welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مفاهيم القرآن / ج 3

مفاهيم القرآن

يبحث عن عالميّة الرسالة المحمّديّة وخاتميّتها
واُمّية النبيّ الأكرم (ص) ، واطّلاعه على الغيب
بإذن الله سبحانه، وحياته في القرآن

الجزء الثالث

تأليف

جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)

مواصفات الكتاب

* اسم الكتاب    …مفاهيم القرآن*

* الجزء    … الثالث *

* الموضوع    … معالم النبوّة في القرآن الكريم *

* المؤلّف    … جعفر السبحاني *

* الناشر    … مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ـ قم *

* الطبعة الرابعة    … 1413 هـ  . ق *

* الكميّة    … 3000 نسخة *

* المطبعة    … مهر ـ قم *

* الصفّ والإخراج الكمپيوتري   … مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ـ قم *


(3)

لقد وافتنا رسائل من الشخصيات البارزة المتبحّرة بعلوم القرآن و تفسيره تشجّعنا على مواصلة العمل ونحن نتقدم إليهم بالشكر وننشر كلماتهم فيما يأتي من الأجزاء مشفوعاً بالتقدير والإكبار.

كلمة قيّمة للمفكّر الإسلام الكبير والمفسّر القدير العلاّمة السيّد محمد حسين الطباطبائي(قدس سره) مؤلّف الكتاب القيّم «الميزان في تفسير القرآن».

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين.

أمّا بعد، فإنّ الكتاب الذي بين يديك سلسلة بحوث قيّمة في القرآن الكريم وتفسيره على أساس «الوحدات الموضوعية» فيه. ويلاحظ الباحث فيها أنّها تعتمد، قبل كل شيء على الاستفادة من نفس مفاهيم القرآن الكريم في عرض المواضيع كما يلاحظ الروح الموضوعية الهادفة والاُسلوب الفخم، والتتبع الدقيق، والإسهاب في البحث، والاستيفاء الكامل لكلّ جوانب الموضوع. فأسأل الله أن يوفّق مؤلّفنا الموفّق لتنقيح سائر المواضيع في الأجزاء الآتية، انّه سميع بصير.

محمد حسين الطباطبائي

عام 1393 هـ

قم ـ إيران


(4)

اكبار وتقدير لهذه الموسوعة القرآنية من المحقق المتتبع العلامة الكبير الشيخ محمد تقي التستري دام ظله، صاحب كتاب «قاموس الرجال».

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة العلاّمة فخر الأيام الشيخ جعفر السبحاني دامت بركاته.

وصلني كتابكم الميمون ففتح علينا أبواب البهجة والسرور، كما وصلني مؤلّفكم القيّم «مفاهيم القرآن» وقد طالعته من أوّله إلى آخره والحق أنّكم بحثتم فيه عن موضوعات كثيرة وعالجتم فيه المسائل الإسلامية معالجة جديدة، بعيدة عمّا حولها من آراء وأفكار مهجورة فجزاكم الله عن الإسلام والدين والعلم خير الجزاء.

والعجب أنّكم رغم نشأتكم فى إيران أخذتم بناصية اللغة العربية كأديب مصري أو بغدادي، فأتيتم بتعابير عصرية رائجة، أدام الله في تأييدكم وزاد في تسديدكم.

الشيح محمد تقي التستري


(5)

التفاتة كريمة وكتاب مبارك من الاُستاذ الفد سماحة العلاّمة الحجة الشيخ محمد الكرمي دام ظله الوارف نقتطف منه مايلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

هزتني طرّة عنوانه لأنّه مبتكر في بابه

كم بت أتململ ساعات طوالا من الليل، وآناء كثيرة من أطراف النهار أجول بفكري في غضون الحياة لعلّي أطّلع من بعض منافذها على بصيص أجعله مناراً للخروج من حيرتي لأنّي أعرف للفضيلة مفهوماً ولا أراه بين الناس، وللدين أهمية عظمى ولا أجدها ظاهرةً بينهم.. نعم قد تقع العين أحياناً على فاضل متزن وكاتب متقن وكتاب متشخّص فيلوح في الآفاق كما تلوح النجمة اللامعة في شاشة الظلام الأدكن ويحصل منها بصيص للدرب يهوّن على سالكه المسير فلا يكون كخابط في ليلة ظلماء.

وفي مثل هذا الوقت المتلوي والظرف الحرج يتحفني صديق لي حميم وهو الأُستاذ جعفر السبحاني بالجزء الأوّل من تفسيره الموضوعي للقرآن الكريم «فهزّتني طرّة عنوانه لأنّه مبتكر في بابه» فانّ كل من كتب في التفسير كتب على طبق تسلسل السور من الفاتحة إلى المعوذة بالترتيب الموجود للمصحف الشريف، أمّا صديقنا الفاضل فقد حاول خطة اُخرى هي بنظري آصل من الخطط الدارجة وهي إلمامه بجميع ما في


(6)

القرآن من أهداف وموضوعات تحدّث القرآن الكريم عنها و إشخاص كل هدف في باب خاص والإفاضة عنه بالآيات التي رمت إليه في أيّة سورة كانت.

... لقد أتحفني صديقي السبحاني بالجزء الأوّل من تفسيره الموضوعي فقرأت مقدّمته لأستجلي من مجملها تفاصيل ما دوّن أو يريد تدوينه، فوقفت على مجمل مفعم بالمطالب الدقيقة وفتحت الكتاب عفواً فوقعت عيني على عنوان أُمّية النبي في القرآن وسرحتها قصداً لترتع في هذه الجنائن الناظرة والحدائق الغنّاء فكان والحق يقال محقّقاً لمادة المطلب مفتشاً على كلّ مظنة توفي بها على ما يوخّى من بحثه وبعد ذلك مطبقاً لما علّق بنظره مبرهناً عليه طارداً للشبه والإشكالات التي توجّه إليه.

فالسبحاني وإن كان كتب في أبواب شتى وطرق مواضيع عديدة وساعدته الظروف فنشر ما كتب إلاّ أنّه في كتابه هذا إذا وفّق لإتمامه على اُسلوب فأنجز منه يكون قد جاء ببيت قصيده وأسعفه الحظ بمقصوده ولا استكثر عليه ذلك .

لقد أتحفني صديقي الفاضل السبحاني كما ذكرت بالجزء الأوّل من موسوعته فرأيت لزاماً علىّ أن أقدم لجزئه الثاني الجاهز للطبع وأعرب عن الحق الذي تضمّنه كتابه لا عن تذوقي وحده. فجدير بالناشئة المؤمنة أن تطالع هذا الكتاب وتشبع بعض نهمتها منه وجدير بالأُستاذ المؤلّف أن يتابع خطوه في إتمام هذه الموسوعة التي تتقاضى منه جداً وجهداً وزمناً وإذا ماطل هذه الصعوبات وانتصر عليها يكون قد فاز برضى من ربّه وهذه هي الجائزة الموقّرة... والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

محمد الكرمي

21 / ج 1 / 1394 هـ


(7)

عواطف خالصة يجود بها علينا أخ في الله كريم وعلم من أعلام الفكر والدين فضيلة الشيخ حسن طراد العاملي نزيل النجف الأشرف.

بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة العلاّمة الجليل المجاهد الكبير سماحة الشيخ جعفر السبحاني المحترم دام حفظه وتأييده.

تحية حب وإخلاص وتقدير وإجلال.

وبعد: فقد وصلتني هديتك الثمينة التي تفضّلت بها «مفاهيم القرآن». وقد كان لهذه الهدية الفكرية مدلول رائع ومحتوى مزدوج سام، فهي تعبّر من جهة فكرية عن فكر عميق ونظر دقيق وسعة اطّلاع وفصاحة بيان وسداد منطق كما تعبّر من جهة روحية عن سموّ خلق ودماثة طبع ورحابة صدر وسماحة نفس، ولهذا وذلك كان لهذه التحفة السنية بما عبّرت عنه ودلّت عليه أبلغ الأثر في نفسي حيث جعلت لك عندي منزلة سامية ومكانة مرموقة تستوجب التقدير والإجلال، كما بعثت وكوّنت لك في قلبي حبّاً عميقاً وإخلاصاً وثيقاً يجذبني إليك بسلك الوفاء والولاء وقد كان من نتائج هذا التقدير وذلك الحب مقطوعة شعرية نظّمتها بوحي من إعجابي بفضلك وتقديري


(8)

لشخصك وإخلاصي لك وهي:

سر للأمام مؤيّداً بعزيمة * كالطود لا تثنى ولا تتقهقر
وانشر من الدين الحنيف معارفاً * غراء تسطع بالرشاد وتزهر
وأكشف دياجير الضلال بساطع * من نور فكرك بالهدى يتموّر
فالليل لايجلوه إلاّ كوكب * بشعاعه ظل الدجى يتبخّر
والغي لا يمحوه إلاّ كاتب * بفنون دستور السما متبحّر
نشر الحقائق في العقول فأشرقت * وعياً وأضحت بالهدى تتنوّر
ليظل دستور العقيدة مشرقاً * تزهو بروعة ماحواه الأعصر

وختاماً أشكر هديتك القيّمة وأُقدر أخلاقك السامية وجهادك المثمر البنّاء والسلام عليك وعلى سائر الأعام المجاهدين في حوزة قم المقدسة.

حسن طراد العاملي نزيل النجف الأشرف

7 / ربيع الآخر / 1394 هـ


(9)

مقدّمة الطبعة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحديث عن التفسير الموضوعي ذو شجون وهو يقابل التفسير الترتيبي الذي يتخذ المفسّر، القرآن موضوعاً لتفسيره مبتدئاً من سورة الحمد ومنتهياً إلى سورة الناس وربّما لا يرافقه التوفيق لتفسير جميع السور فيكتفي بتفسير البعض.

وأمّا التفسير الموضوعي فيجعل المفسّر الموضوعات الواردة في الكتاب العزيز محوراً للدراسة ويجمع شتيت آياته من السور المختلفة فينظر إلى الكل بنظرة ثاقبة ويخرج بنتيجة واحدة يجعل البعض قرينة للبعض الآخر.

وكان المألوف بين المفسّرين هو النمط الثاني وإن كان النمط الأوّل غير مغفول عنه في بعض صوره، كالبحث عن الآيات الواردة حول الأحكام الفقهية من الطهارة إلى الديات، والآيات الواردة حول المثل والأخلاق.

وأوّل من فتح هذا الباب على وجه موجز في غير واحد من المواضيع هو العلاّمة المجلسي ـ قدس سره ـ حيث أصدر في موسوعته عن هذا اللون من التفسير في جميع الأبواب في مجالي العقيدة والشريعة والحوادث الكونية غير أنّه لايخرج في تفسيرها عن إطار ما في التفاسير المعروفة كمجمع البيان للطبرسي وأنوار التنزيل للبيضاوي وغيرهما. وممّا يدعو إلى إكبار عمله أنّه قام بجمع آيات الموضوعات الواردة في القرآن الكريم مع عدم توفّر المعاجم الموجودة في عصرنا هذا، فإنّها بلا شك خير معين لمن يريد الخوض في هذا المجال.


(10)

وقد قمت بحمد الله بهذا العبء الفادح حسب المستطاع فجعلت العقيدة هي المحور الأوّل للتفسير مقدماً لها على الأحكام والأخلاق وما يرجع إلى الكون والطبيعة وخلق الإنسان.

والجزء الأوّل يحتوي على مباحث في التوحيد وأقسامه، والشرك وألوانه ولمّا انتهينا في هذا الجزء إلى التوحيد في الحكومة وأنّه لا حاكم في المجتمع البشري سوى الله سبحانه وانّ حكومة غيره لابدّ أن تكون مستمدة من حكومته سبحانه وتعالى. خصّصنا الجزء الثاني من هذا الموسوعة في الحكومة الإسلامية، وما ورد حولها من الآيات في مواضيع مختلفة.

وكان الأنسب للبحث في الجزء الثالث هو دراسة أسمائه وصفاته، ثمّ البحث عن النبوّة العامّة إلى أن ننتهي إلى معالم النبوّة الخاصة ولكن كانت الحاجة في المجتمع الإسلامي ماسّة للبحث عن النبوّة الخاصة ركّزنا البحث على مواضيع ترجع إليها واستغرقت تلك البحوث الجزء الثالث والرابع والخامس نعم درسنا صفاته سبحانه في الجزء السادس دراسة معمّقة تليق بها ودرسنا حياة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في القرآن في الجزء السابع.

وما ذكرنا فهرس موجز لهذه الأجزاء السبعة وأرجو منه سبحانه أن يوّفقني لدراسة المواضيع الباقية من العقائد والمعارف. إنّه قريب مجيب.

وها نحن نعيد طبع الجزء الثالث في حلّة قشيبة وقد مضى على الطبع الأوّل قرابة عشرين سنة وما زال الطلب يصل إلينا ويشجعنا على مداومة العمل. واستيعاب المواضيع الباقية في المعارف الواردة في القرآن الكريم ونرجو الله تعالى أن يوفقنا لإكمال هذه الموسوعة التي تهدف إلى التعرّف على الأُصول والعقائد عن طريق الوحي والتنزيل.

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

جعفر السبحاني

3 شهر رمضان المبارك عام 1413 هـ


(11)

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

القرآن كتاب القرون والأجيال

القرآن معجزة خالدة

لمّا كانت رسالة النبي الكريم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبدية خالدة إلى يوم القيامة، لأنّها خاتمة الرسالات، ونبوّته خاتمة النبوّات.. وكانت النبوّة والرسالة الخالدة بحاجة إلى المعجزة الخالدة لاقناع الأجيال المتلاحقة، امتازت معجزة الرسول الكريم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن معاجز غيره من الرسل الكرام بكونها خالدة خلود النبوّة المحمدية، باقية بقاء الرسالة الإسلامية، التي هي خاتمة الرسالات والحلقة الأخيرة المتكاملة في سلسلة الشرائع الإلهية.

وهذا أمر يؤيّده العقل، ويؤكده البرهان. فالأنبياء والرسل السابقون، رغم أنّهم كانوا أصحاب معاجز كثيرة وعديدة، لكن تلك المعاجز كانت مؤقتة، لأنّ رسالتهم كانت منحصرة على عصورهم وأجيالهم أو تمتد إلى عصور بعدهم بقليل ولذلك كانت معاجزهم باقية في الأذهان بقدر طول مدة نبوّتهم ورسالتهم فكانت تختفي بانتهاء مدة


(12)

نبوّاتهم ـ عليهم السَّلام ـ ولم يبق منها إلاّ أخبار وقصص في بطون الكتب، وطيات التاريخ المدوّن.

أمّا الرسالة التي كلّف بإبلاغها الرسول الخاتم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فإذ لم تكن محدودة بزمن دون آخر، ولا مقصورة على جيل دون آخر، فهي الرسالة الخالدة وهي الدعوى الموجهة إلى جميع الأجيال البشرية إلى يوم القيامة، كان من الضروري والبديهي أن تقترن بمعجزة خالدة، تشهد على صدق صاحب الدعوة وحامل تلك الرسالة، في جميع القرون والأعصار، ولتكون (حجة) على جميع الأجيال المخاطبة بها، والمدعوّة إليها، لأنّ المعجزة وثيقة إثبات لا يمكن تصديق رسالة ونبوّة بدونها.

وكانت هذه المعجزة الخالدة التي زوّد الله تعالى بها خاتم الأنبياء محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هي (القرآن الكريم) الذي بقى على مرّ العصور والأزمنة يشهد ـ بقوّة ووضوح ـ على صدق النبوّة المحمدية وعلى صلته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالله سبحانه وتعالى.

والجدير بالذكر أنّ إعجاز القرآن الكريم لا يقتصر على جهة دون جهة، بل هو معجزة بمجموعه وفي جهات شتى نشير إلى بعضها على سبيل المثال لا الحصر:

أوجه الإعجاز القرآني

إنّ القرآن الكريم معجزة مستمرة وخالدة:

أوّلا : من حيث فصاحته وبلاغته التي أخرست البلغاء والفصحاء، لافي عصر نزوله خاصة، بل في جميع الأزمنة والدهور، وأعجزتهم عن معارضته، وتحدّتهم في معاقلهم، وعقر دورهم.

ثانياً : من حيث احتوائه على أفضل القوانين والنظم، وأرقى التشريعات في جميع المجالات الحيوية، وإتيانه بما عجز عن الإتيان به أرقى الحضارات البشرية حتى يومنا هذا.

ثالثاً: من حيث إخباره بالأُمور المستقبلية واحتوائه على الأُمور الغيبية، إذ أخبر


(13)

عن وقائع وحوادث مستقبلية تحقّقت بعده حرفاً بحرف.

رابعاً : من حيث سلامته عن التناقض والاختلاف في النظم والاُسلوب، وفي المعنى والمضمون رغم تدرّجه في النزول على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتنزّله في ظروف مختلفة متباينة كيفاً وحالا، وخلال ثلاث وعشرين سنة محفوفة بالمشاكل الجسيمة، والتطورات العنيفة.

خامساً: من حيث تناوله الدقيق للوقائع التاريخية الماضية، حيث قصّها على نحو خال عن شائبة الأساطير والخرافات، وهو أمر يمكن معرفته بمقارنة القرآن الكريم مع التوراة والإنجيل.

سادساً : من حيث اشتماله على إشارات رائعة عميقة إلى حقائق كثيرة من العلوم الطبيعية التي توصّل إليها العلم الحديث ـ في هذا العصر ـ بفضل الجهود الطويلة المضنية، وبواسطة المختبرات، والوسائل العلمية والتجارب والاختبارات العديدة.

سابعاً : من حيث قوّة احتجاجه على خصومه ومعارضيه، وما جاء به من حجج لم يسبق لها نظير في علم المناظرة والاحتجاج وكانت ـ ولا تزال ـ أنجح الحجج في إفحام الخصوم وإسكات المجادلين، والمشكّكين، بل وهدايتهم في أغلب الأحيان.

ثامناً : من جهة ما جاء به في مجال الأخلاق والتربية الأخلاقية للفرد والمجتمع حيث استقصى الأخلاق الفاضلة وحثّ على التزيّن بها بما توجبه الحكمة من البعث والترغيب، وأحصى الأخلاق الرذيلة وزجر عن التلوّث بها بما توجبه الحكمة، ويقتضيه الاصلاح من التخويف والتنفير وسلك في ذلك كلّه طريقة فريدة لها أبلغ الأثر حتى في أشد القلوب قساوة.

تاسعاً : من حيث روحانيته البالغة التي تنفذ إلى الأعماق، وتأخذ بمجامع القلوب، وتستميل المشاعر، فإذا بآياته روح تحيا بها نفوس الخلق، ونور يضيء الوجود الإنساني كما تضيء الشمس الآفاق، فتنشط الأحياء، وتتحرك الطبيعة.


(14)

عاشراً : من حيث تناوله لأدق المعارف العقلية، والقضايا الاعتقادية الرفيعة التي لاتصل إليها أفكار البشر، ولا تبلغها علومهم، ممّا يتعلّق بالله سبحانه وصفاته وأسمائه وأفعاله، وما أخبر به من عوالم غيبية في الملأ الأعلى، والنشأة الأُخرى.

إلى غير ذلك من الجهات والوجوه التي يقصر البيان عن الإحاطة بها، وإحصائها في هذا المختصر.

غير أنّ الجهة الأخيرة من هذه الجهات وهي التي كان يتوجب تناولها بالدراسة الوافية والتحليل الشامل، وخاصة في عصرنا الحاضر، قد أُهملت في مؤلّفات المفسّرين غالباً فهم لم يدرسوها بجامعية تليق بالموضوع وتناسب أهميته، وتعطي حقه من العناية والبحث.

ولعلّ عذرهم في ذلك هو أنّ تفسيرهم للكتاب العزيز كان على وجه التفسير التدريجي للقرآن، أي التفسير سورة فسورة، وآية فآية، ولم يتبادر إلى أذهانهم إنّ هناك نوعاً آخر من التفسير هو التفسير الموضوعي الذي يفسّر الكتاب العزيز حسب المفاهيم والموضوعات، وهو النمط الذي أشرنا إليه في مقدمة الجزء الأوّل من هذه السلسلة القرآنية.

* * *

لزوم الاهتمام بالمعارف الإلهية

وإنّما ينبغي إعطاء المزيد من الاهتمام بالمعارف الإلهية التي ترتبط بالله سبحانه، وأسمائه وصفاته وأفعاله وغير ذلك ممّا تناوله القرآن بالدقة المشهودة، لأنّ تناول القرآن لهذه المعارف بهذا الشكل يدلّ ـ بوضوح لا يقبل الجدل ـ على أنّ النبيّ الأُمّي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يأخذ هذه المعارف إلاّ من مستقى (الوحي)، إذ من المستحيل لابن الجزيرة الخالية من أيّة حضارة وثقافة أن يأتي ـ في كتابه ـ بما أبهر عقول الفلاسفة والمفكّرين، في القديم والحديث، وذلك من لدن نفسه وصنع فكره، أو يكون قد تلقّاها في مدرسة، أو اقتبسها من معلّم في أرض لم يعرف أهلها إلاّ الأوهام، ولم يؤمنوا إلاّ بالخرافة، فلا ثقافة


(15)

ولا مثقّفين، اللّهمّ إلاّ بضعة أشخاص(1) لم ينالوا من الثقافة إلاّ صبابات هي إلى الجهل أقرب منها إلى العلم والمعرفة.

إنّ القرآن جاء بأُصول وأفكار في مجال المعارف العقلية العليا لم يقف عليها حتى النوابغ من الفلاسفة، في الشرق والغرب، إلاّ عن طريق ذلك الكتاب الإلهي وهدايته.

إنّ من الظلم الفضيع إهمال دراسة هذه المعارف العليا بحجة أنّها مسائل غيبية يجب الاعتقاد بها إجمالا، وترك دراستها ومناقشتها وتحليلها.

والعجب أنّه روي عن الإمام مالك أنّه جاء إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟

فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء. ثم قال:

«الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلاّ مبتدعاً».

فأمر به أن يخرج.(2)

ونحن نعتقد أنّه كان على الإمام أن يجيب على سؤال السائل ويهديه إلى مراده سبحانه من هذه الآية بدل رميه بالابتداع وإخراجه من المجلس.

كما أنّ من الظلم أيضاً ما يرتكبه بعض كتّابنا المسلمين المعاصرين، حيث أخذ يفسّر هذه المعارف العقلية الإلهية بالأُمور المحسوسة ويحاول تطبيقها على الشؤون المادية فصار فعله بذلك من أوضح مصاديق (تفسير القرآن بالرأي) الذي تواترت الأحاديث


1- لقد نقل البلاذري في كتابه «فتوح البلدان» أنّ الذين كانوا يعرفون الكتابة في مكة ـ آنذاك ـ لا يتجاوزون سبعة عشر شخصاً، وفي المدينة أحد عشر شخصاً، وإليك نصّ ما قاله في هذا المجال:
«دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب» ثمّ عدهم وذكر أسماءهم وقال:
«كان الكتّاب بالعربية في الأوس والخزرج قليلين... فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون» ثمّ ذكر أسماءهم راجع فتوح البلدان ص 456 ـ 459 باب في أمر الخط.
2- مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية، ج 1، ص 443.


(16)

الشريفة من الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على نهيه.

من أجل هذا، ولكي نسلم من التخبّط والعشوائية في معرفة هذه المعارف والقضايا الاعتقادية يتعيّن علينا أن ندرسها بعناية بالغة على نمط (التفسير الموضوعي) من دون فرق بين موضوع وآخر، حتى نقف ـ من هذا السبيل ـ على واحدة من أهم جهات الإعجاز القرآني، ونكون من المتعمّقين في القرآن ومعارفه. وما روي عن الإمام علي بن الحسين السجاد ـ عليه السَّلام ـ إذ قال، لمّا سئل عن التوحيد:

«إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى: (قل هو الله أحد) والآيات من سورة الحديد إلى قوله: (وهو عليم بذات الصدور) فمن رام وراء ذلك فقد هلك».(1)

أقول: إنّ ما روي عنه ـ عليه السَّلام ـ لا يعني أنّ الإمام أراد حصر الآيات الباحثة عن المعارف والقضايا الاعتقادية في هذه الآيات، بل لمّا كان ما جاء في هذه الآيات في القمّة من تلك المعارف، أشار إليها الإمام خاصة دون إرادة الحصر.

ولأجل هذا جعلنا وجهة البحث في تفسيرنا منذ أن شرعنا في هذا النمط صوب: (المعارف الاعتقادية) على ضوء القرآن، مبتدئين بالتوحيد و ماضين في هذا السبيل إلى ما شاء الله...

* * *

تقديم مباحث النبوّة على الصفات

ولمّا انتهى البحث عن (التوحيد) وأقسامه في الجزء الأوّل من كتابنا الذي انتشر باسم «معالم التوحيد في القرآن الكريم»، وفرغنا من عرض أهم أصل من أُصول الدين الإسلامي، وانجرّ البحث عن توحيد حاكميته سبحانه إلى توضيح صيغة الحكومة الإسلامية وخصصنا لبيانها جزءاً مستقلا وانتشر باسم: «معالم الحكومة الإسلامية» كان البحث الضروري والمهم بعد ذلك الفصل هو البحث عن معالم النبوّة مطلقاً، ونبوّة


1- الكافي، ج 1، باب النسبة، الحديث 3.


(17)

نبيّنا محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاصّة واستعراض ما جاء حولهما من المسائل والمباحث التي يجب الاعتقاد بها حسب نصوص القرآن الكريم وآياته.

نعم كان اللازم بعد البحث عن وجوده سبحانه وتوحيده هو البحث عن سائر صفاته الجمالية من علمه وقدرته وحياته إلى غير ذلك من الصفات الثبوتية، أو البحث عن صفاته الجلالية من كونه ليس بجسم، ولا عرض، إلى غير ذلك من الصفات السلبية.(1)

نعم كان اللازم تقديم البحث عن صفاته على بحث النبوّة، غير أنّه لما كان أهم صفاته هو التوحيد وقد أشبعنا الكلام فيه ضمن فصول، قدّمنا بحث النبوّة.

وإنّما اخترنا مبحث النبوّة، بعد استيفاء البحث في توحيد الله سبحانه، لأنّه الأصل الثاني لتحقّق الإسلام، حيث كان الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقبل إسلام من يعترف بالشهادتين: الشهادة بتوحيد الله سبحانه، والشهادة برسالة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

نعم سنقوم، بعد استيفاء البحث عن النبوّة، بالبحث عن (المعاد في يوم القيامة) لأنّ أي مسلك ودين لا يمكن أن يصطبغ بصبغة الدين الالهي بدون الاعتقاد بــ (المعاد).

وتدل على انحصار المهم من الاعتقاد في هذه الأُمور والأُصول الثلاثة روايات وأحاديث منها ما عن علي بن أبي طالب عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال:

«لا يؤمن عبد حتى يؤمنن بأربع: يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي محمد رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر»(2).

كما روي أنّ رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله بجارية له سوداء فقال: «يا رسول الله علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله:


1- خصصنا الجزء السادس بالبحث عن أسمائه وصفاته سبحانه كما خصصنا الجزء السابع لبيان دعوة النبىّ الأكرم وحياته في القرآن.
2- أخرجه الترمذي راجع جامع الأُصول، 1، ص 145.


(18)

أتشهدين أن لا اله إلاّ الله؟

قالت: نعم.

قال: أتشهدين أنّ محمداً رسول الله؟

قالت: نعم.

قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟

قالت: نعم.

قال رسول الله: اعتقها»(1).

مباحث النبوّة

إنّ البحث عن (النبوّة) يقع في موردين:

1ـ النبوّة العامّة.

2ـ النبوّة الخاصّة.

والمراد من البحث في (النبوّة العامّة) هو دراسة ظاهرة «النبوّة»، ذلك الفيض الإلهي الجاري من جانب الله سبحانه إلى البشر بواسطة الأنبياء والرسل من آدم ـ عليه السَّلام ـ إلى خاتم النبيين ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وفي مجال النبوّة العامّة لابدّ من البحث في الأُمور التالية التي يتكفل مجموعها شرح هذه الحقيقة الكبرى، وبيانها:

الأوّل: لزوم بعث الأنبياء إلى البشر.

الثاني: الشرائط العامّة اللازمة في النبي كالعصمة والخلو عن النقص والعيب.

الثالث: كيفية أخذ الأنبياء الأحكام عن الله سبحانه، وما هو الوحي.

الرابع: ما يعرف به النبي الحقيقي ويمتاز عن مدّعي النبوّة كذباً، ومنتحلها


1- أخرجه صاحب الموطأ راجع، ج 1، ص 145.


(19)

زوراً، ويبحث فيه عمّا يسمّى بدلائل النبوّة التي منها «المعاجز».

تلك هي عناوين الأبحاث في «النبوّة العامّة» التي تعرّض لها القرآن الكريم في مواضع كثيرة من سوره وآياته.

وإنما يجب البحث عن الموضوع الأوّل (أعني: لزوم إرسال الرسل وبعث الأنبياء) دفعاً للمزاعم الواهية المنقولة عن البراهمة والبوذيين الذين أنكروا ضرورة إرسال الرسل بوجوه ذكرها علماء الكلام في مؤلّفاتهم الاعتقادية(1).

وأمّا البحث عن الموضوع الثاني فلأجل توضيح أنّ النبوة لا تعطى إلاّ لمن تتوفّر فيه صفات خاصّة، ومؤهّلات معيّنة وهو بحث يتطلبه مبحث النبوّة العامّة لمعرفة أهمية مسألة النبوّة، وأنّه هذا المنصب العظيم لم يعهد إلاّ لمن تتوفّر فيه صفات معيّنة.

ويتناول العنوان الثالث بالبحث لمعرفة أنّ أهّمية النبوّة وامتيازها عن أيّة ظاهرة فكرية بشرية إنّما هي بالوحي، الذي هو كيفية اتصال الأنبياء بالله سبحانه، وهو الأمر الذي يدحض الزعم الباطل القائل بأنّ الأنبياء مجرد نوابغ وأنّ ما يأتي به الأنبياء نظريات بشرية نابعة من صميم أفكارهم.

ويتناول الموضوع الرابع بالدراسة لأنّ معرفة النبىّ الصادق عن المتنبئ الكاذب متوقف على ما يتحقق على يد النبي من معاجز تثبت تأييد الله سبحانه له وإن كانت هناك طرق أُخرى لتمييز النبي الحقيقي عن المتنبئ أيضاً وسيوافيك بيانها في محلها.

وهذه العناوين وإن كان البحث عنها مهماً وضرورياً لمعرفة حقيقة النبوّة بصورة عامة لكنّنا نقدم الحديث عن معالم النبوّة الخاصّة ـ أعني نبوّة الرسول الأعظم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ نظراً لشدة الحاجة إلى ذلك فعلا، وسنردف البحث هذا، بدراسة الفصول، والمسائل المتعلّقة بالنبوّة العامّة التي ذكرناها عمّا قريب.


1- ذكر بعضها المحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد وشرحه تلميذه العلاّمة الحلي في كشف المراد راجع ذلك الكتاب، ص 275، طبعة صيدا.


(20)

نعم كان الأولى في البحث عن النبوّة الخاصّة تقديم البحث عن دلائل نبوّة سيدنا محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

غير أنّه لما كتبت في هذا الموضوع مؤلّفات، ورسائل، وكان البحث عن إعجاز القرآن بوجوهها العشرة الماضية أحسن دليل على صحة رسالته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد استوفى علماؤنا البحث عن ذلك قديماً وحديثاً وجدنا قرّاءنا في غنى عن تكراره.

ولأجل ذلك طرحنا بحوثاً أُخرى ترجع إلى صفات رسالته ونبوّته أو إلى حالاته الخاصة الواردة في الكتاب العزيز، والتي لم تبحث إلى الآن بصورة مشبعة ومنقّحة.

فلأجل ذلك نبحث في هذا الجزء عن الأُمور التالية:

1ـ رسالته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عالمية وليست إقليمية ولا قومية وأنّه مبعوث إلى البشر كافة.

2ـ إنّ رسالته خاتمة الرسالات ونبوّته خاتمة النبوّات، وكتابه خاتم الكتب.

وهذان البحثان يرجعان إلى البحث عن أوصاف رسالته، من عموميتها وخصوصيتها.

3ـ أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب.

4ـ أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان مطّلعاً على الغيب بإذنه سبحانه.

وهذا البحثان يرجعان إلى أوصافه الواردة في القرآن الكريم.

5ـ بيان أسمائه وصفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الواردة في القرآن الكريم.

نسأل الله سبحانه أن يوفّقنا لتوضيح هذه المعالم التي نوّه بها سبحانه وذكرها في كتابه العزيز، وأن يوفّق قرّاءنا للاستفادة من هذه البحوث القرآنية انّه خير معين.

قم المشرفة

10 ربيع الثاني من شهور عام 1402


(21)

مقدمة الطبعة الأُولى

بسم الله الرحمن الرحيم

منهج متكامل في عالم التفسير

الإسلام دين الله الأبدي الخالد وشريعته الدائمة الباقية مع مرّ العصور والأزمان، ولابد لهذه الشريعة الباقية من سند قوي يسندها، ودليل واضح يدل على أنّها حق لا يتسرّب إليه أي شك أو شبهة، فكان ذلك السند والدليل هو القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهوالمعجزة الخالدة التي ستبقى سنداً حياً للشريعة الإسلامية إلى يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين.

لقد كانت المعاجز التي ظهرت على أيدي موسى بن عمران والمسيح بن مريم(عليهما السلام)، معاجز تخص عصرهما، فلم يشاهد منها شيء في العصور المتأخّرة عنهما، ذلك لأنّ شريعتيهما كانتا خاصّة بفترة زمنية معيّنة محدودة بحدود مؤقتة، فكانت معاجزهما كافية لتلك الفترة التي تسري فيها شريعتهما.

أمّا نبوّة نبي الإسلام محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التي هي آخر النبوّات، وشريعته التي هي خاتمة الشرائع، فلابد لها من معجزة تناسبها، وتواكب سيرها الزمني لتكون النبراس الذي


(22)

يضيء الطريق للجيل المعاصر للرسول والأجيال التي ستأتي بعده إلى ماشاء الله تعالى. يمحو صدأ الشكوك عن أذهان كافة البشر، ويدلّهم دلالة واضحة إلى طريق الحق اللاحب والصراط المستقيم.

القرآن وآفاقه اللامتناهية

لم يمض من نزول القرآن نصف قرن، إلاّ وقد وضع علماء الإسلام علوماًجمة لفهمه وكشف أسراره ومعانيه، ولو أمعنا النظر لرأينا أنّ كثيراً من العلوم، وضعت أوّلياتها لاستيضاح مداليل آيات القرآن وما يمكن أن يستخرج من جملها وعباراتها وذلك كالنحو، والصرف، واللغة، والمعاني، والبيان، والبديع، والقراءة، والتجويد، وقصص القرآن، وشأن نزول الآيات.

مع هذه الجهود الجبارة المبذولة من قبل أعلام العلماء طيلة القرون الأربعة عشر الماضية، ومئات المؤلفات الكبيرة والصغيرة المدوّنة في سبيل الكشف عن الأسرار الكامنة في الآيات القرآنية.

مع كل هذه المساعي، لم يصلوا إلى أعماق ما في القرآن من عجائب الأسرار وغرائب الحكم الكامنة فيه.

يسير الانسان حثيثاً في استجلاء معارف القرآن الفكرية وقوانينه الاجتماعية والأخلاقية وسائر تعاليمه العالية. ولكنه لم يزل، يجد الجديد فيه عندما يتعمق في البحث، ويرى ما قد غفل عنه الأقدمون ولم يصلوا إليه. كأنه أمام بحر مواج بالحقائق العلمية لا يدرك غوره، ولا يتوصل إلى أعماقه، ولا يمكن معرفة ما فيه من الأسرار والعجائب.

كأنّ القرآن الكريم، هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة، الواسع الأطراف، الذي لا يزيد البحث فيه والكشف عن حقائقه وأسراره، إلاّ معرفة أنّه لايزال الانسان في الخطوات الأُولى من التوصل إلى مكامنه الخفية في أغواره. فأنّ كتاب الله تعالى كذلك،


(23)

لا يتوصل إلى كل ما فيه من الحقائق والاسرار، لأنّه منزل من عند الله الذي لا تتصور له نهاية، ولا يمكن تحديده بحدود وأبعاد، فيجب أن تكون في كتابه لمعة من لمعاته، ويثبت بنفسه أنّه من عنده، ويتوفر فيه ما يدل على أنّه كتاب سماوي ليس من صنع البشر، وهو خالد إلى ما شاء الله تعالى.

أنّ نبي الإسلام العظيم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو أوّل من لفت الأنظار إلى تلكم المزيّة وأنّ هذه المزيّة من أهم خصائصه، حيث يقول في وصفه له: «له ظهر وبطن وظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لاتحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة»(1).

وبعد النبي يأتي دور أول تلميذ لمدرسته وهو الإمام أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ليصف القرآن بقوله: «أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لايخبو توقده، وبحراً لا يدرك قعره... ـ إلى أن قال ـ: وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، وأثافي الإسلام وبنيانه، وأودية الحق وغيطانه، وبحر لا ينزفه المنتزفون وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغضيها الواردون»(2).

وسأل رجل علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ فقال: ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلاّ غضاضة؟ فقال: «إنّ الله تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة»(3). نرى أن الرضا ـ عليه السَّلام ـ لايشير في هذا الحديث إلى موضوع خلود القرآن فقط، بل يشير أيضاً إلى سرخلوده وبقائه غضاً جديداً لا يتطرق إليه البلى والذبول.

ويجب أن نذكّر القارئ بأنّ النبي وأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لم يكونوا وحدهم هم الذين لفتوا الأنظار إلى موضوع آفاقه اللامتناهية، بل عظماء العرب والعارفون منهم


1- الكافي، كتاب القرآن، ج 2، ص 599.
2- شرح نهج البلاغه لعبده، ج 2، ص 202.
3- البرهان في تفسير القرآن، ج 1، ص 28.


(24)

أدركوا هذه الحقيقة في أيام الإسلام الاُولى، واعترفوا بعجزهم عن الوصول إلى أغوراه، والتوصل إلى ما فيه من الأسرار والحكم.

هذا الوليد بن المغيرة حكيم العرب وريحانتهم وخطيبهم المنطيق يجلس إلى النبي ليستمع ما كان يتلوه من آيات «سورة غافر»، وبعد هنيئة ذهب إلى قومه «بني مخزوم» ليقول لهم مصارحاً: (والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن، وأنّ له لحلاوة، وأنّ عليه لطلاوة، وأن أعلاه لمثمر، وأنّ أسفله لمغدق، وأنّه ليعلوا وما يعلى)(1).

يمكن اعتبار قول الوليد هذا، أول تقريظ بشري صدر من انسان واع أدرك بفطرته وذوقه السليم أنّ القرآن (أعلاه لمثمر، وأسفله لمغدق، وأنّه يعلو وما يعلى).

التفسير في مختلف الاتجاهات

في القرن الثالث الهجري ـ عندما قطعت العلوم الإسلامية أشواطاً بعيدة، ووصلت إلى مراحل عالية من النضج والرقي ـ حدث في علم التفسير تطوّر ملموس، فإنّه قبل هذه الفترة كان التفسير منحصراً بنقل أحاديث مروية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو آراء بعض الصحابة والتابعين وأحياناً بعض أهل الكتاب الذين اعتنقوا الإسلام، أمّا في هذا القرآن وما بعده فقد أدخل كل ذي اختصاص المباحث العائدة إلى موضوع اختصاصه، في التفسير، بل ربّما لا يكتب بعضهم إلاّ ما يدخل في إطار العلم الذي أصبح له اليد الطولى فيه.

فأعلام الأدب العربي خصصوا كتبهم التي تتناول القرآن بمباحث الاعراب واللغة والاشتقاق، كما صنع الزجاج والواحدي مؤلّف كتاب «البسيط» وأبو حيّان مؤلّف كتاب «البحر والنهر».

وشيوخ البلاغة اهتموا بصورة خاصّة بما يتعلّق بفصاحة القرآن وأسراره البلاغية


1- مجمع البيان، ج 10، ص 387.


(25)

التي كانت العرب تدركها بفطرتها السليمة، وذوقها المرهف، وحاول هؤلاء الشيوخ إثبات إعجاز القرآن من هذه الزاوية التي تعود إلى اللفظ والتركيب. ومن باب المثال نذكر منهم الزمخشري وكتابه «الكشاف».

والفلاسفة والمتكلّمون والمتصوفة أطالوا الكلام في الآيات التي توافق اتجاههم الفكري ولم يهتموا اهتماماً كبيراً بالجوانب الإُخرى من المباحث التفسيرية، بل نرى في كثير من كتاباتهم أنّهم أوّلوا بعض الآيات تأويلات بعيدة لايحتملها الذوق الخالي عن المسبقات الذهنية الفلسفية والكلامية والصوفية، وذلك كما صنع الفخر الرازي في كتابه «مفاتيح الغيب» ومحيي الدين ابن العربي في التفسير المنسوب إليه، وعبدالرزاق الكاشاني في كتابه «تأويل الآيات» وقبلهم اخوان الصفا في رسائلهم المشهورة.

والفقهاء توفروا في تفاسيرهم على آيات الأحكام فأشبعوها بحثاً ودراسة، ومرّوا على بقية الآيات مروراً سريعاً كما صنع القرطبي في تفسيره، بل خص جماعة من الفقهاء كتبهم بتفسير آيات الأحكام فقط ولم يتناولوا بقية الآيات أصلا كالجصاص والفاضل المقداد والمقدس الأردبيلي والشيخ أحمد الجزائري.

وجماعة آخرون خدموا القرآن بجمع قصصه وما يتعلّق بأسباب نزول الآيات والقراءات واختلاف القرّاء والقواعد التجويدية، كالواحدي في كتابه «أسباب النزول» والداني في كتابه «التيسير» والجزري في «المقدمة الجزرية» والسجاوندي في كتابه «الوقوف» وغيرهم.

وقد خطا فريق من المفسّرين خطوات أوسع، فحاولوا التوفّر على كل هذه الأبحاث ودرجها بصورة مختصرة في تفاسيرهم، ومن هؤلاء الشيخ الطوسي في «التبيان» والطبرسي في «مجمع البيان» والنيسابوري في «غرائب القرآن» والآلوسي في «روح البيان».

المنهج الصحيح في التفسير

المفسّر الحقيقي هو الذي يتجرّد عن ميوله الخاصّة، وعقائده الشخصية تجرّداً


(26)

كاملا ويعرض آراءه على الآيات القرآنية لا الآيات على ما يعتقده.

والطريق المفيد لتفسير القرآن، أن لا يروم المفسّر، تفسير كتاب الله سبحانه وقلبه ممتلئ بآراء وأفكار تخصّه، ولا يتقدم إليه باحثاً عمّا قد يؤيد آراءه وأفكاره بل أن يتقدم إليه ليكتشف مقاصده ومراميه، فإنّ العقيدة التي يمتلئ بها الشخص تملك عليه كل تفكيره، ولا تترك له سبيلا إلى المقاصد التي يستهدفها الكتاب.

إنّ أحسن المناهج المتّبعة في التفسير، عرض بعض الآيات على بعضها والاستمداد من الأحاديث الإسلامية الصحيحة لاستخراج المعاني والمفاهيم القرآنية استخراجاً صحيحاً. فيجب لاتّباع الطريقة المستقيمة في التفسير مراعاة الشرطين التاليين:

1ـ تفسير القرآن بالقرآن:

إنّ القرآن الكريم يؤكد بأنّه تبيان لكل شيء حيث يقول: (ونزَّلنا عليكَ الكِتبَ تِبيناً لِكُلِّ شيء) (النحل: 89)، فالقرآن حيث يكون موضّحاً لكل شيء كما هو مصرّح في هذه الآية، فهو موضّح لنفسه أيضاً، إذ لا معنى لأن يكون القرآن تبياناً لكل شيء ولا يكون تبياناً لنفسه فلابد أن يوضح أيضاً ما يبدو أنّه غامض في نفسه، ومعنى هذا، أنّه يمكن استيضاح بعض الآيات لفهم المراد من البعض الآخر.

القرآن كلّه «هدى» و «بيّنة» و «فرقان» و «نور» كما في قوله تعالي (شَهرُ رَمضانَ الّذي أُنزلَ فِيهِ القرءَانُ هُدىً للناسِ وبيّنت مِنَ الهُدى والفُرقانِ) (البقرة: 185) وقوله تعالى: (وأنزَلنَا إليكُم نوراً مُبِيناً) (النساء: 174).

والكتاب الذي يحتوي على هذه المزايا لا محيص من الاعتراف بأنّه يرفع عن نفسه ما يظن فيه من الالتباس والغموض، ذلك لأنّه لا يمكن أن يكون كتاباً فارقاً بين الحق والباطل، ونوراً هادياً للبشرية، وبرهاناً مرشداً إلى ما فيه الصواب ثم يكون في جملة من آياته تعقيد يتيه الانسان في فهمه والتوصل إلى مفاهيمه. وعليه يجب الرجوع إلى الآيات نفسها لفهم ما أُشكل من الآيات الأُخرى التي تشبهها.


(27)

قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ القرآن يصدق بعضه بعضاً».

وقال منعاً لحشر الآراء والنظريات الشخصية في التفسير وحملها على الآيات حملا: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار»(1).

إنّ تفسير القرآن الكريم بعضه ببعض، وعرض الآيات على ما يشبهها في المنطوق أو الهدف، هو الطريقة المأثورة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فإنّ الدقة في الأحاديث التفسيرية المروية عن الأئمة تثبت بوضوح ما نقول، وتدل على أنّ هذا المنهج كان المنهج المحبّب إليهم في إيضاح النصوص القرآنية لتلامذة مدرستهم.

إنّ الآحاديث التفسيرية المروية عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ تدلّ دلالة واضحة على أنّهم استعانوا بنفس الآيات وعرض بعضها على بعض، في تفسيرها وبيان معانيها وإيضاح مداليلها ومفاهيمها ولم يتصدوا في وقت من الأوقات لحمل آرائهم الشخصية على الآيات الكريمة حملاً، بل استنتجوا من مقارنة الجمل والكلمات والألفاظ الموجودة في بعض الآيات استيضاح آيات أُخرى مشابهة لها في المنطوق أو المفهوم.

يقول علي ـ عليه السَّلام ـ في كلام له يصف فيه القرآن: «كتاب الله تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض، ولا يختلف في الله ولا يخالف بمصاحبه عن الله»(2).

ولا بأس أن نقدم هنا نموذجاً من تفسير القرآن بعضه ببعض ليرى القارئ الكريم كيف يمكن رفع الالتباس عن الآيات بهذه الطريقة:

يقول تعالى في سورة الشعراء ـ 173 في قوم لوط: (وأَمْطَرنَا عَلَيهِم مطَرَاً فَسَاءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ) أنّ هذه الآية واضحة كل الوضوح من جهة المفهوم ولكن فيها غموض من جهة المصداق، فإنّ الانسان يتحيّر من المعنى المراد من المطر السوء، إلاّ أنّ الآية


1- حديث متفق عليه بين الفريقين.
2- نهج البلاغه، ج 2، ص 22، الخطبة 129.


(28)

74 من سورة الحجر، تبيّن هذا المعنى عندما تقول : (وَأَمْطَرنَا عَلَيْهِم حِجَارَةً مِن سِجّيل).

إنّ اتّباع هذه الطريقة يكشف كثيراً من الحقائق الخفية ويلقي أضواء على ما أُبهم من الآيات، شريطة أن يجعل الإنسان الصبر على البحث، والدقة الكاملة والتأنّي في إصدار الحكم، رائداً له.

2ـ على ضوء الأحاديث الإسلامية الصحيحة:

إنّ بعض الآيات تصرح بأنّ النبي الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو المبيّن للقرآن والمعلّم لآياته، فيقول تعالى: (وَأَنزَلنا إليكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ للنّاسِ ما نُزِّل إلَيهم) (النحل: 44) ويقول: (هُوَ الّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّنَ رَسُولا مِنْهُم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءايتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتبَ) (الجمعة: 2).

من هاتين الآيتين نعرف أنّ ما أُبهم من القرآن لمصالح لا نعلمها نحن، يجب الرجوع للكشف عن غوامضها إلى النبي وأهل بيته الذين هم عدل القرآن بشهادة حديث الثقلين المتفق على روايته عن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ولابد هنا أن نلفت الأنظار إلى أهمية معرفة الأحاديث الصحيحة، والتمييز بينها وبين الأحاديث غير الصحيحة، وأنّه لا يمكن الاعتماد على ما نقل عن الصحابة والتابعين في التفسير بصورة مرسلة غير مسندة، بل يجب التثبت فيها والتأكد من أنّها واجدة لشرائط الحجية التي هي مذكورة في محالها من مباحث علوم الحديث، وإلاّ فلا يحسن الاستناد إليها في كشف ما أُبهم من القرآن، بسبب بعد العهد من عصر الوحي أو كون الآيات نزلت مجملة كذلك لمصالح خاصة ليس هنا محل تفصيلها(1).

ولقد أثرت عن أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المجال أحاديث لوحظ في أكثرها جانب التربية والتعليم والمحاولة لتقريب استفادة المعاني والنكات إلى الأذهان، (من


1- مثل الآيات التي ذكرت فيها الصلاة والصوم والزكاة والحج و...


(29)

دون حشر رأي خاص فيها وحمله على الذي يستعرضه) بتدبّر ودقة، وهذا موضوع يتضح جلياً لمن أمعن النظر في تلك الأحاديث التفسيرية. وهذه الأحاديث لها قيمتها الخاصة وإن لم يصح إسناد بعضها، لمجانبتها عن التفسير التعبدي ومحاولتها التعليم وإرشاد القارئ إلى كيفية استفادة المعاني من الآية نفسها من دون إستناد إلى شيء آخر.

تأثير الحضارة الغربية في المنهج التفسيري

لقد أثّرت ترجمة الفلسفة اليونانية وعلومها إلى العربية في فهم معاني الآيات والمفاهيم القرآنية تأثيراً بعيد المدى، فقد ادخلت في التفسير جملة من المسائل الفلسفية والطبيعية التي لا تمت إليه بصلة، وحملت عليه حملا لايمكن تقبّلها لو تجردنا عن الاتجاه الفلسفي اليوناني الوافد.

إنّ بعض المفسّرين أوّلوا كثيراً من الآيات حسب المفاهيم الفلسفية الوافدة من المشائيين والاشراقيين وعلى ضوء القواعد البطليموسية في الهيئة القديمة وعلم الفلك، وللتوفيق بين هذه الآراء والآيات القرآنية والأحاديث التفسيرية، تشبّثوا بنظريات بعيدة كل البعد عن السياق والمفهوم القرآني، وكانت محاولتهم فاشلة، بعد تبدّل النظريات العلمية والمكتشفات التجريبية.

وقد واجه القرآن هذه المشكلة أيضاً بل أعمق منها بكثير عندما وسّعت أُوربا الخطوات إلى المدنية الحاضرة وكانت لها آراء حديثة في النظريات الفلكية والطبيعية والرياضية وغيرها وسخّرت بمكتشفاتها العلمية الجديدة البحار والوديان، وراحت لتسيطر على ما في أجواء السماء.

وانتقل كثير من هذه النظريات الحديثة إلى الشرق ممزوجاً بشيء من سوء الظن بالنسبة إلى المسائل الدينية والأُصول المذهبية، ذلك لأنّ أُوربا اتخذت التجربة والحس قاعدة أساسية لعلومها، وأهملت إهمالا كليّاً كل ما يتعلّق بما وراء الطبيعة وربّما عملت على إنكارها وإبادتها وإبعادها عن المجادلات العلمية.


(30)

إنّ وفود هذا النوع من الفكر المزيج بسوء الظن بالمسائل الغيبية والمعارف الإلهية، دعا البعض إلى الابتعاد عن الدين، والالحاد فيه، كما دعا البعض الآخر إلى تأويل الآيات بما يوافق الاتجاه الفكري المعاصر، وآل بهم الأمر إلى أن يأوّلوا الآيات المصرّحه بمعاجز الأنبياء، والروح، والجن، والبرزخ، بتأويل يوافق الأُسس المادية والطبيعية(1).

كما أنّ تقدم العلوم الطبيعية في مجالات مختلفة، دفع بعض الباحثين إلى أن يفرطوا في تأويل الآيات حسب الأُسس الطبيعية والنواميس الكونية، كأنّ القرآن كتاب في الكيمياء والفيزياء وليس له أهداف أُخرى.

وفي مطاوي بعض الكتب التفسيرية المؤلّفة في هذا القرن، نرى الاتّجاه العلمي والفكري الغربي بوضوح، في عرض المسائل القرآنية وتحليلها، وهي تحاول بكل ما تملك من القوى أن توفق بين المفاهيم القرآنية الاجتماعية والأخلاقية، وبين النظريات الغربية، كأنّها كتبت للتوفيق بين المدرسة الإلهية والمدرسة الاُوروبية المعاصرة.

إنّ هذا الفريق من الباحثين جلبتهم العقيدة الدينية بالقرآن الكريم وتقديسه والإذعان به، وانجرفوا من جهة أُخرى فى تيار المدنية الغربية المبنية على أساس إنكار المقدسات والمعنويات أو إرضاء لميولهم الخاصة نحو هذه المدنية، عملوا جادين في تأويل الآيات بالطريقة التي ذكرناها.

نزول القرآن نجوماً

لا شك أنّ الآيات القرآنية نزلت تدريجياً، على قلب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طيلة ثلاث وعشرين سنة، ولا نريد في هذا المجال، الحديث عن علة نزول القرآن هكذا، لأنّه


1- هذه الظاهرة المادية تبرز بوضوح في تفسير السيد أحمد خان الهندي والطنطاوي وفي «المنار» وتلامذة مدرسته قليلا.


(31)

تحدث هو عن هذا في بعض الآيات(1).

وإنّما الذي يهمّنا الحديث عنه هنا هو: أنّ القرآن لم يكن كتاباً من صنع البشر يتكوّن من أبواب وفصول ويبحث في كل موضوع عن نقطة خاصة، وإنّما هو كتاب سماوي أنزله الله تعالى لإرشاد البشر إلى المبدأ والمعاد والتكامل الروحي والجسمي، ولا يحتاج مثل هذا الكتاب إلى التنظيم والالتزامات المتبعة في المؤلّفات الأُخرى ولأجل ذلك فله خصائص لا توجد في غيره ونشير إلى بعضها فيما يلي:

1ـ تنتقل الآيات من موضوع إلى موضوع آخر لمناسبات تستدعي الانتقال إذ ربّما تذكر عدة مواضيع في سورة واحدة، هدفها الوعظ، والإرشاد، وإيقاظ الضمير، والعطف نحو العقل والحكمة، فجاءت تلكم المواضيع واحدة بعد أُخرى، يجمعها ذلك الهدف الخاص، ولكن يسبق إلى أذهان بعض أنّه لاربط وثيق بينها، إلاّ أنّه يجد عند الدقة والتدبّر، نوعاً خاصاً من الارتباط الذي يسلك عقودها في سلك واحد ووجود هذا القسم من الآيات الكثيرة، من الوفرة بحيث يغنينا عن التمثيل لها هنا.

2ـ أهمية توجيه الفكر الإنساني، وفطرته نحو الهدى والحق من جانب وإيقاظ الضمائر الميتة الكامنة في نفوس مريضة من جانب آخر، تستدعي تكرار بعض الموضوعات في مناسبات شتى، والعود إليها بمختلف الأساليب البيانية، وهذا في تكرار الخطابات من الأهمية بمكان وهو من المحسنات التي لابد منها في الكلام الموجه إلى الناس بشكل عام.

مثلا أنّنا نرى القرآن الكريم يكرّر في مناسبات شتى موضوع الاعتبار من حياة الأُمم السالفة والملوك والجبابرة والطغاة الماضين كما أنّه يذكر موضوع: (سيروا في الأرض) في أكثر من مناسبة واحدة، وفلسفة هذا التكرار والعود إلى الموضوع مرّة بعد أُخرى هي ما ذكرناه.


1- (وقال الّذين كفروا لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبّت به فؤادك ورتّلناه ترتيلا) (الفرقان ـ 32).


(32)

3ـ ربّما يتحدث القرآن الكريم في سورة عن جانب خاص من جوانب قصة أو موضوع متعدد الجوانب، واسع الأطراف لتعلّق ذاك الجانب الخاص فقط بما يقصده من الكلام دون سائر جزئياتها وتفاصيلها، ثم يعود في سورة أُخرى إلى تلك القصة أو ذلك الموضوع ليذكرها بتفاصيلها وجزئياتها. وأكثر ما نشاهد هذا في قصص الأُمم الماضية للاعتبار بها، وهذه طريقة ضرورية لكتاب أُنزل لهداية الناس وانتشالهم من الضلال.

4ـ يتبع القرآن طريقة التدرّج، في بيان مفاهيمه العقلية ومعارفه التربوية فيستدل مثلا على مفهوم من مفاهيمه في بعض السور باستدلال، ثم يعود إلى استدلال آخر لنفس المفهوم في سورة أُخرى. وبهذا توزع الأدلّة في عدة أمكنة وتذكر حسب المناسبات التي تقتضي ذلك.

مثلا أنّ موضوع المعاد والرجوع إلى حياة جديدة من المسائل الإسلامية والقرآنية المهمة التي ركّز على إثباتها القرآن، فاستدل له بأدلّة ستة(1) ولكنّها موزّعة، لكل واحدة


1- انّ الفكرة تتضح أبعادها، وتنكشف جوانبها، إذا تعددت الاستدلالات عليها من طرق شتى، والمثال على ذلك حديث البعث والمعاد في القرآن الكريم، فقد استدل القرآن على إمكان وقوعه بطرق ستة، ونحن نذكرها في المقام على وجه الاجمال ونكتفي في بيان كل طريق، بآية واحدة، مع كثرتها في كل باب:
1ـ الاستدلال بعموم قدرته على كل شيء كما في قوله سبحانه: (أَوَلم يروا أنّ الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهنّ بقادر على أن يحي الموتى بلى إنّه على كلّ شيء قدير) (الأحقاف ـ 33).
2ـ قياس الاعادة على الابتداء كما في قوله سبحانه: (كما بدأنا أوّل خلق نعيده)(الانبياء ـ 104).
3ـ الاستدلال على امكان احياء الموتى، باحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات كما في قوله سبحانه: (ويحيي الأرض بعد موتها كذلك تخرجون) (الروم ـ 19).
4ـ قياس قدرة الاعادة على قدرة اخراج النار من الشجر الأخضر كما في قوله سبحانه: (قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً إذا أنتم منه توقدون) (يس: 79 ـ 80).
وسيوافيك في بحث المعاد أنّ للآية معنى آخر ألطف بكثير مما ذكره المفسرون، ورائدنا فيه التدبير في ذيل الآية، وما كشفه العلم الحديث في حقيقة الحرارة الكامنة في الأشجار وحقيقة انطلاقها منها عند الاحتراق.
5ـ الاستدلال بالوقوع على الامكان فإنّ أدل دليل على امكان الشيء وقوعه ولأجل ذلك نقل سبحانه قصة بقرة بني اسرائيل (البقرة : 67 ـ 73)، وحديث عزير (البقرة ـ 259).
6ـ الاستدلال ببعض المنامات الطويلة التي امتدت ثلاثمائة سنين فإنّ النوم أخو الموت ولا سيما الطويل منه كما أنّ القيام منه يشبه تجدد الحياة وتطورها.


(33)

منها في مكانها نكتة خاصة.

* * *

هذه الخصائص القرآنية التي استعرضنا بعضها، تدفعنا إلى أن نشبّه القرآن الكريم بحديقة غنّاء مليئة بالأزهار الملوّنة، والورود المنوّعة، وقد وزعت توزيعاً طبيعياً جميلا تأخذ بالأبصار، فهي بالرغم من أنّها موزّعة إلاّ أنّ فيها طرافة وظرافة، لأنّ كل واحد منها وضع في مكانه اللائق به.

الجمود فى التفسير

إنّ استعراض كتب التفسير وملاحظتها بشيء من الإمعان، يوصلنا إلى حقيقة غير خافية، وهي: أنّ علماء الإسلام مع شدّة اهتمامهم بالتفسير وفهم الآيات والكشف عن معانيها، لم تتطور مؤلّفاتهم التفسيرية بالقدر الذي يجب أن تتطور طيلة القرون الأربع عشر الماضية.

فمع غض النظر عن طائفة من التفاسير المهمة المعاصرة، نرى أنّ التفسير لم يتم ولم يتكامل عند السنّة والشيعة منذ تفسير «الطبري» إلى «المنار» و تفسير «التبيان» إلى «الميزان».

ومن العوامل التي سبّبت الجمود المذكور، أنّ التفاسير سارت على وتيرة واحدة في تفسير القرآن سورة فسورة، ففسّروها من البدء إلى الختم أو فسّروا بعضها على


(34)

الترتيب المذكور، ولم يهتمّوا في كتابة التفسير بالتفسير الموضوعي(1) الذي يقتضي نزول الآيات نجوماً وتوزع الآيات الراجعة إلى أكثر الموضوعات في أمكنة وسور القرآن.

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وما ذكرنا حول نزول القرآن التدريجي وألمعنا إلى ما فيه من الخصائص يقتضي أن يفسر القرآن أيضاً حسب الموضوع إلى جانب تفسيره على ترتيب السور، فتجمع آيات كل موضوع في مكان وتفسر مجموعتها لئلاّ تتشتت الجوانب المختلفة.

مثلا المفسر الذي يحاول التعمّق في الحديث عن السماء والأرض على ضوء القرآن الكريم، أو يريد أن يبحث بحثاً مستوفى عن المعاد، أو يستعرض قصص بني إسرائيل، أو يحكم في أفعال الإنسان من جهة الجبر والاختيار، أو يكشف عن المعارف الإسلامية المتعلّقة بأفعال الله تعالى من قبيل الإرادة والهداية والضلال والقضاء والقدر... لابد أن يتبع الطريقة الموضوعية التي ذكرناها ليتمكن من جمع أطراف الموضوع جمعاً كاملا شاملا.

من جملة الأسباب التي دعت إلى ظهور عقائد مختلفة بين المسلمين، وتشبّث كل صاحب عقيدة بطائفة من الآيات، أنّهم وجهوا اهتمامهم إلى آيات خاصة لتركيز معتقداتهم، وأهملوا الآيات التي تكشف لهم آفاقاً أُخرى، وتوضح لهم النقاط التي زلّوا فيها، ولو أنّهم كانوا يلاحظون في كل مسألة من المسائل العقائدية الآيات بمجموعها لدرأوا عن أنفسهم الوقوع في هذه المهاوي السحيقة.

ومن باب المثال نذكر بهذا الصدد أصحاب مذهب الجبر في أفعال الانسان أو مذهب التفويض فيها فإنّهم ابتلوا بما ذكرناه وخبطوا خبط عشواء في فهم المقاصد الإلهية وتفسيرها.


1- نريد من «التفسير الموضوعي» تفسير القرآن على حسب الموضوعات التي وردت فيه وبحث القرآن في مواضع مختلفة مقابل تفسيره على حسب السور والآيات.


(35)

أجل يمكن القول بأنّ العلاّمة المجلسي هو أوّل من استعمل إجمالا هذه الطريقة (التفسير حسب الموضوع)، فإنّه في كتابه «بحار الأنوار» جمع الآيات المربوطة بكل موضوع في أوّل الأبواب، وفسّرها تفسيراً سريعاً بلا استنتاج منه. وهذه الخطوة القصيرة خطوة جليلة في عالم التفسير نأسف على أنّ المفسرين بعده لم يسيروا على ضوئها، ولا يمكن تفسير القرآن بالقرآن، والاستفادة الكاملة منه وتلقّي مفاهيمه العالية الصحيحة إلاّ بالمنهج المذكور.

أوّليات الطريقة الموضوعية في التفسير

لا شك أنّ الطريقة الموضوعية فى التفسير التي نتحدث عنها في هذا المجال طريقة، لم ينهجها علماء التفسير حتى الآن، كما قلناه وعليه نعتقد أنّ فيها كثيراً من الصعوبات التي تعترض سيرها، فإنّ تنظيم الآيات وتقسيمها حسب الموضوعات أمر لا يتم بعمل فردي، بل لابد من لجنة تتولّى هذا العمل، ويجب أن يكون أعضاء اللجنة اُناساً علماء لهم الخبرة الطويلة، والاختصاص في الفروع العلمية المختلفة. وممارسة طويلة في الآيات القرآنية وفهم معانيها واستنباط مقاصدها ودرك مفاهيمها العالية.

ونقترح أن تتبع هذه اللجنة الإرشادات التالية:

1ـ تقرأ الآيات واحدة واحدة بدقة وإمعان لافرازها موضوعياً، ثم يهيّأ فهرس دقيق للموضوعات الواردة في القرآن والمبحوث عنها في آياتها ليعلم بصورة مؤكدة عدد ما جاء فيها من المباحث المختلفة، وما ورد في كل واحد منها، من الآيات.

2ـ تهيّأ بطاقات خاصة بكل موضوع، لتكتب فيها آياته. والأحسن في هذا أن تصور هذه البطاقات في عدة نسخ، لتوضع في متناول أيدي الباحثين والمحقّقين ليقرأوها ثم يبدوا ملاحظاتهم وانتقاداتهم، وبعد المداولة في شأنها من قبل العلماء، تطبع بصورة نشرات حسب الحروف الهجائية وتوزّع في إطار واسع ليطّلع عليها المعنيون في


(36)

الأقطار.

3ـ وبعد أن تنتهي اللجنة من فهرسة الآيات كما ذكرناه، يدعى كبار الشخصيات الإسلامية العلمية ليتولّى كل واحد منهم، موضوعاً حسب اختصاصه، فتقدم اللجنة لهم الموضوعات التي تم فهرستها، ليختار هو الموضوع الذي جمعت آياته في البطاقات الخاصة به، ويكتب حولها ما يرى من البحوث والدراسات.

والنتيجة الحاصلة من هذه الجهود المشتركة المبذولة من قبل كبار علماء الإسلام أنّه تكتب للقرآن الكريم دائرة معارف كبيرة ملؤها التحقيق والبحث العلمي لتبرز ما فيه من الحقائق التي لا زالت خفية حتى الآن.

إنّ هذا العمل الجبار (بالاضافة إلى ما يحتاج من ميزانية ضخمة) رهن لجنة مركزية تكون حلقة وصل بين علماء الإسلام القاطنين في أقطار نائية بعيدة الأطراف فإنّه لايتم عمل كبير كهذا العمل إلاّ باللجنة المركزية، فهي التي تنتخب الأعضاء الذين يقومون بفهرسة الآيات، وهي التي تصوّر البطاقات وتعرضها على الباحثين والناقدين وبعد التنسيق الدقيق تنشرها في نشرات متسلسلة، وهي التي تتصل بالشخصيات العلمية لكتابة التفسير كما ذكرناه.

انّ هذا الاقتراح ربّما يكون كبيراً وغير قابل التنفيذ في رأي البعض، إلاّ أنّه بسيط عند ذوي الهمم العالية والعاملين في حقول العلم والثقافة، فقد قامت جمعيات دينية قبل هذا بأعمال مشابهة، لكتبهم المنسوبة إلى السماء، وكان جهدهم من الطرافة بحيث أظهر كتبهم المحرّفة بحلل زاهية تأخذ بالأبصار وتثير إعجاب القارئين لها.

ونحن نأمل أن يتصدى مراجع الدين وكبار العلماء لتحقيق هذه الأُمنية، فيتداولوا بينهم الأمر لإزالة العوائق عن الطريق وتيسير المقدّمات الأوّلية وتعيين نقطة الانطلاق لهذا المشروع الديني العلمي.


(37)

منهجنا في هذا الكتاب

بعد أن أمضى مؤلف هذا الكتاب خمس عشرة(1) سنة في دراسة القرآن الكريم دراسة مستوعبة وكتابة تفاسير لبعض السور، أجمع عزمه على كتابة نماذج من التفسير الموضوعي المقترح، ليعبّد الطريق للمحققين الذين يحلو لهم السير في هذا السبيل ومن الطبيعي أنّ مثل هذا العمل الإسلامي الكبير خارج عن نطاق شخص واحد، ويحتاج إلى ذوي الاختصاص من العلماء كما ذكر سابقاً، ولكن بدأ به من زاوية، كان المؤلف قد أشبعها بحثاً ودراسة وهيّأ موادها من ذي قبل.

انّه فكّر في نفسه، ربّما لا يتحقق هذا الأمل الجديد، أو لا يسعفه الأجل في أن يرى انجازه كما يتصوره ويود إنجازه، فعزم على أن يخطو خطوة نحوه ورائده «الميسور لا يسقط بالمعسور» وعند ما يهيّئ الله تعالى جماعة من محققي الإسلام لهذا المشروع، يمكنهم اعتبار هذا الكتاب جزءاً من دائرة معارف القرآن بعد سد ما يرون فيه من النقص الذي هو من لوازم عمل الفرد.

لقد اخترنا من بين الموضوعات الكثيرة التى ترجع إلى النبىّ الأكرم هذه المواضيع:

1ـ الإسلام شريعة عالمية لا إقليمية.

2ـ الخاتمية في الذكر الحكيم وأنّ الرسول الأعظم هو خاتم الأنبياء.

3ـ النبي الأُمّي في القرآن المجيد.

4ـ علم الغيب في الكتاب العزيز.

5ـ أسماء النبي وصفاته في القرآن العزيز.


1- بدأ المؤلف بالبحث عن خصوص هذا النمط من التفسير منذ عام 1388 هـ بعد ما صرف شطراً من عمره في تفسيره على النمط الآخر أعني تفسير القرآن على حسب السور.


(38)

ولما خرج هذا الجزء إلى البياض، عرضته على الأُستاذ العلاّمة، المفكر الإسلامي الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي مؤلف الكتاب القيّم «الميزان في تفسير القرآن» وغيره من الآثار الخالدة، فقدّره واستحسنه وشجعني على مواصلة العمل، وتفضل بكلمة(1) سجلتها في صدر الكتاب لتبقى ذكرى خالدة من عواطفه الكريمة المبذولة لأحد تلامذة مدرسته وللأُستاذ ـ روحي فداه ـ منّي تحية عبقة وتمنيات خالصة.

وفي الختام لو ترتب ثواب على عملي الضئيل فإنّما أهديه:

إلى من أنا مدين له في كل شيء حتى في هذه الدراسات التي بين يديك.

إلى أوّل من فتح قلبي على أشعة نور القرآن وأرشد عقلي إلى الاهتداء بهداه.

إلى سيدي الوالد آية الله الشيخ محمد حسين السبحاني(2) تغمده الله برحمته والله ولي التوفيق...

جعفر السبحاني

قم ـ إيران

20 جمادى الآخر 1393 هـ


1- وقد أتتنا كتب ورسائل من الشخصيات العلمية بعد انتشار هذا الجزء لأوّل مرة نشرنا بعضها في مقدّمة الجزء الثاني وقد وافاك بعضها في أول هذا الجزء من هذه الطبعة.
2- لبّى دعوة ربّه ضحوة يوم الحادي عشر من شهر شوال عام 1392 هـ، سعيداً نقي الصحيفة ودفن في مقبرة العلماء بقم بعد أن شيّع جنازته الزكية حشد من العلماء وشيوخ الحوزه العلمية وقد حك على صخرة قبره هذان البيتان:

انّ الذي صنع الجميل مخلّد * لا سيما في العلم والعرفان
فإذا انقضت أيام مدة عمره * فجميل صنع المرء عمر ثان

تجد ترجمته الضافية في مقدمة كتابه «نخبة الأزهار» بقلم العلاّمة الحجة السيد أحمد الأشكوري دام ظله، رحم الله الماضين من علمائنا العاملين ووفقنا للاهتداء بهداهم والسير على ضوء تعاليمهم. والله خير موفق ومعين.


(39)

* الفصل الأوّل *

عالمية الإسلام على ضوء القرآن الكريم

الحديث عن دعوة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ متعددة الجوانب، واسع الأبعاد، بعيد الأغوار، وبالرغم من سعة مجالات القول، وجوانب البحث فيها، فانّنا نحاول بهذه النظرة الثاقبة الفاحصة، أن نتحدث عن ناحية خاصة لدعوة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنّها دعوة عالمية لا إقليمية، وهي من أبرز الخطوط التي يستهدفها القرآن بشأن دعوته ورسالته.

نحن في رحاب القرآن الكريم، نسمع نداءه العالمي، وإن فصلتنا عنه حقب بعيدة من الزمان، ونعي صراحته ومجاهرته: بأنّ الإسلام عقيدة لا ينفرد بها شعب أو مجتمع بعينه، ولا يختص ببلد، أو بلاد معينة، بل هو دين ذو قوانين تسري على الأفراد على اختلافهم: في العنصر، والوطن، واللسان، ولا يفترض لنفوذه حاجزاً بين بني الانسان، ولا يعترف بأية فواصل وتحديدات جنسية، أو اقليمية.

فهذا تاريخ دعوته، وسيرته في نشر دينه، نتطلّع إليه بشوق ولهفة، حيث يبدد الدياجير من أمام أبصارنا، وبصيرتنا، ويقرّب لنا الواقع دونما تكلّف، أو اصطناع.


(40)

كانت دعوة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في بدء أمرها تدور بين أهله وعشيرته، ممتثلا لما أمره الله سبحانه بذلك، بقوله: (وَأَنذِر عَشِيرَتِكَ الأقرَبينَ) (الشعراء ـ 214)، والسر في ذلك أنّ النفوذ في الآل والعشيرة ألزم وأسهل من الأجانب والأباعد.

مضى رسول الله في دعوته السرية ثلاث سنين، وهو ينذر طيلة تلك المدة قومه وعشيرته، ويؤمي إلى عموم دعوته تارة، ويجاهر بذلك أُخرى، ويستنتج أنّ دعوته وشريعته عالمية، سوف تعم العالم كله، ولا تحبس بإطار خاص.

قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في خطاب ألقاه في داره، حينما وفد إليه أعمامه وأخواله ومن كانت له به صلة:

«والله الذي لا إله إلاّ هو، أنّي رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة(1) والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وأنّها الجنّة أبداً، والنار أبداً»(2).

ثم إنّه كان ينتهز الفرص، التي تسنح له للاجهار بدعوته، إلى أن أمره تعالى بأن يصدع بما اُمر به، وأن ينادي الناس عامّة باتباع دينه وشريعته، امتثالا لما أمره سبحانه به، بقوله:

(فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكينَ) (الحجر ـ 94).

فصعد رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على الصفا وهو يهتف ويقول: واصباحاه! فاجتمع الناس حوله، فقال: إن أخبرتكم أنّ خيلا تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم تكذّبوني؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذباً، فقال: يا معشر قريش انقذوا أنفسكم من النار، فإنّي لا أُغني عنكم من الله شيئاً، انّي لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد، إنّما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو، فانطلق يريد أهله فخشى أن


1- أليس هذا تصريحاً بعمومية رسالته في بدء دعوته.
2- الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 41.


(41)

يسبقوه إلى أهله، فجعل يقول: يا صباحاه يا صباحاه اوتيتم اوتيتم.(1)

هكذا بدأت الدعوة الإسلامية، وهو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يخطو خطوات قصيرة، يجابه ضوضاء الالحاد بحكمه وعظاته حتى دخل في الإسلام بعض الشخصيات البارزة ممن كانت لهم مكانة مرموقة بين الناس، وانجذبت إليه قلوب كثير من الشبان وأصبحت أفئدتهم تهوى إليه، غير أنّ الجو المفعم بالاحن والضغائن عرقل خطا دعوته، وتفاقمت جرائم قريش نحوه، فأجمعوا أمرهم على أن يخنقوا نداءه، بإنهاء حياته وإطفاء نوره، حيث اجتمع سادتهم في دار الندوة، وأجمعوا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شاباً، ويسلّموا له سيفاً صارماً، وأوصوا هؤلاء الشباب بأن يضربوه ضربة رجل واحد، حتى يموت، فيستريحوا منه، وبذلك يتفرّق دمه في القبائل جميعاً، ولا يقدر بنو هاشم، على حربهم.

ولكنّ الله ردّ كيدهم، وصدّهم عن ذلك، وخيّب حيلتهم، وأخبر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن المكيدة الداهمة، فغادر مكة متوجهاً إلى «يثرب» حتى دخلها، فاجتمع حوله رجال من الأوس والخزرج، وبايعوه، ووعدوه بالنصر، والمؤازرة والحراسة.

والرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإن غادر مكة، وترك قومه، إلاّ أنّ قومه لم يتركوه، بل أجّجوا نار الشحناء عليه، ودارت بينهم و بين الرسول حروب دامية، وحملات طاحنة، وبذلت قريش آخر ما في وسعها، ورمت كل ما في كنانتها، وبالغت في تقويض الإسلام، وهدم بنائه، إلى أن دخل العام السادس، من الهجرة، فتعاهد الفريقان في أرض الحديبية على هدنة تدوم عشر سنوات، بشروط خاصة.

هذا الصلح الذي تصالح به المسلمون في الحديبية، انقلب الى فتح مبين للإسلام، فانتهز الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الفرصة لنشر دعوته في البلاد البعيدة، فبعث سفراءه وفي أيدي كل واحد كتاب خاص إلى قيصر الروم، وكسرى فارس، وعظيم القبط، وملك الحبشة، والحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام، وهوذة بن علي الحنفي ملك اليمامة،


1- السيرة الحلبية، ج 1، ص 321 المقصود: هوجمتم من قبل العدو.


(42)

بل إلى رؤساء العرب، وشيوخ القبائل، والاساقفة، والمرازبة، والعمال، يدعوهم إلى دين الإسلام، الذي هو دين السلام، ورسالته من الله وما أُنزل إليه من ربّه.

وهذه المكاتيب أول دليل على أنّ رسالته، عالمية لا تحدد بحد، بل تجعل الأرض كلها مجالا لإقامة هذا الدين، ودونك نماذج ممّا ورد في تلكم الرسائل:

1ـ كتب إلى كسرى ملك فارس:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى... أدعوك بدعاية الله فإنّي أنا رسول الله إلى الناس كافة، لاُنذر من كان حيّاً، ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس».(1)

2ـ وكتب ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى قيصر ملك الروم:

«بسم الله الرحمن الرحيم، إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أمّا بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين فإن تولّيت فإنّما عليك إثم الاريسيين».(2)

وما ذكرناه نماذج من رسائله، وكتاباته الابلاغية، وفيه وفي غيره مصارحة شديدة بأنّه رسول الله إلى العرب والعجم، وإلى الناس كلهم، من غير فرق بين اللون والجنس، والعنصر والوطن، ويمتد شعاع رسالته بامتداد الحضارة، ووجود الانسان، وأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يكافح كل مبدأ يضاد دينه، وكل رساله تغاير رسالته، وقد جرى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عليه طيلة حياته الرسالية، حتى التحق بالرفيق الأعلى.

يقول السير توماس ارنولد: «إنّ هذه الكتب قد بدت في نظر من أُرسلت إليهم ضرباً من الخرق، فقد برهنت الأيام على أنّها لم تكن صادرة عن حماسة جوفاء وتدل هذه الكتب دلالة أكثر وضوحاً وأشد صراحة على ما تردد ذكره في القرآن من مطالبة الناس جميعاً بقبول الإسلام».


1- تاريخ الطبري، ج 2، ص 295، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 61 وغيرهما.
2- السيره الحلبية، ج 2، ص 275، مسند أحمد، ج 1، ص 263 وغيرهما.


(43)

فقد قال الله تعالى في سورة ص 87 ـ 88: (إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ لِلعلَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين).

وفي سورة يس 69 ـ 70: (وَمَا عَلَّمنهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغي لَهُ إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ وَقُرءَانٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيَّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الكَفِرِينَ).

وفي سورة الفرقان 1: (تَبَارَكَ الّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعلَمِينَ نَذِيراً).

وقال سبحانه: (وَمَا أَرسَلْنَاكَ إلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) سورة سبأ: 28.

وقال سبحانه: (قُلْ يَأيُّهَا النَّاسُ إِنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً). سورة الأعراف 158.

وقال سبحانه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلمِ ديناً فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَسِرينَ). سورة آل عمران: 85.

وقال سبحانه: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبرهيمَ حَنِيفاً). سورة النساء: 125.

وقال سبحانه:(قَتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا باليَومِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَغِرُونَ * وَقَالتِ اليَهُودُ عُزَيرٌ ابنُ اللهِ وَقَالَتِ النَصَرَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوهِهِمْ يُضَهِئُونَ قَوْلَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً وَاحِداً لا إِلهَ إلاّ هُوَ سُبْحنَهُ عَمَّا يُشرِكُونَ * يُرِيدُونَ أن يُطفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِم وَيَأْبَى اللهُ إلاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَفِرُونَ * هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). التوبة: 29 ـ 33.(1)


1- الدعوة إلى الإسلام، ص 34.


(44)

تأثير تلكم الكتب:

وممّا يدل على أنّ هذه الكتب لم تصدر عن حماسة جوفاء، أنّه قد كان لها أثر بديع في أكثر هذه الأوساط، إذ تجاوبت معها شعور كثير منهم، فنبهتهم من رقدتهم، وانهضتهم من كبوتهم، فأصبحوا متفكّرين من ملبّ لدعوته، وخاضع لرسالته، ومؤمن بما أتاه، إلى معظّم لرسله، ومجيز لهم، ومكبّر إيّاه بإرسال التحف الثمينة، ودونك صورة مصغّرة ممّا أثارته تلكم الكتب في هذه البيئات، وقد روى أصحاب السير والتاريخ أُموراً كثيرة يطول بنا المقام بذكرها:

قال قيصر لأخيه ـ حين أمره برمي الكتاب ـ: أترى أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر، وقال لأبي سفيان: إن كان ما تقول حقّاً فإنّه نبي، ليبلغنّ ملكه ما تحتي قدمي.

وخرج ضغاطر أسقف الروم بعد قراءة الكتاب، إلى الكنيسة وقال في حشد من الناس: يا معشر الروم أنّه قد جاءنا كتاب أحمد، يدعونا إلى الله وأنّي أشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وأنّ أحمد رسول الله.

وقال المقوقس: إنّي قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده ساحراً ضالاّ، ولا كاهناً كذّاباً.

وكتب فروة عامل قيصر بعمان إلى رسول الله كتاباً، أظهر فيه إسلامه، فلمّا اطّلع عليه قيصر أخذه واستتابه، فأبى فأمر بقتله، فقال حينما يقتل:

بلّغ سراة المسلمين بأنّني * سلم لربّي أعظمي وبناني

وكتب هوذة بن علي ملك اليمامة إلى رسول الله: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله.

ولبّي المنذر بن ساوى ملك البحرين دعوة الرسول وأظهر إسلامه.

وأجابه ملوك حمير، وأساقفة نجران، ولبّاه عمّال كسرى باليمن، واقيال


(45)

حضرموت، وملك ايلة ويهود مقنا بالإسلام، أو بإعطاء الجزية.

وكتب النجاشي ملك الحبشة، كتابه المعروف، وأظهر إسلامه إلى درجة صلّى عليه النّبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عندما بلغه موته(1).

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، من تأثير دعوته العالمية ورسالته العامّة.

نعم قد شذ منهم كسرى ـ ومن لف لفه ـ وهو ذلك الملك الذي ورث السلطة والحكم عن أجداده من آل ساسان، فأبى أن يكون تابعاً للعرب، وخشى من هذا الدين على شخصه وملكه.

ولأجل ذلك لاتعجب إذا ثارت ثائرة كسرى، فمزّق كتاب الرسول، وأرسل إلى باذان، عامله باليمن، وكتب إليه: «ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين جلدين فليأتياني به».(2)

هذه صورة اجمالية من بدء دعوته إلى ختامها، أتينا بها بصورة مصغّرة، ليقف القارئ على أنّ دعوته لم تكن مقصورة على بلد خاص، أو شعب خاص بل كانت عالمية غير محدودة، وأنّ مرماه كان هو القضاء على جميع النزعات الاقليمية والمحلية والأديان السالفة وتذويبها في اطار رسالته العالمية الواسعة النطاق، وأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يصرّح بذلك في بدء دعوته، وأثنائها... ومختتم أمره.

النصوص القرآنية في عالمية رسالته:

هلم معنا نتلو عليك نصوص القرآن الدالّة على أنّ رسالته، رسالة عالمية وأنّ دعوته لا تختص بإقليم خاص، أو أُمّة معيّنة، وإنّ مرماه هو إصلاح المجتمع البشري على وجه الاطلاق، ويمكن الاستدلال على ذلك بوجوه:


1- راجع لمعرفة نصوص ما دار بينهم وبين الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى كتاب «مكاتيب الرسول».
2- الكامل، ج 2، ص 81، السيرة الحلبية، ج 3، ص 278، إلى غير ذلك.


(46)

الأوّل: انّ كثيراً من الآيات تصرّح بأنّ رسالته عالمية، وأنّه رسول الله إلى الناس جميعاً، وأنّ الله أرسله رحمة للعالمين، وأنّه بشير ونذير للناس كافة، وأنّه ينذر بقرآنه كل من بلغه كتابه وهتافه، من غير فرق بين شخص وشخص، أو عنصر وآخر، ودونك بعض النصوص من هذا القسم:

(قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إنّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُمْ جَميعَاً) (الأعراف ـ 158).

(وَمَا أَرسَلنكَ إلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) (سبأ ـ 28).

(وَأَرْسَلنَكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً) (النساء / 79).

(وَمَا أَرْسَلنكَ إلاّ رَحمَةً للعالَمِينَ) (الأنبياء ـ 107).

(تَبَارَكَ الّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان ـ 1).

(وَأُوحِىَ إِلىَّ هَذِا القُرءَانُ لاُنْذِرَكُمْ بِه وَمَنْ بَلَغ...) (الأنعام ـ 19).

ـ أي كل من بلغه القرآن، ووصلت إليه هدايته في أقطار الأرض ـ.

(هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه وَلَوْ كَرِهَ المُشرِكُونَ) (الصف ـ 9).

(يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ فآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ...) (النساء ـ 170).

(الر كِتبٌ أَنْزَلْنَهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) (إبراهيم ـ 1).

10ـ (هَذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظةٌ لِلمُتَّقِينَ) (آل عمران ـ 138).

وهذه الآيات ونظائرها ممّا لم ننقلها، صريحة في أنّ هتاف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا يختص بأُمّة دون أُمّة، وأنّه بعث إلى الناس كافة مبشّراً ومنذراً لهم جميعاً.

الثاني: انّ القرآن كثيراً ما يوجّه خطاباته إلى الناس غير مقيّدة بشيء، وهذا دليل


(47)

واضح على أنّ هتافاته وتوجيهاته تعم الناس كافة، ودونك نماذج من هذا القسم.

(يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 21).

(يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا ممَّا فِي الأرْضِ حَلَلا طيّباً ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَيْطَنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة ـ 168) إلى غير ذلك...

فترى أنّه يخاطب الناس، ويقول: يا أيّها الناس... تصريحاً منه على أنّ رسالته السماوية إلى الناس كلهم، لا إلى صنف خاص منهم.

فلو كان الإسلام ديناً اقليمياً، ورسالته طائفية، فلماذا تأتي هتافاته بلفظ: (يا أيّها الناس)؟!.

فقد تكرر هذا النداء في الكتاب ست عشرة مرة.

بل لماذا يخاطب أهل الكتاب ويناديهم بقوله (يا أهل الكتاب)؟ فقد ورد هذا الخطاب في الذكر الحكيم اثنتي عشرة مرة.

وربّما يستدل في المقام بالخطابات الواردة في القرآن موجهة إلى بني آدم لكن الاستدلال بها لا يخلو من الاشكال، كما سيوافيك بيانه عند البحث عن ختم الدين والرسالة(1).

الثالث: انّ القرآن ربّما يأخذ العنوان العام موضوعاً لكثير من أحكامه، من غير تقييد بلون، أو عنصر، أو شعب أرض خاصة، وهذا يكشف عن أنّه بعث إلى إصلاح المجتمع البشري في مشارق الأرض ومغاربها، وأنّ الرسالة التي أُلقيت على عاتقه لا تحدد بحد، ودونك نماذج من هذا القسم:

(وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إليهِ سَبِيلا) (آل عمران ـ 97).

فقد أوجب حج البيت على الناس إذا استطاعوا إليه، عرباً كانوا، أم غير عرب،


1- لاحظ الفصل الثاني ـ في هذا الكتاب ـ ص 113.


(48)

فلم يقل: لله على الأُمّة العربية ـ مثلا ـ حج بيته.

(وَالمَسجِدِ الحَرَامِ الّذِي جَعَلْنَهُ لِلنَّاس سَوَاءً العَكِفُ فِيهِ وَالبَادِ) (الحج : 25).

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشتَرِي لَهْوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيرِ عِلْم) (لقمان ـ 6). فالجملة الخبرية بمعنى الانشاء وتحريم الاشتراء ولذا استدل الفقهاء بها على حرمة كسب المغنيّات تبعاً للسنّة(1).

فذم سبحانه كل من اشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله كائناً من كان إلى غير ذلك من الآيات.

الرابع: يقضي صريح القرآن بأنّ هدايته لا تختص بمجتمع خاص، بل تعم كل من تظلّه السماء، وتقلّه الأرض. ودونك بعضها:

(يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهنٌ مِن رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (النساء: 174).

(شَهرُ رَمَضَانَ الّذِي اُنْزِلَ فِيهِ القُرءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ...) (البقرة ـ 185).

(ولَقَد ضَرَبْنَا للنَّاسِ فِي هَذا القُرءانِ مِن كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (الزمر: 27).

(الر كِتَابٌ أَنْزَلنَهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إلى النُّورِ) (إبراهيم ـ 1).

أليست هذه الآيات صريحة في أنّ القرآن نور وهدى للناس كلّهم، لا للعرب خاصة، ومع ذلك كيف يمكن أن نحمل رسالته على أنّها مختصة بأُمّة دون أُمّة؟! هذا ونجد سبحانه يقول: (وآخَرينَ مِنهُمْ لمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيم) (الجمعة : 3) وما المراد من الـ : (آخرينَ منهم) ـ أي من المؤمنين ـ ؟ أليس المراد كل من جاء بعد


1- راجع المكاسب، ص 38، للشيخ الأعظم الأنصاري.


(49)

الصحابة إلى يوم القيامة من العرب والعجم؟(1) فالآية دالة على عمومية الرسالة مضافاً إلى خاتميتها.

هذه جوانب تلقي ضوءاً على البحث، وتهدف إلى أمر واحد: وهو أنّ رسالته ذات نزعة عالمية، غير محدودة بحد، فلا يحدها قطر، ولا يقيّدها شيء آخر من ألوان التحديد والتقييد، نعم مبدأ البرهان في كل واحد منها يختلف مع ما في الآخر ـ كما يظهر ذلك بالإمعان والتدبّر ـ(2).

البرهان على عمومية رسالته بوجه آخر:

وهناك لون آخر من البحث يتصل اتصالا وثيقاً بطبيعة الإسلام، وبفكرته الكلية، عن الكون والحياة والإنسان، ونظرته الوسيعة الثاقبة في التقنين والتشريع وإن شئت فاجعله خامس الوجوه.

بيانه: أنّ الحقائق الراهنة التي جاء بها الصادع بالحق، في مختلف الأبواب والفصول، لا تستهدف سوى تبنّي الواقع، ولا تأخذ غيره دعامة، ولا تخضع لشرط من الشرائط الزمانية إلاّ لنفس الأمر.

وإن شئت فقل: إنّ الإسلام لا يعتمد في أحكامه وتشريعاته وما يرجع إلى الانسان في معاشه ومعاده، إلاّ على مقتضى الفطرة التي فطر عليها كلّ بني الإنسان والسائدة في كافة أفراده، في عامة أقطار الأرض جميعاً، وإذا كان الحكم والتشريع موضوعاً على طبق الفطرة الانسانية السائدة في جميع الأقطار والأفراد، فلا وجه


1- مجمع البيان، ج 5، ص 284.
2- هذه الوجوه الأربعة تختلف في طريق البرهنة على المطلب، فقد استدل في الوجه الأوّل بتصريح القرآن على عموم رسالته، واعتمد في الثانية على شمولية هتافات القرآن وعمومية خطاباته في الفروع والأُصول، وفي ثالثها على أنّ القرآن كثيراً ما يتخذ العنوان العام لموضوع أحكامه، وفي رابعها على نص القرآن بأنّ هدايته وانذاره لا يختص بشعب خاص.


(50)

لاختصاصه بإقليم دون إقليم، أو بشعب دون شعب.(1)

ولا يجد الباحث ـ مهما أُوتي من مقدرة علمية كبيرة ـ في ما جاء به نبي الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، على سعة نطاقه، وبحثه في شتى الجهات، ومختلف النقاط أىّ طابع إقليمي، أو صبغة طائفية، وتلك آية واضحة على أنّ دعوته دعوة عالمية لا تتحيز إلى فئة معيّنة، ولا تنجرف إلى طائفة خاصة.

هذا هو الإسلام وتعاليمه القيّمة ومعارفه الاعتقادية، وسننه التشريعية فأمعن فيها النظرة مرة بعد أُخرى، فهل تجد فيه ما يشير إلى كونه ديناً إقليماً خاص، أو شريعة لفئة محدودة؟ فإنّ للدين الإقليمي علائم وأمارات، أهمها أنّه يعتمد في معارفه وتشريعاته على خصوصيات بيئية، أو ظروف محلية، بحيث لو انقلبت تلكم الخصوصيات إلى غيرها، أصبحت السنن والطقوس المعتمد عليها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وصار النافع منها ضاراً، فهل تجد أيّها الباحث في ما جاء به الإسلام شيئاً من تلكم الأمارات.

هلم معي نحاسب بعض ما جاء به الإسلام في مجالات العلم والعمل، ونضعها على طاولة الحساب، فنكون على بصيرة كاملة في هذا الموضوع: فقبل كل شيء، لاحظ كتاب الله العزيز، ومعجزة الإسلام الخالدة، فقد انبثق نوره منذ أربعة عشر قرناً، حين كانت البشرية تسبح في ظلام دامس مخيف، ضاعت فيه كرامة الانسان وحريته، وساد العداء والتنازع بين الناس، وكان نظام الغاب وحده، مفزعاً للناس وملجأ إليهم.

وفي تلك الظروف جاء القرآن نوراً يستضيء به العالم، ويعيد للانسان كرامته ومكانته وحريته، مؤسّساً لمجتمع قائم على أساس وطيد من العدالة الاجتماعية، سواء في ذلك انسان الجزيرة العربية أم غيرها.

هلم معي نستعرض تعاليمه، فهل نرى آية من آياته الباهرة، أو قانوناً من قوانينه، أو حكمة من حكمه ومعارفه، أو سننه من سنة، أو فريضة من فرائضه تنفع في


1- سوف نرجع إليه في ختام البحث، ونجعله دليلا مستقلا على عمومية رسالته.


(51)

مجتمع دون آخر؟ تفيد في إقليم دون إقليم؟ تبلغ بمجتمع خاص إلى قمّة الرقي والحضارة، وتسف بجماعة أُخرى إلى هوة الضلال والجهل؟!

ليت شعري ماذا يريد القائل من كلمته القارصة، أو فريته الشانئة؟: «الإسلام دين طائفي، أو مبدأ إصلاح إقليمي، لا يصلح لعامة المجتمعات، ولا يصلح لعامة القارات، ولا تسعد به الإنسانية على اختلاف شعوبها وطبقاتها».

ليت شعري ماذا يريد منها؟ أيريد معارفه العليا في باب الصانع وصفاته، وما جاء في ذلك الباب من الحقائق الغيبية، والكنوز العلمية، التي لم تحم حولها فكرة انسان قبله، ولم توجد في زبر الاوّلين مثلها، أو شبهها.

فلو أراد ذلك، فتلك فرية بيّنة، إذ الإسلام قد أتى بفلسفة صحيحة وعرفان رصين وتوحيد خالص، فيه دواء المجتمع البشري في الأقطار كلها.

ترى ويرى كل من له إلمام بالإسلام أنّه كافح كل لون من ألوان الشرك، كافح عبدة الأصنام والأجرام السماوية، كافح كل تعلّق بغيره سبحانه، وتخضع لشيء دون الخالق، وأنقذ المجتمع البشري من مخالب الشرك، ومصائد الضلال، ونهاه عن عبادة حجر لا يعقل أو شجر لا يفهم، أو حيوان لا يدفع عن نفسه، أو انسان محتاج مثله، أو غيرها من الأرباب الكاذبة، فأعاد للانسان كرامته وحريته ومكانته المرموقة سواء في ذلك انسان الجزيرة أم غيره.

أيحسب هذا القائل أنّ ذلك التوحيد، وهذا العرفان مختصان بقوم دون قوم كيف؟ فإذا كان النبي لا يستهدف سوى الواقع ولا يتبنّى غيره، وبعبارة صحيحة: إذا كان لا يوحى إليه سوى الحقيقة المجردة عن شوب كذب، فلا وجه لأن يختص بأُمّة دون أُمّة.

ودونك سورة الحديد والآيات التي وقعت في صدرها، فاقرأها بإمعان وتدبّر فهل يعلق الشك بضميرك الحر، بأنّها تعاليم ومعارف تختص بمنطقة خاصة ولا تصلح للتطبيق في مناطق أُخرى، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في العقائد والمعارف.

أم يريد أنّ أحكام الإسلام وتشريعاته في العبادات والمعاملات والأخلاق


(52)

وغيرها، قوانين إقليمية، لا تصلح إلاّ لظروف خاصة، ولا تفيد إلاّ في شبه الجزيرة العربية، ولا يسعد بها إلاّ انسانها، دون أُناس المناطق الأُخرى، إلاّ أنّ تلك فرية بيّنة ليست فيها مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، فهذه فروعه ودساتيره وفرائضه لا تجد فيها أثراً للطائفية أو أمارة للإقليمية.

ضع يدك على النظام الاجتماعي الذي جاء به الإسلام في أبواب النكاح والزواج، وأحكام الأولاد والنشوز والطلاق والفرائض، وإصلاح حال اليتامى وإنفاذ الوصايا، والإصلاح بين الناس، وأداء الأمانة، وحسن السلوك معهم، والتعاون والاحسان، إلى غير ذلك ممّا يجده الباحث في النظام الاجتماعي للإسلام.

ضع يدك على النظام الأخلاقي الذي فاق به الإسلام، كافة الأنظمة الخلقية التي كانت قبله، أو تأسّست بعده، فأمر بالصدق وأداء الأمانة، والصبر والثبات وحسن الظن بالناس، والعفو والغفران والقرى والضيافة، والتواضع، والشكر والتوكل، والاخلاق في العمل إلى غير ذلك ممّا أمر به، أو ما نهى عنه كالبخل والاختيال، والبهتان والغضب، والاثرة، والحسد، والغش والبغي والخمر والميسر، والجبن والغيبة والكذب، والاستكبار والرياء، والعجب والتنابز بالألقاب والانتحار والغدر و...

ضع يدك على نظامه السياسي في باب الحكم والسياسة، وما أتى به في اصلاح نظام الحرب، ودفع مفاسدها، وقصرها على مافيه من الخير للبشر، وايثار السلم على الحرب، وعلى الأنظمة والقوانين التي جاء بها في أبواب العقود والمعاملات، فأوجب حفظ المال عن الضياع والاقتصاد فيه وجعل فيه حقوقاً مفروضة ومندوبة، وأحلّ البيع وحرّم الربا، ونهى عن الغش والتطفيف، إلى غير ذلك ممّا يجده المتعمّق في كتب الفقه والأحكام.

قل لي بربّك هل تجد في هذه الأنظمة، أو في ثنايا هذه الأبواب والأحكام حكماً أو أحكاماً فيها تفكير طائفي أو نزعة اقليمية؟ وإن كنت في ريب فاقرأ الآيات التالية ومئات نظائرها، تجدها دواء المجتمع الانساني في الأقطار كلها:


(53)

(نَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشآءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) (النحل ـ 90). أليست هذه القوانين عماد الاصلاح، وسناد الفلاح في عامة القارات؟

2ـ هلاّ كان منه قوله سبحانه (إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أن تُؤَدُّوا الأمانَاتِ إلى أَهلِهَا وإِذَا حَكَمْتُمْ بَينَ النَّاسِ أن تَحْكُمُوا بِالعَدلِ) (النساء ـ 58).

وقد ندد الله باليهود لتجويزهم خيانة الاُميين، يعني العرب المشركين ومن ليس في دينهم، وقال: (وَمِنْهُم مَنْ إن تَأْمَنْهُ بدينار لا يُؤَدِّهِ إليكَ إلاّ ما دُمْتَ عليهِ قائِماً ذلِكَ بأنَّهُمْ قالُوا ليسَ عَلَينَا في الاُمِّيِّين سبيلٌ ويقولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران ـ 75).

وليس هذا إلاّ لأنّ دينهم على زعمهم كان طائفياً، فالحرام عندهم هو خيانة يهودي ليهودي مثله لا غير، وأمّا الإسلام فلمّا كان ديناً عالمياً غير مختص بطائفة دون أُخرى، فحرّم الخيانة مطلقاً على المسلم والكافر، وذلك آية كونه عالمياً لا طائفياً ولا إقليمياً.

3ـ أو ليس منه قوله سبحانه: (وَلْتَكُن منكُمْ اُمَّةٌ يَدعُونَ إلى الخيرِ ويأمُرونَ بالمعروفِ وينهَونَ عن المنكرِ)(آل عمران ـ 104).

وقد عرضنا هذه الآيات على سبيل التنويه، فليس معنى هذا، أنّ ما جاء به الإسلام في طريق إصلاح المجتمع، محصور في هذا النطاق، فإنّ في كثير من الآيات التي لم نأت بها تنويهاً بمختلف الأخلاق الفاضلة الإنسانية، والشخصية والاجتماعية من صدق، وعدل، وبر، وأمانة، وصلة رحم، ولين جانب، ووفاء عهد، ووعد، ورحمة للضعيف، ومساعدة للمحتاج، ونصرة للمظلوم، وصبر، ودعوة إلى الخير، وتواص بالحق، وعدم اللجاج فيه، والانفاق لله، والدعوة إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، والتعاون على البر والتقوى، والرغبة في السلم.

كما احتوت آيات كثيرة تنديداً بمختلف الأخلاق السيئة والخصال المذمومة من


(54)

كذب، وظلم، وبغي، واثم، وقتل نفس، وارتكاب فاحشة، وانتهاك عرض وافك وزور، وعربدة سكر، وإسراف وتبذير، وخيانة ونكث غدر، وخديعة، وقطع رحم، وأكل أموال الناس بالباطل، وجبن، وشح وأمر بمنكر وغلظة قلب، وفظاظة خلق، ورياء ومكابرة وانتقام باغ، وتناقض بين القول والعمل وغرور، وصد عن الحق، إلى غير ذلك من مساوئ الأخلاق ومحاسنها التي تجد نصوصها مبثوثة في القرآن الكريم. وتسهل عليك مراجعتها والاهتداء والتدبّر في معانيها إذا لا حظت كتاب «تفصيل آيات القرآن الكريم»(1)، «والمعجم المفهرس»(2) وغيرهما من الكتب والمعاجم.

هذا وقد عاشت الأُمّة الإسلامية بل الانسانية جمعاء(3) في ظل هذه الدساتير ونظائرها الوافرة في أجيال متتابعة، وفي حقب من الزمان والمكان، فلو كانت مختصة بإقليم خاص، لأدّت إلى التناحر والاندحار في الأقاليم الأُخر، لا إلى الرقي والحضارة(4).

الدعوة إلى الفطرة، أساس الأحكام الإسلامية:

لقد بنى الإسلام أحكامه وتوجيهه في العلم والعمل على الفطرة الإنسانية السائدة في جميع الأقطار والأفراد، فدعا إلى التوحيد المطلق، وقرّر مبادئ العدالة والحرية والمواساة والاخاء بين الناس كافة والديمقراطية الحقة، ونشر العلم والحضارة


1- تأليف المسيو جول لابوم، وقد وضع كتاباً باللغة الفرنسية، جمع فيه آيات القرآن بحسب معانيها، ووضع كلا منها في باب أو أبواب خاصة، حسب ما فهم منها، ولكنّه أخطأ في كثير من معانيها، فإنّه اكتفى في ترتيبه وتنسيقه بما فهمه من ظواهر الآيات حسب اللغة العربية وقواعدها، من دون أن يرجع إلى أسباب النزول، وسنّة النبي وسيرته والأئمّة من بعده.
2- تأليف محمد فؤاد عبد الباقي المصري.
3- اعترف به المستشرق غوستاف لوبون في آخر كتابه.
4- نعم كل اُمّة ركنت إلى الدعة والراحة، وحنت إلى تقليد عادات الأجانب في معترك الحياة، ونسيت مكانتها ورسالتها وقوانينها وأخذت بغيرها، رجعت إلى ورائها القهقرى وعلى هذا الأساس تعيش الأُمّة الإسلامية في هذا العصر في أنحاء العالم، فتراها متفرقة الكلمة ممزّقة، تأكلها حثالات الأرض.


(55)

وقضى على الرذائل والمنكرات، والشهوات الجامحة، والتقاليد البالية، والخرافات الكاذبة، والرهبانية المبتدعة، وأمر بالفضائل والصدق في القول والوفاء بالعهد، والاجتناب عن العزوبة بنكاح الحرائر إلى غير ذلك من الوف الأحكام والتشريعات التي أشرنا إلى كثير منهاوتعتبر بمجموعها دعائم الاصلاح في العالم كله، ولا تنازع الفطرة بل تطابقها ولا تتخلّف عنها قدرشعرة.

فإذا كانت الفطرة الإنسانية واحدة في الجميع، وكانت الأحكام الإسلامية مبنية عليها في جانب التشريع، فلا وجه لأن تختص بقوم دون قوم، وهذا بحث لطيف سوف نرجع إليه إن شاء الله عند البحث عن كون نبي الإسلام خاتم النبيين، ودينه خاتم الأديان وبه نجيب على الاشكال الدارج على ألسنة بعض المستهترين ممّن لا يؤمن بصريح القرآن في مسألة الخاتمية ويقول: «انّ النصوص الشرعية في الكتاب والسنّة محدودة، وحوادث الناس ومقاصدهم متجددة ومتغيّره ولا يمكن أن تفي النصوص المحدودة بالحوادث المتجددة الطارئة» فارتقب حتى يأتيك الجواب والبيان.

الإسلام يكافح المبادئ الرجعية:

وأدل دليل على أنّ الإسلام رسالة عالمية، أنّه يكافح النزعات الاقليمية والطائفية ولا يفرق بين اللون والجنس والعنصر ولا يفضّل أحداً إلاّ بالتقوى، ويزيّف كل مقياس سواه ويقول: (يَأَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وأُنثى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتقكُمْ) (الحجرات ـ 13)

كفى له فخراً أنّه أوّل من حارب العصبية والنعرات الطائفية ودعا إلى الاخوة الانسانية، والزمالة البشرية، والانضواء تحت لواء واحد وهو لواء التوحيد المطلق.

أجل حارب العصبية، والنعرات الطائفية في ظل وحدات ثمان، وهو أوّل من أسّسها وأشاد بنيانها، أعني: وحدة الأُمّة، وحدة الجنس البشري، وحدة الدين، وحدة التشريع، وحدة الاخوة الروحية، وحدة الجنسية الدولية، وحدة القضاء، بل وحدة اللغة


(56)

الدينية.(1)

وقد بلغت بها الأُمّة الإسلامية في العصور السالفة المزدهرة، الذروة من المجد والعظمة، فأصبحت ساسة البلاد وحكّام العباد.

أو ليس الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو قائل تلكم الكلم الدرية التالية، القاضية على كل نعرة طائفية، والانتماء إلى فئة خاصة والاتجاه إلى نجاح شعب خاص، فكيف ترمى شريعته بالطائفية وانقاذ جماعة معينة دون غيرها؟

1ـ قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أيّها الناس أنّ الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها ألا بآبائها إنّكم من آدم وآدم من طين، ألا إنّ خير عباد الله، عبد إتقاه».(2)

2ـ «ألا إنّ العربية ليست بأب والد، ولكنّها لسان ناطق، فمن قصر عمله لم يبلغ به حسبه».(3)

3ـ «انّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا، مثل أسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود إلاّ بالتقوى»(4).

4ـ «إنّما الناس رجلان: مؤمن تقي، كريم على الله; وفاجر شقي، هيّن على الله».(5)

وللدكتور حسن إبراهيم حسن هنا كلمة قيّمة، يقول:

«ينكر بعض المؤرخين أنّ الإسلام قد قصد به مؤسسه في بادئ الأمر أن يكون ديناً عالمياً برغم هذه الآيات البيّنات ومن بينهم «وليم ميور» إذ يقول:

«إنّ فكرة عموم الرسالة جاءت فيما بعد، وأنّ هذه الفكرة على الرغم من كثرة الآيات والأحاديث التي تؤيدها، لم يفكر فيها محمد نفسه، وعلى فرض أنّه فكّر فيها،


1- كل ذلك دليل على عالمية تشريعه، وسعة نطاق رسالته، ويجد الباحث في الذكر الحكيم والأحاديث الإسلامية دلائل واضحة على كل واحدة من هذه الوحدات، فلا نقوم بذكرها لئلاّ يطول بنا المقام وقد بحثنا عنها في الجزء الثاني.
2 ـ 3 ـ 4ـ 5) راجع للوقوف على مصادر هذه الكلمات: روضة الكافي، ص 248، سيرة ابن هشام ج 2، ص 412، بحار الأنوار، ج 21، ص 105، والشرح الحديدي، ج 17، ص 281، وقد أوردنا شطراً آخر من هذه الأحاديث في الجزء الثاني.


(57)

كان تفكيره تفكيراً غامضاً، فإنّ عالمه الّذي كان يفكّر فيه إنّما كان بلاد العرب كما أنّ هذا الدين الجديد لم يهيأ إلاّ لها، وأنّ محمداً لم يوجّه دعوته منذ بعث إلى أن مات إلاّ للعرب دون غيرهم، وهكذا نرى أنّ نواة عالمية الإسلام قد غرست ولكنها إذا كانت قد اختمرت ونمت بعد ذلك فاّنما يرجع هذا إلى الظروف والأحوال أكثر منه إلى الخطط والمناهج».

وكذلك شك «كيتاني» في أن يكون النبي قد تخطّى بفكره حدود الجزيرة العربية ليدعو أُمم العالم في ذلك الوقت إلى هذا الدين.

ومن الغريب أن يشك «وليم ميور» في صحة دعوى عموم الرسالة، وأن يبني شكه هذا على أنّ محمداً ما كان يعرف غير الجزيرة، وأنّها كانت عالمه الذي لم يفكّر في سواه، وأنّ هذا الدين لم يهيأ إلاّ لتلك البلاد، وأنّ محمداً منذ بعث إلى أن مات لم يوجّه دعوته إلاّ للعرب دون غيرهم، فهل خفيت على ذلك المؤرّخ صلة قريش بدول ذلك العهد، وما أتاحته لها التجارة من دراية وخبرة بشؤون هذه الأُمم وأحوالهم، وأنّ محمداً بوجه خاص قد سافر غير مرة للتجارة إلى بلاد الشام، فقد سافر وهو صبي مع عمه «أبي طالب» في تجاراته حتى إذا بلغ خديجة ما بلغها عن خبرته وأمانته، ألقت بمالها بين يديه، فكان من مهارته وحذقه ما جعلها تعرض عليه الزواج منها، ثم ظل يشتغل بالتجارة حتى بعث، فبعد ذلك يمكن أن يقال عن محمد أنّه كان لا يعرف غير بلاد العرب وهو رجل عصامي لم يكسب مركزه الممتاز في مكّة قبيل البعثة إلاّ من ذكاء عقله وكفاية مواهبه.

هل يستبعد على محمد الذي خرج من مكة ناجياً بنفسه ونفس صاحبه أن يتخطفها الناس لائذاً بأهل المدينة الذين آووه ونصروه، ثم صبر وصابر حتى عاد إلى مكة بعد ثماني سنين وهو السيد الآمر فيها وفي الجزيرة، تحوم حول شخصه مائة ألف من القلوب أو تزيد، ومن ورائهم كثيرون من أرجاء الجزيرة العربية يدينون له بالطاعة يقدم عليه رؤساؤها وأكابرها هل يبعد على هذا الرجل أن يرنو بناظره إلى ما وراء الجزيرة ليبسط عليه سلطانه، إن كان من محبي السلطة والحكم أو ليفيض عليها من


(58)

الذي غمر الجزيرة وملأها عدلا وأمناً ودعة وحبّاً؟

لو قيل أنّ الاسكندر المقدوني كان يعمل على تكوين امبراطورية تشمل العالم القديم كلّه وتجعله يلتف حول هذا الشاب الإغريقي لصدقنا، ولو قيل أنّ «نابليون» كان يعمل على تكوين امبراطورية تشمل العالمين القديم والجديد، ليجلس على عرشها الفتي لصدقنا.

أمّا إذا قيل أنّ محمد بن عبد الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فكّر في أن يدعو خلق الله المتاخمين لجزيرة العرب والمتّصلين بقريش ـ اتصالا تعيش عليه قريش و ينبني على أساسه كلّ شيء في البنية القرشية ـ فذلك أمر يعز على البحث النزيه والعقل الحر (بزعم «وليم ميور») أن يقبله إلاّ أن يكون تفكير ذلك النبي في هذا الأمر تفكيراً على نحو غامض.

وأمّا القول بأنّ ذلك الدين لم يهيأ إلاّ لبلاد العرب، فإنّ ذلك لم يمنع محمداً من التفكير في تعميم دينه، لأنّ هذا التفكير سواء أتحقق أم لم يتحقق، إنّما يعتمد على اعتقاده أن دينه صالح لذلك، وقد ثبت من القرآن أنّه كان يعتقد أنّ الإسلام قد هيّئ لكلّ حالة، وأنّ القرآن قد تكفّل بتبيان كلّ شيء، إذ يقول الله تعالى لرسوله في غير آية: (وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الكِتبَ تِبياناً لِكُلِّ شيء وهدىً ورَحْمَةً وبُشرى للمُسلِمِينَ) (سورة النحل ـ 89).

ويؤيد دعوى عموم الرسالة للجنس البشري قول محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّ بلالا أوّل ثمار الحبشة، وأنّ صهيباً أوّل ثمار الروم، وكذلك ما قاله عن سلمان الذي كان أوّل من أسلم من الفرس، فكان عبداً نصرانياً بالمدينة اعتنق هذا الدين الجديد في السنة الاُولى من الهجرة، وهكذا صرّح الرسول في وضوح وجلاء، أنّ الإسلام ليس مقصوراً على الجنس العربي قبل أن يدور بخلد العرب أي شيء يتعلّق بحياة الفتح والغزو بزمن طويل، ويؤيد ذلك ما ورد في القرآن الكريم في تلك الآيات البينات»(1)


1- تاريخ الإسلام السياسي ـ الطبعة الخامسة ـ ج 1، ص 167 ـ 170، وذكر في المقام بعض الآيات التي تدل على عمومية رسالته.


(59)

نـظرة في الآيات

المشعرة بعدم العمومية

قد عرفت ما هو الحق في المقام بأنّ القرآن الكريم والسنّة النبوية، وسيرتها تدل بوضوح على عمومية رسالته لكل من في الأرض جميعاً.

غير أنّ هناك آيات ربّما يستشم منها عدم عمومية رسالته، وقد وقعت هذه الآيات سنداً للخصم، فنحن نذكر تلك الآيات ونوضح المقصود منها.

1ـ آيات الانذار:

انّ بعض الآيات في هذا الصدد توجه انذار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى قومه وربّما تشعر باختصاص الرسالة ودونك هذه الآيات:

(وَلَـكِنْ رَحْـمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنذِرَ قُومَاً مَا أَتاهُمْ من نذِير مِن قَبْلِكَ) (القصص ـ46).

(بَلْ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمَاً مَا أَتاهُمْ مِن نَذِير مِن قَبلِكَ) (السجدةـ3).

(لِتُنْذِرَ قَوْمَاً مَا أُنْذِرَ ءَابَآؤهُمْ فَهُمْ غَـفِلُونَ) (يس ـ 6).

(فَإِنَّمَا يَسَّـرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبـَشّـرَ بِهِ المُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمَاً لُدّاً) (مريم ـ 97).


(60)

فهذه الآيات ونظائرها تخص انذار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوم خاص، وبذلك تضيق دائرة الدعوة.

الجواب:

انّ الإجابة على الاستدلال بهذه الآيات سهلة بعد الوقوف على ما ذكرنا من الآيات المصرحّة بعمومية الرسالة.

لأنّها أوّلاً: لا تخرج من حد الاشعار الضعيف الذي لا يعتمد عليه في مقابل الآيات المصرّحة بأشد التصريح بعمومية الدعوة.

وثانياً: انّ هناك آيات بهذا الصدد تصرّح بعمومية الانذار، ففي سورة يس التي ورد فيها: (لِتُنذِرَ قَومَاً مَا اُنذِرَ آباؤهُمْ) قوله سبحانه: (لِيُنذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلَـى الكَـفِرينَ) (يس ـ 70).

فهذه الآية تشعر بأنّ دائرة الانذار تشمل كلّ حي يعقل ويخاطب به وهو يعم كلّ مستعد للهداية سواء أكان من قومه وممن يعيش في الجزيرة العربية أم لا.

وقال سبحانه أيضاً: (وَيُنذِرَ الّذِينَ قَالُوا اِتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً) (الكهف ـ 4).

وهم يعم اُمّة الكليم والمسيح الذين قالوا: اتّخذ اللّه ولداً.

فاليهود قالوا بأنّ اللّه اتّخذ عزيراً ولداً.

والنصارى قالوا: بأنّ اللّه اتّخذ المسيح ولداً.

وبذلك يظهر أنّ كلّ ما ورد في هذا الصدد من آيات الانذار لا يدل على التخصيص بل هو خـطاب بمقتضى المقام.

فقد تقتضي البلاغة توجيه الكلام إلى قسم خاص كما تقتضي المصلحة في مقام آخر توجيه الكلام لكلّ من بعث لانذاره فلاحظ الآيات التالية حيث يقول سبحانه:
(قُلّ إنَّما اُنْذِرُكُمْ بِالوَحْيِ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إذا مَا يُنذَرُونَ) (الأنبياءـ45).


(61)

بينما يخص الانذار بالمخاطبين في هذه الآية يعمّم الانذار لكلّ الناس في آية اُخرى ويقول: (أكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَن أَوْحَيْنَا إِلَـى رَجُل مِنْهُمْ أنْ أَنذِرِ النَّاسَ) (يونسـ 2).

2ـ عد بعض أهل الكتاب من الصالحين:

انّ القرآن الكريم يعد بعض أهل الكتاب من الصالحين حيث يقول:
(لَيسُوا سَواءً مِن أَهْلِ الكِتَـبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـتِ اللّهِ ءَانَآءَ الَّيلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ * يؤْمِنُونَ بِاللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسَـرِعُونَ فِـي الخَيْـرتِ وَاُوْلَئِكَ مِنَ الصَّـلِحِينَ) (آل عمران : 113 ـ 114).

فلو كانت رسالة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عالمية يجب أن يرجع إلى شريعتها كلّ من يعيش تحت السماء من أصحاب الشرائع السماوية فعندئذ كيف يعد بعض من لم يرجع إليها من الصالحين ويصفهم بالأوصاف المذكورة في هاتين الآيتين؟

الجواب:

انّ الإجابة عن هذا السؤال واضحة بعد الرجوع إلى سياق الآيات فانّه سبحانه لمّا وصف أهل الكتاب بأنّ أكثرهم الفاسقون وقال:
(وَلَو آمَنَ أَهْلُ الكِتَـبِ لَكَانَ خَيراً لَهُمْ مِنْهُم المؤمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَـسِقُونَ).

وقال: (لَنْ يَضُـرُّوكُمْ إلاّ أَذًى وَإنْ يُقَـتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبَارَ ثُمَّ لا يُنصَـرُونَ).

وقال في حق اليهود:
(ضُرِبَتْ عَلَيْهمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا...)(آل عمران:الآيات110،111،112).

أراد سبحانه أن لا يبخس حق الأقلّية الصالحة منهم، تمشّياً مع الحقيقة، ووفاء للحق. وقال:
(لَيسُوا سَواءً ...).


(62)

أي ليس الجميع ـ من أهل الكتاب ـ على وتيرة واحدة ، وأنّه يوجد بينهم من يستقيم على دينه، ويثبت على أمر اللّه، ويتلوا آيات اللّه فهم الذين يعدّون من الصالحين أي الذين صلحت نفوسهم فاستقامت أحوالهم وحسنت أعمالهم.

ومن المعلوم أنّ توصيف ثلة قليلة بالصلاح إنّما هو في مقابل الأكثرية الموصوفة بالفسق والطغيان وقتل الأنبياء والاعتداء.

وهذا التحسين النسبي لا يدل على إقرار شريعتهم وعدم نسخه بالإسلام وأنّهم لو عملوا بشريعتهم لكانوا من الناجحين.

ويدل على ذلك أنّه سبحانه يصرّح في الآية 110 بلزوم إيمان أهل الكتاب بما آمن به المسلمون ويقول:
(وَلَو آمَنَ أَهلُ الكِتَـبِ لَكَانَ خَيراً لَهُمْ ).

وعلى ذلك يتّضح مساق الآية وهدفها.

إجابة اُخرى:

غير أنّ المفسرين فسّـروا الآية على وجه آخر وقالوا: لما أسلم عبد اللّه بن سلام وجماعة قالت أحبار اليهود ما آمن بمحمد إلاّ شرارنا فأنزل اللّه: (لَيسُوا سَواءً ... ـ إلى قوله ـ مِنَ الصَّـلِحِينَ).

روي ذلك عن ابن عباس وقتادة وابن جريح.

وقيل انّها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم (1).

غير أنّ هذا التفسير لا يلائم ظاهر الآية فالظاهر أنّ الموصوفين بالصلاح من أهل الكتاب حين نزول الآية كما هو ظاهر قوله: (لَيسُوا سَواءً مِن أَهلِ الكِتَـبِ ) ولو كان المراد هو المؤمنون المسلمون لما عبّـر عنهم بهذا العنوان ولا ينافي ما ذكرنا توصيفهم


1-مجمع البيان ج 4 ص 488، راجع الدر المنثور ج 2 ص 64 و 65 .


(63)

بأنّهم يتلون آيات اللّه آناء الليل إذ عندهم من المناجات والأدعية له الشيء الكثير لا سيّما في زبور داود.

3ـ تخصيص الانذار باُمّ القرى ومن حولها:

وهناك بعض الآيات تخص الانذار باُمّ القرى ومن حولها حيث يقول:
(وَهَذا كِتـبٌ أنْزَلْنَـهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالأخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بهِ وَهُمْ عَلَـى صَلاَتِهِم يُحـفِظُونَ) (الأنعام ـ 92).

وقال سبحانه:
(وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ قُرءَاناً عَرَبِيّاً لِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَن حَولَهَا وَتُنذِرَ يَومَ الجَمعِ لا رَيبَ فيهِ فَرِيقٌ فِـي الجَنَّةِ وَفَريقٌ فِـي السَّعِير) (الشورى ـ 7).

فهاتان الآيتان يستظهر منهما اختصاص نطاق رسالته في إطار أُمّ القرى ومن حولها.

وأُمّ القرى أمّا علم من اعلام مكّة أو كلّـي اطلق عليها في هذه الآية.

وعلى أي تقدير فتشعر باختصاص الرسالة بما ذكر فيها.

الجواب:

غير خفي على القارئ النابه أنّ ما ادّعاه من الظهور ضعيف جداً، ولو سلم فلا يتجاوز حد الاشعار الابتدائي (1)ولا يعتنى به اتّجاه الحجّج الدامغة الدالّة على سعة نطاق رسالته وعدم محدوديتها بشيء من الحدود والقيود، كما وافاك بيانها.


1- بل ذيل نفس الآية دليل على عموم رسالته، حيث أنّه سبحانه قال: (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به)وظاهره أنّ كل من يؤمن بالآخرة من العرب والعجم يؤمن بهذا الكتاب، وإنّه منزّل من ربّهم: مصدّق لما تقدمه من الكتب، فلو كانت دعوته اقليمية أو طائفية لما كان لإيمان من ليس من تلك الطائفة أو لا يعيش في الجزيرة العربية معنى صحيح.


(64)

نحن نسأله لماذا نسي أو تناسى قوله سبحانه في نفس هذه السورة (الأنعام) الدالّ على عمومية رسالته، وأن ّ اللّه سبحانه أمره أن ينذر بكتابه كلّ من بلغه هتافه في أقطار الأرض وأرجاء العالم. وقال سبحانه: (قُلْ أيُّ شَيء أكبرُ شَهَـدَةً قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَينَكُم وأُوحِـىَ إلَـيَّ هذا القُرءَانُ لأُِنذِرَكُم بهِ وَمَن بَلَغَ أئِنَّكُم لَتَشهَدُونَ أنّ مع اللّهِ آلهَةً اُخرَى قُل لا أشهَدُ قُل إنَّما هُو إلهٌ وحِدٌ وإنَّنِي بريءٌ مِمّا تُشرِكُونَ) (الأنعام ـ 19).

وصريح هذه الآية أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمرلينذر بقرآنه كلّ من بلغه ووصل إليه هتافه، عربياً كان أو أعجمياً، شرقياً كان أم غربياً، فلماذا أخذ الكاتب بالإشعار الضعيف وترك التصريح على خلافه مع كونهما في سورة واحدة؟!

فلو أنّه كتب ما كتب بدافع التحقيق والبخوع للحقائق، فلماذا فتح بصره وألقى أسدالاً على بصيرته فاعتمد على الاشعار ورفض التصريح.

ومن المتحتمل أنّه رأى الآيتين، لكنّه حسب أنّ اللّه تعالى نقض كلامه الوارد في ابتداء السورة بختامها وهو سبحانه يقول: (وَلَوْ كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَـفاً كَثيراً) (النساء ـ 82).

نحن لا نميط الستر عن نواياه وضمائره وهو قد وقف على هذه الآية وغيرها مما سردناه من الآيات الدالّة على عالمية رسالته، لكن الظاهر أنّه لا يستهدف بذلك إلاّ تعكير الصفو وبث بذور الشك في قلوب السذّج والبسطاء من الاُمّة الإسلامية لغاية هو أعرف بها وإن كان لا يفوتنا عرفانها.

والحق أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن في دعوته وانذاره بدعاً من الرسل، فقد مشى في ابلاغه على سنن من قبله من المرسلين، فالمسيح كان رسول اللّه، إلى أُمّة كبيرة أوسع من بني إسرائيل(1)، ومع ذلك كلّه فقد بدأ هتافه بكونه رسولاً إلى بني إسرائيل مع أنّه رسول


1- نعم لم يثبت كون المسيح مبعوثاً إلى الناس أجمع، كما سيوافيك بيانه في هذا البحث بل كان مبعوثاً إلى اُمّة كبيرة أوسع من بني اسرائيل، لما ثبت من بعثه ـ عليها السَّلام ـ رسلاً من حوارييه وتلاميذه إلى الاُمم التي لا تمت إلى بني اسـرائيل بصلة، وهـو دليل على أوسعية نطاق رسـالته من بني اسرائيل.


(65)

إليهم وإلى غيرهم وقال: (يـبَنِي إسرءِيلَ إِنِّـي رسُولُ اللّهِ إِليكُمْ مُّصَدِّقَاً لِمَا بَينَ يَديَّ مِنَ التَّورَاةِ وَمُبَشِّـراً بِرَسُول يَأتِـي مِنْ بَعدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ...) (الصف ـ 6).

فخصّ خطابه ورسالته ببني إسرائيل مع كونه رسول اللّه إلى غيرهم أيضاً ولا ضير في ذلك لأنّ كونه رسولاً إليهم لا ينافي كونه رسولاً إلى غيرهم فإنّ اثبات الحكم لموضوع لا يلازم نفيه عن غيره.

وقد ضارعه نبي الإسلام، فهو مع كونه رسول اللّه إلى الناس جميعاً، ومع أنّه أمره اللّه أن ينذر بقرآنه قومه وكلّ من بلغه كتابه في مشارق الأرض ومغاربها (1) أمره اللّه سبحانه أن يقول: (لِتنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَن حَولَهَا)(الأنعام ـ 92، الشورى ـ 7) فإنّ كونه مبعوثاً لانذار الاُمّة العربية القاطنة في عاصمتها مكة ومناطقها التابعة لها، لا ينافي كونه مبعوثاً إلى غيرها أيضاً ومنذراً بكتابه سواها.

وقد حذى الرسول حذو القرآن في خطاباته الشخصية في اندية الانذار والابلاغ، فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حينما وفدت إلى داره عشيرته وأقربوه: «انّي رسول اللّه إليكم خاصة وإلى الناس عامّة» وهو في الوقت نفسه حينما صعد على الصفا خص قريشاً بالخطاب وقال: «يا معشر قريش انقذوا أنفسكم من النار».

وقد وافيناكم بتلك الدرية في صدر البحث (2).

هذه سيرة الرسول وسيرة من قبله، من اُولي العزم من الرسل، فهم يقتفون في توجيهاتهم ودعواتهم مقتضى الحال، مراعين في ذلك شرائط البلاغة، وإلقاء الكلام على وفق الحكمة، فربّما دعت المصلحة إلى توجيه الكلام إلى مجتمع خاص، كما أنّه ربّما اقتضت توجيهه إلى الناس عامة من دون أي تنافر وتناكر في التوجيهين.

وإن شئت قلت: انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بُعث إلى عشيرته والعرب والناس جميعاً على سبيل «تعدد المطلوب» كما قال: « يا معشر قريش انقذوا أنفسكم من النار» وقال: «انّي رسول


1- الأنعام ـ 119.
2- أنظر ص 135 من كتابنا هذا.


(66)

اللّه إليكم خاصة وإلى الناس عامة» وكانت كلّ واحدة من هذه الطوائف الثلاثة صالحة لأن يبعث إليهم رسول خاص. وعلى ذلك فله أن يصرّح حسب مقتضيات المقام بأحد الأغراض التي اُرسل لأجلها ويسكت عن الآخرين بلا استنكار.

ويشير إلى ذلك قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «بعثت إلى الناس كافة، فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب، فإن لم يستجيبوا لي، فإلى قريش، فإن لم يستجيبوا لي، فإلى بني هاشم، فإن لم يستجيبوا لي، فإلي وحدي» (1).

وقال الإمام الصادق ـ عليها السَّلام ـ :

«انّ اللّه تبارك وتعالى أعطى محمداً شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ـ عليهم السَّلام ـ : التوحيد والاخلاص وخلع الانداد والفطرة الحنيفية السمحة ولا رهبانية ولا سياحة إلى أن قال: ونصره بالرعب وجعل له الأرض مسجداً وطهوراً وأرسله كافة إلى الأبيض والأسود والجن والانس» (2).

ونظير ذلك لو بعثت انساناً لينجز لك اُموراً مختلفة، وكان كلّ واحد منها صالحاً لأن يبعث لانجازه شخص خاص، فعند ذلك يصح لك أن تقول: بعثته ليعمل كذا وتذكر أحد الاُمور التي بعث لأجلها وتسكت عن ذكر الباقي كما يصح للمبعوث أن يقول: بعثت لأفعل كذا ويذكر أحد الأهداف التي بعث لتحقيقها من دون أن يذكر الأمرين الآخرين وهكذا...

على أنّ الآية التي استدل بها القائل على ضيق نطاق رسالته، مكية، وردت في سورتي الأنعام والشورى المكيتين، ولم تكن الظروف في مكة تبيح له الاجهار غالباً بنفس رسالته، فضلاً عن الاجهار بعالميتها، فلا عتب عليه لو خص خطابه بجمع دون جمع. مع سعة نطاقها في نفس الأمر، إذا اقتضت المصلحة ذلك لأنّ المرمى الأهم في هذه البيئة، الاجهار بنفس الرسالة لا كمّها ولا كيفها وإن كان يصلح أن يصرّح في بعض


1- الطبقات الكبرى ج 1 ص 192.
2- الكافي ج 2 ص 17 وسيوافيك بعض الروايات عند البحث عن «الخاتمية في الأحاديث».


(67)

الأوقات بعالمية رسالته إذا كان الظرف في مكة صالحاً. كما في قوله سبحانه: (وَمَا هُوَ إلاّ ذِكرٌ لِلعـلَمِينَ)(القلم ـ 52) والآية مكية بلا كلام. وكما في قوله: (لاُُِنذِرُكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) (الأنعامـ19) والسورة مكية، وإن شئت قلت: انّ الظروف في مكة كانت مختلفة متلوّنة، ولم تكن حياة الرسول رخاءاً وشدة على نسق واحد، فتارة كانت بيئة مكة قاسية عنيفة لا تسمح بالجهر بنفس رسالته، فضلاً عن المصارحة بكيفها وكمّها، والمسلمون من جانب ـ اضطهاد قريش لهم ـ كانوا يعيشون في حالة عصيبة واُخرى كانت الأزمة قليلة مخففة بحلول أشهر الحج أو طروء حوادث تمنع العصابة المشركة المجرمة وتكفّهم عن إيذاء المسلمين.

وعند ذاك كان يفسح المجال أمام النبي وأصحابه بأن يبلغوا الدعوة وفق الظروف وحسب المقتضيات شدة وضعفاً ،فنراه في مواقفه بمكة يصرّح بجانب من جوانب الدعوة على صعيد خاص كقوله: يا معشر قريش انقذوا أنفسكم ... واُخرى ينادي بعموم دعوته مما يستفاد من أنّه بعث إلى الناس كافة ولأجل ذلك نواجه في سورة واحدة لونين من طريقة الدعوة، فنرى أنّها في صدرها تأخذ بجميع جوانب دعوته وتصرّح بعموم دعوته وعالمية رسالته، وأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ اُمر من جانبه سبحانه أن ينذر بقرآنه قريشاً وكلّ من بلغه كتابه وانذاره حيث قال: (وأُوحي إليَّ هذا القُرءَانُ لاُِنذِرُكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ) وفي الوقت نفسه نرى في خلال السورة، لوناً خاصاً من الدعوة حيث تخصّها بمن في اُمّ القرى ومن حولها ويقول: (وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرى وَمَن حَولَهَا) فيعلم من ذلك أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يوجّه دعوته حسب ما تقتضيه المصلحة تبعاً للأحوال المختلفة وتبدل الظروف الزمانية والمكانية من دون توهّم تناقض في طريق الدعوة ولونها.

جواب آخر عن الشبهة:

جاء بعض المعاصرين من الأجلاّء، في تعاليقه القيّمة على كتاب «الابطال» بجواب آخر (1) مبني على أمرين:


1- ترى اجمال هذا الجواب في مجمع البيان ج3،ص334،و ج5،ص22 والمفردات للراغب مادة «اُم».


(68)

الأوّل: انّ المراد من «القرى» في قوله تعالى: (لِتُنذِرَ أُمَّ القُرى وَمَنْ حَولَهَا) ما يعم المدن الواسعة، وقد أطلق لفظ القرية في القرآن على المدينة أيضاً كقوله تعالى: (وسْئَلِ القَريَةَ الَّتي كُنَّا فِيهَا والعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَـدِقُونَ) (يوسف ـ 82) والقرية التي اقترح أبناء يعقوب على أبيهم أن يسألها، هي مدينة «مصر» وقد كانت يوم ذاك مدينة كبيرة، ذات أبواب متفرّقة، لقوله سبحانه: (يَـبَنيَّ لا تَدخُلُوا مِن بَاب وَحِد وَادْخِلوا مِن أَبُوب متفرِّقَة) (يوسف ـ 67).

الثاني: قد استفاضت الروايات من مهبط الوحي والتنزيل على أنّ اللّه سبحانه دحى الأرض يوم دحاها، من تحت مكة، والمراد من الدحو من تحتها أنّ أرض مكة هي أوّل قطعة من الأرض اخرجت من الماء، بعد ما كانت الأرض بعامة أجزائها مغمورة بالماء، ثم برز سائر اجزائها، عن تحت الماء تدريجاً ، وبذلك صارت مكة اُمّاً لسائر البلاد، وأصلاً لسائر القرى ومركزاً تكوينياً للأرض.

قال: إذا كان إطلاق اُمّ القرى على مكة بهذه المناسبة، فيصير المراد من «أُمّ القرى»، أي أُمّ البلاد الموجودة في العالم ومركزها التكويني كما يصير المراد من (ومن حولها) عامة من يعيش في نواحي الأرض وسائر أقطارها كلّها وإليه ذهب حبر الاُمّة عبد اللّه بن عباس، وفسّـره الإمام الطبرسي بقوله: «من سائر الناس وقرى الأرض كلّها»(1) فتصير الآية من الأدلّة الدالّة على عالمية رسالته.

وفي هذا الجواب مجال للنظر والبحث:

أمّا أوّلاً : فلأنّ أُمّ القرى ليست علماً لمكة، بل كلّياً اُطلق عليها في هذه الآية بما أنّها إحدى مصاديقه، كيف وقد قال سبحانه مبيّناً لسنّته في الاُمم الماضية جميعاً: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكُ القُرَى حَتّى يَبعَثُ فِـي اُمّها رسُولاً)(القصص ـ 59) أي حتى يبعث في أُمّ تلك القرى رسولاً يبلّغ رسالات اللّه عليهم. وهذه سنّة اللّه تعالى في ابادة الاُمم الطاغية مطلقاً، غير مختصة بالاُمّة العائشة بمكة ومن حولها.


1- مجمع البيان ج 5 ص 22.


(69)

وهذا إمام اللغة ابن فارس، يقول في مقاييسه: «أُمّ القرى، مكة، وكلّ مدينة هي أُمّ ما حولها من القرى».

قال ابن فندق في تاريخه: إذا تركّزت اُمور منطقة خاصة في محل، يقال له باعتبار القرى والقصبات التابعة له، أُمّ القرى، ثم أتى بأمثلة وقال: فصنعاء أُمّ القرى في اليمن، «وبغداد» أُمّ القرى في العراق، بعد ما كانت «البصرة» يوماً أُمّ القرى ومرو أُمّ القرى في خراسان وهكذا... (1).

فهذا التركيب (أُمّ القُرى ومن حولها) ليس من مصطلحات القرآن واختصاصاته بل كان دارجاً في عصر الرسالة وقبله وبعده، وقد نزل القرآن بلسان النبي الذي هو لسان قومه وليس له في هذا التركيب اصطلاح خاص، بل هو والعرف في ذلك سواسية، فلا يصلح أن يحمل على غير ما هو المتفاهم عندهم. فإذا قيل: (لِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَن حَولَهَا) وقامت القرينة على أنّ المراد من أُمّ القرى مكة، فلا يراد منه وممّا عطف عليه إلاّ ما يراد في نظائرها، فإذا قيل: هذا إمام البصرة أو سائسها ومن حولها، فلا يراد إلاّ نفوذ حكمه في نفس البصرة والمناطق التابعة لها، حكماً وسياسة واقتصاداً، أو غيرها من وشائج الارتباط ودوافع التبعية، لا أنّه إمام الأرض شرقاً وغرباً، وهكذا إذا قيل: بعث نبي الإسلام لينذر مكة ومن حولها، لا يراد منه إلاّ أنّه بعث لينذر من يعيش في مكة والمناطق التابعة لها عرفاً، سياسة وحكماً أو اقتصاداً وتجارة، أو غيرها من القرى القريبة المتاخمة لها، القائمة عند حدودها والمناطق التابعة لها في العلاقات الاجتماعية لا أنّه بعث لينذر أهل العالم كلّه، فإنّ إرادة هذا المعنى من هذا التركيب غير معهود، لو لم يكن مستهجناً.

وأمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكره من حديث دحو الأرض إلى آخره، صحيح، غير أنّ إطلاق أُمّ القرى على مكة بهذه المناسبة التكوينية يحتاج إلى دليل، ودون اثباته خرط القتاد، والعرب الجاهليون كانوا يطلقون أُمّ القرى، على مكة، من غير أن يكون لهم علم


1- تاريخ بيهق ج ص 22 بتعريب منّا.


(70)

ولا عهد بهذه المعارف، وليس إطلاقها عليها من خصائص القرآن، بل هو يتبع في ذلك لما هو الدارج، والحق في الجواب ما أوضحناه.

4ـ كلّ نبي مبعوث بلسان قومه

جرت سنّة اللّه على بعث رسله بلسان قومهم، وهذا هو الأصل لو كان الرسول مبعوثاً إلى خصوص إنقاذ قومه.

أمّا إذا كان مبعوثاً إلى أُمّة أوسع من قومه، وكان كلّ قوم يتكلّمون بلسانهم الخاص فعند ذلك لا حاجة إلى نزول كتابه بجميع الألسنة، لأنّ الترجمة تنوب عن ذلك مع ما في نزوله بلسانين أو أزيد من التطويل، وامكان تطرّق التحريف والتبديل والتنازع والاختلاف. فبقي أن ينزل بلسان واحد. وأولى الألسنة لسان قوم النبي ولغتهم لأنّهم أقرب إليه، ولا معنى لرفض هدايتهم والتوجّه إلى غيرهم.

على أنّ إيمان قومه به، وخضوعهم له، ربّما يثير رغبة الآخرين بالإيمان به كما أنّ إعراض قومه جيمعاً عن دعوته ورغبتهم عنه، تثير روح الشك والترديد في قلوب البعداء عنه، قائلين بأنّه لو كان في دعوته خير لما أعرض عنه قومه.

على أنّ في إرسال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بلسان قومه نكتة اُخرى وهو أنّ قومه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانوا يملكون نفسيّة خاصة وهو عدم رضوخهم واستجابتهم بسهولة لعادات غيرهم وألسنتهم.

فلو أنزل اللّه سبحانه كتابه إليهم بغير لسانهم لما آمنوا به كما قال سبحانه: (وَلَوْ نَزّلْنـهُ على بَعضِ الأعْجَمِينَ * فقرأهُ عليهِم ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنيِـن) (الشعراء: 198ـ199) فلأجل ذلك بعثه اللّه سبحانه بلسان قومه حتى يسد باب العذيرة عليهم.

ولأجل هذه المهمة الاجتماعية يجب على الرسول صرف همّته أوّلاً في هداية قومه وانقاذهم حتى يتسنّى له هداية الآخرين، وهذه سنّة متبعة في الاُمور العادية، فضلاً عن المبادىء العامّة.


(71)

وإلى ذلك تهدف الآية التالية: (ومَا أَرسَلنا مِن رَسُول إلاّ بلسانِ قَوْمِهِ ليُبيّـنَ لَهُم فَـيُضُلُ اللّهُ مَن يَشاءُ وَيَهِدي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيمُ) (إبراهيم ـ 4) ومفاد الآية أنّه سبحانه لم يجر في بعث رسله مجرى الاعجاز وخرق العادة، ولا فوّض إلى رسله من الهداية والضلال شيئاً، بل أرسلهم بلسانهم العادي الذي يتحاورون به كل يوم مع أقوامهم ليبيّنوا لهم مقاصد الوحي فليس لهم إلاّ بيان ما اُمروا به وأمّا الغاية من بعثهم، أعني الاهتداء فهو بيد اللّه سبحانه، لا يشاركه في ذلك رسول ولا غيره.

وعلى ذلك فليست في الآية دلالة ولا إشعار بلزوم اتحاد لغة الرسول مع لغة من اُرسل إليهم، حتى يلزم منهم اختصاص دعوته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقومه. إذ الآية تصرّح بلزوم موافقة لغة الرسول مع لسان قومه، لا اتّحاد لغته مع لسان كل من اُرسل إليهم، كما هو أساس الشبهة، ومن الممكن المتحقق أن يكون المرسل إليه أوسع من قومه كما هو الحال في ثلّة جليلة من الرسل، فقد دعا إبراهيم عرب الحجاز إلى الحج، والوفود إلى زيارة بيته، وأمر سبحانه كليمه بدعوة فرعون إلى الإيمان به، ودعا نبيّنا اُمّتي اليهود والنصارى إلى الإيمان برسالته، فآمن منهم من آمن. وبقي منهم من بقي.

مغالطة اُخرى حول الآية

نرى بعض من فسّـر الآية بأنّ مفادها: «أنّ كلّ رسول من اللّه يوافق لسانه لسان من اُرسل إليهم»، جاء بمغالطة شوهاء في مفاد الآية، وقال: إذا كان معنى الآية ما ذكر فهو ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا، من لا يوافق لسانه لسان من اُرسل إليهم ليس رسولاً منه سبحانه. فلو فرضنا أنّ نبيّنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان مبعوثاً إلى العالمين كلّهم مع اختلافهم في اللسان، يلزم منه كونه غير مبعوث من اللّه سبحانه أصلاً.

وعلى الجملة: تنتج عالمية رسالته، وسعة نطاق دينه، كونه غير مرسل من جانبه عزّ وجلّ.

ومنشأ هذه المغالطة ما تخيّله المغالط من مفاد الآية، إذ ليس مفادها ما تصوّره من


(72)

أنّ كلّ رسول يوافق لسانه لسان من اُرسل إليهم حتى يصح ما بني عليه، بل مفاده: أنّ كلّ رسول يوافق لسانه لسان قومه، وفي الوقت نفسه يمكن أن يكون مبعوثاً إلى أزيد من قومه (1) أو إلى قومه فقط.

نعم تنعكس الآية إلى قولنا: من لا يوافق لسانه، لسان قومه ليس رسولاً من اللّه سبحانه، وهو صحيح، وأمّا نبي الإسلام فالمفروض أنّ لسان كتابه ولغة دعوته موافقة مع لسان قومه.

وعلى أي تقدير فالمراد من القوم هم الذين عاش فيهم الرسول وخالطهم ولا يختص بالذين هو منهم نسباً، والشاهد على ذلك أنّه سبحانه صرّح بمهاجرة لوط من «كلدة» وهم سريانيو اللسان، إلى المؤتفكات وأهلها عبرانيون، وفي الوقت نفسه سمّـاهم قومه، وأرسله إليهم، ثم أنجاه وأهله إلاّ امرأته(2).


1- هذا أحد الاحتمالات في اُولي العزم، أعني من اُرسل إلى أزيد من اُمّة، راجع الميزان ج 12 ص 13 وسوف نحقق معنى هذه الكلمة على ضوء ما ورد في الذكر الحكيم في فصول هذا الكتاب.
2- الميزان ج 12 ص 13.


(73)

هل كانت

نبوّة نوح والكليم والمسيح

عالمية ؟

قد اتضح من هذا البحث الضافي أنّ رسالة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رسالة عالمية، فهو مبعوث إلى شرق الأرض وغربها.

غير أنّه اكمالاً للبحث نبحث عن نبوّة ورسالة الأنبياء الثلاثة، فهل كانت نبواتهم ورسالاتهم عالمية أم كانت تقتصر على أقوامهم، أو المناطق التي ظهروا فيها؟

ونبحث في المقام عما يفيده القرآن في هذا الموضوع مع غض النظر عمّـا يوجد في التوراة والانجيل وما يدعيه علما ء اليهود والنصارى لأنّ البحث في المقام قرآني ينظر إلى الموضوع من زاوية خاصة، فيقع الكلام في مقامات:

الأوّل: في عمومية نبوّة نوح وعدمها.

الثاني: في عمومية نبوّة الكليم وعدمها.

الثالث: في عمومية نبوّة المسيح وعدمها.

ويتضح ممّا ذكرنا حال رسالة الخليل ـ عليها السَّلام ـ أيضاً.

وليكن القارئ الكريم على ذكر من نكتة، وهي أنّ ما سنذكره من الآيات ونستدل بها لا يعدو عن كونها اشعارات واستظهارات ولا يمكن أن يستدل بكلّ واحدة منها على المقصود، نعم يمكن اعتبار مجموعها دليلاً مفيداً للاطمئنان.


(74)

على أنّ تلك الاشعارات إنّما تتم إذا لم يكن هناك دليل صريح على خلافها وإلاّ فتكون النسبة بين تلك الاشعارات وما يدل على خلافها من قبيل نسبة الأصل إلى الدليل الاجتهادي الحاكم بالاشتغال.

فيرتفع الأصل بموضوعه عند وجود الدليل الاجتهادي.

هل رسالة نوح كانت مختصّة بقومه؟

يمكن استظهار الاختصاص من قوله سبحانه: (إنّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قُوْمِهِ) (نوح ـ 1)، فهو يشعر باختصاص رسالته بقومه (1).

وأمّا صيرورة رسالته بعد الطوفان عالمية، لانحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك الناس، فإنّما هو لأمر عارض لا يضر بخصوصية رسالته.

أضف إلى ذلك أنّ قدر المسلم هو أنّ الطوفان لم يكن عالمياً بل خاصاً بمنطقة من الأرض التي كان يعيش فيها قومه، ويؤيد ذلك أنّه لا وجه لتعذيب غيرهم واهلاكهم بتكذيب قومه خاصة.

فانّ الظاهر من القرآن هو أنّ التعذيب كان لتكذيب قومه، قال سبحانه: (وَاُوحِيَ إلى نُوح أنّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلاّ مَنْ قَدْ ءَامَنَ فلا تَبْتَئِسَ بِمَـا كَانُوا يَفْعَلُونَ * واصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخـطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنّهم مُغرَقُونَ) (هود: 36 ـ 37) أضف إلى ذلك أنّ عمومية الرسالة تتطلب وجود امكانيات تمكن الرسول من إيصال نداء رسالته وصوت دعوته إلى جميع أنحاء العالم، وذلك لم يكن متوفراً في عهد نوح، كما سيوافيك بيانه مفصّلاً.

تحقيق وتنقيب:

انّ العلاّمة الطباطبائي (رضوان اللّه عليه) قد طرح مسألة عمومية نبوّة نوح ـ عليها السَّلام ـ


1- لاحظ الآيات 25 ـ 48 من سورة هود، ترى فيها اشعارات كثيرة باختصاص رسالته بقومه.


(75)

في الجزء العاشر من تفسيره القيم «الميزان» فقال:

المعروف عند الشيعة عموم رسالته ـ عليها السَّلام ـ وأمّا أهل السنّة فمنهم من قال بعموم رسالته مستنداً إلى ظاهر الآيات الناطقة لشمول الطوفان لأهل الأرض كلّهم كقوله سبحانه: (ربِّ لا تَذَرْ عَلى الأرضِ مِنَ الكَـفرِينَ ديَّاراً ) (نوح ـ 26)، وقوله تعالى: (لا عَاصِمَ اليْومَ مِن أَمْرِ اللّهِ إلاّ مَن رَحِمَ) (هود ـ 43) وقوله: (وجَعَلنَا ذُرِيَّتهُ هُمُ البَاقِينَ) (الصافات ـ 77).

وما ورد في الصحيح من حديث الشفاعة: أنّ نوحاً أوّل رسول أرسله اللّه إلى أهل الأرض، ولازم ذلك كونه مبعوثاً إليهم كافة.

ومنهم من أنكر ذلك مستنداً إلى ما ورد في الصحيح عن النبي: «وكان كلّ نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة».

وأجابوا عن الآيات بأنّها قابلة للتأويل فمن الجائز أن يكون المراد بالأرض هي التي كان يسكنها نوح وقومه، وهي وطنهم كقول فرعون لموسى وهارون : (وتَكُونَ لكُما الكِبرِيَاءُ فِـي الأَرضِ) (يونسـ78).

فمعنى الآية الاُولى: لا تذر على هذه الأرض من كافري قومي ديّاراً، وكذا المراد بالثانية: «لا عاصم اليوم لقومي من أمر اللّه» وكذا المراد بالثالثة: «وجعلنا ذريته هم الباقين» من قومه.

ثم انّه ـ قدّس اللّه سرّه ـ أفاد بأنّه لم يستوفوا حق الكلام في هذا البحث.. ثم اختار هو عمومية نبوّته ورسالته بتقديم مقدمة حاصلها:

أنّ الواجب في عناية اللّه أن يهدي الانسان إلى سعادة حياته وكمال وجوده على حد ما يهدي سائر الأنواع إليه، ولا يكفي في هدايته ما جهز به الإنسان من العقل البشري، بل لابد من طريق آخر لهدايته وسوقه إلى قمة الكمال وهو تعليم الإنسان شريعة الحق، ومنهج الكمال والسعادة، وهو طريق الوحي، وهو نوع تكليم إلهي يعلم الانسان ما يفوز بالعمل به، والاعتقاد به في حياته الدنيوية والاخروية فطريق النبوّة ممّا لا


(76)

مناص منه في تربية النوع البشري بالنظر إلى العناية الإلهية.

وإن شئت قلت: الواجب في عناية اللّه تزويد المجتمع الانساني بشريعة يأخذ بها في حياته الاجتماعية دون أن يخص بها قوماً ويترك الآخرين سدى لا عناية له بهم، ولازمه أن يكون أوّل شريعة نزلت على البشر شريعة عامّة، وقد أخبر اللّه سبحانه أنّ شريعة نوح هي أوّل شريعة نزلت على المجتمع البشري قال سبحانه: >>َشَرَعَ لكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً والّذِي أوْحَينَا إليكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إبرهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَّرقُوا فِيهِ) (الشورى ـ 13)، ومقام الامتنان يقتضي بأنّ الشرائع الإلهية المنزلة على البشر عبارة عمّـا جاء ذكرها في هذه الآية، وأوّل ما نزلت من الشرائع هي شريعة نوح، ولو لم تكن عامة للبشر، بل كانت خاصة بقومه لكان هناك أمّا نبي آخر، وشريعة اُخرى لغير قوم نوح والحال أنّه لم يذكر في هذه الآية ولا في موضع آخر من كلامه سبحانه.

وأمّا اهمال سائر الناس غير قومه في زمنه وبعده إلى حين (1).

ملاحظات في كلام العلاّمة الطباطبائي

وفيما ذكره ـ قدّس سرّه ـ ملاحظات نلفت نظر القارئ الكريم إليها:

أمّا أوّلاً: فإنّ ما ذكره من أنّه يجب في عناية اللّه تكميل الأنواع وأنّ الشريعة الإلهية تكمل النوع الانساني، وأنّ التشريع تكميل للتكوين ممّا لا كلام فيه، غير أنّ الكلام هو في قابلية سائر العناصر البشرية الاُخرى المعاصرة لنوح، الساكنة في مناطق اُخرى لتلقي الشريعة وأخذها والعمل بها، فإنّ من المحتمل أن لا تكون تلك العناصر والأفراد لبداوتها وبساطة شعورها وحياتها أهلاً لارسال الشريعة إليهم وعدم بلوغهم بعد إلى حد يستأهلون معه للتعليم الإلهي، فإنّ من البديهي أنّ البلوغ الجسماني وحده لا يكفي في تلقي الشريعة والعمل بها، بل يجب أن يكون معه مقدرة فكرية واستعداد نفسي يؤهّله لاستقبال الشريعة، والدخول في مدرسة الوحي الإلهي. فمثل بعض المجتمعات قبل أن


1- الميزان ج 10 ص 271 ـ 272.


(77)

تصل إلى هذه المرتبة مثل الطفل الناشىء لا يستأهل ولم يصبح صالحاً للدخول في المدرسة وتلقي التربية المدرسية.

وثانياً: فإنّ ما استفاده (رحمه اللّه) من الآية بـ «أنّ شريعة نوح أوّل شريعة نزلت إلى البشر» اشعار كسائر الاشعارات فمن المحتمل أن تكون هناك شريعة اُخرى نزلت قبل نوح ولكن لم تذكر لعدم بلوغها إلى مرتبة الشرائع المذكورة في هذه الآية.

وأمّا ثالثاً: انّ من الممكن أن يكون هناك شريعة في عرض شريعة نوح تختص بقوم آخر لكنّه لم يذكرها القرآن، كيف لا وأنّ القرآن صرّح بأنّه لم يستوعب قصص جميع الأنبياء حيث قال: (مِنهُم مَن قَصَصْنَا عَلَيكَ وَمِنْهُمْ مَن لَم نَقْصُصْ عَليكَ) (غافرـ78) وقال سبحانه: (ورُسُلاً قَدْ قَصَصْنَهُم عَلَيكَ مِن قَبلُ ورُسُلاً لَـمْ نَقْصُصْهُم عَلَيْكَ) (النساء ـ 164).

وفي الختام أنّ ما ذكرناه حول دعوة نوح كمثل ما نذكره حول الكليم والمسيح مجرد نظرية منبعثة من التدبّر في آيات الذكر الحكيم فمن المحتمل أن لا تكون صائبة، والعصمة للّه سبحانه ولرسوله والأئمّة الهداة.

ثم إنّه دام ظله رتب على مختاره في تعميم رسالة نوح أنّ الطوفان كان عاماً لجميع الأرض حيث قال: تبين الجواب عن السؤال: هل الطوفان كان عاماً لجميع الأرض فإنّ عموم دعوته يقضي بعموم العذاب.

ثم أيّده بما جاء في كلامه تعالى أنّه أمر نوحاً أن يحمل من كلّ زوجين اثنين ابقاء على الأنواع الحيوانية فلو كان الطوفان خاصاً بصقع من أصقاع الأرض وناحية من نواحيها كالعراق ـ كما قيل ـ لم تكن هناك أية حاجة إلى أن يحمل في السفينة من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين اثنين (1).

وقد تبيّـن ممّا ذكرناه من اختصاص دعوة نوح وعدم عموميتها عدم صحة ما اعتمدت عليه النظرية.


1- الميزان ج 10 ص 272 ـ 273.


(78)

وأمّا ما استشهد به فيمكن أن يكون للحفاظ على الحيوانات في منطقته إذ كان من العسير انتقال الحيوانات التي تعيش في مناطق اُخرى إلى قومه، واللّه سبحانه هو العالم.

هل كانت نبوّة الكليم عالمية؟

إنّ تنقيح الموضوع يتوقّف على البحث في مقامين:

الأوّل: في عموم دعوته إلى التوحيد.

الثاني: في عموم شريعته وشمول أحكامه.

ونعني من عموم دعوته في مسألة التوحيد أنّه كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل وغيرهم، في دعوتهم جميعاً إلى توحيده سبحانه وكسر كلّ صنم ووثن.

كما أنّه نعني من عموم شريعته شمول كلّ ما جاء به موسى في التوراة من الفروع والأحكام لبني إسرائيل وغيرهم (1) وعموم دعوته إلى التوحيد لا يلازم عموم شريعته، دون العكس (2) ولأجل ذلك جعلنا البحث في مقامين، فنقول:

المقام الأوّل: في عموم دعوته في أصل التوحيد ورفض الأوثان والأصنام كلّها.

الظاهر من الآيات الواردة حول دعوة الكليم، أنّه كان مبعوثاً إلى خصوص بني إسرائيل مثل قوله سبحانه:
(وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالبَيِّنَتِ ثمَّ اتَّـخذْتُمُ العِجْلَ من بَعْدِهِ وأَنتُم ظـلِمُونَ) (البقرة ـ 92).

وقوله سبحانه: (وإذْ قالَ مُوسَى لِقَومِهِ يقَومِ لِـمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أنّي رَسُولُ اللّهِ إليْكُمْ) (الصف ـ 5).


1- وللفرق بين المقامين يعبّر عن الأوّل بعموم الدعوة والنبوّة وعن الثاني بعموم الشريعة والرسالة فلاحظ.
2- لامكان انحصار دعوته بالنسبة إلى قوم في الاُصول ولا يمكن العكس إذ لا تصح الدعوة إلى الفروع منفكة عن الدعوة إلى الاُصول.


(79)

وهذه الآيات الكثيرة تشعر باختصاص دعوته بقوم موسى وإنّما قلنا «تشعر» لوضوح أنّ ارساله إلى قومه، لا يدل على عدم إرساله إلى غيرهم، فإنّ شعيباً كان مرسلاً من جانبه سبحانه إلى أهل مدين كما يدل عليه قوله تعالى: (وَإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَـقوم اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِنْ اله غَيْـرُهُ) (الأعرافـ85).

وفي الوقت نفسه كان مبعوثاً إلى أصحاب الايكة كما يدل عليه قوله سبحانه: (كَذَّبَ أَصْحَـبُ الأَيْكَةِ المرْسَلِينَ * إذْ قَالَ لَهمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ) (الشعراء176ـ177).

ولأجل ذلك قلنا انّ ما نستدل به لا يعدو عن كونه استظهارات واشعارات إذا توفرت تفيد الاطمئنان ولو كان هناك دليل صريح على عموم دعوته ونبوّته، لسقطت هذه الاستظهارات عن الاعتبار.

موقف دعوة الكليم من القبطيين

يمكن أن يقال: بأنّ دعوة موسى في مسألة التوحيد، كانت تعم بني اسرائيل والقبطيين.

وتستفاد عمومية دعوته إليهم أيضاً من بعض الآيات مثل قوله سبحانه: (حَقِيقٌ عَلى أن لا أقُولَ على اللّهِ إلاّ الحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيّنة مِن رَبِّكُمْ فَآرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْـرائيل) (الاعراف ـ 105).

وقوله سبحانه: (قَالُوا يـمُوسَى ادْعُ لنَاَ رَبَّكَ بِمَـا عَهِدَ عِندَكَ لَئن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ معكَ بَنِي إِسرءِيلَ) (الأعراف ـ 134).

وقوله سبحانه: (اذْهَبَا إَلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لعلّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَـخْشَى... فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رسُولاَ رَبِّكَ فأَِرسِْل مَعَنَا بَنِي إِسرءِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنكَ بِآيَة مِن ربِّك والسّلمُ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى) (طه: 43و 44 ـ 47).

وقوله سبحانه: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إنَّا رَسُولُ رَبِّ العـلَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا


(80)

بَنِي إِسرءِيلَ) (الشعراء: 16 ـ17).

وقوله سبحانه حكاية عن فرعون: (قَالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي اُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمجْنُونٌ) (الشعراء ـ 27).

وقوله سبحانه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بآيـتِنَا إلى فِرْعَوْنَ وَمَلاَيْهِ فَقَالَ إنِِّـي رَسُولُ رَبِّ العـلَمِينَ) (الزخرف ـ 46).

وقوله سبحانه: (إِنّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُم رَسُولاً شـهِداً عَلَيْكُمْ كَما أرْسَلْنَا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فأَخَذْنَـهُ أَخْذاً وَبِيلاً) (المزمل 15 ـ 16).

وقوله سبحانه: (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَـهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطـن مُبِين) (الذاريات ـ38).

وهذه الآيات وما يشابهها تفيد أنّ دعوته إلى عبادة اللّه والانخلاع عن عبادة الأوثان كانت تعم بني اسرائيل والقبطيين ولأجل ذلك ضرب مع رئيسهم فرعون موعداً لايخلفه هو ولا ذاك، فاتفقا على أن يكون موعدهم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى فلما ألقى موسى ما ألقى وتلقف ما صنعوا من الكيد والسحر، القي السحرة ساجدين قائلين بأنّهم آمنوا بربّ موسى وهارون (1).

هذا كلّه يفيد بوضوح شمول دعوته للقبطيين أيضاً وأنّه كان مأموراً من اللّه بدعوة فرعون وملائه إلى الايمان باللّه سبحانه وترك عبادة البشر والاستعلاء على عباد اللّه واستضعافهم، ويؤيده أنّه لمّا أدركه الغرق قال فرعون: (ءَامَنتُ أنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ الذِي ءَامَنَتْ بهِ بَنُواْ إِسرءِيل وأنَا مِنَ المسْلِمِينَ) (يونس ـ 90) ولم يك ينفع إيمانه ذلك الوقت ولأجله خاطبه سبحانه بقوله: (الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المُفسِدِينَ) (يونسـ91).

ومع ذلك كلّه ففي النفس من شمول دعوته ـ حتى بهذا المعنى للقبطيين، شيء.

أمّا أوّلاً: فلأنّه يحتمل أنّه كان نبيّاً ورسولاً إلى اُمّة بني اسرائيل فقط ليخلصهم


1- راجع سورة طه الآيات 42 ـ 70.


(81)

وينجيهم من فرعون وأعوانه، غير أنّ انجائهم من أيديهم لمّا كان متوقفاً على اثبات نبوّته وأنّه مأمور من جانب اللّه سبحانه، أخذ يحاور فرعون ويرضيه بانجاء بني اسرائيل، ولو كان إنجاؤهم غير موقوف على هذه المحاورات لما تحمّل هذه المشاق ويؤيده أنّه سبحانه بعدما قال:
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ في الأرْضِ وجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبناءَهُم وَيَسِتَحْيِ نِساءَهُمْ إنّهُ كان َمِنَ المفْسِدِينَ) (القصص ـ 4) عقبها بقوله: (ونُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَـى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمّةً ونَجْعَلَهُمُ الورِثِينَ) (القصص ـ 5).

وظاهره يفيد أنّ الغاية من بعث موسى إلى فرعون هو اطلاق سراح المستضعفين من بني اسرائيل في الأرض.

وإن شئت قلت: أنّ محاورته مع فرعون وقيامه ضده وضد ملائه وعرض بيّناته واحتجاجاته عليهم، كانت مقدمة لانقاذ بني إسرائيل وإرجاعهم إلى الأرض المقدسة ولو كان المطلوب حاصلاً بلا مشاجرة ونزاع معهم لما نهض بين يديه محتجاً بآياته وبيّناته؟

وثانياً: انّه كلّما حاور مع فرعون واحتج عليه بأنّه رسول ربّ العالمين عقب كلامه بقوله: فارسل معي بني اسرائيل حيث قال سبحانه: (قَدْ جِئتكُم ِبَيِّنَة مِن رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْـرءِيل) (الأعرافـ105) وقال سبحانه: (فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسرءِيل ولا تُعَذِّبْـهُم) (طهـ47).

والظاهر من الآيتين أنّ الهدف الأقصى من بعث موسى هو انقاذ بني اسرائيل غير أنّه لما كان متوقّفاً على المحاورة مع فرعون واثبات أنّه رسول من اللّه سبحانه كلمه بأنّي رسول ربّك ويقرب ذلك أنّه سبحانه لما آخذ آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات وأوقع عليهم الرجز جعلوا جزاء موسى ـ إذا استجيبت دعوته ـ أنّهم يؤمنون به ويرسلون معه بني اسرائيل كما حكى اللّه سبحانه عنهم: (قَالُوا يمُوسى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ


(82)

بِمَـا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لنُؤمِنَنَّ لَكَ ولنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْـرءِيل) (الاعراف ـ134).

وعلى ذلك فالمراد من إيمانهم بموسى، إيمانهم بأنّه مبعوث من اللّه سبحانه لهداية بني اسرائيل وانقاذهم من العذاب، لا إيمانهم بأنّه نبي بعث إلى القبطيين وبني اسرائيل جميعاً كما هو المدّعى.

ولقائل أن يقول: إنّه إذا لم يكن مبعوثاً إلى فرعون وملائه فلماذا أمر اللّه سبحانه موسى وأخاه هارون بقوله: (فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لعلّه يَتَذَكَّرُ أوْ يخْشَـى) (طه ـ 44) وقوله: (اذْهَبْ إلَـى فِرْعَوْنَ إِنَّه طَغَى* فقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزكَّى * وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشَى) (النازعات: 17ـ 19).

وتمكن الاجابة عنه بأنّ الذهاب إليه وتذكيره وتحذيره لأجل أن يعلم فرعون بأنّ موسى مبعوث من جانبه سبحانه لإنقاذ قومه حتى يرسل معه بني اسرائيل، كما يفيده ذيل الآيات: (فأتِيَاهُ فقُولا إِنّا رسولا ربّكَ فأَرسِل مَعَنَا بَنِي إسرءِيل ولا تُعَذِّبهُم) ، لاحظ سورة طه الآيات 43 ـ 47، خصوصاً بالنظر إلى ما فرع على قوله: ( إنَّا رسولا رَبِّكَ)، قوله: (فأَرسِل مَعَنَا بَنِي إسرءِيل).

ويؤيد ذلك أيضاً أنّه لمّا لم ينجح النبي موسى في انقاذ قومه من سلطان فرعون وعساكره، أراد سبحانه أن ينجيهم بأسباب غير عادية كما قال سبحانه: (ولَقَدْ أَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ أَسْـرِ بِعِبادِي فَاضْـرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً في البَحْرِ يَبَساً لا تَخفُ دَرَكاً ولاَ تَخْشَـى)(طه ـ 77).

وقوله: (وجـوَزْنَا بِبَنِي إِسْـرءِيل البَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْم يَعْكُفُونَ علَىَ أصنَام لَـهُم) (الأعراف ـ 138).

وقوله سبحانه: (وجـوَزْنَا بِبَنِي إِسْـرءِيل البَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْياً وَعدْواً) (يونسـ90).

وقوله سبحانه: (فَأَسْـرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ * واتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً إنَّـهُمْ


(83)

جُندٌ مُغْرَقُونَ) (الدخان23ـ24).

وذلك يدلّ على أنّ الغاية من الرسالة هو انقاذ بني اسرائيل فقط لا ارشاد فرعون وملائه.

ثالثاً: انّ قوله سبحانه: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ (1) رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالبِّينتِ فَما كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ على قُلُوبِ المعْتَدِينَ * ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُوسى وهرونَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإيْهِ بآيتِنا فَاْسْتَكْبَـرُوا وكَانُوا قَوْماً مـُجْرِمِين) (يونس74ـ 75).

يفيد أنّ رسالة الأنبياء الذين تتراوح دعوتهم بين نوح وموسى بشهادة قوله: (بعثنا من بعده (أي نوح) رسلاً إلى قومه) كانت مختصة بقومهم حتى إبراهيم كما أنّ دعوة موسى كانت مختصة بقومه لا تعدوهم إلى فرعون أيضاً وملائه وعلى ذلك تصير دعوة كلّ من نوح وإبراهيم وموسى غير عالمية لا تتعدى دعوة موسى بني اسرائيل أو القبطيين.

موقف دعوة الكليم من غير القبطيين

الظاهر أنّه لم تكن دعوته شاملة لغيرهم لو فرضنا شمولها لهم ويشعر بذلك أنّهم لما نجّاهم سبحانه من فرعون وجاوز بهم البحر فرأوا في ذلك الجانب، من ضفة البحر قوماً يعكفون على أصنام فطلب منه قومه أن يجعل لهم الهاً كما لهم آلهة فرد عليهم موسى بأنّكم قوم تجهلون (2) ولم يتعرض موسى لعبدة الأصنام (3) لا بالنقد والرد ولا بالمنع ولم يكن خضوعهم للأصنام أقل ضرراً من عبادة قوم فرعون له وإنّما تعرض لعمل فرعون دون عمل هذه الجماعة لأجل أنّ انقاذ بني اسرائيل من مخالب فرعون وقومه كان متوقفاً على المحاورة معه والاحتجاج عليه بأنّه رسول ربّ العالمين، دون المقام، فانّ العاكفين


1- والضمير في قوله «من بعده» يرجع إلى نوح.
2- راجع الآية 138 من سورة الأعراف.
3- بحكم سكوت القرآن عن ذلك وإن كان السكوت لا يكون دليلاً على عدم التعرض لكنه مشعر بذلك.


(84)

على الأصنام في ضفة البحر لم يكونوا مزاحمين لموسى وقومه ولذلك تركهم وشأنهم، ولم ينكر عليهم بحكم سكوت القرآن وعدم اظهار أي ردة فعل بالنسبة إليهم. وهذا يؤيد ما استظهرناه من عدم عمومية دعوته للقبطيين أيضاً.

نعم ما نذكره من السكوت اشعار بالمدّعى لا أنّه دليل قطعي.

ويؤيد خصوصية الدعوة أنّه لم يعهد منه بعد انجاء قومه من فرعون، أنّه دعا أقواماً آخرين، بل لما عبر موسى بهم البحر وهلك فرعون، أمرهم اللّه بدخول الأرض المقدسة، فلمّـا نزلوا على نهر الأردن خافوا من الدخول فيها كما حكى اللّه سبحانه عن موسى قائلاً: (يقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المقَدَّسَةَ الِتي كَتَبَ اللّهُ لَكُم وَلا تَرتَدّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خسِرِينَ *قَالُوا يمُوسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبّارِينَ وإِنَّا لَن نَدْخُلَها حَتّى يَـخْرُجُوا مِنهَا فإِن يَـخْرُجُوا مِنْها فإِنّا دخِلون) (المائدة : 21 ـ 22).

فأوحى اللّه إليه أنّهم يتيهون في الأرض أربعين سنة فبقوا في التيه أربعين سنة وكان ينزل عليهم المن والسلوى ومات النقباء غير يوشع بن نون ومات أكثرهم ونشأ ذراريهم وتوفّي موسى وهارون في التيه، توفّي هارون قبل موسى بسنة وقد فتحها يوشع بعد موت موسى، وقيل فتحها موسى وكان يوشع في مقدمته(1).

ولم يرد في القرآن شيء يستشم منه أنّه دعا الاُمم الاُُخرى طول حياته في التيه، بل كان يعاشر قومه فقط ويرشدهم حسب استعدادهم وامكاناتهم.

أضف إلى ذلك فقدان الامكانيات وضعف المواصلات في تلكم الأيام، فتشريع نبوّة عامة تشمل العالم أجمع مع فقدان الامكانيات اللازمة وقلّة الترابط بين الاُمم أمر غير مفيد.

مضافاً إلى أنّ تشريع النبوّة على صعيد عالمي فرع التهيّؤ في روح المجتمع الانساني لقبولها، فانّ الناس كانوا عصابات وأقواماً متنافرة يتعصّب كل منهم تجاه الآخر


1- مجمع البيان ج 2 ص 179.


(85)

ولا ينزل واحد منهم على حكم الآخر ولا لنبي من قوم آخر، فالطريق الأصلح لهذا هو بعث الأنبياء في داخل الاُمم كما قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ اُمّة رسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهُ واجتَنِبُوا الطـغُوتَ) (النحل ـ 36) (1).

أضف إلى ذلك أنّ الاُمم اليهودية يخصون نبوّة موسى بأنفسهم ولذا لا ترى منهم التبليغ والتبشير في مجتمعات العالم (2).

ومع هذه الوجوه كيف يمكن القول بعمومية دعوته وعالميتها في عصره إلى أن يبعث اللّه نبياً مثله.

وترشدك إلى ما ذكرناه، قصة موسى مع من آتاه اللّه الرحمة وعلّمه من لدنه علماً وقال سبحانه: (فَوَجَدَا عَبْداً من عِبَادِنا آتَيْناهُ رحَمـْةً مِنْ عِندِنَا وعَلَّمَنهُ مِن لدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتّبِعُكَ عَلى أَن تُعَلِّمَنِ ممّا عُلِّمْتَ رُشْداً) (الكهف 65 ـ 66) (3).

ووصفه بما ورد في الآية من الأوصاف يدل على كونه ولياً من أوليائه بل نبياً مثله ـ ومع ذلك ـ كيف تكون نبوّة موسى عالمية مع عدم شمول نبوّتها لمصاحبه ولا لاُمّته إذا فرضنا للمصاحب اُمّة وليس من البعيد أن يكون ذلك المصاحب العائش في زمن موسى مثل لوط المعاصر لإبراهيم وكلّ مبعوث إلى اُمّة دون اُمّة، وتعاصر النبيين يكشف عن ضيق نطاق نبوّتهم وعدم شمول احدى النبوّتين، بما تشمله الاُخرى.

قال سبحانه: (وَلَـمَّـا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبرهِيمَ بِالبُشْـرَى قَالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ


1- نعم ذابت هذه التعصّبات القومية في المجتمع الانساني إلى حد استعد مزاج الانسانية لبعث نبي عالمي وكمل استعدادهم لقبول النداء العالمي ولأجل ذلك لم يمض ربع قرن إلاّ وقد ضرب الإسلام بجرانه في شرق الأرض وغربها.
2- وإن كان قول اليهود وفعلهم ليسا بحجة فإنّهم خصّوا اللّه سبحانه بأنّه اله شعبهم فما ظنّك بهم في رسالة موسى ـ عليها السَّلام ـ .
3- واحتمال أنّه كان من اُُمّة موسى ولكن اللّه جعل عنده علماً خاصاً لم يؤته موسى فصار موسى مأموراً بالتعلّم منه، رجم بالغيب وموجب لزيادة الفرع على الأصل واعلمية بعض الاُمّة من نبيّها مع أنّ سياق الآيات لا يناسب ذلك الاحتمال.


(86)

القَرْيَةِ إِنّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَـلِمِين * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِيّنَّهُ وأهْلَهُ إلاّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَـبِـرِينَ) (العنكبوت 31ـ32).

المقام الثاني في عموم شريعته (1):

هل كانت الشريعة التي أتى بها موسى في الألواح التي يصفها اللّه سبحانه بقوله: (وكَتَبنَا لَهُ في الألْوَاحِ مِن كُلِّ شَـيْء مَوْعِظَةً وَتْفِصيلاً لِكُلِّ شَـيْء) (الأعراف ـ 145).

مختصة بقومه أم تعم غيرهم؟ ظاهر بعض الآيات، يفيد كون كتابه حجة على الناس كلهم حيث وصفه بكونه، هدى ونوراً للناس وقال: (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتبَ الذِي جاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وهُدىً للناسِ) (الأنعام ـ 91).

وقوله سبحانه: (ولَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى وهرُونَ الفُرْقَانَ وضِياءً وذِكْراً للمُتّقِين) (الأنبياء ـ 48).

فإذن هو ضياء وذكر للمتقين سواء أكانوا من بني إسرائيل أم غيرهم وقوله سبحانه: (قَالُوا يقَوْمَنَا إِنّا سَمِعْنَا كِتباً اُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيْهِ يَـهْدِي إلى الحقِّ وإلى طريق مُستَقِيم) (الاحقاف ـ 30).

فإنّ وزان الآية، وزان قوله سبحانه: (فَقَالُوا إنّا سَمِعْنَا قُرْءاناً َعَجَباً * يَـهْدِي إلى الرشْدِ فآمنّا بِهِ ولَن نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) (الجن 1ـ2).

فإنّ وصف الجن للقرآن بأنّه نزل من بعد كتاب موسى مع كون القرآن ومن جاء به مبعوثين إلى الانس والجن، يشعر بكون كتاب موسى مثله أيضاً نزلا إلى كلّ من الفريقين، فكيف تجتمع خصوصية رسالته مع كون كتابه دليلاً وحجة على الكلّ؟


1- البحث عن عموم شريعته، فرع ثبوت سعة دعوته في مسألة عبادة اللّه وخلع عبادة الأوثان وقد عرفت عدم ثبوتها، فالبحث عن عموم شريعته مبني على ثبوت عموم دعوته في جانب الاُصول.


(87)

ويمكن الاجابة عن الاستدلال بهذه الآيات أوّلاً: بأنّ كون الكتاب نوراً وهدى للناس، لا يفيد تعميم شريعة موسى وأحكامه لغير بني اسرائيل، إذ من الممكن أن يستفيد الغير مما ورد في ذلك الكتاب من عظات وحكم وإن لم يكن تابعاً لأحكام ذلك الكتاب. فنحن المسلمون، نستفيد في هذا اليوم مما في التوراة والانجيل من المواعظ ولسنا تابعين لشريعة من انزلا إليه.

فبذلك يظهر الجواب عن الاستدلال بقوله سبحانه: (ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى وهـرُونَ الفُرْقَانَ وضِيَاءً وذِكْراً للمُتَّقِينَ) (الأنبياء ـ 48).

وثانياً: انّ الظاهر من بعض الآيات اختصاص كتاب موسى بقومه مثل قوله تعالى: (وءاتَيْنَا مُوسَى الكِتابَ وجَعَلنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسرءِيلَ) (الإسراء ـ2) وقوله سبحانه: (ولَقَدْ ءاتَيْنا مُوسَى الهدَى وأَوْرَثْنَا بَنِي إِسرءِيلَ الكِتبَ) (غافر ـ 53).

فلو كان كتابه حجة على الناس كلّهم لورثه الناس كلّهم دون بني اسرائيل وحدهم (1).

وقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا على بَنِي إِسرءِيلَ أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد في الأَرْضِ فَكَأَنَّما َقَتَل الناسَ جَمِيعاً) (المائدة ـ 32).

وقد كتبه سبحانه عليهم في التوراة.

وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسرائيلَ الكِتـَب والحُكْمَ والنبُّبوَّةَ) (الجاثية ـ 16).

وإن أردت أن تتوسع في البحث فلاحظ الآيات التالية فانّها تخص بني إسرائيل


1- نعم يمكن أن يقال: انّ تخصيص بني اسرائيل بأنّهم الوارثون لكتاب موسى لأجل أنّ بني اسرائيل وأنبياءهم، هم القائمون بأمر الكتاب وحفظه دون سائر الناس، فلأجل ذلك خصهم بالميراث، وإن كانت الشريعة عامة.
وهذا نظير قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (فاطر ـ 32) فورّث الكتاب العباد المصطفون وإن كانت الشريعة عامة، على أنّه يحتمل أن يكون المراد بالكتاب، هو الوعد الذي وعده اللّه لإبراهيم وموسى بأن يدخلهم الأرض التي كتبها اللّه لهم.


(88)

بأنّهم هم الذين اُوتوا الكتاب، فإنّ كونهم ممّن اُوتوا الكتاب وإن كان لا يعارض كون غيرهم كذلك، إلاّ أنّ تكرار توصيفهم بأنّهم، هم الذين اُوتوا الكتاب يوجب ظهورها في نفيه عن غيرهم (1) مثل: قوله سبحانه: (الذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتـبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ) (البقرة ـ 121).

وقوله سبحانه: (وإِنَّ الذِينَ اُوتُوا الكِـتَـبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن ربِّـهِمْ) (البقرة ـ 144).

وقوله سبحانه: (الذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتـبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا َيْعِرُفوِن أَبنَاءَهُمُ) (الأنعامـ20).

وقوله سبحانه: (الذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتـبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ) (القصصـ52).

وقوله سبحانه: (والذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتـبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِِّ) (الأنعام ـ 114).

وقوله سبحانه: (والذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتـبَ يَفْرَحُونَ بِمَا اُنزِلَ إِلَيْكَ) (الرعد ـ 36).

وقوله سبحانه: (فالذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتـبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) (العنكبوت ـ 47).

وقوله سبحانه حكاية عن المشركين بأنّه نزل الكتاب على الطائفتين المسيحية واليهودية ولم ينزل علينا: (أَن تَقُولُوا إِنَّما أُنزِلَ الكِتـبُ على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وإن كُنّا عن دِراسَتِهِم لغَافِلينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنزِل عَلَيْنا الكِتـبُ لَكُنّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِن ربِّكم وَهُدًى وَرَحْـمَـةٌ) (الأنعام 156 ـ 157).

فبهذه الآيات وما تقدمها يمكن تفسير ما تقدمها من الآيات المفيدة المشعرة بكون التوراة نازلة إلى الناس كلّهم بحمل ما دلّ على سعة التشريع، على الاستغراق


1- اللّهمّ إلاّ أن يحمل التأكيد بأنّهم هم الذين اُوتوا الكتاب على كون الكتاب نزل على بني اسرائيل وليس معناه أنّه لا يجوز لغيرهم العمل به.


(89)

العرفي، دون العقلي، فيراد من قوله سبحانه: نوراً وهدى للناس، أو ضياء وذكراً للمتقين، الكتلة المتماسكة من بني اسرائيل.

نعم، يمكن أن يقال بعكس ذلك، فيقال: انّ تخصيص بني اسرائيل بالذكر لأجل أنّ التوراة كانت هدى لبني إسرائيل قبل أن تكون لغيرهم بشهادة بعث موسى فيهم وتولّده ونشوئه بينهم ولأجل ذلك خص اللّه ذلك القوم بالذكر وقال: (وجَعَلْناهُ هُدًى ِلَبِني إِسرائيلَ) (الإسراء ـ 2).

ولمّا مات وترك بينهم ذلك الكتاب الكريم، كانت تلك الطائفة أولى بميراث نبيّهم ولأجل ذلك قال: (وأَوْرَثنا بَنِي إِسرائيلَ الكِتـبَ) (غافر ـ 53).

ولكن يؤيد الحمل الأول، أعني كون الاستغراق عرفياً لا عقلياً، قوله سبحانه: (وكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النفْسَ بالنفْسِ والعَيْـنَ بالعَيْـنَ والأنفِ بالأنفِ) (المائدة ـ 45) وقد كتب اللّه لهم هذا الحكم في التوراة وتقييد الكتابة بلفظ (عليهم) يؤيد كون الكتاب نازلاً لهدايتهم خاصة.

ويؤيد الحمل الثاني قوله سبحانه: (إنّا أَنزَلْنَا التوراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَـحْكُمُ بِها النبِيُّونَ الذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والربَّانِيُّونَ والأحْبَارُ بِما استُحْفِظُوا مِن ِكتابِ اللّهِ وكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ) (المائدةـ44).

فظاهر الآية أنّ التوراة كانت محكمة بعد موسى عبر القرون يحكم بها النبيون فالآية تفيد سعة نطاق كتابه وشريعته.

ومع ذلك كلّه فالامعان في الآية لا يفيد إلاّ كون الكتاب حجة لبني اسرائيل ومحكماً عليهم والأنبياء الذين كانوا يحكمون به كانوا من بني اسرائيل لا من غيرهم ولقد بعثوا لهدايتهم وذلك لأنّ اللّه يقول: (ويحكم بها النبيّون للذين هادوا) (لا لغيرهم) الذي هو المطلوب.

هذا ما بلغ إليه فهمنا القاصر من التدبّر في آيات الذكر الحكيم ولما كانت في المقام أسئلة حول المختار عقدنا لها الفصل التالي.


(90)

أسئلة وأجوبة

السؤال الأوّل:

ربّما يستدل على كون دعوة نوح والخليل والكليم والمسيح عالمية بقوله سبحانه: (شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى ِبِه ُنوحاً والذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبرهِيمَ ومُوسَى وعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيه)(الشورى ـ 13) ويستند في كيفية الاستدلال إلى ما أفاده العلاّمة الطباطبائي حيث قال:

يستفاد من الآية اُمور:

أحدها: انّ السياق بما أنّه يفيد الامتنان وخاصة بالنظر إلى ذيل الآية، والآية التالية يعطي أنّ الشريعة المحمدية جامعة للشرائع الماضية ولا ينافيه قوله تعالى: (لِكُلّ َجَعْلَنا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً) (المائدة ـ 48) لأنّ كون الشريعة شريعة خاصة لا ينافي جامعيتها.

الثاني: انّ الشرائع الإلهية المنتسبة إلى الوحي إنّما هي شريعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ لو كان هناك غيرها لذكر قضاء لحق الجامعية المذكورة.

ولازم ذلك أوّلاً: انّ لا شريعة قبل نوح ـ عليها السَّلام ـ بمعنى القوانين الحاكمة في المجتمع الانساني الرافعة للاختلافات الاجتماعية، وقد تقدم نبذة من الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: (كانَ الناسُ اُمّةً واحِدةً فَبَعَثَ اللّهُ النِبِّيينَ) (البقرة ـ 213).

وثانياً: انّ الأنبياء المبعوثين بعد نوح كانوا على شريعته إلى بعثة إبراهيم وبعدها على شريعة إبراهيم إلى بعثة موسى وهكذا.


(91)

الثالث: انّ الأنبياء أصحاب الشرائع واُولي العزم هم هؤلاء الخمسة المذكورين في الآية إذ لو كان معهم غيرهم لذكر فهؤلاء سادة الأنبياء ويدل على تقدمهم أيضاً قوله: (وإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيّينَ مِيثَاقَهُمْ ومِنكَ وَمِن نُوح وإِبرهِيمَ ومُوسَى وعيسى ابْنِ مَرْيمَ وأخَذْنا مِنْهُم مِيثاقاً غَلِيظاً) (الأحزاب ـ 7) (1).

الجواب:

انّ ما ذكره (رضوان اللّه عليه) وإن كان صحيحاً لكنّه لا يدل على عمومية نبوّة هؤلاء الأربعة ومنشأ الاشتباه (في الاستدلال بالآية وأضرابها على عمومية الدعوة) هو الخلط بين عمومية دعوتهم وتداول شريعتهم بعدهم، فقد جرت سنّة اللّه على بعث أنبياء غير صاحبي شريعة في المناطق التي بعث فيها نفس أصحاب الشرائع وهؤلاء المبعوثون كانوا يحملون النبوّة والوحي، ويتشرّفون بالبيّنات والمعجزات من دون أن تكون لهم شريعة مستقلة، بل كانوا تابعين لإحدى الشرائع الأربع المتقدمة أو المتعاصرة وناشرين لها، وكانت نبوّتهم مختصة بقومهم ومنطقتهم غير أنّ ظهور كل واحد منهم من منطقة من المناطق، كان دليلاً على انتهاء نبوّة النبي صاحب الشريعة عند بعث النبي اللاحق، بل كان دليلاً على عدم سعتها من بدء الأمر، كما إذا كان النبي المروّج معاصراً للنبي صاحب الشريعة مثل لوط بالنسبة لإبراهيم ـ عليها السَّلام ـ .

وهذا، هو القرآن يحكي عن أنبياء مروّجين معاصرين لصاحب الشريعة أو تالين له، آخذين بشريعته.

فقد بعث اللّه هوداً إلى عاد بشريعة مثل شريعة نوح التي كانت بسيطة غاية البساطة، كما بعث صالحاً إلى ثمود، بمثل ما بعث به هوداً.

وقد بعث اللّه لوطاً إلى قومه، دون أن تكون له شريعة بل كان يتبع شريعة إبراهيم وكانا يعيشان في عصر واحد، كما بعث شعيباً إلى أصحاب مدين والايكة، فأهلك


1- الميزان ج 18 ص 28.


(92)

مدين بصيحة جبرئيل، والايكة بعذاب يوم الظلة ولم تكن له شريعة مستقلة، بل كان يتّبع شريعة الخليل ويروّجها وينشرها.

وقد بعث اللّه يونس إلى مائة ألف أو يزيدون وكان يعمل بشريعة موسى، وهكذا حكم سائر الأنبياء المبعوثين في الآونة بعد الآونة، في ثنايا أزمنة أصحاب الشرائع.

فهؤلاء الأنبياء المروّجون لم يكونوا من علماء الاُمّة حتى يكونوا مشمولين لدعوة أصحاب الشرائع، بل كانوا ذوي دعوة وارشاد، ووحي واعجاز، خارجين عن دعوة من تقدمهم، داعين إلى أنفسهم ونبوّتهم وإن كانوا آخذين بشريعته وكانت الاُمّة التي بعث هؤلاء إليهم مكلّفة بتلبية نداء هذا النبي الجديد، والاقتداء بهداه والاتباع لقوله وفعله وهذا دليل على انقطاع نبوّة النبي السالف ورسالته أو عدم سعته من أوّل الأمر كما إذا كانا متعاصرين مثل لوط وإبراهيم.

نعم، لم تكن هذه الجماعة كنفس أصحاب الشرائع أيضاً، أنبياء عالميين بعثوا لهداية من في الشرق والغرب، بل كانوا أنبياء محليين (1) مبعوثين إلى أقوامهم ومناطقهم المستعدة للبعث كنفس أصحاب الشرائع.

فثبت بذلك أنّ نبوّة مثل موسى كانت محدودة بأمرين:

الأوّل: انّ نبوّته كانت اقليمية لا عالمية.

الثاني: انّ نبوّته كانت منقطعة، ببعث نبي بعده، وإن لم يكن صاحب شريعة، بل مروّجاً وتابعاً لشريعته، وبقاء الشريعة، غير عمومية النبوّة.

نعم، النبوّة بمعنى الصفات الحاصلة للنبي مثل علمه، لا ترتفع بموته، لبقاء روحه المقدسة ونفسه الكريمة ، والنبوّة بهذا المعنى لا ترتفع إلى الأبد، بل المراد ما تستتبعه هذه الصفات من كونه قائداً رسمياً من جانب اللّه سبحانه، يجب على الناس الانتماء والانتساب إليه، بحيث يعد الانسان من تابعيه واقعاً، وهذا المعنى أمر قابل


1- سيوافيك توضيحه عند الاجابة عن السؤال الثاني.


(93)

للارتفاع بعدظهور النبي اللاحق وإن كانت الشريعة باقية.

على أنّ الظاهر من بعض الآيات، تخصيص كلّ نبي لاحق وإن كان تابعاً لشريعة من قبله، بشيء من الحكم، لم يكن موجوداً في شريعة من قبله، فلم يكن وزانهم وزان العلماء بحيث لا يزيدون ولا ينقصون، بل كان لهم بعض الخصائص من الأحكام والتعاليم، كما يفيده قوله سبحانه:

(قُلْ آمنّا باللّهِ وَمَا اُنزِلَ عَلَيْنا وَمَا اُنزِلَ عَلَـى إِبرهِيم وإِسمعِيل وإِسحَـقَ وَيَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ وَمَا اُوتِـيَ مُوسَى وَعِيسَى والنَّبِيُّونَ مِن رَّبِـّهمْ لا نُفَرِّقُ بَيْـنَ أَحَد مِنْهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (آل عمران ـ 84).

فظهور الآية في استقلالهم بالنبوّة واختصاص كلّ واحد بشيء من الوحي، ممّا لا ينكر؟

نعم كون شريعة نوح محدودة ببعث إبراهيم أو كون شريعة الأخير محدودة ببعث موسى ـ عليهم السَّلام ـ لاينافي كون الاُمّة المحمدية مأمورة باتباع ملّة إبراهيم لا لأجل بقاء نبوّته أو شريعته بل لأجل وحدة الشريعتين في الجوهر والاُصول التي أهمّها التوحيد ورفض الأوثان والأصنام، قال سبحانه: (إِنّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبرهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبعُوهُ وهَذَا النَّبِيُّ والّذِينَ آمَنُوا واللّهُ وَلِـيُّ المؤْمِنِينَ) (آل عمران ـ 68).

وقوله: (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبرهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَان َمِنَ المشْـرِكِينَ) (آل عمران ـ 95).

إلى غير ذلك ممّا ورد من الأمر بالاتباع لملّة إبراهيم، وهذا لا يدل على بقاء الشريعة، بل لما كان إبراهيم، هو البطل الوحيد في كسر شوكة الأصنام وتحطيم انوف المشركين وعبدة الأوثان وقد بعث النبي الأعظم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بنفس ما بعث به إبراهيم، أمر سبحانه بالاتباع لملّته وطريقته قال: (مِلَّةِ أَبِيكُمْ إِبرهِيمَ هُوَ سَمَّـاكُمُ المسلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (الحج ـ 78).

ولأجل هذه الملاحظة، يقول يوسف لصاحبيه في السجن: (واتَّبعْتُ مِلَّةَ آبائي إِبرهِيمَ وإِسحقَ ويَعْقُوبَ)(يوسف ـ 38).


(94)

وما هذا إلاّ بقاء جوهر الدين في الشرائع السماوية كلّها فالاُمّة المسلمة كانت خليلية إلى أن صارت موسوية، فعيسوية فمحمدية على المعنى الذي عرفته.

السؤال الثاني:

لو كانت نبوّة موسى والمسيح اقليمية فماذا يعني الحديث التالي، وإلى ماذا يشير:

«إنّما سمّي اُولوا العزم، لأنّهم كانوا أصحاب العزائم والشرائع وذلك أنّ كل نبي كان بعد نوح، كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه، إلى زمن إبراهيم الخليل وكلّ نبي كان في أيام إبراهيم الخليل وبعده، كان على شريعة إبراهيم ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن موسى ـ عليها السَّلام ـ وكلّ نبي كان في زمن موسى وبعده، كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن عيسى ـ عليها السَّلام ـ وكلّ نبي كان في أيام عيسى وبعده، كان على منهاج عيسى وشريعته وتابعاً لكتابه إلى زمن نبينا محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فهؤلاء الخمسة اُولوا العزم وهم أفضل الأنبياء والرسل وشريعة محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا تنسخ إلى يوم القيامة ولا نبي بعده»(1).

الجواب المستفاد من الحديث أمران:

الأوّل: الحديث يدلّ بصراحة على وجود أنبياء في زمن هؤلاء الأربعة وهذا أقوى شاهد على عدم كون نبوّتهم عالمية، إذ لا وجه لبعث نبيين إلى اُمّة واحدة ولم يثبت الاشتراك في النبوّة إلاّ في موسى لقوله سبحانه: (وَأَشرِكْهُ فِـي أَمْرِي) (طه ـ 32).

وقوله سبحانه: (فأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِقُنِي) (القصص ـ 34).

الثاني: إنّ الأنبياء المبعوثين في زمنهم أو بعدهم، كانوا متمسكين بشرائع هؤلاء الأربعة وكانت شريعتهم متداولة بينهم.

والثابت تداول شريعتهم في المناطق التي بعث فيها هؤلاء ولعلّ تداول شريعتهم بين الاُمم السالفة، من دون تبديل، صار سبباً لتوهّم كون نبوّتهم عالمية لا اقليمية. ولكنّه لم يثبت تداول شريعتهم بين اُمم الأرض جميعاً وإنّما القدر المتيقّن تداولها في


1- بحار الأنوار ج 15 ص 145، ورواه الكافي في باب الشرائع ج2 ص 17 بأدنى اختلاف.


(95)

الشرق الأوسط وما ضاهاه لا أقطار الأرض جميعاً، نعم دلّت الآيات القرآنية على أنّه لم تخل أرض معمورة من نبي أو نذير قال سبحانه: ( وإن مِن اُمّة إِلاّ خَلاَ فِيها نَذِيرٌ) (فاطر ـ 24).

وقال سبحانه: (ولَقَدْ بَعَثْنا فِـي كُلِّ اُمّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ واجتَنِبُوا الطّاغُوتَ) (النحل ـ 36).

وقال سبحانه: (إِنَّمَـا أَنتَ مُنذِرٌ ولِكُلِّ قَوْم هَاد) (الرعد ـ7).

وهذه الآيات وما يشابهها تدل على شمول فيض النبوّة لأقطار الأرض واُممها وأنّه لم تخل اُمّة من تلك النعمة الإلهية ويؤيد ذلك ما عن أمير المؤمنين: اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة، أمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلاّ تبطل حجج اللّه وبيّناته (1).

وعند ذلك يتوجّه السؤال التالي:

السؤال الثالث:

لو كانت نبوّة هؤلاء الأربعة اقليمية وشريعتهم متداولة في الشرق الأوسط، فمن الذي بعثه اللّه إلى هؤلاء الاُمم المبعثرة في أقطار الأرض وأرجائها ومن هم حجج اللّه وبيّناته بين ظهرانيهم؟

الجواب: انّ القرآن لم يقصص قصص الأنبياء عامة ولم يأت بأسمائهم جميعاً والمذكور منهم لا يتجاوز عن ستة وعشرين نفراً، قال سبحانه: (ولَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِن قَبْلِكَ مِنهُم مَنْ قَصَصْنا َعَلْيَكَ ومِنْهُم مَن لَم نَقْصُصْ عَلَيْكَ) (غافر ـ 78).

وقال سبحانه: (ورُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَم نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (النساءـ164).


1- نهج البلاغة قسم الحكم الرقم 147.


(96)

ولم تحصل لنا الإحاطة بكل من بعثه اللّه إلى الاُمم، وقيّضهم لهداية الناس.

وقد روى الفريقان عن النبي أنّ عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً وقد جاء في التواريخ والأدعية قسم كبير من أسماء الأنبياء لا نعرف عن أحوالهم إلاّ شيئاً يسيراً فلعلّه كانت هناك جماعة كبيرة وعظيمة من الأنبياء مبعوثين إلى هداية الناس ودعوتهم إلى اللّه من دون أن نسمع لهم ذكراً أو نعرف لهم حالاً وقد سأل السائل صادق الاُمّة وإمامها وقال: فاخبرني عن المجوس أفبعث اللّه إليهم نبياً فانّي أجد لهم كتباً محكمة ومواعظ بليغة وأمثالاً شافية يقرّون بالثواب والعقاب ولهم شرائع يعملون بها؟

قال ـ عليها السَّلام ـ :ما من اُمّة إلاّ خلا فيها نذير وقد بعث إليهم نبياً بكتاب من عند اللّه فأنكروه ومجدوا كتابه (1).

فلو كانت نبوّة المجوس بعد موسى وقبل المسيح لما أمكن أن تكون نبوّة موسى عالمية.


1- الاحتجاج ج2 ص 91.


(97)

هل كانت

نبوّة المسيح عالمية؟

بعد أن أسفر وجه الحقيقة من ثنايا البحث وظهر أنّ الحق هو أنّ نبوّة موسى كانت لقوم خاص، وإن كانت شريعته متداولة بين المبعوثين من بعده من الذين بعثوا في الأقوام التي بعث فيها نفس الكليم فلنشرع في تحقيق حال نبوّة المسيح سعة وضيقاً فنقول:

ظاهر بعض الآيات يفيد أنّ رسالته كانت لقوم خاص أيضاً وأنّه كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل خاصة قال سبحانه: (وإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْـرائيلَ إِنّـي َرُسوُل اللّهِ إِليْكُمُ مُصَدِّقاً لما بَيْـنَ يَدَيَّ مِنَ التورَاةِ)(الصف ـ 6).

وقال سبحانه: (ولَما ضُـرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّون) (الزخرف ـ 57) (إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسرائيلَ) (الزخرف ـ 59) (ولَما جَاءَ عِيسَى بِالبَيِّناتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالحِكْمَةِ ولاُِبَيِّـنَ لكُم بَعْضَ الذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللّهَ وأَطِيعُون) (الزخرف ـ 63).

وقال سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَـحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الذِينَ أَسْلَمُوا للذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتـبِ اللّهِ) (المائدة ـ 44) (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثارِهِم بِعِيسَى ابنْ ِمرَيْمَ َمصُدَقِّاً لِما بَيْـنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوراةِ) (المائدة ـ 46).


(98)

فانّ تقفية النبيين الذين كانت نبوّتهم لقوم خاص قطعاً بعيسى بن مريم وكونه مصدقاً للتوارة المختصة ببني اسرائيل تشعر بكون نبوّته مثلهم أيضاً، وقال سبحانه: (وقَالَ المسِيحُ يا بَنِي إِسرائيلَ اعْبُدوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)(المائدة ـ 72).

وقال سبحانه: (ورَسُولاً إلى بَنِي إِسرائيلَ أنِّـي قَدْ جِئْتُكُم بآية مِن ربِّكُمْ أَنِّـي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطيْـرِ) (آل عمران ـ 49).

وقال سبحانه: (لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسرائيلَ وأرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وفَرِيقاً يَقْتُلُون) (المائدة ـ 70) (لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إِنّ اللّهَ هُوَ المسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقَالَ المسِيحُ يا بَني إسرائيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِـّي وَرَبَّكُمْ) (المائدة ـ 72).

ولا يخفى على القارئ ما فيها من الدلالة على كونه مبعوثاً إلى بني إسرائيل حيث جعل محور الكلام في الآيتين، المرسلين إلى بني إسرائيل وقال: (وأرسلنا إليهم رسلا) ثم حكم بكفر من قال بأنّ اللّه هو المسيح بن مريم مشعراً بذلك بأنّ المسيح كان من المبعوثين إليهم وهم الذين ألبسوه لباس الالوهية وجعلوه إلهاً.

أضف إلى ذلك أنّ المسيح جعل محور الخطاب قوم بني إسرائيل وقال: (يا بَنِـي إِسرائيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّـي وَرَبَّكُمْ) (المائدة ـ 72).

نعم ظاهر بعض الآيات يفيد عمومية نبوّته ودعوته كما في قوله تعالى:(وأَنزَلَ التْورَاةَ والانجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِلناسِ وأَنزَلَ الفُرْقَانَ) (آل عمران ـ 3 ـ 4) ويعالج الاختلاف بما عالجنا به ما ورد في حق الكليم والتوراة، بأنّ الاستغراق في قوله: (للناس) عرفي لا عقلي ويراد من قومه: الكثيرون.

وقال العلاّمة في شرح التجريد: ذهب قوم من النصارى إلى أنّ محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مبعوث إلى العرب خاصة (1).


1- كشف المراد ص 283 ط قم.


(99)

فهذا إقرار منهم على عدم عمومية رسالة المسيح.

وقال الطبرسي (1) في تفسير قوله تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل انّي رسول اللّه إليكم ...).

أي اذكر إذ قال عيسى بن مريم لقومه الذين بعث إليهم.

وقال العلاّمة في تهذيبه عند البحث عن تعبّد النبي، قبل بعثته بدينه لا بدين من قبله من الرسل: الأقرب انّه ـ عليها السَّلام ـ قبل النبوّة لم يكن متعبّداً بشرع أحد وإلاّ لاشتهر ولافتخر به أربابها ونمنع عموم دعوة من سبقه ـ عليها السَّلام ـ (2).

وقد عدّ العلامة ذلك من خصائص بعثته إلى الناس كافة (3).

وها هنا سؤال: وهو أنّه إن كانت نبوّة المسيح مختصة ببني إسرائيل فلماذا جعل النبي نصارى العرب من أهل الذمة مثل يهود العرب وعامل النصارى واليهود معاملة واحدة مع أنّه ثبت أنّ الكليم كان مبعوثاً إلى خصوص بني اسرائيل؟ والاجابة عن هذا السؤال سهلة: لأنّ من المحتمل جداً أنّ الرسول كان مأموراً بالحكم على كل متمسّك بالكتاب السماوي احتراماً للعنوان، لا لكون الكتاب نازلاً فيه كما هو الحال في اتباع المجوس، فعامل الرسول مع المتمسّكين بدين «زرادشت» معاملة المتمسّك بدين المجوس مع أنّ أهل الكتاب هو الثاني دون الأوّل.

ويؤيد كون رسالة المسيح ـ عليها السَّلام ـ لقوم خاص اُمور:

1ـ إنّ أجداد النبي واُسرة البيت الهاشمي وجميع الأحناف في الجزيرة العربية، كانوا على دين إبراهيم ولم ينقل أحد من أهل السير تهوّدهم أو تنصّـرهم.

قال الزرقاني: إنّ العرب من عهد إبراهيم كانوا على دينه ولم يكفر أحد منهم إلى


1- مجمع البيان ج 5 ص 279 طبع صيدا.
2- تهذيب الاُصول إلى علم الاُصول ص 56 الطبع الحجري.
3- التذكرة ج 2 اوائل كتاب النكاح والمطبوع منها غير مرقم.


(100)

أن جاء عمرو بن لحي فهو أوّل من عبد الأصنام وغيّـر دين إبراهيم وكان قريباً من كنانة جد النبي (1).

2ـ يظهر مما أنشأه عبد المطلب في قصة أصحاب الفيل أنّه وقومه كانوا متحرّزين من النصارى على وجه الاطلاق حيث أنّه بعد ما رجع من عند «قائد الجيش» «إبرهة» آيساً من إنصرافه عن هدم الكعبة، أخذ بحلقة الباب قائلاً:

لا يغلبنّ صليبــهم ومحـا * لهــم عــــدواً محــالك (2)

3ـ ما رواه الحافظ البخاري: عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «اُعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد قبلي... واُعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة» (3) وفي بعض ألفاظ الحديث: «وكان كلّ نبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى كل أحمر وأسود».

وقال الشيخ منصور علي ناصف في كتابه القيّم «التاج الجامع للاُصول» روي عن جابر عن النبي قال: «اُعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد من قبل، نصرت بالرعب مسيرت شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً واُعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»، رواه الخمسة إلاّ أبا داود (4).

4ـ روى الكليني عن أبي عبد اللّه الصادق ـ عليها السَّلام ـ : انّ اللّه تبارك وتعالى أعطى محمداً شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً وأرسله كافة إلى الأبيض والأسود والجن والإنس (5).

فقد ظهر من هذا البحث الحديثي، أنّه لم تكن نبوّة الكليم والمسيح فضلاً عمّن كان قبلهم من إبراهيم ونوح تعم العالم كلّه، بل كانت دعوتهم اقليمية أو لقوم خاص


1- سيرة ابن هشام ج1 ص 79.
2- بحار الأنوار ج 15 ص 145 نقلاً عن مناقب آل أبي طالب.
3- صحيح البخاري في مختلف كتبه، التيمم الباب الأوّل، الغسل الباب 36 الصلاة الباب 54.
4- يعنى رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجة راجع ج1 ص 30.
5- الكافي ج2 باب الشرائع ص 17 طبعة دار الكتب الإسلامية.


(101)

ليس غير وأمّا الدعوة العالمية فتختص بالنبي الخاتم كما أوضحناه(1).

فانّ قلت: إنّ آدم قد بعث إلى الناس كافة كما أنّ نوحاً كان مبعوثاً إلى أهل الأرض كافة بعد الطوفان لأنّه لم يبق معه إلاّ من آمن به، وعليه فينتقض الحصر في الحديث المتفق عليه بين الفريقين.

قلت: الحديث منصرف عن بدء الخلقة وعن النبي الذي لم يكن على أديم الأرض إلاّ نفسه وولده، أمّا نوح فقد تضافرت الآيات أنّه كان مبعوثاً إلى قومه كقوله سبحانه: (إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) (نوح ـ1).

وأمّا صيرورة رسالته عالمية بعد الطوفان، لانحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك الناس، فإنّما هو لأمر عارض لا يضر بخصوصية رسالته.

أضف إلى ذلك أنّ القدر المسلم هو أنّ الطوفان لم يكن عالمياً، بل كان خاصاً بمنطقة من الأرض التي كان يعيش فيها قومه ويؤيد ذلك أنّه إذا كان مبعوثاً إلى قومه خاصة لم يكن وجه لتعذيب غيرهم وإهلاكهم بتكذيب قومه إذا لم تصلهم دعوته كما هو الظاهر (2).

ههناسؤال:

إذا كانت نبوّة كلّ واحد من هؤلاء الأربعة اقليمية أو مختصة بقوم خاص، فما معنى «اُولوا العزم من الرسل» الذي وصف اللّه به عدة من الرسل؟ فإنّ المشهور أنّ المقصود منهم من كانت رسالته عالمية موجهة إلى الناس كافة.

ولأجل الاجابة على هذا السؤال عقدنا البحث التالي.


1- راجع صفحات 37 ـ 56 من هذا الكتاب.
2- وقد وقفت على حقيقة الحال عند البحث عن حقيقة نبوّة نوح ـ عليها السَّلام ـ .


(102)

ما المراد باُولي العزم

من الرسل

لقد وصف اللّه بعض رسله أو كلهم بكونهم (1) اُولي العزم من الرسل حيث قال: (فاصْبِر كَمَا صَبَرَ اُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولاَ تَسْتَعْجِل لَهُمْ كَأَنَّـهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَـمْ يَلْبَثُوا ِإلاّ سَاعَةً مِن نَهار َبلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ القَوْمُ الفاسِقُون) (الاحقاف ـ 35).

فأمر نبيّه بالصبر والوقوف في وجه العدو كوقوفهم في وجه معانديهم ومخالفيهم وعندئذ يجب أن نتعرف على ما هو المراد من توصيفهم به وقبل كل شيء نأتي بنصوص أهل اللغة في معنى العزم:

1ـ يظهر من ابن فارس في مقاييسه أنّ لهذا اللفظ معنى واحداً وهو القطع ضد الوصل وإليه يرجع معناه الآخر وهو العزم وكأنّه يقطع التحيّـر والشك قال: «عزم» له أصل واحد صحيح يدل على الصريمة والقطع يقال: عزمت أعزم عزماً ـ إلى أن قال ـ قال الخليل: العزم ما عقد عليه القلب من أمر أنت فاعله أي متيقّنه ويقال: ما لفلان عزيمة أي ما يعزم عليه كأنّه لايمكنه أن يصرم الأمر بل يختلط فيه ويتردد ومن قولهم: عزمت على الجنى وذلك أن تقرأ عليه من عزائم القرآن وهي الآيات التي يرجى قطع الآفة عن المؤوف واعتزم السائر إذا سلك القصد قاطعاً له والرجل يعتزم الطريق: يمضي


1- الترديد مبني على كون لفظة «من» تبعيضية أو بيانية وإن كان الظاهر هو الأوّل.


(103)

فيه لا ينثني.

واُولوا العزم من الرسل الذين قطعوا العلائق (1) بينهم وبين من لم يؤمن من الذين بعثوا إليهم كنوح ـ عليها السَّلام ـ إذ قال: (لا تَذَرْ على الأَرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّاراً) وكمحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ تبرّأ من الكافر وبرّأه اللّه تعالى منهم وأمره بقتالهم في براءة من اللّه ورسوله (2).

2ـ وفسّـره الراغب بالقصد وعقد القلب، من غير إشارة إلى أصله الذي اخذ منه هذا المعنى وقال: العزم والعزيمة عقد القلب على امضاء الأمر قال: (فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ على اللّه) ، (ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِكَاح)، (وإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَق)، (إنّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُور)، (ولم نَجِدْ لَهُ عَزْماً) أي محافظة على ما اُمر به وعزيمة على القيام، والعزيمة تعويذ كأنّه تصوّر أنّك قد عقدت بها من الشيطان أن يمضي ارادته فيك وجمعها العزائم.

3ـ وفسّـره الفيروز آبادي بقوله: عزم على الأمر أراد فعله وقطع عليه، أو جدّ في الأمر ـ إلى أن قال ـ: واُولوا العزم من الرسل الذين عزموا على أمر اللّه فيما عهد إليهم، ونقل عن الزمخشري: اُولوا الجد والثبات والصبر.

والمحصّل من هذه النقول أنّ المعنى الأصيل لهذا اللفظ هو القطع ضد الوصل، ثم يستعمل لأجل المناسبة في عقد القلب والثبات والصبر.

أمّا القرآن فالظاهر أنّه لم يستعمل فيه إلاّ بمعنى عقد القلب مثل قوله:

(فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ) (محمد ـ 21).

(فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَـى اللّه) (آل عمران ـ 159).

(وإنْ عَزَمُوا الطَّلاَق) (البقرة ـ 227).

(ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِكَاحَ) (البقرة ـ 235).


1- هذا التفسير لم يعهد من المفسرين.
2- المقاييس ج 4 ص 308.


(104)

(وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور) (آل عمران ـ 186).

أي أنّ الصبر والتقى من الاُمور التي بان رشدها ويجب أن يعزم وينعقد القلب عليها وعقد القلب عليها يستلزم الصبر ويتوقف على الثبات في معارك الحياة، فالصبر لازم العزم.

ومثله قوله سبحانه: (واصْبِرْ عَلَـى مَا أَصَابَكَ إِِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُور) (لقمانـ17).

وقوله سبحانه: (وَلَمن صَبَرَوغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُور) (الشورى ـ 43).

والتدبر في الآيتين الأخيرتين يعطي أن العزم ليس مرادفاً للصبر والثبات وإن فسّـره به الزمخشري في كشافه حيث قال في تفسيره: «اُولوا العزم أي اُولوا الجد والثبات والصبر» (1).

وذلك لأنّ اسم الإشارة في آية سورة لقمان امّا راجع إلى خصوص الصبر كما هو مقتضى الأقربية أو إلى كل ما أوصى به لقمان من إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ما أصابه وعلى أي تقدير لا يصح أن يفسّـر العزم بالصبر والثبات إذ يصير معنى الآية حينئذ: أنّ الصبر وحده أو هو مع غيره من عزم الاُمور.

وبذلك يظهر الحال في آية سورة الشورى فلاحظ.

وقوله سبحانه: (ولَقَدْ عَهِدْنَا إِلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَم نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (طه ـ115).

والمقصود لم نجد له عزماً حافـظاً على عهده الذي عاهدناه.

نعم العزم على الشيء والمحافظة على عقد القلب في طول الحياة لا ينفك عن الثبات والجد والوقوف في وجه المشاكل.

هذا معنى العزم في القرآن وبذلك يظهر معنى العزم في الآية التي نحن بصدد


1- الكشاف ج 3 ص 126.


(105)

رفع الستر عن وجهها أعني قوله سبحانه: (فاصْبِرْ كما صَبَـرَ اُولوا العَزْمِ مِنَ الرسُل). فانّه بمعنى أصحاب العزائم والقصود المؤكدة التي لا تنفصم أصلاً وتدعو إلى العمل والسعي في سبيل اللّه سبحانه.

من هم اُولي العزم من الرسل؟

يجد القارئ الكريم حول الآية وجوهاً ومعاني حملت على الآية والآية لا تحتملها ودونك تلك الوجوه:

الوجه الأوّل:

1ـ هم الذين بعثوا إلى شرق الأرض وغربها جنّها وانّسها (1).

هذا المعنى أحد الوجوه التي تفسّـر بها الآية وعلى هذا يجب عدّ رسالة كلّ من قام الاجماع على كونه من الرسل اُولي العزم أو عدّ منهم في الأخبار الصحاح رسالة عالمية لا اقليمية وبما أنّ موسى والمسيح قامت الضرورة على كونهم من اُولي العزم يجب أن يكون رسالتهم عالمية حسب هذا القول.

وقد عرفت ضعف هذا القول في البحث الماضي وأنّ الآيات تفيد كون رسالة الكليم والمسيح مختصة بقومهما وبالمناطق التي بعثا فيها فضلاً عن كون رسالة نوح والخليل ـ عليهما السَّلام ـ عالمية.

وعلى ذلك فهذا الاحتمال في تفسير الآية لا يمكن الركون إليه فلنبحث عن المحتملات الاُخر حول الموضوع.

الوجه الثاني:

أن يراد من اُولي العزم كل الرسل ولم يبعث اللّه رسولاً إلاّ كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال وعقل وعلى هذا فلفظة «من» في قوله: (من الرسل) تبيين لا تبعيض كما يقال:


1- حق اليقين لشبر ص 111 ناقلاً عن كامل الزيارت.


(106)

كسيته من الخز، وكأنّه قيل اصبر كما صبر الرسل من قبلك على أذى قومهم، ووصفهم بالعزم لأجل صبرهم وثباتهم (1).

ويؤيد ذلك قوله سبحانه: (وإذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ ومِنْكَ ومِن نُوح وإِبْرهِيمَ ومُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وأَخَدْنَا مِنْهُم مِيثَاقاً غَلِيظاً) (الأحزاب ـ 7).

فإنّ اضافة الميثاق إلى النبيين دليل على أنّ الميثاق المأخوذ منهم بوصف كونهم من النبيين غير الميثاق المأخود منهم بوصف كونهم من بني آدم الذي يشير إلى ذلك الميثاق قوله سبحانه: (وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَـى أَنفُسِهِمْ أَلَسَتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلَى) (الأعرافـ172).

فالآية الاُولى تدل على أخذ الميثاق من النبيين عامة وأخذ الميثاق وإن كان لا يدل على العزم الراسخ لكن سكوت القرآن عن نقضهم لهذا الميثاق وبما هم أنبياء معصومون من كل عصيان، يشعر أو يدل على قيامهم بالميثاق الغليظ الذي يتوقف على العزم الراسخ والإرادة القوية التي تستتبع الصبر والثبات.

وأمّا تخصيص الخمسة بالذكر فهو لعظمة شأنهم ورفعة مكانهم لكونهم أصحاب الشرائع والكتب لا لانحصار ذاك الوصف فيهم، كما يمكن أن يتوهم فقد خصّ اللّه سبحانه هؤلاء الخمسة بالذكر في مورد آخر وقال:(شـَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ مَا وَصَّـى بِهِ نُوحاً والّذِي أَوْحَيْنا إِليْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبرهِيمَ ومُوسَـى وعِيسَـى أنْ أَقِيمُوا لدِّينَ ولاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى ـ 13).

وقد أشار سبحانه إلى أخذ الميثاق من الأنبياء جميعاً في قوله:

(وإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّيَن لَما آتَيْتُكُمْ مِن كِتاب وحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَـى ذلِكُم إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنا) (آل عمران ـ 81) (2).


1- مجمع البيان ج 5 ص 94.
2- وقد بسّط الطبرسي الكلام في تفسير الآية فراجع ج 1 ص 468.


(107)

وهذه الآية تحتمل معنيين:

الأوّل: أنّه سبحانه أخذ الميثاق من النبيين ولم يذكر متعلّق الميثاق عندئذ وقوله: (لما آتيتكم) ليس متعلّقاً لأخذ الميثاق منهم، لكون اللام مفتوحة توطئة للقسم وقوله لتؤمنن جواب له، وعند ذلك يحتمل أن يكون الميثاق المأخوذ منهم هو وحدة الكلمة في الدين وعدم الاختلاف فيه وإليه تؤمى آية سورة الشورى أعني قوله: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاتَتَفَرَّقُوا) (الشورى ـ 13).

الثاني: انّه سبحانه أخذ الميثاق من الاُمم على أنبيائهم على تصديقهم والاقتداء بهم وعلى ذلك تخرج عمّـا نحن بصدد البحث عنه والمعنى الأوّل أظهر.

الوجه الثالث:

أن يكون «من» للتبعيض ويراد من «اُولوا العزم» بعض الأنبياء، قيل هم نوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحاق على الذبح، ويعقوب على فقدان الولد وذهاب البصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر، وموسى إذ قال له قومه: (إنّا لمدركون قال إنّ معي ربّي سيهدين) وداود يبكي على زلته أربعين سنة وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنّها معبرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال اللّه تعالى في آدم: (لقد عهدنا إلى آدم فنسي ولم نجد له عزماً) ، وفي يونس: (وَلا تكُن كصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وَهُوَ مَكْظومٌ )(1).

وهذا القول أقرب الأقوال لولا أنّ فيه مسحة إسرائيلية حيث عد إسحاق ذبيحاً مع أنّ الذبيح هو إسماعيل ولكنّه لا يضر بأصل المعنى ويؤيده كما اُشير إليه نفي العزم عن آدم بعد ما عهد إليه ونسي ما عهد، والنسيان كناية عن الترك اُطلق السبب واُريد المسبّب لأنّ الشيء إذا نسي ترك، والمراد من العهد هو النهي عن أكل الشجرة بمثل قوله: ( ولاَ تَقْرَبَا هذِهِ الشّجَرَةَ) (الأعراف ـ 19).


1- مجمع البيان ج 5 ص 194 ـ واحتمله الفخر راجع ج 7 ص 468.


(108)

وعلى ذلك فالعزم أمّا بمعنى القصد الجازم كما هو الحق أو الصبر والثبات ويؤيده ما رواه القمي في تفسير الآية حيث قال: وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، ومعنى اُولوا العزم: أنّهم سبقوا الأنبياء إلى الإقرار باللّه وأقروا بكل نبي كان قبلهم وبعدهم وعزموا على الصبر مع التكذيب لهم والأذى(1).

ولا يرد على هذه الرواية ما أوردناه على السابقة، نعم انحصاره في الخمسة المذكورة في الرواية يحتاج إلى دليل قاطع.

ومع ذلك فهذا القول أقرب الأقوال لكن بتصرف فيه وهو أنّ جعل «اُولوا العزم» من الرسل حيث قال: اُولوا العزم من الرسل يدل على أنّ عزمهم القوي كان في تبليغ رسالتهم ونشرها بين الناس، لا مجرد إبتلائهم بالشدائد والبلايا ولو في غير طريق نشر الدين، فابتلاء يعقوب ويوسف وأيوب وغيرهم لا يجعلهم داخلاً في «اُولوا العزم من الرسل» بما هم رسل ذووا رسالة من اللّه سبحانه إلى عباده.

ويؤيده أنّ الآية بصدد تحريض النبي على تحمل المشاق في طريق دعوته ورسالته، والقرآن يصف نوحاً وإبراهيم وموسى بكونهم ذوي عزائم قوية في سبيل الدعوة وتبليغ الدين ولعلّ ههنا من يصفه القرآن بهذا الوصف أو هو كذلك وإن لم يصفه القرآن ولكنّا غير واقفين عليه.

الوجه الرابع:

من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمه وهم خمسة اُوّلهم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ روي عن ابن عباس وقتادة وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه ـ عليهما السَّلام ـ قال: وهم سادة النبيين وعليهم دارت رحى المرسلين(2).


1- تفسير القمي ج 2 ص 300.
2- مجمع البيان ج 5 ص 194.


(109)

غير أنّه لم يثبت نسخ كلّ شريعة لاحقة لما تقدمها.

فذا هو عيسى بن مريم يبيّـن الغاية من بعثته بقوله: (قَدْ جِئْتُكُمْ بالحِكْمَةِ ولأُبَيـِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) (الزخرف ـ 63).

فإنّ معنى ذلك أنّ المسيح جاء مبيّناً لا ناسخاً لما تقدمه من الشرائع.

الوجه الخامس:

هم الذين اُمروا بالجهاد والقتال وجاهدوا في الدين. نقل عن السدي والكلبي(1).

وهذا لوجه ينطبق مع بعض المعاني المتقدمة خصوصاً الثالث.

الوجه السادس:

إنّ العزم بمعنى الوجوب والحتم واُولوا العزم من الرسل هم الذين شرعوا التشريع وأوجبوا على الناس الأخذ بها والانقطاع عن غيرها وخصهم القائل بأربعة أعني نوحاً وهوداً وإبراهيم ومحمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (2).

وهذا المعنى مبني على كون العزم بمعنى الحكم والشريعة مقابل الرخصة وهو الذي يؤيده بعض الروايات المروية عن أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وقد روي في العيون عن أبي الحسن الرضا ـ عليها السَّلام ـ قال: «إنّما سمّي اُولوا العزم اُولي العزم لأنّهم كانوا أصحاب العزائم والشرائع وذلك أنّ كلّ نبي كان بعد نوح كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل» (3).

الوجه السابع:

المقصود هم الرسل الثمانية المذكورون في قوله سبحانه: (وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْنَاها


1- مجمع البيان ج5 ص 194.
2- مجمع البيان ج5 ص 194.
3- العيون ج12 الباب 32 ص 80 ونور الثقلين ج5 ص 22.


(110)

إِبرهِيمَ على قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَات مَن نَشاءُ إِنّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنا لَهُ إِسحقَ وَيَعْقُوبَ) (الأنعام:83 ـ 84).

والدليل على ذلك قوله سبحانه: (اُولَئِكَ الذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه قُلْ لا أَسئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرَى لِلعَـلَمِين) (الأنعام ـ 90).

وهذا المعنى من أبعد الأقوال عن الحق لأنّه سبحانه لم يخص الاهتداء بالثمانية إلاّ وقد أشار إلى آبائهم بقوله: (ومِن آبائِهِمْ وَذُرِّيَّـتِهِمْ واِخْوَنِـهِمْ واجْتَبَيْنهُمْ وَهَدَيْنَـهُمْ إِلى صِرَاط مُسْتَقِيم) (الأنعامـ87).

ثم قال سبحانه: (اُولئكَ الذين هدى اللّه فبهدهم اقتده).

فيجب أن يكون الكل اُولي العزم.

وهناك أقوال اُخر يرجع إلى الاختلاف في عددهم بين كونه تسعة أو سبعة أو ستة أو خمسة أو أربعة وقد ضربنا عن ذكرها صفحاً.

وعرفت أنّ الحق هو الوجه الثالث بالتصرف الذي عرفته فيه وأوضحنا أنّ هذه اللفظة ليس علماً لعدة معيّنة بل هي وصف يشير إلى الجماعة الذين صبروا في طريق رسالاتهم وتبليغ دين اللّه سبحانه، وقد عرفت أنّ القرآن يصف ثلاثة من الرسل بهذا العنوان وهم عبارة عن نوح والخليل والكليم ولعلّ هناك من صبر في هذا الطريق، وعرفه القرآن ولم نقف عليه، عصمك اللّه وإيّانا من الزلل في القول والعمل وجعلنا من أصحاب العزائم القوية في نشر الحق.

شبهة واهية في المقام:

ذهب بعض المعترضين من لا إلمام له بحقيقة التعاليم الإسلامية ولا معرفة له باُصول الدين المحمدي وفروعه إلى انكار عالمية الإسلام، تمسّكاً بالأمر التالي وهو:

انّ الإسلام جاء بضرائب على الابل والبقر والغنم بمقادير دقيقة في غاية الدقة لأنّ الجزيرة العربية كانت يوم ذاك تكثر فيها الجمال والمواشي دون غيرها من البلاد


(111)

والقارات وذلك آية كونه ديناً اقليمياً لا عالمياً، بل آية على أنّ تخطيطاته الاقتصادية، وقوانينه في الضرائب وغيرها تناسب عصر الجمال والمواشي، لا عصر الصاروخ والطائرة، والمعامل الكبرى، والمصانع الضخمة، والأعمال التجارية الهائلة.

قلت: هذه شبهة يتمسّك بها تارة على نفي كون الإسلام ديناً عالمياً، واُخرى على نفي كونه ديناً أبدياً وخاتماً لرسالات السماء بحجّة أنّ ما جاء به الإسلام من تشريع في مجال الضرائب ناقص لا يفي بالحاجات المتجددة في العصور المتطورة والحضارات المتقدمة، والنفقات المتزايدة.

وقد أجبنا عن هذه الشبهة مفصّلاً في الجزء الثاني من هذه الموسوعة عند البحث عن (المنابع المالية للحكومة الإسلامية) فلاحظ تجد فيها ما يقطع جذور الشبهة من أساسها.


(112)

(113)

الفصل الثاني

الخـاتميـة

في

الذكر الحكيم

اتفقت الاُمّة الإسلامية عن بكرة أبيها على أنّ نبيّهم محمداً خاتم النبيين، وأنّ دينه خاتم الأديان، وكتابه خاتم الكتب والصحف، فهو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ آخر السفراء الالهيين، أوصد به باب الرسالة والنبوّة، وختمت به رسالة السماء إلى الأرض.

لقد اتفق المسلمون كافة على أنّ دين نبيّهم، دين اللّه الأبدي، وكتابه، كتاب اللّه الخالد، ودستوره الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقد أنهى اللّه إليه كلّ تشريع وأودع فيه اُصول كلّ رقي، وأناط به كلّ سعادة ورخاء، فاكتملت بدينه وكتابه الشرائع السماوية التي هي رسالة السماء إلى الأرض.

توضيحه: أنّ الشريعة الحقة الالهية التي أنزلها اللّه إلى أوّل سفرائه لا تفترق جوهراً عمّـا أنزله على آخرهم، بل كانت الشريعة السماوية في بدء أمرها كنواة قابلة للنمو والنشوء، فأخذت تنمو وتستكمل عبر القرون والأجيال، حسب تطور الزمان وتكامل


(114)

الاُمم، وتسرب الحصافة إلى عقولهم، وتسلل الحضارة إلى حياتهم.

ويفصح عمّـا ذكرنا قوله سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً...) (الشورى ـ 13) فقد وصّى نبيّنا محمداً بما وصّى به نوحاً، من توحيده سبحانه وتنزيهه عن الشرك، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، والتنديد بالجرائم الخلقية، والقضاء على أسبابها، إلى غير ذلك ممّا تجده في صحف الأوّلين والآخرين.

وتتجلى تلك الحقيقة الناصعة، أي وحدة الشرائع السماوية، جوهراً من مختلف الآيات في شتى المواضع، قال سبحانه: (إنّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسلامُ وما اخْتلفَ الّذِينَ اُوتُوا الكتابَ إلاّ مِن بَعد ما جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بينهُمْ) (آل عمران ـ 19) وظاهر الآية يعطي أنّ الدين عند اللّه ـ لم يزل ولن يزال ـ هو الإسلام في طول القرون والأجيال، ويعاضدها قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران ـ 85).

وقد نبّه سبحانه في مورد آخر على خطأ اليهود والنصارى في رمي ـ بطل التوحيد ـ إبراهيم باليهودية والنصرانية، و قال: (مَا كَانَ إِبْراهِيمُ يِهُودِيّاً وَ لانَصْرَانِيّاً وَ لكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) (آل عمران ـ 67).

نعم المراد من الإسلام في الآيتين هو التسليم للّه والامتثال لأوامره ونواهيه لا المعنى العلمي منه، الذي يقابل اليهودية والنصرانية.

وقد سئل علي ـ عليها السَّلام ـ عن حقيقة الإسلام، فقال: «لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين» (1) ففسّـر الإسلام بالتسليم له سبحانه، وحقيقة التسليم هنا هو إرجاع الأمر والنهي إليه سبحانه، فالواجب ما أمر به والحرام ما نهى عنه، لا ما أمر به الأحبار والرهبان، أو نهوا عنه، ولا يتحقق التسليم إلاّ برفض تحكيم الرجال في الشريعة، ورد آراء الناس والأحبار والرهبان في الحلال والحرام.

فحقيقة الشرائع السماوية في جميع الأدوار والأجيال كانت أمراً واحداً وهو


1- نهج البلاغة: المختار من الحكم 125.


(115)

التسليم للّه في فرائضه وعزائمه وحده.

ولأجل ذلك كتب الرسول إلى قيصر عندما دعاه إلى الإسلام، قوله سبحانه: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بييننا وبينكم الاّ نعبد إلاّ إياه ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللّه، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنّا مسلمون )(1).

وقد أمر سبحانه في آية اُخرى رسوله بدعوة معشر اليهود أو الناس جميعاً إلى اتباع ملّة إبراهيم، قال سبحانه: (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهيمَ حَنِيفاً وَ مَا كَانَ مِنَ المُشْرِكينَ) (آل عمران ـ 95).

وصرّح سبحانه بأنّ كلّ نبي جاء عقب نبي آخر، كان يصرّح بأنّه مصدّق بوجود ذلك النبي المتقدم عليه وكتابه ودينه، فالمسيح مصدّق لما بين يديه من التوراة ومحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مصدّق لما بين يديه من الكتب وكتابه مهيمن عليه، كما قال سبحانه: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّورَاةِ)، (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتبَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمعا بَينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدة:46،48).

وهذه النصوص كلّها تعبّر عن وحدة اُصول الشرائع وجذورها ولبابها.

وعلى هذه فرسالة السماء إلى الأرض، رسالة واحدة في الحقيقة مقولة بالتشكيك، متكاملة عبر القرون، جاءت بها الرسل طوال الأجيال، وكلّهم يحملون إلى المجتمع البشري رسالة واحدة لتصعد بهم إلى مدارج الكمال، وتهديهم إلى معالم الهداية ومكارم الأخلاق.

نعم كان البشر في أوّليات حياتهم يعيشون في غاية البساطة والسذاجة، فما كانت لهم دولة تسوسهم، ولا مجتمع يخدمهم ولا ذرائع تربطهم، وكانت أواصر الوحدة ووشائج الارتباط بينهم ضعيفة جداً، فلأجل ذاك القصور في العقل، وقلة التقدم، وضعف الرقي، كانت تعاليم أنبيائهم، والأحكام المشروعة لهم، طفيفة في غاية البساطة، فلما أخذت الانسانية بالتقدم والرقي، وكثرت المسائل يوماً فيوماً، اتسع نطاق الشريعة


1- السيرة الحلبية ج2 ص 275، مسند أحمد ج1 ص 262.


(116)

واكتملت الأحكام تلو هذه الأحوال والتطورات.

فهذه الشرائع (مع اختلافها في بعض الفروع والأحكام نظراً إلى الأحوال الاُممية والشؤون الجغرافية) لا تختلف في اُصولها ولبابها، بل كلها تهدف إلى أمر واحد، وتسوق المجتمع إلى هدف مفرد، والاختلاف إنّما هو في الشريعة والمنهاج لا في المقاصد والغايات كما قال سبحانه: (لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَلََكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ في مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) (المائدة ـ 48) .(1)

وقال سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَ لاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الذِينَ لايَعْلَمُونَ) (الجاثية ـ 18).

وخلاصة القول: إنّ السنن مختلفة، للتوراة شريعة، وللانجيل شريعة، وللقرآن شريعة ولكن الدين هو الاُصول والعقائد والأحكام التي تساير الفطرة الإنسانية ولا تخالفها، واحد.

وهاتان الآيتان لا تهدفان إلى اختلاف الشرائع في جميع موادها، ومواردها اختلافاً كلّياً بحيث يكون من النسبة بينها نسبة التباين، كيف وهو سبحانه يأمر نبيّه بالاقتداء بهدى أنبيائه السالفين ويقول: (اُولئِكَ الذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه) (الأنعام ـ 90).

وتخصيص الاقتداء بالتبعية لسننهم وسيرتهم في دعوة أقوامهم إلى الدين والصبر على أذاهم كما في قوله سبحانه: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ اُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ لا تَسْتَعْجِل لَهُمْ) (الأحقاف ـ 35) تخصيص بلا وجه.

فالقول باختلاف الشرائع وتباينها في جميع الموارد لا يرتضيه القرآن والقول باتحاد الشرائع باطل بالضرورة قال سبحانه: (لِكُلِّ اُمَّة جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا


1- أي جعلنا لكل من موسى وعيسى ومحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو لكل من اُمم التوراة والانجيل والقرآن شريعة وطريقاً خاصاً إلى ما هو الهدف الأقصى من بعث الرسل ومنهاجاً واضحاً، والاختلاف بين الكتب والشرائع جزئي لا كلي، والنسخ في بعض الأحكام لا في جميعها.


(117)

يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ) (الحج ـ 67).

والقول الوسط هو الأوسط، والشريعة الكاملة السمحة الصالحة لكلّ زمان وكلّ مكان هي الشريعة التي جاء بها الإسلام ونبيّه الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ثم إنّه سبحانه يصرح بحكمة اختلاف الشرائع وتعددها بقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) (المائدة ـ 48).

فإنّ الشريعة الواحدة إنّما تصلح لاُمّة مخلوقة على استعداد واحد، وحالة واحدة كسائر أنواع الخلق التي يقف استعدادها عند حد معين كالطير والنمل والنحل، وأمّا النوع الممتاز كالانسان الذي يرتقي في اطوار الحياة بالتدريج وعلى سنّة الارتقاء فلا تصلح له شريعة واحدة في كل طور من أطوار حياته، فشدة أحكام الانجيل في الزهد وترك الدنيا والخضوع لكل حاكم وكل معتد لا يمكن أن يؤخذ به في هذا العصر، ومثله ما في التوراة من أحكام شديدة كما لا يخفى.

نعم جاءت الرسل تترى، وتواصلت حلقات النبوّة في الأدوار الماضية إلى أن بعث اللّه آخر سفرائه، فأتم به نعمته وأكمل به دينه، فأصبح المجتمع البشري في ظل دينه الكامل وكتابه الجامع، غنياً عن تواصل الرسالة وتعاقب النبوّة، وأصبح البشر غير محتاجين إلى ارسال أي رسول بعده، إذ جاء الرسول بأكمل الشرائع وأتقنها وأجمعها للحقوق وبكل ما يحتاج إليه البشر في أدوار حياتهم وأنواع تطوّراتهم وفي الوقت نفسه فيها مرونة تتمشى مع جميع الأزمنة والأجيال، من دون أن تمس جوهر الرسالة الأصلي بتحوير وتحريف.

ولنا عودة إلى هذا الموضوع في الأبحاث الآتية.

النصوص القرآنية الدالّة على ختم النبوّة:

لقد نص القرآن الكريم على ذلك تنصيصاً لا يقبل الشك والترديد، ولا يرتاب فيه من له أدنى إلمام باللغة العربية، وذلك في مواضع:


(118)

النص الأوّل: قوله سبحانه:

(ما كَانَ مُحمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً) (الأحزاب ـ 40).

توضيحه: تبنّى رسول اللّه زيداً قبل عصر الرسالة، وكان العرب ينزّلون الادعياء منزلة الأبناء في أحكام الزواج والميراث، فأراد اللّه سبحانه أن ينسخ تلك السنّة الجاهلية، فأمر رسوله أن يتزوّج زينب زوجة زيد بعد مفارقته لها، فلمّـا تزوّجها رسول اللّه، أوجد ذلك الزواج ضجة بين المنافقين والمتوغلين في النزعات الجاهلية، والمنساقين وراءها، فرد اللّه سبحانه مزاعمهم وطعنهم بقوله: (ما كان محمداً أبا أحد من رجالكم) من الذين لم يلدهم ومنهم زيد ولكنّه (رسول اللّه) وهو لا يترك ما أمره اللّه به (وخاتم النبيين)وآخرهم ختمت به النبوّة فلا نبي بعده ولا شريعة سوى شريعته، فنبوّته أبدية وشريعته باقية إلى يوم الدين.

الخاتم وما يراد منه:

الخاتم (سواء كان بفتح التاء كما عليه «عاصم» أم بكسرها، كما عليه الباقون وعلى الفتح سواء أقلنا أنّه فعل كضارب بمعنى ختمهم، أم اسم بمعنى آخرهم، أو بمعنى ما يختم به أي المختوم به باب النبوّة، كما يختم بالطابع) لا يفهم منه في المقام إلاّ معنى واحد وهو أنّه قد ختم به باب النبوّة وأوصد بوجوده ودينه وكتابه باب الرسالة فلا نبي بعده أصلاً.

وقد أصفقت على هذا كتب اللغة والتفسير والتاريخ طيلة أربعة عشر قرناً ولم يختلف فيه اثنان ، ولم ينبس أحد ببنت شفة على خلافه، فهذه معاجم اللغة وكتب التفسير المؤلفة في العهود الإسلامية السابقة، بيد أساطين اللغة وفطاحلها وأئمّة التفسير وأبطاله، ضع يدك على أي واحد منها، تجدها متضافرة على ما قلناه وسوف ننقل بعض نصوصهم.


(119)

والأولى أن نرجع قبل كل شيء إلى نفس القرآن وموارد استعمال هذه المادة فيه، حتى نستعين بالقرآن الكريم نفسه، في رفع الابهام:

(يَسْقَوْنَ مِنْ رَحِيق مَختُوم) (المطففين ـ 25) أي من الشراب الخالص الذي لا غش فيه، تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك، أو مختوم بابه بشي مثل الشمع وغيره، وذلك آية خلوصه.

(خِتَامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ) (المطففين ـ 26) مقطعه رائحة مسك إذا شرب.

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ)(الشوريـ24).

(اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ) (يس ـ 65) أي طبع على أفواههم فتوصّد أفواههم وتتكلم أيديهم.

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ وَ أَضَلَّهُ اللّهُ عَلَى عِلْم وَ خَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ) (الجاثية ـ 23).

(خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشاوَةٌ) (البقرة ـ 7).

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصَارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) (الأنعام ـ 46).

فإذا انتهى الكافر من كفره إلى حالة يعلم اللّه أنّه لا يؤمن، يطبع اللّه على قلبه كما يطبع على الشيء بالشمع والطين فيصير قلبه كالمختوم عليه، لا يدخله شيء، ولا يخرج منه شيء، فلا يدخله الإيمان ولا يخرج منه الكفر.

فالختم على الشيء، بمعنى الطبع عليه كناية عن ختم أمره، فالختم على القلب يلازم انتهاء أمره وامتلاءه بالكفر والالحاد فلم يبق فيه موضع لنور الحق وكلماته، كما أنّ ختم الورقة وطبعها بالطابع علامة أنّ الكاتب بلغ ما أراد من كتابته فيها، وانتهى غرضه


(120)

ومقصده.

والختم على النبوّة عبارة عن أنّه أوصد باب النبوّة وطبع على بابها، فهو مقفل إلى يوم القيامة، لا يفتح في وجه أحد.

وعلى أي تقدير فالناظر في هذه الآيات لا يتلقّى من تلك المادة إلاّ معنى واحداً وهو الانتهاء، أو ما يلازمه من الطبع على الشيء.

وقد أوضحه إمام اللغة ابن فارس في معجمه وقال: «الختم» له أصل واحد وهو البلوغ آخر الشيء، يقال ختمت العمل، وختم القارئ السورة، فأمّا الختم وهو الطبع على الشيء، فذلك من هذا الباب أيضاً، لأنّ الطبع على الشيء لا يكون إلاّ بعد بلوغ آخره في الإحراز، والخاتم مشتق من الختم، لأنّه به يختم، ويقال: الخاتم بالكسر، والخاتام والخيتام.

والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم الأنبياء لأنّه آخرهم، وختام كل مشروب، آخره، قال اللّه تعالى: (ختامه مسك)، أي أنّ آخر ما يجدونه عند شربهم إياه رائحة المسك.

وقال أبو البقاء العكبري: الخاتم بفتح التاء على معنى المصدر، أو هو فعل مثل قاتل بمعنى ختمهم، وقال الآخرون: اسم بمعنى آخرهم، وقيل: هو بمعنى المختوم به النبيون، كما يختم بالطابع ويقرأ بكسرها، بمعنى آخرهم (1).

وقال الجوهري في صحاحه: ختمه ويختمه ختماً وختاماً، طبع على قلبه: جعله لا يفهم شيئاً ولا يخرج منه شيء، وختم الشيء: بلغ آخره، والختام ككتاب: الطين يختم به على الشيء، والخاتم ما يوضع على الطينة، وحلي للاصبع...

قال الفيروز آبادي في قاموسه: ختمت الشيء ختماً فهو مختوم ومختم، شدّد للمبالغة، وختم اللّه له بخير منه، وختمت القرآن: بلغت آخره، واختتمت الشيء: نقيض افتتحته، و الخاتم بكسر التاء و فتحها، والخيتام والخاتام: كلّها بمعنى واحد،


1- التبيان في اعراب القرآن ج 2 ص 100.


(121)

والجمع الخواتيم، وتختمت: إذا ألبسته، وخاتمة الشيء: آخره.

ومحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم الأنبياء.

والختام، الطين الذي يختم به، وقوله تعالى: (ختامه مسك) أي آخره، لأنّ آخر ما يجدونه رائحة المسك.

قال ابن منظور في لسان العرب: ختام القوم، أقصاهم، ختام القوم وخاتمهم آخرهم، محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم الأنبياء، والخاتم من أسماء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ففي التنزيل: (ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين) ، أي آخرهم، وقد قرأوا «خاتم» بالفتح، ومن أسمائه «العاقب» أيضاً ومعناه آخر الأنبياء.

قال أبو محمد الدميري في منظومته:

والخاتم الفاعل قل بالكسر * وما به يختم، فتحاً يجري (1)

وقال البيضاوي: وخاتم النبيين آخرهم الذي ختمهم، أو ختموا به على قراءة عاصم بالفتح.

وفي تفسير الجلالين: وفي قراءة بفتح التاء، كآلة الختم، أي به ختموا.

وقال الراغب في مفرداته: يطلق الختم على البلوغ إلى آخر الشيء، نحو ختمت القرآن، أي انتهيت إلى آخره، وخاتم النبيين، لانّه ختم النبوّة أي تممها بمجيئه.

إلى غير ذلك من الكلمات الواردة والنصوص الدالة على تظافر اللغة والتفسير على معنى واحد، ولباب هذه النصوص: أنّ لمادة هذه الكلمة معنى واحداً وهو الانتهاء والوصول إلى آخره، وأمّا الخاتم المشتق منها فعلى الكسر بمعنى الآخر، وعلى الفتح أمّا فعل كضارب، أو اسم بمعنى ما به يختم.

وأمّا اطلاقه على الحلية التي تزيّن بها الاصبع، فلأجل أنّ الدارج في عهد الرسالة طبع الكتاب بالخاتم، فكانت خواتيمهم طوابعهم، لا أنّه وضع لها ابتداء.


1- التيسير في علوم التفسير ص 90.


(122)

ويدل على ذلك ما رواه ابن سعد في طبقاته: انّ رسول اللّه أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتاباً، فقيل يا رسول اللّه أنّ الملوك لا يقرؤن كتاباً إلاّ مختوماً، فاتخذ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يومئذ خاتماً من فضة ـ فصّه منه ـ نقشه ثلاثة أسطر: محمد رسول اللّه، وختم به الكتب (1).

قال ابن خلدون في مقدمته عند البحث عن شارات الملوك: أمّا الخاتم فهو من الخطط السلطانيةوالوظائف الملوكية، والختم على الرسائل والصكوك معروف للملوك قبل الإسلام وبعده، وقد ثبت في الصحيحين، أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أراد أن يكتب إلى قيصر، فقيل له: إنّ العجم لا يقبلون الكتاب، إلاّ أن يكون مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة ونقش فيه: محمد رسول اللّه.

قال البخاري: جعل ثلاث كلمات في ثلاثة أسطر وختم به وقال: لا ينقش أحد مثله، قال: وتختم به أبو بكر وعمر وعثمان، ثم سقط من يد عثمان في بئر اريس ...

وفي كيفية نقش الخاتم والختم به وجوه:

وذلك أنّ الخاتم يطلق على الآلة التي تجعل في الاصبع ومنه تختم: إذا لبسه، ومنه ختمت الأمر: إذا بلغته، وختمت القرآن، ومنه خاتم النبيين، وخاتم الأمر، ويطلق على السد الذي يسد به الأواني والدنان، ويقال: ختام، وقد غلط من فسّـر هذا بالنهاية والتمام، قال: آخر ما يجدونه في شرابهم ريح المسك، وليس المعنى عليه و إنّما هو من الختام الذي هو السداد، لأنّ الخمر يجعل لها في الدن سداد الطين أو القار، يحفظها ويطيب عرفها وذوقها فبولغ في وصف خمر الجنة بأنّ سدادها من المسك وهو أطيب عرفاً وذوقاً من القار والطين المعهودين في الدنيا..

وأنّ الخاتم إذا نقشت به كلمات أو أشكال ثم غمس في دواة من الطين أو المداد، ووضع على صفح القرطاس بقى أكثر الكلمات في ذلك الصفح، وكذلك إذا طبع به على جسم ليّن كالشمع فإنّه يبقى نقش ذلك المكتوب مرتسماً فيه ... إلى أن قال:


1- الطبقات الكبرى ج1 ص 258.


(123)

ويكون هذا من معنى النهاية والتمام بمعنى صحة ذلك المكتوب ونفوذه كأنّ الكتاب إنّما يتم العمل به بهذه العلامات، وهو من دونها ملغى ليس بتمام، ومن هذا خاتم القاضي الذي يبعث به للخصوم أي علامته وخطه الذي ينفذ بهما أحكامه ومنه خاتم السلطان أو الخليفة، أي علامته ... إلى آخر ما أفاده.

كل ما ذكره ذلك الفيلسوف الخبير بأسرار التاريخ، شواهد على ما ذكرنا فراجع بقية كلامه (1).

تشكيكان حول دلالة الآية على كون نبي الإسلام خاتماً:

البهائية حزب سياسي، لها طابع المذهب، قد اختلقها الميرزا حسين علي النوري المتوفّـى عام 1309هـ ق في عكا، ويليهم في العقيدة والغاية «القاديانية» ومؤسسها «غلام أحمد القادياني» ينسب إلى إحدى قرى البنجاب (قاديان)، كان في الرعيل الأوّل من فضلاء البنجاب وعلمائهم، لكنّه ادّعى عام 1892 أنّه المجدد للقرن الرابع عشر الهجري، وفق الحديث النبوي: «سيأتي على رأس كل مائة سنة رجل يجدد لها دينها»، قال: أنا المبعوث لهذا القرن، فاتبعوني لعلّكم تفلحون، فأطاعته عدة من الخواص والعوام زرافات ووحداناً، ولما أحس بروح التبعية فيهم، ادّعى أنّه المهدي والمسيح الموعود، ثم ادّعى لنفسه النبوّة وأنّه نبي كمثل أنبياء بني اسرائيل الذين كانوا معه، وأنّه نبي الاُمّة الإسلامية بغير مصحف، وعند ذلك هجم الناس عليه ليقتلوه، لولا تدخل الحكومة الانكليزية، وبقي على ما ادّعى إلى أن اخترمته المنية عام 1908 ولم يستخلف أحداً، فحدث بينهم خلاف عظيم، فمالت فئة من أتباعه إلى ابنه «بشير الدين أحمد» وتبعت فئة قليلة منهم «الأمير محمد علي» الذي شد أزر غلام أحمد من ابتداء الأمر، وقرروا أن يجعلوا لهم جميعة اُخرى، ويجتنبوا اتباع ابن غلام أحمد، وجعلوا مركزهم في «لاهور» عاصمة البنجاب، واشتهروا باسم الأحمدية اللاهورية، ومحمد علي هو مترجم


1- مقدمة ابن خلدون ج1 ص 220.


(124)

القرآن بالانكليزية.

وبين الطائفتين اختلاف في الاُصول والفروع، فالأحمدية منهم مؤمنة بأنّ النبي خاتم الأنبياء ولا يؤمنون بنبوّة غلام أحمد ولا يكفّرون المسلمين مهما كانت عقائدهم، وهو واتباعه يصلّون خلف كل مسلم، بشرط أن لا يكفّرهم، وأمّا القاديانية منهم، فهم يعتقدون أنّ غلام أحمد كان نبياً بلا كتاب سماوي، كأنبياء بني اسرائيل، ويؤوّلون آية: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين) تأويلاً يتوافق على زعم الطائفة المضلة ـ على ما سيأتي.

نعم تشترك الفئتان في الاعتقاد بحرمة الجهاد، لأنّ مسيحهما قد بعث وجاء لنشر السلام العام والمحبة، ولزوم الخضوع والطاعة لمن تسلّط، والكد والكدح في اكتساب الأموال والنقود، وأنّ الوحي مستمر إلى الأبد، إلى غير ذلك من المخازي لتضليل بسطاء الاُمّة عن الإسلام، وعند التحقيق يظهر أنّ الاستعمار خلق «البابية والقاديانية» لإيجاد التشكيك بين عوام الشيعة والسنّة، وكلا الاخوين «حية بطن واد» (1).

ولما أرادت الفرقة الضالّة المضلّة البهائية أن تعرّف زعيمها وقائدها، رسولاً من اللّه إلى الناس، كسائر المرسلين، من موسى والمسيح ومحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حاولت لتدعيم مدعاها أن تشكك في دلالة الآية على ما اتفق عليه المسلمون منذ نزولها إلى الآن، وقد جاءت في ذلك بتشكيكين لا يقصران عن شبه السوفسطائية في بداهة الاُمور ودونك بيانهما مع دحضهما بأوضح الوجوه:

التشكيك الأوّل:

خلاصة هذا الوجه ترجع إلى التصرف في معنى «الخاتم» كما أنّ التشكيك الثاني


1- وقد تحدثت مجلة العرفان عن الأحمدية والقاديانية في عدة من أعدادها، فراجع المجلد الثامن عشر في مقال تحت عنوان: «الإسلام في الهند» والمجلد التاسع عشر ص 94 والعشرين ص 233 و352 و 489 وفيها مقالات بأقلام جماعة من الباحثين تشرح لنا هوية هذه الفئة.


(125)

يرجع إلى التصرف في معنى «النبيين».

بيانه أنّ قوله سبحانه : (وخاتم النبيين) لا يدل على انتهاء النبوّة بوجوده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لاحتمال كون المراد من «الخاتم» الحلية التي تزين بها الاصبع وعندئذ يصير الهدف من اطلاق «الخاتم» عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واستعارته له هو تشبيه نبي الإسلام بالخاتم في الزينة وأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بلغ من الكمال مبلغاً حتى صار زينة الأنبياء، فهو بين تلك العصابة كالخاتم في يد لابسه.

وهنا احتمال آخر تسقط معه أيضاً دلالة الآية على ما يرتأيه المسلمون من اختتام النبوّة به ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو جواز أن يكون المراد من خاتم النبيين أنّه مصدق للنبيين وما اُنزل إليهم من الصحف والكتب ، كما قال سبحانه: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدةـ48) وقد تقدمت تصاريح التاريخ على أنّ الدارج في عصر الرسالة هو طبع الكتاب وتصديق ما فيه بالخاتم، فيصير اطلاق الخاتم عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واستعارته له، لأجل أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم النبيين ومصدقهم كالخاتم الذي هو مصدق لمضامين الكتب والصحف، فأين الدلالة على انسداد باب النبوّة (1).

الجواب:

انّ هذا التشكيك بمعزل عن التحقيق، بل لا يستحق أن يطلق عليه اسم التشكيك والشبهة، ولا يعرج عليه أي عربي أصيل، وأي عارف باللغة العربية، بل أي شخص له أدنى إلمام بها ولا يتردد في مخيلة أي ابن انثى، إذا كان ذا فكر سليم وذوق مستقيم، ولا يجود احتماله في كلمات القدامى والمتأخّرين.

إذ لم تعهد استعارة الخاتم في مصطلح العرف للشخص، لغاية الزينة والتصديق على وجه المجاز، أو استعماله فيهما على وجه الحقيقة منذ عصر الرسالة إلى يومنا هذا.

وقد عرفت المعنى الحقيقي لتلك الكلمة، ولم تكن الزينة أو التصديق أحد


1- الخاتمية ص 23.


(126)

معانيه، وأمّا استعماله فيهما مجازاً، فيتوقف على حصول أمرين:

الأوّل: أن يكون الاستعمال متعارفاً ودارجاً بين أهل اللسان، أو يكون ممّا يستحسنه الطبع والذوق، وكلاهما منتفيان (1).

الثاني: وجود قرينة مقالية أو حالية صارفة عن المعنى الحقيقي، وإلا فيحمل على المعنى الموضوع له، وهي أيضاً منتفية.

ولما كانت هذه الشبهة أشبه شيء بحديث خرافة، وشبه السوفسطائية لم يلتفت إليه أحد من مناوئي الإسلام، حتى مؤسس الفرقة الضالّة وزعيمها الأكبر، بل فسّر هو نفسه في بعض كتبه (2) (خاتم النبيين) على خلاف ما ذكر في الشبهة، وقال: «والصلاة والسلام على سيد العالم، ومربي الاُمم، الذي به انتهت الرسالة والنبوّة وعلى آله وأصحابه دائماً سرمداً...».

وصرّح بذلك في «ايقانه» (3) وفسره بالختم والانتهاء، نعم أتى بعد ذلك بتأويلات باردة يشمئز منها الطبع، وإنّما اوّل ما اوّل ليمهد الطريق لدعوى نبوّته وسفارته من اللّه سبحانه.

هلم معي نسأل مبدع الشبهة عن أنّه لماذا خص سبحانه «الخاتم» بالاستعارة، مع أنّ التاج والاكليل، أولى وأبلغ في بيان المقصود (الزينة)؟

هلم نسأله عن أنّه لو صح ما أراد (من أنّ المراد أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مصدق النبيين) ولن يصح، ولو صحت الأحلام، فلماذا عدل سبحانه عن أوضح التعابير وأفصحها، ولم يقل «مصدق النبيين» كما عبّر به في غير واحد من السور (4) عندما أراد توصيف النبي بكونه


1- ولأجل ذلك لا تجد في الآداب العربية ولا الفارسية ولا غيرها من اللغات استعارة الخاتم للزينة والتصديق.
2- اشراقات ص 292.
3- ايقان ص 136.
4- سورة البقرة: 41و 91 و97 ـ آل عمران: 3 وغيرهما.


(127)

مصدقاً لمن تقدم عليه وأتى في المقام بتعبير غير مألوف ولا مأنوس.

نحن نسأله: انّ تصديق من مضى من النبيين، ليس صفة خاصة له ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فانّ المسيح كان أيضاً مصدقاً للماضين منهم، وما معهم من الكتب والصحف، كما حكى عنه سبحانه: (وَ إِذْ قَالَ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّورَاةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَد) (الصف ـ 6)، وعند ذاك فلماذا عرّفه سبحانه بوصف مشترك بين الأنبياء جميعاً.

ماذا يجينا المبدع إذا سألناه، وقلنا له: إنّ تشبيه الرسول الأعظم بالخاتم في التصديق وليد الأحلام الباطلة، وشتان بينه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبين الخاتم، حتى في نفس وجه الشبه الذي اختلقه المبدع، فانّ الخاتم ليس هو نفسه مصدقاً، وإنّما هو آلة التصديق وما يصدق به، وإنّما المصدق انّما هو كاتب الصحيفة، وهذا بخلاف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فإنّه هو المصدق نفسه.

لا أدري ماذا يجيب المشكك عن هذه الأسئلة؟

نعم اختلقت هذا التشكيك بعض الأقلام المستأجرة، لتأييد أقاويل تلك الفئة وتسويل أباطيلهم، والكاتب أعرف ببطلانها، وقد عرفته الاُمّة، وعرفت نواياه، وما تخلّق به من روحيات ونفسيات.

التشكيك الثاني:

إنّ منصب النبوّة غير الرسالة، وما هو المختوم إنّما هو الأوّل دون الثاني فباب النبوّة وإن كان مختوماً بنص الآية، لكن باب الرسالة مفتوح على مصراعيه في وجه الاُمّة، ولم يوصد ولن يوصد أبداً.

واجلاء الحق في هذا المقام يتوقف على الوقوف على ما هو المقصود من النبي والرسول في الكتاب العزيز، وقد عقدنا لبيان الفرق بين النبي والرسول فصلاً خاصاً (1)


1- سيوافيك هذا الفصل في الجزء الرابع من هذه الموسوعة.


(128)

وأوضحنا فيه حال هذا التشكيك وجعلناه في مدحرة البطلان وأقمنا الدليل على أنّ ختم النبوّة يلازم ختم الرسالة.

وخلاصة ما قلناه هناك: إنّ النبي حسب ما يظهر من آيات الذكر الحكيم وكلمات اعلام اللغة، هو الانسان الموحى إليه من اللّه باحدى الطرق المعروفة، وأمّا الرسول فهو الانسان (1) القائم بالسفارة من اللّه بابلاغ قول أو تنفيذ عمل وإن شئت قلت: النبوّة منصب معنوي يستدعي الاتصال بالغيب باحدى الطرق المألوفة، والرسالة سفارة للمرسل (بالفتح) من جانبه سبحانه لتنفيذ ما تحمله منه في الخارج أو ابلاغه إلى المرسل إليهم.

وبعبارة ثالثة: النبوّة تحمل الأنباء من اللّهوالرسالة تنفيذ ما تحمله من الانباء بالتبشير والانذار والتبليغ و التنفيذ.

ولأجل ذلك يقترن لفظ الوحي بلفظ «النبيين» ويقول سبحانه: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) (النساء ـ 163).

ولو اقترن لفظ الوحي بالرسول في آية اُخرى، فلمناسبة اُخرى اقتضت العدول فيه كما أنّه يقترن في القرآن إلزام الانسان بتبليغ كلام عنه سبحانه أو تنفيذ عمل في الخارج بلفظ «الرسول» ويقول سبحانه: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك) (المائدة ـ 67).

وقال سبحانه: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكَ لاَِهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً) (مريم ـ 19).

وعلى ذلك فالنبي أمّا صيغة لازم بمعنى صاحب النبأ ومتحمله، أو صيغة متعد بمعنى المخبر عنه سبحانه، والرسول هو الموظّف لتحقيق ما تحمله النبي من جانب اللّه سبحانه عن طريق الوحي.

فلو فرض أنّه أوصد باب النبوّة وختم نزول الوحي إلى أي انسان كما يصرح به


1- المقصود هو الرسول المصطلح فلا ينافي اطلاقه على الملك والشخص العادي في القرآن الكريم.


(129)

لفظ «خاتم النبيين» فعند ذاك يختم باب الرسالة الالهية أيضاً بلا ريب، لأنّ الرسالة لا تهدف سوى تنفيذ ما يتحمله النبي من جانب اللّه عن طريق الوحي فإذا انقطع الوحي والاتصال بالمبدأ الاولى والاطلاع على ماعنده، لا يبقى موضوع للرسالة أبداً، فإذا كان محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتماً للنبيين أي مختوماً به الوحي والاتصال فهو خاتم الرسل والمرسلين طبعاً، لأنّ رسالة الانسان من جانب اللّه سبحانه، عبارة عن بيان أو تنفيذ ما أخذه عن طريق الوحي، فلا تستقيم رسالة أي انسان من جانبه سبحانه إذا انقطع الوحي والاتصال به تعالى ولا يقدر أن يقول أي ابن اُنثى بالرسالة من ناحيته سبحانه إذا كانت النبوّة موصدة باعترافه.

هذا خلاصة ما قلناه هناك وسيوافيك تفصيله بدلائله وشواهده من الكتاب والسنّة وكلمات اعلام اللغة.

التنصيص الثاني (1) على الخاتمية:

هلم معي نقرأ النصوص الباقية الدالة على كون نبيّنا خاتم الرسل، وانّ رسالته خاتمة الرسالات حتى يتضح الحق بأجلى مظاهره، فمن النصوص قوله سبحانه:


1- الهدف الأسمى من الاستدلال بهذه الآية وما تليها، هو نفي قسم خاص من أقسام النبوّة، أي النبوّة التشريعية الناسخة، فهذه الآية وأمثالها تكذّب كل من ادّعى لنفسه منصب النبوّة التشريعية، وادّعى أنّه نبي كموسى وعيسى ومحمد، وانّ له كتاباً وشريعة ناسخة لما قبلها من الكتب والشرائع، إذ لا يعقل أن يكون لمجتمع واحد كتابان مختلفا الأهداف والأغراض، أو نذيران متعددا الغايات.
فلا يصح أن يكون الفرقان والقرآن نذيراً لهم، وفي الوقت نفسه يكون كتاب آخر، يخالفه في المضمون نذيراً لهم أيضاً، وقس على ذلك سائر ما يرد عليك من الآيات.
نعم هذه الآية ونظائرها لا تفي بنفي النبوّة التبليغية المحضة، أو التشريعية غير الناسخة، بأن تكون النسبة بين الشريعتين نسبة الأقل إلى الأكثر، أو المجمل إلى المفصل، والدليل الوحيد في القرآن، على انسداد أبواب النبوّاة على اطلاقها، هي الآية المتقدمة، وما سيوافيك من الأحاديث المتواترة، الدالة على اغلاق باب النبوّة على وجه الاُمة بعامة أنواعها واقسامها فلاحظ.


(130)

(تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعلَمِينَ نَذِيراً)( الفرقان ـ 1) .

وصريح النص أنّ الغاية من تنزيل الفرقان على عبده (رسولنا) كون القرآن نذيراً للعالمين، أي الخلائق كلها من بدء نزوله إلى يوم يبعثون.

قال «الراغب» في مفرداته: العالم اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والأعراض وهو في الأصل اسم لما يعلم به، كالطابع والخاتم، لما يطبع به وما يختم به، وجعل بناءه على هذه الصفة، لكونه كالآلة والعالم آلة، في الدلالة لصانعه، وأمّا جمعه فلأن كل نوع من هذه قد يسمى عالماً، فيقال عالم الانسان وعالم الماء، وعالم النار، وأمّا جمعه على السلامة فلكون الناس من جملتهم والانسان إذا شارك غيره في اللفظ غلب عليه حكمه، وقيل إنّما جمع هذا الجمع لأنّه عنى به أصناف الخلائق من الملائكة والجن والناس دون غيرها وروي هذا عن ابن عباس وقال جعفر بن محمد عنى به الناس، وجعل كل واحد عالماً (1).

وقال: العالم عالمان: الكبير وهو الفلك بما فيه والصغير لأنّه مخلوق على هيئة العالم (2).

قال الزمخشري: العالم اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وقيل كل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض، وجمع ليشمل كل جنس مما سمّي به، وأمّا جمعه بالواو والنون مع كونه اسماً غير صفة وإنّما يجمع بها صفات العقلاء، أو ما في حكمها من الأعلام، فلأجل معنى الوصفية فيه وهي الدلالة على معنى العلم (3).


1- هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، ويشهد له ما نقله سبحانه، عن قوم لوط في خطابهم له، عند نزول ضيوفه: (قالَ إنَّ هؤُلاءِ ضِيْفَي فَلا تفضحون * وَاتَّقُوا اللّهَ ولا تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَـمْ نُنْهكَ عَنِ العَـلَمِينَ) (الحجر : 68ـ 70) أي قالوا في جوابه: أوليس كنا قد نهيناك عن أن تستضيف أحداً من الناس، ولا معنى لأن ينهوه عن الأجرام السماوية، أو الجن والملائكة.
ونظيره قوله سبحانه ـ حكاية عن لوط في الرد على قومه ـ: (أَتَأتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَـلَمِينَ) (الشعراء ـ 165) فالمراد من العالمين فيه هو الناس بلا ريب.
2- المفردات للراغب ص 349.
3- الكشاف ج1 ص 6.


(131)

وعلى أي تقدير سواء أكان المراد من العالمين في الآيات الآخر جميع المخلوقات التي يحويها الفلك من الجواهر والأعراض، أم كان المراد الإنس والجن، فالمراد منه في الآية بقرينة كونه «نذيراً» خصوص الانسان أو مطلق من يعقل، فالآية صريحة في أنّ انذاره لا يختص بناس دون ناس، أو بزمان دون زمان، فهو على اطلاقه يعطي كونه نذيراً للاُمّة البشرية بلا قيد ولا حد.

ولقائل أن يعترض ويقول: ربّما يطلق «العالمون» ويراد منه الجم الغفير من الناس كما في قوله سبحانه في تفضيل بني اسرائيل: (يَا بَنِي إِسْرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِي التِي أَنْعَمْتَ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمين)(البقرة ـ47) ويقال رأيت عالماً من الناس يراد به الكثرة وعند ذاك لا تكون الآية صريحة فيما نرتئيه.

والجواب: انّ المتبادر من العالمين في مصطلح العرف والقرآن هو المعنى العام وهو عبارة أمّا عن الخلائق عامة كما عليه قوله سبحانه: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمين* قَالَ رَبُّ السَّمواتِ وَ الأرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) (الشعراء 23 ـ24).

وغيره من الآيات الكثيرة التي استعملت فيها كلمة «العالمين» في الخلق كلّه، أو نوع ما يعقل من الملائكة والإنس والجن وعليه قوله تعالى: (وَلكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْل عَلَى العلَمِينَ) (البقرة ـ 251).

وقوله سبحانه: (وما اللّه يريد ظلماً للعلمين) (آل عمران ـ 108)، أو خصوص الإنس وعليه قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَ هُدًى لِلعلَمِينَ) (آل عمران ـ 96).

وقوله سبحانه: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العلمِينَ) (الشعراء ـ 165).

وقوله سبحانه: (أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ العلَمِينَ) (الأعراف ـ 80، وقريب منها ما في العنكبوت ـ 28).

وعلى ما ذكرنا فلا يسوغ أن يحمل هذ اللفظ على غير هذه المعاني، إلاّ بقرينة صارفة عن ظاهره وهي غير موجودة في المقام.


(132)

وأمّا قوله سبحانه: (وأنّي فضّلتكم على العلمين) فليس ظاهراً فيما فسره صاحب الكشاف، من الجم الغفير، ولأجل ذلك فسّره حبر الاُمّة بأهل عالمي زمانهم كلهم، لا بالجم الغفير، كما فسّـر به قوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَ طِهَّرَكِ وَ اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العلَمِينَ) (آل عمران ـ 42).

وعلى أي حال سواء أفسّرناه بالجم الغفير أم خصصناه بأهل عالمي زمانهم فإنّما هو لقرينة صارفة عن ظاهره، حيث دل القرآن على أنّ الاُمّة الإسلامية أفضل الاُمم، لقوله سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّة اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَ تَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ) (آل عمران ـ 110).

ونظير تلك الآية ما دل على اصطفاء مريم على نساء العالمين، كما قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلى نِسَاءِ العَالَمينَ) (آل عمران ـ 42) فالمراد منه هو نساء عالمي أهل زمانها، لما اُثر عن النبي وآله من عدم فضلها على ابنته فاطمة ـ عليها السَّلام ـ .

أخرج ابن سعد، عن مسروق، عن عائشة في حديث: انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أسر إلى فاطمة عند مرضه وقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الاُمّة، أو نساء العالمين(1).

ورواه أبو نعيم الاصفهاني أيضاً بهذه العبارة (2).

وأخرج مسلم والترمذي والبخاري في صحاحهم عن عائشة، قالت: إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال لفاطمة في اُخريات أيامه: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الاُمّة (3).

روى الحديث بألفاظه المختلفة العلاّمة المجلسي في بحاره، فراجع (4).

ولولا هذه المأثورات عمّن نزل عليه القرآن لكان الواجب الأخذ بظاهرها والحكم


1- الطبقات الكبرى ج8 ص 27، حلية الأولياء ج 2 ص 40.
2- الطبقات الكبرى ج8 ص 27، حلية الأولياء ج 2 ص 40.
3- التاج الجامع للاُصول ج 3 ص 314.
4- بحار الأنوار ج43 ص 36.


(133)

بتفضيلها (مريم) على نساء العالمين جميعاً.

على أنّه يمكن الأخذ باطلاق قوله سبحانه: (وأنّي فضّلتكم على العـلمين) والقول بتفضيلهم على الناس كلّهم بتقريب أنّ ملاك فضلهم على غيرهم، تخصيصهم بأشياء من بين الاُُمم إذ انزل عليهم المنّ والسلوى، وبعث فيهم رسلاً، وأنزل عليهم الكتب ونجّاهم من فرعون وملائه إلى غير ذلك مما خص به تلك الاُمّة من بين الناس ولا يلزم منه تفضيل واحد منهم على غيرهم (1).

وعلى أي تقدير فالمتبع هو ظاهر الآية ما لم يدل دليل على خلافه، وليست في المقام قرينة تصرف قوله سبحانه: (ليكون للعالمين نذيراً) عن ظاهره وصريحه.

النص الثالث من القرآن على الخاتمية:

ومن النصوص قوله سبحانه: (انّ الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وأنّه لكتـب عزيز* لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (فصّلت 41 ـ 42).

والمقصود من «الذكر» هو القرآن، لقوله سبحانه: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَ الذِّكْرِ الحَكِيمِ) (آل عمران ـ 58).

وقوله سبحانه: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(النحلـ44).

والضمير في «لا يأتيه» يرجع إلى «الذكر» ومفاد الآية أنّ الباطل لا يتطرّق إليه ولا يجد إليه سبيلاً من أي جهة من الجهات ، فلا يأتيه البطل بأي صورة متصورة، ودونك صوره:

1ـ لا يأتيه الباطل: لا ينقص منه شيء ولا يزيد فيه شيء.


1- مجمع البيان ج1 ص 102.


(134)

2ـ لا يأتيه الباطل: لا يأتيه كتاب يبطله وينسخه بأن يجعله سدى، فهو حق ثابت لا يبدل ولا يغير ولا يترك.

3ـ لا يأتيه الباطل: لا يتطرق في اخباره عمّـا مضى ولا في اخباره عمّـا يجيء، الباطل، فكلّها تطابق الواقع.

وعلى أي تقدير فمحصل الآية بحكم الاطلاق المستفاد من قوله سبحانه: «لا يأتيه» أنّ القرآن حق لا يدخله الباطل إلى يوم القيامة.

ويؤيد ذلك قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجرـ9) أي نحفظه عن تطرق أي بطلان إليه إلى يوم البعث، كما هو أيضاً مقتضى اطلاقه.

والحق المطلق الذي لا يدانيه الباطل أبداً، والمحفوظ عن تسلل البطلان إليه إلى يوم القيامة كما هو ظاهر الآيتين، يمتنع أن يكون حجّة محدودة، بل يكون متبعاً لا إلى غاية خاصة وأمد محدود، لأنّ خاصية الحق المطلق والمصون عن تطرق البطلان مطلقاً هو كونه حجة لا إلى حد خاص واللّه سبحانه عهد: (لِيُحِقَّ الحَقَّ وَ يُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ) (الانفال ـ 8).

فإذا كان القرآن حقاً مطلقاً مصوناً عن تسلل البطلان إليه، ومتبعاً للناس إلى يوم القيامة، يجب عند ذلك، دوام رسالته وثبات نبوّته وخاتمية شريعته.

وإن شئت قلت: إنّ الشريعة الجديدة إمّا أن تكون عين الشريعة الإسلامية الحقة المحقة التي لا يقارنها ولا يدانيها الباطل أو غيرها، فعلى الأوّل لا حاجة إلى الثانية، وعلى الثاني فامّا أن تكون الثانية حقّة كالاُولى، فيلزم كون المتناقضين حقاً، أو يكون الاُولى حقّة دون الاُخرى، فهذا هو المطلوب.

والرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يزل يبيّن شريعته، بالكتاب الحق الذي لا يدانيه الباطل وبسنّته المحكمة التي لا تصدر عنه إلاّ بإيحاء منه سبحانه، كما قال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى *عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى) (النجم: 3 ـ5) وعلى أي تقدير فالآية


(135)

صريحة في نفي أي تشريع بعد القرآن، وشريعة غير الإسلام فتدل بالملازمة على عدم النبوّة التشريعية بعد نبوّته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

النص الرابع من القرآن على خاتمية الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

ومن النصوص قوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهدَةً قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ اُوحِيَ إِليَّ هَذَا القُرآنُ لاُنْذرَكُمْ بِهِ وَ مَن بَلَغَ) (الأنعام ـ 19) وفسره أمين الإسلام الطبرسي بقوله: أي لا خوف به من بلغه القرآن إلى يوم القيامة، ولذا قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من بلغه أنّي أدعو إلى أن لا إله إلاّ اللّه فقد بلغه، أي بلغته الحجة وقامت عليه، حتى قيل من بلغه القرآن، فكإنّما رأى محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وسمع منه وحيث ما يأتي القرآن، فهو داع ونذير(1).

قوله سبحانه: (ومن بلغ) معطوف على الضمير المنصوب في قوله: (لاُنذركم) لا على الفاعل المستتر.

وقد وافاك توضيح مفاد الآية والتوفيق بينها وبين قوله سبحانه: (ولتنذر اُمّ القرى ومن حولها) عند البحث عن كون رسالة الرسول عالمية (2).

النص الخامس على الخاتمية:

ومن النصوص قوله تعالى: (وما أرسلناكَ إلاّ كافَّةً للناسِ بشيراً ونذيراً ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمونَ) (سبأ ـ 28).

المتبادر من الآية، كون (كافة) حالاً من الناس قدمت على ذيها، وتقدير الآية: «وما أرسلناك إلاّ للناس كافة بشيراً ونذيراً».

ويحتمل كونها حالاً من الضمير المنصوب في «أرسلناك» ومفاد الآية: وما أرسلناك إلاّ أن تكفّهم وتردعهم. ولكنّه ضعيف جداً، إذ لا حاجة عندئذ إلى لفظ


1- مجمع البيان ج3 ص 282.
2- راجع ص 63ـ 70 من كتابنا هذا.


(136)

«كافة» بعد تذييل الجملة بقوله: (بشيراً ونذيراً) إذ لا معنى للكف والردع إلاّ تخويفهم عن عذابه وعقابه حتى يرتدعوا بالتأمل فيما أوعد اللّه في كتابه العزيز ولسان نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على مقترفي الجرائم، وليس ذلك إلاّ نفس الانذار الوارد في الآية:

أضف إليه أنّه لم يستعمل لفظ «كافّة» في القرآن إلاّ بمعنى عامة كقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا ادخُلُوا فِي السلْمِ كَافَّةً) (البقرة ـ 208).

وقوله عز وجل: (وَ قَاتِلُوا المشرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كافَّةً) (التوبة ـ 36).

وقوله سبحانه: (وَ مَا كَانَ المؤمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً) (التوبة ـ 122).

وكل ذلك يؤيد كون (كافة) بمعنى عامة حالا من الناس، والآية مع كونها دليلاً على كون رسالته عالمية، دليل على كونه مبعوثاً إلى كافة الناس إلى يوم يبعثون (1).

النص السادس على الخاتمية:

ثم إنّه سبحانه جعل نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم النبيين، وكتابه خاتم الكتب، وجعله مهيمناً على جميع الكتب النازلة من قبل.

قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ وَ لاتَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحْقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجاً وَلَو شَاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ اُمّةً وَاحِدَةً وَلِكنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) (المائدة ـ 48).

والمهيمن هو الرقيب الشهيد وقد فسّـر باُمور اُخرى يقرب بعضها من بعض فهو


1- ويؤيد ذلك ما رواه ابن سعد في «طبقاته الكبرى» عن خالد بن معدان قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : بعثت إلى الناس كافة، فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب، فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريش، فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشم، فإن لم يستجيبوا لي فإليّ وحدي.
ونقل عن أبي هريرة، أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: اُرسلت إلى الناس كافة، وبي ختم النبييون (الطبقات الكبرى ج 1 ص 192) وكل ذلك دليل على أنّ الصحابة لم يفهموا من الآية إلاّ ما استظهرناه.


(137)

مراقب أمين يشهد على الكتب النازلة قبله بالصحة في مورد، والبا لتحريف في مورد آخر. ولو أراد أهل الكتب الوصول إلى الحق الواضح لرجعوا إلى ذلك الكتاب، لأنّهم لم يؤتوا علم كتابهم كلّه، بل : (اُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتـب) (آل عمران ـ 23) وأنّهم: (...نسُوا حظّاً مّـِمَّـا ذُكِّرُوا بِهِ) (1) ، وكانوا: (يُحرِّفونَ الكَلِمَ عن مواضِعِهِ)(2).

وفسره العلاّمة الطباطبائي بوجه آخر وقال:

هيمنة الشيء على الشيء كون الشيء ذا سلطة على الشيء في حفظه ومراقبته وأنواع التصرف فيه، وهذا حال القرآن الذي وصفه اللّه تعالى بأنّه تبيان كلّ شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية، يحفظ منها الاُصول الثابتة غير المتغيرة، وينسخ منها ما ينبغي أن ينسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرق إليه التغير والتبدل ممّا يناسب حال الانسان بحسب سلوكه صراط التكامل بمرور الزمان، قال تعالى: (إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء ـ 9).

وقال: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِها) (البقرة ـ 106).

فهذه الجملة أعني قوله: (ومهيمنا عليه) متممة لقوله: (مصدقاً لما بين يديه من الكتاب) تتميم ايضاح، إذ لولاها لأمكن أن يتوهّم من تصديق القرآن للتوراة والانجيل أنّه يصدق ما فيهما من الشرائع والأحكام، تصديق إبقاء من غير تغيير وتبديل لكن توصيفه بالهيمنة يبيّن أنّ تصديقه لهما تصديق إنّهما شرائع حقّة من عند اللّه، وانّ للّه أن يتصرف فيها ما يشاء بالنسخ والتكميل كما يشير إليه قوله سبحانه في ذيل الآية: (ولو شاء اللّه لجعلكم اُمّة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم) (3).

اشارات قرآنية إلى الخاتمية:

ثم إنّ في الكتاب الحكيم آيات تشير إلى خاتمية الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخاتمية كتابه


1- لاحظ الآية 13 من المائدة.
2- لاحظ الآية 13 من المائدة.
3- الميزان ج 5 ص 378 ـ 379.


(138)

ويقف على تلك الإشارات كل من أمعن النظر في مضامينها ونذكر في المقام بعض الآيات:

(أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمْ الكِتَابَ مُفَصَّلاً وَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالحقِّ فَلاتَكُونَنَّ مِنَ الممتَرِينَ* وَ تمّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً لا مُبَدِّلَ لكلمتِهِ وَ هُوَ السميعُ العليمُ)(الأنعام 114ـ 115).

ودلالة قوله سبحانه: ( وتمّت كلمتُ ربّك صدقاً وعدلاً لا مبدّل لكلمته ) على إيصاد باب الوحي وانقطاعه إلى يوم القيامة وتمامية الشرائع النازلة من اللّه سبحانه طوال قرون إلى سفرائه، واضحة بعد الوقوف على معنى الكلمة في القرآن.

إن «الكلمة» في القرآن قد استعملت في معان أو في مصاديق مختلفة بمعنى واحد جامع واسع، حتى استعملت في العين الخارجي.

قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ المَسيحُ عَيسى ابْنُ مَرْيَم) (آل عمران ـ 45) كما استعملت في القضاء والوعد القطعي قال سبحانه: (وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمعِينَ) (هود ـ 119) إلى غير ذلك.

لكن المراد منها في الآية هو الدعوة الإسلامية أو القرآن الكريم، وما فيه من شرائع وأحكام، والشاهد عليه الآية المتقدمة حيث قال سبحانه: (وهو الذي أنزل إليكم الكتـب مفصّلاً والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنّه منزّل من ربّك بالحق) فالمراد من قوله: ( أنزل إليكم الكتاب) هو القرآن النازل على العالمين، ثم يقول: بأنّ الذين آتيناهم الكتاب من قبل كاليهود والنصارى إذا تخلصوا عن الهوى، يعلمون أنّ القرآن وحي إلهي كالتوراة والأنجيل وأنّه منزل من اللّه سبحانه بالحق، فلا يصح لأي منصف أن يتردد في كونه نازلاً منه إلى هداية الناس.

ثم يقول في الآية التالية: (وتمت كلمة ربّك) بظهور الدعوى المحمدية، ونزول الكتاب المهيمن على جميع الكتب وصارت مستقرة في محلها بعد ما كانت تسير دهراً


(139)

طويلاً في مدارج التدرج بنبوّة بعد نبوّة وشريعة بعد شريعة (1).

وهذه الكلمة الالهية أعني الدعوة الالهية المستوحاة في القرآن الكريم صدق لا يشوبه كذب وما فيه من الأحكام من الأمر والنهي، عدل لا يخالطه ظلم ولأجل تلك التمامية لا تتبدل كلماته وأحكامه من بعد (2).

وأمّا ما احتمله صاحب المنار من أنّ المراد من الكلمة ما وعد اللّه به نبيّه من نصره وخذلان مستهزئيه مستشهداً بقوله سبحانه: (وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبادِنَا المُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورون * وَ إِنَّ جُنْدَنَا لَهُمْ الغلِبُونَ) (الصافات: 171ـ 173) وما في معناه من الآيات، فممّـا لا يلائم سياق الآيات ولا يناسب قوله: (صدقاً وعدلاً) ولا قوله: (لا مبدّل لكلمته) إلاّ بالتكلّف الذي ارتكبه صاحب المنار (3).

***

هذا حال الخاتمية في الذكر الحكيم وقد عرفت أنّه ناطق بايصاد باب النبوّة والرسالة، وخاتميتهما، وقد وردت في المقام أحاديث متواترة عن النبي الخاتم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وآله الطاهرين فلأجل ايقاف القارئ على تلكم الكلم الرية عقدنا الفصل التالي:


1- الميزان ج7 ص 328، مجمع البيان ج 2 ص 354.
2- وقد استعملت الكلمات في القرآن الكريم في الشرائع الالهية قال سبحانه واصفاً مريم: (وصدقت بكلمات ربّها وكتبه)(التحريم ـ 12).
3- المنار ج8 ص 12.


(140)

الخاتمية

في الأحاديث الإسلامية

لقد حصحص الحق بما أوردناه من النصوص القرآنية وانكشف الشك عن محيا اليقين، فلم تبق لمجادل شبهة، في أنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم النبيين والمرسلين ودينه خاتم الأديان وكتابه خاتم الكتب وقد وردت عن النبي والأئمّة من بعده نصوص في المقام تؤكد المطلب فلا بأس بالتعرض لها، وتوضيح بعضها، إذ لم نجدها مجتمعة في باب أو كتاب.

تنصيص الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على الخاتمية

1ـ خرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من المدينة إلى غزوة تبوك وخرج الناس معه فقال له علي ـ عليها السَّلام ـ : أخرج معك؟ فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :لا، فبكى علي، فقال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي، أو ليس بعدي نبي، أو لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي» (1).

وهذا الحديث صحيح متفق عليه بين الاُمّة، لم يشك أحد في صحة سنده ولا سنح في خاطر كاتب أن يناقش في ثبوته.


1- سمّي حديث المنزلة، لأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نزّل فيه نفسه منزلة موسى، ونزّل علياً مكان هارون.


(141)

وحسبك أنّه أخرجه البخاري في صحيحه في غزوة تبوك (1) ومسلم في صحيحه في باب فضائل علي ـ عليها السَّلام ـ (2) وابن ماجة في سننه في باب فضائل أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (3) والحاكم في مستدركه في مناقب علي ـ عليها السَّلام ـ (4) وإمام الحنابلة في مسنده بطرق كثيرة (5).

قال «ابن عبد البر» في استيعابه: هذا من أثبت الآثار وأصحها، رواه عن النبي سعد بن أبي وقاص، قال طرق حديث سعد كثيرة جداً، ذكرها ابن خيثمة وغيره ورواه ابن عباس وأبو سعيد الخدري واُمّ سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبد اللّه، وجماعة يطول ذكرهم (6). ورواه من أعلام الطائفة، صدوق الاُمّة في أماليه ومعانيه (7) وشيخ الطائفة في أماليه (8) والعلاّمة الكراجكي في كنزه (9) وقطب الدين الراوندي في خرائجه(10) وابن شهر آشوب في مناقبه (11)، وقال: وصنف أحمد بن محمد بن سعيد كتاباً في طرقه قد تلقّته الاُمّة بالقبول اجماعاً، والكاتب الاربلي في كشف الغمة (12)، وقد جمع العلامة المجلسي طرق الحديث من الفريقين في جامعه (13).

وفيما ذكرنا من المصادر غنى وكفاية، لا حاجة إلى الاستقصاء، فإن كل من


1- صحيح البخاري، الجزء الثالث ص 58.
2- صحيح مسلم، الجزء الثاني ص 323 ـ 324.
3- سنن ابن ماجة، الجزء الأوّل ص 28.
4- مستدرك الحاكم، الجزء الثالث ص 109 وفي مواضع اُخر.
5- مسند ابن حنبل، الجزء الأوّل ص 331 والجزء الثاني ص 369 و 437، والمغازلي في مناقبه ص 237 ـ 238 والخوارزمي في مناقبه ص 76.
6- راجع الاستيعاب في ترجمة علي ـ عليها السَّلام ـ .
7- أمالي الصدوق ص 29، ومعاني الأخبار ص 74 وقد بسط الكلام في دلالة الحديث.
8- أخرجه في أماليه في مواضع مختلفة، راجع ص 28 و31 و159 و164 و193 و218 و331.
9- كنز الفوائد ص 282.
10- الخرائج والجرائح ص 75.
11- مناقب ابن شهر آشوب ج1 ص 522.
12- كشف الغمة ص 44.
13- بحار الأنوار ج 37، الباب 53 ص 254 ـ 289.


(142)

تعرض لغزوة تبوك، أو عقد باباً لفضائل مولانا أمير المؤمنين ـ عليها السَّلام ـ أثبته في كتابه.

ووضوح دلالة الرواية أغنانا عن البحث حولها.

2ـ عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبل كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلاّ موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة ؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين (1).

صورة اُخرى للرواية:

عن جابر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى داراً فأتمها وأكملها إلاّ موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون لولا موضع هذه اللبنة، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء (2).

3ـ انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لي خمسة أسماء، أنا محمد وأحمد ،أنا الماحي يمحو اللّه بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي (3).

4ـ قال عرباض بن سارية: سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: إنّي عبد اللّه وخاتم النبيين وانّ آدم لمنجدل في طينة وساُخبركم من ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي.

وفي صورة اُخرى قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: إنّي عبد اللّه وخاتم النبيين. فذكر مثله وزاد في أنّ اُمّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رأت حين وضعته نوراً أضاءت منه قصور الشام(4).

5ـ وفي حديث الشفاعة: فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى اشفع لنا إلى ربّك


1- صحيح البخاري 4/226، مسند أحمد 2/398 و 412 وراجع الدر المنثور 5/204.
2- التاج 3/22 عن البخاري ومسلم والترمذي.
3- الطبقات الكبرى 1/65 ـ مسند أحمد 4/81 و 84 ـ صحيح مسلم 8/89.
4- الطبقات الكبرى 1/96 ـ مسند أحمد 4/127 و 128 ـ ينابيع المودة ص 10 الميزان 19/295 مع اختلاف يسير.


(143)

فليقض بيننا، فيقول: إنّي لست هناكم ائتوا محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فانّه خاتم النبيين (1).

6ـ وجاء في حديث الشفاعة: قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول اللّه وخاتم الأنبياء غفر اللّه لك ذنبك ما تقدم منه وما تأخر فاشفع لنا ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه (2).

7ـ عن أبي هريرة أنّه قال: قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اُرسلت إلى الناس كافة وبي ختم النبيون (3).

8ـ في حديث: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّي خاتم ألف نبي وأكثر (4).

9ـ قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ الرسالة والنبوّة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي، قال: فشق ذلك على الناس، فقال: لكن المبشّرات، فقالوا: يا رسول اللّه وما المبشّرات؟ قال: رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوّة (5).

10ـ عن جابر بن عبد اللّه: أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أوّل شافع ومشفع ولا فخر (6).

11ـ عن قتادة أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: كنت أوّل الناس في الخلق وآخرهم في البعث(7).

12ـ عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا علي أخصمك بالنبوّة فلا نبوّة بعدي وتخصم الناس بسبع ولا يجاحدك فيه أحد من قريش: أنت أوّلهم إيماناً باللّه... (8).

13ـ استأذن العباس بن عبد المطلب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الهجرة، فقال له: يا عم أقم


1- مسند أحمد 3/248 وراجع صحيح البخاري 6/106.
2- صحيح البخاري 6/106 ـ مسند أحمد 2/436.
3- الطبقات الكبرى ج1 ص 128 مسند أحمد ج 2 ص 412.
4- مسند أحمد 3/79.
5- سنن الترمذي 3/364.
6- سنن الدارمي 1/27، المطبوع بدمشق عام 1349.
7- الطبقات الكبرى 1/96 ـ ينابيع المودة ص 17 وفيه: أوّل الأنبياء في الخلق.
8- حلية الأولياء 1/66.


(144)

مكانك الذي أنت به فإنّ اللّه تعالى يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوّة ثم هاجر إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وشهد معه فتح مكة وانقطعت الهجرة ... (1).

14ـ انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: إنّما أخاف على اُمّتى الأئمّة المضلّين فإذا وضع السيف في اُمّتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة. ولا تقوم الساعة حتى تلتحق قبائل من اُمّتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من اُمّتي الأوثان، وأنّه يكون في اُمّتي ثلاثون كذّابون كلّهم يزعم أنّه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من اُمّتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك (2).

15ـ وعنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : فضّلت بست: اُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، واُحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، واُرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (3).

16ـ عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: في اُمّتي كذّابون دجّالون سبعة وعشرون منهم أربعة نسوة وانّي خاتم النبيين لا نبي بعدي (4).

17ـ سأل جابر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن أوّل شيء خلقه اللّه قال: هو نور نبيّك يا جابر خلقه اللّه ثم خلق فيه كل خير وخلق بعده كل شيء ... ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين وخاتم النبيين ومبعوثاً إلى كافة الناس أجمعين ورحمة للعالمين (5).

8ـ عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ... وجعل اسمي في القرآن محمداً فأنا محمود في جميع القيامة في فصل القضاء لا يشفع أحد غيري. وسمّاني في القيامة حاشراً يحشر الناس على قدمي. وسمّاني الموقف اوقف الناس بين يدي اللّه جل جلاله. وسمّاني العاقب أنا عقب النبيين ليس بعدي رسول وجعلني رسول الرحمة (6).


1- اُسد الغابة 3/110.
2- جامع الاُصول 10/410.
3- جامع الصغير 2/126.
4- الدر المنثور 5/204.
5- ينابيع المودة ص 14ـ 15.
6- علل الشرائع 1/122 ـ الخصال 2/425 ـ معاني الأخبار 51 ـ بحار الأنوار 16/63.


(145)

19ـ عن أبي جعفر ـ عليها السَّلام ـ قال في حديث: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أيها الناس أنّه لا نبي بعدي ولا سنّة بعد سنّتي فمن ادّعى ذلك فدعواه وبدعته في النار فاقتلوه ومن تبعه فانّه في النار. أيها الناس احيوا القصاص واحيوا الحق لصاحب الحق ولا تفرّقوا واسلموا وسلّموا كتب اللّه: (لاَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَوِيٌ عَزِيز) (1).

قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا سنّة بعد سنّتي» يبطل كل شريعة سوى شريعته إلى يوم القيامة.

ورواه الكاتب الأربلي في كتابه بصورة اُخرى. قال: قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مرض موته والمسلمون مجتمعون حوله: «أيها الناس انّه لا نبي بعدي، ولا سنّة بعد سنّتي، فمنادّعى ذلك فدعواه وباغيه في النار. أيها الناس احيوا القصاص واحيوا الحق لصاحب الحق ولا تفرقوا واسلموا وسلّموا كتب اللّه: (لأغلبن أنا ورسلي انّ اللّه قوي عزيز) » (2).

20ـ عن أبي اُمامة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: أيها الناس انّه لا نبي بعدي ولا اُمّة بعدكم ألاّ فأعبدوا ربّكم ... (3).

21ـ عن علي ـ عليها السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أنا خاتم النبيين وعلي خاتم الوصيين (4).

22ـ عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه خطب في أوسط أيام التشريق فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا وبلدكم هذا إلى يوم تلقونه ألاّ فليبلغ شاهدكم غائبكم لا نبي بعدي ولا اُمّة بعدكم ثم رفع يديه حتى أنّه ليرى بياض ابطيه ثم قال: اللّهمّ اشهد انّي قد بلّغت (5).


1- الفقيه 4/163 ـ وسائل الشيعة 18/555.
2- كشف الغمة ج1 ص 21ـ البحار ج22 ص 531.
3- الخصال 1/322 ـ وسائل الشيعة 1/15.
4- عيون أخبار الرضا 2/47.
5- الخصال 2/487 وفي طبعة اُخرى ص 84.


(146)

23ـ عن أبي اُمامة قال: كنّا ذات يوم عند رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جلوساً فجاءنا علي بن أبي طالب ـ عليها السَّلام ـ واتفق من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قيام فلمّـا رأى علياً جلس فقال يا ابن أبي طالب: أتعلم لم جلست؟ قال: اللّهمّ لا، فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ختمت أنا النبيين وختمت أنت الوصيين ... (1).

24ـ عن أبي جعفر محمد بن علي ـ عليهما السَّلام ـ أنّه قال حج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من المدينة ـ وساق قصة غدير خم وخطبة النبي فيها ـ وقال: بي واللّه بشّر الأوّلون من النبيين والمرسلين وأنا خاتم النبيين والمرسلين والحجة على جميع المخلوقين من أهل السموات والأرضين فمن شك في هذا فهو كافر كفر الجاهلية الاُولى ومن شك في قولي هذا فقد شك في الكل، والشاك في ذلك فهو في النار (2).

25ـ عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حديث: انّ اللّه تعالى أوحى إليّ أن اتخذ علياً أخاً كما أنّ موسى اتخذ هارون أخاً واتخذ ولده ولداً فقط طهرتهم كما طهرت ولد هارون إلاّ أنّي ختمت بك النبيين فلا نبي بعدك فهم الأئمّة الهادية ... (3).

26ـ عن علي بن هلال عن أبيه قال: دخلت على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو في الحالة التي قبض فيها فإذا فاطمة عند رأسه فبكت حتى ارتفع صوتها فرفع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إليها رأسه وقال:... نحن أهل بيت قد أعطانا اللّه عزّ وجلّ سبع خصال لم يعط أحداً قبلنا ولا يعطي أحداً بعدنا أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على اللّه عزّ وجلّ ... (4).

27ـ عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: أنا الأوّل والآخر (5).

قال الأربلي في كشف الغمة في ذيل هذا الحديث: لأنّه أوّل في النبوّة وآخر في البعثة.

28ـ عن أنس في حديث طويل: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: أنا خاتم الأنبياء


1- تفسير الفرات ص 87 ـ أمالي الطوسي ص 305 مع تفاوت يسير.
2- الاحتجاج ص 37 ـ مستدرك الوسائل 3/247.
3- الاحتجاج: 68.
4- كشف الغمة 3/369.
5- كشف الغمة 1/17.


(147)

وأنت يا علي خاتم الأولياء (1).

29ـ روي عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أدعية أيام شهر رمضان: اللّهمّ اجعلني فيه محباً لأوليائك ومعادياً لأعدائك مستنّاً بسنّة خاتم أنبيائك يا عاصم قلوب النبيين (2).

30ـ عن علي بن إبراهيم بن هاشم في حديث: انّ اليهود أتوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالوا يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّي رسول اللّه ... واخبركم عالم منكم جاء كم من الشام فقال: تركت الخمر والخمير وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث في هذه الهجرة مخرجه مكة ومهاجره هاهنا وهو آخر الأنبياء وأفضلهم يركب الحمار ... (3).

31ـ عن أبي ذر الغفاري ـ رضي اللّه عنه ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أنا خاتم الأنبياء وأنت يا علي خاتم الأوصياء ... (4).

32ـ روى السيد ابن طاووس في اقباله متن الصحيفة التي ورثها الخلف عن السلف من الأنبياء وفيها: ... أكمل بمحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبما أرسله به من بلاغ وحكمة ديني واختم به أنبيائي ورسلي فعلى محمد واُمّته تقوم الساعة (5).

33ـ عن أبي جعفر الباقر ـ عليها السَّلام ـ قال: قال جدي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أيها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة وحرامي حرام إلى يوم القيامة ألا وقد بيّنهما اللّه عزّ وجلّ في الكتاب وبيّنتهما لكم في سنّتي وسيرتي» (6).

34ـ قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانت بنو اسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي


1- نور الثقلين 4/284.
2- زاد المعاد ص 174 دعاء اليوم الخامس والعشرين.
3- اثبات الهداة ج1 ص 374 وراجع ج1 ص 387.
4- احقاق الحق ج4 ص 120.
5- اقبال السيد ابن طاووس ص 734 طبعة تبريز وص 509 طبعة طهران.
6- كنز الفوائد ص 164 وسائل الشيعة ج 18 ص 124.


(148)

خلفه نبي، وأنّه لا نبي بعدي وسيكون بعدي خلفاء (1).

تنصيص الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ على الخاتمية

هذا أمير المؤمنين باب علم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وموضع سره فقد نص في غير واحد من خطبه على كون الرسول الأكرم خاتماً لمن سبق وكتابه خاتماً للتشريع ودونك نصوصه الناصعة ونصوص أولاده الطاهرين:

35ـ قال علي ـ عليها السَّلام ـ : إلى أن بعث اللّه محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لانجاز عدّته وإتمام نبوّته مأخوذاً على النبيين ميثاقه مشهورة سماته كريماً ميلاده ... (2).

36ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ : اجعل شريف صلواتك ونامي بركاتك على محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عبدك ورسولك الخاتم لما سبق والفاتح لما انغلق المعلن الحق بالحق ... (3).

قوله: «الفاتح لما انغلق» يريد لما كانت أبواب القلوب قد انغلقت بأقفال الضلال عن طوارق الهداية، فافتتحها بآيات نبوّته، فأعلن الحق، وأظهره بالحجة والبرهان.

وأمّا ما رواه الشيخ والسيد في زيارة مولانا أمير المؤمنين: «السلام على رسول اللّه، أمين اللّه على وحيه، وعزائم أمره، الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل والمهيمن على ذلك كلّه ورحمة اللّه وبركاته» فالمراد منه: الفاتح لما استقبل من أبواب الهداية والبركات المعنوية، فهو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإن ختم ما سبق من أبواب الهداية، فلا يمكن الاهتداء بتوراة موسى ولا بانجيل المسيح، إلاّ أنّه فتح أمام البشر أبواباً للهداية بقرآنه، وسنّته وعمله وتقريره وأوصيائه.

37ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ : أيها الناس خذوها من خاتم النبيين ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّه يموت من


1- أخرجه البخاري ومسلم راجع جامع الاُصول ج 4 ص 40.
2- نهج البلاغة الخطبة الاُولى.
3- نهج البلاغة الخطبة 69.


(149)

مات منّا وليس بميت ... (1).

38ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ : اختار آدم ـ عليها السَّلام ـ خيرة من خلقه ... فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله وليقيم الحجة به على عباده ولم تخلهم بعد أن قبضه ممّا يؤكد عليهم حجّة ربوبيته ويصل بينهم وبين معرفته بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ومتحملي ودائع رسالاته قرناً فقرناً حتى تمّت بنبينا محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حجّته وبلغ المقطع عذره ونذره ... (2).

39ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ : أرسله على حين فترة من الرسل وتنازع من الألسن فقفى به الرسل وختم به الوحي ... (3).

40ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ : أمين وحيه وخاتم رسله وبشير رحمته ونذير نقمته ... (4).

41ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ : ثم إنّ هذا الإسلام دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه واصطنعه على عينه واصفاه خيرة خلقه وأقام دعائمه على محبّته أذل الأديان بعزته، ووضع الملل برفعه وأهان أعدائه بكرامته، وخذل محاديه بنصره وهدم أركان الضلالة بركنه، وسقى من عطش من حياضه، وأتاق الحياض لمواتحه.

ثم جعله لا إنفصام لعروته، ولا فك لحلقته، ولا إنهدام لأساسه، ولا زوال لدعائمه، ولا انقلاع لشجرته، ولا انقطاع لمدته، ولا عفاء لشرائعه، ولا جذ لفروعه، ولا ضنك لطرقه، ولا وعوثة لسهولته، ولا سواد لوضحه، ولا عوج لإنتصابه، ولا عصل في عوده، ولا وعث لفجه، ولا انطفاء لمصابيحه، ولا مرارة لحلاوته.

وقال ـ عليه السَّلام ـ وهو يصف القرآن:

ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقده، وبحراً لا يدرك قعره، ومنهاجاً لا يضل نهجه، وشعاعاً لا يظلم ضوءه، وفرقاناً لا يخمد برهانه،


1- نهج البلاغة الخطبة 83.
2- نهج البلاغة الخطبة 87.
3- نهج البلاغة الخطبة 129.
4- نهج البلاغة الخطبة 168.


(150)

وتبياناً لا تهدم أركانه، وشفاءاً لا تخشى أسقامه، وعزّاً لا تهزم أنصاره وحقّاً لا تخذل أعوانه، فهو معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، وأثافي الإسلام وبنيانه، وأودية الحق وغيطانه، وبحر لا ينزفه المنتزفون وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون، وأعلام لا يعمى عنها السائرون، وآكام لا يجوز عنها القاصدون (1).

42ـ ومن كلام له ـ عليها السَّلام ـ وهو يلي غسل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتجهيزه:

بأبي أنت واُمّي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء خصصت حتى صرت مسلياً عمّن سواك، وعمت حتى صار الناس فيك سواء ... (2).

43ـ وقال ـ عليها السَّلام ـ في خطبة الوسيلة: فقال وقد حشده المهاجرون والأنصار وانغصت بهم المحافل: أيها الناس إنّ علياً منّي كهارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي...(3).

44ـ ومن خطبة له ـ عليها السَّلام ـ : الحمد اللّه علا فاستعلى ودنا فتعالى وارتفع فوق كل منظر وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين وحجّة اللّه على العالمين...(4).

45ـ وقال ـ عليها السَّلام ـ ذات يوم على منبر الكوفة: أنا سيد الوصيين... أنا وارث علم الأوّلين وحجة اللّه على العالمين بعد الأنبياء ومحمد بن عبد اللّه خاتم النبيين...(5).

46ـ وفي بعض دعائه ـ عليها السَّلام ـ : وربّ الملائكة أجمعين وربّ محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم


1- نهج البلاغة الخطبة 193.
2- نهج البلاغة الخطبة 230 ومجالس المفيد ص 527 والبحار ج22 ص 527.
3- الكافي 8/26.
4- الكافي 8/67 ـ نهج السعادة الخطبة 1 /188.
5- غاية المرام ص 47. أمالي الصدوق ص 17.


(151)

النبيين والمرسلين وربّ الخلق أجمعين (1).

47ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ في بعض خطبه: أيها الناس عليكم بالطاعة والمعرفة لمن لا تعذرون بجهالته فإنّ العلم الذي هبط به آدم ـ عليها السَّلام ـ وجميع ما فضّلت به النبييون إلى محمد خاتم النبيين في عترة محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ...(2).

48ـ وفي بعض احتجاجاته: أمّا رسول اللّه فخاتم النبيين ليس بعده نبي ولا رسول وختم برسول اللّه الأنبياء إلى يوم القيامة (3).

49ـ وقال ـ عليها السَّلام ـ في بعض خطبه: وأشهد أن ّمحمداً رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم النبيين وحجّة اللّه على العالمين (4).

50ـ عن الأصبغ بن نباته قال: إنّ أمير المؤمنين ـ عليها السَّلام ـ خطب ذات يوم فحمد اللّه و أثنى عليه وصلّـى على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثم قال: أيها الناس اسمعوا مقالتي ... ومنّا خاتم النبيين وفينا قادة الإسلام واُمناء الكتاب ... (5).

51ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ : ختم محمد ألف نبي وانّي ختمت ألف وصي وانّي كلّفت ما لم يكلّفوا (6).

52ـ عن جابر بن عبد اللّه في حديث: فخرّ علي ـ عليها السَّلام ـ ساجداً ثم قال: الحمد للّه الذي أنعم عليّ بالإسلام وعلّمني القرآن وحبّبني إلى خير البرية وخاتم النبيين وسيد المرسلين إحساناً منه وفضلاً منه عليّ... (7).

53ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ في حديث: فخررت ساجداً للّه تعالى وحمدته على ما أنعم به


1- الصحيفة العلوية دعاء اليوم السادس والعشرين.
2- كشف اليقين ص 24 ـ تفسير القمي ص 343 ـ غاية المرام ص 358 ـ نهج السعادة الخطب 3/18 نقلاً عن غيبة النعماني وارشاد المفيد ومسترشد الطبري.
3- كتاب سليم بن قيس ص 97 ـ الاحتجاج 1/220 الطبع الحديث.
4- الوافي ج 14 ص 11.
5- كشف الغمة 1/506.
6- نور الثقلين 4/284.
7- غاية المرام ص 127.


(152)

عليّ من الإسلام والقرآن وحبّبني إلى خاتم النبيين وسيد المرسلين (1).

تنصيص فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ على الخاتمية:

54ـ عن أسماء بنت عميس قالت حدثتني فاطمة ـ عليها السَّلام ـ لما حملت بالحسن وولدته جاء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ... ثم هبط جبرئيل فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول: علي منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبي بعدك سم ابنك هذا باسم ابن هارون... (2).

55ـ عن فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ في بعض دعواتها: اللّهمّ صلّـي على محمد وآل محمد صلاة يشهد بها الأوّلون مع الأبرار وسيد المتقين وخاتم النبيين وقائد الخير ومفتاح الرحمة (3).

تنصيص السبط المجتبى ـ عليه السَّلام ـ على الخاتمية:

56ـ عن الحسن ـ عليها السَّلام ـ في بعض خطبه: أنا ابن نبي اللّه ... أنا ابن خاتم النبيين وسيد المرسلين (4).

57ـ عن سليم بن قيس قال: قام الحسن بن علي بن أبي طالب ـ عليهما السَّلام ـ على المنبر حين اجتمع مع معاوية وأصحابه فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس انّ معاوية زعم انّي رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي أهلاً وكذب معاوية... وقد ترك الاُمّة علياً ـ عليها السَّلام ـ وقد سمعوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول لعلي ـ عليها السَّلام ـ : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير النبوّة فلا نبي بعدي... (5).

58ـ عن الحسن بن علي بن أبي طالب ـ عليهما السَّلام ـ قال: جاء نفر إلى رسول


1- غاية المرام ص 552.
2- عيون أخبار الرضا 2/25.
3- مقباس المصابيح ص 113.
4- مقتل الخوارزمي 1/126.
5- مكاتيب الأئمة 2/24.


(153)

اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا محمد إنّك الذي تزعم أنّك رسول اللّه وأنّك الذي يوحى إليك كما أوحى اللّه إلى موسى بن عمران فسكت النبي ساعة ثم قال: نعم أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا خاتم النبيين وإمام المتقين ورسول ربّ العالمين...(1).

تنصيص الإمام سيد الشهداء ـ عليه السَّلام ـ على الخاتمية

59ـ في حديث الأعمش عن الحسين بن علي ـ عليهما السَّلام ـ قال: فأخبرني يا رسول اللّه هل يكون بعدك نبي؟ فقال لا أنا خاتم النبيين لكن يكون بعدي أئمّة قوّامون بالقسط بعدد نقباء بني اسرائيل... (2).

60ـ وفي دعائه ليوم عرفة: الحمد للّه حمداً يعادل حمد ملائكته المقرّبين وأنبيائه المرسلين وصلّـى اللّه على خيرته محمد خاتم النبيين وآله الطاهرين المخلصين.

وقوله: وربّ محمد خاتم النبيين وآله المنتجبين ومنزل التوراة والانجيل والزبور والقرآن الكريم(3).

61ـ وقال أيضاً في ذلك الدعاء: اللّهمّ صلّ على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين (4).

62ـ وفي بعض أشعاره:

أبي علي وجدي خاتم الرسل والمرتضون لدين اللّه من قبلي (5)

تنصيص الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ على الخاتمية

63ـ قال في بعض دعواته: فختم بنا على من ذرع وجعلنا شهداء على من


1- البرهان 2/41.
2- المناقب للمازندراني 2/300 ـ اثبات الهداة 2/544.
3- الاقبال ص 342 ـ 343.
4- الاقبال ص 343.
5- كشف الغمة 2/213 ـ بحار الأنوار 78/125 وفي طبع الكمباني 18/150.


(154)

جهد(1).

64ـ وقال: اللّهمّ صلّ على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين واعذنا وأهالينا واخواننا وجميع المؤمنين والمؤمنات ممّا استعذنا منه (2).

65ـ وقال: اللّهمّ صلّ على محمد خاتم النبيين وتمام عدة المرسلين (3).

66ـ وقال: اللّهمّ لك الحمد أن خلقت فسوّيت وقدرت وقضيت وأمت وأحييت... فصلّ على محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين (4).

67ـ وقال: واجمع بيني وبين المصطفى وآله خيرتك من خلقك وخاتم النبيين محمد ... (5).

تنصيص الإمام أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ على الخاتمية

68ـ عن أبي جعفر ـ عليها السَّلام ـ في حديث: لقد ختم اللّه بكتابكم الكتب وختم بنبيّكم الأنبياء(6).

69ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ في حديث آخر: ثم إنّ اللّه عزّ وجلّ أرسل عيسى بن مريم إلى بني اسرائيل خاصة فكانت نبوّته ببيت المقدس وكان من بعده الحواريون اثنى عشر فلم يزل الإيمان يستسر في بقية أهله منذ رفع اللّه عيسى وأرسل اللّه تبارك وتعالى محمداً إلى الجن والانس عامة وكان خاتم الأنبياء وكان من بعده الاثنا عشر أوصياء (7).

70ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ في دعاء أيام شهر رمضان: اللّهمّ ربّ الفجر وليال عشر... وربّ خاتم النبيين صلواتك عليه ... (8).


1- الصحيفة السجادية الدعاء 12.
2- الصحيفة السجادية الدعاء 17.
3- ملحقات الصحيفة السجادية دعاء يوم الثلاثاء.
4- ملحقات الصحيفة السجادية دعاء يوم الأربعاء.
5- مصباح المتهجد ص 408 دعاء أبي حمزة الثمالي.
6- الكافي 1/177 ـ الوافي ج2 ص 19.
7- اكمال الدين ص 127.
8- الاقبال ص 91.


(155)

71ـ وعنه في زيارة الحسين في عاشوراء: السلام عليك يا مولاي يا أبا عبد اللّه يا ابن خاتم النبيين ويا بن سيد الوصيين ويا بن سيدة نساء العالمين (1).

تنصيص الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ على الخاتمية

72ـ عن الصادق في حديث: فكل نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه حتى جاء محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة...(2).

73ـ عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ عن الحلال والحرام فقال: حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره (3).

74ـ قال ـ عليها السَّلام ـ : بعث أنبياءه ورسله ونبيه محمداً فأفضل الدين معرفة الرسل وولايتهم وأخبرك أنّ اللّه أحلّ حلالاً وحرّم حراماً إلى يوم القيامة (4).

75ـ عن أبي عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ : انّ بعض قريش قال لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأي شيء سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم؟ فقال: إنّي كنت أوّل من آمن بربي... (5).

76ـ قال له ـ عليها السَّلام ـ قائل: علّمني دعاءً؟، فقال: أين أنت من دعاء الالحاح، فقال له الطالب: وما دعاء الالحاح؟ فقال له: تقول: اللّهمّ ربّ السموات السبع وما فيهن وربّ الأرضين السبع وما فيهن وربّ العرش العظيم وربّ محمد خاتم النبيين أسألك باسمك... (6).

77ـ وقال ـ عليها السَّلام ـ في كيفية زيارة الحسين ـ عليها السَّلام ـ في حديث: ثم امش وقصر خطاك حتى تستقبل القبر واجعل القبلة بين كتفيك واستقبل بوجهك وجهه وقل: السلام عليك من اللّه والسلام على محمد أمين اللّه على رسله وعزائم أمره الخاتم لما


1- هدية الزائرين ص 135 ـ 137.
2- الكافي 2/17 ـ المحاسن ص 193.
3- الكافي 1/57.
4- البحار ج 24 ص 288.
5- الكافي 2/10.
6- قرب الاسناد ص 4 ـ 5.


(156)

سبق والفاتح لما استقبل... اللّهمّ صلّ على محمد وآل محمد صاحب ميثاقك وخاتم رسلك وسيد عبادك... (1).

78ـ عن إسماعيل بن جابر قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق ـ عليها السَّلام ـ يقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى بعث محمداً فختم به الأنبياء فلا نبي بعده وأنزل عليه كتاباً فختم به الكتب فلا كتاب بعده أحل فيه حلالاً وحرّم حراماً، فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة... (2).

79ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ : إذا أردت زيارة قبر أمير المؤمنين فتوضّأ واغتسل وامش على هيئتك وقل... السلام من اللّه والتسليم على محمد أمين اللّه على رسالته وعزائم أمره ومعدن الوحي والتنزيل الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل (3).

80ـ عن أبي عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ أنّه قال: يستحب أن يصلّي على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد العصر يوم الجمعة بهذه الصلاة: اللّهمّ انّ محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما وصفته في كتابك... وأنّه رسولك وخاتم النبيين وجاء بالحق من عندك وصدق المرسلين (4).

81ـ وقال في تلك الصلاة أيضاً: اللّهمّ واجعل صلاتك وغفرانك... وصلوات ملائكتك ورسلك وأنبيائك... على محمد بن عبد اللّه سيد المرسلين وخاتم النبيين وإمام المتقين... (5).

82ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ في زيارة الحسين المشهورة بوارث: السلام عليك يا خاتم النبيين السلام عليك يا سيد المرسلين (6).

83ـ عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ يقول: إنّ اللّه ختم بنبيّكم النبيين فلا نبي بعده أبداً وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده أبداً وأنزل فيه


1- كامل الزيارات ص 230 ـ 231.
2- تفسير النعماني ص 3 ـ الميزان 3/81 نقلاً منه.
3- تهذيب الأحكام 7/25ـ فرحة الغري ص 33.
4- مصباح المتجهد ص 271 ـ 272.
5- مصباح المتجهد ص 272.
6- مصباح المتجهد ص 500.


(157)

تبيان كل شيء... (1).

84ـ عن الصادق ـ عليها السَّلام ـ : إذا زرت جانب النجف فزر عظام آدم وبدن نوح وجسم علي بن أبي طالب ـ عليها السَّلام ـ فإنّك زائر الآباء الأوّلين ومحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم النبيين وعلياً سيد الوصيين وانّ زائره يفتح له أبواب السماء فلا تكن على الخير نوماً (2).

85ـ عن الصادق ـ عليها السَّلام ـ : من قال عند غروب الشمس في كل يوم: يا من ختم النبوّة بمحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ اختم لي في يومي هذا بخير وسنّتي بخير وعمري بخير... (3).

86ـ عن الصادق ـ عليها السَّلام ـ : كان علي يرى مع رسول اللّه قبل الرسالة الضوء ويسمع الصوت قال: وقال له ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لولا أنّي خاتم الأنبياء لكنت شريكاً في النبوّة فإن لا تكن نبيّاً فإنّك وصي نبي ووارثه بل أنت سيّد الأوصياء وإمام الاتقياء (4).

87ـ وروي عنه ـ عليها السَّلام ـ في كيفية تشهّد الصلاة: فإذا جلست في الرابعة قلت: بسم اللّه وباللّه... السلام على محمد بن عبد اللّه خاتم النبيين لا نبي بعده والسلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ثم تسلّم(5).

88ـ قال أبو عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ : إنّ تبّعاً قال للأوس والخزرج: كونوا هاهنا حتييخرج هذا النبي أمّا أنا لو أدركته لخرجت معه وكتب كتاباً إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعنوانالكتاب: إلى محمد بن عبد اللّه خاتم النبيين ورسول ربّ العالمين من تبّع الأوّل(6).

89ـ روى عاصم بن حميد قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ : إذا حضر أحدكم الحاجة فليصم... ويقول ـ وذكر دعاءاً طويلاً نذكر منه موضع الحاجة ـ: اللّهمّ إنّي


1- الوافي الجزء الثاني من ج1 ص 144.
2- مزار ابن المشهدي مخطوط ص 14 ـ تحفة الزائر ص 61.
3- فلاح السائل ص 202 ـ بحار الأنوار 86/267.
4- الشرح الحديدي على نهج البلاغة 13/210 ـ غاية المرام ص 47.
5- وسائل الشيعة 4/989 ـ 990.
6- اثبات الهداة 1/401.


(158)

أتقرّب إليك بنبيّك ورسولك وحبيبك خاتم النبيين وسيد المرسلين وإمام المتقين (1).

90ـ عن الفضيل قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ : لم يبعث اللّه عزّ وجلّ من العرب إلاّ خمسة أنبياء هوداً وصالحاً وإسماعيل وشعيباً ومحمداً خاتم النبيين (2).

91ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ في زيارة أمير المؤمنين ـ عليها السَّلام ـ : السلام من اللّه على رسول اللّه محمد بن عبد اللّه خاتم النبيين وإمام المتقين... الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل...(3).

92ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ في زيارته التي زار بها أمير المؤمنين ـ عليها السَّلام ـ في مولد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : السلام عليك يا من بات على فراش خاتم الأنبياء ووقّاه بنفسه عند مبارزة الأعداء وفي نسخة (شر الأعداء)(4).

93ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ أيضاً فيها: السلام عليك يا وارث علم النبيين ومستودع علم الأوّلين والآخرين وصاحب لواء الحمد وساقي أوليائه من حوض خاتم النبيين السلام عليك يا يعسوب الدين وقائد الغر المحجّلين ووالد الأئمّة المرضيين ورحمة اللّه وبركاته (5).

94ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ في دعائه بعد زيارة أمير المؤمنين: أسألك بحق محمد خاتم النبيين وعلي أمير المؤمنين... (6).

95ـ وروى بريد عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه في تفسير قوله عزّ وجلّ: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَ لا نَبِيّ) قولهما: «لقد ختم اللّه بكتابكم الكتب وختم بنبيّكم الأنبياء» (7).


1- اثبات الهداة 2/472.
2- البحار 11/42 نقلاً عن قصص الأنبياء.
3- البحار 100/336.
4- بحار الأنوار 100/374 ـ زاد المعاد ص 343.
5- بحار الأنوار 100/375 ـ زاد المعاد ص 345.
6- تحفة الزائر ص 100.
7- الكافي ج 15 ص 177 ومضى ما يقرب منه في الحديث رقم 84.


(159)

تنصيص الإمام موسى بن جعفر ـ عليهما السَّلام ـ على الخاتمية

96ـ عن علي بن رئاب عن العبد الصالح ـ عليها السَّلام ـ قال: ادع بهذا الدعاء في شهر رمضان مستقبل دخول السنة... اللّهمّ ربّ السموات السبع والأرضين السبع وما فيهنّ وما بينهنّ... وربّ محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأهل بيته سيد المرسلين وخاتم النبيين... (1).

97ـ عن إبراهيم بن أبي البلاد قال: قال لي أبو الحسن ـ عليها السَّلام ـ : ... فكتب لي وأنا قاعد بخطه وقرأه عليّ: إذا وقفت على قبره (رسول اللّه) ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقل: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له... وأشهد أنّك خاتم النبيين... (2).

98ـ عن موسى بن جعفر ـ عليهما السَّلام ـ : انّ رجلاً سأل أبا عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدراسة إلاّ غضاضة؟ قال: لأنّ اللّه لم ينزله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة (3) ودلالته على الخاتمية واضحة.

تنصيص الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليهما السَّلام ـ على الخاتمية

99ـ خطب الرضا ـ عليها السَّلام ـ هذه الخطبة: الحمد للّه حمد في الكتاب نفسه وافتتح بالحمد كتابه... وصلّـى اللّه على محمد خاتم النبوّة وخير البرية وعلى آله آل الرحمة وشجرة النعمة... (4).

100ـ وقال ـ عليها السَّلام ـ في حديث وصف الإمامة والإمام: فهي في ولد علي ـ عليها السَّلام ـ خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ... (5).

101ـ وعنه عن آبائه عن علي ـ عليهم السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا علي ما


1- الكافي 4/72 ـ الفقيه 2/103.
2- كامل الزيارات ص 17 .
3- عيون أخبار الرضا 2/87.
4- الكافي 5/373.
5- عيون أخبار الرضا 1/218.


(160)

سألت ربّي شيئاً إلاّ سألت لك مثله غير أنّه قال: لا نبوّة بعدك أنت خاتم النبيين وعلي خاتم الوصيين (1).

ابهام وايضاح:

كون علي ـ عليها السَّلام ـ خاتم الوصيين لا ينافي كون الحسن والحسين والأئمّة من بعده أوصياء أيضاً، فإنّ الوصاية عن الأنبياء قد ختمت بعلي، فلا وصي نبي بعد علي ـ عليها السَّلام ـ وأمّا الأئمّة من بعده فهم أوصياء وصيّه، أو أوصياء وصي وصيّه، لا أوصياء النبي نفسه، كما لا يخفى.

ويمكن أن يقال هنا وصاية واحدة متعلقة بعلي وأولاده ـ عليهم السَّلام ـ فوصاية الحسن والحسين والأئمّة من بعده بنفس الوصاية المتعلقة بأبيهم أمير المؤمنين، فكون علي خاتم الأوصياء، كناية عن كون الوصاية المتعلقة به وبأولاده قد ختم بها باب الوصاية السماوية وبذلك يسقط استدلال الفرقة الضالة بهذا الحديث على نفي كون «خاتم» بمعنى «آخر» قائلة بأنّه لو كان «الخاتم» بمعنى «الآخر» لزم سلب الولاية عن الأئمّة الآخرين، وقد عرفت منّا فقه الحديث وليس استدلالهم بهذا إلاّ كتمسّك الغريق بالطحلب.

102ـ عن أبي الحسن الرضا ـ عليها السَّلام ـ قال: إنّما سمّي اُولوا العزم اُولي العزم لأنّهم كانوا أصحاب الشرائع والعزائم وذلك أنّ كل نبي بعد نوح ـ عليها السَّلام ـ كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل ـ عليها السَّلام ـ ، وكل نبي كان في أيام إبراهيم وبعده كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن موسى، وكل نبي كان في زمن موسى وبعده كان على شريعة موسى ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى أيام عيسى، وكل نبي كان في أيام عيسى وبعده كان على منهاج عيسى وشريعته وتابعاً لكتابه إلى زمن نبيّنا محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهؤلاء الخمسة اُولوا العزم فهم أفضل الأنبياء والرسل وشريعة محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ


1- عيون أخبار الرضا 2/73.


(161)

لا تنسخ إلى يوم القيامة ولا نبي بعده إلى يوم القيامة، فمن ادعى بعده نبوّة أو أتى بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكل من سمع ذلك منه (1) وقد نقلنا الحديث بطوله لما فيه من الفوائد.

103ـ عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون علي بن موسى الرضا ـ عليهما السَّلام ـ أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار فكتب ـ عليها السَّلام ـ له: أنّ محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له... وأنّ محمداً عبده ورسوله وأمينه وصفيّه وصفوته من خلقه وسيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين لا نبي بعده ولا تبديل لملّته ولا تغيير لشريعته وأنّ جميع ما جاء به محمد بن عبد اللّه هو الحق المبين والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل اللّه وأنبيائه وحججه والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وأنّه المهيمن على الكتب كلّها وأنّه حق من فاتحته إلى خاتمته ... (2).

104 ـ وعنه ـ عليها السَّلام ـ في حديث: حتى انتهت رسالته إلى محمد المصطفى ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فختم به النبيين وفي نسخة ( المرسلين ) وقفى به على آثار المرسلين وبعثه رحمة للعالمين... (3).

105ـ صورة ما كان على ظهر العهد الذي عهده المأمون إليه بخطه ـ عليها السَّلام ـ : الحمد للّه الفعّال لما يشاء... وصلواته على نبيّه محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين أقول وأنا علي بن موسى بن جعفر...(4).

106ـ روى الصدوق مسنداً عن علي بن موسى الرضا ـ عليها السَّلام ـ عن أبيه عن آبائه عن فاطمة بنت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لما حملت بالحسن وولدته... ثم هبط جبرئيل فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام، ويقول: علي منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبي


1- عيون أخبار الرضا 2/80.
2- عيون أخبار الرضا 2/121 ـ 122.
3- عيون أخبار الرضا 2/154.
4- المناقب للمازندراني 4/364 ـ كشف الغمة 3/177.


(162)

بعدك، سم ابنك باسم ولد هارون، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وما اسم ابن هارون؟ قال شبّر، قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لساني عربي، قال جبرئيل: سمّه الحسن(1).

تنصيص الإمام أبي محمد الجواد ـ عليه السَّلام ـ على الخاتمية

107ـ جاء في بعض دعواته: بسم اللّه قوي الشأن عظيم البرهان شديد السلطان ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن أشهد أنّ نوحاً رسول اللّه وانّ إبراهيم خليل اللّه وانّ موسى كليم اللّه ونجيّه وأنّ عيسى ابن مريم روح اللّه وكلمته صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين وأنّ محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم النبيين لا نبي بعده(2).

تنصيص الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ على الخاتمية

108ـ عن عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيدي علي بن محمد ـ عليهما السَّلام ـ فلمّا أبصرني قال لي:مرحباً يا أبا القاسم أنت وليّنا حقاً قال: فقلت له: يا بن رسول اللّه انّي اُريد أن أعرض عليك ديني...أنّي أقول: إنّ اللّه واحد ليس كمثله شيء... وأنّ محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عبده ورسوله خاتم النبيين ولا نبي بعده إلى يوم القيامة وأنّ شريعته خاتمة الشرائع فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة... (3).

109ـ عن علي بن محمد الهادي ـ عليهما السَّلام ـ في زيارته التي زار بها علياً ـ عليها السَّلام ـ في يوم الغدير في السنة التي أشخصه المعتصم... السلام على محمد رسول اللّه خاتم النبيين وسيّد المرسلين وصفوة ربّ العالمين... والخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل... (4).


1- عيون أخبار الرضا ج 2 ب 1 ص 25.
2- مهج الدعوات ص 40 ـ بحار الأنوار 94/359.
3- اكمال الدين ص 214 الطبع الحجري.
4- بحار الأنوار 100/360.


(163)

تنصيص الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ على الخاتمية

110ـ عن الإمام العسكري ـ عليها السَّلام ـ قال: لقد رامت الفجرة ليلة العقبة قتل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على العقبة ورام من بقي من مردة المنافقين بالمدينة قتل علي بن أبي طالب فما قدروا مغالبة ربّهم، حملهم على ذلك حسدهم لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في علي ـ عليها السَّلام ـ لمّا فخم من أمره وعظم من شأنه من ذلك أنّه لما خرج من المدينة وقد كان خلفه عليها... قال أكثر المنافقين ملّه وسأمه وكره صحبته، فتبعه علي ـ عليها السَّلام ـ حتى لحقه ... فقال له: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ... (1).

تنصيص الحجّة القائم ـ عليه السَّلام ـ على الخاتمية

111ـ قال ـ عليها السَّلام ـ في الصلوات المروية عنه التي خرجت إلى أبي الحسن الضراب الاصبهاني بمكة: بسم اللّه الرحمن الرحيم اللّهمّ صلّ على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وحجة ربّ العالمين...(2).

112ـ وفي دعائه الذي قرأه في شهر رجب في مسجد السهلة: يا أسمع السامعين ويا أبصر المبصرين ويا أنظر الناظرين ويا أسرع الحاسبين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين صلّ على محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته الطاهرين الأخيار...(3).

113ـ وفي جوابه لكتاب أحمد بن اسحاق: بسم اللّه الرحمن الرحيم أتاني كتابك أبقاك اللّه... ثمّ بعث محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رحمة للعالمين وتمّم به نعمته وختم به أنبياءه وأرسله إلى الناس كافة وأظهر من صدقه ما أظهر وبيّن من آياته وعلاماته ما بيّن ثم قبضه اللّه إليه حميداً فقيداً سعيداً...(4).

114ـ وفي الزيارة الخارجة من الناحية إلى أحد الأبواب الأربعة: السلام على آدم


1- غاية المرام 151.
2- مصباح المتهجد ص 284.
3- الاقبال ص 645.
4- مكاتيب الأئمة 2/276.


(164)

صفوة اللّه من خليقته... السلام على ابن خاتم الأنبياء السلام على ابن سيد الأوصياء(1).

وفيها أيضاً: اللّهمّ إنّي أتوسّل إليك يا أسرع الحاسبين ويا أكرم الأكرمين ويا أحكم الحاكمين بمحمد خاتم النبيين ورسولك إلى العالمين أجمعين... (2).

روايات اُخرى

115ـ في رواية قال آدم: لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه فعلمت أنّه ليس أحد أعظم قدراً عندك ممّن جعلت اسمه مع اسمك فأوحى اللّه إليه: وعزّتي وجلالي أنّه لآخر النبيين من ذريتك ولولاه لما خلقتك(3).

116ـ وفي دعاء السمات: وصلّـى اللّه على سيدنا محمد خاتم النبيين وعترته الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً (4).

117ـ قال اللّه تعالى لآدم ـ عليها السَّلام ـ : أنت يا آدم أوّل الأنبياء والرسل وابنك محمد خاتم الأنبياء والرسل...(5).

118ـ ومما أوحى اللّه إلى آدم: من ولدك إبراهيم أجري على يده عمارة بيتي تعمّره الاُمم حتى ينتهي إلى نبي يقال له خاتم النبيين أجعله من سكانه وولاته (6).

119ـ في التوراة عن اللّه تبارك وتعالى: إنّي باعث في الاُمّيين من ولد إسماعيل رسولاً انزل عليه كتابي وأبعثه بالشريعة القيّمة إلى جميع خلقي، اُوتيه حكمتي، وأيّدته بملائكتي وجنودي... اُكمل بمحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبما أرسله به من بلاغ وحكمة ديني وأختم به أنبيائي ورسلي فعلى محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واُمّته تقوم الساعة(7).


1- بحار الأنوار 101/318 ـ الصحيفة الهادية والتحفة المهدية ص 203.
2- بحار الأنوار 101/323 ـ الصحيفة الهادية والتحفة المهدية ص 217.
3- ينابيع المودة ص 17 ـ 18.
4- بحار الأنوار 90/101.
5- اثبات الهداة 1/318.
6- اثبات الهداة 1/400.
7- الاقبال ص 509.


(165)

120ـ وفي حديث بحيراء الراهب: أنت سيد ولد آدم وسيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين... (1).

121ـ وجاء في دعاء يوم الخميس: وصلّـى اللّه على محمد خاتم النبيين وآله الطيبين والأخيار الأبرار الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (2).

122ـ وجاء في تسبيح يوم الخميس: وصلّـى اللّه على رسوله محمد خاتم النبيين وآله أجميعن(3).

123ـ وفي دعاء يوم الجمعة: اللّهم صلّ على محمد وآل محمد نبي الرحمة وقائد الخير وإمام الهدى والداعي إلى سبيل الإسلام ورسولك يا ربّ العالمين وخاتم النبيين وسيد المرسلين (4).

124ـ وفي دعاء أيام شهر رجب: يا أسمع السامعين وأبصر الناظرين وأسرع الحاسبين يا ذا القوّة المتين صلّ على محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته (5).

125ـ وفي دعاء ليلة النصف من شعبان: وصلّـى اللّه على محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى أهل بيته الصادقين وعترته الناطقين (6).

126ـ عن ابن عباس أنّه قال: أوّل المرسلين آدم وآخرهم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكانت الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرين نبي. المرسل (الرسل) منهم ثلاثمائة وخمسة، وخمسة منهم اُولوا العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وخمسة منهم العرب هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (7).

127ـ قال الطبرسي رحمه اللّه: وإذا أراد الرجوع إلى بيته فليقل حين يدخل بسم اللّه وباللّه أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله ثم


1- اثبات الهداة 1/345.
2- مصباح المتهجد ص 34.
3- مصباح المتهجد ص 341.
4- مصباح المتهجد ص 345.
5- مصباح المتهجد ص 558.
6- مصباح المتهجد ص 586.
7- الاختصاص ص 264 ـ بحار الأنوار 11/43.


(166)

يسلّم على أهله إن كان في البيت أحد فإن لم يكن في البيت أحد فليقل بعد الشهادتين السلام على محمد بن عبد اللّه خاتم النبيين السلام على الأئمّة الهادين المهديين السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين (1).

128ـ وفي زيارة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : السلام عليك يا خاتم النبيين أشهد أنّك قد بلغت الرسالة...(2).

129ـ وأيضاً في زيارته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : السلام عليك يا نجيب اللّه السلام عليك يا خاتم النبيين السلام عليك يا سيد المرسلين (3).

130ـ وأيضاً في زيارته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : السلام عليك يا حجة اللّه على الأوّلين والآخرين السابق في طاعة ربّ العالمين والمهيمن على رسله والخاتم لأنبيائه والشاهد على خلقه والشفيع إليه (4).

131ـ وأيضاً في زيارته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أوّل النبيين ميثاقاً وآخرهم مبعثاً الذي غمسه في بحر الفضيلة...(5).

132ـ في زيارة إبراهيم ابن رسول اللّه: السلام على محمد بن عبد اللّه سيد الأنبياء وخاتم الرسل...(6).

133ـ وفي زيارة عاشوراء: السلام عليك ياوارث آدم صفوة اللّه... وسبط خاتم المرسلين(7).

134ـ وفي زيارة الحسين ـ عليها السَّلام ـ في أوّل شهر رجب: السلام عليك يابن


1- مكارم الأخلاق 188.
2- بحار الأنوار 100/ 161.
3- بحار الأنوار 100/ 183 ـ زاد المعاد ص 334.
4- بحار الأنوار 100/ 184 ـ زاد المعاد ص 335.
5- بحار الأنوار 100/185 ـ زاد المعاد ص 337.
6- بحار الأنوار 100/217 ـ هدية الزائرين ص 262 نقلاً عن المفيد وابن طاووس والشهيد.
7- بحار الأنوار 101/313.


(167)

رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ السلام عليك يا بن خاتم النبيين (1).

135ـ روي في الاختصاص، عن ابن عباس أنّه قال: أوّل المرسلين آدم وآخرهم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكانت الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي، المرسل منهم ثلاثمائة، خمسة منهم اُولوا العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وخمسة من العرب هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (2).

هذه جملة ما وقفت عليه من آثار النبوّة والمأثورات عن أئمة أهل البيت (3) ولعلّ ما لم أظفر به أكثر ممّا ظفرت به، كل ذلك يؤيد ما هو المنصوص في القرآن الحكيم، وأنّ اللّه أوصد باب النبوّة ورسالة السماء إلى الأرض، ببعث نبيّه وآخر سفرائه محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فليس بعده نبي ولا شريعة ولا كتاب ولا... هذا وقد أغناهم تصريح الكتاب بالموضوع عن افاضة القول فيه، كما هو شأن كلّ موضوع فيه نص في القرآن الكريم.

شبهات حول الخاتمية:

لقد حصحص الحق مما سردناه من الأدلّة والدلائل الناصعة، على خاتمية الرسول فلم يبق مقول لقائل ولا مصول لصائل ، وما سردناه من الأدلّة يفيد القطع واليقين بالخاتمية للرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لكل من آمن بقرآنه وسنّته القطعية، والاجماع المسلم بين الاُمّة المدعم بالضرورة والبداهة بين المسلمين.

غير أنّ شرذمة قليلة ممّن أصابهم مس من الالحاد والمادية، أخذوا يلقون حبالاً وعصياً في سبيل الضعفاء من المسلمين، يخدعون بها الهمج الرعاع والبسطاء من الناس فجاءوا بشكوك وشبهات لفّقوها من هنا وهناك لا تقل عن شبهات السوفسطائية تّجاه


1- بحار الأنوار 101/336.
2- الاختصاص وبحار الأنوار ج11 ص 43.
3- لا يخفى على القارئ الكريم ما عانيته من الجهود في جمع تلكم الأحاديث المأثورة عن النبي وآله من مصادرها المختلفة.


(168)

البديهة.

وقد اتخذت تلك الشرذمة الضئيلة انكار الخاتمية اداة للفتنة وسبيل إلى هدم الإسلام، وإضلال المؤمنين بها وتمهيداً لأهدافهم وأغراضهم الرجعية. تلك الشبهات توقفنا على مبلغ علمهم بالكتاب والسنّة ومدى إلمامهم بالأدب العربي وتوقفنا على أنّه لا هدف لهم في اختلاق هذه الشكوك، إلاّ خدمة الاستعمار وتفريق الكلمة وهدم الصفوف الإسلامية، وقد عرفتهم الاُمّة الإسلامية، وعرفت نواياهم وضمائرهم كما عرفت قيمة شبهاتهم التي تتضاءل عند كل من له أدنى إلمام بالكتاب والسنّة وتجعلها في معرض البطلان.

ولإسكات ما أحدثته هده الشبهات من جلبة وتركاض وصخب وهياج ولإماطة اللثام عن حقائق ناصعة، خفيت على من اختلقها. عقدنا هذا الفصل حتى يتجلى للقارئ الحق بأجلى مظاهره ولا يبقى للأفّاكين المتخرصين مجال للبحث والتشكيك.

لقد حسب هؤلاء المغترّون أنّ ما لفّقوه من الأوهام سينطلي على عقول أبناء الأجيال الصاعدة، ويتقبّلونه بصدر رحب، إلاّ أنّه خفى عنهم ، أنّ الوعي الذي تمتعت به هذه الأجيال أخذ يرد عليهم خرافتهم الباطلة، وأنّ المستقبل الكشّاف سيكشف عن سوأتهم.

ومن جهة اُخرى أنّ بعض هذه الأوهام التي جمعوها وطلوها ربّما يخيّل للبسطاء من الناس أنّها مسائل مستحدثة، أو دلائل جديدة إلاّ أنّها ليست إلاّ نسائج قديمة أكل عليها الدهر وشرب، وذكرت في كتب التفسير والحديث بشكل أسئلة اُجيبت عليها بأجوبة مقنعة ناجعة... ولكنّهم من أجل ايقاع السذج والبسطاء في حبائلهم أخذوا بالأسئلة، وتركوا أجوبتها.

وها نحن نقف تّجاه هذه الشبهات وقفة، نجعلها في مدحرة البطلان ونقطع الطريق على هذه العصابات المجرمة وإن طال بنا الكلام، واتسع مقامنا مع القرّاء الكرام.


(169)

الفصل الثالث

شبهات

حول الخاتمية

لما حاول الاستعمار الغاشم الاستيلاء على الشرق الأوسط ومناطقه الخصبة وربوعه المعمورة ومعادنه الغالية وما يسيل تحت أراضيه من الذهب الأسود (البترول) إلى غير ذلك من الثروات الطائلة، قام بكل ما يملك من حول وقوة بشن الغارات عليه بصورة استفزازية مزرية.

نعم للاستعمار أساليب وتخطيطات وألوان مختلفة، تختلف حسب طبائع الأجيال والأمكنة والتخطيط الأصيل له والحجر الإساسي الذي ترتكز عليه مخططات المستعمرين هو أصل «فرّق تسد» فاُولئك هم وليدوا ذلك الأصل، وهم المبتدعون له (على وجه غير دائر) فالتفريق بين قطاعات الشعب في المبدأ والعقيدة عامل هدام يبدد قوى الشعب، وسيل كاسح جارف، يخرب كل حاجز دون نواياهم، ويزعزع كل سد دون أهدافهم، فلا شيء أضر بحال الشعب وأنفع للعدو من إشاعة القلق والفوضى في المجتمع واختلاف الكلمة والتشتت في التوجيه والدعوة بين أفراده، فهي ضربة قاضية


(170)

تنصب على وجوده وتحول دون اتحاد أبنائه وتضامنهم ووقوفهم صفاً واحداً في وجه العدو وجرائمه المخزية وأعماله الاجرامية.

فها هي ذي بلادنا «إيران» كان يضرب المثل منذ زمن بعيد، باتحاد شعبها وتضامن أبنائها وقد اعتنق الإسلام كثير منهم في عهد الخلافة، وتفيأوا في ظلاله قروناً متطاولة، غير أنّ الاستعمار الغادر لم يرض باتحادهم وإتفاق كلمتهم، فطفق يديف السم في الدسم، يفرق كلمتهم في المبدأ والعقيدة، ببعث رجال التبشير والإنذار وإختلاق احزاب سياسية، مطبوعة بطابع الدين، ومصبوغة بصبغة المذهب، وليس فيها شيء يمت إلى الدين بصلة ولا مرمى لهم في ذلك، إلاّ تضليل عقيدة الشعب وتدمير أخلاقه وتحطيم كرامته حتى يعود مرتداً متحلّلاً، فاقد الكرامة، مسلوب الإرادة، لا يلتزم بمبدأ ولا يؤمن بدين، ولا يعرف هدفاً يسعى إليه، سوى الاستهتار التام.

وعند ذلك يسهل للعدو تعكير الصفو وتمزيق الوحدة وضرب الشعب بعضه ببعض وتهون له الإغارة على الثروات الطائلة في أيديهم وما احتوته أراضيهم من معادن ومنابع.

هذا القلق الديني والفوضى المذهبية، اللذين نشاهدهما في الشرق الأوسط بل والعالم الإسلامي إنّما هما وليدا هذا الاستعمار الغاشم، وليدا تكتيكه الأصيل (فرّق تسد) وقد فتح هذا الاختلاف في وجه الشعب أبواباً من الأزمات الكثيرة في نواحي مختلفة.

ضع يدك على هذه الفرق المنحوتة، والدعوات السياسية المتولدة في القرن الأخير، واقرأ اُصولها وفروعها، وتأمّل في غاياتها المتوخّاة منها وطالع صحائف من حياة مؤسسيها ومبتكريها، تجدهم عمد الاستعمار وأذنابه، فمن شيخية إلى بابية، ومن أزلية إلى بهائية، ومن قاديانية إلى أحمدية وكلّها وليدة الاستعمار الغاشم، وليدة رجال العيث والفساد، وليدة الأفّاكين الذين عرفتهم الاُمّة، وعرفت نواياهم وسرائرهم وأهدافهم.

فدونك البهائية من هذه الفرق السياسية وقد اختلقها زعيمها «الميرزا حسين علي المازندراني» في إيران، لتراه يدعو تارة إلى الوهية نفسه ويقول: «إنّي أنا اللّه لا إله إلاّ أنا،


(171)

كما قال النقطة الاولى من قبل بعينه يقوله، من يأتي من بعد» (1) ويدعو إلى نبوّته ورسالته تارة اُخرى، وأنّه نبي كسائر الأنبياء، وأنّ باب النبوّة مفتوح إلى يوم القيامة، لم يوصد بعد نبي الإسلام، ثم إنّ لهؤلاء الأقوام كُتّاباً مستأجرين استأجرهم الاستعمار لنصرة هذا الحزب المختلق بإسم الدين وطابع المذهب، وقد جاءوا بشبهات تافهة في مسألة الخاتمية، فدونك هذه الشبهات مع أجوبتها:

الشبهة الاُولى:

كيف يدّعي المسلمون انغلاق باب النبوّة والرسالة مع أنّ صريح كتابهم قاض بانفتاح بابه إلى يوم القيامة، وذلك قوله سبحانه:

(يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يأتينَّكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي فَمَن اتَّقى وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ)(الأعراف ـ 35).

قال: فهذا الخطاب الوارد في القرآن الكريم، النازل على قلب سيد المرسلين ينبئ عن مجيء الرسل بعد نبي الإسلام، ويدل بظاهر قوله: (يأتينّكم) الذي هو بصيغة المضارع، على أنّ باب النبوّة لم يوصد وأنّه مفتوح بعد، ومعه كيف يدعي المسلمون أنّ محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاتم النبيين وآخرهم وكتابهم يشهد على خلافه (2).

الجواب عن الشبهة:

هذه الشبهة الواهية حصلت من الجمود على نفس الآية والغض عمّـا تقدمها من الآيات فإنّك إذا لاحظت سياقها تذعن بأنّها ليست إنشاء خطاب في ظرف نزول القرآن بل حكاية لخطاب خاطب به سبحانه بني آدم في بدء الخلقة، ولقد حكاه في القرآن بعد لأي من الدهر، فكما أنّه سبحانه يحكي فيه الخطابات الدائرة بين رسله


1- بديع ص 154.
2- الفرائد ص 314 ط مصر 1315 هـ.


(172)

وجبابرة عصورهم من فرعون وقارون من دون انشاء خطاب في زمن الرسول، فهكذا يحكي في هذه الآية وما تقدمها، الخطابات الصادرة منه سبحانه في بدء الخلقة، وإن كنت في ريب مما ذكرناه، فلاحظ الآيات الواردة في سياقها ودونك إجمالها.

ابتدأ سبحانه بقصة آدم في سورة الأعراف، من الآية الحادية عشرة وختمها بما استنتج منها من العبر في الآية السابعة والثلاثين، ودونك اجمال القصة ونتائجها بنقلالآيات.

(ولقدْ خلقناكُمْ ثمَّ صوّرناكُمْ ثمَّ قُلْنا للملائكةِ اسْجُدُوا لآدمَ فسجدُوا إلاّ إبليسَ لم يَكُن مِنَ الساجِدِينَ * قالَ ما منعكَ ألاّ تَسجُدَ إذْ أمرتُكَ قَالَ أنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نار وَخَلَقْتَهُ مِن طين * قالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فما يَكُونُ لَكَ أَن تتكبَّر فِيها فَاخْرُجْ إِنّكَ مِن الصاغِرينَ* قالَ انظِرْني إلى يومِ يُبْعَثُونَ * قالَ إنّكَ مِنَ المنظرينَ* قالَ فبما أَغْوَيْتَنِي لأقعدنَّ لهُمْ صِراطَكَ المستقيمَ* ثمَّ لأَتينَّهُم مِن بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلفهِمْ وعن أَيمانهِمْ وَعَن شمائِلهِمْ ولا تجدُ أكثرهُمْ شاكرينَ* قالَ اخْرُجْ مِنها مَذموماً مدحوراً لمن تبِعكَ منهُمْ لاََملأَنَّ جهنّمَ منكمْ أجميعنَ* وبا آدمُ اسكُنْ أنتَ وَزَوْجُكَ الجنّةَ فكُلا مِن حيثُ شِئْتما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشجرةَ فتكُونا مِن الظالمينَ * فَوَسوسَ لَهما الشيطانُ ليبديَ لهما ما وُريَ عنْهُما مِن سَوْءاتِهِما وقالَ ما نهاكُما ربّكُما عَنْ هذهِ الشجرةِ إلاّ أن تكُونا مَلكيْـنِ أو تكونَا مِنَ الخالدينَ * وقاسمَهُما إنِّـي لكُما لمنَ الناصحينَ* فدلاّهما بغُرور فلمّـا ذاقا الشجرةَ بدتْ لهُما سوءاتُهُما وطفِقا يخصفانِ عليهِما من ورقِ الجنّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألمْ أَنْهكُما عن تِلْكُما الشجرةِ وأَقُل لكُما إِنَّ الشيطانَ لكُما عدوٌّ مُبِينٌ* قالاَ ربَّنا ظلمْنا أنفُسَنا وإِن لَم تغفِرْ لَنا وترحَمْنا لنكُوننَّ منَ الخاسرينَ*قالَ اهبطُوا بعضكُمْ لبعض عدوٌّ ولكُم في الأرضِ مستقرٌّ ومتاعٌ إلى حين*قالَ فيها تَحْيَوْنَ وفيها تموتونَ ومنها تُخرجُونَ)(الأعرافـ11ـ 25).

وعند ذلك ناسب أن يستنتج سبحانه من تلك القصة ويخاطب أبناء آدم بخطابات أربعة ، هادفة إلى لزوم طاعة اللّه سبحانه والتجافي عمّـا يأمر به الشيطان،


(173)

وإنّ لهم في قصة أبيهم واُمّهم لعبرة واضحة فقال سبحانه:

(يا بني آدمَ قدْ أنزلْنا عليكُمْ لباساً يُواري سوءاتِكُم وريشاً ولباسُ التقوى ذلكَ خيرٌ ذلكَ منْ آياتِ اللّهِ لعلّهُم يذَّكَّرونَ) (الأعراف ـ 26).

(يا بني آدمَ لا يفتننَّكُمُ الشيطانُ كما أخرجَ أبويْكُم منَ الجنَّةِ ينزعُ عنهما لباسَهُما ليريَهُما سواتِِهما إنّهُ يَراكُم هوَ وقبيلُهُ من حيثُ لا تروْنَهُم إنّا جعلنا الشياطينَ أولياءَ للذينَ لا يؤمنونَ) (الأعراف ـ 27).

(يا بني آدمَ خذوُا زينتكُم عندَ كُلِّ مسجِد وكلُوا واشربُوا ولا تسرفُوا إنّهُ لا يحبُّ المسرفينَ) (الأعراف ـ 31).

ولا تجعل قوله سبحانه في ثنايا الخطابات الأربعة: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ...) دليلاً على كونها انشاء خطاب في عصر القرآن للمسلمين بقرينة ذكر المسجد، لأنّه مردود بوجهين:

الأوّل: لوجود المسجد في الاُمم السابقة وعدم اختصاصه بعصر الرسالة كما يشهد عليه قوله سبحانه: (قالَ الّذينَ غلبُوا على أمْرِهِمْ لنتَّخِذَنَّ عليْهِم مسْجداً) (الكهف ـ 21).

الثاني: إنّ المراد من المسجد ليس البناء الخاص الدارج في البلاد الإسلامية بل هو كناية عن حالة الصلاة والعبادة التي أمر اللّه بها عباده في الاُمم جمعاء على اختلافها في الأجزاء والشرائط والصور، كما يشهد عليه قوله سبحانه: (واذكُرْ في الكتابِ إسماعيلَ إنّهُ كانَ صادِقَ الوعْدِ وكانَ رَسُولاً * وكانَ يأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاةِ والزكاةِ وكانَ عندَ ربِّهِ مرضيّاً) (مريم: 54 ـ 55).

وقوله سبحانه حاكياً عن المسيح: (وأوْصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دمتُ حيّاً) (مريم ـ 31).

وعليه فالمراد أمّا خذوا ثيابكم التي تتزينون بها للصلاة وألبسوا أجودها في حال


(174)

العبادة، أو خذوا ما تسترون به عوراتكم حالها، وعلى أي تقدير فهذا الحكم لا يختص بالاُمّة الإسلامية بل يعم الاُمم جمعاء.

(يا بني آدمَ إِمّا يأتينَّكُمْ رسلٌ منكُم يقصَّونَ عليكُم آياتي فمنِ اتقى وأصلحَ فلا خوفٌ عليهِمْ ولا هُمْ يحزنونَ) (الأعراف ـ 35) ثم إنّه سبحانه في الآية السادسة والثلاثين والسابعة والثلاثين توعّد من كذّب بآياته واستكبر عنها ومن افترى على اللّه كذباً، وقال سبحانه: (والذينَ كذَّبوا بِآياتِنا واستكبَرُوا عنها اُولئكَ أصحابُ النارِ هم فيها خالدونَ * فمنْ أظلمُ ممّن أفترى على اللّهِ كَذِباً أوْ كَذَّبَ بآياتهِ اُولئكَ ينالهُمْ نصيبُهُم منَ الكتابِ حتّى إذا جاءَتْهُمْ رسُلُنا يتوفَّوْنهُم قالُوا أينَ ما كنتُمْ تدعُونَ من دونِ اللّهِ قالوا ضلُّوا عنَّا وشهِدُوْا على أنفسِهِم أَنّهُمْ كانوا كافرينَ) .

وبعد ذلك ختم القصة مع ما استنتج منها لابناء آدم من عظات وعبر.

وأنت إذا احطت خبراً بهذه الآيات، صدرها وذيلها وهدفها ومرماها، لوقفت على أنّ الخطاب الأخير الحاكي عن بعث الرسل إلى بني آدم ليس انشاء خطاب في عهد الرسالة حتى ينافي صريح قوله الآخر: (ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين) بل هي حكاية لاحدى الخطابات التي ألقاها اللّه في بدء الخلقة، عندما أخرج الشيطان أبانا من الجنة وأهبطه إلى الأرض، وتعلقت مشيئته سبحانه بأن يستقر هو وأبناؤه في الأرض إلى حين، فخاطب سبحانه أبناء آدم بلسان النصح وقال: (يا بني آدم إمّا يأتينكم رسل منكم يقصّون عليكم آياتي ...)فصدّق الخبر الخبر وجاءت الرسل تترى، مبشّـرين ومنذرين، تالين على بني آدم آيات اللّه.

وممّا يؤيد ما ذكرنا (أنّ قوله سبحانه: (يا بني آدم إمّا يأتينّكم رسل منكم ...) حكاية للخطاب الذي ألقاه سبحانه في بدء الخلقة ، لا انشاء خطاب في عهد القرآن) إنّ اللّه سبحانه حيث ما يذكر في موضع آخر من القرآن قصّة آدم على وجه التفصيل، يذيّلها بمضمون هذه الآية وما بعدها من الآيتين(1) كما في سورتي البقرة وطه، فإنّ


1- الآية السادسة والثلاثون والسابعة والثلاثون.


(175)

مضمونهما موجود في ذيل القصة، وإنّما الاختلاف في اللفظ والعبارة، دون اللب والمعنى.

ودونك ما في سورة البقرة، ترى أنّ اللّه سبحانه بعد ما ذكر قصة آدم، وإنّ الشيطان أزلّهما، يكرّر مضمون هذه الآية وما بعدهما من الآيتين حيث يقول: (قُلنا اهبطوا منها جميعاً فإمّا يأتينّكم منّي هدًى فمن تبعَ هُدايَ فلا خوفٌ عليهِمْ ولا همْ يحزنونَ).

(والّذينَ كفروا وكذَّبوا بآياتِنا اُولئكَ أصحابُ النارِ همْ فيها خالدونَ) (البقرة: 38 ـ 39).

فهاتان الآياتان في سورة البقرة، يتحد مضمونهما مع مضمون ما ورد في سورة الأعراف غير أنّهما جاءتا في سورة الأعراف بلفظ «يا بني آدم» دون ما في سورة البقرة وهذا يؤيد أو يدل على أنّ الوارد في سورة الأعراف ليس إنشاء لخطاب في عهد الرسالة، بل حكاية لخطاب سبق منه سبحانه في بدء الخلقة.

ونظير ذلك ما ورد في سورة طه، حيث يقول فيها سبحانه: (وعصى آدمَ ربّهِ فغوى * ثمّ اجتباهُ ربُّهُ فتابَ عليْهِ وهدى) (طه: 121ـ122).

(قالَ اهبِطا منها جميعاً بعضكُم لبعض عدوٌّ فإمّا يأتينّكُم منّي هُدًى فمنِ اتبعَ هُدايَ فلا يضلُّ ولا يشْقَى) (طه ـ 123).

(وَمَنْ أعرضَ عَن ذكرِي فإنَّ لُه معيشةً ضنكاً ونحشُـرُهُ يومَ القيامةِ أعمى) (طه ـ 124).

فهاتان الآياتان تتحدان مع ما وردتا في سورة الأعراف معنى ومضموناً ، وإن اختلفتامعهما لفظاً وعبارة، وبذلك يظهر صدق ما أوضحناه من كون الآيتين في سورة الأعراف قد وردتا حكاية عن خطاب الهي صدر منه بعد خروج آدم من الجنة، لا خطاب ابتدائي صدر منه سبحانه إلى المسلمين.

ومما يشهد على أنّها من الخطابات الواردة في بدء الخلقة، أنّه سبحانه يؤاخذ


(176)

الخليقة كلها يوم القيامة بنفس هذا الخطاب ويقول: (يا معشرَ الجنِّ والانسِ ألمْ يأتكُم رسلٌ منكٌم يقصُّونَ عليكُم آياتي وينذِرونكُم لقاءَ يومكم هذا قالُوا شهِدنا على أنفُسِنا وغرَّتْهُم الحياةُ الدنيا وشَهدُوا على أنفُسهِم أنّهُم كانوا كافرينَ) (الأنعام ـ 130).

فإذا نظرت إلى مضمون الآية، ترى أنّ مادة الإحتجاج فيها هو عين ما ورد في سورة الأعراف وهذا دليل على أنّ الخطاب في هذه السورة من الخطابات الواردة في بدء الخلقة واللّه تعالى حكاها في القرآن للنبي الأكرم واُمّته، فلاحظ.

دحض الشبهة بوجه آخر:

قد جمعنا وبعض البهائيين مجلس في سالف الأيام (1) في مدينة عبادان وسألني عن هذه الآية ودلالتها على مجيء الرسل بعد نبي الإسلام وأنّها تدل على أنّ باب النبوّة لم يوصد، وكان في المجلس بعض الأعلام.

فقلت: إنّ لفظة «إمّا» مركبة من «إن» و «ما» الزائدة، وكأنّه سبحانه قال: إن يأتينّكم... وهو فعل الشرط، والجزاء قوله: فمن اتقى، ولكنّها مجردان عن الدلالة على الزمان (الحال والاستقبال) ، لأنّ الآية سيقت لبيان أصل الملازمة بين الشرط والجزاء، غير مقيّد بزمان دون زمان، بمعنى أنّ سنّة اللّه جرت على انقاذ من أطاع رسله، واتقى محارمه، وأصلح حاله، وانّ من كان حاله كذا، فلا خوف عليه ولا حزن، وهذه عادة اللّه في الاُمم السالفة والحاضرة والمستقبلة.

وليس الخطاب مقيداً بزمان الحال حتى لا يعم الخطاب الاُمم السالفة، ويختص بالاُمّة الحاضرة والتالية لها ويدل بالدلالة الالتزامية على مجيء الرسل في مستقبل الأيام بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، بل هو بيان لحكم قطعي جرت مشيئة اللّه عليه، على وجه الاطلاق، غير مقيّد بزمان.

وإن شئت قلت: إنّ الهدف من الآية ليس الإخبار عن مجيء الرسل بعد رسول


1- عام 1379 هـ ق.


(177)

اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإلاّ لكان اللازم أن يخرجها عن صورة الشرط، ويلقيها على وجه الإخبار بل الهدف والذي سيق لأجله الكلام، هو بيان الملازمة، وأنّ السنّة جرت عليها في الأدوار كلّها، من دون أن يكون بصدد الإخبار عن وقوع الشرط في زمان.

وهذا كقول المعلم لتلاميذه: لا صلة ولا قرابة بيني وبين أحد منكم، من جد في درسه واتقن كتابته وخرج عن عهدة التكاليف الواجبة عليه فهو الناجح، يعني بذلك أنّ السنّة الجارية في المدرسة والكليات والجامعات هي هذه من غير فرق بين هذا الصف والصف الآخر، وهذه المدرسة والمدرسة الاُخرى، وهذا الزمان أو غيره من الأجيال السالفة والتالية.

وأدل دليل على أنّ الآية ليست بصدد الإخبار عن مجيء رسل آخرين غير رسول اللّه هو استعمال كلمة «إن» الدالة على الشك والترديد في وقوع تاليها، دون «إذا» الدالة على القطع واليقين، فلو كان الهدف الإخبار عن مجيئهم لكان له الإخبار عن ذلك بكلمة تدلّ على القطع والجزم، لأنّ الرسل ومجيئهم من مهمات الاُمور وعظائمها، فلا يصح الإخبار عنه بهذه الجملة الدالة على الشك والترديد، إلاّ إذا سيقت الآية لبيان الملازمة فقط، لا الإخبار عن وقوع الشرط ولذلك ترى أنّه سبحانه يأتي في معرض الدلالة على الاُمور القطعية بعبارة مؤكدة كما في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِيَنا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِـّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِـم الغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرّة) (سبأ ـ 3).

وقوله سبحانه: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لاَ قِبَل لَهُم بِهَا) (النمل ـ 37).

وحصيلة البحث أنَّ الآية بصدد بيان أنّ الفلاح والرشاد لمن يقتدي بهدى نبيّه ويقتفي أثره ولا يتخطى الخطوط التي يرسمها له رسوله في معاشه ومعاده سواء أكان الرسول رسول الإسلام أم غيره، وليست ناظرة إلى بيان مجيء الرسل بعد عصر نزول الآية كما هو مرمى المستدل.

ونظير المقام قوله: (مَاكَانَ على النَّبِيِّ مِنْ حَرج فِيمَـا َفَرَض اللّهُ لَهُ سُنَّةَ اللّهِ في الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مَقْدُوراً * الّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللّهِ وَيَخْشَوْنَهُ


(178)

وُلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللّهَ وَكَفَى ِباللّهِ حَسِيباً) (الأحزاب : 38 ـ 39).

فإنّ قوله: (الذين يبلّغون) وإن كان بصيغة المضارع، إلاّ أنّه مجرد عن الدلالة على الحال والاستقبال، بدليل أنّه صفة لقوله سبحانه: (الذين خلوا من قبل) فلو كانت الدلالة على الزمان مقصودة لوجب أن يقال: الذين بلغوا رسالات اللّه، تطبيقاً للوصف على الموصوف، ولما كان المقصود قيام الرسل الذين خلوا من قبل بنفس أمر التبليغ من غير دلالة على زمان القيام واستمراره، صح توصيفه بالمضارع.

نقل كلام عن العلمين:

ثم إنّي وقفت بعد فترة من الزمان على سؤال وجّهه بعض الأجلّة (1) إلى العلمين الشيخ محمد جواد البلاغي (2) والسيد هبة الدين الشهرستاني (3) يسألهما عن تلك الشبهة الضئيلة، وقد وافاه الجواب منهما، وبعث السائل السؤال والجواب إلى مجلة العرفان (4) فنشرهما مدير المجلة على صفحاتها(5) فراقنا نقل الجوابين على وجه الاجمال، لكون مضمونهما قريباً مما ذكرناه.

قال العلاّمة البلاغي:لابد من بيان أمرين:

الأوّل: إنّ تلك الطائفة لا يعرفون اللغة العربية وخواصها، فإنّ الفعل المضارع غير مختص في المحاورات بالاستقبال، بل يؤتى به منسلخاً عن خصوصيات الزمان للدلالة على الدوام والثبات كقولهم: زيد يكرم الضيف، ويفك العاني ومن ذلك قول


1- العلامة الچرندابي المغفور له كان آية في التتبع، وله أشواط بعيدة وخدمات ومواقف مشكورة.
2- كان علماً من أعلام الاُمّة وفطاحلها، قد أفنى عمره في الذب عن حريم التوحيد والرسالة، توفّـي عام 1352.
3- نادرة الزمان ونابغة العراق، توفّـي في 25 من شهر شوال عام 1386.
4- مجلة علمية أدبية سياسية شيعية، تصدر في مدينة صيدا، من لبنان الجنوبي، أسّسها الشيخ أحمد عارف الزين عام 1327 وهي لم تزل تصدر إلى الآن.
5- المجلد السادس والثلاثون ص 767 ـ 771.


(179)

اليشكري في المعلّقة:

يدهدون الرؤوس كما تدهدى * مزاورة بأبطحها الكرينا

وقوله أيضاً:

علينا البيض واليلب اليماني * وأسباب يقمن وينحنينا

وقوله سبحانه:

(لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة) (سبأ ـ 3).

الثاني: إنّ الجملة الشرطية كثيراً ما تجيء غير ناظرة إلى الزمان، بل لمجرد ملازمة الجزاء للشرط وترتبه عليه في أي زمان وقع الشرط، بمعنى أنّه لابد من وقوعه عند وقوع الشرط في أي زمان، ومنه قول القائل:

من يفعل الحسنات اللّه يشكرها * والشر بالشر عند اللّه سيان

ومن قوله سبحانه:

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَة خَيْـراً يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَة شَـرّاً يَرَه) (الزلزلة 7ـ8).

ومنه قول زهير في معلّقته:

ومن لم يصانع في اُمور كثيرة * يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم

ومثله قوله الآخر:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم

إذا تقرر هذا: فلا خفاء في أنّ حاصل الآية: أنّه مهما آتى بني آدم رسل، يعني رسل حق، يأتون بآيات اللّه ووحيه ويقصّونها في التبليغ، فمن اتقى حسب ما جاء في الآيات ولم يعص اللّه بالمخالفة به وأصلح وجعل أعماله صالحة، فلا خوف عليهم ولا يحزنون.


(180)

فجيء بالشرط بصيغة المضارع، للدلالة على ثبوت الاتيان بتكرره، بحسب الحكمة، وأنّ الجزاء لازم لهذا الشرط، دون نظر إلى الزمان الخاص، والواقعة الخاصة، وليس نظره إلى خصوص الزمان الماضي ولا خصوص المستقبل. لكن القرآن الكريم بين أنّ هذا الشرط لا يقع في المستقبل وذلك بقوله سبحانه:(ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين) ، فكان هذا البيان من المحكمات التي هي اُم الكتاب.

قال العلامة الشهرستاني: «إما» لفظة مركبة من «إن» الشرطية ، و «ما» الكافة عن العمل، وعليه كفت المضارع عن الجزم، وقرنته بنون التأكيد الثقيلة وجردته عن الدلالة على زمان خاص بالحال والاستقبال، كما أنّ الصيغ التالية لها (فمن اتقى وأصلح) ، ( والذين كذّبوا) تجردت أجمع عن الدلالة الخاصة بالماضي والمفهوم من المجموع قضية طبيعية عامة السير في الاُمم، وهي توجه رسل الهداية إلى أقوام البشر لغاية الوعظ والانذار بآيات اللّه وبيّناته.

وإن شئت قلت: انّ الغاية في الآية عبرة الانسان بتاريخ الانسان، حتى يترك اغتراره بالحال الحاضر ، وهذا لا يكون إلاّ من درس تاريخ السلف، ولا معنى للعبر بالمستقبل. نعم المعتبرون هم الجيل الحاضر والمستقبل، ولكن المعتبر به حال السلف والحوادث النافعة، وأمّا مادة الوعظ، أي المعتبر به، هي القصص الماضية (دون سواها) ورسلها ورسالاتها وعواقب أمرها ومعرفة مصير المتقين ومصير المكذّبين.

فبأي لفظة من الآية يستدل هؤلاء على صحة الرسالة من بعد محمد المصطفى ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ! أبلفظ «يأتينّكم» وقد تبيّن أنّها تجردت عن اختصاصها بالحال والاستقبال، كما تجردت لفظة أتقى وأصلح، عن الاختصاص بالماضي.

أم يستدلون بلفـظة «الرسل» وقد تبيّـن أنّهم وقصصهم وآياتهم ذكرت في الآية، لغاية الموعظة والعبرة، ومثله لابد وأن يكون من الجيل الماضي إذ لا معنى للعبرة من المستقبل.

أم بلفظة «يا بني آدم» وانّه خطاب للجيل الحاضر أو المستقبل، نعم انّ


(181)

اختصاص الخطاب والوعظ بهؤلاء شيء، وجواز تكرار الرسالة بعد عصر القرآن شيء آخر، يحتاج اثباته إلى دليل غير هذه الآية، فإنّ أقصى ما في هذه، هو وعظ الجيل الإسلامي بقصص المرسلين، ولا بد أن يكون المتعظ به قبلهم، كما أنّ القرآن يعظ الجيل الإسلامي، بقصة موسى وفرعون، ولا تحدث نفس صاحبهما بأنّ ذلك المتعظ به، يجب أن يتكرر في المستقبل.

الشبهة الثانية:

استدلت الفرقة التعيسة «البهائية» على عدم اختتام الرسالة، وعدم انتهائها بآية ثانية، وتقوّلت بأنّها تدلّ على خلاف ما هو المنصوص في غير موضع من الذكر الحكيم، ودونك الآية:

(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاق) (غافرـ15).

قال المستدل في فرائده: إنّ قوله سبحانه: (يلقي الروح) بصيغة المضارع ينبئ عن عدم اختتام الرسالة، وأنّ الروح ينزل بأمره على من يشاء من عباده في الأجيال المستقبلة (1).

الجواب:

توضيحه يحتاج إلى بيان أمرين:

1ـ الظاهر من «الروح» هو الوحي (2) فاستعير له الروح، لأنّه به تحيا القلوب وفيه حياة المجتمع، ويوضح ذلك قوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا ما


1- الفرائد ص 313 وص 126 من الطبعة الحجرية.
2- وقريب منه تفسيره بالقرآن أو كل كتاب أنزله سبحانه أو جبرئيل أو النبوّة، وما اخترناه هو الأولى، فتدبر.


(182)

كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَـبُ وَلاَ الإيمَـان) (الشورى ـ 52) ومنه يعلم أنّ المحتمل أن يكون الروح المسؤول عنه في القرآن الكريم هو حقيقة الوحي حيث قال سبحانه: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّـي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاّ قَلِيلاً) (الإسراء ـ 85).

2ـ يوم التلاق: إنّما هو يوم لقاء اللّه، يوم يلتقي فيه العبد والمعبود، وأهل الأرض والسماء، كما يوضحه ما بعد الآية: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ َيْخَفى عَلَى اللّهِ مِنْهُمْ شَـيْءٌ لِمَنْ الملْكُ اليَوْمَ للّهِ الوَاحِدِ القَهَّار) (غافر ـ 16).

والمراد من قوله: (لينذر يوم التلاق) أي ليحكم في ذلك اليوم بين عباده فينتصف المظلوم من ظالمه، ويجزي المحسن والمسيء، أو لينذر عباده سبحانه عن عذاب ذلك اليوم.

إذا عرفت الأمرين، فالجواب عن الاستدلال بها واضح جداً بعد ما عرفت عند البحث عن الشبهة الاُولى من أنّ الفعل في تلك المواضع مجرد عن الزمان، والهدف إنّما هو بيان نسبة الفعل إلى الفاعل واتصافه بها، بلا نظر إلى زمان النسبة، سواء أكان الماضي، أم الحال أم المستقبل، كما في قوله:

من يفعل الحسنات للّه يشكرها * والشر بالشر عند اللّه سيان

وعلى هذا ، فسيقت الآية لبيان كونه سبحانه مالكاً على الإطلاق، لا ينازعه في ملكه ولا يناضله في مشيئته واختياره أحد، والوحي أحد الأشياء التي أمرها بيده، يختص به من يؤثره على عباده ويختاره منهم، وليس لأحد أن يعترض عليه ويقول: (لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَة) (الفرقان ـ32). أو يطعن ويقول: (لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيم) (الزخرف ـ 31) فإذا كان هدف الآية بيان هذا الأمر، وانّ الوحي بكمّه وكيفه ومن ينزل عليه موكول إليه سبحانه، فلا يتفاوت في ابلاغ هذا الغرض، التعبير بالماضي، أو المضارع، فسواء أقال: «القى الروح» أم قال: (يلقي الروح) فهما في افهام المقصود سواسية فلا يدلاّن على زمان الاتصاف، والمقصد الأسنى،


(183)

اتصافه سبحانه بالاختيار التام في انزال الوحي على أي فرد من عباده، من دون دلالة على زمان الاتصاف.

ودونك مثالاً عرفياً يقرّب المقصود.

فلو نصب الملك المستبد (والملوكية خاصتها الاستبداد) أحد ولده ولياً للعهد وجلعه وارثاً للعرش والاكليل، وشاغلاً لمنصة الملوكية بعده، فإذا اعترض عليه أحد وزراءه بأنّ ولده الآخر كان أحق بهذا المنصب، فيجيب الملك بقوله: إنّ الامر بيدنا، نقدم من نشاء، ونؤخر من نشاء، نرفع من نشاء ونضع من نشاء...

فليس لك عند ذلك أن تستظهر من عبارته، وتتهمه بأنّه قد أخبر حتماً عن نصب فرد آخر في المستقبل، متمسكاً بأنّه قال: «نقدم» بصيغة المضارع ولم يقل: «قدمت» .

لا، ليس لك ولا لغيرك هذا، لأنّ المفهوم في هذه المواضع إنّما هو بيان أصل الإتصاف، أي إتصاف الفاعل (الملك) بالفعل (تقديم من تعلّقت إرادته بتقديمه) لا بيان زمان الإتصاف واستمراره في الجيل الآتي، فلاحظ.

فلو تنازلنا عن كلّ ما قلناه حول هذه الآية وما قبلها وفرضنا أنّ ما نسجوه من الأوهام حقيقة راهنة فنقول: إنّ ما ذكروه كلّه لا يتجاوز حدّ الاشعار فهل يجوز في ميزان العقل والانصاف ترك ما سردناه من البراهين الدامغة والنصوص الناصعة والضرورة والبداهة بين المسلمين عامة، الدالّة على كون النبي الأعظم خاتم الأنبياء ورسالته خاتمة الرسالات، لأجل هذه الاُمور الواهية التي لا يستحق أن يطلق عليها اسم الدلالة.

قال الشيخ المفيد: إنّ العقل لم يمنع من بعثة نبي بعد نبيّنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ونسخ شرعه كما نسخ ما قبله من شرائع الأنبياء وإنّما منع ذلك الاجماع، والعلم بأنّه خلاف دين النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من جهة اليقين وما يقارب الاضطرار (1).


1- أوائل المقالات ص 39.


(184)

قال الفاضل المقداد في أثره القيّم (1) أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مبعوث إلى كافة الخلق والدليل على ذلك إخباره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بذلك المعلوم تواتراً مع ثبوت نبوّته المستلزمة لإتصافه بصفات النبوّة التي من جملتها العصمة المانعة من الكذب، إلى أن قال: ... يلزم من عموم نبوّته كونه خاتم الأنبياء وإلاّ لم تكن عامة للخلق، ولقوله تعالى: (وخاتم النبيين) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا نبي بعدي.

الشبهة الثالثة:

وقد تمسكت هذه الفرقة بظاهر آيتين اُخريين:

الاُولى: قوله سبحانه: (وَلِكُلِّ اُمّة رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون) (يونس ـ 47).

الثانية: قوله سبحانه: (قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِـي ضَـرّاً وَلاَ نَفْعَاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ لِكُلِّ اُمّة أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعةٌ وَلاَ يَسْتَقْدِمُون) (يونس ـ 49).

تقرير هذه الشبهة أنّ اللّه حدد حياة الاُمم بحد خاص، والاُمّة الإسلامية إحدى هذه الاُمم، فلها أجل خاص، ومدة محدودة، ومعه كيف يدعي المسلمون دوام دينهم وبقاءه إلى يوم القيامة؟

وروي عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه سئل عن أجل الاُمّة الإسلامية، فأجاب ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوله: إن صلحت اُمّتي فلها يوم، وإن فسدت فلها نصف يوم (2).

الجواب:

لا أدري ماذا يريد القائل من الاستدلال بهاتين الآيتين: أمّا الآية الاُولى، أعني قوله سبحانه: (ولكل اُمّة رسُول)فصريح الآية هو أنّ اللّه سبحانه يبعث إلى كل اُمّة،


1- اللوامع الالهية في المباحث الكلامية ص 225.
2- الفرائد ص 17 الطبعة الحجرية.


(185)

مثل اُمّة نوح وعيسى وموسى، رسولاً يدعوهم إلى دين الحق ويهديهم إلى صراطه، وأمّا أمد رسالة الرسول وكميتها، فالآية غير ناظرة إليه، لا صريحاً ولا تلويحاً لا مفهوماً ولا منطوقاً ولا مانع من أن يكون إحدى هذه الرسالات غير محدودة بحد خاص، ويكون صاحبها خاتم الرسل ودينه خاتم الأديان، وقد دلّ القرآن على أنّ نبي الإسلام هو ذاك، كما تقدمت دلائله.

ونظير ذلك قوله سبحانه: (وَلَقَد بَعَثْنَا في كُلِّ اُمّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّْت َعَلْيِه الضَّلالَة) (النحل ـ 36).

أتجد من نفسك أنّ الآية تشير إلى تحديد الشريعة بعد الإسلام، لا ، لا تجده من نفسك، ولا يجد ذلك أيضاً كل متحرر عن قيد العصبية.

وأمّا الآية الثانية، فكشف الغطاء عن محيا الحق، يحتاج إلى توضيح وتحقيق معنى «الاُمّة» الواردة في الكتاب والسنّة، فنقول:

قال الراغب: الاُمّة، كل جماعة يجمعهم أمر ما: أمّا دين، أو مكان، أو زمان، وهذا الجامع ربّما يكون اختيارياً وقد يكون تسخيرياً (1).

هذه الحقيقة التي كشف عنها الراغب، هو الظاهر من الكتاب والسنّة وموارد الاستعمال وصرّح بها الجهابذة من اللغويين، ودونك توضيح ما أفاده الراغب:

الجامع الديني ، كما في قوله سبحانه: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) (البقرة ـ 128) وقوله سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّة اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوف) (آل عمران ـ110).

الجامع الزماني كقوله سبحانه: (وَلِكُلِّ اُمَّة أَجَلٌ فَإِذا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ


1- المفردات للراغب ص 23 مادة «اُم» وكان الأولى أن يضيف إلى هذه الجوامع لفظ «أو غيره» إذ لا ينحصر الجامع بهذه الثلاثة وليس المقصود أنّ هذه الجوامع داخلة في مفهموم «الاُمّة» حتى يقال: أنّ توصيف الاُمّة في الآية بكونها «مسلمة» دليل على خروجها عن مفهوم الآية، بل المراد أنّ هذه الجوامع تكون مصححة، لاطلاقها على الجماعة.


(186)

سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف ـ 34) وفسّـرها المفسرون بلازم المعنى وقالوا: بعد حين، أي بعد انقضاء أهل عصر، كأنّه يجمعهم زمان واحد في مستوى الحياة، ومثله قوله سبحانه: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ إِلى اُمَّة مَعْدُودَة لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً َعْنُهْم وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) (هود ـ 8) وفسره في الكشاف بلازم المعنى، وقال: إلى جماعة من الاوقات.

الجامع المكاني: نحو قوله سبحانه: (وَلَمَا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ اُمّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُون) (القصص ـ 23) أي وجد حول البئر جماعة يسقون مواشيهم، فالجهة الجامعة لعدّهم اُمّة واحدة، إنّما هي اجتماعهم في مكان واحد، أو غيرها من الجهات التي يمكن أن تجمع شمل الأفراد والآحاد.

الجامع العنصري والوشيجة العنصرية، والرابطة القومية كما في قوله سبحانه: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْـرَة أَسْبَاطاً اُمَماً) (الأعراف ـ 160).

وقوله: (وَقَطَّعْنَاهُمْ في الأرْضِ اُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ) (الأعراف ـ 168) فبنوا إسرائيل كلهم أغصان شجرة واحدة، يجمعهم ترابط قومي ووشيجة عنصرية، إلاّ أنّه كلّما ازدادت الشجرة نموّاً ورشداً إزدادت أغصاناً وأفناناً، فعد كلّ غصن مع ما له من الفروع، أصلاً برأسه وهم مع كونهم اُمماً اُمّة واحدة أيضاً يربطهم الجامع العنصري.

القرآن يتوسّع في استعمال الاُمّة:

إنّ القرآن يتوسّع في استعمال الكلمة فيطلقها على الفرد، إذا كان ذا شأن وعظمة تنزيلاً له منزلة الجماعة كقوله سبحانه: (إنَّ إِبْرهِيمَ كَانَ اُمّةً قانِتاً للّهِ حنَيِفاً) (النحل ـ 120) أي قائماً مقام جماعة في عبادة اللّه، نحو قولهم فلان في نفسه قبيلة، وروى أنّه يحشر «زيد بن عمرو» اُمّة وحده.

بل يتوسّع ويستعمله في صنوف من الدواب، إذا كانت تجمعهم جهة خاصة ،


(187)

كقوله سبحانه: (وَمَا مِن دَابّة في الأرْضِ وَلاَ طَائِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ اُمَمٌ أَمْثَالُكُم) (الأنعام ـ 38).

فعدّ اللّه كل صنف من الدواب والطيور اُمماً، لما بينها من المشاكلة والمشابهة حيث الخلق والخلق، فهي بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسرفة، ومدخرة كالنمل ومعتمدة على قوت وقتها كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي يخصص بها كل نوع (1).

ويمكن أن يقال: إنّ ما ألمحنا إليه من موارد الاستعمال للفظ «الاُمّة» ليست معاني مختلفة، حتى يتصور أنّ اللفظ وضع عليها بأوضاع متعددة، بل كلها مصاديق لمعنى وسيع وضع عليه اللفظ (الاُمّة) وهو كل اجتماع من الانسان وغيره من الحيوان، يجمعهم أمر ما من الزمان والمكان والدين والعنصر وغيرها.

الاُمّة: الطريقة والدين:

نعم للاُمّة معنى آخر اُستعملت فيه، في الكتاب والسنّة، وهو الطريقة والدين، كقوله سبحانه: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنا عَلَى اُمّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُهْتَدُون) (الزخرف ـ 22) وقوله سبحانه: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى اُمّة وَإِنَّا علَىَ آثَارِهِم مُقْتَدُون) (الزخرف ـ 23).

قال الجوهري في صحاحه: الاُمّة، الطريقة والدين، يقال لا اُمّة له، أي لا دين ونحلة، قال الشاعر:

وهل يستوي ذو اُمّة وكفور ...

وقال الفيروز آبادي: الاُمة ـ بالكسر ـ الحالة والشرعة والدين ويضم.

هذه هي الاُمة ومعناها وقد عرفت أنّه لم يستعمل في الكتاب إلاّ في هذين المعنيين (الجماعة والدين) وقد ذكروا لها معاني اُخرى يمكن ارجاعها إلى ما ذكرناه.


1- المفردات للراغب ص 23.


(188)

فلنرجع إلى مفاد الاُمّة:

إذا عرفت ما ذكرناه: فلنرجع إلى مفاد الاُمّة فنقول قوله سبحانه: (ولكل اُمّة أجل ...) يحتمل في بادئ الأمر أن يراد منها الطريقة أو الجماعة، ولكن الأوّل مدفوع بما في ذيله: (فإذا جاء أجلهم ...) إذ يجب حينئذ أن يقول: فإذا جاء أجلها بإفراد الضمير، لو صح إطلاق الأجل على الدين والشريعة (1) فلا مناص من حمل الآية على المعنى الثاني: أعني الجماعة، التي يربطهم في الحياة أمر ما، والمراد أنّ كل كتلة من الناس إذا طويت صحيفة حياتهم وانتهت مدة عيشهم لا يمهلون بعد شيئاً، فلا يستقدمون ولا يستأخرون بل يتوفّاهم ملك الموت الذي وكل بهم، فلا إمهال ولا تأخير، فالآية ناظرة إلى بيان أمر تكويني جرت عليه مشيئته سبحانه وهو أنّ حياة الاُمم في أديم الأرض محدود إلى أجل لا يمهلون بعده وليس فيها أي نظر إلى توقيت الشرائع وتحديدها وتتابع الرسل ونزول الكتب.

وأمّا حملها على خصوص الاُمّة الدينية أي الاُمّة التي يجمعها دين واحد فيحتاج إلى الدليل والقرينة(2) وقد عرفت أنّ الاُمّة عبارة عن الجماعة التي يجمعهم أمر ما، سواء أكان ذلك الجامع زماناً أو مكاناً أو اتحاداً في الشغل والمهنة أو ديناً، أو عنصراً، إلى غير ذلك من عشرات الوحدات الجامعة بين المتشتتين من الناس.

وقد تكرر مضمون الآية في الذكر الحكيم بصور مختلفة كلها تهدف إلى ما ذكرناه، وأوضحناه، ودونك بعضها:

(وَ مَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَة إِلاَّ وَلَهَا كِتَـبٌ مَعْلُومٌ (3) * مَا تَسْبِقُ مِنْ اُمّة أَجَلَهَا وَمَا


1- سيوافيك أنّه لم يستعمل الأجل في القرآن في أمد الأديان.
2- وعلى فرض شمول الآية للاُمة الدينية بعمومها، فمن أين وقف المستدل على أنّه جاءأجلهم ولماذا لا يمتد إلى يوم القيامة كما سيوافيك بيانه تحت عنوان «سؤال من المستدل».
3- أي مكتوب معلوم كتب فيه أجلها.


(189)

يَسْتَأخِرُون) (الحجر4ـ5)، وقوله سبحانه: (ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين * ما تسبق من اُمّة أجلها وما يستأخرون) (المؤمنون 42ـ43).

وقريب منه قوله سبحانه: (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَل قَرِيب فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصالحِين * وَلَن يُؤَخِّرَ اللّهُ نَفْساً إذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَـا تَعْمَلُونَ) (المنافقون : 10 ـ11)، وقوله سبحانه: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤخِّرْكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُون) ( نوح ـ 4).

نظرة في موارد استعمال الأجل في القرآن:

ويؤيد ذلك أنّه لم يستعمل «الأجل» في الذكر الحكيم في أجل الشرائع، وانتهاء أمدها، بل قصر استعماله على موارد اُخرى، لبيان آجال الديون، والعقود كقوله تعالى: (إِذَا تَدَايَنتُم بِدْين إلَى أَجَل مُسَمّىً فَاكْتُبُوه) (البقرة ـ 282).

وقوله سبحانه: (وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَـبُ أَجَلَه) (البقرة ـ 235).

أو بيان انتهاء استعداد الاشياء للبقاء كقوله سبحانه: (هُوَ الذِي خَلَقَكُم مِن طِين ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِندَه) (الأنعام ـ 2) وقوله سبحانه: (سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لَِأجَل مُسَمّىً) (الرعد ـ 2).

وأمّا قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ لِرَسُول أَن يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِاذْنِ اللّهِ لِكُلّ أَجَل كِتَـب) (الرعدـ 38) فيحتمل وجوهاً:

1ـ إنّ لكل وقت حكماً خاصاً مكتوباً معيناً، كتب وفرض في ذلك الأجل، دون غيره لأنّ الفرائض تختلف حسب اختلاف الأوضاع والأحوال، فلكل وقت حكم يكتب ويفرض على العباد حسب مقتضيات المصالح.

2ـ ما فسر به أمين الإسلام وهو قريب ممّا ذكرناه آنفاً، وقال إنّ لكل وقت كتاباً خاصاً، فللتوراة وقت وللانجيل وقت وكذلك القرآن، فالفرق بينه وبين ما ذكرناه هو


(190)

أنّه حمل الكتاب على الكتاب المصطلح، ونحن حملنا على الحتم والفرض.

3ـ انّ المراد منه: انّ لكل أجل مقدر كتاب أثبت فيه، فللاجال كلّها كتاب كتب فيه.

4ـ انّ لكل أمر قضاه اللّه كتاب كتب فيه، وأبعد الوجوه هو الأخير، إذ هو تفسير بالأعم، وهو سبحانه يقول: (لكل أجل كتـب) ولم يقل لكل أمر كتاب وأقرب الوجوه هو الأوّل بقرينة قوله سبحانه: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلاّ بأذن اللّه لكل أجل كتـب) (الرعد ـ 38) فلقد كانوا يقترحون على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعض الآيات، فأجابهم سبحانه بأنّ لكل وقت حكماً خاصاً، كتبه اللّه لذلك الوقت، ولايجري إلاّ فيه.

وعلى أي وجه من الوجوه الأربعة، فلا تدل الآية على أنّ لكل دين أجلاً وأمداً، إلاّ على الوجه الثاني، ودلالته عليه إنّما هي بالالتزام لا بالمطابقة لأنّه إذا كان لكل وقت كتاباً خاصاً مثل التوراة والإنجيل يدل بالملازمة على أنّ لكل وقت شريعة وديناً.

وأمّا على ما فسّـرنا الآية به فمآله إلى أنّ لكل وقت حكماً، والحكم ليس نفس الدين والشريعة، بل جزء منه وتكون الآية دالّة على رد من زعم امتناع وقوع النسخ في الشريعة الواحدة.

وأمّا على المعنى الثالث والرابع، فعدم دلالته على أنّ لكل دين أجلاً، واضح لا يحتاج إلى البيان.

سؤال من المستدل:

وفي الختام نسأل المستدل هب أنّ الآية بصدد بيان آجال الشرائع وتحديدها وأنّ لكل دين واُمّة دينية أجلاً، ولكنّه من أين وقف على أنّ الإسلام قد انتهى أمده وجاء أجله، وأنّه لا يمتد إلى يوم القيامة، إذ لنا أن نقول: إنّ أمد الإسلام ينتهي بانتهاء نوع الانسان، في أديم الأرض وقيام القيامة، وحضور الساعة، فلو دلّت الآية على أنّ لدين الإسلام أو الاُمّة الإسلامية أجلاً قطعياً فنستكشف ببركة الآيات الدالّة على اختتام النبوّة


(191)

والرسالة عن امتداد تلك الرسالة إلى اليوم الذي تنطوي فيه صحيفة حياة الانسان في هذه السيارة، وأنّ أجله وأجلها واحد.

الاكذوبة التي نسبها إلى رسول اللّه:

هلم نسأله، عن مصدر الاكذوبة التي نسبها الكاتب إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقال: أنّه بعد ما نزلت آية: (ولكل اُمّة أجل) طفق أصحابه يسألونه عن أجل الاُمّة الإسلامية، فأجابه بقوله: إن صلحت اُمّتي فلها يوم وإن لم تصلح فلها نصف يوم (1).

فقد أعتمد الكاتب في نقله على نقل الشعراني، وليس في لفظه ما يدل على سؤال أصحابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن أجل الاُمّة الإسلامية بعد نزول الآية، وإنّما هو اكذوبة نحتها الكاتب ونسبها إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (2).

نعم تفسير اليوم بألف عام، كما نقله الشعراني عن تقي الدين رجم بالغيب إذ كما يمكن تفسيره بألف مستند إلى قوله سبحانه: (وَاِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِمّا تَعُدُّون) (الحج ـ 47) يمكن تفسيره بخمسين ألف سنة، استناداً إلى قوله سبحانه: (تَعْرُجُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ في يَوْم كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة) (المعارج ـ 4).

وأمّا ما رواه العلاّمة المجلسي، مسنداً عن كعب الأحبار، على نحو يشعر بكون تفسير اليوم بألف عام، من الحديث، فمما لا يقام له وزن، فإنّ كعب الأحبار وضّاع


1- الفرائد صفحة 17 الطبعة الحجرية.
2- ودونك نص الشعراني في كتابه اليواقيت والجوهر التي ألّفها عام 955 هـ قال في بيان أنّ جميع أشراط الساعة حق: انّه لابد أن يقع كلّها قبل قيام الساعة وذلك كخروج المهدي (عج) ثمّ الدجال، ثمّ نزول عيسى، وخروج الدابة و ... حتى لو لم يبق من الدنيا إلاّ مقدار يوم واحد، فوقع ذلك كلّه، قال الشيخ تقي الدين بن أبي المنصور في عقيدته: وكل ذلك تقع في المائة الأخيرة (هذا تخرص من الرجل وتنبؤ منه، أعاذنا اللّه منه) من اليوم الذي وعد به رسول اللّه بقوله في اُمّته: إن صلحت اُمّتي فلها يوم وإن فسدت فلها نصف يوم، يعني من أيام الرب المشار إليه بقوله تعالى: (وانّ يوماً عند ربِّكَ كألف سنة ممَّا تعدون) لاحظ اليواقيت ج2 ص 160 ونقل عن بعض العارفين أنّ أوّل الألف محسوب من وفاة علي بن أبي طالب.


(192)

كذّاب مدلس، لم تخرج اليهودية من قلبه، تزيا بزي الإسلام فأدخل الإسرائيليات والقصص الخرافية، في أحاديث المسلمين فلا يقام لحديثه وزن ولا قيمة، فلنضرب عنه صفحاً.

أضف إليه أنّ الرجل لم يسنده إلى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا إلى الولي، فكيف يكون حجّة؟

ثم إننا نسأل صاحب الفرائد (1) ومن مشى مشيه، ونقول: إنّ رسول اللّه قال (بزعمكم): إن صلحت اُمّتي فلها يوم ... فهل صلحت الاُمّة الإسلامية في هذه القرون العشرة ومشت سبل الصلاح والسلام، وازدهر فيهم العدل والإحسان، أو شاع فيهم الجور والطغيان والقتل الذريع وسفك الدماء وحبس أبرياء الاُمّة واعتقالهم ونهب أموالهم ... وعند ذاك يلزم انتهاء أمد الإسلام بإنقراض خمسمائة عام، التي هي نصف يوم، من اليوم الربّاني، لأنّه لم تصلح الاُمّة بعد لحوق الرسول بالرفيق الأعلى ولكن الكاتب لا يرضى به لأنّه لا يوافق ما يدعيه ويرتئيه.

وأعجب من ذلك أنّه جعل مبدأ ذلك اليوم الربّاني (ألف عام) العام الذي تمّت فيه غيبة ولي اللّه الأعظم، الحجة بن الحسن العسكري (عجل اللّه فرجه) لا عام بعثة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو هجرته أو وفاته، أو سنة صدور الحديث. أوما كانت الاُمّة العائشة في هذين القرنين ونصف من الاُمّة الإسلامية؟! (سله أنا لا أدري ولا المنجّم يدري) أظنّك أيها القارئ الكريم لا يفوتك سر هذا الجعل، وإنّه لماذا جعل مبدأ ذلك اليوم الربّاني، عام غيبة الولي، أعني عام 260 من الهجرة النبوية، ذلك العام الذي غاب فيه خاتم الأوصياء عن الأبصار إلى الوقت الذي لا يعلمه إلاّ هو سبحانه، فقد عمد بذلك إلى أن ينطبق مبدأ خروج الباب (2) على اختتام ألف عام (3).

فقد خرج «الباب» وادّعى ما ادّعى، مفتتح عام 1260 من الهجرة النبوية.


1- أبو الفصل الجرفادقاني.
2- المراد منه «علي محمد» الشيرازي الملقّب بالباب، عند الفرق الضالّة البابية والازلية والبهائية.
3- فالرجل قد وضع فكرة معينة، ثمّ أراد تصيّد الأدلّة لاثباتها، ولكن الباحث المخلص يتجرّد عن كلّ هوى وميل شخصي، ويتابع النصوص ومفادها، فما أدت إليه بعد التمحيص، تكون هي النتيجة التي ينبغي عليه اعتبارها حقيقة راهنة.


(193)

الشبهة الرابعة:

استدل صاحب «الفرائد» بآية رابعة، زعم دلالتها على عدم انقطاع الوحي والرسالة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهي قوله سبحانه: ( يَوْمَئِذ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ المُبِين)(النور ـ25).

قال : إنّ صيغة «يوفيهم» تبشّـر عن دين حق يوفيه سبحانه على من يشاء من عباده في الأجيال الآتية بعد الإسلام، وليس لك أن تحمله على الإسلام وتفسّـره به، لأنّه قد أكمل نظامه وتمت اُصوله وفروعه عام حجة الوداع بنص الذكر الحكيم، كما قال سبحانه: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِيناً) (المائدة ـ 3) وهو سبحانه يخبر في هذه الآية عن وقوع الأمر (توفية الدين الحق) في الجيل الآتي (1).

الجواب:

هذا مبلغ علم الرجل ومقياس عرفانه بالكتاب وغوره في الأدب العربي وقد كان في وسع الرجل أن يرجع إلى أحد التفاسير، أو إلى ابطال العلم وفطاحل الاُمّة وكانت بيئة مصر (2) تجمع بينه وبين فطاحلها وأعلامها العارفين، هذا هو أمـين الإسلام الطبرسـي، فسّـره في مجمعه بقوله: يتم اللّه لهم جزائهم الحق، فالدين بمعنى الجزاء (3)، وقال الزمخشري: الحق، صفة الدين وهو الجزاء (4) لا الطريقة والشريعة.


1- الفرائد صفحة 122 الطبعة الحجرية.
2- فقد ألّف «الفرائد» بمصر، أيام اقامته هناك، وفرغ منه عام 1315.
3- مجمع البيان ج7 ص 134.
4- الكشاف ج3 ص 223.


(194)

وليت الكاتب، أمعن النظر في الظرف (يوم) الوارد في الآية المتقدمة أعني قوله سبحانه: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم...) ففي أي يوم تشهد ألسنة المجرمين وأيديهم على أعمالهم الإجرامية، فهل هذا اليوم إلاّ يوم البعث؟ ففي ذلك اليوم يوفيهم اللّه جزاء الطغاة العصاة المفترين الكذّابين المبدعين، الجزاء الحق الذي يستحقّونه بأعمالهم. ففي يوم واحد تشهد ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، ويوفي اللّه دينه الحق والجزاء الذي يستحقّونه.

على أنّ سياق الآية يوضح المقصود، فإنّ الآية وردت في الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، فعاتبهم بالآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف، لإستعظام ما ركبوا من ذلك، وما أقدموا عليه، إذ قال سبحانه: (إِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ المُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأْيِدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ المُبِين) (النور: 23 ـ 25).

ترى أنّه سبحانه حكم على هؤلاء العصاة اللاعبين باعراض الناس وحرماتهم بأحكام ثلاثة:

1ـ اللعن عليهم في الدينا والآخرة.

2ـ شهادة أعضائهم على أعمالهم الإجرامية.

3ـ توفية جزائهم الحق في ذلك اليوم.

ومع ذلك كيف عمي بصر الرجل وبصيرته، وأرخى قلمه ولسانه، وفسّـر الآية برأيه الباطل؟!

الشبهة الخامسة:

قد عرفت ما لدى الكاتب ومن لفّ لفه من شبهات تافهة، أو تأويلات كاذبة اختلقوها لاغواء السذّج من الناس. هلم معي نقرأ آخر شبهة للقوم، وهي الاستدلال


(195)

بالآية التالية: (يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَـاءِ إِلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ في يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة ممّا تَعُدُّون)(السجدة ـ 5).

فقد فسّـر صاحب الفرائد (1) تدبير الأمر بانزال الشريعة من السماء إلى الأرض وجعل عروجه في يوم كان مقداره ألف سنة، بإندراس الشريعة تدريجاً طول هذه المدة بابتعاد الناس عن الدين، ورفضه في مراحل الحياة، وصيرورة القلوب مظلمة بالمعاصي، مدلهمّة بالخطايا، مريضة بشيوع الفساد والفوضى، فيبعث اللّه عند ذلك رجلاً آخر يجدد الشريعة ويؤسّسها ويذهب بظلمات القلوب، وعلى هذا فلا تدوم الشريعة أي شريعة كانت إلاّ يوماً ربّانياً، وهو ألف سنة ممّا تعدون (2).

الجواب:

ما ذكره بصورة الشبهة، لا يصح إلاّ بعد تسليم اُمور، لم يسلم واحد منها:

1ـ إنّ التدبير عبارة عن نزول الوحي وبلوغ الشريعة إلى النبي.

2ـ إنّ الأمر في الآية هو الشريعة والطريقة.

3ـ العروج هو انتهاء أمد الرسالة وانقضاء استعداد بقاء الشريعة واندراسها بشيوع الفساد والمعصية بين الاُمّة.

وليس أي واحد منها صحيحاً ولا قابلاً للقبول:

أمّا الأوّل: فلأنّ التدبير في اللغة والكتاب عبارة عن الإدارة على وجه تستوجبه المصلحة، وتقتضيه الحكمة وأين ذاك عن نزول الشريعة من السماء إلى الأرض، باحدى


1- الفرائد الطبعة الحجرية.
2- ثمّ إنّه جعل مبدأ ذلك اليوم الربّاني عام غيبة ولي اللّه الأعظم المهدي (عج) عن الأبصار حتى يطابق مختتمه مفتتح عام ظهور الباب، هذا مصداق واضح للتفسير بالرأي، وكأنّه قد قرر النتيجة أوّلاً ثمّ راح يتفحّص عن دليل يوصل إليها فلم يجد دليلاً، إلاّ بتحريف كلام اللّه وتأويله السخيف.


(196)

الطرق المقررة في محلها.

وإن شئت قلت: التدبير هو التفكير في عاقبة الاُمور ودبرها، كما قال سبحانه: (فَالـمُدَبِّراتِ أَمْراً) (النازعات ـ 5) أي الملائكة الموكلة بتدبير الاُمور.

وقوله سبحانه: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أَمْ على قُلُوب أَقْفَالُها) (محمد ـ 24).

وقوله سبحانه: (كِتَـبٌ أَنزَلنَاهُ إِليَكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّروُا آيَاتِهِ وَلِتَذَكَّرَ اُولُوا الألْبَاب) (ص ـ 29) إلى غير ذلك.

أو ليس تفسير التدبير بالنزول عند ذاك يكون تفسيراً بالرأي الذي نهى عنه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأوعد عليه النار وقال: من فسّـر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار (1).

وأمّا الثاني: فلأنّ الأمر في القرآن لم يستعمل بمعنى الشريعة والأحكام الالهية من واجب وحرام ومكروه ومستحب ومباح، وسائر الأحكام الوضعية الجارية في العقود والايقاعات والسياسات.

هؤلاء هم أصحاب المعاجم وأعلام اللغة، لا تجد أحداً منهم فسر الأمر بالشريعة بل تدور معانية بين الشأن والشيء والتكليف.

سؤال: إذا اعترفتم بأنّ التكليف من معانيها، كما يقال أمرته: إذا كلّفته، فيصح تفسيره بالشريعة، إذ الشريعة عبارة عن تكاليف يوجهها الشارع إلى عباده؟

الجواب: انّ حمل الأمر في الآية على الأمر والتكليف التشريعي خلاف مساق آيات السورة، بل خلاف صريح سائر الآيات الواردة في هذا المضمار فلحاظ السياق يدفعنا إلى أن نحمل الأمر على التكويني الذي هو عبارة عن إرادته الفعلية ومشيئتة التكوينية الجارية في صحيفة الكون والوجود، فإنّ كل ما يسيطر على العالم، من نظام وسنن وقوانين، كلّها بأمر تكويني وإرادة فعلية منه سبحانه كما يصرح به قوله سبحانه: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَـيْء


1- حديث متفق عليه ورواه الفريقان بصور مختلفة.


(197)

وإِلَيْهِ تُرْجَعُون) (يس: 82 ـ 83).

حصيلة البحث:

انّ هنا قرائن ثلاث لابد من البحث عنها، كي نقرّب إلى الأذهان كيفية حمل لفظ الأمر على الأمر التكويني، أعني النظم والسنن الجارية في دائرة الكون والقوانين المكتوبة على جبين الدهر ودونك هذه الشواهد:

1ـ لفظ التدبير، فقد عرفت أنّه عبارة عن الإدارة على وجه تقتضيه المصلحة والحكمة، فهو سبحانه يدبر الخلق بعامة أجزائه من السماء إلى الأرض، على وجه تقتضيه المصلحة، فسبحان الذي خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها،. ودبرها على وفق الحكمة، فلا السماء تسقط على الأرض، ولا الأرض تنخسف بنا، ولا الشمس تظللنا دائماً ولا الظلمة تحيط بنا سرمداً، إلى غير ذلك من سنن ونظم ...

2ـ سياق ما تقدمها من الآيات، فإنّ محور البحث في سابقها، هو خلق السماوات والأرض واستوائه سبحانه على العرش، ودونك الآية المتقدمة عليها:

(اللّهُ الذِي خَلَقَ السَّمَـوَاتِ والأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَـا في سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِن دُونِهِ مِن وَلِىّ وَلاَ شَفِيع أَفَلاَ تَتَذَكَّرُون) (السجدة ـ 4). «يدبر الأمر» من السماء إلى الأرض ... أفلا تفهم من تقارن الآيتين أنّ اللام في الأمر إشارة إلى أمر الخلقة، وأنّ اللّه سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما في أيام وأدوار مخصوصة ولم يكتف سبحانه بأصل الخلقة، بل استوى على عرش ملكه فدبّر أمرها على وجه توجبه الحكمة وتقتضيه المصلحة، وأنّه سبحانه يدبّر أمر الخلق، أي خلق تتصور وينفذه على وجهه، حتى أنّه سبحانه توخياً للتوضيح شبّه المقام الربوبي الذي ينزل منه التدبير، ويصدر منه الحكم بعرش الملك البشري الذي يجلس الملك عليه فيصدر منه أوامره لتدبير اُمور الملك، غير أنّ أوامره طلبات عرفية اعتبارية، ولكن أوامره سبحانه، أوامر تكوينية، لا يقوم بوجهها شيء، فما قال له كن ، فيكون ، بلا تراخ ولا تمرّد.


(198)

3ـ الآيات المنزّلة في هذا المضمار، فإنّ هذه الآية ليست فريدة في بابها فقد ورد في هذا المضمون (أي تدبير أمر الخليقة) آيات اُخرى كلها تهدف إلى ما أوضحناه، وهو أنّ تدبير الخلق بعد إيجاده من شؤونه سبحانه، من دون نظر إلى الشرائع وتجديدها، ودونك الآيات:

(إِنَّ َرَبَّكُمُ اللّهُ الذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ في سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِن شَفِيع إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ) (يونس ـ 3).

وقوله سبحانه: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَـاءِ والأرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصَـرَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ ِمَن الميِّتِ وَيُخْرِجُ الميِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّه) (يونس ـ 31).

وقوله سبحانه: (اللّهُ الذِي رَفَعَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها ثُمَّ اْسَتَوى عَلَى العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَل مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون) (الرعد ـ 2).

نعم هذه الآيات ساكتة عن عروج الأمر وصعوده في المقدار الذي صرحت به هذه الآية، ولا يوجب ذلك فرقاً جوهرياً بين أهدافها ومراميها.

ومن ذلك تقف على أنّ الأمر في قوله سبحانه: (أَلاَ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ العَالَمِين) (الأعراف ـ 54) هو أمر الخليقة، أي هو الذي خلق الأشياء كلّها، وهو الذي صرفها على حسب إرادته فيها، فما عن بعض أعلام العرفان والفلسفة من تسمية المادي والماديات بعالم الخلق، والمجردات والابداعيات بعالم الأمر، استناداً إلى هذه الآية ضعيف جداً، وإن كان تقسيم الموجود إلى المجرد والمادي، صحيحاً لا ريب فيه.

وأمّا الثالثة: فلأنّ تفسير العروج بإندراس الشريعة ونسخها باطل جداً، لأنّ العروج عبارة عن ذهاب في صعود كقوله سبحانه: (تَعْرُجُ المَلاَئِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْهِ) (المعارج ـ 4) وجعله كناية عن انتهاء أمد الشريعة وبطلانها واندراسها من الكنايات البعيدة التي يجب تنزيه القرآن عنها، إذ لا معنى لعروج الشريعة المنسوخة إليه سبحانه


(199)

إذ لا يفهم من نسخها إنّها تعرج إلى السماء، بل كل ما يستفاد، إنّها تعطل عن العمل بها والسير عليها، لا إنّها تعرج إليه سبحانه.

أضف إليه أنّه لو كان مراد المولى سبحانه، هو الإخبار عن تجديد كل شريعة بعد ألف عام، لاقتضى ذلك أن يعبّـر عن مقصوده بعبارة واضحة يقف عليها كل من له إلمام باللغة العربية، ولماذا جاء بكلام لم يفهم منه مراده سبحانه إلاّ بعد حقب وأجيال إلى أن وصلت النوبة لكاتب مستأجر فكشف الغطاء عن مراده سبحانه وقد خفى على الاُمّة جميعاً، وفيها نوابغ العربية وفطاحلها، حتى تفرّد هو بهذا الكشف؟!

مشكلة المفتتح والمختتم:

بقيت في المقام مشكلة، وهي ابتداء تلك المدة واختتامها، وقد حار فيها فاختار أنّ مبدأها هو عام غيبة الإمام المنتظر، حتى يتطابق ختم ذلك اليوم الذي مقداره ألف سنة مع ظهور الباب (1) ولما رأى أنّ ذلك تفسيراً منه بالرأي، اعتذر عن ذلك بأنّ الإسلام لم يكتمل إلاّ عام غيبة الإمام، حيث حوّل الأمر إلى الفقهاء.

وأنت خبير بأنّ ما اعتذر به يتناقض مع صريح القرآن القاضي باكمال الدين بلحوق النبي بالرفيق الأعلى، فقال سبحانه: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيَنكُمْ وَأَتمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِينَاً) (المائدةـ3).

ولو قال إنّ الآية ناظرة إلى الاكتمال من جانب الاُصول وتدعيم مبادئ الإسلام واُسسه بنصب الولي، وأمّا الإكتمال من جانب الفروع فقد امتد بعد لحوق النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالرفيق الأعلى، إلى عشرات السنين من عهود الأئمّة وأعصارها إلى غيبة وليّه، فينتقض كلامه من جانب آخر، فإنّه فسّـر عروج الأمر بالنسخ التدريجي للشريعة، وجعل النسخ عبارة عن ترك العمل بها واندارسها في مراحل الحياة، وعلى ذلك يجب أن يكون مبدأ


1- فقد اتفقت غيبة الإمام عام 260، وادّعى الباب ما ادّعى ، بعد مضي ألف سنة من ذلك حيث كان خروجه سنة 1260.


(200)

النسخ التدريجي عام فوت الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فإنّ العصور التي جاءت من بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم تكن عصوراً ازدهر فيها الإسلام بل كانت عهد الجور والعدوان، حيث تآمرت قريش على تداول الخلافة في قبائلها واشرأبت إلى ذلك اطماعها، فتصافقوا على تجاهل النص، وأجمعوا على صرف الخلافة من أوّل يومها عن وليّها المنصوص عليه إلى غير ذلك من الملمّـات والنوازل.

ولو كان ظهور العيث والفساد في المجتمع الإسلامي ورفض الشريعة في مراحل الحياة، ملازمة للنسخ التدريجي للشريعة، فليكن عهد يزيد الخمور والفجور من هذه العهود التي أخذت تعربد بلسان قائله:

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل

أفلا تعجب من الكاتب، أنّه جعل تلك العهود المظلمة التي امتدت عشرات السنين وكانت وبالاً على الإسلام من العصور الزاهرة، مع أنّه أخرج عهود القسط والعدل الموعود بخروج الإمام الثاني عشر (التي ترفرف فيها أعلام القسط والعدل وتخفق رايات الحق والهداية في كل صقع) من الأصقاع التي ينمو فيها الإسلام، ويزدهر. كبرت كلمة تخرج من أفواههم.

وأمّا البحث عن هدف الآية وأنّه سبحانه ماذا يريد من قوله: (يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة) فله منّا بحث آخر، وسوف نعطي حقه عند البحث عن المعاد في القرآن الكريم، فإنّ اليوم الذي يعادل ألف سنة من الآيام الاخروية.

الشبهة السادسة (1):

* ينص القرآن على أنّ الإسلام شريعة عالمية، وأبدية وأنّ بالإسلام أقفل باب الشرائع، ونسخ جميعها.


1- هذه الشبهة لها صلة بعالمية الإسلام وصلة بخاتميته ولأجل ذلك جعلناها آخر الشبهات وفصّلنا الكلام فيها بما لا يدع لمشكك شك.


(201)

* وينص أيضاً على أنّ المؤمنين باللّه واليوم الآخر من جميع أهل الشرائع سينالون ثواب اللّه، وأنّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

* فماذا يعني ذلك؟

هل ذلك اعتراف من الإسلام بشريعة تلك الشرائع، والسماح لها بالاستمرار إلى جانبه أو لا؟

إذا كان الإسلام آخر شريعة في مسلسل الشرائع السماوية، وكانت رسالته خاتمة الرسالات، وناسخة الأديان، فلماذا يعتبر القرآن كل من يؤمن باللّه، ويعمل صالحاً من أصحاب الديانات المسيحية أو اليهودية أو غيرهما مأجوراً عند اللّه، وآمناً من عذابه؟!

ألا يعني بهذا أنّ جميع الشرائع السماوية لا تزال تحتفـظ بشرعيتها، إلى جانب الإسلام، وأنّ أتباعها ناجون شأنهم شأن من اعترف بالإسلام وصار تحت لوائه تماماً، وكأنّ شريعة جديدة لم تأت وكأنّ أمراً ما لم يقع؟ (1).

قبل اعطاء الإجابة الصحيحة على هذا السؤال يتحتم علينا أوّلاً أن نستعرض سريعاً ما يذكر في هذا الشأن من الآيات وهي ثلاث:

(إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون) (البقرةـ62).

(إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ والنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّه ِواليَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون) (المائدة ـ 69).

(إِنَّ الذِينَ آمَنُوا والذِينَ هَادُوا والصَّابِئِينَ والنَّصَارَى والمَجُوسَ والذِينَ أَشْـرَكُوا إنَّ اللّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَومَ القِيَامَةِ إنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَـيْء شَهِيد) (الحج ـ 17).

قد يقفز إلى الذهن في النظرة الاُولى أنّ القرآن يكرّس شرعية الشرائع المذكورة


1- قد شاع هذا النظر من جانب بعض المستشرقين.


(202)

ويعترف بحقها في أمان من عذاب اللّه، وفي منجى من مؤاخذته، بشرط أن يكونوا مؤمنين باللّه وباليوم الآخر، وأن يقدموا على ربّهم بعمل صالح ويكون نتيجة ذلك أنّ فكرة نسخ الإسلام للشرائع ادعاء فارغ لا أساس له ولا واقع ما دام الإسلام يعتبر أنّ كل الطرق تؤدي إلى اللّه، وانّه ليس من الضروري على أصحاب الشرائع الاُخرى أن يعتزلوا شرائعهم، وينضمّوا إلى صفوف الإسلام والمسلمين.

هذا هو ما نسمعه بين الحين والآخر من بعض الأفواه.

غير أنّه يجب أن نعرف أوّلاً: أنّ الأساس السليم في تفسير آية ما، ليس هو أن نتجاهل أخواتها من الآيات أوّلاً، وملابسات النزول ثانياً، ومقتضى السياق القرآني ثالثاً، لأنّنا في هذه الحالة سنقع في تخبط عريض لا أوّل له ولا آخر.

ثم إنّ علينا ـ قبل كل شيء ـ أن نلاحظ سيرة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مع أصحاب الشرائع هل كان يأمرهم بالاعتزال عن دياناتهم، والانضمام إلى صفوف المسلمين أو لا؟ فإذا كان الجواب في المقام ايجابياً لكان ذلك الأمر قرينة على أنّ المقصود من الآيات المذكورة غير ما يتبادر منها في بدء الأمر.

وبعبارة واضحة: إذا كان الإسلام يعترف بشرعية الشرائع وحقها في الاستمرار والبقاء حتى بعد ظهور الإسلام، فإنّ معنى ذلك هو أنّ الإسلام ينسف بنفسه مقوّمات وجوده ويعطل من ناحية اُخرى كل الاُسس الوجيهة التي قامت عليها دعوة الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قادة العالم آنذاك إلى شريعته ضمن رسائله ومكاتيبه المشهورة، ويفند بالتالي دعوى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأنّه (آخر الأنبياء وخاتم المرسلين) وأنّ رسالته خاتمة الرسالات !!!

إنّ الرسائل الهامة التي وجهها الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى قادة وملوك زمانه وأيضاً جهاده المرير وجهاد المسلمين ضد أهل الكتاب سواء في عهده أو بعد ذلك، مضافاً إلى مجموع ما وصل إلينا من تصريحات قادة الإسلام لدليل صارخ على أنّ الإسلام أعلن بظهوره (نهاية) عهد الشرائع بأسرها و(بداية) عهد جديد لا شريعة له سوى (الإسلام) ولا نبي له سوى (محمد) ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .


(203)

الحديث يبيّـن هدف الآية:

إنّ مفاد الآيات المذكورة ليس ـ في الواقع ـ سوى تقرير لحقيقة ثابتة، وهي التي تتجلى ـ بوضوح ـ من خلال الآيات السابقة لهذه الآية من سورة البقرة.

فالآيات إنّما تتحدث عن مصير الماضين من اتباع الشرائع في عهود الأنبياء السابقين قبل ظهور الإسلام ممّن آمن منهم باللّه واليوم الآخر وعمل صالحاً.

فالقرآن يخبرنا بأنّ هؤلاء ناجون بسبب إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح والتزامهم بتعاليم شرائعهم دون من حاد عن طر يق الإيمان ولم يأت بعمل صالح وانحرف عن جادة التوحيد الخالص، وهم الفرقة التي عبدت العجل مرة (1) وبلغ بها الوقاحة أن طلبت من موسى أن يريها اللّه (2) ذلك الطلب الوقح الذي صار سبباً لأن يحل غضب اللّه على بني اسرائيل.

لقد أراد اللّه هنا أن يزيل الغموض أو الاشتباه حول مصير الفريق المؤمن من أهل الكتاب حتى لا يختلط أمرهم بأمر ذلك الفريق الكافر المعاند فأخبر بأنّ من آمن من أهل الكتاب باللّه عن اخلاص، وآمن باليوم الآخر عن صدق وعمل صالحاً، فإنّه لا خوف عليهم يوم القيامة ولا حزن ولا عقاب، بل جنّة وثواب ورضوان من اللّه.

في هذه الصورة يمكن اعتبار الآية مرتبطة بذلك الفريق المؤمن من أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون في العصور الماضية السابقة على الإسلام دون أن يكون لها أي ارتباط بعصر الرسالة الإسلامية وما بعده.

ونأتي بشأن نزول هذه الآية ليلقي ضوء أكثر على هذا الموضوع، ويؤيّده تأييداً كاملاً.

فهذا هو الطبري ينقل عن السدّي قوله: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان


1- راجع البقرة الآيات: 51،54،92،93، والنساء: 153، والأعراف: 152.
2- راجع البقرة: 55.


(204)

الفارسي حيث ذكر أصحابه للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال له نبي اللّه: هم من أهل النار، فأنزل اللّه هذه الآية: (إنَّ الذِينَ آمَنْوُا والذِينَ هَادُوا...) (1) .

في هذه الصورة لا تجد أي ارتباط للآية بزعم اُولئك الذين يدعون أنّ هذه الآية لا تعني سوى (الوفاق الإسلامي المسيحي اليهودي) ويزعمون أنّ الإسلام يقرّر في هذه الآيات (أمان) المعتنقين لغير الإسلام من عذاب اللّه وعقابه.

هذا مضافاً إلى أنّنا لا نرى أي علاقة بين الآية الثالثة (وهي الآية 17 من سورة الحج) وبين ما يزعم هؤلاء .. حيث أنّ مفاد هذه الآية لا يعني سوى الإخبار بأنّ اللّه هو الحاكم بين الطوائف المختلفة، يوم القيامة فهو الذي ينتقم من طائفة وينتصر لطائفة اُخرى، وليس يعني ذلك مطلقاً أنّ أصحاب الشرائع الاُخرى على حق، وأنّهم ناجون يوم الحساب!

جواب آخر:

ولنا ـ هنا ـ إجابة ثانية على السؤال المطروح، ولكن قبل أن ندخل في صميم هذه الاجابة نرى من الضروري أن نشير إلى بعض هذه الاُمور:

فكرة الشعب المختار:

التاريخ يحدثنا أنّ اليهود والنصارى كانوا كثيراً ما يستعلون على المسلمين بل العالم بادعاء فكرة (الشعب المختار) ، فكل واحدة من هاتين الطائفتين: اليهود والنصارى، كانت تدّعي أنّها أرقى أنواع البشر !!

وكانت اليهود خاصة أكثر تمسكاً بهذا الزعم، حتى أنّهم كانوا يدّعون أنّهم (شعب اللّه المختار).


1- تفسير الطبري ج1 ص 256، والحديث طويل وقد أخذنا موضع الحاجة منه، والظاهر أنّه منقول بالمعنى وفي بعض عباراته خلل.


(205)

وقد ذكر القرآن في إحدى آياته هذا الزعم الباطل، وذكر أنّ النصارى هم أيضاً يدّعون هذا الإدّعاء الفارغ عندما يقول:

(وَقَالَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى نَحْنُ أَبْناؤُا اللّهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُم بَشَـرٌ ممَِّنْ خَلَقَ)(المائدة ـ 18).

والقرآن جاء يفنّد هذا الزعم بكل قوّة عندما يقول: (فَلِمَ يعذبكم بذنوبكم) وقد بلغت أنانية اليهود، واستعلائهم الزائف حداً بالغاً، وكأنّهم قد أخذوا على اللّه عهداً بأن يستخلصهم، ويختارهم حيث قالوا:

(وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيّامَاً مَعْدُودة) (البقرة ـ 80).

ولكن القرآن نسف بقوة هذا الزعم حيث قال في شكل إستفهام انكاري:

(قُلْ أتَّخذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون) (البقرةـ80).

هكذا نستكشف من خلال هذه المزاعم وردودها أنّ اليهود كانوا يعدّون أنفسهم صفوة البشرية ونخبة الشعوب وكانوا يحاولون بمثل هذه المزاعم فرض كيانهم على العالم كأرقى نوع بشري انتخبه اللّه على سائر البشر ، حتى كأنّهم أبناء اللّه المدلّلون.

2ـ الأسماء لا تنقذ انساناً :

إنّ اليهود والنصارى كما كانوا يحاولون الاستعلاء الباطل عن طريق بث (فكرة الشعب المختار) كانوا من ناحية ثانية يعتبرون الأسماء، أو الانتساب إلى اليهودية والمسيحية سبباً آخر من أسباب التفوّق في الدنيا، والنجاة في الآخرة والفوز بالثواب الجزيل.

فقد كان في تصورهم أنّ الجنّة هي نصيب كل من ينتسب إلى بني اسرائيل أو يسمّى مسيحياً ليس إلاّ، وكأنّه بإمكان الأسماء أو الانتساب أن تصبح يوماً ما سبيلاً إلى


(206)

الهداية، أو مفاتيح للجنّة!!

ولكن هذا الزعم ـ على رغم سخافته ـ اُمنية لهم كسائر أمانيهم كما يحدثنا القرآن:

(وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أوْ نَصَارى) (البقرة ـ 111).

غير أنّ القرآن كان بالمرصاد لهذه الدعاوي الباطلة أيضاً، عندما ذكر بأنّ الوسيلة الوحيدة لامتلاك الجنّة العريضة هي: (الإيمان الصادق) و (العمل الصالح) وليست الأسماء، أو مجرد الانتساب إلى عقيدة سماوية مهما كانت. فقال:

(تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون) (البقرة: 111 ـ 112).

ولا شك أنّه واضح جداً أنّ جملة (بلى من أسلم) إنّما تعني الإيمان الخالص والتسليم الصادق للّه، وجملة (وهو محسن) إنّما تعني العمل وفق ذلك الإيمان أي العمل بالشريعة التي يؤمن الشخص بها، وكلتا الجملتين تدلاّن على أنّ السبيل الوحيد إلى النجاة في يوم القيامة إنّما هو: الإيمان والعمل، وليس اسم اليهودي أو النصراني فليست المسألة مسألة أسماء وإنّما هي مسألة إيمان صادق، وعمل صالح.

3ـ ليست الهداية في اعتناق اليهودية والمسيحية:

يشير القرآن ـ أيضاً ـ إلى دعوى اُخرى لهم باطلة كأخواتها، فارغة كمثيلاتها وهي قولهم بأنّ الهدى الحقيقي إنّما هو في اعتناق اليهودية أو المسيحية !!

(وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارى تَهْتَدُوا) (البقرة ـ 135).

ولكنّ القرآن يرد ـ أيضاً ـ هذا الزعم الواهي بقوله:

(قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبراهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الـمُشْـرِكِين) (البقرة ـ 135).

فالهدى الحقيقي هو في الاقتداء بملّة إبراهيم واعتناق مذهبه في التوحيد الخالص من كل شائبة.


(207)

وفي آيات اُخرى في القرآن نجد كيف أنّ اليهود والنصارى حاولوا اضفاء طابع اليهوديةوالمسيحية على إبراهيم، ليحصلوا بذلك على دعم جديد لمعتقداتهم ويضفوا الشرعية على مسلكهم، غير أنّ القرآن مضى يفنّد ـ بكل قاطعية وعنف ـ هذه الاكذوبة بقوله:

(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْـرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الـمُشْـرِكِين) (آل عمران ـ67).

نستخلص من كل هذه الآيات كيف أنّ اليهود والمسيحيين والقدامى منهم خاصة كانوا يحاولون ـبهذه الأفكار الواهية ـ التفوّق على البشر، والتمرّد على تعاليم اللّه، والتخلص بصورة خاصة من الإنضواء تحت لواء الإسلام، مرة بافتعال اكذوبة (الشعب المختار) الذي لا ينبغي أن يخضع لأي تكليف، ومرة اُخرى بافتعال خرافة (الأسماء والانتساب) وادعاء النجاة بسبب ذلك والحصول على مغفرة اللّه وجنّته وثوابه. ومرة ثالثة بتخصيص (الهداية) وحصرها في الانتساب إلى إحدى الطائفتين بينما نجد أنّه كلّما مرّ القرآن على ذكر هذه المزاعم الخرافية أعلن بكل صراحة وتأكيد: أنّه لا فرق بين انسان وانسان إلاّ بتقوى اللّه فإنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم..

وأمّا النجاة والجنّة فمن نصيب من يؤمن باللّه، ويعمل بأوامره دونما نقصان لا غير، وهو بهذا يقصد تفنيد مزاعم اليهود والنصارى الجوفاء.

بهذا البحث حول الآيات الثلاث (المذكورة في مطلع البحث) نكتشف بطلان الرأي القائل بأنّ الإسلام أقر ـ في هذه الآيات ـ مبدأ (الوفاق الإسلامي المسيحي واليهودي) تمهيداً لإنكار عالمية الرسالة الإسلامية، بينما نجد أنّ غاية ما يتوخّاه القرآن ـ في هذه الآيات ـ إنّما هو فقط نسف وإبطال اليهود والنصارى وليعلن مكانه بأنّ النجاة إنّما هي بالإيمان الصادق والعمل الصالح.

فلا استعلاء، ولا تفوّق لطائفة على غيرها من البشر مطلقاً، كما أنّ هذا التشبّث الفارغ بالأسماء والدعاوي ليس إلاّ من نتائج العناد والاستكبار عن الحق.


(208)

فليست الأسماء، ولا الانتساب هي التي تنجي أحداً في العالم الآخر، وإنّما هو الإيمان والعمل الصالح، وهذا الباب مفتوح على وجه كل انسان يهودياً كان أو نصرانياً مجوسياً أو غيرهم.

ويوضح المراد من هذه الآية قوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَـبِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا َعْنُهْم َسِيئاِتِهم َولاَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيم) (المائدة ـ 65).

فتصرّح الآية بانفتاح هذا الباب بمصراعيه في وجه البشر كافة من غير فرق بين جماعة دون جماعة حتى أنّ أهل الكتاب لو آمنوا بما آمن به المسلمون لقبلنا إيمانهم وكفّرنا عنهم سيئاتهم.

هذا هو كل ما كان يريد القرآن بيانه من خلال هذه الآيات، وليس أي شيء آخر.

إذن فلا دلالة لهذه الآيات الثلاثة على إقرار الإسلام لشرعية الشرائع بعد ظهوره.. وإنّما تدل على أنّ القرآن يحاول بها إبطال بعض المزاعم.

يبقى أن تعرف أنّ هنا آيات اُخرى تؤيد بصراحة ما ذهبنا إليه من انحصار النجاة في الإيمان والعمل، وذلك كسورة (والعصر):

(وَالعَصْرِ * إنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خسُرْ * إِلاَّ الذِينَ آمَنَوا وَعَمِلُوا الصـلحـتِ وَتَواصَوْا بِالحقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِِ)(العصر:1ـ3).

كما أنّ تكرار كلمة (الإيمان ) في الآيات الثلاث تأكيداً آخر لما قلناه حيث قال في مطلع الآيات: (إنّ الذين آمنوا) ثم قال: (...من آمن باللّه) وهو يقصد بمن (آمنوا) الاُولى، الذين اعتنقوا الإسلام في الظاهر، دون أن يتسرب الإيمان إلى قلوبهم، وينعكس على تصرفاتهم، ويقصد بـمن (آمن) الثانية الإيمان الصادق المقرون بالعمل.

وبعبارة اُخرى: انّ المراد من قوله: (انّ الذين آمنوا) هم المسلمون لوقوعه في مقابل اليهود والنصارى، ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً


(209)

لِلذِينَ آمَنُوا اليَهُود) (المائدة:82) فقد جعل لفظ «آمنوا» في مقابل اليهود.

وحينئذ فالمراد من قوله: (آمنوا) في صدر الآية هو من أظهر الإيمان باللّه ورسالة رسوله محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما أنّ المراد من قوله: (من يؤمن) هو الإيمان الحقيقي الراسخ في القلب.

ونظيره قوله سبحانه: (يا أَيُّها الذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) (النساء ـ 136).

ثمّ إنّي بعد ما كتبت هذا وقفت على ما كتبه الكاتب الإسلامي أبو الأعلى المودودي حول الآية، وكان متقارباً لما قلناه، وحررناه، ولأجل اتمام الفائدة نأتي بإجمال ما كتبه:

والحقيقة انّ هذا التحريف قد اسدى إلى روح الضلالة خدمة كان قد عجز عن مثلها أكابر أئمّة الضلال والكفر على بعد نظرهم، ومكرهم في التـضليل، إذ هو يزوّد ـفي جانب ـ غير المسلمين بدليل من القرآن نفسه على عدم احتياجهم إلى قبول الحق، ويأخذ ـ في جانب آخر ـ بيد المنافقين والدخلاء على الجماعة الإسلامية من الذين يتلملمون دائماً للتنصل من قيود الإسلام وحدوده حتى ينالوا الرخصة بلسان القرآن نفسه في ازالة الحاجز القائم بين الكفر والإسلام، ويزلزل ـ في الجانب الثالث ـ إيمان المؤمنين المتّبعين للقرآن والسنّة في داخل الجماعة الإسلامية حتى ليساورهم الشك بأنّ الانسان ما دام من الممكن له أن يستحق النجاة ولو بانكار القرآن والسنّة النبوية وبغير حاجة إلى الإيمان بكتاب ولا برسالة ، فمن العبث أن يتقيّد بحدود الإسلام إذ لا فرق ـ البتة ـ بين كونه مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً أو صابئياً أو هندوكياً أو غيره.

ثم شرع الكاتب في تفسير جمل الآية وقال:

إنّ المرادبـ: (الذين آمنوا) هم طائفة أهل الإسلام وإنّ المراد من: (من آمن باللّه واليوم الآخر) اُولئك الذين هم متصفون في حقيقة الأمر بصفة الإيمان الصحيح الكامل.

والمراد من: (والذين هادوا والنصارى...) اُولئك الذين يعدون من طوائف


(210)

اليهود والنصارى، وليس المراد بهم، اُولئك الذين اختاروا عقيدة اليهود، وانتهجوا نهجهم في حقيقة الأمر، أو الذين يعتقدون النصرانية في واقع الأمر حسب ما ذكر في جملة: (انّ الذين آمنوا) .

ثمّ أفاد في رفع الستار عن هدف الآية، وقال:

إنّ التصورات الطائفية التي كانت شائعة في عهد نزول القرآن هي بعينها شائعة في العصر الحاضر أيضاً.

فلهذا لا يصعب علينا أن ندرك أنّ القرآن إنّما يفرّق في هذه الآية بين الذين هم مؤمنون لمجرد انتسابهم إلى طائفة أهل الإيمان وبين الذين هم مؤمنون واقعيون متصفون بصفة الإيمان، ومتمثّلون لحقيقته في الواقع.

فكما أنّنا نشاهد في هذا الزمان أنّ الدنيا تميّز بين الأفراد من وجهة الطائفية فيقال لرجل: مؤمن، أو مسلم، لمجرد أنّه من جماعة المسلمين على حسب انقسام أفراد البشرية بين مختلف الجماعات بصرف النظر عمّـا إذا كان هو مسلماً في واقع الأمر أم لا، ويقال لفرد من اليهود والنصارى والبوذيين: يهودي أو نصراني أو بوذي، باعتبار انتسابه إلى ديانة من تلك الديانات و بصرف النظر عمّـا إذا كان مؤمناً بمبادئ طائفته في واقع الأمر أم لا، كذلك كان النوع البشري في عهد نزول القرآن موزّعاً بين عدد من الطوائف على حسب الظواهر بدون اعتبار الواقع، فكان يميّز بين مختلف الأشخاص والجماعات باعتبار أنّ فلاناً من جماعة محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفلاناً من طائفة اليهود، وفلان من طائفة النصارى وهلمّ جرا.

ومن هنا كان المنافقون يعدّون من جماعة المسلمين ـ الذين آمنوا ـ مع أنّهم لم يكونوا مسلمين في حقيقة الأمر.

والحقيقة انّ اللّه سبحانه وتعالى يريد بهذا الجزء من الآية أن يفنّد الفكرة السائدة عند الناس عامة وهي أنّ الناس سيحشرون في الآخرة بموجب التصنيف الطائفي، وباعتبار أنسابهم وأسمائهم الصورية في الدنيا، فيعتقد اليهودي أنّ النجاة خالصة لمن


(211)

هو معدود في طائفة اليهود دون سائر الناس، ويظن النصراني أنّ الدخول في النصرانية دخول في أهل الحق، وكل من هو خارج عن هذه الدائرة يكون على الباطل، وكذلك قد بدأ المسلمون يظنون أنّ من هو داخل في جماعتهم على اعتبار اسمه واسرته ومولده فهو مسلم وله الشرف والفضيلة على كل من ليس بداخل في جماعتهم بموجب تلك الاعتبارات.

فتفنيداً لهذه الفكرة الخاطئة يقول سبحانه وتعالى إنّ الفرق الحقيقي بين الانسان والانسان ليس على حسب الطائفية الظاهرية، بل الذي عليه المدار هو الإيمان والعمل الصالح، وليس كل من تسمّى بأسماء المسلمين مع خلوّه من الإيمان وابتعاده عن العمل الصالح بالمؤمن في واقع الأمر، ولن يكون في عاقبته مثل المؤمنين الحقيقيين، وكذلك ليس كل من ينتسب إلى اليهودية والنصرانية أو الصابئة يهودياً أو نصرانياً أو صابئاً إذا كان متجرداً من هذه الصفات. فكما أنّ الاعتداد في جماعة المسلمين لا يغني عن الانسان شيئاً كذلك اعتباره من اليهود و النصارى والصابئيين لا يرجع عليه بالفائدة في الآخرة.

ثمّ إنّه بعد ما ذكر بعض ما قدمنا من الآيات من مزاعم اليهود والنصارى من كون الجنّة مختصة بهم، أو أنّ النار لا تمسّهم إلاّ أياماً معدودة، أو أنّهم أبناء اللّه واحباؤه، قال إنّ كل هذه الآيات إنّما تكشف عن حقيقة بعينها هي أنّ اللّه عزّ وجلّ ليست عليه دالّة لطائفة في الأرض، ولا أنّ طائفة خاصة مستأثرة بالنجاة عنده، فليس من حق أحد من الناس أن يعامل بصفة خاصة بناء على أنّه ولد في اُمّة معيّنة أو ينتمي إلى جماعة خاصة، بل الجميع من حيث هم أفراد الجنس البشري، لا فرق بينهم البتة في نظر اللّه، لأنّ الاعتبار الحقيقي عند اللّه ما هو الانتسابات أو القوميات، بل هو للمبادئ والحقائق فإن آمنتم بصدق قلوبكم وعملتم الصالحات نلتم جزاءً حسناً عند اللّه، وإن بقيتم على غير شيء من الإيمان والعمل الصالح فلا شيء ينقذكم من العقاب والعذاب الأليم، ولو إلى أي طائفة أو جنس كنتم تنتسبون، واللّه تعالى قد صرّح بهذه الحقيقة في موضع آخر من كتابه حيث يقول ـ مخاطباً المسلمين ـ: (لَيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلاَ أَمَانِّيِ أَهْلِ الكِتتَـبِ


(212)

مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَر أَوْ اُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَاُولئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (النساء123ـ 124) (1).

وأنت إذا لاحظت ما ذكره المؤلّف وما قد حررناه من قبل تجد الجوابين متوافقي المضمون، متشاكلي المعنى.

وإذا وقفت على هدف الآية ومرماه فلندخل في صميم الإجابة الثانية حتى نثبت أنّها لا تمتّ بصلة إلى مدّعى القائل، إذ الآية تسوقنا إلى أنّ الاعتبار في النجاة هي (الحقائق والمسمّيات والمعاني) دون الصور والأسماء والقشور.

وأمّا ما هو حقيقة الإيمان باللّه وما هو شرطه، وما المقصود في العمل الصالح وكيف يتقبل.

فالآية ساكتة عن بيانها ومنصرفة عن توضيحها، وإنّما تطلب هذه الشروط والقيود من سائر الآيات ولأجل ذلك يجب أن ينضم إلى الآية سائر ما ورد من الآيات الورادة في باب الإيمان باللّه والإتيان بالعمل الصالح حتى نقف على مرمى القرآن.

فنقول: ليس معنى الإيمان باللّه أن يقر الانسان بوجود اللّه، ويعترف بوحدانيته بل المراد هو التسليم للّه، كما في قوله سبحانه:

( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون) (البقرةـ112).

وقد دلّت الآيات القرآنية على أنّ الإيمان باللّه لا ينفك عن الإيمان بأنبيائه ورسله حيث قال سبحانه:

(قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا اُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا اُنزِلَ إلى إِبرهِيم وإِسْمـعِيلَ وَإِسْحَـق وَيَعْقُوبَ


1- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة طبعة دار القلم ص 190 ـ 196 وهو من أنفع كتب المؤلّف غير أنّه يعتمد في المسائل الفقهية على رأي كلّ صحابي أو تابعي، وينقل آراء أصحاب المذاهب الأربعة ولا ينقل رأي واحد من أئمة أهل البيت غير الإمام علي بن أبي طالب ـ عليها السَّلام ـ .


(213)

وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيَسى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون)(البقرة ـ 136).

كما دلّت على أنّ الإيمان بأنبيائه ورسله لا تنفك عن الإيمان بنبّيه الخاتم حيث قال سبحانه: (فَإِنْ آمَنْوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ في شِقَاق) (البقرة ـ 137).

والقرآن يعترف بأنّ تكفير نبي واحد تكفير بجميع الأنبياء بل تكفير باللّه سبحانه كما قال تعالى: (إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْض وَنَكْفُرُ بِبَعْض وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * اُولئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقّاً) (النساء : 150 ـ 151).

كيف وقد عدّ الإيمان بنبيّه الخاتم من أركان الإيمان وقال:

(إِنَّما الـمُؤْمِنَونَ الذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ) (النور ـ 62).

وقال تعالى: (إِنَّما الـمُؤْمِنَونَ الذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأُمْوَالِهمْ وأَنفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللّهِ اُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُون) (الحجرات ـ 15).

وليس المراد من الإيمان بالرسول هو الاعتراف بعظمة الرسل وجلالة مكانتهم بل المراد هو الطاعة العملية حيث قال سبحانه:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُول إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ) (النساء ـ 64).

وقال سبحانه:

(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّـنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْـرَ سَبِيلِ الـمُؤْمِنيـِنَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلـَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء ـ 115).

وقال سبحانه:

(وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً أن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةْ مِن أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً) (الأحزاب ـ 36).


(214)

إلى غير ذلك من الآيات الواردة في شأن الأنبياء وخصوص شأن الرسول الأكرم.

وعلى ذلك فالإيمان باللّه الذي تعتبره الآية وسيلة للنجاة لا ينفك عن الإيمان برسله وكتبه، وعن الإيمان برسوله الخاتم، ولا ينفك الإيمان بهم وبه عن الإيمان بطاعته، وامتثال أوامره والانزجار عن نواهيه، ولا يتم ذلك إلاّ بالعمل بالقرآن وشريعته وأوامره وزواجره، سننه وفرائضه وليس يراد من المسلم إلاّ ذاك، ولا تخالف بين الآية وغيرها من الآيات في الهدف والمرمى.

نعم كل من أراد أن يستخرج من الآية ما هو كفاية رسوخ اليهودي في يهوديته والنصراني في نصرانيته.. فقد غضّ بصره عن سائر الآيات شأن كل من يختار مذهباً أوّلاً ثمّ يرجع إلى القرآن حتى يجد له دليلاً ثانياً.

إنّ اللّه يأمر نبيّه أن يعلن ويقول:

(وأَنّ هَذَا صِـراطِي مُستَقِيما فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاُكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)(الأنعام ـ 153).

وعندئذ لا يمكن له أن يعترف بصحة الطرق المختلفة الاُخرى وأنّها أيضاً طرق مستقيمة.

خاتمة المطاف:

بقيت هنا كلمة وهي أنّه ربّما يستدل (1) على الخاتمية بمثل قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ) (سبأ ـ 28).

وقوله سبحانه: (يا أَيهُّا النَّاسُ إِنيّ رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) (الأعراف ـ 158) والاُولى الاستدلال بها على عالمية الرسالة الإسلامية لا خاتميتها.

وما ربّما يقال:بأنّ الناس ربّما يطلق ويراد منه جماعة من الناس مثل قوله سبحانه


1- اللوامع الالهية ص 225.


(215)

في قصة موسى وفرعون: (وَقيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُجْتَمِعُون) (الشعراء ـ 39).

وقوله سبحانه: (فَعَجَّلَ لَكُمْ هذهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ) (الفتح ـ 20).

والمقصود من الناس هم المشركون خاصة وعلى ذلك فليست هذه الآية ونظائرها دالة على سعة رسالته فضلاً عن خاتميتها.

والجواب عن الشبهة واضح وذلك لأنّ استعمال كلمة (الناس) في الجماعة الخاصة في الآيات المتقدمة إنّما هو لوجود القرائن الحافة بالكلام ولولاها لما صح استعمال الكلمة التي وضعت للعموم في جماعة خاصة.

هذه شبهات الخاتمية التي اختلقها القوم ولم تكن إلاّ شبهات سوفسطائية أو أشواكاً في طريق الحقيقة، وبقيت شبهات ضئيلة اُخرى للقوم، أرى التعرّض لها ضياعاً للوقت الثمين.

أجل هناك أسئلة حول الخاتمية جديرة بالبحث والتحليل، فلا بد من التعرض لها وما يمكن أن يجاب به حولها، ولأجل ذلك عقدنا الفـصل التالي وهو من الفصول المفيدة جداً.


(216)

(217)

الفصل الرابع

أسئلة

حول الخاتمية

أنّ من شيم العصر الإلحادي الحاضر، كثرة السؤال والتشكيك في كل شيء، خصوصاً فيما يرجع إلى المبدأ والمعاد، والمعارف الغيبية أي المسائل الراجعة إلى ما وراء الطبيعة، ولم تسلم مسألة خاتمية الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من هذه التشكيكات، فقد كثر السؤال وطال الحوار والنقاش حولها، ونحن نذكر تلكم الأسئلة الدارجة في الأذهان والأفهام ونعترف بأنّ بعضها أو كثيراً منها جدير بالبحث والتمحيص أكثر، مما بحثنا عنه.

السؤال الأول:

وحاصله: هب أنّه ختمت النبوّة التشريعية، فلماذا ختمت التبليغية منها؟

توضيحه: أنّ النبي إذا بعث بشريعة جديدة وجاء بكتاب جديد، فالنبوّة تشريعية وأمّا إذا بعث لغاية الدعوة والإرشاد إلى أحكام وقوانين سنّها اللّه سبحانه على لسان نبيه المتقدم، فالنبوّة تبليغية.


(218)

والقسم الأوّل من الرسل، قد أنحصر في خمسة، ذكرت أسماؤهم في القرآن والنصوص المأثورة، أمّا الأكثرية منهم، فكانوا من القسم الثاني وقد بعثوا لترويج الدين النازل على أحد هؤلاء فكانت نبوّتهم تبليغية (1).

حينئذ فقد يسأل سائل ويقول: هب أنّ نبي الإسلام جاء بأكمل الشرائع وأتمها وأجمعها للصلاح وجاء بكل ما يحتاج إليه الإنسان، في معاشه ومعاده، إلى يوم القيامة ولم يبق لمصلح رأي ولمفكّر نظر، في اُصول الإصلاح واُسسه، لأنّ نبينا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد أتى بصحيح الرأي وأتقنه وأصلحه في كافة شؤون الحياة ومجالاتها ولأجل ذلك الإكتمال اُوصد باب النبوّة التشريعية.

ولكن لماذا اُوصد باب النبوّة التبليغية التي منحها اللّه للاُمم السالفة فإنّ الشريعة مهما بلغت من الكمال والتمام لا تستغني عمّن يقوم بنشرها وجلائها وتجديدها، لكي لا تندرس ويتم إبلاغها من السلف إلى الخلف بأسلوب صحيح، فلماذا أوصد اللّه هذا الباب بعد ما كان مفتوحاً في وجه الاُمم الماضية، ولماذا منح اللّه سبحانه هذه النعمة على السالف من الاُمم وبعث فيهم أنبياء مبلغين ومنذرين وحرم الخلف الصالح من الاُمم منها؟.

الجواب:

أنّ انفتاح باب النبوّة التبليغية في وجه الاُمم السالفة وإيصاده بعد نبي الإسلام ليس معناه أنّ الاُمم السالفة استحقت هذ النعمة المعنوية، لفضيلة تفردت بها، دون الخلف الصالح من الاُمم، أو أنّ الاُمّة الإسلامية حرّمت لكونّها أقل شأناً وأهون مكانة من الاُمم الخالية ـ كلا ـ بل الوجه أنّ الاُمم السالفة كانت محتاجة إليها دون الاُمّة الإسلامية، فهي في غنى عن أي نبي مبلغ يروج شريعة نبي الإسلام.

وذلك أنّ المجتمعات تتتفاوت إدراكاً ورشداً، فربّ مجتمع يكون في تخلقه كالفرد


1- الكلمة الدارجة لمعنى التبليغ في البيئات العربية هي كلمة «التبشير» ولكن كلمة «التبليغ» أولى وأليق بهذا المعنى، فهي مقتبسة من القرآن، ومدلولها اللغوي منطبق على المقصود كل الانطباق.


(219)

القاصر، لا يقدر على أن يحتفظ بالتراث الذي وصل إليه، بل يضيعه كالطفل الذي يمزق كتابه ودفتره غير شاعر بقيمته.

وربّ مجتمع بلغ من القيم الفكريّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة، شأواً بعيداً يحتفظ معه بتراثه الديني الواصل إليه، بل يستثمره استثماراً جيداً فهو عند ذاك غني عن كل مروج يروج دينه، أو مبلغ يذكر منسيه أو مرب يرشده إلى القيم الأخلاقية، أو معلم يعلمه معالم دينه ويوضح له ما أشكل من كتابه، إلى غير ذلك من الشؤون، فأفراد الاُمّة السالفة كانوا كالقصر، غير بالغين في العقلية الاجتماعية فما كانوا يعرفون قيمة التراث المعنوي الذي وصل إليهم، بل كانوا يلعبون به لعب الصبي بكتابه بتحريفهم له وتأويله بما يتوافق مع أهوائهم ومشاربهم، ولذا كان يحل بالشريعة، إندراس بعد مضي القرون والأجيال ويستولي عليها الصدأ بعد حقبة من الزمان.

لهذا ولذلك كان على المولى سبحانه أن يبعث فيهم نبياً، جيلاً بعد جيل، ليذكرهم بدينهم الذي إرتضاه اللّه لهم، ويجدد شريعة من قبله ويروج قوله وفعله ويزيل ما علق بها من شوائب بسبب أهواء الناس وتحريفاتهم. وأمّا المجتمع البشري بعد بعثة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولحوقه بالرفيق الأعلى، فقد بلغ من المعرفة والإدراك والتفتح العقلي والرشد الاجتماعي شأواً يتمكن معه من حفظ تراث نبيه وصيانة كتابه عن طوارق التحريف والضياع، حتى بلغت عنايته بكتابه الديني إلى تصنيف أنواع التآليف في أحكامه وتفسيره وبلاغته ومفرداته وإعرابه وقرائته فإزدهرت تحت راية القرآن ضروب من العلوم والفنون.

فلأجل ذلك الرشد الفكري في المجتمع البشري، جعلت وظيفة التبليغ والإنذار، على كاهل نفس الاُمّة حتى تبوأت وظيفة الرسل من التربية والتبليغ، واستغنت عن بعث نبي مجدد على طول الزمان يبلغ رسالة من قبله.

فإذا قدرت الاُمّة على حفظ ما ورثته عن نبيها، ونشره بين الناس في الآفاق، ومحو كل مطمع فيه وهدم كل خرافة تحدثها يد التحريف، استغنت طبعاً عن قائم بهذا الأمر


(220)

سوى نفسها.

لقد ظهرت طلائع هذا التفويض من أوّل سورة نزلت على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث خاطبه اللّه سبحانه، في اليوم الذي بعثه رسولاً إلى الناس وهادياً لهم بقوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسـن من علق *اقرأ وربّك الأكرم * الذي علم بالقلم *علم الانسـن ما لم يعلم) (العلق : 1ـ5).

وهذا الخطاب يؤذن بأن دينه، دين التلاوة والقرائة، دين العلم والتعليم، دين القلم والتحرير، وأنّ هذا الدين سوف يربي اُمة مفكرة، متحضرة، عالمة بقيمة التراث الذي يصل إليها، قادرة على حفظ هذا الدين في ضوء العلم والفكر، مستعدة لنشر تعاليمه في أقطار العالم وأرجاء الدنيا، بأساليب صحيحة.

وقد بلغت عناية الإسلام بالقلم والكتابة، إلى حد أن أقسم سبحانه: (بالقلم وما يسطرون) وأنزل سورة باسمه، تمجيداً له وحثاً للاُمة على تقديره والعناية به، ليكون رائداً للتقدم والحضارة والمعرفة، ويصير أحسن ذريعة إلى حفظ التراث بلا حاجة إلى مبلغ سماوي.

ثم أنّه سبحانه، صرح بهذا التفويض أي تفويض أمر التبليغ إلى نفس الاُمّة في غير موضع من كتابه، منها قوله سبحانه: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لعلهم يحذرون) (التوبة ـ 122).

ومنها قوله سبحانه : (ولتكن منكم اُمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (آل عمران ـ 104).

ومنها قوله سبحانه: (كنتم خير اُمة اُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه)(آل عمران ـ 110).

وفي السنن والأحاديث تصاريح بذلك، نكتفي بما يلي:

قال الباقر ـ عليها السَّلام ـ : «أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء، ومنهاج الصلحاء، وفريضة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب وترد


(221)

المظالم، وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر» (1).

ولعل في قوله ـ عليها السَّلام ـ : «سبيل الأنبياء» إشارة إلى أنّ هذا الأمر موكول إلى الاُمّة بعد انقطاع الوحي وإيصاد باب النبوّة.

وقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إذا ظهرت البدع، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه» (2).

ثمّ أنّ هناك جواباً آخر، ربّما يكون ملائماً لاُصول الشيعة الإمامية في مسئلة الإمامة والخلافة ولأجل إيقاف القارئ الكريم عليه نأتي به إجمالاً ولا يعلم إلاّ بالوقوف على معنى الإمامة لدى الشيعة ودور أهل البيت في إكمال الدين.

دور أهل البيت في إكمال الدين وختم الرسالة:

أنّ للشيعة الإمامية نظراً خاصاً في كيفية استغناء الاُمّة الإسلامية عن ضرورة استمرارية النبوّة وتواصلها بعد لحوق النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالرفيق الأعلى، وعمدة ذلك هو ثبوت نظرية الإمامة التي تتبناها الشيعة الإمامية في باب الولاية الإلهية والخلافة بعد رسول اللّه.

فالإمامة عندهم عبارة عن الولاية الإلهية العامة على الخلق فيما يختص بشؤونهم الدينية والدنيوية وهي مستمرة بعد قبض النبي الأعظم، لم يوصد بابها بل أنّه مفتوح إلى أن يشاء اللّه إيصاده، وإنّما الذي ختم بالنبي الأعظم هو باب النبوّة التي هي تحمل النبأ عن اللّه سبحانه، وباب الرسالة التي هي تنفيذ ما تحمله النبي عن اللّه سبحانه بين الاُمة(3).

هذه الولاية الالهية غير النبوّة والرسالة وإن كانت تجامعهما تارة وتفارقهما اُخرى


1- وسائل الشيعة كتاب الأمر بالمعروف الباب الأوّل الحديث 6.
2- وسائل الشيعة كتاب الأمر بالمعروف الباب الأربعون الحديث 1.
3- سيوافيك توضيح الفرق بين النبوّة والرسالة في الجزء الرابع من كتابنا هذا.


(222)

فقد تمثلت المناصب الثلاثة في شخص إبراهيم.

إذ كان ـ عليها السَّلام ـ يمثل منصب الإمامة، كما كان يمثل منصبي النبوّة والرسالة ولقد حباه اللّه سبحانه منصب الإمامة، بعد ما منحت له النبوّة وأرسله رسولاً ويدل على ذلك قوله سبحانه: (أني جاعلك للناس إماماً)(البقرة ـ 124) (1).

والأئمّة الاثنا عشر لدى الإمامية يمثلون منصب الإمامة، من دون أن يكونوا أنبياء أو رسلاً، فهم أئمّة الدين، وأولياء اللّه بين الاُمّة، ولهم رئاسة إلهية عامة، دينية ودنيوية على وجه يوجب على الاُمّة الانقياد لهم وهم حجج اللّه على عباده يهتدى بهم إليه سبحانه ولا تبقى الأرض بغير إمام حجة للّه على عباده(2).

والباعث على انفتاح باب الولاية الإلهية في وجه الاُمّة، بعد ختم النبوّة والرسالة وإيصاد بابها بالتحاق الرسول الكريم بالرفيق الأعلى اُمور نشير إلى واحد منها (3).

لا يختلف اثنان من المسلمين بانقطاع وحي السماء عن وجه الأرض بموت النبي وقبضه كما لا يختلفان في أنّ النبي قام بمهمة التشريع والتبليغ وتثقيف الاُمّة الإسلامية بالثقافة الدينية وبث العقيدة الدينية فيهم وحفظ الشريعة عن شبهات المنكرين وإرجاف المرجفين بأحسن الوجوه وأكملها وقال سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت علكيم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) (المائدة ـ 3) غير أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يراعي في نشر الأحكام حاجة الناس ومقتضيات الظروف فكانت هناك اُمور مستجدة


1- روى ثقة الإسلام الكليني عن جابر عن أبي جعفر الباقر ـ عليها السَّلام ـ قال سمعته يقول: أن اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، واتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً، واتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، واتخذه خليلاً قبل أن يتخذه إماماً، فلما جمع له هذه الأشياء وقبض قال له يا إبراهيم إني جاعلك للناس إماماً فمن عظمها في عين إبراهيم قال يا ربّ ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (الكافي باب طبقات الأنبياء والرسل ج1 ص 175).
2- هكذا وصف الإمام باقر العلوم، راجع الكافي باب «إنّ الأرض لا تخلو من حجة» ج1 ص178.
3- قد أوضحنا تلك الاُمور في الجزء الثاني من هذه الموسوعة فلاحظ بحث: صيغة الحكومة الإسلامية بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .


(223)

ومسائل مستحدثة، لم تكن معهودة في زمن الرسول ولم يأت بها نص في الكتاب الكريم وسنّته الثابتة، ولم يتسن للنبي الإشادة بها أمّا لتأخر ظروفها أو لعدم تهيأ النفوس لها أو لغير ذلك من العلل.

وقد ظهرت بوادر هذا الأمر عندما اتسع نطاق الإسلام وضرب بجرانه خارج الجزيرة العربية وطفق المسلمون يخوضون في غمار معارك طاحنة وحروب دامية، يفتحون البلاد ويخالطون الاُمم ففوجئوا بمسائل مستجدة لم يعرفوا لها حلاً في الكتاب الكريم ولا في سنّة نبيهم مع أنّ اللّه سبحانه كان قد أخبر في كتابه عن اكمال الدين واتمام النعمة وبناء على هذا فإننا نستكشف أنّ النبي إيفاء لغرض التشريع استودع معارفه عند من يقوم مقامه ويكون له من الصلاحيات ما تخوله للقيام بمثل هذا الأمر الخطير.

وإلى ذلك يشير باقر العلوم بقوله مخاطباً لهشام بن عبد الملك بن مروان: إنا نحن نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما اللّه على نبيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) والأرض لا تخلو ممّن يكمل هذه الاُمور التي يقصر غيرنا عنها (1).

ثمّ أنّ الكتاب الكريم الذي هو أحد الثقلين فيه محكم ومتشابه وعامّ وخاصّ ومطلق ومقيد ومنسوخ وناسخ، يجب على الاُمّة عرفانها، إذ الجهل بها يوجد اتجاهات مذهبية متضاربة. غير أنّ تفسير المتشابه من دون الاستناد إلى ركن وثيق يورث اختلافاً عنيفاً بين المسلمين، وتفسير المعضل وتفصيل المجمل وتشخيص المنسوخ عن ناسخه يحتاج إلى احاطة كاملة بمفاهيم الكتاب وتشريعاته جليلها ودقيقها وهو ليس إلاّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن يتلو تلوه.

فلأجل رفع هذه المحاذير يجب عليه سبحانه حفاظاً على وحدة الاُمّة وصيانتها عن الشرود في متاهات الضلال أن يشفع كتابه بميزان آخر، وهاد يدعم أمره، ومعلم يوضح لهم أسراره، ليرجع إليه المسلمون حتى يكتمل به غرض التشريع ويرتفع


1- بحار الأنوار ج 46 ص 307.


(224)

التضارب والخلاف في الشؤون الدينية.

وإلى ذلك يشير قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وأهل بيتي وأنهمالن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض (1) ، وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أني أوشك أن اُدعى فاُجيب وأني تارك فيكن الثقلين كتاب اللّه عزّ وجلّ وعترتي، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وأنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما (2).

وهذا هو الإمام الصادق ـ عليها السَّلام ـ يعرف الإمام ومكانته العظيمة بقوله: أنّ الأرض لا تخلو وفيها إمام، كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردهم وإن نقصوا شيئاً أتمّه لهم (3).

وأبلغ تعبير عن حقيقة الإمامة عند الشيعة ما روي عن الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا في حديث طويل وفيها: أنّ الإمامة منزلة الأنبياء وأرث الأوصياء أنّ الإمامة خلافة اللّه وخلافة الرسول، الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، أنّ الإمامة أساس الإسلام النامي وفرعه السامي.

الإمام يحل حلال اللّه ويحرم حرام اللّه، ويقيم حدود اللّه ويذب عن دين اللّه ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة (4).


1- أخرجه الحاكم في مستدركه ج3 ص 148 ، وقال هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
2- مسند أحمد ج3 ص 17و26 وللحديث صور كثيرة كلها تنص على وجوب التمسك بأهل بيته وعترته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وطرقها عن بضع وعشرين صحابياً متضافرة، وقد صدع بها رسول اللّه في مواقف له شتى: يوم غدير خم، يوم عرفة في حجة الوداع، بعد انصرافه من الطائف، على منبره في المدينة، وفي حجرته في اُخريات أيامه.
وقد أنهى إسناده العلاّمة الجليل، السيد مير حامد حسين في بعض أجزاء كتابه الكبير «العبقات» وطبع في ستة أجزاء بإيران وفاح أريجه بين لابتي العالم وقد اغرق نزعاً في التحقيق ، ولم يبق في القوس منزعاً، وقد أغنانا كتابه عن الافاضة والبحث.
3- الكافي ج1 ص 178.
4- الكافي ج1 ص 200.


(225)

وبذلك تعرف وجه غنى الاُمّة الإسلامية بعد النبي عن أي نبي مروّج وأية نبوّة تبليغية، ويتضح أنّ الإسلام في تخطيطه المبدئي، قد فرض أنّه (بعد إنتهاء وظيفة النبي الأعظم وقطعه أشواطاً بعيدة في الجهات المختلفة المتقدمة) يتكفّل القيادة المعصومة من بعده من يقوم مقامه بنصه سبحانه وتعيينه، وله من الشرائط ما للنبي سوى ما يختص به على ما تبيّن في محله حتى تنتهي هذه العملية إلى مراحلها النهائية المفروضة.

ولا يضير الإسلام في شيء أن تكون الاُمّة قد انحرفت عن الخط المفروض لها من قبل اللّه سبحانه، وتجاوزت عن كل الضمانات التي وضعها لتنفيذ مخطّطه الالهي.

وفي الختام نقول: إنّ التاريخ ليشهد بأنّه ما من إمام من أئمّة الشيعة الاثنى عشرية إلاّ وقد قام بأعباء مهمة الإمامة خير قيام، وأنّ حياة كلّ منهم كانت مشحونة بالعمل المتواصل في سبيل إيصال مفاهيم الإسلام الصحيحة إلى الاُمّة ولقد عانوا في ذلك من المشاق ولاقوا من الأهوال ما لاقاه النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

فعند ذاك استغنت الاُمّة الإنسانية بشكل عام والمسلمون بشكل خاص، بتعاليمهم الدائرة حول نطاق رسالة جدهم السماوية، عن استمرارية كلتا النبوّتين، وبصورة خاصة التبليغية منها.


(226)

السؤال الثاني

«لماذا حرم الخلف من الاُمم، من المكاشفة الغيبية، والاتصال بالملأ الأعلى، واستطلاع ما هنالك من معارف وحقائق» ؟

يقول السائل: إنّ النبوّة منصب معنوي ورقي روحي، تقدر معه النفس على الاتصال بالملأ الأعلى، والاطلاع على ما هنالك من معارف عقلية، والتحدث مع الوحي الالهي، إلى غير ذلك من الفيوضات المعنوية، ولكن هذا الباب قد اُوصد بعد إكمال الشريعة الإسلامية وختم النبوّة.

هب أنّ الشريعة الإسلامية، هي أكمل الشرائع، وأنّ الخلف من الاُمم قادر على حفظ تراثه الديني، ولأجل ذلك اُوصد باب النبوّة التشريعية والتبليغية ولكن لماذا انقطعت الفتوحات الباطنية والمحادثة مع ملائكته سبحانه، أو القاء الحقائق في روع الانسان، إلى غير ذلك من الفيوضات السماوية، فهذه الاُمور كلّها من لوازم النبوّة، فلا يعقل انفتاحها مع إيصاد بابها...

ثم إنّه لماذا كان باب هذا الفيض مفتوحاً في وجه الاُمم السالفة، وحرم منها الخلف الصالح بعد النبي؟ هل كانت الاُمم السالفة اُولى وأجدر بهذه النعمة؟ وهل الاُمّة المتأخرة عنهم أقل جدارة بها واستحقاقاً لها ؟!


(227)

الجواب:

ليس الإطلاع على ما احتجب عن عامة الناس من الحقائق، من لوازم النبوّة، حتى ينسد بابه بانسداد بابها، ولا الخلف محروم من الفيض الذي كان مفتوحاً في وجه الاُمم السالفة، فإنّ الولاية الالهية التي تلازم تلكم الفتوحات الباطنية، ليست من خصائص النبوّة وتوابعها، حتى تنقطع بانقطاعها، بل هي كرامة إلهية يرزقها سبحانه، المخلصين من عباده، المتحلّين بفضائل الأخلاق المتطهرين عن درك الشرك ولوث المعاصي، إلى غير ذلك من صفات كريمة.

والنبوّة باب خاص من الولاية تستتبع تحمل الوحي التشريعي أو التبليغي فيوصد بابه بإيصاد بابها، وأمّا سائر الفتوحات الباطنية من المكاشفات والمشاهدات الروحية والايحاءات الملكوتية، فلم يوصد بابها قط.

وللتوضيح نحن نتساءل: ماذا أراد السائل من إيصاد باب الاتصال، بختم باب النبوّة؟

فإن أراد الاتصال باللّه ومعرفة أسمائه وصفاته والوقوف على ما هنالك من معارف عن طريق البرهنة والاستدلال والتدبر في آياته الآفاقية، فهذا الطريق مفتوح إلى يوم القيامة في وجه من أراد الإطلاع على حقائق الكون ودقائقه، وما وراء الحس من عوالم ودقائق.

وقد قال سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْء شَهِيد...) (فصلت ـ 53)(1).


1- نعم ربّما تفسر الآية بوجه آخر تسقط معه دلالتها على ما نرتئيه وهو أنّ المراد ما يسّر اللّه عزّ وجلّ لرسوله والمسلمين من بعده في آفاق الدنيا وارجاء العالم من الفتوح التي لم يتيسّر أمثالها لأحد من الجبابرة والأكاسرة، وتغلب قليلهم على كثير من أعدائهم، وتسليط ضعافهم على أقويائهم، ونشر دعوة الإسلام في أقطار المعمورة وبسط دولته في أقاصيها. فهذه الاُمور الخارقة للعادة يقوى معها اليقين ويزداد بها الإيمان، ويتبين أنّ دين الإسلام هو الدين الحق الذي لا يحيد عنه إلاّ مكابر ... راجع الكشاف ج 3 ص 75 وما حققناه حول الآية في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة ص 173.


(228)

وقال سبحانه: (وَ فِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاتُبْصِرُونَ) (الذاريات:20ـ21).

ولو أراد معرفة ربّه وأسمائه وصفاته، وعظمته وكبريائه، وما هناك من مقامات ودرجات، بلا توسيط برهان، أو تسبيب دليل، بل مشاهدة بعين قلبه وبصر روحه، وبعبارة أوجز: شهود الحقائق العلوية، وانكشاف ما وراء الحس والطبيعة ، من العوالم الروحية، والمشاعر الإلهية، ومعرفة ما يجري عليه قلمه تعالى في قضائه وقدره والاتصال بجنوده وملائكته واستماع كلامهم و وحيهم وصوتهم إلى غير ذلك من الاُمور، فهذا مقام خطير، يحصل للعرفاء الشامخين المخلصين من عباده، المطهرين من اللوث والدنس، المتحررين عن قيود الطبيعة، الحابسين أنفسهم في ذات اللّه، الحاكمين بالكتاب، العاملين بسننه وسنن نبيّه حسب اخلاصهم وعرفانهم، حسب استعدادهم وقابليتهم، حسب ما لهم من المقدرة والطاقة، لتحمل عجائب الحقائق الغيبية، ومشاهدة جلال اللّه وجماله وكبريائه وعظمته، وما لأوليائه من مقامات ودرجات، وما لأعدائه من نار ولهيب ودركات.

ثمّ إنّ لأهل السلوك والعرفان كلاماً في المقام، لا يخلو عن فائدة، وخلاصته:

أنّ اليقين الحقيقي النوراني المنزّه عن ظلمات الأوهام والشكوك، لا يحصل من مجرد أعمال الفكر والاستدلال، بل يتوقف حصوله على الرياضة والمجاهدة وصقل النفس وتصفيتها عن كدورات ذمائم الأخلاق، وإزالة الصدأ عنها، ليحصل لها التجرد التام، والسر أنّ النفس بمنزلة المرآة تنعكس على صفحتها الصور المتعلّقة بالموجودات الخارجية، ولا ريب في أنّ انعكاس الصور من ذواتها على المرآة، يتوقف على تمامية شكلها وصفاء جوهرها، وحصول ما يتمكن انعكاسه عليها وإرتفاع الحائل بينهما، والظفر بالجهة التي فيها الصور المطلوبة، كذلك يجب في انعكاس حقائق الأشياء من العقل على النفس، تحقق اُمور:

1ـ عدم نقصان جوهرها، بأن لا تكون كنفس الصبي التي لا تتجلىّ لها


(229)

المعلومات، لنقصانها.

2ـ صفاؤها عن كدورات ظلمة الطبيعة، وخبائث المعاصي، وهو بمنزلة الصيقل عن الخبث والصدأ.

3ـ توجّهها التام وانصراف فكرها إلى المطلوب، بأن لا يكون غارقاً في الاُمور الدنيوية، وهو بمنزلة المحاذاة.

4ـ تخليتها عن التعصب والتقليد، وهو بمنزلة إرتفاع الحجب.

5ـ التوصل إلى المطلوب بتأليف مقدمات، مناسبة للوصول إليه على الترتيب المخصوص والشرائط المقررة، وهو بمنزلة العثور على الجهة التي فيها الصورة.

ولولا هذه الأسباب المانعة للنفوس عن افاضة الحقائق اليقينية إليها، لكانت عالمة بجميع الأشياء المرتسمة في العوالم الروحانية.

إذ كل نفس لكونها أمراً ربّانياً وجوهراً ملكوتياً بحسب الفطرة، صالحة لمعرفة الحقائق، فحرمان النفس عن معرفة حقائق الموجودات إنّما هو لأحد الموانع.

وقد أشار سيد الرسل إلى أنّ كدورات المعاصي وصدأها مانعة عن ذلك بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم، لنظروا إلى ملكوت السماوات والأرض.

فلو ارتفعت عن النفس، حجب السيئات والتعصب، وحاذت شطر الحق الأوّل لتجلّت لها صورة عالم الملك والشهادة بأسرها، إذ هو متناه يمكن لها الإحاطة به، وصورة عالمي الملكوت و الجبروت، بقدر ما يتمكّن منه، بحسب مرتبته (1).

فالعارف الشامخ في عالم المعرفة، إذا اتصف بما ذكرناه: «صار سمع اللّه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاه أجابه، وإن سأله أعطاه» (2).


1- جامع السعادات ج1 ص 125 ـ 126 ولاحظ مقدمة ابن خلدون.
2- وسائل الشيعة، كتاب الصلاة أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ـ الباب 17 الحديث 6.


(230)

فالفتوحات الباطنية من المكاشفات والمشاهدات الروحية والالقاءات في الروع، غير مسدودة بنص الكتاب العزيز:

1ـ قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً) (الأنفالـ29) أي يجعل في قولبكم نوراً تفرّقون به بين الحق والباطل وتميّزون به بين الصحيح والزائف، لا بالبرهنة والاستدلال، بل بالشهود والمكاشفة.

2ـ وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَل لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّهُ غَفُورٌ رَحِيم) (الحديد ـ 28).

إنّ صاحب الكشّاف ومن لفّ لفّه وإن فسره بقوله: «ويجعل لكم يوم القيامة نوراً تمشون به» إلاّ أنّ الظاهر خلافه، وأنّ المراد النور الذي يمشي المؤمن في ضوئه طيلة حياته، في معاشه ومعاده، في دينه ودنياه، وهذا النور الذي يحيط به ويضيء قلبه، نتيجة إيمانه وتقاه ويوضّحه قوله سبحانه: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (الأنعام ـ 122).

3ـ وقال سبحانه: (وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت ـ 69).

4ـ وقال تعالى:(وَاتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم)(البقرة ـ 282).

فإنّ عطف الجملة الثانية على الاُولى يحكي عن صلة بين التقي وتعليمه سبحانه.

5ـ وقال سبحانه: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الجَحِيم) (التكاثر:5ـ6).

فإنّ الظاهر أنّ المراد رؤيتها قبل يوم القيامة، رؤية البصيرة، وهي رؤية القلب التي هي من آثار اليقين على ما يشير إليه قوله تعالى: (وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرهيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ) (الأنعام ـ 75).

وهذه الرؤية القلبية غير محققة قبل يوم القيامة لمن الهاه التكاثر بل ممتنعة في حقه لامتناع اليقين عليهم.


(231)

والمراد من قوله: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِين) هو مشاهدتها يوم القيامة بقرينة قوله سبحانه بعد ذلك: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ) فالمراد بالرؤية الاُولى رؤيتها قبل يوم القيامة، وبالثانية رؤيتها يوم القيامة (1).

6ـ وقال سبحانه: (وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَ آتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)(محمد ـ17) فلو أنّ الانسان جعل نفسه في مسير الهداية، وطلبها من اللّه سبحانه زاده تعالى هدى وآتاه تقواه.

7ـ وقال سبحانه: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدنَاهُمْ هُدًى) (الكهف ـ 13) والآية تبيّن حال أصحاب الكهف الذين اعتزلوا قومهم، وتغرّبوا لحفظ إيمانهم ودينهم فزاد اللّه من هداه في حقهم وربط على قلوبهم كما يقول سبحانه:

8 ـ (وَ رَبَطْنَا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَواتِ وَ الأرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ إِذاً شَطَطاً)(الكهف ـ 14).

والقرآن يصرح بانفتاح باب الهجرة إلى اللّه ورسوله، والهجرة كما تشمل الهجرة الظاهرية تشمل الهجرة المعنوية، التي هي عبارة عن السير في مدارج الكمال والإنابة إليه سبحانه.

9ـ يقول سبحانه: (وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ)(النساء ـ 100)، وإلى الهجرة المعنوية (هجرة النفوس عن السيئات إلى الطاعات) يشير النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ يقول:

«من كانت هجرته إلى اللّه ورسوله، فهجرته إلى اللّه ورسوله ومن كانت هجرته إلى مال يصيبه فهجرته إلى ما هاجر إليه» (2) فحمل الآية والرواية على خصوص الهجرة الظاهرية والخروج عن الأوطان والتغرّب لحفظ الإيمان هو أحد أبعاد الآية، فهناك بعد آخر، وهو حملها على مهاجرة النفوس من الظلمة إلى النور، ومن الضلال إلى الهداية،


1- الميزان ج20 ص 496 ـ 497.
2- صحيح البخاري ج1 كتاب الإيمان الباب 42 ص 16.


(232)

ويؤيده قوله سبحانه:

10ـ (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَ اُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَ اُوذُوا فِي سَبِيلي وَ قَاتَلُوا وَ قُتِلُوا لاَُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) (آل عمران ـ 195). فالمراد من المهاجرة هو الهجرة المعنوية حتى تصح مقابلتها مع قوله سبحانه: (واُخرجوا من ديارهم) إلى غير ذلك من الآيات والروايات.

نعم كثرت في القرون الأخيرة عناية طوائف من صوفية أهل السنّة بمسألة الإمامة والإمام ومنهم «النجانية» وقد كتب عنهم العقاد في كتابه «بين الكتب والناس» ومنهم «السنوسية» وقد أفاض فيهم القول البستاني في دائرة معارفه غير أنّ في بعض ما ذكروه خداعاً وضلالاً، وللبحث عن ما يدّعونه من الكشف والعرفان مجال آخر لا يسعه المقام.

انّ الناظر في نهج البلاغة يجد في كلام الإمام علي ـ عليها السَّلام ـ تصريحات وإشارات على فتح هذا الباب وعدم إيصاده فالإمام ـ عليها السَّلام ـ يقول:

«قد أحيى عقله ، وأمات نفسه، حتى دق جليله، ولطف غليظه، وبرق له لامع، كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه، في قرار الأمن والراحة» (1)، ويقول:

«هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين» (2).

فهذه الكلمات العلوية تبيّن جلياً أنّ القلب يمكن أن يصبح محلاً للإشعاع الإلهي على مدار الزمان وفي زمن الخاتمية.

وقد روى الفريقان عن الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال من أخلص للّه أربعين صباحاً، فجّر اللّه ينابيع الحكمة من قلبه، على لسانه (3).


1- نهج البلاغة الخطبة 215.
2- نهج البلاغة قصار الكلم الرقم 147.
3- سفينة البحار، مادة «خلص» نقله عن عدة الداعي لابن فهد الحلي.


(233)

وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لولا تمريج في قلوبكم وتكثير في كلامكم، لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع» (1).

وقال الصادق ـ عليها السَّلام ـ : «ما أخلص عبد الإيمان باللّه أربعين يوماً، إلاّ زهّده اللّه في الدنيا، وبصره داءها ودواءها، وأثبت الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه» (2).

وهناك كلمة طيبة عن الإمام أمير المؤمنين، تعرب عن رأي الإسلام في المقام، قال ـ عليها السَّلام ـ :

«إنّ اللّه تعالى جعل الذكر جلاء للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح للّه، عزت آلاؤه، في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات (3)، عباد ناجاهم في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم» (4).

فهو ـ عليها السَّلام ـ يصرح بأنّ الذاكرين من عباده قد بلغ بهم المقام إلى درجة يناجيهم اللّه في سرائر ضمائرهم، ويكلمهم من طريق عقولهم، فهل يوجد مقام أرفع من هذا، أو درجة أشرف من تلك.

وقريب من ذلك ما رواه الديلمي في إرشاده في خطابات له سبحانه لنبيّه في ليلة المعراج بلفظ «ياأحمد ! فمن عمل برضائي الزمه ثلاث خصال، أعرفه: شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين، فإذا أحبّني أحببته وأفتح عين قلبه إلى جلالي، ولا اُخفي عليه خاصّة خلقي، واُناجيه في ظلم الليل ونور النهار، حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم، وأسمعه كلامي وكلام ملائكتي، واُعرفه السرّ الذي سترته عن خلقي، وألبسه الحياء حتى يستحي منه الخلق كلهم، ويمشي على الأرض مغفوراً له، وأجعل قلبه واعياً وبصيراً، ولا اُخفي عليه شيئاً


1- حديث مشهور.
2- سفينة البحار، مادة «ربع».
3- التخصيص بعد التعميم فلا يضر بالمطلوب لو كان المراد منه الفترة بين المسيح وبعثة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
4- نهج البلاغة، الخطبة 217.


(234)

من جنّة ولا نار، واُعرّفه ما يمر على الناس في القيامة من الهول والشدة. وما اُحاسب به الأغنياء والفقراء والجهال والعلماء...ـ إلى أن قال: ـ يا أحمد! اجعل همّك هماً واحداً، واجعل لسانك لساناً واحداً، واجعل بدنك حياً لا يغفل أبداً، من غفل عنّي لا اُبالي بأي واد هلك» (1).

وهذه الرواية توقفنا على أنّ المعرفة الحقيقية، التي تحيى بها نفوسنا، لا تستوفى بالسير الفكري، ولا يقف السالك في سبيل الحق على هذه الاُمور، إلاّ بتهذيب النفوس وتطهير القلوب والانقطاع إلى الربّ عن كل شيء، حتى يرفع دونه كل حجاب مضروب، وكل غشاء مسدول، فيعرف ربّه وأسماءه، وصفاته حق المعرفة، ويشاهده بعين القلب ويسمع كلامه وكلام ملائكته، ويرى عظمته وسرادقات كبريائه.

فهذه الفتوحات الباطنية بمراتبها، ميسّرة في وجه الاُمّة، لم توصد قط.

الاسفار المعنوية الأربعة:

ثم إنّ للسالك من العرفاء والأولياء أسفاراً، وهي على ما اعتبرها أهل الشهود أربعة.

أحدها: السفر من الخلق إلى الحق.

ثانيها: السفر من الحق إلى الحق بالحق.

ثالثها: السفر من الحق إلى الخلق بالحق.

رابعها: السفر من الخلق إلى الخلق بالحق.

فبعض هذه الأسفار وقطع منازلها وإن كان يختص بأنبيائه ورسله، إلاّ أنّ السفر الأوّل والثاني، لا يختصان بهم، بل يتيسّران لكل سالك الهي، لا يقصد إلاّ الاناخة في ساحة ربّه، والنزول على طاعته، بلا استثناء، ودونك توضيح ذينك السفرين: ففي السفر الأوّل، أعني السفر من الخلق إلى الحق، ترفع الحجب المظلمة، بين السالك وربّه،


1- إرشاد القلوب للديلمي ص 329.


(235)

فيشاهد جمال الحق ويفني ذاته فيه، ولأجل ذلك يسمى مقام الفناء. وعندما ينتهي السفر الأوّل يأخذ السالك في السفر الثاني، وهو السفر من الحق إلى الحق بالحق وإنّما يكون بالحق لأنّه صار ولياً، وصار وجوده وجوداً حقّانياً، فيأخذ السلوك من موقف الذات إلى الكمالات واحداً بعد واحد حتى يشاهد جميع كمالاته فيعلم جميع أسمائه كلّها إلاّ ما استأثر به عنده، فتصير ولايته تامة، ويفني ذاته وأفعاله وصفاته في ذات الحق وصفاته وأفعاله، فبه يسمع، وبه يبصر وبه يمشي وبه يبطش، وحينئذ تتم دائرة الولاية.

ولعمري لولا خوف الإطالة، والخروج عمّـا هو الهدف الأسمى للرسالة، لشرحت للقارئ الكريم، تلكم الاسفار والمواطن واحداً بعد واحد، وكفانا ما حبرته يراعة العرفاء الشامخين في هذا الباب (1).

وفي الاُمّة الإسلامية رجالاً مخلصون ، لا يدرك شأوهم ولا يشق غبارهم، اُولئك أولياء اللّه في أرضه وخلفاؤه في خلقه، تغبطهم النبوّة، كما قال الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ للّه عباداً ليسوا بأنبياء، تغبطهم النبوّة (2).

هب أنّ النبوّة قد اُوصد بابها، إلاّ أنّ باب الفيض المعنوي، من جانب الإمام الحي ـ عليها السَّلام ـ بعد مفتوح لم يوصد (3).


1- راجع تعاليق الأسفار الأربعة ج 1 ص 13ـ 18 للحكيم السبزواري.
2- حكاه صدر المتألّهين في مفاتيح الغيب، وقال: هذا الحديث ممّا رواه المعتبرون من أهل الحديث، من طريقة غيرنا، نعم لم أقف عليه مسنداً حتى اُحقق حاله.
3- وقد دلّت البراهين الكلامية على أنّ الأرض لا تخلو عن حجّة، وأنّه لا بد للناس في كل دورة وكورة من إمام معصوم يهدي إلى الرشد ـ وقد تفرّدت به الشيعة عن سائر فرق الإسلام.
وقال أمير المؤمنين: اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة: أمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً، لئلاّ تبطل حجج اللّه وبيّناته وكم ذا وأين اُولئك؟ اُولئك ـ واللّه ـ الأقلون عدداً والأعظمون عند اللّه قدراً، يحفظ اللّه بهم حججه وبيّناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعونها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقه بالمحل الأعلى، اُولئك خلفاء اللّه في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه آه شوقاً إلى رؤيتهم (نهج البلاغة باب الحكم رقم 147).


(236)

وقد حقق في أبحاث الولاية الالهية أنّ وجه الأرض والمجتمع الانساني لا يخلو أبداً من انسان كامل ذي يقين، مكشوف له عالم الملكوت، وله ولاية على الناس في أعمالهم، يهديهم إلى الحق ويوصلهم إلى المطلوب بأمر من اللّه سبحانه، كما هو شأن الإمام في كل عصر ودور، لقوله سبحانه: (وَ جَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَ كَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة ـ 24).

فهذا الفيض الالهي والعرفان المعنوي، لم يزل يجري علي المجتمع البشري بأمر منه سبحانه، وينزل عليهم من طريق الإمام، ليهديهم سبيل الحق ويرشدهم إلى مدارج الكمال، حسب استعداداتهم وقابلياتهم.

قال سيدنا الاُستاذ ـ قدّس سرّه ـ : إنّه سبحانه كلّما تعرض لمعنى الإمامة تعرض معها للهداية، تعرض التفسير قال تعالى في قصة إبراهيم: (وَ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحقَ وَ يَعْقُوبَ نَافِلَةً وَ كُلاّ ً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (الأنبياء ـ 72 ـ73).

وقال سبحانه: (وجعلنا منهم أئمّة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) (السجدةـ24).

فوصفهم بالهداية وصف تعريف، ثمّ قيد هذا الوصف بالأمر فبيّـن أنّ الإمامة ليست مطلق الهداية بل هي الهداية التي تقع بأمر اللّه، فالإمام هاد يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه، فالإمامة بحسب الباطن نحو ولاية للناس في أعمالهم وهدايتهم، إيصالهم إلى الكمال بأمر اللّه دون مجرد اراءة الطريق الذي هو شأن النبي والرسول وكل مؤمن يهدي إلى اللّه سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة (1).

فهذا الباب من الفتوحات الغيبية والفيوض الالهية مفتوح، في وجه الاُمّة لم يوصد أبداً.


1- الميزان ج1 ص 274 ـ 275.


(237)

مثل الفضيلة والأخلاق

قد كان لأمير المؤمنين صفوة من الأصحاب يستدر بهم الغمام، ويندر مثالهم في الدهر كزيد وصعصعة ابني صوحان واُويس القرني والأصبغ بن نباتة، ورشيد الهجري، وميثم التمار، وكميل بن زياد، وأشباههم، وكان هؤلاء مثلاً للفضيلة وكرم الاخلاص وخزنة للعلم والاسرار، منحهم أمير المؤمنين من سابغ علمه واستأمنهم على غامض أسراره ممّا لا يقوى على احتماله غير أمثالهم فجمعوا العلم، سرّه وجهره، والفضائل، نفسية وخلقية، ذاتية وكسبية، والعبادة قولاً وعملاً وجارحة وجانحة، فاكتسبوا من أمير المؤمنين جميع الفعال والخصال وأخذوا عنه أسرار العلم وعلم الأسرار، حتى زكت بهم النفوس وكادوا أن يزاحموا الملائكة المقرّبين في صفوفهم، وغبطهم الملأ الأعلى على ما اتصفوا به من كمال الذات والصفات، فصاروا أهلاً، لأن يأتمنهم الإمام على نفائس الأسرار وأسرار النفائس فكادوا أن يكونوا بعد التصفية ملائكة مجردة عن النقائص، لا يعرفون الرذيلة ولاتعرفهم.

فهذا ميثم، عظيم من حواري علي، وولي من أوليائه وأحد خريجي مدرسته العالية، الذين نهجوا في السير على هداه واتبعوه قائداً وقدوة في أمره ونهيه فصار مستودع أسراره وحقل علومه وخاصة حواريه.

كان رسول اللّه يخلو بعلي يناجيه، وكانت اُم سلمة زوج النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تلك البرة الطاهرة، تلتقط من المناجات درراً ثمينة، فممّـا التقطته منها، وصاياه لأبي الحسن ـ عليها السَّلام ـ في ميثم، فدخل ميثم على اُمّ سلمة وهو يريد الحج، فقالت له: طالما سمعت رسول اللّه يذكرك في جوف الليل ويوصي بك علياً.

وكان ميثم يصحب الإمام أحياناً إلى الأماكن الخالية وعند خروجه في الليل إلى الصحراء، فيستمع منه الأدعية والمناجاة، وكثيراً ما يجلس إليه الإمام في السوق وأفواج الناس ذاهبة وآيبة، ينظرون الإمام وهو في دكان «ميثم» يسامره ويحادثه ويلقي إليه


(238)

دروسه ويميره من العرفان الالهي، فعلّمه علم المنايا والبلايا، أي علم الآجال وعلم الحوادث والوقائع التي يبتلى بها الناس، حتى أخبره أنّه سيصلب على باب عمرو بن حريث.

لم يكن ميثم فريداً من بين أصحاب الإمام وحوارييه، وإن كان أحد عظمائهم إذ أنّه قد أودع هذا العلم عند من كان يأتمنه عليه من أفذاذ أصحابه الآخرين، نظراء رشيد الهجري واُويس القرني، وعمار بن ياسر وعمرو بن الحمق الخزاعي وكميل بن زياد ومن يشابههم في الإيمان الشامخ.

ولولا خوف الإطالة والخروج عن الغاية، لنقلنا كثير ممّا دار بينهم من المحادثات حول البلايا والمنايا.

فهذا ميثم نفسه، وقد قيد على خشبة الصلب يقول للناس رافعاً صوته، أيها الناس من أراد أن يسمع الحديث المكنون عن علي بن أبي طالب ـ عليها السَّلام ـ قبل أن اُقتل فواللّه لأخبرنّكم بعلم ما يكون إلى أن تقوم الساعة، وما يكون من الفتن (1).

لم يكن علي ـ عليها السَّلام ـ نسيج وحده في تربية هؤلاء العظماء الذين صقلت نفوسهم وتجلّت لهم صور ما في الكون من الحقائق والموجودات، بل سبقه سيد الرسل فأدّب أناساً، نهجوا في السير على هداه،واتبعوه في أمره ونهيه، وساروا في الطريق الذي رسمه لهم، فكانوا مثلاً أعلى للفضيلة وكرم الأخلاق وخزنة للعلم والأسرار، فشاهدوا الخليقة وما فيها من حقائق غامضة، ورأوا ملكوت السماوات والأرض، وعاينوا الحقائق العلوية والعوالم الروحية، من قبل أن يخرجوا من الدنيا.

روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ أنّه قال: استقبل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حارثة ابن مالك بن النعمان الأنصاري، فقال له: كيف أنت يا حارثة بن مالك؟ فقال: يا رسول اللّه مؤمن حقاً، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لكل شيء حقيقة، فما حقيقة قولك؟ فقال:


1- راجع في ترجمة ميثم، كتب الرجال، ولا سيما «قاموس الرجال» ج9 ص 164 ـ 171 وما دبجته براعة الاُستاذ المغفور له الشيخ محمد حسين المظفر حول حياة ميثم.


(239)

يا رسول اللّه! عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت هواجري كأنّي أنظر إلى عرش ربّـي وقد وضع للحساب، وكأنيّ أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون في الجنّة وكأنيّ أسمع عواء أهل النار في النار، فقال له رسول اللّه: عبد نوّر اللّه قلبه، أبصرت فاثبت، فقال: يا رسول اللّه اُدع اللّه لي أن يرزقني الشهادة معك، فقال: اللّهمّ أرزق حارثة الشهادة، فلم يلبث إلاّ أياماً حتى بعث رسول اللّه سرية فبعثه فيها فقاتل، فقتل تسعة أو ثمانية ثم قتل (1).

أخرج الكليني عن إسحاق بن عمار، قال سمعت أبا عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ يقول: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ صلّـى بالناس الصبح، فنظر إلى شاب في المسجد فقال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يارسول اللّه موقناً، فعجب رسول اللّه من قوله وقال: إنّ لكل يقين حقيقة، فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنّ يقيني يا رسول اللّه هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأنّي أنظر إلى عرش ربّـي وقد نصب للحساب، وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأنيّ أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون، وعلى الأرائك متّكئون، وكأنّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون، وكأنّي الآن أسمع زفير النار، يدور في مسامعي فقال رسول اللّه لأصحابه: هذا عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان (2).

هذا هو الإيمان المحض والعبودية الخالصة بل أنّه لشأن لا يتوصل إليه بالحس والعلم.

فكم في الاُمّة الإسلامية من ذوي الرتب العلوية، رجال وأبدال شملتهم العناية الالهية، فجردوا أنفسهم عن أبدانهم، حينما أرادوا، فعاينوا الحقائق واطلعوا على الأسرار.

وقد تضافرت الأحاديث على أنّ في الاُمّة الإسلامية مثل الاُمم السابقة رجالاً مخلصين محدّثين (بالفتح) يطلعون على المغيبات باحدى الطرق التي ألمحت إليها


1- الكافي ج2 ص 54.
2- الكافي ج2 ص 53.


(240)

الروايات.

والمحدث على ما تشرحه الأحاديث من تكلّمه الملائكة بلا نبوّة ولا رؤية صورة، أو يلهم له ويلقى في روعه شيء من العلم على وجه الالهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره.

روى البخاري عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لقد كان في من كان قبلكم من بني اسرائيل رجال يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء (1).

روى شيخ الطائفة باسناده عن أبي عبد اللّه قال كان علي ـ عليها السَّلام ـ محدثاً وكان سلمان محدثاً، قال: قلت فما آية المحدث ؟ قال: يأتيه ملك فينكت في قلبه ومنّا من يخاطب (2).

قال صدر المتألهين في الفاتحة الحادية عشرة:

«اعلم أنّ الوحي إذا اُريد به تعليم اللّه عباده، فهو لا ينقطع أبداً، وإنّما انقطع الوحي الخاصّ بالرسول والنبي من نزول الملك على اُذنه وقلبه» (3).

نعم ليس كل من رمى أصاب الغرض، وليست الحقائق رمية للنبال، وإنّما يصل إليها الأمثل فالأمثل، فلا يحظى بما ذكرناه من المكاشفات الغيبية والفتوحات الباطنية إلاّ النزر القليل ممّن خلص روحه وصفا قلبه، كما كان كذلك في الاُمم السابقة أيضاً.


1- صحيح البخاري ج2 ص 149.
2- أمالي الطوسي ص 260.
3- مفاتيح الغيب ص 12.


(241)

السؤال الثالث

«لا تجد في الكون المادي أمراً خالداً باقياً عبر الأجيال، والدهور، أوليس التحول ناموساً عاماً في الفلسفة؟ وهل في العالم المادي أصل ثابت وموجود خالد، فكيف يكون الإسلام أمراً ثابتاً»؟

توضيحه:

أنّ الإسلام قد أعلن بصوت عال أنّه دين اللّه الخالد إلى يوم القيامة، وأنّه لا شريعة ولا دين ولا كتاب سماوي بعده، وأنّ قوانينه وتشريعاته غير متغيّرة عبر الأجيال والقرون، وأنّ حلال محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

وعند ذلك يعترض السائل ويقول: إنّ الكون بعامة أجزائه، بسمائه وأرضه، وما تحتويانه، متغيّر متبدّل ليس له أيّ إستقرار وأنّ الحركة والتبدل والتغيّر في الكون ناموس عام في الفلسفة الالهية والمادية، وليس لنا في عالم المادة أصل ثابت أبداً، سوى قولنا: «ليس لنا أصل ثابت»، ومع هذا الأصل الفلسفي، كيف يدعي الإسلام بقاءه وثباته ودوامه وصونه عن طوارق التغير والتبدل؟

الجواب:

قد خلط السائل بين الموجودات المادية والنواميس الحاكمة عليها فانّ المتغير إنّما هو الأوّل، دون الثاني، فإنّ السماء وما فيها من الشموس والأقمار والنجوم متغيّرات والأرض سهلها وجبلها والبحر وما تنطوي عليه من عظائم الموجودات لا تستقر على


(242)

حالة واحدة، بل تتقلب من صورة إلى اُخرى ومن حالة إلى ثانية، والمادة الخارجية غير منفكة عن الفعل والإنفعال في الأحوال كلّها.

هذه هي المادة، وأمّا النواميس السائدة عليها في نفس الأمر فهي ثابتة أبديةولا تتغيّر ولا يصيبها التبدّل ولا تقع في مجالات الحركة والتحوّل، مثلاً المعادلات الرياضية وقانون الجاذبية والثقل النوعي في الموجودات وإنكسار الضوء وأحكام العدسيات وسرعة النور وغيرها من القوانين الفيزياوية، ثابتة غير متغيرة سائدة في كل الظروف والأزمنة.

على أنّ الإسلام السائد على المجتمع البشري طوال القرون والأجيال، والباقي إلى مدى الدهور والزمان، إنّما هو قوانين سماوية ونواميس إلهية شرّعت لإصلاح المجتمع وإسعاده وليس أمراً مادياً أو ظاهرة من ظواهره حتى يعمّه حكم المادة من الحركة والتحوّل والتبدّل، بل قوانين سماوية سنّها اللّه سبحانه لعباده، ليبلغهم إلى مدارج الكمال ومعارج العز...

ثم إنّه ماذا يريد القائل من قوله: «ليس لنا أصل ثابت» فهل هي نظرية ثابتة، وفكرة باقية مدى الدهور والأيام وأمر غير متغيّر، أولا ؟ فلو قال بالأوّل، فقد جاء بأصل ثابت، وأمر غير متغيّر، وبالنتيجة يكون قد نقض قاعدته، وأصله الذي ركن إليه.

وإن قال بالثاني صار الإشكال أعظم إذ يلزم من عدم ثباته ثبات سائر الاُصول ودوامها، إذ المفروض أنّ قوله: «ليس لنا علم ثابت» ليس حكماً ثابتاً فليزم من عدم صدقه، صدق نقيضه، كما هو شأن المتناقضين.

وبذلك يؤاخذ كل من نفى العلم الصحيح المطلق الصادق في جميع الأدوار والشرائط، لأنّ قولهم هذا (ليس عندنا علم صحيح مطلقاً) قد اُلقي بصورة أنّه صحيح مطلق وأنّه صادق على وجه الاطلاق، ولو قال بأنّه قد اُلقي على الوجه الصحيح النسبي يصير الفساد أكثر لأنّه يستلزم أن يكون غير هذا القول صحيحاً مطلقاً إذ المفروض أنّ سلب الإطلاق عن غيره إنّما هو بالسلب النسبي لا السلب المطلق ولازم


(243)

ذلك اتصاف سائر الاُصول بالصحة الاطلاقية (1).

وربّما يستدل على لزوم تطور المجتمع بـ «حتمية التاريخ» ويقال: حتمية التاريخ لها دور كبير في الفلسفة المادية و قد اعتمد عليها فطاحل الماديين وغيرهم وفرعوا عليها فروعاً واستنتجوا منهامسائل كثيرة، وملخّص ما يريدون من هذا الأصل:

انّ ما يحدث في تاريخ الاُمم من صعود وتدهور، ومن صلح وسلام، وحرب وكفاح، واختراع، واكتشاف، وظهور انقلابات وثورات، وتقدم في الانتاج والاقتصاد.

وعلى الجملة ما شاهده تاريخ الاُمم، أم ما نشاهده في الحضارة العصرية من حوادث وطوارئ وتطور في ألوان الحياة وأشكالها كلّها، رهين عوامل في نفس المجتمع توجب وجودها ضرورة اجتماعية، ولا يمكن التحرز عنها أبداً، ويساق المجتمع إليها عنفاً وجبراً بلا إرادة واختيار.

وهذه العوامل الخلافة، لألوان الحياة وأشكالها وحوادثها وطوارئها،لا تدوم على حالة واحدة، بل تتبدل ويخلفها غيرها، وهكذا...

فإذا كان العيش الاجتماعي متطوراً، كسائر الظواهر الطبيعية، تطوراً ضرورياً حتمياً، خارجاً عن إرادة المجتمع واختياره، فكيف يخضع المجتمع المتحول المتطور، لتشريع لا يتحول ولا يتبدل؟

الجواب:

وزان حتمية التاريخ عند الماديين، وزان القضاءوالقدر عند الجبرية، فكما أنّ هؤلاء يلقون كل حادث وطارىء وكل خير وشر يقع في المجتمع، على عاتق القضاء والقدر، ويريحون أنفسهم عن أية مسؤولية، كذلك يفعل الماديون، إذ يلقون كل حادث وطارىء وكل خير وشر في المجتمع، على عاتق الحتمية التاريخية، ويريحون أنفسهم عن أية مسؤولية.


1- لاحظ اُصول الفلسفة ج1 ص 212 ـ تعريب المؤلّف.


(244)

لكن هذا الأصل إنّما يصح في بعض الموارد وليس أصلاً كلياً، صادقاً في عامة نواحي الحياة، حتى يعود المجتمع البشري آلة صماء مسلوب الإرادة والاختيار ولا عمل له إلاّ تحقيق ما تفرضه تلكم العوامل.

ونلاحظ ثانياً أنّ حتمية التاريخ لا صلة لها بتطور الاجتماع، وأنّ استنتاج الأمر الثاني من الأمر الأوّل غير صحيح جداً، بل تطوره وثباته تابع لتطور عامل الاجتماع وثباته، فإن كان العامل المحرك للحياة الاجتماعية ثابتاً كان هو ثابتاً، وإن كان ذلك العامل متطوراً ، كان متطوراً.

توضيحه: أنّ العامل المحرك للحياة، قد يكون عاملاً فطرياً فيكون ثابتاً وباقياً وحاكماً، ما دام الانسان موجوداً أو أفراده باقية متسلسلة، وعندئذ فمقتضى هذا العامل وأثره يبقى في المجتمع ثابتاً لا يتغير، ولا مجال فيه لتحوّل ولا تغير.

مثلاً، الميل الجنسي أمر فطري في الانسان، له أثر حتمي ودور عظيم في العيش الاجتماعي ومقتضاه في المجتمع هو الزواج، وبما أنّه عامل فطري في الإنسان، فلأثره الخلود في المجتمع البشري.

ودونك مثالاً آخر:

التدين والتوجه إلى ما وراء الطبيعة، أمر فطري في الناس، وطالما تجمعت الأسباب القاهرة من عنف الجبابرة، وفتك الطغاة على أنّ تصرّف بني الانسان عن التدين فما استطاعت انتزاعه، فالحياة الدينية التي هي جزء من الحياة الاجتماعية موجودة دائماً، لأنّ لها عاملاً فطرياً لا يزول.

ونحن نعترف بأنّ للعوامل الداخلية التي تستمد من طبيعة المجتمع، تأثيراً حتمياً في تاريخ الحياة الاجتماعية للانسان لا يختلف، وهي أثر محتوم لها، غير أنّ جعل حتمية التاريخ مساوية لتطوّر المجتمع وتحوّله في كل زمان غير صحيح أبداً. بل هناك مسألتان:

1ـ تطور الاجتماع وتبدله في كل زمان.


(245)

2ـ حتمية التاريخ.

وليست الاُولى من نتائج الثانية، ومن ثمراتها، بل الاُولى تابعة في الثبات والتحول لعاملها وعلّتها، فإن كان عامل الحياة فطرياً ثابتاً، فأثره حتمي ثابت في العيش الاجتماعي، وإن كان العامل المحرّك، أمراً متغيراً طارئاً غير فطري فأثره المحتوم في المجتمع يتغير ويتطور تبعاً لتغيره وتطوره.

مثلاً: استخدام الطبيعة والاستفادة منها في سبيل الحياة، أمر فطري للبشر لكن التوصل إلى المقصود والاستفادة منه بأدوات خاصة، كالسهم والنصل والبعير، ليس أمراً فطرياً، بل هي تتطور وتتطور معه صور الاجتماع وأوضاعه.

فالانسان الذي كان يركب الدواب في قطع المسافات وتأمين المواصلات أخذ في هذا القرن، يقطع المسافات ويؤمن مواصلاته بالسيارة والطائرة.

اذن فالقول بتبدل الأشكال والأوضاع الاجتماعية، استناداً إلى حتمية التاريخ باطل جداً، وإنّما التبدل وعدمه متوقف على العامل المؤثّر فيه، فإن كان العامل ثابتاً يثبّت الوضع الاجتماعي المستند إليه، وإن كان متبدّلاً يتبدل (1).


1- عن مقال للعلامة الشريف الشهيد مرتضى المطهري.


(246)

السؤال الرابع

لزوم اختلاف القوانين والمقتضيات باختلاف ألوان الحياة:

إنّ التطور الاجتماعي يستلزم تطوراً في قوانين الاجتماع، والقانون الموضوع في ظرف خاصّ، ربّما يكون مضراً أو غير مفيد أصلاً في ظرف آخر، ومقتضيات الزمان (القوانين) تختلف باختلاف المجتمعات وألوان الحياة، فما صح الأمس لا يصح اليوم، وما يصح اليوم، لا يصح غداً.

توضيحه:

أنّ الهدف من تشريع القوانين والأنظمة الخارجية، في المجتمع البشري ليس إلاّ تأمين الحياة الاجتماعية له، وصونها عن التصادم والجدال وحفظها عن الهلاك والبوار.

فالنظام التشريعي ليس أمراً مطلوباً بالذات، بل هو ذريعة لتأمين الحياة وحفظها عن التحطم.

وعلى هذا، قد يعترض بأنّ الحياة الاجتماعية، لو استمرت على وتيرة واحدة لساغ لأي قانون تشريعي كان سائداً في الأزمنة الغابرة، أن يسود في جميع الظروف والأجواء، وأمّا إذا لم تكن على وتيرة واحدة بل كانت الحياة في المجتمع الانساني منذ لجأ الانسان إلى الحضارة والعيش الاجتماعي، متحوّلة ومتغيّرة، فكيف يصح لقانون موضوع في ظرف أن يطبق في ظرف مباين له.

مثلاً: إذا تأمّل في الدور الذي كانت وسائل النقل فيه منحصرة في الجمال وغيرها


(247)

من المواشي، وكانت الثروات الطبيعية فيه لا تكاد تستغل باستثناء شيء قليل فيها، وكانت أدوات الحروب الطاحنة فيه، لا تتجاوز السيف والسهم، فلا يرتاب في أنّ الحياة الاجتماعية في ذلك الدور، لا تلتقي مع الدور الذي بلغت فيه حضارة الانسان حدّاً، سخّر معه الأرض والفضاء ووضع أرض القمر تحت قدميه، واستخدم الكهرباء والبخار، وأخذ يقطع المسافات البعيدة بالسيارة والطائرة والصاروخ،ويواجه العدو في جبهات الحرب بالقنابل الذريّة والهيدروجينية، إلى غير ذلك من الآلات القاتلة، فكيف يمكن لقانون واحد، وضع لتأمين الحياة في مجتمع خاص، أن يسود في الدورين؟ وهل القوانين الاجتماعية إلاّ «رد فعل» للأوضاع الاجتماعية المتطورة، إذ كلّما تغيرت الأوضاع الاجتماعية وتطورت، فلابد وأن يتبعها «رد فعل» في التغير والتبدل.

الجواب:

انّ للانسان مع قطع النظر عمّـا يحيط به من شروط العيش المختلفة، روحيات وغرائز خاصة تلازمه، ولا تنفك عنه، إذ هي في الحقيقة مشخّصات تكوينية له، بها يتميز عن سائر الحيوانات وتلازم وجوده في كل عصر ولا تنفك عنه بمرور الزمان.

فهاتيك الغرائز الثابتة والروحيات الخالدة ، لا تستغني عن قانون ينظم اتجاهاتها، وتشريع ينظمها، وحكم يصونها عن الافراط والتفريط، فإذا كان القانون مطابقاً لمقتضى فطرته وصالحاً لتعديلها ومقتضياً لصلاحها ومقاوماً لفسادها، لزم خلوده بخلودها، وثبوته بثبوتها.

والسائل قد قصّر النظر على ما يحيط به من شروط العيش المختلفة المتبدّلة وذهل عن أنّ للانسان خلقاً وروحيات وغرائز، قد فطر عليها، لاتنفك عنه ما دام انساناً، وكل واحد منها يقتضي حكماً يناسبه ولايباينه، بل يلائمه، ويدوم بدوامه ويثبت بثبوته عبر الأجيال والقرون.

ودونك نماذج من هذه الاُمور ليتبين لك بأنّ التطور لا يعم جميع نواحي الحياة، وأنّ الثابت منها يقتضي حكماً ثابتاً لا متطوراً:


(248)

1ـ إنّ الانسان بما هو موجود اجتماعي، يحتاج لحفظ حياته وبقاء نسله إلى العيش الاجتماعي والحياة العائلية، وهذان الأمران من اُسس حياة الانسان، لا تفتأ تقوم عليهما في جملة ما تقوم عليه منذ بدء حياته.

وعلى هذا، فإذا كان التشريع الموضوع لتنظيم المجتمع مبنياً على العدالة، حافظاً لحقوق أفراده، خالياً عن الظلم والجور والاعتساف، وبعبارة اُخرى موضوعاً على ملاكات واقعية، ضامناً لمصلحة الاجتماع وصائناً له عن الفساد والانهيار، لزم بقاؤه ودوامه، ما دام مرتكزاً على العدل والانصاف.

2ـ إنّ التفاوت بين الرجل والمرأة أمر طبيعي محسوس، فهما موجودان مختلفان اختلافاً عضوياً وروحياً، على رغم كل الدعايات السخيفة الكاذبة، التي تريد إزالة كل تفاوت بينهما، ولأجل ذلك، اختلفت أحكام كل منهما عن الآخر، اختلافاً يقتضيه طبع كل منها، فإذا كان التشريع مطابقاً لفطرتهما ومسايراً لطبعهما، ظل ثابتاً لا يتغير بمرور الزمان، لثبات الموضوع، المقتضى ثبات محموله، حسب الاصطلاح المنطقي.

3ـ الروابط العائلية، كرابطة الولد بالوالدين، والأخ بأخيه، هي روابط طبيعية، لوجود الوحدة الروحية، والوحدة النسبية بينهم، فالأحكام المتفرقة المنسقة، لهذه الروابط من التوارث ولزوم التكريم، ثابتة لا تتغير بتغير الزمان.

4ـ التشريع الإسلامي حريص جداً على صيانة الأخلاق وحفظها من الضياع والانحلال، ومما لاشك فيه، أنّ الخمر والميسر والاباحة الجنسية .. ضربة قاضية على الأخلاق، وقد عالج الإسلام تلك الناحية من حياة الإنسان بتحريمها، وإجراء الحدود على مقترفيها، فالأحكام المتعلقة بها، من الأحكام الثابتة مدى الدهور والأجيال، لأنّ ضررها ثابت لا يتغير بتغير الزمان، فالخمر يزيل العقل والميسر ينبت العداوة في المجتمع والاباحية الجنسية تفسد النسل والحرث دائماً ما دامت السماوات والأرض، فتتبعها أحكامها في الثبات والدوام.

هذا وأمثاله من الموضوعات الثابتة في حياة الانسان الاجتماعي قد حددها


(249)

ونظمها الإسلام بقوانين ثابتة تطابق فطرته وتكفل للمجتمع تنسيق الروابط الاجتماعية والاقتصادية على أحسن نسق وحفظ حقوق الأفراد وتنظيم الروابط العائلية.

وحصيلة البحث: أنّ تطور الحياة الاجتماعية في بعض نواحيها لا يوجب أن يتغير النظام السائد على غرار الفطرة، ولا أن تتغير الأحكام الموضوعة على طبق ملاكات واقعية، من مصالح ومفاسد كامنة في موضوعاتها، فلو تغير لون الحياة في وسائل الركوب، ومعدات التكتيك الحربي و ... مثلاً، فإنّ ذلك لا يقتضي أن تنسخ حرمة الظلم ووجوب العدل ولزوم أداء الأمانات ودفع الغرامات والوفاء بالعهود والإيمانو ...

فإذا كان التشريع على غرار الفطرة الانسانية، وكان النظام السائد حافظاً لحقوق المجتمع وموضوعاً على ملاكات في نفس الأمر، تلازم الموضوع في جميع الأجيال، فذلك التشريع والنظام يحتل مكان التشريع الدائم.

المقررات المتطوّرة في الإسلام:

إنّ للانسان مع هذه الصفات والمشخّصات الذاتية، ظروف عيش اُخرى زمانية ومكانية، لا تزال تتغير، ويتغير معها وضع الانسان، من حال إلى حال، فمثل هذه الظروف الطارئة تتغير أحكامها بتغيرها.

وفي الفقه الإسلامي، يطلق على الأحكام المتعلقة بهذه الظروف عنوان «المقررات» كما يطلق على الأحكام المتعلقة بالظروف الثابتة، عنوان «القوانين».

وهذه المقررات ليست بمعزل عن القوانين الكلية الإسلامية، ولا تكون اعتباطاً وفوضى بل تجري في ضوء القوانين الكلية الثابتة، بحيث لا تناقضها ولا تعطّلها، وإن شئت قلت: إنّ هنا أحكاماً وخطوطاً عريضة تمثل القاعدة المركزية في التشريع الإسلامي وهي مصونة عن التحوّل والتبدل، مهما اختلفت الأوضاع وتباينت الملابسات.

وهناك أحكام متفرّعة على تلكم الخطوط، مستخرجة منها، بإمعان ودراية


(250)

خاصة، يستنبطها الباحث الإسلامي باستفراغ وسعة على ضوء هذه الخطوط العريضة، بشرط أن لا يصادمها، وهذا القسم من الأحكام يتجدد بتجدد العهود وتباين الظروف وتعدد الملابسات واختلاف الشرائط.

فمن قواعد الدين الإسلامي ما هو خالد وثابت وهو ما يمس الفطرة الإنسانية وله صلة بالكون والطبيعة، وما هو متغير ومتبدل، وهو الذي لا يمس واقع العلاقات الاجتماعية والشؤون البشرية، ولا يتجاوز حدود الظواهر الاجتماعية وقد منحه هذا التطور، أسباب الخلود والبقاء والمسايرة مع عامة الحضارات، بشرط أن لا يصطدم التحوّل على أي أساس مع اُسسه ولا يتجاوز حداً من حدوده.

فالحكم الكلي الذي يعالج القضايا البشرية على غرار الفطرة، وصعيدها الكوني، ثابت وخالد في كل العصور والأزمنة، وإن تطورت الأوضاع الاجتماعية والسياسية واختلفت حاجات الناس فإنّ الأنظمة الإسلامية والدساتير الشرعية، تساير الفطرة الإنسانية الثابتة، وتوالي الطبيعة الكونية، ولا تتخلف عنهما قدر شعرة فإذا كان التشريع معبّراً عن الكون الثابت، ومبتنياً عليه، فيخلد بخلوده ويدوم بدوامه.

أجل أنّ تقلّب الأحوال وتحوّل الأوضاع الاجتماعية يتطلب تحوّلاً في السنن والأنظمة، وتبدّلاً في الأحكام والقوانين، غير أنّه لا يتطلب تحولاً فيما يمس واقع الانسانية السائدة في جميع الأحوال ومختلف الأوضاع، كما لا يتطلب تحوّلاً في القوانين الكونية التي أصبحت تدبّر الكون باُصوله الثابتة فلا تتغير النسب الرياضية ولا النتائج الهندسية وإن تطورت الأوضاع وتبدلت الحضارات.

وإنّما المتغير هو المظاهر والقشور، والشكل التطبيقي لهاتيك الأحكام في مختلف الأوضاع وتطور الاجتماع، والمتأثّر بالأوضاع هو القسم الثاني لا الأوّل، ولا ضير فيه فإنّ الدين الإسلامي إنّما يستعرض القضايا التي تمس واقع البشرية، والمسائل التي لها صلة بالكون والطبيعة ويترك التطبيق بعد لنفس المكلف حسب ظروفه وأحواله.

وبذلك تقف على أنّ التطور والتحوّل، فيما كتب له التغير والتبدل جزء جوهري


(251)

للدين، عنصر داخل في بناء التشريع الإسلامي كما أنّ الثبات والدوام فيما فرض له ذلك، أحد عناصر الدين ومن أجزاء ذاك البناء التشريعي السامي فتجريده من أي واحد من عنصريه يوجب انحلال المركب وفناء الدين، وتأخره عن مسايرة المواكب الحضارية.

قال سيدنا الاُستاذ (رضوان اللّه عليه): هناك أحكام شرعية ثابتة لا يعرض عليها التغييروالاختلاف، ولا يمكن أن تتأثر باختلاف البيئة والمحيط بشكل من الأشكال.

وهناك لون آخر من المقررات الاجتماعية التي تجري باشراف من هيئة الولاية العامة، تختلف باختلاف الظروف وتتأثر باختلاف البيئات والأزمنة.

ولتوضيح الأمر نستعير شاهداً من الظواهر الاجتماعية التي نعيشها في حياتنا الخاصة.

لنفترض أنّ مواطناً يرأس عائلة صغيرة، ويدير اُمور العائلة الداخلية في حدود مقررات البلاد العامة. فيأمر بعض أفراد العائلة بالقيام بهذا الشأن من شؤون البيت، ويأمر آخرين منهم بشأن آخر من شؤون العائلة ويحدد اختيارات كل واحد منهم في البيت في حدود مصلحة العائلة ويأمر بالانقطاع عن العمل يوماً أو يومين للاستجمام ويأمر بالاستمرار في العمل في حدود ما تقتضيه مصلحة العائلة، وحسب ظروف البيت الخاصة...

وفي الوقت الذي يملك هذا الشخص كل هذه الصلاحيات الواسعة في الإدارة والسلطة لا يسمح له أن يخرج عن دائرة مقرّرات البلاد العامة في شأن من الشؤون أو يتجاوز حدود النظام العام بشكل من الأشكال.

وممّا تقدم يتضح أنّ المقرارات المرعية في محيط هذه العائلة على نوعين:

نوع يتسم بطابع الثبات والبقاء.

ونوع يتعرض للاختلاف والتغيير حسب ما تقتضيه مصلحة البيت.

والنسبة ذاتها قائمة بين الشريعة الإسلامية، التي يطبعها طابع من الثبات


(252)

والبقاء، والمقررات التي تختلف باختلاف الظروف والمصالح الاجتماعية والتي تدور في فلك الشريعة من غير أن تتجاوزها بحال من الأحوال (1).

ودونك نماذج من هذا القسم، أي من الأحكام المتطورة المتغيرة بتغيّر الزمان:

1ـ في مجال العلاقات الدولية الدبلوماسية: يجب على الدولة الإسلامية أن تراعي مصالح الإسلام والمسلمين، فهذا أصل ثابت وقاعدة عامة، وأمّا كيفية تلك الرعاية، فتختلف باختلاف الظروف الزمانية والمكانية، فتارة تقتضي المصلحة السلام والمهادنة والصلح مع العدو، واُخرى تقتضي ضد ذلك.

وهكذا تختلف المقررات والأحكام الخاصة في هذا المجال، باختلاف الظروف ولكنّها لا تخرج عن نطاق القانون العام الذي هو رعاية مصالح المسلمين، كقوله سبحانه:

(وَلَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء ـ 141).

وقوله سبحانه: (لا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ).

(إِنَّما يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتِلُوكُمْ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَ ظَاهِرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَاُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة 8ـ9).

2ـ العلاقات الدولية التجارية: فقد تقتضي المصلحة عقد اتفاقيات اقتصادية وإنشاء شركات تجارية أو مؤسسات صناعية،مشتركة بين المسلمين وغيرهم، وقد تقتضي المصلحة غير ذلك. ومن هذا الباب حكم الإمام المغفور له، الفقيد المجدد، السيد الشيرازي بتحريم التدخين ليمنع من تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية التي عقدت في زمانه بين إيران وانكلترا، إذ كانت مجحفة بحقوق الاُمّة المسلمة الإيرانية لأنّها خوّلت لانكلترا حق احتكار التنباك الإيراني.


1- نظرية السياسة والحكم في الإسلام ص 37 ـ 39.


(253)

3ـ الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الأعداء، قانون ثابت لا يتغير، فالمقصد الأسنى لمشرع الإسلام، إنّما هو صيانة سيادته عن خطر أعدائه وأضرارهم ولأجل ذلك أوجب عليهم تحصيل قوّة ضاربة ضد الأعداء، واعداد جيش عارم جرار تجاه الأعداء كما يقول سبحانه: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة) (الأنفال ـ 60) فهذا هو الأصل الثابت في الإسلام الذي يؤيده العقل والفطرة أمّا كيفية الدفاع وتكتيكه ونوع السلاح، أو لزوم الخدمة العسكرية وعدمه، فكلّها موكولة إلى مقتضيات الزمان، تتغير بتغيره، ولكن في إطار القوانين العامة فليس هناك في الإسلام أصل ثابت، حتى مسألة لزوم التجنيد العمومي، الذي أصبح من الاُمور الأصلية في غالب البلاد.

وما نرى في الكتب الفقهية من تبويب باب، أو وضع كتاب خاص، لأحكام السبق والرماية، وغيرها من أنواع الفروسية التي كانت متعارفة في الأزمنة الغابرة ونقل أحاديث في ذلك الباب، عن الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأئمّة الإسلام، فليست أحكامها أصلية ثابتة في الإسلام، دعا إليها الشارع بصورة أساسية ثابتة، بل كانت هي نوع تطبيق لذلك الحكم الغرض منه، تحصيل القوّة الكافية، تّجاه العدو في تلكم العصور وأمّا الأحكام التي ينبغي أن تطبق في العصر الحاضر، فانّه تفرضها مقتضيات العصر نفسه(1).

فعلى الحاكم الإسلامي تقوية جيشه وقواته المسلحة بالطرق التي يقدر معها على صيانة الإسلام ومعتنقيه عن الخطر ويصد كل مؤامرة عليه من جانب الأعداء حسب


1- قال المحقق في الشرائع ص 152 وفائدة السبق والرماية: بعث النفس على الاستعداد للقتال والهداية لممارسة النضال وهي معاملة صحيحة. وقال الشهيد الثاني في المسالك في شرح عبارة المحقق: لا خلاف بين المسلمين في شرعية هذا العقد، بل أمر به النبي في عدة مواطن لما فيه من الفائدة المذكورة وهي من أهم الفوائد الدينية لما يحصل بها من غلبة العدد في الجهاد لأعداء اللّه تعالى، الذي هو أعظم أركان الإسلام ولهذه الفائدة يخرج عن اللهو واللعب المنهى عن المعاملة عليهما.
فإذا كانت الغاية من تشريعهما الاستعداد للقتال والتدرب للجهاد، فلا يفرق عندئذ بين الدارج في زمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وغيره أخذاً بالملاك المتيقن.


(254)

إمكانيات الوقت.

والمقنّن الذي يتوخّى ثبات قانونه ودوامه وسيادة نظامه الذي جاء به، لا يجب عليه التعرض إلى تفاصيل الاُمور وجزئياتها، بل الذي يجب عليه هو وضع الكليات والاُصول ليساير قانونه جميع الأزمنة بأشكالها وصورها المختلفة، ولو سلك غير هذا السبيل لصار حظه من البقاء قليلاً جداً.

4ـ نشر العلم والثقافة، واستكمال المعارف التي تضمن سيادة المجتمع مادياً ومعنوياً يعتبر من الفرائض الإسلامية، أمّا تحقيق ذلك وتعيين نوعه ونوع وسائله فلا يتحدد بحد خاص، بل يوكل إلى نظر الحاكم الإسلامي، واللجان المقررة لذلك من جانبه حسب الامكانيات الراهنة في ضوء القوانين الثابتة.

وبالجملة: فقد ألزم الإسلام، رعاة المسلمين، وولاة الأمر نشر العلم بين أبناء الانسان واجتثاث مادة الجهل من بينهم ومكافحة أي لون من الاُمّية، وأمّا نوع العلم وخصوصياته، فكل ذلك موكول إلى نظر الحاكم الإسلامي وهو أعلم بحوائج عصره.

فرب، علم لم يكن لازماً، لعدم الحاجة إليه، في العصور السابقة، ولكنّه أصبح اليوم في الرعيل الأوّل من العلوم اللازمة التي فيها صلاح المجتمع كالاقتصاد والسياسة.

5ـ حفظ النظام وتأمين السبل والطرق، وتنظيم الاُمور الداخلية ورفع مستوى الاقتصاد و... من الضروريات، فيتبع فيه وأمثاله مقتضيات الظروف وليس فيه للإسلام حكم خاص يتبع، بل الذي يتوخّاه الإسلام هو الوصول إلى هذه الغايات، وتحقيقها بالوسائل الممكنة، دون تحديد وتعيين لنوع هذه الوسائل وإنّما ذلك متروك إلى امكانيات الزمان الذي يعيش فيه البشر، وكلّها في ضوء القوانين العامة.

6ـ قد جاء الإسلام بأصل ثابت في مجال الأموال وهو قوله سبحانه: (وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ) وقد فرّع الفقهاء على هذا الأصل شرطاً في صحة عقد البيع أو المعاملة فقالوا: يشترط في صحة المعاملة وجود فائدة مشروعة وإلاّ فلا تصح المعاملة ومن هنا حرّموا بيع (الدم) وشراءه.


(255)

إلاّ أنّ تحريم بيع الدم أو شراءه ليس حكماً ثابتاً في الإسلام بل التحريم كان في الزمان السابق صورة إجرائية لما افادته الآية من حرمة أكل المال بالباطل وكان بيع الدم في ذلك الزمان مصداقاً له فالحكم يدور مدار وجود الفائدة (التي تخرج المعاملة عن أن تكون أكل المال بالباطل) وعدم تحقق الفائدة، فلو ترتبت فائدة معقولة على بيع الدم أو شراءه فسوف يتبدل حكم الحرمة إلى الحلية، والحكم الثابت هنا هو قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) .

وفي هذا المضمار ورد أنّ علياً ـ عليها السَّلام ـ سئل عن قول الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود»؟ فقال ـ عليها السَّلام ـ : «إنّما قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذلك والدين قلّ، فأمّا الآن فقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار» (1).

وفي الختام نأتي بما أفاده الشيخ الرئيس ابن سينا في هذا المقام في الشفاء قال:

ويجب أن يفوض كثير من الأحوال خصوصاً في المعاملات إلى الاجتهاد فإنّ للأوقات أحكاماً لا يمكن أن تنضبط وأمّا ضبط المدينة بعد ذلك بمعرفة ترتيب الحفظة ومعرفة الدخل والخرج واعداد اهب الأسلحة والحقوق والثغور وغير ذلك فينبغي أن يكون ذلك إلى السائس من حيث هو خليفة ولا تفرض فيها أحكام جزئية فإنّ في فرضها فساداً لأنّها تتغيّر مع تغيّر الأوقات وفرض الكليات فيها مع تمام الاحتراز غير ممكن فيجب أن يجعل ذلك إلى أهل المشورة (2).

وفي الختام نعطف نظر القارئ إلى نكتة، وهي: أنّ عنوان «مقتضى الزمان» و«حتمية التاريخ» وغيرهما من العناوين صار رمزاً ، لكل من أراد أن يتحرّر من القيم الأخلاقية، ويعيش متحلّلاً من كل قيد وحدّ، خالعاً كل عذار، والكثير من أفراد الانسان في العصر الحاضر، حينما رأوا، الاباحة الجنسية واختلاط الرجال والنساء، واتخاذ الملاهي على أنواعها وشرب المسكر واللعب بالميسر واقتراف المعاصي واخذ الربا مما راج


1- نهج البلاغة الحكم رقم 16.
2- الشفاء قسم الالهيات ص 566.


(256)

في البيئات الغربية بلا استنكار وقد حرّمها الشرع ورفضتها قوانين الأخلاق الصحيحة، والفطرة السليمة، لم يجدوا مبرّراً لاقترافها والانصياع التام لشهواته الجامحة إلاّ بأن يتمسكوا باحدى هذه العناوين، وليست الغاية من هذه القالة عنده، إلاّ اقتراف السيئات والانغمار في الشهوات.

كما أنّ هذه العناوين قد صارت ملجأ لكل من أراد هدم الثقافة الشرقية الأصيلة وتحويرها، وسوق الشرق إلى الإنصياع لتوجيهات الغرب وتناسي كل ما كان له من كرامة قديمة وقطع صلته بها.

ترى المنادين باستعمال الحروف اللاتينية بدل الحروف الشرقية الإسلامية يتمسكون باعذار، ويستدلون باُمور منها: كون ذلك من مقتضيات الزمان، ونتيجة يحتمها التاريخ، غير أنّ الباحث الحر، يرى للقديم كرامته الموروثة وللحديث نضارته الموجودة، فيأخذ منها كل ما يليق بالأخذ ويصلح للاقتفاء فلا يعقد حلفاً مع كل قديم حتى الخرافات ولا يكب على كل حديث وإن أضر به وبكرامته وشرفه.

فعلى كل من يريد أن يحافظ على كرامة الانسان وكيانه وقيمه الأخلاقية، أن يتوخّى الأصلح من مقتضيات الزمان ويصلحه على ضوء العقل والفطرة، لا أن يطبق عمله عليه، فليس مقتضى العصر وحياً اُوحي إلى المجتمع، مصوناً عن الخطأ أو نقياً عن الاشتباه.

على أنّ هؤلاء المتشدّقين بأمثال هذه العبارات، تقليداً للغرب والحضارة الغربية بلا تأمّل ولا روية، قد عزب عنهم أنّ «هذه الحتمية» و «اقتفاء مقتضى الزمان» التي ينادون بها، غير معترف بها عند أعيان القوم، ومفكري المجتمعات، بل أكابرهم فيها، فكم نبّه علماء وحذر مفكرون من أبناء الغرب، من عواقب السير على منهج هذه الحضارة، واستخفّوا خطتها وتنبّأوا بانهيارها ونادوا بوجوب نقض اُسسها(1).


1- نذكر على سبيل المثال منهم، العلامة «الكسيس كارل» فارجع إلى ما حرره في كتابه «الانسان ذلك المجهول».


(257)

ولأجل أن يقف القارئ الكريم على موقف الإسلام فيما يرجع إلى التطور الزمني نتوقف في المقام قليلاً ونقول:

الإسلام والتطوّر الزمني:

لا نجد بين الشرائع السماوية شريعة قد تدخلت في جميع شؤون الناس كالإسلام، حيث لم يكتف في مقرراته وتعاليمه على تعريف الناس بالأذكار والأوراد التي تربطهم بالخالق أو على ابداء النصائح الأخلاقية لهم فحسب، بل أنّه بين كافة ما يهم المجتمع من حقوق ووظائف فردية واجتماعية، ووضع الخطوط العريضة لكل قضايا الانسان في هذه الحياة، وقد اعترف بهذه الحقيقة كثير من المفكرين والكتاب غير المسلمين الذين كتبوا عن الإسلام ووصفوا قوانين الإسلام بأنّها أرقى القوانين التي تعالج قضايا الانسان، وذلك حيث أنّها تمتلك مادة حيويه ومرونة تخوّلها أن تعيش خالدة لكل الظروف.

ومن ذلك ما قاله المفكر الانجليزي (برناردشو): أنا أحترم دين محمد لأنّه دين حر ولأنّه الدين الوحيد الذي يقبل الانطباق مع الصور المختلفة في الحياة، وأضاف يقول: وأنا أتنبّأ بأنّ دين الإسلام سوف تعتنقه اُوربا.

وقال الدكتور شبلي شميل، الكاتب المادي المعروف في مقال له تحت عنوان «القرآن والاعمار» نشره في الجزء الثاني من كتابه (فلسفة النشوء والارتقاء) الذي قرر فيه فرضية «دارون» مع شرح «بخنر» الالماني لها، وردّ فيه على بعض الغربيين الذين زعموا أنّ الإسلام هو سبب تأخّر المسلمين قال: إنّ انحراف المسلمين عن تعاليم دينهم هو سبب انحطاطهم، وأنّ الذين يزعمون بأنّ الإسلام هو المسؤول عن تأخر المسلمين وانحطاطهم أمّا جاهلون بحقيقة الإسلام، أو أنّهم يريدون بهذا أن يمهّدوا الطريق لاستعمار الغرب للشرق الإسلامي.

ولأجل ذلك نواجه اليوم كثيراً من الشباب يتساءل عن مدى انطباق قوانين


(258)

الإسلام على التطورات الزمنية المختلفة وقدرته على قيادة الانسانية إلى السعادة والرفاه؟

بين الجمود والجهل:

القرآن الكريم يصف الانسان بأنّه ظلوم جهول، وصدق اللّه العظيم، فمن الناس من يريد التحرّر من قيود الانسانية، والتجاوز عن كل الضوابط الأخلاقية بحجة رفض كل ما هو قديم وقبول كل ما هو جديد في حياة البشر، ويعيش إباحياً لأنّ تطور الزمن يقضي بذلك، فهذا هو الانسان الظلوم.

ومنهم من يمشي على عكس الأوّل، يحب كل ما هو قديم ويشجب كل ما هو جديد وينسب ذلك إلى الإسلام، فيظن أنّ الإسلام جاء لابقاء القديم على قدمه، دون أن يفرق في ذلك بين الوسائل والأهداف والقشور واللباب، ولذلك فهو يتقيد بالكتابة بأقلام القصب أو الاستحمام في الخزائن، أو الأكل باليد، أو الاستفادة من المصابيح القديمة وما شاكل ذلك، وهذا هو الانسان الجهول.

فالظلوم لطغيانه يهدّم أساس الشريعة ويمحق تعاليمها، والجهول يعرّض الدين بغير ما هو عليه من التطور والمرونة فينفر الناس عنه، فهما بين افراط وتفريط.

النسخ غير المرونة:

إنّ بعض الكتّاب الذين يتظاهرون بالإسلام يفسرون تطور الإسلام الزمني بما يؤدي إلى محق أحكام الإسلام والقضاء عليها فاُولئك يزعمون أنّ التعاليم الإسلامية تدخل تحت اُطر ثلاثة:

اُولاها: اطار الاُصول العقائدية كالتوحيد والنبوّة والمعاد.

ثانيها: اطار الأحكام العبادية كالصلاة والصوم وما شاكل.

وثالثها: اطار القوانين التي ترتبط بشؤون الحياة.

فيزعمون أنّ الثابت من تعاليم الدين ليس إلاّ ما يدخل تحت اطار الأوّل والثاني


(259)

فقط، وأمّا ما يرتبط بالاطار الثالث من القوانين الاجتماعية فليست من صميم الدين وبالامكان تغييرها واحلال ما تقتضيه مقتضيات الزمان مكانها في هذه المجالات.

أقول: إنّ القائل بهذه المقالة ممّن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ويريد حصر الإسلام في المسجد، لتخلو الساحة الاجتماعية لغيره لكي يلعبوا ما يشاؤون، ويستوردوا القوانين الاجتماعية من هنا وهناك ويملأوا بها الفراغ وتكون النتيجة أنّ مصائر المسلمين يتحكم فيها أعداؤهم ويضعون لهم خطوط المسيرة.

إنّنا نرى القرآن الكريم يشبه المسلمين بالزرع الذي من خواصّه النمو والحياة يقول سبحانه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْوَاناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذِلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّورَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ) (الفتح ـ 29).

فقوانين الإسلام بما هي مشتملة على المادة الحيوية وبما هي ذات مرونة تنطبق مع كل الظروف والحضارات الانسانية ولا تحتاج إلى تغييرها واقامة غيرها مكانها ولأجل هذه الخصيصة أصبح المسلمون بفضل الإسلام ذوى نمو وارتقاء في مجالات الحياة.


(260)

السؤال الخامس

ادعاء النقص في التشريع الإسلامي:

«كلّما تكاملت نواحي الحضارة، وتشابكت وتعددت ألوانها، واجه المجتمع أوضاعاً وأحداثاً جديدة، وطرحت عليه مشاكل طارئة، لا عهد للأزمنة السابقة بها، إذ لم تتعرض تشريعاتها، لأي هذه الأوضاع والأحداث والمشاكل بحكم من الأحكام إذن فحاجة المجتمع إلى قوانين وتشريعات جديدة، لا تزال تتزايد كل يوم، تبعاً لذلك».

توضيح السؤال:

لا يرتاب ذو مسكة في أنّه كلّما توسّع نطاق الحضارة وبلغ البشر من التمدن ما بلغ، احتاج في تنظيم حياته إلى قوانين جديدة، وتشريعات خاصة، أزيد ممّا كان محتاجاً إليها في الظروف الغابرة، وبما أنّ الحضارة الإنسانية، مازالت تتوسّع وتتكامل، ولا تقف عند حد، فما زال الانسان تبعاً لذلك، تتوسّع حاجته إلى قوانين وتشريعات جديدة، متكاملة فكيف يمكن أن تعالج القوانين المحدودة الموضوعات الكثيرة، غير المحدودة؟! .(1)


1- الفرق بين هذا السؤال وما سبق من السؤال الرابع واضح، إذ الرابع يرجع إلى لزوم اختلاف القوانين والمقتضيات، حسب اختلاف اشكال الحياة في الاجتماع، وتبدلها من دون نظر إلى طروء حوادث لم يكن منها أثر في العهود السابقة، وهذا الوجه يرجع إلى اثبات وجود النقص في ناحية التشريع الإسلامي، وعدم إيفائه بالحوادث الجديدة والوقائع الطارئة التي يوجبها تكامل الحضارة وتشعّباتها وتعددها، ولم يكن لها أثر في زمن الرسالة ودور نزول القرآن.


(261)

ويلاحظ بأنّ الإسلام، هو الذي يواجه وحده، بهذا الاشكال من بين سائر الشرائع، إذ ليس الإسلام عبارة عن تعاليم منحصرة في عدة أحكام عبادية وأخلاقية تؤدّى بصورة فردية، بين الانسان وربّه، أو بينه وبين نفسه، دون أن يتدخل في تحديد المناهج الاجتماعية والعلاقات الانسانية والمدنية، وليس منحصراً في هذه المقررات البسيطة، حتى لا يكون وافياً في جميع الأزمنة، بالغاية التي يهدف إليها وإنّما هو نظام تشريعي كامل، قد تدخل في شؤون المجتمع كافة، فهو ذو قوانين مدنية وقضائية وسياسية واجتماعية وعسكرية وعائلية، كفيلة باغناء البشرية، عن كل تشريع سوى تشريعه، وعن كل اصلاح غير اصلاحه، فهذه القوانين المحدودة كيف تغني المجتمع البشري عن ممارسة التشريع في الحوادث والموضوعات التي لم يكن بها عهد زمن نزول القرآن وبعثة الرسول؟

وفي هذه النقطة، تفترق المسيحية عن الإسلام، إذ هي لا تتجاوز في تشريعها نطاق الأخلاق الفردية والتعبّد للّه، بصلاة وصوم، في وقت معين، أمّا مناهج الحياة الاجتماعية وتنظيمها وتنسيق معاملاتها، ذلك ما يقرّه المجتمع نفسه، ويوفوّضه إلى السلطات الحاكمة.

ولكن الإسلام يتعرض لكل شأن من شؤون الحياة، ويقنّن ويشرّع لكل أمر من اُمور المجتمع، المدنية والمعاشية، بالاضافة إلى تشريعاته وقوانيه الأخلاقية، والعبادية الفردية، ويسد باب التشريع في ذلك على غيره، فالسلطة التشريعية بيده وحده، وعلى المجتمع أن يختار السلطة التنفيذية والسلطة القضائية فقط، ضمن ما يشرعه الإسلام.

وملخص السؤال، انّ المجتمع الإنساني، يواجه أوضاعاً وأحداثاً جديدة تطرح عليه مشاكل لاعهد للأزمنة السابقة بها، فلا نجد في التشريع الإسلامي لهذه الأوضاع والأحداث حكماً من الأحكام، إذن فحاجة المجتمع إلى قوانين وتشريعات جديدة لا تزال تتزايد كل يوم تبعاً لذلك، وبما أنّ نصوص الشريعة من الكتاب والسنّة محدودة ، وحوداث المجتمع غير محدودة، فكيف يمكن أن تفي النصوص المحدودة بالحوادث الطارئة غير المتناهية؟


(262)

الجواب:

انّ خلود التشريع وبقاءه في جميع الأجيال ومسايرته للحضارات الانسانية، واستغناءه عن كل تشريع سواه، يتوقف على وجود أمرين فيه:

الأوّل: أن يكون التشريع ذا مادة حيوية خلاقة للتفاصيل بحيث يقدر معها علماء الاُمّة والاخصائيون منهم على استنباط كل حكم يحتاج إليه المجتمع البشري في كل عصر من الأعصار.

الثاني: أن ينظر إلى الكون والاجتماع بسعة وانطلاق، مع مرونة خاصة تماشي جميع الأزمنة والأجيال، وتساير الحضارات الانسانية المتعاقبة.

وقد أحرز التشريع الإسلامي كلا الأمرين:

أمّا الأمر الأوّل، فقد أحرزه بتنفيذ اُمور:

الأوّل: الاعتراف بحجية العقل في مجالات خاصة:

انّ من سمات التشريع الإسلامي التي بها يمتاز عن سائر التشريعات، ادخال العقل في دائرة التشريع، والاعتراف بحجيته في الموارد التي يصلح له التدخل والقضاء فيها، فالعقل أحد الحجج الشرعية وفي مصاف المصادر الاُخر للتشريع وأنّه يكشف عن الحكم الشرعي ويبيّن وجهة نـظر الشارع في مورده، وأنّ من الممتنع أن يحكم العقل بشيء ولا يحكم الشرع على وفاقه أو يحكم بخلافه، فالملازمة بين العقل والشرع حتمية.

ولا يهمنا البحث في أنّ ما يدركه العقل في مورد هل هو نفس الحكم الشرعي ومن صميم التشريع الإسلامي أو أنّه يكشف عن نظر الشارع إذا توفرت فيه الشروط التي اعتبرها الشارع في حجية ادراكاته.

وإنّما المهم أن نقف على أنّ العقل احتل محلاًّ خاصاً في التشريع الإسلامي وانّ كل ما يحكم به العقل فكأنّه ينطق على لسان الشرع كالكتاب والسنّة، فعند ذاك اعتمد


(263)

عليه في تبليغ الأحكام إلى الناس كما اعتمد على القرآن والسنّة.

وقد فتح هذا الاعتراف للإسلام بقاء وخلوداً، وجعله صالحاً للانطباق مع عامة الحضارات الانسانية، وغدا التشريع الإسلامي في ضوئه ذا سعة وانطلاق وشمول لما يتجدد من الأحداث ولما يطرأ من الأوضاع الاجتماعية الجديدة.

هذا بخلاف ما إذا اعتبرناه عنصراً غريباً في صعيد التشريع وعزلناه عن الحكم ورفضنا كل ما يدركه من الأحكام العقلية المحضة، فإنّه يؤدي إلى تجميد المخطط القانوني وعدم صلاحيته للحكم والتطبيق في البيئات والظروف الاجتماعية المختلفة.

نعم ليس معنى الاعتراف بحجية العقل، أنّه يطلق سراحه في جميع المجالات حتى يتاح له (بما اُوتي من امكانات ووسائل محدودة) أن يتسرّع في الحكم في مصالح الفرد والمجتمع وشكل العلاقات والروابط الاجتماعية والعبادات والأحكام التوقيفية.

بل فسح له الحكم في مجالات خاصة إذا توفرت فيه الشرائط التي تصونه عن الاشتباه والخطأ واقترن بالضمانات الكافية التي تحفـظه عن الزلل، وسوف نشير إلى هذه الشرائط والضمانات، وستوافيك نماذج من الأحكام العقلية في هذا البحث.

فالقارئ الكريم إذا لاحظ كتاب اللّه العزيز وسنّة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعترته ـ عليهم السَّلام ـ يرى فيهما الحث البالغ الأكيد على التدبّر والتفكّر والتعقّل لما يعسر على الانسان الاحاطة والاحصاء ولنكتف بذكر بعض ما اثر في المقام.

قال الإمام الطاهر موسى بن جعفر ـ عليها السَّلام ـ لتلميذه هشام:

إنّ اللّه تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: (... فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ اُولِئِكَ الذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَ اُولئِكَ هُمْ اُولُوا الأَلْبَابِ) (الزمر 17ـ18).

يا هشام: إنّ اللّه تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول ونصر النبيين بالبيان ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلافِ الليْلِ


(264)

وَالنَّهَارِ وَ الفُلْكِ التِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ بَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابّة وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحَابِ الممُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الأَرْضِ لآيَات لِقَوم يَعْقِلُونَ)(البقرة ـ 164).

يا هشام: ثم وعظ أهل العقل ورغّبهم في الآخرة فقال: (وَ مَا الحَياةُ الدُّنْيَا إِلاّ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ للدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ للذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأنعام ـ 32).

يا هشام: إنّ العقل مع العلم فقال: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاّ العَالِمُون) (العنكبوت ـ 43).

ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كَانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة ـ 170).

يا هشام ثم ذكر اُولي الألباب بأحسن الذكر وحلالهم بأحسن الحلية فقال: (يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاّ اُولُوا الأَلباب) (البقرة ـ 269).

يا هشام: إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: (انّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) يعني: عقل.

وقال (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمانَ الحِكْمَة) (لقمان ـ 12) قال: الفهم والعقل.

يا هشام: ما بعث اللّه أنبياءه ورسله إلى عباده إلاّ ليعقلوا عن اللّه فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة وأعلمهم بأمر اللّه أحسنهم عقلاً، وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.

يا هشام: إنّ للّه على الناس حجّتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة وأمّا الباطنة فالعقول (1).

وقال الصادق: حجة اللّه على العباد، النبي، والحجة في مابين العباد وبين اللّه، العقل.


1- الكافي ج1 ص 13 ـ 16 ولم ننقله بطوله وإنّما اقتبسنا مقتطفات منه.


(265)

هذا الحديث وما قبله وغيرهما يعرب عن نظر الإسلام السامي في الأحكام التي يستقل بها العقل بشرط أن يتجرّد عن الرواسب المنحرفة والغرائز الحيوانية والعواطف الانسانية ويحكم حكماً باتاً عقلانياً محضاً غير منبعث عن هذه الجوانب ويحترز عن بعض الأساليب التي منع الشارع عن أعمالها في طريق استنباط الحكم الشرعي كالاقيسة والاستحسانات.

نعم لا يخلص الحكم العقلي من الزلل والخطأ إلاّ بعد ملاحظة اُمور:

1ـ قصور الفكر الانساني وعجزه عن الاحاطة بمسائل الكون والنفس والاجتماع وضعف المدارك الحسية التي تربط الانسان بالواقع الاجتماعي والنفسي والكون الذي يعيشه.

2ـ تأثّر الفكر الانساني بالجانب الانفعالي والحيواني من النفس كالغرائز النفسية والدوافع الحيوانية المستقرة في النفس التي لا تتخلّص منها النفس والفكر إلاّ بعد جهد شاق.

3ـ انطباع الفكر بالرواسب اللاشعورية والأعراف والتقاليد التي يرثها الانسان من البيئة الاجتماعية والتي تنتقل في المجتمع مع الأجيال من دون أن تفقد تأثيرها الخاص واطارها الاجتماعي الذي يسبغ عليها جانباً قدسياً في المجتمع.

وقد حاول الإسلام أن يحقق الضمانات الكافية التي تعصم الفكر من هذه الوجوه الثلاثة في مجال الحكم والتشريع.

كما حاول الإسلام من جانب أن يفسح المجال للعقل في الحكم ليحفظ الدستور ويصلح للحكم والتطبيق في البيئات والظروف المختلفة.

ومن جانب آخر حاول الإسلام أن يحفظ العقل ممّا يمكن أن يحفظ به إلى المستويات الحيوانية واللاشعورية أو ممّا تقصر عنه امكاناته العلمية (1).


1- لاحظ المدخل إلى دراسة التشريع الإسلامي ص 107 ـ 108.


(266)

قال العلاّمة الحجة الشيخ محمد حسين الاصفهاني: إنّ القضايا المشهورة على أقسام:

منها ما فيه مصلحة عامة: كالعدل حسن، والجور قبيح، وعبّر عنها بالتأديبات الصلاحية.

منها: ما ينبعث عن الأخلاق الفاضلة كالحكم بقبح كشف العورة لانبعاثه عن الحياء وهو خلق فاضل.

منها: ما ينبعث عن رقة أو حمية أو أنفة أو غير ذلك واستلزام الحسن والقبح عقلاً للحكم الشرعي بالمعنى المتقدم في ما كان منشأه المصالح العمومية واضح لأنّ الشارع يرعى المصالح العمومية وكذا ما ينبعث عن الأخلاق الفاضلة لأنّ المفروض أنّها ملكات فاضلة، والمفروض انبعاث الحكم بالحسن والقبح عنها وأمّا ما ينبعث عن انفعالات طبيعية من رقة أو حمية أو أنفة أو غير ذلك فلا موجب لاشتراك الشارع مع العقلاء.

ولذا ترى الشارع ربّما يحكم لحكمة ومصلحة خاصة بما لا يلائم الرقة البشرية كالحكم بجلد الزاني والزانية غير ذات البعل مع كمال التراضي (1).

وللشيخ الرئيس في اشارته كلام يوقفنا على أقسام الادراكات العقلية فراجع الاشارات وشرحها للحكيم الطوسي (2).

فإذا توفرت في الحكم العقلي هذه الشرائط وكان حكمه منبعثاً عن الجانب العقلي المحض، غير متأثر عن الجوانب اللاشعورية، والغرائز الحيوانية والعواطف الانسانية، وتجنب عن الأساليب الممنوعة وحكم من صميم التدبّر والتفكّر بحكم بات، يصير حجة بين اللّه وعبده، وحينئد يجب السير والسلوك على مقتضى حكمه وتنفيذ ما يقضي به تأسيساً أو تحديداً لاطلاق حكم شرعي أو تخصيصاً لعمومه ويصير عند ذاك أحد


1- نهاية الدراية ج2 ص 130.
2- الاشارات ج1 ص 220 ط طهران.


(267)

الأدلة التي يستنبط منها، الحكم الشرعي ويدور عليها رحى الاستنباط، ويعد قريناً للكتاب والسنّة، والاجماع ولا ينفك عن قرنائه وأعداله.

والباحث النابه، يجد الملازمة بين العقل والشرع، أحد القواعد المسلمة عند المحققين، من علماء الإسلام، الذين يعتنى بقولهم، فقد صرحوا بأنّ كل ما حكم به العقل، حكم به الشرع، وكل ما حكم به الشرع حكم به العقل.

إنّ للعقل دوراً كبيراً في استنباط كثير من الأحكام التي يصلح للعقل القضاء فيها ويقدر على ادراك ملاك الحكم ومناطه نظير الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، ووجوب الشيء وحرمة ضده أو عدمهما، وجواز اجتماع الأمر والنهي وعدمه وصحة العبادة والمعاملة وفسادهما، واجزاء الأوامر الاضطرارية والظاهرية والأحكام المتفرعة على تنجيز العلم الاجمالي وما يستقل به العقل عند اليأس عن الأدلّة السمعية فيحكم بالبراءة أو الاشتغال أو التخيير، حسب ما اقتضاه المقام. بل له دور واسع في باب المعاملات وغيرها.

فهذه الملازمات وغيرها، من الأحكام العقلية، مصادر لاستنباط كثير من الأحكام واستكشاف ما هو المرضي لدى الشارع، يستريح إليه الفقيه في تأسيس الحكم الشرعي أو تحديده، وفي تشخيص الوظيفة العملية عند اليأس عن العثور على الأدلّة السمعية وبذلك يسد الفراغ المتوهم في التشريع الإسلامي.

كل ذلك يرشدنا إلى أنّ التشريع الإسلامي، يتبنى الواقع ولا يحيد عن متطلبات الحياة، وأنّه ليس لتعاليمه طابع الرمز والتعبد السماوي وأنّ للإسلام علاقة واقعية بالعقل، لا تجد مثلها في الشرائع الاُخرى، بل لا يسوغ لغيره أن يدخل العقل في مصادر تشريعه، ويعده أحد الأدلّة.

الثاني: إنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد:

إنّ الأحكام الشرعية عند العدلية من المسلمين، الذين يمثلون الطبقة العليا


(268)

منهم، تابعة لمصالح ومفاسد في متعلقاتها، فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه، وقد تحقق عندهم إنّ للتشريع الإسلامي نظاماً لا تعتريه الفوضى وهذا الأصل، وإن خالف فيه بعض الاُمّة، غير أنّ نظرهم محجوج بكتاب اللّه وسنّة نبيه ونصوص خلفائه ـ عليهم السَّلام ـ ترى أنّه سبحانه يعلّل حرمة الخمر والميسر بقوله:

(إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَ البَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَ المَيْسِر وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ عَنِ الصَّلوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة ـ 91).

ويستدل على وجوب الصلاة بقوله سبحانه: (وَ أَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَ المُنْكَرِ)(العنكبوت ـ 45) إلى غير ذلك من الفرائض والمناهي التي صرح أو اُشير إلى ملاكات تشريعهما في الذكر الحكيم.

وقد قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا ـ عليها السَّلام ـ : «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد» (1).

وقال ـ عليها السَّلام ـ في الدم: «إنّه يسيء الخلق ويورث القسوة للقلب، وقلة الرأفة والرحمة ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده» (2).

وهذا باقر الاُمّة وإمامها يقول: «إنّ مدمن الخمر كعابد وثن ، ويورثه الارتعاش، ويهدم مروته ويحمله على التجسّر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا» (3).

وغيرها من النصوص المتضافرة عن أئمّة الدين (4).

فإذا كانت الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في الموضوع، فالغاية المتوخّاة من تشريعها، إنّما هو الوصول إليها، أو التحرّز عنها، وبما أنّ المصالح والمفاسد ليست على


1- مستدرك الوسائل ج3 ص 71.
2- بحار الأنوار ج62: ص165، الحديث3.
3- المصدر نفسه ص 164، الحديث2.
4- راجع علل الشرائع للشيخ الصدوق فقد أورد فيه ما أثر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والأئمة ـ عليهم السَّلام ـ في بيان علل التشريع وفلسفته.


(269)

وزان واحد، بل ربّ واجب يسوغ في طريق احرازه، اقتراف بعض المحارم، لاشتماله على مصلحة كبيرة لا يجوز تركها أصلاً، وربّ حرام ذي مفسدة كبيرة، لا يجوز اقترافه، وإن استلزم ترك الواجب أو الواجبات.

ولأجل ذلك قد عقد الفقهاء باباً خاصاً، لتزاحم الأحكام وتصادمها في بعض الموارد، فيقدمون «الأهم على المهم» والأكثر مصلحة على الأقل منها، والأعظم مفسدة على الأحقر منها، وهكذا ... ويتوصّلون في تمييز الأهم عن المهم، بالطرق والامارات التي تورث الاطمئنان، وباب التزاحم في علم الاُصول غير التعارض فيه،ولكلّ أحكام.

وقد أعان فتح هذا الباب على حل كثير من المشاكل الاجتماعية التي ربما يتوهم الجاهل أنّها تعرقل خطى المسلمين في معترك الحياة، وأنّها من المعضلات التي لا تنحل أبداً، ولنأت على ذلك بمثال، وهو:

أنّه قد أصبح تشريح بدن الانسان في المختبرات من الضروريات الحيوية التي يتوقف عليه نظام الطب الحديث، فلا يتسنّى تعلم الطب إلاّ بالتشريح والإطلاع على خفايا الأمراض والأدوية.

غير أنّ هذه المصلحة تصادمها، مصلحة احترام المؤمن حيّه وميّته، إلى حد أوجب الشارع، الاسراع في تغسيله وتكفينه وتجهيزه للدفن، ولا يجوز نبش قبره إذا دفن، ولا يجوز التمثيل به وتقطيع أعضائه، بل هو من المحرمات الكبيرة التي لم يجوز الشارع حتى بالنسبة إلى الكلب العقور، غير أنّ عناية الشارع بالصحة العامة وتقدم العلوم جعلته يسوغ اقتراف هذا العمل لتلك الغاية، مقدماً بدن الكافر على المسلم، والمسلم غير المعروف على المعروف منه، وهكذا ...

الثالث: التشريع الإسلامي ذو مادة حيوية

إنّ التشريع الإسلامي في مختلف الأبواب، مشتمل على اُصول وقواعد عامة، تفي باستنباط آلاف من الفروع التي يحتاج إليها المجتمع البشري، على امتداد القرون


(270)

والأجيال، وهذه الثروة العلمية، التي اختصت بها الاُمّة الإسلامية من بين سائر الاُمم، أغنت الشريعة الإسلامية عن التمسّك بكل تشريع سواها.

وقد تضافرت الروايات على أنّ جميع ما يحتاج الناس إليه قد جاءت فيه آية محكمة أو سنّة متّبعة.

أخرج الكليني باسناده عن عمر بن قيس عن أبي جعفر ـ عليها السَّلام ـ قال سمعته يقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله وجعل لكل شيء حداً، وجعل عليه دليلاً يدل عليه، وجعل على من تعدى ذلك الحد حداً.

روي باسناده عن أبي عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ قال سمعته يقول: ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة.

اُخرج عن سماعة عن أبي الحسن موسى ـ عليها السَّلام ـ قال: قلت له: أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه، أو تقولون فيه؟ قال: بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه (1).

وهذا العلاّمة الحلي، أحد فقهاء الإمامة في القرن الثامن، قد ألّف عشرات الكتب في الفقه واُصوله، منها «تحرير الأحكام الشرعية» وقد حوى من الأحكام والقوانين ما يربو على أربعين ألف مسألة، استنبطها من هذه الاُصول الواردة في القرآن والسنّة النبوية، والأحاديث المأثورة عن أئمّة الدين، رتبها على ترتيب كتب الفقه في أربع قواعد: العبادات، والمعاملات، والايقاعات، والأحكام (2).

وجاء من بعده من الفقهاء والمجتهدين، فبحثوا عن موضوعات وأحكام، لم تكن لعصره بها صلة، فاستخرجوا ما لها من الحكم الشرعي، من تلكم الاُصول والقواعد بوضوح وانطلاق، ولم يجدوا التشريع الإسلامي عاجزاً في هذه المجالات.


1- راجع الكافي «باب الرد إلى الكتاب والسنّة» ج1 ص 59 ـ 62 ، تجد فيه أحاديث تصرح بما ذكر، والمراد منها اُصول الأحكام وجذورها لا فروعها وجزئياتها.
2- راجع الذريعة ج4 ص 378.


(271)

وهذا «صاحب الجواهر» ذلك الفقيه الأعظم، من فقهاء القرن الثالث عشر الإسلامي، قد جاء في مشروعه الوحيد «جواهر الكلام» بأضعاف ما جاء به العلامة الحلي، فإنّ الباحث عندما يقف أمام هذا الكتاب الثمين وينظر في مباحثه، يرى أمامه بحراً يزخر بالدرر التي تحار في حصرها النهى والخواطر وتنبهر لها عيون البصائر، فلقد حوى من الفروع والقوانين، ما يعسر عدها.

ولأجل ذلك استعارت منا الاُمم الغربية كثيراً من قوانينه، (بعكس ما نحن عليه الآن من تبعيّتنا للقوانين الأجنبية) وليس ذلك إلاّ لأجل كون الفقه الإسلامي ذا مادة حيوية، وقواعد متموّجة، تستطيع أن تواجه الأحداث الطارئة طيلة القرون.

يوم كان الإسلام يبسط ظله على أكثر من نصف المعمورة، حيناً من الدهر وإنّ الاُمّة الإسلامية، كانت تتألّف من شعوب مسلمة مختلفة الألوان، لكلّ بيئة خواصها في العادات والتقاليد، وما يقع فيها من وقائع وأحداث، كان التشريع الإسلامي بقواعده واُصوله الوافرة، وافياً لاستخراج أحكامها، من دون أن تمدّ يدها إلى المساعدات الأجنبية.

الرابع: تشريع الاجتهاد

وهو بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية عن مصادرها المعينة، وهو رمز خلود الدين وبقاء قوانينه، لأنّه يحفظ غضاضة الدين وطراوته، ويجدده ويصونه عن الإندراس، ويغني المسلمين عن موائد الأجانب، باعطائه كل موضوع ما يقتضيه من حكم.

«أما لزوم فتح هذا الباب في أعصارنا هذه فلا يحتاج إلى البرهنة والدليل إذ نحن في زمن تتوال فيه المخترعات والصناعات، وتجعلنا هذه المجالات أمام أحد اُمور:

أمّا بذل الوسع في استنباط أحكام الموضوعات الحديثة، من الاُصول والقواعد الإسلامية.

أو اتباع المبادئ الاوربية، من غير نظر إلى مقاصد الشريعة، وأمّا الوقوف من غير


(272)

اعطاء حكم»(1).

«وليس الاجتهاد من البدع المحدثة، فإنّه كان مفتوحاً في زمن النبوّة وبين أصحابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فضلاً عن غيرهم، وفضلاً عن سائر الأزمنة التي بعده، نعم غايته إنّ الاجتهاد يومئذ، كان خفيف المؤونة جداً، لقرب العهد، وتوفّر القرائن، وامكان السؤال المفيد للعلم القاطع، ثم كلّما بعد العهد من زمن الرسالة وكثرت الآراء والأحاديث والروايات، ربّما قد دخل فيها الدس والوضع، وتوفرت دواعي الكذب على النبي، أخذ الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي، يصعب ويحتاج إلى مزيد من المؤونة واستفراغ الوسع»(2).

ويرشدك إلى وجوده في زمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قول الرسول لأمير المؤمنين ـ عليها السَّلام ـ عندما بعثه إلى اليمن: قال علي ـ عليها السَّلام ـ : بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قلت يا رسول اللّه تبعثني وأنا شاب، أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب بيده في صدري وقال: «اللّهمّ أهد قلبه وثبّت لسانه» فو الذي نفسي بيده ما شككت في قضاء بين اثنين(3).

وقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لمعاذ بن جبل حين وجهه إلى اليمن: بم تقضي؟ قال: بما في كتاب اللّه، قال فإن لم تجد؟ قال: بما في سنّة رسول اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي، ولا آلو جهداً، فسر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسوله بما يرضي رسوله (4).


1- رسالة الإسلام، السنة الثالثة، العدد الثاني، عن مقال «أحمد أمين المصري».
2- أصل الشيعة واُصولها، ص 119 طبعة بيروت.
3- أعلام الورى ص 137،والبحار ج 21 ص 361، وشتان بين علمه واجتهاده ـ عليها السَّلام ـ وعلم الآخرين واجتهادهم.
4- الطبقات الكبرى ج2 ص 347 والاستيعاب، لابن عبد البر ، في ترجمة «معاذ» واللفظ للثاني.
أقول: لو صح الحديث يكون المراد منه باعتبار وروده في أمر القضاء، هو فصل الخصومة في الأموال والنفوس، بما يعدها العقلاء عدلاً وأنصافاً وهذا المراد من قوله: اجتهد رأيي. وعندئذ لا يكون الحديث دليلاً على صحة مطلق الرأي حتى المستند إلى القياس والاستحسان واشباههما التي لا قيمة لها عندنا في عالم الاستنباط.


(273)

«وبطبيعة الحال، أنّ الصحابي قد يسمع من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في واقعة، حكماً ويسمع الآخر في مثلها خلافه، وتكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين وغفل أحدهما عن الخصوصية أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً، ولا تنافي واقعاً، ولهذه الأسباب وأضعاف أمثالها، احتاج حتى نفس الصحابة الذين فازوا بشرف الحضور، في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد، والنظر في الحديث وضم بعضه إلى بعض والالتفات إلى القرائن الحالية، فقد يكون للكلام ظاهر، ومراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام، والحديث نقل، والقرينة لم تنقل».

«وكل واحدمن الصحابة، ممن كان من أهل الرأي والرواية، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث، للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال راو ومحدّث وتارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية أو الروايات، بحسب نظره فهو في هذا الحال، مفت وصاحب رأي» (1).

ولم يزل هذا الباب مفتوحاً عند الشيعة، من زمن صاحب الرسالة إلى يومنا هذا، وقد تخرج منهم الآلاف من المجتهدين والفقهاء، قد أحيوا الشريعة وأنقذوها من الانطماس، وأغنوا بذلك الاُمّة الإسلامية في كل مصر وعصر، عن التطلع إلى موائد الغربيين، وألّفوا مختصرات ومتطوّلات، لا يحصيها إلاّ اللّه سبحانه.

وقد اقتدى الشيعة في فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الاُمّة بأئمّة دينهم وخلفاء رسولهم، الذين حثوا شيعتهم بأقوالهم وأفعالهم، على التفقّه في الدين والاجتهاد فيه، وأنّه «من لم يتفقّه ، فهو اعرابي» وأرشدوهم إلى كيفية استخراج الفروع المتشابكة، من الآيات والاُصول المتلقاة عنهم، بالتدبر في الآيات والاُصول المتلقاة عنهم، وأمروا أصحابهم بالتفريع (2) وقد بلغت عنايتهم بذلك ما جعلهم ينصبون بعض من يعبأ بقوله ورأيه في منصب الافتاء، إلى غير ذلك.


1- أصل الشيعة ص 118.
2- ستوافيك روائع نصوصهم في هذا المضمار.


(274)

والاجتهاد كما عرّفناك هو بذل الجهد في استنباط الأحكام عن أدلّتها الشرعية فلا يحتج به إلاّ إذا بنيت أحكامه على أساس الكتاب والسنّة، وما يرجع إليها فهو مقيد من هذه الجهة وإن كان متحرراً من سوى ذلك، فلا يتقيد بمذهب ولا برأي، بل هو فوق المذاهب.

غير أنّ أئمّة أهل السنّة، قد أقفلوا باب الاجتهاد، إلاّ الاجتهاد في مذهب خاص، كمذهب أبي حنيفة والشافعي، وبما أنّ الفتاوى المنقولة عنهم، مختلفة أخذ علماء كل مذهب يبذلون جهدهم لتشخيص ما هو رأي كل إمام في هذا الباب.

ولا أدري لماذا اقفل هذا الباب المفتوح من زمن الرسول، وإن تفلسف في بيان وجهه، بعض الكتّاب من متأخّريهم، وقال: ولم يكن مجرد اغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء واصدار قرار منهم، وإنّما كان حالة نفسية واجتماعية ذلك أنّهم رأوا غزو التتار لبغداد وعسفهم بالمسلمين، فخافوا على الإسلام ورأوا أنّ أقصى ما يصبون إليه، هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمّة مما وضعوه واستنبطوه(1).

ولا يكاد يخفى على القارئ الكريم ما في اعتذاره من الاشكال.

ولقد صدع بالحق الدكتور «حامد حفني داود» اُستاذ الأدب العربي بكلية الألسن في القاهرة في ما قدمه على كتاب عقائد الإمامية (2) وقال:

إنّ الصورة المتوارثة عن جهابذة أهل السنّة أنّ الأجتهاد اُقفل بابه بأئمّة الفقه الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل.

هذا إذا عنينا الاجتهاد المطلق أمّا ما حاوله الفقهاء بعد هؤلاء من اجتهاد لا يعدو أن يكون اجتهاداً في المذهب أو اجتهاداً جزئياً في الفروع، وأنّ هذا ونحوه لا يكاد يتجاوز عند أهل السنّة القرن الرابع بحال من الأحوال، أمّا ما جاء عن الغزالي في القرن الخامس، وأبي طاهر السلفي في القرن السادس، وعز الدين بن عبد اللّه السلام وابن


1- رسالة الإسلام: العدد الثالث، من السنة الثالثة عن مقال لأحمد أمين المصري.
2- للعلاّمة المغفور له الشيخ محمد رضا المظفر راجع ص 17ـ 18 من المقدمة.


(275)

دقيق العيد في القرن السابع، وتقي الدين السبكي، وابن تيمية في القرن الثامن والعلاّمة جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي في القرن التاسع... فإنّ هذا ونحوه لا يتجاوز ـ في نظر المنهج العلمي الحديث ـ باب الفتوى ولا يدخل في شيء من الاجتهاد، وهو القدر الذي أوضحناه في كتابنا «تاريخ التشريع الإسلامي في مصر».

أمّا علماء الشيعة الإمامية فإنّهم يبيحون لأنفسهم الاجتهاد في جميع صوره التي حدّثناك عنها، ويصرّون عليه كل الاصرار ولا يقفلون بابه دون علمائهم في أي قرن من القرون حتى يومنا هذا.

وأكثر من ذلك تراهم يفترضون بل يشترطون وجود «المجتهد المعاصر» بين ظهرانيهم، ويوجبون على الشيعة اتباعه رأساً دون من مات من المجتهدين مادام هذا المجتهد المعاصر استمد مقوّمات اجتهاده ـ اُصولها وفروعها ـ من المجتهدين، وورثها عن الأئمّة كابراً عن كابر.

وليس هذا غاية ما يلفت نظري أو يستهوي فؤادي في قولهم بالاجتهاد.

وإنّما الجميل والجديد في هذه المسألة أنّ الاجتهاد على هذا النحو الذي تقرأه عنهم يساير سنن الحياة وتطوّرها، ويجعل النصوص الشرعية حية متحركة نامية متطورة، تتمشى مع نواميس الزمان والمكان، فلا تجمد ذلك الجمود الذي يباعد بين الدين والدنيا، أو بين العقيدة والحياة الذي نشاهده في أكثر المذاهب التي تخالفهم. ولعل ما نلاحظه من كثرة عارمة في مؤلفات الإمامية وتضخّم مطّرد في مكتبة التشيّع راجع ـ في نظرنا ـ إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه».

هذا هو الاجتهاد، وهذا دوره في خلود الدين وصلوحه للظروف والبيئات ولم يكن اغلاقه إلاّ جهلاً بأهميته أو ابتغاء للفتنة، أو تزلفاً إلى أبناء الدنيا، أو جبناً عن النطق بالصواب، وعلى أي تقدير فقد تنبّه بعض الجدد (1) من أهل النظر بلزوم فتحه وإنمائه، وأنّ الاجتهاد أحد مصادر الشريعة التي تسع كل تطور تشريعي، قال في مقال


1- الاُستاذ علي علي منصور المصري مستشار مجلس الدولة لمحكمة القضاء الاداري.


(276)

له حول الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية بمصر وإثبات ما عليه القواعد الشرعية من سموّ وشمول ودقة وأحكام مع اتسامها دائماً بالجدة، وملائمة أحكامها لكل حضارة ولكل بيئة ولكل زمان: «النصوص الشرعية للأحكام التي وردت في الكتاب والسنّة قليلة إذا ما قيست بمواد القانون في أي شريعة وضعية، إذ الآيات القرآنية التي تضمّنت اُصول الأحكام على ما أحصاها ابن قيم الجوزية لا تعدو مائة وعشرين آية من نيف وستة آلاف آية، أمّا الأحاديث فخمسمائة من أربعة آلاف حديث، ولقد أراد اللّه بذلك أن يهيأ للناس فرصة الاجتهاد في الفروع دون الاُصول، فجعل النصوص الأصلية لقواعد الشريعة عامة، دون التعمّق في التفاصيل ليتسع لها عقل من نزل فيهم القرآن وليترك للقوى الانسانية التي أودعها مخلوقاته، فرصة العمل والتفكير والتدبير واستنباط الأحكام فيما لا نص فيه من كتاب أو سنّة، لما يجد ويعرض لهم في حياتهم من مشاكل وأقضية تختلف باختلاف الزمان والمكان، وهذا هو الاجتهاد وهو أحد مصادر الشريعة المحمدية.

ومشروعية هذا المصدر ثابتة من حديث معاذ بن جبل إذ أنّه لمّا بعثه الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى اليمن قال له: بم تقض يا معاذ؟ قال: بكتاب اللّه، قال الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فإن لم تجد؟ قال: فبسنّة رسول اللّه، قال: وإن لم تجد؟ قال: اجتهد برأيي، فأقره على ذلك» (1) وما كان يمكن أن ينزل الكتاب والسنّة على غير هذا الاجمال والتعميم، لأنّ هذه الشريعة إنّما نزلت لكل زمان وكل مكان : (وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً) .

ولو أنّ صاحب الشريعة عني بالتفاصيل والجزئيات لوجب أن يقدر ما سيكون عليه العالم من نظم مختلفة واختراعات مستحدثة في جميع الأمكنة والأزمنة فيضع لها ولما تفرّع عنها، من التفاصيل، ولو أنّه فعل ذلك لما اتسع وقت الرسالة لهذا كلّه، بل لأعرض الناس عن هذه الدعوة لتعقدها، ولأنّها تضمّنت أحكاماً عن جزئيات ومخترعات لا تقع تحت حسهم، ويصعب عليهم تصورها، لأنّها لم تعرف في زمانهم، ولنضرب لذلك مثلاً


1- قد مر المراد من الحديث فلاحظ.


(277)

فقد نزلت في القرآن آية تضمّنت الحكم العام لآداب التلاوة وجرت على نسق مختصر: (وإذا قرء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلّكم ترحمون) وحدث بعد نزولها بنيف وألف وثلثمائة عام أن اخترع المذياع (الراديو والتلفزيون) ، ولما بدأ باذاعة آيات الذكر الحكيم به، بدأ التسائل عن حكم الشرع والدين في ذلك أحلال هو أم حرام؟ وهل تصح اذاعته في منتدى ترتكب فيه الآثام والموبقات وتدار كؤوس الخمر؟

لا بدع في أنّ حكم هذه الجزئية لم يرد بنص صريح في الكتاب، وانّ ذلك ترك للاجتهاد على هدى الحكم العام الوارد بالآية الشريفة، لا بدع في ذلك، إذ لو اُريد للشريعة أن تتضمّن الأحكام المفصلة لجميع الفروع والجزئيات لوجب أوّلاً افهام الذين نزل عليهم الدين وقت الرسالة ما هو الراديو وما هو التلفزيون، ولو حاول الرسول ذلك وقال لهم: إنّ مخترعات البشر باذن اللّه ستجيء للعالم بعد ألف وثلثمائة عام بآلة يستطيع بها الانسان أن يسمع ويرى صورة المحدث وهو على بعد آلاف الفراسخ والأميال، لما صدّقوه لعدم امكانهم تصوره ولجادلوه فأكثروا جداله في كنه تلك الآلة، ولما لزمتهم حجته في أنّ الذي يقوله ليس من عنده وإنّما هو من عند اللّه لأنّ الحجة لا تلزمها صفة الاقناع إلاّ متى دخلت مناط العقل، أمّا إذا كانت فوق إدراك المرسل إليهم فهي داحضة...

والاجتهاد هو الباب الذي دخلت منه إلى حضيرة الشريعة الإسلامية كل الحضارات بما فيها من مشاكل قانونية ومالية واجتماعية فوسعها جميعاً وبسط عليها من محكم آياته وسديد قواعده ما أصاب المحجة، فكان للشريعة الإسلامية في ذلك تراث ضخم تسامي على كل الشرائع وأحاط بكل صغيرة وكبيرة من اُمور الدين والدنيا...

أفبعد ذلك يصح في الأفهام أن تتهم الشريعة الإسلامية بالقصور، أو بأنّها نزلت لعرب الجزيرة لتعالج اُمورهم في حقبة من الزمان انقضى عهدها، أو أنّها تضيق عن أن تجد الحلول لمشاكل الحضارات الحديثة، إرجعوا إليها وإلى تراثها الضخم تجدوا أنّها عالجت الجليل والخطير والصغير والكبير من اُمور الدين والدنيا فيها ذكر ما مضى،


(278)

وفيها ذكر الحاضر، وفيها ذكر المستقبل وسيظل العلم الحديث يكشف عمّـا فيها من كنوز وستترى المشاكل على العالم جيل بعد جيل، ويضطرب العالم في محاولة الحلول لها دون جدوى إلاّ إذا رجع إلى أحكام هذا الدين وهذه الشريعة المحكمة السمحة، حيث الدواء الشافي والعلاج الحاسم لكل ما يجيب العالم في حاضره وفي مستقبله (1).

وممّـا يؤيد لزوم انفتاح باب الاجتهاد إلى يوم القيامة هو ما ذكره المقريزي في خططه حيث قال ما هذا ملخّصه:

انّه لم يكن كل واحد من أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ متمكناً من دوام الحضور عنده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأخذ الأحكام عنه، بل كان في مدة حياته يحضره بعضهم دون بعض وفي وقت دون وقت، وكان يسمع جواب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن كل مسألة يسأل عنها بعض الأصحاب ويفوت عن الآخرين فلمّا تفرق الأصحاب بعد وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في البلدان تفرقت الأحكام المروية عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيها، فيروى في كل بلدة منها جملة، ويروى عنه في غير تلك البلدة جملة اُخرى حيث أنّه قد حضر المدني من الأحكام ما لم يحضره المصري، وحضر المصري ما لم يحضره الشامي، وحضر الشامي ما لم يحضره البصري، وحضر البصري ما لم يحضره الكوفي إلى غير ذلك، وكان كل منهم يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام.

ولعدم تساوي هؤلاء المجتهدين في العلوم والإدراكات وسائر القوى والملكات تختلف طبعاً الآراء والاجتهادات، فمجرد تفاوت أشخاص الصحابة تسبب اختلاف فتواهم ثم تزايد ذلك الاختلاف بعد عصر الصحابة.

ثم قال: ثم بعد الصحابة تبع التابعون فتاوى الصحابة فكانوا لا يتعدون عنها غالباً، ولما مضى عصر الصحابة والتابعين صار الأمر إلى فقهاء الأمصار أبي حنيفة والسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جريح بمكة، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، وعثمان التيمي (الظاهر عثمان بن مسلم البطي) وسوار بالبصرة، والأوزاعي بالشام والليث بن سعد بمصر فكان هؤلاء الفقهاء يأخذون من التابعين وتابعيهم أو يجتهدون.


1- مجلة رسالة الإسلام لجماعة دار التقريب العدد الأوّل من السنة الخامسة.


(279)

وذكر المقريزي في الجزء الرابع من الخطط ما هذا ملخّصه:

انّه تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة 170 إلى أن صار قاضي القضاة فكان لا يولّي القضاء إلاّ من أراده، ولمّا كان هو من أخص تلاميذ أبي حنيفة فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان والشام والعراق وغيرها إلاّ من كان مقلّداً لأبي حنيفة، فهو الذي تسبب في نشر مذهب الحنفية في البلاد.

وفي آوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق نشر مذهب مالك في افريقية المغرب، بسبب زياد بن عبد الرحمان، فإنّه أوّل من حمل مذهب مالك إليها، وأوّل من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة 160 هو عبد الرحمان بن القاسم.

قال: ونشر مذهب محمد بن ادريس الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة 198 وكان المذهب في مصر لمالك والشافعي إلى أن أتى القائد «جوهر» بجيوش مولاه «المعز لدين اللّه أبي تميم معد» الخليفة الفاطمي، إلى مصر سنة 358 فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه (أي سوى مذهب الشيعة).

ثمّ إنّ المقريزي بين بدء انحصار المذاهب في أربعة فقال:

فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعودي من تمذهب بغيرها، وانكر عليه ولم يول قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم (1).

وهذه الكلمة الأخيرة «وتحريم ما عداها» تكشف عن أعظم المصائب على الإسلام حيث أنّه قد مضى الإسلام ما يقرب من سبعة قرون ومات فيها على دين الإسلام ما لا يحصى عددهم إلاّ ربّهم ولم يسمع أحد من أهل القرنين الأوّلين اسم المذاهب أبداً ثم فيما بعد القرنين كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الفرعية في غاية من


1- راجع الخطط المقريزية ج2 ص 333و334و 344.


(280)

السعة والحرية، كان يقلد عاميهم من اعتمد عليه من المجتهدين وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام عن الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالسنّة النبوية، فأي شيء أوجب في هذا التاريخ على عامة المسلمين: «العامي المقلد والفقيه المجتهد» أن لا يخرج أحد في الأحكام الشرعية عن حد تقليد الأئمّة الأربعة، وبأي دليل شرعي صار اتباع أحد المذاهب الأربعة واجباً مخيراً، والرجوع إلى ماورائها حراماً معيّناً مع علمنا بأحوال جميع المذاهب من بدئها وكيفية نشرها وتأثير العوامل في تقدم بعضها على غيرها، بالقهر والغلبة من الدولة والحكومة كما أفصح عن بعض ذلك ما ذكره ابن الفوطي في الحوادث الجامعة، ص 216 في وقائع سنة 645 يعني قبل انقراض بني العباس باحدى عشرة سنة في أيام المستعصم الذي قتله هولاكو، سنة 656 فلاحظ ذلك الكتاب (1).

وفي الختام نلفت نظر القارئ الكريم لمعرفة قضية الاجتهاد وتطورة وعلل إيصاد بابه لدى بعض المسلمين إلى المصادر التالية:

1ـ المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار: تأليف الشيخ تقي أبو العباس المعروف بالمقريزي المولود في بعلبك عام 766 والمتوفّـى بالقاهرة عام 845.

2ـ تاريخ اليعقوبي المعروف بابن واضح وقد طبع عام 1358.

3ـ الحوادث الجامعة في المائة السابعة لكمال الدين عبد الرزاق بن المروزي الفوطي البغدادي المتوفّـي سنة 723.

4ـ الانصاف في بيان سبب الاختلاف.

5ـ عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد: ألّفهما ولي اللّه الدهلوي المولود سنة 1114 والمتوفّـى 1180.

6ـ الاقليد لأدلّة الاجتهاد والتقليد.


1- راجع تاريخ حصر الاجتهاد لشيخنا العلامة الطهراني ص 104.


(281)

7ـ الطريقة المثلى في الاشارة إلى ترك التقليد: ألّفهما صديق حسن خان القنوجي البخاري المتوفّـى سنة 1307، وطبعا بالاستانة عام 1295.

8ـ حصول المأمول من علم الاُصول: له أيضاً طبع في الجوائب سنة 1296.

9ـ مقالة صاحب السعادة أحمد تيمور باشا ابن إسماعيل بن محمد المولود في القاهرة سنة 1288 وهي تحت عنوان نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة، طبعت مستقلة في القاهرة سنة 1344.

10ـ ما كتبه محمد فريد وجدي في دائرة معارفه في مادتي «جهد وذهب» وما كتبه يعد أبسط ما كتب في الموضوع.

11ـ أعلام الموقعين عن ربّ العالمين: للحافظ ابن القيم.

12ـ تاريخ حصر الاجتهاد: لشيخنا العلاّمة الطهراني المتوفّـى يوم الجمعة 13 ذي الحجة عام 1389.

إلى غير ذلك من المؤلفات، وقد أشار إلى غير ما ذكرنا صديق حسن خان في كتابه حصول المأمول في علم الاُصول ص 198.

الحقيقة بنت البحث:

كلمة موجزة ومثل سائر، يهدف إلى أوضح الحقائق وأنصعها ويفيد أنّ الوقوف على الحقيقة وإماطة الستر عن وجهها وليد النقاش العلمي ووليد المحادثة وهذا مما لا يرتاب فيه أحد ويدركه كل من له حظ من الفكر والنظر.

وفي الحقيقة إنّ التقاء أفكار ذوي الآراء كالتقاء الأسلاك الكهربائية، فكما أنّ الأشعة الكهربائية، تتفجر من اتصالها سلباً وإيجاباً، فكذلك نور الحقيقة يشع أمامنا بتبادل الفكرتين وتعارضهما بالنفي والإيجاب.

إذ طالما يتخيل للانسان أنّه صائب في فكره ونظره، فإذا عرضه للبحث والنقاش


(282)

وتوارد عليه النفي والاثبات ربّما ظهر وهنه وضعفه.

نعم يجب على الباحث عن الحقيقة أن يعرض آراءه وأفكاره للجو الهادئ المتحرر عن التعصب لفئة غابرة، أو فكرة حاضرة، الشاخص أمام كل رأي فارغ عن الدليل والبرهنة، فالاجتهاد بهذا النحو رمز كشف الحقيقة، رمز خلود الإسلام وبقائه، رمز كونه غضاً طرياً في كل عصر وجيل.

نعم ربّما يجد الناشئ الجديد في نفسه حرجاً عند وقوفه على اختلاف أصحاب الآراء والمذاهب في اُصول الإسلام وفروعه، ويتخيله حاجزاً يعرقل خطاه عن الوصول إلى الواقع، ويتمنّى رفع الخلاف الفكري في المسائل من رأس بتأسيس مؤتمرات علمية من ذوي الأفكار.

بل ربّما نسمع من بعض الشباب سؤالاً يوجهه إلى الهيئات العلمية الإسلامية ويقول كان في وسع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يجمع اُصول الإسلام وفروعه وكل ما يرجع إليه في كتاب، ويتركه بين الاُمّة حتى يسد بذلك باب التقوّل من بعده على المتقوّلين، فلماذا لم يفعل ذلك؟!

لكنّه رأي غير ناضج، إذ لو جمعها النبي في كتاب وسلمه إلى الاُمّة، لاستولى الركود الفكري والتدهور العقلي على عقلية الاُمّة، وانحسر كثير من المفاهيم والقيم الإسلامية عن ذهنيتها، وأوجب ضياع العلم وتطرق التحريف إلى اُصوله وفروعه حتى إلى الكتاب الذي كتب فيه كل صغير وكبير.

فلم تقم للإسلام دعامة، ولا حفظ كيانه ونظامه، إلاّ على ضوء هذه البحوث العلمية والنقاشات الدارجة بين العلماء، ورد صاحب فكر على ذي فكر آخر بلا محاباة.

وقـد حكى شيخنا العلاّمة المتضلّع شيخ الشريعة الاصفهاني (1) في مقدمة


1- فقيه متضلّع، اُصولي بارع، خبير باسرار الحديث والتفسير فهو ممن يضن بهم الدهر إلاّ في فترات يسيرة، كان رحمه اللّه آية في الذكاء والحفظ، أثنى عليه كل من أدركه وقرأ عليه، توفّـي عام 1339 هجرية قمرية في النجف الأشرف ودفن في الصحن الحيدري.


(283)

كتابه(1) عن بعض الأعلام كلاماً يعرب عمّـا قلناه، قال: إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الاُمّة التي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابين، المؤدية إلى تحريف ما فيها، وإندارس تينك الملتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخول إلاّ بيّنوه، ولفاعل فيه تحريف، إلاّ قوّموه، حتى اتضحت الآراء وانعدمت الأهواء ودامت الشريعة البيضاء على ملئ الآفاق بأضوائها وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة عن التحريف، ومصونة عن التصحيف.

شبهة حول الاجتهاد الدارج في عصرنا:

ربّما يختلج في اذهان بعض القصر من الناس عدم مشروعية الاجتهاد الدارج في أعصارنا هذه مستدلاً بأنّ الفقه في هذه الأعصار أخذ لنفسه صورة فنية، وجاء على طراز سائر العلوم العقلية الفكرية بعدما كان في أعصار المتقدمين من العلوم البسيطة المبنية على سماع الأحكام من النبي والأئمّة وبثّها بين الناس من دون أن يجتهد الراوي في تشخيص حكم اللّه ويرجّح دليلاً على الآخر، أو يقيده أو يخصّص واحداً بالآخر، إلى غير ذلك من الاُصول الدارجة في زماننا.

الجواب عن الشبهة:

إنّ ذلك أشبه شيء بالشبهة ويمكن الجواب عنه بوجهين:

الأوّل: أنّ الاجتهاد بالمعنى الوسيع وأعمال النظر في الروايات، والتدقيق في دلالتها، وترجيح بعضها على بعض، كان موجوداً في أعصارهم، دارجاً بين أصحابهم فإنّ الاجتهاد وإن توسع نطاقه في أعصارنا وبلغ مبلغاًعظيماً، إلاّ أنّ أصل الاجتهاد بالمعنى الجامع بين عامة مراتبه كان دارجاً في تلك الأعصار وأنّ الأئمّة أرجعوا شيعتهم إلى فقهاء أعصارهم، وكانت سيرة الناس الرجوع إليهم من دون تزلزل وتردد، أمّا ما يدل


1- ابانة المختار، مخطوط نحتفظ بنسخة منه.


(284)

على وجود الاجتهاد بهذا المعنى في أعصارهم فعدة روايات هي:

1ـ ما رواه ابن ادريس في «مستطرقات السرائر» نقلاً عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ قال: إنّما علينا أن نلقي إليكم الاُصول وعليكم أن تفرّعوا (1).

2ـ ما روى عن كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا ـ عليها السَّلام ـ : «قال علينا القاء الاُصول وعليكم التفريع» (2) فإنّ التفريع الذي هو استخراج الفروع عن الاُصول الكلية الملقاة، وتطبيقها على مواردها وصغرياتها، إنّما هو شأن المجتهد وما هو إلاّ الاجتهاد، نعم التفريع والاجتهاد يتفاوت صعوبة كما يتفاوت نطاقه حسب مرور الزمان، فإذا قال ـ عليها السَّلام ـ : لا تنقض اليقين بالشك، أو روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا ضرر ولا ضرار،كان على المخاطبين وعلى علماء الأعصار المستقبلة استفراغ الوسع في تشخيص صغرياتها وما يصلح أن يكون مصداقاً له أو لا يصلح، فهذا هو ما نسميه الاجتهاد.

3ـ ما رواه الصدوق في معاني الأخبار عن داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ يقول: أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا إنّ الحكمة لتصرف على وجوه ولو شاء انسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب (3).

فإنّ عرفان معاني الكلام ليس إلاّ تشخيص ما هو الأظهر بين المحتملات ، بالفحص عن القرائن الحافّة بالكلام وبعرض أخبارهم على الكتاب والسنّة إلى غير ذلك ممّا يتضح به المراد، ويتعيّن ما هو المفاد، وليس هذا إلاّ الاجتهاد.

4ـ ما رواه الصدوق في عيونه بإسناده عن الرضا ـ عليها السَّلام ـ قال: من رد متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم، ثم قال: إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن ومتشابهاً كمتشابه القرآن فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا (4) فإنّ رد المتشابه إلى محكمه يجعل أحدهما قرينة على الآخر، لا يتحقق


1- وسائل الشيعة ج18: ص41 ـ 42، كتاب القضاء الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51و52.
2- وسائل الشيعة ج18: ص41 ـ 42، كتاب القضاء الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51و52.
3- الوسائل ج 18 كتاب القضاء الباب التاسع من أبواب صفات القاضي الحديث 27و22.
4- الوسائل ج 18 كتاب القضاء الباب التاسع من أبواب صفات القاضي الحديث 27و22.


(285)

بدون الاجتهاد.

5ـ الروايات الواردة في تعليم أصحابهم كيفية استفادة الأحكام والفروع عن الذكر الحكيم، مثل قول الإمام الباقر ـ عليها السَّلام ـ بعد ما سأله زرارة بقوله: ألاّ تخبرني من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك وقال: يا زرارة قاله رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونزل به الكتاب عن اللّه عزّ وجلّ قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثم قال:(وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ)فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) فعرفنا حين قال: (برءوسكم) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْن) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما ثم فسّـر ذلك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فضيّعوه (1).

6ـ ما في رواية عبد الأعلى مولى آل سام بعد ما سأل الإمام عن حكم المسح على المرارة. قال: هذا واشباهه يعرف من كتاب اللّه عزّ وجلّ قال اللّه تعالى: (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(الحج ـ 78) امسح على المرارة، فقد أوضح على السائل كيفية الاستنباط، ورد الفروع على اُصولها (2) ونظير ما تقدم بل أقوى منه ما في مرسلة (3) يونس الطويلة الواردة في أحكام الحائض والمستحاضة، فإنّ فيها موارد ترشدنا إلى طريق الاجتهاد إلى غير ذلك من الروايات المرشدة إلى دلالة الكتاب وكيفية الاستدلال، وهي منبثّة في طيات أبواب الفقه فراجع:

7ـ قول الباقر ـ عليها السَّلام ـ لزرارة ومحمد بن مسلم حيث سألا أبا جعفر الباقر ـ عليها السَّلام ـ وقالا له: ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي؟ فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ


1- الوسائل ج 1 أبواب الوضوء الباب 23 الحديث 1.
2- الوسائل ج1 أبواب الوضوء الباب 39 الحديث 5.
3- وسائل الشيعة ج2 أبواب الحائض الباب 3 الحديث 4.


(286)

يقول: (وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ) (النساء ـ 101).

فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر، قالا قلنا: إنّما قال اللّه عزّ وجلّ: (فليس عليكم جناح) ولم يقل: «افعلوا» فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال ـ عليها السَّلام ـ : أوليس قد قال اللّه عزّ وجلّ: (إِنَّ الصَّفَا وَ المَرْوَةَ مِنَ شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)(البقرة ـ 158).

ألاّ ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض لأنّ اللّه عزّ وجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيه وكذلك التقصير شيء صنعه النبي وذكره اللّه في كتابه (1).

8ـ مقبولة عمر بن حنظلة ورواه المشايخ العظام في جوامعهم وتلقاها الأصحاب بالقبول، بل عليها المدار في كتاب القضاء وهي تصرح بوجود الاجتهاد بالمعنى الدارج في زماننا في عصر الصادق ـ عليها السَّلام ـ ودونك متنها: سألت أبا عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً لأنّه أخذ بحكم الطاغوت ـ إلى أن قال : ـ قلت: كيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإنّي جعلته عليكم حاكماً ومن ردّه فإنّما بحكم اللّه استخف، وعلينا قد رد والراد علينا كالراد على اللّه وهو على حد الشرك باللّه، قلت: فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما فاختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.

قال: قلت: فإنّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمع


1- الوسائل ج 5: ص538، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.


(287)

عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، إلى آخر ما أفاده وفيه إرشاد إلى كيفية استنباط الحكم عن الكتاب والسنّة، وعلاج الخبرين المتعارضين بعرضهما عليهما(1).

9ـ روى العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا ـ عليها السَّلام ـ قال: ذكر أنّ ابن أبي ليلى وابن شبرمة دخلا المسجد الحرام فأتيا محمد بن علي ـ عليها السَّلام ـ فقال لهما: بما تقضيان؟ فقالا: بكتاب اللّه والسنّة، قال: فما لم تجداه في الكتاب والسنّة؟ قالا: نجتهد رأينا، قال ـ عليها السَّلام ـ : رأيكما أنتما؟

فما تقولان في امرأة وجاريتها كانتا ترضعان صبيين في بيت وسقط عليهما فماتتا وسلم الصبيان؟ قالا: القافة، قال: القافة يتجهم منه لهما، قالا: فاخبرنا؟ قال:لا !!

قال ابن داود: مولى له جعلت فداك بلغني أنّ أمير المؤمنين علياً ـ عليها السَّلام ـ قال: ما من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللّه وألقوا سهاهم إلاّ خرج السهم الأصوب فسكت (2).

10ـ روى الصيقل عن أبي عبد اللّه ـ عليها السَّلام ـ قلت: رجل طلّق امرأته طلاقاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره فتزوّجها رجل متعة أتحل للأوّل؟ قال ـ عليها السَّلام ـ : لا، لأن اللّه تعالى يقول: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا...) (البقرةـ230) والمتعة ليس فيها طلاق (3).

11ـ روى الحسن بن الجهم قال: قال لي أبو الحسن الرضا ـ عليها السَّلام ـ : يا أبا محمد ما تقول في رجل يتزوّج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك، وما قولي بين يديك؟ قال: لتقولنّ فإنّ ذلك تعلم به قولي، قلت: لا يجوز تزويج نصرانية على مسلمة ولا على غير مسلمة، قال: ولِـمَ؟ قلت: لقول اللّه: (وَ لاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) (البقرةـ 221) قال : فما تقول هذه الآية:


1- الوسائل كتاب القضاء ج 18 الباب التاسع من أبواب صفات القاضي الحديث 1.
2- التهذيب ج 9 باب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ص 359.
3- الوافي ج3 أبواب النكاح باب تحليل المطلّقة لزوجها ص 47.


(288)

(وَ المُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَ المُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ اُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)؟ (المائدةـ5) قلت فقوله: (ولاتنكحوا المشركات) نسخت هذه الآية فتبسّم ـ عليها السَّلام ـ ثم سكت (1).

12ـ بل يظهر من كثير من الروايات وجود الاجتهاد بين أصحاب الأئمّة ونورد من تلكم الروايات حديثاً واحداً.

روى حسن بن محمد بن سماعة قال: سمعت جعفر بن سماعة وسئل عن امرأة طلقت على غير السنّة: ألي أن أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت: أليس تعلم أنّ علي بن أبي حمزة، روى: «إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً على غير السنّة فإنّهنّ ذوات الأزواج»؟ فقال: يا بني رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس، قلت: وأي شيء روى علي بن أبي حمزة؟ قال: روى عن أبي الحسن أنّه قال: الزموهم من ذلك ما ألزموا به أنفسهم، وتزوّجوهنّ فأنّه لا بأس بذلك (2).

فقد اجتهد جعفر بن سماعة حيث قدم الخبر الثاني على الأوّل باحدى ملاكات التقديم.

وقد ألّف في هذا المضمار العلاّمة الحجة السيد عبد الرسول الشيرازي رسالة ممتعة وطبع قسم منها في بعض المجلاّت نسأل اللّه أن يوفّقه لنشر الجميع.

الخامس: حقوق الحاكم الإسلامي:

من الأسباب الباعثة على بقاء الدين وكونه ذا مادة حيوية صالحة لحل المشاكل والمعضلات الطارئة، كون الحاكم الإسلامي بعد النبي ممثلاً لقيادته الحكيمة في اُمور الدين والدنيا، التي من شأنها أن توجّه المجتمع البشري إلى أرقى المستويات الحضارية الصحيحة، فقد منح مثل هذا الحاكم بنص الشريعة الإسلامية كافة الصلاحيات


1- الوافي ج3 ص 26 باب نكاح الذمية المشركة.
2- الوافي ج2 كتاب الطلاق ص 161 باب أنّ المخالف يقع طلاقه.


(289)

المؤدية إلى حق التصرف المطلق في كل ما يراه ذا مصلحة للاُمّة، لأنّه يتمتع بمثل ما يتمتع به النبي والإمام من النفوذ المطلق، إلاّ ما يعد من خصائصهما.

وإلى ذلك يشير شيخ الاُمّة الميرزا النائيني في أثره الخالد «تنبيه الاُمّة وتنزيه الملة» ويقول: «فوّض إلى الحاكم الإسلامي وضع ما يراه لازماً من المقررات لمصلحة الجماعة وسد احتياجاتها، في اطار القوانين الإسلامية» (1).

مثلاً إذا رأى الحاكم، أنّ المصلحة تقتضي فتح طريق أو شارع، فقد فوض إليه ذلك الأمر، فله أن يقرر وينفذ ما يحقق هذه الغاية، في ضوء العدل والانصاف كاجبار أصحاب الأراضي التي يمر بها الطريق على بيع أراضيهم ووضع ضريبة على صنف خاص من الشعب، أو كلّه لتأمين هذه الغاية.

وله أن يقرر ما يراه مناسباً لتنظيم السير، متوخياً في ذلك سلامة النفوس وسهولة الذهاب والاياب، كل ذلك في إطار القوانين العامة الإسلامية.

وهذه الحقوق كانت ثابتة في الدرجة الاُولى، للنبي الأعظم، لقوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)(الأحزاب ـ 6) وبعده لخلفائه المعصومين، أئمّة الدين، وفوضت من بعدهم، إلى علماء الاُمّة وفقهائهم الذين اُلقيت على كواهلهم اُمور تدبير حياة الاُمّة، وصيانة الشريعة، بالأدلّة القطعية المقررة في محلها.

إنّ الحاكم الإسلامي إذا نجح في تأسيس حكومة إسلامية في قطر من أقطار الإسلام أو في مناطقه كلّها وتوفرت فيه الشرائط والصلاحيات اللازمة وأخص بالذكر العلم الوسيع والعدل، يجب على المسلمين اطاعته، وله من الحقوق والمناصب والولاية، ما للنبي الأكرم من اعداد القوات العسكرية ودعمها بالتجنيد وتعيين الولاة وأخذ


1- تنبيه الاُمّة وتنزيه الملة ص 97 ولا ينافي ما ذكره شيخ الاُمّة المحقق النائيني مع ما حققناه في الجزء الأول من كون التقنين والتشريع مختصاً باللّه سبحانه، فإنّ ما يضعه الحاكم الإسلامي، أو مجلس الشورى إنّما هو من قبيل التخطيط، وتطبيق الكليات على مواردها لا من قبيل التشريع والتأسيس.


(290)

الضرائب وصرفها في محالها إلى غير ذلك...

وليس معنى ذلك أنّ الفقهاء والحكّام الإسلاميين مثل النبي والأئمّة في جميع الشؤون والمقامات حتى في الفضائل النفسانية والدرجات المعنوية فإنّ ذلك رأي تافه لا يركن إليه، إذ إنّ البحث إنّما هو في الوظائف المخوّلة إلى الحاكم الإسلامي والموضوعة على عاتقه لا في المقامات المعنوية والفضائل النفسانية، فإنّهم صلوات اللّه عليهم في هذا المضمار في درجة لا يدرك شأوهم ولا يشق لهم غبار حسب روائع نصوصهم وكلماتهم.

وليست السلطة مفخرة للحاكم يعلو بها على سائر المحكومين بل هي من وجهة النظر الإسلامية مسؤولية اجتماعية كبرى أمام اللّه سبحانه أوّلاً، وأمام المسلمين ثانياً، والجهة الجامعة ما بين الحاكم والإمام في إدارة دفة الحكم وسياسة العباد ليس لها أي ارتباط بالمثل الخلقية والصفات النفسانية (1).

وهذه الوجوه التي مرت عليك بالاجمال أوجبت خلود الشريعة، وبقاءها وصلاحها لإدارة المجتمع في الأعصار كلّها، مع اختلافها في الحضارة والتقدم.

الأمر الثاني مرونة أحكامه:

من الأسباب الدافعة إلى صلوح الإسلام للبقاء والخلود، مرونة أحكامه التي تمكّنه من أن يماشي جميع الأزمنة والحضارات، وقد تمثّلت هذه المرونة باُمور:

1ـ الإسلام دين جامع والاُمّة الإسلامية اُمة وسط:

إنّ من الأسباب التي أوجبت خلود الدين الإسلامي، وأعطته الصلاحية للبقاء مع اختلاف الظروف وتعاقب الأجيال، كونه ديناً جامعاً بين الدعوة إلى المادة والدعوة


1- ولاية الفقيه للاُستاذ الأكبر الإمام الخميني ـ قدّس اللّه سرّه ـ ص 63ـ 66 وقد أشبعنا الكلام حول حقوق الحاكم الإسلامي في الجزء السابق فلاحظ.


(291)

إلى الروح، ديناً وسطاً بين الماديّة البحتة والروحية المحضة، فقد آلف بتعاليمه القيمة بينهما، موالفة تفي بحق كل منهما، بحيث يتيح للانسان أن يأخذ قسطه من كل منهما بقدر ما تقتضيه المصلحة.

وذلك أنّ المسيحية غالت في التوجه إلى الناحية الروحية، حتى كادت أن تجعل كل مظهر من مظاهر الحياة المادية خطيئة كبرى، فدعت إلى الرهبانية والتعزّب وترك ملاذ الحياة والانعزال عن المجتمع، والعيش في الأديرة وقلل الجبال، وتحمل الظلم والرفق مع المعتدين، كما غالت اليهودية في الانكباب على المادة حتى نسيت كل قيمة روحية، وجعلت الحصول على المادة بأي وسيلة كانت، المقصد الأسنى، ودعت إلى القومية الغاشمة والطائفية الممقوتة.

وهذه المبادئ سواء أصحت عن الكليم والمسيح ـ عليهما السَّلام ـ أم لم تصح (ولن تصح إلاّ أن يكون لاصلاح انغمار الشعب الاسرائيلي في ملاذ الحياة يوم ذاك وانجائهم عن التوغل في الماديات وسحبهم إلى المعنويات بشدة وعنف) وإن شئت قلت: «كانت تعاليمه اصلاحاً مؤقتاً لاسراف اليهود وغلوهم في عبادة المال حتى أفسد أخلاقهم وآثروا دنياهم على دينهم والغلو يقاوم موقتاً بضده» (1). لا تتماشى مع الحضارات الانسانية التقدمية ولا تسعدها في معترك الحياة، ولا تتلائم مع حكم العقل ولا الفطرة السليمة.

لكن الإسلام جاء لينظر إلى واقع الانسان، بما هو كائن، لا غنى له عن المادة، ولا عن الحياة الروحية، فأولاهما عنايته، فدعا إلى المادة والالتذاذ بها بشكل لا يؤثر معه على الحياة الروحية ، كما دعا إلى الحياة الروحية بشكل لا يصادم فطرته وطبيعته.

وحصيلة البحث: أنّه لم يعطل الفطرة في تشريعه وتقنينه، بل جعلها مقياساً لحكمه بالوجوب والتحريم، فإذا كان الحكم مطابقاً لطبع من شرعت له الأحكام حافظاً لكيانه، لا يتعارض مع ما يحتاج إليه جسمه وروحه، كان ماضياً ونافذاً حسب بقاء الفطرة ودوامها.


1- الوحي المحمدي ص 153.


(292)

وأمّا تفصيل الآيات التي تمثل رأي الإسلام في الدعوة إلى الدين والدنيا، إلى الروح والجسم، إلى المادة والمعنى، فليرجع فيه إلى الكتب المعدة لبيان ذلك.

ونختم البحث بكلمة عن أمير المؤمنين ـ عليها السَّلام ـ حيث قال: للمؤمن ثلاث ساعات، ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يرم فيها معاشه، وساعة يخلي بينه وبين نفسه ولذاتها (1).

فقد قرن بين عبادة اللّه وطلب الرزق وترفيه النفس، بحيث جعل الجميع في مستوى واحد، فندب إلى عبادة اللّه، كما ندب إلى طلب المعاش، وتوخي اللذة بحكم واحد بلا مفاضلة.

فلو كان أداء الصلاة والصوم والقيام بالحج وظيفة دينية، فشق الطريق لطلب الرزق والمعاش، والقيام بالنزهة بين الرياض أو سباحة في البحر والعمل الرياضي البدني، وظيفة دينية للمؤمن، كما نص الإمام ـ عليها السَّلام ـ .

وهذا من الاُسس التي تنسجم مع الإسلام وتحول بينه وبين التصادم مع الحضارات المتواصلة، إلى عصرنا هذا، فإذا كان المنهج، منهجاً متوسّطاً بين المادية والروحية، مطابقاً لفطرة الانسان انقادت له مقاليد الحضارات الانسانية الصاعدة وارتفع التصادم.

2ـ النظر إلى المعاني، لا المظاهر:

إنّ الإسلام ينظر إلى المعاني والحقائق، لا المظاهر والقشور، ولذلك لا تجد في الإسلام مظهراً خاصاً من مظاهر الحياة، له من القداسة ما يمنع تغييره، ويوجب حفظه إلى الأبد بشكله الخاص، ولأجل ذلك لا يقع التصادم بين تعاليمه مع التقدم العلمي الهائل في مظاهره، وأشكاله الخارجية.

توضيحه: أنّه لا شك أنّه كان في زمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هندسة خاصة للمساكن


1- نهج البلاغة باب الحكم، رقم 390.


(293)

والبيوت، وشكل خاص في المأكل والملبس، ونمط خاص لبث العلم والتربية... غير أنّ الذي كان يهم الإسلام ـ في جميع الأزمنة ـ لم يكن تخطيط الحياة البشرية على تلك الأشكال والأنماط بل كان الحقيقة والجوهر من كل ذلك، فإنّ الذي يبتغيه الدين الإسلامي هو وجود المسكن وتوفر الملبس وإشاعة العلم والتربية، وكون الغذاء حلالاً طيباً طاهراً.

وأمّا الكيفية والشكل والصورة فلا يهم الدين ولا يحدد شيئاً في مجاله، فليكن البيت بأيّة هندسة كانت، ولتصنع الملابس بأي شكل كان، وليطبخ الناس طعامهم على النحو الذي يريدون، وليشاع العلم بأيّة وسيلة كانت فليس كل ذلك مهماً ومطروحاً للدين.

وهذا هو سر خاتمية الدين الإسلامي وهذا هو سر خلوده، وتمشّيه مع تطور الحياة، وتقدم الحضارات.

والذي يوقفك على ذلك أنّ بيع الدم وشراءه كان من المعاملات المحرّمة ومصداقاً لقوله سبحانه:

(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِل) (البقرة ـ 188).

وذلك لعدم وجود منفعة محلّلة للدم ولذلك قال الشيخ الأعظم الأنصاري في مكاسبه (ص41):

«تحرم المعاوضة على الدم بلا خلاف» بل عن النهاية وشرح القواعد لفخر الدين والتنقيح: «الاجماع عليه، وتدل عليه الأخبار».

بيد أنّ تقدم العلوم والحضارة أوجد للدم منفعة محلّلة كبيرة، فعليها تقوم «العملية الجراحية» ومداوة الجرحى عن طريق الحقن الدموية.

ولهذا عادت المعاملة بالدم ـ في هذا العصر ـ معاملة صحيحة، لا بأس بصحّتها وجوازها ... وليس هذا من قبيل منسوخية الحكم بل لتبدّل الحكم بتبدّل موضوعه كتبدل الخمر إلى الخل.


(294)

وقس على ذلك سائر الاُمور فللإسلام خاصية الاهتمام باللب والجوهر في عامة المجالات وهذا أحد العناصر التي تجعله يساير عامة الحضارات الإنسانية إلى قيام يوم الدين.

3ـ الأحكام التي لها دور التحديد:

من الأسباب الموجبة لمرونة هذا الدين وانطباقه على جميع الحضارات الانسانية تشريعه للقوانين الخاصة التي لها دور التحديد والرقابة بالنسبة إلى عامة تشريعاته وقد اصطلح عليها الفقهاء، بالأدلّة الحاكمة، لأجل حكومتها وتقدمها على كلّ حكم ثبت لموضوع بما هو هو. فهذه القوانين الحاكمة، تعطي لهذا الدين مرونة يماشي بها كل حضارة انسانية، مثلاً: قوله سبحانه:

(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (الحج ـ 78) حاكم على كل تشريع استلزم العمل به حرجاً، لا يتحمل عادة، للمكلف، فهو مرفوع، في الظروف الحرجية، ومثلاً قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا ضرر ولا ضرار» فكل حكم استتبع العمل به ضرراً شديداً، فهو مرفوع في تلك الشرائط، وقس عليهما غيرهما من القوانين الحاكمة.

نعم تشخيص الحاكم عن المحكوم، وما يرجع إلى العمل بالحاكم من الشرائط، يحتاج إلى الدقة والامعان والتفقّه والاجتهاد، ومن رأينا أنّ الموضوع يحتاج إلى التبسط أكثر من هذا، فالى مجال آخر أيها القارئ الكريم.

خاتمة المطاف:

إنّ بعض الكتّاب من الجدد طرح سؤالاً في المقام وجاء بجواب مبهم أوجد قلقاً واستياء في الأوساط العلمية ونحن ننقله بتعريب منّا:

السؤال: إنّكم تذهبون إلى ضرورة التكامل حتى في وجود الشخص النبي وأثبتم أنّ كل موجود يحتاج إلى السير التكاملي، إذن لماذا كان النبي محمد يقول: أنا خاتم النبيين؟


(295)

الجواب: لقد أجاب على قسم من هذا الفيلسوف الإسلامي الكبير «محمد اقبال» وأضيف أنا الجواب على بقيته، وهو ما أذهب إليه وأنا مسؤول عنه، فأقول: عندما يقول النبي: «أنا خاتم الأنبياء» لا يريد أن يقول: «إنّ التشريعات التي أتيت بها تكفي البشرية إلى الأبد» بل الخاتمية تريد أن تقول: كان الانسان يحتاج حتى الآن ـ لاستمرار حياته إلى الهداية بما وراء ما يستمده من عقله وما توحيه تربيته البشرية ، والآن في هذا العصر (القرن السابع الميلادي) وبعد أن أوجدت المدنية اليونانية وحضارة روما والتمدّن الإسلامي، وبعد أن اُنزل القرآن والإنجيل والتوراة، بلغت التربية المذهبية إلى الحد الذي كان لابد منه. وبعد هذا العصر ـ وعلى ضوء هذا القسم من التربية ـ بإمكان الانسان أن يحيى ويتكامل من دون حاجة إلى وحي ونبوّة جديدة وعلى هذا ختمت النبوّة فشقّوا الطريق بأنفسكم.

ولم يظهر لنا ماذا قصد من هذا الجواب وإليك بعض احتمالاته:

1ـ أن يقصد من قوله: «لا يريد أن يقول انّ التشريعات التي أتيت بها تكفي البشرية إلى الأبد» ما أوضحناه عند البحث عن السؤال الخامس، من أنّه يجب على علماء الاُمّة وفقهائهم عندما يحدث شيء من المشكلات والأزمات في جميع مجالات الحياة من الحوادث التي لم تكن معهودة في عصر صاحب الرسالة، استفراغ الوسع في استنباط أحكامها على ضوء الكتاب والسنّة واطار سائر المصادر الشرعية، فلو أراد هذا فهو حق لا إشكال فيه غير أنّ تلك النظرية لا تختص به ولا بالفيلسوف الإسلامي «محمد اقبال» حتى يكون هو المسؤول فيما ذهب إليه واختار، بل كل مسلم يؤمن بأنّ الإسلام شريعة اللّه الخالدة الدائمة الكاملة الوافية بحل جميع اُمور الحياة ومشاكلها من اُصولها إلى فروعها.

2ـ أن يكون المقصود منه الاعلام بختم النبوّة والرسالة دون ختم التشريع فهو مفتوح لم يوصد بعد، فعلى الاُمّة أن تشرّع من القوانين حسب ما تحتاج إليه عبر الزمان.


(296)

غير أنّ تلك فكرة عليها مسحة مسيحية محجوجة بما دلّت الضرورة والأدلّة على أنّ التشريع من حقوق اللّه سبحانه على عباده لم يفوّضه لأحد من أفراد الاُمّة.

3ـ أن يكون المقصود أنّ هنا أحكاماً ثابتة ومقررات متغيّرة، حسب مقتضيات الزمان ومصالح الوقت، فلو أراد ذلك فقد أوضحنا حاله عند البحث عن السؤال الرابع فلاحظ.

***

هذه هي الخاتمية، ودلائلها المشرقة، وشبهاتها الضئيلة، وأسئلتها الهامة، وأجوبتها الرصينة عرضناها للبحث والتنقيب، ولم يكن رائدنا إلاّ تبنّي الحقيقة وكشف الغطاء عن وجهها، متحررين من كل رأي سابق لا دليل عليه.


(297)

الفصل الخامس

النبي الاُمّي

في الذكر الحكيم

لم يختلف اثنان من الاُمّة الإسلامية في أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان اُمّياً لا يحسن القراءة والكتابة قبل بزوغ دعوته لمصلحة صرّح اللّه بها في الكتاب العزيز وسوف يوافيك بيانها. وصحائف حياته البيضاء أوضح دليل على ذلك، وقد أجمع أهل السير والتاريخ على أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يدخل مدرسة ولم يحضر على أحد للدراسة وتعلّم الكتابة، بل هو منذ نعومة أظفاره، يوم كان في أحضان جده وعمّه إلى أن بلغ الأربعين، لم يحم حول هذه الاُمور وقد تواترت على ذلك كلمات العلماء الأبرار والفطاحل من أئمّة الإسلام، وقد اقتفوا في ذلك أثر كتاب اللّه العزيز ودونك نصوصه من مواضع مختلفة.

النص الأوّل قوله سبحانه:

(وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرتَابَ المُبْطِلُونَ) (العنكبوت ـ 48) سبحان اللّه ما أصرح كلامه وأوضح دلالته.


(298)

هل تجد من نفسك ريباً في أنّه بصدد نفي تلاوة أي كتاب عن نبيّه الأكرم قبل نزول الوحي عليه، وكتابة أي صحيفة عنه، أوليس من القواعد الدارجة بين أئمّة الأدب، أنّ النكرة في سياق النفي تفيد انتفاء الحكم عن كل أفرادها وتعطي شمول السلب كقوله سبحانه: (وَمَنْ يُهِنِ اللّهُ فَمالَهُ مِنْ مُكْرِم) (الحج ـ 18) وقد قال سبحانه: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب) فأدخل النفي على النكرة وجعلها في سياقه، فإذن المراد من التلاوة المنفية تلاوة مطلق الكتاب كما أنّ المراد من الخط المنفى عنه تسطير أي كتاب وترسيم أي صحيفة تقع في ذهن السامع، فالضمير المتصل بالفعل (لاتخطه) عائد إلى (كتاب) وكأنّه جل شأنه قال وما كنت تخط كتاباً. وقد وافاك أنّ مثل هذا الكلام لوقوع النكرة في سياق النفي يفيد عموم النفي فاللّه سبحانه نفى عن نبيه، مطلق التلاوة والكتابة قبل بعثته.

ثم إنّه عزّ اسمه، علّل سلب هذا الأمر عن نبيّه بمصلحة أولى وألزم، وهي نفي ريب المبطلين وشك المشككين، إذ لو كان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في برهة من عمره تالياً للكتب، وممارساً للصحف، لساغ للبسطاء من اُمّته والمعاندين منهم أن يرتابوا في رسالته وقرآنه، ويلوكوا في أشداقهم بأنّ ما جاء به من الصحف والزبر والسور والآيات، إنّما تلقّاها من الصحف الدينية وقد صاغها وسبكها في قوالب فصيحة ، تهتز منها النفوس وترتاحإليها القلوب، فليست لما يدّعيه من نزول الوحي على قلبه، مسحة حق أو لمسة صدق.

وقد حكى سبحانه هذه الفرية الشائنة عن بعض المشركين فقال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُو ظُلْماً وَزُوراً* وَ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (الفرقان : 4 ـ 5) فاللّه سبحانه لقلع جذور الشك عن قلوب السذج من الاُمّة، والمبطلين منهم، صرفه عن تعلّم الكتابة حتى يصبح لنبيّه أن يتلو على رؤوس الاشهاد قوله سبحانه: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (يونسـ16).


(299)

يعني يا معشر العرب: أنتم تحيطون خبراً بتاريخ حياتي فإنّي تربيّت بين ظهرانيكم ولبثت فيكم عمراً يناهز الأربعين، فهل رأيتموني أتلو كتاباً أو اخط صحيفة، فكيف ترمونني بالافك الشائن: بأنّه أساطير الأوّلين اكتتبتها، ثم افتريتها على اللّه، وأعانني على ذلك قوم آخرون .

فلو لم يكن النبي اُمّياً لا يحسن القراءة والكتابة بل كان قارئاً وكاتباً وممارساً لهما على رؤوس الأشهاد، لما أمكن له أن يتحدى الاُمّة العربية وفي مقدمتهم صناديد قريش بقوله: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان ـ 6). فلأجل تحقيق هذه المصلحة المهمة، نشأ النبي في أحضان قومه وشب وترعرع إلى أن ناهز الأربعين وهو اُمّي لا يحسن القراءة والكتابة، ولو كان وقتئذ قارئاً وكاتباً وهم اُمّيون لراجت شبهتهم في أنّ ما جاء به نتيجة اطلاع ودرس وأثر نظر في الكتب.

وجاء المفسرون في المقام بكلمات درية وجمل موضحة للمراد فقال أمين الإسلام في تفسير الآية: «اللام» في قوله : (إذاً لارتاب المبطلون) للقسم وفي الكلام حذف، تقديره: ولو خططته بيمينك أو تلوت قبله كتاباً إذاً واللّه لارتابوا، والمعنى لو كنت تقرأ كتاباً أو تكتبه لوجد المبطلون طريقاً إلى إيجاد الشك في أمرك والقاء الريبة لضعفة الناس في نبوّتك ولقالوا: إنّما تقرأ علينا ما جمعته من كتب الأوّلين فلما ساويتهم في المولد والمنشأ ثمّ أتيت بما عجزوا عنه وجب أن يعلموا أنّه من عند اللّه تعالى وليس من عندك، إذ لم تجر العادة أن ينشأ الانسان بين قوم يشاهدون أحواله من صغره إلى كبره، ويرونه في سفره وحضره، لا يتعلّم شيئاً من غيره، ثم يأتي من عنده بشيء يعجز الكل عنه وعن بعضه ويقرأ عليهم أقاصيص الأوّلين (1).

***


1- مجمع البيان ج 4 ص 287.


(300)

نظريات شاذة للدكتور الهندي

ثم إنّ الدكتور عبد اللطيف الهندي المعاصر ـ في مقال خاص له حول اُمّية النبي الأعظم ـ رأياً شاذاً وقد ألقى مقاله هذا باللغة الانكيلزية في المؤتمر الإسلامي المنعقد في حيدر آباد عام (1964) فخرق الاجماع المسلّم بين طوائف المسلمين على أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان اُمّياً لا يقرأ ولا يكتب، وخالف الرأي العام وقال إنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن اُمّياً لا يحسن القراءة والكتابة بل كان يقرأ ويكتب في حداثة سنّه إلى اُخريات أيّامه(1) ولما رأى أنّ تلك النظرية تخالف النص الصريح في القرآن الكريم جاء يتأوّل ظاهر الآية تأويلاً بارداً وقال ما هذا حاصله:

المراد من الكتاب في قوله: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب) إنّما هو الكتب السماوية نظائر التوراة والانجيل النازلة بغير اللغة العربية فلم يكن النبي عارفاً بتلكم اللغات ولا قادراً على تلاوتها وهو غير القول بأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن قارئاً ولا كاتباً حتى باللغة العربية التي هي لسان قومه وبيته.

ولا أدري ماذا حمل الكاتب على هذا التأويل إذ لو كان المراد نفي معرفته بهذه الكتب المعينة، لما صح له أن يقول: (من كتاب) بل كان عليه أن يقول: ما كنت تتلو من قبله الكتاب أو الكتب مشيراً باللام إلى الكتاب أو الكتب المعهودة وقد أتى باللام فيما قصد نفي العرفان بالكتب السماوية عنه فقال تعالى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَ لا الإِيمَانُ وَلكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِرَاط مُسْتَقِيم) (الشورى ـ 52).

وقال عزّ شأنه: (وَ كَذلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مِنْ هَؤلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ)(العنكبوت ـ 47).


1- وقد تأثر في نظره عن رجال الكنيسة والتبشير، قال الحداد في كتابه ـ القرآن والكتاب ـ ص 410 محمد لم يكن اُمّياً بل تاجراً دولياً ومثقفاً ومطّلعاً وبحاثة دينياً ...


(301)

ترى أنّه سبحانه عندما رام أن يشير إلى هذه الكتب المعهودة عرفها باللام إشارة إلى معهوديتها.

أضف إليه أنّ الهدف الأسمى للآية من نفي التلاوة والكتابة عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو قلع جذور الريب والشك من قلوب المبطلين، ولا يتحصل ذلك إلاّ بكونه اُمّياً غير قارئ ولاكاتب قط، ولا يحسن القراءة والكتابة أصلاً. ولو صح ما يرتئيه الدكتور لما نهضت الآية إلى رفع آثار الشك وغبار الريب بل كان باب اكتساب الشك في أمره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والقاء الريب في قلوب ضعفاء الناس بنبوّته مفتوحاً بمصراعيه. إذ كان للجاحد المبطل أن يقول انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بمزاولته صحف والكتب العربية، وقف على أحوال الماضين وأقاصيص الأوّلين، فأودع نتائج أفكاره وما استحصل عليه منها بعد سبره لغورها، في هذه الصحائف وفي ضمنها من هذه السور والآيات التي افتراها على اللّه، وقد رماه بهذه الفرية الشائنة رؤوس الكفر والعناد فيما حكاه عزّ وجلّ: (وَ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)(الفرقان ـ 5).

وفي نفس الآية دليل بارز على أنّ الهدف منها هو نفي مطلق التلاوة والكتابة عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث عطف على الجملة الأولى: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب) قوله: (ولا تخطّه بيمينك) .

بيانه: لو كان المراد من الآية سلب القدرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في خصوص ما يتعلّق بتلاوة الكتب الدينية النازلة باللغة العبرانية أو غيرها من اللغات غير الدارجة في الجزيرة العربية، لكان له تعالى أن يقتصر عل الجملة الاُولى، ولا يردفها بقوله: (ولا تخطّه) لوضوح الملازمة بين السلبين. فإذا كان الرجل لا يقدر على قراءة كتاب اُلّف بلغة خاصة، فهو لا يقدر على خطها وترسيمها بتاتاً، فعلى ذلك لماذا جيئ بالمعطوف مع امكان الاستغناء عنه بما تقدم عليها.

ولكن لو كان الغرض هو التنبيه على اُمّية النبي بأوضح العبارات، والاجهار بها بأصح الأساليب، وأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قبل بعثته لم يكن قارئاً ولا كاتباً بتاتاً، بل كان بعيد عن ذلك


(302)

كل البعد، لصح عطفها على ما تقدم عليها، لأنّ العرف إذا حاول توصيف الرجل بالاُمّية يقول في حقه: إنّه لا يعرف القراءة والكتابة، أو أنّه ليست بينه وبين التلاوة والكتابة أية صلة، ولا يقتصر على نفي الاُولى بل يردفها بنفي الاُخرى أيضاً، توضيحاً للمراد. واللّه سبحانه لمّا أراد التركيز على اُمّية النبي وأنّه طيلة عمره كان بعيداً عن مجالات العلم والدراسة، أتى بما هو الدارج في لسان العرب، إذا أرادوا توصيف الشخص بالاُمّية.

والشاهد على ما ذكرنا: أنّك لو ألقيت هذه الآية على أي عربي عريق في لغته ولسانه، يقضي بأنّ المقصد الأسنى منها نفي معرفته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالتلاوة والكتابة على الاطلاق. نعم الآية خاصة بما قبل البعثة، لا تعم ما بعدها ولنا عودة إلى هذا الموضوع في الأبحاث الآتية فانتظر.

وربما يقال (1): إنّ الآية تنفي مطلق التلاوة والكتابة ولكنّه لا يدل على نفي احسانهما عنه: قلت: سيوافيك جوابه عند البحث عن وضع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد البعثة.

النص الثاني من القرآن على كونه اُمّياً:

يدل على ذلك قوله سبحانه:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي اُنْزِلَ مَعَهُ اُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) .

(فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الاُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ كَلِمَاتِهِ وَ اتّبعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف:157ـ 158).

قد وصف سبحانه نبيّه في هذه الآية بخصال عشر وهي:أنّه رسول، نبي، اُمّي،


1- نقله الشيخ الطوسي في تبيانه راجع ج8 ص 216 ط بيروت.


(303)

مكتوب اسمه في التوراة والانجيل، ومنعوت فيهما بأنّه يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر، يحل لهم الطيبات، يحرّم عليهم الخبائث، يضع عنهم الإصر، ويرفع عنهم الأغلال.

وهذه الصفات التي تضمّنتها الآية في حق النبي الأكرم واضحة حتى الوصف الذي هو موضوع البحث (الاُمّي) إذ الاُمّي حسب تنصيص الكتاب المبين هو من لا يقدر على القراءة ولا يحسن الكتابة كما يقول سبحانه: (وَ مِنْهُم اُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ) (البقرة ـ 78).

قوله سبحانه: (لا يعلمون الكتاب) توضيح لقوله اُمّيون أي منهم اُمّة منقطعون عن كتابهم لا يعلمون منه إلاّ أوهاماً وظنوناً يتلوها عليهم علماؤهم، الذين يحرفون كتاب اللّه وكلماته عن مواضعها، ويحسب هؤلاء السذّج أنّه الكتاب المنزل إليهم من ربّهم. ولذلك قال سبحانه في الآية التالية: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هِذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ ممّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ ممّا يَكْسِبُونَ)(البقرة ـ 79).

فلو كانوا عارفين بالكتاب قادرين على قراءته وتلاوته لما اغتروا بعمل المحرّفين، ولميّزوا الصحيح من الزائف غير أنّ اُمّيتهم وجهلهم به حالت بينهم وبين اُمنيتهم.

قال الرازي: إنّه تعالى وصف محمداً في هذه الآية بصفات تسع (1) إلى أن قال: الصفة الثالثة كونه اُمّياً، قال الزجّاج: معنى الاُمّي الذي هو على صفة اُمّة العرب، قال عليه الصلاة والسلام: إنّا اُمّة اُمّية لا نكتب ولا نحسب (2) فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرأون، والنبي كان كذلك فلهذا السبب وصفه بكونه اُمّياً (3).


1- لا، بل عشر، كما عرفت.
2- إيعاز إلى ما رواه البخاري في صحيحه ج1 ص 327 عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: إنّا اُمّة اُمّية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا أو هكذا، مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.
3- مفاتيح الغيب ج4 ص 309.


(304)

وقال البيضاوي: الاُمّي لا يكتب ولا يقرأ، وصفه به تنبيهاً على أنّ كمال علمه مع حاله هذا، إحدى معجزاته (1).

هذا وقد أصفقت على ما ذكرنا من المعنى للاُمّية معاجم اللغة المؤلّفة في العصور الزاهرة بأيدي الخبراء الأساطين وفي مقدّمهم: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا المتوفّـى عام 395 صاحب «مقاييس اللغة» (2)وغيرها من الكتب الممتعة ودونك كلامه:

«اُم» له أصل واحد يتفرع منه أربعة أبواب وهي الأصل، والمرجع والجماعة والدين، قال الخليل: كل شيء تضم إليه ما سواه مما يليه، فإنّ العرب تسمّي ذلك اُمّاً ومن ذلك اُم الرأس: وهو الدماغ، اُم التنائف: أشدها وأبعدها، اُم القرى: مكة وكل مدينة هي اُم ما حولها من القرى، واُم القرآن: فاتحة الكتاب واُم الكتاب ما في اللوح المحفوظ، واُم الرمح: لواؤه وما لف عليه، وتقول العرب للمرأة التي ينزل عليها: اُم مثوى، واُم كلبة: الحمى، واُم النجوم: السماء، واُم النجوم: المجرّه ... إلى أن عد كثيراً من هذه التراكيب فقال: الاُمّي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلة الناس لا يكتب، فهو في أنّه لا يكتب على ما ولد عليه (3).

ومحصل كلامه أنّه ليس للاُم إلاّ مادة واحدة وهي الأصل لغيرها ومنه يتفرع غيرها فاُم الانسان اُم لأنّها أصله وعرقه وهكذا ...

وهذا الزمخشري إمام اللغة والبلاغة فسر قوله تعالى: (ومنهم اُمّيّون لا يعلمون الكتاب إلاّ أماني وإن هم إلاّ يظنون) بأنّهم لا يحسنون الكتاب فيطالعوا التوراة


1- أنوار التنزيل وأسرار التأويل ج3 ص 230 مع شرحه لاسماعيل القنوي.
2- بلغ ابن فارس الغاية في الحذق باللغة، وكنه أسرارها وفهم اُصولها، وقد حاول في تأليف هذا المعجم أن يوحّد المعاني المتعددة المفهومة من لفظ واحد وذلك بارجاعها إلى أصل واحد تفرّعت عنه تلك المعاني في الاستعمال ـ وقد إنفرد من بين اللغويين بهذا التأليف ولم يسبقه إلى مثله أحد، ولم يخلفه غيره.
3- المقاييس ج1 ص 21 ـ 28 والكشاف ج1 ص 224.


(305)

ويتحققوا ما فيها (1).

وقال أمين الإسلام في مجمع البيان: ذكروا للاُمّي معاني:

أوّلها: أنّه الذي لا يكتب ولا يقرأ.

ثانيها: أنّه منسوب للاُمّة والمعنى أنّه على جبلة الاُمّة قبل استفادة الكتاب.

ثالثها: أنّه منسوب إلى الاُم والمعنى أنّه على ما ولدته اُمّه قبل تعلم الكتابة.

قلت: هذه المعاني متقاربة تهدف إلى مفهوم واحد. وإنّما الاختلاف في انتسابه إلى الاُم أو الاُمّة وقد جمع ابن فارس في كلامه كلا الاحتمالين.

هذه نصوص بعض أئمّة اللغة وأساطين التفسير، إذا شئت فلاحظ كلمات الباقين منهم.

الآراء الشاذة في تفسير الاُمي:

ربّما يجد القارئ في طيات بعض التفاسير معاني اُخر للاُمّي لا تتفق مع ما أصفقت عليه أئمّة اللغة والتفسير فلا بأس بذكرها ودحضها:

1ـ الاُمي منسوب إلى اُم القرى وهي علم من أعلام مكة كما يدل عليه قوله سبحانه: (وَ كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً اُمَّ القُرَى وَ مَنْ حَوْلَهَا) (الشورى ـ 7) وعلى ذلك فالمراد من الاُمي أنّه مكي.

وفيه مواقع للنظر والنقد:

أوّلاً: إنّ اُم القرى ليست من أعلام مكة ـ وإن كان يطلق عليها ـ غير أنّ الإطلاق لا يدل على كونه من أعلامها، بل هو موضوع على معنى كلي وهي إحدى مصاديقه ولا تنس ما ذكره ابن فارس بقوله: «كل مدينة هي اُم ما حولها من القرى» فيعلم من ذلك


1- المقاييس ج1 ص 21 ـ 28 والكشاف ج1 ص 224.


(306)

أنّ اُم القرى مفهوم كلي يصح اطلاقه على أية بلدة تتصل بها قرى كثيرة بالتبعية، وهذه القرى تعمتد عليها في اُمور حياتها، ويعاضد ما ذكرناه (كون اُم القرى كلياً) قوله عزّ وجلّ: (وَ مَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي اُمِّهَا رَسُولاً) (القصص ـ 59) فالآية (بحكم رجوع الضمير في اُمها إلى القرى) صريحة في أنّها ليست علماً لموضع خاص، لأنّ مشيئته تعم الاُمم في هذا الأمر (أهلاك الاُمم وإبادتهم بعد انذارهم ببعث الرسل) ولا تختص باُمّة دون اُخرى، أو نقطة دون نقطة، وعلى هذا، فمفاد الآية أنّ اللّه سبحانه يمهل أهل القرى من دون فرق بين قرية وقرية، حتى يبعث في مركزها الذي هو مركز الثقل بالنسبة إليها، والمجتمع لأكثر الناس، وملتقى أفكارهم، رسولاً يبشرّهم وينذرهم، فإذا ضربوا عنه صفحاً وهجروا مناهجه، يبيدهم ويهلكهم بألوان العذاب وهذه مشيئة اللّه وعادته في الاُمم السالفة البائدة جميعاً، مكية كانت أم غيرها.

وثناياً: لو صح كونه من أعلام مكة فالصحيح عند النسبة إليها هو القروي لا الاُمّي، هذا ابن مالك يقول في ألفيته:

وانسب لصدر جملة وصدر ما * ركب مزجا ولثان تتما
اضافة مبدوة بابن وأب * أو ما له التعريف بالثاني وجب
فيما سوى هذا انسبن للأول * مالم يخف للبس كعبد الأشهل

قال ابن عقيل في شرحه: إذا نسب إلى الإسم المركب فإن كان مركباً تركيب جملة أو تركيب مزج، حذف عجزه واُلحق صدره ياء النسب فتقول في تأبّط شراً: تأبطي، وفي بعلبك: بعلي، وإن كان مركب إضافة، فإن كان صدره ابناً أو أباً أو كان معروفاً بعجزه، حذف صدره واُلحق عجزه ياء النسبة، فنقول في ابن الزبير: زبيري، وفي أبي بكر: بكري، وفي غلام زيد: زيدي، وإن لم يكن كذلك ... (1).

والاقتصار على الابن والأب من باب المثال والحكم يعم الاُم والابنة والأخ


1- شرح ابن عقيل ج2، ص391.


(307)

والاُخت، لاشتراك الجميع معهما في المناط والملاك ـ وهو كونها مركبة تركيب اضافة وحصول الالتباس لو اُلحقت بصدرها.

وثالثاً: إنّ اللّه وصف نبيّه في الآية بصفات تناسب موضوع النبوّة ، فلو كان الاُمّي فيها بالمعنى الذي أوضحناه، لتلاءم الكلام، وتكون تلك الصفة هادفة إلى آية نبوّته وبرهان رسالته، لأنّه مع كونه اُمّياً لا يقرأ ولا يكتب، أتى بشريعة كافلة لسعادة الناس وسيادتهم وجاء بكتاب فيه هدى ونور، وتضمن من الحقائق والمعارف ما لا يقف عليه حتى الأوحدي من الناس فضلاً عمّن لم يقرأ ولم يكتب، وهذا برهان رسالته ودليل صلته باللّه وكونه مبعوثاً ومؤيداً منه تعالى.

ولو كان المراد منه ما زعمه القائل من كونه مكياً وأنّه وليد ذلك البلد، لكان الاتيان به في ثنايا تلك الأوصاف والخصال اقحاماً بلا وجه واقتضاباً بلا جهة.

وإن شئت قلت: لو كان المراد من الاُمي ما ذكرناه لكان فيه إشارة إلى أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مع كونه باقياً على الحالة التي ولد عليها، قد أتى بكتاب عجز الناس عن تحدّيه، وكلّ البلغاء عن معارضته، وخرس الفصحاء لديه، مضافاً إلى ما فيه من المعارف الالهية والحقائق العلمية والدساتير والقوانين الاجتماعية والاقتصادية في شؤون الحياة الانسانية ومسائلها المعقدة، وهذا دليل على صدق دعوته، وأنّه مبعوث من عنده تعالى، وهذه النكتة تفوتنا إذا فسرناه بأنّه مكي ووليد الحرم والبلد الأمين إذ ليس في كونه مكياً أي امتياز حتى ينوّه به.

وإلى ما ذكرنا يشير قوله عزّ وجلّ: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِين) (الجمعة ـ 2).

فإنّ توصيف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأنّه منهم (أي من الاُمّيين) للاشارة إلى أنّه مع كونه اُمّياً مثلهم يعلّمهم الكتاب والحكمة ، وما ذلك إلاّ لكونه مؤيداً منه تعالى بروح تعاضده وموجهاً بتوجيهه لارتقاء تلكم المدارج، فالآية من قبيل اتيان الشيء ببيّنته وبرهانه.


(308)

نعم ورد في بعض المأثورات حول تفسير الاُمّي انتسابه إلى اُم القرى، وسوف نرجع إلى هذه الروايات بالإيراد والمناقشة في اسنادها ومضامينها.

الرأي الثاني:

2ـ ما اختاره الدكتور عبد اللطيف الهندي في مقاله المومى إليه فقال: الاُمّي من لم يعرف المتون العتيقة السامية، ولم ينتحل إلى ملّة أو كتاب من الكتب السماوية والشاهد عليه أنّ اللّه جعل الاُمّي في الكتاب العزيز، مقابل أهل الكتاب فيستظهر منه أنّ المراد منه هي الاُمّة العربية الجاهلة بما في زبر الأوّلين من التوراة والانجيل غير منتحلة إلى دين أو ملة لا من لا يقدر على التلاوة والكتابة.

أقول: ما ذكره الدكتور زلّة وعثرة لا تستقال فإنّ اطلاق الاُمّيين على العرب المشركين ليس «بسبب جهلهم بالمتون السامية، وإن كانوا عارفين بلسان قومهم قادرين على تلاوته وكتابته» كما حسبه الدكتور، بل بسبب جهلهم بقراءة لغتهم وكتابتها لأنّ الثقافة العربية بمعنى قراءة اللغة العربية وكتابتها، كانت متدهورة في العصر الجاهلي وكانت الاُمّية هي السائدة ولا يسودهم في تلكم الظروف شيء غيرها وكانت القدرة على القراءة والكتابة محصورة في ثلّة قليلة لا يتجاوز أفرادها عدد الأصابع.

فهذا الإمام البلاذري أتى «في فتوح بلدانه» بأسماء الذين كانوا عارفين بالقراءة والكتابة في العهد الجاهلي فما تجاوزت عدتهم عن سبعة عشر رجلاً في «مكة» وعن أحد عشر نفراً في «يثرب» وقال: اجتمع ثلاثة نفر من طي بـ «بقة» وهم مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلّمه منهم قوم من أهل الأنبار ثم تعلّمه أهل الحيرة من أهل الأنبار وكان بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكندي،ثم السكوني صاحب دومة الجندل، يأتي الحيرة فيقيم بها الحين وكان نصرانياً فتعلم «بشر» الخط العربي من أهل الحيرة ثمّ أتى مكة في بعض شأنه فرآه سفيان بن اُمية بن عبد شمس وأبو قيس بن عبد


(309)

مناف بن زهرة بن كلاب يكتب فسألاه أن يعلّمهما الخط فعلّمهما الهجاء، ثمّ أراهما الخط فكتبا، ثمّ إنّ بشراً وسفيان وأبا قيس أتوا الطائف في تجارة فصحبهم غيلان بن سلمة الثقفي فتعلّم الخط منهم وفارقهم بشر، ومضى إلى ديار مضر، فتعلّم الخط منه عمرو بن زرارة بن أعدس فسمّي عمرو الكاتب، ثمّ أتى بشر الشام فتعلّم الخط منه ناس هناك وتعلّم الخط من الثلاثة الطائيين أيضاً رجل من طابخة كلب، فعلّمه رجل من أهل وادي القرى فأتى الوادي يتردد فأقام بها وعلّم الخط قوماً من أهلها ـ إلى أن قال:ـ فدخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً كلّهم يكتب، عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالبو... (1).

وهذا ابن خلدون يحكي في مقدمته، أنّ عهد قريش بالكتابة والخط العربي لم يكن بعيداً بل كان حديثاً وقريباً بعهد الرسول فقد تعرفوا عليها قبيل ظهور الإسلام حيث قال في الفصل الذي عقده لبيان أنّ الخط والكتابة من عداد الصنايع الانساية:

كان الخط العربي بالغاً مبالغه من الأحكام والاتقان والجودة في دولة التبابعة، لما بلغت من الحضارة والترف وهو المسمّى بالخط الحميري وانتقل منها إلى الحيرة لما كان فيها دولة آل المنذر بسبأ التبابعة إلى أن قال: ومن الحيرة لقّنه أهل الطائف وقريش فيما ذكر، يقال إنّ الذي تعلّم الكتابة من الحيرة هو سفيان بن اُمية ويقال حرب بن اُمية و