً لأنّ به حياة الأرض، و الأصل الآخر قولهم استحييت منه استحياء(1).

و قد ذكر الراغب انّ الحياة تستعمل على أوجه:

1 ـ القوّة النامية الموجودة في النبات و الحيوان.

2 ـ القوّة الحسّاسة و به سمّي الحيوان حيواناً.

3 ـ القوّة العاملة العاقلة.

4 ـ ارتفاع الغمّ، و استشهد لذلك بقول الشاعر:

ليس من مات و استراح بميّت *** إنّما الميّت، ميـّت الأحياء

5 ـ الحياة الاخروية الأبدية.

6 ـ الحياة التي يوصف بها البارئ فإذا قيل فيه تعالى «هو حيّ» فمعناه لايصحّ عليه الموت و ليس ذلك إلاّ للّه عزّ و جلّ.(2)


1 . المقاييس: ج 2، ص 122.
2 . المفردات: ص 138 ـ 139.


(202)

و الظاهر أنّ للحيّ معنى واحداً و الخصوصيّات تعلم من الخارج و إليك توضيحه.

الحياة و مراتبها

لاشك انّ كلّ واحد منّا يميّز بين مادة حيّة و مادة غير حيّة، و بين جسم حيّ، و جسم ميّت إلاّ انّه رغم ذلك لايستطيع أحد إدراك مفهوم الحياة في الموجودات الحيّة، فالحياة أشدّ الحالات ظهوراً و لكنّها أصعبها مراساً على الفهم، و أشدها استعصاء على التحديد.

و بعبارة اُخرى: الحياة ضدّ الموت، و هي و إن كانت أظهر الأشياء مفهوماً لكنّها من أخفاها حقيقة، و لهذا اختلف في تفسير و تبيين حقيقتها، و ذهب العلماء فيه مذاهب شتّى.

إلاّأنّها حسب نظر علماء الطبيعة هو ما يلازم آثاراً أربعة في المتّصف بها و هي:

1 ـ الجذب و الدفع.

2 ـ النمو و الرشد.

3 ـ التوالد و التكاثر.

4 ـ الحركة وردّة الفعل.

بينما ذهب آخرون مذهباً آخر في تعريف الحياة فقالوا:

هي قدرة الوحدة العضوية على مباشرة الوظائف الضروريّة لحفظ الذات، و وظيفة التكاثر، و على كلّ حال فإنّ هذه التعاريف تعاريف بخصائص الحياة، و آثارها و لوازمها و ليست لبيان ما تقوم به حقيقة الحياة لما نرى من البعد الشاسع بين الحياة النباتية و الحياة البشرية.


(203)

و إلاّ فإنّ خصائص الحياة و الأحياء لاتنحصر في ما ذكر، فإنّ للحياة مراتب و درجات تتفاوت حسب شدّتها و ضعفها.

فالنبات الحيّ ما تجتمع فيه الخصائص الأربع المذكورة.

و لكنّ الحياة في الحيوان تزيد على ذلك بالحسّ و الشعور، فالحيوان كائن حيّ بمعنى أنّه يملك مضافاً إلى الخصائص الأربع خصيصة اضافية و هي خصيصة الشعور و الحس بشكل واضح و ملموس(1).

و هذا الكمال الزائد المتمثّل في الحسّ و الشعور لايجعله مصداقاً مغايراً للحياة بل يعدّ مصداقاً أكمل لها.

غير أنّ خصائص الحياة لاتقتصر على هذا بل هناك حياة أعلى و أشرف و هو أن يتملّك الكائن الحيّ مضافاً إلى الخصائص الخمس خصيصة الادراك العلمي و العقلي و المنطقي، فهو حيّ على الوجه الأتمّ و الأبسط.

و بعبارة اُخرى: إنّ ما ذكروه من الخصائص إنّما حاولوا بها ادخال جميع الكائنات الحيّة حتى النباتات تحت عنوان واحد، و ليس شيء من هذه الخصائص بمقوّم لواقع الحياة و مكوّن لحقيقتها.

أضف إلى ذلك انّ هذه التعاريف صدرت من علماء الطبيعة الذين لاهدف لهم إلاّ التعريف بالحياة في الموجودات الحيّة الطبيعية في عالمي النبات و الحيوان، و لأجل ذلك نجدهم يعرّفون الحياة و الأحياء بتلك التعاريف، و لاعتب عليهم في ذلك لأنّ مهمّتهم ليس هو التعريف الفلسفي للحياة حتى يعمّ جميع مراحلها.

فهذه التعاريف مع أنّها تعريف بالخصائص دون المقوّمات تعريف لقسم خاص من الحياة الموجودة في عالم الطبيعة.


1 . و إن أثبت العلم الحسّ و الشعور في النباتات لكن لابشكل عام بل في بعض الأنواع.


(204)

و على كلّ تقدير فهذه التعاريف تنفعنا في فهم حقيقة الحياة على وجه الاجمال.

أمّا التعريف الجامع للحياة الذي يشمل جميع مراتبها من النبات إلى الإنسان فهو أن يقال: إنّ الحياة حقيقة واقعيّة أثرها هو وجود ما يشبه بالحسّ و الحركة في الموجود الحيّ.

فالحركة في النبات عبارة عن أعمال الجذب و الدفع و الرشد و النمو، و التوالد و التكاثر و ما شابهها.

و أمّا الحسّ و الشعور فهو أثر محسوس في الحيوان و ثابت في بعض أصناف الأشجار حسب التجربة و هاتان الخصيصتان توجدان في الإنسان بنحو أقوى و آكد و أكمل، فالحركة فيه تتجلّى مضافاً إلى ما في النبات و الحيوان في أنّه مبدأ الأفعال و صنائع عجيبة و غريبة تحيّر العقول، و تدهش الألباب.

كما أنّه مضافاً إلى أنّه حاسّ ذوشعور ـ يمتلك قدرة عقليّة ـ و فكراً رفيعاً يقدر به على درك رموز الخلق، و قوانين الكون و على حلّ المعادلات و غير ذلك.

فعند ذلك يقف الإنسان على أنّ ما هو ملاك الحياة مع الغضّ عن أنّ لها مفهوماً خاصاً في كلّ مرتبة ـ هو كون الموجود درّاكا(1). و فعّالاً، و هي موجودة في عامّة المراتب، غير أنّ تلك الحقيقة تتجلّى في كلّه مرتّبة بشكل.

ففي النبات بالجذب و الدفع و النمو و الرشد و التوالد و التكاثر مع الحسّ النباتي الذي أثبته العلم و التجربة.

و في الحيوان يتجلّى في الأفعال المذكورة مع الشعور الخاصّ الذي ربّما يكون في البعض أكمل من البعض.


1 . ليس المراد منه هو الادراك الموجود في الانسان و مافوقه بل المراد حقيقة الدرك و الوقوف على الحقائق أو ما شئت فعبّر.


(205)

و في الإنسان مضافاً إلى الخصائص الموجودة في الدرجات السابقة يتجلّى في أفعاله العجيبة و الغريبة و صنائعه البديعة مع ادراكه المسائل العقلية و الفلسفية.

فالناظر إلى حقيقة الحياة في جميع الدرجات إذا غضّ النظر عن خصائص كلّ مرتبة و عن التعريف بالمرتبة ينتقل إلى أنّ الحيّ هو الموجود المدرك الفعال، فاذا كانت هذه هي حقيقة الحياة فاللّه تبارك و تعالى حيّ بأكمل حياة.

و إن شئت قلت: إذا أردنا تعريف الحياة الموجودة في كلّ مرتبة من المراتب فلايمكن إطلاقها على اللّه سبحانه.

و أمّا إذا نظرنا إلى «حقيقة الحياة» الموجودة في جميع هذه المراتب، المجرّدة من خصائص تلك المراتب و خصوصيّاتها،انتزع العقل مفهوماً كلّيّاً ينطبق على جميع المراتب، و هو كون الشيء فاعلاً و مدركاً أو فعّالاً و درّاكاً، و إن كان تجلّي ذلك يختلف من مرتبة إلى اُخرى حسب ضعف المرتبة و قوتها.

و هذه المسألة حقيقة ثابتة في كثير من الأسماء، فإنّ لفظة «المصباح» يوم وضعت كانت تطلق على الضوء الحاصل من اشتعال غصن شجر، غير أنّ هذه الحقيقة تكاملت حسب تكامل الحضارة و التمدّن فصارت تطلق على المصباح الزيتي و النفطي و الغازي و الكهربائي بمفهوم واحد وسيع.

و ما ذلك إلاّ لأنّ الحقيقة المقوّمة لصحة إطلاق تلك الكلمة هي كون الشيء منوّراً لما حوله، فهذه الحقيقة مع اختلاف مراتبها موجودة في جميعها، و في المصباح الكهربائي على نحو أتمّ.

إنّ من الوهم أن يتوقّع إنسان مفكّر تحديد حياته سبحانه من خلال ما نلمسه من الحياة الموجودة في النبات أو الحيوان أو الإنسان.

كما أنّ من الوهم أن يتوقع أن تكون حياته تعالى رهن فعل و انفعال كيمياوي أو فيزياوي.


(206)

فإنّ كلّ ذلك ليس دخيلاً في حقيقة الحياة و إن كان دخيلاً في تحقّق الحياة في درجة خاصّة إذ لولا هذه الأفعال في النبات و الحيوان و الإنسان لامتنعت الحياة، لكن دخلها في مرتبة خاصّة لايعدّ دليلاً على كونه دخيلاً في حقيقة الحياة، كما أنّ اشتعال المصباح بالفتيلة لايعدّ كون الفتيلة مقوّما للمصباح، و إنّما هو مقوّم لدرجة خاصّة، و عندئذ نخرج بالنتيجة التاليه و هي:

إنّ ما هو المقوّم للحياة هو كون الموجود مدركاً و فاعلا أو ما يضاهي هذه الكلمات.

و إن شئت قلت: فعّالاً و درّاكاً حسب درجته و مرتبته فالفعل و الدرك في الحيوان و النبات يتنزّل إلى حد الحس و الحركة، و يتجلّى بهما، و لكنّه في الإنسان و ما فوقه إلى أن يصل إلى مبدأ الوجود و الحياة بشكل آخر الذي ربّما يعبّر عنه بالفعل و الدرك و الخلق و العلم و ما يقوم مقامهما.

و قال الامام الباقر (عليه السلام) :

«انّ اللّه تبارك و تعالى كان و لاشيء غيره نوراً لاظلام فيه، و صادقاً لاكذب فيه و عالماً لاجهل فيه و حيّاً لاموت فيه و كذلك هو اليوم و كذلك لايزال أبداً(1).

و قال الامام موسى بن جعفر (عليه السلام):

«إنّ اللّه لاإاله إلاّ هو كان حيّاً بلاكيف و لاأين و لاكان في شيء و لاكان على شيء... كان عزّ وجلّ إلهاً حيّاً بلاحياة حادثة و بلاكون و صوت و لاكيف محدود و لاأين موقوف و لامكان ساكن بل حيّ لنفسه»(2).

و في الختام نقول: إنّ حياته تعالى كسائر صفاته الكمالية صفات واجبة


1 . توحيد الصدوق: ص 141.
2 . المصدر نفسه: ص 141.


(207)

لا يتطرّق اليها العدم و لايعرض لها النفاد و الانقطاع، لأنّ تطرّق ذلك اليها يضادّ وجوب الوجود و ضرورته فهو حيّ لايموت كما يقول سبحانه عن نفسه:

(وَ تَوَكَّلْ عَلَى الحَىِّ الَّذِى لايَمُوتُ)(القرفان/58).


(208)


(209)

حرف الخاء

الرابع و الثلاثون «الخالق»

قد ورد لفظ الخالق في الذكر الحكيم ثماني مرّات و وقع اسماً له في آيات سبع كما أنّه ورد لفظ «الخلاّق» مرّتين و سمّي سبحانه به في كلاالموردين.

قال سبحانه: (ذلِكُمْ اللّهُ رَبُّكُمْ لا اِلهَ اِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَىْء فَاعْبُدُوهُ)(الأنعام/102).

و قال سبحانه: (هُوَ اللّهُ الخالِقُ البارِىءُ المُصَوِّرُ لَهُ الاَسماءُ الحُسْنى)(الحشر/24).

إلى غير ذلك من الايات.

و قال سبحانه: (اِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخَلاّقُ العَلِيمُ)(الحجر/86).

و قال سبحانه: (بَلى وَ هُوَ الخَلاّقُ العَلِيمُ)(يس/81).

و قد مرّ معنى الخلق في الاسم الحادي عشر أعني «أحسن الخالقين» فلاحظ، غير انّا نركّز هنا على نكتة و هو انّ هناك آيات صريحة في حصر الخالقيّة فيه سبحانه و إنّه لاخالق سواه.

و يقول سبحانه: (قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَىْء وَ هُوَ الواحِدُ القَهّارُ)(الرعد/16).

و قال سبحانه: (هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّماءِ وَ الاَْرْضِ لا اِلهَ اِلاّ هُوَ فَأَنَّى تُؤفَكُونَ)(الفاطر/3). و في الوقت نفسه يصف نفسه


(210)

(أحسن الخالقين)(المؤمنون/14) و ينسب الخلق إلى غيره و يقول:

(أَنِّى اَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَاَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِاِذْنِ اللّهِ)(آلعمران/49).

و يقول سبحانه: (وَ اِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِاِذْنِى)(المائدة/110)

ثمّ إنّ الأشاعرة و العدلية اختلفوا في تفسير هاتين الطائفتين من الايات فالطائفة الأولى حصروا الخالقية فيه سبحانه و أنكروا السببية للأسباب الطبيعية كما انكروا تأثير الإنسان في أفعاله، و قالوا: إنّه سبحانه يخلق الجواهر و الأعراض و أفعال الإنسان و الحيوان و النبات بنفسه مباشرة، فإذا أراد الإنسان فعلاً يسبقه سبحانه إلى إيجاد الفعل المطلوب له من دون أن يكون للإنسان و إرادته و اختياره فيه تأثير حتى أنّهم أنكروا تأثير العلل الطبيعية على وجه الاطلاق و ذهبوا إلى أنّ الاحراق فعل اللّه عند تكوّن النار و لاصلة له بها، كما أنّ التبريد يوجد به سبحانه مباشرة عند تحقّق الماء من دون ارتباط بينهما و قس على ذلك الكائنات الجوية و الظواهر الأرضية فأنكروا النظم الطبيعية كلّ ذلك حرصاً على حفظ ظواهر الايات .

قال الدكتور البوطي(1):

إنّ من أسماء اللّه عزّ و جلّ «القيّوم» و معناه القائم باُمّ المخلوقات على الدوام و الاستمرار، و قد فصل هذا المعنى في مثل قول اللّه عزّ وجلّ في مثل: (إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّمواتِ وَ الاَْرْضَ أَنْ تَزُولاً)(الفاطر/41).


1 . إنّ الدكتور «محمد سعيد رمضان البوطي السوري» في كتابه «السلفية مرحلة زمنية مباركة لامذهب اسلامي» أدى حقّ الموضوع و أثبت انّ اتباع السلف ليس بمعنى الانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها أو المواقف الجزئيّة التي اتّخذوها.(السلفية مرحلة زمنية مباركة: ص12). لكنّه مع الأسف قدحبس نفسه و فكره في اطار الفكر الاشعري و قبله الحنبلي، و لم يخلص نفسه عنه و نظر إليها نظر تقديس و تنزيه و كأنّ منهجهم قدافرغ من رصاص أو نحاس لايقبل الخداش، و من الموارد التي تبع الدكتور ذلك المنهج بحرفيته مسألة سلب التأثير للفواعل الطبيعيةوالعللالمادّيّة.


(211)

و قوله عزّ و جلّ: (وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الأَرْضُ بِأَمْرِهِ)(الروم/25).

و قد علمنا أنّ امساك اللّه السموات و الارض و رعايته لها و هدايته إيّاها للقيام بما توجّه إليها من الأوامر التكوينيّة و كلّ ذلك مستمر دائم يتجدد لحظة فلحظة.

فهل يتّفق هذا البيان الالهي لاسم اللّه «القيّوم» مع ما يقرره الفلاسفة من أنّ اللّه أودع في كلّ شيء طبيعة و قوّة فهو بها يحقّق آثاره، و ينتج معلولاته، و ذلك لأنّه إذا تصوّرنا الأمر على هذا النحو فقد بطلت صفة القيوميّة في ذات اللّه عزّ و جلّ و بطل معنى قوله: «يمسك السموات و الارض أن تزولا» لأنّ الأشياء بعد أن أُودعت فيها قواها أصبحت تؤدّي مهمّاتها استقلالا و دونهما حاجة إلى أي عون مستمر فتصبح كالجهاز العقلي الآلي المعروف اليوم حيث لايحتاج إلى أكثر من أن يملأ بالمعلومات التوجيهيّة إذ هو بعد ذلك يؤدّي عمله دون أي معونة مستمرة أو حتى رقابة من صاحب هذا الجهاز أو صانع(1).

يلاحظ عليه أوّلا:

إنّه إذا كان الوحي الالهي هو المصدر الوحيد في ذاك المجال فاللّه سبحانه كما ينسب الآثار و الأفعال إلى نفسه ينسب إلى جنوده و ملائكته و عباده نسبة حقيقيّة سبحانه مع أنّه القيّوم، و معناه حسب قول الكاتب القائم بأمر المخلوقات على الدوام و الاستمرار ينسب التوفي إلى نفسه مرّة و يقول: (اَللّهُ يَتَوَفّى الاَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها)(الزمر/42). و إلى رسله ثانياً و يقول: (حَتّى اِذا جاءَ اَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لايُفَرِّطُونَ)(الأنعام/61). و إلى الملائكة ثالثاً و يقول: (فَكَيْفَ اِذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ اَدْبارَهُمْ)(محمد/27).

و لانشكّ في أنّ القرآن خال عن الاختلاف و التناقض، فإذا كان معنى كونه قيوماً قائماً بأمر المخلوقات على الدوام والاستمرار، و كان القول بأنّ هناك سبباً و علّة اُخرى تقوم ببعض الاُمور في مجال الكون و الطبيعة مخالفاً لذلك، فما معنى نسبة


1 . المصدر نفسه: ص 176 ـ 177.


(212)

التوفّي إلى الملائكة و الرسل، و هل يمكن أن يقال إنّ النسبة الثانية و الثالثة نسبتان مجازيّتان؟ أو أنّ هناك وجهاً آخر به تنحلّ عويصة هذا النوع من الايات و هو انّ الممكن بذاته و فعله قائم به سبحانه، قيام المعنى الحرفي بالاسمي، أنّه لو قام بفعل أو تأثير فإنّما هو بقدرة مفاضة إليه في كلّ آن و آن (إن صحّ التعبير بالآن من حيث هي أصغر وحدة زمنية نعرفها).

و ثانياً: إنّه ليس نسبة الممكن إلى الواجب كنسبة البناء إلى البنّاء حيث يستغني البناء عن الباني في بقائه و دوامه لأجل القوى الطبيعيّة المودوعة فيه التي توجب تماسكه و التصاقه و بقائه، فإنّ ذلك التصوير تصوير خاطىء، فانّ الباني ليس موجداً للبناء حدوثاً و لابقاء، و إنّما هو علّة الحركة، أي تحريك أدوات البناء من حجر و طين و جصّ و تركيبها و نضدها بشكل خاص، و في مثل ذلك يصحّ استغناء البناء عن الباني و لو غاب أو مات، لبقى كما هو محسوس.

و أمّا نسبة العلل الطبيعية إلى اللّه سبحانه فليس من تلك المقولة فإنّها في حدوثها و بقائها، ذاتها و فعلها محتاجة إليه سبحانه قائمة به و الوجود ذاتاً و فعلاً، يفيض من المبدئ دوماً آناً فآناً، بحيث لو انقطعت الصلة بين رب العزّة و العلل الطبيعية لما كان منها عين و لاأثر، فلاترى الشمس و لاضياءه و لاالقمر و لانوره، و في مثل ذلك لايتصوّر استقلال الممكن في ذاته و فعاله، و ما ذكره الكاتب مبنيّ على حاجة العالم في حدوثه إلى البارىء لا في بقائه، و هو تصوّر باطل لاينسجم مع كونه ممكناً و لو أورد بالتشبيه و التنزيل فلنا أن نقول:

«إنّ نسبة العلل الطبيعية إلى اللّه سبحانه نظير نسبة المعنى الحرفي إلى الاسمي فإنّها لاتستغني عن المعنى الاسمي لافي عالم التصوّر و لا في مقام التحقّق عنه أو كنسبة الصور الذهنيّة إلى النفس، و في مثل ذلك التحدّث عن الاستغناء و الاستقلال تحدّث خاطىء».

و بذلك تعلم قيمة قوله «بعد أن اودعت فيها قواها المزعومة أصبحت تؤدّي


(213)

مهمّاتها استقلالاً فتصبح كجهاز العقل الآلي المعروف اليوم» و هذا يعرب عن أنّه تصور أنّ نسبة العوالم الامكانية إلى الواجب كنسبة البناء إلى الباني، فإنّ القول بوجود القوى في الأسباب الطبيعية ليس بمعنى استقلالها في الوجود و الايجاد بل بمعنى أنّ وجودها و ايجادها و جوهرها و آثارها قائمة به و مؤثّرة بحوله و قوّته و أمره و إذنه، فهو الذي أعطى قوّة الاحراق للنار و قوة التبريد للماء: (هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً)(يونس/5).

وينزل منه فيض الوجود إلى الممكنات دوماً وفي كلّ لحظة فلحظة و آن و آن.

و ثالثاً: نتنزّل عن كلّ ما ذكرنا و نقول: إنّ نسبة العلل الطبيعية إلى اللّه سبحانه لاتقلّ عن نسبة الوكيل إلى الموكل و العبد إلى مولاه، و مدير الشركة إلى أصحابها.

فالعبد يعمل لمولاه، و الوكيل يشتري و يبيع في متجر الموكّل، و المدير يخطّط اُمور التجارة و يمهّد لها، و الكلّ مبادىء أفعال و آثار و في الوقت نفسه ينسب أفعالهم إلى السيّد و الموكّل و أصحاب الشركة، و ما ذلك إلاّ لأجل انّهم قاموا بهذه الاُمور و نالوا هذا المنصب بإذنهم و أمرهم و إرادتهم، و إذا لم يريدوا حالوا بينهم و بين أفعالهم، و لأجل ذلك فلو باع الوكيل دار الموكّل ينسب الفعل إليهما جميعاً لكن الوكيل غير مستقل و الموكّل مستقل، و فعل الوكيل فعله بالتسبيب.

هذا هو الخط الذي يجب أن يمشي عليه المفسّر في تنسيق هذه الايات و تفسيرها، و المراد الايات التي ينسب الفعل الواحد إلى اللّه سبحانه و في الوقت نفسه إلى الإنسان و إلى غيره و إليك نماذج من هذا النوع من الايات:

1 ـ يقول سبحانه: (قُلْ اِنَّ هُدى اللّهِ هُوَ الهُدى)(البقرة/120). فترى أنّه يحصر الهداية في اللّه سبحانه و في الوقت نفسه يسمّي النبي هادياً و يقول: (وَ اِنَّكَ لَتَهْدِى اِلى صِراط مُسْتَقِيم)(الشورى/52). فما معنى الحصر المتقدّم و نسبة الهداية إلى النبي الأكرم؟

و الجمع أنّ الهداية الأصيلة القائمة باللّه مختصّة به، و أمّا الهداية المفاضة


(214)

المكتسبة المأذونة فإنّما هو للعبد، فهناك هداية واحدة تنسب إلى اللّه أوّلاً و إلى الثاني استقلالاً و تبعاً، و اللّه سبحانه هاد بلاشكّ و النبي الأعظم هاد حقيقة بلاشائبة مجاز، لكن بتمكين و إقدار و إذن منه، و مثل ذلك لايوجب كون النبي مستقلاً في فعله و يكون كجهاز العقل الآلي.

2 ـ يأمر القرآن ـ في سورة الحمد ـ بالاستعانة باللّه وحده، إذ يقول:

(وَ اِيّاكَ نَسْتَعِينُ).

في حين نجده في آية اُخرى يأمر بالاستعانة بالصبر و الصلاة، إذ يقول:

(وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ)(البقرة/45).

3 ـ يعتبر القرآن الكريم الشفاعة حقاً مختصّاً باللّه وحده، إذ يقول:

(قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً)(الزمر/44).

بينما يخبرنا ـ في آية اُخرى ـ عن وجود شفعاء غير اللّه كالملائكة:

(وَ كَمْ مِنْ مَلَك فِى السَّمواتِ لاتُغْنِى شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً اِلّا مِنْ بَعْدِ اَنْ يَأْذَنَ اللّهُ)(النجم/26).

4 ـ يعتبر القرآن الإطلاع على الغيب و العلم به منحصراً في اللّه، حيث يقول:

(قُلْ لاَيَعْلَمُ مَنْ فِى السَّمواتِ وَ الأَرْضِ الغَيْبَ اِلّا اللّهُ)(النمل/65).

فيما يخبر الكتاب العزيز في آية اُخرى عن أنّ اللّه يختار بعض عباده لاطلاعهم على الغيب، إذ يقول:

(وَ ما كانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلى الغَيْبِ وَ لَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِى مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ)(آلعمران/179).

5 ـ ينقل القرآن عن إبراهيم (عليه السلام) قوله بأنّ اللّه يشفيه إذا مرض حيث يقول:(وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين)(الشعراء/80).


(215)

و ظاهر هذه الاية هو حصر الشفاء من الأسقام في اللّه سبحانه، في حين أنّ اللّه يصف القرآن و العسل بأنّ فيهما الشفاء أيضاً، حيث يقول:

(فِيهِ شِفاءٌ لِلْنّاسِ).(النحل/69)

(وَ نُنَزِّلُ مِنْ القُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ)(الاسراء/82).

6 ـ إنّ اللّه تعالى ـ في نظر القرآن ـ هو الرزّاق الوحيد، حيث يقول:

(اِنَّ اللّهَ هُوَ الرزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ)(الذاريات/58).

بينما نجد القرآن يأمر المتمكّنين و ذوي الطول بأن يرزقوا من يلوذبهم من الضعفاء، إذ يقول:

(وَ ارْزُقُوهُمْ فِيها وَ اكْسُوهُمْ)(النساء/5).

7 ـ الزارع الحقيقي ـ حسب نظر القرآن ـ هو اللّه كما يقول:

(اَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَاَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ)(الواقعة/63و64).

في حين انّ القرآن الكريم ـ في آية اُخرى ـ يطلق صفة الزارع على الحارثين، إذ يقول:

(يُعْجِبُ الزُرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّار)(الفتح/29).

8 ـ إنّ اللّه هو الكاتب لأعمال عباده، إذ يقول:

(وَ اللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ)(النساء/81).

في حين يعتبر القرآن الملائكة ـ في آية اُخرى ـ بأنّهم المأمورون بكتابة أعمال العباد، إذ يقول:

(بَلى وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)(الزخرف 80).

9 ـ و في آية ينسب تزين عمل الكافرين إلى نفسه سبحانه يقول:

(اِنَّ الَّذِينَ لايُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ رَبَّنَا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ)(النمل/4).


(216)

و في الوقت نفسه ينسبها إلى الشيطان:

(وَاِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ اَعْمالَهُمْ وَ قَالَ لاغَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ)(الأنفال/48).

و في آية اُخرى نسبها إلى آخرين و قال:

(وَ قَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ اَيْدِيهِمْ)(فصّلت/25).

10 ـ مرّ في هذا البحث حصر التدبير في اللّه حتى إذا سئل من بعض المشركين عن المدبّر لقالوا: هو اللّه، إذ يقول في الاية 31 من سورة يونس:

(وَ مَنْ يُدَبِّرُ الاَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ).

بينما اعترف القرآن بصراحة في آيات اُخرى بمدبّريّة غير اللّه حيث يقول:

(فَالْمُدَبِّراتِ أَمراً)(النازعات/5).

فمن لم يكن له إلمام بمعارف القرآن يتخيّل لأوّل و هلة أنّ بين تلك الايات تعارضاً غير أنّ الملمّين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أنّ حقيقة هذه الاُمور (أعني الرازقيّة و الشفاء و ...) قائمة باللّه على نحو لايكون للّه فيها أيّ شريك فهو تعالى يقوم بها بالاصالة و على وجه «الاستقلال» في حين أنّ غيره محتاج إليه سبحانه في أصل وجوده و فعله، فما سواه تعالى يقوم بهذه الأفعال و الشؤون على نحو «التبعيّة» و في ظل القدرة الالهية.

و بما أنّ هذا العالم هو عالم الأسباب و المسببات، و أنّ كل ظاهرة لابدّ أن تصدر و تتحقّق من مجراها الخاص بها المقرر لها في عالم الوجود، ينسب القرآن هذه الآثار إلى أسبابها الطبيعية دون أن تمنع خالقية اللّه من ذلك، و لأجل ذلك يكون ما تقوم به هذه الموجودات فعلاً للّه في حين كونها فعلاً لنفس الموجودات، غاية ما في الأمر إنّ نسبة هذه الامور إلى الموجود الطبيعي نفسه إشارة إلى الجانب «المباشري» فيما يكون نسبتها إلى «اللّه» إشارة إلى الجانب «التسبيبي».


(217)

و يشير القرآن إلى كلا هاتين النسبتين في قوله سبحانه:

(وَ ما رَمَيْتَ اِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللّهَ رَمى)(الأنفال/17).

ففي حين يصف النبي الأعظم بالرمي، إذ يقول بصراحة«إذ رميت» نجده يصف اللّه بأنّه هو الرامي الحقيقي، و ذلك لأنّ النبي إنّما قام بما قام بالقدرة التي منحها اللّه له، فيكون فعله فعلا للّه أيضاً، بل يمكن أن يقال: إنّ انتساب الفعل إلى اللّه (الذي منه وجود العبد و قوّته و قدرته) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد بحيث ينبغي أن يعتبر الفعل فعلاً للّه لا غير، و لكن شدّة الانتساب هذه لاتكون سبباً لأن يكون اللّه مسؤولاً عن أفعال عباده، إذ صحيح انّ المقدّمات الأوّلية للظاهرة مرتبطة باللّه و ناشئة منه إلاّ أنّه لما كان الجزء الأخير من العلّة التامّة هو إرادة الإنسان و مشيئته بحيث لولاها لما تحققت الظاهرة يعدّ هو مسؤولاً عن الفعل.

الخامس و الثلاثون: «الخلاّق»

و قد تبيّن حاله ممّا ذكرناه في الاسم السابق.

السادس و الثلاثون: «الخبير»

و قد ورد لفظ الخبير في الذكر الحكيم 45 مرّة و جاء اسما له سبحانه في جميع الموارد، و استعمل تارة مع «الحكيم» و اُخرى مع «البصير» و ثالثة مع «العليم» و رابعة مع «اللطيف».

قال سبحانه: (وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)(الأنعام/18).

و قال سبحانه: (وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرِ ما يَشاءُ اِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)(الشورى/27).

و قال سبحانه: (إِنَّ اَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ اَتْقيكُمْ اِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات/13).


(218)

و قال سبحانه: (لاتُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الاَبْصارَ وَ هُوَ اللَطِيفُ الخَبِيرُ)(الأنعام/103).

و يستظهر معناه ممّا قورن به من كونه حكيماً و بصيراً و عليماً و لطيفاً.

قال ابن فارس: «خبر» له أصلان: الأوّل العلم، و الثاني يدل على لين و رخاوة و غزر، فالأوّل الخبر: العلم بالشيء، تقول لي بفلان خبره و خبر، و اللّه تعالى الخبير أي العالم بكلّ شيء، و قال اللّه تعالى: (وَ لايُنْبِئُكَ مِثْلُ خَبِير)، و الثاني الخبراء و هي الأرض الليّنة و الخبير الأكّار و هو من هذا، لأنّه يصلح الأرض و يدمّثها و يلينها»(1).

و قال الراغب: «العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر، و خبرته خبراً و خبرة و أخبرت و أعلمت بما حصل لي من الخبر، و قيل الخبرة: المعرفة ببواطن الأمر».

و فسّره الصدوق بمطلق العلم و قال: «الخبير معناه العالم، و الخبر و الخبير في اللّغة واحد، و الخبر علمك بالشيء، يقال لي به خبر أي علم»(2) و الظاهر انّ المراد هو الثاني و هو العلم بكنه الشيء و الخبير هو المطّلع على حقيقته و إليه يشير قوله: (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً)(الفرقان/59).

و قوله: (وَ لاَيُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير)(فاطر/14). نعم الخبير صفة المخلوقين إنّما يستعمل في العلم الذي يتوصل به في الاختبار و الامتحان و اللّه منزّه منه(3).

و أمّا حظ العبد فيمكن أن يكون مظهراً لهذا الاسم بالبحث و الفحص عن أسرار الكون و دقائقه، و محاسن الأخلاق و قبائحه.


1 . مقاييس اللغة ج 2 ص 231.
2 . كتاب التوحيد: ص 216.
3 . لوامع البينات للرازي: ص 248.


(219)

السابع و الثلاثون: «الخير»

و قد ورد لفظ «الخير» مرفوعا في الذكر الحكيم 176 مرّة و وقع اسماً و وصفاً له سبحانه مرّتين .

قال سبحانه: (وَ اللّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقَى)(طه/73)، و قال (قُلِ اَلْحَمْدُ لِلّهِ وَ سَلامٌ عَلى عِبادِهِ اَلَّذِينَ اصْطَفى أَاَللّهُ خَيْرٌ اَمّا يُشْرِكُونَ)(النمل/59).

هذا في ما وقع له وصفاً مفرداً، و أمّا إذا اُضيف إلى اسم من أسمائه سبحانه فقد جاء في الذكر الحكيم الأسماء التالية:

1 ـ خيرالحاكمين. 2 ـ خيرالراحمين. 3 ـ خيرالرازقين. 4 ـ خيرالغافرين. 5 ـ خيرالفاتحين. 6 ـ خيرالفاصلين. 7 ـ خيرالماكرين. 8 ـ خير المنزلين. 9 ـ خيرالناصرين.10 ـ خيرالوارثين. 11 ـ خيرحافظا.

و هذا الأخير شبه المضاف و لذلك أتينا به في عداد المضاف، و نقدّم البحث عن «الخير» غير المضاف ثمّ نأتي بالمضاف من «الخير».

«الخير» كما قال ابن فارس خلاف الشرّ و الضرّ.

قال سبحانه: (وَ لايَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتيهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ)(آلعمران/180).

و قال سبحانه: (وَ اِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرّ فَلاكاشِفَ لَهُ اِلّا هُوَ وَ اِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْر فَهُوَ عَلى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ)(الأنعام/17). و في جميع الأحوال، و خير مقيّد و نسبيّ و هو أ ن يكون خيراً لواحد، و شراً لآخر كالمال فقد أسماه سبحانه في مورد خيراً و قال: (إِنْ تَرَكَ خَيْراً)(البقرة/180) و في مورد آخر بخلافه و قال: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مال وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْراتِ بَلْ لايَشْعُرُونَ)(المؤمنون/55و56).

فالمال في يد الرجل التقيّ خير يقري به الضيف و يقضي حاجة المستنجد، و


(220)

في يد الرجل الفاسق شرّ، لأنّه يصرفه في العصيان و الطغيان، و اللّه سبحانه خير مطلق لاشرّ فيه و لايصدر منه الشرّ و ليس للشرّ إليه سبيل.

هذا و ربّما يطرح هناك سؤال و هو انّه سبحانه لو كان خيراً محضاً فما هو المبدئ للمصائب و الآلام التي ملأت العالم كالزلازل الهدّامة و السيول الجارفة و السباع الضارية،إلى غير ذلك ممّا يسمّى شرّاً.

أقول: هذا ممّا شغل بال الباحثين طيلة سنين و أجابوا عنه بوجوه:

1 ـ النظرة الأنانيّة إلى الظواهر:

إنّ ما يظن من الحوادث الشاذّة متّسمة بالشرّ إنّما ينبع من نظر الإنسان إلى هذه الاُمور من خلال مصالحه الشخصيّة و يجعلها محوراً و ملاكاً لتقييم هذه الاُمور فعندما يراها نافعة لشخصه و ذويه، يصفها بالخير و إلاّ فيصفها بالشرّ، فهو في هذا الحكم لاينطلق إلاّ من نفسه و مصالحه الشخصيّة و من يقرّبه بأواصر القومية، و لأجل ذلك يصف الطوفان الجارف الذي يكتسح مزرعته، و السيل العارم الذي يهدّم منزله، و الزلزلة التي تضعضع أركان بيته بالشرّ و البلاء، و لكنّه يتجاهل غيره من البشر الذين يقطنون في مناطق اُخرى من العالم، أو الذين عاشوا في غابر الزمان أو يعيشون في مستقبله أن تكون هذه الحوادث مفيدة لأحوالهم و حياتهم، و ما أشبه هذا الإنسان و رؤيته برؤية عابر سبيل، يرى جرّافة تحفر الأرض أو تهدم أبنية فيقضي من فوره أنّه عمل ضارّ و مسيئ، و هو لايدري أنّ ذلك التخريب و التهديم مقدّمة لبناء مستشفى كبير يستقبل المرضى و يعالج المصابين و يهيّئ لمئات الآلاف من المحتاجين إلى العلاج، و لو وقف على تلك الغاية لما وصف التهديم بالشرّ بل تتلقّاه خطوة نافعة.

إنّ مثل هذا الإنسان المحدود النظرة الأناني في تقييمه مثل الخفّاش الذي يؤذيه النور لأنّه يقبض بصره، بينما يبسط هذا النور ملايين العيون، و يساعدها على


(221)

الأبصار و الرؤية، و يوفّر لها إمكانيّة الحياة، فهل يكون قضاء الخفّاش على النور بأنّه شرّ ملاكاً لتقييم هذه الظاهرة؟

إنّ الحوادث حلقات مترابطة في سلسلة ممتدّة من أوّل الحياة إلى أقصاها، فما يقع الآن يرتبط بما وقع في أعماق الماضي، و بما سيقع في المستقبل في سلسلة من العلل و المعاليل و الأسباب و المسبّبات، و من هنا لايكون القضاء على ظاهرة من الظواهر بغض النظر عمّا سبقها وما يلحقها، وتقييمها جملة واحدة، قضاء صحيحاً وموضوعيّاً، ولا النظر إليها دون هذا الشكل نظراً صائباً، وإليك بعضالأمثلة:

إذا وقعت عاصفة على السواحل فإنّها تقطع الأشجار و تهدّم الأكواخ و تقلّب الاثاث، و يوصف بالشرّ عند القياس إلى النفس، و لكنّها في الوقت نفسه توجب حركة السفن الشراعيّة المتوقّفة في عرض البحر بسبب سكون الريح، و بهذا تنقذ حياة المئات من ركابها اليائسين من نجاتهم و توصلهم إلى شواطئ النجاة.

صحيح انّ العاصفة تهدّم بعض الجدران و تقلع بعض الأشجار و لكنّها تعتبر وسيلة فعّالة في عملية التلقيح بين الأشجار و الأزهار، كما يعتبر وسيلة فعّالة لتحريك السحب الحاملة للمطر، و تبدّد الأدخنة المتصاعدة من فوهات المصانع و المعامل، إلى غير ذلك من الآثار الطيّبة لهبوب الرياح التي تتضاءل عندها بعض الآثار السيّئة أو تكاد تنعدم بالمرّة.

و هناك ندرك سرّ قوله سبحانه في الكتاب العزيز عن علم الإنسان و عجزه حيث قال: (وَ ما اُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ اِلّا قَلِيلاً)(الاسراء/85). و قال: (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الحَياةِ الدُنْيا)(الروم/7).

كلّ ذلك يصدّنا من التسرّع في القضاء و الحكم على الحوادث بالشرّ لضآلة علمنا بما جرى في السابق و ما يجري حالياً و ما سيجري في المستقبل، و ليست هذه الحادثة منفصلة عن الحوادث في الظروف الثلاثة، فلعلّها بالنسبة إليها تحمل


(222)

مصالح كبيرة يحقر عنده ما يصاب الإنسان من الشرّ و البلاء.

إنّ هنا كلمة قيّمة للفيلسوف الإلهي صدر الدين الشيرازي يقول:

«و اعلم أنّه قدتحرّت العقول في كون بعض الحيوانات آلة لبعض، و فيما جعل اللّه تعالى ذلك في طباعها و هيّأ لها الآلات و الأدوات التي يتمكّن بها على ذلك كالأنياب و المخالب و الأظافير الحداد التي بها يقدر على القبض و الضبط و الخرط و النهش و الأكل و الشهوة و اللذّة و الجوع و ما شاكل ذلك مع ما يلحق المأكولات منها من الآلام و الأوجاع و الفزع عند الذبح و القتل، قلما فكّروا في ذلك و لم تسنح لهم العلّة و لا الغاية و الحكمة، فاختلفت عند ذلك بهم الآراء وتفنّنتبهم المذاهب، حتى قال بعضهم: إنّ تسلّط الحيوانات بعضها على بعض و أكل بعض لبعض ليس في فعل حكيم بل فعل شرير قليل الرحمة ظلاّم للعبيد، فلهذا قالوا: إنّ للعالم فاعلين خيّراً و شريراً.

و إنّما لم يفقوا عليها لأنّ نظرهم كان جزئيّاً، و بحثهم عن علل الأشياء مخصوصاً، و يمتنع أن يعلم أسباب الأشياء الكلّيّة بالأنظار الجزئيّة، لأنّ أفعال البارئ تعالى إنّما الغرض منها هو النفع الكلّي و الصلاح على العموم و إن كان يعرض من ذلك ضرر جزئي و مكاره مخصوصة أحياناً، و هكذا خلق اللّه الشمس و القمر و الامطار لأجل النفع و المصلحة العامّة، و إن كان قديعرض لبعض الناس و الحيوان و النبات من ذلك ضرر، و لمّا كان الأمر يؤول إلى الصلاح الكلّي كانت تلك الشدائد من جهته صغيرةً جزئيّةً(1).

و بوجه إجمالي القضاء على بعض الظواهر بأنّه شرٌّ ناشئ من انطلاق الإنسان في قضائه على هذه الظواهر من منطلق نفعيّ أناني، و أمّا إذا نظر إلى تلك الظواهر من زاوية النظام العام فلايراها إلاّ خيرات ضرورية لتعادل النظام و لازمة لاتّساقه و استمرار الحياة و بقائها.


1 . الاسفار ج 7 ص 98 ـ 99.


(223)

و في ذلك يقول الحكيم السبزواري:

ما ليس موزونا لبعض من نغم *** ففي نظام الكلّ، كلّ منتظم

2 ـ الشرّ أمر انتزاعي قياسيّ نسبيّ

ما ذكرنا من الجواب يعمّ كافّة الناس بشرط أن يتنازلوا عمّا يتصوّرون من الاحاطة على أسرار الكون و حقائقه، و هناك جواب آخر يهمّ المحقّقين في العلوم العقلية و حاصل هذا الجواب: إنّ الشر أمر عدمي ليس له واقعيّة في صفحة الكون، بل هو أمر انتزاعي تنتزعه النفس عند مقايسة أمر بأمر، و الاشكال إنّما يرد لو كان له واقع خارجي في حدّ ذاته، و أمّا إذا كان كلّّ ما في الكون متّسما بسمة الخير و كانت الشرور مخلوقة ذهن الإنسان عند مقايسة ظاهرة بظاهرة و مشاهدة التنافر و التضاد بينهما فلا، إذاً ليس لها واقع خارجي يحتاج إلى الايجاد و الخلق، و إنّما هي اُمور وهميّة يخلقها الذهن عند المقايسة و مشاهدة التضاد بين الحادثين، بحيث لولا حديث المقايسة لما كان للشرّ في صفحة الكون واقعيّة و حقيقة، فنقول في توضيحذلك:

إنّ الصفات على قسمين:

1 ـ ما يكون له واقعيّة كموصوفه مثل قولنا: الإنسان موجوداً أو انّ المتر=100سنتمتر و هذه صفة حقيقيّة لها واقعيّة خارجيّة توجّه إليها الذهن أم لا؟

2 ـ ما لايكون له واقعية مثل موصوفه بل ينتزعه الذهن عند المقايسة كالكبر و الصغر، فإنّ الكبر ليس شيئاً ذات واقعيّة خارجيّة، و انّما هي صفة ينتزعها الذهن بالقياس إلى ما هو أصغر منه.

مثلاً الأرض له حجم واقعي و مساحة خاصّة كما أنّ الشمس كذلك، فالحجم و المساحة في كلّ منهما ذات واقعيّة خارجيّة، إلاّ أنّ هناك أمراً ثالثاً و هو انّ الأرض أصغر من الشمس و الشمس أكبر منه، أو أنّ القمر أصغر من الأرض و الأرض أكبر


(224)

من القمر، فليس الكبر و الصغر من الاُمور الواقعيّة، بل إنّما هي مفاهيم ذهنيّة تنتزع عندالقياس.

و لأجل ذلك تتّصف الأرض تارة بالصغر و اُخرى بالكبر، فليس هنا واقعيّة وراء الحجم و المساحة حتى يكون محقّقاً للصغر و الكبر.

و في ضوء هذا تقدر على حلّ الشرور فإنّها اُمور قياسيّة نسبيّة، فسمّ الحيّة و العقرب و غزارة المطر ليست من الشرور بتاتاً إذا لوحظ كلّ واحد بنفسه، بل هي سبب لكمال أصحابها و موجب لبقائها، و إنّما يتّسم بالشر إذا قيس إلى الإنسان و لوحظ المنافرة بينهما.

و عند ذلك فالشرّ ليس ممّا يتعلّق به الخلق و الايجاد لأنّ المفروض أنّها اعدام لا موجودات، و اتّصافه بالشرّ إنّما هو وليد الذهن و بانتزاعه، فسمّ العقرب و الحيّة بما هي هي مخلوق للّه سبحانه و تعالى، و أمّا كونه ضارّاً بالنسبه للإنسان فليس شيئاً واقعيّا وراء السمّ حتى يحتاج إلى الخالق، و إنّما ينطلق إليها الذهن عند المقايسة.

إلى هنا خرجنا بجوابين عن الاشكال:

1 ـ إنّ وصف الإنسان لبعض الظواهر بكونها شرّاً لأجل النظر إليها من زاوية ضيّقة، و أمّا إذا لوحظت من زاوية النظام العام فهي موصوفة بالخير.

2 ـ إنّ بعض الحشرات و الضواري و السباع التي يصفها الإنسان بالشرّ لايكون الموجود منها سوى ذواتها و أجهزتها، و أمّا الاتصاف بالشريّة فليس إلاّ أمراً ذهنيّا لاخارجيّاً فلذلك لايقع في صفحة الخلق.

و إلى ما ذكرنا يشير الحكيم السبزواري:

و الشرّ اعدام فكم قد ضلّ من *** يقول باليزدان ثم الأهرمن

ما ذكرنا من الجوابين كان تحليلاً فلسفيّاً و لكن هناك تحليلات اُخرى للشرور و هي تحليلها من جانب الآثار التربويّة و حاصلها: إنّ لهذه الحوادث الأليمة و


(225)

المصائب المحزنة آثار تربويّة مهمّة في حياة البشر، و لأجل ذلك وقعت في حيّز الخلق و ذلك من باب تقديم الخير الكثير على الشرّ الكثير، و إليك بيان تلك الآثارالتربويّة.

1 ـ المصائب وسيلة لتفجير القابليات(1).

يحطّ الإنسان قدمه على هذه الأرض و هو يحمل في كيانه جملة كبيرة من القابليات و المواهب التي تبقى في مرحلة القوى و في صورة الطاقات المعطّلة المخزونة، إلاّ أن تتوجّه إليها صدمة قويّة تحرك القابليات، و تفجّر المواهب، و تظهر المعادن، و تصقل الجواهر.

و بعبارة واضحة: إذا لم يتعرّض الإنسان للمشاكل في حياته فإنّ قابليّاته و مواهبه المكنونة بين جوانحه ستبقى جامدة هامدة لاتنمو و لاتنفتح، بل تبقى في مرحلة القوّة و الذخيرة المهملة، فإذا تعرّض الإنسان للمشاكل والمحن تفتّقت فيه تلك القابليات، و نمت تلك المواهب، و انتقلت الطاقات الكامنة من مرحلة القوّة إلى مرحلة الفعلية، و تفتّح فكره، و تكامل عقله.

و لايعني هذا أن يعمد الإنسان بنفسه إلى خلق المشاكل، و إثارة الشدائد و المصائب و جرّها إلى نفسه ابتداءً، بل يعني أن يستقبلها الإنسان ـ إذا جاءت ـ برحابة صدر، و يستفيد منها في تفجير قابلياته، و تنمية مواهبه، و إذكاء عقله، و تقوية روحه، لا أن يستسلم أمام عواصفها، أو ينهزم أو ينهار، فلايحصد إلاّ الخسران، و لايقطف إلاّ ثمرة السقوط المرّة.

إنّ البلايا و المصائب و المحن خير وسيلة ـ لو أحسن المرء استغلالها و استخدامها ـ لتفجير الطاقات، بل تقدّم العلوم، ورقيّ الحياة البشريّة.

فهاهم علماء الحضارة يصرّحون بأنّ أكثر الحضارات لم تتفتّق و لم تزدهر إلاّ


1 . لاحظ: اللّه خالق الكون ص 270 ـ 277، فقد نقلناه منه.


(226)

في أجواء الحروب و الصراعات و المنافسات، حيث كان الناس يلجأون فيها إلى استحداث وسائل الدفاع و في مواجهة الأعداءِ المهاجمين، أو اصلاح ما خلّفته الحروب من دمار و نقص و تخلّف، أو تهيئة ما يستطيعون به على مقاومة الحصار مثلاً.

فقد كانت ـ في مثل هذه الظروف ـ تتفتّق المواهب و تتحرّك القابليّات لملافاة مافات، و تكميل ما نقص و تهيئة ما يلزم. و من هنا قالوا: إنّ الحاجة اُمّ الاختراع.

قال العلامة الطباطبائي في هذا الصدد:

«إنّ البحث الدقيق في العوامل المولّدة للسجايا النفسانيّة بحسب الأحوال الطارئة على الإنسان في المجتمعات يهدي إلى ذلك، فإنّ المجتمعات العائلية و الأحزاب المنعقدة في سبيل غرض من الأغراض الحيوية دنيويّة أو دينيّة في أوّل تكوّنها و نشأتها تحسّ بالموانع المضادّة و المحن الهادمة لبنيانها من كلّ جانب فتتنبّه قواها الدافعة للجهاد في سبيل هدفها المشروع عندها، و يستيقظ ما نامت من نفسيّاتها للتحذّر من المكاره، و التفدية في طريق مطلوبها بالمال و النفس، و لاتزال تجاهد و تفدي ليلها و نهارها، و تتقوّى و تتقدّم حتى تمهّد لنفسها فيها بعض الاستقلال و يصفو لها الجوّ بعض الصفاء، و تأخذ بالاستفادة من فوائد جهدها»(1).

ثم إنّنا لاندّعي بأنّ هذه النتائج و الثمار توجد دائماً في جميع الحوادث و الكوارث، و إنّما في أغلبها.

فإنّ أغلبيّة هذه المصائب و البلايا تعطي دفعة قويّة لقابليات الأفراد، و تطرد الكسل عن نفوسهم و الجمود عن أفكارهم.

أليس الحديد يزداد قوة و صلابة كلّما تعرّض للنار، و أليس السيف يزداد حدة و قاطعية كلّما تعرّض للمبرد.


1 . الميزان ج 9 ص 124.


(227)

و من هنا فإنّ الوالدين اللذين يعمدان إلى تربية ولدهما تربية ناعمة مرفّهة بعيدة عن الصعوبات و الشدائد، لايقدّمان إلى المجتمع إلاّ إنساناً هزيلاً ضعيف الإرادة فاقد الطموح، أشبه ما يكون بالنبتة الغضّة في مهبّ الريح، بل و التبنة الخفيفة الوزن أمام هبوب العاصفة تأخدها يميناً و شمالاً.

و أمّا الذي ينشأ نشأة خشنة محفوفة بالمشاكل و المصائب، و المصاعب و المتاعب، فإنّه يكون أشبه بالصخرة الصلبة التي تتكسر عليها كلّ السهام، و تتحطّم عندها كلّ العواصف أو كما وصف الامام علي (عليه السلام) إذ قال:

«ألا إنّ الشجرة البرية أصلب عوداً و الروائع الخضرة أرقّ جلوداً، و النباتات البدوية أقوى وقوداً، و أبطأ خموداً»(1).

و إلى هذه الحقيقة ذاتها يشير قوله سبحانه:

(فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)(النساء/19).

و قوله تعالى:

(فَاِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً * اِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)(الشرح/5و6).

و قوله سبحانه:

(فَاِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَ اِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ)(الشرح/7و8).

أي تعرّض للنصب و التعب بالاقدام على العمل و السعي و الجهد كلّما فرغت من العبادة، و كأنّ النصر و المحنة حليفان لاينفصلان، و اخوان لايفترقان.

و خلاصة القول: إنّ القدرة على المقاومة و الظفر بالنجاح يتوقّف على صلابة الإنسان الحاصلة من المرور بالصعوبات و المشاق، ليزداد قوّة إلى قوّة، و تماسكاً إلى تماسك كما يزداد الحديد صلابة إذا تعرّض لمطرقة الحدّاد، و لكي يخلص عقله و روحه من علائق الكسل و الجمود كما يخلص الذهب من الشوائب إذا تعرّض لألسنة اللهب.


1 . نهج البلاغة ـ الرسالة رقم 45.


(228)

2 ـ المصائب و البلايا جرس انذار:

إنّ التمتع بالمواهب المادية، و الاستغراق في اللذائذ و الشهوات يوجب غفلة كبرى عن القيم الأخلاقيّة.

فكلّما ازداد الإنسان تعمّقاً في اللذائذ و النعم ازداد ابتعاداً عن الجوانب المعنوية، و ربّما انتهى به الحال إلى أن ينسى نفسه بالمرّة.

و هذه حقيقة يلمسها كلّ فرد في حياته و حياة غيره، كما يقرأها في صفحاتالتاريخ.

فلابد ـ حينئذ ـ من وخزة للضمير، و هزّة للعقل... لابد من جرس للانذار يذكّر الإنسان بنفسه و يفيقه من غفوته، و ينبّهه من غفلته، و ليس هناك ما هو أنفع ـفي هذا المجالـ من بعض الحوادث التي تغيّر رتابة الحياة، و تقطع على الإنسان شروده و غفلته، و لهوه و لذّته، فإذا انقطع نظام الحياة الناعمة بشيء من المزعجات، و اعترضت لذّته بعض المنغّصات، استيقظ من نومه، و أدرك عجزه، و تخلّى عن غروره، و خفّف من طغيانه.

إنّ الذي يعيش حياة ناعمة رتيبة يشبه إلى كبير من يركب في سيارة يقودها سائق، تسيرعلى طريق مبلّط فيغطّ في نوم عميق، لايستيقظ منه إلاّ إذا كبس السائق على فرامل السيارة فجأة، و توقّفت دون سابق اخبار، أو مرّ على قطعة غير مبلّطة، فأحدثت رجفة قويّة.

و لهذا تعمد الأجهزة المسؤولة عن الطرق و المواصلات إلى غرس بعض القطع الناتئة على متن الطرق حتى يوجب ذلك تنبيه السائقين بسبب ما تحدثه من هزّات للسيارة كيلا يستسلموا للنوم و النعاس.

و لأجل ذلك يتّضح وجه ربط الطغيان باحساس الغنى و الاستغناء في الكتاب العزيز إذ يقول سبحانه:

(اِنَّ الاِنْسانَ لَيَطْغى * اَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى)(العلق/6 و 7).


(229)

كما ولأجل هذا يعلّل القرآن الكريم بعض النوازل والمصائب بأنّها لفائدة الذكرى، فالرجوع إلى الله، والتضرّع إليه .

يقول سبحانه في هذا الصدد:

( وَ مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِىّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ )(1).

ويقول أيضاً :

(وَ لَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْص مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ )(2).

فالآيتان تصرّحان بأنّ المصائب والبلايا سبب لتضرّع الإنسان اليالله، وتذكّره، فهو إذا نسي الله في غمار الشهوة والماديّة، أيقظته المحنة وذكّرته بالله، إذ بها يدرك أنّه فقير عاجز لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً، وإنّ اللذة الدنيوية لذّة عابرة، وشهوة متصرّمة، وإنّه لا ملجأ له ولا معين إلاّ الله.

وهكذا تكون البلايا والمصائب سبباً ليقظة الإنسان، وتذكّره، وتنبّهه وتضرّعه إلى الله، فهي بمثابة صفعة الطبيب على وجه المريض المبنّج الّتي لولاها لانقطعت حياة المريض وتعرّضت لخطر الموت.

وهكذا توجب المحن والمصائب التكامل الاخلاقي كما توجب التفتّح العقلي على ما عرفت في النقطة الأُولى، وقد يتّخذ الإنسان من النوازل والمحن وسيلة لتذكّره ويقظته والتخلي عن غروره، وعندئذ تكون البلايا نعماً إلهية في حقّ الإنسان.

وقد لا يتخذ منها أيّ موقف أبداً فتكون في هذه الحالة ـ بالذات ـ مصيبة عليه، وكارثة في حياته .


1 . الاعراف: 94 .
2 . الاعراف: 130 .


(230)

3 ـ البلايا سبب للعودة إلى الحق:

إنّ للكون هدفاً، كما أنّ لخلق الإنسان هدفاً كذلك، و ليس الهدف من خلق الإنسان إلاّ أن يتكامل في جميع أبعاده، و ما بعث الأنبياء و انزال الكتب و الشرائع إلاّ لتحقيق هذا الهدف العظيم، و الغاية السامية.

و لمّا كانت المعاصي و الذنوب من أكبر الأسباب التي توجب بعد الإنسان عن الهدف الذي خلق الإنسان من أجله، و تعرقل مسيرة تكامله، لأنّ الذي يعيش طيلة حياته في الكذب و النفاق و غيرها من المعاصي لايمكن أن يتوصّل إلى هدف الخلقة بل يبقى كالحيوان غائب الرشد سادر الفكر، كان لابدّ من صدمة تعيده إلى رشده، و تردّه إلى صوابه، و كذلك تفعل البلايا و المصائب فإنّها بقطعها نظام الحياة و ايقافها للإنسان العاصي على نتائج أعماله توجب رجوعه إلى الحقّ و عودته إلى العدالة، أو تدفعه إلى أن يعيد النظر في سلوكه و منهجه في الحياة على الأقل.

إنّ القرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة ـبوضوح لاابهام فيهـ إذ يقول:

(ظَهَرَ الفَسَادُ فِى البَّرِ وَ البَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ اَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(الروم/41).

و يقول سبحانه في آية اُخرى:

(وَ لَوْ اَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَ الاَْرْضِ وَ لكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)(الأعراف/96)

نقطتان هامّتان:

و يجدر بنا في ختام هذا البحث أن نشير إلى نقطتين هامّتين:

الاُولى: إنّ بقاء الحياة على نمط واحد و وتيرة واحدة يوجب ملل النفس و كلل الروح و تعب العقل، فلاتكون الحياة محبّبة لذيذة إلاّ إذا تراوحت بين المرّ و الحلو، و الجميل و القبيح، و المحبوب و المكروه، إذ لايمكن معرفة السلامة إلاّ عند


(231)

العيب، و لاالصحّة إلاّ عند المرض، و لا العافية إلاّ عند الاصابة بالحمّى، ولاتدرك لذة الحلاوة إلاّ عند تذوق المرارة.

و بالجملة لولا المرض لما علمت قيمة الصحّة، و لولا الشتاء لما عرفت قيمة الصيف، و هكذا.

و من هنا نجد البنّائين و المهندسين إذا بنوا داراً تفنّنوا في بناء الجدران و السقوف، فبنوها متموّجة متعرّجة لامسطّحة خالية من أية تعرجات و تموّجات، لأنّ النفس الميّالة بطبعها إلى التنوّع لاترتاح إلاّ برؤيتها للجدار المتنوّع الأشكال والسطوح.

و لعلّ لهذا السبب كانت الوديان إلى جانب الجبال، و الأشواك إلى جانب الورود، و الثمار المرة إلى جانب الثمار الحلوة، و الماء الاجاج إلى جانب الماء العذب الفرات، و عبور الأنهر و المياه عبر الجداول المتعرجة الملتوية في بطون السهول و الاودية.

إنّ المصائب و إن كانت مرّة غير مستساغة، و لامأنوسة المذاق، إلاّ أنّها تبرز من جانب حلاوة الحياة و قيمة النعم، و أهمّية المواهب.

فجمال الحياة و قيمة الطبيعة ينشئان من هذا التنوّع و الانتقال من حال إلى حال، و التبدّل من وضع إلى آخر.

الثانية: إنّ هناك من المحن ما ينسبها الإنسان الجاهل إلى خالق الكون والحال أنّ أكثرها من كسب نفسه و نتيحة منهجه.

فإنّ الأنظمة الطاغوتية هي التي سبّبت تلك المحن و أوجدت تلك الكوارث، ولو كانت هناك أنظمة قائمة على قيم إلهية لما تعرّض البشر لتلك المحن و لما أصابته أكثر تلك النوائب.

فالتقسيم الظالم للثروات ـ مثلاً ـ هو الذي سبّب في تجمّع الثروة عند قلّة قليلة، و انحسارها عن جماعات كثيرة، و تمتّع الطائفة الاُولى بكلّ وسائل الوقاية و


(232)

الحماية ضد الأمراض و الحوادث، و حرمان غيرهم منها، وهذا هو الذي جعل الطائفة الفقيرة المحرومة من المال و الامكانيات أكثر عرضة للكوارث بسبب فقدانهم لوسائل الوقاية من الأمراض، و الحماية من النوازل(1).

و لهذا يكثر الدمار و الخراب و الخسائر المالية و الروحية بسبب الزلازل و السيول في القرى و الأرياف، و يقلّ ذلك في المدن التي تتمتع بأعلى مستويات الوقاية و الحماية و الحصانة.

و لو أنّ الناس سلكوا السبيل الإلهي المرسوم لهم، وراعوا العدالة في تقسيم الثروة و الامكانيات لما تضرّر أحد بهذه النوازل و الحوادث، و لكان الجميع في أمن من تبعاتها على السواء.

فالأنظمة المجحفة، و خروج الناس عن السبيل الإلهي القويم الذي يكفل توفير وسائل العيش و السلامة للجميع على السواء هو من الأسباب الرئيسية التي توجب تعرّض الناس للمحن و الكوارث.

هذا كلّه في الخير المطلق، و أمّا الخير المضاف(كخير الحاكمين و...) فإليك تفسير ما ورد في الذكر الحكيم في ذلك المجال .

الثامن و الثلاثون:«خير الحاكمين».

و قد ورد ذلك اللفظ في الذكر الحكيم في موارد ثلاثة و وقع وصفاً للّه سبحانه قال:

(وَ اِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِى اُرْسِلْتُ بِهِ وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ)(الأعراف/87).


1 . اقتبسنا ما مرّ من كتاب «الإلهيات» من محاضراتنا الكلامية فراجع الجزء الأوّل ص271ـ277.


(233)

و قال سبحانه: (وَ اتَّبِعْ ما يُوحى اِلَيْكَ وَ اصْبِرْ حَتى يَحْكُمَ اللّهُ وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)(يونس/109).

و قال سبحانه ناقلاً عن الولد الأكبر ليعقوب بعد ما سجن أخ له من أبيه مخاطباً أخوته: (فَلَنْ اَبْرَحَ الاَْرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِى اَبِى اَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِى وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)(يوسف/80).

و قد تبيّن معنى هذا الاسم بما ذكرناه في «أحكم الحاكمين» و المفاضلة لأجل وجود حكّام غيره سبحانه و هم بين عادل في حكمه و جائر، بين مأذون من اللّه و غيره و الكلّ غير مصون بالذات عن الخطأ و الزلّة إلاّ من عصمه اللّه كالأنبياء و الأولياء فيكون سبحانه«أحكم الحاكمين» لكونه معصوماً من الخطأ و الجهل بالذات.

التاسع و الثلاثون«خير الراحمين»

و قد ورد في الذكر الحكيم مرّتين و وقع وصفاً له سبحانه في كلا الموردين.

قال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُ الرَاحِمِينَ)(المؤمنون/109).

و قال عزّ شأنه: (وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ اَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ)(المؤمنون/118).

و يظهر معناه ممّا سيجيئ في تفسير اسم «الرحيم».

الأربعون: «خير الرازقين»

و قد ورد في القرآن الكريم في موارد، و وقع وصفاً له سبحانه في جميعها، قال سبحانه حاكياً عن عيسى بن مريم: (اَللّهُمَّ رَبَّنا اَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنْ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لاَِوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ اَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ)(المائدة/114).


(234)

و قال تعالى: (وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِى سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ قُتِلُوا اَو ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمْ اللّهُرِزْقاً حَسَناً وَ اِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ)(الحج/58)(1).

وسيوافيك معناه عند البحث عن اسم «الرازق».

الواحد و الأربعون:«خير الغافرين»

و قد ورد في القرآن مرّة واحدة و وقع وصفاً له سبحانه.

قال: (وَ اخْتارَ مَوْسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمّا اَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ اَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ اِيّايَ اَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا اِنْ هِىَ اِلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِى مَنْ تَشاءُ اَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ)(الأعراف/155)

و يجيئ تفسيره عند البحث عن اسم «غافر الذنب».

الثاني و الأربعون: «خير الفاتحين»

و قد ورد في القرآن المجيد مرّة واحدة و وقع وصفاً له.

قال سبحانه: (قَدْاِفْتَرَيْنا عَلى اللّهِ كَذِباً اِنْ عُدْنا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ اِذْ نَجّانا اللّهُ مِنْها وَ ما يَكُونُ لَنا اَنْ نَعُودَ فِيها اِلّا اَنْ يَشاءَ اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْماً عَلى اللّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ اَنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ)(الأعراف/89).

و سيظهر معناه عند البحث عن اسم «الفتّاح».

الثالث و الأربعون: «خير الفاصلين»

و قد ورد في الذكر الحكيم مرّة واحدة.

قال سبحانه: (قُلْ اِنِّى عَلى بَيِّنَة مِنْ رَبِّى وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِى ما تَسْتَعْجُلُونَ بِهِ


1 . لاحظ: المؤمنون/72، سبأ/39، الجمعة/11.


(235)

اِنِ الْحُكْمُ اِلّا لِلّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ)(الأنعام/57).

قال ابن فارس: «الفصل» يدل على تميّز الشيء عن الشيء و ابانته عنه، يقال: فصل الشيء فصلاً، و الفيصل: الحاكم، و الفصيل: ولد الناقة إذا افتصل عن اُمّه، و المفصل: اللسان، لأنّ به تفصل الاُمور و تميّز.

و قال الراغب: ابانة أحد الشيئين عن الآخر حتى يكون بينهما فرجة و سمّي يوم القيامة يوم الفصل، لأنّه يبيّن الحق من الباطل، و يفصل بين الناس بالحكم، و فصل الخطاب ما فيه قطع الحكم.

و على ذلك فمعنى قوله سبحانه «خير الفاصلين» أي خير الحاكمين، لأنّه لايظلم في قضاياه و لايجور عن الحقّ، و إنّه يقضي بالحق و لايعدل عنه، و الناس يحكمون بالايمان و البيّنات و القرائن و الشواهد و هي قدتصيب و قدتخطىء، و هو سبحانه يقضي بعلمه الوسيع الذي لايشوبه جهل، و بعرفانه الذي لايخالطه خطأ فهو خير الفاصلين.

و حظ العبد من هذا الاسم هو اتّصافه بالقضاء العدل، و الحكم الفصل.

قال سبحانه: (يَا دَاوُدُ اِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الاَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ وَ لاَتَتَّبِعْ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنِ سَبِيلِ اللّهِ)(ص/26).

و روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «القضاة أربعة: ثلاثة في النار و واحد في الجنّة: رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لايعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو لايعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة»(1).


1 . وسائل الشيعة ج 18 الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.


(236)

الرابع و الأربعون: «خير الماكرين»

و قد ورد هذا اللفظ في القرآن مرّتين و وقع وصفاً له سبحانه في كلا الموردين.

قال تعالى: (فَلَمَّا اَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الكُفْرَ قَالَ مَنْ اَنْصارِى اِلى اللّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ اَنْصارُ اللّهِ آمَنّا بِاللّهِ وَ اشْهَدْ بِاَنَّا مُسْلِمُونَ... وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللّهُ وَ اللّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ)(آلعمران/52و54).

و قال تعالى: (وَ اِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ اَوْ يَقْتُلُوكَ اَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللّهُ وَ اللّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ)(الأنفال/30).

و قد اتّفق المفسّرون على أنّ المراد من مكره سبحانه هو المجازاة على مكرهم و قدسمّى المجازاة على المكر مكراً في غير هذا المورد أيضاً.

قال سبحانه: (وَ اِذا خَلَوْا اِلى شَيَاطِينِهِمْ قالُوا اِنّا مَعَكُمْ اِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اَللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(البقرة/14و15).

و من المعلوم امتناع الاستهزاء على أنبيائه سبحانه فضلاً عن اللّه لأنّها من فعل الجهلة، و اللّه الحكيم و أنبياؤه هم الحكماء، قال سبحانه حاكياً عن بني اسرائيل:

(قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ اَنْ اَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ)(البقرة/67).

و اللّه سبحانه وصف نفسه به عند ابطال مكر الناس على رسله و أنبيائه ففي الاية الاُولى يذكر همّ بني اسرائيل بالمسيح حيث أرادوا قتله، فأبطل سبحانه مكرهم برفع عيسى إليه و قتلوا مكانه يهوذا و هو الذي دلّهم على المسيح.

روا أهل السير والتاريخ إنّ المسيح جمع الحواريين تلك الليلة و أوصاهم ثمّ قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة، فخرجوا وتفرقوا، و جاءت اليهود إليه فقال ما تجعلون لي أن أدلّكم عليه، فجعلوا له ثلاثين


(237)

درهماً فأخذهم و دلّهم عليه، فألقى اللّه عليه شبه عيسى،فخرج إلى أصحابه و ظنّوا أنّه عيسى(1).

و في الاية الثانية تذكّرهم قصة همّهم بأسر النبي أو قتله أو اخراجه من البلد حتى استقرّ رأيهم على اجتماع أربعين رجلاً من أقويائهم للهجوم على البيت بعد تمام الليل لاجراء أحد الاُمور الثلاثة عليه، و اللّه سبحانه جازاهم بالمثل و أخبر رسوله فترك البيت قبل أن يتواثبوا عليه، فلو مكروا يجازوا بمكر مثله و اللّه خير الماكرين أي المجازين للماكرين، و بذلك يعلم كونه سبحانه أسرع مكراً، قال سبحانه:

(قُلِ اللّهُ اَسْرَعُ مَكْراً اِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ)(يونس/21).

فإذا كان المكر منه سبحانه هو الجزاء و ابطال أثر مكر العدو، فتوصيفه بالسرعة إمّا خاص بموارد معيّنة كابطال مؤامرة الأعداء في قتل الأنبياء، أو في ما بلغ الطغيان أعلى درجاته فيأخذ الطغاة في الدنيا لعذابه، و إمّا عام لجميع موارد العقوبة و التعبير بالسرعة إمّا لأنّ ظرف المجازاة قريب منه قال سبحانه: (اِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَ نَرَاهُ قَرِيباً)(المعارج/6و7). و إمّا لكون عملهم نفس المجازاة التي يجازيبها العصاة يوم القيامة، فعملهم و مكرهم عذاب لهم و هم لايشعرون بناء على تجسّم الأعمال وتمثّلها.

الخامس و الأربعون «خير المنزلين»

و قد ورد «خير المنزلين» في الذكر الحكيم مرّتين و وقع وصفاً له سبحانه في مورد واحد.

قال سبحانه حاكيا عن يوسف: (أَلا تَرَوْنَ أَنِّى اُوفِى الْكَيْلَ وَ اَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ)(يوسف/59).


1 . مجمع البيان ج 1 ص 448.


(238)

و قال سبحانه حاكياً عن نوح عند وقوف سفينته على الجودي: (رَبِّ اَنْزِلْنِى مُنْزَلاً مُبارَكاً وَ اَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ)(المؤمنون/29).

و المنزل في الآية الثانية إمّا مصدر ميمي بمعنى الانزال أو اسم مكان بمعنى المنزل، فهو يطلب من اللّه تعالى أن يتفضّل عليه بانزال مبارك أو منزل مبارك بأن يكون ذات ماء و شجر أو غير ذلك ممّا يمهّد الحياة.

و أمّا معناه فقد قال ابن فارس: «النزل» يدلّ على هبوط شيء و وقوعه، يقال: نزل عن دابّته نزولاً، و نزل المطر من السماء نزولاً، و النازلة: الشديدة من شدائد الدهر تنزل، و النزل ما يهيّئ للنزيل، و طعام ذونزل أي ذوفضل، و يعبّرون عن الحجّ بالنزول، و نزل: إذا حج، و قال الراغب: «النزول» في الأصل هو انحطاط من علو يقال نزل عن دابته و نزل في مكان كذا: حط رحله فيه، و أنزله غيره قال: «انزلني منزلاً مباركاً و أنت خير المنزلين».

و الظاهر أنّ له معنى واحد و هو الانحطاط من علو، فلو اطلق على المضيف حتى فسّر قوله سبحانه: (و انّا خَيْرُ المنزِلين) في سورة يوسف به لأجل أنّ المضيف ينزل الضيف عن دابّته، و هو في جميع الموارد بمعنى واحد، فاللّه منزل القرآن نفسه إلى قلب رسوله، قال: (اللّهُ الَّذِى أَنْزَلَ الكِتَابَ)(الشورى/17) و منزل الحديد.

قال سبحانه: (و اَنْزَلْنَا الحَدِيدَ)(الحديد/25) و منزل «الأنعام» و «الماء» و «اللباس» إلى غير ذلك ممّا تعلّق به الانزال في الذكر الحكيم، ففي الكلّ نوع هبوط من علو، و نوح شيخ الانبياء يطلب من اللّه سبحانه أن ينزله من السفينة إلى منول مبارك فإنّه «خيرالمنزلين»، فليس توصيفه سبحانه به بخصوص هذا الملاك بل هو خير المنزلين على الاطلاق سواء أنزل الإنسان إلى الأرض أو القرآن أو غيره.


(239)

السادس و الأربعون: «خير الناصرين»

و قد ورد هذا اللفظ في الذكر الحكيم مرّة واحدة و وقع وصفاً له سبحانه قال: (بَلِ اللّهُ مَوْليكُمْ وَ هُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ)(آلعمران/150).

و سيجيئ تفسيره عند تفسير اسم النصير.

السابع و الأربعون: «خير الوارثين»

وقد ورد «خير الوارثين» في الذكر الحكيم مرّة واحدة و وقع وصفاً للّه سبحانه قال:

(وَ زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاتَذَرْنِى فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُالوارِثِينَ * فَاَسْتَجَبْنا لَهُ وَ وَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَ أَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِى الخَيْراتِ وَ يَدْعُونَنا رَغَبَاً وَ رَهَباً وَ كانُوا لَنا خاشِعِينَ)(الأنبياء/89و90).

قال ابن فارس: «الورث» أن يكون الشيء لقوم ثمّ يصير إلى آخرين بنسب أو سبب و اطلاقه على اللّه سبحانه بملاك الانتقال من الإنسان إليه فقط من دون علقة النسب و السبب.

و إنّما وصفه سبحانه بـ«خير الوارثين» لأنّه اسم عامّ يطلق عليه و على غيره.

قال سبحانه: (وَ عَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ)(البقرة/233). و قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ * اُولئِكَ هُمْ الوارِثُونَ)(المؤمنون/9و10). و قال: (وَ نَجْعَلَهُمُ اَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ)(القصص/5).

غير أنّ وراثته سبحانه أتم و أكمل من وراثتهم، و لأجل ذلك لمّا طلب زكريا وارثاً و قال: (رَبِّ لاتَذَرْنِى فَرْداً)الملازم لوجود ولد يرثه ذكَّر بتنزيهه سبحانه لأنه هو الذي يرث كلّ شيء و هو المنزّه عن مشاركة غيره له في كلّ شيء حتى في الوراثة فرفعه عن مساواة غيره و قال: (وَ أَنْتَ خَيْرُ الوَارِثِينَ) يعني: أين هذا الوارث الذي


(240)

يرث مالي مدة ثمّ يموت من وراثتك الباقية و الثابه قال: (وَ للّهِ مِيراثُ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ وَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(آلعمران/180). و قال: (وَ اِنّا لَنَحْنُ نُحْيِى وَ نُمِيتُ وَ نَحْنُ الوارِثُونَ)(الحجر/23).

الثامن و الأربعون: «خير حافظا»

و قد ورد في الذكر الحكيم مرّة واحدة و وقع وصفاً له سبحانه: (فَلَمّا رَجَعُوا اِلى اَبِيهِمْ قالُوا يا اَبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَارْسِلْ مَعَنا اَخانا نَكْتَلْ وَ اِنّا لَهُ لَحافِظُونَ * قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ اِلّا كَما آمِنْتُكُمْ عَلى اَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَ هُوَ اَرْحَمُ الراحِمِينَ)(يوسف/63و64).

و الحافظ اسم عام توصف به الملائكه تارة قال سبحانه: (وَ اِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ)(الانفطار/10و 11).

و الناس اُخرى. قال سبحانه: (مَنَعَ مِنّا الكَيْلُ فَاَرْسِلْ مَعَنا اَخانا نَكْتَلْ وَ اِنّا لَهُ لَحافِظُونَ)(يوسف/63).

قال ابن فارس: و الحفظ له معنى واحد يدل على مراعاة الشيء، و التحفّظ: قلّة الغفلة، و الحفاظ: المحافظة على الاُمور.

و أمّـا الذكر الحكيم فقد استعمله تار ة في مـورد رعاية حدود اللّه و قـال : (وَ النّاهُونَ عَنْ المُنْكَرِ وَ الحافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ) (التوبة/112). و اُخرى في تسجيل الشـيء و ضبطه كمـا فـي قولـه سبحانه: (وَ اِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ). و ثالثة في صيانـته عن الافراط و التفريط قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ)(المؤمنون/5) و رابعة في دفع الكيد و الشر و البلاء و وقايته من كلّ سوء و هذا هو المراد من قول اخوة يوسف (وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) كما هو المراد في قوله: (اِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وَ اِنّا لَهُ لَحافِظُونَ)(الحجر/9). أي نصونه من التحريف و التبدّل و الزيادة و النقص و الفقدان ،و الموارد ترجع إلى أصل واحد.


(241)

غير أن كون الاخوة حافظين غير كونه سبحانه حافظاً، و لأجل دفع وصمة الشركة قال يعقوب في جواب قول ابنائه: (وَ اِنّا لَهُ لَحافِظُونَ) قال: (فَاللّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الراحِمِينَ) فلولا عناية الواجب بالممكن و استمداده منه لما يكون لحفظهم وزن و لاقيمة و لاحول و لاقوّة.


(242)


(243)

حرف الذال

التاسع و الأربعون: «ذوانتقام»

و قد جاء «ذوانتقام» في الذكر الحكيم أربع مرّات و وقع الكلّ وصفاً له سبحانه قال: (وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَ اللّهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقَام)(المائدة/95)، و قال سبحانه: (لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ اَللّهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقام)(آلعمران/4). و قال سبحانه: (فَلاتَحْسَبَنَّ اَللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ اِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُوانْتِقام)(ابراهيم/47). و قال سبحانه: (وَ مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَمالَهُ مِنْ مُضِلّ اَلَيْسَ اللّهُ بِعَزِيز ذِى اِنْتِقام)(الزمر/37).

و أمّا معناه فقد ذكر له أصل واحد و هو انكار الشيء و عيبه و يقال: نقمت عليه انقم، أنكرت عليه فعله، و النقمة من العذاب و الانتقام كأنّه أنكر عليه فعاقب(1).

و قال الراغب: نقمت الشيء إذا أنكرته أمّا باللسان و أمّا بالعقوبة و قداستعمل في معنى الانكار في عدّة من الآيات، قال سبحانه: (وَ ما نَقَمُوا اِلّا اَنْ اَغْناهُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ)(التوبه/74).

و قال سبحانه: (وَ ما نَقَمُوا مِنْهُمْ اِلاَّ اَنْ يُؤْمِنُوا بِاللّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ)(البروج/8).

و قال سبحانه: (وَ ما تَنْقِمُ مِنّا اِلّا اَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنّا)(الأعراف/126).


1 . مقاييس اللغة ج 5 ص 464.


(244)

وقال سبحانه: (يا اَهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا اِلّا اَنْ آمَنّا بِاللّهِ)(المائدة/59). فإذا كان هو الأصل فكيف استعمل في معنى آخر و هو أخذ الثأر من الخصم و المعاقبة بالمثل؟ فقد استظهره صاحب المقاييس بقوله: كأنّه أنكر عليه فعاقبه، يريد أنّ المعاقبة لمّا كانت مسببة عن الانكار فاطلق اسم السبب على المسبب.

ثمّ إنّ الانتقام يستعمل في مورد التشفّي فيما أنّ اساءة المسيئ تدخل ضرراً في الجانب الاخر فيتدارك ذلك بالمجازاة الشديدة التي تورث التشفّي لقلبه، و لكن ذلك من لوازم المعنى في مورد الإنسان و ليس جزء لمعناه، فالانتقام هو مجازاة المسيىء على اساءته فلاموجب لتجريده عن التشفّي عندما يطلق على اللّه سبحانه، و على فرض كونه جزء لمعناه فبما أنّه سبحانه أعزّ من أن ينتفع أو يتضرّر بشيء من أعمال عباده، فيطلق عليه مجرداً عنه كما هو سائر الأسماء التي تلازم شيئاً لايصح توصيفه سبحانهبه، كيف و ما يصدر منه من المجازاة هو الوعد الحق و قدوعد عباده بأنّه يجزيهم إن خيراً فخير و إن شرّاً فشرٌ، قال سبحانه: (لِيُجْزِىَ الَّذِينَ أَساءُوا بِما عَمِلُوا وَ يُجْزِىَ الَّذِينَ اَحْسَنُوا بِالحُسْنى)(النجم/31).

و ممّا يؤيّد ذلك بأنّه سبحانه ضم إليه أنّه العزيز فقال: (عزيز ذوانتقام) و هو يشير إلى أنّه منيع الجانب من أن تنتهك محارمه أو يصيب به ضرر.

قال الرازي: و لايسمّى التعذيب بالانتقام إلاّ بشرائط ثلاثة:

الأوّل: أن تبلغ الكراهة(1) إلى حد السخط الشديد.

الثاني: أن تحصل تلك العقوبة بعد مدّة.

الثالث: أن يقتضي ذلك التعذيب نوعاً من التشفّي، و هذا القيد لايحصل إلاّ في حقّ الخلق، و أمّا في حقّ الخالق فهو محال.

و يدل على القيد الأوّل قوله سبحانه في حقّ فرعون: (فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا


1 . و في النسخة «الكرامة» و هو تصحيف.


(245)

مِنْهُمْ فَاَغْرَقْنَا هُمْ اَجْمَعِينَ)(الزخرف/55). فرتّب الانتقام على الاسف معرباً عن وجود صلة بينه و بين الانتقام.

و يدل على القيد الثاني قوله سبحانه: (وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ)(المائدة/95). حيث سمّى اللّه تعالى تكرار إيجاب الكفّارة(إذا عاد المحرم إلى الصيد ثانياً)، انتقاماً.

وعلى كلّ تقدير فالانتقام في مقابل المعاجلة بالعقوبة، و الأوّل أشدّ من الثاني لأنّ المذنب إذا عوجل بالعقوبة لم يتمكن في المعصية فلم يستوجب غاية النكال بخلاف ما إذا أمهل فيتمكن في التجرّي و التمرّد فيستحقّ الأخذ بالعقاب الأشد.

و أمّا حظ العبد من هذا الوصف فله أن يقع مظهراً لهذا الاسم عند الانتقام من الأعداء فأعدى عدوّه هي النفس التي بين جنبيه، و أمّا العدوّ الخارجي فيتبع قوله سبحانه: (اَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)(الفتح/29).

و للعلاّمة الطباطبائي(ره) كلام حول نسبة الانتقام إليه تعالى قال: «الانتقام هو العقوبة لكن لاكل عقوبة بل عقوبة خاصّة و هي أن تذيق غيرك من الشرّ ما يعادل ما أذاقك منه أو تزيد عليه.

قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللّهَ)(البقرة/194). و هو أصل حيوي معمول به، و ربّما يشاهد من بعض الحيوانات أيضاً أعمال تشبه أن تكون منها. و على أي حال كان يختلف الغرض الذي يبعث الإنسان إليه، فالداعي إليه في الانتقام الفردي هو التشفّي غالباً، فإذا سلب الواحد من الإنسان غيره شيئاً من الخير، أو أذاقه شيئاً من الشر، وجد الإنسان في نفسه من الأسى و الأسف ما لاتخمد ناره، إلاّ بأن يذيقه من الشر ما يعادل ما ذاق منه أو يزيد عليه، فالعامل الذي يدعو إليه هو الإحساس الباطني، و أمّا العقل فربّما أجازه و ربّما استنكف.

و أمّا الانتقام الاجتماعي و نعني به القصاصات و أنواع المؤاخذات التي نعثر


(246)

عليها في السنن و القوانين الرائجة في المجتمعات، فالغرض الداعي إليه هو حفظ النظام عن الهرج و المرج و هذا النوع من الانتقام يعدّ حقّا من حقوق المجتمع، و إن كان ربّما استصحب حقاً فردياً، كمن ظلم غيره بما فيه مؤاخذة قانونية.

و ما ينسب إليه تعالى في الكتاب و السنّة من الانتقام هو ما كان حقاً من حقوق الدين الالهي و الشريعة السماوية، و إن شئت قلت من حقوق المجتمع الاسلامي و إن كان ربّما استصحب الحق الفردي في ما إذا انتصف سبحانه للمظلوم من ظالمه فهو الولي الحميد.

و أمّا الانتقام الفردي لغاية التشفّي فساحته أعزّ من أن يتضرّر باجرام المجرمين و معصية المسيئين أو ينتفع بطاعة المحسنين.

و بذلك يظهر سقوط ما ربّما يقال: إذا كان الانتقام لغاية التشفّي فلاوجه لنسبة الانتقام إليه وجه السقوط، إنّ الساقط هو الانتقام الفردي لا الاجتماعي(1).

يلاحظ عليه: إنّ ما ذكره يصحّ في مورد القصاص و الحدود و الكفّارات التي يحكم بها على المجرم في الدنيا لغاية حفظ النظام عن الاختلال، و لولاها اختلّ الأمن العام، و أمّا العقوبات الاُخروية فلايمكن تفسيرها من تلك الجهة إذ لامجتمع فيها حتى يكون له حقّ كما أنّه ليست هناك مظنّة كون الاُمور فوضى حتّى تستتبع ذلك فالاُولى ما ذكرنا من أنّ نسبة هذه الصفات إلى اللّه سبحانه من باب المشابهة و المشاكلة، و لايتّصف به المولى سبحانه إلاّ بتجريده عن الملابسات الماديّة.

و أمّا القول بأنّ رحمته الواسعة تأبى عن تعذيب المجرم بعذاب خالد غير متناه فقد اجبنا عنه عند البحث عن المعاد في القرآن الكريم.


1 . الميزان ج 12 ص 87 ـ 88.


(247)

الخمسون: «ذو الجلال و الإكرام»

و قد جاء هذا الاسم في القرآن الكريم مرّتين قال: (وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوالْجَلالِ وَ الاِْكْرامِ)(الرحمن/27).

و قال سبحانه: (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلال وَ الاِكْرامِ)(الرحمن/78).

هذا، و أمّا معنى الجلال فهو من جلّ الشيء إذا عظم و جلال اللّه عظمته، و الجلل: الأمر العظيم(1)، و أمّا الاكرام فقد مرّ تحقيق معناه عند البحث عن اسمه «الاكرام» فلاحظ، و قد قلنا إنّ معناه هو الشرف في الشيء لا في خلق من الأخلاق.

و على ضوء ذلك فقوله: «ذو الجلال» يناسب الصفات السلبيّة لأنّه سبحانه أجلّ و أعظم من أن يكون جسماً أو جسمانيّاً أو حالاًّ في محلّ، كما أنّ قوله ذي الاكرام يناسب الصفات الثبوتيّة لأنّ العلم والقدرة و الحياة شرف للموجود بما هوهو.

نعم هنا نكتة لابد من بيانها و هو انّ اسم الاشارة في الآية الاُولى جاء مرفوعاً و في الآية الثانية جاء مجروراً، فهي في الآية الاُولى وصف لقوله «وجه ربك» و في الآية الثانية وصف لنفس الرب، و هذا يعرب عن أنّ الوجه في الآية الاُولى بمعنى الذات لا الوجه بمعنى العضو المعروف، و إلاّ فلو كان المراد من الوجه هو العضو فلامعنى لتوصيفه بصاحب الجلال و الإكرام لأنّه من صفات ذاته سبحانه لا من صفات وجهه، و لأجل ذلك جيئ به مجرورًا في الآية الثانية لأنّه هناك وصف للرب لا للاسم، و باختصار إنّ الآية الثانية ترفع الإبهام عن الآية الاُولى و يثبت أنّ الوجه فيها بمعنى الذات.


1 . مقاييس اللغة ج 1 ص 417.


(248)

الواحد و الخمسون: «ذو الرحمة»

و قد ورد في الذكر الحكيم اسماً له سبحانه مرّتين و قال: (وَ رَبُّكَ الغَفُورُ ذُوالرَّحْمَةِ)(الكهف/58).

و قال: (وَ رَبُّكَ الغَنِىُّ ذُوالرَّحْمَةِ)(الأنعام/133). و قال سبحانه: (فَاِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُورَحْمَة واسِعَة)(الأنعام/147). و قد مضى معنى الرحمة عند البحث عن اسمه «أرحم الراحمين».

الثاني و الخمسون: «ذوالطول»

لقد جاء الطول ـ بضم الفاء و فتحها ـ في الذكر الحكيم ثلاث مرّات و و قع وصفاً للّه سبحانه باضافة «ذي» إليه، قال سبحانه: (غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِى الطَّوْلِ لا اِلهَ اِلّا هُوَ اِلَيْهِ المَصِيرُ)(غافر/3).

و قال سبحانه: (وَ اِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّهِ وَ جاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَ قَالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القَاعِدِينَ)(التوبة/86).

و قال سبحانه: (وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً اَنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ)(النساء/25).

«الطول» ـ بضم الفاء ـ ضد القصر يستعمل في الأعيان و الأعراض و الزمان قال سبحانه:

(فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ)(الحديد/16).

و قال سبحانه: (إِنَّ لَكَ فِى النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً)(المزمّل/7).

و أمّا «الطول» ـ بفتح الفاء ـ: فقد فسّر بالفضل و المنّ، قال ابن فارس:


(249)

الطول له أصل صحيح يدل على فضل و امتداد في الشيء(1) و هو بصدد ارجاع المعنيين إلى معنى واحد مع أنّ الجامع بينهما بعيد.

قال الراغب: و الطول خص به الفضل و المنّ قال: «شديد العقاب ذي الطول»، و قال الطبرسي في تفسير ذي الطول: «أي ذي النعم، و قيل: ذي الغنى و السعة، و قيل: ذي التفضّل على المؤمنين، و قيل: ذي القدرة و السعة»، ثمّ هو ذكر في شرح لغات الآية: «إنّ المراد من الطول: الأنعام التي تطول مدّته على صاحبه كما أنّ التفضل النفع الذي فيه افضال على صاحبه»(2)، و الكلّ محتمل.

و لكن الظاهر أنّ المراد من الطول: الفضل و الأنعام بشهادة قوله: (وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِع مِنْكُمْ طَولاً أن يَنْكِحَ المُحْصِنَاتَ)فبما أنّ لعدم الاستطاعة أسباباً و عللاً أتى بكلمة طولاً تمييزاً لعدم الاستطاعة معلناً بأنّ المراد عدم الاستطاعة من حيث القدرة المالية التي تصرف في المهر و النفقة و مثله قوله سبحانه: (اِسْتَأْذَنَكَ اُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُم)أي أصحاب الثروة و المكنة، فالاية مشتملة على أسماء أربعة:

1 ـ غافر الذنب. 2 ـ قابل التوب. 3 ـ شديد العقاب. 4 ـ ذوالطول.

و سيوافيك توضيح كلّ واحد في محله.

الثالث و الخمسون: «ذوالعرش»

و قد جاء لفظ «العرش» في الذكر الحكيم 22 مرّة و ورد اسماً له سبحانه في مورد واحد بإضافة لفظ «ذي» قال: (وَ هُوَ الغَفُور الوَدُودُ * ذُوالعَرْشِ المَجِيدُ)(البروج/14و 10).

و سيوافيك تفسيره عند البحث عن «الصفات الخبرية» للّه عزّ و جلّ(3).


1 . مقاييس اللغة ج 3 ص 633.
2 . مجمع البيان ج 4 ص 513.
3 . عند تفسير قوله سبحانه:(رب العرش العظيم).


(250)

الرابع و الخمسون: «ذوعقاب»

و قد ورد في الذكر الحكيم مرّة واحدة و وقع وصفاً له كما في قوله سبحانه: (اِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة وَ ذُوعِقاب اَلِيم)(فصّلت/43).

قال ابن فارس: العقب له أصلان أحدهما يدل على تأخير شيء و إتيانه بعد غيره، و الأصل الآخر يدلّ على ارتفاع و شدّة و صعوبة... و إنّما سمّيت العقوبة عقوبة لأنّها تكون آخراً و ثاني الذنب.

و قال الراغب: العقب مؤخّر الرجل و استعير العقب للولد و ولد الولد، و العقوبة المعاقبة و العقاب يختص بالعذاب، قال: (فحق عقاب)، (شديدالعقاب)، (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به).

أقول: و إنّما سمّي العقاب عقاباً لأنّه يتأخّر عن الجرم و هو يستلزمه.

الخامس و الخمسون: «ذوالفضل»

و قد ورد «ذوالفضل» معرّفاً و منكراً في الذكر الحكيم 11 مرّة و وقع وصفاً له سبحانه.

قال: (إِنَّ اللّهَ لَذُوفَضْل عَلى النّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لايَشْكُرونَ)(البقرة/243).

و قال سبحانه: (وَ لكِنَّ اللّهَ ذُوفَضْل عَلى العالَمِينَ)(البقرة/251) .

و قال سبحانه: (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُوالفَضْل العَظِيم)(آلعمران/74).

و قال سبحانه: (وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللّهُ ذُوفَضْل عَلى المُؤْمِنِينَ)(آلعمران/152).


(251)

و قال سبحانه: (وَ اللّهُ ذُوالفَضْلِ العَظِيمِ)(الأنفال/29)(1).

ترى أنّه سبحانه يعرّف نفسه بكونه ذا الفضل العظيم على المؤمنين و في الوقت نفسه على الناس أجمعين بل على العالمين كلّهم.

قال ابن فارس: الفضل له أصل صحيح يدلّ على زيادة في شيء من ذلك الفضل الزيادة و الخير، و الإفضال: الاحسان.

قال الراغب: كلّ عطيّة لاتلزم من يعطي يقال لها فضل نحو قوله: (وَ اسْأَلُوا اللّهَ مِنْ فَضْلِهِ) ـ (ذلك فضل اللّه) ـ (ذوالفضل العظيم).

و على ذلك فالعطايا و المواهب السنيّة و كلّ ما يسمّى كرماً فهو فضل، فاللّه سبحانه يتفضّل ـ وراء ما أسماه أجراً ـ بعظائم الفضل.

و أمّا حظّ العبد من هذا الوصف فيمكن أن يقع مظهراً لهذا الاسم في عطاياه النافلة بأن يقوم بعون المستنجد بنحل فضل ما له و إن لم يكن واجباً كما إذا أدّى الفرائض الماليّة.

السادس و الخمسون: «ذو القوّة»

و قد ورد في الذكر الحكيم في مورد واحد قال سبحانه: (اِنَّ اللّهَ هُوَ الرزَّاقُ ذُوالقُوَّةِ الْمَتِينِ)(الذاريات/58). و يظهر معناه عند البحث عن اسمه سبحانه:«القوي».


1 . راجع سورة يونس/60، النمل/73، غافر/61.


(252)

السابع و الخمسون: «ذو المعارج»

و قد ورد في الذكر الحكيم مرّة واحدة و وقع اسماً له.

قال سبحانه: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنْ اللّهِ ذِيالمَعَارِجِ * تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ اِلَيْهِ فِى يَوْم كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة)(المعارج/1ـ4).

أمّا عرج فقد ذكر ابن فارس له اُصولاً ثلاثة و هي: الميل، و العدد، و السموّ و الارتقاء.

ثم قال: العروج: الارتقاء، يقال عرج يعرج عروجا و معرجا، و المعرج: المصعد، قال اللّه تعالى: (تعرج الملائكة و الروح إليه).

و على ذلك فالمعارج مواضع العروج و هو الصعود مرتبة، بعد مرتبة و منه الأعرج لارتفاع إحدى رجليه عن الاُخرى، و أمّا المراد من هذه الدرجات فهي عبارة عن المقامات المترتبة علوّاً و شرفاً التي تعرج فيها الملائكة و الروح بحسب قربهم من اللّه و هو من الاُمور الغيبيّة التي يجب الايمان بها و ربّما يفسّر بأنّ المراد مقامات القرب التي يعرج إليها المؤمنون بالايمان و العمل الصالح، قال تعالى: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَاللّهِ وَ اللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)(آلعمران/163). و قال: (لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ)(الانفال/4).

و قال: (رَفِيعُ الدَرَجَاتٌ ذُو العَرْشِ)(المؤمن/15).

و الوجهان متقاربان غير أنّ الأوّل يخصّ الدرجات بالملائكة و الثاني بالمؤمنين، و قوله سبحانه تعرج الملائكة و الروح إليه يؤيّد الوجه الأوّل.


(253)

الثامن و الخمسون: «ذو مغفرة»

و قد ورد في الذكر الحكيم مرّتين و وقع وصفاً له سبحانه، قال سبحانه: (وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وَ قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ المُثُلاتُ وَ اِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلْنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَ اِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ)(الرعد/6).

و قال سبحانه: (ما يُقالُ لَكَ اِلّا ما قَدْقِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ اِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة وَ ذُو عِقاب اَلِيم)(فصّلت/43).

و «الغفر» في اللغة بمعنى الستر، قال ابن فارس: عظم بابه الستر، فالغفر و الغفران و الغفر بمعنى يقال غفر اللّه ذنبه و يقال للمغفر لأنّه يستر الرأس و ستر الذنوب كناية عن الغضّ عنه و عدم المعاقبة عليه و المعاملة مع المجرم كالبريء، و سيوافيك مزيد من التوضيح في تفسير اسم «غافر الذنب».


(254)


(255)

حرف الراء

التاسع و الخمسون: «ربّ العرش»

و قد ورد لفظ العرش في الذكر الحكيم 22 مّرة و اُضيف إليه الرب 6 مرّات قال سبحانه:

(عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ)(التوبة/129). و قال تعالى: (فَسُبْحانَ اللّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(الأنبياء/22). و قال سبحانه: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ العَظِيمِ)(المؤمنون/86). و قال عزّ من قائل: (فَتَعالى اللّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا اِلهَ اِلّا هُوَ رَبُ العَرْشِ الكَريمِ)(المؤمنون/116).

و قال تعالى: (اَللّهُ لا اِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ)(النمل/26). و قال تعالى:(سُبْحَانَ رَبِّ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(الزخرف/82).

ثم إنّ الذكر الحكيم يبيّن خصوصيات عرش الرب بتوصيفه بالعظيم تارة و بأنّه له حملة ثمانية اُخرى، يقول تعالى: (وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمانِيةُ)(الحاقّة/17).

و بأنّه تحُفُّه الملائكة ثالثة، يقول تعالى: (وَ تَرَى المَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ)(الزمر/75).

و قد بلغ العرش في العظمة مكاناً بحيث إنّ اللّه تعالى يعرّف نفسه به و يقول تعالى: (وَ هُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ * ذُو العَرْشِ المَجِيدُ)(البروج/14و15)، و يقول تعالى: (رَفِيعُ الدَّرجاتِ ذُو العَرْشِ)(غافر/15).


(256)

هذا هو العرش و هذه هي خصوصياته في القرآن المجيد، إنّما الكلام فيما يراد منه في هذه الآيات.

أقول: إنّ «العرش» لغة هو سرير الملك و لاتحتاج إلى ذكر نصوص أهل اللّغة.

قال سبحانه: (وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ)(يوسف/100).

و قال سبحانه في ملكة سبأ: (وَ أُوْتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْء وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ)(النمل/23).

و قال سبحانه: (أَيُّكُمْ يَأْتِيَنِى بَعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ)(النمل/38).

(... قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِى اَمْ تَكُونُ مِنْ الَّذِينَ لايَهْتَدُونَ)(النمل/41).

و بما أنّ الأصل في العرش هو الارتفاع.

قال سبحانه: (وَ هُوَ الَّذِى اَنْشَأَ جَنّات مَعْرُوشات وَ غَيْرَ مَعْرُوشات وَ النَّخْلَ وَ الزَّرْعَ مُخْتَلِفاً اُكُلُهُ)(الانعام/141).

و ربّما يطلق على البناء المرتفع.

قال ابن فارس: العريش: بناء من قضبان يرفع و يؤلّف حتى يظلل، و قيل للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم بدر: ألا نبني لك عريشاً. و كل بناء يستظل به عرش و عريش، و يقال لسقف البيت عرش.

قال تعالى: (فَهِىَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها)(الحج/45) و المعنى أنّ السقف يسقط ثمّ يتهافت على الجدران ساقطة، و من هذا الباب العريش و هو شبه الهودج يتخذ للمرأة تقعد فيه على بعيرها.


(257)

هذا ما يرجع إلى معناه اللغوي و ما يستعمل فيه، لكن الكلام فيما هو المقصود من هذا اللفظ فنقول: ها هنا أقوال نأتي بها:

1 ـ إنّ للّه سبحانه عرشاً كعروش الملوك يستقر عليه و يدبّر العالم منه، و هذا هو الذي تصرّ عليه المجسّمة و المشبّهة من الحنابلة، و أمّا الأشاعرة الذين يتظاهرون بالتنزيه لفظاً لامعنى يقولون بهذا المعنى و لكنّهم يضيفون إليه «بلاتكييف» أي أن له سريراً و استقراراً لا كسرير الملوك و استقرارهم و الكيفية مجهولة.

و هناك قصّة تاريخية نقلها السيّاح المعروف بـ «ابن بطوطة» لمّا زار الشام وشاهد أنّ «ابن تيميّة» صعد المنبر و هو يعظ الناس و يقول:

و كان بدمشق من كبار الفقهاء «تقي بن تيميّة كبير الشام يتكلّم إلاّ أنّ في عقله شيئاً... فحضرته يوم الجمعة و هو يعظ الناس على منبر الجامع و يذكّرهم، فكان من جملة كلامه: إنّ اللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، و نزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، و أنكر ما تكلّم به فقامت العامّة إلى هذا الفقيه و ضربوه بالأيدي و النعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته...(1).

و هذا المعنى مردود مرفوض عند أهل التنزيه لأنّه تفسير للعرش تفسيراً حرفياً و غير جائز بداهة في تفسير الكلام العادي فضلاً عن كلام البلغاء، فإنّ المتّبع في تفسير الكلام هو المعنى الجملي التصديقي لا المعنى الافرادي التصوّري، فإذا قال الرجل: إن فلاناً مبسوط اليد أو كثير الرماد، فليس لنا تفسيره ببسط العضو المعروف بحجّة أنّ اليد لفظ موضوع للجارحة، أو حمل كثرة الرماد على معناه الحرفي الملازم لكون بيته غير نظيف بحيث يشمئزّ الإنسان من الدخول إليه، بل يجب تفسير الأوّل بالسخاء، و الثاني بكثرة الطبخ الملازم لكثرة الضيافة التي هي رمز للكرم و السخاء.

و على ضوء هذا يجب إمعان النظر في مجموع الايات الواردة حول العرش


1 . رحلة ابن بطوطة: ص 95 طبع بيروت.


(258)

حتّى يتبيّن أنّ المراد هل هو المعنى التصوّري(السرير)، أو هو المعنى التصديقي المختلف حسب المقامات.

فإنّ العرش يطلق و يراد غالباً الملك أعني السلطة و الحكم على الناس.

قال الشاعر:

تداركتم الأحلاف قد ثلّ عرشها *** و ذبيان إذ ذلّت باقدامها النعل(1)

إنّ المراد من العرش هو نظام الحياة و المراد من ثلّه إزالته، و لأجل ذلك يقال ثلّ عرشه فيما إذا انقلب الدهر عليه و سائت أحواله، هذا و سيوافيك مزيد توضيح لهذا المعنى عند البحث عن المحتمل الثالث.

2 ـ العرش: هو الفلك التاسع أو فلك الافلاك في الهيئة البطلميوسيّة فقد كان بطلميوس يفسّر العالم في الكرات الأربعة(الماء و التراب و النار و الهواء) ثمّ الأفلاك التسعة و كل فلك يحمل سيارة إلى الفلك السابع، و الثوابت في الفلك الثامن ثمّ الفلك التاسع و هو أطلس لانجم فيه، و يوصف بمحدّد الجهات و ليس بعده خلأ و لاملأ و هو العرش عند بعضهم، و نقل العلاّمة المجلسي عن المحقّق الداماد في بعض تعليقاته أنّه قال: العرش: هو فلك الأفلاك(2).

و هذا القول لايحتاج إلى النقد بعد وضوح بطلان أصل النظريّة حيث هدّم العلم الحديث أركان هذه النظرية و أصبحت من مخلّفات الدهر.

3 ـ إنّ العرش و الاستيلاء عليه كناية عن إحاطته بعالم الوجود و صحيفة الكون تشبيهاً للمعقول بالمحسوس، فإنّ الملوك إذا جلسوا على عروشهم و استقرّوا عليها وحولهم وزراءهم و عمّالهم، أخذوا بتدبير اُمور البلد بإصدار الأوامر و النواهي وبالإرشادات و التوجيهات المناسبة، فشبّه استيلاءه سبحانه على عالم الكون


1 . الشعر لزهير، و لاحظ: مقاييس اللغة ج 4 ص265.
2 . بحار الانوار ج 58، ص 5.


(259)

وصحيفة الوجود و تدبيره من دون أن يطرأ عليه نصب و لاتعب بإستيلاء الملوك على عروشهم على النحو الذي وصفناه.

و على هذا المعنى ليس للعرش واقعيّة سوى المعنى الكنائي و هو السلطة على العالم و الإستيلاء على الوجود كلّه، فتكون النتيجة إنّ للاستيلاء حقيقة تكوينيّة دون العرش.

و يمكن تأييد ذلك بأنّ العرش ربّما يطلق على الملك و السلطة و إن لم يكن هناك سرير كسرير الملوك. قال الشاعر:

إذا ما بنو مروان ثلّت عروشهم *** و أودت عمّا أودت أياد و حمير

قال الجوهري: ثلّ اللّه عرشهم أي هدم ملكهم، و يقال للقوم إذا ذهب عزّهم قدثلّ عرشهم.

و قال آخر:

أظننت عرشك لايزول و لايغيّر

و قال آخر:

قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف و دم مهراق

و هذا المعنى متحقق بمجرد تحقّق السلطة و إن لم يكن هناك سرير وراءه.

و على الجملة: فهذه النظرية تبتني على كون العرش أمراً اعتبارياً و الاستيلاء أمراً حقيقياً.

يلاحظ عليه: إنّ هذا المعنى و إن كان أقرب من سابقيه إلى الفهم القرآني ولكنّه يجب أن يكون للعرش حقيقة كالاستيلاء و ذلك لاُمور:

أ ـ لو كان العرش أمراً اعتبارياً فلماذا وصفه بكونه عظيماً و قال سبحانه: (وربّ العرش العظيم)(المؤمنون/86).


(260)

بناءً على أنّ العظيم وصفاً للعرش دون الربّ و الظاهر أنّ توصيفه بالعظيم توصيف أمر واقعي بأمر واقعي لاتوصيف أمر اعتباري بمثله.

ب ـ إنّه سبحانه يذكر للعرش حملة و يقول: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ و من حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)(غافر/7).

ج ـ إنّه سبحانه يذكر حملة العرش يوم القيامة و إنّهم ثمانية و يقول سبحانه: (وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمانِيَةٌ)(الحاقة/17).

و الظاهر أنّ مرجع ذلك القول إلى الرابع الذي نذكره، أو هما قول واحد.

4 ـ إنّ للعرش حقيقة تكوينية كما أنّ للاستيلاء حقيقة كذلك، غير أنه ليس شيئاً خاصاً سوى مجموع الكون و صحيفة الوجود فهو عرشه سبحانه، فالعالم بمجرّده و ماديّه و ظاهره و باطنه عرشه، و عليها تدبيره، و يكون عطف «ربّ العرش العظيم» على قوله «ربّ السموات السبع» من باب عطف العام على الخاص، فاللّه سبحانه مستول على ما خلق استيلاءً حقيقيّاً و لايحتاج في إدارة الكون و تدبيره إلى غيره، فلو كان هناك نظام الأسباب و المسبّبات و العلل و المعلولات فهو من جنوده في عالم الكون، و قال سبحانه: (وَ مَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هو)(المدثر/31). وقال سبحانه:

(وَ للّهِ جُنُودُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ وَ كَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً)(الفتح/4)، و كذلك الاية 7 من نفس السورة مع اختلاف يسير في آخرها حيث قام «عزيزاً» مقام«عليماً».

و قد اختار هذا المعنى شيخنا الصدوق في عقائده حيث قال: «اعتقادنا في العرش أنّه جملة جميع الخلق ـ إلى أن قال ـ العرش الذي هو جملة جميع الخلق حملته ثمانية من الملائكة»(1).


1 . عقائد الصدوق: ص74، الطبعة الحجرية.


(261)

و يظهر هذا المعنى من الشيخ المفيد غير أنّه فرّق بين العرش المطلق و العرش المحمول، ففسّر الأوّل بالملك و قال: العرش الأوّل هو ملكه، و إستواءه على العرش هو إستيلاءه على الملك، و أمّا العرش الذي تحمله الملائكة هو بعض الملك و هو عرشٌ خلقه اللّه تعالى في السماء السابعة، و تعبّد الملائكة بحمله وتعظيمه، كما خلق سبحانه بيتاً في الأرض و أمر البشر بقصده و زيارته و الحجّ إليه وتعظيمه كما جاء في الحديث: «إنّ اللّه تعالى خلق بيتاً تحت العرش سمّاه «البيت المعمور» تحجّه الملائكة في كل عام، و خلق في السماء الرابعة بيتاً سمّاه «الزراح» وتعبّد الملائكة بحجّه و الطواف حوله، وخلق البيت الحرام في الأرض وجعله تحت الزراح ـ إلى أن قال ـ: «و لم يخلق اللّه عرشاً لنفسه ليستوطنه تعالى اللّه عن ذلك، ولكنّه خلق عرشاً أضافه إلى نفسه تكرمة له و إعظاماً، و تعبّد ملائكة بحمله، كماخلق بيتاً في الأرض و لم يخلقه لنفسه و لاليسكنه تعالى اللّه عن ذلك، لكنه خلقه لخلقه واضافة لنفسه إكراماً له و إعظاماً، وتعبّد الخلق بزيارته و الحجّ إليه(1).

و قال العلاّمة المجلسي:

اعلم انّ ملوك الدنيا لمّا كان ظهورهم و اجراء أحكامهم على رعيتهم إنّما يكون عند صعودهم على كرسيّ الملك و عروجهم على عرش السلطنة، و منهما تظهر آثارهم و تتبيّن أسرارهم، و اللّه سبحانه لتقدّسه عن المكان لايوصف بمحلّ و لامقرّ و ليس له عرش و لاكرسي يستقرّ عليهما بل يطلقان على أشياء من مخلوقاته»(2).

و هذا هو الظاهر من بعض الروايات، روى الصدوق بسنده عن المفضّلبنعمر، قال: سألت أبا عبداللّه عن العرش و الكرسي ما هما؟ فقال: العرش في وجه هو جملة الخلق(3).


1 . تصحيح الاعتقاد: ص 29 ـ 31.
2 . بحار الانوار ج 58، ص27.
3 . بحار الانوار ج 58، ص 29.


(262)

و ها هنا كلام للعلاّمة الطباطبائي (ره) يحقّق ما ذكرنا بشكل بديع و يقول: «إنّ السلطة و الاستيلاء و الملك و الرئاسة و الولاية و السيادة و جميع ما يجري هذا المجري فينا اُمور وضعيّة اعتبارية ليس في الخارج منها إلاَّ آثارهما، مثلاً الرئيس لايسمّى رئيساً إلاّ لأن يتبعه الذين نسمّيهم مرؤوسين في إرادته و عزائمه، و ليس هنا للرئاسة واقعيّة إلاَّ التخيّل و التشبيه بمعنى تنزيل الرئيس مكان الرأس، و المرؤوسين مكان البدن، فكما أنّ البدن يتبع الرأس، فالمرؤوسون يتبعون الرئيس و قس عليها.

و هذا خلاف ما يوصف به سبحانه من الملك و الاحاطة و الولاية و غيرها، فإنّها معاني حقيقية واقعيّة على ما يليق بساحة قدسه، و على ذلك يجب أن يكون للاستيلاء حقيقة تكوينيّة و لعرشه المتعلّق به واقعيّة مثله.

فالايات كما ترى تدلّ بظاهرها على أنّ العرش حقيقة من الحقائق العينيّة و أمر من الاُمور الخارجية»(1).

5 ـ إنّ العرش حقيقة من الحقائق العينيّة و هو المقام الذي يجتمع فيه جميع أزمّة الاُمور(2) و بعبارة اُخرى هو المقام الذي يبتدىء منه و تنتهي إليه أزمّة الأوامر و الأحكام الصادرة من الملك، و هو في ذلك و إن كان موجوداً مادّيّاً إلاَّ أنّ المحكمات من الايات مثل قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء)(الشورى/11). و قوله: (سُبْحَانَ اللّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)(الصافّات/159) تدلّ على انتفاء الجسم و انّه ليس من خواصّه تعالى فينفي من العرش الذي وصفه لنفسه كونه سريراً مؤلّفاً من مادّة معيّنة، ويبقى أصل المعنى و هو أنّه المقام الذي يصدر عنه الأحكام الجارية في نظام الكون هو من مراتب العلم الخارج عن الذات، و المقياس في معرفة ما عبّرنا عنه بأصل المعنى أنّه المعنى الذي يبقى ببقائه الاسم، و بعبارة اُخرى يدور مداره صدق الاسم وإن تغيّرت المصاديق و اختلفت الخصوصيّات.


1 . الميزان ج2: ص 159 ـ 160 بتلخيص منّا.
2 . الميزان ج 8، ص 160.


(263)

و على ضوء هذا ينفى عن العرش ما يلازم المادّيّة من كونها من خشب أو معدن أو على صورة خاصّة، و يبقى ما لايلازم ذلك كوجود مقام تنتهي إليه أزمّة الاُمور و منه تصدر الأحكام(1).

و لو صحّت تلك النظرية لكان العرش بعض الخلق لاكلّه و يكون وجوداً مجرّداً لامادّيّاً حتى يناسب كونه مركزاً لصدور الأحكام و مرجعاً لانتهاء الاُمور إليه.

و مثل ذلك يعدّ من مراتب علمه الفعلي لا الذاتي، فإنّ لعلمه الفعلي مراتب و درجات، و يؤيد هذا التفسير بعض الروايات التي تفسّر العرش بالعلم.

روى عبداللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قول اللّه عز و جل: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّموَاتِ وَ الأَرْض). قال (عليه السلام): السموات و الأرض و ما بينهما في الكرسي، و العرش: هو العلم الذي لايقدر أحد به قدره(2).

روى الكليني بسند صحيح عن صفوان بن يحيى، قال: سألني أبو قرّة المحدّث أن أدخله على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، فاستأذنته فأذن بي، فدخل فسأله عن الحلال و الحرام، ثمّ قال له: أفتقرّ أنّ اللّه محمول، فقال أبوالحسن: كل محمول مضاف إلى غيره محتاج، و المحمول اسم نقص في اللفظ، و الحامل فاعل و هو في اللفظ، مدح... و لم يسمع أحد آمن باللّه و عظمته قطّ قال في دعائه يا محمول. قال أبوقرّة:(وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَة)و قال: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ)فقال أبوالحسن (عليه السلام): العرش ليس هو اللّه و العرش اسم علم و قدرة، و العرش كل شيء، و عرش فيه كل شيء، ثمّ أضاف الحمل إلى غيره، خلق من خلقه لأنّه استعبد خلقه بحمل عرشه و هم حملة علمه، و خلقاً يسبّحون حول عرشه و هم يعملون بعلمه، و ملائكة يكتبون


1 . الميزان ج14 ص 139 ـ 140 بتغيير طفيف.
2 . التوحيد: باب 52 الحديث 20.


(264)

أعم العباده(1).

و يؤيّد ذلك ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب الجاثليق: فكل شيء محمول واللّه تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا و المحيط بهما من شيء وهو حياة كل شيء، و نور كل شيء سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً(2).

و روى سنان بن سدير عن الصادق (عليه السلام): إنّ الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منها الأشياء كلّها، و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحدّ و العلم و المشيئة... فهما في العلم بابان مقرونان...(3).

الستون، و الواحد و الستون: «الرحمن و الرحيم»

و قد ورد لفظ الرحمن في الذكر الحكيم 57 مّرة و اسم الرحيم 95 مرّة، و وقع الجميع وصفاً له سبحانه.

أمّا الرحمن فقد قورن باسمين:

1 ـ «الرحيم» و هو الأكثر ،قال سبحانه: (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).

2 ـ «المستعان»، قال سبحانه: (رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ وَ رَبُّنا الرَّحْمنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ)(الأنبياء/112).


1 . البحار: ج 58، ص 14.
2 . البحار: ج 58، ص10 الحديث8.
3 . التوحيد: الباب 50، ص 321 الحديث1.


(265)

و أمّا الرحيم فقد قورن بأسماء كثيرة للّه سبحانه نشير إليها:

1 ـ «الرحمن» كما عرفت.

2 ـ «التواب» قال سبحانه: (فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوابُ الرَّحِيمُ)(البقرة/37).

3 ـ «الرؤوف» قال سبحانه: (اِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(البقرة/143).

4 ـ «الغفور» قال سبحانه: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَ لا عَاد فَلاَ اِثْمَ عَلَيْهِ اِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(البقرة/173).

5 ـ «الودود» قال سبحانه حاكياً عن شعيب: (وَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا اِلَيْهِ اِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ)(هود/90).

6 ـ «العزيز» قال سبحانه: (وَ اِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ)(الشعراء/9).

7 ـ «الرب» قال سبحانه: (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبِّ رَحِيم)(يس/58).

8 ـ «البرّ» قال سبحانه: (اِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ اِنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ)(الطور/28).

و الاسمان مشتقان من «الرحم» و قد مضى معناه في تفسير اسمه «أرحمالراحمين» فلانعيد. إنّما الكلام في الفرق بينهما، و سيوافيك بيانه.

الظاهر من الآيات إنّ العرب في العصر الجاهلي ما كانت تعرف «الرحمن». قال الزجّاج: «الرحمن» اسم من أسماء اللّه مذكور في الكتب الاولى و لم يكونوا يعرفونه من أسماء اللّه فقيل لهم إنّه من أسماء اللّه و معناه عند أهل اللّغة ذوالرحمة التي لاغاية بعدها في الرحمة، لأنّ «فعلان» من أبنية المبالغة تقول رجل «ريّان» و«عطشان» في النهاية من الري و العطش، و فرحان و جذلان إذا كان في النهاية من الفرح و الجذل.


(266)

قال سبحانه: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قَالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَ زَادَهُمْ نُفُوراً)(الفرقان/60). أي زادهم ذكر الرحمن بعداً عن الايمان أو قبول الحقّ و قول النبي.

روى ابن هشام في أمر الحديبيّة الذي صالح فيه رسول اللّه مع قريش ثم دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّ بن أبي طالب ـرضوان اللّه عليهـ فقال: اكتب «بسم اللّه الرحمن الرحيم» قال: فقال سهيل: لاأعرف هذا و لكن اكتب «باسمك اللّهمّ»، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اكتب «باسمك اللّهمّ». فكتبها...(1).

و أمّا الفرق بينهما فهناك وجوه:

1 ـ الرحمن بمنزلة اسم العلم من حيث لايوصف به إلاّ اللّه بخلاف الرحيم لأنّه يطلق عليه و على غيره.

2 ـ الرحمن: رحمان الدنيا، و الرحيم: رحيم الآخرة.

3 ـ الرحمن بجميع الخلق، و الرحيم بالمؤمنين خاصّة.

4 ـ الرحمن برحمة واحدة و الرحيم بمائة رحمة(2).

و الظاهر هو الثاني و هو المروي عن الامام الصادق (عليه السلام) حيث قال: «الرحمن» اسم خاص بصفة عامّة، و الرحيم اسم عامّ بصفة خاصّة، و هو الظاهر من الصدوق حيث قال: «الرحمن» معناه الواسع الرحمة على عباده يعمّهم بالرزق والانعام عليهم و هو لجميع العالم، و الرحيم إنّه رحيم بالمؤمنين يخصّهم برحمته في عاقبة أمرهم كما قال اللّه عزّ و جلّ: (وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) و الرحمان و الرحيم اسمان مشتقّان من الرحمة على وزن ندمان و نديم(3).


1 . السيرة النبوية: ج 2، ص 317.
2 . مجمع البيان: ج 1، ص 21.
3 . التوحيد للصدوق: ص 203.


(267)

و أوضحه الرازي بقوله: «و قال جعفر الصادق (عليه السلام): اسم الرحمان خاصّ بالحق، عامّ في الأثر، لأنّ رحمته تصل إلى البرّ و الفاجر، و اسم الرحيم عامّ في الاسم خاص في الأثر لأنّ اسم الرحيم قديقع على غير اللّه تعالى، فهو من هذا الوجه عامّ إلاّ انّه خاص في الأثر لأنّ هذه الرحمة مختصّة بالمؤمنين».

ثم استدلّ على ذلك بأنّ بناء وضع «الرحمان» للمبالغة يقال رجل غضبان وشبعان، و رجل عريان هو الذي لاثوب له أصلاً، فإن كان له ثوب خلق، فقد يقال له إنّه عار و لايقال إنّه عريان، و أمّا الرحيم فهو رحيم و الفعيل قديكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع، و بمعنى المفعول كالقتيل بمعنى المقتول و ليس في واحد منهما كبير مبالغة.

أضف إلى ذلك إنّ كثرة المباني تدلّ على كثرة المعاني، و حروف الرحمان أكثر من حروف الرحيم(1).

ثمّ إنّه يمكن استظهاره من بعض الآيات، نرى أنّه سبحانه إنّما يخاطب الكلّ أو خصوص الكافر يقول (الرَّحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى)(طه/5). و يقول: (قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَداً)(مريم/75). و الأوّل خطاب للعامّ والثاني يخص مفاده بالكافر، و في الوقت نفسه يخصّ المؤمنين بالرحيم يقول: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً)(الأحزاب/43) و يقول: (اِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(التوبه/117).

و على ضوء هذا فالرحمان و إن كان يفيد الرحمة العامّة للكلّ إلاّ أنّ الرحيم يفيد الرحمة الخاصّة بالمؤمنين، فكان الرحمان كالأصل و الرحيم كالزيادة في التشريف، و الأصل يجب تقديمه على الزيادة كقوله: (لِلَّذِينَ اَحْسَنُوا الحُسْنى وَزِيادَة)(يونس/26).


1 . لوامع البينات: ص 152 ـ 172.


(268)

و أمّا حظ العبد من اسميه تعالى فحظ العبد من اسم «الرحمان» أن يكون كثير الرحمة على الناس و حظه من اسم الرحيم أن يكون عطوفاً بالمؤمنين، فلو صحّ ماروي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «تخلّقوا بأخلاق اللّه» فمعناه التشبّه بالاله بقدر الطاقة البشرية و صيرورة الإنسان مظهراً لاسمائه إلاّ فيما خرج كقوله: «المصوّر»(1).

الثاني و الستون: «الرؤوف»

و قد جاء «الرؤوف» في الذكر الحكيم 11 مرّة و وقع الجميع اسماً له سبحانه و اقترن بـ«العباد» تارة، و بالرحيم اُخرى، قال سبحانه: (وَ يُحَذِّرُكُمْ اللّهُ نَفْسَهُ وَ اللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبادِ)(آلعمران/30).

و قال: (وَ ما كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ اِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(البقرة/143).

و أمّا معناه فقال ابن فارس: «الرؤوف كلمة واحدة تدل على رقّة و رحمة».

قال اللّه تعالى: (وَ لاتَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللّهِ)(النور/2).

وقال سبحانه:(وَ جَعَلْنا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً)(الحديد/27).

و قال جرير:

يرى للمسلمين عليه حقّا *** كفعل الوالد الرؤوف الرحيم

و اطلاقه على اللّه سبحانه بالتجريد عمّا يلازم الوجود الامكاني من الرقة في القلب، و التأثّر عن الشيء و الأخذ بالنتيجة كما هو الضابطة في كثير من أسمائه سبحانه.


1 . لوامع البينات :ص 167 بتلخيص منّا.


(269)

ثمّ ان ّ الرؤوف قدّم على الرحيم في جميع الايات فما هو وجهه؟

يمكن أن يقال: إنّ الرحمة كمال حال في الرؤوف يدعوه إلى ايصال الاحسان إلى الغير، و الحال إنّ الرحيم معنى يحصل من مشاهدة المرحوم في فاقة و ضعف وحاجة، و من المعلوم كون الأوّل أكمل في مجال الفضيلة، و لعلّه لذلك قدّم الرؤوف على الرحيم.

قال الصدوق: «الرؤوف معناه الرحيم و الرأفة الرحمة»(1).

الثالث و الستون: «الرزّاق»

جاء في الذكر الحكيم مرّة واحدة و وقع إسماً له.

قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ هُوَ الرزَّاقُ ذُوالقُوَّةِ الْمَتِينُ)(الذاريات/58).

كما انّه سبحانه وصف بـ«خير الرازقين» 5 مرّات.

قال سبحانه: (وَ ارْزُقْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(المائدة/114).

قال سبحانه: (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللّهُ رِزْقاً حَسَناً وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ)(الحج/58).

و قال سبحانه: (أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ هُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ)(المؤمنون/72).

و قال سبحانه:(وَ ما اَنْفَقْتُمْ مِنْ شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ)(سبأ/39).

و قال سبحانه: (قُلْ ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَ مِنْ التِّجارَةِ وَ اللّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ)(الجمعة/11).


1 . التوحيد للصدوق: ص 204.


(270)

و قد دل غير واحد من الآيات على أنّ رزق العباد و الدوابّ على اللّه سبحانه.

قال عزّ و جلّ: (وَ مَا مِنْ دَابَّة فِى الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا)(هود/6). ودلّت بعض الايات على أنّ منبع الرزق و مصدره هو السماء.

قال سبحانه: (وَ فِى السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ)(الذاريات/22).

فلو كان المراد من السماء هو السماء المحسوس، فالمراد من الرزق إمّا هو المطر كما عليه قوله سبحانه:

(وَ ما اَنْزَلَ اللّهُ مِنْ السَّماءِ مِنْ رِزْق فَاَحْيا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها)(الجاثية/5). أو الأعم منه و من الأنوار و الأشعّة الحيوية إلى غير ذلك من الاُمور النازلة من السماء إلى الأرض.

و أمّا الرزق فقد فسّره ابن فارس بعطاء اللّه جلّ ثناؤه.

و قال الراغب: الرزق يقال للعطاء الجاري تارة دنيويّاً كان أم اُخرويّا، وللنصيب تارة و لما يصل به إلى الجوف و يتغذى به تارة.

فالأوّل مثل قول القائل: «أعطى السلطان رزق الجند»، و الثاني:(وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تَكَذِّبُونَ)(الواقعة/82) أي تجعلون نصيبكم من النعمة تحرّى الكذب، و أمّا الثالث فقوله: (فَلْيَأتِكُمْ بِرِزْق مِنْهُ)(الكهف/19) أي بطعام يتغذى به، وقديطلق على الرزق الاُخروي.

قال سبحانه في حقّ الشهداء في سبيل اللّه: (بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(آلعمران/169).

و الظاهر أنّ المراد من الرزق هو كل ما يحتاج إليه الإنسان في مأكله و ملبسه و مسكنه و لايختصّ بما يصل إلى الجوف و إن كان هو الرزق البارز.

قال الحكيم السبزواري: إنّ رزق كل مخلوق ما به قوام وجوده، و كماله


(271)

اللائقبه، فرزق البدن ما به نشوؤه و كماله، و رزق الحسّ، ادراك المحسوسات، ورزق الخيال، ادراك الخياليات من الصور و الأشباح المجرّدة عن المادة دون المقدار، و رزق الوهم، المعاني الجزئيّة، و رزق العقل، المعاني الكلّية و العلوم الحقّة من المعارف المبدئيّة و المعاديّة، فالرزق في كل بحسبه(1).

قال الصدوق: «معناه انّه عزّ و جلّ يرزق عباده برّهم و فاجرهم»(2).

و على كلّ تقدير فالرزّاق اسم خاص للّه سبحانه، يقال لخالق الرزق و معطيه و مسببه، و كونه سبحانه رازقاً بالتسبيب يجتمع مع كون العباد يرزق بعضهم بعضاً أيضاً.

قال سبحانه: (وَ ارْزُقُوهُمْ فِيها وَ اكْسُوهُمْ)(النساء/5) لأنّ كل ما في يد العبد فهو للّه سبحانه فهو ينفق ممّا آتاه اللّه، و بذلك يعلم أنّ المفاضلة في قوله سبحانه: (خير الرازقين) على هذا الأساس.

و قال الرازي: إنّ رزق الأبدان بالأطعمة، و رزق الأرواح بالمعارف و هذا أشرف الرزقين، فإنّ ثمرتها حياة الأبد و ثمرة الرزق الظاهر قوّة الجسد إلى مدّة قرببة الأمد، و من أسباب سعة الرزق الصلاة. قال تعالى: (وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَ اصْطَبِر عَلَيْهَا لاََسْئَلُكَ رِزْقاً نْحْنُ نَرْزُقُكَ)(طه/132).

و أمّا حظ العبد من هذا الاسم فهو أن يجعل يده خزانة لربّه فكل ما وجده أنفقه على عباده على غرار قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)(الفرقان/67).


1 . شرح الأسماء الحسنى الواردة في الدعاء المعروف بالجوشن الكبير: ص 6.
2 . التوحيد: ص 204.


(272)

الرابع و الستون: «رفيع الدرجات»

و قد ورد في الذكر الحكيم مرّة و وقع وصفاً له.

قال سبحانه: (رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُوالعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ)(غافر/15).

و قد وصف سبحانه في هذه الاية بصفات ثلاث:

1 ـ رفيع الدرجات.

2 ـ ذوالعرش.

3 ـ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق.

و في الأوّل احتمالات:

منها: إنّ الرفيع بمعنى الرافع أي رافع درجات الأنبياء و الأولياء في الجنّة(1).

و منها: رافع السماوات السبع التي منها تصعد الملائكة.

و منها: إنّه كناية عن رفعة شأنه و سلطانه.

أمّا الثاني: أعني «ذوالعرش» فقد مرّ في تفسير اسم «رب العرش».

و أمّا الثالث: فالظاهر أنّ المراد من الروح هو الوحي بقرينة قوله: (عَلَى مَنْ يَشَاءَ مِنْ عِبَادِهِ) و المراد منهم رسله سبحانه المصطفون بالرسالة، و المراد من الإلقاء هو إلقاء الوحي في القلب.

و احتمال كون المراد من «الروح» جبرئيل أو غيره، لايناسب مع قوله: «يلقي» فهو بإلقاء المعاني أنسب و بذلك فسّرنا قوله سبحانه: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا اِلَيْكَ رُوحاً


1 . بل رافع درجة كل موجود نازل الى درجة رفيعة، كرفعة درجة التراب و النبات الى أعلى منهما، فلانسان كان تراباً و الحيوان كان بناتاً فرفع درجتهما.


(273)

مِنْ اَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِى ما الكِتابُ وَ لا الإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِى بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا و اِنَّكَ لَتَهْدِى اِلى صِراط مُسْتَقِيم)(الشورى/52).

الخامس و الستون «الرقيب»

جاء «الرقيب» في الذكر الحكيم 5 مرّات و وقع وصفاً له سبحانه في موارد ثلاث.

قال سبحانه حاكياً عن المسيح: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)(المائدة/117).

و قال سبحانه: (اِنَّ اللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)(النساء/1).

و قال سبحانه: (وَ كانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَىْء رَقِيباً)(الأحزاب/52).

أمّا معناه فقد قال ابن فارس: له أصل واحد مطّرد يدلّ على انتصاب لمراعاة شيء و من ذلك الرقيب و هو الحافظ، و المرقب: المكان العالي يقف عليه الناظر(1).

و أمّا «الراغب»: فجعل الأصل له الرقبة و أنّه اشتق منها سائر المعاني، قال الرقبة: اسم للعضو المعروف، و الرقيب: الحافظ و ذلك إمّا لمراعاته رقبة المحفوظ و إمّا لرفعة رقبته، قال: (وَ ارْتَقِبُوا إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ).

و على أي تقدير فالرقيب و الشهيد بمعنى واحد أو متقاربي المعنى.

قال سبحانه: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ اَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ اَنْتَ عَلى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ)(المائدة/117).


1 . مقاييس اللغة ج 2 ص 427.


(274)

و المراد شهادته سبحانه أعمال الاُمّة و حفظه لها.

قال سبحانه: (وَ مَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّة فِى الأَرْضِ وَ لاَ فِى السَّمَاءِ)(يونس/61).

و قال سبحانه: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الأَرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْتُمْ وَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(الحديد/4).

قال الصدوق: «الرقيب معناه الحافظ بمعنى فاعل، و رقيب القوم حارسهم»(1).


1 . التوحيد: ص 204.


(275)

حرف السين

السادس و الستون: «سريع الحساب»

و قد ورد «سريع الحساب» في الذكر الحكيم في ثمانية موارد و وقع الكل وصفاً له سبحانه.

قال سبحانه: (اُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَ اللّهُ سَرِيَعُ الحِسابِ)(البقرة/202).

و قال: (وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللّهِ فَاِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسابِ)(آلعمران/19).

و قال: (أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسابِ)(آلعمران/199).

قال سبحانه: (لِيَجْزِىَ اللّهُ كُلَّ نَفْس ما كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسابِ)(إبراهيم/51)(1).

و قد جاء هذا الاسم في ثنايا البحث عن جزاء أعمال العباد سواء أكان خيراً أو شراً، و لايختصّ بالثاني لما في قوله سبحانه: (أُولئِكَ لَهُمْ اَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ اِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسابِ) و الحساب في اللّغة بمعنى العد، تقول حسبت الشيء أحسبه حَسْباً و حُسباناً .

قال تعالى: (اَلشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبان).


1 . لاحظ: المائدة/4، و الرعد/41، و النور/ 39، و غافر/17.


(276)

و من هذا الباب الحَسَب الذي يعدّ من الإنسان، قال أهل اللّغة معناه أن يعدّ آباءاً أشرافاً(1).

و قال الراغب: «الحساب إستعمال العدد، قال تعالى:(لَتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الحِسَابِ) هذا ما يرجع إلى الحساب، و امّا ما يرجع إلى المضاف أعني سريع فالسرعة ضد البطء.

قال تعالى: (وَ سارِعُوا اِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ). (وَ يُسارِعُونَ فِى الخَيْراتِ)(2).

ثمّ إنّ توصيفه بسريع الحساب إمّا لأجل نفوذ إرادته و تحقّق كلّ شيء بعد مشيئته بلابطء و سكون.

قال سبحانه: (اِنَّما اَمْرُهُ اِذا اَرادَ شَيْئاً اَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(يس/82).

أو كونه مجرداً بل فوقه، و جميع الأمكنة و المكانيات سواء، و كل حاضر لديه، و ليس هناك ماض و لااستقبال، «لايشغله شأن عن شأن» فيسرع في وصول الجزاء لكيلا يمنع الحقّ عمّن له الحقّ.

و سئل أمير المؤمنين عن محاسبة اللّه فقال: «يحاسب الخلائق كلهم دفعة واحدة كما يرزقهم دفعة»(3).

فسريع الحساب اسم من أسماء اللّه الحسنى و هو عامّ شامل للدنيا و الآخرة معاً، و قدعرفت أنّ ملاك السرعة هو تحقّق كل ما أراد بلافصل.و حضور الكل لديه دفعة واحدة.

قال سبحانه: (وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ اَحَداً)(الكهف/49).


1 . مقاييس اللغة ج 2، ص 60.
2 . المفردات: ص 230.
3 . شرح الأسماء الحسنى: ص 47.


(277)

و قال سبحانه: (يَوْمَ تَجِدُ كُلَّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوء)(آلعمران/30).

فكأنّهم يرون أنفسهم مشتغلين بالصلاة و غيرها من الحسنات أو مكتسبين للسيئات فيرون ما كانوا يرتكبونها من السيئات، فلايمكن لهم إنكار شيء من صغير وكبير فيحاسب كل نفس بسرعة.

أضف إلى ذلك الشهود و أخصّ بالذكر صحيفة الأعمال التي لاتغادر صغيرة و لاكبيرة.

قال سبحانه: (وَ كُلَّ اِنْسان أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * إِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)(الاسراء/13و14).

و يقول سبحانه: (وَ وُضَعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذا الكِتابِ لايُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلّا أَحْصيها)(الكهف/49).

و مع هذه الشهود لايبقى للعبد أي ريب في حسابه و جزائه فهو حقّاً «أسرع الحاسبين».

نعم شهوده سبحانه على العباد أزيد ممّا ذكرنا، و من أراد التفصيل فليرجع إلى الفصل الذي خصّصناه به عند البحث عن المعاد.

و بذلك علم معنى اسمه الاخر «أسرع الحاسبين» و قدمرّ في محلّه. نعم ليس المراد من الحساب الجزاء و لاالعقاب و إن كان الحساب لغاية الجزاء، و بذلك يعلم الفرق بين «سريع الحساب» و «سريع العقاب» فالفرق بينهما كالفرق بين الغاية و ذيها.


(278)

السابع و الستون: «سريع العقاب»

و قدجاء في الذكر الحكيم في موردين و وقعا إسماً له سبحانه.

قال سبحانه: (وَ هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الاَْرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجات لِيَبْلُوَكُمْ فِى ما آتيكُمْ اِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وَ اِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)(الأنعام/165).

و قال سبحانه: (وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ اِلى يَوْمِ القِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ اِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)(الأعراف/167).

أمّا السرعة فقد مضى معناه و أمّا العقاب فعن الخليل أنّه قال: كلّ شيء يعقب شيئاً فهو عقيبه، و لأجل ذلك يطلق على الليل و النهار العقيبان، و إنّما سمّيت العقوبة عقوبة لأنّها تكون آخراً و ثاني الذنب(1) و كأنّ الذنب يخلف العقاب و يعقبه، قال الراغب: العقب مؤخّر الرجل، و العقوبة و المعاقبة تختصّ بالعذاب.

قال سبحانه: (فَحَقَّ عقاب ـ شديد العقاب ـ وَ اِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) و التعقيب أن يأتي بشيء بعد آخر.

و كونه سبحانه «شديد العقاب» ليس بمعنى كونه كذلك دائماً و إنّما يختصّ ذلك بموارد يستوجب سرعة العقاب، كطغيان العبد و عتوّه فيسرع إليه العقاب ويأخذه بأشدّه.

و لأجل عدم كونه فعلاً له سبحانه على الدوام; ضمّ إليه في الآيتين الاسمين الآخرين و قال «إنّه لغفور رحيم» و لو كان فعلاً له سبحانه على نحو الاستمرار لما صحّ الجمع بين الاسمين، يقول سبحانه: (وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَ لَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمَّى لَجَاءَهُمُ العَذَابُ وَ لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لاَيَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ )(العنكبوت/53و54).


1 . معجم مقاييس اللغة ج 4 ص 77 ـ 78 بتلخيص.


(279)

و بذلك يتّضح كون العقاب على قسمين: قسم يعمّ الظالم في العاجل و قسم يشمله في الآجل كل ذلك لحكمة خاصّة هو واقف عليها، غير أنّ رحمته و غفرانه سبقا غضبه و عقابه.

قال سبحانه: (وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلْنّاسِ الشَّرَ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لايَرْجُونَ لِقاءَنا فِى طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(يونس/11).

الثامن و الستون: «السلام»

قد ورد لفظ «السلام» في الذكر الحكيم معرّفاً سبع مرّات و منكراً خمس وثلاثون مرّة و وقع في مورد واحد اسماً له سبحانه، و قال:

(هُوَ اللّهُ الَّذِى لا اِلهَ اِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ)(الحشر/23).

أمّا السلام لغة، فقد قال ابن فارس: معظم بابه من الصحّة و العافية، فالسلامة أن يسلم الإنسان من العاهة و الأذى، قال أهل العلم: اللّه جلّ ثناؤه هو السلام، لسلامته ممّا يلحق المخلوقين من العيب و النقص و الفناء. قال اللّه جلّ جلاله: (وَ اللّهُ يَدْعُو إِلى دَارِ السَلاَمِ).

و قال الراغب: السلامة: التعرّي من الآفات الظاهرة و الباطنة قال: «بقلب سليم» أي متعرّ من الدغل و هذا في الباطن، و قال تعالى: (مُسَلَّمَةٌ لاَشِيَةَ فِيهَا) وهذا في الظاهر، و قال تعالى: (لَهُمْ دَارِ السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي السلامة، والسلامة الحقيقيّة ليست إلاّ في الجنّة إذ فيها بقاء بلافناء، و غنى بلافقر، و عزّ بلاذلّ، و صحّة بلاسقم، و قيل «السلام» اسم من أسماء اللّه تعالى وصف بذلك حيثلاتلحقه العيوب و الآفات التي تلحق الخلق(1).


1 . المفردات:ص 239.


(280)

و لمّا كان السلام من السلامة دعا سبحانه في حقّ يحيى بقوله: (وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً)(مريم/15)، و إنّما خصّ المواطن الثلاثة بالدعاء لأنّ أوحش ما يكون الخلق فيه هو يوم ولد، و يوم يموت، و يوم يبعث.

ففي الأوّل يرى نفسه خارجاً عمّا كان فيه، و في الثاني يرى قوماً لم يكن عاينهم، و في الثالث يرى نفسه في محشر عظيم، فأكرم اللّه يحيى في هذه المواضع الثلاثة و خصّه بالسلامة من آفاتها، و المراد أنّه سلّمه من شرّ هذه المواطن و اَمنه من خوفها(1).

أقول: لاشكّ انّ السلام من أسماء اللّه سبحانه كما هو صريح آية سورة الحشر كما عرفت، و ترديد الراغب فيه لاوجه له، إنّما الكلام في معناه فهناك احتمالان:

1 ـ أن يكون المراد من السلام إنّه ذوالسلام و وصف به مبالغة في وصف كونه سليماً من النقائص و الآفات كما يقال رجل عدل.

2 ـ أن يكون المراد من السلام كونه معطياً للسلامة و هو تعالى خلق الخلق سويّاً و قال: (مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت)(الملك/3)، و قال: (رَبُّنا اَلَّذِى اَعْطى كُلَّ شَىْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى)(طه/50).

إنّما الكلام في الفرق بينه و بين «القدّوس» الوارد في الآية أيضاً.

قال سبحانه: (هُوَ اللّهُ الَّذِى لا اِلهَ اِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ)فما هو الفرق بين الاسمين و يحتمل كون القدّوس من صفات الذات، و السلام من صفات الفعل فهو منزّه ذاتاً و فعلاً عن النقص.

و يحتمل أن يكون القُدُّوس أكثر مبالغة في التنزيه من السلام فهو يشير إلى براءته سبحانه عن جميع العيوب في الماضي و الحاضر و المستقبل، و عن العيب الظاهر و الباطن، و لكن السلام أضيق دلالة من هذا، فلعلّه مختص بالبراءة عن


1 . لوامع البينات للرازي: ص 187، نقلاً عن سفيان بن عيينة.


(281)

العيوب في الزمن المستقبل.

هذا إذا فسّر السلام بمعنى ذي السلامة، و أمّا لو فسّر بكونه معطي السلامة كما هو أحد الاحتمالين فالفرق بينه و بين القدّوس واضح، فالقدّوس صفة ذات، والسلام صفة فعل، و لايبعد هذا المعنى بملاحظة ما ورد من الايات حول «السلام» وهو سبحانه «يدعو إلى دار السلام» و «لهم دار السلام» فاللّه سبحانه هو معطي السلامة.

و أمّا حظّ العباد من هذا الاسم فله أن يطلب سلامة الدين و الدنيا و يتجنّب عن العيوب.

قال سبحانه: (وَ ذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَ بَاطِنَهُ)(الأنعام/120). و يكون ذا قلب سليم.

قال سبحانه: (اِلاَّ مَن اَتى اللّهَ بِقَلْب سَلِيم)(الشعراء/89).


(282)


(283)

حرف الشين

التاسع و الستون: «الشاكر»

قدورد لفظ «الشاكر» في الذكر الحكيم مفرداً أربع مرات و وقع اسماً له سبحانه في موردين قال: (وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَاِنَّ اللّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ)(البقرة/158) و قال: (مَا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذابِكُمْ اِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ وَ كانَ اللّهُ شاكِراً عَلِيماً)(النساء/147).

و أمّا «الشكور» فقد جاء في الذكر الحكيم 12 مرّة و وقع اسماً له سبحانه في موارد.

قال سبحانه: (لِيُوَفِّيَهُمْ اُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ اِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ)(فاطر/30).

و قال سبحانه: (اِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)(فاطر/34).

و قال سبحانه: (وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً اِنَّ اللّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)(الشورى/23).

و قال سبحانه: (اِنْ تُقْرِضُوا اللّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ)(التغابن/17).

ترى أنّه استعمل تارة مع اسم «غفور» و اُخرى مع «حليم» و هذا يعرب عن صلة بينهما و بين «الشكور»، و أمّا معناه فقد ذكر ابن فارس له اُصولاً أربعة نكتفي بذكر المعنى الأوّل فإنّه المناسب لهذا الاسم.

قال: الشكر الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه، و يقال إنّ حقيقة الشكر


(284)

الرضا باليسير، يقولون: فرس «شكور» إذا كفاه لسمنه العلف القليل. و قال الراغب: الشكر تصوّر النعمة و اظاهرها، قيل و هو مقلوب الكشر أي الكشف و يضادّه الكفر وهو نسيان النعمة وسترها، ودابّة شكور: مظهرة بسمنها اسداء صاحبها إليها،فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم، وإذا وصف اللّه بالشكر فإنّما يعني به انعامه على عباده و جزاءه بما أقاموه من العبادة، يقال ناقة شكرة: ممتلئة الضرع من اللبن.

أقول: إذا كان الشكر بمعنى عرفان الاحسان فما معنى توصيفه بأنّه «شاكر» أو «شكور» و هو المحسن إلى عباده المنعم عليهم؟

و بعبارة اُخرى: إذا كان الشكر هو الثناء على المحسن فما معنى ثناؤه سبحانه على المحسن و لامحسن سواه؟

و بعبارة اُخرى: إذا كان الشكر هو مقابلة من أحسن اليه بالاحسان، فكيف يصدق هذا في حقّه سبحانه فمن الذي يحسن اليه؟ و لو اُحسن اليه بشيء، فهو ملكه لاملك المُحسِن، و لأجل ذلك ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ تسميته بكونه شاكراً أو شكوراً من باب المجاز، و المراد مجازاة الشاكر بالثواب فهو سبحانه يقبل شكر الشاكر بالجزاء عليه.

قال الصدوق: إنّه سبحانه لمّا كان مجازياً للمطيعين على طاعتهم جعل مجازاتهم شكراً لهم على المجاز كما سمّيت مكافأة المنعم شكراً(1).

و يمكن أن يقال: إنّ الاستعمال من باب الحقيقة استلّها من قوله سبحانه: (اِنْ تُقْرِضُوا اللّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ).

فكما أنّ نسبة الإستقراض عليه بنوع من التوسع فهكذا توصيفه سبحانه بكونه شاكراً أو شكوراً به أيضاً.


1 . توحيد الصدوق : ص 216.


(285)

قال العلاّمة الطباطبائي: و اللّه سبحانه و إن كان محسناً قديم الإحسان و منه كل الاحسان لايد لأحد عنده، حتى يستوجبه الشكر، إلاّ أنّه جلّ ثناؤه عدّ الأعمال الصالحة التي هي في الحقيقة احسانه إلى عباده، احساناً من العبد إليه، فجازاه بالشكر و الاحسان و هو احسان على احسان.

قال تعالى: (هَلْ جَزاءُ الاِحْسانِ اِلاَّ الاِحْسانُ)(الرحمن/60).

و قال تعالى: (اِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً)(الإنسان/22).

فاطلاق الشاكر عليه تعالى على حقيقة معنى الكلمة من غير مجاز(1).

السبعون: الشكور

قدتبيّن معناه ممّا قدّمناه في تفسير اسم«الشاكر».

الواحد و السبعون: «شديد العقاب»

و قدورد ذلك الاسم المركّب في الذكر الحكيم 14 مرّة و وقع في الجميع وصفاً له سبحانه، و يستعمل تارة مجرداً عن سائر الأسماء مثل قوله: (وَ اتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَديدُ العِقابِ)(البقرة/196)، و اُخرى مقترناً باسم القوي، قال سبحانه: (فَاَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ اِنَّ اللّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ العِقابِ)(الأنفال/52) ولولا كونه قوياً لما قدر على العذاب الشديد. و ثالثة مقترناً باسمي «غفور» و «رحيم» مثل قوله: ( اعْلَمُوا اِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ وَ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(المائدة/98).فله سبحانه تجلّيات كل في موضعه، و في دعاء الافتتاح:

و أشدّ المعاقبين في موضع النكال و النقمة.


1 . الميزان: ج 1، ص 392، و كونه على الحقيقة انّما هو بعد التنزيل كما في الاستقراض.


(286)

ورابعة مع عدّة من الصفات مثل قوله سبحانه: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَ قَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ)(1). وعلى كلّ تقدير فكونه شديد العقاب، من قبيل الوصف بحال المتعلّق، فالشديد هو عذابه، كما ورد في عدّة من الآيات، قال سبحانه: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَ عَذَابٌ شَدِيدٌ)(2).

الثاني والسبعون: «شديد العذاب»

وقد ورد في القرآن مرّة واحدة وقع وصفاً له سبحانه قال: (أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)(3). وهو متّحد مع الاسم السابق معنى، ومختلف لفظاً.

الثالث والسبعون: «شديد المحال»

وقد ورد في الذكر الحكيم مرّة واحدة ووقع وصفاً له، قال سبحانه: (َ هُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الِْمحَالِ)(4).

وهل المحال، من «محل» (5) يقال: محل به محلاً ومحالاً: إذا أراد بسوء، والميم ليست زائدة أو من «حول» (6) أو «حيل» والميم زائدة، ومعناه: الكيد. على الأوّل معناه: شديد الأخذ، وعلى الثاني: شديد المكر، واستعماله في حقه سبحانه من قبيل المشاكلة كما هو واضح. وحيلته سبحانه هو ما جاء في قوله: (وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ )(7)وقال: (فَذَرْني وَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ)(8).


1 . غافر: 3 .
2 . الأنعام: 124 .
3 . البقرة: 165 .
4 . الرعد: 13 .
5 . كما عليه البيضاوي في تفسيره للآية .
6 . نقل الطبرسي عن ابن جني، و نسبه الراغب الى القيل مشعراً بضعفه.
7 . الأعراف: 182 .
8 . القلم: 44 .


(287)

الرابع و السبعون: «الشهيد»

قد ورد لفظ «الشهيد» في الذكر الحكيم معرّفاً و منكراً 35 مرّة و وقع وصفاً له سبحانه في 20 مورداً.

قال سبحانه: (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللّهِ وَ اللّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ)(آلعمران/98).

و قال سبحانه: (اِنَّ اللّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ اِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ)(الحج/17)(1).

و أمّا معناه فقد قال ابن فارس: إنّه أصل يدلّ على حضور و علم و اعلام من ذلك: الشهادة، و المشهد محضر الناس.

و قال الراغب: الشهود و الشهادة: الحضور مع المشاهدة أمّا بالبصر أو بالبصيرة و قديقال للحضور مفرداً، قال: «عالم الغيب و الشهادة»، و يقال للمحضر مشهد، و للمرأة التي يحضرها زوجها مشهد، و جمع مشهد مشاهد و منه مشاهدالحج و هي مواطنه الشريفة التي يحضرها الملائكة و الأبرار من الناس.

أقول: الظاهر إنّ الشهادة موضوعة للحضور و افادتها العلم، لأنّها تلازمه و يدلّ على ذلك قوله سبحانه: (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ)(الحجّ/28). و (وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما)(النور/2). (وَ الَّذِينَ لايَشْهَدُونَ الزُّورَ)(الفرقان/72).

فمعنى كونه سبحانه «شهيدا» على كل شيء أنّه لايخفى على اللّه منه شيء كما صرّح و قال: (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ وَ أَخْفَى)(طه/7) و مع ذلك لأنّه ليس بينه و بين


1 . لاحظ النساء/33 و 79 و 166، المائدة/113 و 117، الأنعام/19، يونس/29و46، الرعد/43، الإسراء/96، العنكبوت/52، الأحزاب/55، سبأ/47، فصّلت/53، الاحقاف/8، الفتح/28، المجادلة/6، البروج/9.


(288)

خلقه حجاب، فحقيقة الشهادة عبارة عن فقدان الحجاب بين الشاهد و المشهود واحاطته به.

و بذلك يظهر: إنّ تقسيم الأشياء إلى الغيب و الشهادة، تقسيم نسبي بالنسبة إلينا، و أمّا بالنسبة إليه فالأشياء كلّها مشهودات فلأجل ذلك يقول: (إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىء شَهِيدٌ) و الشهادة أمر اضافي له نسبة إلى الشاهد، و نسبة إلى المشهود، فلو كان شهيداً على كل شيء لكان الكل مشهوداً لاغائباً.

و بذلك يظهر أنّ ما نقل عن الكفعمي أحسن من غيره حيث يقول: «هو الذي لايغيب عنه شيء أي كأنّه الحاضر الشاهد الذي لايعزب عنه شيء، و كونه شاهداً لكل شيء، فوق كونه عالماً به، فإنّ العلم يتحقّق بحضور صورة الشيء عند العالم دون حضور نفسه، و لكن الشهادة أقوى و أوثق من العلم، بل المتبادر منها حضور الأشياء بوجودها الخارجي لدى الباري، و كيف و العالم فعله سبحانه و ليس فعله غائباً عن ذاته».

و هذا أولى ممّا نقل عن الغزالي و قال: يرجع معنى الشهادة إلى العلم مع خصوص اضافة فإنّه عالم الغيب و الشهادة، و الغيب عبارة عمّا يطلب، و الشهادة عمّا ظهر و هو شاهد كليهما، فإذا اعتبر العلم مطلقاً فهو العليم، و إذا اُضيف إلى الغير و الامُور الباطنة فهو الخبير، و إذا اُضيف إلى الاُمور الظاهرة فهو شهيد، وقديعتبر مع هذا أن يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم و شاهد منه.

هذا و الأولى ما ذكرنا من أنّ توصيفه سبحانه بكونه عالماً للغيب و الشهادة بملاك كونه شهيداً على كل شيء و عدم غيبوبة شيء عن ذاته بملاك آخر.

و إلى ما ذكرنا صرّح بعض المحقّقين و قال: «إنّ الشاهد المدرك يرى ما لايرى الغائب، و الحاضر المعاين المطّلع، يعلم ما لايعلمه الغائب، و ليس ذلك إلاّ لأن معلوماته كلّها حاضرة عنده، مشاهدة معاينة مدركة له غير غائبة عنه، ففي


(289)

اطلاق هذا الاسم عليه تعالى اشارة إلى أنّ علمه عزّ و جلّ بما سواه بالمشاهدة والحضور و الادراك و ليس شيء مما سواه من الأزل إلى الأبد غائباً عنه بل الكل حاضر عنده.

مع أنّ شيئاً ممّا سواه ليس معه مطلقاً من الأوّل إلى الأبد، و هذا ستر مستور. لايعلمه إلاَّ هو و من هو ملهم بإلهام اللّه تعالى شأنه، و الغيب و الشهادة إنّما يكونان بالنسبة إلى المخلوقات و عليه يحمل قوله عزّ و جلّ: (عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)وإلاّ فلاغيب و لاغائب عنده جلّ شأنه(1) .


1 . كاشف الاسماء في شرح الاسماء الحسنى، و قداشبعنا الكلام في الجزء الثالث عند البحث عن علم الغيب فلاحظ: ص 377 ـ 381.


(290)


(291)

حرف الصاد

الخامس و السبعون: «الصمد»

قد ورد لفظ «الصمد» في الذكر الحكيم مرّة واحدة و وقع وصفاً له فيها قال سبحانه:

(قُلْ هُوَ اللّهُ اَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ * وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً اَحَدٌ).

قال ابن فارس: الصمد له أصلان : أحدهما القصد و الآخر الصلابة في الشيء.

فالأوّل يقال صمدته صمداً، و فلان صمد، إذا كان سيّداً يقصد إليه في الاُمور. و اللّه جلّ ثناؤه الصمد لأنّه يصمد إليه عباده بالدعاء و الطلب.

قال الشاعر:

علوته بحسام ثمّ قلت له *** خذها حذيف فأنت السيّد الصمد

و قال طرفة في المصمّد:

و إن يلتقى الحي الجميع تلاقيني *** إلى ذروة البيت الرفيع المصمّد(1)

و قال الراغب: الصمد: السيّد الذي يصمد إليه في الأمر، و قيل: الصمد: الذي ليس بأجوف.


1 . الشعر من معلقة طرفة المشهورة.


(292)

و قال الصدوق: الصمد معناه السيد، و للصمد معنى ثان و هو المصمود إليه في الحوائج(1).

و الظاهر انّ المعنى الثاني من فروع الأوّل و من لوازمه، لأنّ من لوازم كون الرجل سيّداً مطاعاً، كونه مقصوداً و مصموداً إليه في النوائب و الحوائج.

و رواه في موضع آخر عن الامام الباقر (عليه السلام): الصمد: السيّد المطاع الذي ليس فوقه آمر و ناه(2).

روى الكليني عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شيء من التوحيد فقال:... صمد قدّوس يعبده كلّ شيء، و يصمد إليه كلّ شيء، و وسع كلّ شيء علماً.

قال الكليني و هذا المعنى الذي قال (عليه السلام): إنّ الصمد هو السيّد المصود إليه هو معنى صحيح.

قال أبوطالب في بعض ما كان يمدح به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

و بالجمرة القصوى إذا صمدوا لها *** يؤمّون رضحا رأسها بالجنادل

و قال بعض شعراء الجاهلية:

ما كنت احبّ انّ نبيّنا ظاهراً *** للّه في أكناف مكّة يصمد

يعني يقصد.

و قال ابن الزبير:

ما كان عمران ذاغشّ و لاحسد *** و لارهيبة إلاّ سيّد صمد


1 . التوحيد: ص 197.
2 . التوحيد: ص 90.


(293)

و اللّه عزّ و جلّ هو السيّد الصمد الذي جميع الخلق من الجن و الانس إليه يصمدون في الحوائج، و إليه يلجأون عند الشدائد، و منه يرجون الرخاء و دوام النعماء، ليدفع عنهم الشدائد(1).

و إذا كان اللّه تعالى هو الموجد لكلّ ذي جود ممّا سواه فيقصده كلّ ما صدق عليه أنّه شيء غيره، و يحتاج إليه في ذاته و صفاته و آثاره، قال تعالى: (اَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ اَلاَْمْرُ)(الأعراف/54). و قال: (وَ اَنَّ اِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى)(النجم/42). فهو الصمد في كلّ حاجة في الوجود، لايقصد شيء شيئاً إلاّ و هو الذي ينتهي إليه قصده، و تنجح به طلبته، و تقضى به حاجته.

و إنّما دخلت اللام على الصمد لإفادة الحصر، فهو تعالى وحده الصمد على الاطلاق لما عرفت من أنّه ينتهي إليه قصد كلّ قاصد، و هو المقصود بالاصالة و غيره مقصود بالتبع.

و إنّما كرّر لفظ الجلالة و قال: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ) و لم يقل هو الصمد، أو لم يقل اللّه أحد صمد، فلعلّه للإشارة إلى أنّ كلا من الجملتين كاف في تعريفه تعالى فالمعرفة حاصلة بكلّ واحد.

و إنّما لم يدخل اللام على «أحد» فلعلّه لأجل ادعاء أنّه لايطلق على غيره سبحانه فليس غيره أحد فلايحتاج إلى عهد و حصر.

و الآيتان تصفانه سبحانه بصفتي الذات و الفعل، فالأحدية من صفات الذات و هي عينها، و الصمدية من صفات الفعل حيث يصفه بانتهاء كلّ شيء إليه و هو من صفات الفعل.

هذا و قدنقل العلاّمة المجلسي للفظ الصمد معاني كثيرة تناهز العشرين غير أنّ أكثرها ليست معناني متعدّدة بل يرجع إلى أنّه السيد المصمود، و قد ذكر الصدوق


1 . الكافي: ج 1، ص 124.


(294)

أيضاً في تفسير(قل هو اللّه أحد) معاني مختلفة بحسب الظاهر غير أنّ أكثرها يرجع إلى ما ذكرنا، فروى عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: «الصمد» الذي قد انتهى سؤدده، و الصمد: الذي لايأكل و لايشرب، و الصمد: الدائم الذي لم يزل و لايزال.

و روى عن محمد بن الحنفية (رضي اللّه عنه) أنّه كان يقول: الصمد: القائم بنفسه، الغني عن غيره، و قال غيره: الصمد: المتعالي عن الكون و الفساد.

و روى عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: الصمد: الذي لاشريك له و لايؤده حفظ شيء و لايعزب عنه شيء.

و روي أيضاً عنه (عليه السلام) أنّه قال: الصمد: الذي أبدع الأشياء فخلقها أضداداً و أشكالاً، و أزواجاً و تفرّد بالوحدة بلاضد و لاشكل و لامثل و لاندّ.

و لايخفى إنّ هذه المعاني ليست معاني لغوية للفظ الصمد و لانرى منها أثراً في المعاجم، و إنّما هو من لوازم كون الشخص سيداً مصموداً لكلّ شيء، فلازم ذلك أن ينتهي سؤدده و أن لايكون له شريك و لايؤده حفظ شيء إلى غير ذلك مما ورد في هذه التفاسير.

نعم ربّما يفسّر بالمصمّت الذي ليس بأجوف فلايأكل و لايشرب و لاينام و لايلد و لايولد و قد ورد تفسيره به في بعض الروايات و على ذلك فيكون قوله: (لَمْيَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ) تفسيراً للصمد، و هناك حديث رواه الصدوق بسنده عن الحسين بن علي (عليهما السلام) فمن أراد فليرجع إليه(1).


1 . كتاب التوحيد: باب معنى قل هو اللّه أحد، الحديث 3 ـ 4 ـ5 ـ 6 ـ 7 ـ 8.


(295)

حرف الظاء

السادس و السبعون: «الظاهر»

و قد مرّ تفسيره عند تفسير اسم «الباطن» فراجع.

حرف العين

السابع و السبعون: «عالم الغيب و الشهادة»

لم يقع لفظ «عالم» وصفاً له سبحانه في الذكر الحكيم إلاّ مضافاً تارة إلى الغيب و الشهادة، و اُخرى إلى الغيب وحده، و ثالثة إلى غيب السموات و الأرض، فقد جاء «عالم الغيب و الشهادة» عشر مرّات، و «عالم الغيب» مرّتين، و «عالم غيب السموات و الأرض» مرّة واحدة، و الكلّ يشير إلى علمه الوسيع لكل شيء سواء أكان مشهوداً للناس بالأدوات الحسّيّة أو كان غائباً عنهم إمّا لامتناع وقوعه في اطار الحسّ أو لضعف الحسّ.

توضيحه: إنّ الغيب يقابل الشهود فما غاب عن حواسنا و خرج عن حدودها فهو غيب سواء أكان قابلاً للإدراك بالحواسّ كالحوادث الواقعة في غابر الزمان، و المتكوّنة حاليّاً، الغائبة عن حواسّ المخبر، أم كان ممّا يمتنع ادراكه بالحسّ لعدم


(296)

وقوعه في اُفقه كذاته سبحانه وصفاته إلى غير ذلك من عوالم الغيب كالوحي و النبوّة فاللّه سبحانه عالم بالجميع من غير فرق بين المشهود و غيره(1).

قال سبحانه: (عالِمُ الغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالُ)(الرعد/9).

و قال سبحانه: (قُلْ بَلى وَ رَبِّى لَتَأْ تِيَنَّكُمْ عالِمِ الغَيْبِ لايَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّة فِى السَّمواتِ وَ لا فِى الاَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا اَكْبَرُ اِلّا فِى كِتاب مُبِين)(سبأ/3). و قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بذَاتِ الصُّدُورِ)(فاطر/38).

لاشك إنّ هذه الآيات بصدد حصر العلم بالغيب و الشهادة له، و هناك سؤال يطرح نفسه بل سؤالان:

1 ـ كيف يصحّ حصر «العلم» بالغيب و الشهادة مع أنّ العلم بالشهادة متاح لكلّ من اُعطي واحداً من أدوات الحسّ.

2 ـ دلّ قسم من الآيات على أنّ الأنبياء و الأولياء كانوا يعلمون الغيب ويخبرونعنه، فهذا العلم بالغيب كيف يجتمع مع حصره في اللّه سبحانه؟

و الجواب: إنّ ما يجري على اللّه سبحانه من صفات و نعوت يختلف عمّا يجري على غيره لابمعنى إنّ للعلم ـ مثلاً ـ معنيين مختلفين يجري على الواجب بمعنى و على الممكن بمعنى آخر فإنّ ذلك باطل بالضرورة، و مثله الحياة و القدرة بل المراد اختلاف المحمول عند الجري على الواجب و الممكن اختلافاً في كيفيّة الجري و الإتّصاف، فإنّ العلم منه واجب، و منه ممكن، و منه ذاتي، و منه اكتسابي، منه مطلق و مرسل عن القيود، و منه مقيّد محدود، منه ما هو عين الذات بلاتعدّد بين الوصف و الموصوف، و منه ما هو زائد على الذات، و من المعلوم أنّ


1 . و قدأشبعنا الكلام في حقيقة الغيب و الشهود في الجزء الثالث من هذه الموسوعة لاحظ: الفصل السادس ص 375 ـ 382.


(297)

ما يجري على الواجب، هو القسم الأشرف و ما يجري على الممكن هو القسم الأخسّ فعند ذلك يظهر صحّة اختصاص العلم بالغيب و الشهادة باللّه سبحانه، فإنّ العلم الواجب، المطلق، الذي هو عين الذات، يختصّ به سبحانه، سواء أتعلّق بالغيب أم بالشهادة و أمّا علم الغير بالشهادة فانّما هو علم ممكن لاواجب، محدود لامطلق، زائد على الذات لاعينه فلايضر ثبوته لغيره مع حصر مطلق العلم، سواء أتعلّق بالغيب أم بالشهادة عليه سبحانه.

و قد تقدّم في الجزء الثالث عند البحث عن اختصاص العلم بالغيب باللّه سبحانه ما يفيدك في هذا المقام(1).

و على ذلك فالعلم المختصّ باللّه سبحانه إنّما هذا النوع من العلم لاغيره.

و بذلك يعلم جواب السؤال الثاني فإنّ اطّلاع الأنبياء على الغيب بإذن منه سبحانه لايضرّ بحصر علم الغيب على اللّه فإنّ المحصور من العلم، غير المشترك.

الثامن و السبعون: «عالم غيب السموات و الأرض»

قال سبحانه: (اِنَّ اللّهَ عالِمُ غَيْبَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ اِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)(فاطر/38). و قد تقدّم تفسيره في الاسم السابق.

التاسع و السبعون: «علاّم الغيوب»

و قد ورد في الذكر الحكيم أربع مرّات.

قال سبحانه: حاكياً عن المسيح: (تَعْلَمُ ما فِى نَفْسِى وَ لا اَعْلَمُ ما فِى نَفْسِكَ اِنَّكَ اَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ)(المائدة/116).


1 . المصدر نفسه.


(298)

و قال سبحانه: (اَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ وَ أَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ)(التوبة/78).

و قال سبحانه حاكياً عن الرسل: (قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ اَنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ)(المائدة/109).

و قال: (اِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ)(سبأ/48).

و حصر هذا الاسم على اللّه سبحانه حصر حقيقي مضافاً إلى أنّ علم الواجب غير محدود كوجوده، و علم الممكن محدود، و إنّ علم غيره سبحانه بالغيب بما أنّه يتوقّف على اذنه سبحانه و تعلّق مصلحة عليه قليل في ذاته فضلاً عن إذا قيس إلى علم الواجب بالغيب.

الثمانون: «العليم»

قد ورد لفظ «العليم» في القرآن 162 مرّة، و وقع وصفاً له في الجميع إلاّ في الموارد التالية: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ)(الأعراف/109)، (يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِر عَلِيم)(الأعراف/112)، (قَالَ اجْعَلْنِى عَلى خَزائِنِ الاَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(يوسف/55)، (وَ فَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْم عَلِيمٌ)(يوسف/76)، (قالُوا لاتَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلام عَلِيم)(الحجر/53)، (إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ)(الشعراء/34).

و أمّا في غير هذه الموارد، فقد جاء وصفاً له سبحانه، و قورن بالصفات التالية: الحليم، الواسع، السميع، الشاكر، القدير، العزيز، الخبير، الفتّاح، الخلاّق.

و قد وقفت على معنى العلم في البحث السابق، و بما أنّ العلم و القدرة من أبرز الصفات الثبوتيّة وجب علينا البحث عن اُمور يرجع إلى علمه سبحانه أو إلى قدرته، فلأجل ذلك قدأسهبنا البحث في هذين الوصفين، و آثرنا الاختصار في غيرهما، فنقدّم فهرس البحوث الواردة فيه مستقلاًّ.


(299)

2 ـ العلم

ما هو حقيقة العلم؟

التعريف المعروف للعلم.

نقد هذا التعريف من وجوه:

أوّلاً: عدم شموله لبعض أنواع العلم.

تقسيم العلم إلى الحضوري و الحصولي.

نماذج من العلم الحضوري.

أ ـ نفس الصورة العلمية.

ب ـ علم الإنسان بذاته.

ج ـ علم الإنسان بالمشاعر النفسية.

د ـ علم العلّة بمعلولها.

ثانياً: عدم شموله للمعقولات المنطقية.

نماذج من المعقولات المنطقية.

أ ـ مفهوم الإنسان الكلّي.

ب ـ مفهوم الجنس و الفصل.

ثالثاً: عدم شموله للمحالات و المعدومات.

رابعاً: عدم شموله للأرقام الرياضية.

نكتة هامة ليس كلّ انعكاس علماً.

اجابة عن سؤال.

تعريف العلم بوجه آخر (التعريف المختار).


(300)

علمه سبحانه بذاته.

الدليل الأوّل: معطي الكمال ليس فاقداً له.

الدليل الثاني: عوامل الغيبة منتفية عن ساحته سبحانه.

دليل النافين لعلمه سبحانه.

علمه سبحانه بالأشياء قبل إيجادها.

أدلّة ذلك العلم.

الدليل الأوّل: العلم بالحيثيّة الموجبة للمعلول علم به .

الدليل الثاني: بسيط الحقيقة كلّ الأشياء.

علمه سبحانه بالأشياء بعد ايجادها.

الدليل الأوّل: قيام بالاشياء بذاته لا ينفك عن علمه بها.

الدليل الثاني: سعة وجوده دليل على علمه بالأشياء.

الدليل الثالث: اتقان المصنوع آية على علم الصانع.

مراتب علمه سبحانه.

شمول علمه سبحانه للجزئيات.

أهم الأقوال في هذا المجال.

القول المختار ودلائله.

التعبير القرآني الرفيع عن سعة علمه سبحانه.

دلائل النافين لعلمه سبحانه بالجزئيات ونقدها.


(301)

ما هي حقيقة العلم ؟

لقد عُرِّف العلم بأنّه صورة حاصلة من الشيء على صفحة الذهن.

وبعبارة أُخرى: هو انعكاس الخارج إلى الذهن، عند اتصال الإنسان بالخارج.

وهذا التعريف انتزعه الحكماء من كيفيّة حصول العلم للإنسان عند اتّصاله بالخارج، إذ لا شكّ أنّ الخارج لا يمكن أن يقع في اُفق الذهن بنفس واقعيّته وحقيقته وعينيّته، وإلاّ لزم أن ينتقل كلّ ما للوجود الخارجي من الأثر إلى عالم الذهن، وإنّما ينتقل إليه بصورته المنتزعة منه عن طريق أدوات المعرفة من الحواس الخمس.

وبالتالي: إنّ العلم هو الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل.

غير أنّ هذا التعريف ناقص من جهات شتّى نشير إلى بعضها:

أوّلاً: عدم شموله لبعض أنواع العلم

إنّ العلم ينقسم إلى قسمين: حصولي وحضوري، وإليك بيانهما:

لو كان الشيء حاضراً عند «العالم» بصورته وماهيّته لا بوجوده الخارجي، فالعلم «حصولي».

ولو كان المعلوم حاضراً لدى «العالم» بواقعيّته الخارجيّة من دون توسيط صورة بين الواقعيّة والعالم، فالعلم «حضوري».(1)


1 . وستقف على مراتب العلم الحضوري.


(302)

ولمزيد من التوضيح نقول: إنّ الإنسان عند ما يطلّ بنظره إلى الخارج ويلاحظ ما يحيط به في هذا الكون، يشاهد شجراً وحجراً، وناراً وثلجاً، وبحراً وجبلاً، وشمساً وقمراً، فهناك:

مدرِك ـ بالكسر ـ هو الإنسان وشيء في الخارج وهو المدرَك ـ بالفتح ـ وصورة متوسطة منتزعة من الشيء الخارجي تنتقل إلى مركز الإدراك، عبر أدوات الاحساس والمعرفة.

وبما أنّ الحاضر ـ عندنا ـ ليس هو ذات القمر والشمس أو النار والثلج بوجودهما الخارجيين، وإنّما الحاضر ـ عندنا ـ وفي ذهننا هو «الصورة» المنتزعة الحاصلة من الخارج يسمى الشيء الخارجي «معلوماً بالعرض» والصورة الذهنية الحاكية للخارج «معلوماً بالذات» لأنّ الخارج معلوم بوساطة هذه الصورة، ولولاها لانقطعت صلة الإنسان بالخارج، والواقع الخارجي.

وأمّا قولنا: بأنّ الخارج ليس حاضراً عندنا بواقعيّته الخارجيّة فهو أمر واضح لأنّ الذهن غير قادر على تقبّل الشيء بواقعيته الخارجية الحارة، الباردة الخشنة، الثقيلة إلى غير ذلك من الآثار المحمولة على الخارج.

وهذا هو العلم الحصولي، وعلى ذلك ينطبق التعريف المذكور مطلع هذا البحث.

وهناك نوع آخر من العلم يسمّى بالعلم الحضوري وهو عبارة عن حضور نفس المعلوم بواقعيّته الخارجيّة عند الذهن لا بصورته ومفهومه.

وعند ذلك ينقلب التثليث (1) المذكور في تعريف «العلم الحصولي» إلى تقسيم ثنائي فلا يكون ثمّة مدرِك ـ بالكسر ـ ومدرَك ـ بالفتح ـ بواقعيته الخارجية وصورة ومفهوم منها بل يكون مدرِك ـ بالكسر ـ ومدرك، وربّما يكون اُحاديّاً كما


1 . الانسان المدرك و الشيء الخارجي و صورته الذهنية.


(303)

سيوافيك بيانه.

نماذج من العلم الحضوري

أ. نفس الصورة الحاصلة في الذهن، الحاكية للواقع الخارجي، فإنّ علم الإنسان بالخارج يتحقّق بتوسط هذه الصورة.

أمّا نفس الصورة فهي معلومة بالذات من دون توسّط شيء بين الذهن وتلك الصورة المدركة.

فالخارج وإن كان معلوماً عبر هذه الصورة وبواسطتها، إلاّ أنّ نفس الصورة معلومة بذاتها لدى النفس حاضرة في حورتها.

ب. علم الإنسان بذاته: فإنّ ذات الإنسان حاضرة بذاتها لديه، وليست ذاته غائبة عن نفسه، فهو يشاهد ذاته مشاهدة عقليّة ويحس بها احساساً وجدانيّاً، ويراها حاضرة لديه من دون توسّط شيء بين الإنسان وذاته من قبيل الصورة المنتزعة عن الخارج.

وفي هذه الحالة ينقلب التقسيم الثنائي المذكور في القسم الأوّل من «العلم الحضوري» إلى حالة احادية، وهي وحدة العاقل والمعقول، والعالم والمعلوم.

فالإنسان ـ في هذه الحالة ـ هو العالم وهوالمعلوم في وقت واحد وبهذا يتّحد المدرِك والمدرَك وهذا يفيد: إنّ ذات الإنسان علم وانكشاف وليس بين الذات ونفسه أيّ إبهام وحجاب.

قال الحكيم السبزواري في منظومته:

وحصولي كذا حضوري *** في الذات ما الحضور بالمحصور

فأوّل صورة شيء حاصله *** للشيء والثاني حضورالشيء له (1)


1 . المنظومة قسم الفلسفة: ص 143.


(304)

إذا وقفت على هذا عرفت بأنّ علم الإنسان بذاته علم حضوري، إذ لاتغيب ذات الإنسان و نفسه عن نفسه.

و بهذا تقف على ضعف ما نقل عن الفيلسوف الفرنسي «ديكارت» حيث أراد الاستدلال على وجود نفسه بكونه مفكراً إذ قال: «أنا اُفكر فإذن أنا موجود» حيث استدلّ بوجود التفكّر على وجود المفكّر و هو نفسه.

فإنّ هذا الإستدلال خال عن الإتقان لوجهين:

أوّلاً: إنّ علم الإنسان بوجود نفسه علم حضوري و ضروري لايحتاج إلى البرهنة عليه و الاستدلال بشيء، فليس علم الإنسان بتفكّره أقوى و أوضح عنده من علمه بذاته و نفسه.

و ثانياً: إنّ «ديكارت» اعترف بالنتيجة التي سعى إليها في مقدمة كلامه و جملته، إذ قال: أنا اُفكر فإذن أنا موجود.

فقد أخذ وجود نفسه(التي عبر عنها بـ«أنا)» أمراً مفروضاً واقعاً مسلّماً بينما هو يريد الاستدلال على وجود تلك «الأنا» و هذا من باب قبول النتيجة قبل الاستدلال عليها.

فالحقّ هو انّ «علم الإنسان بذاته» و انّه أمر موجود و حقيقة كائنة بنحو من الانحاء لايحتاج إلى البرهنة و الاستدلال أصلاً.

ج ـ علم الإنسان بالمشاعر النفسية:إنّ الآلام و الأفراح التي تحيط بالإنسان جميعها معلومة للإنسان بالعلم الحضوري الذاتي، فإنّ هذه الأحاسيس و المشاعر حاضرة بوجودها الخارجي لدى الإنسان من دون حاجة إلى أحذ صورة عنها.

د ـ علم العلة بمعلولها:إنّ علم العلّة بمعلولاتها ليس علماً حصولياً بل علم حضوري لما سيوافيك من أنّ نسبة وجود المعلول إلى العلّة كنسبة المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي، و إنّ المعلول بوجوده و هويته الخارجية قائم بعلّته. و المراد من


(305)

العلّة، هو الفاعل الالهي أي معطي الوجود.

و ما هو هذا حاله لايمكن غيابه عن العلّة، و لايمكن عدم حضوره في ساحته، و هو عبارة اُخرى عن علم العلّة بمعلوله. و سيوافيك توضيحه في محله.

هذه هي بعض أقسام العلم الحضوري و نماذجه و قد أتينا بهذا القدر على سبيل المثال لاالحصر.

فاتّضح ـ بما ذكرناه ـ إنّ التعريف الذي مرّ عليك في مطلع هذا البحث تعريف غير شامل لأفضل أنواع العلوم و أسناها.

ثانياً: عدم شموله للمعقولات الثانية المنطقية

إنّ نقص التعريف الماضي لايختصّ بما ذكر بل هناك نقص آخر و هو عدم شموله للمعقولات الثانية المنطقيّة.

و توضيح ذلك: إنّ ما يرد إلى الذهن ينقسم إلى معقولات أوّليّة، و معقولات ثانية(1). فكلّ مفهوم له فرد واقعي في خارج منه تؤخذ الصورة و تنتزع حتى ترد إلى حوزة النفس، و مجال الذهن فهو معقول أوّل، و ذلك كالألوان و ما شاكل ذلك.

و كلّ مفهوم لانجد له فرداً خارجيا غير أنّه يقع في اُفق النفس بتعاملات ذهنيّة و ذلك مثل المفهوم الكلّي و النوع و الجنس و المعرّف و الحجّة، و غير ذلك من المفاهيم التي تعد موضوعات للمسائل المنطقية(2).

فإنّ كلّ واحد من هذه المفاهيم، مفاهيم ذهنية ليس لها مصاديق في الخارج


1 . و المعقولات الثانية تنقسم الى معقولات ثانية منطقية و معقولات ثانية فلسفية و الكل خاص.
2 . قال الحكيم السبزواري:

إن كان الاتصاف كالعروض في *** عقلك فالمعقول بالثاني صفي


(306)

بحيث ينتزع هذا المفهوم من ذلك الشيء الخارج، و إنّما يصفه الذهن بتعامل فكري قد أوضحه المحققون في محلّه.

لاأقول: إنّ هذه المفاهيم من مصنوعات الذهن، و مفتعلاته التي لاصلة لها بالخارج أبداً، لأنّ كلّ ما في الذهن لابدّ و أن يرجع بنحو من الأنحاء إلى الخارج ولكن كون الخارج مبدأً لوقوع هذه المفاهيم في الذهن، غير وجود مصداق خارجي له.

و نأتي هنا بأمثلة:

أ ـ مفهوم الإنسان الكلّي:

فإنّ هذا المفهوم المقيّد بالكلّية ليس له وجود إلاّ في محيط الذهن، فإنّ الإنسان و إن كان موجوداً في الخارج لكنه جزئي متشخّص، بخلاف مفهوم الإنسان الذي له سعة أن يشمل كلّ فرد من أفراده، و المفهوم بهذه السعة غير موجود إلاّ في الذهن، فإنّ كلّ ما في الخارج أمر جزئي متشخّص و متعيّن، و المفهوم الكلّي الوسيع خال عن التشخّص و التعيّن، بدليل صدقه على هذا المتشخّص، و ذاك المتعيّن و مع ذلك فهذا المفهوم الكلّي يصنعه الذهن بمقايسة بعض الأفراد ببعض، و انتزاع المشتركات منها.

و على الجملة فهذا المفهوم(أي مفهوم الإنسان الكلّي) معلوم لنا، و النفس واقفة عليه، غير أنّه ليس من قبيل «الصورة الحاصلة من الشيء في الذهن» و إنّما هو من مخلوقات الذهن و مصنوعاته بعد اتّصاله بالواقع الخارجي، و مشاهدة أفراده ومصاديقه.


(307)

ب ـ مفهوم الجنس و النوع:

إنّ المنطق يبحث عن مفاهيم، مثل النوع و الجنس، و المعرّف، و الحجّة، و غير ذلك من المفاهيم التي تعد موضوعات لذلك العلم.

فالنوع عبارة عن مفهوم يحكي عن القدر المشترك بين أفراد متّحدة الحقيقة كالإنسان و الجنس عبارة عن تمام الحقيقة المشتركة بين الجزئيات المتكثّرة بالحقيقة في جواب ما هو كالحيوان.

و من المعلوم أنّ القدر المشترك، سواء أكان قدراً مشتركاً لمتّفقة الحقيقة أو لمختلفها لايمكن أن يكون له مصداق في الخارج، لأنّ الخارج طرف للتعيّن و التشخّص، فما لزيد من الإنسانيّة فهو يختصّ به، و ما لعمرو منها فهو له خاصّة أيضاً، و لايعد كلّ ما يختصّ قدراً مشتركاً، و إنّما القدر المشترك هو المفهوم الذهني الذي لايتشخّص، و لايتقرّر بعنوان فرد من الأفراد، و لأجله يقدر أن يحكي عن كلاالفردين، بسعة مفهومه و عموميّة معناه.

فلأجل ذلك لايوجد لهذه المفاهيم موطن إلاّ الذهن، و ليس له مصداق إلاّ فيه، و مع ذلك فهو يحكي بنحو من الأنحاء عن الخارج، و يؤخذ منه بشكل من الاشكال، لكن الحكاية عن الخارج، غير كون الخارج مصداقاً له، كما أنّ أخذه من الخارج بمقايسة الأفراد بعضهم ببعض غير كونه مأخوذاً من الخارج مباشرة...

و بذلك يعلم أنّ المعرِّف بما هو أمر كلّي يعرف أمراً كلّياً ليس له موطن إلاّ في الذهن كالحيوان الناطق المعرّف للإنسان، و هكذا الحجّة بما هو قضايا كلّيّة يستدلّ بها على قضية كلّية اُخرى لاموطن لها إلاّ الذهن.

فإنّ الاستدلال عبارة عن الانتقال عن العلّة إلى معلوله أو منه إلى علّته أو من اللازم إلى اللازم فكلّ هذه الاُمور قضايا كلّية تهدينا إلى قضية كلّية اُخرى.


(308)

فقولنا: العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث، حجّة على قولنا: العالم حادث. فتحصل إنّ هناك علوماً ذهنيّة ليست صوراً متّخذة من الخارج، ولا حاصلة منه.

وعلى هذا يجب أن يعرّف «العلم» بنحو يشمل هذا النوع أيضاً، وإلاّ كان ناقصاً كما عرفت.

ثالثاً: عدم شموله للمحالات والمعدومات

لاشكّ إنّ النفس كثيراً ما تتصوّر مفاهيم ممتنعة، وتقضي بأنّها لا يمكن أن تتحقّق في الخارج أبداً، وذلك مثل الدور، والتسلسل، واجتماع النقيضين، والضدّين.

فهذه معلومات نفسانيّة يقف عليها الإنسان، مع أنّها ليست صوراً متّخذة من الخارج ولا منتزعة من شيء في الواقع الخارجي، وإلاّ يلزم عدم امتناعها.

رابعاً: عدم شموله للأرقام الرياضية

إنّ الإنسان يتصوّر أرقاماً بعد الواحد إلى المئات والاُلوف، وهذه مفاهيم علميّة للنفس تستخدمها في العلوم الرياضيّة والهندسيّة مع أنّها ليست منتزعة من الخارج كما تؤخذ صورة زيد عن وجوده الخارجي.

فإنّ الموجود في الخارج هو الآحاد، وأمّا العشرة أو المائة أو الألف بهذه المفاهيم المتكثّرة فهي ممّا تصنعه النفس.

فإنّ النفس تصنع هذا المركّب بعد مشاهدة الأفراد من دون أن يكون للمركّب مصداق وراء الآحاد فلو حضر في البيت عشرة رجال، فالموجود ـ في الحقيقة ـ هو الآحاد، وليس وراء ذلك، أيّ موجود باسم المركّب، وإلاّ كانت العشرة أحد عشر.


(309)

نكتة يجب التنبيه إليها

إن مجرد انعكاس الصورة من الخارج في الذهن، سواء قلنا بمادّيتها أو بتجرّدها عن الماديّة، لا يعادل العلم، ولا يساوقه، وإلاّ لكانت الصورة المنعكسة في المرايا علماً، والمرآة عالمة، بل يجب أن يكون هناك أمر آخر وهو لزوم نوع وحدة بين الصورة وحاملها وعينيّة بين العلم بالذات والعالم، بحيث تعد الصورة من مراتب وجود العالم، ومظهراً من مظاهر وجوده.

وهذه الحقيقة هي الّتي حقّقها الفلاسفة في البحث عن اتّحاد العاقل والمعقول، والمراد من العاقل هو الإنسان العالم بالشيء، ومن المعقول هو الصورة الذهنيّة.

فيجب أنيكون وجود الصورة بوجه يتّحد مع النفس، اتّحاد العرض مع جوهره في الوجود، وإلاّ فلو عدّت النفس ظرفاً للصورة، والصورة شيئاً موجوداً فيه، كانت أشبه شيء بالصورة المنعكسة في المرايا.

اجابة عن سؤال:

لقد اتّضح ممّا ذكرنا: إنّ الصور الذهنية على نوعين:

1. صور منتزعة من الخارج، ومأخوذة عنها مباشرة.

2. صور غير منتزعة من الخارج، وإنّما تعدّ من صنائع النفس ومخلوقاته، وعلى هذا فينطرح السؤال التالي:

إنّ الله سبحانه يقول: (وَ اللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الأَبْصَارَ وَ الأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(1).

والآية صريحة في أنّ مفاتيح العلم، وصيرورة الإنسان غير العالم عالماً هو «الحواس» ومع ذلك فكيف يمكن أن يقال إنّ هناك مفاهيم وصور معلومة للإنسان


1 . النحل: 78 .


(310)

غير واردة إلى الذهن من الخارج عند اتّصاله به.

الجواب:

لاشك انّ كلّ ما يقف عليه الإنسان وليد صلته بالخارج وارتباطه به، فلو ولد الإنسان فاقداً لحواسّ تربطه بالخارج، لما انقدح ولا ظهر في ذهنه شيء، ولأجل ذلك يقول الفيلسوف الإسلامي «أبو علي»: «من فقد حسّاً فقد علماً».(1)

ويقول «جون لاك»: «ليس في العقل شيء إلاّ وقبله في الحسّ شيء آخر».

ومع هذا فإنّ المفاهيم على قسمين:

1. ما تؤخذ مباشرة من الخارج، ويكفي في هذا القسم مجرّد الارتباط، كالصورة الواردة إلى الذهن، من الحجر والشجر، والقلم، والمنضدة وما شاكل ذلك.

2. ما لا يؤخذ من الخارج بهذا النحو، غير أن ارتباط الإنسان بالخارج واتّصاله به يهيئه ويعطيه استعداداً لأن يصنع هذه المفاهيم الكلّية، بحيث لولا تلك الصلة لما استطاعت النفس البشرية أن تصنع تلكم المفاهيم.

وهذا مثل تصوّر «الإنسان الكلّي»، فهذا المفهوم وإن لم يكن منتزعاً من الخارج كانتزاع صورة القلم عنه، غير أنّ صلة الإنسان بهذا الفرد من البشر، وذاك الفرد يعطيه قدرة لأن يصنع في محيط الذهن «مفهوماً كلّياً» قابلاً لأن يحكي عن كلّ ما يمكن أن يعدّ قدراً مشتركاً.

وبهذا الشكل يستطيع الإنسان أن يأخذ كثيراً من المفاهيم الّتي ليس لها


1 . قد استفيض نقل هذا الكلام عن الشيخ الرئيس.


(311)

مصاديق واقعيّة في الخارج، غير أنّ صلة الإنسان بالخارج توفّر له مقدرة على صنعها، وذلك مثل كثير من المفاهيم كالمحالات والممتنعات والأرقام الرياضية بل المفاهيم الاعتبارية ـ على ما هو محقّق في محله ـ .

تعريف العلم بوجه آخر

إنّ أصحّ التعاريف واتقنها هو أن يقال: إنّ العلم عبارة عن «حضور المعلوم دلى العالم».

ليس الهدف من التعريف، التعريف الحقيقي حتّى يؤخذ عليه بأنّه مستلزم للدور لأخذ المعرِّف، جزءاً للمعرَّف وإنّما الهدف الاشارة إلى واقعيّة العلم بوجه من الوجوه وإنّ ماهيّته حضور ما وقف عليه الإنسان عند النفس فحقيقة العلم، حضور شيء لدى شيء.

وهذا التعريف يشمل العلم بقسميه الحصولي والحضوري.

غير أنّ الحاضر في الأوّل هو الصورة، ونفس المعلوم بالذات دون المعلوم بالعرض، أي الواقعيّة الخارجيّة.

وفي الثاني نفس الواقعيّة (الخارجية أو الذهنية» من دون توسّط صورة بين العالم والمعلوم، فلا ترد الاشكالات الّتي وردت على التعريف الأوّل.

وهذا يشمل علم الإنسان بذاته، فإنّ ذات كلّ إنسان حاضرة لديه، غير غائبة عنه كما هو مقرّر في أدلّة تجرّد النفس.

فالذات بما هي واقفة على نفسها تعدّ «عالماً»، وبما أنّها مكشوفة لنفسها غير غائبة عنها تعد «معلوماً» وبما أنّ هناك حضوراًلا غيبوبة تتحقق ثمّة واقعيّة للعلم.

وهذا التعريف تعريف جامع يشمل كلّ أنواع العلوم الحاصلة في الممكن والواجب، ويدخل تحته علم النفس، بنفس الصورة الذهنية، فإنّها بواقعيّتها الذهنيّة


(312)

حاضرة لديها بلاتوسيط صورة بينها و بين الصورة.

إذا وقفت على هذه المقدمات فاعلم أنّ البحث في علمه سبحانه تارة يقع في علمه بذاته، و ثانياً في علمه بالأشياء.

فلنقدّم البحث الأوّل على الثاني.

علمه سبحانه بذاته:

فنقول: المراد من علمه سبحانه بذاته، ليس علمه بها على نحو العلم الحصولي، بمعنى أخذ صورة عن الذات و مشاهدتها عن طريق الصورة، لأنّ العلم بها عن هذا الطريق محال في حقّه سبحانه، لأنّ انتزاع الصورة فرع التعرّف على المنتزع، فلو كان التعرّف عليها عن طريق انتزاع الصورة لزم الدور.

و إن قيل تقدّم الصورة الحاكية عن الذات، يلزم تركّبه من صورة و ذيها.

بل المراد حضور ذاته لدى ذاته و يمكن اثباته بوجهين:

الدليل الأوّل:لاشك إنّه سبحانه مبدئ لموجودات عالمة بذواتها، أي حاضرة لديها بنفسها كالإنسان فلابدّ أن يكون سبحانه المعطي لذلك الكمال واجداً له بأتمّ وجه و أفضله، إذ لايمكن أن يكون معطي الكمال فاقداً له، فهو واجد لهذه الصفة، و ذاته حاضرة لديه بأحسن ما يكون من معنى للحضور.

و نحن و إن كنّا لانحيط بكيفيّة علمه و خصوصيّة حضور ذاته لديه سبحانه، غير انّا نشير إلى هذا العلم بـ«حضور ذاته لديه و علمه بها من دون وساطة شيء في البين أبداً».

و خلاصة القول بأنّه كيف يسوغ عند ذي فطرة إنسانيّة أن يكون واهب كمال ما، و مفيضه، قاصراً عن ذلك الكمال؟ فيكون المستوهب أشرف من الواهب، و المستفيد أكرم من المفيد، و حيث ثبت استناد جميع الممكنات إلى ذاته(تعالى) التي هي وجوب صرف و فعليّة محضة و من جملة ما يستند إليه هي الذوات العالمة،


(313)

و المفيض لكلّ شيء أوفى بكلّ كمال، لئلايقصر معطي الكمال عنه، فكان الواجب عالماً، و علمه غير زائد على ذاته(1).

الدليل الثاني: لاشكّ إنّ الموجود المادي ـ بما له من وجود مادي ـ تغيب بعض أجزائه عن بعضه.

فالمادة بما أنّها متكممة (أي لهاكم) ذات أبعاض و أجزاء و لايكون لها وجود جمعي لايجتمع مجموع أجزائها في مقام واحد.

و بعبارة اُخرى: إنّ الكائن المادي بملاحظة كونه متكمِّماً متفرّق الأجزاء و لهذا تغيب بعض أجزائها عن البعض الآخر.

كما أنّه بحكم كونه موجوداً زمانياً تدريجياً و ذا وجود سيّال، متدرّج في عمود الزمان يقع بعضه في ما مضى من الزمان و بعضه الآخر في الحال، و بعضه في المستقبل و لهذا لايمكن أن يحصل ذاته بجميع أبعادها و خصوصيّاتها لديه جملة واحدة.

و بذلك تكون غيبة المادة زماناً و أبعاضاً أمراً مضاداً مع حضور الذات، و ما ذلك إلاّ لكون المادة ـ كما أسلفنا ـ شيئاً متكمّماً ذات كمّية و ذات أجزاء و أبعاض، أو زمانيّاً واقعاً بعضه في زمان، و بعضه الآخر في زمان آخر.

و هذا يعني: إنّ التبعّض، و التدرّج موانع و حواجب تحجب الشيء عن نفسه، و تمنع من علم الشيء بكلّ ذاته.

و أمّا اذا كان الموجود منزّها عن عوامل الغيبة هذه، كما لو كان مجرّداً منزّهاً عن المادة و الماديّة و عن التبعّض العنصري المكاني، أو التدرّج الزماني بل كان وجوداً بسيطاً من غير أن يكون له أجزاء و أبعاض و أطراف، كانت ذاته حاضرة لديه


1 . الاسفار: ج 6، ص 176.


(314)

حضوراً كاملاً، مطلقاً.

و ذلك مثل حضور النفس عند ذاتها و علمها بذاتها و بقواها، فإنّ حضور ذاتنا عند ذاتنا لايراد منه حضور أبعاض جسمنا، بعضها عند بعض، بل المراد حضور الإنسان المعبّر عنه بلفظة(أنا) المجرّد عن الزمان و المكان، المنزّه عن التكمّم و التدرّج.

فلو فرضنا موجوداً في صعيد أعلى من التجرّد و البساطة و أتم تجرداً من النفس و عارياً عن عوامل غيبة الذات عن نفسها، التي هي من خصائص الكائن المادي، كانت ذاته حاضرة لديه، و هذا يعني علم اللّه سبحانه بذاته، فإنّه بمعنى حضور ذاته لدى ذاته بأتمّ وجه و أكمل.

و أنت أيّها القارئ الكريم إذا أمعنت النظر في ما تلوناه عليك يسهل لك نقد ما أستدل به على عدم علمه بالذات، و إليك بيانه:

العلم بالذات يستلزم التغاير بين العلم و المعلوم

استدل النافون لعلمه سبحانه بذاته بأنّ العلم نسبة، و النسبة تتحقّق بين شيئين متغايرين و هما طرفان بالضرورة، و نسبة الشيء إلى نفسه محال إذ لاتغاير هناك.

و قد أجاب عنه المحقّق الطوسي في التجريد بقوله:

«و التغاير اعتباري».

توضيحه: «إنّ المغايرة قد تكون بالذات و قد تكون بنوع من الاعتبار، و هاهنا ذاته تعالى من حيث إنّها عالمة مغايرة لها من حيث إنّها معلومة، و ذلك كاف في تعلق العلم»(1).


1 . كشف المراد: ص 175.


(315)

و إن شئت قلت: «إنّ ذات الباري تعالى باعتبار صلاحيتها للمعلوميّة في الجملة مغايرة لها باعتبار صلاحيتها للعالميّة في الجملة و هذا القدر من التغاير يكفي لتحقّق النسبة»(1).

و بعبارة ثالثة: إنّ الذات من حيث إنّها عالمة مغايرة لها من حيث هي معلومة فصحّت.

و إلى ما ذكرنا يشير الفاضل المقداد من أنّ الصورة إنّما تعتبر في غير العلم بالذات كالعلم بالأشياء لا في العلم بالذات.(2)

و الحاصل: إنّ التعدد و التغاير إنّما هو في العلم الحصولي ففيها الصور المعلومة غير الهوية الخارجيّة.

و أمّا إذا كان الذات بالذات نوراً و انكشافاً و علماً و حضوراً فلايشترط فيه التعدّد و التغاير بل يصحّ اطلاق العالم و المعلوم عليه بالحيثيتين.

فلأجل انكشاف ذاته لذاته يسمّى «علماً» و بحسب كون الذات مكشوفة تسمّى «معلوماً» .

و إن شئت قلت: باعتبار أنّه يدرك ذاته فلاتغيب ذاته عن ذاته فهو عالم.

و باعتبار أنّ الذات حاضرة لديه فهو معلوم.

و إلى ذلك يشير كلام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «يا من دلّ على ذاته بذاته».

إلى هنا تمّ الكلام في علمه سبحانه بذاته و حال حين البحث عن علمه بالأشياء و إليك البيان.


1 . شرح القوشجي: ص 313.
2 . ارشاد الطالبين: ص 201.


(316)

2. علمه سبحانه بالأشياء قبل الايجاد

إنّ علمه سبحانه بالأشياء يتصوّر على وجهين:

الأوّل: علمه بها قبل الإيجاد.

الثاني: علمه بها بعد الإيجاد.

وقد اتّفق الحكماء على علمه بها بعده، وإنّما اختلفوا في علمه بها قبله، فهم بين مثبت وناف، والمثبت بين كون علمه إجمالياً لا تفصيلياً، وكونه كشفاً تفصيليّاً في عين البساطة والاجمال وإليك براهين المثبتين:

الدليل الأوّل: العلم بالسبب بما هو سبب، علم بالمسبب

العلم بالعلّء بما هي علّة، والحيثيّة الّتي هي سبب لوجود المعلول، لا ينفك عن العلم بالمعلول ولتقريب الدليل نمثل بأمثلة:

أ. المنجّم العارف بالقوانين الفلكية والمحاسبات الجوية يقف على أنّ الخسوف أو الكسوف أو ما شاكل ذلك، يتحقّق عند الوقت أو الوضع الفلاني، وليس علمه بهذه المعلومات ناشئاً إلاّ من العلم بالعلّة من حيث هي سبب لكذا وكذا.

ب. إنّ الطبيب العارف بحالات النبض وأنواعه، وأحوال القلب وأوضاعه، يقدر على التنبّؤ بما سيحدث لهذا المريض مستقبلاً إذا عرف بحالة قلبه أو وضع نبضه، وليس هذا العلم بالمعلول إلاّ من طريق العلم بالعلّة من حيث هي علّة لكذا وكذا.

ج. والصيدلي العارف بخصوصيّة مائع خاص وكونه سمّاً قاتلاً لا يطيق الإنسان تحمّله سوى دقائق، يقف من العلم بهذه الخصوصيّة على أنّ شاربه سيقضي على حياته، بشربه ذلك المائع.


(317)

والله سبحانه لمّا كان علّة للعالم إذ لا يستمدّ العالم بأجمعه وجوده من غير ذاته تعالى، فالعلم بالذات علم بالحيثيّة الّتي هي سبب لتحقّق العالم وتكوّنه.

فالعلم بالذات (كما عرفت) علم بنفس النظام لأنّ النظام معلول له وصادر منه وهذا هو معنى قولهم الشائع: «العلم بالنظام الربّاني، نفس العلم بالنظام الكياني».

ويمكن توضيح البرهان ببيان مقدّمات.

الأُولى: إنّه تعالى علّء وفاعل لما عداه بحيث تكون الممكنات بجملتها مستندة إليه من وجوداتها وماهيّاتها، غاية الأمر استناد جميع الوجودات الممكنات إليه تعالى يكون بالذات، واستناد الماهيّات (1) إليه بالعرض.

الثانية: علّية شيء لشيء هي عبارة عن كونه على جهة وخصوصيّة يأبى أن لا يترتب عليه المعلول.

وإن شئت قلت: إنّ معنى علّية شيء لشيء اشتمال الشيء الأوّل على حيثيّة وخصوصيّة توجب ـ ايجاباً قطعياً ـ وجود المعلول في الخارج، بحيث لولا هذه الحيثيّة لما يتحقّق المعلول.

ومن هذا يعلم انّ بين تلك الحيثيّة القائمة بالعلّة ووجود المعلول رابطة وصلة خاصة بحيث تقتضي نفس الحيثيّة، ذلك المعلول ولولا تلك الصلة لكان نسبة المعلول إلى تلك الحيثيّة وغيرها سواسية مع أنّها ضرورية البطلان.

وبكلمة واضحة إذا كانت النار مبدأً للحرارة بحيث لا تنفك الثانية من الأُولى نستكشف عن رابطة بين الشيئين، وإلاّ يلزم أن تكن نسبة الحرارة إلى النار وسائر


1 . المراد بالماهيات هي خصوصيات الوجود و حدوده من المعدنية و النباتية و الحيوانية فالخصوصيات التي تبيّن حدا الوجود و تشخّصه خصوصيات خاصة تسمّى بالماهية المتحققة في الخارج بالوجود.


(318)

الأجسام سواسية وهذا بديهي البطلان.

نعم تلك الحيثيّة الّتي تعدّ مبدأً للعلّية، تكون في العلل الماديّة زائدة على الذات وفي العلل العلوية وبالأخص الحق سبحانه نفس ذاته.

الثالثة: إنّ فاعليته تعالى لما عداه، يكون بنفس ذاته، لا بخصوصيّة طارئة عليه وجهة زائدة عليه فهو تعالى بنفس ذاته، المحيط بكلّ شيء وقيّوم له، فاعل لكلّ شيء كيف، وإلاّ يلزم أن يكون في فاعليته مفتقراً إلى غيره (1) فيلزم أن يكون في وجوده أيضاً كذلك وهو خلف، فالواجب فاعل في ذاته بذاته، لا بحيثيّة متضمّة إلى ذاته تقييدية كانت أو تعليلية.

الرابعة: إنّه تعالى عالم بذاته وإنّ علمه بذاته عين ذاته ـ كما عرفت ـ .

إذا عرفت ذلك تقف على أنّ علمه بذاته مستلزم للعلم بمعاليله ومخلوقاته وإنّ أحد العلمين لا ينفك عن الآخر وذلك لأنّه إذا كان العلم بالحيثيّة مستلزماً للعلم بالمعلول وكانت تلك الحيثية حسب المقدمة الثالثة نفس ذاته ينتج إنّ العلم بالذات، نفس العلم بالمعاليل والمعلومات.

وبعبارة أُخرى:

العلم بالجهة المقتضية للشيء الّتي هي العلّة حقيقة (وهي في الواجب تعالى نفس ذاته) مستلزم للعلم بما يترتّب عليها من المعلول.

ففرض تلك الذات في العين، يلازم لازمها في العين، وإذا حصلت في الذهن، يترتّب عليها في الذهن قضاء لحكم اللزوم، فالعلم بالسبب من حيث هو سبب، مستلزم للعلم بالمسبب المترتّب عليه وهذا الاستلزام يتصوّر على أنحاء أكملها: أن يكون العلم بالمسبّب عين العلم بالسبب فيكون العلم بالسبب عين


1 . قد ثبت في محله انّ الافتقار في الفعل لاينفك عن الافتقار في الذات، و لأجل ذلك قالوا واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات.


(319)

العلم بالمسبب، وذلك بناء على أن يكون المسبب بعينه موجوداً بعين وجود السبب على ما هو مقتضى بساطته .(1)

وقد أشار إلى هذا البرهان طائفة من المتكلّمين والحكماء نذكر بعض كلماتهم:

1. قال العلاّمة الحلّي في كشف المراد: إنّ كلّ موجود سواه ممكن، وكلّ ممكن فإنّه مستند إلى الواجب إمّا ابتداءً أو بوسائط، وقد سلف: إنّ العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول، والله تعالى عالم بذاته على ما تقدّم فهوعالم بغيره.

وقد أوضح العلامة الحلّي في المسألة السابعة من الفصل الخامس (بحث الأعراض) كيفيّة استلزام العلم بالعلّة العلم بالمعلول إذ قالما هذا توضيحه: إنّ العلم بالعلّة يقع على ثلاثة أنواع:

أ. العلم بذات العلّة لا بالحيثيّة الّتي تستند إليه الأشياء، فمثل هذا لا يستلزم العلم بالمعلول.

ب. العلم بها بما أنّها مستلزم لشيء آخر ومثل هذا العلم يلازم العلم بالمعلول لكن علماً غير تام بعامّة خصوصيّات المعلول.

ج. العلم بالعلّة بتمام خصوصيّاتها وذاتها ولوازمها وملزوماتها، وعوارضها ومعروضاتها، وما لها في ذاتها ومالها بالقياس إلى الغير.

وهذا هو العلم التام بالعلّة، وهو يستلزم العلم التام بالمعلول فإنّ المعلول وحقيقته، لازم للعلّة بهذه الحيثيّة.

فلو تعلّق العلم بالعلّة بهذه الحيثية يستلزم العلم بالمعلول .(2)


1 . درر الفوائد: ج 1، ص 485 ـ 467).
2 . كشف المراد راجع المقصد الاول الفصل الخامس المسألة السابعة عشرة و المقصد الثالث المسألة الثانية.


(320)

و اللّه سبحانه بما أنّه بسيط من كلّ الجهات فالعلم بالذات البحث البسيط، هو عين العلم بالحيثيّة التي تصدر بها عنه الاشياء، فمثل هذا العلم يلازم العلم بعامّة معلولاته على الترتيب الذي يصدر عنه.

2 ـ و قال صدر المتألّهين: إنّ ذاته سبحانه لمّا كان علّة للأشياء ـ بحسب وجودها ـ و العلم بالعلّة يستلزم العلم بمعلولها على الوجه الذي هو معلولها، فتعلّقها من هذه الجهة لابد أن يكون على ترتيب صدورها واحداً بعد واحد(1).

و هذه العبارة تفيد: إنّ علمه سبحانه بالأشياء قبل الخلقة محقّق حتى على الترتيب الذي توجد به الأشياء في نظام الأسباب و المسبّبات.

3 ـ و قال الحكيم الالهي السبزواري نظماً:

و عالم بغيره إذا استند *** إليه وهو ذاته لقد شهد

بالسبب العلم بما هو السبب *** علم بما هو مسبّب به وجب

ثمّ قال شارحاً ذلك:

و حاصله: إنّ الأشياء في ذواتها مستندة إليه تعالى و هو تعالى علم بذاته، و العلم بالعلّة بما هي علّة يقتضي العلم بالمعلول، فهو تعالى ينال الكلّ من ذاته.

ثمّ التقييد بقولنا: «بما هو السبب» إشارة إلى أنّ المراد من العلم بالسبب: العلم بالجهة المقتضية للمسبب سواء كانت عين ذاته أو زائدة.

و لاشك إنّها عين حيثيّة ترتب المسبب على السبب إذ التخلف عن السبب التام محال، كما أشرنا إليه بقولنا: «به وجب».

فكلّما حصلت «الحيثية» في ذهن أو خارج حصل ذلك المسبّب فيه، إذ


1 . الاسفار: ج 6، ص 275 و غيره مفصلاً و مختصراً.


(321)

اللازم ممتنع الانفكاك عن الملزوم، و حكم المنجّم بما سيقع، و الطبيب الحاذق حيث يقول: الشيء الفلاني ينذر بكذا و كذا من هذا الباب(1).

الدليل الثاني: بسيط الحقيقة كلّ الأشياء

ربّما يستدل على علمه سبحانه بالأشياء قبل الايجاد بالقاعدة الشريفة التي تفطّن إليها الفيلسوف الكبير صدر الدين الشيرازي و هي: «بسيط الحقيقة كلّ الأشياء على النحو الأتم الأكمل الأبسط» و هذه القاعدة تثبت علمه سبحانه بالأشياء قبل الايجاد في مرتبة الذات بالتوضيح التالي:

إذا لاحظنا الوجودات الخاصة كالسماء و الأرض و نحوهما نرى ثمّة وجوداً كوجود السماء ـ مثلاً ـ و لهذا الوجود حداً، و ينتزع من حدّه ماهيّة، و هي ماهيّة السماء، فيلاحظ حينئذ أشياء ثلاثة: ذات الوجود، و حدّه، و الماهية المنتزعة من حد، فينحلّ الملحوظ إلى ثلاثة:

1 ـ حقيقة الوجود.

2 ـ حد ذلك الوجود، و المراد من الحد: فقدان تلك المرتبة من حقيقة الوجود الثابت لمرتبة اُخرى ممّا يكافئها كفقدان السماء، وجود الأرض و غيرها.

3 ـ الماهيّة المنتزعة من ذلك الحد التي تكون قالباً للوجود الخاص به.

فيكون الموجود ـ بعد الانحلال ـ مركباً من أشياء ثلاثة لايكون المتحقّق منها إلاّ نفس الوجود.

و أمّا الحدّ فهو راجع إلى الفقدان، كما أنّ الماهيّة أمر عدمي أيضاً و لكنّه صار موجوداً بالوجود، و لولاه لما كان لها وجود.

فكلّ موجود كان مركّباً من هذه الاُمور الثلاثة أي من(وجود و عدم و عدمي)


1 . المنظومة قسم الفلسفة:ص164.


(322)

فهو مركّب بأسوء أنواع التركيب الذي لاينفك عنها الامكان.

إذا عرفت هذا، فاللّه سبحانه بما أنّه لاكثرة في ذاته أبداً، يجب أن يجمع في مقام ذاته كلّ وجود، بحيث لايشذّ عن وجوده وجود، إذ لو صدق أنّه شيء، و ذلك الوجود شيء آخر مسلوب عنه سبحانه لصار محدوداً، و المحدود يلازم الإمكان، وكلّ محدود مركّب، و كلّ مركّب ممكن، فينتج أنّه لاشيء من الواجب ممكناً.

فعلى ذلك فوجوده سبحانه يجب أن يكون مع صرافته و بساطته جامعاً لكلّ وجود يتصوّر، بحيث لايمكن سلب وجود عن مرتبة ذاته، و إلاّ يلزم تركيبه من: أمر وجودي(و هو ذاته)، و أمر عدمي(و هو سلب ذلك الوجود عن ساحة ذاته)، و كان استجماعه لكلّ شيء لابنحو الكثرة و التعدّد حتى يلزم التركيب بصورة أسوء و أبشع، بل ذلك الاستجماع يكون بنحو أتم و أعلى، أي بشكل جمعي رتقي بحيث يكون في وحدته كلّ الوجودات، و لايكون اشتماله على هذه الكثرات و الوجودات موجباً لانثلام وحدته و انتقاض بساطته.

فوجوده سبحانه مشتمل و جامع لكلّ وجود، لكن كلّ وجود ملغى عنه حده، الذي تنتزع عنه ماهيّته و إن كان كماله موجوداً فيه.

و إن شئت توضيح هذا المطلب أكثر من ذلك فلاحظ حال الملكات بالنسبة إلى الأفعال الصادرة عنها.

فإنّ الملكة حالة بسيطة جامعة ـ على نحو الأتم و الأبسط ـ فكان كلّ فعل يصدر منها و كلّ ظهور ينشأ منها، فالإنسان الواجد لملكة النحو قادر على الإجابة عن كلّ سؤال يرد عليه، وهذه الأجوبة الكثيرة الصادرة عنه بفضل تلك الملكة، كانت موجودة في نفس الملكة، لكن لابتفاصيلها و خصوصيّاتها و حدودها و قيودها، بل بكمالها و وجودها الأتم و الأبسط، إذ لولاها لكان معطي الكمال فاقداً له.

فكما انّ الملكة ـ مع بساطتها ـ واجدة لكمال كلّ الأجوبة، و كمال وجودها


(323)

لكن لاعلى نحو التمايز و الخصوصيّات، و إلاّ تلزم الكثرة و يلزم التركيب بشرّ صورها في «الملكة».

فكذلك كلّ علّة واجدة لكمال معلولها و لبّ كمالها على النحو الأتم و الأبسط.

إذا عرفت هذا، فاستوضح للوقوف على استجماع ذاته تعالى لكلّ كمال صدر منه و لكلّ وجود ظهر منه، من حديث الملكة.

فإنّ ما سوى اللّه من أرض و سماء و من إنسان و حيوان، و من شجر و حجر، كلّها موجودات تفصيليّة، و تحقّقات امكانيّة، لايعقل أن تكون موجودة في ذاته سبحانه بهذه الكثرات و التفصيلات، و إلاّ يلزم انقلاب البسيط إلى المركّب، و انقلاب الواجب إلى الممكن، و هو أمر لايصح لأي حكيم أن يتفوّه به.

و مع ذلك كلّه فذاته سبحانه ذات كاملة مشتملة لكلّ كمال موجود في هذه الموجودات، بل جامعة كذلك لجميع الوجودات لكن لابخصوصيّاتها بل هي ـ بما أنّها وجود أتم و تحقّق أكمل ـ جامعة لتلك الكمالات بأشدّها و أكملها و أحسنها.

فكما أنّ «المائة» بوحدتها مشتملة على التسعين و الثمانين مع شيء زائد، لابمعنى أنّ التسعين و الثمانين موجودتان في المائة بنحو التفصيل بل بمعنى أنّ وجود المائة ببساطته تشتمل على كمال كلّ من الرقمين بنحو أتم و أكمل.

فاللّه سبحانه بحكم البرهان المذكور من أنّه لايمكن سلب مرتبة من مراتب الوجود عنه، و إلاّ لزم التركّب في ذاته، و بفضل برهان آخر هو أنّ معطي الكمال لايكون فاقداً له، وجوده أكمل الموجودات، و أتمّها، فإذا فرض العلم بذاته و حضور ذاته لديه، كان ذلك عبارة اُخرى عن علمه بالوجودات الامكانيّة لكن لابوجه التفصيل، بل بنحو البساطة و الوحدة.


(324)

و هذا هو ما يقال من: «إنّ وجوده سبحانه كشف إجمالي عن الأشياء بلاطروء تركيب و حدوث امكان».

و على الجملة فاللّه سبحانه ـ بفضل هذين البرهانين ـ لايمكن أن يشذّ عنه اي كمال و أي وجود و إليك اعادة البرهانين:

1 ـ لو صحّ سلب وجود عنه، أو سلب كمال للزم تركيب ذاته سبحانه من «أمر وجودي و أمر عدمي» و هذا ممّا ينافي بساطته، و يستلزم التركيب في ذاته تعالى، و هو ملازم للامكان الموجب للاحتياج إلى العلّة.

2 ـ إنّ معطي الكمال لايمكن أن يكون فاقداً له فاللّه الصادر منه كلّ الأشياء، لايصحّ أن يكون فاقداً لكمالات تلك الأشياء.

فعلى ذلك لايمكن أن يكون وجوده سبحانه مثل سائر المراتب من الوجود بأن يكون وجدان ذاته عين فقدانه لوجود اّخر، و مع ذلك كلّه لايمكن أن تكون تلك الكثرات الامكانية موجودة فيها بحدودها و خصوصيّاتها، و إلاّ يلزم تركيب أسوأ من التركيب السابق.

فلامحيص من أن يكون ذلك الوجود البسيط مشتملاً على وجود أقوى، و آكد من الوجودات الخاصّة، المتشتتة، المحدودة، التي من حدودها يحصل التركيب من «الوجدان و الفقدان» و العلم بهذا الوجود الآكد الأقوى، نفس العلم بكلّ الكمالات، و كلّ الوجودات التالية الصادرة منه.

فهو بوجوده الجمعي الواحد واقف على ذاته، و واقف على كلّ ما يصدر منه.

و إن شئت فقل: إنّ صرف الوجود يجمع كلّ وجود، و لايشذّ عنه شيء، و لكن المشتمل عليه هو ذات الوجود من كلّ شيء لابخصوصيّته الخاصّة الناشئة عن حدّه. فالوجودات الخاصّة بخصوصيّاتها و الماهيّات الموجودة بها غير متحقّقة في الأزل، و إذ لم يكن المعلوم بخصوصيّته في الأزل لايتصوّر العلم به كذلك، و لكن


(325)

هناك وجوداً أكمل و معلوماً أتمّ يكون العلم به أتمّ أنواع العلم بهذه الوجودات الصادرة منه.

إن قلت: كيف يصحّ أن يقال إنّ النحو الأدنى من كلّ وجود، معلوم له سبحانه في الأزل حسب الفرض إذ كيف يصير النحو الأعلى من كلّ وجود، و النحو الأظهر من كلّ تحقّق، علماً بالنحو الأدنى، مع أنّ النحو الأدنى من كلّ وجود لايكون موجوداً في الأزل.

غير أنّ الاجابة عن هذا السؤال، بعد التوجّه إلى ما مثّلنا من حديث «الملكة» واضح فإنّ العلم بتمام الشيء و كماله، علم بمراتبه النازلة مثل كون العلم بالإنسان الذي هو عبارة عن الحيوان الناطق نفس العلم بالمراتب التالية من النبات والجماد.

و حينئذ يكون الوجود بالنحو الأعلى نفس التحقق للوجود الأدنى مع كمال آخر، و جمال زائد.

و على ذلك فالمعلوم الامكاني، و ان لم يكن في الأزل بخصوصيّاته و تفاصيله لكنّه كمال وجوده و تمام تحقّقه موجود في الأزل بوجوده سبحانه فهو سبحانه ـ ببساطته ـ جميع الكمالات و الجمالات، و العلم بالذات لاينفك عن العلم بتلك الكمالات التي لاتنفك عن العلم بما صدر عنه من الكمالات.

قال صدر المتألّهين:

لمّا كان وجوده تعالى وجود كلّ الأشياء ـ لما حققنا سابقاً من أنّ البسيط الحقيقي من الوجود يجب أن يكون كلّ الأشياء ـ فمن عقل ذلك الوجود عقل جميع الاشياء، و ذلك الوجود هو بعينه عقل لذاته، و عاقل، فواجب الوجود عاقل لذاته بذاته، فعقله لذاته عقل لجميع ما سواه، و عقله لذاته مقدّم على وجود جميع ما سواه، فعقله لجميع ما سواه سابق على جميع ما سواه، فثبت أنّ علمه تعالى بجميع الأشياء حاصلة في مرتبة ذاته بذاته قبل وجود ما عداه فهذا هو العلم الكمالي التفصيلي بوجه و الاجمالي بوجه، و ذلك لأنّ المعلومات على كثرتها و تفصيلها


(326)

بحسب المعنى موجودة بوجودة واحد بسيط، ففي هذا المشهد الالهي و المجلى الأزلي ينكشف و ينجلي الكلّ من حيث لاكثرة فيها ، فهو الكلّ في وحده(1).

قال العلامة الطباطبائي: «إنّ ذاته المتعالية حقيقة الوجود الصرف البسيط الواحد بالوحدة الحقّة الذي لايداخله نقص و لاعدم، فلاكمال وجوديّاً في تفاصيل الخلقة بنظامها الوجودي إلاّ و هي واجدة له بنحو أعلى و أشرف، غير متميّز بعضها من بعض لمكان الصرافة و البساطة فما سواه من شيء فهو معلوم له تعالى في مرتبة ذاته المتعاليّة علماً تفصيليّاً في عين الإجمال و إجماليّاً في عين التفصيل(2).

إلى هنا تمّ الكلام في علمه بأفعاله أي الأشياء قبل وجودها. بقي البحث عن علمه بها بعد الايجاد. و إليك الكلام فيه.

علمه سبحانه بالأشياء بعد الايجاد

يستدل على علمه بالأشياء بعد ايجادها بوجوه:

الأوّل: قيام الأشياء به يستلزم علمه بها.

إنّ الأشياء أعمّ من المجرّدات و الماديّات ـ معلولة للّه سبحانه على سبيل ترقّب الأسباب و المسبّبات، و كلّ معلول حاضر بوجوده العيني عند علّته غير غائب و لامحجوب عنه، فالأشياء في عين معلوليّتها نفس علمه العقلي بعد الإيجاد(3).

و توضيحاً لهذا الدليل نقول:

إنّ كلّ موجود سواه فهو ممكن في وجوده، معلول في تحقّقه ـ له سبحانه ـ و


1 . الاسفار: ج 6، ص 270 ـ 271.
2 . نهاية الحكمة: ص 289.
3 . نهاية الحكمة: ص 290، الطبعة الجديدة.


(327)

ليس معنى المعلوليّة إلاّ تعلّقه وجوداً بالعلّة، و قيامه بها قياماً حقيقيّاً، كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي.

فكما أنّ المعنى الحرفي قائم ـ حدوثاً وبقاءً ـ بالمعنى الاسمي، بحيث لوقطع النظر عن المعنى الاسمي لما كان للمعنى الحرفي تحقّق في وعاء الوجود، فهكذا المعلول، فصلته بالعلّة أشدّ من صلة المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي.

فإذا قلنا «سرت من البصرة» فهناك معنىً اسميا من: السير، و البصرة، و هناك معنىً حرفيّاً و هو ابتداء السير من ذلك البلد.

فحقيقة الابتداء الحرفي ليس شيئاً مستقلاًّ، بل هو أمر مندكّ قائم بالطرفين، و هكذا مثل المعلول الصادر من العلّة، بمعنى مفيض الوجود، فليس للمعلول واقعيّة سوى قيامه بالعلّة، و اندكاكه فيها و تعلّقه و تدلّيه بها.

و ما هذا هو شأنه لايخرج عن حيطة وجود العلّة، و مجال ثبوتها، إذ الخروج عن ذلك المجال مساو للانعدام و مساوق للبطلان.

و على الجملة: فالمعلول بالنسبة إلى العلّة كالوجود الرابط بالنسبة إلى «الوجود المستقل» فكما أنّ الوجود الرابط لايستغني عن «الوجود المستقل» آناً واحداً من الآنات، بل يستمد منه وجوده ـ كلّ وقت و حين ـ فهكذا المعلول يستمد وجوده ـ حدوثاً و بقاءًـ من العلّة، و ما هذا شأنه لايمكن أن يخرج عن حيطة وجود العلّة، و مجال تحقّقه. و معنى ذلك حضوره لدى العلّة و ما نعني من العلم سوى الحضور.

و يتّضح من ذلك القاعدة أنّ الموجودات الامكانية بما أنّها فعله، هي علمه أيضاً فهي بوجوداتها الامكانية علم للّه علماً فعلياً.

و إن أردت مزيد توضيح فلاحظ الصور الذهنية، فإنّ الصورة الذهنيّة أفعال للنفس مع أنّها في نفس الوقت علوم فعليّة لها، فالعلم و الفعل مجتمعان.

و هذا البرهان هو المنقول عن شيخ الاشراق و قدأوضحه المحقّقون.


(328)

قال العلاّمة الحلّي ـ رحمه اللّه ـ :

« إنّ كلّ موجود سواه، ممكن، و كلّ ممكن فإنّه مستند إليه، فيكون عالماً به سواء أكان جزئياً أم كلّياً، كان موجوداً قائماً بذاته أو عرضاً قائماً بغيره، و سواء أكان موجوداً في الأعيان أو متعقّلاً في الأذهان، لأنّ وجود الصورة في الذهن من الممكنات أيضاً فسيتند إليه، و سواء كانت الصورة الذهنية صورة أمر وجودي أو عدمي ممكن، أو ممتنع، فلايعزب عن علمه شيء من الممكنات و لا من الممتنعات.

ثمّ انّ العلاّمة ـ رحمه اللّه ـ وصف هذا الدليل بأنّه برهان شريف قاطع(1).

و الحاصل: إنّ وزان الممكن بالنسبة إلى الواجب وزان المعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الاسمي، و وزان الوجود الرابط بالنسبة إلى الوجود التام المستقل، فليس للمعلول واقعيّة سوى القيام و الارتباط و التدلّي بالعلّة.

فما سوى اللّه ـ ماديّاً و مجرّداً، جوهراً و عرضاً ـ مخلوق له، فهو في عين الوجود قائم به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي و مرتبط به، و ما هذا هو حاله لايمكن أن يكون غائباً عن اللّه مستوراً عليه، لأنّه وجوده قائم بوجود العلّة،كما يكون المعنى الحرفي قائماً بالمعنى الاسمي.

و إن شئت قلت: إنّ وزان الممكن بالنسبة إلى الواجب وزان الفقير المطلق بالنسبة إلى الغني، فالعالم بحكم فقره المطلق محتاج إليه في وجوده و تحقّقه، في حدوثه و بقائه، و ما هذا شأنه لايمكن غيابه، لأنّ غيابه عن العلّة مساوق للإنعدام.

الثاني: سعة وجوده دليل على علمه بالاشياء

لقد أثبتت البراهين القاطعة على أنّ وجوده سبحانه مجرّد عن المادة والمدّة،


1 . كشف المراد: ص 175.


(329)

مجرّد عن الزمان و المكان، فوجوده فوق كلّ قيد زماني أو مكاني، و كلّ من كان كذلك فوجوده غير محدود و غير متناه لأنّ المحدوديّة و التقييد فرع كون الشيء سجيناً في الزمان و المكان، فهذا هو الذي لايتجاوز إطار محيطه، و زمانه، و أمّا الموجود المجرَّد عن ذينك القيدين، المتجرّد من إطار الزمان و المكان بل الخالق لهما، و للمادّة، فهو فوق الزمان و المكان، و المادّة، و المدّة، لايحدّه شيء من ذلك العوارض و لايحصر حاضر منها، و لهذا لايمنعه المكان من الإحاطة والسيطرة على ما قبله، و ما بعده.

و لتوضيح هذه الحقيقة نأتي بالأمثلة التالية:

1 ـ إنّ النملة الصغيرة الماشية على سجّادة منسوجة بألوان مختلفة لايمكنها بحكم صغر جسمها و محدوديّة حواسّها أن تشاهد إلاّ اللّون الذي تسير عليه دون بقية الألوان.

أمّا الإنسان الواقف على طاولة، المشرف على تلك السجّادة فإنّه يرى جميع ألوانها و يحيط بكلّ نقوشها دون إستثناء، لا أنّه لاينظر إليها من زاوية دون زاوية كما هي في تلك النملة.

2 ـ إنّ الإنسان الجالس في غرفة، الناظر إلى خارجها من كوة صغيرة، لايمكنه مشاهدة إلاّ ناقة واحدة من قافلة النوق و الابل التي تمرّ أمام الغرفه بعكس من يقف على سطح تلك الغرفة المشرف على الطريق من شاهق، فإنّه يرى كلّ ما في تلك القافلة من الإبل و النوق جملة واحدة، و من دون أن يمنعه عن ذلك قيد المكان.

3 ـ إنّ الإنسان الجالس على حافة نهر جار لايرى إلاّ بعض الأمواج المائيّة التي تمرّ أمام عينيه دون بقيّة الأمواج الكائنة في منبع النهر أو مصبّه بخلاف من يراقب ذلك النهر من طائرة هليكوبتر أو من فوق مكان شاهق، فإنّه يرى جميع التعرّجات و التموّجات في ذلك النهر جملة واحدة و في وقت واحد.


(330)

و إنّما يرى هؤلاء الأشياء جميعها بخلاف غيره لأنّه لاينظر إليها من خلال المكان المحدود.

هذه الأمثلة و إن كانت أقلّ بكثير عمّا يناسب ساحته سبحانه غير أنّها تكفي لالقاء بعض الضوء على الحقيقة، و تقريب سعة علمه إلى الذهن.

و على الجملة فاللّه المجرّد عن الزمان و المكان، المجرّد عن كلّ حدّ و قيد، بما أنّه لايحيط به شيء، بل هو المحيط بالأشياء جميعاً، لايصحّ في مجال علمه تقديم و تأخير، و ماض و حاضر، أو حاضر و مستقبل، بل العالم بأجمعه حاضر لديه و هو يحيط بجميع ما خلق دونما استثناء.

و قدعرفت أنّه لامعنى لحقيقة العلم إلاّ حضور المعلوم لدى العالم، فبما أنّ وجوده سبحانه وجود غير متناه، لايحدّه حدّ و لايقيّده قيد، فهو في كلّ الأزمنة و الأمكنة، و حاضر مع كلّ الأشياء و الموجودات، و الاّ يلزم أن يكون وجوده محدوداً متناهياً، و عند ذلك يتحقّق علمه بكلّ حاضر لديه، و بكلّ ماثل فلايغيب عن وجوده شيء و لاذرّة.

و قدأشار الإمام علي (عليه السلام) إلى هذه الحقيقة إذ قال:

« إنّ اللّه عزّ و جلّ أيّنَ الأين فلا أين له، و جلّ أن يحويه مكان، و هو في كلّ مكان، بغير مماسة و لامجاورة، يحيط علماً بما فيها و لايخلو شيء منها من تدبيره»(1).

الثالث: إتقان المصنوع دليل علمه

إنّ الكون ـ من حيث سعته، و اشتماله على أسرار و رموز ـ أشبه ما يكون بمحيط لاتعرف سواحله التي قدغمرته الظلمة، و غابت شواطيه في جنح المجهول،


1 . الارشاد للمفيد: ص 108، قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام).


(331)

و لم يوفّق الإنسان إلاّ إلى كشف بعض سطوحه بما سلّطه من أضواء كاشفة له، فيما لاتزال أعماقه غير مكشوفة له بل لايزال القسم الأعظم من سطوحه مجهولة.

إنّ عالم الخلقة أشبه ما يكون بهذا المحيط فإنّ الإنسان رغم ما قام به من جهود جبّارة للتعرّف على حقائقه، و رموزه، لم يقف إلاّ على قدر قليل من أسراره بينما لاتزال أكثرها غير معلومة له.

يقول أحد الاختصاصيين في الطبيعة الحيوية والأبحاث النووية:

«لقدكنت عند بدء دراستي للعلوم شديد الاعجاب بالتفكير الإنساني، و بقوّة الأساليب العلميّة إلى درجة جعلتني اَثِقُ كلّ الثقة بقدرة العلوم على حلّ أية مشكلة في هذا الكون بل على معرفة منشأ الحياة، و العقل و ادراك معنى كلّ شيء، و عندما تزايد علمي و معرفتي بالأشياء من الذرة إلى الأجرام السماوية، و من الميكروب الدقيق إلى الإنسان، تبيّن لي أنّ هناك كثيراً من الأشياء التي لم تستطع العلوم حتّى اليوم اَنْ تجدَ لها تفسيراً أو تكشف عن أسرارها النقاب، و تستطيع العلوم أن تمضي في طريقها ملايين السنين و مع ذلك فسوف تبقى كثير من المشكلات حول تفاصيل الذرّة و الكون و العقل كما هي لايصل الإنسان إلى حلّ لها أو الاحاطة بأسرارها»(1).

و قال أنيشتاين ـ عندما كان واقفاً على درج مكتبته ـ : «إنّ نسبة ما أعلم إلى ما لاأعلم كنسبة هذا الدرج إلى السماء»(2).

و يقصد بذلك: إنّه لم يتسلّق من درجات العلم و المعرفة سوى درجات معدودة جداً، و إنّ المسافة بين معلوماته إلى مجهولاته كالمسافة بين الأرض و السماء.

حقاً إنّ الإنسان عندما يقيس حجمه بأحجام الأجسام و الأجرام السماوية، و


1 . اللّه يتجلى في عصر العلم: ص 35 ـ 36، بول كلارنس ابرسولد.
2 . رسالة الاسلام، السنة.


(332)

ما بينها من فواصل وأبعاد، يدرك مدى صغر حجمه وضآلة معلوماته وضحالة معارفه.

إنّ أضخم مكتبة توصلّت البشرية إلى تأسيسها في الوقت الحاضر هي الآن في أمريكان حيث تضم عشرة ملايين كتاباً، وما يقوم في «لينينغراد» ،وما يوجد في متاحف بريطانيا ومع ذلك فإنّ كلّ هذه الكتب لا تتجاوز معلومات البشر حول الأرض وقليل جداً من الفضاء الخارجي.

إنّ ملاحظة كلّ جهاز بسيط أو معقد ـ كقلم أو كومپيوتر ـ يدلّنا على أنّ صانعه عالم بما يسود ذلك الجهاز من القوانين والعلاقات، كما تدل دائرة معارف ضخمة على علم مؤلّفها وجامعها بما فيها.

إنّ المصنوع بما فيه من اتقان ودقّة، وتركيب عجيب ونظام بديع، ومقادير معيّنة يحكي عن أنّ صانعه مطّلع على هذه القوانين والرموز، عارف بما يتطلبه ذلك المصنون منمقادير وأنظمة.

ومن هنا يشهد الكون ابتداءً من الذرّة الدقيقة إلى المجرّة الهائلة، ومن الخليّة الصغيرة إلى أكبر نجم، بما يسوده من أنظمة وقوانين، وتخطيط بالغ الدقّة، وتركيب بالغ الاتقان، على أنّ خالق الكون عالم بكلّ ما تنطوي عليه هذه الأشياء وما يسودها من أسرار وقوانين، وانّ من المستحيل الممتنع أن يكون جاهلاً.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل بقوله:

(أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(1).

وقال تعالى: (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَ نَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)(2).

ومن وقف على علم التشريح ظهر له ذلك ظهوراً تامّاً.


1 . الملك: 14 .
2 . ق: 16 .


(333)

كلام للمحقق الطوسي

ثمّ إنّ المحقّق الطوسي استدلّ على علمه سبحانه بوجوه ثلاثة نذكر منها اثنين:

1. الإحكام.

2. استناد كلّ شيء إليه .

حيث قال: والإحكام واستناد كل شيء إليه من دلائل العلم.

وقال العلاّمة في شرح الدليل الأوّل: إنّه تعالى فعل الأفعال المحكمة، كلّ من هو كذلك فهو عالم.

أمّا المقدّمة الأُولى فحسّية، لأنّ العالم إمّا فلكى أو عنصري، وآثار الحكمة والإتقان فيهما ظاهر مشاهد.

وأمّا الثانية فضروريّة لأنّ الضرورة قاضية بأنّ غير العالم يستحيل منه وقوع الفعل المحكم المتقن مرّة بعد أُخرى.

وقال في شرح الدليل الثاني: إنّ كلّ موجود سواه ممكن، وكلّ ممكن فإنّه مستند إلى الواجب إمّا ابتداءً أو بوسائط، وقد سلف أنّ العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول، والله تعالى عالم بذاته، فهو عالم بغيره .(1)

جمل درّية لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)

إنّ لأئمّة أهل البيت جملاً وكلماً درّية حول علمه سبحانه نقتبس منها ما يلي:


1 . كشف المراد: ص174 ـ 175 ـ طبعة صيدا 1353 هـ.ق، و لاحظ: كشف الفوائد له أيضاً: ص43، طبعة طهران 1311هـ.ق.


(334)

1. قال الإمام علي (عليه السلام):

«علم ما يمضى وما مضى. مبتدع الخلائق بعلمه ومنشئها بحكمته .(1)

2. سأل منصور بن حازم الصادق (عليه السلام): أرأيت ما كان وما هوكائن إلى يوم القيامة، أليس فيعلم الله؟ فقال: بلى قبل أن يخلق السماوات والأرض .(2)

3. سأل الحسين بن بشار أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام): أيعلم الله الشيء الّذي لم يكن، أن لو كان كيف يكون؟ ولا يعلم إلاّ ما يكون ؟

فقال: إنّ الله تعالى هوالعالم بالأشياء قبل كون الأشياء. قال الله عزّوجلّ: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(3).

وقال لأهل النار: (وَ لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)(4).

فقد علم الله عزّ وجلّ أنّه لو ردّهم لعادوا لما نهوا عنه .

وقال للملائكة لمّا قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ). قال: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(5). فلم يزل الله عزّ وجلّ علمه سابقاً للأشياء قديماً قبل أن يخلقها فتبارك ربّنا تعالى علوّاً كبيراً. خلق الأشياء وعلمه بها سابق لها كما شاء كذلك لم يزل ربّنا عليماً سميعاً بصيراً .(6)


1 . نهج البلاغة الخطبة 191.
2 . التوحيد للصدوق: ص135 باب العلم الحديث 5.
3 . الجاثية: 29 .
4 . الأنعام: 28 .
5 . البقرة: 30 .
6 . التوحيد: ص 136 الحديث 8 .


(335)

مراتب علمه سبحانه

قد تبيّن ممّا ذكرنا انّ علمه سبحانه بالأشياء ذا مراتب هي:

الأُولى: علمه سبحانه بالأشياء بنفس علمه بالذات، وما عرفت من أنّ العلم بالذات علم بالحيثيّة الّتي تصدر بها المعاليل منه سبحانه، والعلم بنفس الحيثيّة علم بنفس الأشياء.

وقد عرفت انّ هناك بياناً آخر لعلم الله سبحانه بالأشياء في مرتبة الذات قبل الإيجاد والخلق، ويرجع أصلها إلى القاعدة الفلسفيّة: «بسيط الحقيقة كل الأشياء» والّذي معناه أنّه جامع كل كمال وجمال ولا يشذّ عن حيطته شيء.

الثانية: إنّ الأشياء بنفسها فعله وعلمه وانّه لا مانع من أن يكون فعل الفاعل نفس علمه، كما أنّ الصور المرتسمة في الذهن فعل الذهن وعلمه، وانّ القائم بوجوده الخارجي مرتبة من مراتب فعله .

هذا كلّه حسب البراهين الفلسفيّة الكلامية غير أنّ الذكر الحكيم دلّ على أنّ لعلمه سبحانه مظاهر خاصّة، عبّر عنه:

تارة باللوح المحفوظ.

وثانية بالكتاب المسطور.

وثالثة بالكتاب المبين.

ورابعة بالكتاب المكنون.

وخامسة بالكتاب الحفيظ.

وسادسة بالكتاب المؤجّل.

وسابعة بالكتاب المطلق.

وثامنة بالإمام المبين .


(336)

و تاسعة باُمّ الكتاب.

و عاشرة بلوح المحو و الأسباب...

و عن اللوح المحفوظ قال سبحانه:

(بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِى لُوْح مَحْفُوظ)(البروج/21و22).

و عن الكتاب المسطور قال سبحانه:

(وَ كِتابٌ مَسْطُورٌ * فِى رَقّ مَنْشُور)(الطور/2و3).

و قال سبحانه:

(اِلّا اَنْ تَفْعَلُوا اِلى اَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِى الكِتابِ مَسْطُوراً)(الأحزاب/6).

و قال عزّ اسمه: (وَ لَقَدْ اَهْلَكْنا اَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر * وَ كُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ * وَ كُلُّ صَغِير وَ كَبِير مُسْتَطَرٌ)(القمر/51 ـ 53).

و عن الكتاب المبين قال سبحانه:

(وَ لا رَطْب وَ لا يابِس اِلّا فِى كِتاب مُبِين)(الأنعام/59).

و قال سبحانه:

(وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّة فِى الاَْرْضِ وَ لا فِى السَّماءِ وَ لا اَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا اَكْبَرَ اِلّا فِى كِتاب مُبِين)(يونس/61).

و قال سبحانه:

(وَ ما مِنْ غائِبَة فِى السَّماءِ وَ الاَْرْضِ اِلّا فِى كِتاب مُبِين)(النمل/75).

و عن الكتاب المكنون قال سبحانه:

(اِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِى كِتاب مَكْنُون)(الواقعة/77و78).


(337)

و عن الكتاب الحفيظ قال سبحانه:

(قَدْعَلِمْنا ما تَنْقُصُ الاَْرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ)(ق/4).

و عن الكتاب المؤجّل قال سبحانه:

(وَ ما كانَ لِنَفْس اَنْ تَمُوتَ اِلّا بِاِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً)(آل عمران/145).

و عن الكتاب المطلق قال سبحانه:

(وَ قَضَيْنا اِلى بَنِى اِسْرائِيلَ فِى الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِى الاَْرْضِ مَرَّتَيْنِ)(الاسراء/4).

و قال سبحانه:

(لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِى ما اَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)(الأنفال/68).

و قال سبحانه:

(اَلَمْ تَعْلَمْ اَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِى السَّماءِ وَ الاَْرْضِ اِنَّ ذلِكَ فِى كِتاب)(الحج/70).

و قال سبحانه:

(قالَ عِلْمُها عِنْدِى فِى كِتاب لايَضِلُّ رَبِّى وَ لايَنْسى)(طه/52).

و قال سبحانه:

(ما اَصابَ مِنْ مُصِيبَة فِى الاَْرْضِ وَ لا فِى اَنْفُسِكُمْ اِلّا فِى كِتاب)(الحديد/22).

و عن لوح «اُمّ الكتاب» قال تعالى:

(يَمْحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتْ وَ عِنْدَهُ اُمُّ الْكِتابِ)(الرعد/39).

(وَ اَنَّهُ فِى اُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ)(الزخرف/4).

و عن الإمام المبين قال تعالى:

(وَ كُلَّ شَىْء اَحْصَيْناهُ فِى اِمام مُبِين)(يس/12).


(338)

و عن لوح المحو و الاثبات، يقول سبحانه: (يَمْحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(الرعد/39).

ثم إنّ المفسّرين و مثلهم الحكماء اختلفوا في حقيقة هذه الكتب و خصوصيّاتها، فذهب الحكماء إلى أنّها موجودات مجرّدة كالعقول و النفوس المستتر فيها كل صغيرة و كبيرة.

و ذهب آخرون إلى أنّها ألواح ماديّة سطّرت فيها الأشياء بكيفيّاتها و أسبابها الموجبة لها و أوقاتها المضروبة لها.

و قد استشكل عليه بأنّ ذلك يقتضي عدم تناهي الأبعاد، و قدقامت البراهين العقليّة و النقليّة على خلاف ذلك، فلابدّ من تخصيص ذلك بموجودات بعض النشآت.

فأجاب آخرون إلى أنّ الأشياء سطرّت فيها على نحو الرمز لابالتفصيل.

غير أنّ كل هذه المذاهب و الأقوال ممّا لايصحّ الركون إليه فالمسألة من المعارف العليا التي يجب الايمان بها و لايمكن التعرّف عليها.

القضاء من مراتب علمه

ثم إنّه ربّما يعد من مراتب علمه سبحانه «القضاء».

و القضاء عندهم عبارة عن الوجود الإجمالي لجميع الأشياء، كما أنّ القدر عبارة عن الوجود التفصيلي لها.


(339)

فبما أنّ الصادر الأوّل حاو لكلّ كمال موجود في الكائنات و الموجودات التالية، هو قضاء اللّه سبحانه عندهم و من مراتب علمه تعالى، فالعلم به، بجميع ما دونه من المراتب، كما أنّ القدر عبارة عن الوجود التفصيلي للأشياء سواء كانت بصورها العلميّة القائمة الموجودات المجرّدة، أم بوجودها الخارجي الشخصي.

فهذه مراتب علمه سبحانه، غير أنّ الغور و التعمّق في بيان حقائقها من الاُمور العويصة التي لايتمكن الإنسان من الوقوف عليها و التطلّع إليها من خلال هذه العلم.

نعم، القضاء و القدر من المعارف العليا التي نطق بها القرآن الكريم، و سنبحث عنها لدى الحديث عن عدله سبحانه سواء أصحّ تفسيرهما بالوجود الاجمالي للأشياء، أو بالوجود التفصيلي لها أم لا.

و أخيراً نقول: إنّ هذه التعابير العشرة الواردة في القرآن الكريم، يمكن ارجاع بعضها إلى البعض الآخر، كما يمكن عدّ كل منها مرتبة مستقلة من مراتب علمه، و يظهر ذلك بالغور في الآيات الواردة في هذا المجال.

شمول علمه تعالى للجزئيات

إنّ للباحثين في علمه سبحانه بالأشياء مذاهب شتّى حتّى إنّ بعضهم أنكره من أصله.

كما أنّ للمثبتين آراء مختلفة أنهاها المحقق السبزواري إلى أحد عشر رأياً نشير إلى بعضها هنا:

الأوّل: إنّ له تعالى علماً بذاته دون معلولاتها لأنّ الذات المتعالية أزليّة، و كل معلول حادث، فلايمكن أن يكون الحادث معلوماً في الأزل.

و قدعرفت بطلان هذا الرأي من وجوه مختلفة، منها:


(340)

1. إنّ العلم بالذات من الجهة الّتي تنشأ عنها المعلولات علم بنفس المعلول، وقد أوضحنا هذاالبرهان في ما سبق.

2. إنّ بسيط الحقيقة كل الأشياء وإنّ العلم بالذات علم إجمالي بنفس المعاليل قبل الايجاد، وقد أوضحنا هذا الدليل أيضاً .

الثاني: ما ينسب إلى شيخ الاشراق وتبعه فيه جمع من المحقّقين بعده، هو إنّ الأشياء أعمّ من المجرّدات، والماديات حاضرة بوجودها العيني لديه سبحانه وغير غائبة عنه تعالى ولا محجوبة، وهو علمه التفصيلي بالأشياء بعد الإيجاد.

وقد عرفت اتقان هذا القول، غير أنّ علمه سبحانه بالأشياء لا يختصّ بهذا القسم إذ هوعلم بالأشياء بعد الايجاد بالعلم الحضوري.

الثالث: إنّ ذاته المتعالية علم تفصيلي بالمعلول الأوّل، واجمالي بما دونه، وذات المعلول الأوّل علم تفصيلي بالمعلول الثاني، وإجمالي بما دونه وعلى هذا القياس.

وقد عرفت إنّ خلو الذات الالهية المقدّسة عن كمال العلم بما دون المعلول الأوّل غير تامّ، كيف وهو وجود صرف لا يسلب عنه كمال.

الرابع: ما ينسب إلى المشائيين من أنّ له علماً حضورياً بذاته المتعالية، وعلماً تفصيلياً حصولياً بالأشياء قبل ايجادها، بحضور ماهيّاتها (الصورة المرتسمة) على النظام الموجود في الخارج لذاته تعالى، وهذه الماهيّات قائمة به سبحانه نحو قيامها بأذهاننا فهوعلم عنائي له.

وفيه أنّ لازم ذلك خلو الذات عن العلم بالأشياء في مرتبة الذات. وقد عرفت ثبوته بالبرهانين المتقدّمين.

الخامس: إنّ علمه سبحانه بالمعلول الأوّل حضوري لحضور هويته الخارجية


(341)

لدى الذات وأمّا علمه سبحانه بسائر الأشياء فهو بارتسام صورها في ذلك المعلول الأوّل. واختاره المحقّق الطوسي.

غير أنّه يرد عليه ما أوردناه على ما تقدّم من استلزامه خلو الذات عن العلم بالأشياء ما سوى المعلول الأوّل.

السادس: وهو آخر الأقوال ـ حسب نقلنا ـ هو قول أكثر الفلاسفة، وهو كون علمه سبحانه قبل الإيجاد بالأشياء علماً كليّاً، وليس له علم بالجزئيات وانّه على حاله قبل وجود الأشياء وبعد وجودها من دون تغيّر.

هذه هي خلاصة الأقوال وعصارتها، وهناك تفصيلات اُخر لا يهمّنا ذكرها، وإنّما المهم اثبات علمه بالجزئيات ممّا وقع اوسيقع أو هو واقع، واشباع البحث يتوقّف على البحث في مقامين:

الأوّل: اثبات علمه سبحانه بالجزئيات.

الثاني: نقد براهين النافين لذلك.

أمّا الأوّل فيمكن تقريره بوجهين:

1. حضور الممكن لدى الواجب في كل حين

إنّ الكون ـ كما عرفت ـ موجود ممكن ونسبة الوجود والعدم إليه على السواء، وإنّما تخرج من حد الاستواء بالعلّة الموجبة غير أنّ خروجه عن حد الاستواء لا يخرجه عن حد الامكان، فهو قبل الخروج ومع الخروج وبعده ممكن بالذات، مفتقر إلى الواجب مطلقاً وفي كل حين ولحظة، فلا ينقطع افتقاره إلى الممكن، بالايجاد أوّلاً، بل هو في كل لحظة حدوثاً وبقاء قائم بالواجب مفتقر إليه مستفيض منه.

فإذا كان هذا هو حال الممكن فلا ينفك عنه حضور لدى العلّة، وما هذا شأنه


(342)

فهو غير غائب عن العلّة في كل لحظة وآن، وقائم به قيام الرابط بالمعنى الاسمي، وليس لعلمه حقيقة وراء حضوره لدى العالم.

وعلى الجملة: فاذا كان الممكن قائماً بوجوده معالواجب ومفتقر إليه في تحقّقه ـ حدوثاً وبقاء ـ وكان قيامه معه كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، فهذا النحو من الوجود لا يقبل الغيبوبة وعدم الحضور، فإنّ الغيبوبة مناط انعدامه وفنائه.

وكل من شك وتردّد في علمه سبحانه بالأشياء والجزئيات فقد غفل عن حقيقة نسبة المعلول إلى علّته، فإنّ النسبة القائمة بينهما نسبة الفقير إلى الغني، والمتدلّي إلى المتدلّى به، والمعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، والرابط بالطرفين.

وهذه الكيفية نفس حقيقة الوجودات الامكانية الصادرة عنه سبحانه، بحيث لو أخذت منه تلك النسبة لانعدمت، وخرجت عن حيز الوجود، أو انقلب اللامستقل إلى المستقل والممكن إلى الواجب.

فاذا كانت الوجودات الامكانية بعامّة أجزائها في عمود الزمان بهذه الكيفيّة والحالة فكيف يصحّ أن يتصوّر لها الغيبة من جانب العلّة وما هي إلاّ فرض انعدامها وفنائها.

لقد كشفت نظرية الحركة الجوهرية عن أنّ ذات المادة بعمقها وجوهرها في حال السيلان، وإنّ الحركة ليست مختصّة بظواهر المادة وسطوحها (أي بأعراضها) بل السيلان والتدرّج والزوال والحدوث، يعمّ جوهرها وصلبها وجودها وهويّتها أيضاً .

وبعبارة أُخرى: انّ التغيّر والحدوث المتجدّد، لا يختصّ بصفات المادة وعوارضها، بل يتطرّق هذا التغيّر إلى ذات المادة بمعنى أنّ الكون بجميع ذراته في تحوّل وتغيّر مستمرّين، وإنّما يترآى للناظر من الثبات والاستقرار والجمود في مادة الكائنات الطبيعية ليس إلاّ من خطأ الحواس إذ الحقيقة هي غير ذلك، فكل ذرّة من ذرات المادة خاضعة للتغيّر والتبدّل والسيلان.


(343)

قال الحكيم صدر الدين الشيرازي:

لقد تبيّن إنّ الأجسام كلّها متجددة الوجود في ذاتها، وإنّ صورتها صورة التغيّر، وكل منها حادث الوجود، مسبوق بالعدم الزماني، كائن فاسد، لا استمرار لهويّاتها الوجودية، ولالطبائعها المرسلة، والطبيعة المرسلة وجودها عين شخصياتها وهي متكثّرة، وكل منها حادث.

وقال:

إنّ الطبائع الماديّة كلّها متحركة في ذاتها وجوهرها، مسبوقة بالعدم الزماني فلها بحسب كل وجود معيّن مسبوقيّة بعدم زماني غير منقطع في الأزل .(1)

وصفوة القول:

إنّ الحركة ليست إلاّ تعبيراًآخر عن كيفيّة وجود الشيء، أي أنّ لوجود الشيء كيفيّتين: إمّا وجود قارّ، أو وجود متدرّج، وكانت المادة متحركة في جوهرها فإنّ معنى ذلك انّ لها وجوداً سيّالاً متدرجاً ينقضي بعضه بوجود البعض الآخر.

فإذا كان عالم المادة ـ بما أنّ وجوده متدرّج سيّال فلم يزل من حدوث إلى حدوث ـ لا ينفك عن محدث له، وإذا كانت واقعيّة المادة هي نفس الحركة، ولم يكن في امكانالحركة أن تقوم بنفسها، فواقعيّتها نفس التعلّق والتدلّي مثلالمصباح الكهربائي المتّصل بالمولّد الكهربائي فإنّه قائم بذلك المولد آناً فآناً، وهذا هو معنى قولهم: إنّ الموجودات الامكانية متدلّيات بنفسها ومتعلّقات بغيرها.

فإذا كان مجموع العالم هذا هو حاله، لم يزل يحتاج لامكانه المستمر وحدوثه الداعي إلى علّة تعطي الوجود في كل حين، فهو لم يزل كعين نابعة ينبع من جانب ويصب في جانب آخر، وليس للمادة ـ جوهراً وعرضاً ـ أي بقاء وثبات وصمود واستقرار، بل الخلقة نفس التجدّد والتغيّر.


1 . الاسفار: ج 7، ص 297 و 280 و 292 و 293.


(344)

إذا عرفت ذلك يظهر أنّه ليس للعالم حقيقة وراء الوجود التدريجي، فهو سبحانه في كل حين و لحظة يفيض الوجود على الكون بجواهره و أعراضه من ذرّاته إلى مجرّداته، و إن تصوّر الإنسان أنّ العالم خلق مرة واحدة و هو مستمر على الخلقة الاُولى، لكنّه تصوّر مردود بالبرهان بل هناك ايجاد مستمر، و ابداع غير منقطع يحسب الجاهل له ثباتاً و صموداً.

وإذا كان الكون ـ بكل ما فيه ـ من الذرّة إلى المجرّة تجددات و حدوثات متلاحقة و أنّه سبحانه ـ في كل آن ـ ذو شأن أي ذو خلق و إيجاد و فعل و إبداع هذا من جانب.

و من جانب آخر لايمكن أن يكون المعلول غائباً عن حيطة العلّة لأنّ الغيبة تضاد و قيام المعلول بعلّته كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، ينتج أنّه سبحانه محيط بالأشياء إحاطة علميّة، و قيوميّة.

فالعالم بذرّاته و كثراته، فعله و خلقه و علمه و معرفته.

و بذلك يعلم: إنّ انكار علمه سبحانه بالجزئيات ناشىء من الغفلة عن حقيقة الافاضة و الخلقة في العالم أو عن حقيقة ارتباط المعلول بالعلّة.

و بهذا نقف على عظمة الجملة القائلة «إنّ اللّه بكل شيء عليم» فهي تعني: إنّه عالم بما مضى و مايأتي و ما هو كائن، و هي تحكي عن سعة علمه سبحانه و إحاطته سبحانه بكل ما في هذا الكون، و بجميع رموزه، و أسراره وجلائله و دقائقه.

و هذا هو ما تقصده النصوص الإسلامية في الكتاب و السنّة.

فهو سبحانه يصف علمه بقوله: (وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لايَعْلَمُها اِلّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِى الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة اِلّا يَعْلَمُها وَ لاحَبَّة فِى ظُلُماتِ الاَْرْضِ وَ لارَطْب وَ لايابِس اِلّا فِى كِتاب مُبِين)(الأنعام/59).

و قال تعالى:

(قُلْ اِنْ تُخْفُوا ما فِى صُدُورِكُمْ اَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَ يَعْلَمُ ما فِى السَّمواتِ وَ


(345)

مافِى الاَْرْضِ)(آل عمران/29).

و قال تعالى: (اَللّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ اُنْثى وَ ما تَغِيضُ الاَْرْحامُ وَ ما تَزْدادُ وَ كُلُّ شَىْء عِنْدَهُ بِمِقْدار)(الرعد/8).

و قال تعالى: (وَ لَقَدْ خَلَقْنا الاِْنْسَانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ اَقْرَبُ اِلَيْهُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(ق/16).

و قال تعالى: (يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِى الاَْرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنْ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها)(سبأ/2).

و قال تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّة فِى السَّمواتِ وَ لا فِى الاَْرْضِ وَ لا اَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا اَكْبَرُ اِلّا فِى كِتاب مُبِين)(سبأ/3).

و قال تعالى: (وَ اِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تَكُنُّ صُدُورُهُمْ وَ ما يُعْلِنُونَ وَ ما مِنْ غائِبَة فِى السَّماءِ وَ الاَْرْضِ اِلّا فِى كِتاب مُبِين)(النمل/74 ـ 75).

و قال تعالى: (اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِى السَّمواتِ وَ ما فِى الاَْرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثة اِلّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لاخَمْسَة اِلّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا اَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا اَكْثَرَ اِلّا هُوَ مَعَهُمْ اَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ اِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شيْء عَلِيمٌ)(المجادلة/7).

و قال الإمام عليّ (عليه السلام) في هذا المجال:

«ولايعزب عنه عود قطر الماء، و لانجوم السماء، و لاسوافي الريح في الهواء، و لادبيب النمل على الصفا، و لامقيل الذرّ في الليلة الظلماء. يعلم مساقط الأوراق، و خفِيّ طرف الأحداق»(1).


1 . نهج البلاغة خطبة 178.


(346)

و قال (عليه السلام): «يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، و معاصي العباد في الخلوات، و اختلاف النينان في البحار الغامرات، و تلاطم الماء بالرياح العاصفات»(1).

و قال (عليه السلام): «قدعلم السرائر، و خبر الضمائر، له الاحاطة بكل شيء»(2).

التعبير الرفيع القرآني عن سعة علمه

إنّ من المفاهيم المعقّدة هو تصوّر مفهوم «اللامتناهي» بحقيقته و واقعيّته.

فإنّ الإنسان لم يزل يتعامل في حياته مع الاُمور المحدودة و لذلك أصبح تصوّر «اللامتناهي» أمراً مشكلاً في غاية الصعوبة عليه.

فهذه المنظومة مع ما فيها من السيّارات و الكواكب رغم أنّها تعد جزءاً من مجرّتنا الواسعة الهائلة ـو مع ذلكـ فإنّ هذه المجرّة متناهية من حيث العدد و الأجزاء، و من حيث الذرّات و الألكترونات، و البروتونات، و مع السعة و الحجم.

إنّ أكبر عدد تعارف الإنسان العادي على استخدامه في حياته هو رقم «المليارد» الذي يتألّف من رقم واحد أمامه تسعة أصفار(000/000/000/1).

ثمّ إنّ البشريّة بسبب تكاملها في العلوم الرياضية توصّلت إلى ما يسمّى بالأرقام النجومية، و مع ذلك فإنّ كل ما توصّل إليه الإنسان من الأرقام ـ حتّى النجوميّة منها ـ لايتجاوز كونه عدداً متناهياً.

إنّ القرآن الكريم يصوّر علمه سبحانه اللامتناهي بنحو خاص، يختصّ


1 . نهج البلاغة: خطبة 198.
2 . نهج البلاغة: خطبة 86.


(347)

بالوحي، فإنّه لايستخدم الأرقام و الأعداد الرياضية و حتّى النجوميّة منها، لانتهائها إلى حد، بل يأتي بمثل رائع يبيّن سعة علمه، إذ يقول عزّ وجلّ: (وَ لَوْ اَنَّما فِى الأَرْضِِ مِنْ شَجَرَة اَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ اَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ اِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(لقمان/27).

إنّك لاتجد أي رقم رياضي مهما كان عظيماً و هائلاً و نجوميّاً قادر على تصوير سعة علمه سبحانه مثلما يصفها قوله: (ما نفدت كلمات اللّه).

فلو قال أحد: إنّ مقدار علمه ـ بلغة الحساب ـ هو العدد الواحد أمامه عشرات الأصفار لما أفاد هذا الرقم ما أفاده قوله: (مَا نَفَدَتْ كَلَمَاتِ اللّهِ).

و بذلك تقف على حقيقة قوله سبحانه: (وَ مَا اُوْتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) فإنّه يعبّر عن محدوديّة المقاييس و المقادير و المعايير البشرية، كما يعبّر عن ضآلة علمه و ضحالة معارفه.

دلائل النافين لعلمه سبحانه بالجزئيات

قدعرفت البرهان الواضح على علمه سبحانه بالجزئيات و تبيّن لك أنّ الكون ـبحكم كونه محتاجاً إلى المحدث حدوثاً و بقاءـ و بحكم أنّ اللّه سبحانه موجد و مبدع في كل آن و لحظة، فلايمكن للكون أن يغيب عن ساحة العلّة، و ما هذا شأنه فهو ملازم للحضور، و ليس للعلم حقيقة وراء ذلك.

إذا وقفت على ذلك فهلمّ إلى دراسة ما يقوله النافون، و ما يقيمونه من دليل، و هو لايتعدّى دليلاً واحداً و قدعبّر عنه بتعابير مختلفة.

الأوّل: العلم بالجزئيات يلازم التغيّر في علمه

لو علم سبحانه بالجزئي على وجه يتغيّر لزم تغيّر علمه تعالى عند تغيّر المعلوم و هو محال.


(348)

و قد أوضحه العلاّمة بقوله: احتجّ الحكماء لنفي علمه بالجزئيات الزمانيّة بأنّ العلم يجب تغيّره عند تغيّر المعلوم و إلاّ لانفتّت المطابقة، لكن الجزئيات الزمانيّة متغيّرة فلو كانت معلومة للّه تعالى لزم تغيير علمه تعالى، و التغيّر في علم اللّه تعالى محال.

و قال العلاّمة ابن ميثم البحراني في هذا الصدد:

و منهم من أنكر كونه عالماً بالجزئيات على الوجه الجزئي المتغيّر، و إنّما يعلمها من حيث هي ماهيّات معقولة، و حجّتهم أنّه لو علم كون زيد جالساً في هذه الدار فبعد خروجه منها إن بقي علمه الأوّل كان جهلاً و إن زال لزم التغيّر، لأنّ واجب الوجود ليس بزماني ولابمكاني، و ليس ادراكه بالآلة و كل مدرك بجزئي زماني من حيث هو متغيّر، يجب أن يكون كذلك، فواجب الوجود لايدرك الجزئي من حيث هو متغيّر(1).

وأجاب عنه المحقّق الطوسي بعبارة وجيزة بقوله: «و تغيّر الاضافات ممكن».

و أوضحه العلاّمة الحلّي بقوله: « إنّ التغيّر هذا إنّما هو في الاضافات لا في الذات و لا في الصفات الحقيقيّة كالقدرة التي تتغيّر نسبتها، و اضافتها إلى المقدور عند عدمه، و إن لم تتغيّر في نفسها، و تغيّر الاضافات جائز لأنّها اُمور اعتبارية لاتحقّق لها في الخارج(2).

و حاصله أنّ العلم كالقدرة فلو استلزم تعلّق العلم بالجزئيات تغيّره عند تغيّر المعلوم يلزم أن يستلزم التغيّر في قدرته أيضا، عند تعلّقها بالجزئيات لأنّ الجزئيات التي تتعلّق بها المقدرة هي في مسير التغيّر و التبدّل و التحوّل و التطوّر، و القدرة من صفات الذات فما هو الجواب في جانب القدرة هو بعينه جار في جانب العلم.


1 . قواعد المرام: ص98
2 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 176.


(349)

و يمكن توضيحه بوجه آخر أشار إليه المحقّق القوشجي في شرحه لتجريد الاعتقاد إذ قال: « إنّ علمه تعالى ليس زمانيّاً أي واقعاً في زمان كعلم أحدنا بالحوادث المختصّة بأزمنة معيّنة فإنّه واقع في زمان مخصوص، فما حدث منها في ذلك الزمان كان واقعاً في الحال، و ما حدث قبله أو بعده كان واقعاً في الماضي أو المستقبل، و أمّا علمه تعالى فلااختصاص له بزمان أصلاً فلايكون ثمّة حال و ماض و مستقبل، فإنّ هذه صفات عارضة للزمان بالقياس إلى ما يختص بجزء منه إذ الحال معناه زمان حكمي هذا، و الماضي زمان قبل زمان حكمي، و المستقبل زمان هو بعد زمان حكمي هذا فمن كان علمه أزليّاً محيطاً بالزمان و غير محتاج في وجوده إليه، وغير مختص بجزء معين من أجزائه، لايتصوّر في حقّه حال و لاماض و لامستقبل فاللّه سبحانه عالم عندهم بجميع الحوادث الجزئيّة و أزمنتها الواقعة التي هي فيها لامن حيث إنّ بعضها واقع في الآن، و بعضها في الماضي و بعضها في المستقبل، بل يعلمها علماً شاملاً متعالياً عن الدخول تحت الأزمنة ثابتاً أبد الدهر، و بعبارة اُخرى إنّه تعالى لمّا لم يكن مكانياً كان نسبته إلى جميع الأمكنة على السواء فليس فيها بالقياس إليه قريب و بعيد و متوسط كذلك لما لم يكن هو تعالى و صفاته الحقيقيّة زمانيّة لم يتصف الزمان مقيساً إليه بالمعنى، و الاستقبال و الحضور بل كان نسبته إلى جميع الأزمنة على السواء، فالموجودات من الأزل إلى الأبد معلومة له كل في وقته، و ليس في علمه كان و كائن و سيكون، بل هي حاضرة عنده في أوقاتها، فهو عالم بخصوصيّات الجزئيات و أحكامها لكن لامن حيث دخول الزمان فيها بحسب أوصافها الثلاثة إذ لاتحقّق لها بالنسبة إليه تعالى، و مثل هذا العلم يكون ثابتاً مستمرّاً لايتغيّر أصلاً كالعلم بالكلّيّات(1).

هذا ما ردّ به القوم على الإشكال من الجواب.

و يمكن توضيحه بوجه آخر من دون تمسّك بأنّ التغيّر في الاضافات بأن نقول إنّ الإشكال إنّما يتوجّه إذا كان علمه تعالى حصولياً و إنّه سبحانه يصل إلى الجزئيات


1 . شرح التجريد للقوشجي: ص 314.


(350)

بالصور العلميّة المرتسمة القائمة بذاته سبحانه، و قدعرفت أنّ علمه بالجزئيات علمه حضوري، و أنّ الأشياء بهوياتها الخارجيّة، و حقائقها العينيّة «فعله» سبحانه و في الوقت نفسه «علمه» فلامانع من القول بطروء التغيّر في علمه سبحانه أثر طروء التغيّر في الموجودات العينيّة.

فإنّ التغيّر الممتنع على علمه إنّما هو على علمه الذاتي لا على علمه الفعلي، لأنّ طروء التغيّر في العلم الذاتي يستلزم طروء الحدوث في ذاته سبحانه و هو لايجتمع في وجوب وجوده بخلاف العلم الفعلي فإنّ العلم في مقام الفعل عبارة عن كون نفس الفعل «علمه» كما أنّ الصور الذهنيّة مع كونها فعلاً للنفس، علم لها.

و بذلك يظهر ضعف اشكال آخر هو: إنّ ادراك الجزئيات إنّما يحتاج إلى آلة جسمانيّة و هو سبحانه منزّه عن ذلك لكونه منزّهاً عن الجسمانيّة.

فقدظهر من البيان الحاضر أنّ هذا الاشكال ناشىء من الاعتقاد بأنّ علمه تعالى علم حصولي، حاصل له تعالى عن طريق أعمال الآلات و الأدوات الجسمانيّة للأبصار و الإدراك مع أنّ علمه تعالى نفس فعله لاالصور المنتزعة عن فعله.

و ربّما يستفاد هذا الجواب ممّا ذكره المحقّق القوشجي في شرحه المذكور إذ قال:

إنّ ادراك المتشكلات إنّما يحتاج إلى آلة جسمانيّة إذا كان العلم حصول الصورة، و أمّا إذا كان اضافة محضة أو صفة حقيقيّة ذات اضافة بدون الصورة فلاحاجة إليها(1).


1 . شرح تجريد الاعتقاد للقوشجي: ص 314.


(351)

الثاني: العلم بالجزئيات يستلزم الكثرة في الذات

إنّ العلم صورة مساوية للمعلوم مرتسم في العالم و لاخفاء في أنّ صور الأشياء المختلفة، مختلفة، فيستلزم كثرة المعلومات و كثرة الصور في الذات الأحدية من كل وجه.

و لكن الاشكال مبني على كون علمه بالأشياء علماً حصولياً مرتسماً في ذاته سبحانه كارتسام الأشياء في النفس الإنسانية، فيلزم حدوث الكثرات في الذات الأحدية، و لكنّه غير تام لأنّ علمه بالأشياء نفس هويّاتها الخارجيّة الحاضرة عنده.

و هذا العلم أقوى من ارتسام صور الأشياء.

الثالث: انقلاب الممكن واجباً

إنّ العلم لو تعلّق بالمتجدّد، قبل تجدّده، لزم وجوبه، و إلاّ لجاز أن لايوجد فينقلب علمه تعالى جهلاً، و هو محال.

و بعبارة اُخرى: إنّ علمه لايتعلّق بالحوادث قبل وقوعها، و إلاّ يلزم أن تكون تلك الحوادث ممكنة و واجبة معاً، و التالي باطل للتنافي بين الوجوب و الامكان.

و بيان الملازمة أنّها ممكنة لكونها حادثة، و واجبة أيضاً، و إلاّ أمكن أن لايوجد فينقلب علمه جهلاً.

و قدأجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله:

«و يمكن اجتماع الوجوب و الامكان باعتبارين».

و أوضحه العلاّمة الحلّي بقوله: إن أردتم وجوب علمه تعالى أنّه واجب الصدور عن العالم فهو باطل لأنّه تعالى يعلم ذاته، و يعلم المعدومات(فليس العلم هنا مصدر للمعلوم أي المعدوم).

و إن أردتم وجوب المطابقة لعلمه فهو صحيح لكن ذلك وجوب لاحق


(352)

لاسابق، فلاينافي في الامكان الذاتي(1).

وإن شئت قلت:إنّ العلم إنّما هو تابع للمعلوم فلايكون مفيداً لوجوبه،فالعلم تعلّق بوقوعه بوصف أنّه ممكن بالذات فهي ممكنة لذواتها، واجبة لغيرها، و هو تعلّق علم الباري تعالى بوجوبها، و لاتنافي بين الامكان بالذات و الوجوب بالغير.

و بعبارة اُخرى: إنّ الممتنع هو اجتماع «الممكن بالذات» مع «الواجب بالذات».

و أمّا اجتماع «الممكن بالذات» مع «الواجب بالغير »فهو أمر ممكن و جائز، و المعاليل عند وجود العلّة التامة ممكنات بالذات، واجبات بالغير.

و على ذلك فلو تعلّق علمه سبحانه بوجود حادث في وقت كذا، فعلمه سبحانه لايخرجه عن الامكان بالذات، سواء قلنا بأنّ علمه سبب، أو غير سبب، إذ غاية ما يقتضي كون علمه سبباً، هو وجوب وجوده بالغير، و هو يجتمع مع الممكن بالذات.

فلو تعلّق علمه سبحانه بوقوع حادث في ظرف خاص الحادث و إن كان يقع قطعاً و لايتخلّف، غير أنّ ذلك الوقوع القطعي، لايخرجه عن الامكان الذاتي.

لأنّ معنى الامكان الذاتي مساواة الشيء إلى الوجود و العدم في حد الذات و هو محفوظ بعد لحوق العلّة و اتّصافه بالوجوب الناشئ عن جانب العلّة، فهو إذن ممكن ذاتي و إن كان واجباً بالغير.

و بذلك تقف على أنّه لاحاجة إلى القول بأنّ علمه ليس سبباً و مصدراً للمعلوم(2).


1 . كشف المراد: ص 176.
2 . كما عليه الفاضل القوشجي في شرحه على التجريد: ص414.


(353)

فإنّ التحاشي عن ذلك في غير محلّه بل يجب أن يقال إنّ الحادث الذي يقع في ظرف خاص لايخرج عن حد الامكان بعد تعلّق علمه، و حصول العلّة التامّة لوجوده، فالعالم كلّه ممكن لكن بالذات، واجب بالغير.

الواحد و الثمانون: «العظيم»

قدورد لفظ العظيم مرفوعاً و منصوباً في القرآن 107 مرّة و وقع وصفاً له في خمسة موارد:

1 ـ قال سبحانه: (لَهُ ما فِى السَّمواتِ وَ ما فِى الاَْرْضِ وَ هُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمِ)(الشورى/4).

2 و 3 ـ و قال سبحانه: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)(الواقعة/74و96) .

4 ـ و قال سبحانه: (اِنَّهُ كانَ لايُؤْمِنُ بِاللّهِ الْعَظِيمِ)(الحاقّة/33).

5 ـ و قال سبحانه: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)(الحاقّة/52).

بناءاً على أنّ العظيم في الآيات الثلاث صفة للرب لا للمضاف، أمّا معناه فقال ابن فارس: العِظَم يدل على كبر و قوة، و عظمة الذراع: مستغلظها، و من هذا الباب العظم المعروف سُمي بذلك لقوّته و شدّته، قال الراغب: و عظم الشيء أصله كبر عظمه، ثم استعير لكل كبير فاُجري مجراه محسوساً كان أو معقولاً، عيناً كان أو معنى.

و ما ذكره الراغب على طرف النقيض ممّا ذكره ابن فارس فإنّه جعل الأصل هو الكبر و القوّة، و انّ اطلاقه على العظام لمناسبة موجودة بينهما، و الظاهر من مفردات الراغب عكس ذلك.


(354)

و قدجاء العظيم وصفاً لعدة اُمور في القرآن المجيد:

العذاب، البلاء، الأجر، الفوز، الفضل، اليوم، السحر، الخزي، العرش، الكيد، القرآن، الكرب ، البهتان، الطود، الحظ، الظلم، الذبح، الحنث، النبأ، القسم، الخلق، إلى غير ذلك ممّا يوصف به.

و أمّا عظمته سبحانه فهو عظيم ذاتاً و وصفاً و فعلاً و كلّ ما لغيره سبحانه من العظمة فهو يرجع إليه.

الثاني و الثمانون: «العزيز»

ورد لفظة «العزيز» في الكتاب العزيز 148 مرّة و وقع وصفاً له سبحانه 89 مرّة و إقترن بصفات اُخر: الحكيم، ذوانتقام، القوي، الحميد، الرحيم، العليم، الغفور، الوهّاب، الغفّار، الكريم، المقتدر، الجبّار.

قال ابن فارس: له معنى واحد يدلّ على شدّة و قوّة و ما شاكلهما من غلبة وقهر.

و قال «الخليل» ربّما يستعمل فيما يكاد لايوجد، قال الخليل: عزّ الشيء حتى يكاد لايوجد، و لكن قال التعبير بلفظ آخر أحسن: هذا الذي لايكاد يقدر عليه، أي صعب المنال، يقال عزّ الرجل بعد ضعف، و أعززته إن جعلته عزيزاً.

و قال الراغب العزّة حالة مانعة للإنسان من أن يُغلب من قولهم: أرض عزاز أي صلبة.

قال تعالى: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَاِنَّ الْعِزَّةَ للّهِ جَمِيعاً) و العزيز الذي يقهِر و لايقهر.

و ما ذكره العلماء هو الظاهر من موارد استعماله في القرآن الكريم، و لكن يحتاج إلى دقّة و لطف. مثلاً قوله سبحانه: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ)(التوبة/128)،


(355)

المراد صعب و هو راجع إلى المعنى الأصلي للكلمة، و هو القوي لكون كل صعب مقاوماً.

قال سبحانه: (وَ عَزَّنِى فِى الْخِطابِ)(ص/23) أي غلبني في الخطاب.

و قول قوم شعيب له: (وَ لَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَ ما اَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيز)(هود/91) أي قويّ و غالب.

و على أي تقدير فقدجاء وصفاً له سبحانه في موارد كثيرة كما عرفت.

قال سبحانه: (وَ ما مِنْ اِله اِلّا اللّهُ وَ اِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(آلعمران/62).

و قال سبحانه: (وَ ما النَّصْرُ اِلّا مِنْ عِنْدِ اللّهِ العَزِيزُ الْحَكِيمٌ)(آلعمران/126).

و بما أنّه أُستعمل مع اسم «الحكيم» تارة و مع «ذي انتقام» ثانية و مع «القوي» ثالثة، يعرب عن أنّه بمعنى الغالب القاهر الذي لايغلب و هو «قوي» في الوقت نفسه «حكيم» يقهر عن حكمة و ينتقم عن عزّ و قدرة و لو اجتمع مع «الرحيم» و «الغفور» يعرب عن أنّه غالب و في الوقت نفسه سبقت رحمته كلّ شيء فلايكون عزّه سبباً لعدم رحمتة و تجاوزه.

و بذلك يعلم أنّ ما احتمله الغزالي في تفسير «العزيز» تفسير غير تام، قال: العزيز هو الذي يقّل وجود مثله، و تشتد الحاجة إليه، و يصعب الوصول إليه فما لم تجتمع هذه المعاني الثلاثة فيه لايطلق عليه اسم«العزيز»، فكم من شيء يقل وجوده و لكن لايحتاج إليه فلايسمّى عزيزاً، و قديكون بحيث لامثل له و الانتفاع به عظيم جداً و لكن يسهل الوصول إليه فلايسمّى عزيزاً كالشمس فإنّها لامثل لها و الانتفاع بها عظيم جداً، و لكنّها لاتوصف بالعزّة فإنّه لايصعب الوصول إليها، و أمّاإذا اجتمعت المعاني في شيء فهو «العزيز»(1).


1 . لوامع البينات: ص 195 نقلا عن الغزالي.


(356)

يلاحظ عليه: إنّ تفسير «العزيز» بمعنى ما يقل وجود مثله مع ماعرفت من كلام ابن فارس في حقّه غير تام في تفسير هذا الاسم في كثير من الايات، فإنّ تفسير قوله سبحانه: (وَ مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ العَزِيزُ الحَكِيمُ) بأنّه ما النصر إلاّ من عند اللّه الذي لامثل له و لانظير غير منسجم لما تبيّن في محلّه، إنّ كل اسم يقع في آخر الآية يجب أن يكون متناسب مع ما ورد في الاية من المعنى، وأي صلة بين النصر و بين كونه سبحانه لانظير له ولامثيل.

و روي عن الأصمعي أنّه قال: كنت في البادية و أقرأ القرآن بصوت عال فقرأت الآية التالية بهذا النحو:

(وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا اَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ وَ اللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(المائدة/38).

و كانت هناك إعرابيّة تسمع صوتي، فقالت لي: لو كان غفوراً رحيماً لما أمر بقطع أيديهما، فراجعت القرآن فرأيت أنّني أخطأت في التلاوة و الآية (و اللّه عزيز حكيم).

هذا ما فهمته الاعرابية بصفاء فطرتها، و على ذلك فلامحيص عن تفسير العزيز في جميع الموارد على النحو الذي ذكره «ابن فارس» من القهر و القوّة و الشدّة.

قال الصدوق معناه: انّه لايعجزه شيء و لايمتنع عليه شيء أراده، فهو قاهر للأشياء غالب غير مغلوب فقد يقال في المثل «من عزّ بذّ» أي من غلب سلب، وقوله حكاية عن الخصمين (و عزّني في الخطاب) أي غلبني في مجاذبة الكلام، وقديقال للملك عزيز كما قال اُخوة يوسف له «يا أيّها العزيز» و المراد به يا أيّها الملك(1).

و الظاهر أنّ استعماله في الملك لمناسبة بينه و بين معناه فإنّ الملك يلازم


1 . التوحيد للصدوق: ص 206.


(357)

القدرة و القهر و الغلبة.

نعم يمكن تصحيح ما ذكره الغزالي بالبيان التالي و هو: إنّ من ليس له مثيل و لانظير هو الغالب على الاطلاق دون ماإذا كان له مثيل فإنّه قديغلب كما أنّ لازم قوله عزيزاً قاهراً عدم كونه محدوداً فانّ الحدّ آية المقهورية و لعلّه إلى ذلك يشير سبحانه:

(سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ)(الصافّات/180).

و على أي تقدير فتفسير العزيز و ما يشترك معه في الاشتقاق من قوله: «عزّزنا» «عزّاً» «عزّتك» «أعزّ» إلى غير ذلك حَسَب ما ذكرنا من المعنى الأصلي يحتاج إلى دقّة و أعمال قريحة.

الثالث و الثمانون: «العفو»

لقدجاء العفو في الذكر الحكيم 5 مرّات و وقع وصفاً له سبحانه في جميع مواردها و اقترن باسم الغفور تارة و القدير اُخرى.

قال سبحانه: (لَيَنْصُرَنَّهُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ)(الحج/60).

و قال تعالى: (وَ اَنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَ زُوراً وَ اَنَّ اللّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ)(المجادلة/2).

و قال تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ اَيْدِيكُمْ اِنَّ اللّهَ كانَ عَفُوّاً غَفُوراً)(النساء/43).

و قال تبارك و تعالى: (فَاُولئِكَ عَسى اللّهُ اَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً)(النساء/99).

و قال تعالى: (اِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَو تُخْفُوهُ اَوْ تَعْفُو عَنْ سُوء فَاِنَّ اللّهَ كانَ عَفُوّاً قَدِيراً)(النساء/149).


(358)

و أمّا معناه فقد قال ابن فارس: له أصلان يدل أحدهما على ترك الشيء، و الآخر على طلبه ثمّ ترجع إليه فروع كثيرة لاتتفاوت في المعنى.

فالأوّل: العفو، عفو اللّه تعالى عن خلقه و ذلك تركه إيّاهم فلايعاقبهم فضلاً منه.

قال الخليل كل من استحقّ عقوبة; فتركته فقدعفوت عنه(1).

و الظاهر أنّ العفو غير الترك بل هو المحو و الازالة يقال عفت الديارإذا درست و ذهبت، قال لبيد في معلّقته:

عفت الديار محلّها فمقامها *** بمنى تأبّد غولها فَرِجامها

فعلى هذا العفو في حقّ اللّه تعالى عبارة عن إزالة آثار الذنوب بالكلّية فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين ولايطالبه بها يوم القيامة، و ينسيها قلوبهم كي لايخجلوا عند تذكرها ـ و أحياناًـ يثبّت مكان كل سيّئة حسنة.

قال تعالى: (وَ يَمْحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(الرعد/39).

و قال تعالى: (فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَنات)(الفرقان/70)(2).

و على هذا فالعفو أبلغ من المغفرة لأنّ الغفران يشعر بالستر، و العفو يشعر بالمحو، و المحو أبلغ من الستر.

قال الصدوق: العَفوّ اسم مشتق من العفو على وزن فعول، و العفو: المحو يقال عفا الشيءإذا امتحى و ذهب و درس، و عفوته أنا إذا محوته، و منه قوله عزّ وجلّ: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)(التوبة/43) أي محى اللّه عنك إذنك لهم.


1 . و الأصل الثاني ذكره في آخر كلامه قال: و الأصل الآخر الذي معناه: الطلب، يقال: اعتقيت فلانا: اذا طلبت معروفه. و هذا الاستعمال قليل.
2 . لوامع البينات: ص 338.


(359)

و جعل «الراغب» الأصل لمعنى العفو هو القصد(1) و قال العفو: القصد لتناول الشيء يقال عفاه و اعتفاه أي قصده متناولاً ما عنده، و عفت الريح الدار: قصدتها متناولة آثارها، و عفوت عنه قصدت إزالة ذنبه صارفاً عنه.

ولايخفى أنّ ما ذكره ابن فارس أقرب بموارد استعمال العفو في الذكر الحكيم.

قال سبحانه: (وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النّاسِ)(آلعمران/134) فلو كان العفو متضمّناً معنى القصد لقال و العافين للناس.

و قال سبحانه: (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتابِ وَ يَعْفُو عَنْ كَثِير)