welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المناهج التفسيرية في علوم القرآن*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المناهج التفسيرية في علوم القرآن

تم تحديث کتاب المناهج التفسيرية الطبعة السادسة مصححة و منقحة في تاريخ 10 جمادي الأول 1349 هـ.ق


صفحه 1
   
    المناهج التفسيرية في علوم القرآن

صفحه 2

صفحه 3
المناهج التفسيرية
في
علوم القرآن

صفحه 4

صفحه 5
المناهج التفسيرية
فى
علوم القرآن
تأليف
العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني
طبعة جديدة منقحة ومصححة
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 6
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ   
المناهج التفسيرية في علوم القرآن/ تأليف جعفر السبحاني.ـ ] ويراست 2 [. قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1393.
324 ص .   ISBN: 978- 964 - 357 - 534 - 2
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه: ص. 317 ـ 318 ; همچنين به صورت زير نويس .
چاپ هفتم; 1396.
1. تفسير . 2. قرآن ـ ـ علوم قرآن . ألف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/91BP   171/297
1396
اسم الكتاب:    المناهج التفسيرية في علوم القرآن
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    السادسة
تاريخ الطبع:    1438 هـ . ق
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
عدد الصفحات:   … 324 صفحة
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
      تسلسل النشر:826                  تسلسل الطبعة الأُولى:68
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 7
المقدمة   

المقدّمة:

الحمد للّه الذي نزّل الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً للعالمين.
والصلاة والسلام على من نزل الكتاب على قلبه ليكون من المنذرين، وعلى العترة الطاهرة أعدال الكتاب وقرنائه.
أمّا بعد; فهذه رسالة موجزة تتكفّل ببيان المناهج التفسيرية صحيحها وسقيمها، وتُبيّن الفرق بين المنهج التفسيري والاهتمام التفسيري، فأُصول المنهج لا تتعدّى عن أصلين:
أ. التفسير بالعقل .
ب. التفسير بالنقل.
لكنّ لكلّ صوراً:
أمّا الأوّل فصوره عبارة عن:
1. التفسير بالعقل الصريح.
2 . التفسير على ضوء المدارس الكلامية.
3. التفسير على ضوء السنن الاجتماعية.
4. التفسير على ضوء العلم الحديث.

صفحه 8
5 . التفسير حسب تأويلات الباطنية.
6 . التفسير حسب تأويلات الصوفية.
أمّا الثاني فصوره عبارة عن:
أ . تفسير القرآن بالقرآن.
ب . التفسير البياني للقرآن.
ج . تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية.
د . تفسير القرآن بالمأثور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة (عليهم السلام).
فهذه الصور العشر من فروع المنهجين الأصليّين، وفي ثنايا البحث نشير إلى ما لا غنى للباحث المفسر عنه، وأرجو منه سبحانه أن تكون الرسالة بإيجازها نافعة لقارئها الكريم بإذن منه.
وما ذكرناه من تقسيم منهج التفسير إلى التفسير بالعقل والنقل أمر ذائع.
وفي مقدّمة معالم التنزيل للإمام البغوي (المتوفّى عام 516 هـ) ما هذا لفظه:
التفسير بالمنقول: هو التفسير بالمأثور الذي رواه الصحابة والتابعون عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو ما روى علماء الأثر عن الصحابة والتابعين أيضاً ممّا يتعلّق بالقرآن الكريم من كلّ الوجوه، هو من التفسير بالأُمور.
ومصادره القراءات القرآنية سواء منها المتواتر والمشهور والشاذ، والأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين، والأئمّة المجتهدين.
التفسير بالمعقول: هو التفسير العقلي الذي يعتمد فيه علم الفهم العميق، والإدراك المركّز لمعاني الألفاظ القرآنية، بعد إدراك مدلول العبارات القرآنية التي تنظم في سلكها تلك الألفاظ الكريمة وفهم دلالاتها فهماً دقيقاً.

صفحه 9
وهذا القسم من التفسير يقوم على الاجتهاد في فهم النصوص القرآنية وإدراك مقاصدها ومعرفة مدلولها، عن طريق معرفة المفسر لكلام العرب ومناحيهم في القول وأساليبهم في التعبير، ومعرفة دلالة الألفاظ ووجوهها، وآلة هذا النوع من التفسير علوم الاستنباط وأُصول التشريع.(1)
وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نقدّم مباحث تمهيدية لها أهمّيتها الخاصّة في عالم التفسير، كما أنّ لها صلة وثيقة بالمناهج التفسيرية.
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تحريراً في 27 رجب المرجّب من شهور عام 1409

1 . مقدّمة معالم التنزيل:1/10ـ11.

صفحه 10

صفحه 11
مباحث تمهيدية
1. حاجة القرآن إلى التفسير
2. مؤهلات المفسّر أو شروط المفسّر
3. القرآن قطعيُّ الدلالة
4. التفسير بالرأي

صفحه 12

صفحه 13
حاجة القرآن إلى التفسير   
 
التفسير
و
حاجة القرآن إليه
التفسير مأخوذ من «فسَّر» بمعنى: أبان و كشف.
قال الراغب: الفَسْر، والسَفْر متقاربا المعنى كتقارب لفظيهما، والفرق بينهما أنّ الأوّل يستعمل في إظهار المعنى المعقول، كقوله سبحانه: (وَلا يَأتُونَكَ بِمَثَل إلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا)(1) أي أحسن تبييناً.
والثاني يُستعمل في إبراز الأعيان للأبصار، يقال: أسفر الصبحُ، أو سفرتْ المرأة عن وجهها.(2)
وأمّا في الاصطلاح فبما أنّ التفسير علم كسائر العلوم فله تعريفه وموضوعه ومسائله وغايته.
أمّا التعريف فقد عرف بوجوه، منها:
1. هو العلم الباحث عن تبيين دلالات الآيات القرآنية على مراد اللّه سبحانه.
وبعبارة أُخرى: إزالة الخفاء عن دلالة الآية على المعنى المقصود.
وهناك تعريفات أُخرى نشير إلى بعضها.

1 . الفرقان: 33.
2 . مقدّمة التفسير:33.

صفحه 14
وعرّفه الزركشي بقوله: علم يعرف به فهم كتاب اللّه تعالى المنزل على نبيه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه.(1)
وأمّا موضوعه فهو كلام اللّه سبحانه المسمّى بالقرآن الكريم.
وأّمّا مسائله فهي ما يستظهر من الآيات بما أنّه مراده سبحانه.
وأمّا الغرض منه فهو الوقوف على مراده سبحانه في مجالي المعارف والمغازي والقصص واستنباط الأحكام الشرعية منه.
ثمّ إنّ الرأي السائد بين المسلمين أنّ القرآن غير غني عن التفسير، إمّا من جانب نفسه كتبيين معنى آية بأُختها، أو تبيينه بكلام من نزل على قلبه.
يقول سبحانه:(وَأَنزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُون)(2) ولم يقل«لتقرأ» بل قال: (لتُبيّن)إشارة إلى أنّ القرآن يحتاج وراء قراءة النبي، إلى تبيين، فلو لم نقل أنّ جميع الآيات بحاجة إليه، فلا أقل أنّ هناك قسماً منها يحتاج إليه بأحد الطريقين: تفسير الآية بالآية، أو تفسيرها بكلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
والذي يكشف عن حاجة القرآن إلى التبيين أُمور، نذكر منها ما يلي:
1 . أنّ أسباب النزول، للآيات القرآنية، كقرائن حالية اعتمد المتكلّم عليها في إلقاء كلامه بحيث لو قطع النظر عنها، وقُصِّر إلى نفس الآية، لصارت الآية مجملة غير مفهومة، ولو ضمّت إليها تكون واضحة شأن كل قرينة منفصلة عن الكلام، وإن شئت لاحظ قوله سبحانه: (وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا

1 . البرهان في علوم القرآن:1/33.
2 . النحل: 44.

صفحه 15
ضاقَتْ عَلَيهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أنْ لا مَلجَأَ مِنَ اللّهِ إلاّ إليهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم لَيَتُوبوا إنّ اللّهَ هُوَ التَّوابُ الرَّحيم)(1).
ترى أنّ الآية تحكي عن أشخاص ثلاثة تخلّفوا عن الجهاد حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فعند ذلك يسأل الإنسان نفسه، مَن هم هؤلاء الثلاثة؟ ولماذا تخلّفوا؟ ولأيّ سبب ضاقت الأرض والأنفس عليهم ؟
وما المراد من هذا الضيق؟ ثم ماذا حدث حتى انقلبوا وظنّوا أنّه لا ملجأ من اللّه إلاّ إليه؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المتراكمة حول الآية، لكن بالرجوع إلى أسباب النزول تتخذ الآية لنفسها معنى واضحاً لا إبهام فيه.(2)
وهذا هو دور أسباب النزول في جميع الآيات، فإنّه يُلقي ضوءاً على الآية ويوضح إبهامها، فلا غنىً للمفسّر من الرجوع إلى أسباب النزول قبل تفسير الآية كما سيوافيك تفصيله في مؤهلات المفسر.
2 . أنّ القرآن مشتمل على مجملات كالصلاة والصوم والحجّ لايفهم منها إلاّ معاني مجملة، غير أنّ السنّة كافلة لشرحها، فلاغنىً للمفسّر عن الرجوع إليها في تفسير المجملات.
3 . أنّ القرآن يشتمل على آيات متشابهة غير واضحة المراد في بدء النظر، وربما يكون المتبادر منها في بدء الأمر، غير ما أراد اللّه سبحانه، وإنّما يعلم المراد بإرجاعها إلى المحكمات حتى تفسّر بها، غير أنّ الذين في قلوبهم زيغ يتبعون الظهور البدائي للآية لإيجاد الفتنة وتشويش الأذهان ويجعلونه تأويل الآية، أي

1 . التوبة: 118.
2 . سيوافيك الكلام في الآية أيضاً عند البحث عن مؤهّلات المفسّر لاحظ:39.

صفحه 16
مرجعها ومآلها، وأمّا الراسخون في العلم فيتّبعون مراده سبحانه بعدما يظهر من سائر الآيات التي هي أُم الكتاب.
قال سبحانه: (مِنهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فأمّا الّذِينَ في قُلوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابتِغاءَ الفِتنَةِ وابتغاءَ تأويلِه)(1).
وعلى هذا لا غنى من تفسير المتشابهات بفضل المحكمات، وهذا يرجع إلى تفسير القرآن نفسه بنفسه، والآية بأُختها.
4 . أنّ القرآن المجيد نزل نجوماً، لغاية تثبيت قلب النبي طيلة عهد الرسالة.
قال سبحانه: (وقالَ الّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرآنُ جُملَةً واحِدةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلناهُ تَرتيلا)(2)، فمقتضى النزول التدريجي تفرّق الآيات الباحثة عن موضوع واحد في سور مختلفة، ومن المعلوم أنّ القضاء في موضوع واحد يتوقّف على جمع الآيات المربوطة به في مكان واحد حتى يستنطق بعضها ببعض، ويستوضح بعضها ببعض آخر، وهذا ما يشير إليه الحديث النبوي المعروف: «القرآن يفسّر بعضه بعضاً»(2).
وقال الإمام علي (عليه السلام): «كتاب اللّه تبصرون به، وتنطقون وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، ولايختلف في اللّه ولايخالف بصاحبه عن اللّه»(3).
وفي كلامه(عليه السلام)ما يعرب عن كون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)هو المفسّر الأوّل للقرآن

1 . آل عمران: 7.   2 . الفرقان: 32.
2 . حديث معروف مذكور في التفاسير ولم نقف على سنده.و لكن يوجد مضمونه في كلام الإمام علي (عليه السلام)التالي.
3 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 133.

صفحه 17
الكريم يقول: «خلّف فيكم (أي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)) كتابَ رَبِّكم، مبيّناً حلالَه وحرامَه، وفرائضَه، وفضائلَه وناسخَه ومنسوخَه، ورُخَصَه وَعَزَائمَه، وخاصَّه وعامَّه، وعِبَره وأمثالَه، ومُرسَلَه وَمَحْدوده، ومُحْكَمه ومتشابهه، مفسِّراً مجمله، ومبِّيناً غوامضه»(1).
وهذه الوجوه ونظائرها تثبت أنّ القرآن لايستغني عن التفسير.

سؤال وإجابة

أمّا السؤال: فربما يتصوّر أنّ حاجة القرآن إلى التفسير ينافي قوله سبحانه: (وَلَقَد يَسَّرنا القرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِر)(2) .
ونظيره قوله سبحانه في موارد مختلفة: (بِلسان عَربىّ مُبين)(3)، فإنَّ تَوصيف القرآن باليسر وَكَونِه بِلسان عَرَبي مُبين يهدفان إلى غناه عن أيّ إيضاح وتبيين؟
وأمّا الإجابة: فإنّ وصفه باليسر، أو بأنّه نزل بلغة عربية واضحة يهدفان إلى أمر آخر، وهو أنّ القرآن ليس ككلمات الكهنة المركّبة من الأسجاع والكلمات الغريبة، ولامن قبيل الأحاجي والألغاز، وإنّما هو كتاب سهل واضح، من أراد فهمه، فالطريق مفتوح أمامه; وهذا نظير ما إذا أراد رجل وصف كتاب أُلّف في علم الرياضيات أو في الفيزياء أو الكيمياء فيقول: أُلّف الكتاب بلغة واضحة وتعابير سهلة، فلا يهدف قوله هذا إلى استغناء الطالب عن المعلِّم ليوضح له المطالب

1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم1. والظاهر أنّ قوله: مبيِّناً، بيان لوصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والضمائر ترجع إلى القرآن الكريم لا إلى اللّه سبحانه.
2 . القمر: 17.
3 . الشعراء: 195. وفي النحل: 103 (وهذا لسان عربيٌّ مبين) .

صفحه 18
ويفسر له القواعد.
ولأجل ذلك قام المسلمون بعد عهد الرسالة بتدوين ما أُثر عن النبي أو الصحابة والتابعين أو أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في مجال كشف المراد وتبيين الآيات، ولم تكن الآيات المتقدّمة رادعة لهم عن القيام بهذا الجهد الكبير.
نعم إنّ المفسّرين في الأجيال المتلاحقة ارتووا من ذلك المنهل العذب (القرآن) ولكلِّ طائفة منهم منهاج في الاستفادة من القرآن والاستضاءة بأنواره، فالمنهل واحد والمنهاج مختلف: (لِكُلّ جَعَلنا مِنُكم شِرعةً وَمِنهاجاً)(1).

القرآن وآفاقه اللامتناهية

يتميّز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية بآفاقه اللامتناهية كما عبّر عن ذلك خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال:
«ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخوم، وعلى تخومه تخوم، لاتحصى عجائبه، ولاتبلى غرائبه»(2).
وقد عبّر عنه سيد الأُوصياء(عليه السلام)، بقوله:
«وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لايدرك قعره ـ إلى أن قال: ـ وبحر لاينزفه المستنزِفون، وعيون لاينضبها الماتحون(2)، ومناهل لايغيضها الواردون»(3).
ولأجل ذلك صار القرآن الكريم، النسخة الثانية لعالم الطبيعة الذي لايزيد البحث فيه والكشف عن حقائقه إلاّ معرفة أنّ الإنسان لايزال في الخطوات الأُولى

1 . المائدة: 48.    2 . الكافي: 2/238.وفي بعض النسخ: له نجوم، وعلى نجومه نجوم.
2 . الماتح: المستقي، وكذلك المتوح. تقول: متح الماء يمتحه متحاً إذا نزعه صحاح الجوهري: 1 / 403، مادة «متح».
3 . نهج البلاغة: الخطبة 198.

صفحه 19
من التوصّل إلى مكامنه الخفية وأغواره البعيدة.
والمترقّب من الكتاب العزيز النازل من عند اللّه الجليل، هو ذاك وهو كلام من لاتتصوّر لوجوده وصفاته نهاية، فيناسب أن يكون فعله مشابهاً لوصفه، ووصفه حاكياً عن ذاته، وبالتالي يكون القرآن مرجع الأجيال وملجأ البشرية في جميع العصور.
ولمّا ارتحل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتحق بالرفيق الأعلى، وقف المسلمون على أنّ فهم القرآن وإفهامه يتوقّف على تدوين علوم تسهل التعرّف على القرآن الكريم، ولأجل ذلك قاموا بعملين ضخمين في مجال القرآن:
الأوّل: تأسيس علوم الصرف والنحو واللغة والاشتقاق وما شابهها، لتسهيل التعرّف على مفاهيم ومعاني القرآن الكريم أوّلاً، والسنّة النبوية ثانياً، وإن كانت تقع في طريق أهداف أُخرى أيضاً لكن الغاية القصوى من القيام بتأسيسها وتدوينها، هو فهم القرآن وإفهامه.
الثاني: وضع تفاسير لمختلف الأجيال حسب الأذواق المختلفة لاستجلاء مداليله، ومن هنا لانجد في التاريخ مثيلاً للقرآن الكريم من حيث شدّة اهتمام أتباعه به، وحرصهم على ضبطه، وقراءته، وتجويده، وتفسيره، وتبيينه.
وقد ضبط تاريخ التفسير أسماء ماينوف على ألفين ومائتي تفسير وعند المقايسة يختص ربع هذا العدد بالشيعة الإمامية(1).

1 . لاحظ معجم المفسّرين لـ «عادل نويهض» وطبقات المفسّرين لـ «الحافظ شمس الدين الداودي» المتوفّى عام 945 هـ ، وما ذكرنا من الإحصاء مأخوذ من« معجم المفسرين»، كما أنّ ما ذكرنا من أنّ ربع هذا العدد يختص بالشيعة مأخوذمن ملاحظة ما جاء في كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» من ذكر 450 تفسيراً للشيعة.
ولكن الحقيقة فوق ذلك، فإنّ كلّ ما قام به علماء الشيعة في مجال التفسير باللغات المختلفة في العصر الحاضر لم يذكر في الذريعة، ولأجل ذلك يصح أن يقال: إنّ ثلث هذا العدد يختص بالشيعة، كما أنّه فات صاحب «معجم المفسرين» ذكر عدّة من كتب التفسير للشيعة الإمامية وإن كان تتبعه جديراً للتقدير. ولقد أتينا بذكر أُمّة كبيرة من المفسرين الشيعة من عصر الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، من الذين قاموا بتفسير القرآن بألوان مختلفة، في تقديمنا لكتاب «التبيان» لشيخ الطائفة الطوسي (قدس سره)وقد طبع مع الجزء الأوّل. كما طُبع أيضاً في نهاية الجزء العاشر من موسوعاتنا التفسيرية«مفاهيم القرآن».

صفحه 20
هذا ماتوصّل إلى إحصائه المحقّقون من طريق الفهارس ومراجعة المكتبات عدا ما فاتهم ذكره ممّا ضاع في الحوادث المؤسفة كالحرق والغرق والغارة.
وعلى ضوء هذا يصعب جداً الإحاطة بعدد التفاسير وأسمائها وخصوصياتها طيلة أربعة عشر قرناً حسب اختلاف بيئاتهم وقابلياتهم وأذواقهم.

صفحه 21
مؤهلات المفسّر وشروطه    
2
مؤهلات المفسِّر
أو
شروط المفسِّر وآدابه
فتح علماء التفسير باباً باسم «معرفة شروط المفسِّر وآدابه» وذكروا كلّ ما يحتاج إليه المفسّر في تفسير كلام اللّه العزيز، فمنهم من اختصر كالراغب الاصفهاني في «مقدّمة جامع التفاسير»، ومنهم من أسهب كالزركشي في كتابه «البرهان في علوم القرآن » و السيوطي في «الإتقان»، ونحن نسلك طريقاً وسطاً في هذا المضمار. وبما أنّ ما ذكره الراغب أساس لكلّ من جاء بعده، نأتي هنا بملخص ما ذكره، ثمّ ندخل في صلب الموضوع ، فنقول:
ذكر الراغب الاصفهاني في «مقدّمة جامع التفاسير» الشروط التالية:
الأوّل: معرفة الألفاظ، وهو علم اللغة.
الثاني: مناسبة بعض الألفاظ إلى بعض، وهو الاشتقاق.
الثالث: معرفة أحكام ما يعرض الألفاظ من الأبنية والتعاريف والإعراب، وهو النحو.
الرابع: ما يتعلّق بذات التنزيل، وهو معرفة القراءات.
الخامس: ما يتعلّق بالأسباب التي نزلت عندها الآيات، وشرح الأقاصيص التي تنطوي عليها السور من ذكر الأنبياء (عليهم السلام)والقرون الماضية، وهو علم الآثار والأخبار.

صفحه 22
السادس: ذكر السنن المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعمّن شهد الوحي ممّن اتّفقوا عليه وما اختلفوا فيه ممّا هو بيان لمجمل أو تفسير لمبهم، المنبأ عنه بقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكر لِتُبَيِّنَ لِلنّاس ما نزل إِليهم)(1)، وبقوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه)(2) ، وذلك علم السنن.
السابع: معرفة الناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص، والإجماع والاختلاف، والمجمل والمفصّل، والقياسات الشرعية، والمواضع التي يصحّ فيها القياس والتي لا يصحّ، وهو علم أُصول الفقه.
الثامن: أحكام الدين وآدابه، وآداب السياسات الثلاث الّتي هي سياسة النفس والأقارب والرعية مع التمسك بالعدالة فيها، وهو علم الفقه والزهد.
التاسع: معرفة الأدلّة العقلية والبراهين الحقيقية والتقسيم والتحديد، والفرق بين المعقولات والمظنونات، وغير ذلك، وهو علم الكلام.
العاشر: علم الموهبة، وذلك علم يورثه اللّه مَنْ عَمِلَ بما علم، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «قالت الحكمة: من أرادني فليعمل بأحسن ما علم» ثمّ تلا: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) (2).
وما روي عنه حين سئل: هل عندك علم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقع إلى غيرك؟ قال: لا، إلاّ كتاب اللّه و ما في صحيفتي(3)، وفهم يؤتيه اللّه من يشاء وهذا هو التذكّر الذي رجّانا تعالى إدراكه بفعل الصالحات، حيث قال: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ

1 . النحل:44.   2 . الأنعام:90.
2 . الزمر:18.
3 . الثابت عندنا غير هذا، وكتاب علي(عليه السلام)بإملاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)المخزون عند الأئمة الطاهرة (عليهم السلام)، لا يلائمه.

صفحه 23
وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِذي القُربى) (1) إلى قوله: (لعلّكُمْ تَذَكَّرُون) ، وهو الهداية المزيدة للمهتدي في قوله: (وَالَّذينَ اهتَدَوْا زادَهُمْ هُدى)(2)، وهو الطيب من القول المذكور في قوله: (وَهُدُوا إِلى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَولِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الحَمِيد)(3).
فجملة العلوم التي هي كالآلة للمفسّر، ولا تتم صناعة إلاّ بها، هي هذه العشرة: علم اللغة، والاشتقاق، والنحو،والقراءات، والسير، والحديث، وأُصول الفقه، وعلم الأحكام، وعلم الكلام، وعلم الموهبة. فمن تكاملت فيه هذه العشرة واستعملها خرج عن كونه مفسراً للقرآن برأيه.(2)
هذا نصّ كلام الراغب الاصفهاني، وقد ذكر أُمّهات الشرائط التي ينبغي على المفسّر التحلّي بها، وبيت القصيد في كلامه هو ما ذكره في الشرط العاشر وهو علم الموهبة.
والحقّ أنّ تفسير القرآن الكريم يحتاج إلى ذوق خاص على حدّ يخالط القرآن روحه وقلبه ويتجرد في تفسيره عن كلّ نزعة وتحيز، وهو عزيز المنال والوجود بين المفسّرين.
ولكن الذي يؤخذ على الراغب الإصفهاني هو أنّ بعض ما عدّه من شروط التفسير يعدّ من كمال علم التفسير، كالعلم بأُصول الفقه وعلم الكلام، فإنّ تفسير الكتاب العزيز لا يتوقف على ذينك العلمين على ما فيها من المباحث التي لاتمتُّ إلى الكتاب بصلة.نعم معرفة الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد وكيفية العلاج، أو معرفة العموم والخصوص وكيفية التخصيص، والإجماع والاختلاف وأُسلوب

1 . النحل:90.   2 . محمد:17.   3 . الحج:24.
2 . مقدمة جامع التفاسير: 94 ـ 96، نشر دار الدعوة.

صفحه 24
الجمع بينهما، والمجمل والمبيّن، التي هي من مباحث علم الأُصول ممّا يتوقف عليه تفسير الكتاب، كما أنّ الآيات التي تتضمن المعارف الغيبية كالاستدلال على توحيد ذاته وفعله وعبادته لا تفسر إلاّ من خلال الوقوف على ما فيها من المباحث العقلية التي حقّقها علماء الكلام والعقائد، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بالقرآن.
وما ربما يقال من أنّ السلف الصالح من الصحابة والتابعين كانوا مفسّرين للقرآن على الرغم من عدم اطّلاعهم على أغلب هذه المباحث، غير تام; فإنّ المعلّم الأوّل ـ بعد النبيّ ـ للتفسير و المصدر الأوّل للعلوم الإسلامية هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد روي عنه في علم الكلام ما جعله مرجعاً في ذينك العلمين حتّى فيما يرجع إلى أُصول الفقه من معرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص، قال (عليه السلام):
«إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعامّاً وخاصّاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، ولقد كُذب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)على عهده حتى قام خطيباً وقال : «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار».
إلى أن قال بعد تقسيم الناس إلى أربعة أقسام:
«وآخر رابع لم يكذب على اللّه، ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفاً من اللّه، وتعظيماً لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، فهو حفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنَّب عنه، وعرف الخاص والعام، والمحكم والمتشابه، فوضع كلّ شيء موضعه».(1)

1 . نهج البلاغة، الخطبة 210.

صفحه 25
هذا بعض كلامه (عليه السلام)حول ما يمت إلى أُصول الفقه، وأمّا كلامه فيما له صلة بالعقائد والمباحث الكلامية فحدث عنه ولا حرج، فهذه خُطَبه (عليه السلام)فيها وقد أخذ عنه علماء الكلام ما أخذوا.(1)
وأمّا من لا خبرة له بهذين العلمين من الأقدمين فقد اقتصروا بالتفسير بالمأثور وتركوا البحث فيما لم يرد فيه نص، ولذا عاد تفسيرهم تفسيراً نقلياً محضاً، وسيوافيك البحث في هذا النوع من التفسير.
إلى هنا تمّ ما أردنا نقله من كلام الراغب،وبما أنّ لجلال الدين السيوطي كلاماً في شروط التفسير نذكره لما فيه من اللطافة وإن كان ذيله لا يخلو من الشذوذ، قال:
قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز، طلبه أوّلاً من القرآن، فما أُجملَ منه في مكان، فقد فُسّر في موضع آخر; وما اختصر في مكان، فقد بُسط في موضع آخر منه.
وقد ألّف ابن الجوزي كتاباً فيما أجمل في القرآن في موضع وفسّر في موضع آخر منه، وأشرت إلى أمثلة منه في نوع المجمل.
فإن أعياه ذلك طلبه من السنّة، فإنّها شارحة للقرآن وموضحة له،وقد قال الشافعي: كلّ ما حكم به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو ممّا فهمه من القرآن، قال تعالى: (إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّه) (2) في آيات أُخر وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا إنّي أُوتيت القرآن ومثله معه»، يعني السنّة.
فإن لم يجده في السنّة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنّهم أدرى بذلك، لما

1 . لاحظ كتاب بحوث في الملل والنحل:3/187ـ192.   2 . النساء:105.

صفحه 26
شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما اختصّوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح.(1)
فما ألطف كلامه في المقطعين الأوّلين دون المقطع الثالث فقد بخس فيه حقوق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ السنّة النبوية ليست منحصرة بما رواها الصحابة والتابعون، فإنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)عيبة علم النبي ووعاة سننه، فقد رووا عن آبائهم عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام)عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)روايات في تفسير القرآن الكريم، كيف وهم أحد الثقلين اللّذين تركهما رسول اللّه وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي».
ولعمر اللّه إنّ الإعراض عن أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)لخسارة فادحة على الإسلام والمسلمين .
ثمّ إنّ الرجوع إلى أقوال الصحابة لا ينجع مالم ترفع أقوالهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمجرد أنّهم شاهدوا الوحي والتنزيل لا يثبت حجّية أقوالهم ما لم يسند إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والقول بحجّية قول الصحابي بمجرّد نقله وإن لم يسند قوله إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قول فارغ عن الدليل، فإنّه سبحانه لم يبعث إلاّ نبيّاً واحداً لا أنبياء حسب عدد الصحابة إلاّ أن يرجع قولهم إلى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
إذا عرفت كلام هذين العلمين فلنذكر شروط التفسير حسب ما نراها.

شروط التفسير

لا محيص للمفسّر من تبنِّي علوم يتوقّف عليها فهم الآية وتبيينها، وهذه الشروط تأتي تحت عناوين خاصة، مع تفاصيلها:

1 . الإتقان في علوم القرآن:2/1197.

صفحه 27

1. معرفة قواعد اللغة العربية

إنّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية، قال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرين * بِلسان عَربىّ مُبِين)(1)، ومعرفة اللغة العربية فرع معرفة علم النحو والاشتقاق والصرف.
فبعلم النحو يميز الفاعل عن المفعول، والمفعول عن التمييز، إلى غير ذلك من القواعد التي يتوقّف عليها فهم معرفة اللغة.
وأمّا الاشتقاق فهو الذي يُبين لنا مادة الكلمة وأصلها حتى نرجع في تبيين معناها إلى جذورها، وهذا أمر مهم زلّت فيه أقدام كثير من الباحثين، وهذا هو المستشرق «فوجل» مؤلف «نجوم الفرقان في أطراف القرآن» الذي جعله كالمعجم لألفاظ القرآن الكريم وطبع لأوّل مرة عام 1842م، فقد التبس عليه جذور الكلمات في موارد كثيرة، ذكر فهرسها محمد فؤاد عبدالباقي مؤلف «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم» في أوّل معجمه.
حيث زعم أنّ قوله: «وقرن» في قوله سبحانه مخاطباً لنساء النبيّ: (وَقرن في بُيوتِكُنَّ) (2) مأخوذ من قَرَن مع أنّه مأخوذ من «قرَّ» فأين القَرْن من القرّ والاستقرار؟! كما زعم أنّ المرضى في قوله سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَ لاَ عَلَى الْمَرْضَى)(3) مأخوذ من رضي مع أنّه مأخوذ من مرض، فأين الرضا من المرض؟! و قس على ذلك غيره.
وأمّا علم الصرف فبه يعرف الماضي عن المضارع وكلاهما عن الأمر والنهي إلى غير ذلك، وما ذكرنا من الشرط ليس تفسيراً لخصوص القرآن الكريم، بل هو شرط لتفسير كلّ أثر عربي وصل إلينا.

1 . الشعراء:193ـ195.   2 . الأحزاب:33.   3 . التوبة:91.

صفحه 28

2. معاني المفردات

إنّ الجملة تتركّب من مفردات عديدة يحصل من اجتماعها جملة مفيدة للمخاطب، فالعلم بالمفردات شرط لازم للتفسير، فلولا العلم بمعنى «الصعيد» كيف يمكن أن يُفسّر قوله سبحانه: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(1).
وقد قام ثلّة من الباحثين بتفسير مفردات القرآن، و في طليعتهم أبو القاسم حسين بن محمد المعروف بالراغب الاصفهاني (المتوفّى عام 502هـ) فألّف كتابه المعروف بـ «المفردات»و هو كتاب قيّم،وأعقبه في التأليف مجد الدين أبو السعادات مبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير (544 ـ 606 هـ ) فألّف كتابه «النهاية في غريب الحديث والأثر» وهو و إن كان يفسر غريب الحديث لكن ربما يستفيد منه المفسر في بعض المواد.
نعم ما ألّفه المحقّق فخر الدين بن محمد بن علي الطريحي (المتوفّى عام 1085هـ) باسم «مجمع البحرين ومطلع النيرين» يعمّ غريب القرآن والحديث معاً، و هذا لا يعني عدم الحاجة إلى الرجوع إلى سائر المعاجم، كالصحاح للجوهري (المتوفّى 393هـ)، ولسان العرب لابن منظور الافريقي (المتوفّى عام 707هـ)، والقاموس للفيروز آبادي (المتوفّى عام 834هـ) .
وفي المقام أمر مهمّ، وهو أن يهتمّ المفسِّر بأُصول المعاني التي يشتق منها معان أُخرى، فإنّ كلام العرب مشحون بالمجاز والكنايات، فربما يستعمل اللفظ لمناسبة خاصة في معنى قريب من المعنى الأوّل فيبدو للمبتدئ أنّ المعنى الثاني هو المعنى الأصلي للكلمة يفسر بها الآية مع أنّها معنى فرعيّ اشتق منه لمناسبة من المناسبات.

1 . المائدة:6.

صفحه 29
وأفضل كتاب أُلّف في هذا الموضوع أي إرجاع المعاني المتفرعة إلى أُصولها، كتابان:
أ: «المقاييس» لأحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى عام 395هـ) و قد طبع في ستة أجزاء.
ب: «أساس البلاغة» لمحمود الزمخشري (المتوفّى عام 538هـ). فبالمراجعة إلى ذينك المرجعين يعرف المفسِّر المعنى الأصلي الذي يجب أن يفسر به الكلمة في القرآن الكريم مالم تقم القرينة على خلافه، ولنأت بمثال:
قال سبحانه في قصة آدم: (وَعَصى آدمُ رَبَّهُ فَغَوى) (1)، فإنّ كثيراً من المتعاطين لعلم التفسير يتخذون الكلمتين ذريعة لعدم عصمة آدم بذريعة انّ لفظة «عصى» عبارة عن المعصية المصطلحة، و«الغواية» ترادف الضلالة، لكن الرجوع إلى أُصول المعاني يعطي انطباعاً غير ذلك، فلا لفظة «عصى» ترادف العصيان المصطلح ولا الغواية ترادف الضلالة.
أمّا العصيان فهو بمعنى خلاف الطاعة.
يقول ابن منظور: العصيان خلاف الطاعة، والعاصي الفصيل إذا لم يتبع أُمّه.(2)
فمن خالف أمر مولاه، أو نصح الناصح، يقال: عصى، وعلى ذلك فليس كلمة «عصى» إلاّ موضوعة لمطلق المخالفة، سواء أكانت معصية كما إذا خالف أمر مولاه، أو لم تكن كما إذا خالف نصح الناصح.

1 . طه:121.
2 . لسان العرب:14/67.

صفحه 30
ولا يمكن أن يستدل بإطلاق اللفظ على أنّ المورد من قبيل مخالفة أمر المولى.
وأمّا الغيّ فهو ـ كما في لسان العرب ـ يستعمل في الخيبة والفساد والضلال(1)، ومن الواضح أنّ هذه المعاني أعمّ من المعصية الاصطلاحية، ومن مخالفة نصح الناصح.

3. تفسير القرآن بالقرآن

إنّ القرآن الكريم يصف نفسه بأنّه تبيان لكلّ شيء و يقول: (وَنَزّلنا عَلَيْكَ الكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء)(2) فهل يصحّ أن يكون مبيّناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه إذا كان فيه إجمال؟
هذا من جانب ، ومن جانب آخر أنّ القرآن تناول موضوعات مهمّة في سور متعدّدة لغايات مختلفة، فربما يذكر الموضوع على وجه الإجمال في موضع ويفسّره في موضع آخر، فما أجمله في مكان فقد فصّله في موضع آخر، وما اختصر في مكان فإنّه قد بسط في آخر، و بذلك يمكن رفع إجمال الآية الأُولى بالآية الثانية، كيف وقد وصفه سبحانه بقوله: (اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَديثِ كِتاباً مُتشابهاً مَثَانِيَ)(2)، فإنّ المراد من المتشابه هو تشابه معاني الآيات بعضها مع بعض وتسانخها وتكرر مضامينها بقرينة قوله «مثاني»، و بذلك يظهر أنّ رفع إجمال الآية بنظيرتها شيء دعا إليه القرآن الكريم لكن بعد الإمعان والدقة فيه. ولنضرب لذلك مثالاً:

1 . المصدر السابق:14/140.   2 . النحل:89.
2 . الزمر:23.

صفحه 31
يقول سبحانه في وصف تعذيب قوم لوط: (وَأَمْطرنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِين)(1) ربما يتصوّر القارئ أنّهم عذبوا بالمطر الغزير الذي يستعقب السيل الجارف فغُرِقوا فيه، ولكن في آية أُخرى أتى سبحانه ما يرفع إبهام الآية فقال:
(وَأَمطرنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيل)(2) فصرّح بأنّهم أُمطروا مطر الحجارة فهلكوا بها، كما أهلك أصحاب الفيل بها كما قال سبحانه: (تَرْمِيهِمْ بِحِجارَة مِنْ سِجِّيل)(3) . ولنأت بمثال آخر:
يقول سبحانه في حقّ اليهود: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمامِ وَالمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُور)(2) فظاهر الآية أنّهم كانوا ينتظرون مجيء اللّه تبارك وتعالى في ظلل من الغمام ولكن الآية الأُخرى ترفع الإبهام وانّ المراد مجيء أمره سبحانه يقول:(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون).(5)

4. الحفاظ على سياق الآيات

إنّ من أهمّ وظائف المفسر الحفاظ على سياق الآيات الواردة في موضوع واحد; فتقطيع الآية بعضها عن بعض، والنظر إلى الجزء دون الكل لا يعطي للآية حقّها في التفسير، فالآيات الواردة في موضوع واحد على وجه التسلسل كباقة من الزهور تكمن نظارتها وجمالها في كونها مجموعة واحدة، وأمّا النظر التجزيئي

1 . الشعراء:173.    2 . الحجر:74.   3 . الفيل:4.
2 . البقرة:210.   5 . النحل:33.

صفحه 32
إليها فيسلب ذلك الجمال والنظارة منها، حتى أنّ بعض الملاحدة دخل من ذلك الباب فحرّف الآية من مكانها وفسّرها بغير واقعها، ولنأت بمثال:
إنّه سبحانه تبارك و تعالى يخاطب بني آدم بخطابات ثلاثة أو أكثر في بدء الخلقة، أي بعد هبوط آدم إلى الأرض، فخاطب أولاده في تلك الفترة بالخطابات التالية، وقال:
1. (يَا بَني آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُواري سَوْءاتِكُمْ وَريشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللّه لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ). (1)
2. (يا بَني آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُريَهُما سَوْءاتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنا الشَّياطينَ أَوْلياءَلِلَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ)(2).
3. (يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(3).
فقد احتجّ من ينكر الخاتمية بالآية الأخيرة على أنّه سبحانه يرسل الرسول بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بشهادة هذه الآية التي نزلت على النبي، أعني: (يا بني آدم إمّا يأتينّكم رسل منكم...) .
والمسكين فسّر القرآن بالرأي وبرأي مسبق، حيث فَصَلَ هذه الآية عمّا تقدّمها من الآيات التي تحكي خطاب اللّه سبحانه في بدء الخليقة وأنّه سبحانه في تلك الفترة خاطب بني آدم بهذه الآية، فلو كان النبي يتلو هذه الآية، فإنّما

1 . الأعراف:26.
2 . الأعراف:27.
3 . الأعراف:35.

صفحه 33
يحكي خطاب اللّه سبحانه في ذلك الأوان لا في عصر رسالته وحياته، ويكفي في ذلك مراجعة المجموعة التي هذه الآية جزء منها في سورة الأعراف من الآية 19 إلى الآية 36، فالجميع بسياق واحد ونظم فارد يحكي خطاب اللّه في بدء الخليقة لا خطابه سبحانه في عهد الرسول، وهذا ما دعانا إلى التركيز بأنّ حفظ السياق أصل من أُصول التفسير.
وما ذكرنا من لزوم الحفاظ على سياق الآيات لا يعني أنّ القرآن الكريم كتاب بشري يأخذ بالبحث في الموضوع فإذا فرغ عنه يبتدئ بموضوع آخر دائماً، وإنّما المراد أنّ الحفاظ على سياق الآيات إذا كان رافعاً للإبهام وكاشفاً عن المراد لا محيص للمفسِّر من الرجوع إليه، ومع ذلك فإنّ القرآن الكريم ليس كتاباً بشرياً ربما يطرح في ثنايا موضوع واحد موضوعاً آخر له صلة بالموضوع الأصلي ثمّ يرجع إلى الموضوع الأوّل، وإليك شاهدين:
إنّ القرآن يبحث في سورة البقرة عن أحكام النساء، مثل المحيض والعدّة والإيلاء وأقسام الطلاق من الآية 222 إلى 240، ومع ذلك فقد طرح موضوع الصلاة في ثنايا هذه الآيات، يعني من آية 237 إلى 238، ثمّ أخذ بالبحث في الموضوع السابق، وإليك صورة إجمالية ممّا ذكرنا، يقول سبحانه:
(وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوف). (1)
ويستمر في البحث في الموضوع بشقوقه المختلفة ويقول:
(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْفَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَريضَة...) .

1 . البقرة:232.

صفحه 34
وقبل أن يُنهي الكلام في الموضوع شرع بالأمر بالصلاة والحفاظ عليها وبالخصوص الصلاة الوسطى ويقول:
(حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى وَقُومُوا للّهِ قانِتين). (1)
(فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَماعلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون).(2)
ترى أنّه انتقل من الموضوع الأوّل إلى موضوع آخر، وهو الحفاظ على الصلوات وتعليم كيفية صلاة الخوف، ثمّ بعد ذلك نرى أنّه رجع إلى الموضوع الأوّل وقال:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيةً لأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلى الحَوْل...) .
وأمّا ما هو الحافز إلى بيان حكم الصلاة، قبل إنهاء أحكام المرأة فهو موكول إلى علم التفسير.

نموذج آخر

أخذ الوحي في تبيين مكانة نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمهمات الثقيلة الملقاة على عاتقهن، وابتدأ به في سورة الأحزاب من الآية 28 وختمها بالآية 35 ، ومع ذلك طرح في ثنايا هذا الموضوع موضوعاً آخر باسم طهارة أهل البيت من الرجس.
يقول سبحانه:
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنيا وَزِينَتها...).(3)

1 . البقرة:238.   2 . البقرة:239.   3 . الأحزاب:28.

صفحه 35
ويقول:
(وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَه).(1)
وقبل أن يُنهي البحث حول أزواج النبي حتى قبل أن يكمل تلك الآية، أخذ بالبحث حول أهل البيت على نحو يكون صريحاً أنّ المراد منهم غير أزواج النبي وقال:
(إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطهِّركُمْ تَطهِيراً) .
ثمّ رجع إلى الموضوع الأوّل و قال:
(واذكُرْنَ ما يُتلى في بُيُوتِكُنَّ من آياتِ اللّهِ والْحِكْمَةِ) .
وأمّا الدليل على أنّه لا صلة لآية التطهير بنساء النبي هو لفظ الآية، أي تذكير ضمائرها «عنكم» ، «يطهركم» وغير ذلك من القرائن المتصلة والمنفصلة التي تقرأها على وجه التفصيل في موسوعتنا«مفاهيم القرآن» الجزء الخامس.
على أنّ لحن الآيات في نساء النبي هو لحن التنديد والتخويف بخلاف هذه الآية فإنّ لحنها لحن التمجيد والثناء.
فأين قوله سبحانه: (يا نِساء النَّبيّ مَن يَأْتي مِنْكُنَّ بِفاحِشة مُبيّنة) من قوله سبحانه: (إِنّما يُريد اللّه لِيذهِبَ عَنْكُمُ الرِّجس أَهل البَيت)؟!
وأمّا الصلة بين الموضوعين فإليك بيانه:
إنّه سبحانه خاطب نساء النبي بالخطابات التالية، وقال:

1 . الأحزاب:33.

صفحه 36
1. (يا نِساءَ النَّبِىِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيِّنَة يُضاعَفْ لَها الْعَذابُ ضِعْفَيْن) .
2. (يا نِساءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ...) .
3. (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِليَةِ الأُولى) .
فعند ذلك صحّ أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وذلك لوجهين:
1. تعريفهنّ على جماعة بلغوا في الورع والتقوى، الذروةَ العليا; وفي الطهارة عن الرذائل والمساوئ، القمةَ. وبذلك استحقوا أن يكونوا أُسوة في الحياة وقدوة في مجال العمل، فيلزم عليهن أن يقتدينّ بهم ويستضيئنّ بضوئهم.
2. التنبيه على أنّ حياتهنّ مقرونة بحياة أُمّة طاهرة من الرجس ومطهّرة من الدنس، ولهنّ معهم لحمة القرابة ووصلة الحسب، واللازم عليهنّ الحفاظ على شؤون هذه القرابة بالابتعاد عن المعاصي والمساوئ، والتحلّي بما يرضيه سبحانه، ولأجل ذلك يقول سبحانه : (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)، وما هذا إلاّ لقرابتهنّ منه (صلى الله عليه وآله وسلم)وصلتهنّ بأهل بيته. وهي لا تنفك عن المسؤولية الخاصة، فالانتساب للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ولبيته الرفيع، سبب المسؤولية ومنشؤها، وفي ضوء هذين الوجهين صحّ أن يطرح طهارة أهل البيت في أثناء المحاورة مع نساء النبي والكلام حول شؤونهن.
ولقد قام محقّقو الإمامية ببيان مناسبة العدول في الآية ، نأتي ببعض تحقيقاتهم، قال السيد القاضي التستري: لا يبعد أن يكون اختلاف آية التطهير مع ما قبلها على طريق الالتفات من الأزواج إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته (عليهم السلام)على معنى أنّ تأديب الأزواج وترغيبهن إلى الصلاح والسداد، من توابع إذهاب

صفحه 37
الرجس والدنس عن أهل البيت(عليهم السلام).(1)

5. الرجوع إلى الأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين

إنّ كثيراً من الآيات المتعرّضة لأحكام الأفعال والموضوعات مجملة ورد تفسيرها في السنّة القطعية وإجماع المسلمين وأحاديث أئمّة أهل البيت كالصلاة والزكاة والحجّ وغير ذلك ممّا لا محيص للمفسِّر من الرجوع إليها في رفع الإجمال وتبيين المبهم، وهو أمر واضح.
وهناك سبب ثان للرجوع إليه، وهو أنّه ورد في القرآن مطلقات ولكن أُريد منها المقيد، كما ورد عموم أُريد منه الخصوص; وذلك وفقاً لتشريع القوانين في المجالس التشريعية، فإنّهم يذكرون المطلقات والعموم في فصل كما يذكرون قيودها ومخصصاتها في فصل آخر باسم الملحق، وقد حذا القرآن في تشريعه هذا الحذو فجاءت المطلقات والعموم في القرآن الكريم والمقيد والمخصص في نفس السنّة، ولنأت بمثال:
يقول سبحانه: (وَأَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)(2) وجاء في السنّة مخصصها، وأنّه لا ربا بين الزوج والزوجة والولد والوالد، فقد رخص الإسلام الربا هنا.
قال الإمام الصادق(عليه السلام): قال أميرالمؤمنين(عليه السلام): «ليس بين الرجل وولده رباء، وليس بين السيد و عبده ربا».(3)
وروى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «ليس بين الرجل وولده، وبينه و بين عبده،

1 . إحقاق الحق:2/570.وسيوافيك مزيد بيان في فصل صيانة القرآن عن التحريف، فانتظر.
2 . البقرة:275.
3 . الوسائل: 12، الباب 7 من أبواب الربا، الحديث 1و3. وقد ذكر الإمام نكتة التشريع في كلامه.

صفحه 38
ولا بين أهله ربا، إنّما الربا فيما بينك و بين ما لا تملك».(1)
ولعلّ قوله سبحانه: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(2)يوحي إلى هذا المعنى.
غير أنّ المهم صحّة الأحاديث الواردة في تفسير القرآن الكريم، أمّا ما يرجع إلى السنن وتبيين الحلال والحرام بالتخصيص والتقييد فقد وردت فيه روايات صحاح وحسان، إنّما الكلام فيما يرجع إلى المعارف والعقائد والقصص والتاريخ فالحديث الصحيح في ذلك المورد في كتب أهل السنّة قليل جداً، يقول الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثلاث كتب ليس لها أُصول: المغازي، والملاحم، والتفسير. قال المحقّقون من أصحابه: مراده أنّ الغالب أنّها ليس لها أسانيد صحاح متصلة.(3)
ومن عجيب الأمر أنّه لم يرد عن طرق الصحابة والتابعين ما يرجع إلى تفسير ما ورد من الآيات حول العقائد والمعارف، وكأنّهم اكتفوا بقراءتها والمرور عليها كما عليه جملة من السلفيين.
إنّه من المعلوم أنّ الإحاطة بمعاني الألفاظ والجمل لا يكفي في تفسير قوله سبحانه: (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكنَّ اللّهَ رَمى)(4)، حيث إنّه يثبت الرمي للرسول وفي الوقت نفسه ينفي عنه وهما متضادان.
كما أنّه لا يكفي الإحاطة بالأدب العربي ومعاني المفردات فهم قوله

1 . الوسائل: 12، الباب 7 من أبواب الربا، الحديث 1و3. وقد ذكر الإمام نكتة التشريع في كلامه.
2 . الحشر:7.
3 . البرهان في علوم القرآن:2/156.
4 . الأنفال:17.

صفحه 39
سبحانه: (شَهِدَ اللّهُ أنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزيزُ الحَكيم)(1) ، حيث اتّحد الشاهد والمشهود ومع ذلك كيف يشهد على وحدانيته؟!
ففي هذه الآيات لا محيص للمفسِّر من أن يرجع إلى أحد الثقلين، أي بما أُثر عن أئمة أهل البيت، أو إلى العقل الصريح، وإلاّ تبقى الآية على إجمالها، ويكون تفسيرها المرور عليها، وبالتالي تصبح الآية ـ نعوذ باللّه ـ لقلقة في اللسان.

النبيّ هو المفسّر الأوّل

إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حسب القرآن الكريم هو المفسِّر الأوّل، وأنّه لا تقتصر وظيفته في القراءة والتلاوة، بل يتعيّن عليه بعد القراءة تبيان ما أجمل وتفسير ما أُبهم يقول سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) (2).
ترى أنّه سبحانه يجعل غاية النزول بيان الرسول حقائق القرآن للناس مضافاً إلى أنّه سبحانه يشير في بعض الآيات إلى أنّ عليه وراء البيان ، القراءة والجمع، يقول: (لا تُحَرِّك بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنّ عَلَينا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَينا بَيانَهُ)(3).
فالآية ترشد إلى الوظائف الثلاث: (القراءة، والجمع، والبيان) التي على عاتق النبي بأمر من اللّه سبحانه.

1 . آل عمران:18.
2 . النحل:44.
3 . القيامة:16ـ19.

صفحه 40
أمّا التلاوة يقول سبحانه: (هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الأُمِيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ) .(1)
وأمّا الجمع فالحقّ أنّه قد جمع القرآن في حياته ولم يترك القرآن متشتتاً هنا وهناك.
وأمّا البيان فقد كان يبيّن آيات الذكر الحكيم بالتدريج; قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدّثنا الذين كانوا يقرأون القرآن كعثمان بن عفان، و عبد اللّه بن مسعود وغيرهما أنّهما كانوا إذا تعلّموا من النبي عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً، ولهذا كانوا يبقون مدّة في حفظ السورة.(2)
لكنَّ جميع ما ورد عن النبي من التفسير ـ غير ما ورد من أسباب النزول ـ لا يتجاوز المائتين وعشرين حديثاً تقريباً، وقد أتعب جلال الدين السيوطي نفسه فجمعها من مطاوي الكتب في آخر كتابه «الإتقان» فرتّبها على ترتيب السور من الفاتحة إلى الناس.(2)
ومن المعلوم أنّ هذا المقدار لا يفي بتفسير القرآن الكريم ولا يمكن لنا التقوّل بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)تقاعس عن مهمته، وليس الحل إلاّ أن نقول بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أودع علم الكتاب في أحد الثقلين الذين طهرهم اللّه من الرجس تطهيراً، فقاموا بتفسير القرآن بالمأثور عن النبي المودَع في مجاميع كثيرة يقف عليها المتتبع في أحاديث الشيعة.(3)

1 . الجمعة:2.   2 . الإتقان:4/175ـ 176، ط مصر.
2 . الإتقان:4/170، ط مصر.
3 . كتفسير البرهان للسيد البحراني ; نور الثقلين للحويزي، وقبلهما تفسير علي بن إبراهيم وغيرها.

صفحه 41
وبما ذكرنا علم أنّ الاقتصار في التفسير بالمأثور على ما روي في كتب القوم لا يرفع الحاجة، وليس للمفسِّر الواعي محيص من الرجوع إلى ما روي عن علي وأولاده المعصومين (عليهم السلام)في مجال التفسير وهي كثيرة. ولعلّه إليهم يشير قوله سبحانه: (ثُمَّ أَورَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا)(1) فالمصطفون من عباده هم الوارثون علم الكتاب.
ولنذكر نموذجاً من تفسير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا نزل قوله سبحانه: (وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتّى يَتَبيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسودِ منَ الفَجْر) (2) قال عدي بن حاتم: إنّي وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود، فكنت أنظر فيهما، فلا يتبيّن لي، فضحك رسول اللّه حتى رؤيت نواجذه، ثمّ قال: «ذلك بياض النهار، وسواد الليل».(3)

6. معرفة أسباب النزول

إنّ لمعرفة أسباب النزول دوراً هاماً في رفع الإبهام عن الآيات التي وردت في شأن خاص; لأنّ القرآن الكريم نزل نجوماً عبر ثلاثة وعشرين عاماً إجابة لسؤال، أو تنديداً لحادثة، أو تمجيداً لعمل جماعة، إلى غير ذلك من الأسباب التي دعت إلى نزول الآيات; فالوقوف على تلك الأسباب لها دور في فهم الآية بحدها ورفع الإبهام عنها، فلنأت بأمثلة ثلاثة يكون لسبب النزول فيها دور فعال بالنسبة إلى رفع إبهام الآية.
1.إنّه سبحانه يندّد بأشخاص ثلاثة تخلّفوا عن الجهاد في سبيل اللّه حتّى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وظن هؤلاء بأنّه لا محيص من اللجوء إلى اللّه

1 . فاطر:32.   2 . البقرة:187.   3 . مجمع البيان:1/281، ط صيدا.

صفحه 42
سبحانه، فتابوا فقبلت توبتهم، لأنّه سبحانه تواب رحيم، يقول:
(وَعَلى الثَّلاثَة الّذِينَ خُلِّفُوا حتّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلجأ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِليهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّه هُوَ التَّوّابُ الرَّحيم) .(1)
فلا شكّ أنّ في الآية عدّة إبهامات:
أ: مَن هؤلاء الثلاثة الذين تخلّفوا؟
ب: ما هي الدواعي التي حدت بهم إلى التخلّف؟
ج: كيف ضاقت عليهم الأرض؟
د: كيف ضاقت عليهم أنفسهم؟
هـ: بأي دليل أدركوا بأنّه لا ملجأ من اللّه إلاّ إليه؟
و: ما هو المراد من قوله:(ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ)؟
إنّ الاجابة على هذه الأسئلة تكمن في الوقوف على أسباب النزول، فمن رجع إليها يسهل له الإجابة.(2)
2. يقول سبحانه: (إِنّ الصَّفا وَالْمَرْوَة مِنْ شَعائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعتَمَرَ فَلا جُناحَ عَليهِ أَنْ يَطَوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَإِنّ اللّهَ شاكِرٌ عَليم).(3)
فظهور الآية يوحي إلى عدم وجوب السعي بين الصفا والمروة وإنّما هو جائز بشهادة قوله:«لا جناح»، وأمّا إذا رجع إلى سبب النزول، يعرف أنّ قوله «لا

1 . التوبة:118.
2 . مجمع البيان:3/78. ومرّ الإيعاز إليه في ص 13.
3 . البقرة:158.

صفحه 43
حرج» لا يزاحم كونه واجباً.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): كان المسلمون يرون أنّ الصفا والمروة ممّا ابتدع أهل الجاهلية، فأنزل اللّه هذه الآية وإنّما قال: (فَلا جُناحَ عَليه أَنْ يَطَوَّفَ بِهِما)وهو واجب أو طاعة على الخلاف فيه، لأنّه كان على الصفا صنم يقال له: إساف وعلى المروة صنم يقال له نائلة، وكان المشركون إذا طافوا بهما مسحوهما، فتحرّج المسلمون عن الطواف بهما لأجل الصنمين، فأنزل اللّه هذه الآية.(1)
وبالوقوف على ذلك يعلم أنّ قوله: «لا جناح» لا ينافي كون السعي فريضة، لأنّ نفي الجناح نسبي متوجه إلى ما زعمه بعض المسلمين مانعاً من السعي، فقال سبحانه لا يضر هذا وعليكم السعي بين الصفا والمروة وإحياء شعائر اللّه.
3. قال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ وَلَيْسَ البِرّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ البِرّ مَنِ اتّقى وَأْتوا البُيُوت مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُمْ تَعْلَمُون)(2).
فالإنسان في بدو الأمر يتعجّب من قوله سبحانه:(وَلَيْسَ البِرّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ البِرّ مَنِ اتّقى وَأْتوا البُيُوت مِنْ أَبْوابِها)ولكن بعد ما يقف على سبب النزول يزول تعجبه.
كان المحرِم عند بعض الطوائف لا يدخل بيته من بابه، بل كان ينقب في ظهر بيته نقباً يدخل ويخرج منه، فنزلت الآية بالنهي عن التديّن بذلك.(3)
وفي الختام نضيف: انّه لا يمكن الاعتماد على كلّ ما ورد في الكتب باسم

1 . مجمع البيان:1/240.
2 . البقرة: 189 .
3 . مجمع البيان:1/284.

صفحه 44
أسباب النزول، بل لابدّ من التحقيق حول سنده والكتاب الذي ورد فيه، فإنّ أكثر المفسّرين في القرون الأُولى أخذوا علم التفسير من مستسلمة أهل الكتاب، خصوصاً فيما يرجع إلى قصص الأنبياء وسيرة أقوامهم، فلا يمكن الاعتماد على كلام هؤلاء.
يقول المحقّق الشيخ محمد جواد البلاغي:
وأمّا الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة ومجاهد وعطاء وضحاك كما ملئت كتب التفسير بأقوالهم المرسلة، فهو ممّا لا يعذر فيه المسلم في أمر دينه فيما بينه وبين اللّه ولا تقوم به الحجّة، لأنّ تلك الأقوال إن كانت روايات فهي مراسيل مقطوعة، ولا يكون حجّة من المسانيد إلاّ ما ابتنى على قواعد العلم الديني الرصينة، ولو لم يكن من الصوارف عنهم إلاّ ما ذكر في كتب الرجال لأهل السنّة لكفى.(1)
ثمّ ذكر (قدس سره)ما ذكره علماء الرجال في كتبهم في حقّ عكرمة ومجاهد وعطاء والضحاك وقتادة ومقاتل الذين هم المراجع في نقل كثير من الإسرائيليات والمسيحيات في تفسير الآيات.

7. الإحاطة بتاريخ صدر الإسلام

بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من بين أُمّة أُميّة لها ثقافتها الخاصة وتقاليدها وعاداتها، فالقرآن الكريم يشير في كثير من الآيات إلى تلك العادات الجاهلية المتوارثة، إنّ الاطّلاع على تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده يوضح مفاد كثير من الآيات ويكشف النقاب عنها، فلنذكر نماذج لذلك:

1 . آلاء الرحمن:45.

صفحه 45
أ: أنّه سبحانه يذكر في سورة الأنعام تقاليد العرب وعاداتهم ويقول:
(وَجعَلُوا للّهِ مِمّا ذَرأ مِنَ الحَرْثِ والأَنعامِ نَصِيباً فَقَالُوا هذا للّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُركائِنا فَماكانَ لِشُركائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللّهِ وما كانَ للّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُون * وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثير مِنَ المُشْرِكينَ قَتْلَ أَولادِهِمْ شُركاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ * وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتراءً عَليهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ).(1)
إنّ هذه الآيات يسودها كثير من الغموض والإبهام، ولكن إذا رجعنا إلى ما رواه المؤرّخون في ذلك المضمار من تقاليدهم حينها يزاح الغموض الذي يكتنفها.
ولا يقتصر المفسِّر على هذا المقدار من التاريخ، فإنّ الآيات النازلة في الغزوات والحروب، وفي بعث السرايا لها دور في رفع الإبهام وانكشاف الحقيقة على ماهي عليه.
وفي وسع المفسِّر أن يرجع إلى الكتب المعدّة لبيان تاريخ الإسلام، وأخصّ بالذكر: «السيرة النبوية» لابن هشام (المتوفّى عام 218هـ)، وتاريخ اليعقوبي (المتوفّى 290هـ)، وتاريخ الطبري (المتوفّى 310هـ) وتفسيره، و «مروج الذهب» للمسعودي (المتوفّى 345هـ)، و«الإمتاع» للمقريزي (المتوفّى 845هـ) إلى غير ذلك من الكتب المعدّة.
قال الشيخ عبده: أنا لا أعقل كيف يعقل لأحد أن يفسّر قوله تعالى: (كانَ

1 . الأنعام: 136 ـ 138.

صفحه 46
الناسُ أُمّةً واحدةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبيينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرين)(1) الآية، وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتّحدوا؟ وكيف تفرّقوا؟ وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها؟ وهل كانت نافعة أو ضارة؟ وماذا كان من آثار بعثة الأنبياء فيهم؟(2)
والحقّ أنّ تفسير الآيات الواردة في الأُمم الغابرة ابتداءً من آدم وانتهاءً إلى نبيّنا خاتم الأنبياء والرسل رهن الوقوف على تاريخهم وسيرتهم وأعرافهم.

8. تمييز الآيات المكّية عن المدنية

عرف المكي بما نزل قبل الهجرة، والمدني بما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجّة الوداع أو بسفر من الأسفار.(3)
ثمّ إنّ الوقوف على الآيات المدنية وتمييزها عن المكية يحصل من خلال أُسلوبين:
الأوّل: الأخذ بأقوال المفسِّرين ومؤلّفي علوم القرآن، فقد ميّزوا السور المكية عن السور المدنية، كما ميّزوا الآيات المدنية التي جعلت في ثنايا السور المكية وبالعكس.
الثاني: دراسة مضمون الآية وأنّها هل كانت تناسب البيئة المكية أو المدنية؟ حيث إنّ الطابعَ السائد على أكثر الآيات المكية هو مكافحة الشرك والوثنية، ونقد العادات والتقاليد الجاهلية، والدعوة إلى الإيمان بالمعاد، والتنديد بالكافرين والمشركين; في حين أنّ الطابَع السائد على أكثر الآيات المدنية هو تشريع الأحكام في مختلف المجالات، والجدال مع أهل الكتاب في إخفاء الحقائق، والتنديد بالمنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، إلى غير ذلك

1 . البقرة:213.   2 . تفسير المنار: البقرة: تفسير الآية 213.   3 . الإتقان: 1/26.

صفحه 47
من العلائم والملامح التي يمكن أن يتميّز بها المكي عن المدني.
وقد ذكر السيوطي بسند خاص عن ابن عباس أسماء السور المدنيّة بعدما أنهى ذكر السور المكّية، وإليك أسماء السور المدنية، وبالوقوف عليها تعلم السور المكّية:
سورة البقرة، ثمّ الأنفال، ثمّ آل عمران، ثمّ الأحزاب، ثمّ الممتحنة، ثمّ النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثمّ الحديد، ثمّ القتال، ثمّ الرعد، ثمّ الإنسان، ثمّ الطلاق، ثمّ لم يكن، ثمّ الحشر، ثمّ إذا جاء نصر اللّه، ثمّ النور، ثمّ الحج، ثمّ المنافقون، ثمّ المجادلة، ثمّ الحجرات، ثمّ التحريم، ثمّ الجمعة، ثمّ التغابن، ثمّ الصف، ثمّ الفتح، ثمّ المائدة، ثمّ براءة.(1)
وأمّا الحاجة لتمييز المكي عن المدني فلأنّه يرفع الإبهام العالق ببعض الآيات، مثلاً: أنّ سورة الشورى التي ورد فيها قوله سبحانه: (قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَليه أَجراً إِلاّ المَوَدَّة فِي القُربى)(2) سورة مكية مع أنّ هذه الآية حسب المأثور المتواتر نزلت في أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أعني: علياً و فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ـ فربما يستبعد نزولها في حقّ أهل البيت بحجة أنّ السورة مكية ولم يكن يومذاك في مكة الحسن والحسين، ولكنّه لو وقف على أنّ مكية السورة لا تلازم مكية عامة آياتها، لما استبعد نزولها في حقّهم، فكم من سورة مكية وقعت في ثناياها آيات مدنية وبالعكس، وهذه السورة من القسم الأوّل وإن كانت مكية لكن بعض آياتها مدنية ومنها هذه الآية، وقد صرح به علماء التفسير في كتبهم(2)، حتى أنّك تجد في المصاحف المصرية المطبوعة تحت إشراف مشيخة الأزهر،

1 . الإتقان:1/31.    2 . الشورى:23.
2 . لاحظ كتاب «نظم الدرر و تناسق الآيات والسور»: تأليف إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي من علماء القرن التاسع، وقد ذكر في كتابه أنّ الآية مدنية.

صفحه 48
التصريح بأنّ سورة الشورى مكية إلاّ الآيات 23، 24، 25، 27 فمدنية.

9. الوقوف على الآراء المطروحة حول الآية

إنّ الآراء الموروثة من الصحابة والتابعين ثمّ علماء التفسير إلى يومنا هذا ثروة علمية ورثناها من الأقدمين، وهم قد بذلوا في تفسير الذكر الحكيم جهوداً كبيرة، فألّفوا مختصرات ومفصّلات وموسوعات حول القرآن الكريم، فالإحاطة بآرائهم والإمعان فيها وترجيح بعضها على بعض بالدليل والبرهان من أُصول التفسير شريطة أن يبحث فيها بحثاً موضوعياً بعيداً عن كلّ رأي مسبق.

10. الاجتناب عن التفسير بالرأي(1)

المرادمن التفسير بالرأي هو أنّ المفسِّر يتخذ رأياً خاصّاً في موضوع بسبب من الأسباب ثمّ يعود فيرجع إلى القرآن حتى يجد له دليلاً من الذكر الحكيم يعضده، فهو في هذا المقام ليس بصدد فهم الآية وإنّما هو بصدد إخضاع الآية لرأيه وفكره، وبذلك يبتعد عن التفسير الصحيح للقرآن.
وقد حذّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كافة المسلمين من التفسير بالرأي أو التفسير بغير علم، فقال: «مَن قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار».(2)
وقال: «مَن تكلّم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».(3)
وليس النهي عن التفسير بالرأي منحصراً بالأحاديث النبوية، بل القرآن الكريم يندّد بالتقوّل على اللّه بما لا يعلم ويقول: (وَأَن تَقُولُوا عَلى اللّهِ مَا لا

1 . وفي الحقيقة، التفسير بالرأي من موانع التفسير الصحيح لا من شرائطه.
2 . أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس كما في البرهان في علوم القرآن:2/161.
3 . أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي على ما في البرهان.

صفحه 49
تَعْلَمُون)(1) .
ويقول:(ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم)(2).
فمن يفسِّر القرآن برأيه، فقد قضى بما ليس له به علم وتقوّل على اللّه بما لا يعلم .
وقد راج التفسير بالرأي بطابَع علمي في العصور المتأخّرة بعد الثورة الصناعية التي اجتاحت الغرب، فإنّ الفروض العلمية التي طرحت من قبل علماء الطبيعة والفلك هي فروض غير مستقرة لا يمكن الركون إليها في تفسير الذكر الحكيم، ولذلك سرعان ماتتبدّل النظريات العلمية إلى أُخرى; فمن حاول أن يخضع القرآن الكريم للاكتشافات العلمية الحديثة، فقد فسّر القرآن برأيه، وإن صدق في نيته وأراد إبراز جانب من جوانب الإعجاز القرآني، ولنذكر نموذجاً:
نشر جارلز داروين كتابه «تحوّل الأنواع» عام 1908م فأثبت فيه وفق تحقيقاته أنّ الإنسان هو النوع الأخير من سلسلة تطور الأنواع، وأنّ سلسلته تنتهي إلى حيوان شبيه بالقردة، فذكر آباءه وأجداده بصورة شجرة خاصة مترنماً قول الشاعر:
أُولئك آبائي فجئني بمثلهم...
كان لنشر هذه النظرية ردّ فعل سيّئ في الأوساط الدينية دون فرق بين الأوساط المسيحية والمسلمة واليهودية الذين اتّفقوا على أنّ الإنسان كائن إبداعي وأنّ سلسلته تنتهي إلى آدم أبي البشر الذي خُلق بهذه الصورة من دون أن يكون له صلة بسائر الحيوانات.

1 . البقرة:169.   2 . الإسراء:36.

صفحه 50
ثمّ إنّ بعض السُّذَّج من الناس اتّخذوا تلك الفرضية ذريعة لتعارض العلم والدين وفصله عن الآخر، فزعموا أنّ منهج الدين غير منهج العلم، فربما يجتمعان وربما يفترقان.
وهناك من لم يؤمن بفصل العلم عن الدين فحاول إخضاع القرآن الكريم للفرضية، فأخذ يفسِّر ما يرجع إلى خلقة الإنسان في سور مختلفة على وجه ينطبق على تلك الفرضية.
هذا و كان السجال حادّاً بين المتعبّدين بالنص والمتأوّلين له إلى أن أثبت الزمان زيف الفرضية والفروض التي جاءت بعده حول خلقة الإنسان.
وليست خلقة الإنسان موضوعاً فريداً في هذا الباب، بل لم يزل أصحاب البدع والنحل في دأب مستمر لإخضاع القرآن لآرائهم وعقائدهم، فهذه النحل الكثيرة السائدة بين المسلمين اتّخذوا القرآن ذريعة لعقائدهم، فما من منتحل إلاّ ويستدلّ بالقرآن على صحّة عقيدته مع أنّ الحقّ واحد وهؤلاء متكثّرون.
وكلّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقرّ لهم بذاكا
ولقد كان لتفسير القرآن بالرأي دور في ظهور النحل والبدع بين المسلمين، وكأنّ القرآن نزل لدعم آرائهم ومعتقداتهم!! أعاذنا اللّه وإيّاكم من التفسير بالرأي.(1)
هذه شرائط عشرة ينبغي للمفسِّر أن يتحلّى بها، وهناك آداب أُخرى ذكرها العلماء في كتبهم لم نتعرض إليها خشية الإطالة.
وثمة كلمة قيمة للعلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية جاء فيها:

1 . سيوافيك الكلام في حقيقة التفسير بالرأي في الأمر الرابع من التمهيدات.

صفحه 51
ولابدّ لهذا العلم من معدّات ومؤهّلات، منها العلوم العربية بشتى أقسامها، وعلم الفقه وأُصوله، ومنها الحديث وعلم الكلام، ليكون المفسّر على بيّنة ممّا يجوز على اللّه وأنبيائه، وما يستحيل عليه وعليهم، ومنها كما يرى البعض علم التجويد والقراءات.
وهنا شيء آخر يحتاج إليه المفسّر، وهو أهم وأعظم من كلّ ما ذكره المفسّرون في مقدمة تفاسيرهم، لأنّه الأساس والركيزة الأُولى لتفهّم كلامه جلّ وعلا. ولم أر من أشار إليه، وقد اكتشفته بعد أن مضيت قليلاً في التفسير، وهو أنّ معاني القرآن لا يدركها، ولن يدركها على حقيقتها، ويعرف عظمتها إلاّ من يحسّها من أعماقه، وينسجم معها بقلبه وعقله، ويختلط إيمانه بها بدمه ولحمه، وهنا يكمن السر في قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «ذاك القرآن الصامت، وأنا القرآن الناطق».(1)

1 . الكاشف:1/9ـ10.

صفحه 52
   
3

القرآن قطعي الدلالة (1)

قسّم الأُصوليون دلالة الكلام على معناه إلى: دلالة قطعية، ودلالة ظنية; فوصفوا دلالة النصوص على معانيها بالدلالة القطعية التي لا يحتمل خلافها، ودلالة الظواهر دلالة ظنية تقابل الأُولى.
هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ نصوص القرآن بالنسبة إلى الظواهر أقل، وبذلك أصبحت دلالة القرآن على مضامينها دلالة ظنية لا قطعية.
ولأجل وصف دلالة الظواهر على مقاصدها بالظنية، سَهُل التصرف في القرآن الكريم بحجج عقلية أو علمية بحجّة أنّ دلالة القرآن ظنية لا تقاوم الحجج الفعلية والبراهين العلمية.
ولكن وصف دلالة الآيات بالظنية يوجب كون القرآن حجّة ظنية ومعجزة غير قطعية مع أنّ الإعجاز يقوم على أساس من القطع واليقين.
فالإعجاز البياني قائم على جمال اللفظ وإناقة الظاهر من جانب، وجمال العرض وسموّ المعنى وعلوّ المضمون من جانب آخر، فلو كانت دلالة القرآن على الجانب الآخر ـ أي المعنى ـ دلالة ظنية يُصبح القرآن معجزة ظنية تبعاً لأخسّ المقدّمتين، وهذا من النتائج السلبية لتقسيم دلالة القرآن إلى القطعي والظنّي ولا

1 . موضوع البحث هو النصوص والظواهر دون المجملات، فهي خارجة عن محطّ البحث.

صفحه 53
يلتزم به أحد إذا أمعن، ومع ذلك فنحن نعتقد ـ غير هذا ـ بأنّ دلالة الظواهر كالنصوص على معانيها دلالة قطعية لا ظنية، وذلك بالبيان التالي:
إنّ أساس المحاورة بين الناس هو القطع بالمراد من ظواهر الكلام لا الظن به، وإلاّ لما قام صَرْح الحياة.
كيف لا يكون كذلك فإنّ ما يتفوّه به الطبيب يتلقّاه المريض مفهوماً واضحاً لا تردّد فيه، وما يتلقّاه السائل من الجواب من خبير يسكن إليه السائل بلا تردد.
ومع ذلك فكيف يُدّعى أنّ ظواهر الكتاب والسنّة أو ما دار بين النبي والسائل هي ظواهر ظنّية؟!
إنّ القضاء الحاسم في أنّ كشف الظواهر عن مراد المتكلّم هل هو كشف قطعي أو ظنّي؟ يتوقّف على بيان المهمّة الملقاة على عاتق الظواهر و ماهي رسالتها في إطار المحاورة، فلو تبيّن ذلك لسهل القضاء بأنّ الكشف قطعي أو ظنّي.
فنقول: إنّ للمتكلّم إرادتين:
1. إرادة استعمالية، وهي استعمال اللفظ في معناه، أو إحضار المعاني في ذهن المخاطب، سواء أكان المتكلّم جادّاً أو هازلاً أو مورّياً أو غير ذلك، سواء أكان المعنى حقيقياً أو مجازياً.
2. إرادة جدية، وهي أنّ ما استعمل فيه اللفظ مراد له جداً، وما هذا إلاّ لأنّه ربما يفارق المراد الاستعمالي، المراد الجدي، كما في الهازل والمورّي والمقنّن الذي يُرتِّب الحكم على العام والمطلق مع أنّ المراد الجدي هو الخاص والمقيد، ففي هذه الموارد تغاير الإرادةُ الجدية الإرادةَ الاستعمالية، إمّا تغايراً كليّاً كما في الهازل والمورّي واللاغي، أو تغايراً جزئياً كما في العام الذي أُريد منه الخاص، أو

صفحه 54
المطلق الذي أُريد منه المقيد بالإرادة الجدية.
وعلى ضوء ذلك فيجب علينا أن نحلّل أمرين:
الأوّل: ما هي الرسالة الموضوعة على عاتق الظواهر؟
الثاني: ما هو السبب لتسميتها ظنوناً؟
أمّا الأوّل: فالوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر عبارة عن إحضار المعاني التي تعلّقت بها الإرادة الاستعماليّة، في ذهن المخاطب سواء أكانت المعاني حقائق أم مجازات; فلو قال: رأيت أسداً، فرسالته إحضار أنّ المتكلّم رأى الحيوان المفترس; وإذا قال: رأيت أسداً في الحمام، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى رجلاً شجاعاً فيه، فكشف الجملة في كلا الموردين عن المراد الاستعمالي كشف قطعي وليس كشفاً ظنيّاً، وقد أدّى اللفظ رسالته بأحسن وجه. وعلى ذلك لا تصحّ تسميته كشفاً ظنياً، اللّهمّ إلاّ إذا كان الكلام مجملاً أو متشابهاً، فالكلام عندئذ قاصر عن إحضار المعنى الاستعمالي بوجه متعيّن، لكنّهما خارجان عن محطّ البحث والكلام في الظواهر لا في المجملات.
وأمّا الثاني: أي السبب الذي يوجب تسمية ذلك الكشف ظنياً، فإنّه يتلخّص في الأُمور التالية:
1. لعلّ المتكلّم لم يستعمل اللفظ في أيّ معنى.
2. أو استعمل في المعنى المجازي ولم ينصب قرينة.
3. أو كان هازلاً في كلامه.
4. أو مورّياً في خطابه.
5. أو لاغياً فيما يلقيه.

صفحه 55
6. أو أطلق العام وأراد الخاص.
7. أو أطلق المطلق وأراد المقيّد.
إلى غير ذلك من المحتملات التي توجب الاضطراب في كشف المراد الاستعمالي عن المراد الجدي على وجه القطع.
ولكن أُلفت نظر القارئ إلى أُمور ثلاثة لها دور في المقام:
1. أنّ علاج هذه الاحتمالات ليس من وظائف الظواهر حتى يوصف كشف الظواهر عن المراد الجدي لأجلها بالظنيّة، وذلك لما عرفت من أنّ المطلوب من الظواهر ليس إلاّ شيء واحد، وهو إحضار المعاني في ذهن المخاطب، وأمّا الاحتمالات المذكورة وكيفية دفعها فليس لها صلة بالظواهر حتى يوصف كشفها لأجلها، بأنّ دلالتها ظنيّة.
2. أنّ بعض هذه الاحتمالات موجود في النصوص، فاحتمال كون المتكلّم لاغياً، أو هازلاً، أو مورّياً أو متّقياً، أو غير ذلك من الاحتمالات موجود فيها، و مع ذلك نرى أنّهم يعدّونها من القطعيات.
3. أنّ القوم عالجوا هذه الاحتمالات بادّعاء وجود أُصول عقلائية دافعة لها، ككون الأصل، هو كون المتكلّم في مقام الإفادة ، لا الهزل ولا التمرين، بدافع نفسي، لا بدافع خارجي كالخوف وغيره.
وقد عرفت أنّ الحياة الاجتماعية مبنيّة على المفاهمة بالظواهر، ففي مجال المفاهمة والتفاهم بين الأُستاذ والتلميذ والبائع والمشتري والسائس والمسوس، يعتبر المخاطبُ دلالة كلام المتكلّم على المراد الاستعمالي والجدي دلالة قطعية لا ظنيّة، لأجل عدم الالتفات إلى تلك الاحتمالات وانسحابها عن الأذهان.

صفحه 56
نعم إذا كان هناك إبهام أو إجمال، أو جرت العادة على فصل الخاص والقيد عن الكلام، يكون الكلام إمّا غير ظاهر في شيء أو يكون حجّية الظهور معلّقاً على عدم ورود دليل على الخلاف كما في مورد العام والمطلق.
وبذلك خرجنا بأن كشف الظواهر عن المراد الاستعمالي، بل المراد الجدي، على ما عرفت أخيراً في مجال المفاهمة، كشف قطعي ولا يُعرَّج إلى تلك الشكوك.

الصفات الخبرية و كون الظواهر قطعيّة

إذا كان الأخذ بظواهر الكلام أمراً لازماً في الذكر الحكيم والسنّة القطعية، فكيف تُفسّر الصفات الخبرية التي تدلّ بظواهرها على التجسيم والتشبيه تعالى عن ذلك علواً كبيراً؟
فهل يمكن لنا الأخذ بظاهر قوله سبحانه: (وَالسّماءَ بَنَيْناها بِأَيْد وَإِنّا لَمُوسِعُون)(1) ، فظاهر الآية يدلّ على أنّه سبحانه بنى السماء بأيديه وأنّ له يداً كالإنسان، كما أنّ ظاهر قوله سبحانه: (الرّحمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى)(2) أنّه سبحانه استقر على عرشه وسريره، فالقول بلزوم الأخذ بالظواهر يستلزم حمل هذه الآيات على ظواهرها المنبئة عن التجسيم والجهة؟
هذا هو السؤال المطروح في المقام، وللإجابة عنه، نقول:
قد عرفت أنّ الضابطة الكلية، أعني: لزوم الأخذ بظاهر الكتاب والسنّة القطعية، أمر لا يمكن النقاش فيها، ولا يصحّ استثناء آية من تلك الضابطة بعدَ

1 . الذاريات:47.
2 . طه:5.

صفحه 57
تشخيص الظاهر عن غيره، فلو تبيّن بالدلائل القطعية ما هو الظاهر يجب اتّباعه، لكن الكلام في تعيين الظاهر، و تمييز الظهور التصديقي عن الظهور التصورّي، والظهور البدوي عن الظهور النهائيّ، ومثل هذا لا يتحقق إلاّ بالتأمّل والإمعان في نفس الآية الكريمة وما اختصّ بها من القرائن اللفظية، فعندئذ يتميّز الظاهر عن غيره فيجب الأخذ به بلا كلام. والتجسيم والتشبيه إنّما هو في الظهور البدوي، دون الظهور النهائي بعد الإمعان في الآية.
وما ربما يتصوّر من أنّ أهل العدل والتنزيه يحملون الآيات الواردة فيها الصفات الخبرية على خلاف ظواهرها، فهو كلام غير صحيح، فإنّهم لا يأخذون بالظهور التصوّري أو الظهور البدوي للآيات، وأمّا الظهور التصديقي أو الاستقراري فيأخذونه بتمامه، ولا يحملونها على غير ظاهرها.
ولتمييز الظهور الجزئي عن الظهور الجملي، والتصوّري عن التصديقي نأتي بمثالين:
1. إذا قلت: رأيت أسداً في الحمام، فلفظة «أسد» وحدها ظاهرة في الحيوان المفترس ولكنّها بظهورها الجملي ظاهرة في الرجل الشجاع; فلو قيل: إنّ الجملة حملت على خلاف ظاهرها، فإنّما يصحّ بالنسبة إلى ظهور جزء من الكلام، أعني: الأسد دون المجموع، فاللازم للأخذ هو الظهور الجملي لا الجزئي.
2. إذا قلت: زيد كثير الرماد، فالظهور البدوي انّ بيت زيد غير نظيف ولكنّه ظهور بدوي، فإذا لوحظ انّ الكلام ورد في مقام المدح يكون قرينة على أنّ المراد لازم المعنى وهو الجود; فلو قيل بأنّ الكلام حمل على خلاف ظاهره، فإنّما هو بحسب ظهوره البدوي لا الاستقراري، فالذي يجب الأخذ به هو الظهور الجملي لا الحرفي، والظهور المستقر لا البدوي.

صفحه 58
وعلى ذلك فحمل الجملة الأُولى على الحيوان المفترس والثانية على الجود أخذ بالظاهر وليس فيه شائبة تأويل، ومن يرمي هذه التفاسير بالتأويل فهو لا يفرق بين الظهورين: البدوي والاستقراري.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الآيات الحاكية عن الصفات الخبرية إذا لوحظت مع القرائن المحتفة بالكلام، يتبيّن الظهور التصوّري عن التصديقي والابتدائي عن الاستقراري، ويتبين أنّ هذه الآيات غنية عن التأويل(بمعنى حمل الظاهر التصديقي على خلاف ظاهره) وأنّ دلالتها على معانيها قطعيّة لكن بالشرط الذي ذكرناه.
ولأجل توضيح ذلك نفسر الآيات التي ورد فيها لفظ اليد حتى يتّضح أنّ تلك الآيات ليست بحاجة إلى التأويل بهذا المعنى، أي حمل الظاهر على خلافه، ويكون مقياساً لسائر الآيات التي ربما يكون ظاهرها البدويّ، موهماً خلاف التنزيه:
1. يقول سبحانه (قالَ يا إِبليسُ ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَديّ أَسْتَكْبَرتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العالين).(1)
فنقول: إنّ اليد في الآية استعمل في العضو المخصوص ولكن كُنِّي بها عن الاهتمام بخلقة آدم حتى يتسنّى بذلك ذم إبليس على ترك السجود لآدم، فقوله سبحانه:(ما منَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِماخَلَقْتُ بيدي) كناية عن أنّ آدم لم يكن مخلوقاً لغيري حتى يصحّ لك يا شيطان التجنّب عن السجود له، بحجة أنّه لا صلة له بي، مع أنّه موجود خلقتُه بنفسي، ونفخت فيه من روحي، فهو مخلوقي الذي قمت

1 . ص:75.

صفحه 59
بخلقه، فمع ذلك تمرّدت عن السجود له.
فأُطلقت الخلقةُ باليد وكُنّي بها عن قيامه سبحانه بخلقه، وعنايته بإيجاده، وتعليمه إيّاه أسماءه، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد، يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربيّته بيدي، ويراد من الكل هو القيام المباشري بالعمل، وربما استعان فيه بعينه وسمعه وغيرهما من الأعضاء، لكنّه لا يذكرها ويكتفي باليد. وكأنّه سبحانه يندد بالشيطان بأنّك تركتَ السجود لموجود اهتممت بخلقه وصنعه.
2. (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّاعَمِلَت أَيْدِينا أَنعاماً فَهُمْ لَها مالِكُون)(1)فالمجسّمة المتعبّدة بظواهر النصوص البدوية تستدلّ بالآية على أنّ للّه سبحانه أيدي يقوم بها بالأعمال الكبيرة، ولكن المساكين اغترّوا بالظهور التصوريّ ولم يتدبّروا في الظهور التصديقي، أخذوا بالظهور الجزئي دون الجملي، فلو كانوا ممعنين في مضمون الآية وما احتفّ بها من القرائن، لميّزوا الظهور التصديقي الذي هو الملاك عن غيره، فإنّ الأيدي في الآية كناية عن تفرّده تعالى بخلق الأنعام وانّه لم يشاركه أحد فيها، فهي مصنوعة للّه تعالى والناس ينتفعون بها، فبدل أن يشكروا، يكفرون بنعمته، وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور التصديقي لا التصوري.
قال الشريف المرتضى(2): قوله تعالى: (لماخلقت بيدي) جار مجرى قوله: «لماخلقت أنا» وذلك مشهور في لغة العرب. يقول أحدهم: هذا ما كسبتْ

1 . يس:71.
2 . أمالي المرتضى:1/565.

صفحه 60
يداك، وما جرت عليك يداك. وإذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده، وكذلك في الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل.(1)
3. قال سبحانه: (وَالسَّماء بَنَيْناها بِأَيد وَانّا لَمُوسِعُون)(2)، فاليد وإن كانت ظاهرة في العضو الخاص لكنّها في الآية كناية عن القوة والإحكام بقرينة قوله:(وانّا لموسعون)وكأنّه سبحانه يقول: والسماء بنيناها بقدرة لا يوصف قدرها وإنّا لذو سعة في القدرة لا يعجزها شيء، أو بنيناها بقدرة عظيمة ونوسعها في الخلقة.
إلى هناخرجنا بالنتائج التالية:
1. أنّ دلالة ظواهر الكتاب والسنّة القطعية على مضامينها دلالة قطعية.
2. لا يجوز تأويل الآيات بمعنى حملها على خلاف ظاهرها إلاّ في مورد جرت السنّة فيه على إمكان إرادة خلاف الظاهر كما هو الحال في مجال التقنين والتشريع.
3. أنّ اللازم في الصفات الخبرية، أعني: اليد والرجل والعين والاستواء، هو تحصيل الظهور التصديقي لا التصوّري، والظهور الجملي لا الجزئي، فعندئذ يتعبّد به ولا يعدل عنه.ولا يحتاج إلى حمل الظاهر على خلافه.
4. أنّ اليد في الآيات الثلاث، إمّا كناية عن قيام الفاعل بالفعل مباشرة لا باستعانة من الغير كما في الآيتين الأُوليين، أو كناية عن القدرة الخارقة.

1 . الكشاف:3/21.   2 . الذاريات:47.

صفحه 61
5. حمل الآية على خلاف ظهورها البدوي أمر لا مانع منه، لأنّ الظهور البدوي ليس بحجّة ومخالفته لا تعد خلافاً للحجة.
وأمّا حمل الآية على خلاف ظاهرها التصديقي الذي استقر ظهور الكلام فيه أمر غير جائز مطلقاً إلاّ فيما جرت السيرة فيه، أعني: مجال التشريع، مثل : حمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص.
وما ربما يتراءى من المشايخ من «أنّ الظواهر خفيفة المؤنة يمكن التصرف فيها» صحيح في الظهور البدوي أو الظهور الجزئي لا في الظهور الجملي والتصديقي الاستقراري.
سؤال: إذ كانت الظواهر قطعية الدلالة فما هو الوجه في اختلاف المفسّرين؟
والجواب: أنّ اختلافهم يرجع إلى الصغرى، وهي عدم وجود ظاهر في البين لأجل الاختلاف في الأُمور التالية:
1. اختلاف القراءات.
2. اختلاف وجود الإعراب وإن اتّفقت القراءات.
3. اختلاف اللغويين في معنى الكلمة.
4. اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر.
5. احتمال العموم والخصوص.
6.احتمال الإطلاق أو التقييد.
7. احتمال الحقيقة أو المجاز.
8. احتمال الإضمار أو الاستقلال.

صفحه 62
9. احتمال الكلمة زائدة.
10. احتمال حمل الكلام على الترتيب وعلى التقديم والتأخير.
11. احتمال أن يكون الحكم منسوخاً أو محكماً.
12. اختلاف الرواية في التفسير عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعن السلف (رض).(1)
ما ذكره من وجوه الاختلاف صحيح لكن ثمة وجه آخر للاختلاف هو تطبيق الآية على العقيدة التي يعتنقها المفسّر، فالجبري يحاول صرف الآيات الدالة على الاختيار عن ظاهرها، كما أنّ التفويضي يسعى إلى صرف ما يدلّ بظاهره على أنّ للسماء دوراً في أفعال البشر، إلى صرفها إلى خلاف ظاهرها. وقلّما يتّفق أن يتجرّد المفسّر من معتقداته والأُصول التي يتبنّاها. وهذا هو العامل المهم في اختلاف المفسّرين.
ثمّ إنّ هناك وجهاً آخر للاختلاف، وهو الاختلاف في الأُصول التي يجب أن يصدر عنها المفسّر.
فالشيعي الإمامي يصدر عمّا روي عن النبي وأهل بيته (عليهم السلام)بطرق خاصة ويفسر بها الآيات لا سيّما فيما يرجع إلى الأحكام، ولكن المفسّر السنّي يصدر عن غير هذا المصدر فيأخذ بقول كلّ صحابي وإن أدرك النبي يوماً أو يومين أو شهراً ولم تثبت عدالته، كما أنّ هناك من يأخذ بالإسرائيليات التي جرّت الويلات على المفسّرين.

1 . التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي الغراناطي:1/9.

صفحه 63
4

التفسير بالرأي

تضافرت الروايات على النهي عن التفسير بالرأي عن النبي والآل (عليهم السلام).
روى الصدوق باسناده عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال جلّ جلاله: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي».(1)
وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «إيّاك أن تفسر القرآن برأيك حتى تفقهه عن العلماء».(2)
وروى أبو جعفر الطبري، باسناده عن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».(2)
أخرج الترمذي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «اتّقوا الحديث إلاّ ما علمتم، فمَن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».(4)
إلى غير ذلك من الروايات الواردة حول النهي عن التفسير بالرأي، غير أنّ الذي يجب التركيز عليه هو تحديد التفسير بالرأي، فقد اختلفت كلمتهم في تفسير هذا الموضوع إلى أقوال:

1 . أمالي الصدوق: المجلس الثاني:6 .   2 . التوحيد: 264، الباب 36 .
2 . تفسير الطبري: 1/27.   4 . سنن الترمذي:2/157، كتاب التفسير.

صفحه 64

أ. تفسير ما لا يدرك علمه إلاّ ببيان الرسول

يظهر من الطبري أنّه يخصُّ التفسير بالرأي بتفسير آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلاّ بنص بيان الرسول، ومن أظهر مصاديقه، الآيات الواردة حول الفرائض كالصلاة والزكاة والحجّ حيث إنّ الأجزاء والشرائط والموانع رهن بيان الرسول، يقول الطبري في ذلك الصدد:
وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحّة ما قلنا من أنّ ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلاّ بنصّ بيان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه وإن أصاب الحقّ فيه فمخطئ فيما كان، من فعله بقيله فيه برأيه، لأنّ إصابته ليست إصابة موقن أنّه محقّ وإنّما هو إصابة خارص وظانّ والقائل في دين اللّه بالظن قائل على اللّه ما لم يعلم، وقد حرم اللّه جلّ ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: (قُلْ إِنّما حَرّمَ رَبّي الفَواحِش ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالإِثْم وَالْبَغْي بِغَيْر الحَقّ وَأَنْ تُشركوا بِاللّه ما لَمْ يُنَزّل بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون)، فالقائل في تأويل كتاب اللّه الذي لا يُدرك علمه إلاّ ببيان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الذي جعل اللّه إليه بيانه قائل بما لا يعلم وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد اللّه به من معناه، لأنّ القائل فيه بغير علم قائل على اللّه ما لا علم له به.(1)
الظاهر أنّ ما ذكره من مصاديق التفسير بالرأي وليس التفسير بالرأي منحصراً به.
ويظهر من السيد الخوئي(قدس سره)احتمال ذلك المعنى، قال:

1 . تفسير الطبري:1/27.

صفحه 65
ويحتمل أنّ معنى التفسير بالرأي، الاستقلال في الفتوى من غير مراجعة الأئمّة (عليهم السلام)مع أنّهم قرناء الكتاب في وجوب التمسّك، ولزوم الانتهاء إليهم، فإذا عمل الإنسان بالعموم أو الإطلاق الوارد في الكتاب، ولم يأخذ التخصيص أو التقييد الوارد عن الأئمّة كان هذا من التفسير بالرأي.(1)

ب. إخضاع القرآن للعقيدة

إنّ المراد من التفسير بالرأي هو أن يكون الرأي والعقيدة المسبقة هو الملاك للتفسير، فالمفسّر ـ مكان أن يتجرد عن الآراء المسبقة ويوطِّن نفسه على ما توحيه الآية حسب الأُصول والقواعد ـ يُخضع القرآن لعقيدته، ويعرضه عليها. مع أنّ القرآن حجّة اللّه على خلقه وعهده إلى عباده فيجب أن يُحتكم إليه ويصدر عن حكمه لا بالعكس.
إنّ موقف المفسّر من كلام اللّه موقف المتعلّم من المعلم، وموقف مجتني الثمرة من الشجرة، فيجب أن يتربّص إلى أن ينطلق المعلّم في أخذ ما يلقيه، ويجتني الثمرة في أوانها وفي إيناعها، غير أنّ هذه الأدوار تنعكس حين التفسير بالرأي.
ومن هذه المقولة دعم أرباب الملل والنحل آراءهم و حججهم بالقرآن مع أنّ لهم آراء متضاربة، والقرآن لا يعترف إلاّ بواحد منها، وما ذلك إلاّ لأنّهم يصدرون عن التفسير بالرأي ولا يحتكمون إلى القرآن بل ـ مكان عرض عقيدتهم على القرآن ـ يعرضون القرآن على العقيدة ويطبقونه عليها.

1 . البيان: 288.

صفحه 66

ج. تفسير القرآن بغير الأُصول الصحيحة

تفسير القرآن بغير الأُصول والقواعد التي يتوقّف التفسير عليها، من مقولة التفسير بالرأي، فإنّ لتفسير كلّ كلام ـ إلهياً كان أم بشرياً ـ أُصولاً لايعرف المراد من غيره إلاّ في ظلها، وقد عرفت تلك المقدّمات عند البحث في ما يهمّ المفسّر.
وقد أُريد الوجهان من الروايات الناهية عن التفسير بالرأي، وقد اختارهما لفيف من المحقّقين، نذكر ما يلي:
قال أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (المتوفّى 671هـ) قال ـ بعد نقل روايات ناهية عن التفسير بالرأي ـ :
إنّ النهي يحمل على أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لما يلوح له من القرآن ذلك المعنى. وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد من الآية ذلك، ولكن مقصوده أن يُلبس على خصمه، وتارة يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجِّح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسّر برأيه، أي رأيه حملَه على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه.
الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلّق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يُحكِّم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة مَن فسّر

صفحه 67
القرآن بالرأي، والنقل والسماع لابدّ له منه في ظاهر التفسير ليتقى به مواضع الغلط، ثمّ بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط. والغرائب التي لا تفهم إلاّ بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر.(1)
وقد اختار ابن عاشور (المتوفّى عام 1284هـ) هذا المعنى، فذكر للتفسير بالرأي هذين الوجهين، أيضاً وقال:
الأوّل: أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأوّل القرآن على وفق رأيه ويصرفه عن المراد ويُرغمه على تحمّله ما لا يساعد عليه المعنى المتعارف، فيجرّ شهادة القرآن لتقرير رأيه، ويمنعه عن فهم القرآن حقّ فهمه ما قيّد عقله من التعصب، عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير مذهبه.
الثاني: أنّ المراد بالرأي هو القول عن مجرّد خاطر دون استناد إلى نظر في أدلّة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها، وما لا بدّ منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول فهذا لا محالة إن أصاب فقد أخطأ في تصوّره بلا علم.(2)
فعلى ذلك التفسير بالرأي يتلخّص في أمرين:
الأوّل: أن يتوخّى من تفسير القرآن دعم عقيدته ورأيه المُسْبَق حتى يحتج بالآية على الخصم أو يبرر به عمله، ففي ذلك الموقف ينظر المفسّر إلى القرآن لا بنظر الاهتداء بل بنظر دعم موقفه وعقيدته ومذهبه.
الثاني: الاستبداد بالرأي في تفسير القرآن من دون أن يقتفي الأُسلوب الصحيح في تفسير القرآن حسب ما قدمناه عند البحث في مؤهلات المفسّر.

1 . تفسير القرطبي:1/33ـ 34.ولاحظ تفسير الصافي:1/39.
2 . التحرير والتنوير:1/30ـ 31.

صفحه 68
ويظهر من السيد الطباطبائي أنّه خصّ التفسير بالرأي بالقسم الثاني ببيان آخر وهو أنّ كلام اللّه سبحانه لرفع مستواه لا يُفسّر كما يفسّر به كلام الإنسان حيث قال:
إنّ الإضافة في قوله «برأيه» يفيد معنى الاختصاص والانفراد والاستقلال، بأن يستقل المفسّر في تفسير القرآن بما عنده من الأسباب في فهم الكلام العربي، فيقيس كلامه تعالى بكلام الناس، فإنّ قطعة من الكلام من أيِّ متكلّم إذا ورد علينا، لم نلبث دون أن نعمل فيه القواعد المعمولة في كشف المراد الكلامي، ونحكم بذلك أنّه أراد كذا، كما نجري عليه في الأقارير والشهادات وغيرهما كلّ ذلك لكون بياننا مبنياً على ما نعلمه من اللغة، ونعهده من مصاديق الكلمات، حقيقة ومجازاً.
والبيان القرآني غير جار هذا المجرى، بل هو كلام موصول بعضه ببعض، في حين أنّه مفصول ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض كما قاله علي (عليه السلام).
فلا يكفي ما يتحصّل من آية واحدة بإعمال القواعد المقررة في العلوم المربوطة في انكشاف المعنى المراد منها دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ويجتهد في التدبّر فيها كما يظهر من قوله تعالى: (أَفَلا يَتَدبَّرون القُرآن وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْد غَير اللّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اختلافاً كَثيراً).(1)
فالتفسير بالرأي المنهي عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون المكشوف.
وبعبارة أُخرى: إنّما نهى (عليه السلام)عن تفهّم كلامه على نحو ما يتفهّم به كلام غيره

1 . النساء:82.

صفحه 69
وإن كان هذا النحو من التفهّم ربما صادف الواقع، والدليل على ذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الرواية الأُخرى:«من تكلّم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» فإنّ الحكم بالخطأ مع فرض الإصابة ليس إلاّ لكون الخطأ في الطريق.
والمحصّل: أنّ المنهي عنه إنّما هو الاستقلال في تفسير القرآن واعتماد المفسّر على نفسه من غير رجوع إلى غيره، ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع إليه، وهذا الغير لا محالة إمّا هو الكتاب أو السنّة، وكونه هو السنّة ينافي القرآن و نفس السنّة الآمرة بالرجوع إليه وعرض الأخبار عليه، فلا يبقى للرجوع إليه والاستمداد منه في تفسير القرآن إلاّ نفس القرآن.(1)
ومع أنّه فصل الكلام في القسم الثاني من التفسير بالرأي ـ لم تفته الإشارة إلى القسم الأوّل في بعض كلماته قال:
يعرض المفسر الآية على ما توصل إليه العلم أو الفلسفة من نظريات أو فرضيات مقطوع أو مظنون بهما ظناً راجحاً....

نموذج لكلّ من القسمين

ثمّ إنّ تأويلات الباطنية أو المتصوفة كلّها من قبيل القسم الأوّل، وسيوافيك البحث عنها في موضعها، ولتسليط الضوء نذكر مثالاً:
أثبتت الأُصول الفلسفية أنّ الأصل هو الوجود وأنّ الماهية أمر انتزاعي من حدّ الوجود والمنسوب إلى الجاعل هو الوجود، غير أن تنزل الوجود لا ينفك عن عروض الحدود، فالصادر من اللّه سبحانه هو الوجود غير المحدّد المنبسط على الماهيات.

1 . الميزان:3/76ـ77.

صفحه 70
هذا ما أثبتته الأُصول الفلسفية، ثمّ إنّ العرفاء يدعمون تلك النظرية بالآية التالية:
يقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلى ربّكَ كَيْفَ مَدّالظلّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلهُ ساكناً ثُمَّ جَعَلنا الشمس عليه دَليلاً) (1). ويفسرون مدّ الظل ببسط الوجود على الماهيات، حتّى أنّ بعض المشايخ من العرفاء كان يدّعي أنّ دلالة الآية على هذا المعنى أمر بديهي، فقد نظر العارف إلى القرآن لا بنظر الاهتداء بل بنظر ما يدعم عقيدته. مع أنّ الآية أجنبية عمّا رامه، فإنّ الآية و ما بعدها بصدد بيان آياته سبحانه الكونية من جعل الليل لباساً والنوم سباتاً والنهار نشوراً، وإرسال الرياح بشرى بين يدي رحمته، إلى غير ذلك من الآيات، فأي صلة لها بالوجود المنبسط على الماهيات؟!
ومن القسم الثاني، أعني: تفسير القرآن من غير استناد إلى أصل صحيح، بل اعتماداً على ظاهر الآية من دون الوغول فيها بالأساليب المعهودة، يقول سبحانه: (وَما مَنَعَنا أَنْ نرسل بالآيات إِلاّ أن كذَّبَ بها الأَوّلُون وآتينا ثَمود الناقة مبصرة فظلمُوا بها وما نرسل بالآيات إلاّ تَخْويفاً).(2)
إنّ مَن يقتنع في تفسير القرآن بالقواعد العربية مع غض النظر عن سائر الأُصول ربما يجعل مبصرة وصفاً للناقة فيصف الناقة بالإبصار مع أنّها وصف لموصوف محذوف أي: «وجعلنا الناقة آية مبصرة» فالآية من قبيل الاختصار بحذف الموصوف.

1 . الفرقان:45.
2 . الإسراء:59.

صفحه 71

الاجتهاد في فهم القرآن غير التفسير بالرأي

ثمّ إنّ المحظور هو التفسير بالرأي على ما عرفت ، وأمّا السعي وبذل الجهد في فهم مقاصد الآيات ومراميها عن الطرق المألوفة بين العلماء خلفاًعن سلف فليس بمحظور، بل هو ممدوح، بل لا محيص عنه في فهم القرآن الكريم.
فإنّ ما يهتدي إليه المفسّر بعد التفكّر والتأمّل في مفردات الآية وجملها وسياقها ونظائرها من الآيات إذا كان له صلة لها فهو تفسير مقبول ولا صلة له بالتفسير بالرأي، وإذا كانت الآية ممّا تتضمن حكماً فقهياً يرجع في فهم الموضوع وشرائطه وجزئياته وموانعه إلى الروايات والأخبار المأثورة، ثمّ يتمسك في موارد الشك في اعتبار شيء، أو خروج فرد عن تحت الدليل بإطلاقها أو عمومها فلا يعد ذلك تفسيراً بالرأي بل اجتهاداً معقولاً، مقبولاً في فهم الآية.
ولعلّ كون القرآن كتاب القرون والأجيال لا تنقضي عجائبه يلازم قبول هذا النوع من التفسير الاجتهادي، ولأجل ذلك لم يزل كتاب اللّه طريّاً في غضون الأجيال لم يندرس ولم يطرأ عليه الاندراس، بل هو طريّ ما دامت السماوات والأرض، ولازم ذلك وجود معارف وحقائق في القرآن يهتدي إليها الإنسان بالتعمّق في دلالاته اللفظية: المطابقية والتضمنية والالتزامية، وإن كان السلف في الأعصار الماضية غافلين عن هذه المعاني، ولعلّه إلى ذلك يشير الصادق (عليه السلام)في جواب من سأله أنّه ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلاّ غضاضة بقوله: «لأنّ اللّه تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، وهو في كلّ زمان جديد، وعند كلّ قوم غض إلى يوم القيامة».(1)
وبالجملة فإيصاد هذا الباب في وجه المفسّرين، يوجب وقف الحركة

1 . بحارالأنوار:92/15، باب فضل القرآن، الحديث 8 .

صفحه 72
العلمية في فهم الكتاب العزيز، وبالتالي يكون القرآن كسائر الكتب محدود المعنى ومقصور المراد لا يحتاج إلى تداوم البحث وتضافره.
ولأجل إعطاء نموذج من الاجتهاد الصحيح في فهم القرآن نذكر اجتهاد الإمام أبي الحسن الهادي(عليه السلام)في تفسير الآية.
روى ابن شهر آشوب في مناقبه، قال:
قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي (عليه السلام)يسأله، فلما قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت».
فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب:
(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم * فلمّا رأوا بأسنا قالوا آمنّا باللّه وحده وكفرنا بما كنّا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لمّا رأوا بأسنا سنّة اللّه التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون)(1)، فأمر به المتوكل فضرب حتى مات.(2)
فالآية تدلّ بوضوح على أنّ الإيمان لدفع البأس، غير نافع في دفعه وعليه جرت سنة اللّه سبحانه، فليكن المقام من صغريات تلك الكبرى.
«تمّ الكلام في المقدّمات التمهيديّة
فلنشرع في بيان المناهج التفسيرية»

1 . غافر:84ـ85.
2 . مناقب آل أبي طالب:4/403ـ 405.

صفحه 73
المنهج الأوّل
التفسير بالعقل
      وصوره:
1. التفسير بالعقل الصريح الفطري
2. التفسير على ضوء المدارس الكلامية
3. التفسير على ضوء السنن الاجتماعية
4. التفسير على ضوء العلم الحديث
5. التفسير حسب تأويلات الباطنية
6. التفسير حسب تأويلات الصوفية

صفحه 74

صفحه 75
   
إيضاح

المنهج التفسيري غير الاهتمام التفسيري

وقبل الخوض في استعراض المناهج التي يغلب عليها الطابَع العقلي أو النقلي، نذكر نكتة في غاية الأهمية، وهي ضرورة التمييز بين موضوعين: هما:
1. المنهج التفسيري.
2. الاهتمام التفسيري.
فنقول : إنّ هاهنا بحثين:
الأوّل: البحث عن المنهج التفسيري لكلّ مفسّر، وهو تبيين طريقة كلّ مفسّر في تفسير القرآن الكريم، والأداة والوسيلة التي يعتمد عليها لكشف الستر عن وجه الآية أو الآيات؟ فهل يأخذ العقلَ أداةً للتفسير أو النقل؟ وعلى الثاني فهل يعتمد في تفسير القرآن على نفس القرآن، أو على السنّة، أو على كليهما، أو غيرهما؟
وبالجملة ما يتّخذه مفتاحاً لرفع إبهام الآيات، وهذا هو ما نسمّيه المنهج في تفسير القرآن في كتابنا هذا.
الثاني: البحث عن الاتجاهات والاهتمامات التفسيرية، والمراد منها المباحث التي يهتم بها المفسّر في تفسيره مهما كان منهجه وطريقته في تفسير الآيات، مثلاً تارة يتجه إلى إيضاح المادة القرآنية من حيث اللغة، وأُخرى إلى صورتها العارضة عليها من حيث الإعراب والبناء، وثالثة يتجه إلى الجانب

صفحه 76
البلاغي، ورابعة يعتني بآيات الأحكام، وخامسة يصبّ اهتمامه على الجانب التاريخي والقصصي، وسادسة يهتم بالأبحاث الأخلاقية، وسابعة يهتم بالأبحاث الاجتماعية، وثامنة يهتم بالآيات الباحثة عن الكون وعالم الطبيعة، وتاسعة يهتم بمعارف القرآن وآياته الاعتقادية الباقية عن المبدأ والمعاد وغيرهما، وعاشرة بالجميع حسبما أُوتي من المقدرة.
ولا شك أنّ التفاسير مختلفة من حيث الاتجاه والاهتمام، إمّا لاختلاف أذواق المفسرين وكفاءاتهم ومؤهّلاتهم، أو لاختلاف بيئاتهم وظروفهم، أو غير ذلك من العوامل التي تسوق المفسّر إلى صبِّ اهتمامه إلى جانب من الجوانب المذكورة أو غيرها، ولكن البحث عن هذا لايمتّ بالبحث عن المنهج التفسيري للمفسّر بصلة، فمن تصور أنّ البحث عن اختلاف الاهتمامات والاتجاهات راجع إلى البحث عن المنهج التفسيري فقد تسامح.
وإن شئت أن تفرق بين البحثين فنأتي بكلمة موجزة، وهي أنّ البحث في المناهج بحث عن الطريق والأُسلوب، والبحث في الاهتمامات بحث عن الأغراض والأهداف التي يتوخّاها المفسّر، وتكون علّة غائية لقيامه بالتأليف في مجال القرآن.

أنواع المناهج التفسيرية

إذا تبيّن الفرق بين البحثين فنقول: إنّ التقسيم الدارج في تبيين المناهج هو أنّ المفسّر إمّا يعتمد في رفع الستر عن وجه الآية على الدليل العقلي أو على الدليل النقلي، ونحن أيضاً نقتفي في هذا البحث أثر هذا التقسيم لكن بتبسيط في الكلام.

صفحه 77

المنهج الأوّل   

1

تفسير القرآن في ظل العقل الصريح

قد يطلق التفسير بالعقل، ويراد به التفسير بغير النقل، سواء أكان التفسير بالعقل الفطري، أم بالقواعد الدارجة في المدارس الكلامية، أو بتأويلات الباطنية، أو الصوفية، أو التفسير حسب العلوم الحديثة. والتفسير بالعقل بهذا المعنى يعم جميع هذا النوع من التفسير. وبهذا صار أيضاً ملاكاً لتقسيم المناهج التفسيرية إلى المنهج العقلي والنقلي.
وقد يطلق ويراد به تفسير الآيات من منظار العقل الفطري والعقل الصريح والبراهين المشرقة غير الملتوية الواضحة لكلّ أرباب العقول، وهذا هو المراد في المقام، وهو بهذا المعنى قسم من المناهج التفسيرية العقلية فلاحظ.(1)
وبما أنّ العقل الصريح يقسم إلى عقل نظري(2) وإلى عقل عملي(3)، فالآيات الواردة حول العقائد والمعارف تفسر في ظل العقل النظري، كما أنّ الآيات الواردة حول الحقوق والأخلاق والاجتماع تفسّر بما هو المسلم عند العقل العملي.

1 . والعقل بالمعنى الأوّل مقسم للمناهج الستة، وبالمعنى الثاني قسم منه.
2 . المراد من العقل النظري: إدراك ما يجب أن يعلم، كحاجة الممكن إلى العلة; والمراد من العقل العملي، إدراك ما يجب أن يعمل ويطبَّق على الحياة، كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح.
3 . المراد من العقل النظري: إدراك ما يجب أن يعلم، كحاجة الممكن إلى العلة; والمراد من العقل العملي، إدراك ما يجب أن يعمل ويطبَّق على الحياة، كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح.

صفحه 78
ولأجل إيضاح هذا النوع من التفسير بالعقل الذي يفارق التفسير على سائر المعايير العقلية كما أشرنا إليها، نذكر نماذج في مجالي العقل النظري والعقل العملي، ولنقدّم الكلام في الأوّل على الثاني.

1. واحد لا ثاني له

يقول سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء وَهُوَ السَّميعُ الْبَصير)(1) فالآية تنفي أن يكون له سبحانه أيُّ مثل وندّ، وفي سورة أُخرى يقول: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد)(2) وهذه عقيدة صريحة إسلامية، يمكن أن يفسر في ضوء الحكم العقلي كالتالي.

أ. صرف الوجود لا يتعدّد

إذا كان الموجود منزّهاً عن كلّ حد وقيد بحيث ليس له واقعية سوى الوجود المطلق فهو لا يتكرر ولا يتعدد، بمعنى أنّه لا تتعقل له الاثنينية والكثرة، لأنّ ما فرضته ثانياً بحكم أنّه أيضاً منزّه عن كلّ قيد وحدّ وخليط يكون مثل الأوّل فلا يتميّز ولا يتشخّص، وقد قام الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)بتفسير الآية على ضوء هذا الحكم العقلي.
روى الصدوق أنّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)فقال: يا أمير المؤمنين أتقول: إنّ اللّه واحد؟ قال: فحمل الناس عليه، وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب، فقال أمير المؤمنين: «دعوه، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم»... ثمّ قال شارحاً ما سأله عنه الأعرابي: «وقول القائل واحد، يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في

1 . الشورى:11.   2 . الإخلاص:4.

صفحه 79
باب الأعداد، أما ترى أنّه كفر من قال: ثالث ثلاثة».
ثمّ قال: «معنى هو واحد: أنّه ليس له في الأشياء شِبْه، كذلك ربّنا ، و قول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحديُّ المعنى يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ».(1)
فالإمام (عليه السلام)لم يكتف ببيان المقصود من وصفه سبحانه بأنّه واحد، بل أشار إلى معنى آخر من معاني توحيده وهو كونه أحديّ الذات، الذي يهدف إلى كونه بسيطاً لا جزء له في الخارج والذهن. و التوحيد بهذا المعنى هو القسم الثاني من التوحيد الذاتي المبحوث عنه في محلّه.

ب. التعدّد يستلزم التركيب

لو كان هناك واجب وجود آخر لشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود، ولابدّ من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الأمر المشترك، كما هو الحال في كلّ مثلين، وذلك يستلزم تركّب كلّ منهما من شيئين: أحدهما يرجع إلى ما به الاشتراك، والآخر إلى ما به الامتياز، والمركّب بما أنّه محتاج إلى أجزائه لا يكون موصوفاً بوجوب الوجود، بل يكون ـ لأجل الحاجة ـ ممكناً وهو خلاف الغرض.
وباختصار لو كان في الوجود واجبان للزم إمكانهما، وذلك أنّهما يشتركان في وجوب الوجود فإن لم يتميّزا لم تحصل الاثنينية، وإن تميّزا لزم تركب كلّ واحد منهما ممّا به المشاركة وما به الممايزة، وكلّ مركّب ممكن فيكونان ممكنين، وهذا خلاف الفرض.

1 . توحيد الصدوق:83ـ 84.

صفحه 80

ج. الوجود اللا متناهي لا يقبل التعدّد

هذا البرهان مؤلّف من صغرى و كبرى والنتيجة هو وحدة الواجب وعدم إمكان تعدّده، وإليك صورة القياس حتى نبرهن على كلّ من صغراه وكبراه.
وجود الواجب غير متناه.
وكلّ غير متناه واحد لا يقبل التعدّد.
فالنتيجة وجود الواجب واحد لا يقبل التعدّد.
وإليك البرهنة على كلّ من المقدّمتين.
أمّا الصغرى: فإنّ محدودية الموجود، ملازمة لتلبّسه بالعدم. ولأجل تقريب هذا المعنى لاحظ الكتاب الموضوع بحجم خاص، فإنّك إذا نظرت إلى أيّ طرف من أطرافه ترى أنّه ينتهي إليه وينعدم بعده، ولا فرق في ذلك بين صغير الموجودات وكبيرها، حتّى أنّ جبال الهملايا مع عظمتها محدودة لا نرى أي أثر للجبل بعد حدّه. وهذه خصيصة كلّ موجود متناه زماناً أو مكاناً أو غير ذلك، فالمحدودية والتلبّس بالعدم متلازمان.
وبتقرير آخر: أنّ عوامل المحدودية تمحور في الأُمور التالية:
1. كون الشيء محدوداً بالماهية ومزدوجاً بها، فإنّها حد وجود الشيء والوجود المطلق بلا ماهية غير محدد ولا مقيد وإنّما يتحدّد بالماهية.
2. كون الشيء واقعاً في إطار الزمان، فهذا الكم المتصل (الزمان) يحدّد وجود الشيء في زمان دون آخر.
3. كون الشيء في حيّز المكان، وهو أيضاً يُحدّد وجود الشيء ويخصّه بمكان دون آخر.

صفحه 81
وأمّا الكبرى فهي واضحة بأدنى تأمل، وذلك لأنّ فرض تعدّد اللا متناهي يستلزم أن نعتبر كلّ واحد منهما متناهياً من بعض الجهات حتى يصحّ لنا أن نقول هذا غير ذاك، ولا يقال هذا إلاّ إذا كان كلّ واحد متميزاً عن الآخر، والتميّز يستلزم أن لا يوجد الأوّل حيث يوجد الثاني، وكذا العكس. وهذه هي «المحدودية» وعين «التناهي»، والمفروض أنّه سبحانه غير محدود ولا متناه.
فيستنتج من هاتين المقدّمتين أنّ وجود الواجب واحد لا يقبل التعدّد.
ومن لطيف القول ما نجده في كلامه سبحانه حيث إنّه بعد ما يصف نفسه بالوحدانية يعقبه بوصف القهّارية ويقول: (الواحد القَهّار) (1) ،وما ذلك إلاّ لأنّ المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، فإذا كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود، فكأنّ اللا محدودية تلازم وصف القاهرية، وقد عرفت أنّ ما لا حدّ له يكون واحداً لا يقبل التعدّد، فقوله سبحانه: (وَهُوَ الواحِدُ القَهّار) من قبيل ذكر الشيء مع البيّنة والبرهان.

2. لا مدبر للكون إلاّ اللّه

إنّ القرآن يستدلّ على وحدة المدبر ببرهان شيق، ويقول: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَة إِلاّ اللّه لَفَسَدَتا فَسُبحانَ اللّه رَبّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُون)(2)، والمراد من الإله في المقام هو الإله الخالق رداً للثنوية الذين يظنون أنّ خالق الخير غير خالق الشر أو النصرانية حيث ذهبت إلى التثليث.
وحاصل البرهان: إذا افترضنا أنّ للكون خالقين وأنّ العالم مخلوق لإلهين،

1 . الرعد:16.
2 . الأنبياء:22.

صفحه 82
فإنّه لابدّ أن نقول ـ و بحكم كونهما اثنين ـ أنّهما يختلفان عن بعض في جهة أو جهات، وإلاّ لما صحّت الاثنينية والتعدّد أي لما صحّ ـ حينئذ ـ أن يكونا اثنين دون أن يكون بينهما أي نوع من الاختلاف.
ومن المعلوم أنّ الاختلاف في الذات سبب للاختلاف في طريقة التدبير والإرادة بين المختلفين ذاتاً.
فإذا كان تدبير العالم العلوي ـ مثلاً ـ من تدبير واحد من الإلهين وتدبير العالم السفلي من تدبير إله آخر، فإنّ من الحتمي أن ينفصم الترابط بين نظامي العالمين ويزول الارتباط بينهما، لأنّه من المستحيل تدبير موجود ذي أجزاء منسجمة بتدبيرين متنافيين متضادين.
وينتج من ذلك التفكك بين جزئي العالم، وبالتالي فساد الكون بأسره من سماوات وأرض وما بينهما، لأنّا جميعاً نعلم بأنّ بقاء النظام الكوني ناشئ من الارتباط الحاكم على أجزاء المنظومة الشمسية بحيث لو فقد هذا الارتباط على أثر الاختلاف في التدبير ـ مثل أن تختل قوتا الجذب والدفع ـ لتعرّض الكون بأسره للخلل ولم يبق للكون وجود ولا أثر.
هذا هو البرهان المشرق الذي يفسر الآية بالعقل الصريح.

3.اللّه تبارك وتعالى فوق الرؤية

يقول سبحانه:(لا تُدْرِكُهُ الأَبْصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير)(1)، أنّ الذكر الحكيم يُجلُّ سبحانه من أن تدركه الأبصار وفي الوقت نفسه يدرك الأبصار، ويمكن تفسير هذه الآية بالوجوه التالية:

1 . الأنعام:103.

صفحه 83
1. أنّ اللّه تعالى ليس في جهة ولا في مكان بدليل أنّ ما كان في الجهة والمكان، مفتقر إليهما وهو محال عليه، واللّه تعالى ليس بمرئي بدليل أنّ كلّ مرئي لابدّ أن يكون في جهة.(1)
وبعبارة أُخرى: أنّ الرؤية إنّما تصحّ لمن كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والمقابلة إنّما تكون في حقّ الأجسام ذوات الجهة، واللّه تعالى ليس في جهة فلا يكون مرئياً.
2. أنّ الرؤية إمّا أن تقع على الذات كلّها أو على بعضها. فعلى الأوّل يلزم أن يكون محدوداً متناهياً محصوراً شاغلاً لناحية من النواحي وخلوّ النواحي الأُخرى منه تعالى وذلك مستحيل، وإمّا أن تقع على بعض الذات فيلزم أيضاً أن يكون مركباً متحيزاً ذا جهة إلى غير ذلك من التوالي الفاسدة الباطلة المرفوضة في حقّه تعالى.
3. أنّ الرؤية بأجهزة العين نوع إشارة بها إلى المرئي وهو سبحانه منزّه عن الإشارة.
4. أنّ الرؤية لا تتحقّق إلاّ بانبعاث أشعة من المرئي إلى أجهزة العين وهو يستلزم أن يكون سبحانه جسماً ذات أبعاد ومعرضاً لعوارض وأحكام جسمانية وهو المنزّه عن كلّ ذلك.(2)

4. هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن

يصف سبحانه نفسه بأنّه الأوّل والآخر، والظاهر والباطن، ويقول: (هُوَ

1 . مجموعة الرسائل العشر، المسألة16ـ17.
2 . لاحظ أنوار الملكوت في شرح الياقوت:82ـ83 واللوامع الإلهية:81ـ82; وكشف المراد:182.

صفحه 84
الأَوّل وَالآخر وَالظّاهر وَالباطِن وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَليم) .(1)
وهذه الصفات صفات متناقضة لا تجتمع في شيء واحد مع أنّه سبحانه يصف نفسه بها، فلو كان أوّلاً كيف يكون آخراً؟ ولو كان ظاهراً كيف يكون باطناً؟ فأوّل الناس في العمل لا يكون آخرهم فيه وهكذا الظاهر والباطن.
ولكن يمكن تفسير ذلك من خلال كونه محيطاً بالموجودات الإمكانية أوّلاً، وقيامهم به قيام المعنى الحرفي بالاسمي ثانياً.
فإذا كان محيطاً بوجوده على كلّ شيء فكلّما فرض أوّلاً فهو قبله بحكم كونه محيطاً والشيء محاطاً، فهو الأوّل دون الشيء المفروض أوّلاً، وكلّ ما فرض آخراً فهو بعده لحديث إحاطة وجوده به من كلّ جهة، فهو الآخر دون الشيء المفروض وليس أوّليته تعالى ولا آخريته زمانية ولا مكانية، بل بمعنى كونه محيطاً بالأشياء على أيّ نحو فرضت وكيفما تصوّرت.
فإذا كان العالم قائماً به قيام المعنى الحرفي بالاسمي، فكيف يمكن خلو العالم عن وجود الواجب؟ فالعالم بما فيه من الصغير والكبير، ومن الذرة إلى المجرّة، ومن المادي إلى المجرد، قائم به سبحانه قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، فيكون سبحانه ظاهر العالم وباطنه.
وبالجملة إحاطته له وقيمومته للوجود الإمكاني يجعله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ويترتب عليه قوله سبحانه (وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَ ما كُنْتُمْ)(2)، ومن الخطأ الواضح تفسير هذه المعية بالمعية العلمية، بل هي معية وجودية لكن حسب ما ذكره الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)في خطبته: «لم يحل في الأشياء فيقال هو كائن، ولم ينأ عنها فيقال إنّه منها بائن».(3)

1 . الحديد:3.      2 . الحديد: 4.   3 . نهج البلاغة: الخطبة:65، ولاحظ الخطبة 179.

صفحه 85
إلى هنا تبيّن كيفية تفسير الآية بالعقل الصريح، وقد أتينا بنماذج أربعة من هذه المقولة، أعني:
أ. واحد لا ثاني له.
ب. ليس للعالم مدبّر سواء.
ج. أنّه سبحانه فوق الرؤية.
د. أنّه سبحانه هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن.
كلّ ذلك من قبيل تفسير الآية بالعقل الصريح النظري في مقابل التفسير بالعقل الصريح العملي الذي سنوضحه تالياً.

القرآن والعقل العملي

قسّم الحكماء العقل إلى عقل نظري وعقل عملي، والمراد هو تقسيم المدرك إلى هذين القسمين، وإلاّ فالعقل المدرِك واحد بجوهره ووجوده، فما يدركه لو كان من قبيل ما يجب أن يُعلم ويُدرك فهو عقل نظري كما عرفت من الأمثلة السابقة حيث أدركنا أنّ اللّه سبحانه واحد لا نظير له، وأنّه مدبّر لا مدبّر سواه، وأنّه فوق أن يُرى وأنّه الأوّل والآخر والظاهر والباطن.
وأمّا ما يدركه العقل ممّا يجب أن يعمل ويطبق على الحياة فيعبر عنه بالعقل العملي أي المدرَك الذي يجب أن يعمل به في نظر العقل، وهذا ما يعبر عنه بالتحسين والتقبيح العقليّين الذي له فروع وشؤون في نظر العقل.
فهناك مَن يفسر القرآن الكريم بالعقل الصريح العملي، وإليك نموذجين من هذه المقولة.

صفحه 86

تنزيهه سبحانه عن العبث

إذا قلنا بالتحسين والتقبيح العقليين وأنّ العقل يدرك لزوم ما يحسنه العقل والاجتناب على ما يقبحه يفسر بذلك لفيف من الآيات:
أ. أنّه سبحانه يصف فعله بالنزاهة عن العبث واللغو، ويقول:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَانّكُمْ إِلينا لا ترجعُون) .(1)
(وَما خَلَقْنا السَّموات وَالأَرْض وَما بَيْنَهُما لاعِبين) .(2)
(وَما خَلَقْنَا السَّماء وَالأَرْض وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الّذينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّار).(3)
(وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْس إِلاّ لِيَعْبُدُون) .(4)
وعلى ضوء ذلك فأفعاله سبحانه لا تنفك عن الأغراض، لكن الغرض غاية للفعل لا للفاعل، وبذلك يعلم جواب السؤال التالي:
لو كان فعله تعالى نابعاً عن الغرض لكان ناقصاً بذاته، مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من عدمه وهو معنى الاكتمال.
والجواب: أنّ السائل خلط بين الغرض الراجع إلى الفاعل والغرض الراجع إلى فعله، فالاستكمال موجود في الأوّل دون الثاني، والقائل بأنّ أفعاله سبحانه ليست منفكّة عن الغايات والدواعي إنّما يعني بها الثاني، أي كونه غرضاً للفعل دون الأوّل، فإنّ الغرض بالمعنى الأوّل ينافي كونه غنياً بالذات، والغرض بالمعنى الثاني يوجب خروج فعله عن كونه عبثاً ولغواً وكونه سبحانه عابثاً ولاغياً، فالجمع

1 . المؤمنون:115.         2 . الدخان:38.         3 . ص:27.   4 . الذاريات:56.

صفحه 87
بين كونه غنياً غير محتاج إليه وكونه حكيماً منزّهاً عن العبث واللغو يحصل باشتمال أفعاله على مصالح وحكم ترجع إلى العباد والنظام لا إلى وجوده وذاته.
نعم ربما يمكن أن يقال: إنّ هذا النوع من التفسير يرجع إلى تفسير الآية في ضوء المدارس الكلامية مع أنّ البحث في غيره.
والجواب: أنّ المقصود من المدارس الكلامية هو الأحكام العقلية غير الواضحة على أكثر العقول، وأمّا الظاهر عليه فهو تفسير بالعقل الصريح، والتحسين والتقبيح من هذا النوع من الإدراكات العقلية وإن استخدمته العدلية في مدارسهم الكلامية.

ب. اللّه عادل لا يجور

إنّه سبحانه يصف نفسه بكونه قائماً بالقسط، يقول: (شَهِدَ اللّه أَنّهُ لاإِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَة وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ).(1)
وكما شهد على ذاته بالقيام بالقسط، عرف الغاية من بعثة الأنبياء بإقامة القسط بين الناس.
قال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلنا بِالبَيّنات وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتاب وَالمِيزان لِيَقُومَ النّاس بِالقِسْطِ).(2)
كما صرح بأنّ القسط هو الركن الأساس في محاسبة العباد يوم القيامة، إذ يقول سبحانه: (وَنَضَعُ المَوازينَ القِسْطِ لِيَوْمِ القِيامَة فَلا تظلِمُ نَفسٌ شَيْئاً).(3)
وما في هذه الآيات وغيرها إرشادات إلى ما يدركه العقل من صميم ذاته، بأنّ العدل كمال لكلّ موجود حي مدرك مختار، وانّه يجب أن يوصف اللّه تعالى به

1 . آل عمران:18.   2 . الحديد:25.   3 . الأنبياء:47.

صفحه 88
في أفعاله في الدنيا والآخرة، ويجب أن يقوم سفراؤه به.
وبعبارة أُخرى: اللّه سبحانه عادل، لأنّ الظلم قبيح، ولا يصدر القبيح من الحكيم، فلا يصدر الظلم من اللّه سبحانه.
هذا نموذج ثان لتفسير الآيات بالعقل العملي الصريح، وعليك الإمعان في الآيات التي ترجع إلى العقائد، كي تستخرج منها ما يرجع إلى العقل النظري وما يرجع إلى العقل العملي وتفسيرها بأحدهما في نهاية الأمر.
بقيت هنا أُمور:
الأوّل: أنّه سبحانه يصف نفسه في سورة الحشر بصفات لا يمكن تفسيرها إلاّ في ضوء العقل الصريح، فمن رفض العقل في تفسير القرآن الكريم يعرقل خطاه في تفسير هذا القسم من الآيات.
يقول سبحانه: (هُوَ اللّهُ الّذي لا إلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادةِ هُوَ الرّحمنُ الرَّحيم).(1)
( هُوَ اللّهُ الّذي لا إلهَ إِلاّهُوَ المَلِكُ الْقُدُوس السَّلام المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزيِزُ الجَبّار المُتَكَبِّر سُبحانَ اللّه عَمّا يُشْرِكُونَ).(2)
(هُوَ اللّهُ الخالِقُ البارئُ المُصَوِّر لَهُ الأَسماءُالحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماوات وَالأَرض وَهُوَ العَزيزُ الحَكيم).(3)
وفي هذا القسم من التفسير لا يهتم المفسر في إخضاع الآيات لمنهج عقلي

1 . الحشر: 22 .
2 . الحشر: 23.
3 . الحشر: 24.

صفحه 89
كلامي خاص، وإنّما هو من قبيل الاستضاءة بهذه الأُصول الثابتة عند العقل في تحصيل الآيات.
الثاني: أنّ من اتّخذ العقل أداة وحيدة للتفسير يجب عليه الاقتصار على تفسير الآيات الراجعة إلى العقائد والمعارف وشيئاً ممّا يرجع إلى الأخلاق والمسائل الاجتماعية ولا يتمكّن من تفسير آيات الأحكام والقصص والمغازي وما أشببهما.
الثالث: قد وقفت على كتاب أسماه مؤلّفه السيد نور الدين الحسين العراقي (المتوفّى عام 1341هـ. ق) «القرآن والعقل» و قد طبع في أجزاء ثلاثة، فقد قام بتفسير القرآن بما يوحي إليه عقله الشخصي ويدركه بوجدانه، وإنّما أسمى كتابه بهذا لأنّه لم يكن حين تأليف التفسير كتاب سوى تفسير الجلالين، وقد ألّفه وهو في ساحات الحروب ينتقل من نقطة إلى أُخرى.
وعلى كلّ تقدير فليس ما ألّفه على غرار ما ذكرنا من التفسير بالعقل السليم، وإليك نماذج من بعض تفسيراته:
1.قال في تفسير قوله سبحانه جواباً لطلب موسى الرؤية: قال: (ولكِن انْظُر إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّي رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) .(1)
1. قال: وقد يقال: إنّ كلمة الشرط «فإن استقر»تدلّ على سببية الشرط للجزاء، وأي سببية بين بقاء جبل ورؤية موسى (عليه السلام)مع كون الجبل من الجمادات، وموسى (عليه السلام)إنساناً كاملاً؟!

1 . الأعراف:143.

صفحه 90
فأجاب بقوله: لو كان المراد بالرؤية الرؤية، البصرية الجسمية، فالربط بين الشرط والجزاء يكون حاصلاً، فإنّ الجسم الصلب العظيم غير الشاعر بالتجلّي، إذا لم يبق وصار مندكاً، فالعين الباصرة التي هي مركبة من العناصر وفي منتهى اللطافة تتلاشى بمشاهدة التجلّي مع كونها ذي حس بالأولوية القطعية.(1)
2. يقول في تفسير قوله سبحانه: (فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهيمَ الرَّوْعُ وَجاءتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْم لُوط * إِنّ إِبراهيمَ لَحَليمٌ أَوّاهٌ مُنيب).(2)
كان إبراهيم يجادل رسل اللّه تبارك وتعالى في إهلاك قوم لوط حيث استدعى إمهالهم لعلّهم يرجعون لكن إبراهيم خوطب بترك الجدال وقال: (يا إِبْراهيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَأَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتيهِمْ عَذابٌ غَيْرُمَرْدود) .(2)
أمر سبحانه إبراهيم بالإعراض عن الشفاعة، وذلك لأنّ الشفاعة فرع وجود الاستعداد في المشفوع له لابعد شهود زوال الاستعداد للكمال، وصيرورة أخلاقهم الفاسدة ملكات راسخة غير زائلة.(3)
3. يقول في تفسير قوله سبحانه:(فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلها وَأَمْطَرنا عَلَيْها حِجارةً مِنْ سِجِّيل منضُود).(4)
قال في وجه رجوع العالي إلى السافل، والسافل إلى العالي: إنّ المورد كبعض الزلازل العظيمة التي تنشق الأرض بسببها، فإذا انهدمَت تقع العوالي

1 . القرآن والعقل:2/83.    2 . هود:74ـ75.
2 . هود:76.
3 . القرآن والعقل:2/329.
4 . هود:82.

صفحه 91
وتصل إلى المنشقات وتصير السفلى، والأسفل يقع في البعد ويصير أعلى.(1)
4.يقول في تفسير قوله سبحانه :(لَقَدْكان في يُوسُفَ وَإِخوَتهِ آياتٌ لِلسّائلين).(2)
ومن تلك الآيات الكذب البيّن حيث أتوا بالقميص صحيحاً و في الوقت نفسه قالوا افترسه الذئب مع أنّهما متناقضان.
ثمّ يقول : ونظير ذلك أنّ قريشاً يتّهمون النبي بأنّه مسحور أو مجنون مع ما يرون في النبي من العقل والذكاء، والبرهنة والاستدلال، ومع ذلك يخفونه ويظهرون جنونه.(3)
هذه نماذج ممّا التقطناها من الجزء الثاني من هذا الكتاب وهو يقع في ثلاثة أجزاء وهو بعد لم يكمل تفسير عامة السور على النهج الذي سار عليه.
إلى هنا تمّ تفسير القرآن بالعقل الصريح، وإليك الكلام في سائر الصور من تفسير القرآن بالعقل أي بغير النقل.

1 . القرآن والعقل:2/333.
2 . يوسف:7.
3 . القرآن والعقل:2/367.

صفحه 92

المنهج الأوّل

2
تفسير القرآن على ضوء المدارس الكلامية   

تفسير القرآن على ضوء المدارس الكلامية

هذا هو القسم الثاني من تفسير القرآن بالعقل أي بغير الأثر المروي، والمراد من هذا القسم هو إخضاع الآيات للعقائد التي اعتنقها المفسّر في مدرسته الكلامية، ونجد هذا اللون من التفسير بالعقل غالباً في تفاسير أصحاب المقالات: المعتزلة والأشاعرة، فإنّ لهؤلاء عقائد خاصة في مجالات مختلفة، زعموها حقائق راهنة على ضوء الاستدلال، وفي مجال التفسير حملوا الآيات على معتقدهم، وإن كان ظاهر الآية يأباه ولا يتحمّله غير أنّ هذا النمط من التفسير بالرأي والعقل، يختلف حسب بُعد المعتقد عن مدلول الآية، فربما يكون التفسير بعيداً عن الآية، ولكن تتحمّلها الآية بتصرف يسير، وربما يكون الأصل الكلامي بعيداً عن الآية غاية البعد بحيث لا تتحمّله الآية حتى بالتصرف الكثير فضلاً عن اليسير.
ولا يمكننا التوسّع في هذا المضمار بل نقتصر على تفسير الآيات على ضوء المدرستين الكلاميتين المعتزلة والأشاعرة، فلنقدّم البحث في الأُولى.

صفحه 93
 
تفسير الآيات على ضوء مدرسة الاعتزال

1. الشفاعة حطّ الذنوب أو رفع الدرجة

إنّ الشفاعة لم تكن فكرة جديدة ابتكرها الإسلام وانفرد بها، بل كانت فكرة رائجة بين جميع أُمم العالم من قبلُ وخاصةً بين الوثنيّين واليهود. نعم إنّ الإسلام قد طرحها مهذَّبة من الخرافات، وممّا نُسِج حولها من الأوهام، ومن وقف على آراء اليهود والوثنيّين في أمر الشفاعة يقف على أنّ الشفاعة الدارجة بينهم كانت مبنيّة على رجائهم لشفاعة أنبيائهم في حط الذنوب وغفران آثامهم، ولأجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي ويرتكبون الذنوب، تعويلاً على ذلك الرجاء، فالآيات النافية للشفاعة والمثبتة لها تحت شرائط خاصة كلها راجعة إلى الشفاعة بهذا المعنى فلو نُفِيَت فالمنفي هو هذا المعنى، ولو قُبِلت والمقبول هو هذا المعنى، وقد أوضحنا في محله(1) أنّ الآيات الواردة في مجال الشفاعة على سبعة أنواع لايصح تفسيرها إلاّ بتفسير بعضها ببعض، وتمييز القسم المردود منها عن المقبول.
ومع ذلك نرى أنّ المعتزلة يخصُّون آيات الشفاعة بأهل الطاعة دون العصاة ويرتكبون التأويل في موردها، وما هذا إلاّ للموقف الذي اتّخذوه في حقّ العصاة ومقترفي الذنوب، في أبحاثهم الكلامية، فقالوا بخلود أهل العصيان في النار إذا ماتوا بلا توبة.
قال القاضي عبد الجبار: إنّ شفاعة الفسّاق الذين ماتوا على الفسوق ولم

1 . مفاهيم القرآن: 4/177ـ 199.

صفحه 94
يتوبوا، يتنزل منزلة الشفاعة لِمن قتلَ ولدَ الغير، وترصّد للآخر حتى يقتله، فكما أنّ ذلك يقبح، فكذلك هاهنا.(1)
والذي دفع القاضي إلى تصوير الشفاعة في حقّ المذنب بما جاء في المثال، هو اعتقاده الراسخ بالأصل الكلامي الذي يعدّ أصلاً من أُصول منهج الاعتزال(خلود العاصي ـ إذا مات بلا توبة في النار) وفي الوقت نفسه يعرب عن غفلته عن شروط الشفاعة، فإنّ بعض الذنوب الكبيرة تقطع العلائق الإيمانية باللّه سبحانه كما تقطع الأواصر الروحية بالشفيع، فأمثال هؤلاء ـ العصاة ـ محرومون من الشفاعة، وقد وردت في الروايات الإسلامية شروط الشفاعة وحرمان طوائف منها.
ولو افترضنا صحة ما ذكره من التمثيل فحكمه بحرمان العصاة من الشفاعة اجتهاد في مقابل نصوص الآيات وإخضاع لها لمدرسته الفكرية.
يقول الزمخشري في تفسير قوله سبحانه: (أنفِقُوا مِمّا رَزَقنَاكُمْ مِن قَبْلِ أنْ يَأتِيَ يَومٌ لا بَيعٌ فِيه ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَة)(2): (ولا خُلَّة) حتى يسامحكم أخلاّؤكم به، وإن أردتم أن يحطّ عنكم ما في ذمّتكم من الواجب لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات، لأنّ الشفاعة ثمّة في زيادة الفضل لا غير.(3)
يلاحظ عليه: أنّ الآية بصدد نفي الشفاعة بالمعنى الدارج بين اليهود والوثنيين لأجل أنّهم كفّار، وانقطاع صلتهم عن اللّه سبحانه، وبالتالي إثباتها في حقّ غيرهم بإذنه سبحانه ويقول في الآية التالية: (مَن ذا الّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلاّ

1 . شرح الأُصول الخمسة: 688.
2 . البقرة:254.
3 . الكشاف: 1/291 في تفسير الآية رقم 254 من سورة البقرة.

صفحه 95
بإذنِه)، وأمّا أنّ حقيقة الشفاعة زيادة الفضل لا حطّ الذنوب فهو تحميل للعقيدة على الآية، فلو استدلّ القائل بها على نفي الشفاعة بتاتاً لكان أولى من استدلاله على نفي الشفاعة للكفّار، وذلك لأنّ المفروض أنّ الشفاعة بمعنى زيادة الفضل لا حطُّ الذنوب، وهو لا يتصوّر في حقّ الكفّار لأنّهم لايستحقون الثواب فضلاً عن زيادته.

2. هل مرتكب الكبيرة يستحق المغفرة أو لا ؟

اتفقت المعتزلة على أنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في النار إذا مات بلا توبة(1)وفي ضوء ذلك التجأوا إلى تأويل كثير من الآيات الظاهرة في خلافه نذكر منها آيتين:
الأُولى: يقول سبحانه (وإنّ ربَّكَ لَذُو مَغفِرة لِلنّاسِ عَلى ظُلمِهِمْ وإنَّ ربَّكَ لَشديدُ العِقاب).(2)
فالآية ظاهرة في أنّ مغفرة الربّ تشمل الناس في حال كونهم ظالمين، ومن المعلوم أنّ الآية راجعة إلى غير صورة التوبة وإلاّ لايصح وصفهم بكونهم ظالمين، فلو أخذنا بظاهر الآية فهو يدلّ على عدم جواز الحكم القطعي بخلود مرتكب الكبيرة في النار إذا مات بلا توبة، لرجاء شمول مغفرة الربّ له، ولمّا كان ظاهر الآية مخالفاً للأصل الكلامي عند صاحب الكشاف، حاول تأويل الآية بقوله: «فيه أوجه:
1 . أن يريد ـ قوله (عَلى ظُلمِهِمْ) السيئات المكفَّرة، لمجتنب الكبائر.
2 . أو الكبائر بشرط التوبة.

1 . لاحظ أوائل المقالات: 14، وشرح الأُصول الخمسة: 659.
2 . الرعد: 6.

صفحه 96
3 . أو يريد بالمغفرة الستر والإمهال.(1)
وأنت خبير بأنّ كل واحد من الاحتمالات مخالف لظاهر الآية أو صريحها.
الثانية: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء).(2)
والآية واردة في حقّ غير التائب، لأنّ الشرك مغفور بالتوبة أيضاً، فيعود معنى الآية أنّ اللّه سبحانه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء وإن مات بلا توبة، فتكون نتيجة ذلك عدم جواز الحكم القطعي بخلود مرتكب الكبائر في النار، ولمّا كان مفاد الآية مخالفاً لما هو المحرّر في المدرسة الكلامية للمعتزلة حاول صاحب الكشاف تأويل الآية فقال:
الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين بقوله تعالى: (لِمَنْ يَشاء) كأنّه قيل: «إنّ اللّه لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك» على أنّ المراد بالأوّل من لم يتب وبالثاني من تاب، نظير قولك: إنّ الأمير لايبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لايبذل الدينار لمن لايستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله.(3)
يلاحظ عليه: أنّ ماذكره خلاف ظاهر الآية وقد ساقته إليه مدرسته الكلامية فنزّل الأوّل مورد عدم التوبة، والثاني موردها، حتى تتفق الآية ومعتقده.
كما أنّه لا دلالة في الآية على تقييد الثاني بالتوبة، لأنّه تفكيك بين الجملتين بلا دليل، بل هما ناظرتان إلى صورة واحدة وهي صورة عدم اقترانهما بالتوبة فلا يغفر الشرك لعظم الذنب ويغفر ما دونه.

1 . الكشاف: 2/158.
2 . النساء: 48.
3 . الكشاف: 1/401 في تفسير الآية المذكورة.

صفحه 97
ومن هذا القبيل أيضاً، تفسيره لقوله سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِناً مُتَعَمداً فَجَزاؤهُ جَهَنَّم خالِداً فِيها وَغَضب اللّه عَلَيْهِ وَلَعَنهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظيماً).(1)
فقد فسره الزمخشري على ضوء مذهب الاعتزال من خلود أصحاب الكبائر ـ إذا ماتوا بلا توبة ـ في النار، وجعل هذه الآية من أدلة عقيدته، فقال: هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد، والإبراق والإرعاد، أمر عظيم وخطب غليظ، ـ إلى أن قال ـ والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، ثمّ لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتّباعهم هواهم، وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة(أَفلا يتدبّرون القُرآن أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالها) .
فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل، وهو تناول قوله (وَمَنْ يَقْتُل)أي قاتل كان ما من مسلم أو كافر، تائب أو غيرتائب، إلاّ أنّ التائب أخرجه الدليل، فمن ادّعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله.(2)
إنّ ما ذكره الزمخشري بطوله قد ذكره القاضي عبد الجبار على وجه الإيجاز، وقال: وجه الاستدلال أنّه تعالى بيّن أن مَن قتل مؤمناً عمداً جازاه، وعاقبه، وغضب عليه، ولعنه وأخلده في جهنم.(3)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ دلالة الآية بالإطلاق، فكما خرج منه القاتل الكافر إذا أسلم، والمسلم القاتل إذا تاب، فليكن كذلك من مات بلا توبة ولكن اقتضت

1 . النساء:93.
2 . الكشاف:1/416.
3 . الأُصول الخمسة:659.

صفحه 98
الحكمة الإلهية أن يتفضّل عليه بالعفو، فليس التخصيص أمراً مشكلاً.
وثانياً: انّ المحتمل أن يكون المراد القاتل المستحل لقتل المؤمن، أو قتله لإيمانه وهذا غير بعيد لمن لاحظ سياق الآيات. و مثل هذا يكون كافراً خالداً في النار.

صفحه 99
 
التفسير على ضوء منهج الأشعري
إنّ فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي (543ـ 606هـ) ممّن فسر كثيراً من الآيات القرآنية على ضوء مذهبه ومنهجه الذي يتبعه وهو مذهب الإمام الأشعري، وهو أشعري في العقيدة، شافعي في الفقه، فلنذكر نماذج من تفاسيره.

1. جواز التكليف بما لا يطاق

إنّ جواز التكليف بما لا يطاق من مذاهب الأشاعرة ولقد احتج الرازي على مذهبهم بالآيات التالية:
(إِنَّ الّذين كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُون).(1)
وقوله سبحانه: (لَقَدْحَقَّ الْقَولُ عَلى أَكْثرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُون).(2)
وقوله: (ذَرني وَمَنْ خَلْقتُ وَحيداً ـ إلى قوله : ـ سأُرهِقُهُ صعوداً).(3)
(تبّت يدا أَبي لَهَب).(4)
ثمّ أخذ بتقرير دلالة هذه الآيات على جواز التكليف بما لا يطاق بوجوه أربعة:
أوّلاً: أنّه تعالى أخبر عن أشخاص معيّنين أنّهم لا يؤمنون قط، فلو صدر منهم الإيمان، لزم انقلاب خبر اللّه تعالى الصدق كذباً.
وثانياً: أنّه تعالى لمّا علم منهم الكفر، فكان صدور الإيمان منهم مستلزماً لانقلاب علمه تعالى جهلاً.
وثالثاً: أنّه تعالى كلّف هؤلاء ـ الذين أخبر عنهم بأنّهم لا يؤمنون ـ بالإيمان

1 . البقرة:6.         2 . يس:7.         3 . المدثر:11ـ17.   4 . المسد:1.

صفحه 100
ألبتة، والإيمان يعتبر فيه تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه، وممّا أخبر عنه أنّهم لا يؤمنون قط، فقد صاروا مكلّفين بأن يؤمنوا بأنّهم لا يؤمنون قط، وهذا تكلّف بالجمع بين النفي والإثبات.(1)
يلاحظ عليه : أنّ الوجدان السليم والعقل الفطري يحكم بامتناع تكليف ما لا يطاق، فلا تنقدح الإرادة في لوح نفس الآمر وضمير روحه إذا علم أنّ المأمور غير قادر على العمل، ولذلك قلنا في محله إنّ مرجع التكليف بما لا يطاق إلى كون نفس التكليف محالاً، ولذلك يقول سبحانه: (لا يُكَلّف اللّه نَفساً إِلاّ وُسعَها).(2)
وأمّا الوجوه التي اعتمد عليها الرازي فموهون جداً، وذلك أنّ علمه الأزلي الذي اعتمد عليه في الوجهين الأوّلين لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلّق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسب الخصوصيات الموجودة فيه، وعلى ضوء ذلك تعلّق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية، فتعلّق علمه بوجود الإنسان وكونه فاعلاً مختاراً وصدور فعله عنه اختياراً ـ فمثل هذا العلم ـ يؤكد الاختيار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان.
وإن شئت قلت: إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالإنسان، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية، فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية كان علمه سبحانه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه، وأمّا لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر و اضطرار بلا علم وشعور، أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.

1 . تفسير الرازي:2/42.   2 . البقرة:286.

صفحه 101
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تحليل ما ذكره الرازي بلفظه، فقال:
فلو صدر منهم الإيمان لزم انقلاب خبر اللّه تعالى الصدق كذباً، فنقول:
إنّ هؤلاء لا يصدر منهم الإيمان إلى يوم القيامة قطعاً لكن لا من جهة إخباره سبحانه عنه بل لأجل اختيارهم وانتخابهم عدم الإيمان إلى يوم القيامة، فالإخبار عن عدم تديّنهم شيء، و كون الإيمان خارجاً عن الاختيار شيء آخر، والآية تخبر عن الأوّل دون الثاني.
ومنه يظهر ضعف كلامه الثاني حيث قال: «فكان صدور الإيمان منهم مستلزماً لانقلاب علمه تعالى جهلاً»، وذلك لأنّه سبحانه أخبر عن عدم صدور الإيمان وبما أنّه مخبر صادق لا يصدر منهم الإيمان لكن لا لأجل أنّ اللّه أخبر عنه، بل لأجل مبادئ كامنة في أنفسهم تجرّهم إلى عدم الإيمان، فالإخبار عن عدم الإيمان شيء وكون الإيمان خارجاً عن اختيارهم شيء آخر، والآية تخبر عن الأوّل دون الثاني.
وبما ذكرنا من التحليل تقدر على تحليل الوجه الثالث إذ نمنع أنّهم كانوا مكلّفين بعدم الإيمان بل كان أبو لهب مكلّفاً بالتوحيد والرسالة فقط.

2. امتناع رؤية اللّه أو إمكانها

ذهبت الأشاعرة إلى جواز رؤيته سبحانه يوم القيامة، وهذا هو الأصل البارز في مدرستهم الكلامية، ثم إنّ هناك آيات تدلّ بصراحتها على امتناع رؤيته سبحانه فحاولوا إخضاع الآيات لنظريتهم، وإليك نموذجاً واحداً، يقول سبحانه:
(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيء فَاعبدُوهُ وَهوَ عَلى كُلِّ شَيء

صفحه 102
وَكيلٌ * لا تُدرِكُهُ الأبصارُ وَهُو يُدرِكُ الأبصارَ وَهوَ اللَّطيفُ الخَبير)(1).
ومن المعلوم أنّ الإدراك مفهوم عام لايتعيّن في البصري أو السمعي أو العقلي إلاّ بالإضافة إلى الحاسّة التي يراد الإدراك بها، فالإدراك بالبصر يراد منه الرؤية بالعين، والإدراك بالسمع يراد منه السماع، هذا هو ظاهر الآية، وهي تنفي إمكان الإدراك بالبصر على الإطلاق.
ولمّا وقف الرازي على أنّ ظاهر الآية أو صريحها لا يوافق أصله الكلامي، لأنّها ظاهرة في نفي الإدراك بالبصر، قال: إنّ أصحابنا (الأشاعرة) احتجّوا بهذه الآية على أنّه يجوز رؤيته والمؤمنون يرونه في الآخرة، وذلك لوجوه:
1 . أنّ الآية في مقام المدح فلو لم يكن جائز الرؤية لما حصل التمدّح بقوله: ( لا تُدرِكُهُ الأبصارُ)ألا ترى أنّ المعدوم لا تصح رؤيته، والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لاتصح رؤية شيء منها ولا يمدح شيء منها في كونها «لاتدركه الأبصار» فثبت أنّ قوله: ( لا تُدرِكُهُ الأبصارُ) يفيد المدح، إلاّ إذا صحّت الرؤية.
والعجب غفلة الرازي عن أنّ المدح ليس بالجزء الأوّل فقط، أعني: (لا تُدرِكُهُ الأبصارُ)، بل المدح بمجموع الجزأين المذكورين في الآية كأنّه سبحانه يقول: واللّه جلّت عظمته يدرك أبصاركم، ولكن لا تدركه أبصاركم، فالمدح بمجموع القضيتين لا بالقضية الأُولى.
2. أنّ لفظ «الأبصار» صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق بمعنى أنّه لايدركه جميع الأبصار، وهذا لا ينافي أن يدركه بعض

1 . الأنعام: 102ـ 103.

صفحه 103
الأبصار.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الآية تفيد عموم السلب لاسلب العموم، بقرينة كونه في مقام بيان رفعة ذاته، وشموخ مقامه.
كأنّه سبحانه يقول:
«لا يدركه أحد من جميع ذوي الأبصار من مخلوقاته ولكنّه تعالى يدركهم، وهذا نظير قوله سبحانه: (كَذلِكَ يَطبَعُ اللّهُ عَلى كُلِّ قَلبِ مُتَكبِّر جَبّار)(2). وقوله: (إنَّ اللّهَ لا يُحبُّ كُلَّ مُختال فَخُور)(3).
إلى غير ذلك من الوجوه الواهية التي ما ساقه إلى ذكرها إلاّ ليُخضِعَ الآيةَ، لمعتقده.

1 . تفسير الرازي:13/125.   2 . غافر: 35.   3 . لقمان: 18.

صفحه 104
   

المنهج الأوّل

3

التفسير على ضوء السنن الاجتماعية

إنّ النظرة الفاحصة في التفاسير التي ألّفت قبل القرن الرابع عشر يعرب عن أنّ الطابعَ العام لها هو تفسير الآيات القرآنية، وتبيين مفرداتها، وتوضيح جملها، وكشف مفاهيمها بمعزل عن المجتمع ومسائله ومشاكله، من دون أن يستنطقوا القرآن من أجل وضع الحلول المناسبة لمعاناتهم مع أنّ الواجب على المسلمين الرجوع إلى القرآن لمعالجة دائهم، كما يقول الإمام علي (عليه السلام):
«ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أُخبركم عنه: ألا إنّ فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم».(1)
فإذا كان هذا موقف القرآن الكريم، فالحقّ أنّ القدامى لم يولوا العناية بهذا الجانب من التفسير إلاّ شيئاً يسيراً، وأوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه هو السيد جمال الدين الأسد آبادي، فقد وجه أنظار المسلمين إلى الجانب الاجتماعي من التفسير، فقال في خطبته المعروفة:
عليكم بذكر اللّه الأعظم، وبرهانه الأقوم، فإنّه نوره المشرق، الذي به يخرج من ظلمات الهواجس، ويتخلّص من عتمة الوسواس، وهو مصباح النجاة، من

1 . نهج البلاغة، الخطبة 158.

صفحه 105
اهتدى بها نجا، ومن تخلّف عنه هلك، وهو صراط اللّه القويم، من سلكه هُدي، ومن أهمله غوى.
وتبعه تلميذه ومن تربى في أحضانه، الإمام الشيخ محمد عبده، فأبدع منهجاً خاصاً للتفسير له ميزاته التالية:
1. التحرر من قيود التقليد وإعمال العقل في الأقوال والآراء المروية في الآيات، وفهم كتاب اللّه من دون نظر إلى مذهب إمام دون إمام على وجه يكون القرآن هو المتبع دون مذهب الإمام.
2. الاهتمام ببيان نظم الاجتماع ومشاكل الأُمّة الإسلامية خاصة، ومشاكل الأُمم عامة، وبيان علاجها بما أرشد إليه القرآن من أُصول وتعاليم.
3. التوفيق بين القرآن والنظريات العلمية على وجه لا يكون القرآن مخالفاً للعلم.
فلنأت لكلّ ميزة بمثال.
أمّا الميزة الأُولى فيكفي الإمهال فيما ذكره حول آية الوصية للوالدين.

الوصية للوالدين ليست منسوخة

يقول سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصيةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى الْمُتَّقين) .(1)
قال الشيخ الطوسي: تصحّ الوصية للوارث مثل الابن والأبوين وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لا وصية للوارث.(2)

1 . البقرة:180.
2 . الخلاف:2/41، كتاب الوصية، المسألة1.

صفحه 106
وقال صاحب المنار: الآية صريحة في جواز الوصية للوالدين ولا وارث أقرب للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويتهما بالوصية ثمّ عمّم الموضوع وقال: «والأقربين» ليعم كلّ قريب وارثاً كان أم لا، غير أنّ جمهور الفقهاء من أهل السنّة رفضوا الآية وقالوا بأنّ الآية منسوخة بآية المواريث، ولكنّ الإمام عبده خالف رأي الجمهور وقال: لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، فإنّ السياق ينافي النسخ، فانّ اللّه تعالى إذا شرع للناس حكماً وعلم أنّه مؤقت وأنّه سينسخه بعد زمن قريب فإنّه لا يؤكّده ولا يوثّقه بمثل ما أكّد به أمر الوصية هنا من كونه حقّاً على المتّقين ومن وعيد لمن بدله.(1)
وهذا دليل على أنّ الإمام نظر إلى الآية بعقلية حرة من دون أن يتبع رأي الأئمّة الأربعة وبذلك وجه لوم المتحجّرين إلى نفسه كما هو شأن كلّ مصلح.
وأمّا الميزة الثانية فالحقّ أنّ تفسير الإمام مشحونة بهذه المباحث ولا يمكن لنا عرض معشار ما جاء في ذلك الكتاب من هذا النوع من المسائل، ولنقتصر بالمورد التالي:

الصبر وأثره البنّاء

يقول الإمام في تفسير قوله سبحانه: (وَتَواصَوا بِالصَّبْر) والصبر ملكة في النفس يتيسّر معها احتمال ما يشق احتماله، والرضى بما يكره في سبيل الحقّ، وهو خلق يتعلّق به بل يتوقّف عليه كمال كلّ خُلق، و ما أُوتي الناس من شيء مثل ما أُتوا من فقد الصبر أو ضعفه، كلّ أُمّة ضعف الصبر في نفوس أفرادها، ضعف فيها كلّ شيء، وذهبت منها كلّ قوة، ولنضرب لذلك مثلاً: نقص العلم عند أُمّة من الأُمم

1 . تفسير المنار:2/136ـ 137.

صفحه 107
كالمسلمين اليوم، إذا دقّقت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر، فإنّ من عرف باباً من أبواب العلم، لا يجد في نفسه صبراً على التوسّع فيه، والتعب في تحقيق مسائله، وينام على فراش من التقليد هين لين، لا يكلّفه مشقة، ولا يجشمه تعباً، ويسلّي نفسه عن كسله بتعظيم من سبقه، ولو كان عنده احترام حقيقي لسلفه، لاتّخذهم أُسوة له في عمله، فحذا حذوهم، وسلك مسلكهم، وكلّف نفسه بعض ما حمّلوا أنفسهم عليه واعتقد كما كانوا يعتقدون أنّهم ليسوا بمعصومين.(1)
وكم للأُستاذ بيانات شافية حول المحرمات كالقمار والزنا، وحول الجهاد وتحريم الربا إلى غير ذلك من الأُسس الاجتماعية في الإسلام.
وأمّا الميزة الثالثة فنقتصر بالمورد التالي:

انشقاق السماء عند اختلال نظامها

يذكر في تفسير قوله سبحانه: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)(2) انشقاق السماء مثل انفطارها الذي مر تفسيره في سورة (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)(3)، وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد اللّه خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشقّقت بالغمام واختل نظامها حال ظهوره.(4)

1 . تفسير جزء عمّ، تفسير سورة العصر.
2 . الانشقاق: 1 .
3 . الانفطار: 1 .
4 . تفسير جزء عمّ، ص 49.

صفحه 108
وهذه الأمثلة نقلناها من تفسيره المعروف لجزء عمّ، ذلك التفسير الذي ألّفه بقلمه بمشورة من بعض أعضاء الجمعية الخيرية الإسلامية ليكون مرجعاً لأساتذة مدارس الجمعية في تفهيم التلاميذ معاني ما يحفظونه من سور هذا الجزء، وعاملاً للإصلاح في أعمالهم وأخلاقهم، وقد أتمّ الأُستاذ تفسير هذا الجزء سنة 1321 هـ وهو ببلاد المغرب.
وأمّا الدروس التي ألقاها الإمام فقد ابتدأ بأوّل القرآن في غرة محرم سنة 1317 هـ ، وانتهى عند تفسير قوله تعالى: (وللّهِ ما فِي السَّمواتِ وََما فِي الأَرضِ وَكانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء مُحِيطاً) (1) في منتصف محرم سنة 1321 هـ ، إذ توفّي (رحمه الله)لثمان خلون من جمادى الأُولى من السنة نفسها. وقد أملى الأُستاذ هذه الدروس على تلاميذه.
ومع الأسف انّ ما أملاه الإمام لم ينشر على وفق ما أملاه بلا تصرف بزيادة أو نقيصة، فإنّ تلميذه السيد محمد رشيد رضا لمّا كتب تفسيره المسمّى بتفسير «المنار» أدخل فيه ما كتبه عن أُستاذه من آراء وأقوال ومزجها بآرائه وأفكاره، ولذلك لا يمكن أن ينسب كلّ ما فيه إلى الإمام إلاّ إذا صرح الكاتب به.
وعلى كلّ حال فقد ابتدأ التلميذ بأوّل القرآن وانتهى عند قوله تعالى من سورة يوسف ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَني مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَني مِنْ تَأْويلِ الأَحاديثِ فاطِرَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيّ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحينَ). (2)
ثمّ وافته المنية قبل أن يتم تفسير القرآن.

1 . النساء:126.
2 . يوسف:101.

صفحه 109

موقف المنار من المعاجز والكرامات

قد تعرّفت على المزايا الإيجابية لتفسير المنار، وما فيه من اهتمام بالغ بتفسير القرآن وفق المعايير الاجتماعية السائدة على الحياة.
بيد أنّ التفسير المذكور لا يخلو من سلبيات في موارد وأخصّ بالذكر المعاجز والكرامات، فقد حاول في كثير من الآيات المشتملة على هذا النوع من خوارق العادات، أن يخرجها عن طابعها الغيبي ويصبغ عليها الطابعَ المادي.
والذي دفع المصنّف إلى هذا النوع من التفكير هو انبهاره بالحضارة الغربية المادية حينما نفي أوائل القرن الرابع عشر الهجري وألقى رحل الإقامة في منفاه(باريس)، شاهد عن كثب تقدّم العلوم الطبيعية وازدهارها في مختلف المجالات وصار العلم يقين لكلّ ظاهرة علّة مادية دون أن ينسبها إلى عوامل غيبية من الجن والملك.
وقد دفع ذلك، الأُستاذ إلى محاولة الجمع بين الدين والعلم من خلال تفسير الخوارق بالأسباب الطبيعية على نحو يخرجها عن كونها أمراً خارقاً للعادة، وقد تأثر بهذا المنهج كثير من تلامذته وهذه المحاولة ـ في الحقيقة ـ إخضاع الوحي للعلوم الطبيعة وتفسير له من هذا المنظار.
وها نحن نذكر في المقام نماذج من هذه التأويلات ونقتصر من أجزاء المنار على الجزء الأوّل، كما نقتصر منه على بعض ما ذكره في تفسير سورة البقرة ونحيل الباقي إلى القارئ الكريم.
1. (وَلَقَد عَلِمتُمُ الّذِينَ اعتَدَوْا مِنكُم فِي السَّبتِ فَقُلنا لَهُم كُونُوا قِرَدةً

صفحه 110
خاسئِين * فَجَعَلناها نَكالاً لِما بَينَ يَدَيها وَما خَلفَها وَمَوعِظةً للمتَّقين)(1).
كتب ما يلي:
«إنّ السلف من المفسّرين ـ إلاّ من شذّ ـ ذهب إلى أنّ معنى قوله: (كونوا قردة خاسئين) أنّ صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيّين.
وإنّما نسب هذا المعنى إلى السلف، لأنّه يصطدم بالمنهج الذي اختاره الأُستاذ في تفسير القرآن، حيث لاتصدقه أنصار الحضارة المادية الّذين ينكرون إمكان صيرورة إنسان قرداً حقيقياً دفعة واحدة، ولأجل ذلك مال الأُستاذ إلى رأي مجاهد الذي قال: ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فمثّلوا بالقردة كما مثّلوا بالحمار في قوله تعالى:
(مَثَلُ الّذِينَ حُمِّلُوا التَّوراة ثمَّ لَم يَحمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحمِلُ أسفاراً).(2)
ثم أخذ في نقد قول الجمهور ـ إلى أن قال ـ: فما قاله مجاهد هو الأوفق بالعبرة والأجدر بتحريك الفكرة.(3)
ولا يخفى أنّه إذا صحّ هذا التأويل، فيصح لكلّ من ينكر المعاجز والكرامات وخوارق العادات هذا النمط من التأويل، وعندئذ تبطل المعارف ويكون الكتاب العزيز لعبة بيد المحرّفين.
2 . نقل صاحب المنار عن بعض المفسّرين مذهباً خاصاً في معنى الملائكة وهو أنّ مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات،

1 . البقرة: 65 ـ 66.
2 . الجمعة: 5.
3 . تفسير المنار: 1/343 ـ354.

صفحه 111
وخلقة حيوان، وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أنّ هذا النمو في النبات لم يكن إلاّ بروح خاص نفخه اللّه في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان، فكل أمر كلّي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنّما قوامه بروح إلهي، سُمِّي في لسان الشرع ملكاً ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمّي هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لايعرف من عالم الإمكان إلاّ ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة.
وقال الإمام عبده بعد نقل نظير هذه التأويلات: ولو أنّ نفساً مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك، والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس على ما أبصرت من الحق.(1)
ولايخفى أنّ هذا التأويل لو صحّ في بعض الأحاديث لما صحّ في الملائكة الواردة في قصة آدم وغيرها، وما هذا التأويل إلاّ للخضوع للمنهج الخاص الذي اختاره الأُستاذ في تفسير القرآن.
3. يقول سبحانه: (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللّه جَهْرَة فَأَخَذتكُمُ الصاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(2)
المتبادر من الآية هو إحياؤهم بعد الموت، والخطاب لليهود المعاصرين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)باعتبار أحوال أسلافهم، ولا يفهم أيّ عربي صميم من لفظة (ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوتِكُمْ)، غير هذا إلاّ أنّ صاحب المنار ذهب إلى أنّ المراد من البعث هو كثرة النسل، أي أنّه بعد ما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أنّهم

1 . المنار: 1/273.   2 . البقرة: 55 ـ 56 .

صفحه 112
سينقرضون، بارك اللّه في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحقّ الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حل بهم العذاب بكفرهم لها.(1)
ولم يكن هذا التفسير من الأُستاذ إلاّ لأجل أنّ الاعتراف بالإحياء بعد الموت في الظروف المادية ممّا لا يصدقه العلم الحسي والتجربة، فلأجل ذلك التجأ إلى تفسيره بما ترى، وما أظن أنّ الأُستاذ يتفوّه بهذا التفسير في نظائر الآية في القرآن الكريم.
4. أمر سبحانه بني إسرائيل بذبح البقرة، وقال: (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُركُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة قالُوا أَتَتَّخذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ باللّهِ أَنْ أَكُون مِنَ الجاهلين) إلى أن قال: (وإِذْ قَتَلتُمْ نَفْساً فَادّارءتُمْ فيها وَاللّه مُخرج ما كُنْتُمْ تَكْتُمُون * فَقُلْنا اضْربُوه ببَعضِها كَذلك يحيِي اللّه المُوتى ويُريكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون).(2)
ومجمل القصة هو أنّ رجلاً قتل قريباً له غنياً ليرثه، واختفى قتله له، فرغب اليهود في معرفة قاتله، فأمرهم اللّه أن يذبحوا بقرة ويضربوا بعض المقتول ببعض البقرة فإنّه يحيا، ويخبر عن قاتله.
وهذا هو ما اختاره الجمهور في تفسير الآية، وهو صريح قوله سبحانه:
(فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحيِي اللّه المَوتى) .
وأمّا الأُستاذ فقد سلك طريقاً آخر تحت تأثير موقفه المسبق من المعاجز والكرامات وخوارق العادة، فهو بعد أن نقل رأي الجمهور، قال: قالوا: إنّهم ضربوه

1 . تفسير المنار:1/322.
2 . البقرة:67ـ 73.

صفحه 113
فعادت إلى المقتول الحياة، وقال: قتلني أخي، أو ابن أخي فلان، قال: والآية ليست نصاً في مجمله فكيف بتفصيله؟
ثمّ فسر الآية بما ورد في التوراة من أنّه إذا قتل قتيل ولم يعرف قاتله، فالواجب أن تذبح بقرة في واد دائم السيلان ويغسل جميع أفراد القبيلة أيديهم على البقرة المكسورة العنق في الوادي، ويقولون: إنّ أيدينا لم تسفك هذا الدم. اغفر لشعبك إسرائيل، ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبين أنّه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء.
ثمّ قال: وهذا الإحياء على حد قوله تعالى :(وَلَكُمْ فِي القِصاص حَياة) (1)ومعناه حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قاتل تلك النفس.(2)
وأنت ترى أنّ هذا التفسير لا ينطبق على قوله (فقُلنا اضرِبُوهُ بِبَعضِها)أي اضربوا النفس المقتولة ببعض جسم البقرة (كَذلِكَ يُحيِي اللّه المَوتى)، فهل كان في غسل الأيدي على البقرة المكسورة العنق، ضرب المقتول ببعض البقرة؟! هذا أوّلاً.
وأمّا ثانياً: كيف استند الأُستاذ ـ في تفسير الآية الحاضرة ـ بما ورد في التوراة، مع أنّ المشهور منه أنّه يستوحش كثيراً من بعض الروايات التي ربما توافق ما ورد في الكتب المقدّسة، ويصفها بالإسرائيليات والمسيحيات، ومع ذلك عدل عن مسلكه واستند في تفسير الذكر الحكيم بالكلم المحرفة؟!
وليس هذا التفسير ـ في حقيقته ـ إلاّ لأجل ما اتّخذه الأُستاذ من موقف

1 . البقرة:179.    2 . تفسير المنار:1/345ـ 350.

صفحه 114
مسبق تجاه المعاجز والكرامات، وخوارق العادة، وغير ذلك ممّا يرجع إلى عالم الغيب.
5. قال اللّه تعالى: (أَلَمْ تَر إِلَى الّذينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَالْمَوت فَقالَ لَهُمُ اللّه مُوتُوا ثُمَّ أَحياهُمْ إِنَّ اللّه لَذُو فَضْل عَلَى النّاس ولكِنَّ أَكْثَر النّاس لا يشكُرون).(1)
ذهب الجمهور إلى أنّهم قوم من بني إسرائيل فرّوا من الطاعون أو من الجهاد فأرسل عليهم الموت، فلمّا رأوا أنّ الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً منه، فأماتهم اللّه جميعاً وأمات دوابّهم ثمّ أحياهم لمصالح وغايات أُشير إليها في الآية.
لكن الأُستاذ أنكر ذلك واختار كون الآية مسوقة سوق المثل، وأنّ المراد بهم قوم هجم عليهم أُولو القوة والقدرة من أعدائهم فلم يدافعوا عن استقلالهم وخرجوا من ديارهم وهم أُلوف، فقال لهم اللّه موتوا موت الخزي والجهل، والخزي موت والعلم وإباء الضيم حياة، فهؤلاء ماتوا بالخزي ثمّ أحياهم بإلقاء روح النهضة والدفاع عن الحقّ، فقاموا بحقوق أنفسهم واستقلّوا في أمرهم.
يلاحظ عليه: أنّه لو كانت الآية مسوقة سوق المثل وجب أن تذكر فيه لفظة «المثل» كما هو دأبه سبحانه في الأمثال القرآنية، مثل قوله :(كَمَثَل الَّذي اسْتَوقَدَ ناراً) .(2)
وقوله تعالى: (إِنّما مَثَلُ الحَياة الدُّنْيا كَماء أَنْزَلْناهُ). (3)

1 . البقرة:243.
2 . البقرة:17.
3 . يونس:24.

صفحه 115
وقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذينَ حمِّلُوا التَّوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمار يَحْمِلُ أَسفاراً).(1)
فحمل الآية على المثل وإخراجها عن كونها وردت لبيان قصة حقيقية، تفسير بلا شاهد، وتأويل بلا دليل.
وكم للأُستاذ رشيد رضا في تفسيره هذا زلاّت وغفلات أجملنا الكلام فيه ونذكر منها أمرين:
الأوّل: توغّله في التوهّب ودفاعه العنيف عن ابن تيمية وتعريفه بشيخ الإسلام على وجه أصبح من دعاة الوهابية، وناشري أفكارها.
الثاني: تحامله على الشيعة في غير واحد من المواضع على وجه دعا السيد محسن الأمين العاملي على إفراد كتاب أسماه «الحصون المنيعة في رد ما أورده صاحب المنار في حقّ الشيعة» وقد أغرق فيه نزعاً في التحقيق فلم يبق في القوس منزعاً.

1 . الجمعة:5.

صفحه 116

المنهج الأوّل

تفسير القرآن على ضوء العلم الحديث    
4

التفسير على ضوء العلم الحديث

ومن المولعين بهذا النمط من التفسير الشيخ طنطاوي جوهري (1287ـ 1358هـ) في كتابه المعروف «الجواهر في تفسير القرآن» وهو يهتم بهذا النمط، قائلاً بأنّ في القرآن من آيات العلوم ما يربو على 750 آية في حين أنّ علم الفقه لا تزيد آياته الصريحة على 150 آية.
ثمّ إنّه يهيب بالمسلمين أن يتأمّلوا في آيات القرآن التي ترشد إلى علوم الكون، ويحثّهم على العمل بما فيها ويندد بمن يغفل عن هذه الآيات على كثرتها، وينعى على من أغفلها من السابقين الأوّلين ووقف عند آيات الأحكام وغيرها ممّا يتعلّق بأُمور العقيدة.
ثمّ إنّ الشيخ الذهبي قد ذكر نماذج من هذا النوع من التفسير استخرجها من دراسة هذا التفسير وقال : إنّا لنجد المؤلف (رحمه الله)يفسّر آيات القرآن تفسيراً علمياً يقوم على نظريات حديثة وعلوم جديدة لم يكن للعرب عهد بها من قبل ثمّ قال: وإليك بعض ما جاء في هذا التفسير.
1. يقول سبحانه: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتهُمْ وَأَيديهِم وَأَرجُلهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُون)(1)، وقوله سبحانه: (الْيَومَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيديهِمْ وَتَشْهَدُ

1 . النور: 24.

صفحه 117
أَرْجُلهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون) (1)، والشيخ طنطاوي يفسّر الآيتين ونظائرهما بما أثبته العلم.
يقول: «أو ليس الاستدلال بآثار الأقدام، وآثار أصابع الأيدي في آياتنا الحاضرة، هو نفس الذي صرح به القرآن، وإذا كان اللّه يعلم ما في البواطن بل هو القائل للإنسان: (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوم عَلَيْكَ حَسيباً)(2)، والقائل: (بَل الإِنْسانُ عَلى نَفْسهِ بَصيرة) (3)، أفلا يكون ذكر الأيدي والأرجل والجلود وشهادتها يوم القيامة ليلفت عقولنا إلى أنّ من الدلائل ما ليس بالبيّنات المشهورة عند المسلمين؟ وأنّ هناك ما هو أفضل منها؟ وهي التي يحكم بها اللّه فاحكموا بها. ويكون ذلك القول لينبهنا ويفهمنا أنّ الأيدي فيها أسرار، وفي الأرجل أسرار، وفي النفوس أسرار، فالأيدي لا تشتبه، والأرجل لا تشتبه، فاحكموا على الجانين والسارقين بآثارهم أو ليس في الحق أن أقول: إنّ هذا من معجزات القرآن وغرائبه؟ وإلاّ فلماذا هذه المسائل التي ظهرت في هذا العصر تظهر في القرآن بنصّها وفصّها.(4)
2. يقول سبحانه: (أَوَ لَمْ يَر الَّذين كَفَرُوا انّ السَّموات وَالأرْض كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِكُلّ شَيء حَيّ أَفلا يُؤمِنُون).(5)
فقد فسر القدماء فتق السماء بنزول المطر وفتق الأرض بخروج النبات، غير أنّ الشيخ طنطاوي يفسّره بما يوحي إليه العلم الحديث، يقول: ها أنت قد اطّلعت

1 . يس:65.
2 . الاسراء:14.
3 . القيامة:14.
4 . الجواهر:3/9.
5 . الأنبياء:30.

صفحه 118
على ما أبرزه القرآن قبل مئات السنين، من أنّ السماوات و الأرض أي الشمس والكواكب وما هي فيه من العوالم، كانت ملتحمة فصلها اللّه تعالى، وقلنا: إنّ هذه معجزة، لأنّ هذا العلم لم يعرفه الناس إلاّ في هذه العصور، ـ إلى أن قال: ـ كأنّه يقول: سيرى الذين كفروا أنّ السماوات والأرض كانت مرتوقة ففصلنا بينهما، فهو وإن ذكرها بلفظ الماضي فقد قصد منه المستقبل كقوله تعالى: أتى أمر اللّه وهذه معجزة تامة للقرآن، وعجيبة من أعجب ما يسمعه الناس في هذه الحياة الدنيا.(1)
3. يذكر في تفسير قوله سبحانه: (وَخَلَقَ الجانّ مِنْ مارِج مِنْ نار)(2) قوله: والمارج المختلط بعضه ببعض، فيكون اللهب الأحمر والأصفر والأخضر مختلطات، وكما أنّ الإنسان من عناصر مختلفات هكذا الجان من أنواع من اللهب مختلطات، ولقد ظهر في الكشف الحديث أنّ الضوء مركب من ألوان سبعة غير ما لم يعلموه. فلفظ المارج يشير إلى تركيب الأضواء من ألوانها السبعة، وإلى أنّ اللهب مضطرب دائماً، وإنّما خلق الجن من ذلك المارج المضطرب، إشارة إلى أنّ نفوس الجان لا تزال في حاجة إلى التهذيب والتكميل. تأمل في مقال علماء الأرواح الذين استحضروها إذ أفادتهم إنّ الروح الكاملة تكون عند استحضارها ساكنة هادئة، أمّا الروح الناقصة فإنّها تكون قلقة مضطربة.(3)
هذه النماذج ونظائرها استخرجها الأُستاذ الذهبي من تفسير الشيخ طنطاوي، وأعقبها بقوله:
والكتاب ـ كما ترى ـ موسوعة علمية، ضربت في كلّ فن من فنون العلم

1 . الجواهر:10/199.
2 . الرحمن:15.
3 . الجواهر:24/17.

صفحه 119
بسهم وافر، ممّا جعل هذا التفسير يوصف بما يوصف به تفسير الفخر الرازي، فقيل عنه (فيه كلّ شيء إلاّ التفسير) بل هو أحقّ من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به، وإذا دلّ الكتاب على شيء، فهو أنّ المؤلف كان كثيراً ما يسبح في ملكوت السماوات والأرض بفكره، ويطوف في نواح شتى من العلم بعقله وقلبه، ليجلي للناس آيات اللّه في الآفاق وفي أنفسهم، ثمّ ليظهر لهم بعد هذا كلّه أنّ القرآن قد جاء متضمّناً لكلّ ما جاء به الإنسان من علوم ونظريات، ولكلّ ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث، تحقيقاً لقول اللّه تعالى في كتابه: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده، وانحراف به عن هدفه.(1)
ويلاحظ على ذيل ما ذكره الذهبي أنّ المراد من «الكتاب» في الآية هو الكتاب التكويني للّه سبحانه، لا التدويني، يظهر ذلك لمن أمعن في الآية وسياقها.

1 . التفسير والمفسرون:2/517.

صفحه 120
   

المنهج الأوّل

5

التفسير حسب تأويلات الباطنية

تطلق الباطنية ويراد بها الإسماعيلية الذين قالوا بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام)بعد رحيل أبيه، وعرفوا بالباطنية لأخذهم باطن القرآن دون ظاهره.
وقد أشبعنا البحث حول عقائد الإسماعيلية في كتابنا «بحوث في الملل والنحل» و قلنا بأنّ إسماعيل بن جعفر (عليه السلام)بريء من هذه الوصمة، وإنّما هي أفكار موروثة من محمد بن مقلاص المعروف بأبي الخطاب الأسدي وزملائه، نظراء: المغيرة بن سعيد، وبشار الشعيري، وعبد اللّه بن ميمون القداح، إلى غير ذلك من رؤساء الباطنية، وقد تبرّأ الإمام الصادق (عليه السلام)والأئمّة المعصومون من هذه الفرقة في بلاغات وخطابات خاصة إلى أتباعهم،ولعنوا الخطابية، ولم نعثر لهم على كتاب تفسيري يفسر القرآن برمته، وإنّما حاولوا تفسير الموضوعات الواردة في القرآن والأحاديث وأسموها بباطن القرآن.
إنّ الباطنية وضعوا لتفسير المفاهيم الإسلامية ضابطة ما دلّ عليها من الشرع شيء وهو أنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، والمراد منه باطنه دون ظاهره المعلوم من اللغة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر، وإنّ باطنه يؤدي إلى ترك العمل بظاهره، واستدلّوا على ذلك بقوله سبحانه:

صفحه 121
(فَضَرَب بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ باب باطنه فيهِ الرّحمة وظاهرهُ مِنْ قبله العَذاب).(1)
وعلى ضوء ذلك فقد أوّلوا المفاهيم الإسلامية بالنحو التالي:
1. الوضوء عبارة عن موالاة الإمام.
2. التيمم هو الأخذ المأذون عند غيبة الإمام الذي هو الحجة.
3. والصلاة عبارة عن الناطق الذي هو الرسول بدليل قوله تعالى في الآية 45 من سورة العنكبوت: (إِنَّ الصَّلاة تَنْهى عَنِ الفَحْشاء وَالْمُنْكر) .
4. والغسل تجديد العهد فمن أفشى سراً من أسرارهم من غير قصد، وإفشاء السر عندهم على هذا النحو هو معنى الاحتلام.
5. والزكاة هي تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه من الدين.
6. والكعبة النبي.
7. والباب علي.
8. والصفا هو النبي.
9. والمروة علي.
10. والميقات الايناس.
11. والتلبية إجابة الدعوة.
12. والطواف بالبيت سبعاً موالاة الأئمة السبعة.
13. والجنة راحة الأبدان من التكاليف.
14. والنار مشقّتها بمزاولة التكاليف.(2)

1 . انظر الفرق بين الفرق:18، والآية 13من سورة الحديد.
2 . المواقف:8/390.

صفحه 122
هذا ما نقلناه عن كتاب «المواقف»، وإن كنت في شك ممّا ذكره فنحن ننقل شيئاً من تأويلاتهم من كتاب «تأويل الدعائم» للقاضي النعمان الذي كان قاضي قضاة الخليفة الفاطمي المعز لدين اللّه منشئ القاهرة وجامعة الأزهر، وهذا الكتاب يضم في طياته تأويل الأحكام الشرعية بدءاً بالطهارة والصلاة وانتهاءً بكتاب الجهاد، فقد أوّل كلّ ما جاء في هذه الأبواب من العناوين والأحكام، وطبع الكتاب في مطبعة دار المعارف في مصر، وإليك نزراً من هذه التأويلات .
جاء في كتاب «تأويل الدعائم»: عن الباقر (عليه السلام): «بني الإسلام على سبع دعائم:(1) الولاية: و هي أفضل و بها و بالوليّ يُنتهى إلى معرفتها، و الطهارة، والصلاة،والزكاة،والصوم، و الحج، و الجهاد»، فهذه كما قال(عليه السلام): دعائم الإسلام قواعده، و أُصوله التي افترضها اللّه على عباده.
ولها في التأويل الباطن أمثال، فالولاية مَثلُها مَثلُ آدم(عليه السلام) لأنّه أوّل من افترض اللّهُ عزّوجلّ ولايته، و أمر الملائكة بالسجود له، و السجود: الطاعة، وهي الولاية، و لم يكلّفهم غير ذلك فسجدوا إلاّ إبليس، كما أخبر تعالى، فكانت المحنةُ بآدم(عليه السلام) الولاية، وكان آدمُ مثلَها، ولابدَّ لجميع الخلق من اعتقاد ولايته، و من لم يتولّه، لم تنفعْهُ ولاية من تولاّه من بَعده، إذا لم يدُن بولايته ويعترف بحقّه، و بأنّه أصل مَنْ أوجب اللّهُ ولايتَه من رسله و أنبيائه وأئمّة دينه، و هو أوّلهم وأبوهم.
والطهارة: مَثَلُها مَثَلُ نوح (عليه السلام)، وهو أوّل مبعوث و مرسل من قبل اللّه ـ لتطهير العباد من المعاصي والذنوب التي اقترفوها، ووقعوا فيها من بعد آدم (عليه السلام)، وهو أوّل ناطق من بعده، وأ وّلُ أُولي العزم من الرسل، أصحاب الشرائع،وجعلَ اللّه آياته التي جاء بها، الماء، الذي جعله للطهارة و سمّاه طهوراً.

1 . المرويّ عن طرقنا: بني الإسلام على خمس.

صفحه 123
والصلاة: مَثَلُها مَثَلُ إبراهيم (عليه السلام) وهو الذي بَنى البيتَ الحرام، ونصبَ المقام، فجعل اللّه البيت قبلة، والمقامَ مصلّى.
والزكاة: مثلها مثل موسى،وهو أوّل من دعا إليها ، و أُرسل بها، قال تعالى: (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى * إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ المُقَدَّسِ طُوى * اذْهَبْ إِلى فِرْعَونَ إِنَّهُ طَغى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى) .(1)
والصوم: مَثَلُه مثل عيسى (عليه السلام)وهو (2) أوّل ما خاطب به أُمّه، أن تقولَ لِمَنْ رأته من البشر، وهو قوله الذي حكاه تعالى عنه لها:(فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَومَ إِنْسِيّاً).(3) وكان هو كذلك يصوم دهره، و لم يكن يأتي النساء، كما لا يَجوز للصائم أن يأتيهنّ في حال صومه.
والحج: مَثَلُه مَثَلُ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، و هو أوّل من أقام مناسك الحج، و سنَّ سنته، وكانت العرب و غيرها من الأُمم، تحجّ البيت في الجاهليّة و لا تقيم شيئاً من مناسكه، كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله: ( وما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَ تَصْدِيَةً).(4)
وكانوا يطوفون به عُراة، فكان أوّلُ شيء نهاهم عنه ذلك فقال، في العُمرة التي اعتمرها، قبل فتح مكة، بعد أن وادعَ أهلَها، وهم مشركون:«لا يطوفنّ بعد هذا بالبيت عريان، ولا عريانة»، وكانوا قد نصبوا حول البيت أصناماً لهم يعبدونها، فلمّا فتح اللّهُ مكّة كسّرها، وأزالها، وسنَّ لهم سُنن الحجّ، و مناسكه، وأقام لهم بأمر اللّهِ

1 . النازعات:15ـ18.
2 . الظاهر أنّ ضمير الفاعل يرجع إلى روح الأمين.
3 . مريم:26.   4 . الأنفال:35.

صفحه 124
معالمه. وافترض فرائضه. و كان الحجّ خاتمة الأعمال المفروضة، وكان هو (صلى الله عليه وآله وسلم)خاتم النبيين، فلم يبق بعدَ الحجّ من دعائم الإسلام غير الجهاد، وهو مثل سابع الأئمّة ، الذي يكون سابع اسبوعهم الأخير، الذي هو صاحب القيامة.(1)

مع الشهرستاني في كتابه «مفاتيح الأسرار»

الرأي السائد في مذهب الشهرستاني (467ـ 548هـ) هو أنّه سنّي أشعري يدافع عن السنّة على ضوء المذهب الأشعري، وقد قمنا بترجمة حياته في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل» على ضوء تأليفاته لا سيما كتابه المشهور «الملل والنحل» غير أنّا وقفنا على كتابه في تفسير القرآن الكريم أسماه «مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار» الذي طبع عام 1409هـ في طهران على نسخة وحيدة منه في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي. وقد تصفّحنا بعض فصوله ووقفنا على أنّه إسماعيلي يتستر بغطاء التسنّن، ولكنّه إسماعيلي غير متطرف فيأخذ بظواهر القرآن وفي الوقت نفسه يطلب له تأويلاً ينسجم مع الفكر الإسماعيلي.
يقول في مقدّمته: لقد كانت الصحابة (رضي اللّه عنهم) متّفقين على أنّ علم القرآن مخصوص بأهل البيت (عليهم السلام)، إذ كانوا يسألون علي بن أبي طالب (عليه السلام)هل خصصتم أهل البيت دوننا بشيء سوى القرآن؟ وكان يقول: «لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاّ بما في قراب سيفي هذا».
فاستثناء القرآن بالتخصيص دليل على إجماعهم بأنّ القرآن وعلمه، تنزيله، وتأويله مخصوص بهم، ولقد كان حبر الأُمّة عبد اللّه بن عباس (رضي اللّه عنه) مصدر تفسير جميع المفسرين، وقد دعا له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن قال: «اللّهمّ فقّهه

1 . تأويل الدعائم:1/51ـ52.

صفحه 125
في الدين، وعلّمه التأويل» فتلمّذ لعلي (عليه السلام)حتى فقّهه في الدين وعلَّمه التأويل.
ولقد كنت على حداثة سنّي أسمع تفسير القرآن من مشايخي سماعاً مجرداً حتى وُفقْتُ، فعلّقته على أُستاذي ناصر السنّة أبي القاسم سلمان بن ناصر الأنصاري (رضي اللّه عنهما) تلقفاً(كذا).
ثمّ أطلعتني مطالعات كلمات شريفة عن أهل البيت وأوليائهم (رضي اللّه عنهم) على أسرار دفينة وأُصول متينة في علم القرآن، وناداني من هو في شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة الطيبة (يا أَيُّها الَّذينَ آمنوا اتَّقُوا اللّه وَكُونُوا مَعَ الصّادِقين) (1)، فطلبت الصادقين طلبَ العاشقين، فوجدت عبداً من عباد اللّه الصالحين كما طلب موسى (عليه السلام)مع فتاه (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً)(2)، فتعلّمت منه مناهج الخلق والأمر، ومدارج التضاد والترتيب، ووجهي العموم والخصوص، وحكمي المفروغ والمستأنف، فشبعت من هذا المِعَا الواحد، دون الأمعاء التي هي مآكل الضُّلاّل ومداخل الجُهّال، وارتويت من شرب التسليم بكأس، كان مزاجه من تسنيم فاهتديت إلى لسان القرآن: نظمه،وترتيبه، وبلاغته وجزالته، وفصاحته، وبراعته.
ثمّ إنّه بعد ما يشير إلى أنّ القرآن بحر لا يدرك غوره،ولا يدرك ساحله، والسباحة في هذا البحر كان مقروناً بالخطر، يقول: فوجدت الحبر العالم فاتّبعته على أن يعلِّمني ممّا عُلّم رُشداً، وآنست ناراً، فوجدت على النار هدى فنقلت القراءة والنحو واللغة، والتفسير، والمعاني من أصحابها على ما أوردوه في الكتب نقلاً صحيحاً، من غير تصرّف فيها بزيادة أو نقصان، سوى تفسير مجمل، أو تقصير

1 . التوبة:119.
2 . الكهف:65.

صفحه 126
مطوّل، وعقّبتُ كل آية بما سمعت فيها من الأسرار، وتوسمتها من إشارات الأبرار، ولقد مرّ على الخوض فيها فصول في علم القرآن هي مفاتيح العرفان، وقد بلغت اثنا عشر فصلاً، قد خلت عنها سائر التفاسير وسمّيت التفسير بـ«مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار» وأستعيذ باللّه السميع العليم من القول فيها برأي واستبداد دون رواية واسناد، والخوض في أسرارها ومعانيها جزافاً وإسرافاً دون العرض على ميزان الحقّ والباطل، وإقامة الوزن بالقسط وتقرير الحقّ وتزييف الرأي المقابل له.(1)
ثمّ إنّه ذكر في الفصل الثامن معنى التفسير والتأويل وبما أنّ لأكثر كلامه مسحة من الحق نأتي به.
يقول: ثمّ التأويل المذكور في القرآن على أقسام:
منها: تأويل الرؤيا بمعنى التعبير (هذا تَأْويلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْل) .(2)
ومنها:تأويل الأحاديث (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الأَحادِيثِ).(2)
ومنها: تأويل الأفعال(ذلك تَأويلُ ما لَمْ تَسَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً).(4)
ومنها : الرد إلى العاقبة والمال:(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ).(3)
ومنها: الرد إلى اللّه والرسول (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).(4)

1 . مفاتيح الأسرار:1/2.   2 . يوسف:100.
2 . يوسف:6.   4 . الكهف:82.
3 . الأعراف:53.
4 . النساء:59.

صفحه 127
ومنها: تأويل المتشابهات (فَأَمّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ).(1)
وفي القرآن أحكام المفروغ، وأحكام المستأنف، وأحكام متقابلات على التضاد، وأحكام متفاصلات على الترتب، فرؤية المستأنف هو الظاهر والتنزيل والتفسير، ورؤية حكم المفروغ هو الباطن والتأويل والمعنى والحقيقة(وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الأَلْباب)(2).(3)
فهذا المقطع من كلامه يبيّن موقفه من تأويل القرآن، فالأسرار التي يودعها في تفسيره إن كان مستنداً إلى نص معتبر فهو مقبول، وإلاّ فيرجع إلى التفسير بالرأي.ومن أراد أن يقف على منهج تفسيره وتأويله، فلينظر إلى تفسير قوله سبحانه (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا الاّإِبْليسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ)(4) فلاحظ ص 117ـ 121 من التفسيرالمذكور.(5)

1 . آل عمران:7.
2 . آل عمران:7.
3 . مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار:1/19.
4 . البقرة:34.
5 . ونرفع آية الاعتذار إلى القرّاء الأعزاء لإطناب الكلام فيه، وما ذلك إلاّ نتيجة الغموض الذي كان يكتنف بعض جوانب سيرة المؤلف، حتى وقفنا على تفسيره فاطّلعنا على جانب من حياته ومذهبه الّذي كان مكتوماً حقبة طويلة من الزمن، وإن كان في بعض الكلمات التي نقلناها في كتاب الملل والنحل إشارة إليه.

صفحه 128

المنهج الأوّل

6

التفسير حسب تأويلات الصوفية

التفسير الصوفي قد تأثر إلى حد كبير بأفكار الباطنية، واستخدم القرآن في تعقيب هدف خاص وهو دعم الأُسس العرفانية والفلسفية، وفي الحقيقة أنّهم لم يخدموا القرآن الكريم بشيء وإنّما خدموا آرائهم وأفكارهم من خلال تطبيق الآيات على آرائهم.
فالتفسير الصوفي شعبة من شعب التفسير الباطني في قالب معين كما أشرنا إليه.
وهو ينقسم إلى: تفسير نظري، وفيضي.
أمّا الأوّل، فهو التفسير المبني على أُصول فلسفية ورثوها من أصحابها، فحاولوا تحميل نظرياتهم على القرآن الكريم.
وأمّا التفسير الفيضي، فهو تأويل الآيات على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات رمزية تظهر لأرباب السلوك من غير دعم بحجة أو برهان.
وبعبارة أُخرى: التفسير الفيضي يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفي نفسه حتى يصل بها إلى درجة تنهل على قلبه من سحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف الإلهية.
وعلى كلّ تقدير فتفاسيرهم من غير فرق بين النظري والفيضي مبنية على

صفحه 129
حمل القرآن على ما يعتقدون به من الأُصول والقواعد من دون حجة وبرهان.
وهانحن نذكر شيئاً من تفاسيرهم:

1. تفسير التستري

ولعلّ أوّل تفسير ظهر هو تفسير أبي محمد سهل بن عبد اللّه التستري(200ـ 283هـ) وقد طبع بمطبعة السعادة بمصر عام 1908هـ ، جمعه أبو بكر محمد بن أحمد البلدي، فهو يفسر البسملة بالشكل التالي:
أ. الباء: بهاء اللّه، والسين: سناء اللّه، والميم: مجد اللّه، واللّه: هو الاسم الأعظم الذي حوى الأسماء كلها، وبين الألف واللام منه حرف مكنّى، غيب من غيب إلى غيب، وسر من سر إلى سر.(1)
ب. من ذلك ما ذكره في تفسير الآية (وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)(2) لم يرد اللّه معنى الأكل في الحقيقة، وإنّما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء هو غيره أي لا تهتم بشيء هو غيري، قال: فآدم (عليه السلام)لم يعصم من الهمة والفعل في الجنة، فلحقه ما لحقه من أجل ذلك، قال: وكذلك كلّ من ادّعى ما ليس له وساكنه قلبه ناظراً إلى هوى نفسه، لحقه الترك من اللّه مع ما جبلت عليه نفسه، إلاّ أن يرحمه الله فيعصمه من تدبيره وينصره على عدوه وعليها.(2)
ج. ومنها ما ذكره في تفسير الآية 96 من سورة آل عمران: (إِنّ أوّلَ بيت وُضِعَ لِلنّاسِ...) أوّل بيت وضع للناس بيت اللّه عزّوجلّ بمكة، هذا هو الظاهر، وباطنها الرسول يؤمن به من أثبت اللّه في قلبه التوحيد من الناس.(3)

1 . تفسير التستري:12.   2 . البقرة:35.
2 . تفسير التستري: 16ـ17.
3 . تفسير التستري: 4.

صفحه 130
د. ومنها ما ذكره في تفسير الآية 36 من سورة النساء(وَالجارِ ذِي القُربى وَالجارِ الجُنُبِ وَالصاحِبِ بِالجَنْبِ وَابنِ السَّبِيل...) : وأمّا باطنها، فالجار ذي القربى هو القلب، والجار الجنب: هو الطبيعة، والصاحب بالجنب: هو العقل المقتدى بالشريعة، وابن السبيل هو الجوارح المطيعة للّه.(1)

2. حقائق التفسير للسلمي

إنّ ثاني تفاسير الصوفية التي ظهرت إلى الوجود، هو تفسير أبي عبد الرحمن السلمي (330ـ 412هـ) المسمّى بـ«حقائق التفسير» وكان شيخ الصوفية ورائدهم بخراسان، وله اليد الطولى في التصوّف.
أ. قال في تفسير الآية (وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ).(2)
قال محمد بن الفضل: اقتلوا أنفسكم بمخالفة هواها، أو اخرجوا من دياركم، أي أخرجوا حب الدنيا من قلوبكم ما فعلوه إلاّ قليل منهم في العدد، كثير في المعاني، وهم أهل التوفيق والولايات الصادقة.(2)
ب. وفي سورة الرعد عند قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِي) .(3)
يقول: قال بعضهم: هو الذي بسط الأرض، وجعل فيها أوتاداً من أوليائه وسادة من عبيده فإليهم الملجأ وبهم النجاة، فمن ضرب في الأرض يقصدهم فاز

1 . تفسير التستري:45.   2 . النساء:66.
2 . تفسير السلمي:49.
3 . الرعد:3.

صفحه 131
ونجا، ومن كان بغيته لغيرهم خاب وخسر.(1)
ج. وفي سورة الحجّ عند قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أنَّ اللّهَ أنزلَ من السَّماءِ ماءً فتُصبِحُ الأرضُ مُخْضَرّة).(2)
يقول: قال بعضهم: أنزل مياه الرحمة من سحائب القربة وفتح إلى قلوب عباده عيوناً من ماء الرحمة، فأنبتت فاخضرّت بزينة المعرفة، وأثمرت الإيمان، وأينعت التوحيد، أضاءت بالمحبة فهامت إلى سيّدها، واشتاقت إلى ربها فطارت بهمتها، وأناخت بين يديه، وعكفت فأقبلت عليه، وانقطعت عن الأكوان أجمع. ذاك آواها الحق إليه، وفتح لها خزائن أنواره، وأطلق لها الخيرة في بساتين الأنس، ورياض الشوق والقدس.(3)
د. وفي سورة الرحمن عند قوله تعالى: ( فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الأَكْمامِ)(4) يقول: قال جعفر: جعل الحقّ تعالى في قلوب أوليائه رياض أنسه، فغرس فيها أشجار المعرفة أُصولها ثابتة في أسرارهم، وفروعها قائمة بالحضرة في المشهد، فهم يجنون ثمار الأنس في كلّ أوان، وهو قوله تعالى: (فِيهافاكِهةٌ والنَّخلُ ذاتِ الأكمام) أي ذات الألوان، كلّ يجتني منه لوناً على قدر سعته، وما كوشف له من بوادي المعرفة و آثار الولاية.(5)
وهاهنا كتب أُخرى أُلّفت على هذا الغرار نظير:

1 . تفسير السلمي: 138.
2 . الحج:63.
3 . تفسير السلمي: 212.
4 . الرحمن:11.
5 . تفسير السلمي: 344.

صفحه 132

3. لطائف الإشارات

لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري (376ـ 465هـ).

4. تفسير الخواجه

لعبد اللّه الأنصاري (المتوفّى 480هـ).

5. كشف الأسرار وعدّة الأبرار

لأبي الفضل رشيد الدين الميبدي، وهو بسط وتوضيح لمباني تفسير الخواجه عبد اللّه الأنصاري .

6. تفسير ابن عربي

هو لأبي بكر محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بابن عربي (560ـ 638هـ).
يقول في تفسير الآية 19 ـ20 من سورة الرحمن:(مَرجَ البَحرين يَلتقيان * بَينَهُما بَرزخٌ لا يَبغيان) بأنّ مرج البحرين هو بحر الهيولى الجسمانية الذي هو الملح الأُجاج، وبحر الروح المجرد هو العذب الفرات، يلتقيان في الموجود الإنساني، وإنّ بين الهيولى الجسمانية والروح المجردة، برزخ هو النفس الحيوانية التي ليست في صفاء الروح المجردة ولطافتها، ولا في كثرة الأجساد الهيولائية وكثافتها، ولكن مع ذلك لايبغيان، أي لايتجاوز أحدهما حدّه فيغلب على الآخر بخاصيته، فلا الروح المجردة تجرد البدن وتخرج به وتجعله من جنسه، ولا البدن يجسد الروح ويجعله مادياً(1).

1 . تفسير ابن عربي: 2/280.

صفحه 133

7. عرائس البيان في حقائق القرآن

لأبي محمد روزبهان بن أبي نصر البقلي الشيرازي (المتوفّى 666هـ).

8. التأويلات النجمية

لأبي بكر عبد اللّه الرازي المعروف بـ«داية» (المتوفّى 654هـ). إلى غير ذلك من التفاسير.(1)
وفي الختام نكتفي بما ذكره الذهبي حول هذه التفاسير، وقال:
نحن لا ننكر على ابن عربي أن ثم أفهاماً يلقيها اللّه في قلوب أصفيائه وأحبائه، ويخصّهم بها دون غيرهم، على تفاوت بينهم في ذلك بمقدار ما بينهم من تفاوت في درجات السلوك ومراتب الوصول، كما لا ننكر عليه أن تكون هذه الأفهام تفسيراً للقرآن وبياناً لمراد اللّه من كلامه، ولكن بشرط: أن تكون هذه الأفهام يمكن أن تدخل تحت مدلول اللفظ العربي القرآني، وأن يكون لها شاهد شرعي يؤيدها، أمّا أن تكون هذه الأفهام خارجة عن مدلول اللفظ القرآني وليس لها من الشرع ما يؤيدها، فذلك ما لا يمكن أن نقبله على أنّه تفسير للآية وبيان لمراد اللّه تعالى، لأنّ القرآن عربي قبل كلّ شيء كما قلنا، واللّه سبحانه و تعالى يقول في شأنه: (كتابٌ فُصِّلت آياتُهُ قُرآناً عَرَبِيّاً لقوم يَعْلَمُون)(2)، وحاشا للّه أن يلغز في آياته أو يعمى على عباده طريق النظر في كتابه، وهو يقول: (وَلَقَد يَسَّرنا القُرآنَ للذِّكْرِ فَهَل مِنْ مُدّكِر)(3).(4)

1 . وقد صدرنا في تحرير هذا الموضوع عن كتاب التفسير والمفسرون، للمحقّق الأُستاذ محمد هادي معرفة الّذي وافاه الأجل في أواخر عام 1427 هـ .
2 . فصلت:3.
3 . القمر:17.   4 . التفسير والمفسرون:2/374.

صفحه 134

التفسير الإشاري بين القبول والرفض

هناك منهج اصطلحوا عليه بالتفسير الإشاري وهو نفس التفسير الصوفي، وعرّفوه بأنّ نصوص القرآن محمولة على ظواهرها ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة.(1)
وبعبارة أُخرى: ما يظهر من الآيات بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك ويمكن التطبيق بينها و بين الظواهر المرادة.
وبعبارة ثالثة: القائل بالتفسير الإشاري لا ينكر كون الظاهر مراداً، ولكن يقول بأنّ في هذه الظواهر، إشارات إلى معان خفية تفهمه عدّة من أرباب السلوك وأولو العقل والنهى، وبذاك يمتاز عن تفسير الباطنية فانّهم يرفضون كون الظواهر مرادة ويأخذون بالبواطن، هذا هو حاصل التفسير الإشاري.
واستدلّ القائلون بالتفسير الإشاري بوجهين:
الأوّل: انّ القرآن يدعو إلى التدبّر والتفكّر فيه، ومعنى ذلك هو أنّ القرآن يحتوي على معان وحقائق لا تدرك بالنظرة الأُولى، بل لابدّمن التأمّل والتعمّق حتى يقف الإنسان على إشاراته ورموزه، يقول سبحانه:
(فَما لهؤلاءِ القومِ لا يكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) .(2)
وقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدبّرونَ القُرآنَ ولَو كانَ مِنْ عِندِ غَيرِ اللّهِ لوجَدُوا فِيهِ اختلافاًكَثِيراً) .(3)

1 . شرح العقائد النسفية لسعد الدين التفتازاني:142.
2 . النساء:78.
3 . النساء:82.

صفحه 135
وقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلُوب أَقفالُها).(1)
فهذه الآيات تصف الكافرين بأنّهم لا يكادون يفقهون حديثاً لا يريد بذلك أنّهم لا يفهمون نفس الكلام، لأنّ القوم كانوا عرباً والقرآن لم يخرج عن لغتهم فهم يفهمون ظاهره بلا شك، وإنّما أراد بذلك أنّهم لا يفهمون مراده من الخطاب، فحضّهم على أن يتدبّروا في آياته حتى يقفوا على مقصود اللّه ومراده، وذلك هو الباطن الذي جهلوه ولم يصلوا إليه بعقولهم.(2)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاستدلال بهذه الآيات من الضعف بمكان، فإنّها تدعو إلى التدبّر في نفس المفاهيم المستفاد من ظاهر الآيات وكون القرآن عربياً، وكون القوم عُرباً لا يكفي في فهم القرآن الكريم من دون التدبّر والإمعان، فهل يكفي كون القوم عرباً في فهم مغزى قوله سبحانه:
(هُوَ الأَوّل وَالآخر وَالظّاهر وَالباطن وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَليم)(3)؟
أو في فهم قوله سبحانه: (لو كانَ فِيهما آلهة إِلاّ اللّه لَفَسدَتا فسُبحان اللّه ربّ العرش عَمّا يَصِفُون)(4)؟
أو في فهم قوله سبحانه: (وما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِماخَلَقَ وَلَعَلا بَعْضهُم عَلى بَعْض سُبْحانَ اللّه عَمّا يَصِفُون)(5)؟
فالدعوة إلى التدبّر لا يدلّ على أنّ للقرآن وراء ما تفيده ظواهره بطناً.

1 . محمد:24.
2 . التفسير والمفسرون، نقلاً عن الموافقات:3/382ـ 383.
3 . الحديد:3.
4 . الأنبياء:22.
5 . المؤمنون:91.

صفحه 136
وثانياً: أنّه يمكن أن يكون الأمر بالتدبّر هو تطبيق العمل على ما يفهمونه من القرآن، فربّ ناصح يدلي بكلام فيه نصيحة الأهل والولد، ولكنّهم إذا لم يطبقوا عملهم على قول ناصحهم، يعود الناصح إليهم، ويقول: لماذا لا تتدبّرون في كلامي؟ لماذا لا تعقلون؟ مشعراً بذلك أنّكم ما وصلتم إلى ما أدعوكم إليه وإلاّ لتركتم أعمالكم القبيحة وصرتم عاملين بما أدعو إليه.
الثاني: ما دلّ من الروايات على أنّ للقرآن ظهراً وبطناً، ظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ للقرآن بطناً وظهراً فالحديث فيه ذو شجون، وسيوافيك الكلام فيه في خاتمة الكتاب وأنّه يحتمل وجوهاً على نحو مانعة الخلو:
1. المقصود من البطن هو أنّ ما ورد في القرآن حول الأقوام والأُمم من القصص، وما أصابهم من النعم والنقم، لاينحصر على أُولئك الأقوام، بل هؤلاء مظاهر لكلامه سبحانه وهو يعم غيرهم ممّن يأتون في الأجيال فقوله سبحانه: (وضَربَ اللّهُ مَثَلاً قَريةً كانَت آمنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتِيها رِزقُها رَغَداً مِن كُلِّ مَكان فَكَفَرت بِأنعُمِ اللّهِ فَأذَاقَها اللّهُ لِباسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بِما كانُوا يَصنَعونَ * وَلَقد جاءَهُمْ رَسولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذهُمُ العَذابُ وَهُم ظالِمون)(2) وإن كان وارداً في قوم خاص، لكنّها قاعدة كلية مضروبة على الأُمم جمعاء.
2 . المراد من بطن القرآن هو الاهتداء إلى المصاديق الخفية التي يحتاج الوصول إليها إلى التدبّر، أو تنصيص من الإمام، ولأجل ذلك نرى أنّ علياً(عليه السلام)يقول

1 . الكافي:2/598 الحديث2.
2 . النحل: 112 ـ113.

صفحه 137
في تفسير قوله سبحانه: (وإن نَكَثُوا أيْمانَهُم مِن بَعدِ عَهدِهِم وطَعَنُوا في دِينِكُم فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ إنّهُم لا أيْمانَ لَهُم لَعَلّهُم يَنتَهُون)(1): «إنّه ما قوتل أهلها منذ نزلت حتى اليوم».
وفي رواية أُخرى قال علي(عليه السلام): «عذرني اللّه من طلحة والزبير بايعاني طائعين، غير مكرهين، ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته» ثم تلا هذه الآية(2). وسيوافيك الكلام فيه عند البحث في التأويل مقابل التنزيل.
3 . وهناك احتمال ثالث للبطن، وهو حمل الآية على مراتب مفهومها وسعة معناها واختلاف الناس في الاستفادة منها حسب استعداداتهم وقابلياتهم، لاحظ قوله سبحانه: (أنزَلَ مِن السّماءِ ماءً فَسالت أوديةٌ بِقَدَرِها فاحتَملَ السَّيلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ في النّارِ ابتغاءَ حِلية أو متاع زَبَدٌ مِثلُهُ كَذلِكَ يَضربُ اللّهُ الحَقَّ والباطِلَ فأمّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيمكُثُ فِي الأرضِ كَذلِكَ يَضرِبُ اللّهُ الأمثال).(3)
إنّ للآية مراتب ودرجات من التفسير كل يستفيد منها حسب قابليته والكل يستمد من الظاهر، ونظيرها آية النور.(4) فقد خاض المفسرون في تفسير الآية وتطبيقها على موارد مختلفة وكل استفاد من نورها حسب مؤهّلاته وكفاءاته.
وحاصل القول في التفسير الإشاري: إنّ ما يفهمه المفسّر من المعاني الدقيقة إن كان لها صلة بالظاهر، فهو مقبول، سواء سمّي تفسيراً على حسب الظاهر

1 . التوبة: 12.
2 . البرهان في تفسير القرآن: 1/105.
3 . الرعد:17.
4 . النور:35.

صفحه 138
أو تفسيراً إشارياً; وعلى كل تقدير فالمفسّر على حجّة من ربّه في حمل الآية على ما أدرك، وأمّا إذا كان مقطوع الصلة عن الظاهر، المتبادر إلى الأذهان، فلايصح له حمل القرآن عليه إلاّ إذا حصل له القطع بأنّه المراد، وعندئذ يكون القطع حجّة له لالغيره وإن كان مخالفاً للواقع، ولإيضاح الحال نأتي بأمثلة:
يخاطب سبحانه أُمّ المسيح بقوله: (وهُزّي إلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُساقِطْ عَلَيكِ رُطباً جَنيّاً).(1)
فلو قال أحد: إنّه سبحانه هيّأ مقدّمات الولادة ومؤخّراتها لأُمّ المسيح، حتى الرطب في غير فصله من الشجرة اليابسة، ومع ذلك أمرها أن تهُزَّ بجذع النخلة مع أنّ في وسع المولى سبحانه أن يرزقها الرطب بلا حاجة إلى الهز، ـ أمرها بالهزّ ـ هذا لتفهيمها أنّها مسؤولة في حياتها عن معاشها، وأنّه سبحانه لو هيّأ كلّ المقدّمات فلا تغني عن سعيها وحركتها ولو بالهز بجذع النخلة.
هذا ما ربما يعلق بذهن بعض المفسّرين، ولابأس به، لأنّ له صلة بالظاهر.
روي أنّه بعدما نزل قوله سبحانه: (اليومَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتمَمتُ عَليكُمْ نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسلامَ ديناً)(2)، فرحَ الصحابة وبكى بعضهم فقال: الآية تنعي إلينا برحلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(3).
وكأنّه فهم الملازمة بين إكمال الدين ورحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
نعم هناك تفاسير باسم التفسير الإشاري لايصح إسناده إلى اللّه سبحانه، كتفسير «الم» بأنّ الألف إشارة إلى اللّه واللام إلى جبرئيل والميم إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)،

1 . مريم: 25.
2 . المائدة:3.
3 . روح المعاني للآلوسي: 6/60.

صفحه 139
فإنّه أشبه بالتفسير بالرأي إلاّ إذا كان هناك نصّ من المعصوم.
ولو صحّ هذا التفسير، فيمكن تفسيره بوجوه كثيرة بأنّ يقال الألف إشارة إلى ألف الوحدانية، واللام إلى لام اللطف، والميم إشارة إلى الملك، فمعنى الكلمة: من وحّدني تلطفت له فجزيته بالملك الأعلى.
وأسوأ من ذلك تفسير قوله سبحانه: (والجارِ ذِي القُربَى والجارِ الجُنُبِ وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ وابنِ السّبِيل)(1) بأن يقال: (وَالجارِ ذِي القُربى) هو القلب، (وَالجارِ الجُنُبِ)، هو الطبيعة، (وَالصاحِبِ بِالجَنْبِ)هو العقل المقتدي بالشريعة، (وَابنِ السَّبِيل)هو الجوارح المطيعة للّه.
فمثل هذا النوع من التفسير يلتحق بتفاسير الباطنية التي مضى البحث فيها.

1 . النساء: 36 .

صفحه 140

صفحه 141
المنهج الثاني
التفسير بالنقل
      وصوره:
1. تفسير القرآن بالقرآن
2. التفسير البياني للقرآن
3. تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية
4. تفسير القرآن بالمأثور عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام)
وإليك بيان هذه الأقسام:

صفحه 142

صفحه 143

المنهج الثاني

1

تفسير القرآن بالقرآن

إنّ هذا المنهج من أسمى المناهج الصحيحة الكافلة لتبيين المقصود من الآية، كيف وقد قال سبحانه:
(وَنَزّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبياناً لِكُلِّ شَيء).(1)
فإذا كان القرآن موضحاً لكلّ شيء، فهو موضح لنفسه أيضاً، كيف والقرآن كلّه «هدى» و «بيّنة» و «فرقان» و «نور» كما في قوله سبحانه:
(شَهرُ رَمضانَ الّذي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنّاسِ وَبيِّنات مِنَ الهُدى والفُرقان).(2)
وقال سبحانه:
(وأنزَلنا إلَيكُمْ نُوراً مُبيناً).(2)
وعن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ القرآن يصدّق بعضه بعضاً».
وقال علي(عليه السلام)في كلام له يصف فيه القرآن: «كتاب اللّه تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض،

1 . النحل:89 .   2 . البقرة: 185.
2 . النساء:174.

صفحه 144
ولايختلف في اللّه ولايخالف بمصاحبه عن اللّه»(1).
وهذا نظير تفسير المطر الوارد في قوله سبحانه: (وأمطَرنا عَلَيهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ المُنذَرين)(2) بالحجارة الواردة في آية أُخرى في هذا الشأن قال: (وأمطَرنا عَلَيهِم حِجارَةً مِن سِجِّيل).(2)
وفي الروايات المأثورة عن أهل البيت نماذج كثيرة من هذا المنهج يقف عليها المتتبع في الآثار الواردة عنهم عند الاستدلال بالآيات على كثير من الأحكام الشرعية الفرعية وغيرها.
وقد قام أحد الفضلاء باستقصاء جميع هذا النوع من الأحاديث المتضمّنة لهذا النمط من التفسير.
ولنذكر بعض النماذج من هذا المنهج.
1 . سأل زرارة ومحمد بن مسلم أبا جعفر(عليه السلام)عن وجوب القصر في الصلاة في السفر مع أنّه سبحانه يقول: (وَلَيْسَ عَلَيكُم جُناح)(3) ولم يقل افعلوا؟
فأجاب الإمام(عليه السلام)بقوله: «أو ليس قد قال اللّه عزّ وجلّ في الصفا والمروة: (فَمَن حَجَّ البَيتَ أوِ اعتَمرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِما)(4) ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض»(5).
2 ـ روى المفيد في إرشاده: أنّ عمر أُتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهمَّ

1 . نهج البلاغة: الخطبة129.   2 . الشعراء:173.
2 . الحجر:74.
3 . الأحزاب: 5.
4 . البقرة: 158.
5 . الوسائل: 5، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.

صفحه 145
برجمها فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): «إن خاصمتك بكتاب اللّه خصمتك، إنّ اللّه تعالى يقول: (وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً)(1). ويقول: (وَالوالِداتُ يُرضِعنَ أولادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أراد أن يُتِمَّ الرّضاعَة).(2)
فإذا تم، أتمّت المرأة الرضاع لسنتين، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً كان الحمل منها ستة أشهر»، فخلّى عمر سبيل المرأة.(3)
3. يقول سبحانه: (حم * والكِتاب المُبين * إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكة).(4)
فالآية تدل على أنّ القرآن نزل في ليلة مباركة، وأمّا أيّة ليلة تلك، وفي أي شهر فيستفاد من ضم آيتين أُخريين، يقول سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة القَدْر)(5)، وقوله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضان الَّذي أُنْزلَ فيهِ القُرآن)(6)، فمن ضم هذه الآيات الثلاثة يستفاد أنّ القرآن في ليلة مباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان.
4. يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ وَلِلرَّسُول إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْييكُمْ وَاعْلَمُوا انَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .(7)
غير أنّ حيلولته سبحانه بين المرء وقلبه يعلوه إبهام يفسره، قوله سبحانه: (وَلا تَكُونُوا كَالّذينَ نَسُوا اللّه فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون) .(8)
فإنساء الذات الذي هو فعله تعالى عبارة عن حيلولته بين المرء وقلبه، ومن

1 . الأحقاف: 15.
2 . البقرة: 233.
3 . نور الثقلين: 5/14; الدر المنثور للسيوطي: 7/441، طبع دار الفكر بيروت.
4 . الدخان:1ـ3.
5 . القدر:1.
6 . البقرة:185.
7 . الأنفال:24.   8 . الحشر:19.

صفحه 146
نسي ذاته فقد أهلك نفسه.
5. يقول سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوا انّا نَأْتِي الأَرْض نَنْقُصها مِنْ أَطْرافِها وَاللّه يَحْكُمُ لا مُعقِّب لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَريعُ الحِساب)(1) ولا شكّ انّ الأرض لا تنقص بل ربما تزيد كالسماء في قوله سبحانه: (وَالسَّماء بَنَيْناها بِأَيْد وَانّا لَمُوسِعُون)(2) ، ولكن يرتفع الإبهام بآية أُخرى حيث أطلق وأُريد منها البلد العامر، يقول: (إِنّمّا جَزاءُ الّذينَ يُحارِبُونَ اللّه وَرَسُولَهُ وَيَسْعَونَ في الأَرْض
فَساداً أَنْ يُقتَّلُوا أَو يُصلّبوا أَو تقطّع أَيديهِمْ وَأَرْجُلهُمْ مِنْ خِلاف أَو ينفوا من الأَرض ذلكَ لَهُمْ خِزي فِي الدُّنيا وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذابٌ عَظيم
) (2) فإنّ المراد من الأرض هو البلد العامر الذي يقطن فيها المحارب فينفى منها ليعيش بين البراري والقفار.
وأمّا النقص فتفسّره السنّة ، كما في ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)حيث قال: «فقد العلماء ».(3)
6. يقول سبحانه: (وَالسّارِقُ وَالسّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيديَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزيزٌ حَكيم) .(4)
فقد أطلق اليد وأبهم المراد منه حيث إنّها تطلق على خصوص الأصابع، على خصوص الكف وعليه إلى المرافق، وإلى الكتف، فيرفع الإبهام بقوله

1 . الرعد:41.   2 . الذاريات:47.
2 . المائدة:33.
3 . من لا يحضره الفقيه: 1 / 186 برقم 560، باب النوادر: ليس شيء أحب إلى إبليس من موت فقيه.
4 . المائدة:38.

صفحه 147
سبحانه: (وَانّ المساجِدَ للّه فَلا تَدْعُوا مَع اللّه أَحداً)(1) حيث إنّ المستفاد منه على أنّ مواضع السجود للّه، وراحة الكف من مواضع السجود، وما كان للّه لا يقطع.
7. يقول سبحانه: (إِنّا عَرَضْنا الأَمانَة عَلى السَّموات وَالأَرْض وَالجِبال فَأَبين أَنْ يَحْمِلْنها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإِنْسان إِنّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً)(2)، فالآية تدلّ على كرامة الإنسان، بحيث أُهل لحمل الأمانة.
وأمّا ما هو المراد من تلك الأمانة فيفسرها قوله سبحانه: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكة انّي جاعِلٌ في الأَرْض خَليفَة)(3) ، فخلافة الإنسان عن اللّه سبحانه هي الأمانة التي وصفها اللّه سبحانه على عاتق الإنسان، فبما انّه خليفة للّه سبحانه يجب أن يكون بصفاته وأفعاله مظهراً لصفات اللّه وأسمائه وأفعاله.
إلى غير ذلك من الآيات التي يفسر بعضها بعضاً من دون رأي مسبق.
أقول: هذا النمط من التفسير كما يتحقّق بالتفسير الموضوعي، أي تفسير القرآن حسب الموضوعات; يتحقّق بالتفسير التجزيئي، أي حسب السور، سورة بعد سورة; وهذا هو تفسير «الميزان» كتب على نمط تفسير القرآن بالقرآن، لكن على حسب السور، دون الموضوعات، فبيّن إبهام الآية بآية أُختها.
ولكن الصورة الكاملة لهذا النمط من التفسير يستدعي الإحاطة بالقرآن الكريم، وجمع الآيات الواردة في موضوع واحد، حتى تتجلّى الحقيقة من ضمِّ بعضها إلى بعض، واستنطاق بعضها ببعض، فيجب على القائم بهذا النمط، تفسير

1 . الجن:18.
2 . الأحزاب: 72.
3 . البقرة:30.

صفحه 148
القرآن على حسب الموضوعات، وهو نمط جليل يحتاج إلى عناء كثير، وقد قام العلامة المجلسي برفع بعض مشاكل هذا النمط فجمع الآيات الواردة في كل موضوع حسب الأبواب.
ولو انتشر هذا القسم من البحار في جزء مستقل ربّما يكون مفتاحاً للتفسير الموضوعي فهو(قدس سره)قد استخرج الآيات حسب الموضوعات، وشرحها بوجه إجمالي.
ولكن النمط الأوسط منه هو قراءة القرآن من أوّله إلى آخره، والدقة في مقاصد الآيات، ثم تصنيف الآيات حسب ما ورد فيها من الأبحاث والموضوعات، ففي هذا النوع من التفسير تستخرج الموضوعات من الآيات ثم تصنّف الآيات حسب الموضوعات المستخرجة، وهذا بخلاف ما قام به العلامة المجلسي، فهو صنّف الآيات حسب الموضوعات على ضوء ما جادت بها فكرته، أو جاءت في كتب الأحاديث والأخبار.
وهذا النمط من التفسير لايعني قول القائل: «حسبنا كتاب اللّه» المجمع على بطلانه عند عامة المسلمين، لاهتمامهم بالسنّة مثل اهتمامهم بالقرآن، وإنّما يعني أنّ مشاكل القرآن ومبهماته ترتفع من ذلك الجانب.
وأمّا أنّه كاف لرفع جميع المبهمات حتى مجملات الآية ومطلقاتها فلا، إذ لاشك أنّ المجملات كالصلاة والزكاة تبيّن بالسنّة والعمومات تخصّص بها، والمطلقات تقيّد بالأخبار، إلى غير ذلك من موارد الحاجة إلى السنّة.
هذا بعض الكلام في هذا المنهج، وقد وقع مورد العناية في هذا العصر، فقد أخذنا هذا النمط في تفسيرنا للذكر الحكيم، فخرج منه باللغة العربية أجزاء عشرة باسم «مفاهيم القرآن»، وباللغة الفارسية أربعة عشر جزءاً وانتشر باسم «منشور

صفحه 149
جاويد»، ولا ننكر أنّ هذا العبء الثقيل يحتاج إلى لجنة تحضيرية أوّلاً، وتحريرية ثانياً، وإشراف من الأساتذة ثالثاً، رزقنا اللّه تحقيق هذه الأُمنية.
وإنّ تفسير ابن كثير يستمد من هذا النمط أي تفسير الآيات بالآيات بين الحين والآخر، كما أنّ الشيخ محمد عبده في تفسيره الذي حرر بقلم تلميذه اتّبع هذا المنهج في بعض الأحايين.
والأكمل من التفسيرين في اتّباع هذا المنهج هو تفسير السيد العلامة الطباطبائي فقد بنى تفسيره«الميزان» على تفسير الآية بالآية.
غير أنّ هذه التفاسير الثلاثة كما عرفت كتبت على نحو التفسير التجزيئي، أي تفسير القرآن سورة بعد سورة لا على تفسيره حسب الموضوعات.
وعلى كلّ تقدير فتفسير القرآن بالقرآن يتحقّق على النمط الموضوعي كما يتحقّق على النمط التجزيئي غير أنّ الأكمل هو اقتفاء النمط الأوّل.

صفحه 150

المنهج الثاني

2

التفسير البياني للقرآن

هذا المنهج الذي ابتكره حسب ما تدّعيه الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ أُستاذها الأمين الخولي المصري، عبارة عن استقراء اللفظ القرآني في كلّ مواضع وروده للوصول إلى دلالته وعرض الظاهرة الاسلوبية على كلّ نظائرها في الكتاب المحكم، وتدبّر سياقها الخاص في الآية والسورة ثم سياقها العام في المصحف كلّه التماساً لسرّه البياني.
وحاصل هذا المنهج يدور على ضوابط، وهي:
ألف: التناول الموضوعي لما يراد فهمه من القرآن، ويُبدأ بجمع كلّ ما في الكتاب المحكم من سور وآيات في الموضوع المدروس.
ب: ترتّب الآيات فيه حسب نزولها، لمعرفة ظروف الزمان والمكان كما يستأنس بالمرويات في أسباب النزول من حيث هي قرائن لابست نزول الآية دون أن يفوت المفسّر أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية.
ج: في فهم دلالات الألفاظ يُقدّر أنّ العربية هي لغة القرآن، فتلتمس الدلالة اللغوية الأصلية التي تعطينا حس العربية للمادة في مختلف استعمالاتها الحسية والمجازية.

صفحه 151
ثم يخلص لِلَمحِ الدلالة القرآنية بجمع كلّ ما في القرآن من صيغ اللفظ وتدبّر سياقها الخاص في الآية والسورة وسياقها العام في القرآن كلّه.
د : وفي فهم أسرار التعبير يحتكم إلى سياق النص في الكتاب المحكم ملتزمين ما يحتمله نصاً وروحاً، ويعرض عليه أقوال المفسّرين فيقبل منها ما يقبله النص.
هذا خلاصة هذا المنهج الذي ابتكره الأُستاذ الخولي المصري واقتفت أثره تلميذته بنت الشاطئ، فخرج من هذا المنهج كتاب باسم «التفسير البياني للقرآن الكريم» في جزأين تناول تفسير السور التالية في الجزء الأوّل: «الضحى، والشرح، الزلزلة، النازعات، العاديات، البلد، التكاثر» كما تناول في الجزء الثاني تفسير السور التالية: «العلق، القلم، العصر، الليل، الفجر، الهمز، الماعون».
ولاشك أنّه نمط بديع بين التفاسير، إذ لايماثل شيئاً مما أُلّف في القرون الماضية من زمن الطبري إلى العصر الأخير الذي عرف فيه تفسير الإمام عبده وتفسير المراغي، فهذا النمط لايشابه التفاسير السابقة، غير أنّه لون من التفسير الموضوعي أوّلاً، وتفسير القرآن بالقرآن ثانياً، والنقطة البارزة في هذا النمط هو استقراء اللفظ القرآني في كلّ مواضع وروده في الكتاب.
وبعبارة أُخرى: يهتم المفسّر في فهم لغة القرآن بالتتبع في جميع صيغ هذا اللفظ الواردة في القرآن الكريم ثم يخرج من ضمّ بعض إلى بعض بحقيقة المعنى اللغوي الأصيل، وهو لا يترك هذا العمل حتى في أوضح الألفاظ. مثلاً تتبع في تفسير قوله سبحانه: (ألَم نَشرَح لَكَ صَدرَك) كل آية ورد فيها مادة «الشرح» بصورها، أو كل آية ورد فيها مادة «الصدر» بصيغه المختلفة، وهكذا في كل كلمة حتى وإن كان معناها واضحاً عندنا لكنّه لايعتني بهذا الوضوح، بل يرجع إلى نفس

صفحه 152
القرآن ثم يطبّق عليه سائر الضوابط من تدبّر سياق الآية وسياق السورة، وسياق الآية العام في القرآن كلّه.
والذي يؤخذ على هذا النوع من التفسير أنّه أمر بديع قابل للاعتماد، غير أنّه لا يكفي في تفسير الآيات الفقهية بلا مراجعة السنّة، لأنّها عمومات فيها مخصّصها، أو مطلقات فيها مقيّدها، أو مجملات فيها مبيّنها.
نعم هذا النمط من التفسير يُغني عن كثير من الأبحاث اللغوية التي طرحها المفسّرون، لأنّ المفسّر في هذا النمط يريد أن يستخرج معنى اللفظ من التدبّر في النص القرآني، نعم معاجم العربية وكتب التفسير تعينه في بداية الأمر.
وربما يوجد في روايات أهل البيت في مواضع، هذا النوع من النمط، وهو الدقة في خصوصيات الآية وجملها ومفرداتها.
1 . روى الصدوق بإسناده عن زرارة قال:
قلت لأبي جعفر(عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال: «يازرارة قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ونزل به الكتاب من اللّه عزّ وجلّ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُم)فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أنّ يغسل، ثم قال: (وأيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِق) فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلامين فقال: (وامسَحُوا بِرؤُوسِكُم) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان «الباء» ثم وصل الرجلين بالرأس، فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، ثم فسّر ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)للناس فضيّعوه»(1).

1 . الوسائل: 1، الباب 23من أبواب الوضوء، الحديث1. والآية 6 من سورة المائدة.

صفحه 153
2. روى الكليني بسند صحيح عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سئل عن التيمّم، فتلا هذه الآية: (والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقطَعُوا أيْدِيَهُما) وقال: (فاغسِلُوا وجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِق) قال: «فامسح على كفّيك من حيث موضع القطع»(1).
فقد استظهر الإمام في التيمّم كفاية المسح على الكفين بحجّة أنّه أطلق الأيدي في آية السرقة والتيمّم ولم تقيّد بالمرافق وقال: (فَلَم تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيّباً فَامسَحُوا بِوجُوهِكُم وأيْدِيكُم مِنه)(2)، فعلم أنّ القطع والتيمّم ليس من المرفقين.
وأمّا التعبير عن الزند بموضع القطع ـ مع أنّه ليس موضع القطع عند السرقة كما مرّ ـ فانّما هو لأجل إفهام مبدأ المسح بالتعبير الراسخ ذلك اليوم، أي موضع القطع عند القوم.
3. سأل أبو بصير أحد الصادقين(عليهما السلام) هل كانت صلاة النبي إلى بيت المقدس بأمر اللّه سبحانه أو لا ؟ قال: «نعم، ألا ترى أنّ اللّه تعالى يقول: (وَما جَعَلنا القِبْلَةَ التي كُنْتَ عَلَيها إلاّ لِنَعلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُول) »(3).

1 . الوسائل: 2، الباب 13 من أبواب التيمم، الحديث2.والآية 38 و 6من سورة المائدة .
2 . المائدة: 6.
3 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب القبلة، الحديث2.والآية 143من سورة البقرة.

صفحه 154

المنهج الثاني

3

تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية

ففي هذا المنهج يهتم المفسّر اهتماماً شديداً بالقراءة حتى يقف على الصحيح منها، لأنّه ينبعث عن تحريف القراءة، تحريف اللفظ القرآني المنزل، ومن ثمّ تحريف المعنى.
فالحرص على سلامة المنطق حرص على سلامة معنى النص القرآني، وصيانته من الشبهة أو التحريف.
والاهتمام بالقراءة يستدعي ـ منطقياً ـ الاهتمام بالصنعة النحوية، في النص القرآني إذ أنّ هذا الاهتمام بضبط أواخر الكلمات، إنّما يقصد أساساً إلى المعنى، فعلى المعنى يدور ضبط الكلمة وإعرابها، فالفاعل يُرفع والمفعول به يُنصب وما لحقه من الجر بسبب من أسبابه يُجر.
فالتفات النحويين إلى إعراب القرآن كان التفاتاً طبيعياً، لأنّ الغاية من وضع النحو هو خدمة معنى القرآن وتحليته.
ففي ضوء ضبط القراءة ثم ضبط الإعراب القرآني، يتّضح مفاد الآية في هذا الإطار الخاص، مضافاً إلى تحقيق مفردات الآية لغوياً، وتوضيح معانيها الأصيلة.
وعلى هذا النمط تجد التفاسير الآتية:

صفحه 155
1 . «معاني القرآن»: تأليف ابن زكريا يحيى بن زياد الفرّاء (المتوفّى 207هـ) ففسّر مشكل إعراب القرآن ومعانيه على هذا المنهج، وقد طبع الكتاب في جزأين، حقّقهما محمد علي النجار وأحمد يوسف نجاتي.
ويبدو من ديباجة الكتاب أنّ الفرّاء شرع في تأليفه سنة (204هـ) .
والكتاب قيّم في نوعه، وإن كان غير واف بعامة مقاصد القرآن الكريم.
2 . «مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنى (المتوفّى213هـ) وقيل غير ذلك.
يقول في مقدّمة الكتاب: قالوا: إنّما أُنزل القرآن بلسان عربي ومصداق ذلك في آية من القرآن، وفي آية أُخرى: (وَما أرسَلنا مِن رَسُول إلاّ بِلسانِ قَومِه)(1)فَلم يحتج السلف ولا الّذين أدركوا وحيه إلى النبي أن يسألوا عن معانيه ،لأنّهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعمّا فيه ممّا في كلام العرب من وجوه الإعراب، ومن الغريب والمعاني.
وهذا يعرب عن أنّه كان معتقداً بأنّ الإحاطة باللغة العربية، كافية في إخراج معاني القرآن وهو كما ترى.
نعم القرآن نمط من التعبير العربي لكن ليس كل تعبير عربي غنياً عن البيان، خصوصاً في مجال التشريع والتقنين الذي نرى تفصيله في السنّة.
ولايقصد أبو عبيدة من المجاز ما يقابل الحقيقة، بل يريد ما يتوقّف فهم الآية على تقدير محذوف، وما شابه ذلك، وهو على غرار «مجازات القرآن» للشريف الرضي ـ رضوان اللّه عليه ـ ولكن الشريف الرضي خصّص كتابه بالمجاز بشكله المصطلح.

1 . إبراهيم: 4.

صفحه 156
مثلاً يقول أبو عبيدة: ومن المحتمل من مجاز ما اختصر وفيه مضمر، قال: (وانطَلَقَ المَلأُ مِنهُم أنِ امشُوا وَاصبِرُوا)(1) فهذا مختصر فيه ضمير مجازه: «وانطلق الملاء منهم» ثم اختصر إلى فعلهم وأضمر فيه: وتواصوا أن امشوا، أوتنادوا: أن امشوا، أو نحو ذلك.
وفي آية أُخرى: (ماذا أرادَ اللّهُ بِهذا مَثلاً)(2) فهذا من قول الكفّار، ثم اختصر إلى قول اللّه، وأُضمر فيه قل يامحمّد، (يُضِلُّ بِهِ كَثيراً)(3) فهذا من كلام اللّه.
ومن مجاز ما حُذف وفيه مضمر، قال: (واسْئَلِ القَرْيَةَ التي كُنَّا فِيها والعِيرَ التي أَقبَلْنا فِيها)،(4) فهذا محذوف فيه ضمير مجازه: واسأل أهل القرية، ومَن في العير.
وقد طبع الكتاب وانتشر.
3 . «معاني القرآن» لأبي إسحاق الزجاج (المتوفّى 311هـ) يحدّد ابن النديم تاريخ تأليف هذا الكتاب في نص قرأه على ظهر كتاب المعاني: ابتدأ أبو إسحاق إملاء كتابه الموسوم بمعاني القرآن في صفر سنة 285هـ وأتمّه في شهر ربيع الأوّل سنة 301 هـ .
والكتاب بعد مخطوط ومنه نسخ متفرقة في المكتبات.
4. «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: تأليف الشريف الرضي أبي الحسن، محمد بن الحسين (359 ـ 406 هـ) .
يقول في أوّله: إنّ بعض الإخوان جاراني وذكر ما يشتمل عليه القرآن من

1 . ص: 6.         2 . البقرة: 26.         3 . البقرة: 26.   4 . يوسف:82.

صفحه 157
عجائب الاستعارات وغرائب المجازات، التي هي أحسن من الحقائق مَعْرضاً، وأنفع للعلة معنى ولفظاً، وإنّ اللفظة التي وقعت مستعارة لو أوقعت في موقعها، لفظة الحقيقة لكان موضعها نابياً بها، ونصابها قلقاً بمركّبها، إذا كان الحكيم سبحانه لم يورد ألفاظ المجازات لضيق العبارة عليه، ولكن لأنّها أجلى في أسماع السامعين، وأشبه بلغة المخاطبين، وسألني أن أجرّد جميع ما في القرآن في ذلك على ترتيب السور ليكون اجتماعه أجل موقعاً وأعم نفعاً، وليكون في ذلك أيضاً فائدة أُخرى.
(إلى أن قال): وقد كنت أوردت في كتابي الكبير «حقائق التأويل في متشابه التأويل» طرفاً كبيراً من هذا الجنس، أطلتُ الكلام والتنبيه على غوامض العجائب التي فيه من غير استقصاء أوانه(1).
وبهذا البيان امتاز نمط هذا التأليف عمّا ألّفه أبو عبيدة وأسماه بمجاز القرآن.
فالشريف يروم من المجاز القسم المصطلح، ولكنّ أبا عبيدة يروم الكلام الخارج على غير النمط العادي من حذف وتقدير وتأخير، وإضمار وغير ذلك.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 2، طبع عالم الكتب.

صفحه 158
تفسير القرآن بالمأثور عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام)   

المنهج الثاني

4

تفسير القرآن بالمأثور عن النبي والأئمة(عليهم السلام)

ومن التفسير بالمنقول هو تفسير القرآن بما أثر عن النبي والأئمة المعصومين(عليهم السلام)أو الصحابة والتابعين، وقد ظهر هذا النوع من المنهج بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن المعروفين في سلوك هذا المنهج بعد عهد الرسالة عبد اللّه بن عباس، وهو القائل: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب(عليه السلام).(1)وحسبك هذه الشهادة من ترجمان القرآن.
نعم روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه دعا له بالفقه والحكمة وتأويل القرآن.(2)
وقد ذاع هذا المنهج من القرن الأوّل إلى عصرنا هذا، فظهر بين المفسّرين مَن يكتفون في التفسير بالأثر المروي ولايتجاوزون عنه، حتى أنّ بعض المفسّرين لايذكر الآية التي لايجد حولها أثراً من النبي والأئمة، كما هو ديدن تفسير «البرهان» للسيد البحراني، فإليك أشهر التفاسير الحديثية بين الفريقين.
فأشهر المصنّفات على هذا النمط عند أهل السنّة عبارة عن:
1. تفسير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (224 ـ 310هـ) وهذا الكتاب أوسع ما أُلّف في هذا المجال، ومن مزايا هذا التفسير ذكر الروايات مسندة أو

1 . مناهل العرفان: 1/ 468.
2 . أُسد الغابة: 3/193.

صفحه 159
موقوفة على الصحابة والتابعين، وقد سهّل بذلك طريق التحقيق والتثبيت منها، نعم فيها من الإسرائيليّات والمسيحيّات ما لا يحصى كثرة.
2. ويليه في التبسط تفسير الثعلبي (المتوفّى 427هـ) باسم «الكشف والبيان» وهو تفسير مخطوط، ونسخه قليلة، عسى أن يقيّض اللّه رجال التحقيق لإخراجه إلى عالم النور، ومؤلّفه من المعترفين بفضائل أهل البيت (عليهم السلام)، فقد روى نزول كثير من الآيات في حقّ العترة الطاهرة، وينقل عنه كثيراً السيد البحراني في كتبه مثل غاية المرام وتفسير البرهان.
3. تفسير «الدر المنثور» للسيوطي (المتوفّى 911هـ) ففيه ما ذكره الطبري في تفسيره وغيره ويبدو من كتابه «الإتقان» أنّه جعله مقدّمة لذلك التفسير، وقد ذكر في خاتمة «الإتقان» نبذة من التفسير بالمأثور المرفوع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من أوّل الفاتحة إلى سورة الناس.
هذه مشاهير التفاسير الحديثية عند أهل السنّة، اكتفينا بذلك روماً للاختصار.
وأمّا التفسير بالمأثور عند الشيعة، فأشهرها ما يلي:
1. تفسير محمد بن مسعود العياشي المعاصر للكليني الذي توفّي عام 329هـ ، وقد طبع في جزأين، غير أنّ ناسخ الكتاب في القرون السابقة، جنى على الكتاب جناية علمية لاتغتفر حيث أسقط الأسانيد، وأتى بالمتون، وبذلك سدّ على المحقّقين باب التحقيق.
وقد قامت مؤسسة البعثة في قم المقدّسة بتحقيق الكتاب وطبعه في عام 1421 هـ في ثلاثة أجزاء، يحتوي الجزء الثالث منه على ملحقات مهمة، منها استدراك ما سقط من الأحاديث في النسخة الأصلية والإتيان بها من المصادر

صفحه 160
الأُخرى الّتي نقلت الأحاديث عن العياشي وخلت منها النسخة الموجودة. كما قامت لجنة التحقيق باستخراج أسانيد الكتاب من المصادر الّتي نقلت الأحاديث عن العياشي مع أسانيدها، كرجال الكشي وكمال الدين وعلل الشرائع وشواهد التنزيل وكامل الزيارات وغيرها، فأعادوا للكتاب بعض اعتباره فجزاهم الله خير الجزاء.
2. تفسير علي بن إبراهيم القمي (الذي كان حياً عام 307 هـ)، وتفسيره هذا مطبوع قديماً وحديثاً، غير أنّ التفسير ليس لعلي بن إبراهيم القمي وحده، وإنّما هو تفسير ممزوج من تفسيرين، فهو ملفّق ممّا أملاه علي بن إبراهيم على تلميذه أبي الفضل العباس، وما رواه تلميذه بسنده الخاص، عن أبي الجارود عن الإمام الباقر (عليه السلام)، وقد أوضحنا حاله في أبحاثنا الرجالية(1).
3 . وقد أُلّف في أواخر القرن الحادي عشر تفسيران بالمنهج المذكور، أعني بهما:
«البرهان في تفسير القرآن» للسيد هاشم البحراني (المتوفّى 1107 هـ).
و«نور الثقلين» للشيخ عبد علي الحويزي من علماء القرن الحادي عشر.
والاستفادة من التفسير بالمأثور يتوقّف على تحقيق اسناد الروايات، لكثرة تطرق الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات المروية من مسلمة أهل الكتاب إليها أو مستسلمتهم.
وهناك كلمة قيّمة لابن خلدون يقول: إنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولاعلم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُميّة، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونّات، وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنّما

1 . راجع كليات في علم الرجال: 311 ـ315.

صفحه 161
يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم، وهؤلاء مثل: كعب الأحبار ووهب بن منبه، وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم وتُلقّيت بالقبول، وتساهل المفسّرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلها ـ كما قلنا ـ من التوراة أو ممّا كانوا يفترون(1).
ولأجل ذلك ترى أنّ ما أتى به الطبري في تفسيره حول قصة آدم وحواء تطابق ما جاء في التوراة.
والعجب أنّ كتب التفسير مملوءة من أقاويل هؤلاء (أي مسلمة أهل الكتاب) ومن أخذ عنهم، من المسلمين أمثال عكرمة ومجاهد وعطاء والضحاك.
فهؤلاء مضافاً إلى ما ورد فيهم من الجرح والطعن في كتب الرجال المعتبرة عند أهل السنّة، كانوا يأخذون ما أثر عنهم من التفاسير من اليهود والنصارى.(2)
وأمّا ما يتراءى من نقل أقوالهم في تفاسير الشيعة كـ«التبيان» لشيخ الطائفة الطوسي، و«مجمع البيان» للشيخ الطبرسي، فعذرهم في نقل أقوالهم هو رواجها في تلك العصور والأزمنة بحيث كان الجهل بها نقصاً في التفسير وسبباً لعدم الاعتناء به.
وعلى كلّ تقدير فالتفسير بالمأثور يتوقّف على توفر شرائط الحجية فيه، إلاّ إذا كان الخبر ناظراً إلى بيان كيفية الاستفادة من الآية، ومرشداً إلى القرائن الموجودة فيها، فعندئذ تلاحظ كيفية الاستفادة، فعلى فرض صحّة الاستنتاج يؤخذ بالنتيجة وإن كان الخبر غير واجد للشرائط. كما عرفت نماذج منه.
وأمّا إذا كان التفسير مبنياً على التعبّد فلا يؤخذ به إلاّ عند توفر الشرائط.

1 . مقدمة ابن خلدون: 439.
2 . لاحظ آلاء الرحمن: 1/ 46.

صفحه 162
هذه هي المناهج التفسيرية على وجه الاختصار قد عرفت المقبول والمردود، غير أنّ المنهج الكامل عبارة عن المنهج الذي يعتمد على المناهج الصحيحة، فيعتمد في تفسير القرآن على العقل القطعي الذي هو كالقرينة، كما يفسر القرآن بعضه ببعض ويرفع إبهام الآية بأُختها، ويستفيد من الأثر الصحيح الذي يكون حجّة بينه وبين ربّه، إلى غير ذلك من المناهج التي مر بيانها.

صفحه 163
خاتمة المطاف
1. المحكم والمتشابه في القرآن الكريم
2. التأويل في القرآن الكريم
3. القراء السبعة والقراءات السبع
4. صيانة القرآن من التحريف
5. النسخ في القرآن الكريم
6. نزول القرآن على سبعة أحرف
7. المجاز في القرآن الكريم

صفحه 164

صفحه 165
المحكم والمتشابه في القرآن الكريم   
1
المحكم والمتشابه
في
القرآن الكريم
وصف سبحانه كتابه العزيز بالإحكام، وقال: (الر كِتابٌ أُحكِمت آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلت مِنْ لَدُنْ حَكيم خَبير)(1)، والمراد أنّها أُحكمت في نظمها بأن جعلت على أبلغ وجوه الفصاحة حتى صار معجزاً ثمّ فصّلت بالبيان، فالقرآن
محكم النظم، مفصل الآيات.(2) أو أُتقنت آياته فليس فيها خلل ولا باطل، لأنّ الفعل المحكم ما قد أتقنه فاعله حتّى لا يكون فيه خلل ثمّ فصّلت وجعلت متتابعة بعضها أثر بعض.(2)
فعلى الأوّل فالإحكام صفة اللفظ، فالقرآن بجزالة نظمه وإتقان أُسلوبه محكم ومتقن لا يمكن تحدِّيه، وعلى الثاني وصف لمعناه، فهو يشتمل ـ من التوحيد والأخلاق وسائر السنن ـ على أُصول محكمة لا تنقض ولا تردُّ.
وفي الوقت نفسه وصف سبحانه كتابه الكريم بالتشابه، قال سبحانه: (اللّهُ نَزّل أَحسن الحدَيث كِتاباً مُتَشابهاً مَثاني تَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الّذينَ يَخْشَوْنَ ربَّهُمْ ثُمَّ تَلينُ جُلودهُمْ وَقُلوبهُمْ إِلى ذِكْرِ اللّه ذلِك هُدى اللّه يَهْدي به مَنْ يَشاء وَمَنْ

1 . هود:1.   2 . مجمع البيان: 3/141 عن أبي مسلم الإصفهاني.
2 . المصدر نفسه.ولم يذكر اسم القائل.

صفحه 166
يضلِل اللّه فَما لَهُ مِنْ هاد).(1)
وقد اختلفت كلمة المفسّرين في تفسير «المتشابه» في هذه الآية الذي جعل وصفاً لعامّة آيات القرآن الحكيم، ولكنّهم لو رجعوا إلى نفس الآية وأمعنوا النظر فيها لارتفع الإبهام، وذلك أنّه سبحانه يأتي بعد كلمة «متشابهاً» قوله «مثاني» فهو يفسّر معنى المتشابه، فالقرآن الكريم يشتمل على آيات متكررة المضمون، يُشبه بعضها بعضاً، ويؤيد بعضها بعضاً، فقد كرر القصص والمغازي كما كرّر ما يرجع إلى التوحيد بأقسامه إلى غير ذلك من المعاني المتكررة.
وعلى ضوء ذلك فلا منافاة بين الآيتين اللتين تصفان القرآن بالإحكام تارة وبالتشابه أُخرى.

تقسيم الآيات إلى محكمات، ومتشابهات

إذا كانت الآية الأُولى تصف القرآن كلّه بالإحكام وآياته بالمحكمة، والآية الثانية تصف القرآن كلّه بالمتشابه، فثمة آية أُخرى تقسّم الآيات إلى قسمين:
1. آيات محكمات هنّ أُمّ الكتاب.
2. وآيات متشابهات يبغون أهل الزيغ تأويلها.
قال سبحانه: (هُوَ الّذي أنْزل عليكَ الكِتاب مِنْهُ آيات مُحْكَمات هُنَّ أُمّ الكِتاب وَأُخر مَتَشابهات فَأَمّا الّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَة وَابْتِغاءَتَأْويلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلهُ إِلاّ اللّه وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمّنا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبّنا وَما يَذَّكّرُ إِلاّ أُولوا الأَلباب).(2)

1 . الزمر:23.
2 . آل عمران:7.

صفحه 167
ولا منافاة بين هذا التقسيم والتقسيمين الأوّلين، وذلك لاختلاف متعلّق الإحكام والتشابه فيها، فإنّ الإحكام الذي هو بمعنى الإتقان في الآية الأُولى وصف للآية باعتبار نظم الآية وجزالة ألفاظها على وجه لا يمكن تحدّيها، كما أنّ التشابه في الآية الثانية وصف لمعنى الآية، فمعاني الآيات القرآنية متكرّرة لكنّها متوحّدة الهدف.
وأمّا الإحكام والتشابه في هذه الآية فالموصوف بهما دلالة الآية وظهورها في المعنى المقصود ولا مانع من أن يكون القرآن كلّه متقناً من حيث تركيبه وجُمَله، ومتشابهاً متكرر المضمون من حيث معانيه; وفي الوقت نفسه محكماً ومتقن الدلالة في قسم، ومتشابه الدلالة في قسم آخر.
إنّ الإحكام في اللغة هو الإتقان، توصف به الآية إذا كانت ذات دلالة واضحة بحيث لا تحتمل وجهاً آخر، فهو (الإحكام) مأخوذ من الحُكْم بمعنى المنع، قال الشاعر:
أبني حنيفة حكِّموا أولادكم *** إني أخاف عليكم أن أُغضبا
أي امنعوا أولادكم من التعرض.
فالآية باعتبار استحكام دلالتها وإتقانها تمنع من الاضطراب وتطرّق ما ليس بمراد فيها; ويقابله التشابه فهو مأخوذ من الشِّبه أي التماثل، فالتشابه في الدلالة هو أن لا يكون للآية ظهور مستقر ودلالة ثابتة بل يحتمل فيها وجوهاً مختلفة مع أنّ المقصود هو واحد منها.
ويدلّ على أنّ الإحكام والتشابه وصف للدلالة، أُمور:
الأوّل : أنّ أصحاب الزيغ (يتبعون ما تشابه) وذلك لأحد الوجهين:
1. ابتغاء الفتنة والفساد في المجتمع وإضلال الناس.

صفحه 168
2. ابتغاء تأويله وإرجاعه إلى ما يتوافق مع أهدافهم الفاسدة، فهم مكان أن يتّبعوا الآيات المحكمة يتّبعون ما تشابه للغايتين الفاسدتين. فاتّباع المتشابه لإيجاد الفتنة وابتغاء تأويله يعرب عن أنّ التشابه إنّما في دلالة الآية، فيأخذون من الاحتمالات ما يمكّنهم من الفتنة وجعل الآية حجّة لما يتبنّون من الأهواء.
2. أنّه يصف الآيات المحكمة بأنّها أُمّ الكتاب، ومعنى ذلك إرجاع ما تشابه إلى الأُمّ; فيجب أن تكون الأُم واضحة الدلالة، بيّنة المعالم، حتى تفسر بها الآيات المتشابهة.
3. أنّ الآية تبحث عن تأويل المتشابه، فإنّ التأويل في الآية (كما سيوافيك في فصل مستقل) إرجاع الآية بالتدبّر فيها وسائر الآيات الواردة في موضوعها إلى المعنى المقصود، وهذا يناسب كون المحور في وصف القرآن بهما هو دلالة الآية وظهورها، فالآيات القرآنية بما أنّها ليست على نسق واحد في الدلالة وعلى درجة واحدة في إفهام المراد تنقسم إلى محكمة ومتشابهة.
فالمحكم ما لا يحتمل إلاّ معنى واحداً، والمتشابه ما يحتمل وجوهاً متعدّدة وكان بعض الوجوه مثيراً للريب والشبهة، والتأويل إرجاع الآية بالتدبّر فيها وما ورد في موضوع الآية من الآيات، إلى المعنى المقصود.
هذا هو المعنى المقصود من الآية من المراحل الثلاثة:
أ. المحكم وما يراد به.
ب. المتشابه وما يراد به.
ج. التأويل وما يراد به في الآية.
وقد سبقنا في تفسير الآية بهذا النحو لفيف من العلماء.
1. قال الشيخ الطوسي: المحكم ما أنبأ لفظه عن معناه من غير اعتبار أمر

صفحه 169
ينضم إليه سواء كان اللفظ لغوياً أو عرفيّاً، ولا يحتاج إلى ضروب من التأويل.
وذلك نحو قوله (لا يُكَلّف اللّه نَفْساً إِلاّ وُسْعها)(1) ، وقوله :(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْس الّتي حَرّم اللّه)(2)، وقوله: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد)(3)، وقوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد) (4) ونظائر ذلك .
والمتشابه: ما كان المراد به لا يعرف بظاهره بل يحتاج إلى دليل، وذلك ما كان محتملاً لأُمور كثيرة أو أمرين، ولا يجوز أن يكون الجميع مراداً فإنّه من باب المتشابه. وإنّما سمّي متشابهاً لاشتباه المراد منه بما ليس بمراد، وذلك نحو قوله: (يا حسرتى عَلى ما فرّطت في جَنْب اللّه)(2) ، وقوله: (وَالسَّموات
مَطوِياتٌ بِيَمِينهِ)(6)، وقوله: (تَجْري بِأَعْيُنِنا)(7)، ونظائر ذلك من الآي التي المراد منها غير ظاهرها.(3)
2. قال الراغب: المتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره إمّا من حيث اللفظ أو من حيث المعنى، فقال الفقهاء : المتشابه ما لا ينبئُ ظاهره عن مراده، وحقيقة ذلك أنّ الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم في وجه ومشابه من وجه آخر.(4)
3. وقال المحقّق النهاوندي: لا ريب في أنّ آيات الكتاب العزيز قسمان: محكم، ومتشابه.
والمحكم هو الكلام الواضح الدلالة بحيث لا يكون للعرف ـ و لو بملاحظة

1 . البقرة:286.      2 . الأنعام:151.      3. التوحيد:1.   4 . التوحيد:3و4.
2 . الزمر:56.   6 . الزمر:67.   7 . القمر:14.
3 . التبيان:1/9. ومراده من قوله: « المراد منها غير ظاهرها» هو الظاهر البدوي المتزلزل، دون الظاهر المستقر الذي ينتهى إليه المفسّر بعد الإمعان في الآية ونظائرها والقرائن الأُخرى.
4 . المفردات: مادة أول.

صفحه 170
القرائن المكتنفة به ـ تحيّر في استفادة المراد منه، ولا يحتاج في تعيين المقصود منه إلى الرجوع إلى العالم أو إلى القرائن المنفصلة أو الأدلّة العقلية والنقلية الخارجية.
والمراد بالمتشابه هو الكلام المجمل أو المبهم الذي يشتبه المراد منه على العرف بحيث لا يكون له بالوضع أو بالقرائن المتصلة حقيقة أو حكماً ظهور في المعنى المراد، بل لابدّ في الاستفادة منه من الرجوع إلى العالم الخبير بمراد المتكلّم، أو الاجتهاد في تحصيل القرائن المنفصلة عن الكلام من حيث العقل المستقل أو سائر كلمات المتكلّمين، ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع ما عن العياشي (رحمه الله)عن الصادق (عليه السلام)أنّه سأل عن المحكم والمتشابه، فقال: «المحكم ما يعمل به، والمتشابه ما اشتبه على جاهله».(1)
وقال العلاّمة الطباطبائي: المراد بالتشابه كون الآية لا يتعيّن مرادها لفهم السامع بمجرد إسماعها، بل يتردّد بين معنى ومعنى حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتُعيّن هي معناها وتبيّنها بياناً; فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة، محكمة بنفسها.
كما أنّ قوله سبحانه: (الرّحمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى) (2) يشتبه المراد منه على السامع أوّل ما يسمعه، فإذا رجع إلى مثل قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)(3)، استقر الذهن على أنّ المراد به التسلّط على الملك والإحاطة على الخلق دون التمكّن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسّم المستحيل على اللّه سبحانه.
وكذا قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)(4) إذا أرجع إلى مثل قوله: (لا تُدْرِكُهُ

1 . نفحات الرحمن:1/19.      2 . طه:5.      3 . الشورى:11.   4 . القيامة:23.

صفحه 171
الأَبْصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار)(1)، علم به أنّ المراد بالنظر غير النظر بالبصر الحسّي ـ إلى أن قال: ـ فهذا ما يتحصّل من معنى المحكم والمتشابه ويتلقّاها الفهم الساذج من مجموع الآية، ولا ريب أنّ الآية التي تقسّم آيات الكتاب إلى محكمة ومتشابهة من الآيات المحكمة.(2)
وأنت إذا سبرت تاريخ المسلمين عبر القرون، تقف على لفيف من أصحاب الزيغ، راحوا يتمسّكون بآيات لها ظهور بدويّ مريب، ومثير للشك في سائر الأُصول دون أن يأوّلوها بالمحكمات وإرجاعها إليها، كبعض الآيات التي توهم التجسيم والتشبيه، والجبر والتفويض، والهداية والضلالة، والختم على القلوب وحبط الأعمال، إلى غير ذلك من الآيات التي وقعت ذريعة لبغاة الفتنة وإضلال الناس.
نعم فسّر ابن تيمية، وتبعه صاحب المنار، وبعض المعاصرين من أنّ المراد من المتشابه، ما لا يعلم تأويله إلاّ اللّه. والمراد من التأويل ما استأثر اللّه بعلمه، مثل وقت الساعة، ومجيء نفسه، ومثل كيفية نفسه، وما أعدّه في الجنة لأوليائه.(3)
يلاحظ عليه بأُمور:
1. أنّ ما ذكره كلّها مفردات، والمتشابه من أقسام الآيات، فكيف تفسر المتشابه بمثل وقت الساعة وأمثالها من واقع الجنة والنار والصراط، والكلّ مفردات وليس آية، والمتشابه آية متشابهة لا مفرد مبهم؟!
2. أنّها فاقدة للظهور، والمتشابه ما له ظهور مستقل يتبعه أصحاب الزيغ.
3. أنّ المتشابه ما يقع ذريعة لأصحاب الزيغ لإضلال الناس وليس فيما عدّه

1 . الأنعام:103.   2 . الميزان:3/21.   3 . التفسير الكبير:1/253.

صفحه 172
ما يمكن به أغوائهم، ولم تقع تلك الآيات ذريعة للإضلال في تاريخ حياة المسلمين.
وبما ذكرنا يظهر أنّ الوجوه المذكورة حول تفسير المحكم والمتشابه التي ربما يناهز إلى 16 وجهاً احتمالات غير صحيحة نشأت من عدم التدبّر في مفهوم الآية.(1)
والذي يمكن أن يلاحظ على كلام النهاوندي هو عدّ المجمل من المتشابه، فإنّ المجمل لا ظهور له ولو بدئياً حتّى يؤخذ به ويتّبعه أهل الزيغ، بخلاف المتشابه فهو ذو ظهور مضطرب ومتزلزل ومريب.
وأمّا الفرق بين المبهم والمتشابه، فهو أنّ كلّ متشابه مبهم الدلالة غير واضحة المعالم وليس كلّ مبهم متشابهاً.
أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فإنّ قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوا أَنّا نَأْتي الأَرضَ نَنْقُصها مِنْ أَطرافها واللّهُ يَحْكُمُ لا مُعقّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَسريعُ الحِساب)(2) مبهم من حيث المقصود لا من حيث الدلالة، ولذلك فسر الإمام تنقيص أطراف الأرض بموت العلماء.(3)
2. (وَإذا وَقع القَول عَلَيْهِمْ أَخرجنا لَهُمْ دابّة منَ الأَرْضِ تُكلّمهم انّ النّاس كانوا بآياتِنا لا يُوقِنُون)(4) فالآية واضحة الدلالة لكنّها مبهمة المعنى، فما هو المراد من الدابة؟ وكيف يكون تكلّمها مع الناس؟

1 . فقد ذكر الرازي في مفاتيح الغيب:2/417 أربعة أوجه ، وأضاف إليها صاحب المنار :3/163ـ 165 ستة أُخرى، وأوصلها إلى ستة عشر احتمالاً سيّدنا الأُستاذ. انظر في الوقوف على هذه الوجوه: تفسير الميزان:3/32ـ 39.
2 . الرعد:41.   3 . البرهان للبحراني:2/301.   4 . النمل:82.

صفحه 173
3. (وَلَقَدْهَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِها لَولا أَن رَأى بُرهانَ رَبّهِ كَذلِكَ لنَصرف عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاء انّهُ مِنْ عِبادِنا المُخْلصين)(1) والآية واضحة الدلالة مبهمة المصداق فما هو المراد من البرهان؟
إلى غير ذلك من الآيات التي تعدّ دلالتها واضحة حسب الدلالة الاستعمالية لكن الإبهام في المقاصد والمصاديق الحقيقية.
المحكمات أُمّ الكتاب
إنّ الآيات المحكمة ـ واضحة الدلالة بيّنة المعالم ـ بشهادة أنّها «أُمّ الكتاب» والمراد من الأُمّ كونها أصلاً في الكتاب تبتني عليها قواعد الدين وأركانه في مجالي العقيدة والعمل.
وأمّا المتشابهات فلاضطراب دلالتها وعدم تمركزها على معنى واحد ترجع إلى المحكمات رجوع بيان. فالمتشابهات ذات مداليل ترجع وتتفرع على المحكمات، ولازمه كون المحكمات واضحة المعنى.
ثمّ إنّ الإحكام والتشابه وصفان نسبيان بمعنى أنّ آية ما يمكن أن تكون محكمة من جهة ومتشابهة من جهة أُخرى، فتكون محكمة بالإضافة إلى آية و متشابهة بالإضافة إلى أُخرى، ولا مصداق للمتشابه على الإطلاق في القرآن ولا مانع من وجود محكم على الإطلاق.

العلم بتأويل المتشابه

هل يختص العلم بتأويل المتشابه باللّه سبحانه؟ أو يعمّه والراسخين في العلم فالكلّ يعلم تأويل المتشابه، وإن كان بين العلمين فرق، فالأوّل علم واجب

1 . يوسف: 24.

صفحه 174
غير متناه، والآخر علم إمكاني متناه؟
وقد احتدم النزاع عبر قرون في تفسير الآية، أعني قوله سبحانه: (وَما يَعْلَمُ تَأْويلهُ إِلاّ اللّه وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْم)، فقد وقفت طائفة على لفظ الجلالة وعليه حرم الراسخون في العلم من تأويل المتشابه، وطائفة أُخرى عطفت «الراسخون في العلم» على لفظ الجلالة وشرّكتهم في العلم بها، ولم تزل هذه المسألة مورد البحث والنقاش إلى عصرنا هذا.
إنّ حلّ هذه المشكلة تكمن في تفسير المتشابه، فمن فسّر المحكم بكلّ ما أمكن تحصيل العلم به بدليل جلي أو خفي، والمتشابه ما لا سبيل إلى العلم به كوقت قيام الساعة وحقيقة الجن والملك وسائر الأُمور غير المحسوسة، فلا محيص له عن الوقف، لأنّه سبحانه تبارك و تعالى استأثر بها على غيره.
وأمّا على ما أوضحناه من أنّ الإحكام والتشابه يرجع إلى الدلالة، و أنّ تأويل المتشابه عبارة عن إرجاعه إلى المعنى المراد ببركة الإمعان في نفس الآية والقرائن المكتنفة والقرائن المنفصلة، فالعلم بتأويل المتشابه يعمّه سبحانه والراسخين في العلم أيضاً.
فمن حاول تحقيق المطلب يجب عليه الانطلاق أوّلاً بحلّ معضلة التشابه ثمّ العروج على تأويل المتشابه.
إنّ القرآن الكريم كتاب هداية وتذكرة أُنزل للتدبّر فيه، يقول سبحانه: (فَما لَهُمْ عَنِ التذْكِرَة مُعْرِضين * كأَنّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَة * فرّت من قَسْورة) (1) ويقول سبحانه: (وَلَقَدْيَسَّرنا القُرآن لِلّذِّكْر فَهَلْ مِنْ مُدَّكر) .(2)

1 . المدثر:49ـ 51.   2 . القمر:17.

صفحه 175
فعلى ضوء ذلك يجب أن يكون القرآن مفهوماً و معلوماً من بدئه إلى ختمه على ضوء الأُصول التي ذكرناها عند البحث عن مؤهلات المفسّر، ومنه الآيات المتشابهة فقد أُنزلت للهداية والتذكرة، فلا معنى لأن يستأثر اللّه ببعض آياته على العباد، وعلى ضوء ذلك لم نجد أحداً من علماء الأُمّة يتوقّف في تفسير الآية بذريعة أنّ الآية متشابهة، بل ظل يتفحّص عن القرائن الرافعة للشبه حولها، وقد أيّد هذا المعنى فريق من العلماء.
قال الشيخ أبو علي الطبرسي: وممّا يؤيد هذا القول ـ أي أنّ الراسخين يعلمون التأويل ـ أنّ الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن ولم نرهم توقّفوا على شيء منه لم يفسّروه بأن قالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلاّ اللّه.(1)
وقال الإمام بدر الدين الزركشي: إنّ اللّه لم ينزل شيئاً من القرآن إلاّ لينتفع به عباده، ويدلّ به على معنى أراده ـ إلى أن قال: ـ ولا يسوغ لأحد أن يقول: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يعلم المتشابه، فإذا جاز أن يعرفه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مع قوله: (وَما يَعْلم تَأْويله إِلاّ اللّه) جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته، والمفسّرون من أُمّته.
ألا ترى أنّ ابن عباس كان يقول: أنا من الراسخين في العلم. ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ من المتشابه إلاّ أن يقولو «آمنا» لم يكن لهم فضل على الجاهل، لأنّ الكلّ قائلون ذلك. قال: ونحن لم نر المفسّرين إلى هذه الغاية توقّفوا عن شيء من القرآن، فقالوا: هذا متشابه لا يعلم تأويله إلاّ اللّه، بل أمرّوه على التفسير حتّى فسّروا الحروف المقطعة.(2)
ثمّ إنّ في نفس الآية دلالة واضحة على أنّه معطوف على لفظ الجلالة، وهو أنّه سبحانه يصف هؤلاء بالرسوخ في العلم ومقتضى الرسوخ فيه العلم بالتأويل،

1 . مجمع البيان:1/410.   2 . البرهان:2/72ـ 73.

صفحه 176
ولو كانت وظيفتهم مقتصرة على الإيمان من دون العلم به كان الأنسب بل المناسب أن يقول والراسخون في الإيمان.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالجملة معطوفة على لفظ الجلالة وتفسّر الآية بالشكل التالي:
(وَلا يَعْلم تأويله إِلاّ اللّه والرّاسِخون في العلم) .
أي لكن الراسخين في العلم يقولون «آمنا بالمتشابه»كإيماننا بالمحكم، فيأخذون بكلتا الآيتين بحجة «كل من عند ربّنا» ولكن الذي في قلوبهم زيغ يأخذون بخصوص المتشابه للغايتين الفاسدتين دون المحكم، فكأنّه سبحانه لم ينزل إلاّ المتشابه، فالإيمان بالمتشابه الذي جاء في قوله «آمّنا به» لا يدلّ على أنّ الراسخين يؤمنون به دون أن يعلموا، وذلك لأنّ ذكر إيمانهم بهما لغاية ردّ أصحاب الزيغ حيث يؤمنون بواحد منهما واختصاص الإيمان به بالراسخين لا أنّه لا شأن لهم سوى الإيمان دون العلم.
وعلى ذلك فليس فيه إشعار على اختصاصهم بالإيمان دون العلم.
هذا ما يفهمه كلّ من له إلمام بالأدب العربي وكلمات البلغاء والفصحاء فلا يشك في العطف.
وأمّا ما هو موضع قوله: (يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) إذا كان مفصولاً عمّا تقدّم.
والجواب واضح وهو أنّه جملة حالية، قال الزمخشري: «يقولون» كلام مستأنف موضح لحال الراسخين.
بقي الكلام في ما هو المقصود من تأويل المتشابه، وإراءة نماذج منه، وهذا هو الذي نتطرّق إليه في الفصل التالي.

صفحه 177
   
2

التأويل في القرآن الكريم

التأويل مأخوذ من آل يؤول: رجع، قال الأعشى:
أُوِّل الحكم إلى أهله *** ليس قضائي بالهوى الجائر(1)
ويقول ابن منظور: الأُوْل الرجوع، أل الشيء يؤول أولاً ومآلاً: رجع، وأوّل إليه الشيء: رجّعه، وآلت عن الشيء: ارتددت.(2)
وقال الراغب الإصفهاني: التأويل من الأُول، أي الرجوع إلى الأصل، ومنه المؤْئِل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه، علماً كان أو فعلاً.(2)
إذا كان التأويل بمعنى إرجاع الشيء إلى مآله وحقيقته، فقد استعمله القرآن في موارد ثلاثة يجمعها شيء واحد، وهو إرجاع الشيء المبهم من الكلام والعمل والنوم إلى واقعه.
الأوّل: إرجاع الكلام المبهم إلى ما قصد منه برفع الإبهام من خلال القرائن الحافّة بها، فقوله سبحانه: (وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْد وَإِنّا لَمُوسِعُون)(4) كلام يكتنفه الإبهام ويثبت ظاهره أنّ للّه سبحانه أيد بنى بها السماء، ولكن رفع الإبهام عن الآية بالإمعان في القرائن الحافّة بها تأويل لها، أي إرجاع لها إلى ما قصد منه حقيقة،

1 . المقاييس:1، مادة أول.   2 . لسان العرب:11، مادة أول.
2 . المفرادت : مادة أول.   4 . الذاريات:47.

صفحه 178
وسيوافيك أنّ تأويل المتشابه قسم من هذا النوع.
الثاني: إرجاع الفعل إلى واقعه بمعنى رفع الإبهام عنه بذكر مصالحه والدواعي التي حملت الفاعل إلى العمل; وهذا كما في عمل مصاحب موسى حيث أتى بأعمال مبهمة ومريبة من خرق السفينة وقتل الصبي وبناء الجدار الذي كاد أن ينقضّ، فسأله موسى عن الدواعي فبيّنها وقال: (ذلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبراً) (1) ، فالتأويل في الآية رفع الإبهام عن الفعل، وإرجاع ظاهره المريب إلى واقعه.
ومن هذا القبيل وصف الكيل المقرون بالعدل والإنصاف «بكونه أحسن تأويلاً» أي أحسن مآلاً، يقول سبحانه: (وَأَوفُوا الكَيلَ إذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقيم ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحسَنُ تَأويلاً)(2). فالمراد أحسن مآلاً لما يترتب على إجراء العدل في عملية الوزن من المصالح والغايات الصحيحة.
حتى أنّ القرآن يستعمله في مورد الرجوع إلى قضاة العدل، يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِمِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شيء فَرُدُّوهُ إِلى اللّهِ والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً) (3) أي أحسن مآلاً، لأنّ في الرجوع إلى اللّه والرسول إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل على خلاف الرجوع إلى الجبت والطاغوت.
الثالث: تأويل الرؤيا التي يكتنفها الإبهام، فإنّ الرؤيا الصادقة على أقسام: منها ما تتصل نفس النائم بالواقع غير أنّ النفس تتصرف فيما تراه قبل أن يستيقظ النائم من نومه فتختلف الرؤيا عن واقعه، والتأويل عبارة عن إرجاع النوم إلى

1 . الكهف:82.   2 . الإسراء:35.   3 . النساء:59.

صفحه 179
الأصل الذي اشتقت منه الرؤيا الفعلية، وذلك علم خاص يرزقه اللّه تعالى لمن يشاء، فرزقه اللّه ليوسف كما يقول: (وكَذلِكَ يَجْتَبيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الأَحادِيث) (1) ، فالتأويل الوارد في سورة يوسف في عدّة موارد عبارة عن إرجاع الرؤية الصادقة المتصرّفة فيه من قبل النفس إلى واقعها الذي تحوّلت عنه كما هو الحال في الموارد التالية:
1. رؤية يوسف سجود أحد عشر كوكباً مع الشمس والقمرله.
2. رؤية أحد مصاحبيه في السجن أنّه يعصر خمراً.
3. رؤية مصاحبه الآخر أنّه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل منه الطير.
4. رؤية الملك سبع بقرات سمان وسبع عجاف....
فالتأويل في هذه الموارد تأويل عمل تكويني وإرجاع له إلى واقعه.
ومن هنا تبيّن أنّ التأويل حسب مصطلح القرآن هو إرجاع الشيء إلى واقعه، وأمّا التأويل بمعنى صرف الكلام عن ظاهره المستقر، إلى خلافه، فهو مصطلح حديث بين العلماء لا يمتّ إلى القرآن بصلة، وإن اغتر ابن منظور بهذا المصطلح وذكره من أحد المعاني و قال: والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ.(2)
فلو صحّ ذلك الاستعمال، فإنّما هو اصطلاح جديد لا يصحّ للمفسِّر أن يفسّر القرآن به. ولم نجد في القرآن آية يُلزمنا العقل والنقل إلى صرفها عن ظهورها المستقر الثابت، وأمّا الظهور البدائي فليس ظهوراً له قيمة حتى يعدّ العدول عنه صرفاً للظاهر عن ظاهره.

1 . يوسف:6.   2 . لسان العرب: 11، مادة أول.

صفحه 180
تأويل المتشابه
قد عرفت معنى التأويل بوجه مطلق في القرآن الكريم وحان البحث في تأويل خصوص المتشابه حيث إنّ آيات القرآن تقسّم إلى محكم ومتشابه. يقول سبحانه:
(هُوَ الَّذي أنْزَلَ عَلَيكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَأُخرُ مُتشابِهاتٌ فَأَمّا الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُون ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَالفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْويلهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولوا الأَلْباب).(1)
فما معنى التأويل في هذه الآية أليس هو صرف الظاهر عن ظاهره؟! فكيف تقول بأنّ التأويل بمعنى صرف الظاهر عن ظاهره مصطلح حديث لا يمتُّ إلى القرآن بصلة؟
هذا هو السؤال وقد تقدّم في الفصل الماضي إنّ آيات الذكر الحكيم على قسمين: قسم منها ما يتمتع بدلالة واضحة في بدء الأمر بحيث لا يشتبه المراد بغير المراد، كالآيات التي تتضمن نصائح لقمان لابنه(2)، أو ما يذكره سبحانه في سورة الإسراء بعنوان الحكمة.(3)

1 . آل عمران:7.
2 . لقمان:13ـ19.
3 . الإسراء:22ـ39.

صفحه 181
فالناظر في هذه الآيات يقف على المراد في بدء الأمر، لأنّها تتمتع بدلالة واضحة لا يشتبه المراد بغيره.
وهناك آيات لا تبلغ دلالتها على المعنى المراد هذا الحدَّ، بل الناظر في بدء الأمر لا يميّز المراد عن غيره، ويشتبه المراد بغير المراد، كالأشجار المتشابهة مع اختلاف أثمارها كالرمّان والزيتون، فتوصف بالآية المتشابهة لتشابه المراد بغيره، والحقّ بالباطل.
وأمّا ما هو الوجه لنزول بعض الآيات على هذا الوصف فهو موكول إلى محله، وقد ذكر المفسِّرون هناك وجوهاً مختلفة لنزول الآيات المتشابهة.(1)
فهذه الآيات التي ليست لها دلالة قاطعة في بدء الأمر هي التي وقعت ذريعة عبر التاريخ في أيدي الذين في قلوبهم زيغ لإيجاد الفتنة والبلبلة الفكرية وإشاعة الباطل وستر الحقّ.
وتجد في الآيات التي تتعرض للمعارف، هذا النوعَ من التشابه، فالآيات التي يستشم منها التجسيم والتشبيه ورؤية اللّه تعالى بالحواس، والجبر وأنّه ليس للإنسان دور في الضلالة والهداية، كلّها من الآيات المتشابهة التي لم يزل أصحاب الزيغ يبتغون الفتنة من ورائها، فهم يأوِّلون هذه الآيات بالأخذ بظواهرها من إرجاعها إلى محكماتها.
والراسخون أيضاً يأوّلونها.
أمّا الطائفة الأُولى فتأويلهم يتلخّص في الأخذ بالظهور المتزلزل غير المستقر ابتغاءً للفتنة، فيغترون بظاهر قوله سبحانه: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ

1 . لاحظ المعجزة الخالدة للسيد الشهرستاني.

صفحه 182
يَشاء)(1) ويبثّون فكرة الجبر الذي هو سلب الاختيار عن الإنسان في مجال الهداية والضلالة، والإيمان والكفر.
وأمّا الراسخون فتأويلهم هو إرجاع الآية إلى واقعها، بالإمعان في الآية والقرائن الحافّة بها، منضماً إلى ما ورد في الآيات المحكمة في هذا الموضوع، فيفسرون ما سبق من الآيات حول الهداية والضلالة، بقوله سبحانه: (وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر)(2)، وبقوله سبحانه:(قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِن اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِليَّ رَبّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيب) .(3)
فكلتا الطائفتين يأوّلون أي يرجعون الآية إلى المراد منها، فيأخذ أصحاب الزيغ بالظاهر المتزلزل الموافق لهواهم ونزعتهم، فيجعلونه ذريعة لنشر البدع والضلالة; وأمّا الآخرون فيأوّلونه بإرجاع المتشابه إلى المحكمات التي هي أُمّ الكتاب.
هذه هي حقيقة المتشابه وحقيقة التأويل فيه، وليس تأويل كلتا الطائفتين بمعنى صرف الظاهر المستقر عن ظاهره، بل هو إمّا الأخذ بالظاهر البدوي لغاية الفتنة، أو إرجاعه إلى الظاهر المستقر بالإمعان في نفس الآية والقرائن المكتنفة بها، مضافاً إلى الآيات المحكمة الواردة في نفس ذلك الموضوع .
وقد عرفت هذا النوع من التأويل في تفسير اليد(4) في قوله سبحانه:

1 . النحل:93.
2 . الكهف:29.
3 . سبأ:50.
4 . لاحظ مبحث: دلالة القرآن، قطعية ص 56 ـ 61.

صفحه 183
(وَالسَّماء بَنَيْناها بِأَيْد وَإِنّا لَمُوسِعُون) .(1)
وبما ذكرنا في المقام تقدر على تأويل عامة الآيات المتشابهة نظير :
1. العين، كقوله سبحانه: (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي).(2)
2. اليمين، كقوله سبحانه: (وَالسّمواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِه).(3)
3. الاستواء، كقوله سبحانه: (الرَّحمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوى).(4)
4. النفس، كقوله سبحانه: (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ).(5)
5. الوجه، كقوله سبحانه: (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه).(2)
6. الساق، كقوله سبحانه: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق).(7)
7. الجنب، كقوله سبحانه: (عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ).(8)
8. القرب، كقوله سبحانه: (فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدّاعِ).(9)
9. المجيء، كقوله سبحانه: (وَجاءَ رَبُّكَ) .(3)
10. الإتيان، كما قال سبحانه: (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ).(11)
11. الغضب، كما في قوله: (وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِم).(12)
12. الرضا، كما في قوله: (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُم) .(13)
إلى غير ذلك من الصفات الخبرية التي وردت في القرآن الكريم وأخبر عنها الوحي، فللجميع ظواهر غير مستقرة لا تلائم الأُصول الواردة في محكمات الآيات، ولكن بالإمعان و الدقة يصل الإنسان إلى مآلها ومرجعها وواقعها، وهذا لا

1 . الذاريات:47.      2. طه:39.            3. الزمر:67.         4. طه:5.   5. المائدة:116.
2 . البقرة:115.         7 . القلم:42.         8 . الزمر:56.   9. البقرة:186.
3 . الفجر:22.         11. الأنعام:158.      12. الفتح:6.   13. المائدة:119.

صفحه 184
يعني حمل الظاهر على خلافه، بل التتبع لغاية العثور على الظاهر، إذ ليس للمتشابه ظاهر ظهور مستقرّ في بدء الأمر حتّى نتبعه.
وفي الختام نذكر نموذجين من تأويل المتشابه وراء ما ذكرناه حول تفسير «الأيدي» في قوله سبحانه: (وَالسَّماء بَنَيْناها بِأَيْد) .
1. أنّ الصفات الخبرية الواردة في القرآن كالوجه وغيره لها حكم عند الإفراد ولها حكم آخر إذا ما جاءت في ضمن الجمل، فلا يصحّ حملها على المعاني اللغوية إذا كانت هناك قرائن صارفة عنها، فإذا قال سبحانه: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) (1) فتحمل الآية على ما هو المتبادر من الآية عند العرف العام، أعني: الإسراف والتقتير، فبسط اليد كناية عن الإنفاق بلا شرط، كما أنّ جعل اليد مغلولة إلى العنق كناية عن البخل والتقتير، ولا يعني به بسط اليد بمعنى مدها، ولا غلّ اليد إلى العنق بمعنى شدّها إليه.
2. قوله سبحانه: (الرّحمنُ على العَرْشِ اسْتَوى)(2) نظير الآية السابقة فالعرش في اللغة هو السرير، والاستواء عليه هو الجلوس، غير أنّ هذا حكم مفرداتها، وأمّا مع الجملة فيتفرع الاستظهار منها، على القرائن الحافّة بها، فالعرب الأقحاح لا يفهمون منها سوى العلو والاستيلاء، وحملها على غير ذلك يعد تصرفاً في الظاهر، وتأويلاً لها، فإذا سمع العرب قول القائل:
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق

1 . الإسراء:29.
2 . طه:5.

صفحه 185
أو سمع قول الشاعر:
ولما علونا واستوينا عليهم *** تركناهم مرعى لنسر وكاسر
فلا يتبادر إلى أذهانهم سوى العلو والسيطرة والسلطة لا العلو المكاني الذي يعد كمالاً للجسم، وأين هو من العلو المعنوي الذي هو كمال الذات؟!
وقد جاء استعمال لفظ الاستواء على العرش في سبع آيات(1) مقترناً بذكر فعل من أفعاله، وهو رفع السماوات بغير عمد، أو خلق السماوات والأرض و ما بينهما في ستة أيّام، فكان ذاك قرينة على أنّ المراد منه ليس هو الاستواء المكاني بل الاستيلاء والسيطرة على العالم كلّه، فكما لا شريك له في الخلق والإيجاد لا شريك له أيضاً في الملك والسلطة، ولأجل ذلك يقول في ذيل بعض هذه الآيات: (أَلا لَهُ الخَلق وَالأَمْر تَباركَ اللّه ربّ العالَمين).(2)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ التأويل في القرآن هو ما ذكرنا من إرجاع الشيء إلى واقعه من دون فرق بين الكلام والفعل والحقيقة التكوينية كالرؤيا.
ولكن يستفاد من الأحاديث النبوية والعلوية أنّ للتأويل مصطلحاً آخر، ويطلق عليه التأويل في مقابل التنزيل، وهذا النوع من التأويل لا يعني التصرّف في الآية بإرجاعها إلى الغاية المرادة، وإنّما يتبنّى بيان مصاديق جديدة لم تكن في عصر نزول القرآن، وهذا ما دعانا إلى عقد الفصل التالي.

1 . الأعراف:54، يونس:3، الرعد:2، طه:5، الفرقان:59، السجدة:4، الحديد:4.
2 . الأعراف:54.

صفحه 186
التأويل في مقابل التنزيل
القرآن الكريم معجزة خالدة يشقّ طريقه للأجيال بمفاهيمه ومعانيه السامية، فهو حجّة إلهية في كلّ عصر وجيل في عامّة الحوادث المختلفة صوراً والمتحدة مادة، يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدَّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل و بيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تُحصى عجائبُه ولا تُبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة» .(1)
فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تُحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه» يرشدنا إلى الإمعان في القرآن في كلّ عصر وجيل والرجوع إليه في الحوادث والطوارق، كما أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وله ظهر وبطن » يرشدنا إلى أن نقف على ظهره وبطنه،والمراد من البطن ليس هو التفسير بالرأي، بل تحرّي المصداق المماثل للمصداق الموجود في عصر الوحي و به فسّره الإمام الصادق (عليه السلام)حيث قال: «ظهره تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما مضى، ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما تجري الشمس والقمر».(2)
فالتأويل هنا في مقابل التنزيل، فالمصداق الموجود في عصر الوحي تنزيله، والمصاديق المتحقّقة في الأجيال الآتية تأويله، وهذا أيضاً من دلائل سعة آفاقه، فالقرآن كما قال الإمام يجري كجري الشمس والقمر، فينتفع منه كلّ جيل

1 . الكافي: 2/599.   2 . مرآة الأنوار:4.

صفحه 187
في عصره كما ينتفع بالشمس والقمر عامة الناس، ولذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : «إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرجل، ماتت الآية مات الكتاب! ولكنّه حيّ يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى».(1)
فالقرآن منطو على مادة حيوية قادرة على علاج الحوادث الطارئة عبر الزمان إلى يوم القيامة، وذلك عن طريق معرفة تأويله في مقابل تنزيله.
ولنأت ببعض الأمثلة:

نماذج من التأويل في مقابل التنزيل

1. يقول سبحانه:(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا أُنْزلَ عليهِ آيةٌ مِنْ رَبّهِ إِنّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوم هاد).(2)
نصّ القرآن الكريم بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بشخصه منذر كما نصّ بأنّ لكلّ قوم هاد، وقد قام النبي بتعيين مصداق الهادي في حديثه، وقال:«أنا المنذر وعليٌّ الهادي إلى أمري»(2)، ولكن المصداق لا ينحصر بعلي، بل الهداة الذين تواردوا عبر الزمان هم المصاديق للآية المباركة، ولذلك نرى أنّ الإمام الباقر (عليه السلام)يقول: «رسول اللّه المنذر، وعليٌّ الهادي، وكلّ إمام هاد للقرن الذي هو فيه».(4)
فالهداة المتواردون كلّهم تأويل للآية في مقابل التنزيل.
2. يقول سبحانه: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمّةَ الكُفرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).(3)

1 . نور الثقلين:2/483ح22.   2 . الرعد:7.
2 . نور الثقلين:2/482و 485.            4 . نور الثقلين:2/482و 485.
3 . التوبة:12.

صفحه 188
فهذه الآية تعطي ضابطة كلية في حقّ الناكثين للعهد الشرعي، قد احتجّ بها أمير المؤمنين (عليه السلام)في يوم الجمل، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال: «دخل عليّ أُناس من أهل البصرة، فسألوني عن طلحة والزبير، فقلت لهم: كانا من أئمّة الكفر، انّ عليّاً يوم البصرة لمّا صفَّ الخيول، قال لأصحابه: لا تعجلوا على القوم حتى أُعذِّر فيما بيني و بين اللّه عزّ وجلّ وبينهم، فقام إليهم فقال:
«يا أهل البصرة هل تجدون عليّ جوراً في حكم اللّه؟»
قالوا: لا.
قال: «فحيفاً في قسم (جمع القسمة)؟!».
قالوا: لا.
قال: «فرغبت في دنيا أخذتها لي ولأهل بيتي دونكم، فنقمتم عليّ فنكثتم بيعتي؟!».
قالوا: لا.
قال:«فأقمت فيكم الحدود وعطّلتها عن غيركم؟!».
قالوا: لا.
قال: «فما بال بيعتي تُنكث، وبيعة غيري لا تُنكث؟! إنّي ضربت الأمر أنفَه وعينَه فلم أجد إلاّ الكفر أو السيف»، ثمّ ثنى إلى أصحابه، فقال:
إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول في كتابه: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمّةَ الكُفرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):«والذي فلق الحبة وبرئ النسمة واصطفى محمداً

صفحه 189
بالنبوة انّهم لأصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ نزلت».(1)
ثمّ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الذي سمّى هذا النوع من القتال ـ حسب ما ورد في الرواية ـ تأويلاً في مقابل التنزيل، فقال مخاطباً لعلىّ: «تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت معي على تنزيله، ثمّ تقتل شهيداً تخضب لحيتك من دم رأسك».(2)
روى ابن شهر آشوب عن زيد بن أرقم، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا أُقاتل على التنزيل، وعليّ يقاتل على التأويل».(3)
فهذا هو عمار قاتل في صفين مرتجزاً بقوله:
نحن ضربناكم على تنزيله *** فاليوم نضربكم على تأويله(4)
فوصف جهاده في صفين مع القاسطين تأويلاً للقرآن الكريم.

1 . نور الثقلين:2/189; البرهان في تفسير القرآن:2/106.
2 . بحار الأنوار:40/1، الباب 91.
3 . المناقب:3/218.
4 . الاستيعاب:2/472، المطبوع في حاشية الإصابة.

صفحه 190
3
القُرّاء السبعة و القراءات السبع
اشتهر بين المفسّرين القرّاء السبعة والقراءات السبع.
أمّا القُرّاء السبعة، فهم:
1. عبداللّه بن عامر الدمشقي، ولد عام 8 من الهجرة، وتوفّي سنة 118.(1)وتنتهي قراءته إلى عثمان (2) بن عفان. وله راويان وهما: هشام و ابن ذكوان.
2. ابن كثير المكي: هو عبد اللّه بن كثير بن عمرو المكي الداري، فارسي الأصل، ولد عام 195 هـ ، توفّي عام 291هـ.(2) تنتهي قراءته إلى أُبيّ.(4) وله راويان هما: النبريّ وقُنبل.
3. عاصم بن بهدلة الكوفي: ابن أبي النجود أبو بكر الأسدي، مولاهم، الكوفي، توفّي عام 128 هـ أو 127هـ.(3) تنتهي قراءته إلى عليّ.(6) وله راويان هما: حفص و أبوبكر.
4. أبو عمرو البصري: هو زبان بن العلاء بن عمار المازني البصري، ولد عام 68هـ، وتوفّي 154.(4) تنتهي قراءته إلى أُبي.(8) وله راويان هما: الدوري والسوسي.

1 . طبقات القراء:1/404.   2 . البرهان في علوم القرآن:1/338.
2 . طبقات القراء:2/205.   4 . البرهان في علوم القرآن:1/338.
3 . تهذيب التهذيب:5/39.   6 . البرهان في علوم القرآن:1/338.
4 . طبقات القرّاء:1/288.   8 . البرهان في علوم القرآن:1/338.

صفحه 191
5. حمزة الكوفي: ابن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي التميمي، ولد عام 8 هـ ، توفّي عام 56هـ(1)، وتنتهي قراءته إلى علي وابن مسعود.(2) وله راويان هما: خلف بن هشام و خلاد بن خالد.
6. نافع المدني: هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، قال ابن الجزري: أحد القُرّاء السبعة والأعلام، ثقة صالح، أصله من إصفهان، توفّي عام 169.(2)تنتهي قراءته إلى أُبي.(4) وله راويان هما: قالون وورش.
7. الكسائي الكوفي: علي بن حمزة بن عبد اللّه الأسدي، مولاهم، من أولاد الفرس.
قال ابن الجزري: الإمام الذي انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة الزيّات. توفّي سنة 189هـ (3)، تنتهي قراءته إلى علي و ابن مسعود.(6) وله راويان هما: الليث بن خالد و حفص بن عمرو.
هؤلاء هم القرّاء السبعة ، ويليهم ثلاثة غير معروفين وهم:
8 . خلف بن هشام البزار: وهو أبو محمد الأسدي البغدادي أحد القُرّاء العشرة، كان يأخذ بمذهب حمزة إلاّ أنّه خالفه في مائة وعشرين حرفاً، ولد سنة 150هـ ، وتوفّي عام 229هـ .(7) وله راويان هما:
إسحاق وإدريس.
9. يعقوب بن إسحاق : هو يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي، مولاهم، البصري.

1 . طبقات القرّاء:1/261.   2 . البرهان في علوم القرآن:1/238.
2 . طبقات القرّاء:2/330.   4 . البرهان في علوم القرآن:1/338.
3 . طبقات القرّاء:1/535.   6 . البرهان في علوم القرآن:1/338.   7 . طبقات القرّاء:1/272.

صفحه 192
قال ابن الجزري: أحد القرّاء العشرة، مات في ذي الحجة سنة 205هـ وله ثمان وثمانون سنة.(1) وليعقوب راويان هما: رويس و روح.
10. يزيد بن القعقاع: أبو جعفر المخزومي المدني، قال ابن الجزري: أحد القرّاء العشرة، مات بالمدينة عام 130هـ.(2) وله راويان هما: عيسى و ابن جماز.
هؤلاء هم القرّاء العشرة، ذكرنا أسماءهم ومواليدهم ووفياتهم وأسماء الراوين عنهم على وجه موجز، و من أراد التفصيل فليرجع إلى طبقات القرّاء.
وأمّا الكلام في تواتر قراءتهم، فإجمال الكلام فيه:
إنّه ادّعى جمع من علماء السنّة تواترها عن النبي، وانّ هذه القراءات الكثيرة كلّها ممّا صدرت عن النبي وقرأ بها.
ونقل الزرقاني في كتاب «مناهل العرفان» عن السبكي تواتر القراءات العشر، وأضاف: إنّه أفرط بعضهم فزعم أنّ من قال: إنّ القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله : كفر، ونسب هذا الرأي إلى مفتي البلاد الأندلسية أبي سعيد فرج بن لب.(3)
أمّا إثبات تواترها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فدون إثباته خرط القتاد، فإنّ من طالع حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في الفترة المكية يقف على أنّ الظروف الحرجة في مكة لم تكن تسمح له بتلاوة القرآن ونشره بين المسلمين، فضلاًعن تعليم القراءات السبع لأخصّ أصحابه.
وأمّا الفترة المدنية، فقد انشغل فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالأُمور المهمة للغاية من غزواته وحروبه، إلى بعث سرايا، إلى عقد العهود والمواثيق مع رؤساء القبائل، إلى تعليم الأحكام وتلاوة القرآن، ومحاجّة أهل الكتاب والمنافقين وردّ كيدهم إلى

1 . طبقات القرّاء:2/38.   2 . طبقات القرّاء:2/382.   3 . مناهل العرفان:428ـ 433.

صفحه 193
نحورهم، إلى العديد من الأُمور المهمّة التي تعوق النبي عن التفرّغ إلى بيان القراءات السبع أو العشر التي لو جمعت لعادت بكتاب ضخم.
وأمّا تواترها عن نفس القرّاء، فقد مرّ أنّ كلّ قارئ له راويان، فكيف تكون قراءاتهم بالنسبة إلينا متواترة؟!
والحقّ أن يقال: إنّ القرآن متواتر بهذه القراءة المعروفة الموجودة بين أيدينا التي يمارسها المسلمون عبر القرون، وأمّا القراءات العشر أو السبع فليست بمتواترة لا عن النبي ولا عن القرّاء.
وأظهر دليل على عدم تواترها عن النبي هو أنّ أصحاب القراءات السبع أو العشر يحتجون على قراءاتهم بوجوه أدبية، فلو كانت القراءة متصلة بالنبي فما معنى إقامة الدليل على صحّة القراءة؟ فلاحظ أنت كتب التفسير وأخصّ بالذكر «مجمع البيان» فقد ذكر لاختلاف القراءات حججها عنهم أو عن غيرهم، وهذا يدل على أنّ القراءات كانت اجتهادات من جانب هؤلاء.
وقد ألّف غير واحد في توجيه القراءات وذكر عللها وحججها كتباً، منها: «الحجة» لأبي علي الفارسي، و«المحتسب» لابن جنّي، و «إملاء ما منّ به الرحمن» لأبي البقاء، و «الكشف عن وجوه القراءات السبع» لمكي بن طالب.

نظرية أئمة أهل البيت (عليهم السلام)في القراءات السبع

وفي الختام نذكر ما رواه الفضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)حيث سأله عن اختلاف القراءات؟ وقال: إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «كذبوا ـ أعداء اللّه ـ ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد».(1)

1 . الكافي: 2 / 630، كتاب نقل القرآن، باب النوادر، الحديث 13.

صفحه 194
وروى الكليني عن زرارة بسند صحيح عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة».(1)
وما ذكره الإمام (عليه السلام)من أنّ الاختلاف جاء من قِبَلِ الرواة، يعلم من دراسة أسباب نشوء اختلاف القراءات عبر السنين،وهذا ما نذكره تالياً.

عوامل نشوء الاختلاف في القراءات(2)

عمد جماعة من كبار الصحابة بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى جمع القرآن في مصاحفهم الخاصة، كعبد اللّه بن مسعود، وأُبيّ بن كعب،ومعاذ بن جبل، والمقداد بن أسود وأضرابهم، وهؤلاء قد اختلفوا في ثبت النص أو في كيفية قراءته، ومن ثمّ اختلفت مصاحف الصحابة الأُولى، وكان كلّ قطر من أقطار البلاد الإسلامية يقرأ حسب المصحف الذي جمعه الصحابي النازل عندهم.
كان أهل الكوفة يقرأون على قراءة ابن مسعود، وأهل البصرة على قراءة أبي موسى الأشعري، وأهل الشام على قراءة أُبي بن كعب، وهكذا.
واستمر الحال إلى عهد عثمان حتى تفاقم أمر الاختلاف، ففزع لذلك ثلّة من نُبهاء الأُمّة ـ أمثال الحذيفة بن اليمان ـ وأشاروا إلى عثمان أن يقوم بتوحيد المصاحف قبل أن يذهب كتاب اللّه عرضة الاختلاف.
ومن ثمّ أمر عثمان جماعة بنسخ مصاحف موحّدة،وإرسالها إلى الأمصار وإلجاء المسلمين على قراءتها ونبذ ما سواها من مصاحف وقراءات أُخرى.

1 . الكافي: 2 / 630 ، كتاب نقل القرآن، باب النوادر، الحديث 12.
2 . صدرنا في هذا البحث عن كتاب «التمهيد في علوم القرآن» تأليف العلاّمة المحقّق محمد هادي معرفة (قدس سره)، و قد أغرق نزعاً في التحقيق، فلم يبق في القوس منزعاً .

صفحه 195
وقد بعث عثمان مع كلّ مصحف من يقرِّئ الناس على الثبت الموحد في تلك المصاحف، فبعث مع مصحف المكي عبد اللّه بن سائب، ومع الشامي المغيرة بن شهاب، ومع الكوفي أبو عبد الرحمن السلمي، ومع البصري عامر بن قيس، وهكذا.(1)
وكان هؤلاء المبعوثون يُقرّئون الناس في كلّ قطر على حسب المصحف المرسل إليهم، ولكن لم تحسن الغاية المتوخاة من إرسال تلك المصاحف، لوجود اختلاف في ثبت تلكم المصاحف، مضافاً إلى عوامل أُخرى ساعدت على هذا الاختلاف، فكان أهل كلّ قطر يلتزمون بما في مصحفهم من ثبت، ومن هنا نشأ اختلاف قراءة الأمصار، مضافاً إلى اختلاف القرّاء الذي كان قبل ذاك، فصار هناك عاملان لنشوء اختلاف القراءات:
1. اختلاف القُرّاء(الذين كانوا في الأمصار قبل وصول المصاحف).
2. وجود الاختلاف في نفس تلك المصاحف الموحّدة حسب الظاهر.
فكان الاختلاف ينسب تارة إلى اختلاف القرّاء، وأُخرى إلى اختلاف الأمصار التي بعث إليها المصاحف.
قال ابن أبي هاشم: إنّ السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أنّ الجهات التي وُجِّهتْ إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، فثبّت أهل كلّ ناحية على ما كانوا تلقّوه سماعاً عن الصحابة بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط...، فمن ثمّ نشأ الاختلاف بين قرّاء الأمصار.(2)

1 . تهذيب الأسماء للنووي:1/257.
2 . البيان في تفسير القرآن:165، نقلاً عن التبيان للجزائري:86 .

صفحه 196
كلّ ذلك صار سبب لاختلاف القراءات التي ليس لها منشأ سوى نفس القرّاء أو المصاحف الموحدة.
مضافاً إلى عوامل أُخرى ساعدت على هذا الاختلاف، نذكر منها ما يلي:

1. بداءة الخط

كان الخط عند العرب آنذاك في مرحلة بدائية، ومن ثمّ لم تستحكم أُصوله، ولم تتعرف العرب على فنونه والإتقان من رسمه وكتابته الصحيحة، وكثيراً ما كانت الكلمة تكتب على غير قياس النطق بها، ولا زال بقي شيء من ذلك في رسم الخط الراهن.
كانوا يكتبون الكلمة، وفيها تشابه واحتمال وجوه، فالنون الأخيرة كانت تكتب بشكل لا تفترق عن الراء، وكذا الواو عن الياء، وربما كتبوا الميم الأخيرة على شكل الواو، والعين الوسط كالهاء، كما ربما يفكّكون بين حروف كلمة واحدة فيكتبون الياء منفصلة عنها، كما في «يستحي ي» و «نحي ي» و «أُحي ي» أو يحذفونها رأساً كما في «إيلافهم» كتبوها «إلافهم» بلا ياء، ولذلك قرأ أبو جعفر وفق الرسم بلا ياء، وربما رسموا التنوين نوناً في الكلمة، كما في كلمة «كأيّن» في قوله سبحانه: (فَكَأَيِّن مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَة)(1) ، كما كتب النون ألفاً في كثير من المواضع منها (لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَة) (2)، (ولَيَكُوناً مِنَ الصاغِرِين)(3) وهاتان النونان نون تأكيد خفيفة كتبوها بألف التنوين، وقوله: (وَإِذاً لآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً)(4) كتبوا «إذاً» بدل «إذن» تشبيهاً بالتنوين المنصوب.

1 . الحج:45.         2 . العلق:15.         3. يوسف:32.   4 . النساء:67.

صفحه 197
كما رسموا ألفاً بعد كثير من واوات زعموا واو الجمع، وعلى العكس حذفوا كثيراً من ألفات واو الجمع.
فمن الأوّل قوله: (إنّما أَشكوا بَثّي) و (فلا يربوا) و (نبلوا أخباركم)و (ما تتلوا الشياطين).
ومن الثاني قوله: (فاءو) و (جاءو) و (فباؤ) و (تبوّءو الدار)و (سعو)و (عتو) و غير ذلك كثير.

2. الخلو من النقط

كان الحرف المعجم يكتب كالحرف المهمل بلا نقط مائزة بين الإعجام والإهمال، فلا يفرّق بين السين والشين في الكتابة، ولا بين العين والغين، أو الراء والزاي، والباء والتاء والثاء والياء، أو الفاء عن القاف، أو الجيم والحاء والخاء، والدال عن الذال، أو الصاد عن الضاد، أو الطاء عن الظاء، فكان على القارئ نفسه أن يميّز بحسب القرائن الموجودة أنّها باء أو ياء، جيم أو حاء، و هكذا.
من ذلك قراءة الكسائي :«إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فتثبتوا» وقرأ الباقون: «فتبيّنوا».(3)
وقرأ ابن عامر والكوفيون«ننشزها» وقرأ الباقون «ننشرها».(1)
وقرأ ابن عامر وحفص: «ويكفِّر عنكم» و قرأ الباقون: «نكفِّر». (2)
وقرأ ابن السميفع:«فاليوم ننحيك ببدنك» والباقون «ننجّيك».(3)

1 . البقرة:259.
2 . البقرة:271.
3 . يونس:92.

صفحه 198
وقرأ الكوفيون غيرعاصم: «لنثوينهم من الجنّة غُرفاً»و الباقون «لنبوِّئنّهم»، وأمثلة هذا النوع كثيرة جداً.(1)

3. إسقاط الألفات

كان الخط العربي الكوفي منحدراًعن خط السريان، وكانوا لا يكتبون الألفات الممدودة في ثنايا الكلم، وقد كتبوا القرآن بالخط الكوفي على نفس المنهج، فصار ذلك سبباً لاختلاف القراءات.
1. قرأ الكوفيون «أَلم نجعل الأَرض مهداً» بدل مهاداً، لأنّها كتبت في المصحف بلا ألف.
2. قرأ حمزة والكسائي وشعبة «وحرم» بكسر الحاء وسكون الراء بدل «وحرام على قرية»(2) لأنّها كتبت في المصحف بلا ألف.
3. قرأ أبو جعفر و البصريون «وَإِذْ وعدنا موسى أربعين ليلة»(3) بدل «واعدنا»، لأنّها كتبت هكذا في القرآن، وهكذا سائر الموارد التي نجم الاختلاف فيها من إسقاط الألف في الكتابة وقراءته في اللفظ.

4. تأثير اللهجة

لا شكّ أنّ كلّ أُمّة وإن كانت ذات لغة واحدة لكن لهجاتها تختلف حسب تعدّد القبائل والأفخاذ المنشعبة منها، فهكذا كانت القبائل العربية تختلف بعضها في اللهجة وفي التعبير والأداء، وقد سبّب ذلك اختلافاً في القراءة.

1 . مجمع البيان:8/290.
2 . الأنبياء: 95.
3 . البقرة:51.

صفحه 199
1. اختلافهم في الحركات: مثل «نستعين» بفتح النون وهي لغة قيس وأسد، وكسر النون لغة غيرهم; ومثل «معكم» بفتح العين وكسره.
2. اختلافهم في الهمزة والتليين: نحو «مستهزؤن» و «مستهزون».
3. اختلافهم في التقديم والتأخير: تقول العرب صاعقة وصواعق وبه نزل القرآن، وبنو تميم يقولوا:«صاقعة» و «صواقع».
4. اختلافهم في الإثبات والحذف نحو «استحيت» و«استحييت».
5. اختلافهم في النبر بالياء والواو أي تبدلهما همزة، يقولون يا «نبئ اللّه» مكان «يا نبي اللّه»، وكانت هذيل تقلب الواو المكسورة همزة، فتقول: «إعاء» بدل «وعاء».
قال سيبويه: بلغنا أنّ قوماً من الحجاز من أهل التحقيق يهمزون «نبي» و «بريئة» مكان نبي و بريّة.
ولماحجّ المهدي قدم المدينة، فقدم الكسائي ليصلّي بالناس فهمز، فأنكر عليه أهل المدينة وقالوا: إنّه ينبر في مسجد رسول اللّه بالقرآن.
إلى غير ذلك من موارد اختلاف اللهجة التي سبّبت اختلافاً في القراءة.
وهذا الاختلاف بين القبائل كان قد يعظم ويشتدّ، كالخلاف بين القبائل العدنانية في الحجاز، والقبائل القحطانية في اليمن، سواء في المفردات والتراكيب أم في اللهجات، حتى قال أبو عمرو بن العلاء: ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا، ولا عربيّتهم بعربيّتنا.

صفحه 200
صيانة القرآن من التحريف   
4
صيانة القرآن من التحريف
القرآن هو المصدر الرئيسي والمنبع الأوّل للتشريع وعنه صدر المسلمون منذ نزوله إلى يومنا هذا، وهو القول الفصل في الخلاف والجدال، إلاّ أنّ هنا نكتة جديرة بالاهتمام، و هي انّ استنباط المعارف والأحكام من الذكر الحكيم فرع عدم طروء التحريف إلى آياته بالزيادة والنقص. وصيانته عنهما وإن كان أمراً مفروغاً منه عند جلّ طوائف المسلمين، ولكن لأجل دحض بعض الشبه التي تثار في هذا الصدد، نتناول موضوع صيانة القرآن بالبحث والدراسة على وجه الإيجاز، فنقول:

التحريف لغة واصطلاحاً

التحريف لغة: تفسير الكلام على غير وجهه، يقال: حرّف الشيء عن وجهه: حرّفه وأماله، وبه يفسر قوله تعالى:(يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه).(1)
قال الطبرسي في تفسير الآية: يفسّرونها على غير ما أُنزلت، والمراد من المواضع هي المعاني و المقاصد.
وأمّا اصطلاحاً، فيطلق ويراد منه وجوه مختلفة:
1. تحريف مدلول الكلام، أي تفسيره على وجه يوافق رأي المفسِّر، سواء أوافق الواقع أم لا، والتفسير بهذا المعنى واقع في القرآن الكريم، ولا يمسُّ بكرامته أبداً، فإنّ الفرق الإسلامية ـ جمع اللّه شملهم ـ عامة يصدرون عن القرآن

1 . النساء:46.

صفحه 201
ويستندون إليه، فكلّ صاحب هوى، يتظاهر بالأخذ بالقرآن لكن بتفسير يُدْعِمُ عقيدته، فهو يأخذ بعنان الآية، ويميل بها إلى جانب هواه، ومن أوضح مصاديق هذا النوع من التفسير، تفاسير الباطنية حيث وضعوا من عند أنفسهم لكلّ ظاهر، باطناً، نسبته إلى الثاني، كنسبة القشر إلى اللبّ وأنّ باطنه يؤدّي إلى ترك العمل بظاهره، فقد فسّروا الاحتلام بإفشاء سرّ من أسرارهم، والغسلَ بتجديد العهد لمن أفشاه من غير قصد، والزكاة بتزكية النفس، والصلاة بالرسول الناطق لقوله سبحانه:(إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر)(1).(2)
2. النقص والزيادة في الحركة والحرف مع حفظ القرآن وصيانته، مثاله قراءة «يطهرن» حيث قُرِئ بالتخفيف والتشديد; فلو صحّ تواتر القراءات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ و لن يصحَّ أبداً ـ وأنّ النبي هو الذي قرأ القرآن بها، فيكون الجميع قرآناً بلا تحريف، وإن قلنا: إنّه نزل برواية واحد، فهي القرآن وغيرها كلّها تحريف اخترعتها عقول القرّاء وزيّنوا قرآنهم بالحجج التي ذكروها بعد كلّ قراءة، وعلى هذا ينحصر القرآن بواحدة منها وغيرها لا صلة لها بالقرآن، والدليل الواضح على أنّهما من اختراعات القرّاء إقامتهم الحجّة على قراءتهم ولو كان الجميع من صميم القرآن لما احتاجوا إلى إقامة الحجّة، ويكفيهم ذكر سند القراءة إلى النبي.
ومع ذلك فالقرآن مصون عن هذا النوع من التحريف، لأنّ القراءة المتواترة، هي القراءة المتداولة في كلّ عصر، أعني: قراءة عاصم برواية حفص، القراءة الموصولة إلى علي (عليه السلام)وغيرها اجتهادات مبتدعة، لم يكن منها أثر في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و لذاك صارت متروكة لا وجود لها إلاّ في بطون كتب القراءات، وأحياناً في ألسن بعض القرّاء، لغاية إظهار التبحّر فيها.

1 . العنكبوت:45.   2 . المواقف:8/390. وقد مرّ تفصيلاً ص: 120 ـ 127.

صفحه 202
روى الكليني عن أبي جعفر (عليه السلام)قال:«إنّ القرآن واحد، نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة».(1) ولذلك لا نجيز القراءة غير المعروفة منها في الصلاة.
3. تبديل كلمة مكان كلمة مرادفة، كوضع «اسرعوا» مكان (امضوا) في قوله سبحانه:(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ).(2)
وقد نسب ذلك إلى عبد اللّه بن مسعود وكان يقول: ليس الخطأ أن يقرأ مكان «العليم»، «الحكيم».
لكن أُجلّ ذلك الصحابي الجليل عن هذه التهمة، وأي غاية عقلائية يترتّب على ذاك التبديل؟!
4. التحريف في لهجة التعبير، أنّ لهجات القبائل كانت تختلف عند النطق بالحرف أو الكلمة من حيث الحركات والأداء، كما هو كذلك في سائر اللغات، فإنّ «قاف» العربية، يتلفّظ بها في إيران الإسلامية العزيزة على أربعة أوجه، فكيف المفردات من حيث الحركات والحروف؟! قال سبحانه:(وَمَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً).(3)
فكان بعض القرّاء تبعاً لبعض اللهجات يقرأ ( وسعي) بالياء مكان الألف.
وهذا النوع من التحريف لم يتطرّق إلى القرآن، لأنّ المسلمين في عهد الخليفة الثالث لمّا رأوا اختلاف المسلمين في التلفّظ ببعض الكلمات، مثل ما ذكرناه (أو تغيير بعضه ببعض مع عدم التغيّر في المعنى، مثل امض، عجل، اسرع على فرض الصحّة) قاموا بتوحيد المصاحف وغسل غير ما جمعوه، فارتفع بذلك التحريف بالمعنى المذكور فاتفقوا على لهجة قريش.

1 . الكافي:2/630، الحديث 12.   2 . الحجر:65.   3 . الإسراء:19.

صفحه 203
5. التحريف بالزيادة لكنّه مجمع على خلافه، نعم نسب إلى ابن مسعود أنّه قال: إنّ المعوذتين ليستا من القرآن، إنّهما تعويذان، و إنّهما ليستا من القرآن.(1)كما نسب إلى العجاردة من الخوارج أنّهم أنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن، وكانوا يرون أنّها قصة عشق لا يجوز أن تكون من الوحي.(2) ولكن النسبتين غير ثابتتين، ولو صحّ ما ذكره ابن مسعود لبطل تحدّي القرآن بالسورة، حيث أتى الإنسان غير الموحى إليه بسورتين مثل سور القرآن القصار.
6. التحريف بالنقص والإسقاط عن عمد أو نسيان، سواء كان الساقط حرفاً، أو كلمة، أو جملة، أو آية، أو سورة، وهذا هو الذي دعانا إلى استعراض ذلك البحث فنقول: إنّ ادّعاء النقص في القرآن الكريم بالوجوه التي مرّ ذكرها أمر يكذبه العقل والنقل، وإليك بيانهما:

1. امتناع تطرّق التحريف إلى القرآن

إنّ القرآن الكريم كان موضع عناية المسلمين من أوّل يوم آمنوا به، فقد كان المرجعَ الأوّل لهم، فيهتمون به قراءة وحفظاً، كتابة وضبطاً، فتطرّق التحريف إلى مثل هذا الكتاب لا يمكن إلاّ بقدرة قاهرة حتى تتلاعب بالقرآن بالنقص، ولم يكن للأُمويّين ولا للعباسيين تلك القدرة القاهرة، لأنّ انتشار القرآن بين القرّاء والحفّاظ، وانتشار نسخه على صعيد هائل قد جعل هذه الأُمنية الخبيثة في عداد المحال.
إنّ للسيد الشريف المرتضى بياناً في المقام نأتي بنصِّه، يقول: إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه (غيره) فيما ذكرناه، لأنّ القرآن معجزة

1 . فتح الباري بشرح البخاري:8/571.   2 . الملل والنحل للشهرستاني:1/128.

صفحه 204
النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفُوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟!
قال: والعلم بتفسير القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمُزَني، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما، ومعلوم أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء.(1)
وهناك نكتة أُخرى جديرة بالإشارة، وهي إنّ تطرّق التحريف إلى المصحف الشريف يعدُّ من أفظع الجرائم التي لا يصحّ السكوت عنها، فكيف سكت الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)وخاصّته نظير سلمان و المقداد وأبي ذر وغيرهم مع أنّا نرى أنّ الإمام وريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قد اعترضا على غصب فدك مع أنّه لا يبلغ عُشْرَ ما للقرآن من العظمة والأهمية؟!
ويرشدك إلى صدق المقال أنّه قد اختلف أُبيّ بن كعب والخليفة الثالث في قراءة قوله سبحانه: (والّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) (2) فأصرّ أُبيّ أنّه سمع عن النبي (بالواو) وكان نظر الخليفة إلى أنّه خال منها، فتشاجرا عند كتابة المصحف الواحد وإرساله إلى العواصم، فهدّده أُبيّ وقال: لابد وأن تكتب الآية بالواو وإلاّ لأضع سيفي على عاتقي فألحقوها.(2)

1 . مجمع البيان:1/15، قسم الفن الخامس، طبعة صيدا.   2 . التوبة:34.
2 . الدر المنثور: 4/179.

صفحه 205
كما نجد أنّ الإمام (عليه السلام)أمر بردّ قطائع عثمان إلى بيت المال، وقال: «واللّه لو وجدته قد تُزوِّج به النساء، ومُلِكَ به الإماء، لرددته، فإنّ في العدل سعة، و من ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق».(1)
فلو كان هناك تحريف كان ردّ الآيات المزعوم حذفها من القرآن إلى محالِّها أوجب وألزم.
نرى أنّ علياً (عليه السلام)بعدما تقلّد الخلافة الظاهرية اعترض على إقامة صلاة التراويح جماعة كما اعترض على قراءة البسملة سرّاً في الصلوات الجهرية إلى غير ذلك من البدع المحدثة، فعارضها الإمام وشدّد النكير عليها بحماس، فلو صدر أيّام الخلفاء شيء من هذا القبيل حول القرآن لقام الإمام بمواجهته، وردّ ما حذف بلا واهمة.
والحاصل: من قرأ سيرة المسلمين في الصدر الأوّل يقف على أنّ نظرية التحريف بصورة النقص كان أمراً ممتنعاً عادة.

2. شهادة القرآن على عدم تحريفه:

آية الحفظ

إنّ القرآن هو الكتاب النازل من عند اللّه سبحانه، وهو سبحانه تكفّل صيانة القرآن وحفظه عن أيِّ تلاعب، قال سبحانه:(وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقينَ * ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ * إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ).(2)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 15، تحقيق صبحي الصالح.   2 . الحجر:6ـ 9.

صفحه 206
إنّ المراد من الذكر في كلا الموردين هو القرآن الكريم بقرينة (نُزِّلَ)و(نَزَّلْنا) والضمير في (لَهُ)يرجع إلى القرآن، وقد أورد المشركون اعتراضات ثلاثة على النبي، أشار إليها القرآن مع نقدها، وهي:
1. أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)يتلقّى القرآن من لدن شخص مجهول، ويشير إلى هذا الاعتراض قولهم:(يا أَيُّهَا الّذي نزّلَ عَلَيْهِ الذِكْر) بصيغة المجهول.
2. أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مختل الحواس لا اعتبار بما يتلقّاه من القرآن وينقله، فلا نُؤمن من تصرّف مخيّلته وعقليّته في القرآن.
3. لو صحّ قوله: بأنّه ينزل عليه الملك ويأتي بالوحي فـ : (لَوما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقين).
فقد أجاب الوحي عن الاعتراضات الثلاثة، ونقدّم الجواب عن الثاني والثالث بوجه موجز، ثمّ نعطف النظر إلى الاعتراض الأوّل لأهميته.
أمّا الثاني، فقد ردّه بالتصريح بأنّه سبحانه هو المنزِّل دون غيره وقال: (إِنّا نَحْنُ).
كما رد الثالث بأنّ نزول الملائكة موجب لهلاكهم وإبادتهم، وهو يخالف هدف البعثة، حيث قال:(وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرين).
وأمّا الأوّل، فقد صرّح سبحانه بأنّه الحافظ لذكره عن تطرق أيّ خلل وتحريف فيه، وهو لا تُغلب إرادته.
وبذلك ظهر عدم تمامية بعض الاحتمالات في تفسير الحفظ حيث قالوا المراد :
1. حفظه من قدح القادحين.
2. حفظه في اللوح المحفوظ.

صفحه 207
3. حفظه في صدر النبي والإمام بعده.
فإنّ قدح القادحين ليس مطروحاً في الآية حتى تجيب عنه الآية، كما أنّ حفظه في اللوح المحفوظ أو في صدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يرتبط باعتراض المشركين، فإنّ اعتراضهم كان مبنيّاً على اتهام النبي بالجنون الذي لا ينفك عن الخلط في إبلاغ الوحي، فالإجابة بأنّه محفوظ في اللوح المحفوظ أو ما أشبهه لا يكون قالعاً للإشكال، فالحقّ الذي لا ريب فيه أنّه سبحانه يخبر عن تعهده بحفظ القرآن وصيانته في عامّة المراحل، فالقول بالنقصان يضاد مع تعهده سبحانه.
فإن قلت: إنّ مدّعي التحريف يدّعي التحريف في نفس هذه الآية، لأنّها بعض القرآن، فلا يكون الاستدلال بها صحيحاً، لاستلزامه الدور الواضح.
قلت: إنّ مصبّ التحريف ـ على فرض طروئه ـ عبارة عن الآيات الراجعة إلى الخلافة والزعامة لأئمّة أهل البيت، أو ما يرجع إلى آيات الأحكام، كآية الرجم، وآية الرضعات، وأمثالهما; وأمّا هذه الآية ونحوها فلم يتطرّق التحريف إليها باتّفاق المسلمين.

آية نفي الباطل

يصف سبحانه كتابه بأنّه المقتدر الذي لا يُغْلَب ولا يأتيه الباطل من أي جانب، قال:(إِنَّ الّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد) .(1)
ودلالة الآية رهن بيان أُمور:
الأوّل: المراد من الذكر هو القرآن، ويشهد عليه قوله:(وَإِنّهُ لَكتابٌ عَزيز)

1 . فصلت:41ـ42.

صفحه 208
مضافاً إلى إطلاقه على القرآن في غير واحد من الآيات، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُون).(1) وقال سبحانه:(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ وَسَوفَ تُسْئَلُونَ).(2)
الثاني: أنّ خبر «انّ » محذوف مقدّر وهو: سوف نجزيهم وما شابهه.
الثالث: الباطل يقابل الحق، فالحق ثابت لا يُغْلب; والباطل له جولة، لكنّه سوف يُغلب، مثلهما كمثل الماء والزبد، فالماء يمكث في الأرض والزبد يذهب جفاء، قال سبحانه:(كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثال).(3)
فالقرآن حقّ في مداليله ومفاهيمه، وأحكامه خالدة، ومعارفه وأُصوله مطابقة للفطرة، وأخباره الغيبية حق لا زيغ فيه، كما أنّه نزيه عن التناقض بين دساتيره وأخباره(وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) .(2)
فكما أنّه حقّ من حيث المادة والمعنى، حقّ من حيث الصورة واللفظ أيضاً، فلا يتطرّق إليه التحريف، ونعم ما قاله الطبرسي:لا تناقض في ألفاظه، ولا كذب في أخباره، ولا يعارض، ولا يزداد، ولا ينقص.(5)
ويؤيّده قوله قبل هذه الآيات:(وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْبِاللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم).(6) ولعلّه إشارة إلى ما كان يدخله في نفسه من إمكان إبطال شريعته بعد مماته، فأمره بالاستعاذة باللّه السميع العليم.
و الحاصل أنّ تخصيص مفاد الآية (نفي الباطل) بطروء التناقض في أحكامه وتكاذب أخباره لا وجه له، فالقرآن مصون عن أيّ باطل يبطله، أو فاسد يفسده،

1 . الحجر:6.   2 . الزخرف:44.   3 . الرعد:17.
2 . النساء:82.   5 . مجمع البيان:9/15، ط صيدا.   6 . فصّلت: 36.

صفحه 209
بل هو غضّ طريّ لا يُبْلى وَلا يُفنى.

آية الجمع

رُوي أنّه إذا نزل القرآن، عجل النبي بقراءته، حرصاً منه على ضبطه، فوافاه الوحي ونهاه عنه، وقال:(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ علَيْنا بَيانَهُ).(1) فعلى اللّه سبحانه الجمع والحفظ والبيان. كما ضمن في آية أُخرى عدم نسيانه(صلى الله عليه وآله وسلم)القرآن وقال: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلاّ ما شاءَاللّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَما يَخْفى).(2)
هذا بعض ما يمكن أن يستدلّ به، على صيانة القرآن من التحريف بالقرآن، والاستثناء في الآية الأخيرة نظير الاستثناء في قوله:(وَأَمّا الّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خالِدينَ فيها ما دامَتِ السَّمواتُ وَ الأَْرضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذ) .(3) و من المعلوم أنّ أهل السعادة محكومون بالخلود في الجنة ويشهد له ذيل الآية، أعني: قوله: (عَطاءً غَيْرَمَجْذُوذ) أي غير مقطوع، ومع ذلك فليس التقدير على وجه يخرج الأمر من يده سبحانه، فهو في كلّ حين قادر على نقض الخلود.
وأمّا الروايات الدالّة على كونه مصوناً منه، فنقتصر منها بما يلي:
1. أخبار العرض
قد تضافرت الروايات عن الأئمّة (عليهم السلام)بعرض الروايات على القرآن والأخذ بموافقه وردّ مخالفه، وقد جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب التاسع من أبواب

1 . القيامة:16ـ 19.   2 . الأعلى:6ـ 7.   3 . هود: 108.

صفحه 210
صفات القاضي.
روى الكليني عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدعوه».(1)
وروى أيّوب بن راشد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف».(2)
وفي رواية أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف».(3)
وجه الدلالة من وجهين:
ألف. أنّ المتبادر من أخبار العرض أنّ القرآن مقياس سالم لم تنله يد التبديل و التحريف والتصرف، والقول بالتحريف لا يلائم القول بسلامة المقيس عليه.
ب. أنّ الإمعان في مجموع روايات العرض يثبت أنّ الشرط اللازم هو عدم المخالفة، لا وجود الموافقة، وإلاّ لزم ردّ أخبار كثيرة لعدم تعرض القرآن إليها بالإثبات والنفي، ولا تعلم المخالفة وعدمها إلاّ إذا كان المقيس (القرآن) بعامة سوره وأجزائه موجوداً عندنا، وإلاّ فيمكن أن يكون الخبر مخالفاً لما سقط وحرّف.

1 . الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.
2 . الوسائل:الجزء18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 12، 15 وغيرها.
3 . الوسائل:الجزء18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 12، 15 وغيرها.

صفحه 211

2. حديث الثقلين

إنّ حديث الثقلين يأمر بالتمسّك بالقرآن، مثل التمسّك بأقوال العترة، حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» ويستفاد منه عدم التحريف، وذلك:
ألف. أنّ الأمر بالتمسّك بالقرآن، فرع وجود القرآن بين المتمسّكين.
ب. أنّ القول بسقوط قسم من آياته وسُوَره ، يوجب عدم الاطمئنان فيما يستفاد من القرآن الموجود، إذ من المحتمل أن يكون المحذوف قرينة على المراد من الموجود.

أهل البيت وصيانة القرآن

إنّ الإمعان في خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وكلمات أوصيائه المعصومين (عليهم السلام)يعرب عن اعتبارهم القرآن الموجود بين ظهراني المسلمين، هو كتاب اللّه المنزل على رسوله بلا زيادة ولا نقيصة، ويعرف ذلك من تصريحاتهم تارة، وإشاراتهم أُخرى، ونذكر شيئاً قليلاً من ذلك:
1. قال أمير المؤمنين (عليه السلام):«أنزل عليكم الكتاب تبياناً لكلّ شيء، وعمّر فيكم نبيّه أزماناً، حتى أكمل له ولكم ـ فيما أنزل من كتابه ـ دينه الذي رضي لنفسه».(1)
والخطبة صريحة في إكمال الدين تحت ظل كتابه، فكيف يكون الدين كاملاً و مصدره محرّفاً غير كامل؟! ويوضح ذلك أنّ الإمام يحثّ على التمسّك بالدين الكامل بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو فرع كمال مصدره وسنده.
2. وقال (عليه السلام): «وكتاب اللّه بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه، وبيت لا تهدم أركانه، وعزٌّ لا تهزم أعوانه».(2)

1 . نهج البلاغة: الخطبة86.   2 . نهج البلاغة: الخطبة 133.

صفحه 212
3. وقال (عليه السلام): «كأنّهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم».(1)
وفي رسالة الإمام الجواد إلى سعد الخير(2) : «وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده».(3)
وفي هذا تصريح ببقاء القرآن بلفظه، وانّ التحريف في تطبيقه على الحياة حيث لم يطبقوا أحكامه في حياتهم، ومن أوضح مظاهره منع بنت المصطفى (عليها السلام)من إرث والدها مع أنّه سبحانه يقول: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) .(4)
وقال سبحانه: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داود) .(5)
وقال سبحانه عن لسان زكريا: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوب) .(6)
ولعلّ فيما ذكرنا كفاية، فلنستعرض كلمات علمائنا.

الشيعة وصيانة القرآن

إنّ التتبع في كلمات علمائنا الكبار الذين كانوا هم القدوة والأُسوة في جميع الأجيال، يعرب عن أنّهم كانوا يتبرّأون من القول بالتحريف، وينسبون فكرة التحريف إلى روايات الآحاد، ولا يمكننا نقل كلمات علمائنا عبر القرون، بل نشير إلى كلمات بعضهم:

1 . نهج البلاغة: الخطبة: 147.
2 . هو من أولاد عمر بن عبد العزيز، وقد بكى عند أبي جعفر الجواد لاعتقاده أنّه من الشجرة الملعونة في القرآن، فقال الإمام (عليه السلام)له: «لست منهم وأنت منّا، أما سمعت قوله تعالى:(فَمَنْ تَبعَني فَهُوَ مِنّي) . (لاحظ قاموس الرجال:5/35) ومنه يعلم وجه تسميته بالخير.
3 . الكافي: 8/53 ح16.
4 . النساء: 11.    5 . النمل:16.   6 . مريم: 5ـ 6.

صفحه 213
1. قال الشيخ الأجل الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري (المتوفّى 260هـ) ـ في ضمن نقده مذهب أهل السنّة ـ : إنّ عمر بن الخطاب قال: إنّي أخاف أن يقال زاد عمر في القرآن ثبتَ هذه الآية، فانّا كنّا نقرؤها على عهد رسول اللّه: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من الشهوة نكالاً من اللّه واللّه عزيز حكيم.(1)
فلو كان التحريف من عقائد الشيعة، لما كان له التحامل على السنّة بالقول بالتحريف لاشتراكهما في ذلك القول.
2. قال أبو جعفر الصدوق (المتوفّى381هـ): اعتقادنا أنّه كلام اللّه ووحيه تنزيلاً، وقوله في كتابه:(إِنَّهُ لَكتابٌ عَزيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيم حَميد)وأنّه القصص الحق، وأنّه لحقّ فصل، وما هو بالهزل، وأنّ اللّه تبارك و تعالى مُحْدثه ومنزله وربّه وحافظه والمتكلّم به.(2)
3. قال الشيخ المفيد (المتوفّى413هـ): وقد قال جماعة من أهل الإمامة إنّه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام)من تأويل وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزلاً، وإن لم يكن من جملة كلام اللّه الذي هو القرآن المعجز، وقد يسمّى تأويل القرآن قرآناً، وعندي أنّ هذا القول أشبه بالحقّ من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل وإليه أميل.(3)
وقال أيضاً في أجوبة «المسائل السروية» في جواب من احتج على

1 . الإيضاح: 217. روى البخاري آية الرجم في صحيحه: 8/208 باب رجم الحبلى.
2 . اعتقادات الصدوق:93.
3 . أوائل المقالات:53ـ54.

صفحه 214
التحريف بالروايات الواردة حيث ورد فيها «كنتم خير أئمّة أُخرجت للناس» مكان (أُمّة)، وورد كذلك «جعلناكم أئمة وسطاً» مكان ( أُمّة) وورد «يسألونك الأنفال» مكان (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ) ، فأجاب : أنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على اللّه تعالى بصحّتها، فلذلك وقفنا فيها، ولم نعدل عمّا في المصحف الظاهر.(1)
صيانة القرآن من التحريف   
4. قال الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ): مضافاً إلى من نقلنا عنه في الدليل الأوّل، أنّ جماعة من الصحابة، مثل عبد اللّه بن مسعود و أُبّي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي عدّة ختمات، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتباً غير مستور ولا مبثوث.(2)
5. قال الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ): أمّا الكلام في زيادة القرآن ونقصه فما لا يليق به أيضاً، لأنّ الزيادة مجمع على بطلانها، وأمّا النقصان فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر من الرواية، ثمّوصف الروايات المخالفة بالآحاد.
6. قال أبو علي الطبرسي (المتوفّى 548هـ) الكلام في زيادة القرآن ونقصانه; أمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة انّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه.(3)

1 . مجموعة الرسائل للمفيد:366.
2 . مجمع البيان:1/10، نقلاً عن جواب المسائل الطرابلسية للسيد المرتضى.
3 . مجمع البيان:1/10.

صفحه 215
7. قال السيد علي بن طاووس الحلّي (المتوفّى664هـ): إنّ رأي الإمامية هو عدم التحريف.(1)
8 . قال العلاّمة الحلّي (المتوفّى726هـ) في جواب السيد الجليل المهنّا: الحق أنّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم، وانّه لم يزد ولم يُنْقَص، ونعوذ باللّه من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك، فإنّه يوجب تطرّق الشك إلى معجزة الرسول المنقولة بالتواتر.(2)
9. قال المحقّق الأردبيلي (المتوفّى993هـ) في مسألة لزوم تحصيل العلم: بأنّ ما يقرأه هو القرآن، فينبغي تحصيله من التواتر الموجب للعلم، وعدم جواز الاكتفاء بالسماع حتى من عدل واحد ـ إلى أن قال: ـ ولما ثبت تواتره فهو مأمون من الاختلال...مع أنّه مضبوط في الكتب حتى أنّه معدود حرفاً حرفاً، وحركة حركة، وكذا طريق الكتابة وغيرها ممّا يفيد الظن الغالب بل العلم بعدم الزيادة على ذلك والنقص.(3)
10. وقال القاضي السيد نور اللّه التستري (المتوفّى1029هـ): ما نسب إلى الشيعة الإمامية من وقوع التحريف في القرآن ليس ممّا يقول به جمهور الإمامية، إنّما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد لهم فيما بينهم.(4)
ولو استقصينا كلمات علمائنا في هذا المجال لطال بنا الموقف. إلى هنا ظهر الحقّ بأجلى مظاهره فلم يبق إلاّ دراسة بعض الشبهات ودحضها.

1 . سعد السعود:144.
2 . أجوبة المسائل المهنائية:121.
3 . مجمع الفائدة والبرهان:2/218، في محل النقاط كلمة «لفسقه» فتأمل.
4 . آلاء الرحمن:1/25.

صفحه 216
شبهات مثارة حول صيانة القرآن
اعتمد بعض الأخباريين في قولهم بالتحريف بوجوه لا يصلح تسميتها بشيء سوى كونها شبهاً، وإليك بعض شبهاتهم.

الشبهة الأُولى: وجود مصحف لعلي (عليه السلام)

روى ابن النديم (المتوفّى 385هـ) في «فهرسته» عن علي (عليه السلام)أنّه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي، فأقسم أن لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن.(1)
روى اليعقوبي (المتوفّى 290 هـ) في «تاريخه»: روى بعضهم أنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام)كان جمعه ـ القرآن ـ لمّا قبض رسول اللّه، وأتى وحمله على جمل، فقال: هذا القرآن جمعته، وكان قد جزّأه سبعة أجزاء، ثمّ ذكر كلّ جزء، والسور الواردة فيه.
يلاحظ عليه: أنّ الإمعان فيما ذكره اليعقوبي أنّ مصحف علي لا يخالف المصحف الموجود في سوره وآياته، وإنّما يختلف في ترتيب السور، وهذا يثبت أنّ ترتيب السور كان باجتهاد الصحابة والجامعين، بخلاف وضع الآيات وترتيبها، فانّه كان بإشارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما ذكره ابن النديم يثبت أنّ القرآن كان مكتوباً في عصر النبي كلّ سورة على حدة وكان فاقداً للترتيب الذي رتّبه الإمام على سبعة أجزاء، وكلّ جزء يشتمل على سور، وقد نقل المحقّق الزنجاني ترتيب سور

1 . فهرست ابن النديم، نقله الزنجاني في تاريخ القرآن:76.

صفحه 217
مصحف الإمام في ضمن جداول تعرب عن أنّ مصحَف عليّ (عليه السلام)كان في سبعة أجزاء، وكلّ جزء يحتوي على سور، فالجزء الأوّل يسمّى بالبقرة وفيه سور، والجزء الثاني يسمى جزء آل عمران وفيه سور، والثالث جزء النساء وفيه سور، والرابع جزء المائدة وفيه سور، والخامس جزء الأنعام وفيه سور، والسادس جزء الأعراف وفيه سور، والسابع جزء الأنفال وفيه سور، والظاهر منه أنّ التنظيم لم يكن على نسق تقديم الطوال على القصار ولا على حسب النزول، وإليك صورته:

صفحه 218
 
ترتيب السور في مصحف علي (عليه السلام)
الجز الأوّل
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع
البقرة
يوسف
العنكبوت
الروم
لقمان
حمَ السجدة
الذاريات
هل أتى على الإنسان
ألم تنزيل
السجدة
النازعات
إذا الشمس كورت
إذا السماء انفطرت
إذا السماء انشقت
سبح اسم ربّك الأعلى
لم يكن
آل عمران
هود
الحج
الحجر
الأحزاب
الدُّخان
الرحمن
الحاقة
سأل سائل
عبس وتولى
والشمس وضحيها
إنا أنزلناه
إذا زلزلت
ويل لكل همزة
ألم تر كيف
لإيلاف قريش
النساء
النحل
المؤمنون
يس
حَمعسق
الواقعة
تبارك ا... الملك
يا أيُّها المدثر
أرأيت
تبت
قل هو الله أحد
والعصر
القارعة
والسماء ذات البروج
والتين والزيتون
طس
النمل
المائدة
يونس
مريم
طسم
الشعراء
الزخرف
الحجرات
ق والقرآن المجيد
اقتربت الساعة
الممتحنة
والسماء والطارق
لا أُقسم بهذا البلد
ألم نشرح لك
والعاديات
إنّا أعطيناك الكوثر
قل يا أيها الكافرون
فذلك جزء البقرة
فذلك جزء آل عمران
فذلك جزء النساء
فذلك جزءالمائدة

صفحه 219
الجزء الخامس
الجزء السادس
الجزء السابع
الأنعام
سبحان
اقترب
الفرقان
موسى
فرعون
حم
المؤمن
المجادلة
الحشر
الجمعة
المنافقون
ن والقلم
إنّا أرسلنا نوحاً
قل أوحي إليّ
المرسلات
والضحى
الهيكم
الأعراف
إبراهيم
الكهف
النور
ص
الزمر
الشريعة
الّذين كفروا
الحديد
المزمل
لا أُقسم بيوم القيامة
عمّ يتساءلون
الغاشية
والفجر
والليل إذا يغشى
إذا جاء نصر الله
الأنفال
براءة
طه
الملائكة
الصافات
الأحقاف
الفتح
الطور
النّجم
الصَّف
التغابن
الطلاق
المطففين
المعوذتين
فذلك جزء الأنعام
فذلك جزء الأعراف
فذلك جزء الأنفال

صفحه 220
فالإمعان في هذا الجدول يثبت بأنّ السور الموجودة فيه ، هي نفس السور في المصحف وإنّما الاختلاف في ترتيبها، وقدنقل الشهرستاني ـ حسب ما نقله المحقّق الزنجاني ـ ترتيب السور في مصحف عبد اللّه بن عباس، فترتيب السور فيها يخالف ترتيب المصحف ولكن السور، نفسها.
وممّا يدل على أنّ الفرق بين مصحفه (عليه السلام)وسائر المصاحف كان منحصراً في كيفية ترتيب السور فقط، ما رواه الشيخ المفيد عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: «إذا قام قائم آل محمد (عليه السلام)ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن، على ما أنزل اللّه ـ جلّ جلاله ـ فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنّه يخالف فيه التأليف».(1)

الشبهة الثانية: تشابه مصير الأُمّتين

روى الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «والذي نفسي بيده لتركبن سنّة من قبلكم حذو النعل بالنعل، والقُذة بالقذة لا تخطئون طريقهم».(2) وقد حرّفت اليهود والنصارى كتبهم، فيلزم وقوع مثله في الأُمّة الإسلامية.
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّه خبر واحد لا يحتج به في العقائد، بأنّ الاستدلال لا يتم إلاّ بتعيين وجه التشابه بين الأُمم السالفة والأُمّة الإسلامية، فهناك احتمالان:
ألف: التشابه بين الأُمّتين، في جوهر الحوادث وخصوصياتها ولبّها وكيفياتها.
ب: التشابه في أُصولها وذاتياتها، لا في ألوانها وصورها.

1 . الإرشاد للمفيد:365.
2 . صحيح مسلم:8/57، باب اتباع سنن اليهود والنصارى; وصحيح البخاري:9/102، كتاب الاعتصام ; وسنن الترمذي:5/26، كتاب الإيمان.

صفحه 221
أمّا الأوّل، فهو ممّا لا يمكن القول به، إذ لم تواجه الأُمّة الإسلامية، ماواجهت اليهود في حياتهم، وذلك:
1. أنّهم عاندوا أنبياءهم فابتلوا بالتيه في وادي سيناء، لمّا أمرهم موسى بدخول الأرض المقدّسة واعتذروا بأنّ فيها قوماً جبارين، و أنّهم لن يدخلوها حتى يخرجوا منها، فوافاه الخطاب بأنّها (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَومِ الْفاسِقينَ) .(1) مع أنّ المسلمين لم يبتلوا بالتيه.
2. أنّهم عبدوا العجل ـ اتّخذوه إلهاً ـ في غياب موسى قال سبحانه:(ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) .(2) والمسلمون ـ بفضل اللّه سبحانه ـ استمروا على نهج التوحيد ولم يعبدوا وثناً ولا صنماً.
3. عاش بنو إسرائيل في عصر عجّ بالحوادث، أشار إليها القرآن ولم يُر أثر منها في حياة المسلمين، كلّ ذلك يدلّ على أنّ ليس المراد التشابه في الصور والخصوصيات.
مثلاً أنّ بني إسرائيل ظُلّلوا بالغمام ونُزّل عليهم المنُّ والسلوى، ولم يُر ذلك في المسلمين.
وأمّا الثاني، فهو المراد ـ إذا صحّت هذه الأخبار ولم نقل أنّها أخبار آحاد غير مروية في الكتب المعتبرة ولا يُحتج بخبر الواحد في باب العقائد ـ و يشهد التاريخ بابتلاء المسلمين بنفس ما ابتليت به الأُمم السالفة في الجوهر والذات.
ألف. فقد دبّ فيهم دبيبُ الاختلاف بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتفرّقوا إلى فرق مختلفة كاختلاف الأُمم السالفة، ولو أنّهم افترقوا إلى إحدى وسبعين أو اثنين وسبعين فرقة، فالمسلمون افترقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة.

1 . المائدة:26.   2 . البقرة:51.

صفحه 222
ب. ظهرت بين الأُمّة الإسلامية ظاهرة الارتداد، مثلما ارتدّ بعض أصحاب المسيح ودلّ اليهودَ على مكانه، وهذا هو البخاري يروي في حديث أنّ أصحاب النبي يُمنعون من الحوض، ويقول النبي: لماذا يمنعون، مع أنّهم أصحابي، فيجاب أنّهم ليسوا من أصحابك، إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، أنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.(1)
ج. أنّهم خصّوا العقوبات بالفقراء دون الأغنياء، فإذا سرق الفقير منهم أجروا عليه الحد، وإذا سرق الغني، امتنعوا منه ـ على ما رواه مسلم في صحيحه(2) ـ فقد ابتلت الأُمّة بهذه الظاهرة منذ رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد عُطِّلَت الحدود في خلافة عثمان، كما نطق به التاريخ.
د. أنّهم حرّفوا كتبهم، بتفسيرها على غير وجهه، ويكفي في التشابه هذا المقدار من التحريف، وقد روي عن الإمام الجواد (عليه السلام)أنّه قال: «المسلمون: أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، فهم يروونَه ولا يرعونه» (2).
فقد ورد في العهدين أوصاف النبي على وجه يعرفون بها النبي كما يعرفون أبناءهم، قال سبحانه:(الّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ)(4)، وقال سبحانه:(الّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوراةِ وَالإِنْجِيل) (5) ومع ذلك كانوا يؤوّلون البشائر ويفسّرونها على غير واقعها، ومن قرأ تاريخ النبي مع اليهود المعاصرين له يقف على أنّهم كيف كانوا يضلّلون الناس بتحريف كتبهم، بتفسيرها على غير وجهها؟
ولعلّ وجه التشابه ما أوردناه في الوجه الثاني ، ومعه لا يصحّ لأحد أن يقول:

1 . جامع الأُصول:11/119ـ 121.   2 . صحيح مسلم ج5، باب قطع السارق ص 114.
2 . الكافي: 8/53 ح 16.   4 . البقرة: 146.   5 . الأعراف: 157.

صفحه 223
إنّ التشابه بين الفريقين، هو أنّ التحريف قد مسّ جوهر الكتاب المقدّس، فإنّ ما بأيدي اليهود إنّما كُتب بعد رحيل موسى بخمسة قرون، ومثلها الإنجيل فإنّه أشبه بكتاب روائيّ يتكفّل ببيان حياة المسيح إلى أن صُلِب وقُبر، وأين هو من الكتاب السماوي؟!
نعوذ باللّه من الزلل في الرأي والقول والعمل.

الشبهة الثالثة: عدم الانسجام بين الآيات والجمل

وهذه الشبهة أبدعها الملاحدة حول آيات القرآن الكريم، واتّخذها القائلون بالتحريف ذريعة لعقيدتهم وقد كتب «سايل الانجليزي» كتاباً في هذا الصدد، ونقله إلى العربية هاشم العربي ـ وكأنّ الاسم اسم مستعار ـ و ردّ عليه المحقّق البلاغي بكتاب أسماه «الهدى إلى دين المصطفى» ولنذكر نماذج:

1. آية الكرسي وتقديم السنة على النوم

قال سبحانه:(لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوم) (1) مع أنّ الصحيح أن يقول لا تأخذه نوم ولا سنة، فإنّ الرائج في هذه الموارد هو التدرّج من العالي إلى الداني كما يقال: لا يأخذني عند المطالعة، نوم ولا سنة.
والجواب: إنّ الأخذ في الآية بمعنى الغلبة واللازم عندئذ هو التدرّج من الداني إلى العالي كما هو واضح، والآية بصدد تنزيهه سبحانه عن كلّ ما يوجب الغفلة، مثلاً لو فرضنا أنّ زيداً أشجع من عمرو وأراد المتكلِّم أن يصف شجاعته الفائقة يقول ما غلبني عمرو ولا زيد فيقدم الضعيف على الشجاع، ولو عكس يكون مستهجناً ويكون ذكر الضعيف زائداً.

1 . البقرة:255.

صفحه 224

2. آية الخوف عن إقامة القسط

قال سبحانه:(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَة) .(1)
وجه الاستدلال: أنّه لا صلة بين الشرط و الجزاء، فكيف يترتّب الإذن في نكاح النساء (مَثنى وثلاثَ وَ رُباع) على الخوف من عدم إقامة القسط في اليتامى؟
يلاحظ عليه: أنّ القرآن يعتمد في إفهام مقاصده على القرائن الحالية بلا إيجاز مخلّ، وقد ذكر أمر اليتامى في نفس السورة في الآيات التالية:
1. (وَآتُوا اليَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بالطَّيِّبِ) .(2)
2. (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ...).(3)
3. (إِنَّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَموالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً).(2)
4. (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النِّساءِ اللاّتي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِليَتامى بِالقِسْطِ).(5)
فقد بيّن سبحانه في الآية الأخيرة أحكام موضوعات ثلاثة:
1. النساء الكبار.
2. يتامى النساء، أي النساء اليتامى والصغار اللاتي لا يُؤتون ما كُتب لهن ويرغبون أن ينكحوهن.

1 . النساء:3.   2 . النساء: 2.   3 . النساء: 3.
2 . النساء: 10.   5 . النساء: 127.

صفحه 225
3. المستضعفون من الولدان، أي الولدان الصغار.
فقد أفتى في النساء بما جاء في هذه السورة من الأحكام.
وأمّا البنات اليتامى والولدان الصغار فقد أفتى فيهم بقوله:(وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْط) .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يظهر من الآية الرابعة أنّ القوم كانوا راغبين في نكاح النساء اليتامى لجمالهن أو أموالهن أو لكليهما ، من دون أن يقوموا في حقّهم بالقسط، فأمر سبحانه بإقامة القسط لهم حيث قال:(وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ).
وبذلك تظهر صلة الجزاء بالشرط حيث إنّ اللام في قوله:(وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى)للعهد، إشارة إلى يتامى النساء اللاّتي لا يُؤتونَ ما كتب لهنّ، ويرغبون أن ينكحوهنّ، فحثّ على أنّهم إذا خافوا من عدم القيام بوظائفهم عند تزوّجهن، فعليهم تزويج غيرهنّ، واللّه سبحانه إذا أقفل باباً (تزويج النساء اليتامى)، يفتح باباً آخر، وهو تزويج غيرهنّ، فأي صلة أوضح من هذه الصلة؟

3. آية التطهير ومشكلة السياق

قوله سبحانه:(إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً).(1)
حيث وقعت بين قوله:(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِية الأُولى وَأَقِمْنَ الصلاةَ وَآتينَ الزَّكاةَ وأَطِعنَ اللّهَ وَرَسُولَه...)(2) وقوله: (وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّهِ وَالحِكْمَة)(2) ، فهذا النوع من التعبير آية طروء

1 . الأحزاب: 33ـ 34.
2 . الأحزاب: 33ـ 34.   2 . الأحزاب: 33ـ 34.

صفحه 226
التحريف على ترتيب الآيات.

يلاحظ عليه:

إنّ القول بنزول الآية في آل الكساء لا توجد أي مشكلة في سياقها، شريطة الوقوف على أُسلوب البلغاء في كلامهم وعباراتهم; فإنّ من عادتهم الانتقال من خطاب إلى غيره ثمّ العود إليه مرّة أُخرى.
قال صاحب المنار: إنّ من عادة القرآن أن ينتقل بالإنسان من شأن إلى شأن ثمّ يعود إلى مباحث المقصد الواحد المرة بعد المرة.(1)
وقد اعترف بعض أهل السنّة بهذه الحقيقة أيضاً عند بحثه في آية الولاية، حيث قال ما هذا نصه:
الأصل عند أهل السنّة أنّ الآية تعتبر جزءاً من سياقها إلاّ إذا وردت القرينة على أنّها جملة اعتراضية تتعلّق بموضوع آخر على سبيل الاستثناء وهو أُسلوب من أساليب البلاغة عند العرب جاءت في القرآن على مستوى الإعجاز.
وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إنّ الآية من القرآن يكون أوّلها في شيء وآخرها في شيء».(4)
فعلى سبيل المثال، أنّه سبحانه يقول في سورة يوسف حاكياً عن العزيز أنّه بعدما واجه الواقعة في بيته قال:(إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئين).(2)

1 . تفسير المنار: 2/451.   4 . الكاشف: 6/217.
2 . يوسف: 28ـ 29.      2 . الأحزاب: 30.       3 .الأحزاب: 32.   4 . الأحزاب: 33.

صفحه 227
ترى أنّ العزيز يخاطب زوجته بقوله:(إِنّه مِنْ كَيدِكُنَّ ) وقبل أن يفرغ من كلامه معها يخاطب يوسف بقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) ثمّ يرجع إلى الموضوع الأوّل، ويخاطب زوجته بقوله: (وَاسْتَغْفِري لِذَنْبِك) فقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) جملة معترضة، وقعت بين الخطابين، والمسوِّغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين وكانت له صلة تامة بالواقعة التي رفعت إلى العزيز.
والضابطة الكلّية لهذا النوع من الخطاب هو وجود التناسب المقتضي للعدول من الأوّل إلى الثاني ثمّ منه إلى الأوّل، وهي موجودة في الآية، فإنّه سبحانه يخاطب نساء النبي بالعبارات التالية:
1. (يا نِساءَالنَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيِّنَة يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ).(2)
2. (يا نِساءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدمِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيَتُنَّ).(3)
3.(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِليَّةِ الأُولى).(4)
فعند ذلك صحّ أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وذلك لوجهين:
1. تعريفهنّ بجماعة بلغوا القمة في الورع والتقى، وفي النزاهة عن الرذائل والمساوئ، وبذلك استحقوا أن يكونوا أُسوة في الحياة وقدوة في العمل، فيلزم عليهنَّ أن يقتدينَّ بهم، ويستضيئنَّ بنورهم.
2. يعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)محوراً لطائفتين مجتمعتين حوله (صلى الله عليه وآله وسلم).
الأُولى: أزواجه ونساؤه.

صفحه 228
الثانية: ابنته وبعلها وبنوها.
فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الرابط الذي تنتهي إليه هاتان الطائفتان، فإذا نظرنا إلى كلّ طائفة مجرّدة عن الأُخرى، فسوف ينقطع السياق.
ولكن لمّا كان المحور هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)،واللّه سبحانه يتحدّث عمّن له صلة بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فعند ذلك تتراءى الطائفتان كمجموعة واحدة، فيعطي لكلّ منها حكمها، فيتحدّث عن نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزواجِكَ) ، (يانِساءَ النَّبِيُّ مَنْ يَأْتِ) ، (يا نساءَالنبيّ لَسْتُنَّ) الخ.
كما أنّه تعالى يتحدّث عن الطائفة الأُخرى وهم أهل البيت بقوله: (إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُم الرجسَ).
فالباعث للجمع بين الطائفتين في ثنايا آية واحدة، إنّما هو انتساب الجميع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وحضورهما حوله، وليس هناك أيّ مخالفة للسياق.

إكمال

أثبت ما قدّمنا من الأدلّة الناصعة أنّ كتاب اللّه العزيز مصون من التحريف لم تمسّ كرامتَه يدُ التغيير، كما ظهر ضعف ما استند إليه القائل به. بقي الكلام فيما ورد في الصحاح والمسانيد من سقوط آيات من الكتاب وقد تبنّاها عمر بن الخطاب وعائشة، ففي زعم الأوّل سقطت آيات أربع، وعلى زعم الثانية سقطت واحدة وهي آية الرضاع.
والعجب أنّ أهل السنّة يتّهمون الشيعة بالقول بالتحريف ويشنّون هجوماً عنيفاً عليهم، وهم يروون أحاديثه في أصحّ صحاحهم ومسانيدهم.
والحقّ أنّ أكابر الفريقين بريئون عن هذه الوصمة، غير أنّ لفيفاً من حشوية أهل السنّة، وأخبارية الشيعة يدّعون التحريف وهم يستندون إلى روايات لا قيمة

صفحه 229
لها في سوق الاعتبار. ولنذكر ما رواه أهل السنّة في كتبهم.

الآيات غير المكتوبة

يرى ابن الخطاب أنّ آيات أربع سقطت من القرآن وهي: آية الرجم، وآية الفراش، وآية الرغبة، وآية الجهاد، والعجب أنّ الصحاح والمسانيد احتفلت بنقلها، مع أنّ نصوصها تشهد على أنّها ليست من القرآن وإن كانت مضامينها مطابقة للشريعة، وإليك الآيات الأربع المزعومة:

1. آية الرجم

خطب عمر عند منصرفه من الحج وقال: إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم يقول قائل لا نجد حدّين في كتاب اللّه، فقد رجم رسول اللّه ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب اللّه تعالى لكتبتها :«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة» فإنّا قد قرأناها.(1)
ولفظها ينادي بأنّها ليست من القرآن، والمضمون غير خال من الإشكال، لأنّ الموضوع للرجم هو المحصن والمحصنة، سواء كانا شابين أو شيخين أو مختلفين.

2. آية الفراش

إنّ عمر بن الخطاب قال لأُبيَّ بن كعب: أو ليس كنّا نقرأ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فيما فقدنا من كتاب اللّه; فقال أُبيّ: بلى.(2) واللفظ مع فصاحته

1 . صحيح البخاري: 8/208ـ211.
2 . الدر المنثور:1/106.

صفحه 230
أيضاً يأبى أن يكون من القرآن ، لكن الخليفة زعم أنّ العبارة من القرآن.

3. آية الرغبة

روى البخاري أنّ عمر قال: «إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللّه أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو أن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم».(1)

4. آية الجهاد

روى السيوطي أنّ عمر قال لابن عوف: ألم تجد فيما أُنزل علينا وإن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرة؟ قال: أُسقطت فيما أُسقط من القرآن.(2)

5. آية الرضعات

روى مالك ـ في الموطأ ـ عن عائشة كانت فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثمّ نسخن بـ «خمس معلومات» فتوفّي رسول اللّه وهنّ فيما يقرأ من القرآن.(3)
إنّ آيتها نظير آيات الخليفة تأبى أن تكون من صميم القرآن، ولو كان لكتب في المصاحف، ولا وجه لإسقاطها.

روايات التحريف في كتب الحديث


1 . صحيح البخاري: 8/208ـ211; صحيح مسلم: 4/167و ج5/116.
2 . الدر المنثور:1/106.
3 . تنوير الحوالك: 2/118، آخركتاب الرضاع.

صفحه 231
وقد جمعها المحدّث النوري في كتابه «فصل الخطاب في تحريف الكتاب»، والاستدلال بهذه الروايات موهون من جهات:
الأُولى: أنّها ليست متواترة، وليست الكثرة آية التواتر إلاّ إذا اشتركت في أحد المداليل الثلاثة من المطابقة، والتضمّن، والالتزام، وهذه الروايات فاقدة لهذه الجهة، ولا تهدف إلى جهة خاصة، فتارة ناظرة إلى بيان تنزيلها، وأُخرى إلى بيان تأويلها، وثالثة إلى بيان قراءتها، ورابعة إلى تفسيرها، وهذا هو الكثير، فحسب البعض أنّه جزء من الآية، مثلاً قال سبحانه:(وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (1) رواه في «الكافي» أنّه قال: وإن تلووا «الأمر» أو تعرضوا «عمّا أُمرتم به».
روى علي بن إبراهيم بسند صحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: وقرأت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام):(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ) (2) فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): خير أُمّة تقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين ابني علي (عليهم السلام)؟! فقال القارئ: جعلت فداك كيف؟ قال: نزلت«كُنْتُمْ خَيْرَ أئمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ» ألا ترى مدح اللّه لهم (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ).(3)
والاستدلال دلّ على أنّ المراد ليس كلّ الأُمّة بل بعضها بشهادة قوله سبحانه:(ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (4) وأراد الإمام تنبيه القارئ على أن لا يغتر بإطلاق الآية، بل يتدبّر ويقف على مصاديقها الواقعية، وأنّ خير الأُمّة هم الأئمّة وهم الأُسوة، وأولياء الدين، والمخلصون من العلماء الأتقياء، لا كلّ الأُمّة بشهادة أنّ كثيراً منهم ارتكبوا أعمالاً

1 . النساء:135.   2 و 3 . آل عمران:110.   4 . آل عمران:104.

صفحه 232
إجرامية مشهودة.
ويقرب من ذلك قوله سبحانه:(وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).(1) فإنّ ظاهر الآية أنّ كلّ الأُمّة: هم الأُمّة الوسطى، والشعب الأمثل، مع أنّا نجد بين الأُمّة من لا تقبل شهادته على باقة بقل في الدنيا، فكيف تقبل شهادته في الآخرة على سائر الأُمم؟! وهذا يهدينا إلى أن نتأمل في الآية، ونقف على أنّ الاسناد إلى الكل مجاز بعلاقة كونها راجعة إلى أصفياء الأُمّة وكامليها.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام)في هذا الشأن:«فإن ظننت أنّ اللّه عنى بهذه الآية، جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب اللّه شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة الأُمم الماضية؟! كلا: لم يعن اللّه مثل هذا من خلقه».(2)
وأنت إذا تدبّرت كتاب «فصل الخطاب» الذي جمع هذه الروايات، تقف على أنّ الأكثر فالأكثر من قبيل التفسير.
مثلاً روى العياشي عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال: «نزل جبرئيل على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بعرفات يوم الجمعة فقال له: يا محمد إنّ اللّه يقرؤك السلام، ويقول
لك: (اَلْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ ـ بولاية علي بن أبي طالب ـ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)(3).(4) فلا شكّ أنّه بيان
لسبب إكمال الدين وإتمام النعمة لا أنّه جزء من القرآن.

1 . البقرة:143.
2 . تفسير العياشي: 1/63 ويؤيد ذلك أنّه سبحانه قال في حقّ بني إسرائيل:(وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً)(المائدة/20) مع أنّ بعضهم كانوا ملوكاً لا كلّهم.
3 . المائدة: 3.   4 . المصدر نفسه: 1/293 برقم 21.

صفحه 233
مع أنّ قسماً كبيراً منها يرجع إلى الاختلاف في القراءة، المنقولة إمّا من الأئمّة بالآحاد لا بالتواتر، فلا حجية فيها أوّلاً ولا مساس لها بالتحريف ثانياً، أو من غيرهم من القرّاء وقد أخذ قراءتهم المختلفة من مجمع البيان وهو أخذها من كتب أهل السنّة في القراءة، وكلّها مراسيل أوّلاً، و الاختلاف في القراءة غير التحريف ثانياً، لما عرفت من أنّها على وجه، غير موصولة إلى النبي، وعلى فرض صحّة النسبة، لا صلة لها بالقرآن.
وهناك روايات ناظرة إلى تأويلها وبيان مصاديقها الواقعية، وهي أيضاً كثيرة، أو ناظرة إلى بيان شأن نزولها، إلى غير ذلك وبعد إخراج هذه الأقسام، تبقى روايات آحاد لا تفيد العلم ولا العمل.
الثانية: أنّ أكثر هذه الروايات التي يبلغ عددها 1122حديثاً منقول من كتب ثلاثة:
1. كتاب «القراءات» لأحمد بن محمد السياري (المتوفّى 286هـ)، الذي اتّفق الرجاليون على فساد مذهبه.
قال الشيخ: أحمد بن محمد السياري الكاتب كان من كتاب آل طاهر، ضعيف الحديث، فاسد المذهب، مجفو الرواية، كثير المراسيل.(1)
2. كتاب علي بن أحمد الكوفي (المتوفّى 352هـ) الذي نص الرجاليون بأنّه كذّاب مبطل.
قال النجاشي: رجل من أهل الكوفة كان يقول: إنّه من آل أبي طالب، وغلا في آخر أمره وفسد مذهبه وصنّف كتباً كثيرة، أكثرها على الفساد، ثمّ يقول: هذا

1 . فهرست الشيخ: 47 برقم 70; رجال النجاشي: 1/211 برقم 190.

صفحه 234
الرجل، تدّعي له الغلاة منازل عظيمة.(1)
3. كتاب «تفسير القمي» الذي أوضحنا حاله في محلّه، وقلنا: إنّه ليس للقمي، بل قسم منه من إملاءاته على تلميذه أبي الفضل العباس بن محمد بن العلوي، وقسم منه مأخوذ من تفسير أبي الجارود، ضمه إليها تلميذه،(2) وهو من المجاهيل، لأنّ العباس بن محمد غير معنون في الكتب الرجالية فهو مجهول، كما أنّ الراوي عنه في أوّل الكتاب يقول: «حدّثني أبو الفضل بن العباس، مجهول أيضاً، وأسوأ حالاً منهما أبو الجارود المعروف بـ«زياد بن المنذر» فهو زيدي بتري وردت الرواية في ذمّه في رجال الكشي،(3) أفيمكن الاعتمادعلى روايات هذا الكتاب؟!
وقس على ذلك، سائر مصادره ومنابعه التي لا يعبأ ولا يعتمد عليه.
الثالثة: أنّ هذه الروايات معارضة بأكثر منها وأوضح منها، من حديث الثقلين وأخبار العرض وما عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا التبست عليكم الفتن فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفع، وماحل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، و من جعله خلفه ساقه إلى النار».(4)
وما في النهج(5) حول القرآن من كلمات بديعة لا تصدر إلاّ من سيد البشر أو وصيه، وعند التعارض يؤخذ بالموافق لكتابه والمطابق للذكر الحكيم، وهي الطائفة الثانية.
***

1 . رجال النجاشي: 2/96 برقم 689.
2 . لاحظ كتاب «كليات في علم الرجال» حول تقييم تفسير القمي.
3 . رجال الكشي:199.      4 . الكافي:2/599.   5 . نهج البلاغة: الخطبة 81 و110 و 147.

صفحه 235

ختامه مسك

لمّا وقع كتاب «فصل الخطاب» ذريعة لكلّ من يحاول اتّهام الشيعة الإمامية بالتحريف، وهم منه بُرآء براءة يوسف ممّا اتُّهم به، استدعيت من فضيلة شيخنا الجليل «محمد هادي معرفة»(1) أمدَّ اللّه في حياته الكريمة، أن يوضِّح لنا واقع هذا الكتاب وقيمته في سوق العلم، و المصادر التي اعتمد المؤلّف عليها، فتفضّل بمقال قيّم ننشره على صفحات كتابنا مشفوعاً بالشكر والتقدير.

مع المحدّث النوري

في كتابه «فصل الخطاب»
هو: الشيخ الحسين بن محمد تقي النوري. ولد في قرية «نور» من ضواحي بلدة «آمل» في مقاطعة «مازندران»، في 18، شوال سنة 1254. وهاجر إلى العراق سنة 1278 ليواصل دراسته العلمية في حوزة النجف الأشرف حتى سنة 1284 فرجع إلى إيران، ولم يلبث أن عاد إلى العراق عام 1286 وتشرّف بزيارة بيت اللّه الحرام، وبعد مدّة ارتحل إلى سامرّاء ، حيث كان محطّ رحل زعيم الأُمّة الميرزا محمد حسن الشيرازي، الذي توفّي سنة 1312 وبعده بمدة وفي سنة 1314 قفل

1 . توفّي الشيخ محمد هادي معرفة في أواخر شهر ذي الحجّة الحرام من عام 1427 هـ . وشيخنا العلاّمة «معرفة» أحد العلماء المحقّقين في علوم القرآن تشهد بذلك موسوعته« التمهيد في علوم القرآن» و قد خرجت منها سبعة أجزاء، وله كتاب «التفسير والمفسّرون»، وغيرها. نسأله سبحانه أن يتغمّده برحمته الواسعة.

صفحه 236
محدّثنا النوري من سامراء، ليأخذ من النجف الأشرف مقرّه الأخير، حتى توفّاه اللّه سنة 1320هـ.ق.
كان محدّثنا النوري مولَعاً بجمع الأخبار وتتبّع الآثار، وله في ذلك مواقف مشهودة، ومصنّفاته في هذا الشأن معروفة.
غير أنّ شغفه بذلك، ربّما حاد به عن منهج الإتقان في النقل والتحديث، ممّا أوجب سلبَ الثقة به أحياناً و في بعض ما يرويه.ولا سيّما عند أهل التحقيق وأرباب النظر من فقهائنا الأعلام والعلماء العظام.
يقول عنه الإمام الخميني (قدس سره):«وهو ـ أي الشيخ النوري ـ شخص صالح متتبّع، إلاّ أن اشتياقه بجمع الضعاف والغرائب و العجائب، وما لا يقبله العقل السليم والرأي المستقيم، أكثر من الكلام النافع...».(1)
ويقول عنه العلاّمة البلاغي ـ شيخ العَلَمَين السيد الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، و الإمام الخوئي صاحب كتاب البيان ـ : «وإنّ صاحب فصل الخطاب من المحدّثين المكثرين المجدّين في التتبّع للشواذّ...».(2)
وتساهله هذا في جمع شوارد الأخبار، قد حطّ من قيمة تتبّعاته الواسعة واضطلاعه بمعرفة أحاديث آل البيت (عليهم السلام)والتي كان مشغوفاً بها طيلة حياته العلميّة.
وقد غرّته ظواهر بعض النقول غير المعتمدة، المأثورة عن طرق الفريقين، ممّا حسبها تعني تحريفاً في كتاب اللّه العزيز الحميد. فكان ذلك ممّا أثار رغبته في

1 . راجع: تعليقته الكريمة على كفاية الأُصول «أنوار الهداية»، ج1، ص 245.
2 . راجع: مقدمة تفسيره آلاء الرحمن، ص 25.

صفحه 237
جمعها وترصيفها، غير مكترث بضعف الأسانيد، أو نكارة المتون، على غِرار أهل الحشو في الحديث.
أضف إلى ذلك زعمه: أنّه لابدّ من تنويه الكتاب بشأن الولاية صريحاً، التي هي أهم الفرائض متغافلاً عن تصريح الإمام الصادق (عليه السلام)بأنّ ذلك قد تُرك إلى تبيين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كما في سائر الفرائض وغيره من أحاديث تنفي وجود أيّ تصريح في كتاب اللّه باسم الأئمّة(عليهم السلام)(1).
لكن محدّثنا النوري لم يُعر سمعه لأمثال هذه الأحاديث المضيئة، التي تنزّه ساحة قدس القرآن عن شبهة احتمال التحريف، وذهب في غياهب أوهامه، راكضاً وراء شوارد الأخبار وغرائب الآثار، ناشداً عن وثائق تربطه بمزعومته الكاسدة.
وقد وصف الإمام البلاغي، مساعي المحدث النوري هذه بأنّه جَهَد في جمع الروايات وكثّر أعداد مسانيدها بأعداد المراسيل وفي جملة ما أورده ما لا يتيسّر احتمال صدقه، ومنها ما يؤول إلى التنافي والتعارض، وإنّ قسماً وافراً منها ترجع إلى عدة أنفار، وقد وصف علماء الرجال كلاً منهم، إمّا بأنّه ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفوّ الرواية، وإمّا بأنّه مضطرب الحديث والمذهب، يعرف حديثه وينكر و يروي عن الضعفاء، وإمّا بأنّه كذّاب متّهم لا يستحل أن يُروى من تفسيره حديث و احد، وربما كان معروفاً بالوقف شديد العداوة للإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) ، و إمّا بأنّه كان غالياً كذّاباً، و إمّا بأنّه ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعوّل عليه و من الكذابين، وإمّا بأنّه فاسد الرواية يُرمى بالغلوّ.
قال(رحمه الله): ومن الواضح أنّ أمثال هؤلاء لا تجدى كثرتهم شيئاً.(2)

1 . راجع صحيحة أبي بصير (أُصول الكافي: 1 / 286).
2 . مقدّمة تفسيره «آلاء الرحمن»: 1 / 26.

صفحه 238
وهكذا تشبّث محدّثنا النوري بكل حشيش، ونسج منواله نسجَ العنكبوت.
أمّا كتابه الذي جمع فيه هذه الشوارد والغرائب، وأسماه:«فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّ الأرباب»، فقد وضعه على مقدّمات ثلاث، واثني عشر فصلاً، وخاتمة.
ذكر في المقدّمة الأُولى، ما ورد بشأن جمع القرآن و نظمه وتأليفه، ممّا يشي ـ بزعمه ـ على ورود نقص أو تغيير في نصّه الكريم.
وفي الثانية: بيّن أنحاء التغيير الممكن حصوله في المصحف الشريف.
وفي الثالثة: في سرد أقوال العلماء في ذلك، إثباتاً أو رفضاً.
أمّا الفصول الاثنا عشر، فقد جعلها دلائل على وقوع التحريف، بالترتيب التالي:
1. قد وقع التحريف في كتب السالفين ، فلابدّ أن يقع مثله في الإسلام، حيث تشابه الأحداث في الغابر والحاضر.
2. أنّ أساليب جمع القرآن في عهد متأخّر عن حياة الرسول، لتستدعي بطبيعة الحال أن يقع تغيير في نصّه الشريف.
3. محاولة علماء السنَّة توجيه روايات التحريف لديهم، بالإنساء أو نسخ التلاوة غير سديدة.
4. مغايرة مصحف الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)مع المصحف الحاضر.
5. مغايرة مصحف الصحابي عبد اللّه بن مسعود مع المصحف الراهن.
6. مغايرة مصحف الصحابي أُبيّ بن كعب مع المصحف الرائج.
7. تلاعب عثمان بنصوص الآيات عند جمع المصاحف وتوحيدها.

صفحه 239
8. روايات عامّيّة رواها أهل الحشو من محدّثي العامّة، ناصّة على التحريف.
9. أنّ أسامي أوصياء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت مذكورة في التوراة ـ على ما رواه كعب الأحبار اليهودي ـ فلابدّ أنّها كانت مذكورة في القرآن، لمسيس الحاجة إلى ذكرها في القرآن، أكثر ممّا في كتب السالفين.
10. أنّ اختلاف القراءات، خير شاهد على التلاعب بنصوص الكتاب.
11. روايات خاصّة، تدل دلالة بالعموم على وقوع التحريف.
12. روايات ناصّة على مواضع التحريف في الكتاب.
أمّا الخاتمة، فجعلها ردّاً على دلائل القائلين بصيانة القرآن من التحريف.
***
أمّا الرّوايات الخاصة، والتي استند إليها لإثبات التحريف، سواء أكانت دالّة بالعموم على وقوع التحريف، أم ناصّة على مواضع التحريف، فهي تربو على الألف ومائة حديث، (1122). منها (61) رواية دالة بالعموم. و(1061) ناصة بالخصوص، حسبما زعمه.
لكن أكثريّتها الساحقة نقلها من أُصول لا إسناد لها ولا اعتبار، من كتب ورسائل، إمّا مجهولة أو مبتورة أو هي موضوعة لا أساس لها رأساً.
والمنقول من هذه الكتب تربو على الثمانمائة حديث (815) وبقي الباقي (307). وكثرة من هذا العدد، ترجع إلى اختلاف القراءات، ممّا لا مساس لها بمسألة التحريف، وهي (107) روايات، و البقية الباقية (200) رواية ، رواها من كتب معتمدة، وهي صالحة للتأويل إلى وجه مقبول، أو هي غير دالة على

صفحه 240
التحريف، وإنّما أقحمها النوري إقحاماً في أدلّة التحريف.
وقد عالجنا هذه الروايات بالذات في كتابنا «صيانة القرآن من التحريف» فراجع.
وقد تمّ تأليف «فصل الخطاب» على يد مؤلفه النوري سنة 1292، وطبع سنة 1298، و قد وَجَدَ المحدّث النوري ـ منذ نشر كتابه ـ نفسه في وحشة العزلة وفي ضوضاء من نفرة العلماء والطلبة في حوزة سامراء العلمية آنذاك. وقد قامت ضدّه نعرات، تتبعها شتائم و سبّات من نبهاء الأُمّة في جميع أرجاء البلاد الشيعيّة، ونهض في وجهه أصحاب الأقلام من ذوي الحميّة على الإسلام، ولا يزال في متناوش أهل الإيمان، يسلقونه بألسنة حداد، على ما جاء في وصف العلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني، عن موضع هذا الكتاب ومؤلفه و ناشره، يوم كان طالباً شابّاً في حوزة سامراء.
يقول في رسالة بعثها تقريظاً على رسالة «البرهان» التي كتبها الميرزا مهدي البروجردي بقم المقدّسة 1373هـ .
يقول فيها: كم أنت شاكر مولاك إذ أولاك بنعمة هذا التأليف المنيف، لعصمة المصحف الشريف عن وصمة التحريف. تلك العقيدة الصحيحة التي آنستُ بها منذ الصغر أيّام مكوثي في سامرّاء، مسقط رأسي، حيث تمركز العلم والدين تحت لواء الإمام الشيرازي الكبير، فكنت أراها تموج ثائرة على نزيلها المحدّث النوري، بشأن تأليفه كتاب «فصل الخطاب» فلا ندخل مجلساً في الحوزة العلمية إلاّ ونسمع الضجّة والعجّة ضدّ الكتاب و مؤلّفه وناشره، يسلقونه بألسنة حداد....(1)

1 . البرهان: 143ـ144.

صفحه 241
وهكذا هبّ أرباب القلم يسارعون في الردّ عليه ونقض كتابه بأقسى كلمات وأعنف تعابير لاذعة، لم يدعوا لبثّ آرائه ونشر عقائده مجالاً ولا قيد شعرة.
وممّن كتب في الردّ عليه من معاصريه، الفقيه المحقّق الشيخ محمود بن أبي القاسم الشهير بالمعرّب الطهراني (المتوفّى 1313هـ) في رسالة قيّمة أسماها «كشف الارتياب في عدم تحريف الكتاب» فرغ منها في (17ج2ـ 1302هـ) تقرب من أربعة آلاف بيت في 300 صفحة. وفيها من الاستدلالات المتينة والبراهين القاطعة، ما ألجأ الشيخ النوري إلى التراجع عن رأيه بعض الشيء، وتأثّر كثيراً بهذا الكتاب.
وأيضاً كتب في الردّ عليه معاصره العلاّمة السيد محمد حسين الشهرستاني (المتوفّى 1315هـ) في رسالة أسماها «حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف». و قد أحسن الكلام في الدلالة على صيانة القرآن عن التحريف و ردّ شبهات المخالف ببيان واف شاف. والرسالة في واقعها ردّ على فصل الخطاب، ولكن في أُسلوب ظريف بعيد عن التعسّف و التحمّس المقيت.(1)
وهكذا كتب في الردّ عليه كلّ من كتب في شؤون القرآن أو في التفسير، كالحجّة البلاغي (المتوفّى 1352هـ) في مقدّمة تفسيره (آلاء الرحمن) قال تشنيعاً عليه: وإنّ صاحب فصل الخطاب من المحدّثين المكثرين المجدّين في التتبّع للشواذّ وإنّه ليعدّ هذا المنقول من «دبستان المذاهب» ضالّته المنشودة، مع اعترافه بأنّه لم يجد لهذا المنقول أثراً في كتب الشيعة.(2)

1 . راجع البرهان: ص 142.
2 . آلاء الرحمن: 1/ 25.

صفحه 242
النسخ في القرآن الكريم   
5
النسخ في القرآن الكريم
النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه، وفي التنزيل(ما نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أَوْ مِثْلِها) (1) والآية الثانية ناسخة والأُولى منسوخة.(2)
وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخّر على وجه لولاه لكاد سائداً.(2)
والفرق بين النسخ والتخصيص هو أنّ الأوّل تخصيص في الأزمان، أي مانع من استمرار الحكم بعد النسخ لا عن ثبوته قبله; بخلاف التخصيص، فإنّه مانع عن شمول الحكم لبعض الأفراد من أوّل الأمر.
ولذلك يشترط في التخصيص وروده قبل حضور العمل بالحكم، بخلاف النسخ فيشترط فيه وروده بعد حضور العمل به فترة قصيرة أو طويلة.
وإليك توضيحه ضمن مثالين:
قال سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون * أَيّاماً مَعْدُودات فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فديةٌ طَعامُ مِسْكِين).(3)

1 . البقرة:106.   2 . لسان العرب:14، مادة نسخ.
2 . القوانين:2/91.
3 . البقرة:183ـ 184

صفحه 243
فالآية الأُولى تفرض على المؤمنين عامّة، صيام الشهر، سواء أكان سليماً أم سقيماً، حاضراً أم مسافراً، مطيقاً أم غير مطيق; غير أنّه سبحانه في الآية الثانية يخرج أصنافاً ثلاثة من تحت الحكم، أعني: المريض والمسافر والمطيق، ويفرض عليهم أحكاماً خاصة.
وأمّا النسخ فقد عرفت أنّه تخصيص في الأزمان ومانع من استمرار الحكم، يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم).(1)
فرض اللّه سبحانه على المؤمنين إذا حاولوا أن يناجوا الرسول أن يقدِّموا قبل المناجاة صدقة، فلمّا نهوا عن المناجاة حتى يتصدّقوا، ضَنّ كثير من الناس من تقديم الصدقة، فكفّوا عن المسألة فلم يناجه إلاّ علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ثمّ نسخت الآية بما بعدها:(أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ)(2)، أي لمّا بخلتم وخفتم الفاقة بالصدقة بين يدي نجواكم، تاب اللّه على تقصيركم فيه.
هذا هو النسخ وذلك هو التخصيص.
وبذلك يعلم أنّه يشترط في النسخ ورود الناسخ بعد حضور وقت العمل بالمنسوخ ومرور فترة من تشريع الحكم.
وأمّا التخصيص، فهو إخراج فرد أو عنوان عن كونه محكوماً بحكم العام فيشترط وروده، قبل حضور وقت العمل بالعام، لئلاّ يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهو تخصيص في الأفراد، مقابل النسخ الذي هو تخصيص في الأزمان.

1 . المجادلة:12.   2 . المجادلة:13.

صفحه 244
إذا عرفت ذلك فلنبحث في أُمور:

الأوّل: في إمكان النسخ

اختلفت كلمة المليّين في إمكان النسخ وامتناعه; فالمسلمون عامّة على إمكانه ووقوعه، وأدلّ دليل على إمكانه وقوعه في الشريعة الإسلامية الغرّاء; وحكي عن اليهود امتناعه، واستدلّوا عليه بوجوه نذكر أهمها:
الأوّل: لو جاز النسخ يلزم صيرورة الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، لأنّ الأمر به آية الحسن ورفعه آية القبح.
يلاحظ عليه: بأنّ الدليل أخصّ من المدّعى، فإنّ لازم ما ذكر امتناع تطرّق النسخ إلى الحسن والقبيح بالذات، كحسن العدل وقبح الظلم، أو حسن الوفاء بالعهد وقبح نقضه، وأمّا الأُمور التي ليست في حدّ ذاتها حسنة أو قبيحة وإنّما تختلف بالوجوه والاعتبارات فلا مانع من تطرّق النسخ إليها، مثلاً:
كانت المصلحة مقتضية لئن تعتد المرأة المتوفّى عنها زوجها حولاً كاملاً ويُنفق عليها من مال زوجها ما لم تخرج من البيت كما كان عليه العرب قبل الإسلام، وقد أمضاه القرآن الكريم في آية مباركة، لما قال: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْراج) .(1)
فإنّ تعريف الحول باللام إشارة إلى الحَوْل الرائج بين العرب قبل الإسلام.
قال المحقّق القمي: الآية دالّة على وجوب الإنفاق عليها في حول وهو عدّتها ما لم تخرج، فإن خرجت فتنقضي عدّتها ولا شيء لها.(2)
ولكن نسخت الآية بقوله: (وَالّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجاً يَتَربَّصْنَ

1 . البقرة:240.   2 . القوانين:2/94.

صفحه 245
بِأَنْفُسِهِنَّ أَربَعةَ أَشْهُر وَعَشْراً) .(1)
الثاني: أنّ شريعة الكليم مؤبّدة مادامت السماوات والأرض، بشهادة قوله: «تمسّكوا بالسبت أبداً».
يلاحظ عليه: أنّ ما ادّعوه من التأبيد معارض بنبوة المسيح أوّلاً حيث قال:(وَمُصَدّقاً لما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَلاُِحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بآيَة مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُون)(2)، وعلى ضوء هذا فالتأبيد على فرض صدوره من الكليم محمول على طول الزمان.
الثالث: أنّ النسخ في التشريع كالبداء في التكوين مستحيل بشأنه تعالى، لأنّهما عبارة عن نشأة رأي جديد، وعثور على مصلحة كانت خافية في بدء الأمر. والحال أنّ علمه تعالى أزليّ، لا يتبدّل له رأي ولا يتجدّد له علم. فلا يعقل وقوفه تعالى على خطأ في تشريع قديم لينسخه بتشريع جديد.
يلاحظ عليه: أنّ النسخ في الأحكام العرفية يلازم البداء غالباً، أي ظهور ما خفي لهم من المصالح والمفاسد، بخلاف النسخ في الأحكام الشرعية فإنّ علمه سبحانه محيط لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو سبحانه يعلم أمد الحكم وغايته، غير أنّ المصلحة تستدعي إظهار الحكم بلا غاية، ولكنّه في الواقع مغيّى. فالنسخ في الأحكام العرفية رفع للحكم، ولكنّه في الأحكام الإلهية دفع له وبيان للأمد الذي كان مغيّى منذ تشريعه ولا مانع من إظهار الحكم غير مغيّى وهو في الواقع محدّد، بعد وجود قرينة عامة في التشريع من عدم لزوم كون كلّ حكم مستمراً باقياً.

1 . البقرة:234.
2 . آل عمران:50.

صفحه 246
إلى هنا تمّ بعض الشبهات حول النسخ. وبقيت هناك شبهات أُخرى ساقطة جدّاً لا جدوى للتعرّض لها.

الثاني: جواز النسخ قبل حضور وقت العمل

هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور وقت العمل أو لا؟
والمراد من الحكم هو ما يعبر عن تعلّق الإرادة الجدية بالشيء وكان الغرض من إنشائه هو بلوغه مرتبة التنجّز، ومن المعلوم أنّ نسخ مثل هذا الحكم غير جائز، فإذا فرضنا وحدة متعلّق الناسخ والمنسوخ ووحدة زمان امتثالهما، فكيف يمكن أن يكون شيء واحد في زمان واحد متعلّقاً للأمر ورفعه؟! فإنّ تعلّق الأمر يكشف عن وجود المصلحة، ورفعه يكشف عن فقدانه المصلحة الملزمة، فلو كان الحكمان صادقين يلزم التناقض وإلاّ استلزم جهل المشرِّع بوضع الفعل، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وبذلك ظهر عدم صحّة النسخ قبل حضور وقت العمل.
وبما ذكرنا من أنّ محط البحث عبارة عمّا إذا تعلّقت الإرادة الجدية بتطبيق العمل على الحكم، ظهر خروج موردين عن محط البحث.
1. إذا كانت المصلحة قائمة بنفس الإنشاء فقط، كما إذا أمر الأمير أحد حواشيه بشيء معلناً بذلك أنّ المأمور بعدُ مطيع غير متمرّد، وإذا قام بالعمل يرفع عنه التكليف بنحو لا يفوت الغرض من إنشاء الأمر.
2. الأوامر الاختبارية: والمقصود منها هي الأوامر الشرعية التي تصدر لإخراج كمال بالقوة للعبد إلى حيّز الفعل، وهو المراد من اختباره سبحانه خليله إبراهيم لمّا أمره بذبح ولده إسماعيل، بغية إظهار الخليل ما في مكنونه من الكمال

صفحه 247
إلى الظهور دون أن تكون الغاية هي العلم بعاقبة الأمر، فإنّه سبحانه يحيط علمه كلّ شيء، يعلم عواقب الأُمور وأوائلها.
وإلى ما ذكرنا يشير الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)حيث قال في تفسير قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنّما أَموالكُمْ وَأَولادكُمْ فِتْنَة) (1) قال: «ومعنى ذلك أنّه يختبرهم بالأموال والأولاد، ليتبيّن الساخط لرزقه، والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحقّ الثواب والعقاب».(2)
وأمّا خروج هذا القسم عن محطّ البحث، فلما عرفت من أنّ النزاع فيما إذا تعلّقت الإرادة الجدية بنفس الفعل دون مقدّماته وهي في الأوامر الاختبارية تعلّقت بها دونه.
ولأجل ذلك لمّا حصلت الغاية بتوطين النفس على ذبح إسماعيل بإلقائه على المذبح، وافاه النداء (قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزي المُحْسِنين * إِنّ هذا لَهُوَ البَلاءُ المُبين) .(3)

الثالث: الفرق بين النسخ والبداء

إنّ النسخ في التشريع كالبداء في التكوين، فهما صنوان على أصل واحد، وقد عرفت واقع النسخ، وإليك كلمة موجزة عن واقع البداء، فنقول:
إنّ البداء يبحث فيه تارة في مقام الثبوت، وأُخرى في مقام الإثبات.
أمّا الأوّل، فهو عبارة عن تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة، وحقيقته ترجع إلى أنّه سبحانه لم يفرغ من أمر الخلق والتدبير، بل هو قائم بها دائماً، وكلّ يوم هو في شأن، ومن شُعَبِ ذلك الأمر هو انّه سبحانه يزيد في الرزق

1 . الأنفال:28.   2 . نهج البلاغة، قسم الحكم، رقم 93.   3 . الصافّات:105ـ 106.

صفحه 248
والعمر وينقص منهما، وينزل الرحمة والبركة كما ينزل البلاء والنقمة، لا جزافاًً واعتباطاً، بل حسب ما يقتضيه حال العباد من حسن الأفعال وقبحها وصالح الأعمال وطالحها، فربما يكون الإنسان مكتوباً في الأشقياء ثمّ يُمحى فيكتب في السعداء، أو على العكس، وماهذا إلاّ لما يقوم به من أعمال جديدة وإليه يشير اللّه سبحانه: (يَمْحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتاب)(1)، فاللّه سبحانه كما يمحو ويثبت في التكوين فيحيي ويميت، كذلك يمحو مصير العبد ويغيّره حسب ما يغيّر العبد بنفسه فعله وعمله، قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يُغَيّرُ ما بِقَوم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) .(2)
هذا هو البداء في مقام الثبوت، وأمّا البداء في مقام الإثبات، فربما يتصل النبي بلوح المحو والإثبات فيقف على المقتضي من دون أن يقف على شرطه أو مانعه، فيخبر عن وقوع شيء ولكن ربما لا يتحقّق، لأجل عدم تحقّق شرطه أو تحقّق مانعه، وذلك هو البداء في عالم الإثبات.
وفي القرآن الكريم تلميحات للبداء بهذا المعنى، نذكر منها مورداً واحداً.
أنذر يونس قومه بأنّهم إن لم يؤمنوا سوف يصيبهم العذاب إلى ثلاثة أيّام.(3)
وما كان قوله تخرّصاً أو تخويفاً، بل كان يخبر عن حقيقة يعلم بها، إلاّ أنّ هذا الأمر لم يقع، وما ذلك إلاّ لأنّه وقف على المقتضي ولم يقف على المانع، وهو انّ القوم سيتوبون قبل رؤية العذاب توبة صادقة يعلمها اللّه تعالى لا خوفاً من العذاب فيرفع عنهم العذاب الذي وُعدوا به، كما يشير إليه قوله سبحانه: (فَلَولا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قومَ يُونس لَمّا آمنوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذاب الخِزي فِي

1 . الرعد:39.   2 . الرعد:11.   3 . مجمع البيان:3/135.

صفحه 249
الحَياةِ الدُّنيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حين).(1)
ثمّ إنّ عدم اطّلاع يونس على واقع الأمر لا يلازم عدم علمه سبحانه به، بل هو كان يعلم أنّ ما أخبر به يونس لا يقع إمّا لفقدان الشرط أو لوجود المانع، ولكن علمه سبحانه بالواقع لا يمنع عن إخبار يونس بما وقف عليه .
وبذلك يظهر أنّ البداء من اللّه تعالى إبداء لما خفي على عبده وإن كان بالنسبة إلى نبيّه ظهوراً لما خفي عليه. فالنبي المخبر بوقوع العذاب ظهر ما خفي عليه ولكن سبحانه أبدى ما خفي على نبيه وسائر الناس، فنسبة البداء إلى اللّه تعالى من باب المشاكلة لا من باب الحقيقة، قال سبحانه: (نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُنافِقينَ هُمُ الفاسِقُون).(2)
و من الواضح امتناع تطرّق النسيان إلى ذاته وإنّما عبر عن جزائهم بأعمالهم بالنسيان لأجل المشاكلة.فكان النسيان من جانب المنافقين حقيقياً و من جانبه سبحانه من باب المشاكلة.
ثمّ إنّ كثيراً من أهل السنّة حكموا بامتناع البداء ظناً منهم بأنّ المراد هو ظهور ما خفي على اللّه سبحانه، فطعنوا بالشيعة غافلين عن حقيقة البداء عند الشيعة. ولو أنّهم وقفوا على معتقد الشيعة في هذا المجال لوقفوا على أنّ البداء من المعارف الإلهية التي أصفق عليها علماء الإسلام، وأنّ البداء الممتنع ممتنع عند الجميع والجائز جائز عندهم، ومن حاول أن يقف على الروايات المفسّرة للبداء بالمعنى الصحيح فليرجع إلى الدر المنثور:4/660 في تفسير قوله سبحانه: (يَمْحوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب).(3)

1 . يونس:98.   2 . التوبة:67.   3 . الرعد:39.

صفحه 250

الرابع: في أقسام النسخ

قد قسّم المختصون بعلوم القرآن النسخ إلى أقسام ثلاثة:
1. نسخ الحكم دون التلاوة.
2. نسخ التلاوة دون الحكم .
3. نسخ الحكم والتلاوة.
وإليك دراسة جميع الأقسام:

1. نسخ الحكم دون التلاوة

انّ القدر المتيقّن من النسخ هو ذاك القسم ، وقد أصفق على جوازه علماء الإسلام، والمراد منه بقاء الآية ثابتة في الكتاب مقروءة عبْر العصور سوى أنّ مضمونها قد نسخ، فلا يجوز العمل به بعد مجيء الناسخ.
وقد اهتمّ المفسّرون بهذا النوع من النسخ وألّفوا حوله كتباً كثيرة يقف عليها من سبر المعاجم. و ألّف غير واحد من أصحابنا في هذا المضمار بما يبلغ عشرين كتاباً، وقد ذكرنا فهرس تآليفهم في ذلك المضمار في كتابنا «مفاهيم القرآن».(1)
وأمّا عدد الآيات التي ورد عليها النسخ فهناك قولان بين الإفراط والتفريط.
فأنهاها أبو جعفر النحاس (المتوفّى عام 338هـ) إلى 180 آية في كتابه «الناسخ والمنسوخ» المطبوع، كما قام بعضهم بإنكار أصل النسخ في القرآن الكريم فبحث عن 36 آية، وخرج بحصيلة هي إنكار النسخ في القرآن الكريم.
والحقّ هو القول الوسط، وهو وجود النسخ في القرآن الكريم بمقدار ضئيل

1 . لاحظ مفاهيم القرآن:10/365ـ 368.

صفحه 251
للغاية، منها آية النجوى، وآية التربّص إلى الحول.
والنوع المعروف من هذا القسم هو نسخ آية بآية أُخرى، وأمّا نسخ آية بخبر متواتر أو مستفيض أو خبر الواحد، فقد اختلفت فيه كلمة المفسرين، والحقّ جواز نسخ القرآن بدليل قطعي لا يتطرّق إليه الشك، وهو الخبر المتواتر في كلّ قرن وعصر، وأمّا المستفيض وخبر الواحد فلا ينسخ بها القرآن، لأنّ رفع اليد عن القطعي بدليل غير قطعي أمر غير معقول.
هذا كلّه حول القسم الأوّل، وإليك دراسة سائر الأقسام.

2. نسخ التلاوة دون الحكم

والمراد منه هو سقوط آية من القرآن الكريم كانت تقرأ وكانت ذات حكم تشريعي ثمّ نسيت ومحيت عن صفحة الوجود وبقي حكمها مستمراً غير منسوخ.
وقد ذهب إلى جواز هذا القسم فريق من أهل السنّة.
قال الزرقاني: أمّا نسخ التلاوة دون الحكم، فيدلّ على وقوعه ما صحت رواية عن عمر بن الخطاب وأُبي بن كعب، انّهما قالا: وكان فيما أنزل من القرآن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة.(1)
ثمّ يقول: وأنت تعلم أنّ هذه الآية لم يعد لها وجود بين دفّتي المصحف ولا على ألسنة القرّاء مع أنّ حكمها باق على أحكامه لم ينسخ.
ويدلّ على وقوعه أيضاً ما صحّ عن أبي موسى الأشعري أنّهم كانوا يقرأون سورة على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في طول سورة البراءة، وأنّها نسيت إلاّ آية منها،

1 . رواه أبو داود في الحدود:16، وابن ماجة في الحدود:9 ومالك في الحدود:10 وأحمد بن حنبل في مسنده:5/183.

صفحه 252
وهي: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب اللّه على من تاب».(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من الروايات أخبار آحاد لا يثبت به كون الآية قرآنية باقية حكمها منسوخة تلاوتها.
مضافاً إلى أنّ ما ذكره من وجود سورة على عهد رسول اللّه بطول سورة براءة من قبيل القسم الثالث، أي نسخ الحكم والتلاوة، لا الثاني، ولا أقل من احتمال كونه منه إذ ليس بأيدينا شيء حتّى يحكم عليه بشيء من القسمين وأنّها هل بقيت أحكامها أو لا؟ ولعلّها من قبيل ما نسخت أحكامها وتلاوتها معاً.
قال الإمام الخوئي: أجمع المسلمون على أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد، كما أنّ القرآن لا يثبت به. وذلك لأنّ الأُمور المهمة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس وانتشار الخبر عنها، لا تثبت بخبر الواحد، فإنّ اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطائه.
وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أنّ آية الرجم من القرآن و أنّها نسخت؟! نعم جاء عمر بآية الرجم وادّعى أنّها من القرآن، لكنّ المسلمين لم يقبلوا منه، لأنّ نقلها كان منحصراً به، فلم يثبتوها في المصاحف، لكن المتأخّرين التزموا بأنّها كانت آية منسوخة التلاوة باقية الحكم.(2)
والعجب أنّ الشيخ الزرقاني يستدلّ على جوازه بالوقوع ويقول: «لأنّ الوقوع أعظم دليل على الجواز» وما أتفه هذا الدليل، فإنّ مجرد ذكره في كتب الحديث هل يعد دليلاً على الوقوع؟!

1 . مناهل العرفان في علوم القرآن:2/233.   2 . البيان:285.

صفحه 253
وثانياً: أنّ القرآن معجز بلفظه ومعناه، متّحد بفصاحته وبلاغته، وقد أدهشت فصاحة ألفاظه وجمال عباراته، وبلاغة معانيه وسموها، وروعة نظمه وتأليفه وبداعة أُسلوبه عقول البلغاء.
وما زعم من الآيات التي بقي حكمها ليست إلاّ عبارات لا تداني آيات القرآن في الفصاحة والبلاغة، والروعة والجمال. وقد نسج قوله الشيخ والشيخة على منوال قوله سبحانه: (الزّانيةُ وَالزّاني فاجْلِدُوا كُلَّ واحد مِنهُما مِائةَ جَلْدة ولا تأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللّه).(1)
وأمّا الآية المزعومة الثانية فأين أُسلوبها من أُسلوب القرآن الخلاّب للعقول؟! وإنّما هي عبارة متداولة على ألسنة الناس.
وثالثاً: أنّ هذا القول هو نفس القول بالتحريف، ومن اخترع هذا المصطلح فقد حاول أن يبرر هذا النوع من التحريف.
ومن العجب أنّ القوم يجوزون هذا النوع من النسخ الذي هو عبارة عن نوع من التحريف ثمّ يتهمون الشيعة بالتحريف مع أنّ ما ينسب إلى الشيعة من الآيات المزورة فالجميع من هذا القبيل.
ما هكذا تورد يا سعد الابل.

3. نسخ الحكم والتلاوة

قد جوّزه جماعة من أهل السنّة، ومثّلوا له بالرواية التالية:
روى مسلم في صحيحه عن عمرة، عن عائشة أنّها قالت:

1 . النور:2.

صفحه 254
كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثمّ نسخن بخمس معلومات، فتوفّي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وهن فيما يقرأ من القرآن.(1)
قال الزرقاني: أمّا نسخ الحكم والتلاوة جميعاً، فقد أجمع عليه القائلون بالنسخ من المسلمين، ويدلّ على وقوعه سمعاً ما ورد عن عائشة أنّها قالت:
«كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثمّ نسخن بخمس معلومات، وتوفّي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وهن فيما يقرأ من القرآن».
وهو حديث صحيح وإذاكان موقوفاً على عائشة فإنّ له حكم المرفوع، لأنّ مثله لا يقال بالرأي، بل لابدّ فيه من توقيف.
وأنت خبير بأنّ جملة «عشر رضعات معلومات يحرمن» ليس لها وجود في المصحف حتى تتلى،وليس العمل بما تفيده من الحكم باقياً، وإذن يثبت وقوع نسخ التلاوة والحكم جميعاً، وإذا ثبت وقوعه ثبت جوازه، لأنّ الوقوع أدلّ دليل على الجواز، وبطل مذهب المانعين لجوازه شرعاً، كأبي مسلم وأضرابه.(2)
أقول: وقد أفتى بمضمونها الشافعي حسب ما رواه السرخسي في أُصوله، فنقل عنه أنّه استدلّ بما هو قريب من هذا في عدد الرضاعات، وكذلك أفتى بمضمونها ابن حزم في محلاّه.(3)
وكفانا في الردّ على ذلك ما ذكره السرخسي في أُصوله وقال: والدليل على بطلان هذا القول، قوله تعالى: (إِنّا نَحْنُ نَزّلنا الذِّكْر وَإِنّا لَهُ لَحافِظُون) . ومعلوم أنّه ليس المراد الحفظ لديه تعالى، فإنّه يتعالى من أن يوصف بالغفلة أو النسيان فعرفنا

1 . صحيح مسلم:4/167.
2 . مناهل العرفان:2/231ـ 232.
3 . المحلى:10/15.

صفحه 255
أنّ المراد الحفظ لدينا، وقد ثبت أنّه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ولو جوّزنا هذا في بعض ما أُوحي إليه، لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه، فيؤدّي ذلك إلى القول بأن لا يبقى شيء ممّا ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف. وأيّ قول أقبح من هذا؟! ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما بأيدينا اليوم أو كلّه مخالفاً لشريعة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بأن نسخ اللّه ذلك بعده، وألف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته. فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر اللّه تعالى أنّه هو الحافظ لما أنزله على رسوله، وبه يتبيّن أنّه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته. وما ينقل من أخبار الآحاد شاذ لا يكاد يصحّ شيء منها.
قال: وحديث عائشة لا يكاد يصحّ، لأنّه (أي الراوي) قال في ذلك الحديث: وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فدخل داجن البيت فأكله. ومعلوم أنّ بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذر عليهم إثباته في صحيفة أُخرى، فعرفنا أنّه لا أصل لهذا الحديث.(1)
وممّا يندى له الجبين ما تضافر نقله عن عائشة أنّها قالت: كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول اللّه مائتي آية، فلمّا كتب المصحف لم يقدر منها إلاّ على ما هي الآن.
قال أبو بكر: فمعنى هذا من قول أُمّ المؤمنين عائشة أنّ اللّه تعالى رفع إليه من سورة الأحزاب ما يزيد على ما عندنا.(2)
ونقل القرطبي أيضاً أنّ هذه السورة (الأحزاب) كانت تعدل سورة البقرة.

1 . أُصول السرخسي:2/78ـ 80.
2 . الجامع لأحكام القرآن:14/113، تفسير سورة الأحزاب.

صفحه 256
ولعمر الحقّ إنّ هذا نفس القول بالتحريف الذي اجمعت الأُمّة على بطلانه وأخذ اللّه على نفسه أن يحفظه وقال: (إِنّا نَحْنُ نَزّلنا الذِّكْر وَإِنّا لَهُ لَحافِظُون)(1)، و تفسير هذا النوع من التحريف بنسخ التلاوة والحكم تلاعب بالألفاظ وتعبير آخر للتحريف، وقد عرفت أنّ القرآن معجز بلفظه ومعناه، فما معنى رفع هذا الحجم الهائل من الآيات القرآنية؟ أكان هناك نقص في لفظه ومنطوقه أو نقص في حكمه ومعناه؟! نعوذ باللّه من التفوّه بذلك.
ثمّ إنّ هذا النوع من النسخ باطل عند علماء الشيعة الإمامية وما ربما يرمى به الشيخ الطوسي من أنّه قال بنسخ التلاوة والحكم فهو افتراء عليه، وإنّما ذكره عن جانب القائلين به حيث قال: والثالث ما نسخ لفظه وحكمه، وذلك نحو ما رواه المخالفون عن عائشة أنّه كان فيما أنزل اللّه عشر رضعات(2)، فمن قال بهذا النوع من النسخ فقد غفل عمّا يترتب عليه من المضاعفات.
ولنعم ما قال الشيخ المظفر: إنّ نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلى القول بالتحريف.(3)

1 . الحجر:9.
2 . التبيان:1/13.
3 . أُصول الفقه:2/49.

صفحه 257
 
   
6

نزول القرآن على سبعة أحرف

ذاع بين أهل الحديث والمفسّرين أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، وقد وردت الروايات بهذا المعنى في كتب الفريقين، منها:
1. روى الصدوق عن حمّاد بن عثمان، عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه».(1)
والحديث ضعيف بوقوع محمد بن يحيى الصيرفي في طريقه.
2. وروى أيضاً بسند آخر عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):«أتاني آت من الله فقال إنّ الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: يا رب وسّع على أُمّتي، فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف».(2)
والحديث ضعيف وفي سنده أحمد بن هلال وهو غال متّهم في دينه.

1. الخصال:2/358 برقم 43، باب السبعة.
2. الخصال:2/358 برقم 44، باب السبعة .

صفحه 258
3. روى محمد بن الحسن الصفّار بسنده عن زرارة، عن الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال:«تفسير القرآن على سبعة أحرف، منه ما كان، ومنه ما لم يكن بعد، وذلك تعرفه الأئمّة».(1)
ولو صحّ الحديث مع أنّ في سنده ترديد، هكذا: عن ابن أبي عُمير أو غيره، فالسبعة فيه محمول على الكثرة بخلاف الحديثين السابقين، والحرف مفسّر بالوجوه المختلفة التي يحتملها القرآن.
4. روى النعماني مرسلاً عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «أُنزل القرآن على سبعة أقسام كلّ منها شاف كاف وهي: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص».(2)
وقد ورد هذا المضمون في روايات أهل السنّة، روى الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود: نزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجراً،
وآمراً، وحلالاً، وحراماً، ومحكماً، ومتشابهاً، وأمثالاً، فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه.(3)
هذا مجموع ما ورد من طرقنا وعامّة الأحاديث رويت بأسانيد غير صحيحة، وبينها تعارض في المضمون، فالرواية الثانية تدلّ على أنّ الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف هي التوسعة على أبناء الأُمّة لأنّهم لا يستطيعون القراءة على حرف واحد، وهذا هو الذي دعا النبي(صلى الله عليه وآله) إلى الاستزادة إلى سبعة أحرف، وأين هذا ممّا ورد في الرواية الرابعة من نزول القرآن على الأبواب السبعة

1. بصائر الدرجات:196.
2. بحار الأنوار:93/4، نقلاً عن تفسير النعماني.
3. مستدرك الحاكم:1/553.

صفحه 259
من أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص.
ثمّ التعارض بين هاتين الروايتين والرواية الثالثة من تفسير السبعة بما كان وما لم يكن بعد، فإنّ معنى ذلك تجدّد المصاديق للآية، نظير قوله سبحانه:(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)(1) فقد استدلّ بها الإمام(عليه السلام)على قتال الناكثين.
ثمّ إنّه لو حملت هذه الروايات على القراءات المختلفة وأنّه نزل بها، فهو مخالف لما صحّ عن أبي جعفر(عليه السلام) وأبي عبد الله(عليه السلام); أمّا أبو جعفر(عليه السلام) فقد روى زرارة عنه أنّه قال: «إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة».(2)
وأمّا أبو عبدالله(عليه السلام) فقد روى الفضيل بن يسار عنه قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّ الناس يقولون إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «كذبوا ـ أعداء الله ـ ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد».(3)
هذا ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وقد عرفت أنّه لو صحّ فإنّما تصحّ الرواية الرابعة أي صنوف الآيات وأقسامها.
وأمّا أهل السنّة فالظاهر أنّ الحديث أمر مسلّم بينهم، غير أنّهم اختلفوا في تفسيره إلى وجوه ربّما يربو عددها إلى خمسة وثلاثين قولاً، جمعها جلال الدين السيوطي في الإتقان.(4)

1. التوبة:12.
2. أُصول الكافي:2/630، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، الحديث 12.
3. أُصول الكافي:2/630، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، الحديث 13.
4. الإتقان في علوم القرآن:1/138ـ141.

صفحه 260
ولا يمكننا نقل هذه الوجوه وإن كان أكثرها متداخلة، حتى اعترف المرسي وقال: لا أدري مستندها ولا عمّن نقلت، إلى آخر ما ذكر.
أمّا الروايات ففي الصحيحين من حديث ابن عباس: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال: «أقرأني جبرئيل على حرف، فراجعته ثم لم أزل استزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف».(1)
وروى أيضاً عن عمر بن الخطاب أنّه قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله(صلى الله عليه وآله) فكدت أُساوره في الصلاة، فتصبّرت حتى سلّم، فلبَّبته بردائه فقلت: مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقلت: كذبت، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقلت: إنّي سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «أرسله، اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «كذلك نزلت»، ثم قال: «اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): «كذلك أُنزلت إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسّر منه».(2)
وعلى كلّ تقدير فقد فسّرت هذه الروايات التي نقلنا شيئاً منها بوجوه:

1. الأحرف هي اللهجات المختلفة

إنّ المجتمع العربي يتشكّل من قبائل مختلفة، ولكلّ في إيراد بعض الألفاظ

1. صحيح البخاري، باب: أُنزل القرآن على سبعة أحرف برقم 4991.
2. صحيح البخاري:1286، برقم 4992.

صفحه 261
لهجة خاصّة كما يأتي مثاله، وقد أشبع ابن قتيبة الكلام في هذا المقام وجاء بأمثلة مختلفة نذكر بعضها:
1. (حَتّى حِين)(1)، يقرأه الهذلي: عتى حين.
2. (تَعْلَمُون) و (تَعْلَم) و(تَسْوّد) يقرأه الأسدي بكسر التاء في
الجميع.
ثمّ جاء بأمثلة كثيرة وقال: ولو أنّ كلّ فريق من هؤلاء أُمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده ـ طفلاً وناشئاً وكهلاً ـ لاشتدّ ذلك عليه وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلاّ بعد رياضة للنفس طويلة وتذليل للسان وقطع للعادة، فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متَّسعاً في اللغات، ومتصرّفاً في الحركات، كتيسيره عليهم في الدين.(2)
وأمّا هذه القبائل السبعة فهي عبارة عن: قريش، هذيل، هوازن، حمير، كنانة، تميم، وثقيف.
بمعنى أنّ بعض الكلمات يختلف التلفّظ بها حسب اختلاف اللهجات.
يلاحظ عليه: بأنّ معنى ذلك جواز القراءة فعلاً باللهجات المتعدّدة، وهو خلاف السيرة القطعية من جميع المسلمين، فما ربّما يقال من أنّ جواز القراءة باللهجات المختلفة كان أمراً جائزاً لكن نسخت القراءة بغير اللهجة الواحدة المتعارفة، أمر غير تام; لأنّ معنى ذلك اختصاص جواز القراءة بزمان قليل بعد نزول القرآن.

1. المؤمنون:54.
2. تأويل مشكل القرآن:39ـ40.

صفحه 262

2. الأحرف هي القراءات السبع

ربما تحمل الأحرف السبعة على القراءات، وهو أردأ الوجوه لأنّ كثيراً من هذه القراءات نشأت بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله) بقرن أو قرنين، فكيف رخّص النبي(صلى الله عليه وآله)القراءة التي لم توجد بعد، ولذلك يقول السيوطي: وقد ظن كثيرٌ من العوام أنّ المراد بها القراءات السبع، ثم وصفه بأنّه جهل قبيح.(1)

3. تبديل بعض الكلمات ببعض

ربما يقال: إنّه(صلى الله عليه وآله) أراد بالسبعة أحرف جواز تبديل بعض الكلمات ببعض، فاستثنى من ذلك ختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب.
أخرج الطبري عن أبي كريب، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «قال جبريل: اقرأ القرآن على حرف. فقال ميكائيل: استزده. فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف ـ والشكّ من أبي كريب ـ فقال: كلّها شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، كقولك: هلمّ وتعال».(2)
وعن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «يا أُبيّ، إنّي أقرأت القرآن على حرف وحرفين وثلاث حتّى بلغت سبعة أحرف. ثم قال: ليس منها إلاّ شاف كاف، إن قلت: سميعاً عليماً، عزيزاً حكيماً، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب».(3)

1. الاتقان في علوم القرآن:1/141.
2. تفسير الطبري:1/34.
3. سنن أبي داود:2/102.

صفحه 263
روى الطبري عن محمد بن بشّار وأبي الصائب بإسنادهما عن همّام أنّ أبا الدرداء كان يقري رجلاً: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ) فجعل الرجل يقول:«إنّ شجرة الزقوم طعام اليتيم» فلمّا أكثر عليه أبو الدرداء فرآه لا يفهم قال: «إن شجرة الزقوم طعام الفاجر».(1)
وعلى هذا الوجه يجوز أن يؤدّى معنى واحد بألفاظ متقاربة نحو عجّل، وأسرع، و اسعْ.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه يتمّ في بعض الألفاظ التي لها معان متقاربة ولا يتمّ في أكثر القرآن، فكيف تتصوّر هذه الحروف السبعة التي نزل بها القرآن.
وثانياً: أنّ معنى ذلك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) جوّز تبديل كلمات القرآن الموجودة بكلمات أُخرى تقاربها في المعنى ـ ويشهد لهذا بعض الروايات المتقدّمة ـ فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن، والمعجزة الأبدية، والحجّة على جميع البشر، ولا يشكّ عاقل في أنّ ذلك يقتضي هجر القرآن المنزل، وعدم الاعتناء بشأنه، وهل يتوهّم عاقل ترخيص النبي(صلى الله عليه وآله) أن يقرأ القارئ «يس، والذكر العظيم، إنّك لمن الأنبياء، على طريق سويّ، إنزال الحميد الكريم، لتخوّف قوماً ماخوّف أسلافهم فهم ساهون»؟! فلتقرّ عيون المجوّزين لذلك، سبحانك اللهم إنّ هذا إلاّ بهتان عظيم، وقد قال الله تعالى:(قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)(2).(3)
فالأولى أن يقال: إنّ هذه الروايات مع ضعف أسانيدها وتعارض بعضها مع

1. تفسير الطبري: 25/78، عند تفسير الآية المباركة.
2. تونس:15.
3. البيان في تفسير القرآن:181.

صفحه 264
بعض، روايات موضوعة مختلقة بعد رحيل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، اختلقها أُناس يتاجرون بهذه الأحاديث، وفي الوقت نفسه يتلاعبون بقدسية القرآن الكريم، فالكتاب العزيز الذي هو معجزة النبي (صلى الله عليه وآله) الكبرى إلى يوم القيامة ومرجع الناس في معارفهم وعقائدهم وحلالهم وحرامهم،يجب أن يكون في درجة رفيعة لا يمسّها أحد بالتبديل والتغيير، وأيمن الله لو طبع القرآن الكريم مع ذكر مختلف القراءات من السبعة أو غيرها في أدنى الصفحة يصبح القرآن كتاباً بشرياً له عشرات النسخ.
فالمرجع هو قول الإمام الباقر(عليه السلام): «إنّ القرآن واحد، نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة».(1)

1 . الكافي:2/630، الحديث 12.

صفحه 265
 
7

المجاز في القرآن الكريم

اختلفت كلمات العلماء في وجود المجاز في الذكر الحكيم، فهم بين منكر ومثبت، ولكلّ طائفة دليلها، وقبل الورود في صلب الموضوع (وجود المجاز في القرآن) نشرح معنى المجاز وحقيقته في علم البلاغة، فنقول:
عُرّف المجاز بأنّه استعمال اللفظ في غير ما وضع له لمناسبة بين المعنى الحقيقي والمجازي، فإن كانت المناسبة هي المشابهة فالمجاز استعارة، وإلاّ فالمجاز مرسل، كاستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل، مثل ما ورد في قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي»، (1) فالعين مجاز مرسل، مناسبته (الجزئية) لأنّ العين جزء من الإنسان .
وبالعكس، أي استعمال لفظ الكلّ، والمراد منه الجزء، مثل قولك : (ضربت زيداً)، والمراد عضو منه.
وعلى قول هؤلاء يكون استعمال اللفظ في غير ما وضع له بالوضع،

1 . نهج البلاغة: قسم الكتب، برقم 33.

صفحه 266
وحسب تحديد الواضع، حيث إنّ الواضع خصّه فيما لو كانت هناك علاقة مشابهة أو سائر العلائق البالغة إلى خمس وعشرين علاقة.
هذا هو الرأي السائد إلى يومنا هذا بين الأُدباء، ولكن لشيخ مشايخنا محمد رضا الاصفهاني (1285 ـ 1363 هـ) آراء مبتكرة في الأدب العربي عامّة، وفي هذا الموضوع خاصّة، حيث أثبت أنّ المجاز ـ مطلقاً ـ استعارة كان أو مرسلاً، من مقولة استعمال اللفظ في معناه، غاية الأمر بادّعاء أنّ المورد من مصاديق الموضوع له.
وبعبارة أُخرى: أنّ المتكلّم في استعمالاته المجازية لا يشير إلى معنى جديد وإنّما يشير إلى مصداق جديد.
وقد شرح نظريته في كتابه «وقاية الأذهان» (1)، ونالت استحسان أساتذتنا كالسيد البروجردي، والسيد الإمام الخميني رحمهما الله.
وعلى ضوء ما ذكره، فالمتكلّم يستعمل الكلمة في كلا المثالين التاليين:
1. رأيت أسداً في الغابة.
2. رأيت أسداً في المدرسة، بمعنى واحد بالإرادة الاستعمالية غاية الأمر أنّ التعبير الأوّل يشتمل على الاستعمال فيما وضع له فقط، وأمّا التعبير الثاني فيشمل ـ وراء الاستعمال فيما وضع له ـ ادّعاء أنّ زيداً البطل من مصاديق الأسد.
وبتعبير آخر: إنّ دور المستعمل في المثال الأوّل يتوقّف بعد الاستعمال فيما وضع له، لكن دوره في المثال الثاني لا يتوقّف، بل يستمر ببيان مصداق ادعائيّ للمستعمل فيه، والدليل على ما ذكره كالتالي:
إنّ الغاية المتوخاة من المجاز هي التأكيد على الحسن والصباحة، أو البطولة

1 . وقاية الأذهان: 103 .

صفحه 267
والشجاعة، أو إثارة التعجب أو رفعه، وهذه الغايات لا تتحقّق إلاّ باستعمال اللفظ في المعنى الحقيقي وادّعاء أنّ المورد من مصاديقه، وإليك بيان الأمثلة:

1. التأكيد على الحسن والصباحة

لما انتشر الخبر في عاصمة فرعون مصر عن تعلّق سيدة القصر بمملوكها، كما يحكي ذلك سبحانه بقوله: (وَ قَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَل مُبِين)(1)، فلمّا بلغها قول النسوة أقامت لهن مأدبة في قصرها، وبينما كن يتفكّهن ويستعملن السكاكين عند الأكل أمرت يوسف (عليه السلام)بأن يخرج عليهن، قال سبحانه: (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَ قَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)(2) .
فإنّ الغاية من استعمال كلمة «مَلَك» هي بيان ما ليوسف من النضارة والصباحة، ولا يؤدى ذلك إلاّ باستعمال اللفظ في معناه الحقيقي دون المجازي، أي الإنسان الجميل وإلاّ لنزلت عن ذروة البلاغة وصارت كلاماً عادياً، كما إذا قيل: ما هذا بشراً إن هذا إلاّ إنسان جميل.

2. التأكيد على الشجاعة التامّة

ربّما يتعلّق الغرض ببيان شجاعة الرجل وبطولته في الحروب وأمام الأعداء فيستخدم القائل لفظة الأسد ويقول:

1 . يوسف: 30 .
2 . يوسف: 31 .

صفحه 268
لدى أسد شاكي السلاح مقذّف *** له لُبدٌ أظفاره لم تقلّمِ
فلبيان شجاعة الرجل وبطولته يسمّيه أسداً ويصفه بالأوصاف التالية:
أ. شاكي السلاح، وهو مقلوب الشائك أي حديد السيف.
ب. مقذّف أي له صولات وهجمات في ساحات الوغى.
ج. له لبد أي شعر كثير على عنقه كالأسد.
د. أظفاره لم تُقلّم، أي مخالبه طويلة .
فالشاعر ببيان هذه الأوصاف يصوّر صاحبه بأنّه من مصاديق الأسد بشهادة أنّ له لبداً ومخالب، فلو استعمل الأسد في معناه الحقيقي يكون للكلام بلاغة وحلاوة خاصّة، وأمّا إذا قلت بأنّه بمعنى الرجل الشجاع فلا تجد تلك الحلاوة مهما بالغ في شجاعته وطول مخالبه .

3. إثارة التعجّب

يقول الشاعر:
قامت تظلّلني ومن عَجَب *** شمسٌ تظلِّلني من الشمس
إنّ الشاعر في هذا البيت يصور لنا امرأة حسناء قامت فوقه لتحجب عنه أشعة الشمس، فهو يصوّرها كالشمس في إشراقها وصباحتها، وفي الوقت نفسه فهي تظلّله من شمس أُخرى، وهذا أمر تعجب منه الشاعر إذ كيف تحجب الشمسُ الشمسَ، فإنّ إثارة التعجب فرع استعمال الشمس في معناها الحقيقي، أي ذلك النجم المنير الّذي يبعث ضوءه كلّ يوم، ولو قيل مكانه المرأة الحسناء قامت تظلّلني من الشمس فلا يثير تعجباً أبداً.

صفحه 269

4. رفع التعجّب

قال الشاعر:
لا تعجبوا من بِلى غِلالتهِ *** قد زرّ أزراره على القمر
البِلى هو الاندراس، والغلالة ثوب رقيق يُلبس تحت الثياب، و «زرّ» القميص: شدّ أزراره وأدخلها في العُرى. فالشاعر بصدد رفع تعجّب الناظر له لأنّه تعجّب من اندثار وبلى لباسه، ولكنّه يدفع هذا التعجّب بأن قال: إنّ ثوبه يتعرّض إلى أشعة القمر، حيث إنّه وصف حبيبته بالقمر، فلو استعمل القمر في معناه الحقيقي صار لرفع التعجّب معنىً حقيقياً، وأمّا لواستعمل في المرأة الحسناء لا يصلح جواباً لرفع تعجّب الناس.
إلى غير ذلك من الغايات الّتي يتتبعها البلغاء الفصحاء في خطبهم وأشعارهم ولا تتحقّق تلك الغايات إلاّ بما ذكرنا.

سؤال وإجابة

إنّ تلك النظرية تصحّ في أسماء الأجناس الّتي يمكن أن يتصوّر لكلّ اسم منها فردان: حقيقي، وادّعائي، وأمّا الأعلام كحاتم ويوسف فلا يصحّ فيهما، إذ ليس لهما إلاّ مصداق واحد.
والإجابة عن ذلك واضحة، فإنّ من يصف جمال أحد ويقول: هو يوسف زماننا، أو يصف سخاء إنسان ويقول: هو حاتم عصرنا، فإنّه يدّعي أنّ للّفظين مصداقين: حقيقي وادعائي، وبما أنّ الادّعاء من مقولة الاعتبار فهو خفيف المؤونة.

صفحه 270

سؤال آخر

ما هو الفرق بين هذه النظرية وما ذكره السكّاكي في كتابه «مفتاح العلوم»، حيث قال: إنّ المعنى المجازي فرد إدعائيّ للمعنى الحقيقي ؟
والجواب: أنّ النظريتين وإن كانتا تشتركان في أصل وجود الادّعاء، لكن النظرية المذكورة تتبنّى استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، وتطبّقه على المورد باعتبار أنّه من مصاديقه.
وأمّا السكّاكي فالمجاز عنده استعمال اللفظ في غير ما وضع له من أوّل الأمر، لكن المجوّز لاستعمال لفظ الأسد في ما لم يوضع له، هو ادّعاء كونه من مصاديق ما وضع له، وإليك نصّ عبارته: وأمّا المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق، استعمالاً في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها، مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع .(1)
وبذلك يُعلم أن تسمية المجاز بهذا الاسم على وجه الدقة، فإنّ المراد من المجاز هو المعبَر ومحلّ التجاوز، وكأنّ المتكلّم ينقل ذهن السامع من معنى إلى معنى، ومن حقيقة إلى حقيقة أُخرى، والمعنى الثاني وإن كان مصداقاً ادّعاه للمعنى اللغوي لكنّه في حدّ نفسه حقيقة كسائر الحقائق.
المجاز في القرآن الكريم   
وهنا نحن نذكر نماذج من المجازات الواردة في الكتاب العزيز على وجه لا يمكن لإنسان موضوعي إنكاره فيها:
1. قوله سبحانه حاكياً قول نسوة المدينة بعد أن خرج عليهن يوسف (عليه السلام): (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)(2).

1 . مفتاح العلوم: 153، ط . مصر: 1318 هـ .
2 . يوسف: 31 .

صفحه 271
فقد وُصِفَ يوسفُ على لسانهن بأنّه مَلَكٌ مع أنّه ليس ملَكاً، وإنّما هو بشر، وما هذا إلاّ لأجل بيان غاية جماله وصباحة وجهه.
2. قوله سبحانه حاكياً عن اليهود: (وَ قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(1).
لمّا كان الجواد ينفق باليد والبخيل يمسك باليد عن الإنفاق، أضافوا الجود والبخل إلى اليد فقالوا للجواد مبسوط اليد، وللبخيل مقبوض الكف، وعلى هذا فمعنى قوله: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)أي مقبوضة عن العطاء ممسكة عن الرزق، كما أنّ المراد من قوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان) هو جواد. وعلى ضوء ما ذكرنا فكلمة الغلّ والبسط استعملتا في المعنى اللغوي لكن أُريد بهما الفرد الادّعائي (الجواد والبخيل) وإلاّ لما كان للآية معنى محصّل إذا أُريد المعنى اللغوي دون التجاوز به إلى معنى آخر، إذ تكون الآية بمعنى أنّ يد الله مقبوضة أو مربوطة بالغل، بل يداه مبسوطتان بمعنى مفتوحتان.
3. قوله سبحانه: (وَ لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَ لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ)(2).
قال السيد الرضي(رحمه الله): المراد بها اليد الّتي هي الجارحة على الحقيقة،
وإنّما الكلام الأوّل كناية عن التقتير، والكلام الآخر كناية عن التبذير،
وكلاهما مذموم حتّى يقف كلّ منهما عند حدّه ولا يجري إلاّ إلى أمده، وقد فسّر هذا قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ

1 . المائدة: 64 .
2 . الإسراء: 29 .

صفحه 272
قَوَامًا)(1).(2) ومراده من الكناية، المجاز.(3)
4. قوله سبحانه: (وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ* نَارٌ حَامِيَةٌ)(4).
فقد أطلق لفظ الأُم على الهاوية، وإنّما سمّاها بذلك لأنّ الإنسان يأوي إليها كما يأوي الولد إلى أُمّه، وإن شئت قلت: إنّ الأُم كافلة لولدها وملجأ له، كذلك النار فهي كافلة للكافر ومأوى وملجأ له .
5. قال سبحانه: (وَ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)(5) .
فإنّ المراد من الأكل هو التصرّف في أموال الناس بالظلم والغصب والوجوه الّتي لا تحل. وإنّما أطلق الأكل على التصرّف ; لأنّ الغاية من جمع الأموال هي العيش والالتذاذ الّذي من أبرز مظاهره الأكل .
هذه نماذج من المجازات الواردة في القرآن الكريم، وكم لها من نظير، فمن أراد الاستقصاء فعليه الرجوع إلى كتاب «تلخيص البيان في مجازات القرآن» للعلاّمة الجليل السيد الرضي (رحمه الله)، فقد استقصى المجازات القرآنية (وهي أعمّ من المجاز المصطلح أو الكناية) من فاتحة الكتاب إلى سورة الناس .
***

1 . الفرقان: 67 .
2 . لاحظ تلخيص البيان في مجازات القرآن: 98 .
3 . الفرق بين المجاز والكناية، هو أنّ القرينة في المجاز تمنع من إرادة المعنى الوضعي (الأصلي)، وهي لا تمنع منه، بشكل عام، في الكناية.
4 . القارعة: 8 ـ 11 .
5 . البقرة: 188 .

صفحه 273
 
الكناية والتعريض في القرآن الكريم
ما مرّ عليك من الكلام كان حول المجاز، وقد عرفت حقيقته أوّلاً ووروده في القرآن الكريم، وقد ذكرنا نماذج منه.
وأمّا الكناية فهي عبارة عن ذكر الملزوم لغاية الانتقال إلى لازمه فالمكنّي يستعمل اللفظ في معناه اللغوي لكنّه يتّخذه معبراً للانتقال إلى لازمه، فإذا قال: زيد طويل النجاد، أو كثير الرماد فإنّه يعني بذلك المعنى اللغوي، لكن لينتقل به المخاطب إلى لازمه، فإنّ لازم طول النجاد (حمالة السيف) طول القامة، كما أنّ لازم كثرة الرماد كثرة الضيافة، فلم يذكروا المراد بلفظه الخاصّ به ولكن توصّلوا إليه بذكر معنى آخر هو رديفه في الوجود، لأنّ القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر القِرى كثر الرماد.
والعرب تعدّ الكناية من البراعة والبلاغة وهي عندهم أبلغ من التصريح، وأكثر أمثالهم الفصيحة على مجاري الكنايات .(1)
وممّا ذكرنا يُعلم أنّ الكناية أُخت المجاز، تستعمل في المعنى اللغوي بالإرادة الاستعمالية غير أنّ الإرادة الجدّية تعلّقت بلازم اللفظ، فهناك أُمور ثلاثة:
1. الحقيقة اللغوية .
2. المجاز اللغوي.
3. الكناية والتعريض.
أمّا الأوّل فتتعلّق فيه الإرادة الجدية بنفس ما تعلّقت به الإرادة الاستعمالية

1 . البرهان في علوم القرآن: 2 / 300 ـ 301.

صفحه 274
فإذا قلت: اسقني ماءً؟ فقد تعلّقت الإرادتين بشيء واحد، وأمّا الثاني والثالث فقد تعلّقت الإرادة الاستعمالية فيهما بالمعنى اللغوي لكن لغاية الانتقال إلى مصداق من مصاديقه الادّعائية كما في المجاز، أو لازم من لوازمه كما في الكناية.
ثم إنّ الفرق بين المجاز والكناية هو أنّ المجاز يقوم على عملية الادّعاء، وأمّا الكناية فهي غنية عن الادّعاء.
ثم إنّ الكناية شائعة في كلام العرب، فهم يكنّون عن الإنسان الموصوف بالطهارة بقولهم: فلان عفيف الإزار، وعمّن يجاهر غيره بالعداوة: لبسَ له جلد النَّمر، وعمّن يغضب: ورم أنفه، كما يكنّون عن ترك الوطء بشدّ المئزر، وعن الجماع بالعُسيلة، وقد ورد أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لامرأة رفاعة القرظي: «حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» شبّه لذّة الجماع بذوق العسل، واستعار لها ذوقاً، وإنّما أُنثّ لأنّه أراد قطعة من العسل.(1)
وقد اختلفت كلمات العلماء في وجود الكناية في القرآن، فقد حكى صاحب البرهان عن الطرطوسي أنّه قال: قد اختلف في وجود الكناية في القرآن وهو كالخلاف في المجاز، فمن أجاز وجود المجاز أجاز الكناية، وهو قول الجمهور، ومن أنكر ذلك أنكر هذا. وبما أنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، نأتي بنماذج من الكنايات نظير ما ذكرناه في المجاز:
1. إنّ من عادة القرآن الكريم الكناية عن الجماع بالملامسة والمباشرة والدخول، قال تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ )(2) فكنّى بالمباشرة عن الجماع، لما فيه من التقاء البشرتين.

1 . النهاية في غريب الحديث: 3 / 96 .
2 . البقرة: 187 .

صفحه 275
وقال تعالى: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ )(1) إذ لا يخلو الجماع عن الملامسة .
وقال تعالى: (رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)(2) .
2. كنّى القرآن الكريم عن فضلة الإنسان بالغائط الّذي هو بمعنى قرارة من الأرض تحفها آكام تسترها، فأطلق هنا وأُريد منه قضاء الحاجة، قال تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ )(3).
قال الطبرسي: الغائط أصله المطمئن من الأرض وكانوا يتبرّزون هناك ليغيبوا عن عيون الناس، ثم كثر ذلك حتّى قالوا للحدث غائط.(4)
3. قال سبحانه: (وَ لاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ )(5) وقد كنّى بذلك عن الزنا.
4. قوله سبحانه في وصف امرأة أبي لهب: (وَ امْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ).(6) فقد كنى بذلك عن كونها نمّامة.
5. قوله سبحانه: (وَ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَ أَضَلُّ سَبِيلاً)(7).

1 . النساء: 43.
2 . النساء: 23 .
3 . النساء: 43 .
4 . مجمع البيان: 3 / 93 .
5 . الممتحنة: 12.
6 . المسد: 4 .
7 . الإسراء: 72.

صفحه 276
ظاهر الآية مع قطع النظر عن القرائن الحافّة، هو أنّ فاقد البصر في هذه الدنيا كذلك يكون حاله في الآخرة، ولكنّه غير مراد قطعاً لقوله سبحانه في ذيل الآية: (وَ أَضَلُّ سَبِيلاً)، وهذا دليل على أنّ الآية كناية عن أنّ فاقد البصيرة في هذه الدنيا يحشر كذلك في الآخرة، لأنّ الدنيا مزرعة الآخرة، وما زرعه الإنسان في حياته في الأُولى يجنيه في الآخرة.
6. قال سبحانه: (وَ لَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبَارَهُمْ وَ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ)(1).
ترى أنّه سبحانه في هذه الآية ينسب المعاصي الّتي يقترفها الناس ـ والّتي تُفضي بهم إلى عذاب الحريق ـ إلى الأيدي، وفي آيات أُخرى، يقول سبحانه: (وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)(2)، إلى غير ذلك من الآيات الّتي تدلّ على أنّ العقوبة الأُخروية كلّها بسبب ما قدّمت يد الإنسان العاصي، كما أنّه سبحانه يشير إلى ذلك في آية ثالثة بلفظ آخر ويقول: (وَ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبَِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِير )(3) فالمصائب كلّها نتيجة ما كسبت يد الإنسان الخاطئ.
هذا ومن المعلوم أنّ المعاصي كما تكتسب بالأيدي تكتسب بالأعين والأسماع والأرجل وسائر الجوارح، فما يقترفه المذنب ليس منحصراً بالأيدي فقط، بل يعمّ سائر جوارحه وأعضائه، ومع ذلك نرى أنّه سبحانه يلقي المسؤولية

1 . الأنفال: 50 ـ 51 .
2 . البقرة: 95 .
3 . الشورى: 30 .

صفحه 277
كلّها على الأيدي وما هذا إلاّ لأنّه كناية عن كلّ ما يقوم به الإنسان ، وإنّما خصّ الأيدي بالذكر لدورها الكبير في الأفعال والأعمال، فأغلب أعمال الإنسان تقوم به الأيدي، فأُطلقت الأيدي وأُريد بها كلّ الجوارح الّتي لها دور في الطاعة والعصيان.
7. قال سبحانه: (وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)(1).
وقال سبحانه: (وَ لاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ )(2).
وقال سبحانه: (وَ اخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(3).
الجَناح عبارة عمّا يطير به الطائر، يقولون: ركبوا جناح طائر، أي فارقوا أوطانهم، ويقال: ركب جناحي نعامة، أي جدّ في الأُمر وعجّل، ويقال: فلان مقصوص الجناح بمعنى كونه عاجزاً.
قال سبحانه: (جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَة مَثْنى وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ)(4) .
وذو الجناحين لقب جعفر الطيار لقّبه به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لما روي أنّه لمّا قطعت يداه يوم مؤتة جعل الله له جناحين يطير بهما، وجناحا الطائر بمنزلة اليدين من الإنسان، سمّيا بذلك لميلهما في شقّيه من الجنوح وهو الميل.(5)
هذا حول الجناح، وأمّا الذُّلّ بالضّم فهو: الانقياد والسهولة، أو اللين

1 . الإسراء: 24.
2 . الحجر: 88 .
3 . الشعراء: 215 .
4 . فاطر: 1 .
5 . مجمع البحرين، مادة «جنح».

صفحه 278
والتواضع، وتذلّل له: خضع وتواضع .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الشريف الرضي يفسّر الآية بأوضح العبارات ويذكر أنّ في الآية استعارة عجيبة، يقول: والمراد بذلك الإخبات للوالدين، وإلانة القول لهما، والرفق واللطف بهما، وخفض الجناح في كلامهم عبارة عن الخضوع والتذلّل وهما ضد العلو والتعزّز، إذ كان الطائر إنّما يخفض جناحه إذا ترك الطيران، والطيران هو العلو والارتفاع، وإنّما قال تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ )ليبيّن تعالى أنّ سبب الذلّ هو الرحمة والرأفة، لئلاّ يُقدّر أنّه الهوان والضراعة، وهذا من الأغراض الشريفة والأسرار اللطيفة.(1)
وأمّا قوله تعالى: (وَ اخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)، ففيه ثلاثة احتمالات:
الأوّل: أن يكون الخفض في الآية مأخوذاً من خفض الطائر جناحه ليجمع تحته أفراخه رحمة بها وحفظاً لها، فأمر سبحانه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يسع برحمته ورأفته عامة المؤمنين ويجعل الجميع تحت رحمته بلا فرق بين مؤمن وآخر، كما أنّ الطائر يضمّ جميع أفراخه تحت جناحه.(2)
الثاني: أن يكون خفض الجناح كناية عن لين الجانب والتواضع والرفق، لأنّ الطائر يخفض جناحيه حين يهمّ بالهبوط .(3)
الثالث: أن يكون كناية عن ملازمة المؤمنين، وحبس النفس عليهم من غير مفارقة، كما أنّ الطائر إذا خفض الجناح لم يطر ولم يفارق .(4)

1 . تخليص البيان في مجازات القرآن: 98 .
2 . تفسير الميزان: 15 / 329 .
3 . التبيان: 8 / 67 ; في ظلال القرآن: 19 / 118 .
4 . تفسير الميزان: 12 / 193 .

صفحه 279
أفهل يمكن تفسير هذه الآيات بغير طريق المجاز والكناية؟
إنّ تجريد القرآن عن المحسّنات البيانية والبلاغية جفاء له، ويجعل الآيات القرآنية في مصاف الكلام العرفي.
8. قال سبحانه: (وَ اسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَ إِنَّا لَصَادِقُونَ )(1) .
لاشك أنّ القرية هي البيوت والأزقة، الّتي لا يصح سؤالها وينتظر الجواب منها، ولذلك عاد المفسرون إلى تفسير الآية بتقدير «الأهل» وقالوا المراد: اسأل أهل القرية، ولكنّهم غفلوا عن أنّ تفسيرها بهذا النحو يوجب نزول الآية عن ذروة البلاغة، ووقوعها في عداد الكلام العادي .
ولذلك نقول: المراد من القرية هو نفس البيوت بلا تقدير كلمة الأهل ولكن القائل يدّعي أنّها أيضاً كالإنسان الصالح للسؤال والجواب مدّعياً أنّ الخبر ـ أي سرقة أخي يوسف ـ قد شاع وذاع على نحو حتّى وقفت عليه القرية أيضاً، فضلاً عن أهلها، ونظيره قول الفرزدق في حق الإمام زين العابدين (عليه السلام):
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ
أي أنّ الإمام (عليه السلام)قد بلغ من العظمة والجلالة مبلغاً حتّى عرفته البطحاء والبيت والحلّ والحرم.
9. قال سبحانه: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)(2).

1 . يوسف: 82 .
2 . يوسف: 87 .

صفحه 280
الرَّوح: نسيم الريح الّذي يلذ شميمها ويطيب نسيمها، فشبّه الله تعالى الفرج الّذي يأتي بعد الكربة بنسيم الريح الّذي ترتاح القلوب له وتثلج الصدور به .(1)
10. قال سبحانه: (وَ عَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )(2).
قال السيد الرضي: في هذه الآية استعارة ; لأنّ النفس في الحقيقة لا توصف بالضيق والاتّساع، وإنّما المراد بذلك انضغاط القلوب لشدّة الكرب وبلوغها منقطع الصبر.
ولكن في الآية استعارة أُخرى لم يُشر إليها السيد الرضي وهي قوله سبحانه: (ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ)، إذ هو تعبير عن الحيرة في أمرهم كأنّهم لا يجدون فيها مكاناً يقرّون فيه، قلقاً وجزعاً ممّا هم فيه. (3) فالأرض نفس الأرض لا تضيق ولا تتسع، ولكن ضيقها كناية عن تحيّر هؤلاء حيث لا يجدون مكاناً يعيشون فيه بعيداً عن القلق.
11. قال سبحانه: (وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ).(4)
المفتح جمعه مفاتح: آلة لفتح الأبواب.
ومن المعلوم أنّ الغيب الّذي هو ضد الشهود لم يجعل في غرفة مقفلة حتّى تكون مفاتحه عند الله سبحانه، بل المفاتح في الآية استعارة للوصلة إلى علم

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 70 .
2 . التوبة: 118 .
3 . تفسير الكشاف: 2 / 176 .
4 . الأنعام: 59 .

صفحه 281
الغيب، فإذا شاء فتحه لأنبيائه وملائكته وإن شاء أغلق عليهم علمه ومنعهم فهمه .
فعبّر تعالى عن هذا المعنى بأنّ المفاتح بيد الله سبحانه.
12. قال سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا).(1)
عبّر سبحانه عن التمسّك بأمر الله وعهده بالتمسّك بحبله، وذلك لأنّ مَن يسقط في بئر يُرسَل إليه الحبل، فإذا تمسّك به تخلّص من الخطر، ونجا من الهلاك، وهكذا المتمسك بحبل الله ينجو ممّا يخافه من العذاب. فكأنّ الأُمّة المتفرّقة كالمتردّي في البئر لا ينجيه إلاّ التمسّك بحبل الله .
13. قال سبحانه: (وَ لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لاَ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).(2)
إنّ النظر هو تقريب العين الصحيحة في جهة المرئيّ التماساً لرؤيته، وهذا لا يصحّ إلاّ على الأجسام وما يُدرَك بالحواس، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهذا يرشدنا إلى القول بأنّها استعارة عن أنّه سبحانه لا يرحمهم يوم القيامة، ويدلّ عليه ذيل الآية أي قوله: (وَ لاَ يُزَكِّيهِمْ).
14. قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً )(3) .
البطانة: ما يلي بطن الإنسان من ثيابه، ومنه بطانة الثوب، فشبّه دخلاء الرجل وخواصّه بالبطانة لأنّهم يلازمونه ملازمة شعاره لجسمه فيقفون على أسراره وضمائره .

1 . آل عمران: 103 .
2 . آل عمران: 77 .
3 . آل عمران: 118 .

صفحه 282
هذه نماذج من مجازات القرآن الكريم اقتصرنا عليها تبرّكاً، ومن أراد أن يقف على المزيد فليرجع إلى كتاب «تلخيص البيان في مجازات القرآن» للسيد الرضي فقد بلغ الغاية ودرس عامّة المجازات القرآنية من أوّل سور القرآن إلى آخرها.
   
غير أنّ إكمال البحث يقتضي دراسة أدلّة المانعين وهي ليست إلاّ شبهات وأعذاراً واهية، ورغم ذلك سوف ندرسها بموضوعية وتجرّد، فنقول:

أدلّة النافين لوجود المجاز في القرآن

قال الزركشي: وأمّا المجاز فاختلف في وقوعه في القرآن. والجمهور على الوقوع; وأنكره جماعة منهم: ابن القاصّ من الشافعية، وابن خويزمنداد من المالكية، وحكي عن داود الظاهري وابنه وأبي مسلم الأصفهاني. وإليك شبهاتهم:
الشبهة الأُولى: أنّ المتكلّم لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلاّ إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وهو مستحيل على الله سبحانه.
وقد أجاب عنها الزركشي بقوله: وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلّوه من التوكيد والحذف، وتثنية القصص وغيرها، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطرُ الحُسن .(1)
أقول: الأَولى الإجابة بوجه آخر، وهو:
أوّلاً: أنّه سبحانه قد استخدم المجاز لا لأجل أنّه ضاقت به الحقيقة فالتجأ إلى المجاز، وإنّما أراد أن يكلّم الناس حسب عقولهم وحسن طبعهم، وجمال

1 . البرهان في علوم القرآن: 2 / 255 .

صفحه 283
ذوقهم، ولاشكّ أنّ المجاز يعطي للكلام روعة، وبلاغة، ومعنى رائقاً وأنّ الكناية(1) أبلغ من التصريح، ولذلك تكلّم سبحانه على ما اعتاد عليه الناس واستحسنوه.
ثانياً: أنّ المعترض إذا أراد من الحقيقة، الواقعية، فالمجاز أيضاً حقيقة أُخرى، فالمتكلّم جعل المعنى اللغوي جسراً إلى تلك الحقيقة، ولعلّه اغترّ بكلمة المجاز وهو ضد الحقيقة، فزعم أنّ مَن استعمل المجاز ترك الحقيقة إلى غيرها. وغفل عن أنّ المراد منه، هو كون الحقيقة قنطرة لبيان حقيقة أُخرى .(2)
الشبهة الثانية: ما نقله السيوطي عن المانعين، أنّ المجاز أخو الكذب والقرآن منزّه عنه، ثم ردّه السيوطي وقال: وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، وقد اتّفق البلغاء على أنّ المجاز أبلغ من الحقيقة.. إلى آخر ما ذكره الزركشي في برهانه ـ كما عرفت ـ .(3)
أقول: الكذب عبارة عن الكلام المخالف للواقع وهو إنّما يتمّ إذا أراد المتكلم الفرد الادّعائي بلا قرينة، كما إذا قال : رأيت أسداً (من دون قرينة) وأراد الرجل الشجاع، مع أنّ ظاهر كلامه أنّه رأى الحيوان المفترس، وأمّا إذا قرنه بقرينة دالّة على أنّ المراد الفرد الادّعائي فأي كذب في ذلك .
الشبهة الثالثة: أنّ المجاز يجوز نفيه، ولا شكّ أنّه لا يجوز نفي شيء من القرآن.

1 . إنّ بعض العلماء اعتبر الكناية ضرباً من ضروب المجاز، ولذا أنكر وقوعها في القرآن منكرو المجاز فيه .
2 . وسيوافيك تفصيله عند الردّ على رسالة المنع للشنقيطي.
3 . الإتقان في علوم القرآن : 3 / 109 .

صفحه 284
قال ابن قيّم الجوزية: وأوضح دليل على منعه في القرآن: إجماع القائلين بالمجاز، على أنّ كلّ مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر، فنقول لمن قال: «رأيت أسداً يرمي»: ليس هو بأسد، وإنّما هو رجل شجاع، فيلزم على القول بأنّ في القرآن مجازاً، أنّ في القرآن ما يجوز نفيه، ولاشكّ أنّه لا يجوز نفي شيء من القرآن .(1)
أقول: إنّ المتكلّم إذا استعمل اللفظ الموضوع لمعنى، وأراد منه المصداق الادّعائي فهناك معنيان:
أ. المعنى الحقيقي وقد تعلّقت به الإرادة الاستعمالية دون الجدية، وإنّما استخدم الإرادة الأُولى لغاية العبور إلى معنى آخر ونصب لذلك قرينة في كلامه.
ب. مصداق ادّعائي تعلّقت به الإرادة الجدية بشهادة وجود القرينة.
فلو أُريد نفي المعنى الأوّل فلا مانع، وبما أنّه لم تتعلّق به الإرادة الجدية فليس من القرآن في شيء، ولا بأس بنفيه .
وإن أراد نفي المعنى الثاني فنمنع من جواز نفيه، كيف وقد أراده سبحانه وخصّه بالقرينة.
وقد اغترّ باذر الشبهة بظاهر لفظ الأسد حيث إنّه يمكن نفيه لعدم تعلّق الإرادة الجدية بالحيوان المفترس، مع أنّه لا يمكن نفي شيء من القرآن، لكنّه غفل عن أنّ المعنى الحقيقي ليس مراداً للمتكلم، ومن ثمّ ليس هو من القرآن قطعاً بشهادة القرينة، أعني قوله: «يرمي»، وسيوافيك تفصيل النقد في آخر المقال.
الشبهة الرابعة: أنّ لابن القيّم هنا كلام مسهب أطال فيه البحث عن دلائل

1 . منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز: 240، المطبوع في ذيل «أضواء البيان».

صفحه 285
شيخه في إنكار وجود المجاز في القرآن، وأنهى الوجوه الّتي استند إليها ـ دعماً لمذهب شيخه ـ إلى خمسين وجهاً، في رسالة أسماها «الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة».
قال: «وإذ قد علم أنّ تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز، لا منشأ له شرعياً ولا عقلياً ولا لغوياً، وإنّما هو مصطلح حادث ابتدعته المعتزلة ومن شايعهم من الجهميّة والمتكلّمين» .(1)
يلاحظ عليه: بأنّه من أتفه الشبهات حيث إنّه خلط بين حدوث التقسيم وبين واقع الأقسام.
فإنّ استعمال اللفظ على كلتا الصورتين كان شائعاً بين البلغاء والعظماء، على النحو الّذي قررنا، غير أنّهم لم يطلقوا عليه مصطلحاً معيّناً، ولكن بعد أن انتشرت الحضارة الإسلامية وشرع العلماء بتفسير القرآن الكريم واضطروا إلى تأسيس علوم تُعين المفسّر، لم يجدوا بدّاً من وضع المصطلحات والتقسيم، فهناك مئات الاصطلاحات في الصرف والنحو والبديع والبيان والعروض والقوافي، لم يكن لها أثر قبل الإسلام ولا في أيامه الأُولى، وإنّما حدثت حينما تأسّست العلوم الأدبية لغاية فهم القرآن والحديث .
ثم إنّ ابن القيّم لم يكتف بما ذكر ; بل قال: وخلاصة القول: إنّ القول بالمجاز ـ بالمعنى الاصطلاحي ـ في القرآن، بل في اللغة، قول باطل، لم يتكلّم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا عرفه أصحابُه ولا التابعون ولا علماء الأوائل، ولا أحد من أهل القرون الثلاثة المفضّلة، وإنّما هو اصطلاح حادث ابتدعته المعتزلة، ثمّ أخذه

1 . مختصر الصواعق: 2 / 5 .

صفحه 286
المتأخّرون، حتّى صار مألوفاً عندهم، ولم ينتبهوا إلى خطورة القول بالمجاز، ممّا أدّى بكثير منهم إلى تحريف كلام الله عن مواضعه .(1)
وما أشار إليه ابن القيّم في كلامه هذا بأنّ القول بالمجاز أدّى إلى تحريف كلام الله هو ما سنذكره في الشبهة التالية:
الشبهة الخامسة: وهي أنّه عن طريق القول بالمجاز في القرآن توصّل المعطّلون لنفي كثير من صفات الكمال والجمال عن ذاته تعالى... فقالوا: لا يَدَ، ولا استواء، ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات... نظراً لأنّ حقائق هذه الصفات غير مرادة عندهم، بل هي مجازات، فاليد مستعملة ـ عندهم ـ في النعمة أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره، ونحو ذلك... فنفوا هذه الصفات (حقيقة اليد والاستواء والنزول) الثابتة بالوحي، نفياً عن طريق القول بالمجاز، وارتكاب التأويل، ثم قال: مع أنّ الحقّ الّذي هو مذهب أهل السنّة والجماعة إثبات هذه الصفات (بحقائقها حسب ظاهر التعبير) حيث أثبتها الله تعالى لنفسه، ويلزم الإيمان بها من غير تكييف ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل.(2)
أقول: كان على ابن قيّم الجوزيّة وشيخه ابن تيمية وأتباعهما ـ كالشيخ الشنقيطي ـ أن يبحثوا، بأُسلوب علميّ، عن وجود المجاز في القرآن أو عدمه، فيدرسوا الآيات الّتي ادّعى القائلون بالمجاز أنّها من هذا القبيل، وعندئذ يصحّ لهم أن يبدوا رأيهم، ولكن القوم عكسوا الأمر، فاتّخذوا من عقيدتهم في الصفات الخبرية وأنّها تجري على الله سبحانه بمعانيها اللغوية، دليلاً على عدم جواز المجاز في القرآن، وما هذا إلاّ لأنّ القول به ينافي عقيدتهم، أعني: وصفه سبحانه

1 . مقدمة رسالة الشنقيطي: 21 ـ 28 .
2 . منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز: 240 .

صفحه 287
بهذه الصفات بلا تأويل.
وإن شئت توضيحاً أكثر، نقول: قسّم الباحثون صفاته سبحانه إلى : صفات ذاتية، وصفات خبرية، فالعلم والقدرة والحياة ـ مثلاً ـ من الصفات الجمالية الذاتية، وقد دلّ عليها العقل قبل النقل، ولو وردت في النقل فهي تأكيد لما دلّ عليه العقل.
وأمّا الصفات الخبرية فممّا لا يدلّ عليها العقل وإنّما أخبر عنها سبحانه في كتابه العزيز كالعلو واليد والعين، أو جاءت في السنّة الشريفة كالرجل والنزول، وقد اختلفت كلمتهم في تفسير الصفات الخبرية، وطال الجدال حولها عبر القرون، بحيث صار ذلك هو الشغل الشاغل بين المحدّثين وغيرهم.
وبينما هم يتنازعون في تفسير معانيها ظهرت جماعة تنكر أصل الصفات أو تنكر أصل وجود الصانع، فبدل أن يبذلوا جهودهم في مواجهة العلمانية والإلحاد والمناهج المستوردة، أخذوا يصرفون أعمارهم في تفسير هذه الصفات.
وقد صار القوم على مناهج:

الأوّل: المثبتون للصفات بمعانيها الحرفية

ذهب قسم من المحدّثين تبعاً للمشبّهة والمجسِّمة من الكرّامية أنّ هذه الصفات تجري على الله سبحانه بنفس معانيها المرتكزة في أذهان الناس من دون أي تصرف فيها، فزعموا أنّ لله سبحانه عينين ويدين ورجلين مثل الإنسان .
قال الشهرستاني: أمّا مشبّهة الحشوية فقد أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة، وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة، إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإخلاص .(1)

1 . الملل والنحل: 1 / 105 .

صفحه 288
 
الثاني: المثبتون بلا كيف
ثم إنّ ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم ومن تابعهما من أتباع محمد بن عبدالوهاب لمّا رأوا أنّ القول بذلك يشينهم ويلحقهم بالمجسِّمة والمشبّهة، ويكونوا أتباعاً للكرّامية حاولوا الفرار من ذلك بتقييد الإثبات بقولهم: «بلا كيف» فقالوا: إنّ له وجهاً بلا كيف، وإنّ له يدين بلا كيف، وإنّ له عيناً بلا كيف، وذلك في تفسير قوله تعالى: (وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ)(1)، وقوله سبحانه: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )(2)، وقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ )(3)، وقوله سبحانه: (تَجْري بِأَعْيُنِنَا)(4) .
وقد سبقهم إلى ذلك الإمام الأشعري، الذي كان معتزلياً ثم رجع عن الاعتزال والتحق بما عُرف بأهل الحديث وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، وحاول الجمع بين عقيدة أهل الحديث وأهل التنزيه فقال: إنّ الصفات الخبرية تجري على الله سبحانه بنفس معانيها لكن بلا تكييف ولا تشبيه (5). فبالجزء الأوّل من كلامه ـ أعني: (تجري بنفس معانيها) ـ أراد إرضاء أهل الحديث، وبالجزء الثاني (بلا تكييف ولا تشبيه) أراد إرضاء أهل التنزيه، لكنّه غفل عن أنّ الجمع بين العقيدتين كالجمع بين المتناقضين، وذلك :
أوّلاً: أنّ هذا التوجيه يخالف نصوص المتشدّدين من أهل الحديث، فإنّهم

1 . الرحمن: 27 .
2 . ص: 75 .
3 . المائدة: 64 .
4 . القمر: 14 .
5 . الإبانة: 92 .

صفحه 289
يجرون الصفات الخبرية على الله بنفس معانيها من دون تقييد بما ذكره، قال القرطبي في تفسير قوله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)(1): وقد كان السلف الأوّل ـ رضي الله عنهم ـ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافّة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنّه استوى على عرشه حقيقة .(2)
فعلى هذا، فالمتشدّدون من أهل الحديث يصفونه سبحانه بمعاني هذه الصفات بلا ضمّ ضميمة .
ثانياً: أنّ اليد والرجل والعين تتقوّم بالكيفية الموجودة فيها، على نحو لو جرّدت منها لا تصدق عليها هذه الأسماء، فاليد عندهم عبارة عن الجارحة ذات الأصابع، وهكذا العين عبارة عن الجارحة الخاصّة الّتي تتقوم بالقرنية والقزحية والشبكية، فلو جردت من هذه المكونات فلا يصدق عليها اسم العين، وعندئذ فالجمع بين الفقرتين جمع بين المتناقضين، وإطلاق هذه الصفات على الله بنفس معانيها اللغوية يستلزم إثبات هذه الخصوصيات المقوّمة لهذه الأعضاء، وتقييدها (بلا كيف) يستلزم نفي هذه الخصوصيات، وبالتالي يلزم عدم إجرائها على الله بنفس معانيها اللغوية، وما هذا إلاّ جمعاً بين النقيضين.
وإن شئت قلت: إنّ إجراءها بنفس معانيها اللغوية يقتضي حفظ الكيفية لأنّها في اللغة موضوعة للعضو الواجد لها، وتقييد إجرائها بقولهم بلا كيف يعني نفي الكيفية، ومن ثمّ نفي المدّعى، أعني: إجراءها بالمعاني اللغوية، فالتناقض هنا هو الجمع بين النفي والإثبات.

1 . الأعراف: 54 .
2 . تفسير القرطبي: 7 / 219 .

صفحه 290
إلى هنا تبيّن أنّ المنهجين باطلان جدّاً، لأنّ الإجراء بنفس المعاني تشبيه وتجسيم، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، حيث قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءْ)(1) .
كما أنّ الإجراء بنفس المعاني مقيّداً بنفي الكيفية، هو أشبه بالجمع بين النفي والإثبات.
بقي هنا ثلاثة مناهج أُخرى:

الثالث: منهج التفويض

وحاصله: الإيمان بكلّ ما جاء في القرآن والسنّة من الصفات الّتي وصف الله تعالى نفسه بها إجمالاً وتفويض التفصيل إليه. وهم بهذا قد أراحوا أنفسهم من الغور في هذه المباحث .
إنّ التفويض هو شعار من لا يتعرض للأبحاث الخطيرة، ولا يقتحم اللجج الغامرة، ويرى أنّه يكفيه في النجاة قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بُني الإسلام على إيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»(2)، وعند ذلك يرى أنّ التفويض أسلم من الإثبات الّذي ربما ينتهي ـ عند الإفراط ـ إلى التشبيه والتجسيم المبغوضين، أو إلى التعقيد واللغز الّذي لا يجتمع مع سمة سهولة العقيدة.
ونحن لا نلومهم على ذلك، فربما يظنون أنّهم غير مكلّفين بتفسير هذه الصفات، فاكتفوا بالتفويض كما هو الحال في كثير ممّا يرجع إلى القيامة ومواقفها وأحوالها، فإنّ كثيراً من الصالحين يفوّضون معانيها إلى الله سبحانه، ولكنّ القرآن الكريم دعا المؤمنين إلى التدبّر في الآيات لغاية فهم معانيها وحقائقها، فقال

1 . الشورى: 11 .
2 . صحيح البخاري: 1 / 7، كتاب الإيمان.

صفحه 291
سبحانه: (وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر)(1) .
وعلى ذلك فتعطيل العقل عن سبر المعارف الواردة في القرآن الكريم، نوع بخس وظلم للعقل السليم، كيف وهو سبحانه يقول: (وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءْ)(2) وحاشا أن يكون القرآن تبياناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه .

الرابع: منهج التأويل

المعتزلة هم الذين أوّلوا اليد بالنعمة والقدرة، والاستواء على العرش بالاستيلاء وإظهار القدرة، وهكذا سائر الصفات الخبرية، غير أنّ هذا المنهج غير صحيح ـ كسائر المناهج السابقة ـ فإنّ ظاهر كلامهم أنّ ظاهر القرآن يخالف العقل الصريح، ولذلك يجب ترك النقل لأجل صريح العقل، ومن المعلوم أنّ هذا كلام ساقط، إذ الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة منزّهان عمّا يخالف صريح العقل. وما يُتداول على ألسنة طلاب العصر من أنّ ظاهر الكتاب إذا خالف العقل يؤوَّل الظاهر ويؤخذ بالعقل، أمر باطل جدّاً، إذ يستحيل أن يخالف الوحي حكم العقل الحصيف قدر شعرة. أفيمكن أن يحثّ الكتاب على التدبّر في الآيات ويمدح العاقلين ويذم المخالفين، ومع ذلك يأتي في غضون الآيات بما يخالف صريح العقل والبرهان؟ هذا أمر لا يصدر عن الحكيم المطلق.
نعم ما يُتداول على الألسن أُلصق بالكتاب المقدّس، فإنّ الآباء اليسوعيين كلّما وقفوا في آيات العهد الجديد أو القديم على ما يخالف حكم العقل أو النتائج العلمية حاولوا التصرّف في ظاهر الكتاب وتأويله ليصونوا بذلك الكتاب المقدس

1 . القمر: 17 .
2 . النحل: 89 .

صفحه 292
عن النقد، لكنّ الكتاب الخاتم الّذي نزل على النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)تعالى عن هذه الوصمة، وهذا ما يبعثنا إلى أن نحلّل مسألة الصفات الخبرية بوجه آخر .

الخامس: الأخذ بالظهور التصديقي دون التصوري

إنّ الذين انزلقوا إلى حضيض التشبيه والتجسيم إنّما أخذوا بالمعاني اللغوية لهذه الالفاظ، والظهور الإفرادي لها، وغفلوا عن أنّ الظهور المتبع ليس هو الظهور الإفرادي، بل المتبع هو الظهور الجملي أو الظهور التصديقي.
كما أنّ المؤوّلين لها سقطوا أيضاً في هذه الوهدة بزعمهم لزوم الأخذ بالمعنى الإفرادي، ولذلك عادوا إلى التأويل لكي يتخلّصوا من التشبيه.
وكذلك المفوّضة الذين تركوا الغور في مفاد هذه الآيات صدروا عن زعم باطل، وهو أنّ ظاهر الآيات هو التشبيه والتجسيم المخالف للعقيدة الإسلامية، فلم يجدوا مخلصاً إلاّ تعطيل العقول وإرجاع معانيها إلى الله سبحانه .
وبالجملة كلّ هذه المناهج بين مثبت مطلقاً، ومثبت مع نفي التكييف، أو مؤوّل، أو مفوّض معناها إلى الله سبحانه ولذلك عرفوا بالمعطّلة، وإنّما لجأوا إلى هذه المناهج المختلفة لأجل تسليم أصل وهو الأخذ بظهور المفردات أي الظهور التصوّري، فعند ذلك كلٌّ أخذ مهرباً.
وأمّا المنهج الصحيح، فهو اتّباع الظهور الجملي والمتبادر التصديقي، أي التدبّر في الآية صدرها وذيلها وما في معنى الآية من آيات أُخرى، والأخذ بما هو المحصّل.
ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الظهور لا يخالف حكم العقل قدر شعرة، ومن الظلم الواضح تسمية هذا النوع من التفسير بالتأويل.

صفحه 293
وإن كنت في ريب من هذا فلاحظ لفظ (الأسد) في قول القائل: رأيت أسداً يرمي.
فله بإفراده ظهور في الحيوان المفترس، وله في نفس الجملة ظهور في الرجل الشجاع. فحمله على المعنى الثاني ليس تأويلاً ولا حملاً على خلاف الظاهر.
وعلى ضوء ذلك فالآيات الّتي وردت فيها الصفات الخبرية لها هذا الشأن، فالنظر إلى مفرداتها مجرّدة من القرائن الحافة بالآية، يجرّنا إلى التشبيه والتجسيم، لكن النظر إليها في إطار الآية وما في معناها من آيات، يسوقنا إلى حيث لا تشبيه ولا تجسيم.
ولنأت بمثال توضيحيّ:
قال سبحانه: (وَ لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَ لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)(1)، فالغلّ والبسط بمفردهما ظاهران في قبض الجارحة وفتحها، لكن هذا الظهور الإفرادي ليس بمراد ; لأنّ الغرض من الآية هو الدعوة إلى الاقتصاد ونبذ الإسراف والتقتير، فبسط اليد كناية عن الإنفاق بلا قيد، كما أنّ جعل اليد مغلولة إلى العنق كناية عن البخل والتقتير، ولا يعد هذا التفسير تأويلاً للآية، ولو صحّ إطلاقه فإنّما هو حسب مفردات الآية لا بالنسبة إلى الجملة التامّة، بل هو معنى حقيقي للآية.
وعلى هذا المنهج تفسّر الآيات الّتي تتضمّن الصفات الخبرية، فمن اغترّ بمفردات الآيات تاه في متاهات التشبيه والتعطيل والتأويل، وأمّا من أخذ بالمعنى

1 . الإسراء: 29 .

صفحه 294
الجملي والمفاد التصديقي يرى أنّ الآية لا تمتّ بصلة إلى التشبيه (كما عليه أهل الظاهر)، ولا إلى التشبيه بلا تكييف (كما عليه الأشعري)، ولا إلى التفويض (كما عليه المعطّلة) ولا إلى التأويل، بل الآية فوق هذه المناهج بشرط أن تدخل «البيوت من أبوابها».
***

نموذج آخر

لقد عرفت أنّ الضابطة الصحيحة في تفسير القرآن الكريم هو اتّباع ظهوره التصديقي بلا تأويل وتصرّف، وأنّ السائرين على درب التشبيه والتجسيم، أو التفويض والتعطيل، أو التأويل والتصرّف في ظهور الآية، قد تنكّبوا عن الجادّة، ولو أنّهم قدّروا للقرآن ما قدّره الله سبحانه لما تورّطوا في هذه المسالك غير الصحيحة. وها نحن نذكر نموذجاً آخر لما ذكرناه آنفاً، من أنّ المتَّبع هو الظهور الجملي والمعنى التصديقي وأنّ الأخذ بذلك، لا يمتّ لهذه المسالك بصلة.
قال سبحانه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ )(1).
قد أصرّ المتشدّدون من أهل الحديث على تفسير الآية بحرفيّتها وقالوا بكلمة واحدة: إنّ المؤمنين يرون الله سبحانه بأعينهم وأبصارهم، غير أنّ أهل التنزيه بين مفوّض ومعطّل، أو مؤوّل يذهب إلى أنّ «ناظرة» هنا بمعنى منتظرة.
ولكن عامّة المسالك خاطئة ; لأنّ حجر الأساس لهذه المسالك هو الظهور الإفرادي، ولاشكّ أنّ كلمة «ناظرة» تعني ما عليه أهل الحديث من النظر إلى الله

1 . القيامة: 22 ـ 25 .

صفحه 295
بالأبصار، يقول الشيخ أبو الحسن الأشعري:
«إنّ النظر في الآية لا يمكن أن يكون نظر الانتظار، لأنّ الانتظار معه تنقيص وتكدير، وذلك لا يكون يوم القيامة، لأنّ الجنّة دار نعيم وليست دار ثواب أو عقاب، ولا يمكن أن يكون نظر الاعتبار، لأنّ الآخرة ليست دار الاعتبار بل دار ثواب أو عقاب، ولا يمكن أن يكون نظر القلب، لأنّ الله تعالى ذكر النظر مع الوجه، فاتّضح أنّه نظر العينين، وإذا بطلت هذه المعاني للنظر لم يبق إلاّ آلة واحدة وهي نظر الرؤية».(1)
يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على أنّ الآيات تحكي أحوال المؤمنين بعد دخول الجنّة والكافرين بعد الاقتحام في النّار، بل قوله سبحانه: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ)دليل على أنّهم يظنون ذلك قبل دخولهم النّار، فلا يكون مثل هذا الانتظار تكديراً وتنقيصاً. ثم إنّه سبحانه ينسب النظر إلى الوجوه لا إلى العيون، فلو كان المراد هو الرؤية لكان اللازم أن يقول: عيون يومئذ ناظرة، ثم إنّ أهل التنزيه فسّروا قوله «ناظرة» بالانتظار لا الرؤية، قائلين بأنّ هذه الكلمة إذا استعملت مع (إلى) تأتي بمعنى الانتظار. يقول الشاعر:
وجوه ناظرات يوم بدر *** إلى الرحمن يأتي بالفلاح
ونحن نقول: سواء أقلنا بأنّ النظر في الآية بمعنى نظر العين أم بمعنى الانتظار فإنّه لا صلة للآية بمسألة الرؤية، وذلك لأنّ النظر حسب الظهور الإفرادي والتصوّري وإن كان بمعنى نظر العين، لكنّه حسب الظهور الجملي والتصديقي له معنى آخر، وليس لنا إلاّ الأخذ بهذا الظهور ولا يوصف مثله بالتأويل، وذلك يُعلَم بالمقارنة كما يأتي:

1 . اللمع: 64 .

صفحه 296
إنّ الآية الثالثة تقابل الآية الأُولى، والرابعة تقابل الثانية، وعند المقابلة يُرفع إبهام الثانية بالرابعة، وإليك تنظيم الآيات حسب التقابل:
أ. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ)يقابلها قوله:(وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ )
ب. (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) يقابلها قوله: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ )
فبما أنّ المقابل للآية الثانية واضح المراد، وهو أنّ المجرمين آيسون من رحمة الله ويترقّبون العذاب الفاقر للظهر، فيكون قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)ضدّ هذا المعنى، وهو أنّ المتّقين راجون رحمة ربّهم.
وبعبارة أُخرى: معنى قوله: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) أنّ هذه الطائفة العاصية تتوقّع نزول عذاب يكسر فقارها ويقصم ظهرها، فيكون المراد ـ ممّا يقابله ويواجهه ـ عكس هذا المعنى وضدّه ، وهو أنّ الطائفة المؤمنة مستبشرة برحمته، متطلّعة إلى فضله وكرمه، فليست الرؤية إلى جماله وذاته، إذاً، مطمحاً للنظر وإلاّ لخرج المتقابلان عن التقابل .
وعلى هذا فنحن نسلّم أنّ النظر في الآية بمعناه اللغوي لكن نظر المؤمنين إلى الله يوم القيامة مثل «نظر» الفقير إلى الغنيّ، ونظر العائلة إلى يد الأب، والموظف إلى يد الرئيس، فالنظر في عامّة هذه الموارد استعمل في المعنى اللغوي أي المشاهدة، ولكن أُريد به رجاء رحمة وترقب نعمة، فليس هناك إلاّ رجاء الرحمة وانتظار الفرج، يقول الشاعر:
إنّي إليك لما وعدتَ لناظرٌ *** نظر الفقير إلى الغني الموسر
وبهذا تقدر على تفسير عامّة الصفات الخبريّة الواردة في القرآن الكريم، دون أن تدقّ باب أحد هذه المناهج.

صفحه 297
 
الشبهة السادسة
عقد ابن تيمية في كتاب الإيمان فصلاً في أنّه هل في القرآن مجاز أو لا؟ نقله جمال الدين القاسمي في تفسيره المسمّى «محاسن التأويل»، وجاء فيه أكثر ما تقدّم من الشُّبه وآخر ما استند إليه أنّه ردّ على أهل التنزيه القائلين بأنّ ألفاظ المكر والاستهزاء والسخرية المضافة إلى الله تعالى من باب المشاكلة، وقال في ردّه: وليس كذلك بل مسمّيات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلماً له وأمّا إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه، عقوبة بمثل فعله كان عدلاً، ثم سرد عدة آيات نسب فيها المكر والسخرية إلى الله، وقال: قال تعالى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَ أَكِيدُ كَيْدًا)(1) وقال: (وَ مَكَرُوا مَكْرًا وَ مَكَرْنَا مَكْرًا وَ هُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ)(2) وقال: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ)(3) فلهذا كان الاستهزاء بهم فعلاً يستحق هذا .(4)
يلاحظ عليه: أنّ الاستهزاء فعل الجاهلين، ولذلك لمّا أمر موسى الكليم (عليه السلام)بني إسرائيل في مسألة ذبح البقرة قائلاً: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) قال بنو إسرائيل: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) فأجابهم موسى (عليه السلام)بقوله: (أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)(5).

1 . الطارق: 15 ـ 16 .
2 . النمل: 50 ـ 51 .
3 . التوبة: 79 .
4 . محاسن التأويل (تفسير القاسمي): 1 / 241 ـ 242 .
5 . البقرة: 67 .

صفحه 298
فإذا كان الاستهزاء عمل الجاهلين، فهل تصح نسبته إلى الله أو إلى نبيه أو إلى سائر المؤمنين؟ وما قاله: (إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة كان عدلاً) غفلة عن واقع الاستهزاء، فإنّ عمل الجهلة لا يصبح عدلاً في حين، وظلماً في حين آخر، فإنّ الفحشاء ذميمة مطلقاً ابتداءً كانت أو انتهاء وعقوبة.
ثم إنّ المكر والحيلة فعل العاجز، فحيث لا يقدر على عقاب المخالف مباشرة، يلجأ إلى المكر والحيلة، والله سبحانه أرفع من أن يكون عاجزاً (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ )(1) والحقيقة أنّ مرجع هذه الشبهة هو إنكار التحسين والتقبيح العقليين، فصار هذا سبباً لتصحيح نسبة هذه الأُمور الذميمة إلى الله سبحانه على الحقيقة.
ولو كان الرجل من أهل الفصاحة والبلاغة وعارفاً بأساليب كلام البلغاء لما أنكر ما ذكره أهل التنزيه من أنّ الجميع من باب المشاكلة الّتي تعني ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته .
وها نحن نذكر بعض موارد المشاكلة في الذكر الحكيم، وفي خطب أمير البيان علي (عليه السلام)، وأشعار البلغاء.
أمّا في الأوّل، فنظير :
1. قوله سبحانه: (وَ جَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا )(2) .
فإنّ الثانية لكونها حقّة لا تكون سيئة، لكن وقوعها في صحبة الأُولى صحّ التعبير عنها بالسيئة.

1 . الأنعام: 91 .
2 . الشورى: 40 .

صفحه 299
2. قوله سبحانه: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )(1) ومن الواضح أنّ من يُقابل المعتدي بمثل فعله لا يكون معتدياً، ولكنّه عبّر عنه بذلك للمشاكلة.
3. قوله سبحانه: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ )(2) المراد: ولا أعلم ما عندك، فعبّر بالنفس للمشاكلة .
وأمّا في الثاني: فقوله (عليه السلام): «اجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ، وَاسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ مَا سَأَلَكُمْ»(3).
والمراد من قوله «سألكم» أي أمركم وفرضه عليكم، لأنّ السؤال وظيفة الأدنى من الأعلى، وشأن الأعلى من الأدنى هو الأمر والإلزام، لكنّه عبّر بلفظ السؤال لوقوعه في صحبة الأوّل.
وقال (عليه السلام): «وَايْمُ اللهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ ، لاَ تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الاْخِرَةِ»(4)، ومن الواضح أنّه لا سيف في الآخرة، وإنّما عبّر به للمشاكلة، والمراد النار وغضب الجبار.
وأمّا في الثالث: فقول الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نُجِدْ لك طبخه *** قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا
يحكي الشاعر عن أحبته وأعزته أنّهم اقترحوا عليه طبخ غذاء مرغوب لديه، وكان فقيراً لا يملك كسوة تقيه البرد، فأجابهم بأن لكم أن تطبخوا لي جبّة

1 . البقرة: 194.
2 . المائدة: 116 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 113 .
4 . نهج البلاغة: الخطبة 24 .

صفحه 300
وقميصاً، مكان أن يقول: أن تخيطوا لي جبّة وقميصاً، فذكر الخياطة بلفظ الطبخ لوقوعه في صحبته .
وقول الشاعر الآخر:
من مبلغ أفناء يعرب كلها *** أني بنيت الجار قبل المنزلِ
فبناء الجار إن جاز لوقوعه في صحبة بناء المنزل وهو متأخّر عنه .

الشبهة السابعة:

إنّ العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي نسبة الحاجة أو الضرورة أو العجز إلى الله تعالى، وهذا محال على الله.
وهذه الشبهة أثارها الشيخ سليمان بن صالح بن عبدالعزيز الغصن في رسالته: «موقف المتكلّمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنّة ـ عرضاً ونقداً» الّتي قدّمها إلى كلية أُصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام (1413 هـ)، ونال بها شهادة الدكتوراه بدرجة الشرف الأُولى .
أقول: هذا ليس أمراً جديداً، بل هي نفس الشبهة الأُولى باختلاف في الالفاظ، والإجابة عنها واضحة، فنقول:
إنّ العدول عن الحقيقة ليس دليلاً على الحاجة أو العجز، بل كلّ ذلك لغاية إفهام الناس وهدايتهم، فقد كتب سبحانه على نفسه أن يخاطب الناس عن طريق الوحي بلغتهم ويحاورهم بكلامهم وأساليبهم، قال سبحانه: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(1).

1 . إبراهيم: 4 .

صفحه 301

الشبهة الثامنة:

إنّ الله تعالى لو خاطب بالمجاز لصحّ وصفه بأنّه متجوّز، ومستعير، وهو خلاف الإجماع.
وجواب هذه الشبهة: أنّه لاملازمة بين كونه مستعملاً للمجاز وجواز وصفه سبحانه بأنّه متجوّز أو مستعير، لأنّ أسماء الله توقيفية، ويشهد لذلك أنّ أفعال العباد عند أهل السنّة مخلوقة لله سبحانه، ومع ذلك لا تصحّ تسميته سبحانه بكونه آكلاً، شارباً، ضارباً، قاتلاً .
ثم إنّه سبحانه يصف نفسه بقوله: (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)(1)، فهل تصحّ تسميته زارعاً، ودعوته في مقام الدعاء «يازارع»؟!.

الشبهة التاسعة:

إنّ المجاز لا يفهم معناه بلفظه دون قرينة، وربّما تخفى، فيقع الالتباس على المخاطب فلا يفهم مراد الله، وهذا يخالف حكمة الخطاب.
وجواب هذه الشبهة: أنّ من شرط استعمال المجاز احتفافه بالقرينة الواضحة، فاستعمال اللفظ مجازاً مع اختفاء القرينة يضادّ البلاغة، وهو لا يناسب كلام البلغاء، فكيف يقع ذلك في كلام الله تعالى؟
إلى هنا تمّ بيان الشبهات الّتي حاكها ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية ومن تبعهما من الظاهريين والقشريين الذين لا يهمهم إلاّ متابعة الظواهر من دون تعقّل ولا تفكير.
وقد عرفت ما هو الحق، ولأجل إكمال البحث نشير إلى بعض المجازات

1 . الواقعة: 64.

صفحه 302
النبوية لتكون أقوى شاهد على أنّ المجاز ليس كذباً ولا مبالغة خارجة عن الحدّ ولا شيئاً آخر .
المجازات في الأحاديث النبوية
قد عرفت نماذج من المجازات في الذكر الحكيم، وها نحن نذكر شيئاً ممّا ورد منها في كلام سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد قام السيد الشريف الرضي(رحمه الله)بجمع قسم منها في كتاب خاص أسماه «المجازات النبوية» وها نحن نقتبس من هذا الكتاب نماذج لتكون شاهداً على أنّ المجاز ليس كذباً ولا غلوّاً وإنّما هو إضفاء جمالية على الكلام، وإعطاءه روعة ورونقاً :
1. اليد العليا خير من اليد السفلى (1).
وهذا القول مجاز ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد باليد العليا يد المعطي وباليد السفلى يد المستعطي، ولم يرد على الحقيقة أنّ هناك عالياً وسافلاً وصاعداً ونازلاً، وإنّما أراد أنّ المعطي في الرتبة فوق الآخذ .
2. هذه مكّة قد رمتكم بأفلاذ كبدها (2) .
وهذه من أنصع العبارات وأرفع الاستعارات، وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك عند خروجه إلى بدر للقتال، وقد خرجت قريش من مكّة مجلبةً عليه ومحلبةً إليه، وكان المسلمون قد ظفروا ببعض فرّاطهم، فأتى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فسأله عمّن خرج في ذلك الجمع من علية قُريش، فقال: فلان وفلان، وعدد قادتهم وذادتهم(3)،

1 . صحيح البخاري: 2 / 234; صحيح مسلم برقم 133 .
2 . النهاية في غريب الحديث: 3 / 470، مادة «فلذ».
3 . الذادة جمع ذائد وهو الحامي الدافع. لسان العرب: 3 / 168، مادة «ذود».

صفحه 303
والوجوه والسادات منهم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك الحديث .
3. أنتم الشعار والناس الدثار. (1)
قاله (صلى الله عليه وآله وسلم)في كلام للأنصار، وهذا مجاز، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أراد إنّكم أقرب الناس منّي وأشدّهم اشتمالاً عليّ، فأنتم لي كالشعار وهو الثوب الّذي يلي بدن الإنسان، والناس كالدثار لأنّهم أبعد منّي، وأنتم بينهم وبيني.
4. الآن حمي الوطيس. (2)
قاله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك يوم حنين يوم رأى مجتلد القوم، فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ الآن حمي الوطيس وهو يعني حمس الحرب(3) وعظم الخطب ـ مجازٌ، لأنّ الوطيس في كلامهم حفيرة تحتفر، ويوقد فيها النار للاشتواء وتجمع على وُطس، ولا وطيس هناك على الحقيقة وإنّما المراد هو حرّ القراع وشدّة المصاع(4)، والتفاف الأبطال واختلاط الرجال.
5. الحمّى رائد الموت. (5)
قال (صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك تشبيهاً للحمّى برائد الحيّ الّذي يتقدّمهم فيرتاد لهم مساقط السحاب ومنابت الأعشاب فيكون ارتحالهم على خَبره، وإقامتهم إلى نَظره، ومنه الحديث: «الرائد لا يكذب أهله» فكأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)جعل الحمّى مقدّمة للموت، وطليعة للحتف.

1 . صحيح مسلم: برقم 1061 .
2 . صحيح مسلم: برقم 1775 .
3 . حمس الحرب أي اشتدت. النهاية لابن الأثير: 1 / 423، مادة «حمس».
4 . المصاع: المجالدة والمضاربة بالسيف. النهاية لابن الأثير: 4 / 337، مادة «مصع».
5 . سند الشهاب: 1 / 69 .

صفحه 304
6. المؤمن مرآة المؤمن. (1)
هذا القول مجاز واستعارة والمراد به أنّ المؤمن الناصحَ لأخيه المؤمن يبصّره مواقع رشده ويطلعه على خفايا عيبه، فيكون كالمرآة له ينظر فيها محاسنه فيستحسنها، ويزداد منها، ويرى مساوئه فيستقبحها وينصرف عنها.
7. الحياء نظام الإيمان. (2)
النظام كلّ خيط يسلك فيه لؤلؤ، وهذا الكلام استعارة، والمراد أنّ الحياء يجمع خلال الإيمان كما يجمع السلك فرائد النظام، لأنّ الإنسان الكثير الحياء، يُحجم عن مواقعة المعاصي ومطاوعة المغاوي، فإذا قلّ حياؤه تفرق جُمّاع إيمانه، فأشبه السلك في أنّه إذا انقطع تهافتت خرز نظامه.
8 . أوثق العُرى كلمة التقوى. (3)
وهذه استعارة ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)جعل التقوى كالعروة التي يُتعلّق بها وتنجي من المزالّ والمزالق، لأنّ المتّقي لله سبحانه يأمن من نقماته وينجو من سطواته، فيكون كالممسك بعروة الحبل المتين والمستند إلى النضد(4) الأمين.
9. الناس معادن. (5)
هذه استعارة ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)شبّه الناس بالمعادن التي تكون في قرارات الأرض، فلا يحكم على ظواهرها حتّى يستخرج دفائنها، فكذلك الناس لا يجب أن يحكم على مجاريهم ولا يقطع على بواديهم حتّى يُخبَروا ويُعرَفوا، فيخرج

1 . سنن الترمذي: برقم 1927 .
2 . صحيح البخاري: 1 / 69 (قريب من معناه) ; وسنن الترمذي: برقم 2010 .
3 . سنن الترمذي: برقم 3261 .
4 . الجبل.   5 . صحيح مسلم: برقم 2638 .

صفحه 305
البحثُ جواهرَهم ويمحّصُ الامتحانُ مخابرَهم.
10. من أتاكم وأمركم جُمعٌ يريد أن يشقّ عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه. (1)
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يُريد أن يشق عصاكم» استعارة، والمراد به تفريق أمرهم وتشتيت جمعهم، فشبّه ذلك بشقّ العصا، لأنّ عن شقّها يكون تشظيها وتطاير الصدوع فيها.
11. حُبُّك الشيء يعمي ويصمّ. (2)
وهذا مجاز ; لأن حبّ الشيء على الحقيقة لا يعمي ولا يُصمّ، وإنّما المراد أنّ الإنسان إذا أحبّ الشيء أغضى عن مواضع عيوبه كأنّه لا ينظرها، وأعرض عن الملاوم والمعاتب من أجله فكأنّه لا يسمعها، فصار من هذا الوجه كالأعمى لتغاضيه والأصمّ لتغابيه.
12. قيّدوا العلم بالكتاب. (3)
وهذه استعارة ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)جعل ضروب العلم بمنزلة الإبل الصعاب الّتي تشرد إنْ لم تُعقَل، وجعل الكتاب لها بمنزلة الأقياد المانعة والعقل اللازمة.
13. الصوم جُنّة والصدقة تطفئ الخطيئة. (4)
وهاتان استعارتان أحدهما قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصوم جُنّة»، والمراد أنّ الصائم الّذي يخلص في صومه ويستكمل آخر يومه يكون بالإخلاص في ذلك الصوم

1 . صحيح مسلم: برقم 1852 .
2 . مسند أحمد: 5 / 194 .
3 . المستدرك على الصحيحين: 1 / 206 .
4 . مسند أحمد: 5 / 231 .

صفحه 306
كأنّه قد لبس جُنّة من العقاب وأخذ أماناً من النار. والاستعارة الأُخرى في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «والصدقة تطفئ الخطيئة»، حيث جعل الخطيئة بمنزلة النار من حيث كانت مفضية إلى عذاب النار وجعل الصدقة مطفئة لها إذا كثرت فأثرت في سقوط عقابها.
14. العلم رائد، والعدل سائق، والنفس حَرون. (1)
وهذا الكلام مجاز وذلك أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)شبّه علم الإنسان بالرائد الّذي يتقدّم أمام الحي فيدلّهم على المنزل الوسيع والمرعى المريع، وشبّه العقل بالسائق لأنّه يحثّ الإنسان على سلوك النهج الأسلم، ويحمله على الذهاب في الطريق الأقوم، وشبّه النفس بالدّابة الحرون لأنّها تتقاعس عن مراشدها، وتلذع بسوط الأدب حتّى تسلك طرق مصالحها.
***
إلى هنا قدمنا لك ـ أيها القارئ الكريم ـ نماذج من أروع المجازات في كلام النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى تكون شاهداً على أنّ المجاز أمر ذائع ومطلوب ولولاه لما جنح إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ القرآن والسنّة كلاهما من وحي الله سبحانه غير أنّ القرآن وحي بلفظه ومعناه، والسنّة وحي بمعناه دون لفظه، فلو كان في المجاز شيء من الشَّين لما وجدت له أثراً في كلام سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ذكر السيد الرضي في كتابه «المجازات النبوية» 375 حديثاً نبوياً اشتمل على مجازات ناصعة، أضفتْ على كلامه روعة وجمالاً، وقد صدرنا فيما ذكرناه من المجازات في الحديث الشريف عن هذا الكتاب القيّم، (2) رحم الله مؤلّفه.

1 . بحار الأنوار: 74 / 174 .
2 . راجع المجازات النبوية: 35، 13، 41، 45، 57، 79، 105، 133، 134، 161، 175، 179، 189 و 204 .

صفحه 307
عود على بدء
أو
نقد رسالة الشيخ الشنقيطي
لمّا فرغت من تحرير ما سبق من الكلام ، وقفت على نص رسالة الشيخ الشنقيطي الّتي أسماها «منع جواز المجاز في المنزَل للتعبّد والإعجاز» والّتي طبعت في ذيل الجزء العاشر من كتابه «أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن» فرأيت أنّ الكاتب من المتحمّسين لفكرة المنع الّتي ورثها من ابن تيمية وتلميذه ابن قيّم الجوزية ومن لفّ لفّهما، وقد نقلنا شيئاً منها في المقال الماضي عن طريق كتاب «التأويل» لصديقنا الراحل العلاّمة محمد هادي معرفة «رضوان الله عليه» لكن رأيت فيها وجوهاً أُخرى للمنع فأحببت أن أُتابع الموضوع مجدّداً، وإن استلزم التكرار في بعض الموارد.
قال الشيخ: فإنّا لمّا رأينا جلّ أهل هذا الزمان يقولون بجواز المجاز في القرآن ولم يتنبّهوا إلى:
1. أنّ القول فيه ذريعة لنفي كثير من صفات الكمال والجلال .
2. أنّ هذا المُنزَل للتعبّد والإعجاز كلّه حقائق وليس مجازاً.
3. أنّ نفي ما ثبت في كتاب أو سنّة لاشكّ في أنّه محال.
وكيف يمكن أن يكون شيء منه غير حقيقة، وكلّ كلمة منه بغاية الكمال جديرة حقيقة، إنّه لقول فصل وما هو بالهزل، أخباره كلّها صدق وأحكامه كلّها عدل.

صفحه 308
والمقصود من هذه الرسالة نصيحة المسلمين وتحذيرهم من نفي صفات الكمال والجلال الّتي أثبتها الله لنفسه في كتابه العزيز بادّعاء أنّه مجاز وأنّ المجاز يجوز فيه لأنّ ذلك من أعظم وسائل التعطيل (1) .
***
أقول: الجدير بالباحث الموضوعي أن يدرس الآيات الّتي ادّعى أكثر أهل هذا الزمان وجود المجاز فيها، ثم يخرج بنتيجة خاصّة، من النفي والإثبات، ولكن الرجل تجاوز القاعدة فتبنّى العقيدة أوّلاً ـ ليس في القرآن مجاز ـ ثم درس الآيات في ضوء هذه العقيدة، ومن المعلوم أنّ دراستها على ضوء العقيدة الّتي تبنّاها من قبل، لا تنتج إلاّ النفي والردّ.
والشاهد على أنّه لم يبحث الموضوع متجرّداً عن عقيدته، أنّه نفى المجاز في القرآن لغاية حفظ تطرّق المجاز إلى الآيات الواردة حول الصفات الخبرية (لا صفات الكمال والجمال كما زعم) الّتي لو أُجريت على معانيها اللغوية، لاستلزم التجسيم والتشبيه والجهة والحركة، وإنْ كنت في شكّ من ذلك، فلاحظ الآيات التالية :
1. العين، كقوله سبحانه: (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي)(2).
2. اليمين، كقوله سبحانه: (وَالسّمواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِه).(3)
3. الاستواء، كقوله سبحانه: (الرَّحمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوى).(4)

1 . ملحق أضواء البيان: 10 / 237 .
2 . طه: 39 .
3 . الزمر: 67 .
4 . طه: 5 .

صفحه 309
4. النفس، كقوله سبحانه: (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ).(1)
5. الوجه، كقوله سبحانه: (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه).(2)
6. الجنب، كقوله سبحانه: (عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ)(3).
7. القرب، كقوله سبحانه: (فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدّاعِ)(4).
8. المجيء، كقوله سبحانه: (وَجاءَ رَبُّكَ).(5)
9. الإتيان، كما قال سبحانه: (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ)(6).
10. الغضب، كما في قوله: (وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِم)(7).
11. يد الله كما في قوله سبحانه: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ )(8).
12. يديّ كما في قوله سبحانه: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)(9).
إلى غير ذلك من الصفات الخبرية التي وردت في القرآن الكريم
وأخبر عنها الوحي، فللجميع ظواهر غير مستقرة لا تلائم الأُصول الواردة في محكمات الآيات، ولكن بالإمعان والدقة يصل الإنسان إلى مآلها ومرجعها وواقعها.

1 . المائدة: 116 .
2 . البقرة:115.
3 . الزمر:56.
4 . البقرة:186.
5 . الفجر:22.
6 . الأنعام:158.
7 . الفتح:6.
8 . المائدة: 64 .
9 . ص: 75 .

صفحه 310
إنّ الرجل ـ تبعاً لأُستاذ منهجه: ابن تيمية الحرّاني، وابن قيّم الجوزية ـ أصرّ على نفي المجاز في هذه الآيات ليتسنّى له إثبات هذه الصفات على الله سبحانه بنفس معانيها، فصارت العقيدة أساساً، لتفسير الذكر الحكيم، فهو مكان أن يعرض العقيدة عليه، فسّر القرآن وفق معتقده .
وأعجب من ذلك قوله ثانياً: «إن كلّ ما في القرآن حقائق وليس مجازاً». حيث زعم أنّ المراد من المجاز ضد الواقع الّذي يلازم الكذب، وغفل عن أنّ المقصود هو اتّخاذ اللفظ معبَراً وجسراً لتجاوز معنى إلى معنى آخر، والخروج من أمر واقعي إلى أمر واقعي آخر، ومن حقيقة إلى حقيقة أُخرى، وليس المعنى الثاني ضد الأوّل ولا هو معنى مكذوب، بل المتكلّم يتخذ اللفظ وسيلة للتعبير عن معنى آخر له كمال المناسبة مع المعنى الأوّل، وذلك بنصب قرينة واضحة .
ومنه يظهر الخلل في قوله ثالثاً: «لا يمكن أن يكون شيء منه غير حقيقة» وذلك لأنّ المعنى الثاني أيضاً حقيقة كالمعنى الأوّل، غير أنّه أفاد المقصود باللفظ الموضوع للمعنى الأوّل بمناسبة واضحة بين المعنيين، وعلى هذا فكلّ ما في القرآن أُمور واقعية، لكن ربّما يعبَّر عنها باللفظ الموضوع لها لغة، وربّما يعبَّر عنها بغير الموضوع له ويستعان في تفهيمه بالقرينة، وسيظهر لك تفصيل ما ذكرنا في البحوث الآتية .
وجه آخر:
ثم إنّه أضاف إلى الوجوه الثلاثة وجهاً آخر وقال: وأوضح دليل على منعه في القرآن، إجماع القائلين بالمجاز على أنّ كلّ مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر فنقول لمن قال: رأيت أسداً يرمي، ليس هو بأسد وإنّما هو

صفحه 311
رجل شجاع، فيلزم على القول بأنّ في القرآن مجازاً: أنّ في القرآن ما يجوز نفيه، ولا شكّ أنّه لا يجوز نفي شيء من القرآن .(1)
يلاحظ عليه: أنّ الكبرى أمر مسلَّم لا ريب فيه، فلا يجوز لمسلم مؤمن بأنّ القرآن كتاب سماوي نزل من الله على قلب سيد المرسلين أن ينفي شيئاً منه حتّى النُّقط، إنّما الكلام في الصغرى فإنّ الوارد فيه هو ما تعلّقت به الإرادة الجدّية والغرض الحتمي الّذي لأجله سيق الكلام وهو غير منفي، وإنّما المنفي هو ما تعلّقت به الإرادة الاستعمالية الّتي استخدمت لإفادة المعنى الثاني.
وبعبارة أُخرى: أنّ المتكلّم إذا قال: رأيت أسداً يرمي، فقد استعمل لفظة «أسد» في الحيوان المفترس، لكنّه تعلّقت الإرادة الجدّية بالمصداق الادّعائي منه ـ أعني: الرجل الشجاع ـ فقد أُريد المعنى الأوّل ليكون وسيلة لإفهام المعنى الثاني بالقرينة المفهمة، فنفي الحيوان المفترس المتجسّد في الأسد في الغابات لا يضرّ لأنّه ليس مقصوداً، وإنّما المقصود بالأصالة ـ أعني: الرجل الشجاع ـ فهو غير منفي، وعلى هذا :
فما هو المقصود بالأصالة ليس منفياً.
وما هو منفيٌّ فليس مقصوداً بالأصالة.
وبعبارة ثالثة: أنّ لكلّ جملة ظهوراً وهو حجّة عند العقلاء، وهذا ما لا يجوز نفيه لا في كلام الله ولا في كلام غيره، والجملة المذكورة ظاهرة في الرجل الشجاع لا في الحيوان المفترس. ولا يمكن نفي ما هو ظاهر فيه وما ذلك إلاّ لأنّ المتَّبع هو الظهور الجملي، لا الظهور الإفرادي، فللأسد، بمفرده ظهور فهو غير متّبع، ولا

1 . ملحق أضواء البيان: 1 / 240 .

صفحه 312
يحتج به ولا يضرّ نفيه، وله ظهور آخر في ضمن الجملة وهو المتّبع ولا يجوز نفيه.
والكاتب لم يميّز بين الظهور الإفرادي والظهور الجملي.
***
وجه خامس: أنّ الكاتب طرح سؤالاً عن جانب القائلين بالمجاز، ثم أفاض الكلام في ردّه مع أنّ السؤال ممّا لا يحتجّ به أحد من القائلين بالمجاز في القرآن .
قال: فإنْ قيل كلّ ما جاز في اللغة العربية جاز في القرآن، لأنّه بلسان عربي مبين. ثم أجاب بأنّ هذه كلمة لاتصدق إلاّ جزئية.
أقول: إنّ القائل بالمجاز في القرآن إنّما يحتج : بالآيات الدالّة على أنّ القرآن نزل بلسان عربي مبين، قال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبي مُبِين)(1) وممّا لا يشكّ فيه ذو مسكة أنّ المجاز من الوسائل البيانية في اللسان العربي، وعلى هذا فلا وجه لمنع جوازه، في القرآن، وأمّا ادّعاء أن كلّ ما جاز في اللغة العربية جاز في القرآن، فلم يعتمده أحد حتّى يردّ عليه.
وبذلك يُعلم أنّ ما أطنب به في ردّ كلية القاعدة، إطناب مملّ.

النزاع في اللفظ والتسمية

يظهر من بعض كلمات المؤلّف أنّه لا ينكر واقع المجاز في القرآن لكنّه يسمّيه بأنّه أُسلوب من أساليب اللغة، وإنّما يمنع تسمية الأُسلوب بالمجاز، وإن كنت في شكّ ممّا نقوله، فلاحظ كلامه:

1 . الشعراء: 193 ـ 195 .

صفحه 313
وكلّ ما يسمّيه القائلون بالمجاز مجازاً، فهو عند من يقول بنفي المجاز أُسلوب من أساليب اللغة العربية.
فمن أساليبها إطلاق الأسد مثلاً على الحيوان المفترس المعروف، وأنّه ينصرف إليه عند الإطلاق وعدم التقييد بما يدلّ على أنّ المراد غيره.
ومن أساليبها إطلاقه على الرجل الشجاع إذا اقترن بما يدلّ على ذلك. ولامانع من كون أحد الإطلاقين لا يحتاج إلى قيد، والثاني يحتاج إليه ; لأنّ بعض الأساليب يتّضح فيه المقصود فلا يحتاج إلى قيد، وبعضها لا يتعيّن المراد فيه إلاّ بقيد يدلّ عليه، وكلّ منهما حقيقة في محلّه. وقسّ على هذا جميع أنواع المجازات.(1)
ثم يقول: والّذي ندين الله به، ويلزم قبوله كلّ منصف محقّق، أنّه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقاً على كلا القولين .
نحن لا نعلّق عليه بشيء لوضوح أنّ النزاع ليس في التسمية، بل في المسمّى وواقع المجاز كما ترشد إليه الوجوه الّتي احتجّ بها، فعلى ما ذكر يكون النزاع في التسمية غير لائق للبحث والنقاش .

زلّة لا تستقال

ثمّ إنّ المؤلّف لمّا أحسّ اشتراك الكناية مع المجاز في أنّ المعنى الموضوع له غير مراد، بل المراد هو لازم المعنى في الكناية دون الملزوم، حاول أن يفرق بينهما فقال: الكناية هي اللفظ الّذي أُريد به لازم معناه، ولكن من تمام تعريفها جواز إرادة المعنى الأصلي، وبذلك تفارق المجاز كقول الشاعر :

1 . ملحق أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن : 10 / 239 .

صفحه 314
فما يك فيّ من عيب فإنّي *** جبان الكلب مهزول الفصيل
وقول الخنساء في صخر:
طويل النجاد عظيم الرما *** د ساد عشيرته أمردا
فإنّ جبان الكلب، ومهزول الفصيل، وعظيم الرماد كنايات عن الجود، وطويل النجاد كناية عن طول القامة، مع أنّه يجوز في كلّها قصد المعنى الأصلي، لأنّ الجواد مهزول الفصيل لنحره أُمّه وصرفه اللبن عنه في الحقوق (كذا والظاهر الضيوف).
وكذلك هو جبان الكلب لكثرة غشيان الضيوف بيته.
وكذلك هو كثير الرماد لكثرة وقود الحطب لقِرى الضيف، وطويل القامة طويل النجاد أيضاً، فلا مانع من قصد هذه المعاني الأصلية، وإن كان المراد الانتقال منها إلى لوازمها.(1)
أقول: ما ذكره زلة أدبية لا تستقال إذ لم يقل به أحد، لأنّ المقصود بالأصالة هو المعنى المكنّى عنها، بل ربّما يخرج الكلام عن المدح إلى الذم إذا أراد المعنى المكنّى به، فقوله: فلان كثير الرماد، إذا أُريد واقعاً كثرة الرماد في بيته، لعاد الكلام، ذماً وأنّ بيته مملوء بالنفايات.
بل ربّما لا يكون للمعنى المكنى به موضوع، فربّما لا يملك كلباً، ولا فصيلاً، ولا رماداً، ومع ذلك يصحّ التعبير عن سخائه بهذه التعبيرات.

1 . ملحق أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن : 10 / 245.

صفحه 315
 
نقضت غزلها أنكاثاً
لقد فسّر المؤلّف قسماً من الآيات عن طريق المجاز، ولكنّه وصفه بأنّه أُسلوب من أساليب العربية، يقول في تفسير قوله تعالى: (نَاصِيَة كَاذِبَة خَاطِئَة)(1):
أسند الكذب في هذه الآية الكريمة إلى ناصية هذا الكافر، وهي مقدّم شعر رأسه، مع أنّه أسنده في آيات كثيرة إلى غير الناصية كقوله: (إِنَّمَا يَفْتَري الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَ أُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)(2).
والجواب ظاهر، وهو أنّه هنا أطلق الناصية، وأراد صاحبها على عادة العرب في إطلاق البعض، وإرادة الكلّ، وهو كثير في كلام العرب، وفي القرآن، فمن أمثلته في القرآن هذه الآية الكريمة المتقدمة، وقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَب وَ تَبَّ)(3) يعني أبا لهب. وقوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)(4) يعني بما قدّمتم. ومن ذلك تسمية العرب، الرقيبَ عيناً .(5)
ترى أنّه تشبّث في رفع التعارض المتوهم، بين الآيات، باستعمال اللفظ الموضوع للبعض في الكلّ ووصفه بأنّه كثير في كلام العرب وفي القرآن. وليس هذا إلاّ المجاز المرسل.
وفي الختام: نعطف نظر القارئ الكريم إلى نكتة مرت في صدر المقال:

1 . العلق: 16.
2 . النحل: 105.
3 . المسد: 1.
4 . آل عمران: 182 .
5 . ملحق أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن : 10 / 227 .

صفحه 316
وهي أنّ نفاة المجاز في القرآن، من العرب الأقحاح الّذين يرتجلون خطباً وقصائد ملؤها المجاز والكناية، ومع ذلك تجدهم ينفون وجود المجاز في القرآن!! وما هذا إلاّ لأنّ الغاية من نفيه، هو إجراء الصفات الخبرية على الله سبحانه بنفس معانيها الّتي لا تنفك عن التجسيم والتشبيه والجهة. ولولا ذلك لما أصرّوا على نفي وقوعه في القرآن الكريم .
الحمد لله أوّلاً وآخراً
وظاهراً وباطناً
تمّ الكلام في المجاز في القرآن الكريم وبه تمت الرسالة
في يوم الجمعة الموافق 24 صفر المظفر
من شهور عام 1422هـ
جعفر السبحاني
قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 317

فهرس المصادر بعد القرآن

آلاء الرحمن للبلاغي
الاتقان في علوم القرآن للسيوطي
أجوبة المسائل المهنائية للمفيد
إحقاق الحقّ للتستري
الإرشاد للمفيد
أُسد الغابة للجزري
الاعتقادات للصدوق
الأمالي للمرتضى
أنوار الهداية للإمام الخميني
أوائل المقالات للمفيد
الإيضاح للفضل بن شاذان
بحار الأنوار للمجلسي
بحوث في الملل والنحل للسبحاني
البرهان للبحراني
البرهان في علوم القرآن للزركشي
البيان في تفسير القرآن للخوئي
تفسير ابن عربي
تفسير العياشي
تفسير المنار لمحمد رشيد رضا
التفسير والمفسرون للذهبي
تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي
التمهيد في علوم القرآن لمحمد هادي
معرفة
تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك
تهذيب الأسماء للنووي
تهذيب التهذيب لابن حجر
جامع الأُصول لابن الأثير
الجمع والتفصيل في أسرار معاني التنزيل لابن عربي
الدر المنثور للسيوطي
الذريعة إلى تصانيف الشيعة لآقا بزرگ الطهراني
رجال الكشي
رجال النجاشي
روح المعاني للآلوسي
سنن أبي داود
سنن الترمذي

صفحه 318
سنن النسائي
شرح الأُصول الخمسة: للقاضي عبد الجبار
شرح العقائد النسفية لسعد الدين التفتازاني
صحيح البخاري
صحيح مسلم
طبقات القراء للفرّاء
طبقات المفسّرين لشمس الدين الداوودي.
عيون أخبار الرضا للصدوق
فتح الباري بشرح البخاري لابن حجر
فهرست ابن النديم
فهرست الشيخ
الفرق بين الفرق للبغدادي
الكاشف لمحمد جواد مغنية
الكافي للكليني
الكشاف للزمخشري
كلّيات في علم الرجال للسبحاني
لسان العرب لابن منظور
مجمع البيان للطبرسي
مجمع الفائدة والبرهان للأردبيلي
مجموعة رسائل المفيد
معجم المفسّرين لعادل نويهض
مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار لمحمد بن عبدالكريم الشهرستاني
مفاهيم القرآن للسبحاني
المفردات للراغب الاصفهاني
المقاييس لابن فارس
مقدّمة ابن خلدون
مقدّمة جامع التفاسير، نشر دار الدعوة، مصر، للراغب
الملل والنحل للشهرستاني
مناهل العرفان للزرقاني
الموافقات للشاطبي
المواقف للإيجي
نظم الدرر وتناسق الآيات والسور لإبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي
نور الثقلين للحويزي
نهج البلاغة تحقيق صبحي صالح
الوسائل للحرّ العاملي

صفحه 319
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
   المقدّمة:   7
الفصل الأوّل
مباحث تمهيدية
1. التفسير وحاجة القرآن إليه   13
   الأسباب الملزمة لتفسير القرآن   17
   القرآن وآفاقه اللامتناهية   18
2. مؤهلات المفسِّر   21
   العلوم الّتي يتوقّف عليها التفسير   23
   شروط التفسير   26
      1. معرفة قواعد اللغة العربية   27
      2. معاني المفردات   28
      3. تفسير القرآن بالقرآن   30
      4. الحفاظ على سياق الآيات   31
      5. الرجوع إلى الأحاديث الصحيحة    37
      6. معرفة أسباب النزول   41
      7. الإحاطة بتاريخ صدر الإسلام   44
      8 . تمييز الآيات المكّية عن المدنية   46

صفحه 320
الموضوع    الصفحة
      9. الوقوف على الآراء المطروحة حول الآية   48
      10. الاجتناب عن التفسير بالرأي   48
3. القرآن قطعي الدلالة   52
   الصفات الخبرية و كون الظواهر قطعيّة   56
4. التفسير بالرأي   63
   تفسير ما لا يدرك علمه إلاّ ببيان الرسول   64
   إخضاع القرآن للعقيدة   65
   تفسير القرآن بغير الأُصول الصحيحة   66
   الاجتهاد في فهم القرآن غير التفسير بالرأي   71
الفصل الثاني
المناهج التفسيرية
المنهج التفسيري غير الاهتمام التفسيري   75
   أنواع المناهج التفسيرية   76
   المنهج الأوّل: التفسير بالعقل   77
   1. تفسير القرآن في ظل العقل الصريح   77
   2. التفسير في ظل المدارس الكلامية   92
      تأويلات المعتزلة   93
         1. الشفاعة حطّ الذنوب أو رفع الدرجة   93
         2. هل مرتكب الكبيرة يستحق المغفرة أو لا ؟   95
      تأويلات الأشاعرة   99
         1. جواز التكليف بما لا يطاق   99
         2. امتناع رؤية اللّه أو إمكانها   101
   3. التفسير على ضوء السنن الاجتماعية   104

صفحه 321
الموضوع    الصفحة
      الوصية للوالدين ليست منسوخة   105
      الصبر وأثره البنّاء   106
      انشقاق السماء عند اختلال نظامها   107
      موقف المنار من المعاجز والكرامات   109
   4. التفسير على ضوء العلم الحديث   116
   5. التفسير حسب تأويلات الباطنية   120
      التأويل عند الشهرستاني   124
   6. التفسير حسب تأويلات الصوفية   128
المنهج الثاني: التفسير بالنقل   141
   1. تفسير القرآن بالقرآن   143
   2. التفسير البياني للقرآن   150
   3. تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية   154
   4. تفسير القرآن بالمأثور عن النبي والأئمة (عليهم السلام)   158
خاتمة المطاف   163
1. المحكم والمتشابه في القرآن الكريم   165
   تقسيم الآيات إلى محكمات، ومتشابهات   166
   المحكمات أُمّ الكتاب   173
   العلم بتأويل المتشابه   173
2. التأويل في القرآن الكريم   177
   ما هو المتشابه وما هو تأويله   180
   التأويل في مقابل التنزيل   186
   نماذج من التأويل في مقابل التنزيل   187
3. القُرّاء السبعة و القراءات السبع   190

صفحه 322
الموضوع    الصفحة
   نظرية أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في القراءات السبع   193
   عوامل نشوء الاختلاف في القراءات   194
      1. بداءة الخط   196
      2. الخلو من النقط   197
      3. إسقاط الألفات   198
      4. تأثير اللهجة   198
4. صيانة القرآن من التحريف   200
   التحريف لغة واصطلاحاً   200
   1. امتناع تطرّق التحريف إلى القرآن   203
   2. شهادة القرآن على عدم تحريفه:   205
      آية الحفظ   205
      آية نفي الباطل   207
      آية الجمع   209
الروايات الدالّة على عدم التحريف   209
   1. أخبار العرض   209
   2. حديث الثقلين   211
   أهل البيت وصيانة القرآن   211
   الشيعة وصيانة القرآن   212
شبهات مثارة حول صيانة القرآن   216
   الشبهة الأُولى: وجود مصحف لعلي (عليه السلام)   216
   الشبهة الثانية: تشابه مصير الأُمّتين   220
   الشبهة الثالثة: عدم الانسجام بين الآيات والجمل   223
      1. آية الكرسي وتقديم السنة على النوم   223

صفحه 323
الموضوع    الصفحة
      2. آية الخوف عن إقامة القسط   224
      3. آية التطهير ومشكلة السياق   225
   الآيات غير المكتوبة   229
      1. آية الرجم   229
      2. آية الفراش   229
      3. آية الرغبة   230
      4. آية الجهاد   230
      5. آية الرضعات   230
   روايات التحريف في كتب الحديث   231
مع المحدّث النوري في كتابه «فصل الخطاب»   235
5. النسخ في القرآن الكريم   242
   في إمكان النسخ   244
   الفرق بين النسخ والبداء   247
   في أقسام النسخ   250
      1. نسخ الحكم دون التلاوة   250
      2. نسخ التلاوة دون الحكم   251
      3.نسخ الحكم والتلاوة   253
نزول القرآن على سبعة أحرف   257
   في تفسير معنى الأحرف   260
      1. الأحرف هي اللهجات المختلفة   260
      2. الأحرف هي القراءات السبع   262
      3. تبديل بعض الكلمات ببعض   262

صفحه 324
الموضوع    الصفحة
المجاز في القرآن الكريم   265
   ما هي الغاية المتوخّاة من المجاز؟   266
      1. التأكيد على الحسن والصباحة   267
      2. التأكيد على الشجاعة التامّة   267
      3. إثارة التعجّب   268
      4. رفع التعجّب   269
   سؤال وإجابة   269
   الكناية والتعريض في القرآن الكريم   273
   أدلّة النافين لوجود المجاز في القرآن   282
   الصفات الخبرية   287
   مناهج القوم في الصفات الخبرية   287
      1. المثبتون للصفات بمعانيها الحرفية   287
      2. المثبتون بلا كيف   288
      3. منهج التفويض   290
      4. منهج التأويل   291
      5. الأخذ بالظهور التصديقي دون التصوّري   292
   المجازات في الأحاديث النبوية   302
   عود على بدء أو نقد رسالة الشيخ الشقيطي   307
   النزاع في اللفظ والتسمية زلّة لا تستقال   314
   نقضت غزلها أنكاثاً   315
فهرس المصادر    317
فهرس المحتويات   319
Website Security Test