welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مفاهيم القرآن / ج 1*
نویسنده :جعفر الهادي*

مفاهيم القرآن / ج 1

مفاهيم القرآن

تفسير موضوعي يبحث حول الآيات الواردة في التوحيد والشرك
محاضرات الأستاذ العلامة المحقّق

محاضرات الأستاذ العلامة المحقّق

بقلم

جعفر الهادي

الجزء الأوّل

مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ


(2)

(3)

(4)

(5)

مقدمة الطبعة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

القرآن

كتاب القرون والأجيال

الحمد للّه الذي نزّل القرآن تبياناً لكلّ شيء، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الذي نزل القرآنُ على قلبه ليكون من المنذِرين، وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيش العلم وموت الجهل.

أمّا بعد، فانّ القرآن كتاب أبديّ خالد ينطوي على أبعاد مختلفة وبطون لا يمكن للبشر أن يكتشف جميعها جملة واحدة، وإنّما يكتشف في كلّ عصر بعداً من أبعاده، وحقيقة من حقائقه.

وقد استخرج المحقّقون بفضل جِدّهم ومثابرتهم حقائق في غاية الأهمية لم يخطر على بال القدامى من المحقّقين، وهذا دليل واضح على أبعاد القرآن اللامتناهية، وإليها يشير ابن عباس بقوله: إنّ القرآن يفسره الزمان(1).

وهذه حكمة بالغة نطق بها حبر الأُمّة تلميذ الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، وأثبتتها التجارب على مرّ الزمان.


1 . راجع النواة في حقل الحياة، تأليف مفتي الموصل الشيخ العبيدين.

(6)

والحقّ يقال: انّ السير التكاملي للعلوم على مرّالزمان لم يمنع علماء الطبيعة فحسب من إمكانية استنباط حقائق هامة وجديدة من القرآن في حقول العلوم الطبيعية، بل وأتاح للمفسرين أيضاً إمكانية استخراج حقائق قرآنية هامة لم تكن معروفة من ذي قبل، و ذلك بفضل تطور المناهج العلمية المتداولة.

إنّ القرآن الكريم صدر من لدن حكيم خبير لا يحد ولا يتناهى، ومقتضى السنخية بين الفاعل والفعل أن يكون في فعله أثر من ذاته، فإذا كانت ذاته لا متناهية ولا أوّل لها ولا آخر، فاللازم أن ينعكس شيء من كمالات الذات على الفعل أيضاً، وإلى ذلك يشير رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في كلامه إذ يتحدّث حول أبعاد القرآن و أغواره، فيقول:

«فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فانّه شافع مشفّع، وماحل مصدَّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له نجوم، وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره، وليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب، ويتخلّص من نشب، فانّ التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور».(1)

كما أشار أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ إلى هذه الأبعاد اللا متناهية، وقال في معرض كلامه عن القرآن: «ثمّ أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لا يدرك قعره، فهو ينابيع العلم وبحوره، وبحراً لا ينزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون».(2)


1 .الكافي: 2/599، كتاب فضل القرآن.
2 .نهج البلاغة، الخطبة رقم 198.


(7)

إنّ هذه الميزة (البعد اللا متناهي للقرآن) لم تكن أمراً خفياً على بلغاء العرب في صدر الرسالة، وهذا هو الوليد بن المغيرة ريحانة العرب، يشيد بالقرآن ويصفه بقوله:

واللّه لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وانّ له لحلاوة، وانّ عليه لطلاوة، وانّ أعلاه لمثمر، وانّ أسفله لمغدق، وانّه ليعلو وما يعلى عليه.(1)

إنّه سبحانه خصَّ نبيّه بتلك المعجزة الخالدة، وما هذا إلاّ لأنّ الدين الخالد يستدعي معجزة خالدة، ودليلاً وبرهاناً أبدياً لا يختص بعصر دون عصر، والنبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإن جاء بمعاجز ودلائل باهرة لم ترها عيون الأجيال المتعاقبة ولكن عوضهم اللّه سبحانه بمعجزة هي كشجرة مثمرة تعطي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها، وينتفع كلّ جيل من ثمارها حسب حاجاته، وإلى هذا يشير الإمام علي بن موسى الرضا عليمها السَّلام حين سأله السائل، وقال: ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلاّغضاضة؟ فقال الإمام: «إنّ اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كلّ زمان جديد، وعند كلّ قوم غضٌّ إلى يوم القيامة».(2)

اهتمام المسلمين بالكتاب العزيز

ارتحل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وترك بين الأُمة تركتين ثمينتين ، إحداهما: الكتاب، والأُخرى: العترة.

وقد أكبّ المسلمون بعد رحيله على قراءة القرآن وتجويده وكتابته ونشره بين الأُمم.وأسّسوا علوماً كثيرة خدموا بها القرآن الكريم، كما أنّهم وراء ذلك اهتموا


1 .مجمع البيان:5/387، طبع صيدا، وقد سقط عن النسخة لفظة «عليه» من قوله: «وما يعلى».
2 .البرهان في تفسير القرآن ، للسيد البحراني: 1/28.


(8)

بتفسير غريب القرآن و تبيين مفرداته، ومجازاته وتفسير جمله وتراكيبه، وردّ متشابهه إلى محكماته، وتمييز ناسخه عن منسوخه، وتفسير آيات أحكامه، وإيضاح قصصه وحكاياته، وأمثاله وأقسامه، واحتجاجاته ومناظراته، إضافة إلى بيان أسباب نزوله، وكلّ ذلك يعرب عن الأهمية الفائقة التي يحظى بها القرآن الكريم.

وفي ظل هذه الجهود المضنية ظهرت تفاسير في كلّ قرن وعصر لو جمعت في مكان واحد لشكلت مكتبة ضخمة لا يستهان بها.

التفسير الترتيبي والتفسير الموضوعي

إنّ التفسير الرائج في الأجيال الماضية هو تفسير القرآن حسب السور والآيات الواردة في كلّ سورة، فمنهم من سنحت له الفرصة أن يفسر آيات القرآن برمتها، ومنهم من لم يسعفه الحظ إلاّبتفسير بعض السور، وهذا النوع من التفسير الذي يطلق عليه اسم التفسير الترتيبي، ينتفع به أكثر شرائح المجتمع الإسلامي، وكلّ حسب استعداده وقابلياته.

بيد انّ هناك لوناً آخر من التفسير يطلق عليه اسم التفسير الموضوعي الذي ظهر في العقود الأخيرة، واستقطب قسطاً كبيراً من اهتمام العلماء نظراً لأهميته، وهو تفسير القرآن الكريم حسب الموضوعات الواردة فيه بمعنى جمع الآيات الواردة في سور مختلفة حول موضوع واحد، ثمّ تفسيرها جميعاً والخروج بنتيجة واحدة، وقد أُطلق على هذا اللون من التفسير بالتفسير الموضوعي.

وأوّل من طرق هذا الباب لفيف من علماء الشيعة عند تفسيرهم آيات الأحكام الشرعية المتعلّقة بعمل المكلف في حياته الفردية والاجتماعية فانّ النمط السائد على تآليفهم في هذا الصعيد هو جمع الآيات المتفرقة الراجعة إلى موضوع واحد في مبحث واحد، فيفسرون ما يرجع إلى الطهارة في القرآن في باب واحد، كما


(9)

يفسرون ما يرجع إلى الصلاة في مكان خاص، وهكذا سائر الآيات، و هذا ككتاب «منهاج الهداية في شرح آيات الأحكام» للشيخ جمال الدين ابن المتوج البحراني (المتوفّى عام 820هـ)، و«آيات الأحكام» للشيخ السيوري الأسدي الحلي المعروف بالفاضل المقداد(المتوفّى عام 826)، إلى غير ذلك مما أُلف في هذا الصدد، وهذا على خلاف ما كتبه أهل السنة في تفسير آيات الأحكام كالجصاص وغيره ،فانّهم فسروا آيات الأحكام حسب السور، وقد اعترف بذلك الشيخ الذهبي في كتابه «التفسير والمفسرون»

يقول الذهبي عند ما يتطرق إلى تفسير «كنز العرفان في فقه القرآن»: يتعرض هذا التفسير لآيات الأحكام فقط، وهو لا يتمشى مع القرآن سورة سورة على حسب ترتيب المصحف ذاكراً ما في كلّ سورة من آيات الأحكام كما فعل الجصاص وابن العربي مثلاً، بل طريقته في تفسيره: انّه يعقد فيه أبواباً كأبواب الفقه، ويدرج في كلّ باب منها الآيات التي تدخل تحت موضوع واحد، فمثلاً يقول: باب الطهارة، ثمّ يذكر ما ورد في الطهارة من الآيات القرآنية، شارحاً كلّ آية منها على حدة، مبيناً ما فيها من الأحكام على حسب ما يذهب إليه الإمامية الاثنا عشرية.(1)

ثمّ إنّ أوّل من توسع في التفسير الموضوعي هو شيخنا العلاّمة المجلسي، فقد اتّبع هذا المنهج في جميع أبواب موسوعته النادرة «بحار الأنوار» حيث جمع الآيات المربوطة بكلّ موضوع في أوّل الأبواب وفسرها تفسيراً سريعاً، وهذه الخطوة وإن كانت قصيرة، لكنّها جليلة في عالم التفسير، وقد قام بذلك مع عدم وجود المعاجم القرآنية الرائجة في تلك الأعصار.

وبما أنّ القرآن الكريم بحث في أُمور ومواضيع كثيرة لا يحيط بها أحد، لذا


1 .التفسير والمفسرون:2/465.

(10)

فقد آثرنا دراسة الجانب العقائدي من هذه المواضيع الكثيرة جداً، لأهميته في ترسيم معالم الإيمان وترسيخه في حياة الإنسان. وتؤلّف قضايا التوحيد والشرك حجر الأساس في العقيدة الإسلامية، بل حجر الأساس في كلّ الشرائع السماوية.

فبإلقاء نظرة سريعة على الآيات القرآنية يتضح انّ القرآن الكريم بذل حيال مسألة التوحيد الأُلوهي و الربوبي من العناية ما لم يبذل مثلها حيال أية مسألة أُخرى من المسائل العقائدية والمعارف العقلية.بل حتى قضية «المعاد» والبعث في يوم القيامة التي تعد من القضايا المهمة جداً في نظر القرآن بحيث لا يمكن لأي دين أن يتجلى في صورة «عقيدة سماوية» ومنهج إلهي دون الاعتقاد بها، كما لا يمكن لذلك المنهج أن ينفذ إلى الأعماق والافئدة بدونها.

ويجدر بالذكر انّ عناية القرآن تركزت أساساً على ابلاغ وبيان «أُصول الدين»و بذر بذورها في الأفئدة، والعقول أكثر من العناية ببيان المسائل الفرعية العملية.

ويشهد على ذلك أنّ الآيات التي وردت في القرآن حول موضوع «المعاد» تتجاوز (2000) آية، في حين يقارب مجموع الآيات الواردة حول الأحكام المبينة لفروع الدين (288)آية أو يتجاوزها بقليل.

وهذا هو بذاته يكشف عن الاهتمام الواسع والعناية الفائقة التي يوليها القرآن الكريم للمسائل الفكرية والقضايا الاعتقادية.

وعلى هذا الأساس قد خصصنا الجزء الأوّل للتوحيد والشرك بمختلف مراتبهما، ولما انتهى بحثنا في آخر الجزء إلى التوحيد في الحكومة التي هي للّه سبحانه فقط، آثرنا أن نركز في الجزء الثاني على معالم الحكومة الإسلامية، ثمّ تدرّجنا في البحث في سائر الأجزاء إلى الجزء العاشر الذي اهتم بالعدل والإمامة، وما يمت لهما بصلة.


(11)

وبذلك انتهت هذه الموسوعة القرآنية المبتكرة في موضوعها، وهي نعمة منَّ اللّه سبحانه بها على عبده الفقير.

وفي الختام لا يسعني هنا إلاّ أن أتقدم بخالص الشكر إلى ولدي الروحي الحجة الفاضل الشيخ جعفر الهادي (حفظه اللّه) حيث قام بتدوين ما ألقيته من محاضرات في الجزء الأوّل والثاني على أحسن ما يمكن.

وقد بذل وقته الثمين لتحرير هذين الجزءين وإخراجهما بهذه الحلة القشيبة، وهو (حفظه اللّه) ذو باع طويل في هذا المضمار.

وأمّا الأجزاء الثمانية الباقية فقد قمت بكتابتها وتحريرها بفضل من اللّه سبحانه فجاءت هذه الموسوعة في عشرة أجزاء.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

14 ذي الحجة الحرام من شهور عام 1420هـ


(12)

(13)

مراتب التوحيد

لقد لخّص المحقّقون الإسلاميون البحوث المرتبطة بالتوحيد في أربعة أقسام نذكرها فيما يأتي باختصار :

1. التوحيد في الذات

والمقصود به أنّ اللّه واحد أحد لا شريك له ولا نظير ولا يتصور له شبيه ولا مثيل.

بل انّ ذاته المقدّسة بسيطة غير مركبة، من أجزاء كما هو شأن الأجسام.

2. التوحيد في الصفات

ويراد منه أنّ اللّه تعالى وإن كان متّصفاً بصفات عديدة كالعلم والقدرة والحياة، إلاّ أنّ هذا التعدّد إنّما هو باعتبار المفهوم الذهني وليس باعتبار الوجود والواقع الخارجي، بمعنى أنّ كل واحدة من هذه الصفات هي «عين» الأُخرى وليست «غير» الأُخرى، وهي أجمع «عين» الذات وليست «غير» الذات.

فعلم اللّه ـ مثلاً ـ هو «عين» ذاته، فذاته كلّها علم، في حين تكون ذاته كلها


(14)

«عين» القدرة، لا أن حقيقة العلم في الذات الإلهية شيء، وحقيقة القدرة شيء آخر، بل كل واحدة منهما «عين» الأُخرى، وكلتاهما «عين» الذات المقدسة.

ولتقريب المعنى المذكور نلفت نظر القارئ الكريم إلى المثال التالي فنقول:

من الواضح أنّ كل واحد منّا «معلوم» للّه، كما أنّه «مخلوق» للّه في نفس الوقت.

صحيح أنّ مفهوم «المعلومية» غير مفهوم «المخلوقية» في مقام الاعتبار الذهني وعند التحليل العقلي البحت، ولكنَّهما في مقام التطبيق الخارجي واحد، فإنّ وجودنا بأسره معلوم للّه، كما أنّ وجودنا بأسره مخلوق للّه في نفس الوقت .. هكذا وجود واحد باعتبارين.

فهما (أي المعلومية والمخلوقية) المتصف بهما وجودنا ليسا في مقام المصداق الخارجي إلاّ «عين» الأُخرى، وهما «عين» ذاتنا، لا أنّ قسماً من ذاتنا هو المعلوم للّه والقسم الآخر هو المخلوق له تعالى، بل كل ذاتنا بأسره مخلوق ومعلوم للّه في آن واحد.

3. التوحيد في الأفعال

نحن نعلم أنّ هناك في عالم الطبيعة سلسلة من العلل والأسباب الطبيعية لها آثار خاصة كـ :

الشمس والإشراق الذي هو أثرها ومعلولها، والنار والإحراق الذي هو أثرها ومعلولها، والسيف والقطع الذي هو أثره ومعلوله.


(15)

والتوحيد الافعالي هو أن نعتقد بأنّ هذه «الآثار» مخلوقة هي أيضاً للّه تعالى كما أنّ عللها مخلوقة له سبحانه .

بمعنى أنّ اللّه الذي خلق العلل المذكورة هو الذي منحها تلك «الآثار».

فخلق الشمس وأعطاها خاصية الإشراق، وخلق النار وأعطاها خاصية الإحراق، وخلق السيف وأعطاه خاصية القطع، إلى آخر ما هنالك من العلل والمعلولات، والأسباب والمسببات والمؤثرات وآثارها.

وبعبارة أُخرى: انّ «التوحيد الافعالي» هو أن نعترف بأنّ العالم بما فيه من العلل والمعاليل، والأسباب والمسببات، ما هو إلاّ فعل اللّه سبحانه، وأنّ الآثار صادرة عن مؤثراتها بإرادته ومشيئته.

فكما أنّ الموجودات غير مستقلة في ذواتها بل هي قائمة به سبحانه، فكذا هي غير مستقلة في تأثيرها وعلّيَّتها وسببيَّتها.

فيستنتج من ذلك أنّ اللّه سبحانه كما لا شريك له في ذاته، كذلك لا شريك له في فاعليته وسببيته، وأنّ كل سبب وفاعل ـ بذاتهما وحقيقتهما وبتأثيرهما وفاعليتهما ـ قائم به سبحانه وأنّه لا حول ولا قوة إلاّ به.

ويندرج في ذلك «الإنسان» ، فبما أنّه موجود من موجودات العالم وواحد من أجزائه فإنّ له فاعلية، وعلية بالنسبة لأفعاله، كما أنّ له حرية تامّة في مصيره وعاقبة حياته، ولكنَّه ليس موجوداً مفوّضاً(1) إليه ذلك، بل هو بحول اللّه وقوته يقوم ويقعد ويتسبب ويؤثر .


1 . المراد من التفويض هو أنّ اللّه أعطاه الفاعلية ثم هو يفعل ما يريد دون مشيئة اللّه وعلى نحو الاستقلال، وسيأتي شرح التفويض في الفصول القادمة مسهباً.

(16)

إنّ «التوحيد الافعالي» لا يعني إنكار العلل الطبيعية أو إنكار مشاركتها في التأثير وفي حدوث معلولاتها، بل يعني مع الاعتراف بأنّ للعلل تمام المشاركة في ظهور الآثار، وأنّ هذه الآثار هي من خواص هذه العلل.

أقول: يعني مع الاعتراف بهذا، الاعتراف بأنّه لا مؤثر حقيقي في صفحة الوجود إلاّ «اللّه» وأنّ تأثير ما سواه من المؤثرات إنّما هو في ظل قدرة اللّه، ذلكالمؤثر الحقيقي الأصيل، وأنّ هذه العلل ما هي إلاّ وسائط للفيض الإلهي.

فمنه تعالى تكتسب «الشمس» القدرة على الإشراق والإضاءة كما استمدت منه أصل وجودها.

ومنه تعالى تكتسب «النار» خاصية الإحراق والحرارة كما استمدت منه أصل وجودها، وأنّه تعالى هو الذي منح هذه العلل والأسباب هذه الخواص، وأعطاها هذه الآثار كمامنحها: وجودها أساساً وأصلاً.

وبتعبير آخر نقول: إنّ التوحيد الأفعالي يعني أنّه لا مؤثر بالذات ـ في هذا الوجود ـ إلاّ «اللّه»، فهو وحده الذي لا يحتاج إلى معونة أحد أو شيء في الإيجاد والتأثير والإبداع والابتكار.

وأمّا تأثير ما عداه «من العلل»، فجميعه يكون بالاعتماد على قدرته وقوته سبحانه .

بهذا البيان يتضح الفرق بين مدرستين في هذا المجال:

مدرسة الأشاعرة القائلين بعدم دخالة العلل في الآثار مطلقاً.

والمدرسة القائلة بالتوحيد الافعالي.


(17)

فتذهب المدرسة الأُولى إلى أنّ الشمس والنار والسيف غير مؤثرة إطلاقاً، وغير دخيلة مطلقاً في وجود النور والحرارة والقطع، بل انّ عادة اللّه هي التي جرت على أن يوجد اللّه النور بعد طلوع الشمس، والحرارة عند حضور النار، والقطع عند حضور السيف، وإن لم تكن لهذه الأشياء [أي الشمس والنار والسيف ]أيّة مشاركة في إيجاد هذه الآثار ووقوعها.

ولا شك أنّ هذه النظرية مرفوضة في نظر العقل ومنطق القرآن(1).

فبينما تنفي مدرسة الأشاعرة دور العلل ومشاركتها رأساً، تذهب المدرسة الثانية (القائلة بالتوحيد الافعالي) إلى الاعتراف بأنّه لا مؤثر حقيقي في الوجود إلاّ «اللّه»(2) ولكن مع الاعتراف ـ إلى جانب ذلك ـ بدخالة «العلل» في إيجاد «الآثار»، مستمدة هذه القدرة على التأثير من ذلك المؤثر الحقيقي الواحد، ونعني «اللّه» سبحانه وتعالى.

ولهذا يغدو أي اعتقاد بالثنوية أو التثليث مرفوضاً في منطق هذه المدرسة.

وبهذا يتبيّـن أنّ القائلين بأنّ الإنسان محتاج إلى اللّه في أصل وجوده، ولكنه مستغن عنه تعالى في أفعاله ومستقل في تأثيره، قد سقطوا في الشرك من حيث لا يعلمون، ذلك لأنّهم بمثل هذا الاعتقاد يكونون قد اعترفوا ـ في الحقيقة ـ بمؤثرين أصيلين مستقلين غنيين وخرجوا بذلك عن إطار «التوحيد الافعالي» !!


1 . فالقرآن يصرح بتأثير العلل الطبيعية في معاليلها حيث يقول: (يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ) (النحل:11) فإنّ قوله (بِهِ) صريح في تأثير الماء في إنبات هذه الثمار، وسيوافيك تفصيل القول في ذلك عند البحث في التوحيد الربوبي.
2 . الاعتراف بوحدانية المؤثر في صفحة الوجود لا ينافي القول بتأثير العلل الطبيعية في معاليلها.


(18)

كما أنّ الذين اعتقدوا بوجود «مبدأين» لهذا العالم، وتصوّروا بأنّ خالق الخير هو غير خالق الشر هم أيضاً خرجوا عن دائرة التوحيد الافعالي وارتطموا في الشرك والثنوية في الفاعلية والتأثير.(1)

4. التوحيد في العبادة

و نعني أنّ العبادة لا تكون إلاّ للّه وحده، وأنّه لا يستحق أحد أن يتخذ معبوداً مهما بلغ من الكمال والجلال وحاز من الشرف والعلاء.

ذلك لأنّ الخضوع العبودي أمام أحد لا يجوز إلاّ لأحد سببين، لا يتوفران إلاّ في «اللّه» جل جلاله:

1. أن يبلغ المعبود حداً من الكمال يخلو معه عن أي عيب ونقص، فيستوجب ذلك الكمال أن يخضع له كل منصف ويعبده كل من يعرف قيمة ذلك


1 . ونظنك أيّـها القارئ قد وقفت على الفرق بين التوحيد الافعالي، وبين ما يذهب إليه الأشاعرة والمجبرة.
فإنّ الفاعل عند هاتين الطائفتين (الأشاعرة والمجبرة) لامشاركة له في أفعاله وآثاره أصلاً، وإنّها تستند إلى اللّه سبحانه مباشرة وبلا واسطة فهو الذي ينفذ الفعل عن طريق الفاعل دون إرادة و مشاركة من الفاعل في الفعل مطلقاً»!!
و أمّا الذي نقوله نحن فهو أنّ كل فاعل إنّما يعتمد ـ في فعله وأثره ـ على اللّه من حيث إنّه فقير محتاج إلى الغني بالذات في جميع شؤونه وأطواره. وأنّ للفاعل ـ مريداً كان أو غير مريد ـ دوراً في حدوث الأثر و بروزه و أنّ الأثر لا يمكن أن يتحقق على صعيد الوجود إلاّ عن طريق هذا الفاعل.
وكم فرق بين أن ننسب أفعال الفاعل كلها إلى اللّه مع نفي مشاركته فيها، وبين أن نعزي إمكانية التأثير إلى اللّه مع الاعتراف بمشاركة الفاعل في فعله.
و سوف يظهر لك الفرق بين المدرستين ـ بنحو أكثر تفصيلاً ـ في البحوث الآتية.


(19)

«الكمال المطلق».

ونعني ببلوغ أقصى درجات الكمال ومراتبه أن يتحلّـى ـ مثلاً ـ بالوجود اللامتناهي الذي لا يشوبه عدم، والعلم اللامحدود الذي لا يخالطه جهل، والقدرة المطلقة التي لا يمازجها عجز أو عيّ.

فهذه الأُمور هي التي تدفع كل ذي وجدان سليم وضمير حي إلى التعظيم والخضوع لصاحبها وإظهار العبودية أمام ذلك الكمال المطلق.

2. أن يكون ذلك المعبود بيده مبدأ الإنسان ومنشأ حياته فيكون خالقه وواهب الجسم والروح له ومانح الأنعم والبركات إياه ومسبغها عليه بحيث لو قطع عنه فيضه لحظة من اللحظات عاد عدماً واستحال خبراً بعد أثر.

ترى هل يتوفر هذان الوصفان في أحد غير اللّه ؟ وهل سواه يتصف بأكمل الكمال؟ أم هل سواه منح للأشياء وجودها وخلق الإنسان ويسر له سبل الحياة؟ وهل سواه المبدأ الفياض الذي لو وكل الحياة إلى ذاتها، وترك الإنسان لنفسه آناً من الآونة صارت الحياة كأن لم تكن؟

هذا والجدير بالذكر أنّ عبادة الأنبياء والأئمّة والأولياء الصالحين للّه سبحانه لم تكن إلاّ لـ (كمال) ذلك المعبود المطلق.

فهم لمعرفتهم الأفضل، واطّلاعهم الأعمق على عالم الغيب عبدوا اللّه سبحانه لما وجودوا فيه من الجمال المطلق، والكمال اللامحدود، ولأجل أنّهم وجدوه أهلاً للعبادة، والتقديس والخضوع والتعظيم فعبدوه وقدسوه وخضعوا له وعظموه.

أجل لذلك فحسب وليس لسواه عبدوه، وأعطوه بلاءهم وولاءهم، حتى


(20)

أنّهم كانوا سيعبدونه ـ حتماً ـ حتى ولو لم يك هناك العامل والملاك الآخر للعبادة، في حين أنّ الآخرين إنّما يعبدون «اللّه» لكونه خالقهم، ومصدر وجودهم وسابغ الأنعم عليهم، وواهب القدرة والطول لهم، ولأنّ بيده مفتاح كل شيء وناصية كل موجود(1).

على كل حال سواء كان الأولى هو الأخذ بالملاك الأوّل للعبادة أم الثاني، فإنّ العبادة بكلا الملاكين المذكورين مخصوصة باللّه وليس معه في ذلك شريك، لعدم وجودهما في غيره تعالى.

وبذلك تكون عبادة غير اللّه أمراً مرفوضاً بشدة في منطق العقل والشرع على السواء.

كان هذا هو مقصود علماء الإسلام من مراتب وأقسام التوحيد الأربعة، التي ذكرناها باختصار وسنذكرها مفصّلة، كما سنذكر غيرها من مراتب التوحيد في الصفحات القادمة مع استعراض الآيات الدالة عليها إن شاء اللّه .

غير أنّنا مع تقديرنا لما قام به أُولئك العلماء والمحقّقون المسلمون من خدمات علمية جليلة على هذا الصعيد نقول: إنّ مراتب التوحيد ـ حسب نظر القرآن ـ لا تنحصر في ما ذكروه من المراتب، بل يستفاد من آيات الكتاب العزيز أنّ هناك مراتب توحيدية أُخرى يمكن استنباطها واستفادتها من القرآن ، من الصعب، ادراجها تحت المراتب الأربع المذكورة .

وإليك فيما يلي هذه المفاهيم باختصار :


1 . هناك عوامل أُخرى للعبادة سيوافيك بيانها في موضعه.

(21)

التوحيد في الولاية

ولا نعني من الولاية «الولاية التكوينية» أي الربوبية والتدبير، بل المراد «الولاية التشريعية» وتنظيم شؤون الفرد والمجتمع في عامّة مجالات الحياة.

والولاية بهذا المعنى تعني الأمارة، ولها مظاهر ثلاثة:

1. التوحيد في الحاكمية

ولقد وجّه القرآن الكريم عناية خاصة إلى « التوحيد في الحاكمية» بحيث يتبيَّن بوضوح أنّ الحكم والولاية في منطق القرآن ليس إلاّ للّه تعالى وحده، وانّه لا يحق لأحد أن يحكم العباد دونه، وأنّه لا شرعية لحاكمية الآخرين إلاّ إذا كانت مستمدة من الولاية والحاكمية الإلهية وقائمة بأمره تعالى، وفي غير هذه الصورة لن يكون ذلك الحكم إلاّ حكماً طاغوتياً لا يتصف بالشرعية مطلقاً ولا يقرّه القرآن أبداً.

على أنّنا حينما نطرح هذا الكلام ونقول: بأنّ الحكم محض حق للّه وأنّ الحاكمية منحصرة فيه دون سواه فليس يعني ذلك أنّ على اللّه أن يباشر هذه الحاكمية بنفسه، ويحكم بين الناس ويدير شؤون البلاد دونما واسطة، ليقال إنّ ذلك محال غير ممكن، أو يقال إنّ ذلك يشبه مقالة الخوارج إذ قالوا للإمام علي ـ عليه السَّلام ـ رافضين حكمه و إمارته:

«أن الحكم إلاّ للّه، لا لك يا علي، ولا لأصحابك»(1).

بل مرادنا هو: أنّ حاكمية أيِّ شخص يريد أن يحكم البلاد والعباد لا بد أن


1 . كان هذا شعار الخوارج يردّدونه في المسجد وغيره.

(22)

تستمد مشروعيتها من : «الإذن الإلهي» له بممارسة الحاكمية.

فما لم تكن مستندة إلى هذا الإذن لم تكن مشروعة ولم يكن لها أي وزن، ولا أي قيمة مطلقاً.

ونفس هذا الكلام جار في مسألة الشفاعة أيضاً.

فعندما يصرح القرآن بوضوح قائلاً: (قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً) (1) لا يعني أنّه لا يشفع إلاّ اللّه، إذ لا معنى لأن يشفع اللّه لأحد.

بل المفاد والمراد من هذه الآية هو أنّه ليس لأحد أن يشفع إلاّ بإذن اللّه، وأنّه لا تنفع الشفاعة إذا لم تكن برضاه ومشيئته(2).

وإن شئت قلت: إنّ أمر الشفاعة بيد اللّه تعالى من حيث الشافع والمشفع واللام في قوله (للّهِ) يدل على اختصاص خاص وهو أنّ أمر التصرّف باختياره تعالى كقوله: (وَللّهِ غَيْبُ السَّموَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ) (3).

2. التوحيد في الطاعة

كما أنّ الحاكمية على العباد مختصة باللّه سبحانه ، كذلك لا يجوز لأحد أن يطيع أحداً غير اللّه، فالطاعة هي أيضاً حق منحصر باللّه سبحانه لا يشاركه فيها ولا ينازعه أحد .

وأمّا لو شاهدنا القرآن يأمرنا ـ في بعض الموارد ـ بطاعة غير اللّه ، مثل


1 . الزمر: 44.
2 . بحث المؤلف الشفاعة في كتاب مستقل باسم « الشفاعة بين يدي القرآن والسنّة والعقل».
3 . هود: 123.


(23)

الأنبياء والأولياء، فليس لأنّ طاعة هؤلاء واجبة بالذات، بل لأنّ وجوب طاعتهم من جهة أنَّها «عين» طاعته سبحانه ، وبأمره.

وبتعبير أجلى: حيث إنّ اللّه تعالى «أمر» بطاعة هؤلاء، لهذا وجبت إطاعتهم واتّباع أوامرهم والانقياد لأقوالهم امتثالاً لأمر اللّه وتنفيذاً لإرادته، فلا يكون هناك حينئذ إلاّ «مطاع واحد» في واقع الحال، وهو اللّه جل جلاله. وأمّا إطاعة الآخرين (أي غير اللّه) فليست إلاّ في ظل إطاعة اللّه تعالى شأنه، وفرع منها.

3. التوحيد في التقنين

إنّ حق التقنين والتشريع ـ هو الآخر ـ مختص باللّه في نظر القرآن الكريم ، تماماً مثل الأُمور السالفة الذكر .

فليس لأحد سوى «اللّه» حق التقنين والتشريع وجعل الأحكام وسن القوانين للحياة البشرية.

ولذلك فإنّ الذين أعطوا مثل هذا الحق للأحبار والرهبان خرجوا من دائرة التوحيد في التقنين، ودخلوا في زمرة المشركين.

ويمكن إدراج هذا القسم (أي التوحيد في التقنين) تحت قسم ( التوحيد الافعالي) ولكن من الأفضل أن نفرد له قسماً خاصاً، وبحثاً مستقلاً، لأنّ المقصود بالأفعال في «التوحيد الافعالي» هو الأفعال التكوينية أي المرتبطة بعالم الخلق والتكوين والطبيعة، في حين أنّ التقنين والتشريع نوع من الأُمور الاعتبارية والجعلية العقلائية، فليس التحليل والتحريم أمرين تكوينيين، بل من الملاحظات العرفية القائمة بذهن المعتبر واعتباره، ولهذا يكون من الأنسب التفريق بين هذين القسمين.


(24)

وهكذا بالبحث في:

التوحيد في الحاكمية

والتوحيد في الطاعة.

والتوحيد في التقنين.

أقول: بالبحث في هذه الأُمور تتضح صيغة الحكومة ونظام الحكم في الإسلام، وتتجلّـى لنا الصورة الواقعية للحكومة الإسلامية.

لأنّ على هذا الأساس لن تكون الحكومة الإسلامية من نوع «حكم الفرد على الشعب» ولا من نمط «حكم الشعب على الشعب» على إطلاقه، بل هي من نوع «حكومة اللّه على المجتمع بواسطة المجتمع»(1) أو بعبارة أُخرى: حكومة القانون الإلهي على المجتمع.

وأمّا بقية الصيغ الأُخرى للحكم التي سوف نستعرضها فيما بعد فلا توافق الصيغة القرآنية على صعيد نظام الحكم مطلقاً.

ففي كثير من الصيغ المطروحة لنظام الحكم يشار فيها ـ في العادة ـ إلى هذه الأُصول الثلاثة وهي:

1. السلطة التشريعية.

2. السلطة القضائية.

3. السلطة التنفيذية.


1 . على النحو الذي سيأتي بيانه موسعاً فيما بعد.

(25)

وكل هذه السلطات الثلاث محترمة في نظر الإسلام، إلاّ أنّ مهمة «السلطة التشريعية» في الحكومة الإسلامية ليست إلاّ «التعريف بالقانون» والتخطيط وفق موازين الشريعة الإسلامية وليس سن القوانين، لأنّ في النظام الإسلامي يختص حق التقنين باللّه، فلا مكان لمقنّن آخر فيه سوى اللّه الذي سن جميع ما يحتاجه البشر من القوانين وأبلغها إليهم عن طريق الأنبياء والمرسلين .

من هنا لا بد لتكميل «البحوث التوحيدية» ـ بالإضافة إلى دراسة مراتب التوحيد الأربع ـ من البحث في هذه الأنواع الثلاثة من التوحيد على ضوء القرآن.

على أنّنا لا ندعي بتاتاً بأنّ مراتب التوحيد وأقسامها تنحصر في هذهالمراتب السبع وتقف عند هذا الحد، بل يمكن أن يكون للتوحيد مراتبأُخرى ذكرها القرآن(1) ولكن بحثنا سيدور فعلاً حول هذه الأقسام السبعة.

ولكي نحيط إحاطة كاملة بالكثير من المسائل المرتبطة «بالتوحيد والشرك» من وجهة نظر القرآن الكريم يتعين علينا أن نتعرف على نظر القرآن الكريم في المباحث التالية التي هي موضع عناية القرآن :

1. اللّه والفطرة.

2. اللّه وعالم الذر .


1 . مثل «التوحيد في الهداية» و «التوحيد في المالكية» و «التوحيد في الرازقية» و «التوحيد في الشفاعة» مما يمكن إدخال بعضها أو جميعها في قسم «التوحيد الافعالي» .

(26)

3. اللّه وبراهين وجوده في القرآن(1).

4. اللّه وسريان معرفته في الوجود بأسره.

5. اللّه و التوحيد في الذات.

6. اللّه وبساطة ذاته وعينيّة صفاته لذاته.

7. اللّه و التوحيد في الخالقية(2).

8. اللّه و التوحيد في الربوبية (التدبير)(3).

9. اللّه و التوحيد في العبادة.

10. اللّه و التوحيد في التقنين.

11. اللّه و التوحيد في الطاعة.

12. اللّه و التوحيد في الحاكمية.


1 . ليس من الصحيح أن يؤخذ علينا استدلالنا بالقرآن على وجود اللّه بظن أنّ هذا يستلزم الدور الصريح بأن يقال:
إنّ القرآن حجة فيما يقول لو ثبت الوحي والرسالة، والوحي والرسالة لا يثبتان إلاّ بعد ثبوت الموحي المرسل، فالاستدلال بالقرآن لثبوت الموحي المرسل استدلال بالشيء على نفسه.
أقول: لا يصح أن يؤخذ علينا إشكال كهذا، لأنّنا إنّما نستدل بالقرآن، لأنّه لا يعرض ما يتعلق بالعقائد الدينية إلاّ مع الأدلة العقلية القاطعة، وهذا وحده أمر يستدعي الاهتمام بغض النظر عن كون القرآن وحياً إلهياً وكتاباً سماوياً.
فاستشهادنا واستهداؤنا بالقرآن إذن هو من قبيل استهداء التلميذ بأُستاذه الذي يريه الطريق، أي بصرف النظر عن كون القرآن كلام اللّه بل بالنظر إلى كونه مبيناً للأدلّة والبراهين العقلية ومشيراً إلى الأدلّة التي تستدعي من عقولنا التأمل.
2 . الخالقية والتدبير (اللّذين فتحنا لهما فصلين مستقلين) هما في الحقيقة من فروع التوحيد في الأفعال، ولكن لكثرة مباحثهما بحثنا عن كل واحد بالاستقلال.
3 . الخالقية والتدبير (اللّذين فتحنا لهما فصلين مستقلين) هما في الحقيقة من فروع التوحيد في الأفعال، ولكن لكثرة مباحثهما بحثنا عن كل واحد بالاستقلال.


(27)

وسنبحث في هذا الكتاب وفق هذا الجدول الذي يؤلف فصول هذا الكتاب الرئيسية، وسيكون مستندنا الوحيد ـ طوال هذا البحث ـ هو (آيات القرآن الكريم ) ومداليل هذه الآيات ومفادها.

كما أنّنا لمزيد التوضيح ربّما استعنا ـ خلال البحث ـ بالأدلة العقلية الواضحة والتحليل الفلسفي، وربّما نستشهد ببعض الأحاديث التي رواها السنّة والشيعة عن النبي الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وآله ـ عليهم السَّلام ـ ومن اللّه نسأل العون والسداد.


(29)

الفصل الأوّل

اللّه و الفطرة


(30)

معرفة اللّه والفطرة

1. هزيمة التكنولوجيا والحياة الآلية.

2. اعترافات علماء الاجتماع بأصالة التديّن.

3. هل وجود اللّه أمر بديهي؟

4. تعاليم الدين ـ بأُصولها ـ أُمور فطرية.

5. تجلّـي الفطرة عند الشدائد.

6. هل وحدانية اللّه أمر فطري وإن لم يكن الاعتقاد بذاته فطرياً؟

7. الإجابة عن هذا السؤال.

8. ما هو الفرق بين التوحيد الفطري و الاستدلالي؟

9. كيف نميز بين الفطري وغير الفطري؟

10. علامات الفطرية الأربع.

11. البعد الرابع أو غريزة التدين.

12. سلوك الماركسيين تجاه أُصولهم.

13. المعنى الآخر لفطرية الإيمان باللّه.

14. الفطرة في الأحاديث.


(31)

هزيمة التكنولوجيا والحياة الآلية

في التحوّل العلمي الأخير للغرب انطلق المكتشفون والمخترعون يعدون العالم البشري بأنّه لو تم لهم اكتشاف الضوابط والسنن المتحكمة في دنيا المادة، ولو تم لهم الوقوف والاطّلاع على العلاقات السائدة بين الظواهر الطبيعية وبالتالي لو أمكنهم أن يكبحوا جماح غول الجهل الذي يطارد البشرية دونما رحمة.

لو تم لهم كل ذلك لاستطاع البشر أن يحصلوا على «المدينة الفاضلة» التي وعد بها إفلاطون، بل لاستطاعوا أن يحصلوا على الجنّة التي طالما تحدث عنها الأنبياء، وأخبر بها الرسل !! ولم يعد بعد ذلك أيّة حاجة إلى الدين والتعاليم الدينية !! فالتقدّم العلمي والتكنولوجي وحده كفيل بأن يحقق للإنسانية ما يليق بها من العزة والكرامة والسعادة!!

هذا ما كان يتحدّث عنه.

بيد أنّه الحوادث المريعة التي شهدتها أوائل وأواسط القرن الأخير والتي بلغت ذروتها في الحربين العالميتين اللتين كان مجموع ضحاياهما ما يزيد عن المائة مليون إنسان ما بين قتيل وجريح ومفقود الأثر .

هذه الحوادث أفرغت اليأس في قلوب كل أُولئك المتشدّقين وفنّدت مزاعمهم، وأثبتت بقوّة بأنّ عهد الدين لم يول بعد، وأنّ الحاجة إلى التعاليم


(32)

الدينية لا ولن ترتفع أو تزول، وأنّ من المستحيل أن تسعد البشرية وتنال الرفاه المنشود ورغد العيش دون الأخذ بالدين، ودون التوجّه إلى اللّه، و أنَّها على فرض حصولها على العيش الرغيد في معزل عن الدين، فإنّها ـ ولا ريب ـ ستواجه مشكلات جديدة لا يمكن حلها وعلاجها بأدوات التطور العلمي المادي والتقدم الصناعي، والتكنولوجي.

لأنّه ما الذي سيمنع ـ في ظل الأنظمة المعتمدة على العلم المجرّد عن الدين ـ من بروز الحروب المبيدة الساحقة، واندلاع المعارك المدمرة؟

أم أي نظام حقوقي سيكون قادراً على تلبية كل احتياجات الإنسان الحقوقية ومعالجة كل المشكلات الطارئة على العلاقات الاجتماعية ؟!!

لقد أصبح عرض المبادئ والنظريات الفجة مع انتحال صفة «الآيديولوجية» لها، شعار هذاالعصر، ولكن الواقع العملي أثبت أنّ كل هذه المبادئ والنظريات وما يسمّى بـ «الآيديولوجيات التقدمية» عجزت، وفشلت، وسقطت على صعيد التطبيق السياسي والاجتماعي والأخلاقي، وعجزت عن تقديم نموذج أعلى للحياة وطريقة فضلى للعيش، فإذا بنا نجدها تختفي عن المسرح الواحدة تلو الأُخرى وبسرعة، مسلمة نفسها إلى يد النسيان والفناء، والاندحار .

فالماركسية التي جعلت «الاقتصاد» مبدأ حركة التاريخ وغايته ومحور كل التحولات الاجتماعية لم تستطع ـ أبداً ـ أن تروي عطش الإنسان إلى القضايا الروحية والمعنوية ولم تستطع أن تشبع تلك الجوعة المتأصلة في كيان الكائن البشري إلى ما وراء المادة، وبالتالي عجزت الماركسية عن الإجابة على أبسط الأسئلة في هذا المجال!!


(33)

فالإنسان يريد دائماً أن يعرف:

من أين جاء؟؟

ولماذا جاء؟؟

وإلى أين يذهب؟؟

ولكنَّ الفكر الماركسي يلوذ بالصمت تجاه هذه الأسئلة المحرجة، ويعجز ـ تماماً ـ عن الإجابة عليها.

ومن المعلوم أنّ الإنسان ما لم يحصل على إجابات مقنعة على أسئلته حول علة خلقه و الهدف منه و الغاية التي تنتظره فإنّه لن تنحل عنده بقية مسائل الحياة بصورة جدية وقطعية.

وكيف ـ ترى ـ يمكن أن تنحل هذه المشاكل ويتضح جواب هذه التساؤلات والماركسية تعتبر الكون ككتاب مندرس سقط أوّله وآخره فلا أوّل له ولا آخر ولا مبدأ ولا منتهى حيث إنّها لا تعترف بالمبدأ الأوّل ولا تقرّ به ولا تعرفه كما لا تعرف الغاية من الخلق ولا تقرّ بها ولا تعترف .

من هنا يعتقد المفكرون المتحررون و اقعيو النظرة في العالم، اليوم بأنّ على البشرية أن تعود إلى أحضان الدين، وأنّ المعتقدات والتعاليم الدينية يجب أن تؤخذ في الحسبان على أنّها جانب أساسي في حياة الإنسان وأنّ أي مبدأ وآيديولوجية تريد أن تشغل الإنسان بالطبيعة فقط متجاهلة ما وراء الطبيعة فإنّها ستكون محكومة بالفشل وسيكون م آلها إلى السقوط في وجه المشاكل العويصة والطرق المسدودة التي تعترض سبيلها، وسبيل كل فكرة وعقيدة.

وصفوة القول هو ما قاله العالم المعروف: «جان ديورث»:


(34)

كيفما فسرنا الأُمور الدينية وكيفما تصورناها، فإنّ للدين سابق عهد في الحياة البشرية وله دور فعلي الآن، ولا ريب أنّه سيكون له ذلك في المستقبل أيضاً.

إنّ كون الآيديولوجية (إلهية) وكون المنهج إلهياً لا يعني أنّ نوجه عنايتنا إلى ما «وراء الطبيعة» ونتجاهل عالم المادة ونهمل دنيا الطبيعة، بل انّ الفارق بين «الإلهي» و «المادي» هو أنّ الإلهي يجعل معرفته بالطبيعة سبيلاً إلى معرفة (ما وراء الطبيعة) هذا إلى جانب الاستفادة الكاملة والمعقولة من عالم الطبيعة والمادة، في حين يقتصر المادي على الاستفادة من الطبيعة ويجعلها هدفه الوحيد، وغايته القصوى، ويحبس نفسه في سجن المادة دون أن يحاول التحليق إلى آفاق ما وراء الطبيعة كما يفعل المادي.

علماء الاجتماع وأصالة التديّن

يذهب علماء الاجتماع المحقّقون المحايدون إلى أنّ للاعتقاد والإيمان باللّه جذوراً عميقة، وتاريخاً عريقاً في حياة الإنسان، بحيث لم يحدث للبشر حذف الدين من منهاج حياته ولا حتى لبرهة عابرة من الزمن.

أمّا البلاد الشيوعية التي حذفت الإيمان باللّه من برنامج حياتها، وتظاهرت بالإلحاد والكفر وإنكار الخالق وبكل ما يتعلق بما وراء الطبيعة «الميتافيزيقا» فلها تراجيديا واسعة سنشير إليها في خاتمة البحث.

والآن إلى البحث حول أصالة التديّن وتجذّره في تاريخ البشر :

إنّ حياة البشر على هذا الكوكب كنز غني وثمين متاح للإنسان المعاصر والقادم. ولكل فرد من أبناء البشر حسب رؤيته، وتبعاً لمقدار معلوماته وتخصصه


(35)

أن يستفيد من هذا الكنز العظيم الزاخر بالعبر والدروس.

ومن أجل ذلك راح الأنبياء العظام والمصلحون العالميون، والحكماء والفلاسفة، ومن ورائهم المربون الاجتماعيون وأساتذة الأخلاق، والنفسانيون وغيرهم يلفتون نظر المجتمعات البشرية إلى «تاريخ الأسلاف» ويدعونهم إلى قراءته واستلهام الدروس منه، وراح كل واحد من هذه الطوائف التي ذكرنا يستفيد من هذا الكنز العظيم، أعني : التاريخ البشري، ما أمكنه لإنجاح مهمته، وأهدافه لما في التاريخ من أدلة وشواهد لما يقولون.

إنّ تصفح مثل هذا التاريخ ومطالعة حياة الأقوام والشعوب السالفة وعلل ظهور الحضارات «الواحدة والعشرين»(1) وأرضياتها وأُسسها، وسيلة مطمئنة للباحث الذي يريد الاطلاع على جذور التديّن في قلوب البشر وفي تاريخه الطويل.

فالمتصفح في التاريخ البشري الطويل يرى كيف أنّ البشر اختار ـ طوال آلاف السنين وخلال هذه الحضارات المتنوعة ـ عشرات المناهج والأساليب لحياته، ولكنّه سرعان ما كان ينبذها ويحذفها من حياته تماماً.

لقد كان البشر ولا يزال طالباً للجديد، وخاضعاً لسنة التطور والتحول والتغير ففيما هو يوجد لنفسه ولحياته، أو يختار، برامج وأساليب جديدة لنظامه نجده من جانب آخر يلغي أُموراً ـ تبعاً للعوامل الطبيعية والظروف المحيطية والعنصرية ـ طالما دافع عنها وأحبها إلى درجة بذل النفس في سبيلها.

لكنَّ هناك أمراً واحداً بقي ثابتاً لا يتغير في قاموس الحياة البشرية، رغم كل


1 . حسبما أحصاها بعض مؤرخي الحضارات.

(36)

تلك التغيّـرات والتحوّلات.

أمراً واحداً بالغ البشر في حفظه وصيانته وتوسيع دائرته ألا وهو: موضوع «الدين»، والإيمان بما وراء المادة الذي لم يعرف فيه مللاً ولا فتوراً ولا إعراضاً.

هذا القدم في الوجود وهذه الأصالة كاشفة ولا شك عن أنّ «التديّن» والدين يعتبر من العناصر التي تؤلِّف ذات الإنسان وتعد من غرائزه الأصيلة وحاجاته الروحية والنفسية التي كانت لا تزال معه بحيث لم تتسلل إليها يد التغيير والتبديل.

يقول «ويل دورانت» المؤرّخ المعاصر :

صحيح أنّ بعض الشعوب البدائية ليس لها ديانة على الظاهر فبعض قبائل الأقزام في إفريقية لم يكن لهم عقائد أو شعائر دينية على الإطلاق، إلاّ أنّ هذه الحالات نادرة الوقوع ولا يزال الاعتقاد القديم بأنّ الدين ظاهرة تعم البشر جميعاً اعتقاداً سليماً وهذه في رأي الفيلسوف حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية.

ثم يقول:

إنّ الفيلسوف معني بمسألة العقيدة الدينية من حيث قدم ظهورها ودوام وجودها(1).

ويقول العالم الاجتماعي المعروف «صموئيل كونيك» في بعض كلماته حول جذور الدين في الأسلاف من البشر:

إنّ أسلاف البشر المعاصر ـ كما تشهد آثارهم التى حصل عليها في


1 . قصة الحضارة: 1/99.

(37)

الحفريات ـ كانوا أصحاب دين، ومتدينين، بدليل أنَّهم كانوا يدفنون موتاهم ضمن طقوس ومراسيم خاصة وكانوا يدفنون معهم أدوات عملهم، وبهذا الطريق كانوا يثبتون اعتقادهم بوجود عالم آخر، وراء هذا العالم.(1)

انّ ذلك الفريق من البشر وان كان يعيش في عصر لم يتم فيه اختراع «الخط» بعد، ولكنه مع ذلك كان الالتفات إلى الدين الذي يلازم بالضرورة «التوجه إلى الميتافيزيقيا» جزء من حياته.

وفي موضع آخر يطرح «ويل دورانت» السؤال التالي ويقول:

ما أساس هذه التقوى التي لا يمحوها شيء من صدر الإنسان ؟(2)

ثم يجيب هو بنفسه على هذا السؤال في موضع آخر من الصفحات التالية بنحو ما إذ يقول:

إنّ الكاهن لم يخلق الدين خلقاً لكن استخدمه لأغراضه كما يستخدم السياسي دوافع الإنسان الفطرية وغرائزه، فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو ألاعيب كهنوتية إنّما نشأت عن فطرة الإنسان.(3)

وقد يقال: لو كان للدين والتدين جذور عميقة في فطرة الإنسان وأعماق وجدانه، إذن فلماذا خاض أصحاب الأديان كل تلك الحروف طوال التاريخ البشري من أجل إقرار الدين في مجتمعاتهم.

وجواب هذا واضح، فإنّه لم يكن هناك خلاف في أصل «وجود اللّه»


1 . كتاب «جامعه شناسي»: 192.
2 . قصة الحضارة: 1/99.
3 . المصدر نفسه.


(38)

والالتفات إلى ما وراء المادة .. وإنّما الخلاف وقع في خصوصيات هذا الاعتقاد وليس في جوهره وأصله.

وبهذا يتضح أنّ الصراع قام حول التفاصيل والخصوصيات، وأمّا أصل العقيدة والإيمان بوجود اللّه فقد اتفقت عليه كلمة البشرية على مدار التاريخ الإنساني الطويل.

هل وجود اللّه بديهي؟

لقد اعتبر بعض العرفاء «وجود اللّه» في العالم أمراً بديهياً، وادّعوا بأنّ استنباط هذه الحقيقة من آيات القرآن والوقوف عليها استنباط واضح ولا يحتاج إلى الاستدلال عليه والتفكير مطلقاً.

وكأنّ «توماس كارليل» الفيلسوف الانجليزي قد انتزع مقالته التالية من هذا التصور والاعتقاد إذ قال:

إنّ الذين يريدون إثبات وجود اللّه بالبرهان والدليل ما هم إلاّ كالذي يريد الاستدلال على وجود الشمس الساطعة الوهّاجة بالفانوس.(1)

ولدى مراجعة الآيات القرآنية والأدعية الواردة عن أهل بيت النبي ـ عليهم السَّلام ـ يمكن الوقوف على إشارات جلية إلى هذا المطلب، ونعني بداهة «وجود اللّه».(2)


1 . گلشن راز: 51.
2 . ليس المراد من البداهة أن لا يختلف فيه اثنان أو لا يحتاج إلى تذكير مذكر بل للبداهة مراتب بعضها يحتاج إلى تذكير مذكر أو إشارة مشير، وربما يحتاج التصديق به إلى تخلية النفس من الرواسب والآراء السابقة، ولأجل ذلك لا مانع من أن يكون وجود اللّه معنى بديهياً وإن اختلف فيه الناس والفلاسفة.


(39)

ومن ذلك قوله تعالى:

(أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالأرْضِ) (1).

فما يمكن أن يكون إشارة إلى قضية «بداهة وجود اللّه» في هذه الآية هو قوله:(أَفِي اللّهِ شَكٌّ) في حين أنّ المقطع التالي من الآية أعني قوله: (فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالأرْضِ) يعتبر دليلاً مستقلاً على وجود اللّه كما سيأتي توضيحه وبيانه فيما بعد.

وكما يمكن أن تكون الآية المذكورة إشارة إلى «بداهة وجود اللّه» كذلك يستفاد ذلك من الآية التالية التي تصف اللّه بالظهور إذ تقول:

(هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)(2).

كما ويمكن استفادة إشارات واضحة إلى هذا الأمر من دعاء الإمام أبي عبد اللّه الحسين بن علي سيد الشهداء ـ عليه السَّلام ـ ، ومناجاته يوم عرفة مع ربه إذ يقول:

«كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟!

أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟!

متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟!

ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!

عميت عين لا تراك عليها رقيباً».


1 . إبراهيم: 9.
2 . الحديد: 3.


(40)

ويقول ـ عليه السَّلام ـ في ختام دعائه:

«يا من تجلّـى بكمال بهائه، كيف تخفى وأنت الظاهر؟!

أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟»(1).

ولكن لابد أن نعلم أنّه لا تنافي بين «بداهة وجود اللّه» و «فطرية الإيمان به»فلا مانع من أن يكون وجود اللّه بديهياً ويكون الإيمان بوجوده فطرياً أيضاً.

وفي الحقيقة فإنّ بداهة وجود اللّه ما هي إلاّ نتيجة فطريته، لأنّ أحد أقسامالبديهي هو: «الفطريات» كما هو واضح لمن يراجع هذا البحث في محله(2).

ولأجل ذلك لا مانع من أن تكون مسألة وجود اللّه بديهية وفطرية في آن واحد وما ذلك إلاّ لأنّ الإيمان بوجوده تعالى قد امتزج بوجداننا وبفطرتنا، ولذلك يبدو وجوده لنا في صورة الأمر البديهي.

الإنسان يبحث عن اللّه فطرياً

يذهب أكثر المفسرين إلى أنّ فطرية الإيمان باللّه أمر يمكن استفادته من الآيات القرآنية(3)وإذا بهم يجعلون الإيمان باللّه كسائر الغرائز المتأصلة في البشر


1 . راجع كتاب الأدعية في دعائه ـ عليه السَّلام ـ يوم عرفة.
2 . بحث «مواد الأقيسة» وهذا البحث من المباحث الهامة جداً في علم المنطق، ولكنّ المتأخرين لم يهتموا به كما ينبغي مع الأسف، وقد انفرد العلاّمة الحلي فقط في كتابه «الجواهر النضيدة» بهذا المبحث.
3 . بمعنى أنّ الآيات القرآنية تصرّح بأنّ الإذعان بوجود اللّه فطري لدى الإنسان.


(41)

ويقولون: كما أنّ الإنسان يحب الخير فطرياً، أو يكره الشر فطرياً كذلك يبحث عن اللّه فطرياً وذاتياً، ويريد معرفة ما وراء الطبيعة فطرياً أيضاً، وما كل ذلك إلاّ لأنّ البحث عن اللّه والتفتيش عن الخالق أمر جبل عليه الإنسان وفطر عليه تكوينه وعجنت به سريرته، فإذا به يميل إلى الإذعان باللّه ذاتياً بينما يكره الإلحاد ونكران اللّه ذاتياً كذلك.

وفي هذا الباب نواجه نوعين من الآيات :

نوعاً يعتبر التعاليم الدينية بأُصولها (من عقيدة وعمل) قضايا فطرية مغروسة في جبلة البشر وخلقته، فإذا هي (أي هذه التعاليم) ليست سوى نداءات الضمير، ومحاكاة للفطرة .

ونوعاً آخر يصرح بأنّ الإيمان باللّه و التوجه إليه في الشدائد من الأُمور الفطرية التي ولدت مع الإنسان .

وإليك فيما يلي كلا النوعين من الآيات :

التعاليم الدينية أُمور فطرية

قال اللّه تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلّدِينِ حَنِيفاً فِطْرةَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (1).

ففي هذه الآية لم تجعل مسألة «معرفة اللّه والإيمان به» فقط أمراً، فطرياً بل وصف الدين بأُصوله (والتي تعني تلك الأُصول والكليات التي تؤلّف أساس


1 . الروم: 30.

(42)

الدين الإلهي) بكونه فطرياً جبلياً.(1)

ويشهد الواقع على ذلك إذ نرى أنّ كل التعاليم الّتي جاء بها الدين من عقيدة وعمل، تنطبق على مجموع الاحتياجات الفطرية سواء بسواء.(2)

والإمعان في الآية المذكورة يفيدنا أنّ الدين عجن بفطرة البشر عجناً، فإذا هو منها وإذا هي منه، وجزء من كيانه.

وحقيقة الدين ليست سوى الطريق الأفضل الذي يجب أن تسلكه البشرية للوصول إلى السعادة.

وبتعبير آخر: انّ الهدف والغاية من خلق البشر ليس إلاّ الحصول على السعادة والكمال، وقد هدى اللّه تعالى كل فرد من أفراد البشر بل وكل نوع من أنواع مخلوقاته إلى ذلك إذ جهزه بما يوصله إلى شواطئ السعادة المنشودة والكمال المطلوب بوسيلة مناسبة.

وقد أشار الكتاب العزيز بصراحة إلى هذه «الهداية التكوينية» العامة والتي لا تقتصر على بني آدم بل تشمل كل الكائنات على الإطلاق.


1 . الاستدلال بالآية في المقام موقوف على كون الدين بمعنى مجموع العقيدة والشريعة لا بمعنى الطاعة كما هو الظاهر من قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(البينة: 5) أي مخلصين له الطاعة.
فإنّ الدين في تلك الآية وأضرابها بمعنى الطاعة.
فلو قلنا بكون الدين في هذه الآية بمعنى الطاعة، لصارت من شواهد التوحيد في الطاعة.
غير أنّ مشاهير المفسرين قد فسروا الدين في الآية المبحوثة هنا بمجموع العقيدة والشريعة، وجعلوا العقائد الإسلامية وأُصول الشريعة وكليّاتها (لا جزئياتها وتفاصيلها) من الأُمور الفطرية.
2 . هذا بالإضافة إلى أنّنا نجد أغلبية الناس يميلون إليها طوعاً ورغبة إذا عرضت عليهم على النحو الصحيح، وإذا هم تجرّدوا عن العصبية ـ الهادي ـ .


(43)

فقد صرح بذلك في آيات أُخرى مضافاً إلى ما سبق، إذ قال:

(رَبُّنُا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (1).

(الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(2).

هذه الآيات تفيد ـ بوضوح كامل ـ أنّ اللّه زوّد كل كائنات هذا العالم ـ بشراً وغير بشر ـ بهداية فطرية تكوينية تتبين بموجبها طريقها في الحياة فتأخذ ما يناسبها وتدع ما لا يناسبها، وتعينها تلك الهداية الفطرية على معرفة ما هو مفيد لها وما هو مضر .

وفي خصوص الهداية الفطرية التي زود بها البشر خاصة يقول القرآن الكريم : (وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)(3).

(أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (4) .

(مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبيلَ يَسَّرَهُ)(5).

كل هذه الآيات حاكية عن أنّ جميع الموجودات ـ أعم من الإنسان وغير الإنسان ـ تعيش في ظل هداية تكوينية فطرية، هداية تقودها إلى الكمال المنشود المطلوب.

والهادي للإنسان في هذا المسير إنّما هو خلقته وتكوينه. وجميع البشر سواسية في هذه الموهبة الإلهية المعنوية ونعني الهداية الفطرية فلم يفضل اللّه فيها


1 . طه: 50.
2 . الأعلى: 2 ـ 3.
3 . الشمس: 7 ـ 8.
4 . البلد: 8 ـ 10.
5 . عبس: 19 ـ 20.


(44)

بعضاً على آخر، ولم يعطها لفريق ويحرم منها آخرين. إنّما هي فطرة فطر عليها عامة البشر بلا استثناء إذ يقول:

(فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه) .

فلم يخلق جماعة على غريزة الإيمان، وجماعة أُخرى على غريزة الإلحاد. جماعة على الميل إلى الخير ، وجماعة أُخرى على الميل إلى الشر .

كلاّ ، إنّما هي فطرة واحدة فطر عليها جميع الناس دون تمييز وتفضيل . إذ لا ريب أنّه لو لم يقم مجتمع ما على أساس مشترك لما أمكن سوقه إلى هدف الخلقة (ونعني به التكامل).

فإذا كانت التعاليم الدينية بأُصولها ذات طابع فطري وصفة جبلية، فمن الأحرى أن تكون مسألة «معرفة اللّه والإيمان به» التي تعد أساس كل التعاليم الدينية أمراً فطرياً كذلك.

تجلّـي الفطرة عند الشدائد

من المعلوم أنّ فطرية الإيمان باللّه لا تعني بالضرورة أن يكون الإنسان متوجهاً إلى اللّه دائماً ملتفتاً إليه متذكراً إيّاه في جميع حالاته وآونة حياته اليومية، إذ رب عوامل تتسبب في إخفاء هذا الإحساس في خبايا النفس وحناياها وتمنع من تجليه، وظهوره على سطح الذهن، وفي مجال الوعي والشعور.

وأمّا عند ما يرتفع ذلك الحجاب المانع عن الفطرة فالإنسان يسمع نداء فطرته بوضوح.

أجل .. هذه حقيقة لا تنكر .. فعندما يواجه المرء حوادث مخيفة نجده


(45)

يتوجه إلى اللّه، ويستنجد به بحكم فطرته طالباً منه تيسير عمله، وتسهيل أمره.

عندما تقع للإنسان حوادث خطيرة كهجوم الأمواج العاتية على السفينة التي يركبها في عرض البحر، أو حدوث عطل فني في الطائرة التي يمتطيها في الجو، أو انحراف السيارة التي يستقلها، أو يتعرض لهجوم سيل كاسح على قريته أو مدينته.

أقول: عندما يواجه الإنسان أحد هذه المخاطر نراه يتوجه من فوره ـ وبصورة تلقائية فطرية ـ إلى اللّه، وتحدث لديه حالة عرفانية قلبية، يطلب فيها من اللّه سبحانه الخلاص والنجاة.

ففي هذه الحالة صار الخوف مذكراً له بنداء الفطرة وكاشفاً عنها لا موجداً للإيمان باللّه.

فلا يصح لنا أن نستنتج من توجه البشر إلى اللّه في هذه الحالة وفي هذه اللحظات من حياته بأنّ الإيمان وليد الخوف والرهبة من الطبيعة الغاضبة كما يدعي الماركسيون ومن حذا حذوهم بل الخوف مجرد وسيلة تكشف الغطاء عن ذلك الإيمان المغروس في أعماق البشر ، المودوع في الفطرة بيد الخالق العظيم.

إنّ غريزة حب الجمال واكتناز الثروة وطلب العلم رغم أنّها أُمور مجبولة مع فطرتنا ومعجونة مع خلقتنا فهي لا تظهر ولا تتفتّح ولا تبرز في كل الأوقات والظروف، ولا تتجلّـى في عالم الذهن في كل الأزمنة والأحوال ما لم تتهيّأ الظروف المناسبة لها في وجودنا.

وكذلك تكون غريزة التديّن وفطرة الإيمان باللّه.

وها هو القرآن الكريم يذكرنا بهذه الحقيقة فيخبرنا كيف أنّ فريقاً من البشر


(46)

يذكرون اللّه ويتوجهون إليه في مواقع الشدة، والخطر .. أي عندما تواجه سفنهم طغيان الأمواج ـ مثلاً ـ .

ففي هذا الموضع ـ بالذات ـ يتذكّرون اللّه وينسون ما سواه من العلل المادية حتى الأصنام التي كانوا يتصورون بأنّـها مقربة لهم إلى اللّه، فيدعون اللّه ويطلبون منه بكل إخلاص أن ينجيهم مما هم فيه:

(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِريح طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِها جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَان وَظَنَّوا أَنَّهُمْ أُحِيْطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَاكِرِينَ *فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ...)(1)

(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)(2).

(وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِ آيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّار كَفُور)(3)

(وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(4).

(وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمََة فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إَذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ)(5)


1 . يونس: 22 ـ 23.
2 . العنكبوت: 65.
3 . لقمان: 32.
4 . يونس: 12.
5 . النحل: 53 ـ 54.


(47)

(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُوراً)(1)

(وَإَذَا مَس النَّاسَ ضُُرٌّ دَعوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ)(2)

هذه الآيات كلها تفيد أنّ الإيمان باللّه مزروع في فطرة الإنسان، غاية ما في الأمر أنّ الإنسان قد يغفل عن ذلك بعض الأحيان بسبب ما يعتريه من سهو ولهو ولذات منسية سريعة الفوت، ولكنَّه سرعان ما يعود بحكم فطرته إلى اللّه ـ عندما يواجه الشدائد وتفقد الحياة رتابتها ـ فهنالك لا يرى سوى اللّه منقذاً ومخلصاً، ولا يرى في غيره ولياً ولا نصيراً.

هل الإيمان بوحدانية اللّه فطري أيضاً؟

يعتقد فريق من العلماء أنّ الآيات المذكورة ناظرة إلى مسألة «فطرية الاعتقاد بوحدانية اللّه» لا إلى مسألة «فطرية الاعتقاد بوجوده تعالى».

فقد كتب من هذا الفريق من يقول:

لو كانت هذه الآيات تتحدث عن فطرية شيء، فهي إنّما تتحدث ـ في الحقيقة ـ عن فطرية «وحدانية اللّه» لا عن فطرية «أصل وجوده».

وذلك لأنّ هذه الآيات موجهة ـ أساساً ـ إلى المشركين الذين كانوا يتخذون مع اللّه إلهاً أو آلهة أُخرى.


1 . الإسراء: 67.
2 . الروم: 33.


(48)

وبذلك يكشف شأن نزولها عن أنّ الأمر الموصوف بالفطرية والمنعوت بكونه جبلياً هنا ليس هو «الاعتقاد بوجود اللّه» بل هو «الاعتقاد بوحدانيته» كما لا يخفى.

الجواب:

ويمكن الإجابة على هذا الاعتراض بجوابين:

1. أنّ هذا الكلام ـ لو صح ـ إنّما هو صادق بالنسبة للآيات التي تتحدث عن حالة راكبي الفلك(1) حينما تعتريهم الأمواج الطاغية فيتوجهون ـ في غمرة الخوف والانقطاع ـ إلى اللّه فيما يتوجهون في غير هذه اللحظات إلى معبوداتهم وآلهتهم المزعومة المصطنعة مشركين، حائدين عن جادة التوحيد .

وأمّا تلكم الآيات التي تصف أُصول التعاليم الدينية بالفطرية، وتعتبرها أُموراً نابعة من صميم ذاته ومنطبقة مع جبلته، ومقتضى خلقته فخارجة عن مجال هذا الكلام والاعتراض.

ففي هذه الآيات الأخيرة لم يعتبر التوحيد فقط أمراً فطرياً جبلياً بل اعتبر العلم بالمحسنات والمقبحات والعلم بالتقى والفجور كما في قوله تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (2) أو العلم بالدين كما في قوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ)(3)

أقول: اعتبر العلم بهذه الأُمور فطرياً.


1 . يونس: 23، و العنكبوت: 65، لقمان 32، والإسراء: 67.
2 . الشمس: 8.
3 . الروم: 30.


(49)

وفي هذه الصورة لا منافاة بين فطرية الاعتقاد بأصل وجود اللّه والاعتقاد بوحدانيته فطرياً، لأنّ كل ذلك يندرج تحت إطار «التعاليم الدينية» على السواء.

2. وحتى لو أغمضنا النظر عن هذا الجواب وقصرنا النظر على آيات راكبي الفلك، فإنّ الاعتراض لن يصح في موردها أيضاً.

وذلك لأنّ المشركين رغم اعتقادهم باللّه ،فإنَّهم ما كانوا يعبدون ـ في الأوقات الاعتيادية ـ إلاّ أوثانهم خاصة، فلم يكن لديهم في تلك الأحيان أي توجه إلى اللّه أبداً، بينما كان هذا الأمر ينعكس تماماً عند مواجهة الأخطار والشدائد فكانوا يتوجهون إلى اللّه وحده، يعبدونه وحده، ويتضرعون إليه وحده، وأمّا الأصنام فكانت تسلم إلى يد الإهمال والنسيان.

من هذا الأمر يمكن استنباط الحقيقة التالية، وهي أنّه كما أنّ وحدانية اللّه أمر فطري كذلك الاعتقاد بأصل وجوده فطري أيضاً.

لأنّ المشرك ـ كما لاحظنا ـ لم يتوجه في الشدائد إلاّ إلى اللّه الذي كان ينسى وجوده وصفته في الحالات الاعتيادية نسياناً مطلقاً وكأنّ اللّه لم يكن.

ولا ريب أنّ هذه الالتفاتة بعد تلك الغفلة الشاملة للذات أيضاً، علامة أنّ الذات والصفة، ونعني ذات اللّه ووحدانيته كلاهما أمران فطريان.

وبعبارة أُخرى: إذا كان الاعتقاد بصفة من صفات اللّه فطرياً فمن الأحرى أن يكون«أصل الاعتقاد بوجوده» كذلك أمراً فطرياً لدى الإنسان، ولذلك فإنّ الآيات المذكورة حتى إذا كانت تعني فطرية التوحيد ـ حسبما ادّعوا ـ فإنّها تعني بالضرورة والأولوية فطرية الإيمان بوجود اللّه.


(50)

تنبيه إلى عدة نقاط

لقد قادنا التحقيق السابق إلى فطرية مباني الدين وأُسسه وأُصوله، ويتعين علينا الآن أن ننبه القارئ الكريم بعدة نقاط نراها ضرورية في المقام:

الأُولى: الفرق بين التوحيد الفطري و التوحيد الاستدلالي

يمكن البحث والتحدث حول معرفة اللّه والتوصل إليها عن طريقين هما:

1. طريق الفطرة.

2. طريق الاستدلال.

والمراد من «طريق الفطرة» هو أنّ كل إنسان يشعر في قرارة ضميره، ومن تلقاء نفسه بانجذابه نحو اللّه، وميله العفوي الفطري إليه دون أن يكون في ذلك متأثراً ببرهان، أو خاضعاً لدليل، أو نابعاً من تعليم معلم، أو دعوة أحد، أو ما شابه ذلك من المؤثرات الخارجية.

والمقصود بالطريق الثاني أي التوحيد الاستدلالي، هو أن يجد المرء طريقه إلى معرفة اللّه عبر الاستدلال وإقامة البراهين العقلية والفلسفية فلا يكون دليله في هذا السبيل، إلاّ تلك البراهين ليس إلاّ .

وقد يحدث خلط والتباس بين هذين الطريقين وهذين النوعين من «التوحيد» لذلك لا بد من التلميح إلى ما يساعدنا على التمييز بين «الفطري» و «غير الفطري» من الأُمور . وهذا هو ما نبينه في النقطة الثانية التالية:


(51)

الثانية: كيف نميّز العمل الفطري عن غير الفطري ؟

يصدر من الإنسان في حياته نوعان من الأفعال:

1. الأفعال الفطرية.

2. الأفعال العادية.

و الأفعال الفطرية هي تلك الأفعال التي تنبع من جبلة الإنسان وفطرته وغريزته كالتنفس، والدفاع عن النفس عند مواجهة الخطر .

وهذه الأعمال لا تختلف عما تفعله الحيوانات من أعاجيب الأفعال بحكم الغريزة وتحت هداية الفطرة وتأثير الجبلة ودون أن تخضع في شيء من ذلك لأي عامل خارجي عن وجودها.

و الأفعال العادية هي التي لا يكون لها أية جذور غريزية باطنية بل يقوم بها الإنسان تحت تأثير العوامل الخارجية عن ذاته.

ولمزيد من التوضيح نمثل للأفعال الفطرية بالأمثلة التالية:

1. الغريزة الجنسية وميل كل جنس إلى مخالفه من الأُمور الفطرية التي تتجلّـى لدى كل فرد من أبناء البشر في سنين متفاوتة.

فكل أبناء البشر ـ بلا استثناء ـ يميلون في هذه الفترة من العمر إلى الزواج واللقاء الجنسي دون أن يدعوهم إلى ذلك داع أو مبلّغ ودون أن يسوقهم إلى ذلك مرشد أو معلّم.

2. الميل إلى الجاه والمكانة الاجتماعية هو الآخر من الأُمور الفطرية التي تنبع من أعماق الباطن البشري، وحنايا النفس الإنسانية.


(52)

فالحكم على الناس والحصول على المناصب ليس شيئاً لا يريده أحد أويحتاج إلى تعليم معلّم.

3. حب المال واكتناز الثروة وجمعها من الأُمور الفطرية كذلك.

ألا ترى كيف لا يشبع الإنسان من جمع المال، ولا يمل من تكديس الثروة وكأنّ جبلته عجنت بطلب الدنيا وحبها.

هذه هي بعض النماذج من الأفعال الفطرية، وهي كما نرى لا تخضع لأي تغيير وتبدّل، كما لا تخضع لأي عامل خارج الذات.

ويقابل ذلك مجموعة من الأفعال العادية التي تخضع لحالة التغيّـر والتبدّل باستمرار.

فإذا كانت الحاجة إلى اللباس فطرية فإنّ كيفية اللباس الذي يلبسه الإنسان ليست فطرية، ولأجل هذا نرى التفاوت الكبير في كيفية الثياب والألبسة والأزياء واختلافها من شعب إلى شعب ومن أُمّة إلى أُخرى.

واليوم حيث يتزايد تقارب الشعوب بفضل المواصلات وأجهزة الإعلام بحيث يكاد يصبح العالم عائلة واحدة نجد أنّ مواصفات الأزياء وطُرُز الألبسة تتعرض للتغير والتبدل في كل عام في أغلب نقاط عالمنا، فتذهب طُرُز وتحل محلها طُرُز أُخرى جديدة بينما تبقى الحاجة إلى اللباس ثابتة لا تتغير .

وعلى غرار الأزياء تخضع أساليب تجميل النساء وطرق الزينة، وهكذا زخارف المنازل والمحلات والمخازن، للتغيّـر والتبدّل كل عام وينتخب كل شعب لنفسه زياً من الأزياء وطرازاً من الطُرُز، وشكلاً من الأشكال.

مع ملاحظة الأمثلة التي ذكرناها للنوعين يمكن تمييز الأمر الفطري عن


(53)

الأمر غير الفطري بمعونة العلامات التالية:

1. حيث إنّ الأُمور الفطرية ذات جذور غريزية باطنية، لذلك فهي تتصف بالشمولية والعمومية، فليس هناك أحد من أبناء البشر يفقدها ويخلو منها.

2. الأُمور الفطرية تتحقق بوحي الفطرة وهدايتها، ولا تحتاج إلى تعليم معلّم.

3. كل فكرة أو عمل تكون له جذور فطرية لا تخضع لتأثير العوامل السياسية والاقتصادية والجغرافية، بل هي تعمل وتتحقق بعيداً عن نطاق هذه العوامل وتأثيرها.

4. الدعايات المكثفة والمستمرة ضد الأُمور الفطرية يمكن أن تضعفهاوتحد من نموها ولكن لا تتمكن ـ أبداً ـ من استئصالها والقضاء عليها بالمرة.

هكذا تكون الأُمور الفطرية بينما تكون الأُمور العادية ـ على العكس ـ .

فهي محلية.

وهي تتأثر بالعوامل والمؤثرات المحيطية والبيئية.

وهي تخضع لتعليم معلم.

وأخيراً هي مما تتمكن الدعايات المضادة من استئصالها بالمرة.

والآن علينا أن نرى ما إذا كانت غريزة التديّن تتصف بالصفات والعلامات الأربع التي ذكرناها أو لا ؟


(54)

1. البحث عن اللّه ظاهرة عالمية

لقد كشف التحقيق الكلّي الذي قمنا به في مطلع هذا الفصل كشف النقاب عن «عالمية» هذا الإحساس، ونعني حس البحث عن اللّه والانجذاب إلى ما وراء المادة «الميتافيزيقيا».

ونضيف هنا أنّ علماء التنقيب والآثار عثروا ويعثرون باستمرار ـ وخلال حفرياتهم ـ على معابد وهياكل للعبادة وأصنام تصور معبودات جميلة كان يتخذها البشر القدامى وتقدّسها الأجيال الغابرة البائدة، وتعود إلى أقدم العصور.

فها هو فريد وجدي يكتب في دائرة معارفه:

إنّ نتيجة التنقيبات في باطن الأرض تفيد أنّ الوثنية كانت من أظهر وأبرز الإدراكات البشرية، وكأنّ الاعتقاد بالمبدأ نشأ مع ظهور البشر جنباً إلى جنب.(1)

ويكتب «جان دايورث» الأُستاذ بجامعة كولومبيا حول الدين وأصالته في المجتمع البشري(2):

إنّك لن تجد أية ثقافة لدى أية أُمَّة من الأُمم وقوم من الأقوام إلاّ ويكون في تلك الثقافة شكل من أشكال التديّن وأثر بارز للدين.

إنّ جذور التديّن ممتدة إلى أعماق التاريخ .. إلى الأعماق المجهولة من التاريخ السحيق البعيد غير المدون.(3)


1 . دائرة المعارف: مادة «إله» و «وثن».
2 . الدين في التجارب.
3 . المصدر السابق.


(55)

2. الفطرة هي الهادية إلى اللّه وليس التعليم

يستيقظ الشعور الديني في باطن كل إنسان ـ تماماً ـ كبقية الأحاسيس الباطنية دون معلم ودون إرشاد أو توصية من أحد.

فكما يحس الإنسان باطنياً وذاتياً في فترة من فترات حياته أو في كل الفترات بميل شديد إلى أُمور كالجاه أو الثروة أو الجمال أو الجنس وذلك تلقائياً ودون تعليم معلم، كذلك يستيقظ في باطنه «ميل إلى اللّه» وإحساس تلقائي يدفعه بدون إرادته إلى التفتيش عنه، وهو إحساس يتعاظم ويتزايد ويظهر ويتجلّـى أكثر فأكثر أثناء البلوغ حتى أنّ علماء النفس يتفقون في أنّ بين «ازمة البلوغ» و «القفزة المفاجئة في المشاعر الدينية» في الفرد ارتباطاً وتلازماً لا ينكر .

ففي هذه الأوقات نشاهد نهضة قوية، واندفاعة شديدة في الشعور الديني حتى عند أُولئك الذين كانوا قبل تلك الفترة غير مكترثين بالدين وقضايا الإيمان.

ويبلغ الشعور الديني ذروته في سن السادسة عشرة حسب نظرية «استانلي هال».

وأمّا الأشخاص الذين سبق لهم أن تلقّوا تربية دينية في عهد الطفولة، فلا توجد لديهم مثل تلك النهضة المفاجئة، بل يمتد الشعور الديني الموجود قبل البلوغ إلى ذلك الوقت دونما مفاجأة.

إنّ ظهور الميل المفاجئ إلى الدين و إلى اللّه ومسائل الإيمان دون تعليم أو توجيه، لهو أحد الدلائل القاطعة على فطرية هذا الأمر، وكون هذا الإحساس يظهر فطرياً شأن بقية الأحاسيس الإنسانية الفطرية الأُخرى.


(56)

ولكن علينا أن لا نغفل عن نقطة مهمة وهي: أنّ هذا الإحساس، وكذا بقية الأحاسيس والمشاعر الإنسانية لو لم تحط بالمراقبة الصحيحة والرعاية اللازمة أمكن ـ بل من المحتم ـ أن تعروها سلسلة من الانحرافات وتتعرض للاعوجاج كما هو الحال عند الوثنيين وغيرهم ممن تركوا عبادة اللّه، وأخذوا بعبادة الآلهة.

3. الشعور الديني ليس وليد العوامل المحيطية

عندما نجد الشعور الديني منتشراً وسائداً في كل مكان وكل صقع من هذا العالم، وفي كل عصر من عصور التاريخ البشري، فإنّ من البديهي أن نستنتج أنّ هذا الشعور نداء باطني فطري لا محرك له سوى الفطرة، ولا مقتضي له سوى الجبلة.

لأنّه لو كان للظروف الجغرافية أو العوامل الأُخرى دخل في نشوء هذا الشعور، لوجب أن يوجد في مكان دون مكان، ولدى شعب دون شعب، ولدى طبقة خاصة دون أُخرى.

وبتعبير آخر لوجب أن يكون هذا الشعور لدى من تتوفر لديه الظروف الجغرافية أو السياسية أو الاقتصادية الخاصة دون من لا تتوفر فيه تلكم الخصوصيات. في حين أنّ الأمر على العكس من هذا تماماً، فالشعور الديني موجود في جميع المناطق ولدى جميع الشعوب وفي جميع أدوار التاريخ البشري الطويل .. وهذا هو بالذات شأن كل ما لا يخضع لتأثير العوامل الخارجية .. وبالتالي شأن كل أمر فطري.

وفي هذا الصدد يقول «بلورتاك» المؤرخ الإغريقي الشهير منذ نحو من ألفي سنة:


(57)

من الممكن أن نجد مدناً بلا أسوار ولا ملوك ولا ثروة ولا آداب ولا مسارح ولكن لم ير قط مدينة بلا معبد، أو لا يمارس أهلها عبادة.(1)

ويقول العالم الأثري الراحل الدكتور سليم حسن:

دلت البحوث العلمية البحتة الآن على أنّ لكل قوم من أقوام العالم عامة ـ مهما كانت ثقافتهم منحطة ـ ديناً يسيرون على هديه ويخضعون لتعاليمه.(2)

4. الدعايات حدّدت هذا الشعور ولم تستأصله

لا شك في أنّ الدعايات المناوئة، في مقدورها أن تحد من نمو كثير من الأحاسيس والمشاعر الدينية، ولكنّها لا تستطيع ـ بتاتاً ـ أن تقضي عليها وتستأصلها.

وحتى الآن ورغم سيطرة الأفكار اليسارية على ما يقرب من ثلث عالمنا المعاصر ومحاولة البعض لحبس «الشعور الديني» في سجن الاستعمار الشيوعي أو القضاء عليه بالمرة(3) فإنّ هذه الجهود المناوئة للدين لم تحقق أي قسط مهم من النجاح في القضاء على الدين، أو تفريغ قلوب أكثرية سكان هذا العالم من هذا الشعور .

فها هو الشعور الديني ـ في نفس الاتحاد السوفياتي البلد الشيوعي الأُم ـ رغم مرور أزيد من ستين عاماً على الثورة الشيوعية فيها لا يزال يحتفظ بمكانته في أعماق القلوب، ولذلك عمدت السلطات ـ في الأوان الأخير ـ إلى إعطاء بعض


1 . بين العلم والدين: 36.
2 . بين العلم والدين: 25.
3 . حتى أنّ بعض الأحزاب التقدمية رفعت مؤخراً شعار: «القضاء على الدين دين».


(58)

الحريات للمسلمين والمسيحيين لإقامة شعائرهم الدينية.

وفعلت الصين مثل ذلك مؤخراً كما تنقل نشرات الأخبار ووكالات الأنباء.

كل ذلك برهان ساطع ودليل قاطع على أنّ الشعور الديني فطرة فطر عليها الناس، جميع الناس .. لا تمحوها الدعايات المناوئة، ولا أي شيء آخر، وإن كانت تقلل من اندفاعاتها وتحد من نموها، بعض الوقت، وبعض الشيء.

الثالثة: الشعور الديني أو البعد الرابع في الروح الإنسانية

إذا كان القرآن الكريم وأحاديث أئمّة الإسلام تعتبر الشعور الديني أمراً نابعاً من الفطرة، وراجعاً إليها.. وأمراً جبل عليه الإنسان يوم خلق فإنّ علماء النفس منهم خاصة يصفون هذا الشعور بأنّه «البعد الرابع» للروح الإنسانية.

وإذا تهافتت في الغرب نظرية الأبعاد الثلاثة للجسم إثر ظهور النظرية النسبية التي أضافت بعداً رابعاً للأجسام هو الزمان مضافاً إلى أبعاده الثلاثة المنظورة (وهي الطول والعرض والعمق) فقالت: كما أنّ الجسم لا يخلو من هذه الأبعاد الثلاثة كذلك لا يخلو من الزمن الذي هو وليد الحركة بما أنّ الأجسام في حركة دائمة.

أقول: كما تهافتت نظرية الأبعاد الثلاثة بظهور البعد الرابع للأجسام، كذلك مع اكتشاف الشعور الديني في الإنسان والاطلاع على أنّ هذا الشعور يمثل أحد العناصر الثابتة والطبيعية في الروح والنفس الإنسانية تهافتت النظرية القائلة بأنّ للروح الإنسانية ثلاثة أبعاد فحسب، وثبت في الم آل أنّ في الروح والفطرة البشرية حسّاً آخر علاوة على الأحاسيس والغرائز الثلاث المعروفة، وهذا


(59)

الحس هو «حس التدّين» الذي لا يقل أصالة عن بقية الأحاسيس الأصيلة والمشاعر المتأصلة في وجود الإنسان .

وإليك فيما يلي بيان الغرائز والأحاسيس الثلاث باختصار :

1. غريزة حب الاستطلاع

وهذه الغريزة هي التي دفعت وتدفع الفكر الإنساني ـ منذ البداية ـ إلى البحث وإلى دراسة المسائل والمشاكل والسعي لاكتشاف المجهولات وفك الرموز واستكناه الحقائق. وهي الغريزة التي نشأت في ظلها العلوم والصناعات وتوسعت المعارف و تطوَّرت وتقدّمت ... وهي الغريزة التي ساعدت المكتشفين والمخترعين منذ القدم وكانت معواناً ومشجعاً لهم على مواصلة البحث المضني لاكتشاف ألغاز الطبيعة وأسرار الحياة وكشف القناع عنها، وتحمل كل الصعوبات والمتاعب في ذلك الطريق الوعر .

2. غريزة حب الخير

وهي منشأ ظهور الأخلاق، ومعتمد الفضائل والسجايا الإنسانية والصفات النفسانية المتعالية.

وهي الغريزة التي تدفع الإنسان إلى أن يحب بني نوعه ويطلب العدل، والحق، والسلام.

وهي التي توجد في المرء نوعاً من الميل الفطري الباطني إلى الأخلاق النبيلة والسجايا الحميدة ونفوراً من الرذائل والصفات الذميمة.


(60)

3. غريزة حب الجمال

وهي منشأ الفنون الجميلة قديماً وحديثاً وسبب ظهور الأعمال الفنية في شتى مجالات الحياة.

4. غريزة التدّين

وتعني بأنّ كل فرد من أبناء الإنسان يميل بنحو ذاتي وفطري، وبحكم غريزته إلى اللّه ويميل إلى التدّين، وينجذب عفوياً إلى معرفة ما وراء الطبيعة والقوة الحاكمة على هذا الكون الذي يعيش ضمنه ويكون وجود الإنسان فرعاً من وجوده وجزءاً من أجزائه.

تلك القوة التي بيدها أمر العالم ويمكن أن تنقذه من البلايا، وتدفع عنه كل مكروه إن شاءت.

ولقد أوجد اكتشاف هذا الشعور وهذا البعد الأخير حركة عظيمة في الأوساط العلمية، إذ حط هذا الاكتشاف العلمي النفساني الهام من غرور ماديي القرن العشرين وكبريائهم.

فإذا كان إنكار ما وراء الحس «الميتافيزيقيا» دليلاً على الفهم والعلم والتحقيق ذات يوم، فقد أصبح هذا الأمر ـ بعد اكتشاف البعد الرابع ـ علامة الجهل والتعصب والتحجّر ، والإنكار لأبده الحقائق الحاضرة.

وإذا كانت مقالة لينين حول الدين، تعتبر ذات يوم في نظر البعض أصلاً لا يقبل النقاش والجدل، وكانت جماهير السواد تتصور بأنّه قد اكتشف لغزاً وسراً عظيماً من أسرار الكون، فقد أصبحت هذه النظرية بعد اكتشاف البعد الرابع،


(61)

أي الشعور الديني الفطري، واحدة من السخافات والمهازل.

إنّ وجود البعد الرابع في الروح الإنسانية يثبت أنّ لجميع الميول الدينية عند الإنسان جذوراً ضاربة في أعماق الوجدان، وقد تجلى هذا الشعور في جميع أدوار الحياة البشرية حتى في تلكم الأدوار والمناطق التي لم تكن فيها مشكلة العامل ورب العمل(1) مطروحة بحال.

فقد كان هذا الشعور يدفع البشر في تلك الأدوار والمناطق إلى اللّه وإلى ما وراء الطبيعة.

كما أنّ آثار الشعور الديني لم تختف عن الكهوف والمغارات التي كان يسكنها الإنسان الأوّل .

هذا ونظائره يكشف بوضوح عن ملازمة هذا البعد للروح الإنسانية ملازمة الظل للشاخص، وملازمة الزوجية للأربعة ... وكأنّ التوجه إلى اللّه وإلى قضايا ما وراء الطبيعة نشيد غيبي لا يفتأ ينبع من الفطرة الإنسانية ..

نشيد لا يهدأ ...

الماركسيون وتقديس المبادئ الماركسية

رغم كل الدعايات المستمرة التي يقوم بها الماديون ضد «الدين» ووصمهم له بأنّه من عوامل الجمود والتأخر، وكونه منافياً للحرية الإنسانية ومانعاً من تقدم


1 . هذا هو رد تلويحي إلى ما يردّده الماديون الماركسيون حول الدين إذ يقولون: إنّ الدين لم يوجد إلاّ لإخماد ثورة العمال الكادحين على أرباب العمل.
ولكن بعد أن ثبت أنّ للدين جذوراً في ضمير البشر، وأنّه كان موجوداً حتى في النقاط التي لم يكن فيها خبر عن العامل ورب العمل لم يعد للنظرية الماركسية حول الدين أية قيمة.


(62)

البشرية في مجالات البناء الفكري والاجتماعي.

رغم كل تلك الدعايات المضادة لم يستطيعوا أن ينبذوا الدين والأفكار الدينية من أدمغة البشر ، أو يقلّلوا من تقديس المجتمعات المؤمنة لمعتقداتها.

وربما عاب الماركسيون على المتدينين ذلك التقديس المفرط لمعتقداتهم والحال إنّ تقديس الماركسيين ـ أنفسهم ـ لمبادئ الماركسية ولمؤسسيها لم يقل، ولم يختلف عن معاملة المتديّنين لمعتقداتهم وكتبهم السماوية ومن جاء بها.

إنّ الماركسيين يعتبرون أُصول الماركسية وما جاء به وقاله ماركس وانجلز ولينين، أُموراً صحيحة مائة بالمائة، ويرون أنّها منزّهة عن أي غلط أو عيب وعارية عن أي اشتباه وخطأ، وإنّها قطعية لا يأتي الباطل من بين يديها ولا من خلفها ،ولا يمكن أن تتغيّر أو تتبدل(1) تماماً كما يعتقد المتديِّنون والإلهيون في شأن الوحي والكتب السماوية.

ويكفي لمعرفة مدى تقديس الشيوعيين والماركسيين لشخصياتهم ومؤسسي مبادئهم ما نشرته صحيفة البرافدا الناطقة بلسان الحزب الشيوعي في 26 أبريل 1949م إذ قالت:

نحن نؤمن بثلاثة أشياء: كارل ماركس، ولينين; وستالين، ولا نؤمن بثلاثة أشياء: اللّه ، والدين، والملكية الخاصة.

إنّهم يحرمون أية إعادة نظر في المبادئ والأُصول الماركسية، ويصمون كل من يحاول ذلك بالردة الفكرية، والمروق من اللينينية الماركسية ... ويعتبرونه مرتداً حزبياً، تماماً كما يفعل المتدينون، إذ يعتبرون الانحراف عن التعاليم النبوية وإنكار


1 . هذا رغم أنّ من أُصول المادية الديالكتيكية هو التغير المستمر في الأشياء !!!

(63)

بعض الضروريات الدينية سبباً للارتداد، ويعدون منكرها «مرتدّاً دينياً» ويهدرون دمه.

إنّ الاحترام الذي يلقاه مؤسسو الاشتراكية من قبل أتباعهم لا يختلف كثيراً عن احترام أتباع الديانات الإلهية للأنبياء والرسل إن لم يزدد عليه.

وغاية التفاوت بين السلوكين أنّ أتباع هذه الأحزاب والمبادئ المادية يحترمون قادتهم السياسيين ما داموا يحتلون المناصب، ففي مثل هذه الفترة تجدهم يصفون قادتهم بأنّـهم «ملائكة الرحمة» و أنّـهم «محطمو قيود الاستعمار والاستبداد» وأنّهم «ملجأ الجماهير الكادحة» وما إلى ذلك من ألفاظ المديح والثناء.

ولكن ما أن أُقصي هؤلاء القادة من مناصبهم أو حان موتهم وأُودعوا باطن الأرض إلاّ ووجدت انعكاس الآية. فإذا بالأسياد المحترمين بالأمس المستحقين لأجمل وأسمى آيات المديح والثناء، ينهال عليهم كل ما في قاموس الشتائم من سباب واتهامات، فإذا بالقائد التقدمي يصبح رجعياً، ضد الكادحين، سفاكاً، خرق أُسس الماركسية وتجاوز عليها، واستهان بآراء الجماهير، إلى غير ذلك من الاتهامات الرخيصة !!!

وقد وجدنا ووجد العالم كله ـ طوال الفترة التي عشناها ـ نوعين متضادين من الوصف في حق ستالين .. فبينما كان يعد ذات يوم ملاكاً طاهراً مقدساً صار يعد في يوم آخر سفاكاً دموياً إلى درجة أنّ تماثيله أُزيلت من الساحات والميادين العامة في الاتحاد السوفياتي بعد موته(1).


1 . بل وأُريد إخراج جثمانه للحرق انتقاماً، كما تتحدث عن ذلك بعض الكتب عن الاتحاد السوفياتي.

(64)

وها نحن اليوم نشاهد بدايات لنفس الموقف في شأن «ماو»، وسوف لن يمضي زمان طويل إلاّ ونجد «ماو» وقد أُصيب بما سبق أن أُصيب به سلفه ستالين المنكود الحظ.

إنّ الاحترام والتعظيم الذي يظهره أتباع الفلسفة المادية لمؤسّسي أُصول الماركسية كماركس وانجلز، لدليل قاطع على فطرية سلسلة من المفاهيم كالخلود والأبدية.

فهذه المفاهيم صحيحة في حد ذاتها وهي أُمور قطعية مائة بالمائة إلاّ أنّ القوم استخدموها في غير مواضعها خطأ.(1)

فبدل أن يستخدموا وصف الخلود والأبدية في حق «الوحي الإلهي» ويعتبروا الانحراف عن ذلك الوحي ارتداداً، نجدهم وصفوا «الماركسية» بالخلود ونعتوا مؤسسيها بالأبدية فإذا بهم يواجهون ذلك التخبط الذريع.

ولو لم تكن مفاهيم كمفهوم الخلود والأبدية أُموراً فطرية لما راح الماركسيون يطلقونها على هذا أو ذاك حتى ولو خطأ.

ثم إنّنا كثيراً ما نجد الماركسيين يستخدمون في شعاراتهم ونشراتهم ألفاظاً كـ «التضحية والفداء» في حين أنّ هذه المفاهيم لا تتلاءم مع أُصول الماركسية لحصرها الوجود في «العالم المادي» وإنكارها لما وراء ذلك.

وإذا كنا نعلم بأنّ الإنسان لا يعمل شيئاً إلاّ لتحقيق منفعة شخصية إلى


1 . يقصد الأُستاذ بأنّ الإيمان الفطري بوجود أُمور خالدة وأبدية أمر صحيح وموجود في باطن البشر، وأنّ هناك بالفعل أُموراً خالدة وأبدية في الوجود بيد أنّ الماركسيين أخطأوا في استعمال هذه الأوصاف فاستخدموها في غير مواضعها ـ الهادي ـ .

(65)

درجة أنّ المنافع الاجتماعية أيضاً لا يريدها الإنسان إلاّ لمنفعة نفسه، فلمن يضحي الماركسي ولمن يقدم نفسه فداء وهو لا يعتقد بالآخرة وما فيها من أجر وثواب؟!

أما يعتقد المنطق الماركسي بأنّ الإنسان يفنى بالموت فناء كاملاً ولا تعود منافعه إليه بعد موته؟

فماذا تعني التضحية والفداء عند الماركسيين؟

أليس ذلك يدل على أنّ دوافع التضحية والفداء أُمور فطرية متأصلة في ضمير الإنسان ووجدانه،وأنّ الماركسيين أخطأوا في طريقة استخدامها؟

المعنى الآخر لفطرية الإيمان باللّه

وقد تفسر فطرية الإيمان باللّه بنحو آخر إذ يقال: يكمن في قرارة كل إنسان عشق للكمال والخير المطلق لم يزل ولا يزال يدفع الإنسان إليه.

فإذا ما وجد الإنسان في نفسه ميلاً شديداً إلى العلم أو إلى الأخلاق أو الفن والجمال، فإنّ هذا الميل إنّما هو شعبة نابعة من ذلك العشق للكمال، وإشعاعة من إشعاعاته.

إنّ أوضح دليل على وجود مثل هذا العشق للكمال المطلق في باطن البشر هو أنّ أي كمال مادي لا يروي عطش الإنسان ولا يطفئ ظمأه.

فها هو الإنسان يسعى جهده ليبلغ إلى ما يريده من المناصب الرفيعة، ويظل يطمح إلى ما هو أعلى وأعلى حتى إذا نال ما أراد، فكّر في أن يسخّر قمة أعلى ممّا ناله وكلّما ازداد رقياً ازداد عطشاً وظمأ وطموحاً أكثر فأكثر .

كل هذا ـ لو تأملنا ـ دليل واضح على أنّ للإنسان ضالة ينشدها أبداً،


(66)

ويبحث عنها باستمرار وقد كان يظنها في الكمالات المادية المزيجة بالنقائص والشرور وأنّها قادرة على إرواء ظمئه وغليله، ولكنَّه كلّما خطا خطوة جديدة إلى الأمام رأى خلاف ما كان يتصوره ويتوقعه، ووجده دون ما يهواه ويعشقه.

إنّ عشق الكمال المطلق لدليل ـ حقاً ـ على وجود مثل هذا الكمال، ولدليل أيضاً على وجود رابطة قائمة بين الإنسان والكمال ذاك .

إنّ الوصول إلى ذلك الكمال وبلوغه يحتاج إلى تفكّر وتدبّر، وإلى السير في الطريق المؤدّي إليه، وإلى الرياضة الدؤوبة التي تشعل الجذوة الكامنة في أعماق النفس وتوجد في حناياه شغفاً أكبر وعطشاً أعمق، وتحوله بالتالي من باحث عن اللّه إلى واجد للّه، ثم يتحول وجدانه للّه إلى الشهود، واليقين الذي لا ينفذ إليه شك، ولا يتسلل إليه تردد وارتياب.

إنّ هذا الشهود ليس برؤية العين بل بعين البصيرة التي نوّه عنها في كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ إذ قال:

«لم تدركه العيون بمشاهدة العيان، بل تدركه القلوب بحقائق الإيمان»(1).

إنّ اليقين الحاصل للسالك والعارف في مسألة «وجدان اللّه» لهو أعلى من اليقين الحاصل من استخدام الجوارح والحواس، انّه نور لا ظلمة فيه، ويقين لا شك فيه، ولا تردد ولا احتمال ولا ظن.

والآن ما هو طريق الوصول إلى مثل هذا الكمال واليقين المطلق والشهود الأعلى؟

إنّ القرآن الكريم يشير بنحو ما إلى هذا الطريق في آية، إذ يقول:


1 . نهج البلاغة: شرح محمد عبده، خطبة 174.

(67)

(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ الْسَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)(1).

ففي هذه الآية وصفت العبادة والدعاء بكونها طريقاً للوصول إلى هذا اليقين والمعرفة القلبية اليقينية.(2)

إنّ هذا اليقين هو غير اليقين الذي يحصل لكل العابدين .. إنّ هذا هو ذلك الشهود الذي يكون على غرار اليقين الحاصل من الاحتكاك بالمحسوسات الذي يكون من القوة بحيث يمنع من تطرق أي شك أو ترديد إليه.

وهذا الطريق ليس في وسع كل أحد سلوكه كيفما اتفق، بل لابد لسلوكه من التهيؤ اللازم الذي لا يوجد إلاّ عند القليلين من عباد اللّه المخلصين.

الشعور الديني الفطري في الأحاديث

نظراً للأهمية التي تتمتع بها مسألة فطرية الحس الديني في العلوم الإنسانية وردت بعض الأحاديث الصادرة من النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، والأئمّة الطاهرين الصادقين ـ عليهم السَّلام ـ التي تتحدث عن ذلك وإليك طائفة منها:

1. صحيح البخاري في تفسير الآية (فطرة اللّه ...) نقل الحديث التالي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

«ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة ثم أبواه يهوّدانه أو ينصّـرانه أو


1 .الحجر: 98 ـ 99.
2 . انّ التفسير المذكور في المتن للآية هو أحد المداليل والأبعاد التي يمكن استخراجها من الآية ولا ينافي تفسير بعض الأحاديث اليقين هنا بالموت.


(68)

يمجّسانه» ثم قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (فَطرة اللّه التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)(1).

وقد ورد في أحاديث أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في تفسير آية الفطرة ما يقارب (15) حديثاً فسرت الفطرة بالتوحيد، وهي تفيد أنّ توحيد اللّه والإيمان بذاته ووجوده وصفاته ممّا جبل عليه البشر وعجنت به فطرته(2).

وربما فسرت بعض هذه الأحاديث الفطرة المذكورة في الآية بـ «الإسلام» و «معرفة اللّه» التي تعود في الحقيقة إلى المعنى السالف.

ونذكر هاهنا كل تلك الأصناف من الروايات مع الإشارة إلى ما هو مكرر منها:

أمّا ما صرح منها بالتوحيد فهي:

2. سأل هشام بن سالم الإمام الصادق جعفر بن محمد عليمها السَّلام عن معنى الفطرة فقال الإمام:

«فطرهم على التوحيد»(3).

وقد روى مثل هذا عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ غير هشام كزرارة والعلاء بن فضيل ومحمد الحلبي وعبد الرحمن بن كثير مولى أبي جعفر .

3. ما رواه زرارة عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليمها السَّلام حينما سأله قائلاً: أصلحك اللّه، قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) فقال الإمام مجيباً:


1 . التاج الجامع للأُصول: 4/180، وتفسير البرهان: 3/261، الحديث 5.
2 . راجع تفسير البرهان: 3/261 ـ 263، والتوحيد للصدوق: 328 ـ 331.
3 . راجع تفسير البرهان: 3/261 ـ 263، والتوحيد للصدوق: 328 ـ 331.


(69)

«فطرهم على التوحيد(1) عند الميثاق على معرفته أنّه ربّهم».(2)

وأمّا ما فسرت الفطرة فيه بالمعرفة فهي:

4. ما عن زرارة أيضاً عن أبي جعفر الإمام محمد بن علي الباقر عليمها السَّلام قال سألته عن قول اللّه عزّ وجل: (حنفاء للّه غير مشركين)وعن الحنيفية، فقال الإمام :

«هي الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه».

ثم قال:

«فطرهم اللّه على المعرفة»(3).

وقد أوضح الإمام الباقر المقصود بهذه المعرفة في رواية أُخرى رواها زرارة عنه أيضاً لمّا سأله عن نفس الآية فقال ـ عليه السَّلام ـ :

«فطرهم على معرفة أنّه ربهم، ولولا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم ومن رازقهم»(4).

وأمّا ما فسرت الفطرة بالإسلام فهي:

5. ما عن عبد اللّه بن سنان، عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق ـ عليه السَّلام ـ لمّا سأله عن قول اللّه عزّ وجلّ: (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) ما تلك الفطرة؟ قال الإمام :


1 . انّ تفسير الدين المفطور عليه، في هذه الأحاديث بالتوحيد لا يدل على اختصاص الدين في الآية بالتوحيد خاصة بل أنّ ذكر التوحيد إنّما هو من باب ذكر أظهر المصاديق وأجلاها.
2 . نفس المصادر السابقة.
3 . نفس المصادر السابقة.
4 . نفس المصادر السابقة.


(70)

«هي الإسلام».(1)

ثم أوضح الإمام نفسه في رواية أُخرى عن عبد اللّه بن سنان أيضاً المقصود بالإسلام وأنّه هو التوحيد ومعرفة اللّه إذ قال ـ عليه السَّلام ـ :

«هي الإسلام فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد ».(2)

6. سأل محمد بن حكيم الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن المعرفة من صنع من هي؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ :

«من صنع اللّه، ليس للعباد فيها صنع».(3)

7. سأل أبو بصير الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ فقال الإمام ـ عليه السَّلام ـ :

«نعم وليس للعباد فيها صنع».(4)

8. ولقد تعرض الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ إلى هذا المطلب «أي فطرية الاعتقاد باللّه» في نهج البلاغة في أوّل خطبة فيه عندما ذكر بأنّ الأنبياء أُرسلوا لإثارة دفائن العقول، أي لإحياء ما هو مرتكز في عقول البشر وما هو كامن في حنايا فطرتهم من الاعتراف بوجود اللّه والإذعان بإلهيته، إذ يقول ـ عليه السَّلام ـ :

«فبعث اللّه فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول».(5)

مع ملاحظة هذا الكلام العلوي يمكننا القول بأنّ المقصود من قول اللّه


1 . المصادر السابقة.
2 . المصادر السابقة.
3 . أُصول الكافي: 1 / 85 ، 93، 165.
4 . أُصول الكافي: 1/163.
5 . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.


(71)

تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ )(1) في حق الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو: أن يذكّر الرسول الأكرم الناس بما هو كامن ومودوع ـ أساساً ـ في فطرتهم..أو أنّ هذا هو أحد أبعاد الآية ومعانيها ـ على الأقل ـ .

9. ما دار بين رجل و الإمام جعفر بن محمد الصادق عليمها السَّلام .. قال الرجل: يابن رسول اللّه دلّني على اللّه ما هو؟ فقد أكثر عليّ المجادلون وحيّـروني.

فقال له الإمام : «يا عبد اللّه هل ركبت سفينة قط؟» قال: نعم، قال: «فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟» قال: نعم.

قال: «فهل تعلَّق قلبك هنالك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟» قال: نعم.

قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «فذلك الشيء هو اللّه القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث»(2).

تنبيه

دلّت الأبحاث الماضية على أنّ للإنسان إدراكات فطرية منذ أن يولد، وهي تواكب جميع مراحل حياته، وتتكامل بتكامل وجوده وتتفتح بتفتح مشاعره .. ولكن ربّما يتوهم أنّ هذا منقوض بقوله تعالى:

(وَاللّهُ أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(3).


1 . الغاشية: 21.
2 . بحار الأنوار: 3/41، نقلاً عن معاني الأخبار للشيخ الصدوق.
3 . النحل: 78.


(72)

فهذه الآية تؤيد ما ذهب إليه علماء النفس من خلو صفحة النفس من المعلومات في بدء تكونها، بلا فرق بين العلوم الفطرية وغيرها.

والجواب عن هذا واضح بعد الوقوف على مقدمة وهي: انّ التصورات والتصديقات إمّا كسبية أو بديهية، والكسبية إنّما يمكن تحصيلها بواسطة تركيب البديهيات فلابد من سبق هذه العلوم البديهية.

أمّا العلوم البديهية فلم تكن حاصلة في نفوسنا، بل حصلت هي أيضاً بمعونة الحواس كالسمع والبصر، فالطفل إذا أبصر أو سمع شيئاً مرّة بعد أُخرى ارتسمت ـ في ذهنه ـ ماهيّة ذلك المبصر أو المسموع، وكذا القول في بقية الحواس.

فالمدركات على قسمين: ما يكون نفس حضورها موجباً تاماً في جزم الذهن باسناد بعضها إلى بعض كما إذا حضر في الذهن إنّ الواحد ما هو ؟ وانّ نصف الاثنين ما هو ؟ كان حضور هذين التصوّرين في الذهن علّة تامة في جزم الذهن بأنّ الواحد محكوم عليه بأنّه نصف الاثنين وهذا القسم هو عين العلوم البديهية.

والقسم الثاني ما لا يكون كذلك، وهو العلوم النظرية، مثلما إذا أُحضر في الذهن انّ الجسم ما هو ؟ وإنّ المحدث ما هو؟ فإنّ مجرد هذين التصوّرين لا يكفي في جزم الذهن بأنّ الجسم محدث بل لابد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة.

وهذا هو الملاك في تقسيم العلوم إلى بديهية وكسبية(1).

والآية ناظرة إلى العلوم الحصولية التي تنقسم إلى البديهي والنظري لا العلوم الحضورية مثل علم النفس بذاتها، ولا العلوم الفطرية التي ليس لها إلاّ قوة العلم


1 . راجع مفاتيح الغيب للرازي: 5/349.

(73)

وإنّما تنفتح إذا خرج الإنسان إلى هذا العالم واعمل حواسه، ولامس الحقيقة الخارجية، فعند ذاك ينقلب ما هو علم بالقوة إلى العلم بالفعل.

وصفوة القول:إنّ هناك في النفس البشرية سلسلة من المعلومات على صورة خمائر تتجلّـى وتظهر وتتفتح شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن ومع احتكاك الإنسان بالوقائع الخارجية ولا يسمّى هذا علماً فعلياً وإدراكاً حاضراً.

وبالتالي فالآية ناظرة إلى ذلك .. أي انّ الإنسان منذ يخرج من بطن أُمّه ليس فيه علم فعلي ولا ينافي وجود ما يشبه خمائر العلوم التي تحتاج إلى أرضية للتفتح والظهور .


(74)

(75)

الفصل الثاني

اللّه وعالم الذر


(76)

ما هو عالم الذر وما هو الميثاق؟

1. استعراض الآيات أوّلاً.

2. نقاط جديرة بالاهتمام.

3. آراء العلماء حول «الميثاق في عالم الذر».

4. النظرية الأُولى المستندة إلى الأحاديث.

5. انتقادات على هذه النظرية .

6. النظرية الثانية.

7. إشكالات على هذه النظرية .

8. النظرية الثالثة.

9. أسئلة حول هذه النظرية .

10. بحث حول الأحاديث الواردة في تفسير الآية.


(77)

استعراض الآيات أوّلاً

قبل أن نعطي رأينا في حقيقة ذلك العالم وواقع ذلك الميثاق المأخوذ في العالم المذكور، ولأجل أن نتجنب اتخاذ أي موقف قبل دراسة ومراجعة الآية المرتبطة بهذا الموضوع يتعين علينا استعراض هذه الآية، أوّلاً، لكي ندفع القارئ نفسه إلى التأمل فيها والتفكير حولها لمعرفة معنى هذه الآية ومغزاها.

وإليك فيما يأتي نص الآية المتعلّقة بالموضوع مضافاً إلى آيتين لاحقتين لها:

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ*وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(1).

نقاط جديرة بالاهتمام

1. لقد وردت لفظة (الذرية) في (18) موضعاً آخر ما عدا هذا الموضع أيضاً.. والمقصود بها في كل تلك الموارد هو: «النسل البشري» وليس في ذلك خلاف، انّما وقع الخلاف في أصل هذه اللفظة وانّها مأخوذة من ماذا؟


1 .الأعراف: 172 ـ 174.

(78)

فذهب فريق إلى أنّ لفظة «الذرية» مشتقة من «الذرء» بمعنى الخلق، وفي هذه الصورة تكون الذرية بمعنى: المخلوق.

وذهب فريق آخر إلى أنّها مشتقة من «الذر» بمعنى الكائنات الصغيرة الدقيقة جداً كذرات الغبار وصغار النمل.

وذهب فريق ثالث إلى أنّها مأخوذة من «الذرو» أو «الذري» بمعنى التفرّق والانتشار وانّما تطلق «الذرية» على ولد آدم ونسله لتفرقهم على وجه الأرض وأكناف البسيطة(1).

2. تستعمل لفظة الذرية ـ غالباً ـ في الأولاد الصغار مثل قوله تعالى:

(وَلَهُ ذُرِيَّةٌ ضُعَفَاءُ)(2).

وقد تستعمل في مطلق الأولاد مثل قوله سبحانه :

(وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ)(3).

كما أنّها قد تستعمل في فرد واحد مثل قوله سبحانه :

(هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)(4).

وفيها يطلب زكريا ولداً صالحاً (5).

وقد تستعمل في الجمع مثل قوله تعالى:


1 . راجع في هذا الصدد: مفردات الراغب مادة «ذرو»، ومجمع البيان: 1/199 تفسير آية (قال ومن ذريتي).
2 . البقرة: 266.
3 . الأنعام: 84.
4 . آل عمران: 38.
5 . ويؤكد هذا أنّ طلب زكريا تكرر في آية أُخرى بلفظ «ولي» إذ يقول: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيْاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (مريم : 6).


(79)

(وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ)(1).

3. يجب المزيد من الدقة والعناية في عبارة الآية ....

فالآية تفيد أنّ اللّه أخذ من ظهور كل أبناء آدم، أنسالهم وذرياتهم، وليس من ظهر آدم وحده.

وذلك بدليل أنّ اللّه تعالى يقول:

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَم) .

ولم يقل: وإذ أخذ ربك من آدم .. وعلى هذا الأساس فإنّ مفاد هذه الآية هو غير ما هو معروف عند المفسرين الذاهبين إلى أنّ الذرية أُخذت من ظهر آدم فحسب.

4. تصرح الآية بأنّ اللّه أخذنا شهداء على أنفسنا، وأننا جميعاً اعترفنا بأنّه إلهنا، وانّ هذا الاعتراف كان بحيث لم يبق من ذكراها في ذاكرتنا شيء.

5. كما تفيد الآية بأنّ هذا الاستيثاق والاستشهاد سيسد باب العذر في يوم القيامة في وجه المبطلين والمشركين، فلا يحق لهم بأن يدّعوا بأنّهم لم يعطوا مثل هذه الشهادة، ولم يكن عندهم علم بمثل هذا الميثاق والاعتراف كما يشهد به قوله سبحانه :

(أو تقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل ...) .

من هنا يتخذ المفاد لنفسه شكلاً خاصاً وطابعاً مخصوصاً.

فمن جانب لم يك عندنا أي علم بهذا الميثاق والاعتراف.


1 . الأعراف: 173.

(80)

فمن جانب آخر لا يحق لنا أن ندعي الغفلة عن هذا الميثاق، وعن مثل هذا الإقرار كما تقول الآية:

(أن تقولوا يوم القيامة إنّا كُنّا عن هذا غافِلين) .

أي أن لا تقولوا.(1)

في هذه الصورة ينطرح هذا السؤال:

كيف يمكن أن يسد اقرار لا نعلم به هنا أبداً (باب العذر) علينا؟!

وكيف يمكن أن نلزم بميثاق لا نتذكره وعهد لا نعرف عنه شيئاً؟!

وبعبارة أُخرى: إنّنا ـ لا شك ـ لا نعلم مثل هذا الميثاق على نحو العلم الحصولي، في حين أنّ الآية (172) تقول بمنتهى الصراحة والتأكيد: إنّه لا حق لأحد أن يغفل أو يتغافل عن هذا الميثاق ... فكيف تتلاءم هذه الغفلة وعدم تذكرنا له في هذه الدنيا مع قوله تعالى: (أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين) ؟

6. لا شك أنّ الخطاب في هذه الآية أمّا موجه إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأمّا إلى


1 .إنّ للمفسرين في أمثال هذه الآية مذهبين:
أحدهما: تقدير لا ، ففي مثل قوله سبحانه :
(يُبَيّن اللّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (النساء: 176) قالوا: إنّ المعنى هو أن لا تضلّوا.
فهم جعلوا قوله: (أَنْ تَضِلُّوا)مفعولاً له ليبين، بنحو «التحصيلي» فيكون المعنى «يبيّن اللّه لكم لأجل أن لا تضلوا».
الثاني: عدم تقدير لا وجعل المفعول له من باب «الحصولي» كقول القائل ضربته لسوء أدبه ، أي لوجود هذا وحصوله فعلاً ضربته.
فيكون معنى الآية السابقة هو «يبين اللّه لوجود الضلالة فيكم» ومنه يعلم حال الآية المبحوثة عنها، فيجوز فيها وجهان.


(81)

عامة البشر .

وحتى لو كان صدر الآية موجهاً إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّ أنّ ذيلها ـ لا ريب ـ موجه إلى عامة البشر .

إنّ القرآن يريد بهذا الخطاب أن يلفت أنظارنا إلى حادث حدث قبل الخطاب لا حينه ولا بعده بدليل مجيء إذ في مطلع الآية.

فـ «إذ» تستعمل فيما إذا كان ظرف الحادثة هو الماضي، ومعناها «واذكر إذ» وقعت هذه الحادثة في الماضي.(1)

آراء العلماء حول الميثاق في عالم الذر

إنّ غاية ما يفيده ظاهر آية الميثاق المطروحة هنا على بساط البحث هو أنّ اللّه أخذ من بني آدم ميثاقاً وعهداً على الإقرار بربوبيته .. وأمّا كيفية هذا الميثاق فلم يرد ـ في الآية المذكورة ـ أي توضيح بشأنها ... ولأجل هذا اختلف المفسرون المسلمون حول حقيقة هذا الميثاق.

وفيما يلي عرض للآراء المطروحة حول هذا المطلب :

النظرية الأُولى المستندة إلى الأحاديث

وتقول هذه النظرية ـ والتي لها سند حديثي ـ إنّ اللّه أحضر أبناء آدم عند خلقه، من صلبه على هيئة كائنات ذرية صغيرة الحجم جداً وأخذ منهم الميثاق


1 . تقدير «اذكر» في هذه المواضع لإراءة ماضوية الحادثة، وإن كان غير محتاج إليه حسب القواعد الأدبية فإنّ «إذ» ظرف مهمل غير مقيد بشيء.

(82)

قائلاً لهم: «ألست بربكم؟ فقالوا: بلى»(1) ثم أعادهم إلى صلب آدم ـ عليه السَّلام ـ ، وقد كانت هذه الكائنات الدقيقة الحجم ذات شعور وعقل كافيين آنئذ، وقد سمعت ما قال اللّه لها وأجابت على سؤاله، وقد أخذ هذا الإقرار من بني آدم ليغلق عليهم باب الاعتذار والتعلّل يوم القيامة.

وهذه النظرية اتخذت باعتبار أنّ لفظة «ذرية» مشتقة من مادة «ذر» واختارها جمع من المفسرين.

انتقادات على هذه النظرية

1. انّ أوضح دليل على قصور هذه النظرية هو عدم موافقتها للمدلول الظاهري للآية، لأنّ ظاهر الآية ـ كما قلنا في النقطة الخامسة ـ يفيد أنّ اللّه أخذ من ظهور كل أبناء آدم ذرّيتهم، لا من آدم وحده .

ولأجل هذا قال سبحانه : (من بني آدم) ولم يقل من آدم.

كما أنّ الضمائر جاءت في صيغة الجمع: (من ظهورهم) ، (ذرّيتهم) لا المفرد.

وعلى هذا الأساس لا تطابق هذه النظرية مفاد الآية في هذه الناحية.

2. إذا كان قد أخذ هذا الميثاق من بني آدم وهم في كامل وعيهم، فلماذا لا يتذكره أحد منّا؟

وأجيب عن هذا الإشكال بأنّ ما هو منسي ومغفول عنه هو «وقت هذا


1 . راجع مجمع البيان: 3/497 طبع صيدا، وتفسير الفخر الرازي: 4/320 طبع مصر عام 1308هـ .

(83)

الميثاق والإقرار» وليس نفس الميثاق والإقرار والاعتراف، بدليل ما يجده كل إنسان في ذاته من ميل فطري إلى الإذعان بوجود اللّه وربوبيته، ولا شك أنّ هذا هو امتداد طبيعي لذلك الإقرار المأخوذ في عالم «الذر».

لكن هذا الجواب ليس بوجيه جداً كما تصوّر أصحابه، لأنّه ليس من المعلوم أنّ ما نجده من «الميل الفطري» إلى اللّه في ذواتنا يرتبط حتماً بمثل ذلك الميثاق.. بل ربما يكون نتيجة «فطرية وجود اللّه وربوبيته» وبداهتهما.

وما يقال من أنّ الفاصل الزمني الطويل هو الذي كان سبباً لنسيان الميثاق المذكور ليس بصحيح كما يظهر.

لأنّ طول هذا الفاصل لا شك أقل ـ بكثير ـ من طول الفاصل الزمني بين الإنسان في الدنيا ويوم القيامة على حين نجد أنّ الإنسان لا ينسى ما شاهده من حوادث في الدنيا فهاهم أهل الجنة ـ مثلاً ـ يقولون لأهل النار:

(أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُّم مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ).(1)

ونظير ذلك قول بعض أهل الجنة:

(إنّي كَانَ لِي قَرينٌ [أي في الدنيا] *يقول ءَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ).(2)

ومثله قول بعض أهل النار:

(وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ [أي في الدنيا]مِنَ الأشْـرَارِ).(3)


1 . الأعراف: 44.
2 . الصافات: 51 ـ 52.
3 . ص : 62.


(84)

وغير ذلك من الآيات الدالة على تذكر أهل القيامة لما جرى لهم في العالم الدنيوي ممّا يدلّ على عدم نسيان الحوادث رغم طول الفاصلة الزمنية.

3. انّ الهدف من أخذ الميثاق ـ أساساً ـ هو أن يعمل الأشخاص بموجب ذلك الميثاق، والعمل فرع للتذكّر، فإذا لم يتذكّر الشخص أي شيء من هذا الميثاق، فكيف ترى يصح الاحتجاج به عليه، وكيف يمكن دفعه إلى العمل وفقه؟

على أنّنا بعد أن كتبنا هذا، وقفنا على كلام للعلاّمة الشريف المرتضى في (أماليه) وهو ينص على ما ذكرنا حيث أبطل هذا الرأي إذ قال:

«وقد ظن بعض من لا بصيرة له ولا فطنة عنده، أنّ تأويل هذه الآية : أنّ اللّه استخرج من ظهر آدم ـ عليه السَّلام ـ جميع ذريته وهم في خلق الذر، فقررهم بمعرفته وأشهدهم على أنفسهم.

وهذا التأويل ـ مع أنّ العقل يبطله ويحيله ـ مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه، لأنّ اللّه تعالى قال: (وإذ أخذ ربّك من بني آدم) ولم يقل من آدم وقال: (من ظهورهم)ولم يقل: من ظهره، وقال: (ذرّيّتهم) ولم يقل: ذريته.

ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة أنّهم كانوا عن ذلك غافلين أو يعتذروا بشرك آبائهم، وأنّهم نشأوا على دينهم وسنتهم».

ثم يقول الشريف المرتضى:

«فأمّا شهادة العقول فمن حيث لا تخلو هذه الذرية ـ التي استخرجت من ظهور آدم ـ عليه السَّلام ـ فخوطبت وقررت ـ من أن تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف أو لا تكون، فإن كانت بالصفة الأُولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم


(85)

وإنشائهم، وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال، وما قرّروا به واستشهدوا عليه، لأنّ العاقل لا ينسى ما جرى هذا المجرى وأن بعد العهد وطال الزمان وليس أيضاً لتخلل الموت بين الحالتين تأثير .

على أنّ تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض في الآية، وذلك لأنّ اللّه تعالى أخبر بأنّه إنّما قرّرهم وأشهدهم لئلاّ يدّعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك وسقوط الحجة عنهم فيه، فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة وزوالها، وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف قبح خطابهم وتقريرهم وإشهادهم وصار ذلك عبثاً قبيحاً يتعالى اللّه عنه».(1)

4. انّ هذه النظرية تؤول إلى نوع من القول بالتناسخ الذي بطلانه من ضروريات الدين، لأنّه يعني ـ على أساس هذه النظرية ـ أنّ الإنسان أتى إلى هذه الدنيا قبل ذلك، ثم بعد العيش القصير ارتحل ثم عاد بصورة تدريجية إلى هذهالدنيا مرة ثانية .. وهو التناسخ الذي أبطله المحقّقون والعلماء المسلمون.(2)

ويبقى ها هنا سؤال وهو : إذا كانت هذه النظرية تواجه تلك الإشكالات وتعاني من هذا القصور، فما هو مصير الأحاديث والروايات التي تسند هذه النظرية؟! وسيوافيك حق المقال فيها.


1 . الأمالي: 1/28 ـ 29.
2 . هذه الانتقادات الأربعة نقلها صاحب مجمع البيان من المحققين الإسلاميين في: 4/497. وذكرت أيضاً في الميزان بالإضافة إلى انتقادات أُخرى، راجع لذلك: 8/325 ـ 327، كما وذكرت هذه النظرية في تفسير الرازي مع اثني عشر إشكالاً فراجع : 4/221 ـ 222.


(86)

النظرية الثانية

يحمل بعض المفسرين (وعلى رأسهم: الرماني وأبو مسلم وفريق آخر) هذه الآية على: التوحيد الفطري، ويفسرونها بهذا التفسير.

فهم يقولون: يحط الإنسان قدميه في هذه الدنيا، وهو ينطوي على سلسلة من الغرائز والاستعدادات، وسلسلة من الحاجات الطبيعية والفطرية إلى جانب سلسلة من المدركات العقلية.

فهو [أي الإنسان ] عند نزوله من صلب أبيه إلى رحم أُمّه، وعند انعقاد نطفته لا يكون أكثر من ذرة، ولكن هذه الذرة تنطوي على استعدادات وقابليات جديرة بالاهتمام .. ومن جملة تلكم الاستعدادات هي قابليته لمعرفة اللّه التي تنمو وتتكامل مع تكامل هذه الذرة وجنباً إلى جنب مع تكامل سائر استعداداته الأُخرى حتى تنتقل في الم آل من مرحلة «القوة» إلى مرحلة «الفعلية» والكمال.

وبعبارة أُخرى، فإنّ الإنسان يولد وقد أُودعت في كيانه «غريزة معرفة اللّه» والتوجه إلى ما وراء الطبيعة بشكل سر إلهي مزروع في أعماق البشر بحيث لو لم تنله يد خارجية لنمت غريزة «الميل إلى معرفة اللّه» في فؤاد الإنسان ولما انحرف عن جادة التوحيد مطلقاً إلى درجة أنّ علماء النفس اعتبروا «الشعور الديني» هذا أحد أبعاد الروح الإنسانية ووصفوه بمثل هذا البعد، إذ قال أحدهم في تعريف الإنسان بأنّه «حيوان ميتافيزيقي».

وفي الحقيقة أنّ هذا الشعور الديني الغريزي رسم في ضمير الإنسان بقلم التكوين على غرار بقية الغرائز والأحاسيس الموجودة في الإنسان وهي [ أي غريزة الشعور الديني ] تنمو وتنضج مع نمو الإنسان وتكامله.


(87)

وبعبارة ـ ثالثة ـ : فإنّ اللّه أخرج أبناء الإنسان من ظهور آبائهم إلى بطون أُمهاتهم وقد جعل تكوينهم بنحو خاص بحيث يعرفون ربهم دائماً، ويحسّون باحتياجهم إليه تعالى.

وعندما يحس الإنسان باحتياجه إلى اللّه، ويجد نفسه غارقاً في التوجه إليه سبحانه فساعتئذ يكون وكأنّه يقال له: ألست بربكم؟ فيقول البشر: بلى أنت ربي.(1)

خلاصة القول: إنّ الإنسان خلق مؤمناً باللّه بمقتضى الفطرة الإلهية السليمة الموهوبة له، وسيظل بمعونة العقل الهادي إلى اللّه يبحث عن اللّه ويطلبه ويسأل عنه، ويظل يواصل هذه المسيرة ما لم يعقه عائق ولم يمنعه مانع.

وعلى هذا فإنّ الميثاق المذكور في الآية لم يكن ميثاقاً تشريعياً وعلى نحو الخطاب والجواب اللفظيين، بل هو ميثاق تكويني فطري، وجوابه ـ كذلك ـ تكويني فطري.

على أنّ مثل هذا النوع من الحوار والاستيثاق شائع جداً في القرآن الكريم وكذا في محاوراتنا اليومية.

ففي المثال يقال: إنّ اللّه أعطانا البصر وأخذ منّا الميثاق بأن لا نسقط في البئر .

أو كما يقال: إنّ اللّه أعطانا العقل وأخذ منّا العهد بأن نميّز به الحق عن


1 . راجع لمعرفة هذه النظرية: الميزان: 8/333 طبع طهران، وتفسير الفخر الرازي: 4/322 ومجمع البيان: 4/498، طبع صيدا، وفي ظلال القرآن: 9/58 ـ 59، وقد جعل الأخير وقت استقرار الخلية البشرية في رحم الأُمّ موعد ذلك الميثاق.

(88)

الباطل.

ويقول القرآن الكريم حول السماوات والأرض:

(فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهَاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).(1)

وهذا النوع من الكلام وتوجيه الخطاب إلى السماوات والأرض الفاقدة للشعور والإدراك والعقل ليس إلاّ عن طريق التكوين .. فيكون معنى هذه الآية هو أنّ السماء والأرض خاضعتين ـ تكوينياً ـ لمشيئة اللّه وإرادته، وأنّهما تجريان وفق سننه التي شاءها لهما(2).

ونقل من بعض بلغاء العرب وخطبائهم مقال من هذا القبيل إذ قال:

«سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك، وأينع ثمارك، فإن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً».(3)

ولهذا الرأي شاهد قرآني وحديثي:

أمّا الشاهد القرآني فهو قوله سبحانه : (فطرة اللّه التي فطر الناس) الذي يمكن أن يكون مبيناً لهذه الآية .

وغاية التفاوت ما بين الآيتين هي: أنّ آية (فطرة اللّه) تقول بإجمال: أنّ الشعور الديني عجن بفطرة البشر وخلقته من دون أن تعين الآية زماناً، في حين أنّ الآية ـ المبحوثة هنا ـ تتحدث عن تحقّق هذا السر الإلهي في كيان الإنسان في بدء تكوينه وظهوره، أي أنّ الإنسان كان ينطوي فطرياً وتكوينياً على هذا السر الإلهي


1 . فصلت: 11.
2 . سيوافيك حق المقال في الآية في فصل سريان العلم في الموجودات.
3 . مجمع البيان: 4/498 طبع صيدا.


(89)

منذ أن كان موجوداً ذرياً صغيراً في رحم أُمّه .. وكأنّ أوّل خلية إنسانية تستقر في رحم الأُم تنطوي على هذه الوديعة الإلهية وهي «غريزة الميل والانجذاب إلى اللّه».

وإذا أردنا أن نتحدث عن ذلك بلغة العلوم الطبيعية لزم أن نقول:

إنّ جينات الخلية لدى كل إنسان تحمل بين جوانحها هذه الخاصية الروحية، وإنّ هذه الخاصية تنمو وتتكامل مع تكامل الخلية ونموها.

هذا مضافاً إلى أنّ هذه النظرية تنطبق مع ما جاء في حديث معتبر السند من أنّ عبد اللّه بن سنان يقول سألت أبا عبد اللّه ـ الصادق ـ ـ عليه السَّلام ـ ، عمّـا هو المقصود من الفطرة؟ فقال:

«هي الإسلام فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد ، قال: ألست بربكم و فيهالمؤمن والكافر».(1)

وإنّ للشريف الرضي كلاماً لعله يشير إلى أنّه اختار هذه النظرية إذ قال:

«إنّه تعالى لما خلقهم وركبهم تركيباً يدل على معرفته ويشهد بقدرته، ووجوب عبادته، وأراهم العبر والآيات، والدلائل في أنفسهم وفي غيرهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته ـ على الوجه الذي أراده اللّه تعالى وتعذر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته ـ بمنزلة المقر المعترف وان لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (2)وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ولا منهم جواب، ومثله


1 . تفسير البرهان: 3/47 في تفسير آية (فِطْرَة اللّه) الحديث 7.
2 . فصلت: 11.


(90)

قوله تعالى: (شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ)(1) ونحن نعلم أنّ الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم وإنّما لما ظهر منهم ظهوراً لا يتمكنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به ومثل هذا قولهم:

«جوارحي تشهد بنعمتك وحالي معترفة بإحسانك».(2)

ثم إنّ سيدنا الحجة شرف الدين ممن ذهب إلى هذا المذهب إذ قال رحمه اللّه:

«واذكر يا محمد للناس ما قد وثقوا اللّه عليه بلسان حالهم التكويني من الإيمان باللّه والشهادة له بالربوبية وذلك (إذ أخذ ربّك) أي حيث أخذ ربك جل سلطانه (من بني آدم) أي (من ظهورهم ذرّيتهم) فأخرجها من أصلاب آبائهم نطفاً، فجعلها في قرار مكين من أرحام أُمهاتهم ثم جعل النطف علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأ كلاً منهم خلقاً سوياً قوياً في أحسن تقويم سميعاً بصيراً ناطقاً عاقلاً مفكّراً مدبّراً عالماً عاملاً كاملاً ذا حواس ومشاعر وأعضاء أدهشت الحكماء، وذا مواهب عظيمة وبصائر نيرة تميّز بين الصحيح والفاسد والحسن والقبيح وتفرق بين الحق والباطل فيدرك بها آلاء اللّه في ملكوته وآيات صنعه جل وعلا في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ... وبذلك وجب أن يكونوا على بيّنة قاطعة بربوبيته، مانعة عن الجحود بوحدانيته فكأنّه تبارك وتعالى إذ خلقهم على هذه الكيفية قررهم (وأشهدهم على أنفسهم)فقال لهم: (ألست بربكم)وكأنّهم (قالوا بلى شهدنا) على أنفسنا لك بالربوبية .. نزولاً على ما قد حكمت به عقولنا وجزمت به بصائرنا حيث ظهر


1 . التوبة: 17.
2 . الأمالي: 1/30


(91)

لديها أمرك ... فلا إله إلاّ أنت خلقتنا من تراب ثم أخرجتنا من الأصلاب فلك الحمد إقراراً بربوبيتك ...

ثم يقول: هذا كلّه من مرامي الآية الكريمة، وإنّما جاءت على سبيل التمثيل والتصوير تقريباً للأذهان إلى الإيمان وتفنّناً في البيان والبرهان، وذلك ممّـا تعلوا به البلاغة فتبلغ حد الإعجاز .. ألا ترى كيف جعل اللّه نفسه في هذه الآية بمنزلة المشهد لهم، على أنفسهم وجعلهم بسبب مشاهدتهم تلك الآيات وظهورها في أنفسهم بمنزلة المعترف الشاهد وإن لم يكن هناك شهادة وإشهاد .

وباب التمثيل واسع في كلام العرب ولا سيما في الكتاب والسنّة».(1)

إشكالات هذه النظرية

هذه النظرية وإن كانت أفضل من سابقتها، إلاّ أنّها رغم ذلك لا تخلو من نقود وإشكالات نذكر طرفاً منها:

1. أنّ ظاهر الآية المبحوثة هنا حاك عن أنّ حادثة أخذ الميثاق قد تحقَّقت في الزمن السابق بدليل قوله : (وإذ أخذ) .

ولفظة (إذ) تستعمل في الماضي، وإذا ما اتفق أن استعملت في المستقبل كان ذلك تجوزاً ولعناية خاصة اقتضاها المقام مثل: (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ)(2) ،فإنّ من المسلّم أنّ الباري تعالى لم يقل هذا الكلام لعيسى بن مريم في الماضي، وإنّما سيقوله له في المستقبل [أي في يوم القيامة] ... ويسوغ استعمال «إذ» و «قال» في المستقبل كون


1 . فلسفة الميثاق والولاية: 3 ـ 5.
2 . المائدة: 116.


(92)

هذا المستقبل محقّق الوقوع فيكون كالماضي.

وعلى كل حال فإنّ ظرف توجه هذا الخطاب القرآني إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو إلى المسلمين أو إلى عامة البشر هو ظرف نزول القرآن، ولكن ظرف وقوع أخذ الميثاق هو الماضي، ولذا جاءت الآية مبتدئة بـ «إذ» الذي هو بمعنى «واذكر إذ».

فإذا كانت الآية ناظرة إلى خلقة الإنسان وتكوينه مع الاستعدادات القابلة لهدايته إلى اللّه ـ كما تقوله النظرية هذه ـ ففي هذه الصورة يكون ظرف هذا الحادث وظرف الخطاب واحداً، وهذا خلاف ظاهر الآية حيث يفيد تعدّد ظرفي أخذ الميثاق، والخطاب.

2. إذا كان هدف الآية هو بيان أنّ الإنسان خلق مع سلسلة من القابليات الفطرية والعقلية التي تهديه إلى اللّه، ففي هذه الصورة لماذا يقول اللّه:

(وأشهدهم على أنفسهم) ؟

في حين كان المناسب أن يقول:

فعرف نفسه لهم.

ولماذا قالوا في آية أُخرى:

(بلى شهدنا)

وكان الأحرى أن يقولوا:

بلى عرفناك؟

3. انّ تفسير قول اللّه تعالى (ألست بربكم قالوا بلى) بالخطاب والجواب «التكوينيين» وان كان صحيحاً في حد ذاته إلاّ أنّه خلاف الظاهر قطعاً .. إذ أنّ


(93)

ظاهر الآية هو الخطاب والجواب «التشريعيين».

ومعلوم أنّ الأخذ بما هو خلاف الظاهر لا يصح ما لم يدل عليه دليل، وما لم يصرفنا عن الأخذ بالظاهر صارف وجيه.

4. هذه النظرية «أعني: أخذ الميثاق بمعنى خلق الإنسان مع قابليات فطرية وعقلية تهديه إلى اللّه» بيان ملخّص للتوحيد الفطري والاستدلالي.

ولو كان هذا هو هدف القرآن من هذه الآية، لتعيّـن عليه أن يبيّـن ذلك بعبارة أوضح.

النظرية الثالثة

وهي ما ذهب إليها وارتآها الأُستاذ الجليل العلاّمة الطباطبائي، مؤلّف تفسير الميزان، حيث فسر آية الميثاق هذه، بنحو نذكر توضيحه قبل نقل نص ما قاله حرفياً:

وإليك هذا التوضيح في نقاط:

1. انّ الزمان ظاهرة تدريجية الظهور، فأجزاء الزمان ـ بحكم كونه حادثاً ـ لا تجتمع في مكان واحد، وهذه الخاصية ونعني بها خاصية الظهور والحدوث التدريجي والتقطيع والتفرق لا تختص بالزمان فقط، بل تشمل كل حادث وتعم كل حادثة ظاهرة تستقر على بساط الزمن.

2. لا شك أنّ حوادث العالم تنقسم بالنسبة إلينا إلى:

حوادث الماضي.

وحوادث الحاضر .


(94)

وحوادث المستقبل.

ولكل حادث زمان ومكان خاصان، ولا يمكن للإنسان الذي يعيش ضمن نطاق الزمان أن يشهد كل الحوادث دفعة واحدة وفي نظرة واحدة، ولا يمكن أن تجتمع كلها لديه.

ولكن الناظر إلى الحوادث لو شاهدها من فوق نطاق الزمان والمكان، ونظر إلى كل أجزاء الزمان على أنّها ظاهرة واحدة فحينئذ ينتفي مفهوم الماضي والحاضر والمستقبل.

ولتقريب هذا الأمر إلى الذهن نشير إلى بعض الأمثلة التي تقرب هذه الحقيقة إلى الذهن فنقول:

3. لنفترض شخصاً جالساً في غرفة وهو ينظر من روزنة صغيرة جداً إلى خارج تلك الغرفة وفي هذا الأثناء يمر من أمام تلكم الروزنة قطار إبل، فإنّ من المسلّم ـ في هذه الحالة أن لا يرى ذلك الشخص في كل لحظة إلاّ بعيراً واحداً.

أمّا إذا صعد هذا الشخص على سطح تلك الغرفة فإنّه يتسنى له في هذه الحالة أن يرى كل الآبال في نظرة واحدة وفي لحظة واحدة، وليس جملاً واحداً في كل لحظة كما كان ينظر من خلال الروزنة داخل الغرفة.

إنّ مثل المحبوس في نطاق الزمن الناظر إلى الحوادث من خلال هذا المنفذ مثل الجالس في الغرفة ـ في المثال المذكور ـ لا يرى الأشياء إلاّ تدريجاً.

أمّا إذا تسنّى للإنسان أن ينظر إلى الحوادث من فوق هذا النطاق، فإنّه يمكنه حينئذ أن يرى كل أجزاء الشيء وحالاته في مكان واحد ودفعة واحدة، لأنّه في مثل هذه الحالة سينظر إلى الشيء من خلال المنظار الواسع.


(95)

4. لنتصور نملة تسير فوق سجّاد ملوّن، فإنّ هذه النملة ستشاهد في كل لحظة لوناً واحداً لا أكثر، لمحدودية نظرها، وصغر أُفق رؤيتها.

أمّا الإنسان حيث إنّه يتمتع بنظر أوسع، فإنّه يرى كل ألوان ذلك السجّاد والبساط دفعة واحدة.

5. لنتصوّر أنفسنا ونحن جلوس في مكان ما من ضفاف النيل ننظر إلى الماء ونراقب جريانه وتموّجاته، فإنّنا لن نرى في هذه الحالة إلاّ جانباً محدوداً من جريان هذا النهر العظيم وجانباً من مائه وتموّجاته.

ولكنّنا عندما ننظر إلى النيل من طائرة محلّقة فوق ذلك النهر، فإنّنا سنرى جانباً أعظم وأكثر من مسيره ومسيله وتموّجاته وتعرّجاته.

من هذا البيان يتضح أنّ بُعد الحوادث و قُربها إنّما يصدق بالنسبة إلى من يعيش ضمن نطاق الزمان، فالزمان هو الذي يقرّبه من الحوادث أو يبعده عنها، ولكن الموجودات التي تعيش فوق الزمان والمكان، فلا يصدق في حقّها الفاصل الزماني أو المكاني.

6. للإنسان ولغيره من أجزاء هذا العالم ممّا يعيش ضمن نطاق الزمان وجهان:

وجه بالنسبة إلى اللّه.

ووجه بالنسبة إلى الزمان.

فهي من جهة كونها مرتبطة باللّه، وكون اللّه تعالى محيطاً بها لا يكون شيء من أجزائها بغائب عن بعضها، كما لا يكون اللّه بغائب عنها، ولا هي بغائبة عن ساحة اللّه ومتناول علمه.. بل كل كائنات العالم [دون أن يكون فيها ماض


(96)

ومستقبل] حاضرة عنده سبحانه .

وكيف يمكن أن تكون تلك الأشياء على غير هذا النحو، في حين أنّ العالم بأسره من صنعه وفعله، ولا شيء من المصنوع بغائب عن صاحبه وصانعه.

وإلى ذلك يشير الإمام زين العابدين علي بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ في دعائه قائلاً:

«كيف يخفى عليك ـ يا إلهي ـ ما أنت خلقته؟! وكيف لا تحصي ما أنت صنعته؟! أو كيف يغيب عنك ما أنت تدبّره؟!».(1)

ولكن هذه الموجودات من حيث كونها تعيش في بطن الزمان، وتكون مزيجة به، لذلك تبدو في شكل حوادث متناثرة وأجزاء متفرّقة ومختلفة تتخلّلها فواصل زمنية .. وهنا تمنعها عوامل معينة من حضور اللّه عندها.(2)

[لا حضورها عند اللّه] فيوجد بين اللّه وبين رؤيتها القلبية له حجاب حائل.

في هذا المحاسبة يعمد الأُستاذ الطباطبائي إلى تقسيم العالم إلى وجهين:

الباطن.

والظاهر.

فيكون الوجود الجمعي للعالم هو الباطن، والوجود الجزئي المتفرق هو الظاهر.

ويستفيد الأُستاذ الطباطبائي لإثبات هذين الوجهين من بعض الآيات، ويقول: إنّ جملة «كن فيكون» إشارة إلى هذين الجانبين:

الجمعي والتدريجي.


1 . الصحيفة السجادية: الدعاء 52.
2 . أي أن تكون هي عالمة باللّه.


(97)

فيقول: إنّ لفظة «كن» إشارة إلى الوجود الدفعي الجمعي للعالم(1) خصوصاً إذا ضممنا هذا المقطع من الآية إلى الآية 50 من سورة القمر ، وهي:

(ومَا أمْرُنا إلاّ واحدةٌ كَلَمْح بالبَصَر) .

بتقريب أنّ وحدة الأمر لا تعني إلاّ أن تتواجد كل الحوادث في مكان واحد دفعة واحدة دون تفرّق أو تدرّج وذلك بعد توجّه الخطاب «كن» إليها.

وجملة «فيكون» الحاكية عن التدريجية والتواجد التدريجي إشارة إلى الجانب التدريجي والظهور المتفرق لهذا العالم.

من هذا البيان الذي قرّرناه بتوضيح وشرح منا نستنتج أنّ الآية المبحوثة [أي آية أخذ الميثاق ]ناظرة إلى حالة الوجود والحضور الجمعي الدفعي عند حضرة ذي الجلال حضوراً لا تتصور فيه غيبة، وكأنّ كل أبناء آدم أخذوا وجمعوا من ظهور آبائهم، وحضروا عند اللّه، وفي هذه الحالة من الطبيعي أن يجد كل إنسان ربه، ووجدانه للّه تعالى دليل واضح على وجود اللّه وربوبيته.

ولكن استقرار الإنسان ضمن نطاق الزمان وتطورات الحياة أشغله بحيث نسي نفسه وغفل عن علمه الحضوري باللّه [أي علمه باللّه الناشئ من حضوره بين يديه سبحانه ].

وإليك فيما يلي نص ما قاله العلاّمة الطباطبائي في ميزانه:

«إنّ لكل شيء عند اللّه وجوداً وسيعاً غير مقدّر في خزائنه، وإنّما يلحقه الأقدار إذا نزله إلى الدنيا مثلاً:

فللعالم الإنساني على سعته سابق وجود عنده تعالى في خزائنه أنزله إلى هذه


1 . الحاضر عند اللّه بمجموعه وكله وأسره.

(98)

النشأة.

وأثبت بقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء)(1) ، (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ واْحِدَةٌ كَلَمْح بِالْبَصَرِ)(2) وما يشابههما من الآيات، أنّ هذا الوجود التدريجي الذي للأشياء ومنها الإنسان هو أمر من اللّه يفيضه على الشيء، ويلقيه إليه بكلمة «كن» إفاضة دفعية وإلقاء غير تدريجي فلوجود هذه الأشياء وجهان:

وجه إلى الدنيا، وحكمه أن يحصل بالخروج من القوة إلى الفعل تدريجياً ومن العدم إلى الوجود شيئاً فشيئاً ويظهر ناقصاً ثم لا يزال يتكامل حتى يفنى ويرجع إلى ربّه.

ووجه إلى اللّه سبحانه وهي بحسب هذا الوجه أُمور غير تدريجية، وكل ما لها فهو لها في أوّل وجودها من غير أن تحتمل قوة تسوقها إلى الفعل.

وهذا الوجه غير الوجه السابق وإن كانا وجهين لشيء واحد وحكمه غير حكمه وإن كان تصوره التام يحتاج إلى لطف قريحة .. وقد شرحناه في الأبحاث السابقة بعض الشرح وسيجيء إن شاء اللّه استيفاء الكلام فيه.

ومقتضى هذه الآيات أنّ للعالم الإنساني على ماله من السعة وجوداً جمعياً عند اللّه سبحانه ، وهو الذي يلي جهته تعالى ويفيضه على أفراده لا يغيب فيها بعضهم عن بعض ولا يغيبون فيه عن ربهم ولا هو يغيب عنهم، وكيف يغيب فعل عن فاعله، أو ينقطع صنع عن صانعه؟ وهذا هو الذي يسمّيه اللّه سبحانه


1 . يس: 83.
2 . القمر: 50.


(99)

بالملكوت ويقول: (وَكَذَلِكَ نُرِيَ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ).(1)

وأمّا هذا الوجه الدنيوي الذي نشاهده نحن من العالم الإنساني وهو الذي يفرّق بين الآحاد، ويشتت الأحوال والأعمال بتوزيعها على قطعات الزمان، وتطبيقها على مر الليالي والأيام، ويحجب الإنسان عن ربه بصرف وجهه إلى التمتعات المادية الأرضية، واللذائذ الحسية فهو متفرع على الوجه السابق متأخر عنه، وموقع تلك النشأة وهذه النشأة في تفرعها عليها موقعا كن ويكون في قوله تعالى: (أن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).(2)

و يتبيّن بذلك أنّ هذه النشأة الإنسانية الدنيوية مسبوقة بنشأة أُخرى إنسانية هي هي بعينها غير أنّ الآحاد موجودون فيها غير محجوبين عن ربّهم يشاهدون فيها وحدانيته تعالى في الربوبية بمشاهدة أنفسهم لا من طريق الاستدلال، بل لأنّهم لا ينقطعون عنه ولا يفقدونه ويعترفون به وبكل حق من قبله. وأمّا قذارة الشرك وألواث المعاصي فهو من أحكام هذه النشأة الدنيوية دون تلك النشأة التي ليس فيها إلاّ فعله تعالى القائم به.

وأنت إذا تدبّرت هذه الآيات ثم راجعت قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ...)وأجدت التدبّر فيها وجدتها تشير إلى تفصيل أمر تشير هذه الآيات إلى إجماله.

فهي تشير إلى نشأة إنسانية سابقة فرّق اللّه فيها بين أفراد هذا النوع وميّز


1 . الأنعام: 75.
2 . يس: 82.


(100)

بينهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا».(1)

أسئلة حول هذه النظرية

هناك أسئلة تفرض نفسها حول هذه النظرية لابد من طرحها هنا، لأنّه ما لم يجب عليها بإجابات قاطعة لا يمكن الاعتماد على هذه النظرية .

وإليك فيما يأتي بعض هذه الأسئلة:

1. لا شك أنّ هذا العالم يتجلّـى للشخص المحيط الناظر إليه من فوق الزمان والمكان على غير ما يتجلّـى للمحاط الغارق في الزمان والمكان.

وبعبارة أُخرى: فإنّه يمكن أن ينظر إلى هذا العالم من منظارين:

أ. من منظار الناظر المحيط بالزمان والمكان.

وفي هذه الصورة لا وجود للتفرّق والتشتّت بل ما يراه هو الوجود الجمعي للأشياء، والظواهر.

ب. من منظار الناظر المحاط بالزمان والمكان.

وفي هذه الصورة لا يرى إلاّ الوجود المتفرّق المتشتّت المتناثر التدريجي لجميع الظواهر والحوادث.

ولكن هذا الاختلاف في السعة والضيق في المرأى، هل هو عائد إلى السعة والضيق في الرائي، ونظرة الناظر بمعنى أنّ في الأُولى يكون لدى الرائي قدرة على النظر الواسع فيما يكون الرائي في الصورة الثانية فاقداً لهذه القدرة، أم أنّ هذا الاختلاف يرجع إلى نفس الظواهر والحوادث؟


1 . راجع تفسير الميزان: 8/334 ـ 336.

(101)

لا شك أنّ هذا الاختلاف لا يرتبط بذات الكون وذات الحوادث والظواهر، بل هو مرتبط بسعة رؤية الناظر إن كان محيطاً، تلك السعة التي تمكّنه من مشاهدة كل نقوش البساط وألوانه، وكل تموّجات النهر وتعرّجاته، وكل عربات القطار دفعة واحدة كما في الأمثلة السابقة.

في حين أنّ فقدان هذه السعة في رؤية الشخص الآخر يجعله لا يرى في كل لحظة إلاّ حادثة واحدة فقط، وإلاّ تموّجاً واحداً من النهر، وإلاّ لوناً واحداً من ألوان البساط.

ومن هذا البيان يتبيّـن أنّه ليس للعالم وجهان ونشأتان:

نشأة باسم الباطن.

وأُخرى باسم الظاهر.

وبعبارة أُخرى انّه ليس للظواهر والحوادث مرحلتان:

مرحلة الوجود الجمعي الدفعي.

ومرحلة الوجود التدريجي.

بل ليس للظاهرة ـ في الحقيقة ـ تحقّقان ووجودان إنّما هو وجود واحد، وتحقّق واحد، يرى تارة في صورة المجتمع، وأُخرى في صورة المتفرّق.

وأمّا الاختلاف ـ لو كان ـ فهو يرجع إلى قدرة الملاحظ وسعة نظرته وضيقها، وليس إلى ذات الحوادث والظواهر.

2. انّ حضور الحوادث والظواهر عند اللّه دليل على علم اللّه بها جميعاً، لأنّ حقيقة العلم ليست إلاّ حضور المعلوم عند العالم وحيث إنّ موجودات العالم من


(102)

فعله سبحانه وقائمة به فهي إذن حاضرة لديه.

ونتيجة هذا الحضور ليست سوى علم اللّه بها ولكن لا يدل مثل هذا الحضور على علم الموجودات هي بالخالق الواحد سبحانه .

وبعبارة أُخرى لو كان هدف الآية هو بيان أنّ اللّه أخذ من بني آدم «الإقرار» بربوبيته والشهادة بها من جهة حضور هذه الموجودات لدى اللّه ـ كما تفيده هذه النظرية ـ يلزم علم اللّه بهذه الموجودات والحوادث لا علم هذه الحوادث والموجودات باللّه تعالى، فلا يتحقّق معنى الشهادة والإقرار .

فإنّه ربّما يتصور إنّ حضور الأشياء عند اللّه كما يستلزم علمه بها، كذلك يستلزم علم تلك الموجودات باللّه.

ولكن هذا وهم خاطئ وتصور غير سليم، لأنّ الحضور إنّما يكون موجباً للعلم إذا اقترن بقيام الشيء باللّه وإحاطته سبحانه بذلك الشيء، ومثل هذا الملاك موجود في جانب اللّه حيث إنّه قيوم [تقوم به الأشياء ]محيط بالكون في حين أنّه لا يوجد هذا الملاك في جانب الموجودات، لأنّها محاطة وقائمة باللّه (أي ليست محيطة باللّه ولا أنّ اللّه سبحانه قائم بها حتى تعلم هي به تعالى).

3. انّ هذا التوجيه والتفسير لآية الميثاق بعيد عن الأذهان العامة، ولا يمكن إطلاق اسم التفسير عليه، بل هو للتأويل أقرب منه إلى التفسير .

نعم غاية ما يمكن قوله هو أنّ هذه النظرية تكشف عن أحد أبعاد هذه الآية، لكنَّه ليس البعد المنحصر والوحيد.

هذا مضافاً إلى أنّ ألفاظ هذه الآية مثل قوله: (فأشهدهم على أنفسهم)ونظائره الذي هو بمعنى أخذ الشهادة والاعتراف والإقرار لا يتلاءم ولا ينسجم


(103)

مع هذا التفسير .

النظرية الرابعة

وتظهر هذه النظرية من الشريف المرتضى في أماليه، وإليك نص ما قاله الشريف بلفظه:(1)

إنّ اللّه تعالى إنّما عنى جماعة من ذرية بني آدم خلقهم وبلّغهم وأكمل عقولهم وقرّرهم على ألسن رسله ـ عليهم السَّلام ـ بمعرفته وما يجب من طاعته، فأقرّوا بذلك، وأشهدهم على أنفسهم به لئلاّ يقولوا يوم القيامة: (إنّا كنّا عن هذا غافلين)أو يعتذروا بشرك آبائهم.

وحاصل هذا الكلام وتوضيحه أنّ اللّه تعالى أخذ الاعتراف من جماعة خاصة، من البشر، وهم العقلاء الكاملون، لا من جميع البشر .

وقد أخذ هذا الاعتراف والميثاق حيث أخذ بواسطة الرسل والأنبياء الذين ابتعثهم اللّه إلى البشرية في هذه الدنيا.

وهذه النظرية مبنية على كون «من» في قوله سبحانه : (من بني آدم)تبعيضية لا بيانية، ولأجل ذلك يختص بالمقتدين بالأنبياء.

ويمكن تأييد هذه النظرية بأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد أخذ منهم الاعتراف في بعض المواضع على اختصاصه تعالى بالربوبية، كما يحدّثنا القرآن الكريم إذ يقول: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *سَيَقُولُونَ للّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)(2)، وما يشابههما من الآيات التي أخذ فيها الاعتراف من الأشخاص،


1 . الأمالي: 1/29.
2 .المؤمنون: 86 ـ 87.


(104)

وسيوافيك بعض هذه الآيات عند البحث في التوحيد الخالقي والربوبي.

ولكن ضعف هذه النظرية ظاهر، إذ م آلها انّ المؤمنين بكل نبي هم الذين اعترفوا ـ دون سواهم ـ بتوحيده سبحانه .

ولو كان مقصود الآية هو هذا، لكان ينبغي أن يكون التعبير عنه بغير ما ورد في الآية .

ثم إنّه يجب أن يكون تعبير القرآن عن المعاني الدقيقة بأوضح العبارات وأحسنها وأبلغها.

فلو كان مقصوده تعالى هو اعتراف جماعة خاصة ممَّن اقتدوا بالرسل، بتوحيده سبحانه ، لوجب أن يبين ذلك بغير ما ورد في الآية من بيان.

هذه هي الآراء والنظريات التي أبداها المفسرون الكبار حول مفاد آية الميثاق والذر .. ونحن نأمل أن يستطيع المحقّقون ـ في المستقبل ـ من إيقافنا على معنى أوضح وأكثر انسجاماً مع ألفاظ هذه الآية الشريفة، وأن يوفقوا إلى توضيح حقيقتها ومغزاها.

***

ذكرنا فيما سبق أنّ النظرية الأُولى تستند إلى طائفة من الأحاديث الواردة في المجاميع الحديثية ولابد من دراستها والتوصل إلى حل مناسب لها.

فالعلاّمة المرحوم السيد هاشم البحراني نقل في تفسيره المسمّى بـ «البرهان» في ذيل تفسير آية الميثاق (37) حديثاً(1)


1 . البرهان:2/46 ـ 51.

(105)

وكذا نقل نور الثقلين ـ وهو تفسير للقرآن على أساس الأحاديث على غرار تفسير البرهان ـ أيضاً (27) حديثاً في ذيل تفسير هذه الآية.(1)

ولابد من الالتفات إلى أنّ هذه الأحاديث والأخبار تختلف في مفاداتها عن بعض، فليست بأجمعها ناظرة إلى النظرية الأُولى، فلا يمكن الاستدلال بها ـ جميعاً ـ على ذلك لوجوه:

أوّلاً: أنّ بعض هذه الأحاديث صريحة في القول الثاني، أو أنّها قابلة للانطباق على القول الثاني، مثل الأحاديث: 6 و 7 و 20 و 22 و 35.

وإليك نص هذه الأحاديث:

أمّا الأحاديث 6 و 22 و 35 وجميعها واحد راوياً ومروياً عنه وان اختلفت في المصدر، فهي:

عن أبي بصير، قال : قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :كيف أجابوا وهم ذر؟ فقالعليه السَّلام :

«جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه».

ففي هذه الأحاديث ـ كما نلاحظـ ليس هناك أي كلام عن الاستشهاد والشهادة اللفظيين بل قال الإمام : «جعل فيهم» وهي كناية عن وجود الإقرار التكويني في تكوينهم.

أما الحديث 7 فقد روي عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (الصادق) ـ عليه السَّلام ـ عن قول اللّه (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها) ما تلك الفطرة؟


1 . نور الثقلين: 2/92 ـ 102.

(106)

قال:

«هي الإسلام فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، قال: ألست بربكم، وفيه المؤمن والكافر».

وهذا الحديث كما هو واضح يفسر الميثاق المذكور في آية الذر بالفطرة ممّا يكون تصريحاً بأنّ الاستيثاق وأخذ الميثاق والإقرار أمر فطري جبلي تكويني.

وفي الحديث 20 جاء عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمدعليمها السَّلام في حديث طويل قال فيه:

«قال اللّه عزّ وجلّ لجميع أرواح بني آدم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، كان أوّل من قال بلى محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فصار بسبقه إلى بلى سيد الأوّلين والآخرين وأفضل الأنبياء والمرسلين» .

وليس في هذا الحديث أي كلام عن اعتراف الذر وإقرار بني آدم وهم على هيئة ذرات صغيرة، ولذلك فهو وإن لم يكن صريحاً في النظرية الثانية «القائلة بالإقرار التكويني لا اللفظي من جانب الذرية» ولكنّه قابل للانطباق عليها.

ثانياً: أنّ بعض هذه الأحاديث صريحة في أنّ الإقرار والاعتراف بالربوبية جاء من جانب الأرواح كما لاحظنا في الحديث 20 .

أمّا ما يدل من تلك الأحاديث (المنقولة في تفسير البرهان) على النظرية الأُولى فهي 3 ، 4، 8 ، 11، 14، 17، 18، 27، 29.

وعددها كما هو الظاهر (9) أحاديث، ولكنّنا لو أمعنا النظر فيها لوجدنا أنّ عددها الحقيقي لا يتجاوز 5 أحاديث لا أكثر، لأنّ خمسة من هذه الأحاديث رواها «زرارة بن أعين» بمعنى أنّ آخر راو في هذه الأحاديث من الإمام هو زرارة،


(107)

ومن المسلم أنّ راوياً واحداً لا يسأل عن شيء من الإمام خمس مرات، وأمّا نقل رواية زرارة (التي هي ـ في الحقيقة ـ رواية واحدة) في خمس صور، فلتعدد من روى هذا الحديث عن «زرارة»، ولذلك اتّخذ الحديث الواحد طابع التعدّد والكثرة، وهذا لا يوجب أن يعد الحديث الواحد خمسة أحاديث.

وعلى هذا فإنّ الأحاديث 3 و 4 و 11 و 27 و 29 التي تنتهي إلى راو واحد هو «زرارة» لا يمكن عدّها خمسة أحاديث، بل يجب اعتبارها حديثاً واحداً لا غير.

وفي هذه الحالة ينخفض عدد الأحاديث المؤيدة للنظرية الأُولى من 9 إلى5.

يبقى أنّ الأحاديث الأربعة الأُخرى (أعني: 8 و 14 و 17 و 18) فهي مبهمة نوعاً ما، وليست صريحة في المقصود .

وبعض تلك الأحاديث تعتبر هذا الميثاق والميثاق الذي أخذه اللّه من خصوص النبيين وتحدّث عنه القرآن في الآية 81 ـ آل عمران: (وإذ أخَذَ اللّهُ ميثاقَ النّبِيِّينَ لَما آتَيْتكُمْ مِنْ كِتاب وحِكْمَة) تعتبر هذين الميثاقين واحداً مثل الحديث رقم 12.

وها نحن ننقل لك أيها القارئ نص حديث زرارة أوّلاً، وهذا الحديث هو ما جاء تحت رقم 3 و 4 و 11 و 27 و 29.

وإليك نصها بالترتيب :

عن ابن أبي عمير، عن زرارة أنّ رجلاً سأل أبا جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ عن قولاللّه عزّ وجل: (وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم...) فقال، و أبوه


(108)

يسمع:

«حدثني أبي أنّ اللّه عزّ وجل قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم فصب عليها الماء العذب الفرات، فخرجوا كالذر من يمينه وشماله، وأمرهم جميعاً أن يقعوا في النار، فدخل أصحاب اليمين فصارت عليهم برداً وسلاماً » إلى آخر الحديث.

وعن ابن أُذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن قول اللّه عز وجل: (وإذ أخذ ربّك من بني آدم ...) قال:

«أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذر، فعرفهم وأراهم نفسه ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه».

ومثل هاتين الصورتين بقية الصور لحديث زرارة حرفاً بحرف.

أمّا الروايات الأربع الأُخرى (أعني: 8 و 14 و 17 و 18) فهي بالترتيب:

عن حمران عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال:

«فقال اللّه لأصحاب اليمين وهم كالذر يدبون: إلى الجنة ولا أبالي، وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي، ثم؟ قال: ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا ...» الخ.

وعن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في قوله (وإذ أخذ ربّك من بني آدم...)قلت: معاينة كان هذا ؟ قال:

«نعم، فثبتت المعرفة و نسوا الموقف وسيذكرونه، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه، فمنهم من أقرّ بلسانه في الذر ولم يؤمن بقلبه».


(109)

وعن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه الصادق ـ عليه السَّلام ـ في قوله عزّ وجلّ: (وإذ أخذ ربّك من بني آدم ...)قال:

«أخذ اللّه من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة وهم كالذر،فعرفهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه، وقال: ألست بربكم، قالوا: بلى».

وفي حديث طويل عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ قال:

«قول اللّه عزّ وجلّ (وإذ أخذ ربّك من بني آدم ...) أخبرك أنّ اللّه سبحانه لمّا خلق آدم مسح ظهره فاستخرج ذرية من صلبه سيما في هيئة الذر فألزمهم العقل، وقرر بهم أنّه الرب وأنّهم العبد فأقروا له بالربوبية».

هذه هي عمدة الأحاديث التي نقلها تفسير البرهان في ذيل الآية المبحوثة تؤيد النظرية الأُولى .

وكذا نقل صاحب تفسير الدر المنثور أحاديث تؤيد هذه النظرية نذكر بعضها:

فمنها ما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: (وإذ أخذ ربّك من بني آدم ...)قال: خلق اللّه آدم وأخذ ميثاقه أنّه ربّه،وكتب أجله ورزقه ومصيبته، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر فأخذ مواثيقهم أنّه ربهم وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم».

وغير ذلك كثير(1)

***


1 . راجع الدر المنثور : 3/141 ـ 142.

(110)

ثالثاً: لقد بين أئمّة الشيعة المعصومون ـ عليهم السَّلام ـ معياراً خاصاً لمعرفة الصحيح من الأحاديث وتمييزه عن غير الصحيح، وأمرونا بأن نميز صحاح الأحاديث على ضوء هذه المعايير .. هذا المعيار هو اعتماد ما يوافق الحديث للقرآن وطرح ما يخالفه.

وقد ذكرنا فيما سبق إنّ هذا القسم من الأحاديث (التي نقلناها عن البرهان) يخالف ظاهر القرآن، ولذلك ينبغي التسليم أمامها، ورد علمها إلى الأئمّة أنفسهم على فرض صدورها منهم.


(111)

الفصل الثالث

اللّه وبراهين وجوده في القرآن


(112)

اللّه وبراهين وجوده في القرآن

1. كثرة البراهين على وجود اللّه تعالى.

2. دليل الفطرة.

3. برهان الحدوث.

4. برهان الإمكان.

5. برهان الحركة.

6. برهان النظم.

7. برهان محاسبة الاحتمالات.

8. برهان التوازن والضبط.

9. الهداية الإلهية في عالم الحيوان.

10. برهان الصدّيقين.

11. براهين أُخرى.


(113)

كثرة البراهين على وجود اللّه تعالى

من الأقوال المشهورة في أوساط العلماء تلك الجملة التي تقول:

«الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق».

فهذه الجملة المقتضبة تشير إلى أنّ الأدلة على وجود اللّه جل شأنه ليست واحداً ولا اثنين ولا عشر ولا مائة، بل هي بعدد أنفاس المخلوقات.

وهذا الكلام وإن كان مثار عجب ودهشة عند من ليس لديه دراسة مفصلة وتعمّق في العلوم الإلهية.. إذ كيف يمكن ـ في نظر هؤلاء غير المتعمّقين في الإلهيات وغير الملمّين بعلوم التوحيد ـ .

كيف يمكن أن تكون أدلّة وجود اللّه بعدد أنفاس الخلائق التي لا يحصيها عدد ولا يحصرها عد ؟!!

ولكن لو أُتيح لنا أن نطّلع على ما ورد في كتب العقائد والفلسفة من الأدلّة على وجود اللّه، لأدركنا أنّ هذا الكلام لم يكن مبالغاً فيه، بل هو عين الحقيقة.

لأنّ بعض هذه الأدلّة التي سنشير إلى «أُصولها» وأُمّهاتها ـ هنا ـ من السعة والشمولية بحيث يتّخذ من نظام كل ذرة في عالمنا دليلاً على وجود اللّه، وطريقاً إلى إثباته.

ومن المعلوم أنّه لا يعلم عدد ذرات هذا العالم إلاّ اللّه تعالى.

وفيما يأتي نذكر أُصول وأُمهات هذه البراهين الرائجة:


(114)

1. دليل الفطرة

دليل الفطرة ـ كما تحدّثنا عنه في الفصل الأوّل ـ طريق القلب ودليل الفؤاد لا العقل والاستدلال.

فكل فرد ينجذب إلى اللّه ويميل إليه قلبياً وبصورة لا إرادية، سواء في فترة من حياته، أم في كل فترات حياته دون انقطاع.

وهذا التوجّه القلبي العفوي الذي يكمن في وجود كل فرد فرد من أبناء البشر لهو إحدى الأدلّة القاطعة على وجود اللّه، وهذا هو ما يسمّى بدليل «الفطرة».

2. برهان الحدوث

برهان الحدوث هو البرهان الذي يعتمد على «حدوث» الكون وما فيه.

وملخّصه: أنّ لهذا الكون بداية، وأنّه لذلك فهو مسبوق بالعدم، ومن البديهي أنّ ما يكون مسبوقاً بالعدم (أي كان حادثاً)، فإنّ له محدثاً بالضرورة، لامتناع وجود الحادث دون محدث.

ويعتمد المتكلّمون الإسلاميون ـ في الأغلب ـ على حدوث العالم لإثبات الصانع، ربما باعتباره أقرب الأدلة إلى متناول العقول، والأفهام.

3. برهان الإمكان

يتوسّل الفلاسفة المسلمون ـ في الغالب ـ لإثبات وجود اللّه بتقسيم الأشياء إلى :

واجب


(115)

وممكن

وممتنع

وذلك لأنّ أيّة ظاهرة وأي شيء نتصوّره في عالم الذهن لا يخرج عن إحدى حالتين عندما ننسب إليه الوجود الخارجي فهو:

إمّا أن يقتضي الوجود لذاته، أي ينبع الوجود من ذاته، فهو «واجب الوجود».

وإمّا يقتضي العدم لذاته، بمعنى أنّ العقل يمنع الوجود عنه، فهو «ممتنع الوجود».

وأمّا لو كان الوجود والعدم بالنسبة إليه على حد سواء (أي لا يقتضي لا الوجود ولا العدم بذاته) فحينئذ يحتاج اتصافه بأحد الأمرين، أعني: العدم والوجود إلى عامل خارجي حتماً، لكي يخرجه من حالة التوسط والتساوي ويضفي عليه طابع الوجود أو العدم، وهذا النوع هو ما اصطلح على تسميته بـ «ممكن الوجود».

وعندما نتصور الأشياء والظواهر الكونية نجد أنّ العدم أو الوجود لم يكن جزءاً من ماهيتها ولا عينها ولا مزروعاً فيها في الأصل، فإذا وجدناها تلبس ثوب الوجود، فلابد أن يكون هناك عامل خارجي عن ذاتها هو الذي أسبغ عليها ذلك.. وهو الذي أخرجها من عالم المعدومات إلى حيز الموجودات، أو بالعكس.

وهذا العامل الخارجي إن كان هو أيضاً على غرار تلك الأشياء في كونها ممكنة الوجود إذن لاحتاج إلى عامل خارجي آخر يضفي عليه حلة الوجود ويطرد عن ساحته صفة العدم .


(116)

وإن كان هذا العامل الثاني نظير العامل الأوّل «في صفة الإمكان» لاحتاج إلى عامل آخر، وهكذا دواليك بحيث يلزم «التسلسل».

وأمّا لو كان العامل الخارجي الأوّل ـ في حين كونه موجداً وعلّة للأشياء ـ معلولاً وموجداً من قبل نفس تلك الأشياء لزم «الدور» المستحيل في منطق العقول.

ولما كان التسلسل والدور باطلين عقلاً(1) لزم أن نذعن بأنّ كل الحادثات الممكنات تنتهي إلى موجد «غني بالذات» «قائم بنفسه» غير قائم بغيره، وغير مفتقر في وجوده إلى أحد أو شيء على الإطلاق.

وذلك الغني بالذات هو «الواجب الوجود » هو اللّه العالم، القادر، القيوم .. القائم بذاته القائم به ما سواه.

وهذا هو دليل الإمكان.

4. برهان الحركة

كان روّاد العلوم الطبيعية ـ في السابق ـ كأرسطوا وأتباعه، يستدلّون بـ «حركة الأجسام والأجرام الفلكية» على وجود المحرّك، وبذلك يثبتون وجود اللّه.

فكانوا يقولون ما خلاصته: إنّه لا بد لهذه الأجرام المتحرّكة من محرّك منزّه عن الحركة، وذلك استناداً إلى القاعدة العقلية المسلمة القائلة: «لابد لكل متحرّك من محرّك غير متحرّك».


1 . سيوافيك بيان جهة بطلان التسلسل والدور في الأبحاث القادمة.

(117)

5. برهان النظم

لقد ظل النظام البديع العجيب الذي يسود كل أجزاء الكون من الذرة إلى المجرّة، أحد العوامل المهمة التي هدت ذوي الألباب والفكر والمتذكرين(1) من البشر إلى اللّه، إذ لم يكن من المعقول ـ أبداً ـ أن لا يخضع مثل هذا النظام البديع والمعقد لتدبير قوة عاقلة عليا، وتدبير مدبّر حكيم.

و الآيات القرآنية المتعرضة لبيان آثار اللّه تعالى في عالم الخلق إن كانت تهدف إلى إثبات الصانع، فهي في الحقيقة إنّما تعتمد على «برهان النظم» .

فإذا كانت ورقة من أوراق الشجرة، أو ذرة من ذرات العالم، دليلاً على حكمة اللّه تعالى وبرهاناً على إرادته، فهي بطريق أولى دليل على «أصل وجوده».

إذ الوجود مقدّم على الصفات، فما دلّ على الصفات فهو بالأحرى دال على الوجود .

وسيأتي الحديث المفصّل عن هذا القسم في المستقبل .

6. برهان محاسبة الاحتمالات

وهو برهان ابتكره علماء الغرب وزاده نضجاً وتوضيحاً العالم المعروف «كريسي موريسون» صاحب كتاب «العلم يدعو للإيمان» الذي لم يهدف من كتابته إلاّ بلورة وإيضاح هذا البرهان ـ أساساً ـ .


1 . هذه الأوصاف الثلاثة مقتبسة من القرآن الكريم، فهو عندما يذكر آثار قدرة اللّه وحكمته وعلمهتعالى يعقب كلامه بهذه العبارات: (أُولو الألباب) و (لقوم يتفكّرون) و (لقوم يتذكّرون) .

(118)

وإليك ملخّص هذا البرهان:

يقول: لا شك أنّ ظهور الحياة بشكلها الحاضر على وجه الأرض ليس إلاّ نتيجة تضافر شرائط وتوفر علل وعوامل كثيرة بحيث لو فقد واحد منها لامتنع ظهور الحياة على الأرض ولاستحالت حياة الأحياء عليها.

فلو أنّ ظهور الحياة كان نتيجة انفجار أو انفجارات في المادة الأُولى عن طريق المصادفة، لكان من الممكن أن تتحقّق ملياردات الصور والكيفيات ويكون احتمال ظهور هذه الصورة واحداً من مليارات الصور، وحيث إنّ صورة واحدة فقط هي التي تحققت دون بقية الصور ينطرح هذا السؤال:

كيف تحقّقت هذه الصورة الحاضرة دون بقية الصور عقيب الانفجار ؟

وكيف وقع الاختيار على هذه الصورة بالذات من بيان سائر الصور والحال كان المفروض أنّ جميعها متساوية في منطق المصادفة.

إنّنا لا نجد جواباً معقولاً في هذا المجال إلاّ أن نعزي الأمر إلى غير المصادفة.

وبعبارة أُخرى: انّ كثرة الشروط اللازمة لظهور الحياة على الكرة الأرضية تكون بحيث إنّ احتمال اجتماع هذه الشرائط بمحض المصادفة مرة في بليون مرة، ولا يمكن لعاقل أن يفسر ظاهرة من الظواهر بمثل هذا الاحتمال غير العقلائي وغير المنطقي جداً.

وننقل هنا نص ما قاله العالم المعروف تحت عنوان «المصادفة»:

«إنّ حجم الكرة الأرضية وبعدها عن الشمس، ودرجة حرارة الشمس وأشعتها الباعثة للحياة، وسمك قشرة الأرض وكمية الماء، ومقدار ثاني أوكسيد


(119)

الكربون وحجم النتروجين وظهور الإنسان وبقاءه على قيد الحياة، كل أولاء تدلّ على خروج النظام من الفوضى، وعلى التصميم والقصد، كما تدلّ على أنّه طبقاً للقوانين الحسابية الصارمة ما كان يمكن حدوث كل ذلك مصادفة في وقت واحد على كوكب واحد مرة في بليون مرة، «كان يمكن أن يحدث هكذا» ولكن لم يحدث هكذا بالتأكيد !!

وحين تكون الحقائق هكذا قاطعة وحين نعترف ـ كما ينبغي لنا ـ بخواص عقولنا التي ليست مادية فهل في الإمكان أن نغفل البرهان، ونؤمن بمصادفة واحدة في بليون ونزعم أنّنا وكل ما عدانا، نتائج المصادفة.

لقد رأينا أنّ هناك 999/999/999 فرصة ضد واحد، ضد الاعتقاد بأنّ جميع الأُمور تحدث مصادفة»(1).

7. برهان التوازن والضبط

وهذا البرهان من فروع برهان النظم، والمقصود منه هو ذلك «التعادل والتوازن والضبط» الذي يسود عالم الأحياء كلها من حيوانات ونباتات.

ونذكر نموذجاً لذلك من باب المثال فنقول:

يتبيّـن لنا من دراسة عالم الحيوان والنبات أنّ كلاً منهما مكمّل للآخر، بحيث لو لم يكن في عالم الطبيعة إلاّ الحيوانات فحسب لفنيت الحيوانات وزالت من صفحة الوجود، وهكذا لو لم يكن إلاّ النباتات فحسب لفنيت النباتات وزالت هي أيضاً.


1 . العلم يدعو للإيمان: 195 ـ 196.

(120)

وذلك لأنّ النباتات ـ على وجه العموم ـ تتنفس «ثاني أُكسيد الكاربون» فيما تطلق الأوكسجين في الفضاء.

فأوراق الشجر بمنزلة رئة الإنسان مهمتها التنفس، في حين أنّ الحيوانات تستهلك الأوكسجين وتدفع الكربون.

وبهذا يبدو ـ جلياً ـ أنّ عمل كل واحد من هذين الصنفين من الأحياء مكمل لعمل الآخر ومتمم لوجوده، وأنّ حياة كل منهما قائمة على الأُخرى.

فلو كانت في الأرض: «النباتات» فقط لنفذ الكربون ... ولم يكن لها ما تتنفسه.

ولو لم يكن في الأرض إلاّ «الحيوانات» فقط لفني الأوكسجين ولم يكن لها ما تتنفسه.

ولكان معنى كل ذلك فناء النوعين بالمرة وزوالهما من وجه الأرض بسرعة.

8. الهداية الإلهية في عالم الحيوانات

يعتبر «اهتداء» الحيوانات والحشرات إلى ما يضمن بقاءها، واستمرار حياتها، دليلاً آخر على وجود «هاد» لها فيما وراء الطبيعة هو الذي يقوم بهدايتها في مسيرة الحياة، ويلهمها كل ما يفيدها ويساعدها على العيش والبقاء إلهاماً أسماه القرآن بـ «الوحي».

ولهذا البرهان جذور وأُصول قرآنية، ولذلك سنتعرض له بالبحث ونتاوله بالتحقيق بنحو مبسوط في المستقبل، كما سنبرهن على أنّه غير البرهان المعروف ببرهان «النظم في عالم الوجود».

***


(121)

تلك هي أُصول البراهين وأُمهات الأدلّة المتعارفة(1) التي يستدل بها لإثبات وجود اللّه سبحانه في مقدور كل فرد من أفراد البشر أن يستفيد منها حسب مذاقه وحسب إدراكه فيهتدي إلى اللّه ويتوصل إلى معرفته تعالى.

ولذلك يقول القرآن الكريم: (وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا)(2).

ويعني بذلك أنّ لكل فرد أن يستدل على وجود اللّه بشيء من هذه البراهين والأدلة. . فهي أدلة توصل إلى معرفة اللّه، والإذعان بوجوده لا محالة.

غير أنّ أكثر هذه الأدلة شهرة وشمولاً وأقربها إلى الأذهان هو برهان النظم .. فهو برهان يلتفت إليه كل أحد مهما بلغت معلوماته من الضيق والض آلة ومهما هبط مستواه الفكري، لأنّ هذا البرهان قائم على إثبات الصانع عن طريق المشاهدات والاستنباطات والمقدمات البسيطة التي يدركها ويلمسها كل إنسان حتى العادي.

ولكن هناك طائفة أُخرى من الأدلة العقلية تفوق مستوى الفهم العام وهي تحتاج ـ لعمقها ـ إلى إمعان ومزيد تعمّق وتدبّر ... بل وإلى إرشاد «معلم إلهي» متخصّص في هذا العلم، متضلّع في هذا الفن من المعارف .. وليس ذلك إلاّ لدقة مسالكها، وعمق محتوياتها.

ومن هذه الأدلة ما يلي:

9. برهان الصدِّيقين

وهو أحد البراهين ذات الدلالة القوية على «وجود اللّه» سبحانه .


1 . والتي يندرج تحت كل واحد منها آلاف بل آلاف الآلاف من الأدلّة.
2 .البقرة: 148.


(122)

ويتلخص هذا البرهان في: أنّ للإنسان أن يتوصل إلى معرفة اللّه من مطالعة الوجود نفسه ... بمعنى أنّه لا يحتاج ـ هنا ـ لإثبات الصانع إلاّ إلى مطالعة نفس الوجود لا غير .

ولهذا البرهان أصل قرآني وجذور في كتاب اللّه الكريم .

وربما يكون قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ) (1) إشارة إلى هذا الدليل.(2)

كما ورد في أدعية أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ما يشير إلى هذا البرهان من قريب أو بعيد :

فقد ورد في الدعاء المعروف بدعاء «الصباح» وهو الدعاء القيّم الذي علّمه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ لتلميذه «كميل» قوله:

«يا من دل على ذاته بذاته، وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته».(3)

وقد تعرض ابن سينا، الفيلسوف الإسلامي إلى هذا البرهان في كتابه «الإشارات».(4)

كما تبعه في ذلك المحقّق نصير الدين الطوسي في كتابه المعروف بـ «تجريد الاعتقاد» الذي شرحه تلميذه العلاّمة الحلي رحمهما اللّه.(5)


1 . فصلت: 53.
2 . وهناك آيات أُخرى ربّما حملوها على هذا البرهان وسيوافيك بيانها في موضعه.
3 . راجع كتب الأدعية.
4 . الإشارات: 3/18 ـ 28.
5 . التجريد: 172، وقد قرر هذا البرهان المرحوم صدر المتألّهين بشكل آخر في كتابه «الأسفار» فليراجعه من أراد أن يقف على تقريره.


(123)

وحيث إنّ لهذا البرهان أصلاً قرآنياً ـ كما أسلفنا ـ لذلك سنذكره مفصلاً في محله من هذه البحوث.

10. براهين أُخرى

مثل: برهان الوجوب.

برهان الترتب.

برهان الأسد والأخصر .

وهي براهين خارجة عن إطار الهدف الذي من أجله عقدنا هذه البحوث وكتبنا هذه الدراسة، إذ غاية ما نرمي إليه في هذه البحوث هو ذكر البراهين ذات «الأصل القرآني» أي ذكر ما له جذور في كتاب اللّه من هذه البراهين، لأنّ هدفنا ـ كما يتضح من عنوان هذه الدراسة ـ هو استجلاء «معالم التوحيد في القرآن الكريم».(1)


1 . وقد تحدث المرحوم صدر المتألّهين حول برهان «الوجوب» وبرهان «الأسد والأخصر» في كتاب الأسفار: 2/165 ـ 166.

(124)

التوحيد الاستدلالي

في القرآنالكريم

ذكرنا فيما مضى أنّ هناك طريقين لإثبات وجود اللّه تعالى:

طريق الاستدلال، وطريق الفطرة.

وها نحن نستعرض في هذا الفصل «الأدلّة» العقلية والعلمية الواردة في القرآن لإثبات وجود اللّه سبحانه .. ولن نتقيّد بتطبيق هذه الأدلّة القرآنية على البراهين التسعة التي ذكرناها .. نعم لو حصل أن انطبق دليل قرآني على واحد من تلك البراهين التسعة أشرنا إلى ذلك، وعمدنا إلى توضيحه قدر المستطاع والإمكان.

***

بعث رسول الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في بيئة كانت تسودها الوثنية، وكان الناس إلاّ الشاذ منهم وثنيين يعبدون الأصنام ويعكفون على الأوثان رغم اعتقادهم باللّه ظناً بأنّ هذه الأصنام والصور المعبودة مقربة عند اللّه، وشفعاء بينه وبين البشر .

ولأجل هذا تركز اهتمام القرآن على تنزيهه سبحانه عن «الشريك» في العبادة لا على إثبات وجوده، لأنّ وجوده تعالى كان أمراً مسلّماً ومفروغاً عنه في ذلك المجتمع.


(125)

وفيما يلي نذكر الآيات التي تبيَّن اعتقاد وثنيي عصر الرسالة حول اللّه وكيف أنّهم كانوا يعتقدون بوجوده:

(وَلَئِنَ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ)(1).

(وَلَئِنَ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ)(2).

(وَلَئِنَ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)(3).

(وَلَئِنَ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)(4).

(وَلَئِنَ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)(5).

(وَلَئِنَ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللّهُ)(6).

إنّ ملاحظة مفادات هذه الآيات تفيد ـ بوضوح لا يقبل جدلاً ـ بأنّ المجتمع الجاهلي المعاصر لعصر الوحي ونزول الرسالة لم يكن معتقداً بوجود اللّه فحسب بل كان معتقداً ـ فوق ذلك ـ بأنّه الخالق الوحيد لهذا الكون والمدبّر الحقيقي لأُموره وشؤونه، بمعنى أنّهم كانوا موحِّدين في الخالقية والربوبية ـ كما هو


1 . لقمان: 25.
2 . الزمر: 38.
3 . الزخرف: 9.
4 . الزخرف: 87.
5 . العنكبوت: 61.
6 . العنكبوت: 63.


(126)

المصطلح ـ . ولذلك فإنّ أوّل موضوع طرحه الرسول الأكرم على قومه هو الدعوة إلى «توحيد اللّه» في العبادة لا الاعتقاد بوجوده.

على أنّ مراجعة معتقدات المشركين والوثنيين في عصر الوحي وقبله، والتي سوف نوردها في الفصل التاسع: «التوحيد في العبادة» أفضل شاهد ودليل على ما قلناه من أنّ انحراف المشركين كان في مسألة «الوحدانية» في العبادة لا في أصل وجود اللّه.

فهناك ـ في الفصل التاسع ـ سوف نذكر كيف أنّ غالبية وثنيي العرب ما كانوا يعتقدون بأنّ الأصنام خالقة السماوات والأرض، ولا أنّها مدبّرة للكون إلى جانب اللّه، بل كانوا يعتقدون بأنّها مقربة عند اللّه، وشفعاء لديه وكانوا يظنون بأنّ عبادتهم لها ستقربهم إلى اللّه تعالى، وتوجب الزلفى لديه(1).

ويدل على وجود مثل هذا الاعتقاد لدى من كان يعبد الأصنام آيات هي:

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ)(2).

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)(3).

(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلاَ يَعْقِلُونَ)(4).


1 . نعم لا يمكن القول بأنّ كل وثنيي العرب أو كافة وثنيي العالم على مثل هذا الاعتقاد، بل هناك من يعتقد بتعدد «واجب الوجود» كالمثلثة، أو تعدد «الخالق» تعدداً حقيقياً كالثنويين، أو من يعتقد بتعدد «المدبّر» وسيوافيك بيان مفصل عن مقالاتهم وعقائدهم في الفصل التاسع.
2 . يونس: 18.
3 . الزمر: 3.
4 . الزمر: 43.


(127)

(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّة وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُم تَزْعُمُونَ)(1).

ولكن رغم كل هذا لا يمكن لأحد أن يدّعي عدم وجود ملحدين ـ بتاتاً ـ في عصر الرسالة، أو يدّعي أنّ القرآن الكريم لم يتحدث أبداً حول أصل وجود اللّه، بل على خلاف هذا النظر فإنّ بعض الآيات القرآنية تكشف عن وجود ملحدين في عصر الرسالة، كما أنّ هناك مجموعة من البراهين العلمية في القرآن الكريم قد وردت ـ في الحقيقة ـ لإثبات وجود اللّه.

وسنذكر الآيات الدالة على كلا الأمرين.

ونذكر أوّلاً الآية التي تذكر عقيدة جماعة من الماديين الذين كانوا يعاصرون عهد الوحي، حول الإنسان وما سواه من الظواهر الكونية مبدأ وم آلا، حيث يقولون ـ حسبما يحدثنا القرآن ـ :

(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)(2).

ومن الطبيعي أنّ هذا المنطق أعني: زعم هؤلاء بأنّ سبب هلاك البشر هو مرور الزمن لم يكن إلاّ بسبب عدم اعتقادهم بوجود «خالق» اسمه اللّه، هو الذي يميت كما خلق.

فهم كانوا يعتقدون بأنّ الحياة والموت ما هما إلاّ أثرين من آثار المادة. أي


1 . الأنعام: 94.
2 . الجاثية: 24.


(128)

من الآثار الفيزياوية والكيمياوية للمادة ـ حسب المصطلح الحديث ـ .

فحينما تشيخ المادة وتهرم بسبب مرور الزمن فتأخذ طريقها ـ في الم آل ـ إلى البلى وتؤول إلى دنيا العدم، فذلك هو الموت.

إذا تبيّـن هذا نقول: هل من المعقول أن يطرح القرآن هذه النظرية الإلحادية عن لسان أتباعها في عصر الرسالة ثم لا يعمد إلى نقدها والرد عليها، ولا يقيم ضدها ما يرفع الشك ويزيل الشبهة؟!!

لقد كان الأُستاذ العلاّمة الطباطبائي ـ صاحب تفسير الميزان ـ يصر في محاضراته العلمية على أنّ القرآن الكريم لم يتعرض مطلقاً لإثبات أصل وجود اللّه، ولم يقم عليه أي دليل أبداً، وذلك إمّا لبداهة وجود اللّه وفطريته، أو لأنّ ذات اللّه أسمى من أن يحتاج إثباتها إلى دليل.

ولكنّنا نتصور أنّه قد وردت في الكتاب العزيز براهين لإثبات وجود اللّه تعالى، وسوف نورد هذه البراهين في هذه الدراسة بنحو من الأنحاء بإذن اللّه .


(129)

التوحيد الاستدلالي: البرهان الأوّل

برهان الفقر والإمكان

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْق جَدِيد * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيز)(1).(2)

قبل الورود في توضيح الآيات التي وردت لإثبات وجوده سبحانه نأت بنكتة وهي: أنّه قد سبق منا ـ آنفاً ـ أنّ البراهين الواردة في القرآن حسب النوع تناهز عشرة براهين أو أكثر، ولسنا مدّعين أنّ هذه الآيات صريحة في تلك البراهين أو منطبقة عليها انطباقاً تاماً حسب العناوين التي نأتي بها في أوّل البحث، وإنّما هدفنا هو طرح الأدلّة التي تعرّض لها القرآن واستدلّ بها لإثبات الصانع، سواء كانت هذه الأدلّة الواردة في القرآن منطبقة مع الأدلّة والبراهين السالفة الذكر أم لا.


1 . فاطر: 15 ـ 17.
2 . يصف القرآن الكريم (اللّه تعالى) في الآية الأُولى من الآيات الثلاث بأنّه الغني الحميد، وقد جاء في الآيتين التاليتين دليل ذلك:
1. أمّا أنّ اللّه غني، فلأنّه يمكنه أن يعدمنا لنعلم أنّه لا يحتاج إلينا، وأنّه لو شاء لأتى بخلق جديد، وهذا مفاد (الآية 16).
2. وأمّا أنّه تعالى حميد، فلأنّه قادر على ذلك وهذا هو مفاد (الآية 17).


(130)

وصفوة القول: إنّ ما نبغيه هنا هو التتلمذ على القرآن واتّخاذه إماماً ومعلماً لنا في هذا المجال لا ما يقوله الحكماء والفلاسفة والعلماء نعم لو طابق شيء من كلامهم مع ما ذهب إليه القرآن واستدل به أشرنا إليه، وقلنا انّ هذا الاستدلال يشير إلى دليل النظم أو الإمكان أو ...

وفي كل ذلك نستعين اللّه على فهم مراد كتابه ومفاهيمه، وهو ولي التوفيق.

لا ريب أنّ «فقر» الشيء دليل قاطع على احتياجه إلى «غني قوي» يزيل حاجته، ويمسح عن وجهه غبار الاحتياج والافتقار، فما لم تمتد يد من الخارج إلى ذلك الشيء لم يرتفع فقره، ولم يندحر احتياجه.

تلك حقيقة لا يمكن أن يجادل أو يشك في أمرها أحد.

من هنا لا بد أن يكون لهذا الكون ـ بأسره ـ من أفاض عليه الوجود .

فالظواهر الكونية من الذرة إلى المجرة مقرونة بـ «الفقر الذاتي» .. فجميعها مسبوقة بالعدم، ولهذا فهي تحتاج في تحقّقها ووجودها إلى «غني» يطرد عنها غبار العدم، ويلبسها حلّة الوجود .

افترض ـ للمثال ـ أيّة ظاهرة شئت تجد أنّها قبل أن ترتدي حلّة الوجود كانت تختفي خلف حجاب العدم وتنغمس في ظلماته، ثم استطاعت ـ في ظل قدرة فعّالة ـ أن تمزّق حجب العدم ، وتشق طريقها إلى عالم الوجود .

ومن المعلوم أنّه لو لم يكن ثمت غني باسم «العلة» لما قدر لهذه الظاهرة المعـدومـة ـ أصلاً ـ أن تدخل إلى ساحة الوجود، ذلك لأنّ نسبة أي شيء ممكن يتصوّره الذهن، إلى الوجود والعدم سواء، بمعنى أنّه كما لا يترجح وجوده ذاتياً كذلك لا يترجح عدمه ذاتياً أيضاً.


(131)

ويسمّى هذا التساوي في منطق العلماء بـ «الإمكان».

ولكي ندرك بنحو أحسن معنى هذا التساوي، ومعنى الإمكان المذكور لابد أن نشير إلى مثال مقنع في هذا المقام.

إنّ للفلاسفة في تصوير «الإمكان» بياناً نشير إليه فيما يأتي:

فهم يقولون:

لنفترض دائرة، ولنضع ما نتصوّره في ذهننا من الأشياء في وسط هذه الدائرة تماماً.

ولنجعل على طرف من الدائرة: الوجود ، ونجعل في مقابله العدم.

ثم يقولون:

إنّ الشيء الممكن هو كهذا «الشيء المتصور الموضوع في وسط الدائرة» لا يقتضي بذاته أي واحد من الحالتين لا الوجود ولا العدم. بل هو بالنسبة إليهما سواء .. بمعنى أنّ الوجود أو العدم لا ينبع من ذات ذلك الشيء .. وإلاّ لكان ذلك الشيء «ممتنع الوجود » ان اقتضى العدم ذاتياً، أو «واجب الوجود » ان اقتضى الوجود ذاتياً.

ولأجل ذلك فإنّ كل الظواهر التي كانت معدومة ـ ذات يوم ـ ثم لبست حلة الوجود في يوم آخر ما هي ـ في الحقيقة ـ إلاّ سلسلة من «المفاهيم المجردة عن الوجود أو العدم » كالنقطة الموجودة في وسط الدائرة بين كفتي الوجود و العدم التي نسبتها إلى كل من الحالتين سواء .. ولو حدث أن خرجت هذه «المفاهيم المجردة» عن وسط الدائرة ومالت إلى إحدى الحالتين الوجود أو العدم فإنّ ذلك الخروج لم يتحقّق بالضرورة إلاّ بسبب «علة» ساقت تلكم الظاهرة إلى الحالة التي


(132)

تلبست بها.

إنّ «العلة الموجدة» هي التي جرّت الظاهرة المذكورة إلى ناحية الوجود.

كما أنّ «علة العدم» هي التي جرّتها إلى ناحية العدم .

بناء على هذا فإنّ الوجود أو العدم لم يكن ولن يكون عيناً ولا جزءاً أصيلاً في ذات الشيء المجرد عن علة الوجود أو العدم ، بل جاذبية العامل الخارجي هي التي ساقت ذلكم الشيء إلى إحدى الناحيتين ..

فإن كان هناك موجد غني، جرّ الظاهرة قهراً إلى ناحية الوجود .

وأمّا لو واجهت الظاهرة فقدان علة الوجود انجذبت قهراً إلى جانب العدم.

على أنّ هناك فرقاً بين مسألة «وجود» الظاهرة و «عدم وجودها».

فلظهور ظاهرة ما ووجودها لابد من حضور علة موجدة ضمن ظروف وشروط خاصة لتعطي الوجود لتلك الظاهرة.

بينما لا يحتاج فقدان الظاهرة إلى أي نوع من الفعل والانفعال، بل يكفي لفقدان أية ظاهرة فقدان علتها فقط.

إنّ الظواهر الحاضرة فعلاً، والتي كانت قبل هذا معدومة، ومختبئة خلف حجب العدم قروناً متمادية، لم يكن فقدانها ـ في تلك الأزمنة ـ لأجل أنّها كانت ترفض الوجود ذاتياً .. إذ لو كان كذلك لامتنع وجودها بالمرة وإلى الأبد، بل انّ فقدانها في تلك الأوقات إنّما هو لفقدان مقتضي وجودها، ومجرد فقدان هذا المقتضي كان كافياً لأن تنجذب الظواهر الكونية المذكورة بسببه إلى ناحية العدم وأن لا تتجلّـى على مسرح الوجود.


(133)

ثم إنّ قولنا: بأنّ الظواهر تنجذب إلى ناحية «الوجود» على أثر وجود عللها لا يعني أنّ هذه الظواهر بعد وجودها بسبب العلة تتخلص نهائياً من صفة «الفقر الذاتي» ومن خصلة «الإمكان الذاتي» فتنقلب إلى موجودات غنية، لا تحتاج إلى علة.

لا نقول ذلك، لأنّه لا يمكن أن ينقلب ما هو «فقير بالذات» إلى «غني بالذات»(1) إنّما المقصود هو أنّ الظاهرة تلبس حلة الوجود مع كونها متصفة بالفقر والإمكان الذاتيين دون أن تفقد هذه الصفة حتى بعد ارتدائها حلة الوجود.

ولأجل هذا «الإمكان والفقر الذاتيين» يكون الاحتياج إلى العلة احتياجاً أبدياً وحالة دائمية لا تفارق طبيعة الأشياء، بحيث لو انقطع الارتباط بين «العلة والمعلول» لحظة واحدة لم يبق للظاهرة أي وجود .. بل عادت خبراً بعد أثر كما يقول المثل السائر .

ولتوضيح هذه الحقيقة نشير إلى مثالين:

1. لنتصور قصراً فخماً غارقاً في أضواء المصابيح المتعدّدة المتنوعة.

فعند ما يرى الشخص السطحي التفكير هذا المشهد يظن أنّ هذا النور نابع من القصر نفسه.. أي انّ طبيعة المصابيح مضيئة بنفسها. بينما لو تفحص هذا جيداً لرأى أنّ هذا النور وهذه الأضواء تتعلّق بـ «مولد الكهرباء» بحيث لو انقطع الارتباط بين المصابيح والمولد الكهربائي لحظة واحدة لغرق القصر بأسره في


1 . نعم غاية ما يحصل أنّ الظاهرة بعد انضمام العلّة إليها تصبح غنية بالعرض ـ حسب المصطلح الفلسفي ـ وهو يجتمع مع «الفقر الذاتي» ولا يناقضه ولا يعارضه.

(134)

الظلام، ولهذا فلابد أن يستمر المولد الكهربائي في إمداد القصر بالطاقة والتيار الكهربائي حتى يبقى ذلك القصر مضاء سابحاً في الأنوار.

2. لنتصوّر أرضاً مملحة تحت أشعة الشمس، ونحن نريد أن تبقى رطبة .. ففي هذه الصورة لابد أن تتوالى قطرات الماء عليها فتسقط القطرة ثم تليها القطرة الثانية قبل أن تجف الأُولى.. وهكذا حتى نحافظ على رطوبتها ونحول دون جفافها.. إذ في غير هذه الصورة تجف الأرض تحت أشعة الشمس.

هذان مثالان يوضحان لنا أنّ «الفقير ذاتياً» لابد من ارتباطه بعلة وجوده على الدوام وبصورة مستمرة ليحافظ على وجوده.. وذلك لأنّه ليس من طبيعته: الوجود ، وما ليس الوجود من طبيعته افتقر إلى علة موجدة واستمر افتقاره هذا ما دام «الفقر الذاتي» إلى الوجود ملازماً له، وحاكماً فيه.

من البيان السابق نستنتج الأُمور التالية:

أوّلاً: أنّ احتياج الظواهر إلى العلة هو مقتضى ذاتي لتلك الظواهر، وأمر ملازم لها، بحيث لا ينفك هذا الاحتياج عنها لا في حال تلبسها بالعدم، ولا في حال اتصافها بالوجود.

ثانياً: أنّ حالة الشيء المحتاج الممكن لن تتغيّر ولن تتبدّل ما لم يساعده «الغني» في ذلك.

ثالثاً: أنّ جميع البشر، وجميع الظواهر الكونية فقيرة ومحتاجة ـ بطبيعتها ـ وأنّها كانت تبقى محكومة بالعدم ما لم يتوفر علتها .. ولو كان الوجود عيناً أو جزءاً من ذاتها وطبيعتها لما عدمت ولا لحظة واحدة. ولو أنّ غنياً بذاته غير مفتقر في وجوده إلى غيره، لم يمد إليها يد العون ولم يفض عليها الوجود لبقيت خلف حجب


(135)

العدم إلى الأبد .

وحيث إنّ الفقر والاحتياج من لوازم ذوات تلك الأشياء ـ لأجل ذلك ـ يجب أن تبقى محكومة بالفقر في كل الحالات، حتى بعد وجودها.

بناء على ذلك، ومن ملاحظة حالة الموجودات الكونية، وملاحظة فقرها واحتياجها الذاتي وكونها غير قادرة على تغيير حالتها ووضعها وانتقالها من عالم العدم إلى صفحة الوجود دون الاعتماد على ركن أصيل غني.

أقول: من ملاحظة كل هذه الأُمور يمكن الاستدلال على وجود خالق غني أصيل هو الذي منح الوجود لهذه الأشياء، وهو بالتالي واهب الكون والمكان والوجود والزمان لجميع الممكنات كما ويمكن ـ بهذا الدليل ـ إثبات احتياج الممكنات ـ بجملتها ـ إليه في كل الأزمنة واللحظات وفي جميع الأحوال والأوقات، ابتداء من أول عمرها إلى آخره، احتياجاً لازماً لا ينقطع، وافتقاراً دائماً لا يزول ولا يرتفع.

هذا هو ما صرح به القرآن الكريم في نداء يشمل جميع أبناء البشر إذ قال:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(1).

ففي هذه الآية ركز القرآن الكريم على موضوع «الفقر الذاتي» في الإنسان واحتياجه إلى «العلة الموجدة» أي اللّه تعالى، إذ قال: (أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ)وصرح بأنّ الموجود الوحيد الذي يمكنه رفع هذا الاحتياج والفقر الإنساني هو اللّه تعالى شأنه.

فهو الوحيد الذي يقدر على مساعدة البشر، وليس سواه بقادر على ذلك


1 . فاطر: 15.

(136)

لاتصاف ما سواه بصفة الإمكان.

وقد بيَّنت الآية هذه الحقيقة بقولها: (إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُو [أي وحده] الْغَنِيُّ).

على أنّ القرآن الكريم لا يعتبر الإنسان محتاجاً وفقيراً إلى اللّه قبل الخلق فحسب، بل هو محكوم لهذا الفقر والحاجة حتى بعد أن يرتدي حلّة الوجود ..

وهذا هو ما تفيده جملة : (أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ)

فهي كما نلاحظ لم يؤخذ فيها «قيد الزمان الماضي» فلم يقل مثلاً: كنتم الفقراء إلى اللّه، بل بإطلاقها وعدم تقيدها بالزمان تشمل الماضي والحاضر والمستقبل، وهذا يعني بكل وضوح أنّ الإنسان محتاج إلى اللّه سبحانه، وجوداً وبقاءً.

وينقل الحكماء والفلاسفة المسلمون في هذا الصدد حديثاً عن الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول فيه:

«الفقر سواد الوجه في الدارين»(1).

ويقال: إنّ مراد النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من هذه العبارة هو: الإشارة إلى أنّ حاجة الإنسان إلى اللّه أمر ملازم له في الدنيا والآخرة.

وقد ركز القرآن الكريم في مواضع متعددة على صفة «الغنى» في الذات الإلهية بحيث يمكن اعتبار ذلك إشارة ضمنية أو صريحة إلى هذا البرهان، نعني: برهان الفقر والإمكان.

وإليك فيما يلي بعض الآيات التي وصف اللّه فيها بالغنى:


1 . تجد نصَّ هذا الحديث في الكتب الفلسفية والعرفانية وسفينة البحار: 2/378.

(137)

(وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى)(1)

وهذا هو موسى الكليم ـ عليه السَّلام ـ يعتبر نفسه محتاجاً إلى ما وهبه له ربّه وما أنزل وينزل عليه ـ ومن ذلك وجوده ـ إذ يقول:

(رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ)(2).

وقد وصف اللّه ذاته في تسعة عشر موضعاً(3) آخر بأنّه الغني إذ يقول ـ على غرار ما مر في الآية المبحوثة هنا ـ :

(وَاللّهُ الْغَنْيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ)(4).

فقر الأشياء وبرهان الإمكان

إنّ هذه الآية، أعني قوله تعالى: (وَاللّهُ الْغَنْيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) ، يمكن أن


1 . النجم: 48.
2 . القصص: 24.
3 . نشير فيما يلي إلى هذه المواضع بذكر السورة والآية:
البقرة: 263 و 267.
آل عمران: 97.
الأنعام: 133.
يونس: 68.
إبراهيم: 8.
الحج: 64.
النمل: 40.
النساء: 131.
العنكبوت: 6.
لقمان: 12 و 26.
فاطر: 15.
الزمر: 7.
محمد: 38.
الحديد: 24.
الممتحنة: 6.
التغابن: 6.
4 . محمد: 38.


(138)

تكون ناظرة إلى «برهان الإمكان»(1)، لأنّ التركيز في هذه الآية واقع ـ كما نرى ـ على مسألة «الفقر والاحتياج» الكائنين في أبناء البشر والملازمين للكيان الإنساني حتى بعد وجوده، ملازمة الظل للشاخص.

إنّ الفقر والاحتياج عين الإمكان أو ملازم له، لأنّ الممكن يفقد ـ بطبيعته ـ الوجود، والعدم، إذا قيس بـ «واجب الوجود» و «ممتنع الوجود»، ولذا فالممكن في حد ذاته مفتقر في اتصافه بإحدى الحالتين (أعني: الوجود والعدم) إلى العلة التي توجده، أو تعدمه.

فعندما نقول: الإنسان ممكن الوجود فكأنّنا نقول: الإنسان فاقد ـ في مقام التصور ـ للوجود ومحتاج للتلبّس بالوجود والاتصاف به إلى «غني» يأتي به ويهب له الوجود .

لهذا يمكن القول بأنّ أساس الاستدلال في هذه الآية هو : «برهان الإمكان».


1 . المقصود من الإمكان في هذا الفصل هو : الإمكان الماهوي الذي هو صفة الماهية والمفاهيم الذهنية، وليس الإمكان الوجودي الذي له معنى آخر و إجماله هو: «تعلّق الموجودات باللّه القائم بنفسه».
والحاصل أنّ الإمكان قد يقع صفة للماهية ومعناه حينئذ تساوي «الماهية» بالنسبة إلى الوجود والعدم.
وقد يقع صفة لنفس «الوجود» ولا يصح حينئذ تفسيره بتساوي الوجود والعدم بالنسبة إليه، إذ لا معنى لتساوي الوجود بالنسبة إلى الوجود، لأنّ ثبوت الشيء لنفسه ضروري، بل معناه عندئذ قيامه بالواجب القيوم واحتياجه إليه: (حدوثاً وبقاءً).


(139)

التوحيد الاستدلالي: البرهان الثاني

الأُفول والغروب

يدلّ على وجود مسخّر

(وَكَذَلِكَ نُرِيَ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ*فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الْشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ *إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ *وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَاني وَلا أَخَافُ مَا تُشْـرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْء عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ *وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيْمَانَهُمْ بِظُلْم أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ).(1)


1 . الأنعام: 75 ـ 83.

(140)

قبل أن نبيّن هدف هذه الآيات لابد من الإشارة إلى عدّة نقاط تساعد على فهم مفاد هذه الآيات :

1. «الملكوت» و «الملك» تهدفان إلى معنى واحد غير انّه أُضيف إلى الأوّل «الواو والتاء» لأجل المبالغة والتوكيد على غرار «جبروت» و «طاغوت» الذي يرجع أصلهما إلى جبر وطغيان.

وحيث إنّ معنى الملك هو المالكية والحاكمية لذلك فمن الطبيعي أن يكون معنى الملكوت هو ذلك المعنى نفسه مع المبالغة والتأكيد .

وسوف نوضح عند شرح استدلال إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ كيف أبطل الخليل: حكومة الكواكب والشمس والقمر ومشاركتها في تدبير نظام الكون والحياة الإنسانية. وبالتالي أعلن عن اعتقاده بأنّه ليس للكون سوى «مدبّر» واقعي واحد تجري أُمور العالم تحت إرادته خاصّة.

2. استفاد بعض المفسرين من العبارات التالية: «رأى كوكباً، فلما رأى القمر» وما يماثلهما أنّ إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ قال هذه العبارات عندما وقع نظره ـ لأوّل مرّة ـ على تلك الكواكب إذ أنّه لم يكن قد رآها قبل ذلك.

وتؤيد بعض الروايات هذا الرأي حيث تقول: إنّ أُم إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ أخفته منذ بدء طفولته في الغار، خوفاً عليه من بطش طاغية زمانه «نمرود»، وكان هذا أول خروجه من الغار، والتحاقه بمجتمعه، وقومه، وأوّل خطوة له في مطالعة ما حوله والتحقيق فيما يراه.

غير أنّ هاهنا احتمالاً آخر هو أنّ إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ كان قد رأى الشمس والقمر والكواكب من قبل، ولكنَّه لم ينظر إليها بنظرة الباحث المدقّق، وكان هذا أوّل


(141)

مطالعته الباحثة للكون، وأوّل نظره إلى ما حوله بنظرة المحقق المتأمّل واستفادته هذه المطالب التوحيدية من ذلك.

3. تشهد عبارة (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) أنّ إبراهيم بدأ تحقيقه هذا بين أبناء قومه الذين كانوا يعبدون هذه الكواكب باعتقاد أنّها أرباب وتشهد أنّهم كانوا معه، في كل المراحل الثلاث من التحقيق، المذكورة في الآيات ، يرون تحقيقه، ويشاهدون بحثه، للوقوف على الرب الحقيقي ويسمعون كلامه طوال ذلك البحث والتأمّل.

ولو كان الأمر على غير هذا لما صح توجيه الخطاب إلى قومه مرّة واحدة فيقول: (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) ، لأنّ الهدف من جعل قومه موضعاً لخطابه هو ضم قومه إليه في الاعتقاد الصحيح، ودفعهم إلى ترك الشرك، وهذا التكليف إنّما يكون صحيحاً إذا سمعوا منطقه وحديثه المبرهن.

4. عندما كانت تقع عينا إبراهيم على الكوكب أو القمر أو الشمس كان يقول: (هَذَا رَبِّي) .

إنّ هذه الجملة لا تعني ـ بالمرّة ـ وللأدلة التي سنذكرها ، إذعاناً قلبياً بربوبية هذه النجوم بل كان الهدف هو طرح النظرية هذه ليتضح ويوضح ـ بعد ذلك ـ بطلانها أو صحتها.

وهذا أسلوب متعارف وشائع في عمليات البحث والتحقيق العلمي.

فالباحث عن علّة حادثة ما يستعرض في مخيلته جميع الاحتمالات والفروض الواحد تلو الآخر، ويعمد إلى مطالعة كل واحد من هذه الفروض والاحتمالات فيفترض كونه هو العلة ولو للحظة واحدة، ولا يتركه إلى غيره ما لم تتضح النتيجة


(142)

وما لم يثبت بطلان الفرض. فإذا ثبت بطلان الفرض تركه وانتقل إلى دراسة الفرض الآخر، وهكذا يتحكم نوع من الروح الباحثة على كل هذه الفروض دون أن يكون في البين أيُّ إذعان وتصديق.

هذا مضافاً إلى أنّ قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِيَ إِبْرَاهِيم ...) يفيد أنّ إبراهيم كان مشمولاً بالعناية الإلهية الخاصة في كل المواقف، وكان ـ عليه السَّلام ـ يستمد منه تعالى العون، والمدد، وكان اللّه سبحانه يريد لإبراهيم أن يقف على معنى مالكية اللّه وحاكميته المطلقة عبر طي مراحل من استعراض مجموعة من الفرضيات عن حاكمية الكواكب والنجوم وإبطالها، وأن يطمئن ـ من خلال دليل رافع للشك ـ إلى أنّ أمر الإنسان بيد اللّه وليس بيد هذه الأجرام النورية الأسيرة في قبضة القوانين الطبيعية، الخاضعة للسنن الكونية.

مع هذا البيان لا يكون قول إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ : (هَذَا رَبِّي) بمعنى الإذعان والتصديق القلبي.

وبعبارة أُخرى: كان اللّه تعالى يريد لإبراهيم أن يكون ـ بمشاهدته لملكوت السماوات والأرض وتعلّق هذه الموجودات بالقدرة الإلهية ـ من الموقنين، كما صرح بذلك القرآن الكريم بعد أن كان من المؤمنين.

وهذا الكلام لا يعني ـ بالطبع ـ أنّ إبراهيم كان إلى ذلك الحين خالياً من هذا اليقين عارياً عنه. كلا بل كان يعلم بفطرته السليمة أنّ الرب الحقيقي للكون والإنسان هو اللّه الخالق لا غير، ولكنّه أُريد له أن يقف على ذلك الأمر الذي كانت الفطرة تدعو إليه عن طريق الاستدلال، ليزداد يقيناً إلى يقين.

ولم يكن هذا بالأمر الجديد في شأن إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ، بل تكرر منه مثل هذا في


(143)

أمر المعاد، وبعث الإنسان والحياة أيضاً.

ولك أن تراجع في هذا الصدد تفسير قوله سبحانه :

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الْطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَل مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِيَنَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).(1)

كل هذا مضافاً إلى أنّ بحث إبراهيم وتحقيقه تم في حين كان قومه مشركين يعبدون تلك الكواكب والنجوم، فهو كان فيهم وكانوا معه، وحيث إنّ أحد أهدافه ـ عليه السَّلام ـ في هذا التحقيق كان إرشاد قومه وهدايتهم إلى طريق الحق والصواب، وذلك يقتضي أن يقبل الموجّه والمرشد الفكرة الباطلة بنحو موقت ثم يعمد إلى إبطالها بالدليل وإقامة البرهان، لذلك لم يكن بد لإبراهيم من اتخاذ هذا الاسلوب المعقول والمنطقي في الإرشاد والهداية والتوجيه.

5. الظاهر أنّ الآيات المبحوثة تفيد أن إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ قام بجميع مراحل بحثه ـ المذكورة في الآيات ـ تباعاً وفي موقف واحد بحيث طلع القمر على أثر أُفول النجم، وطلعت الشمس على أثر غياب القمر .

ومثل هذا الفرض أي ملازمة طلوع القمر مع أُفول النجم يحصل ـ في الأكثر ـ مع كون النجم المذكور هو الزهرة.

لأنّ كوكب الزهرة ـ نظراً لضيق مداره ـ لا يمكن أن يبتعد عن الشمس أكثر من 47 درجة، ولهذا فهو يلازم الشمس دائماً، وقد يظهر في السماء قبل طلوع الشمس، ولكن لا يلبث أن يختفي بعيد طلوع الشمس، وقد يظهر بعد غروب


1 . البقرة: 260.

(144)

الشمس في جهة المغرب ولا يلبث أن يغيب من الأُفق بسرعة.

فعلى هذا يقارن غروب الزهرة طلوع القمر في النصف الثاني من الشهر في الليالي 17 و 18 و 19.

لأجل هذا لا يستبعد أن يكون المراد بالكوكب المذكور في الآية هو كوكب الزهرة(1).

ذلك مضافاً إلى أنّ الصابئة الذين كانوا يقطنون في العراق وكان النبي إبراهيم يعيش بينهم كانوا ينسبون تدبير الظواهر والحوادث الأرضية إلى السيارات السبع (ومنها الزهرة) وكانوا يحترمون هذه الكواكب فقط دون بقية الكواكب، هذا على العكس من الهندوس الذين كانوا ينسبون تدبير الموجودات والوقائع الأرضية إلى الثوابت من الكواكب ويحترمونها خاصة.

6. تكشف آية: ( إِنِّي وَجَّهْْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ وَالأرْضِ) عن أنّ مسألة خالقية اللّه لم تكن موضع بحث وحوار بين إبراهيم وقومه . فهو وقومه ـ أيضاً ـ كانوا يعتقدون بأنّه لا خالق للكون غير اللّه، بل كان البحث والجدل يدور حول من هو «مدبّر» الظواهر والحوادث الأرضية؟

هل هو اللّه الخالق؟

أم أنّ بعض أُمور تدبير الموجودات الأرضية قد فوض إلى بعض المخلوقات


1 . وقد أثر عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أنّ هذا الكوكب كان الزهرة، من ذلك قول الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ : أنّ إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ وقع إلى ثلاثة أصناف صنف يعبد الزهرة وصنف يعبد القمر وصنف يعبد الشمس ، فلما رأى الزهرة قال هذا ربي على الاستنكار والاستخبار فلما أفل الكوكب قال: لا أحب الآفلين، لأنّ الأُفول من صفات المحدث لا من صفات القديم.
راجع توحيد الصدوق: 74 ـ 75.


(145)

كما كان يظن ويعتقد قوم إبراهيم في العراق، ويتصورون أنّ تدبير الحوادث الأرضية فوِّض إلى القمر والشمس وغيرهما من الكواكب ؟

إذن فمصب البحث لم يكن إثبات الصانع، أو توحيد ذاته تعالى، أو توحيد الخالقية، بل كان تعيين «المدبّر» الحقيقي للظواهر الأرضية.

وبتعبير آخر : فإنّ مصب البحث كان هو التوحيد الافعالي، لأنّ البحث في إرجاع تدبير الكون، كله أو بعضه، إلى بعض المخلوقات من فروع التوحيد في الأفعال.

وقد كان قوم إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ مشركين في مسألة التدبير هذه. وكان إبراهيم يريد أن يدعوهم إلى التوحيد في هذه المسألة ويدفعهم إلى الاعتقاد بوحدانية المدبّر .

لهذا السبب جاء في نهاية آية (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) قوله: (وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ)تلويحاً إلى أنّه يعتقد بوحدانية المدبّر على خلاف ما عليه أبناء قومه المشركين في قضية التدبير .

7. يستدل إبراهيم بأُفول هذه الأجرام الثلاثة على أنّ هذه الأجرام لا تصلح لأن تكون هي المدبّر لشؤون الأرض وحوادثها، وعلى الأخص: الإنسان .

وهنا ينطرح سؤال هو : كيف ولماذا استدل الخليل بأُفول هذه الأجرام على عدم كونها مدبّرة، أو مشاركة في التدبير ؟!

إنّ الجواب على هذا السؤال يمكن أن يتم في صور مختلفة على أنّ كل صورة من هذه الصور مفيدة في حد ذاتها.

هذا بالإضافة إلى أنّ تعدد تفسير منطق إبراهيم في إبطال مدبّرية الكواكب


(146)

يكشف عن تعدّد أبعاد مفاهيم القرآن وكثرتها، بحيث يصلح كل بعد منها لفريق من الناس المختلفي المدارك.

وإليك التفسيرات المتعددة المتنوّعة لهذا الاستدلال:

ألف. لمّا كان الهدف من اتخاذ الرب هو أن يبلغ الموجود الضعيف في ظل اتصاله بالقدرة الربانية إلى الكمال المطلوب، لذلك ينبغي (بل ويتحتم) أن يكون هذا الرب والمربي قريباً من مربوبيه بحيث يكون عالماً بأحوالهم مطّلعاً على احتياجاتهم، ولا يكون بعيداً عنهم، مفارقاً لهم، غير حاضر لديهم ولا شاهداً لأوضاعهم.

أمّا ذلك الموجود الذي يكون بعيداً عن مربوبيه، ساعة أو ساعات، ويكون نائياً عنهم بالمرة بحيث يحجب عنهم أنواره، وبركاته، فكيف يصلح أن يكون مربياً لتلك الموجودات المربوبة ورباً للكائنات الأرضية؟!

من أجل هذا كان أُفول هذه الكواكب، وغيبتها علامة على غربتها عن الكائنات الأرضية وانقطاع الصلة بينها وبين هذه الموجودات، وشاهداً على أنّ لهذه الكائنات مدبّراً غير هذه الكواكب .. مدبّراً عارياً عن أي نقص منزّهاً عن أي عيب .

ب. انّ طلوع وغروب الأجرام السماوية وحركتها المنتظمة في مدارات لا تتغير لدليل قاطع على أنّها خاضعة لموجود آخر فوقها، وأنّها مسخَّرة لقدرة عليا سخَّرها لإرادته، وجعلها محكومة لقوانين خاصة تابعة لمشيئته.

ومن المعلوم أنّ المسخَّر لا يمكن أن يكون مدبّراً مطلقاً، وأنّ الخضوع لقوانين منتظمة آية ضعف هذه الكواكب، وعلامة واضحة على أنّها لا يمكن أن


(147)

تحكم على الوجود ، أو تدبّر شؤون الأرض.

وأمّا استفادة الكائنات الأرضية من نور هذه الأجرام فليست دليلاً على ربوبية هذه الأجرام، بل هي شاهد آخر على أنّ هذه الأجرام تأتمر بأوامر قدرة عليا، وتخضع لمشيئة مقام أعلى، وأنّها بالتالي لا تقوم تجاه الأرض إلاّ بما حملت من تكاليف.

ج. ما هو الهدف من حركة هذه الموجودات، ونعني النجوم والكواكب هل الهدف هو السير من النقص إلى الكمال، أم العكس؟

أمّا الثاني فليس قابلاً للتصوّر، وعلى فرض التصوّر فلا معنى لأن يسير «الرب» من الكمال إلى النقص، والعدم .

إذن لابد أن يكون الأوّل هو الصحيح على حين أنّ ذلك الأمر، أي السير من النقص إلى الكمال، أفضل شاهد على وجود مربّ آخر، يوصل هذه الموجودات الضعيفة الناقصة في الحقيقة، القوية في الظاهر، إلى مرحلة الكمال الأفضل.

وفي الحقيقة فإنّ ذلك المربّي هو الرب الحقيقي الذي يجر هذه الأجرام وما سواها وما دونها نحو الكمال الذي تسير إليه.

هذا ويمكن تفسير وتصوير استدلال النبي إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ أشكال أُخرى، بعضها بعيد عن روح استدلاله ـ عليه السَّلام ـ .

وإليك بعض هذه التفسيرات:

1. انّ الأُفول والغروب في الأجرام والكواكب علامة الحركة.

والحركة ملازمة للتغيّـر في المتحرّك.


(148)

والتغيّـر دليل على حدوث المتحرّك، لأنّ الموجود المتحرّك يصل بعد الحركة إلى كمال كان فاقداً له قبل ذلك.

لأجل هذا تكون الحركة ملازمة للحدوث.

ومن البيّـن أنّ الموجود «الحادث» لكونه غير أزلي، وغير أبدي لا يمكنه أن يكون رباً.

ونقائص هذا الاستدلال واضحة:

أوّلاً: إذا كان الأُفول والغروب علامة الحدوث، فإنّ الطلوع والشروق هو أيضاً علامة الحدوث، فلم استدل الخليل ـ عليه السَّلام ـ بالأُفول والغروب فقط في حين أنّ الغروب والطلوع من حيث الدلالة على الحدوث سواء؟!

ثانياً: إذا كان قوم إبراهيم يعتقدون في شأن الأجرام السماوية بأنّها آلهة واجبة الوجود تنتهي إليها سلسلة الممكنات صح أن يقال حينئذ أنّ الحدوث لا يلائم ولا يوافق شأنها قطعاً، لأنّها في هذا الفرض، أي كونها آلهة واجبة الوجود تحتل مكان علّة العلل ولابد أن تكون علّة العلل أزلية أبدية.

ولكن قوم إبراهيم كانوا يعتبرون هذه الكواكب مخلوقة للّه، وغاية ما كانوا يعتقدون في حقّها أنّ أمر تربية الموجودات الأرضية وأمر تدبيرها قد فوّض إليها تفويضاً على النحو الذي مر معناهن.

وفي مثل هذه الحالة لايضير الحدوث بها، كما لا تشترط الأبدية والأزلية في شأنها.

وبناء على هذا لا ربط لطرح مسألة الحدوث وعدم الأبدية والأزلية ببرهان إبراهيم الذي عرضه على قومه.


(149)

2. إذا كانت الحركة دليل الحدوث فهي دليل الإمكان أيضاً، بدليل أنّ كل حادث ممكن أيضاً وكل ممكن لا بد أن ينتهي ـ من حيث الوجود ـ إلى موجود آخر، منزّه عن صفة الإمكان، واجب الوجود ـ حسب الاصطلاح العلمي ـ أي غير مستمد وجوده من غيره.

وإشكال هذا الاستدلال بيّـن أيضاً: لأنّ قوم إبراهيم لم يعتبروا الكواكب ـ قط ـ إلهاً خالقاً يرتبط به وجود العالم ليكون إمكانه دليلاً على بطلان اعتقادهم وفساد مذهبهم.

3. يعتبر الحكيم صدر المتألّهين استدلال النبي إبراهيم مرتبطاً بإثبات الصانع .. وذهب إلى أنّه ناظر إلى « برهان الحركة»، وهو البرهان الذي يتوسّل به علماء الطبيعة لأثبات وجود خالق لهذا الكون، على أساس أنّ الحركة الشاملة في الكون تدلّ على محرّك(1).

فقد تصور صدر المتألّهين لأدلة ثبت بطلانها على أثر الاكتشافات المهمة التي تمت في عالم الفلك والفضاء أنّ حركة الأجرام السماوية لا تعود إلى طبيعتها، كما أنّ ذلك ليس قسرياً، إنّما هي حركة نابعة من «شوق وإرادة» في هذه الكواكب والأجرام غير ناشئة عن الغضب أو الشهوة، لأنّ هذه الأجرام أسمى ـ كما في نظره


1 . من الطبيعي أن يستدل كل فريق بما يناسب تخصّصه العلمي على وجود اللّه، وهكذا فعل علماء الطبيعة الذين يبحثون عن خواص المادة وأحوالها، فهم استدلوا على وجود اللّه بالحركة فقالوا: لا بد لهذا العالم المتحرّك من محرّك، ولابد أن ينتهي هذا المحرك إلى محرك غير متحرّك لنتخلص من ورطة الدور والتسلسل، وفي هذا الصدد يقول الحكيم السبزواري صاحب المنظومة في المنطق والفلسفة:
ثم الطبيعي طريق الحركة يأخذ للحق سبيلاً سلكه
أي أنّ العالم الطبيعي والناظر في الأجسام الطبيعية يسلك طريق «الحركة» لإثبات وجوداللّه.


(150)

ـ من أن تكون حركتها ناشئة عن الغضب أو الشهوة.

وإذا تبيّـن أنّ حركتها هكذا فلابد أن يكون الغاية التي تتحرك نحوها أمراً قدسياً، فإن كان ذلك واجب الوجود ثبت بذلك وجود اللّه الصانع وإن لم يكن كذلك فلابد أن ينتهي إلى واجب الوجود حتماً، دفعاً للتسلسل والدور.

وهكذا أثبت صدر المتألّهين وجود «الوعي» لدى هذه الأجرام، واستدل من حركتها على وجود الصانع .. وبذلك تصوّر أنّ استدلال إبراهيم كان لإثبات الصانع.

وإليك نص ما كتبه صدر المتألّهين في كتابه «المبدأ والمعاد» قال:

«وللطبيعيين طريق خاص في الوصول إلى هذا المقصد أي إثبات وجود الصانع وهو أنّهم قالوا في بيانه: إنّ الأجسام الفلكية حركتها ظاهرة، وهي ليست طبيعية ولا قسرية، بل نفسانية شوقية لابد لها من غاية.

وإذ ليست الغاية غضبية ولا شهوية لتعاليها عنهما .. ولا الغاية الأجسام التي تحتها أو فوقها .. ولا النفوس التي لشيء منها ـ كما ستطلع على بيان الجميع بالبرهان إن شاء اللّه ـ .

فتعين أن يكون غايتها أمراً قدسياً مفارقاً عن المادة بالكلية تكون ذا قوة غير متناهية، لا تكون تحريكاته لها على سبيل الاستكمال. . فإن وجب وجوده فهو المقصود، وإن لم يجب فينتهي إلى ما يجب وجوده دفعاً للدور والتسلسل .

وهذه الطريقة هي التي سلكها واعتمد عليها مقدم المشّائين ، وأُشير إليها في الكتاب الإلهي حكاية عن الخليل»(1).


1 . المبدأ والمعاد: 11 ، والأسفار: 6/44.

(151)

ولكن هذا الرأي وهذا الاستدلال مضافاً إلى أنّه ثبت بطلانه ـ كما قلنا ـ لبطلان أدلّته، وثبت أنّ حركة الأجسام الفلكية ليست حركة واعية، توجيه بعيد عن هدف إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ، لأنّه ـ كما قيل ـ لم يكن الخليل ـ عليه السَّلام ـ في مقام إثبات الصانع و إبطال الإلحاد، بل هو في مقام استنكار الشرك وإبطال فكرة الشريك للّه في التدبير .

كلمة أخيرة حول هذه الآيات

وآخر ما يمكن قوله حول هذه الآيات هو أن نقول:

إنّ هذه الآيات تتحدث مباشرة عن محاربة الشرك في التدبير ولكنّها تتعلّق ـ بصورة غير مباشرة ـ بإثبات الصانع أيضاً، بتقريب أنّ أُفول هذه الكواكب يدلّ على كونها مسخّرة وأنّ هناك مسخّراً هو الذي خلقها وسخّرها.

وفي هذه الصورة لا يمكن أن تكون هي مدبّرة، إنّما التدبير لذلك الخالق الذي خلقها وسخّرها.

وفي هذه الحالة يكون أُفول وغياب هذه الأجرام حين كونها دليلاً على عدم ربوبيتها دليلاً قاطعاً وشاهداً واضحاً على ربوبية مسخّرها ومالك أمرها.


(152)

التوحيد الاستدلالي: البرهان الثالث

خلق السماوات والأرض

دليل على وجود الخالق

(قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالأْرضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَان مُبِين)(1).

كيفية الاستدلال بهذه الآية واضحة. فالقرآن الكريم يطرح مسألة «الشك في وجود اللّه» في صورة استفهام إنكاري، إذ يقول: (أَفِي اللّهِ شَكٌّ) ؟

ولكي يرد هذا الشك ويدفعه يذكّر بخلق السماوات والأرض وفطرها، إذ يقول:

(فَاطِرِ السَّمواتِ وَالأرْضِ) .

أي وهو فاطر السماوات والأرض.

و «الفطر» تعني لغة: «الخلق».

وإطلاق الفطر على الخلق بمناسبة أنّ الخالق يشق بطن العدم، ويستخرج


1 . إبراهيم: 10.

(153)

منه «الشيء» الذي يريد خلقه وإيجاده.

خلاصة القول: إنّ الآية تعني أنّ خلق السماوات والأرض ووجودهما بعد العدم، خير دليل على وجود موجد لها، وخالق خلقها، وأتى بها إلى حيز الوجود.

لهذا يجب أن لا نسمح للشك في هذا الأمر «أي وجود الخالق» ونحن نرى هذه المخلوقات الجسام العظيمة الصنع.

والاستدلال في هذه الآية على نمط الاستدلال بوجود الأثر والمصنوع على وجود المؤثر الصانع، وهو ما يصطلح عليه بالبرهان الأنّـي(1).

و قد بيّـن هذا البرهان في كتب الكلام والعقائد في صور مختلفة متنوعة.

سؤال حول الآية

لقد بعث الأنبياء والرسل المذكورون في الآية لهداية أقوام نوح وعاد وثمود(2) في حين كان جميع هذه الشعوب والأقوام مؤمنين باللّه خالقاً لهذا الكون وفاطراً للسماوات والأرض، ولكنّهم كانوا يعبدون الأصنام باعتقاد أنّها شفعاء مقرّبة، ومقرّبة عند اللّه أو لأسباب أُخرى، وفي هذه الحالة لماذا طرح القرآن الكريم موضوع الشك في «وجود» اللّه، وأقام البرهان على «وجوده» تعالى، وليس المقام مقام شك في وجوده سبحانه ؟

وبتعبير آخر: لم تكن هذه الأقوام التي مر ذكرها، ملحدة، ومنكرة لوجود


1 . الاستدلال الإنّي هو الاستدلال بالمعلول على وجود العلة عكس البرهان اللّمي الذي يستدل فيه بالعلة على المعلول وستوافيك كلمتنا حول الاستدلالين.
2 . كما يلاحظ ذلك من مراجعة الآية السابقة لهذه الآية إذ تقول: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ) (إبراهيم: 9).


(154)

اللّه، بل كانوا يعانون من عبادة المعبودات المتعددة. ومن المعلوم أنّ الأنبياء لم يبعثوا إلاّ ليجنّبوا البشرية عن عبادة غير اللّه، ولذلك يتحتم ـ عند المحاورة والدعوة ـ إبطال أساس الشرك العبادي، وإقامة البراهين على وهنه وضعفه وفساده، لا على إثبات وجود اللّه، فلماذا طرح أُولئك الأنبياء قضية إثبات وجود اللّه كما نرى في الآية المبحوثة ؟

إنّ الجواب على هذا السؤال يتضح من الإمعان والتدبّر في ما قبل وما بعد هذه الآية.

فمن تأمل رأى كيف أنّ الأنبياء عندما دعوا هذه الأقوام ـ في بداية الأمر ـ إلى توحيد العبادة، ونهوا عن عبادة غير اللّه قوبلوا من جانب تلك الأُمم بهذا الرد:

(إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيب). (1)

لقد كانت دعوة الأنبياء مركبة من أمرين:

1. عبادة اللّه.

2. ترك عبادة الأوثان.

وقد رفضت تلك الأقوام ـ وبشهادة الآية 9 ـ كلا المطلبين، أو المطلب الثاني على الأقل.

ولذلك عمد الأنبياء إلى البرهنة على صحة المطلبين بطرح مسألة خالقية اللّه للسماوات والأرض فقالوا:

(أَفِي اللّهِ شَكٌّ) ؟


1 .إبراهيم: 9.

(155)

يعني كيف يجوز ويمكن الشك في وجود اللّه وآيات وجوده ظاهره ساطعة.. وأعظمها هو خلق السماوات والأرض: (فَاطِرِ السَّمواتِ وَالأرْضِ) وإذا لم يكن له وجود لما كان لهذه السماوات والأرض من وجود.

وبعد أخذ هذا الاعتراف من تلكم الأقوام، أصبح الطريق ميسّـراً لإثبات المطلبين على النحو الآتي:

1. إذا كنتم تعتقدون بمثل هذا الإله، الخالق والمالك للكون ولأرواحكم وأجسادكم، أذن لابد ـ وبحكم أفضليته وعلوّه وبحكم مالكيته للكون والإنسان ـ من عبادته والخضوع أمامه خضوع العبيد.

ولأجل هذا جاء في ذيل الآية قوله حكاية عنهم ـ عليهم السَّلام ـ : (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) .

2. إذا كنتم تعتقدون بمثل هذا الإله فلماذا تعبدون الأصنام التي هي جزء من مخلوقات هذا العالم، وشأنها شأن بقية الكائنات في هذا الكون في الضعف والعجز، إذن لابد أن تعبدوا اللّه المنعم المحسن لا المخلوق المملوك الضعيف.(1)

بناء على هذا فإنّ الهدف من الإشارة إلى «مسألة خالقية اللّه للسماوات والأرض» إنّما هو إثبات انحصار العبادة فيه تعالى وأنّه يجب أن لا يعبد سواه، من خلال إثبات خالقيته التي هي ملاك العبادة وموجبها.

وصفوة القول: إنّ ضمائر تلك الأقوام كانت تنطوي على مقدمة ضمنية، وهي «من كان خالقاً كان مدبّراً أيضاً» ولهذا وبحكم فاطرية اللّه للسماء والأرض تثبت مدبّريته للكون.. وإذا لم يكن من مدبّر سواه إذن فبيده ـ دون غيره ـ مفاتيح


1 . تفسير الفخر الرازي: 5/229 طبعة عام 1308هـ.

(156)

كل الخيرات .. ولأجل هذا يجب أن يعبد وحده ولا يعبد غيره، ذلك لأنّ الغير لا يملك أي خير وأي أمر .

وبهذا يكون القرآن قد اعتمد على مقدمة وجدانية واستفاد منها لإثبات انحصار العبادة في اللّه.

وهذا الاستدلال يشبه ما إذا راجع عامل مؤسسة، من لا يستطيع حل مشكلته وفك عقدته فتقول له ـ لأجل منعه عن مراجعة من لا ينبغي مراجعته ـ ;

من هو صاحب المؤسسة ورئيسها؟

ومن الذي بيده مقاليد الأمر فيها؟

وهدفك من هذه العبارات المعروف جوابها عند المخاطب، هو ردعه عن مراجعة الآخرين.

وكأنّك تريد أن تقول له: أيها العامل أنت الذي تعرف أنّ صاحب المؤسسة هو غير هذا، فلماذا لا تراجع صاحب المؤسسة ولماذا تراجع هذا؟


(157)

التوحيد الاستدلالي: البرهان الرابع والخامس والسادس

1. برهان الإمكان

2. برهان امتناع الدور

3. برهان حاجة المصنوع إلى الصانع

1. المعلول بلا علة محال.

2. خلق الشيء لنفسه مستلزم للدور المحال.

3. وجود السماوات والأرض دليل على وجود الخالق.

(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)(1).

(أَمْ خَلَقُوا السَّمواتِ وَالأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ)(2).

(أمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ سُبْحَانَ اللّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(3).(4)

تتألف دعوة رسول الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من ثلاثة أُصول أساسية، وهي الدعوة إلى:


1 . الطور: 35.
2 . الطور: 36.
3 . الطور: 43.
4 . لمزيد الاطلاع راجع نص الآيات من 36 ـ 43 من السورة المذكورة، وقد اكتفينا منها بنقل هذه الآيات التي تتضمن أصل الاستدلال رعاية للاختصار.


(158)

1. الاعتقاد بالمعاد.

2. الاعتقاد بنبوته.

3. التوحيد بمعناه الواسع الجامع الذي من شعبه: الاعتقاد بوجود الصانع.

وقد بحثت هذه المواضيع الثلاثة في سورة «الطور» بنحو بديع.

ففي الآيات 1 إلى 28 طرحت مسألة «المعاد» وبعث الناس في يوم القيامة وما يلابس ذلك.

وفي الآيات 29 إلى 34 طرحت مسألة «نبوة الرسول الأعظم» ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وفي الآيات المبحوثة هنا طرحت مسألة «وجود اللّه الواحد»(1).

وقد هدى القرآن الكريم الإنسان الباحث إلى الاعتقاد بوجود اللّه بطرح مجموعة من الاحتمالات والأسئلة، كما نشاهدها في هذه الآيات .

وهذه الاحتمالات وإن كانت واضحة، يدركها كل أحد بمجرد ملاحظة نصوص الآيات لكننا نشير ـ مرة أُخرى ـ إلى مضامين هذه الاحتمالات والتساؤلات لغرض الاستنتاج.

وإليك مجموعة هذه التساؤلات والاحتمالات التي تطرحها هذه الآيات حول مبدأ الإنسان وعلة وجود العالم:

1. أن تكون الكائنات البشرية قد وجدت بلا علة (علة مادية كانت كالأب والأُم والخلية التناسلية، أو علة مجردة عن المادة كاللّه تعالى) بمعنى أن تكون قد وجدت مصادفة، ومن تلقاء نفسها.


1 . تفسير الرازي: 28/259 الطبعة الجديدة.

(159)

وقد طرح هذا السؤال في قوله تعالى:

(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء)(1).

2. أن تكون هي الخالقة لنفسها وهي الصانعة لذاتها والموجدة لها.

وإلى هذا الاحتمال أشارت جملة:

(أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ) ؟

3. على فرض أنّها هي الموجدة لنفسها فإنّه يبقى سؤال آخر في هذا المجال وهو: من خلق السماوات والأرض؟

هل يمكن القول بأنّ هؤلاء الأفراد هم الذين خلقوا السماوات والأرض؟

وإلى هذا السؤال أشار قوله سبحانه :

(أَمْ خَلَقُوا الْسَّماواتِ وَالأرْضَ) (2)؟

4. أن يكون لهم إله غير اللّه وهذا الاحتمال أشار إليه قوله:

(أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ) ؟

هذه هي الاحتمالات التي طرحها القرآن الكريم ليفكر الناس فيها ثم يهتدوا إلى اللّه الواحد، وهي كلّها باطلة وغير صحيحة في منطق الوجدان الحي، والضمائر اليقظة.


1 . بملاحظة ما بين القوسين يمكن إرجاع كثير من الاحتمالات التي ذكرها المفسرون لكلمة «غير شيء» إلى معنى جامع واحد ولمعرفة هذه الاحتمالات يراجع تفسير الرازي: 29/260، والميزان: 19/19.
2 . الطور: 36.


(160)

فلابد إذن من الإذعان بوجود اللّه الواحد، ولابد من التزام العبودية أمامه.

يبقى أن نعرف وجه بطلان هذه الاحتمالات فنقول:

أمّا بطلان الاحتمال الأوّل ففطري، لبداهة أنّ لكل ظاهرة وحادث موجداً ومحدثاً لدلالة الفطرة السليمة، والضمير اليقظ والتجربة المتكررة، والبرهان العقلي عليه، بحيث لو ادّعى أحد إمكان وقوع معلول دون علة لسخَّر منه العقلاء أجمعون.

وبرهان الإمكان يؤيد هذه الآية.

وأمّا بطلان الاحتمال الثاني فهو كذلك بديهي كالأوّل لبداهة أنّ كل ظاهرة إذا كانت موجدة لنفسها كان معنى ذلك رجوع الاحتمال الثاني إلى الأوّل، وهو «تواجد المعلول بلا علة موجدة له خارجة عن ذاته» وقد عرفت فساده.

وخلاصة القول: إنّ الشيء إذا كان غير موجود بالذات (أي لم يكن وجوده نابعاً من ذاته) فهو إذن حادث، فهو إذن يحتاج ـ بحكم ما قلناه في الاحتمال الأوّل ـ إلى محدث.

وأما لو كان وجود الشيء نابعاً من ذاته فهو ليس إذن بحادث، بل هو أزلي أبدي في حين أنّهم (أي الملحدين) مذعنون بأنّ هذه الأشياء (أي البشر) ليست سوى أُمور حادثة مسبوقة بالعدم.

وبعبارة أكثر وضوحاً: انّ خلق الشيء لنفسه يستلزم «الدور» الواضح بطلانه.

لأنّ معنى قولك: «خلق الشيء نفسه» هو أن يكون الشيء موجوداً قبل ذلك ليتسنّى له خلق نفسه. ومعنى هذا: توقف الشيء وتقدمه على نفسه


(161)

وهو معنى الدور البديهي البطلان.

وأمّا الاحتمال الثالث فهو كسابقيه في التهافت والبطلان، إذ ليس هنا من يدّعي أنّ السماوات والأرض مخلوقة لأُولئك البشر وأنّ البشر هم خالقوها وموجدوها فيتعين أن يكون لها خالق وهو الذي يسمّى بـ «اللّه».

وأخيراً يمكن أن نستنتج من بطلان الاحتمالات الثلاثة أنّ البشر حيث لا يمكن أن يوجد بدون علّة تعطيه الوجود، كما لا يمكن أن يكون علة لوجود نفسه، ولا يمكن أن يكون هو خالق السماوات والأرض، لذلك لابد أن يكون للبشر والسماوات والأرض من خالق .. وهو من يشار إليه بلفظة «اللّه»، وهو خالق الجميع بلا استثناء.

لقد طرح في المقطع الأوّل هذا السؤال:

(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء) .

أي هل خلق منكرو وجود اللّه من تلقاء أنفسهم، وعلى نحو المصادفة.. دون علة؟

والجواب هو النفي طبعاً ، لأنّ تلك الموجودات (أعني: المنكرين) أشياء ممكنة الوجود، وكل ممكن مرتبط في وجوده بعلّة ومحتاج إليها فيه.

وهذا المقطع من الآية ناظر ـ على ما يبدو ـ إلى «برهان الإمكان».

وفي المقطع الثاني من تلك الآية، (أعني قوله: (أَمْ هُمُ الخالِقُون) ) والذي جرى الحديث فيه عن خلق الشيء لنفسه، يؤلّف «بطلان الدور» أساس البرهان فيه.

لأنّ منكري اللّه ـ بحكم أنّهم علّة لوجود أنفسهم ـ يجب أن يكونوا


(162)

موجودين متحقّقين قبل أنفسهم، وهذا هو تقدّم الشيء على نفسه، وهو محال، لأنّه دور.

وأمّا في الآية الثانية (أعني قوله: (أَمْ خَلَقُوا السَّمواتِ وَالأرضَ) ) فقد استدل فيها على وجود اللّه ببرهان «النظم» أو ببرهان آخر يقرب منه كدلالة «المصنوع على صانعه»، و «الأثر على مؤثره».

فإذا كان أساس البرهان هو نظام السماوات والأرض فالآية حينئذ تكون ناظرة إلى «برهان النظم».

وإذا كان أساسه هو «دلالة الآثر على المؤثر»، فالآية حينئذ ناظرة إلى برهان آخر .. ولعلّها ناظرة إلى «برهان الإمكان» أو «برهان الحدوث».

وأمّا دلالة «المصنوع على الصانع» التي وردت الإشارة إليها في عنوان هذا البحث فليست ببرهان مستقل، بل تعود إلى أحد هذه البراهين ونحن لم نذكرها بصورة مستقلة إلاّ للتنوّع.

وها هنا ينطرح سؤالان هما

الأوّل: انّ إبطال هذه الاحتمالات الثلاثة لا يفيد أكثر من إثبات احتياج البشر والسماوات والأرض إلى موجد وخالق.

وأمّا أنّ موجد الجميع هو اللّه «الواحد» فلا يستفاد من إبطال هذه الاحتمالات أبداً، ولا يثبت من خلال ذلك.. بل وربما يمكن التصوّر بأنّ خالق البشر غير خالق السماوات والأرض أو يمكن أن يكون خالق العالم والبشر غير مدبّر أُمورهما فما هو وجه دلالة إبطال الاحتمالات المذكورة على وحدانية الخالق والمدبّر ؟


(163)

الجواب

لقد ذكر القرآن الكريم لإبطال هذا التصوّر وهذا الاحتمال جملة رابعة حيث قال في الآية الثالثة من الآيات المذكورة في مطلع البحث:

(أمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ سُبْحَانَ اللّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) .

إنّ التوحيد في الخالقية والمدبّرية قد أبطل هذا التصوّر وهذا الاحتمال (ونعني احتمال تعدّد خالق البشر والكون ومدبّرهما) . لأنّ الخالق والمدبّر ـ بحكم التوحيد في الخالقية والمدبّرية ـ ليسا أكثر من واحد.

من هذا البيان يتضح أنّ المقصود من «الإله» في الآية السالفة ليس هو مطلق المعبود المتخذ بعنوان الشفيع والمقرب.. بل أمر أعلى من ذلك، وهو من يقدر على الخلق والإيجاد والتدبير .

فيكون معنى قوله تعالى: (أمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ) أي هل لهم خالق ومدبّر غير اللّه؟

وبهذا لم يبق القرآن مجالاً لتصور تعدد خالق البشر والكون ومدبّرهما.

السؤال الثاني: أنّ المخاطبين في هذه الآيات ـ المطروحة هنا على بساط البحث ـ لا ريب هم «مشركو مكة» .. وهم لم يكونوا معتقدين بوجود اللّه حسب، بل كانوا ـ فوق ذلك ـ يعتبرونه الخالق الوحيد للكون والإنسان جميعاً.

وفي هذه الصورة ما هو الداعي لطرح هذه الاحتمالات ثم إبطالها والقوم مؤمنون باللّه أساساً، وجوداً، ووحدانية في الخالقية والمدبّرية؟


(164)

وهل ذنب هؤلاء ليس سوى إعراضهم عن عبادة اللّه وحده، وعبادة الأصنام التي ظنوا أنَّها شفعاء لا أكثر .

أفليس مقتضى البلاغة في المقام هو صب الحديث على معتقداتهم التي هم عليها، لا النقاش فيما لم يكن عندهم بموضع نزاع .. بل كان موضع اتفاق (أعني: وجود اللّه الواحد).

انّ الجواب على هذا السؤال هو ما قلناه، وبينّاه في قوله تعالى: (أَفِي اللّهِ شَكٌّ) .

فهناك قلنا: بأنّ القرآن الكريم يحاول بطرح هذه التساؤلات أخذ الاعتراف من ضمائرهم وتحريك ما هو كامن في فطرتهم لأجل إيقاظها وتنبيهها، كمقدمة لأخذ نتيجة أُخرى.

إنّ القرآن يسعى من خلال الاستفادة من المقدمة المسلم بها التي تنطوي عليها ضمائر القوم وهي «اعترافهم بوجود اللّه الواحد» أن يمهد لدعوتهم إلى عبادة اللّه الواحد، وهدايتهم إلى توحيد العبادة.

فبأخذ هذا الاعتراف منهم (نعني الاعتراف بأنّه لا خالق ولا مدبّر لهم إلاّ اللّه، وأنّه الخالق المدبّر الوحيد الذي منه وجود وتدبير كل الكائنات على الإطلاق).

أقول: بأخذ هذا الاعتراف يوجه القرآن ضربة قاضية إلى مسلكهم المنحرف في العبادة، لأنّه إذا كان الخالق والمدبّر واحداً لا أكثر.. وإذا كان هذا الخالق والمدبّر هو الوحيد الذي استمدت منه كل الموجودات (من إنسان وغيره) وجودها وتدبيرها، فإذن لابد من عبادته وحده، والكف عن عبادة غيره من الموجودات


(165)

الحقيرة الذليلة المحتاجة هي إلى ذلك الخالق المدبّر العظيم.(1)


1 . وبهذا يكون القرآن الكريم قد هدم بنيان الشرك العبادي ونسف قواعده وأركانه مع الاستفادة من قضية وجدانية مفيدة عندهم.
وفي الحقيقة فأنّ القرآن الكريم يكون ـ في الوقت الذي عرّف العالم فيه على منطق التوحيد ـ قد أثبت ضرورة التوحيد العبادي، الذي كان مشكلة مخاطبي القرآن في ذلك العصر أيضاً.
ومع ملاحظة هذا النوع من الاستدلال الموضوعي الرصين نكتشف مدى تمشي القرآن مع جميع العصور وجميع الأجيال رغم أنّه نزل ليعالج مشاكل موجودة في عصر نزوله ضمناً.


(166)

التوحيد الاستدلالي: البرهان السابع والثامن

1. برهان الإمكان

2. برهان النظم

تركيب الخلايا البشرية العجيبة

ونمو النباتات وتساقط المطر

وخلقة الأشجار تشهد بوجود خالقها

(هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ * نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ*ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)(1)

(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ)(2)

(أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ *لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُون * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * ءَأَنْتُمْ أَنْشَأتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُون)(3)


1 .الواقعة: 56 ـ 59.
2 .الواقعة: 63ـ 65.
3 .الواقعة: 68 ـ 72.


(167)

(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)(1)

الآيات كلّها من سورة الواقعة(2).

قبل أن نشرع في بيان مفاد هذه الآيات لابد من الإشارة إلى عدّة نقاط:

1. أنّ الهدف الأصلي للآيات القرآنية هو: الدعوة إلى الإيمان بالمعاد، وبعث الإنسان في يوم القيامة، وضرورة عبادة اللّه وحده.

وأمّا مسألة إثبات وجود اللّه، فلها جانب ضمني في هذه الآيات، كما سنبين ذلك.

بل انّ مراجعة آيات هذه السورة [أي سورة الواقعة] تفيد أنّ الهدف الأصلي لهذه السورة التي تبدأ بآية (إذا وقعت الواقعة) و الآيات المبحوثة هنا التي تبدأ بقوله: (هذا نزلهم يوم الدين) .

إنّ الهدف هو ـ في الحقيقة ـ إثبات إمكان المعاد، حتى أنّ مسألة لزوم عبادة اللّه وحده تقع في الدرجة الثانية من اهتمام وهدف هذه السورة.

وقد أُشير إلى هذا الهدف الثانوي في قوله سبحانه : (فسبّح باسم ربك العظيم) .

ولكن على الرغم من ذلك يمكننا أن نجد في الآيات المذكورة إشارات واضحة إلى وجود الصانع حتى لأوّل نظرة.

وحيث إنّ آيات هذه السورة تشبه ـ من جهة طرح التساؤلات ـ سورة


1 . الواقعة: 74.
2 . لقد اكتفينا هنا بنقل الآيات المرتبطة بهذا البحث التوحيدي وللمزيد من الاطلاع والتوضيح ينبغي مراجعة مجموع الآيات من 56 ـ 74 في السورة نفسها.


(168)

الطور، لذلك رأينا أن نجعل كلا القسمين إلى جانب بعض، وسيتضح بالتأمل والإمعان في آيات هذه السورة، وآيات سورة الطور أنّ القرآن الكريم جعل الإنسان أمام حزمة من التساؤلات ، تماماً على النمط السقراطي، لأجل إيقاظ وجدان البشر، ليتسنّى له في ظل هذه اليقظة أن يميّز الحق عن الباطل، وليخضع ـ بالتالي ـ لمنطق الحق ولا يكون له سبيل إلى غير ذلك.

2. لقد طرح القرآن الكريم في هذه الآيات أربعة مواضيع:

1. تركيب الخلية البشرية وخلقتها العجيبة.

2. نمو النباتات وحفظها وصيانتها عن الآفات.

3. نزول الغيث وصيانته عن التلوث والتأسن والاجوج.

4. استخراج ونشأة النار من الشجر .

وفي الحقيقة فإنّ موضوع البحث في هذه الآيات هو: الإنسان والنعم الثلاث الكبرى، وهي: المواد الغذائية، و الماء، و النار التي لا يمكن أن يحيا البشر بدونها(1).

3. انّ طريقة الاستدلال في هذه الآيات هي من باب الاستدلال بوجود المصنوع (وهو هنا النطفة البشرية، وتربية النباتات، ونزول المطر، وخلق الأشجار) على وجود الصانع.

صحيح أنّ للإنسان مشاركة جزئية في تكون ونشوء هذه الظواهر الطبيعية كاللقاح والجماع في تكون الإنسان ، والبذر ، إلاّ أنّ هذه المشاركة الجزئية والتأثير الجزئي لا يكفي في تكون وظهور هذه الظواهر والموجودات، وما لم تكن ثمة قدرة


1 . تفسير الرازي: 29/180.

(169)

عليا مطلقة تساعد على تأثير هذه المقدمات لما أمكن لها أن تتواجد وتتكون وتأتي إلى منصة الظهور وساحة الوجود.

وإليك توضيح المطلب

في الآيات : (أفرأيتم ما تمنون * ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) يتحدث القرآن الكريم عن مبدأ وجود وتكون الإنسان وهو ما أسماه بالنطفة.

وقد اعترف القرآن بسهم الوالدين في نشوء الإنسان وتكوّنه، ولكنه اعتبر إسهامهما هذا في مستوى عملية النقل والانتقال فقط.

وتلك العملية تتمثّل في أنّ الأب ينقل جزءاً منه، من موضع معين في جسمه إلى رحم الأُم لا أكثر .

أمّا من خلق النطفة ومن أوجدها؟ فلا يمكن أن نعتبر الأب هو الخالق لها، لبداهة جهله بحقيقتها.

ولذلك فلا مناص من أن يكون لها خالق معين.

خالق أعطى ـ بقدرته وعلمه ـ للنطفة، القدرة على النمو في رحم الأُم، ومكّنها من الرشد في ذلك الجو، حتى يتكون الموجود البشري .

من المسلم أنّ تكوين هذه الذرة العجيبة يحكي عن موجود أعلى من الإنسان، هو الذي خلق هذه البداية العجيبة للبشر .

وقد تحدث القرآن الكريم ـ في هذه الآية ـ على نمط الاستدلال بالمصنوع على الصانع، والنظام على المنظم.

وفي الآيات : (أفرأيتم ما تحرثون * ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون)


(170)

طرحت مسألة الزراعة، ونرى فيها أنّ القرآن الكريم يسهم الزّراع في ظهور النباتات وتواجدها، ولكنّه يعتبر اسهامهم محدوداً لا يتعدّى عملية بذر البذور ، ولهذا يسمح بأن يطلق عليهم صفة الزارع.(1)

ولكن عمل الزارع لا يتجاوز هذا الأمر ، أعني: البذر .

غير أنّ هذا العمل وحده غير كاف في مسألة الزراعة ونشوء النباتات والثمار لأنّه:

يسأل أوّلاً: من الذي خلق البذرة ؟ و على قدرة من اعتمدت هذه الحبة بحيث استطاعت أن تتسبب في ظهور مئات الحبات ونشوئها في شكل سنابل؟

لا مناص من أن يكون لهذه الحبة خالقاً غير البشر .

ثم يسأل ثانياً: هل يكفي لتربية النباتات وخروجها مجرد الحرث وبذر البذور ، أم أنّ مئات العوامل والعلل الخارجية الأُخرى، يجب أن تتضافر وتتفاعل وتتعاضد فيما بينها لتمنع من جفاف النبتة والسنبلة، وهذا شيء خارج عن قدرة البشر .

ترى هل هذا كلّه من صنع اللّه أم من فعل العوامل المخلوقة للّه؟

وإلى هذه الحقيقة أشار القرآن بقوله:

(لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (2) * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) . (3)


1 . إلاّ أنّه لا يخلو من العناية والمجاز كقوله سبحانه : (يَعْجَبُ الزُّرَاّعَ ) (الفتح: 29).
2 . تتفكهون أي تتحدثون، وأصله من التفكّه: أخذ الشيء فاكهة واستعير للحديث الذي يتحدثون به تفرجاً بتناوله.
3 . الواقعة: 65 ـ 67.


(171)

وفي هذا الاستدلال استدلّ القرآن بوجود المصنوع (كالمزارع الخضراء وحفظها وصيانتها من الجفاف) على وجود الصانع.

وقد جاء عين هذا الاستدلال في القسم الثالث والرابع أيضاً، فنزول المطر من السحاب ـ وهو أمر حادث ـ لا بد له من محدث..

وإذا ساعدت بعض العوامل على ذلك، كتبخر مياه البحار بسبب الشمس، فإنّه لا محيص ـ في الم آل ـ من أن يعتمد الموضوع على إرادة قادر متعال، هو الذي أوجد تلك العوامل، وهو الذي نسّقها، ونظّمها، وساعدها على التأثير وصانها من أي تلوث و أُجوج كما يقول:

(أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ *لَوْنَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً)(1).

في هذا المورد استدل الكتاب الكريم بوجود ظاهرة هطول المطر، وظاهرة السحاب وصيانتها عن الأُجوج والتلوث، على وجود الصانع.

وعلى هذا النمط والغرار يكون أمر تواجد النار تلك الظاهرة العجيبة جداً.

فالإنسان لا يقوم في مسألة النار إلاّ بدور الناقل فحسب.

فهو ـ كما نلاحظ ـ لا يفعل إلاّ إيصال شعلة الكبريت إلى الحطب في المطبخ لا أكثر .

لهذا فلا يكون للإنسان أي دور في نشأة هذه الظاهرة(النار) وتكوّنها، اللّهم إلاّ عملية الإشعال والوري.


1 . الواقعة: 68 ـ 70.

(172)

ولذلك نسب القرآن الكريم عملية «الوري» إلى البشر، إذ قال:

(أفرأيتم النار التي تورون) .

ولكن الوري والإيقاد وحده لا يكفي في تكوّن هذه الظاهرة، أعني: النار، بل لابد من قادر أوجد بقدرته هذه المواد الاحتراقية في الشجر يابسه ورطبه حتى يتأتّى ـ ضمن شروط وفي ظروف خاصة معينة ـ أن تشتعل.

ترى هل يمكن لأحد أن ينكر تأثير قدرة عليا في ظهور هذه الأشجار التي تختزن المواد الاحتراقية؟

بالطبع لا .

ولذلك يقول الكتاب العزيز:

(ءَأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون) .

وفي هذه الأقسام الأربعة استدلّ بوجود المصنوع على وجود الصانع القادر العالم.

وفي الختام نعترف ـ ثانية ـ بأنّه مع أنّ هذه الآيات تستدل على وجود اللّه بطريق الإن، غير انّ مقصودها الأصلي ليس إثبات أصل وجود اللّه، بل المقصود والهدف هو الاستدلال على إمكان وقوع المعاد وبعث الإنسان بعد موته، ونشور الكون بعد انعدامه، وإنّما ذكرت البراهين الدالة على وجود اللّه وخالقيته كمقدمة لإثبات إمكان إعادة الخلق بعد الموت.

لأنّنا حيث نعلم أنّ الفاعل والمدبّر لهذه الظواهر الكونية هو اللّه القادر فلماذا ننكر إمكانية المعاد الإنساني؟!


(173)

وبتعبير القرآن :

(وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ).(1)

فالآية تقول:

الآن وأنتم ترون آثار تلك القدرة الإلهية ظاهرة في عالم الخلق ساطعة في دنيا الطبيعة، فلم تستبعدون قدرته على إحياء الموتى وإعادة الكون والإنسان يوم القيامة ولماذا تنكرون المعاد ؟

وعلى كل حال لو كان مبدأ البرهان في هذه الآيات أنّ هذه الأشياء كانت فاقدة الوجود من ذي قبل، ولذلك فهي محتاجة في اتصافها بالوجود إلى علة فالآيات حينئذ، ناظرة إلى «برهان الإمكان».

وإن كان مبدأ البرهان هو التنبيه إلى النظام السائد في هذه الأشياء، فإنّ البرهان المشار إليه هنا هو «برهان النظم».

وإن كان مبدأ البرهان هو التركيز على سبق العدم على وجود الأشياء، فهو يعتمد على الاستدلال بالحدوث على وجود المحدث.


1 . الواقعة: 62.

(174)

التوحيد الاستدلالي: البرهان التاسع

بطلان المصادفة وبرهان محاسبة الاحتمالات

اجتماع شرائط الحياة على النسق الموجود

يبطل نظرية المصادفة

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْري فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ * وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأرضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دابَّة وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ * وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).(1)

في هذه الآية يلفت القرآن الكريم نظرنا إلى ظاهرة الحياة، وعشرات بل مئات وآلاف العوامل الخفيّة والبارزة التي ساعدت على وجود ظاهرة الحياة على هذا الكوكب الترابي، وكأنّها تقول: هل يمكن اجتماع كل هذه العوامل والشرائط بمحض المصادفة ، ودون وجود خالق هو الذي أوجدها ورتّبها ونظمها، فحدثت ظاهرة الحياة على الصورة الموجودة ؟

وبهذا كما يمكن أن تكون هذه الآية دليلاً على وجود الصانع الخالق من


1 . البقرة: 164.

(175)

باب دلالة النظام على المنظم، كذلك يمكن أن تكون دلالتها على ذلك من باب بطلان نظرية المصادفة و برهان محاسبة الاحتمالات.

ويجدر بالذكر أنّ برهان محاسبة الاحتمالات وبطلان فرضية المصادفة من الأدلة الحديثة التي توصّل إليها العلماء الغربيون المعاصرون، وبلورهما العالم المعروف كريسي موريسون صاحب كتاب «العلم يدعو للإيمان» الذي كتبه خصيصاً لإبطال نظرية المصادفة ، تلك النظرية التي تمسّك بها بعض الملحدين لإنكار وجود الخالق.

ولأجل أن نعرف معنى المصادفة ، وكيفية بطلانها علميّاً وحسابيّاً لابد أن نعطي شرحاً لذلك ثم نشير إلى بعض الأدلة التي أشار إليها العلامة السالف الذكر ، وغيره من العلماء في هذا المجال.

ما هو المقصود من المصادفة ؟

ليس المقصود من المصادفة هو بروز حادثة وظاهرة معينة دون علّة خارجية، لأنّ هذا التفسير للتصادف يتنافى مع قانون العلية الذي يقرّ به ويعترف كل العلماء في العالم، فليس بين العلماء والفلاسفة من ينكر قانون العلية هذا، اللّهم إلاّ «هيوم» الفيلسوف الانجليزي المعروف، على أنّه إنّما أنكر هذا القانون الكلّـي لأجل أنّه أراد أن يثبته عن طريق التجربة، وكان يرى التجربة أعجز من أن تثبت أصالة لهذا القانون.

أمّا لماذا كان يرى أنّ التجربة أعجز من أن تثبت ذلك فلسنا بصدده الآن. ولو كان هيوم مطّلعاً على القوانين والمقدمات الفلسفية لهذا الأصل، لما كان يحدث له أي شك في ذلك.


(176)

إنّما المقصود من المصادفة ـ عند الماديين وفي منطقهم ـ هو أن تتسبب سلسلة من التفاعلات الطويلة والحركات المتتالية في ظهور ظاهرة أو ظواهر منظمة، دون أن يكون وراء ذلك أيُّ تخطيط وأيّة محاسبة، ودون أن يكون وراء ذلك أيُّ موجد منظم ومخطط، كأن يلعب طفل بآلة كاتبة ـ طويلاً ـ حتى تظهر قصيدة منظمة، أو تنحدر صخرة وتسقط عدة مرّات من فوق جبل، وتتحول فجأة ـ وبعد اصطدامها المكرر بالصخور ـ إلى تمثال إنسان معين، وهكذا.

هذا هو رأي الماديين حول وجود الكون وظهور النظام الكوني، ولكن برهان محاسبة الاحتمالات الذي سندرسه في هذا الفصل يبطل وجود الكون المنظم عن طريق المصادفة ، وإليك توضيح ذلك.

ظاهرة الحياة

سواء اعتبرنا الحياة ظاهرة مادية مائة بالمائة وأثراً كيمياوياً لتفاعلات المادة، أم اعتبرناها ظاهرة مجرّدة، فإنّه لابد من الإذعان ـ حتماً ـ بأن تحقّق الحياة في هذه الكرة أو في غيرها من الكرات يحتاج إلى عوامل وشرائط كثيرة، حتى يتسنّى أنّ تتحقق الحياة على الأرض بسببها، ومن المعلوم أنّ اجتماع هذه الشرائط والعوامل الكثيرة، بمحض المصادفة بعيد إلى درجة أنّه لا يمكن عدّه في عداد الاحتمالات المعقولة، والعقلائية.

وعندما يلزم، لتحقق ظاهرة مادية من الظواهر، توفر عوامل متعددة فإنّ كل عامل من هذه العوامل سيكون جزءاً من العلة، يستوجب وجوده وجود الظاهرة، وفقدانه فقدانها، قطعاً.

وبالنسبة إلى ظاهرة الحياة فإنّ عدد العوامل والظروف الموجبة لتحققها على


(177)

الأرض من الكثرة بحيث لا يمكن أن يحيط بها فكر البشر ، وبحيث إنّ احتمال اجتماعها عن طريق التصادف ما هو إلاّ احتمال واحد من بين مليارد من الاحتمالات، ومن غير الممكن لعاقل أن يعتمد في تفسير وجود الظاهرة على مثل هذا الاحتمال من بين ذلك الركام الهائل من الاحتمالات، والفروض.

ولهذا يقول العالم الكندي المتخصص في الطبيعة البيولوجية حول نظرية المصادفة:

«إنّ ملاءمة الأرض للحياة تتخذ صوراً عديدة لا يمكن تفسيرها على أساس المصادفة»(1).

كما لهذا السبب أيضاً قال العالم الجليل: «كريسي موريسون» في كتابه: «العلم يدعو للإيمان»:

«إنّ جميع مقومات الحياة الحقيقية ما كان يمكن أن يوجد على كوكب واحد في وقت واحد بمحض المصادفة »(2).

وقال في موضع آخر من نفس الكتاب:

«إنّ للحياة فوق أرضنا هذه شروطاً جوهرية عديدة بحيث يصبح من المحال حسابياً أن تتوافر كلّها بالروابط الواجبة بمجرد المصادفة على أي أرض في أي وقت »(3).

ثم يضرب العالم المذكور مثلاً لذلك بالغازات التي نستنشقها ونتنفسها


1 . راجع «اللّه يتجلّـى في عصر العلم»: 5 ، مقال : هل العالم مصادفة؟
2 . العلم يدعو للإيمان: 195.
3 . المصدر السابق: 24.


(178)

قائلاً:

«إنّ الاوكسجين والهيدروجين وثاني أوكسيد الكاربون والكاربون سواء أكانت منعزلة أم على علاقاتها المختلفة ـ بعضها مع بعض ـ هي العناصر البيولوجية الرئيسية وهي عين الأساس الذي تقوم عليه الحياة. غير أنّه لا توجد مصادفة من بين عدة ملايين، تقضي بأن تكون كلها في وقت واحد وفي كوكب سيار واحد، بتلك النسب الصحيحة اللازمة للحياة! وليس لدى العلم إيضاح لهذه الحقائق.

أمّا القول بأنّ ذلك نتيجة المصادفة فهو قول يتحدّى العلوم الرياضية»(1).

ولكي يتضح هذا البحث نشير إلى بعض هذه الظروف والشرائط التي يكون لكل واحد منها دور مهمّ ومؤثر في نشأة الحياة واستمرارها على هذا الكوكب الترابي، بحيث لو فقد لانتفت هذه الحياة ، ولامتنع وجودها بالمرة.

1. يحيط بالكرة الأرضية غلاف جوّي غليظ من الغازات يقدر العلماء ضخامته بـ «800» كيلومتر ، وهو بمثابة ترس واق يحفظ سكان هذه الكرة من خطر عشرين مليوناً من الشهب القاتلة والصخور الفضائية المتناثرة كل يوم في الفضاء والتي يبلغ سرعة الواحد منها50 كيلومتراً في الثانية، حيث يحول هذا الغلاف دون وصول تلك الصخور إلى الأرض.

ولو كان هذا الغلاف الواقي أرق وألطف مما هو عليه لاخترقت النيازك ـ كل يوم ـ غلاف الأرض الجوي الخارجي، ولسقطت على كل بقعة من الأرض وأحرقتها.


1 . المصدر السابق: 73.

(179)

فهذه النيازك والصخور الفضائية الطائرة في الجو تواصل رحلتها بسرعة 6 إلى 40 ميلاً في الثانية، ونتيجة لهذه السرعة العظيمة فإنّها ستحرق كل شيء تصطدم به وتحدث فيه انفجاراً هائلاً.

ولو كان سرعتها أقل من ذلك، أي كان بسرعة رصاصة، وكانت تصل كلّها إلى الأرض، لأحدثت فيها خراباً لا يتحمل، وحولتها إلى غربال.

إنّ للغلاف الهوائي للأرض ـ مضافاً إلى الخاصية المذكورة ـ دوراً آخر وهو حفظ درجة حرارتها في الحدود المناسبة للحياة.

2. انّ الماء لهو من عوامل الحياة على وجه الأرض، فلكي تستمر الحياة في المحيطات والبحار والأنهر، خلال فصول الشتاء الطويلة فقد خلق هذا العنصر الحياتي وهذه المادة الحيوية بشكل خاص بحيث ينجمد إذا بلغت درجة الحرارة ما يقارب الصفر ، وبذلك يحدث ويوجد غطاء يمنع من خروج الحرارة من داخل المياه، ونتيجة لذلك تبقى المياه في أعماق البحار والأنهر وما شابه على حالة السيولة والميعان، إذ في غير هذه الصورة لا يعني إلاّ أن تنجمد مياه المحيطات والبحار والأنهر ويستحيل على أثر ذلك بقاء الحياة والأحياء.

ولا يخفى أنّ وزن الثلج، الخاص به يساعد على ذلك، إذ من البيّـن أنّ وزن الثلج أخف من الماء السائل، ولذلك يطفو الماء المنجمد على السطح ولا ينزل إلى الأعماق.

3. انّ الأرض هي أيضاً من عناصر الحياة ومقوّماتها كالماء تماماً، فهي تحتوي على مواد معدنية خاصة، تجذبها وتمتصها النباتات وتصنع منها الأغذية التي تحتاج إليها الحيوانات.


(180)

إنّ وجود المعادن والفلزات في باطن الأرض وعلى مسافة قريبة من متناول أيدي البشر هو سبب ظهور وجوه متنوعة من الحضارات الإنسانية والتي من أبرزها الحضارة التكنولوجية التي نعاصرها.

4. لقد خلقت الأرض بجاذبية خاصة وعلى قطر خاص بحيث تجذب بها المياه والهواء نحو مركزها وتحافظ عليها.

فلو أنّ قطر الأرض كان ربع قطرها الفعلي لعجزت جاذبيتها عن الاحتفاظ بالماء والهواء على سطحها ولارتفعت درجة الحرارة إلى حد الموت.

ولو أنّ الأرض بعدت عن الشمس بمقدار ضعف ما هي عليه الآن لانخفضت درجة حرارتها (أي حرارة الأرض) إلى ربع حرارتها الحالية، ولتضاعف طول مدة الشتاء فيها، ولانجمدت كل الأحياء فيها.

ولو نقصت المسافة بين الأرض والشمس إلى نصف ما هي عليه الآن لبلغت الحرارة التي تتلقاها الأرض أربعة أمثال، ولآلت الفصول إلى نصف طولها الحالي ولصارت الحياة على سطح الأرض غير ممكنة.

فهل يمكن ـ ترى ـ أن تكون كل هذه الشرائط والعوامل قد اجتمعت واتفقت وجعلت الحياة ممكنة، عن طريق التصادف في حين أنّ الاجتماع التصادفي لها كان من الممكن أن يؤول إلى آلاف الصور الأُخرى وتجعل الحياة في الم آل غير ممكنة.

محاسبة أُخرى

تدور الأرض حول نفسها في كل 24 ساعة دورة واحدة، وهي في دورتها


(181)

هذه تسير بسرعة ألف ميل في الساعة.

فلو تناقص ذلك أي بلغ مقدار سرعتها مائة ميل في الساعة مثلاً، لتضاعف طول الليالي والأيام إلى عشرة أضعاف ما هي عليه الآن، ولأحرقت شمس الصيف بحرارتها الملتهبة كل النباتات في الأيام الطويلة، ولجمدت برودة الليالي الطويلة من جانب آخر كل البراعم والنبتات الصغيرة، وتلفت.

ولو أنّ شعاع الشمس الواصل إلى الأرض تناقص إلى درجة النصف مما هو عليه الآن لهلكت جميع أحياء الأرض من فرط البرد .

ولو تضاعف هذا المقدار لمات كل نبت بل لماتت نطفة الحياة وهي في بطن الأرض .

ولو نقصت المسافة بين الأرض والقمر إلى خمسين ألف ميل بدلاً من المسافة الشاسعة الحاضرة(1) لبلغ المد والجزر من القوة بحيث إنّ جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء كانت تغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح بقوته الجبال نفسها، وفي هذه الحالة ربما كانت لا توجد الآن قارة قد ارتفعت من الأعماق بالسرعة اللازمة وكانت الكرة الأرضية تتحطم من هذا الاضطراب.

وإذا فرضنا أنّ القارات قد اكتسحها الماء فإنّ معدل عمق الماء فوق الكرة الأرضية كلها يكون نحو ميل ونصف ميل، وعندئذ ما كانت الحياة لتوجد إلاّ في أعماق المحيط السحيقة بصورة حيوانات تتغذى على نفسها وتفنى بالتدريج ويؤول نسلها إلى الانقراض.

5. انّ الهواء المحيط بالأرض سميك بالقدر اللازم لمرور الأشعة الكونية


1 . المسافة الفعلية بين القمر والأرض هي 000/240 ميل.

(182)

ذات التأثير الكيمياوي التي يحتاج إليها الزرع والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات دون أن تضر بالإنسان، وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور ومعظمها سام، فإنّ الهواء باق دون تلوث في الواقع ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان .

إنّ الهواء الذي نستنشقه مكون من غازات مختلفة، فنسبة النتروجين الموجود فيه هي 78% في حين تكون نسبة الاوكسجين فيه 21% تقريباً ويتألف 1% من بقية الغازات الأُخرى.

فلو كان الأُوكسجين بنسبة 50% مثلاً، لأصبحت جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم عرضة للاشتعال لدرجة أنّ أوّل شرارة من البرق تصيب شجرة لابد أن تلهب الغابة.

فهل يمكن لعاقل منصف وهو يرى ويواجه مثل هذه المحاسبات الدقيقة والتي لم نشر إلاّ إلى جزء يسير جداً منها، أن يقول بأنّها وليدة المصادفة العمياء، وانّ انفجار المادة الأُولى، والذي كان يمكن أن ينتهي إلى آلاف الصور غير الصورة الفعلية، انتهى إلى الصورة الفعلية بمحض المصادفة ؟!!

كيف يمكن القول بأنّ هذه العوامل والعلل وغيرها من الظروف التي تؤلّف قوام الحياة وأركانها قد ظهرت فجأة ومصادفة على وجه هذه الأرض في زمان واحد دون مداخلة عقل قادر وإرادة حكيمة، بل كانت العوامل ـ هي بنفسها من حيث الكمية والكيفية ـ بحيث أوجد اجتماعها هذه الحياة المعقدة؟!!

يقول البروفيسور ايدوين كوبكلين:

«إنّ القول بأنّ الحياة وجدت نتيجة «حادث اتفاقي تصادفي» شبيه في مغزاه


(183)

بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار تصادفي يقع في مطبعة».(1)

برهان رياضي لإبطال المصادفة

إنّ العلماء لم يهملوا حساب احتمال وجود الشيء عن طريق المصادفة، فها هو العالم الأمريكي الشهير كريسي موريسون يضرب لنا مثلاً لهذا في كتابه الذي أشرنا إليه فيقول:

«لو تناولت عشر قطع، وكتبت عليها الأعداد من واحد إلى عشرة ثم رميتها في جيبك وخلطتها خلطاً جيداً ثم حاولت أن تخرج منها الواحد إلى العاشر بالترتيب العددي بحيث تلقي كل قطعة في جيبك بعد تناولها مرة أُخرى.

فإمكان أن تتناول القطعة رقم (1) في المحاولة الأُولى هو واحد على عشرة، وإمكان أن تتناول القطعة رقم (1) و (2) متتابعين هو بنسبة واحد على مائة، وفرصة سحب القطع التي عليها أرقام (1و 2 و 3) متتالية هي بنسبة واحد على ألف، وفرصة سحب (1 و 2 و 3 و 4) متوالية هي بنسبة واحد على عشرة آلاف، وهكذا حتى تصبح فرصة سحب القطع بترتيبها الأوّل من 1 إلى 10 هي بنسبة واحد من عشرة بلايين محاولة.(2)

مثال آخر

لنفترض أنّ معك كيساً يحوي مائة قطعة رخام تسع وتسعون منها سوداء وواحدة بيضاء والآن هز الكيس وخذ منه واحدة، انّ فرصة سحب القطعة


1 . راجع «اللّه يتجلّـى في عصر العلم»: 72.
2 . العلم يدعو للإيمان: 51.


(184)

البيضاء هي بنسبة واحدة إلى مائة، والآن أعد الرخام إلى الكيس، وابدأ من جديد، انّ فرصة سحب القطعة البيضاء لا تزال بنسبة واحدة إلى مائة، غير أنّ فرصة سحب القطعة البيضاء مرتين متواليتين هي بنسبة واحد إلى عشرة آلاف (المائة مضاعفة مرة).

والآن جرب مرة ثالثة انّ فرصة سحب تلك القطعة البيضاء ثلاث مرات متوالية هي بنسبة مائة مرة عشرة آلاف أي بنسبة واحد من المليون، وهكذا.

ولنعد الآن إلى أصل البحث فنقول:

لابد لتحقق «ظاهرة الحياة » من توفر عوامل لا تحصى حيث لو فقد أحدها لامتنعت الحياة ولصارت مستحيلة وغير ممكنة، والآن لنحاسب:

أليس القول بأنّ انفجار المادة الأُولى وبصورة منتظمة تحتوي على كل الشروط والعوامل اللازمة للحياة، إلاّ أنّه انتخاب احتمال واحد من ملياردات من الاحتمالات، لأنّه كان من الممكن للمادة الأُولى ـ أثر الانفجار المذكور ـ أن تنتهي إلى واحدة من ملياردات الصور الأُخرى من جهة الكم والكيف، وتبقى من بين تلك الصور الكثيرة صورة واحدة تضمن ظهور الحياة وبقاءها، وهو الاحتمال المطلوب الذي توفرت فيه الشروط المساعدة للحياة والنظم والترتيب اللازمان، وأمّا بقية الصورة فلا تصلح لظهور الحياة وبقائها.

إنّ احتمال أن يتحقق خصوص هذا الفرض وهذه الصورة ـ عقيب الانفجار التصادفي ـ من بين تلك المحتملات التي لا تعد ولا تحصى لهو ترجيح احتمال في مقابل احتمالات كثيرة، لا يمكن أن يقع موضع القبول لدى عاقل.

إنّ الآية التي ذكرناها في مطلع هذا الفصل يمكن أن تكون ناظرة إلى مثل


(185)

هذا الاستدلال، أعني: عدم إمكان توفر كل الشروط والعوامل اللازمة للحياة من باب المصادفة.

فإنّ قوله تعالى:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْري فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ * وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأرضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دابَّة وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ * وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).(1)

إنّ قول اللّه هذا ـ مضافاً إلى كونه مشيراً إلى «برهان النظم» يمكن أن يكون تلويحاً إلى عوامل استقرار الحياة على الأرض، ومذكراً للعقول بأنّه لا يمكن أن تجتمع كل هذه العوامل ـ مع ما فيها من المحاسبات العلمية الدقيقة ـ عن طريق المصادفة ومن باب «المصادفة العمياء» دون أن يتدخل في ذلك تدبير «مدبّر عاقل حكيم» ودون أن يكون قد جمعها ـ على هذا النسق المطلوب المناسب لظاهرة الحياة ـ «إله خالق» عارف بالأُمور ، محيط بالمحاسبات والسنن.

كما يمكن أن تكون بعض الآيات الأُخر مشيرة إلى هذا البرهان مثل قوله تعالى:

(اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَونَهَا ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَل مُسَمّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ).(2)


1 . البقرة: 164.
2 . الرعد: 2.


(186)

وقوله تعالى:

(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغشِي الَّليلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).(1)

فإنّ كثيراً من العلل والعوامل اللازمة لنشوء ظاهرة الحياة قد ذكرت في هذه الآيات ، فهل يمكن أو هل من المعقول والمقبول أنّ كل هذه الشرائط والعوامل اجتمعت دفعة واحدة ودون مخطط سابق، بل مصادفة، وأوجدت ظاهرة الحياة على وجه الأرض بنحو اتفاقي تصادفي؟!!


1 . الرعد: 3.

(187)

التوحيد الاستدلالي: البرهان العاشر

الآيات الآفاقية والأنفسية

دلائل وجود اللّه في الآفاق والأنفس

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاق بَعِيد * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيء شَهِيدٌ).(1)

لقد جرت العادة ـ في الكتب الفلسفية(2) والكلامية ـ أن يستدل بالآية الثانية على المسائل التوحيدية (أعم من إثبات وجود اللّه، أو توحيد ذاته، وصفاته)، وجرت عادة الخطباء كذلك على الاستشهاد بها عند تعرضهم لمباحث التوحيد ومسائله.

لأجل هذا يلزم أن نعرف هنا هدف هذه الآية.

فإن كانت الآية الثانية مرتبطة في مفادها بالآية الأُولى، واعتبرنا السياق، فإنّ الآية تكون حينئذ في مقام بيان مطلب آخر ليس له كثير ارتباط بالتوحيد، إلاّ من بعيد.


1 . فصلت: 53 ـ 54.
2 . الإشارات: 3/66، الأسفار: 6/26.


(188)

توضيح ذلك أنّ محور الحديث في الآية الأُولى هو: القرآن ، وضمير «كان» عائد إلى القرآن إذ يقول تعالى:

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ (القرآن) مِنْ عِنْدِ اللّهِ) .

وبناء على هذا يجب أن يكون الضمير في الآية الثانية في قوله: (أَنَّهُ الحَقُّ)عائداً إلى القرآن ، هذا لو اعتبرنا الآيتين مرتبطتين مفاداً ومتحدتين سياقاً فيكون ملخص الآية الثانية هو : أنّ الآيات الآفاقية والأنفسية التي سيريها اللّه للبشر خير دليل على صدق جميع ما يحتويه القرآن ، لا خصوص «وجود اللّه» أو خصوص «توحيده الذاتي».

ومعنى ذلك أنّ الآية تعني: أنّ اللّه سيثبت صدق ما جاء به القرآن بنحو كلي من خلال ما سوف يريه الباري سبحانه من الآيات الآفاقية والأنفسية المرتبطة ببيئة المشركين، والآيات الموجودة في أنفسهم.

إنّ توسّع الإسلام التدريجي في شبه الجزيرة العربية، وتهافت قلعة الشرك والوثنية على أيدي المؤمنين الموحدين، وقيام دولة التوحيد في تلكم الربوع، لهي بجملتها سلسلة من الآيات الآفاقية التي أخبرها بها القرآن ، والتي تثبت مصادفة.

أفليست الآيات القرآنية حملت سلسلة من البشائر والوعود والتنبّؤات التي صرح فيها بوقوع تلك الوعود في المستقبل القريب، ومنها إخبار القرآن باستقرار حكم اللّه على الأرض بأيدي الموحدين المسلمين والذين آمنوا، إذ يقول:

(وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُواالصالِحَاتِ لِيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ).(1)


1 . النور: 55.

(189)

إذن يجب علينا أن ننظر كيف عمل اللّه بوعده في استخلاف المؤمنين.

إنّ انتشار الإسلام وتوسعه في عهد النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعده لهو أحد تلك الوعود، والبشائر التي تحقّّقت، وهو بالتالي إحدى الآيات الآفاقية الدالة على صدق أخبار القرآن الغيبية المستقبلية.

كما أنّ هلاك صناديد قريش وأقطابها وزعمائها في بدر و أحد و الأحزاب واندحار النظام الكسروي والقيصري هي الأُخرى من الآيات الأنفسية الشاهدة على صدق أخبار القرآن ومغيّباته.

وبعد تحقّق هذين النوعين من الآيات والعلامات يجب أن لا يشك أحد في صحة القرآن الكريم وصدقه، لصدق تنبّؤاته، وصحة دعاويه.

لقد ذكر اللّه تعالى في ذيل الآية الثانية بواحد من أهم أُسس الدعوة القرآنية، ألا وهو حضور اللّه في كل مكان وشهادته على كل شيء دون استثناء أو أنّ جميع الأشياء تراه وتشهده، إذ قال:

(أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ) .

وعندئذ ـ أي وفق النظرية التي ذكرناها ـ لا تكون الآية الثانية ناظرة إلى الاستدلال على وجود اللّه سبحانه عن طريق الآيات الآفاقية والأنفسية، بل تكون ناظرة إلى صحة دعوة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لتحقّق أخباره.

وهذا التفسير ـ كما قلنا ـ إنّما يكون وجيهاً ومقبولاً إذا ربطنا بين الآيتين وحافظنا على وحدة السياق بينهما.

وأمّا إذا درسنا الآية الثانية بقطع النظر عن الآية المتقدمة عليها، أو احتملنا نزول الآية الثانية مرتين: مرة مع الآية الأُولى وبصحبتها، وأُخرى منفردة وبصورة


(190)

مستقلة.

ففي هذه الحالة (أي في حالة نزولها منفردة مستقلة) يمكن أن تكون ناظرة إلى دلائل وجود اللّه في الآفاق والأنفس ويكون ذيلها إشارة إلى برهان ثالث.

وحينئذ يكون مرجع الضمير في قوله (أَنَّهُ الحَقُّ) هو : اللّه تعالى، نفسه.

على أنّ ذيل الآية، أعني قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ) ، أنسب مع هذا التفسير .

توضيح الاستدلال

إنّ جميع الأنظمة البديعة الحاكمة على عالم الكون، والسنن السائدة على النجوم، ثابتتها وسيارتها، والأنواع المختلفة من الموجودات التي تعيش على الأرض .

كل ذلك من الدلائل والآيات الآفاقية على وجود اللّه تعالى .

كما أنّ الأنظمة العجيبة المعقدة الحاكمة في وجود البشر وتكوينه وخلقته منذ نشوئه في رحم الأُم حتى موته أدلة وآيات أنفسية على وجود اللّه سبحانه .

والنظر إلى هذه الدلائل و الآيات في الآفاق والأنفس يقود كل عاقل منصف إلى الإذعان بوجود اللّه، والاعتراف به.

وهذا هو ما تقصده الآية المطروحة هنا.

إلى هنا تم الاستدلال بصدر الآية على وجوده سبحانه عن طريق آياته الآفاقية، الأنفسية، وبقي الكلام في ذيل الآية، أعني قوله: (أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ) ، فيمكن أن يكون إشارة إلى برهان آخر تسمّيه الفلاسفة ببرهان «الصديقين» و ننقل كلاماً لابن سينا في المقام.


(191)

كلام ابن سينا

لقد قسّم ابن سينا في كتابه «الإشارات» وهو آخر مؤلفاته الفلسفية مضمون هذه الآية الثانية إلى قسمين:

القسم الأوّل قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أنْفُسِهِمْ) فيقول فيه ما حاصله: أنّـها تعني انّنا سنهتدي من وجود آيات اللّه في الكون والأنفس إلى وجود اللّه، فهو ينطوي على البرهان «الإنّي» وهو الاستدلال بوجود المعلول على وجود العلة كما نستدل بنزول المطر وصوت الرعد والبرق على وجود السحب الداكنة(1).

القسم الثاني من الآية وهو قوله: (أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيء شَهِيدٌ) ، ففي هذا القسم نكون قد توصلنا عن طريق شهود اللّه إلى معرفة صفاته، ومن معرفة صفاته إلى أنّ له خلقاً ومخلوقات بهذه الصفة أو تلك.(2)


1 . ومما يجب التنبيه عليه هو أنّ الشيخ الرئيس قال في كتاب البرهان في منطق الشفاء: إنّ البرهان الإنّي مما لا يفيد اليقين، وهو ما كان السلوك فيه من المعلول إلى العلّة لتوقف العلم بوجود المعلول على العلم بوجود العلة فلو عكس لدار .
وأمّا الاستدلال من الآيات الآفاقية والأنفسية على وجوده سبحانه وصفاته فعلى وجه آخر لا يسع المقام لبيانه.
2 . والاستدلال فيه ليس لمّياً وهو الذي يسلك فيه من العلة إلى المعلول، إذ ليس الواجب عز شأنه معلولاً ولا إنّياً، وهو ما يسلك فيه من المعلول إلى العلة أو يتناسب مع السلوك من الآيات الآفاقية والأنفسية إلى خالقها، بل هو نوع آخر شبيه بالاستدلال من بعض اللوازم على بعضها، وهذا واضح خصوصاً إذا قررنا البرهان على الطريقة الصدرائية، إذ فيها يسلك من كون الوجود حقيقة ثابتة بذاتها، على كونه واجباً لذاته.
وإن شئت فسمّه برهاناً انياً تحفظاً على حصر البرهان في اللم والإن كما عليه سيدنا الأُستاذ العلاّمة الطباطبائي ـ دام ظله ـ في تعليقاته على الأسفار: 6/29.


(192)

وهذا النوع من الاستدلال هو استدلال الصدّيقين، الذي يبدأ بحثه ودراسته في الوجود، فمنه إليه سبحانه وإلى صفاته وأفعاله، ثم يختمه في الكائنات، وسوف نشير في الفصل التالي إلى «برهان الصدِّيقين» على الطريقة السينائية.(1)

واكتفاؤنا ببيان هذا البرهان على الطريقة السينائية فحسب، لأنّ بيانها حسب الطريقة الصدرائية يحتاج إلى ذكر مقدمات خارجة عن هدف هذا الكتاب.

ثم إنّ الحكيم الإسلامي الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي ـ دام ظلهـ قد قرر هذا البرهان بوجه رائع، ربما يكون أفضل مما قرره «صدر المتألّهين»، فمن أراد أن يقف على تقريره، فليراجع تعاليقه على «الأسفار»(2)، وكتابه القيم: «أُصول الفلسفة».(3)


1 . ومن أراد أن يقف على تقرير صدر المتألهين فليراجع الأسفار: 6/14 ـ 18 ، والمظاهر الإلهية: 10، والمشاعر: 68.
2 . الأسفار: 6/14 ـ 15.
3 . أُصول الفلسفة: 5/277.


(193)

التوحيد الاستدلالي: البرهان الحادي عشر

برهان الصدّيقين

معرفة اللّه عن طريق معرفة الوجود

يعتقد الفلاسفة المسلمون أنّ بعض الآيات القرآنية ناظرة إلى برهان خاص هو ما اصطلحوا عليه ببرهان الصدّيقين.

وقد تصدّى لتقرير هذا البرهان قطبان من أقطاب العلوم العقلية هما:

1. الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في كتاب «الإشارات»(1) حيث ذكر هذا البرهان مع مقدماته في ذلك الكتاب في عدة فصول.

وقد أورد المحقّق نصير الدين الطوسي في كتابه الكلامي الشهير المسمّى بـ «تجريد الاعتقاد» هذا البرهان باختصار، وقد تصدى العلاّمة الحلي شارح الكتاب المذكور ، لشرحه وبيانه.

وإليك نص البرهان كما جاء في تجريد الاعتقاد حيث قال المحقّق الطوسي: «الوجود ، إن كان واجباً فهو المطلوب، وإلاّ استلزمه لاستحالة الدور والتسلسل».(2)


1 . 2/18 ـ 28 الطبعة الجديدة.
2 . تجريد الاعتقاد: 172، طبعة صيدا.


(194)

2. صدر المتألّهين مؤلف الأسفار الأربعة، فقد بيّـن هذا البرهان بنحو آخر لا يحتاج إلى أية مقدمات كإبطال «الدور والتسلسل» ثم عد هذا البرهان أفضل البراهين لمعرفة المبدأ تعالى شأنه.

وبهذا الطريق حدثت نقطة عطف في مسألة معرفة اللّه والطريق إلى ذلك.

وسنكتفي هنا بعرض ذلك البرهان وبيانه وتوضيحه على الطريقة السينائية فحسب للسبب الذي ذكرناه في خاتمة الفصل السابق، موكلين بيان هذا البرهان حسب الطريقة الصدرائية إلى موضع ووقت آخرين.

لقد جاء في كلا التقريرين (السينائي والصدرائي) أنّ هناك طائفة من الآيات القرآنية ناظرة إلى هذا البرهان، وإليك الآيات المذكورة:

(اللّهُ نُورُ السَّمواتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونَة لا شَرْقِيَّة وَلا غَرْبِيَّة يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ).(1)

(أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ).(2)

(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(3)

هذا ويمكن أن تكون هناك آيات أُخرى على هذا الصعيد، وها نحن نذكر


1 . النور: 35.
2 . فصلت: 53.
3 . آل عمران: 18.


(195)

البرهان على الطريقة السينائية:

حاصل البرهان ـ على ما لخصه صدر المتألّهين ـ : انّ الموجود ينقسم بحسب المفهوم إلى واجب وممكن، والممكن لذاته لا يترجّح وجوده على عدمه، فلابد له من مرجّح من خارج، وإلاّ ترجحه بذاته، فكان ترجحّه واجباً بذاته، فكان واجب الوجود بذاته وقد فرض ممكناً، وكذا في جانب العدم فكان ممتنعاً وقد فرض ممكناً وهذا خلف، فواجب الوجود لابد من وجوده.

وبما انّ الموجودات حاصلة فإن كان شيء منها واجباً فقد وقع الاعتراف بالواجب، وإلاّ وقع الانتهاء إليه لبطلان ذهاب السلسلة إلى غير نهاية، وبطلان عودها إلى بدئها لكونه مستلزماً للدور وهو باطل لاستلزامه تقدم الشيء على نفسهوذلك ضروري البطلان فلم يبق إلاّ الانتهاء إلى الواجب لذاته وهو المطلوب، وهذا المسلك أقرب المسالك إلى منهج الصدِّيقين، وليس بذلك كما زعم.(1)

وأمّا تفصيل البرهان:

1. لا ريب انّ وراء ذهننا، وتصوّراتنا وجوداً خارجياً، وواقعاً غير قابل للإنكار وإنّ ما يتصوّره الإنسان من الصور الذهنية لها مصاديق خارجية ووجوداً عينياً على صعيد الخارج، وهذا على خلاف ما يتصوره السوفسطائيون من قصر الوجود والواقعية على مجرد (الصور الذهنية)، وانّه ليس وراء ذهننا أي شيء، وأية واقعية، بل هو خيال في خيال.

وهذا الذي قلناه نحن أمر لا ينكره من لديه أقل حظ من الفكر السليم.


1 . الأسفار: 6/26.

(196)

2. الوجود في أي مرتبة من المراتب لا يخلو إمّا أن يكون واجباً أو يكون ممكناً.

وبتعبير آخر: إمّا أن يكون له ضرورة الوجود ويكون وجوده نابعاً من ذاته ونفسه، أو لا يكون كذلك بل يكون وجوده من غيره،ولا شق ثالث لهما.

3. كل شيء ليس وجوده من ذاته ومن نفسه، فإنّه محتاج في تحقّقه ووجوده إلى «علة» تمنحه الوجود .

وهذا الأمر، أعني: احتياج الممكن إلى العلة من الأُمور البديهية التي لا يشك فيها من له أدنى حظ من العقل.

4. الممكنات لا يمكن أن توجد من سلسلة لا تنتهي من العلل والمعلولات، لأنّ ذلك يستلزم «التسلسل».

كما أنّه لا يمكن أن يؤثر كل من الممكنين في الآخر دون واسطة، أو مع الواسطة فيؤثر كل في الآخر ، ويعطي كل واحد منها الوجود للآخر ، لأنّ نتيجة ذلك هو الدور ، والدور والتسلسل من المحالات العقلية.

هذه هي الأُسس والقواعد التي يقيم عليها ابن سينا برهانه المذكور : «برهان الصدِّيقين».

وإليك صورة البرهان

لو أمكن أن يشك أحد منّا في شيء، فإنّه لا يمكنه أن يشك أبداً في أنّ هناك ـ خارج أذهاننا ـ واقعاً موجوداً وعالماً كائناً قائماً.

ثم إنّه لا ريب أنّ هذه الموجودات من سماء وأرض وإنسان أو أي شيء


(197)

آخر موجود، أمّا أن يكون وجودها من لدن نفسها(1) بحيث لا تحتاج في تحققها على صعيد الوجود الخارجي إلى غيرها، بمعنى أنّه لا تكون معلولة لشيء، بل يكون وجودها نابعاً من ذاتها، أو تكون على خلاف هذا الفرض .

أمّا في الصورة الأُولى فنكون قد اعترفنا بوجود «موجود واجب» يكون وجوده نابعاً من ذاته غير آت من غيره...، موجود يكون علة دون أن يكون معلولاً لشيء، وغنياً غير فقير، لا يكون وجوده مكتسباً من شيء أو أحد سواه.

وأمّا في الصورة الثانية التي يكون وجود الأشياء مفاضاً عليها من غيرها فنحن نسأل عن ذلك «الغير» هل وجوده نابع من ذاته ونفسه، أي أنّه واجب الوجود ؟

فإن كان كذلك ففي هذه الحالة نكون قد اعترفنا بوجود موجود واجب يسمّى في منطق الإلهيين بـ: اللّه.

وأمّا إذا كان هذا الموجود الثاني على نمط الموجود الأوّل في كون وجوده غير نابع من ذاته، وإنّما هو مكتسب من غيره ففي هذه الصورة ننقل السؤال إلى الموجود الثالث ونطرح عليه ما طرحناه على الثاني، وهكذا.

وهذه السلسلة إمّا أن تتوقف عند نقطة معينة، أي عند موجود يكون علة غير معلول ويكون وجوده نابعاً من ذاته لا من غيره فهو المطلوب.

وإمّا إذا لم تتوقف هذه السلسلة من العلل والمعاليل عند حد معين في نقطة معينة فـ :


1 . أي بحيث لا ينفك عنها الوجود ولا تنفك هي عن الوجود ، فعندئذ اعترفنا بأنّ في العالم واجبالوجود.

(198)

إمّا أن تمضي إلى غير نهاية بحيث يكون كل واحد من هذه الممكنات قد اكتسب الوجود من سابقه فحينئذ يلزم أن يكون العالم سلسلة غير متناهية من العلل والمعاليل، ومجموعة من الممكنات دون أن تنتهي إلى موجود واجب الوجود ، وهذا هو «التسلسل» الذي سنثبت بطلانه بالأدلة القاطعة والبراهين المحكمة.

وأمّا أن يعود بأن يكون الواقع في المرتبة المتقدمة متأثراً من الواقع في المرتبة المتأخرة، وذلك هو «الدور» الذي ثبت بطلانه أيضاً.

ونمثل للصورة الأخيرة بما إذا مضت السلسلة إلى عشر حلقات ولكن الحلقة العاشرة تكون قد اكتسبت وجودها من سابقتها، فهذا هو «الدور».

والحاصل أنا إذا نظرنا إلى العينية الخارجية المتيقنة لكل إنسان، فإمّا أن تكون تلك العينية نابعة من ذاتها غير مفاضة من غيرها، فقد اعترفنا بوجود واجب قائم بنفسه غير متعلق بغيره، وهذا ما نقصده من «واجب الوجود».

وإمّا أن يكون ما نتيقنه من العينية الخارجية مفاضة من غيرها وقائمة بغيرها، فهذا الوجود الثاني إمّا أن يكون مفاضاً من ثالث، فرابع، فخامس إلى غير نهاية، فهذا هو التسلسل الذي سنبرهن على بطلانه، وإمّا أن يتوقف فعندئذ:

إمّا أن يكون وجود المتوقف عليه نابعاً من ذاته، فهذا هو الواجب سبحانه وإمّا أن يكون وجوده معلولاً لسابقه فهذا هو «الدور» .

وبتعبير ثالث نقول:

الحاصل أنّ صور المسألة لا تخرج من أربع:

1. أمّا أن تكون العينية الخارجية هي الوجود الأزلي النابع من ذاته غير القائم بغيره، فقد اعترفنا عندئذ بواجب الوجود.


(199)

2. وأمّا أن يكون مفاضاً من غيره، وقائماً بذلك الغير لكن ذلك الغير قائم بنفسه، فقد اعترفنا بواجب الوجود، ولكن في الرتبة الثانية.

3. وأمّا أن يكون الثاني قائماً بالثالث فالرابع فالخامس إلى غير نهاية، فهذا هو «التسلسل» الباطل.

4. وأمّا أن يكون الأوّل قائماً بالثاني والثاني قائماً بالأوّل وهذا هو «الدور» الثابت بطلانه واستحالته.

صفوة القول: إنّ الوجود الخارجي ـ مع حذف الصور المستلزمة للدور والتسلسل ـ إمّا أن يكون «الواجب الوجود» إن كان وجوده لذاته، أو يكون مستلزماً لمثل ذلك «الوجود الواجب» إن كان وجوده مكتسباً من غيره.

هذا هو توضيح البرهان المعروف ببرهان الصدّيقين والذي راح ابن سينا يعتز به ويفتخر بابتكاره، ويعتقد بأنّه أفضل برهان على وجود «واجب اللّه».

ففي هذا البرهان ـ كما لاحظنا ـ لم يدرس إلاّ الوجود نفسه.

فمطالعة الوجود وحده هي التي تقودنا إلى واجب الوجود.

ويسمى هذا البرهان ببرهان الصديقين للاستدلال فيه باللّه على نفسه، لا بالغير عليه تعالى، وهذا هو غاية التصديق.

إذ في هذا البرهان لم يتخذ النظام الكوني أو وجود المصنوعات طريقاً لإثبات الخالق.

ولذلك يقول ابن سينا.

«تأمّل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأوّل ووحدانيَّته وبراءته عن الصمات إلى تأمل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه وفعله وإن كان ذلك دليلاً


(200)

عليه. لكن هذا أوثق وأشرف، أي إذا اعتبرنا حال «الموجود» فشهد به الوجود من حيث هو وجود، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الواجب.

وإلى مثل هذا أُشير في الكتاب الإلهي في قوله سبحانه : (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّـن لهم أنّه الحق).

أقول: إنّ هذا حكم لقوم، ثم يقول: (أو لم يكف بربّك انّه على كل شيء شهيد) إنّ هذا حكم للصدّيقين الذين يستشهدون به لا عليه (1).

هذا ولإكمال البحث نذكر نقطتين هما:

1. لقد جرى الحديث في البرهان المذكور عن بطلان «الدور والتسلسل» ولابد أن نورد هنا التوضيحات اللازمة لمن لا يعرف شيئاً عن هذين المصطلحين وعلة بطلانهما:

ألف. الدور هو أن نفترض موجودين باسم (أ) و (ب) ونعتبر كلا منهما علة لوجود الآخر .

فعندما نلاحظ (أ) نجد أنّ وجوده متوقف على (ب) بمعنى أنّ (ب) كان موجوداً قبل ذلك ليمكنه أن يوجد (أ).

ثم إذا لاحظنا (ب) نجد أن وجوده متوقف على (أ) بمعنى أنّ (أ) كان موجوداً قبل ذلك ليمكنه ايجاد (ب).

ومن الطبيعي أنّ هذا الفرض باطل قطعاً، لأنّ معنى هذا الفرض هو أن يكون وجود كل واحد منهما متوقفاً على وجود الآخر ومشروطاً بوجوده بحيث يمتنع وجوده ما لم يتحقق وجود ذلك الآخر، لأنّ التحقّق السابق لكل واحد منهما


1 . الإشارات: 3/66.

(201)

سبب وشرط لتحقّق الآخر، وحيث إنّه ليس لأي واحد منهما تحقّق ووجود سابق، فتكون النتيجة لمثل هذا الاشتراط أن لا يتحقّق وأن لا يوجد أي واحد منهما.

ولأجل التوضيح نضرب المثال التالي:

لنفترض أنّ شخصين يريدان حمل متاع معاً، ولكن كل واحد منهما يشترط بأن لا يأخذ طرفاً من ذلك المتاع إلاّ إذا أخذ الآخر طرفه قبله، فمن المعلوم ـ حينئذ ـ أنّ هذا المتاع لن يحمل ـ في النتيجة ـ أبداً، لعدم تحقّق شرط أي واحد منهما.

والحقيقة أنّ قضية الدور ليست في جوهرها إلاّ كون وجود كل من الحادثين متوقفاً على الوجود القبلي للآخر، وحيث إنّه لا وجود قبلي لأي واحد منهما قبل الإيجاد من جانب الآخر، فلن يوجد أي منهما في الم آل.

ب. «التسلسل» ليس إلاّ أن تمضي سلسلة العلل والمعاليل إلى ما لا نهاية، أي ما لا يصل إلى نقطة واحدة معينة تكون علة للجميع، دون أن تكون معلولاً لشيء، ويكون موجوداً غنياً غير فقير .

وهذا الفرض هو أيضاً باطل ومحال بالبيان الذي مر في إبطال «الدور».

لأنّه على فرض التسلسل، فإنّ الحادثة الأخيرة تكون معلولة للحادثة السابقة عليها، والحادثة السابقة تكون معلولة لما قبلها، وهكذا.

وفي الحقيقة فإنّ الحادثة الأُولى التي نواجهها تكون مشروطة الوجود بالحادثة الثانية التي تسبقها والحادثة الثانية تكون متوقفة على الحادثة التي تسبقها، وهكذا الثالثة على الرابعة، والرابعة على الخامسة، وهكذا كلّما نتقدّم فإنّنا لا نقف على موجود غير مشروط بشرط، بل إنّ هذا الوضع سيستمر إلى ما لا نهاية، وفي هذه


(202)

الحالة فإنّ الحادثة التي نواجهها ليس فقط هي التي لا تتحقق بل ولا تتحقق أية حلقة من هذه السلسلة الطويلة غير المتناهية.

لأنّه لو أُتيح لهذه الحلقات أن تتكلم وتنطق بلسان حالها لقالت الأخيرة: إنّما أتحقّق أنا لو أنّ ما قبلي تحقّق، وما قبلها تقول: إنّي أتحقّق لو أنّ ما قبلي تحقّق، وحيث إنّ وجود أية واحدة من هذه الحلقات غير خال عن الـ «لو» الشرطية كان معناه عدم تحقّق أي شيء من هذه الحلقات بالمرة، لأنّنا لن نصل ـ في هذه السلسلة ـ إلى حلقة غير مشروطة الوجود بشيء .

فينتج أن لا توجد مثل هذه السلسلة بتاتاً، اللّهم إلاّ أن يوجد بين حلقات هذه السلسلة ما لا يكون وجوده مشروطاً بشرط أبداً.

فإذا كان هناك مثل هذا الموجود كان معناه حينئذ أنّ هذا الموجود يكون هو «الموجود المطلق»، أو ما يصطلح عليه بـ «الواجب الوجود»، ومن الطبيعي حينئذ أن ينقطع تصاعد هذه السلسلة، وينتفي التسلسل.

ولنمثل ـ لتوضيح هذه الحقيقة ـ بنفس المثال الذي ضربناه، أعني: مسألة حمل المتاع.

فلنفترض أنّ الأوّل قال: أنا سأحمل هذا المتاع لو ساعدني عليه الثاني.

وقال الثاني: أنا سأحمله لو ساعدني عليه الثالث.

وقال الثالث: وأنا سأحمله لو ساعدني عليه الرابع.

وهكذا قال الرابع فالخامس فالسادس ـ مثل ذلك الكلام ـ إلى ما لا نهاية، فمن المعلوم أنّ حمل المتاع المذكور لن يتحقّق بالمرّة ما لم يكن في هذه السلسلة من لا يشترط حمل المتاع على شرط.


(203)

أمّا إذا تحقّق حمل المتاع المذكور فسنكتشف أنّ هناك ـ قطعاً ـ من أقدم على حمل المتاع دون أن يعلّق مساعدته وحمله على شرط.

وبعبارة مختصرة حيث نجد أنّ هذه السلسلة تحقّقت بتحقّق آخر حلقاتها نكتشف وصول هذه السلسلة إلى حد معين ونقطة معينة لم يكن وجودها مشروطاً بشرط، ولا متوقفاً على شيء، وهذا هو واجب الوجود والموجود المطلق.

***

2. الآيات التي أتينا بها في مطلع هذا الفصل قابلة للتطبيق على هذا البرهان بنحو ما، إذ لو تمكنا من ملاحظة الوجود نفسه ملاحظة دقيقة أمكن أن نصل إلى اللّه وأمكن أن نعتبر قوله تعالى: (انّه على كلّ شيء شهيد)ناظراً إلى هذا المعنى.

أي انّه شاهد على كل شيء حتى نفسه وذاته، أو مشهود لكل الأشياء عموماً وللإنسان المتفكر في الوجود خصوصاً.

كما أنّه يمكن أن يقال بأنّ شهادة اللّه على وحدانيته(1) على غرار شهادته على وجوده، لا تعني إلاّ أن نطالع ونلاحظ نفس الوجود لنصل إلى هذه الحقيقة.

إنّ ملاحظة نفس الوجود تشهد على وجود اللّه، وأما كيف تشهد على وحدانيته، فسيوافيك بيانه في فصل التوحيد الذاتي.

كما أنّ آية سورة النور، لو قلنا بقابلية انطباقها على هذا البرهان يكون المقصود من أنّ (اللّه نور السموات والأرض) حينئذ أنّ وجود اللّه هو واقع هذا العالم، أو أنّه واهب «الواقعية» للممكنات.


1 . اشارة إلى الآية 18 من سورة آل عمران: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) .

(204)

ومطالعة الوجود هي التي توصلنا إلى هذه «الواقعية».

والحق أن يقال: انّ استخراج مثل هذا المراد من الآية المذكورة أخيراً ما هو إلاّ من قبيل التأويل، أو اكتشاف بعد من أبعاد القرآن، الكثيرة لا أنّه تفسير لظاهر الآية.

وعلى كل حال، سواء أكان تطبيق مفاد الآيات المذكورة على هذا البرهان صحيحاً وصائباً أم كان من قبيل التأويل واكتشاف بعد جديد من أبعاد الآيات فإنّ برهان الصدّيقين ـ في حد ذاته ـ وعلى الطريقة السينائية برهان واضح، وقابل للاعتماد عليه بل وجدير بالاهتمام.

ونأمل أن نعرض الطريقة الصدرائية منه في فرصة أُخرى بإذن اللّه.


(205)

التوحيد الاستدلالي: البرهان الثاني عشر

آيات اللّه في عالم الطبيعة

إنّ القرآن الكريم يدعونا إلى التفكّر والتدبّر والنظر في آيات اللّه في عالم الطبيعة والخلق ويعتبر مثل هذا النظر والتفكّر جديراً بأهل الفكر والألباب وأصحاب الضمائر الحية والعقول السليمة.(1)

و الآيات القرآنية في هذا المجال من الكثرة بحيث لا يمكننا نقل عُشرها في هذه الصفحات القلائل، ولذلك سنقتصر على إيراد نماذج معدودة منها، ثم نتحدث عن أهداف هذا القسم من الآيات فيما بعد.

وإليك الآن هذه النماذج التي وعدناك بها:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْري فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأرضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دابَّة وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).(2)


1 . (لِقَوْم يَعْقِلُونَ) (البقرة : 164) (لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) (الرعد: 3) (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (إبراهيم: 25) (لأُولِي الألْبَابِ) (ص: 43).
2 .البقرة: 164.


(206)

هذه الآية تدعونا إلى التدبّر في أُمور عديدة:

1. النظر في العالم من أرض وسماء واختلاف الليل والنهار.

2. التدبّر في أمر صناعة السفن، والتدبّر في منافعها الاقتصادية.

3. التفكّر في الكائنات الجوية، كالرياح والسحاب والمطر، وعلل تكوّنها.

4. التدبّر في الأحياء والدواب التي تعيش على وجه البسيطة، والذي يؤلِّف أساس علم الأحياء.

إنّ للتدبّر في هذه الأُمور والأشياء نتائج مهمة، ويمكن أن يكون منشأ لمعرفة سلسلة من المعارف والعلوم.

فماذا تهدف هذه الآية من دفعنا إلى التدبّر في هذا النظام البديع؟

هل تهدف إلى أن نهتدي من التدبّر في هذا النظام البديع إلى مبدعه وصانعه؟

أو أن نتعرّف على صفاته تعالى من هذا السبيل كالقدرة والعلم؟

أمّ أنّ الهدف هو شيء ثالث وهو : أن نوحّده في العبادة بعد أن وقفنا على أنّه سبحانه هو خالق هذا النظام البديع وتعرفنا على مدى علمه، فتكون هذه الآية في الحقيقة دعوة إلى «التوحيد العبادي».

هذه الاحتمالات الثلاثة ليست مطروحة في هذه الآية فحسب، بل هي مطروحة ومحتملة في كل الآيات التي تشير إلى النظام الكوني والقدرة الإلهية الكبرى في عالم الطبيعة.

(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ


(207)

فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغشِي الَّليلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).(1)

هذه الآية تدعونا إلى التدبّر والنظر في أُمور معينة، ومن المعلوم أنّ للتدبّر في هذه الأُمور نتائج مختلفة متنوعة:

وأمّا هذه الأُمور فهي:

1. كيف امتدت الأرض واتّسعت؟

2. كيف ولماذا وجدت الجبال والأنهار في الأرض ؟

3. كيف خلقت الثمار أزواجاً؟

4. كيف يختلف الليل والنهار ؟

إنّ التدبّر في هذه الأُمور كما يمكن أن يقودنا إلى معرفة وجود اللّه سبحانه، كذلك يدلّنا على علم اللّه وقدرته، وكذا على وحدانية مدبّر الكون أيضاً، ذلك لأنّ وحدة النظام وترابط أجزائه يكشف عن حاكمية إرادة واحدة على عالم الكون، ولو كان هناك آلهة متعدّدون لتعرض هذا النظام للفوضى والفساد والتبعثر ... .

كما أنّ التعرف على مركز القدرة وصاحب التدبير الحقيقي من شأنّه أن يوقظ ضمائرنا ويدفعنا ـ بالتالي ـ إلى عبادة هذا الخالق الحقيقي والمدبّر الواقعي للكون دون سواه.

(وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِقَوم يَعْقِلُونَ).(2)


1 . الرعد: 3.
2 . الرعد: 4.


(208)

هذه الآية تدعونا إلى التدبّر في الأُمور التالية:

1. الأرض رغم كونها متصلة ببعضها، فإنّ قسماً منها صالح للزراعة، وقسماً آخر غير صالح للزراعة، منها الخصب، ومنها الجدب، فما هو السبب؟

2. في كثير من المزارع والبساتين توجد ثمار متنوعة ومختلفة، من عناقيد العنب وأعذاق التمر، وسنابل القمح إلى غير ذلك من ألوان الثمر والنباتات.

فلماذا ـ ترى ـ هذا التنوّع والاختلاف في الألوان، والتراب واحد، والماء واحد، وأشعة الشمس تتساقط على الجميع بصورة متساوية، والمنطقة واحدة، والظروف كذلك واحدة؟

3. رب ثمار بستان واحد تختلف فيما بينها في النوعية والجودة، فلماذا ذلك؟

إنّ التدبّر والنظر والتفكير في هذه الأُمور الثلاثة لا ريب تستتبع نتائج هامة ثلاث:

أ. أنّ هذه المشاهد الجميلة للبساتين التي تمثّل معرضاً طبيعياً لأجمل اللوحات تكشف ـ ولا ريب ـ عن وجود صانع وخالق رسم بريشته الخفية هذه النقوش الرائعة الجمال في صفحة هذه البساتين الزاهية المناظر .

ب. أنّ هذه المعارض الجميلة ذات النقوش المتناسقة تكشف ـ أيضاً ـ عن علم صانعها وقدرته المطلقة.

ج. أنّ صاحب هذه النقوش البالغة الروعة وهذه المعارض والمشاهد الجميلة هو اللّه فهو الذي أوجد هذه المعارض والنقوش، فلماذا إذن لا نعبده وحده، ولماذا نعبد سواه مما لا يكون لا خالقاً ولا مدبّراً.

إنّ الآيات التي تتضمن بيان النظام الكوني البديع والسنن الإلهية في عالم


(209)

الطبيعة التي لا تقبل تحويلاً، وتغيراً، من الكثرة والوفور بحيث لا يمكن نقلها جميعاً في هذه الصفحات، ولكنّنا عرّفنا القارئ الكريم على نماذج منها، ولمزيد الاطّلاع يراجع «المعجم المفهرس» مادة: «آية».

فمثلاً ذكرت في سورة الروم دلائل وجود اللّه في ست آيات، وكلها تبدأ بكلمة: (وَمِنْ آياتِهِ)، وإليك فيما يلي هذه الآيات نصاً:

(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِِهِ خَلْقُ السَّموَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْعَالِمِينَ *وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوم يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفَاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْىِِ بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِقَوم يَعْقِلُونَ *وَمِنْ آيَاتهِِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِه ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَالأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجونَ).(1)

لا شك أنّ هذه الآيات تتركز ـ في الأكثر ـ على إيقاظ الوجدان البشري وتوجيهه إلى صفات اللّه، والتأكيد على أنّه هو الإله الواحد العالم القادر المدبّر الرحيم.

وقد ذكرت هذه النتائج في ذيل الآيات ، التي تبدأ في القرآن بكلمة (وَمِنْ آياتِهِ).(2)


1 . الروم: 20 ـ 25.
2 . راجع المعجم المفهرس.


(210)

وفي سورة النحل توجد سلسلة من الآيات التي تشير هي أيضاً إلى جوانب من النظام الكوني العجيب البديع وكيفية انتفاع البشر بها، وتبدأ هذه الآيات بقوله: (هُوَ الَّذِي) :

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ *يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذِلَكَ لآيَةً لِقَوم يَتَفَكّرونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللّيلَ والنهارَ والشمسَ والقمرَ والنجومُ مُسَخَّراتٌ بأمرِهِ إنَّ في ذلك لآيات لقوم يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحَرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَريّاً وَ تَسْتَخْرجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعلامَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ).(1)

ثم يستنتج القرآن من كل ذلك بقوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)(2)، إنّ هذه الآية الأخيرة تكشف عن أنّ الهدف من تلك الآيات هو الدعوة إلى التوحيد «العبادي»، ولأجل ذلك صدرت الآية الحاضرة بفاء النتيجة، لأنّ بعض مشركي العرب رغم علمهم بأنّ اللّه هو الخالق والمدبّر للكون، كانوا يعبدون آلهة مدّعاة مصطنعة، ولذلك يعني التذكير بمظاهر القدرة الإلهية في عالم الطبيعة، إيقاظ ضمائرهم الغافلة، وإثارة عقولهم الغافية، كيما يتذكروا أنّ العبادة لا تصح إلاّ للّه سبحانه دون سواه، وأنّ ما يعبدون من دونه عاجزون ضعفاء لا


1 . النحل: 10 ـ 16.
2 . النحل: 17.


(211)

يملكون ضراً ولا نفعاً.

وقد يكون الهدف من التذكير بالنظام الكوني البديع هو التمهيد لطرح موضوع المعاد والحياة الأُخرى، لكي لا ينكر الإنسان المعاد، أو لا يستبعد وقوعه بعد وقوفه على مظاهر وآثار القدرة الإلهية في عالم الكون، إذ صرح سبحانه بهذا الاستنتاج بقوله:

(... ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعوةً مِنَ الأرْضِ إذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ).(1)

وعلى هذا الأساس فإنّ الاستدلال بهذه الآيات على وجود اللّه يجب أن يكون بصورة ضمنية لا بصورة أنّه الهدف الأصلي لها، لأنّه إذا كانت أجزاء هذا الكون، من صغيرها إلى كبيرها، من دقيقها إلى جسيمها، تشهد بثبوت صفة القدرة والعلم للّه تعالى، وإذا تعرفنا من خلالها على جماله وكماله سبحانه، فإنّ من القطعي البديهي أن تهدينا إلى «أصل وجوده»، ويثبت لنا ذلك بما لا يقبل الشك، كما تهدينا إلى أنّه المعبود دون غيره، وانّه وحده يستحق العبادة.

إنّ الطريق الواضح لمعرفة اللّه والذي يتناسب مع أذهان كل الطبقات هو «البحث حول أنظمة الكون الدقيقة العجيبة البديعة» التي تشهد بلسان حالها على وجوده وتوحيده وسائر صفاته العليا:

وفي كل شيء له آية تدل على أنّه واحد


1 . الروم: 25.

(212)

التوحيد الاستدلالي ـ البرهان الثالث عشر

الحيوانات والهداية الإلهية

(رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى).(1)

من الأدلّة التي يقيمها القرآن الكريم لمعرفة اللّه هي تلك الهداية التي تشمل مخلوقات الكون وأحياءه بحيث تهتدي ـ بهذه الهداية ـ إلى طريقها، وتختار ما يصلحها، ويناسبها في ظل هذه الهداية الإلهية.

وهذا هو ما أشار إليه النبي موسى بن عمران ـ عليه السَّلام ـ ، واصفاً اللّه تعالى عندما سأله فرعون عن ربه؟ فأجابه بالآية السابقة.

فاهتداء الحيوانات ـ مثلاً ـ إلى طريقها التي تضمن حياتها وبقاءها دون أن تعرف معلماً أو مدرسة، أو تتلقّى معلوماتها عن طريق الوراثة أو ما شابه، أمر يدلّ على وجود هاد يهديها، ومرشد يوجّهها إلى ما يضمن بقاءها واستمرار وجودها، ومواصلة السير إلى هدفها دون أن تخطأ.

إنّ «اهتداء» هذه الحيوانات إلى ما يناسب طبيعتها ويوافق خلقتها لا يمكن أن يكون بفعل الوراثة ولا بفعل الغريزة كما يدّعي البعض.


1 . طه: 50.

(213)

أمّا أنّها لا يمكن أن تكون عن طريق الوراثة، فلأنّ المعلومات لا يمكن أن تنتقل من أحد إلى أحد من هذا الطريق، وإلاّ لكان ابن الطبيب طبيباً بالوراثة، ولكان ابن العالم عالماً بالوراثة حتماً دون أن يتلقّى العلم أو الطب من أحد.

وأمّا أنّ هذه الحيوانات لا تفعل ما تفعل بتأثير الغريزة فقط، فلأنّ الغريزة لا يمكن أن تخضع للانتخاب والاختيار، بينما نجد كثيراً من هذه الحيوانات عندما تواجه مفترق طرق متعدّدة تختار إحداها بفعل ما تتلقّاه من الهداية والتوجيه، وهذه الهداية التي تعين الحيوانات على الانتخاب والاختيار هو ما يسمّى في منطق القرآن بالوحي أو ما سمّـاه بعض العلماء بـ «الإلهام»(1).

ونمثّل لهذا الأمر بما جاء حول النحل في القرآن الكريم، إذ يقول:

(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوم يَتَفَكَّرُونَ).(2)

فحشرة النحل الصانعة لألذ الأشياء وأطيبها، نعني: العسل، تبدأ عملها منذ أن تخرج من البيض دون تعب وملل، وفي ذكاء مفرط، وانضباطية فائقة.

فتختار ـ في ذكاء ـ أفضل وأطيب الزهور وتمتص عصارتها بنحو عجيب، وتصنع للبشر شهداً من أطيب الشهد.

وتصنع بيوتها سداسية الشكل في نظم لا يخطئ، وعلى فواصل دقيقة لا تزيد ولا تنقص.


1 . راجع كتاب العلم يدعو للإيمان : 116.
2 . النحل: 68 ـ 69.


(214)

ويلاحظ أنّها قبل أن تمتص الزهور تقوم بعملية انتخاب وتفتيش عن الزهرة المناسبة لها، وهذا ـ كما نرى ـ لا يصدر إلاّ من موجود ملهم، موحى إليه، موجَّه بتوجيه أعلى، لأنّ في أعمالها ما يتجلّـى منه القصد والهدفية، وهذا من خصائص «الإلهام» ليس إلاّ.

ومن هنا ندرك معنى قوله تعالى:

(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) .

يقول العلامة كريسي موريسون حول عجائب ما تفعله نحلة العسل:

«إنّ العاملات من نحل العسل تصنع حجرات مختلفات الأحجام في المشط الذي يستخدم في التربية، وتعد الحجرات الصغيرات للعمال، والأكبر منها لليعاسيب (أي الذكر من النحل) وتعد غرفة خاصة للملكات الحوامل، والنحلة الملكة تضع بيضاً غير مخصب في الخلايا المخصصة للذكور وبيضاً مخصباً في الحجرات الصحية المعدة للعاملات الإناث والملكات المنتظرات.

والعاملات اللائي هي إناث معدلات بعد أن انتظرن طويلاً مجيء الجيل الجديد، تهيّأن أيضاً لإعداد الغذاء للنحل الصغيرة بمضغ العسل واللقح، ومقدمات هضمه ثم ينقطعن عن عملية المضغ ومقدمات الهضم عند مرحلة معينة من تطور الذكور الإناث ولا يغذين سوى العسل واللقح، والإناث اللائي يعالجن على هذا الشكل يصبحن عاملات فيما بعد.

أمّا الإناث اللائي في حجرات الملكة فإنّ التغذية بالمضغ ومقدمات الهضم تستمر عندهن، وهؤلاء اللائي يعاملن هذه المعاملة الخاصة يتطورن إلى ملكات نحل، وهن وحدهن اللائي ينتجن بيضاً مخصباً، وعملية تكرار الإنتاج هذه


(215)

تتضمن حجرات خاصة وبيضاً خاصاً، كما تتضمن الأثر العجيب الذي لتغيير الغذاء. وهذا يتطلب الانتظار والتمييز وتطبيق اكتشاف أثر الغذاء»(1).

ويقول كريسي موريسون عن النحلة في موضع آخر من كتابه:

«والنحلة تجد خليتها مهما طمست الريح في هبوبها على الأعشاب والأشجار كل ذلك دليل يرى، وحاسة العودة إلى الوطن هذه هي ضعيفة في الإنسان، ولكنه يكمل عتاده القليل منها [ويصل إلى مقصده] بأدوات الملاحة»(2).

ومن المعلوم أنّ هذه الأعمال المقصودة الدقيقة التي تقوم بها حشرة النحل دون أن تخطىء أو تضل عن طريقها لو كانت بدافع الغريزة، وتحت تأثير الجبلة والخلقة لما حسن أن يقول اللّه: (وأوحى) ، والوحي كما نعلم نوع من التوجيه المباشر الإلهي للمخلوق الحي، ونوع من الخطاب الصادر من جانب اللّه إلى الموحى إليه.

ويدل على ما قلناه توجيه الخطاب إلى النحل بقوله: اتخذي، وكلي، واسلكي.

إنّ ما تفعله هذه الحشرة الذكية وكلّ الحشرات المثيلة لها كالنمل ـ مثلاً ـ خير دليل على وجود هاد لها، يوحي إليها ما يوحي، ويهديها إلى سبل حياتها.

فها هو القرآن الكريم يتحدث لنا عن النمل في قصة مواجهتها لعرش سليمان بما يكشف لنا عن فطنة هذه الحشرة، الكاشفة هي بدورها عن «الهداية العليا» التي تحيط هذه الحشرة بالعناية والرعاية.


1 . العلم يدعو للإيمان: 114 ـ 118.
2 . العلم يدعو للإيمان: 114 ـ 118.


(216)

فالقرآن يخبرنا أنّ نملة لما شاهدت جنود سليمان وأدركت الخطر نبهت بني جنسها بذلك:

(قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ)(1).

وهي قصة تكشف عن أنّ النملة تدرك بفعل الإلهام الإلهي ما يحيق بها من أخطار فتتحذر منها وتحذر بني نوعها.

ولنلقي نظرة على ما يقوله كريسي موريسون في كتابه المذكور عن النمل:

«والنحل والنمل يبدو أنّها تدرك كيف تنظم وتحكم نفسها، فلها جنودها وعمالها وعبيدها ويعاسيبها.

إنّ هناك أنواعاً من النمل تدفعها الغريزة أو التفكير إلى زرع أعشاش للطعام.

والنمل يأسر طوائف من الدود ويسترقها.

وبعض النمل حين يصنع أعشاشه يقطع الأوراق مطابقة للحجم المطلوب.

كيف يتاح لهذه الحشرة أن تقوم بهذه العمليات المعقدة؟!

لا شك أنّ هناك خالقاً أرشدها إلى كل ذلك(2).

ترى في أية مدرسة وأي معهد تلقّت النمل وغيرها من الحشرات هذه


1 . النمل: 18.
2 . العلم يدعو للإيمان: 130 ـ 132.


(217)

المعلومات.

ومن أي شخص تعلّمت كيف تعرف الخطر وتشخص البلايا وتحذر منها أبناء نوعها.

أم بماذا يمكن تفسير هذا التمييز والقصد والاختيار الذي تتصف بها تصرفات النمل والنحل وما سواهما من الحشرات؟

هل ذلك إلاّ بوحي من خالقها وإلهام من بارئها وصانعها؟

ولكي نقف على المزيد من هذه النماذج التي تدل على وجود الهداية الإلهية والإرشاد الرباني في عالم الحيوانات نقرأ معاً ما يقوله العلاّمة موريسون حول بعض الحيوانات.

فمثلاً يقول موريسون عن سمك «السلمون»:

«إنّ سمكة السلمون التي تسبح في النهر صعداً إذا نقلت إلى نهر آخر، أدركت تواً أنّه ليس جدولها، فهي تشق طريقها خلال النهر، ثم تحيد ضد التيار قاصدة إلى مصيرها.

فما الذي يجعل السمك يرجع إلى مكان مولده بهذا التحديد؟»(1).

ويكتب حول بعض الحيوانات التي تسارع إلى تعويض ما فقدته من الأعضاء فيقول:

«وكثير من الحيوانات هي مثل سرطان البحر الذي إذا فقد مخلباً، عرف أنّ جزءاً من جسمه قد ضاع وسارع إلى تعويضه بإعادة تنشيط الخلايا وعوامل


1 . المصدر نفسه: 120.

(218)

الوراثة، ومتى تم ذلك كفت الخلايا عن العمل لأنَّها تعرف بطريقة ما أنّ وقت الراحة قد حان».(1)

ويشير موريسون إلى صفة انطباق الحيوانات مع المحيط والبيئة، فيقول عن هذه الصفة في مجال الخلايا:

«وقد يمكن السؤال عما إذا كان للخلايا فهم وإدراك أم لا .

وسواء اعتقدنا أنّ الطبيعة قد زودت الخلايا بالغريزة ـ مهما تكن هذه ـ أو بقوة التفكير، أم لم نعتقد ذلك، فلا مناص لنا من الاعتراف بأنّ الخلايا ترغم على تغيير شكلها وطبيعتها كلها، لكي تتمشى مع احتياجات الكائن الذي هي جزء منه، وكل خلية تنتج في أي مخلوق حي يجب أن تكيف نفسها لتكون جزءاً من اللحم، أو أن تضحي نفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث حتى يبلى، وعليها أن تضع ميناء الأسنان وأن تنتج السائل الشفاف في العين أو أن تدخل في تكوين الأنف أو الآذان.

ثم على كل خلية أن تكيف نفسها من حيث الشكل وكل خاصية أُخرى لازمة لتأدية مهمتها.

ومن العسير أن نتصور أنّ خلية ما هي ذات يد يمنى أو يسرى، ولكن إحدى الخلايا تصبح جزءاً من الإذن اليمنى، بينما الأُخرى تصبح جزءاً من الأُذن اليسرى»(2).

أليس كل هذا يكشف عن وجود القصد والتمييز في هذه الموجودات


1 . المصدر السابق: 124.
2 . المصدر السابق: 103.


(219)

الحية؟

وهل هذا إلاّ تفسير قول النبي موسى ـ عليه السَّلام ـ ، إذ قال:

(ربّنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) ؟

يبقى أن نعرف أنّنا نستطيع استنتاج وجود مثل هذا الإلهام والوحي والتوجيه الإلهي الموجّه إلى الحيوانات من قول موسى ـ عليه السَّلام ـ ، إذ يذكر في كلامه أوّلاً ما يتعلّق بالجانب الخلقي الغريزي في الحيوانات بقوله:

(ربّنا الذي أعطى كل شيء خلقه) .

ثم أشار إلى ذلك الإلهام والوحي الإلهي بقوله:

(ثم هدى) .

بتقريب أنّ في الفصل بين الجملتين (أعطى كل شيء خلقه) و (هدى)بـ (ثم) التي هي للعطف المتراخى المتأخّر، دلالة أدبية على أنّ هذه الهداية لم تخلق مع الحيوانات والحشرات بنحو فطري وجبلي، بل هي هداية تصل إلى الحشرات عندما تحتاج إلى مثل هذه الهداية وعندما تواجه ما يضطرها إلى مثل هذا التوجيه والإرشاد الربانيّين، فحينئذ تأتيها هذه الهداية وينزل إليها ذلك الوحي والإلهام.

إنّنا نستطيع أن نكتشف آثار هذه الهداية وهذا الالهام في عالم الحشرات بجلاء ووضوح، إذا قايسناها بوليد الإنسان الذي لا يعرف شيئاً عندما يولد، ولا يمكنه أن يقوم بأي عمل إلاّ بعد مدة من التربية والرشد، وإلاّ بعد فترة من التعلم والدراسة، وتلقّي المعلومات والمعارف في المدارس والمعاهد، وإلاّ بعد سلسلة طويلة من التجارب والأخطاء والهفوات.


(220)

وخلاصة القول: إنّنا نلاحظ في فعاليات هذه الحشرات عدة أُمور :

أ. أنّ هذه الحشرات تعرف احتياجاتها وطريق رفعها، بدون معلم مشهود ومنظور .

ب. أنّ هذه الأحياء تعرف ـ على وجه الدقة ـ أُصول تقسيم أعمالها، وانتخاب وظائفها وطرق تنفيذها على أحسن وجه وبصورة جماعية.

ج. أنّ هذه الأحياء تسعى دوماً إلى تطبيق نفسها مع الأوضاع المحيطية المتغيرة، بل وتحدث هي بعض التغييرات في جسمها وأعضائها.

وأمام هذه الظاهرة العجيبة، لنا أن نختار إحدى طرق ثلاث:

1. أمّا أن نحتمل بأنّ هذه الأحياء تملك بنفسها من العقل والإدارك والفهم ما لم يكتشف الإنسان إلاّ جزءاً ضئيلاً يساوي واحداً بالمائة منها.

غير أنّ هذا الاحتمال لا يمكن أن يركن إليه، لأنّ الخلايا النباتية والحيوانية لا تملك العقل والفهم لتعالج مشاكلها على ضوئهما.

ومن هنا يتضح سبب عدم إدخالنا للإنسان في أمثلة هذا الفصل، واقتصارنا على الحشرات كالنحل والنمل وما شابههما، لأنّ الإنسان إنّما يقوم بأعماله على ضوء ما أُوتي من عقل وفكر، بمعنى أنّ بيولجيته وخلاياه ودماغه الكبير والمفكّر هي التي تضيء له سبيل حياته دون حاجة إلى إلهام من العالم الأعلى ووحي من خارج.

هذا أمر أدركه البشر ذاته، وهي بالتالي فكرة واردة في شأن الإنسان .

أمّا بالنسبة إلى هذه الحيوانات والحشرات فلا يمكن أن يخطر ببال أحد أنّها تملك عقلاً وفكراً، أو لا يمكن أن يخطر لأحد بأنّ الخلايا النباتية والحيوانية تملك ـ


(221)

ذاتياً ـ ذلك الفهم والفكر والشعور الهادي وتكون ـ هي بذاتها ـ موجدة للأفكار التي تعين تلك الأحياء على الاهتداء إلى سبل حياتها.

وحيث إنّ هذا الاحتمال لا يمكن أن يكون وارداً وصحيحاً، لذلك لابد أن نسلك طريقاً آخر بأن نقول:

2. انّ طبيعة البناء الميكانيكي والتركيب المادي لهذه الأحياء تكفي ـ دون شيء آخر ـ لإيقاع هذه الأعمال، ونقول بالتالي: إنّ اهتداء هذه الأحياء وما سوى ذلك من الأعمال التي ذكرناها والتي نشاهدها في عالم النمل والنحل وحشرة الموروفيل أو الاسفنج البحري، كل ذلك إنّما هو نتيجة انتظام الأجزاء والعناصر الجسمانية لهذه الأحياء وانضمامها إلى بعض بنحو يؤدي ذلك النظم والتركيب الخاص إلى صدور هذه العمليات والأفعال من هذه الأحياء بصورة تلقائية لا إرادية.

وبعبارة أُخرى: أنّ الخواص الفيزياوية والكيمياوية لخلايا هذه الأحياء هي التي تقتضي وتوجب هذه السلسلة من الأعمال والنشاطات دون تدخل من خارج.

وفي هذه الصورة لن يكون موضوع «اهتداء» هذه الأحياء إلى سبيل حياتها دليلاً مستقلاً على وجود اللّه، بل يندرج تحت عنوان «برهان النظم» لكونه مسألة ترجع إلى النظم، فقد جهّزت خلقة هذه الأحياء بجهاز متين على نظم خاص رصين يقدر معه وبفضله على القيام بشؤون حياته كالأشجار فيكون اهتداؤها ليس إلاّ مقتضي كيفية تركيب أجزائها.

3. أن نختار ما اختاره بعض المحقّقين إذ قال ما خلاصته: إنّ الحركات


(222)

والفعّاليات الصادرة من أي جهاز من الأجهزة إنّما يمكن التنبّؤ بها من قبل ما دامت ترتبط بنفس ذلك الجهاز وتركيبته، بمعنى أنّ نفس الجهاز المادي وتشكيلاته الداخلية تكون كافية لأن تكون الإحاطة به سبباً للتنبّؤ بأعماله وفعالياته.

وبعبارة أُخرى: انّ ما تقوم به هذه الحشرات من الأعمال البديعة إنّما تصح نسبتها إلى الجهاز الميكانيكي إذا كان ذلك الجهاز كافياً في صدور تلك الأعمال منها بأن يكون نفس نظام ذلك الجهاز وكيفية تركيبه كافياً في القيام بهذه الأعمال.

وأمّا عندما يصل الأمر إلى موضع لا يجب أن يقوم ذلك الجهاز فيه بفعل مخصوص بل يواجه مفترق طريقين، ومع ذلك يختار أحد الطريقين مما يكون موصلاً إلى الهدف فهناك لابد من الإذعان بأنّ مجرد النظم المادي لذلك الجهاز غير كاف لاختيار أحد الطريقين دون سواه، بل انّ هذا النوع من الاهتداء والانتخاب كاشف عن وجود رابطة خفية بين الجهاز المذكور وبين مصيره، وأنّ هذه الحقيقة، أعني: الابتكار والابتداع، دليل على الهداية من النوع الثاني «أي الذي لا يرتبط بنفس الجهاز ونفس نظامه وتركيبه العضوي» بل يرتبط بهداية عليا.

إنّ آلة حاسبة يمكن أن تصنع وتنظم بشكل تؤدي كل عمليات الجمع والطرح والضرب والتقسيم الحسابية بدقة متناهية، ولكن من المستحيل أن تقدر هذه الآلة الحاسبة على القيام بابتكار وابتداع قاعدة رياضية واحدة.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى آلة ترجمة فإنّها قادرة على ترجمة كلام شخص أو مقالة، ترجمة دقيقة متقنة، ولكن نظمها لا يقدر ـ أبداً ـ على تصحيح أخطاء ذلك


(223)

القائل والقيام بعمل ابتكاري، وابداعي من هذا النمط.(1)

ونستخلص مما سبق أنّ القدرة الغيبية الخفية التي تهدي هذه الأحياء، قوة واسعة مطلقة تحيط علماً بكل الحشرات، إحاطة شاملة كاملة وهي عنده بمنزلة سواء.

وتلك القوة الهادية العظيمة ليست سوى اللّه تعالى أو سائر القوى الغيبية المدبّرة لأُمور الكون العاملة بإذن اللّه ومشيئته، التي أُنيطت إليها هداية هذه الحشرات وإرشادها وتوجيهها.

وأخيراً لابد من الإشارة إلى نكتة مهمة وهي:

أنّ هذا البرهان سواء رجع إلى برهان النظم بمعنى أنّ أعمال هذه الأحياء ما هي إلاّ نتيجة النظم المادي الحاكم على تركيبتها المادية، وتشكيلاتها الداخلية، أو قلنا بأنّ هناك قوة هادية هي التي تقوم بهداية هذه الحشرات إلى تلك الأعمال والمواقف العجيبة، وتساعدها في هذه الابتكارات والإبداعات فيكون هذا برهاناً مستقلاً بنفسه.

أقول: سواء كان هذا أم ذلك فإنّ مما لا شك فيه انّ دراسة «الأحياء» في حد ذاتها واحدة من سبل معرفة اللّه وإحدى الطرق للتعرف عليه.

وقد اعتمد القرآن على ذلك في غير الآية المذكورة ـ في مطلع بحثنا هذا ـ إذ يقول ـ في موضع آخر ـ مخبراً عن اللّه بأنّه:

(الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى).(2)


1 . راجع تعاليق أُصول الفلسفة للأُستاذ الشهيد مرتضى مطهري: 49 ـ 51.
2 . الأعلى: 2 ـ3.


(224)

والجدير بالذكر أنّ الإمام علياً ـ عليه السَّلام ـ أشار إلى هذا البرهان ذاته عندما تحدّث عن خلقة النمل قائلاً:

«و لو فكروا في عظيم القدرة، وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة والبصائر مدخولة!

ألا ينظرون إلى صغير ما خلق، كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر ؟

انظروا إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبتّ على أرضها، وصبت على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدّها في مستقرها، تجمع في حرّها لبردها، وفي ورودها لصدرها، مكفولة برزقها، مرزوقة بوفقها، لا يغفلها المنّان، ولا يحرمها الديّان ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس!

ولو فكرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها، وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجباً، ولقيت من وصفها تعباً! فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها! لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه في خلقها قادر، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلتك الدلالة إلاّ على أنّ فاطر النملة هو فاطر النخلة لدقيق تفصيل كل شيء وغامض اختلاف كل حي، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلاّ سواء».

وفي سياق هذا الكلام يقول الإمام ـ عليه السَّلام ـ :


(225)

«وهل يكون بناء من غير بان، أو جناية من غير جان»؟.(1)

وتبعه في ذلك الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ حيث ذكر في أماليه التي أملاها على تلميذه «المفضل» إذا قال عن النحل مثلاً:

«انظر إلى النحل واحتشاده في صنع العسل، وتهيئته البيوت المسدّسة، وما ترى في ذلك من دقائق الفطنة، فإنّك إذا تأمّلت العمل رأيته عجيباً، وإذا رأيت المعمول (أي العسل) وجدته عظيماً شريفاً موقعه من الناس.

وإذا راجعت إلى الفاعل (أي النحل) ألفيته غبياً جاهلاً بنفسه(2) فضلاً عمّـا سوى ذلك، ففي هذا أوضح الدلالة على أنّ الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس للنحل، بل هي للذي طبعه عليها وسخّره فيها لمصلحة الناس».(3)


1 . نهج البلاغة: الخطبة: 180، وللإمام نظير هذا الكلام في الخفاش والطاووس والجراد، راجع نهج البلاغة.
2 . قال المجلسي ـ رحمه اللّه ـ في بحار الأنوار في تعليقته: 3/110 على هذا المقطع من كلام الإمام: أي ليس له عقل يتصرف في سائر الأشياء على نحو تصرفه في ذلك الأمر المخصوص، فظهر أنّ خصوص هذا الأمر (الهام) من مدبّر حكيم.
3 . المصدر السابق.


(226)

(227)

الفصل الرابع

اللّه وسريان معرفته في العالم كلّه


(228)

سريان معرفة اللّه في الكون بأسره

1. الكون بأسره يسجد للّه ويسبّح بحمده.

2. ما هو المقصود من سجود أجزاء الكون؟

3. بيان حقيقة سجود الكائنات.

4. ما المراد من السجود الطوعي والإكراهي؟

5. الحمد والتسبيح الكوني كيف؟

6. آراء المفسرين في تسبيح الكائنات.

7. النظرية الأُولى.

8. النظرية الثانية.

9. النظرية الثالثة.

10. النظرية الرابعة.

11. القرآن وسريان الشعور في عموم الموجودات.

12. القرآن وسريان الشعور في الجمادات.

13. البرهان العقلي على هذا الرأي.

14. سريان الشعور والعلم الحديث.


(229)

ذرّات الكون بأجمعها تسجد للّه وتسبّح بحمده

من الحقائق الجليلة والمعارف الرفيعة التي تضمّنها القرآن الكريم هو إخباره عن سجود الكائنات ـ بأجمعها ـ للّه وتسبيحها له سبحانه .

وتلك حقيقة عليا لم تسمع إذن الدهر من غير هذا الكتاب العزيز بمثل هذا التفصيل والشمولية.

وبعبارة أُخرى فإنّ القرآن الكريم يخبرنا ـ وفي صراحة كاملة ـ أنّ جميع أجزاء العالم ـبدءاً من الذرة حتى أعظم مجرّة ـ تقوم بثلاث وظائف وأعمال كبرى هي:

1. السجود للّه تعالى.

2. حمده وتمجيده عز شأنه.

3. تسبيحه وتنزيهه سبحانه .

وكأنّ الكون بأسره: «كتلة واحدة» من الخضوع والخشوع، والشعور والإحساس والوعي.

أو كأنّ الكون ـ بجميع أجزائه وذرّاته ـ لسان واحد ينطق بحمد اللّه، ويلهج بثنائه، وقلب واحد ينبض بتمجيده، ويؤدّي السجود له.


(230)

والفرق بين السجود والتسبيح والحمد واضح.

أمّا السجود فهو الخضوع أمام كماله المطلق، أو الخضوع أمام أنعامه وأفضاله.

وأمّا الفرق بين الحمد والتسبيح فيتلخص في أنّ الحمد تمجيد للّه وثناء عليه بالجميل الاختياري، في حين أنّ حقيقة التسبيح تعني أنّ موجودات هذا العالم بأجمعها تنزهّه عن أي نقص وعيب.

قال الراغب ـ في مفرداته : ـ «الحمد للّه: الثناء عليه بالفضيلة وهو أخص من المدح، وأعم من الشكر، فإنّ المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره وغيره، فقد يمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه كما يمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه والحمد يصح في الثاني دون الأوّل، والشكر لا يقال إلاّ في مقابلة نعمة فكل شكر حمد وليس كل حمد شكراً، وكلّ حمد مدح وليس كل مدح حمداً».(1)

إذا تبين هذا فإنّ علينا الآن أن نتحدث بالتفصيل عن هذه الأُمور الثلاثة التي هي من معارف القرآن العليا.

ذرّات الكون بأجمعها تسجد للّه

طرح القرآن الكريم قضية «سجود الكائنات بأسرها للّه» في صور مختلفة.

ففي بعض الآيات تحدّث عن سجود ذوات الشعور من موجودات هذا العالم خاصة إذ قال:

(وَللّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلاَلُهُمْ بِالغُدُوِّ


1 . مفردات الراغب باب الحاء: حمد.

(231)

والآصَالِ ).(1)

ففي هذه الآية(2) أُشير إلى سجود الموجودات العاقلة خاصة، بدلالة لفظة (مَن) في قوله (وَللّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّموَاتِ) مع العلم بأنّ (مَن) تستعمل في العقلاء.

وبما أنّ الآية تخبر عن سجود الموجودات العاقلة كلّها بلا استثناء، لا يمكن حملها على السجود التشريعي الصادر من المؤمنين لأجل امتثال أمر إلههم،لأنّه من الواضح عدم عمومية هذا النوع من السجود لكل من له عقل وفكر، فإنّ كثيراً من الناس يتركون عبادة ربهم والسجود له، فعندئذ يجب تفسير الآية بالسجود التكويني الذي سنبيّـن مفاده.

وقد أُشير إلى هذا النوع من السجود، أعني: سجود العقلاء، أيضاً في سورة النحل إذ يقول:

(وَللّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّموَاتِ و ما فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّة وَالْمَلاَئِكَةُ).(3)

والشاهد فيها هو سجود الملائكة.

وفي سورة الحج إذ يقول:

(أَلَمْ تَرَ أَنْ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ).(4)


1 . الرعد: 15.
2 . محل الاستشهاد هو قوله سبحانه : (وَللّهِ يَسْجُدُ مَنْ في السَّماواتِ) باعتبار لفظ «من» وإن كانت لفظة «وظلالهم» دالة على سجود الموجودات غير العاقلة أيضاً، لكن بهذا الاعتبار تدخل الآية في الطائفة الرابعة الآتية.
3 . النحل: 49.
4 . الحج: 18.


(232)

وفي طائفة أُخرى من الآيات تحدّث القرآن عن نطاق أوسع للسجود، فتحدّث عن سجود كلّ الدواب، إذ يقول ـ كما في الآية المتقدمة ـ .

(وَللّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّة).(1)

ثم تحدث ثالثاً عن سجود النباتات والأشجار إذ قال:

(وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَان).(2)

ثم تحدّث رابعاً عن سجود أكثر شمولاً ، إذ قال وهو يخبر عن سجود ظلال الأجسام:

(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْء يَتَفَيَّؤُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً للّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ).(3)

وقد تقدم في التعليقة السابقة دلالة قوله: (وَظِلالُهُمْ) على مفاد هذه الآية أيضاً.

وتحدّث خامساً عن سجود الشمس والقمر والكواكب والجبال والشجر والدواب إذ يقول:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ).(4)

فهذه النصوص القرآنية تفيد بأنّ السجود ظاهرة عامة، وحالة تشمل كل


1 . النحل: 49.
2 . الرحمن: 6.
3 . النحل: 48.
4 . الحج: 18.


(233)

أجزاء هذا الوجود دون أن تختص بشيء معين.

إنّ ما هو المهم ـ هنا ـ هو فهم حقيقة هذا السجود، وكيف أنّ هذه الموجودات أجمع (عاقلها وغير عاقلها) تظهر الخضوع أمام اللّه وتسجد له سبحانه.

ما هو المقصود من سجود أجزاء الكون؟

يؤدّي الإنسان عمل السجود ـ عادةـ بالهوي إلى الأرض ، ووضع الجبين أو الذقن على التراب، وإلى هذا يشير القرآن الكريم إذ يقول:

(إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ للإذْقَانِ سُجَّداً).(1)

وهذه الهيئة ـ ما هي في الحقيقة ـ إلاّ الشكل الظاهري للسجود، ولكن جوهرها وروحها هو «إظـهار غاية التذلّل والخضوع أمام المعبود».

وهنا ينطرح هذا السؤال وهو: هل يلزم ـ في السجود ـ وجود هيئة خاصة بحيث لا يصح استعمال هذه اللفظة مع عدم تلك الصورة الخاصة، أو أنّ ملاك السجود هو مجرد إظهار الخضوع، فإذا تحقّق ذلك، تحقّقت حقيقة السجود وصح إطلاق لفظة السجود على ذلك المورد دونما إشكال، حتى وان لم يكن في البين تلك الهيئة الخاصة، حتى أنّ إطلاق السجود على الهيئة الخاصة ليس إلاّ باعتبار أنّ تلك الهيئة تحكي في نظر العرف عن غاية التواضع ومنتهى الخضوع وباعتبار أنّها ـ في الحقيقةـ طريق إلى إظهار الصغار والتذلّل أمام المعبود ؟


1 . الإسراء: 107.

(234)

الحق أنّ القرآن يختار في هذه المسألة الطريق الثاني، بمعنى أنّ السجود في نظر القرآن الكريم هو إظهار التذلّل والخضوع في أية صورة تحقّق وفي أي شكل وقع.

ويدلّ عليه أنّ أئمّة اللغة فسّـروا السجود بالذل والتطامن تارة، وطأطأة الرأس وانحنائه تارة أُخرى بلا إشارة إلى الهيئة المخصوصة الرائجة.

قال ابن فارس: «سجد يدلّ على تطامن وذل، يقال: سجد، إذا تطامن وكل ما ذلّ فقد سجد، قال أبو عمرو: سجد الرجل، إذا طأطأ رأسه وانحنى.

قال أبو عبيدة أنشدني أعرابي أسدي:

«وقلن له اسجد للبلى فاسجدا»

يعني البعير إذاطأطأ رأسه».(1)

قال الراغب في مفرداته: «السجود أصله التطامن والتذلّل ، وجعل ذلك عبارة عن التذلّل للّه وعبادته، وهو عام في الإنسان والحيوان والجماد، وذلك ضربان:

سجود باختيار وليس ذلك إلاّ للإنسان.

وسجود تسخير وهو للإنسان والحيوان والنبات حتى فسر قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً) (2)، بقوله متذلّلين منقادين».(3)

وعلى ذلك فاحتمال انّ السجدة مختصة بالهيئة المخصوصة واستعمالها في


1 . المقاييس: 2/13 مادة سجد.
2 . البقرة: 58.
3 . مفردات الراغب: مادة سجد.


(235)

غيرها مجاز ، بعيد، كاحتمال أنّ المقصود هو أنّنا ندرك الخضوع والسجود من الموجودات غير الشاعرة لا أنّها تظهر من نفسها التذلّل والخضوع الذي هو أبعد، لكونه خلاف المتبادر من نسبة السجود إلى ذوات الموجودات بأنفسها، لا أنّ الغير يدرك ذلك منها من دون أن توجد حقيقة السجود في ذواتها.

على أنّ العرف والعقل هما أيضاً اختارا هذا الطريق (أي عدم الخصوصية) في أمر استعمال الألفاظ.

فعندما استعملت لفظة المصباح على المصابيح البدائية كالشمعة التي لا تضيء إلاّ بضع سانتيمترات حولها وما عداها من المصابيح البدائية ذات الهيئة الخاصة التي لا تشبه المصابيح الضخمة الحاضرة في أية جهة من الجهات.

أقول: يوم استعملت هذه اللفظة أُريد منها ـ في الحقيقة ـ ما يضيء، ولذلك حيث إنّ خاصية تلكم المصابيح القديمة موجودة ـ بذاتها ـ في المصابيح الحاضرة وبنحو أكمل جاز وصح استعمال اللفظة المذكورة في المصابيح الضخمة القوية الضوء، أيضاً دون أي تغيير .

حقيقة سجود الكائنات

جميع الكائنات في هذا الوجود ، تظهر من نفسها التذلّل والخضوع للّه، وبنحو خاص.

وإنّ أعلى مظاهر ذلك الخضوع، والتذلّل للّه هو كون العالم بأسره تحت أمره سبحانه وفي قبضته، وهو كونها ـ دون استثناء ـ مطيعة له تعالى، ومؤتمرة بأوامره، وخاضعة لمشيئته المطلقة.


(236)

وبتعبير آخر: انّ علامة هذا الخضوع الكوني الشامل هو: سيادة الإرادة الواحدة على الكون برمّته واتّباع كلّ أجزاء هذا العالم لتلك الإرادة العليا الواحدة دون مقاومة، أو تمرّد، ودون طغيان أو تردّد .

وبناء على هذا لا يمكن تصور أي نوع من «الإكراه والكراهية» في السجود بهذا المعنى ونعني به: الإطاعة المطلقة للأرادة الإلهية النافذة في مجال التكوين.

إذ «الإكراه» إنّما يتصور عندما يملك الشيء إرادة واختياراً من نفسه، ليتمكن من معاندة المكره ومقاومته، ومخالفة أمره في حين لا يملك أي واحد من هذه الكائنات «وجوده» دون الاستناد إلى اللّه، فكيف يمكن لها ـ والحال هذه ـ أن تخالف مشيئة اللّه، ويصدق عليها أنَّها مكرهة في سجودها أمام العظمة الإلهية، وخضوعها أمام المشيئة الربانية؟

السجود الطوعي والإكراهي

إذا كان معنى السجود هو خضوع الموجود أمام إرادة اللّه ومشيئته، فلا معنى لتقسيمه إلى الطوعي والإجباري مع أنّا نرى القرآن الكريم يثبت للإنسان ولغيره من ذوي العقول نوعين من السجود إذ يقول:

(وَللّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً).(1)

سجود عن طواعية ورغبة.

وسجود عن كراهية وإجبار.

وفي هذه الصورة لابد أن نختار لهذين النوعين من السجود معنى آخر غير


1 . الرعد: 15.

(237)

ما سلف فنقول: إنّ المراد بـ «السجود الطوعي» هو قبول تلك الحالات الملائمة للطبع البشري أو لطبع أي موجود آخر، كالنمو، ودوران الدم، وضربان القلب، بينما يكون المقصود بـ «السجود الإجباري» هو قبول تلك الحالات المنافية للطبع كالموت والبلاء والمحنة التي تقضي على الإنسان أو الحيوان قبل حلول أجله الطبيعي.

والجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم استعمل هاتين اللفظتين: «طوعاً وكرهاً» في مورد سجود السماوات والأرض، ومن الطبيعي أنّ المقصود من ذلك هو ما قلناه كذلك.

فمراد اللّه من خطابه للسماوات والأرض إذ يقول لهما: (ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ) هو دعوة السماوات و الأرض إلى أن تقبل أي نوع من التغيّـرات والتبدّلات والحالات سواء أكانت ملائمة لطبعها أم لا ؟

وعلى هذا فإنّ قبول الشيء للوجود، وقبوله لأي نوع من التصرّفات سواء أكانت موافقة لطبعه أم مخالفة له، خضوع وإظهار للتذلّل أمام اللّه، غاية ما هنالك أنّ قبول هذه الأُمور قد يكون كلّه عن رغبة وطواعية باعتبار، وقد يكون قبول بعض هذه الحالات عن كراهية عندما تكون على خلاف طبع الشيء.

على أنّه ليس وجود الموجودات هو وحده في قبضة اللّه تعالى، بل ظلالها هي الأُخرى تابعة لإرادته تعالى في حركاتها، وتحوّلاتها، بكرة وعشياً كما قال سبحانه :

(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْء يَتَفَيَّؤُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً للّهِ).(1)


1 . النحل: 48.

(238)

فهل ترى يجوز للإنسان ـ وهو يجد جميع الكائنات حتى ظلالها تسبِّح للّه وحده ـ .

هل يجوز لهذا الإنسان أن يشرك في سجوده أو يمتنع من الخضوع أمامه تعالى، وله يسجد كل ما عداه؟!

وبعد أن تعرّفنا على معنى سجود الموجودات آن الأوان أن نتحدّث بتفصيل أكثر عن تسبيحها وحمدها للّه وتمجيدها له سبحانه .

* * *

إذا وقفت على ما تعنيه آيات السجود فلا يمكن أن يستفاد منها علم الموجودات بسجود نفسها، بعد ما كان معنى السجود هو مطلق خضوعها وتذلّلها لدى إرادة بارئها.

نعم يستفاد سريان العلم في جميع الموجودات من آيات التسبيح كما سيمر عليك.

الحمد والتسبيح الكونيان كيف؟

كل الكائنات ـ في هذا الوجود ـ تسبح للّه، وتحمده، وتمجّده.

هذه ـ كما قلنا ـ حقيقة نطق بها الكتاب العزيز في أكثر من موضع.

وقد مر عليك أنّ الحمد يعني ثناء الموجودات على اللّه، لأجل أفعاله الجميلة وكمالاته الاختيارية، وأنّ التسبيح يعني تنزيهه عن كل عيب ونقيصة، وبالتالي وصف اللّه بالتنزيه عن الصفات السلبية التي لا تليق بشأنه.

قال ابن فارس في مقاييسه: «التسبيح: هو تنزيه اللّه جل ثناؤه من كل سوء،


(239)

والتنزيه: التبعيد، والعرب تقول: سبحان من كذا: أي ما أبعده».

وحيث إنّ بعض الآيات ذكرت كلا اللفظين في مكان واحد، لذلك سنبحث عنهما في مقام واحد أيضاً دون تفريق.

وسنذكر كل الآيات الواردة في هذا الباب فيما يأتي.

***

1. ربما عرض القرآن موضوع تسبيح الموجودات في نطاق واسع، واعتبره أمراً عاماً، وحالة شاملة لكل الكائنات بلا استثناء عندما يقول:

(سَبَّحَ للّهِ مَا فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). (1)

ولفظة (ما) على العكس ممّا يتصوره البعض، تستعمل في العاقل وغيره، والمقصود ـ هنا ـ في هذه الآية هو كل موجود وكائن في السماوات و الأرض.

وعلى هذا الغرار أيضاً كل ما جاء في المواضع التالية من القرآن :

(سَبَّحَ للّهِ مَا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). (2)

(يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). (3)

(سَبَّحَ للّهِ مَا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). (4)

(يُسَبِّحُ للّهِ مَا فِي السَّموَاتِ وَ مَا فِي الأرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِالْحَكِيمِ). (5)


1 . الحديد: 1.
2 . الحشر: 1.
3 . الحشر: 24.
4 . الصف: 1.
5 . الجمعة: 1.


(240)

(يُسَبِّحُ للّهِ مَا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(1)

على أنّ أشد آية صراحة في هذا الشأن هو قوله تعالى:

(تُسَبِّحُ لَهُ السَّموَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ).(2)

والجدير بالذكر أنّ هذه الآية تحمل في ذيلها دليل ما ادّعيناه وهو قوله:

(وَ لكِنْ لا تَفْقَهوُنَ تَسْبِيحَهُمْ).(3)

وهي عبارة تكشف عن أنّ التسبيح العام أمر واقع وكائن، ولكن البشر لا يفقه ذلك.

2. وربّما تحدّث القرآن عن تسبيح الملائكة بالصراحة تارة، وبالكناية تارة أُخرى، إذ يقول:

(وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ).(4)

وقد ورد الإخبار بتسبيح الملائكة في آيات أُخرى غير هذه الآية أيضاً، وهي:

(إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ).(5)


1 . التغابن: 1.
2 . الإسراء: 44.
3 . الإسراء: 44.
4 . الشورى: 5.
5. الأعراف: 206.


(241)

(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ).(1)

(وَلَهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ *يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتَرُونَ).(2)

(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ).(3)

(فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْئَمُونَ).(4)

(وَتَرَى المَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ).(5)

3. وربما ذكر القرآن ـ بعد الاخبار عن عموم التسبيح ـ تسبيح الطير إذ يقول:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّات كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ


1 . الرعد: 13.
2 . الأنبياء: 19 ـ 20.
3 . غافر: 7.
4 . فصلت: 38.
5 . الزمر: 75.


(242)

وَتَسْبِيحَهُ).(1)

إنّ الإمعان في هذه الآية يفيد أنّ القرآن الكريم ينسب «العلم والوعي» إلى الفريق المسبِّح، ويصرّح بأنّ كل واحد من هذه الموجودات يعلم تسبيح نفسه بمعنى أنّ ما يقع منها من تسبيح يقع عن وعي وشعور بذلك، إذ يقول:

(كُلٌّ (أي كل واحد من الموجودات العاقلة والطير) قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) .

وقد ورد تسبيح الطير في آيات أُخرى، وهي:

(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ (2)). (3)

(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِىِّ وَالإشْرَاقِ * وَالْطَيْرَ مْحْشُورَةً كُلٌّ (من الجبال والطير) لَهُ أَوَّابٌ).(4)

4. وفي آيات أُخرى صرح القرآن الكريم بتسبيح الجبال في أوقات خاصة معينة، إذ يقول:

(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِىِّ وَالإِشْرَاقِ).(5)

وقد جاء تسبيح الجبال في آيات غير هذه الآية أيضاً، وهي:

(وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ).(6)

(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ).(7)

5. وتحدث القرآن عن تسبيح الرعد، فقال:

(وَيُسَبِّحُ الْرَّعْدُ بِحَمْدِهِ).(8)


1 . النور: 41.
2 .عطف على محل الجبال، أي ودعونا الطير لتسبّح معه.
3 . سبأ: 10.
4 . ص: 18 و 19.
5 . ص: 18.
6 . الأنبياء: 79.
7 . سبأ: 10.
8 . الرعد: 13.


(243)

والآن يجب أن نعرف ماذا يعني التسبيح؟

التسبيح لغة يعني التنزيه عن النقائص والمعايب.

فعندما ينزّه شخص أحداً عن النقائص والمعايب يقال: سبحه، وقدسه.

إذن فينطوي التسبيح على معنى التقديس والتنزيه، وأي تفسير للتسبيح لا يكون حاكياً عن تنزيه اللّه، وتقديسه من النقائص والعيوب لا يمكن أن يكون تفسيراً صحيحاً ومقبولاً.

آراء المفسرين في تسبيح الكائنات

إنّ بعض المفسرين ـ وإن قال بأنّ المراد من لفظة (ما) في قوله تعالى: (مَا فِي السَّموَاتِ)هو الموجودات العاقلة المدركة الشاعرة كالإنسان والملائكة التي تقدّس الباري، وتنزّهه بكامل شعورها وإدراكها ووعيها ـ ولكن كثيراً من المفسرين لم يرتضوا هذا الرأي وقالوا: بأنّ المقصود من (ما) هو مطلق الموجودات (عاقلة وغير عاقلة، مدركة وغير مدركة) وظاهر الآية يؤيد هذا الرأي، إذ أنّ لفظة (ما) تستعمل عادة في مطلق الموجودات على عكس (من) التي تطلق ـ في الأغلب ـ على أصحاب العقل والإدراك.

أضف إلى ذلك أنّ الآية الدالة على سجود الموجودات غير العاقلة لا تختص بالآيات التي وردت فيها لفظة (ما)، بل كان هناك لفيف من الآيات ذكر فيها تسبيح الطير والجبال والرعد.

وعلى ذلك فالتوجيه المزبور لو صح لتم في القسم الأوّل من الآيات لا في القسم الثاني.


(244)

وقد ذكر فريق من المفسرين توجيهات مختلفة للتسبيح، ولكن أكثرها وإن كانت صحيحة غير أنّها لا ترتبط بالمعنى الحقيقي للتسبيح، وسوف نشير فيما يلي إلى جملة من هذه الآراء.

النظرية الأُولى(1)

قال أصحاب هذه النظرية : إنّ المراد من التسبيح هو «التسبيح التكويني» بمعنى أنّ وجود كل موجود حادث يشهد ـ بحدوثه ـ أنّ له صانعاً خالقاً حتى أنّ وجود المادي الملحد المنكر للّه بلسانه، هو أيضاً، يشهد بوجود الخالق الصانع.

بيد أنّ هذا الرأي ـ رغم صحته واستقامته في حد نفسه ـ لا يمكن أن يكون تفسيراً صحيحاً ومقبولاً للتسبيح، لما قلناه من انطواء التسبيح على معنى (التنزيه) والتقديس من العيوب والنقائص، ولا ربط لدلالة الموجودات على وجود خالق لها بمسألة «التنزيه» و «التقديس» عن العيب والنقص والشريك.

النظرية الثانية

وتقول هذه النظرية : إنّ المقصود من التسبيح هو «الخضوع التكويني» الذي يبديه كل واحد من الموجودات الكونية تجاه مشيئة اللّه وأمره، إذ نحن نلمس بالوجدان كيف يخضع كل الوجود بلا استثناء أمام الإرادة الإلهية، سواء أكان في تقبل الوجود، أم في اتّباع السنن الطبيعية التي قررها وأرساها اللّه في عالم الكون.


1 . هذه النظرية إجمال ما سيوافيك في النظرية الثالثة، ولعل مراد من فسر التسبيح بما في هذه النظرية، هو ما سيأتي في ثالثتها من أنّ العالم كما يدل على وجود خالقه يدل على صفاته من توحيده وعلمه و ... وعلى ذلك تتحد النظريتان.


(245)

فهذه الطاعة المطلقة أزاء تلك الإرادة الإلهية العليا، وهذا الانصياع لتلكم السنن الإلهية هو «تسبيح الموجودات» ليس غير .

ثم يستدل أصحاب هذا الرأي على تسليم جميع الموجودات تجاه الإرادة الإلهية النافذة بآيات، مثل قوله تعالى:

(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)(1).

وبناء على هذه النظرية فإنّ جميع الآيات التي نسب فيها «السجود» والخضوع إلى كل ما في السماوات والأرض، يمكن أن تكون مؤيدة للرأي المذكور .

ولكنّنا نتصور أنّ هذا الرأي غير صحيح هو أيضاً، ذلك لأنّ مسألة «خضوع» الوجود بأسره وبكل أجزائه، وتسليمه للسنن والقوانين الإلهية لا يرتبط بمسألة تنزيه اللّه، وتقديسه تعالى من العيب والنقص والشرك، وينبغي أن لا نخلط بين هذين الموضوعين، وإن كان كل منهما صحيحاً وصائباً في حد ذاته.

النظرية الثالثة

ذهب كثير من المفسرين إلى تفسير تسبيح عموم الموجودات على النحو الآتي ، إذ قالوا:

إنّّ النظام العجيب المستخدم في تكوين كل واحد من هذه الموجودات والدقة المتناهية في هذا النظام دليل على «قدرة» عليا و «حكمة» و «علم» مطلقين لصانعها وخالقها.


1 . فصلت: 11.

(246)

فالكيان المعقّد والعجيب لكل واحد من هذه الموجودات، والمليء بالأسرار كما يشهد بصدق وجلاء على صانع لها، كذلك يشهد ـ بلسان التكوين ـ على خالق واحد، عالم وقدير وحكيم، وعلى الجملة على «علم» ذلك الصانع و«حكمته» و «قدرته» وخلوّه عن أي نوع من الجهل والعجز والعي، بل يكفي في التسبيح دلالتها على صفاته الكمالية فقط، الملازم لدفع الصفات السلبية ولا يجب أن يكون بصورة سلب النقائص ابتداء.

ففي مجال تنزيه اللّه عن «الشريك» مثلاً، تأتي شهادة هذه الموجودات على النحو الآتي:

إنّ النظام الواحد الذي يسود في الذرة والمجرّة على السواء يشهد بأنّ الكون بأسره وجد بإرادة خالق وصنع صانع واحد دون أن تكون لأي خالق آخر مشاركة في هذا الخلق والصنع، وأنّ وحدة النظام دليل على وحدة المنظم وعدم الشريك له سبحانه .

وكذا إنّ سيادة نظام موحد على مجموع أجزاء الكون كما تفيد أنّ ثمة «منظماً واحداً» يحكم هذا العالم، كذلك تكشف الأسرار الدقيقة، والتقدير المتقن عن «علم» صانعها و «حكمته» و «قدرته» الملازم لتنزّهه عن الجهل واللعب والعجز(1)، وقد مر أنّه يكفي في التسبيح دلالة الشيء على كمال المؤثر الملازم


1 . هذا مضافاً إلى أنّ هذه النظرية تفصيل لما أجمل في النظرية الأُولى، فإنّ القائل بالنظرية الأُولى أجمل القول واكتفى بالقول بأنّ كل موجود حادث يدل على وجود محدثه، لكن القائل بالنظرية الثالثة بسط الكلام وأفاد بأنّ وجود كل حادث كما يدل بحدوثه على وجود محدثه، كذلك يدل بصفاته (أعني: النظام السائد فيه) على صفات موجده من العلم والقدرة والحكمة، وخلوّه عن العجز والجهل والعبث.
ولأجل هذا قلنا إنّ النظرية الثالثة تفصيل لما جاء في الأُولى.


(247)

لدفع العيب عنه ولا يلزم أن يدل على تنزيهه من الجهل مطابقة.

ولنا على هذا الرأي الذي اعتمد عليه كثير من المفسرين ملاحظات من عدة جهات:

1. إذا كان هذا هو مقصوده سبحانه من تسبيح عموم الموجودات، فهو ممّا يدركه ويفقهه جميع الناس أو أكثرهم، ولا معنى لأن يقول القرآن في سورة الإسراء الآية 44: (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) .

وقد اضطر البعض إلى إصلاح هذه النظرية بتفسير جملة (لا تفقهون)بأنّها بمعنى عدم الانتباه والالتفات، وإنّ أكثر الناس غير منتبهين إلى تسبيح الموجودات، أمّا لانغماسهم في المادية، أو لأجل كون دلالة الموجودات على «تنزيه» اللّه عظيمة جداً بحيث لا يمكن للبشر أن يقف على مداها.

ولكن لا يخفى انّ هذا التوجيه خلاف ظاهر الآية ، ولو صح ما فسروا به جملة (لا تفقهون)للزم أن يقول «ولكنكم إذا لاحظتم تفقهون» أو ما يناسب ذلك مع ما نعرف من الدقة في التعبير القرآني ، لا أن يسلب عنهم العلم والفهم بتاتاً.

هب أنّ أكثر الناس غير واقفين على دقة الخلقة وأسرارها والروابط السائدة على المخلوقات غير أنّ ذلك لا يصحح سلب العلم عن الناس عامة، جاهلهم وعالمهم، ولا سيما في هذا العصر الذي ظهرت فيه البواطن والأسرار واكتشفت الحقائق.

2. إذا كان تسبيح الموجودات بالمعنى المذكور في هذه النظرية ، (أي أنّنا يمكن أن ندرك من التدبّر في خلقة الأشياء نزاهة خالقها وصانعها من الجهل


(248)

والعجز) فلماذا وصف القرآن بعض الحيوانات كالطير بإدراكها لتسبيحها وتنزيهها لربها وكونها تعلم بحقيقة تسبيحها إذ قال:

(كُلّ (أي كل من في السماوات والأرض والطير) قَد عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ).(1)

وبتعبير أوضح: لماذا نسب القرآن الكريم «العلم» إلى الطير بشكل صريح في حين أنّ مقتضى هذه النظرية هو أنّها لا تعلم بتسبيح نفسها، ولا تشعر ولا تدرك ذلك، بل نحن فقط نشعر ونعلم بتسبيحها التكويني من التدبّر في خلقتها ودقة صنعتها دون أن تشعر هي نفسها بذلك.

اللّهم إلاّ أن يخصص العلم ـ بحكم ظاهر الآية ـ بالموجودات العاقلة للفظة (من في السموات والأرض)وخصوص الطير .

3. إذا كان المقصود من تسبيح الكائنات هو ما جاء في هذه النظرية لما كان لهذا التسبيح وقت خاص، وزمان معين.

بل هو (أي التسبيح بلسان التكوين) حقيقة ملازمة للكائنات في كل وقت وآن، بحيث يدركها البشر أنّى تدبّر في خلقتها، وأنّى تفكّر في تكوينها، وتمعّن في صنعها، في حين أنّ القرآن الكريم يحدّد زمن «تسبيح الجبال» بأوقات خاصة من طرفي النهار بكرة وأصيلاً، إذ يقول في سورة (ص الآية 18):

(يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِىِّ وَالإِشْرَاقِ).(2)


1 . النور: 14.
2 . إلاّ أن يكون «العشي والإشراق» كنايتين عن مداومة التسبيح طول الليل والنهار، وعند ذلك لا يصلح هذا الوجه للاستدلال.


(249)

نعم يمكن أن يقال: إنّ تحديد تسبيحها بالعشي والإشراق، لأجل أنّ تسبيح داود كان محدّداً بهذين الوقتين وكانت الجبال يسبحنّ معه، ولأجل تلك التبعية صار تسبيح الجبال محدّداً بها.

ولكن ذلك لا يضر بالمقصود، إذ هو حاك عن سريان شعور مرموز إليها بحيث تدرك تسبيح ولي اللّه سبحانه في أوقات خاصة فتنطلق تسبح معه كما هو صريح الآية.

واحتمال أنّ تسبيح الجبال كتكلّم شجرة موسى، وأنّ التسبيح إذا صدر من عباد اللّه الصالحين، تتجاوب معه الجبال بصورة خارقة كتكلم الشجرة بأمره، ولأجل ذلك صح اسناد التسبيح إلى الجبال، احتمال لا يمكن الركون إليه في تفسير الآية إلاّ بشاهد من نفسها أو خارجها والظاهر هو المتبع ما لم يذدنا عنه البرهان.

على أساس هذه الملاحظات ـ بالرغم من صحة نظرية التسبيح التكويني في كل موجود في حد ذاتها ـ لا يمكن حمل «آيات التسبيح الكوني» عليها والقول بأنّها ناظرة إلى هذا المعنى.

النظرية الرابعة

وهذه النظرية هي للفيلسوف الإسلامي الجليل المرحوم «صدر المتألّهين» صاحب الآراء الجليلة في الإلهيات، وما وراء الطبيعة، وأحد كبار المؤسّسين


(250)

لأُصول الفلسفة الإسلامية، المحقّقين النادرين(1).

يقول هذا الفيلسوف الإسلامي ما توضيحه:

إنّ الكون بجميع أجزائه يسبح للّه ويحمده ويثني عليه تعالى عن شعور وإدراك.

فلكل موجود من هذه الموجودات نصيب من الشعور والإدراك بقدر ما يملك من الوجود من نصيب .

وعلى هذا الشعور تسبّح الموجودات كلّها، خالقها، وبارئها، وربها سبحانه وتنزّهه عن كل نقص وعيب.

ثم يقول:

إنّ العلم والشعور والإدراك كل ذلك متحقّق في جميع مراتب الوجود، ابتداء من «واجب الوجود» إلى النباتات والجمادات، وأنّ لكل موجود يتحلّـى بالوجود سهماً من الصفات العامة كالعلم والشعور والحياة و .. و .. ولا يخلو موجود من ذلك أبداً، غاية ما في الأمر أنّ هذه الصفات قد تخفى علينا ـ بعض الأحيان ـ لضعفها وض آلتها.

على أنّ موجودات الكون كلّما ابتعدت عن المادة والمادية، واقتربت إلى التجرد ، أو صارت مجردة بالفعل ازدادات فيها هذه الصفات قوة وشدة ووضوحاً


1 . ولد عام 979 هـ في شيراز من بلاد إيران، و توفّي عام 1050 هـ في طريق الحج في البصرة.
لقد أنشأ المرحوم السيد حسين البروجردي في تاريخ وفاته قوله ـ كما في كتابه نخبة المقال ـ :
ثم ابن إبراهيم صدر الأجل في سفر الحج «مريضاً» ارتحل
قدوة أهل العلم والصفــاء يروي عن الداماد والبهائـــي


(251)

بينما كلما ازدادت اقتراباً من المادةوالمادية، وتعمقت فيها، ضعفت فيها هذه الصفات، وضؤلت حتى تكاد تغيب فيها بالمرة، كأنّها تغدو خلوة من العلم والشعور والإدراك ولكنّها ليست كذلك (أي أنّها ليست خلوة من العلم والشعور والإدراك) ـ كما نتوهم ـ إنّما بلغ فيها ذلك من الضعف، والض آلة بحيث لا يمكن إدراكها بسهولة وسرعة(1).

ثم إنّ صاحب هذه النظرية أثبتها عن طريق الأدلة والبراهين الفلسفية، والمكاشفات النفسانية.

على أنّه خطا خطوة أكبر ، إذ قال: انّ ما يقوله القرآن بأنّ البشر لا يفقه تسبيح الموجودات، ناظر إلى أغلب الناس، لأنّ أغلبهم لا يفقهون هذا التسبيح، ولا يمنع ذلك من أن يفقهه بعض العارفين الذين ارتبطت أرواحهم بحقائق الموجودات ، فلمسوا تسبيح الكائنات عامة، بعين القلب، واطّلعوا على تقديسها للّه سبحانه ، وانقيادها لمشيئته، وخضوعها له.

أجل أنّ القلوب الخالية من الوساوس الشيطانية، الطاهرة من العلائق المادية التي صارت محلاً للنور الإلهي ومحطّاً للفيوض الربانية، ومهبطاً للبركات المعنوية قادرة على «مشاهدة» هذه الحقائق العليا، مشاهدة وجدانية، وإدراكها إدراكاً قلبياً لا يتطرق إليه شك، وماذا يمنع من ذلك يا ترى؟

***

وبعد أن وصل البحث إلى هذه النقطة يلزم أن نحاول الوصول إلى هذه الحقيقة القرآنية ، بالتدبّر في آياتها التي تنسب الشعور والعلم إلى عموم


1 . راجع الأسفار: 1/18 و 6/139 ـ 140، الطبعة الجديدة.

(252)

الموجودات، لأنّ القرآن إذا نسب « التسبيح والحمد» إلى عمومها، فهو في نفس الوقت يصف كل ذرات العالم بأنّها شاعرة، ومدركة، وسامعة.

فإذا وضعنا هاتين الطائفتين من الآيات إلى جانب بعض، ثبتت لنا صحة النظرية التي ذهب إليها «صدر المتألّهين».

وإليك ـ فيما يأتي ـ الآيات الدالة على سريان الشعور، والعلم في عامة الموجودات بدءاً من الذرة وانتهاء بالمجرة، مع ما يمكن استنباطه واستفادته من هذه الآيات .

سريان الشعور في عموم الموجودات

ويمكن إثبات هذا الادّعاء عن طريقين:

أوّلاً: عن طريق الآيات التي تشهد على وجود الشعور، وسريانه في جميع موجودات هذا العالم، أحيائها، وغير أحيائها.

ثانياً: عن طريق البراهين والدلائل العقلية التي تثبت وجود الشعور في كل ذرات الكون.

وإليك الطريق الأوّل: ويتألف من آيات متعددة هي:

1. يشهد القرآن ـ بصراحة ووضوح ـ على أنّ النمل تتمتع بشعور خاص، لأنّها عندما مر على واديها سليمان وجنوده راحت نملة تخاطب بني نوعها وتحثّها على الدخول في بيوتها لئلاّ يسحقها سليمان وجنوده، كما يحدثنا القرآن إذ يقول:

(يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ). (1)


1 . النمل: 18.

(253)

وكان هذا النداء التطميني (أو التحذيري) من تلك النملة، نداء حقيقياً، واقعياً، ولا يمكن أن نحمله على معنى مجازي، وندعي بأنّ ما قالته النملة كان بلسان «الحال»، وذلك لأنّ سليمان تبسّم على أثر سماعه ذلك النداء، ودعا ربّه أن يوفقه للشكر على ما وهبه وأنعم عليه وعلى والديه، إذ يقول القرآن :

(فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا(1) وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ).(2)

2. انّ في القرآن قصة عن الهدهد تكشف عن شعور خاص لدى هذا الطائر، بحيث يمكن للهدهد أن يميز بواسطته: الموحد عن المشرك وبحيث كان سليمان يبعثه في إنجاز مهام معينة تحتاج إلى الشعور وتتطلب العلم والفهم.

وإليك هذه القصة بلسان القرآن نفسه:

(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَان مُبِين * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيد فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَم تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِين * إِنِّي وَجَدْتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الْشَّيْطَانُ أعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا للّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخُفْونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ


1 . إنّ في لفظة «قولها» دلالة على أنّ نداءها لم يكن بلسان الحال، بل كان بالكلام والقول الذي ينطلق من شعور و ادراك.
2 . النمل: 19.


(254)

مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرجِعُونَ).(1)

ألا يدل فعل هذا الطائر ـ العجيب ـ الذي يدرك كل الأُمور الدقيقة، ويخبر عنها بدقة وأمانة، ويمتثل لأُوامر سيده سليمان على أحسن وجه.

أقول: ألا يدل كل هذا على أنّ هذا الطائر يتمتع بشعور خاص وإدراك مخصوص هو الذي أهّله لتحمّل تلك المسؤولية الكبيرة الدقيقة؟

3. يعد القرآن من مفاخر سليمان: علمه بمنطق الطير،وهذا يكشف عن وجود منطق خاص للطير كاشف عن شعوره بما يقول، إذ قال:

(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ).(2)

كما أنّ القرآن يخبرنا بأنّ سليمان ألّف جيشاً ضخماً من الإنسان والجن والطير، وكانت جميعها تحت أمره، ورهن إرادته، وإشارته:

(وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ).(3)

وهكذا يستفاد من مجموع هذه الآيات أنّ الطيور والنمل تتمتع بنوع خاص من الوعي والشعور، وأنّه لو أُتيح للإنسان أن يحكم على الكون كله، لاستطاع أن يتحدث معها ويعرف حديثها، وأن يستفيد منها في إرساء النظام التوحيدي وتقوية دعائمه، وتحطيم مظاهر الشرك والوثنية وتقويض قواعدها، كما استفاد سليمان من الهدهد ذلك الأمر، والظاهر أنّه لا خصوصية للمورد.


1 . النمل: 19 ـ 28.
2 . النمل: 16.
3 . النمل: 17.


(255)

سريان الشعور في الجمادات

تحدّثت الآيات القرآنية عن هذه الحقيقة بنحو ما، وراحت تنسب أفعالاً إلى (الجمادات) تقترن بالشعور وتثبت الإدراك لها.

فالقرآن الكريم يرى أنّ سقوط بعض الصخور من نقطة ما إنّما هو نتيجة خوفها من اللّه وخشيتها منه تعالى إذ يقول:

(وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ).(1)

نعم ربما يحتمل أنّ المراد من قوله تعالى: (وإِنَّ مِنها (مِنَ الحْجَارَةِ) لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ ...) هو التعبير عن شدّة قسوة قلوب اليهود، بشهادة أنّ من الحجارة ما تتفجّر منه الأنهار، دون قلوبهم، وانّ من الحجارة ما يهبط من خشية اللّه دونها، وعند ذاك لا تصلح الآية للاستدلال على سريان الشعور في الموجودات عامّة.

غير انّ هذا الاحتمال لا يضر بما ذهبنا إليه، فإنّ التعبير عن شدّة قسوة قلوبهم يجتمع مع دلالة الآية على سريان الشعور في عامّة الموجودات، فإنّ الآية أثبتت للحجارة صفتين: التفجّر، والهبوط من خشية اللّه.

فكما أنّ التفجّر أمر حقيقي لها، فكذلك الهبوط من خشية اللّه أمر حقيقي لها، ومع ذلك تدلّ على شدّة قسوة قلوبهم.

وفي آية أُخرى يخبر القرآن الكريم عن قضية عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وامتناع هذه الأشياء عن حملها خشية و إشفاقاً فيقول:

(إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّموَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا


1 . البقرة: 74.

(256)

وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ).(1)

غير أنّ طائفة من المفسرين فسّـروا هذه الآية ونظائرها بالمعاني المجازية، وبأنّ كل هذا الذي يخبر عنه القرآن تم بلسان الحال، بمعنى أنّها أبين وأشفقن عن تحمّل الأمانة المعروضة عليها، بلسان حالها، لا بلسان مقالها الكاشف عن الشعور في حين أنّ هذا التفسير والحمل ضرب من اتخاذ المواقف قبل البحث والدرس وهو أمر لا مبرر له، إذ لا دليل على حمل مثل هذه الآيات على غير ظاهرها، وتأويل هذه الحقيقة ـ التي يتحدّث عنها القرآن بصراحة ـ بمعان مجازية، ومحامل لم يقم عليها دليل.

على أنّ عدم توصل العلم إلى هذه الحقيقة، أعني: وجود الشعور عند عامّة الموجودات لا يكون دليلاً ـ أبداً ـ على عدم وجود هذا الشعور عند هذه الكائنات، لأنّ وظيفة العلم إنّما هي الإثبات فقط، وليس للعلم حق «النفي» والسلب، والإنكار .

إنّ العلم لم يبلغ تلك المرحلة من المعرفة، والإحاطة بحقائق الكون، إحاطة يمكنه معها أن ينكر ما لا يعرف وجوده أو عدمه(2).

وفي موضع آخر يقول القرآن في هذا الصدد :


1 . الأحزاب: 72.
2 . وهذه إحدى الفروق بين العلم والفلسفة فإنّ للثانية حق النفي والإثبات وليس للأوّل ذلك الحق، لأنّ الوسائل التي يتوسل بها العلم للتحقيق أقصر من أن يتوسل بها إلى الإحاطة بجميع الموجودات ، وهذا بخلاف الفلسفة فإنّها تجعل صفحة الوجود مسرحاً لنقاشها ونفيها، وإثباتها وللبحث عن الفرق الكامل بين العلم والفلسفة موضع آخر .


(257)

(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعَاً مُتَصَدِّعَاً مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ).(1)

ولا ريب أنّنا لو تجرّدنا عن آرائنا الشخصية حول الآيات القرآنية ، لوجب علينا أن نقول: إنّ هذه الجبال لابدّ أنّها تنطوي على قابلية الخشوع والتصدّع لكي يصح أن يتوجه إليها الخطاب الإلهي القرآني .

إذ ليس من المعقول أن ينسب القرآن الكريم ـ وليس من شأنه المبالغة الكاذبة ـ هذا النوع من الحالة (أي حالة الخشوع) إلى ما لا يكون قابلاً لها.

وربّما يحتمل أنّ الآية كناية عن عظمة القرآن وجلالة قدره، بدليل انّه لو أنزله اللّه على جبل لخشع وتصدّع، ولا يستلزم هذا إثبات قابلية الشعور في الجبال.

غير انّ الإجابة على هذا الاحتمال واضحة جداً، فإنّ هذا التفسير مبني على ما سلّم به القائل مسبقاً من أنّه لا شعور في الجبال، ولذلك عاد ففسر الآية على ما بنى عليه.

ولو تخلّـى عن هذه الفكرة ـ كما قلناه آنفاً ـ ودرس الآية بدون فكرة سابقة لوقف على أنّ الآية مع دلالتها على عظمة القرآن تدل أيضاً على وجود شعور في الجبال، وقابلية للخضوع والخشوع الحقيقيين لديها.

وليست دلالة الآية على عظمة القرآن مانعة عن دلالتها على الأمر الثاني.

ويستفاد وجود مثل هذا الشعور والوعي في الجبال من بعض الآيات الأُخرى عندما تقول:

(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ).(2)


1 . الحشر: 21.
2 . إبراهيم: 46.


(258)

وكقوله تعالى:

(تَكَادُ السَّموَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً)(1).

فإذا لم تكن في «الجبال» تلك القابلية وذلك الوعي لما يدور خارجها لما صحت هذه التوصيفات والنسب، ولوجب حينئذ أن نفترض لهذه الآيات «معاني مجازية» من قبيل المبالغة، والتمثيل تماماً كما ذهب إليها بعض المفسرين حيث ارتكبوا حملها على التجوز والتمثيل .

نعم يمكن أن تكون الآية وسابقتها ناظرتين إلى أمر آخر وهو: أنّ عظم مكرهم بلغ إلى حد يمكن أن تنقلع به الجبال وتنشق السماء والأرض، والإزالة والانشقاق أثر المكر لا أن تزول وتنشق بتأثر ناشئ عن إدراك وشعور لديها.

فمكرهم أو قولهم بأنّ اللّه اتخذ ولداً قد بلغ من التأثير السيّء إلى حد الآلة الهدامة.

على أنّ الآيات المرتبطة بيوم القيامة تكشف النقاب عن وجود هذا الوعي والشعور ـ فضلاً عن إمكانه ـ حيث إنّها تخبرنا عن تكلّم الأيدي والأرجل والجلود وشهادتها على الإنسان في ذلك اليوم الرهيب بأمر اللّه، فإذا بها تشهد على العصاة بكل ما فعلوا من أفاعيل، وآثام، بدقة متناهية.

وإليك هذه الآيات :

(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).(2)

(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا


1 . مريم: 90.
2 . النور: 24.


(259)

يَكْسِبُونَ).(1)

(وَيَومَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إَذَا مَا جَاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).(2)

نعم الآية واردة في شهادة الجلود يوم القيامة و الاستدلال بها على إمكانية وجود الشعور في جلود الإنسان هنا في الدنيا يحتاج إلى لطافة ذوق فإنّ النشأة الأُخروية ليست مباينة للنشأة الدنيوية.

ثم إنّ القرآن يشهد ـ بصراحة تامة ـ في آيات أُخرى بأنّ الارض تتحدث بأمر اللّه وتخبر عما وقع على ظهرها إذ يقول:

(يَوْمَئِذ تُحَدِّثُ (أي الأرض) أخْبَارَها * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا).(3)

كما أنّ القرآن الكريم يخبرنا عن طاعة « السماوات والأرض » الكاشفة عن وجود مثل هذا الوعي فيها إذ يقول:

(ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).(4) (5)


1 . يس: 65.
2 . فصلت: 19 ـ 21.
3 . الزلزلة: 4 ـ 5.
4 . فصلت: 11.
5 . والخطاب إلى السماء والأرض باعتبار أنّ الخطاب توجّه إليهما بعد إيجاد مادتهما الأُولى بشهاد قوله سبحانه : (وهي دخان) فلا يمكن قياس تلك الآية بالآيات التي ورد فيها لفظ كن، فإنّ الخطاب هناك تكويني لغرض الإيجاد، دون المقام.


(260)

هذه الآيات ونظائرها تفيد ـ حسب نظر من يتخلّـى عن آرائه الشخصية عند فهم مقاصد القرآن ـ سريان الشعور والفهم في جميع أجزاء هذا العالم، وذراته.

أمّا كيف وماذا تكون حقيقة هذا الشعور والفهم والوعي، وما هو مستواها وحجمها فذلك ما ليس بواضح ولا معلوم لنا، بيد أنّ هذا الجهل لا يمكن أن يكون سبباً للإنكار فما أكثرها من حقائق في هذا الوجود لا يعرفها البشر المحدود الرؤية والتفكير .

ومما يجدر بالذكر أنّ الأدعية الإسلامية قد أشارت إلى هذا الموضوع، نذكر من باب المثال بعض النماذج:

«تسبّح لك الدواب في مراعيها والسباع في فلواتها، والطير في وكورها، وتسبح لك البحار بأمواجها والحيتان في مياهها».(1)

كما أنّنا نقرأ في «الصحيفة السجادية» نظير هذا حيث يخاطب الإمام السجاد «الهلال» عند رؤيته، إذ يقول ـ عليه السَّلام ـ:

«أيّها الخلق المطيع الدائب السريع المتردّد في منازل التقدير، المتصرّف في فلك التدبير ... ».(2)

بعد ملاحظة هذه الآيات والروايات الكاشفة عن سريان الشعور والفهم في كل الموجودات يتعيّـن علينا أن نختار نظرية المرحوم صدر المتألّهين التي فسر فيها التسبيح المذكور في مورد الكائنات عامة، بالتسبيح «الحقيقي الواقعي» بمعنى أنّ


1 . راجع كتب الأدعية.
2 . الصحيفة السجادية: الدعاء: 43.


(261)

الموجودات تسبّح للّه، عن شعور وإدراك لا بلسان «الحال» والتكوين كما ذهبت إليه النظريات الأُخرى.

البرهان العقلي على هذا الرأي

ويمكن إثبات هذا الرأي بالدليل العقلي، وأُصول «الحكمة المتعالية»(1) وخلاصة ذلك هي: أنّ الوجود ـ في كل مراتبه ـ ملازم للشعور والعلم والوعي، وكل شيء نال حظاً من الوجود، فإنّه يتمتع بالوعي والعلم والشعور بقدر ما نال من الوجود .

ويتألّف الدليل الفلسفي لهذا الادّعاء من مقدمتين ونتيجة:

1. انّ ما هو أصيل في الكون، ومصدر لجميع الآثار والكمالات هو : «الوجود » .

فهو منبع كل فيض معنوي ومادي وهو منشأ كل علم وقدرة وكل إدراك وحياة.

فكل ذلك ناشئ من وجود الأشياء، بحيث لو انتفى الوجود من البين، لتوقّفت جميع الحركات وسكنت جميع النشاطات وانعدمت كل الفيوض وآل كل ذلك إلى العدم .

2. ليس للوجود ـ في كل مراحله من واجب وممكن ومجرد ومادي وعرض وجوهر ـ إلاّ حقيقة واحدة لا أكثر .

وحقيقة الوجود وان لم تكن واضحة لنا ولكننا يمكننا أن نتعرف عليها


1 . هذه اللفظة تشير إلى مدرسة شيخ المتألّهين صدر الدين الشيرازي ـ رحمه اللّه ـ .

(262)

بسلسلة من المفاهيم الذهنية ونقول:

إنّ الوجود هو الذي يطرد العدم وتفيض العينية والتحقّق منه للأشياء.

وبعبارة أُخرى: ليست للوجود ـ من أشرفه إلى أخسّه، من واجبه إلى ممكنه ـ إلاّ حقيقة واحدة، تتفاوت في الشدة والضعف حسب تفاوت مراتبه ودرجاته وليست الشدة إلاّ نفس الوجود، لا أمراً منضماً إليه وليس الضعف إلاّ محدودية الوجود .

فللوجود ـ في جميع مراتبه ـ حقيقة واحدة، ونشير إلى تلك الحقيقة الواحدة بأنّها «طاردة للعدم» أو كونها نفس العينية الخارجية، وإن كانت لتلك الحقيقة مراتب مختلفة من الشدة والضعف لكن الاشتداد ليس إلاّ نفس الوجود لا أمراً زائداً عليه، كما أنّ الضعف ليس إلاّ محدوديته، لا أمراً ينضم إليه.

فإذا اعتبرنا الوجود منبعاً للكمالات، وأنّه ليس له إلاّ حقيقة واحدة لا أكثر وجب أن نستنتج من تلك المقدمات هذه النتيجة وهي: إذا كان الوجود في مرتبة خاصة من مراتبه ـ كوجود الحيوانات ـ ذا أثر، وهو العلم والشعور فلابد أن يكون هذا الأثر سارياً في كل المراتب بنسبة ما فيها من الوجود.

وغير هذه الحالة يجب إمّا أن لا يكون الوجود منشأ للكمالات ومنبعاً للآثار وإمّا أن نتصور للوجود حقائق متباينة، أي أن نعتبر حقيقته في مرتبة الحيوانات متغايرة عما هي في مرتبة النباتات والجمادات.

إذ ليس من المعقول أن يكون لحقيقة واحدة أثر معين في


(263)

مرتبة دون مرتبة أُخرى منها.

وبتعبير آخر إذا كان الوجود ذا حقائق متباينة جاز أن يكون ذا أثر معين في مورد ما بينما يكون فاقداً لذلك الأثر في مورد آخر .

ولكن إذا كانت للوجود حقيقة واحدة، ولم تختلف مصاديقها إلاّ في الشدة والضعف فحينئذ لا معنى لأن يكون الوجود ذا أثر في مرحلة بينما يكون فاقداً لذلك الأثر في مرحلة أُخرى.

هذه هي خلاصة البرهان الفلسفي الذي تحدث عنه المرحوم صدر المتألّهين في مواضع مختلفة من كتبه.

على أنّ ظواهر الآيات القرآنية تؤيد هذه الحقيقة إذ تقول: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).(1)

سريان الشعور والعلم الحديث

من حسن الحظ أنّ العلوم الحديثة ـ اليوم ـ أثبتت بفضل جهود المحققين والباحثين: «وجود الوعي والعلم» في عالم النبات إلى درجة أنّ علماء روس اعتقدوا بأنّ للنبات أعصاباً على غرار الإنسان ، وأنّها تصرخ وتظهر من نفسها ردود فعل معينة.

وإليك ما نشرته صحيفة اطلاعات في هذا الصدد :

«كشفت إذاعة موسكو عن نتائج جديدة لتحقيقات علماء روس في عالم النبات حيث قالت: بأنّ العلماء توصلوا مؤخراً إلى أنّ للنباتات أجهزة عصبية شبيهة بالأجهزة في الحيوانات.

ولقد توصل العلماء إلى هذه الحقيقة بعد أن علّقوا أجهزة سمع وبث


1 . الإسراء: 44.

(264)

الكترونية دقيقة على ساق نبات القرع ثم لاحظوا ـ بوضوح ـ ظهور ردود فعل غريبة على ساق النبات المذكور عندما راحوا يقطعون بعض جذوره!!

وفي الوقت ذاته كانت قد أُجريت اختبارات مشابهة في المختبر الفسيولوجي للنبات بأكاديمية العلوم الزراعية أفرزت نتائج مشابهة أيضاً!

ففي هذه الاختبارات وضعوا جذور إحدى النباتات في ماء ساخن فضبطوا على أثره صيحات ألم وأنات صدرت من النبات غير أنّ هذه الأصوات لم تسمع بالطبع بالأُذن المجردة، وإنّما أجهزة تسجيل الأصوات الالكترونية الدقيقة هي التي التقطت هذه الصرخات، وسجلتها على أشرطة خاصة».(1)


1 . جريدة اطلاعات.

(265)

الفصل الخامس

اللّه والتوحيد الذاتي
«وانّه لا نظير ولا مثيل له»


(266)

اللّه والتوحيد الذاتي

1. أنواع الوحدات.

2. شهادة اللّه على وحدانيته سبحانه .

3. بحث حول كيفية شهادته سبحانه .

4. إجابة عن سؤال.

5. وجود اللّه غير متناه .

6. عوامل المحدودية منتفية في ذاته تعالى.

7. اللامحدود لا يتعدد .

8. سؤال وجواب.

9. سؤال آخر وجواب.

10. أحاديث أئمّة أهل البيت حول وحدانية اللّه.

11. وحدة اللّه ليست وحدة عددية.

12. الآلهة الثلاثة أو خرافة التثليث.

13. كيف تسرب التثليث إلى النصرانية؟

14. رأي القرآن في التثليث.

15. آثار المسيح البشرية.


(267)

التوحيد في الذات

قبل الخوض في دراسة الآيات القرآنية وتحليل الدلائل العقلية والمرتبطة بوحدانية الذات الإلهية المقدسة يلزم أن نذكّر القارئ الكريم بنقاط هي:

1. قلنا فيما تقدم أنّ المحقّقين الإسلاميين اختصروا ولخصوا مراتب التوحيد في أربع هي :

أ. التوحيد الذاتي.

ب. التوحيد الصفاتي.

ج. التوحيد الإفعالي.

د. التوحيد العبادي.

لكن مراتب التوحيد ـ في الحقيقة ـ لا تنحصر في هذه الأقسام الأربعة، بل ثمة مراتب أُخرى له قد ورد ذكرها في الكتاب العزيز، وسوف يوافيك شرحها، وبيانها تدريجياً.

والمقصود من «التوحيد الذاتي» هو أنّ اللّه لا شريك ولا نظير ولا شبيه ولا مثيل له.

وبتعبير أوضح، إنّ «التوحيد الذاتي» هو أنّ الذات الإلهية لا تقبل التعدّد


(268)

ولا يمكن أن يتصوّر الذهن مصداقاً وفرداً آخر للّه في عالم الخارج، فالذات الإلهية تكون بحيث لا تقبل التعدّد والتكثّر .

***

2. يتركز اهتمام القرآن ـ في الأغلب ـ على : مسألة « التوحيد الافعالي» و«التوحيد العبادي » وقلّما يهتم القرآن ـ في الظاهر ـ بالتوحيد «الذاتي» و التوحيد في «الصفات» وقلّما يتناولهما بالبحث والبيان.

بيد أنّ الناظر في المفاهيم والمعارف التي يتناولها القرآن الكريم لو أجاد النظر في الآيات القرآنية لوجد أنّ القرآن تعرض للمسألتين الأخيرتين أيضاً، ولكن في مستويات أرفع يحتاج فهمها واستيعابها واستنتاجها إلى مزيد فحص وإمعان.

***

3. لقد قسّم الفلاسفة الإسلاميون الوحدة إلى أربعة أنواع:

أ. الوحدة الشخصية (العددية).

ب. الوحدة الصنفية .

ج. الوحدة النوعية.

د. الوحدة الجنسية.

ولتوضيح ذلك نقول:

هناك «وحدة شخصية» و «واحد بالشخص» كما أنّ هناك «وحدة صنفية» و «واحداً بالصنف» ثم «وحدة نوعية» و «واحداً بالنوع» كما أنّ هناك «وحدة جنسية» و «واحداً بالجنس».


(269)

وربما يخلط بينهما وإلى هذا الاختلاط والالتباس يشير الحكيم السبزواري في منظومته الفلسفية قائلاً:

و واحد بالنوع غير النوعي في مثله التمييز أيضاً مرعي

وعمدة الفرق بين الصورتين أنّ الأمرين اللّذين يقعان تحت الصنف أو النوع الواحد مثلاً يسميان «واحداً بالنوع أو بالصنف أو بالشخص أو بالجنس».

فزيد وعمرو بما أنّهما داخلان تحت «نوع واحد» وهو «الإنسانية» فهما واحدان بالنوع كما أنّ مفهوم الإنسانية له «وحدة نوعية».

و الإنسان والفرس بما أنّهما داخلان تحت جنس واحد فهما «واحدان بالجنس» أعني الحيوانية، كما أنّ ذلك المفهوم «أي مفهوم الحيوانية» له وحدة جنسية.

وقس عليه الوحدة الصنفية مثلاً ، فالطالبان بما أنّهما داخلان تحت عنوان طلبة العلم فهما واحدان بالصنف ويكون لمفهوم الطالبية «وحدة صنفية».

4. على هذا الأساس لا يمكن ولا يجوز أن نصف اللّه تعالى بالوحدة العددية بأن نقول اللّه واحد ليس باثنين.

إذ أنّ هذا التعبير إنّما يجوز استعماله فيما يمكن تصور فرد «ثان» للشيء الموصوف بالوحدانية، في الخارج، أو في عالم الذهن، وان لم يكن للمفهوم المعين سوى مصداق واحد.

ولكن إذا كانت كيفية وجود الشيء بحيث لا يمكن تصور فرد آخر مثيل له أبداً، كما بالنسبة إلى اللّه سبحانه ، ففي هذه الصورة لا تتحقق الوحدة العددية مطلقاً، ولا يصح إطلاقها واستعمالها في مثل هذا المورد بتاتاً.


(270)

إنّ الدلائل العقلية، التي سنذكر طائفة منها ـ في هذا المقام ـ لتذكرنا وتهدينا إلى النقطة الهامة، وهي: أنّ الذات الإلهية «حقيقة خارجية» لا تقبل التعدّد والكثرة بأي شكل من الأشكال وحتى لو أمكننا افتراض «ثان» له فإنّه سيكون نفسه لا غيره(1).

هذا مضافاً إلى أنّ «الوحدة العددية إنّما تصح إذا اندرج الفرد الواحد المعين تحت ماهية كلية كالفرد أو الفردين من أفراد الإنسان التي تندرج تحت عنوان الإنسان .

وهذا التصور باطل في شأن «اللّه»، إذ لا تندرج ذاته سبحانه أبداً تحت أية ماهية كلية.

وبتعبير فلسفي، إنّ اللّه منزّه عن الماهية وأن يندرج تحت مفهوم ذاتي.

5. سنبحث في الفصل التاسع من هذا الكتاب حول لفظة «الإله» و «اللّه» وسوف نقول هناك أنّ لفظة إله ولفظة اللّه ترجعان ـ لفظاً ومعنى ـ إلى شيء واحد غير أنّ لفظة «إله» عامّة ولفظة «اللّه» اسم خاص، ولذلك يجمع الأوّل لكونه اسماً عاماً، في حين لا يمكن جمع الثاني لكونه اسماً خاصاً، وعلماً.

فعلى هذا تكون الآيات التي وردت في القرآن الكريم بشكل «لا إله إلاّ اللّه» وما شابهها ناظرة إلى وحدانية الذات الإلهية، ونفي المثيل والنظير له تعالى.

وقد أخطأ من حمل هذه الآيات على « التوحيد العبادي» ونفي معبودات غير اللّه، لأنّ «إله» كما قلنا ليس بمعنى المعبود، بل هو ولفظة اللّه سواسية في اللفظ والمعنى.


1 . سوف نوضح هذا البرهان بمزيد من البيان في المستقبل.

(271)

6. انّ أوضح آية دلالة على توحيد الذات ونفي الشريك والنظير للّه سبحانه هو قوله تعالى:

(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(1)

وقد وردت في القرآن آيات أُخرى بهذا المضمون وفي عبارات متنوعة مثل:

(لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ).(2)

(لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ).(3)

(لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ).(4)

(لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا).(5)

وغير ذلك مما يمكن الوقوف عليها بمراجعة «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن» بسهولة ويسر .

وإليك آيات أُخرى في هذا الصدد :

(فَاطِرُ السَّموَاتِ وَالأرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجَاً وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).(6)


1 . آل عمران: 18.
2 . محمد: 19.
3 . الحشر: 22.
4 . الأنبياء: 87.
5 . النحل: 2.
6 . الشورى: 11.


(272)

وهل الكاف في الآية زائدة فيكون هدف الآية نفي المثل له، أو غير زائدة فيكون معناها نفي مثل المثل له، ويستلزم ذلك نفي المثل بالدلالة الالتزامية إذ من الطبيعي أنّه إذا لم يكن لمثل الشيء مثل فلن يكون لذاته مثل أصلاً.

وتوضيح ذلك:

قال التفتازاني: إنّ الآية بصدد نفي شيء بنفي لازمه، لأنّ نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم كما يقال: ليس لأخي زيد أخ فأخو زيد ملزوم والأخ لازمه، لأنّه لابد لأخي زيد من أخ هو زيد، فنفيت هذا اللازم والمراد نفي ملزومه، أي ليس لزيد أخ، إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ هو زيد.

فكذا نفيت أن يكون لمثل اللّه مثل، والمراد نفي مثله تعالى إذ لو كان له مثل لكان هو مثل مثله إذ التقدير انّه موجود .

ثم نقل عن صاحب الكشاف وجهاً آخر لعدم زيادة الكاف، وهو : انّهم قد قالوا مثلك لا يبخل والغرض نفيه عن ذاته، فسلكوا طريق الكناية قصداً إلى المبالغة، لأنّهم إذا نفوه عما يماثله وعمّن يكون على أخص أوصافه فقد نفوه عنه. فحينئذ لا فرق بين قوله: ليس كاللّه شيء وقوله: ليس كمثله شيء، إلاّ ما تعطيه الكناية من فائدتها وهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته.(1)

(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ).(2)


1 . المطول: بحث المجاز المفرد 320.
2 . الإخلاص: 1 ـ 4.


(273)

توضيحات حول الآية الأُولى

تذكر الآية الأُولى ـ بجلاء تام ـ شهادة اللّه والملائكة والعلماء على وحدانية اللّه، وعلينا هنا أن نعرف كيف تكون شهادة اللّه على هذا الموضوع.

1. يمكن أن تحمل هذه الشهادة على الشهادة القولية كما نشهد نحن على وحدانيته بقولنا: «لا إله إلاّ اللّه».

وقد شهد اللّه على وحدانيته بالشهادة اللفظية عن طريق القرآن وهو الوحي والكلام الإلهي، ضمن الآيات التي تعرضت لبيان هذه الوحدانية وإثباتها، وقد أشرنا إلى بعضها ـ فيما تقدم ـ .

وجملة (قَائِمَاً بِالقِسطِ) إشارة إلى القسط الإلهي في القول والعمل، ومن المعلوم أنّ قبول الشهادة فرع «عدالة الشاهد» وصدقه فلما كان الشاهد عادلاً كانت شهادته صادقة وصحيحة.

2. يمكن أن تكون هذه الشهادة (المذكورة في الآية ) شهادة عملية، لأنّ اللّه بخلقه الكون الذي يسوده نظام واحد، وتترابط أجزاؤه، وكأنّـها موجود واحد، وكائن فارد أثبت عملياً وحدانية الذات المدبرة لهذا الكون ووحدانية الإرادة المنظمة، الحاكمة على هذا العالم.

أليس لو كان يحكم إلهان أو أكثر على هذا الكون لم يكن هذا النظم، ولما كان لهذا التلاحم والترابط وجود ولا أثر ؟

والحق أنّ «الرأي الأوّل» أفضل وأقوم، لانسجام هذا الرأي مع شهادة الفريقين الآخرين، أعني: شهادة الملائكة وأُولي العلم، التي يناسب أن تكون شهادتهما «قولية»، وحفظ سياق الآية يقتضي تفسير الشهادات الثلاث بمعنى


(274)

واحد.

هذا مع العلم أنّ هذه الآية ليست هي الآية الوحيدة التي تخبر عن شهادة «اللّه»، بل ورد نظير ذلك في آيات أُخرى أيضاً، ولا يمكن لأحد حملها على الشهادة العملية فقط .. وذلك مثل:

(لَكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً).(1)

ولأجل ورود مثل هذه الشهادة في القرآن الكريم (خاصة بالنظر إلى قوله يشهد بما أنزل) ينبغي أن نحمل الشهادة المذكورة في الآية المبحوثة على: الشهادة اللفظية، التي يحكي «الوحي» الإلهي عنها.

سؤال في المقام

إنّ الهدف من الشهادة هو أن يتعرف السامع على حقيقة ما، لاعتقاده بعدالة الشاهد وصدقه حتى إذا كان «المشهود به» من القضايا الاعتقادية اعتقد به، وإذا كان من الوظائف العملية أتى به.

ولا شك في أنّه لا شاهد أعدل من «اللّه» ولا أصدق منه حديثاً، فإذا شهد بوحدانية نفسه، أزالت هذه الشهادة كل شك في ذلك وكل ريب وتردد.

ولكن من أين يمكن إثبات أنّ هذا القرآن الذي يتضمن شهادة اللّه، هو كلام اللّه وحديثه وخطابه ووحيه؟!

والجواب: أنّ القرآن أثبت انتسابه إلى اللّه تعالى عن طريق تحدي الناس، وأنّه


1 . النساء: 166.

(275)

ليس من صنع الفكري البشري، وعن طريق عجز الناس عن مواجهة هذا التحدي، والإتيان بمثل القرآن في جميع الدهور .

وإذا ثبت كون القرآن «وحياً إلهياً» عن هذا الطريق، لزم قبول كل الشهادات الواردة فيه ـ بشكل مطلق ـ دونما مناقشة أو تردد .

***

وأمّا الفريق الثاني من الشهود، أعني: الملائكة، فهو يسبح للّه باستمرار وعلى الدوام وينزّهه، ويقدّسه عن كلّ عيب ونقص وخاصة عن الشريك.

وقد نقلت شهادة هذا الفريق في الكتاب العزيز بنحو آخر، إذ يقول القرآن:

(وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ).(1)

***

وأمّا الفريق الثالث من الشهود، أعني: أُولي العلم، فهم يشهدون بوحدانية اللّه بالاستلهام من البراهين المتنوعة، كبرهان «الفطرة»، لأنّ الإنسان يتوجه عند الشدائد، إلى اللّه الواحد دائماً، وهذا هو خير دليل على وحدانيته سبحانه .

هذا بالإضافة إلى غيره من الأدلّة العقلية، وآيات وحدانية ذاته تعالى، التي تهديهم إلى هذه الشهادة ، ونحن ـ في هذا الفصل ـ سنشير إلى بعض هذه الأدلة العقلية الدالة على وحدانية الذات الإلهية، كما سنورد الدلائل الآفاقية، والأنفسية، على وحدانية خالق الكون في فصل «التوحيد في الخالقية».


1 . الشورى: 5.

(276)

ولا يفوتنا أن نطلب من القارئ الكريم في هذا المقام أن يعيد مطالعة الآية المبحوثة ويمعن فيها وفي مفادها ثم يسلم ويخضع أمام منزلها وموحيها، لكي يكون في عداد الشهود بوحدانية اللّه، مع الملائكة وأُولي العلم.

قال الزبير بن العوّام: قلت لأدنونّ هذه العشية من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، وهي عشية عرفة حتى أسمع ما يقوله، فحبست ناقتي بين ناقة رسول اللّه وناقة رجل كانت إلى جنبه فسمعته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: (شهد اللّه أنّه لا إله إلاّ هو)إلى آخرها، فما زال يردّدها حتى رفع.(1)

والآن حين انتهينا من دراسة الآية الأُولى، يلزم أن نعطي بعض التوضيحات حول الآية الثانية، والثالثة.

ففي الآية 11 من سورة الشورى جاء قوله سبحانه هكذا:

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ) .

وفي الآية الرابعة من سورة الإخلاص نقرأ قوله سبحانه :

(وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) .

فلماذا ليس للّه مثيل ولا نظير؟

فهل من غير الممكن أن يكون له نظير؟

أم أنّ ذلك ممكن ـ أساساً ـ ولكن لم يكن للّه تعالى نظير ولا مثيل من باب المصادفة والاتفاق.

إنّ الدلائل العقلية والقرآنية تهدينا إلى امتناع مثل هذا الكفو والنظير ـ


1 . مجمع البيان: 1 ـ 2/717.

(277)

أساساً ـ ولذلك يتعين علينا أن نتوقف هنا قليلاً ونصغي إلى شهادة العقل.

لقد استدل الفلاسفة الإسلاميون على وحدانية الذات الإلهية المقدسة من طريقين:

أ. الوجود «غير المتناهي» لا يقبل التعدّد.

ب. الوجود «المطلق» لا يقبل التعدّد.

وسنعمد ـ هنا ـ إلى توضيح البرهان الأوّل فحسب، لكونه ذا جذور قرآنية.

وأمّا البرهان الثاني فيطلب توضيحه من الكتب الفلسفية والكلامية، التي تتحدث عن الصفات الإلهية.(1)

وإذا ثبتت لنا «لا محدودية» وجود اللّه، حينئذ يسهل علينا تصوّر توحيده.

والآن يجب علينا إثبات الأمرين(2) بأوضح دليل وبرهان.

أ. وجود اللّه غير متناه

إنّ محدودية الموجود ملازمة للتلبس بالعدم.

لنفترض كتاباً طبع بحجم خاص ثم لننظر إلى كل طرف من أطرافه الأربعة، فإنّا نرى أنّه ينتهي ـ ولا شك ـ إلى حد معين ينتهي إليه وجود الكتاب، وحدود حجمه، ولا شيء وراء ذلك.

ولنفترض جبال الهملايا فهي مع عظمتها محدودة أيضاً، ولذلك لا نجد بين


1 . شرح المنظومة للحكيم السبزواري: 143، وفي ذلك يقول:
صرف الوجود كثرة لم تعرضا لأنّه أمّا التوحد اقتضــــى
2 . أي لا محدودية اللّه، واستلزام ذلك، لتوحيده تعالى.


(278)

كل جبلين من جبال الهملايا أي أثر للجبل وذلك دال على أنّ كلاًّ من الجبلين محدود.

من هذا البيان نستنتج أنّ «محدودية» أية حادثة من حيث «الزمان» أو محدودية أي جسم من حيث «المكان» هي أن يكون وجوده مزيجاً بالعدم، وانّ المحدودية والتلبس بالعدم متلازمان.

ولذلك فإنّ جميع الظواهر والأجسام المحدودة «زماناً ومكاناً» مزيجة بالعدم، ويصح لذلك أن نقول في حقّها بأنّ الحادثة الفلانية، لم تتحقق في الزمان الفلاني أو أنّ الجسم الفلاني لا يوجد في المكان الفلاني.

على هذا الأساس لا يمكن اعتبار ذات «اللّه» محدودة، لأنّ لازم المحدودية هو الامتزاج بالعدم، والشيء الموجود الممزوج بالعدم موجود باطل لا يليق للمقام الربوبي الذي يجب كونه حقاً ثابتاً مائة بالمائة كما هو منطق القرآن الكريم والعقل حول اللّه سبحانه .

(ذلِكَ بأنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الباطِلُ).(1)

ويمكننا أن نستدل لإثبات لا محدودية الذات الإلهية بدليل آخر هو :

عوامل المحدودية منتفية في ذاته

ويقصد من «انتفاء عوامل المحدودية في ذاته» أنّ للمحدودية موجبات وأسباباً، منها: «الزمان والمكان» فهما من أسباب محدودية الظواهر والأجسام.

فالحادثة التي تقع في برهة خاصة من الزمان حيث إنّ وجودها مزيج


1 .الحج: 62.

(279)

بالزمان، فمن الطبيعي أن لا تكون هذه الظاهرة في الأزمنة الأُخرى.

كما أنّ الجسم الذي يشغل حيزاً ومكاناً معيناً من الطبيعي أن لا يكون في مكان وحيز آخر، وهذا هو معنى « المحدودية ».

في هذه الصورة لا بد أن يكون وجود اللّه المنزّه عن الزمان و المكان منزّهاً من هذه القيود المحدّدة.

وحيث لا يمكن تصوّر الزمان والمكان في شأنه تعالى، لزم وصفه سبحانه باللامحدودية من جانب الزمان والمكان.

وبتعبير آخر، أنّ الشيء الذي يتصف بالكم والكيف لابدّ و أن يكون محدوداً بحد، إذ لازم اتصاف الشيء بكمية أو كيفية معينة، هو عدم اتصافه بكمية وكيفية آخرى مضادة.(1)

أمّا عندما يكون الشيء خالياً وعارياً عن أي نوع من أنواع الكيفية والكمية، بل يكون وجوده أعلى من الاتصاف بهذه الأوصاف فإنّه يكون لا محالة «غير متناه» وغير محدود من هذه الجهات، كما هو واضح وبديهي.

إلى هنا استطعنا أن نثبت ـ ببيان واضح ـ لا محدودية الذات الإلهية، وقد حان الأوان أن نثبت المطلب الثاني، أعني: عدم إمكان تعدّد اللامحدود.

ب. اللامحدود لا يتعدّد

هذا أمر يتضح بأدنى تأمل، لأنّنا إذا اعتبرنا «اللامحدود» متعدداً فإنّنا


1 . لأنّ التكيّف والاتصاف بالكيفيات والكميات والإضافات والانتسابات توجب للأشياء المحدودية بالحدود، والموجود العاري عن هذه القيود لا يتحدد بأي نوع من المحدودية، واللّه سبحانه منزَّه عن الكيف والكم، منزَّه عن الانتساب والإضافة.

(280)

نضطر حينئذ ـ لإثبات الاثنينية ـ إلى أن نعتبر كل واحد منهما «متناهياً» من جهة أو جهات، ليمكن أن نقول: هذا غير هذا.

لأنّ ذينك الشيئين إذا كان أحدهما عين الآخر من كل الجهات لم يصدق ـ حينئذ ـ كونهما اثنين، أي لم تصح الاثنينية.

وبعبارة أُخرى: انّ نتيجة قولنا: هذا غير ذاك. هي أنّ وجود كل واحد منهما خارج عن وجود الآخر ، وإنّ الثاني يوجد حيث لا يوجد الأوّل ويوجد الأوّل حيث لا يوجد الثاني، وهذه هي «المحدودية» و «التناهي»، في حين أنّنا أثبتنا في الأصل الأوّل: «عدم محدودية اللّه وعدم تناهيه».

ومن باب المثال نقول: إنّما يمكن افتراض خطين غير متناهيين في الطول إذا كانا متوازيين (أي كانا بحيث لا يشغل الأوّل مكان الثاني)، ففي مثل هذه الصورة فقط يمكن افتراض اللانهائية واللامحدودية في كل من الخطين.

أمّا عندما نفترض جسماً غير متناه في الكبر والسعة في جميع أبعاده فإنّه لا يمكن ـ حينئذ ـ أن نفترض وجود جسم آخر غير متناه في الكبر والسعة في جميع أبعاده على غرار الجسم الأوّل.

لأنّ المفروض أنّ الجسم الأوّل لكونه «غير محدود» في الكبر والسعة، شغل كل الفضاء، وبهذا لم يترك أي مجال لجسم آخر، وإلاّ لعاد الجسم الأوّل «محدوداً» وهو خلاف ما افترضناه.

وحينئذ إمّا أن يكون الجسم الثاني عين الجسم الأوّل قطعاً، وإمّا أن يكون الجسم الأوّل محدوداً من جهة أو من جهات.

وهكذا الأمر في الحقيقة الإلهية التي لا حد لها ولا نهاية.

***


(281)

من هذين البيانين اتضح مقصود القرآن الكريم من قوله:

(ليس كمثله شيء) .

وقوله:

(ولم يكن له كفواً أحد) .

كما اتضح أيضاً لماذا لا تكون الوحدة التي نصف بها الذات الإلهية، وحدة عددية، لأنّ مثل هذه الوحدة (أي العددية) إنّما تتصور إذا أمكن تصور فردين أو أفراد للشيء، في حين لا يمكن تصور التعدّد في مورد اللامحدود، لأنّ كل واحد من الفردين عند افتراض التعدّد، غير الآخر، ومنتهى حدود الآخر، ولهذا يكون أي واحد منهما غير محدود، وغير متناه في حين أنّنا افترضنا الأوّل غير محدود، وغير متناه.

سؤال في المقام

نرى في الكتاب العزيز مجيء وصف «القهار» عقيب وصف اللّه بـ «الواحد» مثل قوله:

(وَمَا مِنْ إِله إِلاَّ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).(1)

(سُبْحَانَهُ هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).(2)

(وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).(3)


1 . ص: 65.
2 . الزمر: 4.
3 . الرعد: 16.


(282)

وهنا ينطرح سؤال عن وجه الارتباط بين وصفي الوحدانية والقهارية؟

الجواب:

الحق أنّ «القهارية» دليل على وحدانية اللّه، لأنّ الشيء المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، وعلامة المقهورية هي أن يصح سلب أُمور منه، مثلاً يصح أن يقال في شأنه:

هذا الجسم ليس هناك أو أنّه لم يكن في ذلك الوقت.

وعلى هذا فإنّ المقهورية هي سبب المحدودية.

وأمّا إذا كان الشيء «قاهراً» من كل الجهات، فلا تتحكم فيه الحدود قطعاً، واللامحدودية تستلزم الوحدانية والتفرّد، ولأجل ذلك قورنت صفة الوحدانية بوصف القاهرية، وقال: ( الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) .

وفي الحقيقة يمكن اعتبار هذا النوع من الوصف (أي الوصف بالقهارية) إشارة إلى ذلك الدليل العقلي الذي ذكرناه في هذه الإجابة.

وهكذا يتضح وجه الارتباط بين وصفي «الوحدانية» و «القهّارية» اللّذين اجتمعا في بعض الآيات القرآنية .

سؤال آخر:

إذا كان وجود اللّه منزّهاً عن الوحدة العددية، ففي هذه الصورة ماذا يكون معنى الآيات التي تصف اللّه بأنّه «الواحد»، والواحد، كما نعلم، هو ما يقابل الاثنين والثلاث إلى غيرهما من الأعداد ، كقوله سبحانه :


(283)

(وَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)(1)

(وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).(2)

خاصة إذا عرفنا بأنّ هذه الآيات نزلت في مقام الرد على ما كان يذهب إليه المشركون من الاعتقاد بـ «تعدّد الآلهة» ، والذين كانوا يقولون:

(أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).(3)

الجواب: انّ الهدف من هذه الآيات ـ في الحقيقة ـ هو استنكار ما كان يعتقده المشركون بأنّ لكل قبيلة وقوم إلهاً خاصاً بها كانوا يعبدونه ولا يعتقدون بآلهة الآخرين.

فالمقصود من هذه الآيات هو إبطال إلوهية هذه الأوثان والآلهة المدّعاة وتوجيه الأذهان إلى «اللّه الواحد» بدل تلك الآلهة المتعددة.

وأمّا أنّ وحدته كيف؟ وعلى أي وجه؟ ومن أي نوع من أنواع الوحدات الأربع تكون هذه الوحدة؟ فليست الآيات المذكورة ناظرة إليه، بل يجب استفادة هذا الأمر من الإشارات التي وردت في القرآن إلى هذه الوحدة في مواضع أُخرى .

أحاديث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ حول وحدانية اللّه

لقد ورد هذان الموضوعان، أعني: عدم تناهي ذاته سبحانه وعدم الوحدة العددية، المذكوران في البرهان العقلي في أحاديث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أيضاً فهي


1 . البقرة: 163.
2 . العنكبوت: 46.
3 . ص: 5.


(284)

صرّحت بنفي المحدودية والتناهي في الذات الإلهية، و صرّحت أيضاً بعدم صدق «الوحدة العددية» في حقّه سبحانه .

فقد قال الإمام الثامن علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ في خطبة ألقاها على جماعة من العلماء:

«ليس له حد ينتهي إلى حده، ولا له مثل فيعرف بمثله»(1).

ومما يستحق الإمعان والدقة أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ ـ بعد نفيه الحد عن اللّه ـ نفى المثيل له سبحانه لارتباط اللامحدودية وملازمتها لنفي المثيل على النحو الذي مر بيانه.

ومن ذلك ما قاله الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في وقعة الجمل عندما كان بريق السيوف يشد إليها العيون، وكانت ضربات الطرفين تنتزع النفوس والأرواح التفت إليه رجل من أهل العراق وسأله عن كيفية وحدانية اللّه، فلامه أصحاب الإمام وحملوا عليه قائلين له: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب (أي تشتت الفكر واضطراب البال)؟!

فقال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :

«دعوه فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم».

ثم قال ـ شارحاً ما سأل عنه الأعرابي ـ :

«وقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد».


1 . توحيد الصدوق: 33.

(285)

ثم أضاف ـ عليه السَّلام ـ قائلاً:

«هو (أي اللّه) واحد ليس له في الأشياء شبيه، كذلك ربنا»(1).

وهكذا يصرح الإمام بأنّ الواحدية المذكورة هنا تعنى أنّه لا عديل له لا أنّه واحد على غرار قولنا: «هذا قلم واحد» الذي يكون مظنة لإمكان الاثنينية، إذ في هذه الصورة يمكن أن يكون ذات مصاديق متعددة و أفراد متكثرة، ولكنه انحصر في اللّه، وهذا خلف، وغير صحيح.

الآلهة الثلاثة أو خرافة التثليث

بعد أن درسنا ـ بالتفصيل ـ الآيات المرتبطة بتوحيد اللّه ، يلزم أن نعرف نظر القرآن في حقيقة التثليث.

الحقيقة أنّه قلّما نجد عقيدة في العالم تعاني من الإبهام والغموض كما تعاني منها المسيحية.

كما أنّه قلّما توجد مسألة في غاية الإبهام واللامعقولية كما تكون عليه مسألة «التثليث» في تلك العقيدة.

لقد أدّى تقادم الزمن وتطور الحياة والتكامل الفكري وتضاؤل العصبيات المذهبية والتحولات الفكرية، أدّت كل هذه الأُمور إلى ظهور «طبقة» جديدة بين مفكري المسيحية وعلمائها، كما تسببت في وجود فجوة عميقة بين العلم والمنطق من جانب، وبين معتقداتهم القديمة من جانب آخر بشكل لا يمكن ملؤها بأي نحو، وأي شيء.

غير أنّ هذه «الطبقة الجديدة» من العلماء المسيحيين اتخذت لملء هذه


1 . توحيد الصدوق: 83.

(286)

الفجوة الفكرية وهذا الخلاء العقيدي طريقين:

الطريق الأوّل: محاولة البعض منهم لتأويل تلك المعتقدات المسيحية الباطلة المرفوضة حتى في المنطق البشري الحاضر، وإعطاء هذه الأفكار الخرافية صبغة منطقية عصرية كما نشاهد ذلك في تأويلهم لمسألة التثليث.

الطريق الثاني: هو اجتناب التأويل واتباع قاعدة أتفه وهي قولهم: «بأنّ طريق العلم يختلف عن طريق الدين» وأنّه من الممكن أن يقول الدين بشيء أو يرتضي أصلاً لا يصدقه العلم فيه. وإنّه ليس من الضروري أن يطابق الدين مع العلم دائماً.

وبالتالي قبول خرافة «الدين يخالف العلم».

ولكن هؤلاء غفلوا عن نقطة هامة جداً وهي أنّ القول بخرافة: «مضادة الدين للعلم» ستؤدي في الم آل إلى إبطال أصل الدين، لأنّ اعتقاد البشر بأي دين من الأديان يتوقف على الاستدلالات العقلية والعلمية، وفي هذه الصورة، نعني: مضادة العلم للدين، كيف يمكن إثبات صحة الدين بالاستناد إلى الأُسس العقلية والعلمية والحال أنّ بين الدين والعلم مباينة ـ حسب هذه النظرية ـ أو أنّ في الدين ما ربما يخالف العلم والعقل؟!!

إنّ البحث في العقيدة النصرانية حول سيدنا المسيح يتركّز في مسألتين:

1. التثليث وانّ اللّه سبحانه هو ثالث ثلاثة.

2. كونه سبحانه اتخذ ولداً.

والمسألتان مفترقتان من حيث الفكرة وإقامة البرهان، ولأجل ذلك نعقد لكل واحدة منهما عنواناً خاصاً.


(287)

كيف تسربت خرافة التثليث إلى النصرانية؟

ينقل الأُستاذ فريد وجدي نقلاً عن دائرة معارف «لاروس»:

«أنّ تلاميذ المسيح الأوّليّين الذين عرفوا شخصه، وسمعوا قوله، كانوا أبعد الناس عن اعتقاد أنّه أحد الأركان الثلاثة المكونة لذات الخالق وما كان بطرس أحد حوارييه، يعتبره إلاّ رجلاً موحى إليه من عند اللّه، أمّا بولسن فإنّه خالف عقيدة التلامذة الأقربين لعيسى وقال: إنّ المسيح أرقى من إنسان وهو نموذج إنسان جديد أي عقل سام متولد من اللّه»(1).

إنّ التاريخ البشري يرينا أنّه طالما عمد بعض أتباع الأنبياء ـ بعد وفاة الأنبياء أو خلال غيابهم ـ إلى الشرك والوثنية ـ تحت تأثير المضلّين ـ وبذلك كانوا ينحرفون عن جادة التوحيد الذي كان الهدف الأساسي والغاية القصوى لأنبياء اللّه ورسله.

إنّ عبادة بني إسرائيل للعجل وترك التوحيد الذي هداهم النبي العظيم موسى له، لمن أفضل النماذج لما ذكرناه وهو ما أثبته القرآن والتاريخ للأجيال القادمة، وعلى هذا فلا داعي للعجب إذا رأينا تسرب خرافة «التثليث» إلى العقائد النصرانية بعد ذهاب السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ وغيابه عن أتباعه.

إنّ تقادم الزمن قد رسخ موضوع «التثليث» وعمّقه في قلوب النصارى وعقولهم بحيث لم يستطع حتى أكبر مصلح مسيحي ونعني «لوثر» الذي هذّب العقائد المسيحية من كثير من الأساطير والخرافات وأسس المذهب البروتستانتي، لم يستطع لوثر هذا من التخلّص من مخالب هذه الخرافة وأحابيلها.


1 . دائرة معارف القرن العشرين مادة ثالوث.

(288)

رأي القرآن في التثليث

يعتبر القرآن الكريم «قضية التثليث» مرتبطة بالأديان السابقة على المسيحية ويعتقد أنّ المسيح ـ عليه السَّلام ـ نفسه ما كان يدعو إلاّ إلى اللّه «الواحد» الأحد إذ يقول:

(لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إنّ اللّهَ هُوَ المسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسرائيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ إنّهُ مَنْ يُشْـرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ)(1).

ويعتقد القرآن أنّ النصارى هم الذين أدخلوا هذه الخرافة في العقائد المسيحية إذ يقول:

(وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)(2).

لقد أثبتت تحقيقات المتأخرين من المحققين صحة هذا الرأي القرآني بوضوح لا لبس فيه.

فهذه التحقيقات والدلائل التاريخية جميعها تدل على أنّه أدخلت ـ في القرن السادس قبل الميلاد ـ إصلاحات على الدين البراهماني، وفي النتيجة ظهرت الديانة الهندوسية.

وقد تجلّـى الرب الأزلي الأبدي وتجسد ـ لدى البراهمة ـ في ثلاثة مظاهر وآلهة:

1. برهما (الخالق).


1 .المائدة: 72.
2 . التوبة: 30.


(289)

2. فيشنو (الواقي).

3. سيفا (الهادم).

ويوجد هذا الثالوث الهندوكي المقدس في المتحف الهندي، في صورة ثلاث جماجم متلاصقة، ويوضح الهندوس هذه الأُمور الثلاثة في كتبهم الدينية على النحو التالي:

«براهما»: هو الموجد في بدء الخلق، وهو دائماً الخالق اللاهوتي، ويسمى الأب.

«فيشنو» : هو الواقي الذي يسمى عند الهندوكيين بالابن الذي جاء من قبل أبيه.

«سيفا»: هو المفني الهادم المعيد للكون إلى سيرته الأُولى.

لقد أثبت مؤلف كتاب «العقائد الوثنية في الديانة النصرانية» في دراسته الشاملة حول هذه الخرافة وغيرها من الخرافات التي تعج بها الديانة النصرانية أثبت أنّ هذا «الثالوث» المقدس كان في الديانة البراهمانية، وغيرها من الديانات الخرافية، قبل ميلاد المسيح ـ عليه السَّلام ـ بمئات السنين.

وقد استدل لإثبات هذا الأمر بكتب قيمة وتصاوير حية توجد الآن في المعابد والمتاحف يمكن أن تكون سنداً حياً، ومؤيداً قوياً لرأي القرآن الكريم ، الذي ذكرناه عما قريب.

ثم في هذا الصدد يكتب غوستاف لوبون:

«لقد واصلت المسيحية تطورها في القرون الخمسة الأُولى من حياتها مع


(290)

أخذ ما تيسر من المفاهيم الفلسفية والدينية اليونانية والشرقية وهكذا أصبحت خليطاً من المعتقدات المصرية والإيرانية التي انتشرت في المناطق الأوربية حوالي القرن الأوّل الميلادي، فاعتنق الناس تثليثاً جديداً مكوناً من الأب والابن وروح القدس مكان التثليث القديم المكون من نروپي تر، وژنون ونرو».(1)

***

لقد أبطل القرآن الكريم مسألة التثليث بالبرهان المحكم إذ قال:

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعاً).(2)

نعم لم يرد في هذه الآية كلام صريح عن التثليث بل تركز الاهتمام فيها على إبطال «إلوهية المسيح»، ولكن طرحت ـ في آيات أُخرى ـ إلوهية المسيح في صورة إنكار «التثليث» ومن هذا الطرح يعلم أنّ إلوهية المسيح كانت مطروحة بصورة «التثليث» وتعدد الآلهة كما قال القرآن في موضع آخر :

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِله إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ)(3).

يقيم القرآن الكريم ـ في هذا المجال ـ برهانين في غاية الوضوح والعمومية، وها نحن نوضحهما فيما يأتي:

والبرهانان هما:

1. قدرة اللّه على إهلاك المسيح.


1 . قصة الحضارة.
2 . المائدة: 17.
3 . المائدة: 73.


(291)

2. أنّ المسيح مثل بقية البشر يأكل ويمشي و ...

يقول القرآن حول البرهان الأوّل:

(فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعاً وَللّهِ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ).(1)

ولا ريب أنّ جميع النصارى يعترفون بأنّ السيد المسيح «ابن» لمريم ولذلك يقولون: المسيح ابن مريم.

فإذا كان عيسى «ابناً» لمريم فلابد أنّه بشر كسائر البشر وآدمي كبقية الآدميين، محياه ومماته بيد اللّه، وتحت قدرته، فهو تعالى يهبه الحياة متى يشاء، وهو تعالى يميته متى أراد، ومع هذه الحالة كيف تعتبره النصارى «إلهاً» وهو لا يملك لنفسه حياة ولا موتاً؟!!»

والجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم وجّه في هذه الآية عناية كاملة إلى «بشرية» المسيح باعتبار أنّ بشرية المسيح تؤلِّف أساس البرهان الأوّل ولذلك نجد القرآن يصفه ـ عليه السَّلام ـ بأنّه ابن مريم، ويتحدث عن «أُمه» وعن جميع من في الأرض فيقول: (وََأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعاً)مشيراً إلى بشريته، بل وليثبت أنّ المسيح ليس أكثر من كونه واحداً من آحاد البشر وفرداً من أفراد النوع الإنساني يشترك مع بني نوعه في كل الأحكام على السواء.

وبعبارة أوضح أنّ هناك قاعدة في الفلسفة الإسلامية هي قاعدة «حكم


1 . المائدة: 17.

(292)

الأمثال» التي تقول: «حكم الأمثال فيما يجوز [عليها] وما لا يجوز واحد».

فإذا كان هلاك أفراد الانسان (ما عدا المسيح) ممكناً كان هلاك المسيح أيضاً ممكناً كذلك، لكونه واحداً من البشر، وفي هذه الصورة كيف تعتبره النصارى إلهاً، والإله لا يجوز عليه الموت؟!

ولتتميم هذا المطلب يختم القرآن الكريم الآية بجملة (وَللّهِ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأرْضِ) وفي الحقيقة إنّ هذه الجملة تكون علة للحكم السابق فمعناه أنّ اللّه يملك اهلاك عيسى وأُمّه وكل أفراد البشر لأنّهم جميعاً ملكه، وفي قبضته، وتحت قدرته، فيكون معنى مجموع الآية: انّ اللّه قادر على إهلاك عيسى وأُمّه، لأنّه مالكهم جميعاً وبيده ناصيتهم دون استثناء، والقدرة على إهلاكه وإهلاك أُمّه، أدل دليل على كونه مخلوقاً له سبحانه .

البرهان الثاني: المسيح والآثار البشرية

خلاصته: أنّ المسيح وأُمّه شأنهم شأن بقية الأنبياء، يأكلون الطعام، كأي بشر آخر، إذ يقول:

(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمَّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ).(1)

وعلى هذا فليس بين المسيح وأُمّه وبين غيره من الأنبياء والرسل أي فرق، وتفاوت، فهم يأكلون عندما يجوعون ويتناولون الطعام كلما أحسّوا بالحاجة إلى الطعام، وشأن عيسى وأُمّه شأنهم، ولا ريب أنّ «الحاجة» دليل الإمكان والإله


1 . المائدة: 75.

(293)

منزّه عن الحاجة والإمكان.

إنّ هذه الآية لا تبطل إلوهية المسيح فحسب، بل تبطل إلوهية أُمّه أيضاً، إذ يستفاد من بعض الآيات أنّ «أُمّه» كانت معرضاً لهذه التصورات الباطلة أيضاً حيث يقول القرآن :

(ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ).(1)

لقد استوفينا البحث حول التثليث في نظر القرآن وبقي البحث حوله من زاوية البراهين العقلية، وسيوافيك ذلك في مختتم هذا الفصل، بعد أن ندرس بنوة عيسى ومعبوديته وبطلانها قرآنياً، لنتفرغ بعده إلى دراسة التثليث عقلياً.

اللّه سبحانه واتخاذ الولد(2)

تعتبر مسألة بنوة المسيح للّه إحدى مظاهر الشرك في «الذات»، الذي يصوّر حقيقة الإله الواحد في صورة آلهة متعددة، ويقوم «التثليث» النصراني في الحقيقة على هذا الأساس، أي على أساس اعتبار المسيح ابناً للّه سبحانه .

وقد فنّد القرآن الكريم هذا الاعتبار الخاطئ وأبطله ببراهين عديدة، وأوضح تفاهته بطريقين:

أوّلاً: عن طريق البراهين العلمية الدالة على استحالة أن يكون للّه ولد مطلقاً سواء أكان هذا الولد عيسى ـ عليه السَّلام ـ أم غيره.

وثانياً: عن طريق بيان تولد المسيح من أُمّه، واستعراض حياته البشرية،


1 . المائدة: 116.

2 . هذه هي المسألة الثانية التي أشرنا إليها ـ آنفاً في مطلع بحث التثليث ـ .


(294)

الدال على بطلان كونه «ولداً» للّه خصوصاً.

على أنّ النصارى ليسوا هم وحدهم الذين اعتقدوا بوجود ولد للّه، بل قالت بمثل ذلك اليهود حيث ينقل سبحانه عنهم:

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ).(1)

وحذا حذوهم مشركو العرب حيث كانوا يتصورون أنّ «الملائكة» بنات اللّه إذ يقول سبحانه :

(وَيَجْعَلُونَ للّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ).(2)

وإليك هذه البراهين حول الطريق الأوّل بالتفصيل.

البرهان الأوّل

يقول سبحانه :

(بَدِيْعُ السَّموَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).(3)

أُشير في هذه الآية الشريفة إلى برهانين على استحالة اتخاذ اللّه للولد:

1. انّ اتخاذ الولد يتحقق بانفصال جزء من الأب باسم «الحويمن» ويستقر في رحم الأُم ويتفاعل مع ما ينفصل منها وتسمّى بالبويضة، وتواصل تلك البويضة تكاملها حتى يكون الوليد بعد زمن.


1 . التوبة: 30.
2 . النحل: 57.
3 . الأنعام: 101.


(295)

إذن فمثل هذه العملية تحتاج ولا ريب إلى وجود «زوجة» أو بتعبير القرآن إلى «صاحبة» في حين يعترف الجميع بعدم الصاحبة له سبحانه كما يقول القرآن (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ) .

2. إن كان معنى «اتخاذ الولد» هو ما قلناه، إذن فلا يكون الولد مصنوعاً للّه ومخلوقاً له تعالى بل يكون عدلاً وشريكاً له.

لأنّ «الوالد» ليس خالق «الولد» بل الولد جزء من والده انفصل عنه، ونما خارجه، وكبر، في حين انّ اللّه خالق كل شيء ما سواه من الأشياء بلا استثناء كما تقول: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء) .

ويقول سبحانه في صدر الآية: (بَدِيعُ السَّماوَاتِ والأرْضِ) بمعنى موجد السماوات والأرض وخالقهما وما فيهما.

البرهان الثاني

(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً).(1)

وقد أُشير في هذه الآية إلى برهان واحد على «نفي الولد للّه» وهو مسألة «المالكية التكوينية له سبحانه والوهيته المطلقة» لما سواه، وتوضيحه:

إنّ هناك نوعين من المالكية: مالكية اعتبارية، تنشأ من العقد الاجتماعي الدارج بين أبناء البشر، ومالكية تكوينية تنشأ من خالقية المالك.

إنّ مالكية الإنسان لأمواله مالكية ناشئة عن «العقد الاجتماعي» الذي


1 . الفرقان: 2.

(296)

أذعن له الإنسان لغرض إدارة الحياة وضمان تمشيتها وجريانها، في حين أنّ مالكية اللّه للسماوات والأرض وما بينهما مالكية تكوينية ناشئة عن خالقيته لها.

فإذا كان اللّهُ سبحانه مالكاً لكل شيء فلا يمكن حينئذ أن نتصور له ولداً لأنّ ولد الإنسان ـ بحكم كونه ليس مخلوقاً له ـ لا يكون مملوكاً له كذلك مع أنّا أثبتنا أنّ اللّه مالك لكل شيء لكونه خالقاً لكل شيء، وإلى هذا البرهان أُشير في هذه الآية: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) .

كما أُشير ـ في ذيل هذه الآية ـ إلى علة هذه المالكية وأساسها وهو «الخالقية» إذ يقول: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء) .

البرهان الثالث

(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمواتِ وَالأرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).(1)

استدل في هاتين الآيتين على «نفي الولد» بثلاثة براهين:

1. أنّ معنى الولد هو انفصال جزء من الوالد واستقراره في رحم الأُم، وهذا يستلزم كون اللّه جسماً، ومتصفاً بالآثار الجسمانية كالمكان، والزمان والجزئية، والتركب من الأجزاء بينما يكون اللّه سبحانه منزّهاً عن هذه الأُمور وإلى هذه الناحية أشارت الآية بكلمة « سبحانه ».

2. انّ إلوهية اللّه مطلقة وربوبيته عامة وشاملة، فكل الموجودات قائمة به ومحتاجة إليه، غير مستغنية عنه.


1 . البقرة: 116 ـ 117.

(297)

فإذا كان له «ولد» يلزم ـ حتماً ـ أن يكون الولد مثيلاً ونظيراً له في الاتصاف بجميع صفات اللّه ومنها: «الاستقلال والغنى عن الغير» على حين ثبت كونه سبحانه مالكاً مطلقاً للسماوات والأرض وما بينهما فهي قائمة به، تابعة له، محتاجة إليه دون استثناء ومطيعة لأمره وخاضعة لمشيئته بلا منازع، وليس هنا موجود مستقل غيره.

وإلى هذا البرهان أشار بقوله سبحانه : ( لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ).

3. انّه لا موجب لاتخاذ اللّه للولد، لأنّ طلب الأبناء والأولاد، إمّا أن يكون لغرض استمرار النسل والذرية، أو بهدف الاستعانة بهم لرفع الاحتياج عند الشيخوخة والعجز، ولا يمكن أن يتصور أي واحد من هذه الدوافع في مقامه سبحانه وإلى هذا أشارت الآية بقولها:

(بَدِيعُ السَّمواتِ وَالأرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).(1)

فأية حاجة تتصوّر للّه إلى الولد وهو بديع كل شيء؟

وفي آية أُخرى اعتمد على موضوع «الغنى الإلهي» لنفي الولد، إذ يقول:

(قَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ و ما فِي الأرْضِ).(2)

وهكذا ينفي القرآن الكريم خرافة اتخاذ اللّه للبنين والبنات، تلك الخرافة التي كانت توجد في الديانات القديمة كـ: «اليهودية» و «النصرانية»


1 . البقرة: 117.
2 . يونس: 68.


(298)

و«الزرادشتية» و «الهندوكية» وعند المشركين.

ولقد استدل المسيحيون على بنوة عيسى للّه بتولده من غير أب، إذ قالوا للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هل رأيت ولداً من غير أب؟ إذن فليس لعيسى من أب إلاّ اللّه.

فأجاب اللّه عن هذا الزعم بقوله:

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).(1)

أي إنّ مثل عيسى في تكونه من غير أب كمثل آدم في خلق اللّه له من غير أب وأُم فليس عيسى عندئذ بأبدع وأعجب من آدم فكيف أنكروا هذا وأقرّوا بذلك؟!

خلاصة ما سبق

تلخّص مما سبق أنّ القرآن يستند في نفيه لاتخاذ اللّه ولداً على البراهين التالية:

1. ليست له سبحانه أية زوجة حتى يكون له ولد منها.

2. انّه تعالى خالق كل شيء واتخاذ الولد ليس خلقاً بل هو انفصال جزء من الوالد وهو ينافي خالقيته لكل شيء.

3. انّه مالك كل شيء مالكية ناشئة عن الخالقية وكون المسيح ولداً له سبحانه يستلزم عدم مخلوقيته وهو يستلزم عدم كونه مملوكاً وهو ينافي مالكية اللّه العامة.

4. انّه سبحانه منزّه عن أحكام الجسم، واتّخاذ المسيح ولداً يستلزم كون اللّه


1 . آل عمران: 59.

(299)

جسماً ومحكوماً بالأحكام الجسمانية، لأنّ معنى كون المسيح ولداً له سبحانه هو انفصال جزء منه سبحانه وهو يستلزم كونه جسماً.

5. انّ جميع الأشياء قائمة باللّه فلا استقلال لسواه في حين يستلزم افتراض ولد للّه سبحانه استقلاله كاستقلال الوالد حتى يكون الولد نظير الوالد.

6. انّ اللّه تعالى غني فلا حاجة له إلى ولد.

7. انّ كون المسيح دون والد ليس بأعجب من آدم الذي وجد من دون أبوين مطلقاً.

***

وأمّا الطريق الثاني(1) الذي سلكه القرآن لإبطال «بنوة خصوص المسيح» فهو بيان حياة السيد المسيح وشرحها بنحو واضح في سور مختلفة خاصة في سورة «مريم»(2) بحيث لا يبقى أي شك لمنصف في «بشريته» ـ عليه السَّلام ـ .

وقد وردت في بعض الآيات التي مرت في هذا البحث نماذج عن حياته البشرية.(3)

بقي هنا بحث هام اعتنى به القرآن الكريم بجد، وهو مسألة كون المسيح


1 . قد تقدم آنفاً في صفحة 293 إنّ القرآن استعرض مسألة نفي الولد للّه سبحانه بشكلين تارة عن طريق نفي أي ولد له سواء أكان المسيح أم غيره وأُخرى عن طريق نفي خصوص بنوة المسيح، وقد استوفينا البحث في القسم الأوّل وإليك البحث في القسم الثاني.
2 . راجع سورة مريم: 16 ـ 35.
3 . راجع سورة المائدة: 17 و 75، وسورة التوبة: 30 وسيوافيك قوله سبحانه : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) (النساء: 171) فبملاحظة حالاته في هذه الدنيا نجزم بأنّه مخلوق للّه سبحانه وليس ولداً له.


(300)

معبوداً وانّه لا يستحق العبادة سواء أكان ابناً للّه سبحانه أم لا، وسواء أصح التثليث أم لا ، وهذه مسألة مستقلة تجتمع مع نفي التثليث والبنوة، ولأجل ذلك نستعرض هذا البحث مستقلاً عن البحثين الماضيين.

القرآن ومعبودية المسيح

إنّ القرآن ينزّه اللّه تنزيهاً مطلقاً عن أن يبعث رسلاً يدعون الناس إلى عبادة أنفسهم بدل الدعوة إلى عبادة اللّه سبحانه ، فقال:

(مَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيّيِنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).(1)

وفي هاتين الآيتين نفي لمعبودية المسيح أو مشاركته في الربوبية.

***

كما أنّ القرآن الكريم طرح مسألة عبادة السيد المسيح في آيات أُخرى وأبطل ـ بنفي مالكية المسيح لضر عباده ونفعهم ـ إمكان كونه مستحقاً للعبادة فيقول:

(قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ولا نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).(2)


1 . آل عمران: 79 ـ 80.
2 . المائدة: 75.


(301)

وحيث إنّ البحث هنا هو حول التوحيد الذاتي، فنرجئ البحث عن التوحيد في العبادة مطلقاً وبطلان معبودية المسيح خصوصاً إلى الفصل التاسع.

غير أنّ التدبر في هذه الآية و الآيات المشابهة لها يوضح لنا نقطة مهمة وهي: أنّ الدافع الأساسي لاتخاذ شخص أو شيء معبوداً إنّما هو لأجل الاعتقاد بمالكية ذلك المعبود لضرهم ونفعهم.

وعلى هذا فكل خضوع وخشوع ينبع من هذه النقطة المهمة يمكن أن يكون مصداقاً للشرك في العبادة.

وأمّا إذا خضع أحد أمام إنسان آخر دون هذا الدافع فإنّ عمله لا يكون حينئذ إلاّ احتراماً، وتكريماً وليس عبادة.

وسوف يأتي مفصل هذا القسم في الفصل التاسع إن شاء اللّه.

وبالتالي فإنّ القرآن الكريم يبدي نظره حول «السيد المسيح» وهو ـ في الحقيقة ـ الرأي الصحيح البعيد عن أية مبالغة أو غمط حق، وهو قوله سبحانه :

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَ آمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ).(1)

فلقد وصفت هذه الآية السيد المسيح بأفضل ما يمكن أن يكون مبيناً لحقيقة شخصية رفيعة الشأن جليلة المقام، وكان هذا الوصف والتعريف رفيعاً ومؤثراً جداً بحيث جعل النجاشي (ملك الحبشة) الذي سأل جعفر بن أبي طالب أن يبين له رأي القرآن في المسيح فقرأ عليه هذه الآية .


1 . النساء: 171.

(302)

أقول: جعل النجاشي يعمد ـ بعد سماعه الآية ـ إلى عود من الأرض، ويقول:

«ما عدا [أي ما تجاوز] عيسى عما قلت هذا العود»(1).

إنّ الأوصاف التي وصف بها عيسى في هذه الآية هي:

1. (إِنَّما الْمَسِيحُ) ، وتعني لفظة المسيح: المبارك وقد وصف عيسى في آية أُخرى بهذا النحو:

(وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)(2).

2. (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) ، فقد وصف في هذا المقطع بكونه «ابناً لمريم» ومع هذا كيف يجوز أن يعتبره النصارى إلهاً، أو ابناً للّه؟

3. (رَسُولُ اللّهِ) حيث وصف بالرسالة والنبوة، فلا هو إله ولا هو رب كما ادّعى النصارى.

4. (كَلِمَتُهُ) ، وهنا لا بد أن نقول: إنّ الكون بأجمعه وإن كان كلمة للّه وإنّ النظام البديع وإن كان يحكي عن علمه ويخبر عن حكمته ويعبَّر عن قداسته كما تعبر الألفاظ والكلمات عن معانيها، ولكن حيث إنّ هذه الكلمة (أعني: المسيح) خلق دون توسط أسباب وعلل، لذلك أطلقت عليه لفظة الكلمة بخصوصه لإبراز أهميته الخاصة من بين كلمات اللّه الأُخرى.

5. (وَرُوحٌ مِنْهُ) ، أي من جانب اللّه.


1 . الكامل لابن الأثير : 2/55.
2 . آل عمران: 45.


(303)

التثليث في نظر العقل

بعد أن فرغنا من البحث حول التثليث من وجهة نظر القرآن ، يتعين علينا أن نعرضه على المعايير العقلية لنرى مدى انطباقه على تلك المعايير.

تحكي كلمات المسيحيين ـ في كتبهم الكلامية ـ عن أنّ الاعتقاد بالتثليث ـ عندهم ـ من المسائل التعبدية التي لا تدخل في نطاق التحليل العقلي، لأنّ التصورات البشرية لا تستطيع أن تصل إلى فهم هذا المطلب، كما أنّ المقايسات التي تنبع من العالم المادي تمنع من إدراك حقيقة التثليث لأنّ حقيقته ـ حسب زعمهم ـ فوق القياسات المادية.

ثم يقولون: حيث إنّ تجارب البشر مقصورة بالمحدود، فإذا قال اللّه بأنّ طبيعته غير المحدودة تتألف من ثلاثة أشخاص، لزم قبول ذلك، إذ لا مجال للمناقشة في ذلك، وإن لم يكن هناك أي مقياس لمعرفة معناه، بل يكفي في ذلك ورود الوحي على أنّ هؤلاء الثلاثة يؤلِّفون بصورة جماعية «الطبيعة الإلهية اللامحدودة»!! وانّهم رغم تشخص كل واحد منهم وتميّزه عن الآخرين ليس بمنفصل ولا متميز عن الآخر رغم انّه ليست بينهم أية شركة في الالوهية، بل كل واحد منهم إله مستقل بذاته ومالك بانفراده لكامل الالوهية!!!(1).

فالأب مالك ـ بانفراده ـ لتمام الالوهية وكاملها متحقق فيه دون نقصان.

والابن كذلك مالك ـ بانفراده ـ لتمام الالوهية وكامل الالوهية متحقق فيه دون نقصان.


1 . انظر إلى التناقض الواضح بين تشخص كل واحد من جانب وعدم تميز كل واحد عن الآخر، ولأجل ذلك جعلوا منطقة التثليث منطقة محرمة على العقل.

(304)

وروح القدس هو أيضاً مالك بانفراده ـ لكامل الالوهية وانّ الالوهية بتمامها متحققة فيه دون نقصان.

هذه العبارات وما يشابهها من التوجيهات للتثليث المسيحي توحي بأنّهم يعتبرون مسألة التثليث فوق الاستدلال والبرهنة العقلية، وأنّها بالتالي «منطقة محرمة» على العقل، فلا يمكن الاستدلال الصحيح عليها، بل مستند ذلك هو الوحي والنقل ليس غير.

ولهذا ينبغي ـ قبل أي شيء ـ أن نبحث أوّلاً في الأدلة النقلية، وهم وان كانوا يستندون في هذه الفكرة إلى النقل ولكن ليس للتثليث أي مستند نقلي معتبر .

وأمّا «الأناجيل» الأربعة الفعلية فليست بمعتبرة إطلاقاً، إذ لا تشبه الوحي بل تدل طريقة كتابتها على أنّها من بقايا أدب القرن الأوّل والثاني الميلاديين، وهذا يعني عدم كونها متعلقة بفجر المسيحية حقيقة.

ثمّ إنّ عالم ما وراء الطبيعة وإن كان لا يمكن أن يقاس بالأُمور المادية المألوفة ولكنّه ليس بمعنى أنّ ذلك العالم فوضى وخلو من المعايير ، بل لكل مقياسه الخاص، والدليل على ذلك انّ هناك سلسلة من القضايا العقلية التي لا تقبل النقاش والجدل تحكم في عالم المادة، وعالم ما وراء المادة سواء كمسألة احتياج كل معلول إلى علة وكمسألة (امتناع اجتماع النقيضين).

إلى غير ذلك من القواعد العامة الحاكمة في عالمي المادة والمعنى.

وعلى ذلك إذا أبطلت البراهين العقلية مسألة التثليث لم يعد مجال للاستناد بالأدلة النقلية، بل يتعين أن نعترف ببطلان النصوص هذه، ونذعن بأنّها ليست من كلام اللّه ووحيه إذ كيف يجوز للوحي أن يخالف ما هو مسلم عقلاً.

إذا عرفت هذا، حان الوقت لأن نعرف حقيقة الأمر من وجهة نظر العقل.


(305)

هل يمكن واحد وثلاثة في آن واحد؟

يتعين علينا أن نعرف أوّلاً ما هو المقصود من التثليث الذي ربما يعبرون عن الموصوف به بـ «الثالوث المقدس» وهم يقولون في تفسير فكرة « التثليث »:

إنّ الطبيعة الإلهية تتألف من ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر أي الأب والابن وروح القدس.

والأب هو خالق جميع الكائنات بواسطة الابن، والابن هو الفادي، وروح القدس هو المطهر وهذه الأقانيم الثلاثة مع ذلك ذات رتبة واحدة، وعمل واحد(1).

والأقنوم ـ لغة ـ يعني: الأصل، والشخص، فإذن يصرح المسيحيون بأنّ هذه الآلهة الثلاثة ذات رتبة واحدة، وعمل واحد وإرادة واحدة، بموجب هذا النقل.

ونحن نتساءل ما هو مقصودكم من الآلهة الثلاثة؟ والواقع إنّ للتثليث صورتين لا يناسب أي واحد منهما المقام الربوبي:

1. أن يكون لكل واحد من هذه الآلهة الثلاثة وجود مستقل عن الآخر بحيث يظهر كل واحد منها في تشخص ووجود خاص، فكما أنّ لكل فرد من أفراد البشر وجوداً خاصاً، كذلك يكون لكل واحد من هذه الأقانيم، أصل مستقل، وشخصية خاصة، متميزة عما سواها.

غير أنّ هذا هو نظر «الشرك» الجاهلي الذي كان سائداً في عصر الجاهلية في


1 . قاموس الكتاب المقدس.

(306)

صورة تعدد الآلهة، وقد تجلّـى في النصرانية في صورة التثليث !

ولكن دلائل « التوحيد » قد أبطلت أي نوع من أنواع «الشرك» من الثنوية والتثليث في المقام الالوهي والربوبي.

وقد وافتك تلك الأدلة حول التوحيد في الذات وسيأتي ما يدل على التوحيد في الربوبية في الفصل الثامن، والعجيب ـ حقاً ـ أنّ مخترعي هذه البدعة من رجال الكنيسة يصرون ـ بشدة ـ على أن يوفقوا بين هذا « التثليث » و « التوحيد » بالقول بأنّ الإله في كونه ثلاثة، واحد، وفي كونه واحداً ثلاثة، وهل هذا إلاّ تناقض فاضح؟! إذ لا يساوي الواحد مع الثلاثة في منطق أي بشر !! وليس لهذا التأويل من سبب غير أنّـهم لما واجهوا ـ من جانب ـ أدلة التوحيد اضطروا إلى الإذعان بوحدانية اللّه تعالى.

ولكنهم من جانب آخر لما خضعوا للعقيدة الموروثة (أي عقيدة التثليث ) التي ترسخت في قلوبهم أيما رسوخ، حتى أنّهم أصبحوا غير قادرين من التخلص منها، والتملص من حبائلها، التجأوا إلى الجمع بين التوحيد و التثليث وقالوا: إنّ الإله واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد!!

أقانيم ثلاثة أم شركة مساهمة؟!

هناك تفسير آخر للتثليث وهو: أنّ يقال انّ الأقانيم الثلاثة ليست بذات لكل منها وجود مستقل، بل هي بمجموعها تؤلف ذات إله الكون الواحد، فلا يكون أي واحد من هذه الأجزاء والأقانيم بإله بمفرده، بل الإله هو المركب من هذه الأجزاء الثلاثة.


(307)

ويرد على هذا النوع من التفسير أنّ معنى هذه المقالة هو كون اللّه «مركباً» محتاجاً في تحقّقه وتشخصه إلى أجزاء ذاته (أي هذه الأقانيم الثلاثة) بحيث ما لم تجتمع لم يتحقق وجود اللّه.

وفي هذه الصورة سيواجه أرباب الكنيسة والنصارى إشكالات أكثر وأكبر من ذي قبل:

ألف. أن يكون إله الكون محتاجاً في تحقّق وجوده إلى الغير (وهو كل واحد من هذه الأقانيم باعتبار أنّ الجزء غير الكل) في حين أنّ المحتاج إلى الغير لا يمكن أن يكون إلهاً واجب الوجود،بل يكون حينئذ ممكناً مخلوقاً محتاجاً إلى من يرفع حاجته كغيره من الممكنات.

بل يلزم كون الأجزاء الممكنة مخلوقة للّه سبحانه من جانب ويلزم أن يكون الإله المتكون منها مخلوقاً لها من جانب آخر .

ب. إمّا أن تكون هذه الأجزاء ممكنة الوجود أو واجبة، فعلى الأوّل يلزم احتياج الواجب (أعني: الكل) إلى الأجزاء الممكنة، وعلى الثاني يلزم تعدد واجب الوجود، وهو محض الشرك، وعندئد فلا مناص من أن يكون ذلك الإله الخالق بسيطاً غير مركب من أجزاء وأقانيم.

ج. انّ القول: بأنّ في الطبيعة الإلهية أشخاصاً ثلاثة، وأنّ كل واحد منها يملك تمام الالوهية، معناه أن يكون لكل واحد من هذه الثلاثة وجوداً مستقلاً مع أنّهم يقولون: إنّ طبيعة الثالوث لا تقبل التجزئة.

وبتعبير آخر، إنّ بين هذين الكلامين، أي استقلال كل اقنوم بالطبيعة الالوهية وعدم قبول طبيعة الثالوث للتجزئة، تناقضاً صريحاً.


(308)

د. إذا كانت شخصية الابن إلهاً (أي أحد الآلهة) فلماذا كان يعبد الابن أباه؟ وهل يعقل أن يعبد إله إلهاً آخر مساوياً له، وأن يمد إليه يد الحاجة، أو يخضع أحدهما للآخر ويخفض له جناح التذلل والعبودية وكلاهما إلهان كاملا الالوهية؟!

هذا حق المقال حول التثليث ومن العجب أنّ أحد القسيسين القدامى وهو «أوغسطين» قال: أؤمن بالتثليث لأنّه محال.(1)


1 . راجع مقارنة الأديان المسيحية للكاتب أحمد شلبي.

(309)

الفصل السادس

اللّه وبساطة ذاته تعالى
«وعينية صفاته لذاته»


(310)

بساطة ذاته تعالى

1. التوحيد الذاتي وبساطة الذات.

2. ذات اللّه منزّهة عن التركيب الخارجي.

3. ذاته منزهة عن التركيب العقلي.

4. صفات اللّه عين ذاته.

5. الدليل على وحدة الصفات والذات.

6. تعدد الصفات وبساطة الذات كيف؟


(311)

بساطة ذاته تعالى

ويقع البحث في هذا الفصل في مقامين:

1. ذات اللّه منزّهة عن التركيب.

2. صفات اللّه عين ذاته.

بعد ما عرفنا « التوحيد الذاتي» بمعنى نفي الشبيه والنظير والمثيل للّه سبحانه ببراهينه، يتعين علينا الآن أن نستعرض « التوحيد الذاتي» من زاوية أُخرى، وهي بساطة الذات الإلهية، ونفي أي نوع من أنواع التركيب الخارجي والعقلي فيها.

ولما كانت لمسألة بساطة الذات عن التركيب الخارجي والعقلي، ومسألة التوحيد في الصفات (بمعنى اتحاد الذات مع صفاتها وجوداً وخارجاً) دلائل مشتركة جعلناهما في فصل واحد وهو الفصل الحاضر، مع الاعتراف بأنّ المسألتين من بابين مختلفين، فمسألة «بساطة الذات» من فروع التوحيد الذاتي، ومسألة اتحاد الذات والصفات من شعب التوحيد في الصفات، ونركز بحثنا أوّلاً على بساطة الذات.

التوحيد الذاتي وبساطة الذات

للتوحيد الذاتي معنيان:


(312)

1. أنّ اللّه واحد لا يتصور له نظير ولا مثيل.

2. أنّ ذاته تعالى بسيطة ومنزهة عن أي نوع من أنواع التركيب، والكثرة العقلية، والخارجية.

وقد اصطلح بعض العلماء على التوحيد الذاتي بالمعنى الأوّل بالواحدية، وبالمعنى الثاني بالأحدية، ولعل هذين الاصطلاحين مبتنيان على أنّ لفظة «واحد» تعني في لغة العرب ما يقابل الاثنين فإذا قلنا: «اللّه واحد»، يعني: لا ثاني له ولا نظير ولا مثيل ولا عديل، ولكن لفظة «أحد»، تعني الوحدة في مقابل التركيب، وإذا وجدنا القرآن يصف اللّه بلفظة الأحد ويقول: (هو اللّه أحد) فهو يقصد مقابلة « التثليث التركيبي» الذي كانت النصارى تدعيه فتزعم بأنّ المقام الالوهي «مركب» من ثلاثة أقانيم.

ويدل على ذلك أنّه لو كان المقصود من «أحد» في هذه الآية هو أنّ اللّه واحد، ولا نظير له لما كان ثمة داع لتكرار هذا المضمون في ذيل السورة إذ يقول: (ولم يكن له كفواً أحد) ، ويتضح ما قلناه إذا وقفنا على أنّ هذه السورة برمتها نزلت في رد عقائد المسيحيين، وإن لم يرد ذكرهم بالاسم.

وعلى كل حال سواء أطابق هذا الاصطلاح المعنى اللغوي لـ : «الواحد» أو «الأحد» أم لا(1)، فإنّ مثل هذا الاصطلاح سبب للتفكيك بين نوعين من «التوحيد الذاتي».

***


1 . سنثبت في البحث القرآني لهذا الفصل أنّ المعنى اللغوي للواحد والأحد هو الذي جاء في هذا الاصطلاح.

(313)

قد يتصور الإنسان ـ في النظرة البدائية ـ أنّه لا توجد في القرآن أية آية أو آيات ناظرة إلى هذا القسم من التوحيد (أي بساطة الذات)، وكأنّ القرآن أو كل أمثال هذه البحوث إلى عقل البشر، ولكننا عندما نعيد النظر في القرآن بعد الاطلاع على التحقيقات الفلسفية التي من شأنها إعطاء الإنسان نظرة أعمق وأوسع نجد أنّ القرآن يصف اللّه سبحانه بطائفة من الصفات التي لا تنسجم مع أي نوع من أنواع التركيب في الذات أبداً، وهو يدل ضمنياً على نفي التركيب وإثبات البساطة لذاته تعالى، وقد ذكرنا في السابق أنّ القرآن ذو أبعاد متعددة من حيث الأهداف والمعاني وإنّه يمكن أن يدرك بعد من أبعاد الآية في النظرة الأُولى بينما ينكشف بعد آخر لنفس الآية في النظرة الثانية في حين يكون اكتشاف بعد ثالث ورابع لنفس الآية محتاجاً إلى مزيد تعمّق وإمعان.

ويؤيد هذا الأمر ما قاله الإمام السجاد حول آيات من سورة الحديد:

«إنّ اللّه عز وجل علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل اللّه عز وجل (قُل هو اللّهُ أحد * اللّه الصمد)والآيات من سورة الحديد ... إلى قوله (وهو عليم بذات الصدور)فمن رام وراء ما هنالك هلك.(1)

لهذا يجب أن لا نكتفي ـ في استخراج المعارف المتعلّقة بالمبدأ أو المعاد من الآيات القرآنية ـ بالنظرة الأُولى بل لابد من الغوص في بحار القرآن ، معتمدين على النظر الأعمق، والجهد الفكري الأكثر، فحينئذ سنرى أيّة جواهر ثمينة سنصيب في هذا الغوص المبارك.

لهذا السبب ولكي نقوي من نظرتنا فإنّنا سنعالج مسألة «بساطة أو تركيب


1 . توحيد الصدوق: 283 ـ 284 طبع الغفاري.

(314)

الذات» وكذا التوحيد في الصفات من نظر العقل أوّلاً، ثم نطرح بعد ذلك هذه المسألة على القرآن وصحاح الأحاديث.

1. ذات اللّه منزّهة عن التركيب الخارجي

والمراد من «التركيب الخارجي» هو أن يكون الشيء ذا أجزاء خارجية، كالمعادن والمحاليل الكيمياوية، التي تتألف من الأجزاء المختلفة.

ولكن مثل هذا «التركيب» يستحيل في شأن اللّه سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة الأجزاء سيكون «محتاجاً» في وجوده إلى تلك الأجزاء لا محالة، والمحتاج إلى غيره معلول لذلك الغير ولا يصلح للإلوهية حينئذ.

هذا مضافاً إلى أنّ الأجزاء المؤلفة للذات الإلهية إمّا أن تكون «واجبة الوجود» فحينئذ سنقع في مشكلة «تعدد الآلهة» التي يعبر عنها في علم الكلام بتعدد القدماء.

وإمّا أن تكون «ممكنة الوجود » وفي هذه الصورة ستحتاج هذه الأجزاء إلى الغير ليوجدها، فيكون معنى هذا أنّ ما فرضناه «إلهاً» يكون معلولاً لأجزاء ذاته التي هي معلولة لموجود أعلى وبالتالي لا يكون إلهاً.

2. ذاته منزّهة عن الأجزاء العقلية

ولتوضيح هذا النوع من البساطة نذكر الأُمور التالية:

أ. انّ الشيء، يعرف بجنسه وفصله أو ما يقوم مقامهما التي تسمّى بالماهية وليس للماهية أي دور، إلاّ تحديد وجود الأشياء وبيان موقعها في عالم الوجود.


(315)

ب. انّ كل موجود ممكن مركب من شيئين: ماهية ووجود وليس المقصود تركبه من الجزءين الخارجيين كالعناصر المتركبة ، بل المراد هو أنّ الذهن النقاد يرى الشيء الخارجي الواحد ـ في مختبر العقل ـ مكوناً من جزءين:

أحدهما يحكي عن مرتبته الوجودية وانّه يقع في أي مرتبة من مراتب الوجود، من الجماد والنبات والحيوان، وغيرها، والثاني يحكي عن عينيته الخارجية التي طرد بها العدم عن ساحة الماهية.

ولكن هذا النوع من التركيب يستحيل في شأن الذات الإلهية، لأنّها إذا كانت مؤلفة من وجود وماهية، انطرح هذا السؤال:

إنّ الماهية كانت في حد ذاتها فاقدة للوجود والعينية، فبماذا طرد هذا العدم وأُقيم محله الوجود فإنّ هذا الطرد يحتاج ـ تبعاً لقانون العلية العام ـ إلى عامل خارجي عن ذات الشيء؟ ومن المعلوم أنّ الشيء المحتاج إلى العلة الخارجة عن وجوده ممكن لا يستحق الالوهية ؟!

ولأجل هذا ذهب العلماء إلى بساطة ذاته وانّـها منزّهة عن الماهية، وهو عين الوجود وصرفه.

3. صفات اللّه عين ذاته

لا شك في أنّ للّه سبحانه صفات، كالعلم والقدرة والحياة، غير أنّه يجب أن نقف على أنّها هل هي أزلية أم حادثة، وعلى الأوّل فهل هي «زائدة» على الذات، وبعبارة أُخرى هل الصفات «عين» الذات أو «غيرها»؟

إنّ هناك فرقة واحدة أعني الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستاني ذهبت


(316)

إلى حدوث الصفات، وقالوا بخلو الذات الإلهية عنها ـ في البداية ـ ثم اتصفت بها فيما بعد(1).

ولو تجاوزنا هذه الفرقة لوجدنا جميع الفلاسفة والمتكلمين الإسلاميين متفقين على «أزلية» هذه الصفات.

ومما لا يخفى أنّ الكرامية وغيرها مذاهب ابتدعتها السياسة العباسية آنذاك لإشغال المفكّرين الإسلاميين بالبحوث والمناقشات الجانبية، لكي تسهل لهم السيطرة على الأُمّة الإسلامية، ولأجل هذا لا نجد لهذه المذاهب المفتعلة بأيدي السياسات الزمنية المنحرفة أي أثر إلاّ في طيات كتب الملل والنحل فقط.

ولو كانت «الذات الإلهية» فاقدة لهذه الصفات منذ الأزل لاستلزم ذلك حتماً أن تكون الصفات «ممكنة» وحادثة، وحيث إنّ كل ممكن مرتبط بعلة، ومحتاج إلى محدث لزم أن نقف على محدثها.

فهل وجدت من قبل نفسها، أو من قبل اللّه سبحانه ، أو من جانب علة أُخرى؟ وكلّها باطلة.

أمّا الأوّل فلا يحتاج إلى مزيد بيان إذ لا يعقل أن يكون الشيء علة لنفسه، وأمّا الثاني فكسابقه فإنّ فاقد الشيء لا يكون معطيه، إذ كيف يمكن أن يكون فاقد العلم معطياً له؟ وأمّا الاحتمال الثالث فكسابقيه أيضاً، إذ ليس هناك عامل خارجي محدث أخذاً بحكم التوحيد في الذات، ولأجل ذلك اختار الجمهور من الإسلاميين، أزلية الصفات.

***


1 . الأسفار الأربعة: 6/123.

(317)

فإذا ثبتت أزلية صفاته سبحانه كذاته يبقى بحث آخر وهو :

هل هذه الصفات القديمة الأزلية زائدة عليها لازمة لها، كما ذهب إلى ذلك فريق من المتكلمين الإسلاميين كالأشاعرة(1)، أم هي «عين» الذات، وأنّه ليس للذات والصفات سوى مصداق واحد لا أكثر، وهنا يتعين علينا أن نتوقف قليلاً لنرى التفاوت بين القولين ثم بمعونة العقل نميز الصحيح عن غير الصحيح منها.

ولوضوح المطلب نقدم أُموراً لها صلة بالموضوع:

1. انّ قولنا: اللّه سبحانه عالم، مركب من كلمتين: اللّه وعالم، وكل واحدة تحكي عن أمر، فالمبتدأ يحكي عن الذات، والخبر يحكي عن صفته.

والقائل باتحاد صفاته مع ذاته لا يقول باتحاد مفاهيمها مع ذاته أي اتحاد مفهوم العالم وما وضع عليه ذلك اللفظ مع مفهوم لفظ الجلالة الذي وضع عليه ذلك اللفظ، بل يقصد منه اتحاد واقعية العلم مع واقعية ذاته وانّ وجوداً واحداً ببساطته ووحدته مصداق لكلا المفهومين، وليس مصداق لفظ الجلالة في الخارج غير مصداق لفظ العالم.

ثم يبقى هنا سؤال وهو أنّ ذاك الاتحاد لا يختص بذاته سبحانه بل هو حال عامة الموجودات مع صفاتها، فلماذا اختص هذا البحث باللّه سبحانه؟ وهذا ما نرجع إليه في الكلام التالي.

2. إذا قلنا أنّ زيداً عالم نرى أنّ علمه ليس بمنفصل عن ذاته ووجوده، بحيث لا يمكننا أن نشير إلى علمه على حدة وعلى ذاته إلى انفرادها، فنقول هذا


1 . كشف المراد: 181 ، والأسفار الأربعة: 6/123.

(318)

ذاته وهذا علمه، بل الذات والعلم متحدان على الصعيد الخارجي .

وعند ذلك يتوجه السؤال الآتي: ما هو مقصود القائلين باتحاد صفاته سبحانه مع ذاته؟ فإنّ الاتحاد حسب ما أوضحناه ليس منحصراً به سبحانه بل جار في جميع الموجودات الممكنة، فإنّ كل موجود ممكن يختلف عن صفاته مفهوماً ويتحد معها خارجاً.

عندما نقول: الصدف أبيض، أو العسل حلو، فإنّ البياض متحد بالصدف، والحلاوة متحدة بالعسل بحيث لا يمكن الإشارة إلى الحلاوة بمعزل عن العسل، وهكذا بالنسبة إلى بياض الصدف، فما الفرق بين النوعين من الاتحاد؟ ويجاب على ذلك، بأنّ المقصود من اتحاد الذات الإلهية مع صفاته تعالى ليس من قبيل اتحاد الصدف مع بياضه، وعلم زيد مع ذاته بل هو نوع خاص من الاتحاد والعينية لا يوجد في غير اللّه . وتوضيح ذلك هو ما تقرؤه في البيان التالي:

3. انّ «الصفات والذات» في الممكنات وان كانت تتمتع بنوع من الاتحاد في كل الموارد ولكن كيفية الاتحاد في مورد «الصفات والذات الإلهية» تختلف عن الاتحاد في الممكنات.

فإنّ علم زيد وان كان متحداً مع ذاته بنوع من الاتحاد ولكن علمه لا يتحد مع ذاته في جميع مراحلها، بل يتحد معها في بعض مراحل الذات، بدليل أنّ زيداً كان في مجتمعه ـ ذات يوم ـ ولم يكن معه ذلك العلم ـفكانت الذات متحققة ولم يكن العلم معها، وهذا يشعر بأنّ ذاته أي ما به يكون زيد، زيداً غير علمه، وهذا يشعر بأنّ ذاك الاتحاد ليس بمنزلة يجعل الصفات في مرتبة حقيقته وذاته.

وبعبارة أُخرى فإنّ ملاك إنسانية زيد والعناصر المكونة لذاته هي ما يوجد


(319)

في الآخرين سواء بسواء فإنّ ملاك الإنسانية، والعناصر المكونة لحقيقة الأفراد الآخرين هي «الحيوانية والناطقية» التي تتكون منهما ذات زيد، أما «علمه» فما هو إلاّ «حلية» توجت إنسانيته، وزينتها، وفضلتها على الآخرين، ولتوضيح الحقيقة نفترض «بناء» قد تم وبقي طلاؤه الذي يطلى به ظواهر البناء وخارجه وأبوابه وجدرانه.

وفي هذه الصورة، فإنّ كل ما ينقش على جدران هذا البناء، يضيف إلى جمال البناء جمالاً إضافياً، لكن هذا الطلاء رغم أنّه ليس منفصلاً عن البناء وجدرانه وأبوابه، إلاّ أنّه لا يشكل حقيقة البناء، لأنّ العناصر والمواد المنشئة لذلك البناء هي الحديد والاسمنت والجص والآجر، وليست الأصباغ والطلاء.

وعلى هذا فإنّ اتحاد الأبواب والجدران مع الطلاء (عندما نقول الجدار أزرق) لا يعني أنّ اللون جزء من واقعيته وذاته، بل غاية ما في الأمر أنّ الألوان قد اتحدت بظاهر الجدار لا أنّها اتحدت بذاته وحقيقته، وعلى هذا النمط يكون بياض الصدف وحمرة التفاح وصفرة الليمون، كما أنّ على غرار هذا يكون اتحاد علم زيد بذاته.

وخلاصة القول: إنّ الاتحاد في هذه الموارد ليس بمعنى أنّ «العارض» قد أصبح جزءاً من ذات «المعروض» بل اتحد مع بعض مراحله ومعنى هذا أنّ العارض والمعروض شيء واحد ولكن دون أن يكون العارض داخلاً في ذات المعروض وجزءاً من حقيقته، وعلى هذا فالمقصود من «وحدة صفات اللّه مع ذاته» ليس على هذا النمط من الاتحاد بل وحدة آكد وأشد بمعنى أنّ «صفات اللّه تؤلِّف ذاته» سبحانه فهي «عين» ذاته وليست عارضة عليها، وبالتالي ليس يعني، أنّ ذاته شيء وصفاته شيء آخر، بل صفاته هي ذاته وحقيقته، فعلم الإنسان بشيء


(320)

إنّما هو بعلم زائد على ذاته فهو بالعلم الزائد يطّلع على ما هو خارج عن ذاته فيدرك المرئيات والمسموعات عن طريق «الصور الذهنية» التي تدخل إلى الذهن بواسطة الحواس الخمس، وإذا أخذت منه هذه «الصور الذهنية» لم يعد قادراً على درك ما هو خارج عن ذاته ولكنه يحتفظ بذاته مع فقد علمه، وبما أنّ ذات اللّه عين علمه، وليس العلم بزائد على ذاته، فهو تعالى يدرك جميع المبصرات والمسموعات بنفس ذاته بحيث يكون فرض سلب العلم والقدرة عنه تعالى مساوياً لفرض نفي ذاته.

وعلى هذا فالمقصود من «اتحاد صفات اللّه مع ذاته» هو عينية الصفات للذات في عامة مراحلها، وكون العلم الإلهي عين الذات الإلهية، وكذا القدرة والحياة، وغيرها من صفات الذات فهي عين ذاته سبحانه ، لا أنّ الذات شيء وحقيقة مستقلة، والصفات حقائق طارئة على الذات وعارضة لها.

نظرية الأشاعرة في الصفات

إنّ القول بزيادة الصفات على الذات لا يخلو من مفاسد عقلية أظهرها أنّه يستلزم وجود قدماء ثمانية حسب تعدد صفاته تعالى، وليس هذا إلاّ الفرار من خرافة التثليث المسيحي، والوقوع في ورطة القول بالقدماء الثمانية بدل الثلاثة في حين أنّ براهين « التوحيد الذاتي» قاضية بانحصار القديم في اللّه سبحانه وعدم وجود «واجب آخر سواه».

الدليل على وحدة الصفات والذات

1. انّ القول باتحاد ذاته سبحانه مع صفاته وعينية أحدهما للآخر يوجب


(321)

«غناءه» سبحانه في العلم، بما وراء ذاته، عن غيره، فيعلم بذاته كل الأشياء دون حاجة إلى الغير، وهذا بخلاف القول بالزيادة ـ كما عليه الأشاعرة ـ فإنّه يستلزم ذلك افتقاره سبحانه في علمه بالأشياء وخلقه إياها، إلى أُمور خارجة عن ذاته، فهو يعلم بالعلم الذي هو سوى ذاته، ويخلق بالقدرة التي هي خارجة عن حقيقته، وهكذا سائر الصفات من السمع والبصر، والواجب سبحانه منزّه عن احتياجه إلى غير ذاته فهو غني في ذاته وفعله عمن سواه.

نعم الأشاعرة وإن كانت قائلة بأزلية الصفات مع زيادتها ولكن ذلك لا يدفع الفقر والاحتياج عن ساحته، لأنّ الملازمة غير العينية فكونه سبحانه مع صفاته متلازمين منذ الأزل غير كونه نفس هذه الصفات وعينها.

والحاصل إنّ كون الصفات عندهم غير الذات عين القول باحتياجه في العلم والإيجاد إلى غيره.

إذ نتيجة قولهم بفصل الذات عن الصفات هي أنّه يستعين في تحصيل العلم بذاته، بعلم منفصل كما يعني أيضاً أن يستعين في إيجاد شيء بقدرة خارجة عن ذاته على أنّ دلائل «عينية الصفات للذات» وبالعكس لا تقتصر على هذا الدليل الذي ذكرناه فقط، ولكننا نكتفي بذلك.

تعدّد الصفات وبساطة الذات كيف؟

لقد قادتنا البراهين السابقة إلى «بساطة الذات الإلهية» وخلوّها عن أي نوع من أنواع التركيب العقلي والخارجي، وهنا ينطرح سؤال هو: كيف يتناسب تعدّد الصفات مع بساطة الذات؟ أليس يستلزم تعدد الصفات تركّب الذات الإلهية من صفات متعدّدة، وهذا ما يخالف بساطتها؟


(322)

إنّ السؤال إنّما يتوجه إذا كان كل واحد من هذه الصفات يكوّن جزءاً خاصاً ويحتل موضعاً معيناً من ذاته سبحانه ، فحينئذ يمكن القول بأنّه يستلزم التركيب في ذاته سبحانه .

ولكن إذا قلنا بأنّ كل واحد من هذه الصفات يكوّن تمام الذات، برّمتها وبأسرها فلا يبقى حينئذ أي مجال لتصوّر التركيب في شأنه تعالى، إذ ماذا يمنع من أن يكون شيء على درجة من الكمال بحيث يكون ذاته علماً كلها، وقدرة كلها وحياة كلها، دون أن تظهر أية كثرة في ذاته، نعم لو كانت هناك كثرة فإنّما هي في عالم الاعتبار والذهن دون الواقع الخارجي إذ يكون في هذه الصورة مصداق العلم في اللّه نفس مصداق القدرة ويكون كلاهما نفس مصداق الذات بلا مغايرة ولا تعدّد.

ولتقريب هذا المعنى الدقيق نشير إلى مثال له في عالم الممكنات.

ولنأخذ مثلاً الإنسان، فكل وجوده مخلوق للّه، بينما هو أيضاً بكلّه معلوم له سبحانه دون أن يكون معنى ذلك أنّ جزءاً من ذات الإنسان معلوم للّه والجزء الآخر مخلوق له سبحانه ، بل كلّه معلوم للّه في عين كونه مخلوقاً كله له وليست جهة المعلومية في الخارج غير جهة المخلوقية.

وللمزيد من التوضيح لاحظ النور، فإنّ الإضاءة والحرارة من خواص النور، ولكن ليست الكاشفية والإضاءة مرتبطة بناحية خاصة من وجوده، بل الإضاءة والكاشفية خاصية تمامه دون تبعض، كما أنّ الحرارة هي أيضاً خاصية تمامه دون أن يستلزم ذلك أي تعدد في ذات النور وحقيقته.


(323)

إلى هنا تبيّنت لنا حسب التحليل العقلي مسائل ثلاث هي:

1. ذات اللّه منزّّهة عن التركيب الخارجي.

2. ذات اللّه منزّهة عن التركيب الذهني.

3. صفات اللّه عين ذاته.

وقد ذكرنا ـ في معرض بيان هذه الحقائق وشرحها ـ أنّ الأمر لو كان على غير ما أثبتناه للزم أن يفتقر اللّه تعالى إلى سواه .

فالواجب الوجود غني عن غيره، لا يفتقر إلى شيء سبحانه ، وسنذكر فيما يلي ما ورد من الآيات في هذا المجال.

1. هو الغني المطلق

إنّ القرآن يصف اللّه سبحانه في سبعة عشر مورداً بالغني وعدم الافتقار والاحتياج، فقال:

(وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ).(1)

(فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).(2)

(أنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).(3)

(وَاللّهُ هُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ).(4)

(سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ).(5)


1 . البقرة: 263.
2 . آل عمران: 97.
3 . البقرة: 267.
4 . فاطر: 15.
5 . يونس: 68.


(324)

(فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).(1)

وفي سورة فاطر وصف القرآن الكريم جميع الناس بالفقر إلى اللّه كما وصف اللّه وحده بالغني دون غيره، إذ قال:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).(2)

وليس لغناه سبحانه معنى إلاّ عدم احتياجه في ذاته ووجوده، وفي علمه، وقدرته إلى من سواه،والاحتياج في هذه المراحل من أشد أنواع الاحتياج، وقد أسلفنا أنّ تركب الذات من الأجزاء الخارجية والعقلية يستلزم ـ بالبداهة ـ الاحتياج إلى الأجزاء.

كما أنّ عدم عينية الصفات للذات الإلهية دليل على احتياجه تعالى إلى العلم والقدرة الخارجين عن ذاته، وحيث إنّ اللّه هو الغني غير المفتقر يلزم أن يكون منزّهاً عن هذه التصوّرات.

فكونه سبحانه غنياً على الإطلاق يثبت المسائل الثلاث: تنزّهه عن التركيب العقلي، والخارجي، وعينية صفاته لذاته.

2. هو اللّه الأحد

يقول اللغويون:

الأحد أصله وحد.

وحيث إنّ هذه اللفظة ذات معنى خاص، لذلك لا يوصف بها غير اللّه تعالى.(3)


1 . النمل: 40.
2 . فاطر: 15.
3 . راجع مفردات الراغب: 12.


(325)

ولو جعلت هذه اللفظة (أعني: الأحد) في سياق النفي أُطلقت على غير اللّه مثل أن تقول: ما جاءني من أحد. وأمّا لو جُعلت في سياق الإثبات فتستعمل على نحو الإضافة فقط مثل قولهم: أحدهم، أحد عشر.

وأمّا في غير صورة الإضافة فتطلق على اللّه فحسب، مثل قوله: (قل هو اللّه أحد) بمعنى أنّه لا يوصف بها حينئذ، إلاّ اللّه سبحانه .

يقول الأزهري، اللغوي المعروف:

«إنّ «أحد» صفة من صفات اللّه استأثر بها فلا يشركه فيها شيء من الكائنات، ويأتي في كلام العرب بمعنى الأوّل كيوم الأحد».(1)

وأمّا المفسرون الإسلاميون فيذكرون لفظة الأحد في قوله تعالى: (هو اللّه أحد) طائفة من التفاسير منها:

«الأحد: هو الذي لا يتجزأ ولا ينقسم في ذاته، ولا في صفاته».(2)

ويقول الجزائري في كتاب «فروق اللغات» في الفرق بين الواحد والأحد:

«إنّ الواحد: الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر; والأحد: الفرد الذي لا يتجزأ ولا يقبل الانقسام».(3)

ويقول العلاّمة الطباطبائي ـ دام ظله ـ في تفسيره في هذا المجال:

«والأحد وصف مأخوذ من الوحدة كالواحد، غير أنّ الأحد إنّما يطلق على


1 . تفسير سورة الإخلاص للشيخ حبيب اللّه الكاشاني: 31.
2 . مجمع البيان: 5/564.
3 . فروق اللغات: 38.


(326)

ما لا يقبل الكثرة لا خارجاً ولا ذهناً، ولذلك لا يقبل العد ولا يدخل في العدد بخلاف الواحد، فإنّ كل واحد له ثانياً وثالثاً أمّا خارجاً وأمّا ذهناً بتوهم أو بفرض العقل فيصير بانضمامه كثيراً، وأمّا الأحد فكل ما فرض له ثانياً كان هو هو لم يزد عليه شيء».(1)

وهذه الحقيقة نكتشفها بوضوح من التحقيق في موارد استعمال هاتين اللفظتين : الأحد والواحد في سياق النفي.

فإذا قال قائل: ما جاءني من القوم أحد، كان مفهوم الجملة نفي مجيء مطلق الأفراد، لا نفي مجيء فرد واحد أو فردين، أو ثلاثة.

وبتعير أوضح، فإنّ مفهوم هذه الجملة هو نفي الجنس لا نفي الواحد.

ولكن إذا قال: ما جاءني واحد، فهم من هذه الجملة نفي مجيء شخص واحد في مقابل نفي مجيء فردين أو ثلاث.

وحيث إنّ للفظة «أحد» مثل هذه الخصوصية لذلك عدّت صفة منحصرة في اللّه سبحانه ولم يجز أن يوصف بها غيره، ولذلك يقول أحد أئمّة أهلالبيتـ عليهم السَّلام ـ:

«كل مسمّى بالوحدة غيره قليل».(2)

ويؤيد ما قاله أهل اللغة والمفسرون مجيء جملة (ولم يكن له كفواً أحد)بعد وصف اللّه تعالى نفسه بـ (الأحد) في سورة الإخلاص ونحن نعلم أن مفاد


1 . تفسير الميزان: 20/387.
2 . سيوافيك عن قريب أنّه يمكن استنتاج المسألة الثالثة، أعني :عينية الصفات مع الذات من هذه الآية فارتقب أيضاً.


(327)

هذه الجملة أي قوله: (ولم يكن له كفواً أحد)، هو نفي النظير والمثيل له سبحانه في الذات والفعل، فلا ذات كذاته ولا خالق أو لا مدبر مثله، فإذا كان معنى هذه الجملة هو ما عرفناه وذكرناه فليس من المستحسن أن نفسر جملة (هو اللّه أحد) بنفس المعنى أيضاً، إذ أنّ ذلك يستلزم تكرار مضمون واحد في سورة واحدة وعلى فاصلة قصيرة لهذا يجب القول بأنّ الجملة الأُولى تفيد نفي أي نوع من أنواع التركيب والتجزئة، والجملة الثانية تفيد نفي الشبيه والنظير له سبحانه.

وبملاحظة هذا التفسير تستفاد مسألتان(1) من المسائل الثلاث المطروحة في مطلع هذا القسم من هذه الآية، لأنّ وحدة الذات تستلزم ـ بالضرورة ـ نفي أي نوع من أنواع التركيب الخارجي والذهني عن اللّه.

وأمّا المسألة الثالثة وهي «عينية الصفات الإلهية للذات» فطريق إثباتها هو «صفة الغنى المطلق» التي أثبتها القرآن الكريم للّه سبحانه في مواضع عديدة.

كما أنّ وصف اللّه في سورة الإخلاص بالصمد يثبت هذه العينية والاتحاد أيضاً بناء على أنّ أحد معاني الصمد هو «المقصود لكل محتاج».

فإذا كان اللّه مقصود كلِّ محتاج ولم يكن أيُّ مقصود سواه، استلزم ذلك أن تكون «الصفات عين الذات» وإلاّ لاحتاج في العلم بالأشياء، أو إيجاد شيء، إلى علم خارج، وقدرة خارجة عن ذاته، وفي هذه الصورة لا يكون اللّه متصفاً بالغنى المطلق ولن يكون حينئذ مقصود كلِّ محتاج.

بل يكون هناك مقصود آخر، يتوجّه إليه حتى اللّه سبحانه .

إلى هنا أثبتنا، عن طريق الآيات القرآنية «بساطة الذات الإلهية» ووحدتها


1 . الميزان: 20/387.

(328)

وكذا عينية الصفات للذات، ولتكميل هذا المبحث يتعيّـن علينا الآن أن نستعرض ما ورد عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ حول هذاالمطلب.

والجدير بالذكر أنّ الأحاديث والأخبار الواردة في هذا الشأن أكثر من أن تحصى، ومن أن يمكن الإتيان بها في هذا الموضع، إلاّ أنّنا سنكتفي بذكر نماذج منها، فقد قال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :

«وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه [أي في اللّه من التوحيد] فقول القائل:

1. هو واحد ليس له في الأشياء شبه.

2. أنّه عزّ وجلّ أحدي المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود [خارجي] ولا عقل ولا وهم».(1)

والعبارة الأخيرة تثبت بوضوح بساطة الذات الإلهية ونفي أيّ شكل من أشكال التركيب الخارجي والذهني(2) في شأنها.

كما وصفه الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ بالبساطة، ضمن كلام طويل، إذ قال:

«وصانع الأشياء غير موصوف بحد مسمّى».(3)

وهذا الحديث يمكن أن يكون ناظراً إلى نفي «الحد والماهية» عن اللّه تعالى، كما يمكن أن يكون المراد منه هو نفي المحدودية عنه تعالى، أو يكون مسوقاً لبيان كليهما.


1 . توحيد الصدوق: 83 ـ 84.
2 . كالتركب من الوجود والماهية.
3 . توحيد الصدوق: 192.


(329)

ويقول الإمام الثامن علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ في هذا الصدد:

«بتجهيره الجواهر عرف أنّ لا جوهر له».(1)

من هذه الأحاديث يمكن استنباط كلا المسألتين المذكورتين بوضوح، وأعني بهما:

1. نفي الأجزاء الخارجية (والتركيب الخارجي).

2. نفي الأجزاء العقلية (والتركيب العقلي).

أمّا المسألة الثالثة، وهي عينية الصفات للذات، فنشير إلى بعض الأحاديث الناظرة إليها فيما يأتي:

قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :

«وكمال الإخلاص له، نفي الصفات [الزائدة] عنه لشهادة كلِّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلِّ موصوف أنّه غير الصفة.

فمن وصف اللّه [أي وصف زائد على ذاته] فقد قرنه [أي قرن ذاته بشيء غير الذات] ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله»(2).

وفي هذا الكلام العلوي تصريح بعينية الصفات للذات المقدسة، بل في هذا الكلام إشارة إلى برهان آخر، وهو أنّ القول باتّحاد صفاته مع ذاته يوجب تنزيهه تعالى عن التركيب والتجزئة، ونفي الاحتياج والافتقار عن ساحته.

وأمّا إذا قلنا بغيريَّتها مع الذات فذلك يستلزم التركيب وبالم آل: الثنويّة،


1 . توحيد الصدوق: 37.
2 . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.


(330)

والتركيب آية الاحتياج، واللّه الغني المطلق لا يحتاج إلى من سواه.

وعلى هذا الأساس يكون قوله تعالى: (هو اللّه أحد) التي تدل على بساطة الذات دليلاً أيضاً على عينيّة الصفات للذات، إذ على فرض زيادتها على الذات يحصل هنا وجود مركب من العارض والمعروض فيكون مصداق لفظة الجلالة هو المركب منهما، مع أنّ المفروض بساطة ذاته.

هذا مضافاً إلى أنّ الاعتقاد بزيادة الصفات ـ حسب ما ذهب إليه الأشاعرة ـ يستلزم أن يكون هناك «قدماء ثمانية» ما عدا اللّه القديم، في حين أنّ الآيات القرآنية التي تدل على وحدانية القديم الأزلي تنفي هذه النظرية أيضاً، وقد أشرنا إليه سابقاً.

قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ لأبي بصير في هذا الصدد:

«لم يزلاللّه جل وعزّ ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور».(1)

والإمام يشير إلى قسم خاص من علمه سبحانه وهو وجود العلم بلا وجود معلوم، ووجود السمع بلا وجود مسموع، وشرح هذا القسم من العلم يطلب من الكتب الكلامية والفلسفية.

وللفيلسوف الجليل صدر المتألّهين في هذا المقام بيان لا يسع هذا المجال لإيراده.(2)


1 . التوحيد للصدوق: 139.
2 . الأسفار الأربعة: 6/263 ـ 270.


(331)

الفصل السابع

اللّه و التوحيد في الأفعال
1. التوحيد في الخالقية


(332)

اللّه والتوحيد في الخالقية

1. عقيدة المعتزلة في العلل والأسباب.

2. نقد هذه العقيدة.

3. مذهب الإمام الأشعري في العلل الطبيعية.

4. نقد هذا المذهب.

5. مذهب أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ «الأمر بين الأمرين».

6. التوحيد في الخالقية من شعب التوحيد الافعالي.

7. ما معنى الخالقية؟

8. لماذا يؤكد القرآن على التوحيد في الخالقية؟

9. ما معنى خالقية المسيح؟

10. التوحيد في الخالقية يؤكد الاختيار.

11. كيف تعلّقت الإرادة الأزلية بصدور الفعل عن الفاعل.

12. تحليل عن الشرور.

13. خلاصة القول في الشرور.

14. جواب آخر حول الشرور.

15. الشر أمر نسبي.


(333)

التوحيد في الخالقية

تشهد النظرة العلمية والفلسفية بقيام النظام الكوني على أساس سلسلة الأسباب والمسببات وارتباط كل ظاهرة من الظواهر الطبيعية بعلّة وسبب مادي، فهذا النظام ـ بمجموعه ـ نظام ممكن، محتاج ـ في ذاته، وفعله ـ إلى واجب غني بالذات، وحيث إنّ الإمكان والافتقار لازم «ذات» الممكن وماهيته، والفقر والاحتياج لا ينقطع ولا ينفك عنه، فالنظام الذي يتألف من سلسلة «العلل والمعلولات» يكون قائماً ـ في وجوده وبقائه وفي تأثيره وفعله ـ باللّه تعالى دون أن يتمتع بأي «استقلال» ذاتي واستغناء عنه حدوثاً وبقاء ذاتاً وفعلاً.

وبعبارة أُخرى إنّ الظواهر الكونية كما أنّها «غير مستقلة في ذاتها» وأصل وجودها كذلك هي غير مستقلة ـ في مقام عليتها وتأثيرها ـ بمعنى أنّها لا تؤثر أو لا يمكنها التأثير إلاّ بإرادة اللّه، وحوله وقوته سبحانه ، ويستنتج من ذلك أنّه كما لا شريك له سبحانه في الفاعلية والعلية، ليس هناك في الواقع إلاّ «فاعل مستقل واحد» لا غير، وإلاّ علة واحدة قائمة بنفسها لا بسواها، وذلك هو «اللّه» عز وجل.

وأمّا الأسباب والعلل الأُخرى فهي تستمد «وجودها» و «فاعليتها» أيضاً من اللّه، وتقوم به، ولذلك فإنّ شعار المؤمن الموحد يكون دائماً هو: «لا حول ولا قوة إلاّ باللّه».


(334)

عقيدة المعتزلة

ذهب المعتزلة إلى أنّ كل ممكن مؤثر، يحتاج في ذاته إليه سبحانه لا في فعله، فوجوده فقط قائم به تعالى، دون إيجاده، وإنّ فعل الممكن يرتبط بنفسه لا بموجده.

فقد فوض تأثير الفاعل ـ في نـظر هذه الطائفة ـ إلى نفس «الأسباب والعلل» بحيث لم تعد هذه الأسباب بحاجة إلى اللّه في «تأثيرها وفاعليتها» بل هي تأتي بكل ذلك على وجه الأصالة والاستقلال دون فرق في هذه الناحية بين الإنسان وغيره .

وقد دفع هذه الفرقة إلى اختيار مثل هذه العقيدة، تصور تنزيه اللّه عمّا يفعله العباد من الآثام والقبائح كالظلم والقتل والزنا.

فلو كانت «سببية» هذه الأفعال مستندة إلى الإرادة الإلهية، لاستلزم ذلك أن يكون عقاب العصاة ـ حينئذ ـ مخالفاً للعدل الإلهي، واستلزم نسبة القبيح إليه سبحانه .

فهم بغية الحفاظ على العدل الإلهي وتنزيهه سبحانه سلكوا هذا المسلك على خلاف البراهين العلمية والفلسفية، وعلى خلاف الآيات والأحاديث الإسلامية، واعتبروا العلل «عللاً مفوضة» فوضت إليها السببية والتأثير، بحيث تؤثر دون الاستناد إلى القدرة الإلهية ، أي بالاستقلال والأصالة.

وفي الحقيقة، جعلوا مكان «الفاعل المستقل الواحد» ملايين الفاعلين المستقلين، وبذلك اتخذوا للّه ـ بدل شريك واحد ـ شركاء كثيرين له في الفعل


(335)

والتأثير، فسقطوا بذلك في ورطة «الشرك الخفي»(1) بظن المحافظة على العدل الإلهي.

نقد هذا الاعتقاد

ونحن قبل أن نتحدث حول الآيات المرتبطة بـ «التوحيد في الخالقية» الذي هو في الحقيقة بحث في « التوحيد الأفعالي» سنذكر باختصار ما يرد على هذه النظرية من نقد و إشكال، فنقول:

1. هل يصح أن يستند الموجود الممكن في وجوده وذاته إلى اللّه، ولكن يكون مستقلاً عنه في تأثيره في حين أنّ الارتباط من حيث الذات يستلزم الارتباط من حيث الفعل والتأثير، لزوماً وحتماً.

وبعبارة أُخرى: إذا كان وجود هذه الموجودات وذاتها مرتبطة باللّه، فإنّ فعلها وتأثيرها يكون أيضاً مرتبطاً به تعالى، فكيف يقول هؤلاء باستقلال هذه الموجودات في فعلها وتأثيرها مع اعترافهم بارتباطها باللّه سبحانه في ذاتها، الملازم لارتباطها قهراً به في الفعل والتأثير في حين لو كان الفاعل مستقلاً في فعله لوجب أن يكون أيضاً مستقلاً في ذاته وأصل وجوده، والاعتقاد باستقلال الأشياء في «أصل وجودها وذاتها» موجب للاعتقاد بوجوب وجودها ـ لا محالة ـ ومعلوم أنّ مثل هذا الاعتقاد مناف لـ « التوحيد الذاتي».

2. من الجدير ـ جداً ـ التعمّق في الآية التالية:


1 . انّ اعتقاد المعتزلة باستقلال العلل والأسباب في الفاعلية هو نوع من الشرك الخفي الذي لا يدركه إلاّ العلماء والمحققون دون عامة الناس، ولهذا لا يكون هذا الاعتقاد سبباً للخروج من الإسلام.

(336)

(وَقُلِ الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً).(1)

فإنّ قوله سبحانه : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) أوضح دليل على عدم استقلال أي فاعل في فعله، إذ لا شك أنّ أثر الفاعل عاقلاً كان أو غيره جزء من الملك، فلو كان الفاعل مستقلاً في فعله، لكان بعض الكون وهو ذوات العلل والأشياء ملكاً للّه سبحانه والبعض الآخر يكون ملكاً لغيره تعالى، أعني: العلل والأسباب، فإنّ المالكية متفرعة على الخالقية فلو كانت الآثار خارجة عن إطار خالقية اللّه لخرجت عن إطار مالكيته.

إنّ القرآن الكريم يخبر عن مجموعة من المدبرات إلى جانب اللّه حيث يقول:

(فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً).(2)

فمن ترى تكون تلك المدبّرات؟

المراد من تلك المدبّرات أمّا العلل الطبيعية أو الملائكة التي تدبّر الكون.

فإذا كانت هذه الأشياء تدبّر شؤون العالم على وجه الاستقلال دون أن تكون أفعالها مستندة إلى إرادة اللّه ومشيئته، فهل يصح قوله تعالى:

(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ).

فأي شريك أعلى وأبين من هذه الشركاء المشتغلة بتدبير العالم دون الاعتماد على اللّه ودون الرجوع إليه فرضاً.

3. لقد أشار أحد أئمّة أهل البيت في الرد على عقيدة المعتزلة إلى نكتة


1 . الإسراء: 111.
2 .النازعات: 4.


(337)

خاصة وهي:

«انّ القدرية أرادوا أن يصفوا اللّه عز وجل بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه».(1)

فلقد كشف الإمام موسى بن جعفر ـ عليه السَّلام ـ النقاب، منذ بداية نشوء مذهب الاعتزال(2) عن الدوافع الأوّلية لمثل هذا الاعتقاد، وأعلن منذئذ عن فساده، وعلة بطلانه، لأنّه يحدّد قدرة اللّه.

ولو أمعنوا النظر في كيفية صدور الفعل عن الإنسان ، وكيفية فاعليته، مع المحافظة على أصل « التوحيد الافعالي»، لثبت لهم أنّ كل فعل صادر من الإنسان مع أنّه فعل اللّه هو فعل الإنسان نفسه، ومع أنّه (أي الفعل البشري) قائم باللّه تعالى هو صادر من العبد نفسه أيضاً، غاية ما في الباب أنّ فاعليته تعالى بالقيومية وفاعلية البشر فاعلية مباشرية.

يقول الإمام موسى بن جعفر ـ عليه السَّلام ـ في كتاب له إلى أحد أصحابه:

«قال اللّه: يابن آدم بمشيئتي كنت، أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوتي أديت إليَّ فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً، بصيراً، قوياً».(3)


1 . بحار الأنوار: 5/54.
2 . نعم أنّ أصحاب الاعتزال قد أخذوا الأصلين الرئيسيين (التوحيد والعدل) عن خطب أمير المؤمنين عن طريق محمد بن الحنفية وابنه أبي هاشم غير أنّهم لابتعادهم عن سائر أئمّة أهل البيت لم يوفقوا إلى تفسير هذين الأصلين على النحو اللائق بهما إلى أن وجد فيهم أقوام لهجوا بأنّ اللّه غير قادر على أفعال الإنسان إيجاداً واعداماً وهؤلاء هم القدرية الحقيقية.
3 . بحار الأنوار: 5/57.


(338)

فالحديث رغم أنّه يصف الإنسان بأنّه هو الذي يريد لنفسه ما يريد، وبإرادته يؤدي فرائضه ويرتكب جرائمه إلاّ أنّه في نفس الوقت يقول: بأنّه يفعل ما يفعل بأنعام اللّه وأقداره.

نعم اختارت المعتزلة ما اختارت من استقلال العبد في فعله بدافع المحافظة على «العدل الإلهي» متوهّمين بأنّ القول بوجود فاعل مستقل واحد في العالم يستلزم أن يكون عقاب العصاة على أفعالهم على خلاف العدل، ولكنّهم غفلوا عن أنّ عقاب العصاة على آثامهم إنّما يكون مخالفاً له إذا أنكرنا حرية الإنسان في الاستفادة من المواهب الإلهية، واعتبرناه مجبوراً مقهوراً في أفعاله وأنكرنا وساطة العلل والأسباب وفاعليتها وعلّيتها.

وأمّا إذا قلنا بمشاركة العلل والأسباب في وقوع الفعل بحيث لا يتحقق الفعل إلاّ عن هذا الطريق، أعني: وجود العبد وإرادته واختياره فلا يكون لذلك التوهم أي مجال، والقول بمشاركة العبد في فعله على النحو الذي ذكرنا لا ينافي «التوحيد الافعالي» إذ لا يعني منه إنكار علية العلل والأسباب الطبيعية وغير الطبيعية وإلغاء دورها وتأثرها، بل يعني مع احترام علية العلل وسببية الأسباب أنّه ليس ثمت سبب مستقل ومؤثر بالذات إلاّ اللّه، وانّه تعالى المؤثر الوحيد الذي يؤثر بالأصالة والاستقلال دون غيره، وبهذا الطريق وحده يمكن الاجتناب عن أي نوع من ألوان الشرك في الذات والفعل.(1)

وبعبارة أُخرى: انّ اللّه قد أعطى القدرة والنعمة لعبده، ولكن جعله حراً في كيفية الاستفادة منهما، فهو بإرادته واختياره يصرف كل نعمة في أي مورد شاء،


1 . للسيد الرضي في المقام كلام فراجع حقائق التأويل: 209 ـ 210.

(339)

وعندئذ يكون هو المسؤول عن أعماله وأفعاله، وعلى هذا الأساس فالفعل مستند إلى اللّه سبحانه باعتبار أنّه أقدر عبده على الفعل وأنعم عليه، كما أنّه مستند إلى عبده لكونه باختياره صرف القدرة والنعمة في أي مورد شاء، وهذا هو مذهب الأمر بين الأمرين الذي تواترت عليه الأخبار عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

مذهب الإمام الأشعري

إنّ هناك مذهباً آخر يعد مقابلاً للمذهب الماضي وهو المنسوب إلى الإمام الأشعري، فهو لا يعترف إلاّ بمؤثر واحد وهو اللّه سبحانه وينكر علّية أي موجود سواه، بل يقول جرت إرادة اللّه على خلق الحرارة بعد النار وخلق النور بعد الشمس وهذا هو ما أسموه بالعادة الإلهية.

فالعادة الإلهية جرت ـ حسب تلك النظرية ـ على ظهور الأثر عقيب وجود المؤثر ، دون مشاركة أو سببية للمؤثر في حصول ذلك الأثر مطلقاً.

ولكن هذه النظرية مرفوضة لمخالفتها الصريحة للبراهين العلمية والفلسفية ولصريح الآيات القرآنية حول تأثير العلل والأسباب الطبيعية في عالم الكون، ونحن نرجئ بيان بطلان هذا الرأي من الناحية العلميةوالفلسفية(1) إلى موضع آخر، وإنّما نكتفي هنا ببيان بطلانه من وجهة نظر القرآن .


1 . نعم هذه النظرية تقارب ما نقل من الفيلسوف الإنجليزي المعروف: هيوم ،حيث إنّه أنكر مطلق العلية ولم يعترف حتى بعلّة واحدة، وعلّل ذلك بأنّ التجربة لا تثبت إلاّ التوالي والتقارن بين النار وحرارتها والشمس وضوئها، وهما غير العلّية أي نشوء شيء من شيء.
ولكنّه لما حصر أسباب المعرفة بالتجربة والاختبار عجز عن إثبات قانون العلية الذي تبتني عليه المعارف البشرية، ولو رجع إلى البراهين الفلسفية التي أقامها الفلاسفة على أنّ كل ظاهرة ممكنة تحتاج إلى سبب يخرجها من نقطة الاستواء لظهر له الحق بأجلى مظاهره.


(340)

ففي هذه الآيات يصرح القرآن ـ بوضوح كامل ـ بعلية وتأثير العلل الطبيعية نفسها.

وإليك هذه الآيات :

(وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).(1)

وجملة (يُسْقَى بِمَاء وَاحِد) كاشفة عن دور الماء وأثره في إنبات النباتات ونمو الأشجار، ومع ذلك يفضل بعض الثمار على بعض.

وأوضح دليل على ذلك قوله تعالى في الآيتين التاليتين:

(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ)(2).

(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ).(3)

ففي هاتين الآيتين يصرح الكتاب العزيز ـ بجلاء ـ بتأثير الماء في الزرع، إذ أنّ «الباء» تفيد السببية ـ كما نعلم ـ .

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرىَ الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مِنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ).(4)


1 . الرعد: 4.
2 . البقرة: 22.
3 . السجدة: 27.
4 . النور: 43.


(341)

ففي هذه الآية نرى ـ لو أمعنا النظر ـ كيف بيّـن القرآن الكريم المقدّمات الطبيعية لنزول المطر والثلج من السماء من قبل أن يعرفها العلم الحديث ويطّلع عليها بالوسائل التي يستخدمها لدراسة الظواهر الطبيعية واكتشاف عللها ومقدماتها.

فقبل أن يتوصل العلم الحديث إلى معرفة ذلك ـ بزمن طويل ـ سبق القرآن إلى بيان تلك المقدمات في عبارات هي:

1. يزجي (يحرك) سحاباً.

2. ثم يؤلّف (ويركب) بينه.

3. ثم يجعله ركاماً (أي كتلة متراكمة متكاثفة).

4. فترى الودق (أي المطر) يخرج من خلاله.

5. يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار.

وهكذا يصرح اللّه سبحانه في كل المراحل بتأثير الأسباب والعلل الطبيعية، غاية ما هنالك أنّ تأثير هذه العلل والأسباب بإذن اللّه ومشيئته بحيث إذا لم يشأ هو سبحانه لتعطلت هذه العلل عن التأثير .

(اللّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مِنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ).(1)

وأية جملة أوضح من قوله: (فَتُثِيرُ سَحَاباً) أي الرياح، فالرياح في نظر


1 . الروم: 48.

(342)

القرآن هي التي تثير السحاب وتسوقه من جانب إلى جانب آخر .

إنّ الإمعان في عبارات هذه الآية يهدينا إلى نظرية القرآن ورأيه الصريح حول «تأثير العلل الطبيعية بإذن اللّه».

ففي هذه الجمل جاء التصريح:

1. بتأثير الرياح في نزول المطر.

2. وتأثير الرياح في تحريك السحب.

3. وانبساط السحب في السماء.

4. وتجمع السحب ـ فيما بعد ـ على شكل قطع متراكمة.

5. ثم نزول المطر بعد هذه التفاعلات والمقدمات.

فإذا ينسب القرآن هذه الأفاعيل إلى اللّه في هذه الآيات عند تعرضه لذكر مراحل تكون المطر ونزوله بأنّه (هو) يبسط السحاب في السماء و (هو) الذي يجعله كسفاً، فإنّما يقصد ـ من وراء ذلك ـ التنبيه إلى مسألة «التوحيد الافعالي» الذي سنبحثه من وجهة نظر القرآن في هذا الفصل وما بعده.

على أنّ الآيات التي تؤكد دور العلل الطبيعية وتأثيرها المباشر ، وتعتبر العالم مجموعة من الأسباب والمسببات التي تعمل بإرادة اللّه وإذنه وتكون فاعليتها فرعاً من فاعلية اللّه، أكثر من أن يمكن إدراجها هنا، ولكننا نرى في ما ذكرنا الكفاية لمن تدبّر .

هذا وقال أحمد أمين المصري: إنّ من الدائر على ألسنة الأزهريين:

ومن يقل بالطبع أو بالعلّه فذاك كفر عند أهل الملّه


(343)

وقال الزبيدي في إتحاف السادة(1) وهو شرح لإحياء العلوم:

ثبت مما تقدم أنّ الإله هو الذي لا يمانعه شيء وإنّ نسبة الأشياء إليه على السوية، وبهذا أبطل قول المجوس وكل من أثبت مؤثراً غير اللّه من علة أو طبع أو ملك أو أنس أو جن، إذ دلالة التمانع تجري في الجميع ولذلك لم يتوقف علماء ما وراء النهر في تكفير المعتزلة حيث جعلوا التأثير للإنسان.

هذا، وقد تقرب الإمام الأشعري إلى أهل السنّة بنسبته فعل الشر إلى اللّه تعالى لمّا تاب عن الاعتزال، فرقى يوم الجمعة كرسياً في المسجد الجامع بالبصرة ونادى بأعلى صوته: «من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن وانّ اللّه لا يرى بالأبصار وانّ أفعال الشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة فخرج بفضائحهم ومعايبهم».(2)

ولا يخفى أنّ التوحيد الافعالي بهذا المعنى أي سلب العلية والتأثير عن أي موجود سواه استقلالاً وتبعاً وبالمعنى الاسمي والمعنى الحرفي جر الويل بل الويلات على أصحاب هذا الرأي من أهل السنّة فدخلوا في عداد الجبرية وان كانوا لا يقبلون بإطلاق هذا الاسم عليهم.

غير انّ هذا الرأي الزائف لا ينتج غير الجبر والإلجاء في أفعال الإنسان، ولذا رأينا أنّ الإمام الأشعري قد تاب عن قول: «إنّ أفعال الشر أنا أفعلها»، وذلك حينما دخل في عقيدة السنّة ـ حسب رأيه ـ .


1 . اتحاف السادة : 2/135.
2 . الفهرست لابن النديم: 257.


(344)

ما معنى هذه الجملة التي ذكرها الإمام الأشعري في جملة عقائد أصحاب الحديث والسنّة إنّ سيئات العباد يخلقها اللّه عزّ وجلّ، وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا منها شيئاً.(1)

أو ليس هذا موجباً للغوية بعث الأنبياء والرسل، ولغوية الحث على العمل الصالح والزجر عن غير الصالح.

ونرى إمام الحنابلة يمشي على هذا الضوء فيفسر القضاء والقدر على نحو يساوي الجبر والحتم حيث يقول: القدر خيره وشره، حسنه وسيئه من اللّه قضاء قضاه وقدر قدره لا يعدو واحد منهم مشيئة اللّه عز وجل والعباد صائرون إلى ما خلقهم له واقعون فيما قدر عليهم لأفعاله وهو عدل منه عزّ ربنا وجل والزناء والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المرء المال الحرام والشرك باللّه والمعاصي كلها بقضاء وقدر.(2)

إنّ تفسير القضاء والقدر بهذا المعنى تشعب عن الفكرة الخاطئة من إنكار العلية والمعلولية في عالم الطبيعة مطلقاً وانّ الظواهر الطبيعية لا مصدر ولا منشأ لها إلاّ إرادته سبحانه من دون وساطة علة أو مشاركة سبب، وهو ما عرفت بطلانه في الصفحات السابقة.

وأمّا كشف النقاب عن حقيقة قضائه وقدره سبحانه مع شمولها لعامة الحوادث والظواهر الطبيعية والأفعال الإنسانية، فقد أسهبنا فيه الكلام في بعض أبحاثنا الفلسفية.(3)


1 . مقالات الإسلاميين:1/321.
2 . طبقات الحنابلة: 1/25.
3 . راجع القضاء والقدر في العلم والفلسفة تأليف شيخنا الأُستاذ وتعريب محمد هادي الغروي طبع في بيروت 1399هـ.


(345)

وللعلاّمة الحجة السيد مهدي الروحاني مقال مسهب في المقام في كتابه «بحوث مع أهل السنّة والسلفية» فراجعه.

مذهب أئمة أهل البيت

أقول: من جعل القرآن رائده وإمامه، ونظر في آياته مجرّداً عن الميول والأفكار المسبقة، يقف على أنّ كلا المذهبين (مذهب المعتزلة والأشاعرة) على جهتي الإفراط والتفريط، فلا تفويض ولا جبر، لا إشراك ولا ثنوية ولا اضطرار والجاء، لا أنّ الممكن مستقل في فعله وتأثيره، ولا هو منعزل عن فعله وأثره بتاتاً.

إنّ كلا الرأيين والمذهبين لا يصدقهما القرآن ولا الدلائل العقلية الواضحة بل انّ هناك مذهباً ثالثاً أسماه أئمّة أهل البيت بالأمر بين الأمرين وهو الذي يرشدنا إليه التدبر في القرآن وبه يحافظ على التوحيد في الخالقة والفاعلية، وانّه لا خالق مستقل إلاّ هو، وعلى مشاركة العلل والأسباب مختارها ومضطرها في الفعل والأثر «فلا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين» وسيوافيك توضيح الفرق بين المذهبين والأمر بين الأمرين بطرح مثال بديع.

***

ويمكن تلخيص التوحيد الافعالي في فصلين:

1. انّه ليس في عالم الوجود إلاّ خالق أصيل ومستقل واحد، وأمّا تأثير العلل الأُخرى وفاعليتها فليست إلاّ في طول خالقية اللّه وعلّيته وفاعليته، ومتحقّقة بإذنه.


(346)

2. انّه لا مدبر للعالم إلاّ «اللّه» ولا تدبير لغيره إلاّ بإذنه سبحانه وأمره.

وأمّا القسم الأوّل فهو «التوحيد في الخالقية» .

والقسم الثاني فهو « التوحيد في التدبير والربوبية».

وسيوافيك انّ «الرب» ليس بمعنى: الخالق، بل بمعنى المدبر الذي وكل إليه أمر إصلاح فرد أو جماعة.(1)

التوحيد في الخالقية

من مراجعة القرآن الكريم يتضح أنّ هذا الكتاب السماوي لا يعرف خالقاً مستقلاً أصيلاً إلاّ اللّه، وأمّا خالقية ما سواه فهي في طول خالقيته وليس له استقلال في الخلق والإيجاد، وإليك فيما يلي طائفة من الآيات التي تشهد بهذا الأمر :

(قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ).(2)

(اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيء وَكِيلٌ).(3)

(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ خَالُقُ كُلِّ شَيْء لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ ).(4)


1 . قد فسر الوهابيون «الرب» بالخالق واعتبروا التوحيد في الربوبية والتوحيد في الخالقية قسماً واحداً، في حين أنّ الربوبية لا تعني الخالقية، بل تعني إدارة فرد أو جماعة وتدبير أُمورهم وسيأتي توضيح هذا القسم في المستقبل.
2 . الرعد: 16.
3 . الزمر: 62.
4 . غافر: 62.


(347)

(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ).(1)

(هُوَ اللّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى).(2)

(أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء).(3)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نَعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ).(4)

(أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).(5)

ولا يمكن أن تكون هناك عبارات أوضح من هذه العبارات في إفادة المقصود وهو: أنّ كل الأشياء ـ بذاتها وآثارها ـ معلولة للّه ومخلوقة له سبحانه .

فهو الذي خلق الشمس والقمر والنار، وهو الذي أعطاها النور والضوء والحرارة، وأقام ارتباطاً وثيقاً بين هذه الآثار وتلك الأشياء.

وبالتالي فهو الذي أعطى للأسباب سببيّتها وللعلل علّيتها.

إنّ القرآن يرى ـ بحكم نظرته الواقعية ـ بأنّ كل ما في هذه الحياة من سماء وكواكب وأرض وجبال وصحراء وبحر ، وعناصر ومعادن، وسحاب ورعد وبرق وصاعقة، ومطر وبرد، ونبات وشجر، وحجر وحيوان وإنسان، وغيرها من الموجودات غير مستقلة في التأثير، وإنّ كل ما ينتسب إليها من الآثار ليست لذوات هذه الأسباب، وانّما ينتهي تأثير هذه المؤثرات إلى اللّه سبحانه .


1 . الأنعام: 102.
2 . الحشر: 24.
3 . الأنعام: 101.
4 . فاطر: 3.
5 . الأعراف: 54.


(348)

فجميع هذه الأسباب والمسببات رغم ارتباطها بعضها ببعض ـ بحكم العلية ـ فهي مخلوقة للّه جميعاً، فإليه تنتهي العلية وإليه تؤول السببية وهو معطيها للأشياء.

ولا شك أنّ البشر هو أيضاً ذو آثار وأفعال، كالأكل والشرب والقيام والقعود وغيرها من الأفعال، وكلّها مرتبطة بالإنسان نفسه، فهي أفعاله الاختيارية التي يتعلّق بها الأمر والنهي.

ولكنّه ليس مستقلاً في فعله وأثره، فكما أنّ فعله يعد فعلاً له ومرتبطاً به، فهكذا يعد فعله فعلاً للّه سبحانه ومرتبطاً به بحكم كون وجوده وما أُعطي من القوى والطاقات مستندة إلى اللّه سبحانه، وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون فعل العبد مرتبطاً بالعبد ومنقطعاً عن اللّه، إذ كيف يكون ذات الشيء مرتبطاً ويكون فعله منقطعاً، فإنّ غير المستقل بالذات غير مستقل في الفعل، والمستقل في الذات مستقل في الفعل أيضاً.

وبعبارة أُخرى: انّ المراد من كون أفعال العباد مخلوقة للّه ليس هو كونها فعلاً له سبحانه بلا مشاركة العبد، بل المراد هو عدم استقلال العبد والعلل كلها في مقام الإنشاء والإيجاد وإلاّ لزم أن يكون في صفحة الوجود فاعلون مستقلون في الفعل والإيجاد وهو بمنزلة الشرك.

وبذلك يرتفع الاستيحاش عن القول بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه، إذ ليس المراد انّه سبحانه فاعل دونهم كما ليس المراد أنّها أفعال لهم دونه سبحانه ، بل هي أفعال له تعالى من جهة وأفعال لهم من جانب آخر .

وقد أوضحه بعض المحقّقين بالمثال التالي الذي يوضح موقف كل من مذهبي الجبر والتفويض وما هو الحق من الأمر بين الأمرين، فلنفرض أنّ إنساناً


(349)

أعطى لأحد سيفاً مع علمه بأنّه يقتل به نفساً، فالقتل إذا صدر منه لا يكون مستنداً إلى المعطي بوجه، فإنّه حين صدوره يكون أجنبياً عنه بالكلية غاية الأمر أنّه هيّأ بإعطائه السيف مقدمة إعدادية من مقدمات القتل، وهذا واقع التفويض.

كما أنّه لو شد آلة جارحة بيد الإنسان المرتعش بغير اختيار، فأصابت الآلة من جهة الارتعاش نفساً فجرحته، فالجرح لا يكون صادراً من ذاك الإنسان المرتعش، بإرادته واختياره، بل هو مقهور عليه في صدوره منه، وهذا واقع الجبر وحقيقته.

وإذا فرضنا أنّ يد الإنسان مشلولة لا يتمكّن من تحريكها إلاّ مع إيصال الحرارة إليها بالقوة الكهربائية، فأوصل رجل القوة إليها بواسطة سلك يكون أحد طرفيه بيد المولى، فاختار ذلك الإنسان قتل نفس والموصل يعلم بذلك، فالفعل بما انّه صادر من الإنسان المشلول باختياره يعد فعلاً له، وبما أنّ السلك بيد الموصل وهو الذي يعطي القوة للعبد آناً ف آناً فالفعل مستند إليه، وكل من الإسنادين حقيقي من دون أن يكون هناك تكلّف أو عناية، وهذا هو واقع الأمر بين الأمرين، فالأفعال الصادرة من المخلوقين بما أنَّها تصدر منهم بالإرادة والاختيار، فهم مختارون في أفعالهم; وبما أنّ فيض الوجود والقدرة والشعور من مبادئ الفعل يجري عليهم من قبل اللّه تعالى آناً ف آناً، فأفعالهم منتسبة إلى خالقهم.(1)

إنّ هناك طائفة من الآيات القرآنية تبيّـن هذه الحقيقة بنحو آخر وهو أنّه ليس اللّه تعالى خلق الأشياء فقط، بل هو الذي قدر تأثير كل شيء وخلق له


1 . أجود التقريرات: 1/90.

(350)

«حدوداً» خاصة، وغايات معينة مثل قوله تعالى:

(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً).(1)

(رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى).(2)

(الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى).(3)

هذه الآيات وما قبلها تبيّـن « التوحيد الخالقي» بوضوح ولا تعترف بخالق أصيل ومستقل إلاّ اللّه،كما أنّها لا تعترف بمقدّر أصيل للأشياء وهاد واقعي لها غيره سبحانه .

ما هو معنى الخالقية؟

ماذا يراد من أنّ اللّه سبحانه هو الخالق الوحيد وانّ الذوات والأشياء وما يتبعها من الأفعال والآثار حتى الإنسان وما يصدر منه، مخلوقات للّه سبحانه بلا مجاز ولا شائبة عناية؟

إنّ الوقوف على تلك الحقيقة القرآنية يتوقف على تحليل معنى الخلق لغة واستعمالاً.

إنّ لفظة «الخلق» تارة يراد منها «التقدير» وأُخرى الإبداع والإيجاد، والميزان في ذلك هو إنّه إذا قيل: خلق هذا من ذاك وذكرت معه المادة القابلة للصياغة والتصوير و النحت و التكوين يراد منه التقدير، قال سبحانه حاكياً عن سيدناالمسيح ـ عليه السَّلام ـ :

(أَنِّي أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهِيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً


1 . الفرقان: 2.
2 . طه: 50.
3 . الأعلى: 2 ـ 3.


(351)

بِإِذْنِاللّهِ).(1)

يقال: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته، ويقال أيضاً: خلق العود: سوّاه.(2)

وأمّا إذا تعلّق الخلق بالشيء ونسب إليه من دون أن تقترن بمادة خاصة، فيراد منه الإبداع والإيجاد من كتم العدم، كقوله سبحانه :

(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً).(3)

نعم دلت البراهين الفلسفية على أنّ «الخلق» لا ينفك عن الإيجاد والإبداع حتى في القسم الأوّل، فإنّ المادة وإن كانت موجودة لكن الصورة ـ لا شك ـ إنّها أبداعية قطعاً، كقوله سبحانه :

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً).(4)

ولعلّه لذلك اكتفى ابن فارس في مقاييسه في توضيح معنى الخلق بالمورد الأوّل أي التقدير ولم يذكر المورد الثاني اعتماداً بأنّ التقدير لا ينفك عن الإيجاد والإبداع كما أنّ الإيجاد لا ينفك عن التقدير، كما صرح بقوله: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً).(5)

***


1 . آل عمران: 49.
2 . المقاييس لابن فارس: 2/214، والقاموس المحيط: مادة خلق.
3 . الفرقان: 2.
4 . غافر: 67.
5 . الفرقان: 2.


(352)

ثم إنّه وقع النزاع في صحة استعمال لفظ الخلق في الأفعال، لغة، وانّه هل يتعلّق الخلق بالأفعال كتعلّقه بالذوات، أو أنّه لا يتعلّق إلاّ بالذوات، وأمّا الأفعال والأحداث فيتعلّق بها الإيجاد، والإنسان موجد لفعله لا خالق له، فيقال: أوجد فعله ولا يقال: خلقه.

وربما يستدل على صحة تعلّقه بالفعل والعمل بقوله تعالى:

(فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَ اللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ).(1)

والشاهد هو قوله: (خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) غير انّه يمكن أن يقال: انّ المراد من الموصول في قوله: (وَمَا تَعْمَلُونَ)هو الأصنام التي كانوا يعملونها وينحتونها بقرينة ما سبقها من الآيات، أعني قوله: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ)والمقصود انّ اللّه خلقكم وخلق الأصنام التي تصنعونها، ويكون وزان الآية وزان قوله سبحانه: (يَعمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَان كَالْجَوَابِ).(2)

وبذلك يسقط الاستدلال بالآية.

وربما يستدل على نفي صحة اسناد الخلق إلى غيره سبحانه بقوله تعالى:

(أَيُشْرِكُونَ مَالاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ).(3).(4)

فإنّ الظاهر من قوله (لا يَخْلُقُ شَيْئاً) انّ كل معبود سواه لا يخلق شيئاً ولا


1 . الصافات: 93 ـ 96.
2 . سبأ: 13.
3 . الأعراف: 191.
4 . ومثله الآية 20 من سورة النحل والآية 3 من سورة الفرقان.


(353)

يقال لفعله انّه مخلوق ولا لنفسه انّه خالق.

غير انّ الإجابة عن هذا الاستدلال أيضاً واضحة، فإنّ المراد بعد الغض عن احتمال كون المراد الأصنام المنحوتة لا كل موجود سواه، نفي الخالقية اللائقة لساحته سبحانه ، وهي الخالقية المستقلة غير المعتمدة على شيء ومن المعلوم أنّ الخالقية بهذا المعنى لا يقدر عليها أحد.

إذا وقفت على استدلال الطرفين من حيث صدق الخلق على الفعل وعدم صدقه، فهلمّ معنا نوقفك على الحقيقة وانّه هل يجوز استعمال لفظ الخلق في مورد الأعمال وعدمه؟

فنقول: أمّا أوّلاً: لا شك أنّ الخلق يتعلّق بالفعل كما يتعلّق بالذات، كما في قوله سبحانه :

(إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً).(1)

فإنّ قوله سبحانه : (وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) بمعنى تقولون: كذباً ، فليس الكذب والصدق إلاّ من أفعال البشر .

وفي الحديث:

«خلقت الخير وأجريته على يدي من أحب وخلقت الشر وأجريته على يدي من أُريد».

قال الطريحي في تفسير الحديث: المراد بخلق الخير والشر خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى التقدير نقوش في اللوح المحفوظ، ومعنى خلق التكوين


1 . العنكبوت: 17.

(354)

وجود الخير والشر في الخارج، وهو من أفعالنا وقد ورد في الحديث يا خالق الخير والشر.(1)

وثانياً: سلمنا أنّ الخلق لا يتعلّق بالفعل غير أنّ عمومية المتعلّق في الآيات الواردة في هذا الفصل التي تخص الخالقية باللّه سبحانه كقوله: (خَلَقَ كُلَّ شَيْء)وقوله: (قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلَّ شَيْء)أو قوله: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيرِ اللّه)تكون قرينة على أنّ المراد من الخلق في الآيات هو مطلق الإيجاد والإبداع، سواء تعلّق بالذات أو بالفعل، فيستدل بعموم المتعلّق (كل شيء) مثلاً على إلغاء الخصوصية المتوهمة في لفظ الخلق من أنّه لا يتعلّق إلاّ بالذوات دون الأفعال.

إنّ عناية القرآن بطرح متعلّق الخلق بشكل عام عناية لا يرى مثلها في غيره تكون قرينة على أنّ المراد هو نفي وجود أي مؤثر أو موجود مستقل في صفحة الوجود دون اللّه، وقد ذكر علماء المعاني، انّ خصوصية الفعل ربّما يسري إلى المتعلّق فيخرجه عن السعة، فإذا قال القائل: لا تضرب أحداً، ينصرف لفظ الأحد بقرينة «لا تضرب» إلى الحي وإن كانت تلك اللفظة عامة تشمل الحي الميت.

وقد يعكس فتكون سعة المتعلّق قرينة على شمول الفعل وعموميته، كما لا يخفى مثلاً أنّ قوله سبحانه : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ) (2) وإن كان خاصاً من جهة الموصول والصلة بالعاقل فلا يشمل إلاّ دعوة العقلاء، إلاّ أنّ قوله من دون اللّه قرينة على أنّ الممنوع هو دعوة مطلق غير اللّه عاقلاً كان أو غيره،


1 . مجمع البحرين مادة خلق، ولا يخفى أنّه كما تكون ذوات الأشياء خيراً وشراً كذلك تكون الأفعال خيراً وشراً، بل نسبة الخير والشر إلى الذوات كصحة البدن والمال إنّما هي باعتبار كونها مبدأ للخير والشر .
2 . الحج: 73.


(355)

وبذلك يظهر أنّ للعموم الحاكم على المتعلّق في الآيات، أعني قوله تعالى: (كُلَّ شَيْء) ، وإضرابه دليلاً على أنّ المقصود حصر مطلق الخلق المتعلّق بالذوات والأفعال باللّه سبحانه .

ثالثاً: انّ المقصود من التوحيد في الخالقية هو التوحيد في التأثير والإيجاد سواء أصح إطلاق الخلق عليه أم لا.(1) والمراد أنّ كل موجود ممكن غير مستقل في ذاته غير مستقل في فعله وتأثيره أيضاً، لأنّ غير المستقل في الذات والقوى والطاقات غير مستقل في أعمال هذه القوى والاستفادة من هذه الطاقات، إلاّ أنّ كون الفاعل غير مستقل ليس بمعنى كونه مجبوراً ومضطراً في أعمال هذه القوى والطاقات، بل هو مخير في أعمالها على أي نحو شاء.

وتظهر حقيقة هذا المعنى بالتدبّر في الآيات التي تصف اللّه تبارك وتعالى بالقيومية كما في قوله سبحانه : (اللّهُ لاَ إِله إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)(2).(3)

فإنّ معنى القيومية ليس إلاّ قيام ما سواه ـ من ذات وفعل ومؤثر وأثر ـ به سبحانه ومعه كيف يمكن أن نصف الموجودات الإمكانية بالاستقلال في الفاعلية والتأثير .

سؤال في المقام

إذا كان المشركون لا يشكّون في موضوع « التوحيد في الخالقية»، فلماذا نجد


1 . نعم عند ذاك لا تصلح الآيات الحاصرة للخلق باللّه سبحانه للاستدلال في المقام إلاّ بضرب من التأويل، ولابد من الاستدلال بالآيات التي تحصر القيومية باللّه سبحانه وغيرها من الآيات.
2 .البقرة: 255، وآل عمران: 2.
3 . وقوله سبحانه : (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَىِّ الْقَيُّومِ) (طه: 111).


(356)

القرآن ينهض لذم المشركين، ويذكرهم بأنّ معبوداتهم لم تخلق شيئاً؟ كقوله:

(هَذَا خَلْقُ اللّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَل مُبِين).(1)

(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لإنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً).(2)

(أَمْ جَعَلُوا للّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ).(3)

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ).(4)

(اللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ).(5)

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمواتِ).(6)

الجواب: انّ الهدف من التذكير بخالقية اللّه وحده وسلب الخالقية من غيره ليس لأنّ المشركين كانوا يعتبرون الأوثان خالقة، إنّما الهدف من طرح «حصر الخالقية باللّه ونفيها من الأصنام» هو في الحقيقة «ردع» المشركين من عبادة غير اللّه


1 . لقمان: 11.
2 . الفرقان: 3.
3 . الرعد: 16.
4 . الحج: 73.
5 . الروم: 40.
6 . فاطر: 40.


(357)

تعالى، ذلك لأنّ العبادة إنّما يستحقها من يكون متصفاً بالكمال ومنزّهاً عن أية نقيصة أو عائبة، وأي كمال أعلى من الاتصاف بالخالقية التي أسبغ صاحبها لباس الوجود على كل شيء مما سواه؟

وبعبارة أُخرى فإنّ العبادة من مقتضيات المالكية والمملوكية، الناشئتين من الخالقية والمخلوقية، وإذ يعترف المشركون بأنّ اللّه هو الخالق دون سواه، فلماذا يعبدون غيره؟ ولماذا لا يجتنبون عن عبادة من سواه؟

وعلى هذا الأساس فإنّ إصرار القرآن الكريم ليس لأنّ المشركين كانوا يشكون في « التوحيد الخالقي» وغافلين عن هذه الحقيقة الساطعة الثابتة، بل لأنّهم كانوا غافلين عن لوازم التوحيد الخالقي، وهو: التوحيد في العبادة، فأراد اللّه بالتذكير بهذه الحقيقة أنّ يلفت نظرهم إلى لازمه وهو « التوحيد في العبادة».

هذا وقد نقلنا لك فيما مضى بعض هذه الآيات.(1)

وقد ذكرت هذه الحقيقة (أي حصر الخالقية في اللّه تعالى) في آيات أُخرى بعبارة (الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ) ، مثل قوله:

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ).(2)

(أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ).(3)


1 . راجع الآيات التالية: الأنعام: 102، فاطر: 3، الزمر: 62، غافر: 62، الحشر: 24 وغيرها.
2 . الحجر: 86.
3 . يس: 81.


(358)

وصفوة القول: إنّ السبب وراء طرح «حصر الخالقية في اللّه» ونفيها عمّـا سواه، وكذا التنديد بالأوثان والأصنام بأنّها لا تقدر على خلق ذبابة،(1) وغير ذلك هو تنبيه الضمائر الغافلة عن عبادة اللّه وحده، لأنّه مع اعتراف المشركين بانحصار الخالقية في اللّه ونفيها عن المعبودات الأُخرى (المصطنعة) ينبغي أن يعبدوا اللّه وحده، الذي خلق كل شيء وأخرج جميع الموجودات من العدم إلى حيز الوجود والتحقّق لا أن يعبدوا ما سواه، من الأوثان والأصنام العاجزة عن فعل أو خلق شيء حتى ذبابة أو دفعها عن نفسها، وهذا هو ما تريد هذه الآيات التنبيه إليه.

سؤال

إذا لم يكن في الوجود من خالق غير اللّه، فكيف يصف القرآن عيسى المسيح ـ عليه السَّلام ـ بأنّه يخلق أيضاً حيث يقول حاكياً عنه:

(أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)(2)؟

ثم كيف يصف اللّه نفسه ـ بعد أن يذكر مراحل خلقه للإنسان ـ بأنّه (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، وفي ذلك اعتراف ضمني بوجود «خالقين» آخرين إلى جانب اللّه، إذ يقول:

(فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(3)؟


1 . الحج: 73 (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً) .
2 . آل عمران: 49.
3 . المؤمنون: 14.


(359)

انّ الجواب: يتضح من التوجه إلى «استقلال» اللّه في التأثير والفعل، و«عدم استقلال» غيره في مقام الذات والفعل.

فالخالقية المنحصرة في اللّه غير قابلة لاتصاف الغير بها، ولا قابلة لإثباتها للغير، إذ هو مستقل أصيل في خلقه بمعنى أنّه لا يعتمد على شيء ولا يستعين بأحد ولا يحتاج لأذن آذن، ومن المعلوم أنّ القرآن الكريم لم يصف أحداً بمثل هذه الخالقية دون اللّه تعالى.

أمّا الخلق والخالقية التي يكون المتصف بها معتمداً على اللّه، ومحتاجاً إلى قدرته وإرادته وعونه، فهي يمكن أن تثبت للمخلوقين، إذ لا مشاركة حينئذ مع اللّه في الصفة الثابتة له المذكورة سابقاً.

فكل شيء من أشياء هذا الوجود يكون خالقاً في حد نفسه عندما يكون مؤثراً لأثر وسبباً لمسبب، ولا ريب أنّ إثبات هذا النوع من الخالقية لغير اللّه لا ينافي « التوحيد الخالقي» على النحو الذي مر تفسيره وبيانه.

وربما يجاب عن هذا السؤال بأنّ لفظة «الخلق» تطلق ويراد منها الإيجاد من العدم تارة وأُخرى التقدير، والمراد من قوله سبحانه : (أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) هو المعنى الثاني، أي أقدر لكم من الطين كهيئة الطير.

غير انّ هذا الجواب لا يخالف مع ما اخترناه في هذا الفصل، فانّ التقدير وإن كان فعلاً للمسيح، إلاّ أنّه بما هو ظاهرة كونية يحتاج إلى فاعل، وليس الفاعل القريب إلاّ المسيح ـ عليه السَّلام ـ ، ولكنه ليس مستقلاً في فعله هذا، كما هو ليس مستقلاً في ذاته وإلاّ تلزم الثنوية في الفاعلية المستقلة، على ما أوضحنا برهانه فالتقدير مع كونه فعلاً له، فعل للّه سبحانه ، ونعم ما قاله الحكيم السبزواري في منظومته


(360)

الفلسفية:

و كيف فعلنا إلينا فوضـــا وإنّ ذا تفويض ذاتنـا اقتضى

لكن كما الوجود منسوب لنـا فالفعل فعل اللّه وهو فعلنا(1)

سؤال آخر

إنّ حصر الخالقية في اللّه سبحانه ربما يستشم منه القول بالجبر ويكون المسؤول عن فعل العبد هو خالق الفعل والمفروض إنّه لا خالق سوى اللّه؟

الجواب

إنّ هذا الإشكال ـ في الحقيقة ـ إنّما يتجه ويصح إذا قلنا بأحد الأصلين التاليين، وهما:

1. إنكار علّية أية ظاهرة من الظواهر الطبيعية، وإحلال خالقيته سبحانه مكان العلل الطبيعية، كما هو الظاهر من كل من أنكر قانون العلية في الأشياء وأراح نفسه بعادة اللّه.

2. أن نعترف بعلية الموجودات الأُخرى ومشاركتها المباشرة في الآثار والأفعال، ولكن نعتقد بوجود نوع واحد من العلة في العالم فقط وهو العلة المضطرة المسيرة، لا أكثر.

فمع قبول أحد هذين الأصلين يتوجه الإشكال المذكور على ما قلناه ويتجه ولكن إذا أنكرنا كلا الأصلين المذكورين اتضح جواب الإشكال.

فبالنسبة للأصل الأوّل بحثنا فيما سبق وأوضحنا كيف أنّ البراهين الفلسفية


1 . شرح المنظومة : 175.

(361)

والقرآنية تعترف وتؤكد «رابطة العلية والمعلولية» بين الموجودات وآثارها واتضح من خلالها أنّ اللّه تعالى علّة العلل وموجد الأسباب، لا أنّه يقوم مقام الأسباب والعلل بحيث تتعطل الأسباب والعلل ولا تعود لها أية مشاركة وفاعلية.

وعلينا الآن أن نبحث حول الأصل الثاني ونتحدث حول تقسيم العلة إلى «اضطرارية» وأُخرى «اختيارية».

فنقول: هناك نوعان من العلل والأسباب:

1. علل ذات إدراك وشعور واختيار وإرادة.

وبعبارة أُخرى، هناك «فاعل مختار» بمعنى أنّه إذا واجه مفترق طريقين اختار أحدهما على الآخر بإرادة واختيار منه، وبكامل حريته دونما قهر أو جبر .

2. وهو ما يقابل النوع الأوّل وتلك هي العلل الفاقدة للإدراك والشعور بنفسها وبأفعالها، أو تكون مدركة وشاعرة ولكنها لا تكون مختارة ومريدة لأفعالها.

وهذا النوع من العلل سواء أكانت فاقدة للشعور أم فاقدة للاختيار والإرادة تسمّى فاعلاً مضطراً.

فمثلاً الشمس هي من العلل التي لا تشعر هي بآثارها (كالإشعاع والإنبات والإنماء) وتكون لذلك مجبورة ومضطرة في فعلها، والنحل والنمل وما شابههما من الدواب والحيوانات والحشرات ـ وإن كانت تشعر وتدرك ما تفعل ـ إلاّ أنّـها تعمل ما تعمل بالوحي أو بالغريزة مائة بالمائة بمعنى أنّ هذه الأحياء لا تفعل ما تفعله بعد مراجعة العقل، بل تأتي بأفعالها تحت وطأة الغريزة، ودون إرادة منها ولا اختيار، ومثل ذلك حركة يد المشلول وأضرابه.

ومع الالتفات إلى هذا النوع من التقسيم يتضح جواب السؤال، لأنّه وان صحّ أن يقال إنّ أفعال البشر مخلوقة للّه ومتعلّقة لإرادته، وإنّ اللّه أراد من الأزل


(362)

أن تقع هذه الحوادث في عالم الطبيعة، ولكنه يجب أن نعرف مغزى خالقية اللّه لكل شيء، ويتعرف على ذلك من الوقوف على كيفية تعلّق إرادته سبحانه بكل شيء، وبكل العلل والأسباب مختارها ومضطرها.

كيف تعلّقت إرادته سبحانه بأفعالنا؟

إذا عرفنا كيفية تعلّق إرادته تعالى، فسنعرف كيفية «خالقيته» بالنسبة لأفعالنا، ولذلك يجب علينا هنا أن نركّز البحث على معرفة كيفية «تعلّق الإرادة الإلهية» .

لقد تعلّقت الإرادة الإلهية منذ الأزل بأن يصدر كل معلول من علّته الخاصة به، وأن تصدر كل ظاهرة من سببها المخصوص بها، بمعنى أنّ الإرادة الإلهية قد تعلّقت منذ الأزل بأن تلقي الشمس أشعتها ـ دون شعور منها ـ على الأرض، وأن يمتص النحل رحيق الأشجار والأزهار بفعل الغريزة أو بدافع الشعور، ولكن بلا اختيار ولا إرادة ولا حرية، وأن تبني بيوتها كذلك مسدسة، وكذلك تعلّقت إرادته تعالى بأن يأتي الإنسان بأفعاله باختيار منه وحرية.

وبعبارة أُخرى قد تعلّقت إرادة اللّه سبحانه بوجود الإنسان وفعله، وصدور فعله منه بالاختيار، فاللّه سبحانه كما شاء وجود الإنسان شاء صدور فعله منه بلا جبر ولا اضطرار، فلو فرضنا صدور فعله منه بالاضطرار لزم تفريق إرادته سبحانه من مراده وهو أمر محال.

وعلى الجملة انّ اللّه سبحانه لم يشأ من الإنسان أن يصدر منه الفعل على وجه الإطلاق مختاراً أو مضطراً، وإنّما شاء أن يصدر منه الفعل بإرادته واختياره، ولو صدر بغير هذا الوجه لزم تخلّف إرادته عن مراده.


(363)

ومعلوم أنّ مثل هذه الإرادة الأزلية التي تعلّقت بأفعال الإنسان مضافاً إلى أنّها لا تخالف حرية الإنسان تكون مؤكدة لحريته واختياره، فكما أنّ إرادة اللّه نافذة وماضية إذا تعلّقت بوجود الشيء، فهكذا نافذة إذا تعلّقت بصدور شيء على نحو خاص، فلو صدرت والحال هذه ـ على غير هذا النحو ـ لزم صدور الشيء على خلاف إرادته تعالى.

وحيث إنّ اللّه أراد أن يكون الإنسان حراً مختاراً آتياً بفعله باختياره فلابد أن تتنفذ إرادة اللّه بأن يأتي الإنسان بأفعاله حسب اختياره وحريته، وإذا أتى بأفعاله باختيار منه وحرية، تحققت حينئذ مشيئة اللّه في شأنه، تلك المشيئة التي شاءت أن يكون الإنسان مختاراً في أفعاله.

وإذا فرضنا أنّه يصدر منه الفعل بنحو «الجبر» ودون اختياره يلزم أن لا يكون فعل الإنسان حينئذ مطابقاً للمشيئة الإلهية وأن لا تتحقّق هذه المشيئة الربانية مع أنّ من الضروري أنّ إرادة اللّه لابد أن تتحقّق ولابد أن تتنفذ.

وخلاصة القول: إنّ أصل وجود الإرادة الأزلية للّه لا يكون ـ بتاتاً ـ موجباً للجبر ولا يكون رافعاً للاختيار، بل يجب علينا أن ننظر إلى كيفية تعلّق تلك الإرادة أوّلاً ثم نصدر أحكامنا في هذا المجال.(1)


1 . هذا الجواب يرجع إلى ما ربما يقال أنّ اللّه خلق الإنسان وخلق فيه (جبراً) قوة الاختيار في الأفعال بمعنى أنّه لا يجبره شيء في كل فعل يصدر منه.
نعم أنّ العبد وإن كان مجبولاً على الاختيار وخُلق على الحرية التامة لكن حريته وكونه مختاراً لا يخرج عن حيطة إرادة اللّه ومشيئته إذ لا يمكن أن يوجد شيء في صفحة الوجود ويكون خارجاً عن مشيئته وإرادته بتاتاً، فصدور الفعل عن العبد عن اختيار، غير خارج عن حيطة إرداته.
وعلى القارئ الكريم أن يرجع للمزيد من التوضيح إلى المثال الذي ذكرناه في صفحة 349 فإنّه يصور كيفية إرادته سبحانه وإرادة العبد.


(364)

إنّ جميع الظواهر الكونية ومنها أفعال البشر وإن كانت داخلة في إطار الإرادة الإلهية وليس شيء منها يتحقّق بلا إذنه وإرادته، ولكن يجب علينا أن نعرف كيفية تعلّق إرادته سبحانه بالظواهر الكونية عامة وأفعال البشر خاصة، فنقول: إنّ إرادته سبحانه تعلّقت بصدور كل شيء عن مباديه الخاصة، فلو كان الفاعل مضطراً ومجبوراً، فقد تعلّقت إرادته بصدور فعله عنه بالجبر والاضطرار وان كان الفاعل مريداً مختاراً تعلّقت إرادته بصدور فعله عنه بالإرادة والاختيار.

إنّ الإرادة الإلهية الأزلية إنّما تكون موجبة للجبر ومستلزمة له في صورة واحدة بينما لا تكون مستلزمة للجبر في صورة أُخرى، فإن قلنا بأنّ الإرادة الإلهية تعلّقت بصدور كل ظاهرة من علّتها لا عن اختيار، ففي هذه الصورة تكون الإرادة الإلهية موجبة للجبر، ولكنّنا إذا اعتبرنا العالم هذا عالم الأسباب والمسببات وتصوّرنا لكلّ معلول علّة خاصة به واعتبرنا الإنسان ـ من بين هذه الأسباب والعلل ـ فاعلاً مختاراً وقلنا بأنّ الإرادة الإلهية تعلّقت منذ الأزل بأن يصدر الفعل البشري منه بكامل اختياره وحريته، ففي هذه الصورة بين هذا وبين الجبر مئات الفراسخ والأميال.

جواب على سؤال

لو قال أحد: إذا كان عالم الممكنات بكل خصائصه وآثاره مخلوقاً للّه، ومنبعثاً عن إرادته ومشيئته، فقدرته وسعت كل شيء وشملت كل الوجود بلا استثناء إذن، فكيف يمكن أن تنسب أفعال البشر القبيحة إلى «اللّه» سبحانه؟

هل يمكن أن نسند الظلم والأفعال القبيحة إلى اللّه ونعتبرها مرادة ومخلوقة له، وهو القائل:


(365)

(قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ).(1)

والقائل:

(وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ).(2)

فهل من الصحيح أن نعتبره خالق المفاسد والمعاصي والرذائل؟ وماذا يعني من كونه: (خَالِقُ كُلِّ شَيْء) ؟

أفليس يفيد قوله تعالى: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْء)(3) أنّ خالقيته تشمل كل ما في الوجود وكل ما يكون مصداقاً للشيء؟

وبعبارة أُخرى: أفلا يستفاد من الآية التي تقول: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ)كما في سورة السجدة الآية 7، أنّ كل ما هو مخلوق للّه فهو متصف بالحسن والجمال، وبعيد عن القبح بحيث يمكن أن يقال أنّ الخلق والحسن متلازمان في خلق اللّه لا ينفكان ولا ينفصلان؟ فإذا كان اللّه خالق كل شيء، فكيف يمكن أن يوصف الظلم ـ مثلاً ـ بالحسن وهو كما نعلم من القبائح المسلمة؟

على أنّ المشكلة لا تنحصر في مسألة الأفعال القبيحة التي يفعلها الناس بل تصدق على مسألة الآفات والبلايا والشرور، فكيف تصدر من اللّه هذه الحوادث المستقبحة التي تصيب البشر، وتشقيه؟

ولنوضح الإشكال بصورة أكثر جلاء فنقول:

إنّ الإشكال يرد ـ على القائلين بأنّ (اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء) على الإطلاق ـ


1 . الأعراف: 28.
2 . فصلت: 46.
3 . الأنعام: 102.


(366)

في موردين:

1. الأعمال القبيحة التي تصدر من العباد، فكيف يمكن أن تكون مخلوقة للّه؟ وهذا هو ما دفع بعض أهل الكلام إلى أن ينسبوا كل أفكار البشر وأفعاله خيرها وشرها بنحو مطلق إلى البشر نفسه، وأن يقطعوا وينكروا أي ارتباط وصلة بين هذه الأفكار والأفعال وبين المقام الربوبي، وقد دفعهم إلى هذا الاعتقاد تصور أنّ اسناد أفعال البشر إلى اللّه يستلزم أن يكون الظلم مخلوقاً للّه سبحانه .

2. انّ هناك في عالم الكون أُموراً تدعى بالشرور والبلايا، فكيف يصح أن نعتبر اللّه الحكيم خالقاً لهذه الشرور والآفات؟! وهذا هو ما تسبب في أن يظهر فريق باسم المجوس يعتقدون بخالقين للكون:

أ. خالق للخير يدعى يزدان.

ب. خالق للشر يدعى اهريمن.

فكيف يواجه القرآن هذين الفريقين وهو يؤكد على وحدة الخالق، وما هو جوابه عليهما؟

الجواب

أمّا الأفعال القبيحة فإنّ لها جانبين: وبتعبير آخر: انّ هذه الأفعال يمكن أن تطالع من جانبين:

1. الجانب الوجودي، الإثباتي.

2. الجانب العدمي، السلبي.

فالفعل على وجه الإطلاق لا يكون قبيحاً إذا طالعناه من الجانب


(367)

الوجودي ويكون قبيحاً إذا طالعناه من الجانب الثاني (أي الجانب العدمي السلبي).

خذ مثلاً: اللقاء الجنسي الذي يتم بين الرجل المرأة بصورة غير مشروعة، فإنّ مثل هذا اللقاء غير المشروع لا يختلف عن اللقاء المشروع في الجوانب الوجودية، فكلاهما سواء من حيث إنّ العملين نتيجة «الفعالية الجنسية» غايته انّ التفاوت بين هذين اللقاءين هو أنّ العمل الأوّل غير مأذون به من قبل اللّه أو السلطة التشريعية في حين أنّ العمل الثاني مأذون به من قبل اللّه أو موافق لرأي السلطة التشريعية.

وعلى هذا فإنّ عامل القبح في «الزنا» هو صفة «اللامشروعية» التي هي أمر عدمي وسلبي مائة بالمائة، والذي تتعلّق به القدرة إنّما هو الجانب الوجودي، للشيء وليس الجانب العدمي السلبي متعلّقاً بها، لأنّ الأُمور العدمية والجوانب السلبية أقل من أن تتعلّق بها القدرة الإلهية بل يستحيل تعلّق عملية الخلق بها.

وانّك ـ بالإمعان في هذا المثال ـ بإمكانك أن تتناول بالتحليل غير عمل الزنا من القبائح كالظلم والخدعة والخيانة والجناية، فالظلم ـ مثلاً ـ إنّما يكون قبيحاً، لأنّه يؤدي إلى ذهاب حق المظلوم ويوقف نمو المجتمع وتقدّمه، وهذا بما أنّه أمر عدمي ليس متعلّقاً للقدرة والإرادة الإلهية.

تحليل عن الشرور

إنّ السؤال السابق بعينه ينطرح بالنسبة إلى «الآفات والبلايا» كالزلازل والسيول وغيرها، وقد بحثه المسلمون في كتبهم الكلامية والفلسفية، ولكنّنا بغية إكمال هذا القسم نعمد إلى بحثه بصورة مختصرة.


(368)

لو تناولنا بالتحقيق كل ما يسمّى شراً، لتبيّـن لنا أنّ تلك الصفة ناشئة من كون الشيء مصحوباً بالعدم، فالمرض ـ على سبيل المثال ـ إنّما يكون شراً وغير مطلوب، لأنّ المريض ـ حال مرضه ـ يكون فاقداً للصحة والعافية، وهكذا بالنسبة إلى الأعمى والأصم، فحيث إنّ السمع والبصر من لوازم الحياة عند البشر لكونهما موجبين لكماله، لذلك يكون فقدانهما «شراً» وأمراً غير مطلوب، ولكن العمى أو الصمم ليس شيئاً وجودياً في الإنسان الأعمى والأصم، إنّما هو فقدان وصفي السمع والبصر وعدمهما ليس غير .

فما العمى أو الصمم ـ في الواقع ـ سوى حالة الفقدان والعدمية؟

من ملاحظة هذه النقطة ومقارنة كل الأُمور والموارد المعدودة من الشرور مع المثال المذكور، يتبين أنّ الشر ملازم لنوع من العدم الذي لا يحتاج إلى موجد وفاعل، بل هو عين ذلك الفقدان، فكل البلايا والشرور والقبائح إنّما تكون إذن شروراً وأُموراً غير مطلوبة لكونها «فاقدة» لنوع من الوجود أو مستلزمة ومصحوبة بنوع من العدم.

وقس على ذلك الحيوانات المفترسة والضارة والآفات فكلّها إنّما تكون شراً لأنّها تجر إلى فقدان سلسلة من الأُمور والجهات الوجودية، لأنّ كل هذه الأشياء (الحيوانات المفترسة والمضرة والآفات) توجب الموت وفقدان الحياة أو فقدان عضو من الأعضاء، أو قوة من القوى، أو تتسبب في منع نمو القابليات والاستعدادات وتحوّلها إلى مرحلة الفعلية، فلو كانت هذه الشرور كالزلازل والآفات الحيوانية والنباتية لا تنطوي على مثل هذه النتائج لما عدت شروراً، ولما كانت أُموراً قبيحة غير مطلوبة.


(369)

وعلى هذا فإنّ الموت والجهل والفقر إنّما تكون شروراً لكونها ترافق أنواعاً من العدم، فالعلم كمال وواقعية يفقدها الجاهل، والحياة حقيقة وكمال يفقدها الميت، والفقير هو ـ بالتالي ـ من يفقد المال الذي يعيش بسببه.

خلاصة القول

إنّه ليس في هذا الوجود إلاّ نوع واحد من الموجودات، وهو ما يكون خيراً وجميلاً وحسناً.

أمّا الشرور فهي من نوع العدم ، و العدم ليس مخلوقاً ، بل هو من باب «عدم الخلق» وليس من باب «خلق العدم».

ولهذا (أي الوجود الخير فقط) لا يمكن أن يقال أنّ للعالم خالقين: أحدهما خالق الخير، والآخر خالق الشر، إنّ مثل الوجود والعدم مثل الشمس والظل، فعندما نقيم في الشمس شاخصاً يحدث على الأرض ظل بسبب ذلك الشاخص الذي منع من وصول النور .

وما الظل في الحقيقة إلاّ عدم النور، لأنّ الظل هو الظلمة، والظلمة ليست إلاّ «عدم» النور، فلا يصح أن نتساءل ـ هنا ـ : ما هي حقيقة الظل؟ إذ ليست للظل واقعية خارجية وحقيقة عينية تقابل حقيقة النور وجوهره، إنّما الظل هو : عدم النور ومعنى هذا أنّه ليس للظل أو الظلمة منبع ينبعان، ومنشأ ينش آن منه.

هذا ولصدور الآفات والشرور من جانب اللّه توجيهات أُخرى نذكرها فيما يأتي.


(370)

جواب آخر حول الشرور

في التحليل ـ المذكور فيما سبق ـ بيّنا بوجه مبسوط أوّل الأجوبة التي يجيب بها العلماء على الثنويين، واتضح أنّ الشر أمر عدمي، والأمر العدمي الذي هو نوع من الفقدان لا يحتاج إلى خالق وفاعل وموجد، وفيما يلي نعمد إلى توضيح ثاني أجوبتهم.

الشر أمر نسبي

إنّ لفظة «الحقيقي» و «النسبي» من الألفاظ الرائجة في اصطلاح العلماء كما هي تستعمل في كثير من العلوم الإنسانية والتجريبية، وإليك توضيحها:

كل موجود نصفه بصفة أمّا أنّه موصوف بتلك الصفة في كل حال مع قطع النظر عن أي شيء وهذه ما نسمّيها بـ «الصفة الحقيقية»، مثلاً صفة الحياة ثابتة للموجود الحي على وجه الحقيقة، ولا حاجة إلى توصيفه بصفة الحياة إلى أي نوع من المقارنة والمقايسة ولأجل ذاك تكون الحياة بالنسبة للحي صفة حقيقية، ووصفه بالحياة توصيفاً حقيقياً وواقعياً.

فكون المتر يتألف من (100) سنتيمتر واقعية ثابتة للمتر في جميع الحالات، ولا حاجة لتوصيف المتر بهذه الكمية إلى أي نوع من المقايسة بشيء.

ويقابل الوصف الحقيقي «الوصف النسبي»، بمعنى أنّ الشيء ما لم يقس ويقارن بشيء آخر، وما لم يكن هناك موجود آخر لا يمكن توصيف الشيء بصفة.

فالصغر والكبر ـ مثلاً ـ من الأوصاف التي لا يمكن أن يوصف بهما شيء من الأشياء إلاّ إذا كان هناك شيء ثان يقاس به هذا الشيء، حتى يمكن أن يقال


(371)

في شأنه هذا «أصغر» وهذا «أكبر» أو هذا «صغير» وذاك «كبير»، فإنّ الصغر والكبر وصفان لا يصدقان على شيء إلاّ بعد مقارنته بشيء آخر،فالكرة الأرضية ـ مثلاً ـ إنّما يمكن وصفها بالصغر والكبر ويقال الكرة الأرضية «صغيرة» أو «كبيرة» إذا ما قيست بكرة الشمس والقمر فحينئذ يصح قولنا: الكرة الأرضية أصغر من الشمس وأكبر من القمر،فالصغر والكبر ليسا وصفين حقيقيين بالنسبة إلى الأرض بحيث يدخلان في حقيقة الأرض وإلاّ لما أمكن وصفها بوصفين متضادين، بل هما وصفان نسبيان وحالتان للأرض يعرضان لها كلّما قيست إلى الكرتين « الشمس و القمر» ويمكن وصف الأرض بهما في تلك الحالة، وبذلك لا يكون هذان الوصفان حقيقيين.

من هذه المقارنة والبيان يمكن استنباط نتيجة فلسفية هامة، وهي: انّ «الصفات الحقيقية» على غرار موصوفاتها التي تتمتع بواقعية لا تنكر على صعيد الخارج، إنّما تحتاج إلى جاعل وخالق.

وأمّا الصفات النسبية حيث إنّـها ليست بذات واقعية خارجية، بل هي وليدة الذهن، ونتيجة أفكارنا لدى المقايسة لا تكون محتاجة إلى الخالق والموجد، إذ لا واقعية خارجية لها حتى تكون محتاجة إلى موجد.

إنّ حياة الخلية أو وصف المتر بكونه مائة سنتيمتر من الأُمور التي تتمتع بالواقعية الخارجية، فما لم يكن وراؤهما واقعية أُخرى (ونعني الخالق)، لما تحقّقا على صعيد الخارج، ولما كان لهما حظ من الوجود خارج عالم الذهن حسب قانون العلية.

ولكن الصغر والكبر في المقابل بالنسبة إلى الأرض ليسا لهما واقعية خارج الذهن لكي يحتاجان إلى الخالق والموجد.


(372)

إنّ المحتاج إلى الموجد والخالق إنّما هو وجود نفس الكرة الأرضية، وأمّا صغرها وكبرها فهو وليد الذهن والفكر الذي ينشأ من مقارنة جسمين ببعضهما.

من هذا البيان يمكن معرفة حقيقة «الشرور والآفات» وأنّها من أي نوع من هذين النوعين من الصفات.

هل هي من الصفات الحقيقية؟

أو هي من الصفات النسبية؟

بمراجعة سريعة وتحقيق عاجل يمكن معرفة أنّ الشرور أُمور نسبية لا حقيقية بمعنى أنّ صفة الشر ليست جزءاً من ذوات وحقائق الأشياء الموصوفة بالشر ، بل الشر حالة تنسب إلى شيء من الأشياء عندما يقاس إلى شيء آخر، فسم الحية والعقرب وغزارة المطر لا تكون شراً إذا ما قيست بنفس الأشياء، بل هي مبعث كمالها وموجب لبقائها واستمرار حياتها ووجودها، إنّما هي شر إذا ما قيست إلى الإنسان وتضرر البشر بها فالمطر الغزير مثلاً لا يكون شراً في حد ذاته بل عندما يقاس بشيء آخر اتصف حينئذ بهذا الوصف، فلو نزل المطر الغزير في فصل مناسب أحيا الزرع والنبات واخضرت بسببه المزارع والحدائق وكان خيراً، ولكنّه يكون شراً من جهة كونه موجباً لانهدام الأكواخ في الصحارى والبراري، وعلى هذا فإنّ الخير والشر لو كانا من الأوصاف الحقيقية وكان لهما حظ من الوجود لأمكن وصح حينئذ أن نسأل عن موجدها وخالقها ونقول: إنّ المبدأ الذي يتصف بالخير المطلق لا يمكن أن يكون خالق الشرور، ولذلك نضطر إلى افتراض خالق آخر (غير خالق الخير) يكون خالق الشرور وموجودها.

ولكنّ الحق أنّه ليس للشرور «واقعية خارجية» ليتعلّق بها جعل وخلق،


(373)

وعلى هذا فإنّ ما يكون له حظ من الوجود الخارجي كسم العقرب لا يكون مستغنياً عن الخالق، ولكن شرّية هذا السم ليست لها واقعية لتنضم إلى وجود السم فتكون رديفة للسم في عالم الوجود والكون، ولأجل هذا لا تحتاج شرّية السم إلى خالق، ويكون البحث عن خالقها لغواً لا معنى له، لأنّ الشر ـ بالمعنى الذي ذكرناه ـ ليس بذات واقعية خارجية كيما يفتقر إلى الفاعل.

وبعبارة أُخرى انّه ليس من الصحيح أن يقال أنّ اللّه بخلقه للعقرب خلق شيئين وفعل أمرين: خلق «ذات» العقرب مع شرها، بل فعل اللّه سبحانه شيئاً واحداً، وهو أنّه تعالى ألبس هذا الموجود لباس الوجود، وإنّما الإنسان هو الذي يصف هذا العقرب بالشرّية والقبح عندما يقيسه إلى شيء آخر.

من هنا يمكن إدراك حقيقة الجملة التي يرددها الفلاسفة عند بيان نسبة الشرور إلى اللّه إذ يقولون:

جميع الموجودات من حيث كونها تتحلّـى بالوجود فهي مخلوقة للّه بالذات، وأمّا من حيث اتصافها بالشرّية فليست موضع إرادته سبحانه بل هي ذات نسبة عرضية ومجازية إذا قيست إلى مبدأ الخلق(1).

وهناك أجوبة أُخرى عن وجود الشر في صفحة الوجود نتركها رعاية للاختصار.


1 . هذا هو تفصيل قولهم: الشرور ليست مجعولة بالذات بل هي مجعولة بالتبع والعرض.

(375)

الفصل الثامن

اللّه و التوحيد الافعالي
2. التوحيد في التدبير والربوبية


(376)

التوحيد في التدبير والربوبية

1. وجود الشرك في التدبير بين الوثنيين.

2. هل للرب معان مختلفة؟

3. نتيجة هذا البحث.

4. القرآن لا يعترف بمدبّر سواه.

5. التدبير لا ينفك عن الخلق والإيجاد.

6. وحدة النظام دليل على وحدة المدبّر .

7. النتيجة.

8. ما معنى المدبّرات في القرآن ؟

9. الجواب عن ذلك.

10. هل الحسنة والسيئة من اللّه؟

11. ما معنى الآية التي تنسب الحسنة إلى اللّه والسيئة إلى الإنسان؟

12. التوفيق بين هذه الآيات.


(377)

التوحيد في التدبير والربوبية

يستفاد ـ بجلاء ـ من التدبّر في الآيات القرآنية ومن مطالعة عقائد وثنيّي العرب المذكورة في كتب الملل والنحل أنّ مسألة « التوحيد في الخالقية» كانت موضع اتفاق وإجماع بينهم، وأنّ الانحراف إنّما كان في « التوحيد في التدبير» و «التوحيد في العبادة» وبعبارة أوضح كان الأغلب متفقين على أنّ لهذا العالم خالقاً واحداً لا غير .

وقد ذكرت هذه الحقيقة في الكتاب العزيز مكرراً، ونحن نذكر هنا طائفة من تلك الآيات:

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ منْ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَأنَّى يُؤْفَكُونَ)(1).

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ)(2).

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ)(3).

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ


1 . العنكبوت: 61.
2 . لقمان: 25.
3 . الزمر: 38.


(378)

الْعَلِيمُ)(1).

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)(2).

أجل لقد كان الاعتقاد بوجود مبدأين «خالقين» لهذا العالم في عقيدة زرادشت، أحدهما يزدان والآخر أهريمن أمراً مشهوراً وإن كانت عقيدة زرادشت نفسه في هذه المسائل يكتنفها غموض كبير.

على أنّ عقيدة الزرادشتيين في هذه القضية ليست هي وحدها التي تحيط بها هالة من الإبهام والغموض بل عقيدة البراهمة والبوذيين والهندوس في قضية «وحدة الخالق» هي أيضاً غير واضحة.

وحيث إنّ البحث والتحقيق في عقائد تلك الطوائف خارج عن إطار بحثنا هذا لذلك نواصل بحثنا الأساسي.

***

من خلال مراجعة الآيات السالفة يتضح لنا أنّ وثنيّي جزيرة العرب الذين كانوا يعيشون قبل نزول القرآن أو بعده لم يكونوا يعانون من أي انحراف أو إشكال في مسألة « التوحيد في الخالقية» وإن لم يكن إدراكهم للتوحيد في الخالقية على غرار ما شرحه ووضّحه القرآن الكريم(3)، ولكنّهم كانوا يعتقدون ـ إجمالاً ـ بأنّه ليس للكون سوى خالق واحد هو موجد السماوات والأرض وخالقها، بيد أنّ بعضهم وليس جميعهم كان يشرك في قضية «التدبير لهذا العالم» أو كانوا يعتقدون


1 . الزخرف: 9.
2 . الزخرف: 87.
3 . لأنّ الشرك في التدبير الذي نسمّيه شركاً في الربوبية وكان رائجاً بينهم، يرجع إلى الشرك في الخالقية كما سيوافيك بيانه.


(379)

بأنّ اللّه ـ بعد أن خلق الكون ـ فوّض تدبير بعض أُمور الكون إلى واحد أو أكثر من خيار خلقه واعتزل هو عن أمر التدبير .

هذه المخلوقات المفوض إليها أمر التدبير كانت في نظر معتقدي هذه النظرية عبارة عن «الملائكة» و «الجن» و «الكواكب» و «الأرواح المقدسة» و ... و ... التي كان كل واحد منها مدبّراً لجانب من جوانب الكون ـ على حد زعمهم ـ !!

ولأجل أن نقرن قولنا بالأدلة والبراهين نلفت نظر القارئ الكريم إلى أدلّة وجود مثل هذا الشرك في عصر نزول القرآن الكريم .

فبملاحظة هذه الأدلّة سيذعن القارئ بأنّ وجود «الشرك في المدبّرية» في عصر الرسالة وقبل ذلك لم يكن موضع ترديد وشك، وأنّ ما قد يتصوّر ـ أحياناً ـ بأنّ عرب الجاهلية أو من تقدّمهم من الأقوام السالفة كانوا يعتبرون الأصنام مجرد شفعاء عند اللّه لا أكثر ليس تصوراً ينطبق على كل الموارد في عالم الوثنية، بل هو (أي الاعتقاد بمجرد شافعية الأصنام لا أكثر) اعتقاد فريق من العرب الجاهليين ولم يكن اعتقاد جميعهم.

وجود الشرك في التدبير بين الوثنيّين

1. انّ أوضح برهان على أنّ بعض الفرق منهم كان يعتقد بتعدّد المدبّر هو قصة احتجاج إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ مع عبدة الكواكب والنجوم.

فقد كانت هذه الفرق تعبد الشمس والقمر والكواكب بعنوان أنّها رب مدبّر وليس باعتقاد أنّها خالقة، إذ كانوا يتصوّرون أنّ هذه الأجرام هي المتصرفة في النظام السفلي من العالم، وأنّ أمر تدبير هذا الكون فوّض إليها فهي أرباب هذا


(380)

العالم دون اللّه.

ولأجل هذا الاعتقاد نجد إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ يبطل ربوبيتها عن طريق الإشارة إلى أُفولها وغروبها.

ولنفكر ـ هنا ـ ملياً في استدلال النبي العظيم إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ لنرى أي أمر كان يقصد إثباته أو نفيه من خلال الاستدلال بأُفول هذه الكواكب والأجرام وغروبها.

فإذا كانت هذه الأجرام ـ حسب اعتقاد قوم إبراهيم ـ هي المدبّرة للموجودات الأرضية ومنها الإنسان فإنّ المدبّرية ـ بحكم أنّ نظام المدبّر يكون في اختيار المدبّر ـ تقتضي أن يعيش المدَبَّر في ظل إشراف المدَبِّر وعنايته، وينمو ويتربّى ويتقدم نحو الكمال.

هذا ويقتضي بقاء هذه الكواكب والأجرام على اتصال دائم بالعالم السفلي الذي يقع تحت تدبيرها ليمكن التدبير والتصرف .

بيد أنّ هذا الاتصال الدائم يتنافى مع الأُفول والغروب وما تتصف به هذه الأجرام والكواكب من غيبة وجهل، ولأجل هذا عد النبي إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ الأُفول والغروب دليلاً واضحاً وقاطعاً على عدم كون هذه الأجرام، مدبّرة للموجودات الأرضية.

ولو كان هؤلاء يعبدون هذه الأجرام بعنوان أنّها أجرام مقدسة توجب عبادتها القربى إلى اللّه لما تكون غيبتها عن صفحة السماء في غير أوقات عبادتها دليلاً على بطلان نظريتهم، بل يكون حضورها ووجودها حين عبادة الناس لها كافياً لأن تصبح موضع عبادة، ولا يلزم وراء ذلك أن تكون حاضرة ـ في كل


(381)

الأوقات ـ متمثلة أمام عبدتها بحيث ينظرون إليها في كل حين، لأجل هذا استعمل الخليل ـ عليه السَّلام ـ لفظة رب في كل الموارد التي حمل فيها على عبادة الكواكب والأجرام فقال مستفهماً: (هذا ربي) ؟!!

و «رب» في لغة العرب هو المتصرّف والمدبِّر الذي يدبِّر الشيء ويديره ويتحمل أمر تربيته ويتصرف فيه، وهذه القصة ـ مع ملاحظة كل خصوصياتها ـ دليل على وجود «الشرك الربوبي» في عصر إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ .

إنّ الشرك في الربوبية يشبه إلى حد بعيد قصة من يريد أن يحصل على بيت لنفسه، فيهيّئ كمية كبيرة من المواد الإنشائية ويجعلها تحت تصرف البنّاء والعامل، ويطلب منهم أن يبنوا له البيت الذي يريد، ففي هذه الصورة تكون المواد الإنشائية من صاحب العمل، ولكن تنسيق هذه المواد وتشغيلها والتصرف فيها يتعلّق بالبنّاء والمعمار والعمال الذين أوكل إليهم بناء البيت المذكور على نحو ما يريدون وكيفما شاءوا.

هذا هو أوضح مثال للشرك الربوبي، ولقد كان القائلون بربوبية الملائكة والجن والأرواح المقدسة يعتقدون بأنّ موجودات هذا العالم من القمر و الشمس إلى الحيوان و الإنسان إلى الشجر والحجر إنّما هي المواد الإنشائية لهذا العالم، وإنّ اللّه فوّض أمر التصرف في هذه المواد ـ بعد أن خلقها ـ إلى هذه الأرباب ثم راحت تشتغل بتدبير الكون والتصرف فيه بالاستقلال وبمطلق الاختيار.

لقد كان هذا الفريق يعتقد أنّ مقام الخلق غير التدبير وأنّ الذي يرتبط باللّه إنّما هو الخلق والإيجاد الابتدائي من العدم، ولكن حيث إنّ الخلق غير التدبير، فالتدبير يتعلّق بموجودات أُخرى غير اللّه، أعني: الموجودات المتصرفة لهذا العالم والتي فوض إليها تدبير عالم الطبيعة، وليس للّه أية مشاركة في أمر تدبير الكون


(382)

وإدارته وتنظيم شؤونه، وتصريفه والتصرف فيه.

2. لقد دخلت الوثنية في مكة ونواحيها أوّل ما دخلت في صورة «الشرك في الربوبية»، فقصة «عمرو بن لحي» دليل واضح على أنّ أهل الشام كانوا يعتبرون الأوثان والأصنام مدبّرة لجوانب من الكون.

يكتب ابن هشام في هذا الصدد:

كان «عمرو بن لحي» أول من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان، وعندما سألهم عمّـا يفعلون قائلاً: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها؟

قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا.

فقال لهم: أفلا تعطونني منها فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه.

وهكذا استحسن طريقتهم واستصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم «هبل»، ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة، ودعا الناس إلى عبادتها.(1)

إذن فاستمطار المطر من هذه الأوثان والاستعانة بها يكشف عن أنّ بعض المشركين كانوا يعتقدون بأنّ لهذه الأوثان مشاركة في تدبير شؤون الكون وحياة الإنسان .

على أنّه ينبغي أن لا يتصوّر أحد بأنّهم كانوا يعتبرون هذه الأصنام الحجرية والخشبية هي ذاتها المتصرّفة والمدبِّرة للكون ليقال: ليس هناك من جاهل ـ فضلاً عن عاقل ـ يقول بأنّ هذه الأصنام الجامدة تكون منشأ كل هذه الآثار والحوادث، بل الحق أنّهم كانوا يعتقدون بأنّ هذه الأصنام الخشبية تمثّل صور الآلهة المدبّرة لهذا


1 . سيرة ابن هشام : 1/79.

(383)

العالم التي فوّض إليها إدارة الكون وتصريفه والتصرف فيه، ولكن حيث إنّ هذه الآلهة المزعومة لم تكن في متناول أيديهم، وحيث كانت عبادة الموجود البعيد عن متناول الحس واللمس صعب التصور لديهم عمدوا إلى تجسيد تلك الآلهة وتصويرها في أوثان وأصنام ورسوم وأجسام وقوالب من الخشب أو الحجر أو المعدن وراحوا يعبدون الصور والتماثيل عوضاً عن عبادة أصحابها الحقيقين (وهي الآلهة المزعومة).

ويمكنك أيها القارئ الكريم أن تقف على مفصل هذه الأُمور في الفصل التاسع، عند البحث عن «التوحيد في العبادة».

3. يكتب المفسرون الإسلاميون أنّ «ودّاً» و «سواعاً » و «يغوث» و «يعوق» و «نسراً» كانوا من عباد اللّه الصالحين، وكان يتبعهم في ذلك فريق من قومهم، ولمّا ماتوا ظن فريق بأنّهم لو نظروا إلى صورهم وتماثيلهم لأمكنهم أن يعبدوا اللّه بنحو أفضل باعتقاد أنّ صورهم تذكرهم باللّه، وبمرور الزمن تحولت هذه الفكرة إلى عبادة تلك الصور والتماثيل ذاتها.

وإليك نص ما كتبه صاحب مجمع البيان في هذا الصدد:

«عن محمد بن كعب أنّ هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم و نوح عليمها السَّلام، فنشأ قوم بعدهم يأخذون مأخذهم في العباد، فقال لهم إبليس: لو صوّرتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة، ففعلوا، فنشأ بعدهم قوم فعبدوهم، فمبدأ عبادة الأوثان كان ذلك الوقت».(1)

يقول المحقّق المعاصر الأُستاذ جواد علي في كتاب: «المفصّل» الذي كتبه


1 . مجمع البيان: 10/364 طبع صيدا.

(384)

حول تاريخ العرب قبل الإسلام، ويقع في ثمانية مجلدات ضخمة استقصى فيها أحوال العرب في كل جوانب الحياة ومجالاتها.

يقول عن اعتقادهم بالنسبة إلى معبوداتهم المزعومة:

إنّ معارفنا عن الأساطير العربية الدينية قليلة جداً، وهذا ممّا حمل بعض المستشرقين على القول بأنّ العرب لم تكن لهم أساطير دينية عن آلهتهم، كما كان عند غيرهم من الأُمم كاليونان والرومان والفرس وعند بقية الآريين، وإذا لم تصل إلينا نصوص دينية جاهلية عن العرب، صعب علينا تكوين فكرة صحيحة عن مفهوم الدين عند العرب، وعن كيفية عبادتهم لآلهتهم، وعن كيفية تصوّرهم للآلهة.

فكلمات مثل ود وسعد(1) وهي أسماء لبعض آلهتهم تفيدنا في فهم عبادة الجاهلين وتفكيرهم في تلك الآلهة.(2)

5. لم يكن المتنوّرون والطبقة المثقّفة يعتقدون بمدبّر غير اللّه، بل كانوا يعتبرون الأصنام شفعاء توجب عبادتها الزلفى عند اللّه، والقربى لديه، ويدل على هذا الأمر آيات إليك بعضها:

(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى).(3)

(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ


1 . التي تكون لها معان تشير إلى صفة الآلهة، إذ الأوّل يشير إلى أنّه إله المحبة والثاني يشير إلى أنّه إله السعادة.
2 . المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 6/19.
3 . الزمر: 3.


(385)

فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ).(1)

ولكن مع الاعتراف بهذا المطلب لابد من القول ـ بصراحة ـ بأنّ مفاد هذه الآية لا يمثل اعتقاد الجميع، بل كان ثمت فريق من الوثنيين يعتقدون في حق آلهتهم ومعبوداتهم المزعومة بأنّها تملك بعض القوى الغيبية، وأنّها تتصرف في عالم الطبيعة والكون على غرار ما يفعل الآلهة، خاصة وأنّهم كانوا قد اختاروا معبوداتهم وآلهتهم المزعومة من صفوف الملائكة والجن والأرواح المقدسة.

صحيح أنّ وثنية «العرب الجاهليين» كانت تصرفاً خاطئاً وباطلاً ولم تكن تستند إلى قاعدة فكرية، ولم تكن على نمط وثنية اليونانيين والروم والفرس التي كانت تقوم على أساس فلسفي، ولكن بعض أُولئك العرب كانوا في نفس الوقت يعتقدون بربوبية الأوثان، وهذا ما يستفاد من عدة آيات في هذا المجال.

ولكن قبل أن نعمد إلى نقل نصوص هذه الآيات نرى لزاماً علينا أن نعرف بدقة ماذا تعنيه لفظة رب التي اشتق منها الربوبية.

يقول اللغوي العربي المعروف ابن فارس:

«الرب: المالك، الخالق، الصاحب; والرب المصلح للشيء يقال: رب فلان ضيعته إذا قام على إصلاحها; والرب، المصلح للشيء، واللّه جل ثناؤه الرب، لأنّه مصلح أحوال خلقه; والراب، الذي يقوم على أمر الربيب».(2)

ويكتب الفيروزآبادي قائلاً:

«رب كل شيء: مالكه ومستحقه وصاحبه...


1 . يونس: 31.
2 . مقاييس اللغة: 2/381.


(386)

رب الأمر: أصلحه».(1)

وجاء في المنجد:

«الرب: المالك، المصلح، السيد».(2)

وما يشابه هذا المعنى في كتب اللغة والقواميس الأُخرى.

هل للرب معان مختلفة؟

إنّ وظيفة كتب اللغة والقواميس هي ضبط موارد استعمال اللفظة، سواء أكان المستعمل فيه هو الذي وضع عليه اللفظة أم لا، وأمّا تعيين الأوضاع وتمييز الحقائق عن المجازات فخارج عما ترتئيه كتب اللغة.

وهذا هو نقص ملحوظ ومشهود بوضوح في كتب اللغة ومعاجمها، إذ ما أكثر ما يجد الإنسان عدة معاني متباينة ومتمايزة للفظة واحدة حتى أنّه ليتصور ـ في أوّل وهلة ـ أنّ الواضع العربي جعل هذه اللفظة على عشرة معان في عشرة أوضاع، ولكن بعد التحقيق والدراسة يتبيّن أنّه ليس لهذه اللفظة سوى معنى واحد لا غير، وأمّا بقية المعاني المذكورة فهي من شعب المعنى الأصلي.

ومن المصادفات أنّ لفظة رب تعاني من هذا المصير حتى أنّ كاتباً كالمودودي تصور أنّ لهذه اللفظة خمسة معان ـ في الأصل ـ، وذكر لكل معنى من المعاني الخمسة شواهد من القرآن الكريم .

ولا شك في أنّ لفظة رب استعملت في الكتاب العزيز واللغة في الموارد التالية التي لا تكون إلاّ صورة موسعة ومصاديق متعددة لمعنى واحد لا أكثر ،


1 . قاموس اللغة مادة الرب.
2 . المنجد مادة ربب.


(387)

وإليك هذه الموارد والمصاديق:

1. التربية مثل رب الولد، ربّاه.

2. الإصلاح والرعاية مثل ربّ الضيعة.

3. الحكومة والسياسة مثل فلان قد رب قومه، أي ساسهم وجعلهم ينقادون له.

4. المالك كما جاء في الخبر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أربّ غنم أم ربّ أبل.

5. الصاحب مثل قوله: رب الدار، أو كما يقول القرآن الكريم : (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ).(1)

لا ريب أنّ هذه اللفظة قد استعملت في هذه الموارد وما يشابهها ولكن جميعها يرجع إلى معنى واحد أصيل، وما هذه المعاني سوى مصاديق وصور مختلفة لذلك المعنى الأصيل، وسوى تطبيقات متنوعة لذلك المفهوم الحقيقي الواحد، أعني: من فوّض إليه أمر الشيء المربي من حيث الإصلاح والتدبير والتربية.

فإذا قيل لصاحب المزرعة إنّه ربها، فلأجل أنّ إصلاح أُمور المزرعة مرتبط به وفي قبضته.

وإذا أطلقنا على سائس القوم، صفة الرب، فلأنّ أُمور ذلك القوم مفوّض إليه فهو قائدهم، ومالك تدبيرهم ومنظم شؤونهم.

وإذا أطلقنا على صاحب الدار ومالكه اسم الرب، فلأنّه فوّض إليه أمر تلك الدار وإدارتها والتصرف فيها كما يشاء.

فعلى هذا يكون المربي والمصلح والرئيس والمالك والصاحب وما يشابهها


1 . الإيلاف: 3.

(388)

مصاديق وصور لمعنى واحد أصيل يوجد في كل هذه المعاني المذكورة، وينبغي أن لا نعتبرها معاني متمايزة ومختلفة للفظة الرب، بل المعنى الحقيقي والأصيل للفظة هو: من بيده أمر التدبير والإدارة والتصرف، وهو مفهوم كلّي ومتحقّق في جميع المصاديق والموارد الخمسة المذكورة (أعني: التربية والإصلاح والحاكمية والمالكية والصاحبية).

فإذا أطلق يوسف الصديق ـ عليه السَّلام ـ لفظ الرب على عزيز مصر، حيث قال: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)(1) ، فلأجل أنّ يوسف تربّى في بيت عزيز مصر وكان العزيز متكفّلاً لتربيته وقائماً بشؤونه.

وإذا وصف عزيز مصر بكونه رباً لصاحبه في السجن فقال: (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً)(2)، فلأنّ عزيز مصر كان سيد مصر وزعيمها ومدبّر أُمورها ومتصرّفاً في شؤونها ومالكاً لزمامها.

وإذا وصف القرآن اليهود والنصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم أرباباً، إذ يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللّهِ)(3)، فلأجل أنّهم أعطوهم زمام التشريع واعتبروهم أصحاب سلطة وقدرة فيما يختص باللّه.

وإذا وصف اللّه نفسه بأنّه «رب البيت»، فلأنّ إليه أُمور هذا البيت مادّيها ومعنويّها، ولا حق لأحد في التصرف فيه سواه.

وإذا وصف القرآن «اللّه» بأنّه (رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ)(4) وأنّه (رَبُّ


1 . يوسف: 23.
2 . يوسف: 41.
3 . التوبة: 31.
4 . الصافات: 5.


(389)

الشِّعْرَى)(1) وما شابه ذلك، فلأجل أنّه تعالى مدبّرها ومديرها والمتصرّف فيها ومصلح شؤونها والقائم عليها، وبهذا البيان نكون قد كشفنا القناع عن المعنى الحقيقي للرب، الذي ورد في مواضع عديدة من الكتاب العزيز .

***

إنّ الشائع بين الوهابيين تقسيم التوحيد إلى:

1. التوحيد في الربوبية.

2. التوحيد في الإلوهية.(2)

قائلين: إنّ التوحيد في الربوبيّة بمعنى الاعتقاد بخالق واحد لهذا الكون كان موضع اتفاق جميع مشركي عهد الرسالة.

وأمّا التوحيد في الإلوهية فهو التوحيد في العبادة الذي يعني منه أن لا يعبد سوى اللّه، وقد انصب جهد الرسول الكريم على هذا الأمر .

والحق أنّ اتفاق جميع مشركي عهد الرسالة في مسألة التوحيد الخالقي ليس موضع شك، ولكن تسمية التوحيد الخالقي بالتوحيد الربوبي خطأ واشتباه.

وذلك لأنّ معنى «الربوبية» ليس هو الخالقية كما توهم هذا الفريق، بل هو ـ كما أوضحنا وبيّنّا سلفاً ـ ما يفيد التدبير وإدارة العالم، وتصريف شؤونه ولم يكن هذا ـ كما بيّنّا ـ موضع اتفاق بين جميع المشركين والوثنيين في عهد الرسالة كما ادّعى هذا الفريق.

نعم كان فريق من مثقفي الجاهليين يعتقدون بعدم مدبّر سوى اللّه ولكن


1 . النجم: 49.
2 . سيوافيك معنى الالوهية في الفصل التاسع، ونبين خطأهم في تفسيرها.


(390)

كانت تقابلهم جماعات كبيرة ممّن يعتقدون بتعدّد المدبّر والتدبير، وهي قضية تستفاد من الآيات القرآنية مضافاً إلى المصادر المتقدمة.

هنا نلفت نظر الوهابيّين الذين يسمّون التوحيد في الخالقية بالتوحيد في الربوبية إلى الآيات التالية، ليتضح لهم أنّ الدعوة إلى التوحيد في الربوبيّة لا تعني الدعوة إليالتوحيد في الخالقية، بل هي دعوة إلى « التوحيد في المدبّرية» والتصرف، وقد كان بين المشركين في ذلك العصر من كان يعاني انحرافاً وشذوذاً في التوحيد الربوبي، ويعتقد بتعدّد المدبّر رغم كونه معتقداً بوحدة الخالق.

ولا يمكن ـ أبداً ـ أن نفسر الرب في هذه الآيات بالخالق والموجد، وإليك بعض هذه الآيات :

أ. (بَل ربُّكُمْ رَبُّ السَّمواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ).(1)

فلو كان المقصود من الرب هنا هو الخالق والموجد، لكانت جملة (الَّذِي فَطَرَهُنَّ) زائدة بدليل أنّنا لو وضعنا لفظة الخالق مكان الرب في الآية للمسنا عدم الاحتياج ـ حينئذ ـ إلى الجملة المذكورة،أعني: (الَّذِي فَطَرَهُنَّ)، بخلاف ما إذا فسر الرب بالمدبِّر والمتصرف، ففي هذه الصورة تكون الجملة الأخيرة مطلوبة، لأنها تكون ـ حينئذ ـ علّة للجملة الأُولى، فتعني هكذا: أنّ خالق الكون هو المتصرف فيه وهو المالك لتدبيره والقائم بإدارته.

ب. (يَا أيُّهَا النَّاسُ اعْبُدْوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ).(2)

فإنّ لفظة الرب في هذه الآية ليست بمعنى «الخالق»، وذلك على غرار ما


1 . الأنبياء: 56.
2 . البقرة: 21.


(391)

قلناه في الآية المتقدّمة المشابهة لما نحن فيه، إذ لو كان الرب بمعنى الخالق لما كان لذكر جملة (الَّذِي خَلَقَكُمْ) وجه، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الرب يعني المدبر، فتكون جملة (الَّذِي خَلَقَكُمْ) علّة للتوحيد في الربوبية، إذ يكون المعنى حينئذ هو: أنّ الذي خلقكم هو مدبِّركم.

ج. (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْء).(1)

وهذه الآية حاكية عن أنَّ مشركي عصر الرسالة كانوا على خلاف مع الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مسألة الربوبية على نحو من الأنحاء، وأنّ النبي الأعظم كان مكلّفاً بأن يفنّد رأيهم ويبطل عقيدتهم ولا يتخذ غير اللّه رباً على خلاف ما كانوا عليه، ومن المحتم أنّ خلاف النبي مع المشركين لم يكن حول مسألة «التوحيد في الخالقية» بدليل أنّ الآيات السابقة تشهد في غير إبهام بأنّهم كانوا يعترفون بأنّه لا خالق سوى اللّه تعالى، ولذلك فلا مناص من الإذعان بأنّ الخلاف المذكور كان في غير مسألة الخالقية، وليست هي إلاّ مسألة تدبير الكون، بعضه أو كلّه.

د. (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذا غَافِلِينَ).(2)

فقد أخذ اللّه في هذه الآية ـ من جميع البشر ـ الإقرار بالتوحيد الربوبي، وكانت علّة ذلك هي ما ذكره من أنّه سيحتج على عباده بهذا الميثاق يوم القيامة، كما يقول:

(أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ


1 . الأنعام: 164.
2 . الأعراف: 172.


(392)

الْمُبْطِلُونَ)(1).

إذا تبيَّن هذا فنقول: إنّ نزول هذه الآية في بيئة مشركة دليل ـ ولا شك ـ على وجود فريق معتد به في تلك البيئة كانوا يخالفون هذا الميثاق، فإذا كانت الربوبية بمعنى الخالقية استلزم ذلك أن يكون في تلك البيئة من يخالفون النبي في الخالقية، ولكن الفرض هو عدم وجود أي اختلاف في مسألة «توحيد الخالقية» في عصر الرسالة، فلم يكن المشركون في ذلك العصر مخالفين في هذه المسألة ليعتبروا مخالفين للميثاق المذكور، فلا محيص ـ حينئذ ـ من أنّ الخلاف كان ـ آنذاك ـ في مسألة تدبير العالم وإدارة الكون.

وبهذا التقرير يكون معنى الرب في الآية المبحوث هنا هو المدبّر .

هـ . (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ)(2).

تتعلّق هذه الآية بمؤمن آل فرعون الذي كان يدافع عن النبي موسى ـ عليه السَّلام ـ وراء قناع الصحبة والصداقة لآل فرعون ، ويسعى تحت ستار الموافقة معهم أن يدفع الخطر عن ذلك النبي العظيم، وأمّا دلالتها على كون الرب بمعنى المدبّر فواضحة، لأنّ فرعون ما كان يدّعي الخالقية للسماء والأرض ولا الشركة مع اللّه سبحانه في خلق العالم وإيجاده، وهذه حقيقة يدلّ عليها تاريخ الفراعنة أيضاً، وفي هذه الصورة يجب أن يكون المراد من دعوة النبي موسى بقوله: (ربي اللّه)هو حصر «التدبير» في اللّه سبحانه لا مسألة الخلق، ولو كانت تتعلّق بمسألة الخلق والإيجاد لما كان بينه وبين فرعون أي خلاف ونزاع، إذ المفروض اعتراف فرعون بخالقية اللّه ـ كما أسلفنا ـ هذا مضافاً إلى أنّ اللّه تعالى يقول في الآية السابقة


1 . الأعراف: 173.
2 . غافر: 28.


(393)

لهذه الآية:

و. (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ)(1).

فإنّ التوحيد في الخالقية لم يكن موضع خلاف لتكوين دعوة موسى لبني إسرائيل سبباً لأي تبدّل وتبديل.

ومن هذا البيان يتضح المراد من قول فرعون: (أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى)(2).

ز. (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمواتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهاً)(3).

إنّ الفتية الذين فرّوا من ذلك الجو الخانق الذي أوجدته طواغيت ذلك الزمان كانوا جماعة يسكنون في مجتمع يعتقد بالوهية غير اللّه، ولكن الوهية غير اللّه ـ في ذلك المجتمع ـ لم تكن في صورة تعدّد الخالق، خاصة وأنّ واقعة أهل الكهف حدثت بعد ميلاد السيد المسيح حيث كانت عقول البشرية وأفكارها قد تقدّمت في المسائل التوحيدية بشكل ملحوظ وحظيت من الرقي بمقدار معتد به، ولم يكن يعقل ـ في ظل هذا الرقي الفكري ـ وجود مجتمع منكر لخالقية اللّه، أو مشرك فيها، فلابد أن يقال أنّ شركهم يرجع إلى أمر آخر وهو الاعتقاد بتعدّد المدبّر .

ح. انّ البرهان الواضح على أنّ مقام الربوبية هو مقام المدبّرية وليس الخالقية كما يتوهم، هو الآية المتكررة في سورة الرحمن:

(فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) .

فقد وردت هذه الآية في السورة المذكورة 31 مرة ، وجاءت لفظة رب جنباً


1 . غافر: 26.
2 . النازعات: 24.
3 . الكهف: 14.


(394)

إلى جنب مع لفظة الآلاء التي تعني النعم، وغير خفي أنّ قضية النعمة مع التذكير بمقام ربوبية اللّه لحياة البشر وحفظها من الفناء أنسب وأكثر انسجاماً، إذ ذكر النعم (التي هي من شعب التربية الإلهية التي يوليها سبحانه للبشر ) يناسب موضوع التربية والتدبير الذي تندرج فيه إدامة النعم وإدامة الإفاضة.

ط. لقد اقترنت مسألة الشكر مع لفظة الرب في خمسة موارد في القرآن الكريم، والشكر إنّما يكون في مقابل النعمة التي هي سبب بقاء الحياة الإنسانية ودوامها وحفظها من الفناء وصيانتها من الفساد، وليست حقيقة تدبير الإنسان إلاّ إدامة حياته وحفظها من الفساد والفناء.

وإليك هذه الموارد:

(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).(1)

(قَالَ رَبّي أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَليَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ).(2)

(قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ).(3)

(قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ).(4)

(كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ).(5)


1 . إبراهيم: 7.
2 . النمل: 19.
3 . النمل: 40.
4 . الأحقاف: 15.
5 . سبأ: 15.


(395)

ي. وممّا يدلّ على ما قلنا قوله سبحانه :

(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً *وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنيِنَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَاراً).(1)

ومثله في سورة هود الآية 52.

وهكذا: يلاحظ القارئ الكريم كيف جعلت إدارة الكون وتدبير شؤونه تفسيراً للرب: فهو الذي يرسل المطر، وهو الذي يمدد بالأموال والبنين، وهو الذي يجعل الجنات، وهو الذي يجعل الأنهار، وكلّ هذه الأُمور جوانب وصور من التدبير .

نتيجة هذا البحث

من هذا البحث الموسّع يمكن أن نستنتج أمرين:

1. أنّ ربوبية اللّه عبارة عن مدبِّريته تعالى للعالم لا عن خالقيته.

2. دلّت الآيات المذكورة في هذا البحث على أنّ مسألة « التوحيد في التدبير» لم تكن موضع اتفاق بخلاف مسألة « التوحيد في الخالقية»، وانّه كان في التاريخ ثمّت فريق يعتقد بمدبّرية غير اللّه للكون كله أو بعضه، وكانا يخضعون أمامها باعتقاد أنّها أرباب.

وبما أنّ الربوبية في التشريع غير الربوبية في التكوين، فيمكن أن يكون بعض الفرق موحداً في الثاني، ومشركاً في القسم الأوّل، فاليهود والنصارى تورّطوا في «الشرك الربوبي» التشريعي، لأنّهم أعطوا زمام التقنين والتشريع إلى الأحبار


1 . نوح: 10 ـ 12.

(396)

والرهبان وجعلوهم أرباباً من هذه الجهة، فكأنّه فوَّض أمر التشريع إليهم!!.(1)

فها هو القرآن يقول عنهم:

(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابَاً مِن دُونِ اللّهِ).(2)

(وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِن دُونِ اللّهِ).(3)

في حين أنّ الشرك في الربوبية لدى فريق آخر ما كان ينحصر بهذه الدائرة بل تمثل في اسناد تدبير بعض جوانب الكون، وشؤون العالم إلى الملائكة والجن والأرواح المقدسة أو الأجرام السماوية، وإن لم نعثر ـ إلى الآن ـ على من يعزى تدبير «كل» جوانب الكون إلى غير اللّه، ولكن مسألة الشرك في الربوبية تمثّلت في الأغلب في تسليم «بعض» الأُمور الكونية إلى بعض خيار العباد والمخلوقات.

إنّ الآيات الدّالّة على هذه النتيجة ـ في الحقيقة ـ أكثر من أن يمكن سردها هنا، لهذا نكتفي بما ذكرنا من الآيات تاركين للقارئ الباحث التفتيش عنها في القرآن الكريم .

القرآن لا يعترف بمدبِّر سواه

ينص القرآن الكريم ـ بمنتهى الصراحة ـ على أنّ اللّه سبحانه هو المدبِّر الوحيد للعالم، وينفي أي تدبير مستقل يكون مظهراً لربوبية غير اللّه .

(إِنَّ رَبَّكُمْ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا


1 . سوف يوافيك في الفصل العاشر أنّ التقنين والتشريع من أفعاله سبحانه ، لا يشترك فيها غيره.
2 . التوبة: 31.
3 . آل عمران: 64.


(397)

تَذَكَّرُونَ).(1)

(اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأِجَل مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ).(2)

ففي هاتين الآيتين وما شابههما تستدعي الجمل التالية التأمّل أكثر من أي شيء:

1. ثم استوى على العرش.

2 يدبّر الأمر.

3. ما من شفيع إلاّ بإذنه.

فنقول توضيحاً لهذه الجمل: ينتقل القرآن الكريم في هاتين الآيتين ـ بعد ذكر مسألة خلق السماوات والأرض ـ إلى مسألة الاستيلاء على العرش، والهدف من ذلك هو الإشعار بأنّ زمام الكون ـ بعد خلقه ـ بيده تعالى، ولم يفوّضه إلى غيره، فهو الآخذ بزمام العالم كما هو خالقه، دون إهمال أو إيكال أو تفويض.

إنّ الاستيلاء على العرش (والمعني به مطلق عالم الوجود) كناية عن السيطرة الكاملة والتسلّط التام على كل أجزاء الكون، وتمام عالم الممكنات.

وفي هاتين الآيتين والآيات المشابهة لهما(3) طرح القرآن ـ بعد موضوع الاستيلاء على العرش ـ موضوع تدبير العالم ليفيد بأنّ المدبِّر هو تعالى، وليس سواه


1 . يونس: 3.
2 . الرعد: 2.
3 . مثل: الأعراف: 54، السجدة: 4، الحديد: 4.


(398)

من مدبِّر .

ثم إنّ النكتة في ذكر شفاعة الشفيع بإذنه سبحانه بعد مسألة حصر التدبير باللّه سبحانه هو أنّ المراد منه ـ في المقام ـ هو الشفيع التكويني، أعني: نظام العلة والمعلول الحاكم على عالم الطبيعة،فتشير الآية إلى أنّ تأثير أيّة علّة في العوالم العلوية أو السفلية منوطة بالإذن الإلهي كما أسلفنا.

ولأجل ذلك صرح بأنّه «ما من شفيع» أي وسيط مادياً كان أم مجرداً إلاّ من بعد إذنه لكي يفيد بأنّ مدبّرية اللّه المطلقة لا تنافي الاعتقاد بنظام العلية في عالم الطبيعة، إذ أنّ وجود هذا النظام العلّي السببي نفسه مظهر من مظاهر تدبير اللّه، وناشئ عن إرادته العليا ،فالمدبِّر الأصيل والمستقل ليس إلاّ هو وحده، ولا تدبير لسواه إلاّ بأمره ومشيئته، وإنّما أطلق لفظ الشفيع على نظام العلية، لأنّه من الشفع بمعنى الزوج، فكأنّ نظام العلية يتسبب في إيجاد آثاره وظواهره بالإنضمام إلى إرادة اللّه ومشيئته، فكل علّة مشفوعة إلى إرادته وإذنه سبحانه تكون مؤثرة.

ولو أُريد من الشفيع الشفاعة التشريعية، فهو أيضاً داخل في إطار تدبيره سبحانه، فلا يشفع شفيع في الدنيا والآخرة في حق عباده إلاّ بإذنه سبحانه .

***

وربما يتصور البعض أنّ القرآن الكريم طرح مسألة « التوحيد في الربوبية » دون أن يقيم عليها أي برهان، في حين أنّ القرآن أثبت هذا المطلب بالبراهين الواضحة القاطعة.

وإليك فيما يلي بعض هذه الأدلة.


(399)

1. التدبير لا ينفك عن الخلق

إنّ النقطة الأساسية في خطأ المشركين تتمثل في أنّهم قاسوا تدبير عالم الكون بتدبير أُمور عائلة أو مؤسسة وتصوروا أنّهما من نوع واحد.

إنّ تدبيره سبحانه لهذا العالم ليس كتدبير حاكم البلد بالنسبة إلى مواطنيه أو رب البيت بالنسبة إلى أهله حيث إنّ ذاك التدبير يتم بإصدار الأوامر، في حين أنّ التدبير الإلهي هو إدامة الخلق والإيجاد، وقد سبق أنّ الخالقية منحصرة باللّه سبحانه.

فالفريق الذي يعتقد بأنّ اللّه تعالى هو الخالق الوحيد يجب عليه أيضاً أن يعتقد بأنّه تعالى هو «المدبّر الوحيد» لكون التدبير خلقاً بعد خلق وهو فعل اللّه خاصة.

توضيح ذلك: أنّ النظام الإمكاني ـ بحكم كونه فقيراً ممكناً ـ فاقد للوجود الذاتي، فإنّ فقره هذا ليس منحصراً في وجوده في بدء تحقّقه، وإنّما يستمر هذا الفقر معه في جميع الأزمنة والأمكنة، كما أنّ فقره ليس منحصراً في أصل وجوده، فحسب بل هو محتاج حتى في علاقاته وروابطه وتأثيراته مع الموجودات الأُخرى وانسجامه مع مجموع العالم.

وليس التدبير إلاّ إفاضة الوجود وإعطاء «القدرة على التأثير» للشيء الممكن، ثمّ إنّ وجود النظام الإمكاني كما أنّه مفاض عليه من جانب اللّه سبحانه، فكذلك تدبيره وإدارة وجوده تقوم به سبحانه وليس هذا إلاّ نوع من الخلق.

وإذ ليس هناك من خالق سواه سبحانه، فليس هناك مدبِّر سواه أيضاً، وبذلك يستلزم الاعتراف بوحدة الخالق، الاعتراف بوحدة المدبِّر .


(400)

فإنّ «تدبير» الوردة ليس إلاّ تقوّمها من المواد السكرية في الأرض ثم توليدها الأوكسجين في الهواء، إلى غير ذلك من عشرات الأعمال الفيزيائية والكيميائية في ذاتها، وليس هذا إلاّ شعبة من الخلق.

ومثلها، الجنين منذ تكونه في رحم الأُم، فهو لم يزل يمر بالتفاعلات حتى يخرج من بطن الأُم، وليست هذه التفاعلات إلاّ شعبة من عملية الخلق وفرع منه وإيجاد بعد إيجاد.

ويمكن تقرير هذا المطلب بصورة أُخرى بأن نقول:

إنّ التدبير مأخوذ من مادة دبّر أي تابع وواصل وعقب، وحقيقة التدبير ليست إلاّ لأنّ خالق العالم جعل الأسباب والعلل بحيث تأتي المعاليل والمسببات دبر الأسباب وعقيب العلل بحيث تأتي أجزاء الكون وراء بعضها تباعاً وبحيث يؤثر بعضها في البعض الآخر حتى يصل كل موجود إلى كمإله المناسب وهدفه المطلوب، فإذا كان المراد من «التدبير» هو هذا، فهو بعينه عبارة عن مسألة الخلق، ومع هذا كيف يجوز أن نعتقد بأنّ التدبير مغاير للخلق ونعتبرهما أمرين مختلفين.

ولذا يذكر القرآن الكريم ـ بعد ذكر مسألة الخلق للسماوات والأرض ـ مسألة تسخير الشمس والقمر(1) الذي هو من التدبير، ومن هذا الطريق يوقفنا القرآن الكريم على حقيقة التدبير الذي هو نوع من الخلق.

وحدة النظام دليل على وحدة المدبِّر

في البحث السابق تحدّثنا عن وحدة نظام الكون، وأثبتنا بوضوح أنّ مطالعة كل صفحة من صفحات هذا الكتاب التكويني العظيم تقودنا إلى نظام موحد،


1 . الأعراف: 54، الرعد: 3.

(401)

وكأنّ أوراق الكتاب التكويني ـ على غرار الكتاب التدويني ـ شد بعضها إلى بعض بيد واحدة، وأُخرجت في صورة واحدة.

إنّ القوانين والسنن الحاكمة على الموجودات الطبيعية كلية وشاملة بحيث لو أُتيح لأحد أن يكتشف بالتجربة سنة في نقطة خاصة من نقاط الكون أمكنه أن يكتشف قانوناً كلياً وشاملاً، ويهتدي إلى سنة كونية عمومية وهذا هو أفضل دليل على وحدة النظام الحاكم على العالم الطبيعي.

إنّ وحدة النظام الكوني «وعمومية» السنن والقوانين الطبيعية تقودنا إلى موضوعين:

1. أنّه ليس للعالم إلاّ خالق واحد، وتوضيح ذلك هو ما قرأته في الفصل السابق.

2. انّه ليس للعالم إلاّ مدبِّر واحد.

وبعبارة أُخرى، فإنّ وحدة النظام والسنن الكونية لدليل واضح على صحة ما قإله القرآن الكريم .

(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ العَالَمِينَ)(1).

إنّ جملة: (لَهُ الْخَلْقُ) إشارة إلى التوحيد في الخالقية.

وجملة: (وَالأمْرُ) إشارة إلى التوحيد في التدبير الذي هو نوع من الحاكمية على عالم الوجود .

وهنا ينطرح سؤال هو: كيف تدل «وحدة القوانين» وعموميتها على «وحدة المدبِّر» ؟


1 . الأعراف: 54.

(402)

وجواب ذلك واضح: إذ عندما يحكم على الكون نوعان من الرأي والحاكمية يكون من الطبيعي والحتمي عدم وجود أي أثر لهذا النظام الواحد، انّ وحدة النظام لا تتحقّق ولا تكون إلاّ إذا كان الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبِّر واحد، ولو خضع الكون لإدارة حاكمين ومنظمين ومدبِّرين لما كان للنظام الموحد أي أثر .

لأنّ تعدّد المدبِّر والمنظِّم ـ بحكم اختلافهما في الذات أو بعض الجهات منها ـ يستلزم بالضرورة الاختلاف في التدبير والإدارة، ويستلزم تعدّد التدبير ـ بالضرورة ـ فناء النظام الموحد، وغيابه.

وبعبارة أُخرى: انّ المدبِّرين إن كانا متساويين من كل الجهات لم تصدق هناك اثنينية قهراً، وإن تعدّد المدبِّر يعني ـ بالضرورة ـ اختلاف المدبِّرين من جهة أو جهات، ومعلوم أنّ اختلافاً ـ كهذا ـ يؤثر لا محالة في تدبير المدبِّر .

***

ويمكن بيان هذا البرهان بصورتين:

1. أن نلتفت ـ في بيان البرهان ـ إلى الجوانب الإيجابية فيه ونقول: إنّ ترابط أجزاء الكون، وتأثيرها في بعضها يدلّ على خضوعها لحاكمية حاكم واحد على جميع العالم يقودها تحت نظام واحد وخطة واحدة.

وقد أكد في أحاديث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على هذه النقطة أحياناً، إذ يقول أحدهم وهو:

«فلما رأيت الخلق منتظماً، والفلك جارياً، واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر، دل صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبِّر


(403)

واحد».(1)

2. وربما أُشير إلى الجوانب السلبية في هذا البرهان وأنّ تعدّد التدبير يوجب فساد النظام الكوني.

وقد استند القرآن الكريم على هذا الجانب، إذ قال:

(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).(2)

وربما ورد في بعض نصوص أهل بيت الرسالة الإشارة إلى كلا الجانبين في هذا البرهان، إذ يقول أحدهم ـ عليهم السَّلام ـ في جواب هشام الذي سأل عن دليل وحدانية الرب:

«اتصال التدبير وتمام الصنع، كما قال اللّه عزّ وجل: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا).(3)

النتيجة

1. انّ وحدة النظام ووحدة الكون وشمول السنن لجميع أجزاء هذا العالم وعمومية القوانين الطبيعية كل ذلك يمكن أن يكون أفضل دليل على وحدة الخالق، وكذا وحدة المدبِّر.

2. أنّ هذا البرهان يمكن أن يبين في صورتين، وكلا الصورتين اللّتين هما ـ في الحقيقة ـ برهان واحد وردا في القرآن الكريم .


1 . توحيد الصدوق: 244.
2 . الأنبياء: 22.
3 . توحيد الصدوق: 250 وسيوافيك الاستدلال بهذه الآية بشكل آخر .


(404)

ما معنى المدبِّرات في القرآن ؟

فإذا كانت الظواهر الطبيعية وليدة عللها التي هي الموجدة والمدبِّرة لهذه الظواهر بنحو من الأنحاء، فكيف ينسجم هذا مع حصر المدبّرية المطلقة في اللّه تعالى؟

فإنّ التدبير الطبيعي عبارة عن تكفّل شيء لشيء آخر، فإنّ كل علة في هذا النظام الكوني متكفّلة لوجود معلولها وسبب لاستمرار بقائه ودوامه، وبمقتضى ذلك تكون كل علة مدبّراً، وعند ذلك فكيف ينحصر التدبير في اللّه سبحانه؟

مضافاً إلى أنّ القرآن الكريم يعترف بسلسلة من المدبِّرات ويقول:

(فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً).(1)

(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً).(2)

ولا شك أنّ هؤلاء الحفظة لو كانوا يراقبون البشر ويحفظونه من الشرور والأخطار، فإنّ من الحتمي أن يعدوا مدبِّرين له بنحو ما؟

الجواب

قد سبق منّا ـ عند البحث عن التوحيد في الخالقية ـ أنّ التوحيد في الأفعال ليس بمعنى تعطيل فاعلية الأسباب والعلل وإحلال اللّه تعالى محلها للتأثير في الظواهر مباشرة، لأنّ هذا عين ما اختارته الأشاعرة، الذي أبطلناه.

بل التوحيد في الأفعال ـ سواء أكان في الخالقية أم في التدبير ـ إنّما هو


1 . النازعات: 5.
2 . الأنعام: 61.


(405)

بمعنى أنّه لا يوجد في الكون مؤثر مستقل سواه، وإنّ تأثير سائر العلل إنّما هو على وجه التبعية لإرادته سبحانه ومشيئته، والاعتراف بمثل هذه المدبّرات لا يمنع من انحصار التدبير الاستقلالي في اللّه سبحانه، ومن ليس له إلمام بألفباء المعارف والمفاهيم القرآنية يواجه حيرة كبيرة تجاه طائفتين من الآيات ، إذ كيف يمكن أن تنحصر بعض الشؤون والأفعال كالشفاعة، والمالكية، والرازقية والعلم بالغيب والإحياء في بعض الآيات باللّه سبحانه بينما تنسب هذه الأفعال في آيات أُخرى إلى غير اللّه من عباده، فكيف ينسجم ذلك الانحصار مع هذه النسبة؟

وإليك نماذج من هاتين الطائفتين من الآيات :

1. يعد القرآن ـ في بعض آياته ـ قبض الأرواح فعلاً للّه تعالى، ويصرح بأنّ اللّه هو الذي يتوفّي الأنفس حين موتها إذ يقول ـ مثلاً ـ :

(اللّهُ يَتَوفّي الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا).(1)

بينما نجده يقول في موضع آخر، ناسباً التوفّي إلى غيره:

(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا).(2)

***

2. يأمر القرآن ـ في سورة الحمد ـ بالاستعانة باللّه وحده إذ يقول:

(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

في حين نجده في آية أُخرى يأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة إذ يقول:


1 . الزمر: 42.
2 . الأنعام: 61.


(406)

(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ).(1)

***

3. يعتبر القرآن الكريم الشفاعة حقاً مختصاً باللّه وحده، إذ يقول:

(قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً).(2)

بينما يخبرنا ـ في آية أُخرى ـ عن وجود شفعاء غير اللّه كالملائكة:

(وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمواتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يأْذَنَ اللّهُ).(3)

***

4. يعتبر القرآن الاطّلاع على الغيب والعلم به منحصراً في اللّه، حيث يقول:

(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللّهُ).(4)

فيما يخبر الكتاب العزيز في آية أُخرى عن أنّ اللّه يختار بعض عباده لاطّلاعهم على الغيب، إذ يقول:

(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ).(5)

***


1 . البقرة: 45.
2 . الزمر: 44.
3 . النجم: 26.
4 . النمل: 65.
5 . آل عمران: 179.


(407)

5. ينقل القرآن عن إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ قوله بأنّ اللّه يشفيه إذا مرض حيث يقول:

(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ).(1)

وظاهر هذه الآية هو حصر الإشفاء من الأسقام في اللّه سبحانه ، في حين أنّ اللّه يصف القرآن والعسل بأنّ فيهما الشفاء أيضاً، حيث يقول:

(فِيهِ[العسل] شِفَاءٌ لِلنّاسِ).(2)

(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ).(3)

***

6. إنّ اللّه تعالى ـ في نظر القرآن ـ هو الرازق الوحيد حيث يقول:

(إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ).(4)

بينما نجد القرآن يأمر المتمكنين وذوي الطول بأن يرزقوا من يلوذ بهم من الضعفاء إذ يقول:

(وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ).(5)

***

7. الزارع الحقيقي ـ حسب نظر القرآن ـ هو اللّه كما يقول:


1 . الشعراء: 80.
2 . النحل: 69.
3 . الإسراء: 82.
4 . الذاريات: 58.
5 . النساء: 5.


(408)

(أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ).(1)

في حين أنّ القرآن الكريم ـ في آية أُخرى ـ يطلق صفة الزارع على الحارثين إذ يقول:

(يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ).(2)

***

8. إنّ اللّه هو الكاتب لأعمال عباده إذ يقول:

(وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ).(3)

في حين يعتبر القرآن الملائكة ـ في آية أُخرى ـ بأنّهم المأمورون بكتابة أعمال العباد، إذ يقول:

(بَلَى وَرُّسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ).(4)

***

9. وفي آية ينسب تزيين عمل الكافرين إلى نفسه سبحانه يقول:

(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ).(5)

وفي الوقت نفسه ينسبها إلى الشيطان :


1 .الواقعة: 63 ـ 64.
2 . الفتح: 29.
3 . النساء: 8.
4 . الزخرف: 81.
5 . النمل: 4.


(409)

(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ).(1)

وفي آية أُخرى نسبها إلى آخرين وقال:

(وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ).(2)

***

10. مر في هذا البحث حصر التدبير في اللّه حتى إذا سئل من بعض المشركين عن المدبّر لقالوا: هو اللّه، ، إذ يقول في الآية 31 من سورة يونس:

(وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ).

بينما اعترف القرآن بصراحة في آيات أُخرى بمدبّرية غير اللّه حيث يقول:

(فَـالْمُدَبِّراتِ أَمْراً).(3)

فمن لم يكن له إلمام بمعارف القرآن يتخيّل لأوّل وهلة أنّ بين تلك الآيات تعارضاً، غير أنّ الملمّين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أنّ حقيقة هذه الأُمور أعني: الرازقية، والإشفاء و ... و، قائمة باللّه على نحو لا يكون للّه فيها أي شريك، فهو تعالى يقوم بها بالأصالة وعلى وجه «الاستقلال» في حين أنّ غيره محتاج إليه سبحانه في أصل وجوده وفعله، فما سواه تعالى يقوم بهذه الأفعال والشؤون على نحو «التبعية» وفي ظل القدرة الإلهية.

وبما أنّ هذا العالم هو عالم الأسباب والمسببات، وأنّ كل ظاهرة لا بد أن تصدر وتتحقّق من مجراها الخاص بها المقرر لها في عالم الوجود ينسب القرآن هذه


1 . الأنفال: 48.
2 . فصلت: 25.
3 . النازعات: 5.


(410)

الآثار إلى أسبابها الطبيعية دون أن تمنع خالقية اللّه من ذلك، ولأجل ذلك يكون ما تقوم به هذه الموجودات فعلاً للّه في حين كونها فعلاً لنفس الموجودات غاية ما في الأمر أنّ نسبة هذه الأُمور إلى الموجود الطبيعي نفسه إشارة إلى الجانب «المباشري»، فيما يكون نسبتها إلى «اللّه» إشارة إلى الجانب «التسبيبي».

ويشير القرآن إلى كلا هاتين النسبتين في قوله سبحانه :

(وَ مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى).(1)

ففي حين يصف النبي الأعظم بالرمي، إذ يقول بصراحة (إذْ رَمَيْتَ)نجده يصف اللّه بأنّه هو الرامي الحقيقي، وذلك لأنّ النبي إنّما قام بما قام بالقدرة التي منحها اللّه له، فيكون فعله فعلاً للّه أيضاً، بل يمكن أن يقال: إنّ انتساب الفعل إلى اللّه (الذي منه وجود العبد وقوته وقدرته) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد بحيث ينبغي أن يعتبر الفعل فعلاً للّه لا غير، ولكن شدة الانتساب هذه لا تكون سبباً لأن يكون اللّه مسؤولاً عن أفعال عباده، إذ صحيح أنّ المقدمات الأوّلية للظاهرة مرتبطة باللّه وناشئة منه إلاّ أنّه لما كان الجزء الأخير من العلة التامة هو إرادة الإنسان ومشيئته بحيث لولاها لما تحقّقت الظاهرة يعد هو مسؤولاً عن الفعل.

وحدة المدبِّر في العالم

إنّ القرآن استدل على وحدة المدبِّر في العالم ببرهان ذي شقوق، وقد جاء البرهان ضمن آيتين تتكفل كل واحدة منهما بيان بعض الشقوق من البرهان، وإليك الآيتين:


1 . الأنفال: 17.

(411)

(لَو كانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).(1)

(وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِله إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضَهُمْ عَلَى بََعْض سُبْحَانَ اللّهِ عَمَّا يَصِفُونَ).(2)

وإليك مجموع شقوق البرهان:

إنّ تصوّر تعدّد المدبِّر لهذا العالم يكون على وجوه:

1. أن يتفرد كل واحد من الآلهة المدبِّرة بتدبير مجموع الكون باستقلاله بمعنى أن يعمل كل واحد ما يريده في الكون دونما منازع، ففي هذه الصورة يلزم تعدد التدبير لأنّ المدبِّر متعدّد ومختلف في الذات، فيلزم تعدد التدبير، وهذا يستلزم طروء الفساد على العالم وذهاب الانسجام المشهود، وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه :

(قُلْ لَو كانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).

2. وأمّا أن يدبِّر كل واحد قسماً من الكون الذي خلقه وعندئذ يجب أن يكون لكل جانب من الجانبين نظام مستقل خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به أصلاً، وعندئذ يلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام من الكون، في حين أنّنا لا نرى في الكون إلاّ نوعاً واحداً من النظام يسود كل جوانب الكون من الذرة إلى المجرة.


1 . الأنبياء: 22.
2 . المؤمنون: 91.


(412)

وإلى هذا الشق أشار بقوله: في الآية الثانية: (إذَنْ لَذَهَبْ كُلُّ إِله بِمَا خَلَقَ) .

3. أن يتفضّل أحد هذه الآلهة على البقية ويكون حاكماً عليهم ويوحّد جهودهم، وأعمالهم ويسبغ عليها الانسجام والاتحاد، وعندئذ يكون الإله الحقيقي هو هذا الحاكم دون الباقي.

وإلى هذا يشير قوله سبحانه : (وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض) فتلخّص أنّ الآيتين بمجموعهما تشيران إلى برهان واحد ذي شقوق تتكفل كل واحدة منهما بيان شق خاص.

ثمّ إنّ العلاّمة الطباطبائي اعتبر في تفسيره القيم ـ الميزان ـ الآية الثانية برهاناً مستقلاً عن الآية الأُولى وجعل كل جملة منها مشيرة إلى برهان خاص، وإليك توضيح ما أفاده في كتابه:

توضيح البرهان الأوّل

إذا افترضنا أنّ للكون خالقين وأنّ العالم مخلوق لإلهين، فإنّه لا بد أن نقول ـ وبحكم كونهما اثنين ـ أنّهما يختلفان عن بعض في جهة أو جهات، وإلاّ لما صحت الاثنينية والتعدد أي لما صح ـ حينئذ ـ أن يكونا اثنين دون أن يكون بينهما أي نوع من الاختلاف.

ومن المعلوم أنّ الاختلاف في الذات سبب للاختلاف في طريقة التدبير والإرادة بين المختلفين ذاتاً.

فإذا كان تدبير العالم العلوي ـ مثلاً ـ من تدبير واحد من الإلهين وتدبير العالم السفلي من تدبير إله آخر، فإنّ من الحتمي أن ينفصم الترابط بين نظامي


(413)

العالمين ويزول الارتباط بينهما، لأنّه من المستحيل أن يكون ارتباط ووحدة بين أجزاء عالم واحد يدار بتدبيرين متنافيين متضادين.

وينتج من ذلك التفكك بين جزئي العالم، وبالتالي فساد الكون بأسره من سماوات وأرض وما بينهما.

لأنّنا جميعاً نعلم بأنّ بقاء النظام الكوني ـ حسب التحقيقات العلمية ـ ناشئ من الارتباط الحاكم على أجزاء المنظومة الشمسية بحيث لو فقد هذا الارتباط على أثر الاختلاف في التدبير ـ مثل أن تختل قوتا الجذب والدفع ـ لتعرض الكون بأسره للخلل ولم يبق للكون وجود ولا أثر .

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا البرهان بالعبارة التي يقول فيها:

(إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ) .

أي أنّ كل إله ـ في صورة التعدّد ـ يدبِّر مخلوقه حسب طريقته الخاصة، وعلى أثر تعدّد التدبير يزول الارتباط والترابط الحاكم على أجزاء الكون، ذلك الترابط الذي هو علّة بقاء النظام الكوني وعلّة استمراره واستقامته، وثباته على النمط الذي هو عليه.

توضيح البرهان الثاني

إنّ في عالم الكون سلسلة من النظم والسنن الكونية الكلية والعامة التي يوجد بينها سلسلة من النظم الجزئية، التي تدار في خلالها وأثنائها.

فالإنسان والحيوان والنبات وما يعيش على الأرض ذوات أنظمة صغيرة محدودة خاصة بها، وهي جزء من النظام الكلي للكرة الأرضية.


(414)

ولكن النظام الكلي للكرة الأرضية هو بدوره يعد جزءاً من النظام الكلي للعالم، وبهذه النسبة يكون وضع نظام المجموعة الشمسية إذا ما قورن إلى نظام المجرة.

فإذا كان النظام العالي الكلّي للكون مرتبطاً بأحد الإلهين ومحكوماً لتدبيره دون الآخر، ففي هذه الصورة سيتعالى مدبّر النظام الكلي على مدبِّر النظام الذي يندرج فيه بحيث إذا ذهب وانتفى النظام الكلي لم يبق للنظام الجزئي المندرج فيه أي أثر.

فمثلاً إذا بطل نظام الكرة الأرضية، فإنّه يبطل ـ بالضرورة ـ نظام الإنسان والحيوان وبقية الأحياء ويتعرض أمرهم للزوال والفناء والخطر، بحكم التبعية والارتباط بينهما.

وإذا تعرض النظام الكلي للمنظومة الشمسية للخلل فإنّ من القطعي أن يختل كذلك النظام الجزئي للمنظومة مثل نظام الكرة الأرضية على أثر ذلك، ولا يصح العكس طبعاً(1).

وفي هذه الحالة يصح (بحكم تفوق النظام العالي الكلي على النظام الجزئي السفلي) أن يقال أنّ مدبِّر النظام العلوي يتفضّل ويستعلي ويتفوّق على مدبِّر النظام السفلي الجزئي، وتكون نتيجة هذا الفرض أن يستغني مدبِّر النظام العلوي الكلي عن مدبِّر النظام السفلي الجزئي، بينما يستلزم أن يكون مدبّر النظام السفلي الجزئي محتاجاً في إرادته وتدبيره لمخلوقه للمدبِّر الأعلى.

لأنّ الفرض أنّ النظام السفلي مرتبط ـ كمال الارتباط ـ بالنظام العلوي


1 . لأنّ فساد الكل يستتبع فساد الجزء.

(415)

ويستمد من الأخير دائماً، ومعلوم أنّ نتيجة هذا الاستمداد هو أن لا يكون موجد النظام السفلي، مستقلاً في تأثيره وتدبيره، بل يكون معتمداً على غيره دائماً وأبداً.

ومن البديهي أنّ الموجود المحتاج إلى غيره في التدبير والإيجاد لا يمكنه أن يكون «الإله الغني».

إنّ القرآن الكريم يشير إلى هذا النحو من الاستدلال بالجملة التالية:

(وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض).

وعلّة هذا العلو والاستعلاء هو اعتماد تدبير أحدهما على تدبير الآخر بحيث لو اختل أو انتفى التدبير الكلي العلوي لانتفى التدبير السفلي الجزئي ولم يعد له أثر ولا خبر ، ولا ريب أنّ تفوق التدبير مستلزم لتفوق المدبِّر وعلوه.(1)

سؤال وجواب

نرى في قوله سبحانه :

(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً * مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً).(2)

إنّ الآية الأُولى تنسب كلاّ من الحسنة والسيئة إلى اللّه، وفي الوقت نفسه


1 .قد تقدم في صفحة 403 الاستدلال بمضمون الآية الأُولى على «وحدة المدبر» غير أنّ الاستدلال هنا يكون بنفس هذه الآية منضمة إلى آية أُخرى، وجعل الآيتين بمنزلة برهان واحد ذي شقوق تتكفل الآيتان بيان شقوق البرهان.
2 . النساء: 78 ـ 79.


(416)

تنسب الآية الثانية الحسنة إليه سبحانه والسيئة إلى نفس الإنسان، فكيف تجتمع هاتان النسبتان؟

والخطاب في الآية الثانية وإن كان للنبي إلاّ أنّ الغاية منه أعم، فهو وإن كان قد خوطب بالكلام، ولكن المقصود الناس جميعاً، وعندئذ ينطرح هذا السؤال: إذا كان المؤثر الحقيقي في العالم هو اللّه سبحانه وكان تأثير غيره منوطاً بإذنه ومشيئته وقدرته وأقداره، كما يفيده قوله سبحانه : (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللّهِ)،لأجل أنّ للحسنة والسيئة عوامل وعللاً تنتهي إلى اللّه سبحانه وتقوم به، فيكون الكلّ مستنداً إليه، ومعه كيف يستدرك في الآية الثانية ويقرن بين الحسنة والسيئة فينسب الأُولى إلى اللّه والثانية إلى نفس النبي وبالنتيجة إلى مطلق الإنسان ويقول: (ومَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنْ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِئَة فَمِنْ نَفْسِكَ)؟ فهل هذا إلا تفكيك في الحوادث وجعل بعضها منتهياً إلى اللّه دون البعض الآخر .

الجواب

إنّ المقصود من الحسنة في الآية، الأُمور التي تلائم وتنطبق مع المزاج والمصالح البشرية بينما تكون السيئة عكس ذلك، كما في قوله سبحانه :

(إِنْ تَمسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا).(1)

وليس المراد منها الطاعة والمعصية ولا الثواب والعقاب بل الحوادث التي تعد خيراً أو شراً للإنسان طيلة حياته.

إنّ بعض المنضمين إلى صفوف المؤمنين كانت ألسنتهم طويلة وعملهم


1 . آل عمران: 120.

(417)

قليلاً، فكانوا يتفلسفون، فإنْ حصل نصر قالوا: هو من عند اللّه، وإن كانت هزيمة قالوا إنّ سوء القيادة هو سبب الهزيمة.

وبعبارة أُخرى قد كان المنافقون ـ لجهلهم بمعارف الكتاب العزيز ـ يعدون الظفر والغلبة في الحروب كحرب بدر ـ مثلاً ـ من اللّه، والانكسار والهزيمة كحرب أُحد من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ولم يكن هذا النوع من التفسير بجديد، فقد سبقهم في ذلك أعداء موسى، فقد كان منطقهم، على شكل آخر، فكانوا ينسبون الحسنة إلى أنفسهم والسيئة إلى موسى ومن معه.

فإذا واجهوا نعمة كانوا يرون أنّ ذلك نتيجة صلاحيتهم، وإذا واجهوا نقمة أو بلاء تشاءموا بموسيعليه السَّلام وتطيّروا به، واعتبروا وجوده ووجود جماعته المؤمنين سبباً لنزول ذلك البلاء، كما يقول سبحانه :

(فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هِذِهِ وِإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَعَهُ).(1)

ولكنَّ القرآن الكريم يواجه هذا الزعم الأعوج الذي تنسب فيه «الحسنات» تارة إلى اللّه و «السيئات» إلى النبي وأُخرى تنسب الحسنات إلى أنفسهم، والسيئات إلى موسى ـ عليه السَّلام ـ ، فكأنّ هناك مؤثرين مستقلين في عالم الكون، لكل واحد منهما خالق خاص ينافي الآخر ويقول في قبال هذا المنطق: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ) .

لأنّه ليس للعالم ـ بحكم التوحيد في الخالقية ـ إلاّ خالق واحد لا أكثر،


1 . الأعراف: 131.

(418)

وكل ما يحدث في هذا العالم من انتصارات أو هزائم وانكسارات ونزول نعم أو نقم ـ من حيث وجودها في الخارج ـ تكون من اللّه، وليس من الصحيح أبداً أن نعتبر بعضها من جانب اللّه، والبعض الآخر من جانب النبي أو غيره، ولأجل هذا يقول القرآن (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ) .

إلى هنا اتضح مفاد الآية الأُولى، وبقي الكلام في الآية الثانية وإنّهكيفتعود فتنسب الحسنة إلى اللّه والسيئة إلى النبي، والمراد منه مطلق الإنسان؟

غير انّ الإجابة عنه واضحة، بعد الوقوف على موضوع البحث فيهما فإنّ الآية الأُولى تركز على أنّ وجود الحسنة والسيئة من اللّه سبحانه ، ولا خالق ولا مؤثر في الوجود إلاّ هو ، وأمّا الآية الثانية فهي تركز على مناشئ الحسنة والسيئة ومنابعهما، فتفرّق بين مناشئ الحسنة ومنابع السيئة بأنّ منشأ الأُولى هو اللّه سبحانه، إذ هو مبدأ لكل خير وإليه يرجع كل فضل ومنه يفاض إلى الغير، كما أنّ منابع السيئة هي الإنسان وأفعاله وخصاله التي يمشي عليها في حياته. إذا عرفت ذلك فنقول:

السيئة ـ كالزلازل والبلايا والمصائب ـ بما أنّها ظاهرة طبيعية فوجودها من جانب اللّه سبحانه، ولأجل ذلك نسبها القرآن إلى اللّه فقال: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ)وبما أنّ أعمالنا مؤثرة في نشوء تلك الظاهرة، وكل إنسان مأخوذ بفعله فأعمالنا مبادئ لهذه الظواهر والطوارئ فنسب السيئة إلى نفس الإنسان فقال: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) .

ويؤيد ذلك قوله سبحانه :

(قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَيَّ رَبِّي


(419)

إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ).(1)

إنّه تعالى يأمر نبيه بأن يعترف بأنّ ضلالته من جانب نفسه وهدايته من جانب وحيه سبحانه، وليس ذلك إلاّ لأنّ الضلالة مما ينشأ من موقف الإنسان نفسه في حياته، فلأجل ذلك هي أولى بأن تنتسب إلى نفس الإنسان ، وأمّا الهداية فهي كالحسنة أولى بأن تنتسب إلى اللّه سبحانه .

وليس هذا مخصوصاً بالحوادث الطارئة في عالم الطبيعة، المذكورة، بل كل إنسان رهين بآثار عمله، فإنّ الشاب المدمن على الخمر ـ مثلاً ـ يجب بالبداهة أن ينتظر سلسلة من البلايا والمصائب والمحن، والمدينة التي لا تبني السدود في وجه السيول يجب حتماً أن تنتظر الدمار والخراب، والبيوت التي لا تبنى على أساس مقاومة الزلازل يجب حتماً أن تنتظر الخراب والدمار على أثر الزلازل.

إنّ مثل هذه المجتمعات التي تقصر في هذه الأُمور لابد أن تكون في معرض المصائب والمحن والم آسي.

ولهذا قال تعالى في الآية الثانية: ( مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ) وهو بذلك يشير إلى ما قلناه.

لقد كان الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ يذمّون من يتطيّر بهم ويتشاءم من وجودهم ويقولون: (قَالُوا (أي الأنبياء)طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُم).(2)

وهم بذلك يشيرون إلى أنّ علّة المحن والمصائب كامنة في نفس العصاة والمنكوبين، وهو أمر ناشئ منهم ونابع من أعمالهم هم، وأنّ داءهم فيهم ومنهم إن


1 . سبأ: 50.
2 . يس: 19.


(420)

كانوا يبصرون ويتذكرون.

ولأجل أن نعرف أنّ أعمال الإنسان هي صانعة مصيره يكفي أن نجد القرآن يخبرنا في آيات أُخرى بأنّ أعمال البشر وحالاته وسوابقه هي التي تكون علّة للمصائب والمحن والتحوّلات والتغيّرات التي تطرأ على حياته، إذ يقول:

(وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير).(1)

ويقول في آية أُخرى:

(إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفِسِهِمْ).(2)

ويقول أيضاً:

(ذِلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).(3)

وقد أُشير إلى هذا الجمع الذي ذكرناه في روايات أئمة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ ، فعن الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ ناقلاً عن الحديث القدسي:

«ابن آدم ! بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء وتقول، وبقوتي أديت إلي فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، ما أصابك من حسنة فمن اللّه، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذاك أنّي أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني».(4)

وفي حديث آخر عنه ـ عليه السَّلام ـ : .«فما أصابك من حسنة فمن عندي وبتوفيقي وقوتي، وما أصابك من سيئة فمن سوء اختيارك وغواية نفسك».(5)


1 . الشورى: 30.
2 . ال