welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 2*
نویسنده :جعفر الهادي*

مفاهيم القرآن / ج 2

مفاهيم القرآن

دراسة موسعة عن صيغة الحكومة الاسلامية واركانها وخصائصها وبرامجها

محاضرات الأستاذ العلامة المحقّق
جعفر السبحاني

بقلم

جعفر الهادي

الجزء الثاني

مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ


(2)

مواصفات الكتاب

اسم الكتاب   مفاهيم القرآن

الجزء   الثاني

الموضوع   معالم الحكومة

المحاضر   جعفر السبحاني

بقلم   جعفر الهادي

الناشر   مؤسسة الإمام الصادق

الطبعة الرابعة   1413 هـ

الكمّية   3000 نسخة

المطبعة   مهر ـ قم


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

يشهد العالم الإسلاميّ ـ منذ سنوات قريبة ـ تعطُّشاً كبيراً من أبناء الأُمّة الإسلاميّة للتعرُّف على كنوز المعرفة في كتابهم الإلهيّ العظيم «القرآن الكريم».

وقد ازداد هذا التعطّش والشوق مع بزوغ القرن الخامس عشر الهجري، وما حقّقته تعاليم القرآن الكريم وتوجيهاته الربانيّة من انتصارات ساحقة على قوى الطغيان والشرِّ والظلام.

من هنا نجد الأيدي والقلوب تتلقّف كلَّ ما يصدر حول هذا الكتاب الإلهيّ الخالد من دراسات، لأنّهم وجدوا فيه مصدر عزَّتهم الغابرة، ورمز مجدهم التليد، ودستور حضارتهم الكبرى.

ومن هنا أيضاً; شهدت الموسوعة القرآنيّة «مفاهيم القرآن» ـ وهي من محاضرات الأُستاذ العلاّمة الشيخ جعفر السُّبحانيّ منذ الأيّام الأُولى من انتشار أوّل حلقة منها عام (1393 هـ ) ـ استقبالاً شديداً من القرّاء الكرام، وتشجيعاً وترحيباً كبيرين من أقطاب الفكر الإسلاميّ، وكبار أعلام التفسير والعلم، الذين عبّروا عن ذلك برسائلهم وكتبهم القيّمة، أو بالتشجيع الشفهيّ، وحثُّوا على مواصلة هذا المشروع القرآنيّ المفيد.

وقد جاءت الحلقة ـ هذه المرّة ـ لتُلبّي حاجةً شديدةً طالما أحسَّ بها المسلمون في أعماقهم; ألا وهي الحاجة إلى معرفة «الحكومة الإسلاميّة» والتعرّف على طبيعتها وتركيبتها ومناهجها على ضوء القرآن الكريم.


(4)

وليس بخاف على أحد أنّ إيقاف القرّاء الأعزّاء على الملامح الحقيقيّة للحكومة الإسلاميّة لم يكن بالأمر السهل بعد أن مضى على المسلمين زمن طويلٌ غاب عنهم فيه الوجه القرآنيّ الأصيل لهذه الحكومة في خِضمِّ الممارسات البعيدة عن روح القرآن.

ولهذا; سيقف القارئ الكريم بنفسه على مدى الجهود الضخمة، والمساعي المُضنية التي بُذلت لإخراج هذه الدراسة، واستجلاء صيغة الحكومة الإسلاميّة على ضوء القرآن الكريم، وما ورد في ذلك من السنَّة المطهّرة.

ولهذا نعتقد بأنّ القارئ الكريم سيولي هذا الكتاب اهتماماً خاصّاً، وسيجده ـربّما ـ أولى وأوسع دراسة في هذا الصعيد.

ونحن إذ نقدِّم هذا المجهود الذي هو حصيلة تلكُم الجهود الطويلة من البحث والتنسيق إلى كلِّ القوى الإسلاميّة المخلصة، التي تعمل وتجاهد الآن للإطاحة بالنُّظم الطاغوتيّة في البلاد الإسلاميّة، لإقامة نظام الحكومة الإسلاميّة فوق أنقاضها إظهاراً لدولة الحق، وإعلاءً لكلمة اللّه العليا.

وإذ نرى أنفسنا مَدينين لترحيب كبار رجال الفكر والعلم وتشجيعهم; فننشر هنا بعض رسائلهم وفاءً لجميلهم، وإحياءً لذكراهم; نرجو العليّ القدير أن يتقبَّل منّا هذا العمل، ويجعله خالصاً لوجهه إنّه سميعٌ مجيب.

الجامعة العلميّة الإسلاميّة في مدينة قم المقدّسة

جعفر الهادي

30/ شعبان /1401


(5)

كتابٌ كريم

من فقيد الإسلام سماحة العلاّمة الحجّة الشيخ مرتضى آل ياسين المتوفّى في ذي القعدة الحرام عام (1398 هـ) رحمه الله.

بسم الله وله الحمد وبه نستعين وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

وبعد ; لا يخفى عليك أيّها القارئ الكريم أنّ هذا السِّفر الجليل الذي بين يديك مجموعة من بحوث قيّمة في القرآن الكريم قلّما تناولتها أقلام الباحثين من قبل إلاّت بنحو من الإجمال لا يكاد يروي من غلّة، أو يشفي من علّة، وفيه من الفوائد الرائعة ما يُشبع طرفاً كبيراً من نهمك العلمي، وذلك بما يعرض إليه من الشكوك والشبهات الدائرة حول العقائد الحقّة فينسفها نسفاً ببيان رصين لا يشذّ عنه الدليل والبرهان، هذا إلى استئثاره بمنهج من التفسير له طابعه الخاص الّذي يميّزه عن سائر التفاسير كما يبدو ذلك جلياً لكلّ من سرّح نظره فيه .

وليس من شك عندي أنّ الموهبة الإلهيّة الّتي مُنح بها مؤلف هذا الكتاب فضيلة العلاّمة العبقري الشيخ السُّبحاني ـ أيّده الله ـ هي الّتي آثرته بالتوفيق لإنجاز مثل هذا النتاج القيّم الّذي طالما تطلّعت إليه المكتبة الإسلاميّة لكي تسدّ به فراغاً لا يزال ماثلاً بين صفوفها منذ أمد بعيد. فإليه دام تأييده أُزجي تحيّتي، وتهنئتي تقديراً لجهوده، وتثميناً لمجهوده راجياً من المولى عزَّ شأنه أن يجعله ذخراً له في آخرته كما جعله فخراً له في دنياه والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته.

مرتضى آل ياسين

7 / 3 / 1394 هـ


(6)

تقييمٌ وتقدير

من فقيد الإسلام المفكّر الكبير آية الله العظمى الشهيد السيد محمّد باقر الصّدر ـ قدّس سرّه ـ (1).

بسم الله الرّحمن الرّحيم

سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ جعفر سبحاني متّعنا الله تعالى بوجوده الشريف.

السلام عليكم زِنَة شوقي إليكم وتقديري لكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد ; فقد تسلّمت بالأمس بواسطة السيّد الفاضل أحمد العلوي البحريني قَبَسكم الهادي المشعّ بمفاهيم القرآن الكريم، وهو كما ذكرتم بحقّ منهجٌ جديدٌ في تفسير القرآن الكريم على الصعيد الإسلاميّ، وفي حدود ما اتّسعت له النظرة الأُولى خلال هذا اليوم وجدت علماً غزيراً واطّلاعاً واسعاً وعمقاً في البحث والاستنتاج، وعشت فترةً سعيدةً مع الكتاب الجليل ذكّرتني باللقاء السابق مع سماحتكم وما خلّفه ذلك اللقاء من أعمق الانطباعات وأرسخ المشاعر، ولئن كنت أشعر باستمرار باعتزاز كبير بشخصيّتكم العلميّة المجاهدة; فإنَّ هذه النفحة القرآنية الجديدة، أكّدت هذا الاعتزاز وجسّدت بعض الآمال المعقودة عليكم، وسوف أُحاول في فرصة أوسع أن أستوعب قدراً معتدّاً به من بحوث الكتاب الجليلة وأُسجّل لكم ما قد يحصل من انطباعات.

حفظكم الله تعالى مناراً للعلم وسنداً للدّين الحنيف والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمّد باقر الصّدر

غرّة شعبان 1395


1- استشهد ـ قدّس سرّه ـ في رجب عام (1400 هـ) .

(7)

إكبارٌ وتشجيع

من رائد الفكر الإسلامي فقيد الأُمّة العلاّمة الشيخ محمّد جواد مغنيّة ـ رحمه الله ـ .

بسم الله الرّحمن الرّحيم

فضيلة الأخ العلاّمة الكبير الشيخ جعفر سبحاني ـ دام ظلّه ـ بعد السلام والاحترام ; أشكر هديّتكم السنيّة الغنيّة: التفسير الموضوعي للقرآن الكريم هذا السِّفر المَعلَم القيّم في سموّ مطالبه وعلوّ صاحبه، الجديد في بابه أو موضوعه، لقد جمع الآيات المتشابكة المتعاضدة على إرساء فكرة واحدة، وأرانا بأُسلوبه السهل: كيف ينطق بعضها ببعض توضيحاً وتحديداً حتّى عالج الكثير من الصعاب التي تخطّاها السابق واللاحق عن قصد أو غير قصد... ولا بِدْعَ أن يتصدّى لها شيخنا الأجلّ فقد توفّرت فيه كلُّ الشروط، وتكاملت كلُّ الصفات الّتي يتطلّبها هذا الميدان الصعب المستصعب .

محمّد جواد مَغنيَّة

ج 2 / 1396 هـ

شكر واعتذار

لقد وردت إلينا رسائل أُخرى من الشخصيّات العلميّة البارزة تشجّعنا على هذا المشروع، فنحن إذ نشكرهم شكراً جميلاً وجزيلاً ; نرفع إليهم الاعتذار لعدم نشر ما كتبوه بأقلامهم الشريفة في هذا الجزء، ونرجو نشرها في الجزء الثالث من هذه الموسوعة الّذي هو جاهزٌ للطبع أيضاً .


(8)

(9)

مقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

بدأ القرن الرابع عشر الهجريّ بيقظة المسلمين وقد بذل علماء الإسلام ومفكّروه جهوداً عظيمةً وجبارةً بالقلم تارةً، وباللسان اُخرى، وبتحمُّل المَشاقّ الجسيمة، والصعوبات المُضنية لإيقاظ الأُمّة الإسلاميّة من رقْدتها العميقة، وذكروا ـ بالإجماع ـ بأنّ استعادة مجد الإسلام لا تُمكن إلاّ بالعودة إلى القرآن، والوقوف على حقائق الدّين النّابضة بالحياة، والعمل بالكتاب العزيز.

ومن هذا المنطلق; ظهرت ـ في عصورنا ـ جهودٌ قيّمة في مختلف نقاط البلاد الإسلاميّة لمعرفة القرآن الكريم والتعريف بمفاهيمه، و هي جهودٌ تستطيع أن تفتح الطريق أمام المتعطّشين لمعرفة هذا الكتاب الإلهيّ الخالد في القرن الحاضر.

والآن بعد أن بدأت الأُمّة الإسلامية تتحرَّر في مطلع القرن الخامس عشر الهجريّ وراحت تخرج من رِبْقة الإستعمار البغيض، و تتخلّص من قيود الإستكبار العالمي ازداد تعطّش الشباب خاصّةً، إلى «القرآن»، وهي ظاهرة ملموسة ومحسوسة في أكثر البلاد الإسلاميّة.

نعم لمّا كانت بعض البلاد الإسلاميّة لاتزال ترزح تحت نير الاستعمار


(10)

وتُعاني من قيوده; فإنَّ طرح الكثير من الجوانب الثوريّة والحيويّة من الإسلام بات ممنوعاً أو مستحيلاً، فيكتفى في تلك البلاد بقراءة القرآن وتجويده دون أنْ يصلَ الناس إلى نتيجة مطلوبة من هذا السِّفر الإلهيّ العظيم.

ففي بعض هذه البلاد التي لاتزال تعيش في قيود الاستعمار ـ باطناً ـ تُقام المؤتمرات السنويّة الضّخمة لمعرفة (أجود مقرئ للقرآن) ويشترك فيها قرّاء من مختلف البلاد الإسلاميّة، ثمّ يتمُّ اختيار أجود قارئ حسب معايير خاصة ليست بغريبة عن السياسات الحاضرة غالباً ، ولكن دون أن تقوم أيّة مؤتمرات بصدد التعريف بمفاهيم القرآن، أو جدوَلة موضوعاته أو الحصول على طرق جديدة للتفسير أكثر عطاءً; للوقوف على حقائق هذا الكتاب السماويّ وبيّناته وبصائره، حتّى أنّني عندما اشتركت على رأس هيئة في أحد هذه المؤتمرات المعقودة لاختيار أفضل قارئ طرحت هذا الموضوع على وزير الأوقاف في البلد المضيِّف وقدّمت له اقتراحاً مكتوباً بهذا الصدد ولكن دون أن أجد منه ترحيباً بالاقتراح، والعلّة واضحةٌ والسبب معلوم.

إنّنا بحكم واجبنا الدّينيّ الذي يقضي بأنّ تكون الجهود العلميّة موافقةً للاحتياجات الحاضرة، ركّزنا قسماً كبيراً من نشاطاتنا العلميّة والفكريّة ـ طوال عشرين عاماً منصرمات ـ على دراسة القرآن الكريم واستجلاء حقائقه واستقصاء معارفه ومسائله، وقد حقّقنا ـ في هذا السبيل ـ نجاحاً كبيراً والحمد للّه.

وقد كان نتيجة ما حققناه ـ طوال هذه السنين ـ هو عرض نمط جديد للتفسير لم يكن له مثيلٌ فيما كتبه المفسّـرون في هذا المضمار وهو تفسير القرآن حسب الموضوعات، مستعينين في تفسير الآيات بنفس الآيات، وكشف معضلاتها بمشابهاتها.


(11)

وقد طُبع ـ إلى الآن ـ سبعة أجزاء من هذا التفسير لقيت ترحيباً كبيراً من قبل العلماء والمفكّرين المهتمّين بهذا النوع من البحوث القرآنيّة.

هذه الدّراسة

وما يراه القارئ في هذه الدراسة هو نتيجة ما ألقيناه على فضلاء الجامعة الدينيّة في قم المشرّفة من ذلك النَّمط التفسيريّ الجديد.

ولمّا انتهى البحث في الجزء الأوّل إلى التوحيد في الحاكميّة، وقلنا: إنّ الحاكميّة مختصّةٌ باللّه سبحانه، وذكرنا أنّ اختصاص الحكومة باللّه لاتعني اختصاص الإمرة به سبحانه، فلأجل ذلك ; جعلنا محور البحث في هذا الجزء رفع الستار عن صيغة الحكومة الإسلاميّة نزولاً عند رغبة أكثر القرّاء من الشباب حيث ازداد تعطّشهم إلى معرفة الحكومة الإسلاميّة، تلك الناحية الحسّاسة من النظام الإسلاميّ التي أُهملت في القرون الغابرة، بياناً ، و تأليفاً.

شكر و تقدير

وقد تمّ تنسيق و تأليف محتويات هذا الجزء بواسطة الكاتب الإسلاميّ الفاضل الشيخ جعفر الهادي الذي بذل جهداً كبيراً في تحرير هذه البحوث وتنظيمها وصبّها في ثوب قشيب من التعبير، وكأنّه بذلك أفاض عليها حياةً جديدة.

وإنّني إذ أشكر ـ بإخلاص ـ جهوده المضنية في هذا الصعيد، أسأل اللّه تعالى أن يوفقه لتحقيق الأهداف الإسلاميّة العليا ويأخذ بيده لخدمة الفكر الإسلاميّ العظيم.


(12)

على أنّنا نُذكِّر القرّاء الكرام بأنّنا لاندّعي أبداً بأنّ عملنا ـ هذا ـ عمل متكاملُ الأركان، عار عن النقصان، وأنّنا في غنىً عن النقد البنّاء والاعتراض الهادف السليم.... ولهذا; فإنّنا نرحّب بكلّ نقد في هذا المجال، ونتلقّاه برحابة صدر آملين أنْ يُتحفنا الإخوة بما يرونه مفيداً وضرورياً لنزيد من كمال هذا المجهود فيتحقّق الهدف، ويحصل المطلوب، واللّه من وراء القصد.

جعفر السبحاني

5/شعبان/ 1403 هـ.


(13)

الفصل الأوّل

1

الحكومة

حاجة طبيعيّة وضروريّة

الحديث عن الحكومة الإسلاميّة من المسائل التي تطرح نفسها اليوم بشدّة على أذهان الناس في المجتمع الإسلامي، وتستقطب اهتمامهم في كلّ مكان.

ولقد استوفينا الكلام حول لزوم وجود الحكومة، وضرورة استقرارها وقيامها في الحياة البشريّة عامّةً، وفي المجتمع الإسلامي خاصّةً، وذلك عند دراسة «التوحيد في الحاكميّة» الذي كان آخر فصل لكتابنا : «معالم التوحيد في القرآن الكريم».

ونرى هنا ـ لدى البحث عن معالم الحكومة الإسلاميّة ـ أن نعيد الكرّة على ما ذكرناه هناك باختصار فنقول:

إنّ ضرورة قيام الحكومة ووجود الدولة في الحياة البشريّة ليست أمراً تقتضيه وتؤكّده الحياة المعاصرة التي اشتدّت فيها الحاجة إلى الحكومة فحسب; بل كانت موضع تأكيد كبار الفلاسفة والمفكّرين في التاريخ القديم أيضا.


(14)

فها هو «أرسطو» كبير الفلاسفة القدامى وزعيمهم يقول:

«إنّ الدولة من عمل الطبع، وإنّ الإنسان بالطبع كائن اجتماعيّ، وإنّ الذي يبقى متوحّشاً ـ بحكم النظام لا بحكم المصادفة ـ هو على التحقيق إنسان ساقط أو إنسان أسمى من النوع الإنسانيّ»(1).

فإذن; تعتبر الدولة ـ حسب رأي أرسطو ـ حاجة طبيعيّة تقتضيها الفطرة الإنسانيّة بحيث يعدُّ الخارج على الدولة ونظامها وتدبيرها إمّا متوحّشاً ساقطاً، أو موجوداً يفوق النوع الإنساني، ويخلو عن الطبيعة البشريّة.

وها هو «أفلاطون» يرى : «أنّ أفضل حياة للفرد لا يمكن الحصول عليها إلاّ بوجود الدولة، لأنّ طبيعة الإنسان م آلها إلى الحياة السياسيّة، فهي من الاُمور الطبيعيّة التي لا غنى للناس عنها»(2).

وهذا هو ابن خلدون يستدلُّ على ضرورة وجود الدولة والحكومة بضرورة الاجتماع الإنساني التي يعبّر عنها في اصطلاح الحكماء بعبارة : «أنّ الإنسان مدنيّ بالطبع».

ثمّ يستدلُّ على ذلك حتى ينتهي إلى إثبات ضرورة إيجاد الحكومة والدولة(3).

وأمّا من المفكّرين المعاصرين; فيكتب ثروت بدوي : «إنّ أوّل مقوّمات النظام السياسيّ هو وجود الدولة، بل إنّ كلّ تنظيم سياسيّ للجماعة يفترض وجود الدولة، حتّى أنّ البعض يربط بين مدلول السياسة وفكرة الدولة، ولايعترف بصفة الجماعة السياسيّة بغير الدولة»(4).

هذا وما جاء في الإسلام و ورد من نصوص وسيرة أكثر دلالةً، وأقوى برهنةً على لزوم إيجاد الدولة في الحياة البشريّة، من أيّ دليل آخر.


1- السياسة:96 ترجمة أحمد لطفي.
2- الجمهوريّة بتلخيص.
3- مقدّمة ابن خلدون:41 ـ 42.
4- النُّظم السياسيّة:1ـ 7 .


(15)

أمّا السيرة فيكفي النظر إلى حياة الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وسيرته الشريفة للوقوف على هذه الحقيقة.

المؤسّس الأوّل للحكومة الإسلاميّة:

فمن تتبّع تلك السيرة الشريفة وجد كيف أنّ الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أقدم بمجرّد نزوله في المدينة المنوّرة على تأسيس الدولة بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، وكيف مارس كلّ ماهو من شأن الحاكم السياسي من تشكيل جيش منظّم، وعقد معاهدات ومواثيق مع الطوائف الاخرى، وتنظيم الشؤون الإقتصاديّة والعلاقات الإجتماعيّة ممّا يتطلّبه أيُّ مجتمع منظّم ذو طابع قانونيّ، وصفة رسميّة وصيغة سياسيّة، واتخاذ مركز للقضاء والإدارة ـ وهو المسجد ـ ووضع رواتب وتعيين مسؤوليات إداريّة، وتوجيه رسائل إلى الملوك والامراء في الجزيرة العربيّة وخارجها، وتسيير الجيوش والسرايا وبذلك يكون الرسول الأعظم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أوّل مؤسّس للدولة الإسلاميّة التي استمرّت من بعده، واتّسعت، وتطوّرت وتبلورت، واتّخذت صوراً أكثر تكاملاً في التشكيلات والمؤسّسات وإن كانت الاسس متكاملةً في زمن المؤسّس الأوّل صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

إنّ من يراجع التاريخ النبويّ يلاحظ ـ بجلاء ـ أنّ النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان منذ بداية بعثته الشريفة وحياته الرساليّة بصدد تأسيس الحكومة، وإقامة الدولة.

وقد تمّ ذلك في مرحلتين كانت المرحلة الاولى في مكة، والاخرى في المدينة.

ففي مكة ـ يوم لم يكن مأموراً بالظهور والإعلان عن دعوته ـ قام بتأسيس الحزب السريّ ـ إن صحّ هذا التعبير ـ حيث أخذ في إعداد وبناء الأفراد الصالحين، وتوفير الكوادر المؤمنة عن طريق الاتّصالات الخاصّة واللقاءات السّريّة.

ثمّ بعد أن امر باعلان رسالته لقوله سبحانه: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَاَعْرِضْ عَنِالْمُشْرِكِينَ *إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِيِنَ )(الحجر : 94 و 95)، راح الرسول الأكرميلتقي بقادة القبائل ورؤساء الوفود الآتية إلى مكّة يدعوهم الى دينه، والانضمام


(16)

إلى جماعته; وكان من أبرز ما فعله على صعيد التهيئة العامّة لإقامة حكومته المرتقبة; عقد البيعة مع بعض الوفود القادمة من أنحاء الجزيرة إلى مكة، وأخذ العهد منهم على نصرته ودعم ما ينشد إقامته في ظرفه المناسب كما تمّ ذلك في بيعتي العقبة الاولى والثانية(1).

وعندما هاجر إلى المدينة، وسنح له الظرف المناسب باشر بتأسيس أوّل حكومة إسلاميّة وبذل في ذلك أكبر مجهود بعد أن مهّد لها بعقد ميثاق الاخوّة بين أصحابه من الأنصار والمهاجرين، وإقامة مسجد جعله مركزاً لتجمّع المسلمين وموضعاً لعملياته ونشاطاته الاجتماعيّة والسياسيّة.

وقد تجلىّ العمل السياسيّ الذي قام به النبيُّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والذي يدلُّ على أنّه كان أوّل من أقام حكومة إسلاميّة وبنى قواعدها; أنّه كان يباشر اُموراً هي من صميم العمل السياسي والنشاط الاداري الحكومي ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

1ـ أنـّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عقد بين أصحابه وبين الطوائف والقبائل الاخرى المتواجدة في المدينة كاليهود وغيرهم اتفاقيةً وميثاقاً يعتبر في الحقيقة أوّل دستور للحكومة الإسلاميّة، وقد ذكرنا بنودها في هذا الفصل من كتابنا هذا.

2ـ أنـّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم جهّز الجيوش وبعث البعوث العسكريّة والسرايا إلى مختلف المناطق في الجزيرة، وقاتل المشركين وغزاهم، وقاتل الروم وقام بمناورات عسكريّة لإرهاب الخصوم.. وقد ذكر المؤرّخون أنـّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم خاض أو قاد خلال 10 أعوام من حياته المدنيّة 85 حرباً.

3 ـ بعد أن استتبّ له الأمر في المدينة وما حولها وأمن جانب مكّة وطرد اليهود من المدينة وماحولها وقلع جذورهم وقضى على مؤامراتهم، توجّه باهتمامه إلى خارج الجزيرة، وإلى المناطق التي لم تصل إليها دعوته ودولته من مناطق الجزيرة، فراح يراسل الملوك والامراء يدعوهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام والدخول تحت ظلّ دولته والقبول


1- راجع السيرة النبويّة 1:431 و 467، وإعلام الورى.

(17)

بحكومته الإلهيّة.

فراسل قيصر ملك الروم.

و كسرى ملك إيران وامبراطورها.

و المقوقس عظيم القبط في مصر.

والنجاشيّ ملك الحبشة.

وكبار قادة الشام واليمن وغيرهم من الامراء والملوك ورؤساء القبائل الكبيرة.

وربّما وقّع مع بعضهم المعاهدات، وأقام بعض التحالفات العسكريّة والسياسيّة والمعاهدات الإقتصاديّة(1) كما ستعرف ذلك.

وقد جمعت أكثر هذه الرسائل و المواثيق في كتب خاصّة أمثال( الوثائق السياسيّة) تأليف البروفسور محمد حميد اللّه الاستاذ بجامعة باريس و(مكاتيب الرسول) وإليك نماذج من هذه الرسائل والمكاتيب السياسيّة:

كتابه إلى ملك عمان والأزد، جيفر وعبد ابني الجلندي :

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من محمّد بن عبد اللّه إلى. .

سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد; فإنّي أدعوكم بدعاية الإسلام، أسلما تسلما. إنّي رسول اللّه إلى الناس كافّةً لأ نذر من كان حيّاً ويحقّ القول على الكافرين. إنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرّا بالإسلام فإنّ ملككما زائل عنكما، وخيلي تحلُّ بساحتكما، وتظهر نبوّتي على ملككما»(2).

وكتابه لرفاعة بن زيد الجذاميّ أحد امراء الجزيرة :

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا كتاب من محمّد رسول اللّه لرفاعة بن زيد: إنّي قد بعثته إلى قومه عامّة ومن دخل فيهم يدعوهم إلى اللّه ورسوله، فمن أقبل منهم ففي


1- على نحو ما فعل مع أهل اليمن ( راجع تاريخ اليعقوبي 2:64).
2- المواهب اللدنيّة 3:440، السيرة الحلبيّة 3:284، أعيان الشيعة 2:14 ومكاتيب الرسول:147.


(18)

حزب اللّه وحزب رسوله ومن أدبر فله أمان شهرين»(1).

ومن رسالته إلى اسقف نجران :

«بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمّد النبيّ رسول اللّه إلى أسقف نجران: أسلم أنتم(أي أنتم سالمون إذا أسلمتم) فإنّي أحمد اللّه إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى عبادة اللّه من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية اللّه من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام»(2).

4ـ أنـّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعث السفراء والمندوبين السياسيين إلى الملوك والزعماء.

قال الاستاذ عبد اللّه عنّان عن هذه السفارات النبويّة: «كانت هذه السفارات والكتب النبويّة عملاً بديعاً من أعمال الدبلوماسيّة، بل كانت أوّل عمل قام به الإسلام في هذا الميدان.

إن ّ هذه الدبلوماسيّة الفطنة التي لجأ إليها النبيُّ في مخاطبة الملوك في عصره لم تذهب كلُّها عبثاً كما رأينا»(3).

5ـ أنـّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم نصب القضاة وعيّن الولاة، وأعطاهم برامج للإدارة والسياسة فأوصاهم فيما أوصاهم بتعليم أحكام الإسلام، ونشر الأخلاق والآداب التي جاء بها الإسلام، وتعليم القرآن الكريم، وجباية الضرائب الإسلاميّة كالزكاة وإنفاقها على الفقراء والمعوزّين وما شابه ذلك من المصالح العامّة، وفصل الخصومات بين الناس وحلّ مشاكلهم والقضاء على الظلم والطغيان. . وغير ذلك من المهام والصلاحيّات والمسؤوليّات الإداريّة والاجتماعيّة.

وبالتالي لقد كان النبيُّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يعمل كلّ ما يعمله الساسة وأصحاب السلطات


1- السيرة الدحلانيّة على هامش السيرة الحلبية 3:131.
2- البداية والنهاية 5:53 والدرّ المنثور 2:38 وبحار الأنوار 6:9 الطبعة القديمة.
3- مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام :208.


(19)

اليوم، ولكن يفعل كلّ ذلك وفق منهج السّماء، فكان يقوم بالعزل والنّصب، والمراسلة وعقد الأحلاف، وتوقيع الوثائق السياسيّة والعسكريّة والإقتصاديّة حسبما تقتضيها المصلحة الإسلاميّة والاجتماعيّة في عصره وضمن تشكيلات بسيطة. .

هذا مضافاً إلى أنّ من طالع سورة الأنفال والتوبة ومحمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يلاحظ كيف يرسم القرآن فيها الخطوط العريضة لسياسة الحكومة الإسلاميّة وبرامجها ووظائفها. . فهي تشير إلى مقوّمات الحكومة الإسلاميّة الماليّة، واسس التعامل مع الجماعات غير الإسلاميّة، ومبادئ الجهاد والدفاع وبرامجها، وتعاليم في الوحدة الإسلاميّة التي تعتبر أقوى دعامة للحكومة الإسلاميّة. . وكذا غيرها من السور والآيات القرآنيّة، فهي مشحونة بالتعاليم والبرامج اللازمة للحكومة والدولة.

وهذا يكشف عن أنّ النبيّ( محمّداً ) صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان أوّل مؤسّس للحكومة الإسلاميّة وأنّ أوّل حكومة إسلاميّة هي التي أقامها وأوجدها النبيُّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في المدينة المنورة بعد أن مهّد لها في مكّة.

على أنّ هذه الحكومة ـ كما قلنا ـ وإن لم تكن من حيث التشكيلات والتنظيمات الإداريّة على النحو المتعارف الآن، إلاّ أنّها كانت على كلّ حال تمثّل حكومةً كاملة الأركان، ودولةً كاملة السّمات والملامح.

وهذا يعني أنـّه لابدّ أن تكون للحكومة الإسلاميّة أركان ومؤسّسات وتشكيلات للقيام بمثل ما كان يقوم به النبيُّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حسب ما تقتضيه طبيعة عصرنا الحاضر. .

وكلُّ هذا يتّضح من مطالعة ما دوّن حول السيرة النبويّة من كتب تأريخيّة على أيدي مؤرّخين من القدماء; مثل سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وتاريخ الكامل للجزريّ والإرشاد للمفيد وكشف الغمّة للأربلّي، ومن المتأخّرين; مثل كتاب تاريخ الإسلام السياسيّ(1)، وغير ذلك من المؤلّفات التاريخيّة المختصرة والمفصّلة.


1- تأليف الكاتب المعاصر الدكتور حسن إبراهيم حسن استاذ التاريخ الإسلاميّ بجامعة القاهرة.

(20)

ثمّ إنّ نظرةً اخرى إلى الدين الإسلاميّ نفسه تشهد بأنّ الأحكام والمناهج الإسلاميّة تقتضي ـ بنفسها ـ قيام مثل هذه الدولة وذلك من جهتين :

الاُولى: أنّ الإسلام يدعو ـ في أكثر من نصّ ـ إلى الوحدة بين أبنائه وأتباعه، وينهى عن التشتُّت والفرقة والاختلاف حتّى عرف الإسلام بأنّه بني على كلمتين: «كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة» قال القرآن الكريم: ( وَأنّ هَذَا صِراطِى مُسْتَقِيمَاًَ فَاتّبِعُوهُ وَلاَ تَتّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)(الأنعام: 153).

وقال تعالى: (وَاعْتصِمُواْ بحَبْلِ اللّهِ جميعاً وَلا تَفَرّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ اَعْدَاءً فَأَلّـفَ بَيْنَ قُلُـــوبِكـُمْ فَأَصْبَحْتُـــمْ بِنِعْمَتـــِهِ إِخْـــوَاناً)(آلعمران:103).

وقال تعالى: (إِنّما الْمُؤمِنُونَ إِخْوةٌ )(الحجرات: 10).

وقال تعالى: ( وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِِهِمْ لَوْ اَنْفَقْتَ ما فِى الأرْضِ جَمِيعاً مَا أَلّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنّ اللّهَ أَلّفَ بَيْنَهُمْ إِنّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(الأنفال: 63).

فإنّ اللّه يمنُّ على النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه وحّد بهداه قومه، وهو يعني أنّ التوحيد ورصّ الصفوف هو غاية الإسلام الأكيدة.

إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن أنّ القرآن يريد وحدة الاُمّة الإسلاميّة.

ولذلك قال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من أتاكم وأمركم جميع( مجتمع) على رجل واحد، يريد ان يشقّ عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه»(1).

وقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أيضاً: «مثل المؤمن من المؤمن كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً»(2).

وقال الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ في هذا الصّدد: «والزموا السّواد الأعظم،


1- أخرجه مسلم في صحيحه كما في جامع الاُصول في أحاديث الرسول 3:48.
2- مسند أحمد 4:404 ورواه غيره من أصحاب الصّحاح والسُّنن.


(21)

فإنّ يد اللّه على الجماعة وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذّ من النّاس للشّيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب ألا من دعا إلى هذا الشّعار فاقتلوه، ولو كان تحت عمامتي هذه»(1).

وقال ـ عليه السلام ـ في حديث آخر: «من فارق جماعة المسلمين ونكث صفقة الإمام جاء إلى اللّه عزّ وجلّ أجذم»(2).

وقال الإمام الصادق جعفر بن محمّد ـ عليه السلام ـ: «من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»(3).

إلى غير ذلك من النصوص الإسلاميّة الداعية إلى رصّ الصفوف، وتعميق الوحدة، وجمع الكلمة، ومن المعلوم أنّ ذلك لا يمكن ان يتحقّق إلاّ بوجود دولة وجهاز يؤلّف بين الآراء ويجمع الكلمة، ويوفّق بين المصالح، ويحافظ على العلاقات، ويعيد الشاذّ إلى رشده والخارج إلى صفّه، إذ لولا ذلك الجهاز(الدولة) لذهب كلُّ فريق مذهباً، واتّخذت كلُّ جماعة طريقاً، وتمزّق المجتمع أشتاتاً، وعادت الوحدة اختلافاً وتفرقة.

وصفوة القول: أنّ الدولة عامل الوحدة ورمز الت آلف، بقدر ما هي طاردة للفرقة، وما نعة عن التخالف.

الثانية: أنّ ملاحظة ذات القوانين الإسلاميّة في مختلف المجالات الحقوقيّة والاجتماعيّة والماليّة تفيد أنّ طبيعتها تقتضي وجود الدولة.

فالإسلام الذي دعا إلى الجهاد والدفاع، ودعا إلى إجراء الحدود والعقوبات على العصاة والمجرمين ودعا إلى انصاف المظلوم، وردع الظالم، وسنّ نظاماً خاصاً وواسعاً للمال.

إنّ الدعوة إلى كلّ هذه الأحكام تدلُّ ـ بدلالة التزاميّة ـ على أنّ اللّه قد فرض وجود دولةً قويةً تقوم بإجرائها في المجتمع.

إنّ الإسلام ليس مجرد أدعية خاوية أو طقوس ومراسيم فرديّة يقوم بها كلُّ فرد في


1- نهج البلاغة الخطبة 123 طبعة عبده.
2- الكافي 1:405 كتاب الحجة.
3- الكافي 1:405 كتاب الحجة.


(22)

بيته ومعبده، بل هو نظام سياسيّ وماليّ وحقوقيّ واجتماعيّ واقتصاديّ واسع وشامل، وما ورد في هذه المجالات من قوانين وأحكام تدلُّ بصميم ذاتها على أنّ مشرّعها افترض وجود حاكم يقوم بتنفيذها ورعايتها. لأنّه ليس من المعقول سنُّ مثل هذه القوانين دون وجود قوة مجرية وسلطة تنفيذيّة تتعهد إجراءها وتتولّى تطبيقها، مع العلم بأنّ سنّ القوانين وحده لايكفي في تنظيم المجتمعات.

ولقد استدلّ السيد المرتضى على لزوم الحكومة ببيان لطيف هذا حاصله: «إنّ بقاء الخلق يتوقّف على اُمور منها الأمر والنهي. قال اللّه تعالى ( يَا أَيٌّها ألّذينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَ لِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْييِكُمْ )(الأنفال : 24)، وفسّر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولقوله سبحانه: (وَلَكُمْ فِى القَصَاصِ حَياةٌ يَاأُولِى الألْبَابِ )(البقرة: 179)، فصار الأمر بالمعروف هنا المتمثّل في الاقتصاص من القاتل مبدءاً للحياة.

فإذا كان الأمر والنهي كما توحي هذه الآيات مبدءاً للحياة; وجب أن يكون للناس إمام يقوم بأمرهم ونهيهم، ويقيم فيهم الحدود، ويجاهد فيهم العدو، ويقسّم الغنائم، ويفرض الفرائض ـ أبواب مافيه صلاحهم ـ ويحذّرهم عمّا فيه مضارّهم. . ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب بقاء الخلق. . فوجبا وإلاّ سقطت الرغبة والرهبة ولم يرتدع أحد، ولفسد التدبير، وكان ذلك سبباً لهلاك العباد»(1).

هذا هو ماتفيده النظرة إلى الأحكام والتشريعات الإسلاميّة التي لم تنزّل إلاّ للتنفيذ، ولم تشرّع إلاّ للتطبيق.

أمّا النصوص الإسلاميّة المصرّحة بضرورة قيام الدولة ووجودها فهي أكثر من أن تحصى، وقد مرّ في الجزء الأوّل قسم منها ونشير هنا إلى ما لم نشر إليه هناك:

قال الإمام عليّ بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ في حديث طويل حول ضرورة وجود


1- المحكم والمتشابه للسيد المرتضى:50.

(23)

الحكومة في الحياة البشريّة: «إنّا لانجد فرقةً من الفرق ولا ملّةً من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس لما لا بدّ لهم منه في أمر الدّين والدُّنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق لما يعلم أنّه لابدّ لهم منه، ولاقوام لهم إلاّ به فيقاتلون به عدوّهم ويقسّمون به فيئهم، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم» (1).

وقد بلغت أهمية الدولة والحكومة في نظر الإسلام حداً جعلت هي السبب الأساسيُّ في صلاح أو فساد الاُمّة، حيث قال النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «صنفان من أمّتي إذا صلحا صلحت أمّتي، وإذا فسدا فسدت امّتي...».

قيل: يا رسول اللّه ومن هم ؟

قال: «الفقهاء والامراء» (2).

إنّ ضرورة وجود الدولة والحكومة في الحياة البشريّة الاجتماعيّة بديهيّة جداًعقلاً وشرعاً وتاريخيّاً بحيث لا تحتاج إلى سرد المزيد من الأدلة والاستشهادات ولذلك نكتفي بهذا القدر.

***

ولأجل هذه الأهمية التي تحظى بها الحكومة الإسلاميّة يتعيّن على علماء الإسلام أن يبذلوا غاية الجهد في توضيح معالمها ومناهجها وخطوطها وخصائصها في جميع العصور و العهود.

وسوف نذكر أنّ هذه الناحية الحسّاسة من حياتنا الاجتماعيّة قد أهملت في أكثر القرون كتابةً وتحقيقاً و دراسةً.

نماذج من الوظائف الحكوميّة في الأحاديث

لم يكن وجود( الحكومة ) ووظائفها في النظام الإسلاميّ بدعاً يمكن أن يدّعيه


1- علل الشرائع:253،الحديث مفصّل وجدير بالمطالعة.
2- تحف العقول:42.


(24)

أحد بدون دليل في القرآن أو السُّنّة.

فمن يطالع الأحاديث والأخبار الواردة عن النبيّ والأئمّة الطاهرين يجد سلسلةً من الوظائف المخوّلة إلى( الإمام ) وهو يدلُّ بالدلالة الإلتزاميّة على وجود الحكومة في النظام الإسلاميّ، وأنّ الأئمّة كانوا يعتبرون وجود الإمام والحاكم أمراً مفروضاً ولذلك كانوا يعتبرون هذه الاُمور من وظائف الحاكم.

وبالتالي; أنّ ما يمكن أن يستظهر من خلال الروايات الكثيرة لزوم وجود(دولة) تقوم بالأعمال الاجتماعيّة الكثيرة التي لم يكلّف بها في الإسلام مسؤول خاص من عامّة الناس، بل جعل أمر إجرائها والقيام بها على عاتق الإمام( أو الحاكم ).

وذلك يدل على لزوم وجود جهاز تنفيذيّ يقوم بهذه المسؤوليات والأعمال الاجتماعيّة الحيويّة، ويدلُّ على أنّ الحكومة قد كانت مفروضة الوجود في نظرهم.

واليك نماذج من الأحاديث التي توكل بعض الأعمال إلى( الإمام) والحاكم اللّذين يعدّان رمزاً للحكومة. وما ذكرناه في هذه الصحائف قليل من كثير، ولم نأت بالجميع ابتغاءً للإختصار، ويمكن للقارئ الكريم أن يجد أكثر ما ذكرناه إذا تصفّح المجاميع الحديثيّة لاسيّما الأجزاء العشرة الأخيرة من وسائل الشيعة:

***

1ـ يقول الإمام الصادق في الأنفال: «وما أخذ بالسّيف فذلك إلى الإمام يقبله بالذّي يرى كما صنع رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بخيبر»(1).

2ـ وفي الزكاة لمّا سئل الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ عمّا يعطى المصّدّق(أي الذي يجبي الصّدقات ) قال: «ما يرى الإمام ولا يقدّر له شيء»(2).

3ـ وفي تقسيم الزكاة قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ : «والغارمين. . يجب على الإمام أن يقضي عنهم ويفكّهم من مال الصدّقات».


1- وسائل الشيعة 6:129.
2- وسائل الشيعة 6:144.


(25)

«وفي سبيل اللّه قوم يخرجون في الجّهاد ليس عندهم ما يتقوُّون به، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجُّون به أو في جميع سبل الخير فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصّدقات حتّى يقووا على الحجّ والجهاد، وابن السبيل أبناء الطريق يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم ويذهب مالهم فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصّدقات»(1).

4ـ وفي احياء الأراضي الميّتة قال الإمام أمير المؤمنين: «من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤدّيه إلى الإمام في حال الهدنة فإذا ظـهر القائم فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه»(2).

5ـ سئل الباقر ـ عليه السلام ـ عن المفطر في رمضان بلا عذر مستحلاّ ً، فقـال ـ عليه السلام ـ: «يسأل هل عليك من افطارك إثم ؟ فإن قال: لا، فإنّ على الإمام أن يقتله، وإن قال: نعم فإنّ على الإمام أن ينهكه ضرباً»(3).

6ـ وفي رؤية الهلال قال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ : «إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشّمس، وإن شهدا بعد زوال الشّمس، أمر الإمام بافطار ذلك اليوم وأخّر الصلاة( أي صلاة العيد) إلى الغد فصلّى بهم»(4).

7ـ وفي أمر إقامة الحجّ قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ: «لو عطّل النّاس الحجّ لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحجّ إن شاؤوا وإن أبوا. . فإنّ هذا البيت إنّما وضع للحجّ»(5).

8ـ وفي ادارة اُمور الحجّ روي أنّه لمّا حجّ إسماعيل بن عليّ بالنّاس سنة أربعين ومائة( أي كان أمير الحجّ )فسقط أبو عبد اللّه الصادق ـ عليه السلام ـ عن بغلته فوقف عليه إسماعيل( أي توقّف) فقال له الصادق ـ عليه السلام ـ: «سر فإنّ الإمام لا يقف»(6).


1- وسائل الشيعة 6:145ـ 382.
2- وسائل الشيعة 6:145ـ 382.
3- وسائل الشيعة 7:178ـ 199.
4- وسائل الشيعة 7:178ـ 199.
5- وسائل الشيعة 8:85 ـ 290.
6- وسائل الشيعة 8:85 ـ 290.


(26)

9ـ ومثله ما روي عن علي بن يقطين قال: رأيت أبا عبد اللّه(الصادق) ـ عليه السلام ـ وقد حجّ فوقف الموقف فلمّا دفع الناس منصرفين سقط أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ عن بغلة كان عليها فعرفه الوالي الذي وقف بالناس تلك السّنة وهي سنة أربعين ومائة فوقف على أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ [أي توقّف لأجله] فقال له أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ: «لاتقف فإنّ الإمام إذا دفع بالنّاس لم يكن له أن يقف»(1).

وكان الذي وقف بالناس في تلك السنة اسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس.

10ـ قال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في أداء دين الغريم: «ما من غريم ذهب إلى وال من ولاة المسلمين واستبان للوالي عسرته إلاّ برء هذا المعسر من دينه وصار دينه على والي المسلمين فيما يديه من أموال المسلمين»(2).

11ـ قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في ذلك أيضاً: «إنّ الإمام يقضي عن المؤمنين الدّيون ما خلا مهور النّساء»(3).

12ـ قال الإمام الكاظم ـ عليه السلام ـ في ذلك أيضاً: «من طلب هذا الرّزق من حلّهليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل اللّه، فإن غلب عليه فليستدن على اللّه ورسوله ما يقوت به عياله، فإن مات ولم يقض كان على الإمام قضاؤه، فإنلميقض كان عليه وزره. إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول : ( إِنّما الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين وَالْعَامِلِينَ عَلَيْها ـ إلى قوله ـ وَالْغَارِمِين)(التوبة: 60) فهو فقير مسكين مغرم» (4).

13ـ قال الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ في ذلك أيضا: «المغرم إذا تديّن أو استدان في حقّ أجّل سنةً فإن اتّسع، وإلاّ قضى عنه الإمام من بيت المال»(5).

14ـ قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ في مسؤولية الحاكم اتجاه ثقافة الاُمّة: «على الإمام


1- وسائل الشيعة 8:290.
2- مستدرك الوسائل 2:491.
3- وسائل الشيعة 15:22.
4- قرب الإسناد:179.
5- الكافي1:407 ونقله العيّاشي في تفسيره 1:155.


(27)

أن يعلّم أهل ولايته حدود الإسلام والإيمان»(1).

15ـ قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ من كتاب له إلى قثم بن العبّاس وهو عامله على مكّة: «واجلس لهم العصرين فافت المستفتي، وعلّم الجاهل وذاكر العالم»(2).

16ـ قال الإمام علّي ـ عليه السلام ـ في مسؤوليّة الحاكم اتجاه أصحاب الفكر والمهن: «يجب على الإمام أن يحبس الفسّاق من العلماء والجهّال من الأطبّاء والمفاليس من الأكرياء»(3).

17ـ قال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ في مسؤولية الحاكم اتّجاه الاسر والعوائل: «من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها، ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقاً على الإمام أن يفرّق بينهما»(4).

18ـ قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في مسؤوليّة الحاكم في أمر المساجين: «على الإمام أن يخرج المحبسين في الدين يوم الجمعة إلى الجمعة ويوم العيد إلى العيد فيرسل معهم، فإذا قضوا الصلاة والعيد ردّهم إلى السّجن» (5).

19ـ قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ أيضاً في مسؤوليات الحكام اتّجاه الفسّاق والمنحرفين خلقيّاً: «الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ ولا يحتاج إلى بيّنة مع نظره; لأنّه أمين اللّه في خلقه وإذا نظر إلى رجل يسرق أن يزبره وينهاه، ويمضي ويدعه».

قلت: وكيف ذلك ؟

قال: «لأنّ الحقّ إذا كان للّه، فالواجب على الإمام إقامته، وإذا كان للنّاس فهو للنّاس»(6).

20ـ في موقف الإمام اتجاه المحارب، قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ: «إذا كانت


1- غرر الحكم:215.
2- نهج البلاغة قسم الكتب الرقم 67.
3- وسائل الشيعة 18:221.
4- وسائل الشيعة 15:223.
5- وسائل الشيعة 18:221ـ244.
6- وسائل الشيعة 18:221ـ244.


(28)

الحرب قائمةً ولم تضع أوزارها ولم يثخن أهلها فكلُّ أسير أخذ في تلك الحال فإنّ الإمام فيه بالخيار إن شاء. . . وإن. . »(1).

21ـ وفي أمر القصاص قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ: «إذا اجتمعت العدّة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيُّهم شاؤوا»(2).

22ـ وقال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ: «من قتله القصاص بأمر الإمام فلا ديّة له في قتل ولا جراحة»(3).

23ـ وقال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ في رجل قتل مجنوناً كان يقصد قتل الرجل: «أرى أن لا يقتل به ولا يغرّم ديّته وتكون ديّته على الإمام ولا يبطل دمه»(4).

24ـ وقال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ حول أعمى فقأ عين صحيح: «إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الديّة في ماله، فإن لم يكن له مال فالدّية على الإمام ولا يبطل حقُّ امرىء مسلم»(5).

25ـ وقال الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ في رجل جرح رجلاً في أوّل النهار وجرح آخر في آخر النّهار: «هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الأوّل. . . الخ»(6).

26ـ وقال في حكم من قتل وعليه دين وليس له مال: «إن قتل عمداً قتل قاتله وأدّى عنه الإمام الدّين من سهم الغارمين»(7).

27ـ وقال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في الرجل يقتل وليس له وليّ إلاّ الإمام: «إنّه ليس للإمام أن يعفو، له أن يقتل أو يأخذ الديّة»(8).

28ـ وقال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في قتيل في زحام ونحوه لايدرى من قتله: «إن كان عرف له أولياء يطلبون ديّته أعطوا ديّته من بيت مال المسلمين ولا يبطل دم امرىء مسلم لأنّ ميراثه للإمام فكذلك تكون ديته على الإمام»(9).


1- وسائل الشيعة 11:53.
2- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
3- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
4- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
5- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
6- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
7- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
8- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.
9- وسائل الشيعة 19:31ـ47ـ52ـ65ـ77ـ92ـ93ـ109.


(29)

29ـ وقال الإمام علي ـ عليه السلام ـ فيمن لم يكن له من يحلف معه ولم يوثق به على ما ذهب من بصره وأبى أن يحلف: «الوالي يستعين في ذلك بالسّؤال والنّظر والتثبُّت في القصاص والحدود والقود»(1).

30ـ وقال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في ميّت قطع رأسه قال: «عليه الديّة»، فقيل فمن يأخذ ديّته؟ قال: «الإمام. . هذا للّه»(2).

31ـ وقال ـ عليه السلام ـ في القاتل عمداً إذا هرب: «إن كان له مال أخذت الديّة من ماله وإلاّ فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن له قرابة أدّاه الإمام; فإنّه لا يبطل دم امرىء مسلم».

وفي رواية اخرى: «ثمّ للوالي بعد أدبه وحبسه»(3).

32ـ وقال الصادق ـ عليه السلام ـ في من قتل خطأً إذا مات قبل دفع الديّة وليس له عاقلة: «إن لم يكن له عاقلة; فعلى الوالي من بيت المال»(4).

هذا والملحوظ; أنّ بعض الروايات وإن كان ظاهراً في الإمام المعصوم إلاّ أنّ كثيراً من هذه الروايات ظاهر في مطلق القائم بالإعمال المذكورة سواء أكان معصوماً أم غير معصوم ، وهو يعني مطلق الحاكم الإسلاميّ.

ويدلُّ على ذلك رواية 8 و 9 حيث يسمّي فيهما الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ أمير الحاجّ والوالي بالإمام ممّا يدلّ على أنّ لفظ الإمام الموجود في هذه الرواية وأشباهها يراد به مطلق الحاكم الإسلاميّ ووليّ أمر المسلمين وليس الإمام المعصوم المصطلح في علم الكلام.

ويؤيّد هذا الاتّجاه ما قاله صاحب وسائل الشيعة في تعليقه على إحدى الروايات المشتملة على لفظ الإمام كالروايات المذكورة هنا: «الإمام العدل أعمُّ من المعصوم»(5).

وصفوة القول; أنّ الناظر في هذه الروايات يجد أنّ هناك أحكاماً اجتماعيّةً


1- وسائل الشيعة 19: 220 ـ 248 ـ 303 ـ 304 ـ 402.
2- وسائل الشيعة 19: 220 ـ 248 ـ 303 ـ 304 ـ 402.
3- وسائل الشيعة 19: 220 ـ 248 ـ 303 ـ 304 ـ 402.
4- وسائل الشيعة 19: 220 ـ 248 ـ 303 ـ 304 ـ 402.
5- وسائل الشيعة 19: 220 ـ 248 ـ 303 ـ 304 ـ 402.


(30)

اقتصاديّةً أخلاقيّةً وغيرها; جعلها الإسلام على عاتق الإمام أو الوالي أو من شابههما وذلك يفيد أنّ ماهيّة هذه الأحكام ماهيّة خاصّة يتوقّف تحقيقها في الخارج على وجود سلطة وجهاز يجريها في المجتمع، وقد عبّر في هذه الروايات ـ عن تلك السلطة والجهاز ـ بالإمام والوالي أو السلطان أي صاحب السلطة، وذلك يدلُّ ـ بالدلالة الإلتزاميّة ـ على أنّ هذه أحكام سلطانيّة، وواجبات حكوميّة لا تنفكُّ عن وجود السلطة والدولة وقد فرضها الأئمّة ـ عليهم السلام ـ مسلّمة الوجود في الواقع الخارجي.

وإنمّا أدرجنا لك نموذجاً من هذه الأحاديث لإثبات أمر واحد هو; أنّ الحكومة الإسلاميّة أمر مسلّم الوجود وإيجادها فريضة يتوقّف عليها الكثير من الأحكام الدينيّة، ومع ذلك كيف يسمح البعض لأنفسهم أن يقولوا: إنّ الإسلام يمكن أن يطبّق في المجتمع دون حاجة إلى حكومة قويّة، وسلطة سياسيّة قادرة.

قال الإمام الخميني قائد الثورة الإسلاميّة في محاضراته عن الحكومة الإسلاميّة: «والحقُّ أنّ القوانين والأنظمة الاجتماعيّة بحاجة إلى منفّذ. في كلّ دول العالم لا ينفع التشريع وحده، ولا يضمن سعادة البشر، بل ينبغي أن تعقب سلطة التشريع سلطة التنفيذ فهي وحدها التي تنيل الناس ثمرات التشريع العادل.

لهذا قرّر الإسلام إيجاد سلطة التنفيذ إلى جانب سلطة التشريع فجعل للأمر وليّاً للتنفيذ إلى جانب تصدّيه للتعليم والنشر والبيان»(1).

وصفوة القول; أنّ ضرورة وجود الحكومة في الحياة الاجتماعيّة ممّا دلّ عليه العقل والكتاب والسُّنّة وسيرة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والأئمّة بما لا يقبل جدلاً، ولذلك نكتفي بما سردناه لك وفيه كفاية.


1- الحكومة الإسلاميّة للإمام الخمينيّ:24.

(31)

2

لماذا يرفض البعض وجود الحكومة؟

«إنّ المنكرين لضرورة وجود الدولة في الحياة الاجتـماعيّة على طائفتين:

الاولى: من يقول بعدمها، ويعلّل ذلك بفلسفة ونظرية معتبرة عنده وهم ماركس وأتباعه.

الثانية: من ينكر ذلك لمجرّد عوامل نفسيّة وهم على فرق ثلاث».

رغم أنّ ضرورة قيام الدولة وايجادها لم تكن موضع ترديد وشكّ ـ كما أثبتت البحوث المتقدّمة ـ لما فيها من ضمان لسعادة الحياة الانسانيّة وتقدم الحضارة وديمومتها واستقامتها; فإنّ هناك شرذمةً قليلةً من الناس تستوحش من قيام الدولة وتتوجّس خيفةً من وجودها وتنفي ضرورتها. . وربّما يصبُّ بعضهم هذا المذهب الباطل في قالب منطقيّ فيقول: إنّ وجود الحكومة ضرورة ملحّة للبشر لفترة خاصة من الزمان فقط، وليس دائماً.

وينقسم أصحاب هذا الرأي إلى طوائف أربع:

الطائفة الاُولى: هم ماركس ومؤيّدوه، فهم يعتقدون بضرورة وجود الدولة مادام المجتمع البشريّ يعاني من «الصراع الطبقي» ولكنّه بعد استقرار الشيوعيّة وزوال جميع


(32)

الفوارق والمشكلات الاقتصاديّة تنتفي الحاجة إلى الدولة.

وقد مضت الإجابة الكاملة على هذه النظرية الخاطئة في الجزء الأوّل من كتابنا.

فهناك قلنا: بأنّ الدوافع الحقيقية إلى وجود الدولة لاتنحصر في المسائل الماديّة، والمشاكل الاقتصاديّة، ليزول الاختلاف والتصارع بمجرّد محو الفوارق الطبقيّة، وزوال الصراع الطبقي وتنتفي الحاجة إلى الدولة. بل هناك دوافع أخلاقيّة وغرائزيّة إلى جانب المسائل الاقتصاديّة ـ سبق شرحها ـ(1) ولأجلها لامناص للمجتمع ـ كيفما كان ـ من تأسيس الدولة وإقامتها.

الطائفة الثانية: هم أصحاب السوابق السوداء الذين تضمن الأوضاع الفوضويّة وغياب السلطة الحكومية مصالحهم الخاصّة، ويخشون طائلة الحساب والعقاب والملاحقة والمؤاخذة، ولذلك نجدهم يعارضون وجود الدولة ليتسنّى لهم المضيُّ في ما يريدون دون محاسب أو رقيب، ودون شيء يعرّض مصالحهم للخطر، ويسدّ عليهم طريق النهب والسلب !!

الطائفة الثالثة: وهم الذين لم يعهدوا من الحكومات إلاّ العنف والجور والاستبداد وخدمة الأقوياء، وسحق المستضعفين وهضم حقوقهم، وامتصاص دمائهم، ونهب خيراتهم وهدر كرامتهم. فهم بمجرد سماع لاسم الدولة يتذكرون فوراً تلك الحكومات الجائرة وسجونها المخيفة، وتعذيبها الوحشيّ الذي كان ينتظر أيّ معارض أو معترض. . ولذلك فهم ينفرون من سماعهم اسم الدولة، ويخشون من قيامها أشدّ خشيةً لما يلازمها من صور الاستبداد والعنف والظلم !!

غير أنّ هذا الفريق لو تسنّى له أن يقف على صيغة( الحكومة الإسلاميّة) بخصائصها المطلوبة منها، وما تتّسم به من إنسانيّة ورحمة وعدل; لما اتخذ هذا الموقف السلبيّ من الحكومة التي يدعو الإسلام إلى انشائها وايجادها. بل لاستقبلها برحابة صدر، ولسعى إلى إيجادها وإقامتها سعياً.


1- راجع الجزء الاول من كتابنا:572.

(33)

الطائفة الرابعة: هم الذين يبتغون الحرّيات الفرديّة مطلقةً لا تحدُّها حدود، أو يتصورون أنّ قيام الدولة والحريّة الفرديّة أمران متناقضان لا يجتمعان. . فالدولة تزاحم هذه الحريات وتحدّها على الإطلاق.

والحقُّ أنّ هذا الفريق لم يفرّق بين الحرية اللائقة بالإنسان، اللازمة له، والحريّة السائدة في عالم الغاب.

فالحريّة السائدة في الغاب; تعني عدم التقيّد بأيّة سنّة معقولة، وأي قانون يحفظ الحقوق وأيّ حدود تحفظ الكرامات. . فهناك تفعل الحيوانات والوحوش ما تشاء، بمجرّد أن تكون ذات قوّة غالبة، وشهوة عارمة ومخالب أشدّ فتكاً وبأساً.

وأمّا الحرية اللائقة بالانسان الجديرة بشأنه ومكانته; فهي التي تكون ضمن قوانين وسنن وحدود وموازين معقولة تضمن نموّ القوى البشريّة، وتكامل المواهب الإنسانيّة وسيرها في الاتجاه الصحيح، وبلوغها إلى كمالها الممكن، ولا يتأتّى ذلك إلا في إطار حريّة معقولة محسوبة.

وبعبارة اخرى: أنّ الحريّة الصحيحة اللائقة بالإنسان إنّما هي توفير الفرصالمناسبة لنموّ الاستعدادات والقابليّات الانسانيّة في الفرد والمجتمع، لانتقالهامن مرحلة القوّة إلى مرحلة الفعليّة، وبالتالي رشدها وبلوغها إلى درجة الكمال الممكن.

وحيث إنّ هذا النمو والبلوغ لايمكن أن يتمّ في جو من الفوضى، بل لابدّ من شروط وحدود; تكون القوانين والسنن الصالحة هي تلك الشروط التي تضمن ذلك البلوغ، لا أن تقيّده وتمنع من تحقُّقه كما يتوهّم.

وحول الحريّة المعقولة الصحيحة يقول الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ لإسماعيل البصريّ: «تقعدون في المكان فتحدّثون وتقولون ما شئتم، وتتبرّؤون ممّن شئتم، وتولّون من شئتم ؟».

قال إسماعيل: نعم.


(34)

قال الإمام ـ عليه السلام ـ: «وهل العيش إلا هكذا» (1).

إنّ الحريّة الصحيحة في نظر الإمام ـ عليه السلام ـ هو أن يستطيع الإنسان أن يختار عقيدته وولاءه بنفسه بعد أن يتبيّن له الرشد من الغيّ، ليستطيع في ظلّ الاختيار الإراديّ الصحيح; أن يسير في طريق التكامل الإنسانيّ المطلوب.

إنّ الحكومة النابعة من إرادة الشعب فضلاً عن الحكومة التي يدعو إليها الإسلام; لاتهدف إلاّ حراسة مثل هذه «الحريّة المعقولة» التي تساعد المواهب والقابليات على التفتُّح والنموّ والتكامل، فلا مخالفة ولا منع ولا تحديد.

هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم في نظام الحكم الإسلاميّ بما أنّه من جانب اللّه سبحانه; لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر اللّه به أو نهى عنه، وهو تعالى لا ينهي عن شيء ولايأمر إلاّ بما فيه كمال الإنسان وارتقاؤه وتفتُّح مواهبه ونموّها، ودفع قابلياته واستعداداته إلى مرحلة الفعليّة والتحقّق، والنضج.

وإليك شطراً من النصوص الإسلاميّة التي ترسم لنا بعض ملامح الحكومة التي ينشد الإسلام إيجادها وإقامتها، آخذين هذه النصوص من القرآن الكريم والأحاديث الإسلاميّة الصحيحة.

ملامح الحكومة الإسلاميّة حسب النصوص:

إنّ الحاكم الإسلاميّ ـ في منطق القرآن وحسب تشريعه ـ ليس مجرّد من يأخذ بزمام الجماعة كيفما كان، ويأمر وينهى بما تشتهيه نفسه، ويحكم على الناس لمجرّد السلطة وشهوة الحكم، بل هو ذو مسؤوليّة كبيرة وثقيلة أشار إليها القرآن الكريم بقوله:

( الّذِينَ إِنْ مَكّنّاهُمْ فى الأرْضِ أَقَامُوا الصّلاةَ وَءَاتَوُاْ الزّكاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبةُ الاُمُورِ)(الحج: 41).


1- الكافي 8:229.

(35)

فالمسؤوليّات الملقاة على عاتق الحاكم في الإسلام عبارة عن:

1ـ إقامة الصلاة، وتوثيق عرى المجتمع الإسلاميّ بربّه الذي فيه كلّ الخير.

2ـ إيتاء الزكاة الذي فيه تنظيم اقتصاده ومعاشه.

3ـ الأمر بالمعروف، وإشاعة الخير والصلاح في المجتمع.

4ـ النهي عن المنكر، ومكافحة كلّ ألوان الفساد والانحراف، والظلم والزور.

ومن المعلوم; أنّ حكومةً كهذه، توفّر للاّئقين والصالحين وذوي القابليات والمواهب فرصاً مناسبةً لإبراز مواهبهم، وتهيّىء الظروف المساعدة لتنمية استعداداتهم العلميّة والفكريّة، في جميع المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّةوتدفعها في طريق التقدُّم والازدهار.

فإذا كانت هذه الحكومة التي ينشدها الإسلام ويدعو النّاس كافّة إلى إقامتها فأيُّ شيء يبرّر الخوف والاستيحاش منها ؟ ولماذا يخشى البعض من إقامتها وهي أجدر الحكومات بإسعاد الشعوب، وإصلاح أمرها، وضمان مصالحها، وحماية حقوقها وكرامتها على أحسن وجه ؟

وسيوافيك بعض الآيات الاخرى في المباحث الآتية.

وأمّا ما يصور لنا ملامح الحكومة الإسلاميّة من الأخبار والأحاديث; فقول الرسول الأكرم محمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لا تصلح الإمامة إلا لرجل فيه ثلاث خصال:

ورع يحجزه عن معاصي اللّه.

و حلم يملك به غضبه

وحسن الولاية على من يلي حتّى يكون لهم كالوالد الرّحيم»(1).

وقولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في ردّ من قال: بئس الشّيءالإمارة، فقال النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «نعم الشّيء الإمارة لمن أخذها بحلّها وحقّها، وبئس الشّيء الامارة لمن أخذها بغير حقّها وحلّها تكون عليه


1- الكافي 1:407.

(36)

يوم القيامة حسرةً وندامةً»(1).

وقوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في جواب من سأله عن الإمارة، فقال: «إنّها أمانة وإنّها يوم القيامة حسرةً وندامةً; إلاّ من أخذها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها» (2).

وقوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لعمل الإمام العادل في رعيّته يوماً واحداً أفضل من عبادة العابد في أهله مائة عام» (3).

ولمّا دخل «سعد»على «سلمان» عندما كان حاكماً في المدائن، يعوده في مرضه، قال له سعد: «اعهد علينا أبا عبد اللّه عهداً نأخد به».

فقال: «اذكر اللّه عند همّك إذا هممت، وعند يدك إذا قسمت، وعند حكمك إذا حكمت»(4).

وهذه صورة عن التربية الإسلامية التي ربّى بها الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أصحابه وأتباعه. فهو ربّاهم على; أن يذكروا اللّه عند العزم على كلّ شيء، وعند القسمة، والحكم.

ثمّ هاهو رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يتحدّث عن مسؤولية الحاكم; اتّجاه الاُمّة الإسلاميّة التي يأخذ بزمام حكمها فيقول: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته.

فالأمير الذي على النّاس; راع عليهم وهو مسؤول عنهم.

والرّجل; راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم.

وامرأة الرّجل; راعية على بيت زوجها، وولدها وهي مسؤولة عنهم

ألا فكلّكم راع، وكلّكم مسؤول عن رعيّته»(5).

كما يمكن أن تستجلى ملامح الحكومة الإسلاميّة وصفات الحاكم الإسلاميّ من قول الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ الذي يرسم لنا ما على الحاكم الإسلاميّ; اتّجاه الشعب، وما


1- كتاب الأموال للحافظ أبي عبيد سلام بن القاسم المتوفّى عام 225 هـ :10.
2- الأموال:10ـ13ـ13ـ1.
3- الأموال:10ـ13ـ13ـ1.
4- الأموال:10ـ13ـ13ـ1.
5- الأموال:10ـ13ـ13ـ1.


(37)

على الشعب; اتّجاه الحاكم إذ يقول ـ في وضوح كامل ـ:

«و أعظم ما افترض اللّه من تلك الحقوق; حقُّ الوالي على الرّعيّة وحقُّ الرّعيّة على الوالي، فريضةً فرض اللّه سبحانه، لكلّ على كلّ، فجعلها نظاماً لالفتهم، وعزاً لدينهم، فليست تصلح الرّعيّة إلا بصلاح الولاة، ولا يصلح الولاة إلا باستقامة الرّعيّة.

فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحقُّ بينهم، وقامت مناهج الدّين، واعتدلت معالم العدل وجرت على أذلالها السُّنن، فصلح بذلك الزّمان، وطمع في بقاء الدّولة ويئست مطامع الأعداء، وإذا غلبت الرّعيّة واليها أو أجحف الوالي برعيّته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدّين، وتركت محاجُّ السُّنن، فعمل بالهوى، وعطّلت الأحكام وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذلُّ الأبرار، وتعزُّ الأشرار، وتعظّم تبعات اللّه عند العباد»(1).

ثمّ إنّ الإمام عليّاً ـ عليه السلام ـ يصرّح في هذه الخطبة ذاتها بالحقوق المشتركة والمسؤوليات المتقابلة إذ يقول: «أمّا بعد، فقد جعل اللّه لي عليكم حقّاً بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم».

ثم يشير الإمام ـ عليه السلام ـ في هذه الخطبة إلى واحدة من أنصع القوانين الإسلاميّة; وهو قانون التسوية بين جميع أفراد الاُمّة الإسلاميّة حكّاماً ومحكومين، رؤوساء ومرؤوسين، وزراء ومستوزرين، وبذلك ينسف فكرة: أنا القانون، أو أنا فوق القانون، فيقول ـ عليه السلام ـ: «... الحقُّ لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له».

وعلى هذا; فلا تمييز ولا تفرقة بين الحاكم والمحكوم بل الجميع أمام القوانين الإسلاميّة المدنيّة والجزائيّة وغيرها سواء، وعلى الحاكم والرئيس أن يؤدّي حقوق الناس كأيّ فرد من أفراد الاُمّة العاديين، وبذلك يدعم الإمام ما روي عن الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إذ يقول: «النّاس أمام الحقّ سواء».


1- نهج البلاغة:الخطبة 211، طبعة عبده.

(38)

وهو ـ عليه السلام ـ في موضع آخر يلخّص هدف الحكم الإسلاميّ في كلمتين لا أكثر; يقول ابن عبّاس: دخلت خيمة عليّ ـ عليه السلام ـ بذي قار، فوجدته يخصف نعله، فقال لي: «ما قيمة هذه النعل» ؟

فقلت:لا قيمة لها.

فقال: «واللّه لهي أحبُّ إليّ من إمرتكم إلاّ أن أقيم حقّاً أو أدفع باطلاً»(1).

ثمّ ها هو ـ عليه السلام ـ يوصي أحد ولاته بقوله: «. . . وأشعر قلبك الرّحمة للرّعيّة والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدّين أو نظير لك في الخلق»(2).

فإذن ليست الحكومة في ظلّ الإسلام إلاّ الرحمة والمحبّة واللطف التي يجب أن تعمّ كلّ المواطنين، لا السبعيّة والغلظة التي تتّصف بها الحكومات غير الإسلاميّة.

كما يمكن أن نعرف طبيعة الدولة الإسلاميّة من كلام الإمام الشهيد الحسين بن عليّ ـ عليه السلام ـ إذ يقول: «اللّهمّ، إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام ولكن لنري المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك»(3).

إنّ المتخوّفين من قيام الدولة مطلقاً أو من قيام الحكومة الإسلاميّة خاصّةً; إمّا أنّهم يجهلون أهداف الحكومة الإسلاميّة، وإمّا أنّهم من ذوي السوابق السوداء والمطامع الرخيصة; فيرعبهم قيام الحكومة الإسلاميّة العادلة خيفةً من الفضيحة، أو خشيةً من العقاب.

إنّ الدولة الإسلامية لاتشمل المواطنين المسلمين فقط; بعدلها ورحمتها ولطفها، بل تشمل من سواهم من أهل الملل الاخرى كاليهود والنصارى وغيرهم; بذلك حتّى


1- نهج البلاغة:الخطبة 32.
2- نهج البلاغة:الرسالة 53 لمالك الأشتر واليه على مصر.
3- تحف العقول:172، طبعة بيروت.


(39)

أنّهم يجدون في ظلّها من كرامة العيش، وشرف الحياة مالا يجدون نظيره في ظّل الدول المتديّنة بدينهم، والمنتحلة لعقائدهم، والتاريخ الإسلاميّ المدوّن أفضل دليل على ذلك.

ففي التاريخ الإسلاميّ نرى، كيف كان يرجّح النصارى واليهود الحياة في ظلّ الدولة الإسلاميّة ورعايتها على الحياة في ظلّ السلطات والدول التي كانوا يعيشون فيها، وكيف أنّهم كانوا يفتحون صدورهم للفتوحات الإسلاميّة، ويقبلون بسيادة المسلمين لأنّهم كانوا يجدون في كنفهم دفء الرحمة وحرارة الإيمان وبرد الإحسان.

ولأجل ذلك; فإنّ أوّل خطوة خطاها رسول الإسلام صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعد استقراره في يثرب ـالمدينة ـ وبعد تشكيل أوّل حكومة إسلاميّة هو عقد وثيقة تعايش بين المسلمين وغيرهم وقّعها النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والمسلمون وأهل المدينة من اليهود وغيرهم، تحدّد العلاقات الإنسانيّة، والحقوق المتقابلة بين المسلمين وغيرهم، وهي بذلك تعتبر قانوناً أساسياً للدولة الإسلاميّة، بل تمثّل وثيقةً عالميّةً خالدةً لحقوق الإنسان.

وإليك مقتطفات مهمّة من هذه الوثيقة: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. . هذا كتاب من محمّد النبيّ [رسول اللّه] بين المؤمنين والمسلمين من قريش و [أهل ]يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنّهم امّة واحدة من دون النّاس».

ثمّ بعد أن ذكر النبيّ القبائل الإسلاميّة وما يقع عليها من مسؤوليّة حفظ الأمن ومساعدة الضعيف وإجراء العدل والقسط; ذكر اُموراً ترتبط بعامة المسلمين فكتبصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقول: «وأن لايخالف مؤمن مولى مؤمن دونه [ أي لا ينقض عهداً عهده مع غيره ]وإنّ المؤمنين المتّقين أيديهم على كلّ من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثماً، أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، وإنّ أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم. .

وإنّه من تبعنا من يهود فإنّ له النّصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.

وإنّ يهود بني عوف امّة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم


(40)

وأنفسهم، إلاّ من ظلم و أثم فإنّه لا يوتغ إلاّ نفسه وأهل بيته.

وإنّ على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإنّ بينهم النّصر على من حارب أهل هذه الصّحيفة وإنّ بينهم النُّصح والنّصيحة والبرّ دون الإثم»(1).

وخلاصة هذا الكتاب ـ الميثاق ـ هي:

1ـ جعل المسلمين امّةً واحدةً على اختلاف شعوبهم وقبائلهم.

2ـ إقرار المهاجرين من قريش على عاداتهم وسننهم في أحكام الديات والدماء، وقد نسخ ذلك فيما بعد بفرض الحدود والديات على أسلوب خاص.

3ـ مسؤولية المهاجرين عن فداء أسيرهم وتخليصه من أيدي المشركين.

4ـ المسؤوليّة الشاملة لجميع الطوائف والقبائل بأن تفدي أسيرها بالقسط والمعروف.

5ـ إقرار القبائل التي وردت أسماؤها في الصحيفة على عاداتهم، وإنّ كلّ طائفة منهم مسؤولة عن فداء عانيها.

6ـ قيام المؤمنين بإعانة المثقل منهم بالديون من أجل الفداء.

7ـ إنكار البغي والظلم وشجبه في جميع المجالات ومناهضة القائم به وإن كان ولداً لأحدهم فإنّهم مسؤولون عنه جميعاً لو أخلّوا به.

8ـ عدم قود المؤمن بالكافر لو قتله، فتؤخذ منه الديّة لا غير.

9ـ منح أدنى المسلمين أن يجير أيّ شخص شاء.

10ـ عدم السماح للمشركين بأن يجيروا مالاً أو دماً للمشركين من قريش.

11ـ إنّ القاتل للمؤمن من غير سبب يقاد به إلاّ أن يرضي أولياء المقتول بالديّة فتؤخذ منه.


1- سيرة ابن هشام 1:501، الأموال: 517 طبعة مصر، البداية والنهاية 3:224 ـ 226.

(41)

12ـ عدم السماح للمسلمين بنصرة المحدثين والمبتدعين في الإسلام ولزوم مقاومتهم.

13ـ قيام النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بحلّ مشاكلهم والخصومات التي تحدث بين المسلمين أو بينهم وبين اليهود.

14ـ منح اليهود الحقوق العامّة من الأمن والحريّة وغير ذلك بشرط أن يسايروا المسلمين ولا يعيثوا فساداً في الأرض.

15ـ إعتبار الجار كالنفس غير مضار ولا إثم.

وهذه هي بعض بنود تلك المعاهدة التاريخية (1).

ولم تكن هذه سيرة الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فحسب مع غير المسلمين من مواطني الدولة الإسلاميّة; بل كانت سيرة الدولة الإسلاميّة حتّى بعد الرسول الكريم.

فها نحن نرى كيف يساوي الدين الإسلامي بين الحاكم والمحكوم في جميع المجالات. . ومنها القضاء. وإليك مثلاً على ذلك.

وجد الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ ـ أيام خلافته ـ درعه عند يهوديّ من عامّة الناس، فأقبل به إلى أحد القضاة، وهو شريح; ليخاصمه ويقاضيه، ولمّا كان الرجلان أمام القاضي قال الإمام عليّ: «إنّها درعي و لم أبع ولم أهب».

فسأل القاضي الرجل اليهوديّ: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ فقال اليهوديّ: ما الدرع إلاّ درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب.

وهنا التفت القاضي شريح إلى عليّ يسأله: هل من بيّنة تشهد أنّ هذه الدرع لك؟ فضحك عليّ، وقال: «أصاب شريح، مالي بيّنة».

فقضى شريح بالدرع للرجل اليهودىّّ، فأخذها ومشى وأمير المؤمنين ينظر إليه! إلاّ أنّ الرجل لم يخط خطوات قلائل حتّى عاد يقول: أمّا أنا فأشهد أنّ هذه أحكام


1- النظام السياسيّ في الإسلام:155 ـ 156.

(42)

أنبياء، أمير المؤمنين يدينني إلى قاض يقضي عليه...

ثمّ قال: الدرع واللّه درعك ياأمير المؤمنين وقد كنت كاذباً فيما ادّعيت.

وبعد زمن شهد الناس هذا الرجل وهو من أصدق الجنود، وأشدّ الأبطال بأساً وبلاءً في قتال الخوارج يوم النهروان إلى جانب الإمام عليّ (1).

وفي رواية مماثلة: أنّ يهودياً خاصم عليّاً ـ عليه السلام ـ في أيام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فقال له عمر: قم يا أبا الحسن وقف مع خصمك.

فتغيّر وجه الإمام ـ عليه السلام ـ وبعدالانتهاء من المرافعة قال له عمر: يا أبا الحسن لعلّه ساءك أمري; أن تقف مع خصمك اليهوديّ ؟

قال ـ عليه السلام ـ: «كلاّ، وإنّما ساءني أنكّ كنّيتني ولم تساو بيني وبين خصمي، والمسلم واليهوديّ أمام الحقّ سواء»(2).

كما مرّ شيخ أعمى كبير السنّ يستجدي ويسأل الناس فقال عليّ ـ عليه السلام ـ ـوهو آنئذ في أيّام خلافته ـ: «ما هذا» ؟

فقالوا: يا أمير المؤمنين نصرانيّ !

فقال أمير المؤمنين: «استعملتموه حتّى إذا كبر و عجز منعتموه ؟ أنفقوا عليه من بيت المال»(3).

وقبل كلّ ذلك يشير القرآن الكريم إلى قانون التسامح الدينيّ هذا، فهو يسمح للمسلمين بأن يعاملوا غيرهم من الطوائف والجماعات غير المسلمة بالعدل والرفق، والشفقة ما داموا لا يت آمرون على المسلمين ولا يسيئون إلى أمنهم، ولا يؤذونهم بالقتال أو


1- الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّّة:87 ـ 88، بحار الأنوار 9:598 طبعة تبريز مع اختلاف يسير.
2- الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة:49.
3- الوسائل 11:49 ( الطبعة الجديدة ).


(43)

الإخراج من البلد. فيقول: ( لاَ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُواْ إِلَيهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلّهُمْ فَاُولَئِكَ هُمُ الظّالِمونَ)(الممتحنة: 8ـ9).

فالإسلام لايمنع عن البرّ والقسط إليهم، وإنّما منع عن الذين ظاهروا على المسلمين وتآمروا ضدّهم.

إنّ هذه الآية تعطي ميزاناً كلّيّاً لكيفية تعامل المسلمين مع غيرهم، والميزان هو مسالمة كلّ من سالم ومعاداة كلّ من عادى.

وممّا يؤيّد هذا الأمر قوله سبحانه: ( يَا أَيُّها الّذِينَ ءَامنُوا لاَ تَتّخِذُواْ بِطَانَةً مِنْ دونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُم تَعْقِلُونَ )(آل عمران: 118).

إذن; فالقرآن يمنع من التسامح مع الآخرين إذا كانوا يعادون المسلمين ويتعاونون مع المشركين لإيذاء المسلمين.

إنّ نظرةً واحدةً إلى التاريخ الإسلاميّ تكشف لنا; أنّ عدل الحكومات الإسلاميّة وعفوها ولطفها كان سبباً لأن يرجّح الكثير من المسيحيين وغيرهم، العيش في ظل النظام الإسلاميّ رغبةً وطواعية لما رأوا وسمعوا ولمسوا من مسامحة المسلمين وحسن معاملتهم، ولما لمسوه من حكّامهم المتديّنين بدينهم من الظلم والجور على خلاف المسلمين وحكّامهم.

وإليك ما ذكره البلاذري في هذا المجال: ( لمّا جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردّوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهلحمص [ وكانوا مسيحيّين ]: لولايتكم وعدلكم أحبُّ إلينا ممّا كنّا فيه من الظلم،والغشم، ولندفعنّ جند هرقل عن المدينة مع عاملكم، ونهض اليهود فقالوا:


(44)

والتوراة;(1) لا يدخل هرقل مدينة حمص إلاّ أن نغلب و نجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود، وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنّا عليه [من الظلم والحرمان ]وإلاّ فإنّا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد.

فلمّا هزم اللّه الكفرة وأظهر المسلمين; فتحوا مدنهم، وأخرجوا المقلسين فلعبوا وأدّوا الخراج )(2).

هذا; والشواهد والأمثلة التاريخية على هذا الموضوع أكثر من أن تحصى.

وقد بلغ تسامح الدول الإسلاميّة في التاريخ حداً عجيباً; إذ أشرك المسيحيون وغيرهم في الأجهزة الحكوميّة، وهو يدل على العناية القصوى بغير المسلمين.

وستوافيك هذه النصوص وغيرها عند البحث عن السلطة القضائية وحقوق الأقلّيات في الإسلام، وما ذكرناه هنا سوى لمحة عابرة اقتضاها المقام.

الحكومات الجائرة

ليس من الغريب أن تتبادر إلى أذهان البعض من شعوب الشرق ـ عند سماع اسم الحكومة ـ صورة مخيفة عن الحكومات الجائرة والحكام الجائرين، فإنّ شعوب هذه المنطقة عانت طوال قرون متمادية أسوأ أنواع الظلم والاضطهاد على أيدي الحكومات المستبدّة.

ولذلك; سرعان ما يتبادر إلى أذهانهم صورة الحاكم القاهر، والأمير المتسلّط الذي يمتصُّ دماء الناس، وينهب أموالهم، ويتحالف مع أضرابه من الظـالمين ومع القوى الأجنبيّة لترسيخ دعائم عرشه. ولكنّ الغاية التي يتوخاها الإسلام; ليست هي


1- أي قسماً بالتوراة.
2- فتوح البلدان للبلاذري (المتوفّى سنة 279 هـ):143 ،وراجع أيضاً (الدعوة إلى الإسلام ) للسير توماس ارنولد.


(45)

إيجاد مثل هذه الحكومات الجائرة المستبدّة، إنّما هي: الحكومة الصالحة العادلة الحائزة لرضا الاُمّة، الملتزمة بإجراء القوانين الإلهيّة العادلة.

ومن المعلوم; أنّ مثل هذه الحكومة لن تهدف إلاّ خدمة الامة، وحماية حقوقها وحرمتها وصيانة كرامتها، وتحقيق سعادتها، ولذلك فهي تعيش في ضمير الاُمّة وترتبط بوجدانها.

إنّ ما ينشد الإسلام إقامته وإيجاده هو: الدولة العادلة التي رسم الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ أهمّ خطوطها في عهده المشهور لمالك الأشتر الذي ولاّه على مصر، حيث يقول في موضع منه: «واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرّغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه للّه الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتّى يكلّمك متكلّمهم غير متتعتع»(1).

إنّ الحاكم العادل ـ في نظر الإسلام ـ هو من يشارك شعبه في أفراحه وأتراحه، وفي آلامه وآماله، لا أن يعيش في البروج العاجيّة، متنعّماً في أحضان اللّذة، رافلاً في أنواع الخير، غير عارف بأحوال من يسوسهم; كما قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ وهويرسم بذلك ملامح الحكومة الإسلاميّة الصالحة: «ءأقنع من نفسي بأن يقال: أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدّهر، أو أكون أسوةً لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيّبات كالبهيمة المربوطة همُّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمُّمها»(2)

ولو كان المفكّرون المعاصرون يعرفون ما اشترطه الإسلام للحاكم من شروط وعيّن له من وظائف وواجبات، وفرض عليه من قيود، وكيف يجب عليه أن يكون في جميع أفعاله منسجماً مع القوانين الإسلاميّة العادلة، ولو عرفوا الأهداف التي يبتغيها الإسلام من وراء إقامة الدولة الإسلاميّة، لما اعتبروا قيام مثل هذه الحكومة معارضاً للحرّيّات الفرديّة أبداً.


1- نهج البلاغة:الرسالة رقم (53).
2- نهج البلاغة:الرسالة رقم (45).


(46)

وظيفة الاُمّة اتّجاه الحكومة

إذا كانت الحكومة الإسلاميّة تضمن تلك المصالح الكبيرة للاُمّة، وتوصل الإنسانية إلى قمّة الكمال، فيجب على الاُمّة الإسلاميّة القيام بتأسيسها وتشكيلها إذا لميكن هناك حكومة إسلاميّة، وتأييدها ونصرها والتحرُّز عن خيانتها عند قيامها ووجودها.

وإليك بعض النصوص التي تشرح وظيفة الاُمّة الإسلاميّة وواجبها اتّجاه الحكومة الإسلاميّة.

قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «الدّين النّصيحة».

قيل: لمن يارسول اللّه ؟

قال: «للّه، ولرسوله، ولكتابه، و للأئمّة ولجماعة المسلمين»(1).

وقال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «يحقُّ على الإمام أن يحكم بما أنزل اللّه، وأن يؤدّي الأمانة فإذا فعل ذلك فحقّ على النّاس أن يسمعوا له. ويطيعوه، ويجيبوه إذا دعا»(2).

وقال الإمام الصادق جعفر بن محمّد ـ عليه السلام ـ: «إنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم خطب الناس في مسجد الخيف فقال: نضّر اللّه عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها و بلّغها من لم يسمعها فربّ حامل فقه إلى غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

ثلاث لا يغلُّ عليهنّ قلب امرىء مسلم:

إخلاص العمل للّه.

والنّصيحة لأئمّة المسلمين.

واللّزوم لجماعتهم. فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم.

المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم»(3).


1- الأموال:9ـ12.
2- الأموال:9ـ12.
3- الكافي 1:كتاب الحجة:402.


(47)

وقال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ: «قال أمير المؤمنين عليّ ـ عليه السلام ـ: لا تختانوا ولاتكم، ولا تغشّوا هداتكم. ولا تجهلوا أئمّتكم، ولا تصدّعوا عن حبلكم فتفشلوا وتذهب ريحكم، وعلى هذا فليكن تأسيس أموركم، والزموا هذه الطّريقة» (1).

وقال الإمام محمّد الباقر ـ عليه السلام ـ: «قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: ما نظر اللّه عزّ وجلّ إلى وليّ له يجهد نفسه بالطّاعة لإمامه والنّصيحة إلاّ كان معنا في الرّفيق الأعلى»(2).

وسأل أبو حمزة من الإمام محمّد الباقر ـ عليه السلام ـ: ماحقُّ الإمام على الناس؟ قال: «حقُّه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا».

قلت: فما حقُّهم عليه ؟ قال ـ عليه السلام ـ: «يقسم بينهم بالسّويّة و يعدل في الرّعيّة»(3).

هذه لمحة عن واجبات الاُمّة ووظائفها اتّجاه الحكومة الإسلاميّة.

ومن المعلوم; أنّ الحكومة لو قامت بوظائفها التي قرّرها الإسلام، وقامت الاُمّة الإسلاميّة بواجباتها اتّجاه الحكومة كما عيّنها الدين لاستقرّت العدالة، واستتبّ الأمن، وانتشر السلام، وازدهر الخير، وعّمت السعادة كلّ أرجاء البلاد.


1- الكافي 1:كتاب الحجة:405.
2- الكافي 1:كتاب الحجة:404.
3- الكافي 1:كتاب الحجة:405.


(48)

3

أنواع الحكومات

في العالم

إنّ لنظم الحكم في العالم ألواناً وأنواعاً نذكر المعروفة منها باختصار:

1ـ الملوكيّة

ويتحقّق النظام الملكيّ باستيلاء شخص على زمام الحكم والسلطة بانقلاب عسكريّ وبقوّة النار والحديد، يعلن على أثره نفسه حاكماً على البلاد، وملكاً للناس، ويعاقب معارضيه وينكّل بهم، ولا يكتفي باعلان نفسه ملكاً على الناس، بل ينصّب خلفه ملكاً من بعده،وهكذا تتناوب ذرّيّته عرشه وسلطانه جيلاً بعد جيل،ونسلاً بعد نسل.

وربما تبلغ به شهوة السلطة وداعية الملك إلى أن يسمّي نفسه ظلاّ ًللّه إن لم يبلغ به الاستعلاء والتفرعن إلى أن يجعل نفسه في مصافّ اللّه تعالى، فإذا به يرفع شعار:(اللّه، الملك، الوطن).

وهذا هو ما نلحظه في أكثر الملوكيّات الراهنة.

إنّ النظام الملكيّ ضرب من الحكومة الفرديّة التي يكون فيها(فرد واحد ) مبدأً


(49)

للسلطة، ومصدراً لكلّ القرارات، ومنشأً للقوانين. ولا يكون وحده كذلك بل يكون أبناؤه وأحفاده حكّاماً وملوكاً بالتوارث، فإذن، هو نظام فرديّ وراثيّ استبداديّ.

وقد كان هذا النمط من النظام ـ ولا يزال ـ ملازماً للاستعلاء والاستكبار ومنشأً للإرهاب والكبت، وهو ـ لا شكّ ـ أمر مرفوض في منطق القرآن الكريم إذ يقول:

(تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلّذينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواً فِى اْلأرْضِ وَلاَ فَسادَاً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ )(القصص: 83).

القرآن الكريم والملوكيّة

إنّ القرآن الكريم يعتبر طبيعة الملوكيّة بحكم كونها ناشئةً من الفرد; طبيعيةً ميّالةً إلى الفساد والتفرعن، وحمل الإرادة الفرديّة على الشعوب بالقهر والإرغام وإذلال أبنائها وأعزّتها، إلى غير ذلك من المنكرات والمفاسد والتبعات التي عانت منها البشريّة، طوال قرون، إذ يقول: ( قَالَتْ إِنّ الملُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزّةَ أَهْلِها أَذِلّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)(النمل: 34).

هذه الكلمة التي نقلها اللّهسبحانه في هذه الآية عن بلقيس ملكة سبأ، تمثّل إحدى سنن التاريخ الحاكمة في الحياة البشريّة، ولولا أنّها كذلك; لردّ عليها اللّه سبحانه ولم يمر عليها بسلام كما هو شأنه في هذه الحالات.

يقول السيد قطب ـ في ظلاله ـ حول تفسير هذه الآية: (... فهي تعرف أنّ من طبيعة الملوك أنّهم إذا دخلوا قرية أشاعوا فيها الفساد وأباحوا ذمارها، وانتهكوا حرماتها، وحطّموا القوّة المدافعة عنها، وعلى رأسها رؤساؤها، وجعلوهم أذلّةً لأنّهم عنصر المقاومة، وأنّ هذا هو دأبهم الذي يفعلون)(1).

إنّ القرآن عندما يتعرّض لأحوال الملوك الذين حكموا الأرض; يذكر جشعهم


1- في ظلال القرآن 19:146.

(50)

وطمعهم الذي لم يقف عند حدّ ويصوّر لنا كيف أنّهم لم يتركوا حتّى أموال الضعفاء والمساكين طمعاً وجشعاً.

فها هو القرآن يذكر لنا عن ملك بلغ به الجشع والحرص إلى درجة انتزاع سفينة بعض المساكين التي كانوا يرتزقون من ورائها، ويحصلون بها على لقمة عيشهم، فيقول: ( أَمّا السّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أنْ أَعِيبَهَا وكَانَ وَرَاءَهُمْ مِلكٌ يأْخذُ كُلّ سَفِينَة غَِصْبا ً)(الكهف: 79).

وها هو فرعون أحد ملوك مصر الذين حملوا أنفسهم على رقاب الناس وأكتافهم، يبلغ به الطمع والحرص إلى أن يعدّ نفسه مالكاً لأرض مصر وأنهارها وما فيها من خيرات من دون مبرر ولا سبب; إلاّ الطمع وحب الاستئثار بكلّ شيء لوحده، فإذا به يتباهى بما في يده من ملك، ويتبجّح بما له من سلطان كما يقول القرآن عنه: (وَنادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمهِ قَالَ يَاقَوْم ِأَليْسَ لِى مُلُكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِى مِنْ تَحتِى أَفَلاَ تُبْصِرُون)(الزخرف: 51).

إنّ الملوكيّة بما أنهّا لا تنطلق من مقاييس وضوابط إلهيّة دينيّة، بل تنطلق من المقاييس الشخصيّة والتسلُّط الفرديّ; لا يمكن أن تلازم غير صفة الاستئثار والطمع في اموال الآخرين.

فإذا كانت هذه هي طبيعة الملوك، وهذه هي سجيّتهم، فهل يسمح العقل ـفضلاً عن الشرع ـ بأن يفوّض إليهم مقدّرات الناس وأعراضهم وأموالهم ونفوسهم وما يملكون من حول وقوّة ؟!وهل يسمح العقل بأن يترك الأمر لتلك النفوس الجشعة والطبائع المنحرفة أن تتصرّف في شؤون الناس كيفما شاءت وارتأت ؟ وأن تتسلّط على رقاب الناس لتفعل ما تريد ؟.

أجل; إنّ الملوكيّة بما أنّها نظام فرديّ يقوم على تغليب إرادة الفرد على الجماعة، وبما أنّها تحظى بالسيادة والحاكميّة دون أن تمتلك كفاءة الإدارة والحكم حسب الضوابط الإنسانيّة والأخلاقيّة بل تمارس ذلك بالقوّة والقهر والإرهاب; فمن الطبيعيّ أن تؤول إلى


(51)

الجشع والتفرعن والطغيان والاستكبار. . وهذا هو ما تثبته أحوال الملوك في الماضي والحاضر و في كلّ مكان من العالم.

يقول العلامة الطباطبائيّ ـ في تفسير الميزان ـ في وصفه لطبيعة النظام الملكيّ والسلطة الملوكيّة تحت عنوان( من الذي يتقلّد ولاية المجتمع في الإسلام وما سيرته):

( إنّ هذه الطريقة ـ أي طريقة نظام الحكم الإسلاميّ ـ غير طريقة الملوكيّة التي تجعل مال اللّه فيئاً لصاحب العرش، وعباد اللّه أرقّاء له، يفعل بهم ما يشاء، ويحكم فيهم ما يريد، كما هي ليست من الطرق الاجتماعيّة التي وضعت على أساس التمتُّع الماديّ من الديمقراطيّة وغيرها، فإنّ بينها وبين الإسلام فروقاً بيّنةً تمنع من التشابه والتماثل.

ومن أعظم هذه الفروق أنّ هذه المجتمعات لمّا بنيت على أساس التمتُّع الماديّ نفخت في قالبها روح الاستثمار والاستعباد، والاستكبار البشريّ الذي يجعل كلّ شيء تحت إرادة الإنسان وعمله، حتّى الإنسان بالنسبة إلى الإنسان، ويبيح له طريق الوصول إليه والتسلُّط على ما يهواه ويأمله منه لنفسه، وهذا بعينه هو(الاستبداد الملوكيّ) في الأعصار السالفة، وقد ظهرت في زيّ الاجتماع المدنيّ على ماهو نصب أعيننا اليوم من مظالم الملل القويّة وإجحافاتهم وتحكُّماتهم بالنسبة إلى الامم الضعيفة، وعلى ما هو في ذكرنا من أعمالهم المضبوطة في التاريخ.

فقد كان الواحد من الفراعنة و القياصرة والأكاسرة يجري في ضعفاء عهده بتحكُّمه ولعبه، كلّ ما يريده ويهواه، ويعتذر ـ لو اعتذر ـ أنّ ذلك من شؤون السلطنة ولصلاح المملكة، وتحكيم أساس الدولة ويستدلُّ عليه بسيفه !!! )(1).

إنّ الإمام عليّاً ـ عليه السلام ـ يتحدّث عن وضع الناس المأساويّ في ظلّ النظام الملكيّ، الكسرويّ والقيصريّ، اللّذين كانا يمثّلان أسوء مظاهر الملوكيّة التاريخيّة، وهو ـعليه السلام ـ يخبرنا: كيف أنّ الآكاسرة والقياصرة كانوا يعتدون على حقوق الناس الطبيعيّة


1- تفسير الميزان 4:131.

(52)

ويهجّرونهم عن أوطانهم ومساكنهم ومزارعهم إلى أراض لا عشب فيها ولا ماء ولا عيش فيها ولا حياة، طمعاً في أراضيهم، واستئثاراً لممتلكاتهم ومزارعهم. ويعبّر الإمام عليّ ـعليه السلام ـ عن تلك العهود والأيام بالليالي السود إذ يقول: «واعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل عليهم السّلام فما أشدّ اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأمثال!

تأمّلوا أمرهم في حال تشتُّتهم وتفرُّقهم ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم يحتازونهم( أي يمنعونهم ويدفعونهم ويهجرونهم ) عن ريف الآفاق وبحر العراق وخضرة الدُّنيا، إلى منابت الشّيح ومهافي الرّيح ونكد المعاش فتركوهم عالةً مساكين، أذلّ الامم داراً وأجدبهم قراراً. . فالأحوال مضطربة والكثرة متفرّقة في بلاء أزل، وأطباق جهل !!!»(1).

إنّ الحكم الملكيّ حكم استبداديّ، وإنّ مفاسد الحكم الاستبداديّ أوضح وأكثر من أن تبيّن.

غير أنّنا للوقوف على ما يذكره القرآن الكريم من مفاسد تترتب على الحكم الاستبداديّ لا بدّ من ملاحظة ماورد في هذا الصدد من آيات.

إنّ القرآن الكريم يأتي بفرعون نموذجاً حيّاً وكاملاً للحاكم المستبدّ، والحكومة الاستبداديّة، ثم يستعرض ما كان يفكّر فرعون به، ويقوم به انطلاقاً من هذه الخصّيصة، وبمقتضى هذه الصفة، وبذلك يوقفنا القرآن على مفاسد الحكم الفرديّ الاستبداديّ:

1ـ مفاسد الحكم الاستبداديّ

فالقرآن الكريم يصف( فرعون ) بأنّه كان مستكبراً عالياً مسرفاً متجاوزاً الحدّ، فهو يرى نفسه فوق الآخرين، وإرادته فوق إرادتهم إذ يقول: ( ثُمّ بَعَثْنَا مِنْ بعْدِهِمْ


1- نهج البلاغة:الخطبة رقم (187).

(53)

مُوسَى وَ هَارُونَ إلَى فِرعَوْنَ وَمَلإِيهِ بِ آيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمَاً مُجْرِمِينَ )( يونس: 75). (فَمَا ءَامَنَ لِمُوسَى إِلاّ ذُرّيّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْف مِنْ فِرْعَوْنَ و مَلإِيهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنّ فِرْعَوْنَ لَعَال فِى الأرْضِ وَ إِنّهُ لَمِنَ المسْرِفِينَ )(يونس: 83). (ثُمّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَ أَخَاهُ هَارُونَ بآيَاتِنَا وَ سُلْطَان مُبِين *إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَاسْتَكْبَرُوْا وَكاَنُوا قَوْمَاً عَاليِنَ)(المؤمنون: 45ـ46). (وَ لَقَدْ نَجّيْنَا بَنِى إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ المهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنّهُ كَانَ عَالِياً مِنَ المسْرِفيِنَ )( الدخان: 30ـ31).

ومن البديهي لمن يعتبر نفسه أعلى من الآخرين; أن يطغى على اللّه تعالى ويعصيه ويفسد في الأرض، وكذلك كان فرعون المستبدّ كما يصفه القرآن إذ يقول: ( وَجاوَزْنا بِبَنِى إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنَ وَ جُنُودُهُ بَغْيَاً وَعَدْوَاً حَتّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنّهُ لاَ إِلهَ إِلاّ الّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ أَنَا مِنَ االمسْلِمينَ *ءَآلْـَـنَ، وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ المفْسِدِيِنَ )( يونس: 90ـ 91).

ترى وأيّ فساد أعظم وأيّ استكبار أكبر من أن يستعبد الناس، ويسلبهم حرياتهم ويتخذ عباد اللّه خولاً.

فها هو القرآن; ينقل عن فرعون قوله مخاطباً قومه وهو يشير إلى قوم موسى وهارون: ( ثُمّ أَرْسَلْنَا مُوسى وَ أَخَاهُ هَارُونَ بآياتِنَا وَسُلطَان مُبِيْن * إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيهِ فَاسْتَكْبَروُاْ وَ كَاَنُواْ قَوْمَاً عَالِينَ *فَقَالُواْ أَنؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمَهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)؟(المؤمنون: 45ـ47).

كما أنّ القرآن الكريم ينقل اعتراض النبيّ موسى ـ عليه السلام ـ على فرعون، استعباده للناس إذ يقول له بعد أن ذكر تربيته وحضانته وعنايته بموسى في طفولته بقوله: ( أَلَمْ نُرَبِّكَ فِيْنا وَ لِيدَاً وَ لَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنينَ ) ؟(الشعراء: 18). ( وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيّ أَنْ عَبّدْتَ بنىِ إِسْرَائِيلَ)(الشعراء: 22).

وما أوقح فرعون وأشد كفره واستكباره إذ يقول: ( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)!!!(الشعراء: 23).


(54)

إنّ الاستبداد حالة طغيان تجعل الحاكم المستبدّ أن لا يقبل نصيحةً أو انتقاداً فيصير سيّء فعله حسناً في نظـره; كما يخبر بذلك القرآن عن فرعون إذ يقول: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحَاً لَعَلّى أَبْلُغُ الأسْبَابَ *أَسْبَابَ الْسّمَواتِ فَأَطّلِعَ إِلَى إِلهِ مُوسَى وَ إِنّى لأَظُنّهُ كَاذِباً وَ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدّ عَنِ السّبيِلِ ومَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِى تَبَاب )(المؤمن: 36ـ37).

إنّ الحاكم المستبد في الرأي والحكم; يعتقد أنّه يجب على الجميع أن يروا رأيه ويتبعوا فكرته، سواء وافق الدليل أم لا، وسواء طابق المصلحة أم لا، بل يكفي في صحّته ولزوم طاعته أنّه رأي الملك ومشيئته.

ولهذا يقول القرآن حاكياً عن لسان فرعون كلامه بعد ما قال موسى: ( يَا قَوْمِ لَكُمُ الملكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الأرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأسِ اللّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاّ مَا أَرَى )( غافر: 29).

ويبلغ الاستبداد بالحاكم المتفرّد; إلى أن يستهين بالمجتمع ولا يعتني بأرائه، ويستخفّه، كما فعل فرعون الملك المستبد في مصر آنذاك إذ يقول اللّه عنه: (فَاسْتَخَفّ قَوْمَهُ ).

ومن الطبيعي أن يفقد مثل هذا المجتمع ثقته بنفسه وبفكره وبعقله فيطيع الحاكم المستبدّ طاعةً عمياء كما يقول القرآن الكريم معقّباً على هذه الكلمة: (فَأَطَاعُوهُ إِنّهُمْ كَانُواْ قَوْمَاً فَاسِقينَ)( الزخرف: 54).

كما قد يبلغ الاستبداد بالحاكم المستبد إلى أن يرى نفسه أعلى من كلّ الموجودات ويطلب من الناس عبادته كما يعبدون اللّه ويحظر عليهم عبادة غيره، حظراً شديداً ومنعاً باتاً; بحيث لو سوّلت لأحد نفسه أن يعبد غير ذلك الحاكم الطاغي والملك المستبد، أخذه بأشدّ العذاب وأقسى أنواع العقاب بدءاً من السجن وانتهاءً بما هو أشدّ.

وهذا هو ما يخبر به القرآن عن فرعون إذ يقول: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرِي )(القصص: 38). (فَحَشَرَ فَنَادَى*فَقَالَ( أي فرعون ) أَنَا


(55)

رَبُّكُمُ الأعْلى * فَأَخَذَهُ اللّهُ نَكَالَ الاْخِرَةِ وَ الاُْوْلَى)( النازعات: 23 ـ 25). (قَال(أي فرعون لموسى عليه السلام) لَئِنْ اتّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأجْعَلَنّكَ مِنَ المسْجُونِينَ)(الشعراء:29).

وقد بلغ به الاستبداد إلى أن يوجد الكبت في المجتمع ويقف دون يقظتهم ووعيهم، بحيث لو لمس فيهم ذلك نكّل بهم وعذّبهم أشدّ العذاب: ( قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنّهُ لَكَبيِرُكُمُ الّذي عَلّمَكُمُ السّحرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لاُقَطِّعَنَ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَ لاُصَلِّبَنّكُمْ أَجمَعينَ )(الشعراء: 49). ( قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنّهُ لَكَبِيرُكُمُ الّذِي عَلّمَكُمُ السّحْرَ فَلاُقَطِّعَنّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَلاُصَلّبَنّكُمْ فِى جُذُوعِ النّخْلِ وَ لَتَعْلَمُنّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذَاَباً وَ أَبْقَى )( طه: 71).

إن الحاكم الاستبدادي; لا يتحمل حركات التوعية والإصلاح، ولذلك يتهم اصحابها بكلّ تهمة كما فعل فرعون بالنسبة لموسى ـ عليه السلام ـ ودعوته الإلهية المباركة حيث اتّهمه فرعون وأخاه بأنّه يطلب الزعامة: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آباءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ وَ مَا نَحْنُ لَكُمَا بِمؤْمِنينَ)(يونس: 78).

بل ينفر الناس عن اولئك المصلحين، وأصحاب الرسالات بأنّهم يريدون إشقاء الناس وخداعهم وتضليلهم: (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آياتِنَا كُلّهَا فَكَذّبَ وَأَبَى* قَالَ: أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى )(طـه: 56ـ57). (قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُريْدَانِ أنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أرضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا)(طـه: 63).

وربّما يصوّر للناس وضعهم الأسود البائس تصويراً جميلاً ويلقّنهم بأنّ ما هم فيه من طريقة، هي الطريقة المثلى كما يقول ذلك عن لسان فرعون وملائه: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُريِدَانِ. . . وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثْلَى)(طـه: 63).

وقد يبلغ الاستبداد بالحاكم المستبدّ حداً يجعله يتوسّل بكلّ وسيلة للحفاظ على عرشه حتّى ادّعاء التديُّن، والتستُّر به، ونصب نفسه حامياً لحياض الدين مع أنّه يريد ـفي قرارة نفسه ـ; هدم الدين والقضاء عليه من جذوره، وربّما يتّهم من يريد إرشاد


(56)

الناس إلى الحقيقة، وإلى الدين الحقيقيّ; بأنّه يريد الفساد والعبث بأمن البلاد، كما فعل فرعون لما جاءه موسى ـ عليه السلام ـ يدعوه ويدعو قومه إلى اللّه: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِيْنَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26).

بل أنّ الحاكم المستبدّ لا يمتنع من أن يخادع الجماهير ويضلّلهم، ويصوّر نفسه مرشداً و هادياً إلى الحقّ إذ يقول القرآن عنه: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرّشَادِ)(غافر: 29).

وقديتوسّل لتثبيت سلطانه; بتقسيم المجتمع إلى مستكبر بالغ درجة كبيرة في استكباره ومستضعف محروم من أقلّ حقوقه الإنسانيّة، فيستعين بالمستكبرين على المستضعفين كما فعل فرعون إذ يصفه اللّه تعالى: (إِنّ فِرعَوْنَ عَلاَ فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعَاً )(القصص: 4).

إنّ الاستبداد قد يبلغ بالحاكم المستبد إلى أن يدّعي ملكيّة البلاد كلّها وملكية انهارها وعيونها، كما ادعى فرعون إذ قال: (وَنَادَى فِرعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ )( الزخرف: 51).

وإذ لم يكن للحاكم المستبد أيّ رادع من خلق وأي وازع من دين; فإن استبداده قد ينتهي به إلى حدّ يجعل نفسه مشرّعاً، ويعطي لنفسه حق التشريع والتقنين، ويحمل بذلك اهواءه على الناس في قالب الدين ـ كما هو الرائج ـ وهذا هو ما ينهى القرآن عنه إذ يقول: (وَلاَ تَقُولواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ )( النحل: 116).

كما أنّ الاستبداد قد يدفع بصاحبه إلى مساواة نفسه العاجزة باللّه في القدرة على بعض الأفعال التي هي من شؤون اللّه خاصّةً كالإماتة والإحياء. . كما يحدّثنا القرآن الكريم عن نمرود وهو ملك آخر من الملوك المستبدّين، إذ يقول عنه: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذي حَاجّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أنْ أَتاهُ اللّهُ المُلكَ، إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّيَ الّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَالَ أَنَا


(57)

أُحْيِي وَ أُمِيتُ )(البقرة: 258).

إنّ التاريخ مليء بالم آسي التي سببّتها الديكتاتوريّة والاستبداد للناس وحوّلت حياتهم إلى جحيم لا يطاق، فمن يمكن أن ينسى ما لحق ببعض الناس الأبرياء على أيدي أصحاب الاخدود، الذين يذكرهم القرآن، وكانوا ملوكاًجبابرة. . أرادوا أن يحملوا الناس على عقيدتهم ومسلكهم فلمّا رفض الناس ذلك خدُّوا لهم أخدوداً وخندقاً، وأوقدوا فيه النار، ورموا اولئك الناس فيها أحياء مع أولادهم وأطفالهم. . وكان ذلك من أشدّ ما عاناه الناس على أيدي الملوك المستبدّين; إذ يقول القرآن وهو يصبُّ لعناته عليهم: ( قُتِلَ أَصْحَابُ الاُخْدُود النّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ *إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمنِينَ شُهُودٌ * وَ مَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاّ أنْ يُؤمِنُواْ بِاللّهِ الْعَزِيزِ الحَمِْيدِ)(البروج:4ـ8).

ففي تفسير القمّي في قوله تعالى: (قُتِل أَصْحَابُ الاُخْدُود )( كان سببه; أنّ آخر ملك من ملوك حمير تهوّد، واجتمعت معه حمير على اليهودية، وسمّى نفسه يوسف وأقام على ذلك حين من الدهر.

ثمّ أخبر أنّ بنجران بقايا قوم على دين النصرانية، وكانوا على دين عيسى وحكم الانجيل، فحمله أهل دينه على أن يسير إليهم ويحملهم على اليهودية، ويدخلهم فيها فسار حتى قدم نجران، فجمع من كان بها على دين النصرانية، ثمّ عرض عليهم دين اليهوديّة والدخول فيها; فأبوا عليه، فجادلهم وعرض عليهم وحرص كل الحرص أن يدخلوا في اليهوديّة; فأبوا عليه وامتنعوا من اليهودية والدخول فيها، واختاروا القتل.

فاتّخذ لهم أخدوداً [أي خندقاً] وجمع فيه الحطب، وأشعل فيه النار، فمنهم من أحرق بالنار، ومنهم من قتل بالسيف، ومثّل بهم كلّ مثلة فبلغ عدد من قتل وأحرق بالنار: عشرين ألفاً )(1).

وفي حديث آخر حول هذه الآية عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ: «أنّ ملكاً


1- تفسير القمّي كما في نور الثقلين 5:544.

(58)

سكر فوقع على ابنته [ أو قال على اخته ]فلمّا أفاق قال لها كيف المخرج ممّا وقعت فيه. . قالت: تجمع أهل مملكتك وتخبرهم أنّك ترى [أي تجوّز] نكاح البنات وتأمرهم أن يحلّوه فأخبرهم، فأبوا أن يتابعوه، فخدّ لهم اخدوداً في الأرض وأوقد فيه النيران وعرضهم عليها، فمن أبى قبول ذلك قذفه في النار، ومن أجاب خلى سبيله»(1).

وهكذا يبلغ الاستبداد بالحاكم والملك المستبد إلى أن يرتكب ما يريد، ويستبيح كلّ حرام، ويأتي بكل منكر، ويدعو قومه مع ذلك إلى متابعته، وإلاّ قتلهم ونكّل بهم وعذّبهم وأخذهم بأشدّ عقاب.

إنّ ما يذكره القرآن الكريم عن فرعون أو بعض الملوك من الاستبداد وما يترتب عليه من مفاسد خطيرة; لايختصُّ بفرعون ومن ذكرهم القرآن خاصة، بل هي خصّيصة تلازم النظام الملكيّ باعتباره حكماً فردياً لا ينطلق من مقاييس إلهيّة وإنسانيّة وأخلاقيّة، بل ينطلق من التسلط والقهر، وحمل الفرد نفسه على رقاب الشعوب. . وإنّما ذكر القرآن فرعون وخصّه بالذكر; لكونه مثلاً حيّاً ونموذجاً معروفاً للملك المستبدّ.

على أنّ آثار الاستبداد ومفاسده على درجات ومراتب في الكمّية والكيفيّة حسب توفُّر هذه الخصلة[ الاستبداد] في الحاكم والملك.

فمن مستبد يسلب بعض الحريات ويترك بعضها، إلى آخر يسلب جميعها جملةً واحدةً ويتجاوز الحدود ويستأثر بفيء العباد، إلى آخر يتصوّر نفسه مالكاً للبلد الذي يحكم فيه، ومالكاً لأهله وما فيه قاطبةً، إلى آخر يشتدُّ فيه الاستبداد حتّى يدعي الالوهيّة، أو يصف نفسه بأنّه الإله الأعلى وعلى الناس أن يعبدوه إلى. . وإلى. .

فأين هذا النظام من الحكومة التي ينشدها الإسلام ويريد اقامتها، حيث يخاطب اللّه تعالى نبيّه داود ـ بصددها ـ بقوله: ( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأرْضِ فَاحكُمْ بَينَ النّاسِ بِِالْحقِّ وَلا تَتّبِعَ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ )( ص: 26).

أو يخاطب نبيّه محمّداً صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قائلاً: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ وَ لاَ تَتّبِعْ


1- مجمع البيان 10:465 و الدّر المنثور للسيوطيّ 6:333.

(59)

أَهْوَاءَهُمْ)(المائدة: 49).

أجل، تلك هي طبيعة الملكية. . جشع بالغ وطمع يتجاوز الحدود، وتفرعن واستعلاء وفساد وإفساد، وبالتالي تاريخ مشحون بالم آسي والدموع، وإخراج الآمنين من أوطانهم ظلماً وعدواناً.

وأمّا الملكيّة التي منّ اللّه بها على بني اسرائيل، فهي تختلف عن هذه الملكية لأنّها مقرونةً بالنبوّة، موهوبةً من جانب اللّه سبحانه، فلا تفرعن فيها ولا استكبار ولا عدوان فيها ولا إفساد.

وفي هذا الصدد يقول القرآن الكريم: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيْكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً )(المائدة: 20).

والمقصود من الملوك في الآية; هم الأنبياء أمثال يوسف وداود وسليمان ّ ـ عليهم السلام ـ إذ يقول القرآن عن ذلك: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى مَا ءَاتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ أتَيْنَا ءَالَ إِبْراهِيمَ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُمْ مُلْكَاً عَظِيماً )(النساء: 54)(1).

ومن المعلوم; أنّ يوســــف وداود وســـليمان ـ عليهم السلام ـ كــانوا من آل إبراهيم ـ عليه السلام ـ وكانوا في القمّة من أنبياء بني اسرائيل.

وأمّا الشخص الذي اختاره اللّه ملكاً لبني اسرائيل كما في قوله سبحانه: ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَاً قَالُواْ أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ واللّهُ يؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ واللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة: 247).

فهو وإن لم يكن نبيّاً، ولكنّه مع ذلك لم يكن فرداً عادياً، بل كان ممّن تربّى


1- والمراد بالملك ـ في المورد هو السلطة على الاُمور الماديّة والمعنويّة، فيشمل ملك النبوّة والولاية والهداية والثروة وغيرها، وذلك هو الظاهر من سياق الجمل السابقة واللاحقة، فإنّ الآية السابقة (أي الآية 53 ) تؤمى إلى دعواهم أنّهم يملكون القضاء والحكم على المؤمنين; راجع الميزان للعلاّمة الطباطبائيّ 4:375.

(60)

بالتربية الإلهية، وحظي بمؤهلات الحكم والملك، ولذلك اختاره اللّه سبحانه، وإلى هذه المؤهلات أشار القرآن الكريم بقوله: ( إِنّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) .

فلا يمكن الاستدلال بهذه الموارد التي اقترنت فيها الملوكيّة بالنبوّة، والصفات الإنسانيّة العليا الموهوبة من اللّه سبحانه لهم، على حسن الملوكيّة وقدرتها على إقامة العدل بين الاُمّة.

وهذا أشبه شيء بالاستدلال بموارد نادرة على طبيعة الحكم الكلّي.

أضف الى ذلك; أنّ من المحتمل جداً أن يكون المراد من الملوكيّة هو مطلق الحاكميّة على الناس، وامتلاك هؤلاء الأنبياء إدارة اُمور الناس; الذي اعطي لهم من جانب اللّه سبحانه وتعالى.

غير أنّ التعبير عن هذه الحاكميّة والامتلاك بلفظ الملوكيّة; إنّما هو لأجل المحافظة على الاصطلاح الرائج بين الناس في موضوع الحاكميّة، حيث إنّه لم يكن يوجد بينهم أيُّ لون من الحاكميّة إلاّ الملوكيّة; فاستعار سبحانه هذه اللفظة للتعبير عن حاكميتهم المعطاة لهم، مع الفارق الكبير والبون الشاسع بين الحاكميتين والامتلاكين.

وبالتالي، فانّ هذه الملوكية التي وصف اللّه بها ثلّةً من الأنبياء، تختلف جداً عن الملكية التي هي محطُّ بحثنا هنا، فإنّ الملكيّة التي في هذه الآيات; هي ممّا جعلها اللّه سبحانه لرجل صالح من الأنبياء، وليست ممّا حصّلت بالقهر، والتغلُّب بالقوّة على رقاب الناس، ممّا تتصف بها جميع ملوكيات الأرض.

وباختصار: إنّ الملوكية التي كانت للأنبياء; تفترق عن الملوكيات الدارجة المتعارفة ـ التي يذمُّها اللّه سبحانه في ما مضى من الآيات في مطلع هذا البحث ـ في أمرين:

الأوّل: اقتران العصمة والصفات الكريمة العليا مع صفة الملوكية في الأنبياء دون غيرهم من ملوك الأرض.


(61)

الثاني: إنّ الملوكية التي اتّصف بها الأنبياء; كانت معطاة من اللّه سبحانه، لا أنّهم اكتسبوها بالقوّة والقهر كما هو شأن ملوك الأرض.

ولو كانت الملوكية مجردةً عن ذينك الأمرين; لأدّى إلى الفساد، والتفرعن كما يشهد به التأريخ.

وأقصى ما يمكن أن يقال حول توصيف اللّه سبحانه لبعض الأنبياء الصالحين بالملوكيّة: أنّ التأريخ وإن كان يشهد على أنّ الملوكيّة وإن كانت مقرونة بالاستكبار والتفرعن والفساد، غير أنّه لم يكن يتبادر من تلك الكلمة ـ في عصر نزول القرآن ـ ما يتبادر في العصور المتأخّرة عن نزوله وبالأخصّ في هذه الأعصار الأخيرة.

ولأجل ذالك وصف اللّه سبحانه طالوت بالملوكيّة (بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَاً)ومنّ على بني اسرائيل بأن جعل فيهم أنبياء وجعلهم ملوكاً، قال سبحانه: ( اذْكُرُوُا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيْكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكَاً )(المائدة: 20).

كما وصف آل ابراهيم بقوله: (فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْراهِيمَ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وَ ءَاتَيْنَاهُمْ مُلْكَاً عَظِيمَاً)(النساء: 54).

إلى أن عاد سبحانه ينقل عن داود بأنّه طلب من اللّه سبحانه أن يهب له ملكاً، قال تعالى: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكَاً لاَ يَنْبَغِي لأحَد مِنْ بَعْدِي)(ص: 35).

إنّ الملكيّة بكلّ أنواعها; مرفوضة في نظر الإسلام وخاصّة الوراثيّة منها، لما في ذلك من الفساد وضياع الحق والعدل. . كما أثبتته التجارب التأريخيّة في حياة البشريّة.

يقول المؤرّخ المعروف ابن خلدون في مقدّمته في الفصل الحادي والعشرين تحت عنوان( فيما يعرض في الدول من حجر السلطان والاستبداد عليه ):

( إذا استقر الملك في نصاب معيّن ومنبت واحد من القبيل القائمين بالدولة وانفردوا به، ودفعوا سائر القبيل عنه، وتداوله بنوهم واحداً بعد واحد،بحسب الترشيح، فربّما حدث التغلّب على المنصب من وزرائهم وحاشيتهم، وسببه في الأكثر ولاية صبيّ


(62)

صغير، أو مضعف من أهل المنبت يترشّح للولاية بعهد أبيه، أو بترشيح ذويه وخوله، ويؤنس منه العجز عن القيام بالملك، فيقوم به كافله من وزراء أبيه وحاشيته ومواليه أو قبيله، ويورّيء بحفظ أمره عليه حتّى يؤنس منه الاستبداد ويجعل ذلك ذريعةً للملك، فيحجب الصبيّ عن الناس، ويعوده اليها ترف أحواله، ويسيمه في مراعيها متى أمكنه، وينسيه النظر في الاُمور السلطانيّة حتّى يستبدّ عليه، وهو بما عوّده يعتقد أنّ حظّ السلطان من الملك; إنّما هو الجلوس على السرير، وإعطاء الصّفقة، وخطاب التهويل، والقعود مع النساءخلف الحجاب، وأنّ الحلّ والربط والأمر والنهي ومباشرة الأحوال الملوكيّة، وتفقُّدها من النظر في الجيش والمال والثغور، إنّما هو للوزير، ويسلّم له في ذلك إلى أن تستحكم له صبغة الرئاسة والاستبداد، ويتحوّل الملك إليه ويؤثر به عشيرته وأبناءه من بعده كما وقع لبعض البلاد.

وقد يتفطّن ذلك المحجور المغلّب لشأنه، فيحاول على الخروج من ربقة الحجر والاستبداد، ويرجع الملك إلى نصابه، ويضرب على أيدي المتغلّبين عليه، إمّا بقتل أو برفع عن الرتبة فقط، إلاّ أنّ ذلك في النادر. . وإنّما يحدث لأبناء الملوك ذلك; لأنّهم ينشأون منغمسين في نعيمه وقد نسوا عهد الرجولة )(1).

وصفوة القول; أنّ النظام الملكيّ المطلق منه والدستوري والوراثي ّ، أمر ملازم للاستعلاء والطغيان.

***

2ـ الحكومة الأشرافيّة

إنّ المقصود من هذا النوع; هو أن يتسلّم فريق من أعيان المجتمع ووجوهه زمام الحكم والسلطة بحجّة تفوّقهم الروحيّ والفكريّ أو النسبيّ على الآخرين، وهذا هو ما يصطلح عليه الآن بالحكومة ( الارستقراطيّة ) أو حكومة طبقة( الأعيان ).

ولا يخفى، أنّ مجرّد التفوّق الروحيّ أو الفكريّ أو النسبيّ ما لم يقترن بسائر


1- مقدمة ابن خلدون:185 ـ 186.

(63)

الصلاحيّات والمؤهلات; لايمكن أن يكون مسوّغاً للقيادة والحاكميّة، ولأجل ذلك لا تكون الأشرافية بهذا المعنى ملاكاً لها.

أضف إلى ذلك; أنّه ربّما تتصدّر شرذمة من الطغاة الحريصين على الحكم والسلطة مسند الحاكميّة بادعاء تفوّقهم الروحيّ أو الفكريّ أو النّسبيّ على الآخرين من دون أن يكون فيهم شيء من ذلك.

***

3ـ حكومة الأغنياء(1)

وهي تتحقّق باستيلاء جماعة من ذوي الثراء الكبير على زمام الحكم لثرائهم، وهذا النمط هو ما يسمّى بحكومة الخاصّة أيضاً.

ويبرّر هذا الفريق حقّهم في الأخذ بزمام الحكم دون غيرهم; بقدرتهم الاقتصادية وتفوّقهم الإداريّ.

ولكن هذا النوع وما تقدمه من الحكومات; لا يلتقي ولا ينسجم مع النظام الإسلاميّ مالم يرتضيه الشعب، ولم يكن موافقاً للاسس والضوابط الإسلاميّة في مجال الحكم والحاكم، لأنّ هذه الحكومات تؤول ـ لا محالة ـ إلى الديكتاتورية والاستغلال، وإن كانت تغطّي نفسها ـ أحياناً ـ برداء الديمقراطيّة، وتدّعي خدمة الشعوب.

4ـ النمطُ الديمقراطيّ

ويعني هذا النوع من الحكومة: «حكومة الشعب على الشعب»، وهو في ظاهره يختلف عن الأنواع السابقة بأنّه يستند إلى إرادة الشعب، ورأيه، ويتحقّق بأن يكون الحاكم أو الرئيس منتخباً من جانبهم، أو يكون موضع قبولهم على الأقلّ.

وهذا النمط; وهو الذي تدّعيه أكثر الحكومات الحاضرة وخاصّةً في الغرب بل;


1- وتسمّى حكومة الاستئثار.

(64)

ويتبجّح به العالم الغربي ّ ويفتخر به ويدّعي أنه السبيل الوحيد لضمان الحريات التي يتطلبها الإنسان، طيلة حياته، ويشتريها بأغلى ثمن ولكنّه ادعاء خال عن الحقيقة، مجرد عن الواقع.

فإنّ الديمقراطيّة الدارجة في الغرب ديمقراطيّة ظاهريّة، وحريّة صوريّة غير حقيقّية، فالناخبون هناك ينتخبون نوّابهم وحكاّمهم مجبورين ومضطّرين في الواقع وإن كانوا مختارين في الظاهر.

فهم ينتخبون تحت تأثير الوسائل الإعلاميّة الفعّالة، والمؤثرات الخفيّة والجليّة التي تدفع بالناخب الغربيّ إلى أن ينتخب ـ بصورة لا إرادية ـ ما تروّج له أجهزة الإعلام، أو تسوّله دعايات اصحاب الشركات والمعامل الكبرى، أو تدعو له الراقصات والمغنّيات والمغنون.

إنّ المرء يتصوّر ـ في بادىء الأمر ـ; أنّ الغرب يمارس ديمقراطيّةً حقيقيّةً، غير أنّ من يطالع الأوضاع وخلفياتها الخفيّة; يرى صورةً عن الديمقراطيّة لا روح فيها، وشكلاً من حرية الانتخاب لاواقع لها، فالإنسان في تلك الديار مسيّر بفعل العوامل الدعائية التي تملكها شرذمة من أصحاب الثروة والنفوذ والمصالح، فالإنسان الغربي يمارس ديمقراطيّةً كاذبةً، لأنّه لا يختار إلاّ ـ تحت التأثير الإعلاميّ ـ من تريده تلك الشرذمة من أصحاب المصالح والنفوذ لا ما يريده هو في قرارة وجدانه، أو يحكم به عقله، وتقتضيه مصالحه.

وهل يستطيع أحد أن ينكر تأثير الأجهزة الإعلاميّة والدعائية في بذر فكرة خاصّة وإلقائها في أذهان الناس، وتوجيههم الوجهة التي تريد، ودفعهم إلى اختيار من تشاء؟.

أم هل يمكن إنكار الدور المؤثر لوسائل الطّرب، وللفنّ، والحفلات الغنائيّة والموسيقيّة؟ فكيف لايؤثر في الأذهان; جعل صورة المرشّح للرئاسة أو للنيابة على صدور الفتيات الشبه عاريات والراقصات أمام الجماهير، أو ترديد اسم المرشّح في أناشيد


(65)

المطربين والمطربات وفي أغاني المغنّين والمغنّيات؟.

أم هل يمكن أن ينسى تأثير الوعود البرّاقة الكاذبة، أو شراء الأصوات بالأموال الطائلة أو التحالفات العشائريّة، وغير ذلك من الوسائل المتّبعة في الغرب وفي النظم الديمقراطية السائدة في عالمنا الحاضر؟.

وليس من شكّ في أنّ انتخاب الإنسان المسيّر في اختياره، المدفوع تلقائياً إلى انتخاب مرشّح شرذمة معينة، لاقيمة له في ميزان العدل والحق، ولا يمكن أن يسمى انتخاباً حرّاً واختياراً صحيحاً، ولا يكون مثل هذا في الغرب إلاّ لأنّهم لا يشترطون في الانتخاب شرطاً من الاُمور المعنويّة عدا كونه منتخباً لأكثريّة الشعب فحسب. ولكن الإسلام يشترط في الناخب والمنتخب شروطاً كثيرةً عدا كونه مقبولاً للشعب ومرضيّاً عندهم، ولا يأذن لأحد أن يتجاوز هذه الشروط أو يتغافلها، بلغ الأمرما بلغ.

إنّ النمط الديمقراطيّ للحكم ـ على ما يراه الغرب ومن تبعهم في الشرق ـ لايهتمُّ إلاّ بكثرة الأصوات والتفوق في عدد الآراء لا غير. !!

يكتب( فرانك كنت ) الكاتب السياسيّ في هذا الصدد قائلاً: (إنّ مسألة «ضرورة تحصيل أغلبيّة الأصوات» موضوع مهم جداً، وفي سبيل تحصيلها لايمكن أن يسمح أبداً بأن تتدخّل فيها مواضيع تافهة مثل قضية الأخلاق، ومراعاة الحقّ، والباطل).

ويكتب هذا الكاتب نفسه أيضاً: ( إنّ أهمّ نقد وجّهه النائب «آشورست» إلى أحد زملائه الذي كان يخوض حملةً انتخابيةً في انتخابات(1920 م ) هو: أنّك لاتريد أن تتحايل على الناس; يعني أنّك لا تريد في سبيل الوصول إلى المركز النيابي ّ أن تسحق وجدانك، إنّك يجب أنّ تتعلّم بأنّ على الرجل السياسيّ ـ في بعض الموارد ـ أن يتجاهل ضميره، ويتناسى وجدانه)(1).


1- اقتبس من مقال لجون اف كندي الرئيس الأسبق للولايات المتّحدة.

(66)

ثمّ إنّ هذا النوع من نظام الحكم وإن لم يكن من مصاديق الاستعلاء المذموم في القرآن الكريم; غير أنّ مجرد كونه شعبياً لا يكفي في شرعيّته وصحته، بل لابدّ أن يكون ناشئاً من حاكميّة اللّه سبحانه; إمّا بالنصّ، أو موضع تأييده برعاية الضوابط والسنن التي نصّ عليها في الشريعة الإسلاميّة في مجال الحكم والحاكم. وبذلك تختلف صيغة الحكومة الإسلاميّة ـ التي سيأتي ذكرها ـ عن سائر الصيغ والأنماط الرائجة لنظام الحكم، وإن كانت بعض هذه الصيغ موضع قبول الشعوب ورضاها.

إنّ الحاكميّة ـ حسب منطق العقل والدين ـ مخصوصة باللّهسبحانه ومحض حقّ له دون سواه، ولذلك; لابدّ أن تكون حاكميّة غيره ناشئةً منه، أوموضع تأييده سبحانه.

وبعد استجلاء هذه الحقيقة، ينطرح هذا السؤال: ما هي إذن صيغة الحكومة الإسلاميّة؟.


(67)

الفصل الثاني

1
صيغة الحكومة الإسلاميّة
كيف ؟

تلخيصٌ لما سبق:

لقد أثبتت الأبحاث السابقة اُموراً، هي:

1ـ أنّ العقل ـ فضلاً عن الآيات القرآنيّة، والأحاديث الشريفة ـ يقضي بلزوم وجود( دولة )تدير دفّة البلاد، وتتولّى ادارة شؤون المجتمع، إذ بدون الدولة لن يكون أمر الاُمّة إلاّ فوضى واختلاف.

2ـ أنّ طبيعة القوانين الإسلاميّة في مختلف المجالات المدنية والاقتصاديّة والدفاعيّة تقتضي وجود مثل هذه الدولة، و إلاّ كان تشريعها لغواً وعبثاً.

3ـ أنّ على المسلمين إذن، أن يقوموا بتشكيل مثل هذه الدولة لتطبيق الإسلام في جميع الأصعدة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.


(68)

4ـ أنّ الحكومة الإسلاميّة ليست على نمط النظام الملكيّ، أو حكومة الأشراف أو حكومة الخاصّة، أو النظام الديمقراطي الرائج في الغرب، أو المتّبع في بلدان العالم الثالث.

بعد أن ثبت كلّ ذلك في الأبحاث السابقة ينطرح السؤال التالي:

ماهي صيغة الحكومة الإسلاميّة إِذنْ ؟

إنّ البحث عن شكل وصيغة «الحكومة الإسلاميّة» رغم أنّه من أهمّ المباحث في هذا المجال، لكننا لا نجد دراسةً وافيةً شاملةً عنها.

إنّ علماء الشيعة لمّا كانوا يمثّلون ـ طوال العصور ـ; جبهة الرّفض والمعارضة للحكومات الجائرة، فإنّهم كانوا بسبب ذلك يعانون من أشدّ أنواع الملاحقة والمضايقة، فلم تسمح لهم تلك الظروف العصيبة أن يتحدثوا عن صيغة الحكومة الإسلاميّة، أو يتفرّغوا للكتابة عنها، وتوضيح ملامحها، ورسم خطوطها، ويؤلّفوا فيها كما ألّفوا عن بقيّة المجالات الإسلاميّة.

نعم; لقد قام بعض علماء السّنّة بتأليف بعض الكتب في هذا المجال، ولكن هذه الكتب لم تشرح إلاّ الوضع الذي كانت عليه الحكومات السائدة حينذاك في المجتمعات الإسلاميّة، من دون أن ترفع النّقاب عن وجه الحكومة الإسلاميّة الواقعيّة كما تحدّث عنها القرآ ن الكريم والسّنّة المطهّرة ودلّ عنها العقل السليم.

ولأجل ذلك; لايرى القارىء في( الأحكام السلطانيّة ) للماورديّ وما يماثله من الكتب والمصنّفات إلاّ هذا الأمر. . وأما تصوير الحكومة الإسلاميّة كما ينبغي أن تكون فلا يكاد أن يجده كما ستعرف.

ويمكن أن نعزي غياب الصورة الحقيقيّة للحكومة الإسلاميّة إلى عدّة اُمور أخرى:

1ـ توالي الحكومات المنحرفة على دفّة الحكم في الاُمّة الإسلاميّة، الأمر الذي حال


(69)

دون قيام الحكومة الإسلاميّة الواقعيّة، وكان ذلك من أسباب غياب النمط الواقعيّ لنظام الحكم الإسلاميّ، وعدم معرفتنا به.

أضف إلى ذلك، أنّ تأريخ المسلمين في العصور الماضية كان له صبغة الإسلام وصبغة القيادة الإسلاميّة، لا أنّه كانت تتوفّر فيه جميع عناصر الدولة الإسلاميّة وشرائط المجتمع الإسلاميّ ومواصفاته، ولأجل ذلك لم تكن تلك الحكومات المنصبغة بصبغة الإسلام ممثّلةً لواقع القيادة الإسلاميّة.

2ـ بعدنا الزمني عن العهد النبويّ وتطوّر اللغة، ممّا جعلنا لا نفهم الكثير من مقاصد المصطلحات القرآنيّة التي تدلّ على ملامح الحكومة الإسلاميّة كما كان يفهم العربي المعاصر لذلك العهد.

وتتعيّن على الكتّاب المعاصرين; لاستجلاء الملامح الغائبة للحكومة الإسلاميّة; اُمور:

أوّلاً: العودة إلى المصادر الأساسيّة للإسلام، ونعني بها الكتاب والسّنّة المطهّرة والسيرة الشريفة التي سار عليها الأئمّة الواقعيّون.

ثانياً: أن لايخلطوا بين ما وقع وجرى على الساحة الإسلاميّة في مجال الحكم، وبين ما هو مرسوم لنظام الحكم في أصل الشريعة المقدّسة.

ثالثاً: أن لا يخلطوا بين تأريخ المسلمين ونظام الدين، لأنّ ذلك التأريخ لايكون ممثلاً واقعيّاً لكلّ تعاليم الدين، ولا مبرزاً لجميع حقائقه.

فإذا تجاوزنا جميع هذه الحواجز المانعة عن رؤية الحقيقة; استطعنا أن نقف على الصورة الحقيقيّة لنظام الحكم الإسلاميّ وأبعاده، وجميع خصوصياته وامتيازاته.

إنّا مع تقديرنا لكلّ ما قام به علماؤنا الأقدمون من خدمات عظيمة في تدوين الفكر الإسلاميّ وحمايته وصيانته وتعميقه وتوضيحه; نعذرهم في عدم توضيحهم لصورة الحكومة الإسلاميّة، نظراً للظروف الصعبة وغير العاديّة التي عاشوها وقاسوا منها الأمرّين كما ستعرف، ولكنّنا نعتبر القيام بهذا الأمر واجباً حتميّاً بالنسبة إلى كتّابنا


(70)

ومفكّرينا المعاصرين، وخاصّةً أنّ الحاجة إلى ذلك ـ بعد قيام أوّل حكومة إسلاميّة من نوعها في بلد إسلاميّ هو إيران ـ قد أصبحت شديدةً وماسةً في الوقت الذي يتطلّع فيه الكثير من المسلمين إلى إقامة الحكومة الإسلاميّة الواقعيّة في بلادهم أيضاً.

إنّ غموض موضوع ( الحكومة الإسلاميّة ) جعل أكثر المسلمين في هذا العصر لايعرفون عنها سوى; أنّها كبقية الحكومات القائمة في بعض البلاد الإسلاميّة التي تنتحل لنفسها صفة الإسلام واسمه، وهي أبعد ما تكون عن الإسلام جوهراً وشكلاً، أسلوباً وسياسة.

إنّ الحكومة الإسلاميّة تمتاز بخصوصيّات وخصائص عديدة تميّزها عن جميع الحكومات الحاضرة ـ والغابرة ـ التي تتقمّص رداء الإسلام كذباً وزوراً.

إنّ التتبّع في الكتاب والسّنّة يقضي; بأنّ الحكومة في الإسلام تقوم بأحد أمرين، لكلّ واحد ظرفه الخاصّ:

1ـ التنصيص الألهيّ على الحاكم الأعلى باسمه وشخصه. وهذا فيما لو كان هناك نصّ أو نصوص على حاكميّة شخص معيّن على الاُمّة كما في النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم باتّفاق المسلمين، أو الأئمة المعصومين حسب ما يذهب إليه الشيعة.

ومن المعلوم; أنّه لو كان هناك نصّ لما جاز العدول عنه إلى الطريق الآخر الذي سنشير إليه.

2ـ التنصيص الإلهيّ على صفات الحاكم الأعلى، وشروطه، ومواصفاته الكليّة فيما إذا لم يكن هناك تنصيص على الشخص، أو كان ولكن الظروف تحول دون الوصول إليه، والانتفاع بقيادته.

ومن المعلوم; أنّ الطريق الثاني يؤخذ به في ظرف عدم الطريق الأوّل.

وعلى كلّ تقدير; فالحاكميّة تنصيصيّة منه سبحانه مطلقاً، فهي إمّا بالتنصيص على الشخص المعيّن، أو التنصيص على المواصفات الكليّة، وإلى هذا القسم الثاني يرجع انتخاب الاُمّة حسب الشرائط والضوابط.


(71)

التنصيص الإلهيّ على الحاكم الأعلى

باسمه وشخصه

إن الحاكميّة كما أسلفنا(1)، حقّ مختصّ باللّه سبحانه، ولا حاكمية لسواه إلاّ بإذنه، وله الحقّ وحده في تعيين من يقود البشرية، ويسوس اُمورهم ويحكمهم. .

وهذا هو ما يؤكّده القرآن الكريم في كثير من آياته صراحة وتلويحاً، إذ يقول:

(إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهْوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)(الأنعام: 57).

(أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهْوَ أَسْرَعُ الْحاسِبيِنَ) (الانعام 62).

(إِنِ الْحُكُمْ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ)(يوسف: 40).

يقول العلاّمة الطباطبائيّ: ( إنّ نظرية التوحيد التي يبني عليها القرآن الشريف بنيان معارفه; لمّا كانت تثبت حقيقة( التأثير في الوجود ) للّهسبحانه وحده لا شريك له، وإن كان الإنتساب مختلفاً باختلاف الأشياء، غير جار على وتيرة واحدة، كما ترى أنّه تعالى ينسب الخلق إلى نفسه، ثمّ ينسبه في موارد مختلفة إلى أشياء مختلفة بنسب مختلفة، وكذلك العلم والقدرة والحياة والمشيئة والرزق والحسن، إلى غير ذلك. وبالجملة; لمّا كان التأثير له تعالى، كان (2) الحكم الذي هو نوع من التأثير والجعل له تعالى، سواءً في


1- راجع الجزء الأول من كتابنا:578.
2- جواب لمّا الشرطيّة.


(72)

ذلك الحكم في الحقائق التكوينيّة أو في الشرائع الوضعيّة (1) الاعتباريّة، وقد أيدّ كلامه تعالى هذا المعنى، كقوله: ( إِنِ الْحكْمُ إِلاَّ لِلّهِ)(الأنعام: 57 يوسف:67) وقوله تعالى: ( أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ)(الأنعام: 62) وقوله تعالى: (لَهُ الْحَمْدُ فِي الاُولَى وَ الأخِرَةِ وَ لَهُ الحُكْمُ) (القصص: 70)وقوله تعالى: (وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ) (الرعد: 41) ولو كان لغيره تعالى حكم لكان له أن يعقّب حكمه ويعارض مشيئته، وقوله تعالى: (فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَليِّ الْكَبِيرِ) (غافر: 12) إلى غير ذلك.

ويدل على اختصاص خصوص الحكم التشريعي به تعالى، قوله: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ )(يوسف: 40) فالحكم للّه سبحانه لايشاركه فيه غيره، على ظاهر ما يدلّ عليه ما مرّ من الآيات، غير أنّه تعالى ربّما ينسب الحكم مطلقاً وخاصةً التشريعيّة منه إلى غيره، كقوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ) (المائدة: 95) وقوله لداوود ـ عليه السلام ـ: (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ)(ص: 26) وقوله للنبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ) (المائدة:49) وقوله (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ)(المائدة: 44) إلى غير ذلك من الآيات وضمّها إلى القبيل الأوّل يفيد; أنّ الحكم الحقّ للّه سبحانه بـ (الأصالة ) وأوّلاً، لا يستقلّ به أحد غيره، ويوجد لغيره بإذنه وثانياً. ولذلك عدّ تعالى نفسه أحكم الحاكمين وخيرهم، لما أنّه لازم الأصالة والاستقلال والأوّليّة، فقال: (أَلَيْسَ اللّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين: 8) وقال: (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)(الأعراف: 87)(2)».

وكتب حول قوله تعالى: (أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ. . . ) ( الأنعام: 62) أيضاً يقول:(قوله


1- المصطلح لدى الاُصولييّن في الوضعيّة هو الأحكام والقوانين المجعولة كالسببيّة والشرطيّة والرئيسيّة والمرؤوسيّة والحاكميّة والمحكوميّة ويقابله الأحكام التكليفيّة الخمسة المعروفة كالوجوب والحرمة والكراهة والاستحباب والإباحة.
غير أنّ الأستاذ (قدّس سرّه) أراد منها هنا مطلق الأحكام التشريعيّة سواء أكانت بلسان الوجوب والحرمة، أم غيرها، ممّا تسمّى ـ اصطلاحاً بالأحكام الوضعيّة.
2- تفسير الميزان 7:117 ـ 118.


(73)

تعالى: (أَلاَ لَهُ الحُكْم) إلخ. . لمّا بيّن تعالى اختصاصه بمفتاح الغيب وعلمه بالكتاب المبين الذي فيه كل شيء، وتدبيره لأمر خلقه من لدن وجدوا، إلى أن يرجعوا إليه، تبيّن أنّ الحكم إليه لا إلى غيره، وهو الذي ذكره فيما مرّ من قوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ)أعلن نتيجة بيانه فقال: (أَلاَ لَهُ الْحُكْم) ليكون منبّهاً لهم ممّا غفلوا عنه )(1). فإذا لم تكن الحاكميّة إلاّ للّه تعالى، كان إليه وحده أمر التنصيص والتعيين للحاكم الأعلى، أمّا على الاسم والشخص; كما إذا اقتضت المصالح أن يكون لون الحكومة على هذا النمط، أو على الصفات والشروط اللازمة فيه; كما إذا اقتضت المصلحة أن يكون لون الحكومة على هذا الطراز.

بيد انّ المسلمين قد اتفقوا على أنّ النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان حاكماً منصوباً من جانبه سبحانه على الاُمّة.

ومن المعلوم; أنّه لو كان هناك تنصيب للشخص لما كان للاُمّة رفض النصّ والتعيين والركون إلى الطريق الآخر. . يقول سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرَاً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً )(الأحزاب: 36).

وقد نصّ اللّه تعالى على حاكمية النبيّ، وحاكميّة ولاة الأمر من بعده إذ قال في كتابه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُواْ اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأمرِ مِنْكُمْ)(النساء:59).

ومن الواضح أنّ وجوب إطاعة النبيّ و اولي الأمر(2) في كلّ ما يأمر وينهى دليل


1- تفسير الميزان 7:136.
2- المشهور بين الإماميّة تبعاً للأخبار أنّ المراد من اولي الأمر ; أشخاص معيّنون بأسمائهم وشخصيّاتهم، وقد نصّ النبيّ عليهم في متواتر الأحاديث والروايات، التي رواها أعلام الحديث من الفريقين،فهي قضيّة خارجيّة ـ حسب المصطلح المنطقيّ ـ مقصورة على أولئك الأشخاص، وليست قضيّةً كليّةً قانونيّةً مضروبةً على إطاعة كلّ من ولي الأمر من المؤمنين، حتّى تصير قضيّةً حقيقيّةً حسب اصطلاح المنطق.وإن كان ـ ربّما ـ يجب إطاعة ولي الأمر من المؤمنين، لكنّه
بسبب دليل آخر لا لأجل هذه الآية، وهناك وجه آخر في مفاد الآية قــرّر في محلّه.


(74)

على حاكميّته وولايته المفوّضة إليه من جانب اللّه بتنصيصه سبحانه على ذلك.

كيف لا وقد صرح القرآن بولاية النبيّ، وحكومته على الأنفس فضلاً عن الأموال بقوله سبحانه: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (الأحزاب: 6).

فهذه الآية; تدلّ ـ بوضوح ـ على أنّه تعالى نصب النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حاكماً، وأولاه سلطةً على نفوس المؤمنين وأموالهم، سلطةً شرعيةً في إطار الحقّ والعدل والصلاح.

خاصّةً أنّه ورد عن الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ في تفسير هذه الآية أنّه قال: «إنّها نزلت في الإمرة يعني الإمارة» (1).

هذا والأدلة على أنّ النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان حاكماً منصوباً من جانبه سبحانه; أكثر ممّا ذكرناه من الآيات، وبما أنّه لم يختلف فيه أحد من المسلمين نكتفي بما أوردناه.

إنّما البحث في صيغة الحكومة بعد النبيّ الأكرم، فهل هي كانت على غرار حكومة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وأنّ اللّه سبحانه نصب أشخاصاً معيّنين للحكومة بلسان نبيّه، أو أنّ الحكومة بعده صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على غرار الطريق الثاني، أعني التنصيص على الصفات والشروط الكلية اللازمة للحاكم، وحثّ الاُمّة على تعيين الحاكم من عند أنفسهم حسب تلك الصفات والشروط وعلى ضوء تلكم المواصفات.

فهناك قولان; ذهبت إلى كلّ واحد طائفة من المسلمين.

ماهي صيغة الحكومة بعد النبيّ ؟

إنّ تحليل صيغة الحكومة بعد النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من المسائل الهامّة التي فرقت المسلمين إلى طائفتين كبيرتين; تمثّل كلّ واحدة منهما شطراً كبيراً من الاُمّة الإسلاميّة.

ورفع النقاب عن وجه الحقيقة في هذا المجال; يحتاج إلى تجرد عن الأهواء والميول


1- مجمع البحرين:457، الطبعة الجديدة.

(75)

الطائفية، ولأجل ذلك نسأل اللّه سبحانه أن يوفّقنا لإراءة ما نلمسه بالدليل فنقول:

إنّ طائفةً كبيرةً من المسلمين ذهبت إلى أنّ صيغة الحكومة بعد الرسول، وإلى مدّة خاصّة من الزمن; كانت حكومةً تنصيصيةً إلهيّةً على غرا ر حكومة النبيّ الأكرم نفسه، فاللّه تعالى نصّ على أسماء من يجب أن يخلفوا النبيّ، على لسانه، وأوجب طاعتهم وحرّم مخالفتهم.

ويمكن استجلاء الحقيقة، وصدق هذا المدّعى; بالطرق الثلاث التالية:

1ـ محاسبة المصالح العامّة، وما كانت تقتضيه في تلك الفترة، فنرى; ماذا كانت تقتضي مصالح الاُمّة الإسلاميّة آنذاك، وأيّ لون من ألوان الحكومة كانت تتطلّب، هل كانت تقتضي الحكومة التنصيصيّة على الاسم والشخص؟ أو التنصيص على الصفات والشروط ؟

وبتعبير آخر: هل كانت المصالح في تلك الفترة تقتضي التنصيص على أشخاص معيّنين ؟ أو ترك الأمر إلى انتخاب الاُمّة حسب الضوابط المقرّرة شرعاً ؟.

2ـ لاشك أنّ وفاة الرسول الأكرم وغيابه عن الساحة كان من شأنه أن يحدث فراغاً بعده، فكان لابد من سد هذا الفراغ بمن يكون كالنبيّ علماً وسياسةً وخلقاً وقيادةً، فهل كان يمكن سدّ هذا الفراغ بانتخاب الاُمّة، أو لا يمكن إلاّ بالتنصيص على فرد معيّن ؟.

3ـ لمّا كانت مسألة القيادة موضع اهتمام المسلمين في حياة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وبعده، فحينئذ لا بدّ أن يكون للنبيّ وأصحابه في ذلك المجال رأي ونظر، فماذا يستفاد من النصوص الواردة حول هذه المسألة ؟.

ولنبدأ بعون اللّه بذكر هذه الطرق على وجه التفصيل:


(76)

الطريق الأوّل

المصالح العامّة في الصدر الأوّل
وشكل الحكومة

1ـ عدم بلوغ الذروة في أمر القيادة.

2ـ الاُمّة الإسلاميّة و الخطر الثلاثيّ.

3ـ العشائريات تمنع من الاتفـاق على قائد.

ماذا كانت تقتضيه المصالح؟

ماذا كانت تقتضي مصالح الاُمّة الإسلاميّة آنذاك ؟ هل كانت تقتضي أن يترك النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم اُمّته لتختار هي من تريد لقيادتها ؟ وهل كانت الظروف آنذاك تساعد على مثل هذا الأمر ؟ أو كان يجب النص على أشخاص معيّنين لذلك المقام الخطير؟ وبعبارة واضحة: هل كانت المصلحة تقتضي تنصيب الإمام من جانب اللّه سبحانه بلسان نبيّه ؟ أو كانت المصلحة تقتضي أن يترك مسألة الخلافة بعده إلى رأي الاُمّة ؟

إنّ اُموراً كثيرةً تدلّ على أنّ مصالح الاُمّة كانت آنذاك تتطلّّب تنصيب الإمام والقائد الذي يخلّف النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وتعيينه بلسانه في حياته، بل كان في عدم التعيين والتنصيب، وترك الأمر إلى اختيار الاُمّة وانتخابها; من الاختلاف والتفرّق وعدم الاتّفاق;


(77)

ما يشكل أكبر الخطر على تلك الجماعة ويعرّضها للتقهقر.

وإليك بيان هذه الاُمور:

أ ـ عدم بلوغ الذروة في أمر القيادة

إنّ الاُمّة الإسلاميّة ـ كما يدلّنا عليه التأريخ ـ لم تبلغ في القدرة على تدبير اُمورها، وإدارة شؤونها، وقيادة سفينتها حدّ الاكتفاء الذاتيّ، الذي لايحتاج معه إلى نصب قائد لها من جانب اللّه تعالى.

وقد كان عدم بلوغ الاُمّة هذا طبيعياً; لأنّه من غير الممكن إعداد امّة كاملة الصفات، قادرة على إدارة نفسها، وبالغة في الرّشد القياديّ والإداريّ حدّاً يجعلها مستغنيةً عن نصب قائد محنّك رشيد لها.

إنّه من غير الممكن إعداد مثل هذه الاُمّة وتربيتها في فترة ثلاث وعشرين سنة مليئة بالأحداث والوقائع الجسيمة، ومشحونة بالحروب الطاحنة والهزات العنيفة.

وليس هذا مختصاً بالاُمّة الإسلاميّة، بل التجارب تدلّ على أنّه من غير الممكن تربية امّة كانت متوغّلةً في العادات الوحشيّة والعلاقات الجاهليّة، والنهوض بها إلى حدّ تصير امّةً كاملةً تدفع عن نفسها تلك الرواسب والعادات والخصائص الجاهليّة المتخلّفة، وتتقدّم بنفسها إلى ذرى الكمال; بحيث تستغني عن نصب قائد محنّك ورئيس مدبر، بل هي تقدر على تشخيص مصالحها في تعيين القائد.

إنّ إعداد مثل هذه الجماعة ومثل هذه الاُمّة لا يمكن ـ في العادة ـ إلاّ بعد انقضاء جيل أو جيلين، وبعد مرور زمن طويل يكفي لتغلغل التربية الإسلاميّة إلى أعماق تلك الاُمّة، بحيث تخلط مفاهيم الدين بدمها وعروقها، وتتمكّن منها العقيدة درجةً يحفظها من التذبذب، والتشرذم والتراجع إلى الوراء.

وهذا ممّا لم يتيسّر للمسلمين الذين تولّى النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم تربيتهم وصياغتهم، فإنّ الأحداث التي وقعت، أثبتت; أنّ الإسلام لم يتعمّق في نفوس أكثرية المسلمين


(78)

وعقولهم، ولم تجتثّ الرواسب الجاهلية المتأصّلة فيهم، فقد كانت هذه الرواسب تلوح منهم بين حين وآخر، . وتظهر مظاهر التذبذب والتردّد; كلمّا أحكمت الصعوبات والمحن بقبضتها عليهم !!!

ففي معركة( احد ) مثلاً عندما ترك بعض الرماة مواقعهم على الجبل( خلافاً لأمر الرسول الأكرم وتأكيداته على البقاء ) وبوغت المسلمون بهجوم الكفار عليهم وهم يجمعون الغنائم، واصيبوا بنكسة كبرى وروّج الأعداء المشركون شائعات عن مقتل النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، هرب بعض المسلمين من ساحة المعركة، ولاذ بعضهم بالجبل، بل فكّر بعضهم بالتفاوض مع المشركين حتّى أتاهم أحد المقاتلين ووبّخهم على فرارهم وتخاذلهم وتردّدهم قائلاً: «إن كان محمّد قد مات فربّ محمّد حيّ، قوموا ودافعوا عن دينه»(1).

ولم تكن هذه الواقعة وحيدة من نوعها; فقد ظهرت بادرة الارتداد من بعضهم في( هوازن ) ما لا يقلّ عمّا ظهر في أحد.

فقد روى ابن هشام عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، قال: لمّا استقبلنا وادي حنين; انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف( أي متّسع ) حطوط( أي منحدر )إنّما ننحدر فيه انحداراً، وقال: وفي عماية الصبح، وكان القوم( العدو ) قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه وقد أجمعوا وتهيّأوا وأعدّوا، فواللّه ما راعنا ونحن منحطون إلاّ الكتائب قد شدّوا علينا شدّة رجل واحد وانشمر( أي انهزم ) الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد وانحاز رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ذات اليمين، ثمّ قال: «أين أيّها الناس هلمّوا إلّي، أنا رسول اللّه».

فانطلق الناس( أي هربوا ) إلاّ أنّه قد بقي مع رسول اللّه نفر من المهاجرين والأنصار.

فلمّا انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من جفاة أهل مكّة الهزيمة;


1- سيرة ابن هشام2:83.

(79)

تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضّغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لاتنتهي هزيمتهم دون البحر، وإنّ الأزلام لمعه في كنانته، وصرخ جبلة بن الحنبل:(ألا بطل السحر اليوم )(1).

إلى غير ذلك من الأحداث والوقائع، التي كشفت عن تأصّل الرواسب الجاهليّة في نفوسهم، وعدم تغلغل الإيمان والعقيدة في قلوبهم. حتّى أنّنا نجد القرآن يشير إلى ذلك تعليقاً على ما حدث ووقع منهم في معركة( أحد ) إذ يقول سبحانه: (وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الْرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِريِنَ) (آل عمران: 144).

ويقول في شأن من راح يبحث عن ملجأ له فراراً من الموت: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيرَ الحَـقِّ ظَنَّ الْجَاهِليَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْــرِ مِنْ شـَيء) (آلعمران: 154).

وصفوة القول; أنّنا لاننكر ـ في الوقت نفسه ـ وجود من بلغت عقيدته واستقامته حداً استوجب أن يتحدث اللّه عنه في كتابه بقوله: ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْدَاً عَلَيْهِ حَقَّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )(التوبة: 111).

بيد أنّ الأكثرية منهم لم تكن قد بلغت ذلك المبلغ من رسوخ الإيمان وعمق العقيدة، ولم يكونوا قد تخلّصوا تماماً من رواسب الجاهلية.

ويدلّ على ما ذكر من عدم تغلغل الإيمان في نفوس أكثرية الصحابة والمعاصرين للنبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بالإضافة إلى ما ورد من آيات; ما أخرجه أصحاب الصحاح والسنن، والمسانيد في هذا المجال من أخبار وأحاديث صحيحة.


1- سيرة ابن هشام2:442 ـ 444.

(80)

فقد روى البخاري عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قوله: «ما بعث اللّه من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلاّ كانت له بطانتان; بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصمه اللّه»(1).

وروى البخاري أيضاً في صحيحه(2) في باب( وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم) من كتب التفاسير بسنده عن ابن عباس، قال:

خطب رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فقال: «ألا و إنّه يجاء برجال من امتي فيؤخذ بهم ذات الشّمال فأقول ياربّ: أصحابي... فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصّالح ( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهيدَاً مَا دُمْتُ فِيْهمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم ما فارقتهم»(3).

فهل كان يجوز لصاحب الدعوة ـ والحال هذه ـ أنّ يتجاهل أمر القيادة من بعده، ولا ينصب أحداً باسمه وشخصه، ويدع تلك الاُمّة الحديثة العهد بالإسلام، الناشئة في الدين، التي لم تترسّخ العقيدة الإسلاميّة في مشاعر الأكثريّة من أبنائها وأفرادها، ولمتكتسب من التربية الفكريّة، والإداريّة ما يجعلها قادرةً على إدارة نفسها بنفسها بحزم، ومتمكّنةً من تدبير شؤونها بدراية وحنكة ؟!

أم لابدّ من تعيين قائد ونصب زعيم مدير لها بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يكون له من المؤهلات


1- صحيح البخاري 4:باب ( بطانة الإمام وأهل مشورته ):150.
2- صحيح البخاري 3:85.
3- وقد ورد هذا الحديث بنصّه وطوله، أو باختلاف يسير في:كتاب التفسير في باب ( كَمَا بَدَأنَا أَوّلَ خَلْق نُعِيْدُهُ )وفي باب ( كيف الحشر ) من صحيح البخاري نفسه، وفي صحيح مسلم في كتاب الجنّة ونعيمها، وفي صحيح الترمذيّ بطريقتين باب ( ما جاء في شأن الحشر ) وفي أبواب ( تفسير القرآن )، وفي صحيح النسائيّ (ج1) في ذكر أوّل من يكسى، وفي مستدرك الحاكم في كتاب التفسير في (سورة الزخرف)، وفي مسند أحمد بن حنبل (ج1:ص235 و ص 253 ) وفي مسند الطيالسيّ (ج1) في أحاديث سعيد بن جبير عن ابن عبّاس.
وفي الدرّ المنثور للسيوطيّ في تفسير قوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيْسَى ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسَ ) وقال أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذيّ.


(81)

الإداريّة، والقدرة على التدبير والدراية ما للنبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حتّى يخلّفه في سياسة الاُمّة، وتسيير اُمورها الاجتماعيّة والفرديّة.

وربّما يتصوّر أنّنا نقسوا على الصحابة مع ما يكيل لهم الجمهور من تجليل واحترام كبيرين، غير أنّ من يرجع إلى القرآن الكريم; يجد بأنّنا لم نقس على أحد منهم، بل القرآن الكريم هو الذي يقسمهم إلى صنفين، فيمدح صنفاً ويذم صنفاً بصراحة كاملة.

فالصنف الأوّل الذين يمدحهم القرآن ويذكر عنهم بخير يشمل السابقين الأوّلين إلى الإسلام والتابعين لهم، حيث يقول عنهم:

( وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضيَ اللّهُ عَنْهُم (1)وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَاً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(التوبة: 100).

( لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِيْنَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحَاً قَرِيبَاً) (الفتح: 18).

( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذيِنَ أُخْرِجُواْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْواَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانَاً وَيَنْصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) ( الحشر: 8).

( مُحَمَّدٌ رَسُوُلُ اللّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّدَاً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَ آزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الْزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرَاً عَظِيمَاً ) (الفتح: 29).


1- لا يخفى أنّ الرضاية الإلهيّة الواردة في الآية مقيّدة بظرفها ووقتها (أي ظرف المبايعة ووقتها ) لقوله ( إِذْ يُبَايِعُونَكَ)، فبقاء الرضاية يحتاج إلى دليل، كما أنّ ادّعاء نفيها يحتاج أيضاً إلى دليل.

(82)

غير أنّ هناك آيات جمّة ـ إلى جانب ذلك ـ تدلّ على عدم كون الصحابة كلّهم عدولاً، بل وممدوحين، إذ فيهم المنافق الذي يقلّب الاُمور على النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وفيهم من مرد على النفاق ونبت عليه: ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاتَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذَاب عَظِيم)(التوبة: 101).

ومنهم من خلط عملاً صالحاً بعمل سيّئ: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحَاً وَآخَرَ سَيِّئاً)(التوبة: 102).

وطائفة قد بلغ ضعف إيمانهم إلى حدّ الدنوّ إلى الارتداد والعودة إلى الجاهليّة: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيّةِ)(آل عمران: 154).

وطائفة قد بلغ مبلغ إيمانهم باللّه ورسوله أنّهم كلّما أعتورهم الخوف وداهمهم الخطر; لاذوا بالفرار، قال سبحانه عنهم: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللّهِ الْظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابتُلِيَ الْمُؤمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدَا ً* وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلوبِِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامُ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيْقٌ مِنْهُمُ الْنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، وَمَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارَاً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا إِلاَّ يَسِيراً * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْؤُولاً * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْموتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَ إِذَاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً *قُلْ مَنْ ذا الَّذِي يَعصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيَّاً وَلاَ نَصِيراً * قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتَ فَإِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة حِدَاد أَشِحَّةً عَلى الخَيرِ أُولَئِكَ لمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللّهُ أَعْمالَهُمْ وَ كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسيِراً* يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابُ


(83)

يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيْكُمْ مَا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً)(الأحزاب: 10ـ20).

وهذه الآيات; تشرح بصراحة ما عليه جماعة كثيرة من أصحاب النبيّ ولا تختصّ بالمنافقين; لقوله سبحانه: ( إِذْ جَاءُوكُمْ. . مِنْ فَوقِكُمْ. . وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) وقوله سبحانه: ( وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) عاطفاً لها على المنافقين فقال (وَالَّذِينَ)ولم يقل(الذين).

نعم كانت في صحابة النبيّ ثلة جليلة بالغة منتهى الإيمان والعمل، وهم الذين عناهم اللّه تعالى بقوله: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قالُوا: هَذَا ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانَاً وَتَسْلِيماً * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرْ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً).(الأحزاب:22ـ23).

إجابةٌ عن سؤال

ولعل القائل يقول: بأنّهم كيف لم يبلغوا الدرجة الكاملة في أمر القيادة مع أنّهم; حطّموا امبراطوريتين كبيرتين، وبنوا فوق أنقاضها صرح الإسلام، أضف إلى ذلك; أنّه سبحانه وصفهم في سورة الفتح بقوله: (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)(الفتح: 29).

فهو يدل على كفاءتهم في أمر القيادة والاعتماد على أنفسهم; حيث شبّههم بالزرع المستغلظ القائم على سوقه.

ولكن الإجابة على هذا السؤال سهلة بعد الوقوف على ما نذكره:

1ـ إنّ التسلّط على الامبراطوريّتين لم يكن نتيجة قوة القيادة وصحتها، بل كان لقوّة تعاليم الإسلام; أكبر سهم في نفوذهم وسيطرتهم عليهما، حيث كانت التعاليم بمجرّدها تسحر القلوب، وتجذب العقول وتفتح الطريق خاصّة بين تلك الشعوب التي طالما عاشت الضغط والحرمان، وعانت من الظلم والاضطهاد المرير.


(84)

2ـ إنّ التأريخ يشهد; بأنّ الامبراطوريتين كانتا تلفظا أنفاسهما الأخيرة، وكانتا قد بلغتا درجةً كبيرةً من الضعف، فساعد الإسلام على سقوطها واندحارها.

ويشهد على ذلك; أنّ الشعوب التي كانت تعيش تحت حكميهما كانت تسارع إلى استقبال الفتح الإسلامي وترحّب بحكم المسلمين ونظامهم، فتفتح أبواب المدن لعساكر الإسلام وتبدي رغبتها الشديدة في العيش تحت لواء الحكومة الإسلامية.

روى البلاذريّ:( لمّا ردّ المسلمون على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم، فأنتم على أمركم، قال أهل حمصلهم:

لولايتكم وعدلكم أحبّ إلينا ممّا كنّا فيه من الظلم والغشم، ولندفعنّ جند هرقل عن المدينة مع عاملكم. و. . .

ونهض اليهود وقالوا: والتوراة; لايدخل عامل هرقل مدينة حمص إلاّ أن نغلب ونجهد. فأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود.

وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنّا عليه وإلاّ فإنّا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد فلمّا هزم اللّه الكفرة وأظهر المسلمين فتحوا مدنهم وأخرجوا المقلسين فلعبوا وأدّوا الخراج )(1).

3ـ إنّ المراجع للتأريخ الإسلاميّ يجد أنّ أمير المؤمنين عليّاً ـ عليه السلام ـ كان له السهم الأوفر في القيادة، وتحقيق الانتصارات التي أصابها المسلمون بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ويدلّ على تلك المساهمة الفعلية; ما قاله عليّ ـ عليه السلام ـ عندما شاوره عمر بن الخطاب في الخروج بنفسه إلى غزو الروم: «إنّك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتنكب، لاتكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً محرباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر اللّه فذاك ما تحب، وإن


1- فتوح البلدان للبلاذريّ:143.

(85)

تكن الاخرى كنت ردءاً للناس ومثابةً للمسلمين»(1).

وبالرغم من أنّه ـ عليه السلام ـ قد اقصي عن الخلافة، ولم يكن يخطر بباله أنّ العرب تزعج هذا الأمر ـ من بعد النبيّ ـ عن أهله، فإّنه لم يمسك يده عن نصرة المسلمين، عندما لاحظ رجوع الناس عن الإسلام يريدون محق دين محمد، والعودة إلى الجاهلية وفي ذلك يكتب إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولاّه إمارتها ويقول: «حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام،يدعون إلى محق دين محمّدصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان، كما يزول السراب أو كما يتقشّع السحاب فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه»(2).

4ـ إنّ الفرق الكبير بين قيادتهم وقيادة من كان يجب أن يسلّم الأمر إليه إنّا يعلم; لو باشرت تلك الطائفة الاخرى أمر القيادة، فعند ذلك نعلم مدى صحة قيادة الطائفة الاولى.

وبما أنّ الأمر لم يسلّم إلى من كان يجب تسليم الأمر إليه. صارت قيادتهم عندنا قيادةً عاريةً عن الضعف والنقص.

والذي يدل على ذلك. أنّ القيادة بعد النبيّ جرّت على المسلمين أكبر الم آسي والويلات، خصوصاً عندما أخذت بنو اميّة وبنو العباس زمام الأمر، وعادت الخلافة الإسلاميّة ملكاً عضوضاً وحكماً قيصرياً كسروياً.

وللبحث عن أحوال الصحابة ومواقفهم في القرآن الكريم; مجال آخر ربّما نتوفّق للبحث عنها في وقت آخر. ولا نريد بهذه الكلمة تعكير الصفو، أو تمزيق الوحدة، وإنّما نريد أن نوقف القارىء الكريم على الحقيقة على وجه الإجمال.

وخلاصة القول; أنّ الصحابة ليس كلّهم عدولاً يقتدى بهم ويستضاء بنورهم،


1- نهج البلاغة:الخطبة 130 (طبعة عبده ).
2- نهج البلاغة:قسم الكتب الرقم (62).


(86)

بل هم على أقسام تحدّث عنها القرآن الكريم، ويقف عليها من استشفّ الحقيقة عن كثب، كما لم تبلغ الاُمّة إلى حد الإكتفاء الذاتي في القيادة، كما هو محط البحث.

ب ـ الاُمّة الإسلاميّة والخطر الثلاثيّ

من الواضح لكل مطلع على أوضاع الاُمّة الإسلاميّة قبيل وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّ الدولة الإسلاميّة الحديثة التأسيس كانت محاصرة من جهتي الشمال والغرب بأكبر إمبراطوريّتين عرفهما تأريخ تلك الفترة، إمبراطوريّتان كانتا على جانب كبير من القوة والبأس والقدرة العسكرية المتفوّقة مما لم يتوصّل المسلمون إلى أقل درجة منها. . . وتلك الامبراطوريّتان هما: الروم، وإيران.

هذا من الخارج.

وأمّا من الداخل; فقد كان الإسلام والمسلمون يعانون من جماعة المنافقين الذين كانوا يشكّلون العدوّ الداخلي المبطّن( أو ما يسمى بالطابور الخامس ).

ولأجل أن نعرف مدى الخطر المتوجّه من هذه الجهات الثلاث على الاُمّة والدولة الإسلاميّة يجدر بنا أن ندرس كلّ واحدة منها بالتفصيل:

1ـ خطر إمبراطوريّة إيران

لقد كانت إيران إمبراطوريّةً ضخمةً، ذات حضارة متقدمة زاهرة، وذات سلطان عريض فرضته على عدد كبير من المستعمرات أحقاباً مديدةً من السنين، ممّا أكسبت ملوكها وزعماءها روح التسلّط والسيطرة، وأصبح من العسير أن يعترفوا بسيادة امّة طالما كانت تعيش تحت سلطانهم في العراق واليمن، وهم الذين لم يعترفوا بالسيادة لأحد قروناً طويلةً، فلأجل هذه الغطرسة والأنانية شمخ الامبراطور الفارسيّ (خسرو برويز ) بأنفه عندما أتته دعوة الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فمزّق رسالته المباركة التي كتبها صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يدعوه فيها إلى الإسلام وعبادة اللّه تعالى. . وكتب إلى عامله باليمن:


(87)

(ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز [ ويعني الرسول] رجلين من عندك جلدين فليأتياني به )(1).

2ـ خطر الروم

كانت الامبراطوريّة البيزنطيّة تقع في شمال الجزيرة العربية، وكانت تشغل بال النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم دائماً، ولم يبارحه التفكير في خطرها حتى رحل إلى ربّه.

ولقد كان لهذا القلق مبرّره، فإنّ هذه الامبراطورية على غرار الامبراطوريّة الإيرانية، كانت ذات صفة توسّعيّة، وكان قادتها يقمعون أيّ حركة ومحاولة من مستعمراتهم للخروج من فلكها.

ولقد وقعت بين هذه الامبراطوريّة وبين المسلمين اشتباكات عديدةً. وكان أوّل اشتباك مسلّح وأوّل صدام عسكريّ عنيف هو الذي وقع في السنة الثامنة من الهجرة، وذلك عندما بعث النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم (الحارث بن عمير الأزدي) مع رسالة إلى (الحارث بن أبي شمر الغساني ) يدعوه فيها وقومه إلى الإسلام، فلمّا وصل إلى(مؤتة)تعرّض له (شرحبيل بن عمرو الغساني)، وضرب عنقه(2).

ولمّا كان قتل الرسل أمراً ممنوعاً في جميع الحالات والظروف، وكان يعني أعتداءً على الجهة المرسلة; فإنّ هذا الفعل (أعني قتل رسول النبيّ ) كشف عن استهانتهم بقوة الإسلام وأمره، وعن تعصبهم ضدّه، وعدم اعترافهم بكيانه السياسيّ، وقد حملت هذه الاُمور النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على; أن يجهّز لهم جيشاً من ثلاثة آلاف مقاتل ، ويوجّهه إلى(مؤتة ) وقد قتل في هذه الموقعة من اختارهم لقيادة الجيش وهم جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد اللّه بن رواحة، وأخذ اللواء بعدهم خالد بن الوليد، ورجع الجيش الإسلاميّ من تلك الواقعة منهزماً أمام الجيش البيزنطيّ.


1- الكامل للجزري 2:145.
2- اُسد الغابة 1:341 ـ 342.


(88)

ولقد أثار إخفاق المسلمين وهزيمتهم في هذه المعركة، واستشهاد القادة الثلاثة; لوعةً ونقمةً في نفوس المسلمين اتّجاه الروم. كما أنّه زاد من جرأة جيوش الروم، ولأجل ذلك توجّه الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلى تبوك في السنة التاسعة يقصد غزو ذلك الجيش المعادي، ولكنّه لم يلق أحداً فأقام في تبوك أياماً، وصالح أهلها على الجزية، وقد حققت هذه الحملة هدفاً كبيراً وبعيداً على الصعيد السياسيّ وأنست تقهقر الجيش الإسلاميّ المحدود في طاقاته، أمام جحافل الروم المجهّزة بأحسن تجهيز(1).

ولم يكتف النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بهذه الحملة; بل عمد في أخريات حياته إلى بناء جيش إسلاميّ بقيادة( أسامة بن زيد ) لمواجهة جيش الروم (2).

3ـ خطر المنافقين

إنّ الدارس للمجتمع الإسلاميّ إبّان الدعوة الإسلاميّة، والمطّلع على تركيبته يجد، أنّ ذلك المجتمع كان يزخر بوجود المنافقين بين صفوفه.

والمنافقون هم الذين استسلموا للمدّ الإسلاميّ وأسلموا بألسنتهم دون قلوبهم إمّا خوفاً أو طمعاً. فكانوا يتجاهرون بالولاء للإسلام والمودّة للمسلمين، ولكنّهم يضمرون لهم كل سوء ويتحيّنون الفرص; لتوجيه الضربات إلى الدين الجديد، وضرب المسلمين بعضهم ببعض ، وإضعاف الدولة الإسلاميّة من الداخل بإثارة الفتن، بين أفرادها وأبنائها، والسعي لتمزيق صفوفهم وإشعال الحروب الداخليّة فيما بينهم بإيقاظ النخوة الجاهليّة التي طهّر الإسلام أرض الجزيرة منها.

وربّما كانوا يتربّصون بالنبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم الدوائر، حتّى أنّهم كادوا له ذات مرّة، وأرادوا أن يجفلوا به بعيره في العقبة عند عودته من حجة الوداع، وربّما اتّفقوا مع اليهود والمشركين لتوجيه الضربات إلى الكيان الإسلاميّ من الداخل تخلّصاً من هذا الدين الذي هدّد


1- السيرة النبويّة لابن هشام 2:515 ـ 529.
2- الملل والنحل 1:29 ( طبعة القاهرة )، الطبقات الكبرى4:65، الكامل في التاريخ2:215.


(89)

مصالحهم.

ولقد كان المنافقون ولايزالون أشدّ خطراً من أيّ شيء آخر على الإسلام وذلك; لأنّهم كانوا يوجّهون ضرباتهم بصورة ماكرة وخفية، وبنحو يخفى على العاديين من الناس(1).

وإليك طرفاً ممّا ذكره القرآن الكريم حولهم، فهم مت آمرون يبيّتون خلاف ما يظهرونه ويبدونه أما م النبيّ إذ يقول: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَاْ بَرَزُواْ مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ)(النساء: 81).

وهم يريدون الشر للمسلمين دائماً; ولذلك يذيعون الشائعات التي من شأنها إضعاف معنويات المسلمين إذ يقول عنهم: (وَإِذْا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ ) (النساء: 83).

وهم يريدون الفتنة دائماً; لذلك يقلبون الوقائع ويخفون الحقائق كما يقول القرآن: (لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُواْ لَكَ الاُمُورَ حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) ( التوبة: 48).

وهم لا يرتدعون عن أيّ عمل يحقّق مصالحهم وأغراضهم المضادّة للإسلام، حتّى ولو كان بالتحالف مع المشركين والكفار، بل حتّى ولو كان باعطاء الوعود الكاذبة لهم، والتغرير بهم وخذلانهم عند اللقاء، وعدم الوفاء بالوعد: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدَاً أَبَدَاً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *لَئِنْ أُخرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُواْ لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ)(الحشر: 11ـ12).


1- لقد تصدّى القرآن الكريم ; لفضح المنافقين والتشهير بجماعتهم، وخططهم، الجهنّمية ضدّ الدين والنبيّ والاُمّة في أكثر السور القرآنيّة، مثل البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة والعنكبوت والأحزاب ومحمّد والفتح والمجادلة والحديد والحشر، كما نزلت في حقّهم سورة خاصّة تسمّى بسورة المنافقين.

(90)

ولذلك، شدّد القرآن الكريم في ذكر عذابهم أكثر من أيّ جماعة اخرى إذ يقول: (إِنَّ الْمنَافِقينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ )(النساء: 145).

ويحدثنا التأريخ كيف لعب المنافقون دوراً خبيثاً، وخطيراً في تعكير الصفو وإفساح المجال أمام أعداء الإسلام الأجانب ـ سواء قبل قوة الإسلام و بعدها ـ للمكر بالإسلام والكيد له، والمؤامرة عليه، بحيث لولا وجود النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لأتوا على ذلك الدين، ولقضوا على كيانه وأطاحوا بصرحه، وأطفأوا نوره.

وقد كان من المحتمل ـ بقوة ـ أن يتّحد هذا الثلاثي الخطر (الفرس والروم والمنافقون ) لاكتساح الإسلام واجتثاث جذوره، وخاصّة بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وغياب شخصه عن الساحة.

وكان من المحتمل جداً; أن يتفق هذا الثلاثي ـ الناقم على الإسلام ـ على محو الدين، وهدم كلّ ما بناه الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم طوال ثلاثة وعشرين عاماً من الجهود والمتاعب، وتضييع كلّ ما قدّمه المسلمون من تضحيات في سبيل إقامته.

ج ـ العشائريّات تمنع من الاتّفاق على قائد

لقد كان من أبرز ما يتميّز به المجتمع العربيّ قبل الإسلام; هو النظام القبلي، والتقسيمات العشائرية التي كانت تحتلّ ـ في ذلك المجتمع ـ مكانةً كبرى، وتتمتّع بأهمّية عظيمة.

فلقد كان شعب الجزيرة العربية، غارقاً في هذا النظام الذي كان سائداً في كلّ أنحائها.

صحيح أنّ جميع القبائل العربية ـ آنذاك ـ كانت ترجع ـ في الأصل ـ إلى قبيلتي; القحطانيين (وهم اليمنيّون) والعدنانيين (وهم الحجازيّون)، إلاّ أنّ هذا التقسيم الثنائيّ قد تحوّل بمرور الزمن; إلى تقسيمات كثيرة وعديدة، حتّى أصبح من العسير; إحصاء القبائل العربيّة وأفخاذها وفروعها وبطونها.


(91)

فمن يراجع الكتب التالية: (بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب) تأليف السيد محمود شكري الآلوسي، و (المفصّل في تأريخ العرب) تأليف علي جواد، الجزء(1) الفصل (46)، و (معجم قبائل العرب القديمة والحديثة) تأليف عمر رضا كحالة الجزء(2). من يراجع هذه المؤلفات التي تشرح النظام القبليّ وأبعاده في المجتمع العربيّ قبل الإسلام; يعرف ـ معرفةً كاملةً ـ مدى تغلغل وتوسّع النمط القبليّ عند العرب، ومدى تأثير القبيلة وعدد بطونها وأفخاذها وفروعها، تلك القبائل والأفخاذ والبطون التي كانت تبدأ أسماؤها ـ في الغالب ـ بلفظة (آل) مثل; آل النعمان و آل جفنة، أو لفظة (بنو); كبني أشجع وبني بكر وبني تغلب، أو كان يطلق على جميع أبنائها اسم الجدّ الأعلى للقبيلة مثل; غطفان وخزاعة (وهما ـ في الحقيقة ـ اسمان للجدود ولكنّهما اطلقا على القبيلة).

ولقد كان للقبيلة أكبر الدور في الحياة العربية ـ قبل الإسلام ـ وعلى أساسها كانت تدور المفاخرات وتنشد القصائد، وتبنى الأمجاد، كما كانت هي; منشأ أكثر الحروب وأغلب المنازعات التي ربّما كانت تستمرّ قرناً أو قرنين من الزمان، كماحدث بين الأوس والخزرج، أكبر قبيلتين عربيّتين في يثرب (المدينة)، وكلّفهم آلاف القتلى قبل دخول النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلى المدينة.

كما أنّ التأريخ يشهد لنا; كيف كاد التنازع القبليّ في قضية بناء الكعبة الشريفة ووضع الحجر الأسود في موضعه أيام الجاهلية، أن يؤدي إلى الاختلاف فالصراع الدموي، والاقتتال المرير; لولا تدخّل النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم الذي حسم الأمر بطريقة أرضت جميع القبائل المتنافسة، وأطفأت نار الفتنة التي كادت أن تأكل كلّ أخضر ويابس (3).

ونظراً لما كان يتمتع به رؤساء هذه القبائل من نفوذ، وكانت تلك الجماعات تملك من قوّة ورابطة ـ في ذات الوقت ـ فقد سعى الرسول الأكرم ـوبحكمة كبرى ـ أن


1- راجع السيرة النبويّة لابن هشام 1:196 تحت عنوان اختلاف قريش فيمن يضع الحجر ولعقة دم،ومروج الذهب 2:278 تحت عنوان بناء قريش الكعبة واختلافهم في وضع الحجر الأسود وحكم النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فيهم.
2- قال السهيليّ:( لمّا سمع رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم هذه الكلمات قال:« دعوها فإنّها دعوة منتنة » يعني أنّها كلمة خبيثة لأنّها من دعوى الجاهليّة، وجعل اللّه المؤمنين إخوةً وحزباً واحداً، فإنّما ينبغي أن تكون الدعوة للمسلمين ).
3- السيرة النبويّة لابن هشام 2:290 ـ 291.


(92)

يستفيد من قدرة تلك القبائل ونفوذ رؤسائها; في إنجاح الدعوة الإسلامية وتقوية أركانها، والتغلّب على أعدائها من الكفّار والمشركين وغيرهم من المعارضين.

إلاّ أنّ هذا النظام(القبليّ) لما كان ينطوي عليه ـ في نفس الوقت ـ من سيئات جسيمة، وتبعات لا يمكن التغاضي عنها، ومنافاتها مع ما ينشده الإسلام ويدعو اليه من الوحدة والاتّحاد بين جميع أفراد المسلمين; فقد سعى الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في محو الروح القبلية، وتذويب الفوارق العشائرية. وصهر تلك التجمّعات المتشتّتة المتباينة في بوتقة الإيمان الموحّد، والصف الإسلامي الواحد، ولكنّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم رغم ما أوجده في ضوء التعاليم الإسلامية من تحوّلات عظيمة في حياة العرب، إلاّ أنّ أكثر هذه التحوّلات كانت تتعلّق بقضايا العقيدة، والمسائل الأخلاقية والروابط الاجتماعية. . ولم يكن من الممكن أن ينقلب شكل النظام القبليّ العربيّ في خلال (23 عاماً) ويتبدل كليةً. ويدلّ على ذلك; وجود بقايا من هذا النظام في القسم الأكبر من شبه الجزيرة العربية مثل اليمن ونجد والحجاز... وو.

إنّ اُصول هذه العشائر ـ في ابّان العهد الإسلاميّ ـ وإن كانت عبارةً عن حمير وكهلان وقضاعة ومضر وربيعة، إلاّ أنّ هذه القبائل الأساسية تفرّعت وتشعّبت باستمرار; إلى قبائل وأفخاذ وفروع; وكان لكل قبيلة وفخذ منها شيخ ورئيس يرأس الجماعة وتكون له الكلمة والقيادة وتعطي له الإحترام والطاعة.

وقد كانت النفسيات والأخلاق العشائرية، المتوغّلة في نفوسهم بحيث لم تنعدم انعداما ً كلياً، رغم ما تلقاه اُولئك من التعاليم الإسلاميّة والتربية القرآنية، ولذلك كانت تظهر بين الفينة والاخرى، وينشأ بسببها النزاع ويكاد يتوسّع لولا حكمة الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وتدبيره.

فقد ذكر ابن هشام; حادثةً عند عودة النبيّ والمسلمين من غزو بني المصطلق، بدأت من قضية صغيرة وكادت أن تتطوّر إلى نزاع قبليّ واسع لولا تصرّف النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

قال: (بينا رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عائداً من غزو بني المصطلق وقد نزل عند ماء، وردت


(93)

واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنيّ حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهنيّ: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين(1)، فغضب عبد اللّه بن أبي بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم، غلام حدث، فقال: أو قد فعلوها ،قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، واللّه ما أعدنا وجلابيب قريش [ أي من أسلم من المهاجرين ] إلاّ كما قال الأوّل: سمّن كلبك يأكلك، أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ ،ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما واللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم، فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّموذلك عند فراغ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من عدوّه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: فكيف يا عمر إذا تحدّث الناس أنّ محمّداً يقتل أصحابه ؟ لا، ولكن أذّن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يرتحل فيها. . فارتحل الناس (2).

كما أنّ هناك حادثةً اخرى تدلّ على أنّ مادة الاختلاف كانت كامنةً في أعماقهم، وكانت مستعدةً للإنفجار في كلّ لحظة، وبأقل تحريك، وإيقاد للعصبيات والرواسب القبليّة الجاهليّة.

فها هو ابن هشام ينقل: أنّ شأس بن قيس وكان شيخاً من اليهود قد أسنّ، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مرّ ذات يوم على نفر من أصحاب رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه; فغاضه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من


1- السيرة النبويّة لابن هشام 1:555 ـ 557.
2- فيه تأمل ; فإنّ سعداً توفّي قبل غزو بني المصطلق.


(94)

العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأُ بني قيلة بهذه البلاد. . لا واللّه مالنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار، فأمر فتىً شابّاً من يهود كان معهم، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثمّ اذكر يوم بعاث وما كان قبله، وانشدهم بعض ما كانوا ما تقاولوا فيه من الأشعار.

وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج، وكان على الأوس يومئذ حضير بن سماك الأشهليّ، أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو النعمان البياضيّ، فقتلا جميعاً. .

قال ابن هشام: قال أبو قيس بن الأسلت:

على أن قد فجعت بذي حفاظ * فعاودني له حزن رصين
فأما تقتلوه فإنّ عمراً * أعض برأسه عضب سنين

وهذان البيتان في قصيدة له، وحديث يوم بعاث أطول ممّا ذكرت.

قال ابن هشام: ففعل [ ذلك الشاب ما أراده شأس ]; فتكلّم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتّى تواثب رجلان من الحييّن على الركب; أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبّار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج; فتقاولا ثمّ قال أحدهما لصاحبه، إن شئتم رددناها الآن جذعة [أي رددنا الآخر إلى أوّله وأعدنا الاقتتال والتنازع ]فغضب الفريقان جميعاً وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة[ أي الحرّة] السلاح السلاح فخرجوا إليها فبلغ ذلك رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتّى جاءهم; فقال: «يا معشر المسلمين; اللّه اللّه أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم اللّه للإسلام، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألّف به بين قلوبكم» فعرف القوم أنّها نزعة [ أي إفساد بين الناس ]من الشيطان وكيد من عدوّهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثمّ انصرفوا مع رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم سامعين مطيعين، قد أطفأ اللّه عنهم كيد عدوّ اللّه شأس بن قيس; فأنزل اللّه تعالى في شأس بن قيس وما صنع: (قُل يَا أَهْلَ


(95)

الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِ آياتِ اللّهِ واللّهُ شَهِيْدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ *قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيْلِ اللّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجَاً وَ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللّهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ)(آلعمران: 98ـ99).

وأنزل اللّه في أوس بن قيظيّ وجبّار بن صخر ومن كان معهما من قومهما; الذين صنعوا ما صنعوا عمّا أدخل عليهم شأس من أمر الجاهلية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامنُواْ إِنْ تُطِيْعُواْ فَرِيْقَاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيْمَانِكُمْ كَافِرِينَ *وَكَيْفَ تَكْفُرونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَاياتُ اللّهِ وَفِيْكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *إلى أخر قوله تعالى ـ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (آل عمران: 100ـ105) (1).

وممّا يدلّ أيضاً على وجود رواسب الخلاف عند قبيلتي الأوس والخزرج حتّى بعد دخولهم في الإسلام، وانضوائهم تحت لوائه في صف واحد; ما نقله الشيخ البخاري في صحيحه، في قصّة الإفك قال، قال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، واللّه ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، وما يدخل على أهلي إلاّ معي».

قالت عائشة: فقام سعد بن معاذ (2) أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول اللّه أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا.

قالت: فقام رجل من الخزرج وهوسعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمرو اللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل.

فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عمّ سعد [بن معاذ]، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمرو اللّه لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين.


1- صحيح البخاري 5:119 باب غزو بني المصطلق.
2- السيرة النبويّة لابن هشام 2:659 ـ 660.


(96)

قالت عائشة: فصار الحيّان (الأوس والخزرج) حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قائم على المنبر.

قالت: فلم يزل رسول اللّه يخفّضهم (أي يهدّئهم)حتّى سكتوا وسكت (1).

فكيف كان يجوز ـ والحال هذه ـ أن يترك الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم اُمّته المفطورة على العصبيّات القبليّة، وعلى الاستئثار بالسلطة والزعامة وحرصها على النفس، ورفض سلطة الآخر ؟

فهل كان يجوز للنبيّ أن يترك تعيين مصير الخلافة لتقوم به اُمّة هذه حالها، وفي تعيينه قطع لدابر الاختلاف والفرقة ؟

وهل كان من المحتمل أن تتفق كلمة الاُمّة جمعاء على واحد. . ولا تخضع للرواسب القبليّة ولا تبرز إلى الوجود مرّة اخرى ما مضى من الصراعات والتطلّعات العشائرية، وما يتبع ذلك من حزازات ؟

أم هل يصلح لقائد يهتمّ ببقاء دينه واُمّته أن يترك أكبر الاُمور وأعظمها، وأشدّها دخالةً في حفظ الدين، إلى اُمّة نشأت على الاختلاف، وتربّت على الفرقة، مع أنّه كان يرى الاختلاف منهم في حياته أحياناً أيضاً كما عرفت ؟

إنّ التأريخ يدلّ على أنّ هذا الأمر قد وقع فعلاً بعد وفاة النبيّ ـ في السقيفة التي سيأتي ذكرها مفصّلاً ـ حيث سارعت كلّ قبيلة إلى ترشيح نفسها للزعامة، منتحلةً لنفسها حججاً وأعذاراً... وطالبةً ما تريد بكلّ ثمن حتّى بتجاهل المبادىء وتناسي التعاليم الإسلاميّة، والوصايا النبويّة.

فقد ذكر ابن هشام تحت عنوان «أمر سقيفة بني ساعدة، تفرّق الكلمة» نقلاً عن عمر بن الخطاب، ما يدلّ على اختلاف الكلمةوعدم الاتفاق على أحد:

قال عمر: لمّا جلسنا (أي في سقيفة بني ساعدة) قام واحد من الأنصار فأثنى


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6:17 ـ 38 ( طبعة مصر ).

(97)

على اللّه بما هو أهله ثمّ قال:

(أمّا بعد فنحن أنصار اللّه وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منّا، وقد دفّت دافّة من قومكم (أي جاء جماعة ببطء) وإذا هم يريدون أن يحتازونا (أي يدفعوننا) من أصلنا، ويغصبونا الأمر).

. . . فقام أبو بكر وقال:

(أمّا ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر (أي الزعامة) إلاّ لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم) وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجّراح:

ثمّ قام وقال قائل من الأنصار (أنا جذيلها المحكّك، وعذيلها المرجّب، منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش).

قال عمر بن الخطاب: (فكثر اللغط (أي اختلاف الأصوات ودخول بعضها على بعض)، وارتفعت الأصوات حتّى تخوّفت الاختلاف)(1).

ولم يقتصر اختلاف الاُمّة على هذا الذي ذكرناه، بل ظهرت مظاهر التشتت القبليّ حتّى بعد ما جرى في السقيفة من بيعة من فيها لأبي بكر، حيث راح المهاجرون والأنصار يتهاجون فيما بينهم، وجرت بينهم مشادات كلاميّة وشعريّة هجائيّة، هاجم فيها كلّ فريق الفريق الآخر بأشدّ أنواع الهجاءنقلها المؤرّخون ونذكر منها شيئاً:

فقد جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد نقلاً عن كتاب الموفّقيّات: لمّا بويع أبو بكر. . وراح أبو سفيان بن حرب يدّعي الفضل لقريش ويذكر اُموراً في هذا المجال، قال حسّان بن ثابت:

تنادى سهيل وابن حرب وحارث * وعكرمة الشاني لنا ابن أبي جهل
قتلنا أباه وانتزعنا سلاحه * فأصبح بالبطحا أذلّ من النعل


1- وقد أجمل الماورديّ مسؤوليّات الإمام في عشرة، لاحظ الأحكام السلطانيّة:15 ـ 16.

(98)

فأمّا سهيل فاحتواه ابن دخشم * أسيراً ذليلاً لا يمرّ ولا يحلي
وصخر بن حرب قد قتلنا رجاله * غداة لوا بدر فمرجله يغلي
اولئك رهط من قريش تبايعوا * على خطّة ليست من الخطط الفضل
وأعجب منهم قابلوا ذاك منهم * كأنّا اشتملنا من قريش على ذحل
وكلّهم ثان عن الحقّ عطفه * يقول اقتلوا الأنصار بئس من فعل
نصرنا وآوينا النبيّ ولم نخف * صروف الليالي والبلاء على رجل
بذلنا لهم أنصاف مال أكفّنا * كقسمة أيسار الجزور من الفضل
ونحمي ذمار الحيّ فهو بن مالك * ونوقد نار الحرب بالحطب الجزل
فكان جزاء الفضل منّا عليهم * جهالتهم حمقاً وما ذاك بالعدل

فبلغ شعر حسّان قريشاً، فغضبوا وأمروا أبي عزّة شاعرهم أن يجيبه، فقال:

معشر الأنصار خافوا ربّكم * واستحيروا الله من شّر الفتن
إنّني أرهب حرباً لاقحاً * يشرق المرضع فيها باللبن
جرّها سعد وسعد فتنة * ليت سعد بن عبّاد لم يكن
خلف برهوت خفيّاً شخصه * بين بصرى ذي رعين وجدن
ليس ما قدّر سعد كائناً * ما جرى البحر وما دام حضن
ليس بالقاطع منّا شعرةً * كيف يرجى خير أمر لم يحن
ليس بالمدرك منها أبداً * غير أضغاث أماني الوسن

واتّفق أن اجتمع الأنصار والمهاجرين في مجلس; فأفاضوا الحديث عن يوم السقيفة، فقال عمرو بن العاص: واللّه لقد دفع اللّه عنّا من الأنصار عظيمةً، ولما دفع اللّه عنهم أعظم، كادوا واللّه أن يحلّوا حبل الإسلام كما قاتلوا عليه، ويخرجوا منه من أدخلوا فيه ؟ ولقد قاتلونا أمس فغلبونا، ولو قاتلناهم اليوم لغلبناهم على العاقبة، فلم يجبه أحد وانصرف إلى منزله وقد ظفر فقال:


(99)

ألا قل لأوس إذا جئتها * وقل إذا ما جئت للخزرج
تمنّيتم الملك في يثرب * فأنزلت القدر لم تنضج

إلى آخر الأبيات.

فلمّا بلغ الأنصار مقالته وشعره;بعثوا إليه لسانهم وشاعرهم النعمان بن العجلان فقال لعمرو وهو في جماعة من قريش: (واللّه ياعمرو ما كرهتم من حربنا إلاّ ما كرهنا من حربكم، وما كان اللّهليخرجكم من الإسلام بمن أدخلكم فيه، إن كان النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: «الأئمّة من قريش» فقد قال: «لو سلك النّاس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار» فأمّا المهاجرون والأنصار فلا فرق بينهم، ولكنّك وترت بني عبد مناف بمسيرك إلى الحبشة، لقتل جعفر وأصحابه، ووترت بني مخزوم بإهلاك عمارة بن الوليد).

ثمّ أنشد أبياتاً يمتدح فيها قومه الأنصار ويهجو المهاجرين.

فلمّا انتهى شعر النعمان وكلامه إلى قريش غضب كثير منهم.

وقد طالت المماحكات والمشاجرات الكلاميّة وطال التهاجي الحاد بين الصحابة. . حتّى قال أحدهم:

أيال قريش أصلحوا ذات بيننا * وبينكم قد طال حبل التماحك
فلا خير فيكم بعدنا فارفقوا بنا * ولا خير فينا بعد فهر بن مالك
فلا تذكروا ما كان منّا ومنكم * ففي ذكر ما قد كان مشيُ التساوك (1)

إنّ ما نقلناه لك هنا; هو غيض من فيض ممّا جرى بين صحابة الرسولصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من المنازعات والاختلافات في مسألة القيادة، فهل كان يجوز ترك مثل هذا المجتمع غير المتّفق في تطلعاته وآرائه دون نصب قائد يكون نصبه قاطعاً لدابر الاختلاف ومانعاً من مأساة التمزّق والتقاطع والفرقة ؟.

***


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 17 ـ 38 (طبعة مصر).

(100)

تلك محاسبات عقليّة واجتماعيّة من واقع المجتمع الإسلاميّ الأوّل، تدلّنا على أنّ الحقّ في مسألة القيادة في المجتمع الإسلاميّ بعد وفاة الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم هو أن يستخلف صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم (قائداً) للاُمّة، وراعياً لمصالحها وشؤونها; لما في نفس التنصيب من مصلحة وقطع دابر الاختلاف.

فمثل هذه المحاسبات، تمنع القائد الحكيم أن يترك الاُمّة من بعده من دون أن يعيّن لها قيادةً تحافظ على الكيان الإسلاميّ الناشيء من الأخطار المحدقة به، وتقود الاُمّة الإسلاميّة الفتية في الطريق الشائك إلى الهدف المرسوم لها، والغاية المطلوبة.

إنّ القائد الحكيم، والرئيس المحنّك هو من يعتبر بالأوضاع الاجتماعيّة لاُمّتة والظروف المحيطة بها، ويأخذ بنظر الاعتبار ما يمكن أنّ يحدث لها جرّاء غيبته ووفاته، ثمّ يرسم على ضوء تلك الظروف والأحوال، والتوقّعات والمحاسبات ما يراه صالحاً للاُمّة ولمستقبلها، وأهم تلك الاُمور هو تعيين القائد لها، والمدير لشؤونها من بعده.

إنّ أوضاع المسلمين آنذاك، والظروف الحرجة المحيطة بهم; كانت تقتضي أن لا يدع النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم تلك الاُمّة الحديثة العهد بالإسلام وتلك الدولة الفتية الجديدة البنيان، لآراء الاُمّة وإرادتها لتختار هي بنفسها قائدها ورئيسها، وهي في خضمّ تلك الأخطار، والظروف الحسّاسة البالغة الخطورة، إذ ربمّا كانت تبتلي ـ في ذلك الأمرـ بالخلاف الذريع، والفرقة الكبيرة; فتسهل للخصم سبيل السيطرة عليها وتمكّنه من مؤامراته ونواياه.

إنّ عدم بلوغ الاُمّة الإسلاميّة حدّ الاكتفاء الذاتيّ في القيادة والادارة، مع الأخذ بنظر الاعتبار الأخطار التي كانت تحدق بها ،والرواسب القبليّة الجاهليّة، وعدم قدرتها على التغلّب على كلّ ذلك لوحدها; كانت توجب على النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بحكم العقل السليم; أن ينصّب للاُمّة قائداً يدبّر شؤونها ويجمع شتاتها ويحافظ على وحدتها، ويقود سفينتها إلى شاطيء الأمن والدعة والسلام.


(101)

ماذا يُراد من الخلافة عن رسول الله ؟

إنّ الإمامة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والخلافة عنه تتصوّر بمعنيين:

الأوّل: أنّها إمرة إلهيّة واستمراراً لوظائف النبوّة كلّها سوى تحمّل الوحي الإلهيّ، وهذا ما تعتقده الشيعة الإماميّة في الإمامة والخلافة، ويشترط فيه كلّ ما يشترط في النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ ما استثني.

الثاني: أن تكون رئاسةً دينيّةً لتنظيم اُمور الاُمّة، من تدبير الجيوش وسدّ الثغور وردع الظالم والأخذ للمظلوم وإقامة الحدود وقسم الفيء بين المسلمين وقيادتهم في حجّهم وغزوهم (1). وهذا ما يعتقده اخواننا أهل السنّة في الخلافة، ولأجل ذلك لا يشترط فيها نبوغ في العلم زائداً على علم الرعيّة، بل هو والاُمّة في علم الشريعة سيّان، كما لا يشترط سائر الصفات سوى القدرة على التدبير.

فلو كانت الخلافة بالمعنى الثاني الذي اختاره إخواننا أهل السّنّة; فيكفي في لزوم نصب الإمام ما مرّ في البحث السابق.

وأمّا إذا قلنا بما اختاره الشيعة الإماميّة، فيجب أن يكون الإمام ذات صفات وملكات يملأُ بها كلّ الفراغات الحاصلة بوفاة النبيّ، والإمام بهذه الخصائص يحتاج إلى تربية إلهيّة كما في النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا يعرف تلك الشخصيّة مع ما تتصف به من الصفات إلاّ الله سبحانه، فيجب أن يعرّفها إلى الاُمّة وإلاّ جهلها الناسن ويلزم نقض الغرض .

ولأجل الاختلاف في معنى الإمامة، عقدنا هذا البحث وفصلناه عن البحث السابق.


1- وقد أجمل الماورديّ مسؤوليّات الإمام في عشرة، لاحظ الأحكام السلطانيّة: 15 ـ 16 .

(102)

الطريق الثاني

2

وفاة النبيّ والفراغات الهائلة

1ـ الفراغ في بيان الحلول التشريعية للمشكلات الجديدة.

2ـ الفراغ في تفسير القرآن الكريم وشرح مقاصده.

3ـ الفراغ في مواصلة تكميل الاُمّة روحياً ونفسياً.

4ـ الفراغ في مجال الردّ على الأسئلة والشبهات.

5ـ الفراغ في صيانة الدين من محاولات التحريف.

دراسة الفراغات لماذا ؟

إنّ دراسة الفراغات الهائلة المذكورة والحاصلة بوفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والوقوف على كيفيّة سدّها بعده، تعيننا على معرفة لون الحكومة الإسلاميّة ـ بعده ـ.

وعلى القارىء; أن يتأمّل في هذه النقاط الحساسة، بتجرّد وموضوعية، حتّى يقف على ضالّته المنشودة.

لاشكّ أنّ وجود النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان يملأُ فراغاً كبيراً وعظيماً في حياة الاُمّة الإسلاميّة.

فالرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لم تقتصر مسؤوليّاته وأعماله على تلقيّ الوحي الإلهيّ وتبليغ الرسالة الإلهيّة إلى الناس، بل كانت تتجاوز ذلك بكثير.


(103)

فقد كان النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقوم بـ:

1ـ بيان الأحكام الإسلاميّة من كليات وجزئيات.

2ـ تفسير الكتاب العزيز وشرح مقاصده وبيان أهدافه،وكشف رموزه وأسراره.

3ـ دفع اُمّته ـ بحسن قيادته ودرايته ـ في طريق الكمال والرّقيّ والتقدّم. وتربية المسلمين، وتهذيبهم وتزكيتهم وتخليص نفوسهم من شوائب الشرك والكفر والجاهلية، وإعداد المسلم القرآني الكامل.

4ـ الردّ على الشبهات والتشكيكات التي كان يلقيها أعداء الإسلام، ويوجّهونها ضد الدعوة الإسلاميّة.

5 ـ صون الدين الإسلاميّ والرسالة الإلهيّة من أيّة محاولة تحريفية. . ومن أيّ دس في التعاليم المقدّسة.

وقد كانت كلّ هذه الاُمور تعتمد بالإضافة إلى (الوحي) إلى قدرات نفسيّة عالية، وقابليات فكريّة هائلة، ومعنويّات خاصّة تؤهّل النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم للقيام بكلّ تلك المهام الجسيمة، والاضطلاع بجميع تلك المسؤوليات الكبرى.

ولا ريب أنّ من كان يقوم بمثل هذه المسؤوليات، يعتبر فقده وغيابه من الساحة ملازماً لحدوث فراغ هائل في الحياة الاجتماعيّة، وثغرة كبرى في القيادة لايسدّها إلاّ من يقوم مقام النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في القدرة القياديّة، والإداريّة، ويتمتّع بكلّ تلك الكفاءات الذاتيّة، ويتحلّى بجميع تلك الصفات النفسية العليا، والمؤهّلات الفكريّة والعلميّة والسياسيّة، ما عدا خصيصة النبوّة وتلقّي الوحي.

ولمّا كانت هذه الكفاءات النفسيّة والمؤهّلات المعنويّة من الاُمور الباطنيّة الخفيّة التي لايمكن الوقوف عليها ومعرفتها إلاّ بتعريف من اللّه تعالى وتعيينه وتشخيصه.

كما أنّها لمّا كانت لا تحصل للشخص بطريق عاديّ وبالتربية البشريّة المتعارفة بل لابدّ من اعداد إلهيّ خاص، وتربية إلهيّة خاصّة، ينطرح هذا السؤال:


(104)

هل كان يمكن للاُمّة أن تتعرفّ بنفسها على هذا الشخص. . وتكتشف من تتوفر فيه تلك المؤهّلات والكفاءات الخفيّة بالطرق العاديّة ؟ أو كان يحتاج ذلك إلى تشخيص اللّه تعالى ، وتعيينه وتنصيبه ؟.

ولو قلت: إنّ رحيل النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يوجد فراغاً في الرسالة واستمرار الوحي فكيف يمكن سد هذا الفراغ ؟ أو هل يمكن ملؤه أيضاً ؟.

قلنا: إنّ خصيصة الخاتميّة التي أخبر عنها القرآن الكريم، واتّصفت بها النبوّة المحمّديّة، تخبر عن عدم حصول مثل هذا الفراغ، وعدم احتياج الاُمّة إلى تتابع الرسالات واستمرار الوحي، والاتصال السماويّ بالأرض; لأنّ الرسول الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم جاء بأكمل الشرائع وأتمّها، وأوفاها بحاجات البشريّة.

وبعبارة اخرى ،إنّ الرسول الخاتم قد أتى بكلّ ما تحتاج إليه البشريّة من تشريعات للحاجات الفعليّة، ومن اُصول للتشريعات اللازمة للحاجات المستجدّة فلا توجد وفاة الرسول فراغاً في ذلك الجانب، وإنّما الفراغ هو في الجوانب القياديّة الخمس المذكورة; التي تحتاج إلى الكفاءات والمؤهّلات الذاتيّة والنفسيّة التي كان يتمتّع بها الرسول القائد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

إنّ الوجوه التي تدلّ بصراحة كافية على أنّ الاُمّة الإسلاميّة لم يكن في مقدورها اختيار ومعرفة القائد المناسب الذي يخلّف الرسول الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ويقود الاُمّة بنفس المؤهّلات والكفاءات التي كان يتحلّى بها النبيّ الراحل ــ ماعدا الوحي ــ بل كان يجب تعريفه من جانب اللّه سبحانه، وتعيينه ونصبه لقيادة الاُمّة وسدّ ما حدث ـ بوفاة النبيّ القائد المعلّم ـ من فراغ بل فراغات. .

إنّ هذه الوجوه هي:

1ـ الفراغ في مجال الحلول التشريعية للمشكلات الجديدة

لاشكّ أنّ الوحي الإلهيّ انقطع بوفاة الرسول الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كما لا شكّ أنّ


(105)

الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم التحق بربه وقد أدّى ما عليه من مهمّة التبليغ والدعوة خير أداء، وقام بتثقيف الاُمّة الإسلاميّة أفضل قيام، ولكن الاُمّة كانت تعاني ــ بعد وفاة النبيّ ــ من مشكلات كبيرة تشريعيّة بالنسبة للحوادث المستجدّة والوقائع الجديدة، فماذا كان السبب ؟ فهل كان هناك نقص في التشريع الإسلاميّ، أم كان هناك أمر آخر يتعلّق بالاُمّة نفسها ؟.

وبعبارة اخرى: إنّ القرآن الكريم والسنّة المطهّرة أعلنا من جانب عن إكمال الشريعة وأنّه ما من شيء تحتاج إليه الاُمّة إلاّ وقد جاء به الكتاب والسنّة، وبيّنه وأتمّه النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

وهذا ممّا لا يشكّ فيه أحد من المسلمين، خصوصاً بعد القول بخاتميّة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وانسداد باب الوحي الإلهيّ.

ومن جانب آخر، نرى بأن الاُمّة الإسلاميّة فوجئت بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بحوادث جمّة لم تجد لها حلولاً في الكتاب والسنّة، وقد اعترفت بذلك أتم اعتراف.

فكيف يمكن الجمع بين الأمرين والتوفيق بينهما ؟.

إنّ الذي تدلّ عليه الشواهد التأريخية; هو أنّ المسلمين لم يستطيعوا ـ رغم ما بذله الرسول الأكرم من جهود كبرى في فترة رسالته ـ أن يستوعبوا التربية العلميّة الكافية والتعبئة الفكريّة اللازمة التي تؤهّلهم لمواجهة جميع المفاجئات، وحلّ جميع المشكلات والمسائل المستجدّة بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وذلك لأنّ مثل هذه التربية الكافية، وهذه التعبئة الوافية بالحاجة والحاجات المستجدّة كانت تتطلّب فترة طويلة، وجوّاً من الطمأنينة، وتركيزاً شديداً.

ولكن هذه الظروف والشرائط المساعدة لم تتوفّر لا للمسلمين، ولا للنبيّ الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم خلال مدّة الدعوة التي استغرقت 23 عاماً.

وإليك فيما يأتي تفصيل العوامل التي حالت دون أن يستوعب المسلمون جميع أبعاد الشريعة، ويتلقّوا عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم التعبئة الفكرية الكافية والتعليم الواسع، رغم


(106)

مابذله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في سبيل تحقيق ذلك من جانبه:

(أ): لقد قضى الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم الفترة المكّيّة من حياته الرساليةـ التي استغرقت 13 عاماً كاملة ـ في دعوة المشركين في مكّة، وما حولها. تلك الدعوة الرفيقة الرحيمة المخلصة التي كانت تقابل بالعناد واللجاج منهم، وتواجه بالمضايقات وخلق الصعوبات.

وحتّى لو تمكّن الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من إحراز بعض النجاح في مهمّته فإنّ عناد المشركين والوثنيين يجعل تلك النتائج قليلة وضئيلة. . واستمر هذا الحال في مكّة حتّى انتهى إلى محاولة اغتيال الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والقضاء على حياته الشريفة ـ في فراشه ـ، وكانت الهجرة المباركة إلى يثرب (المدينة).

إنّ تركيز الدعوة في مكّة على الجوانب الاعتقادية لم يسمح بالتكلّم عن القوانين العباديّة والاجتماعيّة، والسياسيّة. . هذا مضافاً إلى أنّ التحدّث عن هذه الجوانب والمسائل التي تتعلّق بالنظام الاجتماعيّ في ذلك الجوّ الخانق، ومع تلك العقول البدائيّة، والنفوس غير المستعدّة، كان بعيداً عن مقتضى البلاغة، التي تقتضي أن يكون لكلّ مقام مقال ولكلّ مقال مقام.

لأجل ذلك نجد أنّ الآيات التي نزلت في مكّة تدور ـ في الأغلب ـ حول قضاياالتوحيد والمعاد وإبطال الشرك ومقارعة الوثنيّة وغيرها من القضايا الاعتقاديّة الكليّة، حتّى صار أكثر المفسّرين يعرف الآيات المكّية والمدنيّة ويميّز بينهما بهذا المعيار.

وأمّا في الفترة المدنيّة التي استقبل فيها أهل المدينة رسول الإسلام بحفاوة بالغة وشوق كبير، فقد تمكّن الرسول الأكرم ـ بعد أن وجد بعض الأجواء المناسبة للتربية والتعليم ـ أن يبيّن للاُمّة بعض أحكام الإسلام ويطبق قسماً منها، ويعرّف الناس بواجباتهم وحقوقهم، وما يجب أن يعرفوه من مسائل الحلال والحرام.

غير أنّ حياة الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في المدينة لم تسلم ولم تخل هي أيضاً من مزاحمة


(107)

المشاكل الكثيرة، فقد أثار تمركز المسلمين في يثرب، وتعالي شوكتهم، وتعاظم أمر الرسالة الإسلاميّة حفيظة الكفّار والمشركين، وخوفهم وقلقهم من مستقبل الأمر، ودفعهم ذلك إلى التعرّض للرسول والمسلمين في المدينة اكثر من مرة.

وهذه الحملات والتحرشات وإن كانت تواجه موقفاً شجاعاً وقوياً من المسلمين بقيادة الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وكانت تعود في كل مرة بالويل والخيبة على أصحابها، كما تشهد بذلك وقائع بدر وأحد والأحزاب وغيرها، إلاّ أنهّا كانت ـ ولا شكّـ تأخذ الكثير الكثير من أهتمام الرسول ووقته الذي كان يصرفه إلى تجهيز المسلمين وتهيئتهم لصد العدوان، ومواجهة الأعداء أو إبطال المؤامرات التي كانت تبيّت ضدّ الدولة الإسلاميّة الفتيّة، الحديثة التأسيس في المدينة المنوّرة.

هذا إلى جانب المشاكل الداخلية التي كان يثيرها المنافقون واليهود الذين كانوا ـ كما قلنا ـ بمثابة الطابور الخامس، وكان لهم دور كبير في إثارة البلبلة في صفوف المسلمين، وخلق المتاعب للقيادة من الداخل، وكانوا بذلك يفوّتون الكثير من الوقت الذي كان يمكن أن يصرف على تربية المسلمين وتعبئتهم الفكريّة واعدادهم العلميّ، وتعليمهم ما يعينهم على حلّ كلّ ما قد يطرأ على حياتهم ويستجدّ من مشكلات ومسائل وحوادث في المستقبل.

إنّ اشتراك النبيّ في ( 27 ) غزوة; كان البعض منها يستغرق أكثر من شهر، والاشتغال ببعث وتسيير ما يقارب ( 55) سرّية لقمع المؤمرات وإبطالها، وصدّ التحركات العدوانيّة.

وبالتالي; أنّ ماصرفه الرسول القائد في مواجهة المثلّث الت آمري (اليهود ـ المنافقون ـ المشركون)أخذ من وقت الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم واهتمامه وجهده ما لو اتيح له أن يصرفه على تعبئة المسلمين علميّاً، وتربيتهم فكرياً، لأتى بثمار كبيرة وكثيرة.

على أنّ الوظائف المهمة التي كان يضطلع بها النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ويقوم بها بنفسه لمتقتصر على هذه الاُمور، بل كانت تقع على كاهله مهمّة: (عقد الاتفاقيّات السياسيّة


(108)

والمواثيق العسكريّة الهامّة)التي يزخر بها تأريخ الدعوة الإسلاميّة(1).

مثل هذه الحياة الحافلة بالأحداث والوقائع، الزاخرة بالصعوبات والمتاعب; كانت تحمل المسلمين من جانب آخر على صرف جلّ اهتمامهم وأوقاتهم في مسألة الدفاع عن حياض الإسلام، وحياة الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فإذا ما تيسّر لهم بعض الفرصة والفراغ، وانصرفوا إلى تعلّم الأحكام والقوانين الإسلاميّة; إذا بحوادث جديدة تستقطب اهتمامهم، وتسلب منهم فرصة الأخذ، والتعلّم الواسع من النبيّ الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

وخاصّة إذا عرفنا أنّ أوضاع المسلمين وإمكاناتهم البشريّة وعددهم لم يبلغ حدّاً يسمح بأن تتفرّغ كل جماعة منهم لعمل خاصّ; جماعة للدفاع وجماعة للزراعة، وجماعة للتعلّم والتفقّه، ولكن كان الجميع جنوداً عند تعرّض البلاد لهجوم الأعداء، فإذا فرغوا من الحرب انصرفوا ـ بعض الوقت ـ إلى الزراعة أو التعلّم، أو التكسّب والتجارة.

(ب): لقد كان التشريع الإسلاميّ يشقّ طريقه نحو التكامل بصورة تدريجية; لأنّ حدوث الوقائع والحاجات الاجتماعيّة في عهد الرسول الأكرم، وما كانت تثيره من أسئلة وتتطلّب من حلول هي التي كانت توجب نزول التشريع عن طريق الوحي الإلهيّ، وبهذه الصورة كان التشريع الإسلاميّ يتكامل، ويتخذ صيغته الكاملة.

وهذا هو شأن كلّ تشريع، فلا يمكن أن يكون القانون وليد لحظة واحدة من الزمان أو مقتضيات يوم واحد، بل يكون وقوع الحوادث والوقائع هو السبب في اتّساع دائرة القانون وتكامله.

ثمّ إنّ تكامل التشريع الإسلاميّ ليس بالمعنى المتبادر في التشريعات البشريّة المتكاملة تدريجياً.

فإنّ الباعث على التدرّج في التشريعات (الوضعيّة) هو عدم علم المشرّع بما سيحدث، وأمّا التشريع الإسلاميّ فالمشرع فيه هو اللّه سبحانه وهوعالم بمقتضيات الأحكام ومصالحها وملابساتها وما يوجب النسخ والتخصيص فيكون معنى التكامل


1- راجع كتاب الوثائق السياسيّة للبروفسور محمّد حميد اللّه . ومكاتيب الرسول للعلاّمة الأحمدي.

(109)

التشريعيّ في الإسلام، هو التكامل في البيان والتدريج في النزول; لأجل أنّ بيان الأحكام لا يصحّ إلاّ بعد وجود مقتضيات وشروط في نفس المجتمع.

أضف إلى ذلك; أنّ التدريج في البيان والنزول إذا كان متّصلاً بالواقعة الخاصّة التي نزل في حقّها القرآن يكون أوقع في النفوس وأقرب إلى الحفظ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وا حِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيْلاً ) (الفرقان: 32) وقوله سبحانه: (وَقُرْءَانَاً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الْنَّاسِ عَلَى مُكْث وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيْلاً ) (الاسراء: 106).

هذا مضافاً إلى ناحية خاصّة بالمجتمع المدنيّ في عهد الرسول كانت تستوجب هذا التدرج; وهو كون ذلك المجتمع فاقداً لأيّ قانون اجتماعيّ وأخلاقيّ، فكان تعليمه جميع القوانين الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة دفعةً واحدةً، أو في فترة قصيرة; أمراً يكاد يكون مستحيلاً حتّى لو خلت حياة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من المشاكل والمتاعب التي مرّ ذكرها.

وقد كان ذلك عاملاً من عوامل عدم قدرة الاُمّة على استيعاب كلّ معالم الشريعة وأبعادها وتفاصيلها وتفريعاتها، وأخذها من النبيّ الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

ثمّ إنّ اُموراً وأسباباً عديدةً اخرى كانت تقتضي التدرّج في نزول القرآن الكريم إلى جانب ما ذكرناه، ويمكن تلخيصها فيما يلي:

1ـ تثبيت فؤاد النبيّ

إنّ النبيّ إذ كان يتحمّل مسؤوليةً ضخمةً جداً وكان يواجه في هذا السبيل صعوبات ومشقّات صعبة جدّاً; كان لابدّ له من إمداد غيبيّ مستمرّ غير منقطع ونجدة إلهيّة متّصلة; ولهذا كان نزول جبرائيل المتكرر موجباً لتسليته وتقويته الروحيّة وإلى هذا أشار القرآن إذ قال: ( كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادكَ ) ( الفرقان: 32).


(110)

2ـ تسهيل عملية التعليم

إنّ صعوبة مهمّة التعليم كانت تقتضي أن يتنزّل القرآن شيئاً فشيئاً، ليسهل تعليمه للناس وإلقاؤه إليهم.

كيف لا; والنبيّ طبيب يعالج النفوس، ويداوي الأرواح وذلك يقتضي التدرّج في العلاج كما يفعل المداوون.

3ـ بيان الميزة التطبيقيّة للقرآن

إنّ القوانين التي تسنّ طبقاً للحاجات، وعند ظهور المشكلات، تكون أقرب إلى النتيجة المطلوبة منها فيما لو سنّت جملةً في وقت واحد.

ولهذا; كانت الآيات القرانية تتنزّل وفقاً للحاجات وتبعاً للحوادث التي كانت تقع شيئاً فشيئاً، فيأخذ بها المسلمون ويعالجون بها مشكلاتهم فيشاهدون النتائج العمليّة الطيّبة،فبسببها تزداد ثقتهم بالوحي ويزداد تعلقّهم به.

وبهذا كان القرآن يحقّق نجاحات كبيرةً في النفوذ إلى القلوب والأعماق لأنّه كان يقرن العلم بالعمل، ويلبّي الحاجات الفكريّة والحياتية. . وهي أفضل وسيلة للتأثير في القلوب.

4ـ تعدّد الاحتجاجات

إنّ قسماً كبيراً من الآيات القرآنية كانت تتنزّل على النبيّ في مقام الاحتجاج على طوائف اليهود والنصارى، الذين كانوا يتوافدون على النبيّ بين فينة وأخرى، فكان طبيعياً أن تنزل الآيات في أوقات متعدّدة وأزمنة متفاوتة.

5ـ التدليل على صدق الرسالة

إنّ التدرّج في التنزيل كان أحد الأدلة الساطعة على صدق هذا الكتاب في


(111)

انتسابه إلى اللّه، وكونه وحياً سماوياً وليس تأليفاً بشريّاً. . إذ أنّ نزول الآيات في مواسم وأشهر وأعوام متفاوتة مع حفظ النمط الخاصّ بها، ورغم ما تعرّض له الرسول في حياته الرسالية من شدّة ورخاء، وعسر ويسر، وهدوء واضطراب، وسلم وحرب; كان خير دليل على أنّ هذا الكلام لم يكن إلاّ وحياً يوحى إليه من إله قادر حكيم، وخالق عليّ عليم. . فكان ذلك أظهر لعظمة القرآن، وأقوى دليل على إعجازه.

***

(ج ): إنّ اتساع رقعة الد ولة الإسلاميّة، ومخالطة المسلمين للشعوب والأقوام المختلفة بسبب الفتوحات المتتالية التي قام بها المسلمون; جعلهم أمام مشاكل مستجدّة ومسائل مستحدثة لم تكن معهودةً ولا معروفةً في عهد النبيّ الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم الذي لم تكن فيه الدولة الإسلاميّة قد توسعت كما توسعت بعد وفاته والتحاقه بالرفيق الأعلى.

فهل كان من الصحيـح ـ والحال هذه ـ أنّ يبيّن الرسول الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم للناس;حلولاً لمشاكل لم تحدث بعد، ويتحدث عن موضوعات لم يعرفوا شيئاً عن ماهيتها وتفاصيلها، ولم يشهدوا لها نظيراً في حياة الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وانّما كانت تحدث بصورة طبيعية فيما بعد ؟.

ألم يكن بيان تلك الأحكام والحلول لتلك الموضوعات المستقبلية المجهولة عملاً غير مفيد، بل أمراً صعباً للغاية، لأنّه لم يكن في وسع المسلمين أنّ يدركوا معناه وهم لم يعرفوها عن كثب ولم يعرفوا لها أيّ مثيل ونظير؟.

وهكذا لم يتسنّ للمسلمين أنّ يتعرّفوا على كلّ شيء فيما يتعلق بالحوادث والموضوعات الواقعة في المستقبل، ولذلك كانوا يجهلون الكثير من الأحكام المتعلّقة بها، والحلول اللازمة لها.

هذه كانت أهم العوامل التي حالت دون أن يستطيع المسلمين استيعاب كافة التعاليم والأحكام الإسلاميّة من النبيّ الكريم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

فلم يكن ما وعوه منه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وافياً بالحاجات المستجدة. . وهذا ما يلمسه كلّ من درس تأريخ الاُمّة الإسلاميّة في الصدر الأوّل. . وستقف على نماذج من هذه الحاجات


(112)

التي لم يجد فيها المسلمون الأجوبة فيما لديهم من تشريع.

هذا من جانب.

ومن جانب آخر أنّ القرآن الكريم يصرّح في غاية الوضوح بأن ّ اللّه سبحانه أكمل دينه بنبيّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إذ يقول سبحانه: (الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينَاً)(المائدة: 3).

كما يصرّح النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بذلك في خطابه التأريخي عند عودته من حجة الوداع إذ يقول: «يا أيّها الناس واللّه ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلاّ وقد أمرتكم به وما من شيء يقرّبكم من النّار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه»(1).

وأكّدالإمام عليّ ـ عليه السلام ـ على هذه الحقيقة أيضاً إذ قال: «أم أنزل اللّه سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه، أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى، أم أنزل اللّه سبحانه ديناً تاماً فقصّر الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّمـ عن تبليغه وأدائه، واللّه سبحانه يقول: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيء )و فيه تبيان لكلّ شيء(2).

فإذا كان اللّه قد أكمل دينه فلا نقصان، بل كمال وتمام، فلماذا كانت الاُمّة تعجز عن حل المعضلات الجديدة التي تواجهها في حياتها الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة؟.

ترى كيف اُكمل الدين في السنة العاشرة من الهجرة، وبيّن الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كلّ ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة من علوم ومعارف وأصول وفروع وحلول لمشاكلهم الفعليّة والحادثة فيما بعد ؟.

هل استودع النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كلّ ذلك عند الاُمّة نفسها، وقد تقدم استحالة تحقق ذلك في تلكم الفترة القصيرة. . ومع تلك المشاكل الكثيرة، وعدم قدرة الناس على الاستيعاب والأخذ الكامل ؟.


1- الكافي 2:74 وتحف العقول:40 (طبعة إيران ).
2- نهج البلاغة:الخطبة رقم (18).


(113)

كيف لا; وكلّ الأحاديث الصحيحة التي نقلها أعلام السنّة عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في الفروع والاُصول لا تتجاوز (500) حديثاً.

قال السيد محمّد رشيد رضا في الوحي المحمّديّ: (إنّ أحاديث الأحكام الاُصول خمسمائة حديث تمدّها أربعة آلاف فيما أذكر)(1).

وقال أيضاً في موضع آخر: (يقولون: إنّ مصدر القوانين الاُمّة، ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب والسنّة كما قرره الإمام الرازيّ، والمنصوص قليل جداً)(2).

هذه هي كلّ الأحاديث المنقولة عن طرق أهل السنّة، وهي تتعلق بالحوادث التي وقعت في زمن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم غالباً، بينما نعلم أنّ ما حدث ووقع بعد وفاة الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان أكثر بكثير ممّا حدث في حياته الشريفة.

ثمّ لما كانت أكثر الأحاديث ردّاً على الأسئلة التي يطرحها الصحابة، وتدور حول ما كان يحدث لهم، لذلك لم يسألوا عمّا لم يحدث ولم يقع بعد.

وقد كان هذا عاملاً مهمّـاًمن عوامل قلّة الحديث النبويّ في الأحكام.

هذا مضافاً إلى; أنّ السبب الآخر لقلّة الحديث النبويّ; هو ضياع طائفة كبيرة منه، لعدم اعتناء الأوائل بتدوين السنّة وهو الأمر الذي استوجب وقوع الخلاف والاختلاف حتى في أبسط المسائل، وأكثرها ابتلاء; مثل الاختلاف في عدد التكبيرات في صلاة الموتى ،وهو أمر كما نعلم ممّا يبتلى به المجتمع كثيراً، ولو كان هناك شيء مكتوب لما وقع الاختلاف والحيرة.

فإذا بطل هذا الشقّ (أي استيعاب الاُمّة جميع ما يحتاجون إليه وتكميل الدين من هذا الطريق) تعيّن الشقّ الآخر لتفسير تكميل الدين; وهو أنّ النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أودع كل ما تحتاج إليه الاُمّة من اُصول وفروع لدى فرد أو طائفة خاصّة من الاُمّة; لكي يرجع إليهم المسلمون بعده صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ويعالجوا بما يخرجونه إليهم من تلك المعارف والعلوم،


1- الوحي المحمّديّ ( الطبعة السادسة ):212.
2- تفسير المنار لرشيد رضا 5:189.


(114)

مشاكلهم في العقيدة والعمل، في اُمور الدين والدنيا.

أجل لابدّ أن يكون في الاُمّة من يرفع هذه الحاجة، أي يكون حاملاً لعلم النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وإن لم يكن له نصيب في النبوّة، إيفاءً لغرض التشريع الإلهيّ ويكون له من الكفاءات والمؤهّلات ما تؤهّله للقيام بمثل هذه العبء الثقيل والأمر الخطير،ويسدّ بالتالي ما أحدثه رحيل الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وغيابه من فراغ بل فراغات هائلة وخطيرة.

على أنّ من يتحمّل هذه العلوم لايمكن أن يتحمّلها عن طريق الأسباب العاديّة والتربية العرفيّة المتعارفة، وإلاّ لتيسّر للجميع أن يتحمّلوها. . ثمّ إنّ التعلّم والتربية على هذا النمط; أقصر من أن ينتج شخصيّةً متفوّقةً علميّةً كفوءةً للقيام مقام النبيّ في علمه وسياسته ودرايته وكياسته، وتدبيره وإدارته وجميع مؤهّلاته (ما عدا النبوّة وتلقّي الوحي الإلهيّ السماويّ) ويفي بغرض التشريع ويسدّ الفراغ الحاصل بوفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

بل لابدّ أن يكون تعلّمه وأخذه لتلك المعارف والعلوم الجمّة من طرق غير متعارفة وتربية تفوق نوعاً وكيفاً ما تعارف من التربية والتعليم.

ثمّ إنّ التعرف على مثل هذا الشخص أمر متعذّر على الاُمّة لدقّة المواصفات وخفاء المؤهّلات. . فلابدّ أن يكون التعريف من جانب اللّه المحيط بجمبع عباده، العارف بأسرارهم وسرائرهم، العالم بنفوسهم ونفسياتهم، وذلك بالتنصيص عليه بالاسم والشخص.

وبعبارة اُخرى: إنّ هناك أمرين يتطلّبان أن يكون القائم مقام النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم متعيّناً بتنصيص من اللّه سبحانه:

الأوّل: أنّه يجب أن يكون القائم مقامه قادراً على تبيين ما لم يبيّنه النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لكافّة المسلمين وعامّتهم، لأسباب خاصّة وقفت عليها في هذا المقام. . وهذه المقدرة لا تحصل في فرد أو طائفة، إلاّ بتربية إلهيّة خاصّة، وتعليم خارج عن نطاق التعليم المألوف، ولولا هذه العناية الخاصّة لما قدر القائم مقام النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على سدّ الفراغ الحاصل من وفاته.


(115)

الثاني: أنّ التعرف على هذا الشخص لايتحقق بالاختبار والتجربة، أو أنّه يصعب معرفته بهذا الطريق.

وعلى هذين الأمرين; يجب أن يكون القائم مقام النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ذا تربية إلهيّة أوّلاً، ومعرّفاً من جانبه سبحانه ثانياً. . وهذا يعيّن لون الحكومة وشكلها بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

إنّ ما ذكرناه; عن عدم إحاطة الاُمّة ومعرفتها بكلّ معالم الشريعة الإسلاميّة وأحكامها ومعارفها على النحو الذي يعينها على حلّ مشاكلها المستحدثة; لم يكن مجرّد ادّعاء خال من الدليل، فلنا أن نستدل على ذلك بوجهين:

الأوّل: اعتراف ثلّة من الصحابة بعدم وجود الحلول في الكتاب أو السنّة لبعض المسائل.

الثاني: ذكر بعض الموارد التي لم يردفيها نصٌّ اسلاميٌّ صريح، ممّا جعل المسلمين أن يأخذوا فيها بظنونهم، أو أن يأخذوا بمقاييس ومعايير لم يرد على صحّتها دليل.

وإليك أمثلة من الوجهين:

أوّلاً: اعتراف الصحابة بالقصور

أ ـ عن ميمون بن مهران قال: (كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب اللّه، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم عن رسول اللّه في ذلك الأمر سنّة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قضى في ذلك بقضاء؟ فربّما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر عن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فيه قضايا، فيقول أبو بكر: الحمد للّه الذي جعل فينا من يحفظ علينا علم نبيّنا.فإن أعياه أن يجد فيه سنّةً عن رسول اللّه; جمع رؤوس الناس وخيارهم فأستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به) (1).

إنّ هذا اعتراف صريح من الخليفة والصحابيّ; بأنّ الكتاب والسنّة النبويّة


1- دائرة المعارف لفريد وجدي 3:212 (مادة جهد).

(116)

ـ عندهم ـ كانا غير وافيين بالحاجات الفقهيّة، ولهذا كان يعمد إلى الأخذ بالرأي والمقاييس المصطنعة لاستنباط حكم الموضوع.

ب ـ عندما نصب عمر بن الخطاب شريحاً قاضياً للكوفة; قال له فيما قال: (إن جاءك شيء من كتاب اللّه; فاقض به ولا يلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب اللّه، فانظر سنّة رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب اللّه ولم تكن في سنّة رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به; فإن جاءك ما ليس في كتاب اللّه ولم يكن في سنّة رسول اللّه، ولم يتكلم فيه أحد قبلك; فاختر أيّ الأمرين شئت. . إن شئت أن تجتهد برأيك لتقدّم فتقدّم، وإن شئت أن تتأخّر فتأخّر، ولا أرى التأخّر إلاّ خيراً لك) (1).

في حين نجد الإمام عليّاً ـ عليه السلام ـ لمّا ولّى شريحاً القضاء يشترط عليه أن لا ينفّذ القضاء حتّى يعرضه عليه. . (2).

ج ـ عن عبد اللّه بن مسعود قال:( أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك، وإنّ اللّه قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون; فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب اللّه عزّ وجلّ، فإن جاءه ما ليس في كتاب اللّه فليقض بما قضى به رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فإن جاءه ما ليس في كتاب اللّه ولم يقض به رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فليقض فيه بما قضى به الصالحون، ولا يقل إنّي أخاف وإني أرى) (3).

وزاد مؤلف كتاب «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة»:

فإن جاء أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه ولم يقض به الصالحون; فليجتهد برأيه فإن لم يحسن فليقم ولا يستحيي (4).


1- دائرة المعارف لفريد وجدي3:212 (مادة جهد ).
2- وسائل الشيعة 18:6 كتاب القضاء ( أبواب صفات القاضي، الباب الثالث).
3- دائرة المعارف لفريد وجدي 3:212 ـ 213 (مادة جهد).
4- تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة:177، على ما نقله مؤلّف:الإمامة في التشريع الإسلاميّ.


(117)

د ـ كان ابن عباس إذا سئل عن أمر: فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه رأيه (1).

إنّ هذه العبارات وما يشابهها من الاعترافات، تستطيع أن تكشف عن مدى قصور الصحابة في أخذ التعاليم والأحكام الإسلاميّة عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

فهي تكشف ـ بوضوح ـ عن أنّ الصحابة كانوا يواجهون وقائع وحوادث جديدةً لا يجدون لها حلولاً في الكتاب الكريم أو في ما تلقّوه من النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ولذلك كانوا يحاولون استنباط حلول لها من غير الكتاب والسنّة.

***

ثانياً: بعض ما لا نص فيه من المسائل

إنّ الوجه الثاني الذي يدل على عدم استيعاب الاُمّة لكل أبعاد الشريعة وتفاصيلها; هو الموارد التي لم يرد فيها نصٌّ صريحٌ، فعمد الصحابة إلى الأخذ بالرأي والقياس; التماساً للحلول والأحكام المناسبة.

ولذلك أضطرّ الصحابة منذ الأيام الاولى من وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلى إعمال الرأي والاجتهاد في المسائل المستحدثة، وليس اللجوء إلى الاجتهاد بمختلف أشكاله إلاّ تعبيراً واضحاً عن عدم استيعاب الكتاب والسنّة النبويّة ـ عندهم ـ للوقائع المستحدثة بالحكم والتشريع.

غير أنّ الاجتهاد في هذا العصر وما بعده; لم يكن مقصوراً على الاجتهاد المألوف بين الشيعة الإماميّة من ردّ الفروع إلى الاُصول، وتطبيق الكليات على المصاديق والجزئيات، بل كان يعبّر عن لون آخر أشبه بإبداء الرأي من عند الشخص بلا دليل وحجّة قاطعة فيما بينه وبين اللّه.


1- دائرة المعارف لفريد وجدي 3:213 (مادة جهد).

(118)

فقد أحدثوا مقاييس للرأي، واصطنعوا معايير جديدة للاستنباط لم يكن منها أثر في الشرع، وكان القياس أوّل هذه المقاييس، ومن هذه المعايير:المصالح المرسلة، وسدّ الذرائع والاستحسان، إلى غيرها من القوانين التي اضطرّ الفقهاء إلى اصطناعها عندما طرأت على المجتمع الإسلاميّ ألوان جديدة من الحياة لم يألفوها، وتشعّبت بهم مذاهبها، ولم يجد الفقهاء بدّاً من الالتجاء إلى إعمال الرأي في مثل هذه المسائل، وللبحث حول هذه المعايير المصطنعة مقام ومجال آخر فيطلب منه.

وإليك فيما يلي بعض هذه الموارد، وهي غيض من فيض، وقليل من كثير:

(أ): فيمَنْ شرب خمراً

رفع رجل إلى أبي بكر وقد شرب الخمر، فأراد أنّ يقيم عليه الحدّ، فقال: إنّي شربتها ولا علم لي بتحريمها; لأنّي نشأت بين قوم يستحلّونها، ولم أعلم بتحريمها حتى الآن. . فتحيّر أبو بكر في حكمه. . فأرسل إلى أمـير المؤمنينعليّ ـ عليه السلام ـ فقال:

«مرّ رجلين ثقتين من المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين والأنصار يناشدانهم هل فيهم أحد تلى عليه آية التحريم، أو أخبره بذلك عن رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فإن شهد بذلك رجلان فأقم عليه الحدّ، وإنّ لم يشهد أحد بذلك، فاستتبه وخلّ سبيله».

ففعل أبو بكر ذلك فلم يشهد أحد فاستتابه وخلاّ سبيله (1).

(ب): ما الكَلاَلَة ؟!

سئل أبو بكر عن الكلالة في قوله تعالى(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤاٌْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) (النساء: 176). فقال: إنّي سأقول فيها برأيي فإن يك صواباً فمن اللّه وإن يك خطأً فمنّي ومن الشيطان واللّه


1- الإرشاد للمفيد:106، مناقب ابن شهر آشوب:489

(119)

ورسوله بريئان منه، أراه ما خلا الولد والوالد، فلمّا استخلف عمر قال: إنّي لأستحيي اللّه أن أردّشيئاً قاله أبو بكر (1).

وهكذا نرى من يتصدر مقام الزعامة والقيادة في المجتمع الإسلاميّ; يجهل حكماً إسلامياً ويعمد إلى رأيه الشخصيّ، والأخذ بظنه.

(ج): أمرأةٌ ولدت لستّة أشهر

وفعت إلى عمر بن الخطاب أمرأة ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها، فبلغ ذلك عليّاً فقال: «ليس عليها رجم»فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه فسأله فقال: «قال اللّه تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنَ كَامِلَينِ)(البقرة:233) وقال: (وحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرَاً)(الأحقاف:15) فستّة أشهر حمله وحولان رضاعه فذلك ثلاثون شهراً»، فخلاّ عنها (2).

ولايمكن القول بأنّ حكم هذه المسألة قد جاء في صريح الكتاب، لأنّ معنى وروده في الكتاب العزيز هو أن يكون مفهوماً لأغلبية الصحابة، ومعلوماً لهم، وخاصّةً لمن يتصدر مقام الزعامة، ولكن الواقعة بمجموعها تثبت بأن استخراجه وفهمه لم يكن مقدوراً إلاّ للإمام.

(د): مسألة العوْل

لقد شغلت هذه المسألة بال الصحابة فترةً من الزمن. . وكانت من المسائل المستجدّة بعد الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم التي واجهت جهاز الحكم.


1- سنن الدارمي 2:365، تفسير الطبري 6:30، الجامع الكبير للسيوطي6:20، تفسير ابن كثير 1:260.
2- السنن الكبرى 7:442، مختصر جامع العلم:150، تفسير الرازي 7:484، الدرّ المنثور 1:288، ذخائر العقبى:82.


(120)

ويعنى من العول; أن تقصر التركة عن سهام ذوي الفروض، ولا تقصر إلاّ بدخول الزوج أو الزوجة في الورثة، ومثال ذلك; ما إذا ترك الميت زوجةً وأبوين وبنتين. ولمّا كان سهم الزوجة ـ حسب فرض القرآن ـ الثمن، وفرض الأبوين الثلث، وفرض البنتين الثلثين; فإنّ التركة لا تسع للثمن والثلث والثلثين، أو إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأختين للأب، فلمّا كان فرض الزوج النصف، وفرض الأختين الثلثين; زادت السهام عن التركة، فهنا ـ عندما ـ يجب إدخال النقص على من له فريضة واحدة في القرآن، وذلك كالأبوين والبنتين والأختين لاستحالة أن يجعل اللّه في المال ثمناً وثلثاً وثلثين، أو نصفاً وثلثين وإلاّ كان جاهلاً أو عابثاً تعالى عن ذلك.

ولكن هذه المسألة لمّا طرحت على عمر بن الخطاب تحيّر، فأدخل النقص على الجميع استحساناً وهو يقول: (واللّه ما أدري أيكم قدّم اللّه، ولا أيّكم أخّر، ما أجد شيئاً هو أوسع لي من أن أقسم المال عليكم بالحصص وادخل على ذي حقّ ما أدخل عليه من عول الفريضة)(1).

(هـ): الطلاق في الجاهليّة والإسلام

سئل عمر بن الخطاب عن رجل طلّق امرأته في الجاهلية تطليقتين وفي الإسلام تطليقةً فقال: (لا آمرك ولا أنهاك).

فقال عبد الرحمان بن عمر: (لكنّي آمرك، ليس طلاقك في الشرك بشيء)(2).

(و): معنى الأبّ

بينا عمر جالس في أصحابه إذ تلا هذه الآية ( فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبَّاً *وَعِنَبَاً وقَضْبَاً


1- أحكام القرآن للجصّاص 2:109، مستدرك الحاكم4:340 وصحّحه.
2- كنز العمال 5:161.


(121)

وَزَيْتُونَاً وَنَخْلاً *وَحَدَائِقَ غُلْبَاً *وَفَاكِهَةً وَأَبَّا )( عبس:27ـ31 )، ثمّ قال: (هذا كله عرفناه فما الأبّ ؟)ثمّ رفع عصا كانت في يده فقال: (هذا لعمر اللّه هو التكلّف فما عليك أن تدري ما الأبّ، اتبعوا ما بيّن لكم هداه من الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه) (1).

(ز): خمسةُ أشخاص أُخذوا في الزنا

أحضر عمر بن الخطاب خمسة نفر أخذوا في زنا فأمر أن يقام على كلّ واحد منهم الحدّ. . وكان أمير المؤمنين حاضراً. . فقال: «ياعمر; ليس هذا حكمهم»، قال عمر: أقم أنت عليهم الحكم; فقدّم واحداً منهم فضرب عنقه، وقدم الثاني فرجمه حتّى مات وقدّم الثالث فضربه الحدّ، وقدّم الرابع فضربه نصف الحدّ، وقدّم الخامس فعزّره; فتحير الناس وتعّجب عمر فقال: يا أبا الحسن خمسة نفر في قصّة واحدة، أقمت عليهم خمس حكومات (أي أحكام) ليس فيها حكم يشبه الآخر ؟ قال:

«نعم. . . أما الأوّل: فكان ذميّاً وخرج عن ذمّته فكان الحكم فيه السيف.

وأمّاالثاني: فرجل محصن قد زنا فرجمناه.

وأمّا الثالث: فغير محصن زنا فضربناه الحدّ.

وأمّا الرابع: فرجل عبد زنا فضربناه نصف الحدّ.

وأمّا الخامس: فمجنون مغلوب على عقله عزّرناه».

فقال عمر: (لا عشت في اُمّة لست فيها يا أبا الحسن)(2).

هذه نماذج قليلة من الموارد التي لم يرد فيها نص صريح، وقد واجهت كبار الصحابة بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وعجزوا عن حلّ معضلاتها ممّا يدلّ بوضوح ;على أنّه لو كان


1- المستدرك للحاكم 2:514، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي11:268، الكشّاف 3:314.
2- الكافي 7:265.


(122)

الصحابة مستوعبين لكلّ أحكام الشريعة وأبعادها، لأجابوا عليها دون تحيّر أو تردد . ولأصابوا فيما أجابوا. وهذا يدل بصراحة لا إبهام فيها; على أنّ الاُمّة كانت بحاجة شديدة إلى إمام عارف بأحكام الإسلام معرفةً كافيةً كاملةً وحامل لنفس الكفاءات والمؤهلات النفسيّة والفكريّة التي كان يتحلّى بها الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم(فيما عدا مقام الوحي والنبوة)، إذ بهذه الصورة فحسب;كان من الممكن أن يلي النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّمويخلفه في قيادة الاُمّة ويسد مسدّه، من حل معضلاتها، ومعالجة مشاكلها التشريعية والفكريّة المستجدّة، دون أن يحدث له ما حدث للصحابة من العجز والارتباك، ومن التحيّر والمفاجأة ـ كما عرفت ـ.

وإليك بقية الأوجه التي تدلّ على هذا الادّعاء المدعم بالدليل:

***

2ـ الفراغ في مجال تفسير القرآن وشرح مقاصده

لم يكن القرآن الكريم حديثاً عاديّاً، وعلى نسق واحد، بل فيه: المحكم والمتشابه والعامّ، والخاصّ، والمطلق والمقيّد، والمنسوخ والناسخ;مما يجب على المسلمين أن يعرفوها جيداً ليتسنّى لهم أن يدركوا مقاصد الكتاب العزيز ومفاداته(1).

ثمّ لمّا كان هذا الكتاب الإلهيّ ;جارياً في حديثه مجرى كلام العرب وسائراً على نهجهم في البلاغة وطرقها. . فإنّ الوقوف على معانيه ورموزه ولطائفه كان يتوقف على معرفة كاملة بكلامهم وبلاغتهم.

أضف إلى كل ذلك، أنّ القرآن إذ كان كتاباً إلهياً حاوياً لأدقّ المعارف وأرفعها


1- ولقد أشار الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ إلى هذه الاُمور بقوله:
« خلّف ( أيّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ) ..فيكم كتاب ربّكم،مبيّناً حلاله وحرامه وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه ورخصه وعزائمه وخاصّه وعامّه وعبره وأمثاله،ومرسله ومحدوده ومحكمه ومتشابهه، مفسّراً مجمله ومبيّناً غوامضه » نهج البلاغة: الخطبة رقم (1).


(123)

درجةً، ومنطوياً على علوم لم تكن مألوفةً في ذلك العصر، وعلى أبعاد عديدة (1) تخفى على العاديين من الناس; فإنّ الإطلاع على هذه الأبعاد والأوجه والحقائق كان يقتضي أن يتصدى لشرحها وتفسيرها وبيان مفاهيمها العالية جليلها ودقيقها: النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أو من يليه في العلم والكفاءة والمؤهلات الفكريّة صيانةً من الوقوع في الاتجاهات المتباينة، والتفاسير المتعارضة التي تؤول إلى المذاهب المتناقضة والمسالك المتناحرة ـ كما حدث ذلك في الاُمّة الإسلاميّة ـ مع الأسف.

ولو سأل سائل:

إنّ القرآن الكريم يصف نفسه بأنه كتاب مبين إذ يقول: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)(المائدة: 15).

كما يصف نفسه بأنّه نزل بلسان عربي مبين فيقول: (وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبيٌّ مُبِينٌ )(النحل: 103).

ويقول في آية اخرى بأن اللّه سبحانه وتعالى يسّره للذكر حيث يقول مكرّراً: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلْذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر) (القمر: 17، 22، 32، 40).

ويصرّح في موضع آخر بأنّه سبحانه يسره بلسان النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: (فَإِنَّمَا يَسَّـرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (الدخان: 58).

ومع ذلك كيف يحتاج إلى التفسير والتوضيح، وما التفسير إلاّ رفع الستر وكشف القناع عنه ؟.

كيف يحتاج إلى مبيّن ومفسّـرقد قال الرسول الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فيه: «إنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً».

وقال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ في شأنه: «كتاب اللّه تبصرون به وتنطقون به


1- ولقد أشار النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلى هذا بقوله:
« له ظهر وبطن وظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره انيق وباطنه عميق له نجوم وعلى نجومه نجوم لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه » الكافي ( كتاب القرآن ) 2:598 ـ 599.


(124)

وتسمعون به وينطق بعضه ببعض»(1).

لأجبنا: صحيح أنّ القرآن الكريم يصف نفسه بما ذكر، ولكنّه يصف نفسه أيضاً بأنّه نزل حتى يبيّنه الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم للناس إذ يقول تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْذِكْرَ لِتُبَيِّـنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل: 44). (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فيِهِ )(النحل: 64).

فقد وصف النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في هاتين الآيتين، بأنّه مبيـّن لما في الكتاب لا قارىء فقط.

فكم من فرق بين القراءة والتبيين؟.

بل يذكر القرآن الكريم بأنّ بيان القرآن عليه سبحانه، فهو يبيـّن للرسول والرسول يبيّن للناس، كما يقول سبحانه: (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ*فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (القيامة: 16ـ 19).

إنّ وجود هاتين الطائفتين من الآيات في القرآن، يكشف لنا عن أنّ القرآن رغم وضوحه من حيث اللفظ والمعنى والظواهر، ورغم أنّه منزّه عن الشباهة بكتب الألغاز والأحاجي إذ أنّه كتاب تربية وتزكية وهداية عامّة; فإنّه يحتاج إلى(مبيّن) ومفسّر لعدّة أسباب:

أوّلاً: وجود المجملات في أحكام العبادات والمعاملات الواردة في آياته.

ثانياً: كون آياته ذات أبعاد وبطون متعددة.

ثالثاً: ، غياب القرائن الحاليّة التي كانت آياته محفوفة بها حين النزول، وكانت معلومةً للمخاطبين بها في ذلك الوقت.

كلّ هذه الاُمور توجب أن يراجع من يريد فهم الكتاب مصادر تشرح هذه الأمور، وإليك مفصل هذا القول فيما يأتي:

أوّلاً: إنّ القرآن كما ذكرنا ليس كتاباً عادياً، بل هو كتاب إلهيّ اُنزل للتربية


1- نهج البلاغة:الخطبة 129 (طبعة عبده ).

(125)

والتعليم ولهداية البشريّة وتهذيبها، وذلك يقتضي أن ينزل القرآن بألوان مختلفة من الخطاب تناسب ما تقتضيه طبيعة التربية والتعليم، ومن هنا نشأ في أسلوب القرآن:المطلق والمقيّد، والعام والخاصّ، والمنسوخ والناسخ، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمبيّن كمفاهيم الصلاة والزكاة والحج والجهاد وغيرها. . فهي رغم كونها واضحة في أول نظرة ولكنّها مجملة من حيث الشروط والأجزاء والموانع والمبطلات والتفاصيل.

فكان لابدّ أن يتولّى النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بيان مجمله ومطلقه ومقيده. . وما شابه ذلك، وقد فعل النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ذلك بقدر ما تطلّبه ظرفه واقتضته حاجة المسلمين. . بيد أنّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لم يكشف القناع عن جميع تفاصيل هذه الاُمور وجزئياتها قاطبة، لعدم الحاجة إلى ذلك، وتحيّناً للظروف المناسبة، وانتظاراً للحاجات والحالات المستجدّة. وإن كان قد أخبر عن اُصولها واُمهاتها أو معظمها; فتعيّن أن يخلّف النبيّ ـ من يماثله بالعلم والدراية بالوحي الإلهيّ المدوّن في الكتاب العزيز; ليسدّ مسدّه في بيان ما يتعلق بالكتاب من اُمور مستجدّة، ويكشف النقاب عن بقية الجزئيات والتفاصيل لتلك المجملات حسب الظروف والحاجات الجديدة والضرورات الطارئة; ممّا أودع النبيّ عنده من معارف الكتاب وعلومه، ويخرج إلى الاُمّة من تلكم المعارف شيئاً فشيئاً.

نعم; قال شيخ الطائفة الطوسيّ(رحمه اللّه) في تفسير قوله سبحانه: ( حم*والْكِتَابِ الْمُبِينِ )(الزخرف:1ـ2 والدخان:1ـ2 ).

(إنّما وصف بأنّه مبين، وهو بيان مبالغة في وصفه بأنّه بمنزلة الناطق بالحكم الذي فيه، من غير أن يحتاج إلى استخراج الحكم من مبيّن آخر، لأنّه يكون من البيان ما لا يقوم بنفسه دون مبيّن حتّى يظهر المعنى فيه)(1).

ولكن الصحيح أنّ توصيف القرآن بكونه كتاباً مبيّناً; هو وضوح انتسابه إلى اللّه، بحيث لايشك أحد في كونه كلام اللّه والآية نظير قوله سبحانه ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ


1- التبيان 9:224 (طبعة النجف الأشرف).

(126)

فِيهِ ) (البقرة: 2); أي لا ريب أنّه منّزل من جانب اللّه سبحانه.

أضف إلى ذلك أنّ الجمع بين هذه الآية وقوله سبحانه: (وَأَنْزَلنَا إِلَيْكَ الْذِّكْرَ لِتُبيِّـنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل: 44) وقوله سبحانه: ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِه*ِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرءَانَهُ *فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ * ثُمّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (القيامة: 16ـ19; ، يقضي; بأنّ المراد هو وضوح مفاهيمه الكليّة لا خصوصياته وجزئياته كما أوضحناه.

ثانياً: لمّا كان القرآن كتاباً خالداً انزل ليكون دستور البشريّة مدى الدهور، ومعجزة الرسالة الإسلامية الخالدة، تطلّب ذلك أن يكون ذا أبعاد وبطون يكتشف منه كل جيل، ما يناسب عقله وفكره وتقدّمه وترقّيه في مدارج الكمال والصعود، وقد أشار الإمام عليّ بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ إلى هذا الأمر حيث قال عن القرآن وعلّة خلوده وغضاضته الدائمة: «إنّ اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس، فهو في كلّ زمان جديد، وعند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة» (1).

فكأنّ القرآن الكريم ـ في انطوائه على الحقائق العلميّة الزاخرة، وعدم إمكان التوصل إلى أعماقه ـ هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة الواسع الأطراف، الذي لايزيد البحث فيه والكشف عن حقائقه وأسراره; إلاّ معرفة أنّ الإنسان لايزال في الخطوات الاولى من التوصّل إلى مكامنه الخفيّة وأغواره، فإنّ كتاب اللّه تعالى كذلك لا يتوصّل إلى جميع ما فيه من الحقائق والأسرار; لأنّه منزّل من عند اللّه الذي لايضمّه أين ولا تحدّده نهاية، ولا تحصى أبعاد قدرته، ولا تعرف غاية عظمته.

إذن، فكون القرآن أمراً مبيّناً لا ينافي أن تكون له أبعاد متعدّدة، وأفاق كثيرة، يكون البعد الواحد منه واضحاً مبيّناً دون الأبعاد الاُخرى.

ولهذا; فإنّ الوقوف على البطون المتعددة بحاجة إلى ما روي من روايات وأخبارحول الآيات، وما ورد في السّنّة من النصوص المبيّنة والأحاديث الموضّحة;


1- البرهان في تفسير القرآن 1:28.

(127)

حتّيتكشف بعض البطون والأبعاد الخفيّة كما هو الحال في بعض أحاديث النبيّ وأهل بيته ـ عليهم السلامـ وإن كان بعض هذه البطون تنكشف لنا بمرور الزمن وتكامل العقول ونضج العلوم.

وبتعبير آخر: إنّ فهم بعد واحد من أبعاد معاني الآية القرآنيّة، وإن كان ممكناً للجميع; غير أنّ وضوح بعد واحد ومعلوميّته لا تغني عن الإحاطة بالأبعاد والأوجه الاخرى لها.

إنّ فهم بعد واحد من أبعاد الآيات التالية:

(لَوْ كَاَنَ فِيهِمَا آلِهةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(الأنبياء :22).

( وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذَاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِمَاخَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض)(المؤمنون: 91).

( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) (النمل: 82).

وكذا الآيات الواقعة في سورة الحديد، وما بدأ من السور بالتسبيحات.

أقول: إنّ فهم بعد واحد من أبعاد هذه الآيات وإن كان أمراً ميسّـراً للجميع، ولكن لا يمكن لمن له أدنى إلمام بمفاهيم القرآن وأسلوب خطاباته أن يدّعي، أنّ جميع أبعاد هذه الآيات مفهومة للجميع بمجّرد الوقوف على اللغة العربيّة والاطّلاع على قواعدها.

كلاّ; فإنّ الوقوف على مغزى هذه الآيات وأبعادها وبطونها وآفاقها; يحتاج إلى جهود علميّة واطّلاع شامل ودقيق على السنّة المطهّرة، وما جاء فيها حول الآيات من توضيحات وبيانات.

وقد تمكّن الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أن يرفع النقاب عن جملة من هذه الأبعاد في حدود ما سمحت له الظروف، واستعدّت له النفوس المعاصرة،فكان لابدّ من وجود من يخلّفه


(128)

للقيام بهذه المهمة الخطيرة، فيما يأتي من الزمان، ولمن يأتي من الأفراد والجماعات.

ثالثاً: لقد نزل القرآن الكريم بالتدريج في مناسبات مختلفة كانت تستدعي نزول آيات من الوحي الإلهيّ المقدسّ. . ولذلك، فقد كان القرآن ـ في عصر تنزّله ـ محفوفاً بالقرائن التي كانت تبيّن مقاصده، وتعيّن على فهم أهدافه وغاياته.

ولهذا فإنّ القرآن وإن كان مبيّناً في حين نزوله بيد أنّ مرور الزمن، وبعد الناس عن عهد نزوله، وانفصال القرائن الحالية عن الآيات صيّر القرآن ذا وجوه وجعل آياته ذات احتمالات عديدة، لغياب علل النزول وأسبابه التي كانت قرائن حاليّة من شأنها أن توضّح مقاصد الكتاب وتفسر عن غاياته.

وهذا أمر يعرفه كلّ من له إلمام بالقرآن الكريم، وتاريخه، وعلومه.

ولأجل ذلك; يطلب الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ من ابن عباس عندما بعثه للمحاجّة مع الخوارج أن لا يحاججهم بالقرآن; لأنّه أصبح ذا وجوه إذ يقول ـ عليه السلام ـ: «لا تخاصمهم بالقرآن، فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه تقول ويقولون . ولكن حاججهم بالسنّة فإنهم لم يجدوا عنها محيصاً» (1).

وإليك نماذج من الاختلاف الموجود في هذه الآيات بين الاُمّة، ولايمكن رفع هذا الاختلاف إلاّ بإمام معصوم تعتمد عليه الاُمّة، وتعتبر قوله قول النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

1ـ قال سبحانه في آية الوضوء: (فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْديَكُمْ إِلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ ) (المائدة: 6).

وقد تضاربت الآراء في فهم هذه الآية، وصارت الاُمّة إلى قولين:

فمن عاطف لفظ (أرجُلَكُمْ) على الرؤوس فيحكم على الأرجل بالمسح.

ومن عاطف له على الأيدي فيحكم على الأرجل بالغسل.

ومن المعلوم; أنّ إعراب القرآن الكريم إنّما حدث بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.


1- نهج البلاغة:الرسالة (77).

(129)

فأيّ الرأيين هو الصحيح ؟ (1).

2ـ لقد حكم ا للّه تعالى على السارق والسارقة بقطع الأيدي حيث قال: (وَالسَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (المائدة: 38).

وقد اختلفت الاُمّة في مقدار القطع وموضع اليد:

فمن قائل: إنّ القطع من اُصول الأصابع دون الكفّ وترك الإبهام، كما عليه الإماميّة وجماعة من السلف.

ومن قائل: إنّ القطع من الكوع، وهو المفصل بين الكفّ والذراع، كما عليه أبو حنيفة ومالك والشافعي ّ.

ومن قائل: إنّ القطع من المنكب كما عليه الخوارج (2).

3ـ أمر اللّه سبحانه الورثة بإعطاء السدس للكلالة في قوله سبحانه: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أوِ امْرَأةٌ وَلَهُ أخٌ أوْ اُخْتٌ فَلِكلِّ وَاحِد مِنْهُما السُّدُسُ) (النساء: 12).

وفي الوقت نفسه يحكم سبحانه بأعطاء الكلالة النصف أو الثلثين كما قال: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ) (النساء: 176).

فما هو الحل وكيف الجمع بين هاتين الآيتين ؟

لاشكّ أنّه لم يكن ثمة إبهام في مورد هاتين الآيتين. . بل حدث الإبهام في ذلك فيما بعد.

ألا يدلّ هذا على ضرورة وجود الإمام; الذي يرفع الستار عن الوجه الحقّ بما


1- وممّن أقرّ بالحقيقة وأنّ مدلولها يوافق مذهب الإماميّة، ابن حزم الظاهريّ في كتابه المحلّى، والفخر الرازيّ في تفسيره والحلبيّ في كتاب منية المتملّي في شرح غنية المصلّي فلاحظ المحلّى 3:54، لاحظ المسألة (200) فإنّه أدّى حقّ المقال فيها، ومفاتيح الغيب 11:161 ( طبع دار الكتب العلمية).
2- راجع الخلاف للطوسيّ ( كتاب السرقة ):184.


(130)

عنده من علوم مستودعة.

ولهذا أيضاً عمد علماء الإسلام إلى تأليف كتاب حول شأن نزول الآيات، كالواحديّ وغيره، جمعوا فيها ما عثروا عليه من وقائع وأحاديث في هذا السبيل.

على أنّ بعض الآيات ما لم يضّم إليها، ماورد حولها من شأن النزول لكانت غير واضحة المقصود، وإليك نماذج من ذلك:

1ـ قوله سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )(البقرة: 189).

فيقال; أيّ مناسبة بين السؤال عن الأهلّة والإجابة عنها بأنّها مواقيت للناس وبين قوله: ( وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأتُوا. . . ) وعلى فرض وضوح المناسبة; ماذا يقصد القرآن من هذا الدستور (وَأتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أبْوَابِهَا ) ؟ أليس هذا توضيحاً للواضح؟ ولكن بالمراجعة إلى ما ورد حوله يظهر الجواب عن كلا السؤالين.

2ـ قوله سبحانه: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا ل لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أنَّ الْنَّاسَ كَانُوا بِ آياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ )(النمل: 82).

فما هذه الدابة التي تخرج من الأرض، وكيف تكلمهم ومع من تتكلم ؟.

3ـ وقوله سبحانه: ( وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هوَ الْتَّوَّابُ الْرَّحِيمُ) (التوبة: 118).

إلى غير ذلك من هذه الآيات التي تتضح الحقيقة فيها بالمراجعة إلى ما حولها من الأحاديث الصحيحة.

هذا هو مجمل القول في علّة احتياج القرآن إلى مبيّن، وللوقوف على تفصيله لابدّ من بسط الكلام والتوسع في الحديث، وقد ألفّنا في ذلك رسالةً خاصّة.


(131)

إنّ إيقاف الاُمّة على مقاصد الكلام الإلهيّ، من دون زيادة أو نقصان، ومن دون تحريف أو تزييف، ومن دون جهل أو شطط يحتاج إلى النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أو من يتحلى بمثل ما يتحلى به النبيّ من كفاءات علمية ومؤهلات فكريّة. . ويكون مضافاً إلى ذلك عيبةً لعلمه، وأميناً على سره، ومؤدّباً بتأديبه، وناشئاً على ضوء تربيته، حفاطاً على خطّ الرسالة من الشذوذ، وصيانةً للفكر الإسلاميّ من الانحراف، وصوناً للاُمّة من الوقوع في متاهات الحيرة والضلال والأخذ بالأهواء والأضاليل.

لقد كان من المتعيّن على اللّه بحكم الضرورة والعقل، وانطلاقاً من الاعتبارات المذكورة، أن يقرن كتابه بهاد يوضح خصوصياته، ويبيّن أبعاده، ويكشف عن معالمه، ليؤوب إليه المسلمون عند الحاجة، وترجع إليه الاُمّة عند الضرورة ويكون المرجع الصادق الأمين لمعرفة القرآن حتّى يتحقّق بذلك غرض الرسالة الإلهيّة، وهو الإرشاد والهداية، ودفع الاختلاف والغواية الناشئة من التفسيرات الشخصيّة العفويّة للقرآن الكريم.

إنّ ترك أمر الاُمّة وعدم نصب من يقدر ـ فيما يقدر ـ على هذه المهمّة القرآنيّة الخطيرة على ضوء ما استودع عنده النبيّ من معارف وعلوم إلهيّة قرآنيّة يؤدّي إلى اختلاف الاُمّة في الرأي والتفسير، وهو بدوره يؤدّي لا محالة إلى ظهور الفرق والمذاهب المختلفة الشاذّة كما يشهد بذلك تأريخ الاُمّة الإسلاميّة.

يقول منصور بن حازم; قلت لأبي عبد اللّه (جعفر بن محمّد الصادق) ـ عليه السلام ـ:

إنّ اللّه أجلّ وأكرم من أن يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون باللّه.

قال: «صدقت».

قلت: إنّ من عرف أنّ له ربّاً فينبغي له أن يعرف أنّ لذلك الربّ رضىً وسخطاً، وأنّه لا يعرف رضاه وسخطه إلاّ بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرسل فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة، وأنّ لهم الطاعة المفترضة، وقلت للناس: تعلمون أن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان هو الحجّة من اللّه على خلقه ؟ قالوا: بلى، قلت: فحين


(132)

مضى رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من كان الحجّة على خلقه؟ فقالوا :القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجّيء والقدريّ والزنديق الذي لا يؤمن به حتّى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجّةً إلاّ بقيّم، فما قال فيه من شيء كان حقاً، فقلت لهم: من قيّم القرآن ؟(1) فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، وعمر يعلم، وحذيفة يعلم، قلت: كلّه ؟ قالوا: لا، فلم أجد أحداً يقال أنّه يعرف ذلك كلّه إلاّ عليّاً ـ عليه السلام ـ وإذا كان الشيء بين القوم فقال هذا: لاأدري، وقال هذا: لا أدري، وقال هذا: لا أدري، وقال هذا:أنا أدري، فأشهد أنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ كان قيّم القرآن، وكانت طاعته مفترضةً، وكان الحجّة على الناس بعد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وأنّ ما قال في القرآن فهو حقّ.

فقال (الإمام الصادق): «رحمك اللّه» (2).

كما ورد شاميّ على الإمام جعفر بن محمّد الصادق ـ عليه السلام ـ فقال له: «كلّم هذا الغلام»، يعني هشام بن الحكم، فقال: نعم، ثمّ دار بينهم حديث فقال الغلام للشاميّ: أقام ربّك للناس حجّةً ودليلاً كيلا يتشتتوا أو يختلفوا، يتألّفهم ويقيم أودهم ويخبرهم بفرض ربّهم.

قال: فمن هو ؟

قال: رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

قال هشام: فبعد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم؟

قال: الكتاب والسنّة.

قال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنّة في رفع الاختلاف عنّا ؟

قال الشاميّ: نعم.

قال: فلم اختلفنا أنا وأنت وصرت ألينا من الشام في مخالفتنا إياّك ؟


1- أي من يقوم بأمر القرآن ويعرف ظاهره وباطنه ومجمله ومأوّله ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه بوحي إلهيّ أو بإلهام رباني، أو بتعلم نبويّ ( راجع مرآة العقول).
2- الكافي 1:168 ـ 169.


(133)

قال: فسكت الشاميّ.

فقال أبو عبد اللّه للشامي ّ: «مالك لا تتكلم؟».

قال الشاميّ: إن قلت: لم نختلف كذبت، وإن قلت: إنّ الكتاب السنّة يرفعان عنّا الاختلاف أبطلت; لأنهّما يحتملان الوجوه، وإن قلت: قد اختلفنا وكلّ واحد منّا يدّعي الحقّ; فلم ينفعنا إذن الكتاب والسنّة إلاّ أنّ لي عليه هذه الحجّة(1).

أجل; لابدّ من قائم بأمر القرآن وهاد للاُمّة إلى مقاصده وحقائقه; لكي لا تضلّ الاُمّة ولا تشذّ عن صراطه المستقيم.

وهذا الهادي الذي يجب أن يقرن اللّه به كتابه هو من عناه النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بقوله الذي تواتر نقله بين السنّة والشيعة.

فقد قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب. . إني تارك فيكم خليفتين كتاب اللّه وأهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (2).

وروي هكذا أيضاً: «إنّي قد تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: الثّقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ألاّ وأنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (3).

فقد صرح النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعدم افتراق الكتاب والعترة، وهذا دليل على علمهم بالكتاب علماً وافياً وعدم مخالفتهم له قولاً وعملاً.

كما أنّه جعلهما خليفتين بعده، وذلك يقتضي; وجوب التمسك بهم كالقرآن


1- الكافي 1:172.
2- رواه أحمد بن حنبل في مسنده 5:182 و 189، والحاكم في مستدركه 3:109، ومسلم في صحيحه 7:122، والترمذيّ في سننه 2:307، والدارميّ في سننه2:432، والنسائيّ في خصائصه:30، وابن سعد في طبقاته 4:8، والجزريّ في اسد الغابة 2:12، وغيرها من كتب المسانيد والتفاسير والسير والتواريخ واللغة من الفريقين.
3- رواه أحمد بن حنبل في مسنده 5:182 و 189، والحاكم في مستدركه 3:109، ومسلم في صحيحه 7:122، والترمذيّ في سننه 2:307، والدارميّ في سننه2:432، والنسائيّ في خصائصه:30، وابن سعد في طبقاته 4:8، والجزريّ في اسد الغابة 2:12، وغيرها من كتب المسانيد والتفاسير والسير والتواريخ واللغة من الفريقين.
وقد أفرد دار التقريب رسالةً ذكر فيها مسانيد الحديث ومتونه ونشره عام 1375هـ.


(134)

ولزوم اتّباعهم على الإطلاق لعلمهم بالكتاب وأسراره وبمصالح الاُمّة واحتياجاتها المتعلقة بالقرآن.

وهو من حيث المجموع; يدلّ على حاكميّة العترة النبويّة وسلطتهم وولايتهم على الناس بعد الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

***

3ـ الفراغ في مجال تكميل الاُمّة روحياً

إنّ نظرةً دقيقةً إلى الكون، تهدينا إلى أنّ اللّه خلق كلّ شيء لهدف معيّن هو غاية كماله، وعلّته الغائيّة، وقد زوده بكلّ ما يبلّغه إلى ذلك الكمال، ويوصله إلى تلك الغاية المنشودة.

ولم يكن «الإنسان» بمستثنى من هذه القاعدة الكلية الكونيّة، فقد زودّه اللّه تعالى ـ بعد أن أفاض عليه الوجود ـ بكل ما يوصله إلى كماله الماديّ. .

ولم يكن معقولاً أن يهمل اللّه تكامل الإنسان في الجانب المعنويّ، وهو الذي أراد له الكمال المادّيّ وهيّأ له أسبابه، وقيّض وسائله.

ولمّا كان تكامل الإنسان في الجانبين: المادّيّ والمعنويّ لا يمكن إلاّ في ظلّ الهداية الإلهيّة خاصّةً، وكانت الهداية فرع الإحاطة بما في الشيءمن إمكانات وخصوصيّات وأجهزة وحاجات، وليس أحد أعرف بالإنسان من خالقه فهو القادر على هدايته، وتوجيهه، نحو التكامل والصعود إلى كماله المطلوب.

من هنّا تطلّب الأمر إرسال الرسل إلى البشر. . ليضيئوا للبشريّة طريق الرقيّ والتقدّم، بالتزكية والتعليم والتربية، ويساعدوها على تجاوز العقبات والعراقيل، ليبلغوا بها إلى الكمال الذي أراده اللّه لها.

وقد قام انبياء اللّه ورسله الكرام ـ بكلّ ما في مقدورهم ووسعهم ـ بهداية البشريّة على مدار الزمن، وحقّقوا من النجاحات والنتائج العظيمة ما غيّر وجه التاريخ البشريّ،


(135)

وكان منشأ الحضارات الإنسانيّة العظمى، ومنطلقاً للمدنيّات الخالدة.

لقد كان دور الأنبياء والرسل في تكميل البشريّة معنويّاً وروحيّاً، دوراً أساسيّاً وعظيماً، بحيث لولاه لبقيت البشريّة في ظلام دامس من التخلّفات الفكريّة والجاهليّات المقيتة.

ولقد كان هذا الدور منطقيّاً وطبيعيّاً; فالبشريّة بحكم ما تتنازعها من أهواء ومطامع، ويكتنفها من جهل بالحقّ والعدل، لا يمكنها بنفسها أن تشقّ طريقها نحو التكامل المنشود. . فكم من مرّة ابتعدت البشريّة عن العناية الربانيّة والهدايّة الإلهيّة، فسقطت في الحضيض، ونزلت إلى مستوى الطبيعة البهيميّة. . وعادت كالأنعام بل أضلّ.

ولقد أشار الإمام السجّاد زين العابدين عليّ بن الحسين ـ عليه السلام ـ إلى حاجة البشريّة إلى الهدايّة الإلهيّة، وأثر هذه الهداية في تكامل البشريّة سلباً وإيجاباً، إذ قال في دعائه الأوّل في الصحيفة السجاديّة: «الحمد للّه الذي لو حبس عن عباده معرفة حمده على ما أبلاهم من مننه المتتابعة وأسبغ عليهم من نعمه المتظاهرة لتصرّفوا في مننه فلم يحمدوه وتوسّعوا في رزقه فلم يشكروه، ولو كانوا كذلك لخرجوا من حدود الإنسانيّة إلى حدّ البهيميّة، فكانوا كما وصف في محكم كتابه (إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بلْ هُمْ أضَلُّ سَبِيلاً)» (1).

ولقد كان إيصال هذه الهداية الإلهيّة التكميليّة الضروريّة إلى البشر غير ميسور إلاّ عن طريق إرسال الرسل وبعث الأنبياء الأصفياء الهداة.

إنّ دراسةً سريعةً خاطفةً لحالة العالم الإنسانيّ، وخاصّة حالة المجتمع العربيّ الساكن في الجزيرة العربية قبيل الإسلام، وما كان يعاني منه الإنسان من تخلف وتأخّر وسقوط، وما تحقق له من تقدّم ورقيّ واعتلاء في جميع الأبعاد الأخلاقيّة والفكريّة والإنسانيّة بفضل الدعوة المحمديّة، والجهود التي بذلها صاحب هذه الدعوة المباركة،


1- الصحيفة السجادية:الدعاء الأوّل .

(136)

وبفضل ما قام به من عناية ورعاية وإراءة الطريق الصحيح; يكشف عن مدّعى تأثير الهداية الإلهيّة في تكامل المجتمع الإنسانيّ.

إنّ توقف تكامل البشريّة الروحيّ والمعنويّ على إرسال الرسل، وهداية الأنبياء ورعايتهم، هو نفسه يستدعي; وجود الخلف المعصوم العارف بالدين، للنبيّ، ليواصل دفع المجتمع الإسلاميّ في طريق الكمال، ويحفظه من الانقلاب على الأعقاب، والتقهقر إلى الوراء، كيف لا، ووجود الإمام المعصوم العارف بأسرار الشريعة ومعارف الدين، ضمان لتكامل المجتمع، وخطوة كبيرة في سبيل إرتقائه الروحيّ والمعنويّ.

فهل يسوغ للّه سبحانه أن يهمل هذا العامل البنّاء الهادي للبشريّة إلى ذروة الكمال؟.

إنّ اللّه سبحانه جهّز الإنسان بأجهزة ضروريّة وغير ضروريّة، ليوصله إلى الكمال المطلوب حتّى أنّه تعالى قد زودّه بإنبات الشعر على أشفار عينيه وحاجبيه و تقعير الأخمص من القدمين; لكي تكون حياته لذيذة غير متعبة، فهل تكون حاجته إلى هذه الاُمور أشد من حاجته إلى الإمام المعصوم الذي يضمن كماله المعنوي؟(1).

وما أجمل ما قاله أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في فلسفة وجود الإمام المعصوم المنصوب من جانب اللّه سبحانه، ومدى تأثيره في تكامل الاُمّة:

أـ يقول الإمام جعفر بن محمّد الصادق ـ عليه السلام ـ: «إنّ الأرض لا تخلو إلاّ وفيها إمام كي ما إذا زاد المؤمنون شيئاً ردهم وإذا نقصوا شيئاً أتمّه لهم» (2).

ب ـ روى أبو بصير عن الإمام الصادق [ جعفر بن محمّد ] والإمام الباقر [محمّد بن عليّ] ـ عليهما السلام ـ: «إنّ اللّه لم يدع الأرض بغير عالم ولولا ذلك لم يعرف الحقّ من الباطل»(3).


1- هذا الاستدلال مأخوذ من كلام الشيخ الرئيس ابن سينا في إلهيّات الشفا وكتاب النجاة ( له أيضاً):304.
2- الكافي1:178.
3- الكافي1:178.


(137)

ج ـ قال الإمام أمير المؤمنين عليّ ـ عليه السلام ـ في نهج البلاغة: «اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً وإمّا خائفاً مغموراً، لئلاّ تبطل حجج اللّه وبيّناته» (1).

وفي حوار طويل جرى بين هشام بن الحكم وهو شاب وبين عمرو بن عبيد العالم المعتزليّ البصريّ، أشار إلى الفائدة المعنويّة الكبرى لوجود الإمام المعصوم فقال هشام: أيّها العالم إنّي رجل غريب أتأذن لي في مسألة ؟

فقال: نعم.

فقال: ألك عين ؟

قال: نعم.

قال: فما تصنع بها؟

فقال: أرى بها الألوان والأشخاص.

قال: فلك أنف؟

فقال: نعم.

قال: فما تصنع به ؟

فقال: أشمّ به الرائحة .

قال: ألك فم ؟

فقال: نعم.

قال: فما تصنع به ؟

فقال: أذوق به الطعام.

قال: فلك اُذن؟

فقال: نعم.

قال: فما تصنع به ؟


1- نهج البلاغة:قصار الكلمات.

(138)

فقال: أسمع به.

قال: ألك قلب؟

فقال: نعم.

قال: فما تصنع به ؟

فقال: اميّز به كلّما ورد على هذه الجوارح والحواس.

قال: أو ليس في هذه الجوارح غنىً عن القلب ؟

فقال: لا.

قال: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة ؟

فقال: يا بنيّ إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمّته أو رأته، أو ذاقته، أو سمعته، ردته إلى القلب فيستيقن اليقين ويبطل الشك ّ.

قال هشام: فإنّما أقام اللّه القلب لشكّ الجوارح [ أي لضبطها ] ؟

قال: نعم.

قال: لا بدّ من القلب وإلاّ لم تستيقن الجوارح ؟

قال: نعم.

قال: يا أبا مروان، فاللّه تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها (إماماً) يصحّح لها الصحيح ويتيّقن به ما شكّ فيه، ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم لايقيم لهم (إماماً )يردون إليه شكّهم وحيرتهم ويقيم لك (إماماً) لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك ؟!

قال هشام: فسكت ولم يقل لي شيئاً (1).

وغير خفي على القارىء النابه; أنّ لزوم الحاجة إلى الإمام المعصوم ليس بمعنى تعطيل أثر الكتاب والسنّة وإنكار قدرتهما على حلّ الكثير من المشكلات والاختلافات، بالنسبة إلى من يرجع إليهما بنيّة صادقة، وتجرّد عن الآراء المسبقة.


1- الكافي 1:170.

(139)

غير أنّ هناك مسائل واُموراً عويصة ً ـ خصوصاً فيما يرجع إلى المبدأ والمعاد وإلى فهم كتاب اللّه وسنّة رسوله ـ فلا مناص للاُمّة من وجود إمام عارف معصوم يخلِّف النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ويقوم مقامه في تكميل المجتمع الإسلاميّ في جميع شؤونه.

وصفوة القول: أنّ تكامل البشريّة الروحيّ والمعنويّ كما أنّه منوط ببعثة الأنبياء ووجود الرسل، فهو كذلك منوط بوجود الإمام المعصوم الذي يتسنى له بما اوتي من علم وعصمة وملكات عالية وكفاءات قياديّة أن يوصل هداية المجتمع الإسلاميّ إلى ذرى الكمال الروحيّ والارتقاء المعنويّ بلا تعثّر ولا إبطاء، ولا تقهقر ولا تراجع.

ومن المعلوم، أنّ الاُمّة لا تقدر على معرفة ذاك الإمام; إلاّ بتنصيب من اللّه سبحانه وتعيينه.

4ـ الفراغ في مجال الرد على الأسئلة والشبهات

لقد تعرض الإسلام منذ بزوغه لأعنف الحملات التشكيكية، وكان هدفاً لسهام الشبهات والتساؤلات العويصة والمريبة; التي كان يثيرها اعداء الإسلام والنبيّ والمسلمين من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين.

وقد قام الرسول الأعظم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في حياته بردّ هذه الشبهات وتبديد تلك الشكوك وصدّ الحملات التشكيكيّة بحزم فريد، وتفوّق عليها بنجاح كبير مستعيناً بالوحي الإلهيّ.

وقد كانت هذه الشبهات تتراوح بين التشكيك في أصل وجود اللّه أو توحيده أو صدق الرسالة الإسلاميّة أو المعاد والحشر، وغيرها من الاُمور الاعتقاديّة وبعض الاُمور العمليّة.

ولا شكّ، أنّ هذه الحملات كانت تجد اذناً صاغيةً بين بعض المسلمين، وتوجب بعض التزعزع في مواقفهم إلاّ أنّها كانت تتبدّد وينعدم أثرها بما كان يقوم به الرسول الأكرم المعلم من ردّ ودفع قاطع وحاسم.


(140)

نماذج من الأسئلة العويصة

عندما راجعت قريش يهود يثرب لمعرفة صدق ما يدّعيه النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال لهم اليهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهنّ، فإن لم يخبر بها فالرجل متقوِّل فروا فيه رأيكم:

1ـ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم ؟ فإنّه قد كان لهم حديث عجب.

2ـ وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه ؟

3ـ وسلوه عن الروح ماهي ؟

فأقبلوا على رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وطرحوا عليه الأسئلة المذكورة، فأخبرهم عن أجوبتها، وأخبرهم بأنّ الأوّل; هم أصحاب الكهف الذين ذكرهم القرآن في سورة الكهف، والثاني، هو ذو القرنين الذي ذكره اللّه في سورة الكهف أيضاً، وأمّا الثالث فقد أوكل علمه إلى اللّه بأمره حيث قال: (وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً )(الإسراء: 85)، وقد أخبر بكل ذلك بما أوحى اللّه تعاليإليه(1).

كما قدم جماعة من كبار النصارى وعلمائهم إلى المدينة لمحاججة الرسولصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فاستدلوا لاعتقادهم في المسيح ـ عليه السلام ـ بكونه ولداً للّه; بأنّه لم يكن له أب يعلم وقد تكلّم في المهد، وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله، فأجابهم بما أوحى إليه اللّه سبحانه بأنّ أمر عيسى ليس أغرب من أمر آدم الذي لم يكن له لا أب ولا أمّ. فهو أعجب من عيسى الذي ولد من أمّ حيث قال اللّه في هذا الصدد: (إِنّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَاَلَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )(آل عمران: 59)(2).

وعن أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ أنّه اجتمع يوماً عند رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أهل خمسة أديان: اليهود والنصارى والثنويّة والدهريّة ومشركو العرب.

ثمّ وجّه كلّ طائفة من هذه الطوائف أسئلة عويصة ومشكلة إلى النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم


1- سيرة ابن هشام 1:300و 575.
2- سيرة ابن هشام 1:300و 575.


(141)

وطالبوه بالإجابات المقنعة الكافية، وجعلوا ذلك شرطاً لإسلامهم والتصديق به وبرسالته، فأجابهم الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بأجوبة كافية شافية مذكورة بتفصيلها في محلّها فأسلموا على أثر ذلك (1)، والقصة بطولها جديرة بالمطالعة.

وقد بلغت هذه الحملات المعادية للإسلام ذروتها بعد وفاة الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وغياب شخصه الكريم عن الساحة. . فشهد عهد الخلفاء موجات هائلةً من التيارات الإلحادية، والمحاولات التشكيكيّة وطرح التساؤلات العويصة، التي هبّت على المجتمع الإسلاميّ لتزعزع المسلمين عن عقيدتهم، وذلك عندما أخذ يتوافد على المدينة جموع القساوسة والرهبان والأحبار يحملون إلى المسلمين الأسئلة العويصة، والشبهات المريبة.

ولمّا كان مجرد الاطلاّع على الأحكام والمعارف الإسلاميّة وحدها لايكفي في مواجهة تلكم الحملات والتيارات، بل ينبغي أن يكون المتصدّي للرد على تلك الشبهات مضطلعاً ومطّلعاً على ما في الأديان والمباديء الاخرى من عيوب ونواقص، وثغرات، لذلك; فإنّ المتصدّرين لمقام الخلافة كانوا يعانون صعوبات جمّةً وعجزاً ذريعاً في الإجابة عليها، أو كانت الردود غير مقنعة ولاكافية.

إنّ التأريخ الإسلاميّ يحدثنا أنّ المسلمين لم يبلغوا من الناحية الفكريّة والعلميّة والإحاطة بالمبادىء والأديان الاخرى درجةً تؤهلهم للقيام بذلك، ولم يقدر أحد منهم; على مجابهة اولئك العلماء المتوافدين من أرباب الأديان أو الملحدين إلى عاصمة الدولة الإسلاميّة من كلِّ فج عميق بهدف الإيقاع بالإسلام والمسلمين.

وقد أثبتت الوقائع التي وقعت في ذلك العهد; أنّ الشخص الوحيد الذي كانت ترجع إليه الاُمّة، ويرجع إليه من تسلّموا مسند الخلافة والحكومة بعد النبيّ لحلِّ تلك المعضلات وردِّ تلك الشبهات والإجابة على تلك التساؤلات، كان هو الإمام عليّـعليهالسلام ـ.

وإليك نماذج من تلك الأسئلة:


1- الاحتجاج للطبرسيّ ( من علماء القرن السادس الهجريّ ) 1:16ـ 24.

(142)

1ـ جاء بعض أحبار اليهود إلى أبي بكر فقال: أنت خليفة نبيّ هذه الاُمّة ؟

قال: نعم.

فقال: إنّا نجد في التوراة أنّ خلفاء الأنبياء أعلم اممهم; فأخبرني عن اللّه تعالى، أين هو أفي السماء أم في الأرض ؟

فقال أبو بكر: هو في السماء على العرش.

فقال اليهوديّ: فأرى الأرض خاليةً منه وأراه على هذا القول في مكان دون مكان.

فقال أبو بكر: هذا كلام الزنادقة.

فولىّ الحبر متعجّباً يستهزىء بالإسلام فاستقبله أمير المؤمنين عليّ ـ عليه السلام ـ فقال: «يا يهوديّ قد عرفت ماسألت عنه وما اجبت به، وإنّا نقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ أين الأين فلا أين له، وجلّ أن يحويه مكان وهو في كلِّ مكان بغير مماسة ولا مجاورة يحيط علماً بما فيها ولا يخلو شيء منها من تدبيره وإنّي مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم يصدِّق ما ذكرته لك. . . »(1).

2ـ قدم إلى الكوفة أربعون رجلاً من اليهود يريدون طرح أسئلة علـى عليّ ـ عليه السلام ـ فلمّا وقفوا بين يديه قالوا: (صف لنا ربّك، هذا الذي في السماء كيف هو ؟ وكيف كان ؟ومتى كان ؟ وعلى أي شيء هو؟).

فاستوى عليّ جالساً وقال: «إنّ ربّي عزّ وجلّ هو الأوّل لم يبد ممّا ولا ممازج معما، ولا حالّ وهماً ولا شبح يتقصّى، ولا محجوب فيحوى، ولا كان بعد أن لم يكن فيقال حادث بل جلّ أن يكيّف المكيِّف للأشياءكيف كان، بل لم يزل ولا يزول لاختلاف الأزمان ولا لتقلّب شان بعد شان وكيف يوصف بالأشباح وكيف ينعت بالألسن الفصاح. . » إلى آخر كلامه المفصّل(2).

3ـ عن سلمان الفارسيّ في حديث طويل ذكر فيه قدوم كبير النصارى (الجاثليق)


1- الإرشاد للمفيد:108 في قضايا أمير المؤمنين.
2- مناقب آل أبي طالب:490 ـ 491.


(143)

إلى المدينة مع مائة من النصارى بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم:

وسأل أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها ثمّ ارشد إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبـ عليه السلام ـ فسأله عنها وكان ممّا سأل عنه أنّه قال: (أخبرني عن وجه الربِّ تبارك وتعالى)، فدعا عليّ بحطب ونار فأضرمه، فلمّا اشتعلت قال عليّ ـ عليه السلام ـ له: «أين وجه هذه النّار؟ ».

قال النصرانيّ هي وجه من جميع حدودها فقال ـ عليه السلام ـ: «هذه النار مدّبرة مصنوعة لا يعرف وجهها، وخالقها لا يشبهها، وللّه المشرق والمغرب، فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه، لا يخفى على ربِّنا خافية »(1).

4ـ وسأله رأس الجالوت (اليهودي)عن مسائل بعد ما سأل أبا بكر فلم يجبه. .

سأله: ما أصل الأشياء ؟

فقال ـ عليه السلام ـ: هو الماء لقوله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيء حَىّ)(الانبياء: 30).

: وما جمادان تكلّما ؟

فقال ـ عليه السلام ـ: هما الأرض والسماء لقوله تعالى: (فَقَالَ لَها وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعَاً أوْ كَرْهَاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (فصلت: 11).

: ما شيئان ينقصان ويزيدان ولا يرى الخلق ذلك ؟فقال ـ عليه السلام ـ: هما الليل والنهار لقوله تعالى: (يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي الَّيلِ ) (الحديد: 6).

إلى غير ذلك من المسائل العويصة، والصعبة التي أجاب عنها الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ بسرعة أدهشت الجاثليق وأثارت إعجابه(2).

هذا ولم تقتصر الموارد التي واجه فيها قادة المسلمين شبهات وأسئلة عجزوا عن


1- قضاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب:88 ( طبعة النجف ).
2- مناقب ابن شهر آشوب1: 490 ـ491 عنه البحار40 :224.


(144)

ردهّا والإجابة عليها على ما ذكرناه، بل هناك عشرات الموارد الاخرى نذكر بعضها إجمالاً:

1ـ سؤال الغلام اليهوديّ من عمر بن الخطاب في اليوم الأوّل من خلافته وإرجاع الخليفة له إلى الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ (1).

2ـ بعد أن ارتد الحارث بن سنان الأسدي الذي كان أحد الصحابة، والتحق بالروم، حث الروم على طرح بعض الأسئلة على المسلمين، فتوجّه ممثل الروم إلى المدينة وطرح بعض الأسئلة (2).

3ـ سؤال القائد الروميّ من عمر (3).

4ـ الأسئلة التي طرحها علماء اليهود على عمر حول أصحاب الكهف (4).

5ـ سؤال كعب الأحبار من عمر (5).

6ـ وفود أسقف نجران على عمر وطرح بعض الأسئلة عليه (6).

7ـ وفود جماعة من اليهود على عمر وطرح بعض الشبهات والمواضيع عليه(7)

8ـ وفود جماعة من اليهود على عمر أيضاً وطرح بعض الأسئلة عليه (8).

9ـ سؤال كعب الأحبار من عمر، وإحالة عمر له على الإمام أيضاً (9).


1- الغدير 6:168 ، نقلاً عن كتاب زين الفتى في تفسير هل أتى تأليف أحمد بن محمّد بن عليّ العاصميّ الشافعيّ ( مخطوط )، علي والخلفاء:138ـ 145، نقلاً عن فرائد السمطين 1:باب 66 ( مخطوط ).
2- قضاء أمير المؤمنين:263.
3- تذكرة الخواص لابن الجوزيّ المتوفّي عام (656 هـ):144 ـ 147 (طبع النجف الأشرف).
4- غاية المرام للبحرانيّ المتوفّي عام ( 1107 هـ ):517، والغدير6:47 نقلاً عن العرائس في قصص الأنبياء:227.
5- كنز العمال للمتّقي الهنديّ 4:55 نقلاً عن طبقات ابن سعد المتوفّي عام (207هـ).
6- تفسير البرهان 2:107، عليّ والخلفاء:171 نقلاً عن كتاب زين الفتى.
7- قضاء أمير المؤمنين للتستريّ :67( طبعة النجف )، عليّ والخلفاء:176.
8- قضاء أمير المؤمنين :82( طبعة النجف )، عليّ والخلفاء:178.
9- قضاء أمير المؤمنين:64،البحار 9:483 (الطبعة القديمة).


(145)

10ـ سؤال كعب الأحبار من عثمان وإرجاع عثمان له على الإمام عليّ(1).

11ـ طرح سؤال عويص من الروم على معاوية والتماس معاوية الجواب من الإمام عليّ بطريقة ماكرة (2).

12ـ طرح أسئلة اُخرى من جانب البلاط الرومانيّ على معاوية واستمداد معاوية الأجوبة من الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ (3).

13ـطرح أسئلة للمرّة الثالثة من جانب الامبراطور الرومانيّ على معاوية والتماس معاوية الأجوبة من الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ أيضاً (4).

إنّ هذه الوقائع ووقائع كثيرةً اُخرى تشير بوضوح إلى عدم قدرة الاُمّة، على مواجهة الشبهات والشكوك التي كان يبثّها ويلقيها أعداء الإسلام على المسلمين لتقويض عقيدتهم، فهل كان من الجائز أن يترك اللّه سبحانه الاُمّة الإسلاميّة ـ والحال هذه ـ من دون أن يربّي ويخلّف فيهم من يصون الدين ويحفظ عقيدة اتباعه من أخطار التشكيك; وذلك بالوقوف في وجه كلّ مشكّك وصاحب شبهة بالمنطق أو الجدل المفحم، وهل يمكن ذلك إلا لمن يكون عارفاً بأبعاد الدين وقضاياه تفصيلاً، ويكون محيطاً بما في الأديان الاخرى وما في كتبها وعند علمائها ؟

أليس أيّ نكسة تصيب المسلمين في هذا المجال من شأنها أنّ تؤثر على معنويّتهم وتزعزع اعتقادهم، وتزيد من جرأة الأعداء وطمعهم في إخراج المسلمين من دينهم ؟.

إنّ بقاء أيّ دين وعقيدة، يرتبط بمدى قدرة المدافعين عن حياضه، والذبّ عن كيانه الفكريّ والسياسيّ والاجتماعيّ، إمّا بقوّة السلاح أو بقوّة المنطق من قبل


1- عليّ والخلفاء:313 نقلاً عن كتاب عجائب أحكام أمير المؤمنين:119
2- المصدر نفسه.
3- قضاء أمير المؤمنين:78 و 114، عليّ والخلفاء:320.
4- قضاء أمير المؤمنين:16 نقلاً عن مناقب ابن شهر بن آشوب.


(146)

الشخصيات المؤهلة القادرة على الدفاع الحازم.

بل لابدّ من الاعتراف بأنّ القوّة العسكريّة وحدها غير كافية للمحافظة على سطوع الدين وبقائه، وسلامته على مدار الزمان ، فلابدّ ـ مضافاً إلى ذلك ـ من وجود الشخصيّات العلميّة اللائقة التي تحرس سياج الدين، وتلبّي احتياجات الاُمّة، وتمدّها وتمدّ عقيدتها بطاقة البقاء والاستقامة والحياة.

من هنا يتعين على صاحب الدعوة تربية وتعيين من يكون جديراً بتحمل هذه المسؤولية وقادراً على القيام بها لينير للمسلمين طريقهم، ويصون من شبهات العابثين المغرضين إيمانهم وعقيدتهم.

***

5ـ الفراغ في مجال صيانة الدين من التحريف

إنّ من أهم ما كان يقوم به النبيّ العظيم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم هو محافظته الشديدة على الدين وصيانته من التحريف والدسّ، فقد كان يعلم المسلمين كتابهم العزيز، ويراقب ما أخذوه عنه من اُصول وفروع فينبّه على خطأهم، ويدلّهم على الحق.

و لا ريب أنّ من أبرز ما تتمتّع به امّة من الامم; هو قدرتها على حفظ دينها من كيد الكائدين ودس الداسيّن وتحريف المحرفين، وهو الخطر الذي تعرضت له جميع الأديان السالفة والمذاهب السابقة وعانت منه أسوء أنواع الدسّ والتحريف وإلى هذا يشير القرآن إلى ما عانى منه دين موسى على أيدي أتباعه اليهود، إذ قال: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) (النساء: 46).

ولقد كان النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقوم بهذه المهمة الخطيرة في حياته الشريفة. . فكيف يمكن تحقيق ذلك بعد وفاته ؟ وكيف يمكن حفظ الدين من التحريف بعده ؟!

إنّ صيانة الدين من التحريف والدسّ، لا تمكن إلاّ إذا توفرت لدّى الاُمّة اُمور ثلاثة:


(147)

1ـ أنّ تكون الاُمّة قد بلغت في الرشد الفكريّ والعقليّ مبلغاً يؤهلها للحفاظ على أسس الشريعة ومفاهيمها من أيِّ دسّ وتحريف.

2ـأن تكون فروع الدين واُصوله واضحةً ومعلومةً لدّى الاُمّة، وضوحاً يمكِّنها من تمييز الحقّ عن الباطل، والدخيل عن الأصيل في مفاهيمه، وعقائده وتشريعاته.

3ـ أن يكون لديها كلّ ما صدر من النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من أحاديث ونصوص كاملة، لتقدر بمراجعة ما لديها من الحديث وعلم الكتاب ومعارفه; على أن تميِّز الصحيح من المجعول والوارد من الموضوع.

ولا ريب أنّ الاُمّة الإسلاميّة قد وصلت آنذاك بفضل جهود صاحب الدعوة، إلى درجة مرموقة من الوعي والحفظ لنص الكتاب الكريم ما يجعلها قادرةً على حفظ النصّ القرآنيّ من التحريف، وصونه من محاولات الزيادة والنقصان كما نرى ذلك في قصة الصحابيّ الجليل «ابيّ بن كعب» الذي كان له موقف عظيم من عثمان في قضية إثبات الواو في آية الكنز; وإليك الواقعة كما ينقلها تفسير الدرّ المنثور عن علباء بن أحمر: (إنّ عثمان بن عفان لمّا أراد أن يكتب المصاحف أرادوا (1)أن يلقوا (الواو) التي في سورة البراءة في قوله تعالى: ( يَا أيُّهاالَّذِينَ آمَنُوا إِنّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِ اللّهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَليم) (التوبة: 34).

قال ابيّ: (لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي) فألحقوها (2).

فقد كان عثمان يريد أن يقرأ قوله تعالى: ( والَّذِينَ يَكْنِزُونَ ) بدون واو العطف لتكون هذه الجملة وصفاً للأحبار اليهود. . وهذا مضافاً إلى كونه خلاف التنزيل وتغييراً في ما نزل به الوحي كما تلاه الرسول وقرأه على مسامع القوم، فإنّ حذف الواو كان يعني; أنّ آية حرمة الكنز لا ترتبط بالمسلمين; بل هي صفة للأحبار والرهبان وكان يقصد من


1- هكذا في الأصل، والصحيح:أراد إلاّ أن يراد الكتّاب.
2- الدرّ المنثور 3:232.


(148)

هذا إضفاء طابع الشرعيّة على اكتناز الأموال الطائلة الذي كان يقوم به جماعة من بطانة الخليفة كما يشهد بذلك التأريخ.

ولكن عثمان لم يستطع تحقيق هذا المطلب فقد عارضه أبّي بن كعب، واعترض عليه هذا التغيير الطفيفة اللفظي في الظاهر.

وهذا يكشف عن مدى حفظ الاُمّة لنصّ الكتاب بهذه الصورة الدقيقة الأمينة. بيد أنّ حفظ الاُمّة كان محدوداً لا يتجاوز هذا الحدّ، إذ كان غير شامل لجوانب اخرى من الشريعة واُصولها ومصادرها وينابيعها.

ويدل على ذلك:

أوّلاً: أنّ ألامّة اختلفت في تفسير الكثير من آيات القرآن، وبيان مقاصده ومعارفه اختلافاً جرّ إلى تعدّد المذاهب، ونشوء الاتّجاهات المختلفة، والتيارات المتضاربة وكلّ يتمسّك بالكتاب وربّما بالسنّة.

فمن جبريّة إلى معتزلة، إلى صفاتيّة إلى خوارج، إلى مرجّئة، وشيعة، وكلّ منها يتفرع إلى فرق وطوائف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في العقيدة والمسلك، وفي الاُصول والفروع (1).

فهل يمكن أن يكون كلّ ذلك هو الحقّ الذي تضمّنه القرآن، ودعا إليه ؟!!

أليس ذلك يدل على أنّ الاُمّة لم تبلغ في الإحاطة بالشريعة والنضج الفكريّ الإسلاميّ ذلك المستوى الذي يؤهلها لحفظ الاُصول والفروع، والمحافظة على ما يتّصل بالكتاب والسنة، وطرح ما لا يمتّ إليهما بصلة.

ثانياً: أنّ التأريخ يشهد بأنّ الأمّة الإسلاميّة ـ في عصر الخلفاء ـ يوم اتسّعت رقعة البلاد الإسلاميّة واستوعبت شعوباً كثيرةً، شهدت دخول جماعات عديدة من أحبار


1- راجع للوقوف على هذه المذاهب وفروعها:الملل والنّحل للشهرستانيّ والفرق بين الفرق وغيرهما ممّا ألّـف في هذا المجال.

(149)

اليهود وعلماء النصارى في الإسلام، مثل كعب الأحبار وتميم الداريّ ووهب بن منبّهوعبد اللّه بن سلام، الذين تسللوا إلى صفوف المسلمين، وراحوا يدسون الأحاديثالإسرائيليّة، والخرافات والأساطير النصرانيّة في أحاديث المسلمين وكتبهم وأذهانهم.

وقد ظلت هذه الأحاديث المختلفة، تخيِّم على أفكار المسلمين ردحاً طويلاً من الزمن، وتؤثر في حياتهم العمليّة، وتوجّهها في الوجهة المخالفة لروح الإسلام الحنيف في غفلة من المسلمين وغفوتهم. ولم ينتبه إلى هذا الأمر الخطير، إلاّ من عصمه اللّه كعليّ ـ عليه السلام ـ الذي راح يحذّر المسلمين عن الأخذ بمثل هذه الأحاديث المختلفة فقال: «ولو علم النّاس أنّه منافق كذّاب، لم يقبلوا منه ولم يصدّق، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول اللّه ورآه وسمع منه وأخذ عنه وهم لا يعرفون حاله»(1).

نماذجٌ وأرقامٌ عن الأحاديث الموضوعة:

وحسبك لمعرفة ما أصاب المسلمين وما تعرضت له أحاديثهم ولمعرفة الذين لعبوا هذا الدور الخبيث في غفلة من الاُمّة ما كّتب في هذا الصدد مثل كتاب:

ميزان الاعتدال للذهبيّ.

وتهذيب التهذيب للعسقلانيّ.

ولسان الميزان للعسقلانيّ

ونظائرها من الكتب التي صنفت في هذا المجال.

ولعل فيما قاله البخاري صاحب «الصحيح» المعروف، إشارة إلى طرف من هذه الحقيقة المرّة، حيث قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري:

إنّ أبا علي ّ الغسّانيّ روي عنه أنّه قال: خرّجت الصحيح من 600 ألف


1- نهج البلاغة:الخطبة 205.

(150)

حديث(1).

وروى عنه الإسماعيليّ أنّه قال:

احفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح (2).

ويعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمّة الحديث أخبار تآليفهم (الصحاح والمسانيد) من أحاديث كثيرة هائلة ،والصفح عن غيرها، وقد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديثاً وقال; انتخبته من خمسمائة ألف حديث (3).

ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرارعلى ألفي حديث وسبعمائة وواحد وستين حديثاً اختاره من زهاء ستمائة ألف حديث (4).

وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث اُصول دون المكررات صنفه من ثلاثمائة ألف (5).

وذكر احمد في مسنده ثلاثين ألف حديث وقد انتخبه من أكثر من سبعمائة وخمسين وألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث (6).

وقد قام الباحث الكبير المجاهد العلامة الأمينيّ في موسوعته (الغدير ) ـ الجزء الخامس ـ باستخراج أسماء الكذّابين والوضّاعين للحديث على حسب الحروف الهجائية فبلغ عددهم 650.

وما قام به رحمه اللّه وإن كان عملاً كبيراً يشكر عليه، غير أنّه لو قام بهذا الأمر لجنة من الباحثين لعثروا على أضعاف ما ذكره ذلك الباحث الكبير.


1- من الهدى الساري مقدمة فتح الباري:4 .
2- من الهدى الساري مقدمة فتح الباري: 5.
3- طبقات الحفّاظ للذهبيّ 2:154، تاريخ بغداد 9:57.
4- إرشاد الساري 1:208، صفوة الصفوة 4:143.
5- طبقات الحفاظ للذهبيّ 2:151، 157، شرح صحيح مسلم للنوويّ1:32.
6- طبقات الذهبيّ 9:17.


(151)

والذي يرشدك إلى كثرة الاحاديث الموضوعة الكاذبة ما يوجد في ترجمة شرذمة قليلة من أولئك الجمّ الغفير من الكذّابين، من أنّه وضع عشرة آلاف حديث كما ذكروه في ترجمة أحمد بن عليّ الجويباريّ.

فقد قام الباحث المتقدم الذكر بعد ما أورد من الأرقام في ترجمة اولئك الكذابين بإحصاء عدد الأحاديث التي وضعوها أو قلبوها فبلغت ما يقارب النصف مليون حديثاً.

وهذه الأرقام راجعة إلى واحد وأربعين شخصاً (1).

وقد الفّت في تمييز الأحاديث الموضوعة من الأحاديث الصحيحة كتب نذكر منها ما ألّفه أبو الفرج عبد الرحمان بن عليّ المعروف بابن الجوزيّ البغداديّ المتوفّى(597 هـ)الذي ذكر كلّ حديث موضوع.

وقد تنبّأ الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بما سيصيب سنتّه الشريفة ويصيب المسلمين فيما بعد على أيدي الكذّابين، ووضّاعي الحديث وأعداء الإسلام، وأخبر عن وجود من يقف في وجه هذا الخطر العظيم إذ قال: «يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد »(2).

وروي عن الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ قوله: «إنّ فينا أهل البيت في كلِّ خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين »(3).

أليس كلّ هذا يستوجب; أن يربّي النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعده من يتمتّع بالعصمة الكافية والعلم الواسع ليحفظ الدين من محاولات التحريف، ويصون الشريعة من أيّ خيانة ودسّ؟


1- راجع الغدير 5:247 ـ 249 تحت عنوان ( قائمة الموضوعات والمقلوبات )
2- رجال الكشّيّ:5.
3- الكافي 1:25.


(152)

خلاصةُ ما سبق

لقد تبين مما تقدم أنّ الإمام الذي يخلّف النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم هو من يقوم مقامه في سدّ ما حدث بوفاته صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من فراغ هائل بل فراغات كبرى في الحياة الإسلاميّة:

فكما أنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان يقوم إلى جانب مهمّة التبليغ للدين الإلهيّ بـ:

1ـ بيان معالم الشريعة وأحكامها حسب الحاجات المتجددة في حياة الاُمّة.

2ـ شرح معاني القرآن الكريم، وتفسير آياته، وبيان مقاصده وكشف القناع عن أسراره ورموزه وأبعاده حسب اقتضاء الظروف والنفوس.

3ـ هداية الاُمّة نحو التكامل الروحيّ والمعنويّ بتوحيد صفوف الاُمّة وجمع شملها، وتعاهدها بالتربية والتزكية. .

4ـ الدفاع عن حمى الشريعة، بالرد على الشبهات، والإجابة على الأسئلة العويصة وتبديد الشكوك التي يثيرها أعداء الإسلام.

5ـ صيانة الدين عن محاولات الدسّ والتحريف، في مفاهيمه وشرائعه.

أقول: كما أنّ وجود النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان يملأ هذه الفراغات الهائلة، فإنّ فقدانه يوجب حدوثها; فلابدّ من إمام معصوم ليملأها كما كان النبيّ يملأها بحزمه وعلمه، وقيادته وهدايته.

فعلى الإمام ـ بما لديه من علم شامل بأبعاد الشريعة وجزئياتها ـ أن يعالج مشاكل الاُمّة المستحدثة، ويفسّر لهم الكتاب العزيز ويكشف لهم ما لم يكشف من أبعاده ووجوهه، ويعين الاُمّة على مواصلة طريق التكامل الذي بدأته بدعوة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ويدافع عن حمى الشريعة برد الشبهات، والإجابة الوافية على الأسئلة العويصة التي يثيرها الأعداء، بهدف احراج المسلمين وزعزعتهم عن عقيدتهم، ويصون الدين والعقيدة من أيّ تحريف ودسّ.

وبالتالي; يقوم بكل ما يقوم به النبيّ من قيادة وهداية، وتربية وتزكية.


(153)

ولمّا كانت هذه المسؤوليات لاينهض بها إلاّ الإمام اللاّئق بخلافة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم القادر على سدّ الفراغ الكبير الذي يحدثه غياب النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ولا توجد هذه اللياقة بالتربية العاديّة المتعارفة بل لا بدّ من عناية ربانية واعداد إلهيّ.

ولمّا كانت معرفة مثل هذا الإمام اللائق المعصوم متعذرةً على الاُمّة، يتعين على اللّه سبحانه العارف بعباده، المحيط بهم، أن يعرّف الاُمّة بالإمام وينصبه لهم. ولا يترك الأمر إلى نظر الاُمّة ورأيها لتختار حسب ما ترى، وتشاء.

ثمّ إنّ الشيخ الرئيس (ابن سينا) أشار في بعض كلماته إلى فوائد تنصيب الإمام، التي ترجع إلى بعض ما ذكرنا، وإليك بعض نصوص كلماته:(ثمّ إنّ هذا الشخص الذي هو النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، ليس ممّا يتكرر وجود مثله في كلّ وقت فإنّ المادة التي تقبل كمال مثله يقع في قليل من الأمزجة، فيجب لا محالة; أن يكون النبيّ قددبّر لبقاء ما يسنّه ويشرّعه في اُمور المصالح الإنسانية تدبيراً عظيماً).

إلى أن قال ـ في الفصل الخامس ـ: ثمّ يجب أن يفرض السانّ (أيّ الشارع) طاعة من يخلفه، وأن لا يكون الاستخلاف إلاّ من جهته (أيّ من جهة السانِّ الشارع) أو بإجماع من أهل السابقة على من يصححون، علانيةً، عند الجمهور أنّه مستقل بالسياسة وأنّه أصيل العقل حاصل عنده الأخلاق الشريفة من الشجاعة والعفة وحسن التدبير، وأنّه عارف بالشريعة حتّى لا أعرف منه تصحيحاً.

إلى أن قال: ويسنّ عليهم أنّهم إذا افترقوا وتنازعوا للهوى والميل، أو أجمعوا على غير من وجدوا الفضل فيه والاستحقاق فقد كفروا باللّه.

والاستخلاف بالنصّ أصوب; فإنّ ذلك لا يؤدي إلى التشعّب والتشاغب والاختلاف) (1).


1- الشفاء 2 ( الفن الثالث عشر في الإلهيّات ـ المقالة العاشرة الفصل الثالث والخامس ـ في المبدأ والمعاد ):558 و 564 ( طبعة إيران ).

(154)

الطريق الثالث

3
الخلافة عند النبيّ
والصحابة والاُُمم السابقة

1ـ تصوّر النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن مسألة القيادة بعده.

2ـ تصوّر الصحابة عن الخلافة بعد النبيّ.

3ـ صيغة القيادة و الخلافة عند الاُمم السالفة.

لقد دلّت المحاسبات العقليّة والاجتماعيّة السابقة على لزوم تعين الإمام من جانب اللّه تعالى، وأثبتت أنّ إيكال الأمر إلى نظر إلامّة وانتخابها وتعيينها خطأ فاضح، يأباه العقل وترفضه المصالح العامّة وتعارضه المحاسبات الاجتماعيّة.

هذا ويمكن الاستدلال أيضاً على لزوم نصب الإمام من جانب اللّه بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وعدم إيكال ذلك إلى رأي الاُمّة، بالأدلّة النقلية والتاريخيّة وهي تشمل:

1/ تصوّره صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن مسألة القيادة من بعده.

2/ تصوّر الصحابة عن هذه المسألة.

3/صيغة القيادة ـ لدى الامم السابقة ـ وسيرتهم في ذلك بعد غيبة أنبيائهم.

وإليك فيما يلي بيان هذه الاُمور والأدلة بالتفصيل:


(155)

1ـ تصوّر النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن القيادة بعده:

لاريب أنّ من أهمّ الأدلة على لزوم نصب الإمام والقائد بعد النبيّ هو تصوّر النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم نفسه عن هذه المسألة، فماذا كان هذا التصوّر ؟

هل كان النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يعتقد بلزوم نصب الإمام والقائد من جانب اللّه ؟ أم كان يعتقد ترك ذلك إلى نظر الاُمّة وإرادتها وإختيارها ؟ أم كان يعتبر ذلك من شؤونه واختصاصاته على الأقل ؟؟

إنّ الكلمات المأثورة عن الرسول الأكرم وموقفه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من قضية القيادة بعده، تدلّ على أنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان يعتبر أمر القيادة وتعيين القائد مسألةً إلهيّةً وحقاً إلهيّاً. . فاللّه سبحانه هو الذي له أن يعين القائد وينصب الخليفة الذي يخلِّف النبيّ بعد وفاته. ولا نجد في كلّ ما نقل عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ما يدل على إرجاع الأمر إلى اختيار الاُمّة ونظرها، أو إلى اراء أهل الحلّ والعقد واجتماعهم، أو غير ذلك من صور الانتخاب والتعيين غير الإلهيّ.

إنّ الأدلة والشواهد النقليّة تشهد برمتها بأنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ذكر للاُمّة مراراً بأنّ تعيين الأمير من بعده أمر إلهيّ، وليس له في ذلك شيء، فلا يمكنه أن يقطع لأحد عهداً بأن يستخلفه من بعده، دون أن يأذن اللّه تعالى له في ذلك أو يأتيه منه سبحانه أمر ووحي.

وفيمايأتي نذكر شاهدين تأريخيين على ذلك، والشاهد الأوّل أكثر صراحة في ما ذكرناه:

1ـ لمّا عرض الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم نفسه على بني عامر الذين جاؤوا إلى مكة في موسم الحجِّ ودعاهم إلى الإسلام قال له كبيرهم: (أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟).

فقال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء» (1).


1- السيرة النبويّة لابن هشام 2:424 ـ 425.

(156)

2ـ لما بعث النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم سليط بن عمرو العامريّ إلى ملك اليمامة (هوذة بن عليّ الحنفيّ )الذي كان نصرانياً، يدعوه إلى الإسلام وقد كتب معه كتاباً، فقدم على هوذة، فأنزله وحباه وكتب إلى النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقول فيه: (ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومي، وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني فاجعل لي بعض الأمر أتبعك).

فقدم سليط على النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وأخبره بما قال هوذة، وقرأ كتابه فقال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لو سألني سيابةً من الأرض ما فعلت. . باد وباد ما في يده » (1).

ونقل ابن الأثير على نحو آخر فقال: أرسل هوذة إلى النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وفداً يقول له:

(إن جعل له الأمر من بعده أسلم وصار إليه ونصره، وإلاّ قصد حربه).

فقال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «فمات بعده قليل لا ولا كرامة. . اللهمّ اكفنيه» (2).

إنّ هذين النموذجين التاريخيين الذين لم تمسّهما أيدي التحريف والتغيير يدلان بوضوح كامل على تصوّر النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن مسألة الخلافة والقيادة من بعده، فهما يدلاّن على أن هذه المسألة كانت إذا طرحت على النبيّ، وسئل عمّن سيخلّفه في أمر قيادة الأمّة كان يتجنب إرجاعها إلى نفسه، أو إلى نظر الاُمّة، بل يرجع أمرها إلى اللّه تعالى. أو يتوقّف في إبداء النظر فيه على الأقل.

على أنّ مسألة انتخاب الخليفة القائد بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لو كانت من شؤون الاُمّة وصلاحياتها وجب أن يصرح النبيّ بذلك أو يشير إلى أصل الموضوع ولو بالإجمال.

بل وجب أن يبيّن للاُمّة الطريقة الصحيحة للانتخاب، ويذكر لهم الشروط والضوابط اللازمة في الناخب، والمنتخب، لكي يتحقق هذا الأمر بوجه صحيح; بينما نجد النبيّ لا يتعرض لهذا الأمر أبداً، ولم يؤثر عنه أيّ نقل، وإرشاد وتعليم في هذا المجال، رغم أهميّة الموضوع وخطورته البالغة، مع أنّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قد تعرّض لاُمور أسهل وأبسط


1- طبقات ابن سعد الكبرى 1:262.
2- الكامل في التاريخ لابن الأثير 2:146.


(157)

من ذلك فهل مسألة القيادة، والإدارة والإمرة ـ وخصوصاً في تلك الظروف العصيبة وبالنسبة إلى تلك الاُمّة الناشئة ـ أقلّ شأناً، وأهميّةً من المستحبّات والمكروهات التي ورد فيها الكثير الكثير من الأحاديث النبويّة ؟

***

2ـ تصوّر الصحابة عن الخلافة بعد النبيّ

إنّ المتتبع في تاريخ الصحابة والخلفاء والذين تعاقبوا على مسند الحكومة بعد النبيّ; يرى بوضوح أنّ الطريقة التي اتبعها أولئك الصحابة، والخلفاء كانت هي الطريقة الانتصابيّة لا الانتخابيّة الشعبيّة.

فالخليفة السابق كان يعين الخليفة اللاحق، إمّا مباشرة أو بتعيين شورى تتولى هي تعيين الخليفة والاتفاق عليه. . ولم يترك أحد من أولئك الخلفاء أمر القيادة إلى نظر الاُمّة وإرادتها واختيارها، أو يتكل على آراء المهاجرين والأنصار، أو أهل الحلّ والعقد ليختاروا هم ـ بمحض إرادتهم ـ من يشاؤون للخلافة والإمرة.

فمن يلاحظ تاريخ الصدر الأوّل يرى، أنّ خلافة (عمر بن الخطاب) تمتّ بتعيين من أبي بكر.

وأمّا خلافة (عثمان بن عفان) فتمت بواسطة شورى عيّن (عمر بن الخطاب) أفرادها وأمرهم بانتخاب الخليفة من بين انفسهم، ولم يترك أحد من هؤلاء أمر القيادة إلى اختيار الاُمّة.

وإليك تفصيل الأمر في كيفية استخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب. . ويليه تفصيل لكيفية استخلاف عمر بن الخطاب لعثمان بن عفان.

أ ـ استخلاف أبي بكر لعمر

قال ابن قتيبة الدينوري في تاريخ الخلفاء: (. . . دعا (أبو بكر) عثمان بن عفان،


(158)

فقال: اكتب عهدي، فكتب عثمان، وأملى عليه: (بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده في الدنيا نازحاً عنها، وأوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها،إنّي استخلف عليكم عمر بن الخطاب فإن تروه عدل فيكم ظنّي به ورجائي فيه، وإن بدّل وغيّر فالخير أردت، ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون)(1).

ويظهر من ابن الاثير ـ في كامله ـ أنّ أبا بكر أملى على عثمان عهده، ولكنّه غشي عليه أثناء الإملاء، فأكمله عثمان وكتب فيه استخلاف عمر من عند نفسه، ثمّ إنّه لمّا أفاق أبو بكر من غشيته، وافق على ما كتبه عثمان، وإليك نصّ ما كتبه ابن الأثير: (. . إنّ أبا بكر أحضر عثمان بن عفان خالياً ليكتب عهد عمر فقال له: اكتب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة، أمّابعد. . ثم اغمي عليه. . فكتب عثمان: فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً.

ثمّ أفاق أبو بكر فقال: اقرأ عليّ، فقرأ عليه، فكبّر أبو بكر، وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي) (2).

قال عثمان: نعم.

قال: جزاك اللّه خيراً عن الإسلام وأهله.

فلمّا كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس فجمعهم، وأرسل الكتاب مع مولىً له مع (عمر) وكان عمر يقول للناس: انصتوا واسمعوا لخليفة رسول اللّه إنّه لم يألكم نصحاً.

فسكت الناس. . فلمّا قرأ عليهم الكتاب سمعوا له وأطاعوا (3).


1- الإمامة والسياسة للدينوريّ المتوفّي (262 هـ ):18 (طبعة مصر).
2- هل يمكن أن يلتفت الخليفة إلى الخطر الكامن في ترك الأمّة دون خليفة يستخلفها عليهم ولا يلتفت إليها النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ؟!
3- الكامل في التاريخ لابن الأثير 2:292 وطبقات ابن سعد الكبرى 3:200 (طبعة بيروت ).


(159)

وقد نقل موضوع استخلاف (أبي بكر) لـ (عمر) عدة من أعلام التأريخ والحديث بهذين النحوين من النقل.

ب ـ استخلاف عثمان

وأمّا قصة استخلاف عثمان فهي كالآتي; كما نقلها وأثبتها كتّاب التأريخ وأعلام السيرة:

قال ابن قتيبة الدينوريّ في كتابه الإمامة والسياسة: (قال عمر: ساستخلف النفر الذين توفيّ رسول اللّه وهو عنهم راض. .

فأرسل إليهم فجمعهم، وهم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد اللّه، والزبير بن عوّام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمان بن عوف وكان طلحة غائباً فقال:

يا معشر المهاجرين الأولين: إنّي نظرت في أمر الناس; فلم أجد فيهم شقاقاً ولا نفاقاً فإن يكن بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم; فتشاوروا ثلاثة أيام، فإن جاءكم طلحة إلى ذلك، وإلاّ فأعزم عليكم باللّه أن لا تتفرقوا من اليوم الثالث حتّى تستخلفوا أحدكم)(1).

وكتب ابن الأثير في كامله: (إنّ عمر بن الخطاب لمّا طعن قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفت؟ فقال: من استخلف ؟لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته. . ولو كان سالم مولى حذيفة حياً لاستخلفته. .

فقال رجل: أدلّك عليه؟ عبد اللّه بن عمر، فقال (عمر): قاتلك اللّه كيف استخلف من عجز عن طلاق امرأته. . الى أن قال:

عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: إنهّم من أهل الجنّة وهم عليّ


1- الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوريّ المتوفّي عام ( 262 هـ):23.

(160)

وعثمان وعبد الرحمان وسعد والزبير بن عوّام وطلحة بن عبد اللّه.

فلمّا أصبح عمر; دعا عليّاً وعثمان وسعداً وعبد الرحمان والزبير، فقال لهم:

إنّي نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم. وقد قبض رسول اللّه وهو عنكم راض. فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها، واختاروا منكم رجلاً، فإذا متّ فتشاوروا ثلاثة أيّام، وليصلّ بالناس صهيب، ولا يأتي اليوم الرابع إلاّ وعليكم أمير».

فاجتمع هؤلاء الرهط في بيت حتّى يختاروا رجلاً منهم.

قال لصهيب: «صلِّ بالناس ثلاثة أيام وأدخل هؤلاء الرهط بيتاً وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف. . وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما. . وإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا، فحكّموا عبداللّه بن عمر فان لم يرضوا بحكم عبد اللّه بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع فيه الناس) (1).

وممّا يدلّ على أنّ هذا الموقف والرأي لم يكن موقف الصحابة ورأيهم خاصّة في مسألة الاستخلاف والقيادة بل أنّ الرأي العام في ذلك العهد كان يعتقد ضرورة استخلاف القائد والحاكم، وعدم ترك الأمر إلى نظر الناس وإرادتهم وانتخابهم، نظريات لطائفة من الشخصيّات نذكر بعضها فيما يأتي:

1ـ نقل أنّ عمر بن الخطاب لمّا أحس بالموت قال لابنه [ عبد اللّه ]: (إذهب إلى عائشة واقراها مني السلام، واستأذن منها أن أقبر في بيتها مع رسول اللّه ومع أبي بكر.

فأتاها عبد اللّه بن عمر فأعلمها. . فقال: (نعم وكرامة ).

ثمّ قالت: (يا بنيّ أبلغ عمر سلامي فقل له: لا تدع امّة محمّد بلا راع. . استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإنّي أخشى عليهم الفتنة) (2). فأتى عبد اللّه


1- الكامل لابن الأثير 3:35.
2- وهل يمكن أن تلتفت أمّ المؤمنين إلى هذه النكتة ولا يلتفت إليها النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.


(161)

[إلى أبيه ] فأعلمه) (1).

2ـ نقل الحافظ أبو نعيم الأصفهانيّ المتوفىّ عام (430) أنّ عبد اللّه بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته فقال: (إنّي سمعت الناس يقولون مقالةً فآليت أن أقولها لك وزعموا أنّك غير مستخلف وأنّه لو كان لك راعي إبل ـ أو راعي غنم ـ ثمّ جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيّع، فرعاية الناس أشدّ) (2).

3ـ قدم معاوية المدينة ليأخذ من أهل المدينة البيعة ليزيد; فاجتمع مع عدة من الصحابة إلى أن أرسل إلى ابن عمر، فأتاه وخلا به فكلّمه بكلام وقال: إنّي كرهت أن أدع امّة محمّد بعدي كالضأن لا راعي لها. (3).

كلّ هذه النصوص; تدلّ بجلاء على أنّ ادّعاء انتخاب الخليفة عن طريق الاستفتاء الشعبيّ أو بمراجعة أهل الحلّ والعقد، أو اتفاق الأنصار والمهاجرين لم يكن له أصل ولا ذكر في دراسات المتقدمين من أعلام التاريخ وكتّاب السيرة وعلماء المسلمين.

ولو دل هذا الأمر على شيء فإنّما يدلّ على، أنّ الأصل الذي كان يعتقد به الصحابة والخلفاء في مسألة الخلافة والقيادة; كان هو التنصيص والتعيين، وعدم ترك الأمر إلى نظر الاُمّة وانتخابها.

***

نظرية تفويض الأمر إلى الاُمّة بعد النبيّ

إنّ في الاُمّة الإسلاميّة طائفةً كبيرةً تعتقد; بأنّ أمر الحكومة بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان مفوضاً إلى انتخاب الاُمّة ونظرها، وهم يستندون في ذلك إلى عمل المسلمين في تعيين الخليفة بعد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.


1- الإمامة والسياسة للدينوريّ:32.
2- حلية الأولياء 1:44.
3- الإمامة والسياسة 1:168 (طبعة مصر ).


(162)

ولكنّك ـ أيّها القارىء الكريم ـ اطّلعت على كيفية تصدي الخليفة الثاني والثالث للحكم، وعرفت أنّه لم يكن هناك أيّ انتخاب من جانب المسلمين، بل تم الأمر للخليفتين بالاستخلاف من جانب الخليفة السابق.

نعم، يمكن أن يستند القائل إلى انتخاب (أبي بكر) و (الإمام علي) للحكم، فهما تسلّما زمام الحكم والأمر بهذا الطريق.

والحق أنّ هذين الموردين هما من أهم وأوضح ما يمكن أن يستدلّ به القائل بتفويض الأمر إلى نظر الاُمّة بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على مذهبه، وهو بظاهره يتصادم مع ما شرحناه وأوردناه من الأدلة على كون صيغة الحكومة الإسلاميّة بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان على التنصيص والاستخلاف لا على التفويض والانتخاب.

ولنتناول البحث حول خلافة (أبي بكر)أولاً، ونعقبه بالبحث حول كيفية استتباب الأمر للإمام عليّ ثانياً.

تحليل لخلافة أبي بكر

إنّ الاستدلال على نظرية تفويض الأمر إلى نظر الاُمّة وانتخابها، أو إلى أهل الحلّ والعقد منهم، أو ما شابه ذلك، بتصدي أبي بكر للخلافة، يتوقف على أثبات أمرين، لولا ثبوتهما لما صح الاستناد بهذا الطريق على هذا الانتخاب أبداً:

الأوّل: هل كان هناك انتخاب شعبيّ واقعيّ بحيث اجتمع المسلمون عامّة، وتشاوروا في الأمر ودرسوا الموضوع، فانتخبوا أبا بكر وفق الضوابط والمعايير الإسلاميّة، أو كان هناك انتخاب محدود من جانب عدّة قليلة يهاب منها، واتبعها الآخرون بلا تفكير ولا مشاورة. . بينما تخلف عن ذلك عدّة اُخرى ؟

الثاني: هل كان انتخاب المنتخبين لأبي بكر بأسلوب المبايعة، ينبع من تعليم اسلاميّ ويرتكز إلى أصل جاءت به الشريعة، وكان الداعي لهم إلى ذلك هو ما أخذوه وتعلموه من الرسول، أو كان اتخاذهم لذلك الاسلوب، مستنداً إلى ما كان مركوزاً في


(163)

أذهانهم ممّا قبل الإسلام، حيث كانوا يعيّنون الأمير والرئيس بالبيعة ؟

والحقّ أنّ هاتين النقطتين في خلافة أبي بكر قابلتان للمناقشةو التحقيق والتأمّل فنقول:(1)

أمّا النقطة الاُوّلى: فإنّ دراسة التأريخ الإسلاميّ في هذه القظية خير دليل على أنّ خلافة أبي بكر لم تأت نتيجة مشاركة الاُمّة الإسلاميّة في اختياره وانتخابه للحكم والقيادة، بل لم ينتخبه إلاّ أربعة أنفار لا غير، وهؤلاء النفر هم، عمر بن الخطاب وأبو عبيدة من المهاجرين وبشير بن سعد واسيد بن حضير من الأنصار. وأمّا الباقون من رجال الأوس لم يبايعوا أبا بكر إلاّ تبعاً لرئيسهم اسيد بن حضير، في حين غاب عن هذا المجلس كبار الصحابة وأفاضلهم كالإمام عليّ بن أبي طالب، والمقداد، وأبي ذر وحذيفة بن اليمان، وأبّي بن كعب وطلحة والزبير، وعشرات اخرين من الصحابة.

كما أنّ الخزرجيين ـ رغم حضورهم في السقيفة ـ امتنعوا من البيعة لأبي بكر.

وحتّى لو سلّم بوقوع الانتخاب المزعوم فإنه لا ريب كان فريداً من نوعه، لأنّه لميقترع فيه الحاضرون على أبي بكر كما هو المتّبع في الانتخابات الحرّة المتعارفة، بل تمّ بمبادرة(عمر ) إلى مبايعة أبي بكر، ثمّ بايعه المهاجر الآخر وبايعه بشير ورئيس الأوس اسيد بن حضير، وتبعه الأوسيون. . بينما تخلّف الخزرجيون الحاضرون في السقيفة عن مبايعة أبي بكر. . كما تبين لك ذلك من ما ذكرناه سابقاً. . من تهاجيهم.

ثمّ أخذوا البيعة من كلّ من صادفوه في الطريق خارج السقيفة، واستمرّ ذلك إلى ستة أشهر بالتهديد والترغيب. . وهذا أمر واضح لمن درس تاريخ السقيفة وما تلاها من الأحداث والوقائع.


1- البحث عن النقطة الاولى ; بحث في الصغرى وهو كون خلافة أبي بكر كانت بالانتخاب الشعبيّ .
والبحث عن النقطة الثانيــــــة; بحث عن الكبرى أي كون صيغة الحكومة بعد وفاة رسول اللّه ـبلا فصل ـ هي تعيين الخليفة باسلوب المبايعة، واللازم على القارىء أن لا يخلط بين الأمرين.


(164)

ومن الواضح أنّ بيعةً بهذه الصفة،لايمكن انّ تكون انتخاباً حقيقيّاً واستفتاءً حرّاً.

فأيّ انتخاب شعبيّ حرّ جاء بالخليفة الأوّل، وهذا التأريخ يروي لنا ما جرى في السقيفة وما وقع من التهديد والتنديد والسيف، والشتيمة والمهاترات.

فها هو الحبّاب بن المنذر الصحابيّ البدريّ الأنصاريّ العظيم وقد انتضى سيفه على أبي بكر ـ يوم السقيفة ـ وهو يقول: (واللّه لا يرد عليّ أحد ما أقول إلاّ حطّمت أنفه بالسيف أنا جذيلها المحكّك [أي أصل الشجرة] وعذيقها المرجب [ أي النخلة المثقلة بالثمر ] أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إليّ الأسد) (1).

وهو بكلامه هذا يتهدّد كلّ من يحاول إخراج القيادة من الأنصار وإقرارها لغيرهم.

وها هو آخر (وهو سعد بن عبادة) يخالف مبايعة أبي بكر وينادي: (أنا أرميكم بكلِّ سهم كنانتي من نبل واخضّب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي وأقاتلكم مع من معي من أهلي وعشيرتي) (2).

وها هو ثالث يتذمّر من تلك البيعة ويشبّ نار الحرب بقوله: (إنّي لأرى عجاجةً لا يطفئها إلاّ دم) (3).

وهذا هو سعد بن عبادة أمير الخزرج الذي طلب أن تكون الخلافة في الأنصار، يداس بالأقدام، وينزى عليه وينادى عليه بغضب: (اقتلوا سعداً قتله اللّه إنّه منافق، أو صاحب فتنة) وقد قام الرجل على رأسه ويقول: (لقد هممت أنّ أطأك حتّى تندر عضوك أو تندر عيونك)(4).

فإذا بقيس بن سعد يأخذ بلحية عمر ويقول: (واللّه لو حصصت منه شعرةً ما


1- شرح ابن أبي الحديد 2:16.
2- الغدير 7:76.
3- الإمامة والسياسة 1:11، تاريخ الطبري 3:210.
4- مسند أحمد 1:56، تاريخ الطبري 3:210 وغيرهما.


(165)

رجعت وفي فيك واضحة !!! أو: لو خفضت منه شعرةً ما رجعت وفيك جارحة)(1).

وهذا الزبير لمّا رأى أنّ الأمر قد عقد لأبي بكر يخترط سيفه ويقول:(لا أغمده حتّييبايع عليّ ) فيقول عمر:عليكم الكلب، فيؤخذ سيفه من يده، ويضرب به الحجر ويكسر(2).

وها هو المقداد ذلك الرجل الصحابيّ العظيم يدافع في صدره (3).

وها هو أبو بكر يبعث عمر بن الخطاب إلى بيت الإمام عليّ وفاطمة، ويتهدّد اللائذين به الممتنعين عن مبايعته ويقول له: إن أبوا فقاتلهم.

فيأتي عمر إلى بيت فاطمة ويقول: واللّه لتحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة، فتقول فاطمة الزهراء بنت النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وتصيح وتنادي: «ياأبت يا رسول اللّه ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة» (4).

وها هو الإمام علي ّ ـ عليه السلام ـ يقاد إلى البيعة كما يقاد البعير المخشوش ويساق سوقاً عنيفاً ويقال له: بايع فيقول: «إن أنا لم أفعل فمه» ؟ فيقال: إذن واللّه الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك، فيقول: «إذن تقتلون عبد اللّه وأخا رسوله» (5).

وهؤلاء لمّا يتناقشون الأمر في السقيفة فيقول الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير، يردّ عليه عمر قائلاً: إذا كان ذلك فمت إن استطعت !!

وهذا عمر يعترف أنّ هذه البيعة كانت فلتةً لا تخضع لضابطة، ولا تقوم على أساس من المبادىء الإسلاميّة والمنطلقات الصحيحة والمشروعة إذ يقول: (كانت بيعة أبي بكر فلتةً كفلتة الجاهليّة، وقى اللّه شرّها».


1- تاريخ الطبري 3:210، السيرة الحلبيّة 3:387.
2- الإمامة والسياسة 1:11،تاريخ الطبري 3:199.
3- تاريخ الطبري 3:210.
4- تاريخ الطبري 3:210، الإمامة والسياسة 1:13.
5- الإمامة والسياسة 1:13، أعلام النساء 3:206.


(166)

ولهذا يحذِّر المسلمين من الأخذ بها لأنّها لم تكن تمثّل أيّ صورة انتخابيّة صحيحة حتّى لو قيل بمشروعية تعين الخليفة عن طريق الانتخاب فيقول: (فمن عاد إليها فاقتلوه) (1).

تحليل لخلافة الإمام عليّ

وأمّا خلافة الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ فهي وإن أجمع المسلمون عليها، وأقبل عليه الناس برمّتهم، إلاّ أنّه ـ عليه السلام ـ لم يستدلّ لخلافته باجتماع الآراء والأصوات عليه وانتخاب الناس له، بل كان يستند غالباً بالنصوص النبويّة الواردة في حقّه ـ عليه السلام ـ والتي تنص على خلافته من جانب اللّه سبحانه.

وما عليك إلاّ أنّ تستعرض ما قاله في يوم الرحبة.

عن الصحابيّ أبي الطفيل الليثي قال: جمع عليّ رضي اللّه عنه الناس في الرحبة، ثم قال لهم: «أنشد اللّه كلّ أمرء مسلم سمع رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقول يوم غدير خم ما سمع لمّا قام»، فقام ثلاثون من الناس وقال، أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذه بيده فقال للناس: «أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم» قالوا: نعم يارسول اللّه، قال: «من كنت مولاه فهذا مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » قال: فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: إنّي سمعت عليّاً رضي اللّه عنه تعالى يقول: كذا وكذا. قال: فما تنكر ؟ قد سمعت رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقول له ذلك (2).

وفي رواية أنّ علياً ـ عليه السلام ـ نشد الناس من سمع رسول اللّه يقول من كنت مولاه فهذا مولاه فشهد له قوم وأمسك زيد بن أرقم فلم يشهد، وكان يعلمها فدعا عليّ ـ عليه السلام ـ عليه بذهاب البصر فعمي فكان يحدّث الناس بالحديث بعد ما كفّ بصره(3).


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1:123 ( طبعة مصر ).
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1:362، اسد الغابة3:307و 5:205، والإصابة 4:80، ومسند أحمد بن حنبل1:84، ومجمع الزوائد 9:107، ومطالب السؤل:54، شرح المواهب 7:13، ذخائر العقبى:67، خصائص النسائيّ:26 وأسنى المطالب:3.
3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1:362، اسد الغابة3:307و 5:205، والإصابة 4:80، ومسند أحمد بن حنبل1:84، ومجمع الزوائد 9:107، ومطالب السؤل:54، شرح المواهب 7:13، ذخائر العقبى:67، خصائص النسائيّ:26 وأسنى المطالب:3.


(167)

هذا كله في البحث عن النقطة الاولى، أي البحث عن الصغرى وهو هل كان انتخاب الخليفة الأوّل انتخاباً شعبياً أو لا ؟

وأمّا النقطة الثانية: أعني البحث عن الكبرى أي كون صيغة الحكم بعد رسول اللّه بلا فصل هو تفويض الأمر إلى الاُمّة لانتخاب القائد عن طريق البيعة.

الثانية: أنّ تعيين القائد والرئيس بهذه الكيفيّة (أي البيعة) لم يكن تعليماً إسلاميّاً; سار على ضوئه من حضر في السقيفة وأخذوا به بما أنّه قانون نصّت عليه الشريعة، وأتى به الإسلام.

لأنّ تعيين الحاكم في منطق الدين الإسلاميّ لم يكن بمبايعة أحد على ذلك، وما قد يتبادر إلى الذهن من وقوع ذلك مع الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إذ بايعه بعض الناس أو بايعه اصحابه، فإنّ تلك البيعة لم تكن إلاّ بعد الإقرار بنبوّته وحاكميّته وقيادته وكانت البيعة بمثابة إظهار الإخلاص والوفاء القلبيين له، وعهداً لفظياً وظاهرياً على التقيد بطاعته، وتنفيذ اوامره في الحروب والوقائع المهمّة; لا أنّ البيعة كانت بمعنى نصبه للقيادة، فالقيادة كانت مجعولة للنبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من جانب اللّه تعالى، وهي لا تخضع للبيعة وعدم البيعة.

وعلى كلّ حال، فإنّ البيعة كانت بعد الإقرار بالقيادة النبويّة المجعولة إلهيّاً ولأجل الإخلاص والوفاء للنبيّ المعترف بنبوّته قبلاً.

ومن المحتمل جداً أنّ طريقة تعيين الخليفة بالبيعة له التي تمّت في السقيفة وبموجبها عيّنوا الخليفة كانت تقليداً لما كان مرتكزاً في نفوس البعض ممّا قبل الإسلام، حيث كان المتبع في الجاهلية إذا أرادوا أن ينصبوا لأنفسهم رئيساً بايعوا أحداً، وكانت البيعة بمعنى نصبه للقيادة، وبمثابة جعل الإمرة والرئاسة لشخص(1).


1- وسيوافيك عند البحث عن طرق انتخاب الحاكم، أنّ البيعة المذكورة في الآيات القرآنيّة لم تكن إلاّ تأكيداً لاعترافهم بالنبوّة وقيادة النبيّ المجعولة من جانب اللّه سبحانه، ولطمأنة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على ما يكنّون له من إخلاص وثبات.

(168)

وممّا يدلّ على أنّ تعيين الخليفة والقائد بهذا النمط الذي تمّ في السقيفة كان إسلوباً يعتمد على ما كان مرتكزاً ومترسِّباً في نفوسهم ممّا قبل الإسلام، أنّهم لم يلتفتوا ولم يعتنوا ـ في تعيين الخليفة ـ بالشروط اللازمة في الحاكم الإسلاميّ، ولم يستندوا في ذلك إلى أصل قرآنيّ واسلاميّ لتصحيح عملهم ـ في وقته ـ كآيات الشورى والمشورة، أو الآيات التي تضمنت كلمة البيعة; بل كان كلّ من الطائفتين المتنازعتين على نيل الرئاسة والقيادة، يرجِّح نظره وموقفه باُمور لا أساس لها في الإسلام ولا عبرة بها في تعيين الحاكم وتقرير مصير الحاكميّة كالنسب والنصرة، حيث ادّعى المهاجرون أنّ الخلافة يجب أنّ تكون فيهم لأنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان من قريش، وعارضهم الأنصار بأنّهم أولى بالخلافة; لأنّهم آووا الرسول ونصروه وفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم.

ومن المعلوم; أنّ ما استندوا إليه واستدلوا به من الملاكات لم تكن ملاكات إسلاميّة في تعيين الخليفة.

وإلى عدم اعتبار تلك الملاكات الواهية; يشير الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ وينتقد أهل السقيفة على تمسكهم بها إذ يقول محتجاً عليهم:

فإن كنت بالشّورى حججت خصيمهم * فكيف بهذا والمشيرون غيّب
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنّبيِّ وأقرب(1)

أمّا ما ورد في كلامه ـ عليه السلام ـ من الاستدلال بالشورى. ورأي المهاجرين والأنصار وأهل الحلّ والعقد، فلم يكن إلاّ لإبطال ادِّعاء معاوية في الخلافة من باب إفحام الخصم بما يعتقده ويدّعيه، وذلك لأنّ موضوع القيادة ـ كما أسلفناه ـ، كان ينحصر في التنصيص والاستخلاف، وهوما ظلّ يعتقد به المسلمون بعد الرسول حتّى انّهم قد بنوا سيرتهم العمليّة عليه.

***


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18:416.

(169)

3ـ صيغة القيادة والخلافة عند الاُمم السابقة:

إنّ ملاحظة الآيات القرآنيّة الواردة حول القيادة، ومراجعة ما نقل وصحّ من الأحاديث والتأريخ في هذا المجال; تفيد ثلاث نقاط بارزة تؤيّد فكرة التنصيص على الخليفة، وما أسميناه بالاستخلاف، وتفيد ـ بالتالي ـ أنّ المتّبع بين الامم الغابرة كان هو التنصيص والتعيين للقائد، وليس ترك الأمر إلى نظر الناس وانتخابهم.

وإليك هذه النقاط:

1ـ لقد كان المتّبع بين الانبياء السابقين هو تسليم أمر من قاموا بهدايتهم وتربيتهم من الامم وسهروا في صياغتهم، واجتهدوا في تعليمهم; إلى خلفاء صالحين لائقين (1). ليتسنّى لتلك الامم والأقوام والجماعات ـ في ظلِّ الرعاية والتربية الصحيحة التي يوليها الخلفاء والأوصياء ـ أن تستمر في طريق التكامل والرشد.

صحيح أنّ أكثر الذين كانوا يخلّفون الانبياء كانوا من الانبياء أيضاً، إلاّ أنّ بعضهم لم يكونوا من الانبياء، بل كانوا مجرد أوصياء يقومون بما يقوم به الإمام في الاُمّة الإسلاميّة.

وحتّى لو كان الخلفاء المذكورين من الانبياء أيضاً، فان ذلك يفيد قانوناً كليّاً هو أنّ مسألة القيادة والزعامة والرئاسة بعد غياب النبيّ كان من الأهميّة والخطورة; بحيث لم يترك أمرها إلى اختيار الناس ونظرهم، بل كانت تعهد على طول التاريخ إلى رجال أكفّاء، يعيّنونهم بالاسم والشخص; لأنّ ترك تعيين القائد إلى اختيار الاُمّة قد يؤدي إلى الاختلاف والفرقة والفتنة، أو الاشتباه والخطأ في تعيين الراعي الصالح والقائد الكفوء.

2ـ إنّ القيادة والرئاسة بين الامم السالفة كانت تتحقّق بصورة وراثيّة غالباً، فيتوارثها أفراد من سلالة الأنبياء والرسل خلفاً عن سلف كما نلاحظ في الآيات التالية:


1- هذا معلوم على نحو الإجمال، وإن لم نعلم خصوصيّات ولا أسماء تلكم الشخصيات الذين كانوا يخلفّون الأنبياء السابقين.

(170)

أ ـ ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحَــاً وآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْــرَانَ عَلَى الْعَالَـمِين)(آل عمران: 33). (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(آل عمران: 34).

ب ـ ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ الْنُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الْصَّالِحِينَ )(العنكبوت: 27).

ج ـ ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحَاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ)(الحديد:26).

ففي هذه الآيات; نرى كيف ينتقل مقام الحاكميّة والقيادة بين أفراد من سلالة الانبياء وذريتهم فيتوارثون ذلك المقام الخطير خلفاً عن سلف.

د ـ وعندما يختار اللّه تعالى إبراهيم لمقام النبوّة والقيادة; يدعو إبراهيم ربّه أن يجعل هذا المقام في ذرّيّته أيضاً كما جعله فيه، ولا يردّ اللّه دعاءه ولا يستنكر عليه مطلبه، بل يخبره بأنّه لا ينيلها الظالمين منهم إذ يقول: ( قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَاً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(البقرة: 124).

هـ ـ وعند ما يطلب موسى ـ عليه السلام ـ أن يكون أخاه هارون مساعداً ومعيناً له في القيادة. . يحكي اللّه ذلك عنه دون أن يستنكر طلبه إذ يقول: ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي )(طه: 30).

وهذه الآيات; تكشف بوضوح عن توارث النبوّة والقيادة خلفاً عن سلف وصالحاً عن صالح، فلا تخرج من سلالة الانبياء وذرياتهم غالباً.

3ـ إنّ مراجعة تاريخ الانبياء والاُمم السالفة; تكشف عن أنّ الأنبياء كانوا ينصّون على الخلفاء من بعدهم بصورة الوصاية، ونذكر فيما يأتي طائفةً من الانبياء، وأوصيائهم كما يرويها المسعوديّ:

ونبدأ ذلك من النبيّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ:

1ـ إسماعيل بن إبراهيم.


(171)

2ـ إسحاق بن إبراهيم.

3ـ يوسف بن يعقوب.

4ـ ببرز بن لاوي بن يعقوب.

5ـ أحرب بن ببرز.

6ـ ميتاح بن أحرب.

7ـ عاق بن ميتاح.

8ـ خيام بن عاق.

9ـ مادوم بن خيام.

10ـ شعيب بن مادوم.

***

11ـ موسى بن عمران.

12ـ يوشع بن نون.

13ـ فيخاس بن يوشع.

14ـ بشير بن يوشع.

15ـ جبرئيل بن بشير.

16ـ أبلث بن جبرئيل.

17ـ أحمر بن أبلث.

18ـ محتان بن أحمر.

19ـ عوق بن محتان.

20ـ طالوت بن عوق.

***

21ـ داود.

22ـ سليمان بن داود.

23ـ آصف بن برخيا.


(172)

24ـ صفورا بن برخيا.

25ـ منبه بن صفورا.

26ـ هندوا بن منبه.

27ـ أسفر بن هندوا.

28ـ رامي بن أسفر.

29ـ إسحاق بن رامي.

30ـ أيم بن إسحاق.

31ـ زكريا بن أيم.

و. . .

وقد أخرجنا هذا الفهرس من كتاب إثبات الوصيّة للمسعوديّ المتوفىّ عام (345) تاركين الاطِّلاع على بقيّة أسماء الانبياء وأوصيائهم وأسباطهم للقارىء.

إنّ مراجعة هذا الفهرس من الأسماء، ومراجعة ذلك الكتاب، تهدينا إلى نقطتين بوضوح:

الاُوّلى: إنّ القيادة وإن كانت مقرونةً بالنبوّة غالباً، غير أنّها كانت وراثيّةً في الامم السالفة، يرثها صالح عن صالح وكابر عن كابر ممّا يعني أنّها لم يكن أمرها متروكاً إلى الناس ومفوضاً إلى آرائهم.

الثانية: أنّ جميع الزعامات والقيادات كانت بأمر اللّه وبنصّ الانبياء السابقين. وممّا يدلّ على أنّ الاُمّة الناشئة لا يجوز ترك أمرها إلى نفسها، دون تعيين قائد محنّك وراع صالح منصوص عليه يأخذ بزمام أمرها. ويحفظها عن الانحراف; ما جرى في امّة موسى ـ عليه السلام ـ وذلك لمّا أراد النبيّ موسى بن عمران الاعتزال عن قومه مدّة أربعين ليلةً لمناجاة ربّه سبحانه; لم يترك امّته دون تعيين الخليفة عليهم.. بل عيّن هارون خليفةً وأميراً في غيابه وإلى هذا يشير قول اللّه سبحانه منبّهاً إلى هذه الواقعة: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأِخِيهِ هَارُونَ


(173)

اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمـُفْسِدِينَ ) (الاعراف: 142).

فإذا كان هذا هو المتّبع عند الامم السالفة في مسألة القيادة والخلافة بعد الانبياء، وكان ذلك أمراً متكرراً ومتعارفاً بينهم; فالانصراف عن تلك الطريقة والإعراض عنها في الإسلام يحتاج إلى التصريح والبيان.

الخلافــة بالوصايــة

ومن طالع الكتاب والسنّة بتتبّع وتوسّع; لا يجد أيّ دليل يدلّ على ما يخالف هذه الطريقة ولا أيّ صارف عن الأخذ بها، بل يجد في ذينك المصدرين العظيمين المقدسين ما يدلّ على أنّ كلّ ما جرى على الامم السابقة يجري على هذه الاُمّة إلاّ ما استثني، وهو مبيّن.

ويدل على ذلك بصراحة لا تقبل جدلاً ما روي عن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلّما هلك نبيّ خلفه نبيّ، وإنّه لا نبيّ بعدي وسيكون خلفاء» (1).

وبما أنّ التلازم بين النبوّة والاستخلاف ممّا تقتضيه طبيعة الحياة الاجتماعيّة وتؤكّده حياة الامم السالفة كما ذكرنا لك; لهذا نجد أنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بمجرد أنّ يصدع بنبوّته; يواجه الناس بمسألة الخلافة من بعده ويشير إلى الخليفة الذي سيخلفه; والوصيّ الذي سيلي مهمّاته ومهامّه بعد وفاته. .

وهذا يدلّ على أنّ النبوة والاستخلاف (وتعيين الخليفة بالوصاية) متلازمان لا ينفصلان وتوأمان لا يفترقان. .

وإليك ما جرى في يوم الدار المعروف، وهو يثبت ما قلناه:

أخرج الطبريّ في تاريخه عن عبد اللّهبن عبّاس عن علي بن أبي طالب قال: «لمّا


1- أخرجه البخاري ومسلم كما في جامع الاُصول لابن الاثير الجزريّ 4:48

(174)

نزلت هذ الآية على رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ )(الشعراء: 214)، دعاني رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فقال ياعلي إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أنّي متى ابادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاء جبرئيل فقال: يا محمّد إنّك إن لا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك، فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة، وأملأ لنا عسّاً من لبن، ثمّ أجمع لي بني عبد المطلب حتّى أكلّمهم وأبلغهم ما أمرت به. ففعلت ما أمرني به ثمّ دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه ،فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الّذي صنعت لهم فجئت به فلمّا وضعته تناول رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حذيةً من اللحم فشقّها بأسنانه، ثمّ ألقاها في نواحي الصّحفة ثمّ قال: خذوا بسم اللّه، فأكل القوم حتّى مالهم بشيء حاجة وما أرى إلاّ موضع أيديهم، وأيم اللّه الذي نفس عليّ بيده وإنّه كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم ثمّ قال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم اسق القوم، فجئتهم بذلك العسّ فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، وأيم اللّه إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلمّا أراد رسول اللّه أن يكلّمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لقدما سحركم صاحبكم، فتفّرق القوم ولم يكلمهم رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فقال الغد: ياعليّ إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرّق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثمّ أجمعهم إليّ، قال ففعلت، ثمّ جمعتهم ثمّ دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة ثمّ قال اسقهم فجئتهم بذلك العسّ فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثمّ تكلم رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فقال: يا بني عبد المطلب إنّي واللّهما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم»

قال: «فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت وإنّي لأحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثمّ قال:


(175)

إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».

قال: «فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع» (1).

إنّ الناظر في كلمات الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ يرى أنّ الإمام يصرّح بوجود النصّ النبويّ على خلافته وولايته بعد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إذ يقول في أهل البيت ـ عليه السلام ـ وهو منهم. . يقول ـ عليه السلام ـ: «هم موضع سرّه وملجأ أمره وعيبة علمه وموئل حكمه و كهوف كتبه وهم أساس الدين وعماد اليقين، وإليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصيّة»(2).

وهذه العبارة صريحة في أنّه ـ عليه السلام ـ الصاحب الشرعيّ لمقام الخلافة، لوجود خصائص الولاية في أهل البيت وهو رئيسهم، ولوجود الوصيّة في أعيانهم وهو أوّلهم.

كما يرى أنّه ـ عليه السلام ـ يصرّح; بأنّ الولاية حقّ شرعيّ له خاصّةً ولكنّ قريشاً حالوا بينه وبين ذلك الحقّ إذ يقول: «إنّ اللّه لمّا قبض نبيّه استأثر علينا قريش بالأمر، ودفعتنا عن حقّ نحن أحقّ به من النّاس كافةً، ورأيت أنّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثوا عهد بالإسلام، والدّين يمخض مخض الرّطب، يفسده أدنى وهن ويقلبه أقلّ خلق » (3).

وفي عبارة أخرى يصرّح الإمام ـ عليه السلام ـ بهذا الحقّ بأشدّ وضوح إذ يقول: «اللّهمّ استعينك على قريش ومن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي وصغّروا عظيم منزلتي وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي» (4).


1- تاريخ الطبريّ 2:216، نقض العثمانيّة كما في شرح نهج البلاغة 3:263، شرح الشفاء للقاضي عياض 3:37، تفسير الخازن:390، وحياة محمّد لهيكل:104، مسند أحمد 1:159 وغيرها.
2- نهج البلاغة:الخطبة 2.
3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8:30.
4- نهج البلاغة لعبده:الخطبة 168.


(176)

وفي عبارة رابعة قال مجيباً على اعتراض أبي عبيدة الجّراح على الإمام حرصه على الخلافة والإمرة: «بل أنتم ـ واللّه ـ أحرص وأبعد وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقّاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه وتصرفون وجهي دونه» (1).

ووجه الدلالة لهذا الكلام العلويّ يتّضح إذا درسنا هذا الحقّ الذي يدّعيه الإمام لنفسه، ماهيّته وحقيقته.

وفي عبارة خامسة يقول الإمام ـ عليه السلام ـ: «فواللّه ما زلت مدفوعاً عن حقّي مستأثراً عليّ منذ قبض اللّه نبيّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حتّى يوم النّاس هذا» (2).

والعجيب; أنّ ابن أبي الحديد فسّر هذا (الحقّ) الذي صرّح به الإمام في مواضع عديدة بما يخالف ظاهره. إذ قال ما توضيحه:

إنّ الإمام لمّا كان أقرب الناس إلى النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وكان أعلمهم وأعدلهم كان له بذلك (حقّ طبيعيّ ) بأن يكون هو الخليفة، وأن يقع اختيار الاُمّة عليه للقيادة والإمرة، غير أنّ الاُمّة ـ مع ماله من الحقّ المذكور ـ عدلت عنه، وقدّمت المفضول على الفاضل لمصلحة كانت تراها، فعمد الإمام إلى التظلّم والشكوى واللوم على الناخب والمنتخب.

فالحقّ الذي يدّعيه الإمام ـ عليه السلام ـ في هذه العبارات، والذي حرمته قريش وأزالته عنه ليس حقّاً شرعيّاً، وليس انتخاب غيره عدولاً عن أمر الشرع، بل كان حقاً طبيعيّاً، وعقليّاً واجباً يوجب على الإنسان ان لا يعدل مع وجود الأعلم إلى العالم، ومع وجود الأفضل إلى المفضول، ومع وجود اللائق إلى غير اللائق، بل لابدّ أن يعطى زمام الأمر إلى العالم المستجمع لشرائط القيادة روحيّاً وجسميّاً.

بيد أنّ هذا التوجيه والتفسير، ينبع عن رأي مسبّق اتخذه صاحبه، ودرس (الحقّ) مستنداً على ذلك الرأي والموقف المسبّق وهو غير مقبول.


1- نهج البلاغة لعبده:الخطبة 167.
2- نهج البلاغة:الخطبة 59.


(177)

فإنّه إذ ذهب إلى تصحيح خلافة الخلفاء الذين تسلّموا قيادة المسلمين بعد الرسول; صار إلى تأويل هذه العبارات وتفسير الحقّ على النحو المخالف لظواهرها الواضحة.

والناظر إلى هذه العبارات والعارف بكلمات الإمام ـ عليه السلام ـ يعلم أنّ الإمام يقصد غير ما قاله ابن ابي الحديد، فإنّه:

أوّلاً: يعتمد على كلمة (الوصاية)، وهو يبطل بصراحة ما أدّعاه ابن أبي الحديد إذ المراد من الوصاية هو إيصاء النبيّ بالخلافة والولاية الشرعيّة له بعده.

وكلمات الوصاية هذه وردت في كلمات كثيرة للإمام مرّ عليك بعضها في العبارات السابقة، كما وصف الإمام بها في بعض كلمات المسلمين وأشعارهم(1).

ثانياً: إنّ اللياقة التي توجد في الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ لا تولّد لوحدها حقّاً لعليّ ـعليه السلام ـ ما لم ينضّم إليه انتخاب الاُمّة على مبنى ابن أبي الحديد; الذي يرى أنّ الخلافة عمليّة انتخابيّة، فإنّ الحقّ في الخلافة على هذا المبنى يعتمد على أمرين:

1ـ اللياقة الذاتيّة.

2ـ انتخاب الشعب

فلو انتفى أحد الجزئين، انتفى الحقّ في الخلافة، فلا يبقى حقّ لكي يدّعيه الإمام ويركّز عليه.

وبتعبير آخر: إنّ أمر القيادة لو كان راجعاً إلى المشاورة والاستفتاء ومفوّضاً إلى انتخاب الصحابة أو أهل الحلّ والعقد، فإذا لم ينتخبوا أحداً لايكون الشخص ذا حقّ في الخلافة والإمرة والقيادة، وإن كان ذا فضائل وكفاءات وصفات قياديّة، ولا يعدّ العدول عنه عدولاً عن الحقّ، وميلاً إلى الظلم والإجحاف بأحد، مع أنّ كلمــات الإمام ـ عليه السلام ـ صريحة في أنّ هذا العدول كان عدولاً من الحقّ إلى غير الحقّ إذ قال: «وأجمعوا


1- لاحظ شرح النهج 1:143 ـ 150.

(178)

على منازعتي أمراً هو لي».

وأمّا أنّ الإمام لماذا لم يقم على اخذ الحقّ مع ما يتمتّع به من الشرعيّة والقوّة ؟ فقد أشار الإمام إلى سببه في كلماته إذ قال معزياً ذلك إلى حرصه على وحدة المسلمين ودمائهم: «فرأيت أنّ الصبر على ذلك أفضل من فرقة المسلمين وسفك دمائهم والناس حديثوا عهد بالإسلام، والدّين يمخض مخض الرّطب يفسده أدنى وهن ويقلبه أقلّ خلق».

وإلى هذا السبب أشار في موضع آخر إذ قال: «لمّا قبض اللّه نبيّه قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون النّاس وأيم اللّه لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن لا يعود الكفر و يبور الدّين لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه»(1).

ولمّا طالب بعض اصحاب الإمام في أبيات له أن يطالب الإمام بذلك الحقّ الشرعيّ قال ـ عليه السلام ـ : «سلامة الدّين أحبّ إلينا من غيره» (2).

وفي كلام آخر له ـ عليه السلام ـ نجده يعزي سكوته العظيم وإحجامه عن استخدام القوّة إلى عدم وجود النصير الحقيقيّ له إلاّ أهل بيته الذين كان يحرص على المحافظة عليهم: «فنظرت فإذا ليس معين إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن الموت وأغضيت على القذى وشربت على الشّجى، وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم»(3).

ويؤيّد أنّ الحقّ الذي كان يدّعيه الإمام ـ عليه السلام ـ إنّما هو حقّ شرعيّ; أنّه حكمّ اللّه بينه وبين من دفعوه عن مقامه إذ قال لمن سأله وهو أحقّ به: «فاعلم فأمّا الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً والأشدّون برسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم نوطاً (أي تعلّقاً) فإنّها كانت إثرةً شحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين والحكم اللّه، والمعود إليه يوم القيامة» (4).


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1:307.
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6:41.
3- نهج البلاغة:الخطبة 26 ـ 157.
4- نهج البلاغة:الخطبة 26 ـ 157.


(179)

وهذا يفيد بوضوح أنّ ذلك الحقّ كان حقّاً شرعيّاً إلهيّاً ستسئل الاُمّة الإسلاميّة عنه يوم القيامة.

وخلاصة القول: أنّ النصوص متضافرة على أنّ الإمام كان موصى له بالخلافة ومنصوصاً عليه بالإمرة والولاية. . ولكنّه ـ عليه السلام ـ لم يجد الظروف مناسبةً للمطالبة بذلك المقام المنصوص والحقّ المصرّح به، حفاظاً على مصلحة الإسلام والمسلمين، وتجنباً من سفك الدماء وتفرق وحدة الاُمّة. . وسقوط هيبتها. وهو أمر تقتضيها مصلحة القيادة الحكيمة.

وهكذا تبيّن ممّا سبق من البحث المفصّل، أنّ القاعدة الأصليّة في صيغة الحكومة الإسلاميّة بعد النبيّ هو التنصيص الإلهيّ على حاكم معين باسمه وشخصه. . وهذا هو ما يعبر عنه بالوصاية.

وحاصلها; أنّ الحاكم الأعلى في نظام الحكم الإسلاميّ يجب أن يكون منصوصاً عليه من جانب اللّه سبحانه، فكما أن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان نبيّاً ورسولاً وحاكماً وقائداً من جانب اللّه سبحانه، فلابدّ أن يكون خليفته المتولّي لشؤون المسلمين من بعده، منصوصاً عليه، وعلى قيادته من جانبه سبحانه أيضاً.

فذلك كما أسلفنا; ممّا يقتضيه العقل ويدلّ عليه الكتاب والسنّة ويؤكّده موقف الصحابة والخلفاء، وتكشف عنه سيرة الامم السالفة والأنبياء السابقين.

وقد اقتصرت مهمّتنا في هذا البحث الموسّع، على الاستدلال والبرهنة على هذه القاعدة الأصيلة في صيغة الحكومة الإسلاميّة ولا يهمّنا هنا إثبات من ورد في شأنه النصّ الإلهيّ، وعيّنه اللّه سبحانه لإمرة المسلمين وقيادتهم. . فذلك موكول إليالكتب المعتبرة والمصادر الموثوقة التي تهتمّ بهذا الأمر وتحتوي على النصوص المرتبطة به.

وصفوة القول; أنّ جميع الأدلة النقليّة والمحاسبات العقليّة والاجتماعيّة والشواهد التأريخيّة تدلّ بالإجماع على; أنّ الأصل الأصيل في الحاكميّة هو أنّ الحكم للّه سبحانه وحده بالأصالة والاستقلال، وهو يستخلف من يشاء من عباده الصالحين اللائقين


(180)

القادرين على إدارة البشريّة وكفايّة اُمورهم وهم ممن تتوفر فيهم مؤهّلات، وكفاءات عالية. . ولا تعرف بالطريق العاديّ، ولا تكشف بالتجربة والاختيار ولا تحصل إلاّ بإعداد إلهيّ. . وتربية ربانيّة.

بيد أنّ الإسلام إذ لم يشرّعه اللّه سبحانه إلاّ ليكون منهج حياة للبشريّة يتكفّل تنظيم حياتهم عامّةً، ولم يكن له بدّ من التخطيط لموضوع الحكومة والدولة التي هي محور الحياة الاجتماعيّة وأساسها في جميع الأحوال و جميع الظروف والأزمنة، فإذا لم يتسنّ للمجتمع التوصّل إلى الحاكم المنصوص عليه من جانب اللّه بالاسم، لأسباب استثنائيّة، وظروف خاصّة، ولم يجز للإسلام إهمال مسألة الحكومة; فلابدّ أن يكون له منهج رصين في هذا المجال ايضاً.

وبتعبير آخر أنّ ما ذكرناه لك في الصفحات الماضية والبحوث المتقدمة إنّما هو راجع إلى الظروف التي يوجد فيها إمام منصوص عليه يمكن التوصّل إليه بالأسباب العاديّة، ويتسنّى له أن يباشر إدارة المجتمع وتدبيره.

غير أنّ المفروض في هذا العصر هو عدم وجود مثل ذلك الإمام فلابدّ أن يكون للدين الإسلاميّ تخطيط آخر قطعاً. . ولاشكّ أنّه تخطيط موجود في الشريعة ويمكن تحصيله بالدراسة والتحقيق، إذ لا يمكن للإسلام أن يهمل هذه الناحية الحساسّة من حياة المجتمع على كلّ حال.

فلابدّ إذن للباحث عن الحقيقّة; أن يتحرّى برنامج الإسلام في هذا المجال في الكتاب والسنّة ونصوص الأئمّة الإسلامييّن; حتّى يستنبط ما يقرره الإسلام في مجال الحكم في هذه الظروف.

وهذا هو ما سنفعله في البحث القادم.

رأي الخُضريّ ومناقشته

وفي الختام نأتي بما قاله الاستاذ محمّد الخضرّي:


(181)

(لم يرد في الكتاب أمر صريح بشكل انتخاب خليفة لرسول اللّه اللّهمّ إلاّ تلك الأوامر العامّة التي تتناول الخلافة وغيرها مثل وصف المسلمين بقوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ )(1) وكذلك لم يرد في السنّة بيان نظام لانتخاب الخليفة إلاّ بعض نصائح تبعد عن الاختلاف والتفرّق، كأنّ الشريعة أرادت أن تكل هذا الأمر للمسلمين حتّى يحلّوه بأنفسهم، ولو لم يكن الأمر كذلك لمهّدت قواعده وأوضحت سبله، كما أوضحت سبل الصلاة والصيام) (2).

وما ذكره الأستاذ ادّعاء غريب إذ فيه:

أوّلاً: كيف لم يرد في السنّة بيان نظام خاصّ حول الخلافة إلاّ الأوامر العامّة، وقد فصّل الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم جلائل الأمور وصغائرها فيما هو أقلّ شأناً من أمر الخلافة بكثير.

كيف وقد بين الرسول كثيراً من المستحبات والمسنونات التي لاتبلغ في الأهميّة والخطورة مبلغ الخلافة والحكومة.

وثانياً: إنكّ قد عرفت أنّ أمر الخلافة لا يصحّ أن يكله النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلى الاُمّة وقد عرفت الوجوه الدالة على ذلك، من عدم بلوغ الذروة في أمر القيادة، وتجذّر الخلافات العشائريّة بينهم، والخطر الثلاثي الذي يحدق بهم، ويهدّد كيانهم (3).

وثالثاً: أنّ الاستاذ لو أحاط بتاريخ الإسلام والمسلمين وما أثر من الرسول من أحاديث صحيحة ومتواترة حول الخلافة لوقف على النصوص الصريحة في لون الخلافة ونظامها في جميع الظروف.


1- الشورى:38.
2- محاضرات في تاريخ الامم الإسلاميّة 2:161.
3- لاحظ صفحة 76ـ100 من هذا الجزء.


(182)

(183)

الفصل الثالث

صيغةُ الحكومة الإسلاميّة

في العصور الحاضرة

قد أوقفك ما مضى من البحث على لون الحكومة بعد وفاة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعرفت حقّ المقال فيه بما لا يبقى لمشكّك شكّ، ولا لذي ريب ريب.

غير أنّ المهمّ ـ الآن ـ هو، بيان صيغة الحكومة في العصور الحاضرة التي لا تتمكن الاُمّة فيها من الوصول إلى الإمام المنصوص عليه باسمه وشخصه، وهذا هو ما عقدنا له الفصل التالي.

***

ماذا كُتب حول الحكومة؟

إنّ إيضاح صيغة الحكومة الإسلاميّة في هذه العصور، وبيان مناهجها وخطوطها وخصائصها مع كونها من أهمّ الموضوعات الحيويّة، لم يبذل علماء الفريقين حولها الجهود الكبيرة اللائقة بشأنها، وذلك لسبب في جانب أهل السنّة، وسبب في جانب الشيعة.

أمّا الأوّل، فبما أنّ الاسلوب الّذي تمّت به خلافة الخلفاء في العصر الأوّل قد صار ملاكاً للحكومة الإسلاميّة عندهم وحسبوا أنّه المعيار الصحيح ولأجل ذلك صار هذا


(184)

مانعاً عن تحقيق الموضوع حسب ما يليق به.

وقد صار ذلك مؤثراً في تعطيل القوى المفكِّرة للبحث عن إسلوب آخر من أساليب الحكم التي ربّما يرشدنا إليه الكتاب والسنّة عند التدبُّر.

وقد سبقنا إلى ذكر هذا السبب الكاتب عبد الكريم الخطيب في كتابه الخلافة والإمامة (صفحة 272) حيث قال: (وقد كان لهذا الإسلوب أثره في تعطيل القوى المفكّرة للبحث عن إسلوب آخر من أساليب الحكم التي جرّبتها الامم. . إذ أصبحت البيعة التي ظهرت صورتها في سقيفة بني ساعدة، هي الصورة المرتسمة في ذهن المسلمين وهي عندهم الصورة المثلى لاختيار الخليفة).

وأمّا من جانب الشيعة، فلأجل أنّهم لم تقم لهم حكومة إسلاميّة واسعة الأطراف إلاّ دويلات مثل الحمدانييّن والبويهييّن والفاطمييّن، وقد قضت عليها السلطات الجائرة، لم يستدعي ذلك البحث عن خطوط الحكومة الإسلاميّة ومسائلها ولأجل ذلك، اكتفوا بالبحث عن المسائل التي كانت تبتلي بها الشيعة في جميع العصور، كالخراج والمقاسمة والتولّي عن الحاكم الجائر وغيرها ممّا لم تكن خاصّةً بعصر دون عصر.

نعم ذكر ابن النديم في فهرسته (صفحة 50) كتاباً لأبي موسى جابر بن حيّان تلميذ الإمام جعفر الصادق المتوفّى عام (200) اسمه (الحكومة) ولا نعلم خصوصيّات الكتاب.

وألفّ بعض علماء الشيعة كتباً ورسائل في بعض المسائل التي تمتُّ إلى الحكومة بصلة «كقاطاعة اللجاج في حلّ الخراج» للمحقّق الكركي المتوفّى عام (940هـ)، و «الخراجيّة» للمحقّق الأردبيليّ المتوفّى عام (993) وقد طبعت في هامش كتاب درر الفوائد للمحقّق الخراسانيّ.

كما أنّ هناك رسائل اخرى في هذا الموضوع ذكرها البحّاثة شيخنا الطهرانيّ في موسوعته الذريعة، راجع الجزء 7 صفحة 68 و 144.

وألفّ غير واحد من علماء الشيعة حول الدفاع والجهاد، كتباً مفصّلة وهما يعدّان


(185)

من مسؤوليات الدولة، كما ألفّوا رسالات حول الولاية عن الحاكم الجائر.

وقد قام في العصر الحاضر أعلام من الشيعة بدراسة هذا الأمر الحيويّ، ونخص بالذكر العلمين الجليلين: آية اللّه المحقّق النائينيّ المتوفي عام (1355) وقد سمّى كتابه: تنبيه الاُمّة وتنزيه الملّة وطبع عام (1327) وقرضه العلمان(آية اللّه الخراسانيّ وآية اللّه المازندرانيّ) وآية اللّه العظمى الإمام الأكبر المجاهد السيد روح اللّه الخمينيّ قائد الثورة الإسلاميّة الظافرة، وقد بحث عن الحكومة الإسلاميّة بصورة مسهبة في سلسلة محاضرات منتظمة وقد طبعت تحت عنوان «الحكومة الإسلاميّة».

ولأعلام السنّة مؤلفات في هذا المجال، يعالج كلّ واحد منها بعض النواحي من الحكومة الإسلاميّة، وأخصُّ بالذكر كتب:

1ـ الأموال للإمام الحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام المتوفّى عام (224) وهو من أنفس ما ألّف في هذا الموضوع.

2ـ «الأحكام السلطانيّة» للشيخ أبي الحسن عليّ بن محمد الماورديّ الشافعيّ المتوفّى عام (450) وقد رتّبه على عشرين باباً.

3ـ «الأحكام السلطانيّة » للشيخ أبي يعلى محمّد بن الحسين الفرّاء الحنبليّ المتوفّى ببغداد عام (458) وهو معاصر للماورديّ.

4ـ «معالم القربة في أحكام الحسبة» لابن الأخوة القرشيّ المتوفّى عام (760هـ) وهو من أبسط ما كتب في شؤون المحتسب.

5ـ «الحسبة في الإسلام» تأليف أحمد بن تيمية المولود عام (661ـ728هـ)هذا ما كتبه القدامى من المفكّرين والعلماء.

وأمّا المتأخِّرون; فقد أكثروا في الكتابة عن الموضوع في عصرنا هذا، غير أنّ الجميع ـ كما أشرنا إليه ـ لم يتجاوزوا عن تصوير الحكومة الإسلاميّة التي قامت في عهد الخلفاء ومن بعدهم من الأموييّن والعباسييّن، فهذه الكتب أشبه بتأريخ الخلافة الإسلاميّة من


(186)

تحقيق خطوطها ورسم معالمها على ضوء الكتاب والسنّة.

والغريب; أنّ هذه المسائل تهمل ولا يعتني بها كتابنا الأوائل والحال أنّنا نجد بعض مؤرخينا السالفين; دأبوا على تكريم الظالمين وكالوا لهم الثناء بغير حساب، وسخّروا تفكيرهم وجهودهم للإطراء على سرفهم و ترفهم، وأعمالهم السيئة فحفلوا ـفيما كتبوه من تاريخ ـ حتّى بحياة المشعوذين والمجانين، بل وأحوال غلمان الملوك وقردتهم والمغنيّن والراقصين، ونمثل لذلك بكتاب (الأغاني) لأبي فرج الأصفهانيّ المتوفّى عام (356) الذي حفل بكلّ مغنّ ومغنيّة وكلّ راقص وراقصة، وكلّ شاذّ وشاذّة، ونقل أشعارهم المائعة وقصائدهم الماجنة، وكتب في ألوان الألحان والأصوات وذكر الأشعار الموافقة لألحانها مع تراجم شعرائها والمغنيّن بها. . بينما غفل اولئك الكتّاب عن الكتابة والتأليف عن الحكومة الإسلاميّة وخطوطها وخصوصيّتها وما ورد في شأنها في الكتاب والسنّة إلاّ عدّة مختصرات مرّت عليك، وهو لا يكشف إلاّ عن عدم الاهتمام بهذا الأمر الحيويّ، هذا وسيقف القارىء الكريم على أنّ صيغة الحكومة في العصور الحاضرة هو التنصيص أيضاً لكن لا على العين والشخص بل على الوصف والمواصفات.

وبعبارة أخرى: إنّ صيغة الحكومة في هذه العصور هي انتخاب الاُمّة للحاكم حسب الضوابط المنصوص عليها في الكتاب والسنّة أو كون الحاكم الأعلى مرضيّاً عند الاُمّة بعد أن يكون متّصفاً بالضوابط الشرعيّة.

وهذا هو الذي يتجلى لك بالتفصيل والبرهان في الصفحات القادمة، ولا يرجع هذا النمط إلى النظام الدارج في الغرب وفي كثير من البلاد الاُخرى في العالم الثالث.

إذ في الأنظمة الديمقراطيّة السائدة اليوم، يكفي مجرّد اجماع الشعب، أو إكثريّته على اختيار فرداً للحكم والرئاسة، بغضّ النظر عمّا يجب أن تتوفّر في الحاكم والرئيس الأعلى من مؤهّلات وكفاءات عالية تتوقّف عليها عمارة البلاد وسعادة العباد.

بينما يختلف الأمر عن ذلك في ظلّ النظام الإسلاميّ الذي يحصر حقّ الحاكميّة في اللّه وحده.


(187)

فإنّ هذا المنطلق وهذه القاعدة الأصليّة الرصينة في الفكر الإسلاميّ تفرض، أن تكون حاكميّة غير اللّه مستندةً إلى حاكميّته سبحانه، وموضع رضاه تعالى، فتكون إمّا منصوصاً عليها بالاسم والعين من جانبه تعالى ـ كما أسلفناه ـ، وإمّا أن تكون موافقةً للصفات والضوابط التي نصّ عليها الكتاب والسنّة، فلا يكفي في شرعيّة الحكومة والرئاسة مجرد انبثاقها من إرادة الشعب كلّه أو أغلبيّته، ما لم تكن وفق الضوابط الإلهيّة والمعايير الإسلاميّة المقرّرة في شأن الحاكم.

وهذا أمر منطقيّ، لأنّ الغرض من إقامة الحكومة في منطق الإسلام إنّما هو إشاعة العدل والحق والأمن، ولا يتحقق ذلك إلاّ في ظلّ حكومة تكون منطبقةً على المعايير والضوابط الإلهيّة.

ولذلك لا يمكن أن نصف (الحكومة الإسلاميّة) في هذه الحال بأنّها: حكومة الشعب على الشعب. بل هي حكومة اللّه على الشعب بقوانينه وضوابطه، أو حكومة القانون الإلهيّ.

ولا يهمّ مع ذلك; الوصف والتسمية; بعد أن اتضح منشأ الحكومة الإسلاميّة وهو حاكميّة اللّه، وحاكميّة قوانينه وضوابطه وأحكامه.

وبذلك يفترق اسلوب الانتخاب الشعبيّ في ظلّ النظام الإسلاميّ عمّا هو متعارف في ظلّ الأنظمة الديمقراطيّة السائدة، التي تعتمد على السيادة الشعبيّة دون قيد أو مراعاة للمواصفات والمؤهّلات اللازمة في الحاكم والمنتخب، وهي بذلك تعتبر الحاكميّة حقّاً خاصّاً بالشعب ونابعاً منه، ومن إجماعه على شيء أو شخص وارتضائه به حقّاً أو باطلاً ،صالحاً أو فاسداً، وستعرف المواصفات التي يشترطها الإسلام في الحاكم الأعلى في الفصول القادمة، ويتعّين علينا هنا أوّلاً أن نعرف الأدلّة التي تعطي الاُمّة حقّ اختيار الحاكم أو ارتضائه ـ على الأقل ـ في ظرف عدم التوصُّل إلى الحاكم المنصوص عليه من جانب اللّه.


(188)

انتخاب الاُمّة والأدلّة الإسلاميّة (1)

يحتوي الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين العمليّة على أدلّة كثيرة تدلّ على أنّ للاُمّة أن تنتخب حكامها ورؤساءها وفق الضوابط والمعايير الإسلاميّة، وهي إلى جانب دلالتها على هذا الأمر، وإثباتها هذا الحقّ للاُمّة، تكشف عن طبيعة (الحكومة الإسلاميّة) ومنطلقاتها ومبادئها الإلهيّة التي تميّزها عن غيرها من أنظمة الحكم المعمول بها في التاريخ أو الرائجة في العالم المعاصر.

وإليك هذه الأدلّة:

1ـ استخلاف اللّه للإنسان

تصرّح بعض الآيات القرآنيّة، بأنّ اللّه تعالى استخلف الإنسان في الأرض، فهو إذن (خليفة اللّه) فيها من غير فرق بين آدم وأبنائه إلى يوم القيامة، غير أنّ تلك الخلافة قد تجسّدت في ذلك الوقت في آدم، حيث يقول اللّه تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً. . )(البقرة: 30).

وهذه الآية والآيات التي ستمرّ عليك; تدلّ بوضوح كامل على أنّ الخلافة لم تكن منحصرة في فرد واحد من النوع الإنسانيّ وهو آدم ـ عليه السلام ـ بل هي تشمل جميع أبناء البشريّة، بدليل أنّه بعد ما قال سبحانه: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)سأل الملائكة بقولهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ)مظهرين بذلك; أنّ الخليفة المزمع استخلافه في الأرض سيركب الفساد ويسفك الدماء، ومن المعلوم، أنّ هذا العمل لم يكن صادراً من الإنسان الشخصيّ المتمثّل في آدم ـ عليه السلام ـ بل من أبنائه وأبناء أبنائه، الذين طالما اقترفوا الذنوب وارتكبوا المعاصي، وأخبر القرآن


1- إنّ الأدلّة التي ستمر عليك في الصفحات القادمة تتكفّل بيان أمرين:أحدهما ضمنيّ والآخر استقلاليّ;فهي مضافاً إلى أنّها تبيّن صيغة الحكومة في العصور الحاضرة تبيّن لزوم إقامة الدولة وتشكيل السلطة في إطار الضوابط الإلهيّة.


(189)

الكريم عن فسادهم الكبير في الأرض.

وبعبارة آخرى: بما أنّ الملائكة تنسب الفساد وسفك الدماء إلى الخليفة المجعول في الأرض، يعلم أنّ الخلافة هذه كانت عامّةً والاستخلاف كان شاملاً لجميع أبناء البشر.

ويمكن استظهار هذا المطلب من الآيات التالية ايضاً:

أ ـ ( هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ )(فاطر: 39)

ب ـ ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَالأرْضِ)(النمل: 62).

إنّ هاتين الآيتين ـ بإطلاقهما تفيدان أنّ المخاطبين بهما: خلفاء اللّه في أرضه وينبغي أن لا نتوهّم أنّ المراد هو خلافتهم عن الامم السابقة، إذ لو كان المراد هو ذلك; لوجب إلقاء الكلام على غير هذا النحو كما في بعض الآيات التي أريد منها خلافة امّة لاحقة عن امّة سابقة كقوله سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ ) (يونس: 14)(1).

وصفوة القول: أنّ مقتضى هذه الآيات هو أنّ اللّه سبحانه شرّف الإنسان باستخلافه وجعله خليفته في الأرض، فكان الإنسان بذلك خلقاً ممتازاً على جميع عناصر الكون، وبهذه الخلافة والاستخلاف استحقّ أن تسجد له الملائكة تكرمةً وإعظاماً، وإظهاراً لفضله ومقامه.

أبعاد خلافة الإنسان عن اللّه

إنّ كون الإنسان خليفة اللّه في الأرض يقصد (أو يستنتج) منه أمران:

1ـ كون الإنسان خليفةً للّه سبحانه في تمثيل أسمائه، وصفاته الحسنى.


1- وبهذا المضمون الآية (73) من سورة يونس والآيتين (69&74)من الأعراف.

(190)

فهو بما أنّه خليفة اللّه يحكي ـ بوجوده ـ قدرة اللّه المستخلف له، وعمله، فهو يتفنّن ويبتدع، ويكتشف، ويستخرج، ويجدّ، ويعمل، فيجعل الحزن سهلاً والماحل خصباً، والخراب عمراناً، والبراري بحاراً أو خلجاناً، ويولّد بالتلقيح أزواجاً من النبات، وقد يتصرف في أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية والتغذية، والتوليد حتّى ظهر التغيير في خلقتها، وخلائقها، وأصنافها فصار منها الكبير والصغير، ومنها الأهليّ والوحشيّ، فهو ينتفع بكلّ نوع منها ويسخِّره لخدمته، كما سخّر القوى الطبيعيّة، وسائر المخلوقات.

أليس من حكمة اللّه الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى; أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض يقيم سننه، ويظهر عجائب صنعه، وأسرار خليقته، وبدائع حكمه، ومنافع أحكامه ؟وهل وجدت آية على كمال اللّه، وسعة علمه أظهر من هذا الإنسان، الذي خلقه على أحسن تقويم، وإذا كان الإنسان خليفته بهذا المعنى فكيف تعجب الملائكة منه (1).

ولأجل خلافة الإنسان عن اللّه سبحانه في الاُمور التكوينيّة جعل اللّه تعالى عمارة الأرض; على عاتق هذا الإنسان حتّى يمثّل بعمله وتعميره للأرض تدبير اللّه سبحانه فقال: ( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (هود: 61).

وكما أنّ اللّه سبحانه ربّ البقاع والبهائم ومدبّرها; فإنّ الخليفة مسؤول عنها ومسؤول عن العناية بها أيضاً كما قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «إنّكم مسؤولون حتّى عن البقاع والبهائم» (2).

وخلاصة هذا البعد هي، خلافة الإنسان عن اللّه سبحانه في الاُمور التكوينيّة بمّا أعطي من مقدرة من جانبه سبحانه.

2ـ إنّ الإنسان يخلفه سبحانه في الاُمور الاجتماعيّة، أعني بها الاُمور الراجعة إلى القيادة والحاكميّة.


1- تفسير المنار 1:260.
2- نهج البلاغة:الخطبة (165).


(191)

فإنّ كونه خليفةً للّه في الأرض لا يقتصر على ما ذكر، بل يعمّ كونه خليفةً فيها في (الحكم والحاكميّة)أيضاً، إذ من المعلوم أنّه إذا كان الإنسان مسؤولاً ـ بالخلافة ـ عن تعمير البقاع ومكلّفاً بالعناية بالبهائم وتدبير شؤونها، فإنه بالأحرى مسؤول ومكلف بتدبير أمر نفسه ومجتمعه. وهذا ما نعبر عنه بخلافته عن اللّه في الاُمور الاجتماعيّة والاعتباريّة (الحاكميّة).

وعلى ذلك يكون معنى استخلاف اللّه للإنسان; أنّه خوّل إليه أمر القيادة وتدبير مجتمعه، وممارسة (الحكم والولاية) في إطار الضوابط والسنن التي جاء بها الدين.

وفي هذا الصدديقول العلامة الطباطبائيّ في تفسيره (الميزان): (إنّ الملائكة فهموا من قوله سبحانه ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) أنّ الخلافة لا تقع في الأرض إلاّ بكثرة من الأفراد وقيام وضع اجتماعيّ بينهم، وهو يفضي بالتالي إلى الفساد والسفك، والخلافة وهي قيام شيء مقام الآخر لا تتمّ إلاّ بكون الخليفة حاكياً للمستخلف في جميع شؤونه الوجوديّة وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلف.

وبما أنّ الخليفة الأرضيّ بما هو كذلك لا يليق بالاستخلاف بهذا المعنى الجامع تساءل الملائكة.

ثمّ أنّه سبحانه أجاب عن هذا التساؤل بأنّ هناك مصالح في خلقه مالا تعرفه الملائكة ولم تقف عليه) (1).

فخلافة الإنسان عن اللّه لا تنحصر بالاُمور التكوينيّة من عمارة الأرض وغيرها، بل تعمُّ حاكميّته وقيادته نيابةً عن اللّه سبحانه، فهو بوجوده الفردي يحكي عن أسمائه وصفاته، وبوجوده الاجتماعيّ يمثّل حاكميّة اللّه العليا في الأرض.

وبذلك يظهر أنّ حاكميته تنبثق من خلافته.

***


1- الميزان 1:115.

(192)

وصفوة القول: أنّ كون الإنسان خليفة اللّه في أرضه مضافاً إلى كونه ممثلاً بصفاته، صفات المستخلف له ـ بمقدار ما يمكن ـ وممثّلاً بكماله وقدرته وعلمه; كماله وقدرته وعلمه تعالى، يعني أيضاً كون الخليفة ذات مسؤوليات من جانب مخلِّفه، كمسؤوليّة الوكيل عن جانب موكِّله في مجتمعه، ومن المسؤوليات الموجّه إلى الإنسان من جانب ربّه ـ بهذا الاستخلاف ـ هو القيام بتدبير شؤون نفسه، وشؤون مجتمعه بممارسة القيادة لذلك المجتمع ومزاولة الحكومة والولاية خلافة عن اللّه.

إذن فللناس أن يزاولوا الحاكميّة في الأرض بالخلافة والنيابة عن اللّه. . ولكن من البيّن أنّ هذا لا يتحقّق إلاّ بتقسيم المسؤوليات في عامّة المجالات الحكوميّة، حتّى تتفرّغ جماعة لإدارة شؤون المجتمع الإنسانيّ، وسياسته.

وعلى هذا الأساس تقوم فكرة سيادة الاُمّة في منطق الإسلام، وتتّجه شرعيّة ممارسة الجماعة البشريّة للولاية والحاكميّة على نفسها وبالتالي يبتنى عليه مبدأ الانتخاب الشعبيّ للحكّام في النظام الإسلاميّ السياسيّ.

***

آثار الحاكميّة نيابةً عن اللّه

وتترتّب على هذه السيادة والولاية الشعبيّة المنبثقة عن الاستخلاف الإلهيّ للإنسان اُمور:

أوّلاً: انتماء الجماعة البشريّة الواحدة إلى محور واحد، وهو (المستخلف الواحد) الذي استخلفها على الأرض، بدلاً عن كلّ الانتماءات الاخرى، وما يتبع ذلك من الإيمان بسيد واحد، ومالك واحد للكون، وما فيه.

ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة العليا في الآية التالية، لكن استفادتها تحتاج إلى ذوق خاصّ، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاَءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمَاً لِرَجُل هَلْ يَسْتَويَانِ مَثَلاً ) (الزمر: 29).


(193)

فالآية تصور حال الفرد المؤمن والفردالكافر.

فالمؤمن; بما أنّه ليس في عنقه إلاّ طاعة اللّه فهو بمنزلة رجل سلم لرجل، والفرد الكافر; بما أنّه يعتقد بالوهيّات مختلفة متعدّدة فإنّه كرجل فيه شركاء متشاكسون، هذا حال الفرد، ومثله حال المجتمع المؤمن والمجتمع الكافر، فالأوّل بمّا أنّه لايخضع لحاكميّة أحد سوى اللّه سبحانه فهو بمنزلة رجل سلم لرجل، والمجتمع الكافر بما أنّه لا يدور أمره حول محور واحد في العقيدة والنظام فهو كرجل تتنازع فيه شركاء.

ونظيره قوله سبحانه: ( يَاصَاحِبَيِ السِّجْنَ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللّهُ الوْاحِدُ القَهَّارُ )(يوسف: 39).

ثانياً: إقامة العلاقات الاجتماعيّة على أساس العبودية المخلصة للّه تعالى، وتحرير الإنسان من عبودية الأسماء التي تمثّل أبشع أنواع الاستغلال والجهل والطاغوت كما يشير إليه قوله:( مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ)(يوسف:40).

وهو إلذي أشار إليه الإما م عليّ ـ عليه السلام ـ بقوله: «بعث اللّه محمّداً صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ليخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته ومن عهود عباده إلى عهوده، ومن طاعة عباده إلى طاعته، ومن ولاية عباده إلى ولايته»(1).

ثالثاً: تجسيد روح الاُخوة العامّة في جميع العلاقات الاجتماعيّة، بعد محو كلّ ألوان التمييز والتسلط والاستغلال. . فما دام اللّه واحداً ولا سيادة إلاّ له وحده ومادام الناس جميعاً متساوون بالنسبة إليه، فالجميع خلفاؤه في الأرض في تدبير ما فيها من أشياء، فيجب أن يكونوا اخوة متكافئين في الكرامة الإنسانية والحقوق الطبيعيّة كأسنان المشط.

فالجماعة البشريّة التي تتحمّل مسؤوليّة الخلافة على الأرض، إنّما تمارس هذا الدور بوصفها خليفةً عن اللّه سبحانه، ولهذا فهي غير مخوّلة أن تحكم بهواها أو باجتهادها المنفصل عن توجيه اللّه سبحانه، لأنّ هذا يتنافى مع طبيعة الاستخلاف


1- الوافي 3:22.

(194)

ومقتضاه.

وبهذا تتمّيز سيادة الجماعة البشريّة حسب منطلقها القرآنيّ والإسلاميّ عن الأنظمة الديمقراطيّة الغربيّة.

فإنّ الجماعة البشريّةـ حسب هذه الأنظمة ـ هي بنفسها صاحبة السيادة، لا أنّها تنوب عن اللّه في ممارستها للسيادة، ويترتّب على ذلك أنّها ليست مسؤولةً بين يدي أحد، وغير ملزمة بمقياس موضوعيّ في الحكم، بل يكفي أن يتفّق الشعب على أمر ليصبح قانوناً يؤخذ به حتّى إذا كان ذلك الأمر مخالفاً لكرامته، أو مخالفاً لمصلحة جزء من الجماعة.

وهذا بخلاف حكم الجماعة باعتبار الاستخلاف، فإنّه حكم مسؤول، والجماعة بمقتضاه ملزمة بتطبيق الحقّ والعدل، ورفض الظلم، ومقاومة الطغيان وتكون مسؤولة أمام اللّه فيما تفعل، وعلى ذلك فالحكومة الإسلاميّة هو «حكومة الاُمّة على الاُمّة خلافةً عن اللّه» بمعنى: إجراء سننه وقوانينه ومراعاة ضوابطه وحدوده، في الحكم والحاكميّة(1).

***

2ـ استخلاف داود يستبطن حاكميّته

والذي يدلّ على أنّ الحكم والحاكميّة من آثار الاستخلاف الإلهيّ للإنسان: أنّ اللّه سبحانه لمّا جعل داود خليفته في الارض، رتّب على هذا الاستخلاف أمره بأن يحكم ويقود الناس بالعدل والحقّ فقال: ( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ )(ص: 26).

ومن المعلوم أنّ (الخليفة) هنا وهناك في قصّة آدم ـ عليه السلام ـ واحدة معنىً ومراداً، غير أنّها هناك ذات معنىً أعمّ، وهنا ذات معنىً أخصّ.

وقد نقل شيخ الطائفة (الطوسيّ ) رحمه اللّه في تفسير التبيان عن ابن مسعود أنّه


1- لاحظ رسالةً (لمحة فقهيّة تمهيديّة) للمفكّر الإسلاميّ الشهيد السيد محمّد باقر الصّدر.

(195)

قال في تفسير الخليفة مشيراً إلى البعد الأوّل: (قيل: إنّه يخلفني في إنبات الزرع وإخراج الثمار، وشقّ الأنهار).

وقال مشيراً إلى البعد الثاني: (إنّه تعالى أراد بقوله ( إِنِّي جَاعِلُكَ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) أنّه يخلفني في الحكم بين الخلق، وهو آدم ومن يقوم مقامه من ولده)(1).

***

3ـ أداء الأمانة لا يمكن إِلاّ بالحكومة

إنّ القرآن الكريم يتحدث عن أنّ اللّه سبحانه عرض الأمانة على الأشياء كلّها ولم يحملها إلاّ الإنسان، فقال سبحانه: ( إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاواتِ والأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومَاً جَهُولاً *لِيُعَذِبَ اللّهُ الْمُنَافِقِينَ والْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَ يَتُوبَ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورَاً رَحِيمَاً)(الأحزاب: 72ـ73).

فالمراد من الأمانة: هو ما أنزل اللّه سبحانه على الإنسان عن طريق سفرائه من الأحكام والفرائض والحدود وغيرها (2).

ولاشكّ أنّ تحمّل الأمانة; لأجل أدائها وتنفيذها. ومن المعلوم أنّ تنفيذالأحكام والفرائض والحدود في الحياة البشريّة لايمكن إلاّ في ظلّ حكومة نابعة من نفس الدين الإلهيّ تقيمها الاُمّة المؤمنة، لتستطيع في ظلهّا على طاعة اللّه سبحانه والإتيان بأوامره والاجتناب عن نواهيه وإقامة دينه.

على أنّ الآية الثانية ( لِيُعَذِّبَ اللّهُ. . . ) توضّح حقيقة الأمانة المذكورة، فهي تفيد أنّ حملة الأمانة ينقسمون إلى مؤمن ومنافق ومشرك، ولا يكون هذا التقسيم صحيحاً إلا بالقياس إلى الاعتقاد بالحقّ والعمل بالدين. فيكون المؤمن هو من يقوم بالدين. . والمشرك هو من يشرك في ذلك فيأخذ بالدين وبغيره. . والمنافق هو من يتظاهر بالأخذ


1- التبيان 1:131.
2- التبيان 8:373.


(196)

بالدين.

وبعبارة اُخرى: إنّ الأمانة هو الدين الحق وأداؤها هو الأخذ به والعمل بمقتضاه، ولاشكّ أنّ الأخذ بالدين ينطوي على مسؤولية كبيرة اتّجاه اللّه سبحانه، واتّجاه نبيّه واتّجاه اُمّته.

وهذه المسؤوليّة إذا فسِّرت، كان من أجزاءها: تدبير المجتمع، وتنظيم شؤونه، وأموره، وإجراء السياسات والحدود في ذلك المجتمع.

وممّا يجدر بالذكر; أنّ العلاّمة الطباطبائيّ اعترض على هذا التفسير لكلمة الأمانة المذكورة في الآية بالدين الإلهيّ بقوله: (إنّ الآية تصرِّح بحمل مطلق الإنسان لتلك الأمانة كائناً من كان، أي مؤمناً كان أم كافراً، مشركاً كان أو منافقاً. . ومن البين أنّ أكثر من لا يؤمن لا يحمله، ولا يعلم به أساساً، فكيف يمكن تفسير الأمانة بالدين، فلابدّ من تفسيرها بغير الدين، ليصدق حمل جميع أفراد النوع الإنسانيّ لها) (1).

غير أنّ ما ذكره من الإشكال ليس صحيحاً إذ ليس المراد من (الحمل) هو الأخذ الفعليّ بالدين وتطبيقه في المجالات، بل هو (تقبّل) الأخذ بالدين، ولمّا كان الإنسان ظلوماً، جهولاً حسب نصّ الآية فإنّه قد خان الأمانة ولم يخرج عن عهدتها. . ولأجل ذلك، صار بين مؤمن يقوم بتعهده والتزامه، ومنافق يختلف ظاهره عن باطنه، فيتظاهر بالتسليم للدين. وهو كاره له في باطنه، ومشرك يشرك في الأخذ فيأخذ من الدين ضغثاً ومن أهوائه ضغثاً.

***

الاستخلاف غير التفويض

قد صار المحصّل من هذا البحث الضافي، أنّ الإنسان بما هو خليفة اللّه في أرضه، خليفته في الحكم والقيادة.


1- ملخّص ما كتبه في تفسير الميزان 16:371.

(197)

وهذه السيادة التي تفيده هذه الآيات كما تختلف اختلافاً أساسياً عن الحقّ الإلهيّ الذي استغله الطغاة والملوك والجبابرة، قروناً من الزمن للتحكم والسيطرة على الآخرين، ووضعوا السيادة اسميّاً للّه، لكي يحتكرونها واقعيّاً، وينصبوا من أنفسهم خلفاء للّه على الأرض.

أقول: كما يختلف عن ذلك يختلف أيضاً عن تفويض الحاكميّة من اللّه للمجتمع كلّه، بل هو خلافة ونيابة عن اللّه سبحانه، فما فوِّضت الخلافة للإنسان حتّى يتقلب فيها بأيّ نحو يشاء، بل هو يحكم ويدير خلافةً ونيابةً عن اللّه سبحانه.

ولأجل ذلك فما دام اللّه سبحانه هو مصدر السلطات، وكانت الشريعة هي التعبير الموضوعيّ المحدّد عن اللّه، يجب أن تحدّد الطريقة التي تمارس بها هذه السلطات عن طريق الشريعة الإلهيّة.

وبهذا ترتفع الاُمّة ـ وهي تمارس السلطة ـ إلى قمّة شعورها بالمسؤوليّة لأنها تدرك بأنها تتصرف بوصفها خليفة للّه في الأرض، فحتّى الاُمّة ليست هي صاحبة السلطان وإنّما هي المسؤولة أمام اللّه سبحانه عن حمل الأمانة وأدائها (1).

***

4ـ الوظائف الاجتماعيّة وتشكيل الدولة

تدل الآيات القرآنية التالية ـ بالدلالة الالتزاميّة ـ على; أنّه يتوجب على الاُمّة القيام بتشكيل دولة في إطار القوانين الإسلاميّة، وأنّ للشعب السيادة، وأنّه لا يحقّ لأحد أن يحمل نفسه على كاهل الشعب، ويفرض سيادته عليه دون رضاه ودون موافقته.

وقبل الخوض في تفاصيل هذا البحث لا بدّ من طرح سؤال هو:

هل للمجتمع وجود على الصعيد الخارجيّ، وواقعيّة مستقلة عن وجود الفرد. أو أنّه أمر اعتباريّ يعتبره الذهن من انضمام فرد إلى فرد آخر ؟


1- لاحظ (لمحة فقهيّة تمهيديّة )، للمفكر الإسلاميّ الشهيد محمّد باقر الصّدر:20 ـ 24 بتصرّف.

(198)

المجتمع في نظر الفلاسفة والحقوقيّين

يعتقد الفلاسفة بأنّه ليس للمجتمع أيّ وجود على الصعيد الخارجيّ. . فليس في الواقع الخارجيّ إلاّ (الأفراد) وما المجتمع سوى صورة تنتزعها عقولنا عن انضمام الفرد إلى الفرد.

وعلى العكس من الفلاسفة; يعتقد علماء الاجتماع والحقوقيون أنّ للمجتمع وجوداً وحقيقةً قائمةً على الصعيد الخارجيّ، ولذلك تكون هناك علاقات اجتماعيّة، وحقوق، وأحكام خاصّة للمجتمع.

والحقّ أن كلتا الطائفتين على صواب، وذلك; لأنّ الفيلسوف الذي يلاحظ الأشياء من زاوية العينيّة الملموسة، لا يجد واقعاًفي عالم التكوين بمعزل عن واقع الفرد التكوينيّ، ووجوده الخارجيّ فلا يرى مناصاً من إنكار الوجود الخارجيّ للمجتمع وراء وجود الأفراد.

فعندما يجلس خمسة أشخاص حول طاولة فإنّ الفيلسوف لا يعتبر (الهيئة الاجتماعيّة) الحاصلة من اجتماع الأشخاص الخمسة، شيئاً مستقلاً ووجوداً خاصّاً، ليفترضه سادساً لهم.

ولكن النظر من الزاوية الحقوقيّة التي هي أكثر مساساً بالواقعيّات العرفيّة يهدينا إلى; أنّ المجتمع البشريّ سواء كان في حجمه الصغير (القبيلة) أو الكبير (الاُمّة) يتمتّع بواقعيّة عرفيّة، وله حقوق وواجبات غير ما للفرد ،وكما للفرد من حقوق وواجبات ومسؤوليّات. فهكذا للمجتمع ومن هذه الزاوية تنظر الامم المتحضّرة إلى المجتمع، وتعترف به وبوجوده، وتقرّر له الأنظمة، والحقوق والواجبات.

وعندما ينظر الإسلام إلى الفرد والمجتمع من الزاوية الحقوقيّة; نجده يعترف بكلّ واحد منهما في موضعه ومحلّه،

ويقرّر لكلّ واحد منهما ما يناسبه من الشخصيّة والحقوق والواجبات سواء بسواء.


(199)

فعندما ينظر القرآن الكريم إلى المجتمع من هذه الزاوية الحقوقيّة، يعتبر للمجتمع وجوداً، وعدماً وحياةً ونشوراً، وأجلاً وكتاباً وتقدمّاً وتقهقراً إلى غير ذلك من الآثار التي تكون للفرد. وفي هذا الصدد يكتب العلاّمة الطباطبائيّ في تفسيره قائلاً:

(إنّ القرآن اعتبر للمجتمع وجوداً وعدماً، وأجلاً وكتاباً، وشعوراً وفهماً وعملاً وطاعةً ومعصيةً وكلُّ ذلك يدلّ على أنّ للمجتمع ـ في مقابل الفرد حقيقةً واقعيّةً في ظرفه المناسب له، يقول سبحانه: ( وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف: 34)

وقال: (كُلُّ أُمّة تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا ) (الجاثية: 28)

وقال: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلَهُمْ ) (الأنعام: 108)

وقال: ( مِنْهُمْ أُمّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ) (المائدة: 66)

وقال: (أُمّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَاياتِ اللّهِ ) (آل عمران: 113)

وقال: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمّة بِرَسُولِهِمْ لَيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لَيُدحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) (غافر: 5)

وقال: ( وَلِكُلِّ أُمّة رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بَالقِسْطِ)(يونس:47).

ومن هنا; نرى أنّ القرآن يعتني بتواريخ الامم كاعتنائه بقصص الأشخاص بل أكثر; حينما لم يتداول في التواريخ إلاّ ضبط أحوال المشاهير من الملوك والعظماء، ولم يشتغل المؤرّخون بتواريخ الامم والمجتمعات إلاّ بعد نزول القرآن، فاشتغل بها بعض الاشتغال آحاد منهم المسعودي وابن خلدون، حتّى ظهر التحول الأخير في التأريخ النقليّ، بتبديل الأشخاص اُمماً وهذا هو الملاك في اهتمام الإسلام بشأن الاجتماع، ذلك الاهتمام الذي لانجد ولن نجد نظيره في واحد من الشرائع ولا في سنن الاُمم المتمدِّنة، فإنّ تربية الأخلاق والغرائز في الفرد وهوالأصل في وجود المجتمع; لا تكاد تنجح مع كينونة الأخلاق والغرائز المعارضة والمضادةّ القوية القاهرة في المجتمع; إلاّ يسيراً لا قدر له عند القياس والتقدير.


(200)

ولأجل ذلك وضع الإسلام أهّم أحكامه كالحجّ والصلاة والجهاد والإنفاق أساس الاجتماع وحافظ على ذلك; مضافاً إلى قوى الحكومة الإسلاميّة الحافظة لشعائر الدين العامّة وحدودها; ومضافاً إلى فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشاملة لجميع الاُمّة; بجعل سعادة المجتمع هي السعادة الحقيقيّة وجعل غرض المجتمع الإسلاميّ هو القرب والمنزلة عند اللّه.

وهذا هو الذي ذكرناه من أنّ الإسلام تفوق سنّة اهتمامه بشأن الاجتماع سائر السنن والطرق) (1).

فكما تجب على الفرد ـ في نظام الإسلام ـ اُمور كالصلاة والصيام واحترام الوالدين وما شابه ذلك، كذلك، توجّهت الشريعة الإسلاميّة إلى المجتمع بسلسلة من التكاليف والواجبات ويتعيّن على المجتمع الإسلاميّ أن يقوم بها دون تلكؤ أو ابطاء.

فيأمر الإسلام المجتمع مثلاً بأن يقطع يد السارق إذ يقول: ( وَالْسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللّهِ واللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(المائدة: 38).

ويأمره بجلد الزاني والزانية إذ يقول: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (النور: 2).

كما يأمره بأن يحافط على حدود الوطن الإسلاميّ ويدافع عن ثغوره بالصبر والمرابطة إذ يقول: (يَاأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُواْ اصْبِروُا وَصَابِرُوا وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 200).

ويأمره بأن يقاتل البغاة والطغاة حتّى يفيئوا إلى الحق، ويكفّوا عن البغي والطغيان والعدوان إذ يقول: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتي تَبْغِي حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأقْسِطُواْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: 9).


1- الميزان 4:96 ـ 97.

(201)

وفي هذا الصدد يكتب العلامة الطباطبائيّ في تفسيره قائلاً:

(إنّ عامّة الآيات المتضمنّة لإقامة العبادات والقيام بأمر الجهاد وإجراء الحدود والقصاص وغير ذلك توجّه خطاباتها إلى عامّة المؤمنين دون النبيّ خاصّةً كقوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ)(البقرة: 195)

وقوله: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأمُرُونَ بِالْمَعرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: 104)

وقوله: ( وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ ) (المائدة: 35)

وقوله: (وَجَاهِدُواْ فِي اللّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) (الحج: 78)

وقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة ٌ)(البقرة: 179)

وقوله: (وَأَقِيمُواْ الْشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق: 2)

وقوله: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعَاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ )(آل عمران: 103)

وقوله: (أنْ أَقِيمُواْ الْدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ) (الشورى: 13).

إلى غير ذلك من الآيات التي يستفاد منها أنّ الدين ذو صبغة اجتماعية الشكل وقد حملها اللّه تعالى على الناس بصفتهم الاجتماعيّة (كما حمل بعض الاُمور على الافراد بوصفهم الفرديّة) ولم يرد إقامة الدين إلاّ منهم أجمعهم، فالمجتمع المتكون منهم هو الذي أمره اللّه وندبه إلى ذلك من غير مزيّة في ذلك لبعضهم) (1).

إنّ توجيه الخطاب بهذه التكاليف إلى المجتمع; إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المجتمع بما هو مجتمع عليه أن يقوم بها كما يقوم الفرد بواجبه الدينيّ، وهي على نحو الواجب الكفائّي الذي يجب على الجميع القيام بها أوّلاً وبالذات، فإن قام بها أحد سقطت عن الآخرين، وأمّا إذا لم يقم بها أحد كان الجميع عصاةً مسؤولين.

وحيث أنّ هذه التكاليف والواجبات المتوجّهة شرعاً إلى المجتمع ممّا لا يمكن


1- الميزان 4:122 ـ 123.

(202)

القيام بها وأدائها دون جماعة متفرّغة لذلك، ودون جهاز حكم يتولّى تنفيذها، توجّب على المجتمع الإسلاميّ أن يقوم بتشكيل دولة يعهد إليها مسؤولية القيام بهذه التكاليف، وتطبيق النظم الاجتماعيّة الإسلاميّة، والوظائف المتوجهة إلى المجتمع أساساً، وذلك صيانةً للمجتمع من الإنهيار، وحفظاً لمصالحه وشؤونه، إذ بغير هذه الصورة لن يكون هناك إلاّ الهرج والمرج والفوضى والفساد الذي يأباه الإسلام بشدّة، وترفضه تعاليم السماء أشدّ الرفض.

من هذا البيان المقتضب; يمكن لنا أن نستنبط كون الاُمّة والمجتمع هو مصدر السلطات الحكوميّة، ولكن ليس مصدراً مطلقاً بل مصدراً في إطار الحاكميّة الإلهيّة والقوانين الإسلاميّة، فالناس في الدين الإسلاميّ هم المكلفون بتشكيل الحكومة والدولة وتعيين الحاكم وانتخابه ـ إن لم يكن هناك حاكم منصوص عليه من جانب اللّه ـ لقيادة الاُمّة، وإدارة شؤونها، وتطبيق الشريعة الإلهيّة في المجالات الاجتماعيّة، لأنّهم هم المخاطبون بالخطابات المذكورة. . ولمّا لم يكن في مقدورهم جميعاً القيام بذلك بأشخاصهم; لزم أن يبادروا إلى استنابة من يقوم بها.

أليس المجتمع ـ حسب منطق القرآن ـ هو الذي توجه إليه الأمر بقطع السارق وحدّ الزاني وردّ المعتدي وحفظ الثغور، وإقامة النظام الدينيّ ؟؟.

أفلا يدلّ ذلك ضمناً على أن الإسلام سمح للمجتمع الإسلاميّ بأن يّشكّل الدولة التي تتولّى القيام بهذه الواجبات الاجتماعيّة; لأنّ الإسلام جعل هذه التكاليف في عهدة المجتمع، وطلب منه أداءها ؟ وهل يمكن للمجتمع الذي يقوم كلّ صنف من أصنافه بتكفُّل جانب ضروريّ من الجوانب المعيشيّة، بكلّ تلك الواجبات الاجتماعيّة والإداريّة والسياسيّة; دون جهاز حكوميّ متفرّغ ينّفذ ويراقب ويضمن إجراء القوانين الإلهيّة في المجالات المذكورة ؟

وهل يمكن أن يريد الإسلام إقامة الاُمور الاجتماعيّة والنظم الاجتماعيّ. . ولايريد مقدّمة ذلك وهي تشكيل دولة تقوم. . وتتعهّد بتوزيع المسؤوليات وحفظ الحقوق.


(203)

وحراسة العلاقات ؟

وهكذا تكون الاُمّة ـ في نظر الإسلام ـ مصدر السلطة الذي له أن يختار وينتخب حكّامه، وتكون الحكومة نابعةً من إرادته.

***

5ـ العقل ُ وتشكيل الدولة

يعتبر (العقل) أحد الأدلّة الشرعيّة التي يستند إليها الفقهاء في استنباط الأحكام جنباً إلى جنب مع القرآن والسّنة والاجماع.

وقد أشبع العلماء البحث في حجّية العقل في الموارد التي له الحكم فيها.

لقد دلّ العقل هذا على وجوب تشكيل الدولة من جانب الاُمّة، وذلك لما في إقامة الدولة من حفظ النظام الإنسانيّ. . ومن المعلوم أنّ حفظ النظام الإنسانيّ من الواجبات العقليّة التي يحتِّمها العقل على البشر.

فإنّه يتوجب على البشر ـ بحكم العقل ـ أن يبذل غاية جهده في إقرار النظام وحفظه والدفاع عنه وصيانته، إذ في ظلّ النظام يمكن أن يحصل الإنسان على سعادته وسلامته ويضمن مصالحه ومستقبله.

ولأجل هذا; نجد الشعوب تقرّر أنظمةً وقوانين لحفظ هذا النظام رغم أنّ بعضها لا يتديّن بدين ولا يتمسّك بشريعة إلهيّة.

وهذا إنّما يدلّ على أنّ موضوع إقامة النظام الاجتماعيّ، ممّا يقُّر به الناس ويذعنون له عقلاً وبديهةً، قبل أن يأتي لهم في ذلك شرع ودين.

فهذه إذن حقيقة لانقاش فيها.

ولكن ترى; هل يمكن للمجتمع أن يقوم بنفسه ـ ورغم عدم تخصُّصه في شؤون الإدارة، وعدم تفرغه لها ـ بحفظ النظام وإقراره ؟أو هل يمكن التوصل إلى ذلك بمجرد أن يؤمن الناس بهذه الحقيقة إيماناً مجرّداً من أيّ رادع، ومن دون أنّ يكون ثمة جهاز يتولّى


(204)

مسؤولية الحفاط على النظام الاجتماعيّ الذي يدعو إليه العقل ويطلبه العقلاء، وينادونبه.

والحقّ أنّ مجرّد الاعتقاد بضرورة حفظ النظام الاجتماعيّ وبحجّة أنّه يكفل سعادة الفرد والمجتمع; من دون إقامة (دولة ); لا يمنع من وقوع الاختلال في هذا النظام، ولذلك فإنّ العقل نفسه يحتِّم على البشر أن يقيم جهازاً يعهد إليه حفظ النظام، ولأجل ذلك لم يخل ـ كما قلنا ـ أيّ مجتمع بشريّ من دولة أو دويلة وزعيم كبير أو صغير يتكفّل إقرار النظام الاجتماعيّ المطلوب.

وهذا خير دليل على; أنّ للشعوب بل عليها أن تقوم بتشكيل السلطات. . فهي إذن مصدرها; وهذا هو بالضبط ما يؤكّده الإسلام ويؤيّده، إذ الشرع كما يقولون يعضد العقل ويؤيّده فيما تكون فيه مصلحة الناس ومنفعتهم وخيرهم.

***

6ـ سيرة المسلمين بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم

إنّ الصحابة ـ بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أحسّوا بضرورة إقامة دولة وتشكيل جهاز حكوميّ يخلف القيادة النبويّة، يلمّون به شعثهم ويحفظون به اجتماعهم، فأقدموا على انتخاب رئيس من بينهم لزعامة الاُمّة وقيادة البلاد، وإن كان ذلك لا يخلو من علّة وعلاّت، كما أوضحناه.

إنّ الصحابة ـ وإن تناسوا وجود إمام منصوص عليه من جانب النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حيث كان النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قد عيّن عليّاً ـ عليه السلام ـ إماماً للمسلمين من بعده، كما تدلّ الأخبار القطعيّة والأحاديث المتواترة (1) على ذلك ـ إلاّ أنّ فعلهم كان يدلّ في حدّ نفسه على أنّ الطريق الطبيعيّ لتأسيس الحكومة وإقامتها; هو انتخاب الاُمّة للحاكم والقائد، لولا النصّ.

***


1- لقد أشرنا إلى بعض مصادر هذه النصوص في الصفحة 104ـ181 من هذا الكتاب وتركنا الكثير.

(205)

7ـ سلطةُ الناس على أموالهم وأنفسهم

إنّ من أبرز مسلّمات الفقه الإسلاميّ هو قاعدة (سلطة الإنسان على ماله) التي هي مفاد قول الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «الناس مسلطون على أموالهم» (1).

فإذا كان الناس مسلّطين على أموالهم بحيث لايجوز لأحد أن يتصرف فيها إلاّ بإذن أصحابها; فهم ـ بطريق أولى ـ مسلّطون على أنفسهم، فلا يجوز لأحد أن يحدّد حرياتهم، ويحمل نفسه عليهم أو يتصرّف في مقدّراتهم وشؤونهم دون إذنهم.

هذا من جانب.

ومن جانب آخر نرى; أنّ إقرار النظام يستلزم بالضرورة تصرّفاً في أموال الناس ونفوسهم وتحديداً لحرياتهم المشروعة بالذات، فإنّ الجمع بين هذين الأمرين (سلطة الناس على أموالهم وأنفسهم، واستلزام أقرار النظام ،التصرّف في تلك الأموال والنفوس); هو بأن تكون الدولة التي تقيم النظام نابعةً من انتخاب الاُمّة; أو موضع رضاها على الأقلّ.

وبعبارة أوضح: إنّ سيادة أيُّ نظام على الناس لا تخلو من السلطة على أموالهم وأرواحهم والتصرّف فيها بالضرورة لأنّ من النظام أخذ الضرائب، وتنظيم الصادرات والواردات وتحديدها، وذلك بوضع القيود اللازمة عليها، وتنظيم الحريات والعلاقات


1- مبدأ البرهان في هذا الدليل هو القاعدة المسلّمة بين الفقهاء وهي ( الناس مسلّطون على أموالهم ) وقلنا:إذا كان الناس مسلّطين على أموالهم فبالأولى أن يكونوا مسلّطين على نفوسهم.
غير أنّه يجب التنبيه على نكتة وهي أنّ الأولوية في الجانب السلبيّ لا الجانب الإيجابيّ.
والمقصود من الجانب السلبيّ أنّه إذا كان للأنسان أن يردّ الغير عن التصرّف في ماله فبالأولى يكون له ردُّ الغير عن التصرّف في نفسه، إذ جواز الردّ في جانب الأموال يستلزم جوازه في جانب النفس بطريق أولى.
وأمّا الجانب الإيجابيّ فليست هناك أيّة ملازمة والمراد منه هو أنّه إذا جاز للرجل أن يتصرّف في ماله فبالأولى له أن يتصرّف في نفسه، ومن المعلوم بطلان هذه الملازمة.


(206)

وإرسال الجيوش إلى ميادين القتال، واستحضار الأفراد للخدمة العسكريّة، وما شابه ذلك ممّا يكون به حفظ النظام وصيانته وإقراره، ولمّا كان حفظ النظام واجباً مفروضاً عقلاً وشرعاً وكان ممّا لا يتحقّق إلاّ بإقامة دولة قويّة ذات سلطة واقتدار، يتراءى ـ في بادىء النظر ـ أنّه يصطدم مع ما أقرّه الإسلام للإنسان من سلطة وسلطان على أمواله ونفسه. . فكان الحلّ، هو أن تكون الدولة المتصرفة واقعةً موقع رضاهم، حتّى يكون التصرّف بإذنهم ورضاهم. . حفظاً للقاعدة المسلّمة (الناس مسلطون على أموالهم) وعلى أنفسهم.

***

8ـ الحكومة أمانةٌ عند الحاكم

إنّ تشكيل الدولة وانتخاب الحاكم الأعلى; حقّ اجتماعيّ للاُمّة ولها أن تستوفي هذا الحق متى شاءت وأرادت وهذا يعني أنّ الحكومة (أمانة ) عند الحاكم تعطيها الاُمّة له، وعليه أن يحرص على الأمانة غاية الحرص، ويواظب على أدائها أشدّ المواظبة.

أقول: إنّ هذه الحقيقة تستفاد من بعض الآيات والأحاديث العديدة التي تصف الحكم بأنّه أمانة، ومنها قول اللّه سبحانه: ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الأمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاسِ أَنْ تحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمـَّايَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعَاً بَصِيرَاً * يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيْعُواْ اللّهَ وَ أَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ والرَّسُولَ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الأخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً ) (النساء: 58ـ59).

إنّ الخطاب في قوله سبحانه (يَأْمُرُكُمْ) موجّه إلى الحكام بقرينة قوله (فَإِذَا حَكَمْتُمْ)وهذه قرينة على أنّ الأمانة المذكورة هي: الحكومة.

ويؤيّد كون المراد من الأمانة هو (الحكومة) ما جاء في الآية الثانية من الحثّ على إطاعة اللّه وإطاعة الرسول واولي الأمر، فمجيء هذه الآية عقيب الآية المتضمنة لكلمة الأمانة; يؤيّد أنّ المراد بالأمانة المذكورة هو (الحكومة) وأنّ الكلام في الآيتين إنمّا هو


(207)

حول (الحكومة) وما لها وما عليها من الحقوق والواجبات.

ثمّ إنّ الاستدلال بهذه الآية يتوقف على كون المراد من أهل الأمانة هو «الناس» فعندئذ تدل الآية على; أنّ الحكومة نابعة من جانب الاُمّة، وإن كانت نابعةً من جانب اللّه بالأصالة، وهي أمانة بيد الحاكم، ووديعة في عنقه، يطلب منه أداؤها. غير أنّ من الممكن أن يكون المقصود من أهل الأمانة هو (اللّه) سبحانه وتعالى، فإن الحكومة له لاغير كما قال في كتابه الكريم: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) (يوسف: 40) فعندئذ لا يتمّ الاستدلال بالآية على المطلوب; ولكنّ الإجابة عن هذا الاحتمال واضحة، فإنّ الحكومة كما قلنا في الجزء الأوّل، حقّ ذاتيّ للّه تعالى، ولا يعني من كونه حقّاً للناس أنّه حقّ أصيل لهم في قبال كونه حقّاً للّه سبحانه، بل المراد أنّه حقّ أعطاه اللّه سبحانه له.

وبعبارة أخرى: ليس المقصود أنّ للشعب سيادةً وحاكميّةً في عرض السيادة والحاكميّة الإلهيّة، بل هما حقّان من نوعين; أحدهما حقّ مستقل وذاتيّ، والآخر حقّ تبعيّ موهوب، وهما لذلك يجتمعان دونما تضادّ وتباين، ولا منافاة بين أن يكون أهل الأمانة هو الاُمّة أو اللّه سبحانه.

وممّا يؤيّد القول بأنّ المراد من (أهلها) هو الناس; ما ورد في هذا الصدد من الاحاديث التي يستفاد منها كون (الحكومة) أمانة في عنق الحاكم، أو أنّ الحكّام خزّان الرعيّة ومؤتمنون على الحكومة، ومسؤولون عنها، إلى غير ذلك من النصوص التالية:

يقول الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ لأحد ولاته: «إنّ عملك ليس لك بطعمة و لكنّه في عنقك أمانة وأنت مسترعىً لما فوقك ليس لك أن تفتات في رعيّة» (1).

ويقول ـ عليه السلام ـ أيضاً: «أيّها الناس إنّ أمركم هذا ليس لأحد فيه حقّ إلاّ من أمرتم، وإنّه ليس لي دونكم إلاّ مفاتيح مالكم معي»(2).

ويقول الإمام ـ عليه السلام ـ أيضاً: «انصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم


1- نهج البلاغة:الرسالة رقم (5).
2- الكامل لابن الأثير 3:193.


(208)

فإنّكم خزّان الرّعيّة ووكلاء الاُمّة» (1).

ويؤيّد ذلك أيضاً ما روي حول الآية عن الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ أنّه قال: «حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل اللّه وأن يؤدّي الأمانة، فإذا فعل ذلكفحقّ على الناس أن يسمعوا له و أن يطيعوه، وأن يجيبوه إذا دعوا» (2).

فهذه العبارات صريحة في كون الاُمّة هي صاحبة الأمانة، التي هي الحكومة والسيادة، لأنّ الحكام حسب هذه النصوص ليسوا إلاّ حفظةً للسلطة وحراسها. . وخزاناً لها لا أصحابها. ويؤيّد ذلك أيضاً; أنّ الروايات والأحاديث تضافرت من أهل البيت ـ عليهم السلام ـحول الآية، وهي تفسرها بالإمامة التي يجب على كلّ إمام أن يؤدّيها إلى الإمام الذي بعده.

ففي تفسير البرهان في قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الأَمَانَات. . . إلى آخر قوله تعالى. . ) عن زرارة عن الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ قال: سألته عن قول اللّه عز وجل: ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ. . . . ) فقال ـ عليه السلام ـ: «أمر اللّه الإمام أن يؤدّي الأمانة إلى الإمام الّذي بعده ليس له أن يزويها عنه، ألا تسمع قوله: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ) هي الحكّام يا زرارة، إنّه خاطب بها الحكّام»(3).

نعم; إنّ الجمع بين المعنى (وهو كون المقصود من الأمانة هو الحكومة التي تسلمّها الاُمّة إلى الحاكم) والمعنى الثاني (الذي روي عن أهل البيت من أنّ المقصود هو أداء كلّ إمام الإمامة إلى من بعده) يحتاج إلى تأمّل ودقة تفكير.

ويؤيّد ما ذهبنا إليه; أنّ المفسر الإسلاميّ الكبير الطبرسيّ فسّر (الأمانة ) في الآية بأنّ المراد هو (الفيء وغير الفيء) الذي يجب إيصاله إلى الاُمّة، أصحابها


1- نهج البلاغة:الرسالة رقم (515).
2- الأموال لأبي عبيد:12،388.
3- تفسير الميزان 5: 385 نقلاً عن البرهان قال العلاّمة الطباطبائيّ:وصدر هذا الحديث مرويّ بطرق كثيرة عنهم ـ عليهم السلام ـ .


(209)

الحقيقيين وهو داخل في موضوع الحكومة، وأعمالها وصلاحياتها ومسؤوليّاتها ويقول: (ومن جملتها (أي من جملة الأمانات) الأمر لولاة الأمر بقسم الصدقات والغنائم وغير ذلك ممّا يتعلّق به حقّ الرعيّة) (1).

ويؤيّد ذلك أيضاً أنّ الإمام الباقر محمّد بن عليّ ـ عليه السلام ـ قال في ذيل هاتين الآيتين: «آيتان إحداهما لنا، والأخرى لكم» (2).

وعنى الإمام بالاولى قوله تعالى: (وَ أَطِيعُواْ اللّهَ وَ أَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ. . )وبالثانية قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الأمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا).

***

9ـ كتب الإمام الحسن بن عليّ ـ عليه السلام ـ إلى معاوية قبل نشوب الحرب بينهما: «إنّ عليّاً لمّا مضى لسبيله (رحمة اللّه عليه يوم قبض ويوم منّ اللّه عليه بالإسلام ويوم يبعث حيّا) ولاّني المسلمون الأمر من بعده. . . فادخل فيما دخل فيه النّاس»(3).

وهذه العبارات صريحة في أنّ القاعدة المركوزة في أذهان المسلمين (لولا التنصيص من اللّه سبحانه على شخص معيّن) هي انتخاب المسلمين لحاكمهم، بحيث يجب ـ بعد انتخابه ـ دخول المخالف والمعارض فيما دخل في جمهرة الناس، ولذلك مضى الإمام الحسن ـ عليه السلام ـ يلفت نظر معاوية إليها.

10ـ ذمّ الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ من يجبر الناس على حكمه بالسوط والسيف: ممّا يعني أنّ الشارع المقدس لا يرضى بالحاكم الذي يحمل نفسه على رقاب الناس قهراً ويحكمهم دون رضاهم، وذلك عندما قال له رجل: إنّه ربّما تكون بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا ؟ [ أي هل فيه بأس] فقال الإمام ـ عليه السلام ـ: «هذا ليس من ذاك. . . إنّما ذاك الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسّوط»(4).


1- مجمع البيان 2:63.
2- مجمع البيان 2:63.
3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4:12.
4- المستدرك 3:187 نقلا عن دعائم الإسلام.


(210)

11ـ قال الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ:

«الواجب في حكم اللّه والإسلام على المسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل، ضالاً كان أو مهتدياً، مظلوماً كان أو ظالماً، حلال الدم أو حرام الدّم أن لا يعملوا عملاً ولا يحدثوا حدثاً، ولا يقدّموا يداً ولا رجلاً ولا يبدأوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً يجمع أمرهم، عفيفاً، عالماً، ورعاً، عارفاً بالقضاء والسنّة يجمع أمرهم، ويحكم بينهم، ويأخذ للمظلوم من الظالم، ويحفظ أطرافهم ويجبي فيئهم، ويقيم حجّتهم ويجبي صدقاتهم» (1).

وهو صريح في أنّ على الاُمّة أن تبادر إلى انتخاب حاكمها (لولا النصّ على أحد طبعاً ).

12ـ وممّا يؤيّد ما ذكرناه من أنّ القاعدة المركوزة في أذهان الناس في مجال الحاكم كانت هي أن يكون الحاكم منتخب الاُمّة، أو موضع رضاها على الأقلّ هو ما كتبه رجال من أهل الحكومة إلى الإمام الحسين بن عليّ ـ عليه السلام ـ:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. سلام عليك فإنّا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد فالحمد للّه الذي قصم عدوّك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الاُمّة فابتزّها أمرها، وغصبها فيئها، وتآمر عليها بغير رضا منها ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها».

ولأجل ذلك كتب الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ إليهم قائلاً: «أن بلغني أنّه قد اجتمع رأي ملئكم ذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم» (2).

فهذه الوجوه الاثنا عشر ـ عند التدبّر ـ تعطي للاُمّة، الحريّة الكاملة في انتخاب حكامّها تحت الضوابط الشرعيّة أو تدلّ ـ على الأقلّ ـ على لزوم كون الحكومة مورد رضاها.


1- أصل سليم بن قيس:182، وبحار الأنوار 8:555 ـ 556.
2- الكامل للجزري 3:266 ـ 267.


(211)

أسئلة وأجوبة

السؤال الأوّل:

قد اتضح من البحث المتقدّم; أنّ رضا الاُمّة وانتخابها يعدّ منبعاً للسلطة، وعندئذ ينطرح السؤال التالي:

إذا كانت إرادة الاُمّة منبعاً للسلطة في الحكومة الإسلاميّة وهي بنفسها مصدر للسلطة في الديمقراطيّة الغربيّة أيضاً فما الفرق بين الحكومتين ؟

الجواب:

إنّ المراد بكون الاُمّة ذات سيادة وحقّ في الحكومة الإسلاميّة يختلف عن السيادة الشعبيّة التي تقول بها الأنظمة الديمقراطيّة.

فالاُمّة في ظل الإسلام يجب أن تختار حاكماً متّصفاً بالشروط والصفات المعتبرة في الحاكم الإسلاميّ; من الفقه والعدل والدراية السياسيّة والمقدرة الإدارية، وغيرها من الشروط والمواصفات التي سيأتي ذكرها مفصّلاً في صفات الحاكم. . بينما يختلف الأمر عمّا هو عليه في الديمقراطيّة إذ في ظل هذا النظام يحقُّ للشعب أن يختار من يريد سواء أكان صالحاً أم لا، وسواء أكان متحلّياً بالمؤهّلات والشروط المذكورة أم لا.

كما أنّ على الحاكم الإسلاميّ الأعلى أن يمشي ويسير وفق النظام الإسلاميّ وليس له أن يحيد عن ذلك قيد شعرة; بينما يكون الأمر في النظام الديمقراطيّ على غير هذا


(212)

النحو; حيث يجب على الحاكم المنتخب أن يسير وفق ما يريده الشعب ويرتضيه ويرتئيه صالحاً كان أو فاسداً، وحقّاً كان أو باطلاً.

وبذلك يظهر; أنّه لا جامع ولا تشابه بين النظامين حتّى يرد على الاسلوب الإسلاميّ في (انتخاب الحاكم من جانب الشعب) ما يرد على الاسلوب الديمقراطيّ ولأجل ذلك; نجد أنفسنا في غنىً عن الإجابة على تلكم الإشكالات والاعتراضات والمؤاخذات. نعم لا بأس مع ذلك بالإشارة إلى ما أورد على الديمقراطيّة من اعتراضات ومؤاخذات تتميماً للفائدة.

مؤاخذاتٌ على الديمقراطيّة

إنّ الديمقراطيّة التي يعنى منها حكومة الشعب على الشعب عن طريق انتخاب النوّاب والحكام وذلك على النمط الغربيّ الذي يعتمد على تغليب الأكثريّة وترجيح آرائها، ينطوي على ثلاثة معايب رئيسيّة:

أوّلاً : إنّ الحاكم المنتخب يكون تابعاً للناس، وليس تابعاً للمصالح والحقائق، فإنّ الحاكم الذي يعتمد على آراء الناس وأصواتهم (لا الضوابط والمؤهّلات والمعايير) سيحاول دائماً أن يفعل ما يرضيهم، ويخطب ودّهم ويحقّق ما يشاؤون حقّاً كان أو باطلاً، وسيحاول مثل هذا الحاكم والنائب أن يكيِّف نفسه وفق أهواء ناخبيه، لا أن يهديهم ويرشدهم إلى مصالحهم الحقيقيّة، ويعمل بما يقتضيه الواقع في شأنهم، فما أكثر النوّاب الذين تجاهلوا نداءات الضمير إرضاءً للناس وإبقاءً على تأييدهم وكسباً لآرائهم وأصواتهم في المراحل التالية والدورات الاخرى. وما أكثر الأشخاص الصالحين الذين أرادوا أن يتّبعوا الحقّ والمصلحة الحقيقيّة لإرضاء الناس فخسروا تأييد الناس، وخسروا أصواتهم.

ثانياً : إنّ الشرط الأساسيّ لصحّة الانتخاب الشعبيّ، هو أن يكون الناخبون على درجة من الرشد الفكريّ والوعي والبصيرة حتّى لا يقعوا فريسة العواطف الرخيصة


(213)

والحادّة عند اختيار النوّاب أو الحكّام.

فلو توفر مثل هذا الشرط كان الانتخاب انتخاباً صحيحاً، ومفيداً.

ولكنّ المشكلة هي أنّ الأكثريّة الساحقة والتي هي الملاك في النظام الديمقراطيّ تفقد مثل هذه البصيرة والوعي والرشد الفكريّ، فإنّ الوعي والتفكير يختصان بطبقة خاصّة دون جمهرة الناس وسوادهم، فهي وحدها تفعل على بصيرة وبوعي، وأمّا الأكثرية الساحقة; فتتّبع في فعلها وتركها الأهواء الشخصيّة والتوجيهات التي يقوم بها اللاعبون خلف الستار من السياسيين ومحترفي السياسة.

فهل يمكن أن ننسى ما يعمله المرشّحون للنيابة أو الرئاسة لكسب هذه الأكثريّة من التوسل بجميع الوسائل الإغرائيّة، والأجهزة الدعائيّة والإعلاميّة ؟ فهم يستخدمون كل وسيلة رخيصة حتّى الفتيات و الراقصات والأفلام الخليعة وإعطاء الوعود الخلاّبة، لاكتساب المزيد من أصوات الناس، إذ بهذه الاُمور يمكن الاستحواذ على عواطف أكثرية الجماهير، واستمالتهم، تلك الأكثريّة التي تتألــف ـ في الأغلب ـ من السذّج، والبسطاء وغير المثقفين، فكيف يمكن أن تكون هذه الأكثرية ملاكاً لصحّة الانتخاب ومشروعيّته ؟

ثالثاً : إنّ تغليب الأكثريّة ولو بصوت واحد لا يكون (عدلاً ) مضافاً إلى أنّه لا يجعل ما اختارته الأكثريّة (حقاً) لا نقاش فيه.

وإنّما لا يكون عدلاً، لأنّ تغليب هذه الأكثريّة ـ حتّى لو حصلت باسلوب صحيح بعيد عن المؤثّرات والإغراءات والاحتيالات ـ تجاهل لحقّ ما يقارب نصف المجتمع ومصالحه وإجحاف بحقّهم. . وهو إجحاف أدركه الغرب نفسه وتفطّن له كبار مفكّريه، وحقوقيّيه، واجتماعيّيه، ولكنّه لم يجد مفرّاً منه لأنّه لايعرف نهجاً بديلاً عنه، ولأجل ذلك لا يكون حقاً أيضاً.

هذه بعض معايب الديمقراطيّة وانتخاب الشعب لحكّامه ونوّابه على النهج الشائع في الأنظمة الديمقراطيّة. . وهو قليل من كثير.


(214)

وهي معايب واُمور يعاني الغرب من تبعاتها وآلامها أشدّ العناء، ويتحمّل بسببها أشدّ الأذى. ولذلك يبدو; أنّ الانتخاب الشعبيّ للحاكم لا يكون مثالياً ولا صالحاً.

غير أنّ ما يقرّره النظام الإسلاميّ عار عن هذه المعايب; وخال عن هذه المؤاخذات وذلك لوجوه هي:

أوّلاً: أنّه لا شكّ في أنّ أفضل أنواع الحكومات هو (الحكومة التنصيصيّة الإلهيّة) وإنّما الكلام هو فيما إذا لم يمكن التوصّل إلى هذا النوع فإنّه لن يكون سوى طريق واحد هو، قيام الاُمّة بانتخاب حكامها، بدلاً من أن يتسلّط على مصيرها ومقدّراتها بالقوّة، من يستبدّ برأيه، ويستأثر بفيئها، ولا يكون للناس في الأمر أيّ إرادة وكلمة.

ثانياً: انّ هذه الاعتراضات والمؤاخذات إنّما ترد على الانتخاب على النمط الغربيّ، والذي يجري في المجتمعات والبيئات الغربيّة التي لا تتمتّع بتربية أخلاقيّة ودينيّة رفيعة، والتي لا تخضع لأيّ شروط أو مواصفات موضوعيّة ومنطقيّة لا في الناخب ولا في المنتخب، ولا يعتبر سوى المزيد من الآراء والأصوات التي تباع وتشترى، وتكتسب بالأبواق وأجهزة الإعلام، وتحت تأثير الدعايات البرّاقة والوعود المنمّقة، لا ما يجري في البيئة الإسلاميّة وعلى النمط الإسلاميّ; الذي يشترط فيه للحاكم شروط ومواصفات تجعله رجلاً مثالياً في الأخلاق، نموذجيّاً في الإدراة، ويشترط على المنتخب، أن لا يختار إلاّ من تتوفّر فيه الشرائط المعتبرة في الحاكم المثاليّ (1)، إذ لولا ذلك لكان عمله من باب الركون إلى الظالم الذي أوعد اللّه عليه بالعذاب الأليم وبالنار إذ قال: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (هود: 113).

فيكون الانتخاب ـ في ظل النظام الإسلاميّ على العكس من النظام الديمقراطيّـ مسؤوليّةً للناخب والمنتخب، وليس لعبةً سياسيّة.

ثالثاً: إنّ الأدلّة الإسلاميّة تدلّ على أنّه يجب على الفقيه العادل، بل على كلّ


1- ففي الحديث:« إنّما الإمام هو الحاكم بالكتاب الحابس نفسه على ذات اللّه...إلى آخره» وسوف توافيك تلك الشروط في محلّها في الفصول القادمة من هذا الكتاب.

(215)

مسلم ملتزم إذا رأى بدعةً شائعةً، وحكومةً منكرةً القيام ضدّها، ورفض شرعيّتها، وشجب عملها بل والإعلان عن إلغائها; بحكم ماله من الولاية التي له من جانب اللّه سبحانه كما يقول الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ: «أيُّـها الناس إنّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرم اللّه ناكثاً لعهد اللّه مخالفاً لسنّة رسول اللّه يعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على اللّه أن يدخله مدخله ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء و أحلُّوا حرام اللّه وحرّموا حلاله وأنا أحقُّ من غيّر»(1).

وقال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارُّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها» (2).

وبهذا يأمن المجتمع الإسلاميّ من مخاطر الانتخاب الشعبيّ، ويسلم من تبعاته وسيئاته.

إنّ افتقاد الانتخاب الشعبيّ على النهج الديمقراطيّ الغربيّ; الضمانات التي أقامها الإسلام في الانتخاب، هو الفارق الكبير بين الانتخابين (الإسلاميّ والغربيّ) وهو بالتالي يكون سبباً لفشل الديمقراطيّة الغربيّة بخلاف الإسلام.

إنّ المجتمع الإسلاميّ الذي يرسم القرآن ملامحه في آيات عديدة ويلخِّصها في قوله: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعَاً سُجَّدَاً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانَاً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أََثَرِ السُّجُودِ )(الفتح: 29).

إنّ مجتمعاً كهذا، من الجدير أن لا ينتخب لإدارة شؤونه إلاّ (حكومةً ) رشيدةً أمينةً رساليّةً مؤمنةً، وفيّةً للدين، ملتزمةً بالإسلام، ومخلصةً لمصالح الاُمّة وذلك على العكس من النظام الديمقراطيّ.

إنّ الأخذ بالضوابط والمقاييس التي ذكرها واشترطها الإسلام للقادة والزعماء،


1- الطبري 4:304.
2- نهج البلاغة:الخطبة (3).


(216)

كفيل أيضاً بأن يزيل جميع الاعتراضات الواردة على الانتخاب الشعبيّ. . ويحقّق أفضل حكومة من نوعها بين الحكومات.

***

السؤال الثاني:

إذا كان انتخاب الحاكم الأعلى غير مختص بفريق معيّن من أفراد الاُمّة، فلماذا يقول الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ في بعض رسائله: «وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك للّه رضىً» (1) .

الجواب:

إنّ السبب في حصر الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ حقّ انتخاب الإمام في المهاجرين والأنصار ـبغضِّ النظر عن الملاحظات الجديرة بالاهتمام في هذه الرسالة ـ هو تعذّّر إجراء الاستفتاء العامّ الشامل، وعدم إمكان استعلام آراء المسلمين كلّهم في ذلك العهد; الذي كان يفقد الوسائل الكافية للاتصال بجميع أفراد الاُمّة. وحيث أنّ تأخير الانتخاب للحاكم الأعلى ريثما يتمّ الوقوف على كلّ آراء المسلمين جميعاً; كان ينطوي على تعريض الاُمّة الإسلاميّة لأخطار جديّة حقيقيّة لا تخفى على كلّ من يعرف الأوضاع في تلك الحقبة من تاريخ الإسلام; نجد الإمام عليه السلام يختار هذا الاُسلوب ويعلّل ذلك بقوله: «ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتّى تحضرها عامّة الناس فما إلى ذلك من سبيل، ولكنّ أهلها يحكمون على من غاب عنها، ثمّ ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار» (2).

كيف لا وقد مر عليك أيّها القارىء الكريم أنّ الإمام عليّاً ـ عليه السلام ـ صرّح في بعض خطبه بوضوح لا يقبل جدلاً; أن إرادة الاُمّة الإسلاميّة، هي مصدر السلطات، وأنّ الحكومة يجب أن تكون موضع رضا الناس (3).


1- نهج البلاغة:الرسالة رقم (6).
2- نهج البلاغة:الرسالة (173) طبعة عبده.
3- راجع الصفحة 207 ـ 208 من هذا الجزء.


(217)

لقد كان المهاجرون والأنصار ـ في ذلك العهد ـ بحكم سبقهم إلى الإيمان بالإسلام بمنزلةوكلاء الاُمّة الإسلاميّة; فكان ما يختارونه يقرّه الآخرون. ولأجل ذلك; اعتبر الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ ما يختاره شورى المهاجرين والأنصار ومن يتّفقون عليه للحكم، حجّةً نافذةً على الآخرين.

ولا بأس بأن نذكر في خاتمة هذا الجواب، أنّ انتخاب الحاكم الأعلى للدولة كما يمكن أن يتحقّق عن طريق انتخاب الاُمّة مباشرةً، كذلك يمكن أن يتحقّق عن طريق انتخاب نوّابها للحاكم الأعلى، ويكون م آل ذلك إلى رأي الاُمّة أيضاً.

ولعلّ ما ذكره الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ كان إشارةً إلى هذا الاُسلوب. . وكأنّ المسلمين في ذلك العصر كانوا ـ لاعتمادهم على المهاجرين والأنصار ـ يعدّّونهم نوّاباً لهم، وإن لم يصرّحوا بذلك لفظاً.

يقول صاحب المنار في شأن هؤلاء المهاجرين والأنصار: (وقد كانوا (أي المهاجرين والأنصار) في عصر النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يكونون معه حيث كان، وكذلك كانوا في المدينة قبل الفتوحات ثمّ تفرّقوا وكانوا يحتاجون إليهم في مبايعة الإمام (الخليفة) وفي الشورى وفي السياسة والإدارة والقضاء. . فأمّا المبايعة، فكانوا يرسلون إلى البعيد من اُمراء الأجناد، ورؤوس الناس في البلاد من يأخذ بيعتهم)(1).

ثمّ إنّ استدلال الإمام بشورى المهاجرين والأنصار مع كون إمامته وخلافته منصوصاً عليها من جانب اللّه سبحانه، إنّما هو من باب الجدل وإفحام الخصم، وسيأتيك تفصيل ذلك عند البحث عن نظرية «الشورى أساس الحكم».

السؤال الثالث:

لمّا كان الاتفاق على شخص واحد أمراً مستحيلاً عادةً، فعندئذ كيف ينتخب الحاكم الأعلى؟ هل بتغليب الأكثريّة على الأقليّة، وذلك مناف لأصالة الحريّة الإنسانيّة


1- المنار 5:195.

(218)

الفرديّة وقاعدة سلطة الإنسان على ماله ونفسه، ومستلزماً لبخس حقوق الأقليّة.

الجواب:

إذا نظرنا إلى الحياة الإنسانيّة من الزاوية الفرديّة، وأخذنا الإنسان بمعزل عن المجتمع; جاز لنا أن نستنكر هذا الترجيح، ونعتبره نقضاً صريحاً لحريّته الفرديّة وحقّه في الأخذ برأيه وانتخابه واختياره. . إذ لا مبرّر لذلك، ولا مسوّغ. . فلكلّ إنسان حقّ في إبداء رأيه وتنفيذه، ولا سلطة لأحد على أحد كما أسلفناه.

ولكنّنا لو نظرنا إلى (الحياة الإنسانيّة) من الزاوية الاجتماعيّة ودرسنا الإنسان والفرد وهو ضمن مجتمع متكوّن من أفراد آخرين، ذوي حقوق ومصالح مماثلة، فإنّ الحياة والعيش بالكيفيّة الاجتماعيّة حينئذ تقتضي القبول بكلّ لوازمها، ففي الحياة الاجتماعيّة تضمن المصالح، والحريّات الفرديّة في إطار المصلحة الاجتماعيّة; إذ بذلك وحده يمكن التوصّل إلى الاستقرار الاجتماعيّ وتحقيق السعادة الاجتماعيّة العامّة التي يتوقف عليها الاستقرار الفرديّ، وتتحقق في ظلّها السعادة الفرديّة ولمّا كان الطريق الوحيد إلى حفظ النظام الاجتماعيّ وصيانة مصالح الاُمّة متوقّفة ـ بعد التشاور والمداولة ـ على ترجيح إحدى الطائفتين المختلفتين في الرأي على الاُخرى، فلا مناص من تغليب الأكثريّة على الأقليّة، لأنّ تغليب الأقليّة على الأكثريّة عند العقلاء ترجيح للمرجوح على الراجح.

من هنا يلزم على الأقليّة القبول برأي الأكثريّة وانتخابها، والتنازل عن حقّها ورأيها.

وبعبارة اُخرى: إنّ الحياة الاجتماعيّة تشبه شركة مساهمة، يشترك فيها الأفراد المتعددون بالأسهم، فكما أنّ على مشتري السهم أن يتّبع في شرائه للسهم، ومشاركته في تلك الشركة برنامج الشركة المدوّن، ويكون شراؤه بمثابة الموافقة الضمنيّة على ذلك البرنامج، فإنّ العيش ضمن الحياة الاجتماعيّة يعتبر إمضاءً لشروط الحياة الاجتماعيّة، وقبولاً بمستلزماتها وأحكامها إذ لا بقاء للحياة الاجتماعيّة، ولا قيام لأمرها إلا بهذا


(219)

الطريق، كما لابقاء للشركة المساهمة إلاّ بموافقة أصحاب الأسهم على برنامج الشركة وأهدافها، والقبول بمتطلباتها فهو باختصار; أشبه شيء بالشرط في ضمن العقد كما هو المصطلح في الفقه، والاعتراف بالملزوم اعتراف بلازمه.

***

الفرق الواضح بين الترجيحين

يمكن أن ينطرح في ذهن القارىء الكريم; أنّ ما أخذنا به على الديمقراطيّة الغربيّة جار في المقام، إذ قلنا هناك بأنّ ترجيح الأكثريّة ولو بصوت واحد بخس وتجاهل لحقّ الأقليّة، وعندئذ فما الفرق بين الترجيحين الحاكمين في الديمقراطيّة الغربيّة والحكومة الإسلاميّة؟

غير أنّ القارىء الكريم الذي لمس حقيقة الحكومة الإسلاميّة يقف على الفرق الجوهريّ بين الترجيحين; فإنّ الأكثريّة في النظام الديمقراطيّ الغربيّ تأخذ بزمام الحكم وتتصرف في مصير المجتمع بأيّ نحو شاءت، وليس هناك ضابطة غالباً تحدد تصرّفاتها في مقابل الأقليّة، سواء أكانت في مجال التقنين والتشريع أم في مجال التطبيق والتخطيط، إذ لايشترط في المتصرِّف شيء من الشرائط سوى تصويت الأكثريّة له. ولذلك لارادع هناك من أيّ بخس وتجاوز لحقوق الأقليّة من جانب الأكثريّة الحاكمة.

أمّا الحكومة الإسلاميّة; فالأقليّة والأكثريّة كلاهما يتّبعان حكماً وقانوناً واحداً لا يختلفان في ذلك أبداً، فليس لهما إلاّ الاتّباع لما شرعه الإسلام وجاء به الكتاب والسنة، وإنمّا الاختلاف في اُسلوب التطبيق والتخطيط، فليس للحاكم الأخذ بزمام الحكم أن يتجاهل حقوق الأقليّة، كما أنّه ليس للطرف الآخر الخروج عن دائرة الحقّ والعدلّ المتمثّلين في الشريعة المقدسة فتبقى هناك مسألة التصدّي لمقام الحكم ولامناص من ترجيح الأكثريّة على الأقليّة حفظاً لنظام المجتمع وإبقاءً على وحدته و كيانه، ويتضح ما ذكرناه إذا لاحظنا مواصفات الحاكم وشرائطه في الحكومة الإسلاميّة كما ستوافيك في الفصل القادم.


(220)

السؤال الرابع:

ولاية الفقيه ومكانتها

في

الحكومة الإسلاميّة

ربّما يتصور البعض; أنّ القول بولاية الفقيه التي اتّفق على أصلها في الجملة جميع الفقهاء في فقه الإماميّة، يتنافى مع ما مر تقريره من إثبات السيادة للاُمّة وحقّها في انتخاب حكّامها ونوّابها.

الجواب:

إنّ البحث في ولاية الفقيه، وتوضيح حقيقتها ودلالتها، وبيان ما حولها من حقائق; يحتاج إلى تأليف رسالة، وقد أغنانا عن ذلك ما كتبه قائد الثورة الإسلاميّة الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) فنقول باختصار:

إنّ ما ذكرناه في «صيغة الحكومة الإسلاميّة» وتركيبتها هو ما يمكن لكلّ مطالع في الإسلام، استنباطه من الكتاب والسنّة بجلاء; غير أنّ هناك في فقه الشيعة الإماميّة «عنصراً خاصّاً» في الحكومة الإسلاميّة هو عنصر «ولاية الفقيه» الذي لا نجد مثيله في سائر المذاهب، وينبغي للقارىء الكريم أن يتعرّف على هذا العنصر استكمالاً لمعرفته بجميع عناصر الحكومة الإسلاميّة في عامّة المذاهب الفقهيّة.

إنّ الحديث عن ولاية الفقيه يقع في أمرين:


(221)

الأوّل ـ: ما هو معنى ولاية الفقيه وما هي حقيقتها ؟

الثاني ـ : كيف يمارس الفقيه ولايته هذه، إلى جانب المؤسّسات الدستوريّة والتشكيلات الحكوميّة العليا التي مرّ ذكرها، وبشكل يتمشّى مع بقيّة المعايير الإسلاميّة في نظام الحكم الإسلاميّ الذي يعطي للاُمّة الحريّة في إدارة نفسها ضمن الضوابط الإلهيّة الشرعيّة.

وإليك فيما يلي الإجابة على هذين السؤالين.

ولاية الفقيه ليست استصغاراً للاُمّة ولا استبداداً

لقد كثر النقاش أخيراً حول ولاية الفقيه، فمن متوهّم أنّ نتيجة القول بولاية الفقيه هي اعتبار الاُمّة قاصرةً وعاجزةً عن إدارة أمرها، فلابدّ لها من وليّ يتولّى اُمورها.

ومن متصوّر بأنّ نتيجتها هي استبداد الفرد بالإدارة والحكم، ورفض الرأي العامّ، وهو أمر يتنافى مع ما قرّرناه ـ حسب المعايير الإسلاميّة ـ من اختيار الاُمّة الإسلاميّة في تشكيل الحكومة، نوّاباً ووزراء ورؤساء، وذلك في نطاق الضوابط الإلهيّة الشرعيّة.

ولكنّ هذه التوهّمات ناشئة عن عدم وضوح (ولاية الفقيه) وضوحاً لايبقي شبهةً، ولا يترك غموضاً; فليس إقرار ولاية الفقيه بمعنى جعل الاُمّة الإسلاميّة الرشيدة بمنزلة القصّـر، كما ليس نتيجتها استبداد الفقيه بالإدارة والسلطة والعمل أو الترك كيفما شاء دون مشورة أو رعاية للمصالح والمعايير الإسلاميّة.

إنّ للمجتهد الفقيه العارف بأحكام الإسلام القادر على استنباط قوانينه ثلاثة مناصب وهي التي يعبّر عنها جميعاً بولاية الفقيه وهي:

الأوّل: منصب الإفتاء: فإنّ الأحكام الشرعيّة بأبوابها الأربعة، من عبادات ومعاملات وإيقاعات، وسياسات; لمّا كانت أمراً نظرياً يحتاج إلى التعلّم والتعليم ولايمكن لكلّ أحد من الناس معرفتها عن مصادرها العلميّة المتقنة ـ فإنّ ذلك يعوق الإنسان عن مهامّ اُموره الدنيويّة والمعيشيّة ـ عمد الإسلام إلى إرجاع (نظام الإفتاء) إلى


(222)

فقيه، عالم بشرائع دينه، وهذا هو الذي يطلق عليه في اصطلاح المتشرّعة بـ (المفتي) ليكون مرجعاً لأخذ الأحكام.

الثاني: القضاء: فإنّ من مقتضى القوى والغرائز النفسانيّة والطبيعيّة التوجّه إلى المنافع، والتباعد عن المضارّ، وهو بدوره يوجب نزاعاً على المنافع الذي قد ينجرّ إلى الحروب، فلدفع هذه المفسدة ترك أمر القضاء إلى الفقيه الجامع للشرائط.

الثالث: الحكومة: فإنّ من أهم مايحتاج إليه البشر في حفظ نواميسه، ونفوسه واجتماع أمره; وجود قائد بينهم يجب على الجميع إطاعة قوله واتباع فعله، و هو الذي يعبر عنه في لسان الشرع والمتشرّعة بالحاكم والسائس (1).

وعلى هذه الاُمور الثلاثة تدور رحى حياة المجتمع الإسلاميّ.

إذا عرفت ذلك; فاعلم أنّ للولاية مرتبةً عليا مختصّةً بالنبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وأوصيائه الطاهرين وغير قابلة للتفويض إلى أحد، وهي بين تكوينيّة يعبّر عنها بالولاية التكوينيّة التي بها يتصرف النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في الكون إذا اقتضت المصلحة ذلك كما إذا كان في مقام الإعجاز، وفي ذلك يقول الإمام الخمينيّ: (إنّ للنبيّ والإمام مقاماً محموداً ودرجةً ساميةً وخلافةً تكوينيّةً تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرّات هذا الكون)(2).

وبين التشريعيّة التي يشير إليها قوله سبحانه: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ )(الأحزاب:6) وهي مختصّة بالنبيّ وأوصيائه المعصومين، فهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم (3).

وأمّا غير المختصّ بهم، فإنّما هو مقام الافتاء والقضاء، والولاية; التي أظهر مصاديقها نظم البلاد والجهاد والدفاع وسدّ الثغور وإجراء الحدود، وأخذ الزكاة وإقامة


1- اقتباس من دروس الإمام الخمينيّ في علم الاُصول ألقاها في مدينة قم المقدّسة عام (1370 هـ) وقد قرّرها الاُستاذ السبحاني ونشرها في كتاب تهذيب الاُصول 3:136.
2- الحكومة الإسلاميّة:52.
3- لاحظ منية الطالب تقريراً لبحث المحقّق النائينيّ:325.


(223)

الجمعة وغيرها.

فالأوّلان من هذه المناصب (الثلاثة) ثابتان للفقيه ـ باتفاق الكلمة ـ كما سيوافيك بيانه عند بيان السلطات الثلاث.

وأمّا الولاية والحكومة بالمعنى الماضي، فلا وجه للشك في ثبوتها للفقيه حسب الأدلّة الواردة ولكنّ المراد منها يتلخّص في أمرين:

الأوّل: إذا نهض الفقيه بتشكيل الحكومة وجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوه (1).

إذ كل ما يشترط من المواصفات في الحاكم التي يأتي بيانها; موجود في الفقيه العادل.

وأمّا الثاني: إذا نهض الناس بتشكيل الحكومة تحت الضوابط الإسلاميّة فللفقيه العادل حينئذ أن يراقب سلوك الحكومة وتصرّفاتها; فيصحّح مسيرتها إذا انحرفت ويعدّل سلوكها إذا شذّ. . وعندئذ تكون ولاية الفقيه ضمانةً لاستقامة الدولة ومانعاً عن عدولها عن جادّة الحقّ وسنن الدين، فهو متخصّص عارف بالأحكام والحدود، وبما أنّه ورع يتّقي اللّه ويخشاه أكثر من سواه كما يقول اللّه سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28) وقد عاش بين أفراد المجتمع فعرف بالصلاح والورع والأمانة، فولايته تحجز الحكومة عن الخروج عن المعايير الإسلاميّة. . وارتكاب ما يخالف مصالح الإسلام والمسلمين دون أن ينحرف هو عن صراط الحقّ المستقيم.

كيف يمارسُ الفقيه ولايتــه

أمّا كيف يمارس الفقيه ولايته ـ وهو الشقّ الثاني ـ إلى جانب ما أقرّه الإسلام من أختيار للاُمّة في انتخاب حكّامها، وما أعطاه من الحرية لهم في نطاق المعايير الإسلاميّة،


1- الحكومة الإسلاميّة للإمام الخمينيّ:49، بل يجب على الفقيه تشكيل الدولة الإسلاميّة إذا لم يكن هناك دولة إسلاميّة.

(224)

فهو يتضح بما يلي:

إنّ الفقيه بحكم مسؤوليته اتّجاه الإسلام والمسلمين يتحرّى في جميع الظروف مصالح الاُمّة، فإذا كانت الحكومة التي إقامتها الاُمّة الإسلاميّة موافقةً للمعايير الإسلاميّة، ومطابقةً للمصلحة الاجتماعيّة العليا وجب عليه إمضاؤها، وإقرارها، وليس له أن يردّها، ولأجل ذلك لايترتب على (ولاية الفقيه) إلاّ استقرار الحكومة الإسلاميّة الصالحة، ولا يتغيّر بولايته أيّ شيء من الأركان والمؤسسات الحكوميّة المذكورة سلفاً، ولاتتعارض مع ما ذكرناه وأثبتناه من حريّة الاُمّة واختيارها.

ذلك هو مجمل حقيقة ولاية الفقيه، وهذه هي كيفيّة ممارستها إلى جانب التشكيلات الاُخرى في النظام الإسلاميّ.

وهي كما ترى خير ضمان جوهراً وممارسةً لاستقامة الحكومة في المجتمع الإسلاميّ، وإبقائها على الخط المستقيم دون أن يستلزم فرض هذه الولاية اعتبار الاُمّة قصراً، أو يلازم استبداداً كما يشاء البعض وصفها بذلك، أو يتوهّـمونه خطأً وغفلةً عن حقيقة الحال لهذا العنصر العظيم في الفقه الإماميّ على صعيد الحكم.

***

كلمة أخيرة:

لقد تبيّن من هذا البحث الواسع حول لون الحكومة الإسلاميّة; أنّ الحكومة عند حضور الإمام المنصوص عليه من جانب اللّه حكومة إلهيّة محضة، وأمّا عند عدم إمكان التوصّل إليه فهي مزيج من (الحاكميّة الإلهيّة والسيادة الشعبيّة).

فهي إلهيّة: من جهة أنّ التشريع للّه سبحانه بالأصالة، وأنّ على الاُمّة الإسلاميّة أن تراعي جميع الشرائط والضوابط الإسلاميّة في مجال الانتخاب، وأنّ على الحاكم الإسلاميّ أن يلتزم بتنفيذ الشريعة الإسلاميّة حرفاً بحرف، فلأجل هذه الجهات تعدُّ إلهيّة، أو حكومة قانون اللّه على الناس.

وهي شعبيّة: من جهة أنّ انتخاب الحاكم الأعلى وسائر الأجهزة الحكومية العليا


(225)

موكول إلى الناس ومشروط برضاهم.

ثم إنّ هناك نظريتين في كيفيّة تشكيل الحكومة الإسلاميّة جنح إليها كثير من أهل السنّة وهما:

1ـ الشورى أساس الحكم.

2ـ البيعة أساس الحكم.

ولتحقيق الحال نبحث عن كلتا النظريتين في البحث القادم.


(226)

هل الشورى أساس الحكم الإسلاميّ ؟

إنّ الظاهر من بعض من كتب حول الحكومة الإسلاميّة أنّ أساس الحكم في الإسلام هو الشورى، وقد ذهبوا إلى ذلك لأجل أمرين:

الأوّل: أنّهم جعلوه مكان الاستفتاء الشعبيّ، لأنّه لم يكن من الممكن ـ في صدر الإسلام ـ بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم مراجعة كلّ الأفكار واستعلام جميع الآراء في الوطن الإسلاميّ لقلّة وسائل المواصلات، وفقدان سبل الاتصال المتعارفة اليوم.

الثاني: أنّهم أرادوا بذلك تصحيح الخلافة بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لأنّ بعض الخلفاء توصّل إلى ذلك بالشورى، ثمّ عدّ هذا الاُسلوب إحدى الطرق لتعيين الحاكم.

وربّما يؤيّد الأوّل قول الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتّى تحضرها عامّة الناس فما إلى ذلك من سبيل، ولكنّ أهلها يحكمون على من غاب عنها، ثمّ ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار» (1).

وهو إشارة إلى أنّ عدم إمكان أخذ البيعة بالصورة الواسعة يجوّز أخذها بصورة محدودة.

ولعلّ إلى ذلك نظر الشيخ عبد الكريم الخطيب إذ قال: (إنّ الذين بايعوا أوّل


1- نهج البلاغة:الخطبة (168) عبده.

(227)

خليفة للمسلمين لم يتجاوز أهل المدينة، وربّما كان بعض أهل مكّة، وأمّا المسلمون ـ جميعاً ـ في الجزيرة العربية فلم يشاركوا في هذه البيعة، ولم يشهدوها ولم يروا رأيهم، وإنّما ورد عليهم الخبر بموت النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم مع الخبر باستخلاف أبي بكر) (1).

ويؤيّد الثاني (أي اعتبار الشورى أساساً للحكم تصحيحاً للحكومات التي قامت بعد وفاة النبيّ) أنّهم ذكروا ـ فيما تنعقد به الإمامة والخلافة نفس الأعداد التي تنطبق عليها خلافة أحد الخلفاء، فلم يكن اعتبار هذه الأعداد والوجوه إلاّ للاعتقاد المسبّق بصحّة خلافة اُولئك الخلفاء.

ولأجل ذلك يقول الماورديّ: (الإمامة تنعقد من وجهين:

أحدهما: باختيار أهل العقد والحلّ.

والثاني: بعهد الإمام من قبل.

فأمّا انعقاها باختيار أهل العقد والحلّ، فقد اختلف الفقهاء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم; على مذاهب شتّى، فقالت طائفة لا تنعقد الإمامة إلاّ بجمهور أهل العقد والحلّ من كلّ بلد ليكون الرضا به عامّاً، والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة، باختيار من حضرها ولم ينتظر لبيعته قدوم غائب عنها.

وقالت طائفة أخرى: أقلُّ ما تنعقد به منهم الإمامة (خمسة) يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالاً بأمرين:

أحدهما: أنّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها، ثمّ تابعهم الناس فيها وهم: (عمر بن الخطاب) و (أبو عبيدة الجراح)و (أسيد بن حضير) و (بشر بن سعد) و(سالم مولى أبي حذيفة).

الثاني: أنّ عمر (رض) جعل الشورى في ستّة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلّمين من أهل البصرة.


1- الإمامة والخلافة:241.

(228)

وقال آخرون: من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاّها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكماً، وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بوليّ وشاهدين.

وقالت طائفة اُخرى: تنعقد بواحد لأنّ العبّاس قال لعليّ (رض): أمدد يدك اُبايعك فيقول الناس عمّ رسول اللّه بايع ابن عمّه، فلا يختلف عليك اثنان، ولأنّه حكم وحكم الواحد نافذ) (1).

وقال القاضي العضديّ ـ في المقصد الثالث فيما تثبت به الإمامة ـ من كتابه: (إنّها تثبت بالنص من الرسول ومن الإمام السابق بالإجماع، وتثبت ببيعة أهل العقد والحلّ)(2).

ومن المعلوم; أنّ الاختلاف الواقع في عدد من تنعقد به الشورى يفيــد ـبوضوح ـ أنّه لم يكن هناك أيّ نصّ من الشارع المقدّس على أنّ الإمامة تنعقد بالشورى، ولذلك اختلفوا فيها على مذاهب وغاب عنهم وجه الصواب.

ثمّ إنّ من مظاهر الاختلاف الواقع في مسألة الشورى أنّ القائلين بها انقسموا ـ في أثرها ـ على قسمين:

الأوّل: وهم الأكثريّة، ذهبوا إلى أنّ انتخاب أهل الشورى كان ملزماً للاُمّة، فوجب عليها أن تسلِّم لمن اختاروه بهذا الطريق.

الثاني: أنّ انتخاب أهل الشورى لأحد ليس أزيد من (ترشيح) له، وكان للاُمّة هي أن تختاره، أو لا تختاره فكان الملاك هو رأي الاُمّة(3).

غير أنّ هذا الرأي لا يتفق مع خلافة الخلفاء الذين تسنّموا عرش الخلافة بالشورى، فقد كان انتخابهم ملزماً يومذاك على رأيهم، ولم يكن من باقي الاُمّة إلاّ الاتباع والتسليم.


1- الأحكام السلطانيّة للماورديّ:4.
2- شرح المواقف 3:265.
3- راجع الشخصيّة الدوليّة لمحمّد كامل ياقوت:463.


(229)

ماهي أدلّة الأخذ بالشورى ؟

إنّ البحث عن كون الشورى وسيلةً لتعيين الإمام يقع في ظرفين:

الأوّل: بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

الثاني: في زماننا الحاضر، حيث لايمكن الوصول إلى الإمام المنصوب من جانب اللّه سبحانه، بالاسم.

وبما أنّ القائلين بمبدأ الشورى يصرّون على أنّها كانت أساساً للخلافة والحكم بعد الرسول أيضاً، فإننا سنبحث الموضوع في كلا الموقعين معاً:

حكم الشورى بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم

لقد استدل القائلون بالشورى بآيتين هما:

الاُولى: قوله سبحانه: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَْمْر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ)(آلعمران: 159).

فإنّ اللّه سبحانه يأمر نبيّه بأن يشاور من حوله، وذلك تعليماً للاُمّة بأن تتشاور في مهامّ الاُمور، ومنها (الخلافة).

غير أنّ التأمّل والنظر في مفاد الآية; يكشف عن أنّ الخطاب فيها موجّه إلى الحاكم الذي استقرّت حكومته، وتمّت بوجه من الوجوه، فإنّ اللّه سبحانه يأمره بأن يشاور أفراد الاُمّة ويستضيء بأفكارهم، وينتفع بمشاورتهم توصّلاً إلى أحسن النتائج كما يقول الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «من استبدّ برأيه هلك ومن شاور الرجال في اُمورها شاركها في عقولها» (1). فلا ارتباط للآية ومفادها بما نحن فيه.

وبعبارة اُخرى: إنّ الخطاب وإن كان يمكن التعدي عنه إلى سائر أفراد الاُمّة


1- نهج البلاغة:قسم الحكم الرقم (161).

(230)

قائلاً بعدم خصوصيّة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في الخطاب لكنّه لا يمكن التعدّي عن ذلك المنطوق إلاّ إلى مقدار يشابه منطوق الآية لا أكثر، فأقصى ما تفيده الآية; هو أن لايكون الحاكم الإسلاميّ، وصاحب السلطة التي تمت سلطته، مستبدّاً في أعماله بل ينبغي أن يتشاور مع أصحابه وأعوانه في مهامّ الاُمور و جسامها، وأمّا أن يصحّ تعيين الإمام والخليفة عن طريق الشورى استدلالاً بهذه الآية، فلا يمكن الانتقال ممّا ذكرناه إلى هذا المورد.

هذا مضافاً إلى أنّ الظاهر من الآية هو أنّ (الشورى) لاتوجب حكماً للحاكم ولا تلزمه بشيء، بل هو يقلّب وجوه الرأي، ويستعرض الأفكار المختلفة ثمّ يأخذ بما هو المفيد في نظره، وهذا يتحقق في ظرف يكون هناك ( رئيس) تام الاختيار في استحصال الأفكار، والعمل بالنافع منها، كما أنّ استحصال الأفكار هذا لايتمّ إلاّ أن يكونللمستشير مقاماً وسلطةً وولايةً مفروضة، ويكون رئيساً مستقرّ الحاكميّة، وأمّا إذالم يكن ثمة رئيس فلا يمكن أن يتم هذا الأمر، الذي ندب إليه القرآن وحثّ عليه، إذليسعندئذ هناك رئيس يندب الأفراد ويستعرض أراءهم ثمّ يتأمّل فيها ويأخذ بالنافع منها.

***

الثانية: قوله تعالى: ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى: 38)، فإنّ إضافة المصدر (أمر) إلى الضمير (هم) يفيد العموم والشمول لكلّ أمر بما فيه الخلافة والإمامة، فالمؤمنون ـ بحسب هذه الآية ـ يتشاورون في جميع اُمورهم حتّى الخلافة.

ولكن ينبغي البحث في الموضوع الذي تأمر الآية بالمشورة فيه وأنّه ماهو ؟ فنقول: إنّ الآية تأمر بالمشورة في الاُمور المضافة إلى المؤمنين، فلابدّ أن يحرز أنّ هذا الأمر (أي تعيين الإمام) أمر مربوط بهم، ومضاف إليهم، فما لم يحرز ذلك لم يجز التمسّك بعموم الآية في مورده.

وبعبارة أخرى: إنّ الآية حثّت على الشورى في اُمورهم وشؤونهم لافيما هو خارج عن حوزة اُمورهم وشؤونهم، ولما كان تعيين (الإمام والخليفة) من جانبهم مشكوكاً في


(231)

كونه من اُمورهم، إذ لايدرى هل من شؤونهم وصلاحياتهم، أم من شؤون اللّه سبحانه فعندئذ لا يجوز التمسّك بالآية في المورد.

وبعبارة ثالثة: هل أنّ الإمامة إمرة وولاية إلهيّة لتحتاج إلى نصب وتعيين إلهيّ، أو هي إمرة وولاية شعبيّة ليجوز للناس أن يعيّنوا بالشورى من أرادوا للإمامة والخلافة ؟

ومع الترديد والشكّ; لايمكن الأخذ بإطلاق الآية المذكورة وتعميم (أمرهم) لأمر الإمامة، لأنّه من باب التمسك بالحكم عند الشكّ في الموضوع، وهذا نظير ما إذا قال أحد: (أكرم العلماء) فشككنا في رجل هل هو عالم أو لا، فلا يجوز التمسّك بالعامّ في هذا المورد المشكوك والقول بلزوم إكرام الرجل.

التمسّك بكلام عليّ ـ عليه السلام ـ في الشورى

ثمّ إنّ القائلين بمبدأ الشورى يتمسّكون بأحاديث في هذا المقام، وربّما تمسّكوا بقول الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ إذ قال: «إنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان،على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك للّه رضىً»(1).

ثمّ إنّ الشارح الحديديّ، كان أوّل من احتج بهذه الخطبة على أنّ نظام الحكومة بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إنّما هو نظام الشورى وتبعه بعض من تبعه، من دون رجوع إلى القرائن الحافّة بها. . والحال أنّ الاستدلال بالشورى استدلال جدليّ من باب: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (النحل:125).

وقد نقل نصر بن مزاحم المنقريّ المتوفّى عام (212 هـ) أي 147 عاماً قبل ميلاد(الشريف الرضيّ جامع نهج البلاغة) في كتابه القيّم (وقعة صفّين) العبارات


1- نهج البلاغة:قسم الكتب الرقم (6).

(232)

الكثيرة التي حذفها الرضي (رحمه اللّه) من الرسالة كما هو دأبه في أكثر الخطب والكتب(1).

فإنّ الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ بدأ رسالته بقوله: «أمّا بعد فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنّه بايعني. . .».

ثمّ ختمها بقوله: «وإنّ طلحة والزبير بايعاني ثمّ نقضا بيعتي و كان نقضهما كردِّهما فجاهدتهما على ذلك حتّى جاء الحقُّ وظهر أمر اللّه وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون ».

ثمّ قال: «وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثمّ حاكم القوم إليّ أحملك وإياهم على كتاب اللّه (2)، وأمّا تلك الّتي تريدها فخدعة الصبيّ عن اللبن».

هذا وقد طلب معاوية قبل أن يكتب إليه الإمام هذا الكتاب بأن يسلِّم إليه قتلة عثمان حتّى يقتصّ منهم ثمّ يبايع الإمام عليّاً ـ عليه السلام ـ هو ومن معه، وهذا هو ما سمّاه الإمام بخدعة الصبي عن اللبن.

وهذه الجمل والعبارات التي تركها الرضيّ في نقل الكتاب تشهد بأنّ الإمام كتب هذه الرسالة من باب الجدل والاستدلال بما هو موضع قبول الخصم.

ثمّ إنّ ملاحظة قول: «إنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان»تدلّ أيضاً على أنّ الإمام كان في مقام المجادلة وإفحام الخصم بما هو مسلّم عنده. فالابتداء بتماميّة الخلافة للشيخين بمبايعة المهاجرين والأنصار لهما لأجل إسكات معاوية الذي يعتبر هذه البيعة هي الملاك في خلافة الخليفة. ولولا هذا لما كان لذكر خلافة الشيخين عن طريق البيعة والشورى وجه. ولأجل ذلك نجد الإمام ـ عليه السلام ـ يردف هذه


1- ولد الرضي عام (359هـ) وتوفّي (406هـ).
2- راجع (وقعة صفّين) لنصر بن مزاحم(طبعة مصر):29.


(233)

العبارات بقوله: «فإن اجتمعوا على رجل. . . .» احتجاجاً بمعتقد معاوية.

فهذا الاُسلوب إنّما اتخذه الإمام ـ عليه السلام ـ عملاً بقوله سبحانه: (وَجَادِلَهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

وكيف لا; وللإمام ـ عليه السلام ـ كلمات ساخنة في تخطئة الشورى التي تمّت بها خلافة الخلفاء بعد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقف عليها كلّ من تصفّح نهج البلاغة، وسائر ما روي عنه ـعليه السلام ـ في هذا المجال.

والذي يدلّ على ذلك وأنّ الشورى لم تكن أساساً للخلافة والحكومة بعد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّ أصحاب الشورى في السقيفة ـ لا في غيرها ـ لم يتمسّكوا بها، ولا بالآيات والأحاديث الواردة حولها.

إشكالاتٌ أُخرى وملاحظاتٌ أساسيّة:

وهناك ملاحظات أساسيّة أخرى على جعل الشورى منشأً للحكم، وطريقاً لتعيين الحاكم نشير إلى بعضها:

1ـ لو كان أساس الحكم ومنشأه هو (الشورى); لوجب على الرسول الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بيان تفاصيلها وخصوصيّاتها وأسلوبها، أو خطوطها العريضة على الأقلّ.

فإنّ الإسلام إذا كان قد أرسى نظام الحكم على أساس (الشورى)، وجعله طريقاً لتعيين الحاكم بحيث تكون هي مبدأ الولاية والحاكميّة; فإنّ من الطبيعيّ بل والضروريّ أن يقوم الإسلام بتوعية الاُمّة، وإيقافها ـ بصورة واسعة ـ على حدود الشورى وتفاصيلها وخطوطها العريضة حتّى لاتتحيّر الاُمّة وتختلف في أمرها، ولكنّنا رغم هذه الأهميّة القصوى لا نجد لهذه التوعية الضروريّة أيّ (أثر) في الكتاب والسنّة في مجال انتخاب الحاكم.

ولقد بادر بعض الكتاب إلى الإجابة عن هذا الإشكال بأنّ: الإسلام قد تكفّل


(234)

إعطاء إشارة عابرة إلى مبدأ الشورى دون تحديد، موكلاً أمرها وشكلها إلى نظر الاُمّة، تمشّياً مع الصبغة العامّة التي تتّسم بها الشريعة الإسلاميّة، وهي صبغة الخلود، والمرونة،التي تمكِّن هذه الشريعة من مسايرة كلّ العصور. وبقائها نظاماً خالداً لجميع الأجيال.

وصفوة القول: أنّ خلود الإسلام يقتضي أن يكتفي هذا الدين ببيان جوهر الاُمور دون شكليّاتها، وكيفيّاتها.

وهذا المطلب صحيح ـ في حدّ ذاته ـ وإن كان انطباقه على هذا المورد لا يخلو عن إشكال، فإنّه وإن كان لا يجب على الشارع إعطاء كلّ التفاصيل والخصوصيّات الراجعة إلى الشورى، غير أنّ هناك اُموراً ترجع إلى (جوهر) الشورى وصميمها، فلا يصحّ للشارع المقدّس أن يترك بيانها إذ أنّ هناك أسئلةً تطرح نفسها في المقام، لا يمكن الوقوف على أجوبتها إلاّ عن طريق الشارع وبيانه وهي:

أوّلاً: من هم الذين يجب أن يشتركوا في (الشورى) المذكورة ؟ هل هم العلماء وحدهم، أو السياسيّون وحدهم أو المختلط منهم ؟

ثانياً: من هم الذين يختارون أهل الشورى ؟

ثالثاً: لو اختلف أهل الشورى في شخص فبماذا يكون الترجيح، هل يكون بملاك الكمّ، أم بملاك الكيف ؟

إنّ جميع هذه الاُمور تتّصل بجوهر مسألة (الشورى)، فكيف يجوز ترك بيانها، وتوضيحها؟ وكيف سكت الإسلام عنها إن كان جعل (الشورى) طريقاً إلى تعيين الحاكم؟

***

2ـ إنّ القوم يعبّرون عن أعضاء الشورى بأهل العقد والحلّ، ولا يفسّرونه بما يرفع إجماله، وأنّ المقصود من هو ؟ ولذلك قال الشيخ عبد الكريم الخطيب:


(235)

(وليس في القول بأنّ أفراد الاُمّة المسؤولون عنها هم أهل الحلّ والعقد فيها، ما يفسّر هذا الغموض أو يكشفه فمن هم أهل الحلّ والعقد، وحلّ ماذا ؟ وعقد ماذا؟ أهم أصحاب الفقه والرأي الذين يرجع إليهم الناس فيما ينوّبونهم من اُمور ؟ وهل هناك درجة معينة من الفقه والعلم إذا بلغها الإنسان صار من أهل الحلّ والعقد؟ ماهي تلك الدرجة ؟ وبأيّ ميزان توزن ؟ ومن إليه يرجع الأمر في تقديرها ؟

إنّ كلمة أهل العقد والحلّ لأغمض غموضاً من كلمة «الأفراد المسؤولون)»(1).

ولأجل غموض نظريّة الشورى برمّتها وعدم ورود نصّ واضح وصريح حولها قال الدكتور طه حسين: (ولو قد كان للمسلمين هذا النظام المكتوب (ويعني نظام الشورى) لعرف المسلمون في أيّام عثمان ما يأتون من ذلك، وما يدعون دون أن تكون بينهم فرقة أو اختلاف) (2).

ولذلك ـ أيضاً ـ يقول الشيخ عبد الكريم الخطيب، وهو يشير إلى أنّ قضيّة الشورى كانت مجرّد تجربة وليس قانوناً إسلاميّاً أخذ به، كما يشير إلى ما في هذه القضية من نواقص وعيوب وما تركته من أثار سيّئة على الفكر الإسلاميّ:

(ينظر بعضهم إليه على أنّه (أي تعيين الإمام بالشورى) نواة صالحة لأوّل تجربة وأنّ الأيّام كفيلة بإن تنمّيها، وتستكمل ما يبدو فيها من نقص، فلم تكن الأحوال التي تمّت فيها هذه التجربة تسمح بأكثر ممّا حدث، إذ لم يكن من المستطاع ـ حينذاك ـ الوقوف على رأي الاُمّة كلّها فرداً فرداً; فيمن يخلف النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وينظر بعض آخر إلى هذا الاُسلوب بأنّه اُسلوب بدائيّ عالج أهمّ مشكلة في الحياة; وقد كان لهذا الاُسلوب أثره في تعطيل القوى المفكّرة للبحث عن اُسلوب آخر من أساليب الحكم التي جربتها الاُمم)(3).

هذا كلّه حول (الشورى)، وكونها صيغة الحكم ومنشأه عقيب النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم مباشرة.


1- الخلافة والإمامة:271.
2- الخلافة والإمامة:271.
3- الخلافة والإمامة:272.


(236)

أمّا بالنسبة إلى عصرنا هذا; حيث لا تتمكن الاُمّة من الوصول إلى الإمام المنصوب من جانب اللّه سبحانه بالاسم، فهناك فكرتان تدور حول محور الشورى:

الاُولى: أن تقتصر وظيفة الشورى على الترشيح، وإيقاف الاُمّة على الشخص المناسب والرجل الصالح لمقام الحكم والولاية، من دون أن يكون تصميم الشورى وانتخابها ملزماً للناس. وهذا أمر معقول، و مقبول شرعاً وعرفاً وهو الرأي الذي أشار إليه صاحب كتاب الشخصيّة الدولية ـ كما سبق ـ.

الثانية: أن يكون تصميم الشورى أمراً ملزماً للناس، وقراراً واجب الاتّباع; فعلى الناس أن يقبلوا بمن عيّنته الشورى ويرتضونه حتماً دون أن يكون لهم رأيهم في الأمر، وحريّتهم في الاختيار وهذا ممّا لا يدلّ عليه دليل من الكتاب ولا من السنّة، وقد ذكرنا أنّ شرط صحّة الحكم الإسلاميّ هو أن يكون موضع رضا الشعب والاُمّة.


(237)

هل البيعة

وسيلة لتعيين الحاكم ؟

هل البيعة طريق إلى تعيين الحاكم الإسلاميّ ؟ إنّ الإجابة على هذا السؤال، والحديث عن البيعة ـ بصورة واضحة ـ يقتضي بيان اُمور:

1ـ ماذا تعني البيعة ؟

البيعة ـ لغةً ـ مصدر باع ـ لأنّ المبايع يجعل حياته وأمواله ـ بالبيعة ـ تحت اختيار من يبايع. ويتعهّد المبايع ـ في المقابل ـ بأن يسعى في إصلاح حال المبايع، وتدبير شؤونه بصورة صحيحة وكأنّ المبايع والمبايع يقومان بعملية تجارية إذ يتعهّد كلّ واحد منهما اتّجاه الآخر بعمل شيء للآخر، أو أن المبايع يريد من وضع يده في يد المبايع أنّه يكون معه في جميع الوقائع الآتية.

وقد أشار إلى بعض ما ذكرناه ابن خلدون في تعريفه البيعة إذ قال:

(اعلم، أنّ البيعة هي العهد على الطاعة كأنّ المبايع يعاهد أميره على أن يسلّم له النظر في اُموره واُمور المسلمين ويطيعه فيما يكلّفه، وكانوا إذا بايعوا الأمير جعلوا أيديهم في يده تأكيداً فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري) (1).


1- مقدمة ابن خلدون:174.

(238)

2ـ البيعة قبل الإسلام:

كانت (البيعة) التي هي نوع من معاهدة الرئيس; من تقاليد العرب قبل الإسلام وسننهم، ولم يكن الإسلام هو أوّل من ابتكر ذلك، وحيث كانت المبايعة ممّا تنفع المجتمع وتخدم مصالحه، فقد أمضاها الدين الإسلاميّ وجعلها من العقود اللازمة، التي يجب العمل بها، ويحرّم نقضها.

لقد بايع أهل المدينة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في السنة الحادية عشرة والثانية عشرة في العقبة بمنى، بايعوه مرّتين ففي الاُولى من البيعتين بايعوه على أن لا يشركوا باللّه، ولا يسرقوا ولا يقترفوا فاحشةً. . وو. . (1).

ولقد خطى النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في البيعة الثانية خطوةً أكبر حيث أخذ البيعة من أهل المدينة على نصرته، والدفاع عنه كما يدافعون عن أولادهم وأهليهم (2).

لقد بايع أهل المدينة النبيّ ـ على عاداتهم قبل الإسلام ـ حيث كانوا يبايعون زعماءهم.

إنّ البيعة نوع من العهد والمعاهدة، والهدف من إمضائها في زمن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لم يكن لتعيينه للحكم والرئاسة، بل كان لإعطائه الميثاق على الوفاء، والسير حسب أوامره، فالمسلمون الذين بايعوا النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في أوّل بيعة، إنّما بايعوه على أن لا يشركوا باللّه، وأن يجتنبوا الفواحش، ولا يسرقوا، وفي البيعة الثانية عاهدوا النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على أن ينصروه، ويدافعوا عنه كما قلنا، وفي كلتا الصورتين كانت زعامة النبيّ ورئاسته محقّقة من قبل، فهم كانوا بعد أن آمنوا بنبوّته، وقيادته اقتضى إيمانهم أن يسمعوا له ويطيعوا أمره (فلا يشركوا ولا يزنوا. .) ويحفظوه وينصروه، ولكنّهم أظهروا هذا السمع والطاعة وأكّدوهما عن طريق المبايعة معه (3).


1- سيرة ابن هشام 1:431 ، 438.
2- سيرة ابن هشام 1:431 ، 438.
3- لاحظ للوقوف على تفصيل هاتين البيعتين، السيرة النبويّة لابن هشام وصحيح البخاري.


(239)

إنّ الموارد التي بايع فيها المسلمون رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم جميعاً أو فرادى، لا تنحصر في هذين الموردين، بل هي أكثر من ذلك، وفي جميع تلك الموارد يبدو جليّاً أنّ المبايعين كانوا ـ بعد أن يؤمنوا بنبوّة النبيّ ويعترفوا بقيادته وزعامته ـ يصبّون ما يلازم ذلك الإيمان، من الالتزام بأوامر الرسول وإطاعته في قالب (البيعة)، فكانت البيعة صورةً عمليّةً للالتزام النفسيّ بأوامر النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعد الإقرار بنبوّته والاعتراف المسبق بزعامته.

ولو أمعن القارىء الكريم في تفاصيل الموارد التي بايع فيها المسلمون كلهم أو بعضهم (النبيّ) لوجد; أنّ البيعة لم تعن الاعتراف بزعامة الرسول ورئاسته فضلاً عن نصبه وتعيينه، بل كانت لأجل التدليل على ذلك الاعتراف والتأكيد العمليّ على الالتزام بلوازم الإيمان المسبق به صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ولذلك نجد النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان يقول: «فإن آمنتم بي فبايعوني على أن تطيعوني، وتصلُّوا وتزكُّوا» (1).

«وأن تدفعوا عنّي العدوّ حتّى الموت (2)، ولا تفروا من الحرب» (3).

وصفوة القول: أنّ من يلاحظ هذه المضامين; يمكن أن يحدس بأنّ الهدف من البيعة لم يكن هو الاعتراف بمنصب المبايع وانتخابه وتعيينه لمقام الحكومة والولاية، بل هو ميثاق بين شخصين وهي تندرج تحت قوله سبحانه: ( أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) (المائدة: 1).

وقوله سبحانه: ( وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ) (الإسراء: 34).

فيجب العمل بمفادها ويحرم نقضها ونكثها.

يقول الإمام أمير المؤمنين في الحث على الوفاء بالبيعة: «وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب و الإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم»(4).

ومن مراجعة خطب الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ وكلماته في نهج البلاغة، يتضح أنّ


1- صحيح البخاري:كتاب الإيمان.
2- مسند أحمد 4:15.
3- مسند أحمد 3:292.
4- نهج البلاغة:الخطبة (34).


(240)

نكث البيعة إنّما هو نقض للميثاق لاسواه، وأنّ نكث البيعة من الذنوب الكبيرة، لا أنّه عزل للحاكم، وإزاحته عن منصب الولاية.

ولو جعل البعض (البيعة) إحدى الطرق لتعيين الإمام، فليس إلاّ لأحد سببين هما:

الأوّل: أنّ البيعة كانت تقليداً من تقاليد العرب قبل الإسلام، حيث كان رائجاً بينهم إذا مات منهم أمير أو رئيس عمدوا إلى (شخص) فأقاموه مكان الراحل بالبيعة.

الثاني: أنّ تعيين بعض الخلفاء بعدالنبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان بهذا الطراز في الظاهر، وإن كان على غير ذلك في الباطن، فإنّ الظاهر هو أنّ خلافة أبي بكر تمّت في السقيفة، وانتهى كلّ شيء هناك، ثمّ أريد من بقية الناس ـ بعد السقيفة ـ أن يبايعوا أبا بكر، لتعميم نفوذه. فكانت بيعتهم للخليفة بمثابة التأييد والتسليم لما تمّ في السقيفة قبلاً، وكانت خلافة عثمان قد تمت وتحققت بالشورى فكانت البيعة بعد الشورى تنفيذاً لقرارها. وإمضاءً، لا اختياراً وانتخاباً شعبياً.

والحاصل; أنّه ليس هناك دليل تأريخيّ ولا شرعيّ يدلّ على كون مجرّد (البيعة) إحدى الطرق لتعيين الخليفة ونصبه،بغض النظر عن أيّة مواصفات أو ضوابط اُخرى.

ولأجل ذلك، إذا راجعنا موارد البيعة التي تمّت في زمن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وجدنا; أنّها لم يكن القصد من بيعة المبايعين هو (تعيين الحاكم)، بل كان إمّا إعطاءً لميثاق الوفاء لما يأمر به النبيّ، أو كان أضهاراً للتأييد المجدد في الحوادث الجلل التي وقعت في حياتهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كما حدث في الحديبيّة.

ولو غضضنا الطرف عن كلّ هذا لوجب أن نقول: إنّ البيعة هي إحدى الطرق لتعيين الحاكم والرئيس، وليس الطريق الوحيد. وفي هذه الصورة تكون(البيعة) متّحدةً ـ من حيث المفهوم ـ مع ما ذكرناه حول تأسيس الدولة، ومن ضرورة انبثاقها عن رضا الاُمّة وناشئةً عن إرادتها، غاية ما في الأمر أنّ البيعة [ التي تتحقّق بصفق اليد] تشتمل مضافاً إلى رضا الاُمّة; على ما يقوّي مركز الإمام والقائد والحاكم، لما فيها من إبراز الولاء


(241)

النفسيّ، وإظهار الطاعة القلبيّة بعمل محسوس.

ثمّ لو كانت (البيعة) الطريق الوحيد لانتخاب الحاكم وتعيين القائد، لوجب أن يرد لها ذكر في أحاديث الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وأهل بيته الطاهرين ـ عليهم السلام ـ ولقد كان الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ هو الخليفة الوحيد الذي انتخب للحكم عن طريق البيعة دون بقيّة الخلفاء، فالاُمّة لم تبايع أيّاً من الخلفاء الأربعة بحقيقة البيعة، سواه. . اللّهمّ إلاّ في أبي بكر والتي كانت البيعة في مورده بيعةً ناقصةً، أقتصرت على بعض المسلمين لاعامّتهم(1)، وكانت بمثابة التسليم للأمر الواقع.

وهناك أحاديث غامضة حول البيعة تحتاج إلى الدراسة والتحقيق فلتراجع المصادر التالية:

بحار الأنوار (الجزء2) كتاب العلم(باب33)الأحاديث: 21و22و 23و 28. وبحار الأنوار (الجزء27) كتاب الإمامة (الباب 3 ) الأحاديث: 1و4و. . . .


1- كما مرّ عليك سابقاً.

(242)

(243)

الفصل الرابع

صفات الحاكم الإسلاميّ

إنّ أهميّة (القيادة والحكم) في حياة الاُمّة وخطورتها البالغة وما يترتّب عليها من سعادة وشقاء، تقتضي اعتبار سلسلة من الشروط والصفات في الحاكم، والرئيس لولاها لانحرفت القيادة عن طريق الحقّ، وانتهت بالاُمّة إلى أسوء مصير. ولقد فطن الإسلام إلى ذلك الأمر الخطير والناحية الحسّاسة، فاشترط وجود صفات معينة في الحاكم والرئيس. . وقد فرض على الاُمّة الإسلاميّة مراعاة هذه الأوصاف والشروط عند انتخاب الحاكم. .

وها نحن نشير فيما يلي إلى بعض هذه الصفات، مع الإشارة إلى شيء من أدلتها وفلسفتها على نحو الإجمال والاختصار:

1/ الإيمان:

وهو الإعتقاد القلبيّ بالإسلام عقيدةً ونظاماً وخلقاً كما في القرآن الكريم والسنّة المطهرة، ويدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى أنّ الدين الإسلاميّ أفضل المبادىء وخير المناهج، وأنّ العقيدة باللّه تعالى، وبشرائعه من مبادئه الأوّليّة فلا يحقّ للكافر بها أن يسود المؤمنين; بحكم العقل; لأنّ ذلك يكون من قبيل تسويد من لا كفاءة له على صاحب


(244)

الكفاءة التامّة ـ قوله سبحانه:( وَلَنْ يجعَلِ اللّهُ لِلْكَافِرِيْنَ عَلَى المؤْمِنِيْنَ سَبِيْلاً )(النساء:141).

وأيّ سبيل أقوى من الولاية والحكومة على المؤمنين.

***

2/ حسن الولاية والقدرة على الإدارة:

إنّ صلاحية الشخص للحكم والإدارة منوطة بقدرته على القيام بلوازم الولاية وأعبائها، فحسن الولاية والكفاءة الإدارية شرط أساسيّ لاحتلال مقام الحكومة والرئاسة، إذ التأريخ البشريّ قديماً وحديثاً يشهد بأنّ تصديّ الحكّام غير القادرين على الإدارة وغير الأكّفاء للولاية جرّ على الشعوب والاُمم ــ وخاصّةً الإسلاميّة ـ أسوء الم آسي، وأشد الويلات.

إنّ بداهة هذا الشرط وأهميّة هذه الصفة واضحة لكلّ أحد بحيث لانحتاج إلى إقامة دليل عليها; فالقيادة توجب بذاتها هذا الشرط وتوفّر مثل هذه الصفة في الحاكم والرئيس حتّى إذا لم يقم على ذلك دليل من خارج.

وإلى أهمية هذه الصفة الحيوية في الحاكم يشير الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إذ يقول: «لاتصلُح الإمامة إلاّ لرجل فيه ثلاثُ خصال:

1ـ ورع يحجزه عن معاصي اللّه.

2ـ وحلم يملكُ به غضبهُ.

3ـ وحسنُ الولاية على من يلي حتّى يكون كالوالد (وفي رواية كالأب) الرحيـم»(1).

بل و يشترط الإسلام أن يكون الحاكم أكفأ من غيره


1- الكافي 1:407.

(245)

على الإدارة، وأقدر من غيره على الولاية والقيادة.

وقال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «أيّـها الناسُ إنّ أحقَّ الناس بهذا الأمر أقومهم [وفي رواية أقواهم ]وأعلمهم بأمر اللّه فإن شغب شاغب استُعتب وإن أبى قُوتل» (1).

إنّ أهم ما يشترط في الحاكم في نظر الإسلام هو حسن الولاية على من يلي اُمورهم، والمقدرة الكافية على قيادتهم; إذ بذلك يمكن للحاكم والرئيس أن يلمَّ شعث المسلمين، ويجمع شملهم، ويدفعهم إلى مدارج الكمال والتقدّم، ويجعلهم في المقدّمة من الشعوب والاُمم، وفي القّمة من الحضارة المدنيّة والازدهار، وحسن الولاية; هذا هو ما يسمّيه ويقصده السياسيّون اليوم بالنُضج العقليّ والرُشد السياسيّ.

3/ التفوّق في الدراية السياسيّة:

على أنّ مجرّد المقدرة وحسن الولاية لا يكفي كما عرفت في منطق الإسلام بل يشترط أن يكون الحاكم الإسلاميّ متفوّقاً على غيره في الدراية السياسيّة فيكون أوسع من غيره في الاطّلاع على مصالح الاُمّة، وأعرف من غيره باُمورها وحاجاتها، لكي لايغلب في رأيه، ولايُخدع في إدارته، ولكي يصل المجتمع الإسلاميّ إلى أفضل أنواع القيادة وأدراها، وأكفأها.

من أجل ذلك يتعين على الحاكم الأعلى للاُمّة الإسلاميّة أن تبلغ رؤيته السياسيّة والاجتماعيّة درجةً يستطيع معها أن يقود الاُمّة سياسيّاً وأجتماعيّاً ويدفع بهم في طريق التقدم جنباً إلى جنب مع الزمن.

وهذا يستلزم أن يكون الحاكم الأعلى للاُمّة مُلماً بالأوضاع السياسيّة وعارفاً بما يجري على الساحة الدوليّة من تطورات سياسيّة لكي يحفظ اُمّته من كلّ ما يمكن أن يتوجّه إليها من أخطار.

يقول الإمام جعفر بن محمّد الصادق ـ عليه السلام ـ في هذا الصدد: «العالمُ بزمانه لا


1- نهج البلاغة:الخطبة (172).

(246)

تهجمُ عليه اللوابسُ» (1).

فإنّ من يسوس الاُمّة ويقودها دون بصيرة بالأحوال والأوضاع المحيطة بها يجرّ إليها الويل والانحراف عن جادّة الحقّ كما قال الإمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ: «العاملُ على غير بصيرة كالسَّائر على غير الطَّريق، لا تزيده سرعة السير من الطريق إلاّ بُعداً»(2).

إنّ تسليم القيادة الجماعة إلى من لا يعرف شؤون السياسة والإدارة، ولا يحسن الولاية والإمرة، يكون كإعطائها إلى الصبيان وهو أمر معلوم العواقب، واضح المخاطر كما يقول الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «يأتي على الناس زمان لا يُقرّب فيه إلاّ الماحلُ (أي الساعي في الناس بالوشاية) ولا يُظرّف فيه إلاّ الفاجر».

إلى أن قال ـ عليه السلام ـ: «فعند ذلك يكون السلطانُ بمشورة النساء، وإمارة الصبيان»(3).

ومن المعلوم أنّ المراد من قوله ـ عليه السلام ـ من إمارة الصبيان هو الإشارة إلى تفويض الاُمور إلى من لا يتمتع بالرشُد السياسيّ، والخبرة القياديّة، والبصيرة الإداريّة، وليس المراد من الصبيّ ـ في المقام ـ هو غير البالغ شرعاً وذلك بقرينة أنّ الإمام يتحدث عن زمن تضيع فيه المقاييس الصحيحة للسياسة والاجتماع، فبدل أن تسلّم فيه القيادة إلى ذوي الفهم والفكر والكفاءة تُسلّم إلى من لا يملك ذلك.

إنّ تأكيد الإسلام على هذا الشرط ـ بهذه الدرجة الكبيرة من التأكيد ـ إنّما هو لصيانة الاُمّة الإسلاميّة من التورّط في المشاكل بسبب ضعف القادة والحكام في السياسة أو غفلتهم عن مقتضيات عصرهم، وجهلهم بمتطلبات زمانهم وضروراته، فبسبب هذا الضعف والجهل والغفلة يمكن أن تقع الاُمّة الإسلاميّة فريسةً للمؤامرات الأجنبيّة الشرسة، وتغدو آلةً طيّعةً بأيدي الأعداء، لتنفيذ أغراضهم، وتحقيق مقاصدهم، وهو أعظم ما تصاب به الاُمم والشعوب في حياتها وتاريخها.


1- الكافي 1:27 ، 43.
2- الكافي 1:27 ، 43.
3- نهج البلاغة:الحكم رقم (102).


(247)

4/ العدالة:

إنّ أهمّ ما يجب أنّ يتحلّى به الحاكم الإسلاميّ والرئيس الأعلى للحكومة الإسلاميّة ـ بعد حسن الولاية ـ هو أن يكون متصفاً بالعدالة، بعيداً عن المعاصي والذنوب فأيّ حاكم يمكن أن يؤتمن على مصير الاُمّة، ومقدّراتها ويكون ملتزماً بالدين، و مخلصاً لواجباته ووفيّاً لمصالح الاُمّة; ما لم يتصف بالعدالة التي هي حالة نفسانيّة تمنعه من ارتكاب الذنوب، وتردعه عن اقتراف المعاصي، التي منها الخيانة، والكذب، والتضليل، والغلول.

ولعلّ أوضح ما يدلّ على لزوم وجود مثل هذه الصفة في الحاكم، وحثّ الناس على اعتبارها وملاحظتها فيه عند اختياره وانتخابه هو قوله تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ )(هود: 113).

وأيّ ركون إلى الظلم أعظم من تسليط الحاكم الفاسق، والقبول بولايته، والانصياع لأوامره وتسليم مقدرات الاُمّة إليه ؟

وقال سبحانه: ( وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَاً)(الكهف: 28).

وفي آية أُخرى يعتبر طاعة الأسياد الفاسدين الفاسقين موجباً للضلال وينقل عن لسان المضلَّلين بهم وقولهم: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ)(الأحزاب: 67).

وأنت إذا لاحظت الآيات الواردة حول الإطاعة تجد أنّ إطاعة الفاسق أمر محرّم بنص الكتاب فراجع الآيات الواردة بهذا الصدد.

وفي هذا المجال قال الرسول الأعظم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لاتصلُح الإمامةُ إلاّ لرجل فيه ثلاثُ خصال: ورع يحجزه عن محارم اللّه. . . .» (1).


1- الكافي 1:407.

(248)

وقال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «وقد علمتم أنّه لاينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدِّماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين:

1ـ البخيل، فتكون في أموالهم نهمتهُ

2ـ ولا الجاهل، فيُضلَّهم بجهله

3ـ ولا الجافي، فيقطعهم بجفائه

4ـ ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم

5ـ ولا المُرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع (أي الحدود التي عيّنها اللّه لها).

6ـ ولا المُعطّل للسّنّة فيهلك الاُمّة» (1).

وقال ـ عليه السلام ـ أيضاً: «من نصب نفسه للنَّاس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدبها أحقّ بالإجلال من معلّم النَّاس ومؤدّبهم» (2).

قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «لايصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلاّ بإمام عدل» (3).

وقال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «يوم واحد من سطان عادل خير من مطر أربعين يوماً، وحدّ يقام في الأرض أزكى من عبادة سنة» (4).

وقال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «وعدل السلطان خير من خصب الزَّمان» (5).

وقال الإمام الحسين بن عليّ ـ عليه السلام ـ: «فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين اللّه، الحابس نفسه على ذات اللّه»(6).


1- نهج البلاغة:الخطبة (127)شرح عبده.
2- نهج البلاغة:الحكم الرقم (73).
3- الكافي 1:314.
4- المستدرك 3:216.
5- البحار 78:10.
6- روضة الواعظين:206،الإرشاد للمفيد:210.


(249)

وقال ـ عليه السلام ـ أيضاً: «إنّما الخليفةُ من سار بكتاب اللّه وسُنّة نبيّه» (1).

وقال الإمام جعفر بن محمّد الصادق ـ عليه السلام ـ: «ايّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شيء من الأخذ والعطاء أن تتحاكموا إلى أحد هؤلاء الفُسّاق»(2).

وقال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «اتقوا اللّه وأطيعوا إمامكم فإنَّ الرَّعيَّة الصَّالحة تنجو بالإمام العادل، ألا وإنَّ الرَّعيَّة الفاجرة تهلك بالإمام الفاجر» (3).

وقال الإمام الكاظم ـ عليه السلام ـ: «طاعة ولاة العدل تمام العزِّ» (4).

وكتب الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني عامله على أرديشرخرة: «أمَّا بعد فإنَّ من أعظم الخيانة خيانة الاُمّة، وأعظم الغشِّ على أهل المصر غشّ الإمام»(5).

وقال ـ عليه السلام ـ أيضاً: «اتقوا الحكومة إنَّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين كنبيّ أو وصيِّ نبيّ» (6).

وقال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ: «إيّاكُم أن يُحاكم بعضُكُم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلمُ شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلتُهُ قاضياً فتحاكموا إليه» (7).

وعن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «أحبّ النَّاس إلى اللّه يوم القيامة وأدناهم منه مجلساً إمام عادل وأبغضُ الناس إلى اللّه، وأبعدهم منهُ مجلساً إمام جائر»(8).

وقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «إنّ المقسطين عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرَّحمن وكلتا يديه


1- شرح ابن أبي الحديد 6:49.
2- التهذيب 6:303.
3- البحار 8:482.
4- تحف العقول:282.
5- البحار 8:618.
6- وسائل الشيعة ( كتاب القضاء) 18:الباب 3 الطبعة الجديدة نقلاً عن الكافي 7:406.
7- الوسائل 18:أبواب صفات القاضي الباب (1).
8- جامع الاُصول 4:55 أخرجه الترمذيّ.


(250)

يمين، الَّذين يعدلون في حُكمهم وأهلهم وما ولوا» (1).

إنّ الحديث الأخير وإن كان حول القضاء والفصل بين الخصومات إلاّ أنّ اعتبار هذه الصفة في مقام القيادة والزعامة العليا يكون أقوى بدليل الأولويّة، لأنّ مقام الرئاسة العليا والقيادة أكثر خطورةً وأهميّةً من مقام القضاء، ومسؤوليّة الفصل بين الخصومات ولذلك فهو أكثر حاجة إلى اعتبار وصف العدالة.

أضف إلى ذلك، أنّ من كان يتصدّى للقضاء ـ في تلك العهود ـ كان نفسه يشغل مقام الحكم والإدارة أيضاً. .

ثمّ إذا كان وصف العدالة مشترطاً في إمام الجماعة الذي يؤم جماعةً من المصلّين وهو عمل محدود و مؤقت، كما نعلم، فمن الأولى أن يكون مشترطاً في الحاكم الإسلاميّ للاُمّة المتربّع علس مسند القيادة العامّة والآخذ بمقدرات الاُمّة، والمتصرف في عامّة شؤونها، والمدبّر لاُمورها في شتى المجالات الحيويّة في خضمِّ الحياة السياسيّة.

***

5/ الرجولة:

إذا كان الإسلام يشترط أن يكون الوالي والحاكم والقاضي رجلاً فليس لأجل أنّه يريد الحطّ من كرامة المرأة والتقليل من شأوها وشأنها، أو احتقارها، إنّما يقوم بهذا العمل مراعاةً للظروف والنواحي الطبيعيّة في المرأة والخصائص التكوينيّة التي تقتضي مثل هذا التفاوت في موضوع الرئاسة العليا، كما أنّ مبدأ توزيع المسؤوليات الاجتماعيّة وتقسيم الوظائف حسب الإمكانيات يقتضي من جانب آخر إيكال كلّ مسؤوليّة ووظيفة إلى من يمكنه ـ بحكم طبيعته ـ القيام بها، وأدائها.

وحيث إنّ (المرأة)انسانة عاطفية أكثر من الرجل; لذلك، فهي قد اعفيت في ـمنطق الإسلام ـ من المسؤوليّات الشاقة والواجبات الثقيلة، و أُوكل كلّ ذلك إلى


1- جامع الاُصول 4:53 أخرجه مسلم.

(251)

(العنصر الرجاليّ) باعتباره قادراً ـ بحكم خلقته وصلابة تكوينه ـ على القيام بالأعمال الخشنة والمهمّات الثقيلة العبء، ولذلك أُنيطت إليه الرئاسة العليا للاُمّة والبلاد لكونها أثقل المسؤوليّات الاجتماعيّة وأشدّها وطأةً... فيما حظر على المرأة التصدي لها... وتحمّلها.

فكما أنّ الرجل لايصلح للاُمور المحتاجة إلى مزيد من العاطفة كالاُمومة والتربية، فكذلك لاتصلح المرأة للاُمور التي تحتاج إلى مزيد من الصلابة كالقيادة والزعامة.

وهذا أمر أثبتته التجارب. . فقد دلّت على عدم استعداد المرأة لخوض هذا الميدان بنفسها.

إنّ (المرأة) حسب نظر القرآن الكريم إنسانة ظريفةُ الإحساس، لطيفةُ المشاعر ولذلك، فهي تتناسب حسب حكاية القرآن عنها ـ مع الزينة والحليّ، لا مع النواحي الخشنة من الحياة البشريّة، فليس للمرأة في مقام الجدل والمناقشة منطق قويّ، وموقف صلب، لأنّها بحكم طبيعتها ومشاعرها العاطفيّة الطاغية، ميّالة إلى الزينة ميالة إلى العيش فيها إذ يقول:(أَوَ مَنْ يُنشَّؤُاْ فِي الْحِلْيَةِ وَهْوُ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِيْن)(الزخرف:18).

فالآية تستنكر على المشركين جعلهم البنات للّه واختيارهم الذكور. .

يقول العلاّمة الطباطبائيّ في تفسير الميزان: (قوله تعالى:( أَوَ مَنْ يُنشَّؤُاْ فِي الْحِلْيَةِ وَهْوُ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِيْن )، أي; وجعلوا للّه سبحانه من ينشأ في الحلية، أي يتربى في الزينة، وهو في المخاصمة والمحاجّة غير مبين لحجّته، لا يقدر على تقدير دعواه.

وإنّما ذكر هذان الوصفان لأنّ المرأة بالطبع أقوى عاطفةً، وشفقةً، وأضعف تعقّلاً بالقياس إلى الرجل، وهو بالعكس، ومن أوضح مظاهر قوّة عواطفها; تعلّقها الشديد بالحلية والزينة وضعفها في تقرير الحجّة المبنيّ على قوّة التعقّل)(1).

إنّ الأدلّة الإسلاميّة (سُنّةً وسيرةً وإجماعاً) تقتضي بأنّ المرأة لا يجوز لها أن تتصدّى


1- الميزان 18:93.

(252)

لفصل الخصومات والقضاء وهو شعبة صغيرة من شُعب الإمارة، وما ذلك إلاّ لعدم قدرتها على الاستقامة والثَّبات أمام المؤثّرات القويّة التي تعترض القضاة غالباً، وعجزها عن التزام جانب الحقّ بعيداً عن العاطفة، والتأثير العاطفيّ. فعن عليّ بن أبي طالب ـعليه السلام ـ عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «ياعليّ... ليس على النساء... ولا تولي القضاء» (1).

وقال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ في وصية لابنه الحسن ـ عليه السلام ـ كتبها له بحاضرين: «ولا تملكُ المرأةُ ما جاوز نفسها فإنَّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة» (2).

ومن المعلوم; أنّ القضاء هو أحد الاُمور الخارجة عن شؤونها. . الخارجة عن حيطة قدرتها. .

وأمّا السيرة العمليّة فلم يعهد من النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم طيلة حياته أن أعطى امرأة منصب القضاء، ونصب منهنّ قاضيةً تفصل بين الخصومات (3).

رغم وجود طائفة من النساء ذوات علوم ومحاسن أخلاق.

بل لم يفعل ذلك حتّى الأمويّون والعباسيّون الذين ولُوا أمر الاُمّة الإسلاميّة أكثر من خمسمائة سنة رغم أنّهم ولّوا كثيراً من عبيدهم وغلمانهم وقلّدوهم المناصب الرفيعة(4).

وأمّا إجماع العلماء فهو أوضح من أن يخفى على أحد، فقد أجمع علماء الإماميّة كلّهم على عدم انعقاد القضاء للمرأة وإن استكملت جميع الشرائط الاُخرى، ووافقهم على ذلك طائفة من علماء الطوائف الإسلاميّة الاُخرى كالشافعي(5).

قال ابن قُدامة في المغني: (إنّ المرأة. . . لا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يولّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأةً قضاءاً ولا ولاية


1- وسائل الشيعة 18:6(كتاب القضاء).
2- نهج البلاغة:الرسائل الرقم (31).
3- تفسير الميزان5:347.
4- راجع كتاب:رسالة بديعة في تفسير آية ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء) من الصفحة 70 ـ 76 وهي رسالة مفصّلة في حكم تصدّي المرأة للقضاء والحكومة من نظر الكتاب والسنّة.
5- راجع كتاب:رسالة بديعة في تفسير آية ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء) من الصفحة 70 ـ 76 وهي رسالة مفصّلة في حكم تصدّي المرأة للقضاء والحكومة من نظر الكتاب والسنّة.


(253)

بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً) (1).

وقال الشيخ الطوسيّ في «الخلاف»: لا يجوز أن تكون امرأة قاضيةً في شيء من الأحكام وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضيةً في كلّ ما يجوز أن تكون شاهدةً فيه، وهو جميع الأحكام إلاّ الحدود والقصاص، وقال ابن جرير: يجوز أن تكون قاضيةً في كلّ ما يجوز أن يكون الرجل قاضياً فيه، لأنّها تُعدّ من أهل الاجتهاد.

ثمّ استدل على المنع بقوله: إنّ جواز ذلك يحتاج إلى دليل لأنّ القضاء حكم شرعيّ، فمن يصلح له يحتاج إلى دليل شرعيّ وروي عن النبيّ أنّه قال: «لا يفلح قوم وليتهم امرأة» (2).

فإذا كان تولّي القضاء محظوراً على المرأة وهو ليس إلاّ شعبةً محدودةً من شعب الزعامة والولاية، كان حظر تولّي الرئاسة العليا للبلاد والتي يأخذ الرئيس والحاكم الأعلى بموجبها بمقادير الاُمّة; بطريق أولى.

وقد دلّت على حظر تولّي الولاية والحكم على المرأة أحاديث كثيرة منها:

عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنه قال: «لا يفلح قوم وليتهم امرأة» (3).

ورواه الترمذيّ بنحو آخر هو: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» (4).

كما رواه ابن حزم بكيفيّة أُخرى هي: «لا يُفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة»(5).

وذكره ابن الأثير في النهاية «ما أفلح قوم قيّمهم امراة» (6).


1- المغني لابن قدامة 10:127.
2- الخلاف ( كتاب آداب القضاء ) 2:230 المسألة (6) .
3- الخلاف ( كتاب آداب القضاء ) 2:230 المسألة (6) .
4- أخرجه الترمذيّ كما في جامع الاُصول 4:49 والنسائيّ أيضاً في سُننه:8 (كتاب آداب القضاء).
5- الملل والأهواء 4:66،67،ورواه في كنز العمال 6:11 وأسنده إلى البخاريّ وابن ماجة وأحمد بن حنبل،وفي لفظهم ( لن يُفلح) بدل(لا يُفلحُ ).
6- النهاية 4:135.


(254)

وفي المستند: «لايصلُح قوم وليتُهُم امرأة» (1).

وعن أبي هريرة عن الرسول الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «إذا كان أُمراؤُكُم شراركُم، وأغنياؤكم بخلاءكم، واُموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهورها» (2).

وهذا وقد جمع الإمام الباقر محمّد بن عليّ ـ عليه السلام ـ الحظر عن الأمرين (القضاء والحكومة) في حديث واحد إذ قال: «ليس على النساء أذان ولا إقامة».

إلى أن قال: «ولا تولَّى المرأة القضاء ولا تولَّى الإمارة» (3).

إلى غيرها من الأحاديث والروايات المتضافرة مضافاً إلى السيرة العمليّة. بل وروح الشريعة الإسلاميّة المتمثّلة في الحفاظ على شرف المرأة وكرامتها ومكانتها الحقيقية الطبيعيّة، ومضافاً إلى سعي الشريعة الإسلاميّة للحفاظ على الأخلاق الاجتماعيّة وسلامة أمر الاُمّة بإشاعة جوّ التقوى; وذلك يستلزم بأن تُصان المرأة من الظهور على المسرح السياسيّ في أعلى مستوياته لما في ذلك من أخطار لا تخفى.

ولابدّ في الأخير من الإشارة إلى أمرين هامّين:

الأوّل: أنّ عدم السماح للمرأة بتولّي القضاء والولاية ليس بخساً لحقّها، أو حطّها من كرامتها أو حرماناً لها من حقّها، بل رفع لمسؤوليّة ثقيلة جداً عن كاهلها، ووضعها في الموضع الصحيح لها في تركيبة الحياة الاجتماعيّة المستقيمة السويّة، وفي الحقيقة إيكال ما هو مناسب لها إليها، ممّا يكون متناسباً مع تركيبتها العاطفيّة الرقيقة ألا وهو تربية الأولاد وتثقيفهم، وتعليمهم مالهم وما عليهم من الشؤون والوظائف الاجتماعيّة، كما لها أن تقوم بما هو دون الولاية من قبيل التصدّي للتعليم والتمريض والخياطة والطبابة وما سواها من الشؤون والأعمال الاجتماعيّة.

يقول العلاّمة الطباطبائيّ في تفسير الميزان: (وأمّا غيرها (أي الولاية والقيادة) من


1- المستند 2(كتاب القضاء ):519.
2- الترمذيّ في سننه 4 (كتاب الفتن ):529 و 530.
3- الخصال2: 373، البحار 103:254، الحديث1.


(255)

الجهات كجهات التعلّم والتعليم والمكاسب والتمريض والعلاج وغيرها ممّا لا ينافي نجاح العمل فيها مداخلة العواطف فلم تمنعهنّ السنّة، والسيرة النبويّة تُمضي كثيراً منها، والكتاب أيضاً لايخلو من دلالة على إجازة ذلك في حقّهنّ، فإنّ ذلك لازم ما أُعطين من الحريّة والإرادة والعمل في كثير من شؤون الحياة) (1).

ثمّ في الجوّ الإسلاميّ الذي يوجده الإسلام بتعاليمه ونظامه يتّخذ أعمال المسلم والمسلمة صفة العبادة الشرعيّة ويتحلّى بقداسة لا يماثلها شيء في غير المجتمع الإسلاميّ. ولذلك فإنّ ما أُعطيت المرأة من المسؤوليّة تتّخذ صفة العبادة والقداسة، وهذا يعني أنّ الإسلام أبدل عملاً بعمل آخر مع الاحتفاظ بالقيمة الشرعيّة... فإذا أسقط عن المرأة الجهاد مثلاً، جعل حسن تبعّلها جهاداً كالجهاد في سوح الحرب. فلا فضل لعمل على عمل مادام الهدف واحداً هو تحقيق أمر اللّه وإرادته وإطاعته فيما أراد.

وفي هذا الصدد يقول العلاّمة الطباطبائيّ في تفسير الميزان: (إنّ الإسلام لم يهمل أمر هذه الحرمات كحرمان المرأة من فضيلة الجهاد في سبيل اللّه دون أن يكون قد تداركها، وجبر كسرها بما يعادلها عنده بمزايا وفضائل فيها مفاخر حقيقية، كما أنّه جعل حسن التبعّل مثلاً جهاداً للمرأة (2) وهذه الاُمور التي هي مفاخر في نظر الإسلام أوشكت أن لا يكون لها عندنا ـ في ظرفنا الفاسد ـ قدر، لكن الظرف الإسلاميّ الذي يقوّم الاُمور بقيمها الحقيقية، ويتنافس فيه في الفضائل الإنسانيّة المرضية عند اللّه سبحانه، وهو يقدّرها حقّ قدرها، يقدّر لسلوك كلّ إنسان مسلكه الذي ندبه إليه، وللزومه الطريق الذي خطّ له; من القيمة ما يتعادل فيه أنواع الخدمات الإنسانيّة، وتتوازن أعمالها فلا فضل في الإسلام للشهادة في معركة القتال والسماحة بدماء المهج ـ على ما فيه من الفضل ـ; على لزوم المرأة وظيفتها في الزوجيّة وكذا لا فخار لوال يدير رحى المجتمع الحيويّ، ولا لقاض يتكىء على مسند القضاء وهما منصبان ليس للمتقلِّد


1- تفسير الميزان 5:347.
2- لاحظ نهج البلاغة:الحكم (136) قال الإمام عليّ:«وجهاد المرأة حسن التَّبعّل ».


(256)

ـ بهما في الدنيا ـ لو عمل فيما عمل، بالحقّ وجرى فيما جرى على الحقّ ـ إلاّ تحمّل أثقال الولاية والقضاء، والتعرّض لمهالك ومخاطر تهدّدهما حيناً بعد حين في حقوق من لا حامي له إلاّ ربّ العالمين. . . فأيّ فخر لهؤلاء على من منعه الدين من الورود موردهما، وخطّ له خطّاً آخر، وأشار إليه بلزومه وسلوكه. . .

وخلاصة القول: أنّه ليس من المستبعد أن يُعظِّم الإسلام اُموراً نستحقرها، أو يُحقّر اُموراً نستعظمها ونتنافس فيها. . .) (1).

***

الثاني: انّنا لا ننكر وجود نساء معدودات تمتَّعن بالقدرة على الإمرة، وتحلَّين بالمنطق القويّ، والفكر المتفوّق. . إلاّ أنّ وجود هؤلاء النسوة المعدودات لا يدلّ على قدرة العنصر النسويّ بعمومه على الإدارة والولاية، والتحلّي بهذه الخصيصة. . وهل يمكن خرق القاعدة العامّة لعدة موارد شاذّة؟ ونحن نعلم أنّ المقنّين يراعون عند وضع القوانين، الأكثريّة الساحقة، فهي الملاك في الخطابات القانونية. . وهي الملاك أيضاً في الخطابات الشرعيّة. . لا الأقليّة النادرة. . والأفراد المعدودون.

***

6/ العلم بالقانون اجتهاداً أوْ تقليداً:

لمّا كانت الحكومة الإسلاميّة هي حكومة القانون الإلهيّ على الناس لزم أن يكون الحاكم المجري له في مجالات الحكم والإدارة عالماً به، وإلاّ عادت حكومةً استبداديّةً ينبع القانون فيها من إرادة الحاكم وهواه. وفي هذا المجال يقول الإمام الخمينيّ:

(بما أنّ الحكومة الإسلاميّة هي حكومة القانون كان لزاماً على حاكم المسلمين أن يكون عالماً بالقانون ـ كما ورد في الحديث ـ وكلّ من يشغل منصباً أو يقوم بوظيفة معينة فإنّه يجب عليه أن يعلم في حدود اختصاصه وبمقدار حاجته). إلى أن قال: (إنّ الحاكم


1- تفسير الميزان 5:351 ـ 352.

(257)

ينبغي أن يتحلّى بالعلم بالقانون وعنده ملكة العدالة مع سلامة الاعتقاد وحسن الأخلاق وهذا ما يقتضيه العقل السليم، خاصّة ونحن نعرف أنّ الحكومة الإسلاميّة تجسيد عمليّ للقانون وليست ركوب هوى فالجاهل بالقوانين لاأهليّة فيه للحكم) (1).

ثمّ على القول بأنّ الولاية ـ عند عدم التمكن من الإمام المعصوم ـ من شؤون الفقيه العدل، يلزم أنّ يكون الحاكم هو الفقيه، بيد أنّه لا يلزم أن يتصدّى الفقيه بنفسه إدارة البلاد، بل يمكن له أن يُوكل شخصاً آخر ـ ترتضيه الاُمّة وتختاره ـ ويكون عارفاً بالقانون عن طريق الاجتهاد، وتجتمع فيه سائر الصفات والمؤهّلات.

ولأجل ذلك قلنا: اجتهاداً أو تقليداً ويدلّ على ذلك مضافاً إلى ما عرفت قول الإمام الحسين بن عليّ ـ عليه السلام ـ: «مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العلماء باللّه والامناء على حلاله وحرامه»(2).

وقوله ـ عليه السلام ـ: «واللّه ما الإمام إلاّ القائم بالقسط ، الحاكم بالكتاب الحابس نفسه على ذات اللّه»(3).

ومن المعلوم أنّ القيام بالقسط والحكم على طبق الكتاب لا ينفكّ عن العلم بالقانون الإسلاميّ اجتهاداً، أو تقليداً.

***

7ـ الحريّة:

يختلف نظام الرقِّ في الإسلام عمّا هو عليه في سائر الأنظمة البشريّة، فإنّ النظم البشريّة ترى جواز استعباد الانسان واسترقاقه لأخيه الإنسان بحجّة أنّه أقلّ ثقافةً أو لأنّه يعيش في بلد متأخّر، أو لأنّه يجري في عروقه دم وضيع، أو لأنّه لاينتمي إلى حزب!!

غير أنّ الإسلام الذي حرّم على الناس التفاضل بهذه الخرافات، انقذهم من سيادة بعضهم على بعض بتلك الحجج الواهية السخيفة، ولم يجز لأحد أن يسلب حريّة


1- الحكومة الإسلاميّة:45 ـ 46.
2- تحف العقول:172 ( طبعة بيروت ).
3- روضة الواعظين:206.


(258)

غيره لتلك الحجج والمعاذير فقال القرآن الكريم: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئَاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَاً أَرْبَابَاً مِنْ دُونِ اللّهِ ) (آل عمران: 64).

وقال الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ: «بعث اللّهُ محمّداً صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ليُخرج عبادهُ من عبادة عباده إلى عبادته ومن عهود عباده إلى عُهوده، ومن طاعة عباده إلى طاعته، ومن ولاية عباده إلى ولايته»(1).

وقال ـ عليه السلام ـ أيضاً: «ولا تكُن عبد غيرك وقد جعلك اللّهُ حُراً» (2).

وقال الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ: «أيّها الناسُ إنّ آدم لم يلد سيّداً ولا أمة. وإنّ الناس كلهم أحرارولكنَّ اللّه خوّل بعضكم بعضاً»(3).

وقد وجّه الإسلام دعوته الشاملة إلى كلّ اُمم الأرض، ودعاها إلى التحرّر من العبوديات الباطلة والانضواء تحت لواء واحد هو لواء الإسلام للّه تعالى والتسليم لأوامره في جوّ من المساواة الكاملة والوحدة الشاملة يوم لم يسمع العالم عن الاُمميّة الحديثة شيئاً.

منذ ذلك اليوم دعا الإسلام إلى صيانة الحريّات الطبيعيّة المعقولة، وحارب بشدة من يحاول إغفالها وتجاهلها.

إنّ تحرير الإنسان من وطأة استعباد الآخرين له ممّا جوز القرآن أن تراق من أجله الدماء إذ قال سبحانه: (وَمَالَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُستَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذيِنَ يَقُولونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا)(النساء:75).

ولذلك فإنّ الإسلام لا يُقرّ بالرقّيّة والاسترقاق الذي تقول به الأنظمة البشريّة، نعم; للإسلام نظام للرقّ بشكل آخر، وهو موقف يتخذه الإسلام الحنيف كعمل اضطراري لمعالجة حالة شاذّة.


1- الوافي 3 ج 142:22.
2- نهج البلاغة:الرسائل (الرسالة31).
3- روضة الكافي:69.


(259)

فإنّ أعداء الإسلام وأعداء الحريّة إذا هاجموا المسلمين وعرّضوا حياتهم للخطر كان جزاء المعتدين أن يُقتلوا أينما ثُقفوا ما لم تضع الحرب أوزارها (1)، فإذا وضعت الحرب أوزارها استؤسروا ثمّ وضعوا تحت ولاية حكيمة تعلمهم ماهو جزاء المعتدين على حقوق الآخرين وحرياتهم وتعطي لهم ولأمثالهم درساً عملياً تُفهمهم أنّ الذي يريد أن يستعبد الناس فهو يستعبد جزاءً وفاقاً، وستظل هذه الولاية ريثما ينشأ نشأةً أُخرى يفهم في ضوئها قيمة الحريّة المخوّلة إليه، والسبيل الذي يجب أن تصرف فيه فإذا عرف ذلك ردّت إليه حريته، ويعيش معه في راحة وأمان. . قال اللّه سبحانه: ( وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرَاً وَءَاتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللّهِ الَّذِي ءَاتَاكُمْ ) (النور: 33).

وهذه الآية تفيد; أنّ تعريض العبد للحريّة والخروج من حالة الرقيّة أمر مرغوب فيه في الإسلام بشرط أن يُعلم منه الخير، ولا يكون تحريره مضرّاً بالإسلام والمسلمين.

وبهذا تظهر العلّة في عدم سماح الإسلام للعبيد بأن يتصدّروا مسند القيادة ويسلّم إليهم المجتمع الإسلاميّ زمام إدارتهم وحكومتهم.

فإنّ الذي استُرقّ لسوء ماضيه ولإرادته العدوان على نفوس المسلمين وحرياتهم وأموالهم وأعراضهم، لا يجوز أن يعطى إليه زمام قيادتهم إذ لا يؤمن على أموال المسلمين وحريّاتهم ونفوسهم وأعراضهم، وهو الذي سبق له الاعتداء عليها.

وخلاصة القول: نعلم من هذا الموقف الإسلاميّ اتّجاه العبد; بأنّ الإسلام إنّما سلب عنهم الصلاحيّة للقيادة لأنّهم كانوا من الذين يريدون أن يسلبوا حريّة الناس، فلا يمكن لمن يحمل هذه النزعة الخطيرة، ولو في أمد من الزمان ـ أن سيود على المسلمين، ويُسلَّط على شؤونهم.

***

هذا مضافاً إلى أنّ حرمان العبد من الارتفاع إلى مستوى القيادة نوع من النكال


1- سيأتي مفصّل القول في هذا المجال عند البحث عن أحكام الجهاد.

(260)

والتبكيت للعبد، ولكلّ من يريد ما أراد من العدوان والتجاوز على حرمة المسلمين وبلادهم.

ثمّ كيف يصلح العبد للولاية وهو بدوره مولّىً عليه. . فهل يجوز أن يرفع إلى مستوى قيادة الأحرار ؟

يبقى أن يعرف القارىء الكريم أنّ الإسلام كما قلنا لم يعمد الاسترقاق إلاّللضرورة; إذ لم يكن أمام الإسلام اتّجاه المعتدين بعد السيطرة عليهم إلاّ خمس خيارات:

1ـ أن يقتلهم جميعاً ويسفك دمائهم عن آخرهم وهي قسوة تتنافى مع روح الإسلام الرحيمة المحبّة للسلام.

2ـ أن يسجنهم جميعاً وذلك يكلف الدولة تكاليف باهضةً وميزانيةً ضخمةً مضافاً إلى أنّ السجن ممّا يعقّد السجين، ويزيده اندفاعاً في الشرور والفساد.

3ـ أن يتركهم ليعودوا إلى بلادهم سالمين، وهذا رجوع إلى المؤامرة والاحتشاد والعدوان مرّة اُخرى.

4ـ أن يتركهم ليسرحوا في بلاد الإسلام وهذا يعني تعريضهم لسفك دمائهم على أيدي المسلمين، انتقاماً منهم.

ولمّا لم يكن اختيار شيء من هذه الطرق اختياراً عقلائيّاً. . يبقى أمام الإسلام طريق خامس وهو:

5ـ استرقاقهم، بمعنى جعلهم تحت ولاية المسلمين ليراقبوا بشدة تصرفاتهم، وليتسنّى لهم من خلال العيش في ظل الحياة الإسلاميّة أن يقفوا على تعاليم الدين وينشأوا نشأةً إسلاميّةً ويكون الإسلام بهذا قد حافظ على حياتهم، ومنع من سفك دمهم، لأنّ مالكهم سوف يحرص عليهم أشدّ الحرص ويحافظ على حياتهم أشد المحافظة بخلاف من لا يملكهم، ولا يرجوا منهم نفعاً.


(261)

إنّ الإسلام طلب من تشريع هذا النظام منع المزيد من إراقة دماء المعتدين الغزاة بعد السيطرة عليهم، ولأنّ توزيعهم على المسلمين وجعلهم تحت ولايتهم أقرب إلى إمكانهم من تلقّي التربية الإسلاميّة وتوفير ظروف التهذيب والتعليم الدينيّ لهم.

***

8ـ طهارة المولد

والمقصود من هذا الشرط هو أن يكون ذا ولادة طيّبة، فلا يحق لغيره أن يتصدّى لقيادة الاُمّة الإسلاميّة أو يُرشح لها من قبل الآخرين. وللدين في هذا الشرط عدة أهداف; منها أن يسدّ سبيل الزنا والبغاء بأن يعرف الزاني بأنّه سيتحمّل ضياعاً أبدياً يورثه أولاده، وأفلاذ أكباده، فلعلّه يرتدع عن هذه المعصية الكبيرة، هذا مضافاً إلى أنّ الدين يستقبح الزنا ويكرهه فلو جوز ارتفاع (نتاج) الزنا إلى مستوى القيادة، فلازم ذلك استهانة الاُمّة باُحدى حسنيين: إمّا بالأخلاق الإسلاميّة التي أبرزها تجنّب الزنا، أو بطاعة الرئيس، إذ من الواضح أنّ الرئيس الواطىء في نظر الناس لن يحظى باحترامهم، وطاعتهم كالذي يحظى به الرئيس الشريف.

إنّ وليد الزنا تنعقد نطفته في حالة عاصفة من الشهوات الرخيصة، فتنعكس آثارها السيّئة على نفسيّته وفقاً لسُنّة التأثير، فيتولّد ابن الزنا بنفسيّة ميالة إلى الشهوات صارخة الأهواء، وحالة من الانفلات الخلقي التي تنمو معه نمواً خطيراً فيصبح مُلتاث الضمير، محجوب العقل لايوقفه دون شهوته ضمير أو عقل أو دين.

وبعبارة اُخرى: إنّ وليد الزنا تنعقد نطفته في حال يحسّ والده أو اُمّه أو كلاهما بأنّهما ينقضان القانون، ويكسران عهداً من عهود اللّه، وهو احساس ينتقل عن طريق النطفة إلى الوليد طبقاً لقانون التوارث الطبيعيّ، فيخرج الطفل المولود من الزنا حاملاً لفكرة نقض العهد واختراق القانون. . أو يكون أقرب من غيره إلى هذه الحالة على الأقلّ. . وإلى هذا أشار حديث منقول عن الإمام الحسن بن عليّ المجتبى في هذا الصدد:«إنَّ الرجل إذا أتى أهلهُ بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير


(262)

مُضطرباستكنت تلك النطفة في الرَّحم فخرج الرَّجل يشبهُ أباه واُمَّهُ» (1).

وهذا الحديث يشير إلى أنّ صفات الوالد أو الاُم تنتقل إلى الطفل بصورة قهريّة وراثيّة إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ.

فكيف لا تنعكس الحالة النفسيّة المضطربة للزاني والزانية في الطفل ولا تورث في خلقته اعوجاجاً ـ ولو قليلاً ـ يؤهّله للانحراف الأشدّ.

وكيف يمكن أعطاء زمام الحكم والقيادة وهو أعظم مقام وأخطر منصب في حياة الاُمّة الإسلاميّة بيده وهو لا يؤمن عليه من الانحراف والشذوذ.

ولهذا يقول الإمام الصادق جعفر بن محمّد ـ عليه السلام ـ عن ولد الزنا: «إنّه يحنّ إلى الحرام والاستخفاف بالدين وسوء المحضر» (2).

وهو أمر تثبته التحقيقات الاجتماعيّة، والوقائع العلميّة.

فإذا كان هذا هو شأن ولد الزنا لم يصلح إذن للقيادة ولم يكن فيه خير كما قال الإمام محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السلام ـ: «لا خير في ولد الزنا ولا في بشرته ولا في شعره ولا في لحمه، ولا في دمه ولا في شيء منه» (3).

وربمّا يحتمل في الحاكم الإسلاميّ شرائط ومؤهّلات اُخرى لم نجد لها دليلاً


1- بحار الأنوار 14:379 ( الطبعة القديمة ).
2- سفينة البحار:560.
3- إنّ ما ذكرناه من حالة ولد الزنا إنّما هو من باب وجود الاستعداد الأكثر، والأرضيّة المناسبة للانحراف والشذوذ وبالتالي بيان وجود المقتضي للفساد في الطفل المولود من الزنا، ولذلك لو شبَّ وكبر كان بإمكانه كأيّ إنسان آخر مختار،أن يحرز نفسه من آثار هذه الحالة، ويطهّرها من الشوائب العالقة بطبيعته، فلا يوجب ما ذكرنا فيه من الحالة الناشئة من الزنا جبراً.. وتفصيل البحث موكول إلى محلّه، وبالتالي إنّ المتولّد من الزنا كالمتولّد من الأبوين المسلولين يكون أكثر استعداداً وقابليةً من غيره للتعرّض إلى السل ولكنّه في إمكانه أن يراجع الطبيب ويقوم بإعمال وقائيّة تمنع من نمو ذلك الاستعداد، وتمنعه من الابتلاء بداء والديه.
وبعبارة اُخرى: إنّ خبث الولادة بمنزلة المقتضي لانحراف الطفل أيام شبابه وكبره وليست علّةً تامّةً له.


(263)

فأكتفينا بما ذكرناه لك.

أمّا العقل والبلوغ، فلم نذكرهما بصورة مستقلة لدخولهما تحت العناوين والصفات السابقة قهراً، كما هما من الاُمور التي لا يختلف فيهما اثنان.

ثم إنّ النصوص الإسلاميّة دلّت على أنّ الحاكم الإسلاميّ يجب أنّ يكون متحلّياً بالأخلاق الإنسانيّة العالية مضافاً إلى توفّر الصفات المذكورة سابقاً فيه، فلا يكون مثلاً حريصاً على الملك متعطشاً إلى الرئاسة، لأنّ ذلك يدلّ في الأغلب على رغبة في الاستئثار والتسلّط الذي ـ يسوّغ للحاكم ـ بدوره ـ أن يفعل كلّ شيء لتثبيت سلطته وتبرير استئثاره.

قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «إنَّا واللّه لا نولّي هذا العمل أحداً سألهُ، أو أحداً حرص عليه» (1).

وعندما طلب عبداللّه بن عباس من الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ أن يفوّض إمارة البصرة والكوفة إلى طلحة والزبير اللذين كانا يطلبان الرئاسة والحكومة، حتّى يحسم بذلك مادة الفساد، فأجابه ـ عليه السلام ـ بقوله: «ويحك إنّ العراقين بهما الرِّجالُ والأموالُ، ومتى تملكا رقاب النَّاس يستميلا السفينة بالطَّمع، ويضربا الضَّعيف بالبلاء، ويقويا على القوي بالسلطان، ولو كنت مستعملاً أحداً ـ لضرّه أو نفعه ـ لاستعملتُ مُعاوية على الشام.

ولولا ما ظهر لي من حُرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي»(2).

إلى غير ذلك من الأخلاق التي تتطلّبها الولاية.

كما ينبغي أنْ يكون بعيداً في حكمه عن أساليب الطغاة والجبارين، فلا يتخذ حاجباً مثلاً.

فعن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة


1- صحيح مسلم ج5 كتاب الإمارة، الحديث14.
2- الإمامة والسياسة 1:40.


(264)

والمسكنة إلاّ أغلق اللّهُ أبواب السماء دونَّ خلّته، وحاجته ومسكنته»(1).

وقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من ولاّه اللّه شيئاً من اُمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلّتهم وفقرهم احتجب اللّهُ دون حاجته وخلّته وفقره يوم القيامة»(2).

وهناك كلام مماثل للإمام عليّ ـ عليه السلام ـ في عهده المعروف لمالك الأشتر إذ كتب فيه: «وأمّا بعدُ فلا يطولنَّ احتجابك عن رعيتك، فإنّ احتجاب الولاة عن الرعيَّة شُعبة من الضيق، وقلّة علم بالاُمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغَّر عندكم الكبير ويعظِّم الصغير ويقبّح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحقّ بالباطل، وإنّما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به عن الاُمور، وليست على الحقِّ سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب»(3).

وقال ـ عليه السلام ـ أيضاً: «أيّما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب اللّه يوم القيامة عن حوائجه وإنّ أخذ هديّة كان غلولاً وإن أخذ لها رشوةً فهو مشرك»(4).

وينبغي أن يكون الحاكم الإسلاميّ أميناً على أموال الاُمّةوناصحاً لهم في حكمه.

قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة» (5).

وقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «ما من عبد يسترعيه اللّه رعيَّةً يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيَّته إلاّ حرّم اللّه عليه الجنَّة» (6).

وقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «ما من أمير يلي اُمور المسلمين ثمَّ لا يجهدُ لهم وينصحُ لهم إلاّ لم يدخله معهم الجنَّة» (7).


1- جامع الاُصول 4:52 أخرجه الترمذيّ.
2- جامع الاُصول4:52 أخرجه أبو داود.
3- نهج البلاغة:قسم الرسائل (الرقم 53).
4- ثواب الأعمال:310.
5- صحيح مسلم:55 كما في جامع الاُصول الجزء (4).
6- جامع الاُصول 4:53 نقلاً عن البخاريّ ومسلم.
7- جامع الاُصول 4:53 أخرجه مسلم.


(265)

وأنْ يكون عطوفاً مع الضعفاء والأيتام . فقد جاء إلى أمير المؤمنينـ عليه السلام ـ عسل وتين من همدان وحلوان فأمر العرفاء أن يأتوا باليتامى فأمكنهم من رؤوس الأزقاق يلعقونها، وهو يُقسّمها للناس قدحاً، قدحاً، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما لهم يلعقونها ؟ فقال: «إنّ الإمام أبو اليتامى، وإنّما لعَّقتُهم هذا برعاية الآباء» (1).

بل وتبلغ عطوفة الحاكم الإسلاميّ وتتسع وظيفته إلى درجة يجب عليه أداء دين من مات ولم يترك شيئاً. . قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «أيّما مؤمن أو مسلم مات وترك ديناً لم يكن في فساد ولا إسراف فعلى الإمام أن يقضيه فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك» (2).

وعن أمير المؤمنين في مواساة الحاكم للضعفاء: «إنّ اللّه جعلني إماماً لخلقه ففرض عليَّ التَّقدير في نفسي ومشربي وملبسي كضعفاء الناس كي يقتدي الفقيرُ بفقري ولا يطغي الغنيّ غناهُ» (3).

ولمّا لبس عاصم بن زياد العباء وترك الملاء وشكاه أخوه الربيع (4) بن زياد إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أنّه قد غمَّ أهله وأحزن ولده بذلك، فقال أمير المؤمنين ـ عليه السلامـ: «عليَّ بعاصم بن زياد»، فجيء به فلما رآه عبس في وجهه، فقال له: «أمّا استحييت من أهلك ؟ أما رحمت ولدك ؟ أترى اللّه أحل لك الطيبات وهو يكرهُ أخذك منها، أنت أهون على اللّه من ذلك، أوليس اللّه يقول: (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَخْلُ ذَاتُ الأكْمام) (الرحمن: 10ـ11)، أو ليس اللّه يقولُ: (مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقيَانِ* بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ [ إلى قوله ]يَخْرُجُ مِنْهما الْلُّؤْلُؤُ وَ المَرجَانُ )(الرحمن: 19ـ22)، فباللّه لابتذال نعم اللّه بالفعال أحبّ إليه من أبتذالها بالمقال، وقد قال اللّهُ عزَّ وجلَّ: (وَأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ )(الضحى: 11).

فقال عاصم: ياأمير المؤمنين فعلى مَ اقتصرت في مطعمك على الجشوبة وفي ملبسك على الخشونة؟ فقال: «ويحك إنّ اللّه عزَّ وجلَّ فرض على أئمّة العدل أن يُقدّروا أنفسهم بضعفة النَّاس، كيلا يتبيَّغ بالفقير فقره».


1- الكافي 1:406 ، 407 ، 339.
2- الكافي 1:406 ، 407 ، 339.
3- الكافي 1:406 ، 407 ، 339.
4- وفي نهج البلاغة،علاء بن زياد.


(266)

فألقى عاصم بن زياد العباء ولبس الملاء (1).

وقال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في التعريف بالإمام: «يحقن اللّه به الدماء، ويصلح به ذات البين، ويلمَّ به الشَّعث ويشعب به الصَّدع، ويكسو به العاري ويشبع به الجائع ويؤمن به الخائف» (2).

وفي العهد الذي كتبه المأمون للرضا ـ عليه السلام ـ: (وأنظر الاُمّة لنفسه وأنصحهم للّه في دينه وعباده من خلايقه في أرضه من عمل بطاعة اللّه وكتابه وسنَّة نبيّه ـ عليه السلام ـ في مدَّة أيّامه وبعدها، وأجهد رأيه ونظره فيمن يولّيه عهده ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده وينصبه علماً لهم ومفزعاً في جمع ألفتهم ولم شعثهم وحقن دمائهم والأمن بإذن اللّه من فرقتهم وفساد ذات بينهم واختلافهم، ورفع نزع الشيطان وكيده عنهم)(3).

وإنّما استشهدنا بكلامه هذا لأنّ الظاهر أنّ هذه الكلمات كانت موضع القبول من الإمام ـ عليه السلام ـ وقد نقل الأربليّ كلاماً في هذا المقام فراجعه.

وصايا تكشف عن مسؤوليّة الحكام:

ولتتميم الفائدة وايقاف القارىء الكريم على مزيد من الصفات التي يليق أن يتحلّى بها الحاكم الإسلاميّ نلقي نظرةً سريعةً على ما كان يوصي به الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ الحكّام والولاة، وما أتينا به هنا إنّما هو قليل من كثير ممّا هو موزع في الكتب الحديثيّة والتاريخيّة.

وعن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «أُذكر اللّه الوالي من بعدي على اُمّتي ألاَّ يرحم على جماعة المسلمين فأجلّ كبيرهم ورحم ضعيفهم ووقَّر عالمهم، ولم يضربهم، فيذلَّهم ولم يفقرهم فيكفِِّّرهم ولم يغلق بابه دونهم فيأكل قويّهم ضعيفهم ولم يخبزهم في بعوثهم فيقطع نسل


1- الكافي 1:410 ـ 411، ونهج البلاغة:الخطبة (204).
2- الكافي 1:314.
3- كشف الغمّة 3 لعليّ بن عيسى الأربليّ:124، وبحار الأنوار:12 في العهد الرضويّ.


(267)

أُُمَّتي» (1).

وهذا الحكم وإن كان ورد في حقّ الوالي بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لكنّه موجّه لطبيعة الوالي، فهو يشمل جميع الولاة إلى يومنا هذا، لأنّه من باب تعليق الحكم على الوصف لا الشخص حتّى يختصّ بجماعة دون جماعة.

وفيما كتبه الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ لبعض موظّفيه: «آمره بتقوى اللّه في سرائر أمره وخفيَّات عمله حيث لا شاهد غيره ولا وكيل دونه وآمره أنّ لا يعمل بشيء من طاعة اللّه فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسرَّ ومن لم يختلف سرّه وعلانيته وفعله ومقالته فقد أدَّى الأمانة، وأخلص العبادة وأمره أن لا يجبههم ولا يعضههم ولا يرغب عنهم تفضّلاً بالإمارة عليهم فإنَّهم الإخوان في الدِّين والأعوان على استخراج الحقوق » (2).

وكتب ـ عليه السلام ـ إلى أحد ولاته قائلاً: «من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى قثم بن العبّاس سلام عليك، أمّا بعد، فأقم على ما في يديك قيام الحازم الصَّليب، والنَّاصح اللَّبيب، والتابع لسلطانه، المطيع لإمامه، وإيّاك وما يعتذر منه ولاتكن عند النَّعماء بطراً ولا عند البأساء فشلاً» (3).


1- الكافي 1:406.
2- نهج البلاغة:الرسائل (الرقم 26).
3- نهج البلاغة:الرسائل (الرقم 33).


(268)

(269)

الفصل الخامس

أركان الحكومة الإسلاميّة

إنّ للحكومة الإسلاميّة ـ كالحكومات الحيّة العالميّة الاُخرى ـ أركاناً ثلاثةً هي السلطات الثلاث التي تشكّل تركيبة الدولة الإسلاميّة ويلعب كلّ ركن من هذه الأركان دوراً خاصّاً ومهمّاً في الحكومة، ولو كانت الحكومات العالميّة تفتخر اليوم بأنّها قد توصّلت إلى اكتشاف هذه السلطات الثلاث، فإنّ الإسلام قد سبقها إلى إقرارها منذ اللحظات الاُولى من انعقاد السياسة والحكومة الإسلاميّة، وهذه حقيقة تؤكّدها مراجعة القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.

وممّا لاشك فيه أنّ الحكومة الإسلاميّة لا يمكن أن تقوم، ولايمكن أن تؤدّي وظائفها إلاّ بواسطة أجهزة وتشكيلات وسلطات، وتقسيم المسؤوليّات الإدارية والأعمال الحكوميّة على أفراد ودوائر، كما كان يفعله النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم طيلة حياته السياسيّة والإداريّة ولكن بصورة بسيطة، وبأسماء وعناوين اُخرى غير الأسماء والعناوين المعروفة الآن.

والسلطات التي تعتمدها الحكومة الإسلاميّة هي عبارة عن:

1ـ السلطة التشريعيّة

2ـ السلطة التنفيذيـّة

3ـ السلطة القضائيـّة

وإليك تفصيل هذه السلطات الثلاث.


(270)

1

السلطة التشريعيّة

ونقصدبهذه السلطة فريق الشورى الذين تنتخب الاُمّة أعضاءه تحت شروط ووفق مواصفات خاصّة (1) وتقع عليهم مهمة التصديق على لوائح الحكومة ومقترحات الوزراء، بعد تبادل الرأي فيها ودراستها، لتقديمها بعد ذلك إلى الحكومة للتنفيذ والتطبيق.

وهذه السلطة هي التي يصطلح عليها في السياسة الحديثة بالبرلمان، والمجلس النيابي، أو مجلس الشورى.

وبما سنذكره من مهمّة فريق الشورى هذا، يتبيّن بطلان ما قد يتوهّمه متوهّم من أنّ السلطة التشريعيّة ـ التي نذكرها هنا، ونعدّها من أركان الحكومة الإسلاميّة ـ هي الرائج والمتعارف في الحكومات العالميّة، من إعداد فرد أو جماعة يقومون بسنّ التشريعات والقوانين التي تحتاج إليها البلاد، فقد فصّلنا القول في الجزء الأوّل من كتابنا تحت عنوان: (التوحيد في التقنين والتشريع) وذكرنا; أنّ التشريع والتقنين محض حقّ للّه سبحانه فلا شارع ولا مقنّن سواه، ولا يحقّ لأحد ـ كان من كان وبلغ ما بلغ من


1- سوف يوافيك دليل انتخابهم من جانب الاُمّة.

(271)

العلم والثقافة والمكانة الفكريّة والاجتماعيّة ـ أن يشرّع حكماً أو يحلّ حلالاً، أو يحرّم حراماً، فكل ذلك موكول إلى اللّه سبحانه، ومن شأنه خاصّةً، فتقتصر مهمّة السلطة التشريعيّة المتمثّلة في مجلس الشورى (أو مجلس النواب حسب المصطلح الحديث) في التخطيط للبلاد، عن طريق التشاور وتبادل وجهات النظر ومدارسة المقترحات والآراء ثمّ إبلاغ ما يتم التصديق عليه من البرامج إلى الحكومة (التي تمثل السلطة التنفيذيّة) لغرض التنفيذ، بشرط أنّ يكون كلّ ذلك ضمن إطار القوانين الإسلاميّة في جميع المجلات.

وبعبارة اُخرى: للحكم والقانون ثلاث مراحل:

1ـ مرحلة التشريع; وهي للّه خاصّةً بالأصالة.

2ـ مرحلة التشخيص; وهي للفقهاء والعدول.

3ـ مرحلة التخطيط; وهي للمجلس النيابيّ.

والأخير هو الذي يجتمع فيه جماعة من ذوي الاطلاع والاختصاص وممّن يحملون معلومات مختلفةً فيخطّطون لبرامج البلاد حسب الضوابط الإسلاميّة.

وهذا القسم يستفاد من الآيات والروايات الواردة حول الشورى، وستوافيك عند الكلام عن خصائص الحكومة الإسلاميّة.

يقول الإمام الخمينيّ:

(الحكومة الإسلاميّة هي حكومة القانون الإلهيّ ويكمن الفرق بينها وبين الحكومات الدستوريّة منها والجمهوريّة في أنّ ممثّلي الشعب أو ممثّلي الملك هم الذين يقنّنون ويشرّعون، في حين تنحصر سلطة التشريع باللّه عزَّ وجلّ وليس لأحد أيّاً كان أن يشرّع وليس لأحد أن يحكم بما لم ينزّل اللّه به من سلطان ; ولهذا السبب فقد استبدل الإسلام بالمجلس التشريعيّ مجلساً آخر للتخطيط يعمل على تنظيم سير الوزارات في أعمالها وفي تقديم خدماتها في جميع المجالات) (1).


1- الحكومة الإسلاميّة للإمام الخمينيّ: 41 ـ 42.

(272)

إنّ أفضل تسمية لهذا المجلس هو (مجلس الشورى الإسلاميّ)لاستناده إلى قاعدتي: القوانين الإسلاميّة، والشورى بين نواب الشعب، وبهذا يكون هذا المجلس وطنيّاً حقيقيّاً لأنّه ينبثق من إرادة الشعب بصورة حقيقيّة.

وأمّا الشواهد والأدلّة التي تدلّ على ضرورة وجود مثل هذه السلطة في الحياة الإسلاميّة، من الكتاب والحديث فهي أكثر من أن تحصى، فإنّ الآيات القرآنيّة والأحاديث تدلّ بصراحة لا تقبل نقاشاً على أنّه يجب على الاُمّة الإسلاميّة أن تعالج مشاكلها بالمشاورة وتبادل الرأي.

وستوافيك نصوص المشاورة.

انتخاب فريق الشورى:

لمّا كانت تقع على عاتق فريق الشورى مسؤوليّة التشاور في التدابير المهمّة والخطيرة، ورسم سياسة الدولة والمجتمع، لذلك; فإنّ أصح الطرق وأفضلها إلى إيجاد هذا الفريق هو انتخابها من جانب الاُمّة، على أنّ عموميّة حقّ السيادة لجميع أفرادالاُمّة تقتضي أن يشترك جميع أبناء الاُمّة في مثل هذا الانتخاب، لتكون السلطة التشريعيّة منبثقةً عن إرادة الاُمّة بصورة حقيقيّة، وموافقةً لرضاها عامّة.

ولا شكّ أنّ الذين يتمتّعون بحقّ الانتخاب هذا لا بدّ أنّ يتّصفوا بالبلوغ في السنّ، والرشد في الفكر، لأنّ انتخاب الفرد الأصلح للمجلس الذي يتحمّل مسؤوليّة التصميم والقرار، يعتمد على وعي المنتخب ورشده وهو أمر لا يتوفّر إلاّ في البالغين سنّاً وعقلاً.

وإنمّا يجب أن يكون فريق الشورى وأعضاء المجلس النيابيّ مختارين ومنتخبين من جانب الاُمّة، لأنّ قاعدة «سلطة الناس على أموالهم وأنفسهم» تقتضي أن لايقيم أحد أو جماعة أنفسهم نوّاباً عن الناس دون أن يكون للناس دور في انتخابهم واختيارهم، وإن اعتادت اُمّتنا طوال القرون الأخيرة على هذا النمط من النيابة المزعومة،


(273)

وهؤلاء النواب غير المختارين من جانب الاُمّة.

على أنّ الأهمّ من مسألة الانتخاب هو ملاحظة المعايير والمواصفات الإسلاميّة التي يجب توفّرها في الانتخاب و الناخب، فليس للناس في ظل النظام الإسلاميّ أن ينتخبوا نوابهم ومندوبيهم في فريق الشورى دون مراعاة هذه الشروط والمواصفات، وانتخابهم وفق الاعتبارات التافهة كالروابط العائليّة والعشائريّة، أو التحالفات السياسيّة أو المعايير القوميّة العنصريّة، أو تحت تأثير المؤثرات الدعائيّة والاعلاميّة، أو تأثير التطميع والترغيب المادي.

إنّ أهميّة فريق الشورى (ومجلس النواب) ومدى دوره في تعيين مصير البلاد، والشعب يقتضي أن ينتخب الناس نوّابهم ومندوبيهم إلى هذا المجلس وفق اُسس دقيقة جداً ذكرها الدين في نصوصه، وحتّم على الاُمّة مراعاتها وعدم التفريط بها، وأهمها أن يكون النائب صالحاً، منزّهاً، طاهراً، عارفاً بأوضاع البلاد، ومطلعاً على حاجات الاُمّة، غير جاهل بما يحيق باُمته من أخطار وأوضاع وغير مرجح مصلحة جماعة على اُخرى.

إنّ على الاُمّة أن تنتخب نوّابها الاُمناء الصادقين، العارفين بالمصالح العامّة الأوفياء لها، إذ لو لم يكن على هذا النمط لعرّضوا البلاد لأخطار السياسة الماكرة ولخانوا مصالح الاُمّة، وكانوا سبباً لفسادها وفساد شؤونها.

فإذا كان استيجار شخص لعمل محدود بسيط يقتضي انتخاب القويّ الأمين كما يقول القرآن الكريم: ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأجَرْتَ القَويُّ الأمِينُ)(القصص: 26).

فمن الأولى; أن يكون المنتخب لمجلس الشورى الذي يتصدّى لأعظم مسؤوليّة في البلاد قويّاً في نفسيّته، أميناً على الأمانة المعطاة له.

ومن هنا يتحتم على النائب المنتخب المختار من جانب الاُمّة أن لا يخشى أحداً أبداً، فلا يتلكّأ في الإدلاء برأيه بكلّ قوّة وأمانة، كما على النائب أيضاً أن يتخذ جانب الحذر في جميع مدّة مسؤوليته النيابيّة، حتّى لا يقع في شراك اللعب السياسيّة، ويصير أداةً طيّعةً بأيدي الآخرين، وعليه أن يرجح المصالح العامّة على المصلحة الشخصيّة.


(274)

وبهذا يكون توفرّ صفتي القوّة والأمانة سبباً لأن يجعل من النائب عنصراً فعّالاً وخدوماً لشعبه واُمّته.

وهناك ـ إلى جانب هذه المواصفات ـ اُمور ينبغي توفّرها في النائب وعضو فريق الشورى ذكرها الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ في عهده التاريخيّ إلى مالك الأشتر ـ عندما ذكر له صفات مستشاريه ـ إذ قال: «ولا تدخلنَّ في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر. ولا جباناً يضعفك عن الاُمور، ولا حريصـاً يزيّن لك الشره بالجَّور» (1).

وهذا أمر ينطبق على المورد الذي نحن بصدده بطريق أولى.

وقال الإمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ: «فلا تستشر العبد والسفلة في أمرك»(2).

وعن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «ما يمنع أحدكم إذا ورد عليه مالا قبل له به أن يستشير رجلاً عاقلاً له دين وورع» (3).

وقال الإمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ: «إنّ المشورة لا تكون إلاّ بحدودها فمن عرفها بحدودها. وإلاّ كانت مضرتها على المستشير أكثر من منفعتها، فأوّلها أن يكون الذي يشاوره عاقلاً، والثانية أن يكون حرّاً متديّناً، والثالثة أن يكون صديقاً مواخياً، والرابعة أن تطلعه على سرّك فيكون علمه به كعلمك بنفسك ثمَّ يستر ذلك و يكتمه فإنّه إذا كان عاقلاً انتفعت بمشورته وإذا كان حرّاً متديّناً جهد نفسه في النصيحة لك وإذا كان صديقاً مواخياً كتم سرَّك إذا أطلعته على سرّك فكان علمه به كعلمك; تمت المشورة وكملت النصيحة» (4).

وقال ـ عليه السلام ـ أيضاً: «من استشار أخاه فلم يمحضه محض الرأي سلبه اللّه عزّ وجلّ رأيه» (5).

ثمّ لمّا كان يجب أنّ تنطبق مصوّبات فريق الشورى مع القوانين والمعايير


1- نهج البلاغة:قسم الرسائل (الرقم 53).
2- راجع سفينة البحار 1:718 للبحّاثة القمّي ( رحمه اللّه ).
3- راجع سفينة البحار 1:718 للبحّاثة القمّي ( رحمه اللّه ).
4- راجع سفينة البحار 1:718 .
5- راجع سفينة البحار 1:718 .


(275)

الإسلاميّة; لذلك يتحتّم أن يكون أعضاء هذا الفريق عارفين بالفقه الإسلاميّ معرفةً كاملةً وإذا لم يكونوا من ذوي الاختصاص والمعرفة الكاملة بالفقه الإسلاميّ، بل اقتصرت معلوماتهم على البرامج الاقتصاديّة والشؤون السياسيّة ـ مثلاً ـ وجب حينئذ أن يكون إلى جانب مجلس الشورى هذا، جماعة من الفقهاء ليقيّموا مصوّبات مجلس الشورى ويوازنوا بينها وبين معايير الشريعة الإسلاميّةوضوابطها. . ويجب أن يتخذ لذلك قرار خاصّ في الدستور بحيث لا تتصف مصوّبات المجلس النيابيّ بالصفة القانونيّة إلاّ بعد إمضائها من تلك الجماعة من الفقهاء. وهذه الجماعة هي التي نصطلح عليها بمجلس المحافظة على الدستور كما نصّ عليه في الدستور الأساسيّ لجمهورية إيران الإسلاميّة في الأصل الواحد والتسعين.

إنّ السلطة التشريعيّة التي تُعدّ ركناً أساسياً من أركان الحكومة الإسلاميّة إنّما هي بالمعنى الذي قد مرّ عليك، فليست لها وظيفة سوى التخطيط. . غير أنّ الدولة الإسلاميّة حكومةً وشعباً لا تستغني عن وجود (جهة) تتبنّى استخراج الأحكام الشرعيّة في جميع الأجيال والقرون عن مصادرها الشرعيّة، وهذا ما يقال له مقام الافتاء وبما أنّ لهذه الجهة والمقام دور كبير وحسّاس في الدولة الإسلاميّة; نشرح لك حقيقته وما يترتّب عليه من مسؤوليّات ووظائف.

***

المفتي أو فريق الإفتاء:

لاريب أنّ جميع الأحكام التي يحتاج إليها المجتمع البشريّ قد بيّنها اللّه سبحانه بواسطة الكتاب والسنّة ولذلك فإنّ وظيفة فريق الإفتاء لا تكون سنّ القوانين والتشريعات، بل استنباط الأحكام للموضوعات المتجدّدة من المصادر الإسلاميّة المذكورة مضافاً إلى: العقل واجماع الفقهاء السابقين.

فليس لفريق الإفتاء إلاّ استخراج الأحكام لما يتجدّد ويحدث للمجتمعات الإسلاميّة من الوقائع، وعرض ما استنبطوه في صورة القوانين الإسلاميّة الواضحة


(276)

المحدّدة على المجتمع الإسلاميّ، وعلى فريق الشورى تنظيم مصوّباتهم وفق هذه الأحكام والمعايير المبيّنة المحدّدة.

وباختصار تتحدّد وظيفة فريق الإفتاء في أمرين:

أ/ بيان الوظائف الفرديّة ليتسنّى لكلّ مسلم تطبيق حياته عليها سواء أكان هناك حكومة إسلاميّة قائمة، أم لا، وتكون هذه الوظائف غالباً في مجالات العبادة والأخلاق وقسم من نظم التعامل الفرديّ والعلاقات الخاصّة، والأحوال الشخصيّة كالنكاح والطلاق والميراث وغيرهما.

ب/ بيان الضوابط والمناهج السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة العامّة الإسلاميّة التي تكون نماذج حيّةً يخطّط (فريق الشورى) شؤون البلاد في السياسة والاقتصاد والاجتماع وفقها وعلى ضوئها.

وتدلّ على ضرورة وجود هذا الفريق (أي فريق الإفتاء) في الحياة الإسلاميّة آيات كثيرة وأحاديث متضافرة نذكر بعضها في ما يأتي:

فريق الإفتاء والنصوص:

وأمّا ما يدلّ على ذلك من القرآن الكريم فقوله تعالى: ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )(النحل: 43) (1).

وقوله تعالى: ( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة: 122).

وقد جاء في تفسير هذه الآية عن الإمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ قوله: «أمرهُم


1- إنّ المراد بأهل الذكر، وإن كان علماء أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) كما يشهد بذلك سياق الآية وشأن نزولها ; ولكنّ المورد لا يكون مخصّصاً للحكم الكلّي أبداً كما هو واضح، فالرجوع إلى أهل العلم وذوي الاختصاص لاكتشاف المجهولات أمر فطريّ مركوز في العقول، ومعترف به لدى العرف. فهو قانون عامّ لا يقتصر على موضوع دون موضوع، ولا جيل دون جيل.

(277)

(اللّهُ) أن ينفروا إلى رسول اللّه فيتعلّموا ثُمّ يرجعوا إلى قومهم فيُعلِّموهُم» (1).

وأمّا الأحاديث الدالة على ضرورة وجود هذا الفريق ووجوب الرجوع إليه والأخذ بآرائه، فقد تضافرت الأحاديث عن أئمّة أهل البيت على لزوم الرجوع إلى الفقهاء في الفروع والأحكام والحوادث الواقعة، وقد جمعها الشيخ الحرّ العامليّ في كتاب الوسائل فراجع كتاب القضاء الأبواب المختلفة منه.

***

نقطتان لا بدّ من ذكرهما:

إنّ طرح موضوع فريق الإفتاء يتطلب منّا توضيح نقطتين هامّتين في المقام:

النقطة الاُولى: ـ إنّ الإسلام لا يتلخّص في مجموعة من الأوراد والأذكار أو القوانين الجامدة البعيدة عن واقع الحياة المتطوّر، وحاجة المجتمع المتجدّدة، بل ينطوي الدين الإسلاميّ على برنامج كامل للحياة الإنسانيّة، ولكلّ العصور والأمكنة ولكلّ أصناف المجتمع ومستوياته.

وهذا يستلزم أن يكون فريق الإفتاء في مواجهة دائمة مع الوقائع المستجدّة والمسائل المستحدثة. . التي تتطلّب الإجابة والحكم المناسب لها وفق الشريعة المقدّسة. ولاشكّ أنّ إعطاء هذا الجواب والحكم يتطلّب الوقوف والمعرفة بالموضوعات المستحدثة، ولهذا يتحتم على فريق الإفتاء أن يكون على اتّصال دائم بذوي الاختصاص في المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، للوقوف على أحدث التطوّرات في هذه الأصعدة، إذ ربما أحتاج الفقهاء إلى من يشرح لهم حقيقة الواقعة المستجدّة، أو يبيّن ما حدث لموضوع معيّن من التطوّرات وحصل حوله من معلومات يمكن أن يوجب تغييراً في حكمها، ويدخله تحت عنوان يختلف عن الموضوع الأوّل في الأحكام والتبعات فلطالما شاهدنا نماذج من هذا التبدّل في الموضوع و الحكم، فربَّ موضوع كان يوضع في صنف المحرّمات، ولكنّ مرور الزمن استوجب ظهور حقيقته، وتبدّل عنوانه فصار من


1- وسائل الشيعة ج 18 كتاب القضاء:ص 10.

(278)

المباحات.

إنّ اتساع وسائل الإعلام وتطور المواصلات الذي استوجب تقارب المجتمعات البشريّة وارتباطها، أفرزت اليوم مسائل مستجدّة ومشكلات وقضايا لا يمكن حلّها فقهيّاً إلاّ بعد الاتصال بذوي الاختصاص في العلوم الحديثة المختلفة. إذ في هذا الاتّصال ما يوضّح حقيقة هذه المستجدات وحدودها وقيودها، وهي اُمور دخيلة في نوع الحكم المراد استنباطه لها، وفي صحة الاستنباط.

فإذا كان الفقيه أو الفقهاء يريدون استنباط حكم شرعيّ لما حدث اليوم من مسائل التأمين على الحياة أو المال أو الضمان الاجتماعيّ وقضايا الشركات السهاميّة التي تقام في الحياة المعاصرة وتحظى بصفة قانونيّة، ورسميّة ـ مثلاً ـ توجّب عليهم أن يعرفوا حقيقة هذه المسائل وابعادها وحدودها وتفاصيلها لكي لاتأتي استنباطاتهم الفقهيّة لها بعيدةً عن روح الشريعة الإسلاميّة ومتنافيةً مع جوهر تعاليمها السمحة الخالدة.

***

النقطة الثانية: ـ إنّ إعطاء مسؤوليّة الإفتاء لفريق، لا يعني أنّ مقام الإفتاء يجب أن يكون حتماً من حقّ جماعة، يجتمعون ويتدارسون فيما بينهم جوانب المسألة المستجدّة، ويستنبطون الحكم الشرعيّ المناسب لها بحيث لا يحقّ لفرد واحد أن يتحمّل هذه المسؤوليّة بمفرده ويتصدّر مقام الإفتاء لوحده، بل إنّ إعطاء هذا المقام لجماعة دون فرد واحد هو أفضل صيغة لهذا القسم الخطير والحسّاس في تركيبة الحكومة الإسلاميّة. وهو أمر تدل عليه آيات الشورى وأحاديثها التي مرّت عليك التفصيل.

فبالمشورة وتبادل الآراء لدى استنباط الأحكام الشرعيّة الفقهيّة يمكن أن نضمن حلاًّ أفضل وأسرع للمشكلات الطارئة، كما يمكن التخلّص من أكثر الاحتياطات المقيّدة لحريّات الناس والموجبة لعسرهم وحرجهم، فإنّ قيمة العمل الجماعي القائم على الشورى والتشاور تختلف اختلافاً كبيراً عن العمل الفرديّ إلى درجة نجد أنّ اللجان الاستشاريّة تحتلّ ـ في عالمنا المعاصر ـ مكان المشورة الفرديّة، وتحتلّ هيئة القضاة محلّ القاضي المنفرد


(279)

وبالتالي فإنّ النتيجة التي يمكن الحصول عليها من النشاط الجماعيّ تفوق ما يكون فردياً لا يشارك في صنعه الآخرون، لما في احتكاك الآراء وتبادل الأفكار وتلاحقها واجتماعها من فوائد، على غرار ما لاجتماع القوى الماديّة وانضمامها إلى بعض وتمركزها في نقطة واحدة من الفوائد والآثار، ولكنّ ايكال الأمر إلى فريق ـ مع ذلك ـ مجرّد اقتراح مطروح للدرس والمناقشة، ولذلك قلنا في عنوان هذا البحث: المفتي أو فريق الإفتاء.

نعم، إنّ الطريق الأفضل هو تقديم الأعلم والأخذ بفتواه، وإيكال مهمّة الإفتاء إليه ريثما يتسنّى تشكيل فريق الإفتاء.

هذا ويمكن أن يتردّد البعض اتّجاه صحّة هذه الصيغة ونعني إيكال الإفتاء إلى فريق من المفتين بدل المفتي الواحد ـ رغم أنّ هذا الشكل هو أفضل نمط لهذه السلطــة ـ بحجة أنّه لم يسبق له مثيل في ما مضى من الزمن.

ونجيب بأنّ أحاديث الشورى المنقولة سابقاً وفي الفصول القادمة خير دليل على صحّة وأفضليّة هذا النمط، مضافاً إلى أنّه نقل عن سنن أبي داود أنّه قال الراوي: قلت: يارسول اللّه ينزل بنا أمر، ولم ينزل فيه قرآن ، ولم تمض سنّتك؟ فقالصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «اجمعُوا العالمين من المؤمنين فاجعلوهُ شورى، ولا تقضوا فيه برأي أحد (أي واحد)» (1).

إنّ العمل الاجتهاديّ الجماعيّ أقلّ خطأً، وأقرب إلى إصابة الواقع، وأكثر قدرةً على تجاوز المشكلات وهو ما يسعى إلى تحقيقه مبدأ الشورى الذي ابتكره الإسلام وحضّ عليه أشدّ الحضّ، وأكدّ عليه أشدّ التأكيد.

وهو مع ذلك مجرّد اقتراح مطروح للمناقشة.. والدرس بموضوعيّة وتجرّد لا أكثر.

ثمّ إنّه لا بدّ ـ في تشكيل فريق الإفتاء ـ من ملاحظة الظروف والجوانب السياسيّة والاجتماعيّة، فلا بدّ من المشورة إذن في أصل: تشكيل مثل هذا الفريق، فقد لا تقتضي بعض الظروف إيكال مهمّة الإفتاء إلى جماعة، بل لا بدّ من وجود قائد واحد وإرجاع الأمر إليه وحده لما في إطاعته وحده من قوّة لشوكة المسلمين التي قد لا تتوفر في إرجاع


1- السيوطي في الدر المنثور7:357.

(280)

الأمر إلى جماعة. . بل ربّما يكون إيكال مقام الإفتاء إلى مفت واحد وقائد فقيه منفرد أدعى لعزّة المسلمين، وارتفاع شأن الدين لما له من شخصيّة نافذة وقوّة ذاتيّة معروفة فيما يكون العكس في فريق الإفتاء حيث تضمحلّ فيه الشخصيّات، ويفقد الأشخاص أهميّتهم الذاتيّة في ظلّ ذلك المجلس وهو من شأنه ضعف قدرة القيادة الإسلاميّة، ووهن الزعامة الدينيّة.

وقد يكون من نافلة القول إذا قلنا إنّ الاشتراك في هذا الفريق يتطلّب الاتّصاف بمواصفات خاصّة تؤهّل الفرد للانخراط فيه، فلا يدخل في هذا الفريق إلاّ المجتهدون، الواعون المعروفون بالفهم والعلم، والورع والشجاعة، والإحاطة بمشكلات العصر وحاجات الاُمّة. . وغير ذلك من الصفات والأخلاق اللازمة.


(281)

2

السلطة التنفيذيّة

المراد بالسلطة التنفيذيّة في مصطلح اليوم هو هيئة الوزراء، وما يتبعها من دوائر ومديريّات منتشرة في أنحاء البلاد، ويكون مهمّتها تنفيذ ما يقرّره مجلس الشورى من تصميمات، وقرارات، ومخطّطات في شتّى حقول الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، وبالتالي يقع على عاتقها مهمّة إدارة البلاد بصورة مباشرة، وهذه السطة لا تتحدّد ـ في عصرنا ـ بتشكيلات محدّدة كمّاً أو كيفاً بحيث لا تتعدّاها بل تختلف من بلد إلى بلد، ومن زمن إلى زمن. . فهي تزيد أو تنقص، وتضاف مديريّة أو تحذف، أو يدمج بعض في بعض تبعاً للحاجة.

وهيئة الوزراء التي تتصدّر هذه السلطة إمّا أن:

أ ـ ينتخبها الحاكم الأعلى المنتخب للبلاد رأساً.

ب ـ أو ينتخبها مجلس الشورى.

ج ـ أو تنتخبها الاُمّة مباشرةً، وإن كان هذا نادراً.

وعلى أيّ تقدير فإنّ الذي لا بدّ منه هو أن تكون السلطة التنفيذيّة ـ وفي مقدمتها الوزراء موضع رضا الاُمّة، وذلك يحصل بإحدى الطرق المذكورة، وإن كان الدارج الآن


(282)

هو انتخابها عن طريق الحاكم الأعلى، مع موافقة مجلس الشورى.

وإنّما يجب أن تكون هذه السلطة موضع رضا الاُمّة لأنّها تتسلّم زمام السلطة المباشرة على نفوس الناس وأموالهم وأرواحهم، وهذا التسلّط والتصرّف يؤول إلى الاستبداد إذا لم يكن منوطاً برضا الناس، وموافقتهم وإرادتهم.

وهذا هو ما أكّد عليه الدين الإسلاميّ في نظامه السياسيّ، فقد أشار الإمام عليّ ابن أبي طالب ـ عليه السلام ـ إلى ذلك ـ في عهده المعروف للأشتر النخعيّ لمّا ولاّه على مصر حيث وصّاه بأن يتحرّى رضا الرعيّة إذ قال: «وليكن أحبّ الاُمور أليك أوسطها في الحقِّ، وأعمَّها في العدل، وأجمعها لرضا الرَّعيَّة، فإنَّ سخط الخاصَّة ـ يُجحفُ برضا العامّة، وإنَّ سخط الخاصَّة يُغتفرُ مع رضا العامّة» (1).

هذا والحديث عن السلطة التنفيذيّة يستدعي البحث في ثلاثة اُمور:

أوّلاً: إثبات ضرورة وجود هذه السلطة في الحياة الاجتماعيّة جنباً إلى جنب مع السلطة التشريعيّة، والحاكم الأعلى للبلاد.

ثانياً: استعراض ما كانت عليه هذه السلطة في (العهد النبويّ) خاصّةً وما آلت إليه فيما بعد.

ثالثاً: بيان الكيفيّة التي يجب أن تكون عليه الآن.

وإليك بيان هذه الاُمور تدريجياً.

ضرورة السلطة التنفيذيّة:

لا ريب أنّ القوانين الإسلاميّة التي شرّعها اللّه سبحانه للبشريّة وأنزلها عليهم، وكذا ما يستنبطه الفقهاء والمجتهدون أو تقرّره السلطة التشريعيّة من برامج على ضوء التعاليم الإسلاميّة لم تكن إلاّ لإدارة المجتمع. فلم يكن تشريع كلّ تلك الشرائع، ولا


1- نهج البلاغة:الرسالة (53).

(283)

وضع جميع تلك البرامج عملاً اعتباطيّاً، بل كانت لأجل التنفيذ والتطبيق، وتنظيم الحياة الاجتماعيّة وفقها، فالقانون مهما كان راقياً وصالحاً ليس بكاف وحده في إصلاح المجتمع وإصلاح شؤونه، بل لا بدّ من إجرائه، وتنفيذه في الصعيد العمليّ.

إنّ الكتاب والسنّة زاخران بأحكام حقوقيّة ومدنيّة وجزائيّة وسياسيّة كثيرة وواسعة الأطراف والأبعاد وهي غير خافية على كلّ من له أدنى إلمام بهذين المصدرين الإسلاميّين العظيمين.

ففيهما الأمر الصريح والأكيد بقطع يد السارق: (فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا)(المائدة:38) وجلد الزاني والزانية: (الْزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة )(النور: 2).

إلى غير ذلك من القوانين والحدود. ولقد حثّ الشارع الكريم على إجراء هذه الحدود وتنفيذ هذه القوانين، والتعاليم حثّاً أكيداً لا يترك لمتعلّل عذراً فقد ورد عن الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ أنّه قال: «سمعت رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقول: لن تقدس اُمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقَّه من القوي غير متعتع» (1).

وروى ابن أبي الحديد المعتزليّ أنَّه خرج رجل من أهل الشام في وقعة صفين فنادى بين الصفّين: يا عليّ ابرز أليّ، فخرج إليه عليّ ـ عليه السلام ـ فقال: إنّ لك يا عليّ لقدماً في الإسلام والهجرة، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن دماء المسلمين وتأخّر هذه الحروب حتّى ترى رأيك ؟ فقال ـ عليه السلام ـ: «وما هو؟ » قال: ترجع إلى عراقك فنخلّي بينك وبين العراق، ونرجع نحن إلى شامنا فتخلّي بيننا وبين الشام ؟ فقال عليّ ـ عليه السلام ـ: «قد عرفت ما عرضت إنّ هذه لنصيحة وشفقة، ولقد أهمَّني هذا الأمر وأسهرني وضربت أنفه وعينه، فلم أجد إلاَّ القتال أو الكفر بما أنزل اللّه على محمّدصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

إنّ اللّه تعالى ذكره لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون، لا يأمرون بمعروف و لا ينهون عن منكر فوجدت القتال أهون عليَّ من معالجة في الأغلال في جهنَّم» (2).


1- نهج البلاغة:الرسالة (53).
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2:207 ـ 208.


(284)

ولمّا سرقت المرأة المخزوميّة ما سرقت ـ في عهد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وأراد اُسامة بن زيد الشفاعة في حقّها، فكلّم النبيّ في أمرها، قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «أتشفع في حدّ من حدود اللّه» ؟!

ثمّ قام فخطب وقال: «أيّها الناسُ إنَّما هلك الَّذين من قبلكُم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضَّعيف أقاموا عليه الحدَّ» (1).

وعن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «ساعة إمام عادل أفضل من عبادة سبعين سنة وحدّ يقام للّه في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحاً» (2).

وفي حديث مفصّل وقضية مطوّلة قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «اللّهمَّ إنّك قلت لنبيّك فيما أخبرته من دينك: يا محمّد من عطَّل حدَّاً من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادَّتي» (3).

وقال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أيضاً: «لابدَّ للنَّاس من إمام يقوم بأمرهم وينهاهم ويقيم فيهم الحدود ويجاهد فيهم العدوَّ، ويقسّم الغنائم ويفرض الفرائض أبواب ما فيه صلاحهم ويحذّرهم ما فيه مضارّهم، إذا كان الأمر والنهي أحد أسباب بقاء الخلق وإلاّ سقطت الرغبة والرهبة ولم يرتدع ويفسد التدبير وكان ذلك سبباً لهلاك العباد فتمام أمر البقاء والحياة في الطَّعام والشَّراب والمساكن والنكّاح من النّساء والحلال الأمر والنَّهي»(4).

وعن الإمام الباقر محمد بن عليّ ـ عليه السلام ـ: «إنّ اللّه تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاُمّةُ ـ إلى يوم القيامة ـ إلاَّ أنزله في كتابه، وبيَّنه لرسوله. وجعل لمن تعدَّى الحدَّ حدَّاً»(5).

وعنه ـ عليه السلام ـ أيضاً أنّه قال: «حدّ يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين


1- صحيح مسلم 5:114.
2- وسائل الشيعة 18:308، والخراج:164.
3- وسائل الشيعة 18:308.
4- رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى نقلاً عن تفسير النعمانيّ:50.
5- وسائل الشيعة 18:311.


(285)

ليلة وأيّامها» (1).

وعنه ـ عليه السلام ـ أيضاً أنه قال: «لا تبطل حدود اللّه في خلقه ولا تبطل حقوق المسلمين بينهم»(2).

وقال الإمام الصادق جعفر بن محمّد ـ عليه السلام ـ :قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «إقامة حدّ خير من مطر أربعين صباحاً» (3).

وقال الإمام الكاظم موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ في تفسير قول اللّه عز وجل: (يُحْي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) (الروم: 19): «ليس يحييها بالقطر، ولكن يبعث اللّه رجالاً فيحيون العدل فتحيا الأرض لأحياء العدل، لإقامة الحدّ فيه أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحاً» (4).

إلى غير ذلك من الأحاديث الصريحة التي تحث على أجراء الحدود، مضافاً إلى الآيات القرآنيّة الكريمة التي تحثّ بدورها على العمل بأحكام اللّه سبحانه، دون فرق بين ما تعلّق منها بالفرد أو المجتمع وتندّد بالذين يعلمون الكتاب، ويعرفون ما فيه من التعاليم والأحكام ولا يعملون بها.

بيد أنّ تنفيذ الأحكام والقوانين المتعلّقة بالمجتمع، وإجراء الحدود لا يمكن أن يفوّض إلى عامّة الناس وسوادهم فلا يعني ذلك إلاّ شيوع الفوضى، وضياع الحقوق، واضطراب الحدود بين الافراط والتفريط، ولهذا لابدّ من جهاز تنفيذيّ خاصّ يتولّى هذه المهمّة الاجتماعيّة الحساسّة. . ويقوم بهذا الدور الخطير.

ومن العجيب أنّ موضوع الهيئة التنفيذيّة رغم كونه من أبرز ما أشار إليه الإسلام بل وصرّح به في نظام الحكومة الإسلاميّة; قد تعرّض لتجاهل بعض الباحثين حول الإسلام بل وإنكارهم; فقد أخذ بعض المستشرقين ـ فيما أخذ ـ على الإسلام فقدانه لجهاز تنفيذيّ ونظام حكوميّ يضمن تنفيذ القوانين، ويضفي على الإسلام طابع المنهج


1- وسائل الشيعة 18: 308 ،315.
2- وسائل الشيعة 18: 308 ،315.
3- نفس المصدر: 308
4- نفس المصدر: 308


(286)

الصالح لقيادة البشريّة حتّى في الصعيد السياسيّ فقال ما ملخّصه: «إنّ الإسلام مشتمل على قوانين وسنن رفيعة تتكفّل سعادة المجتمع فرديّاً واجتماعيّاً بيد أنّ ما جاء به الإسلام لا يتجاوز حدود التوصية الاخلاقيّة والإرشاد المعنويّ دون أن يكون لديه ما يضمن تنفيذها من سلطات وأجهزة، فإنّنا لم نلمس في التعاليم الإسلاميّة الموجودة إيّ إشارة إلى هيئة تنفيذيّة تقوم بإجراء الأحكام، وتنفيذ القوانيين ولذلك تعتبر الشريعة الإسلاميّة غير كافية من هذه الناحية، وعاجزةً عن التطبيق».

هذا هو خلاصة ماقاله بعض المستشرقين، ولكن لو رجع صاحب هذه المقالة إلى الكتاب والسنّة، ولاحظ ما طفحت به الكتب الفقهيّة الإسلاميّة من سياسات اجتماعيّة، وحقوق مدنيّة، وتدابير جزائيّة عهد إجراؤها إلى الحاكم الإسلاميّ; للمس وجود الهيئة التنفيذيّة في النظام الإسلاميّ بجوهره وحقيقته وإن لم يكن بتفصيله المتعارف الآن.

فأيّ تصريح بوجود الجهاز التنفيذيّ أكثر صراحةً من إيكال قسم كبير من القضايا الاجتماعيّة، والاُمور الجزائيّة إلى (الحاكم الشرعيّ) حيث نجد الكتب الفقهيّة زاخرةً بعبارات: عزّره الحاكم، أدّبه الحاكم، نفاه الحاكم، طلّق عنه الحاكم، حبسه الحاكم، خيّره الحاكم (1). وما شابه من الاُمور المخوّلة إلى الحاكم الإسلاميّ، وهو يوحي بوجود جهاز تنفيذيّ في النظام الإسلاميّ، لأنّ أكثر تلك المهام هي من صلاحيات السلطة التنفيذيّة المتعارفة الآن.

هذا مضافاً إلى أنّ موضوع (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الذي يؤكّد عليهما الدين الإسلاميّ أشدّ تأكيد يعتبر من أوضح الأدلّة على لزوم مثل هذا الجهاز التنفيذيّ حتّى يمكن القول ـ بدون مبالغة ـ أنّ المقصود بالقائمين بهذه الفريضة الكبرى، والوظيفة العظمى هو (الهيئة التنفيذيّة).


1- راجع هذا الجزء:23 ـ 30.

(287)

الآمرون بالمعروف هم السلطة التنفيذيّة:

إنّ النظر العميق في فريضة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وأحكامهما ومسائلهما، وشروطهما يقضي بأنّ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم (السلطة التنفيذيّة) التي تقع على عاتقها مهمّة إجراء الأحكام، وتنفيذها وصيانتها في المجتمع الإسلاميّ. ولابدّ ـ قبل إثبات هذا الأمر ـ من تقديم مقدّمة حول هذه الفريضة الإسلاميّة العظمى فنقول: تعتبر وظيفة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أصلاً مبتكراً، وفريضةً بديعةً جاء بها الإسلام وهي ممّا لم يعهد لها نظير في الأنظمة الوضعيّة البشريّة فقد فرض الدين الإسلاميّ ـ بموجب هذه الفريضة ـ على أتباعه أن ينشروا الخير والمعروف بين الناس، ويزجروا عن الشرّ والمنكر، ولا يكونوا متفرّجين أو ساكتين اتّجاه ما يجري في المجتمع ويقع من إظهار المنكر أو تضييع للمعروف.

ولقد انطلق الإسلام ـ في إيجابه لهذه الفريضة العظيمة ـ من حقيقة اجتماعيّة مسلّمة وهي: أنّ أعضاء المجتمع الواحد الذين يعيشون في بيئة واحدة، مشتركون في المصير. . فلو كان هناك خير لعمّ الجميع ولم يقتصر على فاعله، ولو كان هناك شرّ لشمل الجميع أيضاً ولم يختصّ بمرتكبه. ومن هناك يجب أن تتحدّد تصرّفات الأفراد في هذا المجتمع، وتتحدّد حريّاتهم بمصالح الاُمّة، ولا تتخطّاها.

ولقد شبّه الرسول الأكرم وحدة المصير للمجتمع الواحد بأحسن تشبيه حيث مثّل أفراد المجتمع بركاب سفينة في عرض البحر، إذا تهددها خطر تهدّد الجميع ولم يختصّ بأحد دون أحد. . ولذلك لا يجوز لأحد ركّابها أن يثقب موضع قدمه بحجّة أنّه مكان يختصّ به. ولا يرتبط بالآخرين، لأنّ ضرر هذا العمل يعود إلى الجميع. . ولا يعود إليه خاصّةً. وهذا هو أفضل تشبيه لاشتراك المجتمع الواحد في المصير، والمسير (1).

كما أنّه لو أصيب أحد أفراد المجتمع بالوباء لم يجز له أن يتجوّل في البلاد بحجّة


1- راجع روض الجنان للشيخ أبي الفتوح الرازيّ.

(288)

أنّه حرّ; لأنّ ذلك يعرّض سلامة الآخرين للخطر، فلا بدّ أن يتحدّد تجوّله، تجنيباً للمجتمع من كوارث ذلك المرض.

إنّ هذه الأمثلة وأشباهها توضّح أهميّة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ومكانتهما ومدى أثرهما في سلامة المجتمع واستقامته وصلاحه، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نظارة عموميّة، ورقابة صارمة تمنع من تفشّي المنكر وتساعد على نمو الخير، وازدهاره. وهما إلى جانب ذلك سبب قويّ في بقاء الدين، واستمرار الرسالة الإلهيّة.

ولقد وردت في التأكيد على هذه المهمّة الخطيرة آيات قرآنيّة كثيرة، وأحاديث، تأمر الجميع بالقيام بالدعوة إلى الخير، وإنكار المنكر، وهي معلومة وواضحة لكلّ من له أدنى إلمام بالشريعة الإسلاميّة.

نعم، ربّما يُتوهّم من بعض الآيات خلاف ذلك، وهي تلك الآيات التي يتمسّك بها بعض طلاب الراحة والعافية واتّباع الهوس لسدّ باب التبليغ والدعوة، أو للتخلّص من تحمّل مشكلاتها، وصعوبتها، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعَاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (المائدة: 105).

وقد رفع المفسّرون النقاب عن وجه هذه الآية وفسّرها الأمين الطبرسيّ في تفسيره مجمع البيان بقوله: «إنّ الآية لا تدل على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل توجب أنّ المطيع لربّه لا يؤخذ بذنوب العاصي» (1).

بيد أنّ لنا توضيحاً آخر لمفاد هذه الآيةوهو: أنّ الآية تشير إلى سيرة عقلائيّة وقضيّة عقليّة وهي أنّ على من يريد إصلاح المجتمع أن يبدأ بنفسه ثمّ يتعرّض لإصلاح الآخرين فما لم يصلح المرء نفسه ليس له أن يؤدّب غيره، وإلى ذلك يشير الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ قائلاً: «من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأديبهُ بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلمُ نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس


1- تفسير مجمع البيان 3:254.

(289)

ومؤدّبهم»(1).

وبالجملة أنّ الآية ناظرة إلى الاجتماعات الفاسدة الغارقة في الفساد والانحراف. . فإنّ الطريق الوحيد لإصلاحها هو الابتداء بإصلاح الذات وعدم توقّع أيّ إصلاح للغير قبل ذلك; وأن لا يترك إصلاح نفسه بحجّة أنّ المجتمع فاسد وإليه يشير قوله سبحانه: ( لاَ يَضُرُّكّمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهتَدَيْتُمْ ) ويؤيد ذلك قول النبيّ الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء».

فقيل: يارسول، من الغرباء ؟ فقال: «الَّذين يصلحون إذا أفسد الناس من سنَّتي» (2).

وهذا الحديث يرفع التوهّم حول الآية خصوصاً إذا قرىء قوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «يصلحون» بصيغة اللازم، فإلى هذا المعنى تشير الآية المذكورة. وعلى أيّ تقدير فالآية لا ترتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا تمتّ بهما بصلة.

ولقد كفى في أهميّة هذه الوظيفة أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد بلغا من الأهميّة والأثر حتّى صارا أفضل من الجهاد إذ قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «وما أعمال البرّ كلّها والجهاد في سبيل اللّه عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاّ كنفثة في بحر لجّيّ»(3).

ووجه هذه الأفضليّة على الجهاد وسائر أعمال البرّ هو أنّ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بكلا قسميه (الفرديّ والاجتماعيّ) كما سيوافيك بيانهما مكافحة داخليّة، والجهاد كفاح خارجيّ. والاُولى متقدّمة على الثانية، فلو لم يصلح الداخل لم يصلح الخارج، وما دام الداخل غير مستعدّ للإصلاح لا يمكن للمسلمين أن يخطوا أيّة خطوة لإصلاح الخارج.

كما و يؤكّد ضرورة إنكار المنكر وحرمة تركه قوله تعالى: ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي


1- نهج البلاغة:ـ الحكم ـ الرقم (73).
2- جامع الاُصول 10:212، أخرجه الترمذي.
3- نهج البلاغة:قصار الحكم الرقم (374).


(290)

الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَاتَ اللّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيث غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَميْعَاً ) (النساء: 140).

فهذه الآية تدلّ على أنّ السكوت على المنكر يوجب أن يكون الساكت على الذنب كالمرتكب له، ولأجل ذلك قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «إنَّما يجمع الناسُ الرِّضى والسَّخطُ وإنَّما عقر ناقة ثمُود رجُل واحد فعمَّهُم اللّهُ بالعذاب لمَّا عمّوهُ بالرِّضى» (1).

ثمّ إنّ الغور في هذه الوظيفة الإسلاميّة ومعرفة شروطها وفروعها وآثارها الحيويّة يستدعيّ إفراد رسالة مفصّلة خاصّة بذلك.

غير أنّنا نقتصر هنا على ذكر ما يرتبط ببحثنا وهو إثبات وجود (السلطة التنفيذيّة) في نظام الحكم الإسلاميّ فنقول: إنّ النظر في مهمّة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يقضي بأنّ الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر يتمثّلون ـ في الحكومة الإسلاميّة ـ في (الهيئة التنفيذيّة) فليست هذه السلطة في حقيقة الأمر إلاّ القائمين بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على صعيدهما الاجتماعيّ العموميّ. والوقوف على هذا المطلب يحتاج إلى التنبيه على أنّ فريضة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) تنقسم إلى وظيفتين:

1ـ وظيفة فرديّة.

2ـ وظيفة اجتماعيّة عموميّة.

وهما يختلفان ماهيّةً وشروطاً حسبما نعرف ذلك من الكتاب والسنّة كما سيوافيك بيانه.

أمّا الكتاب فنجده يوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارةً على المجتمع، أيّ على كلّ فرد فرد من أعضاء الاُمّة الإسلاميّة، وتارةً على جماعة خاصّة من المجتمع الإسلاميّ وإلى القسم الأوّل(الفرديّ) يشير قوله تعالى: ( وَالمؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعضُهُمْ


1- نهج البلاغة:الخطبة (201).

(291)

أَوْليَاءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيُقِيمُونَ الْصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمهُمْ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة: 71).

وقوله تعالى: ( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بالمعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المنْكَرِ وَ الحافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنْينَ ) (التوبة: 112).

وقوله سبحانه: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) (آل عمران: 110).

إلى غير ذلك من الآيات، والخطابات الموجّهة إلى المجتمع بصورة عامّة.

وإلى القسم الثاني تشير الآيات التي تضع هذه الوظيفة على عاتق جماعة خاصّة وتعبّر عنها... بـ (اُمّة)... وفي ذلك قوله سبحانه: ( وَلْتَكُنْ مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَيالْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ )(آلعمران:104).

ومن المعلوم أنّ الاُمّة عبارة عن جماعة خاصّة تجمعهم رابطة العقيدة ووحدة الفكر، وهي وإن كانت تطلق أحياناً على الفرد الواحد كقوله سبحانه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتَاً لِلَّهِ حَنِيفَاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (النحل: 120) لكنه إطلاق واستعمال غير شائع فلا تحمل الآية عليه. وقد فسّر الإمام الصادق جعفر بن محمّد ـ عليه السلام ـ هذه الآية بقوله: «وسُئل عن الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أواجب هو على الاُمّة جميعاً؟ فقال: لا، فقيل لهُ: ولم؟ قال: إنَّما هُو على القوي المُطاع العالم بالمعروف من المنكر لا على الضَّعيف. . والدَّليلُ على ذلك كتاب اللّه عزَّ وجلَّ قوله: (وَلْتَكُنْ مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالمعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )فهذا خاص غير عام كما قال اللّهُ عزَّ وجلَّ: ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)(الأعراف:159) ولم يقل: على أُمَّة موسى ولا على كُلِّ قومه، وهم يومئذ اُمم مختلفة والاُمّة واحد فصاعداً كما قال اللّهُ عزَّ وجلَّ: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتَاً لِلَّهِ )» (1).


1- وسائل الشيعة 11:400.

(292)

وقوله تعالى: ( إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ وَ أَمَرُواْ بِالمعْرُوفِ وَنَهََوْاْ عَنِ المُنْكَرِ وَللّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ)(الحج: 41).

فهذه الآية تشير ـ بوضوح ـ إلى أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المذكورين في الآية هو من النوع الذي يحتاج إلى المكنة والقدرة والسلطة، فالوصف فيه وصف للمؤمنين الذين تمكّنوا من السلطة. . وبالتالي فهو وصف للجهاز الحاكم والسلطة التنفيذيّة، ولا يمكن إرجاعه إلى عامّة المسلمين لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتوجّبين على الكافة لا يختصّ بظرف المكنة في الأرض، ولا يتقيد بقيد السلطة، بل تجب مراتبه قلباً ولساناً في جميع الأحوال بل يمكن أن يقال أيضاً إنّ الدعوة والتبليغ حتى باللسان على قسمين:

قسم يمكن أن يقوم به كلّ مسلم عارف بضروريات الإسلام من واجبها وحرامها.

وقسم لا يمكن أن يقوم به إلاّ فرقة من كلّ طائفة ممّن صرفوا أوقاتهم وأعمارهم في تعلّم الدين بعمقه وتفاصيله وجزئيّاته، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيَنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة: 122).

وقد سئل الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ عن قول رسول اللّه: «اختلافُ أُمّتي رحمة» فقال: «صدقوا في هذا النَّقل» فقلت: إن كان أختلافهم رحمةً فاجتماعهم عذاب قال: «ليس حيثُ تذهب وذهبوا، إنَّما أراد قولُ اللّه تعالى: ( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيَنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)فأمرهُم اللّهُ أن ينفروا إلى رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ويختلفوا إليه فيتعلّموا ثمَّ يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم، إنّما أرادهم من البلدان لا اختلافهم في الدين. . إنّما الدّينُ واحد» (1).


1- تفسير البرهان 2:172 ومعاني الاخبار:157 وعلل الشرائع 1:60 وقد نقلها صاحب الوسائل في 8:101ـ 102.

(293)

وأمّا الأحاديث والأخبارُ الواردة في شأن وظيفة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر فهي أيضاً تُقسِّم هذه الفريضة إلى قسمين:

قسم لا يحتاج القيام به الى جهاز خاص وقدرة وتمكّن، لأنّه لا يتجاوز القلب واللسان والوجه. وقسم يتوقّف القيام به على الجهاز والقوَّة والسّلطة.

وإلى القسم الأوّل يشير ما روي عن الإمام أمـير المؤمنـين عليّ بن أبي طالــب ـعليه السلام ـ إذ قال: «من ترك إنكار المنكر بقلبه ولسانه فهو ميّت بين الأحياء» (1).

وعنه ـ عليه السلام ـ أيضاً قال: «أمرنا رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرَّة» (2).

وقالـ عليه السلام ـ أيضاً:«أدنى الإنكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة»(3).

وعن الإمام الصادق جعفر بن محمّد ـ عليه السلام ـ إذ قال: «حسبُ المؤمن غيراً (أي غيرة) إذا رأى منكر أن يعلم اللّهُ عزَّ وجلَّ من قلبهُ إنكاره» (4).

وهذا القسم من الأحاديث الحاثَّة على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر يشملُ كلّ فرد من أفراد المسلمين ولا يتجاوز القلب والوجه واللسان ويمكن لأيِّ فرد من الأفراد القيام به; إذ لا يحتاج إلى تكلّف مؤنة، ولا توفّر قوَّة وسلطة وهو بالتالي يعمُّ كلّ مسلم آمراً ومأموراً حاكماً ومحكوماً.

وأمّا القسم الثاني; وهي الأحاديث التي تجعل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر دعامةً لأقامة الفرائض، وسبيلاً إلى أمن الطرق والمسالك، وردِّ المظالم، وردع الظَّالم، ووسيلةً إلى عمارة الأرض والانتصاف من الأعداء وهي اُمور لا تتحقّق إلاّ بجهاز قادر متمكِّن فهي كالتالي:

قال الإمام محمّد بن علي الباقر ـ عليه السلام ـ: «إنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض والنَّهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء بها


1- وسائل الشيعة 11:404 ، 413.
2- وسائل الشيعة 11:404 ، 413.
3- وسائل الشيعة 11: 413 ، 409
4- وسائل الشيعة 11: 413 ، 409


(294)

تأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتردّ المظالم وتعمّر الأرض، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر»(1).

ومن المعلوم أنّ الأمر والنّهي المؤدّيين إلى أمان الطّرق والمسالك وعمارة الأرض والانتصاف من الأعداء للمظلومين لا يتيسّر إلاّ بجهاز تنفيذيّ قويّ، وسلطة إجرائيّة قادرة تتحمّل عبء الأمر والنّهي على المستوى العموميّ وبواسطة الأجهزة والتشكيلات، هذا مضافاً إلى أنّ ذكر الأنبياء في الحديث لعلّه يوحي بأنّ الأمر والنهي المذكورين هنا هو ما كان مقروناً بالحاكميّة والسلطة على غرار ما كان للأنبياء ـ عليهم السلام ـ حيث كانوا يمارسون مهمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ غالباً ـ من موقع السلطة والحاكميّة والولاية لا من موقع الفرد ومن موضع التبليغ ومجرد الوعظ والإرشاد الفرديّ.

وعن النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «لا تزال اُمّتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرِّ فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلّط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء» (2).

وقال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردِّ المظالم، ومخالفة الظالم وقسمه الفيء وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها»(3).

ومن البين أنّ مخالفة الظالم وردعه وإيقافه عند حدّه، وتقسيم المال بين المسلمين بصورة عادلة وأخذ الصدقات والموارد الماليّة، الذي يعني التنظيم الاقتصاديّ على المستوى العام للمجتمع، لا يتأتّى عن طريق الأمر والنهي الفرديين والمنحصرين في إطار الموعظة بل يحصل ويتحقّق بوجود جهاز تنفيذيّ حاكم وسلطة إجرائيّة تتولّى إدارة دفّة البلاد وفق تعاليم الإسلام، فإنّ مثل هذا الأمر والنهي يحتاج إلى استعمال القوّة


1- وسائل الشيعة 11:395، 398.
2- وسائل الشيعة 11:395، 398.
3- وسائل الشيعة 11:403، وقد ورد مثلها عن الإمام الحسين بن عليّ في تحف العقول:171 (طبعة بيروت ).


(295)

لإجراء الحدود والعقوبات وتنفيذ الأحكام الجزائيّة، وهي اُمور لا يمكن أن تتحقّق إلاّ في ظلّ سلطة وجهاز تنفيذيّ.

من هنا; تكون الوظيفة العموميّة وما يترتّب عليها من الحبس والتأديب والقصاص وما شابه; مقتضية لوجود سلطة تنفيذيّة يعهد إليها الأمر والنهي الاجتماعيين العموميين، الذين فيهما صلاح عامّة الناس، واستقامة اُمورهم عامّة ويمكن إستفادة هذا المطلب من كلام للسيدة فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ إذ قالت: «والأمرُ بالمعروف مصلحة للعامَّة» (1).

إذ أيّ أمر بالمعروف يمكن أن يكون مصلحة للعامّة إذا لم يكن القائم به جهاز ذو قدرة وسلطان يقوم بذلك عن طريق التشكيلات والتنفيذ العام.

كما ويمكن استفادة ذلك أيضاً من كلام الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ إذ قال: «. . . أخذ اللّهُ على العُلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم وسغب مظلوم»(2).

فكيف يمكن منع الظالم من ظلمه، ومنع المستغلّ من الاستئثار بلقمة الفقير، إلاّ بجهاز وسلطة خاصّة ، فليس العلماء المذكورون في هذا الحديث إلاّ ذلك الجهاز التنفيذيّ القادر على الإجراء.

وكذا يستفاد هذا الأمر من كلام آخر للإمام ـ عليه السلام ـ وهو يتحدّث عن الوالي وماله وما عليه: «اللّهمَّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الّذي كان منّا منافسةً في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام ولكن لنردَّ المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطَّلة من حدودك» (3).


1- بلاغات النساء لابن طيفور ـ المتوفّى عام ( 380 هـ) ـ ص 12، ومعاني الأخبار:336.
2- نهج البلاغة:الخطبة (3).
3- نهج البلاغة:الخطبة (127) شرح عبده،وقد ورد نظيره عن الإمام الحسين بن عليّ إذ قال:« اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام ولكن لنرى المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك» راجع تحف العقول:172 ( طبعة بيروت ).


(296)

فكيف يمكن أمان المظلومين، وإقامة الحدود المعطّلة وإظهار الإصلاح العام في البلاد وتطبيق سنن اللّه وأحكامه بلا استثناء إلاّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المعتمدين على السلطة والناشئين عن جهاز تنفيذيّ ؟

إذ كيف يمكن قيام الفرد أو الأفراد بكلّ ذلك وهو بحاجة إلى قدرة وتمكّن ونفوذ أمر وسلطان ؟

ويمكن تأييد ضرورة وجود هذه السلطة واختصاص هذا النوع من (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الذي يتجاوز القلب والوجه واللسان ويتعدّاه إلى (اليد) وإستعمال القوة والسلطة; بتنديد اللّه بالربانيّين والأحبار الذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم المسؤولون عن ذلك لأنّهم كانوا في مقام الإمرة وفي موقع السلطة فقال اللّه تعالى: ( وَتَرَى كَثيراً مِنْهُمْ يُسْارِعُونَ في الإثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَاَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَولِهِمُ الإثْمَ وَاَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) (المائدة: 62ـ63).

وقد أشار الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ إلى تفسير هذه بقوله: «أمّا بعد فإنّه إنّما هلك من كان قبلكم حينما عملوا من المعاصي ولم ينههم الرَّبانيون والأحبار عن ذلك وأنَّهم لمَّا تمادوا في المعاصي ولم ينههم الرَّبانيون والأحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات» (1).

وهكذا تفيد نصوص الكتاب والسنّة وجود نوعين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر; أحدهما وظيفة جميع الأفراد والآخر وظيفة سلطة قادرة. .

وبذلك يجمع بين الطائفتين من الآيات والروايات اللتين يضع قسم منها هذه الوظيفة على عاتق الجميع، وقسم منها على عاتق جماعة خاصّة; فالأوّل راجع إلى الوظيفة الفرديّة منهما، فهو الذي يجب على الجميع، والثاني راجع إلى الوظيفة الاجتماعيّة التي تختصّ باُمّة متمكّنة من السلطة.

وممّا يدلّ على هذا إلى جانب تلك النصوص فتاوى الفقهاء ـ في باب الـحدود ـ


1- وسائل الشيعة 11:395.

(297)

والتي تضافرت على أنّه لو وجب قتل مسلم قصاصاً لم يجز لأحد أن يقتص منه غير ولي الدم بإذن الحاكم أو الحاكم نفسه، فلو قتله غيره كان عليه القود، ولا يتوهّم أنّ من وجب عليه إجراء الحدّ، يكون مهدور الدم بالنسبة إلى كلّ واحد فإنّه توهّم باطل. . فإنّ من وجب عليه الحد والقصاص على أقسام:

1ـ إمّا أن يكون مهدور الدم لكلّ أحد كساب النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أو الكافر الحربيّ، فإنّه إذا قتله المسلم أو الذمي لا قود عليهما. ولكنّهما يعزّران لتدخلهما في أمر الحاكم.

2ـ أن يكون مهدور الدم بالنسبة إلى المسلمين كالمرتد الفطريّ، فإذا قتله المسلم لا قود عليه، ولو قتله الذميّ فعليه قود، ومع ذلك فيعزّر المسلم لو قتله للتدخّل المذكور.

3ـ أن يكون مهدور الدم بالنسبة إلى من له القصاص (أي وليّ الدم) ومن إليه القصاص (أي الحاكم) كالقاتل المسلم ظلماً فلا يجوز لغير ولي الدم أو الحاكم قتله(1).

4ـ أن يكون مهدور الدم بالنسبة إلى من إليه الحكم، كاللائط والزاني المحصن.

كما أنّ ممّا يدلّ على وجود نوعين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أنّ الفقهاء ذكروا للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر شروطاً أربعة هي:

1ـ أن يكون عارفاً بالمعروف من المنكر.

2ـ أن يحتمل تأثير إنكاره فلو غلب على ظنّه أو علم أنّه لا يؤثّر لم يجب عليهشيء.

3ـ أن يكون الفاعل للمنكر مصرّاً على الاستمرار فلو لاحت منه إمارة الامتناع أو قلع عنه، سقط الإنكار.

4ـ أن لا يكون في الإنكار مفسدة، فلو ظنّ توجّه الضرر إليه، أو إلى ماله أو إلى أحد من المسلمين سقط (2).


1- راجع جواهر الكلام ونظائر هذه المسألة من ص 159 ـ 198 الجزء 41.
2- شرائع الإسلام:كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


(298)

ومن المعلوم; أنّ الشرط الثاني (احتمال التأثير) والثالث (الإصرار على المنكر) من شروط القسم الفرديّ من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا الاجتماعيّ منهما إذ لا يعتبر في الاجتماعيّ من هذه الفريضة احتمال التأثير، بل للحاكم أن يجري الحدود والعقوبات المقرّرة فيقتصّ من القاتل أو الجارح، ويقطع يد السارق سواء أكان هناك تأثير أم لا .

كما أنّ للحاكم أن يجري الحدود والعقوبات المقرّرة سواء كرّر المجرم أم لم يكرّر جريمته ومعصيته، ولأجل هذا يجب التمييز والفصل بين الأمر والنهي الفردي، والأمر والنهي الاجتماعيّ العموميّ لاختلافهما في الشروط والغايات. ولاشكّ أنّ هذه المغايرة والتمايز يكشف ــ وبمعونة ما سبق وما يأتي من الأدّلة ــ عن أنّ القسم الثاني من هذه الفريضة هو من شأن سلطة تنفيذيّة وجهاز حكم وليس من شأن الأفراد.

دفع إشكال حول الأمر والنهي:

ربما يتوهّم أحد أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينطويان على مجرّد طلب فعل المعروف وطلب ترك المنكر وهذا ممّا لايتحقّق في إجراء حدّ القتل أو الرجم على المحكوم بهما، فكيف يمكن أن نعتبرهما من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟

ولكن هذا الإشكال مدفوع بأنّ الطلب الإنشائي الذي هو من قبيل المفهوم، وإن لم يكن موجوداً في إجراء حدّ القتل والرجم لكنّه فيه واقعيّة الطلب وحقيقته وأثره، إذ باجراء هذين الحدّين تنعدم المنكرات واقعاً، ولو بالنسبة للآخرين، و هذا نظير قوله سبحانه: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الاْلْبَاب ) (البقرة: 179) فإن قتل القاتل وإن كان سلباً لحياته لكنّه إحياء للنفوس الاُخرى. وهو هدف القصاص، ولأجل ذلك كانت العرب تقول في مورد القصاص «القتل أنفى للقتل».

وخلاصة القول أنّ الأثر المطلوب من إجراء الحدود وإن كان منفيّاً بالنسبة إلى الجاني نفسه ولكنّه موجود بالنسبة إلى المجتمع.


(299)

هذا وممّا يؤكد وجود نوعين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنّ علماء الإسلام ذكروا للمحتسب وهو من يقوم بالأمر والنهي الاجتماعيّين شروطاً لا تعتبر في القسم الفرديّ من هذه الفريضة.

فقد قال ابن الاخوة القرشيّ في كتابه معالم القربة في أحكام الحسبة:

الحسبة من قواعد الاُمور الدينيّة، وقد كان أئمّة الصدر الأوّل يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها وهي: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله وإصلاح بين الناس، قال اللّه تعالى: ( لاَ خَيْرَ فِي كَثِير مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصْلاَح بَيْنَ النَّاسِ)(النساء:114).

والمحتسب من نصبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعيّة والكشف عن اُمورهم ومصالحهم (وفي نسخة اُخرى: وبياعاتهم ومأكولهم ومشروبهم ومساكنهم وطرقاتهم) وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

ومن شروط المحتسب أن يكون: (مسلماً) (حرّاً) (بالغاً) (عاقلاً)(عدلاً) (قادراً)(1) .

ومن المعلوم أنّ (الحريّة) و (البلوغ) و (العدالة) ليست شروطاً في القسم الفرديّ من وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فهذا التباين في الشرائط والصلاحيّات يكشف ـ بوضوح ـ عن تنوّع وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى نوعين مختلفين: فرديّ، وعموميّ، والأوّل هو وظيفة كلّ فرد من أفراد المسلمين، بينما يختصّ الثاني بجهاز وسلطة ويتطلّب وجودها في الحياة الإسلاميّة.

وظيفة المحتسب والسلطة التنفيذيّة:

وممّا يدلّ على اختصاص القسم الاجتماعيّ من وظيفة (الأمر بالمعروف والنهي


1- معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الاخوة:7.

(300)

عن المنكر) والمسمّى بالحسبة، بالسلطة التنفيذيّة; مطالبة الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ أحد ولاته على بعض الأمصار بأن يقوم بها ــ وهو في موقع الحكم ــ باعتبار أنّ ذلك أحد مسؤوليّاته ووظائفه وهو يتولّى اُمور المسلمين إذ قال: «من الحقّ عليك حفظُ نفسك والاحتسابُ على الرَّعيّة بجهدك فإنّ الّذي يصلُ إليك من ذلك (أي من جانب اللّه) أفضلُ من الّذي يصلُ بك (أي من جانب الناس)».

وقد أشار صاحب كتاب معالم القربة في أحكام الحسبة فروقاً بين المحتسب والمتطوّع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ قال: (وأمّا ما بين المحتسب المتولّي من السلطان وبين المنكر المتطوّع من عدّة أوجه:

أحدها: أنّ فرضه متعيّن على المحتسب ـ بحكم الولاية ـ وفرضه على غيره داخل تحت فرض الكفاية.

الثاني: أنّ قيام المحتسب به من حقوق تصرّفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه بغيره، وقيام المتطوّع به من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه بغيره.

الثالث: أنّه منصوب للاستعداء إليه في ما يجب إنكاره، وليس المتطوّع منصوباً للاستعداء.

الرابع: على المحتسب إجابة من استعداه وليس على المتطوّع إجابته.

الخامس: أنّ له أن يتّخذ على الإنكار أعواناً لأنّه عمل هو له منصوب، وإليه مندوب وليكون له أقهر، وعليه أقدر، وليس للمتطوّع أن يتّخذ لذلك أعواناً.

السادس: أنّ له أن يعزّر في المنكرات الظاهرة ولا يتجاوز بها الحدود، وليس للمتطوّع أن يعزّر.

السابع: أن يرتزق على حسبته من بيت المال وليس للمتطوّع أن يرتزق على إنكار منكر. . . إلى غير ذلك.

فهذه وجوه الفرق بين من يحتسب بولاية السلطان (أي يقوم بالقسم الاجتماعيّ


(301)

من وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وبين من يحتسب تطوّعاً (أي يقوم بالقسم الفرديّ من تلك الوظيفة» (1).

وقد أشار ابن الاخوة في مقدّمة كتابه إلى أنّ الحسبة منصب سياسيّ حكوميّ، فالمحتسب يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موقع الحكم فقال: «لقد رأيت أن أجمع ـ في هذا الكتاب ـ أقاويل العلماء مستنداً به إلى الأحاديث النبويّة ما ينتفع به من استند لمنصب الحسبة وقلّد النظر في مصالح الرّعية وكشف أحوال السوقة، واُمور المتعيّشين على الوجه المشروع ليكون ذلك عماداً لسياسته وقواماً لرئاسته» (2).

وممّا يدلّ على أنّ القسم الاجتماعيّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر; المصطلح عليه في لسان الفقهاء بالحسبة لا يختصّ بمجرّد بيان المحرّمات والواجبات بل يقع على عاتق المحتسبين ما يتعدّى الوعظ والإرشاد إلى إستعمال القوّة والسلطة، ما ذكره الفقهاء للمحتسبين من وظائف كثيرة تشمل كافّة مناحي الحياة الاجتماعيّة وتقترن ـ في الأغلب ـ باستخدام الردع العمليّ والإشراف القاطع والمؤاخذة والعقاب. وإليك نماذج من وظائف المحتسب (3) التي توزّعت اليوم في وزارات ومديريّات مختلفة:

1ـ الحسبة على الآلات المحرّمة والخمر، فإذا جاهر رجل بإظهار الخمر أراقه المحتسب، وأدّبه إن كان ذلك الرجل مسلماً، أو أدّبه على إظهاره إن كان ذميّاً. . وهكذا بالنسبة إلى الالات المحرّمة، فإنّ المحتسب يفصلها حتى تعود خشباً، ويؤدّب صاحبها.

ويمكن أن يدخل هذا في شؤون وزارة الداخليّة.

2ـ الحسبة على أهل الذمة ومراقبة أحوالهم وتصرّفاتهم، ومدى التزامهم بعهودهم، ومراعاتهم لشروطها، ويدخل هذا في شؤون وصلاحيّات وزارة الداخليّة.


1- معالم القربة في أحكام الحسبة:11.
2- معالم القربة:3.
3- لقد وردت كلمة الحسبة في مجمع البحرين هكذا:الحسبة:الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واختلف في وجوبها عيناً أو كفاية . راجع باب حسب ص 106.


(302)

3ـ الحسبة على أهل الجنائز، ومراقبة شؤونها من جهة الاُمور الصحيّة والحقوقيّة ويدخل في شؤون وزارة الداخليّة، ووزارة الصحّة.

4ـ الإشراف على المعاملات التجاريّة لمنع المعاملات الفاسدة كالبيوع الفاسدة وتعاطي الربا، والمسلم الفاسد، والإجارة الفاسدة وهي تدخل في شؤون وزارة العدل.

5ـ الإشراف على العلاقات الاجتماعيّة والأخلاقيّة ومنع الناس من مواقف الريب ومظانّ التهم ممّا يدخل في شؤون وزارة الداخليّة.

6ـ مراقبة شؤون النقد ومنع التعامل بالنقود الزائفة، بعد تحديدها وتعيينها وهو يدخل في شؤون وزارة المال والدوائر التابعة لها.

7ـ الحسبة على منكرات الأسواق كمنع بعض السوقة من سدّ طرقات المارّة بمتاعهم وما شابه مما يدخل في صلاحيات الدوائر التابعة للاُمور البلديّة. وكمنع الحمّالين من أشياء بنحو يلحق الضرر بالمارّة، إمّا بتمزيق ثيابهم أو تلويثها.

8 ـ ضبط المكاييل والمقاييس والأوزان المستعملة في الأسواق، وتعيينها والمنع من التلاعب فيها ممّا يدخل في شؤون البلديّة.

9 ـ مراقبة تجّار الغلاّت للحيلولة دون احتكارها، أو التلاعب فيها وتعيين أسعارها عند الضرورة ممّا يدخل في صلاحيّات وزارة التجارة والاقتصاد.

10ـ مراقبة الخبّازين وأصحاب الأفران من الناحية الصحيّة منعاً من إصابة الناس بالأمراض والأوبئة، وهو يدخل في شؤون وزارة الصحة وكذا مراقبة كلّ باعة الأغذية، والحلويّات والشرابت لنفس الغرض. . وأيضاً من ناحية الأسعار.

11ـ ملاحظة القصّابين واللحّامين لمنعهم من فعل ما يوجب التلّوث كذبح الحيوانات في الأسواق أو بيع اللحوم الفاسدة، وتحديد أسعارها وإعطائهم التعليمات الصحيّة وهو يدخل في صلاحيّات وزارتي الصحة والتجارة. والدوائر التابعة لها.

12ـ مراقبة البزّازين وبيّاع الألبسة وما يتعلّق بهذه المهن من شؤون لمنع أي تلاعب


(303)

في هذا المجال، أو تلاعب في الأسعار والقيم، وكذا مراقبة الخيّاطين وصنّاع الثياب.

13ـ مراقبة كلّ المشاغل والمهن وأصحاب الحرف كالصاغة والحدّادين، والنحاسين، والصبّاغين، والبياطرة، والحمّامات وأصحابها والفصّادين والحجّامين والأطبّاء والمجبّرين والجرّاحين مراقبة شاملة من ناحية الأسعار والمبالغ التي يتقاضونها، أو شروط العمل، أو مواصفاته الصحيّة ممّا يدخل بعضها في شؤون وزارة التجارة والاقتصاد، وبعضها الآخر في شؤون وزارتي الصحّة والداخليّة.

14ـ مراقبة المساجد والمؤذنيين والوعّاظ والقرّاء، وعدم السماح لتصدّي هذه المشاغل إلاّ لمن اشتهر بين الناس بالدين و الخير و الفضيلة ويكون عالماً بالاُمور والعلوم الشرعيّة ممّا يدخل الآن في نطاق صلاحيّات وزارة الأوقاف.

15ـ الحسبة على مؤدّبي الصبيان ومعلّمي الأولاد، ومراقبة شروط الدراسة ومكانها وكيفيتها وما يرتبط بذلك ممّا يدخل في مسؤوليّات وزارة التربية والتعليم.

16ـ الحسبة على كتّاب الرسائل لمنع تصدّي من لا أهليّة له لذلك لما في هذا الأمر من خطر على أسرار الناس وأعراضهم.

17ـ القيام ببعض التعزيرات والتأديبات لمن يتخلّف عن القوانين الإسلاميّة المقرّرة.

18ـ الحسبة على أصحاب السفن والمراكب ومراقبة الطرق ووسائط النقل ممّا يكون من شؤون وزارة الطرق والمواصلات.

19ـ الحسبة على شؤون العمل والعمّال ومراقبة شؤونهم وحقوقهم وظروف عملهم ممّا يدخل في شؤون ومسؤوليّات وزارة العمل، والشؤون الاجتماعيّة و (الضمان الاجتماعيّ).

وغير ذلك (1).


1- راجع هذه التفاصيل في كتاب معالم القربة تصفّح كلّ الأبواب.

(304)

وللوقوف على وظائف المحتسب باختصار; نذكر لك ما كتبه ابن خلدون في مقدمته: «أمّا الحسبة فهي وظيفة دينيّة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم باُمور المسلمين يعيّن لذلك من يراه أهلاً له فيتعيّن فرضه عليه ويتّخذ الأعوان على ذلك ويبحث عن المنكرات ويعزّر ويؤدّب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامّة في المدينة، مثل المنع من المضايقة في الطرقات ومنع الحمّالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقّع من ضررها على السابلة والضرب على أيدي المعلّمين في المكاتب وغيرها في الإبلاغ في ضربهم للصبيان المتعلّمين، ولا يتوقّف حكمه على تنازع واستعداء بل له النظر فيما يصل إلى علمه من ذلك. . بل فيما يتعلّق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها في المكاييل والموازين، وله أيضاً حمل المماطلين على الإنصاف وأمثال ذلك..»(1).

إنّ من يلاحظ هذه المهام الموكلة إلى المحتسب والمحتسبين يرى أنّها نفس الصلاحيّات والمهام التي تقوم بها أجهزة السلطة التنفيذيّة المتمثّلة في الوزارات وما يتبعها من دوائر ومديريّات بتنظيم دقيق وعلى نطاق أوسع، غاية ما هنالك أنّ الحياة الإسلاميّة في العصور الغابرة والعهود الإسلاميّة الاُولى لم تستلزم التوسّع في الأجهزة والتشكيلات على غرار ما نلاحظ اليوم، بل اكتفي بالمحتسب أو المحتسبين ولكن التطوّر الحضاريّ، واتّساع البلاد، وتزايد الحاجات تطلّبت إحالة تلك المهام والمسؤوليّات والصلاحيّات إلى وزارات وأجهزة ومديريات هذا مضافاً إلى أنّ الإسلام اهتمّ ببيان الخطوط العريضة للحكم والولاية، واعتنى ببيان جوهر الوظائف، تاركاً اختيار الظواهر والشكليّات للزمن والحاجة، ما دامت تتّفق مع مارسمه من خطوط ووظائف وغايات.

إنّ الإسلام وإن أوكل الكثير من القضايا الاجتماعيّة إلى الحاكم كما مرّ عليك باختصار; ولكن هل يمكن للحاكم، وهو يواجه كلّ يوم آلاف المشاكل والقضايا أن


1- مقدمة ابن خلدون المتوفّي ( 808 هـ ):225 ـ 226.

(305)

يقوم بكلّ أعباء الولاية والحكومة لوحده دون معاونين ووزراء، و دون أجهزة وتشكيلات..؟ الجواب لا قطعاً.

هذا ولقد ورد ذكر الوزير والوزراء في عهد الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ لمالك الأشتر النخعيّ لمّا ولاّه على مصر حيث قال: «إنّ شرَّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً ومن شركهم في الآثام فلا يكونّن لك بطانة فإنّهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة» (1).

وهذا يعني أنّ على الحاكم الإسلاميّ الأعلى للبلاد أن يتّخذ لنفسه (وزراء) يعينونه على إدارة البلاد، وتنفيذ القوانيين، وأنّ عليه ـ وراء ذلك ـ أن يختار بدقّة وعناية اُولئك الوزراء وأفراد السلطة التنفيذيّة; لما لهم من أثر حسّاس في الأحوال الاجتماعيّة والسياسيّة.

وربمّا عبّر في الإسلام عن الوزير بالكاتب كما جاء في عهد الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ لمالك الأشتر، قال الاُستاذ توفيق الفكيكي في كتابه «الراعي والرعية»: «قال الإمام عليّ: «ثمَّ انظر في حال كتّابك»، ولم يقل (كاتبك) علمنا أنّ معنى الكاتب يراد به الوزير في عرف اليوم فقد جوّز ـ عليه السلام ـ تعدّد الوزراء على قدر الحاجة التي تدعو إليها المصلحة العامّة ويؤكّد هذا ما جاء في آخر كلامه المتقدّم: (و اجعل لرأس كلّ أمر من أُمورك رأساً منهم لا يقهره كبيره ولا يتشتَّت عليه كثيرها)» (2).

ثمّ إن السلطة التنفيذيّة اجتمعت في القرآن تحت كلمة (اُولي الأمر) وقد وردت هذه الكلمة في القرآن في عدّة مواضع: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ و أُولِي الأمْرِ مِنْكُم)(النساء: 59).

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الخَوْفِ اَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدّوهُ اِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُم)(النساء: 83).


1- نهج البلاغة:الرسالة 53.
2- الراعي والرعيّة:162 ـ 163 و هو شرح وتحليل سياسيّ لعهد الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ للأشتر النخعيّ.


(306)

وغير خفيّ على المتتبّع في الآثار النبويّة أنّ المراد من اُولي الأمر حين نزول الآية هو الذي نصّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على أسمائهم من أوّلهم إلى آخرهم، بيد أنّهم كانوا مصاديق كاملة لهذا العنوان وكان الإشارة إليهم من باب أظهر المصاديق فعندما لا تتمكّن الاُمّة الإسلاميّة من هؤلاء المنصوص عليهم تتمثّل هذه القضية الكليّة في (العدول) من أئمّة المسلمين الذين يديرون دفّة البلاد.

ثمّ قد سبق القرآن الكريم إلى هذا بصورة ضمنيّة عند حكايته لقول موسى ـ عليه السلام ـ وطلبه من اللّه تعالى إذ قال: (وَاجْعَل لِي وَزِيرَاً مِنْ أَهْلِي* هَارُوْنَ أَخِي*اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي)(طه: 29ـ 31).

وهو يكشف عن وجود الوزراء للحاكم الأعلى في النظام السياسيّ الإسلاميّ ليشدّوا أزره، ويعينوه على الإدارة والولاية.

ولقد أقرّ الإسلام وجود السلطة التنفيذيّة وأخذ بها عمليّاً حيث كان النبيّ الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقسّم المسؤوليّات الإداريّة والسياسيّة على الأفراد، وإن لم يكن هذا التقسيم تحت عنوان إلاستيزار، واتّخاذ الوزراء، كما ستعرف.

وخلاصة القول; أنّ القارىء الكريم إذا لاحظ برامج الحكومة الإسلاميّة التي يجب أن يقوم بها النظام الإسلاميّ، يقف على أنّها لايمكن تطبيقها بدون أجهزة كاملة، وسلطة تنفيذيّة في مجالات الاقتصاد والزراعة والماليّة والدفاع والمواصلات وغير ذلك من البرامج وستقف عليها بإذن اللّه سبحانه في فصلها الخاصّ، وكلّ من يقوم على هذه البرامج يعدّ جزء من السلطة التنفيذيّة.

السلطة التنفيذيّة على عهد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم

لاشكّ أنّ الرسول الأعظم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان إلى جانب مهامه الرساليّة، يتولّى القسم الأكبر من إدارة شؤون المسلمين السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة ولاشكّ أنّ رقعة البلاد الإسلاميّة ـ آنذاك ـ لم تبلغ من السعة والانتشار بحيث تتطلّب إنشاء تشكيلات


(307)

تنفيذيّة واسعة الأطراف والأبعاد، ولذلك لم يكن في (العهد النبويّ) سلطة باسم السلطة التنفيذيّة، ولا وزارة ولا وزارات (1) ولا مديريّات مركزيّة ومحليّة على غرار ما يوجد الآن، بل كان هناك فيما وقفنا عليه من خلال مطالعة ذلك العهد ـ تقسيم بعض المسؤوليّات الإداريّة والمهامّ السياسيّة على الأفراد القادرين على تحمّلها، والصالحين للقيام بها، وهذا هو المهمّ معرفته في هذا المقام، فإنّ المهمّ هو معرفة كيفيّة إدارة المجتمع على عهد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والاطّلاع على ما إذا اتّخذ النبيّ الأكرم وهو أوّل حاكم إسلاميّ أعلى للاُمّة الإسلاميّة من وازروه وعاونوه في مسألة الإدارة، وتدبير شؤون الاُمّة في مجالات السياسة والعسكريّة والقضاء وما شابه أم لا، لنرى ما إذا كان يتعيّن على الدولة الإسلاميّة أن تتّخذ مثل هذه السلطة أم لا، وكيف؟

إنّ المراجع لتاريخ الحكومة النبويّة يرى بوضوح; أنّ النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان يمارس حكومته على المسلمين من خلال توزيع بعض المسؤوليّات على أفراد صالحين، وكان ذلك يمثّل التشكيلات الإداريّة في ذلك العهد والتي تعادل الوزارات في هذا العصر ونحن لا ننكر أنّها كانت تشكيلات إداريّة بسيطة، ولكنّها توسّعت فيما بعد واتّخذت أشكالاً أكثر تنظيماً وسعة باتّساع رقعة البلاد الإسلاميّة، وتطوّر الحاجات الاجتماعيّة وتشعّبها، واتّساع نطاقها الذي اقتضى ـ بدوره ـ التوسّع في التشكيلات الإداريّة وإحداث الوزارات والدواوين والدوائر والأجهزة التنفيذيّة المتعدّدة.

إنّ من يراجع تاريخ الحكومة النبويّة يجد أنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان يعيّن الاُمراء العامّين على النواحي ويقيم الولاة على البلاد ويعيّن رجالاً للقضاء، وآخرين لجباية الصدقات وجلب الزكوات، وآخرين للكتابة، وربّما أمّر الرجل على قومه لأنّه أيقظ عيناً وأدرى بفنون الحرب من غيره، أو خلّف أحداً مكانه عند غيابه، كما كان يخلّف ابن اُمّ مكتوم في بعض الأحيان عند غيابه عن المدينة (2). وكما خلف عليّاً ـ عليه السلام ـ عند خروجه لغزوة


1- نعم اتّخذ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عليّاً ـ عليه السلام ـ وزيراً لنفسه كما يدلّ عليه حديث بدء الدعوة، لاحظ الصفحة 83 من هذا الكتاب.
2- الكنى والألقاب (للقمّي ) 1:208.


(308)

تبوك (1) وأمّر عتّاب بن أسيد على مكّة و أوكل إليه إقامة المواسم والحجّ للمسلمين عام الفتح.

النبيّ يعيّن الولاة ويحدّد مسؤوليّاتهم

وكان يعيّن الولاة (الذين هم الآن بمثابة المحافظين) وكان يرسم لهم منهجهم في الحكم وسياستهم الداخليّة. .

فقد بعث معاذ بن جبل إلى اليمن ووصّاه بما يلي:

«يا معاذ علّمهم كتاب اللّه، وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة وأنزل النّاس منازلهم خيرهم وشرّهم وأنفذ فيهم أمر اللّه، ولا تحاش في أمره. ولا ماله أحداً، فإنّها ليست بولايتك ولا مالك وأدّ إليهم الأمانة في كلّ قليل وكثير، وعليك بالرفق والعفو في غير ترك للحقّ، يقول الجاهل قد تركت من حقّ اللّه، واعتذر إلى أهل عملك من كلّ أمر خشيت أن يقع إليك منه عيب حتّى يعذروك، وأمت أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام.

وأظهر أمر الإسلام صغيره وكبيره، وليكن أكثر همّك الصّلاة فإنّها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدّين وذكّر النّاس باللّه واليوم الآخر، واتبع الموعظة فإنّه أقوى لهم على العمل بمّا يحبُّ اللّه، ثمّ بثّ فيهم المعلّمين و أعبد اللّه الذّي إليه ترجع ولا تخف في اللّه لومة لائم.

وأوصيك بتقوى اللّه وصدق الحديث والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وترك الخيانة ولين الكلام وبذل السلام وحفظ الجار ورحمة اليتيم وحسن العمل وقصر الأمل وحبّ الآخرة والجزع من الحساب ولزوم الإيمان والفقه في القرآن، وكظم الغيظ، وخفض الجناح.

وإيّاك أن تشتم مسلماً، أو تطيع آثماً، أو تعصي إماماً عادلاً أو تكذّب صادقاً، أو


1- سيرة ابن هشام 2:520 وبحار الأنوار 21:207.

(309)

تصدّق كاذباً واذكر ربّك عند كُلّ شجر وحجر واحدث لكلّ ذنب توبةً، السرّ بالسرّ والعلانية بالعلانية.

يا معاذ لولا أنّني أرى ألاّ نلتقي إلى يوم القيامة لقصّرتُ في الوصيّة ولكنّني أرى أنّنا لا نلتقي أبداً. .

ثمّ أعلم يا معاذ إنّ أحبّكُم إليّ من يلقاني على مثل الحال التّي فارقني عليها»(1).

وبعث رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عمرو بن حزم إلى بني الحارث وجعله والياً عليهم ليفقّههم في الدين، ويعلّمهم السُّنة ومعالم الإسلام و يأخذ منهم الصدقات و كتب له كتاباً عهد إليه فيه عهده وأمره فيه بأمره: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، هذا بيان من اللّه ورسوله، يا أيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقُود، عهد من محمّد النّبي رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثهُ إلى اليمن أمرهُ بتقوى اللّه في أمره كُلّه، فإنّ اللّه مع الّذين أتّقوا، والّذين هم محسنون.

وأمره أن يأخذ بالحقّ كما أمره اللّه وأن يبشّر النّاس بالخير، ويأمرهم به، ويعلّم النّاس القرآن ويفقّههم فيه، وينهى النّاس فلا يمس القران إنسان إلاّ وهو طاهر ويخبر النّاس بالذي لهم والذي عليهم ويلين للنّاس في الحقّ ويشتدّ عليهم في الظّلم فإنّ اللّه كره الظّلم ونهى عنه، فقال: (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمينَ )(هود:18) ويبشر النّاس بالجنّة وبعملها وينذر النّاس النّار وعملها ويستألف النّاس حتّى يفقهوا في الدّين ويعلّم النّاس معالم الحجّ وسنّته وفريضته، وما أمر اللّه به، والحجّ الأكبر: الحجّ الأكبر والحجّ الأصغر هُو العُمرة. . . . إلى آخر العهد. .» (2).

ومن هذين العهدين، ونظائرهما، يتبيّن لنا أنّ النبيّ كان يعهد بعض السلطات والمسؤوليّات إلى من يراه صالحاً من المسلمين ليقوموا بإدارة بعض أنحاء البلاد، ويزوّدهم ببرامج وأنظمة للحكم والعمل السياسيّ والإداريّ، ممّا يكشف عن وجود صورة مصغّرة عن السلطة التنفيذيّة إلى جانب الحاكم الأعلى للبلاد.

وقد كان له صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عمّال للبريد، وله تعليمات خاصّة لهم في هذا الشأن ومن ذلك


1- تحف العقول:25 ـ 26.
2- سيرة ابن هشام 4:595.


(310)

قوله: «إذا أبردتم إليّ بريداً فأبردوه حسن الوجه حسن الاسم»(1).

وقوله لأحد عمّال البريد: «إذا جئت أرضهم فلا تدخل ليلاً حتّى تصبح وتطهّر فأحسن طهورك وصلّ ركعتين وسل اللّه النّجاح والقبول وأستعد لذلك وخذ كتابي بيمينك وادفعه بيمينك في أيمانهم» (2).

وربّما اتّخذ بعض الحراس الليليين ليتتبّعوا أهل الريب، وقد عدّ من ذلك سعد ابن أبي وقّاص (3)، وربّما اتّخذ حرساً خاصّاً في بعض الأحيان غير العادية ويذكر أنّ سعد بن معاذ كان حرسه يوم بدر (4).

وقد روي أنّ بعض المسلمين كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتّى ينقلوه حيث يباع الطعام،قال ابن عبد البرّ: استعمل النبيُّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم سعيد بن سعيد العاص على سوق مكّة(5).

كما كان له كتاب الرسائل الذين كانوا يكتبون للملوك والاُمراء والبوادي وغيرهم وكان له من يقوم بمهمّة الحسبة التي مرّ ذكرها مفصّلاً (6).

وهكذا كان النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يتّخذ المعاونين والمساعدين لإدارة ما يمكن لهم إدارته من الأعمال والمهامّ. . ويوكل إليهم من الصلاحيّات والمسؤوليّات ما تعارف إيكاله الآن إلى الوزارات والمديريّات والإدارات التي تشكّل حقيقة السلطة التنفيذيّة، وقد كان إيكاله المهامّ للأشخاص مشفوعاً بإعطاء البرامج والتوجيهات الإداريّة المفصّلة التي مرّ عليك ذكر بعضها، وتجد المزيد منها في كتب السير والتاريخ.

***

كيفيّة السلطة التنفيذيّة الآن

بعد أن عرفت أيّها القارىء الكريم من البحثين السابقين; أنّ جانباً كثيراً من


1- التراتيب الإداريّة 1:247.
2- راجع النظم الإسلاميّة نشأتها وتطوّرها من الصفحة 294 إلى 428.
3- راجع النظم الإسلاميّة نشأتها وتطوّرها من الصفحة 294 إلى 428.
4- راجع النظم الإسلاميّة نشأتها وتطوّرها من الصفحة 294 إلى 428.
5- راجع النظم الإسلاميّة نشأتها وتطوّرها من الصفحة 294 إلى 428.
6- التراتيب الإداريّة 2:285.


(311)

النظم الإداريّة والتوجيهات الضروريّة لتنظيم الحياة الاجتماعيّة في مجالات العلاقات والحقوق والتعامل (كالتبادل التجاريّ مثلما جاء في الكتاب العزيز ضمن آيات أطولها آية الدين التي حثّت على كتابة الدين وتسجيله) يتطلّب وجود جهاز تنفيذيّ وقد كان هذا الأمر يتم في العهد النبويّ ببساطة; وان استوجب تزايد حجم الاُمور واتسّاع رقعة البلاد، تطوير الترتيبات اللازمة لذلك، وتوسيع التشكيلات، يصبح الجواب على السؤال المطروح وهو; كيف يجب أن تكون السلطة التنفيذيّة في العصور الحاضرة ؟ واضحاً من وجهة نظر الإسلام.

فإنّ ذكر الترتيبات والتشكيلات ليس من مهمّة الدين الإسلاميّ فذلك متروك للزمن المتحوّل، والحاجات المتطوّرة، لأنّ تحديدها وتعيينها بصورة لا يجوز تخطّيها لا ينسجم مع خاتميّة الرسالة الإسلاميّة التي نزلت لتكون دين الأبديّة، ومنهج البشريّة إلى يوم القيامة، فإنّ مثل هذه الخاصّية في الدين الإسلاميّ تقتضي أن يبيّن الإسلام الجوهر ويترك اختيار الشكل واللباس إلى الزمن والحاجة حتّى يستطيع مسايرة الزمن ويتمشّى مع تقدم الحياة البشريّة وتطوّرها، إذ ذكر الخصوصيّات والأشكال يفرض على الدين الإسلاميّ جموداً هو منه براء، ويحصره في زمن خاصّ دون زمن آخر; لأنّ الحاجات البشريّة متجدّدة و متحوّلة ومتزايدة ولا يمكن الجمود ـ في رفعها ـ على نمط خاصّ من التشكيلات والأشكال، ولهذا نجده يذكــر ـ مثلاً ـ موضوع تسجيل المعاملات الماليّة التي فيها أجل دون أن يحدّد نوع تنفيذ هذا الأمر وما يلزم من أجهزة ودوائر فيقول في أطول آية قرآنية:

( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِذَا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إلَى أَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ وَ لاَ يأْبَ كَاتِبٌ اَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَليَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْـهِ الحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فإنْ كَانَ الَّذي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفيهاً أوْ ضَعِيفاً أوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهيدَيْنِ مِنْ رجَالِكُمّْ فإن لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أنْ تَضِلَّ اِحْداهُما فَتُذَكِّرَ اِحْدَاهُما الاُخْرَى، وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ اِذَا ما دُعُوا ولا تَسْئَمُوا اَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيْراً أوْ كَبيراً اِلَى أَجَلِهِ


(312)

ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَ أَقْوَمُ للشَّهَادَةِ وَأَدْنَى ألاّ تَرْتَابُوا اِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَ أَ شْهِدُوا اِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَاِنْ تَفْعَلُوا فإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُم وَاتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ واللّهُ بِكِلِّ شيْء عَلِيمٌ)(البقرة:282).

إنّ هذه الآية ترسم أهمّ الاُسس التي يجب أن يبنى عليها التعامل التجاريّ، ويكتفي فيها الإسلام بذكر الجوهر تاركاً اختيار الترتيبات الفنيّة، والتشكيلات الإداريّة التي تقوم بهذه الاُمور إلى الأوضاع البشريّة المتجدّدة.

وعلى ذلك فإنّ ما نجده في الكتب التي أُلّفت حول النظم السياسيّة مثل ما كتبه الباحث العلاّمة الشيخ عبد الحيّ الكتاني في تأليفه القيّم «التراتيب الإداريّة» والدكتور صبحي الصالح في «النظم الإسلاميّة» لا يمثّل إلاّ تصوير ما توصّلت إليه الحكومات السابقة من تشكيلات وأساليب للعمل الإداريّ والحكوميّ ولا تمثّل بعينها وشكلها أمراً إسلاميّاً يجب الأخذ به حتماً دون زيادة أو نقصان ودون تغيير أو تحوير، تستدعيه الحاجة ويستلزمه الظرف.

ويدلّ على ذلك; أنّ هذه الاُمور في العهد النبويّ كانت تمارس بأساليب بسيطة وبدائيّة ومختصرة كما عرفت، وتطوّرت فيما بعد في العهود اللاحقة، ولكنّها كانت على كلّ حال تدلّ على وجود السلطة التنفيذيّة حتّى في العهد النبويّ وإن لم تكن بالتفاصيل والخصوصيّات المتعارفة الآن.

***

مواصفات أعضاء السلطة التنفيذيّة

يعتبر دور السلطة التنفيذيّة في الدولة دوراً بالغ الخطورة والأهميّة، لأنّه على عاتقها تقع مهمّة القيام بشؤون الناس، وإدارة اُمورهم وسدّ حاجاتهم، وحلّ مشكلاتهم، فإذا قامت هذه السلطة بواجباتها أفضل قيام استطاعت أن تكتسب رضا الاُمّة، وتجلب مودّتهم التي يقوم عليها بقاء الدولة، واستقرار الأمن.


(313)

إنّ ضمان استقامة السلطة التنفيذيّة وسلامة سلوكها يتوقّف ـ بالدرجة الاُولى ـ على نوع الشروط والمواصفات المعتبرة في أعضاء تلك السلطة فإنّ أكثر المشاكل التي تعانيها أنظمة الحكم في العالم ترجع إلى سوء اختيار أعضاء هذه السلطة ويعود ذلك إلى الخطأ الحاصل في المواصفات والشروط التي تقيم الأنظمة البشريّة اختيار الوزراء والمدراء والمسؤولين، على أساسها.

ولقد أدرك الإسلام كلّ هذا من قبل فاعتبر لأعضاء السلطة التنفيذيّة شروطاً ومواصفات يضمن توفّرها فيهم، سلامة هذه السلطة، واستقامة تصرّفاتها. . وأبرز هذه المواصفات هي:

1/ التخصّص

لقد كان الإسلام أوّل من اشترط وجود هذا الشرط في أفراد السلطة التنفيذيّة وهو أمر اشترطه في جميع المناصب الدينيّة والزمنيّة حيث يقول: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )(النحل:43)، وهو حثّ على إرجاع كل أمر إلى أهله والعارفين به.

ولذلك قال الرسول الأعظم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «إنّ الرّئاسة لا تصلحُ إلاّ لأهلها » (1).

وقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من عمل على غير علم كان ما يُفسدُ أكثر ممّا يُصلحُ» (2).

وقال الإمام جعفر بن محمّد الصادق ـ عليهما السلام ـ: «العاملُ على غير بصيرة كالسّائر على غير الطّريق لا يُزيدُهُ سُرعة السّير إلاّ بُعداً» (3).

إنّ إيكال الأمر إلى من لا يعرفه ولا يعرف مدخله و مخرجه إضاعة لذلك الأمر وإيذان بسوء العواقب فالعقل لا يسمح بإيكال أمر إلى من لا يعرف القيام به فكيف بالمسؤوليّة الاجتماعيّة وإدارة البلاد. . ولذلك قالوا: الحكمة هي وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. . ومن الحمق وضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب.


1- الكافي 1:47 و45 و44.
2- الكافي 1:47 و45 و44.
3- الكافي 1:47 و45 و44.


(314)

على أنّ من التخصّص أيضاً معرفة الزمان وأهله وما يقتضيانه من التدبير والحيلة. ولذلك قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: «العالمُ بزمانه لا تهجُمُ عليه اللّوابسُ» (1).

وقال الإمام الصادق جعفر بن محمّد ـ عليهما السلام ـ وهو يصف المسؤول الصالح، والراعي الناجح: «يعملُ ويخشى. . . رجلاً، داعياً، مشفقاً مُقبلاً على شأنه، عارفاً بأهل زمانه مُستوحشاً من أوثق إخوانه، فشدّ اللّه من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه»(2).

إن قوله «مُقبلاً على شأنه، عارفاً بأهل زمانه» إشارة إلى شرط التخصّص بجانبيه: معرفة الأمر، ومعرفة الزمان و أهله.

2/ الوثاقـة

إنّ أهمّ شرط بعد شرط التخصّص هو: الوثاقة وكون المسؤول الحكوميّ أميناً ومأموناً على إدارته ومسؤوليّته فإنّ أكثر الم آسي الاجتماعيّة الناشئة من رجال الحكومات في الأنظمة البشريّة ترجع ـ في الحقيقة ـ إلى خيانة هؤلاء الرجال لما أوكل إليهم من مسؤوليّات ومهامّ، فقاموا بها دون ورع، وتصرّفوا فيما فوّض إليهم دون تقوى ولأجل ذلك يؤكد القرآن الكريم على تفويض الاُمور إلى الأمناء من الرجال، المأمونين على أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم إذ يقول عن لسان ابنة شع