welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : العبادة حدّها ومفهومها*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

العبادة حدّها ومفهومها

العبادة
حدّها ومفهومها

تأليف: آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

مقدّمة المؤلف:

بسم الله الرحمن الرحيم

في ظلال التوحيد ونبذ الشرك

التوحيد ونبذ الشرك من أهمّ المسائل الاِعتقاديّة التي تصدّرت المفاهيمَ والتعاليمَ السماويّة، ويُعدُّ أساساً للمعارف العليا التي جاء بها سفراؤه سبحانه وأنبياؤه.

إنّ للتوحيد مراتب متعدّدة النظير:

أ: التوحيد في الذات: إنّه واحد لا ثاني ولا نظير له.

ب: التوحيد في الخالقية: إنّه لا خالق للكون إلاّ الله سبحانه.

ج: التوحيد في الربوبيّة: إنّه لا مدبّر للعالم سواه.

د: التوحيد في العبادة: إنّه لا معبود إلاّ هو.

إلى غير ذلك من مراتب التوحيد المطروحة في كتب العقائد.

وقد أولى الذكر الحكيم مزيداً من الاهتمام بالمرتبة الرابعة، أعني: التوحيد في العبادة، ولذلك نجد المسلمين يشهدون خلال صلواتهم اليوميّة بالتوحيد في العبادة، حيث يتلون قوله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) وبالتالي أصبح التوحيد في العبادة شعاراً للمسلمين، ولا يدخل أحد حظيرة الاِسلام إلاّ بالاعتقاد به، وتطبيق العمل على وفقه، فمن رفضه اعتقاداً أو خالفه عملاً فهو مشرك وليس بمسلم.

إنّه سبحانه يركّز على أنّ الهدف من وراء بعث الاَنبياء هو دعوة الناس إلى التوحيد في العبادة، ونبذ عبادة الطاغوت، يقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ


(3)

رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت َ )(1).

إنّه سبحانه جعل التوحيد في العبادة أصلاً مشتركاً بين الشرائع السماويّة التي أنزلها على المصطفين من عباده، وأمر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء بينه وبينهم ألا وهي التوحيد في العبادة، وقال:( قُلْ يا أهلَ الكتابِ تَعالو إلى كلمةٍ سواءٍ بينَنا وبيْنَكُم ألاّ نَعْبُدَ إلاّ اللهَ وَلا نشرِكْ بِهِ شَيئاً ولا يَتَّخِذُ بَعْضُنا بَعْضاً أرباباً مِنْ دونِ اللهِ فإنْ تَوَلّوا فَقُولُو اشْهَدوا بِأنّا مُسلِمون )(2).

إنّ الحدّ الفاصل بين الموحد والمشرك هو أنّ الموحّد يستبشر بذكر الله سبحانه خلافاً للمشرك الذي يستبشر بذكر غيره.

قال سبحانه: (وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَْخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ )(3).

نعم هذا هو حال المشرك فهو يستكبر عن عبادته سبحانه، كما يقول تعالى: (إنّهم كانوا إذا قيلَ لهُمْ لا إلهَ إلاّ الله يَسْتَكْبِرون )(4).

فعلى ضوء ذلك فلا اختلاف بين المسلمين في التوحيد في العبادة، وهو أصل اتّفقت عليه كافّة مذاهبهم، غير أنّ هناك موضوعات ربّما يتصوّر أنّها من مقولة العبادة لغيره سبحانه أو من مصاديق البدعة، فهذا وذاك دعانا إلى طرح الموضوعات التالية على طاولة البحث.

1 ـ العبادة حدّها ومفهومها.

2 ـ البدعة وآثارها الموبقة.


(1) النحل: 36.
(2) آل عمران: 64.
(3) الزمر: 45.
(4) الصافات: 35.

(4)

3 ـ الزيارة في الكتاب والسنّة.

4 ـ صيانة الآثار الاِسلامية.

5 ـ الحياة البرزخيّة.

6 ـ الشفاعة في الكتاب والسنّة.

7 ـ التوسّل مفهومه وأقسامه وحكمه.

وفي الختام، أودّ أن أشير إلى نكتة جديرة بالاهتمام وهي أنّ الفهم الخاطىَ للمسائل المطروحة بات مانعاً أمام وحدة المسلمين، ورصّ صفوفهم، وتوحيد كلمتهم، التي هي أمنية كلّ المصلحين الذين يحملون هموم الاَمّة.

وانطلاقاً من ذلك، فقد آثرنا دراستها على ضوء الكتاب والسنّة بعبارات واضحة لا لُبس فيها يفهمها الجميع، وبلغة هادئة من دون أن تُثير حفيظة الآخرين، وأظنّ أنّ القارىَ الكريم يشاطرني الرأي في ذلك شريطة أن يتجرّد عن كلّ رأي مسبق، وأن يُنشد الحقيقة التي هي أولى بالاتباع.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الاِمام الصادق _ عليه السلام _

24 صفر المظفّر من شهور عام 1412هـ. ق.



(5)

(6)

العبـادة
حدّها ومفهومها


(7)


(8)

تمهيد

العبادة من الموضوعات التي تطرّق إليها الذكر الحكيم كثيراً. وقد حثَّ عليها في أكثر من سورةٍ وآية وخصَّها بالله سبحانه وقال:( وقَضى ربُّكَ ألاّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ وبِالوالِدَينِ إحساناً )(1)ونهى عن عبادة غيره من الاَنداد المزعومة والطواغيت والشياطين، وجعلها الاَصل الاَصيل بين الشرائع السماوية وقال:( يا أهلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمةٍ سَواءٍ بَينَنا وبَينَكمْ ألاّ نَعْبدَ إلاّ إيّاهُ ولا نُشرِكَ بهِ شَيئاً ولا يَتَّخذَ بَعضُنا بَعضاً أرباباً مِنْ دُونِ اللهِ )(2)كما جعلها الرسالة المشتركة بين الرسل فقال سبحانه: (ولَقدْ بَعثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولاً أنِ اعبدُوا اللهَ واجْتنِبوا الطّاغوتَ فمِنهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ ومِنهمْ مَنْ حَقَّتْ عَليهِ الضَّلالةُ )(3).

فإذا كان لهذا الموضوع تلك العناية الكبيرة فجدير بالباحث المسلم أن يتناولها بالبحث والتحقيق العلمي، حتى يتميّز هذا الموضوع عن غيره تميّزاً منطقياً.

والذي يُضفي على الدراسة أهمية أكثر، هو أنّ التوحيد في العبادة أحد مراتب التوحيد التي لا محيص للمسلم من تعلّمه، ثم عقد القلب عليه، والتحرّر عن أيّ لون من ألوان الشرك. فلا تُنال تلك الاَُمنيةُ في مجالي العقيدة والعمل إلاّ بمعرفة الموضوع معرفة صحيحة، مدعمة بالدليل حتّى لا يقع في مغبَّة الشرك، وعبادة غيره سبحانه.

ورغم المكانة الرفيعة للموضوع لم نعثر على بحث جامع حول مفهوم العبادة يتكفّل بيان مفهومها، وحدّها الذي يُفصله عن التكريم والتعظيم أو الخضوع والتذلّل، وكأنَّ السلف (رضوان الله عليهم) تلقّوها مفهوماً واضحاً، واكتفوا فيها بما


(1) الاِسراء: 23.
(2) آل عمران: 64.
(3) النحل: 36.

(9)

توحي إليهم فطرتُهم.

ولو صحّ ذلك فإنّما يصحّ في الاَزمنة السالفة، دون اليوم الذي استفحل عند بعض الناسِ أمر ادّعاء الشرك في العبادة، فيما درج عليه المسلمون منذ قرون إلى أن ينتهي إلى عصر التابعين والصحابة فأصبح ـ بادّعائهم ـ كلّ تعظيم وتكريم للنبيّ، عبادة له، وكلّ خضوع أمام الرسول شركاً، فلا يلتفت الزائر يميناً وشمالاً في المسجد الحرام والمسجد النبوي إلاّ وتوقر سمعه كلمةُ «هذا شرك يا حاج» وكأنّه ليس لديهم إلاّ تلك اللفظة، أو لا يستطيعون تكريم ضيوف الرحمن إلاّ بذلك.

فاللازم علىهؤلاء ـ الذينيعدّون مظاهرالحبّوالودّ،والتكريموالتعظيم شركاً وعبادةـ وضع حدٍّ منطقيّ للعبادة، يُميَّزبها، مصاديقُهاعنغيرهاحتىيتّخذه الوافدون من أقاصي العالم وأدانيه، ضابطة كلّية في المشاهد والمواقف، ولكنـوللاَسف ـ لاتجد بحثاً حول مفهوم العبادة وتبيينها في كتبهم ونشرياتهم ودورياتهم.

فلاَجل ذلك قمنا في هذا الفصل، بمعالجة هذا الموضوع، بشرح مفهومها لغة وقرآناً، حيث بيّنّا أنّ حقيقة الشرك في تعاليم الاَنبياء أخصّ ممّا ورد في المعاجم وكتب اللّغة.


(10)

تخصيص سبحانه

إنّ المسلم في شرق الاَرض وغربها، يخصّ العبادة والاستعانة بالله سبحانه في كلّ يوم في صلواته الخمس فيقول: ( إيّاكَ نَعبُدُ وإيّاكَ نَستَعِينُ )(1)ولا خلاف بين المسلمين في هذه الضابطة الكلّية، أي أنّ العبادة مختصّة بالله سبحانه، ولا يصحّ إصدار هويّة إسلامية لشخص إلاّ بعد الاعتراف بهذه الكُبرى، وإنّما الخلاف بينهم في بعض الاَُمور والاَحوال الخارجية، فهل هي عبادة أو لا؟ فلو صحّت كونها عبادة، فلا يجوز الاِتيان بها لغيره سبحانه وإن أتى بها لغيره يُعدّ مشركاً.

مثلاً تقبيل الاَضرحة هل هو عبادة لصاحب القبر أو تكريم وتعظيم له؟ وهكذا الصلاة في المشاهد وعند قبور الاَنبياء، فهل هي عبادة لصاحب القبر (وإن كانت الصلاة لله) أو هي عبادة لله ولكن تتضمّن التبرّك بصاحب القبر؟

ومثل ذلك مسألة الاستعانة في نفس الآية، فمع الاعتراف بحصر الاستعانة بالله سبحانه، فلا شكّ عند العقلاء عامّة أنّه تجوز الاستعانة بالاَحياء في الاَُمور الدنيوية، ولكن إذا استعان بإنسان حيّ فيما يرجع إلى الاَُمور الغيبية، كردّ ضالته وبرء مرضه، فهل هو استعانة تخالف الحصر المذكور في الآية أو لا؟

وهناك صورة ثالثة أبهم من الصورة الثانية وهي: إذا استعان بميّت بنحو من الاَنحاء كما إذا طلب منه الدعاء والاستغفار في حقّه، فهل هي استعانة تخالف الحصر أو لا؟ وقس على ذلك بعض ما يرد عليك من الصور المردّدة بين العبادة والتكريم، أو بين الاستعانة الجائزة والمحرّمة.

ولاَجل أن يكون البحث أكثر علمية وموضوعية علينا أوّلاً البحث في


(1) سورة الفاتحة: 6.

(11)

مسألتين:

1 ـ تحديد مفهوم العبادة حتى تتميّز عن التكريم والتبجيل والتبرّك.

2 ـ تحديد الاستعانة المختصة بالله وفصلها عن الاستعانة الجائزة.

كلّ ذلك في ضوء القرآن الكريم.


(12)

المسألة الاَُولى:
مفهوم العبادة وحدّها

بالرغم من عناية اللغويين والمفسّرين بتفسير لفظ العبادة وتبيينها، لكن لا تجد في كلماتهم ما يشفي الغليل، وذلك لاَنّهم فسّروه بأعمّ المعاني وأوسعها وليس مرادفاً للعبادة طرداً وعكساً.

1 ـ قال الراغب في المفردات: «العبودية: إظهار التذلّل، والعبادة أبلغ منها؛ لاَنّها غاية التذلّل، ولا يستحقّ إلاّ من له غاية الاِفضال وهو الله تعالى ولهذا قال: ( وقَضى ربُّكَ ألاَّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ... )».

2 ـ قال ابن منظور في لسان العرب: «أصل العبودية: الخضوع والتذلّل».

3 ـ قال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: «العبادة: الطاعة».

4 ـ قال ابن فارس في المقاييس: «العبد: الذي هو أصل العبادة، له أصلان متضادّان، والاَوّل من ذينك الاَصلين، يدلّ على لين وذلّ، والآخر على شدّة وغلظ».

هذه أقوال أصحاب المعاجم ولا تشذّ عنها أقوال أصحاب التفاسير وهم يفسّرونه بنفس ما فسّر به أهل اللغة، غير مكترثين بأنّ تفسيرهم، تفسير لها بالمعنى الاَعمّ.

1 ـ قال الطبري في تفسير قوله:(إيّاكَ نَعبُد ) اللّهمّ لك نخشع ونذلّ ونستكين إقراراً لكَ يا ربّنا بالربوبية لا لغيرك. إنّ العبودية عند جميع العرب أصلها الذلّة وإنّها تسمّي الطريق المذلّل الذي قد وطئته الاَقدام وذلّلته السابلة معبَّداً، ومن ذلكقيلللبعير المذلّل بالركوبللحوائج: معبَّد، ومنهسمّيالعبدعبداً،لذلّته لمولاه(1)


(1) تفسير الطبري 1: 53، ط دار المعرفة، بيروت.

(13)

2 ـ قال الزجاج: معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع، يقال: هذا طريق معبّد إذا كان مذلّلاً لكثرة الوطء، وبعير معبّد إذا كان مطلياً بالقطران، فمعنى (إيّاكَ نَعبدُ ): إياك نطيع، الطاعة التي نخضع منها(1).

3 ـ وقال الزمخشري: العبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلّل، ومنه ثوب ذو عبدة؛ أي في غاية الصفاقة، وقوة النسج، ولذلك لم تستعمل إلاّ في الخضوع لله تعالى لاَنّه مولى أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع(2).

4 ـ قال البغوي: العبادة: الطاعة مع التذلّل والخضوع وسمّي العبد عبداً لذلّته وانقياده يقال: طريق معبّد، أي مذلّل(3).

5 ـ قال ابن الجوزي: المراد بهذه العبادة ثلاثة أقوال:

أ ـ بمعنى التوحيد (إيّاك نعبد) عن علي وابن عباس.

ب ـ بمعنى الطاعة كقوله تعالى (لا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ )(4).

ج ـ بمعنى الدعاء(5).

6 ـ قال البيضاوي: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلّل، ومنه الطريق المعبّد؛ أي مذلّل، وثوب ذو عبدة، إذا كان في غاية الصفاقة، ولذلك لا تستعمل إلاّ في الخضوع لله تعالى(6).

وسيأتي أنّ تفسير العبادة بغاية الخضوع ربّما يكون تفسيراً بالاَخصّ؛ إذ لا تشترط في صدقها غاية الخضوع، ولذلك يعدُّ الخضوع المتعارف الذي يقوم به


(1) معاني القرآن 1 : 48.
(2) الكشاف 1 : 10.
(3) تفسير البغوي 1 : 42.
(4) سورة مريم: 44.
(5) زاد المستنير 1 : 12.
(6) أنوار التنزيل 1 : 9.

(14)

أبناء الدنيا أمام الله سبحانه عبادة، وإن لم يكن بصورة غاية التعظيم، وربّما يكون تفسيراً بالاَعمّ؛ فإنّ خضوع العاشق لمعشوقه ربّما يبلغ نهايته ولا يكون عبادة.

7 ـ وقال القرطبي: (نعبُد )، معناه نطيع، والعبادة: الطاعة والتذلّل، وطريق معبّد إذا كان مذلّلاً للسالكين(1).

8 ـ وقال الرازي: العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير، وهو مأخوذ من قولهم: طريق مُعبَّد(2).

وإذا قصّرنا النظر في تفسير العبادة، على هذه التعاريف وقلنا بأنّها تعاريف تامّة جامعة للاَفراد ومانعة للاَغيار، لزم رَمي الاَنبياء والمرسلين، والشهداء والصدّيقين بالشرك، وأنّهم ـ نستعيذ بالله ـ لم يتخلّصوا من مصائد الشرك، ولزم ألاّ يصحّ تسجيل أحد من الناس في قائمة الموحّدين. وذلك لاَنّ هذه التعاريف تفسّر العبادة بأنّها:

1 ـ إظهار التذلّل.

2 ـ إظهار الخضوع.

3 ـ الطاعة والخشوع والخضوع.

4 ـ أقصى غاية الخضوع.

وليس على أديم الاَرض من لا يتذلّل أو لا يخشع ولا يخضع لغير الله سبحانه وإليك بيان ذلك:

* * *


(1) جامع أحكام القرآن 1 : 145.
(2) مفاتيح الغيب 1 : 242، في تفسير قوله تعالى: (إيّاكَ نعبدُ).

(15)

ليست العبادة نفس الخضوع أو نهايته

إنّ الخضوع والتذلّل حتّى إظهار نهاية التذلّل لا يساوي العبادة ولا يعدّ حداً منطقياً لها، بشهادة أنّ خضوع الولد أمام والده، والتلميذ أمام أُستاذه، والجنديُّ أمام قائده، ليس عبادة لهم وإن بالغوا في الخضوع والتذلّل حتّى ولو قبّل الولدُ قدمَ الوالدين، فلا يعد عمله عبادة، لاَنّ الله سبحانه يقول: (واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمةٍ )(1).

وأوضح دليل على أنّ الخضوع المطلق وإن بلغ النهاية لا يعدّ عبادة هو أنّه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم وقال: (وإذْ قُلنا لِلمَلائِكةِ اسْجُدوا لآدَمَ )(2) وآدم كان مسجوداً له ككونه سبحانه مسجوداً له، مع أنّ الاَول لم يكن عبادة وإلاّ لم يأمر بها سبحانه، إذ كيف يأمر بعبادة غيره وفيالوقت نفسه ينهى عنها بتاتاً في جميع الشرائع من لدن آدم _ عليه السلام _ إلى الخاتم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ولكن الثانيـ أي الخضوع للهـ عبادة.

والله سبحانه يصرّح في أكثر من آية بأنّ الدعوة إلى عبادة الله سبحانه، والنهي عن عبادة غيره، كانت أصلاً مشتركاً بين جميع الاَنبياء، قال سبحانه: (ولَقدْ بَعثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولاً أنِ اعبدُوا اللهَ واجْتنِبوا الطّاغوتَ )(3)وقال سبحانه: (وَما أرسَلنا مِنْ قَبلِكَ مِنْ رَسولٍ إلاّ نُوحي إليهِ أنَّهُ لا إلـهَ إلاّ أنَا فَاعْبُدونِ )(4)وفي موضع آخر من الكتاب يعدّ سبحانه التوحيد في العبادة: الاَصل المشترك بين جميع الشرائع السماوية، إذ يقول: (قل يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمةٍ سَواءٍ بَينَنا


(1) الاِسراء: 24.
(2) البقرة: 34.
(3) النحل: 36.
(4) الاَنبياء: 25.

(16)

وبَينَكمْ ألاّ نَعْبدَ إلاّ اللهَ ولا نُشرِكَ بهِ شَيئاً )(1)، ومعه كيف يأمر بسجود الملائكة لآدم الذي هو من مصاديق الخضوع النهائي؟ وهذا الاِشكال لايندفع إلاّ بنفي كون الخضوع عبادة، ببيان أنّ للعبادة مقوّماً لم يكن موجوداً في سجود الملائكة لآدم.

ولم يكن آدم فحسب هو المسجود له بأمره سبحانه، بل يوسف الصدّيق كان نظيره؛ فقد سجد له أبواه وإخوته، وتحقّق تأويل رؤياه بنفس ذلك العمل، قال سبحانه حاكياً عن لسان يوسف _ عليه السلام _ : (إنّي رأيتُ أحدَ عشَر كوكباً والشَّمسَ والقَمَر رأَيتُهُمْ لي ساجِدِينَ )(2).

كما يحكي تحقّقه بقوله سبحانه: (ورَفعَ أبَويهِ عَلَى العَرشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وقالَ يا أبَتِ هـذا تَأْويلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلها رَبِّي حَقّاً )(3)ومعه كيف يصحّ تفسير العبادة بالخضوع أو نهايته؟

إنّه سبحانه أمر جميع المسلمين بالطواف بالبيت الذي ليس هو إلاّ حجراً وطيناً، كما أمر بالسعي بين الصفا والمروة، قال سبحانه: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ )(4) وقال سبحانه: (إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيتَ أوِ اعْتَمَر فَلا جُناحَ عَلَيهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما )(5).

فهل ترى أنّ الطواف حول التراب والجبال والحجر عبادة لهذه الاَشياء بحجّة أنّه خضوع لها؟!

إنّ شعار المسلم الواقعي هو التذلّل للمؤمن والتعزّز على الكافر، قال سبحانه: (فَسَوْفَ يأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرينَ )(6).


(1) آل عمران: 64.
(2) يوسف: 4.
(3) يوسف: 100.
(4) الحج: 29.
(5) البقرة: 158.
(6) المائدة: 54.

(17)

فمجموع هذه الآيات وجميع مناسك الحج يدلاّن بوضوح على أنّ مطلق الخضوع والتذلّل ليس عبادة. ولو فسّرها أئمة اللغة بالخضوع والتذلّل، فقد فسّروها بالمعنى الاَوسع، فلا محيص حينئذٍ عن القول بأنّ العبادة ليست إلاّ نوعاً خاصاً من الخضوع. ولو سُمّي في بعض الموارد مطلق الخضوع عبادة، فإنّما سُمّي من باب المبالغة والمجاز، يقول سبحانه: (أَرأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهَهُ هَواهُ أفأَنتَ تَكونُ عَليهِ وَكيلاً )(1)فكما أنّ إطلاق اسم الاِله على الهوى مجاز فكذا تسمية متابعة الهوى عبادة له، ضرب من المجاز.

ومن ذلك يعلم مفاد قوله سبحانه: (ألَمْ أعْهَدْ إلَيكُمْ يا بَني آدمَ أنْ لا تَعبُدوا الشَّيطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُستقيمٌ )(2).

فإنّ مَنْ يتَّبِع قولَ الشَّيطان فيتساهل في الصلاة والصيام، ويترك الفرائض أو يشرب الخمر ويرتكب الزنا، فإنّه بعمله هذا يقترف المعاصي؛ لا أنّه يعبده كعبادة الله، أو كعبادة المشركين للاَصنام، ولاَجل ذلك لا يكون مشركاً محكوماً عليه بأحكام الشرك، وخارجاً عن عداد المسلمين، مع أنّه من عبدة الشيطان لكن بالمعنى الوسيع الاَعمّ من الحقيقي والمجازيّ.

وربما يتوسّع في إطلاق العبادة فتطلق على مطلق الاِصغاء لكلام الغير، وفي الحديث: «من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدّي عن الله عزّ وجلّ فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان»(3).


(1) الفرقان: 43.
(2) يس: 60ـ61.
(3) الكافي 6 : 434.

(18)

توجيه غير سديد

إنّ بعض من يفسّر العبادة بالخضوع والتذلّل عندما يقف أمام هذه الدلائل الوافرة، يحاول أن يجيب ويقول: إنّ سجود الملائكة لآدم أو سجود يعقوب وأبنائه ليوسف، لم يكن عبادة له ولا ليوسف؛ لاَنّ ذلك كان بأمر الله سبحانه ولو لا أمره لانقلب عملهم عبادة لهما.

وهذا التوجيه بمعزِل عن التحقيق؛ لاَنّ معنى ذلك أنّ أمر الله يُغيّر الموضوع، ويبدل واقعه إلى غير ما كان عليه، مع أنّ الحكم لا يغيِّر الموضوع.

فلو نفترض أنّه سبحانه أمر بسبِّ المشرك والمنافق فأمره سبحانه لايخرج السبَّ عن كونه سباً، فلو كان مطلقُ الخضوع المتجلّي في صورة السجود لآدم أو ليوسف عبادة، لكان معنى ذلك أنّه سبحانه أمر بعبادة غيره، مع أنّها فحشاء بتصريح الذكر الحكيم لا يأمر بها سبحانه، قال تعالى: (إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحشاءِ أتَقُولونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ )(1).

وهناك تعاريف للعبادة لجملة من المحقّقين نأتي بها واحداً بعد الآخر:

1

ـ نظرية صاحب المنار في تفسير العبادة

إنّ صاحب المنار لمّا وقف على بعض ما ذكرناه حاولَ أن يُفسّر العبادة بشكل يبعده عن بعض ما ذكرنا، لذلك أخذ في التعريف قيوداً ثلاثة:

أ ـ العبادة ضرب من الخضوع بالِغٌ حدَّ النهاية.

ب ـ ناشىَ عن استشعار القلب عظمة المعبود، لا يعرف منشأها.

ج ـ واعتقاده بسلطة لا يُدرَك كنهها وماهيّتها(2).

يلاحظ على هذا التعريف:

أوّلاً: أنّ التعريف غير جامع، وذلك لاَنّه إذا كان مقوّم العبادة، الخضوعَ البالغَ


(1) الاَعراف: 28.

(2) تفسير المنار1: 57.


(19)

حدّ النهاية فلا يشمل العبادة الفاقدة للخشوع والخضوع التي يؤدّيها أكثر المتساهلين في أمر الصلاة، وربما يكون خضوع الجندي لقائده أشدّ من هؤلاء المتساهلين الذين يتصوّرون الصلاة عبادة وجهداً.

وثانياً: ماذا يريد من قوله: «عن استشعار القلب عظمة المعبود لا يعرف منشأها»؟ فهل يعتقد أنّ الاَنبياء كانوا يستشعرون عظمة المعبود ولكن لا يعرفون منشأها. مع أنّ غيرهم يستشعر عظمة المعبود ويعرف منشأها، وهو أنّه سبحانه: الخالق البارىَ، المصوّر، أو أنّه سبحانه هو الملك القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبّر.

وثالثاً: ماذا يريد من قوله: «واعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها وماهيتها»؟.

فإن أراد شرطية هذا الاعتقاد في تحقّق العبادة، فلازم ذلك عدم صدقها على عبادة الاَصنام والاَوثان، فإنّ عُبّاد الاَوثان يعبدونها وكانوا يعتقدون بكونهم شفعاء عند الله سبحانه فقط لا أنّ لهم سلطة لا يدرك كنهُها وماهيّتُها.

2

ـ نظرية الشيخ شلتوت، زعيم الاَزهر

وقدعرّف شيخالاَزهر الاَسبق العبادة بنفس ما عرّفها صاحب المنار، ولكنّه يختلف عنه لفظاً ويتّحد معه معنىً، فقال: العبادة خضوع لا يحدُّ، لعظمة لاتحد(1).

وهذا التعريف يشترك مع سابقه نقداً وإشكالاً، وذلك أنّ العبادة ليست منحصرة في خضوع لا يحدّ بل الخضوع المحدّد أيضاً ربّما يعدّ عبادة، كما إذا كان الخضوع بأقلّ مراتبه. وكذلك لا يشترط كون الخضوع لعظمة لا تحدّ؛ إذ ربّما تكون عظمة المعبود محدودة في زعم العابد كما هو الحال في عبادة الاَصنام، الذي كان الدافع إلى عبادتها كونها شفعاء عند الله.


(1) تفسير القرآن الكريم : 37.


(20)

3 ـ تعريف ابن تيمية

وأكثر التعاريف عرضة للاِشكال هو تعريف ابن تيمية إذ قال:

«العبادة اسم جامع لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الاَقوال والاَعمال الباطنية والظاهرية كالصلاة والزكاة والصيام، والحجّ، وصدق الحديث وأداء الاَمانة، وبرّ الوالدين وصلة الاَرحام»(1).

وهذا الكاتب لم يفرّق ـ في الحقيقة ـ بين العبادة والتقرّب، وتصوّر أنّ كلّ عمل يوجب القربى إلى الله، فهو عبادة له تعالى أيضاً، في حين أنّ الاَمر ليس كذلك، فهناك أُمور توجب رضا الله، وتستوجب ثوابَه لكنها قد تكون عبادة كالصوم والصلاة والحجّ، وقد تكون موجبة للقرب إليه دون أن تعدّ عبادة، كالاِحسان إلى الوالدين، وإعطاء الزكاة، والخمس، فكلّ هذه الاَُمور (الاَخيرة) توجب القربى إلى الله في حين لا تكون عبادة. وإن سمّيت في مصطلح أهل الحديث عبادة، فيراد منها كونها نظير العبادة في ترتّب الثواب عليها.

وبعبارة أُخرى: أنّ الاِتيان بهذه الاَعمال يعدّ طاعة لله ولكن ليس طاعة عبادة.

وإن شئت قلت: إنّ هناك أُموراً عباديّة، وأُموراً قربيّة، وكلّ عبادة مقرِّبة، وليس كلّ مقرِّب عبادة، فدعوة الفقير إلى الطعام، والعطف على اليتيم ـ مثلاً ـ توجب القرب، ولكنّها ليست عبادة بمعنى أن يكون الآتي بها عابداً بعمله لله تعالى.

وإذا وقفت على قصور هذه التعاريف هنا نذكر في المقام تعريفين، كلّ يلازم الآخر.


(1) مجلة البحوث الاِسلامية، العدد 2 : 187، نقلا عن كتاب العبودية: 38.


(21)

التعريف الاَوّل:

العبادة هي الخضوع للشيء بما أنّه إله

إنّ لفظ العبادة من المفاهيم الواضحة، وربّما يكون ظهور معناها الواضح مانعاً عن التحديد الدقيق لها، غير أنّه يمكن تحديدها من خلال الاِمعان في الموارد التي تستعمل فيها تلك اللفظة، فقد استعملها القرآن في مورد الموحّدين والمشركين، وقال سبحانه في الدعوة إلى عبادة نفسه: (وَلكنْ أعبدُ اللهَ الَّذي يَتَوفّاكُمْ )(1)وقال سبحانه: (قُلْ إنِّي اُمِرْتُ أنْ أعبُدَ اللهَ مُخلِصاً لَهُ الدِّينَ )(2).

وقال في النهي عن عبادة غيره: (إنَّما تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللهِ أوْثاناً وَتَخْلُقونَ إفْكاً )(3)وقال: (أتَعبُدونَ ما تَنْحِتُونَ )(4)، فعلى الباحث أن يقتنصَ معنى العبادة بالدقّة في أفعال العباد، وعقائدهم من غير فرق بين عبادة الموحّدين وعبادة المشركين فيجعله حدّاً منطقياً للعبادة.

إنّ الاِمعان في ذلك المجال يدفعنا إلى القول بأنّ العبادة عندهم عبارة عن الفعل الدالّ على الخضوع المقترن مع عقيدة خاصّة في حقّ المخضوع له، فالعنصر المقوّم للعبادة حينئذٍ أمران:

1 ـ الفعل المنبىَ عن الخضوع والتذلّل.

2 ـ العقيدة الخاصّة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له.

أمّا الفعل، فلا يتجاوز عن قول أو عمل دالّ على الخضوع والتذلّل بأيّ مرتبة


(1) يونس: 104.

(2) الزمر: 11.

(3) العنكبوت: 17.

(4) الصافّات: 95.


(22)

من مراتبها، كالتكلّم بكلام يؤدّي إلى الخضوع له أو بعمل خارجي كالركوع والسجود بل الانحناء بالرأس، أو غير ذلك مما يدلّ على ذلّته وخضوعه أمام موجود.

وأمّا العقيدة التي تدفعه إلى الخضوع والتذلّل فهي عبارة عن:

1 ـ الاعتقاد بإلوهيته.

2 ـ الاعتقاد بربوبيته.

أمّا الاَوّل فالاِلوهية منسوبة إلى الله، وهو ليس بمعنى المعبود ـ وإن اشتهر في الاَلسن ـ بل كونه معبوداً من لوازم كونه إلها لا أنّه نفس معناه، بل إلاله ـ كما يشهد عليه الذكر الحكيم ـ مرادف، للفظ الجلالة ويختلف معه في الكلّية والجزئية، فالاِله كلّي ولفظ الجلالة علم جزئي.

وتوضيح ذلك أنّ الموحّدين عامة والوثنيّين كلّهم، وعبدة الشمس والكواكب يعتقدون بإلوهية معبوداتهم؛ إمّا لكون المعبود إلهاً كبيراً أو إلهاً صغيراً، إمّا إلهاً صادقاً أو إلهاً كاذباً، فالاعتقاد بإلوهية المعبود بهذا المعنى هو المقوّم لصدق العبادة.

ولاَجل أنّه لا يستحق العبادة إلاّ من كان إلهاً لذلك يؤكّد القرآنَ بأنّه لا إله إلاّ الله ومع ذلك فكيف تعبدون غيره؟

يقول سبحانه: (الَّذِينَ يَجْعَلونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ فَسوفَ يَعْلَمونَ )(1).

(والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ )(2).

(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهةً لِيكُونُوا لَهُمْ عِزّاً )(3).

(أئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أنَّ معَ اللهِ آلِهةً اُخْرى )(4).

وحاصل الآيات أنّ غيره سبحانه لا يستحقّ العبادة؛ لاَنّها من شؤون


(1) الحجر: 96.

(2) الفرقان: 68.

(3) مريم: 81.

(4) الاَنعام: 19.


(23)

الاِلوهيّة، وهي من خصائص الله سبحانه لا غير، فيتحصّل من ذلك أنّ العبادة عبارة عن الخضوع أمام موجود للاعتقاد بأنّه إله حقيقيّ أو مجازيّ، ولولا ذلك الاعتقاد لا يوصف الخضوع بالعبادة، والشاهد عليه أنّ العاشق الولهان إذا خضع لمعشوقته، خضوعاً بالغاً لا يعدّ عبادة لها؛ لاَنّه لم يصدر عن الاعتقاد بإلوهيتها وأنّها إله، وإنّما صدر عن اعتقاد بأنّها جميلة تجذب الاِنسان بنفسيّتها وجمالها.

ويدلّ على ما ذكرنا من أنّ دعوة المشركين وخضوعهم ونداءهم وسؤالهم كانت مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية أصنامهم، أنّه سبحانه يفسّر الشرك في بعض الآيات باتّخاذ إله مع الله.

ويقول: (وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ * إنّا كَفَيْناكَ المُستَهزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ فَسوفَ يَعْلَمونَ)(1).

وفي بعض الآيات يندّد بالمشركين بأنّه ليس لهم إله غير الله فكيف يعبدون غيره، ويقول: (أمْ لَهُمْ إلهٌ غَيرُ اللهِ سُبحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ )(2).

والاِمعان في هذه الآيات ونظائرها يؤكد أنّ اندفاع المشركين إلى عبادة الاَصنام أو اندفاع الموحّدين إلى عبادة الله هو اعتقادهم بكونهم آلهة أو كونه إلهاً، فهذا الاعتقاد كان يدفعهم إلى العبادة، ولاَجل ذلك كانوا يقدّمون لمعبوداتهم النذور والقرابين وغيرهما من التقاليد والسنن. ولمّا كانت كلمة التوحيد تهدِّم عقيدتهم بإلوهية غيره سبحانه لذلك كانوا يستكبرون عند سماعها، كما قال سبحانه: (إنَّهُمْ كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ لا إلهَ إلاّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ )(3).

ثمّ إنّ الاعتقاد بإلوهية الاَصنام لا يلازم الاعتقاد بكون المعبود خالقاً للعالم


(1) الحجر: 94ـ96.

(2) الطور: 43.

(3) الصافات: 35.


(24)

حتّى يقال بأنّ المشركين في الجاهلية كانوا موحّدين في الخالقية، كما يدلّ على ذلك أكثر من آية. قال سبحانه:

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والاَرضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ )(1).

إذ للاِلوهية شؤون عندهم يقوم ببعضها الاِله الاَعلى كخلق السماوات والاَرض، وبعضها الآخر الآلهة المزعومة المتخيّلة عندهم، كغفران الذنوب والشفاعة المطلقة المقبولة بلا قيد وشرط، وبما أنّ هذين الاَمرين الاَخيرين من شؤون الاِله الاَعلى أيضاً وليس للآلهة المزعومة فيها حظّ ولا نصيب، يركّز القرآن على إثباتهما لله سبحانه فقط ويقول: (ومَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ اللهُ )(2). ويقول: (قُلْ للهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً )(3).

وفي ضوء ذلك فالمشركون كانوا معتقدين بالاِله الاَعلى الاَكبر، وفي الوقت نفسهيعتقدون بآلهة شتّى ليس لهممن الشؤون ماللاِله الاَعلىمنها، وفي الوقت نفسه كانت الآلهة عندهم مخلوقة لله سبحانه، مفوّضة إليهم بعض الشؤون كما عرفت.

ترادف الاِله ولفظ الجلالة

إنّ الدليل الواضح على أنّ الاِله يرادف لفظ الجلالة ولكن يفترق عنها بالجزئية والكلّية الاَُمور التالية:

أ ـ وحدة المادّة؛ إذ الاَصل للفظ الجلالة هو الاِله، فحذفت الهمزة وعوّض اللام، ولذلك قيل في النداء: «يا الله، بالقطع كما يقال: يا إله»(4).

ب ـ الآيات التي استدلّ فيها على وحدة الاِله صريحة في أنّ المراد من الاِله هو


(1) الزخرف: 9.

(2) آل عمران: 135.

(3) الزمر: 44.

(4) الكشاف 1 : 30.


(25)

المتصرّف المدبّر، أو من بيده أزمّة الاَُمور أو ما يقرب من ذلك، ولا يصحّ تفسير الاِله بالمعبود وإلاّ لفسد الاستدلال، وإليك الآيات الواردة في ذلك المجال:

1 ـ (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللهُ لَفَسدَتا )(1)فإنّ البرهان على نفي تعدّد الآلهة لايتمّ إلاّ إذا جعلنا «الاِله» في الآية بمعنى المتصرّف المدبّر أو من بيده أزمّة الاَُمور أو ما يقرب من هذين، ولو جعلنا الاِله بمعنى المعبود لانتقض البرهان لبداهة تعدّد المعبودين في هذا العالم، مع عدم فساد النظام الكوني وقد كانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحمة بالآلهة بل ومركزها مع انتظام العالم وعدم فساده.

وعندئذ يجب على من يجعل «الاِله» بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ «بالحق» أي لو كان فيهما معبودات ـ بالحقّ ـ لفسدتا، ولمّا كان المعبود بالحقّ مدبراً أو متصرّفاً لزم من تعدّده فساد النظام، وهذا كلّه تكلّف لا مبرّر له.

2 ـ (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِنْ إلهٍ إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعضٍ )(2).

ويتمّ هذا البرهان أيضاً لو فسّرنا الاِله بما ذكرنا من أنّه كلّيّ ما يطلق عليه لفظ الجلالة.

وإن شئت قلت: إنّه كناية عن الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من يقوم بأفعاله وشؤونه، والمناسب في هذا المقام هو الخالق، ويلزم من تعدّده ما رتّب عليه في الآية من ذهاب كلّ إله بما خلق واعتلاء بعضهم على بعض.

ولو جعلناه بمعنى المعبود لانتقض البرهان، ولا يلزم من تعدّده أيّ اختلال في الكون. وأدلّ دليل على ذلك هو المشاهدة؛ فإنّ في العالم آلهة متعدّدة، وقد كان في أطراف الكعبة المشرّفة ثلاثمائة وستّون إلهاً ومع ذلك لم يقع أيّ فساد أو اختلال في


(1) الاَنبياء: 22.

(2) المؤمنون: 91.


(26)

الكون.

فيلزم من يفسّر (الاِله) بالمعبود ارتكاب التكلّف بما ذكرناه في الآية المتقدمة.

3 ـ (قُلْ لَوْ كانَ مَعهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولونَ إذاً لاَبْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلاً )(1) فإنّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق المدبّر المتصرّف، أو من بيده أزمّة أُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الاِلوهية، وأمّا تعدّد المعبود فلا يلازم ذلك إلاّ بالتكلّف الذي أشرنا إليه فيما سبق.

4 ـ (إنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ * لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها )(2)والآية تستدلّ بورود الاَصنام والاَوثان في النار، على بطلان كونها آلهة؛ إذ لو كانت آلهة ما وردوا النار.

والاستدلال إنّما يتمّ لو فسّرنا الآلهة بما أشرنا إليه؛ فإنّ خالق العالم أو مدبّره والمتصرّف فيه أو من فوّض إليه أفعال الله أجلّ من أن يُحكم عليه بالنار وأن يكون حصب جهنم.

وهذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود فلا يتمّ البرهان؛ لاَنّ المفروض أنّها كانت معبودات وقد جعلت حصب جهنّم. ولو أمعنت في الآيات التي ورد فيها لفظ الاِله والآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه.

حصيلة البحث: أنّ العبادة عبارة عن الخضوع الصادر لمن يتّخذه الخاضع إلهاً، وما ذكرناه على وجه التفصيل هو الذي أفرغه الشيخ جواد البلاغي في قالب التعريف وقال: العبادة ما يرونه مشعراً بالخضوع لمن يتّخذه الخاضع إلهاً، ليوفيه بذلك ما يراه له من حقّ الامتياز بالاِلوهية(3).


(1) الاِسراء: 42.

(2) الاَنبياء: 98ـ99.

(3) آلاء الرحمن : 57، ط صيدا.


(27)

التعريف الثاني:

العبادة عبارة
ربّ

واللغويون وإن ذكروا للربّ معاني مختلفة كالخالق والمالك والصاحب والمصلح، ولكنّ الظاهر أنّ أكثر هذه المعاني من لوازم المعنى الواحد، ويمكن تصويره بأنّه من فوّض إليه أمر الشيء من حيث الاِصلاح والتدبير والتربية، فلو أُطلق الربّ على الخالق فلاَنّه يقوم بإصلاح مخلوقه وتدبيره، وتربيته. ولو أُطلق على صاحب المزرعة ربّ الضيعة، أو على سائس القوم أنّه ربّهم، فلاَنّ الاَوّلَ يقوم بإصلاح أُمور المزرعة، والثاني بتدبير أُمور القوم وشؤونهم، وقس على ذلك سائر الاَُمور، فالله سبحانه ربّ العالمين، (صرَبُّ السَّمواتِ والاَرضِ )(1)و(هُوَ رَبُّ الشِّعْرى )(2) فلاَجل أنّه سبحانه مدبّر ومدير ومتصرّف في شؤونها والقائم عليها. فلو أُطلق الربّ على مالك الدابة فلاَجل أنّه فُوِّض إليه إصلاح المملوك.

هذا من جانب، ومن جانب آخر نرى الله سبحانه يعلّل في بعض الآيات حصر العبادة في الله سبحانه حيث حصر الربوبية به دون غيره، فتدلّ بصراحة على أنّ العبادة من شؤون الربوبية، وإليك بعض الآيات:

وقال المسيح:

(يا بَنِي إسْرائيلَ اعْبُدوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ )(3).(إنَّ هذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً واحِدَةً


(1) الصافات: 5.

(2) النجم: 49.

(3) المائدة: 72.


(28)

وأنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )(1). (إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتقِيمٌ )(2).

وإذا عرفت هذين الاَمرين:

1 ـ الربّ من فوّض إليه تدبير الشيء وإصلاحه وتربيته.

2 ـ إنّ الآيات تعلّل حصر العبادة في الله بكونه ربّاً.

فستعرف أنّ اتّسام الخضوع، والسؤال والدعاء بالعبادة من شؤون الاعتقاد بكون المخضوع له ربّاً بيده مسير الخاضع ومصيره، وإن شئت قلت: بيده شأن أو شؤون مَن حياته الدنيوية أو الاَُخروية بيده، فالخضوع المقرون بهذا الاعتقاد يُضفي عليه عنوان العبادة.

وليعلم أنّ المراد من كون الرب مالكاً لشأن من شؤون حياته ليس المراد هو المالكية القانونية والوضعية التي تُعطى للاِنسان حيناً وتسلَب عنه حيناً آخر، بل المراد المالكية التكوينية المستمدّة من الخالقية كما في الاِله الاَعلى أو من تفويض الاِله الاَعلى لها، كما هو الحال عند آلهة المشركين ـ على زعمهم ـ الذين يعتقدون بأنّه سبحانه فوّض إليهم بعضَ شؤون حياتهم، كغفران الذنوب والشفاعة، بل يظهر ممّا نقله ابن هشام في سيرته أنّ الشرك دخل مكّة في صورة الشرك في الربوبية فيما يرجع إلى الاستمطار، يقول ابن هشام:

«كان عمرو بن لحي» أوّل من أدخل الوثنية إلى مكّة ونواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام اُناساً يعبدون الاَوثانَ وعندما سألهم عمّا يفعلون قائلاً:

ما هذه الاَصنام التي أراكم تعبدونها؟

قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا!

فقال لهم: أفلا تعطوني منها فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟


(1) الاَنبياء: 92.

(2) آل عمران: 51.


(29)

وهكذا استحسن طريقتهم واستصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم «هبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة، ودعا الناس إلى عبادتها(1).

إذن فاستمطار المطر من هذه الاَوثان والاستعانة بها يكشف عن أنّ بعض المشركين كانوا يعتقدون بأنّ لهذه الاَوثان دخلاً في تدبير شؤون الكون وحياة الاِنسان.

نتيجة البحث

إذا عرفنا أنّ مقوّم العبادة عبارة عن اعتقاد السائل والخاضع والداعي أو المنادي بأنّ المسؤول والمخضوع له «إله» و«ربّ» يملك شيئاً ممّا يرجع إليه في عاجله أو آجله، في مسيره ومصيره، وإنّه يقوم بذلك لكونه خالقاً أو مفوَّضاً إليه من قبل الخالق، فيقوم على وجه الاستقلال والاَصالة، تستطيع أن تقضي في الاَعمال التي يقوم بها اشياع الاَنبياء ومحبّوهم، بأنّها ليست عبادة أبداً وإنّما هي من مصاديق التكريم والاحترام وإن بلغت نهاية التذلّل، لاَنّها لا تنطلق من اعتقاد الخاضع بإلوهية النبي، ولا ربوبيته بل تنطلق عن الاعتقاد بكونهم عباد الله الصالحين، وعباده المكرمين الذين لا يعصون الله وهم بأمره يعملون، نظير:

1 ـ تقبيل الاَضرحة وأبواب المشاهد التي تضمّ أجساد الاَنبياء والاَولياء؛ فإنّ ذلك ليس عبادة لصاحب القبر والمشهد؛ لفقدان عنصر العبادة فيما يفعله الاِنسان من التقبيل واللّمس وما شابه ذلك.

2 ـ إقامة الصلاة في مشاهد الاَولياء تبرّكاً بالاَرض التي تضمنت جسد النبيّ أو الاِمام، كما تبرّك بالصلاة عند مقام إبراهيم اتّباعاً لقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ


(1) سيرة ابن هشام 1 : 79.


(30)

مَقامِ إبراهِيمَ مُصَلّى )(1).

3 ـ التوسّل بالنبيّ سواء كان توسّلاً بذاته وشخصه، أو بمقامه وشخصيته أو بدعائه في حال حياته ومماته؛ فإنّ ذلك كلّه لا يكون عبادة؛ لعدم الاعتقاد بإلوهية النبيّ ولا ربوبيته، ويعدّ من التوسّل بالاَسباب، سواء كان المدعوّ قادراً على إنجاز العمل أو عاجزاً، غاية الاَمر يكون التوسّل في صورة العجز غير مفيد، لا متّسماً بالشرك، فلو افترضنا أنّ الاَنبياء والاَئمة في حال الممات غير قادرين على شيء فالدعاء والتوسّل بهم مع كونهم عاجزين لا يجعل العمل شركاً، بل يجعله لغواً، مع أنّ أصل المبنى باطل؛ أي أنّهم غير قادرين في حال الممات.

4 ـ طلب الشفاعة من الاَنبياء أو النبيّ الاَكرم ليس شركاً؛ لاَنّه يطلبها منه بقيد أنّه عبد مأذون لا أنّه مفوّض إليه أمرها، وفي الواقع إمّا أن يكون مأذوناً فيشفع، وإمّا أن يكون الطلب لغواً.

5 ـ الاستغاثة بالاَرواح المقدّسة ليس إلاّ كالاستغاثة بهم في حال حياتهم، فهي على وجه تتّسم بالشرك من غير فرق بين حالي الحياة والممات ولا تتّسم به على وجه آخر، كذلك فلو استغاث به بما أنّه عبد أقدره الله تعالى على الاِجابة حيّاً وميتاً، يكون من قبيل التوسّل بالاَسباب، وإن استغاث به بما أنّه إله أو ربّ يقوم بالاستغاثة أصالة واستقلالاً، وأنّه فوّض إليه حياة المستغيث عاجلاً وآجلاً، فهو شرك من غير فرق بين الحالتين.

هذا خلاصة البحث حول حصر العبادة بالله سبحانه، وإذا أمعنت فيما ذكرنا يمكنك الاِجابة على بعض ما أثارته بعض المناهج الفكرية في الاَوساط الاِسلامية حول هذه الاَُمور، التي نسبت جلّ المسلمين إلى الشرك في العبادة مع أنّهم بمنأى عن الشرك.


(1) البقرة: 125.


(31)

الفوضى في التطبيق بين الاِمام والمأموم

لقد ترك الاِهمال في تفسير العبادة تفسيراً منطقياً، فوضى كبيرة في مقام التطبيق بين الاِمام والمأموم فنرى أنّ إمام الحنابلة أحمد بن حنبل (164ـ241هـ) صدر عن فطرة سليمة في تفسير العبادة، وأفتى بجواز مسِّ منبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والتبرّك به وبقبره وتقبيلهما عندما سأله ولده عبد الله بن أحمد، وقال: سألته عن الرجل يمسُّ منبرَ النبيِّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويتبرّك بمسِّه، ويُقَبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك، يريد بذلك التقرّب إلى الله عزّ وجلّ، فقال: «لابأس بذلك»(1).

هذه هي فتوى الاِمام ـ الذي يفتخر بمنهجه أحمد بن تيمية، وبعده محمّد بن عبد الوهاب ـ ولم يرَ بأساً بذلك، لما عرفت من أنّ العبادة ليست مجرّد الخضوع؛ فلا يكون مجرّد التوجّه إلى الاَجسام والجمادات عبادة، بل هي عبارة عن الخضوع نحو الشيء، باعتبار أنّه إله أو ربّ، أو بيده مصير الخاضع في عاجله وآجله، وأمّا مسّ المنبر أو القبر وتقبيلهما، كلّ ذلك لغاية التكريم والتعظيم لنبيّ التوحيد، وإن كان لغاية التبرّك، فلا يتجاوز التبرّك في المقام عن تبرّك يعقوب بقميص ابنه يوسف، ولم يخطر بخلد أحد من المسلمين إلى اليوم الذي جاء فيه ابن تيمية بالبدع الجديدة، أنّها عبادة لصاحب القميص والمنبر والقبر أو لنفس تلك الاَشياء.

ولمّا كانت فتوى الاِمام ثقيلة على محقق الكتاب، أو من علّق عليه لاَنّها تتناقض مع ما عليه الوهابية وتبطل أحلام ابن تيمية، ومن لفَّ لفَّه، حاول ذلك الكاتب أن يوفّق بين جواب الاِمام وما عليه الوهابية في العصر الحاضر، فقال: «أمّا مسّ منبر النبيّ فقد أثبت الاِمام ابن تيمية في الجواب الباهر (ص41) فعله عن ابن عمر دون غيره من الصحابة، وروى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف


(1) العلل ومعرفة الرجال 2: 492|3243، تحقيق الدكتور وصيّالله عباس، ط بيروت 1408.


(32)

(4|121) عن زيد بن الحباب قال: حدّثني أبو مودود قال: حدّثني يزيد بن عبد الملك بن قسيط قال: رأيت نفراً من أصحاب النبيّ إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى زمانة المنبر القرعاء فمسحوها، ودعوا قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك.

وهذا لما كان منبره الذي لامس جسمه الشريف، أمّا الآن بعد ما تغيّر لا يقال بمشروعيّة مسحه تبرّكاً به».

ويلاحظ على هذا الكلام: بعد وجود التناقض بين ما نقل عن ابن تيمية من تخصيص المسّ بمنبر النبيّ با بن عمر، وما نقله عن المصنّف لابن أبي شيبة من مسح نفر من أصحاب النبيّ رمانة المنبر:

أوّلاً: لو كان جواز المسّ مختصّاً بالمنبر الذي لامسه جسم النبي الشريف دون ما لايمس كان على الاِمام المفتي أن يذكر القيدَ، ولا يُطلق كلامَه، حتّى ولو افترضنا أنّ المنبر الموجود في المسجد النبوي في عصره كان نفسَ المنبر الذي لامسَه جسمُ النبيّ الاَكرم، وهذا لا يغيب عن ذهن المفتي، إذ لو كان تقبيل أحد المنبرين نفس التوحيد، وتقبيلالمنبر الآخرعينَالشرك،لماجاز للمفتي أنيغفلالتقسيم والتصنيف.

وثانياً: أنّ ما يفسده هذا التحليل أكثر ممّا يصلحه، وذلك لاَنّ معناه أنّ لجسمه الشريف تأثيراً في المنبر وما تبرّك به، وهذا يناقض التوحيد الربوبي من أنّه لا مؤثّر في الكون إلاّ الله سبحانه، فكيف يعترف الوهّابي بأنّ لجسمه الشريف في الجسم الجامد تأثيراً وأنّه يجوز للمسلمين أن يتأثروا به عبر القرون.

ثم إنّ المعلّق استثنى مسّ قبر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والتبرّك به، ومنعهما وقال في وجهه:

«وأمّا جواز مسّ قبر النبيّ والتبرّك به فهذا القول غريب جداً لم أرَ أحداً نقله عن الاِمام، وقال ابن تيمية في الجواب الباهر لزوار المقابر (ص 31): اتّفق الاَئمة على أنّه لا يمسّ قبر النبي ولا يقبله، وهذا كلّه محافظة على التوحيد؛ فإنّ من أُصول الشرك بالله اتّخاذ القبور مساجد»(1).


(1) تعليقة المحقّق، نفس الصفحة.


(33)

لكن يلاحظ عليه: كيف يقول: لم أجد أحداً نقله عن الاِمام، أوَ ليس ولده أبو عبد الله راوية أبيه وكتبه يروي هذه الفتوى؟ وهو ثقة عند الحنابلة!

وأمّا التفريق بين مسّ المنبر والقبر بجعل الاَوّل نفس التوحيد، والثاني أساس الشرك، فمن غرائب الاَُمور؛ لاَنّ الاَمرين يشتركان في التوجّه إلى غير الله سبحانه، فلو كان هذا محور الشرك، فالموضوعات سيّان، وإن فرّق بينهما بأنّ الماسّ ينتفع بالاَوّل دون الثاني لعدم مسّ جسده بالثاني فلازمه كون الاَوّل نافعاً والثاني أمراً باطلاً دون أن يكون شركاً.

ولو رجع المحقّق إلى الصحاح والمسانيد وكتب السيرة والتاريخ، لوقف على أنّ التبرّك بالقبر ومسّه، كان أمراً رائجاً بين المسلمين في عصر الصحابة والتابعين، ولاَجل إيقاف القارىَ على صحّة ما نقول نذكر نموذجين من ذلك:

1 ـ إنّ فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين بنت رسول الله حضرت عند قبر أبيها _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي وتقول:

ماذا على من شمّ تربة أحمد * ألاّ يشمّ مدَى الزمان غَواليا

صُبَّت عليَّ مصائب لو أنّها * صُبَّت على الاَيّامِ صِرنَ لَياليا(1)

إنّ هذا التصرّف من السيدة الزهراء المعصومة3 يدلّ على جواز التبرّك بقبر رسول الله وتربته الطاهرة.

2 ـ إنّ بلالاً ـ مؤذّن رسول الله ـ أقام في الشام في عهد عمر بن الخطاب، فرأى في منامه النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهو يقول:

«ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آنَ لك أن تزورني يا بلال؟»

فانتبه حزيناً وَجِلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ،


(1) لقد ذكر هذه القضية جمع كثير من المؤرخين، منهم: السمهودي في وفاء الوفا 2 : 444؛ والخالدي في صلح الاخوان : 57، وغيرهما.


(34)

فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين 8 فجعل يضمّهما ويقبّلهما... إلى آخر الخبر(1).


(1) أُسد الغابة 1 : 28، وغيره من المصادر.


(35)

المسألة الثانية:

حصر الاستعانة في الله

هذه هي المسألة الثانية التي طرحت في صدر المقال وقلنا: إنّ المسلمين في أقطار العالم يَحصرون الاستعانة في الله سبحانه ومع ذلك يستعينون بالاَسباب العاديّة، جرياً على القاعدة السائدة بين العقلاء، ولا يرونه مخالفاً للحصر، كما أنّ المتوسّلين بأرواح الاَنبياء يستعينون بهم في مشاهدهم ومزاراتهم، ولا يرون ذلك تعارضاً مع حصر الاستعانة بالله سبحانه، وذلك لاَنَّ الاستعانة بغير الله يمكن أن تتحقّق بصورتين:

1 ـ أن نستعين بعامل ـ سواء أكان طبيعيّاً أم غير طبيعيّ ـ مع الاعتقاد بأنّ عونه مستند إلى الله، بمعنى أنّه قادر على أن يعين العباد ويزيل مشاكلهم بقدرته المكتسبة من الله وإذنه.

وهذا النوع من الاستعانة ـ في الحقيقة ـ لا ينفكّ عن الاستعانة بالله ذاته، لاَنّه ينطوي على الاعتراف بأنّه هو الذي منح تلك العوامل ذلك الاَثر، وأذن بها، وإن شاء سلبها وجرّدها منه.

فإذا استعان الزارع بعوامل طبيعية كالشمس والماء وحرث الاَرض، فقد استعان بالله ـ في الحقيقة ـ لاَنّه تعالى هوالذي منح هذه العوامل القدرة على إنماء ما أودع في بطن الاَرض من بذر ومن ثم إنباته والوصول به إلى حدّ الكمال.

2 ـ وإذا استعان بإنسان أو عامل طبيعي مع الاعتقاد بأنّه مستقلّ في وجوده، أو في فعله عن الله، فلا شكّ أنّ ذلك الاعتقاد يصير شركاً، والاستعانة به عبادة.

فإذا استعان زارعبالعوامل المذكورة وهو يعتقدبأنّها مستقلّة فيتأثيرها أو أنّها


(36)

مستقلّة فيوجودها ومادّتها كمافي فعلها وقدرتها، فالاعتقاد شرك، والطلب عبادة.

وبذلك يظهر أنّ الاستعانة المنحصرة في الله المنصوص عليها في قوله تعالى (وإيّاك نَستعينُ ) هي الاستعانة بالمعونة المستقلّة النابعة من ذات المستعان به، غير المتوقّفة على شيء، فهذا هو المنحصر في الله تعالى، وأمّا الاستعانة بالاِنسان الذي لا يقوم بشيء إلاّ بحول الله وقوّته وإذنه ومشيئته، فهي غير منحصرة بالله سبحانه، بل إنّ الحياة قائمة على هذا الاَساس؛ فإنّ الحياة البشرية مليئة بالاستعانة بالاَسباب التي تؤثّر وتعمل بإذن الله تعالى.

وعلى ذلك لا مانع من حصر الاستعانة في الله سبحانه بمعنى، وتجويزها بغيره بمعنى آخر وهو ما له نظر في الكتاب العزيز.

ولاِيقاف القارىَ على هذه الحقيقة نلفت نظره إلى آيات تحصر جملة من الاَفعال الكونية في الله تارة، مع أنّها تنسب نفس الاَفعال في آيات أُخرى إلى غير الله أيضاً، وما هذا إلاّ لعدم التنافي بين النسبتين لاختلاف نوعيّتهما فهي محصورة في الله سبحانه معقيد الاستقلال، ومع ذلك تنسب إلى غيرالله معقيد التبعية والعرضية.

الآيات التي تنسب الظواهر الكونية إلى الله وإلى غيره:

1 ـ يقول سبحانه: (وإذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ )(1). بينما يقول سبحانه في العسل: (شِفاءٌ لِلنّاسِ )(2).

2 ـ يقول سبحانه: (إنّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ )(3)بينما يقول: (وارْزُقُوهُمْ فِيها )(4).

3 ـ يقول سبحانه: (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ )(5). بينما يقول


(1) الشعراء: 80.

(2) النحل: 69.

(3) الذاريات: 58.

(4) النساء: 5.

(5) الواقعة: 64.


(37)

سبحانه: (يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارُ )(1).

4 ـ يقول تعالى: (واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ )(2). بينما يقول سبحانه: (بَلَى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ )(3).

5 ـ يقول تعالى: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ يُدَبِّرُ الاََمْرَ )(4). بينما يقول سبحانه: (فالمُدَبِّراتِ أَمراً )(5).

6 ـ يقول سبحانه: (اللهُ يَتَوفَّى الاَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها )(6). بينما يقول: (الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبينَ )(7).

إلى غير ذلك من الآيات التي تنسب الظواهر الكونية تارة إلى الله، وتارة إلى غيره تعالى.

والحل أن يقال: إنّ المحصور بالله تعالى هو انتساب هذه الاَُمور على نحو الاستقلال، وأمّا المنسوب إلى غيره فهو على نحو التبعية، وبإذنه تعالى، ولا تعارض بين النسبتين، ولا بين الاعتقاد بكليهما.

فمن اعتقد بأنّ هذه الظواهر الكونية مستندة إلى غير الله على وجه التبعية لاالاستقلال لم يكن مخطئاً ولا مشركاً، وكذا من استعان بالنبيّ أو الاِمام على هذا الوجه.

هذا مضافاً إلى أنّه تعالى الذي يعلّمنا أن نستعين به فنقول: (إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ


(1) الفتح: 29.

(2) النساء: 81.

(3) الزخرف: 80.

(4) يونس: 3.

(5) النازعات: 5.

(6) الزمر: 42.

(7) النحل: 32.


(38)

نَستَعِينُ ) يحثُّنا في آية أُخرى على الاستعانة بالصبر والصلاة فيقول: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ )(1)وليس الصبر والصلاة إلاّ فعل الاِنسان نفسه.

حصيلة البحث:

إنّ الآيات الواردة حول الاستعانة على صنفين:

الصنف الاَوّل: يحصر الاستعانة في الله فقط ويعتبره الناصر والمعين الوحيد دون سواه.

والصنف الثاني: يدعونا إلى سلسلة من الاَُمور المعينة (غير الله) ويعتبرها ناصرة ومعينة، إلى جانب الله.

أقول: اتّضح من البيان السابق وجه الجمع بين هذين النوعين من الآيات، وتبيّن أنّه لا تعارض بين الصنفين مطلقاً، إلاّ أنّ فريقاً نجدهم يتمسّكون بالصنف الاَوّل من الآيات فيخطِّئون أيّ نوع من الاستعانة بغير الله، ثم يضطرّون إلى إخراج (الاستعانة بالقدرة الاِنسانية والاَسباب المادية) من عموم تلك الآيات الحاصرة للاستعانة بالله بنحو التخصيص، بمعنى أنّهم يقولون:

إنّ الاستعانة لا تجوز إلاّ بالله إلاّ في الموارد التي أذن الله بها، وأجاز أن يستعان فيها بغيره، فتكون الاستعانة بالقدرة الاِنسانية والعوامل الطبيعية ـ مع أنّها استعانة بغير الله ـ جائزة ومشروعة على وجه التخصيص، وهذا ممّا لا يرتضيه الموحّد.

في حين أنّ هدف الآيات هو غير هذا تماماً؛ فإنّ مجموع الآيات يدعو إلى أمر واحد وهو: عدم الاستعانة بغير الله، وأنّ الاستعانة بالعوامل الاَُخرى يجب أن تكون بنحو لا يتنافى مع حصر الاستعانة في الله، بل تكون بحيث تعدّ استعانة بالله لا استعانة بغيره.

وبتعبير آخر: إنّ الآيات تريد أن تقول: بأنّ المعين والناصر الوحيد والذي


(1) البقرة: 45.


(39)

يستمدّ منه كلّ معين وناصر قدرته وتأثيره، ليس إلاّ الله سبحانه، ولكنّه ـ مع ذلكـ أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمر باستمداد الفرع من الاَصل، ولذلك تكون الاستعانة به كالاستعانة بالله؛ ذلك لاَنّ الاستعانة بالفرع استعانة بالاَصل.

وإليك فيما يلي إشارة إلى بعض الآيات من الصنفين:

(ومَا النَّصرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزيزِ الحَكيمِ )(1).

(إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَستَعِينُ )(2).

(ومَا النَّصْرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكيمٌ )(3).

هذه الآيات نماذج من الصنف الاَوّل، وإليك فيما يأتي نماذج من الصنف الآخر الذي يدعونا إلى الاستعانة بغير الله من العوامل والاَسباب:

(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ )(4).

(وتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوى )(5).

(ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ )(6).

(وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَليْكُمُ النَّصْرُ )(7).

ومفتاح حلّ التعارض بين هذين الصنفين من الآيات هو ما ذكرناه، وملخّصه:


(1) آل عمران: 126.

(2) الحمد: 5.

(3) الاَنفال: 10.

(4) البقرة: 45.

(5) المائدة: 2.

(6) الكهف: 95.

(7) الاَنفال: 72.


(40)

إنّ في الكون مؤثّراً تامّاً، ومستقلاًّ واحداً، غير معتمد على غيره لا في وجوده ولا في فعله وهو الله سبحانه، وأمّا العوامل الاَُخر فجميعها مفتقرة ـ في وجودها وفعلها ـ إليه وهي تؤدّي ما تؤدّي بإذنه ومشيئته وقدرته، ولو لم يعط سبحانه تلك العوامل ما أعطاها من القدرة ولم تجر مشيئته على الاستمداد منها لما كانت لها أيّة قدرة على شيء.

فالمعين الحقيقي في كلّ المراحل ـ على هذا النحو تماماً ـ هو الله، فلا يمكن الاستعانة بأحد باعتباره معيناً مستقلاًّ. لهذه الجهة حصر هنا الاستعانة في الله وحده، ولكن هذا لا يمنع بتاتاً من الاستعانة بغير الله باعتباره غير مستقلّ (أي باعتباره معيناً بالاعتماد على القدرة الاِلهية) ومعلوم أنّ استعانة ـ كهذه ـ لا تنافي حصر الاستعانة في الله سبحانه لسببين:

أوّلاً: لاَنّ الاستعانة المخصوصة بالله هي غير الاستعانة بالعوامل الاَُخرى؛ فالاستعانة المخصوصة بالله هي: ما تكون باعتقاد أنّه قادر على إعانتنا بالذات، وبدون الاعتماد على غيرها، في حين أنّ الاستعانة بغير الله سبحانه إمّا هي على نحو آخر أي مع الاعتقاد بأنّ المستعان قادر على الاِعانة مستنداً على القدرة الاِلهية، لابالذات، وبنحو الاستقلال، فإذا كانت الاستعانة ـ على النحول الاَوّل ـ خاصّة بالله تعالى، فإنّ ذلك لا يدل على أنّ الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضاً.

ثانياً: إنّ استعانة ـ كهذه ـ غير منفكّة عن الاستعانة بالله، بل هي عين الاستعانة به تعالى، وليس في نظر الموحّد (الذي يرى أنّ الكون كلّه من فعل الله ومستنداً إليه) مناص من هذا.

وأخيراً نذكّر القارىَ الكريم بأنّ مؤلّف المنار حيث إنّه لم يتصوّر للاستعانة بالاَرواح إلاّ صورة واحدة لذلك اعتبرها ملازمة للشرك فقال:

«ومن هنا تعلمون: إنّ الذين يستعينون بأصحاب الاَضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أُمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم، وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح هم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله


(41)

معرضون»(1).

ويلاحظ عليه: أنّ الاستعانة بغير الله (كالاستعانة بالعوامل الطبيعية) على نوعين:

إحداهما عين التوحيد، والاَُخرى موجبة للشرك؛ إحداهما مذكّرة بالله، والاَُخرى مبعدة عن الله.

إنّ حدّ التوحيد والشرك ليس هو كون الاَسباب ظاهرية أو غير ظاهرية، وإنّما هو استقلال المعين وعدم استقلاله. وبعبارة أُخرى المقياس: هو الغنى والفقر، هو الاَصالة وعدم الاَصالة.

إنّ الاستعانة بالعوامل غير المستقلّة المستندة إلى الله، التيلا تعمل ولا تؤثّر إلاّ بإذنه تعالى غير موجبة للغفلة عن الله، بل هو خير موجّه، ومذكّر بالله. إذ معناها: انقطاع كلّ الاَسباب وانتهاء كلّ العلل إليه.

ومع هذا كيف يقول صاحب المنار: «أُولئك عن ذكر الله معرضون»؟ ولو كان هذا النوع من الاستعانة موجباً لنسيان الله والغفلة عنه للزم أن تكون الاستعانة بالاَسباب المادية الطبيعية هي أيضاً موجبة للغفلة عنه.

على أنّ الاَعجب من ذلك هو شيخ الاَزهر الشيخ محمود شلتوت الذي نقلـفي هذا المجال ـ نصّ كلمات عبده دون زيادة ونقصان، وختم المسألة بذلك، وأخذ بالحصر في (إيَّاكَ نَسْتَعِين ) غافلاً عن حقيقة الآية وعن الآيات الاَُخرى المتعرّضة لمسألة الاستعانة(2).

إجابة على سؤال

إذا كانت الاستعانة بالغير على النحو الذي بينّاه جائزة فهي تستلزم نداء أولياء


(1) تفسير المنار 1 : 59.

(2) راجع تفسير شلتوت : 36ـ39.


(42)

الله والاستغاثة بهم في الشدائد والمكاره، وهي غير جائزة؛ وذلك لاَنّ نداء غير الله في المصائب والحوائج تشريك الغير مع الله، يقول سبحانه: (وَأنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً )(1)ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ )(2)ويقول عزّ من قائل: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ )(3). إلى غير ذلك من الآيات التي تخصّ الدعاء لله ولا تسيغ دعوة غيره.

وقد طرح هذا السؤال الشيخ الصنعاني حيث قال: وقد سمّى الله الدعاء عبادة بقوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي )(4)فمن هتف باسم نبيّ أو صالح بشيء فقد دعا النبيّ والصالح، والدعاء عبادة بل مخُّها، فقد عبد غير الله وصار مشركاً(5).

الجواب:

إنّ النقطة الحاسمة في الموضوع تكمن في تفسير الدعاء وهل كل دعاء، عبادة وبينهما من النسب الاَربع هي التساوي حتّى يصحّ لنا أن نقول كلّ دعاء عبادة، وكلّ عبادة دعاء، أو أنّ الدعاء أعمّ من العبادة وأنّ قسماً من الدعاء عبادة وقسماً منه ليس كذلك؟ والكتاب العزيز يوافق الثاني لا الاَوّل، وإليك التوضيح:

لقد استعمل القرآن لفظ الدعاء في مواضع عديدة، ولا يصحّ وضع لفظ العبادة مكانه، يقول سبحانه حاكياً عن نوح: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً )(6) وقال سبحانه حاكياً عن لسان إبليس في خطابه للمذنبين يوم القيامة: (وَمَا كَانَ


(1) الجن: 18.

(2) الاَعراف: 197.

(3) فاطر: 13.

(4) سورة غافر: 60.

(5) تنزيه الاعتقاد كما في كشف الارتياب : 284.

(6) نوح: 5.


(43)

لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي )(1)إلى غيرهما من الآيات التي ورد فيها لفظ الدعاء، أفيصحّ القول بأنّ نوحاً دعا قومه أي عبدهم، أو أنّ الشيطان دعا المذنبين أي عبدهم؟ كلّ ذلك يحفزنا إلى أن نقف في تفسير الدعاء وقفة تمعّن حتى نميّز الدعاء الذي هو عبادة عمّا ليس كذلك.

والاِمعان فيما تقدّم في تفسير العبادة يميِّز بين القسمين؛ فلو كان الداعي والمستعين بالغير معتقداً بإلوهية المستعان ولو إلوهية صغيرة كان دعاؤه عبادة، ولاَجل ذلك كان دعاء عبدة الاَصنام عبادة؛ لاعتقادهم بإلوهيتها، قال سبحانه: (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ )(2).

وما ورد من الآيات في السؤال كلّها من هذا القبيل؛ فأنّها وردت في حقّ المشركين القائلين بإلوهية أصنامهم وأوثانهم باعتقاد استقلالهم في التصرّف والشفاعة وتفويض الاَُمور إليهم ولو في بعض الشؤون. ففي هذا المجال يعود كلّ دعاء عبادة، ويفسر الدعاء في الآيات الماضية والتالية بالعبادة، قال تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ )(3). (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاَ )(4). (اُولئك الَّذِينَ يَدعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةُ )(5). (وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ )(6). (إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ )(7). وما ورد في الاَثر من أنّ الدعاء مُخّ العبادة، أُريد منه دعاء الله أو دعاء الآلهة لا مطلق الدعاء وإن كان المدعوّ غير إله لا حقيقةً أو اعتقاداً.

وفي روايات أئمّة أهل البيت إلماع إلى ذلك، يقول الاِمام زين العابدين في ضمن دعائه: «... فسمّيتَ دعاءك عبادة وتركه استكباراً وتوعّدت على تركه دخول جهنم داخرين»(8)وهو يشير في كلامه هذا إلى قوله سبحانه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ )(9).

هذا هو الدعاء المساوي للعبادة، وهناك قسم آخر منه لا صلة بينه وبين العبادة، وهو فيما إذا دعا شخصاً بما أنّه إنسان وعبد من عباد الله غير أنّه قادر على إنجاز طلبه بإقدار منه تعالى وإذن منه، فليس مثل هذه الدعوة عبادة، بل سنّة من السنن الاِلهية في الكون، هذا هو ذو القرنين يواجه قوماً مضطهدين يطلبون منه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدّاً فعند ذلك يخاطبهم ذو القرنين بقوله: (مَا مَكَّنِّي فِيهِ ربِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً )(10)وها هو الذي من شيعة موسى يستغيث به، يقول سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ )(11)وهذا هو النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يدعو قومه للذبِّ عن الاِسلام في غزوة أُحد وقد تولّوا عنه، قال سبحانه: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي اُخْرَاكُمْ )(12)فهذا النوع من الدعاء قامت عليه الحياة البشرية، فليس هو عبادة، وإنّما هو توسّل بالاَسباب، فإن كان السبب قادراً على إنجاز المطلوب كان الدعاء أمراً عقلائياً وإلاّ يكون لغواً وعبثاً.

ثمّ إنّ القائلين بأنّ دعاء الصالحين عبادة، عند مواجهتهم لهذا القسم من الآيات وما تقتضيه الحياة الاجتماعية، يتشبّثون بكلّ طحلب حتّى ينجيهم من الغرق ويقولون إنّ هذه الآيات تعود على الاَحياء ولا صلة لها بدعاء الاَموات، فكون القسم الاَول جائزاً وأنّه غير عبادة؛ لا يلازم جواز القسم الثاني وكونه غير عبادة.

ولكن عزب عن هؤلاء أنّ الحياة والموت ليسا حدّين للتوحيد والشرك ولا ملاكين لهما، بل هما حدّان لكون الدعاء مفيداً أو لا، وبتعبير آخر ملاكان للجدوائية وعدمها.

فلو كان الصالح المدعوّ غير قادر لاَجل موته مثلاً تكون الدعوة أمراً غير مفيد لا عبادة له، ومن الغريب أن يكون طلب شيء من الحيِّ نفس التوحيد ومن الميت نفس الشرك.

كلّ ذلك يوقفنا على أنّ القوم لم يدرسوا ملاكات التوحيد والشرك، بل لم يدرسوا الآيات الواردة في النهي عن دعاء غيره، فأخذوا بحرفيّة الآيات من دون تدبّر مع أنّه سبحانه يقول: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَليتذكَّرَ اُولُوا الاََْلْبَاب )(13).

ثمّ إنّ الكلام في أنّ دعاء الصالحين بعد انتقالهم إلى رحمة الله مفيد أو لا؟ يتطلّب مجالاً آخراً، وسوف نستوفي الكلام عنه في بحث خاص حول وجود الصلة بيننا وبين أولياء الله في ضوء الكتاب والسنة.


(1) إبراهيم : 22 .

(2) هود : 101 .

(3) الأعراف : 194 .

(4) الإسراء : 56 .

(5) الإسراء : 57 .

(6) يونس : 106 .

(7) فاطر : 14 .

(8) الصحيفة السجادية، دعاؤه برقم 45 .

(9) غافر : 60 .

(10) الكهف : 95 .

(11) القصص : 15 .

(12) آل عمران : 153 .

(13) ص : 29 .

Website Security Test