welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : )الاَسماء الثلاثة (الاِله، الربّ، والعبادة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

)الاَسماء الثلاثة (الاِله، الربّ، والعبادة

الاَسماء الثلاثة
الاِله، الربّ، والعبادة

رسالة موجزة
في تفسير الاَسماء الثلاثة الواردة في القرآن،
والّتي تدور عليها رحى البحث
عن التوحيد والشرك

تأليف

حضرت آيت الله جعفر سبحاني


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الاَوّل فلا شيء قبله، و الآخر فلا شيء بعده، الظاهر فلا شيء فوقه، والباطن فلا شيء دونه، و هو القائل عزّاسمه و علا سلطانه " هو الاَوّل والآخر والظاهر والباطن و هو بكلّشيء عليم")

والصّلاة و السّلام على أشرف خليقته، و خاتم رسله و أنبيائه محمّد أمين وحيه ورسالاته، وعلى آله الّذين هم موضع سرّه، و عيبة علمه، و موئل حِكَمه صلاة طيّبة ، لا يحصيها العادّون.

أمّا بعد: فانّاللّه سبحانه بعث رسوله الخاتم لاِنجاز عدته، و إتمام نبوّته، مأخوذاً على النبيّين ميثاقه، مشهورةً سماته، كريماً ميلاده، وأهل الاَرض يومئذ مِلل متفرّقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتّتة، بين مشبِّهٍ للّه بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشيرٍ إلى غيره، فهداهم من الضلالة ، وأنقذهم من الجهالة.(1)

بعثه سبحانه بمعجزته الخالدة، فيها هدىً و نور، وشفاء لما في الصدور، ولمتزل تشع نوراً و رحمة، و سيباً و عطاءً لمن أنس بها و درسها، و خالطت جسمه و روحه و قلبه و دمه.

إنّ القرآن المجيد هو المعجزة الباقية عبر القرون إلى يوم القيامة، مشتملة على معارف و حقائق لم تكن في زبر الاَوّلين، و لم تتجاوز عنها عباقرة المتأخرين،


(1) اقتباس من خطبة الاِمام أمير المؤمنين 7 ، رقم 1 .

(6)

يقف و بناءً على ذلك فمن قرأالقرآن و تدبّر، وتلا آياته و فكّر، أحسّ ـ عند ذاك ـ أنّه أمام بحر ليس له ساحل.

و إنّ من أبرز تعاليمه العالية ما أتى به حول التوحيد و الشرك، و التنزيه و التشبيه، و ربما يدور معظمها حول كلمات ثلاث، أعني: الاِله ، و الربّ، و العبادة.

و لمّا كان لها هذا الشأن العظيم ، فجدير بالمسلم الواعي أن يقف على معانيها، و يحلّلها حسب ما ورد في القرآن الكريم، ويزيل عنها الاَغشية التي أحاطت بها عبر تمادي القرون.

فلاَجل ذلك قمنا في هذه الرسالة، بدراسة هذه الكلمات الثلاث، في فصول أربعة مستنطقين الذكر الحكيم، والسنّة النبوية الكريمة، و كلمات علمائنا الاَبرار من السلف الصالح ،و الخلف السائر على ضوء نهجهم، راجين أن تكون نبراساً للمحقّقين و ذخراً ليوم لا ينفع فيه مال و لا بنون إلاّمن أتى اللّه بقلبسليم.


جعفر السبحاني

6|صفر|1417هـ.ق



(7)

الفصل الاَوّل

الاِله في اللغة و القرآن الكريم

قد ورد لفظ «إله» في القرآن الكريم بصوره المختلفة مفرداً و تثنية و جمعاً، مضافاً و غير مضاف 147 مرّة، كما أنّ لفظ الجلالة «اللّه» ورد فيه 980 مرة، و بما أنّ الثاني عَلَم، فهو لايثنّى و لايجمع و لايضاف، بل يستعمل مفرداً مطلقا.

وكثرة ورودهما في الكتاب العزيز تُعرِب عن دورهما في مجال المعارف الاِلهيّة ولعلّ الوقوف على مفهومهما مضافاً إلى لفظي الربّ و العبادةمفتاح لفهم جلّ المعارف القرآنيّة.

هل الاِلـه بمعنى المعبود؟

قد اشتهر في الاَلسن أن ّ الاِله من «اَلَه» بمعنى عَبَدَ، وأنّالاِله بمعنى المعبود، و هذا و إن كان مشهوراً لكن لا تصدقه وحدة المادّة ولا القرآن الكريم و إليك الكلام في المقامين.

الاِله في اللغة

أمّا الاَُول: فلاَنّاللفظين (اللّه و إله) مأخوذان من مادة واحدة فلابدّ أن يكونا بمعنى واحد غير أنّالاَوّل عَلَم دون الآخر، و لايتجاوز التفاوت بينهما هذا الحدّ، فلفظ الجلالة مأخوذ من «إله»، فحذفت منه الهمزة وحلّ مكانها اللام فصار«اللّه».


(8)

يقول الزمخشري: اللّه، أصله «الاه»، قال الشاعر:

معاذ الاِله أن تكون كظبية * ولا دمية ولا عقيلة ربرب(1)

ونظيره، الناس، أصله أُناس، فحذفت الهمزة وعوضت عنها حرف التعريف.

و لذلك قيل في النداء يا اللّه بالقطع، كما يقال يا إله، و الاِله من أسماء الاَجناس كرجل.(2)

و قال سيبويه في تفسير لفظ الجلالة: انّأصله «إلاه» على وزن فعال فحذفت الفاء التي هي الهمزة و جعلت الاَلف و اللام عوضاً لازماً عنها، بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة(3)الداخلة على لام التعريف في النداء في نحو قوله: يا اللّه اغفر لي، و لو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل كما لم تثبت في غير هذا(4)الاسم.

وقال الراغب في مفراداته: اللّه أصله إله فحذفت همزته و أُدخل عليه الاَلف واللام فخص بالباري و لتخصصه به قال تعالى: "هل تعلم له سمياً").(5)

و على هذا فلا نحتاج إلى تفسير «إله» إلى شيء وراء تصور أنّهذا اللفظ كليّ و ما وضع عليه لفظ الجلالة، و بما أنّهذا اللفظ (اللّه) من أوضح المفاهيم فلانحتاج في فهم اللفظ الموضوع للكلي من هذا الفرد إلى شيء آخر.

وعلى ذلك، فلا فرق بينَ لفظ الجلالة و لفظ «إله» سوى أنّ أحدَهما علم والآخر موضوع لمعنى كليّ، ومصداق لفظ الجلالة فرد منه، و إن لم يوجد لهذا


(1) استعاذ الشاعر باللّه من تشبيه حبيبه بالظبية أو الدمية، و الربرب هو السرب من الوحشي.

(2) الزمخشري: الكشاف1: 30 في تفسير البسملة.

(3) المقصود ثباتها عند دخول حرف النداء.

(4) الطبرسي: مجمع البيان1:19.

(5) الراغب: المفردات: 31، مادة اله.

(9)

الكلي فرد حقيقي سوى اللّه سبحانه.

نعم اخترعت الاَوهام لهذاالكليّ مصاديقَ خاطئة تصوروا أنّها من مصاديقه ولكنّها آلهة كاذبة ليست لها من الاَُلوهية سوى الاسم الذي أطلقوه عليها، يقول سبحانه: "إِنْهِيَإِلاّ أَسْماءٌ سمَّيتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباوَُكُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطان") (النجم|23).

فإذا كان المتبادرُ من لفظ الجلالة شيء غير المعبود، كواجب الوجود، أو الذات الجامعة لصفات الجمال والكمال او خالق السماوات والاَرض و مافيهنّ و مابينهنّ مدبّرها أو ما يقرب ممّا ذكر، فليكن المتبادر من «الاِله» هو ذلك غير أنّ أحدهما علم والآخر كلي.

و يوَيد وحدة مفهومها بالذات مضافاً إلى ما ذكرناه من وحدة المادة، أنّه ربما يستعمل لفظ الجلالة مكان الاِله بمعنى أنّه يستعمل في المعنى الكلي و الوصفي دون العلمي فيصح وضعه مكان الاِله كما في قوله سبحانه:

"وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمواتِ وَ فِي الاََرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ") (الاَنعام|3)، فالآية تهدف إلى أنّ إله السماء هو إله الاَرض و ليس هناك آلهة بحسب الاَنواع و الاَقوام، فالضمير (هو) مبتدء و لفظ الجلالة خبر والمعنى هو المتفرد بالاِلهيّة في السماوات فوزانها وزان قوله سبحانه:

"وَ هُوَ الّذي فِي السَّماءِ إلهٌ وَفِي الاََرْضِ إِلهٌ وَ هُوَ الْحَكيم العَليم") (الزخرف|84).

فانّ اللفظين في الآيتين بمعنى و احد، بمعنى أنّ لفظ الجلالة في الآية الاَُولى خرجَ عن العلمية و عاد إلى الكلّية والوصفية، ولذلك صح جعله مكانَ الاِله في الآية الاَُولى، و جيء بنفس لفظ الاِله في الآية الثانية.

و قريب من هاتين الآيتين الآية التالية إذ يقول سبحانه:


(10)

"وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيراً لَكُمْ إِنّما اللّهُ إِلهٌ واحِد سُبْحانَهُ أَنْيَكُونَلَهُوَلَد") (النساء|171).

ومن المعلوم أنّ لفظ الجلالة في الآية منسلخ عن معنى العلمية لوضوح أنّ مصداق العلم واحد لا كثير فلا وجه للتركيز على انّه واحد، فإذاً لايصحّ التركيز إلاّ بانسلاخ لفظ الجلالة عن معنى العلمية حتى يصحّ التأكيد على أنّ اللّه إله واحد.

نعم لقائل أن يقول: إنّ الاِله في الآية بمعنى المعبود، والهدف من التأكيد بالوحدانيّة، أنّه لا معبود سواه، فتكون النتيجة حصر المعبود الواحد فيه سبحانه.

و لكن التمعن في صدرها و ذيلها، لا يدعم ذلك الرأي و ذلك لانّها بصدد إثبات توحيد الذات و إبطال التثليث كما عليه النصرانية في عصر الرسول و ما بعده إلى يومنا هذا. فالمسيح عندهم جزء من العناصر الثلاثة التي تشكل إلهاً واحداً ويُشار إلى ذلك الواحد بلفظ الجلالة، ففي ذلك الموقف الخطير الذي يريد فيه النصراني نفي توحيد الذات وإثبات كثرتها يُناسب التركيز على وحدة الذات، وتوحيدها، لا وحدة المعبود التي لا تصل النوبة إليها إلاّ بعد الفراغ عن مسألة وحدة الذات وكثرتها قال سبحانه:

"يا أهْلَ الْكِتاب لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاّ الحَقَّ إِنَّما الْمَسيحُ عيسَى ابنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتهُأَلْقيها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيراً لَكُمْ إِنَّما اللّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّمواتِوَما فِي الاََرْض وَكَفى بِاللّهِ وَكيلاً") (النساء|171).

قد صيغت الآية و كأنّها سبيكة واحدة، لدحض مزعمة التثليث التي لاتتفق مع وحدانية الذات و لاَجل ذلك يقول بعد قوله: "إِنّما اللّه إله واحد") "سبحانه أن يكون له ولد") أي فهو موجود بسيط ، " لم يلد و لم يولد")، فكيف يكون له ولد، و هو في غنى عن الولد، وهو مالك لما في السماوات و الاَرض.


(11)

وكلّ عربي صميم إذا تجرد عن كلّ رأي مسبق و دعمِ أي مذهب، لا يتلقى من الآية، إلاّ ما ذكرنا و انّ المقصود أنّه لا مصداق للاِله الذي يعتقده الاِنسان بقضاء الفطرة إلاّ هو.

وهناك مجموعة من الآيات يمكن أن نستظهر منها ما قويناه و هو وحدة مفهوم اللفظين (اللّه ـ الاِله) و الاختلاف بينهما في الجزئية والكلية. قال سبحانه:

"هُوَ اللّهُالّذي لا إلهَ إِلاّ هُو عالِمُ الغَيبِ و الشَهادَةِ هوَ الرَحْمنُ الرَحيم*)

هُوَ اللّهُالّذي لا إلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُوَْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبـّارُالْمُتَكَبِّرُ سُبـْحانَاللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ*

هُوَ اللّهُ الْخالِقُالبارىَ المُصَوِّرُ لَهُ الاََسْـماءُالْحُسنى يُسَبِحُ لَهُ ما فِي السَّمواتِوَ الاََرض وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيم" (الحشر|23ـ24).

وأمّا كيفية الدلالة، فبيانها: انّمرجعَ الضمير في صدر الآيات هو الموجود الذي يعتقده الاِنسان بقضاء الفطرة و يتوجه إليه في الشدائد و المصائب و تعبِّر عنه كلّأُمة بلغتها ـ فعندئذٍ ، يكون مفاد الآية أنّ ذاك المعتقد العام (هو) ليس إلاّمن له هذه الاَوصاف.

"اللّهُ الّذي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِوَالشَّهادَةِ...") .

"اللّهُ الّذي لا إلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ...") .

"اللّهُ الْخالِقُالبارىَ المُصَوِّر...")(الحشر|22ـ24).

إلى غير ذلك من خصائص الاِله.

فلا مناص في تفسير الآيات عن القول بانسلاح لفظ الجلالة عن معنى العلمية، وترادفه مع لفظ الاِله حتى يقع وصفاً كسائر الاَوصاف.


(12)

مفهوم الاِله في القرآن

قد تعرفت على معنى الاِله في اللغة، و حان حينُ البحث في المقام الثاني و هو مفهومه في القرآن الكريم نقول:

إنّهنا آيات تدل بوضوح على أنّ الاِله ليس بمعنى المعبود، بل بمعنى المتصرف المدبر أو من بيده أزمّة الاَمور ، أو ما يقرب من ذلك على وجه يميّزه عن الموجودات الاِمكانيّة. و إليك بعض هذه الآيات:

"لَو كانَفِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسدَتا") (الاَنبياء |22).

فانّ البرهان على نفي تعدد الآلهة لا يتم إلاّإذا جعلنا «الاِله» في الآية بمعنى المتصرف، المدبر أو من بيده أزمّة الاَُمور أو ما يقرب من هذين. ولو جعلنا الاِله بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لبداهة تعدد المعبود في هذا العالم، مع عدم الفساد في النظام الكوني، و قد كانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحمة بالآلهة، و مركزاً لها و كان العالم منتظماً، غير فاسد.

و عندئذٍ يجب على من يجعل «الاِله» بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ «بالحق» أي لو كان فيهما معبودات ـ بالحق ـ لفسدتا، و لما كان المعبود بالحقّ مدبِّراً و متصرفاً لزم من تعدده فساد النظام و هذا كلّه تكلّف لامبرّر له.

"مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَمَعَهُ مِنْ إِلهٍ إذاً لَذَهَبَكُلُّإِلهٍ بِما خَلَقَوَلَعَلا بَعضُهُمْ عَلى بَعْضٍ") (الموَمنون|91).

ويتم هذا البرهان أيضاً إذا فسرنا الاِله بما ذكرنا من أنّه كلي ما يطلق عليه لفظ الجلالة. و إن شئت قلت: إنّه كناية عن الخالق، أو المدبّر، المتصرف، أو من يقوم بأفعاله و شوَونه. والمناسب في هذا المقام هو الخالق. و يلزم من تعدده ما رتب عليه في الآية من ذهاب كلّإله بما خلق و اعتلاء بعضهم على بعض.

و لو جعلناه بمعنى المعبود لا نتقض البرهان، لاَنّه لايلزم من تعدده أىي


(13)

اختلال في الكون. وأدلّ دليل على ذلك هو المشاهدة. فإنّفي العالم آلهة متعددة، و قد كان في أطراف الكعبة المشرفة ثلاثمائة و ستون إلهاً و لم يقع أيّفساد و اختلال في الكون.

فيلزم على من يفسر (الاِله) بالمعبود ارتكاب التكلّف بما ذكرناه في الآية المتقدمة.

"قُل لَوْ كانَمَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابتغَوْا إلى ذِي الْعَرْش سَبِيلاً") (الاِسراء|42).

فانّابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدد الخالق أو المدبّر المتصرف أو من بيده أزمّة أمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الاَُلوهية، و أمّا تعدد المعبود فلا يلزم ذلك إلاّ بالتكلّف الذي أشرنا إليه فيما سبق.

"إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَمِنْدُونِ اللّهِ حصبُ جهَنّمَ أنتُمْ لها وارِدُونَ* لَوْ كانَهوَلاءِ آلهةً ما وَردُوها") (الاَنبياء|98ـ 99).

والآية تستدل بورود الاَصنام و الاَوثان في النار على أنّها ليست آلهة إذ لو كانوا آلهة ما وردوا النار.

والاستدلال إنّما يتم لو فسرنا الآلهة بما أشرنا إليه فانّ خالق العالم أو مدبّره و المتصرف فيه أو من فوض إليه أفعال اللّه أجلّ من أن يُحكَم عليه بالنار و أن يكون حصبَ جهنّم.

وهذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود فلا يتم البرهان، إذ لا ملازمة بين كونها معبودات و عدم كونها حصبُ جهنم. ولو أمعنت في الآيات التي ورد فيها لفظ الاِله و الآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه.وإليك مورداً منها في قولهتعالى:

"فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتينَ") (الحج|34).


(14)

فلو فسر الاِله في الآية بالمعبود لزم الكذب، إذ المفروض تعدد المعبود في المجتمع البشري، و لاَجل دفع هذا ربما يقيد الاِله هنا بلفظ «الحقّ» أي المعبود الحقّ إله واحد. ولو فسرناه بالمعنى البسيط الذي له آثار في الكون من التدبير والتصرف، و إيصال النفع ، و دفع الضرّ على نحو الاستقلال لصحّ حصر الاِله ـ بهذا المعنى ـ في واحد بلا حاجة إلى تقدير كلمة بيانية محذوفة إذ من المعلوم أنّه لاإله في الحياة الاِنسانية و المجتمع البشري يتصف بهذه الصفات التي ذكرناها إلاّ اللّه سبحانه.

ولا نريد أن نقول: إنّلفظ «الاِله» بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الشفيع الغافر، إذ لا يتبادر من لفظ «الاِله» إلاّالمعنى البسيط.بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الذي وضع له لفظ الاِله. و معلوم أنّكونَ هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى البسيط، غيرُ كونها معنى موضوعاً له الّلفظ المذكور كما انّ كونه تعالى ذو سلطة على العالم كله أو سلطة مستقلة غير معتمدة على غيره، وصف نشير به إلى المعنى البسيط الذي نتلقاه من لفظ «اللّه»، لا أنّه نفس معناه.

إلى هنا ـ أيّـها القارىَ الكريم ـ قد وقفت على معنى الاِله، و الاَُلوهية، وانّه ليس الاِله بمعنى المعبود بل المراد منه نفس المراد من لفظة «اللّه» لا غير، إلاّ أنّ أحدهما علم، والآخر كلّـي.

نعم ربما يفسّر الاِله بمعنى المعبود و لكنّه تفسير باللازم فانّ من اتخذ أحداً إلهاً لنفسه فانّه يعبده قهراً و يفزع إليه عند الشدائد، و تسكن نفسه عند ذكره إلى غير ذلك من اللوازم والآثار للاِله و هذا لا يسوِّغ لنا أن نفسر الملزوم بكلّ لازم له.

إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية:

إنّاللفظين واحد مبدءاً و معنًى، و إنّالمفهوم من لفظ «إله» هو المفهوم من لفظ الجلالة ولا فرق بينهما سوى في الجزئية و الكلّية.


(15)

الفصل الثاني

الربّ في اللغة و الذكر الحكيم

قد ورد لفظ «الربّ» في الذكر الحكيم بصيغه المختلفة، مفرداً و جمعاً، مضافاً و غير مضاف 987مرّة، و لايقال الرّب لغير اللّه الاّ بالاِضافة.

ذكر أصحاب المعاجم للربّ معاني مختلفة قائلين بأنّ:

ربُّ كلّشيء: مالكُه و مستحقّه و صاحبه.

ربَّ الاَمر: أصلحه.

الربُّ: المالك، المصلح، السيد.(1)

وما يشابه هذه المعاني و يماثلها.

إنّالمفروض على كتب اللغة هو ضبط موارد استعمال الكلمة، سواء أكان المستعمل فيه هو الّذي وضعت له اللفظة أم لا، و لذلك جاءت المعاني المجازيّة في جنب المعاني اللغوية بحجة أنّالجميع مستعمل فيه، و هذا نقص واضح و مشهود في كتب اللغة و معاجمها.

وهناك نقص آخر و هو، أنّاللغوي ربما يعدّللكلمة معاني كثيرة على وجه يظنُّ القارىَ أنّها مشتركة وضعاً بين هذه المعاني، و لكنّه سرعان ما يرجع بعد التمعّن بأنّها صور مختلفة لمعنى واحد و ليس اللفظ موضوعاً إلاّ لمعنى جامع ، و


(1) ابن فارس: مقاييس اللغة2:381، الفيروز آبادي، قاموس اللغة، مادة رب، و المنجد كذلك.

(16)

من الصدف أنّ لفظة الرب تعاني من واجهت هذا المصير حتى أنّكاتباً كالمودوديّتصور أنّ لها خمسة معان في الاَصل و ذكر لكلّ معنى من المعاني الخمسة شواهد من القرآن الكريم ولكنّه خفي عليه أنّها ليست معاني مختلفة و إنّما هي صور موسعة لمعنى واحد و إليك هذه الموارد والمصاديق:

1ـ التربية، مثل ربّ الولد، ربّاه.

2ـ الاِصلاح والرعاية مثل ربَّالضيعة.

3ـ الحكومة والسياسة مثل فلان قد ربَّ قومَه أي ساسهم وجعلهم ينقادونله.

4ـ المالك كما جاء في الخبر عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أربُّ غنمٍ أم ربّإبل.

5ـ الصاحب مثل قوله: ربّ الدار أو كما يقول القرآن الكريم: "فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْت") (قريش|3).

لاريب أنّهذه المعاني قد أريدت من اللفظة في هذه الموارد و ما يشابهها و لكن جميعها يرجع إلى معنى واحد أصيل، وما هذه المعاني إلاّمصاديق و صور مختلفة لذلك المعنى الاَصيل وماهي سوى تطبيقات متنوعة لذلك المفهوم الحقيقي و هو، من فوض إليه أمر الشيء المربّى من حيث الاصلاح و التدبير و التربية.

فإذا قيل لصاحب المزرعة أنّه ربّها، فلاَجل أنّإصلاح أُمور المزرعة مرتبطة به و في قبضته.

وإذا أطلقنا على سائس القوم، صفة الربّ، فلاَنّ أُمور قومه مفوّضة إليه، فهو قائدهم، ومالك تدبيرهم و منظم شوَونهم.

وإذا أطلقنا على صاحبِ الدار و مالِكه اسمَ الربّ، فلاَنّه فوض إليه أمر تلك الدار و إدارتها و التصرّف فيها كما يشاء.

فعلى هذا يكون المربي و المصلح و الرئيس و المالك و الصاحب و ما


(17)

يشابهها مصاديق و صور لمعنى واحد أصيل يوجد في كلّ هذه المعاني المذكورة، و ينبغي أن لا نعتبرها معاني متمايزة و مختلفة للفظة الربّ بل المعنى الحقيقي و الاَصيل للفظ هو: من بيده أمر التدبير و الاِدارة و التصرّف، وهو مفهوم كلّي و متحقّق في جميع المصاديق والموارد الخمسة المذكورة ( أعني: التربية، و الاِصلاح، و الحاكمية و المالكية، و الصاحبية).

فإذا أطلق يوسف الصديق - عليه السلام - لفظ الربّ على عزيز مصر ، و قال:

"إنّه رَبّي أحسنَ مَثْوايَ") (يوسف|23).

فلاَجل أنّيوسف تربّىفي بيت عزيز مصر وكان العزيز متكفلاً لتربيته الظاهرية وقائماً بشوَونه.

و إذا وصف يوسف عزيزَ مصر بكونه ربّاً لصاحبه في السجن، و قال:

"أمّا أحَدُكُما فَيَسقي ربَّهُ خَمراً") (يوسف|41).

فلاَنّعزيز مصر كان سيّدَمصر و زعيمها و مدبّر أُمورها و متصرّفاً في شوَونها و مالكاً لزمامها.

وإذا وصف القرآن اليهود و النصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم أرباباً إذ يقول:

"اتَّخَذوا أحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ") (التوبة|31).

فلاَجل أنّهم أعطوهم زمام التشريع واعتبروهم أصحاب سلطة و قدرة فيما يختص باللّه.

وإذا وصف اللّه نفسه بأنّه «ربّالبيت» فلاَنّإليه أُمور هذا البيت مادّيها و معنويها، ولا حقّلاَحد في التصرّف فيه سواه.

وإذا وصف القرآن «اللّه»بأنّه:

"رَبُّ السَّمواتِ وَ الاََرْضِ") (الصافات|5).


(18)

وانّه :

"ربُّ الشِّعْرى") (النجم|49).

وما شابه ذلك، فلاَجل أنّه تعالى مدبّرها و المتصرف فيها و مصلح شوَونها والقائم عليها.

وبهذا البيان نكون قد كشفنا القناع عن المعنى الحقيقي للرب، الذي ورد في مواضع عديدة من الكتاب العزيز.

التوحيد في الربوبية غير التوحيد في الخالقية

إنّ الشائع بين الوهابيين تقسيم التوحيد إلى:

1ـ التوحيد في الربوبية.

2ـ التوحيد في الاَُلوهية.

قائلين بأنّ التوحيد في الربوبيّة بمعنى الاعتقاد بخالق واحد لهذا الكون كان موضع اتّفاق جميع مشركي عهد الرسالة.

وأمّا التوحيد في الاَُلوهية فهو التوحيد في العبادة الذي يُعنى منه أن لا يعبد سوى اللّه، و قد انصب جهد الرسول الكريم على هذا الاَمر.(1)

والحقّ أنّاتّفاق جميع مشركي عهد الرسالة في مسألة التوحيد الخالقي ليس موضع شك، و لكن تسمية التوحيد الخالقي بالتوحيد الربوبي خطأ و اشتباه.

وذلك لانّ معنى «الربوبية» ليس هو الخالقية كما توهم هذا الفريق، بل هو ـ كما أوضحنا و بينا سلفاً ـ ما يفيد التدبير و إدارة العالم، و تصريف شوَونه و لميكن هذا ـ كما نبيّن ـ موضع اتّفاق بين جميع المشركين و الوثنيين في عهد الرسالة


(1) محمّدبن عبدالوهّاب، تسع رسائل: الرسالة الثالثة|57ـ58.

(19)

كما ادعى هذا الفريق.(1)

نعم كان فريق من مثقفي الجاهليين يعتقدون بعدم وجود مدبّر سوى اللّه و لكن كانت تقابلهم جماعات كبيرة ممن يعتقدون بتعدد المدبر والتدبير، و هي قضية تستفاد من الآيات القرآنية مضافاً إلى المصادر التاريخيّة.

و هنا نلفت نظر الوهابيين الذين يسمّون التوحيد في الخالقية، بالتوحيد في الربوبية إلى الآيات التالية حتى يتضح لهم أنّالدعوة إلى التوحيد في الربوبية لا تعني الدعوة إلى التوحيد في الخالقية بل هي دعوة إلى «التوحيد في المدبّرية»والتصرف، و قد كان بين المشركين في ذلك العصر من كان يعاني انحرافاً من التوحيد الربوبي، و يعتقد بتعدد المدبِّر رغم كونه معتقداً بوحدة الخالق.

و لايمكن ـ أبداً ـ أن نفسر الربّفي هذه الآيات بالخالق والموجد. و إليك بعض هذه الآيات.

أ: "بَل ربُّكُمْ رَبُّ السَّمواتِ وَالاََرض الّذي فَطرهنّ") (الاَنبياء|56).

فلو كان المقصود من الربّهنا هو الخالق و الموجد، لكانت جملة "الّذي فطرهن") زائدة بدليل أنّنا لو وضعنا لفظة الخالق مكان الربّ في الآية للمسنا عدم الاحتياج ـ حينئذٍ ـ إلى الجملة المذكورة (أعني:" الذي فطرهن")).

بخلاف ما إذا فسّـر الربّ بالمدبّر و المتصرّف، ففي هذه الصورة تكون الجملة الاَخيرة مطلوبة، لاَنّها تكون ـ حينئذٍ ـ علّة للجملة الاَُولى، فتعني هكذا: إنّخالق الكون ، هو المتصرف فيه و هو المالك لتدبيره و القائم بإدارته، لاشخص آخر فلماذا فرقتم بين الخالق والربّو لماذا حصرتم الخالقية في اللّه سبحانه، و أعطيتم الربوبية لغيره.

ب: "يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبّكُمُ الّذي خَلَقَكُمْ") (البقرة|21).


(1) سيوافيك عقائد المشركين في ربوبيّة الآلهة في الفصل الآتي.

(20)

فانّ لفظة الربّ في هذه الآية ليست بمعنى «الخالق» و ذلك على غرار ما قلناه في الآية المتقدمة المشابهة لما نحن فيه، إذ لو كان الربّ بمعنى الخالق لما كان لذكر جملة "الّذي خلقكم") وجه، بخلاف ما إذا قلنا بأنّالربّ يعني المدبّر فتكون جملة: "الّذي خلقكم") علّة للتوحيد في الربوبية إذ يكون المعنى حينئذٍ هو: انّالّذي خلقكم، هو مدبّركم.

ج: "قُلْ أَغَيْرَاللّهِ أَبْغي رَبّاً وَ هُوَ رَبُّ كُلّ شَيْءٍ") (الاَنعام|164).

وهذه الآية حاكية عن أنّمشركي عصر الرسالة كانوا على خلاف مع الرسول الكريم - صلى الله عليه وآله وسلم - في مسألة الربوبية على نحو من الاَنحاء وانّالنبي الاَعظم كان مكلّفاً بأن يُفنّد رأيهم و يبطل عقيدتهم ولا يتخذ غير اللّه ربّاً على خلاف ما كانوا عليه. و من المحتّمأنّخلاف النبي مع المشركين لم يكن حول مسألة «التوحيد في الخالقية» بدليل أنّالآيات السابقة تشهد من غير إبهام بأنّهم كانوا يعترفون بأنّه لا خالق سوى اللّه تعالى، و لذلك فلا مناص من الاِذعان بأنّالخلاف المذكور كان في غير مسألة الخالقية، و ليس هو إلاّمسألة تدبير الكون، بعضه أو كلّه.

د: "أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَومَ القِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلينَ") (الاَعراف|172).

فقد أخذ اللّه في هذه الآية ـ من جميع البشر ـ الاِقرار بالتوحيد الربوبي و كانت علّة ذلك هي ما ذكره من أنّه سيحتج على عباده بهذا الميثاق يوم القيامة كما يقول:

"أوْ تَقُولُوا إنَّما أشركَ آباوَنا مِنْ قبلُ وَ كُنّا ذُريّةً من بعدِهمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَالْمُبْطِلُونَ") (الاَعراف|173).

إذا تبيّن هذا فنقول: إنّنزولَ هذه الآية في بيئة مشركة، دليل ـ و لا شكّ ـ على وجود فريق معتد به في تلك البيئة كانوا يخالفون هذا الميثاق، فإذا كانت


(21)

الربوبية بمعنى الخالقية استلزم ذلك أن يكون في تلك البيئة من يخالفون النبيّ في الخالقية، و لكن الفرض هو عدم وجود أيّ اختلاف في مسألة «توحيد الخالقية» في عصر الرسالة فلم يكن المشركون في ذلك العصر مخالفين في هذه المسألة ليُعتبروا مخالفين للميثاق المذكور، فلا محيص ـ حينئذٍ ـ من أنّالخلاف كان ـ آنذاك ـ في مسألة تدبير العالم و إدارة الكون.

و بهذا التقرير يكون معنى الربّ في الآية المبحوثة هنا هو المدبّر.

هـ: "أتقتلُونَ رجُلاً أنْ يقوَل ربِّي اللّهُ و قد جاءكُمْ بالبيِّنات منْ ربِّكُمْ") (غافر|28).

تتعلق هذه الآية بموَمن آل فرعون الّذي كان يدافع عن النبيّموسى عليه السَّلام وراء قناع النصيحة و الصداقة لآل فرعون ويسعى تحتَ ستار الموافقة لهم أن يدفع الخطر عن ذلك النبيّ العظيم.وأمّا دلالتها على كون الربّ بمعنى المدبّر فواضحة، لاَنّ فرعون ما كان يدّعي انّه خالق الاَرض و السماء ولا الشركة مع اللّه سبحانه فيخلق العالم و إيجاده، و هذه حقيقة يدلّ عليها تاريخ الفراعنة أيضاً. و في هذه الصورة يجب أن يكون المراد من دعوة النبيّموسى بقوله: ربّي اللّه، هو حصر «التدبير» في اللّه سبحانه لا مسألة الخلق. ولو كانت تتعلق بمسألة الخلق والاِيجاد لما كان بينه و بين فرعون أيّخلاف و نزاع، إذ المفروض أنّ فرعون كان يعترف بخالقية اللّه ـ كما أسلفنا ـ هذا مضافاً إلى أنّاللّه تعالى يقول في الآية السابقة لهذه الآية.

و : "ذَرُوني أقتلْ مُوسى و لْـيَدعُ ربَّهُ إنّي أخافُ أنْ يبدِّلَ دينَكُمْ") (غافر|26).

فانّ التوحيد في الخالقية لم يكن موضع خلاف لتكون دعوة موسى لبني إسرائيل سبباً لاَيّ تبدّل و تبديل.


(22)

و من هذا البيان يتضح المراد من قول فرعون:

"أنَا ربُّكُمُ الاَعلى") (النازعات|24).

ز: "فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّمواتِ وَالاََرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دونهِ إلهاً") (الكهف|14).

إنّالفتية الّذين فرّوا من ذلك الجوّ الخانق الذي أوجدته طواغيت ذلك الزمان، كانوا جماعة يسكنون في مجتمع يعتقد بأُلوهية غير اللّه، و لكن أُلوهية غير اللّه ـ في ذلك المجتمع ـ لم تكن بصورة تعدد الخالق، خاصة أنّواقعة أهل الكهف حدثت بعد ميلاد السيد المسيح حيث كانت عقول البشرية و أفكارها قد تقدمت في المسائل التوحيدية بشكل ملحوظ وحظت من الرقى بمقدار معتد به، و لم يكن يعقل ـ في ظلّهذا الرقي الفكري ـ وجودُمجتمعٍ منكرٍ لخالقية اللّه، أو مشرك فيها فلابدّ أن يقال إنّشركهم يرجع إلى أمر آخر و هو الاعتقاد بتعدد المدبر.

ح: إنّالبرهان الواضح على أنّمقام الربوبية هو مقام المدبرية و ليس الخالقيّة كما يتوهم، هو الآية المتكررة في سورة «الرحمن».

"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبان") .

فقد وردت هذه الآية في السورة المذكورة 31 مرة و جاءت لفظة «ربّ» جنباً إلى جنب مع لفظة « آلاء»التي تعني النعَم و غير خفي أنّ التذكير باسباغ النعم مرّة بعد أُخرى يناسب مقام التربية و التدبير فإرداف ذكرها، بذكر الربشاهد على أنّ اللفظ بمعنى المدبّر والمدير والمربّي والمصلح. لا الخالق والموجد.

و إن شئت قلت: إنّذكر النعم (التي هي من شعب التربية الاِلهية التي يُوليها سبحانه للبشر) يناسب موضوع التربية والتدبير الذي تندرج فيه إدامة النعم و إدامة الاِفاضة.


(23)

ط: لقد اقترنت مسألة الشكر مع لفظة الربّ في خمسة موارد في القرآن الكريم، و الشكر إنّما يكون في مقابل النعمة التي هي سبب بقاء الحياة الاِنسانية و دوامها وحفظها من الفناء وصيانتها من الفساد، و ليست حقيقة تدبير الاِنسان إلاّإدامة حياته وحفظها من الفساد والفناء.

و إليك هذه الموارد:

"وَ إِذْتَأَذَّن رَبّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاَََزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَديد") (إبراهيم|7).

"وَ قالَرَبِّ أَوزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الّتي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلىوالِدَيَّ") (النمل|19).

"قالَهذا مِنْ فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَني ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُوَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِِ") (النمل|40).

" قالَرَبّ أَوزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الّتي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلىوالِدَيَّ") (الاَحقاف|15).

"كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبةٌ وربٌّ غَفور ") (سبأ|15).

ي: و ممّا يدل على ما قلناه قوله سبحانه:

"فَقُلْتُ استغفِرُوا رَبَّكُمْ إنّهُ كانَغَفّاراً* يُرْسِلِ السّماءَعَلَيْكُمْ مِدراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْلَكُمْ أَنْهاراً") (نوح|10ـ12).

و مثله قوله سبحانه في سورة هود الآية 52.

يلاحظ القارىَ الكريم كيف جعلت إدارة الكون و تدبير شوَونه تفسيراً للرب: فهو الذي يرسل المطر،و هو الذي يُمْدد بالاَموال والبنين، و هو الّذي


(24)

يجعل الجنات، و هو الّذي يجعل الاَنهار، وكلّهذه الاَُمور جوانب و صور من التدبير .

إنّ الحوار الدائر بين النبي إبراهيم و طاغوت عصره نمرود يكشف القناع عن معنى الربّ و الربوبية فالآية التالية تتضمن مضمون الحوار و إليك نصّها قال سبحانه: "أَلَمْتَرَ إِلَى الّذي حاجَّ إِبْراهيمَ فِي رَبِّهِ أَنْآتاه اللّهُ الملك إِذْقالَ إِبْراهيم رَبّي الّذي يحي و َيُميت قالَ أَنَ أُحْيى و َ أُميت قالَإِبْراهيم فانّ اللّه يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرق فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الّذي كَفَرَوَ اللّهُ لا يَهْدِي القوم الظّالمين") (البقرة|258).

فكأنّ نمرود كان يدعى أنّه ربّ من يسوسهم بدليل انّإبراهيم إبتدأ كلامه بقوله: "ربّي الّذي يحيى و يميت") ومعناه لو كنت صادقاً في ادعاء الربوبية فعليك القيام بشوَون الربوبية كالاحياء و الاماتة و لما فوجىَ بهذا البرهان الدامغ المبطل لاِدعائه السخيف حاول أن يفسر كلام إبراهيم بشكل خاطىَ قال أنا أيضاً أملك الموت والحياة فأقتل من أشاء و أحقن دم من أُريد، فعندئذٍ عدل إبراهيم إلى حجّة أُخرى ليقطع الطريق عليه و لايكون في وسع نمرود أن يعارضها فقال: أنّ ربّي له سلطان على الشّمس في طلوعها و غروبها فلو صحّ انّك ربّ فقم بهذا العمل» فأنّ اللّه يأتي بالشّمس من المشرق فأت بها من المغرب» فلما سمع نمرود هذا الدليل القاطع و أيقن انّه ليس في وسعه المعارضة سكت و لم ينبس ببنت شفه يقول سبحانه "فَبُهِتَ الّذي كَفَرَ") .

لم يكن النزاع بين النبي إبراهيم و نمرود في خالقيته إذ لا يدعيها إلاّ المصاب بعقله بل في ربوبيته لمن كان يسوسهم فكان إبراهيم يدعي انّه لا ربّ إلاّ ربّ واحد و أنّ الكون بأجمعه مربوب للّه و لم يكن هناك أي تقسيم للربوبية و لكن نمرود كان يعتقد بربوبية نفسه و كانت حجّته أنّه ذا سلطة و ملك كمايحكى عنه قوله سبحانه: "إن آتاه اللّه الملك") فجعل ذلك دليلاً على ربوبيّته لمن كانوا


(25)

يعيشون في ملكه و زعم انّأمرهم وحياتهم و مماتهم و كلّتشريع يرجع إليه وبيده.

فالحوار بمضمونه يفسر لنا معنى الربّوالربوبية و هو المتصرف المالك لشوَون المربوب في آجله فإذا كان الاحياء والاماتة وا لسلطة على طلوع الشمس من آثار الربوبية فهي غير الخالقية. و بالتالي يرجع معناها إلى كون الرب مالكاً لحياته و موته ، و لاصلاحه و افساده.

نتيجة هذا البحث:

من هذا البحث الموسع يمكن أن نستنتج أمرين:

1ـ إنّربوبية اللّه عبارة عن مدبريته تعالى للعالم و ليس معناها خالقيته.

2ـ دلّت الآيات المذكورة في هذا البحث على أنّمسألة «التوحيد في التدبير» لم تكن موضع اتّفاق بخلاف مسألة «التوحيد في الخالقية» و أنّه كان ثمة فريق يعتقد بمدبرية غير اللّه للكون كلّه أو بعضه، و كانوا يخضعون أمامه باعتقاد أنّهربّ.

و بما أنّالربوبية في التشريع غير الربوبية في التكوين فيمكن أن يكون بعض الفرق موحِّداً في الثاني ومشركاً في القسم الاَوّل، فاليهود و النصارى تورطوا في «الشرك الربوبي» التشريعي لاَنّهم أعطوا زمام التقنين والتشريع إلى الاَحبار و الرهبان و جعلوهم أرباباً من هذه الجهة، فكأنّه فُوِّض أمر التشريع إليهم !!!، و من المعلوم أنّالتقنين والتشريع من أفعاله سبحانه خاصة.

فها هو القرآن يقول عنهم:

"اتَّخَذوا أحبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ") (التوبة|31).

"وَ لا يَتَّخِذْبَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ") (آل عمران|64).

في حين أنّالشرك في الربوبية لدى فريق آخر ما كان ينحصر بهذه الدائرة


(26)

بل يتمثل في إسناد تدبير بعض جوانب الكون، و شوَون العالم إلى الملائكة و الجنّ والاَرواح المقدسة، أو الاَجرام السماوية، وإن لم نعثر ـ إلى الآن ـ على من يعزي تدبير «كل» جوانب الكون إلى غير اللّه، و لكن مسألة الشرك في الربوبية تمثلت في الاَغلبشبه تدبير «بعض» الاَُمور الكونية إلى بعض خيار العباد وبعض المخلوقات.

خاتمة المطاف

إذا تعرّفت على مفهوم «الاِله» و «الرب» فاعلم إنّللتوحيد مراتب قد بيّنها علماء الاِسلام في كتبهم العقائدية و برهنوا عليها من الكتاب والسنة والعقل الصريح، و بما أنّبحثنا في الاَمر الثالث مركّز على التوحيد في العبادة والشرك فيها، نذكر مراتب التوحيد بايجاز ، ثمّنتكلم عن القسم الاَخير بالتفصيل، و في فصل خاص. فنقول: للتوحيد مراتبَ عديدة وهي:

الاَُولى: التوحيد في الذات

والمراد منه أنّه سبحانه واحد لا نظير له، فرد لا مثيل له، و يدلّ عليه مضافاً إلى البراهين العقلية قوله سبحانه:"لَيْسَكَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصير") (الشورى|11).

وقوله سبحانه: "قُلْهُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ*وَلَمْ يُولَد* وَ لَمْ يَكُنْلَه كُفواً أَحَد") (الاخلاص|1ـ4).

وقوله سبحانه:"هُوَ اللّهُ الواحِدُ القَهّارُ") ( الزمر|4).

وقوله سبحانه:"وَهُوَ الواحِدُ القَهّارُ")(الرعد|16).

إلى غيرها من الآيات الدالة على أنّه واحد لا نظير له، و لا مثيل ولا ثانٍ له و لا عديل.


(27)

وأمّا البراهين العقلية في هذا المجال و إبطال (الثنوية) و (التثليث) فموكول إلى الكتب المدونة في هذا المضمار.

إنّهناك معنى آخر للتوحيد في الذات وهو انّه سبحانه بسيط لا جزء له، فرد ليس بمركب من أجزاء، و لعلّقوله سبحانه: «في سورة الاِخلاص» "قُلْهُوَ اللّهُ أَحَد") يعني هذا القسم من التوحيد كما أنّ الآية الاَخيرة أعني قوله: "وَ لَمْ يَكُنْلَه كُفواً أَحَد") تهدف إلى معنى التوحيد في الذات بالمعنى الاَوّل، وبهذا يندفع إشكال التكرار فيها.

***

الثانية: التوحيد في الخالقية

والمراد منه أنّه ليس في صفحة الوجود خالق غير اللّه، ولا فاعل سواه، و أنّكلّ ما يوجد في صفحة الوجود من فواعل و أسباب فإنّما هي غير مستقلات في التأثيرات و إنّما توَثر بإذنه سبحانه وأمره، فجميع الاَسباب والمسببات مخلوقة للّه بمعنى أنّها تنتهي إليه.

و يدل على التوحيد بهذا المعنى "قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ القَهّار ") (الرعد|16).

و قوله سبحانه: "اللّهُ خالِقُ كُلّ شَيٍءٍ وَهُوَ عَلى كلِّ شيّءٍ وَكيل") (الزمر|62).

وقوله سبحانه: "ذلِكُمُ اللّهُ ربّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلهَ إِلاّ هُوَ") (الموَمن|62) .(1)


(1) ولاحظ في هذا الموضوع سور الاَنعام 101و 102 ، الحشر|14، فاطر |3، و الاَعراف|54.

(28)

الثالثة: التوحيد في الربوبية و التدبير

والمراد منه أنّ للكون مدبّراً و متصرفاً واحداً لا يشاركه في التدبير شيء فهو سبحانه المدبّر للعالم، و أنّتدبير الملائكة وسائر الاَسباب إنّما هو بأمره سبحانه، و هذا على خلاف ما ذهب إليه أكثر المشركين حيث كانوا يعتقدون بأنّ ما يرتبط باللّه سبحانه و تعالى هو الخلق والاِيجاد و الاِبداع و أمّا تدبير الاَنواع و الكائنات الاَرضية فقد فوّض إلى الاَجرام السماوية والملائكة والجنّ و سائر الموجودات الروحية وغير ذلك ممّا تحكي عنه الاَصنام المعبودة، و ليس للّه سبحانه أيّ مدخلية في أمر تدبير الكون و إرادته و تصريف شوَونه.

إنّ القرآن الكريم ينص ـ بمنتهى الصراحة ـ على أنّاللّه هو المدبر للعالم و ينفي أيّتدبير لغيره و إذا كان هناك مدبر سواه فإنّما هو جندي من جنوده، مأمور بالعمل بأمر منه سبحانه:

"إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُالّذي خَلَق السَّمواتِ وَالاََرض في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى علَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُالاََمْر ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللّهُرَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُأَفَلا تَذَكَّرون") (يونس|3).

وقال سبحانه: "اللّهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِعَمَدٍ تَرَونَها ثُمَّ استوىعلَى العَرشِ وَسَخَّرَ الشَّمسَ وَالقَمَرَكُلٌّ يَجْري لاَجلٍ مُسمًّى يُدبِّرُ الاَمرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعلّكُمْ بِلِقاءِ ربّكُمْ تُوقِنونَ") (الرعد|2).

فإذا كان هو المدبّر وحده فيكون معنى قوله سبحانه: "فالمدبّرات أمْراً") (النازعات|5) و قوله سبحانه: "وَ هُوَ القاهِرُفَوقَعِبادِهِ وَ يُرسِلُعَلَيْكُمْ حَفَظةً") (الاَنعام|61)، إنّهوَلاء مدبرات بأمره، و حفظة للاِنسان و إرادته فلا ينافي ذلك انحصار التدبير باللّه.