welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : العبادة حدّها ومفهومها*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

العبادة حدّها ومفهومها

العبادة
حدّها ومفهومها

تأليف: آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

مقدّمة المؤلف:

بسم الله الرحمن الرحيم

في ظلال التوحيد ونبذ الشرك

التوحيد ونبذ الشرك من أهمّ المسائل الاِعتقاديّة التي تصدّرت المفاهيمَ والتعاليمَ السماويّة، ويُعدُّ أساساً للمعارف العليا التي جاء بها سفراؤه سبحانه وأنبياؤه.

إنّ للتوحيد مراتب متعدّدة النظير:

أ: التوحيد في الذات: إنّه واحد لا ثاني ولا نظير له.

ب: التوحيد في الخالقية: إنّه لا خالق للكون إلاّ الله سبحانه.

ج: التوحيد في الربوبيّة: إنّه لا مدبّر للعالم سواه.

د: التوحيد في العبادة: إنّه لا معبود إلاّ هو.

إلى غير ذلك من مراتب التوحيد المطروحة في كتب العقائد.

وقد أولى الذكر الحكيم مزيداً من الاهتمام بالمرتبة الرابعة، أعني: التوحيد في العبادة، ولذلك نجد المسلمين يشهدون خلال صلواتهم اليوميّة بالتوحيد في العبادة، حيث يتلون قوله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) وبالتالي أصبح التوحيد في العبادة شعاراً للمسلمين، ولا يدخل أحد حظيرة الاِسلام إلاّ بالاعتقاد به، وتطبيق العمل على وفقه، فمن رفضه اعتقاداً أو خالفه عملاً فهو مشرك وليس بمسلم.

إنّه سبحانه يركّز على أنّ الهدف من وراء بعث الاَنبياء هو دعوة الناس إلى التوحيد في العبادة، ونبذ عبادة الطاغوت، يقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ


(3)

رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت َ )(1).

إنّه سبحانه جعل التوحيد في العبادة أصلاً مشتركاً بين الشرائع السماويّة التي أنزلها على المصطفين من عباده، وأمر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء بينه وبينهم ألا وهي التوحيد في العبادة، وقال:( قُلْ يا أهلَ الكتابِ تَعالو إلى كلمةٍ سواءٍ بينَنا وبيْنَكُم ألاّ نَعْبُدَ إلاّ اللهَ وَلا نشرِكْ بِهِ شَيئاً ولا يَتَّخِذُ بَعْضُنا بَعْضاً أرباباً مِنْ دونِ اللهِ فإنْ تَوَلّوا فَقُولُو اشْهَدوا بِأنّا مُسلِمون )(2).

إنّ الحدّ الفاصل بين الموحد والمشرك هو أنّ الموحّد يستبشر بذكر الله سبحانه خلافاً للمشرك الذي يستبشر بذكر غيره.

قال سبحانه: (وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَْخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ )(3).

نعم هذا هو حال المشرك فهو يستكبر عن عبادته سبحانه، كما يقول تعالى: (إنّهم كانوا إذا قيلَ لهُمْ لا إلهَ إلاّ الله يَسْتَكْبِرون )(4).

فعلى ضوء ذلك فلا اختلاف بين المسلمين في التوحيد في العبادة، وهو أصل اتّفقت عليه كافّة مذاهبهم، غير أنّ هناك موضوعات ربّما يتصوّر أنّها من مقولة العبادة لغيره سبحانه أو من مصاديق البدعة، فهذا وذاك دعانا إلى طرح الموضوعات التالية على طاولة البحث.

1 ـ العبادة حدّها ومفهومها.

2 ـ البدعة وآثارها الموبقة.


(1) النحل: 36.
(2) آل عمران: 64.
(3) الزمر: 45.
(4) الصافات: 35.

(4)

3 ـ الزيارة في الكتاب والسنّة.

4 ـ صيانة الآثار الاِسلامية.

5 ـ الحياة البرزخيّة.

6 ـ الشفاعة في الكتاب والسنّة.

7 ـ التوسّل مفهومه وأقسامه وحكمه.

وفي الختام، أودّ أن أشير إلى نكتة جديرة بالاهتمام وهي أنّ الفهم الخاطىَ للمسائل المطروحة بات مانعاً أمام وحدة المسلمين، ورصّ صفوفهم، وتوحيد كلمتهم، التي هي أمنية كلّ المصلحين الذين يحملون هموم الاَمّة.

وانطلاقاً من ذلك، فقد آثرنا دراستها على ضوء الكتاب والسنّة بعبارات واضحة لا لُبس فيها يفهمها الجميع، وبلغة هادئة من دون أن تُثير حفيظة الآخرين، وأظنّ أنّ القارىَ الكريم يشاطرني الرأي في ذلك شريطة أن يتجرّد عن كلّ رأي مسبق، وأن يُنشد الحقيقة التي هي أولى بالاتباع.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الاِمام الصادق _ عليه السلام _

24 صفر المظفّر من شهور عام 1412هـ. ق.



(5)

(6)

العبـادة
حدّها ومفهومها


(7)


(8)

تمهيد

العبادة من الموضوعات التي تطرّق إليها الذكر الحكيم كثيراً. وقد حثَّ عليها في أكثر من سورةٍ وآية وخصَّها بالله سبحانه وقال:( وقَضى ربُّكَ ألاّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ وبِالوالِدَينِ إحساناً )(1)ونهى عن عبادة غيره من الاَنداد المزعومة والطواغيت والشياطين، وجعلها الاَصل الاَصيل بين الشرائع السماوية وقال:( يا أهلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمةٍ سَواءٍ بَينَنا وبَينَكمْ ألاّ نَعْبدَ إلاّ إيّاهُ ولا نُشرِكَ بهِ شَيئاً ولا يَتَّخذَ بَعضُنا بَعضاً أرباباً مِنْ دُونِ اللهِ )(2)كما جعلها الرسالة المشتركة بين الرسل فقال سبحانه: (ولَقدْ بَعثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولاً أنِ اعبدُوا اللهَ واجْتنِبوا الطّاغوتَ فمِنهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ ومِنهمْ مَنْ حَقَّتْ عَليهِ الضَّلالةُ )(3).

فإذا كان لهذا الموضوع تلك العناية الكبيرة فجدير بالباحث المسلم أن يتناولها بالبحث والتحقيق العلمي، حتى يتميّز هذا الموضوع عن غيره تميّزاً منطقياً.

والذي يُضفي على الدراسة أهمية أكثر، هو أنّ التوحيد في العبادة أحد مراتب التوحيد التي لا محيص للمسلم من تعلّمه، ثم عقد القلب عليه، والتحرّر عن أيّ لون من ألوان الشرك. فلا تُنال تلك الاَُمنيةُ في مجالي العقيدة والعمل إلاّ بمعرفة الموضوع معرفة صحيحة، مدعمة بالدليل حتّى لا يقع في مغبَّة الشرك، وعبادة غيره سبحانه.

ورغم المكانة الرفيعة للموضوع لم نعثر على بحث جامع حول مفهوم العبادة يتكفّل بيان مفهومها، وحدّها الذي يُفصله عن التكريم والتعظيم أو الخضوع والتذلّل، وكأنَّ السلف (رضوان الله عليهم) تلقّوها مفهوماً واضحاً، واكتفوا فيها بما


(1) الاِسراء: 23.
(2) آل عمران: 64.
(3) النحل: 36.

(9)

توحي إليهم فطرتُهم.

ولو صحّ ذلك فإنّما يصحّ في الاَزمنة السالفة، دون اليوم الذي استفحل عند بعض الناسِ أمر ادّعاء الشرك في العبادة، فيما درج عليه المسلمون منذ قرون إلى أن ينتهي إلى عصر التابعين والصحابة فأصبح ـ بادّعائهم ـ كلّ تعظيم وتكريم للنبيّ، عبادة له، وكلّ خضوع أمام الرسول شركاً، فلا يلتفت الزائر يميناً وشمالاً في المسجد الحرام والمسجد النبوي إلاّ وتوقر سمعه كلمةُ «هذا شرك يا حاج» وكأنّه ليس لديهم إلاّ تلك اللفظة، أو لا يستطيعون تكريم ضيوف الرحمن إلاّ بذلك.

فاللازم علىهؤلاء ـ الذينيعدّون مظاهرالحبّوالودّ،والتكريموالتعظيم شركاً وعبادةـ وضع حدٍّ منطقيّ للعبادة، يُميَّزبها، مصاديقُهاعنغيرهاحتىيتّخذه الوافدون من أقاصي العالم وأدانيه، ضابطة كلّية في المشاهد والمواقف، ولكنـوللاَسف ـ لاتجد بحثاً حول مفهوم العبادة وتبيينها في كتبهم ونشرياتهم ودورياتهم.

فلاَجل ذلك قمنا في هذا الفصل، بمعالجة هذا الموضوع، بشرح مفهومها لغة وقرآناً، حيث بيّنّا أنّ حقيقة الشرك في تعاليم الاَنبياء أخصّ ممّا ورد في المعاجم وكتب اللّغة.


(10)

تخصيص سبحانه

إنّ المسلم في شرق الاَرض وغربها، يخصّ العبادة والاستعانة بالله سبحانه في كلّ يوم في صلواته الخمس فيقول: ( إيّاكَ نَعبُدُ وإيّاكَ نَستَعِينُ )(1)ولا خلاف بين المسلمين في هذه الضابطة الكلّية، أي أنّ العبادة مختصّة بالله سبحانه، ولا يصحّ إصدار هويّة إسلامية لشخص إلاّ بعد الاعتراف بهذه الكُبرى، وإنّما الخلاف بينهم في بعض الاَُمور والاَحوال الخارجية، فهل هي عبادة أو لا؟ فلو صحّت كونها عبادة، فلا يجوز الاِتيان بها لغيره سبحانه وإن أتى بها لغيره يُعدّ مشركاً.

مثلاً تقبيل الاَضرحة هل هو عبادة لصاحب القبر أو تكريم وتعظيم له؟ وهكذا الصلاة في المشاهد وعند قبور الاَنبياء، فهل هي عبادة لصاحب القبر (وإن كانت الصلاة لله) أو هي عبادة لله ولكن تتضمّن التبرّك بصاحب القبر؟

ومثل ذلك مسألة الاستعانة في نفس الآية، فمع الاعتراف بحصر الاستعانة بالله سبحانه، فلا شكّ عند العقلاء عامّة أنّه تجوز الاستعانة بالاَحياء في الاَُمور الدنيوية، ولكن إذا استعان بإنسان حيّ فيما يرجع إلى الاَُمور الغيبية، كردّ ضالته وبرء مرضه، فهل هو استعانة تخالف الحصر المذكور في الآية أو لا؟

وهناك صورة ثالثة أبهم من الصورة الثانية وهي: إذا استعان بميّت بنحو من الاَنحاء كما إذا طلب منه الدعاء والاستغفار في حقّه، فهل هي استعانة تخالف الحصر أو لا؟ وقس على ذلك بعض ما يرد عليك من الصور المردّدة بين العبادة والتكريم، أو بين الاستعانة الجائزة والمحرّمة.

ولاَجل أن يكون البحث أكثر علمية وموضوعية علينا أوّلاً البحث في


(1) سورة الفاتحة: 6.

(11)

مسألتين:

1 ـ تحديد مفهوم العبادة حتى تتميّز عن التكريم والتبجيل والتبرّك.

2 ـ تحديد الاستعانة المختصة بالله وفصلها عن الاستعانة الجائزة.

كلّ ذلك في ضوء القرآن الكريم.


(12)

المسألة الاَُولى:
مفهوم العبادة وحدّها

بالرغم من عناية اللغويين والمفسّرين بتفسير لفظ العبادة وتبيينها، لكن لا تجد في كلماتهم ما يشفي الغليل، وذلك لاَنّهم فسّروه بأعمّ المعاني وأوسعها وليس مرادفاً للعبادة طرداً وعكساً.

1 ـ قال الراغب في المفردات: «العبودية: إظهار التذلّل، والعبادة أبلغ منها؛ لاَنّها غاية التذلّل، ولا يستحقّ إلاّ من له غاية الاِفضال وهو الله تعالى ولهذا قال: ( وقَضى ربُّكَ ألاَّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ... )».

2 ـ قال ابن منظور في لسان العرب: «أصل العبودية: الخضوع والتذلّل».

3 ـ قال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: «العبادة: الطاعة».

4 ـ قال ابن فارس في المقاييس: «العبد: الذي هو أصل العبادة، له أصلان متضادّان، والاَوّل من ذينك الاَصلين، يدلّ على لين وذلّ، والآخر على شدّة وغلظ».

هذه أقوال أصحاب المعاجم ولا تشذّ عنها أقوال أصحاب التفاسير وهم يفسّرونه بنفس ما فسّر به أهل اللغة، غير مكترثين بأنّ تفسيرهم، تفسير لها بالمعنى الاَعمّ.

1 ـ قال الطبري في تفسير قوله:(إيّاكَ نَعبُد ) اللّهمّ لك نخشع ونذلّ ونستكين إقراراً لكَ يا ربّنا بالربوبية لا لغيرك. إنّ العبودية عند جميع العرب أصلها الذلّة وإنّها تسمّي الطريق المذلّل الذي قد وطئته الاَقدام وذلّلته السابلة معبَّداً، ومن ذلكقيلللبعير المذلّل بالركوبللحوائج: معبَّد، ومنهسمّيالعبدعبداً،لذلّته لمولاه(1)


(1) تفسير الطبري 1: 53، ط دار المعرفة، بيروت.

(13)

2 ـ قال الزجاج: معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع، يقال: هذا طريق معبّد إذا كان مذلّلاً لكثرة الوطء، وبعير معبّد إذا كان مطلياً بالقطران، فمعنى (إيّاكَ نَعبدُ ): إياك نطيع، الطاعة التي نخضع منها(1).

3 ـ وقال الزمخشري: العبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلّل، ومنه ثوب ذو عبدة؛ أي في غاية الصفاقة، وقوة النسج، ولذلك لم تستعمل إلاّ في الخضوع لله تعالى لاَنّه مولى أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع(2).

4 ـ قال البغوي: العبادة: الطاعة مع التذلّل والخضوع وسمّي العبد عبداً لذلّته وانقياده يقال: طريق معبّد، أي مذلّل(3).

5 ـ قال ابن الجوزي: المراد بهذه العبادة ثلاثة أقوال:

أ ـ بمعنى التوحيد (إيّاك نعبد) عن علي وابن عباس.

ب ـ بمعنى الطاعة كقوله تعالى (لا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ )(4).

ج ـ بمعنى الدعاء(5).

6 ـ قال البيضاوي: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلّل، ومنه الطريق المعبّد؛ أي مذلّل، وثوب ذو عبدة، إذا كان في غاية الصفاقة، ولذلك لا تستعمل إلاّ في الخضوع لله تعالى(6).

وسيأتي أنّ تفسير العبادة بغاية الخضوع ربّما يكون تفسيراً بالاَخصّ؛ إذ لا تشترط في صدقها غاية الخضوع، ولذلك يعدُّ الخضوع المتعارف الذي يقوم به


(1) معاني القرآن 1 : 48.
(2) الكشاف 1 : 10.
(3) تفسير البغوي 1 : 42.
(4) سورة مريم: 44.
(5) زاد المستنير 1 : 12.
(6) أنوار التنزيل 1 : 9.

(14)

أبناء الدنيا أمام الله سبحانه عبادة، وإن لم يكن بصورة غاية التعظيم، وربّما يكون تفسيراً بالاَعمّ؛ فإنّ خضوع العاشق لمعشوقه ربّما يبلغ نهايته ولا يكون عبادة.

7 ـ وقال القرطبي: (نعبُد )، معناه نطيع، والعبادة: الطاعة والتذلّل، وطريق معبّد إذا كان مذلّلاً للسالكين(1).

8 ـ وقال الرازي: العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير، وهو مأخوذ من قولهم: طريق مُعبَّد(2).

وإذا قصّرنا النظر في تفسير العبادة، على هذه التعاريف وقلنا بأنّها تعاريف تامّة جامعة للاَفراد ومانعة للاَغيار، لزم رَمي الاَنبياء والمرسلين، والشهداء والصدّيقين بالشرك، وأنّهم ـ نستعيذ بالله ـ لم يتخلّصوا من مصائد الشرك، ولزم ألاّ يصحّ تسجيل أحد من الناس في قائمة الموحّدين. وذلك لاَنّ هذه التعاريف تفسّر العبادة بأنّها:

1 ـ إظهار التذلّل.

2 ـ إظهار الخضوع.

3 ـ الطاعة والخشوع والخضوع.

4 ـ أقصى غاية الخضوع.

وليس على أديم الاَرض من لا يتذلّل أو لا يخشع ولا يخضع لغير الله سبحانه وإليك بيان ذلك:

* * *


(1) جامع أحكام القرآن 1 : 145.
(2) مفاتيح الغيب 1 : 242، في تفسير قوله تعالى: (إيّاكَ نعبدُ).

(15)

ليست العبادة نفس الخضوع أو نهايته

إنّ الخضوع والتذلّل حتّى إظهار نهاية التذلّل لا يساوي العبادة ولا يعدّ حداً منطقياً لها، بشهادة أنّ خضوع الولد أمام والده، والتلميذ أمام أُستاذه، والجنديُّ أمام قائده، ليس عبادة لهم وإن بالغوا في الخضوع والتذلّل حتّى ولو قبّل الولدُ قدمَ الوالدين، فلا يعد عمله عبادة، لاَنّ الله سبحانه يقول: (واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمةٍ )(1).

وأوضح دليل على أنّ الخضوع المطلق وإن بلغ النهاية لا يعدّ عبادة هو أنّه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم وقال: (وإذْ قُلنا لِلمَلائِكةِ اسْجُدوا لآدَمَ )(2) وآدم كان مسجوداً له ككونه سبحانه مسجوداً له، مع أنّ الاَول لم يكن عبادة وإلاّ لم يأمر بها سبحانه، إذ كيف يأمر بعبادة غيره وفيالوقت نفسه ينهى عنها بتاتاً في جميع الشرائع من لدن آدم _ عليه السلام _ إلى الخاتم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ولكن الثانيـ أي الخضوع للهـ عبادة.

والله سبحانه يصرّح في أكثر من آية بأنّ الدعوة إلى عبادة الله سبحانه، والنهي عن عبادة غيره، كانت أصلاً مشتركاً بين جميع الاَنبياء، قال سبحانه: (ولَقدْ بَعثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولاً أنِ اعبدُوا اللهَ واجْتنِبوا الطّاغوتَ )(3)وقال سبحانه: (وَما أرسَلنا مِنْ قَبلِكَ مِنْ رَسولٍ إلاّ نُوحي إليهِ أنَّهُ لا إلـهَ إلاّ أنَا فَاعْبُدونِ )(4)وفي موضع آخر من الكتاب يعدّ سبحانه التوحيد في العبادة: الاَصل المشترك بين جميع الشرائع السماوية، إذ يقول: (قل يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمةٍ سَواءٍ بَينَنا


(1) الاِسراء: 24.
(2) البقرة: 34.
(3) النحل: 36.
(4) الاَنبياء: 25.

(16)

وبَينَكمْ ألاّ نَعْبدَ إلاّ اللهَ ولا نُشرِكَ بهِ شَيئاً )(1)، ومعه كيف يأمر بسجود الملائكة لآدم الذي هو من مصاديق الخضوع النهائي؟ وهذا الاِشكال لايندفع إلاّ بنفي كون الخضوع عبادة، ببيان أنّ للعبادة مقوّماً لم يكن موجوداً في سجود الملائكة لآدم.

ولم يكن آدم فحسب هو المسجود له بأمره سبحانه، بل يوسف الصدّيق كان نظيره؛ فقد سجد له أبواه وإخوته، وتحقّق تأويل رؤياه بنفس ذلك العمل، قال سبحانه حاكياً عن لسان يوسف _ عليه السلام _ : (إنّي رأيتُ أحدَ عشَر كوكباً والشَّمسَ والقَمَر رأَيتُهُمْ لي ساجِدِينَ )(2).

كما يحكي تحقّقه بقوله سبحانه: (ورَفعَ أبَويهِ عَلَى العَرشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وقالَ يا أبَتِ هـذا تَأْويلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلها رَبِّي حَقّاً )(3)ومعه كيف يصحّ تفسير العبادة بالخضوع أو نهايته؟

إنّه سبحانه أمر جميع المسلمين بالطواف بالبيت الذي ليس هو إلاّ حجراً وطيناً، كما أمر بالسعي بين الصفا والمروة، قال سبحانه: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ )(4) وقال سبحانه: (إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيتَ أوِ اعْتَمَر فَلا جُناحَ عَلَيهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما )(5).

فهل ترى أنّ الطواف حول التراب والجبال والحجر عبادة لهذه الاَشياء بحجّة أنّه خضوع لها؟!

إنّ شعار المسلم الواقعي هو التذلّل للمؤمن والتعزّز على الكافر، قال سبحانه: (فَسَوْفَ يأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرينَ )(6).


(1) آل عمران: 64.
(2) يوسف: 4.
(3) يوسف: 100.
(4) الحج: 29.
(5) البقرة: 158.
(6) المائدة: 54.

(17)

فمجموع هذه الآيات وجميع مناسك الحج يدلاّن بوضوح على أنّ مطلق الخضوع والتذلّل ليس عبادة. ولو فسّرها أئمة اللغة بالخضوع والتذلّل، فقد فسّروها بالمعنى الاَوسع، فلا محيص حينئذٍ عن القول بأنّ العبادة ليست إلاّ نوعاً خاصاً من الخضوع. ولو سُمّي في بعض الموارد مطلق الخضوع عبادة، فإنّما سُمّي من باب المبالغة والمجاز، يقول سبحانه: (أَرأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهَهُ هَواهُ أفأَنتَ تَكونُ عَليهِ وَكيلاً )(1)فكما أنّ إطلاق اسم الاِله على الهوى مجاز فكذا تسمية متابعة الهوى عبادة له، ضرب من المجاز.

ومن ذلك يعلم مفاد قوله سبحانه: (ألَمْ أعْهَدْ إلَيكُمْ يا بَني آدمَ أنْ لا تَعبُدوا الشَّيطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُستقيمٌ )(2).

فإنّ مَنْ يتَّبِع قولَ الشَّيطان فيتساهل في الصلاة والصيام، ويترك الفرائض أو يشرب الخمر ويرتكب الزنا، فإنّه بعمله هذا يقترف المعاصي؛ لا أنّه يعبده كعبادة الله، أو كعبادة المشركين للاَصنام، ولاَجل ذلك لا يكون مشركاً محكوماً عليه بأحكام الشرك، وخارجاً عن عداد المسلمين، مع أنّه من عبدة الشيطان لكن بالمعنى الوسيع الاَعمّ من الحقيقي والمجازيّ.

وربما يتوسّع في إطلاق العبادة فتطلق على مطلق الاِصغاء لكلام الغير، وفي الحديث: «من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدّي عن الله عزّ وجلّ فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان»(3).


(1) الفرقان: 43.
(2) يس: 60ـ61.
(3) الكافي 6 : 434.

(18)

توجيه غير سديد

إنّ بعض من يفسّر العبادة بالخضوع والتذلّل عندما يقف أمام هذه الدلائل الوافرة، يحاول أن يجيب ويقول: إنّ سجود الملائكة لآدم أو سجود يعقوب وأبنائه ليوسف، لم يكن عبادة له ولا ليوسف؛ لاَنّ ذلك كان بأمر الله سبحانه ولو لا أمره لانقلب عملهم عبادة لهما.

وهذا التوجيه بمعزِل عن التحقيق؛ لاَنّ معنى ذلك أنّ أمر الله يُغيّر الموضوع، ويبدل واقعه إلى غير ما كان عليه، مع أنّ الحكم لا يغيِّر الموضوع.

فلو نفترض أنّه سبحانه أمر بسبِّ المشرك والمنافق فأمره سبحانه لايخرج السبَّ عن كونه سباً، فلو كان مطلقُ الخضوع المتجلّي في صورة السجود لآدم أو ليوسف عبادة، لكان معنى ذلك أنّه سبحانه أمر بعبادة غيره، مع أنّها فحشاء بتصريح الذكر الحكيم لا يأمر بها سبحانه، قال تعالى: (إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحشاءِ أتَقُولونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ )(1).

وهناك تعاريف للعبادة لجملة من المحقّقين نأتي بها واحداً بعد الآخر:

1

ـ نظرية صاحب المنار في تفسير العبادة

إنّ صاحب المنار لمّا وقف على بعض ما ذكرناه حاولَ أن يُفسّر العبادة بشكل يبعده عن بعض ما ذكرنا، لذلك أخذ في التعريف قيوداً ثلاثة:

أ ـ العبادة ضرب من الخضوع بالِغٌ حدَّ النهاية.

ب ـ ناشىَ عن استشعار القلب عظمة المعبود، لا يعرف منشأها.

ج ـ واعتقاده بسلطة لا يُدرَك كنهها وماهيّتها(2).

يلاحظ على هذا التعريف:

أوّلاً: أنّ التعريف غير جامع، وذلك لاَنّه إذا كان مقوّم العبادة، الخضوعَ البالغَ


(1) الاَعراف: 28.

(2) تفسير المنار1: 57.


(19)

حدّ النهاية فلا يشمل العبادة الفاقدة للخشوع والخضوع التي يؤدّيها أكثر المتساهلين في أمر الصلاة، وربما يكون خضوع الجندي لقائده أشدّ من هؤلاء المتساهلين الذين يتصوّرون الصلاة عبادة وجهداً.

وثانياً: ماذا يريد من قوله: «عن استشعار القلب عظمة المعبود لا يعرف منشأها»؟ فهل يعتقد أنّ الاَنبياء كانوا يستشعرون عظمة المعبود ولكن لا يعرفون منشأها. مع أنّ غيرهم يستشعر عظمة المعبود ويعرف منشأها، وهو أنّه سبحانه: الخالق البارىَ، المصوّر، أو أنّه سبحانه هو الملك القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبّر.

وثالثاً: ماذا يريد من قوله: «واعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها وماهيتها»؟.

فإن أراد شرطية هذا الاعتقاد في تحقّق العبادة، فلازم ذلك عدم صدقها على عبادة الاَصنام والاَوثان، فإنّ عُبّاد الاَوثان يعبدونها وكانوا يعتقدون بكونهم شفعاء عند الله سبحانه فقط لا أنّ لهم سلطة لا يدرك كنهُها وماهيّتُها.

2

ـ نظرية الشيخ شلتوت، زعيم الاَزهر

وقدعرّف شيخالاَزهر الاَسبق العبادة بنفس ما عرّفها صاحب المنار، ولكنّه يختلف عنه لفظاً ويتّحد معه معنىً، فقال: العبادة خضوع لا يحدُّ، لعظمة لاتحد(1).

وهذا التعريف يشترك مع سابقه نقداً وإشكالاً، وذلك أنّ العبادة ليست منحصرة في خضوع لا يحدّ بل الخضوع المحدّد أيضاً ربّما يعدّ عبادة، كما إذا كان الخضوع بأقلّ مراتبه. وكذلك لا يشترط كون الخضوع لعظمة لا تحدّ؛ إذ ربّما تكون عظمة المعبود محدودة في زعم العابد كما هو الحال في عبادة الاَصنام، الذي كان الدافع إلى عبادتها كونها شفعاء عند الله.


(1) تفسير القرآن الكريم : 37.