welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أهل البيت سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

أهل البيت سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم

أهل البيت
سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم

تأليف

سماحة العلامة المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني

مؤسسة الامام الصادق (عليه السلام) قم / ايران


(2)

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى :

(إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)

(الاَحزاب: 33 )


(5)

المقدّمة

الحمد للّه بارىَ النسم، وسابغ النعم، والصلاة والسلام على أفضل خليقته،وأشرف بريّته، أبي القاسم محمد، وعلى آله الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

أمّا بعد؛

لقدحاز أهل البيت (عليهم السلام) على أهمية بالغة في القرآن الكريم،وأشار إليهم في غير واحد من آياته ببيان سماتهم، وحقوقهم، وما يمت إليهم بصلة، لا سيما آية التطهير المعروفة بين المسلمين، أعني: قوله سبحانه: (إِنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً).

ولاَجل أهمية الموضوع ألّف غير واحد من علماء الفريقين كتباً ورسائل حوله، أفاضوا فيها الكلام حول هوية أهل البيت ومناقبهم وفضائلهم.

وقد استرعى انتباهي في الفترة الاَخيرة كتابان حول أهل البيت: أحدهما: «حقوق أهل البيت (عليهم السلام) » لابن تيمية (المتوفّى عام 728هـ)، والآخر: «الشيعة وأهل البيت» للكاتب المعاصر إحسان إلهي ظهير حيث بذلا الوسع لبيان نزول الآية في نساء النبي ص، و الكتاب الثاني أشدّ بخساً في هذا المجال. وقد أنصف الكتاب الاَوّل بعض الاِنصاف.

هذا وذاك ممّا دعاني إلى تقديم هذا الكتاب الماثل بين يديك الذي يبيّن هوية أهل البيت من خلال القرائن الموجودة في الآية والروايات المتضافرة ، مضافاً إلى بيان سماتهم وحقوقهم عسى أن يجبر بعض ما هضم من حقوقهم في ذينك الكتابين خصوصاً الكتاب الاَخير.

وأود أن أشير في الختام إلى نكتة وهي انّ آية التطهير لحنها لحن الثناء والتمجيد على أهل البيت (عليهم السلام) في حين انّ لحن الآيات الواردة في نساء النبي ص النصح والوعظ تارة، والتنديد والتوبيخ أُخرى.


(6)

أمّا الاَوّل فكما في الآيات الواردة في سورة الاَحزاب.

يقول سبحانه: (يا أَيُّها النَّبيُّ قُل لاََزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدُّنيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَميلاً) .(1)

(يا نِساءَ النَّبيّ مَنْ يَأتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشة مُبيّنةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَينِ وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيراً) .(2)

(يا نِساءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ منَ النِّساءِ إِن اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيََطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَولاً مَعْرُوفاً) .(3)

(وَقَرَنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليّةِ الاَُولى وَأَقمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وأَطِعْنَ اللّهَ ورَسُولَهُ) .(4)

وأمّا الثاني أي التنديد و التوبيخ ففي الآيات الواردة في سورة التحريم:

(يا أيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرضاةَ أَزْواجِكَ واللّهُ غَفُورٌ رَحيم) .(5)

(إِن تَتُوبا إِلى اللّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَولاهُ وجِبْرِيلُ وصَالِحُ الْمُوَْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِير) .(6)

(عَسى رَبُّهُ إِنْطَلَّقْكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُوَْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً).(7)

فأُمّهات الموَمنين كسائر الصحابيات لهنّ من الفضل ما لغيرهنّ، ولكن آية التطهير بلغت من الثناء على أهل البيت بمكان تأبى من الانطباق عليهن بما عرفت لهنّ من السمات في الآيات وستوافيك دلالة الآية على عصمة أهل البيت وتنزيههم من الزلل والخطأ.


1 . الاَحزاب: 28 .
2 . الاَحزاب: 30.
3 . الاَحزاب: 32 .
4 . الاَحزاب: 33 .
5 . التحريم: 1 .
6 . التحريم: 4 .
7 . التحريم: 5 .

(7)

أهل البيت (عليهم السلام) سماتهم و حقوقهم

لقد وردت لفظة «أهل البيت » مرّتين في القرآن الكريم.

قال سبحانه حاكياً عن لسان الرسل: (قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أمرِ اللّهِ رَحمةُ اللّهِ وبَركاتُهُ عَلَيْكُمْ أهلَ البَيْتِ إنّهُ حَمِيدٌ مَجِيد) .(1)

وقال تعالى :(وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَّ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الاَُولى وأقِمْنَ الصلاةَ وآتِينَ الزكاةَ واطِعْنَّ اللّهَ ورَسُولَهُ إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُم تَطهِيراً) . (2)

فالآية الاَُولى تخاطب أهل بيت خليل اللّه عند ما جاءتهم الرسل فبشّـروا امرأته بإسحاق ومن وراء إسحاق بيعقوب.

ولمّا كانت هذه البشارة على خلاف السنن الكونية حيث كان الخليل شيخاً وزوجته طاعنة في السن، فلذلك تعجبت وقالت مخاطبة الرسل: (يا وَيْلَتي ءَأَلِدُ وأنَا عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إنّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيب) (3) فوافاها


1 . هود: 73 .
2 . الاَحزاب: 33 .
3 . هود: 72.

(8)

الجواب من جانب الرسل الذين كانوا ملائكة وتمثّلوا بصورة الاِنسان، قائلين: (أتعجبين من أمر اللّه رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت انّه حميد مجيد) .

وأمّا الآية الثانية فقد وردت في ثنايا الآيات التي نزلت في شأن نساء النبي ص بدعوتهنّإلى التخلّـي عن الدنيا والتحلّـي بالتقوى إلى غير ذلك من الوصايا التي وردت ضمن آيات. (1)

والمهم في هذا المقام هو معرفة أهل البيت في الآية الثانية وما هي سماتهم وحقوقهم في الذكر الحكيم؟

فهناك مباحث ثلاثة:

من هم أهل البيت (عليهم السلام) ؟

و ماهي سماتهم؟

وماهي حقوقهم؟

وها نحن نقوم بدراسة هذه المواضيع في فصول ثلاثة مستمدين من اللّه العون والتوفيق.


1 . انظر سورة الاَحزاب، الآيات : 28 ـ 34.

(9)

الفصل الاَوَّل

من هم أهل البيت(عليهم السلام)

إنّ المعروف بين المفسرين والمحدّثين، هو انّ المراد من أهل البيت في الآية المباركة، العترة الطاهرة الذين عرّفهم الرسول ص في حديث الثقلين، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي».

غير انّ تحقيق مفاد الآية وتبيين المراد من أهل البيت فيها وانطباقها على حديث الثقلين يستدعي البحث في موردين:

أ. أهل البيت لغة وعرفاً.

ب. أهل البيت في الآية المباركة.

وإليك الكلام فيهما واحداً تلو الآخر .

* * *


(10)

أ. أهل البيت لغة وعرفاً:

هذا اللفظ مركب من كلمتين ولكل مفهوم، ويمكن تحديد مفهوم «الاَهل» من موارد استعماله فيقال:

1. أهل الاَمر والنهي. 2. أهل الاِنجيل. 3. أهل الكتاب. 4. أهل الاِسلام. 5. أهل الرجل. 6. أهل الماء.

وهذه الموارد توقفنا على أنّ كلمة «أهل» تستعمل مضافاً فيمن كان له علاقة قوية بمن أُضيف إليه، فأهل الاَمر والنهي هم الذين يمارسون الحكم والبعث والزجر، وأهل الاِنجيل هم الذين لهم اعتقاد به كأهل الكتاب وأهل الاِسلام.

وقد اتفقت كلمة أهل اللغة على أنّ الاَهل والآل كلمتان بمعنى واحد، قال ابن منظور: آل الرجل: أهله، وآل اللّه وآل رسوله: أولياوَه، أصلها أهل ثم أُبدلت الهاء همزة فصارت في التقدير أأل، فلمّـا توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفاً، كما قالوا: آدم وآخر، وفي الفعل آمن وآزر .

وقد أنشأ عبد المطلب عند هجوم ابرهة على مكة المكرمة، وقد أخذ حلقة باب الكعبة وقال:

وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك وعلى ما ذكرنا، فهذا اللفظ إذا أُضيف إلى شيء يقصد منه المضاف الذي له علاقة خاصة بالمضاف إليه، فأهل الرجل مثلاً هم أخص الناس به، وأهل المسجد، المتردّدون كثيراً إليه، وأهل الغابة القاطنون فيها ... فإذا لاحظنا موارد


(11)

استعمال هذه الكلمة لا نتردّد في شمولها للزوجة والاَولاد، بل وغيرهم ممّن تربطهم رابطة خاصة بالبيت من غير فرق بين الاَولاد والاَزواج، ولاَجل ذلك ترى أنّه سبحانه يطلقه على زوجة إبراهيم كما عرفت في الآية.

هذا هو حق الكلام في تحديد مفهوم هذه الكلمة، ولنأت ببعض نصوص أئمّة اللغة.

قال ابن منظور: أهل البيت سكانه، وأهل الرجل أخص الناس به، وأهل بيت النبي : أزواجه وبناته وصهره، أعني: علياً (عليه السلام) ، وقيل: نساء النبي والرجال الذين هم آله . (1)

فلقد أحسن الرجل في تحديد المفهوم أوّلاً ، وتوضيح معناه في القرآن الكريم ثانياً، كما أشار بقوله: «قيل» إلى ضعف القول الآخر، لاَنّه نسبه إلى القيل.

وقال ابن فارس ناقلاً عن الخليل بن أحمد: أهل الرجل: زوجه، والتأهّل، التزوّج، وأهل الرجل: أخص الناس به، وأهل البيت: سكّانه، وأهل الاِسلام: من يدين به . (2)

وقال الراغب في «مفرداته»: أهل الرجل من يجمعه وإيّاهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل في الاَصل من يجمعه وإيّاهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإيّاهم النسب وتعورف في أُسرة النبي عليه الصلاة والسلام مطلقاً إذا قيل أهل البيت.(3)

وقال الفيروز آبادي: أهل الاَمر : ولاته، وللبيت سكّانه، وللمذهب من يدين به، وللرجل زوجته كأهله، وللنبي أزواجه وبناته وصهره علي ـ رضي اللّه


1 . لسان العرب: 11|29، مادة «أهل».
2 . معجم مقاييس اللغة: 1|150.
3 . المفردات: 29.

(12)

تعالى عنه ـ أو نساوَه والرجال الذين هم آله . (1)

هذه الكلمات ونظائرها بين أعلام أهل اللغة كلّها تعرب عن أنّ مفهوم أهل البيت في اللغة هم الذين لهم صلة وطيدة بالبيت، وأهل الرجل من له صلة به بنسب أو سبب أو غيرهما.

هذا هو الحق الذي لامرية فيه والعجب من إحسان إلهي ظهير الذي ينقل هذه النصوص من أئمّة اللغة وغيرهما ثم يستظهر انّ أهل البيت يطلق أصلاً على الاَزواج خاصة، ثم يستعمل في الاَولاد والاَقارب تجوّزاً، ثم يقول: هذا ما يثبت من القرآن الكريم كما وردت هذه اللفظة في قصة إبراهيم بالبشرى، فقال اللّه عزّ وجلّ في سياق الكلام: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَـقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) (2) وقال: فاستعمل اللّه عزّ وجلّ هذه اللفظة على لسان ملائكته في زوجة إبراهيم (عليه السلام) لا غير، وهكذا قال اللّه عزّ وجلّ في كلامه المحكم في قصة موسى عليه الصلاة والسلام : (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الاَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لاَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً) (3) ، فالمراد من الاَهل زوجة موسى (عليه السلام) ، وهي بنت شعيب . (4)

نحن نسأل الكاتب من أين استظهر من كلمات أهل اللغة انّ «الاَهل» تطلق


1 . القاموس المحيط: 3|331.
2 . هود: 73.
3 . القصص: 30.
4 . الشيعة وأهل البيت: 16 ـ 17.

(13)

أصلاً على الاَزواج خاصة، ثم تستعمل في الاَولاد تجوّزاً ؟!

أليس قد تقدّم لنا كلام ابن منظور: أهل الرجل: أخص الناس به؟ ! أليس الاَولاد أخص الناس بالرجل؟ ومن فسره بقوله: أهل الرجل زوجه لا يريد اختصاصه بالزوج، بل يشير إلى أحد موارد استعماله، ولاَجل ذلك يستدركه ويصرح بقوله: أهل الرجل: أخص الناس به.

ثم نسأله عن دلالة الآيتين على اختصاص الاَهل بالاَزواج وهل في منطق اللغة والاَدب جعل الاستعمال دليلاً على الانحصار ؟ فلا شك انّ الاَهل في الآيتين أُطلق على الزوجة، وليس الاِطلاق دليلاً على الانحصار، على أنه أُطلق في قصة الخليل وأُريد الزوجة والزوج معاً، أي نفس الخليل بشهادة قوله تعالى: (عليكم أهل البيت) والاِتيان بضمير الجمع المذكر، وإرادة واحد منهما وحمل الخطاب العام على التعظيم، لا وجه له في المقام.

وحصيلة الكلام: انّ مراجعة كتب اللغة، وموارد استعمال الكلمة في الكتاب والسنّة تعرب عن أنّ مفهوم «الاَهل» هو المعنى العام وهو يشمل كل من له صلة بالرجل والبيت صلة وطيدة موَكدة من نسب أو سبب أو غير ذلك، من غير فرق بين الزوجة والاَولاد وغيرهم، وانّ تخصيصها بالزوجة قسوة على الحق، كما أنّ تخصيصها لغة بالاَولاد وإخراج الاَزواج يخالف نصوص القرآن واستعمالها كما عرفت في الآيات الماضية.

هذا هو الحق في تحديد المفهوم، فهلّم معي نبحث عما هو المراد من هذا المفهوم في الآية الكريمة، وهل أُريد منه كل من انتمى إلى البيت من أزواج وأولاد أو أنّ هناك قرائن خاصة على أنّ المقصود قسم من المنتمين إليه؟ وليس هذا بشيء غريب، لاَنّ المفهوم العام قد يطلق ويراد منه جميع الاَصناف


(14)

والاَقسام كما يطلق ويراد منه حسب القرائن بعضهم، وقد عرفت أنّ المراد من الاَهل في قصة موسى زوجته وفي قصة إبراهيم زوجته، وعلى هذا لا شك في شمول كلمة أهل البيت للزوجة والاَولاد وغيرهما إلاّ أن تقوم قرائن على أنّ المراد صنف خاص، والمدّعى انّه قد قامت القرائن على إرادة صنف خاص منهم، وتتبيّـن في البحث الآتي:

أهل البيت في الآية المباركة؟

اختلف المفسرون في بيان ما هو المراد من «أهل البيت» في الآية المباركة على أقوال، غير انّ العبرة بقولين، والاَقوال الاَُخر شاذة لا يعبأ بها، وانّما اختلقت لحل الاِشكالات الواردة على القول الثاني كما سيوافيك بيانها في آخر البحث.

1. المراد بنت النبي وصهره وولداهما الحسن والحسين (عليهم السلام) .

2. نساء النبي «(صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)

ولا بد من إمعان النظر في تعيين المراد بعد قابلية اللفظ لشمول كلتا الطائفتين، فيقول: إنّ هناك قرائن تدل بوضوح على أنّ المراد من هذه الكلمة جماعة خاصة منتمين إلى البيت النبوي بوشائج خاصة لا كل المنتمين إليه، وإليك تلك القرائن:

القرينة الاَُولى: اللام في «أهل البيت» للعهد

لا شك أنّ اللام قد تطلق ويراد منها الجنس المدخول كقوله سبحانه: (إنّ الاِنسان لفي خُسر ) . (2)

وقد يطلق ويراد منها استغراق أفراده كقوله سبحانه : (يَا أَيُّها النَّبِيُّ جَاهِدِ)


1 . وهناك أقوال أُخر شاذة جداً ستوافيك في مختتم البحث.
2 . العصر : 2.

(15)

الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) . (1)

وثالثة تستعمل في العهد باعتبار معهودية مدخولها بين المتكلّم والمخاطب.

ولا يمكن حمل اللام في «البيت» على الجنس أو الاستغراق، لاَنّ الاَوّل انّما يناسب إذا أراد المتكلم بيان الحكم المتعلّق بالطبيعة كما يعلم من تمثيلهم لذلك بقوله تعالى: (إِنَّ الاِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً) (2)، ومن المعلوم أنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة أهل البيت ، كما لا يصح أن يحمل على العموم، أي: جميع البيوت في العالم، أو بيوت النبي ، وإلاّ لناسب الاِتيان بصيغة الجمع فيقول: أهل البيوت، كما أتى به عندما كان في صدد إفادة ذلك، وقال في صدر الآية : (وقرن في بيوتكن) .

فتعين أن يكون المراد هو الثالث، أي البيت المعهود، فالآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص، معهود بين المتكلم والمخاطب، وحينئذ يقع الكلام في تعيين هذا البيت المعهود، فما هو هذا البيت؟ هل هو بيت أزواجه، أو بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسين (عليهم السلام) ؟

لا سبيل إلى الاَوّل، لاَنّه لم يكن لاَزواجه بيت واحد حتى تشير اللام إليه، بل تسكن كل واحدة في بيت خاص، ولو أُريد واحداً من بيوتهن لاختصت الآية بواحدة منهم، وهذا ما اتفقت الاَُمّة على خلافه.

أضف إلى ذلك أنّه على هذا يخرج بيت فاطمة مع أنّ الروايات ناطقة بشمولها، وانّما الكلام في شمولها لاَزواج النبي كما سيوافيك بيانه.


1 . التوبة: 73.
2 . المعارج: 19.

(16)

هذا كلّه على تسليم انّ المراد من البيت هو البيت المبني من الاَحجار والآجر والاَخشاب، فقد عرفت أنّ المتعيّـن حمله على بيت خاص معهود ولا يصح إلاّ حمله على بيت فاطمة، إذ ليس هناك بيت خاص صالح لحمل الآية عليه.

وأمّا لو قلنا بأنّ البيت قد يطلق ويراد منه تارة هذا النسق، كما في قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاَُولى) ، وأُخرى غير هذا النمط من البيت، مثل قول القائل: «بيت النبوة» و «بيت الوحي» تشبيهاً لهما على المحسوس، فلا محيص أن يراد منه المنتمون إلى النبوة والوحي بوشائج معنوية خاصة على وجه يصح مع ملاحظتها، عدّهم أهلاً لذلك البيت، وتلك الوشائج عبارة عن النزاهة في الروح والفكر، ولا يشمل كل من يرتبط ببيت النبوة عن طريق السبب أو النسب فحسب، وفي الوقت نفسه يفتقد الاَواصر المعنوية الخاصة، ولقد تفطّن العلاّمة الزمخشري صاحب التفسير لهذه النكتة، فهو يقول في تفسير قوله تعالى: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) (1)، لاَنّها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والاَُمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وان تسبح اللّه وتمجّده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولها: (رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت) أرادوا انّ هذه وأمثالها ممّا يكرمكم به رب العزة، ويخصّكم بالاَنعام به يا أهل بيت النبوة . (2)

وعلى ذلك لا يصح تفسير الآية بكل المنتسبين عن طريق الاَواصر الجسمانية لبيت خاص حتى بيت فاطمة، إلاّ أن تكون هناك الوشائج المشار


1 . هود: 73.
2 . الكشاف: 2|107.

(17)

إليها، ولقد ضل من ضل في تفسير الآية بغير تلك الجماعة عليها السلام، فحمل البيت في الآية على البيت المبني من حجر ومدر مع أنّ المراد غيره.

ولقد جرى بين قتادة ذلك المفسر المعروف وبين أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) محادثة لطيفة أرشده الاِمام فيها إلى هذا المعنى الذي أشرنا إليه، قال ـ عندما جلس أمام الباقر (عليه السلام) ـ : لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك. قال له أبو جعفر (عليه السلام) : «ويحك، أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي: (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ * رجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ) (1) فأنت ثم ونحن أُولئك» فقال له قتادة: صدقت واللّه جعلني اللّه فداك، واللّه ما هي بيوت حجارة ولا طين (2).

وهذه القرينة تحضّ المفسر على التحقيق عن الاَفراد الذين يرتبطون بالبيت بأواصر معينة، وبذلك يسقط القول بأنّ المراد منه أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لاَنّه لم تكن تلك الوشائج الخاصة باتفاق المسلمين بينهم وأقصى ما عندهن انهن كن مسلمات موَمنات.

القرينة الثانية: تذكير الضمائر

نرى أنّه سبحانه عندما يخاطب أزواج النبي يخاطبهن حسب المعتاد بضمائر التأنيث، ولكنّه عندما يصل إلى قوله: (إنّما يريد اللّه ليذهب ...) يغير الصيغة الخطابية في التأنيث ويأتي بصيغة التذكير، فما هو السر في تبديل الضمائر لو كان المراد أزواج النبي؟ وإليك نص الآيات:


1 . النور : 36 ـ 37.
2 . الكافي: 6|256 ـ 257.

(18)

(يا نِسَاءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) . (1)

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الاَُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) . (2)

(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ آياتِ اللّهِ وَالحِكْمَةِ إنّ اللّهَ كانَ لَطِيفَاً خَبِيراً) . (3)

ترى أنّه سبحانه يخاطبهن في الآية الاَُولَى بهذه الخطابات:

1. لستن. 2. اتقيتن. 3. فلا تخضعن. 4. وقلن.

ويخاطبهن في الآية الثانية بهذه الخطابات:

1. قرن. 2. بيوتكن. 3. لا تبرجن. 4. أقمن. 5. آتين. 6. أطعن.

كما يخاطبهن في الآية الثالثة بقوله:

1. واذكرن . 2. بيوتكن.

وفي الوقت نفسه يتخذ في ثنايا الآية الثانية موقفاً خاصاً في الخطاب ويقول:

1. عنكم. 2. يطهركم.

فما وجه هذا العدول إذا كان المراد نساء النبي ؟!

أو ليس هذا يدل على أنّ المراد ليس نساءه (صلى الله عليه وآله وسلم) .


1 . الاَحزاب: 32.
2 . الاَحزاب: 33 .
3 . الاَحزاب: 34 .

(19)

وقد حاول القرطبي التفصّي عن الاِشكال فقال: إنّ تذكير الضمير يحتمل لاَن يكون خرج مخرج «الاَهل» كما يقول لصاحبه: كيف أهلك، أي امرأتك ونساوَك؟ فيقول: هم بخير، قال اللّه تعالى: (أتعجبين من أمر اللّه رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت) . (1)

ولكن المحاولة فاشلة فانّ ما ذكره من المثال على فرض سماعه من العرب، إنّما إذا تقدّم «الاَهل» وتأخّر الضمير، دون العكس كما في الآية، فإنّ أحد الضميرين مقدّم على لفظ «الاَهل» في الآية كما يقول: (عنكم الرجس أهل البيت) .

وأمّا الاستشهاد في الآية فغير صحيح، لاَنّ الخطاب فيها لاِبراهيم وزوجته، فيصح التغليب تغليب الاَشرف على غيره في الخطاب والمفروض في المقام انّ الآية نزلت في زوجاته ونسائه خاصة فلا معنى للتغليب.

نعم انّما تصح فكرة التغليب لو قيل بأنّ المراد منه، هو أولاده وصهره وزوجاته، وهو قول ثالث سنبحث عنه في مختتم البحث، وسيوافيك انّ بقية الاَقوال كلها مختلقة لتصحيح الاِشكالات الواردة على النظرية الثانية، فلاحظ.

القرينة الثالثة: الاِرادة تكوينية لا تشريعية

سيوافيك الكلام عند البحث في سمات أهل البيت، انّ من سماتهم، كونهم معصومين من الذنب وذلك بدليل كون من الاِرادة في قوله: (إنّما يريد اللّه ...) الاِرادة التكوينية، التي لا ينفك المراد فيها عن الاِرادة وتكون متحقّقة وثابتة في الخارج، وبما أنّ المراد هو إذهاب الرجس وإثبات التطهير وتجهيزهم


1 . جامع الاَحكام: 14|182.

(20)

بالاَسباب والمعدّات المنتهية إلى العصمة، فلا يصح أن يراد من أهل البيت أزواج النبي ، إذ لم يدّع أحد من المسلمين كونهن معصومات من الذنب ومطهرات من الزلل . فلا مناص عن تطبيقه على جماعة خاصة من المنتمين إلى البيت النبوي الذين تحقّق فيهم تعلّقهم بالاَسباب والمقتضيات التي تنتهي بصاحبها إلى العصمة ولا ينطبق هذا إلاّ على الاِمام علي وزوجته والحسنين (عليهم السلام) ، لاَنّ غيرهم مجمع على عدم اتصافهم بهذه الاَسباب.

القرينة الرابعة انّ الآيات المربوطة بأزواج النبي تبتدىَ من الآية 28 وتنتهي بالآية 34 ، وهي تخاطبهن تارة بلفظ «الاَزواج» ومرتين بلفظ «نساء النبي» الصريحين في زوجاته، فما هو الوجه في العدول عنهما إلى لفظ «أهل البيت» فإنّ العدول قرينة على أنّ المخاطب به غير المخاطب بهما .

أهل البيت في كلام النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

قد وقفت على المراد من أهل البيت في الآية المباركة من خلال دراسة مفردات الآية وجملها وهدفها.

وهناك طريق آخر للتعرّف عليهم، وهو دراسة الاَحاديث الواردة في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّها تكشف عن وجه الحقيقة، فنقول: إنّ للنبي الاَكرم عناية وافرة بتعريف أهل البيت لم ير مثلها إلاّ في أقلِّ الموارد، حيث قام بتعريفهم بطرق مختلفة سيوافيك بيانها، كما أنّ للمحدّثين والمفسرين وأهل السير والتاريخ عناية كاملة بتعريف أهل بيت نبيه ص في مواضع مختلفة حسب المناسبات التي تقتضي طرح هذه المسألة، كما أنّ للشعراء الاِسلاميين المخلصين في طوال قرون، عناية بارزة ببيان فضائل أهل البيت والتعريف بهم، والتصريح بأسمائهم


(21)

على وجه يظهر من الجميع اتفاقهم على نزول الآية في حق العترة الطاهرة، وسيوافيك نزر من شعرهم في مختتم البحث.

كل ذلك يعرب عن أنّ الرأي العام بين المسلمين في تفسير أهل البيت هو القول الاَوّل، وانّ القول بأنّ المقصود منهم زوجاته كان قولاً شاذاً متروكاً ينقل ولا يعتنى به، ولم ينحرف عن ذلك الطريق المهيع إلاّ بعض من اتخذ لنفسه تجاه أهل البيت موقفاً يشبه موقف أهل العداء والنصب.

قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعريف أهل البيت بطرق ثلاثة نشير إليها:

1. صرّح بأسماء من نزلت الآية في حقّهم حتى يتعين المنزول فيه باسمه ورسمه.

2. قد أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء، ومنع من دخول غيرهم، وأشار بيده إلى السماء وقال: «اللّهم إنّ لكل نبي أهل بيت وهوَلاء أهل بيتي» كما سيوافيك نصه.

3. كان يمر ببيت فاطمة عدة شهور، كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت: (إنَّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .

وبهذه الطرق الثلاثة حدّد أفراد أهل البيت وعين مصاديقهم على وجه يكون جامعاً لهم ومانعاً عن غيرهم، ونحن ننقل ما ورد حول الطرق الثلاثة في التفسيرين: الطبري والدر المنثور للسيوطي، ثم نأتي بما ورد في الصحاح الستة حسب ما جمعه ابن الاَثير الجزري في كتابه «جامع الا َُصول» وأخيراً نشير إلى الجوامع التي جمعت فيها أحاديث الفريقين حول نزول الآية في حق الخمسةالطيبة، ونترك الباقي إلى القارىَ الكريم، فإنّ البحث قرآني لا حديثي والاستيعاب في الموضوع يحوجنا إلى تأليف مفرد.


(22)

الطائفة الاَُولَى: التصريح بأسمائهم

1. روى الطبري: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نزلت هذه الآية في خمسة : فيّ، وفي عليّ رضي اللّه عنه، وحسن رضي اللّهعنه، وحسين رضي اللّه عنه، وفاطمة رضي اللّه عنها: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ».

2. عن أبي سعيد، عن أُم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّ هذه الآية نزلت في بيتها (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول اللّه ألست من أهل البيت ؟ قال: «إنّك إلى خير، أنت من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » قالت: وفي البيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي اللّه عنهم.

وفي «الدر المنثور » ما يلي:

3. روى السيوطي عن ابن مردويه، عن أُم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) وفي البيت سبعة: جبريل، وميكائيل (عليهما السلام) ، وعلي ، وفاطمة، والحسن، والحسين رضي اللّه عنهم؛ وأنا على باب البيت، قلت: يا رسول اللّه ألست من أهل البيت ؟ قال: «إنّك إلى خير، إنّك من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)».

4. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري ـ رضي اللّه عنه ـ ، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ،


(23)

وفي علي، وفاطمة، وحسن، وحسين (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .

الطائفة الثانية: إدخالهم تحت الكساء

إدخالهم تحت الكساء أو «مرط أو ثوب» أو «عباءة أو قطيفة»: فقد وردت حوله هذه الروايات:

5. أخرج الطبري قال: قالت عائشة: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات غداة وعليه مِرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).

6. أخرج الطبري قال: عن أُمّ سلمة قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندي وعلي وفاطمة والحسن والحسين فجعلت لهم خزيرة فأكلوا وناموا وغطّى عليهم عباءة أو قطيفة ثم قال: «اللّهمّ هوَلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».

7. أخرج الطبري: عن أبي عمار قال: إنّـي لجالس عند واثلة بن الاَسقع إذ ذكروا عليّاً رضي اللّه عنه فشتموه، فلمّا قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا، انّي عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين فألقى عليهم كساء له ثم قال: اللّهم هوَلاء أهل بيتي، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

8. أخرج الطبري: عن أبي عمار قال: سمعت واثلة بن الاَسقع يحدث قال: سألت عن علي بن أبي طالب في منزله، فقالت فاطمة: قد ذهب يأتي برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ جاء، فدخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ودخلت، فجلس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على الفراش وأجلس فاطمة عن يمينه وعليّاً عن يساره وحسناً وحسيناً بين يديه، فلفع عليهم بثوبه، وقال: « (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت


(24)

ويطهّركم تطهيراً) اللّهم هوَلاء أهلي اللّهم أهلي».

9. أخرج الطبري: عن أبي سعيد الخدري عن أُمّ سلمة قالت: لمّا نزلت هذه الآية (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّل عليهم كساءً خيبرياً، فقال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي، اللّهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، قالت: أُمّ سلمة قلت: ألست منهم؟ قال: «أنت إلى خير ».

10. أخرج الطبري: عن أبي هريرة، عن أُم سلمة: قالت: جاءت فاطمة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة تحلها على طبق، فوضعته بين يديه فقال: «أين ابن عمك وابناك؟» فقالت: «في البيت» فقال: «ادعيهم»، فجاءت إلى علي فقالت: «أجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنت وابناك»، قالت أُمّ سلمة: فلما رآهم مقبلين مدَّ يده إلى كساء كان على المنامة فمدّه وبسطه وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الاَربعة بشماله فضمه فوق روَوسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربِّه، فقال: «هوَلاء أهل البيت فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».

11. أخرج الطبري: عن عمر بن أبي سلمة، قال: نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت أُمّ سلمة: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) فدعا حسناً وحسيناً وفاطمة فأجلسهم بين يديه، ودعا علياً فأجلسه خلفه، فتجلّل هو وهم بالكساء، ثم قال: «هوَلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، قالت أُم سلمة: أنا معهم، قال: «مكانك، وأنت على خير ».


(25)

12. أخرج الطبري: قال عامر بن سعد، قال: قال سعد: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين نزل عليه الوحي فأخذ علياً وابنيه وفاطمة، وأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: «رب هوَلاء أهلي وأهل بيتي».

13. أخرج الطبري: عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عند أُم سلمة، قالت: فيه نزلت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) قالت أُم سلمة: جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيتي فقال: لا تأذني لاَحد، فجاءت فاطمة فلم استطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن فلم استطع أن أمنعه أن يدخل على جدّه وأُمّه، وجاء الحسين فلم استطع أن أحجبه، فاجتمعوا حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على بساط فجللهم نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بكساء كان عليه ثم قال: «هوَلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط. قالت فقلت: يا رسول اللّه: وأنا؟ قال: «إنّك إلى خير ».

14. روى السيوطي: وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أُم سلمة رضي اللّه عنهما زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ببيتها على منامة له عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة رضي اللّه عنها ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ادعي زوجك وابنيك حسناً وحسيناً»، فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بفضلة أزاره فغشاهم إياها، ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء ثم قال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، قالها ثلاث مرات، قالت أُم سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ : فأدخلت رأسي في الستر ، فقلت: يا


(26)

رسول اللّه وأنا معكم؟ فقال: «إنّك إلى خير » مرّتين.

15. روى السيوطي: وأخرج الطبراني عن أُم سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ : «إئتني بزوجك وابنيه»، فجاءت بهم، فألقى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم كساءً فدكياً ثم وضع يده عليهم، ثم قال: اللّهم إنّ هوَلاء أهل محمد وفي لفظ: آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد». قالت أُم سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ : فرفعت الكساء لاَدخل معهم فجذبه من يدي وقال: «إنّك على خير ».

16. روى السيوطي: وأخرج الطبراني عن أُم سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ قالت: جاءت فاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ إلى أبيها بثريدة لها، تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه، فقال لها: «أين ابن عمك؟» قالت: «هو في البيت». قال: «اذهبي فادعيه وابنيك»، فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما في يد وعلي ـ رضي اللّه عنه ـ يمشي في أثرهما حتى دخلوا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأجلسهما في حجره وجلس علي ـ رضي اللّه عنه ـ عن يمينه وجلست فاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ عن يساره، قالت أُمّ سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ : فأخذت من تحتي كساء كان بساطناً على المنامة في البيت . (1)

17. روى السيوطي: وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري ـ رضي اللّه عنه ـ قال: كان يوم أُمّ سلمة أُم الموَمنين ـ رضي اللّه عنها ـ فنزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الآية (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) قال: فدعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحسن وحسين وفاطمة وعلي فضمهم إليه ونشر عليهم الثوب، والحجاب على أُم


1 . واجمال الحديث وابهامه يرتفع بالرجوع إلى سائر ما روي عن أُم سلمة في ذلك المضمار .


(27)

سلمة مضروب، ثم قال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي، اللّهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»، قالت أُم سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ : فأنا معهم يا نبي اللّه ؟ قال: «أنت على مكانك، وأنّك على خير ».

18. روى السيوطي: وأخرج الترمذي وصحّحه، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصحّحه، وابن مردويه والبيهقي في سننه، من طرق، عن أُمّ سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ قالت: في بيتي نزلت: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجلّلهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بكساء كان عليه ثم قال: «هوَلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».

19. روى السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم عن عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ قالت: خرج رسول اللّه ص غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين ـ رضي اللّه عنهما ـ فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .

20. روى السيوطي: وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه، عن سعد قال: نزل على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه ثم قال: «اللّهم هوَلاء أهلي وأهل بيتي».

21. روى السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن واثلة ابن الاَسقع ـ رضي اللّه عنه ـ قال: جاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى فاطمة ومعه حسن وحسين وعلي، حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه


(28)

وأجلس حسناً وحسيناً كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .

الطائفة الثالثة: تعيينهم بتلاوة الآية على بابهم

22. أخرج الطبري: عن أنس، انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة، فيقول: الصلاة أهل البيت : (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ».

23. أخرج الطبري: أخبرني أبو داود، عن أبي الحمراء، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: الصلاة الصلاة: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .

24. أخرج الطبري: عن يونس بن أبي إسحاق باسناده، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثله.

25. روى السيوطي: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسّنه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصحّحه، وابن مردويه، عن أنس ـ رضي اللّه عنـه ـ أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمرّ بباب فاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: «الصلاة يا أهل البيت: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ».

26. روى السيوطي: أخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري ـ رضي اللّه عنه ـ قال: لما دخل علي رضي اللّه عنه بفاطمة رضي اللّه عنها جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعين صباحاً إلى بابها يقول: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته،


(29)

الصلاة رحمكم اللّه (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) أنا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم».

27. روى السيوطي: أخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن أبي الحمراء رضي اللّه عنه قال: حفظت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرّة يخرج إلى صلاة الغداة إلاّ أتى إلى باب علي رضي اللّه عنه فوضع يده على جنبّتي الباب ثم قال: «الصلاة الصلاة: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ».

28. روى السيوطي: وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنهمـا ـ قال: شهدنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عند وقت كل صلاة، فيقول: «السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أهل البيت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) الصلاة رحمكم اللّه» كل يوم خمس مرّات.

29. روى السيوطي: وأخرج الطبراني عن أبي الحمراء رضي اللّه عنه ، قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي باب علي وفاطمة ستة أشهر فيقول: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) . (1)

جولة حول ما رواه العلمان

قد تعرفت على أكثر ما رواه الطبري والسيوطي في تفسيرهما، وتركنا بعض ما نقلاه في ذلك المجال عن أعلام التابعين، وما رويناه ينتهي اسناده إلى


1 . لاحظ للوقوف على مصادر هذه الروايات تفسير الطبري: 22| 5 ـ 7، والدر المنثور: 5|198 ـ 199.


(30)

أقطاب الحديث من الصحابة وعيون الاَثر ، وهم:

1. أبو سعيد الخدري.

2. أنس بن مالك.

3. ابن عباس.

4. أبو هريرة الدوسي.

5. سعد بن أبي وقاص.

6. واثلة بن الاَسقع.

7. أبو الحمراء، أعني: هلال بن الحارث.

8. أُمّهات الموَمنين: عائشة وأُم سلمة.

أيصح بعد هذا لمناقش أن يشك في صحة نزولها في حق العترة الطاهرة؟! وليس الطبري والسيوطي فريدين في نقل تلك المأثورة، بل سبقهما، أصحاب الصحاح والمسانيد فنقلوا نزول الآية في حقهم صريحاً أو كناية، ولا بأس بنقل ما جاء في خصوص الصحاح حتى يعضد بعضه بعضاً فنقول:

30. أخرج الترمذي: عن سعد بن أبي وقاص ـ رضي اللّه عنه ـ ، قال: لمّا نزلت هذه الآية : (فَقُلْ تَعالَوا نَدعُ أبناءَنا وأبناءَكُمْ ونساءَنا ونساءَكُمْ) (1)الآية، دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: «اللّهم هوَلاء أهلي».


1 . آل عمران: 61.


(31)

31. أخرج الترمذي: عن أُم سلمة رضي اللّه عنها: قالت إنّ هذه الآية نزلت في بيتي (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) قالت: وأنا جالسة عند الباب فقلت: يا رسول اللّه ألست من أهل البيت؟ فقال: «إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) »، قالت: وفي البيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة وحسن وحسين، فجلّلهم بكسائه وقال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».

وفي رواية انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة ثم قال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي وحامَّتي اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً». قالت أُم سلمة: وأنا معهم يا رسول اللّه ؟ قال: «إنّك إلى خير ».

32. أخرج الترمذي: عن عمر بن أبي سلمة قال: نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) في بيت أُم سلمة، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّلهم بكساء، وعليٌّ خلف ظهره، ثم قال: «اللّهم هوَلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً». قالت أُم سلمة: وأنا معهم يا نبي اللّه؟ قال: «أنت على مكانك وأنت على خير ».

33. أخرج الترمذي: عن أنس بن مالك: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمرُّ بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية قريباً من ستة أشهر يقول: الصلاة أهل البيت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) .

34. أخرج مسلم: عن عائشة قالت: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه مِرط مُرَحَّل أسود، فجاءه الحسن فأدخله، ثم جاءه الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة


(32)

فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس) الآية.

35. أخرج مسلم: عن زيد بن أرقم: قال يزيد بن حيان: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصلّيت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: يا ابن أخي، واللّه لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فما حدثتكم فاقبلوا ومالا فلا تكلّفونيه، ثم قال: قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى: خماً، بين مكة والمدينة، فحمد اللّه وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أمّا بعد: ألا أيّـها الناس، إنّما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربّـي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما: كتاب اللّه فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب اللّه، واستمسكوا به، فحث على كتاب اللّه ورغّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساوَه من أهل بيته؟ قال: نساوَه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال: ومن هم؟ قال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هوَلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم ، زاد في رواية «كتاب اللّه فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل».

وفي أُخرى نحوه: غير أنّه قال: «وإنّـي تارك فيكم ثقلين أحدهما: كتاب اللّه وهو حبل اللّه فمن اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة، وفيها فقلنا: من أهل بيته؟ نساوَه قال: لا وأيم اللّه انّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته: أصله وعصبته الذين حرموا


(33)

الصدقة بعده . (1)

هذا ما رواه أصحاب الصحاح حول نزول الآية في حق العترة الطاهرة وتركنا ما رواه الاِمام أحمد في مسنده روماً للاختصار، وفي هذا غنى وكفاية لمن رام الحق واتبعه وعرف الباطل فاجتنبه، ومن أراد التوسع فعليه الرجوع إلى المصادر التالية:

1. العمدة للمحدث الحافظ يحيى بن سعيد المتوفّـى عام 600 هـ الطبعة الحديثة . (2)

2. بحار الاَنوار : 35|206 ـ 226.

3. غاية المرام: 287و 294، فقد أورد فيه واحداً وأربعين حديثاً من كتب أهل السنّة، وأربعاً وثلاثين من كتب الشيعة.

4. تفسير البرهان: 3|309 ـ 325، فقد أورد فيه خمساً وستين حديثاً.

5. نور الثقلين: 4|270 ـ 277، أورد فيه خمسة وعشرين حديثاً.

6. إحقاق الحق: 2|502 ـ 544، فقد نقل نزول الآية في حق العترة الطاهرة عن كتب أهل السنة حديثاً وتفسيراً، ثم استدرك ما فاته في الجزء التاسع والرابع

عشر.


1 . راجع للوقوف على هذه المأثورات جامع الا َُصول لابن الاَثير: 10| 100 ـ 103، وصحيح مسلم: 7|122 ـ 123.

2 . حُقّق تحقيقاً أنيقاً ونشر من قبل موَسسة الاِمام الصادق (عليه السلام) في عام 1412 هـ .


(34)

7. آية التطهير في حديث الفريقين فقد استقصى في جزء خاص الاَحاديث الواردة حول الموضوع من طريق الفريقين شكر اللّه مساعي الجميع.

وبعد هذا، حان حين البحث عن دلائل القول الآخر : وهو نزول الآية في نسائه.

نزولها في نسائه عليه الصلاة والسلام

قد تعرفت على دلائل القول وقرائنه وموَيداته وأحاديثه المتواترة التي أطبق على نقلها تسع وأربعون (1) صحابياً وصحابية من أُمهات الموَمنين، وقد تلقته الا َُمّة بالقبول في القرون الماضية، وأمّا القول الثاني أعني نزولها في نسائه وزوجاته ص فقد نسب إلى أشخاص نقل عنهم، منهم:

1. ابن عباس.

2. عكرمة.

3. عروة بن الزبير .

4. مقاتل بن سليمان.

أمّا الاَوّل: فقد نقل عنه تارة، عن طريق سعيد بن جبير، وأُخرى عن طريق عكرمة، قال السيوطي في الدر المنثور: وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس عن قوله: (إنّما يريد اللّه ...) قال: نزلت في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقال أيضاً: أخرج ابن مردويه عن طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .


1 . سيوافيك مصدره.


(35)

وأمّا الثاني: أعني عكرمة، فقد نقله عنه الطبري، عن طريق «علقمة» وانّ عكرمة كان ينادي في السوق: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس ...) نزلت في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ونقل في الدر المنثور : أخرج ابن جرير وابن مردويه، عن عكرمة في قوله: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم... ) إنّه قال ليس بالذي تذهبون إليه إنّما هو نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وأمّا الثالث: أعني: عروة بن الزبير، فقال السيوطي: وأخرج ابن سعد عن عروة بن الزبير انّه قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال: أزواج النبي نزلت في بيت عائشة.

وأمّا الرابع: فقد نقل عنه في أسباب النزول . (1)

تحليل هذه النقول

أمّا نقله عن ابن عباس فليس بثابت، بل نقل عنه خلاف ذلك، فقد نقل السيوطي في «الدر المنثور » قال: وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: شهدنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: «السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أهل البيت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) ».

وليس ابن مردويه فريداً في هذا النقل، فقد نقله عنه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (2) بسند ينتهي إلى أبي صالح، عن ابن عباس: إنّما يريد اللّه


1 . تفسير الطبري: 22|7 و 8؛ والدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي: 5|198؛ وأسباب النزول للواحدي: 204.

2 . شواهد التنزيل: 2|30.


(36)

ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) نزلت في رسول اللّه وعلي وفاطمة والحسن والحسين. والرجس: الشك .

كما نقله الحافظ الحسين بن الحكم الحبري في «تنزيل الآيات» عن أبي صالح بمثل ما سبق. (1)

وممن رواه عن ابن عباس صاحب أرجح المطالب ص 54 طبع لاهور، والعلاّمة إسماعيل النقشبندي «في مناقب العترة» .

أضف إلى ذلك أنّ من البعيد أن يخفى على ابن عباس حبر الا َُمّة ما اطّلع عليه عيون الصحابة وأُمّهات الموَمنين، وقد أنهى بعض الفضلاء السادة (2) عدد رواة الحديث من الصحابة إلى تسعة وأربعين صحابياً. وجمعها من مصادر الفريقين في الفضائل والمناقب.

وأمّا عكرمة

فقد ثبت تقوّله بذلك كما عرفت، لكنّ في نفس كلامه دليلاً واضحاً على أنّ الرأي العام يوم ذاك في شأن نزول الا َُمّة هو نزولها في حق فاطمة، وانّما تفرّد هو بذلك، ولاَجله رفع عقيرته في السوق بقوله: ليس بالذي تذهبون إليه وإنّما هو نساء النبي. أضف إلى ذلك: انّ تخصيص هذه الآية بالنداء في السوق وانّها نزلت في نساء النبي يعرب عن موقفه الخاص بالنسبة إلى من اشتهر نزول الآية في حقهم، وإلاّ فالمتعارف بين الناس أن الجهر بالحقيقة بشكل معقول لا بهذه


1 . تنزيل الآيات: 24 «مخطوط» منه نسخة في جامعة طهران. لاحظ إحقاق الحق: 14|53.

2 . آية التطهير في حديث الفريقين.


(37)

الصورة المعربة عن الانحراف عنهم.

هذا كله حول ما نقل عنه، وأمّا تحليل شخصيته وموقفه من الاَمانة والوثاقة، وانحرافه عن علي وانحيازه إلى الخوارج وطمعه الشديد بما في أيدي الا َُمراء فحدث عنه ولا حرج، ولاَجل إيقاف القارىَ على قليل مما ذكره أئمّة الجرح والتعديل في حقه نأتي ببعض ما ذكره الاِمام شمس الدين الذهبي نقّاد الفن في كتابيه: «تذكرة الحفاظ»، و «سير أعلام النبلاء»، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب الجرح والتعديل.

نقل الاِمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفّـى 748هـ في «سير أعلام النبلاء» هذه الكلمات في حق عكرمة:

1. قال أيوب: «قال عكرمة: إنّـي لاَخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلّم بالكلمة فينفتح لي خمسون باباً من العلم...» ما معنى هذه الكلمة؟ وهل يقولها إنسان يملك شيئاً من العقل والوقار ؟!

2. قال ابن لهيعة: وكان يحدّث برأي نجدة الحروري (1)وأتاه، فأقام عنده ستة أشهر، ثم أتى ابن عباس فسلّم، فقال ابن عباس: قد جاء الخبيث .

3. قال سعيد بن أبي مريم، عن أبي لهيعة، عن أبي الاَسود قال: كنت أوّل من سبّب لعكرمة الخروج إلى المغرب وذلك أنّـي قدمت من مصر إلى المدينة فلقيني عكرمة وسألني عن أهل المغرب، فأخبرته بغفلتهم، قال: فخرج إليهم وكان أوّل ما أحدث فيهم رأي الصفريّة . (2)


1 . هو نجدة بن عامر الحروري الحنفي من بني حنيفة رأس الفرقة النجدية، انفرد عن سائر الخوارج بآرائه.

2 . هم فرقة من الخوارج أتباع زياد بن الاَصفر.


(38)

4. قال يحيى بن بكير: قدم عكرمة مصر ونزل هذه الدار وخرج إلى المغرب، فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا .

5. قال علي بن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدة الحروري.

6. وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين يقول: إنّما لم يذكر مالك عكرمة ـ يعني في الموطأ ـ قال: لاَنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفريّة.

7. وروى عمر بن قيس المكي، عن عطاء قال: كان عكرمة أباضياً . (1)

8. وعن أبي مريم قال: كان عكرمة بيهسياً . (2)

9. وقال إبراهيم الجوزجاني: سألت أحمد بن حنبل عن عكرمة، أكان يرى رأي الاَباضية؟ فقال: يقال: انّه كان صفرياً، قلت: أتى البربر ؟ قال: نعم، وأتى خراسان يطوف على الا َُمراء يأخذ منهم.

10. وقال علي بن المديني: حكى عن يعقوب الحضرمي عن جده قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلاّ كافر. قال: وكان يرى رأي الاباضية . (3)

وقال في «ميزان الاعتدال» (4) : وقد وثقه جماعة، واعتمده البخاري، وأمّا مسلم فتجنّبه، وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك، وتحايده إلاّ في حديث أو حديثين.

عفان، حدثنا وهيب قال: شهدت يحيى بن سعيد الاَنصاري ، وأيوب، فذكرا عكرمة فقال يحيى: كذاب، وقال أيوب: لم يكن بكذاب.


1 . هم أتباع عبد اللّه بن أباض، رأس الاَباضية.

2 . فرقة من الصفرية أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر الضبغي رأس الفرقة البيهسية من الخوارج.

3 . لاحظ سير أعلام النبلاء للذهبي: 5|18 ـ 22.

4 . ميزان الاعتدال: 3|93 ـ 97.


(39)

عن عبد اللّه بن الحارث: دخلت على علي بن عبد اللّه بن عباس فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش فقلت: ألا تتقي اللّه؟ قال: إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي .

سئل محمد بن سيرين عن عكرمة؟ فقال: ما يسوَني أن يكون من أهل الجنة ولكنّه كذّاب.

هشام بن عبد اللّه المخزومي: سمعت ابن أبي ذئب يقول: رأيت عكرمة وكان غير ثقة.

وعن بريد بن هارون قال: قدم عكرمة البصرة، فأتاه أيوب ويونس وسليمان التيمي، فسمع صوت غناء فقال: اسكتوا، ثم قال: قاتله اللّه لقد أجاد. وعن خالد بن أبي عمران قال: كنّا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم فقال: وددت أن بيدي حربة فاعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً.

وعن يعقوب الحضرمي عن جده قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلاّ كافر . قال: ويرى رأي الاَباضية، انّ عكرمة لم يدع موضعاً إلاّ خرج إليه: خراسان والشام واليمن ومصر وافريقية، كان يأتي الا َُمراء فيطلب جوائزهم.

وقال عبد العزيز الدراوردي: مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فما شهدهما إلاّ سودان المدينة.

وعن ابن المسيب أنّه قال لمولاه «برد»: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.

أفبعد هذه الكلمات المتضافرة الحاكية عن انحراف الرجل عن جادة


(40)

الحق، وتكفيره عامّة المسلمين، وتمنّيه أن يقتل كل من شهد الموسم، يصح الاعتماد عليه في تفسير الذكر الحكيم؟ والاَسف أنّ المفسرين نقلوا أقواله وأرسلوها ولم يلتفتوا إلى أنّ الرجل كذّاب على مولاه وعلى المسلمين، فواجب على عشاق الكتاب العزيز وطلاب التفسير، تهذيب الكتب عن أقوال وآراء ذلك الدجال ومن يحذو حذوه .

عروة بن الزبير

وأمّا عروة بن الزبير فيكفي في عدم حجية قوله، عداوَه لعلي وانحرافه عنه، ففي هذاالصدد يقول ابن أبي الحديد: روى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران عليّاً (عليه السلام) فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين «عليه السلام» ، فجاء حتى وقف عليهما، فقال: أما أنت يا عروة فإنّ أبي حاكم أباك إلى اللّه فحكم لاَبي على أبيك، وأمّا أنت يا زهري فلو كنت بمكة لاَريتك كير أبيك.

وقد روي من طرق كثيرة: أنّ عروة بن الزبير كان يقول: لم يكن أحد من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يزهو إلاّ علي بن أبي طالب، وأُسامة بن زيد.

وروى عاصم بن أبي عامر البجلي، عن يحيى بن عروة قال: كان أبي إذا ذكر عليّاً نال منه، وقال لي مرّة: يا بني واللّه ما أحجم الناس عنه إلاّ طلباً للدنيا، لقد بعث إليه أُسامة بن زيد أن أبعث إلي بعطائي فواللّه انّك لتعلم انّك لو كنت في فم أسد لدخلت معك. فكتب إليه: إنّ هذا المال لمن جاهد عليه، ولكن لي مالاً بالمدينة، فأصب منه ما شئت.


(41)

قال يحيى: فكنت أعجب من وصفه إياه بما وصفه به ومن عيبه له وانحرافه عنه . (1)

مقاتل بن سليمان

وهو رابع النقلة لنزول الآية في نسائه ص ويكفي في عدم حجية قوله ما نقله الذهبي في حقه في «سير أعلام النبلاء» قال: قال ابن عيينة: قلت لمقاتل: زعموا أنّك لم تسمع من الضحاك؟ قال: يغلق علي وعليه باب فقلت في نفسي: أجل باب المدينة.

وقيل: إنّه قال: سلوني عمّـا دون العرش، فقالوا: أين أمعاء النملة؟ فسكت، وسألوه لما حج آدم من حلق رأسه؟ فقال: لا أدري. قال وكيع: كان كذّاباً.

وعن أبي حنيفة قال: أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل (2) ومقاتل مشبّه، مات مقاتل سنة نيف وخمسين ومائة، وقال البخاري: مقاتل لا شيء البتة. قلت: اجمعوا على تركه . (3)

تجد اتفاق المتكلمين من الاَشاعرة والمعتزلة ومن قبلهم على أنّ القول بالتشبيه انّما تسرب إلى الاَوساط الاِسلامية من مقاتل، فهو الزعيم الركن بالقول


1 . شرح النهج لابن أبي الحديد: 4|102؛ وراجع سير أعلام النبلاء: 4|421 ـ 437 ما يدل على كونه من بغاة الدنيا وطالبيها، وقد بنى قصراً في العقيق وأنشد شعراً في مدحه، وكان مقرباً لدى الاَمويين خصوصاً عبد الملك بن مروان.

2 . التعطيل: هو انّ لا تثبت للّه الصفات التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله ص والتشبيه:أن يُشبَه اللّه سبحانه وتعالى بأحد من خلقه.

3 . سير أعلام النبلاء: 7|202.


(42)

بأنّ له سبحانه أعضاء مثل ما للاِنسان من اليد والرجل والوجه وغير ذلك، قاتل اللّه مقاتل، كيف يفتري على اللّه سبحانه كذباً ويُفسر آياته بغير وجهها ؟!

وقال الذهبي أيضاً في «ميزان الاعتدال» (1)، ما هذا تلخيصه: قال النسائي: كان مقاتل يكذب.

وعن يحيى: حديثه ليس بشيء. وقال الجوزجاني: كان دجّالاً جسوراً.

وقال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان يشبّه الرب بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث.

وعن خارجة بن مصعب: لم استحل دم يهودي، ولو وجدت مقاتل بن سليمان خلوة لشققت بطنه.

وقال ابن أبي حاتم: حديثه يدل على أنّه ليس بصدوق.

مشكلة السياق؟!

قد تعرفت على ما هو المراد من أهل البيت في الآية الشريفة من خلال الامعان فيها وفي ظل الروايات الواردة في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير انّهناك مشكلة باسم مشكلة السياق وهي انّالآية وردت في ثنايا الآيات المربوطة بنساء النبي ص على وجه يكون قبلها وبعدها راجعاً إليهنّ ومع ذلك كيف يمكن أن تكون هذه الآية راجعة إلى أهل البيت بالمعنى الذي عرفت؟

وبعبارة أُخرى: إنّ آية التطهير جزء من الآية الثالثة الثلاثين، التي يرجع صدرها وذيلها إلى نساء النبي، فعندئذ كيف يصح القول بأنّـها راجعة إلى


1 . ميزان الاعتدال: 4|172 ـ 175.


(43)

غيرهنّ، فإنّ وحدة السياق قاضية على أنّ الكل راجع إلى موضوع واحد، وإرجاعها إلى غير نسائه يستلزم التفكيك بين أجزاء آية واحدة، نعم لو كانت آية التطهير آية مستقلة لكان الاَمر سهلاً إذ كان الاِشكال أضعف، ولكنّها جزء من آية واحدة نزلت في نساء النبي.

والجواب: لا شك أنّ السياق من الاَُمور التي يستدل بها على كشف المراد ويجعل صدر الكلام ووسطه وذيله قرينة على المراد، ووسيلة لتعيين ما أُريد منه، ولكنه حجة إذا لم يقم دليل أقوى على خلافه، فلو قام ترفع اليد عن وحدة السياق وقرينيّته.

وبعبارة أُخرى: إنّ الاعتماد على السياق إنّما يتم لو لم يكن هناك نص على خلافه، وقد عرفت النصوص الدالة على خلافه.

أضف إليه أنّ هناك دلائل قاطعة على أنّ آية التطهير آية مستقلة نزلت كذلك ووقعت في ثنايا الآية المربوطة بأزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمصلحة كان صاحب الشريعة أعرف بها. (1) وإليك الدلائل الدالة على استقلالها:

الدليل الا َُوّل:

أطبقت الروايات المنتهية إلى الاَصحاب وأُمّهات الموَمنين والتابعين لهم بإحسان على نزولها مستقلة، سواء أقلنا بنزولها في حق العترة الطاهرة أو زوجات النبي أو أصحابه، فالكل ـ مع قطع النظر عن الاختلاف في المنزول فيه ـ


1 . نقل السيوطي عن ابن الحصّار : إنّ ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنّما كان بالوحي كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا. لاحظ الاِتقان: 1|194، الفصل الثامن عشر في جمع القرآن وترتيبه من طبعة مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.


(44)

اتفقوا على نزولها مستقلة، وقد مضت النصوص عن الطبري و «الدر المنثور » والصحاح ترى أنّ أُمَّ سلمة تقول: نزلت في بيتي (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) .

ويروي أبو سعيد الخدري، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نزلت هذه الآية في خمسة: فيَّ وفي علي وفاطمة وحسن وحسين (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) ».

وروت عائشة: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) . إلى غير ذلك من النصوص.

حتى انّ ظاهر كلام عكرمة وعروة بن الزبير نزولها مستقلة بقول السيوطي: كان عكرمة ينادي في السوق (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) نزلت في نساء النبي .

وأخرج ابن سعد عن عروة بن الزبير أنّه قال: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال: أزواج النبي، نزلت في بيت عائشة . (1)

فالموافق والمخالف اتفقا على كونها آية مستقلة إمّا نزلت في بيت أُمّ سلمة أو بيت عائشة، وإمّا في حق العترة أو نسائه.

وعلى ذلك تسهل مخالفة السياق، والقول بنزولها في حق العترة الطاهرة، وانّ الصدر والذيل راجعان إلى نسائه ص لا ما ورد في ثناياها، فهو راجع إلى غيرهن.


1 . لاحظ : 389 ـ 402 من هذا الجزء.


(45)

ولا غرو في أن يكون الصدر والذيل راجعين إلى موضوع وما ورد في الاَثناء راجعاً إلى غيره فإنّ ذلك من فنون البلاغة وأساليبها، نرى نظيره في الذكر الحكيم وكلام البلغاء، وعليه ديدن العرب في محاوراتهم، فربما يرد في موضوع قبل أن يفرغ من الموضوع الذي كان يبحث عنه ثم يرجع إليه ثانياً.

يقول الطبرسي: من عادة الفصحاء في كلامهم انّهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه، والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب وأشعارهم. (1)

قال الشيخ محمد عبده: إنّ من عادة القرآن أن ينتقل بالاِنسان من شأن إلى شأن ثم يعود إلى مباحث المقصد الواحد المرة بعد المرة . (2)

وروي عن الاِمام جعفر الصادق (عليه السلام) : «إنّ الآية من القرآن يكون أوّلها في شيء وآخرها في شيء ». (3)

ولاَجل أن يقف القارىَ على صحة ما قاله هوَلاء الاَكابر نأتي بشاهد، فنقول: قال سبحانه ناقلاً عن «العزيز» مخاطباً زوجته: (إِنّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ x يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِين) . (4) نرى أنّ العزيز يخاطب أوّلاً امرأته بقوله: (إِنّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ) وقبل أن يفرغ من كلامه معها، يخاطب يوسف بقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) ... ثم يرجع إلى الموضوع الاَوّل ويخاطب زوجته بقوله: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ) ... فقوله (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ


1 . مجمع البيان: 4|357.

2 . تفسير المنار: 2|451.

3 . الكاشف: 6|217.

4 . يوسف: 28 ـ 29.


(46)

هَذَا) جملة معترضة وقعت بين الخطابين، والمسوّغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين، وكانت له صلة تامّة بالواقعة التي رفعت إلى العزيز.

والضابطة الكليّة لهذا النوع من الكلام هو وجود التناسب المقتضي للعدول من الاَوّل إلى الثاني، ثم منه إلى الاَوّل ، وهي أيضاً موجودة في المقام، فإنّه سبحانه يخاطب نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخطابات التالية:

1. (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) .

2. (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن ...) .

3. (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاَُولى) .

فعند ذلك صح أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وذلك لوجهين:

1. تعريفهنّ على جماعة بلغوا في التورع والتقى، الذروة العليا، وفي الطهارة عن الرذائل والمساوىَ، القمة. وبذلك استحقوا أن يكونوا أُسوة في الحياة وقدوة في مجال العمل، فيلزم عليهن أن يقتدين بهم ويستضيئنّ بضوئهم.

2. التنبيه على أنّ حياتهنّ مقرونة بحياة أُمّة طاهرة من الرجس ومطهرة من الدنس، ولهن معهم لحمة القرابة ووصلة الحسب، واللازم عليهن التحفّظ على شوَون هذه القرابة بالابتعاد عن المعاصي والمساوىَ، والتحلّـي بما يرضيه سبحانه ولاَجل ذلك يقول سبحانه : (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)، وما هذا إلاّ لقرابتهن منه ص وصلتهن بأهل بيته. وهي لا تنفك عن المسوَولية الخاصة، فالانتساب للنبي الاَكرم ص ولبيته الرفيع، سبب المسوَولية ومنشوَها،


(47)

وفي ضوء هذين الوجهين صح أن يطرح طهارة أهل البيت في أثناء المحاورة مع نساء النبي والكلام حول شوَونهن.

ولقد قام محقّقو الاِمامية ببيان مناسبة العدول في الآية ، نأتي ببعض تحقيقاتهم، قال السيد القاضي التستري: «لا يبعد أن يكون اختلاف آية التطهير مع ما قبلها على طريق الالتفات من الاَزواج إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته «عليهم السلام» على معنى أنّ تأديب الاَزواج وترغيبهن إلى الصلاح والسداد، من توابع إذهاب الرجس والدنس عن أهل البيت (عليهم السلام) ، فالحاصل نظم الآية على هذا: انّ اللّه تعالى رغب أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى العفة والصلاح بأنّه إنّما أراد في الاَزل أن يجعلكم معصومين يا أهل البيت واللائق أن يكون المنسوب إلى المعصوم عفيفاً صالحاً كما قال: (والطّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ) (1). (2)

وقال العلاّمة المظفر: وإنّما جعل سبحانه هذه الآية في أثناء ذكر الاَزواج وخطابهن للتنبيه على أنّه سبحانه أمرهن ونهاهن وأدّبهن إكراماً لاَهل البيت وتنزيهاً لهم عن أن تنالهم بسببهن وصمة، وصوناً لهم عن أن يلحقهم من أجلهن عيب، ورفعاً لهم عن أن يتصل بهم أهل المعاصي، ولذا استهل سبحانه الآيات بقوله: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) ضرورة أنّ هذا التميّز انّما هو للاتصال بالنبي وآله، لا لذواتهن فهن في محل، و أهل البيت في محل آخر، فليست الآية الكريمة إلاّ كقول القائل: يا زوجة فلان لست كأزواج سائر الناس فتعفّفي، وتستّـري، وأطيعي اللّه تعالى، إنّما زوجك من بيت أطهار يريد اللّه حفظهم من الاَدناس وصونهم عن النقائص. (3)


1 . النور: 26.

2 . إحقاق الحق: 2|570.

3 . دلائل الصدق: 2|72.


(48)

الدليل الثاني

إنّ لسان الآيات الواردة حول نساء النبي لسان الاِنذار والتهديد، ولسان الآية المربوطة بأهل بيته لسان المدح والثناء، فجعل الآيتين آية واحدة وإرجاع الجميع إليهن ممّا لا يقبله الذوق السليم، فأين قوله سبحانه : (يا نساء النبي من يأت منكنَّ بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب) من قوله: (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) ؟!

كما انّ لسان القرآن في أزواج النبي، لسان المدح والانذار ويكفيك الاِمعان في آيات سورة التحريم فلاحظ.

الدليل الثالث

إنّ قوله سبحانه : (إنّما يريد اللّه ...) في المصاحف جزء من الآية الثالثة والثلاثين فلو رفعناه منها لم يتطرق أيّ خلل في نظم الآية ومضمونها وتتحصل من ضم الآية الرابعة والثلاثين إلى ما بقيت، آية تامة واضحة المضمون، مبينة المرمى منسجمة الفاصلة، مع فواصل الآيات المتقدمة عليها، وإليك تفصيل الآية في ضمن مقاطع:

ألف. (وقرن في بيوتكن ولا تبرَّجن تبرُّج الجاهلية الاَُولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن اللّه ورسوله) .

ب. (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً). (1)


1 . الاَحزاب: 33.


(49)

ج. (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات اللّه والحكمة إنّ اللّه كان لطيفاً خبيراً) . (1)

فلو رفعنا قوله: (إنّما يريد اللّه) وضممنا ما تقدم عليه بما تأخر، جاءت الآية تامة من دون حدوث خلل في المعنى والنظم، وهذا دليل على أنّ قوله تعالى: (إنّما يريد اللّه) آية مستقلة وردت في ضمن الآية لمصلحة ربما نشير إليها.

إنّ الاَحاديث على كثرتها صريحة في نزول الآية وحدها، ولم يرد حتى في رواية واحدة نزولها في ضمن آيات نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا ذكره أحد حتى القائل باختصاص الآية بأزواج النبي كما ينسب إلى عكرمة وعروة، فالآية لم تكن حسب النزول جزءاً من آيات نساء النبي ولا متصلة بها، وانّما وضعت إمّا بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عند التأليف بعد الرحلة.

ويوَيده أنّ آية (وقرن في بيوتكن) باقية على انسجامها واتصالها لو قدّر ارتفاع آية التطهير من بين جملها . (2)

وليس هذا أمراً بدعاً فله نظير في القرآن الكريم .

فقد تضافرت السنّة، وروى الفريقان أن قولــه سبحانــه : (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَـرُوا مِنْ دِينِكُـمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِيناً) (3) نزلت في غدير خم عندما نصّب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً إماماً للا َُمّة وولياً للموَمنين، مع أنّه في المصاحف جزء الآية الثالثة من «سورة المائدة» التي تبيّـن أحكام اللّحوم، وإليك نفس الآية في

مقاطع ثلاثة:


1 . الاَحزاب: 34.

2 . الميزان: 16|330.

3 . سورة المائدة: 3.


(50)

ألف. (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ الْسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) . (1)

ب. (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاِسلام ديناً) .

ج . (فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْـرَ مُتَجَانِف لاِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(2)

فإذا رفعنا الجزء الثاني يحصل من ضم الاَوّل إلى الثالث آية تامة من دون طروء خلل في مضمونها ونظمها، وذلك دليل على أنّ الجزء الثاني آية مستقلة وردت في ضمن آية أُخرى بتصويب صاحب الشريعة الغراء أو بتصويب من جامعي القرآن بعد رحلته ص .

أضف إلى ذلك أنّ مضمون الآية ـ أعني: أحكام اللحوم ـ قد ورد في آيات أُخر من دون أن تشتمل على هذه الزيادة، فهذه قرينة على أنّ ما ورد في الاَثناء ليس من صميم الآية في سورة المائدة، وإنّما وضع في أثنائها بأمر من النبي الاَكرم لمصلحة عامة نشير إليها .

ما هو السر في جعلها جزءاً من آية أُخرى

قد اتضح مما ذكرنا أن القرآن الكريم إنّما انتقل إلى موضوع أهل البيت


1 . سورة المائدة: 3.

2 . سورة المائدة: 3.


(51)

وخطابهم لاَجل إعلام نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّهن في جوار هوَلاء المطهرين فيجب عليهن القيام بأداء حقوق هوَلاء العظماء، الذين ميّزهم اللّه تعالى عن غيرهم من هذه الا َُمّة بالتطهير والعصمة و الاقتداء بهم في القول والسلوك.

ولكن يبقى هنا سوَال آخر، وهو أنّه إذا كانت الآية ، آية مستقلة فلماذا جاءت في المصحف جزءاً من آية أُخرى، ولم تكتب بصورة آية تامّة في جنب الآيات الا َُخرى ؟

الجواب: التاريخ يطلعنا بصفحات طويلة على موقف قريش وغيرهم من أهل البيت (عليهم السلام) ، فإنّ مرجل الحسد ما زال يغلي والاتجاهات السلبية ضدهم كانت كالشمس في رابعة النهار، فاقتضت الحكمة الاِلهية أن تجعل الآية في ثنايا الآيات المتعلّقة بنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أجل تخفيف الحساسية ضد أهل البيت ، وان كانت الحقيقة لا تخفى على من نظر إليها بعين صحيحة، وأنّ الآية تهدف إلى جماعة أُخرى غير نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما بيّناه قبل قليل.

وللسيد عبد الحسين شرف الدين هنا كلام ربّما يفصل ما أجملناه فإنّه ـ قدّس اللّه سرّه ـ بعد ما أثبت أنّ قوله سبحانه : (إنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلاةَ وَيُوَْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (1) منزل في حق الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) طرح سوَالاً ، وهو أنّه إذا كان أمير الموَمنين «عليه السلام» هو المراد من الآية فلماذا عبر عن المفرد بلفظ الجمع؟

فقال: إنّ العرب قد تعبّـر عن المفرد بلفظ الجمع لنكتة التعظيم حيث يستوجب، ثم قال: وعندي في ذلك نكتة ألطف وأدق، وهي أنّه إنّما أُتي بعبارة الجمع دون عبارة المفرد بُقياً منه تعالى على كثير من الناس، فإنّ شانئي علي


1 . المائدة: 55.


(52)

وأعداء بني هاشم وسائر المنافقين وأهل الحسد والتنافس لا يطيقون أن يسمعوها بصيغة المفرد إذ لا يبقى لهم حينئذ مطمع في التمويه ولا ملتمس في التضليل فيكون منهم بسبب يأسهم حينئذ ما تخشى عواقبه على الاِسلام فجاءت الآية بصيغة الجمع مع كونها للمفرد اتقاء من معرتهم، ثم كانت النصوص بعدها تترى بعبارات مختلفة ومقامات متعددة وبث فيهم أمر الولاية تدريجاً حتى أكمل اللّه الدين وأتمَّ النعمة جرياً منه ص على عادة الحكماء في تبليغ الناس ما يشق عليهم، ولو كانت الآية بالعبارة المختصة بالمفرد لجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكباراً، وهذه الحكمة مطردة في كل ما جاء في القرآن الحكيم من آيات فضل أمير الموَمنين وأهل بيته الطاهرين كما لا يخفى، وقد أوضحنا هذه الجمل وأقمنا عليها الشواهد القاطعة والبراهين الساطعة في كتابينا «سبيل الموَمنين» و «تنزيل الآيات» والحمد للّه على الهداية والتوفيق والسلام . (1)


1 . المراجعات:المراجعة: 42 ص 166.


(53)

نظريات أُخرى في تفسير أهل البيت

قد عرفت القولين المعروفين حول الآية ، كما عرفت الحق الواضح منهما، فهلم معي ندرس سائر الاَقوال الشاذة التي لا تعتمد على ركن وثيق وإنّما هي آراء مختلقة لاَجل الفرار من المشاكل المتوجهة إلى ثاني القولين، ونحن نذكرها واحداً بعد آخر على نحو الاِيجاز :

1. المراد من «البيت»هو بيت اللّه الحرام والمراد من أهله هم المقيمون حوله.

2. المراد من «البيت» هو مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد من أهله هم القاطنون حوله، وكان لبيوتهم باب إلى المسجد .

3. المراد من تحرم عليهم الصدقة وهم ولد أبي طالب: علي، جعفر، وعقيل، وولد العباس.

4. المراد من البيت بيت النسب والحسب، فيعم أبناء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونساءه.(1) وهذه الوجوه كلّها عليلة ، أمّا الاَوّل والثاني، فلاَنّ إطلاق «أهل البيت» واستعماله في أهل مكة والمدينة استعمال بعيد لا يحمل عليه الكلام إلاّ بقرينة قطعية، والمتبادر منه هو أهل بيت الرجل، وعلى ذلك جرى الذكر الحكيم في موردين أحدهما في قصة إبراهيم قال سبحانه : (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) . (2) وثانيهما في قصة موسى قال سبحانه: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ) . (3)

أضف إليه أنّ الآية واقعة في سياق البحث عن نساء النبي، فصرف الآية عنه ص وإرجاعها إلى من جاور بيت اللّه أو من بات حول مسجده لا يساعد عليه ظاهر الآيات أبداً .


1 . لاحظ في الوقوف على هذه الاَقوال تفسير الطبري: 22|5 ـ 7؛ وتفسير القرطبي: 14|182؛ ومفاتيح الغيب للرازي: 6|615؛ والكشاف: 2|538؛ وغيرها.

2 . هود: 73.

3 . القصص: 12.


(54)

ويتلوهما الثالث: فإنّ تفسير «أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » بمن تحرم عليه الصدقة من صلب أبي طالب والعباس تفسير بلا شاهد ، وكأنّه حمل البيت على البيت النسبي، أضف إليه أنّ الصدقة غير محرمة على خصوص أبنائهما، بل هي محرمة على أبنائهما وكل من كان من نسل عبد المطلب .

قال الشيخ الطوسي في الخلاف: تحرم الصدقة المفروضة على بني هاشم من ولد أبي طالب العقيليين والجعافرة والعلويين، وولد العباس بن عبد المطلب، وولد أبي لهب، وولد الحارث بن عبد المطلب، ولا عقب لهاشم إلاّ من هوَلاء، ولا يحرم على ولد المطلب، ونوفل، وعبد شمس بن عبد مناف، قال الشافعي: تحرم الصدقة المفروضة على هوَلاء كلهم وهم جميع ولد عبد مناف.(1)

وقال بمثله أيضاً في كتاب قسمة الصدقات: 2|353، المسألة 26.

وعلى ذلك فليس لهذه النظرية دليل سوى ما رواه مسلم عن زيد بن أرقم، وقد قدمنا نصّه عند ذكر الاَحاديث الواردة حول الآية . (2)

وأمّا النظرية الرابعة: فقد ذهب إليها بعضهم، جمعاً بين الاَحاديث المتضافرة الحاكية عن نزول الآية في العترة الطاهرة، وسياق الآيات الدالة على رجوعها إلى نسائه، فحاول القائل الجمع بين الدليلين بتفسير الآية بأولاده وأزواجه، وجعل عليّاً أيضاً منهم بسبب معاشرته وملازمته للنبي ص .

قال الرازي: والاَولى أن يقال هم: أولاده وأزواجه والحسن والحسين منهم وعلي معهم، لاَنّه كان من أهل بيته بسبب معاشرته بيت النبي وملازمته. (3)

وقال البيضاوي: والتخصيص بهم أولاده لا يناسب ما قبل الآية وما


1 . الخلاف: 2|227، المسألة 4 كتاب الوقوف والصدقات.

2 . لاحظ ص 398، الحديث 35.

3 . مفاتيح الغيب: 6|615.


(55)

بعدها، والحديث يقتضي أنّهم من أهل البيت لا أنّ غيرهم ليس منهم. (1)

وقال المراغي: أهل بيته من كان ملازماً له من الرجال والنساء والاَزواج والاِماء والاَقارب . (2)

وهذه النظرية موهونة أيضاً

أوّلاً: انّ اللام في «أهل البيت» ليس للجنس ولا للاستغراق، بل هي لام العهد وهي تشير إلى بيت معهود بين المتكلم والمخاطب، وهو بيت واحد، ولو صح ذلك القول لوجب أن يقول «أهل البيوت» حتى يعم الاَزواج والاَولاد وكل من يتعلّق بالنبي نسباً أو حسباً أو لعلاقة السكنيّة مثل الاِماء.

والحاصل: انّه لو أُريد «بيت النبي» المادي الجسماني لا يصح، إذ لم يكن له بيت واحد، بل كان لكل واحدة من نسائه بيت مشخص، فكان النبي صاحب البيوت لا البيت الواحد.

ولو أُريد منه بيت النسب، كما يقال: بيت من بيوتات «حمير» أو «ربيعة»، فلازمه التعميم إلى كل من ينتمي إلى هذا البيت بنسب أو سبب، مع أنّه كان بعض المنتمين إليه يوم نزول الآية من عبدة الوثن وأعداء النبي ، فإنّ سورة الاَحزاب نزلت سنة ست من الهجرة، وقد ورد فيها زواج النبي من زينب بنت جحش، وهو حسب ما ذكره صاحب «تاريخ الخميس» من حوادث سنة الخمس، وعلى ذلك فلا تتجاوز الآيات النازلة في نساء النبي عن هذا الحد وكان عند ذاك، بعض من ينتمي إلى النبي بالنسب مشركاً، كأبي سفيان بن عبد المطلب ابن عم رسول اللّه، وعبد اللّه بن أُمية بن المغيرة ابن عمته، وقد أسلما في عام الفتح، وأنشد الاَوّل قوله في إسلامه واعتذر إلى النبي ممّا كان مضى منه فقال:


1 . أنوار التنزيل: 4|162.

2 . تفسير المراغي: 22|7.


(56)

لعمرك إنّـي يوم أحمِلُ رايةً لتَغْلِبَ خَيلَ اللات، خيلُ محمد

لكالمُدلج الحيرانِ أظلم ليلُــهُ فهذا أواني حين أُهدي وأهْتدى (1) ولو أُريد منه «بيت الوحي» فلازمه الاختصاص بمن بلغ من الورع والتقوى ذروتهما، حتى يصح عدّه من أهل ذلك البيت الرفيع المعنون، ومثله لا يعم كل من ينتمي بالوشائج النسبية أو الحسبية إلى هذا البيت، وإن كان في جانب الاِيمان والعمل في درجة نازلة تلحقه بالعاديين من المسلمين.

ثانياً: قد عرفت أنّ الاِرادة الواردة في الآية تكوينية تعرب عن تعلّق إرادته الحكيمة على عصمة أهل ذلك البيت، ومعه كيف يمكن القول بأنّ المراد كل من ينتمي إلى ذلك البيت بوشائج النسب والحسب؟!

ثالثاً: انّ النظرية في جانب مخالف للاَحاديث المتضافرة الدالة على نزول الآية في حق العترة الطاهرة، وقد قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتفسيرها بوجوه مختلفة أوعزنا إليها عند البحث عن القول الاَوّل، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المبين الاَوّل لمفاد كتابه الذي أرسل معه قال سبحانه : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) . (2)

فليست وظيفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القراءة والتلاوة بل التبيين والتوضيح من وظائفه التي تنص الآية عليها.

هذا هو موجز القول في تفسير الآية ولا بأس بإكمال البحث بنقل بعض ما أنتجته قريحة الشعراء الاِسلاميين حول أهل البيت وفضائلهم، على وجه يعرب عن أنّ المتبادر من ذلك اللفظ في القرون الاِسلامية لم يكن إلاّ العترة الطاهرة، أعني: فاطمة وأباها وبعلها وابنيها سلام اللّه عليهم أجمعين ، وإليك نزراً يسيراً في هذا المجال.


1 . السيرة النبوية: 2|401.

2 . النحل: 44.


(57)

خاتمة المطاف

أهل البيت في الاَدب العربي

ما حقَّقناه حول الآية كان أمراً واضحاً لا لبس فيه عند المسلمين في الصدر الاَوّل فقد فهموا في الآية الكريمة و بفضل الروايات من هم أهل البيت من دون تردّد أو تريّث، وصاغوا ما فهموه في قوالب شعرية رائعة، نقتطف منها هذه الشذرات.

قال عمرو بن العاص في قصيدته الجلجلية المعروفة يمدح بها الاِمام علي ابن أبي طالب، وفيها هذا البيت في حق العترة الطاهرة:

فوال مواليه يا ذا الجلال * وعاد معادي أخ المرسل

ولا تنقضوا العهد من عترتي * فقاطعهم بي لم يوصل (1)

و قال الكميت بن زيد الاَسدي في قصيدة له:


1 . الغدير: 2|115.


(58)

ألم ترني من حب آل محمـد * أروح وأغدو خائفاً أترقب

فإن هي لم تصلح لحي سواهم * فإنّ ذوي القربى أحق وأوجب

يقولون لم يورث ولولا تراثه * لقد شركت فيها بكيل وأرحب (1)

قال العبدي الكوفي (المتوفّـى 120 هـ) :

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل

ركبت على اسم اللّه في سفن النجا * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

وأمسكت حبل اللّه وهو ولاوَهم * كما قد أمرنا بالتمسّك بالحبل (2)

قال الاِمام الشافعي:

يا أهل بيت رسول اللّه حبكم * فرض من اللّه في القرآن أنزله


1 . الغدير: 2|191.

2 . الغدير: 2|290 ـ 326.


(59)

كفاكم من عظيم القدر أنّكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له (1)

وذكر ابن الصباغ المالكي في «الفصول» لقائل:

هم العروة الوثقى لمعتصم بها * مناقبهم جاءت بوحي وانزال

مناقب في شورى وسورة هل أتى * وفي سورة الاَحزاب يعرفها التالي

وهم آل بيت المصطفى فودادهم * على الناس مفروض بحكم وإسجال (2)

وذكر الشبلنجي في «نور الاَبصار » عن أبي الحسن بن جبير :

أحب النبيّ المصطفى وابنَ عمه * علياً وسبطيه وفاطمة الزهرا

هم أهل بيت أذهب الرجس عنهم * وأطلعهم أفق الهدى أنجماً زهرا

موالاتهم فرض على كل مسلم * وحبهم أسنى الذخائر للا َُخرى


1 . الغدير: 2|303.

2 . الغدير: 2|310 ـ 311، نقلاً عن الفصول: 13.


(60)

وما أنا للصحب الكرام بمبغض * فإنّي أرى البغضاء في حقهم كفرا (1)

وقال العبدي:

يا سادتي يا بني علي * يا «آل طه» و «آل صاد»

من ذا يوازيكم وأنتم * خلائف اللّه في البلاد

أنتم نجوم الهدى اللواتي * يهدي بها اللّه كل هاد

لولا هداكم إذاً ضللنا * والتبس الغي بالرشاد

لازلت في حبكم أوالي * عمري وفي بغضكم أعادي

وما تزودت غير حبي * إياكم وهو خير زاد

وذاك ذخري الذي عليه * في عرصة الحشر اعتمادي


1 . الغدير: 2|311، نقلاً عن نور الاَبصار : 13.


(61)

ولاكم والبراءة ممن * يشنأكم اعتقادي(1)

وقال دعبل الخزاعي:

أتسكب دمع العين بالعبرات * وبتَّ تقاسي شدّة الزفرات؟!

وتبكي لآثار لال محمد * فقد ضاق منك الصدر بالحسرات

ألا فابكهم حقّاً وبلَّ عليهم * عيوناً لريب الدهر منسكبات

ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم * وداهية من أعظم النكبات

سقى اللّه أجداثاً على أرض كربلا * مرابيع أمطار من المزنات

وصلّـي على روح الحسين حبيبه * قتيلاً لدى النهرين بالفلوات

قتيلاً بلا جرم فجعنا بفقده * فريداً ينادي: أين أين حماتي


1 . الغدير: 2|317.


(62)

أنا الظامىَ العطشان في أرض غربة * قتيلاً ومظلوماً بغير ترات

وقد رفعوا رأس الحسين على القنا * وساقوا نساءً ولّهاً خفرات

فقل لابن سعد عذب اللّه روحه * ستلقى عذاب النار باللعنات

سأقنت طول الدهر ما هبت الصبا * واقنت بالآصال والغدوات

على معشر ضلّوا جميعاً وضيّعوا * مقال رسول اللّه بالشّبهات (1)

وقال أيضاً:

نطق القرآن بفضل آل محمد * وولاية لعليّه لم تجحد

بولاية المختار من خير الذي * بعد النبي الصادق المتودد(2)


1 . الغدير: 2|381 ـ 382.

2 . الغدير: 2|381 ـ 382.


(63)

وقال الحماني (المتوفّـى 301 هـ) :

يا آل حاميم الذين بحبهم * حكم الكتاب منزَّلٌ تنزيلا

كان المديح حُلـى الملوك وكنتم * حلل المدايح غرّةً وحجولا

بيت إذا عَدَّ المآثر أهله * عدّوا النبي وثانياً جبريلا

قوم إذا اعتدلوا الحمايل أصبحوا * متقسِّمين خليفة ورسولا

نشأوا بآيات الكتاب فما انثنوا * حتى صدرن كهولة وكهولا

ثقلان لن يتفرَّقا أو يطفيا * بالحوض من ظمأ الصدور غليلا

وخليفتان على الاَنام بقوله * الحق أصدق من تكلّم قيلا

فأتوا أكف الآيسين فأصبحوا * ما يعدلون سوى الكتاب عديلا (1)


1 . الغدير: 3|66.


(64)

وقال العجلوني (المتوفّـى 1162 هـ ) :

لقد حاز آل المصطفى أشرف الفخر * بنسبتهم للطاهر الطيَّب الذكر

فحبهم فرض على كل موَمن * أشار إليه اللّه في محكم الذكر

ومن يدعي من غيرهم نسبة له * فذلك ملعون أتى أقبح الوزر

وقد خص منهم نسل زهراء الاَشرف * بأطراف تيجان من السندس الخضر

ويُغنيهمُ عن لبس ما خصَّهم به * وجوهٌ لهم أبهى من الشمس والبدر

ولم يمتنع من غيرهم لبس أخضر * على رأي من يعزى لا سيوط ذي الخبر

وقد صححوا عن غيره حرمة الذي * رآه مباحاً فاعلم الحكم بالسبر (1)

وقال جرير بن عبد اللّه البجلي:

فصلى الاِله على أحمد * رسول المليك تمام النعم


1 . الغدير: 3|173.


(65)

وصلى على الطهر من بعده * خليفتنا القائم المدَّعْم

عليّاً عنيت وصي النبي * يجالد عنه غواة الا َُمم

له الفضل والسبق والمكرما * ت وبيت النبوّة لا المهتضم (1)

وقال الزاهي (المتوفّـى 352 هـ) :

يا سادتي يا آل ياسين فقط * عليكم الوحي من اللّه هبط

لولاكم لم يقبل الفرض ولا * رحا لبحر العفو من أكرم شط

أنتم ولاة العهد في الذرِّ ومن * هواهم اللّه علينا قد شرط

ما أحد قايسكم بغيركم * ومازج السلسل بالشرب اللمط

إلاّ كمن ضاهى الجبال بالحصى * أو قايس الاَبحر جهلاً بالنقط (2)


1 . الغدير: 3|233.

2 . الغدير: 3|391.


(66)

قال أيضاً ضمن أبيات:

هم آل أحمد والصيد الجحاجحة الز * هر الغطارفة العلوية الغرر

وقال أيضاً:

يا آل أحمد ماذا كان جرمكم * فكل أرواحكم بالسيف تنتزع (1)

وقال الناشىَ الصغير (المتوفّـى 365 هـ ) :

بآل محمّد عرف الصواب * وفي أبياتهم نزل الكتاب

هم الكلمات والاَسماء لاحت * لآدم حين عزّ له المتاب

وهم حجج الاِله على البرايا * بهم وبحكمهم لا يستراب

إلى آخر الآبيات التي يقول فيها:

يقول لقد نجوت بأهل بيت * بهم يصلى لـظى وبهم يثاب


1 . الغدير: 3|396.


(67)

هم النبأ العظيم وفلك نوح * وباب اللّه وانقطع الخطاب (1)

وقال البشنوي الكردي (المتوفّـى بعد 380 هـ) :

أليّة ربي بالهدى متمسكاً * باثني عشر بعد النبي مراقباً

أبقي على البيت المطهر أهله * بيوت قريش للديانة طالباً (2)

وقال أيضاً :

يا ناصبي بكل جهدك فاجهد * إنّي علقت بحب آل محمد

الطيبين الطاهرين ذوي الهدى * طابوا وطاب وليهم في المولد

واليتهم وبرئت من أعدائهم * فاقلل ملامك لا أباً لك أوزد

فهم أمان كالنجوم وانّهم * سفن النجاة من الحديث المسند (3)


1 . الغدير: 4|25.

2 . الغدير: 4|35.

3 . الغدير: 4|38.


(68)

وقال الصاحب بن عبّاد ( المتوفّـى 385 هـ ) :

أُواليكم يا آل بيت محمد * فكلّكم للعلم والدين فرقد

وأترك من ناواكم وهو هتكه * ينادى عليه مولد ليس يحمد (1)

وقال ابن الحجاج البغدادي (المتوفّـى 391 هـ ) :

فما وجدت شفاء تستفيد به * إلاّ ابتغاءك تهجو آل ياسين

كافاك ربُّك إذ أجرتك قدرته * بسب أهل العلا الغرِّ الميامين

إلى أن يقول:

وانّ أجر ابن سعد في استباحة * آل النبوّة أَجر غير ممنون (2)

وقال أبو الفتح كشاجم (المتوفّـى 360 هـ) من قصيدة:

له في البكاء على الطاهرين * مندوحة عن بكاء الغزل


1 . الغدير: 4|60.

2 . الغدير: 4|89.


(69)

فكم فيهم من هلال هوى * قبيل التمام وبدر أفل

هم حجج اللّه في خلقه * ويوم المعاد على من خذل

ومن أنزل اللّه تفضيلهم * فردَّ على اللّه ما قد نزل

فجدّهم خاتم الاَنبياء * ويعرف ذاك جميع الملل(1)

وقال أيضاً :

آل النبي فضّلتم * فضل النجوم الزاهرة

وبهرتم أعداءكم * بالمأثرات السائرة(2)

وقال أبو محمد الصوري الشاعر (المتوفّـى 419 هـ ) :

فهل ترك البين من أرتجيه * من الاَوّلين والآخرينا


1 . الغدير: 4|3.

2 . الغدير: 4|17.


(70)

سوى حب آل نبي الهدى * فحبهم أمل الآملينا

هم عدّتي لوفاتي هم نجاتي هم * الفوز للفائزينا (1)

وقال من قصيدة في أهل البيت :

بماذا ترى تحتجُّ يا آل أحمد * على أحمد فيكم إذا ما استعدت

وأشهر ما يروونه عنه قوله * تركت كتاب اللّه فيكم وعترتي

ولكن دنياهم سعت فسعوا * لها فتلك التي فلّت ضميراً عن التي (2)

وقال أيضاً من قصيدة:

فلهذا أبناء أحمد أبناء علي * طرايد الآفاق

فقراء الحجاز بعد الغنى الاَكبر أسرى * الشام قتلى العراق


1 . الغدير: 4|222 و 225.

2 . الغدير: 4|227.


(71)

جانبتهم جوانب الاَرض حتى * خلت انّ السماء ذات انطباق

ان أقصر يا آل أحمد أو أغر * ق كان التقصير كالاِغراق (1)

وقال الشبراوي الشافعي في كتابه «الاتحاف بحب الاَشراف»:

آل طه ومن يقل آل طه * مستجيراً بجاهكم لا يرد

حبكم مذهبي وعقد يقيني * ليس لي مذهب سواه وعقد (2)

وقال أيضاً في قصيدة أُخرى:

آل بيت النبي ما لي سواكم * ملجأ أرتجيه للكرب في غد

لست أخشى ريب الزمان وأنتم * عمدتي في الخطوب يا آل أحمد

من يضاهي فخاركم آل طه * وعليكم سرادق العز ممتد


1 . الغدير: 4|227 ـ 228.

2 . الاِتحاف بحب الاَشرف: 99.


(72)

إلى أن يقول في قصيدته هذه:

يا إلهي ما لي سوى حب آل البيت * آل النبي طه الممجد

أنا عبد مقصر لست أرجو * عملاً غير حب آل محمد (1)

وقال أيضاً من قصيدة:

يا كرام الاَنام يا آل طه * حبكم مذهبي وعقد ولائي

ليس لي ملجأ سواكم وذخر * أرتجيه في شدتي ورخائي

فاز من زار حيكم آل طه * وجنا منكم ثمار العطاء (2)

وقال أيضاً في قصيدة:

أنا في عرض آل بيت نبي * طهر اللّه بيتهم تطهيراً

سادة أتقياء أعطاهم اللّه * مقاماً ضخماً وملكاً كبيراً


1 . الاِتحاف بحب الاَشراف: 100 و 101.

2 . الاِتحاف بحب الاَشراف: 100 و 101.


(73)

إلى أن يقول:

يا بحور الكمال يا آل طه * كم مننتم وكم جبرتم كسيراً

هل على غير بيتهم نزل الو * حي بجبريل خادماً مأموراً

هل سواكم قد أذهب اللّه عنه الرجـ * ـس نصّاً في ذكره مسطوراً (1)

(أُولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده) (2)

الشيعة وآية التطهير

استدلت الشيعة عن بكرة أبيها بآية التطهير على عصمة العترة الطاهرة، وأفاض المفسرون منهم القول حول الآية وأتوا ببيانات شافية في وجه دلالتها على عصمتهم.

وهناك جماعة من العلماء قاموا بتأليف رسائل مفردة حول دلالتها وشأن نزولها، نشير إلى ما وقفنا عليه في ما يلي:

1. «السحاب المطير في تفسير آية التطهير » ، للسيد السعيد القاضي نور اللّه المرعشي الشهيد عام 1019 هـ .


1 . الاِتحاف بحب الاَشرف: 106 ـ 109.

2 . الاَنعام: 90.


(74)

2. «تطهير التطهير » ، تأليف الفاضل الهندي ( المتوفّـى عام 1035هـ ) .

3. «شرح تطهير التطهير » ، تأليف السيد عبد الباقي الحسيني كتبه شرحاً لكتاب الفاضل الهندي.

4. «إذهاب الرجس عن حظيرة القدس»، للعلاّمة الشيخ عبد الكريم بن محمد طاهر القمي.

5. «الصور المنطبعة»، له أيضاً في هذا المجال.

6. «أقطاب الدوائر »، للعلاّمة عبد الحسين بن مصطفى أحد علمائنا في القرن الثاني عشر فرغ منه عام 1138 هـ ، وطبع عام 1403 هـ .

7. «تفسير آية التطهير»، تأليف الشيخ إسماعيل بن زين العابدين التبريزي الملقّب بمصباح ( المتوفّـى عام 1300 هـ) .

8. التنوير في ترجمة رسالة «آية التطهير» باللغة الاَوردية، تأليف السيد عباس الموسوي، طبع في الهند عام 1341 هـ ، وهو ترجمة لرسالة السيد القاضي نور اللّه .

9. «جلاء الضمير في حل مشكلات آية التطهير » ، للشيخ محمد البحراني، طبع في بُمباي عام 1325 هـ .

10. رسالة قيمة في تفسير آية التطهير، للعلاّمة المحقق الشيخ لطف اللّه الصافي، طبعت عام 1403 هـ من منشورات دار القرآن الكريم في قم المقدسة، وله رسالة أُخرى في العصمة طبعت معها، حيّاه اللّه وبيّاه.

11. «آية التطهير » في جزءين، للسيد الجليل علي الاَبطحي، وقد استقصى الكلام فيها حول المأثورات الواردة فيها في الجزء الاَوّل، ودلالتها على العصمة في الجزء الثاني.


(75)

12. «آية التطهير » ، للشيخ محمد مهدي الآصفي وهي دراسة حول مداليل الآية الكريمة (إنّما يريد اللّه ...) واختصاصها بأهل البيت (عليهم السلام) نشرتها موَسسة دار القرآن الكريم في قم المقدسة سنة 1411 هـ .

13. «آية التطهير ، روَية مبتكرة»، لآية اللّه الشيخ محمد الفاضل اللنكراني، طبع في إيران 1970 م بالفارسية. و 1987م بالعربيَّة.

14. «آية التطهير في الخمسة أهل الكساء»، للسيد محيي الدين الموسوي الغريفي، طبع في النجف الاَشرف ـ 1377 هـ | 1958 م.

15. أخيرها ـ لا آخرها ـ ما قدمناه لكم في هذه الصحائف لكاتب هذه السطور ، عفا اللّه عنه، ورزقه شفاعة محمد وأهل بيته يوم لا ينفع مال ولا بنون.


(76)

(77)

الفصل الثاني

سمات أهل البيت (عليهم السلام)

قدتعرَّفت على من هم أهل البيت من خلال التعريف بالحدِّ التامّ الذي عرَّف به رسول اللّهص أهل بيته، أهل بيت النبوّة و الرّسالة، وكأنَّ التعريف السابق كان بمنزلة التعريف بالحدّ أي التعريف بالذات.

و يمكن أن نتعرف عليهم من خلال التعريف على سماتهم وخصوصيّاتهم الّتي تشبه التعريف بالرّسم والتعريف بالعرضي.

و سماتهم و خصوصيّاتهم كثيرة مبثوثة في ثنايا الآيات و الاَحاديث النبويَّة، و لكن نقتصر في المقام على ما ورد من السمات في الذكرالحكيم.


(78)


(79)

من سمات أهل البيت (عليهم السلام)

1. العصمة

لقد تعرفت على ما هو المراد من أهل البيت في الآية المباركة على وجه لم يدع لقائل كلمة، ولا لمجادل شبهة، في أنّ المقصود منه هو العترة الطاهرة قرناء الكتاب في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :

فحان البحث للتطرق إلى سماتهم وخصوصياتهم، وهي على قسمين:

1. ما يستفاد من الآية الشريفة.

2. ما يستفاد من سائر الآيات.

أمّا الاَوّل، فالآية ـ بعد الاِمعان فيها ـ تدلّ على عصمتهم وطهارتهم من الذنوب، ويعلم ذلك من خلال دراسة أمرين:

1. ما هو المراد من الرجس؟

2. هل الارادة في الآية المباركة إرادة تكوينية أو تشريعية؟

1. ما هو المراد من الرجس؟

المراد من الرجس: هو القذارة الاَعم من المادية والمعنوية، وقد اتفق على ذلك أئمّة اللغة.

قال ابن فارس: الرجس: أصل يدل على اختلاط، ومن هذا الباب:


(80)

الرجس: القذر لاَنّه لطخ وخلط . (1)

وقال ابن منظور : الرجس: القذر، وكل قذر رجس، وفي الحديث: أعوذ بك من الرجس النجس. وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح والعذاب واللعن والكفر . قال الزجّاج: الرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل ... فبالغ اللّه في ذم أشياء وسمّـاها رجساً، وقال ابن الكلبي: رجس من عمل الشيطان أي مأثم.(2)

وقد استعملت هذه اللفظة في الذكر الحكيم ثمانية مرات: ووصف به الخمر والميسر والاَنصاب والاَزلام والكافر غير الموَمن باللّه والميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير والاَوثان وقول الزور ... إلى غير ذلك من الموارد التي وصفت به في الذكر الحكيم.

ونكتفي بنقل بعض الآيات قال سبحانه : (إِنَّمَا الخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاَنْصَابُ وَالاَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) . (3)

وقال سبحانه : (إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) . (4)

وقال سبحانه : (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُوَْمِنُونَ) (5) ، إلى غير ذلك من الآيات.

والمتفحص في كلمات أئمّة أهل اللغة، والآيات الواردة فيها تلك اللفظة،


1 . معجم مقاييس اللغة: 2|490.

2 . لسان العرب: 6|94 ـ 95، مادة «رجس».

3 . المائدة: 90.

4 . الاَنعام: 145.

5 . الاَنعام: 125.


(81)

يصل إلى أنّها موضوعة بمعنى القذارة التي تستنفر منها النفوس، سواءً أكانت مادية، كما وردت في الآيات، أم معنوية كما هو الحال في الكافر وعابد الوثن ووثنه.

فلو وصف به العمل القبيح عرفاً أو شرعاً، فلاَجل انّ العمل القبيح يوصف بالقذارة التي تستنفرها الطباع السليمة، وعلى هذا فالمراد من الرجس في الآية هي الاَعمال القبيحة عرفاً أو شرعاً، ويدل عليه قوله سبحانه بعد تلك اللفظة: (ويطَّهركُم تَطْهيراً) ، فليس المراد من هذا التطهير إلاّ تطهيرهم من الرجس المعنوي الذي لا تقبله النفوس السليمة.

وقد ورد نظير قوله: (ويطهركم تطهيراً) في حق السيدة مريم «عليها السلام» ، قال سبحانه : (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِين) . (1)

نعم: انّ لتطهير النفوس وطهارتها مراتب ودرجات، ولا تكون جميعها مستلزمة للعصمة، وانّما الملازم لها هو الدرجة العليا، قال سبحانه : (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِِّرِينَ) . (2)

قال العلاّمة الطباطبائي: الرجس ـ بالكسر والسكون ـ صفة من الرجاسة وهي القذارة، والقذارة هيئة في النفس توجب التجنّب والتنفّر منها، وهي تكون تارة بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير ، قال تعالى : (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) وبحسب باطنه، أُخرى، وهي الرجاسة والقذارة المعنوية كالشرك والكفر وأثر العمل السيّء، قال تعالى: (وأمّا الّذِينَ فِي ُقُلوِبِهمَ َمٌرضَ َفزَاْدُتْهمِ رجساً إلى رِجْسِهِمْ ومَاتُوا وَهُمْ كافِرون) (3)، وقال: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً


1 . آل عمران: 42.

2 . التوبة: 108.

3 . التوبة: 125.


(82)

حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُوَْمِنُونَ) .(1)

وأيّاً ما كان فهو إدراك نفساني وأثر شعوري يحدث من تعلّق القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيّء وإذهاب الرجس عبارة عن إزالة كل هيئة خبيثة في النفس تضاد حق الاعتقاد والعمل، وعند ذلك يكون إذهاب الرجس معادلاً للعصمة الاِلهية التي هي صورة علمية نفسانية، تحفظ الاِنسان من رجس باطني الاعتقاد وسيّء العمل . (2)

المنفي مطلق الرجس

إذا كان المراد من الرجس في الآية الكريمة هو الاَفعال القبيحة عرفاً أو شرعاً والمعاصي صغيرها وكبيرها، فيجب أن يقال: إنّ المنفي في الآية هو عموم الرجس، وذلك لاَنّ المنفي هو جنس الرجس لا نوعه ولا صنفه، ونفي الجنس يلازم نفي الطبيعة بعامة مراتبها، ولاَجل ذلك لم يكتف سبحانه بقوله: (ليذهب عنكم الرجس) بل أكّده بقوله: (ويطهّركم تطهيراً) ، فلو كان المراد نفي قسم خاص من الرجس ـ أعني: الشرك، أو الاَوسع منه كالمعاصي الكبيرة ـ لما كان لهذه العناية وجه.

والحاصل: انّ المفهوم من قول القائل لا خير في الحياة، أو لا رجل في الدار، هو المفهوم من قوله: ليذهب عنكم الرجس، والتفكيك بين المقامين غير مقبول. هذا هو الاَمر الاَوّل وإليك الكلام في الاَمر الثاني :


1 . الاَنعام: 125.

2 . الميزان: 16|330.


(83)

2. هل الاِرادة في الآية تكوينية أم تشريعية؟

إنّ انقسام إرادته سبحانه إلى تكوينية وتشريعية من الانقسامات الواضحة التي لا تحتاج إلى بسط في القول، ومجمل القول فيها هو انّه إذا تعلّقت إرادته سبحانه على إيجاد شيء وتكوينه في صحيفة الوجود، فهي الاِرادة التكوينية ولا تتخلّف تلك الاِرادة عن مراده، وربّما يعبّـر عنها بالاَمر التكويني قال سبحانه : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) . (1)

ففي هذا المجال يكون متعلّق الاِرادة تكوّن الشيء وتحقّقه وتجسّده، واللّه سبحانه لاَجل سعة قدرته ونفوذ إرادته لا تنفك إرادته عن مراده ولا أمره التكويني عن متعلّقه.

وأمّا إذا تعلّقت إرادته سبحانه بتشريع الاَحكام وتقنينها في المجتمع حتى يقوم المكلّف مختاراً بواجبه، فهي إرادة تشريعية، ففي هذا المجال يكون متعلّق الاِرادة تحقيقاً هو التشريع والتقنين، وأمّا قيام المكلّف فهو من غايات التكليف، ولاَجل ذلك ربّما تترتب عليه الغاية، وربّما تنفك عنه، ولا يوجب الانفكاك خللاً في إرادته سبحانه ، لاَنّه ما أراد إلاّ التشريع وقد تحقق، كما انّه ما أراد قيام المكلّف بواجبه إلاّ مختاراً، فقيامه بواجبه أو عدم قيامه من شعب اختياره، هذا هو إجمال القول في الاِرادتين، وللتفصيل محل آخر .

والقرائن التي ستمر عليك تدل على أنّ الاِرادة في الآية تكوينية لا تشريعية بمعنى انّ إرادته التكوينية التي تعلّقت بتكوين الاَشياء وإبداعها في عالم الوجود، تعلّقت أيضاً بإذهاب الرجس عن أهل البيت، وتطهيرهم من كل رجس وقذر، ومن كل عمل يستنفر منه، وإليك تلك القرائن:


1 . يس: 82.


(84)

1. انّ الظاهر من الآية هو تعلّق إرادة خاصة بإذهاب الرجس عن أهل البيت، والخصوصية إنّما تتحقّق لو كانت الاِرادة تكوينية، إذ لو كانت تشريعية لما اختصت بطائفة دون طائفة، لاَنّ الهدف الاَسمى من بعث الاَنبياء هو إبلاغ تشريعاته ودساتيره إلى الناس عامة لا لا َُناس معيّنين، ولاَجل ذلك ترى أنّه سبحانه عندما شرّع للمسلمين الوضوء والغسل بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ...) علّله بقوله: (وَلَكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(1) خاطب سبحانه الموَمنين عامة بالوضوء والغسل وعلّل تشريعه العام بتطهيرهم وإتمام نعمته عليهم وهذا بخلاف الآية التي نحن بصددها، فإنّـها خصّصت إرادة تطهيره بجمع خاص تجمعهم كلمة «أهل البيت» وخصّهم بالخطاب وقال: «عنكم أهل البيت» أي لا غيركم.

وبالجملة فتخصيص تعلّق الاِرادة بجمع خاص على الوجه الوارد في الآية، يمنع من تفسير الاِرادة بالاِرادة التشريعية التي عمّت الا َُمّة جميعاً.

نعم لا يتوهم من ذلك انّ أهل البيت خارجون عن إطار التشريع، بل التشريع في كل المجالات يعمّهم كما يعم غيرهم، ولكن هنا إرادة تكوينية مختصة بهم.

2. انّ العناية البارزة في الآية المباركة أقوى شاهد على أنّ المقصود بالاِرادة، الاِرادة التكوينية لا التشريعية، لوضوح أنّ تعلّق الاِرادة التشريعية بأهل البيت لا يحتاج إلى العناية في الآية، وإليك بيان تلك العناية:


1 . المائدة: 6.


(85)

أ. ابتدأ سبحانه كلامه بلفظ الحصر، ولا معنى له إذا كانت الاِرادة تشريعية، لاَنّها غير محصورة بأُناس مخصوصين.

ب. عيّـن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص، فقال: (أهل البيت) أي أخصّكم أهل البيت.

ج. قد بيّـن متعلّق إرادته بالتأكيد، وقال بعد قوله: (ليذهب عنكم الرجس ... ويطهركم) .

د. قد أكّده أيضاً بالاِتيان بمصدره بعد الفعل، وقال: (ويطهّركم تطهيراً) ليكون أوفى في التأكيد.

هـ . انّه سبحانه أتى بالمصدر نكرة، ليدل على الاِكبار والاِعجاب، أي تطهيراً عظيماً معجباً.

و . انّ الآية في مقام المدح والثناء، فلو كانت الاِرادة إرادة تشريعية لما ناسب الثناء والمدح.

وعلى الجملة: العناية البارزة في الآية تدل بوضوح على أنّ الاِرادة هناك غير الاِرادة العامة المتعلّقة لكل إنسان حاضر أو باد، ولاَجل ذلك فإنّ المحقّقين من المفسرين يفسرون الاِرادة في المقام بالاِرادة التكوينية ويجيبون عن كل سوَال يطرح عنها.

قال الشيخ الطبرسي: إنّ لفظة (إنّما) محقّقة لما أُثبت بعدها، نافية لما لم يثبت، فإنّ قول القائل: إنّما لك عندي درهم، وإنّما في الدار زيد، يقتضي انّه ليس عنده سوى الدرهم وليس في الدار سوى زيد، وعلى هذا فلا تخلو الاِرادة في الآية أن تكون هي الاِرادة المحضة التشريعية ، أو الاِرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس؛ ولا يجوز الوجه الاَوّل، لاَنّ اللّه تعالى قد أراد من كل مكلّف هذه الاِرادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق، ولاَنّ هذا


(86)

القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة ولا مدح في الاِرادة المجرّدة، فثبت الوجه الثاني، وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح . (1)

وقال السيد ابن معصوم المدني في تقريب دلالة الآية على عصمة المعنيّين بالآية: إنّ لفظة (إنّما) محقّقة لما أُثبت بعدها، نافية لما لم يثبت، فإنّ قول القائل إنّما لك عندي درهم، وإنّما في الدار زيد، يقتضي انّه ليس له عنده سوى درهم وليس في الدار سوى زيد، إذا تقرر هذا فلا تخلو الاِرادة في الآية أن تكون هي الاِرادة المطلقة أو الاِرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس، فلا يجوز الوجه الاَوّل، لاَنّ اللّه تعالى قد أراد من كل مكلّف هذه الاِرادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق. وهذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك ولا شبهة ولا مدح في الاِرادة المجرّدة، فثبت الوجه الثاني، وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيّين بالآية من جميع القبائح، لاَنّ اللام في الرجس للجنس، ونفي الماهية نفي لكل جزئياتها، وقد علمنا أنّ من عدا ما ذكرناه من أهل البيت حين نزول الآية غير مقطوع على عصمته، فثبت أنّ الآية مختصة بهم، لبطلان تعلّقها بغيرهم. وما اعتمدوا عليه من أنّ صدر الآية وما بعدها في الاَزواج، فجوابه انّ من عرف عادة العرب العرباء في كلامهم واسلوب البلغاء والفصحاء في خطابهم لا يذهب عليه انّ هذا من باب الاستطراد، وهو خروج المتكلم من غرضه الاَوّل إلى غرض آخر ثم عوده إلى غرضه الاَوّل، واتفقت كلمة أهل البيان على أنّ ذلك من محاسن البديع في الكلام نثراً ونظماً والقرآن المجيد وخطب البلغاء وأشعارهم مملوءة من ذلك . (2)


1 . مجمع البيان: 4|357 تفسير سورة الاَحزاب ؛ وقريب منه ما أفاده الشيخ الطوسي في تبيانه: 8|340.

2 . رياض السالكين: 497، الروضة السابعة والاَربعون، وقد نقلنا عن الطبرسي ما يقرب منه.


(87)

أسئلة وأجوبة

قد تعرفت على مفاد الآية: واتضح لديك انّ القرائن الداخلية في نفس الآية تدل بوضوح على أنّ الاِرادة الواردة في الآية إرادة تكوينية تعلّقت بطهارة أهل البيت وإذهاب الرجس عنهم، ويكون وزان الاِرادة فيها وزان الاِرادة الواردة في الآيات التالية ونظائرها:

1. (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) . (1)

2. (وَيُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) . (2)

3. (وَمَنْ يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) . (3)

وعند ذلك تطرح في المقام أسئلة لا بد من الاِجابة عليها:

السوَال الاَوّل: هل الاِرادة التشريعيّة تتعلَّق بفعل الغير؟

هل يصح تعريف الاِرادة التشريعية بالاِرادة المتعلّقة بفعل الغير، كتكليفه سبحانه عباده بالصلاة والزكاة، وتكليف الآمر البشري غيره بالسقي والرعي؟ وإذا كانت الاِرادة التشريعية عبارة عمّـا ذكر، فتكون الاِرادة التكوينية عبارة عن تعلّقها بفعل نفس المريد كتعلّق إرادته سبحانه بخلق السماوات والاَرض، وإرادة غيره بالاَكل والشرب ؟

الجواب: انّ تعريف الاِرادة التكوينية بما ذكر وإن كان صحيحاً، لكن


1 . القصص: 5.

2 . الاَنفال: 7.

3 . المائدة: 41.


(88)

تعريف التشريعية منها بتعلّقها بفعل الغير غير صحيح قطعاً، وذلك لاَنّ الاِرادة لا تتعلّق إلاّ بأمر اختياري وهو فعل المريد، وأمّا فعل الشخص الآخر، فهو بما انّه خارج عن اختيار المريد، لا تتعلّق به إرادته، وكيف يصح لشخص أن يريد صدور فعل من الغير مع أنّ صدوره منه تابع لاِرادة ذلك الغير وليس تابعاً لاِرادة المريد الآخر ؟

وإن شئت قلت: إنّ زمام فعل الفاعل المختار بيد الفاعل المباشر ، فلو أراده لقام به. ولو لم يرده لما قام به وليس زمامه بيد الآمر، حتى يريده منه جداً ولا تصيّره إرادة الآمر مسلوب الاختيار ولا تجعله مضطراً مقهوراً مسخراً في مقابل إرادة الآمر، لاَنّ المفروض انّ الفاعل بعد، فاعل مختار، ومن هذا شأنه لا تتعلّق بفعله، إرادة الغير الجدية، لاَنّ معنى تعلّقها بفعل الغير أنّه في اختيار المريد ومتناوله، ويوجد بإرادته وينتفي بانتفائه، مع أنّه ليس كذلك وإنّما يوجد بإرادة الفاعل المباشر وينتفي بانتفاء إرادته، ولا ملازمة بين إرادة الآمر وإرادة المأمور ولاَجل ذلك كثيراً ما يعصى ويخالف.

وفي الجملة: ليست ماهية الاِرادة التشريعية أمراً يخالف ماهية الاِرادة التكوينية، بل الكل من واد واحد تختلفان في الاسم وتتحدان في الماهية، والجميع يتعلّق بفعل نفس المريد، غير انّ المراد فيهما مختلف حسب الاعتبار، وهو في التكوينية، عبارة عن الفعل الخارجي الصادر عنه مباشرة ، كالتكوين والتصنيع، سواء كان المريد هو اللّه سبحانه أم أحد عباده القادرين على الاَفعال الخارجية باقداره، ولكنّه في التشريعية عبارة عن نفس الطلب والاِنشاء بالاِيماء والاِشارة واللفظ والكتابة، وهو أيضاً فعل المريد الواقع في اختياره، وأمّا قيام الغير بالمطلوب فهو من غايات إرادة المريد ومقاصده وأغراضه، وهي تترتب


(89)

تارة، وتنفك أُخرى، فلو تكونت في نفسه مبادىَ الخوف والرجال لقام به وإلاّ فلا يقوم به ولا تتحقّق الغاية لكن تتم عليه الحجة.

وعلى ذلك فما اشتهر على الاَلسن من أنّ الاِرادة التشريعية عبارة عن تعلّق إرادة الآمر بفعل الغير تسامح في التعبير ومن باب إقامة الغاية مكان ذيها.

والذي يوضح ذلك: انّ إرادته سبحانه لا تنفك عن مراده، ومن المستحيل أن يخاطب شيئاً بـ «كن» ولا يتحقّق، ولسعة قدرته وعموميتها، قال سبحانه : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (1)، فلو تعلّقت إرادته بفعل العباد كالصلاة والصوم لما انفك عنهم ولو تعلّقت على إيمانهم وهدايتهم، لما وجد على أديم الاَرض عاص ومتمرد، قال سبحانه : (وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (2)، وتكون نتيجة ذلك كونهم مجبورين في قبول الهداية، ومضطرين إلى الطاعة، فلا يقام لمثلها وزن ولا قيمة، وهذا يعرب بوضوح عن أنّ متعلّق إرادته في مجال التشريع هو فعل نفس المشرع وهو التشريع، وهو بعد غير منفك عن إرادته، موجود معها.

السوَال الثاني : هل الاِرادة التكوينيّة توجب سلب الاختيار؟

لو كانت الاِرادة في المقام إرادة تكوينية فبما انّ إرادته سبحانه لا تتخلّف عن المراد فلازمها هنا كون طهارتهم وابتعادهم عن الرجس أمراً جبرياً لا يتخلّف، وهذا لا يعد فضيلة وثناء لاَهل البيت مع أنّ الآية بصدد الثناء عليهم.

وقد أجاب عنه المحقّقون على وجه الاِجمال وقالوا: إنّ القدرة والتمكّن من فعل المعصية ثابت للمعصوم، والعصمة مانع شرعي، ولا منافاة بين عدم القدرة الشرعية والقدرة الذاتية، وهذا الجواب بإجماله كاف لاَهل التحقيق ولكن


1 . يس: 82.

2 . الاَنعام: 35.


(90)

يحتاج إلى إيضاح، فنقول:

إنّ مشكلة الجبر تنحل بالتعرّف على كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد، والاِمعان في هذا الموضوع يكفي لحل بعض المشاكل المطروحة في مسألة الجبر والاختيار.

وبعبارة أُخرى: هل تعلّقت إرادته سبحانه بصدور أفعال العباد عنهم باختيارهم وإرادتهم، أم تعلّقت بصدورها منهم مطلقاً وإن لم تكن مسبوقة باختيارهم وإرادتهم، فالجبر لازم القول الثاني، والاختيار نتيجة القول الاَوّل، والحق هو القول الاَوّل فنقول في توضيحه:

إنَّ لازم التوحيد في الفاعلية والخالقية ـ كما هو منصوص الآيات ومقتضى البراهين ـ هو انّ كل ما يقع في صفحة الوجود سواء كان فعلاً للعباد أم لغيرهم لا يخرج عن إطار الاِرادة التكوينية للّه سبحانه ، ولا يقع شيء في الكون إلاّ بإرادته وإذنه سبحانه ، قال تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللّهِ) (1)، وهذه الآية وغيرها تدلّ بصراحة على أنّ أفعال العباد حلالها وحرامها غير خارجة عن إطار الاِرادة التكوينية للّه وإلاّ لزم أن يكون الاِنسان أو الفواعل الا َُخر مستقلة في الفعل والتأثير، وهو يستلزم الاستقلال في الذات، وهو عين الشرك ونفي التوحيد في الاَفعال والخالقية.

ومع ذلك فليس العباد مجبورين في أفعالهم وتصرفاتهم، لاَنّ إرادته سبحانه وإن تعلّقت بأفعالهم لكن إرادته سبحانه متعلّقة بأفعالهم بتوسط إرادتهم الخاصة وفي طول مشيئتهم، وبذلك صح أن يقال لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الاَمرين.


1 . الحشر: 5.


(91)

وعلى ذلك فاللّه سبحانه وإن أراد طهارتهم عن الذنوب بالاِرادة التكوينية ولكن تلك الاِرادة تعلّقت بها، لما علم سبحانه انّهم بما زودوا من إمكانات ذاتية ومواهب مكتسبة نتيجة تربيتهم وفق مبادىَ الاِسلام، لا يريدون إلاّ ما شرّع لهم سبحانه من أحكام، فهم لا يشاءون إلاّ ما يشاء اللّه، وعند ذلك صح له سبحانه أن يخبر بأنّه أراد تكويناً إذهاب الرجس عنهم، لاَنّهم (عليهم السلام) ما داموا لا يريدون لاَنفسهم إلاّ الجري على وفق الشرع لا يفاض عليهم إلاّ هذا النوع من الوصف.

وحصيلة الكلام: انّ مبنى الاِشكال هو الغفلة عن كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد حيث توهّم المستشكل:

أوّلاً: انّ أفعال العباد خارجة عن إطار الاِرادة التكوينية للّه سبحانه ، وغفل عن أنّ هذا النوع من الاعتقاد يساوق الشرك ويصادم التوحيد.

وثانياً: انّ سبق الاِرادة التكوينية على أفعال العباد يستلزم سلب الاختيار عنهم، وغفل عن أنّ إرادته سبحانه انّما تتعلّق بتوسط إرادة العباد واختيارهم، فهم إذا أرادوا لاَنفسهم شيئاً، فاللّه سبحانه يريد ذلك الشيء لهم تكويناً، وليس في ذلك أيّة رائحة للجبر، بل هو الاَمر بين الاَمرين.

وعندئذ يكون المراد من تطهيرهم ـ بعد تجهيزهم بإدراك الحق في الاعتقاد والعمل، وإعطائهم البصيرة الكاملة لمعرفة الحق في مجال الاعتقاد والعمل ـ تعلّق إرادته التكوينية بطهارتهم من الذنوب، لاَجل تعلّق إرادتهم بذلك، فقد تعلّقت إرادته سبحانه بتنزيههم عن طريق إرادتهم واختيارهم، وأين هذا من الجبر ؟

تفسير آخر للاِرادة بالتكوينية

ما ذكرناه في كيفية تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد، جواب عام سار في


(92)

جميع الموارد ورافع للاِشكال في مجال الجبر، وانّ من أعضل الموارد في الجبر والاختيار ، هي تحليل كيفية تعلّق إرادته بأفعال العباد وانّه : هل يوجب الجبر ويسلب الاختيار، باعتبار انّ إرادته لا تنفك عن المراد، أم لا ؟ لاَنّ إرادته تعلّقت بصدور أفعالهم عن أنفسهم عن مبادئها المكونة فيهم وهي إرادتهم واختيارهم، فلو صدرت عنهم بلا هذه الخصوصية لزم انفكاك إرادته عن مراده.

ولمّا استشكل هذا المطلب على بعضهم انصرفوا إلى إخراج أفعال العباد عن إطار إرادته سبحانه ، وانّما تتعلّق بالكائنات دون أفعالهم، وهو كما ترى ، لاَنّه يستلزم تحقّق شيء في صحيفة الوجود بغير إذنه وإرادته، مع أنّ مقتضى التوحيد في الخالقية انتهاء كل ما في عالم الاِمكان إلى وجوده وخالقيته، وبالتالي إلى إرادته، فإخراج أفعال العباد عن مجال إرادة اللّه، يخالف الا َُسس التوحيدية التي جاء بها القرآن ودعمها العقل.

إلاّ أنّ في مسألة العصمة وكيفية تعلّق إرادته تعالى بعصمة المعصوم تحليلاً آخر يختص بهذا المقام ولا يتعدّاه.

وحاصل هذا التحليل يتوقف على معرفة كيفية العصمة وحقيقتها، فنقول:

إنّ حقيقة العصمة ترجع إلى الدرجة العليا من التقوى، بمعنى انّ التقوى إذا بلغت قمتها تعصم الاِنسان عن اقتراف الذنب وجميع القبائح.

وإن شئت قلت: العصمة نتيجة العلم القطعي الثابت والعرفان بعواقب المعصية علماً يصد الاِنسان عن اجتراح المعاصي واقتراف المآثم، كالاِنسان الواقف أمام الاَسلاك التي يجري فيها التيار الكهربائي، فانّه لا يقدم بنفسه على إمساكها.


(93)

وبعبارة ثالثة: العصمة: الاستشعار بعظمة الرب وكماله وجلاله استشعاراً منقطع النظير حيث يحدث في المستشعر التفاني في الحق، والعشق لجماله، وكماله، بحيث لا يستبدل برضاه شيئاً.

فإذا كانت حقيقة العصمة نفس هذه الحقائق أو قريباً منها، فليس اتصاف الاِنسان بهذه الحقائق موجباً للجبر وسالباً للاختيار ، بل المعصوم مع هذه المواهب الاِلهية قادر على اقتراف المعاصي وارتكاب الخطايا غير انّه لاَجل حصوله على الدرجة العليا من التقوى، والعلم القطعي بآثار المعاصي والاستشعار المنقطع النظير بعظمة الخالق، يختار الطاعة وترك المعصية مع القدرة على خلاف ذلك، فحاله كالوالد العطوف لا يقدم على قتل ولده ولو أُعطيت له الكنوز الكثيرة .

إنّ هذه الحقائق الموهوبة للمعصوم أشبه بحبل يلقى إلى الغارق في البحر والساقط في البئر حتى يتمسك به وينجي نفسه، فلا شك انّ العاقل يتمسّك به دائماً وينجي نفسه، ولكن هذا العمل لا يخالف قدرته على ترك التمسك به وإلقاء نفسه في مهاوي الهلكة.

فهذه الحقائق النفسانية الموهوبة ليست إلاّ أسباباً لترك العصيان ومقتضيات للطاعات، ومعدّات لقرب العبد من ربّه، ومع ذلك تتوسط بينها وبين فعل العبد من طاعة أو عصيان، إرادته واختياره، فليست هذه المواهب عللاً تامة لتوجه العبد إلى جانب واحد وانحيازه عن جانب آخر، بل هي أسباب مقربة ومعدات للاِرادة، ومع ذلك كله فاختيار المعصوم وإرادته باقيان على حالهما.

فمعنى تعلّق إرادته سبحانه بعصمتهم ليس تعلّقها بالطاعة وترك العصيان، بل معناه تعلّق إرادته التكوينية بإفاضة هذه المواهب عليهم وجعلها في مكامن


(94)

نفوسهم وتحليتهم بهذه الحلية الاِلهية، ولكن هذا الجعل والتحلية لا يهدف إلى كونهم مكتوفي الاَيدي أمام التكاليف ومسوقين إلى جانب واحد، فالاشتباه في المقام حصل في تعيين ما هو المفاض من اللّه سبحانه على هذه الشخصيات فتخيل: «انّ المفاض هو العصمة المفسرة بترك المعصية ونفس الطاعة» غفلة عن أنّ المفاض هو هذه الكيفيات والصفات العليا النفسانية عليهم، وهي توجد استعداداً في النفس بترك العصيان واختيار الطاعة مع القدرة على الخلاف.

نعم: لو كان هناك جبر، فالجبر في تحليتهم بهذه المواهب والعطايا الاِلهية، ولكنّهم معها مختارون في التوجه، لاَي طرف أرادوا، وإن كانوا لا يشاءون إلاّ الطاعة وترك المعصية.

ما هو الوجه لتفسير الاِرادة بالتشريعية؟

ثمّ إنّ الجمهور لمّا ذهبوا إلى كون الاِرادة تشريعية احتالوا في توجيهها يقول المفسر المعاصر سيد قطب في هذا الصدد: إنّه سبحانه يجعل تلك الاَوامر ـ الاَوامر الواقعة قبل الآية من قوله: (وقرن ... ولا تبرجن) ـ وسيلة لاِذهاب الرجس وتطهير البيت، فالتطهير وإذهاب الرجس يتم بوسائل يأخذ الناس بها أنفسهم ويحقّقونها في واقع الحياة العملي ... ويختم هذه التوجيهات لنساء النبي بمثل ما بداها، بتذكيرهنّ بعلو مكانتهنّ وامتيازهنّ على النساء بمكانتهنّ من رسول اللّه وبما أنعم اللّه عليهنّ فجعل بيوتهنّ مهبط القرآن ومنزل الحكمة وتشرف النور والهدى والاِيمان، وانّه لحظ عظيم يكفي التذكّر به لتحس النفس جلالة قدره ولطيف صنع اللّه فيه وجزالة النعمة التي لا يعد لها نعيم. (1)


1 . في ظلال القرآن، في تفسير سورة الاَحزاب.


(95)

وحاصل ما ذكره مبني على نزول القرآن في مورد نساء النبي، وانّه سبحانه علّل خطاباته لهنّ بأنّه يريد من هذه التكاليف إذهاب الرجس عنهنّ، ويكون المعنى انّ التشديد في التكاليف وتضعيف الثواب والعقاب ليس لانتفاع اللّه سبحانه به، بل لاِذهاب الرجس عنكنّ وتطهيركنّ.

ولا يخفى انّ ما ورد في الآيات من الاَحكام ليست أحكاماً خاصة بنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهذا قوله سبحانه قبل آية التطهير: (وَقَرْنَ فِي بُيْوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الاَُوْلَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ) . (1)

وهذا قوله سبحانه بعد الآية: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات اللّه والحكمة ...) كلّها أحكام عامة لنساء المسلمين، فاللّه سبحانه بهذه التكاليف يريد أن يطهر الكل وإذهاب الرجس عن عموم النساء، لا عن زوجات النبي خاصة، وعندئذ لا وجه لتخصيصهنّ بالخطاب بالعناية التي عرفت.

وإنّما ذهب بعض الجمهور إلى ما ذهب، لاَجل انّهم تصوّروا نزول الآية في حق نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فاحتالوا لتفسير الاِرادة بما ذكره سيد قطب ونظراوَه، وانّما ذهبوا إلى ذلك بزعمهم اتصال الآية بما قبلها من الآيات، مع أنّه سيوافيك انّ الآية آية التطهير آية مستقلة لا صلة لها بما قبلها ولا ما بعدها، وانّما وضعت في هذا الموضع لمصلحة خاصة سنشير إليها، والاَحاديث بكثرتها البالغة ناصة على نزول الآية وحدها، ولم يرد نزولها في ضمن آيات نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا ذكره أحد حتى أنّ القائل باختصاص الآية بأزواج النبي ينسب القول إلى عكرمة وعروة لا إلى الرواية.

فالآية لم تكن بحسب النزول من آيات النساء، ولا متصلة بها، وستوافيك


1 . الاَحزاب: 33.


(96)

الروايات الكثيرة الواردة في هذا المضمار .

السوَال الثالث: هل العصمة الموهوبة مفخرة؟

وهذا سوَال ثالث يتردد في المقام وفي غيره، وقد طرحناه عند البحث عن العصمة على وجه الاِطلاق ونطرحه هنا بشكل آخر، وهو انّ عصمة أهل البيت لو كانت أمراً موهوباً من اللّه سبحانه كيف يمكن أن تعد مفخرة لاَهله ؟

والاِجابة عن هذا السوَال واضحة بعد الوقوف على معنى العصمة الموهوبة لهم، وقد عرفت أنّ المراد من هبتها لهم هو إعطاء المقتضيات والمعدات لهم التي لا تسلب الاختيار عنهم وهم بعد قادرون على الطاعة والعصيان والنقض والاِبرام، والسائل تخيل انّ العصمة الموهوبة هي نفس ترك العصيان والمخالفة، فزعم أنّ شيئاً مثلها لا يعد فخراً ولا يوجب ثناءً، وقد أوضحنا هذا في السوَال السابق، فراجع.

السوَال الرابع: هل الآية تدل على فعلية التطهير؟

وربّما يقال: إنّ أقصى ما تدل عليه الآية هو إخباره سبحانه عن أنّه يريد إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم، وليس في الآية ما يدل على تحقّق هذه الاِرادة بالفعل، وانّـها صدرت منه سبحانه ، مع أنّ القائلين بعصمة أهل البيت يذهبون بدلالتها على اتصافهم بالعصمة، وفي هذا الصدد ينقل الشيخ زين الدين البياضي العاملي إشكالاً عن المخالف ويقول: (يريد) لفظ مستقبل، فلا دليل على وقوعه . (1)


1 . الصراط المستقيم: 1|184.


(97)

ولا يخفى أنّ هذا الاِشكال نشأ من اتخاذ موقف خاص بالنسبة إلى أهل البيت بشهادة انّ هذه اللفظة وردت في كثير من الآيات مع أنّه ما خطر ببال أحد مثل هذا الاِشكال قال سبحانه : (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ) (1)، وقال: (وَاللّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (2)، وقال: (يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) (3)، وقال: وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (4)، أضف إلى ذلك انّ هناك قرينة واضحة على تحقّق الاِرادة بشهادة انّ الآية في مقام المدح والثناء.

وأمّا الاِتيان بصيغة المستقبل والعدول عن الماضي، فهو لاَجل ظهور فعل المستقبل في الدوام، وهو سبحانه يريد إفادة دوام هذه الاِرادة واستمرارها مدى الاَيام والسنين.

السوَال الخامس: هل الاِذهاب يستلزم الثبوت؟

خلاصة هذا السوَال ترجع إلى أنّ الاِذهاب يتعلّق بشيء موجود، فعلى ذلك يستلزم أن يكون هناك رجس موجود أذهبه اللّه وطهرهم منه، وهذا يضاد مقالة أهل العصمة، ولكن السائل أو المعترض غفل عن أنّ هذه التراكيب كما تستعمل في إذهاب الشيء الموجود، كذلك تستعمل فيما إذا لم يكن موجوداً، ولكن كانت هناك مقتضيات ومعدات له حسب الطبيعة الاِنسانية وإن لم يكن موجوداً بالفعل كقول الاِنسان لغيره: أذهبَ اللّه عنك كل مرض، ولم يكن

حاصلاً له، ولكن كانت بعض المعدات للمرض موجودة.


1 . النساء: 26.

2 . النساء: 27.

3 . النساء: 28.

4 . النساء: 26.


(98)

وفي المقام نزيد توضيحاً: انّ الاِنسان حسب الطبيعة الاَوّلية مجهّز بالغرائز والميول العادية المتجاوزة عن الحدود، ولم يشذ أهل البيت عنها ولم تكن لهم في العالم الجسماني خلقة خاصة بهم، فكانت هناك أرضية صالحة للتعدي والطغيان، فلمّا جهّزوا بهذه الغرائز أوّلاً، ثم بالعصمة ـ بالمعنى الذي عرفت ـ ثانياً صح أن يقال: إنّه سبحانه أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً من العصيان.

وهذه الاَسئلة وأشباهُها لا تحتاج إلى البسط في المقال، ولاَجل ذلك نطوي الكلام عنها.


(99)

من سمات أهل البيت (عليهم السلام)

2
المحبّة في قلوب الموَمنين

إنّ الاِيمان باللّه و العمل الصالح يُورث محبَّة في قلوب الناس، إذ للاِيمان أثر بالغ في القيام بحقوق اللّه أوّلاً، وحقوق الناس ثانياً، لا سيَّما إذا كان العمل الصالح نافعاً لهم، و لذلك استقطب الموَمنون حُبَّ النّاس، لدورهم الفعّال في إصلاح المجتمع الاِنساني. وهذا أمر ملموس لكلّ النّاس، وإليه يشير قوله سبحانه: (إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمن وُداً) .(1) وبما أنّ الاَنبياء بلغوا قمَّة الاِيمان كما بلغوا في العمل الصالح ذروته، نرى أنّ لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس لا يضاهيها شيء، لاَنّهم صرفوا أعمارهم في سبيل إصلاح أُمور الناس وإرشادهم إلى مافيه الخير و الرشاد. هذا حال الاَنبياء ويعقبهم الاَوصياء والاَولياء والصلحاء.

أخرج أبو إسحاق السعدوي في تفسيره باسناده عن البراء بن عازب، قال:


1 . مريم:96


(100)

قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: «اللّهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور الموَمنين مودة»، فأنزل اللّه تعالى الآية المذكورة آنفاٍ.

إنّ أهل البيت (عليهم السلام) لاَجل انتسابهم إلى البيت النبوي الرفيع حازوا مودة الناس واحترامهم بكلّ وجودهم. وقد أُشير إلى ذلك في آثارهم وكلماتهم.

روى معاوية بن عمّار عن الاِمام الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ حبّ علي (عليه السلام) قُذف في قلوب الموَمنين،فلا يُحبّه إلاّ موَمن ولا يبغضه إلاّمنافق،وانّ حبّ الحسن والحسين (عليهما السلام) قذف في قلوب الموَمنين والمنافقين والكافرين فلا ترى لهم ذامّاً»، ودعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحسن والحسين (عليهما السلام) قرب موته فقرّبهما وشمّهما وجعل يرشفهما وعيناه تهملان.»(1)

وقد تعلقت مشيئته سبحانه على إلقاء محبتهم في قلوب الموَمنين الصالحين، حتى كانت الصحابة يميّزون الموَمن عن المنافق بحبّ علي أو بغضه.

روى أبو سعيد الخدري، قال: إن كنّا نعرف المنافقين نحن معشرَ الاَنصار ببغضهم علىّ بن أبي طالب (عليه السلام) .(2)

وقد تضافر عن علي أمير الموَمنين (عليه السلام) انّه قال: «واللّه فلق الحبة وبرأ النسمة، انّه لعهد النبي الاَُمّي إليّ: انّه لا يحبني إلاّ موَمن ولا يبغضني إلاّمنافق».(3)

واللّه انّه ممّا عهد إليَّ رسول اللّهص انَّه لا يبغضني إلاّ منافق و لا يُحبّني إلاّ


1 . المناقب لابن شهر آشوب: 3 | 383 ؛ سفينة البحار: مادة حبب: 1 | 492 .

2 . سنن الترمذي: 5 | 635 برقم 3717 ؛ حلية الاَولياء: 6 | 295 .

3 . أسنى المطالب: 54، تحقيق محمد هادي الاَميني .


(101)

موَمن .(1)

و قد أعرب عن ذلك الاِمام علي بن الحسين (عليهما السلام) في خطبته في جامع دمشق، عند ما صعد المنبر وعرَّف نفسه فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ خطب خطبة أبكى منها العيون، و أوجل منها القلوب، ثمّ قال:

«أيّها الناس أُعطينا ستّاًو فُضِّلنا بسبع، أعطينا : العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة،والشجاعة، والمحبة في قلوب الموَمنين».(2)

و لا عجب في أنّه تبارك و تعالى سمّاهم كوثراً أي الخير الكثير، وقال: (إِنّا أَعْطَيْناكَ الكَوثر...) قال الرازي: الكوثر أولاده، لاَنّ هذه السورة إنّما نزلت على من عابه (عليه السلام) بعدم الاَولاد ،فالمعنى انّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّالزمان فانظر كم قتل من أهل البيت (عليهم السلام) والعالم ممتلوَ منهم ولم يبق من بني أُمية في الدنيا أحد يعبأ به، ثمّ انظر كم كان فيها من الاَكابر من العلماء كالباقر و الصادق و الكاظم والرضا (عليهم السلام) .(3)

إنّ محبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحسين (عليه السلام) لم تكن محبة نابعة من حبه لنسَبه بل كان واقفاً على ما يبلغ إليه ولده الحسين (عليه السلام) في الفضل والكمال والشهادة في سبيله، ونجاة الاَُمّة من مخالب الظلم، والثورة على الظلم والطغيان وهناك كلام للعلاّمة المجلسي يقول:

إنّ محبة المقربين لاَولادهم وأقربائهم وأحبّائهم ليست من جهة الدواعي


1 . بحار الاَنوار: 45|138.

2 . تفسير الفخر الرازي:32|124.

3 . تفسير الفخر الرازي: 32 | 124 .


(102)

النفسانية والشهوات البشرية، بل تجرّدوا عن جميع ذلك و أخلصوا حُبَّهم، و وُدَّهم للّه. و حُبّهم لغير اللّه إنّما يرجع إلى حبهم له، ولذا لم يحُبَّ يعقوب من سائر أولاده مثل ماأحب يوسف (عليه السلام) منهم، و لجهلهم بسبب حبه له نسبوه إلى الضلال، و قالوا: نحن عصبة، ونحن أحقّ بأن نكون محبوبين له، لاَنّا أقوياء على تمشية ما يريده من أُمور الدنيا، ففرط حبّه يوسف إنّما كان لحب اللّه تعالى له واصطفائه إيّاه فمحبوب المحبوب محبوب.(1)


1 . سفينة البحار: 1 | 496، مادة حبب .


(103)

من سمات أهل البيت (عليهم السلام)

3
استجابة دعائهم (عليهم السلام)

الابتهال إلى اللّه وطلب الخير منه أو طلب دفع الشرِّ ومغفرة الذنوب أمر مرغوب، يقوم به الاِنسان تارة بنفسه، وأُخرى يتوصل إليه بدعاءالغير.

واستجابة الدعاء رهن خرق الحجب و الوصول إليه سبحانه، حتى يكون الدعاء مصداقاً لقوله سبحانه: (أُدْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (1) وليس كلّدعاء مستجاباً و صاعداً إليه سبحانه، فانّ لاستجابة الدعاء شروطاً مختلفة قلّما تجتمع في دعاء الاِنسان العادي.

نعم هناك أُناس مطهرون من الذنوب يكون دعاوَهم صاعداً إلى اللّه سبحانه و مستجاباً قطعاً ولذلك حثَّ سبحانه المسلمين على التشرّف بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و طلب الاستغفار منه، قال سبحانه:(وَلَو انّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أنفسهُمْ جاءُوكَ فاستغْفروا اللّه وَاسْتَغْفر لَهُمُ الرَّسُول لَوَجدوا اللّه تَوّاباً رَحيماً).(2)

وقال سبحانه: (وَإِذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوا يَسْتَغْفِر لَكُمْ رَسُول اللّه لَوّوا رُوَوسهُمْ


1 . غافر: 60 .

2 . آل عمران: 65.


(104)

وَرأيتهم يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ). (1)

ولذلك طلب أبناء يعقوب أباهم أن يستغفر في حقّهم (قالُوا يا أَبانا استَغْفِر لَنا ذُنُوبنا إنّاكُنّا خاطِئين).(2)

ويظهر ممّا جرى بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و وفد نجران من المحاجَّة والمباهلة انّأهل البيت إذ أمَّنوا لدعاء النبيص يُستجاب دعاءه، فقد وفد نصارى نجران على الرسول وطلبوا منه المحاجَّة، فحاجَّهم الرسولص ببرهان عقلي تشير إليه الآية المباركة:(إِنَّ مَثل عيسى عِنْدَاللّه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍثُمَّ قال لَهُ كُنْ فَيَكُون).(3)

فقد قارعهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا البيان البليغ الذي لا يرتاب فيه ذو مرية، حيث كانوا نصارى نجران يحتجون ببنوة المسيح بولادته بلا أب فوافاهم الجواب: «بأنّ مثل المسيح كمثل آدم، إذ لم يكن للثاني أب ولا أُمّ مع أنّه لم يكن إبناً للّه سبحانه» وأولى منه أن لا يكون المسيح إبناً له.

ولمّا أُفحموا في المحاجة التجأوا إلى المباهلة والملاعنة، وهي وإن كانت دائرة بين الرسولص و رجال النصارى، لكن عمَّت الدعوة للاَبناء والنساء، ليكون أولى على اطمئنان الداعي بصدق دعوته وكونه على الحقّ وذلك لما أودع اللّه سبحانه في قلب الاِنسان من محبة الاَولاد والشفقة عليهم، فتراه يقيهم بنفسه ويركب الاَهوال و الاِخطار دونهم، ولذلك قدَّم سبحانه في الآية المباركة الاَبناء على النساء، وقال: (فَمَنْ حاجّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكََ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءُكُمْ وَنساءَناو نساءكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنُفسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَة اللّه


1 . المنافقون: 5.

2 . يوسف: 97.

3 . آل عمران: 59.


(105)

عَلى الكاذِبين) .

وحيث إنّه سبحانه أتى بلفظ الاَبناء بصيغة الجمع يعرب عن أنّ طرف الدعوى لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده بل أبناوَه ونساوَه، ولذلك عدَّدتهم الآية نفس النبي ونساء النبي وأبناءه من بين رجال الاَُمة ونسائهم و أبنائهم .

ثمّ إنّالمفسرين قد ساقوا قصة المباهلة بشكل مبسوط منهم صاحب الكشاف، قال: لما دعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع و ننظر، فلّما تخالوا .

قالوا للعاقب، وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: واللّه لقد عرفتم يامعشر النصارى انّمحمّداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، واللّه ما باهل قوم نبياً قط، فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكنّ ، فإن أبيتم إلا اِلف دينكم والاِقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.

فأتوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد غدا محتضناً الحسين، آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه، وعليّ خلفها،وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمَّنوا».

فقال أُسقف نجران: يا معشر النصارى! إنّي لاَرى وجوهاً لو شاء اللّه أن يُزيل جبلاً من مكانه لاَزاله بها فلا تباهلوا فتُهلكوا، ولا يبقى على وجه الاَرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرّك على دينك، ونثبت على ديننا. قال: «فإذا أبيتم المباهلة، فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم».


(106)

فأبوا، قال: «فانّي أُناجزكم»، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا، ولا تخيفنا، ولا تردُّنا عن ديننا، على أن نوَدي إليك كلّ عام ألفي حلّة، ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك.

وقال: «والذي نفسي بيده انّ الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولا ضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتى الطير على روَوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتى يهلكوا».

وعن عائشة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة ،ثمّ علي، ثمّ قال: (إنّما يريداللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) .(1)

الشاهدعلى استجابة دعائهم أمران:

أ: قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أنا دعوت فأمّنوا، فكان دعاء النبي يصعد بتأمينهم، وأيُّ مقام أعلى وأنبل من أن يكون دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صاعداً بفضل دعائهم.

ب: قول أُسقف نجران: «انّي لاَرى وجوهاً لوشاء اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لاَزاله بها» والضمير يرجع إلى الوجوه، أي لازاله بدعائهم أو لاَزاله بالقسم على اللّهبهم، وقد أيَّد القول الثاني ابن البطريق في «العمدة» حيث قال: المباهلة بهم تصدق دعوى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد صار إبطال محاجَّة أهل نجران في القرآن الكريم بالقسم على اللّه بهم.(2)


1 . الزمخشري: الكشاف: 1|326ـ 327، ط عام 1367هـ.

2 . العمدة: 243.


(107)

وقد تركت مباهلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته أثراً بالغاً في نفوس المسلمين، يشهد بها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ،عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما يمنعك أن تسبَّ أباتراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبَّه، لاَن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم.

سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول اللّه، خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي؟

و سمعته يوم خيبر، يقول: لاَُعطينّ الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله،ويحبّه اللّه ورسوله .

قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد العين، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح اللّه على يديه.

ولما نزلت هذه الآية : (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) دعا رسول اللّه عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: اللّهم هوَلاء أهل بيتي.(1)


1 . صحيح مسلم: 7|120، باب فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام) .


(108)

من سمات أهل البيت (عليهم السلام)

4
ابتغاء مرضاة اللّه تعالى

الاِنسان الكامل هو الذي لا يفعل شيئاً ولا يتركه إلاّلابتغاء مرضاة اللّه تبارك و تعالى، فيصل في سلوكه ورياضاته الدينيَّة إلى مكان تفنى فيه كلّالدوافع والحوافز إلاّ داع واحد و هو طلب رضى اللّه تبارك و تعالى، فإذا بلغ هذه الدرجة فقد بلغ الذروة من الكمال الاِنساني، وربَّما يبلغ الاِنسان في ظل الرضا درجة لا يتمنّى وقوع مالم يقع، أو عدم ما وقع، وإلى ذلك المقام يشير الحكيم السبزواري بما في منظومته:

وبهجة بما قضى اللّه رضا * وذو الرضا بما قضى ما اعترضا

اعظم باب اللّه، الرضا وُعي(1) * وخازن الجنة رضواناً دُعي

فقرا على الغنى صبورٌ ارتضى * وذا ن سيّان لصاحب الرضا

عن عارف عمّر سبعين سنة * إن لم يقل رأساً لاَشيا كائنة

يا ليت لم تقع ولا لما ارتفع * مماّ هو المرغوب ليته وقع(2)


1 . إشارة إلى ما روي انّ الرضا باب اللّه الاَعظم.

2 . شرح منظومة السبزواري:352.


(109)

وممَّن يمثل ذلك المقام في الاَُمّة الاِسلامية هو إمام العارفين وسيد المتّقين علي أمير الموَمنين (عليه السلام) فهو في عامة مواقفه في جهاده و نضاله، وعزلته وقعوده في بيته، وفي تسنّمه على منصَّة الخلافة بإصرار من الاَُمّة، فهو في كلّهذه الاَحوال والمواقف، لا همّ له إلاّ طلب رضوانه تعالى.

و قد صرح الاِمام بذلك عندما طلب منه تسلّم مقاليد الخلافة، فقال:«أما والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ اللّه على العلماء ألاّ يقارُّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لاَلقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولاَلفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنزٍ».(1)

وقد تجلت هذه الخصلة في علي (عليه السلام) حين مبيته في فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

روى المحدّثون أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أراد الهجرة خلّف علي بن أبي طالب (عليه السلام) بمكة لقضاء ديونه و ردّ الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه فقال ص له: يا علي اتَّشح ببردي الحضرمي الاَخضر، ثمّ نم على فراشي، فانّه لا يخلص إليك منهم مكروه، إن شاء اللّه عزّوجلّ، ففعل ذلك (عليه السلام) فأوحى اللّه عزّوجلّ إلى جبرئيل وميكائيل (عليهما السلام) إنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيّكما يوَثر صاحبه بالحياة،فاختار كلاهما الحياة، فأوحى اللّه عزّوجلّ إليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمّد ص فنام على فراشه يفديه بنفسه ويوَثره بالحياة ، اهبطا إلى الاَرض فاحفظاه من عدوّه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه.


1 . نهج البلاغة:الخطبة 3.


(110)

فقال جبرئيل: بخ بخ مَن مثلك يابن أبي طالب ؟ يباهي اللّه بك الملائكة، فأنزل اللّه تعالى على رسوله ص و هو متوجِّه إلى المدينة في شأن علي بن أبي طالب (عليه السلام) : (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَهُ ابْتِغاءَمَرْضاتِ اللّه). (1)

وقد نقل غير واحد نزول الآية في حقّ علي (عليه السلام) .

وقال ابن عباس : أنشدني أمير الموَمنين شعراً قاله في تلك الليلة:

وقيت بنفسي من وطىَ الحصا * وأكرم خلق طاف بالبيت والحجر

وبتَّ أراعي منهم ما يسوءني * وقد صَّبرت نفسي على القتل والاَسر

وبات رسول اللّه في الغار آمناً * ومازال في حفظ الاِله وفي الستر(2)

وإلى هذه الفضيلة الرابية وغيرها يشير حسان بن ثابت في شعره عند مدح علي (عليه السلام) :

من ذا بخاتمه تصدَّق راكعا * و أسرّها في نفسه إسرارا

من كان بات على فراش محمّد * ومحمد اسرى يوَم الغارا

من كان في القرآن سمّي * في تسع آيات تلين غزارا(3)

محاولة طمس الحقيقة لولا...

إنّ عظمة هذه الفضيلة وأهمية هذا العمل التضحويّ العظيم دفعت بكبار علماء الاِسلام إلى اعتبارها واحدة من أكبر فضائل الاِمام علي (عليه السلام)


1 . البقرة: 207.

2 . شواهد التنزيل: 1|130؛ أُسد الغابة:4|25.

3 . سبط ابن الجوزى: تذكرة الخواصّ: 25، ط عام 1401هـ.


(111)

وإلى أن يَصِفُوا بها علياً بالفداءو البذل و الاِيثار،وإلى أن يعتبروا نزول الآيةالمذكورة في شأنه من المسلّمات، كلّما بلغ الحديث في التفسير والتاريخ إليها.(1)

إنّ هذه الحقيقة ممّا لا ينسي أبداً، فانّه من الممكن إخفاء وجه الواقع والتعتيم عليه بعض الوقت إلاّ أنّه سرعان ما تمزّق أشعةُ الحقيقة الساطعة حجبَ الاَوهام، وتخرج شمس الحقيقة من وراء الغيوم.

إنّ معاداة معاوية لاَهل بيت النبوة وبخاصة للاِمام أمير الموَمنين علي (عليه السلام) ممّا لا يمكن النقاش فيه.

فقد أراد هذا الطاغية من خلال تطميع بعض صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يلوّث صفحات التاريخ اللامعةويخفي حقائقه بوضع الاَكاذيب،ولكنّه لم يحرز في هذا السبيل نجاحاً.

فقد عمد«سمرة بن جندب» الذي أدرك عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ انضمّ بعد وفاته ص إلى بلاط معاوية بالشام، عمد إلى تحريف الحقائق لغاية أموال أخذها من الجهاز الاَموي، الحاقد على أهل البيت.

فقد طلب منه معاوية بإصرار أن يرقى المنبر ويكذّب نزول هذه الآية في شأن علي (عليه السلام) ، ويقول للناس أنّها نزلت في حقّ قاتل عليّ ( أي عبد الرحمن بن ملجم المرادي)،ويأخذ في مقابل هذه الاَُكذوبة الكبرى، وهذا الاختلاق الفضيع الذي أهلك به دينه، مائة ألف درهم.

فلم يقبل «سمرة» بهذا المقدار ولكن معاوية زاد له في المبلغ حتى بلغ أربعمائة ألف درهم، فقبل الرجل بذلك، فقام بتحريف الحقائق الثابتة، مسوَّداً


1 . الغدير:2|48.


(112)

بذلك صفحته السوداء أكثر من ذي قبل، وذلك عندما رقى المنبر وفعل ما طلب منه معاوية.(1)

وقبل السامعون البسطاء قوله،ولم يخطر ببال أحد منهم أبداً انّ (عبد الرحمن بن ملجم) اليمنيّ لم يكن يوم نزول الآية في الحجاز بل لعلّه لم يكن قد وُلِد بعد آنذاك. فكيف يصحّ؟!

ولكن الحقيقة لا يمكن أن تخفى بمثل هذه الحجب الواهية، ولا يمكن أن تُنسى بمثل هذه المحاولات العنكبوتية الرخيصة.

فقد زالت حكومة معاوية و زال معها أعوانها ، واندثرت آثار الاختلاق والافتعال الذي وقع في عهدها المشوَوم، و طلعت شمس الحقيقة من وراء حُجبُ الجهل والافتراء مرة أُخرى،واعترف أغلبُالمفسرين الاَجلّة والمحدّثين الاَفاضل ـ في العصور والاَدوار المختلفة ـ بأنّ الآية المذكورة نزلت في «ليلة المبيت»في بذل علي (عليه السلام) ومفاداته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه.


1 . لاحظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:4|73.


(113)

من سمات أهل البيت (عليهم السلام)

5
الاِيثار

إنّه سبحانه تبارك وتعالى وصف الاِيثار في كتابه الكريم وهو من صفات الكرام حيث يقدِّمون الغير على أنفسهم، يقول سبحانه في وصف الاَنصار:(وَالّذِينَ تَبَوَّءُو الدّارَ وَالاِِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّون َ مَنْ هاجَرَإِليْهِمْ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهمْ حَاجةً مِمّا أُوتوا ويُوَْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكانَ بِهِمْ خَصاصَة وَمَنْ يوقَ شُحَّ نَفْسهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون).(1)

كما أنّه سبحانه أمر بالوفاء بالنذر، قال سبحانه: (ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نذر فَانَّ اللّهَ يعلمهُ) (2)، وقال سبحانه: ثُمَّ لْيقضُوا تَفثهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورهُمْ). (3)

وفي الوقت نفسه ندب إلى الخوف من عذابه يقول سبحانه:(يَخافُونَ يَوماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوب وَالاََبْصار...).(4) وقال سبحانه: وَالّذِينَ يصلُونَ ما أَمَر اللّهبهِ أَنْ يُوصل وَيَخشونَ ربّهم ويخافُونَ سُوء الحِساب) .(5)


1 . الحشر:9.

2 . البقرة: 270.

3 . الحجّ: 29.

4 . النور: 37.

5 . الرعد: 21.


(114)

ما ذكرنا من الصفات الثلاث هي من أبرز الصفات التي يتحلىّ بها أولياوَه سبحانه، ونجد هذه الصفات مجتمعة في أهل البيت (عليهم السلام) في سورة واحدة، يقول سبحانه:

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوماًكانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً xوَيطعِمُونَ الطَّعام عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسيراًx إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّه لا نُريدُ مِنْكُمْ جزاءً وَلا شكوراًx إِنَّا نَخاف مِنْ رَبِّنا يَوماً عَبُوساً قَمْطَريراً).(1)

فقوله سبحانه :(ويُطْعِمُونَ الطَّعام عَلى حُبِّه) إشارة إلى إيثارهم الغير على أنفسهم، والضمير في (عَلى حُبِّهِ) يرجع إلى الطعام أي انّهم مع حبّهم للطعام قدَّموا المسكين على أنفسهم، كما أنّ قوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْر...) إشارة إلى صلابتهم في طريق إقامة الفرائض.

ثمّ قوله: (وَيَخافُونَ يَوماً) إشارة إلى خوفهم من عذابه سبحانه يوم القيامة.

وقد نقل أكثر المفسرين لو لم نقل كلّهم، انّ الآيات نزلت في حقّ أهل البيت (عليهم السلام) .

روي عن ابن عباس (رض) انّ الحسن والحسين (عليهما السلام) مرضا فعادهما رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في أُناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لونذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما، إن شفاهما اللّه تعالى أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض علي (عليه السلام) من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص


1 . الاِنسان: 7 ـ 10.


(115)

على عددهم ووضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمّد مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم اللّه من موائد الجنة، فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلاّالماء وأصبحوا صائمين.

فلماّ أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم ووقف عليهم يتيم فآثروه، وجاءهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ علي (عليه السلام) بيد الحسن والحسين (عليهما السلام) و دخلوا على الرسول ص فلماّ أبصرهم، وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك.

فنزل جبرئيل (عليه السلام) و قال: خذها يا محمّد هنّأك اللّهُ في أهل بيتك، فاقرأها السورة.(1)

روى السيوطي في الدر المنثور، وقال: اخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: (ويُطعمون الطَّعام على حُبِّهِ) الآية، قال: نزلت هذه الآيةفي علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول اللّه «(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)

ورواه الثعلبي في تفسيره، وقال: نزلت في علي بن أبي طالب و فاطمة (عليهما السلام) وفي جاريتهما فضة، ثمّذكر القصة على النحو الذي سردناه لكن بصورة مبسطة.

وقال: وذهب محمّد بن علي صاحب الغزالي على ما ذكره الثعلبي في كتابه المعروف بـ«البلغة» انّهم (عليهم السلام) نزلت (عليهم السلام) مائدة من السماء فأكلوا منها سبعة أيّام، وحديث المائدة ونزولها عليهم في جواب ذلك


1 . الكشاف: 3|297؛ تفسير الفخر الرازي: 30|244.

2 . الدر المنثور:8|371، تفسير سورة الاِنسان.


(116)

مذكور في سائر الكتب.(1)

وقد سرد سبب نزول هذه الآية في حقّ أهل البيت (عليهم السلام) غير واحد من أئمّة الحديث.(2)


1 . ابن البطريق: العمدة: 2|407ـ 410.

2 . شواهد التنزيل للحافظ الحاكم الحسكاني:2|405 ـ 408؛ أُسد الغابة: 5|530؛ مناقب ابن المغازلي:272.


(117)

من سمات أهل البيت (عليهم السلام)

6
هم خير البريّة

إنّ خير الناس في منطق القرآن الكريم من آمن باللّه ورسوله وعرف خالقه ومنعمه، وقد قال سبحانه: (لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ البِرَّ مَنْآمَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وََالمَلائِكَةِ وَالكِتابِ وَالنَّبِيّينَ وَآتَى المالَ عَلى حُبّهِ ذَوِي القُربَى وَاليَتامَى وَالْمَساكينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسّائلينَ وَفِي الرِّقابِ و أقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذاعَاهَدُوا وَالصَّابِرينَ فِي البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْس أُولئكَ الّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ الْمُتَّقُون).(1)

وهذه الصفات المذكورة في الآية تجدها، متمثلة في أهل البيت «عليهم السلام» شهد على ذلك سيرتهم، ولذلك صاروا خير البرية.

أخرج الطبري في تفسير قوله سبحانه: (إِنَّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات أُولئِكَ هُمْ خَيْرُالْبَرِيَّة ) .(2) باسناده عن أبي الجارود ،عن محمد بن علي ، قال:


1 . البقرة: 177.

2 . البيّنة: 7.


(118)

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت يا علي و شيعتك».(1)

روى الخوارزمي عن جابر قال: كنّا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل علي بن أبي طالب، فقال رسول اللّه: «قد أتاكم أخي» ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثمّ قال: «والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة»، ثمّ قال: «إنّه أوّلكم إيماناً معي، وأوفاكم بعهد اللّه، وأقومكم بأمر اللّه، وأعدلكم في الرعيّة، وأقسمكم بالسوّية،وأعظمكم عند اللّه مزيّة»، قال: وفي ذلك الوقت نزلت فيه: (إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحات أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّة) ، و كان أصحاب النبي ص إذا أقبل عليّ، قالوا:قد جاء خير البرية.(2)

وروى أيضاً من طريق الحافظ ابن مردويه، عن يزيد بن شراحيل الاَنصاري، كاتب علي (عليه السلام) ، قال سمعت عليّاً، يقول: «حدَّثني رسول اللّه وأنا مُسْنده إلى صدري، فقال:« أي عليّ»!

ألم تسمع قول اللّه تعالى: (إِنَّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات أُولئكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّة) ؟ أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الاَُمم للحساب تُدعون غرّاً محجّلين.(3)

وأرسل ابن الصباغ المالكي في فصوله عن ابن عباس، قال: لمّا نزلت هذه الآية، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : «أنت و شيعتك تأتي يوم القيامة، أنت و هم راضين مرضيين، ويأتي أعداوَك غضاباً مقمحين».(4)


1 . تفسير الطبري:30|146.

2 . المناقب للخوارزمي: 66.

3 . المناقب للخوارزمي:178.

4 . الفصول: 122.


(119)

من سمات أهل البيت (عليهم السلام)

7
أهل البيت (عليهم السلام) ورثة الكتاب

اختلفت الاَُمّة الاِسلامية بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر الخلافة ـ وإن كان اللائق بها عدم الاختلاف فيها للنصوص الصحيحة الصادرة عنه في مختلف الموارد ـ وقد استقصينا البحث فيها في مبحث الاِمامة من هذا الجزء.

والذي نركِّز عليه في هذا البحث هو تبيين المرجع العلمي بعد رحيله ـ سواء أكانت الخلافة لمن نصَّ عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم الغدير أو من اختاره بعض الصحابة في سقيفة بني ساعدة ـ.

والمراد من المرجع العلمي مَن ترجع إليه الاَُمّة في أُصول الدين وفروعه، ويصدر عنهم في تفسير القرآن وتبيين غوامضه، ويستفهم منه أسئلة الحوادث المستجدَّة.

يقول سبحانه:(وَالّذي أَوحَيْنا إِلَيْكَ الكِتابَ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللّه بِعِبادِهِ لَخبير بَصيرx ثُمَّ أَورَثْنَا الكِتاب الّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالخَيرات بِإِذْنِ اللّه ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ


(120)

الكَبير).(1)

المراد من الكتاب في قوله (أوحينا إليك الكتاب) هو القرآن بلا شكّ وكونه حقّاً لاَجل براهين قطعية تُثبت انّه منزل من ربّه فانّ قوانينه تنسجم مع الفطرة الاِنسانية والقصص الواردة فيها مصونة من الاَساطير، والمجموع خالٍ من التناقض إلى غير ذلك من القرائن الدالة على أنّه حقّ. ومع ذلك هو مصدِّق لما بين يدي الرسول ص من الكتاب السماوي.

هذا هومفاد الآية الاَُولى.

ثمّ إنّه سبحانه يقول: (ثُمَّ أَورَثْنا الكتاب) المراد من الكتاب هو القرآن: لاَنَّ الّلام للعهد الذكري أي الكتاب المذكور في الآية المتقدمة، والوراثة عبارة عمّا يستحصله الاِنسان بلا مشقة وجهد، والوارث لهذا الكتاب هم الذين ُأشير إليهم بقوله: (الذين اصطفينا من عبادنا) ، فلو قلنا بأنّ «من» للتبيين فيكون الوارث هو الاَُمة الاِسلامية جميعاً، ولو قلنا: إنّ «مِن» للتبعيض فيكون الوارث جماعة خاصة ورثوا الكتاب.

والظاهر هو التبيين كما في قولنا :(وَسَلامٌ عَلى عِبادِه الّذينَ اصْطَفى ).(2)

ولكن الاَُمة الاِسلامية صاروا على أقسام ثلاثة:

أ: ظالم لنفسه الَّذين قصرَّوا في وظيفتهم في حفظ الكتاب والعمل


1 . فاطر: 31 ـ 32.

2 . النمل: 59.


(121)

بأحكامه، وفي الحقيقة ظلموا أنفسهم، فلذلك صاروا ظالمين لاَنفسهم.

ب: مقتصد : الذين أدُّوا وظيفتهم في الحفظ و العمل لكن لا بنحو كامل بل قصرّوا شيئاً فيهما .

ج: سابق بالخيرات بإذن اللّه: هم الجماعة المثلى أدّوا وظائفهم بالحفظ والعمل على النحو الاَتم، فلذلك سبقوا إلى الخيرات كما يقول سبحانه: (سابِقُوا إلى الخَيرات بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) .

و على هذا ورثة الكتاب في الحقيقة هم الطائفة الثالثة أعني الذين سبقوا بالخيرات.

وأمّا ما هو المراد من الطائفة الثالثة فيتكفَّل الحديث لبيان ملامحها .

روى الكليني عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في تفسير الآية انّه قال: «السابق بالخيرات الاِمام، والمقتصد العارف بالاِمام، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الاِمام».

وروي نفس الحديث عن الاِمام الرضا (عليه السلام) .

وهناك روايات أُخرى توَيد المضمون فمن أراد فليراجع.(1)

ثمّ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أوضح ورثة الكتاب في حديثه المعروف الذي اتّفق على نقله أصحاب الصحاح والمسانيد.

أخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم رضي اللّه عنه، قال: قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً فينا خطيباً، بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد اللّه تعالى، وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثمّ قال:

«أمّا بعد: ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب،


1 . البرهان في تفسير القرآن: 3|363.


(122)

وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللّه استمسكوا به»، فحثّ على كتاب اللّه ورغبَّ فيه؛ ثمّ قال: «وأهل بيتي، أذكِّركم اللّه في أهل بيتي، أذكِّركم اللّه في أهل بيتي، أذكِّركم اللّه في أهل بيتي».(1)

هذا ما أخرجه مسلم، و من الواضح انّه لم ينقل على وجه دقيق وذلك ؛ لاَنّ مقتضى قوله: أوّلهما، أن يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثانيهما: أهل بيتي مع أنّه لم يذكر كلمة «ثانيهما».

وقد رواها الاِمام أحمد بصورة أفضل ممّا سبق كما رواه النسائي في فضائل الصحابة كذلك.

أخرج أحمد في مسنده عن أبي الطفيل، عن زيد بن الاَرقم، قال: لما رجع رسول اللّه عن حجّة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقمن، ثمّ قال: «كأنّي قد دعيت فأجبت: إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

ثمّ قال:« إنّ اللّه مولاي، وأنا ولي كلّ موَمن»، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: «من كنت وليه فهذا وليه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه».(2)

هذه إلمامة سريعة بحديث الثقلين، ومن أراد أن يقف على أسانيده ومتونه فعليه أن يرجع إلى الكتب الموَلفة حوله، وأبسط كتاب في هذا الموضوع ما ألفه السيد المجاهد مير حامد حسين حيث خص أجزاءً من كتابه «العبقات» لبيان تفاصيل أسانيده ومضمونه وقد طبع ما يخصَّ بالحديث في ستَّة أجزاء.

كما بسط الكلام في أسانيده وأسانيده غيره سيد مشايخنا البروجردي


1 . صحيح مسلم:4|1873 برقم 2408، ط عبد الباقي.

2 . مسند أحمد:1|118.


(123)

(1292ـ 1380هـ) في كتابه «جامع أحاديث الشيعة»، فقال بعد استيفاء نصوص الحديث وأسانيده: وقد ظهر ممّا ذكرنا انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوجب على الاَُمّة قاطبة التمسُّك بالعترة الطيبة في الاَُمور الشرعية والتكاليف الاِلهية ، وأكَّد وجوبه وشدَّده و أوثقه وكرَّره بكلمات عديدة وألفاظ مختلفة بحيث لا يمكن إنكاره ولا يجوز تأويله، و قد اكتفينا بذلك و أنّ كثيراً من طرق الحديث قد ضمن مضافاً إلى المذكورات، ما يدل على حجّية أقوالهم ووجوب اتّباعهم وحرمة مخالفتهم.(1)

والجدير بالمسلمين التركيز على مسألة تعيين المرجع العلمي بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لا يسوغ في منطق العقل أن يترك صاحب الرسالة، الاَُمّة المرحومة بلا راع، وهويعلم أنّه ص برحيله سوف يواجه المسلمون حوادث مستجدة ووقائع جديدة تتطلب أحكاماً غير مبيّنة في الكتاب والسنَّة، فلا محيص من وجود مرجع علمي يحُلُّ مشاكلها ويذلّل أمامها الصعاب، وقد قام ص ببيان من يتصدّى لهذا المنصب بحديث الثقلين.

ومن العجب انّكثيراً من المسلمين يطرقون كلّباب إلاّباب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مع أنّه ص لم يذكر شيئاً ممّا يرجع إلى غير هوَلاء، فلا أدري ما هو وجه الاِقبال على غيرهم والاِعراض عنهم؟!

قال السيد شرف الدين العاملي: والصحاح الحاكمة بوجوب التمسك بالثقلين متواترة، وطرقها عن بضع وعشرين صحابياً متضافرة. وقد صدع بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مواقف له شتى.

تارة يوم غدير خم كما سمعت، وتارة يوم عرفة في حجّة الوداع، وتارة


1 . جامع أحاديث الشيعة:1|131ـ 132.


(124)

بعد انصرافه من الطائف، ومرّة على منبره في المدينة، وأُخرى في حجرته المباركة في مرضه، والحجرة غاصَّة بأصحابه، إذ قال: «أيّها الناس يوشك أن ُأقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب اللّه عزّوجلّ وعترتي أهل بيتي»، ثمّ أخذ بيد علي فرفعها، فقال: «هذا علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض».

وقد اعترف بذلك جماعة من أعلام الجمهور، حتى قال ابن حجر: ثم اعلم انّ لحديث التمسك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً.

قال: ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق انّه قال:ذلك بحجّة الوداع بعرفة، وفي أُخرى انّه قاله بالمدينةفي مرضه، وقد امتلاَت الحجرة بأصحابه، وفي أُخرى انّه قال: ذلك بغدير خم، وفي أُخرى انّه قال: ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف.

قال: ولا تنافي إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.

وحسب أئمّة أهل العترة الطاهرة أن يكونوا عند اللّه ورسوله بمنزلة الكتاب، لا يأتيه ا لباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكفى بذلك حجة تأخذ بالاعناق إلى التعبُّد بمذهبهم، فانّ المسلم لا يرتضي بكتاب اللّه بدلاً، فكيف يبتغي عن اعداله حولاً.(1)


1 . المراجعات: المراجعة رقم 8.


(125)

من سمات أهل البيت(عليهم السلام)

8
حرمة الصدقة عليهم

اتّفق الفقهاء على أنّه لا تحل الصدقة المفروضة على بني هاشم الواردة في الآية المباركة، أعني: قوله سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقة تُطهِّرهُمْ وَتَزَّكِيهِمْ بِها وَتُصلِّ عليهم انَّ صَلاتكَ سَكنٌ لَهُمْ) .(1) وذلك لاَنّ التطهير والتزكية إنّما يتعلَّق بما فيه وسخ وأهل البيت أعلى من أن يعيشوا بأوساخ الناس.

قال ابن قدامة: «لا نعلم خلافاً في أنّ بني هاشم لا تحلُّ لهم الصدقة المفروضة».(2)

وقد تضافرت الروايات على ذلك وجمعها ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام، نقتبس منها ما يلي:

1. عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمّد، إنّما هي أوساخ النّاس».(3)

وفي رواية: «وانّها لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد» رواه مسلم.(4)


1 . التوبة: 103.

2 . المغني: 2|547.

3 . بلوغ المرام: 129، برقم 665.

4 . بلوغ المرام: 129، برقم 665.


(126)

2. روى أبو هريرة، قال: أخذ الحسن بن علي (عليهما السلام) تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «كخٍ، كخٍ » ليطرحها، ثمّ قال: «أما شعرت انّا لا نأكل الصدقة»، رواه الشيخان البخاري و مسلم.

ولمسلم: أما علمت انّا لا تحل لنا الصدقة.(1)

3. عن أنس انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّبتمرة في الطريق، وقال: «لولا أن تكون من الصدقةلاَكلتها».

رواه مسلم وأبو داود.(2)

4. عن عائشة، قالت: أُتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلحم، فقلت: هذا ما تصدّق به على بريرة، فقال: «هو لها صدقة، ولنا هدية».

رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود.(3)

5. كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أتي بطعام سأل عنه، فإن قيل: هدية أكل منها، وإن قيل: صدقة، لم يأكل منها.

رواه الترمذي ومسلم.(4)

6. عن عبد اللّه بن حرث الهاشمي، وساق حديثاً حتى قال: إنّ هذه الصدقات إنّما هي أوساخ الناس وانّها لا تحل لمحمّد ولا لآل محمّد.

رواه مسلم والنسائي.(5)

7. عن أبي رافع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لاَبي رافع:اصحبني فإنّك تصيب منها، قال: حتى آتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأسأله، فأتاه فسأله ، فقال: مولى القوم من أنفسهم وإنّا لا تحلُّلنا الصدقة.

أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.(6)


1 . التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

2 . التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

3 . التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

4 . التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

5 . التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.

6 . التاج الجامع للاَُصول: 2|30ـ 31، ط الثانية.


(127)

الفصل الثالث

حقوق أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن الكريم

قد عرفت من هم أهل البيت (عليهم السلام) في الآيات والروايات الواردة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما جادت به القرائح العربية حولهم من قصائد وأراجيز كما عرفت سماتهم و خصوصياتهم.

وحان البحث لبيان حقوقهم على المسلمين الَّتي نزل بها الوحي في الكتاب العزيز، وها نحن نذكر بعض حقوقهم:


(128)


(129)

من حقوق أهل البيت (عليهم السلام)

1
ولاية أهل البيت (عليهم السلام)

قد دلّت الروايات المتضافرة على انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ارتحل وقد نصب عليّاً (عليه السلام) للولاية والخلافة، فأبان ولايته وولاية من بعده من الاَئمّة في مواقف مختلفة، نذكر منها موقفين:

الاَوّل: انّ سائلاً أتى مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ (عليه السلام) راكع، فأشار بيده للسائل، أي اخلع الخاتم من يدي، فنزل قوله سبحانه: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوَْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُون) .(1)

وقد تضافرت الروايات على نزول الآية في حقّ علي (عليه السلام) و نقلها الحفاظ، منهم: ابن جرير الطبري(2) والحافظ أبو بكر الجصاص الرازي(3) و الحاكم النيسابوري(4) و الحافظ أبو الحسن الواحدي النيسابوري(5) وجار اللّه الزمخشري(6) إلى غير ذلك من أئمّة الحفاظ و كبار المفسِّرين ربما ناهز


1 . المائدة: 55.

2 . تفسير الطبري:6|186.

3 . أحكام القرآن:2|542.

4 . معرفة أُصول الحديث:102.

5 . أسباب النزول : 113.

6 . الكشاف:1| 468.


(130)

عددهم السبعين . وهم بين محدِّث ومفسّر وموَرِّخ.

والذي يجب التركيز عليه هو فهم معنى الولي الوارد في الآية المباركة والذي وقع وصفاً للّه سبحانه ولرسوله ومن جاء بعده.

المراد من الولي في الآية هو الاَولوية الواردة في قوله سبحانه:(النَّبيُّ أولى بِالمُوَْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) .(1)

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى من الموَمنين بأنفسهم وأموالهم فهو بما انّه زعيم المسلمين ووليّهم، يتصرّف فيهم حسب ما تقتضيه المصالح في طريق حفظ كيان الاِسلام وصيانة هويَّتهم والدفاع عن أراضيهم ولغاية نشر الاِسلام.

وليست الغاية من هذه الولاية الموهوبة للنبي ص هي حفظ مصالح النبي ص الشخصية، بل الغاية كما عرفت هو صيانة مصالح الاِسلام والمسلمين.

فالولاية بهذه المعنى هي المراد من قوله سبحانه: (إِنَّما وَليّكُمُ اللّهَ وَرَسُولُه) و القرائن الدالَّة على تعُّين هذا المعنى كثيرة، نذكر منها ما يلي:

الاَوّل: إذا كان المراد من الوليّ هو الزعامة يصحّ تخصيصها باللّه سبحانه و رسوله ومن أعقبه، وأمّا لو كان المراد منه هو الناصر و المحب، فهو ليس مختصاً بهوَلاء، لاَنّ كلّموَمن محب للآخرين أو ناصر لهم كما يقول سبحانه: (وَ المُوَْمِنُونَ وَ المُوَْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَولياءُ بَعْضٍ).(2)

الثاني: انّ ظاهر الآية انّ هناك أولياء و هناك مولى عليهم، ولا يتحقّق التمايز إلاّ بتفسير الولاية بمعنى الزعامة حتى يتميّز الزعيم عن غيره، وهذا بخلاف ما فسرناه بمعنى الحب والود أو النصر، فتكون الطوائف الثلاث على حد سواء


1 . الاَحزاب: 6.

2 . التوبة: 71.


(131)

الثالث: إذا كان المراد من الولي هو الزعيم، يصحّ تخصيصه بالموَمن الموَدّي للزكاة حال الصلاة، و أمّا لو كان المراد بمعنى المحبّ والناصر وما أشبهها يكون القيد زائداً أعني: إعطاء الزكاة في حال الصلاة، فانّ شرط الحب هو إقامة الصلاة وأداء الزكاة، وأمّا تأديتها في حال الركوع فليس من شرائط الحب والنصرة، وهذا دليل على انّ المراد فرد أو جماعة خاصة يوصفون بهذا الوصف لا كلّ الموَمنين.

الرابع: انّ الآية التالية تفسر معنى الولاية، يقول سبحانه: (ومَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُون) .(1)

فانّ لفظة (الّذين آمنوا) في هذه الآية هو الوارد في الآية المتقدمة، أعني: (وَالّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاة) ، وعلى هذا يكون المراد من القول أخذهم زعيماً وولياً بشهادة انّ حزب اللّه لا ينفك من زعيم يدبِّر أمرهم.

إلى هنا تبيّن انّ الاِمعان في القرائن الحافَّة بالآية تفّسر معنى الولي وتعّين المعنى و تثبت انّ المقصود هو الزعيم، لكن من نكات البلاغة في الآية انّه سبحانه صرح بولايته و ولاية رسوله ومن جاء بعده و على ذلك صارت الولاية للثلاثة، وكان اللازم عندئذٍ أن يقول إنّما أولياوَكم يصيغة الجمع لكنّه أتى بصيغة المفرد إشارة إلى نكتة، وهي انّ الولاية بالاَصالة للّه سبحانه وأمّا ولاية غيره فبإيهاب من اللّه سبحانه لهم ، ولذلك فرّد الكلمة ولم يجمعها، لكن هذه الولاية لا تنفك من آثار، وقد أُشير إلى تلك الآثار في آيات مختلفة، وإليك بيانها:

1. (أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ) .(2)

فانّ لزوم إطاعة اللّه والرسول وغيرهما من آثار ولايتهم


1 . المائدة: 56.

2 . النساء: 59.


(132)

وزعامتهم،فالزعيم يجب أن يكون مطاعاً.

2. (وَماكانَ لِمُوَْمِنٍ وَلا مُوَْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).(1)

فينفذ قضاوَه سبحانه و الَّذي هو من آثار الزعامة، ونظيره قوله سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ).(2)

3.(فَلْيَحْذَرِ الّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرهِ أنْ تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَو يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ).(3) فحرمة مخالفة أمر اللّه ورسوله من توابع زعامتهم وولايتهم.

فهذه الحقوق ثابتة للنبي ص بنص القرآن الكريم ولمن بعده بحكم انّهم أولياء بعد النبي فانّ ثبوتها للنبي ص لاَجل ولايته فإذا كانت الولاية مستمرة بعده فيتمتع كلّوليٍّ بهذه الحقوق.

وبهذا تبيَّنت دلالة الآية على ولاية علي (عليه السلام) وانّها حقّ من حقوقهم لصالح الاِسلام والمسلمين.

نعم بعض من لا تروقهم ولاية أهل البيت (عليهم السلام) وزعامتهم حاولوا تضعيف دلالة الآية بشبهات واهية واضحة الرد، وقد أجبنا عنها في بعض مسفوراتنا فلنكتف في المقام بهذا المقدار.

غير انّا نركز على نكتة وهي انّ الصحابة الحضور لم يفهموا من الآية سوى الولاية ولذلك صبَّ شاعر عهد الرسالة حسان بن ثابت ما فهمه من الآية بصفاء ذهنه في قالب الشعر ، وقال:


1 . الاَحزاب: 36.

2 . النساء: 105.

3 . النور: 63.


(133)

فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع * فدتك نفوس القوم يا خيـر راكـع

بخـاتمـك الميمـون يـا خيـر سيد * و يـا خيـر شـار ثـمّ يا خيــر بايع

فـانـزل فيــك اللّه خيــر ولايــة * و بينّها فـي محكمـات الشـرائـع(1)

والظاهر ممّا رواه المحدّثون انّ الاَُمّة الاِسلامية سيُسألون يوم القيامة عن ولاية علي (عليه السلام) ، حيث ورد السوَال في تفسير قوله سبحانه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْوَولُون).(2)

روى ابن شيرويه الديلمي في كتاب «الفردوس» في قافية الواو، باسناده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْوَولُون) عن ولاية علي بن أبي طالب.(3)

ونقله ابن حجر عن الديلمي، وقال: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْوَولُون) أي عن ولاية علي وأهل البيت، لاَنّ اللّه أمر نبيّه ص أن يعرف الخلق أنّه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجراً إلاّ المودة في القربى، والمعنى انّهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة.(4)

الثاني(5): من تلك المواقف هو يوم الغدير و هو أوضحها وآكدها وأعمّها و قد صدع بها في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام في منصرفه من حجّة الوداع، وقد قام في محتشد كبير بعد ما خطب خطبة مفصَّلة وأخذ من الناس الشهادة على التوحيد والمعاد ورسالته وأعلن انّه فرط على الحوض، ثمّ ذكر الثقلين وعرَّفهما، بقوله:« الثقل الاَكبر، كتاب اللّه، والآخر الاَصغر: عترتي؛ وانّ اللطيف الخبير نبَّأني انّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»، ثمّقال: «أيّها الناس من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟» قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: «إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه


1 . مناقب الخوارزمي:178؛ كفاية الطالب للكنجي:200 ؛ تذكرة ابن الجوزي:25.

2 . الصّافات: 24.

3 . شواهد التنزيل للحسكاني:2|106.

4 . الصواعق المحرقة:149.

5 . مضي الاَوّل: 245.


(134)

فعلي مولاه»، ثمّ قال: «اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب».

ففي هذه الواقعة الفريدة من نوعها أعلن النبي ولاية علي (عليه السلام) للحاضرين وأمرهم بإبلاغها للغائبين، ونزل أمين الوحي بآية الاِكمال، أعني: قوله سبحانه: (الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي) .(1)

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّه أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالتي، والولاية لعلي من بعدي».

ثمّ طفق القوم يهنّئون أمير الموَمنين (عليه السلام) و ممَّن هنَّأه في مقدم الصحابة : الشيخان أبو بكر وعمر، كلّ يقول:

بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّموَمن وموَمنة.

وقد تلقّى الصحابة الحضور انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوجب ولايته على الموَمنين، وقد أفرغ شاعر عهد الرسالة حسّان بن ثابت ما تلقّاه عن الرسول، في قصيدته وقال:

فقال لـه قـم يـا علـيّ فانّنـي * رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فمن كنـت مـولاه فهـذا وليـّه * فكونوا له أنصار صدق موالياً

قد ذكرنا مصادر الخطبة والاَبيات عند البحث عن الاِمامة فراجع.(2)


1 . المائدة: 3 .

2 . راجع مفاهيم القرآن: الجزء العاشر .


(135)

من حقوق أهل البيت (عليهم السلام)

2
أهل البيت (عليهم السلام) وضرورة إطاعتهم

أمر سبحانه باطاعة الرسول و أُولي الاَمر، وقال: (يا أَيُّهَاالّذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللّه والرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر ذلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً).(1)

تأمر الآية بإطاعة اللّه كما تأمر بإطاعة الرسول و أُولي الاَمر لكن بتكرار الفعل، أعني: (وأَطيعُوا الرَّسُول) وما هذا إلاّ لاَنّ سنخ الاِطاعتين مختلف، فإطاعته سبحانه واجبة بالذات، و إطاعة النبي و أُولي الاَمر واجبة بإيجابه سبحانه.

والمهم في الآية هو التعرُّف على المراد من أُولي الاَمر، فقد اختلف فيه المفسرون على أقوال ثلاثة:

1. الاَُمراء، 2. العلماء، 3 . صنف خاص من الاَُمّة، وهم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .


1. النساء : 59 .


(136)

وبما انّه سبحانه أمر بإطاعة أُولي الاَمر إطاعة مطلقة، غير مقيدة بما إذا لم يأمروا بالمعصية يمكن استظهار أنّ أولي الاَمر المشار إليهم في الآية والذين وجبت طاعتهم على الاِطلاق، معصومون من المعصية والزلل، كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى اقترنوا في لزوم الطاعة في الآية.

وبعبارة أُخرى: انّه سبحانه أوجب طاعتهم على الاِطلاق، كما أوجب طاعته، وطاعة رسوله، ولا يجوز أن توجب طاعة أحد على الاِطلاق إلاّ من ثبتت عصمته،وعلم أنّ باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط والاَمر بالقبيح،وليس ذلك بحاصل في الاَُمراء، ولا العلماء سواهم، جلّ اللّه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أوبالانقياد للمختلفين في القول والفعل، لانّه محال أن يطاع المختلفون، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه.(1)

وقد أوضحه الرازي في تفسيره، وذهب إلى أنّ المقصود من أُولي الاَمر هم المعصومون في الاَُمّة، وإن لم يخض في التفاصيل، ولم يستعرض مصاديقهم ،لكنّه بيّن المراد منهم بصورة واضحة، وقال:

والدليل على ذلك انّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع، لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأً منهي عنه، فهذا يُفضي إلى اجتماع الاَمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد وانّه محال.


1 . مجمع البيان:3|100.


(137)

فثبت انّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على سبيل الجزم، وثبت أنّكلّمن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم، وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الاَمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً.(1)

وقد أوضح السيد الطباطبائي دلالة الآية على عصمة أُولي الاَمر ببيان رائق وإليك نصّه، قال: الآية تدل على افتراض طاعة أُولي الاَمر هوَلاء، ولم تقيده بقيد ولا شرط، وليس في الآيات القرآنية ما يقيد الآية في مدلولها حتى يعود معنى قوله: (وَأَطيعُوا الرَّسُول وَأُولي الاََمْر مِنْكُمْ) إلى مثل قولنا: وأطيعوا أُولي الاَمر منكم فيما لم يأمروا بمعصية أو لم تعلموا بخطئهم، فإن أمروكم بمعصية فلا طاعة عليكم، وإن علمتم خطأهم فقوِّموهم بالردّ إلى الكتاب والسنّة و ليس هذا معنى قوله: (وَأَطيعُوا الرَّسُول وَأُولي الاََمْرِمِنْكُمْ) .

مع أنّاللّه سبحانه أبان ما هو أوضح من هذا القيد فيما هو دون هذه الطاعة المفترضة، كقوله في الوالدين: (وَوَصَّيْنَا الاِِنْسان بِوالِدَيهِ حُسناً وَإِنْ جاهَداكَ لتشرِكَ بِي مالَيْسَلَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) .(2) فما باله لم يُظهر شيئاً من هذه القيود في آية تشتمل على أُس أساس الدين، وإليها تنتهي عامة اعراق السعادة الاِنسانية.

على أنّ الاَية جمع فيها بين الرسول و أُولي الاَمر، وذكر لهما معاً طاعة واحدة، فقال: (وأطيعوا الرسول وأُولي الاَمر منكم) ، ولا يجوز على الرسول أن


1 . التفسير الكبير: 1|114.

2 . العنكبوت: 8.


(138)

يأمر بمعصية أو يغلط في حكم، فلو جاز شيء من ذلك على أُولي الاَمر، لم يسع إلاّ أن يذكر القيد الوارد عليهم فلا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير أن تقيد، ولازمه اعتبار العصمة في جانب أُولي الاَمر، كما اعتبر في جانب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير فرق.(1)

وبذلك تبَّين انّ تفسير أُولي الاَمر بالخلفاء الراشدين أو أُمراء السرايا أو العلماء أمر غير صحيح، لاَنّ الآية دلَّت على عصمتهم ولا عصمة لهوَلاء، فلابدّ في التعرُّف عليهم من الرجوع إلى السنَّة التي ذكرت سماتهم ولا سيما حديث الثقلين حيث قورنت فيه العترة بالكتاب، فإذا كان الكتاب مصوناً من الخطأ، فالعترة مثله أخذاً بالمقارنة.

ونظيره حديث السفينة: «مَثَل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلّف عنها غرق».(2)

إلى غير ذلك من الاَحاديث التي تنصُّ على عصمة العترة الطاهرة، فإذاً هذه الاَحاديث تشكّل قرينة منفصلة على أنّ المراد من أُولي الاَمر هم العترة أحد الثقلين.

بل يمكن كشف الحقيقة من خلال الاِمعان في آية التطهير، وقد عرفت دلالتها على عصمة أهل البيت الذين عيَّنهم الرسول بطرق مختلفة.

وعلى ضوء ذلك فآية التطهير، وحديث الثقلين، وحديث السفينة إلى غيرها من الاَحاديث الواردة في فضائل العترة الطاهرة كلّها تدل على عصمتهم.

هذا من جانب و من جانب آخر دلَّت آية الاِطاعة على عصمة أُولي الاَمر،


1 . الميزان:4|391.

2 . الحاكم :المستدرك: 3|151 أخرجه مسنداً إلى أبي ذر.


(139)

فبضم القرائن الآنفة الذكر إلى هذه الآية يتضح المرادمن أُولي الاَمر الذين أمر اللّه سبحانه بطاعتهم و قرن طاعتهم بطاعة الرسول.

وأمّا الرواية عن النبيّ: فقد روى ابن شهراشوب عن تفسير مجاهد انّهذه الآية نزلت في أمير الموَمنين (عليه السلام) حين خلّفه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة، فقال: «يا رسول اللّه، أتخلفّني بين النساء و الصبيان؟» فقال ص: «يا علي، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، حين قال له: ( اخلفني في قومي وأصلح)، فقال أبلى واللّه : (وأولي الاَمر منكم)» .(1)

وأمّا ما رُوي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) حول الآية فحدث عنها ولا حرج، فلنقتصر في المقام على رواية واحدة نقلها الصدوق باسناده عن جابر بن عبد اللّه الاَنصاري.

قال: لمّا أنزل اللّه عزّ وجلّ على نبيّه محمد ص: (يا أيّها الّذين آمنوا أَطيعوا اللّه وأَطيعُوا الرسول وأُولي الاََمْر منكم) قلت: يا رسول اللّه ، عرفنا اللّه ورسوله، فمن أولوا الاَمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك ؟ فقال ص: «هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي، أوّلهم علي بن أبي طالب، ثمّالحسن، ثمّالحسين، ثمّعلي بن الحسين، ثمّ محمد بن علي المعروف في التوارة بالباقر ستدركه ياجابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علي بن موسى، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ علي بن محمّد، ثمّ


1 . المناقب لاِبن شهراشوب: 1| 5%15، ط المطبعة العلميّة.


(140)

الحسن بن علي، ثمّ سَمِيِّ محمّد و كنيتي، حجة اللّه في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح اللّه تعالى على يديه مشارق الاَرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيه على القول بإمامته إلاّ من امتحن اللّه قلبه للاِيمان».

قال جابر: فقلت له: يا رسول اللّه فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال ص: «اي والذي بعثني بالنبوة إنّهم يستضيئون بنوره،وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب.

يا جابر هذا من مكنون سر اللّه ومخزون علم اللّه ،فاكتمه إلاّ عن أهله».(1)


1 . البرهان في تفسير القرآن: 1|381.


(141)

من حقوق أهل البيت (عليهم السلام)

3
وجوب مودَّتهم وحبِّهم

قام الرسل بابلاغ رسالات اللّه سبحانه إلى الناس، دون أن يبغوا أجراً منهم، بل كان عملهم خالصاً لوجهه سبحانه، لاَنّ إبلاغ رسالاته كانت فريضة إلهية على عواتقهم، فكيف يطلبون الاَجر للعمل العبادي الذي لا يبعثهم إليه إلاّ طاعة أمره وطلب رضاه،ولذلك كان شعارهم دوماً، قولهم(وَما أسأَلكم عليهِ منْ أَجْر إِن أَجْري إِلاّعلى اللّه ربّ العالَمين).(1)

فقد ذكر سبحانه على لسان الاَنبياء تلك الآية في سورة الشعراء، ونقلها عن عديد من أنبيائه، نظراء:

نوح (2)، هود(3) صالح(4) لوط(5) شعيب(6)

وقد جاء هذا الشعار في سور أُخرى نقلها القرآن الكريم عن رسله وأنبيائه، فقدكانوا يخاطبون أُمَمهم بقولهم:


1 . الشورى: 109.

2 . الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.

3 . الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.

4 . الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.

5 . الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.

6 . الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.


(142)

(قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْري إِلاّ على اللّه).(1)

(يا قَوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الّذي فطرني).(2)

فإذا كان هذا موقف الاَنبياء من أُمّتهم، فكيف يصح للنبي الخاتم ص أن يطلب الاَجر؟! بل هو أولى بأن يكون عمله خالصاً للّه، لاَنّه خاتم الرسل وأفضلهم، وقد كان يرفع ذلك الشعار أيام بعثته، بأمر منه سبحانه و يتلو قوله تعالى: (قُلْلا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَإِلاّذِكرى لِلْعالَمين) (3)

هذه هي حقيقة قرآنية لا يمكن إنكارها، ومع ذلك نرى انّه سبحانه يأمره في آية أُخرى بأن يطلب منهم مودة القربى أجراً للرسالة.

ويقول: (قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّالمَودَّةَ فِي القُربى) .(4)

فكيف يمكن الجمع بين هذه الآية، وما تقدم من الآية الخاصة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والآيات الراجعة إلى سائر الاَنبياء، فانّهم (عليهم السلام) كانوا على نهج واحد؟.

هذا هو السوَال المطروح في المقام.

والاِجابة عليه يتوقَّف على نقل ما ورد حول الموضوع في القرآن الكريم، فنقول:

الآيات التي وردت حول أجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أصناف أربعة:

الاَوّل: أمره سبحانه بأن يخاطبهم بأنّه لا يطلب منهم أجراً، قال سبحانه: (قُلْلا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَإِلاّذِكرى لِلْعالَمين) .(5)


1 . هود:29.

2 . هود: 51.

3 . الاَنعام: 90.

4 . الشورى: 23.

5 . الاَنعام: 90.


(143)

الثاني: ما يشعر بأنّه طلب منهم أجراً يرجع نفعه إليهم دون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فيقول سبحانه: ( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْأَجْرِيَ إِلاّعلى اللّهِ وهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهيد).(1)

الثالث: ما يُعرّف أجره، بقوله: (قُلْ ما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِمِنْ أَجْرٍ إِلاّمَنْ شاء أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِسَبيلاً) .(2) فكان اتخاذ السبيل إلى اللّه هو أجر الرسالة.

الرابع: ما يجعل مودة القربى أجراً للرسالة، ويقول: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّالمَوَدَّةَ فِي القُربى) .

فهذه العناوين الاَربعة لابدّأن ترجع إلى معنى واحد، وهذا هو الذي نحاول أن نسلّط عليه الاَضواء.

الجواب: انّ لفظة الاَجر يطلق على الاَجر الدنيوي والاَُخروي غير انّ المنفي في تلك الآيات بقرينة نفي طلبه عن الناس هو الاَجر الدنيوي على الاِطلاق، ولذلك لم ينقل التاريخ أبداً أن يطلب نبي ص لدعوته شيئاً بل نقل خلافه.

هذه هي قريش تقدَّمت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي طليعتهم أبو الوليد، فتقدم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يابن أخي إن كنت إنّما تريد بما جئت به من هذا الاَمر، مالاًً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الطبَّ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نُبرئك منه، فانّه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو


1 . سبأ: 47.

2 . الفرقان: 57.


(144)

كما قال له حتى إذا فرغ عتبة، ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني قال: أفعل، فقال:(بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِالرَّحيم* حم* تَنْزَيلٌ مِنَ الرَّحْمنِالرَّحيم* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرآناًعَرَبِياً لِقَومٍ يَعْلَمُونَ* بَشيراً وَنَذِيراً فَأعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُون* وَقالُوا قُلُوبُنا في أَكِنَّةٍ مَمّا تَدْعُونا إِلَيْه) .(1)

ثمّ مضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها يقروَها عليه. فلماّ سمعها منه عتبة، أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه، ثمّانتهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السجدة منها، فسجد ثمّ قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.(2)

هذا النصّ وغيره يعرب عن أنّ مدار الاِثبات والنفي هو الاَجر الدنيوي بعامة صوره، وهذا أمر منفي جداً لا يليق لنبي أن يطلبه من الناس.

قال الشيخ المفيد: إنّ أجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في التقرُّب إلى اللّه تعالى هو الثواب الدائم، وهومستحق على اللّه تعالى في عدله وجوده وكرمه، وليس المستحق على الاَعمال يتعلَّق بالعباد، لاَنّ العمل يجب أن يكون للّه تعالى خالصاً، وما كان للّه فالاَجر فيه على اللّه تعالى دون غيره.(3)

إذا عرفت ذلك، فنقول:

إنّ مودة ذي القربى وإن تجلت بصورة الاَجر حيث استثنيت من نفي الاَجر، لكنّه أجر صوري وليس أجراً واقعياً، فالاَجر الواقعي عبارة عمّا إذا عاد نفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّه في المقام يرجع إلى المحب قبل رجوعه إلى النبي ص، وذلك لاَنّ مودة ذي القربى تجرّ المحب إلى أن ينهج سبيلهم في الحياة،


1 . فصّلت: 1 ـ 5.

2 . السيرة النبوية:1|293ـ 294.

3 . تصحيح الاعتقاد: 68.


(145)

ويجعلهم أُسوة في دينه ودنياه، ومن الواضح انّ الحبّ بهذا المعنى ينتهي لصالح المحب. قال الصادق (عليه السلام) : «ما أحب اللّه عزّ و جلّ من عصاه» ثمّ تمثَّل، فقال:

تعصي الاِله وأنت تظهر حبه * هذا محـال في الفعـال بديـع

لو كان حبك صادقاً لاَطعتـه * انّ المحـبّ لمـن يحـب مطيـع(1)

وسيوافيك انّ المراد من ذوي القربى ليس كلّ من ينتمي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنسب أو سبب، بل طبقة خاصة من أهل بيته الذين عرفهم بأنّهم أحد الثقلين في قوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».(2)

فإذا كان المراد من ذوي القربى هوَلاء الذين أنيط بهم أمر الهداية والسعادة فحبُّهم ومودَّتهم يرفع الاِنسان من حضيض العصيان والتمرد إلى عزّ الطاعة.

إنّ طلب المودة من الناس أشبه بقول طبيب لمريضه بعد ما فحصه وكتب وصفة: لا أُريد منك أجراً إلاّ العمل بهذه الوصفة، فانّ عمل المريض بوصفة الطبيب و إن خرجت بهذه العبارة بصورة الاَجر، ولكنّه ليس أجراً واقعياً يعود نفعه إلى الطبيب بل يعود نفعه إلى نفس المريض الذي طلب منه الاَجر.

وعلى ذلك فلابدّ من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع، كأن يقول: قل لا أسألكم عليه أجراً، وإنّما أسألكم مودة ذي القربى، وليس الاستثناء المنقطع


1 . سفينة البحار: مادة حبَّب.

2 . أخرجه الحاكم في مستدركه:3|148، وقال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين. ولم يخرجاه، وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك معترفاً بصحته على شرط الشيخين قلت: هذا حديث متواتر وقد ألَّف غير واحد من المحقّقين رسائل حوله.


(146)

أمراً غريباً في القرآن بل له نظائر مثل قوله: (لا يسمعون فيها لَغْواً إِلاّسَلاماً).(1)

وعلى ذلك جرى شيخ الشيعة المفيد في تفسير الآية، حيث طرح السوَال، و قال:

فإن قال قائل: فما معنى قوله: (قُلْ لا أَسألكم عليهِ أَجْراً إِلاّالمَودَّة فِي القُربى) أو ليس هذا يفيد انّه قد سألهم مودة القربى لاَجره على الاَداء؟.

قيل له: ليس الاَمر على ما ظننت لما قدمنا من حجّة العقل والقرآن، والاستثناء في هذا المكان ليس هو من الجملة لكنّه استثناء منقطع، ومعناه قل لا أسألكم عليه أجراً لكنّي ألزمكم المودة في القربى و اسألكموها، فيكون قوله: (قُلْ لا أسْألكُمْ عليهِ أَجراً) كلاماً تاماً، قد استوفى معناه، ويكون قوله: (إِلاّالمودة في القُربى) كلاماً مبتدأً، فائدته لكن المودة في القربى سألتكموها، وهذا كقوله: (فَسَجَد المَلائِكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّإِبْلِيس).(2) والمعنى فيه لكن إبليس، وليس باستثناء من جملة.(3)

وعلى ضوء ذلك يظهر معنى قوله سبحانه: (ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ).(4)

وقد تبَّين انّ حبّ الاَولياء والصالحين لصالح المحب قبل أن يكون لصالحهم.

كما تبَّين معنى قوله سبحانه في شأن ذلك الاَجر: (ما أَسأَلكُمْ عليه مِنْ أَجْر إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبيلاً) .(5)


1 . مريم: 62.

2 . الحجر: 30 ـ 31.

. تصحيح الاعتقاد:68.

3 . سبأ: 47.

4 . الفرقان: 57.


(147)

فانّ اتخاذ السبيل لا يخلو من أحد احتمالين:

1. مودَّة القربى والتفاني في حبهم الذي سينتهي إلى العمل بالشريعة الموجب لنيل السعادة.

2. نفس العمل بالشريعة الذي يصل إليها الاِنسان عن طريق حبهم ومودتهم.

وبذلك ترجع الآيات الثلاث إلى معنى واحد من دون أن يكون بينهما أي تناف واختلاف.

وقد جاء الجمع بين مفاد الآيات الثلاث في دعاء الندبة الذي يشهد علو مضامينه على صدقه، حيث جاء فيه:

«ثمّ جعلت أجر محمّد ص مودّتهم في كتابك ، فقلت (لا اسألكم عليه أجراً إلاّالمودة في القربى)، وقلت : ما سألتكم من أجر فهو لكم، وقلت: (ما أسألكم عليه من أجر إلاّمن شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلاً) ، فكانوا هم السبيل إليك، والمسلك إلى رضوانك».

وإلى ذلك يشير شاعر أهل البيت و يقول:

موالاتهم فرض وحبهم هدى * وطاعتـهم ودٍّ وودُّهـم تقـوا

* * *

وأمّا القربى فهو على وزن البشرى والزلفى بمعنى القرابة، يقول الزمخشري : القربى مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى القرابة والمراد في الآية «أهل القربى».(1)

وقد استعمل القرآن الكريم لفظة القربى في عامة الموارد بالمضاف، فتارة


1 . الكشاف:3|81 في تفسير الآية.


(148)

بلفظة ذي، قال سبحانه: (وِبالوالدين أَحساناً وذي القُربى واليَتامى) .(1)

وأُخرى بلفظة ذوي، قال سبحانه: (وَاتَى المال عَلى حُبِّهِ ذَوي القُربى وَاليَتامى) . (2)

وثالثة: بلفظة «أُولي»، قال سبحانه: (ما كان لِلنَّبيّ وَالّذينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَوكانُوا أُولي قُربى) .(3)

و قد جاءت مرة واحدة دون إضافة وهي نفس الآية المباركة، فلاَجل ذلك يلزم تقدير شيء مثل لفظة «أهل» كما قدَّره الزمخشري أو لفظاً غير ذلك مثل كلمة «ذي» أو «ذوي» أو «ذوي قربى».

إلى هنا تمت الاِجابة عن السوَال الاَوّل حول الآية.

السوَال الثاني


(4)

دلَّت الآية الكريمة على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرض مودة ذي القربى، على المسلمين ولكن يبقى هناك سوَال وهو انّ الآية تحتمل وجهين:

أ: أن يكون المراد مودة ذوي القربى من أقرباء النبي وأهل بيته.

ب: أن يكون المراد ودّ كلّمسلم أقربائه وعشيرته ومن يمُّت إليه بصلة، وليس في الآية ما يدل على المعنى الاَوّل.

أقول: إنّ ذي القربى كما علمت بمعنى صاحب القرابة والوشيجة النسبية، ويتعَّين مورده بتعينُّ المنسوب إليه، وهو يختلف حسب اختلاف موارد


1 . البقرة: 83.

2 . البقرة: 177.

3 . التوبة: 113.

4 . مضي السوَال الاَوّل: 258.


(149)

الاستعمال، ويستعان في تعيينه بالقرائن الموجودة في الكلام، وهي:

الاَشخاص المذكورون في الآية أو ما دلَّ عليه سياق الكلام.

فتارة يراد منه الاَقرباء دون شخص خاص، مثل قوله سبحانه: (ما كانَلِلنَّبي وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَو كانُوا ذوي قُربى). (1)

وقوله سبحانه: (فَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُربى).(2)

فانّ ذكر النبي والذين آمنوا معه آية على أنّ المراد قريب كلّ إنسان إليهما، كما أنّ جملة (فإذا قلتم فاعدلوا) آية أنّ المراد كل إنسان قريب إليه.

وأمّا قوله سبحانه: (قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَوَدَةَ فِي القُربى) فالفعل المتقدّم عليه يعنى (لا أسألكم) آية انّ المراد أقرباء السائل، مثل قوله سبحانه: (ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِالقُرى فَلِلّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي القُربى) .(3)

فانّ لفظة (على رَسُولِهِ) آية أنّ المراد أقرباء الرسول.

وعلى ذلك فلابدّ من الرجوع إلى القرائن الحافَّة بالآية وتعيين المراد منه، و بذلك ظهر أنّالمراد هو أقرباء الرسول.

يقول الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) ناقداً انتخاب الخليفة الاَوّل في السقيفة لاَجل انتمائه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرابة:

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيـرك أولـى بالنبـي و أقـرب(4)


1 . التوبة: 113.

2 . الاَنعام: 152.

3 . الحشر: 7.

4 . شرح ابن أبي الحديد:18|416.


(150)

السوَال الثالث

إنّ سورة الشورى سورة مكية، فلو كان المراد من ذوي القربى هو عترته الطاهرة، أعني: عليّاً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فلم يكن يومذاك بعض هوَلاء كالحسن والحسين (عليهما السلام) ؟.

والجواب: إنّ الميزان في تمييز المكي عن المدني، أمران، وكلاهما يدلان على أنّالآية نزلت في المدينة المنورة.

الاَمر الاَوّل: دراسة مضمون الآيات

فقد كانت مكافحة الوثنية والدعوة إلى التوحيد والمعاد هي مهمة النبي قبل الهجرة، ولم يكن المجتمع المكّي موَهلاً لبيان الاَحكام والفروع أو مجادلة أهل الكتاب من اليهود و النصارى، ولذلك تدور أغلب الآيات المكّية حول المعارف والعقائد والعبرة بقصص الماضين، و ما يقرب من ذلك.

ولمّا استتب له الاَمر في المدينة المنورة واعتنق أغلب سكّانها الاِسلام حينها سنحت الفرصة لنشر الاِسلام وتعاليمه و لمناظرة اليهود والنصارى حيث كانوا يثيرون شبهاً ويجادلون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت آيات حول اليهود و النصارى في السور الطوال.

فلو كان هذا هو الميزان بغية تميّز المكّي عن المدني، فالآية مدنية قطعاً دون ريب لعدم وجود أيَّة مناسبة لسوَال الاَجر أو طلب مودة القربى من أُناس لم يوَمنوا به بل حشَّدوا قواهم على قتله، بخلاف البيئة الثانية فقد كانت تقتضي ذلك حيث التفَّ حوله رجال من الاَوّس والخزرج وطوائف كثيرة من الجزيرة العربية.


(151)

الاَمر الثاني: الاعتماد على الروايات والمنقولات

فلو كان هذا هو الميزان فقد صرح كثير منهم بأنّ أربعةً آيات من سورة الشورى مكّية، حتى أنّ المصاحف المطبوعة في الاَزهر وغيره، تصرح بذلك و تُقرأ فوق السورة هذه الجملة: سورة الشورى مكية الآيات إلاّ ثلا ث وعشرين وأربع وعشرين وسبع وعشرين.

أضف إلى ذلك انّ كثيراً من المفسرّين و المحدِّثين صرحوا بذلك.(1)

وهذا هو البقاعيّ موَلف «نظم الدرر وتناسب الآيات والسور» يصرح بأنّ الآيات مكية، كما نقله المحقّق الزنجاني في «تاريخ القرآن».(2)

السوَال الرابع

الاِنسان مفطور على حب الجميل وكراهة القبيح فيكون الودّأمراً خارجاً عن الاختيار، فكيف يقع في دائرة السوَال ويطلبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الموَمنين مع أنّه كذلك.

والجواب: أوّلاً: انّالحبّ لو كان أمراً خارجاً عن الاختيار فلا يتعلَّق به الاَمر، كما لا يتعلَّق به النهي، مع انّه سبحانه ينهى عن ود من حادَّ اللّه ورسوله، ويقول: (لا تَجد قَوماً يُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوادّونَ من حادّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ).(3)


1 . انظر الكشاف: 3|81؛ تفسير الرازي: 7|655؛ تفسير أبي السعود في هامش تفسير الرازي نفس الصفحة ؛ تفسير أبي حيان: 7|516؛ تفسير النيسابوري:6|312.وأمّا من المحدّثين كمجمع الزوائد للهيتمي:9|168؛ الصواعق المحرقة:101 ـ 135، والزرقاني في شرح المواهب:7|3و921.

2 . تاريخ القرآن: 57.

3 . المجادلة: 22.


(152)

كما أنّه ص يدعو إلى التراحم والتعاطف النابعين عن الود والحب، ويقول:

مثل الموَمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».(1)

كلّ ذلك يدل على انّ الودّ والبغض ليس على النسق الذي وصفه السائل، ولذلك نرى الدعوة الكثيرة إلى الحب في اللّه والبغض في اللّه.

قال الاِمام الصادق (عليه السلام) : «من أوثق عرى الاِيمان أن تحب في اللّه وتبغض في اللّه».(2)

وقد كتب الاِمام علي (عليه السلام) إلى عامله في مصر مالك الاَشتر رسالة قال فيها: «واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم».(3)

روى الخطيب في تاريخه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «عنوان صحيفة الموَمن حبّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) ».(4)

و قال ص: «من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال علياً بعدي، وليوال وليّه، وليقتد بالاَئمّة من بعدي، فانّهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً و علماً».(5)

روى أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحبني فليحب عليّاً».(6)


1 . مسند أحمد: 4|270.

2 . سفينة البحار: 2|11 مادة الحبّ.

3 . نهج البلاغة: قسم الرسائل: الرسالة 53.

4 . تاريخ بغداد: 4|410.

5 . حلية الاَولياء: 1|86.

6 . مسند أحمد:5|366؛ صحيح مسلم: ج كتاب الفتن: 119.


(153)

و أخرج أحمد في مسنده عن الرسول : «من أحبني وأحب هذين وأباهما و أُمُّهما، كان معي في درجتي يوم القيامة».(1)

وثانياً: أنّ الاِيصاء إنّما لا يفيد إذا لم يتوفر في الموصى له ملاك الحب والود كما إذا كان الرجل محطاً للرذائل الاَخلاقية، وأمّا إذا كان الموصى له إنساناً مثالياً متحلياً بفضائل الاَخلاق ومحاسنها، فانّالاِيصاء به يعطف النظر إليه وبالتالي يجيش حبه كلَّما تعمَّقت الصلة به.

وحاصل الكلام : أنّ دعوة الناس إلى الحبّ تقوم على إحدى دعامتين:

الاَُولى: الاشادة بفضائل المحبوب وكمالاته التي توجد في نفس السامع حبّاً وولعاً إليه.

الثانية: الاِيصاء بالحب والدعوة إلى الودّ، فانّه يعطف نظر السامع إلى الموصى له، فكلَّما توطَّدت الاَواصر بنيهما وانكشفت آفاق جديدة من شخصيته ازداد الحبّ والود له. وعلى كلّتقدير فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المحبوب التام لعامة المسلمين ، فحبُّه لا ينفك عن حبّ من أوصى بحبِّه وأمر بودّه.

وخير ما نختم به هذا البحث حديث مروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نقله صاحب الكشاف حيث قال، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّآل محمّد مات تائباً، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات موَمناً مستكمل الاِيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشرَّه ملك الموت بالجنة ثمّ منكر ونكير، ألا و من مات على حبّآل محمد يُزفُّ إلى الجنة كما تزفُّ


1 . مسند أحمد:1|77.


(154)

العروس إلى بيت زوجها، ألا و من مات على حبّ آل محمّد فتح اللّه له في قبره بابين إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّآل محمّد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا و من مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيساً من رحمة اللّه، ألا و من مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا و من مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنة».(1)

وروى أيضاً: انّه لما نزلت هذه الآية، قيل: يا رسول اللّه من قرابتك هوَلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟

فقال ص: «علي و فاطمة وأبناهما».(2)


1 . الكشاف:3|82، تفسير سورة الشورى، ط عام 1367.

2 . الكشاف:3|81.


(155)

من حقوق أهل البيت (عليهم السلام)

4
الصلوات عليهم

إنّمن حقوق أهل البيت (عليهم السلام) هي الصلوات عليهم عند الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ وَمَلائكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيّ يا أَيُّهَاالّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وََسَلِّمُوا تَسْلِيماً).(1)

ظاهر الآية هو تخصيص الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن فهمت الصحابة انّ المراد هو الصلاة عليه وعلى أهل بيته، وقد تضافرت الروايات على ضمّ الآل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند التسليم والصلاة عليه، وقد جاء ذلك في الصحاح والمسانيد، نقتصر منها على ما يلي:

1. أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، قال: ألا أُهدي لك هدية سمعتها من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلنا: يا رسول اللّه، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فانّ اللّه قد علّمنا كيف نسلم، قال:

«قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم


1 . الاَحزاب: 56.


(156)

وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حَميدٌ مجيد».(1)

وأخرجه أيضاً في كتاب التفسير عند تفسير سورة الاَحزاب.(2)

كما أخرجه مسلم في باب الصلاة على النبي من كتاب الصلاة.(3)

2.أخرج البخاري أيضاً ، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا يا رسول اللّه، هذا التسليم فكيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد عبدك ورسولك، كما صلّيت على آل إبراهيم ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم».(4)

3. أخرج البخاري، عن ابن أبي حازم عن يزيد، قال: «كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمّد و آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم».(5)

4. أخرج مسلم، عن أبي مسعود الاَنصاري، قال: أتانا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و نحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا اللّه تعالى أن نصِّلي عليك، يا رسول اللّه: فكيف نصلي عليك؟

قال: فسكت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى تمنينا انّه لم يسأله.

ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صليت على آل إبراهيم،وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على


1 . صحيح البخاري: 4|146 ضمن باب «يزفُّون النَسَلان في المشي» من كتاب بدء الخلق.

2 . صحيح البخاري: 6|151 تفسير سورة الاَحزاب.

3 . صحيح مسلم: 2|16.

4 . صحيح البخاري: 6|151، تفسير سورة الاَحزاب.

5 . المصدر السابق.


(157)

آل إبراهيم في العالمين انّك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم».(1)

إنّ ابن حجر ذكر الآية الشريفة، وروى جملة من الاَخبار الصحيحة الواردة فيها، وانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرن الصلاة على آله بالصلاة عليه، لمّا سئل عن كيفية الصلاة والسلام عليه، قال: وهذا دليل ظاهر على أنّالاَمر بالصلاة على أهل بيته، وبقية آله مراد من هذه الآية، وإلاّ لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عُقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر، فلمّا أُجيبوا به دلّعلى أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به،وانّه ص أقامهم في ذلك مقام نفسه، لاَنّ القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه، ومنه تعظيمهم، ومن ثمّ لمّا أُدخل من مرّفي الكساء، قال: «اللّهمّ انّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم»، وقضية استجابة هذا الدعاء: انّ اللّه صلّى عليهم معه فحينئذٍ طلب من الموَمنين صلاتهم عليهم معه.

ويروى: لا تصلوا عليّالصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاةالبتراء؟ قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون بل قولوا: اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمد. ثمّ نقل عن الاِمام الشافعي قوله:

يا أهل بيـت رسول اللّه حبـكم * فرض من اللّه في القرآن أنـزلـه

كفاكم من عظيم القدر إنّكـم * من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له

فقال:فيحتمل لا صلاة له صحيحة فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة على الآل، ويحتمل لا صلاة كاملة فيوافق أظهر قوليه.(2)


1 . صحيح مسلم: 2|46، باب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد التشهد من كتاب الصلاة.

2 . الصواعق المحرقة: 146، ط عام 1385هـ.


(158)

هذا كلّه حول الصلاة على الآل عند الصلاة على الحبيب.

وأما حكم الصلاة على آل البيت في التشهد، فقال أكثر أصحاب الشافعي : انّه سنّة.

وقال التربجي: من أصحابه هي واجبة، ولكن الشعر المنقول عنه يدل على وجوبه عنده، ويوَيده رواية جابر الجعفي ـ الذي كان من أصحاب الاِمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) ، وفي طبقة الفقهاء ـ، عن أبي جعفر عن أبي مسعود الاَنصاري، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «من صلّى صلاة لم يصل فيها عليّ ولا أهل بيتي لم تقبل منه».(1)

وأبو جعفر الجعفي ممَّن ترجمه ابن حجر في تهذيبه، ونقل عن سفيان في حقّه:

ما رأيت أورع في الحديث منه،وقال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكّوا في أنّ جابراً ثقة.

وقال سفيان أيضاً لشعبة: لاَن تكلَّمت في جابر الجعفي لاَتكلمنَّ فيك إلى غير ذلك.(2)

قال ابن حجر: أخرج الدار قطني والبيهقي حديث من صّلى صلاة ولم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه، وكأنّهذا الحديث هو مستند قول الشافعي انّ الصلاة على الآل من واجبات الصلاة، كالصلاة عليه ص لكنّه ضعيف، فمستنده الاَمر في الحديث المتفق عليه، قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، والاَمر للوجوب حقيقة على الاَصحّ.(3)

وقال الرازي: إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء


1 . سنن الدارقطني:1|355.

2 . تهذيب التهذيب:2|46.

3 . الصواعق المحرقة: 234، ط الثانية، عام 1385هـ.


(159)

خاتمة التشهد في الصلاة، وقوله : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد.

وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدل على أنّ حبّ آل محمّد واجب، وقال الشافعي:

يا راكباً قف بالمحصَّب من منى * واهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى * فيضاً كما نظم الـفرات الفائض

إن كان رفضـاً حـبُّ آل محمـّد * فليشهد الثقـلان أنّي رافضـي(1)

وقال النيسابوري في تفسيره عند قوله تعالى: (قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَوَدَّة فِي القُربى) كفى شرفاً لآل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كلّصلاة.(2)

وروى محب الدين الطبري في الذخائر عن جابر بن عبد اللّه الاَنصاري(رض) عنه انّه كان يقول: لو صلّيت صلاة لم أُصلِّ فيها على محمّد وعلى آل محمّد ما رأيت أنّها تقبل.(3)

وقال المحقّق الشيخ حسن بن عليّ السقاف: تجب الصلاة على آل النبي ص في التشهد الاَخير على الصحيح المختار، لاَنّ أقصر صيغة وردت عن سيدنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثبت فيها ذكر الصلاة على الآل، ولم ترد صيغة خالية منه في صيغ تعليم الصلاة، فقد تقدّم حديث سيدنا زيد بن خارجة، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:


1 . تفسير الفخر الرازي:27|166،تفسير سورة الشورى.

2 . تفسير النيسابوري: تفسير سورة الشورى.

3 . ذخائر العقبى:19، ذكر الحث على الصلاة عليهم.


(160)

«صلّوا عليّ واجتهدوا في الدعاء، وقولوا:اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد».(1)

بلاغ وإنذار

لقد تبين ممّا سبق كيفية الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و انّه لا يصّلى عليه إلاّ بضم الآل إليه، ومع ذلك نرى أنّه قد راجت الصلاة البتراء بين أهل السنَّة في كتبهم ورسائلهم، مع أنّ هذه البلاغات من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نصب أعينهم ولكنَّهم رفضوها عملاً واكتفوا بالصلاة عليه خاصة، حتى أنّ ابن حجر الهيتمي(899 ـ 974هـ) نقل كيفية الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن كتابه المطبوع مليء بالصلاة البتراء. وإليك نصّ ما قال: ويروى لا تصلوا عليّ الصلاة البتراء، قالوا: وما الصلاة البتراء، قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون، بل قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ولا ينافي ما تقرر حذف الآل في الصحيحين، قالوا: يا رسول اللّه : كيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذريّته، كما صليت على إبراهيم إلى آخره.

لاَنّ ذكر الآل ثبت في روايات أُخر، وبه يعلم أنّه ص قال: ذلك كلّه فحفظ بعض الرواة مالم يحفظه الآخر.(2)

وفي الختام نذكر ما ذكره الرازي، انّه قال: أهل بيته ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه و عليهم في التشهد، وفي السلام، والطهارة، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبّة.(3)


1 . صحيح صفة صلاة النبي: 214.

2 . الصواعق المحرقة:146، ط الثانية، عام 1385.

3 . الغدير: 2|303، ط طهران نقله عن تفسير الرزاي: 7|391 ولم نعثر عليه في الطبعتين.


(161)

من حقوق أهل البيت (عليهم السلام)

5
دفع الخمس إليهم

الاَصل في ضريبة الخمس، قوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا انّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَانّ للّه خُمُسهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربى وَاليَتامى وَالمَساكِين وَابْنِ السَّبيل إِنْكُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَّقَى الجَمْعانِ وَاللّهُ عَلى كُلِّ شيَْيءٍ قَدِير...).(1)

نزلت الآية يوم الفرقان ، يوم التقى الجمعان وهي غزوة بدر الكبرى، واختلف المفسرون في تفسير الموصول في «ما غنمتم»هل هو عام لكلّما يفوز به الاِنسان في حياته، كما عليه الشيعة الاِمامية، أو خاص بما يظفر به في الحرب، وهذا بحث مهم لا نحوم حوله، لاَنّه خارج عّما نحن بصدده، وقد أشبعنا الكلام فيه في كتابنا«الاعتصام بالكتاب والسنة» وأثبتنا بفضل القرآن والاَحاديث النبوية انّالخمس يتعلَّق بكلّ ما يفوز به الاِنسان في حياته، وانّ نزول الآية في مورد الغنائم الحربية لا يُخصص الحكم الكلي.(2)


1 . الاَنفال: 41.

2 . الاعتصام بالكتاب والسنَّة:91ـ 105.


(162)

إنّما الكلام في تبيين مواضع الخمس، وقد قسم الخمس في الآية إلى ستة أسهم، أعني: للّه و للرسول و لذي القربى واليتامى و المساكين وابن السبيل.

فالسهمان الاَولان واضحان، إنّما الكلام في السهم الثالث ومن بعده، فالمراد من ذي القربى هم أقرباء النبي وذلك بقرينة الرسول ص ، و قد سبق منّا القول في تفسير آية المودة :انّ تبيين المراد من القربى رهن القرائن الحافَّة بالآية فربما يراد منها أقرباء الناس، مثل قوله: (وَإِذا قُلتُمْ فاعْدِلُوا وَلَو كانَذا قُربى).(1)

المراد أقرباء المخاطبين، بقرينة قوله: (قلتم فاعدلوا) نظير قوله :(وإِذا حضر القسمة ذوي القربى) والمراد أقرباء الميت.

وعلى ضوء ذلك فإذا تقدَّم عليه لفظ « الرسول» يكون المراد منه أقرباء الرسول كما في الآية ( للرسول و لذي القربى)، و مثله قوله: (ما أفاءَ اللّهُ عَلى رسولهِ من أهلِ القُرى فللّهِ ولِلرَّسول وَ لِذِى القُربى وَ اليَتامى وَ المَساكِين وَ ابْن السَّبِيل) .(2) وقوله: فَآت ذَا القُرْبَى حَقّهُ والمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ).(3) فالمراد من ذي القربى هم أقرباء الرسول بقرينة توجَّه الخطاب إليه أعني «فآت».

ومنه يعلم المراد من المساكين في الآيتين وآية الخمس، أي مساكين ذي القربى وأيتامهم وأبناء سبيلهم.

هذا هو المفهوم من الآية، و على ما ذكرنا فكلّما يفوز به الاِنسان في مكسبه ومغنمه أو ما يفوز به في محاربة المشركين والكافرين، يُقسم خمسه بين ستة سهام كما عرفت.


1 . الاَنعام: 152.

2 . الحشر: 7.

3 . الروم: 38.


(163)

ويوَيده الروايات التالية:

1. روي عن ابن عباس : كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقسّم الخمس على ستة : للّه وللرسول سهمان وسهم لاَقاربه، حتى قبض.(1)

2. وروي عن أبي العالية الرياحي: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوَتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة فتكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثمّ يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة وهو سهم اللّه، ثم يقسَّم ما بقي ،على خمسة أسهم: فيكون سهم للرسول، وسهم لذي القربى ، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. قال: والذي جعله للكعبة فهو سهم اللّه.(2)

وأمّا تخصيص بعض سهام الخمس بذي القربى ومن جاء بعدهم من اليتامى والمساكين وابن السبيل، فلاَجل الروايات الدالة على أنّه لا تحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس.

أخرج الطبري عن مجاهد، انه قال: كان آل محمّد ص لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم الخمس(3)

و أخرج ايضاً عنه: قد علم اللّه أنّفي بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة(4).

كما تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ السهام الاَربعة من الخمس، لآل محمّد «(صلى الله عليه وآله وسلم).(5)


1 . تفسير النيسابوري: 10|4، المطبوع بهامش الطبري.

2 . تفسير الطبري: 10|4 ؛ أحكام القرآن:3|60.

3 . الظاهر زيادة لفظ «خمس» بقرينة ما نقله ثانياً عن مجاهد.

4 . تفسيرالطبري: 10|5.

5 . الوسائل: 6|الباب29 من أبواب المستحقّين للزَّكاة.


(164)

هذا ظاهر الآية ويا للاَسف لعب الاجتهاد دوراً كبيراً في تحويل الخمس عن أصحابه وظهرت أقوال لا توافق النص القرآني، وإليك مجملاً من آرائهم:

1. قالت الشافعية و الحنابلة: تقسم الغنيمة، وهي الخمس إلى خمسة أسهم: واحد منها سهم الرسول ويصرف على مصالح المسلمين، و واحد يعطى لذوي القربى وهم من انتسب إلى هاشم بالابوة من غير فرق بين الاَغنياء والفقراء، والثلاثة الباقية تنفق على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل سواء أكانوا من بني هاشم أو من غيرهم.

2. وقالت الحنفية: إنّسهم الرسول سقط بموته ، أمّا ذوو القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من الرسول.

3. وقالت المالكية : يرجع أمر الخمس إلى الاِمام يصرفه حسبما يراه من المصلحة.

4. وقالت الاِمامية: إنّ سهم اللّه وسهم الرسول وسهم ذوي القربى يفوِّض أمرها إلى الاِمام أو نائبه، يضعها في مصالح المسلمين، والاَسهم الثلاثة الباقية تعطى لاَيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ولا يشاركهم فيها غيرهم.(1)

5. وقال ابن قدامة في المغني بعد ما روى أنّأبا بكر وعمر قسَّما الخمس على ثلاثة أسهم: و هو قول أصحاب الرأي أبي حنيفة وجماعته، قالوا: يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وأسقطوا سهم رسول اللّه بموته وسهم قرابته أيضاً.

6. وقال مالك: الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال.

7. وقال الثوري: والخمس يضعه الاِمام حيث أراه اللّه عزّوجلّ.


1 . الفقه على المذاهب الخمسة: 188.


(165)

وما قاله أبو حنيفة مخالف لظاهر الآية فإنّ اللّه تعالى سمّى لرسوله وقرابته شيئاً وجعل لهما في الخمس حقاً، كما سمّى الثلاثة أصناف الباقية، فمن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب، و أمّا جعل أبي بكر وعمر سهم ذي القربى ، في سبيل اللّه، فقد ذُكر لاَحمد فسكت وحرك رأسه ولم يذهب إليه، و رأى أنّ قول ابن عباس و من وافقه أولى، لموافقته كتاب اللّه وسنة رسوله.(1)

وقد أجمع أهل القبلة كافة على أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يختص بسهم من الخمس ويخص أقاربه بسهم آخر منه، وأنّه لم يعهد بتغيير ذلك إلى أحد حتى دعاه اللّه إليه، واختار اللّه له الرفيق الاَعلى.

فلمّا ولى أبوبكر تأوّل الآية فأسقط سهم النبي وسهم ذي القربى بموت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و منع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم.

قال الزمخشري عن ابن عباس: الخمس على ستة أسهم : للّه ولرسوله سهمان، وسهم لاَقاربه، حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روي عن عمر و من بعده من الخلفاء، قال: وروي أنّ أبابكر منع بني هاشم الخمس.(2)

وقد ارسلت فاطمة «عليها السلام»، تسأله ميراثها من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مما أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه


1 . الشرح الكبير على هامش المغني: 10|493ـ 494.

2 . الكشاف: 2|126.


(166)

حتى توفيت، وعاشت بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يوَذن بها أبا بكر وصلّى عليها.(1)

وفي صحيح مسلم عن بريد بن هرمز، قال: كتب نجدة بن عامر (الحروري الخارجي) إلى ابن عباس، قال ابن هرمز: فشهدت ابن عباس حين قرأ الكتاب وحين كتب جوابه، وقال ابن عباس: واللّه لولا أن أرد عن نَتْن يقع فيه، ما كتبت إليه ولا نُعْمةَ عينٍ، قال: فكتب إليه إنّك سألت عن سهم ذي القربى الذي ذكرهم اللّه من هم ؟ وإنّا كنّا نرى أنّ قرابة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هم نحن فأبى ذلك علينا قومنا.(2)


1 . صحيح البخاري: 3|36 باب غزوة خيبر.

2 . صحيح مسلم: 2|105، كتاب الجهاد و 167 السير ، باب النساء الغازيات.


(167)

من حقوق أهل البيت (عليهم السلام)

6
الفيء لاَهل البيت (عليهم السلام)

الفيء عبارة عن الغنائم التي يحصل عليها المسلمون بلا خيل ولا ركاب، فإنّ هذه الاَموال تقع تحت تصرّف الرسولص باعتباره رئيساً للدولة الاِسلامية، وكان الفيء في حياة الرسول ص أمراً هاماً في تنمية الثروة في المجتمع الاِسلامي ولا سيما إنتقال الثروة من يد الاَغنياء إلى يد الفقراء.

والاَساس فيه قوله سبحانه: (وَما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍوَلكِنَّ اللّه يُسَلّطُ رُُُسُلهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير).(1)

(ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربى وَاليَتامى وَالمَساكِين وَابْن السَّبيلِ ِكَيْ لا يَكُونَ دَولَةً بَيْنَ الاََغْنياء مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ و َما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقاب).(2)

بَّين سبحانه أحكام الفيء، وقال: (وَما أفاءَ اللّه عَلى رَسُولهِ مِنْهُمْ) الضمير


1 . الحشر: 6.

2 . الحشر: 7.


(168)

يرجع إلى اليهود، ولكن الحكم سار على جميع الكفّار.

(فَما أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا مِنْ رِكاب) أي الفيء عبارة عن الاَموال التي استوليتم عليها بلا إيجاف خيل ولا إبل ولم تسيروا إليها على خيل ولا إبل.

هذا هو الفيء، وأمّا المواضع التي يصرف بها هذا الفيء فقد بيَّنها سبحانه في الآية الثانية ، وقال: (ما أَفاءَ اللّه عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل القُرى)، أي ما ردَّ ما كان للمشركين على المسلمين بتمليك اللّه إيّاهم ذلك، ( فللّه) و (للرَّسُول) و (لذي القُربى)، فهو للّه بالذات وللرسول و لذي القربى بتمليك اللّه إيّاه.

والمراد من ذي القربى بقرينة الرسول أهل بيت رسول اللّه وقرابته، و هم بنو هاشم.

(واليتامى والمساكين وابن السبيل) أي منهم، بقرينة الرسول، فيكون المعنى ويتامى أهل بيته ومساكينهم وأهل السبيل منهم.

وعلى ذلك فالفيء يقسم على ستة أسهم:

1. سهم للّه المالك لكلّشيء غير محتاج لشيء، جعل نفسه قريناً لسائر الاسم تكريماً السهام.

2. سهم الرسول و هو يوَمن بذلك حاجاته وحاجة الدولة الاِسلامية.

3. سهم ذوي القربى أي أقرباء الرسول، فبما أنّ الصدقة تحرم عليهم حلّ ذلك محلّه.

4. سهم اليتامى.

5. سهم المساكين.

6. سهم أبناء السبيل.


(169)

وبكلمة جامعة:

«الغنيمة» ـ كلّما أُخذ من دار الحرب بالسيف عنوة مما يمكن نقله إلى دار الاِسلام، ومالا يمكن نقله إلى دار الاِسلام ـ لجميع المسلمين ينظر فيه الاِمام، و يصرف انتفاعه إلى بيت المال لمصالح المسلمين.

«الفيء» ـ كلّما أخذ من الكفّار بغير قتال أو انجلاء أهلها ـ للنبي، يضعه في المذكورين في هذه الآية، ولمن قام مقامه من الاَئمّة وقد بيّنه سبحانه في ضمن الآيتين.(1)


1 . التبيان:9|564.


(170)

من حقوق اهل البيت (عليهم السلام)

7
الاَنفال لاَهل البيت (عليهم السلام)

وردت لفظة «الاَنفال» في القرآن مرتين في آية واحدة، قال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاََنْفالِ قُلِ الاََنْفالُ للّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّه وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطيعُوا اللّهَوَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُوَْمِنين).(1)

أقول: إنَّ الضرائب الواردة في القرآن الكريم لا تتجاوز الاَربع:

أ: الزكاة ومقسمها ثمانية.

ب: الخمس ومقسمه هو الستة.

ج: الفيء ومقسمه مقسم الخمس كما عرفت.

د: الاَنفال ومقسمها اثنان، وهما ما ذكر في الآية من قوله :(للّهِ والرَّسُول)، لكن الكلام في بيان المراد من الاَنفال.

اختلف المفسّرون في تفسير الاَنفال اختلافاً كثيراً، والذي يمكن أن يقال انّالاَنفال من النفل و هو الزائد من الاَموال، فيشمل كلّ زائد عن حاجات الحياة،


1 . الاَنفال: 1.


(171)

و لكن السنة المروية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فسرته بالنحوالتالي:

1. روى حفص البختري عن الاِمام الصادق (عليه السلام) قال: «الاَنفال مالم يوجف عليه بخيل أو ركاب، أوقوم صالحوا، أو قوم أُعطوا بأيديهم، وكلّ أرض خربة، وبطون الاَودية، فهو لرسول اللّه، وهو للاِمام بعده يضعه حيث يشاء».(1)

2. وروى حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن الاِمام الكاظم «عليه السلام» في حديث: «والاَنفال كلّأرض خربة باد أهلها، وكلّأرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحاً وأعطوا بأيديهم على غير قتال، وله روَوس الجبال وبطون الاَودية والآجام وكلّ أرض ميتة لا ربّ لها، وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لاَنّ الغصب كلّه مردود، و هو وارث من لا وارث له، يعول من لا حيلة له».(2)

3. موثقة إسحاق بن عمّار المروية في تفسير القمي قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن الاَنفال، فقال (عليه السلام) :« هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها، فهي للّه وللرسول ص، و ما كان للملوك فهو للاِمام ، و ما كان من الاَرض الخربة لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكلّأرض لا ربّلها، والمعادن منها، من مات و ليس له مولى فماله من الاَنفال».(3)

إلى غير ذلك من الروايات.

وعلى الرواية الاَُولى يكون الفيء من أقسام الاَنفال، ولم نجد في تفاسير أهل السنة من يوافق الشيعة الاِمامية في تفسير الاَنفال إلاّ شيئاً قليلاً، فقد عقد أبو


1 . وعلى هذا يكون الفيء قسماً من الاَنفال.

2 . وسائل الشيعة: 6، الباب الاَوّل من أبواب الاَنفال، الحديث 1، 4، 20.

3 . وسائل الشيعة: 6، الباب الاَوّل من أبواب الاَنفال، الحديث 1، 4، 20.


(172)

إسحاق الشيرازي باباً للاَنفال وفسرها بقوله: يجوز لاَمير الجيش أن ينفل لمن فعل فعلاً يفضي إلى الظفر بالعدو ، كالتجسيس ، والدلالة على طريق أو قلعة، أو التقدم بالدخول إلى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد خروج الجيش منها.(1)


1 . المهذب في فقه الاِمام الشافعي: 2|243.


(173)

من حقوق أهل البيت (عليهم السلام)

8
ترفيع بيوتهم

لقد أذن اللّه تعالى في ترفيع البيوت التي يذكر فيها اسمه ويسبِّح له بالغدوِّ والآصال في آية مباركة، وقال:(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ وَالآصال* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَاقام الصَّلاة وإيتاءِالزَّكاة يَخافُونَ يَوماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالاََبْصار).(1)

وتفسير الآية رهن دراسة أمرين:

الاَوّل: ما هو المقصود من البيوت؟

الثاني: ما هو المراد من الرفع؟

أمّا الاَوّل فربما قيل انّالمراد من البيوت هو المساجد.

قال صاحب الكشّاف: (في بيوت) يتعلّق بما قبله، مثل نوره كمشكاة في بعض بيوت اللّه، وهي المساجد.(2)

ولكن الظاهر أنّ التفسير غير صحيح، لاَنّ البيت هو البناء الذي يتشكَّل من


1 . النور: 36 ـ 37.

2 . الكشاف:2|389.


(174)

جدران أربعة وعليها سقف قائم، فالكعبة بيت اللّه لاَجل كونها ذات قوائم أربعة وعليها سقف، والقرآن يعزّ عن اليت بالمكان المسقَّف، ويقول:(وَلَولا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سَقْفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمعارِج عَلَيْها يَظهَرُون).(1)

فالمستفاد من الآية أنّ البيت لا ينفك عن السقف، هذا من جانب.ومن جانب آخر: لا يشترط في المساجد وجود السقف، هذا هو المسجد الحرام تراه مكشوفاً تحت السماء ودون سقف يظلّله.

وقد ورد لفظ البيوت في القرآن الكريم (36 مرّة )بصور مختلفة، واستعمل في غير المسجد، يقول سبحانه: (طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفينَ وَالعاكِفينَ وَالرُّكَّعِالسُّجُود).(2).(وَاذْكُرُن ما يُتلى في بُيوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّه وَالحِكْمَة).(3)

إلى غير ذلك من الآيات، فكيف يمكن تفسيره بالمساجد؟

وبما أنّ جميع المساجد ليس على هذا الوصف، التجأ صاحب الكشاف بإقحام كلمة«بعض»، وقال: في بعض بيوت اللّه وهي المساجد، وهو كما ترى، وهناك حوار دار بين قتادة فقيه البصرة وأبي جعفر الباقر (عليه السلام) يوَيد ما ذكرنا .

حضر قتادة في مجلس الاِمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) فقال له الاِمام: من أنت؟

قال: أنا قتادة بن دعامة البصري.

فقال أبو جعفر: أنت فقيه أهل البصرة؟

فقال : نعم. قال قتادة: أصلحك اللّه، ولقد جلستُ بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم، ما اضطرب قدامك!


1 . الزخرف: 33.

2 . البقرة: 125.

3 . الاَحزاب: 34.


(175)

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : ما تدري أين أنت؟ أنت بين يدي ( بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ وَالآصال* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وإقام الصَّلاة وإيتاءِالزَّكاة) ونحن أُولئك.

فقال له قتادة: صدقت، واللّه جعلني فداك، واللّه ماهي بيوت حجارة ولا طين.(1)

و يوَيّد ما رواه الصدوق في الخصال عن النبيّص: ان اللّه اختار في البيوتات أربعة ثم قرأ هذه الآية: (إنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً و آلَ إِبْراهِيمَ و آلَ عِمْرانَ لِلْعالَمِينَ ذُرِّيَةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ).(2)(3)

وعلى هذا الحوار فالمراد من البيت، بيت الوحي وبيت النبوَّة، ومن يعيش في هذه البيوت من رجال لهم الاَوصاف المذكورة في الآية الكريمة.

هذا كلّه حول الاَمر الاَوّل،.

وأمّا الاَمر الثاني، أعني ما هو المراد من الرفع؟ فيحتمل وجهين:

الاَوّل: أن يكون المراد الرفع المادي الظاهري الذي يتحقق بإرساء القواعد وإقامة الجدار والبناء، كما قال سبحانه:(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهيمُ الْقَواعِد مِنْ البَيْت وَإِسماعيل).(4)و على هذا تدل الآية على جواز تشييد بيوت الاَنبياء والاَولياء وتعميرها في حياتهم بعد مماتهم.

الثاني: أن يكون المراد الرفع المعنوي والعظمة المعنوية، وعلى هذا تدل الآية بتكريم تلك البيوت وتبجيلها وصيانتها وتطهيرها مما لا يليق بشأنها.


1 . البرهان في تفسير القرآن:3|138.

2 . آل عمران: 33 ـ 34 .

3 . الخصال: 1 | 107 .

4 . البقرة: 127 .


(176)

قال الرازي: المراد من رفعها، بنائها لقوله تعالى: (رَفَعَ سَمْكَها وفَسَوّاها)(1) و ثانيها ترفع) اي تعظم.(2)

هذا كلّه حسب ما تدل عليه الآية، وأمّا بالنظر إلى الروايات فنذكر منها ما يلي:

1. روى الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك و بريدة، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ قوله تعالى: (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْترفَع) فقام إليه رجل وقال: أيّ بيوت هذه يا رسول اللّه؟

فقال ص: بيوت الاَنبياء.

فقام إليه أبو بكر وقال: يا رسول اللّه، وهذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت علي و فاطمة (عليهما السلام) .

فقال النبيص: نعم من أفاضلها.(3)

2. روى ابن شهراشوب عن تفسير مجاهد و أبي يوسف، يعقوب بن سفين، قال ابن عباس في قوله تعالى: (وَإِذا رَأَوا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً) : إنّدحية الكلبي جاء يوم الجمعة من الشام بالميرة، فنزل عند احجار الزيت، ثمّضرب بالطبول ليوَذن الناس بقدومه، فمضوا الناس إليه إلاّعلي والحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام) وسلمان وأبو ذر والمقداد وصهيب، وتركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائماً يخطب على المنبر، فقال النبيص: قد نظر اللّه يوم الجمعة إلى مسجدي فلولا هوَلاء الثمانية الذين جلسوا في مسجدي لاَضرمت


1 . النازعات: 28 .

2 . تفسيرالفخرالرازي:24|3.

3 . تفسير الدر المنثور:5|50.


(177)

المدينة على أهلها ناراً، وحُصُّبوا بالحجارة كقوم لوط، ونزل فيهم رجال لا تلهيهم تجارة .(1)

وقد وصف الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) هوَلاء الرجال الذين يسبِّحون في تلك البيوت؛ عند تلاوته: (رِجالٌ لا تُلهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِاللّه) : وإنّ للذكر لاَهلاً أخذوه من الدُّنيا بدلاًً، فلم يشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم اللّه في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه فكأنَّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنّما اطَّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الاِقامة فيه، وحقَّقت القيامة عليهم عِداتهُا، فكشفوا غطاء ذلك لاَهل الدنيا، حتى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون.(2)


1 . البرهان في تفسير القرآن : 3 / 139 .

2 . نهج البلاغة: الخطبة 222 .


(178)

خاتمة المطاف

أهل البيت في كلام الاِمام علي (عليه السلام)

إلى هنا تمّ ما أردنا استعراضه من سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم، ولو حاول الباحث أن يستعرض أوصافهم وخصوصيّاتهم الواردة في الاَحاديث النبوية لاحتاج إلى تأليف مفرد، و بما انّمحور بحوثنا هو القرآن الكريم اقتصرناعلى ذلك، وهذا لا يمنعنا أن نذكر ما روي عن علي (عليه السلام) في ذلك المجال:

1. يقول في حقّهم: «...فَإنّهم عيش العلم،وموت الجهل ، هم الذين يُخبركم حُكمُهم عن علمهم، وصَمتُهم عن منطقهم، وظاهرهُم عن باطنهم، لا يخالفون الدين، ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهدُ صادق، وصامت ناطق».(1)

2. وفي خطبة أُخرى: «لا يقاس بآل محمّد ص من هذه الاَُمّة أحد، ولا يُسوَّى بهم مَن جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساسُ الدين،وعمادُ اليقين، إليهم يفيءُ الغالي، وبهم يُلحق التالي، ولهم خصائص حقِّ الولاية، وفيهم الوصيةوالوراثة ، الآن إذا رجع الحقّ إلى أهله، ونُقل إلى منتقله».(2)


1 . نهج البلاغة: الخطبة 147.

2 . نهج البلاغة: الخطبة 2.


(179)

3. وقال (عليه السلام) : «نحنُ الشعار والاَصحاب، والخزنة والاَبواب، ولا توَتى البيوتُ إلاّ من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سُمّي سارقاً».

فيهم كرائمُ القرآن، وهم كنوز الرحمن، إن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا.(1)

4. وقال (عليه السلام) :« ألا إنّ مثل آل محمّدٍ ص ، كَمَثَلِ نجوم السَّماء: إذا خوى نجم، طَلَعَ نَجم، فكأنّكم قد تكاملت من اللّه فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون».(2)

5.وقال (عليه السلام) : «ألا و إنّ لكلِّ دمٍ ثائراً، ولكلِّ حقٍّ طالباً و إنَّ الثّائِرَ في دمائِنا كالحاكِمِ في حقِّ نفسِهِ ، وهُوَ اللّهُ الذي لا يُعجِزُهُ من طَلَبَ، ولا يفُوتُهُ من هرب».(3)

6. وقال (عليه السلام) : «أيّهاالناس، خذوها عن خاتم النبيّين (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّه يموت من ماتَ منّا وليس بميِّت، ويبلى من بَلي منَّا وليس ببال»، فلا تقولوا بما لا تعرِفُون، فإنّ أكثرَ الحقِّ فيما تُنكِرون، واعذِروا من لا حُجّة لكم عليه ـ و هو أنّا ـ ألم أعمل فيكم بالثَّقل الاَكبر، وأترُك فيكم الثَّقل الاَصغر، قد ركْزتُ فيكُمْ راية الاِيمانِ، ووقفتُكُم على حُدودِ الحلالِ والحرام، وألبستُكُمُ العافيةَ من عدلي، وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي،وأريتُكُم كرائمَ الاَخلاقِ من نفسي، فلا تستعملوا الرأيَ فيما لا يُدْرِكُ قعرَهُ البصرُ، ولا تتغلغل إليهِ الفِكر»ُ.(4)

إلى غير ذلك الكلمات الناصعة في خطبه ورسائله وقصار كلمه مما نقله


1 . نهج البلاغة: الخطبة154.

2 . نهج البلاغة: الخطبة100.

3 . نهج البلاغة: الخطبة105.

4 . نهج البلاغة: الخطبة87.


(180)

الرضي في «نهج البلاغة» وغيره في الكتب الحديثية والتاريخية، ولنقتصر على ذلك فانّ الاِفاضة في القول في هذا المضمار يوجب الاِطالة.

* * *

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني
قم ـ موَسسه الاِمام الصادق (عليه السلام)
في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق لـ 12 من شهر رمضان المبارك
من شهور عام 1420 هـ

Website Security Test