welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها

البدعة
مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها

تأليف
الفقيه المحقق

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

البدعة
مفهومها، حدّها وآثارها


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة :

البدعة وآثارها الموبقة

والحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد رسله، وخاتم أنبيائه وآله ومن سار على خطاهم وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

البدعة في الدين من كبائر المعاصي وعظائم المحرّمات، دلّ على حرمتها الكتاب والسنّة، وقد أُوعِد صاحبُها النار على لسان النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وما هذا إلاّ لاَنّ المبتدع ينازع سلطان اللّه تبارك وتعالى في التشريع والتقنين، ويتدخّل في دينه ويشـرِّع ما لم يشرِّعه الدين، فيزيد عليه شيئاً و ينقص منه شيئاً في مجالي العقيدة والشريعة، كل ذلك افتراء على اللّه.

بُعث النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحبل اللّه المتين وأمر المسلمين الاعتصام به ونهى عن التفرّق وقال:

«وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللّهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقوا واذكُروا نِعمَةَ اللّهِ عَليكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعمَتِهِ إخْوانا» (آل عمران|103).


(6)

ولكن المبتدع يستهدف حبل اللّه المتين ليوهنه ويخرجه من متانته بما يزيد عليه أو ينقص منه، وبالتالي يجعل من الاَُمّة الواحدة أُمماً شتّى، يبغض بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، فيحولون إلى شيعٍ وطوائف متفرّقين، فرائس للشيطان وأذنابه، وعلى شفا حفرة من النار، على خلاف ما كانوا عليه في عصر الرسالة.

إنّ المسلمين بعدَ رحيل الرسول تفرّقوا إلى أُمم ومذاهبَ مختلفة ولم يكن ذلك إلاّ إثر تلاعب المبتدعين في الدين والشريعة بإدخال ما ليس من الدين في الدين وكان عملهم تحويراً لصميم العقيدة الاِسلامية وشريعتها. فلولا البدعة والمبتدعون وانتحال المبطلين، لكانت الاَُمّة الاِسلامية أُمّة واحدة، لها سيادتها على جميع الاَُمم والشعوب في المعمورة. وما أثنى ظهورهم إلاّ دبيبُ المبتدع بينهم، فشتَّتهم وفرَّقهم بعد ما كانوا صامدين كالجبل الاَشم.

إنّ الحروب الدموية التي خاضها المسلمون في عصر الخلافة وبعدها وخضّبت الاَرض بالدماء الطاهرة وسلّ المسلمون سيوفَهم في وجه بعضهم، مكان سلّها في وجه الاَعدا فسقط منهم آلاف القتلى والجرحى على الاَرض كانت نتيجة البِدْع في الدين النابعة عن الاَهواء والميول النفسانية فكانوا يحاربون باسم الدين. ولم يكن الدين إلاّ في جانب واحد، لا في جوانب متكثرة.

إنّ صراط النجاة في الاِسلام هو صراط واحد مستقيم دعا إليه الموَمنين عامّة وقال: «وأَنَّ هذا صِراطي مستقياً فاتَّبِعوهُ ولا تَتَّبعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سِبِيلِهِ ذلِكُمْ وصّاكُمْ بِهِ لَعلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (الاَنعام ـ 153) ويأمر المسلمين أن يدعوا اللّه سبحانه، أن يديمهم على هذا الصراط كي لا ينحرفوا يميناً وشمالاً كما يقول سبحانه تعليماً لعباده: «إهْدِنا الصِّـراطَ المُسْتَقِيم» ولكن المبتدع يسوق بالناس إلى سبل منحرفة لا تنتهي إلى السعادة التي أراد اللّه سبحانه لعباده.


(7)

إنّ حق التشريع والتقنين للّه تبارك وتعالى وقد استأثر به وقال: «إنِ الحُكْمُ إلاّ لِلّهِ أمَرَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاهُ» (يوسف ـ 40) والمراد من الحكم هو التشريع بقرينة قوله: «أمرَ ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه» فالبدعة هو تشريك الناس في ذلك الحق المستأثر، ودفع زمام الدين إلى أصحاب الاَهواء كي يتلاعبوا في الشريعة كيفما شاءوا، وكيفما اقتضت مصلحتهم ومصلحة أسيادهم وأربابهم، فذلك الحق المستأثر يقتضي ألاّ يتدخّل أحد في سلطان اللّه وحظيرته، قال سبحانه: «وما كانَ لِمُوَْمِنٍ ولا مُوَْمِنَةٍ إذا قَضَـى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ من أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ ورسولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً» (الاَحزاب ـ 26).

إنّ المبتدع يتصرف في التشريع الاِسلامي فيجعل منه حلالاً وحراماً بدون إذن منه سبحانه وفي ذلك يقول سبحانه:

«قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أنزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعلتُمْ مِنْهُ حَراماً وحَلالاً قُلْ ءَآللّهُ أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُونَ» (يونس ـ 59) الآية واردة في عمل المشركين، حيث جعلوا ما أنزل اللّه لهم من الرزق بعضه حراماً وبعضه حلالاً فحرّموا السائبة والبحيرة والوصيلة ونحوَها فرد عليهم سبحانه وقال: «ءَآللّهُ أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُونَ» أي أنّه لم يأذن لكم في شيء من ذلك، بل أنتم تكذبون على اللّه، ثم يهددهم بالعذاب فيقول: «وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ يَومَ القِيامَةِ إنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولكنَّ أكثَرَهُمْ لا يَشْكُرونَ» (يونس ـ 60) ويوَكد عليه في آية أُخرى ويقول سبحانه: «ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ لِتَفتَـرُوا عَلى اللّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ» (النحل ـ 116).

إنّ أصحاب الاَهواء في كلّ زمان حتى في عصر الرسالة كانوا يقترحون على النبيّ الاَكرم أن يغيّر دينه ويأتي بقرآن غير هذا، حتى يكون مطابقاً لما تستهويه


(8)

أنفسهم، فأمر اللّه سبحانه أن يرد اقتراحهم بقوله: «قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقآءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلاّ ما يُوحى إلَـيَّ إنِّـي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّـي عَذَابَ يَومٍ عَظيمٍ» (يونس ـ 15).

كان في عصر الرسالة من كان يتقدّم على اللّه ورسوله لا مشياً وإنّما تقديماً لفكرته على الوحي فنزل الوحي مندِّداً لهم و قال: «يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ» (الحجرات ـ 1).

إنّ الكذب من المحرّمات الموبقة التي أوعدَ اللّهُ عليها النار، والبدعة من أفحش الكذب، لاَنّها افتراء على اللّه ورسوله، قال سبحانه: «ومن أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَـرى عَلَـى اللّهِ كَذِباً أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» (الاَنعام ـ 21) فالمبتدع يظهر بزيّ المحق عند المسلمين فيفتري على اللّه تعالى دون أن يكشفه الناس فيضلّهم عن الصراط المستقيم.

إنّ للّه في كل واقعة حكماً إلهيّاً لا يتبدّل ولا يتغيّر إلى يوم القيامة، فإذا حكم الحاكم وفق ذلك الحكم فهو حاكم عادل معتمد على منصَّة الحق، إلاّ أنّ المبتدع يحكم على خلاف ذلك الحق فيصفه سبحانه بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً، قال سبحانه: «وَمَنْ لَمْ يَحكُمْ بِما أنْزَلَ اللّهُ فَأُولئكَ هُمُ الكافِرونَ» وقال عزّ من قائل: «ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ» وقال تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ» (المائدة ـ 44، 45، 47).

فما حال إنسان يحكم عليه القرآن بالكفر تارة، والظلم ثانياً والفسق ثالثاً؟ فهل تُرجى له النجاة بعد أن أضلّ كثيراً من الناس وشقّ صفوف المسلمين وجعل السبيل الواحد سُبلاً كثيرة تضلّهم إلى مهاوي الهالكين.

ولعلّ هذا المقدار من التقديم يكفي في تبيّن موضع البدعة وموقف المبتدع عند اللّه سبحانه، ولاَجل ذلك نرى أنّ النبي الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شدّد على البدعة، وندّد


(9)

بالمبتدع بأفصح العبارات وأبلغها وسيوافيك لفيف من الروايات.

ولقد قام العلماء القدامى والجدد بتأليف كتب ورسائل حول البدعة نذكر البعض منها:

1ـ البدع والنهي عنها. لابن وضّاح القرطبي.

2ـ الحوادث والبدع. للطرطوشي.

3ـ الباعث. لاَبي شامة.

4ـ الاعتصام. لاَبي إسحق الشاطبي الغرناطي في جزأين وقد أسهب الكلام فيها.

5ـ البدعة أنواعها وأحكامها. لصالح بن فوزان بن عبد اللّه فوزان ـ طبع الرياض.

6ـ البدعة تحديدها وموقف الاِسلام منها. تأليف الدكتور عزّت علي عطية ـ نشر دار الكتاب العربي.

7ـ البـدعـة في مفهومها الاِسلامي الدقيق. تأليف الدكتور عبد الملك السعدي ـ طبع بغداد.

8 ـ البدع. تأليف أبي الحسين محمد بن بحر الرُّهني الشيباني، ذكرها أبو العباس النجاشي (352 ـ 450 هـ) في رجاله (1).

9ـ البدع المحدثـة. للشريف أبو القاسم الكوفي المتوفى بفسا سنة 352هـ وطبع باسم الاستغاثة، في النجف الاَشرف.

10ـ البدعـة. تأليف الدكتور الشيخ جعفر الباقري. وهي دراسة موضوعية لمفهوم البدعة وتطبيقاتها على ضوء منهج أهل البيت وقد قرأنا خلاصة الكتاب وهو على وشك الصدور قريباً.


(1)النجاشي: الرجال: رقم الترجمة 1044.


(10)

مع الاحترام والتكريم لجهودهم إلاّ أنّ غالب هوَلاء الكُتّاب نظروا إلى المسألة على أساس إمام مذهبهم فالاَوّل والثاني من هذه الكتب اعتمدا على رأي الاِمام مالك ـ رضي اللّه عنه ـ كما أنّ الكتاب الخامس اتّخذ من مذهب ابن تيمية مقياساً في حكمه، فخرج بنفس النتيجة التي خرج بها إمام مذهبه.

وأمّا الاِمام الشاطبي فقد أطنب وأسهب كثيراً في تأليفه ولم يركّز على نفس البدعة تحديداً ومصداقاً.

ودراسة البدعة تتوقّف على دراسة منهجيّة غير منحازة لمذهب خاص، وهذا يتوقف على الاجتهاد الحرّ من دون أن يتّخذ رأي إمام محوراً ورأي إمام آخر مسنداً بل ينظـر إلى الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين نظرة عامة شمولية فاحصة.

نعم لا تفوتنا الاِشارة إلى الميزة الموجودة فيما كتبه الدكتور السعدي فقد أفاض الكلام في الجزئيات التي ربّما وصفت بالبدعة وأثبت بدليل قاطع كونها غير بدعة، كما لا تفوتنا الاِشارة بمنهجية البحث في كتاب الدكتور عزّت علي عطية وقد نال به درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الاَُولى، ولكنّه في بعض المواضيع افتقد الشجاعة الاَدبية ولم يتجرّأ على تجاوز السدود التي فرضتها عليه البيئة، فترى أنّه يتوقف في التوسّل بالنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع أنّه قد تضافرت الروايات على جوازه.

وللجميع منّا الشكر الجزيل، ولكن الحقيقة بنت البحث فلا عتب علينا إذا ناقشنا بعض آرائهم نتيجة الاجتهاد الحر، رزقنا اللّه توحيد الكلمة كما رزقنا كلمة التوحيد.

10 رمضان المبارك
عام 1415 هـ
جعفر السبحاني



(11)

ألقينا الضوء على موضوع البدعة ودرسناه بما يغني معرفة جميع جوانبه وطرحناه هنا في الفصول التالية :

الفصل الاَوّل: نصوص البدعة في الكتاب والسنّة.

الفصل الثاني: البدعة في اللغة والاصطلاح.

الفصل الثالث: تحديد مفهوم البدعة ومقوماتها.

الفصل الرابع: الابتداع في تفسير البدعة.

الفصل الخامس: البدعة وأسباب نشوئها.

الفصل السادس: تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.

الفصل السابع: تقسيم البدعة إلى عادية وشرعية.

الفصل الثامن: تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية.

الفصل التاسع: لا بدعة في ما فيه الدليل نصاً أو اطلاقاً.

الفصل العاشر: الخطوط العامة لحصانة الدين من الابتداع.

الفصل الحادي عشر: كيفية التوصل إلى مكافحة البدع والقضاء عليها.

الفصل الثاني عشر: مسائل عشر على طاولة التطبيق.


(12)


(13)

الفصل الاَوّل

نصوص البدعة في الكتاب والسنّة

لقد اتّفقت الاَدلّة الشرعيّة على حرمة البدعة، وقد ذكرنا قسماً وافراً من الآيات الكريمة في مقدمتنا التي تعرّفت عليها ولا لزام لتكرارها، ونذكر هنا ما لم يرد هناك:

البدعة في الكتاب:

1ـ قال سبحانه: «وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللّهِ فَمَا رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها» (الحديد ـ 27)، فالآية تعبّـر عن الرهبانية بأنّها كانت من مبتدعات الرهبان ولم تكن مفروضة عليهم من قبل، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم وسيوافيك تفسير الاستثناء في مبحث تحديد البدعة.

2ـ قال سبحانه: «إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِـي شَـيءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» (الاَنعام ـ 159) وقد


(14)

فُسّـرت الآية بأهل الضلالة وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الاَُمّة، قال الطبرسي: ورواه أبو هريرة وعائشة مرفوعاً وهو المروي عن الباقر ( عليه السلام ) فجعلوا دين اللّه أدياناً لاِكفار بعضهم بعضاً وصاروا أحزاباً وفِرَقا ويخاطب سبحانه نبيّه بقوله: «لست منهم في شيء» وانّه على المباعدة التامة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة، وليس كذلك بعضهم مع بعض لاَنّهم يجتمعون في معنى من معانيهم الباطلة، وإن افترقوا في شيء فليس منهم في شيء لاَنّه بريء من جميعهم (3).

3ـ قال سبحانه: «قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحتِ أَرجُلِكُمْ أو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» (الاَنعام ـ 65) والآية بعموم لفظها تبيّن أنواع النُّذُر التي أنذر اللّه بها عباده، تبدأ من بعث العذاب من فوق، إلى بعثه من تحت الاَرجل وتنتهي بتمزيق الجماعة إلى شيع، فتفرّق الاَُمّة إلى فرق وشِيَع يعادل إنزال العذاب عليها من كل جهاتها. قال الحسن البصري: التهديد بإنزال العذاب والخسف يتناول الكفّار وقوله: «أو يلبسكم شيعاً» يتناول أهل الصلاة (4).

وقال مجاهد وأبو العالية: إنّ الآية لاَُمّة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أربع، ظهر اثنتان بعد وفاة رسول اللّه فأُلبسُوا شِيعاً وأُذيق بعضكم بأْس بعض وبقيت اثنتنان (5).

4ـ قال سبحانه: «اتَّخذُوا أحْبارَهُمْ ورُهبانَهُمْ أرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ والمَسيحَ ابْنَ مَريمَ وما أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا إلهاً واحِداً لا إله إلاّ هُوَ سُبحانَهُ عَمّـا يُشْـرِكُوَن» (التوبة ـ 31).


(1)الطبرسي: مجمع البيان: 2|389.
(2)المصدر نفسه: 315.
(3)الشاطبي (أبو إسحاق): الاعتصام: 2|61.


(15)

يظهر ممّا رواه الطبري وغيره أنّهم كانوا مشركين في مسألة التقنين، روي عن الضحاك: «اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم» أي قرّاءهم وعلماءهم «أرباباً من دون اللّه» يعني سادة لهم من دون اللّه، يُطيعونهم في معاصي اللّه فيُحلّون ما أحلّوه لهم ممّا قد حرّمه اللّه عليهم، ويُحرّمون ما يحرّمونه عليهم ممّا قد أحلّه اللّه لهم.

وروي أيضاً عن عدي بن حاتم قال: انتهيت إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يقرأ في سورة براءة: «اتَّخذُوا أحبارَهُمْ ورهبانَهُمْ أرباباً منْ دونِ اللّهِ» قال: قلت: يا رسول اللّه إنّا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يُحرّمون ما أحلّ اللّه فتحرّمونه، ويُحلّون ما حرّم اللّه فتحلّونه؟» قال: قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم» (1).

* * *

البدعة في السنّة:

لقد تعرّفت في التقديم وبعده على مجموعة من الآيات الواردة في البدعة وموبقاتها، وإليك ما ورد في السنّة النبوية من نصوصٍ وما رواه أئمة أهل البيت عن جدهم، ونقتصر على قليل من كثير منها إذ يتعذّر علينا نقلها جميعاً.

روى الفريقان حول البدعة والتشديد عليها روايات كثيرة نقتبس منها ما يلي:

1ـ روى الاِمام أحمد عن جابر قال: «خطبنا رسول اللّه فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهل له ثم قال: أمّا بعد فإنَّ أصدقَ الحديث كتاب اللّه، وإنّ أفضل الهدى هدى محمد، وشرّ الاَُمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» (3).


(1)الطبري: التفسير: 10|80 ـ 81.
(2)الاِمام أحمد: المسند: 3|310 ، طبع بيروت، دار الفكر.


(16)

2ـ روى أيضاً عن جابر قال: «كان رسول اللّه يقوم فيخطب فيحمد اللّه ويُثني عليه بما هو أهله و يقول: من يهد اللّه فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، إنّ خير الحديث كتاب اللّه وخير الهدى هَدي محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وشرّ الاَُمور محدثاتها وكل محدثة بدعة» (1).

3ـ روى أيضاً عن عرباض بن سارية قال: «صلّـى بنا رسول اللّه الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بيّنة، قال: أُوصيكم بتقوى اللّه ... وإيّاكم ومحدثات الاَُمور، فإنّ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (2).

4ـ روى ابن ماجة عن جابر بن عبد اللّه: «كان رسول اللّه إذا خطب احمرّت عيناه ثم يقول: أمّا بعد فإنّ خير الاَُمور كتاب اللّه وخير الهدى هَديُ محمد، وشرّ الاَُمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (3).

5ـ روى مسلم في صحيحه: «كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذا خطب: احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنّه منذر جيشٍ، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين اصبعيه: السبّابة والوسطى، ويقول: أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب اللّه، وخير الهدي هَديُ محمد، وشرّ الاَُمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل موَمن من نفسه، من ترك مالاً فلاَهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ» (4).


(1)الاِمام أحمد: المسند: 371.
(2)المصدر نفسه: 4|126 ولاحظ أيضاً ص 127 ولاحظ البحار: 2|263 فقد جاءت فيها نفس النصوص وفي ذيلها: «وكلّ ضلالة في النار».
(3)ابن ماجة القزويني: السنن: 1 الباب السابع الحديث 45، ط بيروت دار إحيار التراث العربي عام 1395.
(4) ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 5 الفصل الخامس، الخطبة رقم 3974.


(17)

6ـ روى النسائي قال: «كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول في خطبته: نحمد اللّه ونثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهدِ اللّه فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، إنّ أصدق الحديث كتاب اللّه، وأحسن الهدى هَديُ محمد، وشرّ الاَُمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، وكان إذا ذكر الساعة احمرّت وجنتاه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنّه نذير جيشٍ، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ثم قال: من ترك مالاً فلاَهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ، (أو عليّ) وأنا أولى بالموَمنين» (1).

7ـ روى ابن ماجة: «قال رسول اللّه: لا يقبل اللّه لصاحب بدعة صوماًولا صلاة ولا صدقة ولا حجّاً ولا عمرة ولا جهاد» (2).

8 ـ قال رسول اللّه: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (3).

قال الشاطبي: وهذا الحديث عدّه العلماء ثُلثَ الاِسلام لاَنّه جمع وجوه المخالفة لاَمره ( عليه السلام ) ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية (4).

9ـ روى مسلم عن أبي هريرة قال: «قال رسول اللّه: من دعى إلى هدى كان له من الاَجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً، ومن دعى إلى ضلالة كان عليه من الاِثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» (5).


(1) ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 5 الفصل الخامس الخطبة رقم 3974.
(2)ابن ماجة القزويني: السنن: 1|19.
(3)مسلم: الصحيح: 5|133 كتاب الاَقضية الباب 8، ومسند أحمد: 6|270.
(4)الشاطبي (أبو إسحاق): الاعتصام: 1|68.
(5)مسلم: الصحيح: 8|62 كتاب العلم، ورواه البخاري في الصحيح الجزء 9، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة.


(18)

10ـ روى مسلم عن جرير بن عبد اللّه: «من سنّ في الاِسلام سنّة حسنة فعُمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم شيء، ومن سنّ في الاِسلام سُنّة سيئة فعمل بها بعده كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» (1).

11ـ روى مسلم عن حذيفة أنّه قال: «يا رسول اللّه هل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: نعم، قوم يستنّون بغير سنّتي ويهتدون بغير هداي ...» (2).

12ـ روى مالك في الموطأ من حديث أبي هريرة: «أنّ رسول اللّه خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم موَمنين وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون ـ إلى أن قـال: ـ فليُذادنَّ رجـال عـن حوضي كما يذاد البعير الضال، أُناديهم ألا هلمّ ! ألا هلمّ ! ألا هلمّ ! فيقال: إنّهم قد بدّلوا بعدكم، فأقول: فسحقاً ! فسحقاً ! فسحقاً !» (3). وعموم اللفظ يشمل أهل البدع أيضاً. وإن لم يرتدّوا عن الدين.

هذا اثنا عشر حديثاً رواه الحفاظ من المحدثين ولنقتصر بهذا المقدار من هذا الطريق.

وأمّا ما رواه أصحابنا عن النبي الاَكرم أو عن أئمة أهل البيت فحدّث ولا حرج وربّما تكون هناك وحدة في اللفظ واختلاف جزئي في التعبير.

13ـ روى الكليني عن محمد بن جمهور رفعه قال: قال رسول اللّه : «إذا


(1)مسلم: الصحيح: 8|61، كتاب العلم.
(2)المصدر نفسه: 5|206، كتاب الامارة .
(3)مالك: الموطأ، كتاب الطهارة باب جامع الوضوء، الحديث 30، مسلم: الصحيح: 1|150، كتاب الطهارة.


(19)

ظهرت البدع في أُمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه» (1).

14ـ وبهذا الاسناد قال: قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «من أتى ذا بدعة فعظّمه فإنّما يسعى في هدم الاِسلام» (2).

15ـ وبهذا الاسنـاد قال: قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «أبى اللّه لصاحب البدعة بالتوبة» قيل: يا رسول اللّه وكيف ذلك؟ قال: «إنّه قد أُشرِبَ في قلبه حبّها» (3).

16ـ روى محمـد بـن مسلم عـن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال: خطب أمير الموَمنين ( عليه السلام ) الناس فقال: «أيُّها الناس إنّما بَدْءُ وقوع الفتن، أهواءٌ تُتَّبَع، وأحكام تُبتدع، يُخالَف فيها كتاب اللّه، يتولّـى فيها رجال رجالاً، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ولكن يوَخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فهناك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى» (4).

17ـ روى الحسن بن محبوب رفعه إلى أمير الموَمنين ( عليه السلام ) أنّه قال: «إنّ من أبغض الخلق إلى اللّه عزّ وجلّ لَرجلين: رجل وكّله اللّه إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد موته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته» (5).

18ـ روى عمر بن يزيد عن الاِمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال: «لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم قال رسول اللّه: المرء


(1)الكليني: الكافـي: 1|54ـ 55 ح 2، 3، 4، 1، باب البـدع. ولفظ الاَخير مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة: 50، دون الكافي لكونه أتم.
(2)الكليني: الكافـي: 1|54ـ 55 ح 2، 3، 4، 1، باب البـدع. ولفظ الاَخير مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة: 50، دون الكافي لكونه أتم.
(3)الكليني: الكافـي: 1|54ـ 55 ح 2، 3، 4، 1، باب البـدع. ولفظ الاَخير مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة: 50، دون الكافي لكونه أتم.
(4)الكليني: الكافـي: 1|54ـ 55 ح 2، 3، 4، 1، باب البـدع. ولفظ الاَخير مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة: 50، دون الكافي لكونه أتم.
(5)المصدر نفسه: ح6.


(20)

على دين خليله وقرينه» (1).

19ـ وروى داود بن سرحان عن الاِمام الصادق ( عليه السلام ) قال: «قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيع ...» (2).

20ـ قال أمير الموَمنين ( عليه السلام ) : «ما اختلفت دعوتان إلاّ كانت إحداهما ضلالة» (3).

21ـ وقال ( عليه السلام ) : «ما أُحدثت بدعة إلاّ ترك بها سنّة فاتّقوا البدع وألزموا المهيع إنّ عوازم الاَُمور أفضلها وإنّ محدثاتها شرارها» (4).

22ـ قال الاِمام الصادق ( عليه السلام ) : «من تبسّم في وجه مبتدع فقد أعان على هدم دينه» (5).

23ـ وقال ( عليه السلام ) : «من مشـى إلى صـاحب بدعـة فوقّـره فقد مشـى في هـدم الاِسلام» (6)وقد روي أيضاً باختلاف يسير «مضى» (تحت رقم 14).

24ـ روي مرفوعاً عن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول: «عليكم بسنّة،فعمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة» (7).

وللاِمام عليّ ( عليه السلام ) في نهج البلاغة وراء ما نقلناه كلمات دُرّية في ذمّ البدعة، نقتبس ما يلي:

25ـ فاعلم أنّ أفضل عباد اللّه عند اللّه إمام عادل هُدِيَ وهَدى فأقام سنّة معلومة وأمات بدعة مجهولة، وإنّ شرّ الناس عند اللّه إمام جائر ضلّ وضُلَّ به،


(1)المصدر نفسه: 2|375.
(2)المصدر نفسه: 2|375.
(3)المجلسي: البحار: 2|264 ح 14 و 15، ولاحظ أيضاً: 36| 288 ـ 289.
(4)المجلسي: البحار: 2|264 ح 14 و 15، ولاحظ أيضاً: 36| 288 ـ 289.
(5)المصدر نفسه: 8|23 الطبعة القديمة.
(6)المجلسي: البحار: 2|304 ح45.
(7) المصدر نفسه: 2|261 ح3.


(21)

فأمات سنّة مأخوذة وأحيا بدعة متروكة (1).

26ـ وقال: «أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه وتدبّروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنّة وأماتوا البدعة» (2).

27ـ وقال أيضاً: «إنّما الناس رجلان: متبع شرعة، ومبتدع بدعة» (3).

28ـ وقال: طوبى لمن ذلّ في نفسه وطالب كسبه ـ إلى أن قال : ـ وعزل عن الناس شرّه وَسَعتْه السنّة ولم ينسب إلى البدعة (4).

ختامه مسك:

ونذكر حديثين عن رسول اللّه وبذلك يكون ختامه مسك.

29ـ قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكفهرّوا في وجهه فإنّ اللّه ليبغض كل مبتدع ولا يجوز أحد منهم على الصراط ولكن يتهافتون في النار مثل الجراد والذباب» (5).

30ـ وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «من غشّ أُمّتي فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين» قالوا: يا رسول اللّه وما الغش؟ قال: «أن يبتدع لهم بدعة فيعملوا بها» (6).

هذا قسم ممّا وقفنا عليه من الروايات، وهي كثيرة يفوتنا حصرها. وقد نقل الشاطبي قسماً وافراً من كلمات الصحابة والتابعين ومن أراد فليرجع إلى كتابه الاعتصام ونكتفي بهذا المقدار.


(1)الرضي: نهج البلاغة، الخطب 164، 182، 176.
(2)الرضي: نهج البلاغة، الخطب 164، 182، 176.
(3)الرضي: نهج البلاغة، الخطب 164، 182، 176.
(4)المصدر نفسه: قسم الحكم ـ رقم 123.
(5)ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 9|566، المتقي الهندي: كنز العمال: 1|221 ح1118ويشتمل الاَخير على أحاديث لم نذكرها وقد بثّها في الاَجزاء التالية من كتابه: 8،15،7،11،2،3 فلاحظ.
(6)ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 9|566، المتقي الهندي: كنز العمال: 1|221 ح1118ويشتمل الاَخير على أحاديث لم نذكرها وقد بثّها في الاَجزاء التالية من كتابه: 8،15،7،11،2،3 فلاحظ.


(22)


(23)

الفصل الثاني

البدعة في اللغة والاصطلاح

لقد مضت نصوص الكتاب والسنّة في حرمة البدعة وآثارها الهدامة، ولاَجل تحديد مفهومها تحديداً دقيقاً يلزم علينا نقل نصوص أهل اللغة في تفسير البدعة وكلمات الفقهاء والمحدّثين حتى تلقي ضوءاً على ما نتبنّاه من الوقوف على مفهوم البدعة.

قال الخليل: البدع: إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة ... البدع: الشيء الذي يكون أوّلاً في كل أمر كما قال اللّه: «ما كُنْتُ بِدعاً مِنَ الرُّسُلِ» أي لست بأوّل مرسل. والبدعة اسم ما ابتدع من الدين وغيره، والبدعة ما استحدث بعد رسول اللّه من الاَهواء والاَعمال (2).

وقال ابن فارس: البدع له أصلان: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكَلال (3).

والمقصود في المقام هو المعنى الاَوّل.

وقال الراغب: الاِبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء والبدعة في


(1)الخليل: ترتيب العين: 72.
(2)ابن فارس: المقاييس: 1|209 مادة «بدع».


(24)

المذهب، إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأُصولها المتقنة (1).

وقال الفيروز آبادي: البدعة ـ بالكسر ـ الحدث في الدين بعد الاِكمال، أو ما استحدث بعد النبي من الاَهواء والاَعمال (2).

إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة لللغويين، ولا نطيل الحديث بنقل غير ما ذكر.

والاِمعان في هذه الكلمات يثبت بأنّ البدعة في اللغة وإن كانت شاملة لكل جديد لم يكن له مماثل سواء أكان في الدين، أم العادات، كالاَطعمة والاَلبسة والاَبنية والصناعات وما شاكلها، ولكن البدعة التي ورد النص على حرمتها هي ما استحدثت بعد رسول اللّه من الاَهواء والاَعمال في أُمور الدين، وينص عليه الراغب في قوله: «البدعة في المذهب، إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه»، ونظيره قول القاموس: «الحدث في الدين بعد الاِكمال».

كل ذلك يعرب عن أنّ إطار البدعة المحرّمة، هو الاِحداث في الدين، ويوَيده قوله سبحانه في نسبة الابتداع إلى النصارى بإحداثهم الرهبانية وإدخالهم إياها في الديانة المسيحية، قال سبحانه: «وَرَهَبانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ما كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللّهِ فَما رَعَوْهَا حَقَّ رِعايَتِها» (الحديد ـ 27).

فقوله سبحانه: «ما كتبناها عليهم» يعني ما فرضناها عليهم ولكنّهم نسبوها إلينا عن كذب.

وأمّا التطوير في ميادين الحياة وشوَونها فإن كان بدعة لغة فليس بدعة شرعاً بل يتبع التطوير في الحياة جوازاً ومنعاً الحكم الشرعي بعناوينه فإنّ حرّمه الشرع ولو تحت عنوان عام فهو محرّم، وإلاّ فهو حلال لحاكمية أصل البراءة في العادات ما لم يرد دليل على الحرمة، وسيوافيك تفصيلها في المستقبل.


(1)الراغب: المفردات: 28.
(2)الفيروزآبادي: القاموس: 3|6.


(25)

البدعة في اصطلاح العلماء:

لا ريب أنّ البدعة حرام ولا يشك في حرمتها مسلم واع، لكن المهم في الموضوع تحديدها وتعيين مفهومها بشكل دقيق، حتى تكون قاعدة كلّية يرجع إليها عند الشك في المصاديق، فإنّ واجب الفقيه رسم القاعدة وواجب غيره تطبيقها على مواردها، وهذا الموضوع من أهمّ المواضيع فيها.

وقد عُرفت البدعة بتعاريف مختلفة، بين دقيق يحدّدها بالدقّة ولا يتسامح فيها، وبين من يتسامح في تعريفها، وإليك بعضها:

1ـ البدعة: ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أمّا ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة (1).

2ـ البدعة: أصلها ما أُحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنّة فتكون مذمومة (2).

ويقول ابن حجر في موضع آخر: المحدثات جمع محدثة، والمراد بها أي في حديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»: ما أُحدث وليس له أصل في الشرع ويسمّى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة (3).

3ـ البدعة لغة: ما كان مخترعاً، وشرعاً ما أُحدث على خلاف أمر الشرع ودليله الخاص أو العام (4).

4ـ البدعة في الشرع موضوعه الحادث المذموم (5).


(1)ابن رجب الحنبلي: جامع العلوم الحكم: 160 طبع الهند.
(2)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 5|156 و 17|9.
(3)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 5|156 و 17|9.
(4)ابن حجر الهيتمي: التبيين بشرح الاَربعة: 221.
(5)الزركشي: الابداع: 22.


(26)

5ـ إنّ البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة، ومذمومة (1).

6ـ البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية، وعرّفه الشاطبي أيضاً في مكان آخر بنفس ذلك وأضاف في آخره: «يقصد بالسلوك عليها: المبالغة في التعبّد للّه تعالى» (2) وما أضافه ليس أمراً كلّياً كما سيوافيك عند البحث عن أسباب نشوء البدعة ودواعيها ودواعيها.

وهذه التعاريف، تحدّد البدعة تحديداً وتصوّر لها قسماً واحداً والمحدود في هذه التعاريف هو البدعة في الشرع والدين الاِسلامي، والتدخّل في أمر التقنين والتشريع.

وهناك من حدّدها ثمّ قسمها إلى: محمودة ومذمومة، منهم من يلي:

1ـ عن حرملة بن يحيى، قال: سمعت الشافعي ـ رحمه اللّه ـ يقول: البدعة، بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنّة فهو محمود وما خالف السنّة فهو مذموم.

2ـ وقـال الربيع: قـال الشافعـي ـ رحمه اللّه ـ: المحدثات من الاَُمور ضربان: أحدهما يخالف كتاباً أو سنّة أو إجماعاً أو أثراً، فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أُحدث من الخبر لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهي محدثة غير مذمومة (3).

3ـ قال ابن حزم: البدعة في الدين، كل ما لم يأت في القرآن ولا عن رسول اللّه إلاّ أنّ منها ما يوَجر عليه صاحبه ويُعذّر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يوَجر عليه صاحبه ويكون حسناً وهو ما كان أصله الاِباحة كما روي عن عمر ـ رضي اللّه عنه ـ «نعمت البدعة هذه ـ إلى أن قال: ـ ومنها ما يكون مذموماً ولا يُعذّر صاحبه وهو ما قامت الحجة على فساده فتمادى القائل به» (4).


(1)محمد بخيت المصري: أحسن الكلام: 6.
(2)الشاطبي: الاعتصام: 1|37.
(3)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 17|10.
(4)ابن حزم: الفصل كما في البدعة، للدكتور عزت: 161.


(27)

4ـ وقال الغزالي: وما يقال: إنّه أبدع بعد رسول اللّه، فليس كل ما أبدع منهياً بل المنهي عنه بدعة تضاد سنّة ثابتة، وترفع أمراًمن الشرع مع بقاء علّته، بل الاِبداع قد يجب في بعض الاَحوال إذا تغيّرت الاَسباب (1).

5ـ وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح المشكاة: إعلم أنّ كل ما ظهر بعد رسول اللّه بدعة، وكل ما وافق أُصول سنّته وقواعدها أو قيس عليها فهو بدعة حسنة وكل ما خالفها فهو بدعة سيّئة وضلالة (2).

6ـ وقال ابن الاَثير: البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فهو في حيّز الذم والاِنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب اللّه إليه، وحثَّ عليه اللّه أو رسوله فهو في حيّز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الاَفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لاَنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد جعل له في ذلك ثواباً فقال: «من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها» وقال في ضدّه: «ومن سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها» وذلك إذا كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومن هذا النوع قول عمر ـ رضي اللّه عنه ـ : «نعمت البدعة هذه (التراويح)» لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح، سمّاها بدعة ومدحها، إلاّ أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يسنّها لهم وإنّما صلاّها لياليَ ثم تركها ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنّما عمر ـ رضي اللّه عنه ـ جمع الناس عليها وندبهم إليها، فبهذا سمّاها بدعة، وهي على الحقيقة سنّة، لقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي» وقوله: «اقتدوا باللذين


(1)الغزالي: الاحياء: 2|3 ط الحلبي.
(2)الكشّاف لاصطلاحات الفنون كما في البدعة، للدكتور عزت: 162.


(28)

من بعدي: أبي بكر وعمر» وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر «كل محدثة بدعة» إنّما يريد ما خالف أُصول الشريعة ولم يوافق السنّة. وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم(1).

هذه كلمات أعلام السنّة وإليك ما ذكره أصحابنا في الموضوع مقتصراً بالاَقل منها:

7ـ قال السيد المرتضى: البدعة: الزيادة في الدين أو نقصان منه من اسناد إلى الدين (2).

8 ـ قال العلاّمة في المختلف: كل موضع لم يشرع فيه الاَذان فإنّه يكون بدعة (3).

9ـ قال الشهيد السعيد محمد بن مكي العـاملي (ت ـ 786هـ): محدثـات الاَُمور بعد عهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تنقسم أقساماً لا يطلق اسم البدعة عندنا إلاّ على ما هو محرّم منها (4).

ومع ذلك كلّه فقد خالف الشهيد كلامه في كتاب الذكرى، وقال:

10ـ إنّ لفظ البدعة غير صريح في التحريم فإنّ المراد بالبدعة ما لم يكن في عهد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ثم تجدّد بعده وهو ينقسم إلى: محرّم ومكروه.

11ـ قال الطريحي (ت ـ 1086هـ): البدعة: الحدث في الدين وما ليس له أصل في كتاب ولا سنّة وإنّما سميت بدعة لاَنّ قائلها ابتدع هو نفسه، والبِدَع


(1)ابن الاَثير: النهاية: 1|79 وكلامه صريح في أنّ النبيّ لم يصلّها جماعة إلاّ ليالي فتركها، وإن أقامتها جماعة كانت من سنّة عمر، إذ للخليفتين ـ حسب الرواية ـ حقّ التسنين الذي يعبّـر عنه بسنّة الصحابي.
(2)الشريف المرتضى: الرسائل: 3|83.
(3)العلاّمة: المختلف: 2|131.
(4)الشهيد الاَوّل: القواعد والفوائد: 2|144 ـ 145 القاعدة 205 وقد ذكر الاَقسام الخمسة غير واحد من الفقهاء منهم القرافي في الفروق: 4|202 ـ 205 وسيوافيك الكلام في عدم صحّة هذا التقسيم.


(29)

_ بالكسر والفتح ـ: جمع بدعة ومنه الحديث «من توضّأ ثلاثاً فقد أبدع» أي فعل خلاف السنّة لاَنّ ما لم يكن في زمنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فهو بدعة (1).

12ـ وقـال المجلسـي (ت ـ 1110هـ): البدعة في الشـرع: ما حدث بعـد الرسول ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ولا يكون داخلاً في بعض العمومات، أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً، فلا تشمل البدعة ما دخل في العمومات مثل بناء المدارس وأمثالها الداخلة في عمومات إيواء الموَمنين وإسكانهم وإعانتهم، وكإنشاء بعض الكتب العلمية، والتصانيف التي لها مدخل في العلوم الشرعية، وكالاَلبسة التي لم تكن في عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والاَطعمة المحدثة فإنّها داخلة في عمومات الحلّية، ولم يرد فيها نهي.

وما يفعل منها على وجه العموم إذا قصد كونها مطلوبة على الخصوص كان بدعة كما أنّالصلاة خير موضوع ويستحب فعلها في كل وقت. ولو عيّن ركعات مخصوصة على وجه مخصوص في وقت معيّن صارت بدعة، وكما إذا عيّن أحد سبعين تهليلة في وقت مخصوص على أنّها مطلوبة للشارع في خصوص هذا الوقت بلا نصّ ورد فيها كانت بدعة، وبالجملة إحداث أمر في الشريعة لم يرد فيها نص بدعة سواء كانت أصلها مبتدعة أو خصوصيتها مبتدعة، ثم ذكر كلام الشهيد عن قواعده (2).

13ـ وقال المحدّث البحراني (ت ـ 1186هـ): الظاهر المتبادر من البدعة لا سيما بالنسبة إلى العبادات إنّما هو المحرّم، ولما رواه الشيخ الطوسي عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الصادقين ( عليهما السلام ) : «إنّ كلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها النار» (3).


(1)الطريحي النجفي: مجمع البحرين: ج1، مادة «بدع» لاحظ «ترتيب المجمع».
(2)المجلسي: البحار: 74|202 ـ 203.
(3)البحراني (الشيخ يوسف): الحدائق: 10|180.


(30)

14ـ وقال المحقق الاشتياني (ت ـ 1322هـ): البدعة: إدخال ما علم أنّه ليس من الدين في الدين ولكن يفعله بأنّه أمر به الشارع (1).

15ـ وقال أيضاً: البدعة: إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين (2).

16ـ وقال السيد محسن الاَمين: البدعة: إدخال ما ليس من الدين في الدين كإباحة محرّم أو تحريم مباح، أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبة، أو نحو ذلك سواء كانت في القرون الثلاثة أو بعدها، وتخصيصها بما بعد القرون الثلاثة لا وجه له، ولو سلمنا حديث «خير القرون قرني» فإنّ أهل القرون الثلاثة غير معصومين بالاتّفاق وتقسيم بعضهم لها إلى حسنة وقبيحة، أو إلى خمسة أقسام ليس بصحيح، بل لا تكون إلاّ قبيحة، ولا بدعة فيما فهم من إطلاق أدلّة الشرع أو عمومها أو فحواها أو نحو ذلك وإن لم يكن موجوداً في عصر النبيّ (3).

تلك ستّة عشر نصّاً من كلمات مشاهير علماء الاِسلام، فمنهم من خصّ التعريف بالبدعة في الدين فجعله قسماً واحداً، ومنهم عمّمها فقسّمها، إلى ممدوحة ومذمومة، والحافز الوحيد إلى ذاك هو اقتفاء قول عمر في صلاة التراويح ولولا صدور ذاك التقسيم عنه لما خطر في بال هوَلاء ذاك التقسيم.

ويبدو أنّ أوضح التعاريف ما نقلناه عن العلمين: الاشتياني والسيد الاَمين، فإنّهما ـ قدّس سرّهما ـ أتيا باللبّ، وحذفا القشر فمقوّم البدعة، هو التصرّف في الدين عقيدة وتشريعاً بإدخال ما لم يعلم أنّه من الدين فيه فضلاً عمّـا علم أنّه ليس منه قطعاً، والذي يوَخذ على تعريفهما أنّه لا يشمل البدعة بصورة النقص كحذف شيء من أجزاء الفرائض.


(1)الاشتيانـي: بحر الفوائد: 80 وترى قريباً من هذه الكلمات في فرائد الشيخ الاَنصاري: 30 وفوائد الاَُصول للمحقق النائيني: 2|130.
(2)الاشتيانـي: بحر الفوائد: 80 وترى قريباً من هذه الكلمات في فرائد الشيخ الاَنصاري: 30 وفوائد الاَُصول للمحقق النائيني: 2|130.
(3)الاَمين العاملي (السيد محسن): كشف الارتياب: 143.