welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 5*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مفاهيم القرآن / ج 5

مفاهيم القرآن

يبحث عن عصمة الأنبياء
ويعالج ادلّة المخطئة لها،
وعن مفهوم الإمام وعصمته، وعدالة الصحابة،
واطاعة السلطان الجائر في القرآن الكريم

تأليف

العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني

الجزء الخامس

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ـ ايران ـ قم


(2)

اسم الكتاب : مفاهيم القرآن

تأليف: العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الموضوع:   تفسير موضوعي

الجزء:   الخامس

المطبعة:    اعتماد. قم

الطبعة:   الثانية

التاريخ:   1422 هـ

الكمية:   2000

صف وإخراج ونشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الإخراج الفني في صفحة wab : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) _ السيد محسن البطاط

توزيع

مكتبة التوحيد

قم ـ ساحة الشهداء ـ


(3)

(4)

(5)

كلمة قدسية

تفضّل بها سماحة العلاّمة الأُستاذ المحقّق آية الله الشيخ لطف الله الصافي

صاحب المؤلفات الإسلامية القيّمة، والمواقف الجهادية المشكورة

دام ظله الوارف

بسم الله الرحمن الرحيم

العصر الحاضر والمفاهيم الدينية

يشهد عصرنا الحاضر المسمّى بعصر الذرة والفضاء، صورة جديدة من رفض النصوص الشرعية، يتمثل في موقف خاص من قضايا الدين، وهو تفسير الحوادث الخارقة للعادة والحقائق الغيبية وما يتحقّق في مستقبل الزمان من الآيات والملاحم الثابتة كلّها في الدين، والّتي أخبرت بها نصوص الكتاب والسنّة، وتحقّقت أو تتحقّق ـ بإرادة الله تعالى وإذنه ـ بالتفسير والتعليل المادي الّذي ينكر تأثير عالم الغيب في عالم الشهادة.

وهو موقف نابع وناشئ من انبهار طائفة كبيرة من المثقفين ببريق النهضة المادية الحديثة، ومن الإفتتان بالتقدم الصناعي الراهن، الأمر الّذي آل إلى ظهور الاتجاهات العلمانية الّتي تعتقد بفصل الدين عن الدنيا، والدنيا عن الدين حيناً، وبإخضاع المفاهيم الدينية الغيبية لمقاييس العلوم المادية الحديثة حيناً آخر.


(6)

وممّا يزيد الطين بلّة، والداء تفاقماً، أنَّ هذا الفريق يظهرون الإسلام ويتظاهرون بالنصيحة له وللمسلمين، ويدّعون أنّه لابد من تفسير الدين بنحو يقبله المفكر الغربي، ولا يستنكره الملحد الشرقي، وبالتالي: لا بد من تأويل اصطلاحاته وقضاياه بنحو يوافق المذاهب المادية، والقوانين الطبيعية، بينما يسعى فريق آخر إلى التوفيق بين الدين ونظاماته في الإدارة والحكم وغيرهما، وبين الأنظمة الديمقراطية، كما يريد بعضهم التوفيق بين الدين ـ وهو دين إلهي ـ مع الأنظمة الماركسية الملحدة.

فالثقافة عند هؤلاء هو الترديد والتشكيك في الحقائق المقبولة في الدين، والّتي دلّت عليها نصوص الكتاب والسنّة، ممّا لا يمكن أن يعلل بالعلل، وبالتالي إخضاع الدين لمعطيات الحضارة المادية الحديثة، ومقاييسها، فإذن نحن في عصر يزداد فيه التخوّف من تعريض المفاهيم الدينية لخطر التحريف والتأويل، وإخضاع الدين للأهواء والأمزجة والأذواق الشخصية، على أيدي الجهّال والانهزاميين.

فما أحوجنا ـ في هذا العصر ـ إلى تبيين مفاهيم الكتاب والسنّة، وتثبيت ما أتى به الإسلام، على حقيقته، وإرجاع الناس إلى النصوص ودلالاتها، ورد المتشابهات إلى المحكمات، في ضوء الكتاب العزيز والسنّة المطهرة الشاملة لما ورد عن العترة الطاهرة.

ولقد نهض بهذه المهمة منذ أقدم العصور ـ ولله الحمد ـ رجال من روّاد مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وأصحابهم ممن دفعتهم غيرتهم الدينية إلى الدفاع عن حياض الشريعة المقدسة، مع الاحتفاظ بنصوص الكتاب والسنّة، فأبقوا على مفاهيم الإسلام غضّة طرية، ناصعة، ساطعة، فشكر الله مساعيهم الجميلة


(7)

وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.

وممّا يثلج الصدر أن تستمر هذه الجهود الخالصة المخلصة في سبيل الحفاظ على مفاهيم الدين، حيث قام في عصرنا هذا جماعة من الأعلام بنفس هذا العمل العظيم، ونخص بالذكر صديقنا العلاّمة الفقيه والبحّاثة المحقّق الأُستاذ الشيخ جعفر السبحاني في ما كتب في سلسلة «مفاهيم القرآن الكريم» هذه المجموعة الّتي صدرت منها إلى الآن أربعة أجزاء، والّتي سدّت فراغاً واسعاً في هذا المجال حيث أوضحت ـ في غاية القوة والإحاطة والإتقان والتحقيق ـ كثيراً من المفاهيم القرآنية الإسلامية وسدّت الطريق في وجه المبتدعين والمحرّفين، والمأوّلين والمشكّكين، وأجابت باسلوب برهاني مقنع على أسئلة طالما شغلت أذهان الشباب، وأصحاب المدارس الحديثة.

وقد جاء الجزء الرابع ردّاً على الاتجاه المذكور وهو تفسير الجوانب الغيبية بالتعليلات المادية.

فلله درّ مؤلفه الفقيه المحقّق العلاّمة وحفظه الله ذخراً للحوزة والأُمّة، ونفع المسلمين جميعاً بعلومه ومؤلّفاته. انّه سميع مجيب.

لطف الله الصافي        
23 ـ ربيع الثاني ـ 1406 هـ


(8)

كتاب كريم

تفضّل به العلاّمة الحجّة الأُستاذ المحقّق آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ـ دام ظله ـ ننشره تقديراً لجهوده العلمية الكبرى مشفوعاً بالشكر والتكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

(قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَ كِتَابٌ مُبِينٌ) (1)

إنّ الواصف المطري مهما جدّ واجتهد، ومهما بلغ شأواً عظيماً في القدرة على التحديد والتوصيف، لا يتمكن من أن يصف كلامه سبحانه ويحدّده بما هو لائق به، كيف؟ وهو كلام من لا يتناهى كمالاً وجمالاً، كما لا يتناهى علماً وقدرة.

فلو كانت هناك صلة بين الأثر والمؤثر وكان الأثر ظلاً له، فكلامه سبحانه لا يتناهى في الروعة والجمال، لكونه أثراً للكمال المطلق والجمال غير المتناهيين، وعند ذلك لا يجد الباحث معرفاً محدداً لكلامه أحسن ممّا ورد في الذكر الحكيم في هذا المضمار، قال سبحانه: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَ كِتَابٌ مُبِينٌ).

وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً)(2).


1 . المائدة: 15 .
2 . النساء: 174 .


(9)

وقال تعالى: (وَ كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَ لاَ الإِيمَانُ وَ لَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِى بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم )(1) إلى غير ذلك من الآيات الّتي تعدُّ الذكر الحكيم نوراً منزّلاً من الله سبحانه إلى البشر كلّه في جميع العصور والقرون، ولجميع الأجيال والمجتمعات، فيجب علينا أن نقف على السر الّذي أصبح به القرآن نوراً وضياء.

أقول: إنَّ علماء الطبيعة كشفوا عن أسرار النور وخواصه، فلاحظوا:

أوّلاً: أنّ سرعة النور لا تضاهيها سرعة أيّ شيء آخر.

ثانياً: أنّ حياة النبات والحيوان رهن للنور، فلولاه لما استقرت الحياة وما اخضرّ لها عود.

ثالثاً: أنّ النور يكافح العوامل الهدّامة للحياة فيقتل بعض الجراثيم والميكروبات المضرة، ويبقي الذرات النافعة للحياة، إلى غير ذلك من الآثار المكشوفة الثابتة للنور في مجال علم الطبيعة.

مضافاً إلى أنّ النور يكشف الحجب في المجتمع فلا يرى إجرام المجرم في وضح النهار، وإذا طرأت الظلمة خرج المجرمون من أوكارهم ابتغاءً للفساد، ونشراً للرذيلة.

هذا هو حال النور الحسّي الّذي يمشي به الإنسان في حياته المادية، وإذا كان هذا حال النور الحسّي فالنور المعنوي الّذي به حياة الإنسان الروحية، أَولى أن يكون كذلك.

ومن حسن الحظ أن نجد النور المعنوي (القرآن والسنّة) حاملاً لهذه


1 . الشورى: 52 .


(10)

الأوصاف والآثار على الوجه الأكمل والأتم.

فإذا كان النور الحسّي أسرع الأشياء المادية في السير والدوران، فالنور الّذي يحمله القرآن الكريم مثله في السرعة والانتشار، فقد انبثق نور القرآن من أُمّ القرى وانتشر بسرعة فائقة في أجواء العالم، وبدّد الظلام عن أُمّ القرى وما حولها إلى أن وصل إلى منتهى الخف والحافر.

وإذا كانت الحياة المادية لا تستقر في هذا الكوكب إلاّ بضوء الشمس فالحياة المعنوية لا تستقر في هيكل الفرد والمجتمع، إلاّ بالإيمان والعمل الصالح، ولا يهتدي الإنسان إلى كل منهما إلاّ ببركة الوحي المجسّد في الذكر الحكيم .

وإذا كان ضوء الشمس ونور الكوكب يبدّد الحجب في البوادي والصحاري والمدن والبلدان فيغيب المجرم، ويختفي المسيء، فالنور المعنوي الّذي يحمله القرآن ومثله كل وحي سماوي، يضيء المجتمع وينوّر القلوب، فلا تجد فيه مجالاً لظهور الرذائل وانتشار المساوئ، وإنّما تظهر رذائل الأخلاق في غياب الإيمان والقرآن عن المجتمع.

وإذا كان النور الحسّي يكافح العوامل الهدّامة للحياة، فالنور المعنوي أيضاً يكافح الغي والفساد، والهرج والمرج، والجهل والفقر، وغيرها من الأُمور الّتي تعد من العوامل الهدّامة لحياة الإنسان المعنوية.

ولأجل ذلك نرى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يأمر بالتمسّك بالقرآن الكريم عند التباس الفتن على الإنسان كقطع الليل المظلم ويقول: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع وماحل مصدّق...».(1)


1 . الكافي: 2 / 238 .


(11)

ولأجل هذا الأمر وغيره عكف علماء الإسلام منذ فجر الدعوة الإسلامية على دراسة القرآن وقراءته وحفظه وتفسيره والعناية به بشتى الطرق والوجوه. وقد بلغ إقبال المسلمين والعناية بكتابهم مبلغاً لا يوجد له نظير في جميع أنحاء العالم والمجتمعات البشرية. كيف؟ وقد أسّسوا للاستضاءَة من ذلك النور، علوماً كثيرة خدموا بها القرآن الكريم وعالجوا بها مشاكله ومبهماته ومعضلاته، شكر الله مساعي الجميع.

منهج التفسير الموضوعي:

إنّ السيرة الرائجة في تفسير القرآن الكريم هي تفسيره سورة بعد سورة، فالمفسر الموفّق هو من يأخذ بتفسير سورة الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران وهكذا إلى أن ينتهي إلى آخر القرآن، أو إلى ما تصل إليه جهوده، وهذه سيرة رائجة في جميع القرون، غير أنّ هناك منهجاً آخر لتفسير الذكر الحكيم لم يقع موضع العناية الكبيرة للسلف الصالح من المفسرين وهو «المنهج الموضوعي» لتفسير القرآن.

والمقصود منه جمع الآيات الواردة في كل موضوع والبحث عنها دفعة واحدة، وهذا هو الطريق الأمثل الّذي ستحل به معضلات الآيات، وترتفع مبهماتها، فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، وينطق بعضه ببعض، ولا مناص للمجتمع القرآني من العناية بهذا المنهج أيضاً كما كان له العناية بالمنهج الأوّل، فالمنهجان متواكبان في الإضاءة والتنوير، ولكل مزيّته ومحاسنه.

ثم إنّ من الذين عانوا في سد هذا الفراغ وبذلوا جهوداً واسعة في سبيله العلاّمة الحجّة المحقّق الأخ الشيخ جعفر السبحاني أدام الله تأييده.

فقد سلك هذا الطريق وكشف حقائق قيّمة، فشكر الله مساعيه ووفقّه


(12)

لإدامة هذا المشروع.

فقد اختار من بين الموضوعات أوّلاً ما يتصل بالله سبحانه، وصفاته وأفعاله، والنبوات العامة والخاصّة، فلأجل ذلك قام بطرح مباحث التوحيد في الجزء الأوّل في اثني عشر فصلاً على وجه بديع.

ولقد أعجبني من هذه الفصول الفصل المعقود لتفسير التوحيد في العبادة، وما يتميّز به ما يشبه العبادة عن غيره، فقد اعتمد في هذا المبحث على ضابطة قيّمة استنبطها من الذكر الحكيم.

ولما انتهى بحثه في هذا الجزء إلى قسم خاص من التوحيد وهو «التوحيد في الحاكمية» وانّ الحكم حق مختص بالله سبحانه، لا يناله غيره إلاّ بإذنه، جعل مدار البحث في الجزء الثاني «معالم الحكومة الإسلامية» باسلوب رائق وطريقة جديدة في نوعها، إلى غير ذلك ممّا يراه القارئ في أجزاء هذا الكتاب القيّم من الموضوعات الهامّة.

أضف إلى ذلك كلّه أنّ الكتاب يشتمل على مزايا أُخرى قيّمة في ذاتها، منها الصراحة في البحث، وطرح المباحث بقلم واضح بعيد عن التعقيد، والإيجاز المخل، والإطناب الممل.

ومنها الحفاظ على المفاهيم الإسلامية من دون أيّ تحوير فيها وتغيير، والتحرّز عن المناهج المزيجة الملفقة، الّتي تأخذ من الإسلام شيئاً، ومن المناهج غير الإسلامية شيئاً آخر، فتمزجهما وتقدّم المجموع الملفّق باسم الإسلام، من المناهج الّتي لها الضرر الكثير على الإسلام وأهله، أعاذنا الله من شرور هذه الفكرة وخطورة هذه المناهج.


(13)

وقد مشى المؤلف فيما يمتّ إلى هذه المباحث في ضوء القرآن الكريم من دون أي خضوع للأفكار المادية، أو إخضاع المفاهيم الإسلامية لتلك المناهج، فشكر الله سعيه، وضاعف أجره وجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.

ناصر مكارم الشيرازي  
قم ـ الحوزة العلمية    
12 ـ شوال ـ 1407 هـ


(14)


(15)

المفاهيم القرآنية بين الجمود والتأويل

إنّ الذكر الحكيم يشتمل على معارف وأُصول كما يشتمل على أحكام وفروع، والغاية المتوخّاة من المعارف والأُصول، هي تحصيل العلم والمعرفة أوّلاً، والإذعان والإيمان ثانياً، كما أنّ الهدف من تشريع الأحكام والفروع هو الدعوة إلى العمل والتطبيق.

فلو كان شرف كل علم بشرف موضوعه، فالعلم الأوّل ـ بما أنّه يبحث عن معرفة الله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله وما ينبغي له وما لا ينبغي له ـ يكون هو الأشرف والفقه الأكبر، كما أنّ العلم الثاني ـ بما أنّه يبحث عن حكمه سبحانه بما يتعلّق بأفعال العباد ـ يكون هوالفقه الأصغر. ولكلٍّ أئمّةٌ وقادة مفكرّون، وكثيراً ما يكون الإنسان إماماً في باب المعارف والعقائد، وفي الوقت نفسه يكون غير رفيع المستوى في باب معرفة الأحكام، وربّما يكون على العكس، فالكل إذا تكلموا فيما أحسنوا، أرشدوا إلى الطريق المهيع والحق المبين، فإذا نطقوا في غيره أتوا بما تندهش منه العقول ويقضي منه العجب .(1)

فاللازم على روّاد العلم حسب ما أمر به الرسول من تنزيل كل أمرئ


1 . قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو سكت من لا يعلم لرفع الاختلاف» لاحظ درر الحكم للآمدي.


(16)

منزلته (1) والأخذ عنهم فيما برعوا وفاقوا فيه، وترك الاقتفاء والتبعية فيما لا حذق لهم فيه ولا براعة، وهذا هو دأب الدين، وهي السنّة القرآنية الّتي أمر الله سبحانه بها حيث قال: (وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)(2) .

وكذلك علم الحديث والسنّة، فربّما يكون الرجل قدوة في الحفظ، عارفاً بمتون الأحاديث وأسانيدها، وليس له مقدرة علمية لتحليل مفادها والغور في أعماقها، فيكون ذلك من موارد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها، فربّ حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه».(3)

فليس كل من روى كلاماً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقبل رأيه الّذي رأى، ولا كل من حفظ اللفظ، كان أهلاً لبيان كنه المعنى، وما يستنبط منه، بل لكل من الحفظ والنقد والتحليل رجال متخصّصون، ولكل فن أهل وأرباب، فمن خاض في علم بلا كفاءة كان خطاؤه أكثر من صوابه وكان ما يفسده أكثر ممّا يصلحه.

هذا هو الأصل الّذي دعا إليه القرآن، واستقرّت عليه سيرة العقلاء، ولكن الغفلة عن هذا الأصل في بدايات القرون الهجرية الأُولى، أحدثت تخبّطاً في الأوساط الإسلامية فنجمت بين المسلمين بدع يهودية وآراء مسيحية، من القول بالتشبيه، وإثبات المحل لله تعالى، والجهة له سبحانه، فوصف الباري ـ المنزّه عن كل نقص ـ بالجلوس، والنزول إلى الأرض، وأثبتت له الأجزاء والأعضاء كالوجه والعين واليد والرجل، ونسب إليه الاستعلاء الحسي على العرش، وكان السبب لهذا


1 . روى مسلم في صحيحه: (1 / 5) عن عائشة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أمرنا أن ننزل الناس منازلهم.
2 . البقرة: 189 .
3 . سنن الترمذي: 5 / الباب 7، كتاب العلم، الحديث 2657 ; مسند أحمد: 2 / 225 .


(17)

التخبّط أمران:

أوّلاً: الاغترار بما وضعه أعداء الإسلام من الأحبار والرهبان الذين تظاهروا بالإيمان وأضمروا الكفر تنفيذاً لحقدهم وعدائهم، ويقف القارئ على نماذج كثيرة من هذه الإسرائيليات فيما روي عن كعب الأحبار، ووهب من منبه، وعبد الملك بن جريج، ومن شاكلهم من المتأسلمين لا المسلمين الحقيقيّين.

ثانياً: الجمود على ظواهر بعض الآيات والأحاديث من دون تعمّق في أغوارها، ولا تفحّص في مفاهيمها وأعماقها، حتّى عاد التفكّر في مفاد الآية والحديث تأويلاً بغيضاً، فعند ذاك هاجت بحار الفتن وتلاطمت أمواجها بالبدع المهلكة، فسمّي التفكّر في القرآن والتدبّر في كلمات الرسول «كفراً» و «زندقة» وعدّ إقصاء العقل وعزله عن القضاء في المعارف والأُصول «قداسة» و «نزاهة»!!!

ففي هذه الظروف والأحوال قامت قيامة تأسيس المناهج، ونجمت فرق كثيرة، كلٌّ يدّعي الانتساب إلى الوحي والسنّة.

وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقرّ لهم بذاكا

وإليك تسمية بعض هذه الفرق وبيان رؤوسها:

1. مبتدعة السلف:

وهم المغترون بكل حديث وقعت أعينهم عليه، فجمعوا في حقائبهم كل رطب ويابس، وأخذوا بالظواهر وتركوا الاستعانة بالقرائن، وسمّوا كل بحث من أيّ أصل من الأُصول والمعارف «تأويلاً» و «خروجاً عن الدين» وكبحوا العقل بتهمة الزندقة، واستراحوا لما رووا عن أئمتهم من ذم علم الكلام، فوصفوا الجمال


(18)

المطلق والكمال اللامتناهي بالمحل والجسم، والنزول والصعود، وخرقوا له كثيراً من الأشباه والنظائر.

ترى كثيراً من هذه الأحاديث في مرويات حمّاد بن سلمة، ونعيم بن حمّاد، ومقاتل بن سليمان، ومن لف لفهم، ففي مروياتهم تلك الآثار المشينة، وقد قلّدهم كثير من البسطاء في القرون المتأخرة، فحسبوها حقائق راهنة وألّفوا فيها الكتب.

وعلى هذا الأساس أُلّف كتاب «التوحيد» لمحمد بن إسحاق بن خزيمة (المتوفّى عام 321 هـ)، وكتاب «السنّة» لعبد الله بن أحمد بن حنبل، وكتاب «النقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسّم فإنّه أول من اجترأ من المجسّمة بالقول: بأنَّ الله لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته، فكيف على عرش بعيد.(1)

ولقد عزب عن هؤلاء المساكين أنّ التفكّر في آي الذكر الحكيم والغور في أعماقها ممّا أمر به منزّله سبحانه حيث قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)(2). وليس صرف آيات الاستواء على العرش والوجه واليد والعين وما شابهها، عن الظاهر المتبادر من مفرداتها، إلى ما هو المتبادر عند أئمّة البلاغة، تأويلاً وخروجاً عن ظاهر الكلام، إذ للكلمة بمفردها حكم، وللجملة المتكوّنة من بعض الكلمات حكم آخر.

وإن كنت في ريب من هذا فلاحظ لفظ الأسد بمفرده، ونفس اللفظ في قول القائل: «رأيت أسداً يرمي»، فحملها في الجملة الثانية على الحيوان المفترس


1 . لاحظ مقدمة الشيخ محمد زاهد الكوثري على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي.
2 . ص: 29 .


(19)

صرف لظاهر الكلام بلا دليل، وتأويل بلا مسوّغ.

وبهذا يظهر أنَّ الصفات الخبرية الواردة في القرآن كالوجه وغيره لها حكم عند الإفراد، ولها حكم آخر إذا ما جاءت في ضمن الجمل، فلايصحّ حملها على المعاني اللغوية إذا كانت هناك قرائن صارفة عنها، فإذا قال سبحانه: (وَ لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَ لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً)(1)، فيحمل على ما هو المتبادر من الآية عند العرف العام، أعني: الإسراف والتقتير، فبسط اليد كناية عن الإنفاق بلا شرط، كما أنّ جعل اليد مغلولة إلى العنق كناية عن البخل والتقتير، ولا يعني به بسط اليد بمعنى مدّها، ولا غلّ اليد إلى العنق بمعنى شدّها إليه .

وعلى هذا يجب أن يفسر قوله سبحانه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(2)، فالعرش في اللغة هو السرير، والاستواء عليه هو الجلوس، غير أنَّ هذا حكم مفرداتها، وأمّا معنى الجملة فيتفرع الاستظهار منها، على القرائن الحافة بها، فالعرب الأقحاح لا يفهمون منها سوى العلو والاستيلاء، وحملها على غير ذلك يعد تصرّفاً في الظاهر، وتأويلاً لها، فإذا سمع العرب قول القائل:

قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق

أو سمع قول الشاعر:

ولما علونا واستوينا عليهم *** تركناهم مرعى لنسر وكاسر

فلا يتبادر إلى أذهانهم سوى العلو والسيطرة والسلطة، لا العلو المكاني


1 . الإسراء: 29 .
2 . طه: 5 .


(20)

الّذي يعد كمالاً للجسم، وأين هو من العلو المعنوي الّذي هو كمال الذات.

وقد جاء استعمال لفظ الاستواء على العرش في سبع آيات مقترناً بذكر فعل من أفعاله، وهو رفع السماوات بغير عمد، أو خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فكان ذاك قرينة على أنّ المراد منه ليس هو الاستواء المكاني بل الاستيلاء والسيطرة على العالم كله، فكما لا شريك له في الخلق والإيجاد لا شريك له أيضاً في الملك والسلطة، ولأجل ذلك يقول في بعض هذه الآيات: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَ الأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(1) .

فالتأويل بلا قيد وشرط، إذا كان ضلالاً ـ كما سيوافيك بيانه ـ فكذلك الجمود على ظهور المفردات، وترك التفكّر والتعمّق أيضاً ابتداع مفض إلى صريح الكفر، فلو حمل القارئ قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)(2) على أنّ لله مثلاً، وليس لهذا المثل مثل... إذن يقع في مغبّة الشرك وحبائله، وقد نقل الرازي في تفسيره لهذه الآية كلاماً عن ابن خزيمة فراجعه .(3)

وما أحسن قول ابن العربي في هؤلاء المجسّمة المشبهة:

قالوا الظواهر أصل لايجوز لنا *** عنها العدول إلى رأي ولا نظر
بينوا عن الخلق لستم منهم أبداً *** ما للأنام ومعلوف من البقر

وهؤلاء سلف المشبهة وأئمّة المجسّمة، وقد اغتر بقولهم جماعة من البسطاء المحدثين إلى أن طلع إمام الأشاعرة فادّعى في الفترات الأخيرة من حياته أنّه تاب


1 . الأعراف: 54 .
2 . الشورى: 11 .
3 . مفاتيح الغيب: 8 / 388 .


(21)

من الاعتزال وصار من شيعة منهج أحمد بن حنبل، وأنّ مذهبه لا يفترق عنه قيد شعرة، فقام بتعديله وإصلاحه بشكل خاص خال عمّا يناقض عقول الناس، إلاّ فيما شذ وندر. وليس مذهب الأشعري إلاّ صورة معدلة من مذهب الحنابلة وأهل الحديث، كما سيوافيك، فصار القول بالتشبيه والتجسيم الصريح متروكاً بعده إلى قرون.

ولكن العجب أنّ هذه البدع بعد إخمادها، أخذت تنتعش في أوائل القرن الثامن بيد أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني (المتوفّى عام 728 هـ)، فجدّد ما اندرس من آثار تلك الطائفة المشبهة، وقد وصفه السبكي في السيف الصقيل: «بأنّه رجل جسور يقول بقيام الحوادث بذات الرب»، ولكنه يقول بأنكر من ذلك، وقد أتى بنفس ما ذكره الدارمي المجسّم في كتابه «غوث العباد» المطبوع بمصر عام 1351 هـ في مطبعة الحلبي.

وعلى ذلك فابن تيمية إذن إمام المدافعين عن بيضة أهل التشبيه، وشيخ أهل التجسيم ممن سبقه من الكرامية وجهلة المحدّثين، الذين اهتموا بالحفظ المجرّد، وغفلوا عن الفهم والتفكير، ولأجل ذلك نرى أنّ الشيخ الحراني يرمي المفكرين من المسلمين كإمام الحرمين، والغزالي، في كتابيه «منهاج السنّة والموافقة المطبوع على هامش الأوّل» بأنّهما أشدّ كفراً من اليهود والنصارى. مع أنّه (أي ابن تيمية) يعتنق عقائد يخالف جمهرة المسلمين وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

2. معطّلة السلفية

وهذه الزمرة من السلفية وإن كانت بريئة ممّا ذهبت إليه المجسّمة فهم لا يقتفون أثر الظواهر، بل يصرفونها عمّا يتبادر منها في بادئ النظر، إلاّ أنّهم


(22)

لا يخوضون في المراد منها حذراً ممّا يسمى بـ «وصمة التأويل» .

فعقيدة هؤلاء في الصفات الخبرية أنّ لله سبحانه يداً وعيناً واستواءً على العرش، لكن لا نعلم كنهها، وفي مقدم هؤلاء مالك بن أنس، وقد سئل عن معنى قوله سبحانه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أنّه كيف استوى؟ فقال في جواب السائل: ما أظنّك إلاّ صاحب بدعة، فالاستواء مذكور، والكيف مجهول، والإيمان به واجب. وفي رواية: والكيف غير معقول.

فلو صحت نسبة هذا الكلام إلى إمام المالكية، فهو بلا شك من المعطّلة، خصوصاً إذا كانت الرواية على قوله: «الكيف مجهول»، فهو يعتقد أنّ لله سبحانه جلوساً على العرش، لكن مجهولاً كنهه أو محالاً دركه، فيجب الإيمان به لا السؤال عن حقيقته، فيتوجه السؤال إلى إمام المذهب المالكي أنّه لماذا هجم على السائل بقوله ما أظنّك إلاّ صاحب بدعة؟! مع أنّ وظيفة العالم إرشاد الجاهل لا الهجوم عليه بكلمة لاذعة، كما أنّه يتوجه إليه أنّ الآية ونظائرها تصبح عند ذاك من الألغاز الّتي لا يفهم معناها، بل يجب الإيمان بها، ومع ذلك كلّه فقد راج هذا المذهب بعد ما رجع الإمام الأشعري من مذهب الاعتزال إلى مذهب المحدّثين، وفي مقدمهم أحمد بن حنبل، يقول ابن خلكان: كان أبوالحسن الأشعري أوّلاً معتزلياً، ثم تاب من القول بالعدل، وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ورقى كرسياً ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أُعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن، وإنّ الله لا تراه الأبصار، وإنَّ أفعال الشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم .(1)


1 . وفيات الأعيان: 3 / 285 .


(23)

فغاية ما عند الإمام الأشعري وأتباعه أنَّ لله سبحانه صفات خبرية مثل اليدين، والوجه، ولكن لا نعرف كنه اللفظ الوارد فيه، ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنّه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقيناً.(1)

وهذه الطائفة قد خرجت من مغبة التشبيه والتجسيم، غير أنّهم تورّطوا في أشراك التعطيل وحبائله، فعطّلوا العقول عن التفكّر في المعارف والأُصول كما عطّلوها عن التدبّر في الآيات والأحاديث، فكأنّ القرآن ألغاز نزلت إلى البشر، وليس كتاباً للتعليم والإرشاد، قال تعالى: (ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيءْ )(2)، فإذا كان القرآن مبيّناً لكل شيء فكيف لا يكون مبيّناً لنفسه؟! وكيف يكون المطلوب منه نفس الاعتقاد من دون فهم معناه؟ وفي الختام نشير إلى عدّة أُمور:

1. انّ القوم يطلقون عنوان «المعطّلة» على القائلين بوحدة الذات والصفات بمعنى أنّ صفاته سبحانه عين ذاته لا شيء زائد عليه، وأنّ الذات كلّها علم وكلّها قدرة، وكلّها حياة، وليست هذه الصفات أُموراً زائدة على نفس الذات .

والقوم لما لم يصلوا إلى مغزى تلك العقيدة رموا القائلين بها بالتعطيل، أي تعطيل الذات عن الاتصاف بالصفات، وهم برآء عن هذه التهمة، إذ لم يعطّلوها عن الاتصاف بها، بل نزّهوا الذات عن الاتصاف بالصفات الزائدة، فكم فرق بين تعطيل الذات عن الصفات، وبين تنزيهه عن الصفات الزائدة؟ فتوصيفهم بالتعطيل ظلم واضح، بل المعطّلة حقيقة هم الذين عطّلوا العقول عن البحث


1 . الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 92 .
2 . النحل: 89 .


(24)

حول المعارف واكتفوا بالإيمان المجرّد الخالي عن التعمّق والتفهم.

2. انّ معطّلة السلف كانوا يحرمون النظر في المعارف بحجة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: عليكم بدين العجائز، فإنّه الفائز. غير أنّ هذا النص لم يوجد في صحاح القوم، ولا في مسانيدهم، بل الصحيح ما روي أنّ «عمرو بن عبيد» لمّا أثبت منزلة بين الكفر والإيمان، فقالت عجوزة: قال الله تعالى: (هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) فلم يجعل الله من عباده إلاّ الكافر والمؤمن. فقال سفيان: عليكم بدين العجائز.

وأقصى ما يمكن أن يقال: إنَّ الرواية صدرت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما استدلت العجوز على وجود الصانع بحركة دولابها، وكف اليد عن تحريكها، على ما هو معروف، فاستدلت بحركة الأجرام السماوية على أنّ لها محركاً كما أنّ لحركة دولابها محركاً، وأين هذا من تعطيل العقول عن المعارف؟!

3. ثم إنّ تعطيل العقول عن البحث والمعرفة أخذ في هذه الأعصار صبغة علمية مادية بحتة بحجة أنّ مبادئها ومقدماتها ليست في متناول الباحثين، لأنّها موضوعات وراء الحس والطبيعة ولا تعمل فيها حواس الإنسان، فهذا هو السيد الندوي يتمسّك بهذا الوجه ويعدّ ترك البحث فضيلة، والبحث عن المعارف القرآنية كفراناً للنعمة.

يقول: وقد كان الأنبياء (عليهم السلام)أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن بداية هذا العالم ومصيره، وما يهجم عليه الإنسان بعد موته، وآتاهم علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بدون تعب، وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادئها ولا مقدماتها الّتي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول، لأنّ هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، لا تعمل فيهما حواسّهم، ولا يؤدي إليها


(25)

نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأوّلية.

لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة وأعادوا الأمر جذعاً، وأبدوا البحث أنفاً، وبدأوا رحلتهم في مناطق مجهولة لا يجدون فيها مرشداً ولا خرّيتاً.(1)

إنّ الكاتب حسب ما توحي عبارته متأثر بالفلسفة المادية الّتي تحصر أدوات المعرفة بالحس، ولا يقيم وزناً للعقل الّذي هو إحدى أدواتها، وهذا من الكاتب أمر عجيب جداً، فإنّ الله سبحانه كما دعا إلى الانتفاع بالحس ومطالعة الطبيعة وكشف قوانينها وأنظمتها دعا إلى التعقّل والتفكّر في كل ما ورد في القرآن الكريم حيث قال: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(2).

وليست الآية ناظرة إلى التدبّر في خصوص الأنظمة السائدة على النبات والحيوان والإنسان، بل التدبّر في مجموع ما جاء في القرآن، فقد جاء في القرآن الكريم معارف دعي إلى التدبّر فيها، نظير: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)(3). (وَ للهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى)(4). (لهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)(5). (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)(6).

(فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)(7).


1 . ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 97 .
2 . محمد: 24 .
3 . الشورى: 11 .
4 . النحل: 60 .
5 . طه: 8 .
6 . الحشر: 23.
7 . البقرة: 115 .


(26)

(هُوَ الأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)(1).

(وَ إِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم )(2).

(وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)(3).

(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ )(4).

إلى غير ذلك من المعارف العليا الواردة في القرآن الكريم، ولا يحصل عليها الإنسان إلاّ بالتدبّر والتعقّل، ولا تكفي في التعرّف عليها العلوم الحسّية وإن بلغت القمة.

ثم إنّ لصدر المتألّهين كلاماً حول هذه الطائفة طوينا الحديث عن ذكره، كما أنّ للسيد العلاّمة الطباطبائي كلاماً قيماً آخر تركنا ذكره روماً للاختصار.(5)

4. انّ العقيدة الأشعرية هي عقيدة حنبلية معدّلة، وقد تصرّفت في جميع ما كان غير معقول في العقيدة الأُولى، فلأجل ذلك حلّت محل ذلك المذهب بعد اضطرابات واشتباكات بين معدّل المذهب وأتباع العقائد الحنبلية.

وقد توفق الرجل في تعديل المذهب، وأوّلَ منه ما يناقض العقول، ومع ذلك كلّه أبقى من المذهب الحنبلي أُموراً على وجهها ولم يقدر على تأويلها، وهي عبارة عن: مسألة قدم القرآن أوّلاً، ورؤية الله سبحانه ثانياً، والقول بالقضاء والقدر على وجه يجعل الإنسان مكتوف الأيدي، فلو أغمضنا النظر عن هذه المسائل الثلاث،


1 . الحديد: 3 .
2 . الحجر: 21 .
3 . الحديد: 4 .
4 . الرعد: 39 .
5 . لاحظ الأسفار الأربعة: 1 / 5 ; الميزان: 8 / 158 .


(27)

فقد توفّق الإمام الأشعري في إصلاح العقائد الحنبلية بعد ثبوتها في نفوس الناس وانتشارها في العالم.

3. المؤوّلة

إنّ المؤوّلة من الباطنية ليسوا بأقل خطراً من أصحاب الجمود، فقد وضعوا لتفسير المفاهيم الإسلامية ضابطة باطلة لا يوافقها العقل ولا دلّ عليها من الشرع شيء، قالوا:

للقرآن ظاهر وباطن، والمراد منه باطنه دون ظاهره المعلوم من اللغة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر، وانّ باطنه يؤدي إلى ترك العمل بظاهره، واستدلوا على ذلك بقوله سبحانه: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)(1). (2)

فإذا كانت تلك الضابطة في فهم الشريعة والعمل بالقرآن صحيحة، إذن أصبحت الشريعة غرضاً لكل نابل، وفريسة لكل آكل، فلا يبقى منها شيء، وفي هذه الحالة يدّعي كل مؤوّل أنّ الحق معه، وأنّ المراد ما اختاره من التأويل على الرغم من اختلاف تأويلاتهم، انظر إلى ما يقولون حول المفاهيم الإسلامية وأنّهم كيف يتلاعبون بها، فالصلاة عبارة عن الناطق الّذي هو الرسول، لقوله سبحانه: ( إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ).(3)

والغسل عبارة عن تجديد العهد ممن أفشى سراً من أسرار الباطنية من غير


1 . الحديد: 13.
2 . الفرق بين الفرق: 18 .
3 . العنكبوت: 45 .


(28)

قصد، والاحتلام عبارة عن إفشائه، والزكاة هي تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه من الدين، والجنة راحة الأبدان عن التكاليف، والنار مشقتها بمزاولة التكاليف .(1)

فإذاكان ما ذكروه حقيقة الدين والتكاليف فلم يبق بين الديانة والإلحاد حد ولا فصل.

هذه نماذج من تأويلات الباطنية، وقد ظهرت بوادر هذه الفتنة ونبتت نواتها زمن المأمون العباسي إلى أن صاروا طائفة كبيرة حاقدة على الإسلام والمسلمين، ومحاربة لهم بغير السيف والنار، عن طريق الاحتيال الموصل لهم إلى مآربهم وأهوائهم.

ويليهم في التخريب والإضرار التصوّف الّذي جاء به ابن العربي شيخ هذه الطريقة، فقد قام بتأويل المفاهيم القرآنية على وجه لا دليل عليه، فيقول: إنّ جبرائيل هو العقل الفعّال، وميكائل هو روح الفلك السادس، وإسرافيل هو روح الفلك الرابع، وعزرائيل هو روح الفلك السابع .(2)

كما يفسر قوله سبحانه: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ)(3) بأنَّ مرج البحرين هو بحر الهيولى الجسمانية الّذي هو الملح الأُجاج، وبحر الروح المجرّد، وهو العذب الفرات، يلتقيان في الموجود الإنساني، وأنّ بين الهيولى الجسماني والروح المجرّد برزخ، هو النفس الحيوانية الّتي ليست في صفاء الروح المجرّدة ولطافتها ولا في كثرة الأجساد الهيولانية وكثافتها.


1 . المواقف: 8 / 390 .
2 . تفسير ابن العربي: 1 / 150 .
3 . الرحمن: 19 ـ 20 .


(29)

ولكن مع ذلك لا يبغيان، أي لا يتجاوز أحدهما حدّه فيغلب على الآخر بخاصيته، فلا الروح المجرّدة تجرّد البدن وتخرج به وتجعله من جنسه، ولا البدن يجسّد الروح ويجعله مادياً.(1)

تجد نظائر هذا في كتبه، كالفتوحات المكية، والفصوص، فيطبّق كثيراً من الآيات القرآنية على كثير من نظرياته الصوفية، وقد مني الإسلام بأصحاب الجمود في القرون الأُولى وحتى الآن، كما مني بالمؤوّلة من الباطنية والمتصوّفة من أوائل القرن الثالث حتى الآن.

التأويل باسم التفسير العلمي

غير أنّ التأويل قد اتخذ في العصر الحاضر لوناً خاصّاً واسماً فخماً، يطلق عليه التفسير العلمي، فالغاية عند هذه الطبقة إخضاع القرآن للمكتشفات العصرية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية، والحيوانات والنباتات، والجواهر المعدنية، وقد ظهرت هذه النزعة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وأُلّفت هناك كتب أبسطها كتاب «الجواهر في تفسير القرآن الكريم» للشيخ طنطاوي جوهري المصري.

لكن التفسير بهذا النمط، إنّما يستحسن إذا وافق ظاهر الآية، غير أنَّ المؤلفين في هذا القسم لا يكتفون بذلك بل يفسرون القرآن لغاية إخضاعه للمكتشفات،ترى أنّهم يفسرون قوله سبحانه: (وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ)(2) بالميكروب، وقد ناقشنا هذا اللون من التفسير في بعض مسفوراتنا.


1 . تفسير ابن العربي: 2 / 280 .
2 . الفيل: 3 .

Website Security Test