welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 6*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مفاهيم القرآن / ج 6

مفاهيم القرآن

يبحث عن أسمائه وصفاته سبحانه
في القرآن الكريم

تأليف

جعفر السبحاني

نشر ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


(2)


هوية الكتاب

اسم الكتاب:   مفاهيم القرآن

الموضوع:    أسماؤه وصفاته سبحانه في القرآن الكريم

الجزء:   السادس

المؤلف:   جعفر السبحاني

الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الطبعة الأُولى:   عام 1412 هـ

عدد النسخ:   3000 نسخة

المطبعة:   مهر

الصفّ والإخراج الفنّي الكمپيوتري:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الإخراج الفني في صفحة wab : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) _ السيد محسن البطاط


(3)

الحمد للّه الذي بطن خفيّات الاُمور، و دلّت عليه أعلام الظهور، و امتنع على عين البصير، فلاعين من لم يره تُنكره، و لاقلبُ من أَثْبَتَهُ يُبصره، سبق في العلوّ فلاشيء أعلى منه، و قرب في الدنوّ فلاشيء أقرب منه، فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه، و لاقربه ساواهم في المكان به، لم يطلع العقول على تحديد صفته، و لم يحجبها عن واجب معرفته، و هو الذي تشهد له أعلام الوجود، على إقرار قلب ذي الجحود، تعالى اللّه عمّا يقول المشبّهون به و الجاحدون له علوّاً كبيراً(1).

نفتتح هذا الجزء(السادس) من أجزاء موسوعتنا «مفاهيم القرآن الكريم» بهذه الخطبة المباركة، المنقولة عن أمير البيان و البلاغة، و سيد الموحّدين و قدوة العارفين، و فيها براعة استهلال لما نرومه في هذا الجزء، و هو البحث عن أسمائه وصفاته و إثباتها له سبحانه في عين التنزيه، و تنزيهه سبحانه عن شوائب الإمكان مع التوصيف.


1 . اقتباس من خطبة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) (نهج البلاغة، الخطبة49).


(4)

إنّ البحث عن أسمائه و صفاته سبحانه من أجلّ المعارف القرآنية التي لم تبلغها عقول ذوي الأفكار و لم تحم حولها أعين ذوي الإعتبار نقدّمه إلى القرّاء الكرام، تفسيراً لأسمائه و صفاته في ضوء القرآن الكريم و في إطار التفسير الموضوعي، و نشكره سبحانه على توفيقه للغور في هذه المباحث الدقيقة، و الإغتراف من هذه البحار العذبة إنّه حميد مجيد.

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
جعفر السبحاني           
18 صفر المظفّر 1412       


(5)

التفكر العقلي و الاستدلال المنطقي
في الذكر الحكيم

إنّ النظرة الفاحصة إلى المجتمع البشري تكشف من أنّ الإلهيين يشكّلون الأكثرية الساحقة من الاُمم و الشعوب، و هم الذين يعتقدون بوجود مبدأ أعلى للعالم وراء المادة و تخالفهم شرذمة قليلة تنكر ذلك بل تنكر كلّ ماوراء الطبيعة، و إنّما وصفناهم ـ بالقلّة ـ مع انّهم يشكلّون جماعة كبيرة في العالم، و يسمّونها معسكر الشرق بفئاته المختلفة، لأنّ ذلك المعسكر قد فرض على تلك الشعوب الالحاد و الماديّة، بحيث لو ارتفع الضغط لترى كيف خالط الإيمان ضميرهم، و أنّهم ما برحوا على صلة وثيقة بالدين بفطرتهم، و لو تظاهروا بالماديّة، فإنما يتظاهرون تحت ضغط القوى المسيطرة عليهم التي ألجأتهم إلى ذلك.(1)

و قد كان المتوقع من الإلهيين أن يشكلّوا صفاً واحداً و أن لايختلفوا في ما يتعلّق بالمبدأ إلاّ أنّهم ـ مع الأسف ـ إختلفوا في أبسط المسائل فضلاً عن العميقة منها، و تفرقوا إلى مذاهب و شيع، و السبب الأساسي ـ لهذا الإختلاف هو تنازعهم في أسمائه سبحانه و صفاته و أفعاله، و هذا هو المنشأ الحقيقي لإفتراق الالهيين و ظهور الديانات و المذاهب في المجتمع الإلهي.


1 .ترى أنّ غوربا تشوف لمّا منح الحرّية النسبية لشعب الاتّحاد السوفيتي ارتفعت من جديد أصوات المآذن في أجواء ذلك البلد، وأقبل الناس حتّى الشباب منهم على القضايا الدينية، حتّى انّ وكالات الأنباء نقلت أخباراً عن بناء مساجد جديدة، وقيام اجتماعات دينية واسعة، والمطالبة بمنح المزيد من الحرّيات الدينية والاعتقادية.


(6)

الاختلاف في الأسماء و الصفات سبب تعدد الديانات

الثنوية بعد تسليمها بوجوده سبحانه تميّزت عن سائرالإلهيين بإنكار صفة من صفاته سبحانه أعني التوحيد فهم بين ثنوي في الذات و ثنوي في الفعل، فتارة يصور للعالم مبدءً غير واحد و هذا هو الثنوي في الذات، و اُخرى يوحّد المبدأ و يقول بإله واحد و لكنه يفترض استقلالاً للمخلوقات فى البقاء دون الحدوث، و ثالثة تفترض الاستقلال في الفعل و الايجاد كمن زعم أنّ وجود الممكنات قائم باللّه لكنّها مستقلاّت في أفعالها، غير محتاجات إلى الإله في الإيجاد و الإبداع، و على كلّ تقدير فهم يمتازون عن سائر الفرق في وصفه سبحانه و هو كونه واحداً في الذات لاشريك له فيها كما هو واحد في الفعل لاموجد غيره، و لو كان هناك إيجاد منسوب إلى غيره فإنّما هو بارادته و مشيئته و حوله و قوّته.

و الثنوية بالمعنى الأوّل هي السائدة في الديار الهنديّة و الصينيّة و شائعة بين البراهمة و البوذيين و الهندوس، كما أنّ الثنوية بالمعنى الثاني ذائعة بين القائلين بالتفويض، و انّه سبحانه فوّض امر الخليقة إلى جماعة مخصوصة أو فوّض أمر الإنسان إلى نفسه فهو يقوم بالفعل بلااستعانة، فالإنسان محتاج في ذاته دون فعله، و لو أنّ الطائفتين درسوا التوحيد على ما هو عليه و ميّزوا بين الممكن و الواجب لاتّحدت الصفوف و تراصّت.

و المسيحية و إن افترقت إلى يعقوبيّة و إلى نسطورية و إلى ملكانيّة لكن الكلّ متمسّكون بالتثليث أي تصوير اله العالم الواحد بصور ثلاث «الالهالأب» و «الالهالإبن» و «روحالقدس» و بذلك نزّلوا الإله القدّوس إلى عالم المادة حتى جسّدوه في المسيح الذي صلب ليخلّص الناس من «عقدة الإثم» الذي ورثوه من أبيهم آدم و لو أنّ القوم فقهوا توحيده سبحانه، لتقاربت الخطى و قلّ التباعد، يقول سبحانه ـ و يأمر نبيّه أن يتلو عليهم قوله ـ : (قُلْ هُوَ اللّهُ اَحَد * اَللّهُ الصَّمَدُ * لَمْيَلِدْ وَ لَمْيُولَدْ * وَ لَمْيَكُنْ لَهُ كُفُواً اَحَدٌ).


(7)

و المسلمون تفرّقوا إلى طوائف و شعوب و جلّ اختلافهم يرجع إلى أسمائه سبحانه و صفاته و أفعاله.

فالعدليه منهم يصرّون على تنزيهه و توحيده و هم «المعتزلة» و «الإمامية» و «الزيدية» بفرقهم المختلفة،فاللّه سبحانه عندهم ليس بجسم و لاجسماني لاتحيطه جهة و لامكان ليس بجوهر و لاعرض إلى غير ذلك من الصفات الجلاليّة كما أنّه سبحانه عندهم حكيم لايصدر عنه قبيح، لايظلم و لايجوز عليه الظلم و إن كان قادراًعليه.

و لكن «أهل الحديث» و «و الحنابلة» لابتعادهم عن البحوث العقلية، وقعوا في مهالك التجسيم و التشبيه، و تجويز نسبة القبيح إليه سبحانه بحجّة أنّه ليس للعبد فرض شىء على اللّه سبحانه، فله الحكم و له المشية، و قد أصبحت الدعوة السلفيّة شعاراً لمن يريد التخلّص من مخالب الإختلاف، و الإبتعاد عن التفكّر و التدبّر في المعارف.

و صفوة القول: إنّك إذا لاحظت الكتب الكلامية تقف على أنّ اُصول الاختلاف في الديانات و المذاهب ترجع إلى اختلافهم في أسمائه و صفاته و أفعاله و شئونه فهذا هو الذي أوجد مدارس كلاميّة شتّى و اتجاهات متغايرة بين الالهيين فلازم علينا ان ندرس هذا الجانب دراسة موضوعيّة دون تحيّز إلى فئة دون فئة.

الإنسان يأنس المحاكاة و التشبيه

الإنسان محبوس في إطار المادّة و الماديات، ولابث بين جدران الزمان و المكان، يأنس بالتعرف على الأشياء عن طريق التشبيه و المحاكاة، فيصعب عليه تصوّر موجود ليس له جسم، و ليس له جهة و لامكان، و لايحوطه زمان و لايوصف بالكيف و الكم،ّ فلأجل ذلك نرى كثيراً من الالهيين لاينفكّون عن تشبيه ماوراء الطبيعة بما فيها، و كأنّ تفكيرهم أصبح أسير المادة و الجسمانية و قلّ من نجى من مخاطر التشبيه، و مخالب التجسيم.


(8)

يقول العلاّمة الطباطبائي:

«إنّ مزاولة الإنسان للحسّ و المحسوس مدى حياته و انكبابه على المادة، عوّده أن يمثّل كلّ ما يتعقّله و يتصوّره تمثيلاً حسّياً، و إن كان المتصوّرةُ المعقول لاطريق للحسّ و الخيال إليه البتة، كالكلّيات و الحقائق المنزّهة عن المادّة. على أنّ الإنسان إنّما ينتقل إلى المعقولات من طريق الإحساس و التخيل فهو أنيس الحسّ و أليف الخيال، فقد قضت العادة اللازمة على الإنسان أن يصوّر لربه صوراً خياليّة على حسب ما يألفه من الأمور المادية الحسّية و قلَّ أن يتفق لإنسان أن يتوجه إلى ساحة العزة و الكبرياء و نفسه خالية عن هذه المحاكاة(1).

هذا هو الأصل الذي توحي إليه ظروف الحياة و ملابسات الإدراك و الناس أمام هذا الاصل على طوائف نشيرإلى الأركان منها:

1 ـ «المشبّهة»

إنّ البسطاء من المجتمع الإنساني الذين سادت عليهم ظروف الحياة و ليست لهم قدرة عقليّة كافية للتخلّص عمّا تفرض عليهم تلك الملابسات، بنوا عقائدهم الدينيّة على هذا الأساس فلاينفكّون عن وصفه سبحانه تشبيهاً و تجسيماً فيقولون إنّ له جسماً و إنّه على صورة إنسان، و له لحم و دم و شعر و عظم، و له جوارح و أعضاء من يد و رجل و رأس و عينين، وانّ له وفرة سوداء وله شعر قطط، غير أنّ بعضهم أراد التظاهر بالتنزيه بأقلّ ما يمكن فقال: «اعفوني عن الفرج و اللحية، و اسئلوني عما وراء ذلك» (2).

فهذه هي المجسّمة و المشبّهة لايتورّعون عن وصفه بكلّ ما توحي إليهم القوّة الخيالية الأسيرة لعالم الحسّ و المادّة.


1 . الميزان ج 10 ص 273.
2 . الملل و النحل ج 1 ص 100 ـ 104.


(9)

2 ـ المعطّلة (1)

و هناك طائفة اُخرى عطلوا العقول عن الوصول إلى المعارف نتيجة كون الإنسان يعيش في عالم الطبيعة و قد تطبّع تفكيره على الماديّات و المحسوسات فلايمكنه إدراك ماوراء ذلك فلابد من التوقف و تعطيل العقول. و هم الذين يقولون: إنّ كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته و السكوت عليه (2) .

و قد بنيت الدعوة السلفية في العصور السابقة و اللاحقة على هذا الأساس وكأنّ القرآن نزل للتلاوة و القراءة دون التفكّر و الامعان و التدبّر.

مع أنّه سبحانه يقول: (اَفَلا يَتَدَبَروُنَ الْقُرْآنَ اَمْ عَلى قُلُوب اَقْفالُها)(محمد/24).

و يقول: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْك مُبارَكٌ لِيَدَّبَّروُا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوألاَْلْبابِ)(ص/29).

و العجب انّ بعض هؤلاء يتفلسف قائلاً إنّما اُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية فمن شغل ما اعطى لإقامة العبودية بإدراك الربوبيّة، فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية (3).

و القائل بهذا الكلام يفسّر العبوديّة بالقيام و القعود و الامساك و الصيام التي هي من واجبات الأعضاء و لكنّنا نقول لهم: إنّ العبوديّة تقوم على ركنين ركن منه يرجع إلى فرائض الأعضاء و واجباتها، و ركن آخر يرجع إلى العقل و اللب،ّ فتعطيل العقول عن معرفة المعبود بالمقدار الذى يستطيع الإنسان الوصول إليه، تعطيل لاقامة العبودية أو لجزئها.


1 . «المعطّلة» لقب المعتزلة في كتب الأشاعرة لتعطيلهم الذات عن التوصيف بالصفات غير أنّها لاتتناسب مع عقيدتهم، و الحق إنّ المعطّلة هم الذين وصفناهم هنا.
2 . الرسائل الكبرى: لابن تيمية ج 1 ص 32 ـ نقله عن سفيان بن عيينة.
3 . علاقة الاثبات و التفويض نقلا عن الحجّة في بيان المحجّة ص 33.


(10)

ولو اقتصر الإنسان في إقامة العبوديّة بالقيام و القعود من دون ادراك للمعبود بصفات الجمال و الجلال و لما هناك من أسماء و صفات; لكانت عبوديّته كعبوديّة الحيوان و النبات و الجماد، فهؤلاء أيضا يقومون بواجبهم الجسماني بل ربّما تكون عبوديته أنزل من عبوديتهم كيف و قد قال سبحانه:

(وَ اِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاَْنْهارُ وَ اِنَّ مِنْها لَما يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ اِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَ ما اللّهُ بِغافِل عَمّا تَعْمَلُونَ)(البقرة /74).

فالحجر يستشعر بعظمته سبحانه حسب مقدرته، و لكن الإنسان تفرض عليه تلاوة كتابه سبحانه و السكوت ثم السكوت عليه؟

إنّ الدعوة السلفية التي عادت إلى الساحة الاسلامية من جديد مبنية على هذا الأساس، و هؤلاء و إن كانوا لايقرّون بالتشبيه و التجسيم بملئ أفواههم و ألسنتهم، و لكنّهم لايفترقون عن المشبهة إلاّ في التصريح و التلميح.

قال ابن خزيمة: إنما نثبت للّه ما اثبته لنفسه نقر بذلك بألسنتنا و نصدّق بذلك في قلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين(1).

قال ابن قدامة المقدسي: « و على هذا درج السلف و الخلف فهم متّفقون على الإقرار و الإمرار و الإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله و سنّة رسوله من غير تعرّض لتأويله(2).

قال ابن تيمية ـ مثيرالدعوة السفلية بعد اندراسها ـ: إنّ لله يدين مختصّتينبه، ذاتيتين له كما يليق بجماله، و إنّه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة و إبليس و إنّه سبحانه يقبض الأرض و يطوي السماء بيده اليمنى(3).

يقول الخطّابي: «و ليس اليد عندنا الجارحة و إنّما هي صفة جاء بها التوقيف


1 . علاقة الاثبات و التفويض ص 58.
2 . نفس المصدر ص 59.
3 . نفس المصدر ص 59.


(11)

و نحن نطلقها على ما جاء و لانكيّفها»(1).

هذه العبارات و نظائرها التي ملأ بها مؤلّف «علاقة الاثبات و التفويض» كتابه المنشور في مهد الدعوة السلفية، ترمي إلى أحد الأمرين: إمّا التجسيم و التشبيه و إمّا تعطيل العقول عن معرفة الكتاب العزيز، فانّ اليد و الوجه و الرجل موضوعات في اللّغة العربية للأعضاء الخاصّة، فإن اُريد منها المعنى الحقيقي و هو الذي يطلق عليه المعنى الكيفي، فيلزم التشبيه، و إن اطلق عليه بلاهذا القيد، فيلزم التأويل، و هم يفرّون منه فرار المزكوم من المسك، فإنّ القول بأنّ له سبحانه وجهاً بلاكيف مهزلة و شعار خادع، إذ ليس هما معنى ثالث تلتجىء إليه السلفية فالأمر يدور بين اثنين، و ثالثهما غير متصوّر.

1 ـ اليد بما له من الكيفيّة الخاصّة فيلزم منه التشبيه.

2 ـ تأويله بالمعنى المجازي فيكون كناية عن القوّة و القدرة.

و أمّا الثالث أعني الوجه بلاكيف، فهو أشبه بأسد لاذنب له و لارأس ولا...

فإنّ واقعية اليد قائمة بكيفيّتها، فسلب الكيفية سلب لحقيقتها، فلا يمكن حفظ أصله و رفض كيفيّته، فحذف الكيفيّة يلازم حذف أصل المعنى فقوامه بكيفيتها و عماده و سناده نفس هوّيتها الخارجية.

و أظن ـ وظن الألمعي صواب ـ: إنّ هؤلاء هم المشبّهة و المجسّمة ولكنّهم يخجلون من التفوّه بالتجسيم فيأتون به في قوالب خدّاعة، و عبارات معقّدة، أو أنّهم هم المعطّلة فإنّ امرار الصفات و اثباتها على حسب ما جاء في الكتاب بلا توضيح لما يراد منه، نفس التعطيل أي تعطيل العقول عن المعارف، فهم بين مجسّمة تخفي عقيدتها، أو معطّلة لاتريد الرقي من سلّم المعارف درجة، فتكتفي بالألفاظ ولقلقة اللسان.


1 . فتح الباري ج 13 ص 417.


(12)

و بذلك تقف على قيمة ما روي عن الامام مالك عند ما سئل عن معنى قوله سبحانه (الرحمن على العرش استوى)فقال الاستواء معروف، و الكيفيّة مجهولة، و السؤال بدعة، و الإيمان به واجب(1).

و لاأدري كيف جمع بين قوله «الاستواء معلوم» و «الكيفيّة مجهولة» إذ ليس للاستواء إلاّ معنى واحد و كيفيته هو حقيقته، فلو جُهلت الكيفية، جُهل الأصل فلامعنى للاستواء (و هم يفسّرونه بالجلوس و الاستقرار لابالاستيلاء و الاستعلاء) مع القول بجهالة الكيفية فإنّ الكيفيّة و الحقيقة متساويتان.

أضف إلى ذلك أنّه لم يعلم وجه قوله :«و إنّ السؤال عنه بدعة» مع أنّ السائل يريد تفسير الآية و التدبّر فيها ؟ وهل السؤال عن مفهوم الآية بقصد التعلم بدعة ؟

و بهذا عطّلوا العقول عن التدبّر في الكتاب العزيز و تفسير أسمائه و صفاته و أفعاله مع قدرتها على التعرف على ما هناك من الكمال و البهاء و الجمال و الجلال.

3 ـ المعطّلة بثوبها الجديد

و قد ظهر التعطيل أى تعطيل العقول عن المعارف و الالهيات بثوبها الجديد في العصر الأخير، و قد حمل رايتها المغترّون بالعلوم الطبيعية، و قد صبغوا نظريتهم بصبغة مادية خدعوا بها عقول البسطاء.

قال « فريد وجدي » :

«بما أنّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسّية و العلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم، فنجلعهما عمدتنا في هذه المباحث بل لامناص لنا من الاعتماد عليهما لأنّهما اللذان أوصلا الإنسان إلى هذه المنصّة من العهد الروحاني» (2).


1 . الملل و النحل للشهرستاني ج 1 ص 65، و الرسائل الكبرى لإبن تيمية ص32 ـ33.
2 . على أطلال المذهب المادي ج 1 ص 16.


(13)

و قال «الندوي» :

«و قد كان الأنبياء ـ عليهم السلام ـ أخبروا الناس عن ذات اللّه وصفاته و أفعاله و عن بداية هذا العالم و مصيره و ما يهجم على الناس بعدموتهم، و آتاهم الله علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بلاتعب، و كفوهم مؤونة البحث و الفحص في علوم ليس عندهم مبادئها و لامقدّماتها الّتي يبنون عليها بحثهم ليتوصّلوا إلى مجهول لأنّ هذه العلوم وراء الحسّ و الطبيعة لاتعمل فيها حواسهم، و لايؤدّي إليها نظرهم، و ليست عندهم معلوماتها الأوّلية... الذين خاضوا في الالهيات من غير بصيرة وعلى غير هدى جاؤوا في هذا العلم بآراء فجّة، و معلومات ناقصة، و خواطر سانحة، و نظريات مستعجلة فضلّوا و اضلّوا(1).

و يلاحظ على كلاالتقريرين:

أوّلا: إنّ الاعتماد على الفلسفة الحسّية و التركيز على الحسّ من بين أدوات المعرفة، مقتبس من الفلسفة المادية التي ترفض الاعتماد على العقل و أدواته و لايعترف إلاّ بالحسّ و تحسبه أداة منحصرة للمعرفة، و العجب أن يلهج بهذا الأصل من يدّعي الصلة بالاسلام و يعد من المناضلين ضدالفلسفة الماديّة، ففي القول بهذا ابطال للشرائع السماوية، فانّها مبنية على النبوّة و الوحي و نزول الملك و سائر الاُمور الخارجة عن إطار الحسّ التي لاتدرك إلاّ بالعقل و البرهنة، فمن العجيب أن يلعب فريدوجدي و مقلد الدعوة السلفية «ابوالحسن الندوي» بحبال المادية من غير شعور ولااستشعار.

و ثانياً: إنّه لو صحّ قول « الندوي» إنّ هذه العلوم وراء الحسّ و التجربة لاتعمل فيها حواسّهم، و لايؤدّي إليها نظرهم، و ليست عندهم معلوماتها الأوّليه، فلما ذا يطرح الذكرالحكيم لفيفاً من المعارف، و يحرّض على التدبّر فيها و هي ممّا


1 . ماذا خسر العالم ص 97.


(14)

يقع وراء الحسّ و الطبيعة، و ليست الغاية من طرحها هو التلاوة و السكوت حتى تصبح الآيات لقلقة لسان لاتخرج عن تراقي القارئ بدل أن تتسلّل إلى صميم الذهن و أعماق الروح.

و إن كنت في ريب من وجود هذه المعارف العليا في الكتاب العزيز فلاحظ الآيات التاليه:

( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى/11).

( وَ لِلّهِ المَثَلُ الاَعْلى ) (النحل/60).

( لَهُ الاَسْماءُ الحُسْنى ) (طه/8).

( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) (البقرة/115).

( هُوَ الاَْوَّلُ وَ الآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَىء عَليمٌ)(الحديد/3).

( وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ ) (الحديد/4).

( اَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَىء اَمْ هُمْ الخالِقُونَ )(الطور/35).

( وَ كَذلِكَ نُرى اِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنينَ)(الأنعام/75).

( لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ الّا اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهُ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ)(الانبياء/22).

( ما اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ اِله اِذاً لَذَهَبَ كُلُّ اِله بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ) (المؤمنون/91).

إلى غير ذلك من الآيات التي وردت فيها اُصول المعارف الالهية التي تقع وراء الحسّ و الطبيعة و ليس عندنا حسب فرض الندوي معلوماتها الأوّلية.

هذا و إنّ القرآن يحثّ المجتمع البشري على تحصيل البرهان في كلّ ما يعتقدونه في المبدئ و المعاد و يقول:


(15)

( اَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ ها تُوا بُرْهانَكُمْ هَذا ذِكْرُ مَنَ مَعى وَ ذِكْرُ مَنَ قَبْلِى بَلْ اَكْثَرُهُمْ لايَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ)(الأنبياء/24).

كلّ ذلك يعرب عن عناية القرآن بتفهيم الإنسان المعارف و الاصول التي هي خارجة عن اطار الحسّ و المادّة بقناعة كاملة لابلقلقة اللسان.

إنّ هناك اصولاً يعتقدبها الالهيّون و في مقدّمتهم المسلمون البارعون، عن طريق العقل و البرهنة، و لايمكن للعلوم الطبيعيّة أن تساعدهم في فهمها و لا أن تهدي إليها البشر. كالبحث من انّ المصدر لهذا العالم و المبدئ له، ازلي أو حادث، واحد أو كثير، بسيط أو مركّب، جامع لجميع صفات الجمال و الكمال أملا؟ هل لعلمه حدّ ينتهى إليه أم لا؟ هل لقدرته نهاية ام لا؟ هل هو أوّل الأشياء و آخرها أم لا؟ هل هو ظاهر الاشياء و باطنها أم لا؟

فالاعتقاد بهذه المعارف عن طريق العلوم الطبيعية و الحسّية غير ممكن و الاعتماد على الوحي للتعرف عليها غير مقدور لكلّ إنسان، مضافاً إلى أنّه يجب معرفتها قبل معرفة النبي فكيف يتعرّف عليها عن طريق النبي و الوحي المنزل.

وثالثا: نرى أنّه سبحانه يذكر الفؤاد إلى جانب السمع و البصر.

و يقول:

( وَ اللّهُ اَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ اُمُّهاتِكُمْ لاتَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الاَبصارَ وَ الاَْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(النحل/78).

و المراد من الشكر في ذيل الآية صرف النعمة في مواضعها فشكر السمع و البصر هو ادراك المسموعات و المبصرات بهما، و شكر الفؤاد هو درك المعقولات و غير المشهودات به، فالآية تحّرض على استعمال الفؤاد و القلب و العقل في ما هو خارج عن اطار الحسّ و غير واقع في متناول أدواته، و لأجل ذلك يتّخذ القرآن في بعض المجالات موقف المعلّم فيعلّم المجتمع البشري كيفية البرهنة العقليّة على


(16)

توحيد الخالقيّة و التدبير فيقول:

( نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَولا تُصَدِّقُونَ * اَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ اَم نَحْنُ الخالِقُونَ... أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْناهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * اَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِى تَشْرُبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ اَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْناهُ اُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ * اَفَرأَيتُمُ اَلنّارَ اَلَّتِى تُورُونَ * أَأَنْتُمْ اَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها اَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ)(الواقعة/57و72).

إنّ تعطيل العقول عن المعارف الالهية يجر الإنسان إلى التشبيه و التجسيم، و إن تبرأ منهما و إنبرى إلى نفي هذه الوصمة عن نفسه وأهل ملّته، هذا هو ابن تيمية محيي الدعوة السلفيّة في القرن الثامن يقول:

«أهل السنّة و الجماعة يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف (تأويل) و لاتعطيل و من غير تكييف و لاتمثيل (تشبيه)، بل هم الوسط في فرق الاُمّة كما أنّ الاُمّة هي الوسط في الاُمم، فهم وسط كما في باب صفات الله سبحانه و تعالى بين أهل التعطيل (الجهميّة) و أهل التمثيل (المشبّهة) (1).

و القارىء الكريم يتصوّر أنّه مشي على هذا الأصل إلى آخر كتابه و لكنّه يقف على أنّه سرعان ما انقلب على وجهه و ارتدّ على أدباره و غرق في التشبيه و التجسيم و نادى به و قال:

(وممّا وصف الرسول به ربّه في الأحاديث الصحاح التي تلقّاها أهل المعرفة بالقبول و وجب الايمان بها قوله ـ ص ـ: «ينزل ربّنا إلى سماء الدنيا كلّ ليلة حين يبقى ثلث اللّيل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ و من يستغفرني فأغفر له؟ و قوله يضحك الله إلى رجلين: أحدهما يقتل الآخر كلاهما


1 . مجموعة الرسائل ص 400.


(17)

يدخل الجنة، وقوله «لاتزال جهنّم يلقى فيها و تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزّة فيها قدمه ينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: «قط قط» و هذه الأحاديث متّفق عليها؟)(1).

نحن نسأل «ابن تيميّة» و من لفّ لفّه: فهل يأخذ بظواهر هذه الأحاديث التي لووردت في حقّ غيره سبحانه لقطعنا بكونه جسماً، كالإنسان له أعضاؤه، أو يحملها على غيرها، فعلى الأوّل يقع في مغبّة التشبيه، و على الثاني يقع في عداد المؤوّلين و هو يتبرّأ منهم.

و الأخذ بظواهرها لكن بقيد «بلاتكييف» و «لاتشبيه» ـ مضافاً إلى أنّه لم يرد في النصوص ـ ما يوجب صيرورة الصفات مجملة غير مفهومة، فإنّ واقعيّة النزول والضحك و وضع القدم،إنّما هي بكيفيتها الخارجيّة، فحذفها يعادل عدمها. فما معنى الإعتقاد بشيء يصير في نهاية المطاف أمراً مجملاً و لغزاً غير مفهوم؟ فهل يجتمع هذا مع بساطة العقيدة و سهولة التكليف التي تتبنّاها السلفيّة في كتبهم؟

فلو صحّ تصحيح هذه الأحاديث و الصفات الجسمانية بإضافة قولهم «بلاتمثيل» فليصحّ حمل كلّ وصف جسماني عليه باضافة هذا القيد بأن يقال: اللّه سبحانه جسم لاكهذه الأجسام، له صدر و قلب لاكمثل هذه الصدور و القلوب، إلى غير ذلك مما ينتهي الإعتقاد به إلى نفي الاله الواجب الجامع لصفات الجمال والجلال.

إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد و تفسير القرآن و الحديث، لاينتج إلاّ إجلاسه سبحانه على عرشه فوق السماوات، يقول «ابن قتيبة» ـ المدافع عن الحشوية و أهل الحديث ـ في تفسير قوله:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَ الاَرْض) يستوحشون أن يجعلوا لله كرسيّاً أو سريراً و يجعلون العرش شيئاً آخر، و العرب لاتعرف العرش إلاّ السرير، و ما عرش من السقوف و الابار. يقول اللّه (وَ رَفَعَ اَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ) أي على السرير.


1 . نفس المصدر 398 ـ 399.


(18)

و اُميّة بن ابي الصلت يقول:

مجّدوا اللّه و هو للمجد أهل *** ربّنا في السماء أمسى كبير

بالبناء الاعلى الذي سبق النا *** س وسوّى فوق السماء سرير

شرجعا(1) ما يناله بصر الـ *** عين ترى دونه الملائك صورا(2)و (3)

ترى أنّه يصور اللّه سبحانه ملكاً جبّاراً جالساً على عرشه، و الخدم دونه ينظرون إليه بأعناق مائلة، و هو يتبجّح بذلك تبجّح المتكبّر باستصغار الناس و ذلتهم.

و يقول أيضا:

«كيف يسوغ لاحد أن يقول: إنّه بكلّ مكان على الحلول مع قوله:

( اَلرَّحْمن عَلى الْعَرْشِ اِسْتَوى ) أي استقر، كما قال: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ اَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الفُلْكِ) أي استقرت.

و مع قوله تعالى:( اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ).

كيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرفع إليه عمل و هو عنده (4).

ثم إنّه يستشهد بكونه سبحانه في السماء بما ورد في الحديث:

« إنّ رجلاً أتى رسول اللّه بأمة أعجميّة، للعتق فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أين اللّه تعالى؟

فقالت: في السماء قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول اللّه فقال (عليه السلام): هي مؤمنة و أمر بعتقها(5).


1 . أي طويلا.
2 . جمع «أصور» و هو المائل العنق.
3 . تأويل مختلف الحديث: ص 67.
4 . نفس المصدر: ص 271.
5 . المصدر نفسه: ص 272.


(19)

فقد غاب عن «ابن قتيبة» إنّ المراد من كونه سبحانه بكلّ مكان ليس هو حلوله فيه، بل المراد أنّ العالم بكلّ أجزائه و ذرّاته قائم به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي و ان ّوجوده سبحانه وجود فوق الزمان و الزمانيّات و المكان و المكانيّات، غني عنهما، لايحتاج إليهما، بل هو الخالق لهما، و أمّا الحديث الذي استدل به فليس فيه دلالة على تصديق رسول اللّه بكلّ ما تعتقده الاُمّة بل انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اكتفى بما أظهرت من الاعتقاد الساذج بوجوده سبحانه و نبوّة نبيّه و ان اخطأت في الحكم بأنّه في السماء و لم يكن الظروف ـ إذ ذاك ـ تساعد، أو لم تكن الاُمّة مستعدّه لتفهيمها إنّه سبحانه منزّه عن المكان و الزمان و الجهة، و إنّه ليس جسما و لاجسمانياً حتى يحلّ في السماء .

4 ـ بين التشبيه و التعطيل

و هناك طائفة اُخرى يسلكون طريقاً وسطاً لايوافقون أهل التشبيه ـ بصبّ المعارف العليا في قوالب جسميّة وصفات ماديّة ـ و لا أهل التعطيل فلايسدّون نوافذ عقولهم وأفهامهم من التطلّع إلى ماوراء الطبيعة و الوقوف على ما هناك من أسماء و صفات و حقائق رفيعه لاينالها إلاّ الأمثل فالأمثل من الإنسان، و هؤلاء يقولون: إنّه يمكن للإنسان التعرّف على ماوراء الطبيعة بما فيها من الجمال و الكمال و العالم الفسيح، عن طريق التدبّر و امعان النظر، إمّا بترتيب الأقيسة المنطقية و تنظيم الحجج العقلية، أو بالنظر إلى ما يحتوي عالم الطبيعة من آثار ذلك الجمال و آياته، فعنذ ذلك يخرج الإنسان عن مهلكة التشبيه و مغبّة التعطيل، و إفراط المجسّمة و تفريط المعطّلة و هذا هو الذي يحصل به الجمع بين آيات القرآن و الأحاديث الصحيحة و قد عرفت بعض الآيات الداعية إلى التدبّر و الامعان في كلّ ما ورد في الكتاب من الحكم و المعارف(1).


1 . و يكفيك انّ الذكر الحكيم يستعمل مادّة التعقّل في مشتقّاته المختلفة 47 مرّة و التفكّر 18 مرّة و اللب 16 مرّة و التدبر 4 مرّات و النهي مرّتين.


(20)

أمّا السنّة فقد قال علي (عليه السلام):لم يطّلع العقول على تحديد صفته،و لم يحجبها عن واجب معرفته(1).

يريد (عليه السلام) انّ العقول و ان كانت غير مأذونة في تحديد صفاته، ولكنّها غير محجوبة عن التعرّف عليها إجمالا كيف و قال سبحانه (وَ ما خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الاِنْسَ اِلّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات/56).

و العبادة الصحيحة الكاملة لاتتيسّر إلاّ بعد تحقّق المعرفة الكاملة الممكنة للعابد، و قال الامام علي بن الحسين (عليهما السلام): لما سئل عن التوحيد: إنّ اللّه عزّ و جلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه تعالى سورة قل هو اللّه أحد و الآيات الستّ من سورة الحديد (2).

و كتب الامام الصادق (عليه السلام) في جواب سؤال « عبدالرحيم بن عتيك القصير » ـ عند ما سأله عن قوم بالعراق يصفون اللّه بالصورة و بالتخطيط ـ «سألت رحمك اللّه عن التوحيد و ما ذهب إليه من قبلك فتعالى اللّه الذي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، تعالى عمّا يصفه الواصفون المشبّهون اللّه بخلقه المفترون على اللّه. فاعلم رحمك اللّه أنّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات اللّه عزّ و جلّ، فانف عن اللّه تعالى البطلان و التشبيه، فلا نفى و لاتشبيه هو اللّه الثابت الموجود، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون، و لا تعدوا القرآن فتضلّوا بعد البيان»(3).

و سئل الإمام أبوجعفر الثاني (عليه السلام): يجوز أن يقال: إنه شيء؟ قال: نعم، يخرجه من الحدّين: حد التعطيل و حد التشبيه(4).


1 . نهج البلاغة: الخطبه 29.
2 . الكافي ج 1 باب النسبة ص 91 الحديث 3، و نور الثقلين ج 5 ص 231.
3 . الكافي ج 1 باب «النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه» الحديث 1.
4 . الكافي ج 1 باب «اطلاق القول بأنّه شيء» الحديث 2، 5.


(21)

و قال الإمام الصادق ـ في جواب السائل عن الكيفية له ـ :لا لأنّ الكيفيّة جهة و الاحاطة، و لكن من الخروج من جهة التعطيل و التشبيه (1).

و هذه الأحاديث تحدّد موقف المعرفة و أنّها بين التعطيل و التشبيه.

فاتضح انّ رائدنا في مجال المعارف الالهية أمران:

1 ـ الأقيسة العقليّة.

2 ـ التأمّل في آثار الرب في العوالم المختلفة.

و لأجل ايضاح الحال و انّه يمكن الحصول على المعارف و صفات الواجب عزّ و جلّ عن طريق ترتيب الأقيسة المنطقيّة أوّلاً، و التدبّر في صنعه و خلقه ثانياً، نأتي بالبيان التالي:

1 ـ الاستدلال بالأقيسة العقليّة المنطقيّة

و له صور نشير إليها:

إذا ثبت كونه سبحانه غنيّاً غير محتاج إلى شيء بل الكلّ محتاج إليه فالعقل يتّخذه مبدأً لكثير من احكامه على الواجب عزّ اسمه، فيصفه بما يناسب غناه و ينزّهه عمّا لايجتمع معه، و قدسلك الفيلسوف الإسلامي الكبير نصير الدين الطوسي هذا السبيل للبرهنة على جملة من الصفات الجلالية قال:

«و وجوب الوجود (الغني) يدل على سرمديته، و نفي الزائد، و الشريك و المثل، و التركيب بمعانيه، و الضد، و التحّيز و الحلول، و الاتحاد، و الجهة، و حلو الحوادث فيه، و الألم و اللذّة و المعاني و الأحوال و الصفات الزائدة عيناً و الرؤية.»


1 . الكافي ج 1 باب «اطلاق القول بأنّه شيء» الحديث 2، 5.


(22)

بل انطلق المحقّق من نفس هذه القاعدة لاثبات سلسلة من الصفات الثبوتيّة حيث قال: «و وجوب الوجود يدل على ثبوت الوجود، و الملك و التمام و الحقّية و الخيرية و الحكمة و التجّبر و القهر و القيوميّة» (1).

فقد سبقه إلى ذلك صاحب كتاب « الياقوت» في علم الكلام إذ قال و هو بصدد تنزيهه سبحانه عن الصفات غير اللائقة بساحة قدسه: «و ليس بجسم و لاجوهر و لاعرض و لاحالاًّ في شيء و لاتقوم الحوادث به و إلاّ لكان عرضاً» (2).

و إن شئت قلت: إنّ ذاته سبحانه نفس الكمال، و فوق ما يتصوّر من الكمال، و ليس للنقص إليه سبيل، فإذا كان كذلك فيجب أن يوصف بكلّ ما يُعدّ كمالاً فينزّه عمّا يعدّ نقصاً، فالصفات الذاتية صفات كمال لا محيص عن الاتّصافبها، كما أنّ الصفات السلبيّة صفات تنزيهيّة طاردة للنقص عن ساحة ذاته فيجب التنزيه عنها، فإذا كان العلم و القدرة و الحياة أوصاف كمال و كانت الجسميّة و التركّب و الحالّيّه و المحلّيّة صفات نقص فيجب التوصيف بالأولى و التنزيه عن الثانية و لأجل ذلك قلنا: إنّ الصفات الثبوتية و السلبية ترجع إلى اثبات أمر واحد و هو الكمال، و سلب أمر واحد و هو النقص.

و بتعبير آخر لاثبات صفاته و هو أنّ الوجودات الامكانية وجودات متدلّية قائمة بوجود الواجب و ما لها من صفات كمال كالعلم و القدرة و الحياة، فالمالك الحقيقيّ لها هو اللّه سبحانه، و المعطي لها هو اللّه سبحانه. قال تعالى:(لِلّهِ مَا فِى السَّمواتِ وَ مَا فِى الأَرْضِ). فالعلم و القدرة و الحياة كلّّها تجلّيات لعلمه و قدرته و حياته، فإذا كان كذلك فالعلم الاصيل و القدرة الاصيلة و الحياة الحقيقيّة للهسبحانه.


1 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 178 ـ 185(ط صيدا).
2 . أنوار الملكوت في شرح الياقوت: ص 76 ـ80 ـ81 ـ 92.


(23)

يقول العلاّمة الطباطبائي: نحن أوّل ما نفتح أعيننا، يقع ادراكنا على أنفسنا، و على أقرب الاُمور منا، و هي صلتنا بالكون الخارج، لكنّا لانري أنفسنا إلاّ مرتبطة بغيرها و لاقوانا و لاأفعالنا إلاّ كذلك، فالحاجة من أقدم ما يشاهده الإنسان، يشاهدها من نفسه و من كلّ ما يرتبط به من قواه و أعماله و الدنيا الخارجة. و عند ذلك يقضي بذات ما يقوم بحاجته و يصد خلّته، و إليه ينتهي كلّ شيء و هو اللّه سبحانه و يصدقنا في هذا النظر و القضاء قوله سبحانه:( يا اَيُّها الْنّاسُ اَنْتُمْ الْفُقَراءُ اِلى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الغَنِىُّ الْحَمِيد)(فاطر/15).

ثمّ إنّ أقدم ما نواجهه في البحث عن المعارف الالهيّه إنّا نذعن بانتهاء كلّ شيء إليه، و كينونته و وجوده منه، فهو يملك كلّ شيء لعلمنا أنّه لو لم يملكها لم يمكن أن يفيضها ويفيدها لغيره، على أنّ بعض هذه الأشياء مما ليست حقيقته إلاّ مبنيّة على الحاجة و هو تعالى منزّه عن كلّ حاجة و نقيصة لأنّه الذي يرجع إليه كلّ شيء في رفع حاجته و نقيصته.

فله الملك ـ بكسر الميم وضمها ـ على الاطلاق فهو سبحانه يملك ما وجدنا في الوجود من صفة كمال كالحياة و القدرة و العلم و السمع و البصر و الرزق و الرحمة و العزّة.

فهو سبحانه حيّ، قادر، بصير، حليم، لأنّ في نفيها اثبات النقص و لاسبيل للنقص إليه، ورازق و رحيم و عزيز و محي و مميت و مبدع و معيد و باعث إلى غير ذلك لأنّ الرزق و الرحمة و العزّة و الاحياء و الاماتة و الابداع و الاعادة و البعث له سبحانه و هو السبّوح، القدّوس، العلي، الكبير، المتعال، إلى غير ذلك، فنعني بها نفي كلّ نعت عدمي، و نفي كلّ صفة نقص عنه(1).

ترى أنّه ـ قدس اللّه سره ـ استدل على الصفات الثبوتية بمبدء واحد و هو أنّ


1 . الميزان ج 8 ص 366 ـ 367.


(24)

الملك له لالغيره، فكلّ ما يملكه الإنسان فهو يملكه، فصار هذا منشأً لاثبات كثير من الصفات الثبوتية.

2 ـ مطالعة الكون و آيات وجوده

الطريق الثاني التي يمكن التعرّف بها على ما في ذاته سبحانه من الجمال و الكمال طريق التدبّر في النفس و الكون أي في آياته الأنفسية و الافاقية امتثالاً لقوله سبحانه:

( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فى الاْفاقِ وَ فِى اَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ اَنَّهُ الْحَقُّ أَوْ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَىء شَهِيدٌ)(فصّلت/53)(1).

فمطالعة الكون المحيط بنا و ما فيه من بديع النظام و غريب الموجودات يكشف لنا عن علمه الوسيع و قدرته المطلقة فمن خِلال هذه القاعدة و عبر هذا الطريق، يمكن للإنسان أن يهتدي إلى قسم كبير من الصفات الالهية الجماليّة (الثبوتية) و الجلالية (السلبية) و قد سلك هذا الطريق المحقّق نصيرالدين و قال:«و الأحكام و التجرّد و استناد كلّ شيء إليه دلائل علمه» .

(2)و قول شيخنا المحقّق الطوسي ليس فريداً في ذلك الباب بل سبقه شيخنا أبوجعفر الطوسي في بعض كتبه و قال عند البحث عن علمه سبحانه:

«و أمّا الذي يدل على أنّه عالم هو أنّ إلاحكام ظاهر في أفعاله كخلق الإنسان و غيره من الحيوان لأنّ فيه من بديع الصنعة و منافع الأعضاء و تعديل الامزجة و تركيبها على وجه يصحّ معه أن يكون حيّاً لايقدر عليه إلاّ من هو عالم بما يريد فعله،


1 . والاستدلال مبني على عود الضمير المنصوب في «انّه الحق» الى اللّه سبحانه.
2 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 174 (ط صيدا) و الاستدلال بالتجرّد، استدلال عقلي و الاستدلال بالأحكام و استناد كل شيء اليه، استدلال بآيات وجوده على كماله.


(25)

لأنّه لو لم يكن عالماً لما وقع على هذا الوجه من الإحكام و النظام، و الاختلاف في بعض الأحوال و لمّا كان ذلك واقعاً على حد واحد، و نظام واحد، و اتساق واحد دل على أنّ صانعه عالم»(1).

و هناك ـ وراء الإستدلال العقلي و النظر في آثار الرب ـ طريقان آخران نشير إليهما.

3 ـ المعرفة عن طريق الوحي

إنّ الوحي ادراك مصون عن الخطأ و الزلل كما أنّ السنّة الصحيحة فرع من فروعه فكلّ ما ورد في الكتاب و السنّة من الإلهيات و المعارف،يصلح الاستدلال به غير أنّ الآيات القرآنية في ذلك المجال على قسمين: فتارة تتخد لنفسها موقف المعلم و المفكّر الذي يريد تعليم اتباعه فيكون موقف المخاطَب عندئذ موقف الاستلهام و الاستعلام كما هو الحال في البراهين التي أقامها القرآن في مجال اثبات الصانع و نفي الشريك عنه و كثير من صفاته الثبوتية، فتكون تلك الآيات حجّة عقليّة من دون استلزام الدور، و اُخرى يتخذ لنفسه موقف الرسول المتكلّم باسم الوحي المنبىء عن اللّه سبحانه فعندئذ يكون قوله حجّة تعبديّة و لايمكن الاعتماد على مثله إلاّ بعد ثبوت وجود الصانع و بعض صفاته و ثبوت النبوّة العامّة و الخاصة، و لكن الغالب على الآيات القرآنيه و السنّة الصحيحة المرويّة عن أئمّة أهل البيت هو الأوّل. يقف على ذلك من خالط القرآن روحه و قلبه و قرأ القرآن متدبّراً متعمّقاً.

4 ـ المعرفة عن طريق الكشف و الشهود

هناك طريق رابع و هو التعرّف على الحقائق من خلال الكشف و الشهود، و القائلون به يرون أنّ سبيل الحصول على حقائق المعارف هو السعي إلى صفاء القلب


1 . الاقتصاد، الهادي الى سبيل الرشاد ص28، ولاحظ إرشاد الطالبين للفاضل المقداد ص194.


(26)

حتى ينعكس ما في ذلك العالم على قلب العارف و ضميره، و يدرك ما في ماوراء الطبيعة من الجمال و الكمال ادراكاً يقينيّاً لايخالطه الشك، و لايمازجه الريب، ولكنه طريق(قلّ سالكيه) يختصّ بطائفة خاصّة ولايكون حجّة إلاّ لصاحب الكشف.

و على كلّ تقدير فليس المدّعى لمن يسلك هذه الطرق الأربعة هو معرفة كنه الذات الالهية و كنه صفاته و أسمائه، بل المراد التعرّف على ما هناك من الجمال والكمال و نفي النقص و العجز حسب المقدرة الإنسانية.

إلى هنا تبيّن إنّ التفكير الصحيح ممّا دعى إليه الكتاب العزيز و الفطرة السليمة، و هناك كلام للعلاّمة الطباطبائي حول التفكّر الذي يدعو إليه القرآن و هو بحث مسهب نقتبس منه ما يلي، قال:

«إنّك لو تتبّعت الكلام الإلهي ثم تدبّرت آياته، وجدت ما لعلّه يزيد على ثلاثمائة آية تتضمّن دعوة الناس إلى التفكّر أو التذكّر أو التعقّل أو تلقّن النبي الحجّة لاثبات حقّ أو ابطال باطل كقوله: ( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ اَرادَ أَنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ اُمَّهُ ) (المائدة/17).

أو ينقل الحجّة الجارية على لسان أنبيائه و أوليائه كنوح و إبراهيم و موسى وغيرهم من الأنبياء العظام و لقمان و مؤمن آل فرعون كقوله:

( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الاَْرْضِ )(إبراهيم/10).

و قوله: ( وَ اِذْ قالَ لُقْمانُ لاِِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَىَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ اِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )(لقمان/13).

و قوله: ( وَ قال رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنٌ آلِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ اِيمانَهُ اَتَقْتُلُونَ رَجُلاً اَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اَللّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ )(غافر/28).

و قوله حكاية عن سحرة فرعون ( قالُوا لَنْ نُوءْثِرُكَ عَلى ما جاءَنا مَنْ البَيِّناتِ


(27)

وَالَّذِى فَطَرَنا فَاقْضِ ما اَنْتَ قاض اِنَّما تَقْضِى هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا )(طه/72).إلى آخر ما احتجّوا به.

و لم يأمر تعالى عباده في كتابه و لا في آية واحدة أن يؤمنوا به أو بشيء ممّا هو عنده أو يسلكوا سبيلاً على العمياء و هم لايشعرون حتّى أنّه علّل الشرائع و الأحكام التي جعلها لهم ممّا لاسبيل للعقل إلى تفاصيل ملاكاته، ـ علّل ـ باُمور تجري مجرى الاحتجاجات كقوله: ( اِنَّ الصَّلوةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُاللّهِ اَكْبَرُ)(العنكبوت/45).

و قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(البقرة/183).

و قوله (في آية الوضوء): ( ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (المائدة/6).

الى غير ذلك من الايات الواردة حول تحريم الخمر و الميسر.

و هذا الادراك العقلي الذي يدعو إليه القرآن و يبني على تصديقه، ما يدعو إليه من حقّ أو خير أو نفع، و يزجر عنه من باطل أو شرّ أو ضرّ، هو الذي نعرّفه بالخلقة و الفطرة ممّا لايتغيّر و لايتبّدل و لايتنازع فيه إنسان و إنسان، و العجب انّ المخالفين للتفكّر المنطقي يعتمدون في اثبات دعاويهم و مقاصدهم على الاُسس المنطقيّة بحيث لو حلّلت مقالهم و دليلهم لعاد على صورة أقيسة منطقية يستدل بها المخالف على بطلان الاستدلال المنطقي (1).

و نذكر من باب المثال قولهم: « لو كان المنطق طريقاً موصلاً لم يقع الاختلاف بين أهل المنطق، لكنّا نجدهم مختلفين في آرائهم» ترى أنّه استعمل القياس الاستثنائي من حيث لايشعر و أمّا الجواب: فإنّ المنطق آلة تصون الفكر عن


1 . الميزان: ج 5 ص274 ـ 275.


(28)

الخطأ في كيفية الاستدلال و لكن صحّة الاستدلال مبنيّة على دعامتين:

1ـ صحّة المادّة.

2ـ صحّة الهيئة.

و المنطق يصون الإنسان عن الخطأ في الجانب الثاني دون الأوّل و أجاب عنه العلاّمة الطباطبائي بوجه آخر و قال:

« إنّ معنى كون المنطق آلة الاعتصام انّ استعماله كما هو حقّه يعصم الإنسان عن الخطأ و أمّا انّ كلّ مستعمل له فإنّما يستعمله صحيحاً فلايدعيه أحد و هذا كما انّ السيف آلة القطع لكن لايقطع إلاّ عن استعمال صحيح» (1) .

القرآن الكريم يهدي العقول إلى استعمال ما فطروا على استعماله بحسب طبعهم و هو ترتيب المعلومات لاستنتاج المجهولات و الذي فطرت عليه العقول هو ترتيب مقدمات حقيقيّة يقينيّة لاستنتاج المعلومات التصديقيّة الواقعيّة، و هو البرهان أو استعمال المقدّمات المشهورة أو المسلّمة و هو الجدل، أو استعمال مقدّمات ظنيّة لغاية الارشاد و الهداية إلى خير مظنون و شر مثله و هو العظة، قال تعالى: (اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِى هِىَ اَحْسَن)(النحل/125).

و الظاهر أنّ المراد بالحكمة هو البرهان كما ترشد إلى ذلك مقابلته بالعظة و الجدل.

ثمّ إنّ آخر ما في كنانة القوم هو ادّعاء انّ جميع ما تحتاج إليه النفوس الإنسانيّة مخزونة في الكتاب العزيز، مودعة في الأحاديث فما الحاجة إلى أساليب الكفّار والملاحدة؟

يلاحظ عليه: إنّ اشتمال الكتاب و السنّة على جميع ما يحتاج إليه لايلازم


1 . الميزان ج 5 ص 288.


(29)

استغناء البشر عن التفكّر الصحيح الموصل إلى ما في الكتاب و السنّة، فليس فهم الكتاب و السنّة غنيَّا عن التدبّر و الامعان، و ليس أصحاب الفلسفة و المنطق من الكفّار و الملاحدة، و الواجب على المسلم الواعي هو استماع القول ـ من أيّ ابن انثى صدر ـ ثم اتّباع أحسنه.

و على كلّ تقدير فابطال الاستدلال العقلي عن طريق الاستدلال العقلي غريب و عجيب جداً و من قابَلَ التفكّر و التعقّل و اقامة البرهنة فقد عارض إنسانيّته و فطرته التي تدعوه إلى الاعتناء بالتفكر الصحيح و التعقّل الرصين عن طريق اعمال الأقيسة الصحيحة من حيث المادة و الهيئة.

و بذلك تقف على قيمة عمل أهل الحديث و اسلوب دعوتهم إلى المعارف و الحقايق حتى إنّ الأشعري لما تاب عن الإعتزال و لحق بأصحاب أحمدبن حنبل، و استدل على عقيدة أهل الحديث مثل الرؤية و كون أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه، رفضته الحنابلة قائلة: بأنّ الاستدلال ليس طريقاً دينيا،ً و إنّما الطريق البرهنة بالآية و الحديث مكان التعقل.

قال ابن أبي يعلي في طبقات الحنابلة عن طريق الأهوازي قال: قرأت على عليّ القومسي، عن الحسن الاهوازي قال سمعت أباعبدالله الحمراني يقول:

لما دخل الأشعري بغداد جاء إلى «البربهاري» فجعل يقول رددت على الجبائي و على أبي هاشم و نقضت عليهم و على اليهود و النصارى و المجوس و قلت و قالوا و أكثر الكلام فلمّا سكت قال البربهاري و ما أدري ممّا قلت لاقليلاً و لاكثيرا،ً و لانعرف إلاّ ما قاله أبو عبدالله أحمدبن حنبل، فخرج من عنده وصنف كتاب « الابانة» فلم يقبله منه (1).

هذا و إذا بان لك انّ الاستدلال المنطقي على المعارف العقليّة هو طريق


1 . تعليقة «تبيين كذب المفتري» ص 391.


(30)

الفطرة التي دعا إليها القرآن، و لايشذ عنها إلاّ من احتجبت عنده الفطرة الإنسانيّة.

فيلزم علينا البحث عن أسمائه وصفاته الواردة في الذكر الحكيم و سنّة نبيه و أحاديث عترته صلوات الله عليهم أجمعين على ضوء البرهان و القياس العقلي.

Website Security Test