welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المناهج التفسيرية في علوم القرآن*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المناهج التفسيرية في علوم القرآن

المناهج التفسيرية
في علوم القرآن

تأليف

العلامة الفقيه
الشيخ جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (ع)

إيران _ قم


(2)

(3)


(4)

هوية الكتاب:

اسم الكتاب    المنهاج التفسيرية

المؤلف:   العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الموضوع:    في علوم القرآن

الطبعة:    الثانية

المطبعة:    اعتماد

التاريخ:    1422هـ ق

الكمية:    2000 نسخة

الناشر:    مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

الصفّ والإخراج باللاينوترون    مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

توزيع

مكتبة التوحيد

قم ـ ساحة الشهداء ـ 7745457 ـ 2925152، فكس 2922331


(5)

المقدّمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي نزّل الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً للعالمين.

والصلاة والسلام على من نزل الكتاب على قلبه ليكون من المنذرين، وعلى العترة الطاهرة أعدال الكتاب وقرناؤه.

أمّا بعد; فهذه رسالة موجزة تتكفّل ببيان المناهج التفسيرية صحيحها وسقيمها، وتُبيّن الفرق بين المنهج التفسيري والاهتمام التفسيري، فأُصول المنهج لا تتعدّى عن أصلين:

أ. التفسير بالعقل .

ب. التفسير بالنقل.

لكنّ لكلّ صوراً:

أمّا الأوّل فصوره عبارة عن:

1. التفسير بالعقل الصريح.

2 . التفسير على ضوء المدارس الكلامية.

3. التفسير على ضوء السنن الاجتماعية.

4. التفسير على ضوء العلم الحديث.


(6)

5 . التفسير حسب تأويلات الباطنية.

6 . التفسير حسب تأويلات الصوفية.

أمّا الثاني فصوره عبارة عن:

أ . تفسير القرآن بالقرآن.

ب . التفسير البياني للقرآن.

ج . تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية.

د . تفسير القرآن بالمأثور عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والأئمّة ـ ـ عليهم السَّلام ـ ـ .

فهذه الصور العشر من فروع المنهجين الأصليّين، وفي ثنايا البحث نشير إلى ما لا غنى للباحث المفسر عنه، وأرجو منه سبحانه أن تكون الرسالة بإيجازها نافعة لقارئها الكريم بإذن منه.

وما ذكرناه من تقسيم منهج التفسير إلى التفسير بالعقل والنقل أمر ذائع.

وفي مقدّمة معالم التنزيل للإمام البغوي(المتوفّى عام 516هـ) ما هذا لفظه:

التفسير بالمنقول: هو التفسير بالمأثور الذي رواه الصحابة والتابعون عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أو ما روى علماء الأثر عن الصحابة والتابعين أيضاً ممّا يتعلّق بالقرآن الكريم من كلّ الوجوه، هو من التفسير بالأُمور.

ومصادره القراءات القرآنية سواء منها المتواتر والمشهور والشاذ، والأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين، والأئمّة المجتهدين.

التفسير بالمعقول: هو التفسير العقلي الذي يعتمد فيه علم الفهم العميق، والإدراك المركّز لمعاني الألفاظ القرآنية، بعد إدراك مدلول العبارات القرآنية التي تنظم في سلكها تلك الألفاظ الكريمة وفهم دلالاتها فهماً دقيقاً.


(7)

وهذا القسم من التفسير يقوم على الاجتهاد في فهم النصوص القرآنية وإدراك مقاصدها ومعرفة مدلولها، عن طريق معرفة المفسر لكلام العرب ومناحيهم في القول وأساليبهم في التعبير، ومعرفة دلالة الألفاظ ووجوهها، وآلة هذا النوع من التفسير علوم الاستنباط وأُصول التشريع.(1)

وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نقدّم مباحث تمهيدية لها أهمّيتها الخاصّة في عالم التفسير، كما أنّ لها صلة وثيقة بالمناهج التفسيرية.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

تحريراً في 27 رجب المرجّب من شهور عام 1409


1- مقدّمة معالم التنزيل:1/10ـ11.


(8)

(9)

مباحث تمهيدية

1. حاجة القرآن إلى التفسير

2. مؤهلات المفسّر أو شروط المفسّر

3. القرآن قطعيُّ الدلالة

4. التفسير بالرأي


(10)

(11)

التفسير

و

حاجة القرآن إليه

التفسير مأخوذ من «فسَّر» بمعنى: أبان و كشف.

قال الراغب: الفَسْر، والسَفْر متقاربا المعنى كتقارب لفظيهما، والفرق بينهما انّ الأوّل يستعمل في إظهار المعنى المعقول، كقوله سبحانه: (وَلا يَأتُونَكَ بِمَثَل إلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا)(1) أي أحسن تبييناً.

والثاني يُستعمل في إبراز الأعيان للأبصار، يقال: أسفر الصبحُ، أو سفرتْ المرأة عن وجهها.(2)

وأمّا في الاصطلاح فبما انّ التفسير علم كسائر العلوم فله تعريفه وموضوعه ومسائله وغايته.

أمّا التعريف فقد عرف بوجوه:

1. هو العلم الباحث عن تبيين دلالات الآيات القرآنية على مراد اللّه سبحانه.

وبعبارة أُخرى: إزالة الخفاء عن دلالة الآية على المعنى المقصود.

وهناك تعريفات أُخرى نشير إلى بعضها.


1- الفرقان: 33.
2- مقدمة التفسير:33.


(12)

وعرّفه الزركشي بقوله: علم يعرف به فهم كتاب اللّه تعالى المنزل على نبيه محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه.(1)

وأمّا موضوعه فهو كلام اللّه سبحانه المسمّى بالقرآن الكريم.

وأّمّا مسائله فهي ما يستظهر من الآيات بما انّه مراده سبحانه.

وأمّا الغرض منه فهو الوقوف على مراده سبحانه في مجالي المعارف والمغازي والقصص واستنباط الأحكام الشرعية منه.

ثمّ إنّ الرأي السائد بين المسلمين انّ القرآن غير غني عن التفسير، إمّا من جانب نفسه كتبيين معنى آية بأُختها، أو تبيينه بكلام من نزل على قلبه.

يقول سبحانه:(وَأَنزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُون)(2) ولم يقل«لتقرأ» بل قال: (لتُبيّن)إشارة إلى أنّ القرآن يحتاج وراء قراءة النبي، إلى تبيين، فلو لم نقل أنّ جميع الآيات بحاجة إليه، فلا أقل أنّ هناك قسماً منها يحتاج إليه بأحد الطريقين: تفسير الآية بالآية، أو تفسيرها بكلام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

والذي يكشف عن حاجة القرآن إلى التبيين أُمور، نذكر منها ما يلي:

1 . إنّ أسباب النزول، للآيات القرآنية، كقرائن حالية اعتمد المتكلم عليها في إلقاء كلامه بحيث لو قطع النظر عنها، وقُصِّـر إلى نفس الآية، لصارت الآية مجملة غير مفهومة، ولو ضمّت إليها تكون واضحة شأن كل قرينة منفصلة عن الكلام، وإن شئت لاحظ قوله سبحانه: (وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أنْ


1- البرهان في علوم القرآن:1/33.
2- النحل: 44.


(13)

لا مَلجَأَ مِنَ اللّهِ إلاّ إليهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم لَيَتُوبوا إنّ اللّهَ هُوَ التَّوابُ الرَّحيم)(1).

ترى أنّ الآية تحكي عن أشخاص ثلاثة تخلّفوا عن الجهاد حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فعند ذلك يسأل الإنسان نفسه، مَن هم هؤلاء الثلاثة؟ ولماذا تخلّفوا؟ ولأيّ سبب ضاقت الأرض والأنفس عليهم ؟

وما المراد من هذا الضيق؟ ثم ماذا حدث حتى انقلبوا وظنّوا أنّه لا ملجأ من اللّه إلاّ إليه؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المتراكمة حول الآية، لكن بالرجوع إلى أسباب النزول تتخذ الآية لنفسها معنى واضحاً لا إبهام فيه.(2)

وهذا هو دور أسباب النزول في جميع الآيات، فإنّه يُلقي ضوءاً على الآية ويوضح إبهامها، فلا غنىً للمفسّر من الرجوع إلى أسباب النزول قبل تفسير الآية كما سيوافيك تفصيله في مؤهلات المفسر.

2 . إنّ القرآن مشتمل على مجملات كالصلاة والصوم والحجّ لايفهم منها إلاّ معاني مجملة، غير أنّ السنّة كافلة لشرحها، فلاغنىً للمفسّر عن الرجوع إليها في تفسير المجملات.

3 . إنّ القرآن يشتمل على آيات متشابهة غير واضحة المراد في بدء النظر، وربما يكون المتبادر منها في بدء الأمر، غير ما أراد اللّه سبحانه، وإنّما يعلم المراد بإرجاعها إلى المحكمات حتى تفسّر بها، غير أنّ الذين في قلوبهم زيغ يتبعون الظهور البدائي للآية لإيجاد الفتنة وتشويش الأذهان ويجعلونه تأويل الآية أي مرجعها وم آلها، وأمّا الراسخون في العلم فيتّبعون مراده سبحانه بعدما يظهر من سائر الآيات التي هي أُم الكتاب.


1- التوبة: 118.
2- سيوافيك الكلام في الآية أيضاً عند البحث عن مؤهلات المفسر لاحظ:39.


(14)

قال سبحانه: (مِنهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فأمّا الّذِينَ في قُلوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابتِغاءَ الفِتنَةِ وابتغاءَ تأويلِه)(1).

وعلى هذا لا غنى من تفسير المتشابهات بفضل المحكمات، وهذا يرجع إلى تفسير القرآن نفسه بنفسه، والآية بأُختها.

4 . إنّ القرآن المجيد نزل نجوماً، لغاية تثبيت قلب النبي طيلة عهد الرسالة.

قال سبحانه: (وقالَ الّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرآنُ جُملَةً واحِدةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلناهُ تَرتيلا)(2) فمقتضى النزول التدريجي تفرق الآيات الباحثة عن موضوع واحد في سور مختلفة، ومن المعلوم أنّ القضاء في موضوع واحد يتوقف على جمع الآيات المربوطة به في مكان واحد حتى يستنطق بعضها ببعض، ويستوضح بعضها ببعض آخر، وهذا ما يشير إليه الحديث النبوي المعروف: «القرآن يفسّر بعضه بعضاً»(3).

وقال الإمام علي ـ ـ عليه السَّلام ـ ـ : «كتاب اللّه تبصرون به، وتنطقون وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، ولايختلف في اللّه ولايخالف بصاحبه عن اللّه»(4).

وفي كلامه ـ عليه السَّلام ـ ما يعرب عن كون الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو المفسر الأوّل للقرآن الكريم يقول: «خلّف فيكم (أي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ) كتابَ رَبِّكم، مبيّناً حلالَه وحرامَه، وفرائضَه، وفضائلَه وناسخَه ومنسوخَه، ورُخَصَه وَعَزَائمَه، وخاصَّه


1- آل عمران: 7.
2- الفرقان: 32.
3- حديث معروف مذكور في التفاسير ولم نقف على سنده.و لكن يوجد مضمونه في كلام الإمام علي ـ ـ عليه السَّلام ـ ـ التالي.
4- نهج البلاغة: الخطبة رقم 133.


(15)

وعامَّه، وعِبَره وأمثالَه، ومُرسَلَه وَمَحْدوده، ومُحْكَمه ومتشابهه، مفسِّـراً مجمله، ومبِّيناً غوامضه»(1).

وهذه الوجوه ونظائرها تثبت أنّ القرآن لايستغني عن التفسير.

سؤال وإجابة

أمّا السؤال: فربما يتصور أنّ حاجة القرآن إلى التفسير ينافي قوله سبحانه: (وَلَقَد يَسَّرنا القرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِر)(2) .

ونظيره قوله سبحانه في موارد مختلفة: (بِلسان عَربىّ مُبين)(3) فإنَّ تَوصيف القرآن باليسر وَكَونِه بِلسان عَرَبي مُبين يهدفان إلى غناه عن أيّ إيضاح وتبيين؟

وأمّا الإجابة: فإنّ وصفه باليسر، أو بأنّه نزل بلغة عربية واضحة يهدفان إلى أمر آخر، وهو أنّ القرآن ليس ككلمات الكهنة المركّبة من الأسجاع والكلمات الغريبة، ولامن قبيل الأحاجي والألغاز، وإنّما هو كتاب سهل واضح، من أراد فهمه، فالطريق مفتوح أمامه; وهذا نظير ما إذا أراد رجل وصف كتاب أُلّف في علم الرياضيات أو في الفيزياء أو الكيمياء فيقول: أُلّف الكتاب بلغة واضحة وتعابير سهلة، فلا يهدف قوله هذا إلى استغناء الطالب عن المعلِّم ليوضح له المطالب ويفسر له القواعد.

ولأجل ذلك قام المسلمون بعد عهد الرسالة بتدوين ما أُثر عن النبي أو الصحابة والتابعين أو أئمة أهل البيت ـ ـ عليهم السَّلام ـ ـ في مجال كشف المراد وتبيين الآيات، ولم تكن الآيات المتقدّمة رادعة لهم عن القيام بهذا الجهد الكبير.


1- نهج البلاغة: الخطبة رقم1. والظاهر أنّ قوله: مبيِّناً، بيان لوصف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، والضمائر ترجع إلى القرآن الكريم لا إلى اللّه سبحانه.
2- القمر: 17.
3- الشعراء: 195. وفي النحل: 103 (وهذا لسان عربيٌّ مبين) .


(16)

نعم إنّ المفسّرين في الأجيال المتلاحقة ارتووا من ذلك المنهل العذب (القرآن) ولكلِّ طائفة منهم منهاج في الاستفادة من القرآن والاستضاءة بأنواره، فالمنهل واحد والمنهاج مختلف: (لِكُلّ جَعَلنا مِنُكم شِرعةً وَمِنهاجاً)(1).

القرآن وآفاقه اللامتناهية

يتميّز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية بآفاقه اللامتناهية كما عبّـر عن ذلك خاتم الأنبياء ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقال:

«ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخوم، وعلى تخومه تخوم، لاتحصى عجائبه، ولاتبلى غرائبه»(2).

وقد عبّـر عنه سيد الأُوصياء ـ عليه السَّلام ـ ، بقوله:

«وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لايدرك قعره ـ إلى أن قال: ـ وبحر لاينزفه المستنزِفون، وعيون لاينضبها الماتحون، ومناهل لايغيضها الواردون»(3).

ولأجل ذلك صار القرآن الكريم، النسخة الثانية لعالم الطبيعة الذي لايزيد البحث فيه والكشف عن حقائقه إلاّ معرفة أنّ الإنسان لايزال في الخطوات الأُولى من التوصّل إلى مكامنه الخفية وأغواره البعيدة.

والمترقّب من الكتاب العزيز النازل من عند اللّه الجليل، هو ذاك وهو كلام من لاتتصور لوجوده وصفاته نهاية، فيناسب أن يكون فعله مشابهاً لوصفه، ووصفه حاكياً عن ذاته، وبالتالي يكون القرآن مرجع الأجيال وملجأ البشرية في جميع العصور.


1- المائدة: 48.
2- الكافي: 2/238.وفي بعض النسخ: له نجوم، وعلى نجومه نجوم.
3- نهج البلاغة: الخطبة 198.


(17)

ولما ارتحل النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، والتحق بالرفيق الأعلى، وقف المسلمون على أنّ فهم القرآن وإفهامه يتوقف على تدوين علوم تسهل التعرّف على القرآن الكريم، ولأجل ذلك قاموا بعملين ضخمين في مجال القرآن:

الأوّل: تأسيس علوم الصرف والنحو واللغة والاشتقاق وما شابهها، لتسهيل التعرّف على مفاهيم ومعاني القرآن الكريم أوّلاً، والسنّة النبوية ثانياً، وإن كانت تقع في طريق أهداف أُخرى أيضاً لكن الغاية القصوى من القيام بتأسيسها وتدوينها، هو فهم القرآن وإفهامه.

الثاني: وضع تفاسير لمختلف الأجيال حسب الأذواق المختلفة لاستجلاء مداليله، ومن هنا لانجد في التاريخ مثيلاً للقرآن الكريم من حيث شدّة اهتمام أتباعه به، وحرصهم على ضبطه، وقراءته، وتجويده، وتفسيره، وتبيينه.

وقد ضبط تاريخ التفسير أسماء ماينوف على ألفين ومائتي تفسير وعند المقايسة يختص ربع هذا العدد بالشيعة الإمامية(1).

هذا ماتوصّل إلى إحصائه المحقّقون من طريق الفهارس ومراجعة المكتبات


1- لاحظ معجم المفسرين لـ «عادل نويهض» وطبقات المفسرين لـ «الحافظ شمس الدين الداودي» المتوفّى عام 945هـ ، وما ذكرنا من الإحصاء مأخوذ من« معجم المفسرين»، كما أنّ ما ذكرنا من أنّ ربع هذا العدد يختص بالشيعة مأخوذمن ملاحظة ما جاء في كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» من ذكر 450 تفسيراً للشيعة.
ولكن الحقيقة فوق ذلك، فإنّ كلّ ما قام به علماء الشيعة في مجال التفسير باللغات المختلفة في العصر الحاضر لم يذكر في الذريعة، ولأجل ذلك يصح أن يقال: إنّ ثلث هذا العدد يختص بالشيعة، كما أنّه فات صاحب «معجم المفسرين» ذكر عدّة من كتب التفسير للشيعة الإمامية وإن كان تتبعه جديراً للتقدير. ولقد أتينا بذكر أُمّة كبيرة من المفسرين الشيعة من عصر الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، من الذين قاموا بتفسير القرآن بألوان مختلفة، في تقديمنا لكتاب «التبيان » لشيخ الطائفة الطوسي ـ قدَّس سرَّه ـ وقد طبع مع الجزء الأوّل. كما طُبع أيضاً في نهاية الجزء العاشر من موسوعاتنا التفسيرية«مفاهيم القرآن».


(18)

عدا ما فاتهم ذكره مما ضاع في الحوادث المؤسفة كالحرق والغرق والغارة.

وعلى ضوء هذا يصعب جداً الإحاطة بعدد التفاسير وأسمائها وخصوصياتها طيلة أربعة عشر قرناً حسب اختلاف بيئاتهم وقابلياتهم وأذواقهم.


(19)

2

مؤهلات المفسِّر

أو

شروط المفسِّر وآدابه

فتح علماء التفسير باباً باسم «معرفة شروط المفسِّر وآدابه» وذكروا كلّ ما يحتاج إليه المفسر في تفسير كلام اللّه العزيز فمنهم من اختصر كالراغب الاصفهاني في «مقدمة جامع التفاسير»، ومنهم من أسهب كالزركشي في كتابه «البرهان في علوم القرآن » و السيوطي في «الإتقان»، ونحن نسلك طريقاً وسطاً في هذا المضمار. وبما انّ ما ذكره الراغب أساس لكل من جاء بعده، نأتي هنا بملخص ما ذكره، ثمّ ندخل في صلب الموضوع ، فنقول:

ذكر الراغب الاصفهاني في «مقدّمة جامع التفاسير» الشروط التالية:

الأوّل: معرفة الألفاظ، وهو علم اللغة.

الثاني: مناسبة بعض الألفاظ إلى بعض، وهو الاشتقاق.

الثالث: معرفة أحكام ما يعرض الألفاظ من الأبنية والتعاريف والاعراب، وهو النحو.

الرابع: ما يتعلّق بذات التنزيل، وهو معرفة القراءات.

الخامس: ما يتعلّق بالأسباب التي نزلت عندها الآيات، وشرح الأقاصيص


(20)

التي تنطوي عليها السور من ذكر الأنبياء ـ ـ عليهم السَّلام ـ ـ والقرون الماضية، وهو علم الآثار والأخبار.

السادس: ذكر السنن المنقولة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعمّن شهد الوحي ممن اتّفقوا عليه وما اختلفوا فيه ممّا هو بيان لمجمل أو تفسير لمبهم، المنبأ عنه بقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكر لِتُبَيِّنَ لِلنّاس ما نزل إِليهم)(1) وبقوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه)(2)، وذلك علم السنن.

السابع: معرفة الناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص، والإجماع والاختلاف، والمجمل والمفصّل، والقياسات الشرعية، والمواضع التي يصحّ فيها القياس والتي لا يصحّ، وهو علم أُصول الفقه.

الثامن:أحكامالدينوآدابه،وآدابالسياساتالثلاثالتي هي سياسة النفس والأقارب والرعية مع التمسك بالعدالة فيها،وهو علم الفقه والزهد.

التاسع: معرفة الأدلّة العقلية والبراهين الحقيقية والتقسيم والتحديد، والفرق بين المعقولات والمظنونات، وغير ذلك، وهو علم الكلام.

العاشر: علم الموهبة، وذلك علم يورثه اللّه مَنْ عَمِلَ بما علم، وقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «قالت الحكمة: من أرادني فليعمل بأحسن ما علم» ثمّ تلا: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) (3).

وما روي عنه حين سئل: هل عندك علم عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يقع إلى غيرك؟ قال: لا، إلاّكتاب اللّه و ما في صحيفتي(4)، وفهم يؤتيه اللّه من يشاء وهذا هو


1- النحل:44.
2- الأنعام:90.
3- الزمر:18.
4- الثابت عندنا غير هذا، وكتاب علي ـ عليه السَّلام ـ بإملاء الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المخزون عند الأئمة الطاهرة ـ ـ عليهم السَّلام ـ ـ ، لا يلائمه.


(21)

التذكّر الذي رجّانا تعالى إدراكه بفعل الصالحات، حيث قال: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِوَالإِحْسانِ وَإِيتاءِذي القُربى) (1) إلى قوله: (لعلّكُمْ تَذَكَّرُون) ، وهو الهداية المزيدة للمهتدي في قوله: (وَالَّذينَ اهتَدُوا زادَهُمْ هُدى)(2) وهو الطيب من القول المذكور في قوله: (وَهُدُوا إِلى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَولِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الحَمِيد) (3).

فجملة العلوم التي هي كالآلة للمفسر، ولا تتم صناعة إلاّ بها، هي هذه العشرة: علم اللغة، والاشتقاق، والنحو،والقراءات، والسير، والحديث، وأُصول الفقه، وعلم الأحكام، وعلم الكلام، وعلم الموهبة. فمن تكاملت فيه هذه العشرة واستعملها خرج عن كونه مفسراً للقرآن برأيه.(4)

هذا نصّ كلام الراغب الاصفهاني، وقد ذكر أُمّهات الشرائط التي ينبغي على المفسر التحلّـي بها، وبيت القصيد في كلامه هو ما ذكره في الشرط العاشر وهو علم الموهبة.

والحقّ انّ تفسير القرآن الكريم يحتاج إلى ذوق خاص على حدّ يخالط القرآن روحه وقلبه ويتجرد في تفسيره عن كلّ نزعة وتحيز، وهو عزيز المنال والوجود بين المفسرين.

ولكن الذي يؤخذ على الراغب الإصفهاني هو انّ بعض ما عدّه من شروط التفسير يعدّ من كمال علم التفسير، كالعلم بأُصول الفقه وعلم الكلام، فإنّ تفسير الكتاب العزيز لا يتوقف على ذينك العلمين على ما فيها من المباحث التي لاتمتُّ إلى الكتاب بصلة.نعم معرفة الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد وكيفية العلاج، أو


1- النحل:90.
2- محمد:17.
3- الحج:24.
4- مقدمة جامع التفاسير:94ـ96، نشر دار الدعوة.


(22)

معرفة العموم والخصوص وكيفية التخصيص، والإجماع والاختلاف وأُسلوب الجمع بينهما، والمجمل والمبيّن، التي هي من مباحث علم الأُصول ممّا يتوقف عليه تفسير الكتاب، كما أنّ الآيات التي تتضمن المعارف الغيبية كالاستدلال على توحيد ذاته وفعله وعبادته لا تفسر إلاّ من خلال الوقوف على ما فيها من المباحث العقلية التي حقّقها علماء الكلام والعقائد، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بالقرآن.

وما ربما يقال من أنّ السلف الصالح من الصحابة والتابعين كانوا مفسّرين للقرآن على الرغم من عدم اطّلاعهم على أغلب هذه المباحث، غير تام; فانّ المعلم الأوّل ـ بعد النبيّ ـ للتفسير و المصدر الأوّل للعلوم الإسلامية هو الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، وقد روي عنه في علم الكلام ما جعله مرجعاً في ذينك العلمين حتّى فيما يرجع إلى أُصول الفقه من معرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص، قال ـ عليه السَّلام ـ :

«إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، ولقد كُذب على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على عهده حتى قام خطيباً وقال : «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار».

إلى أن قال بعد تقسيم الناس إلى أربعة أقسام:

«وآخر رابع لم يكذب على اللّه، ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفاً من اللّه، وتعظيماً لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، فهو حفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنَّب عنه، وعرف الخاص والعام، والمحكم والمتشابه، فوضع كلّ شيء موضعه».(1)


1- نهج البلاغة، الخطبة 210.


(23)

هذا بعض كلامه ـ عليه السَّلام ـ حول ما يمت إلى أُصول الفقه، وأمّا كلامه فيما له صلة بالعقائد والمباحث الكلامية فحدث عنه ولا حرج، فهذه خُطَبه ـ عليه السَّلام ـ فيها وقد أخذ عنه علماء الكلام ما أخذوا.(1)

وأمّا من لا خبرة له بهذين العلمين من الأقدمين فقد اقتصروا بالتفسير بالمأثور وتركوا البحث فيما لم يرد فيه نص، ولذا عاد تفسيرهم تفسيراً نقلياً محضاً، وسيوافيك البحث في هذا النوع من التفسير.

إلى هنا تمّ ما أردنا نقله من كلام الراغب،وبما انّ لجلال الدين السيوطي كلاماً في شروط التفسير نذكره لما فيه من اللطافة وإن كان ذيله لا يخلو من الشذوذ، قال:

قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز، طلبه أوّلاً من القرآن، فما أُجملَ منه في مكان، فقد فُسّر في موضع آخر; وما اختصر في مكان، فقد بُسط في موضع آخر منه.

وقد ألّف ابن الجوزي كتاباً فيما أجمل في القرآن في موضع وفسّر في موضع آخر منه، وأشرت إلى أمثلة منه في نوع المجمل.

فإن أعياه ذلك طلبه من السنّة، فإنّها شارحة للقرآن وموضحة له،وقد قال الشافعي: كلّ ما حكم به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهو ممّا فهمه من القرآن، قال تعالى: (إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّه) (2) في آيات أُخر وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ألا إنّي أُوتيت القرآن ومثله معه»، يعني السنّة.

فإن لم يجده في السنّة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنّهم أدرى بذلك، لما


1- لاحظ كتاب بحوث في الملل والنحل:3/187ـ192.
2- النساء:105.


(24)

شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح.(1)

فما ألطف كلامه في المقطعين الأوّلين دون المقطع الثالث فقد بخس فيه حقوق أئمّة أهل البيت ـ ـ عليهم السَّلام ـ ـ ، فإنّ السنّة النبوية ليست منحصرة بما رواها الصحابة والتابعون، فإنّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ عيبة علم النبي ووعاة سننه، فقد رووا عن آبائهم عن علي أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ روايات في تفسير القرآن الكريم، كيف وهم أحد الثقلين اللّذين تركهما رسول اللّه وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي».

ولعمر اللّه انّ الإعراض عن أحاديث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لخسارة فادحة على الإسلام والمسلمين .

ثمّ إنّ الرجوع إلى أقوال الصحابة لا ينجع مالم ترفع أقوالهم إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فمجرد انّهم شاهدوا الوحي والتنزيل لا يثبت حجّية أقوالهم ما لم يسند إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، والقول بحجّية قول الصحابي بمجرّد نقله وإن لم يسند قوله إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قول فارغ عن الدليل، فإنّه سبحانه لم يبعث إلاّ نبيّاً واحداً لا أنبياء حسب عدد الصحابة إلاّأن يرجع قولهم إلى قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

إذا عرفت كلام هذين العلمين فلنذكر شروط التفسير حسب ما نراها.

شروط التفسير

لا محيص للمفسر من تبنِّي علوم يتوقف عليها فهم الآية وتبيينها، وهذه الشروط تأتي تحت عناوين خاصة، مع تفاصيلها:


1- الإتقان في علوم القرآن:2/1197.


(25)

1. معرفة قواعد اللغة العربية

إنّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية، قال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرين *بِلسان عَربىّ مُبِين)(1) ومعرفة اللغة العربية فرع معرفة علم النحو والاشتقاق والصرف.

فبعلم النحو يميز الفاعل عن المفعول، والمفعول عن التمييز، إلى غير ذلك من القواعد التي يتوقف عليها فهم معرفة اللغة.

وأمّا الاشتقاق فهو الذي يُبين لنا مادة الكلمة وأصلها حتى نرجع في تبيين معناها إلى جذورها، وهذا أمر مهم زلّت فيه أقدام كثير من الباحثين، وهذا هو المستشرق «فوجل» مؤلف «نجوم الفرقان في أطراف القرآن» الذي جعله كالمعجم لألفاظ القرآن الكريم وطبع لأوّل مرة عام 1842م، فقد التبس عليه جذور الكلمات في موارد كثيرة، ذكر فهرسها محمد فؤاد عبدالباقي مؤلف «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم» في أوّل معجمه.

حيث زعم انّ قوله :«وقرن» في قوله سبحانه مخاطباً لنساء النبيّ:(وَقرن في بُيوتِكُنَّ) (2)مأخوذ من قَرَن مع أنّه مأخوذ من «قرَّ» فأين القَرْن من القرّوالاستقرار؟! كما زعم انّ المرضى في قوله سبحانه: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) (3) مأخوذ من رضي مع أنّه مأخوذ من مرض فأين الرضا من المرض؟! و قس على ذلك غيره.

وأمّا علم الصرف فبه يعرف الماضي عن المضارع وكلاهماعن الأمر والنهي إلى غير ذلك، وما ذكرنا من الشرط ليس تفسيراً لخصوص القرآن الكريم بل هو شرط لتفسير كلّ أثر عربي وصلإلينا.


1- الشعراء:193ـ195.
2- الأحزاب:33.
3- التوبة:91.