welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 5*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مفاهيم القرآن / ج 5

مفاهيم القرآن

يبحث عن عصمة الأنبياء
ويعالج ادلّة المخطئة لها،
وعن مفهوم الإمام وعصمته، وعدالة الصحابة،
واطاعة السلطان الجائر في القرآن الكريم

تأليف

العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني

الجزء الخامس

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ـ ايران ـ قم


(2)

اسم الكتاب : مفاهيم القرآن

تأليف: العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الموضوع:   تفسير موضوعي

الجزء:   الخامس

المطبعة:    اعتماد. قم

الطبعة:   الثانية

التاريخ:   1422 هـ

الكمية:   2000

صف وإخراج ونشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الإخراج الفني في صفحة wab : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) _ السيد محسن البطاط

توزيع

مكتبة التوحيد

قم ـ ساحة الشهداء ـ


(3)

(4)

(5)

كلمة قدسية

تفضّل بها سماحة العلاّمة الأُستاذ المحقّق آية الله الشيخ لطف الله الصافي

صاحب المؤلفات الإسلامية القيّمة، والمواقف الجهادية المشكورة

دام ظله الوارف

بسم الله الرحمن الرحيم

العصر الحاضر والمفاهيم الدينية

يشهد عصرنا الحاضر المسمّى بعصر الذرة والفضاء، صورة جديدة من رفض النصوص الشرعية، يتمثل في موقف خاص من قضايا الدين، وهو تفسير الحوادث الخارقة للعادة والحقائق الغيبية وما يتحقّق في مستقبل الزمان من الآيات والملاحم الثابتة كلّها في الدين، والّتي أخبرت بها نصوص الكتاب والسنّة، وتحقّقت أو تتحقّق ـ بإرادة الله تعالى وإذنه ـ بالتفسير والتعليل المادي الّذي ينكر تأثير عالم الغيب في عالم الشهادة.

وهو موقف نابع وناشئ من انبهار طائفة كبيرة من المثقفين ببريق النهضة المادية الحديثة، ومن الإفتتان بالتقدم الصناعي الراهن، الأمر الّذي آل إلى ظهور الاتجاهات العلمانية الّتي تعتقد بفصل الدين عن الدنيا، والدنيا عن الدين حيناً، وبإخضاع المفاهيم الدينية الغيبية لمقاييس العلوم المادية الحديثة حيناً آخر.


(6)

وممّا يزيد الطين بلّة، والداء تفاقماً، أنَّ هذا الفريق يظهرون الإسلام ويتظاهرون بالنصيحة له وللمسلمين، ويدّعون أنّه لابد من تفسير الدين بنحو يقبله المفكر الغربي، ولا يستنكره الملحد الشرقي، وبالتالي: لا بد من تأويل اصطلاحاته وقضاياه بنحو يوافق المذاهب المادية، والقوانين الطبيعية، بينما يسعى فريق آخر إلى التوفيق بين الدين ونظاماته في الإدارة والحكم وغيرهما، وبين الأنظمة الديمقراطية، كما يريد بعضهم التوفيق بين الدين ـ وهو دين إلهي ـ مع الأنظمة الماركسية الملحدة.

فالثقافة عند هؤلاء هو الترديد والتشكيك في الحقائق المقبولة في الدين، والّتي دلّت عليها نصوص الكتاب والسنّة، ممّا لا يمكن أن يعلل بالعلل، وبالتالي إخضاع الدين لمعطيات الحضارة المادية الحديثة، ومقاييسها، فإذن نحن في عصر يزداد فيه التخوّف من تعريض المفاهيم الدينية لخطر التحريف والتأويل، وإخضاع الدين للأهواء والأمزجة والأذواق الشخصية، على أيدي الجهّال والانهزاميين.

فما أحوجنا ـ في هذا العصر ـ إلى تبيين مفاهيم الكتاب والسنّة، وتثبيت ما أتى به الإسلام، على حقيقته، وإرجاع الناس إلى النصوص ودلالاتها، ورد المتشابهات إلى المحكمات، في ضوء الكتاب العزيز والسنّة المطهرة الشاملة لما ورد عن العترة الطاهرة.

ولقد نهض بهذه المهمة منذ أقدم العصور ـ ولله الحمد ـ رجال من روّاد مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وأصحابهم ممن دفعتهم غيرتهم الدينية إلى الدفاع عن حياض الشريعة المقدسة، مع الاحتفاظ بنصوص الكتاب والسنّة، فأبقوا على مفاهيم الإسلام غضّة طرية، ناصعة، ساطعة، فشكر الله مساعيهم الجميلة


(7)

وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.

وممّا يثلج الصدر أن تستمر هذه الجهود الخالصة المخلصة في سبيل الحفاظ على مفاهيم الدين، حيث قام في عصرنا هذا جماعة من الأعلام بنفس هذا العمل العظيم، ونخص بالذكر صديقنا العلاّمة الفقيه والبحّاثة المحقّق الأُستاذ الشيخ جعفر السبحاني في ما كتب في سلسلة «مفاهيم القرآن الكريم» هذه المجموعة الّتي صدرت منها إلى الآن أربعة أجزاء، والّتي سدّت فراغاً واسعاً في هذا المجال حيث أوضحت ـ في غاية القوة والإحاطة والإتقان والتحقيق ـ كثيراً من المفاهيم القرآنية الإسلامية وسدّت الطريق في وجه المبتدعين والمحرّفين، والمأوّلين والمشكّكين، وأجابت باسلوب برهاني مقنع على أسئلة طالما شغلت أذهان الشباب، وأصحاب المدارس الحديثة.

وقد جاء الجزء الرابع ردّاً على الاتجاه المذكور وهو تفسير الجوانب الغيبية بالتعليلات المادية.

فلله درّ مؤلفه الفقيه المحقّق العلاّمة وحفظه الله ذخراً للحوزة والأُمّة، ونفع المسلمين جميعاً بعلومه ومؤلّفاته. انّه سميع مجيب.

لطف الله الصافي        
23 ـ ربيع الثاني ـ 1406 هـ


(8)

كتاب كريم

تفضّل به العلاّمة الحجّة الأُستاذ المحقّق آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ـ دام ظله ـ ننشره تقديراً لجهوده العلمية الكبرى مشفوعاً بالشكر والتكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

(قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَ كِتَابٌ مُبِينٌ) (1)

إنّ الواصف المطري مهما جدّ واجتهد، ومهما بلغ شأواً عظيماً في القدرة على التحديد والتوصيف، لا يتمكن من أن يصف كلامه سبحانه ويحدّده بما هو لائق به، كيف؟ وهو كلام من لا يتناهى كمالاً وجمالاً، كما لا يتناهى علماً وقدرة.

فلو كانت هناك صلة بين الأثر والمؤثر وكان الأثر ظلاً له، فكلامه سبحانه لا يتناهى في الروعة والجمال، لكونه أثراً للكمال المطلق والجمال غير المتناهيين، وعند ذلك لا يجد الباحث معرفاً محدداً لكلامه أحسن ممّا ورد في الذكر الحكيم في هذا المضمار، قال سبحانه: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَ كِتَابٌ مُبِينٌ).

وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً)(2).


1 . المائدة: 15 .
2 . النساء: 174 .


(9)

وقال تعالى: (وَ كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَ لاَ الإِيمَانُ وَ لَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِى بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم )(1) إلى غير ذلك من الآيات الّتي تعدُّ الذكر الحكيم نوراً منزّلاً من الله سبحانه إلى البشر كلّه في جميع العصور والقرون، ولجميع الأجيال والمجتمعات، فيجب علينا أن نقف على السر الّذي أصبح به القرآن نوراً وضياء.

أقول: إنَّ علماء الطبيعة كشفوا عن أسرار النور وخواصه، فلاحظوا:

أوّلاً: أنّ سرعة النور لا تضاهيها سرعة أيّ شيء آخر.

ثانياً: أنّ حياة النبات والحيوان رهن للنور، فلولاه لما استقرت الحياة وما اخضرّ لها عود.

ثالثاً: أنّ النور يكافح العوامل الهدّامة للحياة فيقتل بعض الجراثيم والميكروبات المضرة، ويبقي الذرات النافعة للحياة، إلى غير ذلك من الآثار المكشوفة الثابتة للنور في مجال علم الطبيعة.

مضافاً إلى أنّ النور يكشف الحجب في المجتمع فلا يرى إجرام المجرم في وضح النهار، وإذا طرأت الظلمة خرج المجرمون من أوكارهم ابتغاءً للفساد، ونشراً للرذيلة.

هذا هو حال النور الحسّي الّذي يمشي به الإنسان في حياته المادية، وإذا كان هذا حال النور الحسّي فالنور المعنوي الّذي به حياة الإنسان الروحية، أَولى أن يكون كذلك.

ومن حسن الحظ أن نجد النور المعنوي (القرآن والسنّة) حاملاً لهذه


1 . الشورى: 52 .


(10)

الأوصاف والآثار على الوجه الأكمل والأتم.

فإذا كان النور الحسّي أسرع الأشياء المادية في السير والدوران، فالنور الّذي يحمله القرآن الكريم مثله في السرعة والانتشار، فقد انبثق نور القرآن من أُمّ القرى وانتشر بسرعة فائقة في أجواء العالم، وبدّد الظلام عن أُمّ القرى وما حولها إلى أن وصل إلى منتهى الخف والحافر.

وإذا كانت الحياة المادية لا تستقر في هذا الكوكب إلاّ بضوء الشمس فالحياة المعنوية لا تستقر في هيكل الفرد والمجتمع، إلاّ بالإيمان والعمل الصالح، ولا يهتدي الإنسان إلى كل منهما إلاّ ببركة الوحي المجسّد في الذكر الحكيم .

وإذا كان ضوء الشمس ونور الكوكب يبدّد الحجب في البوادي والصحاري والمدن والبلدان فيغيب المجرم، ويختفي المسيء، فالنور المعنوي الّذي يحمله القرآن ومثله كل وحي سماوي، يضيء المجتمع وينوّر القلوب، فلا تجد فيه مجالاً لظهور الرذائل وانتشار المساوئ، وإنّما تظهر رذائل الأخلاق في غياب الإيمان والقرآن عن المجتمع.

وإذا كان النور الحسّي يكافح العوامل الهدّامة للحياة، فالنور المعنوي أيضاً يكافح الغي والفساد، والهرج والمرج، والجهل والفقر، وغيرها من الأُمور الّتي تعد من العوامل الهدّامة لحياة الإنسان المعنوية.

ولأجل ذلك نرى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يأمر بالتمسّك بالقرآن الكريم عند التباس الفتن على الإنسان كقطع الليل المظلم ويقول: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع وماحل مصدّق...».(1)


1 . الكافي: 2 / 238 .


(11)

ولأجل هذا الأمر وغيره عكف علماء الإسلام منذ فجر الدعوة الإسلامية على دراسة القرآن وقراءته وحفظه وتفسيره والعناية به بشتى الطرق والوجوه. وقد بلغ إقبال المسلمين والعناية بكتابهم مبلغاً لا يوجد له نظير في جميع أنحاء العالم والمجتمعات البشرية. كيف؟ وقد أسّسوا للاستضاءَة من ذلك النور، علوماً كثيرة خدموا بها القرآن الكريم وعالجوا بها مشاكله ومبهماته ومعضلاته، شكر الله مساعي الجميع.

منهج التفسير الموضوعي:

إنّ السيرة الرائجة في تفسير القرآن الكريم هي تفسيره سورة بعد سورة، فالمفسر الموفّق هو من يأخذ بتفسير سورة الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران وهكذا إلى أن ينتهي إلى آخر القرآن، أو إلى ما تصل إليه جهوده، وهذه سيرة رائجة في جميع القرون، غير أنّ هناك منهجاً آخر لتفسير الذكر الحكيم لم يقع موضع العناية الكبيرة للسلف الصالح من المفسرين وهو «المنهج الموضوعي» لتفسير القرآن.

والمقصود منه جمع الآيات الواردة في كل موضوع والبحث عنها دفعة واحدة، وهذا هو الطريق الأمثل الّذي ستحل به معضلات الآيات، وترتفع مبهماتها، فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، وينطق بعضه ببعض، ولا مناص للمجتمع القرآني من العناية بهذا المنهج أيضاً كما كان له العناية بالمنهج الأوّل، فالمنهجان متواكبان في الإضاءة والتنوير، ولكل مزيّته ومحاسنه.

ثم إنّ من الذين عانوا في سد هذا الفراغ وبذلوا جهوداً واسعة في سبيله العلاّمة الحجّة المحقّق الأخ الشيخ جعفر السبحاني أدام الله تأييده.

فقد سلك هذا الطريق وكشف حقائق قيّمة، فشكر الله مساعيه ووفقّه


(12)

لإدامة هذا المشروع.

فقد اختار من بين الموضوعات أوّلاً ما يتصل بالله سبحانه، وصفاته وأفعاله، والنبوات العامة والخاصّة، فلأجل ذلك قام بطرح مباحث التوحيد في الجزء الأوّل في اثني عشر فصلاً على وجه بديع.

ولقد أعجبني من هذه الفصول الفصل المعقود لتفسير التوحيد في العبادة، وما يتميّز به ما يشبه العبادة عن غيره، فقد اعتمد في هذا المبحث على ضابطة قيّمة استنبطها من الذكر الحكيم.

ولما انتهى بحثه في هذا الجزء إلى قسم خاص من التوحيد وهو «التوحيد في الحاكمية» وانّ الحكم حق مختص بالله سبحانه، لا يناله غيره إلاّ بإذنه، جعل مدار البحث في الجزء الثاني «معالم الحكومة الإسلامية» باسلوب رائق وطريقة جديدة في نوعها، إلى غير ذلك ممّا يراه القارئ في أجزاء هذا الكتاب القيّم من الموضوعات الهامّة.

أضف إلى ذلك كلّه أنّ الكتاب يشتمل على مزايا أُخرى قيّمة في ذاتها، منها الصراحة في البحث، وطرح المباحث بقلم واضح بعيد عن التعقيد، والإيجاز المخل، والإطناب الممل.

ومنها الحفاظ على المفاهيم الإسلامية من دون أيّ تحوير فيها وتغيير، والتحرّز عن المناهج المزيجة الملفقة، الّتي تأخذ من الإسلام شيئاً، ومن المناهج غير الإسلامية شيئاً آخر، فتمزجهما وتقدّم المجموع الملفّق باسم الإسلام، من المناهج الّتي لها الضرر الكثير على الإسلام وأهله، أعاذنا الله من شرور هذه الفكرة وخطورة هذه المناهج.


(13)

وقد مشى المؤلف فيما يمتّ إلى هذه المباحث في ضوء القرآن الكريم من دون أي خضوع للأفكار المادية، أو إخضاع المفاهيم الإسلامية لتلك المناهج، فشكر الله سعيه، وضاعف أجره وجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.

ناصر مكارم الشيرازي  
قم ـ الحوزة العلمية    
12 ـ شوال ـ 1407 هـ


(14)


(15)

المفاهيم القرآنية بين الجمود والتأويل

إنّ الذكر الحكيم يشتمل على معارف وأُصول كما يشتمل على أحكام وفروع، والغاية المتوخّاة من المعارف والأُصول، هي تحصيل العلم والمعرفة أوّلاً، والإذعان والإيمان ثانياً، كما أنّ الهدف من تشريع الأحكام والفروع هو الدعوة إلى العمل والتطبيق.

فلو كان شرف كل علم بشرف موضوعه، فالعلم الأوّل ـ بما أنّه يبحث عن معرفة الله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله وما ينبغي له وما لا ينبغي له ـ يكون هو الأشرف والفقه الأكبر، كما أنّ العلم الثاني ـ بما أنّه يبحث عن حكمه سبحانه بما يتعلّق بأفعال العباد ـ يكون هوالفقه الأصغر. ولكلٍّ أئمّةٌ وقادة مفكرّون، وكثيراً ما يكون الإنسان إماماً في باب المعارف والعقائد، وفي الوقت نفسه يكون غير رفيع المستوى في باب معرفة الأحكام، وربّما يكون على العكس، فالكل إذا تكلموا فيما أحسنوا، أرشدوا إلى الطريق المهيع والحق المبين، فإذا نطقوا في غيره أتوا بما تندهش منه العقول ويقضي منه العجب .(1)

فاللازم على روّاد العلم حسب ما أمر به الرسول من تنزيل كل أمرئ


1 . قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو سكت من لا يعلم لرفع الاختلاف» لاحظ درر الحكم للآمدي.


(16)

منزلته (1) والأخذ عنهم فيما برعوا وفاقوا فيه، وترك الاقتفاء والتبعية فيما لا حذق لهم فيه ولا براعة، وهذا هو دأب الدين، وهي السنّة القرآنية الّتي أمر الله سبحانه بها حيث قال: (وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)(2) .

وكذلك علم الحديث والسنّة، فربّما يكون الرجل قدوة في الحفظ، عارفاً بمتون الأحاديث وأسانيدها، وليس له مقدرة علمية لتحليل مفادها والغور في أعماقها، فيكون ذلك من موارد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها، فربّ حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه».(3)

فليس كل من روى كلاماً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقبل رأيه الّذي رأى، ولا كل من حفظ اللفظ، كان أهلاً لبيان كنه المعنى، وما يستنبط منه، بل لكل من الحفظ والنقد والتحليل رجال متخصّصون، ولكل فن أهل وأرباب، فمن خاض في علم بلا كفاءة كان خطاؤه أكثر من صوابه وكان ما يفسده أكثر ممّا يصلحه.

هذا هو الأصل الّذي دعا إليه القرآن، واستقرّت عليه سيرة العقلاء، ولكن الغفلة عن هذا الأصل في بدايات القرون الهجرية الأُولى، أحدثت تخبّطاً في الأوساط الإسلامية فنجمت بين المسلمين بدع يهودية وآراء مسيحية، من القول بالتشبيه، وإثبات المحل لله تعالى، والجهة له سبحانه، فوصف الباري ـ المنزّه عن كل نقص ـ بالجلوس، والنزول إلى الأرض، وأثبتت له الأجزاء والأعضاء كالوجه والعين واليد والرجل، ونسب إليه الاستعلاء الحسي على العرش، وكان السبب لهذا


1 . روى مسلم في صحيحه: (1 / 5) عن عائشة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمرنا أن ننزل الناس منازلهم.
2 . البقرة: 189 .
3 . سنن الترمذي: 5 / الباب 7، كتاب العلم، الحديث 2657 ; مسند أحمد: 2 / 225 .


(17)

التخبّط أمران:

أوّلاً: الاغترار بما وضعه أعداء الإسلام من الأحبار والرهبان الذين تظاهروا بالإيمان وأضمروا الكفر تنفيذاً لحقدهم وعدائهم، ويقف القارئ على نماذج كثيرة من هذه الإسرائيليات فيما روي عن كعب الأحبار، ووهب من منبه، وعبد الملك بن جريج، ومن شاكلهم من المتأسلمين لا المسلمين الحقيقيّين.

ثانياً: الجمود على ظواهر بعض الآيات والأحاديث من دون تعمّق في أغوارها، ولا تفحّص في مفاهيمها وأعماقها، حتّى عاد التفكّر في مفاد الآية والحديث تأويلاً بغيضاً، فعند ذاك هاجت بحار الفتن وتلاطمت أمواجها بالبدع المهلكة، فسمّي التفكّر في القرآن والتدبّر في كلمات الرسول «كفراً» و «زندقة» وعدّ إقصاء العقل وعزله عن القضاء في المعارف والأُصول «قداسة» و «نزاهة»!!!

ففي هذه الظروف والأحوال قامت قيامة تأسيس المناهج، ونجمت فرق كثيرة، كلٌّ يدّعي الانتساب إلى الوحي والسنّة.

وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقرّ لهم بذاكا

وإليك تسمية بعض هذه الفرق وبيان رؤوسها:

1. مبتدعة السلف:

وهم المغترون بكل حديث وقعت أعينهم عليه، فجمعوا في حقائبهم كل رطب ويابس، وأخذوا بالظواهر وتركوا الاستعانة بالقرائن، وسمّوا كل بحث من أيّ أصل من الأُصول والمعارف «تأويلاً» و «خروجاً عن الدين» وكبحوا العقل بتهمة الزندقة، واستراحوا لما رووا عن أئمتهم من ذم علم الكلام، فوصفوا الجمال


(18)

المطلق والكمال اللامتناهي بالمحل والجسم، والنزول والصعود، وخرقوا له كثيراً من الأشباه والنظائر.

ترى كثيراً من هذه الأحاديث في مرويات حمّاد بن سلمة، ونعيم بن حمّاد، ومقاتل بن سليمان، ومن لف لفهم، ففي مروياتهم تلك الآثار المشينة، وقد قلّدهم كثير من البسطاء في القرون المتأخرة، فحسبوها حقائق راهنة وألّفوا فيها الكتب.

وعلى هذا الأساس أُلّف كتاب «التوحيد» لمحمد بن إسحاق بن خزيمة (المتوفّى عام 321 هـ)، وكتاب «السنّة» لعبد الله بن أحمد بن حنبل، وكتاب «النقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسّم فإنّه أول من اجترأ من المجسّمة بالقول: بأنَّ الله لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته، فكيف على عرش بعيد.(1)

ولقد عزب عن هؤلاء المساكين أنّ التفكّر في آي الذكر الحكيم والغور في أعماقها ممّا أمر به منزّله سبحانه حيث قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)(2). وليس صرف آيات الاستواء على العرش والوجه واليد والعين وما شابهها، عن الظاهر المتبادر من مفرداتها، إلى ما هو المتبادر عند أئمّة البلاغة، تأويلاً وخروجاً عن ظاهر الكلام، إذ للكلمة بمفردها حكم، وللجملة المتكوّنة من بعض الكلمات حكم آخر.

وإن كنت في ريب من هذا فلاحظ لفظ الأسد بمفرده، ونفس اللفظ في قول القائل: «رأيت أسداً يرمي»، فحملها في الجملة الثانية على الحيوان المفترس


1 . لاحظ مقدمة الشيخ محمد زاهد الكوثري على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي.
2 . ص: 29 .


(19)

صرف لظاهر الكلام بلا دليل، وتأويل بلا مسوّغ.

وبهذا يظهر أنَّ الصفات الخبرية الواردة في القرآن كالوجه وغيره لها حكم عند الإفراد، ولها حكم آخر إذا ما جاءت في ضمن الجمل، فلايصحّ حملها على المعاني اللغوية إذا كانت هناك قرائن صارفة عنها، فإذا قال سبحانه: (وَ لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَ لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً)(1)، فيحمل على ما هو المتبادر من الآية عند العرف العام، أعني: الإسراف والتقتير، فبسط اليد كناية عن الإنفاق بلا شرط، كما أنّ جعل اليد مغلولة إلى العنق كناية عن البخل والتقتير، ولا يعني به بسط اليد بمعنى مدّها، ولا غلّ اليد إلى العنق بمعنى شدّها إليه .

وعلى هذا يجب أن يفسر قوله سبحانه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(2)، فالعرش في اللغة هو السرير، والاستواء عليه هو الجلوس، غير أنَّ هذا حكم مفرداتها، وأمّا معنى الجملة فيتفرع الاستظهار منها، على القرائن الحافة بها، فالعرب الأقحاح لا يفهمون منها سوى العلو والاستيلاء، وحملها على غير ذلك يعد تصرّفاً في الظاهر، وتأويلاً لها، فإذا سمع العرب قول القائل:

قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق

أو سمع قول الشاعر:

ولما علونا واستوينا عليهم *** تركناهم مرعى لنسر وكاسر

فلا يتبادر إلى أذهانهم سوى العلو والسيطرة والسلطة، لا العلو المكاني


1 . الإسراء: 29 .
2 . طه: 5 .


(20)

الّذي يعد كمالاً للجسم، وأين هو من العلو المعنوي الّذي هو كمال الذات.

وقد جاء استعمال لفظ الاستواء على العرش في سبع آيات مقترناً بذكر فعل من أفعاله، وهو رفع السماوات بغير عمد، أو خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فكان ذاك قرينة على أنّ المراد منه ليس هو الاستواء المكاني بل الاستيلاء والسيطرة على العالم كله، فكما لا شريك له في الخلق والإيجاد لا شريك له أيضاً في الملك والسلطة، ولأجل ذلك يقول في بعض هذه الآيات: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَ الأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(1) .

فالتأويل بلا قيد وشرط، إذا كان ضلالاً ـ كما سيوافيك بيانه ـ فكذلك الجمود على ظهور المفردات، وترك التفكّر والتعمّق أيضاً ابتداع مفض إلى صريح الكفر، فلو حمل القارئ قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)(2) على أنّ لله مثلاً، وليس لهذا المثل مثل... إذن يقع في مغبّة الشرك وحبائله، وقد نقل الرازي في تفسيره لهذه الآية كلاماً عن ابن خزيمة فراجعه .(3)

وما أحسن قول ابن العربي في هؤلاء المجسّمة المشبهة:

قالوا الظواهر أصل لايجوز لنا *** عنها العدول إلى رأي ولا نظر
بينوا عن الخلق لستم منهم أبداً *** ما للأنام ومعلوف من البقر

وهؤلاء سلف المشبهة وأئمّة المجسّمة، وقد اغتر بقولهم جماعة من البسطاء المحدثين إلى أن طلع إمام الأشاعرة فادّعى في الفترات الأخيرة من حياته أنّه تاب


1 . الأعراف: 54 .
2 . الشورى: 11 .
3 . مفاتيح الغيب: 8 / 388 .


(21)

من الاعتزال وصار من شيعة منهج أحمد بن حنبل، وأنّ مذهبه لا يفترق عنه قيد شعرة، فقام بتعديله وإصلاحه بشكل خاص خال عمّا يناقض عقول الناس، إلاّ فيما شذ وندر. وليس مذهب الأشعري إلاّ صورة معدلة من مذهب الحنابلة وأهل الحديث، كما سيوافيك، فصار القول بالتشبيه والتجسيم الصريح متروكاً بعده إلى قرون.

ولكن العجب أنّ هذه البدع بعد إخمادها، أخذت تنتعش في أوائل القرن الثامن بيد أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني (المتوفّى عام 728 هـ)، فجدّد ما اندرس من آثار تلك الطائفة المشبهة، وقد وصفه السبكي في السيف الصقيل: «بأنّه رجل جسور يقول بقيام الحوادث بذات الرب»، ولكنه يقول بأنكر من ذلك، وقد أتى بنفس ما ذكره الدارمي المجسّم في كتابه «غوث العباد» المطبوع بمصر عام 1351 هـ في مطبعة الحلبي.

وعلى ذلك فابن تيمية إذن إمام المدافعين عن بيضة أهل التشبيه، وشيخ أهل التجسيم ممن سبقه من الكرامية وجهلة المحدّثين، الذين اهتموا بالحفظ المجرّد، وغفلوا عن الفهم والتفكير، ولأجل ذلك نرى أنّ الشيخ الحراني يرمي المفكرين من المسلمين كإمام الحرمين، والغزالي، في كتابيه «منهاج السنّة والموافقة المطبوع على هامش الأوّل» بأنّهما أشدّ كفراً من اليهود والنصارى. مع أنّه (أي ابن تيمية) يعتنق عقائد يخالف جمهرة المسلمين وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

2. معطّلة السلفية

وهذه الزمرة من السلفية وإن كانت بريئة ممّا ذهبت إليه المجسّمة فهم لا يقتفون أثر الظواهر، بل يصرفونها عمّا يتبادر منها في بادئ النظر، إلاّ أنّهم


(22)

لا يخوضون في المراد منها حذراً ممّا يسمى بـ «وصمة التأويل» .

فعقيدة هؤلاء في الصفات الخبرية أنّ لله سبحانه يداً وعيناً واستواءً على العرش، لكن لا نعلم كنهها، وفي مقدم هؤلاء مالك بن أنس، وقد سئل عن معنى قوله سبحانه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أنّه كيف استوى؟ فقال في جواب السائل: ما أظنّك إلاّ صاحب بدعة، فالاستواء مذكور، والكيف مجهول، والإيمان به واجب. وفي رواية: والكيف غير معقول.

فلو صحت نسبة هذا الكلام إلى إمام المالكية، فهو بلا شك من المعطّلة، خصوصاً إذا كانت الرواية على قوله: «الكيف مجهول»، فهو يعتقد أنّ لله سبحانه جلوساً على العرش، لكن مجهولاً كنهه أو محالاً دركه، فيجب الإيمان به لا السؤال عن حقيقته، فيتوجه السؤال إلى إمام المذهب المالكي أنّه لماذا هجم على السائل بقوله ما أظنّك إلاّ صاحب بدعة؟! مع أنّ وظيفة العالم إرشاد الجاهل لا الهجوم عليه بكلمة لاذعة، كما أنّه يتوجه إليه أنّ الآية ونظائرها تصبح عند ذاك من الألغاز الّتي لا يفهم معناها، بل يجب الإيمان بها، ومع ذلك كلّه فقد راج هذا المذهب بعد ما رجع الإمام الأشعري من مذهب الاعتزال إلى مذهب المحدّثين، وفي مقدمهم أحمد بن حنبل، يقول ابن خلكان: كان أبوالحسن الأشعري أوّلاً معتزلياً، ثم تاب من القول بالعدل، وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ورقى كرسياً ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أُعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن، وإنّ الله لا تراه الأبصار، وإنَّ أفعال الشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم .(1)


1 . وفيات الأعيان: 3 / 285 .


(23)

فغاية ما عند الإمام الأشعري وأتباعه أنَّ لله سبحانه صفات خبرية مثل اليدين، والوجه، ولكن لا نعرف كنه اللفظ الوارد فيه، ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنّه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقيناً.(1)

وهذه الطائفة قد خرجت من مغبة التشبيه والتجسيم، غير أنّهم تورّطوا في أشراك التعطيل وحبائله، فعطّلوا العقول عن التفكّر في المعارف والأُصول كما عطّلوها عن التدبّر في الآيات والأحاديث، فكأنّ القرآن ألغاز نزلت إلى البشر، وليس كتاباً للتعليم والإرشاد، قال تعالى: (ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيءْ )(2)، فإذا كان القرآن مبيّناً لكل شيء فكيف لا يكون مبيّناً لنفسه؟! وكيف يكون المطلوب منه نفس الاعتقاد من دون فهم معناه؟ وفي الختام نشير إلى عدّة أُمور:

1. انّ القوم يطلقون عنوان «المعطّلة» على القائلين بوحدة الذات والصفات بمعنى أنّ صفاته سبحانه عين ذاته لا شيء زائد عليه، وأنّ الذات كلّها علم وكلّها قدرة، وكلّها حياة، وليست هذه الصفات أُموراً زائدة على نفس الذات .

والقوم لما لم يصلوا إلى مغزى تلك العقيدة رموا القائلين بها بالتعطيل، أي تعطيل الذات عن الاتصاف بالصفات، وهم برآء عن هذه التهمة، إذ لم يعطّلوها عن الاتصاف بها، بل نزّهوا الذات عن الاتصاف بالصفات الزائدة، فكم فرق بين تعطيل الذات عن الصفات، وبين تنزيهه عن الصفات الزائدة؟ فتوصيفهم بالتعطيل ظلم واضح، بل المعطّلة حقيقة هم الذين عطّلوا العقول عن البحث


1 . الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 92 .
2 . النحل: 89 .


(24)

حول المعارف واكتفوا بالإيمان المجرّد الخالي عن التعمّق والتفهم.

2. انّ معطّلة السلف كانوا يحرمون النظر في المعارف بحجة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: عليكم بدين العجائز، فإنّه الفائز. غير أنّ هذا النص لم يوجد في صحاح القوم، ولا في مسانيدهم، بل الصحيح ما روي أنّ «عمرو بن عبيد» لمّا أثبت منزلة بين الكفر والإيمان، فقالت عجوزة: قال الله تعالى: (هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) فلم يجعل الله من عباده إلاّ الكافر والمؤمن. فقال سفيان: عليكم بدين العجائز.

وأقصى ما يمكن أن يقال: إنَّ الرواية صدرت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما استدلت العجوز على وجود الصانع بحركة دولابها، وكف اليد عن تحريكها، على ما هو معروف، فاستدلت بحركة الأجرام السماوية على أنّ لها محركاً كما أنّ لحركة دولابها محركاً، وأين هذا من تعطيل العقول عن المعارف؟!

3. ثم إنّ تعطيل العقول عن البحث والمعرفة أخذ في هذه الأعصار صبغة علمية مادية بحتة بحجة أنّ مبادئها ومقدماتها ليست في متناول الباحثين، لأنّها موضوعات وراء الحس والطبيعة ولا تعمل فيها حواس الإنسان، فهذا هو السيد الندوي يتمسّك بهذا الوجه ويعدّ ترك البحث فضيلة، والبحث عن المعارف القرآنية كفراناً للنعمة.

يقول: وقد كان الأنبياء (عليهم السلام)أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن بداية هذا العالم ومصيره، وما يهجم عليه الإنسان بعد موته، وآتاهم علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بدون تعب، وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادئها ولا مقدماتها الّتي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول، لأنّ هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، لا تعمل فيهما حواسّهم، ولا يؤدي إليها


(25)

نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأوّلية.

لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة وأعادوا الأمر جذعاً، وأبدوا البحث أنفاً، وبدأوا رحلتهم في مناطق مجهولة لا يجدون فيها مرشداً ولا خرّيتاً.(1)

إنّ الكاتب حسب ما توحي عبارته متأثر بالفلسفة المادية الّتي تحصر أدوات المعرفة بالحس، ولا يقيم وزناً للعقل الّذي هو إحدى أدواتها، وهذا من الكاتب أمر عجيب جداً، فإنّ الله سبحانه كما دعا إلى الانتفاع بالحس ومطالعة الطبيعة وكشف قوانينها وأنظمتها دعا إلى التعقّل والتفكّر في كل ما ورد في القرآن الكريم حيث قال: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(2).

وليست الآية ناظرة إلى التدبّر في خصوص الأنظمة السائدة على النبات والحيوان والإنسان، بل التدبّر في مجموع ما جاء في القرآن، فقد جاء في القرآن الكريم معارف دعي إلى التدبّر فيها، نظير: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)(3). (وَ للهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى)(4). (لهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)(5). (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)(6).

(فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)(7).


1 . ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 97 .
2 . محمد: 24 .
3 . الشورى: 11 .
4 . النحل: 60 .
5 . طه: 8 .
6 . الحشر: 23.
7 . البقرة: 115 .


(26)

(هُوَ الأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)(1).

(وَ إِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم )(2).

(وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)(3).

(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ )(4).

إلى غير ذلك من المعارف العليا الواردة في القرآن الكريم، ولا يحصل عليها الإنسان إلاّ بالتدبّر والتعقّل، ولا تكفي في التعرّف عليها العلوم الحسّية وإن بلغت القمة.

ثم إنّ لصدر المتألّهين كلاماً حول هذه الطائفة طوينا الحديث عن ذكره، كما أنّ للسيد العلاّمة الطباطبائي كلاماً قيماً آخر تركنا ذكره روماً للاختصار.(5)

4. انّ العقيدة الأشعرية هي عقيدة حنبلية معدّلة، وقد تصرّفت في جميع ما كان غير معقول في العقيدة الأُولى، فلأجل ذلك حلّت محل ذلك المذهب بعد اضطرابات واشتباكات بين معدّل المذهب وأتباع العقائد الحنبلية.

وقد توفق الرجل في تعديل المذهب، وأوّلَ منه ما يناقض العقول، ومع ذلك كلّه أبقى من المذهب الحنبلي أُموراً على وجهها ولم يقدر على تأويلها، وهي عبارة عن: مسألة قدم القرآن أوّلاً، ورؤية الله سبحانه ثانياً، والقول بالقضاء والقدر على وجه يجعل الإنسان مكتوف الأيدي، فلو أغمضنا النظر عن هذه المسائل الثلاث،


1 . الحديد: 3 .
2 . الحجر: 21 .
3 . الحديد: 4 .
4 . الرعد: 39 .
5 . لاحظ الأسفار الأربعة: 1 / 5 ; الميزان: 8 / 158 .


(27)

فقد توفّق الإمام الأشعري في إصلاح العقائد الحنبلية بعد ثبوتها في نفوس الناس وانتشارها في العالم.

3. المؤوّلة

إنّ المؤوّلة من الباطنية ليسوا بأقل خطراً من أصحاب الجمود، فقد وضعوا لتفسير المفاهيم الإسلامية ضابطة باطلة لا يوافقها العقل ولا دلّ عليها من الشرع شيء، قالوا:

للقرآن ظاهر وباطن، والمراد منه باطنه دون ظاهره المعلوم من اللغة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر، وانّ باطنه يؤدي إلى ترك العمل بظاهره، واستدلوا على ذلك بقوله سبحانه: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)(1). (2)

فإذا كانت تلك الضابطة في فهم الشريعة والعمل بالقرآن صحيحة، إذن أصبحت الشريعة غرضاً لكل نابل، وفريسة لكل آكل، فلا يبقى منها شيء، وفي هذه الحالة يدّعي كل مؤوّل أنّ الحق معه، وأنّ المراد ما اختاره من التأويل على الرغم من اختلاف تأويلاتهم، انظر إلى ما يقولون حول المفاهيم الإسلامية وأنّهم كيف يتلاعبون بها، فالصلاة عبارة عن الناطق الّذي هو الرسول، لقوله سبحانه: ( إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ).(3)

والغسل عبارة عن تجديد العهد ممن أفشى سراً من أسرار الباطنية من غير


1 . الحديد: 13.
2 . الفرق بين الفرق: 18 .
3 . العنكبوت: 45 .


(28)

قصد، والاحتلام عبارة عن إفشائه، والزكاة هي تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه من الدين، والجنة راحة الأبدان عن التكاليف، والنار مشقتها بمزاولة التكاليف .(1)

فإذاكان ما ذكروه حقيقة الدين والتكاليف فلم يبق بين الديانة والإلحاد حد ولا فصل.

هذه نماذج من تأويلات الباطنية، وقد ظهرت بوادر هذه الفتنة ونبتت نواتها زمن المأمون العباسي إلى أن صاروا طائفة كبيرة حاقدة على الإسلام والمسلمين، ومحاربة لهم بغير السيف والنار، عن طريق الاحتيال الموصل لهم إلى مآربهم وأهوائهم.

ويليهم في التخريب والإضرار التصوّف الّذي جاء به ابن العربي شيخ هذه الطريقة، فقد قام بتأويل المفاهيم القرآنية على وجه لا دليل عليه، فيقول: إنّ جبرائيل هو العقل الفعّال، وميكائل هو روح الفلك السادس، وإسرافيل هو روح الفلك الرابع، وعزرائيل هو روح الفلك السابع .(2)

كما يفسر قوله سبحانه: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ)(3) بأنَّ مرج البحرين هو بحر الهيولى الجسمانية الّذي هو الملح الأُجاج، وبحر الروح المجرّد، وهو العذب الفرات، يلتقيان في الموجود الإنساني، وأنّ بين الهيولى الجسماني والروح المجرّد برزخ، هو النفس الحيوانية الّتي ليست في صفاء الروح المجرّدة ولطافتها ولا في كثرة الأجساد الهيولانية وكثافتها.


1 . المواقف: 8 / 390 .
2 . تفسير ابن العربي: 1 / 150 .
3 . الرحمن: 19 ـ 20 .


(29)

ولكن مع ذلك لا يبغيان، أي لا يتجاوز أحدهما حدّه فيغلب على الآخر بخاصيته، فلا الروح المجرّدة تجرّد البدن وتخرج به وتجعله من جنسه، ولا البدن يجسّد الروح ويجعله مادياً.(1)

تجد نظائر هذا في كتبه، كالفتوحات المكية، والفصوص، فيطبّق كثيراً من الآيات القرآنية على كثير من نظرياته الصوفية، وقد مني الإسلام بأصحاب الجمود في القرون الأُولى وحتى الآن، كما مني بالمؤوّلة من الباطنية والمتصوّفة من أوائل القرن الثالث حتى الآن.

التأويل باسم التفسير العلمي

غير أنّ التأويل قد اتخذ في العصر الحاضر لوناً خاصّاً واسماً فخماً، يطلق عليه التفسير العلمي، فالغاية عند هذه الطبقة إخضاع القرآن للمكتشفات العصرية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية، والحيوانات والنباتات، والجواهر المعدنية، وقد ظهرت هذه النزعة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وأُلّفت هناك كتب أبسطها كتاب «الجواهر في تفسير القرآن الكريم» للشيخ طنطاوي جوهري المصري.

لكن التفسير بهذا النمط، إنّما يستحسن إذا وافق ظاهر الآية، غير أنَّ المؤلفين في هذا القسم لا يكتفون بذلك بل يفسرون القرآن لغاية إخضاعه للمكتشفات،ترى أنّهم يفسرون قوله سبحانه: (وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ)(2) بالميكروب، وقد ناقشنا هذا اللون من التفسير في بعض مسفوراتنا.


1 . تفسير ابن العربي: 2 / 280 .
2 . الفيل: 3 .


(30)

التأويل الإلحادي

هذا النوع من التأويل مني به الإسلام منذ زمن بعيد غير أنّه أخذ في هذه الأعصار صبغة علمية تخدع عقول الشباب، والحافز إلى هذا النوع من التأويل هو إخضاع المفاهيم الغيبية للأُمور الحسيّة المادية، ونأتي بنماذج من هذا النوع حتى يقف القارئ الكريم على أنّ هذا النوع من التأويل في العصر الحاضر، والتأويل عند الباطنية في الأعصار السالفة، وجهان لعملة واحدة.

1. انّه سبحانه عندما يعدّ معاجز عيسى وآياته يقول: (قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَ أُبْرِءُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ وَ أُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )(1) فأصحاب تلك المدرسة يزعمون أنّه تمثيل لأخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم ونوره، وأنّ المراد من (الأَكْمَهَ) من ليس عنده نظر، كما أنّ المراد من (الأَبْرَصَ) المتلوّن بما يشوّه الفطرة.(2)

فإذا كان هذا هو المقياس في تفسير القرآن الكريم فهو تفسير القرآن على عمى، فلا تراعى فيه اللغة، ولا قوانين الأدب، ولاقوانين البلاغة، ولا السنّة الصحيحة ولا... ولا...

وعلى هذا الأساس عاد الكاتب ينكر أن يكون إبراهيم قد أُلقي في النار وخرج منها سالماً. (3) كما ينكر معاجز داود وسليمان، وينكر الملائكة والجن والشيطان. (4) إلى غير ذلك من التأويلات المزيّفة الّتي تساير الروح الإلحادية.


1 . آل عمران: 49 .
2 . الهدية والعرفان في تفسير القرآن: 45.
3 . لاحظ المصدر نفسه: 7، 256، 357 .
4 . المصدر السابق .


(31)

والعجب أنَّ علاّمة مصر الشيخ محمد عبده شيخ الأزهر الّذي كان يرتجى منه الحفاظ على المفاهيم الأصيلة، تورّط في هذا المأزق، ففسر الملائكة وإبليس تفسيراً ماديّاً بعيداً عن ساحته.(1)

كما أنّ موقفه في تفسير السحر كذلك أيضاً، حيث يفسر قوله سبحانه: (مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)(2) بالنّمامين المقطعين لروابط الإلفة، المحرقين لها بما يلقون عليها من ضرام نمائمهم.(3)

وقد تأثر بهذا المنهج تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، فعاد ينكر أن يكون للنبي معجزة غير القرآن الكريم، ويقول في جواب المحتجين بانشقاق القمر: قد بيّنّا أنّ ما تدلّ عليه الآيات القرآنية المؤيدة بحديث الصحيحين الصريح في حصر معجزة نبوّته في القرآن، هوالحق الّذي لا ينهض لمعارضته شيء.(4)

فإذا كان شيخ الأزهر (عبده) وتلميذه سائرين على هذا النمط من التأويل، فما الظن بغيرهما من البسطاء؟!!

إذا كان ربُّ البيت بالدف مولعاً *** فشيمة أهل البيت كلُّهم الطرب

ولقد كان المفسّر المعاصر سيد قطب يميل إلى هذا النوع من التأويل، ولكنّه عندما وصل إلى تفسير سورة الجن تنبّه إلى أنّ في هذا اللون من التأويل ضرراً وبيلاً وقال: الجزم بنفي وجود الجن، ومعلومات البشر عن هذا الكون وقواه وسكانه من الضآلة بحيث لا تسمع بإنسان يحترم عقله أن يجزم بشيء.


1 . لاحظ المنار: 1 / 267 .
2 . الفلق: 4 .
3 . تفسير جزء عم: 180 .
4 . تفسير المنار: 11 / 333 ; الوحي المحمدي: 69 .


(32)

إنّ طريقنا هو إبطال الخرافات والأساطير كما صنع القرآن الكريم، لا التبجح بنفي وجود هذا الخلق من الأساس بلاحجة ولا دليل .(1)

وهذه المناهج المنحرفة ممّا لا يوافق عليها العقل ولا الكتاب العزيز ولا السنّة النبوية ولا أحاديث العترة الطاهرة، فلا مناص من الحفاظ على المعارف الغيبية والتعمّق فيها، مجانباً الجمود على الظواهر، والتأويل بلا دليل وحجة، وهذا هو الّذي سلكناه في فهم كتاب الله واستخراج معارفه، أرجو منه سبحانه أن يجعله ضياءً ونوراً يسعى بين أيدينا في يوم القيامة إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

جعفر السبحاني        
قم المقدّسة          
15 شوال المكرم 1407 هـ


1 . في ظلال القرآن الكريم: 29 / 140 .


(33)

1

عصمة الأنبياء (عليهم السلام)

في القرآن الكريم


(34)

في هذا الفصل

1 . مبدأ ظهور فكرة العصمة في الأُمّة الإسلامية.

2 . ما هي حقيقة العصمة ؟

3 . العصمة هي الدرجة القصوى من التقوى.

4 . العصمة نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي.

5 . العصمة الاستشعار بعظمة الرب وكماله.

6 . هل العصمة موهبة إلهية أو أمر اكتسابي؟

7 . هل العصمة تسلب الاختيار؟

8 . مراحل العصمة الثلاث.

9 . الآيات الدالة على عصمة الأنبياء في أمر الرسالة.

10 . الآيات الدالة على مصونية الأنبياء عن المعصية.

11 . حجة المخالفين للعصمة.

12 . ما يستدل به من الآيات على عدم عصمتهم في مورد مطلق الأنبياء.

13 . ما يستدل به من الآيات الّتي تمس عصمة عدة خاصة من الأنبياء.

14 . عصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وما تمسّكت به المخطّئة.

15 . عصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من الخطأ والسهو.

16 . دين النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة، والآيات الخمس الّتي تمسّكت بها المخطّئة في ذلك المجال.


(35)

عصمة الأنبياء في القرآن الكريم

قد استعملت لفظة «العصمة» في القرآن الكريم بصورها المختلفة ثلاث عشرة مرة، وليس لها إلاّ معنى واحد وهو الإمساك والمنع، ولو استعملت في موارد مختلفة فإنّما هو بملاحظة هذا المعنى.

قال ابن فارس: «عصم» أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى في ذلك كله معنى واحد، من ذلك: «العصمة» أن يعصم اللّه تعالى عبده من سوء يقع فيه، «واعتصم العبد باللّه تعالى»: اذا امتنع، و«استعصم»: التجأ، وتقول العرب: «أعصمت فلاناً» أي هيّأت له شيئاً يعتصم بما نالته يده. أي يلتجئ ويتمسك به.(1)

إنّ اللّه سبحانه يأمر المؤمنين بالاعتصام بحبل اللّه بقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا).(2)

والمراد التمسك والأخذ به بشدة وقوة وينقل سبحانه عن امرأة العزيز قولها: (وَلَقَدْ رَاودتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) .(3)

وقد استعملت تلك اللفظة في الآية الأُولى في الإمساك والتحفّظ، وفي الآية


1 . المقاييس: 4/331.
2 . آل عمران: 103.
3 . يوسف: 32.


(36)

الثانية في المنع والامتناع، والكل يرجع إلى معنى واحد.

ولأجل ذلك نرى العرب يسمّون الحبل الذي تشد به الرحال: «العصام» ، لأنّه يمنعها من السقوط والتفرّّق.

قال المفيد: إنّ العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشيء كأنّه امتنع به عن الوقوع في ما يكره، ومنه قولهم: اعتصم به الإنسان من الشيء كأنّه امتنع به عن الوقوع في ما يكره. ومنه قولهم: «اعتصم فلان بالجبل» إذا امتنع به، ومنه سميت العصم وهي وعول الجبال لامتناعها بها.

والعصمة من اللّه هي التوفيق الذي يسلم به الإنسان في ما يكره إذا أتى بالطاعة، وذلك مثل إعطائنا رجلاً غريقاً حبلاً ليتشبث به فيسلم، فهو إذا أمسكه واعتصم به، سمّي ذلك الشيء عصمة له، لما تشبّث به فسلم به من الغرق، ولو لم يعتصم به لم يسم عصمة.(1)

وعلى كل تقدير فالمراد من العصمة صيانة الإنسان من الخطأ والعصيان، بل الصيانة في الفكر والعزم، فالمعصوم المطلق من لا يخطأ في حياته، ولا يعصي اللّه في عمره ولا يريد العصيان ولا يفكر فيه.

* مبدأ ظهور فكرة العصمة في الأُمّة الإسلامية

إنّ الكتب الكلامية ـ قديمها وحديثها ـ مليئة بالبحث عن العصمة، وإنّما الكلام في مبدأ ظهور تلك الفكرة بين المسلمين، وانّه من أين نشأ هذا البحث وكيف التفت علماء الكلام إلى هذا الأصل؟

لا شك انّ علماء اليهود ليسوا بالمبدعين لهذه الفكرة، لأنّهم ينسبون إلى


1 . أوائل المقالات: 11.


(37)

أنبيائهم معاصي كثيرة، والعهد القديم يذكر ذنوب الأنبياء التي يصل بعضها إلى حد الكبائر، وربّما يخجل القلم عن ذكر بعضها استحياء، فالأنبياء عندهم عصاة خاطئون، وعند ذلك لا تكون أحبار اليهود مبدعين لهذه المسألة.

نعم انّ علماء النصارى، وإن كانوا ينزهون المسيح من كل عيب وشين، ولكن تنزيههم ليس بملاك انّ المسيح بشر أرسل لتعليم الإنسان وإنقاذه، بل هو عندهم «الإله المتجسد» أو هو ثالث ثلاثة.

وعند ذلك لا يمكن أن يكون علماؤهم مبدعين لهذه المسألة في الأبحاث الكلامية، لأنّ موضوع العصمة هو «الإنسان».

ويذكر «المستشرق رونالدسن» في كتابه «عقيدة الشيعة» انّ فكرة عصمة الأنبياء في الإسلام مدينة في أصلها وأهميتها التي بلغتها بعدئذ، إلى تطور «علم الكلام» عند الشيعة وأنّهم أوّل من تطرق إلى بحث هذه العقيدة ووصف بها أئمتهم، ويحتمل أن تكون هذه الفكرة قد ظهرت في عصر الصادق، بينما لم يرد ذكر العصمة عند أهل السنة إلاّ في القرن الثالث للهجرة بعد أن كان الكليني قد صنّف كتابه «الكافي في أُصول الدين»(1) وأسهب في موضوع العصمة.

ويعلّل «رونالدسن» بأنّ الشيعة لكي يثبتوا دعوى الأئمّة تجاه الخلفاء السنيّين أظهروا عقيدة عصمة الرسل بوصفهم أئمّة أو هداة.(2)


1 . لقد توفـي محمد بن يعقوب الكليني في العقد الثالث من القرن الرابع أي عام 328 هـ ، فلو استفحلت مسألة العصمة في القرن الثالث عند أهل السنّة حسب اعتراف الرجل، فكيف يكون كتاب الكافي منشئاً لهذه الحركة الفكرية، أفهل يمكن تأثير المتأخر في المتقدم، وهل يكون العائش في القرن الرابع مؤثراً في فكر من يعيش في القرن الثالث، أضف إليه أنّ كتاب الكافي لم يؤلف في الأُصول وحدها، بل هو كتاب مشتمل على أحاديث تربو على ستة عشر ألف حديث حول أُصول الدين وفروعه.
2 . عقيدة الشيعة: 328.


(38)

إنّ هذا التحليل لا يبتنى على أساس رصين وإنّما هو من الأوهام والأساطير التي اخترعتها نفسية الرجل وعداؤه للإسلام والمسلمين أوّلاً، والشيعة وأئمّتهم ثانياً، وسيوافيك بيان منشأ ظهور تلك الفكرة.

* القرآن يطرح مسألة العصمة

إنّ العصمة بمعنى المصونية عن الخطأ والعصيان مع قطع النظر عمن يتصف بها، قد ورد في القرآن الكريم، فقد جاء وصف الملائكة الموكلين على الجحيم بهذا الوصف إذ يقول: (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) .(1)

ولا يجد الإنسان كلمة أوضح من قوله سبحانه: (لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) في تحديد حقيقة العصمة، وواقعها، والفات الإنسان المتدبر في القرآن إلى هذه الفكرة، وذاك الأصل.

إنّ اللّه سبحانه يصف الذكر الحكيم بقوله: (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد).(2)

كما يصفه أيضاً بقوله: (إِنَّ هذَا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنينَ).(3)

فهذه الأوصاف تنص على مصونية القرآن من كل خطاء وضلال.

وعلى ذلك فالعصمة بمفهومها الوسيع، مع قطع النظر عن موصوفها، قد طرحها القرآن وألفت نظر المسلمين إليها، من دون أن يحتاج علماؤهم إلى أخذ


1 . التحريم: 6.
2 . فصلت: 42.
3 . الإسراء: 9.


(39)

هذه الفكرة من الأحبار والرهبان.

نعم انّ الموصوف في هذه الآيات وان كانت هي الملائكة أو القرآن الكريم والمطروح عند علماء الكلام هو عصمة الأنبياء والأئمّة، لكن الاختلاف في الموصوف لا يضر بكون القرآن مبدعاً لهذه الفكرة، لأنّ المطلوب هو الوقوف على منشأ تكوّن هذه الفكرة، ثم تطورها عند المتكلّمين، ويكفي في ذلك كون القرآن قد طرح هذه المسألة في حق الملائكة والقرآن.

* عصمة النبي في القرآن الكريم

إنّ العصمة ذات مراحل أربع، وقد تكفل القرآن ببيان تلك المراحل في مورد الأنبياء عامة، ومورد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصة، وسيوافيك بيان تلك المراحل ودلائلها القرآنية.

فإذا كان القرآن هو أوّل من طرح هذه المسألة بمراحلها ودلائلها، فكيف يصح أن ينسب إلى الشيعة ويتصور أنّهم الأصل في طرح هذه المسألة؟!

وإن كنت في ريب مما ذكرناه ـ هنا ـ فلاحظ قوله سبحانه في حق النبي الأكرم حيث يصف منطقه الشريف بقوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّوَحْيٌ يُوحى) .(1)

فترى الآيتين تشيران ـ بوضوح ـ إلى أنّ النبي لا ينطق عن ميول نفسانية وانّ ما ينطق به، وحي أُلقي في روعه وأُوحي إلى قلبه، ومن لا يتكلم عن الميول النفسانية، ويعتمد في منطقه على الوحي يكون مصوناً من الزلل في المرحلتين: مرحلة الأخذ والتلقّي ومرحلة التبليغ والتبيين.

على أنّ الآيات القرآنية تصف فؤاده وعينه بأنّهما لا يكذبان ولا يزيغان ولا


1 . النجم: 3 ـ 4.


(40)

يطغيان، إذ قال سبحانه: (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأَى * ... ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى).(1)

أفيصح بعد هذه الآيات القرآنية تصديق ما ذكره هذا المستشرق اليهودي أو ذاك المستشرق النصراني فيما زعما في كون الشيعة مبدأ لطرح العصمة على بساط البحث، وانّه وليد تكامل علم الكلام عند الشيعة في عصر الإمام الصادق(عليه السلام) مع أنّا نرى أنّ للمسألة جذوراً قرآنية ولا عتب على الشيعة أن يقتفوا أثر كتاب اللّه سبحانه، ويصفوا أنبياءه ورسله بما وصفهم به صاحب العزة في كتابه.

* نظرية أحمد أمين حول كلام الشيعة

إنّ بعض المصريين كأحمد أمين ومن حذا حذوه يصرّون على أنّ الشيعة أخذت منهجها الفكري في العدل والعصمة وغيرهما من الأفكار، من المعتزلة حيث قالوا: إنّ الشيعة يقولون في كثير من مسائل أُصول الدين بقول المعتزلة، فقد قال الشيعة كما قال المعتزلة بأنّ صفات اللّه عين ذاته، وبأنّ القرآن مخلوق وبإنكار الكلام النفسي، وإنكار رؤية اللّه بالبصر في الدنيا والآخرة، كما وافق الشيعة المعتزلة في القول بالحسن والقبح العقليين، وبقدرة العبد واختياره وانّه تعالى لا يصدر عنه قبيح وانّ أفعاله معللة بالأغراض.

وقد قرأت كتاب الياقوت لأبي إسحاق إبراهيم من قدماء متكلمي الشيعة الإمامية(2) فكنت كأني أقرأ كتاباً من كتب أُصول المعتزلة إلاّ في مسائل معدودة، كالفصل الأخير في الإمامة وإمامة علي وإمامة الأحد عشر بعده، ولكن أيّهما أخذ من الآخر ؟!


1 . النجم: 11 ـ 17.
2 . قال أحمد أمين تعليقاً على هذه الجملة: وهو مخطوط نادر تفضل صديقي الأُستاذ أبو عبد اللّه الزنجاني فأهدانيه. أقول: إنّ هذا الكتاب طبع أخيراً في إيران مع شرح العلامة الحلّـي.


(41)

أمّا بعض الشيعة فيزعم انّ المعتزلة أخذوا عنهم وانّ واصل بن عطاء تتلمذ لجعفر الصادق، وأنّا أرجح أن الشيعة هم الذين أخذوا من المعتزلة تعاليمهم ... ونشوء مذهب الاعتزال يدل على ذلك، وزيد بن علي زعيم الفرقة الشيعية الزيدية تتلمذ لواصل، وكان جعفر «الصادق» يتصل بعمه زيد ويقول أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: كان جعفر بن محمد يمسك لزيد بن علي بالركاب، ويسوي ثيابه على السرج(1) فإذا صح ما ذكره الشهرستاني وغيره من تتلمذه لواصل، فلا يعقل كثيراً أن يتتلمذ واصل لجعفر، وكثير من المعتزلة كان يتشيع، فالظاهر انّه عن طريق هؤلاء تسربت أُصول المعتزلة إلى الشيعة.(2)

* مناقشة نظرية أحمد أمين

ما ذكره الكاتب المصري اجتهاد في مقابل تنصيص أئمّة المعتزلة أنفسهم بأنّهم أخذوا أُصولهم من محمد بن الحنفية وابنه أبي هاشم وهما أخذا عن علي بن أبي طالب والدهما العظيم، وإليك بعض نصوصهم:

قال الكعبي: والمعتزلة يقال أن لها ولمذهبها اسناداً يتصل بالنبي ليس لأحد من فرق الأُمّة مثله، وليس يمكن خصومهم دفعهم عنه، وهو انّ خصومهم يقرّون بأنّ مذهبهم يسند إلى واصل بن عطاء، وان واصلاً يسند إلى محمد بن علي بن أبي طالب، وابنه أبي هاشم «عبد اللّه بن محمد بن علي» وانّ محمداً أخذ عن أبيه علي وانّ علياً أخذ عن رسول اللّه.(3)

وقال أيضاً: وكان واصل بن عطاء من أهل المدينة ربّاه محمد بن علي بن أبي


1 . مقاتل الطالبيين: 93.
2 . ضحى الإسلام: 267 ـ 268.
3 . رسائل الجاحظ: 228، تحقيق عمر أبو النصر.


(42)

طالب وعلّمه.(1)

وكان مع ابنه أبي هاشم في الكتّاب ثم صحبه بعد موت أبيه مدة طويلة وحكي عن بعض السلف انّه قيل له: كيف كان علم محمد بن علي فقال: إذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى أثره «واصل».

وهكذا ذكروا في عمرو بن عبيد انّه أخذ عن أبي هاشم أيضاً، وقال القاضي «عبد الجبار»: فأمّا أبو هاشم عبد اللّه بن محمد بن علي فلو لم يظهر علمه وفضله إلاّ بما ظهر عن واصل بن عطاء لكفى، وكان يأخذ العلم عن أبيه وكان واصل بمنزلة كتاب صنعه أبو هاشم، وكذلك أخوه غيلان بن عطاء يقال انّه أخذ العلم عن الحسن بن محمد بن الحنفية أخي أبي هاشم.(2)

وقال الجاحظ: ومن مثل محمد الحنفية وابنه أبي هاشم الذي قرأ علوم التوحيد والعدل حتى قالت المعتزلة: غلبنا الناس كلّهم بأبي هاشم الأوّل.

قال ابن أبي الحديد: إنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف، ومن كلامه (علي) (عليه السلام) اقتبس، وعنه نقل، ومنه ابتدئ وإليه انتهى، فإنّ المعتزلة ـ الذين هم أصل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم تعلم الناس هذا الفن ـ تلامذته، وأصحابه، لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه.

وأمّا الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية


1 . فضل الاعتزال: 234.
2 . فضل الاعتزال: 226.


(43)

ينتهون بالآخرة إلى استاذ المعتزلة ومعلمهم، وهو علي بن أبي طالب.(1)

وقال المرتضى في أماليه: اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين ـ صلوات اللّه عليه ـ وخطبه، فإنّها تتضمن من ذلك ما لا زيادة عليه، ولا غاية وراءه، ومن تأمل المأثور في ذلك من كلامه، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلمون من بعده في تصنيفه وجمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأُصول، وروي عن الأئمّة من أبنائه(عليه السلام)في ذلك ما لا يكاد يحاط به كثرة، ومن أحب الوقوف عليه وطلبه من مظانه، أصاب منه الكثير، الغزير، الذي في بعضه شفاء للصدور السقيمة، ونتاج للعقول العقيمة.(2)

وقال العلاّمة السيد مهدي الروحاني في تعليقه على نظرية أحمد أمين: إنّ أحمد أمين قد لفق ذلك التوجيه والرد ليقطع انتساب الاعتزال والمعتزلة إلى أمير المؤمنين ولم نر أحداً من الشيعة قال بتتلمذ واصل للإمام الصادق (عليه السلام)حتى يرد عليه أنّ الصادق كان يمسك الركاب لتلميذ واصل، وهو زيد. فتتلمذه للصادق بعيد، بل وجه اتصال المعتزلة بأمير المؤمنين هو ما ذكروه أنفسهم (حسب ما عرفت)، ومجرد إمساك الإمام الصادق بالركاب لعمه زيد (رحمه اللّه) لا يدل على أنّ الصادق تتلمذ لعمه زيد، وانّما فعل أحمد أمين ذلك بدافع من هواه المعروف عنه، والظاهر في كتبه، وهو أن يسلب عن علي ما ينسب إليه من الفضائل مهما أمكن ولكن بصورة التحقيق العلمي علّ ذلك ينطلي على الناس ... وذلك بعد ما ظهر من الغربيين تقريظات ومقالات فيها تعظيم للمعتزلة وتعريف لهم بأنّـهم أصحاب الفكر الحر، لم تسمح نفس أحمد أمين بأن تكون جماعة كهؤلاء ينتسبون في أُصول مذهبهم وأفكارهم إلى علي، فلفق ذلك التوجيه والرد والإغفال.


1 . الشرح الحديدي: 1/17.
2 . غرر الفوائد ودرر القلائد أو أمالي المرتضى: 1/148.


(44)

كما أنّه قد أنكر بلا دليل انتساب علم النحو إليه مع أنّ ابن النديم قال في الفهرست: زعم أكثر العلماء انّ النحو أخذه أبو الأسود عن أمير المؤمنين (عليه السلام).(1)

* عود على بدء

فلنرجع إلى دراسة وجود جذور عصمة النبي في كلام علي (عليه السلام) حيث إنّه يصف النبي في الخطبة القاصعة بقوله:

ولقد قرن اللّه به من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره.(2)

ودلالة هذه القمة العالية من هذه الخطبة على عصمة النبي في القول والعمل عن الخطأ والزلل واضحة، فإنّ من رباه أعظم ملك من ملائكة اللّه سبحانه من لدن أن كان فطيماً، إلى أُخريات حياته الشريفة، لا تنفك عن المصونية من الانحراف والخطأ، كيف وهذا الملك يسلك به طريق المكارم، ويربيه على محاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، وليست المعصية إلاّ سلوك طريق المآثم ومساوئ الأخلاق، ومن يسلك الطريق الأوّل يكون متجنباً عن سلوك الطريق الثاني.

إنّ الإمام أمير المؤمنين لا يصف خصوص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعصمة في هذه الخطبة، بل يصف آل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: «هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبرهم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه، هم دعائم الإسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد


1 . بحوث مع أهل السنّة والسلفية: 108، وقد نقلنا بعض النصوص السابقة في حق المعتزلة عن ذلك الكتاب.
2 . نهج البلاغة الخطبة: 187، طبعة عبده.


(45)

الحق في نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ودعاية».(1)

لاحظ هذا الكلام وأمعن النظر فيه هل ترى كلمة أوضح في الدلالة على مصونيتهم من الذنوب وعصمتهم عن الآثام من قوله: «لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه» أي لا يعدلون عن الحق، ولا يختلفون فيه، قولاً وفعلاً كما يختلف غيرهم من الفرق، وأرباب المذاهب، فمنهم من له في المسألة قولان، أو أكثر، ومنهم من يقول قولاً ثم يرجع عنه، ومنهم من يرى في أُصول الدين رأياً ثم ينفيه ويتركه.

إنّ الإمام يصف آل النبي بقوله: «عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية» أي عرفوا الدين، وعلموه، معرفة من فهم الشيء وأتقنه، ووعوا الدين وحفظوه، وحاطوه ليس كما يعقله غيرهم عن سماع ودعاية».

وعلى الجملة انّ قوله (عليه السلام) : «لا يخالفون الحق»، دليل على العصمة عن المعصية وقوله:«عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية» دليل على مصونيتهم عن الخطأ، وسلامتهم في فهم الدين ووعيه.

والإمام لا يكتفي ببيان عصمة آل رسول اللّه بهذين الكلامين، بل يصف أحب عباد اللّه إليه بعبارات وجمل تساوق العصمة، وتعادلها، إذ يقول:

«أعانه اللّه على نفسه، فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه، وأعدّ القرى ليومه النازل به، فقرّب على نفسه البعيد، وهوّن الشديد، نظر فأبصر، وذكر فاستكثر، وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده فشرب نهلاً، وسلك سبيلاً جدداً، قد خلع سرابيل الشهوات، وتخلّى من الهموم إلاّ


1 . نهج البلاغة الخطبة 234، طبعة عبده.


(46)

هماً واحداً انفرد به، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى، ومغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره وقطع غماره، واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الحبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس، قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الأُمور من إصدار كل وارد عليه، وتصيير كل فرع إلى أصله، مصباح ظلمات، كشاف عشوات ، مفتاح مبهمات، دفّاع معضلات، دليل فلوات، يقول فيفهم، ويسكت فيسلم، قد أخلص للّه فاستخلصه فهو من معادن دينه، وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غاية، إلاّ أمّها، ولا مظنة إلاّ قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه، فهو قائده وإمامه، يحل حيث حل ثقله، وينزل حيث كان منزله.(1)

ولا أرى أحداً نظر في هذه الخطبة، وأمعن النظر في عباراته وجمله، إلاّ وأيقن أنّ الموصوف بهذه الصفات في القمة الأعلى من العصمة. فهل ترى من نفسك انّ من لا يكون له إلاّ هم واحد وهو الوقوف عند حدود الشريعة ومن ألزم على نفسه العدل ونفى الهوى عن نفسه، أن لا يكون مصوناً من المعصية، ومعتصماً من الزلل، كيف وقد أمكن القرآن من زمامه، فهو قائده وإمامه يحل حيث حل، وينزل حيث نزل.

قال ابن أبي الحديد: إنّ هذا الكلام منه أخذ أصحابه علم الطريقة والحقيقة وهو تصريح بحال العارف ومكانته من اللّه، والعرفان درجة حال رفيعة شريفة جداً مناسبة للنبوة ويختص اللّه تعالى بها من يقربه إليه من خلقه.

وقال أيضاً : إنّ هذه الصفات والشروط والنعوت التي ذكرها في شرح حال العارف إنّما يعني بها نفسه، وهو من الكلام الذي له ظاهر وباطن، فظاهره أن


1 . نهج البلاغة الخطبة 83، طبعة عبده.


(47)

يشرح حال العارف المطلق، وباطنه أن يشرح حال العارف المعين وهو نفسه(عليه السلام).

ثم إنّ الشارح الحديدي أخذ في تفسير هذه الصفات والشروط واحداً بعد آخر، إلى أن بلغ إلى الشرط السادس عشر(1)ومن أراد الوقوف على أهداف الخطبة فليرجع إليه وإلى غيره من الشروح.

هذه جذور المسألة في الكتاب والسنّة، نعم انّ المتكلمين هم الذين عنونوا مسألة العصمة وطرحوها في الأوساط الإسلامية، فذهبت العدلية من الشيعة والمعتزلة إلى جانب النفي والسلب على أقوال وتفاصيل بين طوائفهم، وقد أقام كل فريق دليلاً على مدعاه.

ولا يمكن أن ينكر أنّ المناظرات التي دارت بين الإمام علي بن موسى الرضا وأهل المقالات من الفرق الإسلامية قد أعطت للمسألة مكانة خاصة، فقد أبطل الإمام الرضا (عليه السلام)كثيراً من حجج المخالفين في مجال نفي العصمة عن الأنبياء عامة والنبي الأعظم خاصة، ولولا خوف الإطالة لأتينا ببعض هذه المناظرات التي دارت بين الإمام (عليه السلام)وأهل المقالات من الفرق الإسلامية، وإن شئت الوقوف عليها فراجع بحار الأنوار.(2) وسوف نرجع في نهاية المطاف إلى تفسير بعض الآيات التي تمسّك بها المخالف في مجال نفي العصمة عن الأنبياء.

* ما هي حقيقة العصمة؟

عرف المتكلمون العصمة على الإطلاق بأنّها قوة تمنع الإنسان عن اقتراف


1 . الشرح الحديدي: 6/367 ـ 370.
2 . بحار الأنوار: 11/72 ـ 85.


(48)

المعصية والوقوع في الخطأ.(1)

وعرّفها الفاضل المقداد بقوله: العصمة عبارة عن لطف يفعله اللّه في المكلف بحيث لا يكون له مع ذلك داع إلى ترك الطاعة ولا إلى فعل المعصية مع قدرته على ذلك ويحصل انتظام ذلك اللطف بأن يحصل له ملكة مانعة من الفجور والإقدام على المعاصي مضافاً إلى العلم بما في الطاعة من الثواب، والعصمة من العقاب، مع خوف المؤاخذة على ترك الأَولى، وفعل المنسي.(2)

أقول: اذا كانت حقيقة العصمة عبارة عن القوة المانعة عن اقتراف المعصية والوقوع في الخطاء، كما عرّفه المتكلمون فيقع الكلام في موردين:

الأوّل: العصمة عن المعصية.

الثاني: العصمة عن الخطأ.

ولتوضيح حال المقامين من حيث الاستدلال والبرهنة يجب أن يبحث قبل كل شيء عن حقيقة العصمة.

إنّ حقيقة العصمة عن اقتراف المعاصي ترجع إلى أحد أُمور ثلاثة على وجه منع الخلو، وان كانت غير مانعة عن الجمع:


1 . الميزان: 2/142، طبعة طهران.
2 . إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 301 ـ 302، ومن العجب تفسير الأشاعرة للعصمة على ما يقتضيه أصلهم من استناد الأشياء كلّها إلى الخالق المختار ابتداءً: بـأن لا يخلق اللّه فيهم ذنباً (*).
أفبعد هذا هل يصح أن تعد العصمة كرامة وترك الذنب فضيلة؟ وليس معنى التوحيد في الخالقية سلب التأثير عن سائر العلل، وقد أوضحنا الحال في الجزء الأوّل من هذه السلسلة عند البحث عن هذا القسم من التوحيد، فلاحظ.
ـــــــــــــــــــ
(*) إبطال نهج الباطل لفضل بن روزبهان على ما نقله عنه صاحب دلائل الصدق: 1/370 ـ 371.


(49)

* 1. العصمة الدرجة القصوى من التقوى

العصمة ترجع إلى التقوى بل هي درجة عليا منها، فما توصف به التقوى وتعرف به تعرف وتوصف به العصمة.

لا شك أنّ التقوى حالة نفسانية تعصم الإنسان عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فإذا بلغت تلك الحالة إلى نهايتها تعصم الإنسان عن اقتراف جميع قبائح الأعمال، وذميم الفعال على وجه الإطلاق، بل تعصم الإنسان حتى عن التفكير في المعصية، فالمعصوم ليس خصوص من لا يرتكب المعاصي ويقترفها بل هو من لا يحوم حولها بفكره.

إنّ العصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس لها آثار خاصة كسائر الملكات النفسانية من الشجاعة والعفة والسخاء، فإذا كان الإنسان شجاعاً وجسوراً، سخياً وباذلاً، وعفيفاً ونزيهاً، يطلب في حياته معالي الأُمور، ويتجنب عن سفاسفها فيطرد ما يخالفه من الآثار، كالخوف والجبن والبخل والإمساك، والقبح والسوء، ولا يرى في حياته أثراً منها.

ومثله العصمة، فإذا بلغ الإنسان درجة قصوى من التقوى، وصارت تلك الحالة راسخة في نفسه يصل الإنسان إلى حد لا يرى في حياته أثر من العصيان والطغيان، والتمرّد والتجرّي، وتصير ساحته نقية عن المعصية.

وأمّا أنّ الإنسان كيف يصل إلى هذا المقام؟ وما هو العامل الذي يمكنه من هذه الحالة؟ فهو بحث آخر سنرجع إليه في مستقبل الأبحاث.

فإذا كانت العصمة من سنخ التقوى والدرجة العليا منها، يسهل لك تقسيمها إلى العصمة المطلقة والعصمة النسبية.

فإنّ العصمة المطلقة وإن كانت تختص بطبقة خاصة من الناس لكن


(50)

العصمة النسبية تعم كثيراً من الناس من غير فرق بين أولياء اللّه وغيرهم، لأنّ الإنسان الشريف الذي لا يقل وجوده في أوساطنا، وإن كان يقترف بعض المعاصي لكنه يجتنب عن بعضها اجتناباً تاماً بحيث يتجنب عن التفكير بها فضلاً عن الإتيان بها.

مثلاً الإنسان الشريف لا يتجوّل عارياً في الشوارع والطرقات مهما بلغ تحريض الآخرين له على ذلك الفعل، كما أنّ كثيراً من اللصوص لا يقومون بالسرقة في منتصف الليل متسلحين لانتهاب شيء رخيص، كما أنّ كثيراً من الناس لا يقومون بقتل الأبرياء ولا بقتل أنفسهم وان عرضت عليهم مكافآت مادية كبيرة، فإنّ الحوافز الداعية إلى هذه الأفاعيل المنكرة غير موجودة في نفوسهم، أو أنّها محكومة ومردودة بالتقوى التي تحلّوا بها، ولأجل ذلك صاروا بمعزل عن تلك الأفعال القبيحة حتى أنّهم لا يفكّرون فيها ولا يحدّثون بها أنفسهم أبداً.

والعصمة النسبية التي تعرفت عليها تقرب حقيقة العصمة المطلقة في أذهاننا، فلو بلغت تلك الحالة النفسانية الرادعة في الإنسان مبلغاً كبيراً ومرحلة شديدة بحيث تمنعه من اقتراف جميع القبائح، يصير معصوماً مطلقاً، كما أنّ الإنسان في القسم الأوّل صار معصوماً نسبياً.

وعلى الجملة: إذا كانت حوافز الطغيان والعصيان والبواعث على المخالفة محكومة عند الإنسان، منفورة لديه لأجل الحالة الراسخة، يصير الإنسان معصوماً تاماً منزهاً عن كل عيب وشين.

* 2. العصمة: نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي

قد تعرفت على النظريّة الأُولى في حقيقة العصمة وانّها عبارة عن: الدرجة


(51)

العليا من التقوى، غير انّ هناك نظرية أُخرى في حقيقتها، لا تنافي النظرية الأُولى، بل ربّما تعد من علل تحقق الدرجة العليا من التقوى التي عرفنا العصمة بها وموجب تكونها في النفس، وحقيقة هذه النظرية عبارة عن «وجود العلم القطعي اليقيني بعواقب المعاصي والآثام» علماً قطعياً لا يغلب ولا يدخله شك، ولا يعتريه ريب، وهو أن يبلغ علم الإنسان درجة يلمس في هذه النشأة لوازم الأعمال وآثارها في النشأة الأُخرى وتبعاتها فيها، ويصير على حد يدرك بل يرى درجات أهل الجنة ودركات أهل النار، وهذا العلم القطعي هو الذي يزيل الحجب بين الإنسان وتوابع الأعمال، ويصير الإنسان مصداقاً لقوله سبحانه: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم)(1)، وصاحب هذا العلم هو الذي يصفه الإمام علي (عليه السلام) بقوله: «فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون».(2)

فإذا بلغ العلم إلى هذه الدرجة من الكشف يصد الإنسان عن اجتراء المعاصي واقتراف المآثم بل لا يجول حولها فكره.

ولتوضيح تأثير هذا العلم في صيرورة الإنسان معصوماً من اقتراف الذنب نأتي بمثال:

إنّ الإنسان إذا وقف على أنّ في الأسلاك الكهربائية طاقة من شأنها قتل الإنسان إذا مسها من دون حاجز أو عائق بحيث يكون المس والموت مقترنين، أحجمت نفسه عن مس تلك الأسلاك والاقتراب منها دون عائق.

هذا نظير الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار الجراثيم، فإنّه إذا وقف على ماء اغتسل فيه مصاب بالجذام أو البرص أو السل، لم يقدم على شربه والاغتسال منه ومباشرته مهما اشتدت حاجته إلى ذلك لعلمه بما يجر عليه الشرب


1 . التكاثر: 5 ـ 6.
2 . نهج البلاغة :2: الخطبة 188، ص 187 ، طبعة عبده.


(52)

والاغتسال بذلك الماء الموبوء، فإذا وقف الإنسان الكامل على ما وراء هذه النشأة من نتائج الأعمال وعواقب الفعال ورأى بالعيون البرزخية تبدل الكنوز المكتنزة من الذهب والفضة إلى النار المحماة التي تكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، امتنع عن حبس الأموال والإحجام عن إنفاقها في سبيل اللّه.

قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ).(1)

إنّ ظاهر قوله سبحانه: (هذا ما كنزتم لأنفسكم) هو انّ النار التي تكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، ليست إلاّ نفس الذهب والفضة، لكن بوجودهما الأُخرويّين، وأنّ للذهب والفضة وجودين أو ظهورين في النشأتين فهذه الأجسام الفلزية، تتجلّى في النشأة الدنيوية في صورة الذهب والفضة، وفي النشأة الأُخروية في صورة النيران المحماة.

فالإنسان العادي اللامس لهذه الفلزات المكنوزة وان كان لا يحس فيها الحرارة ولا يرى فيها النار ولا لهيبها، إلاّ أنّ ذلك لأجل أنّه يفقد حين المس، الحس المناسب لدرك نيران النشأة الآخرة وحرارتها، فلو فرض إنسان كامل يمتلك هذا الحس إلى جانب بقية حواسه العادية المتعارفة ويدرك بنحو خاص الوجه الآخر لهذه الفلزات، وهو نيرانها وحرارتها، يجتنبها، كاجتنابه النيران الدنيوية، ولا يقدم على كنزها، وتكديسها.

وهذا البيان يفيد انّ للعلم مرحلة قويّة راسخة تصد الإنسان عن الوقوع في المعاصي والآثام ولا يكون مغلوباً للشهوات والغرائز.

قال جمال الدين مقداد بن عبد اللّه الأسدي السيوري الحلي في كتابه القيم


1 . التوبة : 34 ـ 35.


(53)

«اللوامع الإلهية»: «ولبعضهم كلام حسن جامع هنا قالوا: العصمة ملكة نفسانية يمنع المتصف بها من الفجور مع قدرته عليه، وتتوقف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، لأنّ العفّة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التام بما في المعصية من الشقاء، والطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجباً لرسوخها في النفس فتصير ملكة».(1)

يقول العلاّمة الطباطبائي في هذا الصدد: إنّ القوة المسمّاة بقوة العصمة سبب شعوري علمي غير مغلوب البتة، ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك، لتسرب إليها التخلّف، ولتخبط الإنسان على أثره أحياناً، فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم والإدراكات المتعارفة، التي تقبل الاكتساب والتعلم، وقد أشار اللّه في خطابه الذي خص به نبيه بقوله: (وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) (2) وهو خطاب خاص لا نفقهه حقيقة الفقه، إذ لا تذوق لنا في هذا المجال.(3)

وهو قدّس سره يشير إلى كيفية خاصة من العلم والشعور الذي أوضحناه بما ورد حول الكنز وآثاره.

* 3. الاستشعار بعظمة الرب وكماله وجماله

إنّ هاهنا نظرية ثالثة في تبيين حقيقة العصمة يرجع لبها إلى أنّ استشعار العبد بعظمة الخالق وحبه وتفانيه في معرفته وعشقه له، يصده عن سلوك ما يخالف رضاه سبحانه.


1 . اللوامع الإلهية: 170.
2 . النساء: 113.
3 . الميزان: 5/81.


(54)

وتلك النظرية مثل النظرية الثانية لا تخالف النظرية الأُولى التي فسرناها من أنّ العصمة هي الدرجة العليا من التقوى، بل يكون الاستشعار والتفاني دون الحق، والعشق لجماله وكماله، أحد العوامل لحصول تلك المرتبة من التقوى، وهذا النحو من الاستشعار لا يحصل إلاّ للكاملين في المعرفة الإلهية البالغين أعلى قممها.

إذا عرف الإنسان خالقه كمال المعرفة الميسورة، وتعرف على معدن الكمال المطلق وجماله وجلاله، وجد في نفسه انجذاباً نحو الحق، وتعلّقاً خاصاً به بحيث لا يستبدل برضاه شيئاً، فهذا الكمال المطلق هو الذي إذا تعرف عليه الإنسان العارف، يؤجج في نفسه نيران الشوق والمحبة، ويدفعه إلى أن لا يبتغي سواه، ولا يطلب سوى إطاعة أمره وامتثال نهيه، ويصبح كل ما يخالف أمره ورضاه منفوراً لديه، مقبوحاً في نظره، أشد القبح. وعندئذ يصبح الإنسان مصوناً عن المخالفة، بعيداً عن المعصية بحيث لا يؤثر على رضاه شيئاً، وإلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)بقوله: «ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك إنّما وجدتك أهلاً للعبادة».(1)

هذه النظريات الثلاث أو النظرية الواحدة المختلفة في البيان والتقرير تعرب عن أنّ العصمة قوة في النفس تعصم الإنسان عن الوقوع في مخالفة الرب سبحانه وتعالى، وليست العصمة أمراً خارجاً عن ذات الإنسان الكامل وهويته الخارجية.

نعم هذه التحاليل الثلاثة لحقيقة العصمة، كلّها راجعة إلى العصمة عن المعصية والمصونية عن التمرد كما هو واضح لمن أعطى التأمل لها، وأمّا العصمة في مقام تلقي الوحي والتحفظ عليه وإبلاغه إلى الناس، أو العصمة عن الخطأ في


1 . حديث معروف.


(55)

الحياة والأُمور الفردية أو الاجتماعية فلا بد أن توجه بوجوه غير هذه الثلاثة كما سيوافيك بيانها عند البحث عن المقام الثاني، أعني: العصمة عن الخطأ والاشتباه، والمهم هو البحث عن المقام الأوّل، ولذلك قدّمنا الكلام فيه.

نعم هناك عدة روايات تصرح بأنّ، هناك «روحاً» تعصم الأنبياء والرسل عن الوقوع في المهالك والخطايا، وإليك بيانها:

* الروح التي تسدد الأولياء

روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عن قول اللّه تبارك وتعالى: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلاَ الإِيمانُ)(1) قال: «خلق من خلق اللّه عزّ وجلّ أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول اللّه يخبره ويسدده وهو مع الأئمّة من بعده».(2)

وهذه الرواية مع أنّ ظاهرها لا ينطبق على الآية، لأنّ الوحي يتعلّق بالمفاهيم والألفاظ لا بالجواهر والأجسام، فالملك الذي هو أعظم من جبرئيل وميكائيل لا يمكن أن يتعلّق به الوحي، ويكون هو الموحى به، وإنّما يتعلق به الإرسال والبعث ونحو ذلك، لا صلة لها بباب المعاصي بل هي راجعة إلى التسديد في تلقي الوحي وإبلاغه إلى الناس، وحفظهم عن الخطأ على وجه الإطلاق.

على أنّ هناك روايات تشعر بأنّ هذه الروح التي تؤيد الأنبياء غير خارجة عن ذواتهم، وهذا جابر الجعفي يروي عن الإمام الصادق في تفسير قوله سبحانه: (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً * فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصحابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصحابُ


1 . الشورى: 52.
2 . الكافي:1/273، باب «الروح التي يسدّد بها الأئمّة» الحديث 1 و2.


(56)

الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ * وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)(1) : «فالسابقون هم رسل اللّه، وخاصة اللّه من خلقه جعل فيهم خمسة أرواح أيدهم بروح القدس فبه عرفوا الأشياء، وأيّدهم بروح الإيمان فبه خافوا اللّه عزّ وجلّ، وأيدهم بروح القوة فبه قدروا على طاعة اللّه، وأيّدهم بروح الشهوة فبه اشتهوا طاعة اللّه عزّ وجلّ وكرهوا معصيته، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون».(2)

ولا يخفى أنّ الأرواح الأربعة غير خارجة عن ذواتهم، ولا يبعد أن تكون الخامسة وهي روح القدس غير خارجة عن ذواتهم ويكون المراد كمال نفوسهم إلى حد يعرفون الأشياء على ما هي عليها.

قال الشيخ صالح المازندراني في تفسير هذه الأرواح الخمسة: جعل اللّه تعالى بالحكمة البالغة والمصلحة الكاملة في الرسل والخاصة، خمسة أرواح لحفظهم من الخطاء وتكميلهم بالعلم والعمل ليكون قولهم صدقاً، وبرهاناً، والاقتداء بهم رشداً وإيقاناً كيلا يكون لمن سواهم على اللّه حجة يوم القيامة، ولعل المراد بالأرواح هنا النفوس.(3)

وعلى أي تقدير فهذه الروايات التي تشهد بتسديد الأنبياء بها إمّا راجعة إلى تسديدهم في مقام تلقي الوحي، أو راجعة إلى تسديدهم عن الخطاء في الأحكام والموضوعات والكل خارج عن إطار البحث، وإنّما الكلام في صيانتهم عن المعاصي.


1 . الواقعة: 6 ـ 11.
2 . الكافي: 1/261 باب فيه «ذكر الأرواح التي في الأئمّة» الحديث 1 و 2 و 3.
3 . هامش أُصول الكافي: 136، الطبعة القديمة.


(57)

* هل العصمة موهبة إلهية أو أمر اكتسابي؟

قد وقفت على حقيقة «العصمة» والعوامل التي توجب صيانة الإنسان عن الوقوع في حبال المعصية، ومهالك التمرد والطغيان، غير انّ هاهنا سؤالاً هاماً يجب الإجابة عنه وهو: انّ العصمة سواء أفسّرت بكونها هي الدرجة العليا من التقوى، أو بكونها العلم القطعي بعواقب المآثم والمعاصي، أم فسّرت بالاستشعار بعظمة الرب وجماله وجلاله، وعلى أي تقدير فهو كمال نفساني له أثره الخاص، وعندئذ يسأل عن أنّ هذا الكمال هل هو موهوب من اللّه لعباده المخلصين، أو أمر حاصل للشخص بالاكتساب؟ فالظاهر من كلمات المتكلمين أنّها موهبة من مواهب اللّه سبحانه يتفضّّل بها على من يشاء من عباده بعد وجود أرضيات صالحة وقابليات مصحّحة لإفاضتها عليهم.

قال الشيخ المفيد: العصمة تفضل من اللّه على من علم انّه يتمسك بعصمته.(1)

وهذه العبارة تشعر بأنّ إفاضة العصمة من اللّه سبحانه أمر خارج عن إطار الاختيار، غير أنّ اعمالها والاستفادة منها يرجع إلى العبد وداخل في إطار إرادته، فله أن يتمسك بها فيبقى معصوماً من المعصية، كما له أن لا يتمسك بتلك العصمة.

وقال أيضاً: والعصمة من اللّه تعالى هي التوفيق الذي يسلم به الإنسان مما يكره إذا أتى بالطاعة.(2)

وقال المرتضى في أماليه: العصمة: لطف اللّه الذي يفعله تعالى فيختار العبد عنده الامتناع عن فعل قبيح.


1 . شرح عقائد الصدوق: 61.
2 . أوائل المقالات: 11.


(58)

ونقل العلاّمة الحلّـي عن بعض المتكلمين بأنّه فسر العصمة بالأمر الذي يفعله اللّه بالعبد من الألطاف المقربة إلى الطاعات التي يعلم معها أنّه لا يقدم على المعصية بشرط أن لا ينتهي ذلك إلى الإلجاء.

ونقل عن بعضهم: العصمة لطف يفعله اللّه تعالى بصاحبها لا يكون معه داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية.

ثم فسر أسباب هذا اللطف بأُمور أربعة.(1)

وقال جمال الدين مقداد بن عبد اللّه الشهير بالفاضل السيوري الحلي (المتوفّـى عام 826 هـ) في كتابه القيم «اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية»:

قال أصحابنا ومن وافقهم من العدلية: هي (العصمة) لطف يفعله اللّه بالمكلّفبحيث يمتنع منه وقوع المعصية لانتفاء داعيه، ووجود صارفه مع قدرته عليها» ثم نقل عن الأشاعرة بأنّها هي القدرة على الطاعة وعدم القدرة على المعصية.(2)

كما نقل عن بعض الحكماء أنّ المعصوم خلقه اللّه جبلة صافية، وطينة نقية، ومزاجاً قابلاً، وخصّه بعقل قوي وفكر سوي، وجعل له ألطافاً زائدة، فهو قوي بما خصّه على فعل الواجبات واجتناب المقبحات، والالتفات إلى ملكوت السماوات، والإعراض عن عالم الجهات، فتصير النفس الأمارة مأسورة مقهورة في حيز النفس العاقلة.(3)

وقال العلاّمة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: (إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ


1 . كشف المراد: 228، طبعة صيدا.
2 . سيوافيك انّ العصمة لا تنافي القدرة، والهدف من نقل قول الأشاعرة هو إثبات اتفاق القائلين بالعصمة، على أنّها موهبة إلهية.
3 . اللوامع الالهية: 169.


(59)

عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(1): إنّ اللّه تستمر إرادته أن يخصّكم بموهبة العصمة بإذهاب الاعتقاد الباطل وأثر العمل السيّء عنكم أهل البيت وإيراد ما يزيل أثر ذلك عليكم وهي العصمة.(2)

إلى غير ذلك من الكلمات التي تصرح بكون العصمة من مواهبه سبحانه إلى عباده المخلصين، وفي الآيات القرآنية تلويحات وإشارات إلى ذلك مثل قوله سبحانه: (وَاذْكُرْ عَبْدَنا إِبْراهيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصارِ * إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَة ذِكْرَى الدّارِ * وَإِنَّهُمْ عَنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيارِ * وَاذْكُرْإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيارِ)(3)، وقوله سبحانه في حق بني إسرائيل والمراد أنبياؤهم ورسلهم: (وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْم عَلَى الْعالَمِينَ * وَآتَيْناهُمْ مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ) .(4)

فإنّ قوله: (إنّهم عندنا لمن المصطفين الأخيار)وقوله: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) يدل على أنّ النبوة والعصمة، وإعطاء الآيات لأصحابها من مواهب اللّه سبحانه إلى الأنبياء، ومن يقوم مقامهم من الأوصياء.

فإذا كانت العصمة أمراً إلهياً وموهبة من مواهبه سبحانه، فعندئذ ينطرح هاهنا سؤالان تجب الإجابة عنهما، والسؤالان عبارة عن:

1. لو كانت العصمة موهبة من اللّه مفاضة منه سبحانه إلى رسله وأوصيائهم لم تعد كمالاً ومفخرة للمعصوم حتى يستحق بها التحسين والتحميد والتمجيد، فإنّ الكمال الخارج عن الاختيار كصفاء اللؤلؤ، لا يستحق التحسين


1 . الأحزاب: 33.
2 . الميزان: 16/313.
3 . ص: 45 ـ 48.
4 . الدخان: 32 ـ 33.


(60)

والتمجيد، فإنّ الحمد والثناء إنّما يصحان في مقابل الفعل الاختياري، وما هو خارج عن إطار الاختيار لا يصح أن يحمد صاحبه عليه، إذ هو وغيره في هذا المجال سواء، ولو أفيض ذاك الكمال على فرد آخر لكان مثله؟

2. إذا كانت العصمة تعصم الإنسان عن الوقوع في المعصية، فالإنسان المعصوم عاجز عن ارتكاب المعاصي واقتراف المآثم، وعندئذ لا يستحق لترك العصيان مدحاً ولا ثواباً إذ لا اختيار له؟

والفرق بين السؤالين واضح، إذ السؤال الأوّل يرجع إلى عد نفس إفاضة العصمة مفخرة من مفاخر المعصوم، لأنّه إذا كانت موهبة إلهية لما صح عدها كمالاً للمعصوم، بخلاف السؤال الثاني فإنّه يتوجه إلى أنّ العصمة تسلب القدرة عن المعصوم على ارتكاب المعاصي، فلا يعد الترك كمالاً ولا عاملاً لاستحقاق الثواب.

وهذان السؤالان من أهم الأسئلة في باب العصمة، وإليك الإجابة عن كليهما.

* العصمة المفاضة كمال لصاحبها

إنّ العصمة الإلهية لا تفاض للأفراد إلاّ بعد وجود أرضيات صالحة في نفس المعصوم تقتضي إفاضة تلك الموهبة إلى صاحبها، وأمّا ما هي تلك الأرضيات والقابليات التي تقتضي إفاضتها فخارج عن موضوع البحث، غير إنّا نقول على وجه الاجمال: إنّ تلك القابليات على قسمين: قسم خارج عن اختيار الإنسان، وقسم واقع في إطار إرادته واختياره.

أمّا القسم الأوّل، فهي القابليات التي تنتقل إلى النبي من آبائه وأجداده عن طريق الوراثة، فإنّ الأولاد كما يرثون أموال الآباء وثرواتهم، يرثون أوصافهم


(61)

الظاهرية والباطنية، فترى أنّ الولد يشبه الأب أو العم، أو الأُم أو الخال، وقد جاء في المثل :الولد الحلال يشبه العم أو الخال.

وعلى ذلك فالروحيات الصالحة أو الطالحة تنتقل من طريق الوراثة إلى الأولاد، فنرى ولد الشجاع شجاعاً، وولد الجبان جباناً إلى غير ذلك من الأوصاف الجسمانية والروحانية.

إنّ الأنبياء كما يحدّثنا التاريخ كانوا يتولّدون في البيوتات الصالحة العريقة بالفضائل والكمالات، وما زالت تنتقل تلك الكمالات والفضائل الروحية من نسل إلى نسل وتتكامل إلى أن تتجسد في نفس النبي ويتولد هو بروح طيبة وقابلية كبيرة لإفاضة المواهب الإلهية عليه.

نعم ليست الوراثة العامل الوحيد لتكوّن تلك القابليات بل هناك عامل آخر لتكوّنها في نفوس الأنبياء وهو عامل التربية، فإنّ الكمالات والفضائل الموجودة في بيئتهم تنتقل من طريق التربية إلى الأولاد.

ففي ظل ذينك العاملين: «الوراثة والتربية» نرى كثيراً من أهل تلك البيوتات ذوي إيمان وأمانة، وذكاء ودراية، وما ذلك إلاّ لأنّ العائشين في تلك البيئات والمتولدين فيها يكتسبون جل هذه الكمالات من ذينك الطريقين، وعلى ذلك فهذه الكمالات الروحية أرضيات صالحة لإفاضة المواهب الإلهية إلى أصحابها ومنها العصمة والنبوة.

نعم هناك عوامل أُخر لاكتساب الأرضيات الصالحة داخلة في إطار الاختيار وحرية الإنسان وإليك بعضها:

1. انّ حياة الأنبياء من لدن ولادتهم إلى زمان بعثتهم مشحونة بالمجاهدات الفردية والاجتماعية، فقد كانوا يجاهدون النفس الأمّارة أشد الجهاد، ويمارسون تهذيب أنفسهم بل ومجتمعهم، فهذا هو يوسف الصدّيق (عليه السلام) جاهد نفسه الأمّارة


(62)

وألجمها بأشد الوجوه عندما راودته من هو في بيتها (وَغَلَّقَتِ الأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَك)فأجاب بالرد والنفي بقوله: (مَعاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ).(1)

وهذا موسى كليم اللّه وجد في مدين امرأتين تذودان واقفتين على بعد من البئر، فقدم اليهما قائلاً: ما خطبكما فقالتا: انا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، وعند ذلك لم يتفكر في شيء إلاّ في رفع حاجتهما، ولأجل ذلك سقى لهما ثم تولّى إلى الظل قائلاً: (رَبِّ إِنّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ) (2) . (3)

وكم هناك من شواهد تاريخية على جهاد الأنبياء وقيامهم بواجبهم أبّان شبابهم إلى زمان بعثتهم التي تصدت لذكرها الكتب السماوية وقصص الأنبياء وتواريخ البشر.

فهذه العوامل، الداخل بعضها في إطار الاختيار والخارج بعضها عن إطاره أوجدت قابليات وأرضيات صالحة لإفاضة وصف العصمة عليهم وانتخابهم لذلك الفيض العظيم، فعندئذ تكون العصمة مفخرة للنبي صالحة للتحسين والتبجيل والتكريم.

وإن شئت قلت: إنّ اللّه سبحانه وقف على ضمائرهم ونيّاتهم ومستقبل أمرهم، ومصير حالهم وعلم أنّهم ذوات مقدسة، لو أُفيضت إليهم تلك الموهبة لاستعانوا بها في طريق الطاعة وترك المعصية بحرية واختيار، وهذا العلم كاف لتصحيح إفاضة تلك الموهبة عليهم بخلاف من يعلم من حاله خلاف ذلك.


1 . يوسف: 23.
2 . القصص: 23 ـ 24.
3 . لاحظ قصة موسى في دفعه القبطي المعتدي على إسرائيلي في سورة القصص الآيات: 15 ـ 20 وفي ذلك يقول: (رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين) (القصص: 17).


(63)

يقول العلاّمة الطباطبائي: إنّ اللّه سبحانه خلق بعض عباده على استقامة الفطرة، واعتدال الخلقة، فنشأوا من بادئ الأمر بأذهان وقّادة، وإدراكات صحيحة ونفوس طاهرة، وقلوب سليمة، فنالوا بمجرد صفاء الفطرة وسلامة النفس من نعمة الإخلاص ما ناله غيرهم بالاجتهاد والكسب بل أعلى وأرقى لطهارة داخلهم من التلوث بألواث الموانع والمزاحمات، والظاهر أنّ هؤلاء هم المخلصون (بالفتح) للّه في مصطلح القرآن، وهم الأنبياء والأئمّة، وقد نص القرآن بأنّ اللّه اجتباهم، أي جمعهم لنفسه وأخلصهم لحضرته، قال تعالى: (وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراط مُسْتَقِيم)(1) وقال: (هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(2) . (3)

وهذه العبارة من العلاّمة الطباطبائي تشير إلى القسم الثاني وهو القابليات الخارجة عن اختيار الأنبياء غير انّ هناك أُموراً واقعة في اختيارهم كما عرفت، فالكل يعطي الصلاحية لإفاضة الموهبة الإلهية على تلك النفوس المقدّسة.

* كلام السيد المرتضى

إنّ للسيد المرتضى كلاماً في الإجابة عن هذا السؤال نأتي بنصه:

فإن قيل: إذا كان تفسير العصمة ما ذكرتم فألاَّ عَصَمَ اللّهُ تعالى جميع المكلّفين وفعل بهم ما يختارون عنده الامتناع من القبائح؟

قلنا: كل من علم اللّه تعالى أنّ له لطفاً يختار عنده الامتناع من القبائح فإنّه لا بد أن يفعل به وإن لم يكن نبياً ولا إماماً، لأنّ التكليف يقتضي فعل اللطف على


1 . الأنعام: 87.
2 . الحج: 78.
3 . الميزان: 11/177.


(64)

ما دل عليه في مواضع كثيرة غير انّه لا يمتنع أن يكون في المكلفين من ليس في المعلوم أنّ شيئاً متى فعل، اختار عنده الامتناع من القبيح، فيكون هذا المكلف لا عصمة له في المعلوم ولا لطف، وتكليف من لا لطف له يحسن ولا يقبح وانّما القبيح منع اللطف في من له لطف مع ثبوت التكليف.(1)

وحاصل ما أفاده هو: انّ الملاك في إفاضة هذا الفيض هو علمه سبحانه بحال الأفراد في المستقبل فكل من علم سبحانه أنّه لو أُفيض عليه وصف العصمة لاختار عنده الامتناع من القبائح، فعندئذ تفاض عليه العصمة، وان لم يكن نبياً ولا إماماً، وأمّا من علم انّه متى أُفيضت إليه تلك الموهبة لما اختار عندها الامتناع من القبيح لما أُفيضت عليه العصمة لأنّه لا يستحق الإفاضة.

وعلى ذلك فوصف العصمة موهبة إلهية تفاض لمن يعلم من حاله انّه ينتفع منها في ترك القبائح عن حرية واختيار.

ولأجل ذلك يعد مفخرة قابلة للتحسين والتكريم ولا يلزم أن يكون المعصوم نبياً أو إماماً، بل كل من ينتفع منها في طريق كسب رضاه سبحانه تفاض عليه.

إلى هنا تمت الإجابة على السؤال الأوّل، وبقيت الإجابة على السؤال الثاني، وإليك ذلك:

* هل العصمة تسلب الاختيار؟

ربما يتخيل أنّ المعصوم لا يقدر على ارتكاب المعصية واقتراف المآثم، فالعصمة تسلب القدرة والاختيار عن صاحبها، وعند ذاك لا يعد ترك العصيان مكرمة.


1 . أمالي المرتضى: 2/347 ـ 348، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.


(65)

وفي هذا الصدد يقول السيد المرتضى:

ما حقيقة العصمة التي يُعتقد وجوبها للأنبياء والأئمّة (عليهم السلام)؟وهل هي معنىً يضطر إلى الطاعة ويمنع من المعصية، أو معنى يضام الاختيار؟ فإن كان معنى يضطر إلى الطاعة ويمنع من المعصية، فكيف يجوز الحمد والذم لفاعلها؟ وان كان معنىً يضامّ الاختيار فاذكروه، ودُلّوا على صحة مطابقته له.(1)

والجواب: انّ العصمة لا تسلب الاختيار عن الإنسان بأي معنى فسرت، سواء أقلنا بأنّها الدرجة العليا من التقوى، أو أنّها نتيجة العلم القطعي بعواقب المآثم والمعاصي، أو أنّها أثر الاستشعار بعظمة الرب والمحبة للّه سبحانه، وعلى كل تقدير فالإنسان المعصوم مختار في فعله، قادر على كلا طرفي القضية من الفعل والترك، وتوضيح ذلك بالمثال الآتي:

إنّ الإنسان العاقل الواقف على وجود الطاقة الكهربائية في الأسلاك المنزوعة من جلدها، لا يمسّها كذلك، كما انّ الطبيب لا يأكل سؤر المجذومين والمسلولين لعلمهما بعواقب فعلهما، وفي الوقت نفسه يرى كل واحد منهما نفسه قادراً على ذلك الفعل، بحيث لو أغمض العين عن حياته وهيأ نفسه للمخاطرة بها، لفعل ما يتجنبه، غير انّهما لا يقومان به لكونهما يحبان حياتهما وسلامتهما.

فإن شئت قلت: إنّ العمل المزبور ممكن الصدور بالذات من العاقل والطبيب، غير انّه ممتنع الصدور بالعرض والعادة، وليس صدوره محالاً ذاتياً وعقلياً، وكم فرق بين المحالين، ففي المحال العادي يكون صدور الفعل من الفاعل ممكناً بالذات، غير انّه يرجح أحد الطرفين على الآخر بنوع من الترجيح بخلاف الثاني فإنّ الفعل فيه يكون ممتنعاً بالذات، فلا يصدر لعدم إمكانه الذاتي.


1 . أمالي المرتضى: 2/347.


(66)

وإن شئت فلاحظ صدور القبيح منه سبحانه فإنّ صدوره منه أمر ممكن بالذات، داخل في إطار قدرته فهو يستطيع أن يدخل المطيع في نار الجحيم والعاصي في نعيم الجنة، غير انّه لا يصدر منه ذلك الفعل لكونه مخالفاً للحكمة ومبايناً لما وعد به وأوعد عليه، وعلى ذلك فامتناع صدور الفعل عن الإنسان معالتحفظ على الأغراض والغايات، لا يكون دليلاً على سلب الاختيار والقدرة.

فالنبي المعصوم قادر على اقتراف المعاصي وارتكاب الخطايا، حسب ما أُعطي من القدرة والحرية، غير أنّه لأجل حصوله على الدرجة العليا من التقوى واكتساب العلم القطعي بآثار المآثم والمعاصي واستشعاره بعظمة الخالق، يتجنب عن اقترافها واكتسابها ولا يكون مصدراً لها مع قدرته واقتداره عليها.

ومثلهم في ذلك المورد كمثل الوالد العطوف الذي لا يقدم على قتل ولده، ولو أُعطيت له الكنوز المكنوزة والمناصب المرموقة ومع ذلك فهو قادر على قتله، بحمل السكين والهجوم عليه وقطع أوردته، وفي هذا الصدد يقول العلامة الطباطبائي:

إنّ هذا العلم أعني ملكة العصمة لا يغير الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعالها الإرادية، ولا يخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار كيف؟ والعلم من مبادئ الاختيار، ومجرد قوة العلم لا يوجب إلاّ قوة الإرادة كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما، سماً قاتلاً من حينه فإنّه يمنع باختياره من شربه قطعاً، وإنّما يضطر الفاعل ويجبر إذا أخرج المجبر أحد طرفي الفعل والترك من الإمكان إلى الامتناع.

ويشهد على ذلك قوله: (وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراط مُسْتَقيم * ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَو أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا


(67)

يَعْمَلُونَ)(1) تفيد الآية انـّهم في إمكانهم أن يشركوا باللّه وإن كان الاجتباء أو الهدى الإلهي مانعاً من ذلك، وقوله: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ)(2)، إلى غير ذلك من الآيات.

فالإنسان المعصوم إنّما ينصرف عن المعصية بنفسه وعن اختياره وإرادته، ونسبة الصرف إلى عصمته تعالى كنسبة انصراف غير المعصوم عن المعصية إلى توفيقه تعالى.

ولا ينافي ذلك أيضاً ما يشير إليه كلامه تعالى وتصرح به الأخبار من أنّ ذلك من الأنبياء والأئمّة بتسديد من روح القدس، فإنّ النسبة إلى روح القدس، كنسبة تسديد المؤمن إلى روح الإيمان، ونسبة الضلال والغواية إلى الشيطان وتسويله، فإنّ شيئاً من ذلك لا يخرج الفعل عن كونه فعلاً صادراً عن فاعله مستنداً إلى اختياره وإرادته فافهم ذلك.

نعم هناك قوم زعموا أنّ اللّه سبحانه إنّما يصرف الإنسان عن المعصية لا من طريق اختياره وإرادته بل من طريق منازعة الأسباب ومغالبتها بخلق إرادة أو إرسال ملك يقاوم إرادة الإنسان فيمنعها عن التأثير أو يغير مجراها ويحرفها إلى غير ما من طبع الإنسان أن يقصده كما يمنع الإنسان القوي، الضعيف عما يريده من الفعل بحسب طبعه.

وبعض هؤلاء وإن كانوا من المجبرة لكن الأصل المشترك الذي يبتني عليه نظرهم هذا وأشباهه: انّهم يرون انّ حاجة الأشياء إلى البارئ الحق سبحانه إنّما هي في حدوثها، وأمّا في بقائها بعد ما وجدت فلا حاجة لها إليه فهو سبحانه سبب في عرض الأسباب، إلاّ أنّه لما كان أقدر وأقوى من كل شيء كان له أن يتصرف في


1 . الأنعام: 87 ـ 88.
2 . المائدة: 67.


(68)

الأشياء حال البقاء أي تصرف شاء، من منع أو إطلاق وإحياء أو إماتة ومعافاة أو تمريض وتوسعة أو تقصير إلى غير ذلك بالقهر.

فإذا أراد اللّه سبحانه أن يصرف عبداً عن شر مثلاً، أرسل إليه ملكاً ينازعه في مقتضى طبعه ويغير مجرى إرادته مثلاً من الشر إلى الخير، أو أراد أن يضل عبداً لاستحقاقه ذلك، سلّط عليه إبليس فحوله من الخير إلى الشر وإن كان ذلك لا بمقدار يوجب الإجبار والاضطرار.

وهذا مدفوع بما نشاهده من أنفسنا في أعمال الخير والشر مشاهدة عيان انّه ليس هناك سبب آخر يغايرنا وينازعنا فيغلب علينا غير أنفسنا التي تعمل أعمالها عن شعور بها وإرادة مترتبة عليه قائمين بها، فالذي يثبته السمع والعقل وراء نفوسنا من الأسباب كالملك والشيطان سبب طولي لا عرضي مضافاً إلى أنّ المعارف القرآنية من التوحيد وما يرجع إليه يدفع هذا القول من أصله.(1)


1 . الميزان: 11/ 179 ـ 180.


(69)

مراحل العصمة ودلالتها

قد وقفت على حقيقة العصمة وما يرجع إليها من المباحث الاستطرادية، فيجب الآن الوقوف على مراحلها التالية:

1. الصيانة في تلقي الوحي والحفاظ عليه وإبلاغه إلى الناس.

2. الصيانة من المعصية وارتكاب الذنب المصطلح.

3. الصيانة من الخطأ في الأُمور الفردية والاجتماعية.

هذه هي مراحل العصمة، ويمكن تبيين تلك المراحل بصورة أُخرى، وهي أنّ متعلّق العصمة والصيانة لا تخلو عن أحد أُمور وهي:

إمّا كفر باللّه أو عصيانه ومخالفته.

والثاني لا يخلو إمّا أن يكون معصية كبيرة، أو صغيرة; والصغيرة على قسمين: إمّا أن تكون حاكية عن خسة الفاعل ودناءة طبعه كسرقة اللقمة الواحدة، أو لا; وعلى كل حال فصدور المعصية إمّا عمدي أو سهوي، وإمّا صادر قبل البعثة أو بعدها.

وقد فصّل القاضي عبد الجبار شيخ المعتزلة في عصره مذهب المعتزلة في العصمة، فحكم بأنّه يجب أن يكون النبي منزّهاً عمّا يقتضي خروجه من ولاية اللّه تعالى إلى عداوته قبل النبوة وبعدها كما يجب أن يكون منزهاً من كذب أو كتمان أو سهو أو غلط إلى غير ذلك، ومن حقه أن لا يقع منه ما ينفر منه عن القبول منه أو


(70)

يصرف من السكون إليه أو عن النظر في علمه، نحو الكذب على كل حال، والتورية والتعمية في ما يؤديه، والصغائر المستخفة.(1)

وقال التفتازاني في شرح العقائد النسفية: إنّهم معصومون عن الكفر قبل الوحي وبعده بالإجماع، وكذا من تعمّد الكبائر عند الجمهور خلافاً للحشوية، وأمّا سهواً، فجوّزه الأكثرون; وأمّا الصغائر، فيجوز عمداً عند الجمهور، خلافاً للجبّائي وأتباعه، ويجوز سهواً بالاتفاق إلاّ ما يدل على الخسّة .(2)

قال الفاضل القوشجي: إنّ المعاصي إمّا أن تكون منافيةً لما تقتضيه المعجزة، كالكذب في ما يتعلّق بالتبليغ أو لا، والثاني إمّا أن يكون كفراً أو معصية; وهي إمّا أن تكون كبيرة كالقتل والزنا، أو صغيره منفرة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة، أو غير منفرة ككذبة وشتمة; وكل ذلك إمّا عمداً أو سهواً، أو بعد البعثة أو قبلها.(3)

فنقول: أمّا الأوّل، أعني: صدور الكفر من المعصومين، فلم يجوّزه أحد، وما ربّما ينسب إلى بعض الفرق كالأزارقة من تجويز الكفر على الأنبياء، فالمراد من الكفر هو المعصية في مصطلح المسلمين، وانّما أطلقوا عليه لفظ الكفر، لأجل اعتقادهم بأنّ كل معصية كفر، قال الفاضل المقداد: أجمعوا على امتناع الكفر عليهم إلاّ الفضيلية من الخوارج فإنّهم جوّزوا صدور الذنب عنهم، وكل ذنب عندهم كفر، فلزمهم جواز الكفر عليهم، وجوّز قوم عليهم الكفر تقية وخوفاً، ومنعه ظاهر، فانّ أولى الأوقات بالتقية زمان بدء الدعوة لكثرة المنكرين له حينئذ، لكن ذلك يؤدي إلى خفاء الدين بالكلية.(4)


1 . المغني: 15/279.
2 . العقائد النسفية: 171 ، ونسب فيه للشيعة جواز إظهار الكفر للتقية، وهم براء منه.
3 . شرح التجريد: 464.
4 . اللوامع الإلهية: 170.


(71)

وقال الفاضل القوشجي: قد جوّز الأزارقة من الخوارج الكفر بناء على تجويزهم الذنب مع قولهم بأنّ كل ذنب كفر.(1)

وربما يتوهم تجويز الكفر على النبي لأجل التقية، وهو باطل، لأنّ للتقية شرائط خاصة تجوز إذا حصلت ولا تقية في هذا المورد، وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار الهمداني الأسدآبادي: فإن قال: أفتجوزون على الرسول التقية في ما يؤدّيه؟ قيل له: لا يجوز ذلك عليه في ما يلزمه أن يؤدّيه، ولو كانت مجوزة لم تعظم مرتبة النبي، لأنّها إنّما تعظم، لأنّه يتكفّل بأداء الرسالة، والصبر على كل عارض دونه ـ إلى أن قال: ـ فلو هُدّد بالقتل إذا أدّى شريعته فما الحكم فيه؟ قيل له: يلزمه أن يؤدّيه ويعلم انه تعالى يصرف ذلك عنه.(2)

وأمّا غير الكفر فتفصيل المذاهب هو انّ الشيعة اتفقت على عصمة الأنبياء عن المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، سهواً كانت أو عمداً قبل البعثة أو بعدها. نعم يظهر من الشيخ المفيد تجويز بعض المعاصي الصغيرة على غير عمد على الأنبياء قبل العصمة حيث قال: إنّ جميع أنبياء اللّه (صلى اللّه عليهم) معصومون من الكبائر قبل النبوة وبعدها وبما يستخف فاعله من الصغائر كلها، وأمّا ما كان من صغير لا يستخف فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوة، وعلى غير عمد، وممتنع منهم بعدها على كل حال (ثم قال:) وهذا مذهب جمهور الإمامية.(3)

ويظهر ذلك من المحقق الأردبيلي في تعاليقه على شرح التجريد للفاضل القوشجي حيث إنّ المحقق الطوسي استدل على العصمة بأنّه لولاها لما حصل الوثوق بقول الأنبياء، وأورد عليه الشارح بأنّ صدور الذنوب لا سيما الصغيرة


1 . شرح التجريد: 464.
2 . المغني: 15/284.
3 . أوائل المقالات: 29 و 30.


(72)

سهواً لا يخل بالوثوق، وعلّق عليه الأردبيلي بقوله: «خصوصاً قبل البعثة».(1)

وأمّا غير الشيعة فقد عرفت نظرية الاعتزال غير انّ الفاضل القوشجي يفصل بقوله: الجمهور على وجوب عصمتهم عما ينافي مقتضى المعجزة، وقد جوّزه القاضي سهواً، زعماً منه انّه لا يخل بالتصديق المقصود بالمعجزة وكذا عن تعمد الكبائر، بعد البعثة، وجوّزه الحشوية، وكذا عن الصغائر المنفرة لإخلالها بالدعوة إلى الاتباع ولهذا ذهب كثير من المعتزلة إلى نفي الكبائر قبل البعثة أيضاً والمذهب عند محققي الأشاعرة منع الكبائر والصغائر الخسيسة بعد البعثة مطلقاً، والصغائر غير الخسيسة عمداً لا سهواً، وذهب إمام الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم من المعتزلة إلى تجويز الصغائر عمداً.(2)

هذه هي الأقوال المعروفة بين المتكلمين وستعرف شذوذ الكل عن الكتاب والسنّة وحكم العقل غير القول الأوّل، فنقول يقع الكلام في مراحل:

* المرحلة الأُولى: عصمة الأنبياء في تبليغ الرسالة

ذهب الأكثرون من الجمهور والشيعة أجمع إلى عصمتهم في تلك المرحلة ونسب إلى الباقلاني تجويز الخطاء في إبلاغ الرسالة سهواً ونسياناً لا عمداً وقصداً، وقال أبو الحسن عبد الجبار المعروف بالقاضي رئيس الاعتزال في وقته (المتوفّـى سنة 415): لا يجوز الكذب في ما يؤدّيه (أي النبي) عن اللّه تعالى، لأنّه تعالى، مع حكمته، ومع أنّ غرضه بالبعثة تعريف المصالح، لو علم أنّه يختار الكذب في ما يؤديه لم يكن ليبعثه، لأنّ ذلك ينافي الحكمة، ولمثل هذه العلة لا يجوز أن لا يؤدّيه ما حمله من الرسالة، ولا أن يكتمه أو يكتم بعضه.


1 . تعاليق المحقّق الأردبيلي على شرح التجريد: 464.
2 . شرح التجريد للفاضل القوشجي: 664.


(73)

إلى أن قال: إنّا لا نجوز عليه السهو والغلط في ما يؤدّيه عن اللّه تعالى لمثل العلة التي تقدم ذكرها، لأنّه لا فرق، في خروجه من أن يكون مؤدّياً بين أن يسهو أو يغلط أو يكتم أو يكذب، فحال الكل يتفق في ذلك ولا يختلف.

وإنّما نجوز أن يسهو في فعل قد بينه من قبل وأدّى ما يلزم فيه حتى لم يغادر منه شيئاً، فإذا فعله لمصالحه لم يمتنع أن يقع فيه السهو والغلط، ولذلك لم يشتبه على أحد الحال في أنّ الذي وقع منه من القيام في الثانية هو سهو، وكذلك ما وقع منه في خبر ذي اليدين إلى غير ذلك.(1)

وفي ما ذكره من تجويز السهو على النبي في الفعل الذي بين حكمه سيأتي الكلام فيه .

وقد استدل المحققون من المتكلمين على عصمتهم في تلك المرحلة بوجوه أشار إليها المحقّق الطوسي في تجريده بقوله: ليحصل الوثوق بأفعاله وأقواله،ويحصل الغرض من البعثة وهو متابعة المبعوث إليهم له في أوامره ونواهيه(2) .

وما ذكره من الدليلين وإن كان لا يختص بهذه المرحلة بل يعم المراحل الأُخر، ولكنه برهان تام يعتمد عليه العقل والوجدان في مسألة عصمة الأنبياء في مجال تبليغ الرسالة.

توضيحه:

انّ الهدف الأسمى والغاية القصوى من بعث الأنبياء هو هداية الناس إلى التعاليم الإلهية والشرائع المقدسة، ولا تحصل تلك الغاية إلاّ بإيمانهم بصدق


1 . المغني: 15/281.
2 . شرح التجريد للفاضل القوشجي: 463، وكشف المراد: 217 طبع صيدا.


(74)

المبعوثين، وإذعانهم بكونهم مرسلين من جانبه سبحانه، وإنّ كلامهم وأقوالهم كلامه وقوله سبحانه، وهذا الإيمان والإذعان لا يحصل إلاّ بإذعان آخر وهو الإذعان بمصونيتهم عن الخطاء في المراحل الثلاث في مجال تبليغ الرسالة، وهي المصونية في مقام أخذ الوحي، والمصونية في مقام التحفّظ عليه، والمصونية في مقام الإبلاغ والتبيين، ومثل هذا لا يحصل إلاّ بمصونية النبي عن الزلل والخطاء عمده وسهوه. قال القاضي أبو الحسن عبد الجبار: إنّ النفوس لا تسكن إلى القبول ـ ممّن يخالف فعله قوله ـ سكونها إلى من كان منزهاً عن ذلك، فيجب أن لا يجوز في الأنبياء (عليهم السلام)إلاّ ما نقوله من أنّهم منزهون عمّـا يوجب العقاب والاستخفاف والخروج من ولاية اللّه تعالى إلى عداوته.

يبين ذلك أنّهم لو بعثوا للمنع من الكبائر والمعاصي بالمنع والردع والتخفيف فلا يجوز أن يكونوا مقدمين على مثل ذلك، لأنّ المتعالم أنّ المقدم على الشيء لا يقبل منه منع الغير منه للنهي والزجر، وانّ هذه الأحوال منه لا تؤثر ... ولو إنّ واعظاً انتصب يخوف من المعاصي من يشاهده مقدماً على مثلها لاستخف به وبوعظه.(1)

وقال في موضع آخر: إنّ الواعظ والمذكّر وان غلب على ظننا من حاله انّه مقلع تائب لما أظهره من أمارات التوبة والندامة حتى عرفنا من حاله الانهماك في الشرب والفجور من قبل، لم يؤثر وعظه عندنا كتأثير المستمر على النظافة والنزاهة في سائر أحواله.(2)

وما ذكره أخيراً دليل وجوب العصمة حتى قبل البعثة.

وهذا البرهان لو قرر على الوجه الكامل لكفي برهاناً في جميع مراحل


1 . المغني: 15/303.
2 . المصدر نفسه: 305.


(75)

العصمة التي سنبيّنها في الأبحاث الآتية.

هذا منطق العقل، وأمّا منطق الوحي فهو يؤكد على مصونية النبي في تبليغ الرسالة في المجالات الثلاثة الماضية، وإليك بيان ذلك:

* القرآن وعصمة النبي في مجال تلقي الوحي و ...

هناك آيات تدل على العصمة في ذلك المجال نذكرها واحدة بعد الأُخرى:

* الآية الأُولى

(عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً) .(1)

(إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً).(2)

(لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْء عَدَداً).(3)

إنّ دلالة الآيات هذه على مصونية الرسل والأنبياء في مجال تلقي الوحي وما يليه من التحفظ والتبليغ تتوقف على توضيح بعض مفرداته:

1. قوله: (فلا يظهر ) من باب الافعال بمعنى الاعلام كما في قوله سبحانه: (وَأَظْهَرَهُ اللّهُ عَلَيْهِ عرّف بَعْضَهُ وَأَعْرضَ عَن بَعْض).(4)

2. لفظة (من) في قوله: (من رسول) بيانية تبين المرضي عند اللّه،


1 . الجن: 26.
2 . الجن: 27.
3 . الجن: 28.
4 . التحريم: 3.


(76)

فالرسول هو المرتضى الذي اختاره اللّه تعالى لتعريفه على الغيب.

3. والضمير في (انّه) في قوله: (انّه يسلك) يرجع إلى اللّه، كما أنّ ضمير الفاعل في قوله: (يسلك) أيضاً يرجع إليه، وهو بمعنى: يجعل.

4. والضمير في (يديه ومن خلفه) يرجع إلى الرسول.

5. و (رصداً) هو الحارس الحافظ يطلق على الجمع والمفرد.

6. والمراد من: (بين يديه) أي ما بين يدي الرسول: ما بينه وبين الناس، المرسل إليهم.

كما أنّ المراد من (من خلفه) ما بين الرسول وبين مصدر الوحي الذي هو سبحانه.

وعلى ذلك فالنبي مصون ومحفوظ في مجال تلقي الوحي من كلا الجانبين.

وقد اعتبر في هذا التعبير ما يوهمه معنى الرسالة من أنّه فيض متصل من المرسل (بالكسر) وينتهي إلى المرسل إليه (بالفتح) والآية تصف طريق بلوغ الغيب إلى الرسل وانّ الرسول محاط بالرصد والحارس من أمامه «ما بين يديه» و «خلفه» وورائه، فلا يصيبه شيء يباين الوحي.

ومعنى الآية: انّ اللّه يجعل (يسلك) ما بين الرسول ومن أرسل إليه، وما بين الرسول ومصدر الوحي مراقبين حارسين من الملائكة، وليس جعل الرصد امام الرسول وخلفه إلاّ للتحفظ على الوحي من كل تخليط وتشويش بالزيادة والنقص التي يقع فيها من ناحية الشياطين بلا واسطة أو معها.

ثم إنّه سبحانه علّل جعل الرصد بين يدي الرسول وخلفه بقوله: (ليعلم ان قد أبلغوا رسالات ربهم).


(77)

والمراد من العلم هو العلم الفعلي بمعنى التحقق الخارجي على حد قوله: (فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ).(1)

أي ليتحـقّق إبلاغ رسالات ربهـم على ما هي عليه من غير تغـيير وتبدّل.

7. قوله: (وأحاط بما لديهم) بمنزلة الجملة المتممة للحراسة المستفادة من قوله: (رصداً).

وعلى الجملة فهذه العبارات الثلاث الواردة في الآية تفيد مدى عناية الباري للحراسة والحفاظ على الوحي إلى أن يصل إلى المرسل إليهم بلا تغيير وتبديل، وهذه الجمل عبارة عن:

أ. (من بين يديه).

ب. (ومن خلفه).

ج. (وأحاط بما لديهم).

فالجملة الأُولى تشير إلى وجود رصد بين الرسول والناس.

كما أنّ الجملة الثانية تشير إلى وجود رصد محافظين بينه وبين مصدر الوحي.

والجملة الثالثة تشير إلى وجود الحفظة في داخل كيانهم.

فتصير النتيجة أنّ الوحي في أمن وأمان من تطرق التحريف منذ أن يفاض من مصدر الوحي ويقع في نفس الرسول إلى أن يصل إلى الناس والمرسل إليهم.

8. قوله: (وأحصى كل شيء عدداً) مسوق لإفادة عموم علمه بكل شيء سواء في ذلك الوحي الملقى إلى الرسول وغيره.


1 . العنكبوت: 3.


(78)

يقول العلاّمة الطباطبائي: إنّ قوله سبحانه: (فإنّه يسلك من بين يديه ومن خلفه) إلى آخر الآيتين يدل على أنّ الوحي الإلهي محفوظ من لدن صدوره من مصدر الوحي إلى بلوغه الناس، مصون في طريق نزوله إلى أن يصل إلى من قصد نزوله إليه.

أمّا مصونيته من حين صدوره من مصدره إلى أن ينتهي إلى الرسول فيكفي في الدلالة عليه قوله: (من خلفه)وأمّا مصونيته حين أخذ الرسول إياه وتلقيه من ملك الوحي بحيث يعرفه ولا يغلط في أخذه، ومصونيته في حفظه بحيث يعيه كما أُوحي إليه من غير أن ينساه أو يغيره أو يبدله.

ومصونيته في تبليغه إلى الناس من تصرف الشيطان فيه فالدليل عليه قوله: (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم)حيث يدل على أنّ الغرض الإلهي من سلوك الرصد أن يعلم إبلاغهم رسالات ربهم أي أن يتحقّق في الخارج إبلاغ الوحي إلى الناس، ولازمه بلوغه إيّاهم ولولا مصونية الرسول في الجهات الثلاث المذكورة جميعاً لم يتم الغرض الإلهي وهو ظاهر.

وحيث لم يذكر تعالى للحصول على هذا الغرض طريقاً غير سلوك الرصد دل ذلك على أنّ الوحي محروس بالملائكة وهو عند الرسول، كما أنّه محروس بهم في طريقه إلى الرسول حتى ينتهي إليه، ويؤكده قوله بعده: (وأحاط بما لديهم).

وأمّا مصونيته في مسيره من الرسول حتى ينتهي إلى الناس فيكفي فيه قوله: (ومن بين يديه)على ما تقدم معناه.

أضف إلى ذلك دلالة قوله: (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) بما تقدم من تقريب دلالته.

ويتفرع على هذا البيان: انّ الرسول مؤيد بالعصمة في أخذ الوحي من ربّه وفي حفظه وفي تبليغه إلى الناس، مصون من الخطأ في الجهات الثلاث جميعاً لما مرّ


(79)

من دلالة على أنّ ما نزّله اللّه من دينه على الناس من طريق الرسالة بالوحي، مصون في جميع مراحله إلى أن ينتهي إلى الناس ومن مراحله مرحلة أخذ الرسول للوحي وحفظه له وتبليغه إلى الناس.

والتبليغ يعم القول والفعل فإنّ في الفعل تبليغاً كما في القول، فالرسول معصوم من المعصية باقتراف المحرمات وترك الواجبات الدينية، لأنّ في ذلك تبليغاً لما يناقض الدين فهو معصوم من فعل المعصية كما أنّه معصوم من الخطأ في أخذ الوحي وحفظه وتبليغه قولاً.

وقد تقدمت الإشارة إلى أنّ النبوة كالرسالة في دورانها مدار الوحي، فالنبي كالرسول في خاصة العصمة، ويتحصل بذلك انّ أصحاب الوحي سواء كانوا رسلاً أو أنبياء معصومون في أخذ الوحي وفي حفظ ما أُوحي إليهم وفي تبليغه إلى الناس قولاً وفعلاً.(1)

* الآية الثانية

قوله سبحانه: (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعثَ اللّهُ النَّبِيّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقيم) .(2)

إنّ الآية تصرح بأنّ الهدف من بعث الأنبياء هو القضاء بين الناس في ما اختلفوا فيه، وليس المراد من القضاء إلاّ القضاء بالحق، وهو فرع وصول الحق إلى القاضي بلا تغيير وتحريف.


1 . الميزان: 20/133.
2 . البقرة: 213.


(80)

ثم إنّ نتيجة القضاء هي هداية من آمن من الناس إلى الحق بإذنه كما هو صريح قوله: (فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه).

والهادي وإن كان هو اللّه سبحانه في الحقيقة لكن الهداية تتحقق عن طريق النبي، وبواسطته، وتحقق الهداية منه فرع كونه واقفاً على الحق، بلا تحريف.

وكل ذلك يسلتزم عصمة النبي في تلقي الوحي والحفاظ عليه، وإبلاغه إلى الناس.

وبالجملة فالآية تدل على أنّ النبي يقضي بالحق بين الناس ويهدي المؤمنين إليه، وكل ذلك (أي القضاء بالحق أوّلاً، وهداية المؤمنين إليه ثانياً) يستلزم كونه واقفاً على الحق على ما هو عليه وليس المراد من الحق إلاّ ما يوحى إليه.

* الآية الثالثة

قوله سبحانه: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّوَحْيٌ يُوحى) .(1)

فالآية تصرح بأنّ النبي لا ينطق عن الهوى، أي لا يتكلم بداعي الهوى. فالمراد إمّا جميع ما يصدر عنه من القول في مجال الحياة كما هو مقتضى إطلاقه أو خصوص ما يحكيه من اللّه سبحانه، فعلى كل تقدير فهو يدل على صيانته وعصمته في المراحل الثلاث المتقدم ذكرها في مجال إبلاغ الرسالة.

وبما أنّ عصمة الأنبياء في تلك المرحلة تكون من المسلمات عند المحققين من أصحاب المذاهب والملل، فلنعطف عنان البحث إلى ما تضاربت فيه آراء المتكلمين، وإن كان للشيعة فيه قول واحد، وهو عصمتهم عن العصيان والمخالفة لأوامره ونواهيه.


1 . النجم: 3 ـ 4.


(81)

* المرحلة الثانية: عصمة الأنبياء عن المعصية

لقد وقفت على دلائل عصمة الأنبياء في تلقي الوحي وحان الحين للبحث عن عصمتهم عن المعصية. ونبحث في ذلك عن وجهتين: العقلية والقرآنية:

* العقل وعصمة الأنبياء

إنّ القرآن الكريم يصرح بأنّ الهدف من بعث الأنبياء هو تزكية نفوس الناس وتصفيتهم من الرذائل وغرس الفضائل فيها قال سبحانه حاكياً عن لسان إبراهيم: (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(1) وقال سبحانه: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين).(2)

والمراد من التزكية هو تطهير القلوب من الرذائل وإنماء الفضائل، وهذا هو ما يسمى في علم الأخلاق بـ «التريبة».

ولا شك أنّ تأثير التربية في النفوس يتوقف على إذعان من يراد تربيته بصدق المربي وإيمانه بتعاليمه، وهذا يعرف من خلال عمل المربي بما يقوله ويعلمه وإلاّ فلو كان هناك انفكاك بين القول والعمل، لزال الوثوق بصدق قوله وبالتالي تفقد التربية أثرها، ولا تتحقق حينئذ الغاية من البعث.

وإن شئت قلت: إنّ التطابق بين مرحلتي القول والفعل، هو العامل الوحيد لكسب ثقة الآخرين بتعاليم المصلح والمربي، ولو كان هناك انفكاك بينهما


1 . البقرة: 129.
2 . آل عمران: 164.


(82)

لانفض الناس من حوله قائلين بأنّه لو كان مذعناً بصحة دعوته لما خالف قوله في مقام العمل.

* سؤال وجواب

نعم يمكن أن يقال: يكفي في الاعتماد على النبي مصونيته عن معصية واحدة وهي الكذب فالبرهان المذكور على تماميته لا يثبت إلاّ مصونيته عن خصوص الكذب لا مطلقاً.

أقول: الإجابة عن هذا السؤال سهلة، لأنّ التفكيك بين المعاصي فرضية محضة لا يصح أن تقع أساساً للتربية العامة لما فيها من الإشكالات.

أمّا أوّلاً: فانّ المصونية عن المعاصي نتيجة إحدى العوامل التي أوعزنا إليها عند البحث عن حقيقة العصمة فإن تم وجودها أو وجود بعضها تحصل المصونية المطلقة للإنسان، وإلاّ فلا يمكن التفكيك بين الكذب وسائر المعاصي بأن يجتنبالإنسان عن الكذب طيلة عمره ويرتكب سائر المعاصي، فإنّ العوامل التي تسوق الإنسان إلى ارتكابها تسوقه أيضاً إلى اقتراف الكذب واجتياح التهمة.

وأمّا ثانياً: فلو صح التفكيك بينهما في عالم الثبوت لا يمكن إثباته (الداعي لا يكذب أبداً وان كان يركب سائر المعاصي) في حق الداعي ومدعي النبوة، إذ كيف يمكن الإنسان أن يقف على أنّ مدّعي النبوة مع ركوبه المعاصي واقترافه للمآثم، لا يكذب أصلاً عندما اضطر إليه حتى ولو صرح الداعي إلى الإصلاح بنفس هذا التفكيك، لسرى الريب إلى نفس هذا الكلام أيضاً.

وعلى الجملة: انّ الهدف من بعث الرسل وإنزال الكتب هو دعوة الناس إلى الهداية الإلهية التي يقوم بأعبائها الأنبياء والرسل، ولا يتحقق ذلك الهدف إلاّ بعد


(83)

اعتماد الناس على حامل الدعوة والقائم بالهداية، فاقتراف المعاصي ومخالفة ما يدعو إليه من القيم والخلق، يزيل من النفوس الثقة به والاعتماد عليه.

وبهذا البيان تظهر الإجابة عن سؤال لا يقصر في الضآلة عن السؤال الماضي. وهو ما ربما يقال: إنّ أقصى ما يثبته هذا البرهان هو لزوم نزاهة النبي عن اقتراف المعاصي في المجتمع، وهذا لا يخالف أن يكون عاصياً ومقترفاً للذنوب في الخلوات، وهذا القدر من النزاهة كاف في جلب الثقة.

والجواب عن هذا السؤال واضح تمام الوضوح، فإنّ مثل هذا التصور عن النبي والقول بأنّه يرتكب المعاصي في السر دون العلن يهدم الثقة به، إذ ما الذي يمنعه ـ عندئذ ـ من أن يكذب ويتستر على كذبه، وبذلك تزول الثقة بكل ما يقول ويعمل.

أضف إلى ذلك أنّه يمكن خداع الناس بتزيين الظاهر مدة قليلة لا مدة طويلة ولا ينقضي زمان إلاّ وقد تظهر البواطن ويرتفع الستار عن حقيقته فتكشف سوأته، ويظهر عيبه.

إلى هنا ظهر أنّ ثقة الناس بالأنبياء إنّما هي في ضوء الاعتقاد بصحة مقالهم وسلامة أفعالهم، وهو فرع كونهم مصونين عن الخلاف والعصيان في الملأ والخلأ والسر والعلن من غير فرق بين معصية دون أُخرى.

* تقرير المرتضى لهذا البرهان

إنّ السيد المرتضى قد قرر هذا البرهان ببيان آخر نأتي به.

قال ما هذا حاصله: إنّ تجويز الكبائر يقدح في ما هو الغرض من بعث الرسل، وهو قبول قولهم وامتثال أوامرهم ولا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله أو استماع وعظه كسكونها إلى من لا نجوز عليه شيئاً من ذلك، وهذا هو معنى قولنا:


(84)

إنّ وقوع الكبائر ينفّر عن القبول والمرجع فيما ينفر ومالا ينفر إلى العادات واعتبار ما تقتضيه، وليس ذلك مما يستخرج بالأدلة والمقاييس، ومن رجع إلى العادة علم ما ذكرناه، وانّه من أقوى ما ينفر عن قبول القول، فإنّ حظ الكبائر في هذا الباب إن لم يزد على حظ السخف والمجون والخلاعة لم ينقص عنه.

فإن قيل: أليس قد جوّز كثير من الناس على الأنبياء (عليهم السلام) الكبائر مع أنّهم لم ينفروا عن قبول أقوالهم والعمل بما شرعوه من الشرائع، وهذا ينقض قولكم: إنّ الكبائر منفّرة.

قلنا: هذا سؤال من لم يفهم ما أوردناه، لأنّا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق وأن لا يقع امتثال الأمر جملة، وانّما أردنا ما فسرناه من أنّ سكون النفس إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا يجوز ذلك عليه وانّا مع تجويز الكبائر نكون أبعد عن قبول القول، كما أنّا مع الأمان من الكبائر نكون أقرب إلى القبول، وقد يقرب من الشيء ما لا يحصل الشيء عنده، كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده.

ألا ترى أنّ عبوس الداعي للناس إلى طعامه وتضجّره وتبرّمه منفّر في العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يقع ما ذكرناه الحضور والتناول ولا يخرجه من أن يكون منفراً، وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسمه يقرب من حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه، ولا يخرجه من أن يكون مقرباً، فدل على أنّ المعتبر في باب المنفر والمقرب ما ذكرناه دون وقوع الفعل المنفر عنه أو ارتفاعه.

فإن قيل: فهذا يقتضي أنّ الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة، فمن أين يُعلم أنّها لا تقع منهم قبل النبوة، وقد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب والذم، ولم يبق وجه يقتضي التنفير ؟


(85)

قلنا: الطريقة في الأمرين واحدة، لأنّا نعلم أنّ من نجوّز عليه الكفر والكبائر في حال من الأحوال وإن تاب منهما وخرج من استحقاق العقاب به لا نسكن إلى قبول قوله مثل سكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من الأحوال ولا على وجه من الوجوه، ولهذا لا يكون حال الواعظ لنا، الداعي إلى اللّه تعالى ونحن نعرفه مقارناً للكبائر مرتكباً لعظيم الذنوب وان كان قد فارق جميع ذلك وتاب منه عندنا وفي نفوسنا، كحال من لم نعهد منه إلاّ النزاهة والطهارة، ومعلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون والنفور، ولهذا كثيراً ما يعيّر الناس من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها وان وقعت التوبة منها ويجعلون ذلك عيباً ونقصاً وقادحاً ومؤثراً، وليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضاً عن تجويزها في حال النبوة وناقصاً عن رتبته في باب التنفير (ولأجل ذلك) وجب أن لا يكون فيه شيء من التنفير، لأنّ الشيئين قد يشتركان في التنفير وإن كان أحدهما أقوى من صاحبه، ألا ترى أنّ كثرة السخف والمجون والاستمرار عليه والانهماك فيها منفر لا محالة، وإنّ القليل من السخف الذي لا يقع إلاّ في الأحيان والأوقات المتباعدة منفر أيضاً، وان فارق الأوّل في قوة التنفير ولم يخرجه نقصانه في هذا الباب عن الأوّل من أن يكون منفراً في نفسه.

فإن قيل: فمن أين قلتم إنّ الصغائر لا تجوز على الأنبياء (عليهم السلام) في حال النبوة وقبلها؟

قلنا: الطريقة في نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في الحالتين عند التأمّل، لأنّا كما نعلم أنّ من يجوز كونه فاعلاً لكبيرة متقدمة قد تاب منها وأقلع عنها ولم يبق معه شيء من استحقاق عقابها وذمها، لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه، فكذلك نعلم انّ من نجوّز عليه الصغائر من الأنبياء (عليهم السلام) أن يكون مقدماً على القبائح مرتكباً للمعاصي في حال نبوته أو


(86)

قبلها وان وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن منه كل القبائح ولا نجوّز عليه فعل شيء منها.(1)

* إجابة عن سؤال آخر

ربما يقال: إنّ العقلاء يكتفون في تبليغ برامجهم التعليمية والتربوية بما يغلب صدقه على كذبه، ويكفي في ذلك كون الرسول رجلاً صدوقاً عدلاً، ومن المعلوم انّ الصدوق العادل ليس بمعصوم وليس صادقاً مائة بالمائة، وفي نهاية الكمال، ولأجل ذلك لا مانع من أن يكتفي سبحانه في تبليغ شرائع الأنبياء بأفراد صالحين يغلب حسنهم على قبحهم وثباتهم على زللهم.

هذا هو السؤال، وأمّا الجواب: فإنّ اكتفاء العقلاء بهذه الدرجة من الصلاح والاستقامة، لأجل وجهين:

إمّا لعدم تمكنهم من أفراد كاملين، وإمّا لاكتفائهم في تحقق أهدافهم على الحد الخاص من الواقعية وكلا الأمرين لا يناسب ساحته سبحانه، إذ في وسعالمولى سبحانه بعث رجال معصومين، وتحقيق أهدافه على الوجه الأكمل.

يقول العلاّمة الطباطبائي في هذا الصدد: إنّ الناس يتسبّبون في أنواع تبليغاتهم وأغراضهم الاجتماعية بالتبليغ بمن لا يخلو من قصور وتقصير في التبليغ لكن ذلك منهم لأحد أمرين لا يجوز في ما نحن فيه، لمكان المسامحة منهم في الوصول إلى الأهداف، فإنّ مقصودهم هو البلوغ إلى ما تيسر من المطلوب والحصول على اليسير والغض عن الكثير، وهذا لا يليق بساحته تعالى.(2)


1 . تنزيه الأنبياء: 4 ـ 6.
2 . الميزان: 2/141.


(87)

ولأجل هذه الوجوه العقلية نرى القرآن يصرح بعصمة الأنبياء تارة، ويشير إليها أحياناً حيث يصفهم بأنّهم مهديون لا يضلون أبداً، وإليك هذه الآيات التي تعد من أجلى الشواهد القرآنية على عصمة الأنبياء.

* القرآن وعصمة الأنبياء من المعصية

إنّه سبحانه يطرح في كتابه العزيز عصمة الأنبياء ويصفهم بهذا الوصف، ويشهد بذلك لفيف من الآيات:

* الآية الأُولى

قال سبحانه: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّـتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحينَ * وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاً فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمينَ * وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراط مُسْتَقيم) .(1)

ثم إنّه يصف هذه الصفوة من عباده بقوله: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّذِكْرى لِلْعالَمينَ).(2)

والآية الأخيرة تصف الأنبياء بأنّهم مهديون بهداية اللّه سبحانه على وجه يجعلهم القدوة والاسوة.

هذا من جانب ومن جانب آخر نرى أنّه سبحانه يصرح بأنّ من شملته الهداية الإلهية لا مضل له ويقول: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هاد * وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ


1 . الأنعام: 84 ـ 87.
2 . الأنعام: 90.


(88)

فَما لَهُ مِنْ مُضِل).(1)

وفي آية ثالثة يصرح بأنّ حقيقة العصيان هي الانحراف عن الجادة الوسطى بل هي الضلالة ويقول: (أَلَمْ أَعْهَدْإِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ).(2)

وبملاحظة هذه الطوائف الثلاث من الآيات تظهر عصمة الأنبياء بوضوح وتوضيح ذلك:

انّه سبحانه يصف الأنبياء في اللفيف الأوّل من الآيات بأنّهم القدوة الاسوة والمهديون من الأُمّة كما يصرح في اللفيف الثاني بأنّ من شملته الهداية الإلهية لا ضلالة ولا مضل له.

كما هو يصرح في اللفيف الثالث بأنّ العصيان نفس الضلالة أو مقارنه وملازمه حيث يقول: (ولقد أضل منكم) وما كانت ضلالتهم إلاّ لأجل عصيانهم ومخالفتهم لأوامره ونواهيه.

فإذا كان الأنبياء مهديين بهداية اللّه سبحانه، ومن جانب آخر لا يتطرق الضلال إلى من هداه اللّه، ومن جانب ثالث كانت كل معصية ضلالاً يستنتج أنّ من لا تتطرق إليه الضلالة لا يتطرق إليه العصيان.

وإن أردت أن تفرغ ما تفيده هذه الآيات في قالب الأشكال المنطقية فقل:

النبي: من هداه اللّه.

وكل من هداه اللّه فما له من مضل.

ينتج: النبي ما له من مضل.


1 . الزمر: 36 ـ 37.
2 . يس: 60 ـ 62.


(89)

* الآية الثانية

انّه سبحانه يعد المطيعين للّه والرسول بأنّـهم من الذين يحشرون مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين الذين أنعم اللّه عليهم إذ يقول:

(وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءِوَالصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً).(1)

وعلى مفاد هذه الآية فالأنبياء من الذين أنعم اللّه عليهم بلا شك ولا ريب، وهو سبحانه يصف تلك الطائفة أعني: (من أنعم عليهم) بقوله: بأنّهم: (غَيْرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالِّينَ).(2)

فإذا انضمت الآية الأُولى الواصفة للأنبياء بالإنعام عليهم، إلى هذه الآية الواصفة بأنّهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، يستنتج عصمة الأنبياء بوضوح، لأنّ العاصي من يشمله غضب اللّه سبحانه ويكون ضالاً بقدر عصيانه ومخالفته.

وعلى الجملة: من كان غير المغضوب عليه ولا الضال فهو لا يخالف ربه ولا يعصي أمره فإنّ العاصي يجلب غضب الرب، ويضل عن الصراط المستقيم قدر عصيانه.

* الآية الثالثة

انّه سبحانه يصف جملة من الأنبياء ويقول في حق إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ


1 . النساء: 69.
2 . الفاتحة: 7.


(90)

النَّبِيّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) .(1)

فهذه الآية تصف تلك الصفوة من الأنبياء بأوصاف أربعة:

1. أنعم اللّه عليهم.

2. هدينا.

3. واجتبينا.

4. خرّوا سجّداً وبُكيّا.

ثم إنّه سبحانه يصف في الآية التالية ذرية هؤلاء وأولادهم بأوصاف تقابل الصفات الماضية، ويقول: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوفَ يَلْقَونَ غَيّاً).(2)

نرى أنّه سبحانه يصف خلفهم بأوصاف ثلاثة تضاد أوصاف آبائهم وهي عبارة عن أُمور ثلاثة:

1. أضاعوا الصلاة.

2. واتبعوا الشهوات.

3. يلقون غيّاً.

وبحكم المقابلة بين الصفات يكون الأنبياء ممن لم يضيّعوا الصلاة ولم يتّبعوا الشهوات، وبالنتيجة لا يلقون غيّاً، وكل من كان كذلك فهو مصون من الخلاف ومعصوم من اقتراف المعاصي، لأنّ العاصي لا يعصي إلاّ لاتباع الشهوات وسوف يلقى أثر غيه وضلالته.


1 . مريم: 58.
2 . مريم: 59.


(91)

* الآية الرابعة

إنّ القرآن الكريم يدعو المسلمين إلى الاقتفاء بأثر النبي بمختلف التعابير والعبارات يقول سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرينَ).(1)

ويقول أيضاً: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ) .(2)

ويقول في آية ثالثة: (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتَّقهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزونَ) .(3)

كما أنّه سبحانه يندد بمن يتصور انّ على النبي أن يقتفي الرأي العامويقول: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَوْ يُطيعُكُمْ في كَثير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ).(4)

وعصارة القول: إنّ هذه الآيات تدعو إلى إطاعة النبي والاقتداء به بلا قيد وشرط، ومن وجبت طاعته على وجه الإطلاق أي بلا قيد وشرط يجب أن يكون معصوماً من العصيان ومصوناً عن الخطأ والزلل.

توضيحه: انّ دعوة النبي تتحقّق بأحد الأمرين: اللفظ أو العمل. والدعوة بالكتابة ترجع إلى أحدهما، وعند ذلك فلو كان كل ما يدعو إليه النبي بلسانه


1 . آل عمران: 31 ـ 32.
2 . النساء: 80.
3 . النور: 52.
4 . الحجرات: 7.


(92)

وفمه وقلمه ويراعه، صادقاً مطابقاً للواقع غير مخالف له قدر شعرة، لصح الأمر بالاقتداء به وإنّ طاعته طاعة اللّه سبحانه كما قال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ) .(1)

وأمّا لو كان بعض ما يدعو به باللفظ والعمل والقول والكتابة على خلاف الواقع وعلى خلاف ما يرضى به سبحانه يجب تقييد الدعوة إلى طاعة النبي بقيد يخرج هذه الصورة.

فالحكم باتّباعه على وجه الإطلاق يكشف عن أنّ دعواته وأوامره قولاً وفعلاً حليفة الواقع، وقرينة الحقيقة لا تتخلف عنه قدر شعرة، من غير فرق بين الدعوة اللفظية أو العملية.

فإنّ الدعوة عن طريق العمل والفعل من أقوى العوامل تأثيراً في مجال التربية والتعليم وأرسخها وكل عمل يصدر من الرسل فالناس يتلقونه دعوة عملية إلى اقتفاء أثره في ذاك المجال.

فلو كان ما يصدر من النبي طيلة الحياة مطابقاً لرضاه وموافقاً لحكمه صح الأمر بالاقتفاء في القول والفعل، ولو كانت أفعالهم تخالف الواقع في بعض الأحايين وتتسم بالعصيان والخطأ، لما صح الأمر بطاعته والاقتداء به على وجه الإطلاق.

كيف وقد وصف الرسول بأنّه الأُسوة الحسنة في قوله سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً).(2)


1 . النساء: 80.
2 . الأحزاب: 21.


(93)

فكونه أُسوة حسنة في جميع المجالات لا يتفق إلاّ مع عصمته المطلقة، بخلاف من يكون أُسوة في مجال دون مجال، وعلى ذلك فهو مصون من الخلاف والعصيان والخطأ والزلل.

وإن شئت قلت: لو صدر عن النبي عصيان وخلاف فمن جانب يجب علينا طاعته واقتفاؤه واتباعه، وبما انّ الصادر منه أمر منكر يحرم الاقتداء به واتباعه وتجب المخالفة، فعندئذ يلزم الأمر بالمتناقضين، والقول بأنّه يجب اتّباعه في خصوص ما ثبت كونه موافقاً للشرع أو لم تعلم مخالفته له، خلاف إطلاق الآيات الآمرة بالاتّباع على وجه الإطلاق من غير فرق بين فعل دون فعل، ووقت دون وقت.

وهذا المورد من الموارد التي يستكشف بإطلاق الحكم حال الموضوع وسعته وانّه مطابق للشرع، وكم له من مورد في الأحكام الفقهية.(1)

* الآية الخامسة

إنّ اللّه سبحانه يحكي عن الشيطان الطريد بأنّه قال: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) .(2)

ويقول أيضاً: (وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ * إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) .(3)


1 . وقد عنونه الأُصوليون في أبحاث العام والخاص فيستكشفون عن إطلاق الحكم سعة الموضوع كما في مثل قوله: «لعن اللّه بني أُمية قاطبة» فيستدل بإطلاقه على سعته وعدم وجود مؤمن فيهم، وإلاّ لما صح الحكم بالإطلاق.
2 . ص: 83 ـ 84.
3 . الحجر: 39 ـ 40.


(94)

فهذه الآيات ونظائرها تحكي عن نزاهة المخلصين عن إغواء الشيطان وجرّه إيّاهم إلى الطرق المظلمة.

توضيحه: انّ الغي يستعمل تارة في خلاف الرشد وإظلام الأمر، وأُخرى في فساد الشيء، قال ابن فارس: فالأوّل الغي وهو خلاف الرشد، والجهل بالأمر والانهماك في الباطل، يقال: غوى يغوي غياً، قال الشاعر:

فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره *** ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً

وذلك عندنا مشتق من الغياية، وهي الغبرة والظلمة تغشيان، كأنّ ذا الغيِّ قد غشيه ما لا يرى معه سبيل حق.

وأمّا الثاني: فمنه قولهم: غوي الفصيل إذا أكثر من شرب اللبن ففسد جوفه، والمصدر: الغوى.(1)

وعلى ذلك فسواء فسرت الغواية في الآيتين بالمعنى الأوّل كما هو الأقرب أو بالمعنى الثاني، فالعباد المخلصون منزهون عن أن تغشاهم الغبرة والظلمة في حياتهم أو أن يرتكبوا أمراً فاسداً، ونفي كلا الأمرين يستلزم العصمة، لأنّ العاصي تغشاه غبرة الجهل وظلمة الباطل، كما أنّه يفسد علمه بالمخالفة.

نعم إثبات الغواية لا يستلزم إثبات المعصية، فإنّ مخالفة الأوامر الإرشادية التي لا تتبنى إلاّ النصح والإرشاد وإن كانت تلازم غشيان الغبرة في الحياة وفسادالعمل، لكنها لا تستلزم التمرد والتجري اللّذين هما الملاك في صدق المعصية.


1 . مقاييس اللغة: 4/399 ـ 400.


(95)

وعلى كل تقدير ، فما ورد في هذه الطائفة من الآيات بمنزلة ضابطة كلية في حق المخلصين ونزاهتهم عن الغواية الملازمة لنزاهتهم عن المعصية.

وهناك آيات أُخرى تأتي بأسماء المخلصين وتصفهم وتقول: (وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدي وَالأَبْصارِ * إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَة ذِكْرَى الدّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيارِ * وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيارِ ) .(1)

فقوله سبحانه: (إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَة ذِكْرَى الدّارِ)خير دليل على أنّ المعدودين والمذكورين في هذه الآيات من إبراهيم وذريته كلهم من المخلصين الذين شهدت الآيات على تنزههم من غواية الشيطان الملازم لنزاهتهم عن العصيان والخلاف.

نعم هذه الطائفة لا تدل على عصمة جميع الأنبياء والرسل إلاّ بعدم القولبالفصل حيث إنّ العلماء متفقون إمّا على العصمة أو على خلافها، وليس هناك من يفصل بين نبي دون نبي بأن يثبت العصمة في حق بعضهم دون بعض.

هذا بعض ما يمكن الاستدلال به على عصمة الأنبياء وبقيت هناك آيات يمكن الاستدلال بها على العصمة أيضاً مثل قوله سبحانه: (وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراط مُسْتَقِيم).(2)

لأنّ المراد من الاجتباء هو الاجتباء بالعصمة وان كان يحتمل أن يكون المراد


1 . ص: 45 ـ 48.
2 . الأنعام: 87.


(96)

الاجتباء بالنبوة، والكلام هنا في الاجتباء دون الهداية.

ومثله قوله سبحانه: (وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً).(1)


1 . مريم: 58.


(97)

حجة المخالفين للعصمة

قد تعرفت على الآيات الدالة على عصمة الأنبياء في المجالات التالية: «تلقّي الوحي، والتحفّظ عليه، وإبلاغه إلى الناس، والعمل به» غير انّ هناك آيات ربما توهم في بادئ النظر خلاف ما دلت عليه صراحة الآيات السابقة، وقد تذرعت بها بعض الفرق الإسلامية التي جوزت المعصية على الأنبياء بمختلف صورها.

وهذه الآيات على طوائف:

الأُولى: ما يمس ظاهرها عصمة جميع الأنبياء بصورة كليّة.

الثانية: ما يمس عصمة عدة منهم كآدم ويونس بصورة جزئية.

الثالثة: ما يتراءى منه عدم عصمة النبي الأكرم.

فعلينا دراسة هذه الأصناف من الآيات حتى يتجلّى الحق بأجلى مظاهره:

* الطائفة الأُولى: ما يمس ظاهرها عصمة جميع الأنبياء

* الآية الأُولى

ومن هذه الطائفة قوله سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّرِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوا أَفَلا تَعْقِلُونَ) .(1)


1 . يوسف: 109.


(98)

(حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدَكُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَومِ الْمُجْرِمينَ).(1)

استدل القائل بعدم وجود العصمة في الأنبياء بظاهر الآية قائلاً بأنّ الضمائر الثلاثة في قوله: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا)ترجع إلى الرسل، ومفاد الآية انّ رسل اللّه سبحانه وأنبياءه كانوا ينذرون قومهم، وكان القوم يخالفونهم أشد المخالفة، وكان الرسل يعدون المؤمنين بالنصر عن اللّه والغلبة ويوعدون الكفّار بالهلاك والإبادة، لكن لما تأخر النصر الموعود وعقاب الكافرين «ظن الرسل أنّهم قد كذبوا» فيما وعدوا به من جانب اللّه من نصر المؤمنين وإهلاك الكافرين، ومن المعلوم انّ هذا الظن سواء أكان بصورة الإذعان واليقين أو بصورة الزعم والميل إلى ذاك الجانب، اعتقاد باطل لا يجتمع مع العصمة.

وإن شئت تفسير الآية فعليك بإظهار مراجع الضمائر بأن تقول: لما أخّرنا العقاب عن الأُمم السالفة ظن الرسل انّ الرسل قد كذب (بصيغة المجهول) الرسل في ما وعدوا به من النصر للمؤمنين والهلاك للكافرين.

وعلى هذا فكل جواب من العدلية القائلين بعصمة الرسل على خلاف هذا الظاهر يكون غير متين، بل يجب أن يكون الجواب منطبقاً على هذا الظاهر.

وإليك الأجوبة المذكورة في التفاسير:

الأوّل:

انّ الضمائر الثلاثة ترجع إلى الرسل غير انّ الوعد الذي تصور الرسل أنّهم قد كذبوا (أي قيل لهم قولاً كاذباً) هو تظاهر عدة من المؤمنين بالإيمان وادّعاؤهم الإخلاص لهم، فتصور الرسل انّ تظاهر هؤلاء بالإيمان كان كذباً وباطلاً، وكأنّهم تصوروا انّ الذين وعدوهم بالإيمان من قومهم أخلفوهم أو كذبوا فيما أظهروه من الإيمان.(2)


1 . يوسف: 110.
2 . مجمع البيان: 5 ـ 6 / 415، ط دار المعرفة ، بيروت.


(99)

وفيه: انّ هذا الجواب وان كان أظهر الأجوبة إذ ليس فيه تفكيك بين الضمائر كما في سائر الأجوبة الآتية لكن الذي يرده هو بعده عن ظاهر الآية، إذ ليس فيها عن إيمان تلك الثلة القليلة أثر حتى يقع متعلّق الكذب في قوله سبحانه: (قد كذبوا).

وإن شئت قلت: ليس في مقدم الآية ولا في نفسها ما يشير إلى أنّه قد آمن بالرسل عدّة قليلة وتظاهروا بالإيمان غير انّه صدر عنهم ما جعل الأنبياء يظنون بكذبهم في ما أظهروه من الإيمان حتى يصح أن يقال انّ متعلق الكذب هو هذا، وانّما المذكور في مقدمها ونفسها هو مخالفة الزمرة الطاغية من أقوام الأنبياء وعنادهم ولجاجهم مع رسل اللّه وأنبيائه حيث يقول: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوا أَفَلا تَعْقِلُونَ).(1)

ومجرد قوله: (ولدار الآخرة خير للّذين اتقوا) لا يكفي في جعل إيمانهم متعلّقاً للكذب، إذ عندئذ يجب أن تتعرض الآية إلى إيمان تلك الشرذمة وصدور ما يوجب ظنهم بخلاف ما تظاهروا به حتى يصح أن يقال إنّ الرسل ظنوا انّ المتظاهرين بالإيمان قد كذبوا في ادّعاء الإيمان بالرسل.

أضف إلى ذلك: إنّ هذه الإجابة لا تصحّح العصمة المطلقة للأنبياء، إذ على هذا الجواب يكون ظن الرسل بعدم إيمان تلك الشرذمة القليلة خطأً، وكان ادّعاؤهم للإيمان صادقاً، وهذا يمس كرامتهم من جانب آخر، لأنّهم تخيّلوا غير الواقع واقعاً، والمؤمن كافراً.

على أنّ ذلك الجواب لا يناسب ذيل الجملة فانّه سبحانه يقول بعد تلك الجملة: (جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء) مع أنّ المناسب على هذه الإجابة أن


1 . يوسف: 109.


(100)

يقول: «بل تبين للرسل صدق ادّعاء المؤمنين فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين».

الثاني:

انّ معنى الآية: ظن الأُمم أنّ الرسل كذبوا في ما أخبروا به من نصر اللّه إيّاهم وإهلاك أعدائهم وهذا الوجه هو المروي عن سعيد بن جبير واختاره العلاّمة الطباطبائي ، فالآية تهدف إلى أنّه إذا استيئس الرسل من إيمان أُولئك الناس، هذا من جانب ومن جانب آخر ظنّ الناس ـ لأجل تأخر العذاب ـ انّ الرسل قد كذبوا، أي أخبروا بنصر المؤمنين وعذاب الكافرين كذباً، جاءهم نصرنا، فنجّي بذلك من نشاء وهم المؤمنون، ولا يرد بأسنا أي شدتنا عن القوم المجرمين.

وقد دلّت الآيات على أنّ الأُمم السالفة كانوا ينسبون الأنبياء إلى الكذب، قال سبحانه في قصة نوح حاكياً عن قول قومه: (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبينَ)(1)، وكذا في قصة هود وصالح.

وقال سبحانه في قصة موسى: (فَقالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً)(2).(3)

ولا يخفى ما في هذا الجواب من الإشكال، فإنّ الظاهر هو انّ مرجع الضمير المتصل في «ظنّوا» هو الرسل المقدم عليه، وإرجاعه إلى الناس على خلاف الظاهر، وعلى خلاف البلاغة وليس في نفس الآية حديث عن هذا اللفظ (الناس) حتى يكون مرجعاً للضمير في «ظنّوا».

أضف إلى ذلك انّ ما استشهد به مما ورد في قصة نوح لا يرتبط بما ادّعاه فإنّ


1 . هود: 27.
2 . الإسراء: 101.
3 . الميزان: 11/279.


(101)

معنى (بل نظنّكم كاذبين) انّ الناس صوّروا نفس الرسل كاذبين وانّهم قد تعمّدوا التقوّل على خلاف الواقع، والمذكور في الآية المبحوث عنها ليس كون الرسل كاذبين بل كونهم مكذوبين، أي وعدوا كذباً وقيل لهم قولاً غير صادق وإن تصوّروا أنفسهم صادقين في ما يخبرون به، وبين المعنيين بون بعيد.

الثالث:

ما روي عن ابن عباس من أنّ الرسل لمّا ضعفوا وغلبوا ظنّوا أنّهم قد أخلفوا ما وعدهم اللّه من النصر ،وقال كانوا بشراً، وتلا قوله: (وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللّهِ).(1)

وقال صاحب الكشاف في حق هذا القول: إنّه إن صح هذا عن ابن عباس، فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأمّا الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين فما بال رسل اللّه الذين هم أعرف الناس بربهم، وانّه متعال عن خلف الميعاد منزه عن كل قبيح.(2)

وهذا التفسير مع التوجيه الذي ذكره الزمخشري وإن كان أوقع التفاسير في القلوب غير انّه أيضاً لا يناسب ساحة الأنبياء الذين تسددهم روح القدس وتحفظهم عن الزلل والخطأ في الفكر والعمل، وتلك الهاجسة وان كانت بصورة حديث النفس وشبه الوسوسة لكنها لا تلائم العصمة المطلقة المترقبة من الأنبياء.

* الرابع (وهو المختار)

إنّ المستدل زعم أنّ الظن المذكور في الآية أمر قلبي اعترى قلوب الرسل،


1 . البقرة: 214.
2 . الكشاف: 2/157.


(102)

وأدركوه بمشاعرهم وعقولهم مثل سائر الظنون التي تحدق بالقلوب البشرية وتنقدح فيها.

مع أنّ المراد غير ذلك ،بل المراد انّ الظروف التي حاقت بالرسل بلغت من الشدة والقسوة الى حد صارت تحكي بلسانها التكويني عن أنّ النصر الموعود كأنّه نصر غير صادق، لا أنّ هذا الظن كان يراود قلوب الرسل، وأفئدتهم، وكم فرق بين كونهم ظانّين بكون الوعد الإلهي بالنصر وعداً مكذوباً، وبين كون الظروف والشرائط المحيطة بهم من المحنة والشدة كانت كأنّها تشهد في بادئ النظر على أنّه ليس لوعده سبحانه خبر ولا أثر.

فحكاية وضعهم والملابسات التي كانت تحدق بهم عن كون الوعد كذباً أمر، وكون الأنبياء قد وقعوا فريسة ذلك الظن غير الصالح أمر آخر، والمخالف للعصمة هو الثاني لا الأوّل، ولذلك نظائر في الذكر الحكيم.

منها قوله سبحانه: (وَذَا النُّونِ إِذْذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمينَ) (1)، فإنّ يونس النبي بن متى كان مبعوثاً إلى أهل نينوى، فدعاهم فلم يؤمنوا، فسأل اللّه أن يعذّبهم، فلمّا أشرف عليهم العذاب تابوا وآمنوا، فكشفه اللّه عنهم وفارقهم يونس قبل نزول العذاب مغاضباً لقومه ظانّاً بأنّه سبحانه لن يضيق عليه وهو يفوته بالابتعاد منه فلا يقوى على سياسته وتأديبه، لأجل مفارقته قومه مع إمكان رجوعهم إلى اللّه سبحانه وإيمانهم به وتوبتهم عن أعمالهم.

فما هذا الظن الذي ينسبه سبحانه إلى يونس، هل كان ظناً قائماً بمشاعره، فنحن نجلّه ونجلّ ساحة جميع الأنبياء عن هذا الظن الذي لا يتردد في ذهن غيرهم ،فكيف الأنبياء؟! بل المراد انّ عمله هذا (أي ذهابه ومفارقة قومه) كان


1 . الأنبياء: 87.


(103)

ممثلاً بأنّه يظن أنّ مولاه لا يقدر عليه وهو يفوته بالابتعاد عنه فلا يقوى على سياسته، فكم فرق بين ورود هذا الظن على مشاعر يونس، وبين كون عمله مجسماً وممثلاً لهذا الظن في كل من رآه وشاهده؟ فما يخالف العصمة هو الأوّل لا الثاني.

ومنها: قوله سبحانه في سورة الحشر حاكياً عن بني النضير إحدى الفرق اليهودية الثلاث التي كانت تعيش في المدينة، وتعاقدوا مع النبي على أن لا يخونوا ويتعاونوا في المصالح العامة، ولما خدعوا المسلمين وقتلوا بعض المؤمنين في مرأى من الناس ومسمع منهم، ضيّق عليهم النبي، فلجأوا إلى حصونهم، وفي ذلك يقول سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لأَوّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّهِ فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا).(1)

فما هذا الظن الذي ينسبه سبحانه إلى تلك الفرقة؟ هل كانوا يظنون بقلوبهم أنّ حصونهم مانعتهم من اللّه؟ فإنّ ذلك بعيد جداً، فانّهم كانوا موحّدين ومعترفين بقدرته سبحانه غير انّ علمهم والتجاءهم إلى حصونهم في مقابل النبي الذي تبيّن لهم صدق نبوته كان يحكي عن أنّهم مصدر هذا الظن وصاحبه.

ولذلك نظائر في المحاورات العرفية فإنّا نصف المتهالكين في الدنيا والغارقين في زخارفها، والبانين للقصور المشيدة والأبراج العاجية بأنّهم يعتقدون بخلود العيش ودوام الحياة، وانّ الموت كأنّه كتب على غيرهم، ولا شك أنّ هذه النسبة نسبة صادقة لكن بالمعنى الذي عرفت أي أنّ عملهم مبدأ انتزاع هذا الظن، ومصدر هذه النسبة.

وعلى ذلك فالآية تهدف إلى أنّ البلايا والشدائد كانت تحدق بالأنبياء طيلة


1 . الحشر: 2.


(104)

حياتهم وتشتد عليهم الأزمة والمحنة من جانب المخالفين، فكانوا يعيشون بين أقوام كأنّهم أعداء ألداء، وكان المؤمنون بهم في قلّة، فصارت حياتهم المشحونة بالبلايا والنوازل، والبأساء والضراء، مظنّة لأن يتخيّل كل من وقف عليها من نبي وغيره، انّ ما وعدوا به وعد غير صادق، ولكن لم يبرح الوضع على هذا المنوال حتى يفاجئهم نصره سبحانه، للمؤمنين، وإهلاكه وإبادته للمخالفين كما يقول: (فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُردُّ بأسُنا عنِ القومِ المُجْرمين).(1)

ويشعر بما ذكرناه قوله سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ).(2)

فالمراد من الرسول هو غير النبي الأكرم من الرسل السابقين، فعندما كانت البأساء والضراء تحدق بالمؤمنين ونفس الرسول، وكانت المحن تزلزل المؤمنين حتى أنّـها كانت تحبس الأنفاس، فعند ذلك كانت تكاد تلك الأنفاس المحبوسة والآلام المكنونة تتفجر في شكل ضراعة إلى اللّه، فيقول الرسول والذين آمنوا معه (متى نصر اللّه) ؟ فإنّ كلمة (متى نصر اللّه)مقرونة بالضراعة والالتماس، تقعمظنة تصور استيلاء اليأس والقنوط عليهم لا بمعنى وجودهما في أرواحهم وقلوبهم، بل بالمعنى الذي عرفت من كونه ظاهراً من أحوالهم لا من أقوالهم.

وما برح الوضع على هذا إلى أن كان النصر ينزل عليهم وتنقشع عنهم سحب اليأس والقنوط المنتزع من تلك الحالة.

هذا ما وصلنا إليه في تفسير الآية، ولعلّ القارئ يجد تفسيراً أوقع في النفس مما ذكرناه.


1 . يوسف: 110.
2 . البقرة: 214.


(105)

* الآية الثانية

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلا نَبِىّ إِلاَّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).(1)

(لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمينَ لَفي شِقاق بَعِيد) .(2)

(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللّهَ لَهادِالَّذينَ آمَنُوا إِلى صِراط مُسْتَقيم).(3)

وهذه الآية أو الآيات من أوثق الأدلة في نظر القائل بعدم عصمة الأنبياء، وقد استغلها المستشرقون في مجال التشكيك في الوحي النازل على النبي على وجه سيوافيك بيانه.

وكأنّ المستدل بهذه الآية يفسر إلقاء الشيطان في أُمنية الرسول أو النبي بالتدخل في الوحي النازل عليه فيغيره إلى غير ما نزل به.

ثم إنّه سبحانه يمحو ما يلقي الشيطان ويصحّح ما أُُنزل على رسوله من الآيات، فلو كان هذا مفاد الآية، فهو دليل على عدم عصمة الأنبياء في مجال التحفّظ على الوحي أو إبلاغه الذي اتفقت كلمة المتكلمين على المصونية في هذا المجال.

وربما يؤيد هذا التفسير بما رواه الطبري وغيره في سبب نزول هذه الآية، وسيوافيك نصه وما فيه من الإشكال.


1 . الحج: 52.
2 . الحج: 53.
3 . الحج: 54.


(106)

فالأولى تناول الآية بالبحث والتفسير حتى يتبيّن انّها تهدف إلى غير ما فسّره المستدل فنقول: يجب توضيح نقاط في الآيات.

الأُولى: ما معنى أُمنية الرسول أو النبي؟ وإلى مَ يهدف قوله سبحانه: (إذا تمنّى) ؟

الثانية: ما معنى مداخلة الشيطان في أُمنية النبي الذي يفيده قول اللّه سبحانه: (ألقى الشيطان في أُمنيّته) ؟

الثالثة: ما معنى نسخ اللّه سبحانه ما يلقيه الشيطان؟

الرابعة: ماذا يريد سبحانه من قوله: (ثم يحكم اللّه آياته) وهل المراد منه الآيات القرآنية؟

الخامسة: كيف يكون ما يلقيه الشيطان فتنة لمرضى القلوب وقاسيتها؟ وكيف يكون سبباً لإيمان المؤمنين، وإخبات قلوبهم له؟

وبتفسير هذه النقاط الخمس يرتفع الإبهام الذي نسجته الأوهام حول الآية ومفادها فنقول:

1. ما معنى أُمنية الرسول أو النبي؟

أمّا الأُمنية قال ابن فارس: فهي من المنى، بمعنى تقدير شيء ونفاذ القضاء به، منه قولهم: مني له الماني أي قدر المقدر قال الهذلي:

لا تأمنن وان أمسيت في حرم *** حتى تلاقي ما يمني لك الماني

والمنا: القدر، وماء الإنسان: منيّ، أي يُقدّر منه خلقته. والمنيّة: الموت، لأنّها مقدّرة على كل أحد، وتمنّى الإنسان: أمل يقدِّره، ومنى مكة: قال قوم: سمِّي به لما قُدِّر أن يُذبح فيه، من قولك مناه اللّه.(1)


1 . المقاييس: 5/276.


(107)

وعلى ذلك فيجب علينا أن نقف على أُمنية الرسل والأنبياء من طريق الكتاب العزيز، ولا يشك من سبر الذكر الحكيم انّه لم يكن للرسل والأنبياء، أُمنية سوى نشر الهداية الإلهية بين أقوامهم وإرشادهم إلى طريق الخير والسعادة، وكانوا يدأبون في تنفيذ هذا المقصد السامي، والهدف الرفيع ولا يألون في ذلك جهداً، وكانوا يخططون لهذا الأمر، ويفكّرون في الخطة بعد الخطة، ويمهدون له قدر مستطاعهم، ويدل على ذلك جمع من الآيات نكتفي بذكر بعضها:

يقول سبحانه في حق النبي الأكرم: (وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنينَ).(1)

ويقول أيضاً: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرات إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ) .(2)

ويقول أيضاً: (إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرينَ).(3)

ويقول سبحانه: (إِنَّكَ لاتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ).(4)

ويقول سبحانه: (فَذَكِّرْإِنَّما أَنْتَ مُذَكِّر * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بُمُصَيْطِر) .(5)

هذا كلّه في حق النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

ويقول سبحانه حاكياً عن استقامة نوح في طريق دعوته: (وَإِنّي كُلَّما


1 . يوسف: 103.
2 . فاطر: 8.
3 . النحل: 37.
4 . القصص: 56.
5 . الغاشية: 21 ـ 22.


(108)

دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً * ثُمَّ إِنّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً * ثُمَّ إِنّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً).(1)

ويقول سبحانه بعد عدة من الآيات: (قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْني وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّخَساراً * وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً * وَقالُوا لا تَذَرُُنَّ آلهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْأَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِالظّالِمينَ إِلاّ ضَلالاً).(2)

فهذه الآيات ونظائرها تنبئ بوضوح عن أنّ أُمنية الأنبياء الوحيدة في حياتهم وسبيل دعوتهم هو هداية الناس إلى اللّه، وتوسيع رقعة الدعوة إلى أبعد حد ممكن، وان منعتهم من تحقيق هذا الهدف عراقيل وموانع، فهم يسعون إلى ذلك بعزيمة راسخة ورجاء واثق.

إلى هنا تبيّن الجواب عن السؤال الأوّل، وهلم معي الآن لنقف على جواب السؤال الثاني، أعني:

* 2. ما معنى إلقاء الشيطان في أُمنية الرسل؟

وهذا السؤال هو النقطة الحاسمة في استدلال المخالف، وبالإجابة عليها يظهر وهن الاستدلال بوضوح فنقول: إنّ إلقاء الشيطان في أُمنيتهم يتحقّق بإحدى صورتين:

1. أن يوسوس في قلوب الأنبياء ويوهن عزائمهم الراسخة، ويقنعهم بعدم جدوى دعوتهم وإرشادهم، وانّ هذه الأُمّة أُمّة غير قابلة للهداية، فتظهر بسبب


1 . نوح: 7 ـ 9.
2 . نوح: 21 ـ 24.


(109)

ذلك سحائب اليأس في قلوبهم ويكفّوا عن دعوة الناس وينصرفوا عن هدايتهم.

ولا شك أنّ هذا المعنى لا يناسب ساحة الأنبياء بنص القرآن الكريم، لأنّه يستلزم أن يكون للشيطان سلطان على قلوب الأنبياء وضمائرهم، حتى يوهن عزائمهم في طريق الدعوة والإرشاد، والقرآن الكريم ينفي تسلل الشيطان إلى ضمائر المخلصين الذين هم الأنبياء ومن دونهم، ويقول سبحانه: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ).(1)

ويقول أيضاً ناقلاً عن نفس الشيطان: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَّنَهُمْ أَجْمَعينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).(2)

وليس إيجاد الوهن في عزائم الأنبياء من جانب الشيطان إلاّ إغواءهم المنفي بنص الآيات.

2. أن يكون المراد من إلقاء الشيطان في أُمنية النبي هو إغراء الناس ودعوتهم إلى مخالفة الأنبياء (عليهم السلام) والصمود في وجوههم حتى تصبح جهودهم ومخططاتهم عقيمة غير مفيدة.

وهذا المعنى هو الظاهر من القرآن الكريم حيث يحكي في غير مورد أنّ الشيطان كان يحض أقوام الأنبياء (عليهم السلام)على المخالفة ويعدهم بالأماني، حتى يخالفوهم.

قال سبحانه: (يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِم وَمَا يَعِدُهُمُ الشّيطانُ إلاّ غُرُوراً) .(3)


1 . الحجر: 42، الإسراء: 65.
2 . ص: 82 ـ 83.
3 . النساء: 120.


(110)

وقال سبحانه: (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوعَدتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطان إِلاّأَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلومُوني وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ).(1)

وهذه الآيات ونظائرها تشهد بوضوح على أنّ الشيطان وجنوده كانوا يسعون بشدة وحماس في حضّ الناس على مخالفة الأنبياء والرسل، وكانوا يخدعونهم بالعدة والأماني، وعند ذلك يتضح مفاد الآية، قال سبحانه: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى (أي إذا فكّر في هداية أُمّته وخطّط لذلك الخطط، وهيّأ لذلك المقدمات) ألقى الشيطان في أُمنيّته)(بحض الناس على المخالفةوالمعاكسة وإفشال خطط الأنبياء حتى تصبح المقدمات عقيمة غير منتجة).

* 3. ما معنى نسخه سبحانه ما يلقيه الشيطان ؟

إذا عرفت هذا المقطع من الآية يجب أن نقف على مفاد المقطع الآخر منها وهو قوله سبحانه: (فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان)وما معنى هذا النسخ؟

والمراد من ذاك النسخ ما وعد اللّه سبحانه رسله بالنصر، والعون والإنجاح، قال سبحانه: (إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا)(2)، وقال سبحانه: (كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)(3)، وقال سبحانه: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ).(4)


1 . إبراهيم: 22.
2 . غافر: 51.
3 . المجادلة: 21.
4 . الأنبياء: 18.


(111)

وقال سبحانه: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ).(1)

وقال في حق النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) .(2)

وقال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ).(3)

إلى غير ذلك من الآيات الساطعة التي تحكي عن انتصار الحق الممثل في الرسالات الإلهية في صراعها مع الباطل وأتباعه.

* 4. ما معنى إحكامه سبحانه آياته؟

إذا تبين معنى نسخه سبحانه ما يلقيه الشيطان، يتبين المراد من قوله سبحانه: (ثم يحكم اللّه آياته).

فالمراد من الآيات هي الدلائل الناصعة الهادية إلى اللّه سبحانه وإلى مرضاته وشرائعه.

وإن شئت قلت: إذا نسخ ما يلقيه الشيطان، يخلفه ما يلقيه سبحانه إلى أنبيائه من الآيات الهادية إلى رضاه أوّلاً، وسعادة الناس ثانياً.

ومن أسخف القول: إنّ المراد من الآيات، الآيات القرآنية التي نزلت على النبي الأكرم، وذلك لأنّ موضوع البحث فيها ليس خصوص النبي الأكرم، بل الرسل والأنبياء على وجه الإطلاق، أضف إليه انّه ليس كل نبي ذا كتاب وآيات،


1 . الصافات: 171 ـ 173.
2 . التوبة: 33.
3 . الأنبياء: 105.


(112)

فكيف يمكن أن يكون ذا قرآن مثله؟

ويعود مفاد الجملة إلى أنّ اللّه سبحانه يحكم دينه وشرائعه وما أنزله اللّه إلى أنبيائه وسفرائه من الكتاب والحكمة.

والحاصل: انّ في مجال الصراع بين أنصار الحق وجنود الباطل يكون الانتصار والظفر للأوّل، والاندحار والهزيمة للثاني فتضمحل الخطط الشيطانية وتنهزم أذنابه، بإرادة اللّه سبحانه، فتخلفها البرامج الحيوية الإلهية وآياته الناصعة، فيصبح الحق قائماً وثابتاً، والباطل داثراً وزاهقاً، قال سبحانه: (وَقُلْ جاءَالحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) .(1)

* 5. ما هي النتيجة من هذا الصراع؟

قد عرفت أنّ الآية تعلل الهدف من هذا الصراع بأنّ ما يلقيه الشيطان يكون فتنة لطوائف ثلاث:

1. الذين في قلوبهم مرض.

2. ذات القلوب القاسية.

3. الذين أوتوا العلم.

إنّ نتيجة هذا الصراع تعود إلى اختبار الناس وامتحانهم حتى يظهروا مافي مكامن نفوسهم وضمائر قلوبهم من الكفر والنفاق أو من الإخلاص والإيمان.

فالنفوس المريضة التي لم تنلها التزكية والتربية الإلهية، والقلوب القاسية التي أسّرتها الشهوات، وأعمتها زبارج الحياة الدنيا، تتسابق إلى دعوة الشيطان


1 . الإسراء: 81.


(113)

وتتبعه فيظهر ما في مكامنها من الكفر والقسوة، فيثبت نفاقها ويظهر كفرها.

وأمّا النفوس المؤمنة الواقفة على أنّ ما جاء به الرسل حق من جانب اللّه سبحانه، فلا يزيدها ذلك إلاّ إيماناً وثباتاً وهداية وصمودا.

وهذه النتيجة حاكمة في عامة اختبارات اللّه سبحانه لعباده، فإنّ اختباراته سبحانه ليس لأجل العلم بواقع النفوس ومكامنها، فإنّه يعلم بها قبل اختبارها (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ)(1) ، وانّما الهدف من الاختبار هو إخراج تلك القوى والقابليات الكامنة في النفوس والقلوب، إلى عالم التحقّق والفعلية وبالتالي تمكين الاستعدادات من الظهور والوجود.

وفي ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في معنى الاختبار بالأموال والأولاد الوارد في قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ)(2) : «ليتبيّن الساخط لرزقه، والراضي بقسمه، وان كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب».(3)

وقد وقفت بعد ما حررت هذا على كلام لفقيد العلم والتفسير الشيخ محمد جواد البلاغي ـ قدس اللّه سره ـ وهو قريب مما ذكرناه: قال: المراد من الأُمنية هو الشيء المتمنّى كما هو الاستعمال الشائع في الشعر والنثر، كما أنّ الظاهر من التمنّي المنسوب إلى الرسول والنبي ويشهد به سوق الآيات، هو أن يكون ما يناسب وظيفتهما، وهو تمنّي ظهور الهدى في الناس وانطماس الغواية والهوى، وتأييد شريعة الحق، ونحو ذلك، فيلقي الشيطان بغوايته بين الناس في هذا المتمّنى


1 . الملك: 14.
2 . الأنفال: 28.
3 . نهج البلاغة: قسم الحكم الرقم : 93.


(114)

الصالح ما يشوشه، ويكون فتنة للذين في قلوبهم مرض، كما ألقى بين أُمّة موسى من الضلال والغواية ما ألقى، وألقى بين أتباع المسيح ما أوجب ارتداد كثير منهم، وشك خواصهم فيه واضطرابهم في التعاليم، وأحكام الشريعة بعده، وألقى بين قوم رسول اللّه ما أهاجهم على تكذيبه وحربه وبين أُمّته ما أوجب الخلاف وظهور البدع فينسخ اللّه بنور الهدى غياهب الضلال وغواية الشيطان، فيسفر للعقول السليمة صبح الحق، ثم يحكم اللّه آياته ويؤيد حججه بإرسال الرسل، أو تسديد جامعة الدين القيم.(1)

وما ذكـره ـ قدّس اللّه سرّه ـ كلام لا غبار عليه، وقد شيدنا أساسه فيما سبق.

إلى هنا تبيّن مفاد جميع مقاطع الآية بوضوح وبقي الكلام في التفسير السخيف الذي تمسك به بعض القساوسة الطاعنين في الإسلام، ومن حذا حذوهم من البسطاء.

* التفسير الباطل للآية

ثمّ إنّ بعض القساوسة الذين أرادوا الطعن في الإسلام والتنقيص من شأن القرآن، تمسّكوا بهذه الآية وقالوا: بأنّ المراد من الآية هو انّ «ما من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنّى وتلا الآيات النازلة عليه تدخل الشيطان في قراءته فأدخل فيها ما ليس منها» واستشهدوا لذلك التفسير بما رواه الطبري عن محمد بن كعب القرضي، ومحمد بن قيس قالا: جلس رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنّى يومئذ أن لا يأتيه من اللّه شيء فينفروا عنه، فأنزل اللّه عليه (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى)(2) فقرأها (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى إذا بلغ: (أفَرأيتُمُ اللاَّتَ والعُزّى * ومَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى) (3) ألقى عليه الشيطان كلمتين: «تلك


1 . الهدى إلى دين المصطفى: 1/134.
2 . النجم: 1 ـ 2.
3 . النجم: 19 ـ 20.


(115)

الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» فتكلم بها ثم مضى فقرأ السورة كلّها، فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعاً معه، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود، فرضوا بما تكلم به وقالوا قد عرفنا: إنّ اللّه يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده إذ جعلت لها نصيباً فنحن معك، قالا: فلمّا أمسى أتاه جبرائيل (عليه السلام) فعرض عليه السورة، فلمّا بلغ الكلمتين اللّتين ألقى الشيطان عليه، قال ما جئتك بهاتين، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : افتريت على اللّه وقلت على اللّه ما لم يقل فأوحى اللّه إليه: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ)إلى قوله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً)(1)، فما زال مغموماً مهموماً حتى نزلت عليه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلا نَبِىّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ ما يلقِي الشَّيطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ واللّهُ عَليِمٌ حَكِيمٌ)قال فسمع من كانمنالمهاجرين بأرض الحبشة انّ أهل مكة قد أسلموا كلهم فرجعوا إلى عشائرهموقالوا: هم أحب إلينا فوجدوا قد ارتكسوا حين نسخ اللّه ما ألقى الشيطان.(2)

ولا يخفى ما في هذا التفسير وشأن النزول من الإشكالات التي تسقطه عن صحة الاستناد إليه.

أمّا أوّلاً: فلأنّه مبني على أنّ قوله «تمنّى» بمعنى تلا، وانّ لفظة «أُمنيته» بمعنى تلاوته، وهذا الاستعمال ليس مأنوساً في لغة القرآن والحديث ولو صح فإنّما هو استعمال شاذ يجب تنزيه القرآن عنه.


1 . الإسراء: 73 ، 75.
2 . تفسير الطبري: 17/131، ونقله السيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية.


(116)

نعم استدل بعضهم بقول حسان على ذاك الاستعمال:

تمنى كتاب اللّه أوّل ليلة *** وآخره لاقى حمام المقادر

وقول الآخر:

تمنى كتاب اللّه آخر ليلة *** تمنّي داود الزبور على رسل

وهذان البيتان لو صح اسنادهما إلى عربي صميم كحسان لا يحسن حمل القرآن على لغة شاذة.

أضف إلى ذلك انّ البيت غير موجود في ديوان حسان، وانّما نقله عنه المفسرون في تفاسيرهم، وقد نقله أبو حيان في تفسيره (ج6 ص382) واستشهد به صاحب المقاييس (ج5 ص277).

ولو صح الاستدلال به فرضاً فإنّما يتم في اللفظ الأوّل دون الأُمنية لعدم ورودها فيه.

وثانياً: أنّ الرواية لا يمكن أن يحتج بها لجهات كثيرة أقلّها أنّها لا تتجاوز في طرقها عن التابعين ومن هو دونهم إلاّ إلى ابن عباس مع أنّه لم يكن مولوداً في الوقت المجعول للقصة.

أضف إلى ذلك، الاضطراب الموجود في متنها فقد نقل بصور مختلفة يبلغ عدد الاختلاف إلى أربع وعشرين صورة وقد جمع تلك الصور المختلفة العلاّمة البلاغي في أثره النفيس، فلاحظ.(1)

وثالثاً: أنّ القصة تكذّب نفسها، لأنّها تتضمن أنّ النبي بعد ما أدخل الجملتين الزائدتين في ثنايا الآيات، استرسل في تلاوة بقية السورة إلى آخرها


1 . الهدى إلى دين المصطفى: 1/130.


(117)

وسجد النبي والمشركون الحاضرون معه، فرحاً بما جاء في تينك الجملتين من الثناء على آلهتهم.

ولكن الآيات التي وقعت بعدهما، واسترسل النبي في تلاوتها عبارة عن قوله سبحانه: (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى * إِنْ هِيَ إِلاّأَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطان)(1) إلى آخر الآيات.

وعندئذ يطرح هذا السؤال، وهو انّه كيف رضي متكلّم العرب ومنطيقهم وحكيمهم وشاعرهم: الوليد بن المغيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الثناء القصير، وغفل عن الآيات اللاحقة التي تندد بآلهتهم بشدة وعنف، ويعدّها معبودات خرافية لا تملك من الإلوهية إلاّ الاسم والعنوان؟!

أو ليس ذلك دليلاً على أنّ جاعل القصة من الوضّاعين الكذّابين الذي افتعل القصة في موضع غفل عن أنّه ليس محلاً لها، وقد قيل: لا ذاكرة لكذوب.

ورابعاً: أنّ اللّه سبحانه يصف في صدر السورة نبيه الأكرم بقوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى) (2)، وعندئذ كيف يصح له سبحانه أن يصف نبيه في أوّل السورة بهذا الوصف، ثم يبدر من نبيه ما ينافي هذا التوصيف أشد المنافاة وفي وسعه سبحانه صون نبيه عن الانزلاق إلى مثل هذا المنزلق الخطير؟!

وخامساً: أنّ الجملتين الزائدتين اللّتين أُلصقتا بالآيات، تكذبهما سائر الآيات الدالة على صيانة النبي الأكرم في مقام تلقّي الوحي والتحفظ عليه وإبلاغه كما مرّ في تفسير قوله سبحانه: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً).(3)


1 . النجم: 22 ـ 23.
2 . النجم: 3 ـ 4.
3 . الجن: 27.


(118)

وقوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ * لأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ).(1)

وسادساً: أنّ علماء الإسلام، وأهل العلم والدراية من المسلمين قد واجهوا هذه الحكاية بالرد، فوصفها المرتضى بالخرافة التي وضعوها.(2)

وقال النسفي: إنّ القول بها غير مرضيّ. وقال الخازن في تفسيره: إنّ العلماء وهّنوا أصل القصة ولم يروها أحد من أهل الصحة، ولا أسندها ثقة بسند صحيح، أو سليم متصل، وإنّما رواها المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، والذي يدل على ضعف هذه القصة اضطراب رواتها، وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها.(3)

هذه هي أهم الإشكالات التي ترد على القصة وتجعلها في موضع من البطلان قد ذكرها المحقّقون في الرد على هذه القصة وقد ذكرنا قسماً منها في كتابنا «فروغ أبديت»(4)، ولا نطيل المقام بذكرها.


1 . الحاقة: 44 ـ 46.
2 . تنزيه الأنبياء: 109.
3 . الهدى إلى دين المصطفى: 1/130.
4 . كتاب أُلّف في بيان سيرة النبي الأكرم من ولادته إلى وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد طبع في جزءين.


(119)

الطائفة الثانية
ما يمس عصمة عدة خاصة من الأنبياء

فهذه الطائفة عبارة عن الآيات التي تمس بظاهرها عصمة بعض الأنبياء بصورة جزئية وها نحن نذكرها واحدة بعد أُخرى.

1
عصمة آدم (عليه السلام) والشجرة المنهي عنها
وجعل الشريك للّه

وقد طرحنا في هذه الطائفة أبرز الآيات التي وقعت ذريعة بأيدي المخطِّئة في مجال نفي العصمة عن عدة معينة من الأنبياء، وراعينا الترتيب التاريخي لهم، فنقدم البحث عن عصمة آدم (عليه السلام) على البحث عن عصمة نوح (عليه السلام)وهكذا.

إنّ حديث الشجرة المنهي عنها هو أقوى ما تمسّك به المخالفون للعصمة المجوّزون صدور المعصية من الرسل والأنبياء، ويعدّ ذلك في منطقهم «كبيت القصيد» في ذلك المجال، ولأجل ذلك ينبغي التوسّع في البحث واستقصاء ما يمكن أن يقع ذريعة في يد المخالف فنقول:


(120)

إنّ حديث الشجرة ورد على وجه التفصيل في سور ثلاث، نذكر منها ما يتعلّق بمورد البحث قال سبحانه: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الْشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلَى حِين * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(1).

ويقول سبحانه: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُرِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِما وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هِذِهِ الشَّجَرَةِ إلاّ أنْ تَكُونَا مَلَكَيْـنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحينَ * فَدَلاّهُمَا بِغُرُور فَلَمَّا ذَاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُما وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُما رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبينٌ * قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبََعْض عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين)(2).

فأنت ترى أنّه سبحانه يتوسّع في بيان القصة في هذه السورة، بينما هو يختصر في بيانها في السورة السابقة، ووجه ذلك أنّ سورة الأعراف مكيّة وسورة البقرة مدنية، ولما توسّع في البيان في السورة المتقدّمة أوجز في السورة اللاحقة ولم يفصّل.


1 . البقرة: 35 ـ 37.
2 . الأعراف: 19 ـ 24.


(121)

ويقول سبحانه: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً * وَإِذْ قُلْنَا لِلمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا ولا تَعْرَى * وَأنَّكَ لا تَظْمَؤا فِيَها ولا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْك لا يَبْلَى * فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوءاتُهُما وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى * ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُمْ مِنّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)(1).

هذه السور الثلاث قد احتوت على مهمات هذه القصة، فينبغي علينا توضيح ما ورد فيها من الجمل والكلمات التي تعتبر مثاراً للتساؤلات الآتية:

* التساؤلات حول الآيات

إنّ التساؤلات المطروحة حول الآيات عبارة عن:

1. ما هي نوعية النهي في قوله تعالى: (لا تقربا) ؟

2. ما هو المراد من وسوسة الشيطان لآدم وزوجته؟

3. ماذا يراد من قوله: (فأزلّهما الشيطان) ؟

4. ماذا يراد من قوله: (فعصى آدم ربه فغوى) وهل العصيان والغواية يلازمان المعصية المصطلحة؟

5. ما معنى اعتراف آدم بظلمه لنفسه في قوله: (ربنا ظلمنا أنفسنا) ؟


1 . طه: 115 ـ 123.


(122)

6. ماذا يراد من قوله سبحانه: (فتلّقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) فهل التوبة دليل العصيان؟

7. ما معنى قوله: (وإن لم تغفر لنا وترحمنا) ؟

فلنبدأ بالإجابة على هذه الأسئلة واحداً بعد واحد، وعند ختام البحث يقف القارئ على أنّ آدم أبا البشر كان نزيهاً عما أُلصق به من المخالفة للتكليف الإلهي الإلزامي المولوي الموجب للعقوبة.

* 1. ما هي نوعية النهي في قوله تعالى: ( لا تقربا)

إنّ النهي ينقسم إلى قسمين: مولوي وإرشادي، والفرق بين القسمين بعد اشتراكهما غالباً في أنّ كلاً منهما صادر عن آمر عال إلى من هو دونه، هو أنّه الآمر قد ينطلق في أمره ونهيه من موقع المولوية والسلطة، متخذاً لنفسه موقف الآمر، الواجبة إطاعته، فيأمر بما يجب أن يطاع، كما أنّه ينهى عمّـا يجب أن يُجتنب، فعند ذلك يترتب الثواب على الطاعة، والعقاب على المخالفة، وهذا هو شأن أكثر الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنّة.

وقد ينطلق في ذلك من موقع النصح والإرشاد، والعظة والهداية، من دون أن يتخذ لنفسه موقف الآمر، الواجبة طاعته، بل يتخذ لنفسه موقف الناصح المشفق، القاصد لإسعاد المخاطب وإنجائه من الشقاء، وعند ذلك يترك انتخاب أحد الجانبين للمخاطب ذاكراً له ما يترتب على نفس العمل من آثار خاصّة من دون أن تترتب على ذات المخالفة أيّة تبعة.

وإن شئت قلت: إنَّ نفس العمل والفعل ذو آثار طبيعية ومضاعفات تترتب عليه في كل حين وزمان، من دون فرق بين فاعل وآخر ، فيذكر المولى العالم


(123)

بعواقب الأعمال وآثار الأفعال، بما يترتب على ذات العمل من سعادة وشقاء، فيجعل المخاطب في موقف العالم بآثار الشيء ويترك اختيار أحد الطرفين إليه، حتى يكون هو المختار في العمل، فإن اتبع نصحه وإرشاده فقد نجا عما يترتب على العمل من الهلاك والخسران، وإن خالفه تصيبه المضاعفات التي تكمن في ذات العمل.

* ولتوضيح ذلك نأتي بمثال

إنّ الطبيب إذا وصف دواء لمريض وأمره بتناول ذلك الدواء والاجتناب عن أُمور أُخرى، فلو قام المريض بالطاعة والامتثال، تترتب عليه الصحة والعافية، وإن خالف أمر الطبيب لم يترتب على تلك المخالفة سوى المضاعفات المترتبة على نفس العمل، وذلك لأنّ الطبيب لم يكتب له تلك الوصفة إلاّ بما أنّه طبيب ناصح ومعالج مشفق.

ومثل ذلك ما إذا قال سبحانه: (أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول) بعدما أمر الناس بواجبات ونهى عن أُمور ، فلو خالف المكلّف وترك الواجب كالصلاة والصوم وارتكب المنهيات كالكذب والغيبة، فقد خالف عندئذ أمرين:

1. الأمر بالصلاةوالصوم.

2. الأمر بإطاعة اللّه ورسوله.

فلا يترتب على تينك المخالفتين سوى عقاب واحد لا عقابان، وذلك لأنّ الأمر الثاني لم يكن أمراً مولوياً، بل كان أمراً إرشادياً لا يترتب على مخالفته سوى ما يترتب على مخالفة الأمر الأوّل، وذلك لأنّ المفروض أنّ الآمر لم يتخذ لنفسه عند الأمر بإطاعة اللّه ورسوله، موقف الآمر الواجب الطاعة، بل أمر بلباس النصح


(124)

والإرشاد.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ مخالفة النهي عن الشجرة إنّما تعدّ معصية بالمعنى المصطلح إذا كان النهي مولوياً صادراً عنه سبحانه على وجه المولوية، لا أمراً إرشادياً وارداً بصورة النصح، والقرائن الموجودة في الآيات تشهد بأنّه إرشادي، لا يترتب على مخالفته سوى ما يترتب على ذات العمل من الآثار الوضعية والطبيعية ، لا مولوي حتى يترتب عليه وراء تلك الآثار، عقاب المخالفة ومؤاخذة التمرّد، وإليك هذه القرائن:

1. لو كان النهي عن الشجرة نهياً مولوياً يجب أن يرتفع أثره بعد التوبة والإنابة، مع أنّا نرى أنّ الأثر المترتب على المخالفة بقي على حاله رغم توبة آدم وإنابته إلى اللّه سبحانه، وهذا دليل على أنّ الخروج عن الجنّة والتعرّض للشقاء والتعب، كان أثراً طبيعياً لنفس العمل، وكان النهي لغاية صيانة آدم (عليه السلام) عن هذه الآثار والعواقب، كما إذا نهى الطبيبُ المصابَ بمرض السكر عن تناول المواد السكرية.

2. انّ الآيات الواردة في سورة «طه» تكشف النقاب عن نوعية هذا النهي، وتصرح بأنّ النهي كان نهياً إرشادياً لصيانة آدم (عليه السلام) عمّـا يترتب عليه من الآثار المكروهة والعواقب غير المحمودة، قال سبحانه: (فَقُلْنَا يا آدمُ إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى * إنّ لَكَ ألاّ تَجُوعَ فِيهَا ولا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤا فِيهَا ولاَ


(125)

تَضْحَى)(1) فإنّ قوله سبحانه: ( فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى) صريح في أنّ أثر امتثال النهي هو البقاء في الجنّة، ونيل السعادة التي تتمثل في قوله: ( إنّ لَكَ ألاّ تَجُوعَ فِيهَا ولا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤا فِيهَا ولاَ تَضْحَى) وانّ أثر المخالفة هو الخروج من الجنّة والتعرض للشقاء الذي يتمثل في الحياة التي فيها الجوع والعرى، والظمأ وحرّ الشمس، كل ذلك يدلّ على أنّه سبحانه لم يتخذ لدى النهي موقف الناهي، الواجبة طاعته، بل كان ينهى بصورة الإرشاد والنصح والهداية، وانّه لو خالفه لترتب عليه الشقاء في الحياة والتعب فيها.

3. انّه سبحانه ـ بعد ما أكل آدم وزوجته من الشجرة وبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة ـ ناداهما: (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ)(2).

فإنّ هذا اللسان، لسان الناصح المشفق الذي أرشد مخاطبه لمصالحه ومفاسده في الحياة، ولكنه خالفه ولم يسمع قوله، فعندئذ يعود ويخاطبه بقوله: ألم أقل لك ... ألم أنهك عن هذا الأمر ؟

4. انّه سبحانه يبيّـن أنّ وسوسة الشيطان لهما لم يكن إلاّ لإبداء ما وُري عنهما من سوءاتهما حيث يقول: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُرِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِمَا)(3).

وهذا يكشف عن أنّ ما يترتب على الوسوسة ومخالفة آدم (عليه السلام) بعدها لم يكن إلاّ إبداء ما وُري عنهما من السوأة، الذي هو أثر طبيعي للعمل من دون أن يكون له أثر آخر من ابتعاده عن لطفه سبحانه، وحرمانه عن قربه، الذي هو أثر المخالفة للخطابات المولوية.

5. انّه سبحانه يحكي أنّ وسوسة الشيطان لهما كانت بصورة النصح


1 . طه: 117 ـ 119.
2 . الأعراف: 22.
3 . الأعراف: 20.


(126)

والإرشاد حيث قال: (وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)(1) .وهذا يكشف عن أنّ خطابه سبحانه إليهما كان بصورة النصح أيضاً، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بأساليب الكلام.

فهذه القرائن وغيرها الموجودة في الآيات الواردة حول قصة آدم (عليه السلام) تدل بوضوح على أنّ النهي في هذا المقام كان نهياً إرشادياً لا مولوياً، وكان الهدف تبقية آدم (عليه السلام) بعيداً عن عوامل الشقاء والتعب، ولكنّه لم يسمع قول ناصحه فعرّض نفسه للشقاء، وصار مستحقاً لأن يخاطب بقوله سبحانه: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعض عدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلَى حِين)(2) ، وقوله سبحانه: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَميعَاً بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدوٌّ)(3).

أضف إلى ذلك أنّ الظرف الذي تلقّى فيه آدم هذا النهي، (النهي عن الأكل من الشجرة) لم يكن ظرف تكليف حتى تعد مخالفته عصياناً لمقتضاه، فإنّ ظرف التكليف هو المحيط الذي هبط إليه مع زوجته بعد رفض النصح، أمّا ذلك المحيط فكان معداً لتبصير الإنسان بأعدائه وأصدقائه، ودورة تعليمية لمشاهدة نتائج الطاعة وآثار المخالفة، أيّ ما يترتب على قبول قوله سبحانه من السعادة، وما يترتب على قبول قول إبليس من الشقاء، وفي مثل ذلك المحيط لا يعد النهي ولا الأمر تكليفاً، بل يُعد وسيلة للتبصير وتحصيل الاستعداد لتحمّل التكاليف في المستقبل، وكانت تلك الدورة من الحياة دورة إعدادية لأبي البشر وأُمّهم، حتى يلمس الحقائق لمس اليد.


1 . الأعراف: 21.
2 . الأعراف: 24.
3 . طه: 123.


(127)

إلى هنا تمت الإجابة على السؤال الأوّل، غير أنّ هناك جواباً آخر ذكره أكثر المفسرين، ونحن نأتي به بشكل موجز :

* جواب آخر عن الإشكال

إنّ أكثر المفسرين من العدلية اختاروا أنّ مخالفة آدم لم تكن إلاّ مخالفة لنهي مولوي غير إلزامي، وهو ما يعبّـر عنه بترك الأولى وترك الأفضل، وأمّا إطلاق العصيان وغيره من الكلمات الموهمة في المقام.

فحاصل كلامهم في ذلك: أنّ الذنب على قسمين: ذنب مطلق، وهو مخالفة الإرادة القطعية الإلزامية للمولى الحكيم من غير فرق بين إنسان وإنسان، فمن خالفه يكون عاصياً سواء فيه العاكف والباد.

وذنب نسبي، وهو ما يعد ذنباً وأمراً غير صحيح بالنسبة إلى شخص دون شخص، وهو ما يكون العمل بالذات مباحاً وجائزاً غير قبيح في حد نفسه، غير أنّ العرف والمجتمع يستقبح صدوره من شخص خاص، ويعده أمراً غير صحيح، ومثاله ما يلي:

إنّ المساعدة المالية القليلة ممن يمتلك الآلاف المؤلّفة وإن كانت جائزة، لكنّها تثير اعتراض الناس على فاعلها مع أنّه لم يرتكب عملاً قبيحاً بالذات.

كما أنّ إقامة الصلاة مع عدم تفرّغ البال مبرئة للذمة ومسقطة للتكليف، إلاّ أنّه إذا أتى بها النبي بهذه الصورة يُعد أمراً غير لائق بمقامه وغير مترقب منه، فوزان الأكل من الشجرة الممنوعة وزان صدور بعض الأعمال المباحة بالذات من الشخصيات الكبيرة المحترمة.

ونزيد توضيحاً في ذلك: إذا وقفنا على أنّه سبحانه أعزّ آدم بتعليمه الأسماء،


(128)

وجعله معلماً للملائكة ومسجوداً لهم، وفي هذه الحالة طلب منه أن يترك الأكل من الشجرة المعينة، كان المترقب من مثله أن يتورّع عن أيّة مخالفة مهما صغرت، ومهما كان الأمر والنهي غير إلزاميين، ولأجل ذلك يعد هذا العمل ـ مع ملاحظة ما حفّه من الشرائط ـ عصياناً محتاجاً إلى التوبة.

* جواب ثالث عن الإشكال

وهاهنا جواب ثالث: وهو أنّ محور البحث عند المتكلّمين في عصمة الأنبياء عبارة عن مخالفة الإنسان المكلّف، للتكليف الإلهي بعد تشريع الشرائع، وإنزال الكتب، ولو كان هذا هو المعيار لما صدق في قصة آدم، لأنّ البيئة التي كان أبو البشر يعيش فيها قبل الهبوط، لم تكن دار التشريع والتكليف، ولم تكن هناك أيّة شريعة، والمخالفة في هذا المحيط لا تعد نقضاً للعصمة، فلاحظ، فقد تقدم بعض ذلك الكلام في ذيل الجواب الأوّل.

إلى هنا تبيّـن أنّ مخالفة آدم لنهيه سبحانه لا تضاد عصمته، وقد عرفت الأجوبة الثلاثة، فحان حين البحث عن بعض المفاهيم الواردة في الآيات التي تقدّمت عليك وربّما يُعد بعضها دليلاً على أنّ المخالفة من آدم كانت ذنباً شرعياً، ولأجل ذلك يجب علينا توضيح هذه المفاهيم الواردة في القصة.

* 2. ما معنى وسوسة الشيطان لآدم؟

وحقيقة هذا السؤال ترجع إلى أنّ ظاهر الآيات الماضية هو تأثير الشيطان في نفس آدم بالوسوسة قال سبحانه: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ)(1) ، وقال


1 . الأعراف: 20.


(129)

سبحانه: (فَوسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيْطانُ)(1) ، وعندئذ يتساءل: انّ تطرق الوسوسة إلى آدم من جانب الشيطان، كيف تجتمع مع ما حكاه سبحانه من عدم تسلّط الشيطان على عباد اللّه المخلصين إذ قال: (إِنَّ عِبَادِيَ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ)(2) ، وقال سبحانه حاكياً قول إبليس: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)(3)؟

والجواب عن ذلك: انّ المراد من (المخلصين) هم الذين اجتباهم اللّه سبحانه من بين خلقه، قال تعالى مشيراً إلى ثلة من الأنبياء: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْـرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا)(4) ، وقال سبحانه مشيراً إلى طائفة من الأنبياء: (وَمِن آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(5).

فإذا كان المخلصون هم الذين اجتباهم اللّه سبحانه بنوع من الاجتباء، لم يكن آدم (عليه السلام)يوم خالف النهي من المجتبين، وانّما اجتباه سبحانه بعد ذلك قال سبحانه: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)(6) وعلى ذلك فوسوسة الشيطان لآدم لا تنافي ما ذكره سبحانه في حق المجتبين، وانّ الشيطان ليس له نصيب في حق تلك الصفوة وليس له طريق إليهم.


1 . طه: 120.
2 . الحجر: 42.
3 . ص : 82 ـ 83.
4 . مريم: 58.
5 . الأنعام: 87.
6 . طه: 121 ـ 122.


(130)

أضف إلى ذلك: أنّ وسوسة الشيطان في صدور الناس إنّما هي بصورة النفوذ في قلوبهم والسلطان عليهم بنحو يؤثر فيهم، وإن كان لا يسلب عنهم الاختيار والحرية، ويؤيد كون الوسوسة بصورة النفوذ، الإتيان بلفظة «في» في قوله سبحانه: (يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ)، وأمّا(1) وسوسة الشيطان بالنسبة إلى أبي البشر فلم تكن بصورة النفوذ والتسلّط بشهادة تعديته بلفظة «لهما» أو «إليه».(2) وهذا التفاوت في التعبير يفيد الفرق بين الوسوستين، وأنَّ إحداهما على نحو الدخول والولوج في الصدور، والأُخرى بنحو القرب والمشارفة.

* 3. ماذا يراد من قوله: (فأزلّهما الشيطان) ؟

وأمّا قوله سبحانه: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا)(3) وقوله: (فَدَلاّهُمَا بُغُرُور فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا)(4) ، فلا يدلاّن على كون العمل الصادر منهما عصياناً بالمعنى المصطلح، وأمّا التعبير الوارد في الآية فهو لأجل أنّ عمل آدم لم يكن مقروناً بالمصلحة، بل كان مقروناً بالشقاء والبعد عن الحياة السعيدة، فكل من افتقد هذه البركات والمصالح يصدق عليه أنّه «زلَّ» أو «انّ الشيطان أنزلهما عن مكانتهما بغرور» .

وبالجملة: انّ هذه التعابير تجتمع مع كون النهي إرشادياً غير مولوي، أو نهياً مولوياً تنزيهياً كما هو المقرر في الجوابين الأوّلين.

* 4. ما معنى قوله: (وعصى) و (فغوى) ؟

ربّما يتمسك المخالف بهذين اللفظين، حيث قال سبحانه: (وَعَصى آدَمُ


1 . الناس: 5.
2 . الأعراف: 20; طه: 120.
3 . البقرة: 36.
4 . الأعراف: 22.


(131)

رَبَّهُ فَغَوى) لكن لادلالة لهما على ما يرتئيه المستدل.

أمّا لفظة (عصى) فهي وإن كانت مستعملة في مصطلح المتشرعة في الذنب والمخالفة للإرادة القطعية الملزمة، ولكنه اصطلاح مختص بالمتشرعة ولم يجر القرآن على ذلك المصطلح، بل ولا اللغة، فإنّ الظاهر من القرآن ومعاجم اللغة أنّ العصيان هو خلاف الطاعة، قال ابن منظور: العصيان خلاف الطاعة، عصى العبد ربّه: إذا خالف ربّه، وعصى فلان أميره، يعصيه، عصياً وعصياناً ومعصية: إذا لم يطعه. وعلى ذلك فيجب علينا أن نلاحظ الأمر الذي خولف في هذا الموقف، فإن كان الأمر مولوياً إلزامياً كان العصيان ذنباً، وإذا كان أمراً إرشادياً أو نهياً تنزيهياً لم تكن المخالفة ذنباً في المصطلح، ولأجل ذلك لا يصلح التمسّك بهذا اللفظ وإثبات الذنب على آدم (عليه السلام) .

وأمّا اللفظة الثانية: أعني (فغوى) فالجواب عنها: انّ الغي يستعمل بمعنى الخيبة، قال الشاعر:

فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره *** ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً

أي ومن حرم من الخير ولم يلقه، لا يحمده الناس ويلومونه.

وفي حديث موسى وآدم: (أغويت الناس) أي خيّبتهم، كما أنّه يستعمل في معنى الفساد، وبه فسر قوله سبحانه: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) أي فسد عليه عيشه كما سيأتي.(1)

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ المراد من الغي في الآية هو خيبة آدم وخسرانه وحرمانه من العيش الرغيد الذي كان مجرداً عن الظمأ والعرى، بل من المنغصات


1 . لاحظ لسان العرب: 15/140.


(132)

والمشقات، وليس كل خيبة تتوجه إلى الإنسان ناشئة من الذنب المصطلح، كما أنّه يحتمل أن يكون المراد منه هو الفساد، وبذلك فسر ابن منظور المصري في لسانه قوله سبحانه: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) أي فسد عليه عيشه(1) ، ولا شك أنّ العيش في الجنّة لا يقاس بالعيش في عالم المادة الذي هو دار الفساد والانحلال.

ولو سلم أنّ الغي بمعنى الضلال في مقابل الرشد، لكن ليس كل ضلال معصية، فإنّ من ضل في طريق الكسب أو في طريق التعلّم يصدق عليه أنّه غوى: أي ضل، ولكنه لا يلازم المعصية.

وكان سيدنا الأُستاذ العلاّمة الطباطبائي ـ رضوان اللّه عليه ـ يقول في مجلس بحثه: إنّ لفظة (غوى) تعني الحالة التي تعرض للغنم عندما تنفصل عن القطيع فتبقى حائرة تنظر يميناً وشمالاً ولا تشق طريقاً لنفسها، وكان آدم أبو البشر حائراً بعد ما خالف نهي ربِّه وابتلي بما ابتلي به لا يدري كيف يعالج مشكلته، وكيف يتخلّص من هذا المأزق الحرج؟!

وبالجملة: فالغي إن أُريد منه الخروج عن جادّة التوحيد، والانحراف عمّـا رسم للإنسان من الواجبات والمحرمات، فهو يلازم الكفر تارة والذنب أُخرى، ولكن ليس كل ضلال ـ على فرض كون الغي بمعنى الضلال ـ ملازماً للجرم والذنب، فمن ضل عن الطريق وتاه عن مقاصده الدنيوية أو المصالح التي يجب أن ينالها، يصدق عليه أنّه (غوى)مقابل أنّه «رشد» ولكنه لا يلازم المعصية المصطلحة.

ولا شك أنّ آدم بعدما أكل من الشجرة بدت له سوأته وخرج من الجنة وهبط إلى دار الفساد، فعندئذ غوى في طريقه وضل عن مصلحته.


1 . لاحظ لسان العرب: 15/140، مادة «غوى».


(133)

وبالجملة: فهذه الوجوه الثلاثة المذكورة حول (غوى) تثبت وهن الاستدلال بها على العصيان.

* 5. ما معنى قول آدم (عليه السلام) : (ربَّنَا ظَلَمنا أنْفُسَنا)؟

إنّ الظلم ليس إلاّ بمعنى وضع الشيء في غير موضعه، ومن أمثال العرب قولهم «من أشبه أباه فما ظلم» . قال الأصمعي: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وفي المثل «من استرعى الذئب فقد ظلم» ولأجل ذلك يُعد العدول عن الطريق ظلماً، يقال: «لزموا الطريق فلم يظلموه» أي لم يعدلوا عنه. (1)

فإذا كان معنى الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه وتجاوز الحد، لا يلزم أن يكون كل ظلم ذنباً بل يشمله وغيره، فمن لم يسمع قول الناصح المشفق وعمل بخلاف قوله فقد وضع عمله في غير موضعه، كما انّ من خالف النهي التنزيهي فقد عدل عن الطريق الصحيح.

وبالجملة: فكل مخالفة وانحراف عن طريق الصواب ظلم. سواء أكان الأمر المخالف مولوياً أم إرشادياً، إلزامياً أم غيره.

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يعد الظلم للنفس مقابلاً لعمل السوء، ويقول: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَحِيماً)(2).

والآية تُعرب عن أنَّ الظلم للنفس ربّما يكون غير عمل السوء، وعند ذلك يتضح أنّ قول آدم: (رَبَّنَا ظَلَمنَا أَنْفُسَنا) لا يستلزم الاعتراف بالذنب، لأنّ الظلم


1 . لسان العرب: مادة «ظلم».
2 . النساء: 110.


(134)

للنفس غير عمل السوء، فالأوّل موجب لحط النفس عن مكانتها ولا يستلزم تجاوزاً عن حدود اللّه، بخلاف عمل السوء فإنّه تجاوز على حدوده، وبذلك يعلم أنّ المراد من قوله سبحانه: (وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)(1) هو الظلم للنفس المستلزم لحط النفس عن مكانتها، في مقابل عمل السوء المستلزم للتجاوز على حدوده سبحانه.

* 6. ما المراد من قوله: (فتاب عليه) ؟

(التوبة) بمعنى الرجوع، فإذا نسبت إلى اللّه تتعدى بكلمة «على» قال سبحانه: (لَقَدْ تَابَ اللّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)(2) ، أي رجع عليهم بالرحمة.

وإذا نسبت إلى العبد تتعدى بكلمة «إلى» قال سبحانه: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)(3). وقال سبحانه: (أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(4).

فإذا كانت التوبة بمعنى الرجوع، فعندما تعدت بـ «على» يكون معنى قوله: (فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(5) انّ اللّه رجع عليه بالرحمة، فالتوبة في هذه الجملة توبة من اللّه على العبد لا من العبد إلى اللّه، ومعنى الأوّل هو رجوعه سبحانه على العبد باللطف والمرحمة.


1 . البقرة: 35.
2 . التوبة: 117.
3 . البقرة: 54.
4 . المائدة: 74.
5 . البقرة: 37.


(135)

ومثله قوله سبحانه: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)(1) فالتوبة هنا من اللّه على عبده، ومعنى الآية أنّه سبحانه اصطفى آدم لأجل تلقّيه الكلمات وسؤاله بها، فعندئذ رجع اللّه عليه بالرحمة وهداه سبحانه وأخرجه من الغواية التي غشيته، والظلمة التي اكتنفته، لأجل عدم الإصغاء إلى نصحه سبحانه وتقديم نصح غيره عليه.

نعم إنّ لفظة (فَتَابَ عَلَيْهِ) في سورتي البقرة وطه، دالة على أنَّ آدم «تاب إلى ربه»، ولأجل توبته إلى اللّه ورجوعه إليه بالندامة، تاب اللّه عليه ورجع عليه بالرحمة والهداية، ولكن لا دلالة لكل رجوع وإنابة إلى اللّه، على وقوع الذنب وصدوره منه، خصوصاً بالنظر إلى ما قدّمناه في التفسير الثاني لمخالفة آدم، وقلنا إنَّ من الممكن أن يكون نفس العمل جائزاً ومباحاً ولكن يعد صدوره من بعض الشخصيات محظوراً وأمراً غير صحيح، فإنابة تلك الشخصيات إلى اللّه في تلك المجالات لا تعد دليلاً على صدور الذنب، بل تعد دليلاً على سعة علمها بالعظمة الإلهية، ولأجل ذلك يقال: «حسنات الأبرار سيئات المقربين» وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّه ليران على قلبي وإنّي استغفر اللّه كل يوم سبعين مرّة».(2) وليس هذا الاستغفار دليلاً على صدور الذنب، بل هو دليل على سعة علمه وعمق إدراكه لعظمة اللّه.

* 7. ما معنى الغفران في قوله: (وإن لم تغفر لنا) ؟

بقيت هنا كلمة وهي توضيح قوله سبحانه: (وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا


1 . طه: 122.
2 . صحيح مسلم: 8/72، كتاب الذكر، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه. وفيه: «ليغان» مكان «ليران»، وهو من مادة «الغين» أي الستر.


(136)

لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ)، فربّما يتبادر إلى الذهن من هذا المقطع من الآية صدور الذنب من أبينا آدم (عليه السلام) ، فنقول: لا دلالة فيه ولا في واحدة من كلماته على ما يتوخاه الخصم، وإليك بيان هدف الآية ومفرداتها.

أمّا الغفران فإنّ أصله «الغفر» بمعنى التغطية والستر ، يقال: غفره، يغفره، غفراً: ستره، وكل شيء سترته فقد غفرته، فإذا كان الغفران بمعنى الستر فلا ملازمة بين الستر والذنب، فإنّ المستور ربّما يكون ذنباً وربّما يكون أمراً جائزاً غير مترقب الصدور من الإنسان، ولأجل ذلك طلب آدم من اللّه سبحانه على عادة الأولياء والصالحين في استصغارهم ما يقومون به من الحسنات واستعظامهم الصغير من العيوب فقال: (وإن لم تغفر لنا) أيْ لم تستر عيبنا ولم (ترحمنا)أيْ لم ترجع علينا بالرحمة (لنكونن من الخاسرين) ولا شك أنّ آدم قد خسر النعيم الذي كان فيه، بسبب عدم سماعه لنصح اللّه سبحانه، ولأجل ذلك طفق يطلب منه أن يرجع عليه بالمغفرة أي بستر عيبه، والرحمة أي بإخراجه من الخسران الذي عرض له.

إذا وقفت على ما ذكرنا حول هذه الآيات والجمل وتأمّلت فيها بإمعان ودقة يظهر لك أنّ الاستدلال بها على صدور الذنب المصطلح من آدم من غرائب الاستدلالات وعجائبها، ولا يصح لباحث أن يُفسر آية دون أن يستعين لفهمها بأُختها، وبذلك يتضح أنّ ما سلكناه من المنهج في تفسير القرآن، هو الطريق الصحيح الذي يرفع النقاب عن وجوه كثير من الحقائق التي قد تخفى على الباحثين، وهذا الطريق هو تفسير كتابه سبحانه بالتفسير الموضوعي، أي جمع الآيات الواردة في موضوع واحد وعرض بعضها على بعض.


(137)

* عصمة آدم (عليه السلام) وجعل الشريك للّه!

قد وقفت على أعظم شبه المخطّئة للأنبياء، كما وقفت على الجواب عنها، فهلم معي ندرس شبهة أُخرى لهم جعلوها ذريعة لفكرتهم الفاسدة حيث استدلوا على عدم عصمة «ادم» (عليه السلام)بقوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْـرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُون * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).

استدل المخطّئ(1)ة لعصمة الأنبياء بقوله سبحانه: (فَلَمَّا آتاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ)قائلين بأنّ ضمير التثنية في كلا الموردين يرجع إلى آدم وحواء اللّذين أُشير إليهما بقوله سبحانه في صدر الآية: (مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا).

ولكن الاستدلال بالآية مبني على القول بأنّ المراد من (مِنْ نَفْس واحِدَة) هي الواحدة الشخصية لا الواحدة النوعية، أعني كل أب وأُم بالنسبة إلى أولادهما، ولكن القرائن تشهد بأنّ المراد هو الواحد النوعي لا الشخصي.

توضيح ذلك : أنّ تلك اللفظة قد استعملت في القرآن الكريم بوجهين:

الأوّل: ما أُريد منه الواحد الشخصي كقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً


1 . الأعراف: 189 ـ 192.


(138)

وَنِسَاءً)(1) فالمراد من (نفس واحدة) هو آدم، ومعنى خلق الزوجة منها كونها من جنسها، والدليل على أنّ المراد هو الواحد الشخصي قوله: (وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء)والمعنى أنّه سبحانه خلق الخلق من أب واحد وأُم واحدة، فهذه الجماهير على كثرتها تنتهي إليهما ومثله قوله سبحانه: (يا أَيُّها النَّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَ أُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعارَفُوا)(2).

الثاني: ما أُريد منه الواحد النوعي أي الأب لكل إنسان ومثله الأُم، وذلك مثل قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُم مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلاَث)(3) ، فالمراد من (نفس واحدة) هو الواحد النوعي، والمراد أنّ كل واحد منّا قد ولد من أب واحد وأُم واحدة، والدليل على ذلك قوله سبحانه: (يخلقكم في بطون أُمّهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث) .

ومثلها الآية المبحوث عنها في المقام، إذ ليس المراد منها شخص آدم أبي البشر بعينه، بل المراد والد كل إنسان ووالدته، فالجنسان يتقاربان ويتولد منهما الولد، وتدل على ما اخترنا من المعنى قرائن في نفس الآيات.

الأُولى: انّ الآية وقعت في عداد الآيات التي تعرب عن الميثاق الذي أعطاه الإنسان لربّه في شرائط خاصّة ولكنّه حينما نال النعم ورفل فيها، طفق ينقض ميثاقه، وهذه طبيعة الإنسان المجهز بالغرائز، ويشير إليها قوله سبحانه: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيض)(4) ،


1 . النساء: 1.
2 . الحجرات: 13.
3 . الزمر: 6.
4 . فصلت: 51.


(139)

فإذا كانت هذه طبيعة الإنسان فلا يبعد أن يسأل اللّه أن يرزقه ولداً صالحاً، معطياً للّه ميثاقاً بأن يشكره على تلك النعمة ولكنّه عندما ينال النعمة يجعل له شركاء فيما آتاه، وعلى ذلك فالآية جارية مجرى المثل المضروب لبني آدم في نقضهم ميثاقهم الذي واثقوه به.

والدليل على أنّ الآية واردة في ذاك المجال، ما ورد قبل هذه الآية من حديث الميثاق الذي أعطاه الإنسان لربّه ولكنّه نقضه بعده قال سبحانه قبيل هذه الآيات: (وَإِذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرّيّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلُونَ).(1)

والميثاق الذي ورد في الآية، معطوف على ذلك الميثاق الذي ورد في الآيتين، وهذا دليل واضح على أنّ المراد هو تعريف طبيعة الإنسان وتوصيفها بالتعهد أوّلاً، والنقض ثانياً، وليس بصدد بيان حال الإنسان الشخصي أعني: أبانا آدم.

الثانية: انّ سياق الآية ولحنها يوحيان بأنّ الشخص الذي سأل اللّه أن يرزقه ولداً صالحاً، كان يعيش في بيئة كان فيها آباء وأولاد بين صالح وطالح، فنظر إليهم فتمنّى أنْ يرزقه اللّه ولداً صالحاً على غرار ما رآه، غير أنّه لما رزقه اللّه ذلك الولد الصالح، نقض ميثاقه أي شكره للّه على ما رزقه من صالح الأولاد، وهذا غير صادق في شأن أبينا آدم وأُمّنا حواء، إذ لم يكن في بيئتهم آباء وأولاد، صالحون وطالحون حتى يتمنّيا لنفسهما ولداً مثل ما رزقهم اللّه سبحانه.

الثالثة: انّ ذيل الآية يشهد بوضوح على أنّها غير مرتبطة بصفي اللّه آدم،


1 . الأعراف: 172 ـ 173.


(140)

وذلك لأنّه سبحانه يقول في ذيلها: (فَتَعَالى اللّه عَمَّا يُشْرِكُون) ، فلو كان المراد من النفس وزوجها في الآية شخصين معيّنين كآدم وحواء، كان من حق الكلام أن يقول: «فتعالى اللّه عمّا يشركان» وهذا بخلاف ما أُريد من النفس وزوجها، الطبيعة الإنسانية في جانبي الذكر والأُنثى، إذ حينئذ يصح الجمع لكثرة أفراده.

الرابعة: انّه سبحانه يقول: (أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون) ، ومن المعلوم أنّ المراد من الشرك هو الشرك في العبادة، وحاشا أنْ يكون آدم صفي اللّه مشركاً في العبادة، كيف؟ وقد وصفه اللّه سبحانه بالاجتباء حيث قال: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى)(1)، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ)(2) ، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ)(3) ، وقال أيضاً: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)(4).

كل هذه الآيات تشهد بوضوح على أنّ الآية تهدف إلى ذكر القصة على سبيل ضرب المثل، وبيان أنّ هذه الحالة صورة تعم جميع الأفراد من الإنسان، إلاّ من التجأ إلى الإيمان، فكأنّه سبحانه يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية، فلمّـا تغشى الزوج الزوجة وظهر الحمل دعوا ربّهما بأنّه سبحانه لو آتاهما ولداً صالحاً سوياً ليكونا من الشاكرين لآلائه ونعمائه، فلما آتاهما اللّه ولداً صالحاً سوياً جعل الزوج والزوجة للّه شركاء في ذلك الولد الذي آتاهما، فتارة نسبوه إلى الطبيعة كما هو


1 . طه: 122.
2 . الإسراء: 97.
3 . الزمر: 37.
4 . الأحقاف: 5.


(141)

قول الدهريين، وأُخرى إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وثالثة إلى الأصنام كما هو قول عبدتها، فردَّ اللّه سبحانه على تلك المزاعم بقوله: (فتعالى اللّه عما يشركون)(1) . وعلى ما ذكرنا يحتمل أن يكون المراد من الشرك هو الشرك في التدبير، ومثل هذا لا يليق أن ينسب إلى من هو دون الأنبياء والأولياء، فكيف يمكن أن يوصف به صفي اللّه آدم (عليه السلام)؟!

وأقصى ما يمكن أن يقال هو أنّ المراد من النفس الواحدة وزوجها في صدر الآية هو آدم وحواء الشخصيّان، ولكنه سبحانه عندما انتهى إلى قوله: (ليسكن إليها) التفت من شخصهما إلى مطلق الذكور والأُناث من أولادهما أو إلى خصوص المشركين من نسلهما، فيكون تقدير الكلام (فلما تغشاها) أي تغشى الزوج الزوجة من نسلهما (حملت حملاً خفيفا فمرت به)... إلى آخر الآية.

وهذا ما يسمّى في علم المعاني بالالتفات، وله نظائر في القرآن الكريم قال تعالى: (هُوَ الّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيح طَيِّبَة)(2) . ترى أنّه سبحانه خاطب الجماعة بالتسيير ثم خص راكب البحر بأمر آخر ومثله الآية، ترى أنّه سبحانه أخبر عن عامّة أمر البشر بأنّهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها وهما آدم وحواء، ثم ساق الكلام إلى مطلق ذرية آدم من البشر.

وهذا الوجه نقله المرتضى في «تنزيه الأنبياء» عن أبي مسلم محمد بن بحر الاصفهاني.(3)

وتوجد وجوه أُخر في تفسير الآية غير تامة.(4) وفيما ذكرنا غنى وكفاية.


1 . مفاتيح الغيب: 4/343.
2 . يونس: 22.
3 . تنزيه الأنبياء: 16.
4 . لاحظ مفاتيح الغيب: 4/341 ـ 343; مجمع البيان: 4/508 ـ 510; أمالي المرتضى: 137 ـ 143.


(142)

2
عصمة شيخ الأنبياء نوح (عليه السلام) والمطالبة
بنجاة ابنه العاصي

قد استدل المخطّئة لعصمة الأنبياء على عدم عصمة نوح (عليه السلام) بما ورد في سورة هود من الآية 45 إلى 47، وإليك الآيات:

(وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أحْكَمُ الحَاكِمين * قَالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الخَاسِرينَ) .

وقد استدل بهذه الآيات بوجوه:

1. انّ ظاهر قوله تعالى: (انّه ليس من أهلك) تكذيب لقول نوح (إنّ ابني من أهلي) ، وإذا كان النبي لا يجوز عليه الكذب، فما الوجه في ذلك؟

2. قوله: (فلا تسألن ما ليس لك به علم إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين) ، فإنّ ظاهره صدور سؤال منه غير لائق بساحة الأنبياء، ولأجل ذلك خوطب بالعتاب ونهي عن التكرار .


(143)

3. قوله: (وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين)فإنّ طلب الغفران آية الذنب، وهو لا يجتمع مع العصمة.

وإليك الجواب عن الوجوه الثلاثة:

الوجه الأوّل: كيف يجتمع قول نوح (عليه السلام) : (إنّ ابني من أهلي) مع قوله سبحانه: (إنّه ليس من أهلك)؟

فتوضيح دفعه: أنّه سبحانه قد وعد نوحاً بإنجاء أهله إلاّ مَنْ سبق عليه القول وقال: (حَتّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلاّ قَليلٌ)(1) ، وهذا الكلام يعرب عن أنّه سبحانه وعد بكلامه شيخ الأنبياء بأنّه ينجّي أهله، هذا من جانب، ومن جانب آخر يجب أن نقف على حالة ابن نوح وأنّه إمّا أن يكون متظاهراً بالكفر وكان أبوه واقفاً على ذلك، وإمّا أن يكون متظاهراً بالإيمان مبطناً للكفر، وكان أبوه يتصوّر أنّه من المؤمنين به.

فعلى الفرض الأوّل: يجب أن يقال: إنّ نوحاً قد فهم من قوله سبحانه : (وأهلك إلاّ من سبق عليه القول) في سورتي هود الآية 40 والمؤمنون الآية 27(2) انّه قد تعلّقت مشيئته بإنجاء جميع أهله الذين ينتمون إليه بالوشيجة النسبية والسببية، سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين غير امرأته التي كانت كامرأة لوط تخونه ليلاً ونهاراً، وعندئذ يكون المراد من قوله: (إلاّ من سبق عليه القول منهم) هو


1 . هود: 40.
2 . قال سبحانه في سورة هود: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلاّ من سبق عليه القول) .
وقال سبحانه في سورة المؤمنون: (فَاسْلُكْ فِيها مِن كُلّ زَوجَينِ اثنينِ وأهْلَكَ إلاّ مَن سَبقَ عَليهِ القولُ مِنهمْ ولا تُخاطِبْني في الذينَ ظَلَموا إنّهم مُغرَقون).


(144)

زوجته فقط، ولما رأى نوح أنّ الولد أدركه الغرق تخالج في قلبه أنّه كيف يجتمع وعده سبحانه بإنجاء جميع الأهل مع هلاك ولده؟ وعند ذلك اعتراه الحزن ورفع صوته بالدعاء منادياً: (انّ ابني من أهلي)من دون أن يسأل منه شيئاً بل أظهر ما اختلج في قلبه من الصراع والتضاد بين الأمرين: الإيمان بصدق وعده، كما يفصح عنه قوله: (انّ وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين)وغرق ولده وهلاكه.

وعلى هذا الفرض لم يكذب نوح (عليه السلام) حتى بكلمة واحدة، بل لما فهم من قوله (وأهلك)نجاة مطلق المنتمين إليه بالوشيجة الرحمية أو السببية، أبرز ما فهم وقال: (انّ ابني من أهلي) ، فلا يعد الإنسان كاذباً عند نفسه إذا أبرز ما اعتقده وأفرغه في قالب القول وان كان المضمون خلاف الواقع في حد نفسه، وحينئذ أجابه سبحانه بأنّ الموعود بإنجائهم هم الصالحون من أهلك لا مطلق المنتمين إليك بالوشائج الرحمية أو السببية.

وبعبارة أُخرى: انّ ولدك وإن كان من أهلك حسب الوشيجة الرحمية، لكنّه ليس من الأهل الذين وعدت بنجاتهم وخلاصهم.

وبعبارة ثالثة: (انّ ابنك) داخل في المستثنى، أعني قوله: (إلاّ من سبق عليه القول منهم)كما أنّ زوجتك داخلة فيه أيضاً.

وهذا الجواب على صحة الفرض تام لا غبار عليه، لكن أصل الفرض وهو كون ابن نوح متظاهراً بالكفر وكان الأب واقفاً عليه غير تام لما فيه:

أوّلاً: انّ من البعيد عن ساحة نوح (عليه السلام) أن يطلب من اللّه سبحانه أن لا يذر على الأرض من الكافرين ديّاراً، كما يعرب عنه قوله سبحانه حاكياً عنه (عليه السلام) : (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إلاّ فَاجِراً كَفَّاراً)، ويتبادر (1)إلى ذهنه من قوله سبحانه:


1 . نوح: 26 ـ 27.


(145)

(وأهلك) مطلق المنتمين إليه مؤمناً كان أم كافراً. بل يعد دعاؤه هذا قرينة على أنّ الناجين من أهله هم المؤمنون فقط لا الكافرون، وانّ المراد من (من سبق عليه القول) مطلق الكافرين سواء كانوا منتمين إليه أو لا.

ثانياً: انّه لا دليل على أنّه فهم من قوله: (إلاّ من سبق عليه القول منهم) خصوص زوجته، بل الظاهر أنّه فهم أنّ المراد من المستثنى كل من عاند اللّه وحاد رسوله من غير فرق في ذلك بين الزوجة وغيرها.

وثالثاً: انّه سبحانه بعدما أمر نوحاً (عليه السلام) بصنع الفلك أوحى إليه بقوله: (وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)(1) ، والظاهر من قوله: (الذين ظلموا)مطلق المشركين حميماً كان أو غريباً، فإذا قال بعد ذلك: (وأهلك إلاّ من سبق عليه القول)يكون إطلاق الجملة الأُولى قرينة على أنّ المراد من الأهل هو خصوص المؤمن لا الظالم منهم، إذ الظالم منهم داخل في قوله: (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) .

وإن شئت قلت: إنّ صراحة الجملة الأُولى قرينة على أنّ المراد من قوله: (إلاّ من سبق عليه القول) مطلق الظالم والكافر زوجة كانت أم غيرها، رحماً كان أم غيره، وهذه الصراحة قرينة على أنّ المراد من (أهلك) هو خصوص المؤمن لا الأعم منه.

وبالجملة: فلو صحت النظرية صح الجواب، لكنها باطلة لأجل الأُمور الثلاثة التي ألمعنا إليها.

وأمّا الفرض الثاني، فالظاهر أنّه الحق، وحاصله: أنّ الابن كان متظاهراً بالإيمان مبطناً للكفر، ويدل على ذلك قول نوح لابنه عندما امتنع أن يواكب أباه


1 . هود: 37.


(146)

في ركوبه السفينة: (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَعَنَا وَلاَ تَكُن مَعَ الْكَافِرينَ)(1) ، أي لا تكن معهم حتى تشاركهم في البلاء، ولو كان عارفاً بكفره لكان عليه أن يقول: «ولا تكن من الكافرين» وبما انّه كان معتقداً بإيمان ولده كان مذعناً بدخوله في قوله: (وأهلك)ولما أدركه الغرق أدركته الحيرة في أنّه كيف غرق مع أنّ وعده سبحانه حق لا يشوبه ريب، وعندئذ أظهر ما في قلبه وقال: (انّ ابني من أهلي)، وأجابه سبحانه بأنّه ما أدركه الغرق إلاّ لأجل كفره، فهو كان داخلاً في قوله: (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنّهم مغرقون)(2) أوّلاً، وثانياً في المستثنى أي قوله: (إلاّ من سبق عليه القول) لا المستثنى منه أي (أهلك) .

وعندئذ يقع السؤال والجواب في موقعهما ولا يكون نوح (عليه السلام) في حكمه كاذباً، لأنّه كان يتصور أنّ ولده مؤمن فنبّهه سبحانه على أنّه كافر، فأين الكذب في هذين الحكمين؟ وفي قوله سبحانه: (انّه عمل غير صالح) إعلام بأنّ قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وانّ نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد وان كان حبشياً وكنت قرشياً، لصيقك وخصيصك، ومن لم يكن على دينك وان كان أمس أقاربك رحماً فهو بعيد عنك إيماناً وعقيدة وروحاً.

ثم إنّ الإخبار عن ابن نوح بأنّه عمل غير صالح مكان كونه عاملاً غير صالح، لأجل المبالغة في ذمه مثل قوله «فإنما هي إقبال وإدبار».(3)

وهاهنا نكتة يجب التنبيه عليها، وهي أنّ العنصر المقوّم لصدق عنوان الأهل عند أصحاب اللغة والعرف هو انتساب الإنسان إلى شخص بوشيجة من


1 . هود: 42.
2 . هود: 37.
3 . الكشاف: 2/101.


(147)

الوشائج النسبية أو السببية، وان لم يكن بينهما تشابه ووحدة من حيث المسلك والمنهج.

غير أنّ التشريع الإلهي أدخل فيه عنصراً آخر وراء الوشيجة المادية وهو صلة الشخص بالإنسان من جهة الإيمان، ووحدة المسلك، إلى حد لو فقد هذا العنصر لما صدق عليه ذلك العنوان، بل صار ذلك العنصر إلى حد ربّما يكتفي به في صدق الأهل على الأفراد سواء أكانت فيه وشيجة نسبية أم لا ، ولأجل ذلك نجد أنّه سبحانه يكتفي بلفظ الأهل في التعبير عن كل المؤمنين، فيقول في قصة «لوط»: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرينَ)(1) ، وقال أيضاً: (إنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)(2) ، وقال أيضاً: (وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عَجُوزاً في الغَابِرينَ)(3) ، ترى أنّه سبحانه اكتفى بلفظ الأهل من دون أن يعطف عليه لفظ «المؤمنين» أو «من آمن به» مع عدم اختصاص النجاة بخصوص أهله وعمومها للمؤمنين، معرباً عن أنّ الإيمان يجعل البعيد أهلاً، والكفر يجعل القريب بعيداً.

ولأجل ذلك اكتفى في قصة نوح بلفظ الأهل فقال: (وَنُوحاً إِذ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ العَظِيم)(4) ، وقال أيضاً: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ الْعَظِيم)(5) ، ومن المعلوم عدم اختصاص النجاة بخصوص الأهل بشهادة قوله: (وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ


1 . الأعراف: 83.
2 . العنكبوت: 33.
3 . الصافّات: 133 ـ 135.
4 . الأنبياء: 76.
5 . الصافّات: 75 ـ 76.


(148)

الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ)(1).

وبذلك يظهر سرّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «سلمان منّا أهل البيت» فعد غير العرب من أهل بيته، وما هذا إلاّ لأنّ التشابه الروحي أوثق صلة وأحكم عرى، كما أنّ التباين الروحي خير أداة لقطع العرى وهدم الوشيجة المادية.

ولأجل ذلك قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) في حق ابن نوح: «لقد كان ابنه ولكن لمّا عصى اللّه عزّ وجلّ نفاه عن أبيه، وكذا من كان منّا لم يطع اللّه عزّ وجلّ فليس منّا، وأنت إذا أطعت اللّه فأنت منّا أهل البيت». (2)

نعم لا نقول إنّ ما ذكرناه هو المصطلح الوحيد في القرآن، بل له مصطلح آخر يتطابق مع اصطلاح أهل اللغة والعرف، وهو الاكتفاء بالوشيجة المادية، ونرى كلا المصطلحين واردين في سورة هود قال سبحانه: (وأهلك إلاّ من سبق عليه القول ومن آمن)، فأطلق لفظ الأهل على مطلق المنتمي إلى شيخ الأنبياء، كافراً كان أم مؤمناً، ثم أخرج الكافر من الحكم (احمل) لا من الموضوع وهو (الأهل) وقال: (إلاّ من سبق عليه القول).

وفي الوقت نفسه يجيب نداء نوح (عليه السلام) بعد قوله: (انّ ابني من أهلي) بقوله: (انّه ليس من أهلك) .

الوجه الثاني: لا دلالة لقوله: (فلا تسألن ما ليس لك به علم) على صدور سؤال غير لائق بساحة الأنبياء:

قد عرفت ما في الوجه الأوّل من نسبة الكذب إلى شيخ الأنبياء نوح (عليه السلام) في قوله: (انّ ابني من أهلي) ، فهلمّ معي ندرس الوجه الثاني، وهو أنّ قوله


1 . هود: 40.
2 . البحار: 49/219 ضمن ح 3.


(149)

سبحانه: (فلا تسألن ما ليس لك به علم انّي أعظك أن تكون من الجاهلين) يعرب عن وجود سؤال غير لائق بساحة الأنبياء، فلأجل ذلك خوطب ونهي عن التكرار.

فنقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد وعده بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، وهذا الاستثناء كان دليلاً على أنّ في جملة «أهله» من هو مستوجب للعذاب، وأنّهم كلّهم ليسوا بناجين، وعندئذ كان على نوح أن لا تخالجه شبهة حين أشرف ولده على الغرق في أنّه من المستثنين، وليس داخلاً في المستثنى منهم، فعوتب على أنّه اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه عليه.(1)

وعلى هذا يكون المراد من قوله: (فلا تسألن ما ليس لك به علم) النهي عن السؤال الذي لا يليق أن يطرح ويسأل إذا كان الجواب معلوماً بالقرائن والتفكر في أطراف القضية، وإلاّ فالسؤال انّما يتعلّق بما لا يعلم لا بما يعلم. هذا ما أجاب به صاحب الكشاف.

وهناك جواب أوضح ولعلّه أليق بساحة الأنبياء، وهو : أنّه لما وعد نوحاً بنجاة الأهل بقوله: (إلاّ من سبق عليه القول منهم) ولم يكن نوح مطّلعاً على باطن ابنه، بل كان معتقداً بظاهر الحال أنّه مؤمن، بقي متمسّكاً بصيغة العموم للأهلية ولم يعارضه يقين ولا شك بالنسبة إلى إيمان ابنه، فلذلك (نادى ربّه) .

وأمّا قوله: (اني أعظك أن تكون من الجاهلين) فليس راجعاً إلى كلامه وندائه، بل كان نداؤه ربّه في هذا الظرف واقعاً موقع القبول، وكان السؤال صحيحاً ورصيناً، بل هو راجع إلى وقوع السؤال في المستقبل بعد أن أعلمه اللّه باطن أمره، وأنّه إن سأل في المستقبل كان من الجاهلين، والغرض من ذلك تقديم


1 . الكشاف: 2/101.


(150)

ما يبقيه (عليه السلام) على سمة العصمة، والموعظة لا تستدعي وقوع الذنب وصدوره بل ربّما يكون الهدف التحفّظ على أن لا يصدر الذنب منه في المستقبل، ولذلك امتثل(عليه السلام) نهي ربِّه وقال: (أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم)(1).

* جواب ثالث للوجه الثاني

هذا وللعلاّمة الطباطبائي جواب ثالث أمتن من الجوابين السابقين حيث قال: إنّ قول نوح: (رب انّ ابني من أهلي وانّ وعدك الحق) في مظنة أن يسوقه إلى سؤال نجاة ابنه، وهو لا يعلم أنّه ليس من أهله، فشملته العناية الإلهية وحال التسديد الغيبي بينه وبين السؤال فأدركه النهي بقوله: (فلا تسألن ما ليس لك به علم)بتفريع النهي على ما تقدّم، مخبراً نوحاً بأنّ ابنك ليس من أهلك، لكونه عملاً غير صالح، فلا سبيل لك إلى العلم به، فإيّاك أن تبادر إلى سؤال نجاته، لأنّه سؤال ما ليس لك به علم، والنهي عن السؤال بغير علم لا يستلزم تحقق السؤال منه لا مستقلاً ولا ضمناً، والنهي عن الشيء لا يستلزم الارتكاب قبلاً، وانّما يتوقف على أن يكون الفعل اختيارياً ومورداً لابتلاء المكلّف، فإنّ من العصمة والتسديد أن يراقبهم اللّه سبحانه في أعمالهم، وكلّما اقتربوا مما من شأنّه أن يزل فيه الإنسان نبههم اللّه لوجه الصواب، ودعاهم إلى السداد والتزام طريق العبودية، قال تعالى: (وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَتَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً)(2).

وممّا يدل على أنّ النهي في قوله (فلا تسألن) نهي عمّا لم يقع بعد، قول


1 . الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال للإمام ناصر الدين الاسكندري المالكي: 2/101 على هامش الكشاف.
2 . الإسراء: 74 ـ 75.


(151)

نوح (عليه السلام) بعد استماع خطابه سبحانه: (رب إنّي أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم).

ولو كان سأل شيئاً من قبل لكان عليه أن يقول: أعوذ بك ممّا سألت أو ما يشابه ذلك، وممّا يوضح أنّ نوحاً لم يسأل شيئاً من ربّه قوله سبحانه: (انّي أعظك أن تكون من الجاهلين)تعليلاً لنهيه (فلاتسألن) ، فلو كان نوح (عليه السلام) سأل شيئاً من قبل لكان من الجاهلين، لأنّه سأل ما ليس له به علم.

وأيضاً لو كان المراد من النهي عن السؤال أن لا يتكرر منه ذلك بعد ما وقع منه مرّة لكان الأنسب أن يصرّح بالنهي عن العود إلى مثله دون النهي عن أصله، كما ورد نظيره في القرآن الكريم: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ... يَعِظُكُمْ اللّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً)(1).(2)

إلى هنا تبيّـن الجواب عن السؤال الثاني، واتضح أنّه لم يسبق منه (عليه السلام) سؤال غير لائق بساحته، بقي الكلام في السؤال الثالث.

الوجه الثالث: تفسير قوله تعالى: (وإلاّ تغفر لي وترحمني).

وحاصله: أنّ طلب الغفران في قوله: (وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) لا يجتمع مع العصمة.

أقول: إنّ هذا كلام، صورته التوبة وحقيقته الشكر على ما أنعم اللّه عليه من التعليم والتأديب، أمّا أنّ صورته صورة التوبة، فإنّ في ذلك رجوعاً إلى اللّه تعالى بالاستعاذة، ولازمها طلب مغفرة اللّه ورحمته، أي ستره على الإنسان ما فيه زلته،


1 . النور: 15 ـ 17.
2 . الميزان: 10/245.


(152)

وشمول عنايته لحاله، والمغفرة بمعنى طلب الستر أعم من طلبه على المعصية المعروفة عند المتشرعة، وكل ستر إلهي يسعد الإنسان ويجمع شمله.

وأمّا كون حقيقته الشكر، فإنّ العناية الإلهية التي حالت بينه وبين السؤال الذي كان يوجب دخوله في زمرة الجاهلين، كانت ستراً إلهياً على زلة في طريقه، ورحمة ونعمة أنعم اللّه سبحانه بها عليه فقوله: (وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) بمعنى أنّه إن لم تعذني من الزلاّت، لخسرت، فهو ثناء وشكر لصنعه الجميل.(1)

وتظهر حقيقة ذلك الكلام ممّا قدمناه في قصة آدم من أنّ كثيراً من المباحات تعد ذنباً نسبياً بالنسبة إلى طبقة خاصة من الأولياء والأنبياء، فعند صدور مثل ذلك يجب عليهم ـ تكميلاً لعصمتهم ـ طلب الغفران والرحمة، حتى لا يكونوا من الخاسرين، وليس الخسران منحصراً في الإتيان بالمعصية، بل ربّ فعل سائغ يعد صدوره من الطبقة العليا خسراناً وخيبة، كما أوضحناه في قصة آدم.

نعم لم يصدر من شيخ الأنبياء في ذلك المقام فعل غير أنّه وقع في مظنة صدور ذلك الفعل، وهو السؤال عمّـا لا يعلم، فلأجل ذلك صح له أن يطلب الستر على تلك الحالة بالعناية الإلهية الحائلة بينه وبين صدوره.

إلى هنا تبيّـن مفاد الآيات وأنّه ليس فيها إشعار بصدور الذنب بل حتى ما يوجب العتاب واللوم.

ثم إنّ لبعض المفسرين من العدلية أجوبة أُخرى للأسئلة المطروحة، فمن أراد الوقوف عليها، فليرجع إلى مظانها.(2)


1 . الميزان: 10/238.
2 . لاحظ تنزيه الأنبياء: 18 ـ 19; مجمع البيان: 3/167; بحار الأنوار: 11/213 ـ 314 إلى غير ذلك.


(153)

3
عصمة إبراهيم الخليل (عليه السلام) والمسائل الثلاث (1)

إنّ اللّه سبحانه أثنى على إبراهيم (عليه السلام) بطل التوحيد بأجمل الثناء، وحمد محنته في سبيله سبحانه أبلغ الحمد، وكرر ذكره باسمه في نيّف وستين موضعاً من كتابه، وذكر من مواهبه ونعمه عليه شيئاً كثيراً وقال: (وَلَقَد اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيَا وإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين)(2) . وقد حفظ اللّه سبحانه حياته الكريمة وشخصيته الدينية لما سمّى هذا الدين القويم بالإسلام ونسب التسمية به إليه قال تعالى: (مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ)(3) . وقال سبحانه: (قُلْ إِنَّني هَدَاني رَبِّي إِلَى صِـرَاط مُسْتَقِيم دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(4).

ومع هذا الثناء المتضافر منه سبحانه على إبراهيم (عليه السلام) نرى أنّ بعض المخطّئة للأنبياء يريد أن ينسب إليه ما لا يليق بشأنه مستدلاً بآيات نأتي بها واحدة بعد واحدة ونبيّـن حالها.


1 . أ. قوله للنجم: (هذا ربي) . ب. قوله: (بل فعله كبيرهم) . ج. قوله لقومه: (إنّي سقيم).
2 . البقرة: 130.
3 . الحج: 78.
4 . الأنعام: 161.


(154)

* الآية الأُولى

(وكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِين * فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِني رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْركُونَ)(1).

قالت المخطّئة: إنّ قوله: (هذا ربي) في المواضع الثلاثة ظاهر في أنّه (عليه السلام) كان يعتقد في وقت من الأوقات بربوبية هذه الأجرام السماوية، وهذا ممّا لا يجوز على الأنبياء عند العدلية، وإن زعمت العدلية أنّه (عليه السلام) تكلّم بها ظاهراً غير معتقد باطناً، فهذا أيضاً غير جائز على الأنبياء، لأنّه يقول شيئاً غير معتقد به، وهو أمر قبيح سواء سمّي بالكذب أم لا .

والجواب: انّ الاستدلال ضعيف، لأنّ الحال لا تخلو من إحدى صورتين:

الأُولى: انّ إبراهيم كان في مقام التحرّي والتعرّف على الربّ المدبّر للعالم، ولم يكن آنذاك واقفاً على الحقيقة، لأنّه ـ كما قيـل ـ كان صبياً لم يبلغ الحلم، وصار بصدد التحقيق والتحري، فعندئذ طرح عدّة احتمالات واحداً بعد واحد، ثم شرع في إبطال كل واحد منها، إلى أن وصل إلى الرب الواقعي والمدبّر الحقيقي.

وهذا نظير ما يفعله الباحثون عن أسباب الظواهر وعللها، فتراهم يطرحون على طاولة التحقيق سلسلة من الفرضيات والاحتمالات، ثم يعمدون إلى التحقيق عن حال كل واحد منها إلى أن يصلوا إلى العلة الواقعية، وعلى هذا يكون معنى


1 . الأنعام: 75 ـ 78.


(155)

قوله: (هذا ربي) مجرّد فرض لا إذعان قطعي، وليس مثُل هذا غيرَ لائق بشأن الأنبياء .

وفي هذا الصدد يقول السيد المرتضى ـ جواباً عن السؤال ـ: إنّه لم يقل ذلك مخبراً، وانّما قال فارضاً ومقدّراً على سبيل الفكر والتأمّل.

ألا ترى أنّه قد يحسن من أحدنا إذا كان ناظراً في شيء وممتثلاً بين كونه على إحدى صفتيه أن يفرضه على إحداهما لينظر فيما يؤدي ذلك الفرض إليه من صحة أو فساد، ولا يكون بذلك مخبراً عن الحقيقة، ولهذا يصح من أحدنا إذا نظر في حدوث الأجسام وقدمها أنْ يفرض كونها قديمة ليتبين ما يؤدي إليه ذلك الفرض من الفساد.(1)

وقد روي هذا المعنى عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث سئل عن قول إبراهيم: (هذا ربّي)أأشرك في قوله: (هذا ربّي) ؟ فقال (عليه السلام) : «لا، بل من قال هذا، اليوم فهو مشرك، ولم يكن من إبراهيم شرك، وانّما كان في طلب ربّه وهو من غيره شرك». (2)

وفي رواية أُخرى عن أحدهما (الباقر والصادق (عليهما السلام) ): «انّما كان طالباً لربّه ولم يبلغ كفراً، وانّه من فكّر من الناس في مثل ذلك فإنّه بمنزلته».(3)

غير أنّ هذا الفرض ربّما لا يكون مرضياً عند بعض العدلية، لأنّ الأنبياء منذ أن فطموا من الرضاع إلى أن ادرجوا في أكفانهم، كانوا عارفين بتوحيده سبحانه ذاتاً وفعلاً، خالقاً وربّاً، ولو كان هناك إراءة من اللّه لخليله كما في قوله: (وكذلك نري إبراهيم) كانت لزيادة المعرفة وليكون من الموقنين.


1 . تنزيه الأنبياء: 22.
2 . نور الثقلين: 1/610 ـ 611، الحديث 149 و 150 و 151.
3 . نور الثقلين: 1/610 ـ 611، الحديث 149 و 150 و 151.


(156)

الثانية: انّه كان معترفاً بربوبيته نافياً ربوبية غيره، ولكنّه حيث كان بصدد هداية قومه وفكّهم من عبادة الأجرام، جاراهم في منطقهم لكي لا يصدم مشاعرهم ويثير عنادهم ولجاجهم، فتدرج في إبطال ربوبية معبوداتهم الواحد تلو الآخر، بما يطرأ عليها من الأُفول والغيبة والتحوّل والحركة مما لا يليق بالربّ المدبّر، ومثل هذا جائز للمعلم الذي يريد هداية جماعة معاندة في عقيدتهم، منحرفة عن جادة الصواب، وهذه إحدى طرق الهداية والتربية، فأين التكلّم بكلمة الشرك عن جد ؟!

وإلى ذلك الجواب أشار السيد المرتضى في كلامه بأنّ إبراهيم (عليه السلام) لم يقل ما تضمّنته الآيات على طريق الشك، ولا في زمان مهلة النظر والفكر، بل كان في تلك الحال موقناً عالماً بأنّ ربَّه تعالى لا يجوز أن يكون بصفة شيء من الكواكب، وانّما قال ذلك على أحد وجهين:

الأوّل: انّه ربّي عندكم، وعلى مذاهبكم، كما يقول أحدنا على سبيل الإنكار للمشتبه هذا ربّه جسم يتحرك ويسكن.

الثاني: انّه قال ذلك مستفهماً وأسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنها.(1)

والوجه الأوّل من الشقين في هذا الجواب هو الواضح.

* الآية الثانية

قوله سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمينَ ... وَتَاللّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرين* فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ... قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا


1 . تنزيه الأنبياء: 23.


(157)

فَاسْئَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُون * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الْظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤلاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيئَاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)(1).

فزعمت المخطّئة أنّ قوله (عليه السلام) (بل فعله كبيرهم) كذب لا شك فيه، لأنّه هو الذي كسر الأصنام وجعلها جذاذاً إلاّ كبيرها، فكيف نسب التكسير إلى كبيرها ؟

ولا يخفى أنّ الشبهة واهية جداً، مثل الشبهة السابقة، لأنّ الكذب في الكلام إنّما يتحقق إذا لم يكن هناك قرينة على أنّه لم يرد ما ذكره، بالإرادة الجدية، وانّما ذكره لغاية أُخرى، ومع تلك القرينة لا يُعد الكلام كذباً، والقرينة في الكلام أمران:

الأوّل: قوله (عليه السلام) عند مغادرة قومه البلد ومخاطبتهم بقوله: (وتَاللّهِ لأَكيدنَّ أصنامَكُمْ بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرين)(2) ، ولا يصح حمل ذلك على أنّه قاله في قلبه وفكرته، لا بصورة المشافهة والمصارحة، وذلك لأنّ إبراهيم كان مشهوراً بعدائه وكرهه للأصنام، حتى أنّهم بعد ما رجعوا إلى بلدهم ووجدوا الأصنام جذاذاً، أساءوا الظن به، واتهموه بالعدوان على أصنامهم وتخريبها و (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إبراهِيمُ)(3).

الثاني: انّ من المسلّم بين إبراهيم وعبدة الأصنام أنّ آلهتهم صغيرها وكبيرها


1 . الأنبياء: 51 ـ 67.
2 . الأنبياء: 57.
3 . الأنبياء: 60.


(158)

لا تقدر على الحركة والفعل، فمع تلك القرينة والتسليم الواضح بينه وبينهم، بل وبين جميع العقلاء، إذا أجاب إبراهيم بهذا الكلام يعلم منه أنّه لم يتكلم به لغاية الجد، بل لغاية أُخرى حتى ينتبه القوم إلى خطئهم في العقيدة.

ويزيد توضيحاً ما ورد في القصص: إنّ إبراهيم بعد أنْ حطّم الأصنام الصغيرة جعل الفأس على عنق كبيرها، حتى تكون نسبة التحطيم إلى الكبير مقرونة بالقرينة وهي: أنّ آلة الجرم تشهد على كون الكبير هو المجرم دون إبراهيم، ومن المعلوم أنّ هذا العمل والشهادة المزعومة، أشبه شيء في مقام العمل باستهزائه بالقوم وسخريته مما يعتقدون.

فعلى تلك القرائن قد تكلّم إبراهيم بهذه الكلمة لا عن غاية الجد، بل لغاية أُخرى كما يبيّنها القرآن، فإذا انتفى الجد بشهادة القرائن القاطعة ينتفي الكذب.

وأمّا الغاية من هذا الكلام فهو أنّه طرح كلامه بصورة الجد وإن لم يكن عن جد حقيقي، وطلب منهم أن يسألوا الأصنام بأنفسهم، وأنّه مَن فعل هذا بهم؟ لغاية أخذ الاعتراف منهم بما أقرّوا به في الآية، أعني قولهم: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون)حتى يتسنّى للخليل (عليه السلام) كبتهم وتوبيخهم ـ بأنّه إذا كان هؤلاء على ما يصفون ـ بقوله (عليه السلام) : (أفتعبدون من دون اللّه ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم * أُف لكم ولما تعبدون من دون اللّه أفلا تعقلون)(1) ، وفي موضع آخر يقول: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)(2) ، فتبين من ذلك أنّ قوله: (بل فعله كبيرهم)لم يكن كلاماً عن جد وجزم وعزم حتى يوصف بالكذب، بل


1 . الأنبياء: 66 ـ 67.
2 . الصافات: 95 ـ 96.


(159)

كان كلاماً أُلقي على صورة الجد ليكون ذريعة لإبطال عبادتهم وشركهم، وكانت القرائن تشهد على أنّه ليس كلاماً جديّاً ولو كان هذا الكلام صادراً من عاقل غير النبي (عليه السلام) لأجزنا لأنفسنا أن نقول: إنّ الغاية، الاستهزاء والتهكّم بعبدة الأصنام والأوثان حتى يتنبهوا بذلك الوجه إلى بطلان عقيدتهم.

ولما كان هذا النمط من الحوار والاحتجاج الذي سلكه إبراهيم في غاية القوّة والمتانة، لم يجد القوم جواباً له إلاّ الحكم عليه بالتعذيب والإحراق شأن كل مجادل ومعاند إذا أفحم، كما يقول سبحانه: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيم * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ)(1) ، وفي آية أُخرى: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ)(2)، هذا هو الحق الصراح لمن طالع القصة في القرآن الكريم، ومن أمعن النظر فيها يجد أنّ الجواب هو ما ذكرنا.

* جواب آخر عن السؤال

وربّما يجاب بأنّه لم يكذب وانّما نسب الفعل إلى كبيرهم مشروطاً لا منجزاً، وانّما يلزم الكذب لو نسبه على وجه التنجيز حيث قال: (بل فعله كبيرهم هذا فاسئَلوهم إن كانوا ينطقون)فكأنّه قال: فعل كبيرهم هذا العمل إن كانت الأصنام المكسورة ناطقة، وبما أنّ المشروط ينتفي بانتفاء شرطه، وكان الشرط ـ أعني نطقها ـ منتفياً كان المشروط ـ أي كون الكبير قائماً بهذا الفعل ـ منتفياً أيضاً.

وهذا الجواب لا ينطبق على ظاهر الآية، لأنّها تشتمل على فعلين:

أحدهما قريب من الشرط، والآخر بعيد عنه، ومقتضى القاعدة رجوع


1 . الصافات: 97 ـ 98.
2 . الأنبياء: 68.


(160)

الشرط إلى القريب من الفعلين لا إلى البعيد، والرجوع إلى كلا الفعلين خلاف الظاهر أيضاً، وإليك توضيحه:

1. بل فعله كبيرهم: الفعل البعيد من الشرط.

2. فاسألوهم: الفعل القريب من الشرط.

3. ان كانوا ينطقون: هذا هو الشرط.

فرجوعه إلى الأوّل وحده، أو كليهما، خلاف الظاهر، والمتعين رجوعه إلى الثاني، فصار الحكم بأنّه فعله كبيرهم منجزاً لا مشروطاً.

* الآية الثالثة

استدلت المخطّئة لعصمة إبراهيم بالآية الثالثة، أعني قوله سبحانه: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم * إِذْ قَالَ لأِبيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أئِفكاً آلِهَةً دُونَ اللّهِ تُريدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ العَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوا عَنْهُ مُدْبِرينَ * فَرَاغَ إلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ )(1).

فاستدلوا بقوله: (إنّي سقيم) قائلين بأنّه لم يكن سقيماً، وانّما ذكر ذلك عذراً لترك مصاحبتهم في الخروج عن البلد.

أضف إلى ذلك انّ قوله: (فنظر نظرة في النجوم) يشبه ما يفعله المنجمون حيث يستكشفون من الأوضاع الفلكية، الأحداث الأرضية.

والجواب: انّ الإشكال مبني على أنّه (عليه السلام) قال: (إنّي سقيم) ولم يكن سقيماً، ولم يدل على ذلك دليل إذ من الممكن أنّه كان سقيماً في ذلك الوقت، وأمّا


1 . الصافات: 83 ـ 91.


(161)

قوله: (فنظر نظرة في النجوم) ، فمن المحتمل جداً أنّه نظر إلى السماء متفكراً حتى يلاحظ حاله وانّه هل يقدر على المغادرة معهم أم لا ، والعرب تقول لمن تفكر: «نظر في النجوم» بمعنى أنّه نظر إلى السماء متفكراً في جواب سؤال القوم، كما يفعل أحدنا عندما يريد أن يفكر في شيء .

ويؤيد ذلك أنّه (عليه السلام) قاله عندما دعاه قومه إلى الخروج معهم لعيد لهم، فعند ذلك نظر إلى النجوم وأخبرهم بأنّه سقيم، ومن المعلوم أنّ الخروج إلى خارج البلد لأجل التنزّه لم يكن في الليل بل كان في الضحى، فلو كانت الدعوة عند مطلع الشمس وأوّل الضحى لم يكن النظر إلى النجوم بمعنى ملاحظة الأوضاع الفلكية، إذ كانت النجوم عندئذ غاربة، فلم يكن الهدف من هذه النظرة إلاّ التفكر والتأمل.

نعم لو كانت الدعوة في الليل لأجل الخروج في النهار كان النظر إلى النجوم مظنة لما قيل، ولكنه غير ثابت.

نعم هناك معنى آخر لقوله: (فنظر نظرة في النجوم) ، وهو أنّه (عليه السلام) كان به حمّى ذات نوبة تعتريه في أوقات خاصة متعينة بطلوع كوكب أو غروبه، فلأجل ذلك نظر في النجوم، ووقف على أنّها قريبة الموعد، والعرب تسمّي المشارفة على الشيء باسم الداخل فيه، ولهذا يقولون لمن أضعفه المرض، وخيف عليه الموت «هو ميت» وقال تعالى لنبيّه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)(1).

وأمّا استعمال كلمة «في» مكان «إلى» في قوله: (في النجوم) ، فلأجل أنّ الحروف يقوم بعضها مقام بعض، قال اللّه تعالى: (ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ


1 . الزمر: 30.


(162)

النَّخْل)(1) وإنّما أراد على جذوعها، وقال الشاعر:

وافتحي الباب وانظري في النجوم *** كم علينا من قطع ليل بهيم

* جواب آخر عن الشبهة

وربّما يجاب عن الإشكال: انّه من قبيل المعاريض في الكلام، والمعاريض: عبارة عن أن يقول الرجل شيئاً يقصد به غيره ويفهم منه غير ما يقصده، فلعلّه نظر في النجوم نظر الموحِّد في صنعه تعالى، الذي يستدل به على خالقه وصفاته، ولكن القوم حسبوا أنّه ينظر إليها نظر المنجِّم فيها ليستدل بها على الحوادث، فقال: (إنّي سقيم).(2)

ولا يخفى أنّ الجواب مبني على أنّه لم يكن سقيماً آنذاك، وهو بعد غير ثابت، على أنّ المعاريض غير جائزة على الأنبياء لارتفاع الوثوق بذلك عن قولهم.

وبذلك يعلم قيمة ما أخرجه أصحاب الصحاح والسنن من طرق كثيرة عن أبي هريرة: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: لم يكذب إبراهيم (عليه السلام) غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات اللّه: قوله: (إنّي سقيم) وقوله: (بل فعله كبيرهم هذا)وقوله في سارة: (هي أُختي).(3)

وقد عرفت أنّ إبراهيم لم يكذب في الأُوليين، وأمّا الثالثة فهي مروية في التوراة المحرّفة، فهل يمكن بعد هذا، الاعتماد على الرواية؟!

والعجب أنّ ابن كثير صار بصدد تصحيح الرواية، وقال: ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله، حاشا وكلاّ، وانّما أُطلق الكذب على هذا


1 . طه: 71.
2 . تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 4/13.
3 . تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 4/13.


(163)

تجوزاً، وانّما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث «انّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب».

ونحن لا (1)نعلّق على الحديث ولا على التوجيه الذي ارتكبه ابن كثير شيئاً وانّما نحيل القضاء فيه إلى وجدان القارئ الكريم، وكفى في سقم الحديث أنّه من مرويات أبي هريرة، كما يكفي في كذب الحديث أنّه من الإسرائيليات التي وردت في التوراة المحرّفة.

والعجب أنّ رواة هذا الحديث يزرون على الشيعة في قولهم بالتقية، بأنّها مستلزمة للكذب مع أنّ التقية من المعاريض التي جوّزها القرآن والسنّة في شرائط خاصة لأشخاص معينين.

هذه هي الآيات التي استدلت المخطّئة بها على عدم عصمة بطل التوحيد، وقد عرفت مفادها، وهناك آيات أُخر آيات نزلت في حقه، ربّما وقعت ذريعة لهؤلاء المخطّئة، وبما أنّها واضحة المضمون لا نرى حاجة إلى البحث عنها، وكفانا في هذا المضمار ما ذكره السيد المرتضى في «تنزيهه» فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إليه.

كما أنّهم استدلّوا بآيات نزلت في حق يعقوب، لتخطئته وبما أنّ الشبهات ضعيفة تركنا البحث عنها وعطفنا عنان القلم إلى بعض ما استدلت به المخطّئة في هذا المضمار في حق صدِّيق عصره ونزيه دهره سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام.


1 . تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 4/13.


(164)

4
عصمة يوسف (عليه السلام) وقول اللّه (... وهمّ بها)

* يوسف الصدِّيق هو الأُسوة

إنّ فيما ورد في سورة يوسف من الآيات، لأجلى دليل على أنّه الإنسان المثالي الذي لا يعدّ له مثال، كيف؟ وقد دلّت الآيات على أنّه سبحانه اجتباه من بداية حياته وصباه، وعلّمه من تأويل الأحاديث، وأتمّ نعمته عليه، وقد قام القرآن بسرد قصته وأسماها بأحسن القصص، ففيها براهين واضحة على طهارته ونزاهته وعصمته من الذنوب، وصيانته من المعاصي، وتفانيه في مرضاة اللّه، كيف؟ وقد ابتلاه اللّه سبحانه بلاءً حسناً، فوجده صابراً متمالكاً لنفسه عند الشهوات والمحرمات، وناجياً من الغمرات التي لا ينجو منها إلاّ من عصمه اللّه سبحانه، فقد ظهر بهذا البلاء باطنه، وتجلّت به حقيقته، وبان أنّه الإنسان الذي حاق به الخوف من اللّه سبحانه، فطفق لا يغفل عنه طرفة عين ولا يبدل رضاه بشيء.

كيف؟ ومن طالع القصة يقف على أنّ نجاة يوسف من مخالب الشهوة وخدعة امرأة العزيز لم تكن إلاّ أمراً خارقاً للعادة، ولولا عصمته لما كانت النجاة ممكنة، بل كانت أمراً أشبه بالرؤيا منه باليقظة.


(165)

وفي هذا الصدد يقول العلاّمة الطباطبائي:

فقد كان يوسف رجلاً، ومن غريزة الرجال الميل إلى النساء، وكان شاباً، بالغاً أشده، وذاك أوان غليان الشهوة وفوران الشبق، وكان ذا جمال بديع يدهش العقول ويسلب الألباب، والجمال والملاحة يدعوان إلى الهوى؟ هذا من جانب، ومن جانب آخر كان مستغرقاً في النعمة وهنيء العيش، محبوراً بمثوى كريم، وذلك من أقوى أسباب التهوّس، وكانت الملكة فتاة فائقة الجمال كما هو الحال في حرم الملوك والعظماء، وكانت لا محالة متزيّنة لما يأخذ بمجامع كل قلب، وهي عزيزة مصر ـ ومع ذلك ـ عاشقة له والهة تتوق نفسها إليه، وكانت لها سوابق الإكرام والإحسان والإنعام ليوسف، وذلك كلّه مما يقطع اللسان ويصمت الإنسان وقد تعرّضت له، ودعته إلى نفسها، والصبر مع التعرّض أصعب، وقد راودته هذه الفتّانة وأتت بما في مقدرتها من الغنج والدلال، وقد ألّـحت عليه فجذبته إلى نفسها حتى قدت قميصه، والصبر معه أصعب وأشق، وكانت عزيزة لا يرد أمرها ولا يثنى رأيها، وهي رتبة خصّها بها العزيز، وكان في قصر زاه من قصور الملوك ذي المناظر الرائعة التي تبهر العيون وتدعو إلى كل عيش هنيء.

وكانا في خلوة، وقد غلّقت الأبواب وأرخت الستور، وكان لا يأمن من الشر مع الامتناع، وكان في أمن من ظهور الأمر وانتهاك الستر، لأنّـهـا كانت عزيزة، بيدها أسباب الستر والتعمية، ولم تكن هذه المخالطة فائتة لمرة بل كانت مفتاحاً لعيش هنيء طويل، وكان يمكن ليوسف أن يجعل هذه المخالطة والمعاشقة وسيلة يتوسل بها إلى كثير من آمال الحياة وأمانيها كالملك والعزّة والمال.

فهذه أسباب وأُمور هائلة لو توجهت إلى جبل لهدّته، أو أقبلت على صخرة صمّـاء لأذابتها، ولم يكن هناك ممّا يتوهم مانعاً إلاّ الخوف من ظهور الأمر، أو


(166)

مناعة نسب يوسف، أو قبح الخيانة للعزيز، ولكن الكل غير صالح لمنع يوسف عن ارتكاب العمل.

أمّا الخوف من ظهور الأمر فقد مرّ أنّه كان في أَمن منه، ولو كان بدا من ذلك شيء لكان في وسع العزيزة أن تأوّله تأويلاً كما فعلت فيما ظهر من أمر مراودتها، فكادت حتى أرضت نفس العزيز إرضاءً، فلم يؤاخذها بشيء، وقلبت العقوبة على يوسف حتى سجن.

وأمّا مناعة النسب فلو كانت مانعة لمنعت إخوة يوسف عمّـا هو أعظم من الزنا وأشد اثماً، فانّهم كانوا أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمثال يوسف، فلم تمنعهم شرافة النسب من أن يهمّوا بقتله ويلقوه في غيابت الجب، ويبيعوه من السيّارة بيع العبيد، ويثكلوا فيه أباهم يعقوب النبي، فبكى حتى ابيضّت عيناه.

وأمّا قبح الخيانة وحرمتها فهو من القوانين الاجتماعية، والقوانين الاجتماعية إنّما تؤثر أثرها بما تستتبعه من التبعة على تقدير المخالفة وذلك إنّما يتم فيما إذا كان الإنسان تحت سلطة القوّة المجرية والحكومة العادلة، وأمّا لو أغفلت القوّة المجرية، أو فسقت فأهملت، أو خفي الجرم عن نظرها، أو خرج من سلطانها فلا تأثير حينئذ لشيء من هذه القوانين.

فلم يكن عند يوسف ما يدفع به عن نفسه ويظهر به على هذه الأسباب القوية التي كانت لها عليه، إلاّ أصل التوحيد وهو الإيمان باللّه.

وإن شئت قلت: المحبة الإلهية التي ملأت وجوده وشغلت قلبه، فلم تترك لغيرها محلاً ولا موضع أصبع.(1)


1 . الميزان: 11/137 ـ 139.


(167)

هذا هو واقع الأمر غير أنّ بعض المخطّئة لم يرتض ليوسف هذه المكارم والفضائل، واستدل على عدم عصمته بما ورد في سورة يوسف في حق العزيزة ومن هو في بيتها،قال سبحانه: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بِرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ)(1).

ومحل الاستدلال: قوله (وهمَّ بها) أي همّ بالمخالطة، وانّ همّه بها كان كهمّها به، ولولا أنّ رأى برهان ربّه لفعل، وقد صانته عن ارتكاب الجريمة ـ بعد الهمّ بها ـ رؤية البرهان.

وبعبارة أُخرى: انّ المخطّئة جعلت كلا من المعطوف والمعطوف عليه (ولقد همّت به ـ وهمّ بها) كلاماً مستقلاً غير مقيّد بشيء، وكأنّه قال:

ولقد همّت به: أي بلا شرط وقيد.

وهمّ بها: أي جزماً وحتماً.

ثم بعد ذلك ـ أي بعد الإخبار عن تحقّق الهم من الطرفين ـ استدرك بأنّ العزيزة بقيت على همّها وعزمها إلى أن عجزت، وأمّا يوسف فقد انصرف عن الاقتراف لأجل رؤية برهان ربِّه، ولأجل ذلك قال:

(لولا أن رأى برهان ربّه) أي ولولا الرؤية لاقترف وفعل وارتكب، لكنّه رأى فلم يقترف ولم يرتكب، فجواب لولا محذوف وتقديره «لاقترف».

ثم إنّ المخطّئة استعانوا في تفسير الآية بما ذكروه من الإسرائيليات التي لا


1 . يوسف: 23 ـ 24.


(168)

يصح أن تنقل، وانّما ننقل خبراً واحداً ليكون القارئ على اطلاع عليها: قالوا: جلس يوسف منها مجلس الخائن، وأدركه برهان ربّه ونجّاه من الهلكة، ثم إنّهم نسجوا هناك أفكاراً خيالية في تفسير هذا البرهان المرئي; فقالوا: إنّ طائراً وقع على كتفه، فقال في أُذنه: لا تفعل، فإن فعلت سقطت من درجة الأنبياء; وقيل: إنّه رأى يعقوب عاضاً على إصبعه، وقال: يا يوسف أما تراني؟ إلى غير ذلك من الأوهام التي يخجل القلم من نقلها.

غير انّ رفع الستر عن مرمى الآية يتوقف على البحث عن أُمور :

1. ما هو معنى «الهم» في قوله: (ولقد همّت به وهمّ بها) .

2. ما هو جواب (لولا أن رأى برهان ربّه) وهذا هو العمدة في تفسير الآية.

3. ما هو معنى البرهان؟

4. دلالة الآية على عصمة يوسف، وإليك تفسيرها واحداً تلو الآخر.

* 1. ما معنى الهم؟

لقد فسّـره ابن منظور في لسانه بقوله: همّ بالشيء يهم همّاً: نواه وأراده وعزم عليه، قال سبحانه: (وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)(1).

روى أهل السير : أنّ طائفة من المنافقين عزموا على أن يغتالوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في العودة من تبوك، ولأجل ذلك وقفوا على طريقه، فلمّا قربوا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بتنحيتهم، وسمّـاهم رجلاً رجلاً.(2)


1 . التوبة: 74.
2 . مجمع البيان: 3/51 وغيره.


(169)

هذا هو معنى الهم، وتؤيده سائر الآيات الوارد فيها لفظ الهم، ولو استعمل في مورد في خطور الشيء بالبال، وإن لم يقع العزم عليه، فهو استعمال نادر لا يحمل عليه صريح الكتاب.

أضف إلى ذلك أنّ الهمين في الموردين بمعنى واحد، وبما أنّ هم العزيزة كان بنحو العزم والإرادة، وجب حمل الهم في جانب يوسف عليه أيضاً لا على خطور الشيء بالبال، لأنّه تفكيك بين اللفظين من حيث المعنى بلا قرينة، ولكن تحقّق أحد الهمين دون الآخر، لأنّ هم يوسف كان مشروطاً بعدم رؤية برهان ربِّه، وبما أنّ العدم انقلب إلى الوجود، ورأى البرهان لم يتحقق هذا الهم من الأساس، كما سيوافيك، نعم لا ننكر أنّ الهم قد يستعمل بالقرينة في مقابل العزم، قال كعب بن زهير:

فكم فهموا من سيد متوسع *** ومن فاعل للخير ان همّ أو عزم

ولكن التقابل بين الهم والعزم أوجب حمل الهم على الخطور بالبال، ولولاه لحمل على نفس العزم.

كما ربّما يستعمل في معنى المقاربة فيقولون: همّ بكذا وكذا، أي كاد يفعله، وعلى كل تقدير فالمعنى اللائح من الهم في الآية هو العزم والإرادة.

* 2. ما هو جواب لولا ؟

لا شك أنّ «لولا» في قوله سبحانه: (لولا أنْ رأى بُرهَانَ رَبِّه) ابتدائية. فلا تدخل إلاّ على المبتدأ مثل «لوما» قال ابن مالك.

لولا ولوما يلزمان الابتداء *** إذ امتناعاً بوجــود عقدا


(170)

ومما لا شك فيه أنّ «لولا» الابتدائية تحتاج إلى جواب، ويكون الجواب مذكوراً غالباً مثل قول القائل:

كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية *** لولا رجاؤك قد قتلت أولادي

وقد تواترت الروايات عن الخليفة عمر بن الخطاب أنّه قال في مواضع خطيرة: «لولا علي لهلك عمر» .

وربّما يحذف جوابها لدلالة القرينة عليه أو انفهامه من السياق، كقوله سبحانه: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ)(1) ، أي ولولا فضل اللّه ورحمته عليكم لهلكتم، وربّما يحذف الجواب لدلالة الجملة المتقدمة عليه كقوله: «قد كنت هلكت لولا أن تداركتك» ،وقوله: «وقتلت لولا أنّي قد خلصتك»، والمعنى لولا تداركي لهلكت، ولولا تخليصي لقُتلت، ومثل لولا سائر الحروف الشرطية قال الشاعر:

فلا يدعني قومي صريعاً لحرة *** لئن كنت مقتولاً ويسلم عامر

وقال الآخر:

فلا يدعني قومي ليوم كريهة *** لئن لم أعجل طعنة أو أعجل

فحذف جواب الشرط في البيتين لأجل الجملة المتقدمة.

وبالجملة: لا إشكال في أنّ جواب الحروف الشرطية عامة، وجواب «لولا» خاصة، يكون محذوفاً إمّا لفهمه من السياق أو لدلالة كلام متقدم عليه والمقام من


1 . النور: 10.


(171)

قبيل الثاني، فقوله سبحانه: (ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربِّه) يؤوّل إلى جملتين: إحداهما مطلقة، والأُخرى مشروطة.

أمّا المطلقة فهي قوله: (ولقد همّت به) ، وهو يدل على تحقّق «الهم» من عزيزة مصر بلا تردد.

أمّا المقيدة فهي قوله: (وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربِّه)وتقديره: «لولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها» فيدل على عدم تحقق الهم منه لما رأى برهان ربّه، وأمّا الجملة المتقدمة على «لولا» أعني قوله (وهم بها) فلا تدل على تحقق الهم، لأنّها ليست جملة منفصلة عمّا بعدها، حتى تدل على تحقق الهمّ، وانّما هي قائمة مكان الجواب، فتكون مشروطة ومعلّقة مثله، وسيوافيك تفصيله عن قريب.

* 3. ما هو البرهان؟

البرهان هو الحجة ويراد به السبب المفيد لليقين، قال سبحانه: (فَذَانِكَ بُرْهَانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلائِه)(1) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّها النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ)(2) ، وقال سبحانه: (أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(3) ، فالبرهان هو الحجة اليقينية التي تجلي الحق ولا تدع ريباً لمرتاب، وعلى ذلك فيجب أن يعلم ما هذا البرهان الذي رآه يوسف (عليه السلام)؟

والذي يمكن أن يكون مصداق البرهان في المقام هو العلم المكشوف واليقين المشهود الذي يجر النفس الإنسانية إلى طاعة لا تميل معها إلى معصية،


1 . القصص: 32.
2 . النساء: 174.
3 . النمل: 64.


(172)

وانقياد لا تصاحبه مخالفة، وقد أوضحنا عند البحث عن العصمة انّ إحدى أُسس العصمة هو العلم اليقين بنتائج المآثم وعواقب المخالفة علماً لا يغلب، وانكشافاً لا يقهر، وهذا العلم الذي كان يصاحب يوسف هو الذي صدّه عمّـا اقترحت عليه امرأة العزيز.

ويمكن أن يكون المراد منه سائر الأُمور التي تفيض العصمة على العباد التي أوضحنا حالها.(1)

* 4. دلالة الآية على عصمة يوسف (عليه السلام)

إنّ الآية على رغم ما ذهبت إليه المخطّئة تدل على عصمة يوسف (عليه السلام) قبل أن تدلّ على خلافها.

توضيحه: انّه سبحانه بيّـن همّ العزيزة على وجه الإطلاق وقال: (وهمّت به) ، وبيّـن همّ يوسف بنحو الاشتراط وقال: (وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربِّه)، فالقضية الشرطية لا تدل على وقوع الطرفين خصوصاً مع كلمة «لولا» الدالة على عدم وقوعهما.

فإن قلت: إنّ كلاًّ من الهمين مطلق حتى الهم الوارد في حق يوسف وانّما يلزم التعليق لو قلنا بجواز تقدم جواب لولا الامتناعية عليها وهو غير جائز بالاتفاق وعليه فيكون قوله: (وهمّ بها) مطلقاً إذ ليس جواباً لكلمة «لولا».

قلت: إنّ جواب «لولا» محذوف وتقديره «لهمّ بها» وليست الجملة المتقدمة جواباً لها حتى يقال: انّ تقدم الجواب غير جائز بالاتفاق، ومع ذلك فليست تلك الجملة مطلقة، بل هي أيضاً مقيدة بما قيد به الجواب، لأنّه إذا كان الجواب مقيداً


1 . راجع ص 21 ـ 25 من هذا الكتاب.


(173)

فالجملة القائمة مكانه تكون مثله، وله نظير في الكتاب العزيز مثل قوله: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً)(1)، والمعنى انّه سبحانه ثبّت نبيه فلم يتحقّق منه الركون ولا الاقتراب منه.

وقال سبحانه: (وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء)(2) والمعنى أنّ تفضّله سبحانه على نبيه صار سبباً لعدم هم الطائفة على إضلاله.

والآية مثل الآيتين غير أنّ الجواب فيها محذوف لدلالة الجملة المتقدمة عليه بخلافهما.

وحاصل الكلام: أنّه في مورد الآية ونظائرها يكون الجزاء منتفياً بانتفاء شرطه، غير انّ هذه الجمل إنّما تستعمل في ما إذا كانت هناك أرضية صالحة لتحقق الجزاء، وإن لم يتحقق لانتفاء الشرط، وفي مورد الآية، أرضية الهم كانت موجودة في جانب يوسف لتجهزه بالقوى الشهوية، وغيرها من قوى النفس الأمارة، وكانت هذه العوامل مقتضية لحدوث الهم بالفحشاء، ولكن صارت خائبة غير مؤثرة لأجل رؤية برهان ربّه، والشهود اليقيني الذي يمنع النبي عن اقتراف المعصية والهم بها.

وإن شئت قلت: منعته المحبة الإلهية التي ملأت وجوده وشغلت قلبه، فلم تترك لغيرها موضع قدم، فطرد ما كان يضاد تلك المحبة.

وهذا هو مفاد الآية ولا يشك فيه من لاحظ المقدمات الأربع التي قدّمناها.

وعلى ذلك فبما انّ «اللام» في قوله: (ولقد همّت به)للقسم يكون معنى


1 . الإسراء: 74.
2 . النساء: 113.


(174)

قوله: (وهمّ بها)بحكم عطفه عليه والمعنى: واللّه لقد همت امرأة العزيز به وواللّه لولا أن رأى يوسف برهان ربّه لهمّ بها، ولكنّه لأجل رؤية البرهان واعتصامه، صرف عنه سبحانه السوء والفحشاء، فإذا به (عليه السلام) لم يهم بشيء ولم يفعل شيئاً، لأجل تلك الرؤية.

* أسئلة وأجوبة

ولأجل رفع الغطاء عن وجه الحقيقة على الوجه الأكمل تجب الإجابة عن عدة من الأسئلة التي تثار حول الآية، وإليك بيانها وأجوبتها:

* السؤال الأوّل

انّ تفسير الهمّ الوارد في الآية في كلا الجانبين بالعزم على المعصية، تكرار لما جاء في الآية المتقدمة بصورة واضحة وهي قوله: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك) ومع هذا البيان الواضح لا وجه لتكراره ثانياً بقوله: (ولقد همّت به وهمّ بها)خصوصاً في همّها به إذ ورد في الآية المتقدمة بصورة واضحة أعني قوله: (هيت لك) .

والجواب: انّ الدافع إلى التكرار ليس هو لإفادة نفسه مرة ثانية بل الدافع هو بيان كيفية نجاة يوسف من هذه الغائلة، ولأجل ذلك عاد إلى نفس الموضوع مجدّداً ليذكر مصير القصة ونهايتها، وهذا نظير ما إذا حدّث أحد عن تنازع شخصين وإضرار أحدهما بالآخر واستعداده للدفاع عن نفسه، فإذا أفاد ذلك ثم أراد أن يشير إلى نتيجة ذلك العراك يعود ثانيةً إلى بيان أصل التنازع حتى يبين مصيره ونهايته والآيتان من هذا القبيل.


(175)

وبذلك يظهر أنّ ما أفاده صاحب المنار في هذا المقام غير سديد حيث قال: إنّه قد علم من القصة أنّ هذه المرأة كانت عازمة على ما طلبته طلباً جازماً مصرّة عليه ليس عندها أدنى تردّد فيه ولا مانع منه يعارض المقتضى له،فإذاً لا يصح أن يقال: إنّها همّت به مطلقاً إذ الهم مقاربة الفعل المتردد فيه.(1)

أقول: قد عرفت دافع التكرار فلا نعيده، بقي الكلام فيما أفاده في تفسير الهم بأنّه عبارة «عن مقاربة الفعل المتردّد فيه» ولا يخفى أنّه لا يصح في قوله سبحانه: (وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ)(2) ، أي إخراج الرسول من مكة، فهم كانوا جازمين بذلك، وقد تآمروا عليه في ليلة خاصة معروفة في السيرة والتاريخ، كما لا يصح في قوله سبحانه: (وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)(3)، حيث حاول المنافقون أن ينفروا بعير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في العقبة في منصرفه من غزوة تبوك.

* السؤال الثاني

إنّ تفسير البرهان بالعصمة لا يتناسب مع سائر استعمالاته في القرآن مثلاً البرهان في قوله سبحانه: (فَذانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ)(4) عبارة عن معاجز موسى من العصا واليد البيضاء، وعلى ذلك فيجب أن يفسر البرهان بشيء ينطبق على الإعجاز لا العصمة التي هي من مقولة العلم.

والجواب: انّ البرهان بمعنى الحجة وهي تنطبق تارة على المعجزة وأُخرى على العلم المكشوف واليقين المشهود الذي يصون الإنسان عن اقتراف المعاصي،


1 . تفسير المنار: 12/286.
2 . التوبة: 13.
3 . التوبة: 74.
4 . القصص: 32.


(176)

وقد سبق منا أنّ العصمة(1) لا تسلب القدرة، فهي حجة للنبي في آجله وعاجله ودليل في حياته إلى سعادته.

* السؤال الثالث

إنّ قوله سبحانه: (كَذلِكَ لِنَصرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشَاءَ)ظاهر في أنّ (السوء) غير (الفحشاء)فلو فسر قوله: (ولقد همّت به وهمّ بها) بالعزم على المعصية يلزم كونهما بمعنى واحد وهو خلاف الظاهر.

والجواب: انّ المراد من (السوء) هو الهم والعزم، والمراد من (الفحشاء) هو نفس العمل، فاللّه سبحانه صرف ببركة العصمة ـ نفس الهم ونفس الاقتراف ـ كلا الأمرين .

قال العلاّمة الطباطبائي: الأنسب أنّ المراد بالسوء هو الهم بها والميل إليها ، كما أنّ المراد بالفحشاء اقتراف الفاحشة وهي الزنا، ثم قال: ومن لطيف الإشارة ما في قوله: (لِنَصرف عنه السوء والفحشاء) حيث جعل السوء والفحشاء مصروفين عنه لا هو مصروفاً عنهما، لما في الثاني من الدلالة على أنّه كان فيه ما يقتضي اقترافه لهما المحوج إلى صرفه عن ذلك، وهو ينافي شهادته تعالى بأنّه من عباده المخلصين، وهم الذين أخلصهم اللّه لنفسه فلا يشاركهم فيه شيء، ولا يطيعون غيره من تسويل شيطان أو تزيين نفس أو أيّ داع من دون اللّه سبحانه.

ثم قال: وقوله: (انّه من عبادنا المخلصين) في مقام التعليل لقوله: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) ، والمعنى عاملنا يوسف كذلك، لأنّه من عبادنا المخلصين، ويظهر من الآية انّ من شأن المخلصين أن يروا برهان ربّهم


1 . راجع الجزء الرابع من مفاهيم القرآن: 401 ـ 405 .


(177)

وإنّ اللّه سبحانه يصرف كل سوء وفحشاء عنهم فلا يقترفون معصيته ولا يهمون بها بما يريهم اللّه من برهانه، وهذه هي العصمة الإلهية.(1)

* السؤال الرابع

لو كان المراد من (برهان ربّه) هو العصمة، فلماذا قال سبحانه: (رأى برهانه ربّه) ، فإنّ هذه الكلمة تناسب الأشياء المحسوسة كالمعاجز والكرامات لا العصمة التي هي علم قاهر لا يغلب ويصون صاحبه عن اقتراف المعاصي.

أقول: إنّ الرؤية كما تستعمل في الرؤية الحسية والرؤية بالأبصار، تستعمل أيضاً في الإدراك القلبي والرؤية بعين الفؤاد قال سبحانه: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)(2) ، وقوله سبحانه: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَآهُ حَسَناً)(3) ، وقوله سبحانه: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنْا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ)(4) ، وهذه الآيات ونظائرها تشهد بوضوح بأنّ الرؤية تستعمل في الإدراك القلبي والاستشعار الباطني.

وعلى ذلك فيوسف الصديق لمّا وقع مقابل ذلك المشهد المغري، الذي يسلب اللب والعقل عن البشر، كان المتوقع بحكم كونه بشراً، الميل إلى المخالطة معها والعزم على الإتيان بالمعصية، ولكنّه لما أدرك بالعلم القاطع أثر تلك المعصية صانه ذلك عن أي عزم وهمّ بالمخالطة.

هذا هو المعنى المختار في الآية، وبذلك تظهر نزاهة يوسف عن أي هم


1 . الميزان: 11/142.
2 . النجم: 11.
3 . فاطر: 8.
4 . الأعراف: 149.


(178)

وعزم على المخالطة.

وهناك تفسير آخر للآية يتفق مع المعنى المختار في تنزيه يوسف عن كل ما لا يناسب ساحة النبوة غير أنّه من حيث الانطباق على ظاهر الآية يعد في الدرجة الثانية، وهذا المعنى هو الذي اختاره صاحب «المنار» وطلاه بعض المعاصرين وزوّقه، وسيوافيك بيان صاحب المنار وما جاء به ذلك المعاصر في البحث التالي:

* المعنى الثاني للآية

انّ المراد من الهم في كلا الموردين هو العزم على الضرب والقتل مثل قوله سبحانه: (وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)(1) حيث قصد المشركون اغتيال النبي عند منصرفه من تبوك، فيكون المعنى أنّ امرأة العزيز همت بضربه وجرحه وبطبيعة الحال لم يكن أمام يوسف إلاّ أن يدافع عن نفسه غير انّه رأى انّ ذلك ربّما ينجر إلى جرح امرأة العزيز ويكون ذلك ذريعة بيدها لاتّـهـام يوسف وبهته، فقد أدرك هذا المعنى ولم يهم بها وسبقها إلى الباب ليتخلّص منها، وعلى ذلك فيكون معنى الهم في كلا الموردين هو المضاربة لكنه من جانب العزيزة بدافع ومن جانب يوسف بدافع آخر.

وهذا التوجيه يتناسب مع حالة العاشق الواله عندما يخفق في نيل ما يصبو إليه ويتوق إلى تحصيله، فإنّه في مثل هذا الموقف تحدث له حالة باطنية تدفعه إلى الانتقام من معشوقه الذي لم يسايره في مطلبه ولم يحقق له غرضه، وقد حدث مثل هذا لامرأة العزيز، فإنّـها عندما أخفقت في نيل ما تريد من يوسف، دفعها الشعور بالهزيمة والإخفاق إلى الانتقام من يوسف وهذا هو معنى قوله: (ولقد همّت به)


1 . التوبة: 74.


(179)

على الإطلاق وبلا تقييد.

ولم يكن في هذه الحالة أمام يوسف إلاّ أن يدافع عن نفسه، ولكنّه لما استشعر بأنّ ضرب العزيزة سوف يتخذ ذريعة لبهته واتهامه، اعتصم عن ضربها والهمّ بها، وهذا معنى قوله: (وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه) .

وهذا المعنى هو المختار لبعض أهل التفسير، واختاره صاحب المنار، وسعى في تقويته بقوله: تاللّه لقد همّت المرأة بالبطش به لعصيانه أمرها وهي في نظرها سيدته وهو عبدها وقد أذلّت نفسها له بدعوته الصريحة إلى نفسها بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه، ومن شأن المرأة أن تكون مطلوبة لا طالبة، ولكن هذا العبد العبراني قد عكس القضية وخرق نظام الطبيعة فأخرج المرأة من طبع أُنوثتها في دلالها وتمنعها وهبط بالسيدة المالكة من عز سيادتها وسلطانها وعندئذ همّت بالبطش به في ثورة غضبها وهو انتقام معهود من مثلها وممن دونها في كل زمان ومكان.(1)

ثم إنّ بعض المعاصرين اختار المعنى المذكور غير انّه فسر (برهان ربِّه) بغير الوجه المذكور في هذا الرأي بل فسره بانفتاح الباب بإرادة اللّه سبحانه حيث إنّ امرأة العزيز كانت قد غلقت الأبواب وأحكمت سدها، وعندما وقع هذا الشجار بينها وبين يوسف، سبق يوسف إلى الباب فراراً منها وانفتح الباب له بإرادة اللّه سبحانه، وهذا هو برهان الرب الذي رآه، ويدل على ذلك انّ القرآن يصرح بغلق الأبواب ولا يأتي عن انفتاح الباب بأي ذكر، وهذا يدل على أنّ المراد من (برهان ربّه) هو فتح الباب من عند اللّه سبحانه في وجه يوسف كرامة له.

ولا يخفى ضعف هذا التفسير، وذلك لأنّه لو كان المراد من البرهان هو


1 . تفسير المنار: 12/278.


(180)

انفتاح الباب لزم ذكره عند قوله أو قبله (واستبقا الباب) لا في الآية المتقدمة عليه ويظهر ذلك بملاحظتهما حيث قال:

(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ...)(1).

(وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُر وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ)(2).

ترى أنّه يذكر همّه بها ورؤية البرهان في آية ثم يذكر استباقهما إلى الباب في آية أُخرى مع الفصل بينهما بذكر أُمور منها (إنّه كان من المخلصين) ، فلو كان المراد من «رؤية البرهان» هو انفتاح الباب كان المناسب ذكر الاستباق قبلها.

على أنّ الظاهر من قوله «وغلّقت الأبواب» هو سدّ الأبواب لا إقفالها بمعنى وضع قفل عليها يمتنع معه فتحها بيسر، وإنّما لم تقفلها لأنّها لم تكن تتوقع من يوسف أن لا يستجيب لها ويعصي أمرها.

* المعنى الثالث للآية

انّ الهمّ من جانب يوسف هو خطور الشيء بالبال وان لم يقع العزم عليه، وربّما يستعمل الهم في ذلك، قال كعب بن زهير:

فكم فهموا من سيد متوسع *** ومن فاعل للخير انّ همّ أو عزم

ولا يخفى أنّ هذا التفسير عليل، لأنّ الظاهر من الهمّ في كلا الموردين واحد ولم يكن الهمّ من جانب العزيزة إلاّ العزم، والتفكيك بين الهمين خلاف الظاهر.

وعلى كل تقدير فقصة يوسف الواردة في القرآن تدل على نزاهته من أوّل


1 . يوسف: 24.
2 . يوسف: 25.


(181)

الأمر إلى آخره وإنّه لم يتحقّق منه عزم ولا همّ بالمخالطة لا أنّه همّ وعزم وانصرف لعلة خاصة.

ثم إنّ هناك لأكثر المفسرين أقوالاً في تفسير الآية أشبه بقصص القصّاصين، وقد أضربنا عن ذكرها صفحاً، فمن أراد فليرجع إلى التفاسير .

وفي مختتم البحث نأتي بشهادة العزيزة بنزاهة يوسف عند ما حصحص الحق وبانت الحقيقة وقد نقلها سبحانه بقوله: (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوء قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أَنَا رَاوَدتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)(1) وشهدت في موضع آخر على طهارته واعتصام نفسه وقالت: (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ)(2).


1 . يوسف: 51.
2 . يوسف: 32.


(182)

5
عصمة موسى (عليه السلام) وقتل القبطي ومشاجرته أخاه

إنّ الكليم موسى بن عمران أحد الأنبياء العظام، وصفه سبحانه بأتم الأوصاف وأكملها، قال عزّ من قائل: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً).(1)

وقال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ)(2)

ووصف كتابه بقوله: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً)(3).

ومع ذلك كلّه: فقد استدل المخالف بعدم عصمته بأمرين:

أحدهما: قتله القبطي وتوصيفه بأنّه من عمل الشيطان.

ثانيهما: مشاجرته أخاه مع عدم كونه مقصّـراً، وإليك البحث عن كل واحد منهما.


1 . مريم: 51 ـ 53.
2 . الأنبياء: 48.
3 . الأحقاف: 12.


(183)

* ألف : عصمة موسى (عليه السلام) وقتل القبطي

قال عزّ من قائل: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَة مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُليْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذا مِنْ عَدُوِّه فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفْسِي فَاغْفِر لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ)(1).

ويذكر القرآن تلك القصة في سورة الشعراء بصورة موجزة ويقول سبحانه: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُركَ سِنينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الكَافِرينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ)(2).

وتدلّ الآيات على أنّ موسى (عليه السلام) ورد المدينة عندما كان أهلها غافلين عنه، إمّا لأنّه ورد نصف النهار والناس قائلون، أو ورد في أوائل الليل، وإمّا لغير ذلك، فوجد فيها رجلين كان أحدهما إسرائيلياً والآخر قبطياً يقتتلان، فاستنصره الذي من شيعته على الآخر، فنصره، فضربه بجمع كفه في صدره فقتله، وبعدما فرغ من أمره ندم ووصف عمله بما يلي:

1. (هذا من عمل الشيطان) .

2. (رب إنّي ظلمت نفسي) .

3. (فاغفر لي فغفر له) .

4. (فعلتها إذاً وأنا من الضّالّين) .


1 . القصص: 14 ـ 17.
2 . الشعراء: 18 ـ 20.


(184)

وهذه الجمل الأربع تعرب عن كون القتل أمراً غير مشروع، ولأجل ذلك وصفه تارة بأنّه من عمل الشيطان، وأُخرى بأنّه كان ظالماً لنفسه، واعترف عند فرعون بأنّه فعل ما فعل وكان عند ذاك من الضالّين ثالثاً، وطلب المغفرة رابعاً.

أقول: قبل توضيح هذه النقاط الأربع نلفت نظر القارئ الكريم إلى بعض ما كانت الفراعنة عليه من الأعمال الإجرامية، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (إِنَّ فِرْعَونَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ويَسْتَحْيِ نِساءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدينَ)(1) ، ولم يكن فرعون قائماً بهذه الأعمال إلاّ بعمالة القبطيين الذين كانوا أعضاده وأنصاره، وفي ظل هذه المناصرة ملكت الفراعنة بني إسرائيل رجالاً ونساءً، فاستعبدوهم كما يعرب عن ذلك قوله سبحانه: (وتِلْكَ نِعمَةٌ تَمُنُّها عَلَىَّ أنْ عَبَّدتَّ بنِي إسْرائيل) (2) ولمّا قال فرعون لموسى: (ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً)(3) واستعلى عليه بأنّه ربّاه وليداً منذ أن ولد إلى أن كبر ... أجابه موسى بأنّه هل تمن علي بهذا وقد عبدت بني إسرائيل؟

وعلى ذلك فقتل واحد من أنصار الطغمة الأثيمة التي ذبحت مئات بل الآف الأطفال من بني إسرائيل واستحيوا نساءهم، لا يعد في محكمة العقل والوجدان عملاً قبيحاً غير صحيح، أضف إلى ذلك أنّ القبطي المقتول كان بصدد قتل الإسرائيلي لو لم يناصره موسى كما يحكي عنه قوله: (يقتتلان) ، ولو قتله القبطي لم يكن لفعله أيّ رد فعل، لأنّه كان منتمياً للنظام السائد الذي لم يزل يستأصل بني إسرائيل ويريق دماءهم طوال سنين، فكان قتله في نظره من قبيل قتل الإنسان الشريف أحد عبيده لأجل تخلّفه عن أمره.

إذا وقفت على ذلك، فلنرجع إلى توضيح الجمل التي توهم المستدل بها


1 . القصص: 4.
2 . الشعراء: 22.
3 . الشعراء: 18.


(185)

دلالتها على عدم العصمة فنقول:

1. انّ قوله: (هذا من عمل الشيطان) يحتمل وجهين:

الأوّل: أن يكون لفظ «هذا» إشارة إلى المناقشة التي دارت بين القبطي والإسرائيلي وانتهت إلى قتل الأوّل، وعلى هذا الوجه ليست فيه أيّة دلالة على شيء ممّا يتوخاه المستدل ... وقد رواه ابن الجهم عن الإمام الرضا (عليه السلام) عندما سأله المأمون عن قوله: (هذا من عمل الشيطان)فقال: الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين لا ما فعله موسى من قتله.(1)

الثاني: انّ لفظ «هذا» إشارة إلى قتله القبطي، وإنّما وصفه بأنّه من عمل الشيطان، لوجهين:

ألف: انّ العمل كان عملاً خطأً محضاً ساقه إلى عاقبة وخيمة، فاضطر إلى ترك الدار والوطن بعد ما انتشر سره ووقف بلاط فرعون على أنّ موسى قتل أحد أنصار الفراعنة، وأتمروا عليه ليقتلوه، ولولا أنّ مؤمن آل فرعون أوقفه على حقيقة الحال، لأخذته الجلاوزة وقضوا على حياته، كما قال سبحانه: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)(2) ، فلم تكن لهذا العمل أيّة فائدة فردية أو اجتماعية سوى إلجائه إلى ترك الديار وإلقاء الرحل في دار الغربة «مدين»، والاشتغال برعي الغنم أجيراً لشعيب (عليه السلام) .

فكما أنّ المعاصي تنسب إلى الشيطان، قال سبحانه: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(3) ،


1 . البرهان: 3/224; عيون أخبار الرضا: 1/199.
2 . القصص: 20.
3 . المائدة: 90.


(186)

فكذلك الأعمال الخاطئة الناجمة من سوء التدبير وضلال السعي، السائقة للإنسان إلى العواقب المرة، تنسب إليه أيضاً.

فالمعاصي والأعمال الخاطئة كلاهما تصح نسبتهما إلى الشيطان بملاك أنّه عدو مضل للإنسان، والعدو لا يرضى بصلاحه وفلاحه بل يدفعه إلى ما فيه ضرره في الآجل والعاجل، ولأجل ذلك قال بعدما قضى عليه: (هذا من عمل الشيطان انّه عدو مضل مبين) .

ب. انّ قتل القبطي كان عملاً ناجماً عن العجلة في محاولة تدمير العدو، ولو أنّه كان يصبر على مضض الحياة قليلاً لنبذ القبطي مع جميع زملائه في اليم من دون أن توجد عاقبة وخيمة، كما قال سبحانه: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمينَ)(1).

2. وبذلك يعلم مفاد الجملة الثانية التي هي من إحدى مستمسكات المستدل أعني قوله: (ربِّ إنّي ظلمت نفسي) ، فإنّ الكلام ليس مساوقاً للمعصية ومخالفة المولى، بل هو كما صرح به أئمة اللغة وقدمنا نصوصهم عند البحث عن عصمة آدم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، وقد عرفت أنّ عمل موسى كان عملاً واقعاً في غير موقعه، وخاطئاً من جهتين: من جهة أنّه ساقه إلى عاقبة مرة، حيث اضطر إلى ترك الأهل والدار والديار ، ومن جهة أُخرى أنّه كان عملاً ناشئاً من الاستعجال في إهلاك العدو بلا موجب، ولأجل تينك الجهتين كان عملاً واقعاً في غير محله، فصح أن يوصف العمل بالظلم، والعامل بالظالم، والذي يعرب عن ذلك إنّه جعله ظلماً لنفسه لا للمولى، ولو كان معصية لكان ظلماً لمولاه وتعدياً على حقوقه، كما هو الحال في الشرك فإنّه ظلم للمولى وتعدّ


1 . القصص: 40.


(187)

عليه، قال سبحانه: (لا تُشْرِكْ بِاللّهِ إنَّ الْشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(1).

3. وأمّا الجملة الثالثة، أعني قوله: (فاغفر لي فغفر له إنّه هو الغفور الرحيم) ، فليس طلب المغفرة دليلاً على صدور المعصية، لأنّه بمعنى الستر، والمراد منه إلغاء تبعة فعله وإنجاؤه من الغم وتخليصه من شر فرعون وملائه، وقد عبر عنه سبحانه: (وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً)(2) ، وقد نجّاه سبحانه بإخبار رجل من آل فرعون عن المؤامرة عليه، فخرج من مصر خائفاً يترقّب إلى أن وصل أرض مدين، فنزل دار شعيب، وقص عليه القصص، وقال له شعيب: (لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظالِمِين)(3).

وبذلك غفر وستر عمله ونجاه سبحانه من أعين الفراعنة، ومكّن له الورود إلى ماء مدين والنزول في دار أحد أنبيائه (عليهم السلام).

أضف إلى ذلك: أنّ قتل القبطي وإن لم يكن معصية ولكن كان المترقب من موسى تركه وعدم اقترافه، فصدور مثله من موسى يناسب طلب المغفرة، فإنّ حسنات الأبرار سيئات المقربين، إذ ربّ عمل مباح لا يؤاخذ به الإنسان العادي ولكنّه يؤاخذ به الإنسان العارف، فضلاً عن شخصية إلهية سوف تبعث لمناضلة طاغية العصر ، فكان المناسب لساحتها هو الصبر والاستقامة في حوادث الحياة، حلوها ومرّها، والفصل بين المتخاصمين بكلام ليّـن، وقد أمر به عند ما بعث إلى فرعون فأمره سبحانه أن يقول له قولاً ليناً(4) ، وقد أوضحنا مفاد هذه الكلمة عند


1 . لقمان: 13.
2 . طه: 40.
3 . القصص: 25.
4 . طه: 44.


(188)

البحث عن آدم وحواء إذ: (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ)(1).

4. وأمّا قوله سبحانه: (فعلتها إذاً وأنا من الضالين) ، فالمراد من الضلال هو الغفلة عمّا يترتب على العمل من العاقبة الوخيمة، ونسيانها، وليس ذلك أمراً غريباً، فقد استعمل في هذين المعنيين في الذكر الحكيم، قال سبحانه: (مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى)(2) ، فالمراد نسيان أحد الشاهدين وغفلته عما شهد به، وقال سبحانه: (ءَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ ءَإِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)(3) ، أي إذا غبنا فيها.

قال في لسان العرب: الضلال: النسيان وفي التنزيل: (مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى)أي يغيب عن حفظها، ومنه قوله تعالى: (فعلتها إذاً وأنا من الضالين) وضللت الشيء: أنسيته. وأصل الضلال: الغيبوبة يقال ضل الماء في اللبن إذا غاب، ومنه قوله تعالى: (ءَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ ءَإِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)(4) .

وعلى الجملة: إنّ كليم اللّه يعترف بتلك الجملة عندما اعترض عليه فرعون بقوله: (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) ويعتذر عنها بقوله: (فعلتها إذاً وأنا من الضالين)، والمناسب لمقام الاعتذار هو تفسير الضلال بالغفلة عمّا يترتب على العمل من النتائج ونسيانها.


1 . الأعراف: 23.
2 . البقرة: 282.
3 . السجدة: 10.
4 . لسان العرب: 11/392ـ 393 ، مادة «ضل».


(189)

وحاصله: أنّه قد استولت عليّ الغفلة حين الاقتراف، وغاب عني ما يترتب عليه من رد فعل ومر العاقبة، ففعلت ما فعلت.

ومن اللحن الواضح تفسير الضلالة بضد الهداية، كيف وانّ اللّه سبحانه يصفه قبل أن يقترف القتل بقوله: (آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(1) ، كما أنّ نفس موسى بعد ما طلب المغفرة واستشعر إجابة دعائه قال: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ)(2) ، أفيصح بعد هذا تفسير الضلالة بالغواية ضد الهداية؟! كلا و لا.

هذا كلّه حول المستمسك الأوّل، أعني: قتل القبطي، فهلم معي ندرس المستمسك الثاني للخصم من اتهام كليم اللّه الأعظم، عليه وعلى جميع رسل اللّه آلاف الثناء والتحية، بعدم العصمة.

* ب. مشاجرته أخاه هارون (عليه السلام)

إنّ اللّه سبحانه واعد موسى ـ بعد أن أغرق فرعون ـ بأن يأتي جانب الطور الأيمن فيوفيه التوراة التي فيها بيان الشرائع والأحكام وما يحتاج إليه، وكانت المواعدة على أن يوافي الميعاد مع جماعة من وجوه قومه، فتعجّل موسى من بينهم شوقاً إلى ربّه وسبقهم على أن يلحقوا به، ولمّا خاطبه سبحانه بقوله: (وما أعجلك عن قومك يا موسى) أجابه بأنّهم (على أثري)وورائي يدركونني عن قريب، وعند ذلك أخبره سبحانه بأنّه امتحن قومه بعد فراقه (وأضلّهم السامري)، فرجع موسى من الميقات إلى بني إسرائيل حزيناً مغضباً، فرأى أنّ السامري


1 . القصص: 14.
2 . القصص: 17.


(190)

(أخرج لهم عجلاً)جسداً له صوت، وقال: إنّه إله بني إسرائيل عامة، وتبعه السفلة والعوام، واستقبل موسى هارون فألقى الألواح وأخذ يعاتب هارون ويناقشه، وهذا ما يحكيه سبحانه في سورتين ويقول: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوْا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).(1)

ويقول سبحانه: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفَاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ فَأَخَلَفْتُمْ مَوْعِدِي * ... قَالَ يَا هارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)(2) . فهاهنا يطرح سؤالان:

1. لماذا ألقى الألواح؟

2. لماذا ناقش أخاه وقد قام بوظيفته؟

وإليك تحليل السؤالين بعد بيان مقدمة وهي:

إنّ موسى قد خلف هارون عندما ذهب إلى الميقات، وقد حكاه سبحانه بقوله: (وَقَالَ مُوسَى لأِخِيهِ هَارُونَ اخُلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)(3) . وقام هارون بوظيفته في قومه، فعند ما أضلّهم السامري ناظرهم بقوله: (يا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي)(4) واكتفى في ذلك بالبيان واللوم ولم يقم في وجههم بالضرب والتأديب وقد بيّنه


1 . الأعراف: 150.
2 . طه: 86، 92 ـ 94.
3 . الأعراف: 142.
4 . طه: 90.


(191)

لأخيه بقوله: (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي).

هذا ما يخص هارون، وأمّا ما يرجع إلى موسى، فقد أخبره سبحانه عن إضلال السامري قومه بقوله: (فَإنَّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريُّ)(1) ، ورجع إلى قومه غضبان أسفاً وخاطبهم بقوله: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجَلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكمْ)وقال أيضاً: (أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ). وفي هذا الظرف العصيب أظهر كليم اللّه غضبه بإنجاز عملين:

1. إلقاء الألواح جانباً.

2. مناقشته أخاه بقوله: ( مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)، فعند ذلك يطرح السؤالان نفسهما:

لماذا ألقى الألواح أوّلاً؟ ولماذا ناقش أخاه وناظره وقد قام بوظيفته ثانياً؟ فنقول:

لا شك أنّ ما اقترفه بنو إسرائيل من عبادة العجل كان من أقبح الأعمال وأفظعها، كيف؟! وقد أهلك اللّه عدوهم وأورثهم أرضهم، فكان المترقب منهم هو الثبات على طريق التوحيد ومكافحة ألوان الشرك ـ ومع الأسف ـ فإنّهم كفروا بعظيم النعمة، وتركوا عبادته سبحانه، وانخرطوا في سلك الثنوية مع الجهل بقبح عملهم وفظاعة فعلهم.

إنّ أُمّة الكليم وإن كانت غافلة عن مدى قبح عملهم، لكن سيدهم ورسولهم كان واقفاً على خطورة الموقف وتعدّي الأُمّة، فاستشعر بأنّه لو لم يكافحهم بالعنف والشدة ولم يقم في وجههم بالاستنكار مع إبراز التأسف


1 . طه: 85.


(192)

والغضب، فربّما تمادى القوم في غيّهم وضلالهم وحسبوا أنّهم لم يقترفوا إلاّ ذنباً خفيفاً أو مخالفة صغيرة ولم يعلموا أنّهم حتى ولو رجعوا إلى الطريق المهيع، واتّبعوا جادة التوحيد ربّما بقيت رواسب الشرك في أغوار أذهانهم، فلأجل إيقافهم على فظاعة العمل، قام في مجال الإصلاح مثل المدير الذي يواجه الفساد فجأة في مديريته ولا يعلم من أين تسرب إليها.

فأوّل ما يبادر إليه هو مواجهة القائم مقامه الذي خلفه في مكانه، وأدلى إليه مفاتيح الأُمور، فإذا ثبتت براءته ونزاهته وأنّه قام بوظيفته خير قيام حسب تشخيصه ومدى طاقته، تركه حتى يقف على جذور الأمر والأسباب الواقعية التي أدت إلى الفساد والانهيار .

وهكذا قام الكليم بمعالجة القضية، وعالج الواقعة المدهشة التي لو بقيت على حالها، لانتهت إلى تسرب الشرك إلى عامة بني إسرائيل وذهب جهده طوال السنين سدى، فأوّل رد فعل أبداه، أنّه واجه أخاه القائم مقامه في غيبته، بالشدة والعنف حتى يقف الباقون على خطورة الموقف، فأخذ بلحيته ورأسه مهيمناً عليه متسائلاً بأنّه لماذا تسرب الشرك إلى قومه مع كونه فيهم؟! ولمّا تبيّنت براءته وأنّه أدّى وظيفته كما يحكيه عنه سبحانه بقوله: ( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) اندفع إليه بعطف وحنان ودعا له فقال: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) . انّ طلب المغفر(1)ة لنفسه وأخيه لا يدل على صدور أي خلاف منهما، فإنّ الأنبياء والأولياء لاستشعارهم بخطورة الموقف وعظمة المسؤولية، ما زالوا يطلبون غفران اللّه ورحمته لعلو درجاتهم كما هو واضح لمن تتبع أحوالهم، وسيوافيك بيانه عند البحث عن عصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .


1 . الأعراف: 151.


(193)

وبعدما تبيّـن انّ السبب الواقعي لتسرب الشرك إلى قومه هو السامري وتبعه السفلة والعوام، أخذ بتنبيههم بقوارع الخطاب وعواصف الكلام بما هو مذكور في سورتي الأعراف وطه نكتفي ببعضها حيث خاطب عبدة العجل بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الْدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ)(1).

ولمّا واجه السامري خاطبه بقوله: (فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِريُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الْرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فِإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَـهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفَاً * إِنَّمَا إِلهُكُمُ اللّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْء عِلْماً)(2).

وبما ذكرنا يعلم أنّه لماذا ألقى الألواح وتركها جانباً؟ فلم يكن ذاك العمل إلاّ كرد فعل على عملهم القبيح وفعلهم الفظيع إلى حد استولى الغضب على موسى فألقى الألواح التي ظل أربعين يوماً في الميقات لتلقّيها حتى يحاسب القوم حسابهم ويقفوا على أنّهم أتوا بأعظم الجرائم وأكبر المعاصي.


1 . الأعراف: 152.
2 . طه: 95 ـ 98.


(194)

6
عصمة داود (عليه السلام) وقضاؤه في النعجة

قد وصف سبحانه داود النبي (عليه السلام) بأسمى ما توصف به الشخصية المثالية، قال سبحانه: (واذكر عَبدنا داود ذا الأيد انّه أوّاب) .

وقد ذكر ملكه وسلطنته على الجبال والطيور على وجه يمثل أقوى طاقة نالها البشر طيلة استخلافه على الأرض.

قال سبحانه: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِىِّ وَالإشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)(1).

فقد أخبر في الآية الأخيرة بأنّه أُوتي الحكمة وفصل الخطاب، الذي يعد القضاء الصحيح بين المتخاصمين من فروعه وجزئياته.

ثم انّه سبحانه ينقل بعده قضاءه في «نبأ الخصم» ويقول:

(وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوْا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْض فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ


1 . ص: 18 ـ 20.


(195)

نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَليلٌ مَاهُمْ وَظَّنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرَنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب * يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيَفَةً فِي الأْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبيِلِ اللّهِ)(1).

لقد تمسكت المخطّئة لعصمة الأنبياء بقوله تعالى: (فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرَنَا لَهُ ذَلِكَ )حيث إنّ الاستغفار وغفرانه سبحانه له، آية صدور الذنب .

والإجابة عن هذا الاستدلال تحتاج إلى بيان مفردات الآية وإيضاح القصة فنقول:

إنّ تفسير الآية يتم ببيان عدة أُمور :

1. توضيح مفرداتها.

2. إيضاح القصة .

3. هل الخصمان كانا من جنس البشر؟

4. لماذا استغفر داود، وهل كان استغفاره للذنب أو لأجل ترك الأولى؟

وإليك بيان هذه الأُمور:

* 1. توضيح المفردات

«الخصم»: مصدر «الخصومة»، أُريد به الشخصان.


1 . ص: 21 ـ 26.


(196)

«التسوّر»: الارتقاء إلى أعلى السور ، وهو ما كان حائطاً، «كالتسنم» بمعنى الارتقاء إلى أسنام البعير، و «التذري» بمعنى الارتقاء إلى ذروة الجبال، والمراد من المحراب في الآية الغرفة.

«الفزع»: انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع.

«الشطط»: الجور.

«النعجة»: الأُنثى من الضأن.

والمراد من قوله: «اكفلنيها»: اجعلها في كفالتي وتحت سلطتي، ومن قوله «عزني في الخطاب»: انّه غلبني فيه.

هذا كله راجع إلى توضيح مفردات الآية.

* 2. إيضاح القصة

كان داود (عليه السلام) جالساً في غرفته إذ دخل عليه شخصان بغير إذنه، وكانا أخوين يملك أحدهما تسعاً وتسعين نعجة ويملك الآخر نعجة واحدة، وطلب الأوّل من أخيه أن يعطيه النعجة التي تحت يده، مدعياً كونه محقاً فيما يقترحه على أخيه، وقد ألقى صاحب النعجة الواحدة كلامه على وجه هيّج رحمة النبي داود وعطفه.

فقضى (عليه السلام) طبقاً لكلام المدعي من دون الاستماع إلى كلام المدعى عليه، وقال: (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه).

ولما تنبّه أنّ ما صدر منه كان غير لائق بساحته، وانّ رفع الشكوى إليه كان فتنة وامتحاناً منه سبحانه بالنسبة إليه (فاستغفر ربّه وخر راكعاً وأناب) .


(197)

* 3. هل الخصمان كانا من جنس البشر ؟

إنّ القرائن الحافة بالآية تشعر بأنّ الخصمين لم يكونا من جنس البشر، وهذه القرائن عبارة عن:

1. تسوّرهم المحراب ودخولهم عليه دخولاً غير عادي مع أنّ طبع الحال يقتضي أن يكون محرابه محفوفاً بالحرس ولا أقل بمن يطلعه على الأمر، فلو كان الدخول بإذنهم كان داود(عليه السلام) مطّلعاً عليه ولم يكن هناك أيّ فزع.

2. خطاب الخصمين لداود (عليه السلام) بقولهم: (لا تخف) مع أنّ هذا الخطاب لا يصح أن تخاطب به الرعية الراعي، وطبيعة الحال تقتضي أن يخاطب به الراعي الرعية.

3. انّ خطابهما لداود بما جاء في الآية، أشبه بخطاب ضيف إبراهيم له (عليه السلام)، يقول سبحانه: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلام عَلِيم)(1) ، ويقول سبحانه: (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلام عَلِيم)(2).

4. تنبهه (عليه السلام) بأنّه كان فتنة من اللّه له وامتحاناً منه، وهي تشعر بأنّ الواقعة لم تكن عادية، وهذا يناسب كون الدعوى مطروحة من جانبه سبحانه عن طريق الملائكة.

5. انّ الهدف من طرح تلك الواقعة كان لغاية تسديده في خلافته وحكمه بين الناس حتى يمارس القضاء بالنحو اللائق بساحته ولا يغفل عن التثبت


1 . الحجر: 51 ـ 53.
2 . الذاريات: 28.


(198)

ولأجل ذلك خاطبه سبحانه بعد قضائه في ذلك المورد بقوله: (يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرْضِ فاحكم بين الناس بالحق) كل ذلك يؤيد كون الخصمين من الملائكة تمثّلوا له بصورة رجلين من الإنس.

نعم كانت القصة وطرح الشكوى عنده أمراً حقيقياً كقصة ضيف إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا بصورة الرؤيا وما أشبهها.

* 4 . كون الاستغفار لأجل ترك الأولى

استدلت المخطّئة باستغفاره وإنابته إلى اللّه، على صدور ذنب منه ولكنّه لا يدل على ذلك:

أمّا أوّلاً: انّ قضاءه لم يكن قضاء باتاً خاتماً للشكوى، بل كان قضاء على فرض السؤال، وإنّ من يملك تسعاً وتسعين نعجة ولا يقتنع بها ويريد ضم نعجة أخيه إليها، ظالم لأخيه، وكان المجال بعد ذلك بالنسبة إلى المعترض مفتوحاً وإن كان الأولى والأليق بساحته هو أنّه إذا سمع الدعوى من أحد الخصمين، أن يسأل الآخر عمّا عنده فيها ولا يتسرع في القضاء ولو بالنحو التقديري.

وإنّما بادر إليه لأنّه (عليه السلام) فوجئ بالقضية ودخل عليه المتخاصمان بصورة غير عادية فلم يظهر منه التثبت اللائق به.

ولمّا تنبّه إلى ذلك وعرف أنّ ما وقع، كان فتنة وامتحاناً من اللّه بالنسبة إليه (استغفر ربّه وخر راكعاً وأناب)تداركاً لما صدر منه ممّا كان الأولى تركه، أوّلاً، وشكراً وتعظيماً لنعمة التنبّه الذي نال به فوراً بعد الزلّة، ثانياً.

وثانياً: انّ من الممكن أن يكون قضاؤه قبل سماع كلام المدّعى عليه، لأجل انكشاف الواقع له بطريق من الطرق وانّ الحق مع المدّعي، فقضى بلا استماع


(199)

لكلام المدّعى عليه، نعم الأولى له حتى في هذه الصورة ترك التسرع في إصدار الحكم، والقضاء بعد الاستماع، ولمّا ترك ما هو الأولى بحاله استغفر لذلك، وقد تكرر منا أنّ ترك الأولى من الأنبياء ذنب نسبي وإن لم يكن ذنباً على وجه الإطلاق.

وثالثاً: لما كانت الشكوى مرفوعة إليه من قبل الملائكة، ولم يكن ذلك الظرف ظرف التكليف، كانت خطيئة داود في ظرف لا تكليف هناك، كما أنّ خطيئة آدم (عليه السلام) كانت في الجنة ولم تكن الجنّة دار تكليف، ومع ذلك كلّه لمّا كان التسرع في القضاء بهذا الوجه أمراً مرغوباً عنه، استغفر داود وأناب إلى اللّه استشعاراً بخطر المسؤولية بحيث يعد ترك الأولى منه ذنباً يحتاج إلى الاستغفار.

نعم قد وردت في التفاسير أحاديث في تفسير الآية لا يشك ذو مسكة من العقل أنّها إسرائيليات تسربت إلى الأُمّة الإسلامية عن طريق أحبار اليهود ورهبان المسيحية، فالأولى الضرب عنها صفحاً، وسياق الآيات يكشف عن أنّ زلته لم تكن إلاّ في أمر القضاء فقط لا ما تدّعيه جهلة الأحبار من ابتلائه بما يخجل القلم عن ذكره، ولأجله يقول الإمام علي(عليه السلام) في حق من وضع هذه الترهات أو نسبها إلى النبي داود (عليه السلام) : «لا أُوتى برجل يزعم أنّ داود تزوج امرأة «أُوريا» إلاّ جلدته حدّين: حدّاً للنبوة وحدّاً للإسلام».(1)


1 . مجمع البيان: 4/472. ط. المكتبة العلمية الإسلامية ـ طهران.


(200)

7
عصمة سليمان (عليه السلام)
ومسألة عرض الصافنات الجياد وطلب الملك

إنّ سليمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الأنبياء وقد ملك من القدرة أروعها ومن السيطرة والسطوة أطولها، وآتاه اللّه الحكم والحلم والعلم، قال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً)(1) ، وقال عز من قائل: (وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمَاً وَعِلْمَاً)(2) ، وعلّمه منطق الطير قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)(3) ، ووصف اللّه قدرته بقوله: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالأنْسِ وَالطَّيْرِ)(4) ، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في توصيف قدرته وسعة علمه وعلو درجاته.

روى أصحاب السير: كان سليمان صلى الصلاة الأُولى، وقعد على كرسيه والخيل تعرض عليه حتى غابت الشمس. فقال: «آثرت حبَّ الخيل على ذكر ربّي، وأنّ هذه الخيل شغلتني عن صلاة العصر» فأمر برد الخيل فأخذ يضرب سوقها وأعناقها، لأنّها كانت سبب فوت صلاته.(5)


1 . النمل: 15.
2 . الأنبياء: 79.
3 . النمل: 16.
4 . النمل: 17.
5 . تفسير الطبري: 23/99 ـ 100; الدر المنثور : 5/309.


(201)

وفي بعض التفاسير أنّ المراد من «ردّوها» هو طلب رد الشمس عليه، فردّت فصلّـى العصر.(1)

ويدّعي بعض هؤلاء أنّ ما ساقوه من القصة تدل عليه الآيات التالية، أعني قوله سبحانه: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدِ إِنَّهُ أوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحَاً بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ)(2).

فهل لما ذكروه مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، أو أنّ الآيات تهدف إلى أمر آخر خفي على هؤلاء، وأنّهم أخذوا ما ذكروه من علماء أهل الكتاب، كما سيوافيك بيانه؟

ونقد هذه القصة المزعومة يتوقف على توضيح مفاد الآيات حتى يقف القارئ على أنّـها من قبيل التفسير بالرأي، الممنوع، ومن تلفيقات علماء أهل الكتاب التي حمّلت على القرآن وهو بريء منها.

أقول:

1. (الصافنات) : جمع «الصافنة»، وهي الخيل الواقفة على ثلاث قوائم، الواضعة طرف السنبك الرابع على الأرض حتى يكون على طرف الحافر.

2. (الجياد) : جمع «الجواد» ،وهي السراع من الخيل، كأنّها تجود بالركض.

3. (الخير) : ضد «الشر»، وقد يطلق على المال كما في قوله سبحانه: (إنْ تَرَكَ خَيراً)(3) ، والمراد منه هنا هي «الخيل»، والعرب تسمّي الخيل خيراً، وسمّى


1 . مجمع البيان ناسباً إلى «القيل»: 4/475.
2 . ص: 30 ـ 33.
3 . البقرة: 180.


(202)

النبيُّ زيد الخيل بـ «زيد الخير» وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» وكيف لا يكون خيراً، وهو لم يزل يعد وسيلة الحياة في عامة الحضارات.

4. «الحب»: ضد البغض، قال في اللسان: أحببته وحببته بمعنى واحد.

5. (حب الخير) : بدل عن المفعول المحذوف، وتقديره إنّي أحببت الخيل حبَّ الخير ، ويريد أنّ حبي للخيل نفس الحب للخير، لأنّ الخيل كما عرفت وسيلة نجاح الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية، خصوصاً عند الجهاد مع العدو والهجوم عليه، ويحتمل أن يكون (حب الخير) مفعولاً لا بدلاً عن المفعول.

6. (عن ذكر ربّي) : بيان لمنشأ حبّه للخير وسببه، وأنّ حبه له ناش عن ذكر ربّه.

وتقدير الجملة: أحببت الخير حبّاً ناشئاً عن ذكر اللّه سبحانه وأمره، حيث أمر عباده المخلصين بالإعداد للجهاد ومكافحة الشرك وقلع الفساد بالسيف والخيل، ولأجل ذلك قمت بعرض الخيل، كل ذلك امتثالاً لأمره سبحانه لا إجابة لدعوة الغرائز التي لا يخلو منها إنسان كما أشار إليه سبحانه بقوله: (زُيِّنَ للِنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ والْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ والْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ)(1).


1 . آل عمران: 14.


(203)

ويجد نظير تلك الدعوة في الذكر الحكيم، قال سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَِمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ)(1).

7. فاعل الفعل في قوله: (حتى توارت بالحجاب) أي الصافنات الجياد والمقصود: إنّ الخيل أخذت بالركض حتى غابت عن بصره.

8. انّ الضمير في قوله: (ردّوها) يرجع إلى الخيل التي تدل عليها الصافنات الجياد، والمقصود أنّه أمر بردّها عليه بعدما غابت عن بصره.

9. وعند ذلك يطرح السؤال، وهو: أنّه لماذا أمر بالرد، وما كان الهدف منه؟ فبيّنه بقوله: (فطفق مسحاً بالسوق والأعناق)أي شرع بمسح أعراف خيله وعراقيبها بيده تقديراً لركابها ومربيها الذين قاموا بواجبهم بإعداد وسائل الجهاد.

إلى هنا اتضح مفاد مفردات الآية وجملها، وعلى هذا تكون الآيات هادفة إلى تصوير عرض عسكري قام به أحد الأنبياء ذوي السلطة والقدرة في أيّام ملكه وقدرته.

وحاصله: انّ سليمان النبي (الذي أشار القرآن إلى ملكه وقدرته وسطوته وسيطرته على جنوده من الإنس والجن وتعرّفه على منطق الطير، إلى غير ذلك من صنوف قدرته وعظمته التي خصصها به بين الأنبياء) قام في عشية يوم بعرض عسكري، وقد ركب جنوده من الخيل السراع، فأخذت تركض من بين يديه إلى أنْ غابت عن بصره، فأمر أصحابه بردّها عليه، حتّى إذا ما وصلت إليه قام تقديراً لجهودهم بمسح أعناق الخيل وعراقيبها.


1 . الأنفال: 60.


(204)

ولم يكن قيامه بهذا العمل صادراً عنه لجهة إظهار القدرة والسطوة أو للبطروالشهوة، بل إطاعة لأمره سبحانه وذكره حتى يقف الموحدون على وظائفهم، ويستعدوا للكفاح والنضال ما تمكنوا، ويهيّئوا الأدوات اللازمة في هذا المجال.(1)

وهذا هو الذي تهدف إليه الآيات وينطبق عليها انطباقاً واضحاً، فهلّم معي ندرس المعنى الذي فرض على الآيات، وهي بعيدة عن تحمّله وبريئة منه.

* نقد التفسير المفروض على القرآن

إنّ في نفس الآيات قرائن وشواهد تدل على بطلان القصة التي اتخذت تفسيراً للآيات، وإليك بيانها:

1. انّ الذكر الحكيم يذكر القصة بالثناء على سليمان ويقول: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدِ إِنَّهُ أوَّابٌ)فاسلوب البلاغة يقتضي أن لا يذكر بعده ما يناقضه ويضادّه، فأين وصفه بحسن العبودية والرجوع إلى اللّه في أُمور دينه ودنياه، من انشغاله بعرض الخيل وغفلته عن الصلاة المفروضة عليه؟!

ولو فرضت صحة الواقعة، فلازم البلاغة ذكرها في محل آخر، لا ذكرها بعد المدح والثناء المذكورين في الآية.

2. انّما يصح حمل قوله: (أحببت حب الخير عن ذكر ربّي) على ما جاء في القصة إذا تضمن الفعل (أحببت)معنى الترجيح والاختيار ، والتقدير أي أحببت حب الخير مقدّماً إيّاه على ذكر ربّي ومختاراً إيّاه عليه، وهو يحتاج إلى


1 . وقد اختار هذا التفسير السيد المرتضى في تنزيه الأنبياء: 95 ـ 97، والرازي في مفاتيح الغيب: 7/136، والمجلسي في البحار: 14/103 ـ 104 من الطبعة الحديثة.


(205)

الدليل.

3. ولو قلنا بالتضمين، فيجب أن يقال مكان (عن ذكر ربّي) «على ذكر ربي»، أي أحببت حب الخير واخترته على ذكر اللّه، كما في قوله سبحانه: (فَاسْتَحَبُّوا العَمَى على الهُدَى)(1) ، وقوله تعالى: (إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإيمان)(2).

4. انّ ضمير الفعل في قوله تعالى: (توارت) يرجع إلى الصافنات المذكورة في الآية، وعلى التفسير المفروض يرجع إلى الشمس، وليست مذكورة في الآية، ودلالة لفظ (بالعشي)عليها ضعيفة جداً.

5. الضمير في قوله: (ردّوها) ـ على المختار ـ يرجع إلى الصافنات، وعلى التفسير المفروض يرجع إلى الشمس، وهي غير مذكورة.

6. انّ الخطاب في قوله: (ردّوها) على المختار متوجه إلى رؤساء الجنود وهو واقع موقعه، وعلى التفسير المنقول عن بعضهم(3) يكون متوجهاً إلى الملائكة، وهو لا يناسب، إلاّ كونه منه سبحانه لعلوّه واستعلائه، لا من مثل سليمان بالنسبة إليهم.

7. لا شك أنّ للصفوة من عباده سبحانه ولاية تكوينية ومقدرة موهوبة على التصرّف في الكون بإذنه سبحانه، لغايات مقدّسة لإثبات نبوّتهم وكونهم مبعوثين من اللّه سبحانه لهداية عباده، وتدلّ عليها آيات كثيرة تعرضنا لبعضها في كتابنا مفاهيم القرآن(4) . ولم يكن المقام هنا مناسباً للتحدّي حتى يتوصل إلى


1 . فصلت: 17.
2 . التوبة: 23.
3 . نسبه الطبرسي إلى «القيل» كما مرَّ .
4 . لاحظ الجزء الأول: 444 ـ 446.


(206)

الإعجاز والتصرّف في الكون بالأمر برد الشمس، فإنّ الصلاة الفائتة لو كانت مفروضة فجبرانها بقضائها، ولو كانت مسنونة فلا إشكال في فوتها، فلم يكن هناك لزوم للتصرّف في الكون وأمر ملائكة اللّه بردّها حتى يأتي بالصلاة المسنونة.

8. لو كان المراد من (ردّوها) طلب رد الشمس من ملائكته سبحانه، فاللازم أن يذكر الغاية من ردّها بأن يقول: حتى أتوضّأ وأُصلي، وليس لهذا ذكر في الآية، بل المذكور قوله: (فطفق مسحاً بالسوق والأعناق) ، وهذا يعرب عن أنّ الغاية المترتبة على الرد هي مسح السوق والأعناق، لا التوضّؤ والصلاة.

9. انّ تفسير المسح بالقطع، تفسير بلا دليل، إذ المتبادر من المسح هو إمرار اليد عليها لا قطعها واجتثاثها، ولو كان هذا هو المراد ممّا ورد في القصة فالأنسب أن يقول: فطفق ضرباً بالسوق، لا مسحاً.

10. انّ التفسير المذكور ينتهي إلى كذّاب الأحبار، وهو كعب الذي لم يزل يدسّ في القصص والأخبار بنزعاته اليهودية، ومن أراد أن يقف على دوره في الوضع والكذب وغير ذلك في هذا المجال فعليه أن يرجع إلى أبحاثنا في الملل والنحل.

11. انّ بعض المفسرين قاموا بتفسير قوله: (فطفق مسحاً بالسوق والأعناق) بمسحها بالماء كناية عن الوضوء. وهو في ضعفه كما ترى، إذ لو كان المراد ما ذكره ذلك البعض، فلماذا بدل الغسل بالمسح، والساقين بالسوق والعنق بالأعناق، مع أنّه لم يكن لسليمان إلاّ ساقان وعنق واحد؟

12. إنّ قتل الخيل التي عبّر عنها نفس سليمان (بالخير)بحجة أنّ الاشتغال بعرضها صار سبباً لفوت الصلاة أشبه بعمل إنسان لا يملك من العقل شيئاً، وحاشا سليمان الذي آتاه اللّه الحكم والعلم وسلّطه على الأرض من الإنس


(207)

والجن والسماء، من هذا العمل الذي لا يقترفه السفلة من الناس إلاّ المجانين منهم، ولا العاديّون من السوقة، فضلاً عن أنبياء اللّه وأوليائه المنزّهين.

وفي الختام نلفت نظر القارئ إلى ما ذكره «سيد قطب» في تفسير هذه الآيات في تفسيره قال:

أمّا قصة الخيل: انّ سليمان (عليه السلام) استعرض خيلاً له بالعشي، ففاتته صلاة كان يصليها قبل الغروب، فقال: ردّوها عليّ، فردّوها عليه، فجعل يضرب أعناقها وسيقانها جزاء ما شغلته عن ذكر ربّه.

وفي رواية: روي أنّه جعل يمسح سوقها وأعناقها إكراماً لها، لأنّها كانت خيلاً في سبيل اللّه.

ثم قال: وكلتا الروايتين لا دليل عليها، ويصعب الجزم بشيء منها.(1)

والعجب من السيد أنّه أعطى الروايتين مكانة واحدة مع أنّ الأُولى تضاد حكم العقل، وسيرة الأنبياء والعلماء، لذلك يسهل الجزم ببطلانها، وأمّا الثانية فهي تنطبق على ظاهر الآيات كمال الانطباق، وهو المروي عن حبر الأُمّة ابن عباس.

وقد نقل الرواية الأُولى عن أُناس كانوا لا يتحرّزون من الأخذ عن الأحبار المستسلمين، فنقلها الطبري في تفسيره، عن السدي وقتادة، حتى أنّ الطبري مع نقله أُولى الروايتين اختار قول ابن عباس واستوجهه، وقال: إنّ نبي اللّه لم يكن ليعذب حيواناً بالعرقبة، ويهلك مالاً من ماله بغير سبب سوى أنّه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها.(2)


1 . في ظلال القرآن الكريم: 23/100.
2 . تفسير الطبري: 3/100.


(208)

ولا يقصر عنه ما نقله السيوطي في «الدر المنثور» من الأساطير حول هذه الخيول، فروي عن إبراهيم التميمي أنّه قال: كانت عشرين ألف فرس ذات أجنحة، فعقرها; وفي الوقت نفسه نقل قول ابن عباس في تفسير المسح: ظل سليمان يمسح أعراف الخيل وعراقيبها.(1)

هذا حال التفسير المفروض على الآية، وهناك مستمسك آخر في مورد سليمان للمخطّئة نأتي به.

* الفتنة التي امتحن بها سليمان

قال سبحانه: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأحَد مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)(2).

وتوضيح مفاد الآيات يترتب على البحث عن الأُمور التالية:

1. ما هي الفتنة التي امتحن بها سليمان؟

2. ما معنى طلب المغفرة مع التمسّك بحبل العصمة؟

3. لماذا يطلب لنفسه الملك؟

4. لماذا يطلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده؟

أمّا السؤال الأوّل: فليس في الآيات الواردة في المقام ما يكشف عن حقيقتها.

وأمّا الروايات فقد نقل أهل الحديث حول تبيين الفتنة روايات يلوح منها


1 . الدر المنثور : 5/309.
2 . ص: 34 ـ 35.


(209)

أنّـها إسرائيليات، بثّها أحبار اليهود بين المسلمين، وقد ابتلي بها المسلمون في كثير من المجالات التفسيرية والتاريخية والعقائدية و... فالرجاء من اللّه سبحانه أن يقيض جماعة من المثقفين والمحقّقين ويوفّقهم لتهذيب الكتب الإسلامية منها وتنقيحها عن مروياتهم.

ولكن من بين هذه الروايات ما يمكن أن يعتمد عليه، وهو ما قيل: كان لسليمان ولد شاب ذكي كان يحبّه حبّاً شديداً، فأماته اللّه على بساطه فجأة بلا مرض، اختباراً من اللّه تعالى لسليمان وابتلاء لصبره في إماتة ولده، وألقى جسمه على كرسيه.(1)

ولا شك أنّ الابتلاء بموت الولد الشاب من أعظم الابتلاءات، والصبر في هذا المجال وتفويض الأمر إلى اللّه سبحانه آية كمال النفس، فلم يكن الهدف من الابتلاء إلاّ أن يتفتح الكمال المركوز في ذاته، حتى يخرج من القوّة إلى الفعل، وسنوضح فلسفة الابتلاء عند البحث عن ابتلاء إبراهيم بالكلمات فانتظر.

والعجب أن سيد قطب قد اعتمد في تفسير الفتنة على رواية يبدو أنّها من الإسرائيليات التي أخذها أبو هريرة عن كعب الأحبار، قال: ولم أجد أثراً صحيحاً أركن إليه في تفسير «الجسد الذي أُلقي على كرسي سليمان» سوى حديث صحيح، في ذاته، ولكن علاقته بأحد هذين الحادثين ليست أكيدة. وهذا الحديث هو ما رواه أبو هريرة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخرجه البخاري في صحيحه مرفوعاً، ونصه: «قال سليمان: لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه، ولم يقل «إن شاء اللّه»، فطاف سليمان عليهن، فلم تحمل إلاّ امرأة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده: لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل


1 . تنزيه الأنبياء: 99 الطبعة القديمة.


(210)

اللّه فرساناً أجمعون» .

ثم قال السيد: وجائز أن تكون هذه هي الفتنة التي تشير إليها الآيات، وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق، ولكن هذا مجرد احتمال.(1)

نحن لا نعلّق على هذا الحديث شيئاً وإنّما نترك القضاء فيه إلى القارئ لكي يقضي فيه، وكفى في ضعفه أنّه من مرويات أبي هريرة، وقد وصفها سيد قطب بأنّها مجرّد احتمال كما عرفت.

وبذلك يعلم الجواب عن السؤال الثاني، فالظاهر أنّه كان له (عليه السلام) فيه رجاء أو أُمنية، فأماته وألقاه على كرسيه، حتى يوقفه على أنّ حق العبودية تفويض الأمر إلى اللّه والتسليم إليه، ولعل هذا المقدار من الرجاء وعقد الأُمنية على الولد يعد نحو انقطاع من اللّه إلى الولد.

وهو وإن لم يكن معصية ولكن الأليق بحال الأولياء غيره، ولأجل ذلك لما استشعر بوظيفته التي يوجبها مقامه، أناب إلى اللّه ورجع إليه وطلب المغفرة كما يقول سبحانه: (ثم أناب * قال رب اغفر لي) .

وقد تكرر منّا أنّ طلب المغفرة ليس دليلاً على العصيان وصدور الذنب، بل كل فعل أو ترك صدر من الرجال العارفين بحقيقة الربوبية وعمق العبودية، وكان الأولى والأليق خلافه، استوجب طلب الغفران، وإن لم يكن معصية وخلافاً في منطق الشرع، ولأجل ذلك انّ أولياء اللّه لم يزالوا مستغفرين كل يوم وليلة لسعة استشعارهم بعظمة الوظيفة في مقابل عظمة الخالق.

وأمّا السؤال الثالث: أعني طلب الملك من اللّه سبحانه، فلم يكن الملك


1 . في ظلال القرآن الكريم: 23/99.


(211)

مقصوداً لذاته، لأنّ مثل هذا الملك لا ينفك عن الظلم والتعدّي وهضم الحقوق إلى غير ذلك مما أُشير إليه في قوله تعالى: (إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَريةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُون)(1) وفي قوله عز اسمه: (أمّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فَأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينة غَصْباً)(2).

هكذا كانت طبيعة الملوكية في الأعصار الغابرة والحاضرة، فهي مع الاستبداد والاستعباد وغصب الأموال وقتل النفوس المحترمة متلازمة، كما هو واضح لمن لاحظ تاريخ السلاطين في الأدوار الماضية والحاضرة.

وإنّمـا طلب سليمان ما وراء ذلك، فقد طلب من اللّه سبحانه الملك الذي يقوده إنسان أُوتي العلم والحكم وتشرّف بالنبوة والوحي، ومن هذا حاله، لا يكون الملك مطلوباً له بالذات، وانّما يكون في طريق إحقاق الحق وإبطال الباطل والخدمة للخلق.

ولأجل أنّ المتبادر من الملك ـ في أذهان العامة ـ هو السلطة الجائرة نجد الذكر الحكيم عندما يصف اللّه بـ (الملك)يتابعه بـ (القدوس) مشيراً إلى أنّ ملكه وسلطته تفارق سائر السلطان، فهو في عين كونه ملكاً للعالم، قدوس منزّه من كل عيب وشين، ومن كل تعدّ وظلم، فهو: (المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِن)(3).

نقل أهل السير أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: «لست بملك» مع أنّه كان حاكماً


1 . النمل: 34.
2 . الكهف: 79.
3 . الحشر: 23.


(212)

إلهياً، ورئيس دولة إسلامية أسّسها منذ بدء وروده المدينة، ومراده هو إبعاد نفسه عمّـا يتبادر إلى أذهان العامّة من سماع ذلك اللفظ، وأنّه ليس من أُولئك الزمرة، بل حاكم إلهي يسعى لصالح الأُمّة حسب القوانين الإلهية.

وبالجملة: فرق بين السلطة التي تستخدمها الغرائز المادية، والسلطة التي تراقبها النبوّة، ويكبح جماحها الخوف من اللّه، والعشق لرضوانه، والذي طلبه سليمان في الآية إنّما هو الثاني، وهو عمل إلهي وخدمة للدين وعمل مقرّب، دون الأوّل.

ولأجل أن لا تذهب أذهان الصحابة إلى المعنى المتبادر من لفظ «الملك» قام رسول اللّه بتوضيح ما طلب سليمان لنفسه من اللّه سبحانه وقال: «أرأيتم ما أُعطي سليمان بن داود من ملكه؟ فإنّ ذلك لم يزده إلاّ تخشعاً، ما كان يرفع بصره إلى السماء تخشعاً لربِّه».(1)

وقد أوضحنا حقيقة السلطة الإسلامية التي دعا إلى استقرارها الكتاب والسنّة، وملامحها وأهدافها، فلاحظ(2).

ومن هنا يعلم جواب السؤال الرابع: وأنّه لماذا قال: (لا ينبغي لأحد من بعدي) ؟ فإنّه لم يقل ذلك ضناً وبخلاً على الغير، وإنّما قال ذلك، لأنّه طلب الملك الذي لا يصلح في منطق العقل والشرع أن يمارسه غيره، أو من هو نظيره في العلم والإيمان، وذلك لأنّه سبحانه يبيّـن ملامح هذا الحكم في آيات أُخر ويقول: (فَسَخّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بأمرِهِ رُخَاءً حَيثُ أصابَ * والشياطِينَ كُلَّ بَنّاء وَغوّاص * وآخَرِينَ مُقرَّنِينَ فِي الأصفادِ * هَذَا عَطاؤنا فَامْنُن أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْـرِ


1 . روح البيان: 8/39.
2 . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة: الفصل الأوّل: 11 ـ 72.


(213)

حِسَاب * وإنَّ لَهُ عِندَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآب)(1) فالآيات بحكم «الفاء» في قوله (فسخّرنا له)تدل على أنّه لم يطلب مطلق الحكم، وهو السلطة التي يصح أن يمارسها المتعارف من الناس خصوصاً إذا كانوا من الصلحاء، وانّما طلب من القدرة ما يصل بها إلى تسخير الريح والجن والشياطين. ومثل هذه القدرة لا تصح في منطق العقل أن تقع في متناول المتعارف من الناس، لأنّ وجود تلك السلطة في متناول غير المعصوم يؤدي إلى الطغيان وهدم الحدود وادّعاء الربوبية، إلى غير ذلك من عظيم الفساد، وإنّما تكون مقرونة بالصلاح والفلاح إذا مارسها نبي عارف بعظمة المسؤولية أمام اللّه أوّلاً، وأمام العقل والوجدان ثانياً، وأمام الخلق ثالثاً.

ولأجل ذلك يقول: (لا ينبغي لأحد من بعدي) ويريد منه الإنسان المتعارف غير المتمسّك بحبل العصمة، وغير المتحلّـي بالنبوة، فإنّ هذا الملك ـ لما عرفت ـ لا ينبغي لأحد، وإنّما ينبغي لسليمان ومن يكون بمنزلته من الصيانة والعصمة.

وإلى ما ذكرنا يشير المرتضى ويقول: إنّما التمس أن يكون ملكه آية لنبوته، ليتبين بها عن غيره ممّن ليس بنبي وقوله: (لا ينبغي لأحد من بعدي) أراد به لا ينبغي لأحد غيري ممّن أنا مبعوث إليه، ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيين.(2)


1 . ص: 36 ـ 40.
2 . تنزيه الأنبياء: 100.


(214)

8
عصمة أيوب (عليه السلام) ومسّ الشيطان له بعذاب

قد وصف سبحانه نبيه العظيم «أيوب» بأوصاف كبار وقال: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)(1) ، ومع ذلك كلّه فقد استدلت المخطّئة على عدم عصمته بظواهر بعض الآيات، وهي لا تدل على ما يرتؤون وإليك تلكم الآيات:

قال سبحانه: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدَنَا وَذِكْرى لِلعَابِدِين)(2).

وقال سبحانه: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْب وَعَذَاب * ارْكُضِ بِرِجلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكرى لأُولي الألبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْنَاه صَابِراً نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ)(3).

استدلت المخطّئة على تجويز صدور الذنب من الأنبياء بما ورد في هذه


1 . ص: 44.
2 . الأنبياء:83 ـ 84.
3 . ص: 41 ـ 44.


(215)

الآيات ممّا يوهم ذلك، أعني قوله:

1. (مسّني الشيطان) .

2. (بنصب وعذاب) .

وقد ظنوا أنّ مسّ الشيطان يستلزم صدور الذنب منه، غافلين عن أنّ هذه الجملة عبارة أُخرى عمّـا ورد في سورة الأنبياء بقوله: (مسّني الضر) .

كما ظنوا أنّ العذاب عبارة عن العقوبة الإلهية غافلين عن أنّ العذاب عبارة عن كل ما شق على الإنسان، وهو المراد من التعب، والنصب، والوجع، والألم.

وبالجملة: لا دلالة للآية على صدور الذنب أبداً، إنّما الكلام في بيان ما هي علّة ابتلاء أيوب بهذا الوجع والألم؟ يتضح هذا باستعراض الآيات وتفسير مفرداتها فنقول:

قال الراغب: «الضر»: سوء الحال، إمّا في نفسه لقلة العلم والفضل والعفة، وإمّا في بدنه لعدم جارحة ونقص، وإمّا في حالة ظاهرة من قلة مال وجاه، وقوله: (فكشفنا ما به من ضر)محتمل لثلاثتها.

غير أنّه يحتمل أن يكون الضر هنا بمعنى يساوق المرض، وهو غير المعنى الثاني الذي أشار إليه الراغب، ولأجل ذلك يقول العلاّمة الطباطبائي: الضر خصوص ما يمس النفس من الضرر كالمرض والهزال ونحوهما، وذيل الآيات يؤيد هذا المعنى.

وأمّا «النصب» : فهو التعب، وربّما يفتح كما قال اللّه سبحانه: (لا يمسّنا فيها نصب)(1) ، يقال أنصبني كذا أي أتعبني وأزعجني.


1 . فاطر: 35.


(216)

وأمّا «الركض»: فهو الضرب بالرجل.

هذه هي اللغات الواردة في الآية، فإذا عرفنا معانيها فلنرجع إلى تفسير الآية، وستعرف أنّه لا يستشم منها صدور أيّ معصية من النبي أيوب مظهر الصبر والمقاومة.

* تفسير قوله : (مسّني الضر )

أمّا ما ورد في سورة الأنبياء فلا يدل على أزيد من أنّه مسّه الضر وشملته البلية، فابتهل إليه سبحانه قائلاً: (أنّي مسّني الضر وأنت أرحم الراحمين) ، وعندئذ شملته العناية الإلهية، فكشف اللّه عنه ما به من ضر، ومن المحتمل جداً أنّ المراد هو المرض وشافاه اللّه من ذلك المرض الذي ابتلي به سنين، ولم يكتف بذلك بل وآتاه أهله بإحيائهم، مضافاً إلى مثلهم، كل ذلك رحمة من عنده، ولم يكن ذلك العمل إلاّ امتحاناً منه سبحانه لأيوب وغيره من العابدين، حتى يتذكّروا ويعلموا أنّ اللّه تعالى يبتلي أولياءه ثم يؤتيهم أجرهم، ولا يضيع أجر المحسنين، وليس الامتحان إلاّ لأجل تفتّح الكمالات المكنونة في ذات الممتحن، ولا تظهر تلك الكمالات إلاّ إذا وقع الإنسان في بوتقة الامتحان فتظهر حينئذ بواطنه من الكمالات والمواهب، وقد أوضحنا ذلك في بعض مسطوراتنا، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المجال: «ومعنى ذلك أنّه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبيّـن الساخط لرزقه والراضي بقسمه وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب».(1)


1 . نهج البلاغة:قسم الحكم، الرقم 93.


(217)

* تفسير قوله: (مسّني الشيطان)

وأمّا الآيات الواردة في سورة «ص» فهي التي وقعت ذريعة لبعض المخطّئة من أنّه سبحانه ابتلى أيوب ببعض الأمراض المنفّرة مع أنّه ليست في الآية إشارة ولا تلويح إلى ذلك إلاّ في بعض الأحاديث التي تشبه الإسرائيليات، قال سبحانه في سورة «ص»: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربّه أنّي مسّني الشيطان بنصب وعذاب) وقد عرفت معنى النصب، وأمّا العذاب فلا يتجاوز معناه ما يؤذي الروح من سوء الحال فقوله: (مسّني الشيطان) عبارة عمّـا ذكره في سورة الأنبياء بقوله: (مسّني الضر) ، فنسب نزول النصب والعذاب في هذه الآية إلى الشيطان ولكنّه سكت عن فاعله في سورة الأنبياء، وعندئذ يجب إمعان إلنظر في معنى هذه الجملة فنقول: إنّه يحتمل أحد معنيين:

1.أن يكون ما مسّه من الضر والمرض مستنداً إلى الشيطان بنحو من السببية والتأثير مكان استناده إلى الأسباب العادية الطبيعية، فكما أنّ الإنسان يصيبه التعب بواسطة العلل المادية، يصيبه التعب بنحو من مس الشيطان، كل ذلك بإذن منه سبحانه، وهذا المعنى هو الذي يستفاد من الروايات، وهو وإن لم يكن له مؤيد في ظاهر الآية غير أنّه ليس من الأُمور المستحيلة، فإنّه إذا كان للعلل الطبيعية سلطان على الأنبياء في أمراضهم فلا مانع من أن تكون للشيطان سلطة في خصوص هذا المجال لا في إضلالهم والتصرّف في قلوبهم وعقيدتهم، كل ذلك بإذن اللّه سبحانه خصوصاً إذا كان ذلك لأجل الامتحان.

نعم أنكر الزمخشري هذا السلطان قائلاً بأنّه لا يجوز أن يسلّط اللّه الشيطان على أنبيائه ليقضي من تعذيبهم وأتعابهم وطره، فلو قدر على ذلك لم يدع صالحاً


(218)

إلاّ وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرر في القرآن آنه لا سلطان له إلاّ الوسوسة فحسب.(1)

أقول: إنّما يصح ما ذكره إذا كانت للشيطان مقدرة مطلقة وعامة على كل الصالحين والمؤمنين، وعند ذلك لم يدع صالحاً إلاّ وقد نكبه وأهلكه، وهو غير القول بتسلّطه على مورد خاص، وهو أيوب بإذن منه سبحانه، ولا دليل على امتناع القضية الجزئية، كيف؟ وقد حكى اللّه سبحانه عن فتى موسى وهو يوشع النبي قوله: (فَإِنّي نَسِيتُ الْحُوتَ وما أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ).(2)

2. أن يكون المراد من «مس الشيطان بالنصب والعذاب» هو وسوسة الشيطان إلى الناس عندما اشتد مرض أيوب حيث حثّهم على أن يجتنبوه ويهجروه، فكان التعيير من الناس والتكلّم منهم لكن بوسوسة من الشيطان، ونفس هذا التعيير كان نصباً وعذاباً على أيوب، فالمراد من النصب والعذاب هو التعيير المستند إلى وسوسة الشيطان، وعلى كل تقدير فلا دلالة لكلمة العذاب بعد كلمة النصب على أنّه كان عقاباً منه سبحانه له، يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه ابتلى أيوب بلا ذنب فصبر حتى عُيِّـر، وإنّ الأنبياء لا يصبرون على التعيير».(3)

وأمّا الأحاديث الواردة حول قصة أيوب من أنّه أصابه الجذام حتى تساقطت أعضاؤه، فيقول الإمام الباقر (عليه السلام)في حقها: «إنّ أيوب ابتلي من غير ذنب، وإنّ الأنبياء لا يذنبون، لأنّهم معصومون، مطهرون، لا يذنبون ولا يزيغون،


1 . الكشاف: 3/16.
2 . الكهف: 63.
3 . بحار الأنوار: 12/347 نقلاً عن أنوار التنزيل.


(219)

ولا يرتكبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً».

وقال: «إنّ أيوب مع جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة، ولا قبحت له صورة، ولا خرجت منه مدة من دم ولا قيح، ولا استقذره أحد رآه، ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا تدوّد شيء من جسده، وهكذا يصنع اللّه عزّ وجلّ بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه، وإنّما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره، لجهلهم بما له عند ربِّه تعالى ذكره، من التأييد والفرج، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أعظم الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» وإنّما ابتلاه اللّه عزّ وجلّ بالبلاء العظيم الذي يهون معه على جميع الناس لئلاّ يدّعوا له الربوبية، إذا شاهدوا ما أراد اللّه أن يوصله إليه من عظائم نعمه متى شاهدوه، ليستدلوا بذلك على أنّ الثواب من اللّه تعالى ذكره على ضربين: استحقاق واختصاص، ولئلاّ يحتقروا ضعيفاً لضعفه،ولا فقيراً لفقره، وليعلموا أنّه يسقم من يشاء ويشفي من يشاء متى شاء كيف شاء، بأيِّ سبب شاء، ويجعل ذلك عبرة لمن شاء وشفاء لمن شاء وسعادة لمن شاء، وهو عزّ وجلّ في جميع ذلك عدل في قضائه، وحكيم في أفعاله، لا يفعل بعباده إلاّ الأصلح لهم، ولا قوة لهم إلاّ به».(1)

وهذه الرواية ـ الصادرة من بيت الوحي والنبوة ـ تعرب عن عقيدة الأئمّة في حق الأنبياء عامة، وفي حق النبي أيوب خاصة، وانّ الأنبياء لا يبتلون بالأمراض المنفّرة، لأنّـها لا تجتمع مع هدف البعثة، وأنّ ابتلاء أيوب كان لأهداف تربوية أُشير إليها في الرواية.

قال السيد المرتضى: أفتصححون ما روي من أنّ الجذام أصابه حتى تساقطت أعضاؤه؟


1 . الخصال: 2/400، ط الغفاري.


(220)

قلنا: أمّا العلل المستقذرة التي تنفّر من رآها وتوحشه كالبرص والجذام، فلا يجوز شيء منها على الأنبياء، لما تقدم ذكره.(1)

وقال العلاّمة المجلسي بعد نقل الخبر المتقدم عن الإمام الباقر (عليه السلام) : هذا الخبر أوفق بأُصول متكلمي الإمامية من كونهم منزّهين عمّـا يوجب تنفّر الطباع عنهم، فتكون الأخبار الأُخر محمولة على محامل أُخر.(2)

إلى هنا استطعنا أن نخرج بهذه النتائج في مورد هذه الروايات المرتبطة بقصة أيوب:

1. انّ الألفاظ الواردة في الآية من قوله: (مسّني الشيطان بنصب وعذاب) لا دلالة لها على صدور الذنب.

2. انّ الروايات الواردة في بعض الكتب من إصابته بأمراض منفّرة يخالفها العقل، وتردّها النصوص المروية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .


1 . تنزيه الأنبياء: 64.
2 . البحار: 12/349.


(221)

9
عصمة يونس (عليه السلام) وذهابه مغضباً

إنّ المخطّئة لعصمة الأنبياء استدلوا على مقصودهم بما ورد حول قصة يونس من الآيات، ونحن نذكر عامّة ما ورد في ذلك المجال، ثم نستوضح مقاصدها.

فنقول: قد وردت قصته على نحو التفصيل والإجمال في سور أربع: يونس، الأنبياء، الصافّات، والقلم، وإليك الآيات:

1. (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)(1).

2. (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)(2).

3. (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)(3).

4. (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ


1 . يونس: 98.
2 . الأنبياء: 87.
3 . الأنبياء: 88.


(222)

فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِين * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)(1).

5. (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحينَ)(2).

هذه هي الآيات الواردة حول قصة يونس، وبالإحاطة بها يتمكّن المفسّـر من الإجابة على الأسئلة المطروحة حولها، وإن لم تكن لبعضها صلة بالعصمة.

أمّا ما جاء من الروايات حول القصة، فكلّها روايات آحاد لا يمكن الركون إلى الخصوصيات الواردة فيها، بل بعض ما فيها لا يناسب ساحة الإنسان العادي فضلاً عن النبي، ولأجله تركنا ذكرها.

والذي تضافرت عليه الروايات هو أنّه لمّا دعا قومه إلى الإسلام، وعرف منهم الامتناع، دعا عليهم ووقف على استجابة دعائه، فأخبرهم بنزول العذاب، فلمّـا ظهرت أماراته كان من بينهم عالم أشار إليهم أن افزعوا إلى اللّه لعلّه يرحمكم، ويردّ العذاب عنكم، فقالوا: كيف نصنع؟ قال: اجتمعوا واخرجوا إلى المفازة، وفرّقوا بين النساء والأولاد، وبين الإبل وأولادها ... ثم ابكوا و ادعوا، فذهبوا وفعلوا ذلك، وضجّوا وبكوا، فرحمهم اللّه، وصرف عنهم العذاب.(3)

فنقول: توضيح مفاد الآيات يتوقف على البحث عن عدّة أُمور :


1 . الصافات: 139 ـ 148.
2 . القلم: 48 ـ 50.
3 . بحار الأنوار : 14/380 من الطبعة الجديدة رواه جميل بن درّاج الثقة عن الصادق (عليه السلام) .


(223)

* 1. لماذا كشف العذاب عن قوم يونس دون غيرهم؟

صريح قوله سبحانه: (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)(1).

إنّ أُمّة يونس هي الأُمّة الوحيدة التي نفعها إيمانها قبل نزول العذاب وكشف عنهم، وذلك لأنّ «لولا» التحضيضية إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد معنى النفي، كما في قولك: هلا قرأت القرآن، وعلى ذلك يكون معنى قوله سبحانه: (فلولا كانت قرية آمنت)انّه لم يكن ذلك أبداً، فاستقام الاستثناء بقوله: (إلاّ قوم يونس) ، والمعنى هلا كانت قرية من هذه القرى التي جاءتهم رسلنا فكذبوهم آمنت قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها، لكن لم يكن شيء من ذلك إلاّ قوم يونس لمّا آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي.

ولا شك أنّه قد نفع إيمان قوم يونس ولكن لم ينفع إيمان فرعون، وعندئذ يُطرح هنا السؤال التالي: ما الفرق بين الإيمانين؟ حيث نفع إيمانهم دون إيمان الثاني وأتباعه، يقول سبحانه: (وَجَاوَزْنَا بِبَني إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إلاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * ءَآلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)(2).


1 . يونس: 98.
2 . يونس: 90 ـ 92.


(224)

الجواب: الفرق بين الإيمانين، أحدث هذا الفرق، حيث كان إيمان قوم يونس إيماناً عن اختيار، ولأجل ذلك بقوا على إيمانهم بعد رفع العذاب، وكان إيمان فرعون إيماناً اضطرارياً غير ناجم عن ثورة روحية على الكفر والوثنية، بل كان وليد رؤية العذاب وهجوم الأمواج، لا أقول: إنّ إيمان قوم يونس كان حقيقياً جدياً وإيمان الآخرين كان صورياً غير حقيقي، بل: الكل كان حقيقياً، وإنّما الاختلاف في كون أحدهما ناشئاً من اختيار، والآخر ناشئاً من الاضطرار والخوف، وبعبارة أُخرى: ناشئاً من عامل داخلي وناشئاً من عامل خارجي.

والدليل على ذلك استقرار وثبوت قوم يونس على الإيمان بعد كشف العذاب عنهم لقوله سبحانه: (وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلى حِين) ، ويقول سبحانه: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)(1) ، والظاهر من الآية أنّ يونس بعدما نجا ممّا ابتلي به، أرسل إلى نفس قومه، فاستقبلوه بوجوه مشرقة وتمتعوا في ظل الإيمان إلى الوقت المؤجل في علم اللّه.

وأمّا الفراعنة فكانت سيرتهم الإيمان عند نزول العذاب والرجوع إلى الفساد وإلى ما كانوا عليه من الفساد في مجال العقيدة والعمل، بعد كشفه، والذكر الحكيم يصرّح بذلك في الآيات التالية: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَات مُفَصَّلات فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَل هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ)(2).


1 . الصافات: 147 ـ 148.
2 . الأعراف: 133ـ 135.


(225)

وثبات قوم يونس على إيمانهم وعدم انحرافهم عنه بعد كشف العذاب، ونكث الفراعنة بعد كشف الرجز عنهم، خير دليل على أنّ إيمان القوم كان إيماناً اختيارياً ثابتاً ونابعاً عن اليقين، وإيمان الفراعنة كان اضطرارياً ناشئاً عن الخوف.

والأوّل من الإيمانين يخرق حجب الجهل، ويشاهد الإنسان عبوديته بعين القلب وعظمة الرب ونور الإيمان، فيصير خاضعاً أمام اللّه، يعبده ولا يعبد غيره.

والثاني منهما يدور مدار وجود عامل الاضطرار والإلجاء، فيؤمن عند وجوده ويكفر بارتفاعه، ولا يعد ذلك الإيمان كمالاً للروح ولا قيمة له في سوق المعارف، قال سبحانه: (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنينَ)(1).

ولا شك أنّه تعلّقت إرادته التشريعية بإيمان الناس كلّهم بشهادة بعث الأنبياء وإرسال الرسل، ولكن لم تتعلّق إرادته التكوينية بإيمانهم، وإلاّ لم تتخلف عن مراده وأصبح الناس كلّهم مؤمنين إيماناً لا عن اختيار، ولكن بما أنّه لا قيمة للإيمان الخارج عن إطار الاختيار والناشئ عن الإلجاء والاضطرار، لم تتعلّق إرادته سبحانه بإيمانهم، وإليه يشير قوله: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً) .

* 2. هل كان كشف العذاب تكذيباً لإيعاد يونس؟

قد وعد سبحانه في كتابه العزيز بأنه يؤيد رسله وينصرهم ولا يكذبهم وهو عز من قائل: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ)(2).


1 . يونس: 99.
2 . غافر: 51.


(226)

فلو أخبر واحد منهم عن وقوع حادثة أو نزول رحمة وعذاب على قوم، فلابد أن يكون وضع المخبر به في المستقبل على وجه لا يلزم منه تكذيبهم، وذلك إمّا بوقوع نفس المخبر به كما هو الحال في إخبار صالح لقومه، حيث تنبّأ وقال: (تَمتّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثةَ أيّام ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب) ، فلمّـا بلغ الأجل المحدد (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَمْ يَغْنَوا فِيهَا ألا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ألا بُعْداً لِثَمُودَ)(1) ، وإمّا بظهور علامات وأمارات دالة على صدق مقال النبي وإخباره، وانّ عدم تحقّقه لأجل تغيير التقدير بالدعاء والعمل الصالح، قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ)(2).

وقال عز من قائل: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(3).

هذه سنة اللّه سبحانه في إنزال النعمة والنقمة ورفعهما.

وما أخبر به يونس كان من هذا القبيل، فقد تنبّأ بنزول العذاب، وشاهد القوم طلائع العذاب وعلائمه(4)، فبادروا بالتوبة والإنابة إلى اللّه حسب إرشاد عالمهم، فكشف عنهم العذاب، وليس في هذا تكذيب ليونس، لو لم يكن فيه تصديق حيث وقفوا على صدق مقالته غير أنّ للّه سبحانه سنناً في الحياة، فأخذ المعتدي باعتدائه سنّة، والعفو عنه لإنابته أيضاً سنّة، ولكل موضع خاص، وهذا


1 . هود: 65 ، 67 ـ 68.
2 . الأعراف: 96.
3 . الأنفال: 53.
4 . لاحظ تفسير الطبري: 11/117 ـ 118; الدر المنثور: 3/317 ـ 318; البحار: 14/396 من الطبعة الحديثة.


(227)

معنى البداء الذي تقول به الإمامية، الذي لو وقف إخواننا أهل السنّة على حقيقته لاعترفوا به من صميم القلب، ولكن الدعايات الباطلة حالت بينهم وبين الوقوف على ما تتبناه الإمامية في هذا المضمار، وقد أوضحنا حقيقة الحال في رسالة «البداء من الكتاب والسنّة».(1) ومن أراد الوقوف على واقع الحال فليرجع إليها.

* 3. أسئلة ثلاثة حول عصمته

ألف. ما معنى كونه مغاضباً؟ ومن المغضوب عليه؟

ب. ماذا يراد من قوله: (فظن أن لن نقدر عليه) ؟

ج. كيف تجتمع العصمة مع اعترافه بكونه من الظالمين؟

هذه هي الأسئلة الحسّاسة في قصة يونس (عليه السلام) ، وقد تمسّك بها المخطّئة، وإليك توضيحها واحداً بعد واحد:

أمّا الأوّل: فقد زعم المخطّئة أنّ معناه أنّه خرج مغاضباً لربِّه من حيث إنّه لم ينزل بقومه العذاب.

ولكنّه تفسير بالرأي، بل افتراء على الأنبياء، وسوء ظن بهم، ولا يغاضب ربَّه إلاّ من كان معادياً له وجاهلاً بحكمه في أفعاله، ومثل هذا لا يليق بالمؤمن فضلاً عن الأنبياء.

وإنّما كان غضبه على قومه لمقامهم على تكذيبه وإصرارهم على الكفر ويأسه من توبتهم، فخرج من بينهم.(2)


1 . مطبوعة منتشرة.
2 . تنزيه الأنبياء: 102.


(228)

هكذا فسّـره الإمام الرضا (عليه السلام) عندما سأله المأمون عن مفاد الآية وقال: «ذلك يونس بن متى ذهب مغاضباً لقومه».(1)

وأمّا الثاني: أعني: (فظن أن لن نقدر عليه) فالفعل، أعني: (نقدر)، من القدر بمعنى الضيق لا من القدرة، قال سبحانه: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللّهُ)(2) ، وقال سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقْدِرُ)(3)، فمعنى الآية أنّه ظن أن لا يضيق عليه الأمر لترك الصبر والمصابرة مع قومه، لا بمعنى أنّه خطر هذا الظن بباله، بل كان ذهابه وترك قومه يمثل حالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر اللّه، فكانت مفارقته قومه ممثلة لحال من يظن بمولاه ذلك.

وأمّا تفسيره بأنّه ظن أنّه سبحانه لا يقدر عليه، فهو تفسير بما لا تصح نسبته إلى الجهلة من الناس فضلاً عن الأولياء والأنبياء.

وبما أنّ مفارقته قومه بلا إذن منه سبحانه ـ كان يمثل حال من يظن أن لا يضيّق مولاه عليه ـ ابتلاه اللّه بالحوت فالتقمه.

فوقف على أنّه ترك ما هو الأولى فعلاً، فندم على عمله (فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت).

ونقل الزمخشري في كشّافه: عن ابن عباس أنّه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلاّ بك، قال: وما هي يا معاوية؟ فقرأ هذه الآية وقال: أو يظن نبي اللّه أن لا يقدر عليه؟


1 . بحار الأنوار: 14/387.
2 . الطلاق: 7.
3 . الإسراء: 30.


(229)

قال: هذا من القدر لا من القدرة. ثم أضاف صاحب الكشاف: يصح أن يفسر بالقدرة على معنى «أن لن نعمل فيه قدرتنا»، وأن يكون من باب التمثيل، بمعنى فكانت حاله ممثلة بحال من ظنّ أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر اللّه، ويجوز أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان ثم يردعه ويردّه بالبرهان، كما يفعل المؤمن المحقق بنزعات الشيطان وما يوسوس إليه في كل وقت.(1)

ولا يخفى أنّ ما نقله عن ابن عباس هو المعتمد، بشهادة استعماله في القرآن بمعنى الضيق، وهو المناسب لمفاد الآية، وأمّا الوجهان الآخران فلا يصح الركون إليهما، خصوصاً الوجه الأخير، لأنّ الأنبياء أجل شأناً من أن تحوم حول قلوبهم الهواجس الشيطانية حتى يعودوا إلى معالجتها بالبرهان، فليس له سلطان على المخلصين من عباده، وقد اعترف بذلك الشيطان وقال كما يحكيه سبحانه: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)(2).

وأمّا السؤال الثالث: فقد مرّ أنّ الظلم في اللغة بمعنى وضع الشيء في غير موضعه، ولا شك أنّ مفارقته قومه وتركهم في الظرف القلق العصيب كان أمراً لا يترقب صدوره منه، وإن لم يكن عصياناً لأمر مولاه، فالعطف والحنان المترقب من الأنبياء غير ما يترقب من غيرهم، فلأجل ذلك كان فعله واقعاً غير موقعه.

ومن المحتمل أن يكون الفعل الصادر منه في غير موقعه هو طلبه العذاب لقومه وترك المصابرة، ويؤيده قوله سبحانه: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ)(3) ، فالظاهر أنّ متعلّق النداء في الآية


1 . الكشاف: 2/335 ـ 336.
2 . ص: 83.
3 . القلم: 48.


(230)

طلب نزول العذاب على قومه بقرينة قوله: (وهو مكظوم) ، أي كان مملوءاً غيضاً أو غماً، والمعنى: يا أيّها النبي لا تكن مثل صاحب الحوت، ولا يوجد منك مثل ما وجد منه من الضجر والمغاضبة، فتُبتلى ببلائه، فاصبر لقضاء ربك، فإنّه يستدرجهم ويملي لهم ولا تستعجل لهم العذاب لكفرهم.

ويستفاد من بعض الروايات أنّ سبب لومه وردعه كان أمراً ثالثاً، وهو أنّه لمّا وقف على نجاة أُمّته غضب وترك المنطقة.(1)

والوجهان: الأوّل والثاني هما الصحيحان.

وممّا ذكرنا يعلم مفاد قوله سبحانه: (إذ أبق إلى الفلك المشحون) ، فشبّه حاله بالعبد الآبق، وذلك لما مرّ من أنّ خروجه في هذه الحال كان ممثلاً لإباق العبد من خدمة مولاه، فأخذه اللّه بذلك.

وعلى كل تقدير فالآيات تدل على صدور عمل منه كان الأليق بحال الأنبياء تركه، وهو يدور بين أُمور ثلاثة: أمّا ترك قومه من دون إذن، أو طلب العذاب وكان الأولى له الصبر، أو غضبه على نجاة قومه.

إلى هنا تم توضيح الآيات المهمة التي وقعت ظواهرها ذريعة لأُناس يستهترون بالقيم والفضائل ويستهينون بأكبر الواجبات تجاه الشخصيات الإلهية، وبقي الكلام في عصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ونفيض القول فيها في البحث الآتي.


1 . بحار الأنوار: 14/38.


(231)

الطائفة الثالثة
عصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
وما تمسّكت به المخطّئة

عصمة النبي الخاتم من العصيان والخطأ، من فروع عصمة الأنبياء كلّهم، فما دلّت على عصمتهم من الآيات، تدلّ على عصمته أيضاً بلا إشكال، ولا نحتاج بعد ذلك إلى إفراد البحث عنه في هذا المجال، فقد أفاض اللّه عليه ذلك الكمال كما أفاض على سائر الأنبياء من غير استثناء، فهو معصوم في المراحل الثلاث التالية:

1. مرحلة تلقّي الوحي وحفظه وأدائه إلى الأُمّة.

2. مرحلة القول والفعل، وعلى ذلك، فهو من عباده المكرمين الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم وهم بأمره يعملون.

3. مرحلة تطبيق الشريعة وغيرها من الأُمور المربوطة بحياته، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يسهو ولا يخطأ في حياته الفردية والاجتماعية.

وما دلّ على عصمة تلك الطائفة في هذه المراحل الثلاث دلّ على عصمته فيها أيضاً.


(232)

نعم هناك آيات بالخصوص دالّة على عصمته من العصيان ومصونيته من الخطأ، كما أنّ هناك آيات وردت في حقه وقعت ذريعة لمنكري العصمة، ولأجل ذلك أفردنا بحثاً خاصاً في هذا المقام لنوفيه حقه.

أمّا ما يدل على عصمته من العصيان والخلاف، فيكفي في ذلك قوله سبحانه: (وإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً)(1).

وقد ذكر المفسرون أسباباً لنزولها بما لا يناسب ساحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوضحها ما ذكره الطبرسي في مجمعه: أنّ المشركين قالوا له: كف عن شتم آلهتنا، وتسفيه أحلامنا، واطرد هؤلاء العبيد والسقاط الذين رائحتهم رائحة الصنان(2) حتى نجالسك ونسمع منك، فطمع في إسلامهم، فنزلت الآية.(3)

ولتوضيح مفاد الآيات نبحث عن أُمور :

1. أنّ الآيات كما سنرى تشير إلى عصمته، ومع ذلك استدلت المخطّئة بها على خلافها، وهذا من عجائب الأُمور، إذ لا غرو في أنّ تتمسك كل فرقة بقسم من الآيات على ما تتبنّاه، وإنّما العجب أن تقع آية واحدة مطرحاً لكلتا الفرقتين، فيفسرها كلٌّ حسب ما يتوخّاه، مع أنّ الآية لا تتحمل إلاّ معنى واحداً لا معنيين متخالفين.

2. انّ الضمير في كلا الفعلين (كادوا ليفتنونك) يرجع إلى المشركين،


1 . الإسراء: 73 ـ 75.
2 . الصنان: نتن الإبط.
3 . مجمع البيان: 3/431.


(233)

ويدل عليه سياق الآيات، والمراد من (الذي أوحينا إليك) هو القرآن بما يشتمل عليه من التوحيد ونفي الشريك، والسيرة الصالحة، والمراد من الفتنة في (ليفتنونك) هو الإزلال والصرف، كما أنّ الخليل من الخُلَّة بمعنى الصداقة لا من الخَلّة بمعنى الحاجة.

3. انّ قوله: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك)يخبر عن دنو المشركين من إزلاله وصرفه عمّا أُوحي إليه، لا عن دنو النبي وقربه من الزلل والانصراف عمّـا أُوحي إليه، وبين المعنيين فرق واضح.

4. انّ قوله سبحانه: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً) مركب من جملتين، إحداهما شرطية، والأُخرى جزائية، أمّا الأُولى فقوله: (ولولا أن ثبتناك)، وأمّا الأُخرى فقوله: (لقد كدت تركن إليهم)، وبما أنّ لولا في الآية امتناعية(1)، تدل على امتناع الجزاء لوجود التثبيت، مثل قولنا: لولا علي لهلك عمر، فامتنع هلاكه لوجوده.

5. وليس الجزاء هو الركون بمعنى الميل، بل الجزاء هو القرب من الميل والانصراف كما يدل عليه قوله: (لقد كدت تركن) ، فامتنع القرب من الميل فضلاً عن نفس الميل لأجل وجود تثبيته.

6. انّ تثبيته سبحانه لنبيّه لم يكن أمراً مختصاً بالواقعة الخاصّة، بل كان أمراً عامّاً لجميع الوقائع المشابهة لتلك الواقعة، لأنّ السبب الذي أوجب إفاضة التثبيت عليه فيها، يوجب إفاضته عليه في جميع الوقائع المشابهة، ولا معنى


1 . يقول ابن مالك:
لولا ولوما يلزمان الابتدا *** إذا امتناعاً بوجود عقدا
والشرط في الآية مؤوّل إلى الاسم أي لولا تثبيتنا، لقد كدت تركن إليهم.


(234)

لخصوصية المعلول والمسبب مع عمومية العلة، وعلى ذلك تكون الآية من دلائل عصمته في حياته، وسداده فيها على وجه العموم.

وتوهم اختصاصها بالواقعة التي تآمر المشركون فيها لإزلاله من كلمات رماة القول على عواهنه.

7. انّ التثبيت في مجال التطبيق فرع التثبيت في مجال التفكير، إذ لا يستقيم عمل إنسان مالم يتم تفكيره، وعلى ذلك يفاض على النبي السداد مبتدئاً من ناحية التفكّر منتهياً إلى ناحية العمل، فهو في ظل هذا السداد المفاض، لا يفكّر بالعصيان والخلاف فضلاً عن الوقوع فيه.

8. انّ تسديده سبحانه، لا يخرجه عن كونه فاعلاً مختاراً في عامة المجالات: الطاعة والمعصية، فهو بعد قادر على النقض والإبرام والانقياد والخلاف، ولأجل ذلك يخاطبه في الآيات السابقة بقوله: (إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً).

وعلى ضوء ما ذكرنا فالآية شاهدة على عصمته، ودالة على عنايته سبحانه برسوله الأكرم فيراقبه ويراعيه ولا يتركه بحاله، ولا يكله إلى نفسه، كل ذلك مع التحفّظ على حريته واختياره في كل موقف.

فقوله سبحانه: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم)نظير قوله: (وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ)(1) لكن الأوّل راجع إلى صيانته عن العصيان، والثاني ناظر إلى سداده عن السهو والخطاء في الحياة، وسيوافيك توضيح الآية الثانية في البحث الآتي.


1 . النساء: 113.


(235)

وفي الختام نذكر ما أفاده الرازي في المقام: قال: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية بوجوه:

الأوّل: انّـها دلّت على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قرب من أن يفتري على اللّه، والفرية على اللّه من أعظم الذنوب.

الثاني: انّها تدل على أنّه لولا أنّ اللّه تعالى ثبته وعصمه لقرب أن يركن إلى دينهم.

الثالث: أنّه لولا سبق جرم وجناية لم يحتج إلى ذكر هذا الوعيد الشديد.

والجواب عن الأوّل: أنّ «كاد» معناها المقاربة، فكان معنى الآية قرب وقوعه في الفتنة، وهذا لا يدل على الوقوع.

وعن الثاني: أنّ كلمة لولا تفيد انتفاء الشيء، لثبوت غيره، نقول: «لولا علي لهلك عمر» ومعناه أنّ وجود علي (عليه السلام)منع من حصول الهلاك لعمر، فكذلك هاهنا فقوله: (ولولا أن ثبتناك)معناه لولا حصل تثبيت اللّه لك يا محمد، فكان تثبيت اللّه مانعاً من حصول ذلك الركون.

وعن الثالث: انّ التهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها، والدليل عليه آيات منها قوله تعالى: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذ * نا منه باليمين)الآيات، وقوله تعالى: (لئن أشركت) وقوله: (ولا تطع الكافرين).(1)

* أدلة المخطّئة

لقد اطّلعت في صدر البحث على عصمة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنّ هناك


1 . مفاتيح الغيب: 5/420.


(236)

آيات وردت في حق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد صارت ذريعة لبعض المخطّئة الذين يحاولون إنكار العصمة، وهي عدة آيات:

* الأُولى: العصمة والخطابات الحادة

هناك آيات تخاطب النبي بلحن حاد وتنهاه عن اتّباع أهواء المشركين، والشرك باللّه، والجدال عن الخائنين، وغير ذلك، ممّا يوهم وجود أرضية في نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لصدور هذه المعاصي الكبيرة عنه، وإليك هذه الآيات مع تحليلها:

1. (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وَلـىّ وَلا نَصِير)(1).

وقد جاءت الآية في نفس هذه السورة بتفاوت في الذيل، فقال بدل قوله: (مَالَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وَلِىّ ولا نَصِير) ، (إِنَّكَ إِذاً لمِنَ الظَّالِمِينَ)(2) ، كما جاءت أيضاً في سورة الرعد، غير أنّه جاء بدل قوله: (و لا نصير)(ولا واق) .

وعلى أي حال فقد تمسّكت المخطّئة بالقضية الشرطية على أرضية متوقعة في نفس النبي لاتّباع أهوائهم وإلاّ فلا وجه للوعيد.

ولكن الاستدلال على درجة من الوهن، إذ لا تدل القضية الشرطية إلاّ على الملازمة بين الشرط والجزاء، لا على تحقّق الطرفين، ولا على إمكان تحقّقهما، وهذا من الوضوح بمكان، قال سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا)(3) ، وليس فيها أيّ دلالة على تحقّق المقدّم أو التالي، وبما ذكرنا يتضح حال الآيتين


1 . البقرة: 120.
2 . البقرة: 145.
3 . الأنبياء: 22.


(237)

التاليتين:

2. انّه سبحانه يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقضايا شرطية كثيرة قال سبحانه: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً)(1).

ومن المعلوم المقطوع به أنّه سبحانه لا يستلب منه ما أوحى إليه.

3. قال سبحانه: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ)(2) ، وقال أيضاً: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِن أَحَد عَنْهُ حَاجِزينَ)(3) ، فهذه الآيات ونظائرها التي تحكي عن القضية الشرطية لا تدلّ على ما يرتئيه الخصم بوجه من الوجوه، أي وجود أرضية متوقعة لصدور هذه القضايا، وذلك لوجهين:

ألف: أنّ هذه الآيات تخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنّه بشر ذو غرائز جامحة بصاحبها، ففي هذا المجال يصح أن يخاطب النبي بأنّه لو فعل كذا لقوبل بكذا، وهذا لا يكون دليلاً على إمكان وقوع العصيان منه بعدما تشرّف بالنبوّة وجُهّز بالعصمة وعُزِّز بالرعاية الربانية، فالآيات التي تخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما هو بشر لا تعم ذلك المجال.

ب. أنّ هذه الآيات تركز على الجانب التربوي، والهدف تعريف الناس بوظائفهم وتكاليفهم أمام اللّه سبحانه، فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ نبي العظمة ـ محكوماً


1 . الإسراء: 86 ـ 87.
2 . الزمر: 65.
3 . الحاقة: 44 ـ 47.


(238)

بهذه الأحكام ومخاطباً بها، فغيره أَولى أن يكون محكوماً بها.

وعلى ذلك فتكون الآيات واردة مجرى: «إياك أعني واسمعي يا جارة»، فهؤلاء الذين يتخذون تلك الآيات وسيلة لإنكار العصمة، غير مطّلعين على «ألف باء» القرآن، وبذلك يظهر مفاد كثير من الآيات النازلة في هذا المجال، يقول سبحانه عندما يأمره بالصلاة إلى المسجد الحرام:

4. (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)(1) ، ويريد بذلك تعليم الناس أن لا يقيموا وزناً لإرجاف المرجفين في العدول بالصلاة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، كما يحكي سبحانه وتعالى عنهم بقوله: (سَيَقُولُ الْسُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا ولاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)(2).

5. انّه سبحانه يبطل إلوهية المسيح (عليه السلام) بحجّة أنّه وليد مريم (عليها السلام) بأنّ تولده بلا أب يشبه تكوّن آدم من غير أب ولا أُم، قال سبحانه: (إنَّ مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون)، فعند ذلك يخاطب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)(3) .

ولا شك أنّ الخطاب جرى مجرى ما ذكرنا: «إياك أعني واسمعي يا جارة»، فإنّ النبي الأعظم بعدما اتصل بعالم الغيب وشاهد ورأى الملائكة وسمع كلامهم، هل يمكن أن يتسرّب إليه الشك حتى يصح أن يخاطب بقوله: (فلا تكن من الممترين)على الجد والحقيقة؟

6. انّه سبحانه يخاطب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما جلس على كرسي القضاء


1 . البقرة: 147.
2 . البقرة: 142.
3 . آل عمران: 59 ـ 60.


(239)

بقوله: (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً)(1) .

فالآية تكلّف النبي أن لا يدافع عن الخائن، ومن الواضح أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن في زمن حياته مدافعاً عن الخائن، وانّما هو خطاب عام أُريد منه تربية المجتمع وتوجيهه إلى هذه الوظيفة الخطيرة، وبما أنّ أكثر الناس لا يتحمّلون الخطاب الحاد، بل يكون مرّاً في أذواق أكثرهم، اقتضت الحكمة أن يكون المخاطب، غير من قصد له الخطاب.

7. وعلى ذلك يحمل قوله سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُن لِلْخائِنِينَ خَصِيماً)(2).

وأخيراً نقول: إنّ سورة الإسراء تحتوي على دساتير رفيعة المستوى، ترجع إلى وظائف الأُمّة: الفردية والاجتماعية، وهو سبحانه يبتدئ الدساتير بقوله: (لا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولا)(3) ، وفي الوقت نفسه يختمها بنفس تلك الآية باختلاف يسير فيقول: (ولا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً).(4)

فهذه الخطابات وأشباهها وإن كانت موجهة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن قصد بها عامة الناس لنكتة سبق ذكرها، وإلاّ فالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أعظم من أن يشرك باللّه تعالى بعد تشرّفه بالنبوّة، كيف، وهو الذي كافح الوثنية منذ نعومة أظفاره إلى أن بعث نبيّاً لهدم الشرك وعبادة غير اللّه تبارك وتعالى.


1 . النساء: 107.
2 . النساء: 105.
3 . الإسراء: 22.
4 . الإسراء: 39.


(240)

وقس على ذلك كلّما يمرُّ عليك من الآيات التي تخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلحن شديد، فتفسير الجميع بالوجهين اللّذين قدمنا ذكرهما.

* الآية الثانية: العصمة والعفو والاعتراض

كان النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد خلق مجتمع مجاهد يقف في وجه الروم الشرقية، فأذن بالجهاد إلى ثغرها (تبوك)، فلبّت دعوته زرافات من الناس بلغت ثلاثين ألف مقاتل، إلاّ أنّ المنافقين أبوا الاشتراك في صفوف المجاهدين، فتعلّقوا بأعذار واستأذنوا في الإقامة في المدينة، وأذن لهم النبي الأكرم، وفي هذا الشأن نزلت الآية التالية:

(عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)(1).

والآية تصرّح بعفوه سبحانه عنه كما يقول: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ) ، كما تتضمن نوع اعتراض على النبي حيث أذن لهم في عدم الاشتراك، كما يقول سبحانه: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) ، وعندئذ يفرض هذا السؤال نفسه:

ألف: كيف يجتمع العفو مع العصمة؟

ب: ما معنى الاعتراض على إذن النبي؟

أقول: أمّا الجملة الأُولى: فتوضيحها بوجهين:

الأوّل: أنّها إنّما تدل على صدور الذنب ـ على فرض التسليم ـ إذا كانت جملة خبرية حاكية عن شمول عفوه سبحانه للنبي في الزمان الماضي، وأمّا إذا


1 . التوبة: 43.


(241)

كانت خبرية ولكن أُريد منها الإنشاء وطلب العفو، كما في قوله: (أيّدك اللّه) (غفر اللّه لك) ، فالدلالة ساقطة، إذ طلب العفو والمغفرة للمخاطب نوع دعاء وتقدير وتكريم له.

الثاني: ليس على أديم الأرض إنسان يستغني عن عفوه ومغفرته سبحانه حتى الأولياء والأنبياء، لأنّ الناس بين كونهم خاطئين في الحياة الدنيا، وكونهم معصومين، ووظيفة الكل هي الاستغفار.

أمّا الطائفة الأُولى فواضحة، وأمّا الثانية فلوقوفهم على عظمة الرب وكبر المسؤولية، وانّ هنا أُموراً كان الأليق تركها، أو الإتيان بها، وإن لم يأمر بها الرب أمر فرض، أو لم ينه عنها نهي تحذير، والمترّقب منهم غير المترقب من غيرهم.

ولأجل ذلك كان الأنبياء يستغفرون كل يوم وليلة قائلين: «ما عرفناك حق معرفتك وما عبدناك حق عبادتك».

وحاصل الوجهين: أنّ طلب العفو نوع تكريم واحترام للمخاطب بصورة الدعاء، وليس إخباراً عن واقعية محقّقة حتى يستلزم صدور ذنب من المخاطب، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ كل إنسان مهما كان في الدرجة العالية من التقوى، يرى في أعماله حسب عرفانه واستشعاره عظمة الرب وكبر المسؤولية، أنّ ما هو الأليق خلاف ما وقع منه، فتوحي إليه نفسه الزكية، طلب العفو والمغفرة لإزالة آثار هذا التقصير في الآجل والعاجل.

وأمّا الجملة الثانية:

فلا شك أنّها تتضمن نوع اعتراض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن لا على صدور ذنب أو خلاف منه، بل لأنّ إذنه كان مفوتاً لمصلحة له، وهو معرفة الصادق في إيمانه


(242)

من الكاذب في ادّعائه، كما يعرب عنه قوله: (حتى يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) .

توضيحه: أنّ المنافقين كانوا مصمّمين على عدم الخروج مع المؤمنين إلى غزو الروم، وكان لهم تخطيط في غياب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبطله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتخليفه علياً مكانه، قال سبحانه: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)(1) ، والآية تدلُّ على أنّهم كانوا عازمين على الإقامة في المدينة، وكان الاستئذان نوع تغطية لقبح عملهم حتى يتظاهروا بأنّ عدم ظعنهم مع المؤمنين كان بإذن من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ومن جانب آخر أنّهم لو خرجوا مع المسلمين ما زادوهم إلاّ فتنة وخبالاً وإضعافاً لعزائم المؤمنين، وفيهم سمّـاعون لهم يتأثرون بدعاياتهم وإغوائهم كما يقول سبحانه: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَ لأوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)(2).

وبما أنّهم كانوا عازمين على القعود أوّلاً، وعلى الإضرار والفتنة في جبهات الحرب ثانياً، لذلك لم يكن في الإذن أيّة تبعة سوى فوت تميّز الخبيث من الطيب، ومعرفة المنافق من المؤمن، إذ لو لم يأذن لهم لظهر فسقهم وتمردهم على كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومثل هذا لا يعد عمل خلاف حتى يكون الاعتراض عليه دليلاً على صدور الذنب.

ولو كانت المخطّئة عارفة بأساليب البلاغة وفنون الكلام لعرفت أنّ اسلوب


1 . التوبة: 46.
2 . التوبة: 47.


(243)

الكلام في الآية، اسلوب عطف وحنان، وأشبه باعتراض الولي الحميم، على الصديق الوفي، إذا عامل عدوه الغاشم بمرونة ولين، فيقول بلسان الاعتراض: لماذا أذنت له، ولم تقابله بخشونة حتى تعرف عدوك من صديقك، ومن وفى لك ممّن خانك، على أنّه وإن فات النبي معرفة المنافق عن هذا الطريق لكنه لم يفته معرفته من طريق آخر، صرح به القرآن في غير هذا المورد، فإنّ النبي الأكرم كان يعرف المنافق من المؤمن بطريقين آخرين:

1. كيفية الكلام، ويعبّـر عنه القرآن بلحن القول، وذلك أنّ الخائن مهما أصر على كتمان خيانته، تظهر بوادرها في ثنايا كلامه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «ما أضمر أحد شيئاً إلاّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه».(1) وفي ذلك يقول سبحانه: (وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)(2).

2. التعرّف عليهم بتعليم منه سبحانه قال: (مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَن يَشاءُ)(3) ، والدقة في الآية تفيد بأنّ اللّه سبحانه يجتبي من رسله من يشاء ويطلعه على الغيب، ويعرف من هذا الطريق الخبيث ويميّزه عن الطيب.

وعلى ذلك فلم يفت على النبي الأكرم شيء وإن فاتته معرفة المنافق من هذا الطريق، ولكنّه وقف عليها من الطريق الآخر أو الطريقين الآخرين.


1 . نهج البلاغة: قسم الحكم، الرقم 26.
2 . محمد: 30.
3 . آل عمران: 179.


(244)

* الآية الثالثة: العصمة والأمر بطلب المغفرة

إنّه سبحانه يأمر نبيّه الأعظم، بطلب الغفران منه ويقول مخاطباً رسوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الْنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً).(1) ويقول سبحانه: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ)(2) . وعندئذ يخطر في ذهن الإنسان: كيف تجتمع العصمة مع الأمر بطلب الغفران؟

أقول: التعرّف على ما مرّ في الآيتين ونظائرهما، رهن الوقوف على الأصل المسلَّم بين العقلاء، وهو أنّ عظمة الشخصية وخطر المسؤولية متحالفان، وربَّ عمل يُعد صدوره من شخص جرماً وخلافاً، وفي الوقت نفسه لا يعد صدوره من إنسان آخر كذلك.

توضيح ذلك: انّ الأحكام الشرعية تنقسم إلى واجب وحرام ومستحب ومكروه ومباح، ولا محيص عن الإتيان بالواجب وترك الحرام، نعم هناك رخصة في ترك المستحب والإتيان بالمكروه ولكن المترقب من العارف بمصالح الأحكام ومفاسدها، تحلية الواجبات بالمستحبات، وترك المحرمات مع ترك المكروهات ولا يقصر عنه المباح، فهو وإن أباحه اللّه سبحانه ولكن ربّما يترجح فعله على تركه أو العكس لعنوان ثانوي.

فالعارف بعظمة الرب يتحمّل من المسؤولية ما لا يتحمله غيره، فيكون المترقّب منه غير ما يترقّب من الآخر، ولو صدر منه ما لا يليق، وتساهل في هذا


1 . النساء: 105 ـ 106.
2 . محمد: 19.


(245)

الطريق، يتأكد منه الاستغفار وطلب المغفرة، لا لصدور الذنب منه، بل من باب قياس عمله إلى علو معرفته وعظمة مسؤوليته.

وإن شئت فاستوضح ذلك من ملاحظة حال المتحضر والبدوي، فالمرجوّ من الأوّل القيام بالآداب والرسوم الرائجة في الحضارات الإنسانية، ولكن المرجوّ من الثاني أبسط الرسوم والآداب، فما ذلك إلاّ لاختلافهما من ناحية التربية والمعرفة، كما أنّ الترقب من نفس المتحضرين مختلف جداً، فالمأمول من المثقف أشد وأكثر من غيره كما أنّ الانضباط المرجو من الجندي يغاير المترقب من غيره، والغفلة القصيرة من العاشق يعد جرماً وخلافاً في منطق العشق، وليست كذلك إذا صدرت من غيره.

وهذه الأمثلة ونظائرها الوافرة تثبت الأصل الذي أوعزنا إليه في صدر البحث من أنّ عظمة الشخصية وكبر المسؤولية متحالفان وأنّ الوظائف لا تنحصر في الإتيان بالواجبات، والتحرّز عن المحظورات بل هناك وظائف أُخرى، وكلّما زاد العلم والعرفان توفرت الوظائف وتكثرت المسؤوليات، ولأجل ذلك تُعدّ بعض الغفلات أو اقتراف المكروهات من الأولياء ذنباً، وهو في الواقع ليس بالنسبة إليهم ذنباً مطلقاً، بل ذنباً إذا قيس إلى ما أُعطوا من الإ يمان والمعرفة ولو قاموا بطلب المغفرة والعفو، فإنّما هو لأجل هذه الجهات.

نرى أنّ شيخ الأنبياء نوحاً (عليه السلام) يقول: (رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً)(1) .

ويقتفيه إبراهيم (عليه السلام) ويقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنينَ يَوْمَ يَقُومُ


1 . نوح: 28.


(246)

الْحِسَابُ)(1) .

ويقول النبي الأعظم: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(2).

والمنشأ الوحيد لهذا الطلب مرّة بعد أُخرى هو وقوفهم على أنّ ما قاموا به من الأعمال والطاعات وإن كانت في حد نفسها بالغة حدّ الكمال لكن المطلوب والمترقّب منهم أكمل وأفضل منه.

وعلى ذلك يحمل ما رواه مسلم في صحيحه، عن المزني، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ليُغان على قلبي وإنّي لأستغفر اللّه في اليوم مائة مرّة».(3)

وقد ذكر المحدّثون حول الحديث نكات عرفانية من أراد التعرّف عليها، فليرجع إلى كتاب «شفاء القاضي».

يقول العلاّمة المحقّق علي بن عيسى الإرْبِلي: الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) تكون أوقاتهم مشغولة باللّه تعالى، وقلوبهم مملوءة به، وخواطرهم متعلّقة بالمبدأ، وهم أبداً في المراقبة، كما قال (عليه السلام) : «اعبد اللّه كأنّك تراه، فإن لم تره، فإنّه يراك» فهم أبداً متوجهون إليه ومقبلون بكلّهم عليه، فمتى انحطوا عن تلك المرتبة العالية، والمنزلة الرفيعة إلى الاشتغال بالأكل والشرب والتفرّغ إلى النكاح وغيره من المباحات، عدّوه ذنباً واعتقدوه خطيئة واستغفروا منه.

وإلى هذا أشار (صلى الله عليه وآله وسلم) : «انّه ليُران على قلبي وإنّي لأستغفر اللّه بالنهار سبعين مرّة» ولفظة سبعين ترجع إلى الاستغفار لا إلى الرين. وقوله: حسنات الأبرار


1 . إبراهيم: 41.
2 . البقرة: 285.
3 . صحيح مسلم: 8/72، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه. وقوله: «ليغان» من الغين بمعنى الستر والحجاب والمزن.


(247)

سيئات الأقربين ... فقد بان بهذا أنّه كان بعد اشتغاله في وقت ما، بما هو ضرورة للأبدان معصية يستغفر اللّه منها، وعلى هذا فقس البواقي وكلّما يرد عليها من أمثالها ... ثم قال: إنّ هذا معنى شريف يكشف بمدلوله حجاب الشبهة ويهدي به اللّه من حسر عن بصره وبصيرته رين العمى والعمه.(1)

وما ذكره من الجواب فإنّما يتمشّى مع الآيات التي تمسك بها المخالف، وأمّا الأدعية التي اعترف فيها الأئمّة بالذنب من قوله في الدعاء الذي علمه لكميل بن زياد: «اللّهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء، اللّهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم» فهذا من باب التعليم للناس.

وأمّا ما كانوا يناجون ربّهم في ظلمات الليل وفي سجداتهم، فيحمل على ما حققه العلاّمة الإرْبِلي وأوضحنا حاله.

* الآية الرابعة: العصمة وغفران الذنب

إذا كان النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوماً من العصيان ومصوناً من الذنب، فكيف أخبر سبحانه عن غفران ذنبه: ما تقدم منه وما تأخر؟ قال سبحانه: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللّهُ نَصْراً عَزِيزاً)(2).

الجواب: انّ الآية تعد أكبر مستمسك لمخطّئة عصمة الأنبياء مع أنّ إمعان النظر في فقرات الآيات خصوصاً في جعل غفران الذنب غاية للفتح المبين، يوضح المقصود من الذنب وأنّ المراد منه الاتهامات والنسب التي كانت الأعداء


1 . كشف الغمة: 3/43 ـ 45.
2 . الفتح: 1 ـ 3.


(248)

تصفه بها، وانّ ذلك الفتح المبين دلّ على افتعالها وعدم صحتها من أساسها وطهر صحيفة حياته عن تلك النسب، وإليك توضيح ذلك ببيان أُمور :

* 1. ما هو المراد من الفتح في الآية؟

لقد ذكر المفسرون هنا وجوهاً، فتردّدوا بين كون المقصود فتح مكة، أو فتح خيبر، أو فتح الحديبية.

لكن سياق آيات السورة لا يساعد الاحتمالين الأوّلين، لأنّها ناظرة إلى قصة الحديبية والصلح المنعقد فيها في العام السادس من الهجرة، والفتح الذي يخبر عن تحقّقه ووقوعه، يجب أن يكون متحقّقاً في ذاك الوقت، وأين هو من فتح مكة الذي لم يتحقّق إلاّ بعد عامين من ذلك الصلح حيث إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتحها في العام الثامن من هجرته؟!

ولأجل ذلك حاول من قال: إنّ المراد منه فتح مكة، أن يفسره: بأنَّ إخباره عن الفتح، بمعنى قضائه وتقديره ذلك الفتح، والمعنى قضى ربُّكَ وقدَّر ذاك الفتح المبين، فالقضاء كان متحقّقاً في ظرف النزول وإنْ لم يكن نفس الفتح متحقّقاً.

ولكنّه تكلّف غير محتاج إليه، وقصة الحديبية وإن كانت صلحاً في الظاهر على ترك الحرب والهدنة إلى مدّة معينة لكن ذلك الصلح فتح أبواب الظفر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الجزيرة العربية، وفسح للنبي أن يتوجّه إلى شمالها ويفتح قلاع خيبر، ويسيطر على مكامن الشر والمؤامرة، ويبعث الدعاة والسفراء إلى أرجاء العالم، ويسمع دعوته أُذن الدنيا، كل ذلك الذي شرحناه في أبحاثنا التاريخية كان ببركة تلك الهدنة، وإن كان بعض أصحابه يحقّرها ويندّد بها في أوائل الأمر .


(249)

لكن مرور الزمان، كشف النقاب عن عظمتها وثمارها الحلوة، فصح أن يصفها القرآن: (الفتح المبين) .

وعلى كل حال: فسياق الآيات يَدل بوضوح على أنّ المراد من الفتح هو وقعة الحديبية قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللّهَ فَسَيُؤْتيِهِ أَجْرَاً عَظِيماً).(1)

وأيضاً يقول: (لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الْشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأثَابَهُمْ فَتْحَاً قَرِيباً).(2) وقال أيضاً: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً)(3).

ولا شك أنّ المراد من البيعة هو بيعة الرضوان التي بايع المؤمنون فيها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الشجرة وأعرب سبحانه عن رضاه عنهم.

روى الواحدي عن أنس: انّ ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، فأخذهم أُسراء فاستحياهم، فأنزل اللّه: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ)(4).

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يخبر في نفس السورة عن فتح قريب، وهذا


1 . الفتح: 10.
2 . الفتح: 18.
3 . الفتح: 24.
4 . أسباب النزول: 218.


(250)

يعرب عن أنّ الفتح المبين غير الفتح القريب، قال سبحانه: (لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تُخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحَاً قَرِيباً)(1)، وهذا الفتح القريب إمّا فتح خيبر، أو فتح مكة. والظاهر هو الثاني، وأمّا رؤيا النبي فقد تحقّقت في العام القابل، عام عمرة القضاء، فدخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنون مكة المكرمة آمنين محلّقين رؤوسهم ومقصّـرين، وأقاموا بها ثلاثة أيام، ثم خرجوا متوجهين إلى المدينة، وذلك في العام السابع من الهجرة، وفي العام الثامن توفق النبي لفتح مكة وتحقّق قوله سبحانه: (فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً) .

هذا كلّه حسب سياق الآيات، وأمّا الروايات فهي مختلفة بين تفسيرها بالحديبية، وتفسيرها بفتح مكة، والقضاء فيها موكول إلى وقت آخر، ولا يؤثر هذا الاختلاف فيما نحن بصدده في هذا المقام.

* 2. ما هو المراد من الذنب ؟

قال ابن فارس في المقاييس: ذنب له أُصول ثلاثة: أحدها الجرم، والآخر: مؤخّر الشيء، والثالث: كالحظ والنصيب.(2)

وقال ابن منظور: الذنب: الإثم والجرم والمعصية، والجمع ذنوب، وذنوبات جمع الجمع، وقد أذنب الرجل، وقوله عزّ وجلّ في مناجاة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ)(3) ، عني بالذنب قتل الرجل الذي وكزه


1 . الفتح: 27.
2 . معجم مقاييس اللغة: 2/361.
3 . الشعراء: 14.


(251)

موسى فقضى عليه، وكان الرجل من آل فرعون.

وقد ور(1)دت تلك اللفظة في الذكر الحكيم سبع مرّات وأُريد بها في الجميع الجرم قال سبحانه: (غَافِرَ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ)(2) ، وقال عزّ وجلّ: (وَإِذَا الْمَوْءُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنْب قُتِلَتْ).

وعلى ذلك ف(3)كون الذنب بمعنى الجرم مما لا ريب فيه، غير أنّ الذي يجب التنبيه عليه، هو أنّ اللفظ لا يدل على أزيد من كون صاحبه عاصياً وطاغياً وناقضاً للقانون، وأمّا الذي عصي وطغي عليه ونقض قانونه فهو يختلف حسب اختلاف البيئات والظروف، وليست خصوصية العصيان للّه سبحانه مأخوذة في صميم اللفظ بحيث لو أُطلق ذلك اللفظ يتبادر منه كونه سبحانه هو المعصي أمره، وإنّما تستفاد الخصوصية من القرائن الخارجية، وهذا هو الأساس لتحليل الآية وفهم المقصود منها.

* 3. الغفران في اللغة

الغفران في اللغة، هو: الستر، قال ابن فارس في المقاييس: عظم بابه الستر، ثم يشذُّ عنه ما يُذكر، فالغَفر: السَّتر، والغفران والغَفْر بمعنًى يقال: غفر اللّه ذنبه غَفراً ومغفرةً وغفراناً.(4) وقال في اللسان بمثله.(5)


1 . لسان العرب: 3/389.
2 . غافر : 3.
3 . التكوير: 8 و 9.
4 . معجم مقاييس اللغة: 4/385.
5 . لسان العرب: 5/25.


(252)

* 4. الفتح لغاية مغفرة الذنب

الآية تدل على أنّ الغاية المتوخاة من الفتح هي مغفرة ذنب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ما تقدّم منه وما تأخّر، غير أنّ في ترتب تلك الغاية على ذيها غموضاً في بادئ النظر، والإنسان يستفسر في نفسه كيف صار تمكينه سبحانه نبيّه من فتح القلاع والبلدان، أو المهادنة والمصالحة في أرض الحديبية مع قريش، سبباً لمغفرة ذنوبه، مع أنّه يجب أن تكون بين الجملة الشرطية والجزائية رابطة عقلية أو عادية، بحيث تعدّ إحداهما علّة لتحقّق الأُخرى أو ملازمة لها، وهذه الرابطة خفية في المقام جداً، فإنّ تمكين النبي من الأعداء والسيطرة عليهم يكون سبباً لانتشار كلمة الحق ورفض الباطل واستطاعته التبليغ في المنطقة المفتوحة، فلو قال: إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً، لتتمكن من الإصحار بالحق، ونشر التوحيد، ودحض الباطل، كان الترتب أمراً طبيعياً، وكانت الرابطة محفوظة بين الجملتين.

وأمّا جعل مغفرة ذنوبه جزاء لفتحه صقعاً من الأصقاع، فالرابطة غير واضحة.

وهذه هي النقطة الحساسة في فهم مفاد الآية، وبالتالي دحض زعم المخطّئة في جعلها ذريعة لعقيدتهم، ولو تبيّنت صلة الجملتين لاتّضح عدم دلالتها على ما تتبنّاه تلك الطائفة.

فنقول: كانت الوثنية هي الدين السائد في الجزيرة العربية، وكانت العرب تقدّس أوثانها وتعبد أصنامها، وتطلب منهم الحوائج، وتتقرب بعبادتها إلى اللّه سبحانه هذا من جانب، ومن جانب آخر: جاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)داعياً إلى التوحيد في مجالي الخلق والأمر، وإلى حصر التقديس والعبادة في اللّه، وأنّه لا معبود سواه ولا


(253)

شفيع إلاّ بإذنه، فأخذ بتحطيم الوثنية ورفض عبادة الأصنام، وأنّها أجسام بلا أرواح لا يملكون شيئاً من الشفاعة والمغفرة، ولا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم فضلاً عن عبدتهم، فصارت دعوته ثقيلة على قريش وأذنابهم، حتى ثارت ثائرتهم على النبي الأكرم، فقابلوا براهين النبي بالبذاءة والشغب والسب والنسب المفتعلة، فوصفوه بأنّه كاهن وساحر، ومفتر وكذّاب، وقد أعربوا عن نواياهم السيئة عندما رفعوا الشكوى إلى سيّد الأباطح وقالوا: إنّ ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامَنا وضلل آباءَنا، فإمّا أن تكفّه عنا وإمّا أن تخلّـي بيننا وبينه.(1)

ولمّا وقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على كلام قومه عن طريق عمّه أظهر صموده وثباته في طريق رسالته بقوله: «يا عم واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه، ما تركته» قال: ثم استعبر فبكى، ثم قام. فلمّا ولى ناداه أبو طالب فقال: اقبل يابن أخي، قال: فأقبل عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت فواللّه ما أُسلّمك لشيء أبداً».(2)

فلمّـا وقفت قريش على صمود الرسول شرعوا بالمؤامرة والتخطيط عليه حتى قصدوا اغتياله في عقر داره، فنجّاه اللّه من أيديهم.

ولمّا استقرَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في يثرب واعتز بنصرة الأنصار ومن حولها من القبائل جرت بينه وبين قومه حروب طاحنة أدّت إلى قتل صناديد قريش وإراقة دمائهم على وجه الأرض في «بدر» و «أحد» ووقعة «الأحزاب».


1 . تاريخ الطبري: 2/65.
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 1/285 من الطبعة الحديثة.


(254)

فهذه الحوادث الدامية عند قريش، المرّة في أذواقهم بما أنّها جرّت إلى ذهاب كيانهم، وحدوث التفرقة في صفوفهم، والفتك بصناديدهم على يد النبي الأكرم، صوّرته في مخيلتهم وخزانة أذهانهم صورة إنسان مجرم مذنب قام في وجه سادات قومه، فسب آلهتهم وعاب طريقتهم بالكهانة والسحر والكذب والافتراء، ولم يكتف بذلك حتى شن عليهم الغارة والعدوان فصارت أرض يثرب وما حولها، مجازر لقريش، ومذابح لأسيادهم، فأيّ جرم أعظم من هذا، وأي ذنب أكبر منه عند هؤلاء الجهلة الغفلة، الذين لا يعرفون الخيّـر من الشرير ، والصديق من العدو، والمنجي من المهلك؟

فإذن ما هو الأمر الذي يمكن أن يبرئه من هذه الذنوب ويرسم له صورة ملكوتية فيها ملامح الصدق والصفاء، وعلائم العطف والحنان حتى تقف قريش على خطئها وجهلها.

إنّ الأمر الذي يمكن أن ينزّه ساحته من هذه الأوهام والأباطيل، ليست إلاّ الواقعة التي تجلّت فيها عواطفه الكريمة، ونواياه الصالحة، حيث تصالح مع قومه ـ الذين قصدوا الفتك به وقتله في داره، وأخرجوه من موطنه ومهاده ـ بعطف ومرونة خاصة، حتى أثارت تعجب الحضّار من أصحابه ومخالفيه، حيث تصالح معهم على أنّه «من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليّه ردَّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع محمد لم يردّوه عليه، وأنّه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه».(1)

وهذا العطف الذي أبداه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الواقعة مع كونه من القدرة بمكان، وقريش في حالة الانحلال والضعف، صوّر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند قومه


1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2/317 ـ 318. ط2، 1375 هـ .


(255)

وأتباعه صورة إنسان مصلح يحب قومَه ويطلب صلاحهم ولا تروقه الحرب والدمار والجدال فوقفوا على حقيقة الحال، وعضّوا الأنامل على ما افتعلوا عليه من النسب وندموا على ما فعلوا، فصاروا يميلون إلى الإسلام زرافات ووحداناً، فأسلم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، والتحقا بالنبي قبل أن يسيطر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على مكة وحواليها.

إنّ هذه الواقعة التي لمس الكفار منها خلقه العظيم، رفع الستار الحديدي الذي وضعه بعض أعدائه الألدّاء بينه وبين قومه، فعرفوا أنّ ما يرمى به نبيّ العظمة ويوصف به بين أعدائه، كانت دعايات كاذبة وكان هو منزّهاً عنها، بل عن الأقل منها.

ولا تقصر عن هذه الواقعة، فتح مكة، فقد واجه قومه مرّة أُخرى ـ وهم في هزيمة نكراء، ملتفون حوله في المسجد الحرام ـ فخاطبهم بقوله: «ماذا تقولون وماذا تظنون؟!» فأجابوا: نقول خيراً ونظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، وقدرت، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين».(1)

وهذا الفتح العظيم وقبله وقعة الحديبية أثبتا بوضوح أن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أكرم وأجل وأعظم من أن يكون كاهناً أو ساحراً، إذ الكاهن والساحر أدون من أن يقوم بهذه الأُمور الجليلة، كما أنّ لطفه العميم وخلقه العظيم آية واضحة على أنّه رجل مثالي صدوق، لا يفتري ولا يكذب، وإنّ ما جرى بينه وبين قومه من الحروب الدامية، كانت نتيجة شقاقهم وجدالهم ومؤامراتهم عليه، مرّة بعد أُخرى في موطنه ومهجره، فجعلوه في قفص الاتهام أوّلاً، وواجهوا أنصاره وأعوانه بألوان


1 . المغازي للواقدي: 2/835; وبحار الأنوار: 21/107 ـ 132.


(256)

التعذيب ثانياً، فقتل من قتل وأُوذي من أُوذي، وضربوا عليه وعلى المؤمنين به، حصاراً اقتصادياً فمنعوهم من ضروريات الحياة ثالثاً، وعمدوا إلى قتله في عقر داره رابعاً، ولولا جرائمهم الفظيعة لما اخضرت الأرض بدمائهم ولا لقي منهم بشيء يكرهه، فأصبحت هذه الذنوب التي كانت تدّعيها قريش على النبي بعد وقعة الحديبية، أو فتح مكة، أُسطورة خيالية قضت عليها سيرته في كل من الواقعتين من غير فرق بين ما ألصقوا به قبل الهجرة أو بعدها، وعند ذلك يتضح مفاد الآيات كما يتضح ارتباط الجملتين: الجزائية والشرطية، ولولا هذا الفتح كان النبي محبوساً في قفص الاتهام، وقد كسرته هذه الواقعة، وعرّفته نزيهاً عن كل هذه التهم.

وعلى ذلك فالمقصود من الذنب ما كانت قريش تصفه به، كما أنّ المراد من المغفرة، إذهاب آثار تلك النسب في المجتمع.

وإلى ما ذكرنا يشير مولانا الإمام الرضا (عليه السلام) عندما سأله المأمون عن مفاد الآية فقال: «لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة وستين صنماً، فلمّـا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: (أَجَعَلَ الالِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمَلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ)(1) ، فلمّـا فتح اللّهُ عزّ وجلّ على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)مكة، قال له: يا محمد: (إنّا فتحنا لك (مكة) فتحاً مبيناً ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر)عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد اللّه عزّ وجلّ فيما تقدّم، وما تأخّر ، لأنّ مشركي مكة، أسلم


1 . ص: 5 ـ 7.


(257)

بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم.

فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن.(1)

وقد أشرنا في صدر البحث إلى اختلاف الروايات في المراد من الفتح الوارد في الآية وقلنا بأنّ هذا الاختلاف لا يؤثر فيما نرتئيه، فلاحظ.

* الآية الخامسة: العصمة والتولّـي عن الأعمى

استدلّ المخالف لعصمة النبي الأعظم بالعتاب الوارد في الآيات التالية: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمّا مَنِ اسْتَغْنَى * فأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى)(2).

روى المفسرون أنّ عبد اللّه بن أُمّ مكتوم الأعمى أتى رسول اللّه وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأُبيّاً وأُمية ابني خلف، يدعوهم إلى اللّه ويرجو إسلامهم; فقال عبد اللّه: اقرئني وعلّمني ممّا علّمك اللّه، فجعل ينادي ويكرّر النداء ولا يدري أنّه مشتغل مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول اللّه لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد إنّما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فعبس (صلى الله عليه وآله وسلم)وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلّمهم، فنزلت الآيات، وكان رسول اللّه بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه يقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي.(3) ويقول: هل لك من حاجة، واستخلفه


1 . بحار الأنوار : 17/90 .
2 . عبس: 1 ـ 10.
3 . أسباب النزول للواحدي: 252.


(258)

على المدينة مرتين في غزوتين.(1)

وهناك وجه آخر لسبب النزول روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، وحاصله أنّ الآية نزلت في رجل من بني أُميّة كان عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء ابن أُمّ مكتوم، فلمّـا رآه تقذّر منه، وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى اللّه سبحانه ذلك وأنكره عليه.

والاعت(2)ماد على الرواية الأُولى مشكل، لأنّ ظاهر الآيات عتاب لمن يقدم الأغنياء والمترفين، على الضعفاء والمساكين من المؤمنين، ويرجح أهل الدنيا ويضع أهل الآخرة، وهذا لا ينطبق على النبي الأعظم من جهات:

الأُولى: انّه سبحانه حسب هذه الرواية وصفه بأنّه يتصدى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء، وليس هذا ينطبق على أخلاق النبي الواسعة وتحنّنه على قومه وتعطّفه عليهم، كيف؟ وقد قال سبحانه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(3).

الثانية: انّه سبحانه وصف نبيّه في سورة القلم، وهي ثانية السور التي نزلت في مكة (وأُولاها سورة العلق) بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)(4) ، ومع ذلك كيف يصفه بعد زمن قليل بخلافه، فأين هذا الخلق العظيم ممّا ورد في هذه السورة من العبوسة والتولّـي؟ وهذه السورة حسب ترتيب النزول وان كانت متأخرة عن سورة القلم، لكنّها متقاربة معها حسب النزول، ولم تكن هناك فاصلة زمنية طويلة


1 . مجمع البيان: 10/437 وغيره من التفاسير.
2 . مجمع البيان: 10/437; تفسير القمي: 2/405.
3 . التوبة: 128.
4 . القلم: 4.


(259)

الأمد.(1)

الثالثة: انّه سبحانه يأمر نبيه بقوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(2) ،كما يأمره أيضاً بقوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ)(3) ، (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)(4).

إنّ سورتي الشعراء والحجر، وإن نزلتا بعد سورة «عبس» ، لكن تضافرت الروايات على أنّ الآيات المذكورة في السورتين نزلت في بدء الدعوة، أي العام الثالث من البعثة عندما أمره سبحانه بالجهر بالدعوة والإصحار بالحقيقة، وعلى ذلك فهي متقدمة حسب النزول على سورة «عبس» أويصح بعد هذه الخطابات، أن يخالف النبي هذه الخطابات بالتولّـي عن المؤمن؟! كلاّ ثم كلاّ .

الرابعة: إنّ الرواية تشتمل على ما خطر في نفس النبي عند ورود ابن أُمّ مكتوم من أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال في نفسه: «يقول هؤلاء الصناديد: إنّما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فأعرض عنه وأقبل على القوم» وعندئذ يسأل عن كيفية وقوف الراوي على ما خطر في نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فهل أخبر به النبي ؟ أو أنّه وقف عليه من طريق آخر ؟!

والأوّل بعيد جداً، والثاني مجهول.

الخامسة: أنّ الرواية تدلّ على أنّ النبي كان يناجي جماعة من المشركين، وعند ذلك أتى عبد اللّه ابن أُمّ مكتوم وقال: يا رسول اللّه أقرئني، فهل كان إسكات


1 . تاريخ القرآن للعلاّمة الزنجاني: 36 ـ 37، وقد نقل ترتيب نزول القرآن في مكة والمدينة معتمداً على رواية محمد بن نعمان بن بشير التي نقلها ابن النديم في فهرسته ص 7 طبع مصر .
2 . الشعراء: 214 ـ 215.
3 . الحجر: 88.
4 . الحجر: 94.


(260)

ابن أُم مكتوم متوقفاً على العبوسة والتولّـي عنه، أو كان أمره بالسكوت والاستمهال منه حتى يتم كلامه مع القوم، أمراً غير شاق على النبي، فلماذا ترك هذا الطريق السهل؟

وهذه الوجوه الخمسة وإن أمكن الاعتذار عن بعضها بأنّ العبوسة والتولّـي مرّة واحدة لا ينافي ما وصف به النبي في القرآن من الخلق العظيم وغيره، لكن محصل هذه الوجوه يورث الشك في صحة الرواية ويسلب الاعتماد عليها.

هذا كلّه حول الرواية الأُولى.

وأمّا الرواية الثانية:

فهي لا تنطبق على ظاهر الآيات، لأنّ محصلها أنّ رجلاً من بني أُمية كان عند النبي فجاء ابن أُمّ مكتوم، فلمّـا رآه ذلك الرجل تقذّر منه وجمع نفسه، وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى اللّه سبحانه ذلك وأنكره عليه.

ولكن هذا المقدار المنقول في سبب النزول لا يكفي في توضيح الآيات، ولا يرفع إبهامها، لأنّ الظاهر أنّ العابس والمتولّـي، هو المخاطب بقول سبحانه: (وما يدريك لعله يزّكى)إلى قوله: (فأنت عنه تلهّى) ، فلو كان المتعبس والمتولّـي، هو الفرد الأموي، فيجب أن يكون هو المخاطب بالخطابات الستة لا غيره، مع أنّ الرواية لا تدل على ذلك، بل غاية ما تدل عليه أنّ فرداً من الأمويين عبس وتولّـى عندما جاءه الأعمى فقط، ولا تلقي الضوء على الخطابات الآتية بعد الآيتين الأُوليين وإنّـها إلى من تهدف، فهل تقصد ذاك الرجل الأموي وهو بعيد، أو النبي الأكرم ؟

هذا هو القضاء بين السببين المرويين للنزول، وقد عرفت الأسئلة الموجهة


(261)

إليهما.

وعلى فرض صحة الرواية الأُولى لابدّ أن يقال:

إنّ الرواية إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان موضع عنايته سبحانه ورعايته، فلم يكن مسؤولاً عن أفعاله وحركاته وسكناته فقط، بل كان مسؤولاً حتى عن نظراته وانقباض ملامح وجهه، وانبساطها، فكانت المسؤولية الملقاة على عاتقه من أشد المسؤوليات، وأثقلها صدق اللّه العلي العظيم حيث يقول: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)(1).

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يناجي صناديد قومه ورؤساءهم لينجيهم من الوثنية ويهديهم إلى عبادة التوحيد، وكان لإسلامهم يوم ذاك تأثير عميق في إيمان غيرهم، إذ الناس على دين رؤسائهم وأوليائهم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه الظروف يناجي رؤساء قومه إذ جاءه ابن أُم مكتوم غافلاً عمّـا عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأمر المهم، فلم يلتفت إليه النبي، وجرى على ما كان عليه من المذاكرة مع أكابر قومه.

وما سلكه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن أمراً مذموماً عند العقلاء، ولا خروجاً على طاعة اللّه، ولكن الإسلام دعاه وأرشده إلى خلق مثالي أعلى ممّـا سلكه، وهو أنّ التصدي لهداية قوم يتصورون أنفسهم أغنياء عن الهداية، يجب أن لا يكون سبباً للتولّـي عمّـن يسعى ويخشى، فهداية الرجل الساعي في طريق الحق، الخائف من عذاب اللّه، أولى من التصدي لقوم يتظاهرون بالاستغناء عن الهداية وعمّـا أنزل إليك من الوحي، وما عليك بشيء إذا لم يزكّوا أنفسهم، لأنّ القرآن تذكرة فمن شاء ذكره (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر)(2).


1 . المزمل: 5.
2 . الغاشية: 21 ـ 22.


(262)

فعظم المسؤولية اقتضى أن يعاتب اللّه سبحانه نبيّه لترك ما هو الأولى بحاله حتى يرشده إلى ما يعد من أفاضل ومحاسن الأخلاق، وينبهه على عظم حال المؤمن المسترشد، وأن تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه، أولى من تأليف المشرك طمعاً في إيمانه، ومن هذا حاله لا يعد عاصياً لأمر اللّه ومخالفاً لطاعته.

وأمّا الرواية الثانية: فالظاهر أنّ الرواية نقلت غير كاملة، وكان لها ذيل يصحح انطباق الخطابات الواردة في الآيات حقيقة على الشخص الذي عبس وتولّـى، وعلى فرض كونها تامّة فالضمير الغائب في «عبس» و «تولّـى» و «جاءه» يرجع إلى ذلك الفرد، وأمّا الخطابات فهي متوجهة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن من وجه إليه الخطاب غير من قصد منه، فهو من مقولة: «إياك أعني واسمعي يا جارة» ومثل هذا يعد من أساليب البلاغة، وفنون الكلام.


(263)

دين النبي الأكرم قبل البعثة

دلّت الأدلة العقلية والنقلية على عصمة الأنبياء عامّة والنبي الأكرم خاصة إلاّ أنّ الحكم بعصمته قبل التشرف بالنبوة، يتوقف على إحراز تدينه بدين قبل أن يبعث، وهذا ما نتلوه عليك في هذا البحث تكميلاً لعصمته (صلى الله عليه وآله وسلم) .

من الموضوعات المهمة التي شغلت بال المحققين من أهل السير والتاريخ موضوع دين النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد اتفق جمهور المسلمين على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان على خط التوحيد منذ نعومة أظفاره إلى أن بُعث لهداية أُمّته، فلم يسجد لصنم ولا وثن، وكان بعيداً عن الأخلاق والعادات الجاهلية التي تستقي جذورها من الوثنية، وإن اختلفوا في أنّه هل كان متعبداً بشريعة أحد من الأنبياء أو بشريعة نفسه، أو بما يلهم من الوظائف والتكاليف؟ وعلى ذلك فنركّز البحث على نقطتين:

1. إيمانه وتوحيده قبل البعثة.

2. الشريعة التي كان يعمل بها في حياته الفردية والاجتماعية.

أمّا بالنسبة إلى النقطة الأُولى: فقد كان النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) على الدين الحنيف لم يعدل عنه إلى غيره طرفة عين، وتظهر هذه الحقيقة بالتعرّف على ملامح


(264)

البيت الذي ولد فيه، وتربّى في أحضان رجاله فنقول:

كان النبي كريم المولد، شريف المحتد، ولد من أبوين كريمين مؤمنين باللّه سبحانه وموحدين، وتربى في حضن جده عبد المطلب، وبعده في حجر عمّه أبي طالب (عليهما السلام) ، وقد كان الدين السائد في ذلك البيت الرفيع، دين التوحيد، ورفض عبادة غير اللّه تعالى والعمل بالمناسك والرسوم الواصلة إليه عن إبراهيم(عليه السلام) .

لا أقول إنّ جميع من كان ينتمي إلى البيت الهاشمي كان على خط التوحيد وعلى الشريعة الإبراهيمية، إذ لا شك أنّ بعضهم كان يعبد الأصنام، ويدافع عنها كأبي لهب، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

بل أقول: الديانة السائدة في ذلك البيت هي عبادة الرحمن ورفض الأصنام والأوثان.

ويتضح وضع هذا البيت ببيان ديانة أشياخه وأسياده وأخص بالذكر منهم سيده الكبير «عبد المطلب» وشيخ الأباطح «أبو طالب» ، وإليك الكلام في ديانتهما:

* 1 . عبد المطلب وإيمانه

عبد المطلب هو الرجل الأوّل في هذا البيت، وكفى في صفائه وإيمانه ما ذكره المؤرّخون في حقه، وإليك بعضه:

1. يقول اليعقوبي في الحديث عنه: ... ورفض عبد المطلب عبادة الأوثان والأصنام، ووحَّد اللّه عزّ وجلّ، ووفى بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنّة الشريفة من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بها، وهي الوفاء بالنذر ، ومائة من الإبل


(265)

في الدية، وأن لا تنكح ذات محرم، ولا تؤتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل المؤودة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحد عليه،والقرعة، وأنّ لا يطوف أحد بالبيت عرياناً، وإضافة الضيف، وأن لا ينفقوا إذا حجّوا إلاّ من طيب أموالهم، وتعظيم الأشهر الحرم، ونفي ذوات الرايات.(1)

2. إذا اطّلعنا على موقف عبد المطّلب من جيش إبرهة، وتوكّله على اللّه تعالى، وأخذه بحلقة باب الكعبة، نعلم بأنّه كان الرجل الموحد الذي لا يلتجئ في المصائب والمكاره إلى غير كهف اللّه، ولا يعرف إلاّ باب اللّه، على عكس ما كانت الوثنية عليه فإنّهم كانوا يستغيثون بالأصنام المنصوبة حول الكعبة، وإليك إجمال القضية:

قدم عبد المطلب إلى معسكر إبرهة، فلمّـا رآه إبرهة أجلّه وأكرمه، وبعدما وقف الملك على أنّه جاء ليردّ عليه إبله التي استولى عليها عسكره، قال له إبرهة: أتكلّمني في إبلك وتترك بيتاً، هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه؟! قال له عبد المطلب: أنا ربُّ الإبل، وللبيت ربٌّ يمنعه، قال إبرهة: ما كان يمنعه مني وأمر برد إبله، فلمّـا أخذها قلّدها وجعلها هدياً وبثّها في الحرم كي يصاب منها شيء فيغضب اللّه عزّ وجلّ، وانصرف عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم الخبر، ثم قام فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون اللّه ويستنصرونه على إبرهة وجنده، فقال عبد المطلب:


1 . تاريخ اليعقوبي: 2/9، طبعة النجف. أقول: في عدِّ بعض ما ذكر ذلك المؤرخ من سنن عبد المطلب نظر: فإنّ لبعضها كالوفاء بالنذر، والنهي عن قتل الموؤدة، والقرعة، سابقة تاريخية ترجع إلى فترات قبله.


(266)

يا ربّ لا أرجو لهم سواكا *** يا رب فامنع منهم حماكا

إنَّ عدوّ البيـت من عاداكا *** امنعهــم أن يخربـوا فناكا

وقال أيضاً:

لا هُمَّ إنّ العبدَ يَمنع *** رَحْلَه فامنع حِلالَكْ

لا يَغلِبَنَّ صَلِيبهم *** ومِحالُهم غَدْوا مِحالَكْ(1)

3. وليست هذه الواقعة وحيدة من نوعها بل لسيد قريش مواقف أُخرى تشبه هذه الواقعة حيث توسل لكشف غمته فيها باللّه سبحانه وتعالى، وإليك مثالين:

ألف. تتابعت على قريش سنون جدب، ذهبت بالأموال، وأشرفت على الأنفس، واجتمعت قريش لعبد المطلب وعلوا جبل أبي قبيس ومعهم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غلام، فتقدّم عبد المطلب وقال:

«لاهم(2) هؤلاء عبيدك وإماؤك وبنو إمائك، وقد نزل بنا ما ترى، وتتابعت علينا هذه السنون، فذهبت بالظلف والخف والحافر، فأشرفت على الأنفس، فأذهب عنّا الجدب، وائتنا بالحياء والخصب»، فما برحوا حتى سالت الأودية، وفي هذه الحالة تقول رقيقة:

بشيبة الحمد أسقى اللّه بلدتنا *** وقد عدمنا الحيا واجلوذ المطر

إلى أن تقول:


1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1/50; الكامل لابن الأثير: 1/12، وغيرهما.
2 . مخفّف «اللّهم».


(267)

مبارك الاسم يستسقى الغمام به *** ما في الأنام له عدل ولا خطر (1)

وقد نقل هذه الواقعة الشهرستاني في الملل والنحل قال: وممّا يدل على معرفته (عبد المطلب) بحال الرسالة وشرف النبوّة أنّ أهل مكة لمّا أصابهم ذلك الجدب العظيم وأمسك السحاب عنهم سنتين، أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فأحضره وهو رضيع في قماط، فوضعه على يديه واستقبل الكعبة ورماه إلى السماء، وقال يا ربّ بحق هذا الغلام ورماه ثانياً وثالثاً. وكان يقول: بحق هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هطلا، فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد.

وقال أيضاً: وببركة ذلك النور كان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيّات الأُمور، وان يقول في وصاياه: إنّه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم اللّه منه وتصيبه عقوبة، إلى أن هلك رجل ظلوم حتف أنفه لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب في ذلك، ففكر وقال: واللّه انّ وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته.(2)

إنّ توسّله باللّه سبحانه وتوليه عن الأصنام والأوثان والتجاءه إلى ربِّ الأرباب آية توحيده الخالص، وإيمانه باللّه وعرفانه بالرسالة الخاتمة، وقداسة صاحبها، فلو لم يكن له إلاّ هذه الوقائع لكفت في البرهنة على إيمانه باللّه وتوحيده له.


1 . السيرة الحلبية: 1/131 ـ 133.
2 . الملل والنحل للشهرستاني: القسم الثاني: 248 و 249 من الطبعة الثانية، تخريج محمد بن فتح اللّه بدران القاهرة.


(268)

ب. روى أصحاب السير أنّه وقع النقاش بين عبد المطلب وقريش في حفر بئر زمزم بعد ما حفره عبد المطلب، فاتفقوا على الرجوع إلى كاهنة، فقصدوا طريق الشام فعطشوا في الطريق وأشرفوا على الموت، فاقترح أن يحفر كلٌّ حفرة لنفسه بما بكم الآن من قوة، فكلّما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلاً واحداً فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً، قالوا: نعم ما أمرت به، فقام كل واحد منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إنّ عبد المطلب قال لأصحابه: واللّه إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا، لعجز، فعسى اللّه أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا; فارتحلوا حتى إذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هو فاعلون، تقدّم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به، انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبّـر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلمّ إلى الماء، فقد سقانا اللّه فاشربوا واستقوا; فجاءوا فشربوا واستقوا، ثم قالوا: واللّه قضى لك علينا يا عبد المطلب، واللّه لا نخاصمك في زمزم أبداً، إنّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة، لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشداً، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبينها.(1)

4. عن أُمّ أيمن (رضي اللّه عنها) قالت: كنت أحضن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أي أقوم بتربيته وحفظه ـ فغفلت عنه يوماً فلم أدر إلاّ بعبد المطلب قائماً على رأسي يقول: يا «بركة» قلت: لبيك، قال: أتدرين أين وجدت ابني؟ قلت: لا أدري، قال: وجدته مع غلمان قريباً من السدرة، لا تغفلي عن ابني، فإنّ أهل الكتاب يزعمون


1 . سيرة ابن هشام: 1/144 ـ 145، طبعة مصر .


(269)

أنّه نبي هذه الأُمّة وأنا لا آمن عليه منهم، وكان عبد المطلب لا يأكل طعاماً إلاّ يقول: عليّ بابني، أي احضروه، ويجلسه بجنبه وربّما أقعده على فخذه ويؤثره بأطيب طعامه.(1)

هذا هو عبد المطلب وتعوذّه ببيت اللّه الحرام ومواقفه بين قومه وكلماته في المبدأ والمعاد وعطفه على رسالة خاتم النبيين، أبعد هذا يبقى لإحد شك في توحيده وإيمانه، بل واعترافه برسالة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

قضى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لفيفاً من عمره في رعايته فلمّـا بلغ أجله أوصى إلى ابنه الزبير بالحكومة وأمر الكعبة، وإلى أبي طالب برسول اللّه وسقاية زمزم، وقال له: قد خلّفت في أيديكم الشرف العظيم الذي تطأُون به رقاب الناس، وقال لأبي طالب:

أوصيك يا عبد مناف بعدي *** بمفرد بعد أبيه فرد

فارقه وهو ضجيع المهد *** فكنت كالأُمّ له في الوجد

تدنيه من أحشائها والكبد *** فأنت من أرجى بنيَّ عندي

لدفع ضيم أو لشدِّ عقد(2)

* 2. شيخ الأباطح أبو طالب وإيمانه

قد تعرّفت على إيمان «عبد المطلب» الكفيل الأوّل لصاحب الرسالة، فهلمّ معي ندرس حياة كفيله الآخر بعده، وهو أبو طالب شيخ البطحاء، فقد اتفقت


1 . سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: 1/64.
2 . تاريخ اليعقوبي: 2/10 ، طبعة النجف.


(270)

كلمة أهل السير والتاريخ على كفالته لصاحب الرسالة بعد جدّه، ودرئه عنه كل سوء وعادية طيلة حياته، وان اختلفت آراؤهم في إيمانه بالرسول الأكرم بعد البعثة، ولأجل تحقيق الحال نركّز على البحث عن نقطتين: إيمانه قبل البعثة، وإيمانه بعد البعثة:

* إيمانه باللّه قبل البعثة

يكفي في إيمانه باللّه وخلوص توحيده عدّة أُمور نشير إليها:

1. ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه، عن جلهمة بن عرفطة، قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال فهلّم واستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنّه شمس دجى تجلّت عنه سحابة قتماء وحوله اغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ باصبعه الغلام وما في السماء، قزعة(1).

فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي واخصب البادي والنادي، ففي ذلك يقول أبو طالب ويمدح به النبي أكثر من ثمانين بيتاً:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاّك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل

وميزان عدل لا يخيس شعيرة *** ووزان صدق وزنه غير هائل(2)


1 . القزعة: قطعة من السحاب.
2 . السيرة الحلبية: 1/116. لاحظ فتح الباري: 2/494، والقصيدة مذكورة في السيرة النبوية لابن هشام: 1/272 ـ 280.


(271)

وما نسبه إليه من الأشعار جزء من قصيدته المعروفة التي نظمها أيام الحصار في الشعب، ويشير بها إلى الواقعة التي استسقى فيها بالنبي وقد كان غلاماً في كفالته، ولو كان آنذاك عابداً للوثن لتوسل باللات والعزى وسائر الآلهة المنصوبة حول الكعبة.

2. روى الحافظ الكنجي الشافعي: أنّ أحد الزهّاد والعبّاد قال لأبي طالب: يا هذا انّ العلي الأعلى ألهمني إلهاماً، قال أبو طالب: وما هو ؟ قال: ولد يولد من ظهرك وهو ولي اللّه عزّ وجلّ، فلمّـا كانت الليلة التي ولد فيها عليّ (عليه السلام)أشرقت الأرض، فخرج أبو طالب وهو يقول: أيّها الناس ولد في الكعبة ولي اللّه، فلمّـا أصبح دخل الكعبة وهو يقول:

يا رب هذا الغسق الدجيّ *** والقمر المنبلج المضي

بيّـن لنا من أمرك الخفيّ *** ماذا ترى في اسم ذا الصبي

قال: فسمع صوت هاتف يقول:

يا أهل بيت المصطفى النبي *** خصصتم بالولد الزكي

انّ اسمه من شامخ العلي *** عليّ اشتق من العلي(1)

3. انّ أبا طالب كان ممن تعرّف على مكانة النبي الأعظم عن طريق الراهب «بحيرا»، وذلك حينما خرج في ركب إلى الشام تاجراً ،فلمّـا تهيّأ للرحيل وأجمع السير هبّ له رسول اللّه فأخذ بزمام ناقته،وقال: يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أُمّ لي؟ فرقّ له أبو طالب وقال: واللّه لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أُفارقه أبداً. قال: فخرج به معه، فلمّـا نزل الركب «بصرى» من أرض الشام نزلوا قريباً


1 . الغدير: 7/347، نقلاً عن كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي: 260.


(272)

من صومعة راهب يقال له «بحيرا»، فلمّـا رأى النبي جعل يلحظه لحظاً شديداً، وينظر أشياء من جسده، فجعل يسأله عن نومه وهيئته، ورسول اللّه يخبره، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، ثم قال لأبي طالب: ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فواللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت، ليبغنّه شراً، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فاسرع به إلى بلاده، فخرج به عمّه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام، وفي ذلك يقول أبو طالب:

انّ ابن آمنة النبي محمداً *** عندي يفوق منازل الأولاد

لما تعلق بالزمام رحمته *** والعيس قد قلّصن بالأزواد

فارفضّ من عيني دمع ذارف *** مثل الجمان مفرق الأفراد

إلى أن قال:

حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا *** لاقوا على شرك من المرصاد

حبراً فأخبرهم حديثاً صادقاً *** عنه وردّ معاشر الحسّاد

فما رجعوا حتى رأوا من محمد *** أحاديث تجلو غمّ كل فؤاد

وحتى رأوا أحبار كل مدينة *** سجوداً له من عصبة وفراد(1)

وما رأى أبو طالب من ابن أخيه في هذا السفر من الكرامات وخوارق العادات التي ضبطها التاريخ، وما سمعه من بحيرا من مستقبل أمره وانّ اليهود له بالمرصاد، كاف لإرشاد كل إنسان صافي الذهن مستقيم الطريقة، فكيف بأبي طالب الذي كان بالإضافة إلى هاتين الصفتين، يحبه حبّاً جماً أشدّ من حبه لأولاده


1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1/182; الطبقات الكبرى: 1/120; تاريخ ابن عساكر: 1/269 ـ 272; ديوان أبي طالب: 33 ـ 35; إلى غير ذلك من المصادر التي اهتمت بنقل هذه الواقعة.


(273)

وإخوته، فكانت هذه الكرامات كافية في هدايته لخط التوحيد ورسالة ابن أخيه وإن لم يكن يصرح بها لفظاً قبل البعثة، لكنه جهر بها بعده كما سيوافيك إن شاء اللّه.

مضافاً إلى أنّه كان موضع الثقة من عبد المطلب، وقد أوصاه برعاية ابن أخيه بعده، فلا يصح لعبد المطلب المؤمن الموحّد أن يدلي بوصيته وكفالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى من لم يكن على غير خط التوحيد، ولم تكن بينهما وحدة فكرية، وإلى ذلك يشير أبو طالب في هذه القصيدة الدالية:

راعيت فيه قرابة موصولة *** وحفظت فيه وصية الأجداد

* إيمانه بعد البعثة

أمّا دلائل إيمانه باللّه أوّلاً، وبرسالة ابن أخيه ثانياً، بعد بعثة النبي الأكرم فحدث عنه ولا حرج وإن كان بعضهم قد هضم حق أبي طالب قرة عين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا بما لا ينسجم مع الحقائق التاريخية، ولو نقل معشار ما ورد عن إيمانه من فعل أو قول، في حق غيره لاتفق الكل على إيمانه وتوحيده، ولكن ـ ويا للأسف ـ انّ بعض الجائرين على الحق لا يريدون أن يعتبروا تلك الدلائل وافية لإثبات إيمانه.

لم يزل سيدنا أبو طالب يكلأ ابن أخيه ويذب عنه ويدعو إلى دينه الحنيف منذ بزوغ شمس الرسالة إلى أن لقي ربّه، وكفانا من إفاضة القول في ذلك، الكتب المؤلفة حول تضحيته لأجل الحق ودفاعه عنه شعراً ونثراً، ونكتفي بالنزر اليسير من الجم الغفير :

1. كتب أبو طالب إلى النجاشي عندما نزل المهاجرون من المسلمين بقيادة


(274)

جعفر الطيار أرض الحبشة وهو يحضه على حسن الجوار :

ليعلم خيار الناس أنّ محمداً *** نبيّ كموسى والمسيح بن مريم

وانّكم تتلونه في كتابكم *** بصدق حديث لا حديث المبرجم(1)

2. نحن نفترض الكلام في غير أبي طالب، فإذا أردنا الوقوف على نفسية فرد من الأفراد والعلم بما يكنّه من الإيمان أو الكفر، فما هو الطريق إلى كشفها؟ فهل الطريق إليه إلاّ كلامه وقوله، أو ما يقوم به من عمل، أو ما يروي عنه مصاحبوه ومعاشروه، فلو كانت هذه هي المقاييس الصحيحة للتعرف على النفسية، فكلّها تشهد بإيمانه القويم وتوحيده الخالص، فإنّ فيما أثر عنه من نظم ونثر، أو نقل من عمل بار ، وسعي مشكور في نصرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وحفظه، والدعوة لرسالته وما روى عنه مصاحبوه ومعاشروه ـ فإنّ في هذه ـ لدلالة واضحة على إيمانه باللّه ورسالة ابن أخيه وتفانيه في سبيل استقرارها.

كيف، وهو يقول في أمر الصحيفة التي كتبها صناديد قريش في سبيل ضرب الحصار الاقتصادي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبني هاشم وبني المطلب:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً *** نبيّاً كموسى خط في أوّل الكتب

وأنّ الذي ألصقتمُ من كتابكم *** لكم كائن نحساً كراغية السقب(2)

ففي هذه الأبيات التي تزهر بنور التوحيد، وتتلألأ بالإيمان بالدين الحنيف دلالة واضحة على إيمانه بالرسالات الإلهية عامة، ورسالة ابن أخيه (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة، وكم وكم له من قصائد رائعة يطفح من ثناياها الإيمان الخالص، والإسلام


1 . مستدرك الحاكم: 2/623 ـ 624.
2 . السيرة النبوية: 1/352، وذكر من القصيدة 15 بيتاً.


(275)

الصحيح، ونحن نكتفي في إثبات إيمان كفيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا المقدار ونحيل التفصيل إلى الكتب المعدة لذلك.

فإنّ نقل ما أثر عنه من شعر ونثر، أو روي من عمل مشكور ، يحتاج إلى تأليف كتاب مفرد وقد قام لفيف من محققي الشيعة بتأليف كتب حول إيمانه، بين مسهب في الإفاضة وموجز في المقالة، وفيما حقّقه وجمعه شيخنا العلاّمة الأميني في غديره كفاية لطالب الحق.(1)

هذا إيمان عبد المطلب وذلك توحيد ابنه البار أبي طالب، وقد تربَّى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وترعرع وشب واكتهل في أحضانهما، وفي قانون الوراثة أن يرث الأبناء ما في الحجور والأحضان من الخصال والأخلاق وقد قضى النبي الأكرم قسماً وافراً من عمره الشريف في تلك الربوع واستظل بفيئها.

* إيمان والدي النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

لقد تعرفت على إيمان كفيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهلمّ معي ندرس حياة والديه وإيمانهما، فقد ذهبت الإمامية والزيدية وجملة من محقّقي أهل السنّة إلى إيمانهما وكونهما على خط التوحيد، وشذَّ من قال: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من كثرة ما أنعم اللّه عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إسلام والديه.

فإنّ هذه الكلمة صدرت من غير تحقيق، فإنّ التاريخ لم يضبط من حياتهما إلاّ شيئاً يسيراً، وفيما ضبط إيعاز لو لم نقل دلالة على إيمانهما وكونهما على الصراط المستقيم.


1 . راجع تفصيل ذلك الغدير: 7/330 ـ 409 و 8/1 ـ 29.


(276)

أمّا الوالد: فقد نقلت عنه كلمات وأبيات تدل على إيمانه، فإليك ما نقله عنه أهل السير، عندما عرضت فاطمة الخثعمية نفسها عليه فقال رداً عليها:

أمّا الحرام فالممات دونه *** والحل لا حل فاستبينه

يحمي الكريم عرضه ودينه *** فكيف بالأمر الذي تبغينه(1)

وقد روي عن النبي الأكرم أنّه قال: «لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات». ولعل فيه إيعازاً إلى طهارة آبائه وأُمّهاته من كل دنس وشرك.(2)

وأمّا الوالدة: فكفى في ذلك ما رواه الحفّاظ عنها عند وفاتها فإنّها (رضي اللّه عنها) خرجت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو ابن خمس أو ست سنين ونزلت بالمدينة تزور أخوال جده (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهم بنو عدي بن النجار ، ومعها أُم أيمن «بركة» الحبشية، فأقامت عندهم، وكان الرسول بعد الهجرة يذكر أُموراً حدثت في مقامه ويقول: «إنّ أُمّي نزلت في تلك الدار، وكان قوم من اليهود يختلفون وينظرون إليّ، فنظر إليّ رجل من اليهود، فقال: يا غلام ما اسمك؟ فقلت: أحمد، فنظر إلى ظهري وسمعته يقول: هذا نبي هذه الأُمّة، ثم راح إلى إخوانه فأخبرهم، فخافت أُمّي عليّ، فخرجنا من المدينة، فلمّـا كانت بالأبواء توفيت ودفنت فيها».

روى أبو نعيم في دلائل النبوّة عن أسماء بنت رهم قالت: شهدت آمنة أُمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في علتها التي ماتت بها، ومحمد عليه الصلاة والسلام غلام «يفع»(3) له


1 . السيرة الحلبية: 1/46 وغيرها.
2 . سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: 1/58.
3 . يفع الغلام: ترعرع.


(277)

خمس سنين عند رأسها ، فنظرت إلى وجهه وخاطبته بقولها:

إنّ صح ما أبصرت في المنام *** فأنت مبعوث إلى الأنام

فاللّه أنهاك عن الأصنام *** أن لا تواليها مع الأقوام

ثم قالت: كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة، وذكري باق وولدت طهراً.

وقال الزرقاني في «شرح المواهب» نقلاً عن جلال الدين السيوطي تعليقاً على قولها: وهذا القول منها صريح في أنّها كانت موحّدة، إذ ذكرت دين إبراهيم(عليه السلام) وبشّـرت ابنها بالإسلام من عند اللّه، وهل التوحيد شيء غير هذا؟! فإنّ التوحيد هو الاعتراف باللّه وانّه لا شريك له والبراءة من عبادة الأصنام.(1)

هذا بعض ما ذكره المؤرّخون في أحوال والدي النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والكل يدل على إخلاصهما ونزاهتهما عمّـا كان هو السائد في البيئة التي كانا يعيشان فيها.

وأخيراً نوجه نظر القارئ إلى الرأي العام بين المسلمين حول إيمانهما، قال الشيخ المفيد في «أوائل المقالات»:

واتفقت الإمامية على أنّ آباء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن آدم إلى عبد اللّه بن عبد المطلب مؤمنون باللّه عزّ وجلّ موحّدون له، واحتجوا في ذلك بالقرآن والأخبار، قال اللّه عزّ وجلّ: (الذي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ)(2).

وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لم يزل ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات حتى أخرجني في عالمكم هذا»، وأجمعوا على أنّ عمّه أبا طالب (رحمه


1 . الاتحاف للشبراوي: 144; سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: 1/57.
2 . الشعراء: 218 ـ 219.


(278)

اللّه) مات مؤمناً، وأنّ آمنة بنت وهب كانت على التوحيد، وأنّها تحشر في جملة المؤمنين.(1)

أقول: الاستدلال بالآية يتوقف على كون المراد منها نقل روحه من ساجد إلى ساجد، وهو المروي عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدين)(2) قال: من نبي إلى نبي حتى أُخرجت نبياً.(3)

وقد ذكره المفسرون بصورة أحد الاحتمالات، ولكنّه غير متعين، لاحتمال أن يكون المراد إنّه يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة، وتقلّبه في الساجدين عبارة عن تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده إذا كان إماماً لهم.

وأمّا الاستدلال بالحديث، فهو مبني على أنّ من كان كافراً فليس بطاهر، وقد قال سبحانه: (إنَّما المُشرِكُونَ نَجَسٌ)(4).

لكن الحجة هي الاتفاق والإجماع، مضافاً إلى ما تضافر من الروايات حول طهارة والدي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)التي جمعها الحافظ أبو الفداء ابن كثير في تاريخه قال: وخطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ... وما افترق الناس فرقتين إلاّ جعلني اللّه في خيرها، فأُخرجت من بين أبوي، فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأُمي، فأنا خيركم نفساً، وخيركم أباً».(5)

وعن عائشة قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «قال لي جبرئيل: قلّبت الأرض من مشارقها


1 . أوائل المقالات: 12 ـ 13.
2 . الشعراء: 219.
3 . البداية والنهاية: 2/239، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الرابعة ـ 1408 هـ..
4 . مفاتيح الغيب: 6/431. والآية من سورة التوبة: 28.
5 . البداية والنهاية: 2/238.


(279)

ومغاربها فلم أجد رجلاً أفضل من محمد، وقلّبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم».

قال الحافظ البيهقي: وهذه الأحاديث وإن كان في رواتها من لا يحتج به، فبعضها يؤكد بعضاً، ومعنى جميعها يرجع إلى حديث واثلة بن الأسقع، واللّه أعلم.

قلت: وفي هذا المعنى يقول أبو طالب يمتدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :

إذا اجتمعت يوماً قريشٌ لمفخر *** فعبدُ مناف سِرُّها وصميمُها

فإن حصلت أشرافُ عبدِ منافِها *** ففي هاشم أشرافُها وقديمها

وإن فَخَرتْ يوماً فإنّ محمداً *** هو المصطفَى من سرّها وكريمها

تداعت قريشُ غثُّها وسمينُها *** علينا فلم تظفر وطاشت حُلومها

وكنّا قديماً لا نقرّ ظلامةً *** إذا ماثنوا صُعْرَ الخدود نقيمها

ونحمي حماها كل يومِ كريهة *** ونضربُ عن أحجارها من يرومها

بنا انتعش العودُ الذواءُ وإنّما *** بأكنافنا تندى وتنمى أرومها(1)

ويعجبني أن أنقل ما ذكره الشبراوي في المقام: قال: ومبدأ الكلام في ذلك إنّ اللّه سبحانه قد أخرج هذا النوع الإنساني لأجله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّ آدم عليه الصلاة والسلام كان أوّل فرد من أفراد هذا النوع، وكان سائر أفراده مندرجة في صلبه بصور الذرات، فلمّـا نفخ الروح في آدم كان نور نسمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يلمع في جبهته كالشمس المشرقة، ثم انتقل ذلك النور من صلب آدم إلى رحم حواء، ومنها إلى صلب شيث، ثم استمر هذا ينتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، وهو معنى قوله: (وتقلّبك في الساجدين) ، وأشار إليه العلاّمة البوصيري بقوله:

لم تزل في ضمائر الكون تختا *** ر لك الأُمّهات والآباء


1 . البداية والنهاية: 2/240.


(280)

وكان كل جد من أجداده من لدن آدم يأخذ العهد والميثاق أن لا يوضع ذلك النور المحمدي إلاّ في الطاهرات، فأوّل من أخذ العهد آدم، أخذه من شيث، وشيث من أنوش، وهو من «قينن»، وهكذا إلى أن وصلت النوبة إلى عبد اللّه بن عبد المطلب، فلمّـا أُودع ذلك الجزء، في صلبه لمع ذلك النور من جبهته، فظهر له جمال وبهجة، فكانت نساء قريش يرغبن في نكاحه، وقد أسعد اللّه بتلك السعادة وشرّف بذلك الشرف «آمنة» بنت وهب، فتزوجها عبد اللّه.

وقد روى الترمذي عن العباس قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ اللّه خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم تخيّـر القبائل فجعلني في خير قبيلة، ثم تخيّـر البيوت، فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً». أي ذاتاً وأصلاً.

وقد دلّت الآيات والأحاديث على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما طابت ذاته الشريفة، بما أُوتي من الكمال الأعلى، كذلك طاب نسبه الشريف، فلم يكن في آبائه ولا أُمهاته من لدن آدم وحواء إلى عبد اللّه وآمنة، إلاّ من هو مصطفى مختار قد طابت أعراقه، وحسنت أخلاقه.

أخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: استجاب اللّه تعالى دعوة إبراهيم في ولده ولم يعبد أحد منهم صنماً بعد دعوته، واستجاب له وجعل هذا البلد آمناً ورزق أهله من الثمرات وجعله إماماً وجعل من ذريته من يقيم الصلاة.

قال السيوطي: وهذه الأوصاف كانت لأجداده (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة دون سائر ذريّة إبراهيم، وكل ما ذكر عن ذريّة إبراهيم من المحاسن فإنّ أولى الناس به سلسلة الأجداد الشريفة، الذين خصّوا بالاصطفاء وانتقل إليهم نور النبوة واحداً بعدواحد، ولم يدخل ولد إسحاق وبقية ذريته لأنّه دعا لأهل هذا البلد، ألا تراهقال: (اجْعَلْ هذَا البَلَدَ آمِناً)وعقّبه بقوله: (واجْنُبْنِي وَبنِيَّ أنْ نَعبُدَ


(281)

الأَصنامَ) (1) ، فلم تزل ناس من ذرية إبراهيم (عليه السلام) على الفطرة يعبدون اللّه تبارك وتعالى، ويدلّ عليه قوله: (وَجَعَلَها كَلِمة باقِيةً في عَقِبهِ) (2) فإنّ الكلمة الباقية هي كلمة التوحيد، وعقب إبراهيم (عليه السلام) هم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وآله الكرام، قال بعض الأفاضل: اللّهم حل بيننا وبين أهل الخسران والخذلان الذين يؤذون رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بنسبة ما لا يليق بأبويه الكريمين الشريفين الطاهرين ـ إلى أن قال ـ : فهما ناجيان منعّمان في أعلى درجات الجنان، وما عدا ذلك تهافت وهذيان، لا ينبغي أن تصغي له الأُذنان ولا أن يعتني بإبطاله أُولو الشأن.(3)

إذا وقفت على ما ذكرنا تعرف قيمة كلمة ابن حزم الأندلسي في أحكامه(4) ، حيث نسب إلى والدي النبي الأكرم ما لا يليق بساحتهما، ويكفي في سقوط هذه الكلمة أنّ راويها وكاتبها ابن حزم الذي أجمع فقهاء عصره على تضليله والتشنيع عليه ونهي العوام عن الاقتراب منه وحكموا بإحراق كتبه.(5)

وقال ابن خلّكان في وفياته: وكان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستهدف فقهاء وقته، فتمالأوا على بغضه، وردّوا قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامّهم عن الدنو إليه والأخذ عنه، فأقصته الملوك وشردته عن بلاده حتّى انتهى إلى بادية «لبلة»، فتوفي بها آخر نهار الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة، وقيل إنّه توفي في «منت ليشم»، وهي قرية ابن حزم المذكور. وفيه قال أبو العباس ابن العريف: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج ابن يوسف شقيقين، وإنّما قال ذلك لكثرة وقوعه في الأئمّة.(6)


1 . إبراهيم: 35.
2 . الزخرف: 28.
3 . الإتحاف بحب الأشراف: 113 ـ 118.
4 . الأحكام: 5/171.
5 . لسان الميزان: 4/200، وقد عرّفه الآلوسي في تفسيره: 21/76 بالضال المضل.
6 . وفيات الأعيان: 3/327 ـ 328.


(282)

* إيمان النبي الأكرم قبل البعثة

كان البحث عن إيمان عبد المطلب وسيد البطحاء ووالدي النبي، كمقدمة للبحث عن إيمان النبي الأكرم قبل البعثة، فإنّ إيمانه برسالته وإن كان أمراً مسلّماً وواضحاً كوضوح الشمس غير محتاج إلى الإسهاب غير أنّ إكمال البحث يجرّنا إلى أن نأتي ببعض ما ذكره التاريخ من ملامح حياته منذ صباه إلى أن بعث نبياً، حتى يقترن ذلك الاتفاق بأصح الدلائل التاريخية، وإليك الأقوال:

1. روى صاحب المنتقى في حديث طويل: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما تمَّ له ثلاث سنين، قال يوماً لوالدته (لمرضعته) «حليمة السعدية»: «مالي لا أرى أخوي بالنهار؟» قالت له: يابني إنّهما يرعيان غنيمات. قال: «فما لي لا أخرج معهما؟» قالت له: أتحب ذلك؟ قال: «نعم»، فلمّـا أصبح محمد دهنته وكحّلته وعلّقت في عنقه خيطاً فيه جزع يماني، فنزعه ثم قال لأُمّه: «مهلاً يا أُمّاه، فإنّ معي من يحفظني».(1)

وهذه العبارة من الطفل الذي لم يتجاوز سنّه ثلاث سنين آية على أنّه كان يعيش في رعاية اللّه، وكان له معلم غيبي «يسلك به طريق المكارم» ويلهمه ما يعجز عن إدراكه كبار الرجال آنذاك، حيث كانت أُمّه تزعم بأنّ في الجزع اليماني مقدرة الحفظ لمن علقه على جيده، فعلى الرغم من ذلك فقد خالفها الطفل ونزعه وطرحه، وهذا إن دلَّ على شيء فإنّما يدل على أنّه كان بعيداً عن تلك الرسوم والأفكار ... السائدة في الجزيرة العربية.


1 . المنتقى الباب الثاني من القسم الثاني للكازروني، وقد نقله العلاّمة المجلسي في البحار : 15/392 من الطبعة الحديثة.


(283)

2. روى ابن سعد في طبقاته: أنّ بحيرا الراهب قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا غلام أسألك بحق اللات والعزى ألاّ أخبرتني عمّـا أسألك؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تسألني باللات والعزى، فواللّه ما أبغضت شيئاً بغضهما»، قال: باللّه إلاّ أخبرتني عمّـا أسألك عنه؟ قال: «سلني عمّـا بدا لك ...».(1)

3. روى ابن سعد في طبقاته: عند ذكر خروج النبي إلى الشام للتجارة بأموال خديجة مع غلامها «ميسرة» : إنّ محمداً باع سلعته فوقع بينه ورجل تلاح، فقال له الرجل: احلف باللات والعزى، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما حلفت بهما قط، وانّي لأمرُّ فأعرض عنهما» فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة: يا ميسرة هذا واللّه نبي.(2)

وممّا يشهد على توحيده أنّه لم ير قط مائلاً عن الحق، ساجداً لوثن أو متوسّلاً به، بل كان يتحنّث في كل سنة في غار حراء في بعض الشهور، فوافاه جبرئيل (عليه الصلاة والسلام) في بعض تلك المواقف وبشّـره بالرسالة وخلع عليه كساء النبوة.

وهذه الوقائع التاريخية أصدق دليل على إيمانه، ولأجل اتفاق المسلمين على ذلك نطوي بساط البحث ونركّزه على بيان الشريعة التي كان عليها قبل بعثته، وهذا هو الذي بحث عنه المتكلمون والأُصوليون بإسهاب.

* الشريعة التي كان يعمل بها النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

اختلف الباحثون في أنّ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) هل كان متعبّداً بشرع قبل بعثته


1 . الطبقات الكبرى: 1/154; السيرة النبوية: 1/182.
2 . الطبقات الكبرى: 1/156.


(284)

أو لا ؟ على أقوال نلفت نظر القارئ إليها:

1. لم يكن متعبّداً بشرع أصلاً . نسب ذلك إلى أبي الحسن البصري.

2. التوقف وعدم الجنوح إلى واحد من الأقوال. ذهب إليه القاضي عبد الجبار والغزالي، وهو خيرة السيد المرتضى في ذريعته.

3. إنّه كان يتعبّد بشريعة من قبله مردّدة بين كونها شريعة نوح أو إبراهيم أو موسى، أو المسيح بن مريم (عليهم السلام) .

4. كان يتعبّد بما ثبت أنّه شرع.

5. كان يعمل في عباداته وطاعته بما يوحى إليه سواء أكان مطابقاً لشرع من قبله أم لا .

6. انّه كان يعمل بشرع نفسه.

والأخير هو الظاهر من الشيخ الطوسي في عدته قال: عندنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن متعبداً بشريعة من تقدّمه من الأنبياء لا قبل النبوة ولا بعدها، وانّ جميع ما تعبّد به كان شرعاً له، ويقول أصحابنا: إنّه كان قبل البعثة يوحى إليه بأشياء تخصه، وكان يعمل بالوحي لا اتّباعاً بشريعة.(1)

وما ذكره أخيراً ينطبق على القول السادس، والأقوال الثلاثة الأخيرة متقاربة، وإليك دراستها واحداً بعد آخر ببيان مقدمة:


1 . راجع للوقوف على الأقوال: الذريعة: 2/595، وذكر أقوالاً ثلاثة; وعدّة الشيخ الطوسي: 2/60، وذكر الأقوال مسهبة; البحار: 18/271، ونقل الأقوال عن شرح العلاّمة لمختصر الحاجبي; والمعارج للمحقّق الحلي: 60; المبادئ للعلاّمة الحلي: 30; القوانين للمحقّق القمّي: 1/494.


(285)

* نظرة إجمالية على حياته

إنّ من أطلّ النظر على حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) يقف على أنّه كان يعبد اللّه سبحانه ويعتكف بـ «حراء» كل سنة شهراً، ولم يكن اعتكافه مجرّد تفكير في جلاله وجماله وآياته وآثاره، بل كان مع ذلك متعبداً للّه قانتاً له، وقد نزل الوحي عليه وخلع عليه ثوب الرسالة وهو متحنث(1) بـ «حرّاء»، وذلك مما اتفق عليه أهل السير والتاريخ.

قال ابن هشام: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جواره من شهره ذلك، كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف من جواره، الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعاً أو ما شاء اللّه من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد اللّه تعالى به فيه ما أراد من كرامته، من السنة التي بعثه اللّه تعالى فيها; وذلك الشهر شهر رمضان، خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه اللّه فيها برسالته، ورَحِمَ العبادَ بها، جاءه جبريلُ (عليه السلام)بأمر اللّه تعالى.(2)

ولم تكن عبادته منحصرة بالاعتكاف أو الطواف حول البيت بعد الفراغ منه، بل دلت الروايات المتضافرة عن أئمّة أهل البيت على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حج عشرين حجة مستسراً.(3)


1 . التحنث: هو التحنف، بدّلت الفاء (ثاء)، كما يقال (جدف) مكان جدث، بمعنى القبر ، وربّما يقال: بأنّه بمعنى الخروج عن الحنث بمعنى الاثم، كما أنّ التأثم هو الخروج عن الإثم، والأوّل هو الأولى.
2 . السيرة النبوية: 1/236.
3 . الوسائل: 8/87 باب 45، استحباب تكرار الحج والعمرة; البحار: 11/280.


(286)

روى غياث بن إبراهيم، عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «لم يحج النبي بعد قدوم المدينة إلاّ واحدة، وقد حج بمكة مع قومه حجّات».(1)

ولم تكن أعماله الفردية أو الاجتماعية منحصرة في المستقلات العقلية، كالاجتناب عن البغي والظلم وكالتحنن على اليتيم والعطف على المسكين، بل كان في فترة من حياته راعياً للغنم، وفي فترات أُخرى ضارباً في الأرض للتجارة، ولم يكن في القيام بهذه الأعمال في غنى عن شرع يطبق أعماله عليه، إذ لم يكن البيع والربا والخل والخمر ولا المذكّى وغيره عنده سواسية، وليست هذه الأُمور ونظائرها مما يستقل العقل بأحكامها.

فطبيعة الحال تقتضي أن يكون (صلى الله عليه وآله وسلم) عارفاً بأحكام عباداته وطاعاته، واقفاً على حرام أفعاله وحلالها، في زواجه ونكاحه في حلّه وترحاله، ولولاه أشرف على اقتراف ما حرّمه اللّه سبحانه في عامّة شرائعه، والاقتراف أو الدنو منه يناقض أهداف البعثة، فإنّها لا تتحقّق إلاّ بعمله قبل بعثته بما سوف يدعو إليه بعد بعثته.

وعلى ضوء هذه المقدمة يبطل القول الأوّل من أنّه لم يكن متعبّداً بشرع أصلاً، لما عرفت من أنّ العبادة والطاعة لا تصح إلاّ بعد معرفة حدودها وخصوصيّاتها عن طريق الشرع، كما أنّ الاجتناب عن محارم اللّه في العقود والإيقاعات وسائر ما يرجع إلى أعماله وأفعاله الفردية والاجتماعية، يتوقف على معرفة الحلال والحرام، حتى يتخذه مقياساً في مقام العمل، وعند ذاك كيف يصح القول بأنّه لم يكن متعبّداً بشرع أصلاً؟ وإلاّ يلزم أن ننكر عباداته وطاعاته قبل


1 . الوسائل: 8/88 باب 45، استحباب تكرار الحج والعمرة، الحديث 4.


(287)

البعثة أو نرميه باقتراف الكبائر في تلك الفترة، وهو يضاد عصمته قبل البعثة كما يضاد أهدافها.

قال العلاّمة المجلسي: قد ورد في أخبار كثيرة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يطوف وأنّه كان يعبد اللّه في حراء، وأنّه كان يراعي الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الأكل وغيره، وكيف يجوّز ذو مسكة من العقل، على اللّه تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير عبادة؟! والمكابرة في ذلك سفسطة، فلا يخلو إمّا أن يكون عاملاً بشريعة مختصة به أوحى اللّه إليه بها، وهو المطلوب، أو عاملاً بشريعة غيره.(1)

نعم روى أحمد في مسنده، عن سعيد بن زيد قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة هو وزيد بن حارثة، فمرَّ بهما زيد بن عمرو بن نفيل فدعوه إلى سفرة لهما، فقال يابن أخي إنّي لا آكل مما ذبح على النصب، قال: فما رؤي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب، قال: قلت لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ أبي كان كما قد رأيت وبلغك، ولو أدركك لآمن بك واتبعك فاستغفر له؟ قال: نعم، فاستغفر له فإنّه يبعث يوم القيامة أُمَّة واحدة.(2)

نحن لا نعلق على هذا الحديث شيئاً سوى أنّه يستلزم أن يكون زيد أعرف بأحكام اللّه تعالى من النبي الأكرم، الذي كان بمقربة من البعث إلى هداية الأُمّة، أضف إليه أنّ الحديث مروي عن طريق سعيد بن زيد الذي يَدّعي فيه شرفاً لأبيه، وفي الوقت نفسه نقصاً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أفَواهِهِم)(3) .

هذا كلّه حول القول الأوّل.


1 . البحار: 18/280.
2 . مسند أحمد: 1/189 ـ 190.
3 . الكهف: 5.


(288)

* نظرية التوقف في تعبّده

أمّا الثاني: أعني التوقف، فقد ذهب إليه المرتضى، واستدل على مختاره بقوله: والذي يدل عليه أنّ العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه اللّه تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي، ولا يمتنع أن يعلم اللّه تعالى أنّه لا مصلحة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل نبوته في العبادة بشيء من الشرائع، كما أنّه غير ممتنع أن يعلم أنّ له (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك مصلحة، وإذا كان كل واحد من الأمرين جائزاً ولا دلالة توجب القطع على أحدهما وجب التوقف.(1)

وما ذكره محتمل في حد نفسه، ولكنّه مدفوع بما في الأخبار والآثار من عبادته واعتكافه، وقد عرفت أنّه كان يتعبد للّه، وكانت له أعمال فردية واجتماعية تحتاج إلى أن تكون وفق شريعة ما .

* نظرية عمله بالشرائع السابقة

وهذا هو القول الثالث بشقوقه الأربعة: فيتصوّر على وجهين:

الأوّل: أن يعمل على طبق أحد الشرائع الأربع تابعاً لصاحبها ومقتدياً به بوجه يعد أنّه من أُمّته; وهذا الشق مردود من جهات:

أ. انّ هذا يتوقف على ثبوت عموم رسالات أصحاب هذه الشرائع، وهو غير ثابت، وقد أوضحنا حالها في الجزء الثالث من موسوعة مفاهيم القرآن.(2)

ب. انّ العمل بهذه الشرائع فرع الاطّلاع عليها، وهو إمّا أن يكون حاصلاً


1 . الذريعة: 2/596.
2 . لاحظ الجزء الثالث: 77 ـ 116.


(289)

من طريق الوحي، فعندئذ يكون عاملاً بشريعة من تقدم ولا يكون تابعاً لصاحبها ومقتدياً به، وإن كان عاملاً بالشريعة التي نزلت قبله، وهذا نظير أنبياء بني إسرائيل فقد كانوا مأمورين بالحكم على طبق التوراة مع أنّهم لم يكونوا من أُمّة موسى قال سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا)(1)، وإلى هذا الشق يشير المرتضى بقوله: إنّه غير ممتنع أن يوجب اللّه تعالى عليه بعض ما قامت الحجة من بعض الشرائع المتقدّمة لا على وجه الاقتداء بغيره فيها ولا الاتباع.

وإمّا أن يكون حاصلاً من طريق مخالطة أهل الكتاب وعلمائهم وهذا مما لا تصدّقه حياته إذ لم يكن مخالطاً لهم ولم يتعلم منهم شيئاً ولم يسألهم.

يقول العلاّمة المجلسي: لو كان متعبّداً بشرع لكان طريقه إلى ذلك إمّا الوحي أو النقل، ويلزم من الأوّل أن يكون شرعاً له لا شرعاً لغيره، ومن الثاني التعويل على اليهود، وهو باطل(2).

ج. انّ العمل بشريعة من قبله ما سوى المسيح بن مريم، يستلزم أن يكون عاملاً بالشرائع المنسوخة فهو أشدّ فساداً، فكيف يجوز العمل بشريعة نسخت؟

قال الشيخ الطوسي: فإن قالوا: كان متعبّداً بشريعة موسى، فإنَّ ذلك فاسد حيث إنّ شريعته كانت منسوخة بشريعة عيسى، وإن قالوا: كان متعبّداً بشريعة عيسى فهو أيضاً فاسد، لأنّ شريعته قد انقطعت واندرس نقلها ولم تتصل كاتصال نقل المعجزة، وإذا لم تتصل لم يصح أن يعمل بها.(3)


1 . المائدة: 44.
2 . البحار: 18/276.
3 . عدة الأُصول: 2/61.


(290)

أضف إلى ذلك أنّه لم يثبت أنّ عيسى جاء بأحكام كثيرة، بل الظاهر أنّه جاء لتحليل بعض ما حرّم في شريعة موسى (عليه السلام)قال سبحانه: (وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَة مِن رَبِّكُم فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ)(1)، فلو كان النبي عاملاً بشريعة عيسى ففي الحقيقة يكون عاملاً بشريعة موسى المعدّلة بما جاء به عيسى.

د. اتفقت الآثار على كونه أفضل الخلق واقتداء الفاضل بالمفضول غير صحيح عقلاً، قال الشيخ الطوسي: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أفضل من جميع الأنبياء ولا يجوز أن يؤمر الفاضل باتّباع المفضول، ولم يخص أحد تفضيله على سائر الأنبياء، بوقت دون وقت، فيجب أن يكون أفضل في جميع الأوقات.

وهذه الوجوه وإن كان بعضها غير خال من الإشكال لكن الجميع يزيّف القول بأنّه كان يعمل بشريعة من قبله.

وأمّا دليل من قال بهذا القول فضعيف جداً حيث قال: كيف يصح أن يقال: انّه لم يكن متعبداً بشريعة من تقدّم مع أنّه كان يطوف بالبيت ويحج ويعتمر ويذكّي ويأكل المذكّى ويركب البهائم؟(2)

وفيه أوّلاً: انّ بعض ما ذكره يعد من المستقلات العقلية، فتكفي فيه هداية العقل ودلالته.

وثانياً: انّ الدليل أعم من المدّعى، لأنّ عمله كما يمكن أن يكون مستنداً إلى شريعة من قبله، يمكن أن يكون مستنداً إلى الوحي إليه، لا اتّباعاً لشريعة، وسوف


1 . آل عمران: 50.
2 . الذريعة: 2/596; العدة: 60 ـ 61.


(291)

يوافيك أنّه كان يوحى إليه قبل أن يتشرّف بمقام الرسالة وأنّ نبوّته كانت متقدّمة على رسالته، وأنّ جبريل نزل إليه بالرسالة عندما بلغ الأربعين، والاستدلال مبني على أنّ نبوّته ورسالته كانتا في زمان واحد، وهو غير صحيح كما سيأتي.

وعلى هذا الوجه الصحيح لا نحتاج إلى الإجابة عن الاستدلال بما تكلّف به المرتضى في ذريعته، والطوسي في عدّته.

قال الأوّل: لم يثبت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قبل النبوّة حج أو اعتمر، وبالتظنّي لا يثبت مثل ذلك، ولم يثبت أيضاً أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)تولّى التذكية بيده، وقد قيل أيضاً: إنّه لو ثبت أنّه ذكّى بيده، لجاز أن يكون من شرع غيره في ذلك الوقت، «أن يستعان بالغير في الذكاة»(1) فذكّى على سبيل المعونة لغيره، وأكل اللحم المذكّى لا شبهة في أنّه غير موقوف على الشرع، لأنّه بعد الذكاة قد صار مثل كل مباح من المأكل، وركوب البهائم والحمل عليها، يحسن عقلاً إذا وقع التكفّل بما يحتاج إليه من علف وغيره، ولم يثبت أنّه (عليه السلام) فعل من ذلك ما لا يستباح بالعقل فعله.(2)

وقريب منه ما في عدّة الشيخ الطوسي.(3)

ولا يخفى أنّ بعض ما ذكره وإن كان صحيحاً، لكن إنكار حجه واعتماره وعبادته في حرّاء واتجاره الذي يتوقف الصحيح منه على معرفة الحلال والحرام، ممّا لا يمكن إنكاره، فلا محيص عن معرفته بالمقاييس الصحيحة في هذه الموارد، إمّا من عند نفسه، أو من ناحية الاتّباع لشريعة غيره.


1 . يريد أنّ من أحكام الشريعة السابقة أن يستعين الرجل في تذكية الحيوان بالغير ـ وعلى ذلك ـ فالنبي ذكّى نيابة عن الغير، ولأجله ولم يذكّ لنفسه.
2 . الذريعة: 2/597 ـ 598.
3 . عدة الأُصول: 2/63.


(292)

* الوجوه الأخيرة الثلاثة المتقاربة

إذا تبيّـن عدم صحة هذه الأقوال الثلاثة تثبت الوجوه الأخيرة التي يقرب بعضها من بعض، ويجمع الكل إنّه كان يعمل حسب ما يلهم ويوحى إليه، سواء أكان مطابقاً لشرع من قبله أم مخالفاً، وانّ هاديه وقائده منذ صباه إلى أن بعث هو نفس هاديه بعد البعثة.

ويدل على ذلك وجوه:

1. ما أُثر عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنّه من لدن كان فطيماً كان مؤيداً بأعظم ملك يعلّمه مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، وهذه مرتبة من مراتب النبوّة وإن لم تكن معها رسالة.

قال (عليه السلام) : «ولقد قرن اللّه به من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره». (1)

إنّا مهما جهلنا بشيء، فلا يصح لنا أن نجهل بأنّ النبوة منصب إلهي لا يتحمّلها إلاّ الأمثل فالأمثل من الناس، ولا يقوم بأعبائها إلاّ من عمّر قلبه بالإيمان، وزوّد بالخلوص والصفاء، وغمره الطهر والقداسة وأُعطى مقدرة روحية عظيمة، لا يتهيب حينما يتمثل له رسول ربّه وأمين وحيه، ولا تأخذه الضراعة والخوف عند سماع كلامه ووحيه، وتلك المقدرة لا تفاض من اللّه على عبد إلاّ أن يكون في رعاية ملك كريم من ملائكته سبحانه، يرشده إلى معالم الهداية ومدارج الكمال، ويصونه من صباه إلى شبابه، وإلى كهولته عن كل سوء وزلة. وهذا هو السرّ في وقوعه تحت كفالة أكبر ملك من ملائكته حتى تستعد نفسه لقبول


1 . نهج البلاغة: 2/82، من خطبة تسمّى القاصعة 187، طبعة عبده.


(293)

الوحي، وتتحمل القول الثقيل الذي سيلقى عليه.

2. ما رواه عروة بن الزبير عن عائشة أُمّ المؤمنين أنّها قالت: أوّل ما بُدئ به رسول اللّه من الوحي، الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنَّث فيه، ـ وهو التعبّد ـ الليالي ذوات العدد، قبل أن يَنزعَ إلى أهله ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ.(1)

3. روى الكليني بسند صحيح عن الأحول قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرسول والنبي والمحدّث قال: «الرسول الذي يأتيه جبرئيل قبلاً ... وأمّا النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام) ، ونحو ما كان رأى رسول اللّه من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل من عند اللّه بالرسالة».(2)

وهذه المأثورات تثبت بوضوح أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يُبعث، كان تحت كفالة أكبر ملك من ملائكة اللّه، يرى في المنام ويسمع الصوت، قبل أن يبلغ الأربعين سنة، فلمّا بلغها بُشّـر بالرسالة، وكلّمه الملك معاينة ونزل عليه القرآن، وكان يعبد اللّه قبل ذلك بصنوف العبادات، إمّا موافقاً لما سيؤمر به بعد تبليغه، أو مطابقاً لشريعة إبراهيم أو غيره، ممن تقدمه من الأنبياء، لا على وجه كونه تابعاً لهم وعاملاً بشريعتهم، بل بموافقة ما أُوحي إليه مع شريعة من تقدّم عليه.

ثم إنّ العلاّمة المجلسي استدل على هذا القول بوجه آخر، وهو : انّ يحيى وعيسى كانا نبيّين وهما صغيران، وقد ورد في أخبار كثيرة انّ اللّه لم يعط نبيّاً فضيلة


1 . صحيح البخاري: 1/3، باب بدء الوحي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ; السيرة النبوية: 1/234 ـ 236.
2 . الكافي: 1/176.


(294)

ولا كرامة ولا معجزة إلاّ وقد أعطاها نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكيف جاز أن يكون عيسى (عليه السلام) في المهد نبياً ولم يكن نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أربعين سنة نبياً؟!(1)

قال سبحانه حاكياً عن المسيح: (قَالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيَّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيَّاً) (2)، وقال سبحانه مخاطباً ليحيى: (يَا يَحْيََى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً)(3).

ولازم ذلك أنّ النبي قبل بعثته في صباه أو بعد ما أكمل اللّه عقله كان نبياً مؤيداً بروح القدس يكلّمه الملك، ويسمع الصوت ويرى في المنام.

وإنّما بُعث إلى الناس بعد ما بلغ أربعين سنة، وعند ذاك كلّمه الملك معاينة ونزل عليه القرآن وأُمر بالتبليغ.

ويؤيد ذلك ما رواه الجمهور عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه كان نبياً وآدم بين الروح والجسد.(4)

هذا كلّه راجع إلى حاله قبل بعثته، وأمّا بعدها فنأتي بمجمل القول فيه:

* حاله بعد البعثة

قد عرفت حال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل بعثته، فهلمّ معي ندرس حاله بعدها،


1 . البحار: 18/279.
2 . مريم: 30 ـ 31.
3 . مريم: 12.
4 . نقل العلاّمة الأميني مصادره عن عدة من الكتب، وذكر انّ للحديث عدّة ألفاظ من طرق شتى. لاحظ الجزء 9/287.


(295)

وقد اختلفوا فيه أيضاً على قولين:

فمن قائل: إنّه كان يتعبّد بشرع من قبله.

ومن قائل آخر ينفيه بتاتاً.

وقد بسط الكلام في هذا المقام السيد المرتضى في «ذريعته» وتلميذه الجليل في «عدّته» فاختارا القول الثاني وأوضحا برهانه.(1)

غير انّـي أرى البحث في ذلك عديم الفائدة، لأنّ المسلمين اتفقوا على أنّه بعد البعثة، ما كان يقول إلاّ ما يوحى إليه، ولا يصدر عنه شيء إلاّ عن هذا الطريق، فإذا كان الواجب علينا اقتفاء أمره ونهيه، والعمل بالوحي الذي نزل عليه، فأي فائدة في البحث عن أنّه هل كان ما يأمر به وينهى عنه، صدر عن التعبّد بشريعة من قبله، أو صدر عن شريعته؟ إذ الواجب علينا الأخذ بما أتى به، بأي لون وشكل كان، وفي ذلك يقول المحقّق الحلّـي: إنّ هذا الخلاف عديم الفائدة، لأنّا لا نشك أنّ جميع ما أتى به لم يكن نقلاً عن الأنبياء، بل عن اللّه تعالى بإحدى الطرق الثلاث التي أُشير إليها في قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ لِبَشَـر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِه مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)(2).

فإذا كان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يصدر عنه شيء إلاّ عن طريق الوحي، فلا تترتب على البحث أيّة فائدة، فسواء أكان متعبداً بشرع من قبله أم لم يكن، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يأمر ولا ينهى إلاّ بإذنه سبحانه.(3)


1 . الذريعة: 2/598; العدة: 2/61.
2 . الشورى: 51.
3 . لاحظ المعارج: 65، بتوضيح منّا.


(296)

قال سبحانه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)(1) ، وقال عزّ من قائل: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(2)، وقال تعالى: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)(3)، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل بوضوح على أنّ كل ما يأمر وينهي، مستند إلى الوحي منه سبحانه إليه، سواء أمره بالأخذ من الشرع السابق أم أمره بما يماثله أو يخالفه.

أضف إلى ذلك إنّه إذا لم يجز له التعبد بالشرع السابق قبل البعثة بالدلائل السابقة لم يجز له أيضاً بعدها.

نعم هناك بحث آخر وهو حجية شرع من قبلنا للمستنبط إذا لم يجد في الشريعة المحمدية دليلاً على حكم موضوع خاص، فهل يجوز أن يعمل بالحكمالثابت في الشرائع السماوية السالفة ما لم يثبت خلافه في شرعنا أملا؟

فهذه مسألة أُصولية طرحها الأُصوليون في كتبهم قديماً وجديداً، فاستدل القائلون بالجواز بالآيات التالية:

1. (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)(4).

2. (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً)(5).

3. (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً) (6).


1 . النجم: 3 ـ 4.
2 . الشورى: 3.
3 . الأحقاف: 9.
4 . الأنعام: 90.
5 . النحل: 123.
6 . الشورى: 13.


(297)

4. (إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ)(1).

ولكن الكلام في دلالة هذه الآيات على ما يتبنّاه هؤلاء وهي غير واضحة، وقد بسط المحقق الكلام في دلالة الآيات في أُصوله،(2) ونقله العلاّمة المجلسي في «بحاره»(3)، ونحن نحيل القارئ الكريم إلى مظانّه.

* الآيات التي وقعت ذريعة لبعض المخطّئة

هذا حال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة، وحال أجداده وآبائه وبعض أعمامه، وقد خرجنا من هذا البحث الضافي بهذه النتائج:

1. انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ولد في بيت كان يسوده التوحيد وقد ترعرع وشب واكتهل في أحضان رجال لم يتخلّفوا عن الدين الحنيف قيد شعرة.

2. انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ نعومة أظفاره كان تحت رعاية أكبر ملك من ملائكته سبحانه فيلهم ويوحى إليه قبل أن يبلغ الأربعين، ويخلع عليه ثوب الرسالة.

3. انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مؤمناً باللّه، وموحداً له، يعبده، ولا يعبد غيره، ويتقرّب إليه بالطاعات والقربات، ويتجنب المعاصي والمآثم.

هذه هي الحقيقة الملموسة من حياته يقف عليها من سبر تاريخ حياته بإمعان، وقد مرّ أنّ هناك آيات وقعت ذريعة لبعض المخطّئة لعصمته، فدخلت لأجلها في أذهانهم شبهات في إيمانه وهدايته قبل البعثة.


1 . المائدة: 44.
2 . معارج الأُصول: 157.
3 . البحار: 18/276 ـ 277.


(298)

وهؤلاء بدل أن يفسروا الآيات على غرار التاريخ المسلّم من حياته، أو يسلّطوا الضوء عليها بما تضافرت الأخبار والروايات عليه، عكسوا الأمر فرفضوا التاريخ المسلّم الصحيح والروايات المتضافرة اغتراراً ببعض الظواهر مع أنّها تهدف إلى مقاصد أُخر تتضح من البحث الآتي، وإليك هذه الآيات:

1. (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى)(1).

2. (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ )(2).

3. (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحَاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(3).

4. (وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)(4).

5. (قُلْ لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).

وقد استدلت ال(5)مخطّئة بهذه الآيات على مدّعاها، بل على زعم سلب الإيمان عنه قبل أن يبعث، لكنّها لا تدل على ما يريدون ولأجل تسليط الضوء على مقاصدها نبحث عنها واحدة بعد واحدة.


1 . الضحى: 6 ـ 7.
2 . المدثر : 4 ـ 5.
3 . الشورى: 52.
4 . القصص: 86.
5 . يونس: 16.


(299)

* الآية الأُولى: الهداية بعد الضلالة؟

إنّ قوله سبحانه:( وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) هل يتضمن هدايته بعد الضلالة؟

وقد ذكر المفسرون للآية عدّة احتمالات أنهاها الرازي في تفسيره إلى ثمانية، لكن أكثرها من مخترعات الذهن، لأجل الإجابة عن استدلال الخصم على كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ضالاً قبل البعثة، غير مؤمن ولا موحد، فهداه اللّه سبحانه، ولكن الحق في الجواب أن يقال:

إنّ الضال يستعمل في عرف اللغة في موارد :

1. الضال: من الضلالة: ضد الهداية والرشاد.

2. الضال: من ضل البعير : إذا لم يعرف مكانه.

3. الضال: من ضل الشيء: إذا ضؤل وخفي ذكره.

وتفسير الضال بأيّ واحد من هذه المعاني لا يثبت ما تدّعيه المخطّئة سواء أجعلناها معاني مختلفة جوهراً وشكلاً، أم جعلناها معنى واحداً جوهراً ومختلفاً شكلاً وصورة، فإنّ ذلك لا يؤثر فيما نرتئيه، وإليك توضيحه:

أمّا المعنى الأوّل: فهو المقصود من تلك اللفظة في كثير من الآيات، قال سبحانه: (غَيْـرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)(1) ، لكن الضلالة بمعنى ضد الهداية والرشاد يتصور على قسمين:

قسم: تكون الضلالة فيه وصفاً وجودياً، وحالة واقعية كامنة في النفس،


1 . الحمد: 7.


(300)

توجب منقصتها وظلمتها، كالكافر والمشرك والفاسق، والضلالة في هاتيك الأفراد صفة وجودية تكمن في نفوسهم، وتتزايد حسب استمرار الإنسان في الكفر والشرك والعصيان والتجرّي على المولى سبحانه، قال اللّه سبحانه: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْـرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمْا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)(1).

فإنّ لازدياد الإثم بالجوارح تأثيراً في زيادة الكفر، وقد وصف سبحانه بعض الأعمال بأنّها زيادة في الكفر قال سبحانه: (إِنَّما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا)(2).

وقسم منه: تكون الضلالة فيه أمراً عدمياً، بمعنى كون النفس فاقدة للرشاد غير مالكة له، وعندئذ يكون الإنسان ضالاً بمعنى أنّه غير واجد للهداية من عند نفسه، وفي الوقت نفسه لا تكمن فيه صفة وجودية مثل ما تكمن في نفس المشرك والعاصي، وهذا كالطفل الذي أشرف على التمييز وكاد أن يعرف الخير من الشر، والصلاح من الفساد، والسعادة من الشقاء، فهو آنذاك ضال، لكن بالمعنى الثاني، أي غير واجد للنور الذي يهتدي به في سبيل الحياة، لا ضال بالمعنى الأوّل بمعنى كينونة ظلمة الكفر والفسق في روحه.

إذا عرفت ذلك، فاعلم: أنّه لو كان المراد من الضال في الآية، ما يخالف الهداية والرشاد فهي تهدف إلى القسم الثاني منه لا الأوّل: بشهادة أنّ الآية بصدد توصيف النعم التي أفاضها اللّه سبحانه على نبيّه يوم افتقد أباه ثم أُمّه فصار يتيماً لا ملجأ له ولا مأوى، فآواه وأكرمه، بجدّه عبد المطلب ثم بعمّه أبي طالب، وكان


1 . آل عمران: 178.
2 . التوبة: 37.


(301)

ضالاً في هذه الفترة من عمره، فهداه إلى أسباب السعادة وعرّفه وسائل الشقاء.

والالتزام بالضلالة بهذا المعنى لازم القول بالتوحيد الإفعالي، فإنّ كل ممكن كما لا يملك وجوده وحياته، لا يملك فعله ولا هدايته ولا رشده إلاّ عن طريق ربّه سبحانه، وإنّما يفاض عليه كل شيء منه قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(1) ، فكما أنّ وجوده مفاض من اللّه سبحانه، فهكذا كل ما يوصف به من جمال وكمال فهو من فيوض رحمته الواسعة، والاعتقاد بالهداية الذاتية، وغناء الممكن بعد وجوده عن هدايته سبحانه يناقض التوحيد الإفعالي الذي شرحناه في موسوعة مفاهيم القرآن.(2)

وقد تضافرت الآيات على هذا الأصل، وأنّ هداية كل ممكن مكتسبة من اللّه سبحانه من غير فرق بين الإنسان وغيره، وفي الأوّل بين النبي وغيره، قال سبحانه: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(3) ، وقال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى)(4)، وقال سبحانه: (وَقَالُوا الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللّهُ)(5)، وقال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ)(6)، وقال تعالى: (إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ)(7) ، وقال تبارك وتعالى: (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي)(8) ، إلى غير ذلك من الآيات.


1 . فاطر: 15.
2 . لاحظ الجزء الأوّل: 297 ـ 376.
3 . طه: 50.
4 . الأعلى: 2 ـ 3.
5 . الأعراف: 43.
6 . الشعراء: 78.
7 . الزخرف: 27.
8 . سبأ: 50.


(302)

وعلى هذا الأساس فالآية تهدف إلى بيان النعم التي أنعمها سبحانه على حبيبه منذ صباه فآواه بعد ما صار يتيماً لا مأوى له ولا ملجأ، وأفاض عليه الهداية بعدما كان فاقداً لها حسب ذاتها، وأمّا تحديد زمن هذه الإفاضة فيعود إلى أوليات حياته وأيّام صباه بقرينة ذكره بعد الإيواء الذي تحقّق بعد اليتم، وتمّ بجدّه عبد المطلب فوقع في كفالته إلى ثماني سنين ويؤيد ذلك قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : «ولقد قرن اللّه به (صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره».(1)

والحاصل: انّ الهداية في الآية نفس الهداية الواردة في قوله: (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)، وفي قوله: (الذي خلقني فهو يهدين) إلى غير ذلك من الآيات التي أوعزنا إليها، والاعتقاد بكونه ضالاً أي فاقداً لها في مقام الذات ثم أُفيضت عليه الهداية، هو مقتضى التوحيد الإفعالي ولازم كون النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ممكناً بالذات، فاقداً في ذاته كل كمال وجمال، مفاضاً عليه كل جميل من جانبه سبحانه، وأين هو من الضلالة المساوقة للكفر والشرك أو الفسق والعصيان؟!

وإن شئت قلت: إنّ الضلالة في الآية ترادف الخسران الوارد في قوله سبحانه: (إنّ الإنسان لفي خسر)والهداية فيها ترادف الإيمان والعمل الصالح الواردين بعده (إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)(2)، فالإنسان بما أنّه يصرف رأس ماله، أعني: عمره الغالي كل يوم، خاسر بالذات، إلاّ إذا اكتسب به ما يبقى ولا ينفد أثره وهو الإيمان المقرون بالعمل الصالح، والنبي وغيره في هذه الأحكام سواسية بل في كل التوصيفات الواردة في مجال الإنسان التي يثبتها القرآن له ولا


1 . نهج البلاغة: الخطبة 178، والتي تسمّى بالقاصعة.
2 . العصر: 2 ـ 3.


(303)

وجه لإرجاعها إلى صنف دون صنف، بعد كونها من خواص الطبيعة الإنسانية ما لم تقع تحت رعاية اللّه وهدايته.

وبذلك يتبيّـن أنّ الضلالة في الآية ـ لو فسرت بضد الهدى والرشاد ـ لا تدل على ما تدّعيه المخطّئة، بل هي بصدد بيان قانون كلي سائد على عالم الإمكان من غير فرق بين الإنسان وغيره، وفي الأوّل بين النبي وغيره.

* حول الاحتمالين الآخرين

ولكن هذا المعنى غير متعين في الآية إذ من المحتمل أن تكون الضلالة فيها مأخوذة من «ضل الشيء: إذا لم يعرف مكانه» و «ضلت الدراهم: إذا ضاعت وافتقدت» و «ضل البعير: إذا ضاع في الصحارى والمفاوز» وفي الحديث: «الحكمة ضالة المؤمن أخذها أين وجدها» أي مفقودته ولا يزال يتطلبها، وقد اشتهر قول الفقهاء في باب «الجعالة»: «من رد ضالّتي فله كذا».

فالضال بهذا المعنى ينطبق على ما نقله أهل السير والتاريخ عن أوّليات حياته من أنّه ضل في شعاب مكة وهو صغير، فمنَّ اللّه عليه إذ ردّه إلى جدّه، وقصته معروفة في كتب السير.(1)

ولولا رحمته سبحانه لأدركه الهلاك ومات عطشاً أو جوعاً، فشملته العناية الإلهية فردّه إلى مأواه وملجأه.

وهناك احتمال ثالث لا يقصر عمّـا تقدمه من احتمالين، وهو أن تكون


1 . لاحظ السيرة الحلبية: 1/131 ويقول: عن حيدة بن معاوية العامري: سمعت شيخاً يطوف بالبيت وهو يقول:

يا رب رد راكبي محمداً *** أردده ربي واصطنع عندي يداً


(304)

الضلالة في الآية مأخوذة من «ضل الشيء إذا خفي وغاب عن الأعين» قال سبحانه: (أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)(1) ، فالإنسان الضال هو الإنسان المخفي ذكره، المنسي اسمه، لا يعرفه إلاّ القليل من الناس، ولا يهتدي كثير منهم إليه، ولو كان هذا هو المقصود، يكون معناه أنّه سبحانه رفع ذكره وعرفه بين الناس عندما كان خاملاً ذكره منسياً اسمه، ويؤيد هذا الاحتمال قوله سبحانه في سورة الانشراح التي نزلت لتحليل ما ورد في سورة الضحى قائلاً : (أَلَمْ نَشْـرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)(2) فرفع ذكره في العالم، عبارة عن هداية الناس إليه ورفع الحواجز بينه وبين الناس، وعلى هذا فالمقصود من «الهداية» هو هداية الناس إليه لا هدايته، فكأنّه قال: فوجدك ضالاً، خاملاً ذكرك، باهتاً اسمك، فهدى الناس إليك، وسيّـر ذكرك في البلاد.

وإلى ذلك يشير الإمام الرضا (عليه السلام) ـ على ما في خبر ابن الجهم ـ بقوله: «قال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) : « (أَلم يجدك يتيماً فآوى) يقول: (ألم يجدك)وحيداً (فآوى)إليك الناس (ووجدك ضالاً) يعني عند قومك (فهدى)أي هداهم إلى معرفتك».(3)

هذه هي المحتملات المعقولة في الآية ولا يدل واحد منها على ما تتبنّاه المخطّئة وإن كان الأظهر هو الأوّل.

ويعجبني في المقام ما ذكره الشيخ محمد عبده في «رسالة التوحيد» فقال:


1 . السجدة: 10.
2 . الانشراح: 1 ـ 4.
3 . البحار: 16/142.


(305)

وفي السنة السادسة من عمره فقد والدته أيضاً فاحتضنه جده عبد المطلب، وبعد سنتين من كفالته، توفّـي جدّه، فكفله من بعده عمه أبو طالب وكان شهماً كريماً غير أنّه كان من الفقر بحيث لا يملك كفاف أهله.

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) من بني عمه وصبية قومه، كأحدهم على ما به من يتم، فقد فيه الأبوين معاً، وفقر لم يسلم منه الكافل والمكفول، ولم يقم على تربيته مهذب، ولم يعن بتثقيفه مؤدب بين أتراب من نبت الجاهلية، وعشراء من خلفاء الوثنية، وأولياء من عبدة الأوهام، وأقرباء من حفدة الأصنام، غير أنّه مع ذلك كان ينمو ويتكامل بدناً وعقلاً وفضيلة وأدباً، حتى عرف بين أهل مكة وهو في ريعان شبابه بالأمين، أدب إلهي لم تجر العادة بأن تزين به نفوس الأيتام من الفقراء خصوصاً مع فقر القوّام، فاكتهل (صلى الله عليه وآله وسلم) كاملاً والقوم ناقصون، رفيعاً والقوم منحطون، موحداً وهم وثنيون، سلماً وهم شاغبون، صحيح الاعتقاد وهم واهمون، مطبوعاً على الخير وهم به جاهلون، وعن سبيله عادلون.

من السنن المعروفة أنّ يتيماً فقيراً أُميّاً مثله تنطبع نفسه بما تراه من أوّل نشأته إلى زمن كهولته، ويتأثر عقله بما يسمعه ممّن يخالطه، ولا سيما إن كان من ذوي قرابته، وأهل عصبته، ولا كتاب يرشده ولا أُستاذ ينبهه، ولا عضد إذا عزم يؤيده، فلو جرى الأمر فيه على مجاري السنن لنشأ على عقائدهم، وأخذ بمذاهبهم، إلى أن يبلغ مبلغ الرجال، ويكون للفكر والنظر مجال، فيرجع إلى مخالفتهم، إذا قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم كما فعل القليل ممّن كانوا على عهده، ولكن الأمر لم يجر على سنته، بل بغضت إليه الوثنية من مبدأ عمره، فعاجلته طهارة العقيدة، كما بادره حسن الخليقة، وما جاء في الكتاب من قوله: (ووجدك ضالاً فهدى) لا يفهم منه أنّه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد، أو على غير السبيل القويم


(306)

قبل الخلق العظيم، حاش للّه، إنّ ذلك لهو الافك المبين، وإنّما هي الحيرة تلم بقلوب أهل الإخلاص، فيما يرجون للناس من الخلاص، وطلب السبيل إلى ما هدوا إليه من إنقاذ الهالكين وإرشاد الضالين.(1)

* الآية الثانية: الأمر بهجر الرجز

يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالْرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)(2).

استدلت المخطّئة بأنّ الرجز بمعنى الصنم والوثن، ففي الأمر بهجره إيعاز لوجود أرضية صالحة لعبادتهما في شخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

أقول: إنّ الرجز في القرآن الكريم استعمل في المعاني الثلاثة التالية:

1. العذاب.

2. القذارة.

3. الصنم.

ولك أن تقول: إنّ المفاهيم الثلاثة أشكال لمعنى واحد جوهراً، وليست بمعان متعددة، ولكن تعيين أحد الأمرين لا يؤثر فيما نرتئيه، توضيح ذلك:

إنّ «الرجز»: بكسر الراء قد استعمل في القرآن تسع مرّات، وقد أُريد منه في جميعها العذاب إلاّ في مورد واحد، وإليك مظانها: البقرة/59، الأعراف/134 وجاءت اللفظة فيها مرتين، والأعراف/145 و 162، الأنفال/11، سبأ/5، الجاثية/11، والعنكبوت/29.


1 . رسالة التوحيد: 135 ـ 136.
2 . المدثر : 1 ـ 7.


(307)

وأمّا «الرجز» : بضم الراء، فقد جاء في القرآن الكريم مرّة واحدة، وهي الآية التي نحن بصدد تفسيرها، فسواء أُريد منها العذاب أم غيره من المعنيين، فلا يدل على ما ذهبت إليه المخطّئة، وإليك بيان ذلك:

أ. «الرجز» العذاب: فلو كان المقصود منه العذاب فيدل على الأمر بهجر ما يسلتزم العذاب، وبما أنّ الآيات القرآنية نزلت بعنوان التعليم فلا تدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مشرفاً على ما يجرّ العذاب، لأنّ هذه الخطابات من باب «إياك أعني واسمعي يا جارة»، وهذا النوع من الخطاب بمكان من البلاغة، لأنّه سبحانه إذا خاطب أعز الناس إليه بهذا الخطاب فغيره أوّلى به، ومن هنا يقدر القارئ الكريم على حل كثير من الآيات التي تخاطب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بلحن حاد وشديد، فتقول: (لَئِنْ أَشْـرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)(1) ، وليست الآية دليلاً على وجود أَرضية الشرك في شخصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنهاه عنه سبحانه، بل الآيات آيات عامّة نزلت للتعليم، والخطاب موجه إليه والمقصود منها عامة الناس، نرى أنّه سبحانه يخاطب نبيَّه الأكرم في سورة القصص بالخطابات الناهية الأربعة المتوالية، الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمقصود منه هو الأُمّة ويقول: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً للْكَافِرينَ * وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(2).

وهذا هو المقياس في أكثر الخطابات الناهية الواردة في القرآن الكريم.

ب. الرجز بمعنى القذارة: ثم إنّ القذارة على قسمين: القذارة المادية،


1 . الزمر: 65.
2 . القصص: 86 ـ 88.


(308)

والقذارة المعنوية، فيحتمل أن يكون المراد هو الأوّل، وقد ورد في الروايات أنّ أبا جهل جاء بشيء قذر ونادى أصحابه، وقال: هل فيكم رجل يأخذه مني ويلقيه على محمد؟ فأخذه بعض أصحابه فألقاه عليه، فحينئذ تكون الآية ناظرة إلى تطهير الثوب عن الدنس، وإن أُريد القذارة المعنوية فالمراد هو الاجتناب عن الأفعال والصفات الذميمة، فإنّ الآية نزلت للتعليم فلاتدل على اتصاف النبي الأكرم بها.

ج. الرجز بمعنى الصنم: نفترض أنّ المقصود منه في الآية هو الصنم لكن لا بمعنى أنّه وضع لذاك المعنى، وإنّما وضع اللفظ لمعنى جامع يعم الصنم والخمر والأزلام، لاشتراك الجميع في كونها رجزاً، ولأجل ذلك وصف الجميع في مورد آخر بالرجس فقال: (إِنَّما الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)(1).

ولكن الجواب عن هذه الصورة هو الجواب عن الصورتين الأُوليين، والشاهد على ذلك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم نزلت الآية لم يكن عابداً للوثن، بل كان مشمّراً لتحطيم الأصنام ومكافحة عبدتها، فلا يصح أن يخاطب من هذا شأنه، بهجر الأصنام إلاّ على الوجه الذي أوعزنا إليه.

* الآية الثالثة: عدم علمه بالكتاب والإيمان

قوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(2).


1 . المائدة: 90.
2 . الشورى: 52.


(309)

استدلت المخطّئة لعصمة النبي الأكرم بهذه الآية وزعمت ـ والعياذ باللّه ـ دلالة الآية على أنّه كان فاقداً للإيمان قبل الإيحاء إليه، وقد انقلب وصار مؤمناً موحداً بالوحي وبعد نزوله إليه.

لكن حياته المشرقة ـ بالإيمان والتوحيد ـ تفند تلك المزعمة، بشهادة التاريخ على أنّه من بداية عمره إلى أن لاقى ربَّه، كان مؤمناً موحداً، وليس ذلك أمراً قابلاً للشك والترديد، وقد أصفق على ذلك أهل السير والتاريخ وحتى كان الأحبار والرهبان معترفين بأنّه نبيُّ هذه الأُمّة وخاتم الرسالات الإلهية، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمع تلك الشهادات منهم في فترات خاصة في «مكة» و «يثرب» و «بصرى» و «الشام» وغيرها، وعلى ذلك فكيف يمكن أن يكون غافلاً عن الكتاب الذي ينزل إليه، أو يكون مجانباً عن الإيمان بوجوده سبحانه وتوحيده، والتاريخ المسلّم الصحيح يؤكد على عدم صدق ذلك الاستظهار، وعلى ضوء هذا، لا بد من إمعان النظر في مفاد الآية كما لا بد في تفسيرها من الاستعانة بالآيات الواردة في ذلك المساق فنقول:

بعث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لهداية قومه أوّلاً، وهداية جميع الناس ثانياً ـ بالآيات والبيّنات، وأخص بالذكر منها: كتابه وقرآنه (معجزته الكبرى الخالدة) الذي بفصاحته أخرس فرسان الفصاحة، وقادة الخطابة، وببلاغته قهر أرباب البلاغة وملوك البيان، وخلب عقولهم وقد دعاهم إلى التحدي والمقابلة، فلم يكن الجواب منهم إلاّ إثارة التهم حوله، فتارة قالوا: بأنّه (يُعْلّمُهُ بشر) ، وأُخرى بأنّه (إفْكٌ افتراهُ وأعانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرَون)، وثالثة: بأنّه (أساطِيرُ الأوّلِينَ اكْتَتَبها فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرةً وأصِيلا) ، قال سبحانه ردّاً على هذه التهم التي أوعزنا إليها: (قُلْ نَزّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرَى


(310)

لِلْمُسْلِمِينَ * ولَقَدْ نَعْلَمُ أنّهُمْ يَقُولُونَ إنّما يُعَلِّمُهُ بَشرٌ لِسانُ الذِي يُلْحِدُونَ إليهِ أعْجَميٌّ وهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِين)(1) ، وقال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَـوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً)(2).

والآية التي تمسّكت بها المخطّئة بصدد بيان هذا الأمر وأنّه وحي سماوي لا إفك افتراه، ولأجل ذلك بدأ كلامه بلفظة (وكذلك أوحينا إليك) ، أي كما أنّه سبحانه أوحى إلى سائر الأنبياء بإحدى الطرق الثلاثة التي بيّنها في الآية المتقدمة، أوحى إليك أيضاً روحاً من أمرنا، وليس هذا كلامك وصنيعك، بل كلام ربك وصنيعه.

هذا مجمل الكلام في الآية، ولأجل رفع النقاب عن مرامها نقدم أُموراً تسلّط ضوءاً عليه:

الأوّل: المراد من الروح في الآية هو القرآن، وسمّي روحاً لأنّه قوام الحياة الأُخروية، كما أنّ الروح في الإنسان قوام الحياة الدنيوية، ويؤيد ذلك أُمور :

أ. انّ محور البحث الأصلي في سورة الشورى، هو : الوحي والآيات الواردة فيها البالغ عددها 53 آية، تبحث عن ذلك المعنى بالمباشرة أو بغيرها.

ب. الآية التي تقدمت على تلك، تبحث عن الطرق التي يكلّم بها سبحانه أنبياءه ويقول: (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلَيٌّ حَكِيمٌ)(3).


1 . النحل: 102 ـ 103.
2 . الفرقان: 4 ـ 6.
3 . الشورى: 51.


(311)

ج. ما تقدم من أنّه سبحانه بدأ كلامه في هذه الآية بلفظة (وكذلك) ، أي كما أوحينا إلى من تقدّم من الأنبياء كذلك أوحينا إليك بإحدى هذه الطرق (روحاً من أمرنا) ووجه الاشتراك بينه وبين النبيين، هو الوحي المتجلّـي في نبينا بالقرآن وفي غيره بوجه آخر .

كل ذلك يؤيد أنّ المراد منه هو القرآن الملقى إليه، نعم وردت في بعض الروايات أنّ المراد منه هو (روح القدس)ولكنه لا ينطبق على ظاهر الآية، لأنّ «الروح» بحكم كونه مفعولاً لـ (أوحينا) يجب أن يكون شيئاً قابلاً للوحي حتى يكون «موحاً» وروح القدس ليس موحاً، بل هو الموحي بالكسر، فكيف يمكن أن يكون مفعولاً لـ (أوحينا) ، ولأجله يجب تأويل الروايات إن صح اسنادها.

الثاني: انّ هيئة (ما كنت) أو (ما كان) تستعمل في نفي الإمكان والشأن قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ)(1) ، وقال عزّ اسمه: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة)(2). وقال تعالى حاكياً عن بلقيس: (مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُون)(3).

وعلى ضوء هذا الأصل يكون مفاد قوله: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) انّه لولا الوحي ما كان من شأنك أن تدري الكتاب ولا الإيمان، فإن وقفت عليهما فإنّما هو بفضل الوحي وكرامته.

الثالث: انّ ظاهر الآية أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان فاقداً للعلم بالكتاب والدراية للإيمان، وإنّما حصلت الدراية بهما في ظل الوحي وفضله، فيجب إمعان


1 . آل عمران: 145.
2 . التوبة: 122.
3 . النمل: 32.


(312)

النظر في الدراية التي كان النبي فاقداً لها قبل الوحي وصار واجداً لها بعده، فما تلك الدراية وذاك العلم؟

فهل المراد هو العلم بنزول الكتاب إليه اجمالاً، والإيمان بوجوده وتوحيده سبحانه؟ أو المراد العلم بتفاصيل ما في الكتاب والإذعان بها كذلك؟

لا سبيل إلى الأوّل، لأنّ علمه إجمالاً بأنّه ينزل إليه الكتاب، أو إيمانه بوجوده سبحانه كانا حاصلين قبل نزول الوحي إليه، ولم يكن العلم بهما مما يتوقف على الوحي، فإنّ الأحبار والرهبان كانوا واقفين على نبوته ورسالته ونزول الكتاب إليه في المستقبل إجمالاً ، وقد سمع منهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في فترات مختلفة ـ أنّه النبي الموعود في الكتب السماوية، وأنّه خاتم الرسالات والشرائع، فهل يصح أن يقال: إنّ علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنزول كتاب عليه إجمالاً كان بعد بعثته وبعد نزول الوحي؟ أو أنّه كان متقدّماً عليه وعلى بعثته؟ ومثله الإيمان باللّه سبحانه وتوحيده إذ لم يكن الإيمان باللّه أمراً مشكلاً متوقفاً على الوحي، وقد كان الأحناف في الجزيرة العربية ومن جملتهم رجال البيت الهاشمي، موحدين مؤمنين مع عدم نزول الوحي إليهم.

وبالجملة: العلم الإجمالي بنزول كتاب إليه والإيمان بوجوده وتوحيده، لم يكن أمراً متوقفاً على نزول الوحي حتى يحمل عليه قوله: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) . وعندئذ يتعين الاحتمال الثاني، وهو أنّ العلم التفصيلي بمضامين الكتاب وما فيه من الأُصول والتعاليم والقصص ـ ثم الإيمان والإذعان بتلك التفاصيل ـ كانا متوقفين على نزول الوحي، ولولاه لما كان هناك علم بها ولا إيمان.

وإن شئت قلت: العلم والإيمان بالأُمور السمعية التي لا سبيل للعقل عليها ـ كالمعارف والأحكام والقصص ومحاجة الأنبياء مع المشركين والكفّار وما


(313)

نزل بساحة أعدائهم من إهلاك وتدمير ـ لا يحصلان إلاّ من طريق الوحي، حتى قصص الأُمم السالفة وحكاياتهم لتسرب الوضع والدس إلى كتب القصاصين، والصحف السماوية النازلة قبل القرآن.

* تفسير الآية بآية أُخرى

إنّ الرجوع إلى ما ورد في هذا المضمار من الآيات، يوضح المراد من عدم درايته بالكتاب أوّلاً، والإيمان ثانياً:

أمّا الأوّل: فيقول سبحانه: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)(1) ، فالآية صريحة في أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن عالماً بتفاصيل الأنباء، وقد وقف عليها من جانب الوحي، فعبّر عن عدم وقوفه عليها في هذه الآية بقوله: (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك) وفي تلك الآية: بقوله: (ما كنت تدري ما الكتاب)والفرق هو أنّ (الكتاب) أعم من (أنباء الغيب) والأوّل يشتمل على الأنباء وغيرها «وأمّا الأنباء» فإنّها مختصة بالقصص، والكل مشترك في عدم العلم بهما قبل الوحي والعلم بهما بعده.

وأمّا الثاني:

فقوله سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(2) فقوله: (آمن الرسول بما أنزل إليه) صريح في


1 . هود: 49.
2 . البقرة: 285.


(314)

أنّ متعلّق الإيمان الحاصل بعد الوحي، هو الإيمان (بما أُنزل إليه) ، أعني: تفاصيل الكتاب في المجالات المختلفة، لا الإيمان باللّه وتوحيده، وعندئذ يرتفع الإبهام في الآية التي تمسّكت بها المخطّئة، ويتبيّـن أنّ متعلّق الإيمان المنفي في قوله: (ولا الإيمان) هو «ما أنزل إليه» لا الإيمان بالمبدأ وتوحيده.

والحاصل: أنّ هنا شيئاً واحداً، أعني: الإيمان بما أُنزل من المعارف والأحكام والأنباء، فقد نفى عنه في الآية المبحوث عنها لكونها ناظرة إلى ما قبل البعثة، وأثبت له في الآية الأُخرى لكونها ناظرة إلى ما بعد البعثة.

ومن هنا تتضح أهمية عرض الآيات بعضها على بعض وتفسير الآية باختها، فهاتان الآيتان كما عرفت كافلتان لرفع إبهام الآية وإجمالها.

وقد تفطن المفسرون لما ذكرناه على وجه الإجمال فقال الزمخشري في الكشاف: الإيمان اسم يتناول أشياء: بعضها الطريق إليه العقل، وبعضها الطريق إليه السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل، وذاك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي.(1)

وقال الطبرسي: (ما كنت تدري ما الكتاب) ما القرآن ولا الشرائع ومعالم الإيمان.(2)

وقال الرازي: المراد من الإيمان هو الإقرار بجميع ما كلّف اللّه تعالى به، وأنّه قبل النبوّة ما كان عارفاً بجميع تكاليف اللّه تعالى بل أنّه كان عارفاً باللّه ... ثم قال: صفات اللّه تعالى على قسمين: منها ما تمكن معرفته بمحض دلائل العقل، ومنها ما لا تمكن معرفته إلاّ بالدلائل السمعية، فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته


1 . الكشاف: 3/88 ـ 89.
2 . مجمع البيان: 5/37.


(315)

حاصلة قبل النبوة.(1)

وقال العلاّمة الطباطبائي في «الميزان»: إنّ الآية مسوقة لبيان أنّ ما عنده(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي يدعو إليه إنّما هو من عند اللّه سبحانه لا من قبل نفسه وإنّما أُوتي ما أُوتي من ذلك، بالوحي بعد النبوة، فالمراد بعدم درايته بالكتاب عدم علمه بما فيه من تفاصيل المعارف الاعتقادية والشرائع العملية، فإنّ ذلك هو الذي أُوتي العلم به بعد النبوّة والوحي، والمراد من عدم درايته الإيمان، عدم تلبسه بالالتزام التفصيلي بالعقائد الحقة والأعمال الصالحة، وقد سمى العمل إيماناً في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)(2) ، والمراد الصلوات التي أتى بها المؤمنون إلى بيت المقدس قبل النسخ، والمعنى ما كان عندك قبل وحي الروح، علم الكتاب بما فيه من المعارف والشرائع ولا كنت متلبساً به بما أنت متلبس به بعد الوحي من الالتزام التفصيلي والاعتقادي، وهذا لا ينافي كونه مؤمناً باللّه موحداً قبل البعثة صالحاً في عمله، فإنّ الذي تنفيه الآية هو العلم بتفاصيل ما في الكتاب والالتزام بها اعتقاداً وعملاً، لا نفي العلم والالتزام الإجماليين بالإيمان باللّه والخضوع للحق.(3)

* الآية الرابعة: عدم رجائه إلقاء الكتاب إليه

قال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرينَ)(4).


1 . مفاتيح الغيب: 7/410. ولاحظ روح البيان: 8/347 ; روح المعاني: 15/25.
2 . البقرة: 143.
3 . الميزان: 18/80.
4 . القصص: 86.


(316)

استدل الخصم بأنّ ظاهر الآية نفي علمه بإلقاء الكتاب إليه، فلم يكن النبي راجياً لذلك واقفاً عليه.

أقول: توضيح مفاد الآية يتوقف على إمعان النظر في الجملة الاستثنائية، أعني قوله: (إلاّ رحمة من ربّك)حتى يتضح المقصود، وقد ذكر المفسرون في توضيحها وجوهاً ثلاثة نأتي بها:

1. انّ «إلاّ» استدراكية وليست استثنائية، فهي بمعنى «لكن» لاستدراك ما بقي من المقصود.

وحاصل معنى الآية: ما كنت يا محمد ترجو فيما مضى أن يوحي اللّه إليك ويشرّفك بإنزال القرآن عليك، إلاّ أنّ ربك رحمك وأنعم به عليك وأراد بك الخير، نظير قوله سبحانه: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَحْمَةً مِن رَبِّكَ)(1)، أي ولكن رحمة من ربك خصّك بها، وهذا هو المنقول عن الفراء(2)، وعلى هذا لم يكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أيُّ رجاء لإلقاء الكتاب إليه وإنّما فاجأه الإلقاء لأجل رحمة ربّه، ولكن لا يصار إلى هذا الوجه إلاّ إذا امتنع كون الاستثناء متصلاً لكون الانقطاع على خلاف الظاهر.

2. أن يكون « إلاّ » للاستثناء لا للاستدراك، وهو متصل لا منقطع، ولكن المستثنى منه جملة محذوفة معلومة من سياق الكلام، وهو كما في الكشاف: «وما ألقى إليك الكتاب إلاّ رحمة من ربك»(3) ، أي لم يكن لإلقائه عليك وجه إلاّ رحمة من ربك، وعلى هذا الوجه أيضاً لا يعلم أنّه كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجاء لإلقاء الكتاب


1 . القصص: 46.
2 . مجمع البيان: 4/269 ; مفاتيح الغيب: 6/408.
3 . الكشاف: 2/487 ـ 488.


(317)

عليه وإن كان الاستثناء متصلاً، وهذا الوجه بعيد أيضاً لكون المستثنى منه محذوفاً مفهوماً من الجملة على خلاف الظاهر، وإنّما يصار إليه إذا لم يصح إرجاعه إلى نفس الجملة الواردة في نفس الآية كما سيبيّـن في الوجه الثالث.

3. أن يكون «إلاّ» استثناء من الجملة السابقة عليه، أعني قوله: (وما كنت ترجوا) ويكون معناه: ما كنت ترجوا إلقاء الكتاب عليك إلاّ أن يرحمك اللّه برحمة فينعم عليك بذلك، فتكون النتيجة: ما كنت ترجو إلاّ على هذا(1)، فيكون هنا رجاءٌ منفي ورجاءٌ مثبت أمّا الأوّل: فهو رجاؤه بحادثة نزول الكتاب على نسج رجائه بالحوادث العادية، فلم يكن ذاك الرجاء موجوداً، وأمّا رجاؤه به عن طريق الرحمة الإلهية فكان موجوداً، فنفي أحد الرجاءين لا يستلزم نفي الآخر، بل المنفي هو الأوّل، والثابت هو الثاني، وهذا الوجه هو الظاهر المتبادر من الآية، وقد سبق منّا أنّ جملة (ما كنت) وما أشبهه تستعمل في نفي الإمكان والشأن، وعلى ذلك يكون معنى الجملة: لم تكن راجياً لأن يلقى إليك الكتاب وتكون طرفاً للوحي والخطاب إلاّ من جهة خاصة، وهي أن تقع في مظلة رحمته وموضع عنايته فيختارك طرفاً لوحيه، ومخاطباً لكلامه وخطابه، فالنبي بما هو إنسان عادي لم يكن راجياً لأن ينزل إليه الوحي ويلقى إليه الكتاب، وبما أنّه صار مشمولاً لرحمته وعنايته وصار إنساناً مثالياً قابلاً لتحمل المسؤولية وتربية الأُمّة، كان راجياً به، وعلى ذلك فالنفي والإثبات غير واردين على موضع واحد.

فقد خرجنا بفضل هذا البحث الضافي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إنساناً مؤمناً موحداً عابداً للّه ساجداً له قائماً بالفرائض العقلية والشرعية، مجتنباً عن المحرمات، عالماً بالكتاب، ومؤمناً به إجمالاً، وراجياً لنزوله إليه إلى أن بُعثَ لإنقاذ البشرية عن


1 . مفاتيح الغيب: 6/498.


(318)

الجهل، وسوقها إلى الكمال، فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً، وبقيت هنا آية أُخرى نأتي بتفسيرها إكمالاً للبحث وإن لم تكن لها صلة تامّة لما تتبنّاه المخطّئة.

* الآية الخامسة: لو لم يشأ اللّه ما تلوته

قال سبحانه: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)(1).

والآية تؤكد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لابثاً في قومه، ولم يكن تالياً لسورة من سور القرآن أو تالياً لآي من آياته، وليس هذا الشيء ينكره القائلون بالعصمة، فقد اتفقت كلمتهم على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقف على ما وقف من آي الذكر الحكيم من جانب الوحي ولم يكن قبله عالماً به، وأين هو من قول المخطّئة من نفي الإيمان منه قبلها؟!

وإن أردت الإسهاب في تفسيرها فلاحظ الآية المتقدمة عليها فترى فيها اقتراحين للمشركين، وقد أجاب القرآن عن أحدهما في الآية المتقدّمة وعن الآخر في نفس هذه الآية، وإليك نصها: (قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنَّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم)(2).

اقترح المشركون على النبي أحد أمرين:

1. الإتيان بقرآن غير هذا، مع المحافظة على فصاحته وبلاغته.


1 . يونس: 16.
2 . يونس: 15.


(319)

2. تبديل بعض آياته ممّا فيه سبّ لآلهتهم وتنديد بعبادتهم الأوثان والأصنام.

فأجاب عن الثاني في نفس الآية بأنّ التبديل عصيان للّه، وانّه يخاف من مخالفة ربّه، ولا محيص له إلاّ اتّباع الوحي من دون أن يزيد فيه أو ينقص عنه.

وأجاب عن الأوّل في الآية المبحوث عنها بأنّه أمر غير ممكن، لأنّ القرآن ليس من صنعي وكلامي حتى أذهب به وآتي بآخر، بل هو كلامه سبحانه، وقد تعلقت مشيئته على تلاوتي، ولو لم يشأ لما تلوته عليكم ولا أدراكم به، والدليل على ذلك إنّي كنت لابثاً فيكم عمراً من قبل فما تكلّمت بسورة أو بآية من آياته، ولو كان القرآن كلامي لبادرت إلى التكلّم به طيلة معاشرتي معكم في المدّة الطويلة.

قال العلاّمة الطباطبائي في تفسير الآية: إنّ الأمر فيه إلى مشيئة اللّه لا إلى مشيئتي فإنّما أنا رسول، ولو شاء اللّه أن ينزل قرآناً غير هذا لأنزل، أو لم يشأ تلاوة هذا القرآن ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، فإنّي مكثت فيكم عمراً من قبل نزوله ولو كان ذلك إليّ وبيدي لبادرت إليه قبل ذلك وبدت من ذلك آثار ولاحت لوائحه.(1)

هذا آخر الكلام في عصمته عن العصيان، وصيانته عن الخلاف، بقي الكلام في عصمته عن الخطأ والنسيان، فنطرحها على بساط البحث إجمالاً .

* عصمة النبي الأعظم عن الخطأ(2)

إنّ صيانة النبي عن الخطأ والاشتباه سواء أ كان في مجال تطبيق الشريعة، أم


1 . الميزان: 10/26. ولاحظ تفسير المنار: 11/320.
2 . البحث كما يعرب عنه عنوان البحث، مركز على صيانة خصوص نبينا الأعظم عن الخطأ استدلالاً وإشكالاً وجواباً، وأمّا البحث عن عصمة غيره من الأنبياء فموكول إلى مجال آخر .


(320)

في مجال الأُمور العادية الفردية المرتبطة بحياته، ممّا طرح في علم الكلام وطال البحث فيه بين متكلمي الإسلام.

غير انّ تحقق الغاية من البعثة رهن صيانته عن الخطأ في كلا المجالين، وإلاّ فلا تتحقق الغاية المتوخاة من بعثته، وهذا هو الدليل العقلي الذي اعتمدت عليه العدلية، بعدما اتفق الكل على لزوم صيانته عن الخطأ والاشتباه في مجال تلقي الوحي وحفظه، وأدائه إلى الناس، ولم يختلف في ذلك اثنان.

وإليك توضيح هذا الدليل العقلي: إنّ الخطأ في غير أمر الدين وتلقّي الوحي يتصوّر على وجهين:

أ. الخطأ في تطبيق الشريعة كالسهو في الصلاة أو في إجراء الحدود.

ب. الاشتباه في الأُمور العادية المعدة للحياة كما إذا استقرض ألف دينار، وظن أنّه استقرض مائة دينار.

وهو مصون من الاشتباه والسهو في كلا الموردين، وذلك لأنّ الغاية المتوخاة من بعث الأنبياء هي هدايتهم إلى طريق السعادة، ولا تحصل تلك الغاية إلاّ بكسب اعتماد الناس على صحة ما يقوله النبي وما يحكيه عن جانب الوحي، وهذا هو الأساس لحصول الغاية، ومن المعلوم أنّه لو سها النبي واشتبه عليه الأمر في المجالين الأوّلين ربّما تسرب الشك إلى أذهان الناس، وانّه هل يسهو في ما يحكيه من الأمر والنهي الإلهي أم لا ؟

فبأي دليل أنّه لا يخطأ في هذا الجانب مع أنّه يسهو في المجالين الآخرين؟! وهذا الشعور إذا تغلغل في أذهان الناس سوف يسلب اعتماد الناس على النبي، وبالتالي تنتفي النتيجة المطلوبة من بعثه.


(321)

نعم، التفكيك بين صيانته في مجال الوحي وصيانته في سائر الأُمور وإن كان أمراً ممكناً عقلاً ، ولكنه ممكن بالنسبة إلى عقول الناضجين في الأبحاث الكلامية ونحوها، وأمّا العامّة ورعايا الناس الذين يشكلون أغلبية المجتمع، فهم غير قادرين على التفكيك بين تينك المرحلتين، بل يجعلون السهو في إحداهما دليلاً على إمكان تسرّب السهو إلى المرحلة الأُخرى.

ولأجل سدّ هذا الباب المنافي للغاية المطلوبة من إرسال الرسل، ينبغي أن يكون النبي مصوناً في عامّة المراحل، سواء أكانت في حقل الوحي أو في تطبيق الشريعة أو في الأُمور العامة، ولهذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : «جعل مع النبي روح القدس وهي لا تنام ولا تغفل ولا تلهو ولا تسهو».(1)

وعلى ذلك فبما أنّه ينبغي أن يكون النبي اسوة في الحياة في عامة المجالات يجب أن يكون نزيهاً عن العصيان والخلاف والسهو والخطأ.

* القرآن وعصمة النبي عن الخطأ والسهو

قد عرفت منطق العقل في لزوم عصمة النبي من الخطأ في مجال تطبيق الشريعة، ومجال الأُمور العادية المعدّة للحياة، وهذا الحكم لا يختص بمنطقه، بل الذكر الحكيم يدعمه بأحسن وجه، وإليك ما يدل على ذلك:

1. قال سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً)(2) ، وقال أيضاً: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ


1 . بصائر الدرجات: 454.
2 . النساء: 105.


(322)

شَيْء وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)(1).

وقد نقل المفسرون حول نزول الآيات وما بينهما من الآيات روايات رووها بطرق مختلفة نذكر ما ذكره ابن جرير الطبري عن ابن زيد قال: كان رجل سرق درعاً من حديد في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطرحه على يهودي، فقال اليهودي: واللّه ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت عليّ وكان للرجل الذي سرق جيران يبرؤونه ويطرحونه على اليهودي، ويقولون: يا رسولَ اللّه إنّ هذا اليهودي الخبيث يكفر باللّه وبما جئت به، قال: حتى مال عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ببعض القول فعاتبه اللّه عزّ وجلّ في ذلك فقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً)(2).

أقول: سواء أصحت هذه الرواية أم لا، فمجموع ما ورد حول الآيات من أسباب النزول متفق على أنّ الآيات نزلت حول شكوى رفعت إلى النبي، وكان كل من المتخاصمين يسعى ليبرئ نفسه ويتهم الآخر، وكان في جانب واحد منهما رجل طليق اللسان يريد أن يخدع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ببعض تسويلاته ويثير عواطفه على المتهم البريء حتى يقضي على خلاف الحق، وعند ذلك نزلت الآية ورفعت النقاب عن وجه الحقيقة فعرف المحق من المبطل.

والدقة في فقرات الآية الثانية يوقفنا على سعة عصمة النبي من الخطأ وصيانته من السهو، لأنّها مؤلفة من فقرات أربع، كل يشير إلى أمر خاص :

1. (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا


1 . النساء: 113.
2 . تفسير الطبري: 4/172.


(323)

يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء ) .

2. (وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .

3. (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) .

4. (وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) .

فالأُولى منها: تدل على أنّ نفس النبيّ بمجردها لا تصونه من الضلال (أي من القضاء على خلاف الحق) وإنّما يصونه سبحانه عنه، ولولا فضل اللّه ورحمته لهمّت طائفة أن يرضوه بالدفاع عن الخائن والجدال عنه، غير أنّ فضله العظيم على النبي هو الذي صدّه عن مثل هذا الضلال وأبطل أمرهم المؤدي إلى إضلاله، وبما أنّ رعاية اللّه سبحانه وفضله الجسيم على النبي ليست مقصورة على حال دون حال، أو بوقت دون وقت آخر ، بل هو واقع تحت رعايته وصيانته منذ أن بعث إلى أن يلاقي ربَّه، فلا يتعدى إضلال هؤلاء أنفسهم ولا يتجاوز إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فهم الضالون بما هموا به كما قال: (وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء ).

والفقرة الثانية: تشير إلى مصادر حكمه ومنابع قضائه، وأنّه لا يصدر في ذلك المجال إلاّ عن الوحي والتعليم الإلهي، كما قال سبحانه: (وأنزل عليك الكتاب والحكمة) والمراد المعارف الكلية العامة من الكتاب والسنة.

ولما كان هذا النوع من العلم الكلي أحد ركني القضاء وهو بوحده لا يفي بتشخيص الموضوعات وتمييز الصغريات، فلابد من الركن الآخر وهو تشخيص المحق من المبطل، والخائن من الأمين، والزاني من العفيف، أتى بالفقرة الثالثة وقال: (وعلّمك ما لم تكن تعلم)ومقتضى العطف، مغائرة المعطوف، مع المعطوف عليه، فلو كان المعطوف عليه ناظراً إلى


(324)

تعرّفه على الركن الأوّل وهو العلم بالأُصول والقواعد الكلية الواردة في الكتاب والسنّة، يكون المعطوف ناظراً إلى تعرّفه على الموضوعات والجزئيات التي تعد ركناً ثانياً للقضاء الصحيح، فالعلم بالحكم الكلي الشرعي وتشخيص الصغريات وتمييز الموضوعات جناحان للقاضي يحلّق بهما في سماء القضاء بالحق من دون أن يجنح إلى جانب الباطل، أو يسقط في هوّة الضلال.

قال العلاّمة الطباطبائي: إنّ المراد من قوله سبحانه: (وعلّمك ما لم تكن تعلم) ليس علمه بالكتاب والحكمة، فإنّ مورد الآية، قضاء النبي في الحوادث الواقعة، والدعاوى المرفوعة إليه، برأيه الخاص، وليس ذلك من الكتاب والحكمة بشيء، وإن كان متوقفاً عليهما، بل المراد رأيه ونظره الخاص.(1) ولما كان هنا موضع توهم وهو أنّ رعاية اللّه لنبيّه تختص بمورد دون مورد، دفع ذلك التوهم بالفقرة الرابعة فقال سبحانه: (وكان فضل اللّه عليك عظيماً) حتى لا يتوهم اختصاص فضله عليه بواقعة دون أُخرى، بل مقتضى عظمة الفضل، سعة شموله لكل الوقائع والحوادث، سواء أكانت من باب المرافعات والمخاصمات، أم الأُمور العادية، فتدل الفقرة الأخيرة على تعرّفه على الموضوعات ومصونيته عن السهو والخطاء في مورد تطبيق الشريعة، أو غيره، ولا كلام أعلى وأغزر من قوله سبحانه في حق حبيبه : (وكان فضل اللّه عليك عظيماً) .

2. قال سبحانه: (وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(2) إنّ الشهادة المذكورة في الآية حقيقة من الحقائق القرآنية تكرر ذكرها في كلامه سبحانه، قال تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً)، وقال تعا(3)لى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ


1 . الميزان: 5/81.
2 . البقرة: 143.
3 . النساء: 41.


(325)

كُلِّ أُمّة شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)(1)، وقال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ)(2)، والشهادة فيها مطلقة، وظاهر الجميع هو الشهادة على أعمال الأُمم وعلى تبليغ الرسل كما يومي إليه قوله تعالى: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)(3) ، وهذه الشهادة وإن كانت في الآخرة ويوم القيامة لكن يتحملها الشهود في الدنيا على ما يدل عليه قوله سبحانه حكاية عن عيسى: (وكُنْتُ عَلَيِهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّـا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)(4) ، وقال سبحانه: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً)(5)، ومن الواضح أنّ الشهادة فرع العلم، وعدم الخطأ في تشخيص المشهود به، فلو كان النبي من الشهداء يجب ألاّ يكون خاطئاً في شهادته، فالآية تدلّ على صيانته وعصمته من الخطأ في مجال الشهادة كما تدلّ على سعة علمه، لأنّ الحواس لا ترشدنا إلاّ إلى صور الأعمال والأفعال، والشهادة عليها غير كافية عند القضاء، وإنّما تكون مفيدة إذا شهد على حقائقها من الكفر والإيمان، والرياء والإخلاص، وبالجملة على كل خفي عن الحس ومستبطن عند الإنسان، أعني ما تكسبه القلوب وعليه يدور حساب رب العالمين، قال تعالى: (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)(6) ، ولا شك أنّ الشهادة على حقائق أعمال الأُمّة خارج عن وسع الإنسان العادي إلاّ إذا تمسّك


1 . النحل: 84.

2 . الزمر: 69.
3 . الأعراف: 6.
4 . المائدة: 117.
5 . النساء: 159.
6 . البقرة: 225.


(326)

بحبل العصمة وولي أمر اللّه بإذنه، ولنا في الأجزاء الآتية من هذه الموسوعة بحث حول الشهداء في القرآن، فنكتفي بهذا القدر في المقام.

ثم إنّ العلاّمة الحجّة السيد عبد اللّه شبر أقام دلائل عقلية ونقلية على صيانة النبي عن الخطأ ولكن أكثرها كما صرّح به نفسه ـ قدس اللّه سره ـ مدخولة غير واضحة، ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتابه.(1)

* أدلّة المخطّئة

إنّ بعض المخطّئة استدلّ على تطرّق الخطأ والنسيان إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعض الآيات غافلة عن أهدافها، وإليك تحليلها:

1. قال سبحانه: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ)(2).

زعمت المخطّئة أنّ الخطاب للنبي وهو المقصود منه، غير انّها غفلت عن أنّ وزان الآية وزان سائر الآيات التي تقدّمت في الأبحاث السابقة وقلنا بأنّ الخطاب للنبي ولكن المقصود منه هو الأُمّة، ويدل على ذلك، الآية التالية لها قال: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِن شَيْء وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(3) ، فإنّ المراد انّه ليس على المؤمنين الذين اتقوا معاصي اللّه سبحانه من حساب الكفرة شيء بحضورهم مجلس الخوض، وهذا يدل على أنّ النهي عن الخوض تكليف


1 . مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار : 2/128 ـ 140.
2 . الأنعام: 68.
3 . الأنعام: 69.


(327)

عام يشترك فيه النبي وغيره، وإنّ الخطاب للنبي لا ينافي كون المقصود هو الأُمّة.

والأوضح منها دلالة على أنّ المقصود هو الأُمّة قوله سبحانه: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً)(1).

والآية الأخيرة مدنية، والآية المتقدمة مكية، وهي تدل على أنّ الحكم النازل سابقاً متوجه إلى المؤمنين وإنّ الخطاب وإن كان للنبي لكن المقصود منه غيره.

2. (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيء إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لاَِقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً)(2) ، والمراد من النسيان نسيان الاستثناء (إلاّ أن يشاء اللّه) ووزان هذه الآية، وزان الآية السابقة في أنّ الخطاب للنبي والمقصود هو الأُمّة.

3. (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى)(3) ، ومعنى الآية سنجعلك قارئاً بإلهام القراءة فلا تنسى ما تقرأه، لكن المخطّئة استدلّت بالاستثناء الوارد بعده، على إمكان النسيان، لكنّها غفلت عن نكتة الاستثناء، فإنّ الاستثناء في الآية نظير الاستثناء في قوله سبحانه (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَالأرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)(4) ، ومن المعلوم أنّ الوارد إلى الجنّة لا يخرج منها، ولكن


1 . النساء: 140.
2 . الكهف: 23 ـ 24.
3 . الأعلى: 6 ـ 7.
4 . هود: 108.


(328)

الاستثناء لأجل بيان انّ قدرة اللّه سبحانه بعد باقية، فهو قادر على الإخراج مع كونهم مؤبدين في الجنّة، وأمّا الآية فالاستثناء فيها يفيد بقاء القدرة الإلهية على إطلاقها، وإنّ عطية اللّه أعني «الإقراء بحيث لا تنسى» لا ينقطع عنه سبحانه بالإعطاء، بحيث لا يقدر بعد على إنسائك، بل هو باق على إطلاق قدرته، فلو شاء أنساك متى شاء، وإن كان لا يشاء ذلك.

وبما أنّ البحث مركّز على عصمة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من الخطأ والنسيان دون سائر الأنبياء ذكرنا الآيات التي استدلّت بها المخطّئة على ما تتبنّاه في حق النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا بيان الآيات التي يمكن أن يستدل بها على إمكان صدور السهو والنسيان عن سائر الأنبياء وتفسيرها فمتروك إلى مجال آخر ، ونقول على وجه الإجمال انّه يستظهر من بعض الآيات صحة نسبة النسيان إلى غير النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أعني قوله سبحانه: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)(1).

وقوله سبحانه في حق موسى: (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيا حُوتَهُمَا)(2).

وقوله سبحانه أيضاً عنه: (فَإِنّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)(3).

وقوله سبحانه في حقّه أيضاً: (لا تُؤاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ)(4).

لكن البحث عن مفاد هذه الآيات موكول إلى مجال آخر .


1 . طه: 115.
2 . الكهف: 61.
3 . الكهف: 63.
4 . الكهف: 73.


(329)

بقي هنا أمران:

الأوّل: ما هي النظرية السائدة بين الإمامية في مسألة سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

الثاني: كيفية معالجة المأثورات الظاهرة في صدور السهو عن النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).

وإليك بيان الأمرين على نحو الإجمال:

* 1. الرأي السائد بين الإمامية حول سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

يظهر من الشيخ الصدوق أنّ إنكار سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان شعار الغلاة والمفوّضة، قال في كتابه «من لا يحضره الفقيه»: إنّ الغلاة والمفوّضة ينكرون سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويقولون: لو جاز أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ، لأنّ الصلاة عليه فريضة كما أنّ التبليغ عليه فريضة.

ثم أجاب عنه بقوله: وهذا لا يلزمنا، وذلك لأنّ جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فيها ما يقع على غيره ... فالحالة التي اختص بها هي النبوة، والتبليغ من شرائطها، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع عليه في الصلاة، لأنّها عبادة مخصوصة، والصلاة عبادة مشتركة، وبها تثبت له العبودية، وبإثبات النوم له عن خدمة ربّه عزّ وجلّ من غير إرادة له وقصد منه إليه، نفي الربوبية عنه، لأنّ الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو اللّه الحي القيّوم، وليس سهو النبي كسهونا، لأنّ سهوه من اللّه عزّ وجلّ، وإنّما أسهاه ليعلم أنّه بشر مخلوق فلا يتخذ ربّاً معبوداً دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا، وسهونا عن الشيطان، وليس للشيطان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة ـ صلوات اللّه عليهم ـ سلطان (إنّما سُلطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَولَّوْنَهُ والَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشركون)(1) وعلى من تبعه من الغاوين.


1 . النحل: 100.


(330)

ثم نقل عن شيخه محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (المتوفّـى 343 هـ) انّه كان يقول: أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .(1)

وحاصل كلامه: انّ السهو الصادر عن النبي إسهاء من اللّه إليه لمصلحة، كنفي وهم الربوبية عنه، وإثبات انّه بشر مخلوق، وإعلام الناس حكم سهوهم في العبادات وأمثالها وأمّا السهو الذي يعترينا من الشيطان فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)منه بريء، وهو منزّه عنه، وليس للشيطان عليه سلطان ولا سبيل.

ومع ذلك كلّه، فهذه النظرية مختصة به، وبشيخه ابن الوليد، ومن تبعهما كالطبرسي في «مجمعه» على ما سيأتي; والمحقّقون من الإمامية متفقون على نفي السهو عنه في أُمور الدين حتى مثل الصلاة.

قال المفيد: أقول إنّ الأئمّة القائمين مقام الأنبياء (عليهم السلام) في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء، وانّه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلاّ من شذّ منهم وتعلّق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنّه الفاسد من هذا الباب، والمعتزلة بأسرها تخالف في ذلك ويجوّزون من الأئمة وقوع الكبائر والردّة عن الإسلام.(2)

وقال في شرحه على عقائد الصدوق: فأمّا نص أبي جعفر ـ رحمه اللّه ـ بالغلو على من


1 . من لا يحضره الفقيه: 1/232.
2 . أوائل المقالات: 35.


(331)

نسب مشايخ القمّيين وعلمائهم (الذين جوّزوا السهو على النبي) إلى التقصير، فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلو الناس، إذ في جملة المشار إليهم بالشيخوخة والعلم من كان مقصّراً، وانّما يجب الحكم بالغلو على من نسب المحقّقين إلى التقصير سواء أكانوا من أهل قم أم من غيرها من البلاد ومن سائر الناس، وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد (رحمه الله) لم نجد لها دافعاً وهي ما حُكي عنه انّه قال: أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والإمام (عليه السلام) .

ثم إنّ الشيخ المفيد لم يكتف بهذا القدر من الرد بل ألّف رسالة مفردة في ردّه، وقد أدرجها العلاّمة المجلسي في «بحاره».(1)

وعلى هذا الرأي استقر رأي الإمامية، فقال المحقّق الطوسي: وتجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق ... وعدم السهو .

وقال العلاّمة الحلّـي في شرحه: وان لا يصح عليه السهو لئلاّ يسهو عن بعض ما أُمر بتبليغه.(2)

وقال المحقّق الحلّي في «النافع»: والحق رفع منصب الإمامة عن السهو في العبادة.(3)

وقال العلاّمة في «المنتهى» في مسألة التكبير في سجدتي السهو: احتج المخالف بما رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قال: ثم كبّر وسجد .

والجواب: هذا الحديث عندنا باطل، لاستحالة السهو على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقال في مسألة أُخرى: قال الشيخ : وقول مالك باطل، لاستحالة السهو على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). (4)


1 . راجع البحار: 17/122 ـ 129.
2 . كشف المراد: 195.
3 . النافع: 45.
4 . منتهى المطلب: 418 ـ 419.


(332)

وقال الشهيد في «الذكرى» : وخبر ذي اليدين متروك بين الإمامية، لقيام الدليل العقلي على عصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن السهو، لم يصر إلى ذلك غير ابن بابويه.(1)

هذا هو الرأي السائد بين الإمامية، ولم يشذّ عنهم أحد من المتأخّرين سوى أمين الإسلام الطبرسي في «تفسيره» حيث قال: وأمّا النسيان والسهو فلم يُجْوّزوهما عليهم فيما يؤدّونه عن اللّه تعالى، وأمّا ما سواه فقد جوّزوا عليهم أن ينسوه أو يسهوا عنه ما لم يؤدّ ذلك إلى إخلال بالعقل.(2)

وأمّا غيره، فلم نجد من يوافقه، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المصادر المذكورة في الهامش.

وقد قام(3) العلاّمة المجلسي بإيفاء حق المقام في «بحاره».(4)

* 2. كيفية معالجة المأثورات حول سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى الفريقان أحاديث حول سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

روى البخاري في كتاب الصلاة، باب «من يكبر في سجدتي السهو» عن أبي هريرة قال: صلّـى النبي إحدى صلاتي العشية ... ركعتين، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ذو اليدين، فقال: أنسيت الصلاة أم قصرت؟ فقال:


1 . الذكرى: 215.
2 . مجمع البيان: 2/317.
3 . حق اليقين في معرفة أُصول الدين: للسيد عبد اللّه شبر: 1/124; مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار، له أيضاً: 2/134 ـ 142; تنزيه الأنبياء للسيد المرتضى; منهج الصادقين: 3/393، و 5/346.
4 . لاحظ البحار: 17/97 ـ 129.


(333)

لم أنس ولم تقصر ، قال: بلى قد نسيت . فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبّـر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبّـر، ثم وضع رأسه فكبّـر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبّـر.(1) هذا ما رواه أهل السنّة كما رووا غيره أيضاً.

أمّا الشيعة فقد رووا أحاديث حول الموضوع نقلها العلاّمة المجلسي في«بحاره».(2) ولا يتجاوز مجموع ما ورد في هذا الموضوع عن اثني عشر حديثاً، كما أنّ أخبار نوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن صلاة الصبح لا تتجاوز عن ستة أحاديث.(3)

لكن الجواب عن هذه الروايات بأحد أمرين:

الأوّل: ما ذكره المفيد في الرسالة المومأ إليها من أنّها أخبار آحاد لا تثمر علماً، ولا توجب عملاً، ومن عمل على شيء منها فعلى الظن يعتمد في عمله بها دون اليقين.(4)

الثاني: ما ذكره الصدوق من التفريق بين سهو النبي وسهو الآخرين بما عرفت، واللّه العالم بالحقائق.

ثم الظاهر من السيد المرتضى، تجويز النسيان على الأنبياء حيث قال في تفسير قوله سبحانه: (لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ)(5) : إنّ النبي إنّما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤدّيه عن اللّه تعالى أو في شرعه أو في أمر يقتضي التنفير عنه، فأمّا فيما هو خارج عمّـا ذكرناه، فلا مانع من النسيان.(6)


1 . صحيح البخاري: 2/68.
2 . راجع البحار: 17/97 ـ 129.
3 . راجع البحار: 17/100 ـ 106.
4 . البحار: 17/123.
5 . الكهف: 73.
6 . تنزيه الأنبياء: 87.


(334)

وممّن وافق الصدوق من المتأخّرين، شيخنا المجيز: الشيخ محمد تقي التستري، فقد ألّف رسالة في الموضوع نصر فيها الشيخ الصدوق وأُستاذه ابن الوليد، وطبعها في ملحقات الجزء الحادي عشر من رجاله «قاموس الرجال» والرسالة تقع في 24 صفحة.

وأمّا العلاّمة المجلسي، فالظاهر منه التوقّف في المسألة قال: إعلم أنّ هذه المسألة في غاية الإشكال، لدلالة كثير من الآيات (الآيات التي يُستظهر منها نسبة النسيان إلى بعض الأنبياء غير النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قدّمناها) والأخبار على صدور السهو عنهم، وإطباق الأصحاب إلاّ ما شذّ على عدم جواز السهو عليهم مع دلالة بعض الآيات والأخبار عليه في الجملة وشهادة بعض الدلائل الكلامية والأُصول المبرهنة عليه، مع ما عرفت في أخبار السهو من الخلل والاضطراب وقبول الآيات للتأويل، واللّه يهدي إلى سواء السبيل.(1)

ثم إنّ الشيخ المفيد وصف القائل بصدور السهو منه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الشيعة بالمقلّدة، وأراد: الصدوق وشيخه ابن الوليد. ولكن التعبير عنهما بالمقلّدة غير مرضي عندنا، كيف؟! ويصف الأوّل الرجالي النقّاد النجاشي بقوله: أبو جعفر، شيخنا وفقيهنا، ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة 355 هـ ، وسمع منه شيوخ الطائفة، وهو حدث السن.(2)

ويقول في حق شيخه: أبو جعفر، شيخ القمّيين، وفقيههم، ومتقدّمهم، ووجههم، ويقال: إنّه نزيل قم، وما كان أصله منها، ثقة، ثقة، عين مسكون إليه.(3)


1 . البحار: 17/118 ـ 119.
2 . رجال النجاشي: 2/311 برقم 1050.
3 . رجال النجاشي: 2/301 برقم 1043.


(335)

والمحمل الصحيح لهذه التعابير ما أشار إليه شاعر الأهرام بقوله:

يشتد في سبب الخصومة لهجة *** وكذلك العلماء في أخلاقهم

في الحق يختلفون إلاّ أنّهم *** لكن يرق خليقة وطباعا

يتباعدون ويلتقون سراعاً *** لا يبتغون إلى الحقوق ضياعاً

اللّهم اغفر للماضين من علمائنا واحفظ الباقين منهم


(336)


(337)

2
مفهوم الإمام في القرآن الكريم


(338)

في هذا الفصل

1 . نظرية الإمامة بين الفريقين.

2 . هل الإمامة تفويض اجتماعي اومنصب إلهي؟

3 . الاستدلال على كونها منصباً إلهياً.

4 . ما هو الهدف من ابتلاء الخليل بالكلمات؟

5 . ما هو المراد من الكلمات الّتي ابتلي بها إبراهيم (عليه السلام)؟

6 . ما هو المقصود من إتمام تلك الكلمات؟

7 . ماذا يراد من الإمام في قوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)؟

8 . توضيح النظريات الخمس في تفسير الإمام في الآية السابقة؟

9 . كيف تكون الإمامة عهداً إلهياً؟

10 . ما هو المراد من الظالمين في قوله: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)؟

11 . بيان كيفية دلالة الآية على نزاهة الإمام من الذنب.


(339)

مفهوم الإمام في القرآن الكريم

للتعرّف على مفهوم كلمة الإمام في القرآن أهمية خاصة، كما أنّ التعرّف على مفهومي النبي والرسول فيه كذلك، وقد فرغنا من تبيين مفهوم الأخيرين في الجزء السابق، وبقى البحث عن مفهوم الإمام في الكتاب العزيز.

إنّ الإمام في مصطلح المتكلّمين هو القائد العام للمسلمين الّذي يخلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في كل أو بعض ما يمتّ له بصلة، وقد اتّفقت الأُمّة على انسداد باب الوحي وختم التشريع بموت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولحوقه بالرفيق الأعلى، وإنّما الكلام في مقدار المسؤولية الّتي يتحمّلها الإمام في خلافته عنه، وهذا الاختلاف أوجد نظريتين في باب الإمامة بين المتكلّمين، بل أحدث مدرستين وصار سبباً للاختلاف في لزوم بعض الشروط في الإمام وعدمها، ولا يمكن الوصول إلى الحق إلاّ بعد دراسة النظريتين على ضوء الكتاب والسنّة والعقل، ولا يصح إبداء النظر في لزوم الشروط الّتي ذكرها المتكلّمون إلاّ بعد تلك الدراسة، وإليك بيان النظريتين:

الإمامة تفويض اجتماعي

الإمامة منصب اجتماعي بمعنى انّ الأُمّة هي صاحبة السلطة العليا تخوّلها للإمام، وهي الّتي تحاسب الإمام وتراقب قراراته وعليها أن تنتخب من يقودها.


(340)

وبعبارة أُخرى: انّ من حقّ الأُمّة أن تختار حكّامها، تعيّنهم وتعزلهم وتراقبهم في كل تصرفاتهم الشخصية والعامّة، وعلى ذلك فالإمامة منصب عرفي كسائر المناصب المطروحة في المجتمع غير انّها تتفاوت بسعة المسؤولية وضيقها، فالإمام أكثر مسؤولية من الوزراء، وهم أكبر مسؤولية من المدراء العامين، ولا يخلف الإمام النبي الراحل إلاّ في بعض مسؤوليته، وهي الأخذ بزمام السلطة في الشؤون الّتي تتوقف عليها حياة الأُمّة، ولأجل ذلك يعتبر فيه من المؤهلات والصلاحيات: الدراية والكفاية أوّلاً، والعلم بالأحكام والقوانين على مستوى خاص ثانياً.

وأمّا سائر الشروط، كالعصمة الإلهية، والعلم بجميع الأحكام الشرعية، والإجابة عن كل الأسئلة المطروحة، والدفاع العلمي عن أُصول الشريعة ومعارفها العليا، وتفسير ما ورد من الآيات في الذكر الحكيم و... فلا يعتبر قطعاً، لأنّ الهدف المتوخّى من الإمام على هذا الصعيد هو إعمال السلطة وقيادة السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتكفيه المقدرة العادية والعلم بمقدار محدود.

هذا هو أساس تلك النظرية، وعلى ذلك نجد أنّ معتنقي تلك النظرية يصفون الإمام وشروطه بالعبارات التالية:

يقول القاضي الباقلاني: يجب أن يكون الإمام على أوصاف: منها: أن يكون قرشياً من الصميم، وأن يكون من العلم بمنزلة من يصلح أن يكون قاضياً من قضاة المسلمين، وأن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب وتدبير الجيوش والسرايا وسد الثغور وحماية البيضة وحفظ الأُمّة والانتقام من ظالمها ونصرة مظلومها وما يتعلّق به من مصالحها، وأن لا يكون ممّن تلحقه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود ولا جزع


(341)

من ضرب الرقاب والابشار.(1)

وقد جاء على منوال القاضي أكثر من تأخّر عنه إلى عصرنا هذا، ولا حاجة لنقل ما ذكره المتأخرون عنه، ونكتفي بنقل ما ذكره أحد الشخصيات البارزة في زماننا ألا وهو الشيخ محمود شلتوت، حيث قال: اتفق الفقهاء على أنّ خليفة المسلمين هو مجرّد وكيل عن الأُمّة يخضع لسلطان موكّله في جميع أُموره، وهو مثل وكيل من الأُمّة في البيع والشراء يخضع لما يخضع له الوكيل الشخصي كما اتفقوا على أنّ موظفي الدولة الّذين يعيّنهم الخليفة أو يعزلهم، لا يعملون بولايته ولا ينعزلون بعزله باعتباره الشخصي وانّما بولاية الأُمّة وعزلها الّتي وكّلته في التولية والعزل، ولهذا إذا عزل الخليفة لا ينعزل ولاته وقضاته، لأنّهم يعملون باسم الأُمّة وفي حق الأُمّة لا باسم الخليفة ولا في خالص حق الخليفة.(2)

وتتلخص تلك النظرية في أنّ الأُمّة نقلت إلى الإمام ولايتها، وجعلت فيه ثقتها، ولو قام أهل الحل والعقد بتنصيبه، فلأجل أنّهم وكلاء الأُمّة.

هذه حقيقة تلك النظرية عند أصحابها، وسواء أطابقت واقع خلافة الخلفاء وجلوسهم على منصّة الحكم أم لا، فهؤلاء يتبنّون تلك النظرية ويحاولون أن يسوقوا على صحتها الشواهد والدلائل.

الخليفة والعدالة.

إنّ أصحاب هذه النظرية اختلفوا في اشتراط العدالة في الخليفة، فهم بين نافين لها مستدلين ببعض الخلفاء الذين افتقدوا السيرة المحمودة والعدالة، وبين


1 . التمهيد: 181 .
2 . من توجيهات الإسلام: 563 .


(342)

مثبتين لها، وإليك نصوص كلا الطرفين:

يقول القاضي الباقلاني: قال الجمهور من أهل الاثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرّمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود ولا ينخلع بهذه الأُمور، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله، واحتجوا لذلك بأخبار كثيرة متضافرة عن النبي والصحابة في وجوب طاعة الأئمّة وان جاروا واستأثروا بالأموال .(1)

وقال التفتازاني: وإذا مات الإمام وتصدّى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير استخلاف، وقهر الناس بشوكته، انعقدت الخلافة له، وكذا إذا كان فاسقاً اوجائراً على الأظهر إلاّ أنّه يعصي بما فعل، وتجب طاعة الإمام ما لم يخالف حكم الشرع سواء كان عادلاً أو جائراً، ولا ينعزل الإمام بالفسق .(2)

وعلى هذا الأساس اشتهر بين أهل السنّة: أنّهم لا يرون الخروج على الأئمّة وقتالهم بالسيف وإن كان منهم ظلم ويتمسّكون في ذلك بأحاديث منسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وربّما يُعلّلون ذلك بأنّ الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل من ظلمهم بدون قتال، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام الأدنى، ولا تكاد تعرف طائفة خرجت على السلطان، إلاّ كان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الّذي أزالته .(3)

وعلى هذا الأساس تسلّط أصحاب السلطة من الأُمويين والعباسيين على


1 . التمهيد: 186 .
2 . شرح المقاصد: 2 / 272، ط اسلامبول.
3 . منهاج السنة: 78 .


(343)

أعناق الناس، وأراقوا الدماء واستباحوا الأعراض وانتهبوا الأموال، وصار أصحاب الحديث يبرّرون سلوكهم في عدم جهاد الطواغيت بهذه العلة التافهة الّتي لو أخذنا بها لاندرس من الدين حتّى الاسم، وهؤلاء المساكين لا يدرون أنّه إنّما قام للإسلام عمود واخضر له عود، بمجابهة المخلصين من المسلمين عن طريق ثوراتهم وأعمالهم على السلطات الجائرة حتّى استشهد كثير منهم، وسقوا شجرة الإسلام بدمائهم الطاهرة، فبقيت مخضرّة تُؤتي أُكلها كل حين.

وفي مقابل هذه الطائفة من أهل السنّة هناك من لمس الواقع ودرس حقيقة الإمامة على وجه صحيح ولو من بعض جوانبها، منهم: القاضي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، وشارح كتابه المحقّق السيد الشريف، إذ يقولان: نعم يجب أن يكون عدلاً في الظاهر لئلاّ يجور، لأنّ الفاسق ربّما يصرف الأموال في أغراض نفسه ويضيع الحقوق.(1)

ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني: إنّ الإمام إذا جار وظهر ظلمه وغيه ولم يرعوِ لزاجر من سوء صنيعه، فلأهل الحل والعقد، التواطؤ على ردعه ولو بحمل السلاح ونصب الحروب .(2)

يقول العلاّمة الشيخ محمود شلتوت: فالحاكم يجب أن يكون حميد السيرة، فإن ساءت سيرته فللأُمّة عزله .(3)

الإمامة والاجتهاد

يظهر من كثير من متكلّمي السنّة شرط الاجتهاد في الإمامة.


1 . شرح المواقف: 8 / 350، ط مصر.
2 . شرح المقاصد: 2 / 272 .
3 . من توجيهات الإسلام: 563 .


(344)

قال القاضي الإيجي: الجمهور على أنّ أهل الإمامة مجتهد في الأُصول والفروع ليقوم بأُمور الدين.

وقرّره على ذلك الشرط شارح المواقف السيد الشريف الجرجاني مفسراً العبارة المزبورة بقوله: حتّى يكون متمكّناً من إقامة الحجج وحل الشبه في العقائد الدينية مستقلاً بالفتاوى في النوازل والأحكام والوقائع نصاً واستنباطاً، لأنّ أهم مقاصد الإمامة حفظ العقائد وفصل الحكومات ورفع المخاصمات، ولن يتم ذلك بدون هذا.(1)

وقال شمس الدين بن محمود الاصفهاني (المتوفّى عام 749 هـ) المعروف بابن السناء: صفات الأئمّة هي تسع: الأُولى: أن يكون الإمام مجتهداً في أُصول الدين وفروعه .(2)

وقال إمام الحرمين: إنّ من شروط الإمام الاجتهاد بحيث لا يحتاج إلى استفتاء غيره في الحوادث، قال: وهذا متفق عليه .(3)

وقد أكد على ذلك الإمام في بعض أسفاره كـ «غياث الأُمم» .(4)

وقد تبلورت هذه النظرية عند المتأخرين من أهل السنّة، فترى أنّ الشيخ محمد أبو زهرة يقول في حق الحاكم: أن يكون مجتهداً مشاوراً للمجتهدين .(5)

وهناك عدة أُخرى من المتقدّمين من العلماء والمتأخرين ركّزوا على هذا الشرط.


1 . شرح المواقف: 8 / 349 .
2 . مطالع الأنظار: 470 .
3 . القرشي في كتاب الحكم والإدارة نقلاً عن الإرشاد: 426 .
4 . راجع غياث الأُمم: 274 .
5 . المجتمع الإسلامي: 128 .


(345)

وأنت إذا لاحظت ما نقلناه عن أصحاب هذه المدرسة في ماهية الإمامة وشروطها تخرج بهذه النتيجة: انّ الإمامة عند أصحابها ليست إلاّ رئاسة عامة لتدبير أمر الجيوش وسد الثغور وردع الظالم والأخذ للمظلوم بحقه وإقامة الحدود وقسمة الفيء بين المسلمين، ولايشترط فيها نبوغ في العلم يزيد على علم الرعية، بل هو والأُمّة في علم الشريعة سيان، ويكفيه من العلم ما يكون عند القضاة، هذه هي ماهية النظرية، وأمّا الشروط فقد وقفت على متفقها ومختلفها.

وعلى هذه النتيجة الّتي خرجنا بها يكون البحث عن العصمة الإلهية والعلم بكل الأحكام الشرعية والذب عن حريم العقائد والمعارف وتبيين ما أجمل من الكتاب أمراً غير لازم بل غير متحقّق ولا متمكن منه، إذ من المستحيل أن يكون منتخب الأُمّة حائزاً لهذا الكمال اذالم يكن المنتخب واقعاً في إطار التربية الغيبية كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والإمام في النظرية الثانية.

ولأجل ذلك نجد انّ أصحاب هذه النظرية يستوحشون من سماع شرط العصمة في الإمام أو من سماع بعض الشروط مثل أن يكون أعلم الأُمّة وعارفاً بكل ما يرجع إلى الشريعة والسياسة. وإذ فرغنا من دراسة حقيقة هذه النظرية فهلمّ معي ندرس حقيقة النظرية الأُخرى.

الإمامة منصب إلهي

إنّ أصحاب هذه النظرية يعترفون بختم النبوة والرسالة بارتحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الرفيق الأعلى وانقطاع الوحي بموته (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومع ذلك يقولون بأنّ منصب الإمامة استمرار لشؤون ووظائف الرسالة، وانّ الإمام يقوم بكل ما كان يقوم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سوى كونه متلقياً للوحي، فالرسول، خص بالتشريع والوحي الإلهي، وشأن


(346)

الخليفة والإمام التبليغ والبيان وتفصيل المجمل وتفسير المعضل وإظهار ما لم يتسن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الإشارة إليه إمّا لتأخّر ظرفه، اولعدم تهيّؤ النفوس له، أو لغير ذلك من العلل، وإذا مات الرسول فهناك أحكام لم تبلغ وإن كانت مشرّعة وأُخرى لم تأت ظروفها فالإمام مبلّغها ومبيّنها.

ولا تتم وظيفة الإمام في هذا المجال فحسب، بل هناك وظائف أُخرى، كوظائف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حذو القذة بالقذة; فالإمام ببيانه يكمل الشريعة، ويزيح شبه الملحدين، ويدرأ عن الدين عادية أعدائه بقوته وسلطانه، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه، وعلى الجملة كل ما كان من الوظائف والمسؤوليات على عاتق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو على عاتق الإمام إلاّ التشريع وتحمّل الوحي الإلهي.

هذه هي حقيقة هذه النظرية وتترتب عليها الشروط الّتي تسالم أصحابها عليها من كون الإمام: أعلم الأُمّة، وأقضاها، وأعرفها بأُصول الدين وفروعه، وأقواها على الذب عن حريم الدين والعقائد والمعارف إلى غير ذلك من المؤهلات الّتي يجب أن يكون النبي متّصفاً بها، وقد استدل أصحاب هذه النظرية على ما يتبنّونه بوجوه عقلية ونقلية مذكورة في كتبهم، وعلى القارئ الكريم مراجعتها.

ولأجل إيضاح الحق نأتي بالبيان التالي:

إنّ رحلة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أحدثت فراغاً هائلاً في مختلف المجالات المادية والمعنوية، ومقتضى لطفه سبحانه وعنايته بالعباد، أن يملأ هذا الفراغ بإنسان يخلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يقدر على ذلك إلاّ الإنسان المثالي الّذي يكون له من الوعي والتربية والعلم والشجاعة مثل ما كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سوى كونه نبياً ذا شريعة ومتلقياً للوحي.

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقوم بمسؤوليات كثيرة تجمعها الأُمور التالية:


(347)

1. إدارة أُمور الأُمّة في مختلف مجالاتها الحيوية: السياسية والاقتصادية والعسكرية والقضائية وغيرها ممّا تجمعها إدارة الحكومة.

2. تفسير الكتاب العزيز وتوضيح مقاصده وبيان أهدافه وكشف أسراره.

3. الإجابة عن الأسئلة الشرعية الّتي لها مساس بعمل المسلم في حياته من حيث الحلال والحرام.

4. الرد على الشبهات والتشكيكات الّتي يلقيها أعداء الإسلام ويوجّهونها ضده من يهود ومسيحيين وغيرهم، فكان يرد عليها تارة بلسان الوحي المقدّس وأُخرى بلسان الحديث.

5. صيانة الدين الإسلامي عن أي فكرة تحريفية، وعن أي دس في التعاليم، فلم يكن لأي دسّاس مقدرة على تحريف الدين أُصولاً وفروعاً.

6. يرتقي بأُمّته إلى طريق الكمال والتقدّم الروحي.

ولا شك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقوم بهذه المسؤوليات وكان فقدانه وغيابه عن الساحة، يلازم حدوث فراغ هائل في حياة الأُمّة لايسدّ إلاّ بإنسان يتمتع بتلك الكفاءات عدا النبوّة وتلقّي الوحي.

والفراغ الأوّل وإن كان يملأ باختيار الإمام من جانب الأُمّة لكن الفراغ الباقي لا يسدّ إلاّ بإنسان مثالي تربّى في وضع خاص من العناية الإلهية، ولمّا كانت هذه الأُمور النفسية والمؤهّلات المعنوية الّتي يتمكّن بها الإنسان المثالي من مل الفراغ، لا يمكن الوقوف عليها ومعرفتها إلاّ بتعريف من الله تعالى وتعيين منه، فلأجل ذلك صار الأصل عند أصحاب هذه النظرية في مسألة الإمامة هو التنصيب والتعيين من جانبه سبحانه.


(348)

ولمّا كان القيام بهذه المسؤوليات متوقفاً على كون الإنسان المثالي مصوناً من الزلل ومعصوماً عن الخطأ، كان الأصل في الإمام هو العصمة من الذنب.

إنّ الإجابة عن الأسئلة الشرعية على وجه الحق، وتفسير القرآن على النهج الصحيح، وتفنيد الشبهات على وجه يطابق الواقع، وصيانة الدين عن أي تحريف لا يحصل إلاّ بمن يعتصم بحبل العصمة ويكون قوله وفعله مميزين للحق والباطل.

نعم انّ الإنسان الجليل ربّما يملأ هذا الفراغ ولكن لا بصورة تامة جداً، ولأجل ذلك نرى أنّ الأُمّة افترقت في الأُصول والفروع إلى فرق كثيرة يصعب تحديدها وتعدادها.

فلأجل هذه الأُمور لا محيص عن وجود إنسان كامل عارف بالشريعة: أُصولها وفروعها، عالم بالقرآن، واقف على الشبهات وكيفية الإجابة عنها، قائم على الصراط السوي ليرجع إليه من تقدّم على الصراط ومن تأخّر عنه.

وهذا يقتضي كون الإمام منصوباً من جانبه سبحانه معصوماً بعصمته، وهذه خلاصة هذه النظرية وأدلّتها الّتي تتمسّك بها.

ثم إنّ أصحاب هذه النظرية استدلوا بآيات على لزوم كون الإمام معصوماً من الذنب، ونحن نقتصر الآن على آيتين:

أُولاهما: آية الابتلاء. والثاني: آية التطهير، والآية الأُولى تركّز على عصمة الإمام من الذنب على وجه الإطلاق، والآية الثانية تختص بجماعة خاصة.

الآية الأُولى: قوله سبحانه: (وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(1).


1 . البقرة: 124 .


(349)

وكيفية الاستدلال بهذه الآية على عصمة الإمام يتوقف على البحث عن عدة نقاط ترتبط بها:

1. ما هو الهدف من الابتلاء؟

2. ما هو المراد من الكلمات؟

3. ما هو المراد من الإتمام؟

4. ما هو المراد من الإمام ؟

5. كيف تكون الإمامة عهداً إلهياً؟

6. ما هو المراد من الظالمين ؟

7. ما هي دلالة الآية على عصمة الإمام من الذنب ؟

وإليك بيان كل واحدة من هذه النقاط على وجه الاختصار.


(350)

1. ما هو الهدف من الابتلاء؟

هاهنا سؤال يفرض نفسه وهو انّ الهدف من الامتحان هو الاطّلاع على أحوال الممتحن، والله سبحانه مطّلع على أحوال العباد، عارف بشؤونهم الخاصة والعامة، فما هو الهدف من وضعهم في ظروف شاقّة من البلاء والامتحان؟

والإجابة عن هذا السؤال تحصل بكل من الأُمور التالية:

1. أنّ الهدف من الامتحان من غيره سبحانه، الاطّلاع على سرائر الآخرين، وأمّا بالنسبة إليه سبحانه وتعالى فالهدف هو إتمام الحجة على العبد، قال سبحانه: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَ يَحْيَى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَة)(1) ولنعم ما قال الشاعر البغدادي:

وليحيا الجيل عن بينة *** وليهلكن عليها من هلك

وعند الامتحان بالتكاليف والوظائف ينقسم العباد إلى قسمين:

طائفة تقوم بما أُلقي على عاتقها من التكاليف، وأُخرى: تخفق في مجال التكليف.

فالحياة للطائفة الأُولى عن حجة. والهلاك للطائفة الثانية عن حجة أيضاً ،


1 . الأنفال: 42 .


(351)

قال سبحانه: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)(1)، وقال سبحانه أيضاً: (قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)(2) .

فالله سبحانه يعلم القائم بالوظائف من القاعد عنها، ولكنّه لو جازاهم بهذا العلم، ربما يعترض عليه القاعد بأنّه لو كلّفه في الدنيا لقام بالوظائف، فلماذا أثابه دونه؟ فلأجل محو هذا الاعتراض من الأساس، جعلهم في بوتقة الامتحان حتى تكون له الحجة البالغة على القاعدة.

2. انّ الهدف من الاختبار هو تمحيص المؤمن من الكافر، وتمييز الخبيث من الطيب في المجتمع الإسلامي، فإنَّ لهذا التمحيص شأناً من الشؤون وأثراً من الآثار، قال سبحانه: (مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)(3)، وقال سبحانه: (لَِيمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْض فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )(4) وبما أنّ المنافق يتظاهر بالإيمان، والعدو بالصداقة، فلابدَّ من إجراء الامتحان والابتلاء حتى يتميزا، فإذا أمر الله سبحانه ببذل النفس والنفيس في سبيل الله فيتقدّم المؤمن حسب إيمانه ويتثاقل المنافق، وعندئذ يتمايز الصنفان.

3. انّ الهدف من الامتحان، إبراز الطاقات الكامنة في الإنسان وإخراجها من مكامنها، فكل إنسان خلق وله قابليات خاصّة كامنة في ذاته، غير أنّ ظهورها وخروجها من القوّة إلى الفعل، يحتاج إلى وقوع الإنسان في خضمّ الامتحان والاختبار حتى تنبثق تلك القابليات من مكامنها، وترى نور الوجود فكما أنّ


1 . النساء: 165 .
2 . الأنعام: 149 .
3 . آل عمران: 179 .
4 . الأنفال: 37 .


(352)

البذرة لا تتفتح، ولا تصير نباتاً ولا شجرة إلاّ بعد ابتلاء وتأثير من الهواء، والشمس، والأرض حتى تكون شجراً، فهكذا الإنسان لا تتفتح طاقاته الكامنة إلاّ إذا وضع في ظروف خاصّة توجب تفتح القوّة وظهورها إلى مرحلة الكمال.

فالتكاليف الشاقة الملازمة للشدّة والضغط، توجب ظهور الثمار وإبراز الطاقة.

ولندرس حياة الخليل (عليه السلام)حتى نقف على حقيقة هذا الجواب.

كان الخليل (عليه السلام)قبل الابتلاء إنساناً ذا طاقة وكمال دفين في شخصيته غير أنّ تلك الطاقة ـ الّتي نعبّر عنها: بأنّه كان قابلاً لأن يكون إنساناً مثالياً ملكوتياً بترك كل شيء من أجل خالقه تعالى ـ كانت مستورة في وجوده، دفينة في أغوار شخصيته، فأراد سبحانه إظهارها فجعلها في مجال الامتحان وبوتقة الاختبار، فتفتحت وصارت كمالاً بالفعل.

وقد أشار الإمام علي (عليه السلام)إلى هذا الجواب بقوله: «لا يقولنّ أحدكم اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة، لأنّه ليس أحد إلاّ وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن، فإنّ الله سبحانه يقول: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)(1)».(2)

وهذا التعبير من الإمام يشير إلى أنّ الامتحان سنّة ثابتة من الله سبحانه وتعالى في عباده ليس عنها محيص، ويشير بعد ذلك إلى فلسفة تلك السنّة بقوله (عليه السلام): «ومعنى ذلك انّه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبيّن الساخط لرزقه والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال


1 . الأنفال: 28 .
2 . بحار الأنوار: 94 / 197 ح 6 .


(353)

الّتي بها يستحق الثواب والعقاب، لأنّ بعضهم يحب الذكور ويكره الإناث وبعضهم يحب المال ويكره انثلام الحال»(1).

إنّه سبحانه جعل الخليل على محك الاختبار فأمره بمكافحة عبدة الأصنام وكسر آلهتهم المزعومة، إلى حدٍّ يستعد به للبلاء في طريق طاعته، وإن كان بالقتل والحرق، كما أمره سبحانه بإسكان أهله بأرض غير ذي زرع، كما أمره ببناء بيته وتطهيره، وذبح ولده بيده، و... فهذه الوظائف الشاقة المرّة في ظاهرها، الحلوة في باطنها، جعلت الخليل بفضل بطولاته العجيبة في مجال الامتحان إنساناً إلهياً لايعرف في مسيرة حياته غير الله ولا يهمه غير أمره، وهذا منتهى الكمال الممكن للإنسان المثالي، فكم فرق بين إنسان نسي ميوله الحيوانية وغرائزه عندما تعارضت مع مراد مولاه وغاية مناه وهو الله، وبين إنسان غارق في الشهوات وخائض في لجج الغرائز، أسّره الهوى فصار عبداً للشيطان (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ )(2).

فالاختبار يجلي تلك الطاقات الكامنة في الصنفين المتقابلين في الناس، ويعمل في النفوس المستعدة عمل الحرارة من تمييز الذهب عن خليطه.

هذا مجمل القول حول فلسفة الامتحان والتفصيل موكول إلى البحث عن الآيات الواردة حوله.


1 . نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 93 .
2 . الفرقان: 43 .


(354)

2. ما هو المراد من الكلمات ؟

الكلمات جمع «كلمة»، والمراد منها هو المفرد من الألفاظ، وربّما يطلق على الجملة، فيقال: «لا إله إلاّ الله» كلمة الإخلاص، غير أنّ القرآن يتوسع بعناية خاصّة في استعمال الكلمة فيطلقها على الأشياء والأفعال الخارجية قال سبحانه: (بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)(1)، وقال سبحانه: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي )(2)، وكما أنّه يستعملها في الأعيان الخارجية، يستعملها أيضاً في الأفعال الّتي يقوم بها الإنسان الممتحن، وقد اختلف المفسرون في تعيين تلك الأفعال الّتي اختبر الخليل بها، فنأتي بآرائهم إجمالاً.

1. المراد من الكلمات هي الإمامة، وتطهير البيت، ورفع القواعد، والدعاء لبعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ هذه الأُمور شاقة، أمّا الإمامة فلأنَّ المراد منها هاهنا هو النبوّة، وهذا التكليف يتضمن مشاقاً عظيمة، وأمّا بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده فمن وقف على ما روى في كيفية بنائه عرف شدّة البلوى فيه، ثم إنّه يتضمن إقامة المناسك، وقد امتحن الله الخليل عليه الصلاة والسلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره، وأمّا اشتغاله بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)في آخر الزمان فهذا ممّا يحتاج إليه من إخلاص العمل لله وإزالة الحسد عن القلب بالكلية .(3)


1 . آل عمران: 45.
2 . الكهف: 109 .
3 . مفاتيح الغيب: 1 / 490، ط مصر .


(355)

ولا يخفى أنّ الرازي ومن قال بهذا القول قد خلطوا الحق بالباطل، أمّا الحق فلأنَّ عد تطهير البيت ورفع قواعده من الأُمور الّتي اختبر الله الخليل بها حق لا مرية فيه،وسيوافيك بيانه، وأمّا الباطل فهو أمران:

الأوّل: عدّ الإمامة من جملة ما اختبر بها إبراهيم (عليه السلام)، فلأنّ الظاهر من الآية إنّه سبحانه شرّف إبراهيم بمقام الإمامة بعد أمرين:

1. الابتلاء بالكلمات.

2. إتمامه إيّاها.

فعند ذلك نصبه سبحانه في مقام الإمامة ونتيجة ذلك مغايرة الكلمات مع الإمامة الموهوبة له، ولو كانت الإمامة من جملة ما ابتلي به إبراهيم لوجب تقديمها على قوله: (فأتمّها)وناسب أن يقول: «وإذ ابتلي إبراهيم ربه بكلمات قال إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن».

والعجب أنّ الرازي جعل تطهير البيت ورفع قواعده من جملة الكلمات الّتي ابتلي بها إبراهيم، ولم يجعل قيامه بذبح الولد، واستعداده لذلك من جملة تلك الكلمات، مع أنّه سبحانه يعرّف ذاك العمل بأنّه بلاء مبين ويقول: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ) .(1)

وإنّما فعل الرازي ذلك لأنّه قصر نظره في الآيات الواردة بعد هذه الآية، فقد ورد فيها الأمر بالتطهير ورفع القواعد وطلب بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فزعم الكل تفسيراً «للكلمات» مع أنّه ليست في بيان تلك الأُمور أيّة قرينة على كون هذه الأُمور تفسيراً لها، وإنّما وقفنا على كون بعض ما جاء فيها من الكلمات، من


1 . الصافات: 106 .


(356)

القرائن الخارجية.

والظاهر المتبادر، إنّ تنصيبه في مقام الإمامة كان جزاءً منه سبحانه لإتمامه الكلمات ونجاحه في الامتحان، فلو كانت الإمامة من جملة تلك الأُمور لأصبح الكلام غير تام، وصار السامع في نظائر المقام ينتظر حين يسمع، المثوبة الّتي نالها إبراهيم لأجل النجاح في معترك الامتحان ولا يتم ذلك إلاّ بإخراج الإمامة عن جملة تلك الأُمور، وجعلها جزاءً لإتمامه الكلمات لامن الأُمور الّتي اختبر بها.

وأمّا ما أيّد به الرازي نظره وقال: ثم إنّ الّذي يدلّ على أنّ المراد ذلك أنّه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف، فلم يقل: فقال إنّي جاعلك للناس إماماً» بل قال: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)، فدلّ على أنّ الابتلاء الوارد في الآية كان عبارة عن هذه الأُمور المذكورة.

ففيه أنّ (إذ) في قوله سبحانه (وإذ ابتلى)ظرفية زمانية، وليس مظروفه سوى قوله (قال إنّي جاعلك)، ومفاد الآية هكذا: في الظرف الّذي ابتلي إبراهيم بكلمات وأتمّها، قيل له إنّه منصوب للإمامة، وعلى هذا لا حاجة للإتيان بحرف العطف «فاء» كانت أو غيرها.

وبعبارة أُخرى: يريد سبحانه أن يقول: في هذا الظرف الكذائي الّذي ابتلاه الله بكلمات وهو أتمّها، قال له سبحانه: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) وفي مثل المورد يكون العاطف مخلاً، ولعل الرازي توهم أنّ إذ الظرفية متضمنة لمعنى الشرط، وهو غير صحيح، وليست هذه أوّل قارورة كسرها الرازي، فله في تفسيره شطحات كثيرة يقف عليها السابر فيه، خصوصاً فيما يرجع إلى العلوم العربية وتفسير كلمات القرآن ومفرداتها، ولأجل ذلك قال أبو الوليد ابن الشحنة الحنفي الحلبي في روض


(357)

المناظرة في حوادث سنة 606 هـ : إنّ الرازي له اليد الطولى في العلوم خلا العربية.(1)

الثاني: انّه زعم انّ اشتغال الخليل بالدعاء في حق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دليل على إخلاصه وزوال الحسد من قلبه .

وفيه: انّه لا شك في إخلاصه وطهارته من كل رذيلة خلقية، لكن جعل هذا دليلاً عليه أشبه شيء بجعل الصباح دليلاً على وجود ضوء الشمس، فإنّ العامة من الناس يقومون بذلك فضلاً عن الأكارم، بالأنبياء؟ ولا يستدل أحد بهذا العمل على إخلاص الداعي وطهارته من الحسد خصوصاً إذا كان المدعو له يجيء بعده بقرون وبالأخص إذا كان من أولاده وأحفاده.

ولعمر القارئ إنّه لو وقف عربي صميم خال ذهنه عن المناقشات الكلامية على هذه الآية، لقضى بأنّه كان هناك ابتلاء من الله بالنسبة إلى نبيّه إبراهيم بعدّة أُمور، وإنّ إبراهيم أتمهن فجزاه الله سبحانه بتشريفه بمقام الإمامة، وأمّا ما هو المراد من الكلمات، فهو من الأُمور الّتي يجب أن تطلب من التفحص حول ما ورد في حقه (عليه السلام)من الآيات، ولا يخطر بباله أنّ الإمامة من جملة ما ابتلي به إبراهيم .

2. المراد من الكلمات: الخصال العشر الّتي تسمّى خصال الفطرة، وهي: قص الشارب، والمضمضة، والاستشناق، والسواك، وفرق الرأس، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، والاستنجاء بالماء.

هذا الرأي لا يقصر عن سابقه، فإنّ القيام بهذه الأُمور ليس أمراً شاقاً حتى يبتلي الله بها أنبياءه ورسله، بل يقوم بها كل إنسان بسهولة.


1 . الغدير: 1 / 357 ط بيروت.


(358)

3. المراد من الكلمات هو الخصال الثلاثون الّتي لم يبتل أحد بها قبله، فأقامها الخليل (عليه السلام)كلّها فأتمهن فكتب له البراءة فقال تعالى: (وَ إِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى) وهي:

عشرة في سورة براءة: (اَلتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ...)(1)، وعشرة في سورة الأحزاب: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ...)(2)، وعشرة في سورة المؤمنون: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ... )(3)، وعشرة في سورة المعارج: (اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ...* وَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ )(4).

ولا يخفى أن هذا أشبه شيء بالتفسير بالرأي، وإنّما هو مجرّد استحسان، ولم يدل دليل على كون المراد من الكلمات هذه الخصال الواردة في الآيات المباركة على أنّ الخصال أزيد من ثلاثين، فلاحظ.

4. المراد هو التكاليف الشاقة الملقاة على عاتق الخليل منذ شبابه إلى أُخريات أيامه، يظهر ذلك بالرجوع إلى الآيات التالية الحاكية عن حياته، من شبابه إلى شيخوخته: (وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالَْيمِينِ *


1 . التوبة: 112 .
2 . الأحزاب: 35 .
3 . المؤمنون: 2 ـ 9 .
4 . المعارج: 23 ـ 34 .


(359)

فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ * وَ قَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَا بُني إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ إنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَ نَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَ فَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم * وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَ بَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَ بَارَكْنَا عَلَيْهِ وَ عَلَى إِسْحَاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ )(1).

وهذه الآيات تصرّح بأنّ إبراهيم بطل التوحيد قد ابتلي منذ شبابه إلى شيخوخته بأُمور:

1. أمره سبحانه بتحطيم الأصنام، فقام بهذا العمل الخطير بحماس ورباطة جأش، واستقبل رد فعل قومه وهو الإلقاء في النار، بصلابة وقوّة عزيمة.

2. أمره تعالى بترك الوطن وإلقاء الرحل في دار الغربة لنشر الدعوة، فجاءه الوحي بأن يذهب بأهله وولده إلى واد غير ذي زرع، فاستقبل الأمر ببشاشة وجه، ونادى ربَّه بقوله: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الُْمحَرَّمِ )(2).

3. أمره سبحانه بعمارة البيت ورفع قواعده وتطهيره، وجاء به النص في قوله


1 . الصافات: 83 ـ 113 .
2 . إبراهيم: 37 .


(360)

سبحانه: (وَ عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعَاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ... * وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )(1).

4. أمره بذبح ولده، فقام بامتثال الأمر على صعوبته البالغة برحابة صدر وتسليم لأمر الله، بحيث حكى ذلك تعالى بقوله: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ...).

فالله سبحانه يصف القيامة بالأمر الأخير بقوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ).(2)

وهذا التوصيف (البلاء المبين) وإن كان ناظراً إلى قيام إبراهيم بمحاولة ذبح الولد، ولكنّه يشعر بأنّ بقية الكلمات الّتي ابتلي بها إبراهيم كانت أعمالاً تشابه ذلك من حيث المشقة، وليست تلك الأعمال في حياة إبراهيم إلاّ ما تكفّلت تلك الآيات ببيانها.

فعند ذلك قامت الحجة على أنَّ إبراهيم خالص من كل مزيج، صفو من كل كدر، فاستحق الارتقاء إلى منصب عال لم يرتق إليه أحد من قبله، وهو منصب الإمامة.

***

3. المراد من الإتمام

التمام في مقابل النقص، ومعنى الإتمام إبلاغ الشيء إلى حد الكمال، يقول سبحانه: (وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)، والمراد من إتمام الكلمات هو القيام بها


1 . البقرة: 125 ـ 127 .
2 . الصافات: 106 .


(361)

بنجاح في معترك الابتلاء، وقد نقل سبحانه كيفية نجاح إبراهيم في تلك المعركة وتظهر بالرجوع إلى الآيات الواردة حول ابتلائه في السور المختلفة.(1)

قال الزمخشري في «الكشاف» في تفسير «فأتمهن»: فقام بهنّ حق القيام وأداهنّ أحسن التأدية من غير تفريط وتوان. ويؤيد كون الفاعل هو إبراهيم قوله سبحانه: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَ إِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى )(2)، أي تمّم وأكمل ما ابتلي وامتحن به أو الأعم منه وما أمر به .(3)

وربّما يحتمل كون الفاعل، هو الضمير العائد إلى الله سبحانه، وعليه يكون مفاده توفيقه لما أراد منه حتى تصح نسبة إتمام الكلمات إليه سبحانه، فالفاعل المباشر هو الخليل والله سبحانه هو الموفّق، وتصح نسبة الفعل الواحد إلى المباشر والسبب جميعاً.

وأمّا تفسير الإتمام ـ بناء على كون الضمير عائداً إلى الله ـ «بأنّه أعطاه ما طلبه ولم ينقص منه شيئاً» (4)، فهو كلام عار عن التحقيق، فإنّ الضمير المتصل بالفعل يرجع إلى الكلمات، أعني: «هن» في «أتمهن» وليست الكلمات شيئاً طلبها إبراهيم من الله، بل الله سبحانه طلبها منه كما سيوافيك، وعلى ذلك لا يصح تفسير إتمام الله بإعطائه ما طلبه إبراهيم منه، وإنّما يصح بتوفيقه إيّاه للقيام بما أمر والنجاح في ما ابتلي.


1 . البقرة: 127 ـ 128 ; الأنعام: 70 ـ 83 ; الأنبياء: 53 ـ 71 ; الحج: 26 ـ 27 ; وسورة إبراهيم: 37 ـ 40 .
2 . النجم: 36 ـ 37 .
3 . لاحظ الكشاف: 1 / 236 ; مجمع البيان: 5 / 180 .
4 . لاحظ الكشاف: 1 / 236 ; مجمع البيان: 5 / 180 .


(362)

4. المراد من الإمام

هذا هو البحث المهم في المقام الّذي تضاربت فيه الآراء، ونحن نرفع الستار عن وجه الحقيقة بالبحث عن أُمور ثلاثة:

ألف. ما هو معنى الإمام لغة؟

ب. ما هو مفهوم الإمام في القرآن الكريم ؟

ج. ما هو ملاك إمامة الخليل في هذه الآية؟ وهذا هو المهم في فهم الآية، وقد أُهمل في كلمات المفسرين، وسيوافيك أنّ البحث في الأمر الثاني لا يغني عن الثالث.

ألف. الإمام في اللغة

قال ابن فارس: الإمام كل من اقتدي به وقُدّم في الأُمور، والنبي إمام الأئمّة، والخليفة إمام الرعية، والقرآن إمام المسلمين.

وقال ابن منظور: الإمام ما ائتُمّ به من رئيس وغيره، وفي التنزيل العزيز: (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)، أي قاتلوا رؤساء الكفر وقادتهم... إمام كل شيء قيّمه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين .

وليست تلك النصوص من هذين العلمين مبيّنة للمعنى الأصلي للكلمة، وإنّما تشير إلى مصاديق المعنى الأصلي، والنص اللغوي الصحيح ـ الّذي جاء يحدّد معنى الكلمة مجردة عن انطباقه على مصاديقها ـ هو ما ذكره صاحب القاموس: الإمام هو ما يتعلّمه الغلام كل يوم من رؤوس أقلام، وما امتثل عليه من مثال ودليل، وخشبة يسوى عليها البناء.


(363)

وهذه العبارة من صاحب القاموس توصلنا إلى أصل المعنى اللغوي، وهو انّ الإمام عبارة عن كل شيء يتّخذه الإنسان مثالاً لعمله ودليلاً لفعله، ويطبّق فعله وعمله على ذلك المثال وذلك الدليل، فهذا هو المعنى الأصلي لتلك الكلمة، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إمام، والقرآن إمام، وخشبة البناء إمام للبنّاء، لأجل إنّ الإنسان يطبق عمله على عمل وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو القرآن، فكل شيء اتخذ مثالاً في الحياة وأُسوة في مقام التطبيق يكون إماماً من غير فرق بين الأشياء المادية، هذا كلّه في توضيح مفهوم «الإمام» من حيث اللغة، وإليك توضيحه في القرآن.

ب. مفهوم الإمام في القرآن

جاء لفظ الإمام في الذكر الحكيم اثنتا عشرة مرة بين مفرد وجمع، مفردها سبع مرات، وجمعها خمس مرات.

وقد استعملت في الجميع بمعنى واحد، وهو الّذي تعرّفت عليه من صاحب القاموس وإن كانت تطبيقاتها مختلفة، ولأجل ذلك لا يمكن عدّها من معاني كلمة الإمام.

وإليك تلك الموارد.

1. ترى أنّه سبحانه يصف التوراة بأنّها إمام، يقول سبحانه وتعالى: (وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَ رَحْمَةً).(1)

2. كما يصف الطريق الّذي تمشي عليه القوافل إماماً ويقول: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَ إِنَّهُمَا لَبِإِمَام مُبِين)(2)، أي انتقمنا من قوم لوط وأصحاب الأيكة وانّ


1 . هود: 17 .
2 . الحجر: 79 .


(364)

مساكنهم على الطريق لواضح.

3. كما أنّه يصف قادة الكفر والانحراف به ويقول: (وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنْصَرُونَ)(1)، بل يصف كل قائد بالإمامة بقوله: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ)(2) .

فالمعنى في الجميع واحد، وهو الدليل الّذي يهتدى به، والمثال الّذي يمتثل به، وإن كانت التطبيقات مختلفة، فالتوراة إمام، لأنّها يقتدى بها، وطريق القوافل إمام، لأنّ القوافل تتّخذه دليلاً وتمشي عليه، وقادة الكفر بل جميع القادة أئمّة، لأنّ المقتدين يتّخذونهم مثالاً في الحياة ويمشون على آثارهم حتى أنّ الأنبياء جميعهم أئمّة بهذا المعنى، فإنّ عمل وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتقريره تتّخذ مثالاً ودليلاً يسار على ضوئه.

وهذا ما قلناه من أنّ معنى الإمام في الذكر الحكيم لا يختلف عن المعنى الّذي نصّت عليه الكتب اللغوية حتى الإمام في الآية المباركة، فقد استعمل الإمام فيه في المعنى اللغوي لا غير، وهو الدليل والمثال والأُسوة والمقتدى غير انّ ما يجب التدبّر فيه هو الوقوف على الملاك الّذي جعل به الخليل (عليه السلام)إماماً، فهل هو لأجل كونه نبياً أو رسولاً أو خليلاً اوكونه مفترض الطاعة أو غير ذلك من الملاكات المختلفة الّتي تصحح كون الإنسان إماماً.

ج. ما هو ملاك إمامة الخليل في الآية؟

نرى أنّ المفسرين يفترضون للإمام معاني مختلفة، ثم يبحثون عن معناه في


1 . القصص: 41 .
2 . الإسراء: 71 .


(365)

هذه الآية ويذهبون يميناً وشمالاً، غير انّ البحث بهذه الكيفية غير تام أصلاً، لأنّه ليس لذلك اللفظ إلاّ معنى واحد كما بيّنا، والّذي يجب التركيز عليه هو التعرض لملاك الإمامة ومعيارها وإنّه بماذا جعل الخليل إماماً في زمانه دون لوط (عليه السلام)مع أنّ الثاني كالأوّل كان نبياً، ومع ذلك خُصّ بكونه إماماً من بين أنبياء عصره، فلابد أن يكون هناك ملاك يختص به الخليل. وعلى الجملة نحن لا نشك انّ للكلمة في جميع موارد استعمالها معنى واحداً سواء أوقع وصفاً للكتاب أم للطريق أم للإنسان، ولكن الّذي كان من واجب المفسرين هو تعيين ملاك الإمامة في كل مورد من موارد استعمالها حتى الآية الّتي نبحث عنها غير انّهم أهملوا تلك الناحية الحساسة في البحث .

ولأجل ذلك نطرح ما ذكره المفسرون على بساط البحث معبرين عنه بملاكات الإمامة ومعاييرها.

الملاك الأوّل هو النبوة

ذهب عدّة من المفسرين ـ منهم الرازي في «مفاتيح الغيب» ـ إلى أنّ المراد من الإمامة هنا هو النبوة.

بعبارة صحيحة: انّ ملاك إمامة الخليل نبوته، لأنّها تتضمن مشاقاً عظيمة.(1)

وقال الشيخ محمد عبده على ما في «تفسير المنار»: الإمامة هنا عبارة عن الرسالة، وهي لا تنال بكسب الكاسب، وليس في الكلام دليل على أنّ الابتلاء كان قبل النبوة.(2)


1 . مفاتيح الغيب: 1 / 490 .
2 . تفسير المنار: 1 / 455 .


(366)

ولا يخفى وهن هذا الرأي، لأنّ إبراهيم (عليه السلام)كان نبياً قبل الابتلاء بالكلمات وقبل تنصيبه إماماً، فكيف يصحّ أن تفسر الإمامة بالنبوة على ما في لفظ الرازي والرسالة على ما في لفظ المنار؟! ويتضح ذلك بالأُمور التالية:

1. انّ نزول الوحي على إبراهيم (عليه السلام)ـ كما تدل عليه الآية: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) ـ أوضح دليل على أنّه كان نبياً متلقياً للوحي قبل نزول هذه الآية، وليس في وسع أحد أن يقول: إنّ الخطاب إليه بقوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) يدلّ على كونه نبياً حينه، ولا يدل على كونه نبياً من قبل، وذلك لأنّ اسلوب الوحي البدائي يختلف لوناً عن الوحي الاستمراري، فالمحاورة الموجودة في هذه الآية تعرب عن أنّه كان مأنوساً بالوحي قبل نزولها، ولأجل ذلك لما تشرف بمقام الإمامة أطال الكلام وطلبها لذريته، وليس هذا اللون من الكلام يشبه الوحي الابتدائي أبداً، فإنّ الإنسان في بدء لقائه وكلامه مع شخص، لا يتجاوز عن أُمور كلية ولا يتجاوز إلى أخص الخصوصيات، وهي طلب المنزلة لنسله، بل هذا يناسب كلام من كان مأنوساً بمخاطبه ومكلّمه.

ويمكن لك أن تكشف الحقيقة بالخطاب النازل على موسى في بداية الإيحاء إليه بالنبوة قال سبحانه: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(1).

ونظير ذلك ما خوطب به النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)في بدء نزول الوحي، قال سبحانه: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ)(2).

ومن هذا ينتج انّ الخليل كان نبياً قبل إلقاء الخطاب بالرسالة عليه، فيكون


1 . القصص: 30 .
2 . العلق: 1.


(367)

ملاك الإمامة غير النبوة .

2. دلت الآيات على أنّ إبراهيم كان نبياً ولم يرزق أيّ ولد لا إسماعيل ولا إسحاق.

أمّا الأوّل فإنّما بُشّر به بعد ما كان نبياً وقام بتحطيم الأصنام في «بابل» وحكم عليه بالإحراق، ولمّا نجّاه سبحانه ترك الموطن ذاهباً إلى فلسطين، فعند ذلك جاءت البشارة بأنّه يرزق غلاماً حليماً، قال سبحانه: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ * وَ قَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَا بُني إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أنِّي أَذْبَحُكَ)(1).

وأمّا الثاني فقد بُشّر به أيضاً عندما نزلت عليه الملائكة ضيوفاً، قال سبحانه: (وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم عَلِيم * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ)(2)، ونزول الملائكة الذين كانوا مرسلين إلى قوم لوط، عليه آية نبوته عند البشارة بإسحاق.

هذا من جانب، ومن جانب آخر إنّ إبراهيم يطلب من الله سبحانه أن يرزق ذريته الإمامة كما رزقها إيّاه، فطلبه لها دليل على أنّه كان عند إفاضة الإمامة عليه ووقت الدعاء لذريته، صاحب ذرية وأولاد.


1 . الصافت: 93 ـ 102 .
2 . الحجر: 51 ـ 55 .


(368)

إذا عرفت هذين الأمرين فنقول: يجب أن تكون الإمامة الموهوبة (عند ما كان الخليل صاحب ذرية) غير النبوة، وإلاّ فيلزم أن تكون هبة المنصب الّذي كان واجداً له قبل ذلك بكثير، أشبه بتحصيل الحاصل.

والحاصل: انّ الآية تدل على أنّ الإمامة أُفيضت عليه عندماكان ذا ولد بدليل طلبها لهم، ودلّت الآيات الماضية على أنّه كان نبياًقبل أن يرزق أيّ ولد، فينتج انّ الإمامة الموهوبة في الأزمنة المتأخرة عن بعثته بكثير، غير النبوة، غير انّ بعض المفسرين لمّا وقف على ذلك الوجه وانّه لا يصحّ طلب شيء للذرية إلاّ لمن كان له بعضها صار بصدد دفعه بأنّ إبراهيم يوم خوطب بقوله سبحانه: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً...) لم يكن ذا ذريّة وإنّما طلبها لهم لأجل التعرّف من جواب الله سبحانه على أنّه هل يكون في المستقبل ذا ذرية أم لا؟ فوقف من جوابه سبحانه على أنّه لايموت عقيماً بل يكون ذا ذرية.

ولايخفى أنّ ما ذكره غير صحيح، لأنّ الحكم على الذرية على وجه الإيجاب يقتضي أن يكون الرجل رزق بعضها، وأمّا إذا لم يكن له أي ولد فلا يستحسن في العرف، الدعاء لهم بالإمامة، ولأجل ذلك ترى أنّ إبراهيم يستعمل لفظ الذرية في أولاده المحقّقين ويقول: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الُْمحَرَّمِ)(1).

ويقول أيضاً: (رَبَّنَا وَ اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً )(2) ،وقد طلب ذلك عندما كان يرفع القواعد من البيت مع ولده إسماعيل.

نعم إنّ الإنسان يصحّ أن يطلب من الله ذرية صالحة تكن قرة عين له كما


1 . إبراهيم: 37 .
2 . البقرة: 128 .


(369)

أمر به سبحانه بقوله: (وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَ ذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن وَ اجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)(1)، ولكن لا يصحّ إذا أُعطي شيئاً من جانب الله سبحانه، أن يطلبه في الوقت نفسه لذريته مع أنّه لم يكن في وقت الطلب ذا ذرية، فإنّ ذلك كلام خارج عن المتعارف، وأمّا كون الطلب لأجل الوقوف على أنّه هل يرزق في المستقبل بعض الذرية أو لا؟ فهو كما ترى.

قال العلاّمة الطباطبائي: وكيف يسع من له أدنى تدريب بأدب الكلام، وخاصة مثل إبراهيم الخليل في خطاب يخاطب به ربّه الجليل أن يتفوّه بما لا علم له به؟ ولو كان ذلك لكان من الواجب أن يقول: ومن ذريتي إن رزقتني ذرية أو ما يؤدّي هذا المعنى .(2)

الملاك الثاني كونه أُسوة في المجالات الثلاثة

النبوة عبارة عن نزول الوحي على الإنسان، والرسالة إبلاغه وتحقيق النبوة في مجالها، ولكن ليس كل نبي إماماً بل الأنبياء على قسمين: منهم أئمّة ومنهم غير أئمة قال سبحانه: (وَ جَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَ كَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)(3)، والآية بحكم «من» التبعيضية تدل على أنّه سبحانه لم يجعل كل الأنبياء أئمّة، بل جعل البعض منهم أئمّة.

وعلى ذلك فيجب التفحص في الآيات الواردة حول الأنبياء للتعرف على الأئمّة من بينهم، ويستظهر انّ المراد مَن يصلح أن يكون أُسوة على الإطلاق في