welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات)*
نویسنده :الشيخ حسن محمد مكي العاملي*

نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات)

              محاضرات

الأُستاذ الشيخ جعفر السبحاني

المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات

نظرية المعرفة

بقلم

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


(2)

هوية الكتاب

منشورات المركز العالمي للدراسات الإسلامية

قم ـ إيران

اسم الكتاب:    نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات)

المحاضر:   الاستاذ آية الله الشيخ جعفر السبحاني

بقلم:    الشيخ حسن محمّد مكي العاملي

الناشر:   المركز العالمي للدراسات الإسلامية

الطبعة:   الأُولى

المطبعة:   مطبعة القدس

تاريخ الطبع:   1411 هـ . ق

الكمية:   3000

حقوق الطبع محفوظة للناشر


(3)

تصدير

«نظرية المعرفة»، علم يبحث عن حقيقة المعرفة الإنسانية وقيمتها وأدواتها، وما يرتبط بتلك من العوارض كمراحل المعرفة وحدودها وموانعها وغير ذلك، وهو من العلوم التي عكف عليها الغربيون في القرون الأخيرة، واضفوا عليه صبغة علم مستقل.

وقد بحث عنها الفلاسفة الإسلاميون في مختلف فصول علمي المنطق والفلسفة، ولكنهم لم يفردوها بالبحث المستقل. ولذا فقد طلب مني عدّة من أفاضل الجامعة الإسلامية، قديماً وحديثاً، أن أُقدّم لهم محاضرات تشتمل على أكثر مسائلها، مع التركيز على ما هو المحقَّق في الفلسفة الإسلامية ، والتطرق إلى آراء الغربيين فيها، فكانت تلك المحاضرات، ثم كانت ثمرتها هذا الكتاب الماثل بين يديك، وهو نتيجة جهود ولدنا الفاضل المحقق العلامة الشيخ حسن محمد مكي العاملي ـ أدام الله توفيقه - وهو ممن يشار إليه بالأنامل، بين الأماثل والأفاضل.

وقد بذل - أيّده الله تعالى - مساعيه وجهوده في ضبط بحوث هذا العلم، وترصيف فصوله، والرجوع إلى المصادر التي نقلت عنها، وقد أبدع في كل ذلك وأجاد، ببيان فائق خال عن الإيجاز المخل، والإطناب المملّ، وبعين الله، فلقد أتحف المكتبة العربية والإسلامية بهذا الأثر، وسدّ الفراغ الهائل الذي كانت تعانيه


(4)

في هذا المجال. فأسأله سبحانه أن يرفعه في سماء الكمال، بجناحي المعرفة والعمل، ويبلغ به المدارج العالية، إنّه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

جعفر السبحاني      
25 شهر رمضان المبارك
1410 هـ ق .     


(5)

كلمة المؤلف

الحمد الله المتفّرد في كماله، والمتعالي في جلاله، والمتجلي ببهائه وجماله، الذي أغرق الكائنات بفيض نعمه، وكفى بوجودها بعد عدم نعمةً وكرامةً. ثم خصّ منها الإنسان بوافر عطائه، (وَلَقَدْ كَرَّمْنابني آدَمَ)(1)، حتى عادت ألطف الموجودات له خاضعة، (وإذْ قُلْنا للملائكةِ اسجُدوا لآدم فَسَجَدوا)(2).

ولم يكن امتياز الإنسان عن سائر الكائنات إلاّ بعلمه ومعرفته، (الذي عَلَّمّ بالقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسانَ مالَمْ يَعْلَمْ)(3)، وإنّما سجدت له الملائكة لذلك، (وعلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها)(4).

وكرامة العالم والمعرفة التي بها كمال الإنسان وشرافته، إنّما هي ثمرة جهود الأدوات التي جهّزه خالقه بها في ظاهره وباطنه، (والله أخرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمونَ شَيْئاً، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبصَارَ والأفْئِدَةَ)(5): الحسّ


1 . سورة الإسراء: الآية 70 .
2 . سورة البقرة: الآية 34 والإسراء: 61. الكهف: 5. طه: 116 .
3 . سورة العلق: الآيتان 4 و 5 .
4 . سورة البقرة: الآية 31 .
5 . سورة النحل: الآية 78 .


(6)

والعقل، وما يتركب منهما. وبها يكتسب ما لا يعلمه إطلاقاً، أو يُخرج إلى الفعلية ما يعلمه بالقوة من الإدراكات الفطرية الأولية. وانكار واحدة من تلك الأدوات، نتيجته شلُّ الفكر الإنساني عن إدراك ما يحيط به من كون ووجود، غائب ومشهود. كما أنَّ إثباتها مع إنكار كاشفيتها أو القول بنسبيتها أو الشك فيها، نتيجته تخطئة المعارف والعلوم البشرية، وسلب الإنسان ذلك الكمال.

وفي هاتين المرتبتين زلّت أقدام الكثيرين، فأنكرت جماعة أداة العقل كلية، وحصرها آخرون في بعض المدركات الفطرية. وأنكر قوم كاشفية أدوات المعرفة، وقال بعض بنسبيتها، وشك آخرون في مطابقة معطياتها للواقع. وقد كانت هذه وخزات، لا بل طعنات في صميم قلب المعرفة البشرية، فأسدل الكثيرون الستار على الغيب، وحجزوا مواهب الإنسان بين جدران ضيّقة، فابتعدوا عن الحق جلّ شأنه، وسقطو بالتالي في الهاوية، (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)(1).

فما أحوج كلّ عالِم إلى التحقيق في قيمة المعرفة وأدواتها، ليدرك حدودها، ويَعِيَ أُطُرَها، فلا يحجز نفسه عن علم وكمال، ولا يسوقها إلى مهلكة وضياع .

وبين هذه وتلك، مسائل على جانب كبير من الأهمية، تَصُبّ بأجمعها ضمن المحيط المرسوم أعلاه. ولئلا نُجْمِل ونبهم، نُلمع إلى بعض منها:

فبعد أن نذعن بأنّا ندرك حقائق وقضايا ما، كيف يمكننا أن نحكم بصدقها وخطئها؟ وبعبارة ثانية: ماهو الملاك الذي يكون به الشيء حقاً أو باطلاً؟.

وبعد أن نعرف ذلك الملاك، كيف نعرف بأنّ هذه القضية العلمية أو الفلسفية المطروحة أمامنا، متصفة به؟ وما هي الوسيلة التي بها نستكشف وجود ملاك الحقيقة أو الوهم في قضية من القضايا؟.

وفي البابين آراء وأنظار، وللغربيّين زلاّت وشطحات:

ففي الباب الأول :جعل بعضهم الحقيقة والبطلان دائرين مدار قبول المجتمع له ورفضه،ويلاحظ ذلك لدى الفيلسوف الفرنسي «أوغست كونت » (2)


1 . سورة الحشر: الآية 59 .
2 . Auguste Comte، (1798 ـ 1857 م) .


(7)

في فلسفته الوضعية(1). وجعلهما آخرون دائرين مدار النفع والضرر، كما هو ملاحظ لدى الفيلسوف الأميركي «ويليام جيمس»(2)في فلسفته البراجماتية(3) وأخضعتهما النسبية الفلسفية(4) وأصحابها للظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالمدرك وللجهاز العصبي المسيطر على المدارك. وفي مقابل ذلك كلّه، جعل الفلاسفة الإسلاميون لكل قضية واقعاً، تصدق إذا طابقته، وتبطل إذا خالفته. وفي الباب الثاني يرى الإسلاميون أن المعارف البديهية هي الحجر الأساس لتشخيص وجود ملاك الحقيقة والوهم في كل قضية، وتعيين المعرفة الصحيحة من الزائفة، بينما يري «بيكون»(5) في فلسفته الحسّية(6) أنّ التجربة هي المعيار. وبديهي - حينئذ - أنّ كل ما لا يمكن تجربته، لا يمكن معرفة صدقه أو بطلانه!.

وجعلت الماركسية(7) ومَنْ تأثّربها، الغلبة علامة الحق وآيته، والهزيمة ملاك الباطل وعَلَمه.

وبعد هذا كلّه، ألاترى لكل راغب في ولوج ديارالعلوم والمعرفة، ضرورة طرق هذه الأبواب، وحلّ هذه المسائل، وتأسيس رأي قاطع فيها، واتّخاذ موضع حاسم من الآراء الأُخرى المطروحة فيها؟.

هذا ما أخذناه على عاتقنا في هذا الكتاب إذ قمنا بتدوين مباحث حضرة الأُستاذ الكبير، علاّمة الفلسفة والكلام والإلهيات، والتفسير والفقه وعلومه، الشيخ الجليل جعفر السبحاني التبريزي وهو أشهر من أن أعرِّفه، وآثاره تمخر شرق العالم وغربه. ولقد سعيت قدر المستطاع إلى صياغة المعاني بعبارات تقرّبها إلى الأفهام،


1 . Positivism.
2 . William James، (1842 ـ 1915 م).
3 . Pragmatism.
4 . Relativism .
5 . Francis Bacom، (1561 ـ 1626 م).
6 . Sensualism .
7 . Marxism .


(8)

وتُسهّل إدراكها، لأنّ المطلوب أولاً وأخيراً هوالنفع والبيان لا الإلغاز والإ بهام .

وأشرت إلى مصادره، وبينت أعلامه ومذاهبه، وعلقت عليه بما يسعه ظرف الكتاب .ولم تمض مسألة من مسائل هذا الكتاب إلاّ وقد ناقشت حضرة الأستاذ أو استوضحته فيها، حتى خرج لك في هذا الثوب المتقن المر صّع المتناسق.

فأسأل الله سبحانه خلوص النية في أعمالي، (وَ لَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)(1)، وأن يتقبل هذا المجهود بأحسن قبوله، ويعمّ به النفع في محافل العلم والمعرفة، ويطيل عمر سماحة الأُستاذ ليبقى نوراً يُشع الضياء على دروب المهتدين، بنبيّه محمد وآله الطاهرين، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.

حسن مكي العاملي            
الجمعة، السابع من شهر ذي القعدة الحرام
1410 للهجرة                


1 . سورة الحج: الآية 37 .


(9)

المقدمة
نظرية المعرفة والمعارف البشرية


(10)


(11)

مقدّمة

نظرية المعرفة والمعارف البشرية

«نظرية المعرفة»(1) علمٌ حديث أُسِّس في الغرب منذ ثلاثة قرون، واهتم به الفلاسفة الغربيون اهتماهاً بالغاً، حتى خصّ البعض منهم فلسفته بتبيين ما يرجع إلى المعرفة وأدواتها. (2)

والغاية المطلوبة من هذا العلم هي الوقوف على حقيقة المعرفة وأدواتها وحدودها.

ونظرية المعرفة، وإن لم تُطرح في الفلسفة الإسلامية بصورة مستقلة، غير أن إمعان النظر في مختلف أبواب الفلسفة الإسلامية وفصولها، يوقف الباحث على أنهم طرحوا مسائلها متفرقة مبثوثة فيها، ولم ينظروا إليها كعلم مستقّل، وسيظهر


1 . إنّ تعبيرنا بـ «المعرفة» في هذا الكتاب، لا يراد منه ما هو الرائج عند الفلاسفة، فإنّ المعرفة عندهم ـ تبعاً للغة ـ تطلق على إدراك الجزئيات، فيقال: «عرفت زيداً»، و «عرفت الله»، ولا يقال: «عرفت الإنسان». بل المراد هنا ما يرادف «العلم»، الّذي يتعلق بالجزئيّ والكلي على حدّ سواء. ولعلّ استخدامهم لفظ «المعرفة» في مباحث هذا العلم، إنّما كان متابعة للأوروبيين، حيث يستعملون لفظة: «إپستمولوجيا» (Epistemology) المرادف لـ «مبحث المعرفة». ولذلك ربما استعملنا نحن في بعض المواضع لفظة «العلم» بدل «المعرفة»، لاقتضاء المناسبة، ولا ضَيّر في ذلك، كما عرفت .
2 . نظير الفيلسوف الألماني «كانت» (Kant) (1724 ـ 1804 م)، فإنّ معظم فلسفته كانت تتلخص في هذا المجال .


(12)

لك ذلك من مباحث هذا الكتاب، فتقف في كل فصل على آراء ونصوص من الإسلامين في مواضيعه المختلفة. وهذا يدلّ على أنّهم لم يكونوا غافلين عن الأهمية البالغة والأساسية لـ «أبحاث المعرفة»، في بناء صرح المعارف البشرية.

وقبل الخوض في المقصود، وتقليب فصول النظرية، لا بدّ من الإشارة ـ ولو إجمالاًـ إلى العلاقة القوية، والصلة الوثيقة القائمة بين أبحاث نظرية المعرفة ومجمل المعارف البشرية، فنقول :

إنّ من البواعث الحافزة على البحث في نظرية المعرفة، أنّ تقييم جميع المناهج الفلسفية والعلمية يتوقف على المنحى والاتجاه المتخذ في هذا العلم. فمالم يتخذ العاِلم رأياً حاسماً في المسائل المطروحة في العلم، لا يصح له الإذعان بأيِّ قانون فلسفي أو علمي.

توضيح ذلك: لاشك في أنّ هناك مناهج فلسفية مختلفة، لكلٍّ منها نظرية كونية خاصة، ولها أُصول وقواعد. كما أنّ هناك علوماً تكوينية مدوّنة، يبحث كل منها عن جانب وناحية من الكون، كعلم الفلك، وعلم الحيوان، وعلم النبات، وعلم الفيزياء، وعلم الكيمياء، وغير ذلك من أبواب العلوم التي أسسها البشر بجهود متوالية عبر القرون. وكلّ هذه المعارف تتصدر بالمعرفة بها، فيقال معرفة الكون والوجود، معرفة الأفلاك، معرفة الحيوان، معرفة النبات... الخ. فلا بد قبل الخوض في أي مجال فلسفي أو علمي من الوقوف على واقعية المعرفة الإنسانية، ورفع الستار عن حقيقتها وبيان حدودها،وطرق الوصول إليها، وإلاّ فلن يعود شيء من تلك المناهج والعلوم بثمرة. مثلاً:

1ـ إنّ من المباحث الدارجة في نظرية المعرفة، البحث عن واقعية ما يريه الذهن، وأنّه هل هناك وراء الذهن والصور الموجودة فيه عالم فسيح تحكي عنه تلك الصور، أوأنّ دائرة الوجود منحصرة بالذهن والذهنيات وليس وراءها شيء؟ فالواقعيون على الأول، والمثاليون على الثاني، على اختلاف الفريقين في مراتب الإثبات والإنكار.


(13)

فمالم تُحَقَّق هذه المسألة، ويتكوّن فيها رأي قاطع، لن تكون المناهج الفلسفية أولاً، ولا العلوم ثانياً،منتجةً ولامثمرة.

2ـ إنّ من المسائل المهمة في هذا العلم تقييم ما يريه الذهن بصُوَرِه وإدراكاته. فَبَعْدَ الإذعان بأنَّ هناك عالماً واقعياً وراء الذهن، والإنسان جزء منه، يقع الكلام في مدى صحة مايعكسه الذهن عن ذلك العالم، وأنّ الإدراكات الذهنية هل هي مطابقة للواقع مطابقة تامة، أو أنّ ما يدركه الذهن شبح وطيفُ من الحقيقة، وليس هو نسخة مطابقة للأصل، بل هناك فروق ماهوية بين العلوم الذهنية والكونيات الخارجية؟

ولا شك أنّه ما لم يثبت إمكان صلة الإنسان بالواقع الخارجي، ومالم يتقررمدى إراءة الذهن وصوره للواقع الخارجي، فلن يقدر الإنسان على اتّخاذ أي رأي في مجال المعارف الكلّية الفلسفية أولاً، والكونية الطبيعية ثانياً.

ومُجْمَل القول: إنّ المعارف الكليّة والعلمية التي تحتل مكانة عالية عند البشر، سواءٌ أقلنا إنّ للعلم شرافة ذاتية بها ترتفع قيمة الإنسان كما بالجهل تنخفض، أم قلنا إنّ شرافة العلوم وقيمتها نا شئة من إعانتها الإنسان في رفاه حياته المادية ـ على كل تقديرـ إن تلك المعارف والعلوم ومجمل الأفكارالبشرية، لايقام لهاوزن ولا اعتبارمالم تعلم قيمة نفس المعرفة بأبعادها المختلفة، وبالدرجة الأولى اتّخاذ موقف حاسم فيها يرجع إلى وجود عالم واقعي وراء الذهن أولا، ثم على فرض وجوده، بيان مدى قدرة الذهن وأدواته التي تجهّز بها،على كشف ما وراءها، هل تكشفه كشفاً تاماً، أوأنّهالاتكشف إلاّ عن صورة ناقصة له؟

3- إنّ أدوات المعرفة العادية تتلخص في: العقل والحسّ. وهما وسيلتا اتّصال الإنسان بخارجه. وما يقف عليه الإنسان من المعارف والعلوم إنّما يقف عليه من طريقهما. فلزم لذلك معرفة تلك الأدوات والقوانين السائدة عليها معرفة تامّة، إذ بدون ذلك لا يمكن أن نستنتج بواسطتها معارف كلّية أو علوماً كونية. إنّ مَثَلَ الذهن ـ الذي هو - بأدواته ـ الآلة الوحيدة للإدراك، وكيفية عمله، مَثَلُ آلة التصوير الّتي هي الآلة الوحيدة للمصور، فكما أنّ المصوَّر الماهر إِنّما يقدر على التصوير المتقن المُعْرِب عن الواقع، إذا كان عالماً بنظرية آلة


(14)

التصوير وكيفية تركيبها وصنعها وإعمالها والتحكم فيها، وبدون ذلك يختل عمل التصوير، ويفشل بالتالي في إخراج صور مطابقة للواقع، فكذلك الحكيم والعالم الباحثان عن الحقائق، يلزمهما التعرّف على الذهن، وأدواته، وقدرة عمله، وسائر خصو صياته.

فإذا كنّا نرى أنّ الباحثين في الفلسفة منقسمين إلى طائفتين: إلهية ترى نطاق الوجود أوسع من المادة، ومادية تنظر إلى عالم الوجود بمنظار ضيق، فتحصره في المادة والطاقة، فما هذا إلاّ لاختلافهم في أدوات المعرفة. فمن يرى أنّ كلاًمن العقل والحسّ أداة للمعرفة، يقول بالطبيعة وما وراءها، ومن يلغي العقل ويحصر أداة المعرفة في الحسّ، يجنح إلى المادة وينكر ما وراء ها.

إنّ هذه الوجوه، وغيرها مماستقف عليه في ثنايا الكتاب، تُظْهر المكانة المرموقة التي تحتلها «نظرية المعرفة» بين العلوم البشرية، وأنّها أساس كل معرفة ونظرية يتبناها الإنسان، سواء أكان إلهياً أم مادياً، وفيلسوفاً أم عالماً طبيعياً، فلما لم يتخذ الباحث موقفاً حاسماً في مسائل نظرية المعرفة، لن يمكنه الإذعان بشيء من سائر المعارف، فكأنّ نظريةَ المعرفة، أبجدُ العلوم وألف باؤها، فهي الحجر الأساس لكل رأي ونظر يتبناه العالم في كل من مجالَيْ الفلسفة والعلم الطبيعي.

***


(15)

الفصل الأوّل
تعريف المعرفة


(16)

(17)

الفصل الأول

تعريف «المعرفة»(1)

هل «العلم» بحاجة إلى تعريف؟

الهدف من كل تعريف، رفع الإبهام في المعرَّف، وهو يتحقق بصور مختلفة:

فتارة بوضع مفهوم واضح مكان آخر مبهم، كما إذا سُئلنا عن حقيقة اليور انيوم، فنقول: إنّه أحد العناصر المشعّة.

وأُخرى ببيان آثاره وخواصه، كما لو سئلنا عن الياسمين، فنقول: إنّه زهر ذو عطر.

وثالثة ببيان العناصر التي تكوّن الشيء وتؤلفه، كما في تعريف الماء بأنّه: المركب من عنصرين: الأوكسجين والهيدروجين. أو الملح بأنّه المركب من: الكلور والصوديوم.

ورابعة ببيان ماهية الشيء. كما تقول: الإنسان حيوان ناطق.

فعلى كل تقدير، أنّ الهدف من التعريف هورفع الإبهام. ومنه يعلم أنّه متى لم يكن حول الشيء إبهام أو إجمال، فهو غني عن التعريف. ولعلّ المعرفة


1 . تقدّم أنّ المراد من المعرفة، المعرفة بالمعنى الأعم، وهو ما يرادف العلم.


(18)

والعلم من هذا القبيل، لأنّها من الأُمور التي يعايشها الإنسان في جميع لحظات وفترات عمره إلى أن تفارق روحُه بَدَنَه. وهي من الآمال التي يطمح إليها كل إنسان في يومه وساعته. فلذلك لم نكن في حاجة مُبرمة إلى تعريفها.

وإلى ما ذكرنا ذهب الإمام الرازي (543 ـ606 هـ) ، فقال بأنّ العلم أمر ضروري، وهومستغن عن التعريف، واستدلّ على ذلك بوجهين:

الأول: إنّ عِلْم كُلِّ أَحَد بأنّه موجود، ضروريٌ، أي حاصل له بلا اكتساب ونظر، وهذا علم خاص، متعلّق بمعلوم خاص وهو وجوده، والعلم المطلق جزء منه، لأنّ المطلق ذاتي للمقيّد، والعلم بالجزء، سابقٌ على العلم بالكلّ. فإذاحصل العلم الخاص ـ الذي هو حاصل لكلّ أحد بالضرورةـ كان العلم المطلق ـ الذي هو جزؤه ـ سابقاًعليه، والسابق على الضروري أولى أن يكون ضرورياً، فالعلم المطلق ضروري، وهو المطلوب.

الثاني: لوكان العلم كسبياً معرَّفاً، فإمّا أن يُعرف بنفسه، وهو باطل. أو بغيره، وهو باطل أيضاً، لأنّ غيرالعلم إنّما يعلم بالعلم، فلو علم العلم بغيره لزم الدور، لتوقف معلوميّة كل منهما على معلومية الآخر. (1)

وفي مقابل ما ذكرناه من ضرورية العلم وعدم احتياجه إلى التعريف، رأيان آخران نشير إليهما:

1ـ إنّ تعريف العلم ليس ضرورياً، بل هو نظري، ولكن يعسر تحديده. وإليه ذهب إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (478 هـ)(2).

وتبعه الغزالي (450 ـ 505 هـ) في ذلك، قال: يعسر تحديد العلم بعبارة محرّرة جامعة للجنس والفصل الذاتيين، فإن ذلك متعسّر في أكثر الأشياء، بل في أكثر المدركات الحسّية، فكيف لايعسرفي الإدراكات الخفية. (3)


1 . شرح المواقف، ج 1، ص 62 ـ 66، بتصرّف وتلخيص. وكان على الرازي الاكتفاء بما ذكرناه من دون إقامة البرهان على كونه بديهياً، لعدم حاجته إليه .
2 . شرح المواقف، ج 1، ص 67 .
3 . المستصفى، ج 1، ص 25، بتصرف .


(19)

2 - إنّ العلم نظري، ولا يعسر تحديده. وقد ذكر له المتقدمون والمتأخرون من الحكماء والمتكلمين والعلماء، تعاريف شتّى أكثرها باطل أورديء، نذكر بعضاً منها فيما يلي.

التعاريف التي ذكرت للعلم

أـ ماذكره المتكلمون

1. نقل عن المعتزلة تعريفهم العلم بأنّه: اعتقاد الشيء على ما هو عليه. وأضاف أبو هاشم الجبّائي (321 هـ): مع سكون النفس إليه. (1)

وهذا التعريف رديء من جهات:

أمّا أوّلاً، فلخروج التصوّر عنه، لعدم اندراجه في الاعتقاد.

أمّا ثانثاً، فلخروج العلم بالمستحيل، عنه، لأنّه ليس شيئاً. والقول بأنّ العلم لا يتعلّق بالمستحيل مكابرة، اللهم إلاّ أن يقال بأنّ الشيء يَعُمُّ المعدوم والموجود، والممكن والمسحيل، كما هو المعروف من مذهب المعتزلة، وهو باطل.

وأمّا ثالثاً، فلد خول الظن الحاصل عن ضرورة أو دليل ظني، فيه. ولأجل ذلك خصّ بعضهم الاعتقاد بالجازم.

وأمّا رابعاً، فلد خول التقليد فيه، إذا طابق. ولأجل ذلك زاد بعضهم لفظ: «عن ضرورة أو دليل».

2. عرّف القاضي أبو بكر الباقلاني (403 هـ) العلم بأنّه: «معرفة المعلوم على ما هو عليه».

وهو أيضاً ضعيف، من جهتين.

الأُولى : أنّه مشتمل على الدور، لأخذ المعلوم المشتق، من العلم، في


1 . أصول الدين، للبغدادي، ص 5 .


(20)

تعريف. اللّهم إلاّ إن يعتذر عنه بأنّه تعريف بشرح الاسم، لا بالحد والرسم.

الثانية : أنه لا يصدق على علمه سبحانه، لأنّه لا يطلق عليه «المعرفة»، لأنّها العلم بعد الجهالة.

3ـ نسب إلى الشيخ الأشعري (260 ـ 324 هـ) تعريف العلم بنحوين:

تارة بقوله: العلم هو الذي يوجب كون من قام به عالماً، أو هو الذي يوجب أن يطلق على من قام به اسم العالم.

وأُخرى أن العلم هو إدراك المعلوم على ما هو عليه.

أمّا التعريف الأول فإنّه كما ترى، لا يفيد تصوراً زائداً.

وأمّا التعريف الثاني، فلا يفيد أمراً زائداً على ما قبل التعريف.

4 ـ عرّف ابن فورك الأشعري (406 هـ) العلم بأنّه: ما يصح ممن قام به اتقان الفعل، أي إحكامه وتخليته عن وجوه الخلل. (1)

ولكن هذا ليس تعريفاً للعلم، إذ ليس كل علم يصح أن يقع مبدأً للفعل، كالعلوم النظرية البحتة.

ب ـ ماذكره الحكماء

عرّف قدماء الحكماء العلم بأنّه حصول صورة الشيء لدى العقل، أو انطباع صورته في الذهن، سواء أكان الشيء كلّياً أم جزئياً، موجوداً أم معدوماً.

وهذا التعريف أشهر ما ذكر للعلم، ومع ذلك فهو ناقص من جهات عدّة نذكرها فيها يلي، وعلى ضوء ملاحظتها يمكن إعطاءتعريف جامع للعلم.

الجهة الأُولى ـ التعريف لا يشمل العلم الحضوري

إنّ هذا التعريف لا يشمل إلاّ قسماً من العلم هو العلم الحصولي . وأمّا


1 . لاحظ فيما نقلناه من تعاريف المتكلمين: شرح المواقف، ج 1، ص 69 ـ 76 .


(21)

القسم الآخر الذي يعبر عنه بالعلم الحضوري، فلا يشمله. ويظهر ذلك بتعريف كلا القسمين وبيانه .

امّا العلم الحصولي فهو عبارة عن حصول صورة من الشي ء بإحدى الحواس الظاهرية، في النفس. فإنّا إذا أطللنا بنظرنا إلى الكون ورأينا فيه جبالا ونباتات وحيوانات، تأخذ أعيننا صوراً من هذه الأشياء، تنتقل بعد عمليات فيزيائية وكيميائية إلى الذهن، ليتحقق عندها الإبصار.

وحَظُّ الإنسان عندئذ من إدراك الواقع، هو إدراك صورة علمية منه، لا الواقع نفسه، إذ من الضروري أنّ الواقع له آثار حقيقية كالحرارة والبرودة، والإنسان عندما يشاهد النار والثلج، لا ينال منهما إلاّ الصورة العلمية، لا الآثار الواقعية الموجودة فيها. وهذا ما يُعنى من أَنّ العلم الحصولي هو الصورة الحاصلة في النفس من الشيء.

وعلى ضوء ما ذكرنا، فالعلم الحصولي يتقوم بأمور ثلاثة:

1ـ الإنسان المدرِك (بالكسر).

2ـ الشيء المدرَك (بالفتح) الموجود في الخارج، الذي يقال له في مصطلح الفلسفة «المعلوم بالعرض».

3ـ الصورة الذهنية الحاصلة من الشيء، في النفس، التي يطلق عليها في ذلك الاصطلاح «المعلوم بالذات».

وليست تسمية الشيء بكونه «معلوماً بالعرض»، والصورة العلمية بكونها«معلوماً بالذات»، اعترافاً بأصالة الذهن والذهنيات، وفرعية الخارج، حتى نتهم بالمثالية، وإنّما ذلك الأجل أنّ ما يناله الانسان في حقل ذهنه ومدارك معرفته هو الصورة العلمية لا غير. وأمّا الخارج، فانه انما يناله عن طريق هذه الصورة بما لها من الطريقية والكاشفية عن الخارج، ولذا استحق ما يناله الانسان أوّلاً تسمية «المعلوم بالذات» وما يناله ثانياًـ بفضل هذه الصورة ـ تسمية «المعلوم بالعرض».

هذه حقيقة العلم الحصولي.


(22)

وأمّا العلم الحضوري فهو عبارة عن كون المعلوم حاضراً لدى النفس من دون توسّط شيء. وهو على هذا، يعتمد على ركنين فقط:

1. الإنسان المدرِك (بالكسر).

2. المدرَك للنفس بلا واسطة.

والعلم الحضوري على قسمين: أولهما ما يكون المدرِك فيه مغايراً للمدرَك. كما في العلم بالصور الذهنية الحاصلة في النفس من اتّصالها بالخارج عن طريق الحواس الظاهرية. فإنّ هذه الصور ـ مع قطع النظر عن كونها حاكية عن الخارج ـ معلومة للنفس بلا توسط شيء، بل تنالها النفس ابتداءً وبالذات.

نعم، لو نظرنا إلى هذه الصور بما أنّها كاشفة عن الخارج، يتحقق هناك علم حصولي لكن لا بالنسبة إلى الحاكي، بل بالنسبة إلى المحكي.

وبذلك يظهر أنّه كلما تحقق علم حصولي تحقق علم حضوري أيضاً، فعلم النفس بنفس الصور، حضوريٌ، وبالخارج الّذي تحكي عنه الصور، حصوليٌّ.

والقسم الآخر للعلم الحضوري أعلى وأنبل من الأوّل، وهو ما يكون فيه المدرِك والمدرَك متحديْن خارجاً، ومختلفَينْ اعتباراً ولحاظاً. وهذا كعلم الإنسان بذاته، فكل إنسان يجد ذاته حاضرة لدى ذاته، وواقِعَه غيرَ مغفول عن نفسِه. فتكون ذاته عالمة ومعلومة، فيتحد العالم والمعلوم. وهمامع ذلك مختلفان في الاعتبار، فإنَّ النفس بما أنّها واقفةٌ على واقعها، وشاهدةٌ عليه، تسمى عالمة. وبما أنّ ذاتها مكشوفةٌ ومعلومةٌ لها، تسمى معلومة.

إذا وقفت على ما ذكرنا، يظهر لك أنّ تعريف العلم على النحو المذكور لا يشمل العلم الحضوري بكلا قسميه .

أمّا القسم الأوّل، أعني علم النفس بنفس الصورة وحضورها لديها، فنقول إنّ تلك الصورة الحاصلة من الشيء عند النفس تلاحظ بنحوين:

تارة بما أنَّها صورة مأخوذة من الخارج في ظلّ أدوات حسيّة تكشف عن


(23)

الواقع الخارجي، فهي في هذه الحالة غير ملتفت إليها، وإنّما الإلتفات إلى الواقع. وهذا هو العلم الحصولي.

وأُخرى تلاحظ بما أنّها ظاهرة نفسانية كسائر الظواهر والحالات النفسانية والوجدانية، كالسرور والحزن، فهي في هذه الحالة غير مغفول عنها، بل ملتفت إليها على نحو تفصيليّ. وهي، وإن كانت ربما تكون مأخوذة من الخارج، إلاَّ أنّ هذه الحيثية ملغاة في هذا النحو من اللحاظ. وإنّما المقوّم حينئذ، كونها ظاهرة نفسانية في الضمير كسائر الظواهر النفسانية. فكما أنّ الحزن والسرور، والبخل والحسد وغيرها، ظواهر نفسانية غير متقيّدة بكونها مأخوذة من الخارج، فهكذا الصور العلمية في هذا اللحاظ.

وبذلك يُعلم أنّ تعريف العلم على النحو الماضي ينطبق على الوجه الأوّل الّذي قوامه بالطريقيّة والكاشفيّة عن الخارج. وأمّا الوجه الثاني الّذي قوامه بكون الصورة ظاهرة نفسانية، وحالة وجدانية، فخارج عن التعريف، لأنّ كونها مأخوذة من الخارج، ليس إلاّ كالحجر في جنب الإنسان، لا دخل له في واقعه وحقيقته .

وأمّا القسم الثاني، وهو علم الإنسان بذاته، فعدم انطباق التعريف عليه ظاهر لا يحتاج إلى بيان.

***

الجهة الثانية ـ التعريف لا يشمل المعقولات الثانوية المنطقية

إنّ هذا التعريف كما لا يعمّ العلم الحضوريّ بكلا قسميه، لا يشمل كذلك المعقولات الثانوية المنطقية. بيان ذلك:

إنّ المعقولات عند المنطقيين تنقسم إلى قسمين، معقولات أوليّة وثانوية.

أمّا الأولى، فهي عبارة عن الصور العلمية الّتي تحصل للمدرك عند اتّصاله بالخارج وارتباطه به ارتباطاً مباشراً. وهذا القسم من أوضح مصاديق انعكاس الخارج في الذهن. وهذا كالألوان والأشكال التي يقف عليها الإنسان في ظل أدوات المعرفة الحسيّة.


(24)

وأمّا الثانية فهي عبارة عمّا يقف عليه الإنسان نتيجة عمليات ذهنية وجهود فكرية، من دون أن يكون لصلته بالخارج تأثير مباشر في ما وقف عليه. ولهذا أمثلة كثيرة، نذكر منها:

أ ـ المفاهيم الكلية. إنّ من المفاهيم ما له قابلية الانطباق على مصاديق كثيرة، كمفهوم الإنسان، والحيوان. فإنّ من المعلوم أنّ مفهوم الإنسان، بوصف أنّه كلّي، غير مأخوذ من الخارج، ولاوارد إلى محيط الذهن منه. فإنّ الإنسان الخارجي، أعني مصاديقه وأفراده، كلّها جزئيات متعينة لا تصدق إلاّ على نفسها، ولاتنطبق على غيرها. بخلاف مفهوم الإنسان المجرّد عن كل خصوصيّة، فإنّه مفهوم عام، ينطبق على جميع الأفراد.

وعلى ذلك، فالتعرف على المفهوم الكلي، معرفةٌ إنسانية غير حاصلة في النفس من الخارج، مع أنّها من أقسام العلوم.

ب ـ مفهوم النوع والجنس. النوع عبارة عن المفهوم الصادق على أفراد متفقة الحقيقة، كما أنّ الجنس عبارة عن مفهوم صادق على أفراد مختلفة الحقيقة. ومن المعلوم أنّ مفهومي النوع والجنس بهذا المعنى، من مخترعات الذهن، وليسا وليدَيْ اتّصاله بالخارج، إذ ليس في الخارج شيء نسمّيه نوعاً أو نسميه جنساً.

فهذه المفاهيم، كموصوفاتها، كلُّها علوم تحصل للإنسان بجهود ذهنية جبّارة، وعمليات فكرية عميقة، فيقال: الإنسان نوع، والحيوان جنس.

ج ـ المعرِّف والحجة. همامن المصطلحات الفلسفية، والغاية منهما رفع الإبهام عن المفاهيم التصورية والتصديقيّة. فالحيوان الناطق بالنسبة إلى الإنسان معرِّف، كما أنّ الصغرى والكبرى بالنسبة إلى النتيجة حجّة. وبما أنّ المطلوب منهما هو التعرّف على التصورات والقضايا الكليّة، فالمعرِّف يجب أن يكون ـ مثل الحجة ـ قضية كليّة. ومثل هذا لا يوجد إلاّ في محيط الذهن دون الخارج، لأنّ الخارج مقرّ الجزئيات، ومصدر المتشخصات. فالتعبير المزبور لا يشمل المعرِّف والحجّة.

د ـ المسائل الرياضية والهندسية. إنّ المسائل الرياضية والهندسية مسائل


(25)

كليّة، لا تختص بزمان دون زمان، أو بموضع دون آخر لأنّ براهينها تقتضي أن تكون كلية. وهي (البراهين) في الوقت نفسه كلّية لا تختص بظرف دون آخر. ومن أمثلة تلك المسائل : «الخطان المتوازيان لا يلتقيان»، «الخط المستقيم أقصر مسافة بين نقطتين»، «مساحة المثلث تساوي قاعدته مضروبة في ارتفاعه مقسوم على اثنين»...

فالعلم بجميع القضايا غير الجزئية، رهن جهد الذهن، لا الأدوات الظاهرية الّتي تلتقط المعلومات من الخارج وتوصلها إلى الذهن.

نعم، إنّ اتّصال الإنسان بالخارج، يعطي النفس القوة والاقتدار على خلق هذه المفاهيم، تصوريةً كانت أم تصديقيّة، في محيط الذهن. ولو انعدمت صلة الإنسان بالخارج، أو فَقَد جميع أدوات الحس، لما قدر على خلق تلك المفاهيم والمعاني في الذهن، ولكن هذا لا يجرّ إلى القول بأنّ جميع المعقولات الثانوية المنطقية نتيجة انعكاس الخارج في الذهن، كانعكاس اللون والشكل فيه.

وبعبارة أخرى: إنّ اتّصال الإنسان بالخارج يعطيه أرضيّة صالحة لنيل تلك المفاهيم وإبداعها في الذهن، ولذلك قالوا: من فَقَدَ حسّاً فَقَدْ فَقَدَ علماً. ولكن مع ذلك، ليست هذه المعارف من قبيل انعكاس الخارج في الذهن، كانعكاس اللون والشكل فيه .

وبعبارة أُخرى: إنّ اتّصال الإنسان بالخارج يعطيه أرضيّة صالحة لنيل تلك المفاهيم وإبداعها في الذهن، ولذلك قالوا: من فَقَدَ حسّاً فَقَدْ فَقَدَ علماً. ولكن مع ذلك، ليست هذه المعارف من قبيل انعكاس الخارج في الذهن كما في المعقولات الأوليّة.

وزيادة في الإيضاح نقول: إنّ انتزاع مفهوم الإنسان الكُلّي أو إبداعه في الذهن، ليس معرفة واردة إلى محيط الذهن من الخارج. ومع ذلك ، لو لم يكن للإنسان تلك الصلة، لما قدر على هذا الانتزاع أو الإبداع. فإذا شاهد بأمّ عينه زيداً وعمراً وبكراً، ثم شاهد تماثُلّهُم واشتراكَهُم في الحيوانية أولاً، والتعقّل والتفكّر ثانياً، تتهيأ النفس لانتزاع مفهوم كلي يُدخل جميع الأفراد تحته باسم مفهوم


(26)

الإنسان. فالمفاهيم رهن عمليات ذهنية فكرية دون الاتّصال المباشر بالخارج، وإن كان الذهن عاجزاً عن تلك العمليات لولا الاتّصال بالخارج.

قال الإمام الرازي: «إنّ الإحساس بالجزئيات، سبب لاستعداد النفس لقبول تصورات كلّية»(1) .

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ تعريف العلم بأنّه صورة حاصلة من الشيء عند النفس، لا يشمل المعقولات الثانوية المنطقية.

***

الجهة الثالثة ـ التعريف لا يشمل المعقولات الثانوية الفلسفية .

تنقسم المعقولات الثانوية إلى منطقية وفلسفية، وقد تقدم بيان الأُولى، وتتضح الثانية ببيان مقدمة، وهي انّ عروض شيء على شيء آخر، على أقسام:

الأوّل: عروض شيء لشيء في الخارج، ويكون ـ عندئذ ـ العارض، والمعروض، ونفس العروض والاتّصاف، كلُّها أُموراً خارجية. كسواد الفحم وريش الغراب، فإنّ السواد ـ كمعروضه ـ أمران خارجيان، كما أنّ العروض في الخارج، كاتّصافهما به، فيقال: الفحم أسود. وهذا ما يسمى بالمعقولات الأوليّة.

الثاني ـ ما يقابل القسم السابق، وفيه يكون العارض والمعروض فضلاً عن العروض والاتّصاف، كلّها في العقل. كالكليّة العارضة على مفهوم الإنسان . وهذا هو المعقول الثانوي بكلا الاصطلاحين: المنطقي والفلسفي.

الثالث ـ ما يكون عروضه في العقل دون الخارج، ويكون الاتّصاف به في الخارج كعروض الأُبوة على الأب في الذهن. وهي لا تعرض عليه في الخارج، لأنّ عروض شيء على شيء فرع وجود العارض في الخارج حتّى يتصور عروضه على الشيء، فيه. والأُبوة بالمعنى الإضافي، ليس لها شيء يحاذيها في الخارج، فإنّه يمكن الإشارة إلى الأب وإلى الابن، ولا يمكن الإشارة إلى الأُبوة. ولذا قالوا


1 . المباحث المشرقية، ج 1، ص 353 .


(27)

عروض في الخارج، وإن كان الاتّصاف ـ أي اتّصاف زيد بالأُبوة ـ فيه، فيقال: هذا أب لذاك. وهذا هو المعقول الثانوي باصطلاح الفلسفة .(1)

وبذلك يظهر أنّ ها هنا مفاهيم كثيرة من هذا القبيل ليس لها شيء يحاذيها في الخارج، ومع ذلك تتصف الأشياء بها، وتلك كالشيئية والإمكان. فالشيئية العامة لا يحاذيها شيء، إذ لا يمكن أن يقال: هذه هي الشيئية. ومع ذلك، فالأشياء تتصف بها، فيقال: هذا شيء.

ومثلها الإمكان: فإنّ حقيقة الإمكان هي سلب ضرورة الوجود والعدم عن الماهية. والسلب أمر عدمي، لا يحاذيه شيء في الخارج، فلا يصحّ أن يقال: إنّ هذا الإمكان يعرض الماهية. ومع ذلك تتصف الماهية الموجودة، به. فيقال: الإنسان الموجود ممكن.

إذا علم هذا التقسيم، يتضح أنّ التعريف المزبور للعلم، كما لا يعم المعقولات الثانوية في اصطلاح المنطقيين، لا يعم المعقولات الثانوية في اصطلاح الفلاسفة، فإنّ حصول الصورة من الخارج، فرعُ أن يكون للعارض وجودٌ خارجيٌّ قابلٌ للدَرْك بإحدى الحواس الخمس، والمفروض خلافه، فإنّ الإنسان يقف على تلك المفاهيم بعمليات ذهنية خاصة، لا بانعكاسها من الخارج.

نعم، لو لم يكن للإنسان صلة بالخارج، لما أمكنه الوقوف على هذه المفاهيم، وهناك فرق بين كون صورة الشيء حاصلة من الخارج مباشَرَةً، وكَوْن الصلة بالخارج شرطاً أو معدّاً، تعطي النفس ذلك الإستعداد الخاص لانتزاع تلك المفاهيم. فالنفس في هذه المرحلة أشبه بالشجرة المثمرة، فإنّها تنتج الثمار من صميم ذاتها، وإن كانت صلتها بالخارج ـ كالشمس والأرض والمياه ـ تعطيها الاستعداد لإنتاج تلك الثمار.

***


1 . أما تسميتها بالثانوية، فلأنّها لا تعقل إلاّ وقد عُقل قبلها شيء آخر هو المعروض، أعني الذات المتّصفة بالأُبوة في هذا المثال، أو بالشيئية والإمكان في المثالين الآيتين.


(28)

الجهة الرابعة ـ التعريف لا يشمل الممتنعات

هناك مفاهيم يدركها الذهن، ويصفها باستحالة التحقق في الخارج، كالدور والتسلسل. فإنّ الدور عبارة عن توقف وجود كلِّ واحد من الشيئين على الآخر، وتحقُّقُه محالٌ ببداهة العقل، كما إذا توقف إمضاء كل واحد من الشريكين سند الشراكة، على إمضاء الآخر قبله، فإنّ هذا السند لن يمضي أبداً، لاشتراط إمضاء كل منهما بإمضاء الآخر، وهو غير متحقق.

والتسلسل عبارة عن اجتماع سلسلة من العلل والمعاليل الممكنة مترتبة غير متناهية، بأن يتوقف (أ) على (ب)، والثاني على (جـ)، والثالث على (د)، وهكذا دواليك، تتسلسل من دون أن تنتهي تلك السلسلة إلى حدّ. وتحقق هذا محال، وذلك لأنّ وجود المعلول الأخير مشروط بوجود علته المتقدمة، ووجودها مشروط بوجود علّتها أيضاً، وهكذا تتسلسل هذه القضايا المشروطة إلى غير نهاية. ومن المعلوم أنّ القضايا المشروطة المتسلسلة إلى غير نهاية لا تتحقق أبداً إلاّ إذا انتهت إلى قضية مطلقة لا يتوقف تحقُّقها على شيء، والمفروض عدمه. وعندئذ، بما أنّ تلك السلسلة كلها قضايا مشروطة غير منتهية إلى قضية مطلقة، فلن تكون موجودة أبداً. وهذا كما إذا كان إمضاء الشخص الأول للسند متوقفاً على إمضاء الثاني، والثاني على إمضاء الثالث، وهكذا إلى اللانهاية، فإنّ ذاك السند لن يرى النور أبداً، لعدم تحقق إمضاء أحد(1).

***

الجهة الخامسة ـ التعريف لا يشمل الأرقام الحسابية

من المعلوم أنّ الأرقام الحسابية لا تنتهي إلى حدّ، وقد ابتكر البشر الأرقام النجومية للتعبير عن الأرقام الهائلة، والمسافات الشاسعة بين أجزاء الكون وأجرامه، وربما يبتكر أرقاماً أُخرى أعظم منها كلما اتّسعت آفاقه.

ومن الواضح أنّ الأرقام لا وجود لها في الخارج حتّى رقم الاثنين والثلاثة،


1 . سيأتي إيضاح مستوف لاستحالة التسلسل في بحث إثبات وجود الصانع .


(29)

وإنّما الموجود هوالواحد المنطبق على الموجود الواحد. وأمّا الاثنان، فإنّما ينتزعها العقل من ضم واحد إلى واحد آخر، وهكذا بقية الأعداد. وليس وراء الواحدين مصداق آخر للاثنين، وإلاّ لزم أن يكون كلُّ اثنين ثلاثة: اثنان هما الواحدان، والثالث شيء آخر يسمى باسم الاثنين.

فللإنسان علم بالأرقام، ومع ذلك ليس علمه بها رهن اتّصاله بالخارج.

ومثل الرقم، الخط والنقطة والسطح. فالنقطة هي آخر الخط، والخط هو آخر السطح، والسطح آخر الجسم، وهي كلها أُمور ينتزعها الذهن بعملياته الفكرية، ولا تحقق لها في الخارج. وذلك لأنّ النقطة هي الجزء غير المنقسم من الخط، والخط هوالجزء غير المنقسم من السطح، والسطح هو الجزء غير المنقسم من الجسم. والجزء غير المنقسم لا خارجاً ولا عقلاً، الّذي يعبر عنه بالجزء الّذي لا يتجزأ، غير موجود في الخارج، وقد أقاموا براهين على امتناعه أوضحها أنّ هذا الجزء المفروض أنّه غير منقسم إمّا شرقه غير غربه، وجنوبه غير شماله، أو لا. فعلى الأول يتجزّأ عقلاً، وعلى الثاني يلزم عدم كونه موجوداً، ويساوق كونه معدوماً. وهناك براهين أُخر يرجع إليها في محلها.(1)

ونكرر هنا ما تقدم من أنّ هذه المفاهيم الّتي يصنعها الذهن في محيطه، وإن كانت غيرموجودة في الخارج، ولم يصل إليها الذهن من طريق الحواس الظاهرة، غير أنّه لولا صلة الذهن بالخارج، لماكان قادراً على تصوُّر المعدومات والمحالات، وقد تقرر في الفلسفة الإسلامية أنّ العلوم الحسية تعطي النفس قدرة وخلاّقيّة لصنع تلك المفاهيم وانتزاعها وإدراكها.

***


1 . بإمكانك أن تلاحظ شرح المنظومة، لناظمها، غرر في إبطال الجزء الّذي لا يتجزّأ، ص 222 ـ 227، من قول الحكيم السبزواري :

تَفَكُّكُ الرَّحى ونَفْيُ الدائرة * وحُجَجٌ أُخرى لديهم دائرة
مُبْطِلَةُ الجواهِر الأَفرادِ * في واجبِ القَبولِ للأبعَادِ

ولاحظ أيضاً: كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد، للعلاّمة الحلي، الأُمور العامة، الأصل الخامس، أدلّة المثبتين والنافين للجوهر الفرد. وهذا الكتاب نقوم بتحقيقه، فأسأل الله تعالى التوفيق لإتمامه.


(30)

الجهة السادسة ـ لزوم الوحدة بين الصورة ومُدْرِكها

من الأُمور الّتي تلاحظ على تعريف العلم بانعكاس الخارج في الذهن، أنّ العلم لا يتحقق بنفس الإنعكاس فقط، وإلاّ يلزم تسمية انعكاس الصور الخارجية في المرآة وعلى صفحة الماء، علماً، مع أنّه ليس بعلم قطعاً، وإنّما يتحقق العلم باتّحاد الصورة الحاصلة في النفس مع مدرِكها (بالكسر)، سواء أقلنا إنّ تلك الصورة أمر مادي، كما عليه الماديّون، أو إنَّها أمر مجرّدٌ عن الجسم والجسمانيات. ولولا تلك الوحدة، للزم أن لا يتحقق هناك علم، ولا يتّصف الإنسان بالعالمية، والخارج بالمعلومية.

وبعبارة أُخرى: لابُدّ في تحقق العلم من إتحاد بين المدرِك (بالكسر) والمعلوم بالذات، ويُعَدّ وجود الصورة العقلية ـ عند ذاك ـ من مراتب وجود النفس المُدْرِكة. فمآل اتّحاد العاقل والمعقول إلى اتّحاد وجود الصورة الذهنية مع النفس في مرتبة من مراتب وجودها.

وإيضاحاً للمقصود نقول: إنّا إذا أردنا أن نتعقل مفهوم شيء من الأشياء، كالشجرة، فلا بدّ من وجود أشياء :

1. النفس المدرِكة (بالكسر) العاقلة.

2. ماهية النفس المدرِكة (بالكسر).

3. المعقول بالذات، أعني وجود الشجر المعقول بالقوة العاقلة.

4. ماهية المعقول بالذات.

5. المعقول بالعرض، أعني وجود الشجر الخارجي.

6. ماهية ذلك المعقول بالعرض .

والمراد من اتّحاد العاقل والمعقول، بكلمة موجَزَة، هو اتّحاد الثالث مع الأوّل، بمعنى أنّ الإنسان المدرك يتكامل بتلك الصُّوَر العلمية، وتُعَدُّ من مراتب وجوده، كما أنّ الأعراض كذلك بالنسبة إلى الجواهر الخارجية، ولا يراد من اتّحادهما، اتّحاد ماهية العقل ـ أي النفس الإنسانية ـ مع ماهية المعقول بالذات، إذ من المعلوم أنّا اذاتعقلنا شجرة، لا تصير ماهية الإنسان المدرِك عينَ ماهية الشجرة، وإذا تعقلنا حجراً، لا تصير ماهيتنا عين ماهية الحجر. وإنّما المراد ـ كما


(31)

قلنا ـ اتحاد وجود العاقل مع وجود المعقول بالذات الّذي لا وجود مستقل له عن النفس، بل يعد مرتبة من مراتب وجودها.

فاتحاد العاقل والمعقول إذن، هو اتحاد وجود المعلوم بالذات مع وجود النفس المدرِكة، وأمّا حكم الاتّحاد في سائر الأُمور، فظاهر من مسألة اتّحاد ماهية كلّ شيء مع وجوده. فما هية النفس متّحدة مع وجودها، كما أنّ ماهية المعقول بالذات متحدة مع وجود المعقول بالذات، وكذلك ماهية الموجود المعقول بالعرض متحدة مع وجود الشجر المعقول بالعرض. غير أنّ هذه الاتحادات خارجة عن بحث اتّحاد العاقل والمعقول .

***

الجهة السابعة ـ التعريف غير مانع

إنّ هذا التعريف الّذي ذكر للعلم (حضور صورة الشيء لدى العقل)، وإن كان يعم التصور والتصديق، اللّذين هما من أقسام العلم كما مضى ويأتي، ولكنه يدخل فيه ما ليس من أقسامه كالوهم، والشك، والظن، والجهل المركّب.

إنّ ها هنا أمرين:

الأوّل: كون التعريف شاملاً لكلا قسمي العلم .

الثاني: كونه غير مانع عن دخول ما ليس بعلم، فيه .

أمّا الأوّل، فلأنّ حضور صورة الشيء عند العقل تارة تكون على وجه التصور الساذج المجرّد عن أي حكم، كتصور مثلث ( ) إلى جانبه زاويتان قائمتان ()، من دون أن تتحقق في النفس أية فكرة عن العلاقة بينهما، وهذا هو التصور.

وأُخرى تكون مقترنة بحكم ما، كالحكم بأن زوايا هذا المثلث تساوي مجموع هاتين الزاويتين القائمتين، فهذا هو التصديق.

فشمول التعريف لكلا القسمين ممّا لا غبار عليه .


(32)

وأمّا الثاني، أعني كونه غير مانع، فلأنّ صورة الشيء موجودة أيضاً في الأحوال الثلاثة: الظن والشك والوهم، بل في الجهل المركب أيضاً .

وذلك لأنّ الظن بمضمون خبر ما عبارة عن ترجيح مضمونه على ما يخالفه مع تجويز الطرف الآخر، كالتساوي في المثال المذكور مع تجويز عدم التساوي.

والوهم هو حكم الطرف المرجوح.

والشكَّ بالمضمون عبارة عن تساوي الطرفين في النفس .

ففي هذه الأقسام الثلاثة، صورة الشيء موجودة في النفس وإن لم يكن هناك حكم قطعي، فيلزم أن يكون الوهم والشك من أقسام العلم، مع أنّها من أضداده.

بل يمكن أن يقال: إنّ صورة الشيء موجودة في الذهن في حالة الجهل المركب، وهو أن يجهل شيئاً ولا يلتفت إلى أنّه جاهل به، بل يعتقد بأنّه عالم به. كما إذا اعتقد بأنّ في الدار شخصاً، وكان الواقع على خلافه. فلا شك أنّه تصوّر الدار والشخص والنسبة بينهما، غاية الأمر أنّ حكمه كان على خلاف الواقع. فحصلت إذن صورة من الشيء عند العقل.

وقد أشار إلى هذا الإشكال القاضي الإيجي (700 ـ 756 هـ)، في المواقف، وقال شارحه السيد الشريف الجرجاني (816 هـ): «هذا التعريف يتناول الظن، والجهل المركب، والتقليد، بل الشك والوهم. وتسميتها علماً يخالف استعمال اللغة والعرف والشرع».(1)

ثم إنّ الشيخ الحجّة المظفر قد جعل الظن من أقسام التصديق قائلاً بأنّه من أدنى قسميه (2)، وهو كماترى، إذ ليس في الظن حكم، لأنّ التصديق فعل النفس، وهو دائر بين الوجود والعدم، فلو كان هناك حكم، يكون حكماً باتاً وجازماً، وإلاّ فلا. وأمّا الحكم الظني فمعناه أنّه يحكم تسعين بالمائة، لا مائة بالمائة، وهذا يساوق عدم الحكم.


1 . شرح المواقف: 1 / 76 .
2 . المنطق: 18 .


(33)

نعم، لا بأس بعدّ التقليد من أقسام العلم إذا حصل منه اليقين. كيف، وكثير من الموحّدين متيقنون بمبادئ التوحيد والرسالات، تقليداً لآبائهم، وتبعاً للظروف والمحيط، من دون أن يختلج في ضمائرهم شكٌ أو ريب (1).

***

النتيجة

فتبين أنّ تعريف العلم بكونه صورة حاصلة من الخارج لدى النفس، تعريف ناقص لا يعم جميع الأقسام، فإن هناك علوماً لا تقف النفس عليها بالاتّصاف بالخارج، وإنّما تقف عليها من صميم ذاتها في ظل عمليات ذهنية خاصة .(2)

***

سؤال وجواب

السؤال ـ إنّ هذه الجهات أوقفتنا على أنّ للإنسان معرفة تحصل في ذهنه لا من جهة اتّصاله بالخارج عن طريق الحواس. ولو صحّ ذلك، فما معنى قوله سبحانه: (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(3). فإنّ معناه أنّ الإنسان عندما خرج من بطن أُمّه وظهر إلى هذا العالم، كان جاهلاً محضاً غيرواقف على شيء، وإنّما صار عالماً من طريق اتّصاله بالخارج عبر الأجهزة الحسّية أعني: السمعُ البصر. فما يدركه الإنسان من العلوم، إنّما يدركه عن طريق الحواس. ومع ذلك، كيف يصحّ ادّعاء حصول معارف وعلوم في الذهن من غير هذا الطريق؟


1 . وإن كانوا يتزلزلون عند طروء الشبهات، ولكن ذلك أمر آخر .
2 . مضافاً إلى ما عرفت من أن مجرد الانعكاس لا يحقق العلم، بل لابد من وجود وحدة بين المدرِك والمدرَك.
3 . النحل: 78 .


(34)

نعم، إنّما اكتفى بالسمع والأبصار مع أنّ الطريق لا ينحصر بهما، لأجل شرافتهما، وإلاّ فإنّ من المعلوم أنّهما لا يغنيان عمّا يُدْرَكُ بالشمّ والذوق واللمس.

الجواب ـ إنّ هناك فرقاً بين القول بأنّها حاصلة في الذهن من دون أن يكون للخارج أدنى تأثير فيه، لا مباشر ولا غير مباشر; والقول بأنّها تحصل في النفس بعمليات ذهنية من دون انعكاس مباشر من الخارج، وإن كان لصلة الإنسان بالخارج عبر حواسه، تأثير في جميع علومه ومعارفه، بحيث لو كان الإنسان فاقداً لجميع أدواته الحسيّة، لما كان قادراً على تصوّر شيء وتصديقه. حتّى أنّ البديهيات الّتي ربما يتصور الإنسان أنّ النفس تنالها من صميم ذاتها، كاستحالة اجتماع المتناقضين وامتناع ارتفاعهما، إنّما تنالها عبر اتّصالها بالخارج في شتّى الموارد. فلولا الحسّ لما وقف الذهن على مفهوم الاجتماع، كما أنّه لولاه لما وقف على مفهوم النقيض أو النقيضين. فالتصديق بالامتناع إنّما يحصل بعد مُعِدّات تعطي له إدراك هذا الحكم بضرورة وبداهة.

***

الصحيح في تعريف العلم

قد عرفت أنّ الباحث في غنى عن تعريف العلم، لأنّه من المفاهيم الّتي يتعاطاها في يومه وليله، غير أنّا إذا أردنا صياغته في قالب مضبوط، نقول: إنّ العلم عبارة عن حضور المعلوم لدى العالم، إمّا حضوراً بالمباشرة أو بغيرها. وهذا التعريف يشمل جميع أقسام العلم الحضوري والحصولي، فإنّ المعلوم بالعلم الحضوري حاضر بنفسه لدى النفس، والمعلوم بالعمل الحصولي، أعني المعلوم بالعرض، حاضر لدى النفس بتوسط صورته العلمية.

وعلى ضوء ذلك، تقف على أنّ كلّ ما نسميه علماً، يدخل تحت هذا العنوان: حضوره لدى العالم.

***


(35)

الفصل الثاني
أقسام المعرفة


(36)

(37)

الفصل الثاني

أقسام المعرفة

للعلم أقسام، ولأقسامه أقسام، نستعرضها فيما يلي:

1. انقسام العلم إلى تصور وتصديق

العلم إن خلا عن الحكم فتصوّرٌ، وإلاّ فتصديق. وهما علمان متمايزان بالذات أوّلاً، وبالآثار ثانياً. أمّا الأوّل، فلأنّ التصور خال عن الحكم دون الآخر. وأمّا الثاني، فلأنّ التصور لا يقبل الصدق والكذب، بخلاف التصديق.

والتصوُّر على أقسام :

فإمّا أن لا يكون فيه نسبة أصلاً، كالإنسان .

أو فيه نسبة تقييدية، كالحيوان الناطق.

أو نسبة إنشائية، كقولك: إضرب.

أو نسبة خبرية لم يُحكم بأحد طرفيها، كما إذا قيل «زيد قائم» وتصورت «زيداً» و «القيام» و «النسبة» بينهما، تصوُّراً خالصاً من أيّ حكم.

فكلُّها علوم خالية عن الحكم.

وأمّا التصديق فقد اختلفوا فيه، فهل هو نفس الحكم، كما هو مذهب


(38)

الحكماء الأوائل، أو المجموع المركّب منه (الحكم) ومن تصورات النسبة وطرفيها، كما هو رأي الإمام الرازي؟، اتّجاهان.

ثم على الاتّجاه الأول، هل متعلّق الحكم هو ذات النسبة ; أو وقوعها وعدم وقوعها، لأنّ النسبة إمّا واقعة والقضية موجبة، أو ليست بواقعة والقضية سالبة؟، قولان، اختار ثانيهما صاحب المواقف وشارحه.

والتعريف البسيط لتقسيم العلم إلى التصور والتصديق أن يقال: إنّ العلم إمّا تصور ساذج، أو تصور معه تصديق .

وتقسيم العلم إلى التصور والتصديق من الواضحات، فإنّهما قسمان متمايزان بالذات، فإنّك إذا تصورت نسبة أمر إلى آخر، فقد علمت ذينك الأمرين والنسبة بينهما قطعاً، فلك في هذه الحالة نوعٌ من العلم. ولو حكمت بأحد طرفي النسبة حصل هناك نوع آخر من العلم ممتاز عن الأوّل بحقيقته ـ وجداناً ـ وبحسب آثاره ولوزامه. فالأوّل لا يقبل الصدق والثاني يقبله.

***

2. انقسام العلم إلى ضروري واكتسابي

ينقسم العلم إلى ضروري ومُكْتَسَب. وقد عُرّف كلٌّ منهما بوجوه، أحسنها أن يقال:

الضروري، ما لا يحتاج في حصوله إلى كسب ونظر وفكر، فيحصل بالإضطرار والبداهة، الّتي هي المفاجأة والارتجال من دون توقّف، كتصوّرنا لمفهوم الوجود والعدم ومفهوم الشيء، وكتصديقنا بأن الكلّ أعظم من الجزء، وبأنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأنّ الواحد نصف الاثنين.

والنظري، ما يحتاج حصوله إلى كسب ونظر وفكر، كتصور حقيقة الروح والكهرباء أو التصديق بأنّ الأرض ساكنة أو متحركة حول نفسها وحول الشمس، وهذا ما يسمّى بالكسبي.

وبعبارة أخرى: إنْ كان حصولُ العلم بشيء، غيرَ متوقف على توسط


(39)

عملية فكرية، فهذا هو العلم الضروري. وإن كان متوقفاً عليه، بأن يتوسل بالمعلومات عنده إلى العلم به، فهذا هو النظري والكسبي، فلا يستطيع الإنسان حلّ المعادلات الجبرية بلا توسيط معلومات وتنظيمها على وجه صحيح.

هذا هو التعريف الواضح، وقد ذكر المتكلمون تعاريف أُخر(1) .

ونَزيد بياناً على ذلك بأنّ انقسام كل من التصور والتصديق إلى الضروري والكسبي، أمر يدركه الإنسان بالوجدان أولاً، وبالبرهان ثانياً. إذ لولاه لانغلق باب المعرفة، ولزم الدور والتسلسل، فإنّه إذا كان كل واحد من التصور والتصديق نظرياً، فإذا حاولنا تحصيل شيء منهما، فنحتاج إلى تصوّر وتصديق آخر هو أيضاً نظري مستند إلى غيره من التصورات أو التصديقات، فإمّا أن يدور الإستناد في مرتبة من المراتب أو يتسلسل إلى ما لا يتناهى، وكلاهما باطل وممتنع، فما يتوقف عليهما يكون باطلاً ممتنعاً. فيلزم أن لا يكون شيء من التصور أو التصديق حاصلاً لنا، وهو باطل جداً(2).

نظرة أُخرى في التقسيم

قال البغدادي: العلوم عندنا قسمان:

أحدهما: علم الله تعالى، وهو علم قديم، ليس بضروري ولا مكتسب، ولاواقع عن حسّ ولا عن فكر ونظر، وهو مع ذلك محيط بجميع المعلومات على التفصيل، يعلم بعلم واحد أزلي غير حادث .

وثانيهما: علوم الناس وسائر الحيوانات، وهي ضربان: ضروري ومكتسب.

ثم قال: العلم الضروري قسمان: علم بديهي، وعلم حسيّ، وعَدَّ


1 . لاحظ أُصول الدين، للبغدادي، (المتوفّى 429 هـ)، ص 8 ـ 9. وشرح المواقف للسيد الشريف الجرجاني (المتوفّى 816 هـ)، ج 1، ص 90 ـ 95، وقد ذكر تعريفاً للقاضي الباقلاني وناقش فيه .
2 . وقد أُورد على هذا الاستدلال ما هو مذكور في شرح المواقف، فمن أراد فليرجع إليه: 1 / 98 .


(40)

الوجدانيات من أقسام العلم البديهي، والمدرَكات بالحواس الخمس من العلم الحسيّ(1) .

وفيما ذكره مجال للتأمّل:

أمّا أولاً: فلأنّ مَقْسَمَ الضروري والكسبي هو العلم الإمكاني الحادث لا العلم الأزلي الواجب غير الحادث، فلا وجه للبحث عن علم الباري هنا بعد عدم دخوله في المقسم كما اعترف هو .

وثانياً، فلأنّ العلوم الحسيّة من أقسام البديهية، والحس أصل ومبدأ لها، فلا تكون قسيماً للبديهي.

ثم إنّ لكلٍّ من الضروري والكسبي أقسام، نذكرها فيما يلي:

أ ـ أقسام الضروريات

تنقسم القضايا اليقينية إلى ضروريات (بديهيات)، وكسبيات (نظريات) تنتهي لا محالة إلى الضروريات. فالبديهيات إذن هي أُصول اليقينيات، وهي على ستة أنواع بحسب الاستقراء: أوليّات، ومشاهدات، وتجريبيات، ومتواترات، وحدسيات، وفطريات. وإليك فيما يلي بيان كلٍّ منها إجمالاً :

1. الأوليات، وهي قضايا يصدّق بها العقل لذاتها، أي بدون سبب خارج عن ذاتها، بأن يكون تصور الطرفين مع توجه النفس إلى النسبة بينهما، كافياً في الحكم والجزم بصدق القضية. فكلما تيسر للعقل أن يتصور حدود القضية (الطرفين) على حقيقتها، وقع له التصديق بها فوراً، مثل قولنا: الكل أعظم من الجزء، والنقيضان لا يجتمعان.

2. المشاهَدات، وهي القضايا الّتي يحكم بها العقل بواسطة الحس، ولا يكفي فيها تصور الطرفين مع النسبة. والحس على قسمين: ظاهري وباطني. فالحكم بأنّ الشمس مضيئة، والنار حارّة، يحكم به العقل بواسطة الحسّ


1 . أصول الدين للبغدادي: 8 ـ 9 .


(41)

الظاهري. كما أنّ العلم بأنّ لنا ألماً، ولذة، وجوعاً، وعطشاً، يدركه العقل بواسطة الحس الباطني، وهذا هو المسمّى بالوجدانيات في علم النفس، فالحاكم هو العقل بواسطة أحد الحسين. وعلى ذلك فالمراد من المشاهدة، المشاهدة بالحس الظاهري أو الباطني.

3. التجريبيات، وهي موضوع البحث، وسيوافيك توضيحها.

4. ـ المتواترات، وهي قضايا تسكن إليها النفس سكوناً يزول معه الشك ويحصل الجزم القاطع وذلك بواسطة إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب، كعلمنا بوجود البلدان النائية.

5. الحدسيات، وهي قضايا، مبدأُ الحكم بها حدس قوي من النفس يزول معه الشك ويذعن الذهن بمضمونها، مثل حكمنا بأن نور القمر مستفاد من الشمس ومنشأ هذا الحكم اختلاف تَشَكُّله عند اعتراض الأرض بينه والشمس .

6. الفطريات، وهي القضايا الّتي قياساتها معها، أي إنّ العقل لا يصدق بها بمجرد تصوّر طرفَيْها كالأوليّات، بل لا بُدّ له من وسيط، إلاّ أنّ هذا الوسيط ليس ممّا يذهب عن الذهن حتّى يحتاج إلى طلب فكر. فكلّما أُحضر المطلوب في الذهن، حضر التصديق به، لحضور الوسيط معه، مثل حكمنا بأنّ الاثنين خُمْس العشرة، فإنّ هذا حكمٌ بديهيٌّ، إلاّ أنّه معلوم بوسيط (1).

قال الحكيم السبزواري:


1 . إنّ حصر البديهيات في ستة، حصر استقرائي، وليس عقلياً دائراً بين النفي والإثبات وقد بينّ المحققون في كتب المنطق وجه حصرها في ستة، لاحظ الحاشية على تهذيب المنطق، للشيخ عبد الله اليزدي، ص 111، ط جامعة المدرسين بقم. والجوهر النضيد، ص 200 ـ 202 .
وقد أضاف إليها القاضي الإيجي قسماً سابعاً أسماه: «الوهميات في المحسوسات»، قال: «نحو: كل جسم في جهة». (المواقف، ص 38). كما جعلها الغزالي سبعة، قال: «جميع ما يتوهم كونه مَدْرَكاً لليقين والاعتقاد الجازم ينحصر في سبعة»، ثم عَدّ: الأوليات ـ المشاهدات الباطنة ـ المحسوسات الظاهرة ـ التجربيات (وقد يعبر عنها باطراد العادات) ـ المتواترات ـ الوهميات ـ المشهورات. ولكنه قال في المشهورات إنّها قد تكون كاذبة فلا يجوز أن يعوّل عليها في مقدمات البرهان. (لاحظ المستصفى: 1 / 44 ـ 49) .


(42)

إنّ ضرورياتِنا، ستٌ، وَذِي * مرجع كلّ النظريات خُذِ

فإنْ ثلاثة التصور كَفَتْ * في حكمها، فالأَوّلياتُ بَدَتْ

أَوْ لا، فبالإحساس إمّا يَسْتَمِدّ * ظهراً وبطناً فالمشاهدات عُدّ

فَسَمِّ ما بالظَّهْرِ حسِّياتِ * وانسِبْ إلى الوُجدانِ بطنياتِ

وإنْ يَنُط بغير حسٍّ فالوَسَطْ * إِن لم يَغِبْ عن دَرْكِ ذي الأطرافِ قَطْ

يُدْعى بفطريات، أي قضايا * قياسها معها بلا خبايا

وإنْ يَغِبْ، واستُعْمِلَ التجاربُ * فالتجربيّاتُ، أو التخاطُبُ

عن فِرْقِة تواطؤُ الكذبِ امتنعْ * فالمتواترتُ عند ذا تَقَعْ

ما بالقرائن فبالَحدْسيِّ سِمْ * كجُلِّ ما في الفلكياتِ حُكِمْ(1)

ب ـ أقسام الكسبيات

إنّ العلم الكسبي ينقسم حسب التصور والتصديق إلى قسمين: كسبيٍّ تصوّري، وهو الحدود والرسوم، وكسبيٍّ تصديقي كالقياس والاستقراء والتمثيل، وإليك فيما يلي بيان أقسامهما.

أقسام التصور الكسبي

كلُّ ما يفيد تصوراً لأمر ما، لا يخلو إمّا أن يكون حدّاً أو رسماً .

والحد هو التعريف بالذاتي، والرسم هو التعريف بالعَرَضي، وينقسم كل منهما إلى تام وناقص .

فالحدّ التام، هو التعريف بالفصل مع الجنس القريب.

والحدّ الناقص، هو التعريف بالفصل القريب مع الجنس البعيد، أو بالفصل وحده.

والرسم التام، هو التعريف بالجنس والخاصّة.


1 . شرح المنظومة: 88 ـ 92 .


(43)

والرسم الناقص، هو التعريف بالخاصّة وحدها.

ولكن الأصل في التعريف هو الحد التام، لأنّ المقصود من التعريف أمران:

أولهما: تصوّر المعرّف بحقيقته، لتتكوّن له في النفس صورة تفصيلية واضحة.

وثانيهما: تميّزه في الذهن عن غيره تميّزاً تاماً.

ولا يؤدَّى هذان الأمران إلاّ بالحدّ التام، وعندما يتعذر الأمر الأول يُكتفى بالثاني.

نعم، المعروف بين العلماء أنّ الإطّلاع على حقائق الأشياء وفصولها، من الأُمور المتعذّرة، وكلُّ ما يذكر من الفصول، فإنّما هو خواص لازمة تكشف عن الفصول الحقيقية. وعلى ضوء هذا فالتعاريف الموجودة بين أيدينا أكثرها أو كلُّها رسوم تشبه الحدود.(1)

ويسمّى الحدّ بالمعرِّف، وتجب معرفة المعرِّف قبل المعرَّف، وأن يكون المعرِّف غيرالمعرَّف (2) وأجلى منه.

كما أنّه لا يعرَّف الشيء بما لا يعرف إلاّ به بمرتبة أو أكثر (3) .

كما لا بُدّ أن يكون المعرِّف مساوياً للمعرَّف في العموم والخصوص، ليحصل التمييز، إذ لولاه لدخل فيه غير المعرَّف، فلم يكن مانعاً ومطَّرداً; أو خرج عنه بعض أفراده، فلم يكن جامعاً ومنعكساً.

أقسام التصديق الكسبي

ينقسم التصديق الكسبي إلى قياس واستقراء وتمثيل، وإليك بيانها إجمالاً:


1 . وسيأتي الكلام فيه عند البحث عن حدود المعرفة.
2 . المراد هو الغيرية في المفهوم ولو بالإجمال والتفصيل، كالحيوان الناطق بالنسبة إلى الإنسان .
3 . لاستلزامه الدور.


(44)

الاستدلال إمّا أن يكون بالكلي على الجزئي، وهو القياس،وعُرّف بأنّه قولٌ مؤلف من قضايا، متى سلّمت، لزم عنه ـ لذاته ـ (1)قولٌ آخر. كما إذا سلّمنا الصغرى: «العالم متغيّر»، والكبرى: «كل متغيّر حادث»، فإنّه يلزم عنه ـ لذاته ـ قول آخر وهو: «العالم حادث».

وإمّا بالجزئي على الكلّي، وهو الإستقراء، وهو إثبات الحكم الكلي، لثبوته في جزئياته، إمّا كلها فيفيد اليقين، أو بعضِها ولا يفيد إلاّ الظن، لجواز أن يكون ما لم يستقرىء على خلاف ما استقرأ، كما يقال: «كلُّ حيوان يحرّك عند المضغ فكّه الأسفل»، لأنّ الإنسان والفرس وغيرهما ممّا نشاهده كذلك، مع أنّ التمساح بخلافه.

وإمّا بالجزئي على الجزئي، وهو التمثيل، ويسمّيه الفقهاء قياساً، وهو مشاركة أمر بأمر في علة الحكم(2) .

ونخص الكلام في المقام بالقياس، فنقول:

إنّ القياس يتألف من هيئة ومادّة، وقد بحث المنطقيون عن كل واحد منهما في فصول خاصة.

أمّا بالنسبة إلى الهيئة، فينقسم إلى الأشكال الأربعة المعروفة. وذلك أنَّ الحدّ الأوسط، إمّا أن يكون محمولاً في الصغرى وموضوعاً في الكبرى، أو يكون محمولاً فيهما، أو موضوعاً فيهما، أو موضوعاً في الصغرى محمولاً في الكبرى. فالأول هو الشكل الأول، والثاني هو الثاني، والثالث الثالث، والرابع الرابع .

وأمّا بالنسبة إلى المادة، فله أقسام خمسة:

1. البرهان، وهوالقياس المفيد تصديقاً جازماً، وكان المطلوب حقّاً واقعاً.


1 . يخرج بهذا القيد قياس المساواة، كقولنا: زيد يساوي عمراً في الطول، وعمرو يساوي بكراً في الطول، فالنتيجة أنّ زيداً يساوي عمراً في الطول، فإن صدق النتيجة ليس لذات القياس، بل لمقدمة خارجة عنه، معلومة سابقاً وهي أنّ مساوي المساوي مساو، في الكميات .
2 . سيأتي بيان كل من الاستقراء والتمثيل على حدة، عند البحث عن أدوات المعرفة.


(45)

2. المغالطة، وهي القياس المفيد تصديقاً جازماً، وكان المعتبر فيه أن يكون المطلوب حقّاً، ولكنه ليس بحقّ واقعاً.

3. الجدل، وهو ما يفيد تصديقاً جازماً، ولكن لم يعتبر فيه أن يكون المطلوب حقّاً، بل المعتبر فيه عموم الاعتراف أو التسليم، والغرض منه إفحام الخصم وإلزامه.

4. الخطابة، وهي ما يفيد تصديقاً غير جازم، والغرض منه إقناع جمهور الناس.

5. الشعر، وهو ما يفيد غير التصديق من التخيّل والتعجب ونحوهما. والغرض منه حصول الانفعالات النفسية.

ويسمّى البحث عن كل واحد من هذه المواد الخمس، الصناعة. وقد تطلق الصناعة على القدرة على استعمال أحدها عند الحاجة، فيقال: صناعة البرهان، صناعة المغالطة... والصناعة اصطلاحاً: ملكة نفسانية وقدرة مكتسبة يقتدر بها الإنسان على استعمال أُمور لغرض من الأغراض، صادراً ذلك الاستعمال عن بصيرة، بحسب الإمكان، كصناعة الطب. ولذا مَنْ يغلط في أقيسته لا عن بصيرة ومعرفة بموقع الغلط، لا يقال: عنده صناعة المغالطة، بل مَنْ عنده الصناعة هوالّذي يعرف أنواع المغالطات، ويميّز القياس الصحيح من غيره، ويغالط في اقيسته عن عمد وبصيرة.(1)

وجهة نظر أُخرى في أقسام الكسبيات

ما تقدم كان أقسام العلوم الكسبية من حيث التصور والتصديق، ولكن


1 . إنّ هذا الفصل من أحسن بحوث علم المنطق، وقد قصّر فيه المتأخرون. وأجود ما كتب في هذا الموضوع منطق التجريد للمحقق نصير الدين الطوسي وشرحه تلميذه العلاّمة الحلّي في الجوهر النضيد، من الفصل الرابع إلى الفصل التاسع. وأخيراً ما دبّجته يراعة الأُستاذ الفذّ الشيخ محمد رضا المظفر ـ قدَّس سرَّه ـ ، في كتابه المنطق الّذي اغترف فيه من معين الأُصول المنطقية، وهذّب كتب المتقدمين بأحسن عبارة. وقد فصّل الرازي الكلام في أقسام التصديقات في الجزء الأول من كتابه «المباحث المشرقية»: 344 ـ 345 .


(46)

للإمام عبد القاهر البغدادي (429 هـ) تقسيم آخر، من جهة أُخرى .

فقد قسّم العلوم النظرية إلى أربعة أقسام:

1. استدلال بالعقل من جهة القياس والنظر.

2. معلوم من جهة التجارب .

3. معلوم من جهة الشرع.

4. معلوم من جهة الإلهام في بعض الناس.

ومثّل للقسم الأخير بالعلم بذوق الشعر وأوزان أبياته في بحوره، قال: «وقد يعلم هذا الوزن أعرابي، ويذهب عن معرفته حكيم يعرف قوانين أكثر العلوم النظرية. وقد احتال أهل العروض في استنباط أُصول عرفوا بها أوزان بحور الشعر، غير أنّ الشعر قد طبع على ذوق من لم يعرف العروض ولا القياس في بابه، وما ذاك إلاّ تخصيص من الله تعالى له به. وكذلك العلم بصناعة الألحان، غير مستنبط بالقياس ولا مُدْرَك بالضرورة الّتي يشترك فيها العقلاء، ولكنها من الخصائص الّتي يعلمها قوم دون قوم»(1) .

يلاحظ عليه

أوّلاً ـ إنّ التجارب داخلة في الاستدلال العقلي، لما سيوافيك من أنّ التجربة وحدها لا تفيد اليقين، ما لم ينضمّ إليها حكم عقلي. ولعلّ عدّها قسيماً للاستدلال بالعقل هو لتخصيص الأوّل بالتفكر المحض، وما ليس فيه ممارسة للتجربة.

وثانياً ـ إنّ العلم بأوزان بحور الشعر والألحان ليس من قسم الإلهام المصطلح، بل هو من المواهب الفطرية المودعة في خلقة الإنسان .

***


1 . أصول الدين للبغدادي: 15 .


(47)

3. انقسام العلم إلى فعلي وانفعالي

العلم قد يكون فعلياً، وقد يكون انفعالياً، ولكل منهما تفسيران:

التفسير الأول، للمتكلمين: العلم يكون فعلياً إذا كانت الصورة الذهنية متقدمة على الوجود الخارجي للمعقول. كارتسام شكل البيت في خيال المهندس فإنّ ذلك التصوّر يصير مبدأً لحصول المتصوَّر في الخارج. وعلى ضوء ذلك فجميع الأفعال الحيوانية والإنسانية الصادرة بعد التصور، والتصديق بفائدتها، من هذا القبيل .

وأمّا إذا كان وجود المعلوم متقدِّماً على وجود العلم، مثل مَنْ نظر إلى البناء، وتصوَّر عنه صورة، فهذا هو العلم الانفعالي.

وقالوا: إنّ العلم الفعلي أفضل من العلم الانفعالي، كيف لا، ونحن نعلم أنّ علم امرئ القيس بقصيدته، أشرف وأكمل من علم من تعلّمها منه(1).

التفسير الثاني، للحكماء، وهو أنّ العلم الفعلي ما يكون بنفسه علةً تامةً لوجود المعلوم في الخارج، من دون حاجة إلى توسيط الآلات والأدوات.

كالإنسان الواقف على شاهق، حيث يتصور السقوط، فيسقط فوراً. وبذلك يفترق عن العلم الفعلي للمتكلمين، فإنّ الصورة المرتسمة في ذهن المهندس قبل الاشتغال بالبناء، ليست علّة لإيجاده، وإنّما هي من أجزاء علّته، فتصوره لا يؤثّر في إيجاد ذلك المتصوَّر إلاّ بواسطة الآلات والأدوات.

ويقابله العلم الانفعالي، وهو ما لا يكون علة تامة لوجود المعلوم. وأكثر العلوم البشرية من هذا القبيل. وعلى ضوء هذا، فالصور الذهنية للمهندس من العلوم الانفعالية.

يقول الحكيم السَّبْزَواري في أصناف الفاعل:

وَبِتَوَهُّم لِسَقْطَة، على * جذع، عنايةً، سقوطٌ فُعِلا(2)


1 . المباحث المشرقية: 1 / 365 ـ 366 .
2 . شرح المنظومة لناظمها: 117 .


(48)

وقال في شرحه: فإنّ هذا العلم التوهمي بمجرّده، ومحضِ تخيُّل السقوط بلا رَوِيَّة وتصديق بغاية، منشأٌ للفعل الّذي هو السقوط .

***

4. انقسام العلم إلى حصولي وحضوري

إذا كانت حقيقة العلم هي حضور المعلوم لدى العالم، فهو ينقسم إلى قسمين، قسمةً حاصرةً، لأنّ حضور المعلوم للعالم إمّا بماهيته، وإمّا بنفس وجوده. فالأوّل هو العلم الحصولي والثاني هو العلم الحضوري.

وبعبارة أُخرى: إمّا أن تحضر الأشياء لدى العالم بماهيّاتها بعينها، لا بوجوداتها الخارجية الّتي تترتب عليها آثارها الخارجية، فهذا هو العلم الحصولي. وإمّا أن تحضر بنفس وجودها، من دون أن يتوسط بين العالم والمعلوم صورة، وهذا هو العلم الحضوري.

والأول لا يحتاج إلى تمثيل، فإنّ غالبية علومنا، علوم حصولية.

والثاني، كعلم أحدنا بذاته، الّذي يشير إليه بـ «أنا». وليس علمنا هذا، بحضور ماهية ذاتنا ومفهومها عندنا، لأنّ المفهوم الحاضر في الذهن، كيفما فُرض، لا يأبي ـ بالنظر إلى نفسه ـ الصدق على كثيرين، وإنّما يتشخَّص بالوجود الخارجي. وأمّا الّذي نشاهده من أنفسنا، ونعبّر عنه بـ «أنا»، فهو أمر شخصي بذاته، غير قابل للشركة بين كثيرين، فعلمنا بذاتنا، إنّما هو بحضورها لدينا، بوجودها الخارجيّ الّذي هو عين وجودنا الشخصي المترتب عليه الآثار.

وبما أنّا قد بسطنا الكلام في تفسير العلم الحصولي والحضوري عند البحث عن تعريف العلم، فنكتفي بهذا القدر من التفصيل .

***

5. انقسام العلم إلى كلّي وجزئي

ينقسم العلم الحصولي إلى كلّي وجزئي.


(49)

والكلي هو ما لا يمتنع العقل من فرض صدقه على كثيرين. كالعلم بالإنسان المعقول، حيث يجوّز العقل صدقه على كثيرين في الخارج .

والجزئي هو ما يمتنع العقل من تجويز صدقه على كثيرين، كالعلم بهذا الإنسان، الحاصل بنوع من الاتصال بمادته الحاضرة، ويسمى علماً حسياً وإحساسياً. وكالعلم بالإنسان من غير حضور مادته، ويسمّى علماً خيالياً. وعَدُّ هذين المثالين من العلم الجزئي إنّما هو من جهة اتصال أدوات الحسّ بمادة المعلوم الخارجي في العلم الحسِّي، وتوقّف العلم الخيالي على سبق العلم الحسِّي، وإلاّ فالصورة العلمية، سواء أكانت حسّية أم خيالية أم غيرهما، لا تأبى ـ بالنظر إلى ذاتها ـ من الصدق على كثيرين .

***

6. انقسام العلم إلى تفصيلي وإجمالي

إذا وقف الإنسان على أشياء مختلفة، بصورة متمائزة، منفصل بعضها عن بعض، كعلمه بأنّ هذه شجرة، وهذا جبل، وهذه سحابة، فالعلم تفصيلي.

وأمّا إذا وقف على أشياء مختلفة، بصورة واحدة بسيطة، لا انفصال فيها ولا تمايز، ولكن إذا سئل عنها أجاب عنها بإحكام وإتقان، فيسمى علماً إجمالياً. وهذا كملكات العلوم، فإنّها حالات بسيطة، لكنها خلاّقة للتفاصيل. فالإديب له ملكة بسيطة للإجابة عن المسائل الأدبية، فإذا سئل عن تلك المسائل، مترتباً متعاقباً، أَحْضَر الإجوبة بصورة مفصّلة. فهذه الصور التفصيلية علم تفصيلي، والحالة البسيطة الحاصلة قبل إلقاء الأسئلة والإجابة عنها، علم إجمالي.

***

7. انقسام العلم إلى علمي وعملي

إنّ العلوم الّتي ينالها الإنسان تنقسم إلى قسمين:

1. أفكار علمية بحتة، تعطي النفس كمالاً، من دون أن تؤدّي إلى العمل بها. وهذا كعلمنا بالواجب وصفاته وأفعاله، وكعلمنا بما في الكون من أجرام


(50)

ومجرَات، وما يسودها من سنن ونُظُم، فكلها معارف علمية صرفة، ليس من شأنها أن يعمل بها.

2. أفكار ينالها الذهن، ليعمل بها الإنسان بمحض إرادته. وهذا كعلمنا بأنّ العدل بين الرعية واجب، أو حفظ النظام لازم، أو الإنفاق على الزوجة لازم، أو الإحسان إلى اليتامى والمُعْدَمين لازم، وغير ذلك من مباحث الحكمة العملية في مجالات الأخلاق أولاً، وتدبير المنزل ثانياً، وسياسة المدن ثالثاً.

وعلى كل تقدير، فالمعرفة، علمية كانت أم عملية، معرفة ذهنية، لا أكثر، غاية الأمر أنّ الثانية من شأنها أن يُعمل بها وتؤدَّى في الخارج، دون الأولى .

والمُدْرِك للمعارف الأولى هو العقل النظري، كما أنّ المدرِك للثانية هو العقل العملي. وهذا لايروم إلى أنّ للإنسان عقلين مختلفين، ومُدْرِكين متبائنين، بل ليس هناك سوى عقل واحد، يدرك قضايا مختلفة، من شأن بعضها أن يطبّق في الحياة، وهي العملية، دون بعضها الآخر الّتي هي النظرية.

***

8 . انقسام العلم إلى حقيقي واعتباري

إنّ المفاهيم الواقعة في إطار التعقُّل والتصوُّر، تنقسم ـ حسب محكيِّها ـ إلى أقسام :

1. ما يكون وجوده في نفسه، ولنفسه، وبنفسه. ويراد منه ما يكون له مفهوم مستقل، غير ناعت للغير، ولا قائم به، وهو واجب الوجود .

2. ما يكون وجوده في نفسه، ولنفسه، ولكن بغيره. وهو الجواهر، كالإنسان، فإنّ لها مفهوماً مستقلاً (في نفسه)، غير ناعت لشيء (لنفسه) ولكن بحكم أنّها موجودات إمكانية، تكون قائمة بالغير (بغيره وهو علته).

3. ما يكون وجوده في نفسه، ولكن لغيره، وبغيره. وهو الأعراض، كالبياض والسواد، فإنّ لها مفاهيم مستقلة (في نفسه)، ولكنها حسب الوجود


(51)

ناعتة للغير (لغيره وهو موضوعه): فالبياض عرض، والأبيض هو الجوهر الّذي صار البياض ناعتاً له ; وبحكم أنّها موجودات إمكانية، فهي قائمة بالغير (بغيره وهو علته).

4. ما يكون وجوده في غيره ولغيره وبغيره. وهو ما لا يكون له مفهوم مستقل، بل لا يتصوّر إلاّ في ضمن الغير، فإذا كان كذلك فأوْلى أن لا يكون في نفسه وبنفسه. وهذا كالمعاني الحرفية، فإنّك إذا قلت: الماء في الإناء، فالماء والإناء لهما مفهوماهما المستقلان، ولكن المفهوم من لفظة «في»، معنىً مُنْدَكٌّ وفان في الطرفين، فلا يمكن تصوُّره منفكاً عن الماء والإناء، ولذلك تُعَدُّ المعاني الحرفية أدنى مراتب الوجود.

وإلى هذه المراتب الوجودية الثلاث يشير الحكيم السبزواري بقوله:

إنَّ الوجودَ رابطٌ ورابطيّ * ثَمَّتَ نَفْسيٌّ فهاكَ واضبِطِ(1)

لأنّه في نفسه أَوْ لا، وما * في نفسه إما لنفسه سِما

أو غَيْرِهِ، والحَقُّ نحوُ أَيْسِهِ(2) * في نفِسهِ، لِنَفْسِهِ، بِنَفْسِهِ(3)

وهناك قسم خامس يُعَبَّر عنه بـ «الإنتزاعيات»، وهو أشبه ما يكون بالمعاني الحرفية، ولكنه ليس منها. وهو عبارة عن المفاهيم الّتي ليس لها مصداق في الخارج، ولكن الإنسان ينتقل إليها من تصور الخارج باعتبار اشتماله على حيثية واقعية قائمة بالموضوع، وذلك كالفوقية والتحتيّة، فإنهما وإن لم يكن لهما مصداق في الخارج، بل الخارج متمحض في كونه مصداقاً لما هو فوق أو تحت، ولكن هذا المصداق الخارجي، باعتبار اشتماله على حيثية وجودية هي كونه مستعلياً على ما تحته، يُنتزع منه مفهوم الفوقية، أو كونه أسفل ما فوقه، فينتزع منه مفهوم التحتية.


1 . «الرابط» هو المفاهيم الحرفية. و «الرابطي» إصطلاحٌ في الأعراض. و «النفسي» يطلق على الموجود لنفسه، سواء أكان بنفسه أيضاً كالواجب، اوبغيره كالجواهر.
2 . أي نحو وجوده، فإن «أيس» بمعنى الوجود، في مقابل «ليس» بمعنى العدم.
3 . المنظومة: 61 ـ 62 .


(52)

فهذه المراتب الخمس، هي مراتب الوجود الحقيقي، على اختلاف درجاته، والمعرفة المتعلقة بها «معرفة حقيقيّة».

ويقابلها «المعرفة الاعتبارية»، فإنّها عبارة عن العلم بما ليس له في الخارج وجود ولا منشأ انتزاع، بل مآلها إلى استعارة المفاهيم النفس الأمرية الحقيقية، بحدودها، لأنواع الأعمال، الّتي هي الحركات المختلفة ومتعلقاتها، للحصول على غايات حيوية.

كاعتبار الرئاسة لرئيس القوم، ليكون من الجماعة بمنزلة الرأس من البدن، في تدبير أُموره وهداية أعضائه إلى واجب العمل.

واعتبار المالكية لزيد ـ مثلاً ـ بالنسبة إلى ما حازه من المال ليكون له الاختصاص بالتصرف فيه كيف شاء، كما هو شأن المالك الحقيقي في ملكه، كالنفس الإنسانية المالكة لقواها.

واعتبار الزوجية بين الرجل والمرأة، ليشترك الزوجان فيما يترتب على المجموع، كما هو الشأن في الزوج العددي.

هذا، وإنّ للبحث عن الاعتباريات وأقسامها(1) وحدودها دور كبير في الفلسفة الإسلامية، غفل عنه الغربيون، ولم ينبسوا فيه ببنت شفة. ومِنْ أحسن ما كتب فيه، ما ألّفه السيد الأستاذ العلاّمة محمد حسين الطباطبائي ـ رحمه الله ـ ، فقد كتب في «أصول الفلسفة» بحثاً عميقاً تحت عنوان «الحقائق والاعتباريات».

وقد كان خلط الحقائق بالاعتباريات سبباً لكثير من المشكلات العلمية في


1 . تنقسم الاعتباريات إلى اعتباريات اجتماعيّة عليها تدور رحى الحياة، كالزوجية والمالكية بأسبابها المختلفة، واعتباريات إنشائية، كالبعث والزجر والتمني والترجي والإستفهام، فإنّها مفاهيم اعتبارية ينشئها الذهن بآرائه الخاصة. فالبعث ـ مثلاً ـ على قسمين: بعث تكويني إلى الفعل، كأن تجر المأمور بيدك إلى المقصود، وبعث اعتباري كما إذا أشرت إليه بحاجبك أو إصبعك أو قلت له: إذهب وافعل كذا، فإن ها هنا بعثاً، لا حقيقة بل اعتباراً. وقد أوضحنا ذلك في أبحاث الاستاذ ـ دام ظلّه ـ الأُصولية .


(53)

العلوم الاعتبارية، غافلين عن أنّ الاعتباريات لا تتجاوز حدّ الاعتبار وتصوير الذهن، فلامعنى لإجراء أحكام الحقائق عليها: فلا يتصوّر فيها الدور، ولا التسلسل، ولا أحكام العلة والمعلول، لأنّها من أحكام الحقائق لا الاعتباريات(1).


1 . قد تبع الأستاذ ـ دام ظله ـ في هذا التقسيم السادس للعلم، الشيخ المحقّق الأصفهاني ـ رحمه الله ـ في حاشيته على «المتاجر» عند البحث عن تعريف البيع. وللعلامة الطباطبائي ـ رحمه الله ـ في تقسيم العلم إلى الحقيقي والاعتباري بيانً آخر، من أراده فليرجع إلى نهاية الحكمة: 256، ط جامعة المدرسين.


(54)

(55)

الفصل الثالث
قيمة المعرفة


(56)

(57)

الفصل الثالث

قيمة المعرفة

منذ أن أطل الإنسان على العالم بنظره، عاين الأشياء، فعلم بعلم بسيط لا يعتريه شك ولا يشوبه ريب أنّ الفضاء مملوء بموجودات هائلة، والأرضَ تحتوي على كائنات لا تُحصى، هو أحدها. كما علم بعلم فطري أنّ في الكون ديّاراً سوى ما يراه، وأنّ في صحيفة الوجود موجودات غيرها، وأنّ وراء نفسه وتصوراتها حقائق واقعية ثابتة; لم يَرْتَبْ في ذلك أبداً.

وكل واحد منّا إذا رجع القهقرى إلى أُوليات حياته، يقف على أنّه ما عرف يمينه من يساره إلاّ وقد أدرك قبل عرفانه هذا، أنّ وراء وجوده وتصوراته عالماً مشحوناً بالموجودات، وأنّه في هذا العالم مبدأ لأفعال تصدر عنه باختياره، فهو يأكل إذا جاع، ويشرب اذاظمئ، ويكتسي إذا عري، ويستريح إذا تعب...

إنّ الاعتراف بأنّ وراء ذهن الإنسان وذهنياته حقائق ووقائع تحكي عنها علومهُ وإدراكاته، ليس بمعنى تصويب عامة آرائه وأفكاره، بل المراد التصديق الإجمالي بأنّها تكشف عن واقعيات، لأنّه كما يكون مصيباً في بعض إدراكاته، قد يخطئ في بعض آخر منها.

هذا ما عليه جل البشر. إلاّ أنّ هناك شرذمة قليلين خالفوا الرأي العام في هذا المجال، وهم بين منكر للواقعيات والحقائق، قائل بأنّ الصور الذهنية ليست إلاّ خيالاً في خيال ولا تكشف عن شيء وراءها أبداً. ومسلّم بالحقائق


(58)

والواقعيات ولكنه شاكّ في صحة انطباق ما ندركه عليها، غير مذعن بأنّ لهذه الصور إمكانية الكشف عمّا وراءها. وهاتان الطائفتان تقابلان المنهج الثالث الّذي عليه عقلاء البشر.

وبعبارة أُخرى: إنّ ها هنا مسألتين، مسألة وجود واقع موضوعي للإدراكات والإحساسات، والأخرى مسألة مطابقة ما يبدو لنا في إدراكنا وحواسنا لذاك الواقع. فهناك من ينكر المسألة الأولى، وهناك من يقبلها ولكنه يشك في مطابقة ما يبدو في إدراكنا وحواسنا لما هو الواقع.

فالمذاهب ـ إذن ـ في تقييم المعرفة، ثلاثة:

الأوّل ـ منهج الإنكار.

الثاني ـ منهج الشك.

الثالث ـ منهج الجزم واليقين.

وفيما يأتي نبحث في هذه المناهج، الواحدة تلو الأُخرى .

*


(59)

مناهج تقييم المعرفة

         1

منهج الإنكار(1)

إنّ تاريخ الفلسفة اليونانية يحكي عن ظهور جماعة في القرن الخامس قبل الميلاد، يدّعون أنّهم من أهل الفضل والعلم، كانوا ينكرون المحسوسات والبديهيات، ويَعُدّون صحيفة الوجود خيالاً في خيال، ولا يعترفون بشيء من الواقعيات، وغاية ما كانوا يعترفون به بعد البحث والجدال، هو وجودهم وذهنهم وذهنياتهم. وهؤلاء عُرفوا في تاريخ الفلسفة بالسوفسطائيين(2).

وممّا ينقضي منه العجب، أنّ الجدل ربما كان يجرهم إلى إنكار وجود أنفسهم أيضاً، ومع ذلك كله كانوا يعيشون كسائر الناس الذين لا يشكون في الحقائق، بلا اختلاف بينهم في المعيشة والسلوك. فلم يُشاهد من المنكرين، الضحكُ في مقام البكاء، ولا النوم عند الجوع، ولاالسكوت في موضع التكلم. وذلك يعرب عن أنّهم كانوا يتفوهون بما ليس في قلوبهم، ويقولون بما يضاد ما توحيه إليهم فطرتهم، وهو أنّه لا يسدّ جوع الإنسان خيال الأكل إذا جاع، ولا يرويه تصوُّر الماء إذا ظمئ، ولا يكسوه خيال الثوب إذا عري، ولا يريحه تفكير الراحة إذا تعب.


1 . SOPHISM .
2 . لم يتعرض الأستاذ ـ دام ظلّه ـ إلى شخصيات السوفسطائيين، ولا إلى آرائهم العملية، ولذا نستدرك ذلك في ملحق خاص آخر الكتاب، فراجعه.


(60)

بواعث الإنكار

فلابد ـ في ضوء ذلك ـ من البحث عن الحافز أو الحوافز الّتي جرّتهم إلى تبني هذه الفكرة الساقطة. ولعلّ الّذي دعاهم إلى تبنيها أحد الأمرين التاليين أو كلاهما.

الأوّل ـ ظهور الآراء المتشتتة في الأبحاث الفلسفية فيما يتعلق ببدء العالم ونهايته، وموجده، وغرضه وغير ذلك ممّا تضاربت فيه الآراء. ورأوا أنّ كل طائفة تخطّئ الأُخرى وتردّ براهينها، والتشاجر والتنازع فيما بينها قائم على قدم وساق، فلا ينقطع البحث ولا يصل إلى غاية.

فهذا البسط والعمق من جانب، وبساطة أفكار القوم في تمييز الصحيح من الآراء عن الزائف منها، من جانب آخر، جعلهم حيارى، وعقولهم صرعى، فلجأوا إلى مسلك آخر، وهو مسلك السفسطة بأقسامها.

الثاني ـ ظهور فن الخطابة في تلك الأدوار، وهذا الفن يبتني على ذوقيات وتحليلات يستحسنها البسطاء، حيث يجدونها ملائمة لبعض قواهم. وكان للخطابة تأثيرٌ واسعٌ في تلك الحقبة، فاستخدمها رجال السياسة لبيان أهدافهم السياسية في إجراء الإصلاحات، أو إشعال الثورات، أو إخمادها. بل كان المحامون في المحاكم القضائية يستخدمونها في الدفاع عن موكليهم. فلأجل ذلك دوّنوا لها أصولاً وقواعد، وصارت فنّاً مستقلاً .

فلما كان القوم يرون أنَ رجال السياسة قد يتبنون موقفاً اليوم، وآخر غداً، ورأوا أنّ كل محام يتبنى شتى ما ينتفع به موكله ويبطل ما يدّعيه خصمه، بل ربما لجأ محام واحد إلى الدفاع عن المتخاصمين جميعاً، كل ذلك صار سبباً لتشكيك القوم في ثبوت واقعية وراء التفكير الإنساني، إذ رأوا أنّ الحقائق مَلْعَبَةُ الأفكار والآراء.

وظل القوم تائهين في ضلالتهم، يسوقون العامة إلى حضيض الجهل والظلمة، إلى أن نهض الفطاحل من الأغارقة الأقدمين كسقراط وأفلاطون وأرسطو، فكافحوهم، وبددوا شملهم، وحلّوا عقدهم وشبهاتهم، وأوضحوا


(61)

أنّ للأشياء كلها حقيقة وواقعية، وإن اختلفت الآراء والأفكار في إدراكها، وأنّ الفلسفة هي العلم بأحوال الأعيان الخارجية على ما هي عليه، ولو أنّ الإنسان سعى في تحصيل ضالّته على نظام صحيح، لظفر بها. وتحقيقاً لهذه الغاية، قام المعلم الأول بتدوين المنطق وتبويبه، واستطاع بذلك أن يقضي على شبهات القوم.

طوائف المنكرين

ثم إنّ المنكرين للواقعيات على طوائف :

1. من أنكر الواقعيات بقول مطلق، فلم يعترف بواقعية شيء من الأشياء.

2. من وقف على أنّ إنكار الواقعيات على الإطلاق يتضمن الاعتراف بعدّة حقائق من حيث لا يشعر. ولأجل ذلك أخذوا منحىً آخر، فقالوا: لا علم لنا بأيِّ واقع من الوقائع، أو أيّة حقيقة من الحقائق.

وقد عزب عن الطائفتين أن ما تبنتاه يتضمن الاعتراف بواقعية أنفسهم وذواتهم. وأنّ لهم علماً وتفكيراً.

3. من وقفوا على المؤاخذة السابقة، فقالوا ليس لنا علم بشيء عدا ذاتنا وتفكيرنا، فاعترفوا بواقعيتين: واقعية ذات الإنسان وعلمه.

ومجمل القول في هذا المنهج، أنّ الإنكار، بقول مطلق أو على وجه نسبي، داءٌ فكري تجب معالجته بالطرق السلمية المنطقية أوّلاً، كما قام بذلك المعلم الأول وتلامذته. فإن لم ينجع هذا التداوي، فآخر الدواء الكي. وفي هذا الصدد يقول الشيخ الرئيس :

«يسألون: هل أنكم تعلمون أنّ إنكاركم حقّ أو باطل، أو تشكّون. فإن حكموا بعلمهم بشيء من هذه الأمور، فقد اعترفوا بحقيّة اعتقاد ما، سواء أكان ذلك الاعتقاد اعتقاد الحقيّة في قولهم بإنكار القول الحق، أو اعتقاد البطلان، أو الشك فيه. فسقط إنكارهم الحق مطلقاً وإن قالوا: إنّا شككنا، فيقال لهم:


(62)

هل تعلمون أنّكم شككتم أو أنّكم أنكرتم، وهل تعلمون من الأقاويل شيئاً معيناً؟ فإن اعترفوا بأنّهم شاكون أو منكرون، وأنّهم يعلمون شيئاً معيناً من الأشياء، فقد اعترفوا بعلم ما وحقٍّ ما. وإن قالوا: إنّا لا نفهم شيئاً أبداً، وننكر الأشياء جميعاً حتّى إنكارنا لها أيضاً، ولعلّ هذا ما يتلفظ به لسانهم معاندين; فسقط الاحتجاج معهم، ولا يُرجى منهم الاسترشاد، فليس علاجهم إلاّ أن يكلفوا بدخول النار، إذ النار واللانار واحد; ويضربوا، فإنّ الألم واللاألم واحد»(1).

وقال الإمام فخرالدين الرازي: «اتّفق أهل التحقيق على أنّ المنازع للأوائل (البديهيات) في التصديقات، لا يستحق المكالمة والمناظرة، إذ لا يمكن إقامة البرهان على حقيقة هذه القضية، والّذي ينازع فيها، إمّا ينازع لأنّه لم يحصل له تصوّر أجزاء هذه القضية، وإمّا لكونه معانداً، وإمّا لأجل أنّه تعادلت عنده الأقيسة المنتجة للنتائج المتناقضة المتقابلة، ولم يقدر على ترجيح بعضها على بعض.

فإن كان المنازع من القسم الأول، فعلاجه تفهيم ماهيات تلك القضية.

وإن كان من القسم الثاني، فعلاجه الضرب والحرق، وأن يقال له: الضرب واللاضرب، والحرق واللاحرق واحد.

وإن كان من القسم الثالث، فعلاجه حلّ شكوكه»(2).

***


1 . إلهيات الشفاء: 11، ط طهران .
2 . المباحث المشرقية، الرازي: 1 / 349 ـ 350. ولاحظ أُصول الدين، للبغدادي،: 6، فقد ذَكر مضمون هذا الكلام بعبارة أُخرى .
وما نقلناه وغيره يدلّ على أنّ المتكلمين والفلاسفة الإسلاميين كانوا في القمة من الموضوعيين، كما كانوا مهتمين بدفع شبهات السوفسطائيين.


(63)

مناهج تقييم المعرفة

         2

منهج الشك(1)

بين منهج الإنكار المبنيِّ على إنكار الواقعيات والحقائق، ومنهج اليقين الّذي يتبنّى واقعية جميع المدركات، نهجٌ يتوسطهما، حاول التوفيق بينهما، فلم ينكر الواقعيات على وجه القطع ولم يثبتها كذلك ، بل التزم موقف الشك منها.

توضيحه: لما قام المعلم الأول بتدوين المنطق وتبويبه، واستطاع بذلك أن يقضي على شبهات المنكرين، ظهرت عند ذلك السفسطة بصورة أخرى، هي صورة الشك والترديد، وزعم المبشرون بها أمثال «پيرون»(2)، أنّها الطريقة


1 . SCEPTICISM .
2 . پيرون أو فيرون (Pyrrhon) اليوناني ولد حوالي (360 ق. م)، ويُعَدّ أول من قَدّم نزعة شكيّة شاملة. لم يترك أيّة كتابات ولكن معرفتنا بأفكاره تعتمد أساساً على ما ذكره تلميذه «تيمون» (Timon) .
ويرى پيرون أنّ على الحكيم أن يسأل نفسه ثلاثة أسئلة:
أولاً: ما هي الأشياء وكيف تتكون؟
ثانياً: كيف نرتبط بهذه الأشياء؟
ثالثاً: ما يجب أن يكون موقفنا إزاءها.
وأجاب عن الأول بأنّنا لا نعرف شيئاً. وعن الثالث بأنّ موقفنا يجب أن يكون التوقف التام عن الحكم لأنّنا لا نستطيع أن نتيقن في أي شيء. وعن الثاني: اللامبالاة والسكينة التامة والهرب من الحياة. (لاحظ تاريخ الفلسفة اليونانية، وولترستيس: 294 ـ 295. بتصرف).
وبإمكان الباحث الكريم الرجوع في آراء «پيرون» و «تيمون» وسائر الشكّاكين اليونان إلى كتاب:
«Les sceptique gres» تأليف «Brochard».


(64)

الوسطى بين السفسطة الّتي تريد أن تضرب على الحقائق بقلم عريض وعلى كل ما في الكون من وجود وثبوت، على الإطلاق، اوباستثناء نفس الإنسان وذهنه وتفكيره ; والفلسفة ومذهب اليقين الّذي مشى عليه سقراط وأساتذته وتلامذته، وتبنوا وجود الحقائق وإمكان الوصول إليها بالمنطق السليم.

قالوا: إنّ الطرق الّتي اتّخذها الإنسان لنفسه للوصول إلى الواقع، لاتعطيه يقيناً ولا اطمئناناً، إذ الحسّ والعقل خاطئان في إدراكها ـ بلا شك ـ في موارد شتّى، وإن المنطق الأرسطي لا يعصم فكر الإنسان عن الخطأ. فالأوْلى، تحفّظاً على كرامة الواقع، هو التوقف في الرأي، والسكوت دون الواقع، بلا فرق في ذلك بين المسائل الطبيعية وغيرها.(1)

ولكن هذا المذهب لم يعمّر طويلاً، فخمدت جذْوته إلى القرن السادس عشر، عندما قام الغرب بحضارته الصناعية، ونشطت العلوم الطبيعية، واكتشفت النواميس الماديّة. عند ذلك أُحيي مذهب الشك من جديد، واستأنف نشاطه بأساليب مختلفة، وغدا ما أفناه الدهر من أفكار الشكاكين اليونانيين غضّاً طرياً نابضاً بالحياة الّتي بعثها فيه رجال نظراء «باركلي» و «شوبنهاور». فصار الشك في إمكان الوصول إلى الواقع الموضوعي في الغرب شعاراً للمنكرين.

وقد احتج منهج الشك الحديث ـ الّذي ورث أُصوله من «پيرون» ـ بجملة من الشبهات نذكرها فيما يلي.


1 . وقد نقل عن پيرون بطل منهج الشك أنّه أثبت بحجج عشر ضرورة الشك المطلق، وأن كل قضية من القضايا تحتمل وجهين: الإيجاب والسلب. وأهمّ تلك الأدلّة أنّ العلوم الإنسانية تخضع لعوامل خارجية وداخلية، لها دور في تبلور الخارج في ذهن الإنسان. ولأجل ذلك لو تبدلت تلك الشروط والعوامل، لتبلور الخارج على المَدارك بشكل آخر. وأمّا الحقيقة الواقعية الموضوعية، فهي خفيّة على الإنسان.
وبعبارة أخرى: كان رئيس الشكّاكين الأغارقة يردد هذه المقولة: إنّ من الممكن أن يكون للأشياء كيفية خاصة، غير أنّا لا ندركها على ما هي عليه، بل ندركها حسب الدور الّذي تلعبه الظروف والشرائط الزمانية والمكانية في وقوفنا عليها. وعلى ذلك فلا يمكننا الحكم على معرفة بالخطأ والصواب، لأنّنا نفقد الميزان الّذي يعيّن حدودهما.
وهذا عين ما تمسَّك به النسبيون من الفلاسفة الغربيين في إثبات نسبيّة المعرفة، كما سيوافيك.


(65)

شبهات الشكّاكين

الشبهة الأولى ـ خطأ الحواس

إنّ الأدوات الّتي يتوصل بها الإنسان إلى درك الواقعيات، لا تتجاوز الحسّ والعقل، وهما خاطئان، وليس هناك شيء يميّز به خطأ الحسّ والعقل عن صوابهما. ولهما في شؤون حياتنا الكثير من الأخطاء نذكر بعضها:

أمّا الأخطاء الراجعة إلى أدوات الحسّ، فمنها:

1. إنّا نرى شكل الجسم الواحد في الماء مغايراً لشكله خارج الماء. فإنّ القلم أو القضيب يظهران في الماء منكسرين مع أنّهما ليسا كذلك خارجه.

2. إنّ عنق الحمام يتجلّى في الماء بألوان مختلفة، مع أنّه خارجها فاقد لها.

3. إنّ الواقف في قاعة كبيرة يرى الموضع الذي يقف عليه أعلى من منتهى القاعة، ويرى السقف الّذي يحاذي رأسه على عكس ذلك. مع أنّها في المقاييس على مستوى واحد.

4. إنّ الخطَّيْن المتوازيَيْن يظهران متمايليْن، إذا وقف الإنسان بينهما.

5. إنّ القطرة النازلة من السماء تتراءى كأنّها خطٌّ ممتد، مع أنّها ليست إلاّ نقطة.

6. إنّ الشعلة الجوّالة تبدو كأنّها دائرة تدور على مركزها.

هذا كلّه في خطأ الباصرة، وليس خطأ اللامسة بأقلّ منه، فمثلاً :

7. لو وضع أحدنا إحدى يديه في ماء ساخن والأُخرى في ماء بارد، ثم أدخلهما معاً بعد ذلك في إناء ثالث يحتوي على ماء دافئ، فإنّه يجد أنّ كلاًّ من يديه تخبره بحرارة تغاير ما تخبر به الأُخرى، فإنّه يحس في إحداهما بأنّ الماء حار، وفي الأُخرى بأنّه بارد، مع أنّ الماء واحد وهو دافيء.

ومثل ذلك خطأ سائر الحواس، كالذائقة. مثلاً:

8 . لو أكل الإنسان عسلاً، ثم أكل بعده بطيخاً، فإنّه لن يحسّ


(66)

بحلاوته، في حين أنّه لو تناول ملحاً ثم أكل بعده البطيخ، يشعر بحلاوته.

وعلى ضوء جميع ذلك، كيف يطمئنُّ الإنسان إلى ما يقف عليه من طريق الحس؟.

وقد ذكر القاضي الإيجي كثيراً من الأمثلة الّتي يغلط فيها الحسّ، قال: «إنّا نرى الصغير كبيراً، كالنار البعيدة في الظلمة، وكالعنب في الماء تُرى كالإجاصة، والخاتم المُقَرَّب من العين يرى كالحلقة الكبيرة. وبالعكس كالأشياء البعيدة. والواحد كثيراً كالقمر إذا نظرنا إليه مع غمض إحدى العينين، أو إلى الماء عند طلوعه، فإنّا نراه قمرين، وكالأحول، فإنّه يرى الواحد اثنين. وبالعكس، كالرّحى إذا أُخرج من مركزها إلى محيطها خطوط متقاربة بألوان مختلفة، بأنّها إذا دارت رؤيت كاللون الواحد الممتزج منها. والمعدوم موجوداً، كالسراب، وما يريه صاحب خفة اليد والشعبذة، وكالخط لنزول القطرة، والدائرة لإدارة الشعلة بسرعة. والمتحرك ساكناً، وبالعكس، كالظل يرى ساكناً وهو متحرّك، وكراكب السفينة يراها ساكنة والشط متحركاً. والمتحرك إلى جهة، متحركاً إلى خلافها، كالقمر سائر إلى الغيم حين يسير الغيم إليه، وإذا تحرّكنا إلى جهة، رأيناه متحركاً إليها، وإن تحرّك إلى خلافها. والشجر على الشط متنكّساً. والوجه طويلاً وعريضاً ومُعْوَجّاً بحسب اختلاف شكل المرآة»(1).


1 . وقد حاول تصحيح كلامهم بعد ذلك، فقال: ولعلّهم أرادوا أنّ جزم العقل ليس بمجرّد الحسّ، بل مع أُمور تنضم إليه، فتضطره إلى الجزم، لا نعلم ما هي؟ ومتى حصلت؟ وكيف حصلت؟ وإلاّ (أي إن لم يريدوا بالقدح في الحسيّات ما ذكرناه من التأويل) فإليها (أي إلى الحسيّات) تنتهي علومهم (المواقف: 15، ط عالم الكتب ـ بيروت).
يقول الشريف في شرح هذه العبارة: فيكون القدح الحقيقي فيها، قدحٌ في علومهم الّتي يفتخرون بها، وذلك لا يُتصوّر ممن له أدنى مِسْكة، فكيف مِنْ هؤلاء الأذكياء الأجلاء.
ثم بَيّن كيف تنتهي علومنا إلى الحسيّات، وأضاف بأنّ القدح في الحسيّات يؤول إلى القدح في البديهيّات. (شرح المواقف: 1 / 126).
وقد ذكر في المواقف شبهات أُخرى للقادحين في البديهيات، فمن أراد الاطّلاع فليلاحظ: 16، 19 .


(67)

والجواب عن هذه الشبهة من وجهين:

أولاً ـ إنّ القائلين بمنهج اليقين لا يدّعون أنّ الإنسان خُلِقَ مصوناً عن الخطأ والسهو، وأنّ الحواس الإنسانية لا تحيد عن الحقيقة، بل كلُّ ذي لبٍّ يعترف بأنّ له أخطاءً جمّة ربما تحيط به وهو غافل عنها، بل ربما يقضي حياته على غفلات واشتباهات، وإنّما غرضهم أنّ وراء ذاتنا وتفكيرنا واقعيات وحقائق نصل إليها بالحواس، يرشدنا إلى ذلك الإمكان، نفس أفعالنا في الضروريات اليومية الّتي تصدر منّا على نظام واحد، فإنّ أبناء البشر يأكلون إذا جاعوا، ويشربون إذا ظمئوا،ويفرون من الضواري إذا واجهتهم. ولو كان ذلك من مواليد أوهامهم، فأي معنى لهذا النظام السائد؟. ولماذا لا يأكلون عند الظمأ ولا يفرون عند الجوع؟. كل ذلك يرشدنا إلى التفريق بين التفكير الّذي ليس وراءه واقع موضوعي، والتفكير الّذي وراءه ذلك الواقع.

فما يرومه الشكاك من إثبات الخطأ في بعض الحواس، لا ينفي ما يرومه المؤمن بالحقائق، القائل بأنّ وراء المعرفة الإنسانية حقائق وواقعيات يمكن أن يصل إليها الإنسان في الجملة.

وثانياً ـ إنَّ الاهتداء إلى وقوع الخطأ فيما ذكر من الأمثلة، دليل على أنّ هناك حقائق مسلّمة لا يشوبها ريبُ الشك، وقد اهتدينا ببركتها إلى وجود بعض الأخطاء.

ففي الأمثلة الّتي استدل بها الشكاك على منهجه دليل واضح على أنّ له علوماً قطعية يعتمد عليها في القضاء بالخطأ في إدراك القلم منكسراً في الماء، والقطرة النازلة من السماء خطأ ممتداً، وهو علمه بأنّ للقلم شكلاً ثابتاً في الماء وخارجه، وأنّه ليس في الهواء أيُّ خطٍّ، فيرجع ـ عند ذاك ـ إلى تخطئة ما يدركه الحسّ. فلو لم يكن هناك ما يتصف بالصحة على وجه الجزم، لما اهتدينا إلى وجود هذه الأخطاء، فإنّ الخطأ أمر نسبي وقياسي، فلا يمكن الحكم بكون النسبة غلطاً إلاّ بقياسها على أمر آخر يكون الحكم فيه مسلَّماً، ليحكم بالصحة عند التطابق، والخطأ عند التخالف. والغلط لا يستنتج من مثله، ولا يجوز الحكم ببطلان أمر إذا قيس بباطل آخر. هذا .


(68)

ولا بدّ من إلفات نظر الباحث إلى أنّ بعض الحواسِّ قد تكشف خطأ حاسَّة أُخرى، ففي مورد القلم الّذي يتراءى في الماء منكسراً، تلمسه اليد مستقيماً مستوياً، فتكشف حاسَّةُ اللَّمس خطأَ حاسّة البصر، وهكذا سائر الحواس(1) .

الشبهة الثانية ـ المُدْرَك هو الصور الذهنية لا الواقع

إنّ الإنسان لا يقف عند عملية الإدراك إلاّ على الصورة الذهنية، ولا ينال الواقع الموضوعي. وانطلاقاً من هذا، لا يصحّ لنا الإذعان بوجود حقائق خارجية، إذ الحاصل عندنا هو العلم لا المعلوم الخارجي، فإنّ من المعلوم أنّ للواقع الخارجي آثاراً خاصّة غير موجودة في الفكر عند الإدراك.

وإن شئت قلت: إنّ الوسائل التي تَجَهَّزَ بها الإنسان للوصول إلى الواقع، لا توصله إلاّ إلى الصور العلمية والإدراكات الذهنية القائمة في ذهنه. فالإنسان الّذي يُطِلُّ على العالم بنظره حتّى عن طريق المِجْهَر والتلسكوب، لا يحصل له ـ رغم ما يتحمله من الجهود ـ إلاّ صور ذهنية، وهي لا تروي غليله.

الجواب:

إنّ المستدلّ نظر إلى العلم بما هو هو، بالنظر الموضوعي والاستقلالي لا بالنظر الآلي والطريقي، فألغى جهة كشفه وطريقيّته، فرتّب عليه ما رتّب. ولكنه غفل عن أنّ العلم والكشف عن معلوم سواه، متلازمان لا يتفارقان، وأنّ


1 . لم يتجاهل الفلاسفة الإسلاميون البحث حول هذه الشكوك. وقد عقد صدر المتألهين في أسفاره فصلاً لذلك، وممّا قاله: زعم بعضهم أنْ لا حقيقة للكيفيات المحسوسة بل هي مجرد انفعالات تعرض للحواس. وقال: من حججهم أنّ الإنسان الواحد قد يرى جسماً واحداً على لونين مختلفين، بحسب وضعين منه، كطوق الحمامة يُرى مرّة أشقر ومرّة على لون الذهب بحسب اختلاف المقامات، وأيضاً السُكَّر في فم الصفراوي مرّ وفي غيره حلو، فلا حقيقة لهذه الأشياء إلاّ انفعال الحواس الخ... ثم أخذ بنقده. (لاحظ الأسفار: 4/ 65 ـ 66) الفصل السادس عشر.
كما بسط الإمام الرازي الكلام في حلّ هذه الأمثلة الّتي وقعت ذريعة في أيدي الشكّاكين، لاحظ المباحث المشرقية: 1 / 350 ـ 352 .


(69)

العلم بالشيء عين الكشف عنه، فلا يصحّ لنا الاعتراف بالعلم من دون المعلوم، ولا بالصورة الإدراكية من دون مكشوفها.

والمؤمن بالحقائق لا يدّعي أنّ الإنسان يصل إلى الخارج الموضوعي بوصف كونه موجوداً خارجياً حاضراً بنفسه عند المدرك لا واسطة الصورة الذهنية، بل كلُّ من سلك منهج اليقين لا يريد إلاّ الوصول إلى الواقع عن طريق صُوَرِه الحاضرة لدى مداركنا، الكاشفة عن الأعيان الخارجية.

الشبهة الثالثة: خطأ الإدراكات العقلية

لو كان العلم كاشفاً عن معلوم سواه، لكان الكشف خاصيّة لازمة له، ولكان العلم على نحو الإطلاق، كاشفاً عن وجود معلومه من غير تخلُّف، مع أنّه باطل بضرورة العيان، لكثرة الأغلاط والتناقضات في مختلف العلوم.

وبعبارة أُخرى: إنّ عشاق البراهين الفلسفية، مع ما تجهّزوا به من الفنون الصائنة عن الخطأ ـ على حدّ زعمهم ـ قد أحاطت بهم الأوهام، وحاقت بهم الأغلاط في العلوم والمسائل الفلسفية، وما زال الجدل قائماً بينهم على قدم وساق، فالمتأخر يناقش براهين المتقدّم ويبطلها، وهذا يسوق الإشكالات على مقالات ذاك ويفنّدها. ولو تدبّر الإنسان الحرُّ في الوضع السائد بينهم، لوقف على أنّ ما يسمّيه القوم علوماً وأدلّة، ليس سوى خيالات وتسويلات.

وعلى ضوء ذلك، كيف يطمئن الإنسان إلى ما يقف عليه من طريق العقل ؟

والجواب

أوّلاً: إنّ الإنسان الواقعي لا ينكر اختلاف الفلاسفة والمفكرين في درك الحقائق، ولم يدّع أحدٌ أنّه مصون عن الخطأ والاشتباه. غير أنّه يقول إنّ هناك معارف وحقائق لا يختلف فيها اثنان، هي المعارف البديهية والقضايا الضرورية الّتي اصفق على صحّتها وصدقها عامّة البشر.

وهذه العلوم الضرورية تستوعب قسطاً وافراً من معارف البشر، فقد


(70)

عرفت أنّ أصول اليقينيات ستة، هي: الأوليات، والمشاهدات، والتجربيات، والحدسيات، والمتواترات، والفطريات. كما عرفت أنّ كلَّ العلوم الكسبية لا بُدّ أن تنتهي إليها، وتعتمد عليها، وإلاّ لزم الدور والتسلسل .

وعلى سبيل المثال: لا تجد أحداً من البشر ينكر امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، وامتناع اجتماع المتضادين في محلّ واحد. حتّى أنّ السوفسطائي نفسه، الشاكّ في كل شيء، لا يشك في امتناع اجتماع النقيضين، بشهادة أنّه يصرّ على ما يتبنّاه من أنّ «الصور العلمية لا تكشف عن الواقع قطعاً»، وهو في الوقت نفسه لا يقول بصحة نقيض هذه القضية، وهو أنّ الصور العلمية تكشف عن الواقع الموضوعي كشفاً تامّاً. وهذا دالّ على اعترافه من حيث لا يشعر بإمكان درك واقع من الواقعيات هو ما يتبنّاه (1). هذا نموذج من باب الحكمة النظرية.

وهكذا في مجال الحكمة العملية، فإنّ فيها مسائل أُصولية ضرورية أصفق على صحتها عامّة العقلاء، فلا تجد ذا لُبّ يقبّح الإحسان ويحسّن الظلم، كما أنّه ليس هناك من ينكر قبح خيانة الأمانة ومجازاة المحسن بالإساءة، إلى غير ذلك من الأُصول الثابتة في العقل العملي (2).

وإثبات هذا المقدار من العلوم اليقينية الّتي لا يختلف فيها اثنان كاف في


1 . قد يقال: إنّ الماركسيين يصححون اجتماع الضدين، بل اجتماع النقيضين، فكيف تكون هذه القضية مورد اتّفاق .
ولكن الجواب يظهر ممّا حُقِّق في الفلسفة الإلهية من أنّ لامتناع اجتماع النقيضين والضدين شروطاً، لو روعيت يكون الحكم بالامتناع بديهياً. والماركسية تارة تلغي الشروط اللازمة للحكم بالامتناع، فتصحح اجتماعهما، ولامانع منه. وأُخرى تضع التضاد الفلسفي مكان التضاد المنطقي، والمحال هو الثاني لا الأوّل، فإن التضاد الفلسفي هو اجتماع عناصر طبيعية وتفاعلها فيما بينها لتنتج نوعاً طبيعياً جديداً، وهذا النوع من التضاد هو عماد بقاء الطبيعة، ولم يقل أحد بامتناع اجتماع أطرافه، والممتنع هو التضاد المنطقي الّذي يبحث عنه في باب التقابل. قال الحكيم السبزواري:

وإنّ من غيريّة تقابلُ * عرّفه أصحابنا الأفاضلُ
يمنعِ جمع في محل قد ثبَت * من جهة في زمن توحَّدت

2 . سنثبت في مباحث الحكمة الإلهية أنّ الصحيح في الحسن والقبح الذاتي لبعض الأفعال، هو أنّ العقل بنفسه، يدرك بملاحظة الفعل بما هو هو، حُسْنَهُ أو قُبْحَهُ. وليس صحيحاً أن حسنها وقبحها من المشهورات، كما هو المشهور .


(71)

نقض قول المستدلّ وردّه، لأنّ المستدلّ ينفي وجود علم كاشف عن الواقع، نفياً باتّاً، وعلى نحو السالبة الكليّة، فكفى في ردّه إثبات نقيضها وهو الموجبة الجزئية وهي أنّ ثمة علوماً ضرورية لا ينكرها أحد.

وعلى ضوء ذلك، كيف يمكن أن يشطب على جميع ما لدى الإنسان من آراء وأفكار؟!

وثانياً: إنّ ما ذكره هو بحدّ ذاته استدلال عقلي، يحاول به إثبات ما يتبنّاه. فلو لم يكن للإدراك العقلي وبرهانه قيمة ولا وزن، فما معنى هذا الاستدلال والبرهنة؟

الشبهة الرابعة ـ معرفة شيء لا تنفك عن معرفة ما لا يتناهى

العلوم الكونية يرتبط بعضها ببعض، وإنّ التعرُّف على شيء يتوقف على التعرف على ما لا نهاية له، بحكم الصلة السائدة بين الأُمور المادية.

وبعبارة أُخرى: إنّ التعرف على فرد من أفراد الإنسان، يتوقف على التعرّف على آبائه وأجداده وكل ما له دخل في تكوّن جسمه وروحه وآرائه وأفكاره. وطروء خطأ طفيف في هذا التعرّف، يوجب الخلل في معرفة الفرد.

والجواب

أولاً: إنّ المستدلّ قد اعترف في هذا الاستدلال، من حيث لا يشعر، بواقعيات متعددة، منها أنّ الحسّ والعقل من أدوات المعرفة. ومنها أنّ التعرف على شيء يتوقف على معرفة تاريخ وجوده وكل ما كان مؤثّراً في تكوّنه، حيّاً كان أو جماداً. ومنها أنّ تلك المعرفة ـ لأجل سعتها ـ لا تقع تحت إطار القدرة الإنسانية. ومنها أنّ الخطأ في المقدمات يوجب الخطأ في ذيها. إلى غير ذلك من الواقعيات والحقائق الّتي أقرّ بها المستدلّ في استدلاله. ومع ذلك كيف يمكن أن يصير شكّاكاً غير مذعن بشيء؟

وثانياً: إنّ الاستدلال إنّما يتمّ إذا أريد التعرف على شيء بكماله. وأمّا إذا


(72)

أريد معرفة الوضع السائد عليه، فليس ذلك رهن التعرف على أُمور غير متناهية.

ولترى صدق ذلك، أُفرض أنّك أمام منضدتك، وفوقها كتبك وأدوات التحرير، وتريد أن تتعرف على المنضدة هل هي من الخشب أو الحديد، هل هي مستطيلة أو مربعة، ونحو ذلك. فهل ترى أنّ هذه المعرفة رهن التعرف على ما سبق عليها من الأحوال؟ كلا، ولا.

وثالثاً: لو صحّ ما ذكره، فإنّما يصحّ في معرفة الموجودات الجزئية، وأمّا المفاهيم الكليّة والقوانين العامة السائدة في الطبيعة، فليست معرفتها كما ذكر.

مثلاً: معرفتنا بأنّ الإنسان حيوان ناطق، معرفة كليّة لا تتوقف على شيء. وهكذا في القوانين الرياضية والطبيعية، فإنّ معرفتنا بأنّ مجموع زوايا المثلث يساوي زاويتين قائمتين، وأنّ مربع الثلاثة تسعة، وجذر التسعة ثلاثة، وأنّ السرعة كلما ازدادت حول المركز ازداد الطَّرد عنه، وكلّما خفَّت قَلّ الطّرد، إلى غير ذلك من القوانين السائدة، إنّ معرفتها لا تتوقف على ما لا نهاية له، بل لها مقدمات خاصة معينة لا أكثر .

الشبهة الخامسة: البرهنة على إثبات شيء محال

ما ذكر من الشبهات السابقة كان متوجهاً إلى إثبات الخطأ في الإدراكات التصورية، والشكّاك يريد في هذه الشبهة الرابعة التشكيك في الإدراكات التصورية. يقول :

إنّ الإدراكات الإنسانية تنقسم إلى تصورية وتصديقية، فإنّ الإدراك إن كان مجرداً عن الحكم والقضاء كتصور الكتاب وحده، فهو إدراك تصوّري. وإن كان مقروناً بالقضاء والحكم، فهو إدراك تصديقي، كما إذا حكمنا على الكتاب بأنّه كتاب نفيس ومفيد.

وعلى ضوء ذلك فالشكاك يقول: إنّ القضايا المقبولة عبارة عن القضايا الّتي تَثْبُتُ صحتُها بالبرهان، غير أنّ إثبات قضية بالبرهان، أمرٌ ممتنع. وما يُتراءى من إقامة البراهين على القضايا لا يخرج عن إطار المغالطة، وذلك لأنّ مقدمات البرهان


(73)

إمّا أن تَثْبُتَ ببرهان آخر أو لا. وعلى الأول يلزم احتياج ذلك البرهان إلى برهان آخر، وهكذا إلى غير النهاية. وعلى الثاني يلزم أن تكون مقدمة البرهان غير برهانية، فلا تكون القضية بالنتيجة مبرهَنَة.

وما ربما يقال من أنّ مقدمات البرهان ربما تكون غنية عن إقامة البرهان عليها، فهو ادّعاء محض، لا يقبل إلاّ أن يثبت .(1)

الجواب :

أولاً: إنّ هذا الاستدلال من الشكّاك، جدُّ عجيب، لأنّه يتمسك بالبرهان العقلي ليُبطل الاستدلال العقلي، فكأنّه يبطل بالعقل نفس العقل، وذلك:

لأنّ أساس برهانه في الشق الأول يعتمد على بطلان التسلسل .

وأساس برهانه في الشق الثاني هو أنّ المجهول لا يمكن أن يحلّ مجهولاً آخر.

كما أنّ أساس برهانه في الشق الثالث يبتني على أصل فطري وهو أنّ المدّعى لا يُقبل بلا دليل.

فهذا الاستدلال العقلي من الشكّاك المبني على أُصول عقلية وفطرية يعرب عن أنّه في صميم ذاته واقعيٌّ لاسوفسطائي، وأنّه يحترم الأُصول الثابتة عند عامة العقلاء.

وثانياً: إنّ القياس الّذي استدلّ به عقيم غير منتج، وذلك لأنّا نختار الشق الثاني وهو أنّ مقدمات البرهان غنية عن البرهان، ولكنه لا يترتب عليه ما تصور من امتناع حلّ مجهول بمجهول آخر. وذلك لأنّ مقدمات البرهان يمكن أن تكون أُموراً حسيّة يدركها الإنسان بحسِّه أو بالتجربة، أو عقلية بديهية لا يحتاج في التصديق بها إلى شيء. ولو أُقيم عليها البرهان، لا يزداد الإنسان يقيناً.

وبإيجاز: إنّ البرهان يتركّب من مقدمات، وهي إما بديهية بالذات أو


1 . الفلسفة العامة (Metaphysique)، پول فولكييه، ص 62 ـ 63 وهو الجزء الثالث من كتابه:
Traite dementaire de philosophie.


(74)

منتهية بالسبر والتقسيم إلى أُصول بديهية لا تحتاج في التعرف عليها، غير تصور الطرفين والنسبة الموجودة بينهما.

***

إلى هنا فرغنا من تبيين المنهجين: إنكار الحقائق والشكّ في الوصول إليها، وكلا المنهجين سفسطة، والقائل بهما سوفسطائي، وليس «السوفسطائي» مختصّاً بمنكر الحقائق والواقعيات، بل يعمّ الشاكّ فيها، وفي إمكان نيل الخارج والاتّصال به بأدوات المعرفة.

قال ابن حزم (المتوفّى 456 هـ): «السوفسطائية مبطلو الحقائق، وهم ثلاثة أصناف: فصنفٌ منهم ألغوا الحقائق، وصنف منهم شكّوا فيها، وصنف منهم قالوا هي حقٌّ عند مَنْ هي حقٌّ عنده وباطل عند من هي باطل عنده»(1) .

وهذا القسم الثالث الّذي أخبر عنه ابن حزم قد تجلّى في العصور الأخيرة باسم النسبيين، فهم يحاولون إثبات أنّه ليس للحق والباطل معيار خاص، بل تتصف بهما الأشياء باعتبار القائلين بهما، وستوافيك نظريتهم عند عرض المناهج الغربية في نظرية المعرفة.

*


1 . الفِصَل: 4 / 14 .


(75)

مناهج تقييم المعرفة

         3

منهج اليقين (1)

يبتني منهج اليقين على أصلَيْن:

الأوّل: إنّ وراء الذهن والذهنيات واقعيات خارجية.

الثاني: إنّ كلَّ إنسان قادر ـ بحسب ما جهّز به من أدوات المعرفة ـ على دركها والتعرف عليها تعرّفاً صحيحاً.

وهذا المنهج هو الأصيل، والمنهجان الماضيان كانا ردّ فعل وحركة رجعيةً بالنسبة إليه، نتيجة لشبهات طرأت على القائلين بهما في ظروفهم. ولأجل ذلك نرى عامة الفلاسفة ـ إلاّ شُذّاذ الآفاق ـ يهتمون بالفلسفة اليقينية المبنية على الأصلين المتقدمين، كما أنّ فلاسفة الإسلام أحكموا أركان هذا المنهج بالبحث عن الموضوعين التاليين:

1. البحث عن حقيقة العلم وواقعه وحدّه ورسمه.

2. تقييم المعرفة الإنسانية ومدى كشفها عن الواقع .

وحصيلة منهج الجزم هو أنّ وراء النفس والنفسانيات، موضوعات واقعية، وأنّ في الدار غير الإنسان ديّار، وأنّ الإنسان قادر ـ حسب ما أعطي من


1 . DOGMATISM. وربما أُطلق عليه منهج الجزم، أو القطعية.


(76)

المواهب الحسيّة والعقلية ـ على التعرف عليها تعرّفاً كاملاً على حدّ يصحّ أن يقال معه إنّ الموجود في الخارج هو بعينه الحاصل في الذهن، والتفاوت بين الموجودَيْن هو في كيفية الظهور والوجود.

وبعبارة أُخرى: إنّ المعلوم الذهني يتحد ماهية مع المعلوم الخارجي، وإن كان يختلف عنه في مرتبة الوجود، فالنار في الذهن نفس النار في الخارج ماهيةً، غاية ما في الأمر أنّهما يختلفان في كيفية الظهور. ولأجل ذلك تكون النار الخارجية محرقة دون الذهنية.

وعلى هذا الأساس عرّفوا الفلسفة بأنّها العلم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية.

وليس المراد من قولهم «بقدر الطاقة البشرية»، أنّ كل إنسان ينال من الخارج والواقع حسب استعداده وقابليته، فالشيخ الرئيس بما كان له من المواهب الكبيرة يدرك النار الخارجية على حسب ما يناسب قابليته، في حين أنّ الإنسان العادي يدركها بنحو آخر حسب لياقته الذهنية فتختلف كيفية الإدراك باختلاف الاستعدادات، ويتفاوت تجلّي الأشياء في الذهن حسب تفاوت المواهب الفكريّة.

لا، ليس ذلك هوالمراد، بل المراد هو تفاوت الأفراد في المعرفة من حيث الكميّة، لأنّ العالم مليء بالموجودات والسنن الحاكمة عليها، وليس في وسع كل إنسان أن يحيط بها، بل كل إنسان يتعرّف على قسم وجانب خاص من الواقعيات حسب إمكاناته وظروفه. فربّ عالم يقف على أشياء لا يقف عليها غيره، وإن كانا فيما وقفا عليه متّفقيْن من حيث المعرفة، كما عرفت في حديث النار.

وقد أصرّ فلاسفة الإسلام على وحدة المعلوم الذهني والخارجي، وعلى كون العلم الصحيح معرباً عن صميم الواقع، على وجه عرّفوا دور الفلسفة بقولهم: إنّها تُصَيِّرُ الإنسان عالَماً (بالفتح) عقلياً مضاهياً للعالَم العيني. بمعنى أنّ ما يقف عليه من المعارف نفس الواقع، بتفاوتِ أنّ ما عنده وجود عقلي للأشياء، وما في الخارج وجود عيني لها، ولا يختلفان وراء ذلك قيد شعرة.

هذا إلمام إجمالي بمنهج اليقين، وقد تبنّاه عامة فلاسفة الإغريق والإسلام وتبعهم جماعة من الغرب. ولأجل إلمام الباحث بنظرياتهم حول قيمة العلم والمعرفة ومدى كشفه، نبحث فيما يلي نظريات أبرز فلاسفة هذا المنهج .


(77)

نظريات فلاسفة منهج اليقين

قد ذكرنا أنّ النظرية الأصيلة في مناهج المعرفة، هي نظرية اليقين وأنّ العلم يكشف كشفاً تامّاً عن واقع سواه، غير أنّ لأصحاب هذا المنهج نظريات في المعرفة اليقينية، نطرحها فيما يلي:

1. سقراط (1) (469 ـ 399 ق . م )

كان سقراط من تلامذة فيثاغورس ومن كبار فلاسفة اليونان. نبغ في القرن الخامس قبل الميلاد في عصر كثرت فيه ضوضاء السوفسطائية الذين زعموا أنّ الموجودات خيالات لا حقيقة لها واستخدموا أسلحة الجدل في التقرير والتضليل، فكان سقراط لهم بالمرصاد، أصلاهم من فلسفته العالية ناراً محرقة. كما أعلن سقراط مخالفته اليونانيين في عبادتهم الأصنام، وقابل رؤساءهم بالحجاج، فأثاروا العامة عليه وتوصلوا إلى الوقيعة به لدى الحكومة اليونانية بتهمة أنّه أهان الآلهة وجحدها، فَزُجّ في السجون حتّى حكم عليه بالإعدام.

كان سقراط قوي الحجّة، لا يتكلف في تأييد آرائه كثير عناء. وكان له أُسلوب في الجدل ليس لغيره. فإنّه كان يطرح على خصمه أسئلة ليجيب عليها،


1 . Socrates .


(78)

ولا يزال كذلك حتّى يجد الخصم نفسه أنّه قد وقع في فخّه. وربما يعبّر عنه في الفلسفة الحديثة بـ «الطريقة الديالكتيكية».

وحاصل الطريقة الّتي تبناها سقراط في الوصول إلى الحقائق إلقاء الأسئلة السؤال تلو الآخر، على وجه يكون مجموع الأسئلة وأجوبتها موصلاً إلى الحق .

ولأجل ذلك اشتهر عن سقراط أنّه كان يقول: أنا لست معلّماً، ولا أُعلّم الشيء الجديد للتلاميذ، وإنّما دوري في التعليم هو تهيئة أرضية صالحة لأن استثمر فكر المتعلّم، وأُخرج العلوم والمعارف المكنونة في ذاته ونفسه، ليقف المتعلم على ما كان يعلمه بالفطرة وعلى وجه الإجمال، يقف عليه بشكل مبسوط. وما أشبه عملي ودوري في مقام التعليم بعمل ودور القابلة، فإنّها لا تخلق الطفل في الرحم، وإنّما توجد الظروف المناسبة لتلد الأُم ماكانت تحمله في بطنها.

وهكذا، فقد كان سقراط مؤمناً بالحقائق الواقعية كما كان مؤمناً بإمكان الوصول إليها، ولكن على الطريقة الّتي كان يتبناها. فهو من طلائع أصحاب اليقين، وهذه هي طريقته في تكميل النفوس وإبلاغها إلى القمة. وله محادثة مع «أريستوديم» بشأن مسألة اللاهوت، مذكورة في الكتب، أفحمه فيها على هذه الطريقة، حيث أخذ يسأله السؤال بعد الآخر وهو يجيب عليها، حتّى بلغا إلى النتيجة الّتي كان سقراط يتبناها.(1)

***

2. أفلاطون (2) (428 ـ 348 ق م )

هو أشهر فلاسفة اليونان الأقدمين. عَرِفَ فيلسوفَ عصره سقراط، وتتلمذ عنده، فلما حُكم على أُستاذه بالقتل ظلماً، هجر وطنه وأكبّ على العلم.

كانت فلسفته فلسفة أُستاذه سقراط بعينها، إلاّ أنّه بما اكتسب من العلوم الكونية، ألقاها على الناس في ثوب جديد، ثم أضاف إليها أفكاره الخاصة


1 . لاحظ هذه المناظرة في دائرة معارف القرن الرابع عشر: 5 / 191 ـ 196 .

2 . Ploto.


(79)

المكتسبة، فجاءت أكمل فلسفة عرفها الناس إلى ذلك الحين. فذاع صيته في البلاد، وعرف بسمو العقل، ولُقِّب بالإلهي.وكان عقلاء زمانه على فلسفته وآرائه. وكان له مذهبان، مذهب عام ظاهر بينه وبين الناس، ومذهب خاص لا يفاتح به إلاّ الأخصاء ممن يثق بعقلهم وثباتهم (1).

بعض آرائه الفلسفية

إنّ لأفلاطون الإلهي، في طريق المعرفة اليقينية، آراءً تُميِّز منهجه عن غيره، نشير إلى أُصولها الرئيسية:

أ ـ أرباب النوع أو المثل الأفلاطونية

قد اشتهر أفلاطون بنظرية المثل وأرباب النوع إلى حدّ انّها صارت تُنسب إليه فيقال لها المثل الأفلاطونية لأنّها وليدة أفكاره، أو أنَّها من أُستاذه سقراط، لكنّه قررها بوجه رائق.

خلاصة هذه النظرية: إنّ كلَّ نوع ذي أفراد طبيعية كونيّة، له فرد مجرّد تامٌّ، على عاتقه تربية تلك الأفراد ورعايتها وإبلاغها إلى الكمال. وهذه الأفراد الطبيعية يطرأ عليها الفناء والاندثار، وأمّا ذلك الفرد المجرّد فيبقى ولا يندثر ولا يفسد.

قال أفلاطون: إنّ لكلّ موجود (جوهريٍّ) صورة مجرّدة في عالم الإله (2)، وإنّها لا تندثر ولا تفسد ولكنها باقية، وإن الّذي يندثر ويفسد إنّما هو الموجودات الطبيعيّة الماديّة.

وعلى ذلك، فالإنسان بما أنّه جوهر ذو أفراد طبيعية مادية، فله فرد تام مجرّد يعتني بشؤون أفراده المادية بإخراجها من القوة إلى الكمال. ومثله جميع أنواع الحيوان والنبات، فلكل نوع فردٌ قارٌّ ثابتٌ غير مندثر، كما أنّ له أفراداً مندثرة فانية.


1 . لاحظ دائرة معارف القرن الرابع عشر، ج 1، مادة «أفل».
2 . المراد من عالم الإله هو عالم التجرّد عن المادة الّذي يسمى بعالم الحدوث .


(80)

وهذا الفرد المجرّد يعبّر عنه بالموجود المثالي ورَبّ النوع، لكون وجوده أمثل وأكمل من الموجودات الماديّة، كما أنّ له شأنّاً بتربية أفراده، فأشبه أن يكون ربّها المدبر .

وقد وقعت هذه النظرية مَثاراً للبحث والنقاش، فبين قائل بها، آخذ بظاهرها وحرفيّتها من غير تصرف ولا تأويل، كما عليه الإشراقيون، فقالوا: يجب أن يكون لكل نوع من الأنواع البسيطة الفلكية (1) والعنصرية، ومركباتها النباتية والحيوانية، فرد مجرّد عن المادة، مُعْتَن في حق أفراد ذلك النوع، وهو صاحب ذلك النوع وربّه. واستدلّوا على ذلك بوجوه(2) .

وبين مؤول لها كالشيخ الرئيس، فقال بأنّ المراد من الفرد المجرّد لكل نوع هو المفهوم الكلي الّذي يشترك فيه الأشخاص ويبقى مع بطلانها. وبعبارة أُخرى: الماهية المجرّدة عن اللواحق، القابلة للمتقابلات.

فأصبح الشيخ وقاطبة المشائيين منكرين للمثل بالمعنى الّذي يثبته الإشراقيون، ودارت بينهم مناظرات ومساجلات، إلى أن انتهى الأمر إلى صدر المتألهين، فأيّد نظرية المُثُل بحرفيتها، وقال: «الحريّ أن يُحمل كلام الأوائل على أنّ لكل نوع من الأنواع الجسمانية فرداً كاملاً في عالم الإبداع هوالأصل والمبدأ، وسائر أفراد النوع فروعٌ ومعاليل وآثار له. وذلك الفرد (المثالي) بتمامه وكماله، لا يفتقر إلى مادة ولا إلى محلّ متعلّق به، بخلاف هذه، فإنّها لضعفها ونقصها، مفتقرةٌ إلى مادة في ذاتها أو في فعلها. وقد تحقق في محله جواز اختلاف أفراد نوع واحد كمالاً ونقصاً».

وأضاف: «وما يُرَدُّ عليه من أنّ الحقيقة الواحدة كيف يقوم بعضها بنفسه وبعضها بغيره، ولو استغنى بعضها عن المحل لاستغنى الجميع; ليس بصحيح مطلقاً، فإنّ استغناء بعض الوجودات عن المحلّ إنّما هو بكماله، وكمالُه


1 . ذكروا الفلكية لأنّ الأفلاك كانت عندهم ذات حياة ونفس، فكان لكل فلك فردٌ آخر مجرد له شأن بتدبيره.
2 . لاحظ للوقوف على تلك الوجوه: الأسفار: 2 / 53 ـ 62 .


(81)

بجوهريّته وقوّته، وغاية نقصه بعرضيّته وضعفه وإضافته إلى محل »(1).

ب ـ خلق الأرواح قبل الأبدان

ومن الآراء المنقولة عن أفلاطون، قوله بقدم النفوس الإنسانية، وأنّها خلقت قبل الأبدان، فكانت موجودة بصورة مستقلة عنها قبل تكوُّنها.

وقد أثارت هذه المسألة بين الإلهيين اختلافاً عميقاً: فمن قائل بقدم النفس قدماً زمانياً لا ذاتياً، وأنّها خلقت قبل البدن ثم تعلقت به حسب مشيئته سبحانه ; إلى قائل بحدوثها ذاتاً وزماناً، ولكل أدلته وحججه، مذكورة في محلها.(2)

ج ـ الاستذكار

إنّ لأفلاطون في الإدراكات نظرية خاصة معروفة بنظرية استذكار المعلومات السابقة، وقد استنبطها من الأصلين المتقدمين، وهما:

الأوّل: إنّ لكل نوع فرداً تامّاً مجرداً غير مشوب بالمادة والماديّات، على عاتقه تربية الأفراد الطبيعية.

والثاني: وجود النفس الإنسانية مستقلة عن البدن قبل تكوّنه، وقد كان متحرراً عن المادة وقيودها تحرراً كاملاً.

وعلى ضوء هذين الأصلين، قال: إنّ النفس الإنسانية كانت قبل تعلقها بالبدن، متحررة عن كل قيد، فأمكنها الاتّصال بالمثل النورية المجردة، فتعرّفت عليها تعرفاً كاملاً.


1 . الأسفار: 2 / 62 .
2 . لاحظ الأسفار: 8 / 330 ـ 355. وقد اختلفوا أيضاً في وجه هبوطها من ذلك العالم إلى عالم الطبيعة وتعلقها بالبدن، فمن أراد التفصيل، فليرجع إلى الأسفار الأربعة: 8 / 356 ـ 364 .


(82)

وعندما تهبط من ذلك المقام الشامخ وتتعلّق بالبدن الماديّ، تفقد كل ما كانت تعلمه من المثل والحقائق، وتذهل عنه ذهولاً تامّاً.

ولكن عندما يعي الإنسان، ويبدأ بإدراك الأُمور الجزئية، يبدأ بتذكّر ما كانت تعلمه نفسه، ويسترجع إدراكاتها بصورة مفاهيم كلية. فليس المفهوم الكلي المتجلي في الذهن إلاّ انعكاس المُثُل في ذهن الإنسان. فمتى أدرك زيداً وعمراً، انتقل فوراً إلى الحقيقة المثالية الّتي كانت تدركها النفس قبل اتّصالها بالبدن.

فنظرية الاستذكار ترجع إلى حلّ عقدة كيفية انعكاس المفاهيم الكلية في ذهن الإنسان، فهي تقول: إنّ إدراك المحسوسات مُعِدٌّ لاتّصال النفس بذاك العالم الشامخ الّذي كانت النفس تعيش فيه، وبالتالي إدراك المثل وانعكاس ظلّها على النفس، الّذي يعبّر عنه بالمفهوم المجرّد عن المقارنات.

وقد أكّد أفلاطون أنّ الظواهر أُمورٌ فانية، وليست أصولاً باقية، والعلم الحقيقي يتعلق بالثابتات لا بالفانيات، والمُثُل ـ بما أنّها واقعيات ثابتة ـ يتعلق بها العلم .

هذه أبرز أُصول نظرية أفلاطون في المعرفة، وهي بعدُ قابلة للنقد والنقاش، وقد نقدها الفلاسفة الإسلاميون في أسفارهم. وعقد صدر المتألهين في أسفاره فصلاً في دفع ما قيل من أنّ النفس لا تدرك الجزئيات، وممّا قاله: إنّ النفس ذات نشآت ثلاث: عقليّة وخياليّة وحسِّيَّة، ولها اتّحاد بالعقل والخيال والحسّ. فالنفس عند إدراكها للمحسوسات تصير عين الحواسّ، والحسُّ آلة وضعية، تأثرها بمشاركة الوضع. فعند الإحساس يحصل أمران: تأثر الحاسة، وإدراك النفس. والحاجة إلى الحضور الوضعي إنّما يكون من حيث التأثّر الحسّي، وهو الانفعال، لا من حيث الإدراك النفساني، وهو حصول الصورة .(1)

***


1 . الأسفار الأربعة: 8 / 234 .


(83)

3. أرسطو (1) (384 ـ 322 ق م )

هو أعظم فيلسوف جامع لفروع المعرفة الإنسانية. ويمتاز على أُستاذه أفلاطون بدقة المنهج واستقامة البراهين والاستناد إلى التجربة الواقعية. وهو واضع علم المنطق أو جامعه ومكمّله، ومِنْ هنا لقّب بـ «المعلّم».

ولد في اسطاغيرا من مقدونية. تعاطى في البداية صناعة الطب، ثم شخص إلى أثينا في عصر إزدهار الفلسفة، وكان شيخها إذ ذاك أفلاطون، فالتحق به نحواً من عشرين سنة ثم اعتزله.

منهجه في المعرفة

كان بين منهج أرسطو وأستاذه أفلاطون فوارق. فالأُستاذ كان يعتمد على العقل فقط، ولكن التلميذ اعتمد على العقل والحسّ معاً، وأعطى لكل منهما حقّه. ولأجل ذلك كثرت كتبه في علمي الطبيعيات والإلهيات.

فإذا كان الأستاذ متبنياً لنظرية قدم النفوس، فقد كان هو يتبنّى حدوث النفس مع البدن لا قبله ولا بعده، وهي تُعَدّ صورة للبدن.

وإذا كان الأُستاذ يتبنّى نظرية الاستذكار وأنّ الروح، كانت ـ قل هبوطها إلى عالم الطبيعة ـ تعرف الحقائق، فلما هبطت نسيت كل ما كانت تعلمه، ثم تبدأ بتذكره تدريجياً كلما شاهدت الأُمور الجزئية الّتي تُعِدُّها لتذكّر ما قد نسيته من العلوم والمعارف ; فقد أنكر التلميذ كل ذلك، وقال إنّ الروح منذ نشوئها وتكونها خالية من كلّ علم ومعرفة، وإنّما تكتسبهما في هذه النشأة.

وإذا كان الأُستاذ يقول بأنّ المفاهيم الكليّة ظلال المُثُل وانعكاساتها، فالتلميذ كان يقول بأنّها مصنوعة للنفس حيث إن لها قدرة تجريد الجزئيات وانتزاع المفاهيم الكلية منها، فتحذف مثلاً من كل فرد ـ كزيد وعمرو.. ـ الخصوصيات المشخِّصة، وتأخذ بالجهة الجامعة وهي المفهوم الكلي.


1 . Aristotle.


(84)

وعلى ضوء ذلك فإدراك الجزئيات عند أرسطو، متقدّم على إدراك الكليات، على عكس ما كان أفلاطون يتصوّره.

ولأرسطو آراء كثيرة اختصّ بها:

فقد اشتهرت عنه المقولات العشر، وهي الأجناس العالية، أعني أعمّ المفاهيم الّتي تطلق على الموجودات في مقام التحليل، وهي: الجوهر، والكم، والكيف، والمكان، والزمان، والإضافة، والوضع، والملك، والفعل، والانفعال. وقد بحث عن هذه المقولات في كتبه المنطقية، كما بحث فيها عن القياس وأنواعه ومقدماته.

ومن آرائه تقسيم الوجود إلى ما بالفعل وما بالقوة.

وأيضاً تقسيم العلة إلى علّة فاعليّة، وعلّة صوريّة، وعلّة ماديّة، وعلّة غائيّة.

كما أنّ من آرائه القول بتركب كل جسم من صورة وهيولى.

وغير ذلك من الآراء الّتي اشتهر بها .

لقد كان أرسطو رجل العقل والحسّ معاً، يُعلم مدى قوة تفكيره واستعماله العقل واستخدامه الحس في المعرفة، من ملاحظة موضوعات كتبه، فإنّها تنقسم إلى الأقسام التالية:

أ ـ الكتب المنطقية.

ب ـ الكتب الطبيعية.

ج ـ الكتب الميتافيزيقية.

د ـ الكتب الأخلاقية.

هـ ـ الكتب الشعرية.

فكل هذا يكشف عن كونه رجلاً منهجياً معترفاً بالحسّ والعقل .

***


(85)

4. أبيقور (1) (342 ـ 270 ق م )

فيلسوف يوناني بارز أسس في «كاوفون» في آسيا الوسطى مدرسة لتدريس اللغة والقواعد النحوية، ثم مال بعدها إلى دراسة الفلسفة، فأسس فيها منهجاً خاصاً.

سلك هذا الفيلسوف في فلسفته طريق الحسّ، فقال بأنّ الأصل في كل معرفة هو الحس والمشاهدة والدلائل العيانية، ومن هذا الطريق وحده تتم المعرفة.

ولازِمُ هذا الأصل الّذي ركن إليه أن لا يصدّق بشيء ممّا وراء الطبيعة، لكن لم يرو عنه أنّه نابذها.

وإذا كان الحس هوالأساس في المعرفة عند أبيقور، فقد جعل المقياس في باب الأخلاق أمراً حسياً باسم اللذة والخلوّ من الألم، وقد نقلت عنه ـ في ذلك الباب ـ الأُصول التالية:

1. أُطلب اللذائذ الّتي لا يكون وراءها ألم.

2. إياك والألم الّذي لا يجلب لذة.

3. إيّاك واللذة الّتي تحرمك من لذّة أكبر منها أو تكون عاقبتها ألماً أكبر منها.

4. تحمَّل الألم الّذي ينجيك من ألم أكبر منه، أو الّذي يكون من ورائه لذّة كبيرة.

ولأجل هذه الأُصول اُتُّهم الرجل بالانهماك في الشهوات، غيرأنّ هذه الأُصول لا تدلّ على شيء من ذلك، ولعلّها ترمي إلى الاعتدال في الحياة، وهو فضيلة من الفضائل .

وعلى كل تقدير، فالرجل يعتمد على الحس في العصر الّذي كان فيه الفلاسفة يعتمدون على العقل .(2)

***


1 . Epicurus.
2 . فكان هناك مسلكان في المعرفة اليقينية: المسلك الأفلاطوني العقلي، والمسلك الأبيقوري الحسيّ، وما أشبه حالهما بحال عَلَمَيْ النهضة في الفلسفة الغربية: رينيه ديكارت وجان لوك، فالأول منهما يعتمد على العقل والثاني على الحسّ. وسيوافيك بيان منهجهما في محله .


(86)

5. الفلاسفة الإسلاميون

قد تعرفت على بعض الشخصيات من أنصار منهج اليقين، وكانت آراؤهم هي السائدة حتّى بزغ فجر الإسلام وظهرت طلائع الحضارة الإسلامية، وعمّ نور الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، فنشطت المعارف والأبحاث الفلسفية بنقل ما وقف عليه المفكرون المسلمون من كتب فلسفية وطبيعية، إلى اللغة العربية. ولم يكتفوا بمجرّد النقل والترجمة، بل تحمّلوا عبئاً كبيراً في تكميل وتهذيب ما وصل إليهم من تراث اليونان، وكانت نتيجة هذه الجهود أن حدثت حضارة من أرقى الحضارات الّتي عرفها التاريخ، وبلغت الأُمّة الإسلامية في مدّة وجيزة شأواً عظيماً في مجالات العلوم والفلسفة، حتّى غَدَتْ العواصم الإسلامية معاهدَ للعلوم ومراكز للفلسفة، يقصدها الشرقي والغربي، ويطوف عليها رواد الفضيلة.

وسلك جُلُّ الفلاسفة المسلمين منهج اليقين بين مشائيّ يعتمد على البرهان والحسّ معاً، وإشراقيّ يعتمد على تهذيب النفس وإعدادها لتلقي الحقائق من عالم الغيب. والكلّ من أنصار اليقين وإنْ كانت دروبهم إلى المعرفة اليقينية مختلفة. وقد كانت الغلبة للمشائيين، فروّجوا العقل والحسّ وأعطوا كل واحد منهما حقّه.

التطور النهائي في باب المعرفة

ظهر هذا التطور في العصور الإسلامية الأخيرة، أي بعد القرن العاشر الإسلامي، فأدهش العقول، وحيّر أصحاب الفكر، أحدثه رجل العلم والفضيلة، سيد نوابغ العالم وأُسوة الحكماء والمتكلمين، محمد بن إبراهيم الشيرازي المشتهر بصدر الدين، وصدر المتألهين (1). فقد أسس أساساً حديثاً، ورسم قواعد لم يسبق إليها أحد، وأتى بأفكار أبكار لم يقف على مغزاها إلاّ ثلّة قليلة من بغاة العلم والفلسفة، فهو المبتكر الوحيد في إبداع أُصول لم تُعهد،


1 . ولد عام 979 هـ ، وتوفي عام 1050 هـ .


(87)

وتفريع فروع لم تسمع، وإحداث طريق للبحث والتحليل لم يشاهد.

وفي ظل هذه الجهود المتمادية من فلاسفة الإسلام، بلغت الفلسفة الموروثة من مائتي مسألة إلى سبعمائة مسألة فلسفية عقلية فكرية (1)، مضافاً إلى التحوّل الّذي أوجدوه في العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية.

الفلسفة الإسلامية والواقعية الموضوعية

إنّ من الظلم الفاحش رمي أُمّة كبيرة تحتل هذه المكانة السامية في الحضارة الإنسانية ـ رميها ـ بالمثالية والسفسطة. وليس شيء أدلّ من نتاجهم العلمي الموجود بأيدي الجميع، على بطلان هذا الافتراء.

وهذا كتاب المسلمين يوقظ شعورهم، ويدعوهم إلى الاعتماد على السمع والبصر، وفي الوقت نفسه إلى التعقل والتفكر، يقول :

(وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(2).

فذِكْر السمع والأبصار كنموذج، يعرّفنا موقف أدوات الحسّ. كما أنّ ذكر الأفئدة يُعرب عن مقام الفؤاد وهو العقل، في مجال المعرفة.

ويُستنتج من هذه الآية أنّ الإنسان يأتي إلى الدنيا خالي الذهن من كلِ علم ومعرفة حتّى المعارف البديهية والأوليّة، وإنّما يكتسب ما يكتسبه بعد اتّصاله بالخارج عبر أدوات المعرفة. ولو فرضنا انعدام تلك الأدوات، لما حصلت للإنسان أية معرفة متعلقة بما سوى ذاته.

وقد يتوهم ممّا ذكرنا أنّ الآية تنفي المعلومات الفطرية المودعة في ذات الإنسان، ولكنه توهّم باطل، لأنّ الآية الكريمة ترمي إلى نفي كل معرفة فعلية للإنسان حين ولادته ومجيئه إلى الدنيا، وهذا لا ينافي وجود معلومات فطرية مختمرة


1 . مقالة العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي بمناسبة مرور أربعمائة سنة على ميلاد صدر المتألهين .
2 . النحل: 78 .


(88)

في النفس الإنسانية، تظهر وتتفتح شيئاً فشيئاً مع مرور الزمان، واحتكاك الإنسان بالوقائع الخارجية، فإنّ مثل هذه ليست علوماً فعلية وإدراكات حاضرة حتّى تكون منفية بقوله تعالى: (لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً).

فسلسلة المعلومات والإدراكات الفطرية المودوعة في النفس، حاصلة فيها بالقوة حين ولادة الإنسان، ثم تخرج إلى الفعلية، وتتكامل بتكامل وجوده، وتتفتح تدريجياً باتّصاله بالخارج عبر أدوات المعرفة.(1)

فكل ما تقدم يدلّ على أن الإسلاميين من الفلاسفة كانوا رجالاً واقعيين موضوعيين، يتبنون منهج الجزم ويستخدمون أدوات المعرفة كلٌّ منها في مجاله، مقتفين في ذلك بعد كتابهم السماوي المرشد، أثر المعلم الأول .

ومن أبدع أساليبهم في تحليل المعرفة، تقسيمهم التصورات والتصديقات إلى بديهيات ونظريات.

فهناك تصورات بديهية لا يحتاج العقل في دركها إلى أَزيد من تصور موضوعاتها، كمفاهيم الوجود والعدم والوحدة والكثرة والضرورة والإمكان والامتناع، وسائر ما يسمونه في الفلسفة بالأُمور العامة.

وهناك تصورات نظرية تنالها النفس بعد إعمال القوة الفكرية، كالمفاهيم الكلية من الإنسان والفرس والشجر ونحوها. فإنّ النفس تنالها بعد إدراك أَفراد كثيرة لذلك المفهوم الكليّ عن طريق الحسّ، ثم يقوم العقل بعد ورود صورها إلى الذهن بتجريدها من المشخِّصات أولاً، ثم بالأخذ بالقدر المشترك الّذي يعمّ جميع الأفراد.(2)

وكلا قسمي التصورات يشتركان في أنّ العقل لا ينالهما من دون إعمال الحسّ والاتّصال بالخارج. فلو كان الإنسان فاقداً لعامّة حواسه لما قدر على تصور شيء من التصورات البديهية حتّى الوجود والعدم. كما أنّه لو كان فاقد الصلة بالخارج لما قدر على تجريد الجزئيات والأخذ بالقدر المشترك. وهذا اعتراف من الفلاسفة المسلمين باعتبار الحسّ والعقل في مجال المعرفة الإنسانية.

وكما أنّ التصورات تنقسم إلى بديهية ونظرية، فالتصديقات أيضاً مثلها. فالتصديق بامتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما،


1 . لاحظ مفاهيم القرآن: 1 / 73 ـ 74 .
2 . نعم، ليست التصورات على وزان واحد، وإن كانت كلها تشترك في أنّ النفس تنالها من الخارج بعد اتّصالها به بالحسّ. بل تفترق إلى قسمين، فإنّ لبعضها مصاديق في الخارج، ولبعضها الآخر مناشئ انتزاع.
فمن القسم الأول، الإنسان والفرس والشجر ونحوها، فإنّ النفس تنتزع من الجزئيات الخارجيّة، بعد تجريدها من الخصوصيات، مفهوماً مشتركاً يسمى مفهوماً كليّاً. وكلّما تصور هذا المفهوم الكلي، انتقل إلى مصاديقه وجزئياته، فيقول هذا إنسان وذاك حيوان وذلك شجر.
ومن القسم الثاني المفاهيم العامة الّتي أُشير إليها في المتن، فليس لها مصاديق في الخارج، وإنّما لها مناشئ انتزاع وانتقال فمفهوم العدم ـ مثلاً ـ من المفاهيم العامة، يصنعه الذهن بعد الاتّصال بالخارج، ولكن ليس له مصداق فيه، لأنّ الخارج يساوق الوجود والعينيّة، والعدم بطلان محض، وإنّما ينتقل الذهن إليه بعد عمليات خاصة.
ومثله الضرورة والإمكان والامتناع، فليس في الخارج شيء محسوس نسميه بأحدها، وإنّما هي مفاهيم يصنعها الذهن بعد ملاحظة القضايا الخارجية، كحتمية كون الأربعة زوجاً، وحتمية عدم كونها فرداً، فينتقل من تصور هذه القضايا إلى صنع مفهوم الضرورة والامتناع. فلأجل ذلك قلنا إنّ التصورات ليست على وزان واحد، بل هي بين ما يكون له مصداق، وما يكون له منشأ للانتزاع والانتقال من دون أن يكون له مصداق.
وأمّا عدم كون الوجود والوحدة الّتي تساوقه ممّا له مصاديق في الخارج، فيحتاج إلى بيان آخر قرره الحكماء عند البحث عن أحكام الوجود الخارجي والذهني.


(89)

من التصديقات البديهية. كما أنّ التصديق بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، من التصديقات النظرية، والكل يناله العقل بعد الاتّصال بالخارج وإعمال الحواس قبل تصديقه بالنسبة الموجودة فيها. أمّا في التصديقات البديهية فواضح، وأمّا في القضايا النظرية، فإنّ العقل يستكشف تلك القضايا النظرية المجهولة عن طريق القضايا البديهية بعملية فكرية خاصة، مستفيداً ممّا ناله بالحسّ. مثلاً: إن قولنا: المادة حادثة، الأرض كرويّة، الحركة تسبب الحرارة، الدور والتسلسل ممتنعان، الفلزات تتمدد بالحرارة، زوايا المثلث تساوي 180 درجة، المادة تتحول إلى طاقة; كلُّها معارف تُعَدّ في هذه الأعصار من اليقينيات، غير أنّ النفس لا تؤمن بصحتها عند سماعها لأول وهلة، وإنّما يحصل لها ذلك في ضوء معلومات سابقة بديهية ومكتسبة يجمعها العقل بعملية وجهد فكري، ليكتسب بعده تصديقاً وعلماً جديداً.


(90)

ولنحلل المثال الأول، أعني قولنا: المادة حادثة. إنّها قضية يقينية للإسلاميين، يقضون بها عن طريق الحسّ والعقل معاً بقوله:

ـ المادة متغيّرة.

ـ وكل متغيّر حادث .

إذن فالمادة حادثة.

أمّا الحسّ، فهو يستخدم في غالب القضايا لنيل مفرداتها، سواء أكانت ممّا يناله الحسّ بلا واسطة، أم مما يناله بعد تعمّل. وفي هذه القضية، إن كون المادة موجودة في الخارج، أمر ملموس للحسّ(1)، حتى التغيّر والتبدل ـ إن أُريد منهما ما يدركه عامة الناس ـ يؤخذان من الخارج.

نعم، ما يدّعيه أصحاب القول بالحركة الجوهرية للعالم ـ جواهره وأعراضه ـ ممّا يدعمه البرهان وتثبته الأدلّة الفلسفية (2)، لا الحسّ.

وبعبارة أُخرى: إنّ للحركة والتبدل مرتبتين، مرتبة يدركها الحسّ ويقف عليها عامة الناس، وهي التغير الملحوظ ليلاً ونهاراً في الأرض وما عليها والسماء وما فيها. ومرتبة يدركها العقل بالبرهان الفلسفي، وهو أن العالم بجوهره وحقيقته، في تغيّر ذاتي، وسيلان واقعي، كالنبع المتدفق من مكان ليصبّ في مكان آخر. فالصغرى على المرتبة الأولى حسيّة، وعلى الثانية عقلية مبرهنة.

وأمّا العقل، فيستخدم في القضاء بالكبرى، ببيان أنّ التغيّر عبارة عن الوجود بعد العدم، الحصول بعدما لم يكن، وهذا هو نفس الحدوث وعينه، فيكون ـ إذن ـ كل متغيّر حادث .

ثم يقوم العقل بعملية أُخرى وهي استنتاج حكم الأصغر (المادة) من الحكم على الأكبر، لأنّ الأصغر من مصاديق الأكبر، فلو كان الأكبر محكوماً بحكم عام، فهو يشمل كل فرد من مصاديقه، فالمادة من مصاديق المتغير، فهي أيضاً حادثة.


1 . ولو عن طريق إحساس عوارضها، من اللون والريح والطعم والملمس... بناءً على ما هو الحق من أنّ الحس لا ينال الجوهر (المادة) مباشرة، وإنّما ينالها بواسطة إحساس عوارضها.
2 . وسيوافيك ذلك في الفصل الرابع عند البحث عن أداة العقل من أدوات المعرفة.


(91)

ثم إنّ هناك بديهيات أولية يبتني صحة أي استنتاج عليها، وهي مفروضة في جميع موارد الاستدلال، مثل مبدأ عدم التناقض، وأنّ النفي والإثبات لا يصدقان معاً في شيء واحد، وأنّه إذا صحّ كون المادة متغيّرة، فلا يصحّ نقيضه، وإذا صحّ أنّ كل متغير بالذات حادث، فلا يصحّ نقيضه .

وبالجملة، كل معرفة إنّما تتولد عن معرفة سابقة، وهكذا تلك المعرفة عن أُخرى، حتّى تنتهي سلسلة المعارف النظرية إلى المعارف الأَوليّة المعلومة بالذات.

وهذا هو المنهج الّذي درج عليه الفلاسفة الإسلاميون، واتّضح من مجموع ذلك أنّهم حسيون عقليون.

ونختم هذا البحث الإجمالي لنظرية الإسلاميين في باب المعرفة، بكلمة قيّمة لصدر المتألّهين تعرب عن كون الحسّ، مثل العقل، من أدوات المعرفة عند الإسلاميين، وأنّ الإدراكات العقلية تنتهي في النهاية إلى الحسّ. قال: «فإنّ الحواس المختلفة الآلات، كالجواسيس المختلفة الأخبار عن النواحي، تُعِدّ النفس للاطّلاع على تلك الصور العقلية المجرّدة. والإحساسات إنّما تتكثر، بسبب اختلاف حركات البدن لجلب المنافع والخيرات، ودفع الشرور والمضار، فبذلك ينتفع الحسّ بالحسّ، ثم يُعِدُّها ذلك لحصول تلك التصورات والتصديقات الأوليّة. ثم يمتزج بعضها ببعض، ويتحصّل من هناك تصورات وتصديقات مكتسبة لا نهاية لها»(1).

***

6. الفلاسفة الغربيون

ظهرت في أُوروبا، في أوائل عصر النهضة الصناعية، نهضة فكرية فلسفية بعد قرون الانحطاط والتخلف، وبرز فلاسفة كثيرون يناصرون منهج اليقين في الوصول إلى المعارف والحقائق، ولكنهم سلكوا في هذا المنهج مذاهب شتّى واعتنقوا نظريات مختلفة، نعرضها فيما يلي ثم نحلل كل واحدة منها:


1 . الأسفار: 3 / 381 ـ 382 .


(92)

أ ـ النظرية العقلية، أو العقليون.

ب ـ النظرية الحسيّة، أو الحسيّون.

ج ـ النظرية النسبية، أو النسبيون.

د ـ النظرية الديالكتيكية، أو الديالكتيكيون.

هـ ـ نظرية التحليل النفسي.

وجميع أصحاب هذه النظريات والمذاهب يدّعون أنّهم من أنصار منهج اليقين. وستقف على مدى قيمة هذا الادّعاء، وأنّ القوم مع ما لهم من صخب وهياج في هذا المجال، هم في الواقع من الشكاكين، ويصحّ تسميتهم بـ «أنصار الشك» الجدد.

أ ـ النظرية العقلية، أو العقليون

مؤسس هذا المذهب هو الفيلسوف الفرنسي الطائر الصيت «رينيه ديكارت»(1) .

الشك الديكارتي

كان ديكارت بفطرته مولعاً بالرياضيات لأنّه وجد فيها من اليقين ما لم يجده في سائر العلوم. ثم إنّه بعدما بلغ مبلغاً عظيماً في الفلسفة والمنطق والرياضيات، طرأ عليه الشك في كثير ممّا اتّخذه أُصولاً موضوعية، وهو يصف تلك المرحلة من عمره بقوله :

«مضت عدّة سنوات منذ ان لاحظت أنّ كثيراً من الأشياء الباطلة كنت اعتقد إبّان شبابي أنّها صحيحة، ولاحظت أنّ الشك يعتور كل ما أقمته على أساس هذه الأُمور الباطلة، وأنّه لا بدّ أن تأتي لحظة في حياتي أشعر فيها بأنّ كل


1 . Rene Descartes، رائد الفلسفة الغربية في العصر الحديث، كان رياضياً بارعاً، وعالماً في البصريات والفلك. ابتكر الهندسة التحليلية المزيجة من الجبر والهندسة ولد عام 1595 م في فرنسا في مدينة لاهيه (La Haye)، وتوفي في السويد عام 1650 م، ونقل جثمانه بعد ذلك إلى فرنسا حيث ترقد بقاياه الآن في كنيسة «سان جرمان دي بريه» في باريس .


(93)

شيء يجب أن يقلب رأساً على عقب تماماً، وأن أبدأ من أساس جديد إذا شئت أن أقرر شيئاً راسخاً وباقياً»(1).

ويستمر ديكارت في تأكيد هذا الشك فيقول: «إنّي أفترض إذن أن كل الأُمور الّتي أُشاهدها هي باطلة، وأتصور أنّه لا يوجد عندي أي حسّ، وأتصور أنّ الجسم والشكل والامتدادت والحركة والمكان، ليست إلاّ تخيلات من صنع عقلي. فماذا عسى أن يُعَدّ حقيقياً، ربما إنّه لا شيء في العالم يقيني».

ثم يقول: «من يدريني: لعلّ هناك شيئاً مختلفاً عن تلك الأشياء الّتي حسبتها غير يقينية، شيئاً لا يمكن أبداً الشك فيه. ألا يوجد إله أو قوّة أُخرى تصنع في عقلي هذه الأفكار؟»... «من أين أعلم أنّه ليس من خادع يخدعني بكل ما أوتي من حيلة وقوّة في فكري وتصوري، فيخيل لي المعدوم موجوداً، أو بالعكس» (2).

فهو يقول ـ بعبارة أُخرى ـ : من الجائز أن أكون واقعاً تحت تأثير قوّة تهيمن على وجودي وعقلي، وتحاول خداعي وتضليلي، فتوحي إليّ بأفكار مقلوبة عن الواقع وإدراكات خاطئة. ومهما كانت هذه الأفكار والإدراكات واضحة، فلا استطيع أن استبعد هذا الفرد الّذي يضطرني إلى اتّخاذ الشكّ مذهباً مطرداً.

وعلى ذلك، فالشك المنهجي لديكارت يبتني على احتمالين:

1. احتمال بطلان كل ما يعتقده صحيحاً فعلاً، كما بَطَلَ ما كان يعتقده صحيحاً سابقاً.

2. احتمال كونه واقعاً تحت تأثير قوّة كبرى تخدعه وتضلله.

وهكذا، حاق به الشكّ في كل ما يتصور ويتخيل، وكاد ألمه أن يهلكه، حتّى وصل إلى قضية يقينية لم يقدر أن ينفيها عن نفسه، أو يشك فيها، ألا وهي أنّه يفكر، وذلك لأنّه مهما شكّ في الأشياء، لا يشكّ في شكّه، فشكّه أمر بديهي له، وليس الشكّ إلاّ التفكير، وليس خارجاً عن إطاره .


1 . نشرة آدم وتانري: 7 / 17، على ما في موسوعة الفلسفة: 1 / 493 .
2 . المصدر السابق .


(94)

«أنا أفكر إذن أنا موجود».

ثم صار وجود التفكر نواة لقضية يقينية أُخرى وهي أنّه موجود، لأنّه بدا له أنّ التفكير يحتاج إلى مفكّر ولا ينفك عنه، فقال: «أنا أفكر، لكن ما هو الشيء الّذي يفكر، إنّه شيء يَشُكُّ، ويفهمُ، ويتصوَّرُ، ويقرِّرُ، وينفي، ويريد أو لا يريدُ، ويَحُسُّ»، ثم استنتج من ذلك أنّه ليس إلاّ ذاته ونفسه وطبيعته.

وكانت النتيجة أن قرر ديكارت مقالته المشهورة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»(1).

الله موجود

ثم بدأ ديكارت بالاستدلال على قضية يقينية أُخرى، وهي أنّ الله موجود، وقرّر الاستدلال كما يلي: لا يمكن أن أكون أنا مصدر هذه الفكرة ـ أي فكرة الله ـ فهذه الفكرة تُصوِّر لي جوهراً لا متناهياً، سرمدياً، ثابتاً، مستقلاً. فحقيقة هذا الجوهر تتجاوز إذن ماهيتي وحقيقتي، فكيف يمكن أن أكون مصدراً لها. فإذن فكرة الله على هذا النحو لا يمكن أن يكون مصدرها كائناً آخر غير الله نفسه .

وبعبارة أُخرى: إذا فكرت في الله، وجدت فيه من المزايا العظيمة الفائقة الّتي كلما تأمّلت فيها بعناية أكثر اعتبرت نفسي أقلّ قدرة على إنتاج هذه الفكرة نفسي بنفسي. فإنّ كوني جوهراً لا يجعلني أنتج فكرة جوهر لا متناه، لأنّي أنا كائن متناه، لو لم تكن هذه الفكرة (فكرة جوهر لا متناه) قد أودعها في نفسي جوهر لا متناه حقّاً.

فـ «ديكارت» إذن مقتنع ومتأكد من أنّ فكرة وجود «موجود لا متناه ومطلق الكمال» هي فكرة صحيحة ومتميزة.

الأفكار الفطرية

ثم يستدل ديكارت بعد ذلك على أنّ كل فكرة تنتهي إلى الله فهي فكرة


1 . لاحظ المصدر السابق: 495 .


(95)

صادقة، بأنّها صادرة عن الله، فلو لم تكن صادقة لكان تزويد الله الإنسان بها خدعة وكذباً، وهومستحيل على الكامل المطلق .

وبذلك يستنتج أنّ كلَّ فكرة فطرية في الطبيعة الإنسانية، فهي فكرة صادقة ملقاة من جانب «الله». وبذلك آمن بالمعرفة الفكرية، وأنّها معرفة صحيحة صادقة، وليس لها مصدر سوى الله.

والفطريات عند «ديكارت»، تختلف عنها في لسان القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية، فإنّ الفطرة في الأخيرين هي الميل الذاتي إلى الشيء، من صميم الذات، بلا حافز خارجي، بل كأنّ هناك نداءً من صميم النفس يدعو الإنسان إليه، كالميل إلى العدالة والعفّة والزواج والجاه وغير ذلك. فكلها فطريات في منطق القرآن والأحاديث، ويعبّر عنها بالغرائز تارة، والفطريات أُخرى، وليست هي من قبيل الأفكار، بل ميول طبيعة يجدها الإنسان في ذاته.

وأمّا الفطريات في مصطلح «ديكارت»، فهي من مقولة الفكر والإحساس العقلي. وهي عبارة عن الأفكار الطبيعية الّتي يجدها في نفسه، وتبدو في غاية الوضوح والجلاء، كفكرة «الله» و «الحركة» و «الامتداد» و «النفس»، وكأنّها لوازم للعقل الإنساني، من دون أن يكون العقل مصدراً لها بل هو حامل لها، وإنّما مصدرها شيء غير ذاته وعقله .

طوائف الأفكار الإنسانية الثلاث

ثم إنّه في ضوء ذلك رتب الأفكار الإنسانية في طوائف ثلاث:

1. الأفكار الفطرية: وهي عبارة عن التصورات الّتي يدركها العقل بالبداهة، وليس للخطأ إليها سبيل. كالحركة والامتداد والشكل من الأُمور المادية، والجهل واليقين والشكّ من الأُمور العقليّة المحضة، والوحدة من الأُمور المشتركة بين الأُمور الماديّة والعقلية، وكذلك فكرة الله والأفكار الرياضية الأساسية (الأعداد). ولذلك يقول ديكارت إنّ كل إنسان يحكم بأنّه موجود، كما يدرك بأنّ المثلث له ثلاث زوايا، وأنّ الكُرَةَ ليس لها أزْيَد من سطح واحد، وأنّ المساويين لشيء متساويين.


(96)

ولا تنحصر الفطريات فيما مثّلنا بل هي تعمّ كل شيء لا يقع في إطار التجربة، كتصور الكمال والضرورة والكلية، فإنّها كلَّها يجدها العقل في ذاته وحدها، من دون أن يستمدها من الخبرة (التجربة).

وأوضح تعريف للفطريات ما ذكره ديكارت نفسه في بعض رسائله (1)، قال: «الأُمور الفطرية عبارة عن المعلومات البدائية الأصيلة الّتي نتوصل بها إلى سائر المعارف، وهي قليلة جداً». ثم ذكر أنّ الوجود، والعدد، والزمان، وامتداد الجسم، وتفكير النفس، والوحدة، هي من الأُمور الفطرية (2). وربما يسمّيها بالصفات الأولية.

2. المحسوسات أو الصفات الثانوية: وهي أفكار طارئة تعبّر عن انفعالات خاصة للنفس بالمؤثرات الخارجية، كفكرة الصوت والرائحة، والضوء، والطعم، والحرارة، واللون.

فالفطريات كيفيات أوليّة حقيقية، وهذه الحسيّات كيفيات ثانوية لا تعبّر عن حقائق موضوعية، وإنّما تتمثل في انفعالات ذاتية. فهي صور ذهنية تتعاقب وتثور في دنيا الذهن بتأثير الأجسام الخارجية.

ويبدو أنّ ديكارت يسمّي الفطريات كلّها أو بعضها بالصفات الأوليّة، في مقابل المحسوسات الّتي يسمّيها بالصفات الثانوية. فهو يعتقد أنّا لا نستطيع أن نحصل إلاّ على قدر ضئيل من اليقين بهذه الصفات الثانوية. فأفكارنا عن هذه الصفات مشوشة وغامضة.

وبعبارة أُخرى: إنّ ديكارت يقسم صفات الجسم إلى قسمين: صفات أولية، كالشكل والامتداد والحركة، وهذه لا ينالها الإنسان عن طريق التجربة، ولها واقعية. وصفات ثانوية، وهي الصور الذهنية الّتي ينالها الإنسان غبّ اتّصاله بالخارج، كاللون والطعم والرائحة. وهو لا يقيم لهذه المعرفة اعتباراً علمياً، بل يقول بأنّ قيمتها في مقام العمل، بمعنى أنّ الإنسان يستفيد منها في حياته.


1 . المؤرخة بتاريخ 21 أيار 1643 م .
2 . الفلسفة العامّة، پول قولكييه: 203 .


(97)

فالحسّ عند ديكارت عبارة عمّا يربط الإنسان بالخارج، ويستفيد منه في حياته العملية، وليس هو وسيلة للكشف عن الحقيقة.

وبالرغم من أنّ ديكارت كان رجلاً تجريبياً يستفيد من التجربة في مواردها، إلاّ أنّه مع ذلك لا يقيم للحسّ وزناً علمياً ولا يراه كاشفاً عن الحقيقة!.

يقول ديكارت: أنا عندما أواجه النار أحسُّ بحرارتها وأتخيّل أنّها تشتمل على الحرارة مثلما أحسّها. غير أنّ الّذي يجب الاعتقاد به أنّ النار مشتملة على حقيقة مجهولة إذا واجهتُها أحسّ بحرارة منبعثة منها، ولا يمكنني الاستدلال بهذا الإحساس على حقيقة النار، إذ ليس للحسّ بين أدوات المعرفة دور سوى تمييز النافع عن الضارّ والمصالح عن المفاسد، وليس هو وسيلة لكشف الحقائق.

وبعبارة أُخرى: إنّ الحسّ وسيلة لاتّصال الإنسان بالخارج، ويوجب خلق صور من العالم الخارجي في أذهاننا. ولكن لا يمكن إثبات أنّ ما ندركه من الصور هو نفس الحقيقة الخارجية.

يقول أحد المحققين في نظرية ديكارت: «التصورات الواردة من الخارج إلى محيط الذهن، لا تكشف عن أنّ لها مصاديق خارجية. ولو كشفت عن ذلك، فلا تكشف عن أنّ الموجود في الخارج يطابق ما في الذهن مائة في المائة، بشهادة أنّ الموجود من صورة الشمس في الذهن يغاير الموجود في الخارج، للعلم حسب القواعد النجومية بأنّ الشمس الخارجية أكبر ممّا في الذهن بكثير»(1) .

3. الصور المجعولة: وهي التصورات التي تخلقها القوة المتخيلة في الذهن، وهي لا تكشف عن الواقع أبداً. وهذه كتصور إنسان برأسين، وفرس بجناحين.

هذا عرض خاطف لعقيدة ديكارت في مجال المعرفة اليقينية، وفيما يلي تحليلها.


1 . مسيرة الفلسفة في الغرب، لـ «فروغي»: 1 / 151 .


(98)

تحليل نظرية «ديكارت» في المعرفة

1. امتناع اجتماع النقيضين هو أساس المعرفة

قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ «ديكارت» جعل حجر الأساس ونقطة الانطلاق لليقين الفلسفي، الّذي أراد أن يخرج به عن إطار الشك المطلق ; «أنّه يفكر، فهو إذن موجود».

ولكن ديكارت غفل عن أنّ هذا الإذعان مسبوق بإذعان آخر، لولاه لما خرج به عن إطار الشك، وهو أنّه عندما يفكر هل يصحّ أن يصف نفسه بأنّه لا يفكر أو لا؟ على الأول، يهوي حجر الزاوية، ولا يجد مستقراً مكيناً، لزوال يقينه بأنّه يفكر.

وعلى الثاني، يجد في نفسه معرفة قطعية سابقة على ما توهمه أول المعارف، وهي امتناع أن يوصف شخص واحد، في آن واحد، بأنّه يفكر ولا يفكر. وهذا ما نسميه «امتناع اجتماع النقيضين»، الّذي يُطلق عليه «أم المعارف» و «أم القضايا».

قال صدر المتألهين: «أحقّ الأقاويل، ما كان صدقه دائماً. وأحق من ذلك، ما كان صدقه أوليّاً. وأول الأقاويل الحقّة الأوليّة، الّذي إنكاره مبنى كلِّ سفسطة، هو القول بأنّه لا واسطة بين الإيجاب والسلب، فإنّه إليه ينتهي جميع الأقوال عند التحليل، وإنكاره إنكار لجميع المقدمات والنتائج»(1).

2. معرفة النفس غنية عن الاستدلال

استدلّ ديكارت على وجوده بتفكيره، الّذي لا ينفك عن مفكّر. وغفل عن أنّ معرفة النفس غنية عن البرهنة والاستدلال، فإنّ كل إنسان يجد ذاته حاضرة لدى ذاته، ولو غاب كل شيء عنه لا تغيب ذاته عنه.

والّذي يوضح ذلك، أنّ المستدلّ أخذ التصديق بالنتيجة (أنا موجود) في مقدمة استدلاله، عندما قال: «أنا» أفكر. فترى أنّه يعترف بذاته ووجوده


1 . الأسفار: 1 / 89 ـ 90 .


(99)

مرتين، تارة بالضمير المنفصل «أنا»، وأُخرى بالضمير المستتر في «أفكر». فلو لم يكن وجوده مسلماً لديه ـ من حيث لا يشعر ـ لما صحّ منه هذا التعبير. فهو يعترف بوجوده، ثم يعود ليستدلّ على وجوده!! وما أشبه هذا بمن يطلب شيئاً يملكه.

3. الاستدلال بصورة الشكل الأول

صبّ «ديكارت» استدلاله على ما زعم أنّه الحجر الأساس للمعرفة اليقينية، في قالب الشكل الأول من الأشكال المنطقية الأربعة، الّذي هو أكثر الأشكال استعمالاً في إقامة البراهين. وذلك أنّ قوله: «أنا أُفكر»، صغرى ; وهناك كبرى مطوية هي: «وكل من يفكر فهو موجود» ; فخرج بالنتيجة: «فأنا موجود».

وصحّة هذا الاستدلال مبنية على إذعانه بصحة الشكل الأول وصدق نتيجته، فقد كان هذا معرفة أولية مخزونة في ذهنه، فاستمد منها ليستنتج أنّه موجود.

وقد نقل عن ديكارت أنّه حاول الإجابة عن ذلك بأنّه لم ينتقل إلى هذا الاستدلال من تنظيم قضية بعد أُخرى، والكبرى بعد الصغرى، «وإنّما جرّني إلى ذلك المتصورات الساذجة والبسيطة الّتي كنت أحسّها بالوجدان، وكانت عندي من البديهيات».

ولكنه أشبه بالفرار من المطر إلى تحت الميزاب، لأنّه إذا لم ينتقل إلى ما زعمه نقطة أُولى من المعرفة، إلاّ عن طريق المتصورات والبديهيات الأولية فقد اعترف أنّه كانت لديه معلومات بديهية أو وجدانيات كان يجدها في صميم ذاته.

4. «كلُّ ظاهرة تحتاج إلى علة موجِدة»، معرفةٌ سابقة

عرفت أنّ «ديكارت»، بعدما أذعن بوجود نفسه عن طريق تفكّره، أخذ في الاستدلال على وجود الإله ـ الّذي جعل الاعتراف به معرفةً ثانوية ـ بأنّه لا بدّ لفكرة الإله الّتي يجدها في ذهنه، من مصدر وعلّة.


(100)

وهنا نأخذ عليه بالنقد بأنّه كان يعتقد بمعرفة يقينية أخرى قبل إذعانه بوجود الإله، وهي أنّ كل ظاهرة تحتاج إلى علّة، وأنّ كل معلول في الخارج أو الذهن لا ينفك عن شيء يوجده، لاستحالة خروج الشيء إلى عالم الوجود من لا شيء. ولولا إذعانه بهذه القضية، لما حاول التعرّف على علّة وجود تلك الفكرة في ذهنه .

5. المعلول لا يكون أكمل من علّته، معرفة سابقة

قال ديكارت في مقام البرهنة على «وجود الله»: «لا يمكن أن أكون أنا مصدر هذه الفكرة، لأنّ حقيقة هذا الجوهر تتجاوز ماهيتي وحقيقتي». وهذا الاستدلال يدلّ على أنّه كان ذا معرفة فطرية أُخرى، وهي أنّ الشيء لا يمكن أن يكون أكمل من سببه، وإلاّ لكانت الزيادة في المسبَّب ناشئة من لا شيء.

كل ما ذكرناه يعرب عن أنّ ما توهمه «ديكارت»، أُسس المعرفة اليقينية، ليست كذلك، بل تسبقها أُسس ومنطلقات أُخرى يبتني عليها التفكير الإنساني، كان ديكارت معترفاً بها في صميم ذاته.

6. الفكر المطلق لا يدل على مفكر خاص

استدلّ ديكارت على وجود المفكر بوجود التفكير، وهذا صحيح على وجه وخاطئ على آخر. فلو كان مراده الاستدلال على أنّ الفكر المطلق دليل على وجود المفكّر، فهو صحيح لا غبار عليه ولكنه لا يثبت وجوده الخاص. وأمّا لو كان مراده هو الاستدلال بوجود الفكر المطلق على مفكّر خاص، وهو وجوده، فهو غير صحيح، إذ لا ملازمة بين وجود الفكر المطلق ووجود مفكر خاص هو نفس ديكارت وذاته وذهنه.

ولو أراد الاستدلال بوجود الفكر الخاص، أي فكر نفسه وشخصه وذاته، فعندئذ يكون قد أقرّ بوجوده واعترف به، وذلك لأنّ الفكر المطلق لا ينقلب إلى الفكر الخاص إلاّ إذا أُضيف إلى شخص ومُفكّر وذهن يقوم به الفكر، وعندما يلاحظ الفكر الخاص، فإنّه يلاحظ في ضمنه وجوده وشخصه. فكيف يريد الاستدلال على ما يذعن به قبل الإستدلال؟


(101)

7. إثبات الصانع بطريقة ديكارت مستلزم للدور

قد عرفت أنّ ديكارت اعتمد في إثبات وجود الصانع على أُصول :

أ ـ إنّي أجد فكرة الإله في ذهني، فلا بد أن يكون لها من مصدر. (كل ظاهرة تحتاج إلى علّة).

ب ـ إنّ هذه الظاهرة الذهنية، بما لها من الكمال، يمتنع أن يكون الذهن مصدرها، بل لا بدّ أن يكون سببها أكمل من النفس والذهن.

ج ـ ثم فرّع على ذلك أنّ هذه الفكرة، وكلّ فكرة فطرية، ليس لها مصدر إلاّ الله، وكذا كل البديهيات، كالحركة والامتداد والنفس وغيرها.

د ـ ثم وجه إلى نفسه سؤالاً: لماذا لا تكون تلك القوّة (الإله) خادعة ومضلّلة لذهني في أفكاره وتصوراته؟

وأجاب: إنّ الخداع آية العجز والنقص، والموجود الكامل منزّه عنه .

هذاخلاصة استدلال «ديكارت».

غير أنّ هذا الاستدلال دوري لا يفيد، وذلك لأنّه وصل إلى هذه النتيجة: «إنّ القوة الكبرى ليست بخادعة بالنسبة إلى الأفكار الّتي يحملها ذهني وتودعها تلك القوة فيه» بعد الاستدلال بأُصول ثلاثة، فهو لم يكن جازماً بهذه النتيجة عندما كان يتفوّه بالأُصول الثلاثة الأُولى .

وعلى ضوء هذا، فالأُصول الثلاثة الأُولى مشكوكة جداً عند الاستدلال، لاحتمال أن تكون من تضليل القوة الكبرى وخداعها، فإن تنزّهها عن الخداع لم يُتَوصل إليه بعد.

وعلى ذلك، فصحّة الأصول الثلاثة الأولى، متوقفة على صحة الأصل الرابع (تنزه الإله عن الخداع)، مع أنّ هذا الأصل مبتن على صحة الأُصول الثلاثة، وهذا هو الدور.


(102)

8 . الصورة الذهنية للإله ليست أكمل من الذهن

زعم ديكارت أنّ الصورة الذهنية عن القوة الكبرى أكمل من نفسه، وليس هو بصحيح، لأنّ الّذي يكون أكمل من النفس هو الواقعية الموضوعية الّتي يشار اليها بالصورة الذهنية.

كما أنّه رتب على ذلك لزوم أن يكون لها مصدر آخر، وهو غير صحيح أيضاً، لأنّ تصوّر الشيء الأكمل من النفس، ليس دليلاً على أنّه جيء به من مصدر آخر إلى الذهن، لأنّ الّذي لا تقدر عليه النفس هو إيجاد ذي الصورة، لا الصورة المشيرة إليه. فهذا خلط بين الصورة وذي الصورة.

9. ما هو مصدر استحالة التضليل على الإله ؟

إنّ قول ديكارت: الخداع مستحيل على الإله، عبارة أُخرى عن أنّ الخداع قبيح، وليست هي من الحكمة النظرية، بل من الحكمة العملية، فمن أين علم أنّه لا يخدع، وشكّ في كل شيء ولم يشكّ في هذا ؟

وما استدلّ به على استحالة الإطلاق بقوله: وهو مستحيل على الكامل المطلق، لا ينبغي أن يركن إليه ديكارت، إذ لعلّ هذه الفكرة أيضاً من خداعه وتضليله، فيُوهِمُ أنّ الخداع مستحيل، وليس بمستحيل. وبعبارة أصحّ: يُوهم أنّه قبيح، مع أنّه ليس قبيحاً.

10. ديكارت شكّاك في المحسوسات

إنّ ديكارت مع ما تصعّد وترقى، وجاهد ليخرج عن دوامة الشكّ والحيرة، لم ينج منها، فهو بعدُ في غير الفطريات شكّاك غير جازم بشيء لأنّه لم يقم للحسّ وزناً علمياً، ولم يُضْفِ عليه واقعية موضوعية. وأقصى ما قال فيه إنّه يدعم الإنسان في حياته، فيدفع بالحسّ مشاقَّ الحياة، ولكنه لا يوصله إلى نفس الواقع، ولا يكشف عن مُحيّا الحقيقة، بل من المحتمل أن يكون ما في الحسِّ غير ما في الواقع .

وبما أنّ الأُمور الفطرية عند ديكارت قليلة جداً، بل غالب التصورات ينالها


(103)

الإنسان من طريق الحسّ، وكان الحسّ غير معبّر عن الحقيقة، تكون أغلب علوم وتصورات الإنسان فاقدةً للقيمة العلمية.

ولأجل ذلك، ينبغي أن نَعُدّ ديكارت من الشكّاكين لا الواقعيين والموضوعيين. فهو وأتباعه يرفعون شعار العلم والمعرفة اليقينية، ولكنهم في الحقيقة شكاكون، غيرُ مذعنين. ولعلّ هذا نوع نفاق علمي حاق بهم، ولم يكن رفع الشعار العلمي إلاّ واجهة ليس وراءها حقيقة.

الشك بين الوسيلة والغاية

إنّ الشك الطارئ على الذهن يتبلور على صورتين:

أ ـ تارة يطرأ على الذهن بصورة ظاهرة نفسانية، ثم يزول بعد فترة، ويتبدل إلى اليقين، وهذا هو الشكّ المنهجي.

ب ـ وأُخرى يطرأ على الذهن ويعلق به ولا يرحل عنه أبداً، بل يستوطن فيه .

فالقسم الأول من الشك وسيلة لليقين وأمارة إليه، وهو يدفع الإنسان إلى السعي وراء الحقيقة واستخدام قوى النفس الباطنية لرفع الحجب والأستار عن محيّاها. وهذا الشك نعمة من نعم الله سبحانه على المحققين والمتعمقين.

وأمّا القسم الثاني، فهو بلاء النفس وعذاب لها، وإذا استمر الشك فيها، فإنّه يُحرقها في أُتونه، ويشرف بالإنسان على الخبط والجنون.

ومن حسن حظ ديكارت أنْ كان شكُّه من القسم الأول، فقد استخدمه للوصول إلى منار اليقين، ولو في قسم من المعارف البشرية.

وليس ديكارت وحيد نسجه في هذا المقام، أي ممن طرح كل معلوماته وتصوراته، وبدأ بالتحقيق من صفر، بل سبقه إلى ذلك الإمام الغزالي، أبي حامد محمد بن محمد(1).


1 . ولد عام 450 هـ ق (1058 ـ 1059 م) في مدينة طوس من مدن خراسان، وتوفي فيها عام 505 هـ . ق (1111 م).


(104)

الشك المنهجي لدى الغزالي

بدأ الغزالي قراءة كتب الفلسفة حوالي سنة 484 هـ ق، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، فأخذ فكره يتغير مجراه، وحدثت له أزمة روحية كان من نتائجها أن شكّ في اعتقاداته الموروثة. وهذا الشك كان أوّل دافع له إلى النظر العقلي الحرّ، وهو يعترف في بعض كتبه بما لهذا الشك من فائدة، حتّى قال: إنّ من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والحيرة والضلال، ولا خلاص للإنسان إلاّ في الاستقلال (1).

وهو يذكر تلك المرحلة من عمره بقوله:

«وقد كان التعطّش إلى درك حقائق الأُمور دأبي وديدني من أول عمري وريعان شبابي... حتّى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت عليّ العقائد الموروثة على قرب عهد الصبا، إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلاّ على التنصّر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلاّ على التهوّد، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلاّ على الإسلام، وسمعت الحديث المروي عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حيث قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصرّانه ويمجّسانه»، فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة الحقائق العارضة بتقليد الوالدين والأُستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات وأوائلها تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات.

فقلت في نفسي أولاً: إنما مطلوبي العلم بحقائق الأُمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟ فظهر لي أنّ العلم اليقيني هو الّذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم.

ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارناً لليقين مقارنَةً، لو تحدَّى بإظهار بطلانه، مثلاً، مَنْ يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يورث ذلك شكاً ولا إنكاراً. فإنّي إذا علمت أنّ العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: «لا بل الثلاثة أكثر من العشرة، بدليل أنّي أقلب هذه


1 . ميزان العمل: 216 .


(105)

العصا ثعباناً»، وقَلَبَها، وشاهدت ذلك منه، لم أشُك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلاّ التعجب من كيفية قدرته عليه، فأمّا الشكّ فيما علمتُه، فلا.

ثم علمت أنّ كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به، ولا أمان معه. وكل علم لا أمان معه، فليس بعلم يقيني.

ثم فتشت عن علومي، فوجدت نفسي عاطلاً عن علم موصوف بهذه الصفة، إلاّ في الحسيات والضروريات، فقلت: الآن بعد حصول اليأس، لا مطمع في اقتباس المشكلات إلاّ من الجليّات، وهي الحسيّات والضروريات، فلا بدّ من إحكامها أولاً لأَتيقن أن ثقتي بالمحسوسات، وأماني من الغلط بالضروريات، من جنس أماني الّذي كان من قبل في التقليديات ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات، أم هو أمانٌ محقَّق لا غدر فيه، ولا غائلة له؟.

فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها، فانتهى طول التشكيك إلى أن لم تسمح لي نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضاً، وأخذت تتسع للشك فيها، وتقول: من أين الثقة بالمحسوسات، وأقواها حاسة البصر... تنظر إلى الكوكب فتراه صغيراً في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدلّ على أنّه أكبر من الأرض في المقدار. هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته.

فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات، فلعلّه لا ثقة إلاّ بالعقليات الّتي هي من الأَوليات، كقولنا العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون حادثاً قديماً، موجوداً معدوماً، واجباً محالاً... وقالت (النفس): أما تراك تعتقد في النوم أُموراً، وتتخيل أحوالاً، وتعتقد لها ثباتاً واستقراراً، ولا تشك في تلك الحالة فيها، ثم تستيقظ، فتعلم أنّه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك اصل ولا طائل؟. فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحسّ أو عقل هو حق؟...

فلما خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس، حاولت لذلك علاجاً،


(106)

فلم يتيسّر، إذ لم يكن دفعه إلاّ بالدليل، ولم يمكن نصب دليل إلاّ من تراكيب العلوم الأولية. فأعضل هذا الداء، ودام قريباً من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة، بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، حتّى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل، وترتيب دليل، وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف»(1).

***

ب ـ النظرية الحسيّة (2) أو الحسيّون

المعروف أنّ مؤسس المذهب الحسّي في المعرفة هو الفيلسوف الإنكليزي «جون لوك» (3) (1632 ـ 1704 م). ولكن الحق أنّ أول من وضع أساسه هو الفيلسوف الإنكليزي «فرنسيس بيكون»(4) (1561 ـ 1626 م).

كان «بيكون» من أقوى المتمردين على التقاليد الأفلاطونية والأُرسطيّة، وحاول من نواح كثيرة أن يُحيي فلسفةً مادية قريبةً من مادية «ديموقريطس »(5). وقد زعم أنّ المنطق الأُرسطي غير مفيد بوصفه أداة للكشف، وجعل العلم الطبيعي في الصف الأول من العلوم وقال: إنّ الطبيعة تؤثّر على الفكر البشري بشعاع مستقيم. وهكذا فقد كان «بيكون» من أَوائل الفلاسفة الحسيين الذين يرون الحسّ والتجربة أساس المعرفة.

وقد تأثر «لوك» بالمنهج العلمي لـ «بيكون»، فجعل الحسّ أساس المعرفة.


1 . المنقذ من الضلال، للغزالي: 10 ـ 14، ط بيروت 1969 .
2 . SENSUALISM .
.. John Locke.
4 . Francis Bacon.
5 . Democritus وسيأتي ذكر بعض أحواله في النظرية التالية وهي النظرية الديالكتيكية.


(107)

يفترض «لوك» أنّ أنفسنا في بدئها، كلوحة بيضاء خالية من كل معنى ذهني، وأمّا الصور التي ترتسم عليها فيما بعد، فهي ثمرة التجربة. وممّا لا شك فيه أنّ تصوراتنا على نوعين: تصورات بسيطة، وتصورات مركبة، وتشتق التصورات البسيطة من مصدرين هما الإحساس (إذا كان موضوعها الصفات المحسَّة، كالبصر والسمع وغيره)، والتأمل (إذا كانت تتعلق بالنفس، كالتفكير والإرادة).

أمّا التصورات المركبة، فهي نتيجة مزج اوتعميم التصورات البسيطة. فهي بهذا الاعتبار تصدر عن الاختبار والتجربة.

فهو بهذا البيان، يريد أنّ للصور الذهنية مصدرين: الحسّ، والفكر(1)، وما لم تنته أيّة معرفة إليهما، فلا وزن لها.

وبعبارة أُخرى: إنّ أفكارنا كلّها إمّا بسيطة أو مركبة، والفكرة البسيطة هي غير المؤلفة من عدّة أفكار، فإنّها لا تحتوي إلاّ على مظهر واحد. مثال ذلك: رائحة وردة.

وأمّا الفكرة المركبة، فهي المؤلفة من فكرتين بسيطتين أو أكثر، مثل فكرة: أصفر زكي الرائحة.

والأفكار البسيطة لا يمكن أن يخلقها العقل، ولا أن يدمّرها، لكن العقل يقدر على تكرار الأَفكار البسيطة اومقارنتها بعضها ببعض، أو تأليفها بعضها مع بعض، ولا يستطيع العقل أن يخترع أفكاراً بسيطة لم يعرفها في التجربة. والأفكار البسيطة هي الأفكار الّتي بها تبنى كل أفكارنا المركبة وبها تُفسّر.

وكثير من الأفكار البسيطة يحملها حسّ واحد، مثل أفكار: الألوان، الأصوات، الأذواق، الروائح، والملبوسات.

وبعض أفكارنا ينقلها حِسّان أو أكثر، ويدخل في هذا النوع أفكار: المكان، الامتداد، الشكل، السكون، والحركة، إذ نحن نتلقى هذه الأفكار بواسطة اللمس والحسّ .


1 . الّذي يؤلف ما أخذه بواسطة الحس .


(108)

وهناك نوع ثالث من الأفكار، وهي الّتي تأتي بالتأمّل. وهي ما لا تحصل من دون استعانة بمعلومات سابقة، كمعرفتنا بأنّ مجموع زوايا المثلث يساوي زاويتين قائمتين، وربما يسمى هذا بالمعلوم الاكتسابي التعقلي.

وثَمَّ نوع رابع من الأفكار، هي نتيجة التأمّل والإحساس كليهما. ويدخل في هذا النوع أفكار اللذّة والألم (1).

ثم يقرر لوك أنّ الموضوعات (الأشياء) لها كيفيات أولية ولها كيفيات ثانوية.

فالكيفيّات الأوليّة هي الّتي لا تنفصل عن الأجسام مهما تكن الحالة الّتي توجد فيها هذه الأجسام. وهذه المجموعة تشمل الصلابة، والامتداد، والشكل، والتحرك، والعدد.

وأمّا الكيفيات الثانوية، فليست قائمة في الموضوعات نفسها، بل هي قوى الأجسام الّتي تنتج إحساسات مختلفة فينا من خلال كيفياتها الأَولية. مثال ذلك: قوة الشيء على إحداث الأَصوات والأَذواق والروائح فينا حين تتأثر به، كل ذلك من خلال حركة أَجزائه الصلبة الممتدة (الكيفيات الأولية) (2) .

التقسيم الثنائي في فلسفتي «ديكارت» و «لوك»

قسّم ديكارت المعرفة إلى عقلية وحسيّة، وآمن بالأُولى من ناحية فلسفية دون الثانية، إلاّ أنّه اعتبرها في مقاييس الحياة العملية. وقال بأنّ معرفة الإنسان ببعض خواصّ الأجسام، من الأفكار العقلية الفطرية، كالامتداد والحركة. ومعرفته ببعضها الآخر حسيّة. وعند ذلك نوّع تلك الخواص إلى أوليّة وثانويّة.

وأمّا «جان لوك»، فقد بدأ بناءه الفلسفي بإبعاد الأفكار الفطرية، والإيمان بسيادة الحسّ على الإدراك كلّه. فخواصّ الأجسام لا سبيل إلى إدراكها إلاّ بالحس. غير أنّ الصفات المحسوسة بين أوليّة : وهي الصفات القائمة


1 . وسيوافيك قسم خامس في آخر البحث .
2 . لاحظ موسوعة الفلسفة: 2 / 373 ـ 375 .


(109)

بالأجسام الّتي لا تنفك عنها، وثانوية: وهي قوى الأجسام الّتي تحدث إحساسات مختلفة في الإنسان من خلال تلك الصفات الأَولية.

«لوك» شكّاك

كان المترقَّب من «لوك»، باعتبار أنّه يُعَرّف الحسّ أساس الإدراك، وأنّه المصدر الرئيسي للمعرفة، أنْ يقيم للحسّ قيمة فلسفية قاطعة، ويراه كاشفاً عن الواقعيات الموضوعية. إلاّ أنّه وافق «ديكارت» في أنّ المعرفة الحسيّة لا قيمة لها فلسفياً، وإن كانت معتبرة في مقاييس الحياة العملية. ولعلّه لأجل ذلك لم يؤمن موضوعياً بجميع خواص المادة المدركة بالحسّ، وقسّمها كما عرفت إلى خواص حقيقية موضوعية، كالشكل والامتداد، وخواص ثانوية توجب انفعالاً ذاتياً، كاللون والطعم.

فعند ذلك نسأل «لوك»: إذا كان الحسّ فاقداً للقيمة الفلسفية، فمن أين علم بوجود الأشياء وخواصها؟ وكيف قسّمها إلى قسمين ؟

ولأجل ذلك يصحّ لنا أن نعد «لوك» من أنصار الشك الحديث، لكن تحت غطاء علمي، وواجهة تحليلية فلسفية تقبلها طباع أبناء العصر.

ومع ذلك كلّه، فقد آمن ببعض الإدراكات الّتي لا تنتهي إلى الحسّ، وسمّاها بـ «المعارف الوجدانية»، وهي المعارف الّتي لا يحتاج العقل في سبيل الحصول عليها إلى ملاحظة شيء آخر، كعلم الإنسان بنفسه، وأنّ المثلث غير المربع.

***

ج ـ النظرية النسبيّة (1) أو النسبيون

إنّ أصحاب منهج اليقين يتفقون على أنّ قسماً عظيماً من إدراكات الإنسان


1 . RELATIVISM .


(110)

وعلومه تطابق الواقع، وأنّ الفكر الإنساني إذا حاز النَّظْم المنطقيَّ، يصل إلى حقائق غير قابلة للإنكار، يدركها الإنسان جزماً.

غير أنّهم بعد هذا الإتّفاق، افترقوا إلى طائفتين:

1. الموضوعية المطلقة

تقول هذه الطائفة إن الذهن يدرك الأشياء الخارجية في ظل أدواته على ما هي عليه، من دون أن يكون للفكر والذهن أو الحسّ تأثير في الصورة العلمية، بل هلي على وضع لو قُلبت إلى الخارج، تكون نفسه، كما أنّ الخارج لو جرّد عن ثوب الخارجية، لكان نفس الصورة الذهنية.

وبعبارة ثانية: إنّ ها هنا واقعية خارجية تظهر بوجودين: أحدهما الوجود الخارجي الّذي له آثاره ; وثانيهما الوجود الذهني. وهو يتحد مع الخارج ماهية، غير أنّه لا يترتب عليه أثره. فالموجود الخارجي والذهني يتحدان ماهية، ويختلفان وجوداً، فإنّ الوجود الخارجي له آثاره، والوجود الذهني له آثار أُخرى، مع اتّفاقهما في الماهية. وهذا هو الرأي الموروث من أرسطو والفلاسفة الإسلاميين مشائييهم وإشراقييهم.

وبعبارة ثالثة: إنّه ليس للعلم حقيقة سوى كونه مُظهراً للواقع بلا تأثير من الذهن في الإظهار والإراءة. وأمّا الموارد الّتي يكون فيها للذهن والحسّ تأثير في تبلور الخارج في الذهن كما في المبتلى بالصُّفرة، فهو موارد إستثنائية يقف عليها الإنسان بالتأمّل والتدبر. ولأجل ذلك لا يؤثر في سائر إدراكاته كالسمع والبصر.

هذه نظرية أصحاب الموضوعية المطلقة، فهم يقولون بالجزم واليقين في مقابل السوفسطائيين والشكاكين، وبالموضوعية والواقعية المطلقة في الإدراك، مقابل الطائفة التالية.

2. النسبيّة

في النسبية اتّجاهان: أحدهما ـ وهو الأساس ـ الاتّجاه النسبي الفلسفي، والثاني هو الاتّجاه النسبي العلمي. وفيما يلي نستعرض كلاًّ منهما.


(111)

أ ـ النسبية الفلسفية

أصحاب هذه الطائفة لا يعترفون بإراءة العلم للواقع مائة بالمائة، وإنّما يقولن بأنّ ما يدركه الإنسان من الخارج ليس حقيقة خالصة من الشوائب، بل هي مزيد من الناحية الموضوعية للشيء (الخارج) والناحية الذاتية للفكر المدرك، فلا يمكن أن تُفصل الحقيقة الموضوعية في التفكير، عن الناحية الذاتية للفكر وتبدو عارية عن كل إضافة.

إنّ أصحاب النسبية الفلسفية يزعمون أنّ هناك عاملين رئيسيين يشتركان في إخراج الصورة الذهنية عن الإطلاق، وتشويشها بالشوائب، إليك بيانهما.

العامل الأول ـ الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالمدرك

إنّ للزمان والمكان تأثيراً في تبلور الأشياء بصور مختلفة حيث نرى أنّ شيئاً واحداً يتجلّى في ظرف خاص جميلاً وفي ظرف آخر غير جميل، وغير ذلك الكثير، وما هذا إلاّ لأنّ للظروف تأثيرها في إظهار كيفيات الأشياء.

العامل الثاني ـ الجهاز العصبي

إنّ للجهاز العصبي دوراً عظيماً في تبلور الصور العلمية بصور خاصة، فالأشياء الخارجية تظهر لدى مدارك الإنسان بألوان مختلفة: حمراء وخضراء وزرقاء وغيرها، بينما بعض الحيوانات لا تراها إلاّ باللونين الأسود والأبيض، وما هذا إلاّ لأنّ للجهاز تأثيراً في تبلور الخارج في الذهن.

بل الإنسان الواحد يدرك الشيء الواحد، في حالات مختلفة، بصورتين مختلفتين. فترى أنّ الإنسان في حال سلامته يلتذّ بالطعام دون حالة سقمه، والرائحة الواحدة تكون طيبة له في حالة دون أُخرى، وغير ذلك.

وهكذا فالصور الذهنية ليست سوى إشارات إلى الخارج ورموز عنه، وليست كاشفة عنه كشفاً تامّاً، لأنّ كيفيتها متوقفة على مدى تأثير العاملين الماضيين فيها، اللّذين يخرجانها عن الإطلاق ويضيفان عليها الشوائب .


(112)

فالقائلون بالنسبية الفلسفية يؤكّدون الطابع النسبي لجميع الحقائق الّتي تبدو للإنسان، سواء أكانت في مجال التصور والإدراك المفرد، أو في مجال التصديق والإدراك المركب، وذلك باعتبار الدور الّذي يلعبه حسُّ كلِّ فرد وعقلُه في عملية اكتسابه للحقائق المفردة أو المركبة. فليست الحقيقة في هذه النظرية إلاّ الأمر الّذي تقتضيه ظروف الإدراك وشروطه. ولما كانت الظروف والشروط تختلف في الأشخاص، والحالات المتنوعة، كانت الحقيقةُ في كل مجال، حقيقةً بالنسبة إلى ذلك المجال الخاص، بما ينطوي عليه من ظروف وشروط. وليست الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع، لتكون مطلقة بالنسبة إلى جميع الأحوال والأشخاص .(1)

وبعبارة أُخرى: إنّ الصورة الواردة من الخارج إلى الذهن من طريق الحواس، تخضع ـ في الكيفية والخصوصية ـ لكيفية تركيب الحواس، وخواصها، وكيفية عملها، والظروف المحيطة بها حين عملية الإدراك. وبسبب دخالة هذه الأُمور في كيفية تبلور الحقيقة عند كل إنسان، لا يمكن الحكم بأنّ ما نتصوره عن الخارج، هو نفس الموجود في الخارج، ولا يكون حجة إلاّ على من كان مماثلاً لنا في تلك الكيفيات والظروف، وأمّا المغاير لنا فيها، فيدرك الواقع بشكل آخر. ولأجل ذلك يقول علماء النفس: إنّ كيفية الإحساس، شدّةً وضعفاً، يتبع الجهاز المنفعل. فرُبَّ طارئة تهز إنساناً بعنف، وهي عينها لا تهز آخر إلاّ قليلاً، وما ذلك إلاّ للاختلاف في الجهاز المنفعل .

وقد راجت هذه الفكرة بعد «ديكارت» رواجاً كاملاً، وقد كان هو يقول: «إنّ المشابهة بين الصورة الذهنية والخارجية، ليست بأزيد من المناسبة بين اللفظ ومعناه». فالقدر المشترك بينهما، هو أنّ اللفظ مصدر انتقال الذهن إلى المعنى، كما أنّ الشيء الخارجي منشأ انتقالنا إلى الصورة الذهنية عنه: فكما أنّ المعنى ليس إلاّ نفس اللفظ، وإنْ كان لا يفقد الرابطة ; فهكذا الصورة الذهنية ليست عين الخارج، وإنْ كانت غير منقطعة الصّلة به.

وعلى ذلك، فما ندركه من الألوان والأصوات وغيرها من المحسوسات، إنّما


1 . لاحظ: فلسفتنا: 150 .


(113)

هو رموز قيّمة عن الخارج، ووسائل لتأميل الحياة. وأمّا كونه معرّفاً للواقع على ما هو عليه، وكاشفاً عنه، فلا، لما عرفت من دور الجهاز الحسيّ في كل فرد في عملية اكتساب الصور من الخارج.

وكما أنّ للحسِّ دوراً خاصّاً في نقل الصور عن الخارج، فهكذا للجهاز العقلي الفكري دور خاص في اكتساب المعقولات من مقدماتها. فكل ما يكتسبه العقل عن طريق البرهنة والاستدلال، فإنّما هو معتبر بالنسبة إلى الجهاز الذهني الّذي أدركه، بمعنى أنّ مقتضى تحليل المقدمات الموصلة إلى النتيجة في ظلّ كيفية صنع ذلك الجهاز، وكيفية عمله، والظروف المحيطة به حين البرهنة والاستدلال، هو تلك النتيجة. وأمّا أنَّ تلك النتيجة هي نفس الموضوعية الواقعية، حتّى تكون حجة على من لا يماثل جهازه الفكري جهازنا، أو تُغايِرُ ظروفُه ظروفَنا، فلا.

وعلى هذا، تصبح العلومُ الإنسانية، مفردُها ومركَّبُها، تصوُّرُها وتصديقُها، معرفةً نسبية، تحكي عن الواقع حكايةً ما، لا حكاية مطلقة. ولذا لو طرأ تغيُّر ما في الجهاز أو الظروف الحاكمة عليه، لانعكست الحقيقة على تلك المدارك، بغير ما كانت عليه .

هذه هي حقيقة النسبية الفلسفية، وأصحابها وإنْ كانوا يحملون شعار الحقيقة، ولكنه مجرّد شعار لا حقيقة وراءه، وما هو إلاّ صورة أخرى عن مذهب الشك، تستسيغها أذهان أبناء العصر.

فأنصار الشك الحديث يُسدلون شعار الحقيقة والمعرفة الجزمية، غطاءً على الشك المغمور تحت هذا الشعار، بينما أنصار الشك القديم يتجاهرون بما يتبنونه بلا ستر وغطاء.

وعلى ذلك، فإنّا نسأل هؤلاء، الذين يَعُدّون أنفسهم من الواقعيين وأصحاب الجزم واليقين: إذا لم تكن الصُّوَر الذهنية، والقضايا البرهانية، حاكيةً عن الواقع، بل رموز عنه، فمن أين نعلم بصحة القواعد العلمية الطبيعية والفيزيائية والرياضية؟، وما ذكرتموه لا يؤدّي إلاّ إلى إنكار العلم بالخارج، والانسلاك في عداد السوفسطائيين.


(114)

هذا، وإنّ القول بالنسبية في القضايا التصديقية، أكثر فساداً من القول بها في التصورات، لأنّ لازم ذلك أن تكون القضايا القطعية، من: امتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما، ومسألة العليّة والمعلوليّة، قضايا غير مطلقة، بل صادقة في ظروف دون أُخرى. وهذا يؤدّي إلى تضعضع أُصول المعارف كلِّها، ولا أظن أن يلتزم به أيّ إنسان واع.

اعتذار وإجابة

إنّ الفيلسوف الغربي «پول فولكييه»(1) قد التفت إلى الإشكال الّذي ذكرناه، وهو أنّ القول بالنسبية في التصورات والتصديقات، يهوي بالإنسان في وادي الشك، فحاول تصحيح تلك النظرية وإخراج القائلين بها من عداد الشكاكين، فقال:ها هنا بون شاسع بين الشكاكين، وأصحاب هذه النظرية، فإنّ الطائفة الأُولى لا تذعن بشيء، بل تشك في جميع الأشياء، بخلاف هؤلاء، فإنّهم لا ينفون اليقين عن أنفسهم في مجال الإدراك، بل يقولون إنّ هذه الظواهر الّتي ندركها من الكون ـ بوصفها النسبي ـ تعطينا القدرة على تأسيس علوم وقضايا بينها ربط ونظم منطقي(2) .

ولكنه اعتذار لا يسمن ولا يغني، فإنّا نسأل هؤلاء الذين يدعون أنّهم من أصحاب اليقين: إذا حصلت عندنا صور عن الخارج، أو أدركنا ـ في ظل البرهنة ـ قضيةً علمية أو فلسفية، فهل يصحّ لنا أن ندّعي أنّ المحكي بهذه القضايا يتّحد مع ما أدركناه في ذهننا؟، أو لا. فعلى الأول، يعود الإدراك مطلقاً لا نسبياً، وعلى الثاني، يزول وصف اليقين بصدقها. فلو أدركنا عن طريق الحسّ أن أرسطو كان تلميذاً لأفلاطون، فهل هذه القضية تطابق الواقع مائة بالمائة، أو أنّ صدقها تابع للظروف الّتي تحيط بنا عند إدراكنا لها، أو لكيفيّة الجهاز الإدراكي الموجود فينا؟. فعلى الأول، يكون هؤلاء موضوعيين واقعيين على وجه الإطلاق. وعلى الثاني، يزول وصف اليقين، إذ من المحتمل في ظروف


1 . Paule Foulquie.
2 . الفلسفة العامة، پول فولكييه: 77 .


(115)

أُخرى، أو لدى أجهزة إدراكية أخرى، أن يُحكم في تتلمذ أرسطو على أفلاطون بشكل آخر، بل ربما انقلبت القضية إلى ضدها، وكان أفلاطون تلميذاً لأرسطو!. وما قيمة علوم وقضايا أُسست على إدراكات متزلزلة، غير ثابتة، هي على جرف هار.

انتحار النسبية بيدها

وها هنا مؤاخذة أُخرى، لو تأمّلها القائلون بالنسبية، لرجعوا عن ذلك المنهج، وهي أنّا نسألهم عمّا يتبنونه في مجال نظرية المعرفة، فنقول لهم:

إنّ قولكم: إنّ ما يدركه الإنسان في مجال التصوّر والإدراك يخضع في الكيفية والخصوصية للذهن المدرِك، والظروف المحيطة بالإنسان حين الإدراك، هو قضية علمية، تريدون إلقاءها وإفهامها للناس. فحينئذ نسألكم: هل هي قضية مطلقة صادقة لدى جميع الأذهان، وفي جميع الظروف، لا تتغيّر ولا تتبدل مهما تغيّرت تلك وتبدّلت؟. أو أنّها قضية صادقة لدى الذهن الّذي أدركها، وفي الظرف الّذي أُدركت فيه، على وجه لو طرأ التغيّر فيها، لتبدّلت إلى قضية غيرها؟.

على الأول، فقد اعترفتم بقضية مطلقة صادقة، غير خاضعة لأي ظرف، لأنّكم تتلقون هذه القضية بصورة قضية غير مقيّدة بوضع خاص، وزمان محدّد، وما هو كذلك يكون قضية مطلقة. ففي الوقت الّذي تجاهدون فيه لإثبات نسبية جميع القضايا بلا استثناء، تثبتون قضية مطلقة صادقة في جميع الأحوال والظروف، وهي قولكم: إنّ إدراكات الإنسان كلّها إدراكات نسبية.

فعندئذ تنتقض كلية القضية بنفسها، لأنّ لازمه أن تكون جميع الإدراكات نسبية إلاّ هذه، وهذا ما يقال له: يلزم من فرض وجوده عدمه.

وعلى الثاني، وهو أن تكون نفس هذه القضية، قضية نسبية، أي أنّ اتّصاف جميع القضايا والإدراكات بأنّها نسبية تابعة لظروف محددة، ليست قضية كليّة، بل هي أيضاً نسبية تابعة للظروف والأحوال الّتي أُدركت فيها، يلزم أن لا تكون سائر القضايا قضايا نسبية، وإنّما يكون النسبي هو هذه القضية فقط .


(116)

وإن شئت قلت: إذا كان سلب الإطلاق والكلية عن سائر القضايا، ليس إلاّ سلباً نسبياً ـ تابعاً لظرفه ـ لا سلباً مطلقاً، فكيف يمكن أن يسلب عنها الإطلاق والكليّة في جميع الظروف ؟

فتحصّل أن قولهم: ليس لنا إدراك مطلق، هل هو أيضاً مطلق، أو لا؟ إن قالوا بالأول، فقد نقضوا نظريتهم بهذه القضية. وإن قالوا بالثاني، كان معناه كون جميع الإدراكات ـ غير هذا ـ مطلقة وكليّة.

ب ـ النسبية العلمية

هناك اتّجاه آخر في النسبية يقابل النسبية الفلسفية الّتي هي موضع الاهتمام في نظرية المعرفة، معروف بالنسبية العلمية، أو نسبية الحركة والثقل، وهذه النظرية موروثة من غاليليو(1) (1564 ـ 1642 م)، ونيوتن (2) (1642 ـ 1727 م)، وهي خارجة عن مجال بحثنا، لأنّا نبحث في كون المعرفة مطلقة أو نسبية، وأمّا كون شيء بوجوده الواقعي، أمراً إضافياً ونسبياً فلا ننكره، ولا نبحث عنه. وذلك مثل مقولة الإضافة، كالأبوة والبنوة، فإنّ واقعيتها واقعية إضافية ونسبية، فليس للأبوة والبنوة مفهوم مطلق عند التطبيق على الخارج (لا عند التصور).

ولأجل ذلك فما ذهب إليه ذانك العالمان الغربيان من أنّه لا واقعية للحركة والثقل، لا يستلزم الشك في المعرفة، ولا إنكار الواقعيات. والنسبية الّتي ننكرها ونندد بها هي ما تورث الشك والحقائق. وكيف كان، فإليك بيان ما ذكراه:

قالا: إنّ الثقل ليس له واقعية، فليس للأجسام ثقل ثابت على وجه الإطلاق، وإنّما يتعين ويتحدد ثقلها حسب الظروف والمواضع الواقع فيها الجسم. فلذا نرى أنّ الحجر في الماء أخف منه خارجه، والجسم الموجود على


1 . Galileo.
2 . Newton .


(117)

القمر أخفّ كثيراً من الموجود على الأرض، وغير ذلك من النماذج الّتي تعرب عن أنّه ليس للثقل واقعية محددة.

وكذلك الحركة، ليس لها واقعية، لأنّ حركةً واحدة قد تتجلى عند شخص بنحو، وعند آخر بنحو مغاير. مثلاً: إذا ألقى الجالس في قطار متحرك، حجراً من النافذة أثناء حركة القطار، فإنّه يراه يسقط عمودياً على الأرض. بينما يراه الإنسان الواقف خارج القطار يسقط منحنياً. وهذا يكشف عن أنّ حركة الأجسام ليس لها واقعية ثابتة.

ولكن القول بالنسبية العلمية في هذين الموضوعين وأشباههما، على فرض صحته، لا يضرّ بنظرية أصحاب اليقين في نظرية المعرفة، كما عرفت.

هذا، وما ذُكر في الثقل صحيح، لأنّ واقعية الثقل هي واقعية نسبية وإضافية، كالأُبوة والبنوة، والكبر والصغر، ليس لها عند التطبيق على الخارج (لا عند التصور) واقعية سوى الإضافة إلى شيء، فيقال: إنّ الأرض أكبر من القمر، والأرض أصغر من الشمس.

ولكن ما ذكر في الحركة ليس هو إلاّ نتيجة خطأ الحواس لا أكثر، وإلاّ فقد اثبتت الأبحاث الرياضية والفيزيائية أنّ لحركة الحجر ـ في المثال ـ حركة واقعية ثابتة، هي حركة منحنية إلى الأمام، لأنّ الحجر لحظة إلقائه كان متحركاً بحركة القطار، فيحمل سرعته ويندفع بها إلى الأمام، وفي تلك الأثناء يخضع لتأثير قوة الجاذبية، الّتي تجذبه إلى أسفل، فينشأ من ذلك حركة منحنية إلى الأمام.

***

د ـ النظرية الديالكتيكية أو الديالكتيكيون

ظهرت في أوروبا في القرن السابع عشر فلسفة مادية،ترى أنّ الوجود يساوي المادة، وأنّه ليس في دار الوجود إلاّ هي وآثارها، في مقابل ما يراه الإلهيون من أنّ الوجود أعمّ من المادة ومظاهرها وطاقاتها، وأنّ المادة إنّما هي قسم من الموجودات، فإنّ هناك موجودات عليا منزّهة عن المادة وآثارها.


(118)

ومنذ ظهرت الفلسفة المادية سلكت في مجال المعرفة، مسلكين مختلفين، وانقسم أتباعها إلى طائفتين:

1. المادية الميكانيكية

يُسْنِد أَتباعُ هذا المسلك نظريتهم إلى «ديموقريطس» اليوناني(1)، الّذي اتّهم بالفلسفة المادية، وإليه تنسب النظرية الذرية، الّتي يعبّر عنها بنظرية «الجوهر الفرد» في الفلسفة الإسلامية. وحاصلها أنَّ المادة عبارة عن جزئيات صلبة صغيرة لا تقبل التغيّر ولا الانقسام. فالمادّة الأوليّة هي مجموع تلك الذرّات الصلبة والجواهر الفردة. وأمّا الظواهر الطبيعة، ككون شيء إنساناً أو حيواناً أو نباتاً، فهي ناتجة عن انتقال تلك الجواهر الفردة من مكان إلى مكان.

ولما كانت هذه النظرية الفلسفية محتاجة إلى دعم علمي، فقد فسّرتها الفيزياء الحديثة، في القرن الثامن عشر بالتفسير الآلي، كما تفسر الحركة في رقّاص الساعة. وافترضت ـ لتكميل التفسير الآلي لظواهر الطبيعة ـ وجود قوى وعلاقات خاصة بين الجواهر الفردة.

وعلى ضوء ذلك، فكلُّ ما يطرأ على المادة من تبدلات وتغيّرات، فإنّما هو مفروض عليها، وليس نابعاً من ذاتها وصميمها، كالحركة العارضة على العربة أو السفينة أو رقّاص الساعة، فإنّ الوسيلة ثابتة في ذاتها، غير متغيرة، وإنّما فرضت عليها الحركة باقتران مادة أُخرى بها، كالحصان، والمحرك، والريح. وهكذا الأمر في التغيّرات الحاصلة في عالم الطبيعة.

وقد عُرِف هذا المنهج بالمنهج الماديّ الميكانيكّي، وتبنّاه جلّ الفلاسفة الماديّين في القرن الثامن عشر الميلادي.


1 . Democritus عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. ولد في «أبديرا» في اليونان، حيث ولد «لوقيبوس» Leucippus أيضاً، الّذي يرتبط ذكره بذكر «ديموقريطس» بوصفه مؤسساً للنظرية الذريّة. وربما يقال إنّ «لوقيبوس» قد عرض النظرية في بادئ الأمر، ثم أحكم «ديموقريطس» صياغتها. وأهمية الرجلين ترجع إلى نظرية الذريّة العامة.


(119)

وعلى ضوء ذلك، فأنصار هذا المنهج من الماديين كانوا يعتقدون ـ في باب نظرية المعرفة ـ بالإدراكات الصحيحة المطلقة، وأنّ أدوات الإدراك، كالحسّ، ليس لها دور إلاّ كونها وسائل انتقال من الخارج إلى الذهن. فالعين ـ مثلاً ـ جهاز شبيه بعدسة آلة التصوير، تأخذ صور الأشياء من الأشياء، في ظلّ حركات ميكانيكية، لا تمسّ حقيقة الصورة الملتقطة ولا تُبدّل فيها. فما لدى الإنسان من صور الأشياء، لا يختلف عمّا في الخارج، في الماهية، ولو كان ثمة اختلاف، فإنّما هو في كيفية الوجود، وأنّ الحركة العارضة عليها لا تمسّ صميم المادة والصورة. فالصورة المأخوذة من الخارج موجودة في محالّ الإدراك من دون أن يطرأ عليها تحوّل وتبدّل، فهؤلاء كانوا ماديين، موضوعيين، واقعيين على الإطلاق .

2. المادية الديالكتيكية

ولما أطلّ القرن التاسع عشر، أخذت الفلسفة المادية لنفسها منحى آخر في مجال الحركة الطبيعية، فذهبت إلى أنّ الحركة في المادة أمرٌ ذاتيٌّ لها، نابعة من صميم المادة وصلبها، ولا تفرض من عامل خارج عنها. وهكذا، تبدلت الفلسفة المادية الميكانيكية إلى فلسفة مادية ديالكتيكية، وأخذت لنفسها عين الاتّجاه الّذي سلكه النسبيون.

وقد بنى الديالكتيكيون نظريتهم على أُصول مسلَّمة عندهم، هي:

1. لا شيء في دار الوجود غيرالمادة وقواها. فالوجود هو المادة، والمادة هي عين الوجود (الوجود = المادة).

2. التكامل والتحوّل، ذاتيان للمادة، لا ينفكان عنها.

3. المادة لا تسكن عن فعل وانفعال، وتأثير مستمر بين أجزائها، ولا تهدأ عن التفاعل آناً ما.

وعلى هذه الأُصول، قالوا: التفكير عبارة عن الأثر المتولد من تأثير الخارج في الأعصاب أو الدماغ، وتأثرها به (1). وإن شئت قلت: التفكير عبارة عن الأثر


1 . المراد أن الخارج معدّ لحدوث التغيرات الذاتية في الدماغ.


(120)

الحاصل من تقابل المادة الخارجية مع المادة الدماغية. وما يحصل من تفاعلهما، هو العلم والتفكير.

توضيح ذلك: إنّ الإدراك أثر مادي، يتولد في مركز الإدراك من تفاعل المادة الخارجية مع المادة الدماغية، وليس للإدراك واقعية إلاّ الأثر الحاصل من التفاعل، وهو لا يعادل المادة الخارجية أولاً، ولا المدة الدماغية ثانياً، لأنّه وليد المادتين، والوليد لا يعادل الوالدين.

وبعبارة أُخرى: إنّ التفكير أحد الحوادث المادية البارزة في الدماغ، فلا علّة لوجوده إلاّ تأثّر الأعصاب بخارجها، وتأثيره فيها. فالأعصاب والعوامل الخارجية أشبه بالآباء والأُمهات، والأثر الحاصل من تقابلها، أمر ثالث مغاير لها وجوداً.

مآل الديالكتيكية إلى الشك

إنّ التفسير الديالكتيكي للعلم والفكر، بالبيان السالف، يؤدّي إلى الشك، وسلب العلم بالخارج. وذلك لأنّ المعلومَ الخارجيَّ ـ حسب الفرضية ـ إذا لم يقع في أُفق النفس بما له من الحدود والجهات، ولم يصل الإنسان إلى الواقعية الخارجية بذاتها وجوهرها، وكان الحاصل من تفاعل المادتين (وهو الفكر) لا يساوي المادة الخارجية، ولا المادة الدِّماغية، فلا نكون عالمين بالواقع الخارجي، ولا تكون العلوم كاشفة عنه، فإنّ العلم بالشيء هو انكشافه على ما هو عليه واقعاً، بحيث لو أُتيح للصورة العلمية الانقلاب إلى الخارج ، لكانت عينه. وهذا لا ينطبق على النظرية المادية الديالكتيكية في مجال العلم، لفرضها عدم مساواة الفكر للخارج في الحدود والجهات. فالحاصل ـ على هذه النظرية ـ لدى العالم، شيء وراء الخارج، ووراء القوة الفكرية، وإن كان متكوّناً منهما ومتفرِّعاً عنهما، فيكون وزان العلم، كالثمرة إلى الشجرة، والولد إلى الوالدين، والفرع غير الأصل، والأساس غير البناء.

إنّ في الفلسفة المشائية نظرية معروفة في باب الوجود الذهني للأشياء، وهي نظرية الأشباح. تقول هذه النظرية: إنّ الأشياء تنطبع في الأذهان بأشباحها، لا


(121)

بأنفسها. وبذلك استطاعوا ان يدفعوا عن نظريتهم الإشكالات المعروفة في باب الوجود الذهني (1) .

والعجب أنّ المادية الديالكتيكية قد جددت هذه النظرية المندرسة المتروكة، ولكن بصبغة علمية.

أضف إلى ما ذكرنا، أنّه إذا كان المعلوم والمكشوف لنا في ظرف التصور والتفكير، هو الأثر المادي الّذي لا يعادل المادة الخارجية، فمن أين علمنا أنّ وراء ذواتنا وإدراكاتنا، عالماً فيه ذوات لها خواص مختلفة؟ ومن أين علمنا أنّ الصورة العلمية وليدة المادة الخارجية والقوة الدماغية؟. إذ كلُّ ما نفرضه واقعاً فهو، بلا شك، فكر وخيال حادث في القوة المفكرة، لا يحكي عن شيء، ولا ينطبق على شيء.

سؤال وجواب

السؤال: إنّ انكشاف الواقع، يُتَصَوَّرُ على نحوين:

الأوّل: انكشاف الخارج على وجه الإطلاق بأن تحضر صور الواقعيات بما لها من الحدود والخصوصيات من دون أن تمسّ القوى الإدراكية بحقيقة الصورة، ومن دون أن تتصرف فيها. وهذا هو العلم المطلق، والتفكير المطلق الّذي آمنت به الفلسفة المادية الميكانيكية.

الثاني: انكشاف الخارج انكشافاً نسبياً، غير مطلق، بأن لا يكون الحاضر لدى العالم بالخارج، عينَه، ولكنه يحكي عنه حكاية نسبية، إذ الإدراك لا يحصل إلاّ بعد تصرّف من الحواس والأعصاب. وهذا التصرف يسلب الصرافة والإطلاق عمّا يحضر عندنا من الصورة، لأنّ المفروض أنّ المادة بذاتها متحولة متغيرة، من غير فرق بين المادة الخارجية والمادة الدِّماغية، فالخارج معدّ لحصول


1 . الإشكالات مبنية على وحدة الوجودين في الذات والذاتيات. وعلى القول بالشبح، لا يحصل الشيء بنفسه وماهيته في الذهن. وسيأتي هذا الإشكال مع تحليل كامل لأهم الأجوبة المذكورة فيه في الفصل العاشر، فترقب.


(122)

التغيرات الذاتية في الدماغ، ليتولد منهما العلم، فغاية ما يسلب عن الصورة هو السذاجة والصرافة. وما ذكر في نقد هذه النظرية من أنّ الأثر المتولد من المادتين لا يخبر عن الواقعية الخارجية، صحيح على وجه وباطل على وجه.

فهو صحيح إنْ أُريد منه نفي العلم المطلق، بالخارج المطلق، أي نفي العلم الّذي لم يتطرق إليه التصرف. ولكنه لا يضر بالمادي المتبني للمنهج الديالكتيكي، فإنّ المادة ـ خارجية كانت أو دماغية ـ متحولة متغيرة. فكون العلم مغايراً لمعلومه، بهذا المعنى، لا يضر .

وباطلٌ إن أُريد منه نفي العلم النسبي، بل هو ثابت، ولأجل ذلك يستمد الإنسان منه في حياته، ويرفع به حاجاته .

الجواب:

أولاً: إنّ الماديّ ـ في الوقت الّذي يحاول فيه أن ينفي العلم المطلق ـ يُثبت علماً مطلقاً، وهو أنّه ليس لنا علم مطلق بالأشياء والواقعيات الموضوعية، بل علومنا كلها علوم نسبية. فإنّا نسأله، هل هذا نفي مطلق أو نفي نسبي؟. فإن اعترف بالأول، فقد اعترف ـ وهو يحاول نفي العلم المطلق ـ بعلم مطلق، ولو في مورد واحد. وإن قال: إنّه نسبي، فلا يضرّ ذلك، الإلهيين القائلين بإطلاق الإدراكات والعلوم، إذ نفي إطلاق العلوم والإدراكات، بالنفي النسبي، غير القول بأنّ جميع العلوم والإدراكات نسبية قطعاً وعلى وجه الإطلاق، بل هو اعتراف بكونها علوماً مطلقة.

وثانياً: إنّ الاعتراف بالعلم النسبي، إقرارٌ بالعلم المطلق أولاً، قبل توصيفه بالنسبي ثانياً. فيستلزم تعقل النسبية، تعقّل المطلق من الموجود الذهني والخارجي.

وبعبارة أُخرى: إنّ قول القائل: «كلُّ ما نتصوره ونتعقّله هو علم وتعقّل نسبي»، اعتراف بأمرين: اعتراف بالموصوف، وهو أنّه علم. واعتراف بوصفه، وهو أنّه نسبي. والاعتراف بالوصف غير الاعتراف بالموصوف، فإنّه في


(123)

الوقت الذي يعترف بالموصوف لا يكون معترفاً بوصفه، وهذا يستلزم تصور المطلق قبل تصوّر النسبي.

وثالثاً: إنّ مآل العلم النسبي إلى الشك، فإنّ نفاة العلم لا يرومون نفي العلم المطلق بالواقعيات، وإنّما يقولون: ما يحضر عندنا لا ينطبق على الواقع ولا يحكي عنه.

نعم، القائلون بالنسبية، يفارقون المنكرين للوجود والحقيقة حتى وجود ذهنهم وأنفسهم.

***

هـ ـ نظرية التحليل النفسي (1)

مؤسس هذا المذهب عالم النفس النمساوي «سيجموند فرويد»(2) (1856 ـ 1939 م). والفكرة الأساسية الّتي يقوم عليها مذهبه هي أنّ الغرض الأساسي من كل فكرة ومعرفة يطرحها الإنسان، وكلِّ عمل يقوم به، هو إشباع الحاجات الحسيّة والشهوانية المختزنة في ضميره، وبالتالي تحصيل أكبر قسط يمكنه من اللذّة، ولا يرى أي واقع وحقيقة وراء ذلك. وإليك فيما يلي بيان هذا المذهب، بما يقتضيه المقام.

يقسم فرويد عقل الإنسان إلى قسمين: شعوري ولا شعوري .


1 . Psycho _ analysis.
2 . Sigmund Freud. يهودي، ولد في 6 / 5 / 1856 في فرايبرج (Freiberg) في إقليم موراقيا. وكان يومذاك تابعاً للأمبراطورية النمساوية ثم صار بعد الحرب الكونية الأولى جزءاً من تشيكوسلوفاكيا. درس الطب في جامعة «فيينا» وتخصص في طب الأعصاب. بدأ نشاطه في معالجة الأمراض العقلية ـ بالتعاون مع بعض علماء النفس ـ باستعمال التنويم المغناطيسي، ثم انصرف إلى طريقة «العلاج بالمحادثة»، حتّى توصل إلى بناء نظريته في التحليل النفسي القائمة على إرجاع كل سلوك الفرد وتصرفاته إلى دوافع غرائزه الجنسية وخالفه في هذا المنهج جميع زملائه وانفصلوا عنه، فسلك طريقه وحده حتّى مات في لندن في 23 / 9 / 1939 بعد أن جاوز الثالثة والثمانين.


(124)

أمّا العقل اللاشعوري، فهو مجموعة الشهوات والغرائز المختزنة في أعماق الشخصية الإنسانية، لا يمكن للإنسان السيطرة على نشاطها أو التحكم في تكوينها أو تطورها. ويمكن أن يسمّى هذا بالجانب الحيواني في الإنسان، ويسمّيه فرويد بالـ «هو». وهذا الجانب يسعى دائماً، بدوافعه الوحشية اللاشعورية، للتعبير عن نفسه، والظهور في العلن.

وأمّا العقل الشعوري، فهو ذلك الجزء من شخصية الإنسان الّذي ينشد العثور على مخارج واقعية لدوافع الشهوة والغرائز والجانب الحيواني من الإنسان، ويحاول ـ قدر المستطاع ـ أن يحفظ ماء وجه صاحبه، وأن يؤمّنه من الوقوع في نزاع مع محيطه.

ثم يقول فرويد: ليست أعمال الإنسان الشعورية، إلاّ تعبيراً عن الدوافع الشهوية والغرائز الجنسية المختزنة في اللاشعور، وانعكاساً لها على لسانه وجوارحه. ويرى أن شخصية الإنسان وعقليته، تشبهان جبل جليد عائم في الماء، لكن معظمه وأساسه مغمور ومختف تحت الماء، فلاترى العين منه سوى جزء صغير.

وقد أوضح فرويد وأتباعه تأثير اللاشعور في الشعور بأمثلة جزئية، أسسوا منها قانوناً كليّاً، ونكتفي هنا بالنموذجين التاليين:

1. افترض أنّ شاباً عشق فتاة جميلة فاتنة، فحاول أن ينال منها، ففشل، فتصيبه خيبة شديدة في حبّه، ويعاني من آلام تلك الخيبة ولا يجد وسيلة لإراحة نفسه من ذلك العذاب إلاّ بمحاولة تناسي تلك الخيبة. فهنا يقوم الذهن بدفعه إلى منطقة اللاشعور ليكمن هناك. ولكن هذا الحب الجنسي المستعر لا يخبو بل يواصل نشاطه من منطقة اللاشعور مديراً دفّة تصرفات ذلك الشاب المسكين من دون أن يشعر. فلذا نراه يتحول إلى أعمال الخير الّتي لها نحو علاقة بذلك الحبّ الجنسي، فينصرف إلى دُور الأيتام والعناية بالعجزة والمحتاجين، وليس هذا التوجه العاطفي إلاّ صورة محرّفة، عن ذلك الحبّ الجنسي الّذي أصابته الخيبة فيه، بلا شعور وإرادة منه.

2. الأُمهات تدعين أنهن منابع الجود في معاملتهن لبناتهن، وأن دافعهن


(125)

هو الحبّ وإنكار الذات لا غير. ولكن في الواقع، إنّ دافعهن الحقيقي ليس إلاّ التسلّط على بناتهن، والاستفادة من خدماتهن في مشاغلهن المنزلية وغيرها متى كبرن.

مناقشة نظرية فرويد

إنّ هذه النظرية الّتي طرحها فرويد، ساقطة من جهتين:

الجهة الأولى: لو صحّ ما ذكره فرويد من أنّ كلّ ما يقوم به الإنسان من خير أو شرّ، أو إصلاح أو إفساد، فإنّما هو تعبير محرّف عن الدوافع الشهوية والجنسية المختزنة في اللاشعور ـ لو صحّ ذلك ـ لكان معناه أن نشطب بقلم عريض على جميع القيم الأخلاقية والمثل الإنسانية، الّتي تجعل من الإنسان إنساناً.

فإنّ نتيجة هذه النظرية أنّه لا فرق بين الصالح والطالح، ولا بدّ من المساواة بين الأمين والخائن، والعميل وخادم الشعب، باعتبار أنّ هؤلاء جميعاً إنّما يتحركون بلا شعور عن مجموعة الشهوات والغرائز المختزنة في شخصياتهم، وكلّ منهم يطلب إرضاءها ويسعى لإخماد لهيبها.

فإنّا هنا نحكّم ضمير كل إنسان سليم الفطرة، أفيصح أن يُقضَى بأن ما يحرّك المناضل المجاهد المكافح من أجل قطع أيادي الاستعمار عن بلاده وثرواتها وثقافتها، هو عين ما يدفع العميل للأجانب الساعي إلى ضرب شعبه والإغارة على ثرواته وتحطيم ثقافته، وسوقه تحت نير أسياده المستعمرين ليتمكن من السيادة أياماً معدودات؟! كلا، ولا .

ورغم ذلك فأصحاب هذه النظرية لا يأبهون بمنطق العقل، وحكم الوجدان، ويقولون: أجل، الصالح والطالح سواء في المبدأ والمختتم، والغايات والدوافع. فالسلام إذن على الإنسانية وقيمها.

الجهة الثانية: لو صحّت هذه النظرية، لقضينا على الموضوعية والواقعية في الأفكار والعلوم، وذلك لأنّه إذا كانت الأفكار والآراء في مجالات المعرفة والاقتصاد والسياسة والدين، كلُّها تعبيراً عن الدوافع الشهوانية والغريزية المختزنة في


(126)

اللاشعور، فأقصى موضوعية يمكن أن تضفى عليها هي أنّها معبّرة عن تلك الدوافع اللاشعورية. وأمّا أنّها تعبّر عمّا وراءها من الواقعيات الخارجية، فلا، لأنّ المفروض أنّ كل العناصر الشعورية تعتمد على هذه العناصر الخفية الّتي لا نشعر بها، وليست أعمالنا وآراؤنا ـ بزعمهم ـ إلاّ انعكاساً محرّفاً عنها، فهي الّتي تحدد محتويات الشعور، وبالتالي تتحكم في كل أفكار الإنسان وسلوكه.

وعلى هذا الأساس، فالفكر والبرهنة والاستدلال، أدوات طيّعة للغرائز الجنسية والشهوات الجامحة، وليست جهود الفلاسفة وأتعاب العلماء، إلاّ إظهاراً لتلك الغرائز، وتسامياً بها إلى منطقة الشعور الّتي تشكّل الطابق العلوي من شخصية الإنسان، كما أنّ العناصر اللاشعورية تشكل الطابق الأرضي الأساسي الّذي يقوم عليه ما فوقه .

فالإنسان الساذج لا يرى من الإنسان إلاّ القسم العلوي من العقل، ويظن أنّه نفس شخصيته وتمامها، ولكنه غافل عن الطابق الأرضي، والقسم الأساسي الحامل لما فوقه، والمهيمن عليه والمدير لدفته. وهذا تماماً كمن يَدْخُل معملاً كبيراً فيرى هناك أجهزة وآلات فعّالة، فيتخيل أنّها تمام المعمل، ولكن عندما يشار إليه بالتوجّه إلى قسم القيادة المختفي عن الأنظار، يلتفت إلى أنّ كل ما شاهده من حركة وفعّاليّة في القسم الظاهر فإنّما هو أداة طيّعه بيد غرفة القيادة، وكل ما في المصنع ـ في الحقيقة ـ هو ما في القيادة المسيطرة على جميع الآلات; «وكل الصّيد في جوف الفراء».

فإذا كانت آراؤنا وأفكارنا وتصرفاتنا، كالقسم الظاهري من المعامل، فهي حينئذ مدارة بالغرائز، ومتحركة عن الشهوات، الّتي هي كغرفة القيادة في المعمل، وليست تعبيراً عن الحقيقة والواقع. بل ربما كانت الحقيقة على خلاف تلك الرغبات والشهوات اللاشعورية المتحكمة بعقلنا. وليس هناك أي ضمان للتوافق بين قوانا العقلية اللاشعورية، والحقيقة الواقعية. ونتيجة ذلك إنكار الواقع الموضوعي أو على الأقل الشك في الحقائق والواقعيات.

فهذه النظرية النفسية الّتي شغلت بال الكثيرين من علماء النفس والاجتماع ساقطة من جهتين كما عرفت، فهي من جانب معاول هدّامة للمثل الإنسانية


(127)

العليا، ومن جانب آخر تجرّ إلى الشكّ والمثالية الّتي تساوق إنكار الحقائق أو الشك فيها.

وما كل هذا الإنحراف، إلاّ لأجل أنّ الغرب يفقد فلسفةً موضوعية محققة تستند إلى أُسس عقلية ثابتة.

***

هذا عرض إجمالي للمذاهب الّتي تبنّت منهج اليقين في مجال المعرفة، إمّا واقعاً، كما عرفت في مناهج الفلاسفة الذين عرضنا آراءهم، والفلاسفة الإسلاميين، أو ظاهراً مع تبنّي الشك واقعاً، كما وقفت عليه في مدارس الفلاسفة الغربيين.(1)

ونختم البحث في «قيمة المعرفة» بِسَرْ الدوافع الحقيقية الّتي كانت وراء جنوح الفلسفة الغربية إلى الشك، وهو ما نستعرضه فيما يلي:

***


1 . وستقف عند البحث عن حدود المعرفة على مدارس غربية أُخرى، هي: «المدرسة التجريبية» التي أسسها «بيكون»، و «المدرسة الوضعية» الّتي أسسها «كونت»، و «المدرسة البرجماتية» الّتي أسسها «جيمس»، فترقّب .


(128)

(129)

خاتمة المطاف في قيمة المعرفة

العوامل الرئيسية لجنوح الفلسفة الغربية إلى الشك

كان وراء جنوح الفلسفة الغربية إلى الشك عوامل عدّة، نستعرضها فيما يلي، وإن كنّا قد ألمعنا إلى بعضها فيما تقدم.

العامل الأوّل: الحطُّ من قيمة الحس

هذا العامل هوالّذي دفع ديكارت وجان لوك إلى الشك في كشف الحسّ عن الواقع الموضوعي، كما تقدم عند عرض فلسفتيهما، حيث قالا إنّ الحس ليس له دور سوى الإعانة على أُمور الحياة لا غير، وأمّا اتّحاد ما هو موجود عند الحسّ مع نفس الواقع الموضوعي، فلا.

وغير خفي أنّ إدخال هذا العنصر في الفلسفة، يستلزم كون المعرفة الحسيّة فاقدة لوصف اليقين، ومتصفة بوصف الشك. وذلك أنّ الموجود عند الحسّ، إذا لم يكن عين الواقع، نكون جاهلين بالواقع، ولا أقل شاكين في أنّ الموجود عندنا هل هو متحد مع الواقع الموضوعي أو لا، وهذا نفس ما كان «بيرون» يتبناه.

العامل الثاني: القول بتأثير الظروف الزمانية والمكانية

ذكرنا عند البحث في فلسفة النسبية أن النسبيين يعتقدون بأنّ هناك عاملين


(130)

رئيسيين يشتركان في إخراج الصور الذهنية عن الإطلاق، أولهما هو أنّ للزمان والمكان تأثيراً في تبلور الأشياء بصورها المختلفة لدى المدرِك.

إنّ القول بتأثير هذا العامل في الإدراكات التصورية والتصديقية، يحطّ من قيمة المعرفة. ومآل هذا إلى أنّ الإنسان لا يقف على الواقع الموضوعي، وإنّما يقف على ما تقتضيه الظروف الزمانية والمكانية، وأمّا ما هو الواقع الموضوعي، فغير معلوم ولا مُدْرَك، لوقوع الذهن تحت تأثيرها.

ونتيجة ذلك، جهلنا بالواقع أو الشك في أنّ المعلوم لدينا في تلك الظروف هل هو نفس الواقع أو لا ؟

العامل الثالث: القول بتأثير الجهاز الفكري في الإدراك

وهذا ثاني العاملين الرئيسيين للقول بالنسبية وهو أنّ للحسّ والجهاز العقلي الفكري، دور في اكتساب المعقولات من مقدماتها. فكل ما يدركه الإنسان عن طريق الحسّ والعقل فإنّما هو نتيجة كيفية صنع ذلك الجهاز وكيفية عمله، وأمّا كون ما أدركه هو نفس الموضوعية الواقعية، فلا.

وغير خفي على النبيه أنّ نتيجة ذلك هو الجهل بالواقع الموضوعي على ما هو عليه، والشكّ في كل ما يدركه الإنسان في المسائل العلمية والفكرية، وذاك نفس ما كان يتبناه الشكاكون الإغريق.

العامل الرابع: تفسير المعرفة تفسيراً مادياً

وهذا العامل هو الظاهر من المادية الديالكتيكية، فإنّهم فسّروا المعرفة تفسيراً مادياً، ولم يكن لها عندهم واقعية سوى الأثر الموجود في الدماغ من تفاعل المادتين الخارجية والدماغية، وهذا الأثر لا يعادل واحداً منهما وهو بالنسبة إليهما كالولد إلى الوالدين، وهو لا يعادلهما.

إنّ تفسير المعرفة بهذا المعنى يحطّ من قيمتها ليعود الإنسان في النتيجة جاهلاً بالواقع وشاكّاً في مقدار مطابقة ما لديه، له .


(131)

العامل الخامس: تأثير الأوضاع الاقتصادية

إنّ الفلسفة المادية الديالكتيكة (1)، تفسّر الأحداث الكونية والأوضاع السياسية والاجتماعية والعلمية والدينية بأصول مادية.

فكما أنّهم يفسّرون الأحداث الكونية والظواهر الطبيعية بأُصول مادية مسلّمة عندهم(2)، فكذلك يفسّرون كل ما يرجع إلى المجتمع الإنساني من علم وسياسة، وفن وديانة، بالوضع الاقتصادي الّذي تحدده وسائل الإنتاج، الّذي هو الأساس الواقعي لبناء المجتمع بكل نواحيه.

فمثلاً عندما تحوّل الوضع الاقتصادي من الإقطاع إلى الرأسمالية، وحلّت الطاحونة البخارية محل الطاحونة الهوائية (تبدُّلُ وسائل الإنتاج)، تبدَّلَ كل ما يرجع إلى المجتمع وفقاً للحالة الاقتصادية الجديدة.

فالقوة المحركة للتاريخ بالمعنى الأعمّ (3)، هي الوضع الاقتصادي الّذي يتبع كيفية تطور وسائل الإنتاج. والمعرفة الإنسانية ليست إلاّ تعبيراً عن الوضع الاقتصادي، فلو تبدّل تبدلت وتغيّرت.

ومن الواضح أنّ هذا المنهج المادي يَحُطّ من قيمة المعرفة الإنسانية، لأنّ مآله إلى أنّ كل ما يدركه الإنسان يخضع مباشرة تحت تأثير الوضع الاقتصادي وتطوُّر أدوات الإنتاج، وليس حاكياً أيّما حكاية عن الواقع.

فمثلاً: إنّ القول بأنّ كل ظاهرة تنبع عن علّة حقّقتها، وأنّ حُسْنَ ردّ الإحسان بالإحسان، وقبحَ ردّه بالإساءة، وأنّ المتناقضيْن لا يجتمعان، وجميع القوانين الرياضية (2 × 2 = 4، مثلاً)، كلُّها تعبيرات عن الوضع الاقتصادي، لا حاكية عن الواقع، معناه أنّ الإنسان الّذي سيعيش في المستقبل، وفي وضع اقتصادي آخر، سيحكم بخلاف ما تقدّم!!.

وعلى ذلك، يصحّ لنا أن نرفع عقيرتنا ونقول: إنّ الفلسفة المادية داست


1 . نريد هنا الإتجاه الماركسي في المادية الديالكتيكية.
2 . سيأتي ذكرها في الفصل الثاني عشر .
3 . الفلسفة والعلوم والآداب والديانات.


(132)

جميع المعارف البشرية، وحطّت من منزلتها، كما أنّها داست المعنويات والحوافز المقدسة الّتي تبعث الإنسان إلى فضائل الأخلاق ومكارمها.

العامل السادس: تأثير العناصر اللاشعورية في الإدركات الشعورية

هذا العامل هو المبدأ الّذي اتّكأت عليه نظرية فرويد في التحليل النفسي، الّتي مرّت عليك. حيث جعل جميع ما يصدر عن الإنسان من تصرفات وأفعال، وأفكار وآراء شعورية، تعبيراً لا شعورياً عن الشهوات الجامحة، والغرائز الجنسية المختزنة في أعماق الشخصية الإنسانية .

والنتيجة الطبيعية لتبنّي هذا الاتّجاه من التفكير، لن تكون إلاّ إلغاء كل واقع وراء الشهوات والغرائز، لا محالة. لأنّ المفروض أنّ الفكر والاستدلال والبرهنة كلّها أدوات طيّعة لتلك الميولات الحيوانية اللاشعورية لا أكثر، وليست هي كشفاً للحقيقة الموضوعية.

فمآل القول بتأثير العناصر اللاشعورية في الإدراك الشعوري، إلى نفي العلم، والشك في الحقائق والتردد في ثبوتها، إن لم نقل إنكارها.

*


(133)

الفصل الرابع
أدوات المعرفة



(134)

(135)

الفصل الرابع

أدوات المعرفة

قد علمت فيما تقدّم أنّ كل إنسان يولد صفراً من كل معرفة، ثم يكتسب بعد ذلك جميع علومه ومعارفه عن طريق أدوات خاصة تربطه بالواقع الخارجي وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(1).

وقد شذّ في هذا المجال من قال بأنّ النفس الإنسانية كانت قبل تعلُّقها بالبدن متحررةً عن كل قيد، فأمكنها الاتّصال بموجودات مجرّدة نورانية، فتعرفت عليها، ولما هبطت من ذلك المقام، وتعلّقت بالبدن المادي، فقدت كل ما كانت تعلمه وذهلت عنه ذهولاً تاماً. وعندما تقع الأشياء في أُفق حسّها، تبدأ بتذكر ما كانت قد تعلمته من قبل، وتسترجع إدراكاتها بصورة مفاهيم كلية. وعلى ذلك، فليس لأدوات المعرفة دور سوى إلفات النفس إلى العالم الّذي هبطت منه، لتستذكر ما كانت قد نسيته .(2)

ولو أغمضنا النظر عن هذه النظرية، نجد اتّفاق الكل على أنّ جميع المعارف والإدراكات يكتسبها الإنسان عن طريق أدوات المعرفة، ولو لا تجهز الإنسان بها لكان صفراً من كل معرفة.


1 . النحل: 78 .
2 . لاحظ نظرية الاستذكار الأفلاطونية، المتقدمة.


(136)

غير أنّ الفلاسفة اختلفوا في تعيين الأدوات الّتي يكتسب الإنسان بها معارفه وإدراكاته، وانقسموا إلى طوائف :

1. طائفة يجنحون إلى الحس ويرونه الرصيد الوثيق للاتّصال بالخارج والإذعان به، وهؤلاء هم الحسيّون.

2. وطائفة يركزون على العقل ويرونه الأداة الوحيدة لكسب المعارف، وهؤلاء هم العقليون.

3. وطائفة ثالثة يرفضون الحس والعقل ويركزون على الإلهام والإشراق، وهؤلاء هم الإشراقيون.

وفي ضوء ذلك، لا بدّ لنا من تحليل أدوات المعرفة، واحدة بعد الأُخرى لنستكشف مدى اعتبار كل منها.

*


(137)

أدوات المعرفة

   (1)

الحس

البحث في أداة الحسّ يقع ضمن أُمور:

الأمر الأوّل: الحسّ من أدوات المعرفة

الحسّ من أوثق مصادر المعرفة، إليه تنتهي كل المعارف الضرورية والنظرية، ولولاه لما كانت هناك معرفة عقلية ولا إشراقية. وهذا لا يعني انحصار أداة المعرفة به، وأنّه ليس لنا إلى دار المعرفة طريق سواه، فإنّ هذا ضلال وخداع، بل إنّ لنا إلى ذلك طرقاً مختلفة يأتي بيانها، بيد أنّ المراد هو أنّ إعمال الأدوات الأُخر يتوقف على تجهّز الإنسان بأدوات الحسّ، وارتباطه بالمحسوسات، لأنّ ذلك كلّه معدّ لإدراك العقل البديهيات والنظريات. ولذلك قيل: من فقد حسّاً فقد فَقَد علماً. ولو وُجد إنسان فاقدٌ لجميع الحواس، لكان عاجزاً عن تصور المعارف البسيطة فضلاً عن المعارف النظرية الدقيقة.

الأمر الثاني: هل للإدراك الحسيّ قيمة علمية؟

قد سبق أن وقوف الإنسان على بعض الأخطاء في الإدراكات الحسيّة خير دليل على أنّ هناك حقائق مسلّمة تدركها الباصرة بالعين، والسامعة بالأُذن، واللامسة باليد وغيرها،... إذ لو لا كونه كاشفاً عن المعرفة الصحيحة، فمن أين وقف على أنّ هذا الإدراك الحسيّ أو ذاك خطأ غير صحيح .


(138)

وقد كان المترقب من الحسيين الذين يحصرون أدوات المعرفة بالحسّ أن يعطوا المعرفة الحسيّة سمة المعرفة اليقينية الصحيحة، ولكنهم ذهبوا إلى خلافه، وحصروا قيمتها في الإعانة على أُمور الحياة ومشاكلها، لا أكثر، كما عرفته في فلسفتي «ديكارت» و «لوك». فكل ما يؤدّيه حسّ الإنسان لا يعدو عن كونه يدفع عنه ألم الجوع، والعطش، والبرد القارس، والحرارة اللافحة.. ويساعده على تمييز النافع من الضار، والمصالح من المفاسد. وقد وقفت على فساد هذه النظرية وأنّها تنتهي إلى الشك في كثير من المجالات.

الأمر الثالث: هل الحسّ هو الأداة الوحيدة للإدراك؟

إنّ الحسيين وفي مقدمهم «جان لوك»(1) حاولوا إرجاع جميع التصورات والأفكار إلى الحسّ، وقد شاعت هذه النظرية بعده بين فلاسفة أوروبا وقضت إلى حدّ ما على نظرية الأفكار الفطرية الّتي كان يقول بها «ديكارت»(2).

وحاصل هذه النظرية أنّ ذهن الإنسان حين يولد يكون خالياً من كل معرفة، ثم تبدأ صور الأشياء المحسوسة بالانتقاش فيه من خلال ما يرد إليه عن


1 . John Locke.
2 . إنّ حصر مناشئ العلم بالحسّ ليس فكرة جديدة ظهرت بين الأوروبيين، بل لها جذور في التاريخ. فإنَّ «السُّمْنِيّة» من حكماء الهند والصين، زعموا أنّه لا يُعلم شيء إلاّ من طريق الحواس الخمس، وأبطلوا العلوم النظرية. ولأجل ذلك شطبوا على المذاهب كلّها.
قال البغدادي (المتوفّى 429 هـ): «ويلزمهم على هذا القول إبطال مذهبهم، إذ يقال لهم: بماذا عرفتم صحّة مذهبكم. فإن قالوا: بالنظر والاستدلال، لزمهم إثبات النظر والاستدلال طريقاً إلى العلم بصحة شيء ما، وهذا خلاف قولهم. وإن قالوا: بالحسّ، قيل لهم: إنّ العلم بالحسّ يشترك في معرفته أهل الحواس السليمة، فما بالنا لا نعرف صحة قولكم بحواسنا. فإن قالوا: إنّكم قد عرفتم صحة قولنا، بالحسّ، ولكنكم جحدّتم ماعرفتموه، لم ينفصلوا ممن عكس عليهم هذه الدعوى وقال لهم: بل أنتم عارفون بصحة قول مخالفيكم وفساد قولكم بالضرورة الحسيّة، ولكنكم جحدّتم ما عرفتموه حسّاً». (لاحظ: أُصول الدين: 10 ـ 11) .
وفي هذه المناسبة نذكر أنّهم اختلفوا في الفاضل من العلوم الحسية والنظرية، فقدّم أبو العباس القلانسي العلوم النظرية على الحسيّة، وقدّم أبو الحسن الأشعري العلوم الحسيّة على النظرية لأنّها أُصول لها. (المصدر السابق: 10).


(139)

طريق الحواس. وبعد ذلك يأتي دور العقل والفكر، وهو لا يخرج عن أحد الأمرين التاليين: التركيب والتجزئة; والتجريد والتعميم.

أمّا عمل الذهن في مجال التجزئة والتركيب، فكما لو رأى عن طريق الباصرة جبلاً وذهباً في الخارج، فيركب الذهن بينهما ويتصور جبلاً من ذهب. أو يرى حيواناً وشجراً، فيجزّئهما إلى أعضاء وأجزاء.

وأمّا عمله في مجال التجريد والتعميم فهو بأنّ يفرز خصائص الصور ويجرّدها عن مشخصاتها ويترك مفاهيمها العامة، كما إذا رأى زيداً وعمراً وبكراً، فيجرِّدهم عمّا يحيط بهم ويلابسهم من المشخصات، ويأخذ بالقدر المشترك وهو الإنسانية. وهكذا الحال في سائر أدوات الحسّ.

وقد اشتهر قول المبشر بهذه النظرية: «ليس من شيء في العقل إلاّ وله أثر في الحسّ».

وعلى ضوء ما تقدم يكون الرصيد الوحيد للمعارف البشرية هو الحسّ ومعطياته، وأمّا دور الذهن والعقل فينحصر في الأُمور الأربعة: التجزئة والتركيب والتجريد والتعميم.

وتحليل هذه النظرية يقع ضمن الأُمور التالية:

1. إنّ ما ذكروه من أنّ الإنسان يولد خالي الذهن عن كل معرفة، أمر مسلَّم أقرّت به الفلاسفة جميعاً، وصرّح به الذكر الحكيم كما تقدّم(1). وإليه يشير قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية»(2).

2. من المسلّم أيضاً أنّ الحسّ هو الينبوع الأساسي للتصورات والتصديقات البديهية والنظرية وأنّ من حرم لوناً من ألوان الحسّ، لا يستطيع أن يتصور المعاني الكليّة ذات العلاقة بذلك الحسّ الخاص، ومن فقد جميع حواسه، عجز عن إدراك أبسط المعارف وتصورها.


1 . النحل: 78 .
2 . نهج البلاغة، الكتاب 31: كتابه ـ عليه السَّلام ـ لولده الحسن ـ عليه السَّلام ـ .


(140)

3. إنّا نفنّد تحديد دور العقل في مجال المعرفة بالتجزئة والتركيب، والتجريد والتعميم، فإنّ القول بأنّ الحسّ هو الينبوع الأساسي للتصورات، لا يسلب عن الذهن قدرة توليد معان جديدة لم تدرك بالحسّ، فليس من الضروري أن يكون قد سبق تصوراتنا البسيطة جميعاً، الإحساس بمعانيها.

فالحسُّ، على ضوء ما أثبتته التجارب، هو البنية الأساسية الّتي يقوم على قاعدتها صرح التصورات البشرية، ولكن ذلك لا يعني تجريد الذهن عن ابتكار تصورات وتصديقات جديدة على ضوء التصورات المستوردة من الحسّ. كيف، وقد سبق منا القول ـ عند البحث عن تعريف العلم ـ بأنّ هناك مفاهيم تصورية باسم المعقولات الثانوية، تنالها النفس وتقف عليها من دون أن يكون لها أثر في الحسّ والخارج، كما أنّ هناك تصديقات تنالها النفس من دون أن تعتمد في نيلها على الإدراكات الحسية، كالحكم بامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، أو امتناع الدور والتسلسل. فمحاولة الحسيين إرجاع كل المعارف التصورية والتصديقية إلى الحسّ، بنحو من الأنحاء، محاولة فاشلة. وسيوافيك بيان واف عند البحث عن العقل.

فالفرق ـ إذن ـ بين منهجنا ومنهج الحسيين هو أنّهم يحصرون أداة المعرفة به، بينما نحن نجعل المعرفة الحسّية ممهدة لتسنّم العقل منصة إدراك أمور ليس لها في الخارج من أثر، في مجالي التصور والتصديق، على ما عرفت. وكم فرق بين حصر المعرفة بالحسيّة فقط وحصر أدواتها بالحس فحسب; وجعل الحسّ ومعارفه ممهدة لحصول معارف أرقى وأعلى، كما عليه فلاسفة الإسلام .

*


(141)

أدوات المعرفة

   (2)

العقل

العقل من أدوات المعرفة، ويتميّز عمله عن عمل الحسّ، فإنّ الحسّ لا يتعدى المحسوسات، بل يقتصر عمله على نقل صور عنها من دون أن يكشف عن شيء آخر سوى ما تعلّق به .

أمّا العقل، فالأمر فيه على العكس تماماً، فإنّه ينتقل من إدراكات إلى أُخرى، بعمليات متعددة ستقف عليها.

عمليات العقل

1. الاستنتاج

المراد من الاستنتاج استخراج حكم موضوع مشخّص، من حكم كلّي مستنبط، وهذا من أسمى عمليات العقل في مجال المعارف، وهو ما يسمّى بالقياس البرهاني في اصطلاح المنطقيين .(1)


1 . إنّ القياس إذا كان برهانياً، فبما أنّه يتألف من اليقينيات وأصولها الستة المتقدمة، فهو يفيد اليقين. وأمّا الأقسام الأُخرى للقياس وهي: الجدل والسفسطة والخطابة والشعر، فكلّها وإن كانت من عمليات العقل في مجال الاستنتاج، لكنها لا تفيد اليقين، لأنّ الجدلي يتألف من المشهورات والمسلّمات، والسفسطي من الوهميات والمشبّهات، والخطابي من المقبولات والمظنونات، والشعر من المخيّلات، ولذا اقتصرنا هنا على البرهاني.


(142)

فالعقل في هذه العملية ينتقل من حكم كلّي إلى حال موضوع خاص، ولأجل إيضاحه نضرب بعض الأمثلة:

مثال أوّل: إذا وقف العقل على أنّ لكل ظاهرة طبيعيّة، علةٌ، يحكم بأنّ للثورة الفرنسية علّة، وللحريق الواقع في غابة أو معمل سبب، كما يحكم ـ في ظل هذه القاعدة الكليّة ـ بأنّ لكلِّ موجود إمكاني، كالإنسان والحيوان والنبات والجماد، علّةً أخرجته من كتم العدم إلى ساحة الوجود .

مثال ثان: أُفرض أنّ الإنسان وقف عن طريق البرهان على أنّ زوايا المثلث تساوي 180 درجة. وقد استقرّ عقله على هذا الحكم الكلّي، فكلُّ مثلث يُعرض عليه في أي نقطة من نقاط الدنيا، يحكم ـ بفضل ما حصّله بالبرهان ـ بأنّ زواياه 180 درجة.

مثال ثالث: إذا استخرج عن طريق البرهان الفلسفي أنّ التغيّر يلازم الحدوث، أي الوجود بعد العدم، فيستنبط حكماً كليّاً من البرهان، وهو أنّ كل متغيّر حادث. وفي ضوء هذا الحكم الكلّي، كلما عُرض عليه جزء من هذا العالم المتغير، سمائِه وأرضِه، ذرَّتِه ومجرَّتِه، يحكم بأنّه حادث.

وقس على ذلك جميع البراهين العقلية في مجال الرياضيات والفلسفة والاجتماع، فالعقل يُحْضِر الحكم الكلّي عن طريق البرهان ثم يطبقه على الموارد المعروضة عليه .

مثال رابع: العقل يحكم عن طريق البرهان بأنّ الدور محال. وذلك لأنّ معنى الدور أن يتوقف (أ) على (ب)، وفي الوقت نفسه يتوقف (ب) على (أ) فتوقف (أ) على (ب)، معناه كون وجوده ناشئاً منه ومفاضاً عنه، فيستلزم تقدّم (ب) على (أ) زماناً أو رتبة. فلو فرضنا في الوقت نفسه توقف (ب) على (أ) ـ الّذي معناه تأخر (ب) عن (أ) لكون وجوده ناشئاً منه ـ يلزم أن يكون شيء واحدٌ، في آن واحد، ولحاظ فارد، متقدماً ومتأخراً، وليس هذا إلاّ اجتماع للمتضادين وهو محال. وكل ما استلزم المحال، محال، فالدور محال.

فهذا ما يستلزمه الدور. وعلى ضوئه، فَكُلُّ فَرَضيَّة علمية تعرض على


(143)

العقل، وكانت متضمنة للدور، يحكم العقل بأنّها محال، من غير فرق بين أن تكون في باب الطبيعيات أو الرياضيات أو الإلهيات.

وفيما ذكرناه من الأمثلة كفاية في تبيين هذا النوع من عمليات العقل. نعم، ها هنا إشكال باسم مشكلة الدور في طريق الاستنتاج، نتعرض لها.

مشكلة الدور وحلُّها

ذكروا مشكلة في طريق استنتاج حكم موضوع من حكم كلِّي، وهي:

إنّ استكشاف حكم الموضوع المفروض، يتوقف على الحكم الكلي الحاصل لدى العقل، مع أنّ كليّة هذا الحكم وصدقه على وجه العموم، يتوقف على إحراز وضع هذا الموضوع المطروح، ولولا تبيين حاله، لماكان للعقل الحكم بالكليّة، فالمعرفة العقلية عن هذا الطريق تستلزم الدور.

مثلاً: إذا أردنا أن نعرف حال الماء الماثل بين أيدينا، وأنّه على أيِّ درجة من الحرارة يغلي، نستكشف حاله من الحكم الكلّي القائل بأنّ كلَّ ماء يغلي على درجة (100). مع أنّ العلم بهذا الحكم، بوصف الكليّة، يتوقف على العلم بأنّ كلّ فرد من أفراد المياه، حتّى هذا الفرد الماثل بين أيدينا، يغلي عند هذه الدرجة. فلزم توقف التعرف على حكم الجزئي، على العلم بهذا الحكم الكلّي، مع أنّ العلم بكليته وعمومه وشموله، يتوقف على التعرف على حكم هذا الماء الماثل بين أيدينا، الّذي نريد أن نتعرف عليه. وهذا ما يقال من أنّ الاستدلال بالعقل عن طريق الشكل الأول يستلزم الدور.

ففي المثال المتقدم، يقال:

ـ هذا، ماءٌ يغلي.

ـ وكل ماء يغلي، درجة حرارته (100).

فهذا، درجة حرارته (100).

فالعلم بالنتيجة موقوف على العلم بكليّة الكبرى، كما أنّ العلم بها موقوف على العلم بالنتيجة.


(144)

وهذا إشكال معروف طرحه الفلاسفة الإسلاميون في كتبهم وأجابوا عنه، وقد روي أنّ الشيخ العارف، أبا سعيد بن أبي الخير (1)، أورد هذه الشبهة على رئيس الحكماء ابن سينا لإثبات أنّ الفكر غير موصل للإنسان إلى استكشاف المجاهيل، لأنّ الاستنتاجات كلّها تحصل من طريق الشكل الأول، والأشكال الثلاثة الأُخرى منتهية إلى الأول، وهو مستلزم للدور.

الجواب

أُجيب عن هذه المشكلة بوجوه مختلفة، أظهرها أنّ العلم بالنتيجة، وإن كان موقوفاً على العلم بكلية الكبرى، إلاّ أنّ العلم بكليّة الكبرى موقوف على البرهان العلمي الدالّ على الملازمة بين بلوغ الحرارة درجة (100)، وغليان الماء، من غير ملاحظة مصداق دون مصداق. فليست صحة الكبرى ولا كليتها متوقفتان على العلم بالنتيجة أبداً، بل متوقفتان على وجود تلك الملازمة، وبما أنّ هذا الحكم، حكم تجريبي، يتوقف العلم بكليته على قياس عقلي، وهو ما قدمنا بيانه من أنّ حكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واحد، ولا يتوقف أبداً على العلم بالصغرى.

والّذي أوقعهم في الشبهة، هو توهمهم أنّ الكبرى حصل بها العلم من طريق الاستقراء، ومن المعلوم أنّ الحكمَ الكليَّ فيه، يتوقف على العلم بحكم المصاديق تفصيلاً أو إجمالاً، فيلزم عندئذ الدور. ولكنهم غفلوا عن أنّ العلم بالحكم الكلي، تارة يحصل من الاستقراء التامّ، فيحصل العلم بالنتيجة قبل العلم بالحكم الكلي، وأُخرى بالبرهان الدالّ على الملازمة بين الموضوع، والمحمول. وفي مثله، لا يتوقف العلم بالحكم الكلي، على العلم بأحكام الأفراد، لا إجمالاً ولا تفصيلاً، بل إذا علم من طريق البرهان أنّ بين غليان الماء، وبلوغه درجة حرارة (100) ملازمة، يحكم بأنّ درجة الحرارة هي (100) لكل مصاديق الماء الّذي يغلي. فالعلم بأحكام المصاديق، يحصل من العلم بالحكم الكلي، لا العكس، كما هو مبنى الشبهة.


1 . (357 ـ 440 هـ) .


(145)

مثال: إنّا نقول: العالم متغيّر، وكل متغيّر حادث، فالعالم حادث. هذا البرهان مركب من صغرى وكبرى، وكل منهما مبرهن بالدليل العقلي، بالبيان التالي:

أمّا الصغرى، فقد كشفت نظرية الحركة الجوهرية (1) عن أنّ ذات المادة بصميمها وجوهرها في حالة السيلان والتدرج والحدوث والزوال، وأنّ الحركة ليست مختصة بظواهرها وسطوحها (أعراضها)، بل تعمّ صلبها وجوهرها كذلك. فالكون بجميع ذرّاته في تحول وتغيّر مستمرين، وما يُتراءى للناظر من الثبات والاستقرار ليس إلاّ من خطأ الحواس وخداعها، ولكن الحقيقة أنّ كلّ ذرّة من ذرّات المادة، خاضعة للتغيّر الجوهري.

وأمّا الكبرى، أعني كون «كلِّ متغيّر حادث»، فإنّ المراد من المتغير في موضوعها، ليس هو المتغير في الصفات والأعراض فحسب، بل المتغير في الصميم واللبّ أيضاً، فيكون المتغيّر بهذا المعنى مسبوقاً بالعدم، بمعنى أنّ كل مرتبة متقدمة، تحتضن عدماً للوجود المتأخر، وليس الحدوث إلاّ الوجود بعد العدم.

فالعالم مُتغيِّرٌ في الذات والصفات، حسب تلك النظرية التي أثبتتها البراهين.

وكلُّ متغيّر في الذات والصفات، بما أنّه لم يكن ثم كان، حادثٌ، إذ ليس الحدوث إلاّ الوجود بعد العدم.

فينتج: أنّ العالم حادث.

فها إنّك ترى أنّ العلم بكل واحدة من الصغرى والكبرى لم يتوقف على شيء.

نعم، الفرق بين الأحكام العقلية المعتمدة على البراهين العقلية، والأحكام الكليّة المعتمدة على التجربة، هو أنّ البراهين العقلية لا تعتمد على الحسّ في


1 . لاحظ الأسفار: 7 / 280 و 292 و 293 و 297 .


(146)

الصغرى والكبرى، في حين أنّ الأحكام التجريبيّة تعتمد على الحسّ في الصغرى، وعلى قياس عقلي خفيّ في الكبرى وهو أنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.

هذا، وإنّ الأحكام العقلية على قسمين :

فتارة يكون موضوع الكبرى علّة للحكم في الكبرى، كما في قولنا: كلُّ متغيّر حادث.

وأُخرى تكون العلّة غير الموضوع المأخوذ في الكبرى، كما في قولنا: زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين، فإنّنا نقول: هذا مثلث، وكل مثلث تساوي زواياه زاويتين قائمتين، فينتج: هذا تساوي زواياه زاويتين قائمتين. والّذي يدلّ على صحة الكبرى هنا، إنّما هو البرهان الهندسي الّذي أثبت أنّ زوايا المثلث تتساوى مع الزاويتين القائمتين (180 درجة) من دون أن يتوقف العلم بالكبرى على العلم بالنتيجة في المثلث الشخصي، لا تفصيلاً ولا إجمالاً. فافهم واغتنم.

***

2. إدراك المفاهيم الكليّة

من العمليات الّتي يقوم بها العقل، درك المفاهيم الكليّة الّتي لا تأبى الصدق والانطباق على ازيد من فرد واحد. والضيق الموجود في المفاهيم الجزئية منتف فيها. فالأعلام لا تصدق إلاّ على من سُمّيت به، بخلاف «الإنسان»، فهو ينطبق على أفراد كثيرين (1) .

وفي كيفية إدراك العقل نظريتان.

الأُولى: نظرية التجريد والانتزاع .


1 . فلفظ «أحمد» مثلاً، لا يصدق إلاّ على النبي الأكرم، لكن بالنسبة إلى الوضع المخصوص به، ولو صدق على فرد آخر فإنّما هو بلحاظ وضع آخر. وهذا بخلاف لفظ «الإنسان»، فإنّه يصدق بوضع واحد، على كثيرين.


(147)

والثانية: نظرية تبديل المعرفة الحسيّة إلى المعرفة العقلية بالخلق أو بالارتقاء من درجة إلى درجة.

وإليك فيما يلي بيانهما.

النظرية الأُولى: نظرية التجريد والانتزاع

حقيقة التجريد والانتزاع قائمة على سلب العقل، الخصوصيات والمشخِّصات عن الأفراد، واستخراج القدر المشترك بينها. مثلاً: إنّ زيداً وعمراً وبكراً متميزون في جهات شتى من الطول والقصر والبياض والسواد وسائر الإضافات، ومع ذلك يدرك العقل أن بينها اشتراكاً في أمر يفصلها عن سائر الأنواع، وهو المسمّى بالإنسانية، فينتزع هذا المفهوم الكلي بعد تجريد تلك الأفراد من المشخِّصات .

النظرية الثانية: نظرية التبديل

وهناك نظرية أُخرى حقَّقها صدر المتألهين، وهي أنّ درك المفاهيم الكلية ليست إلاّ من باب تبديل المعرفة الحسيّة بالمعرفة العقليّة. وحاصلها أنّ للمعرفة مراحل ثلاث:

أ ـ مرحلة الإحساس.

ب ـ مرحلة الحفظ.

ج ـ مرحلة إدراك مفهوم كلي.

وإليك بيانها .

أ ـ إذا أطلّ الإنسان بنظره على بحيرة يرى ماءها الشفاف فضة مذابة، تغطيها صفحات من الأمواج الملتوية التواء خفيفاً، فيعطيه منظر اهتزاز النسيم الرقيق، والرياض المطلّة على ضفاف تلك البحيرة، العبقة بالأزاهير والورود، والشجية بأنغام تغاريد الطيور، تعطيه صوراً بهيّة خلاّبة رائعة، تنشرح لها النفس، وتهتزّ لها الروح. فما دام الحسّ مشغولاً بالتقاط تلك المناظر البهية،


(148)

فالصورة الواردة من المُبْصَر إلى الذهن، تسمّ صورة حسيّة، من غير فرق بين البصر وغيره من الحواس. وهذه المرحلة هي مرحلة الإحساس.

ب ـ عندما تتم عملية الإحساس وتتعطل القوى عن العمل يبقى هناك أثر في النفس، وهو الصورة الخياليّة (1). وهو ما عبّر عنه قدماء الفلاسفة بالصورة الحادثة في الخيال بعد حدوث الصورة الحسيّة، يستحضرها الإنسان بعد فناء الحسيّة متى شاء، وفي أي وقت أراد، وهو أمر واضح لكل من جرّب ودرب.

مثلاً: بعد أن يغادر الإنسان ضفاف البحيرة ويُقْفِل عائداً إلى منزله، ربما يحاول أن يستحضر ما رأى من المناظر البديعة، فتراه ينتقل إلى تلك الصور بلا ترو، وهذا يكشف عن أنّ في النفس قوة خاصّة ليس لها شأن إلاّ صيانة تلك الصور عن الزوال، ليرجع إليها الإنسان عندما تمس الحاجة، وليس هذا شيئاً يحتاج إلى دليل.

وهكذا الأُستاذ عندما يرد إلى قاعة من قاعات الكليّة، المكتظة بالطلاب والباحثين، فيلقي هناك دراسة في موضوع، ويأخذون بالنقاش، وبعد ساعة تنتهي المحاضرة، فيغادرها، ثم يغفل عن وقائعها مدّة لا يستهان بها. لكن ربما تمسّ الحاجة في وقت من الأوقات إلى سرد أو تسجيل ما شاهده من قبل وما ألقاه من نكات أو سمعه من نقاش، فيرجع إلى خزانة الصور، ويسترجع منها ما شاء.

فهذه الصور، هي الصور الخيالية، والتوجّه إليها في هذا الوقت هو التوجّه والإدراك الخيالي، والمِحْفَطَة الّتي حفظت فيها تلك الصور هي خزانة الخيال.

والفرق بين الصورتين الحسيّة والخيالية من وجوه :

1. إنّ الحسيّة أوضح عند الإنسان من الخيالية.


1 . المراد من الخيال معناه الفلسفي، وهو قوة في النفس شأنها صيانة الصور الواردة من الحواس، لا المعنى العرفي.


(149)

2. الصورة الحسيّة لا تدرك إلاّ غِبّ شرائط خاصة، ككون المرئي واقعاً أمام الرائي، والصوت مسموعاً بكيفية خاصة،... وأمّا الصورة الخيالية، فيمكن استحضارها بذاتها مجرّدة عن هذه الأوضاع، وتمثيلها في الذهن من دون أن تقترن بشيء منها.

3. الصورة الحسيّة لا تقع في أُفق الإدراك إلاّ بإعمال القوى الظاهرية، ويدور وجودها وعدمها مدار إعمالها وتعطيلها، فيكن وجود الصورة الحسيّة ضروري التحقّق عند اجتماع الشرائط، كما يكون عدمها ضرورياً متى فقد أحدها.

وأمّا الصورة الخيالية، فيمكن استحضارها بلا معونة القوى الظاهرية الحسيّة، بل الملاك في وجودها هو تعطيل الحواس عن العمل، والاعتماد على الإرادة.

وعلى ذلك يمكن إحضار صورة الغائب أو صوته، بالاعتماد على القوة الخيالية، وأمّا صورته الحسيّة فتتوقف على حضور المرئي وتكلّمه والنظر إلى وجهه والاستماع إلى صوته.

ج ـ إذا استحضر الإنسان صوراً متشابهة أو متماثلة في ذهنه، وميَّز المخصِّصات عن المشتركات، وترك الأُولى وأخذ بالثانية، فالصورة المأخوذة هي الصورة العقلية، وذلك كما لو أحضر صور زيد وعمرو وبكر من خزانة الخيال، فرأى بينها عدّة مميزات ومشخّصات، من طول وقصر، وبياض وسواد، فيترك المميزات ويأخذ المشترك أو المشتركات، وهذه الصورة الحاصلة المشتركة هي الصورة العقلية.

وقد اختلف الإسلاميون في كيفية وقوف الإنسان على هذا المفهوم الكلي إلى نظريتين .

1. نظرية الإبداع والخلاقية

ذهب الشيخ الرئيس ابن سينا إلى أنّ النفس فاعل إلهي تخلق الصور


(150)

والمفاهيم الكليّة في الذهن. فوقوفها على الصورة الحسيّة والخيالية يعطيها قدرة الخلق والإبداع، فتخلق المفاهيم الكليّة في صقع الذهن.

2. نظرية التكامل والارتقاء

ذهب صدر المتألهين إلى أنّ وقوف النفس على هذه الصور (1) العقلية، إنّما هو من باب ترقّي المعرفة من درجة إلى أُخرى، فكما أنّ الصورة الحسيّة تأخذ بالارتقاء وتتبدل إلى المعرفة الخيالية الّتي هي ألطف من الأُولى، فهكذا تترقى المعرفة الخيالية إلى معرفة ألطف وأكمل، وهو المفهوم الكلي الصادق على أفراد كثيرين. وليست الرابطة بين الصورتين رابطة التوليد والإنتاج وإنّما هو ارتقاء صورة من منزلة إلى منزلة أُخرى.

نعم، هناك فرق بين الخيالية والعقلية، فالخيالية وإن كانت مجرّدة عن الجهة والخصوصيات، لكنها جزئية لا تنطبق إلاّ على فرد واحد، بخلاف الصورة العقلية، فإنّها كليّة .(2)

***

3. تصنيف الموجودات

إنّ من عمليات العقل، تصنيف الموجودات وتأليف المختلفات تحت مفهوم واحد، فيُدخل الأنواع الكثيرة تحت الجوهر، وعدّة من الأعراض تحت الكيف، وأُخرى تحت الكم. وهكذا.

وقد قالوا من قديم الأيام: إنّ الجوهر ينقسم إلى العقل، والنفس، والهيولى، والصورة، والجسم. وذكروا في انحصاره في الأُمور الخمسة ما هذا حاصله :


1 . ليست الصور في مصطلح الفلاسفة مساوقة للصور الحسية والخيالية، بل تطلق أيضاً على المفاهيم الكلية الموجودة في صقع الذهن.
2 . راجع الأسفار: 1 / 319. وتعليقة صدر المتألهين على الشفاء: 129. وللفلاسفة الغربيين رأيان في كيفية إدراك العقل للمفاهيم الكلية سنذكرهما عند البحث عن مراحل المعرفة.


(151)

الجوهر هو الماهية الّتي إذا وجدت وجدت لا في موضوع، وعندئذ فإمّا أن يكون مجرّداً في ذاته وفعله عن المادة، أو مجرّداً عنها في ذاته دون فعله، أو لا يكون مجرّداً .

فالأول هو العقل .

والثاني هو النفس .

والثالث إمّا أن يكن محلاًّ لجوهر، أو حالاً في جوهر، أو مركباً منهما.

والأول هو الهيولي،

والثاني هو الصورة،

والثالث هو الجسم.

يقول الحكيم السبزواري:

الجَوْهَرُ المَهِيَّةُ المحصِّله * إذا غَدَتْ في العَيْنِ لا موضوع له

فجوهرٌ كان مَحَلُّ جَوْهَر * هيولىً أو حلّ به من صور

وجَوْهَرٌ ليس بذاكَ وبذا * إن منهما رُكِّب جسماً أُخذا

ودونه نفسٌ إذا تَعَلَّقْ * جسماً وإلاّ عقلاً المفارِقْ(1)

كما أنّهم قالوا: إنّ العَرَض ماهية مستقلة في نفسها مفهوماً، ولكنها إذا وجدت في الخارج وجدت في موضوع. وهذا في مقابل الجوهر فإنّه ماهية مستقلة إذا وجدت وجدت لا في موضوع كما تقدّم، وفي مقابل المعاني الحرفية، فإنّها غير مستقلات مفهوماً وتحقّقاً، فالأعراض متوسطات بين الجواهر والمعاني الحرفية. ويطلق على وجود الجوهر(2): الوجود النفسي، وعلى وجود الأعراض: الوجود الرابطي، وعلى وجود الحرف: الوجود الرابط.

قال الحكيم السبزواري:

إنّ الوجود رابطٌ ورابطي * ثَمَّةَ نَفْسيٌّ فهاكَ فاضْبُطِ (3)


1 . شرح المنظومة: 131 .
2 . والواجب أيضاً .
3 . شرح المنظومة: 56 .


(152)

وقد قسّموا الأعراض إلى أقسام تسعة، وهي: الكم، والكيف، والوضع، والأين، والجدة، ومتى، والفعل، والانفعال، والمضاف .

قال الحكيم السبزواري:

كَمٌ وكيفٌ وضعُ عَيْن له متى * فِعلٌ مضافٌ وانفعالٌ ثبتا(1)

وربما يجعلونها ثلاثة: الكم، والكيف، والأعراض النسبية، وهي شاملة لبقية الأعراض.

وليس التصنيف والتأليف وإدخال الأُمور المختلفة تحت مفهوم واحد، مختصاً بالأُمور المادية، بل يقوم به العقل في الأُمور النفسية أيضاً، فيقول مثلاً: البخل، والحسد، والعشق والمحبة، من الحالات النفسانية. وكلّها تدخل تحت كيف نفساني. كما يقول: إنّ الألوان والأشكال ـ من مربع ومثلث ـ كلّها من حالات الجسم، وتدخل تحت كيف جسماني. إلى غير ذلك من عمليات التصنيف والتأليف في كل علم .

***

4. التجزئة والتحليل

إنّ من عمليات العقل، تجزئة مفهوم واحد إلى مفاهيم كثيرة، كتحليل الإنسان إلى الحيوان الناطق، وتحليل الحيوان إلى الجسم المتحرك بالإرادة، وتحليل الجسم إلى ما له أبعاد ثلاثة، وغير ذلك من التحليلات الجسمانية والنفسانية.

والفرق بين التصنيف والتجزئة واضح جداً، فإنّ عمليتي التصنيف والتحليل أشبه ببناء المخروط. فالتصنيف يشرع من قاعدة المخروط حتّى يصل إلى رأسه، فيجمع المختلفات تحت مفهوم واحد. والتحليل يشرع من رأس المخروط، ثم يحلل شيئاً فشيئاً حتّى ينتهي إلى قاعدته.

***


1 . المصدر السابق: 132 .


(153)

5. التركيب والتلفيق

ومن عمليات العقل، التلفيق والتركيب:

أمّا التلفيق، فيكون في مجال التصور، حيث يقوم العقل بالجمع بين بسيطين وإبداع شيء ثالث منهما في صقع الذهن، كتصور فرس بجناحين.

وأمّا التركيب، فيكون في مجال التصديق، حيث يقوم العقل بتركيب قضيتين ويستنتج منهما نتيجة قاطعة.

وقد اعتنت الفلسفة الغربية بهذا القسم من عمليات العقل، وركز عليهما الفيلسوف الطائر الصيت «جان لوك» وبعده «كانت»، فجاءا بمفاهيم جديدة في الفلسفة.

***

6. درك المفاهيم الإبداعية

وإن من عمليات العقل، صنع مفاهيم ليس لها في الخارج مصداق تنطبق عليه، وإن كان العقل لا يستغني عن لحاظ الخارج في صنعها. وبعبارة أُخرى: ليس لها مصداق في الخارج، وإن كان لها منشأ انتزاع.

وهذا كمفهومي الإمكان والامتناع، فليس لنا في الخارج شيء نسميه بالإمكان أو نسميه بالامتناع، وإنّما هما من المفاهيم الإبداعية للنفس بعد قياس الماهية إلى الخارج. فإذا لاحظ مفهوم «الإنسان»، ورأى أنّ نسبة الوجود والعدم إليه في الخارج سواء، يصفه بأنّه ممكن الوجود، ويبدع مفهوم الإمكان وليس له مصداق في الخارج، إذ ليست التسوية أمراً متحققاً فيه حتّى تقع مصداقاً للإمكان، ومثله الامتناع، كما إذا لاحظ مفهوم اجتماع النقيضين ورأى أنّ اتّصافه بالوجود في الخارج غير قابل للتحقق، فيصفه بأنّه ممتنع الوجود، فيبدع مفهوم الامتناع، وليس للإمتناع مصداق في الخارج.

وكم للنفس من مفاهيم إبداعية ليس لها مصاديق خارجية، وإن كان لها مناشئ.


(154)

وإنّ المفاهيم الاعتبارية، الّتي عليها مدار الحياة في المجتمع البشري، كلّها مفاهيم إبداعية، وإن كان للخارج تأثير في انتقال النفس إلى هذه المفاهيم وصنعها وجعلها، كمفهوم الرئاسة والمرؤوسية، والبيع والإجارة في الاعتباريات الاجتماعية، والسببية والشرطية والمانعية في الأُمور الاعتبارية التشريعية.

هذا، والفلاسفة الإسلاميون يعدّون مفهوم الوجود من المفاهيم الإبداعية، الّتي ليس لها مصداق في الخارج، فليس نسبة مفهوم «الوجود» إلى الخارج، كنسبة مفهوم «الإنسان» إلى زيد وعمرو. ولا يعني ذلك إقرارهم باعتبارية الوجود وأصالة الماهية، بل القائلون بأصالة الوجود هم أيضاً يعترفون به. وقد أفاضوا القول في إثبات ذلك.(1)

*


1 . لاحظ منظومة السبزواري: 4 ـ 5 .


(155)

أدوات المعرفة

   (3)

التمثيل

من الوسائل الّتي يتوصل بها الإنسان إلى المعرفة، ويرفع بها الأستار عن وجه الحقائق: التمثيل، الاستقراء، والتجربة .(1)

وقد كان الأغارقة ـ وبالأخص أرسطو (384 ـ 322 ق. م) في منطقه ـ يعتمدون في أبواب المعرفة على هذه الوسائل، وإن كان اعتمادهم على التجربة أقل، وإنّما شاع الاعتماد عليها واتُّخِذت سلاحاً صارماً في كشف الحقائق، في عصر النهضة الغربية (2)، حتّى أنّها احتلت مكان التعقل والبرهنة في العلوم الطبيعية، ولقد كان هذا الاحتلال في محلّه، غفل عنه الأقدمون من الطبيعيين حين كانوا يعتمدون في كشف الحقائق الطبيعية على الاستدلال والبرهنة من دون جعلها تحت بوتقة التجربة. ونخصُّ البحث في هذا المقام بالتمثيل (3)، فنقول:

التمثيل: هو إسراء حكم من شيء إلى شيء آخر لجهة مشتركة بينهما.

وبعبارة أُخرى: هو إثبات حكم في جزئيٍّ، لثبوته في جزئيٍّ آخر مشابه.


1 . وهذه الأدوات الثلاث مزيج من العقل والحسّ كما ستعرف .
2 . Renaissance. وقد بدأت هذه النهضة في إيطاليا ثم عمّت أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وجاءت نتيجة انفتاح الغربيين على دراسة الحضارات القديمة، والإسلامية على الخصوص .
3 . وسيأتي الكلام في كلُّ من الاستقراء والتجربة منفرداً.


(156)

ويُعْرف التمثيل في عرف الفقهاء بالقياس، وهو أحد الحجج الّتي تعتمد عليه أكثر المذاهب الفقهية السنية، وسيظهر لك فيما يأتي مدى إمكان الاعتماد عليه .

ومثال التمثيل في الشريعة: استنباط حكم النبيذ من حكم الخمر لتشابههما في جهة الإسكار، فيقال إنّ النبيذ حرام كالخمر، لاشتراكهما في الإسكار.

ولا تنحصر الاستفادة منه في مجال الفقه، فإنّه كثيراً ما يكون مأخذاً في المسائل الفردية والاجتماعية. أُفرض أَنَّك قرأت كتاباً من كاتب، فوجدته كتاباً نافعاً مشتملاً على دقائق علمية. ثم سمعت أنّه قد نُشر له كتاب آخر، فتحكم ـ بواسطة التمثيل ـ بأنّه أيضاً نافع، لاشتراكهما في كونهما صادرين من مؤلف ومفكّر واحد.

وللتمثيل أركان أربعة:

1. الأصل، وهو الجزئي الأوّل المعلوم ثبوت الحكم له، كالخمر.

2. الفرع، وهو الجزئي الثاني المطلوب إثبات الحكم له، كالنبيذ.

3. الجامع، وهو جهة الشبه بين الأصل والفرع، كالإسكار.

4. الحكم، وهو ما عُلم ثبوته للأصل، والغرض إثباته للفرع، كالحرمة.

فإذا توفّرت هذه الأركان، تحقَّق التمثيل، ولو فقد واحد منها، اختلت أركانه.

وثبوت الجامع ووجه الشبه يحصل بطرق ثلاثة:

الأوّل: الدوران، وهو ترتب الحكم على الوصف الّذي له صلاحية العليّة، وجوداً وعدماً، كترتب الحرمة في الخمر، على الإسكار، فإنّه ما دام مسكراً، حرامٌ، فإذا زال عنه الإسكار، زالت الحرمة. والدوران علامةُ كون المدار ـ أعني الوصف ـ علّة للدائر، أي الحكم.

الثاني: الترديد، ويسمّى بالسبر والتقسيم. وهو أنّ يتفحّص أولاً أوصاف


(157)

الأصل، ويردّد أنّ علّة الحكم هذه الصفة أو تلك، ثم يبطل ثانياً حكم عليَّة كلٍّ كلٍّ حتّى يستقر على وصف واحد. ويستفاد من ذلك كون هذا الوصف علةً، كما يقال: علّة حرمة الخمر إمّا الاتّخاذ من العنب، أو الميعان، أو اللون المخصوص، أو الطعم المخصوص، أو الرائحة المخصوصة، أو الإسكار. لكن الأوّل ليس بعلّة، لوجوده في الدِّبس، مع كونه غير محرَّم. وكذا البواقي ـ ما سوى الإسكار ـ بمثل ما ذكر. فتعينّ الإسكار للعليّة.

الثالث: التنصيص، والمراد منه أنْ يصرَّح بعلّة الحكم في دليل حكم الأصل، بأن يقال الخمر حرام لأنّه مسكر.

والجامع الّذي يثبت بالدوران أو الترديد، يسمّى «علّة مستنبطة»، والّذي يثبت بالتنصيص، يسمّى «علة منصوصة».

قيمته العلميّة

يقع الكلام في قيمته العلمية في موضعين: أحدهما التمثيل مستنبط العلّة، والآخر التمثيل منصوص العلّة.

أمّا الأوّل، فلا شكّ أنّ المشاهدة البسيطة ربما لا تفيد الاحتمال، فضلاً عن الظنّ، فإذا رأينا إنساناً ذا هيبة مخيفة، وشارب كبير، وعضلات مفتولة، وحكم عليه بأنّه مجرم قاتل، ثم رأينا بعد ذلك شخصاً آخر بهذه الصفات، لم يمكننا القول بأنّه مجرم وقاتل، بحجّة اشتراكهما في تلك الصفات .

نعم، كلّما كثرت وقويت وجوه الشبه بين الأصل والفرع، يتدرج الإنسان من الاحتمال إلى الظن، ومنه إلى الاطمئنان. ومن ذلك إلحاق الناس بعضهم ببعض لشباهة بينهم في الشكل والحركة والصوت ونحو ذلك، فيُلحق الأولاد بالآباء عن طريق المشابهة المتواجدة بينهم.(1)

نعم، لو توفّرت المشابهة توفّراً كثيراً، ربما يحصل للممثِّل العلم الجازم بأنّ هذا هو العلة الوحيدة لثبوت الحكم في الأصل، كما هو الحال في الخمر، فإنّه لو


1 . وهو إلحاق على خلاف الموازين الشرعية.


(158)

فرض أنّه لم يرد نصٌّ في وجه حرمتها، إلاّ أن السبر والتقسيم قد يوقفان الفقيه على أنّ مدار الحرمة هو الإسكار وزوال العقل، ولكن لا بحث مع اليقين.

إلاّ أنّ تحصيل هذه المرتبة من اليقين في المسائل الشرعية مشكلٌ جداً، إلاّ ما شذّ وندر، وقلّ مِنْ مورد يكون وضوح العلّة فيه مثل وضوحها في الخمر. بل الوقوف على مصالح الأحكام على نحو تكون علة تامة للحكم، لا يعلم إلاّ من طريق المشرِّع نفسه. ولأجل ذلك حذّر أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ من الاعتماد على القياس في الشريعة وقالوا: «إنّ السُّنَّة إذا قيست، مُحق الدين»(1). هذا كلّه حول مستنبَط العلّة.

وأمّا منصوصها، فلا خلاف بين الفقهاء في العمل به. وفي الحقيقة إنّ التمثيل المعلوم فيه أنّ الجامع علّة تامة عند المقنِّن، يكون من باب القياس البرهاني، ويخرج من باب القياس الفقهي.

مثلاً: لو ورد: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء... لأنّ له مادة»(2)، فإنّه يستنبط منه أنّ كل ما له مادّة فهو لا يفسده شيء. وفي الحقيقة يتشكل منه صورة البرهان، ويكون الفرع أصغر، والحكم أكبر، والجامع حدّاً أوسط، يقال :

الماء النابع، له مادَّة.

وكلُّ ما له مادّة، واسع لا يفسده شيء.

فينتج: الماء النابع، واسع لا يفسده شيء.

***

وفي الختام، ننبه إلى أنّ التمثيل ـ في الحقيقة ـ هو مزاج من عمل الحسّ والعقل، فلا يصحّ بأن يوصف بأنّه أداة حسيّة بحتة، ولا أنّه من فروع العقل،


1 . الوسائل: 18 ، كتاب القضاء، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10. ولاحظ أحاديث الباب.
2 . الوسائل: 1، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 6 و 7. صحيحة إسماعيل بن بزيع عن الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ .


(159)

بل الإدراك بالتمثيل يبتني على إحساس واستدلال، أمّا الإحساس، فلأنّ الممثّل يدرك المشابهة التامّة بين الأصل والفرع في جهات. ثم إنّه يقوم بعد ذلك بإحراز ما هو الملاك في ثبوت الحكم على الأصل بإحدى عمليتين: إمّا الدوران أو السبر والتقسيم، فإذا حصّل الملاك، يحكم بأنّ الفرع أيضاً مثل الأصل في الحكم، لاشتراكهما فيه. ومن المعلوم أنّ هذه المراحل عقلية لا حسيّة. ولأجل ذلك فصلنا التمثيل عن الحسّ والعقل. ومثل التمثيل في ذلك الاستقراء والتجربة، كما سيوافيك.

*


(160)

(161)

أدوات المعرفة

   (4)

الاستقراء

هو تصفح الجزئيات لإثبات حكم كليّ.

وبعبارة أُخرى: دراسة الذهن لعدّة جزئيات، ليستنبط منها حكماً كليّاً كما إذا شاهد عدّة أنواع من الحيوانات، فوجد أنّ كل نوع منها يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ، فيستنبط منها قاعدة عامّة، وهي أنّ كلّ حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ.

فحقيقة الاستقراء هي الاستدلال بالخاص على العامّ، كما أنّ حقيقة التمثيل هي الاستدلال بالخاصّ على الخاصّ. فملاك الاستنباط في التمثيل هو التشابه بين جزئيين، بينما ملاكه في الاستقراء هو التشابه بين جزئيٍّ لم ندرس حاله، وجزئيّات درسنا حالها، فنُلْحِق الجزئي المجهول، بالجزئيات المعلومة الحال.(1)

وأركان الاستقراء ـ كالتمثيل ـ أربعة:

1. الأصل، وهو الجزئيات الّتي درسنا حالها.


1 . وأمّا البرهان، فلا صلة له بالتمثيل والاستقراء، إذ ليس الجزئي هناك موجباً للمعرفة، بل هو الاستدلال بالعام على الخاص، أعني الاستدلال بالكبرى الكليّة على مقدمة كليّة، كما سيوافيك بيانه.


(162)

2. الفرع، وهو الجزئي الّذي نريد أن نتعرّف على حاله.

3. الجامع، وهو جهة المشابهة بين الأصل والفرع، كالحيوانية في المقام.

4. الحكم، وهوما علم ثبوته للأصل، والغرض إثباته للفرع، كتحريك الفكّ الأسفل.

ثم إنّ المعروف تقسيم الاستقراء إلى قسمين: تام وناقص .

فالاستقراء التامّ هو تصفّح حال جميع الجزئيات بأسرها، كما إذا تجوّل في جميع شوارع بلد خاص، ولم يستثن أي شارع منها، فرآها جميعها نظيفة، مشجّرة، معبَّدة، فيقول عند توصيف هذا البلد: شوارع هذا البلد كلّها نظيفة، مشجّرة، ومعبّدة.

والاستقراء الناقص هو أن لا يفحص المستقرئ إلاّ بعض الجزئيات، كمثال الحيوان، فإنّه باستقراء الكثير من أنواعه ـ لا جميعها ـ يجد أنّها تحرّك فكّها الأسفل عند المضغ، فيحكم على ما لم يره من الحيوانات بذلك، مؤسساً قاعدة كليّة هي: كل حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ.

قيمته العلميّة

الاستقراء التام في الحقيقة، ليس من مقولة الاستدلال والاستنباط، ولا يستكشف فيه حال مجهول من معلوم، وإنّما هو إعادة جمع وصياغة ما شاهده الإنسان، في قالب واحد، ففي المثال المذكور يصب الإنسان كلّ انطباعاته عن شوارع البلد الّذي تجوّل فيه، في قالب جامع، ويقول: كل الشوارع كذا وكذا. فهو بدلاًمن أن يتكلم بالتفصيل، يكتفي بالإجمال.

إنّما الكلام في الاستقراء الناقص، الّذي يعد من أقسام الاستدلال.

المعروف عند القدماء أنّ الاستقراء الناقص غير مفيد للعلم، لأنّه ما دمنا لم ندرس جميع جزئيات الحيوان ـ مثلاً ـ فكيف يجوز لنا الحكم بأنّ كل حيوان يتحرك فكّه الأسفل عند المضغ، إذ من المحتمل أن يكون هناك حيوان يعيش في الغابات وأعماق البحار ـ لم ندركه ـ يتحرك فكّه الأعلى عند المضغ، كما ثبت بعد ذلك في


(163)

التمساح، ولأجل ذلك قالوا إنّ الاستقراء الناقص لا يفيد اليقين.

نعم، لاشك أنّه يفيد الظن، والظن يُلحق الشيء بالأعم الأغلب.

والحق أن يقال إنّه إذا تهاون المستقرئ في استقرائه، وترك الكثير ممّا يمكن التفحص عنه، واكتفى بالقليل، فلاشك أنّه ربما لا يفيد حتّى الظن. ولو أفاده لما تجاوز عنه. وأمّا لو بذل جهده، وسعى سعيه إلى حدٍّ كبير، ولم ير باباً إلاّ طرقه، ووصل إلى نتيجة خاصة، وصار احتمال مخالفها، احتمالاً ضئيلاً لا يتوجه إليه الذهن وإن كان موجوداً في زواياه، فعند ذلك يفيد العلم، أي العلم العرفي، باعتبار فرض الاحتمال المخالف كالعدم. وكلّما اتّسع نطاق الاستقراء، يبتعد صحة الاحتمال المخالف، إلى حدٍّ ينساه الذهن في مقام القضاء.

وما ذكره القدماء أمر متين، إذا فسرنا العلم بالاعتقاد الجازم الّذي لا نحتمل خلافه أبداً، حتّى واحداً في المليار. ومن المعلوم أنّ الاستقراء الناقص لا ينتج هذه النتيجة، إذ الاحتمال المخالف ـ ولو بصورة ضئيلة ـ موجود في الضمير، وهو على طرف النقيض من العلم.

والعلم بهذا المعنى هو مصطلح منطقي، غير أنّ العقلاء ـ في فروضهم العلمية ـ يكتفون بما هو أدون من ذلك. فلو تبيَّن حال موضوع بنحو يطمئن إليه الفؤاد، وكان الاحتمال المخالف ضئيلاً إلى حدّ لاتتوجه إليه النفس، يسمون الاستقراء دليلاً علمياً لا ظنياً، وذلك لإهمالهم الاحتمال المخالف الضئيل المكنون في الذهن. وهذا هو الرائج في التحليلات الإجتماعية والعلمية. وإليك مثال في غير الاستقراء:

لو وقع حريق مهيب في معمل من المعامل، وجاء الخُبراء لتحقيق مَنْشئه، وتحديد فاعله، فيفترضون عدّة فروض، ثم يَردّون الواحد منها تلو الآخر، حتّى يستقرّ نظرهم على أقواها وهو ـ مثلاً ـ أن تكون النار قد انقدحت من احتكاك أسلاك كهربائية أوجدت في البداية حريقاً في زاوية معينة من المعمل ثم انتشرت إلى سائر أرجائه. فيخرجون بهذه النتيجة، ويعلنون على الملأ أن سبب الحريق هو ذلك.


(164)

ومع ذلك كلّه، فالخبراء لم يحصل لهم اليقين القاطع بأنّ هذا هو سبب الحريق لا غير، علماً لا يحتمل معه أي احتمال آخر، كاحتمال أن تكون الطائرة الّتي مرّت فوق المعمل قبل احتراقه، قد أحدثت شرارة أوجدت الحريق. فإنّ هذا الاحتمال غير معدوم على القطع، وإن كان ضئيلاً للغاية. ومع ذلك فالمحللون للقضية يهملون هذا القدر من الاحتمال ولا يعتنون به .

وعلى ذلك، فهناك نسبة خاصة بين التوغل في الاستقراء، وضآلة الاحتمال المخالف، فكلّما اتّسع نطاق الاستقراء، وطَرَق المستقرئ كلَّ باب يواجهه، وقطع كل طريق يعترضه، وإن لم يستوف جميع الطرق لعدم تمكّنه منه، أو لوجود مانع عنه، أو لوجود صوارف خاصة، كان الاحتمال المخالف لنتيجة الاستقراء ضئيلاً.

وكلما ضاق نطاق الاستقراء، واكتفى المستقرئ بالأقل من الكثير، صار الاحتمال المخالف ماثلاً في الذهن غير غائب عنه. فغيبوبة الاحتمال المخالف شدّة وضعفاً، أو ظهوره كذلك، تابع لاستفراغ الوسع وبذل الجهد.

ولو أردنا أن نفرغ ذلك في قالب الاصطلاح الرياضي، نقول: إنّ بين قوة الاستقراء وضعفه من جهة، وقوة الاحتمال وضعفه من جهة أُخرى، تناسب عكسي. فكلما قوي الاستقراء وطال نطاقه، ضعف الاحتمال المخالف، وكلما قوي الاحتمال المخالف للنتيجة الّتي يفيدها الاستقراء، يكشف عن ضعف الاستقراء. فلو أراد المستقرئ أن يصل إلى القمة من العلم العرفي والاطمئنان العقلائي، فعليه أن يستفرغ وسعه إلى حدّ ينتفي معه الاحتمال المخالف من زوايا الذهن، وإن كان لا ينعدم أبداً إلاّ اذاكان الاستقراء تامّاً.

وليُعلم أنّ ملاك الحكم في الاستقراء هو التشابه بين الشيئين، ومن المعلوم أنّ المتشابهين قد يختلفان في الحكم، إلاّ أنّا إذا نظرنا إلى الأكثرية فوجدناها محكومة بحكم خاص، نُلحق البقية بها، ولذلك لا يمكن القطع بالحكم، إذ ليس هنا دليل عقلي يُبَرْهَنُ به على وحدة المتشابهين في الحكم.

وأمّا التجربة ـ الآتي بحثها ـ فالأساس في سريان الحكم فيها إلى جميع الأفراد، هو التماثل في الحقيقة والتوحّد في الماهية، ومن المعلوم أنّ المتماثلين يجب


(165)

أن يتحدا في الحكم، حسب البرهان العقلي الّذي سيوافيك بيانه.

وممّا تقدم يعلم أنّ أداة الاستقراء ليست أداة حسيّة محضة ولا أداة عقلية كذلك، بل هي مزيج من الحسّ والعقل، فإنّ الاستقراء الكامل يرجع إلى بيان ما أدركه المستقرئ بحسّه، تحت ضابطة عامة، ومن المعلوم أنّ الحكم على الجزئيات المتشتتة بحكم واحد هو من عمل العقل لا الحسّ.

وأمّا الاستقراء الناقص فهو استدلال بالخاص على العام، ولا شك في اشتراك الحسّ والعقل معاً في ذلك لأنّ هذا الاستقراء قائم على أنّ المستقرئ لا يتفحّص إلاّ عن بعض الجزئيات بحسّه، ومن المعلوم أنّ الانتقال منها إلى حكم عام شامل لما لم يتعلّق به الاستقراء، يستمدّ من العقل .

*


(166)

(167)

أدوات المعرفة

   (5)

التجربة

التجربة إحدى أدوات المعرفة الرئيسية (1)، ومنها يتشكل البرهان أيضاً، وذلك لأنّ البرهان يتألّف من اليقينيات، وأُصول اليقينيات ـ كما عرفت سابقاً ـ ستة، منها التجريبيات.

فالتجريبيات إذن، إحدى اليقينيات الّتي تشكل أساس البراهين العقلية، وهي قضايا يحكم بها العقل بواسطة تكرر المشاهدة منا في حواسنا، فيحصل بتكرر المشاهدة ما يوجب أن يَرسُخَ في النفس حكمٌ لا شك فيه، كقولنا: «إنّ الحديد يتمدد بالحرارة»، بعد أن جرّبنا أفراد الحديد المختلفة، مرّات عديدة، فوجدناها جميعها تتمدد بالحرارة، فإنّا نقطع جزماً بأنّ ارتفاع درجة الحرارة مؤثر في تمدد الحديد، كما أنّ هبوطها يؤثّر في انقباضه وتقلُّصه .

وقد احتلَّت التجربة مكانةً ساميةً في الغرب، وتربَّعت عرش المعرفة فيه، وشكَّلت حجر الأساس لكثير من الإختراعات والاكتشافات. وليس الغرب مبتكراً في إعمالها، بل سبقه إليها الأغارقة والإسلاميون، وكان علماء الطبيعة في


1 . وسيظهر لك ممّا يأتي أنّ الاستنتاج من التجربة يتوقف على ضم حكم عقلي إلى ما وقف عليه المجرّب عن طريق الحسّ، ولولا ذلك لكانت التجربة عقيمة. ومنه يعلم أنّ التجربة مزيج من الحسّ والعقل، فلا هي أداة حسيّة محضة ولا عقلية كذلك، كما هو الحال في التمثيل والاستقراء، كما تقدم.


(168)

العصور الإسلامية الأولى يركنون إليها في مواضع كثيرة، تشهد بذلك كتبهم المدوَّنة في الطب والكيمياء، وستوافيك قبسات من عبارات الشيخ الرئيس حول التجربة، كما سيوافيك بعض ما روي عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في هذا المجال.

قيمتها العلميّة

التجربة إحدى الأدوات الّتي تفيد اليقين بنتيجة كليّة، على خلاف التمثيل والاستقراء، اللذين عرفت عدم إفادتهما إلاّ الظن، كما عرفت أنّ الاستقراء على فرض إفادته اليقين، فإنّما يراد منه اليقين العرفي، بتناسي الاحتمال المخالف الماثل في الذهن، بينما التجربة تفيد القطع بحكم كلي شامل لجميع الأفراد الماضية والحاضرة والمستقبلة. وعندئذ ينطرح في المقام سؤال وهو أنّه لماذا صارت التجربة مصدراً للعلم واليقين، بخلاف التمثيل والاستقراء، مع اشتراك الجميع في أنّ العملية تقع على أفراد محدودة لا على جميع الأفراد؟. هذه شبهة مستعصية على الأذهان وقف دونها الكثيرون، فيجب علينا حلُّها في ضوء الضوابط العقلية فنقول:

الفرق بين التمثيل والاستقراء، والتجربة، أنّ مناط الحكم في الأوَّليْن هو تشابه الأفراد واشتراكها من جهات واختلافها من جهات أُخرى. فالفُقّاع والخمر، وإن كانا متشابهين ومشتركين في الإسكار، لكنهما من نوعين مختلفين، وهذا هو الّذي دفعنا إلى تسمية أحدهما فقّاعاً والآخر خمراً، فإنّ أحدهما متّخذ من الشعير والآخر من العنب. وهكذا في الاستقراء، فإنّ ما نشاهده من الحيوانات البرية والبحرية، أنواع مختلفة، واقعة تحت جنس واحد هو الحيوان، لكنها تتميّز بفصول وأشكال مختلفة. فلو رأينا هذا الحيوان البريّ، وذلك الحيوان البحري، كلُّ يحرك فكَّه الأسفل عند المضغ، نحكم بذلك على سائر الحيوانات، من دون أن تكون بينها وحدة نوعية، أو تماثل في الحقيقة، والدافع إلى ذلك التعدّي في الحكم هو التشابه والاشتراك الموجود بين أنواع الجنس الواحد، رغم الاقرار باختلافها في الفصول والأشكال. ومن هنا، لا يمكن الجزم بالحكم والنتيجة على وجهها الكلّي، لإمكان اختلاف أفراد نوعين مختلفين، في الحكم. هذا كلُّه في التمثيل والاستقراء.


(169)

وأمّا التجربة، فتُّخالِفُهما من حيث مناط وملاك إسراء الحكم، فإنّ المناط فيها هو الوحدة في النوع والحقيقة، والتماثل من جميع الجهات طراً إلاّ الزمان.

مثلاً: إذا أجرينا تجربة على جزئيات من طبيعة واحدة، كالحديد، تحت ظروف معينة من الضغط الجوي، والجاذبية، والارتفاع عن سطح البحر، وغيرها مع اتّحادها جميعاً في التركيب، فوجدنا أنّها تتمدد مقداراً معيناً، ولنسمّه (س) عند درجة خاصة من الحرارة، ولنسمّها (ح). ثم كررنا هذه التجربة على هذه الجزئيات، في مراحل مختلفه، في أمكنة متعددة، وتحت ظروف متغايرة، ووجدنا النتيجة صادقة تماماً: تمددٌ بمقدار (س) عند درجة (ح). فهنا نستكشف أنّ التمدد بهذا المقدار المعين، معلول لتلك الدرجة الخاصة، فقط، دون غيرها من العوامل، وإلاّ لزم أن تكون ظاهرة التمدد بمقدار (س) معلولة بلا علّة، وحادثة بلا جهة، لِصدْق النتيجة في جميع الظروف، والأمكنة، وهو أمر محال، لأنّ المفروض وحدة الأفراد في جميع الخصوصيات، إلاّ الزمان، والمفروض عدم تأثيره في الحكم. وعلى هذا يحكم العقل بأنّ الحديد، بجميع جزئياته وتراكيبه، يتمدد بمقدار (س) عند درجة (ح).

وعلى ضوء هذا، فما من تجربة إلاّ وفي جنبها حكم عقلي يوجب بسط الحكم إلى جميع الأفراد وفي جميع الأزمنة، ويُعبَّر عنه بالعبارات التالية:

أ ـ إذا كانت جميع الجزئيات متحدة في الحقيقة، ففرض وجود الخصوصية (التمدد بمقدار معين) في بعضها دون بعضها الآخر، يستلزم وجود هذه الخصوصية بلا علّة، وهو محال.

ب ـ إذا كانت جميع الجزئيات متحدة في الحقيقة، ومختلفة في الزمان فقط، ففرض وجود الخصوصية في بعضها دون الآخر يستلزم الترجيح بلا مرجّح، وهو في حكم فرض المعلول بلا علّة.

ج ـ إذا كانت جميع الجزئيات متّحدة في الحقيقة، ففرض وجود الخصوصية في بعضها دون بعض، يناقض حكم العقل بأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.


(170)

ففي ظل هذا الحكم العقلي الّذي يعبّر عنه بتعابير مختلفة، يحكم العقل بسريان الحكم إلى جميع الأفراد في جميع الأزمنة.

نعم، لا يمكن إسراء الحكم إلى الموضوع الّذي يختلف مع مورد التجربة اختلافاً جزئياً، فضلاً عن الاختلاف الفاحش، فلو كنّا أجرينا التجربة على حديد خاص من حيث التركيب، كالحديد المطاوع، فلا يمكن إسراء هذا الحكم على الحديد الّذي يغايره فيه، كالفولاذ.

هذا هو الأساس لانتزاع العلماء قوانين كليّة عامة من التجربة.

ولنضرب مثالاً آخر: لو أجرى عالماً كيميائياً تجربة على عقار خاص فوجده ناجعاً في معالجة الصداع، الناشئ من عوامل معينة، ومؤثراً في أفراد معينين من الناس إذا أُعطي بمقدار معين. ثم كرر التجربة مرّات عديدة وفي ظروف مختلفة على الصداع الّذي له تلك الخصوصيات، فوجده مؤثّراً في جميعها، يقطع بالنتيجة الّتي توصّل إليها، وبعموميتها لجميع الحالات المماثلة، وما ذلك إلاّ لأنّ الحكم بالتخصيص ورفض العموم يستلزم تفسير الخصوصية بطريق غير ممكن .

وتلك النتيجة لا تَصْدُق، وذلك العقار لا ينجع في معالجة الصداع الناشئ من عوامل أُخرى، أو في أفراد مختلفين في الأمزجة، أو إذا أُعطي بمقادير أقلّ أو أكثر، ففي هذه الموارد لا يمكن الحكم بعمومية العلاج وسريانه.

وبذلك يعلم الفرق الجوهري بين الاستقراء والتجربة، فالمستقرئ لا يجري عملية خاصة سوى المشاهدة، ولا يستنبط علّة الحكم أبداً، وليس له دافع إلى إسراء الحكم إلاّ المشابهة. وهذا بخلاف المجرّب، فإنّه يتسلّط على علّة الحكم ومناطه بحكم البرهان والعقل، ويقف على أنّ علّة الخصوصية (التمدّد بمقدار معين والبرء) ليس إلاّ نوعاً معيناً من الحديد في حرارة خاصّة، أو تأثير العقار في الداء والمزاج المُعَيَّنَينْ، وبالمقدار المحدّد، وبعد ذلك يستعدّ العقل لانتزاع حكم كلّي هو أنّ كل حديد من التركيب الفلاني، ينبسط بمقدار كذا عند حرارة كذا، وهذا العقار ناجع في إبراء كل صداع ناشئ من العوامل الفلانية، في المزاج الفلاني وبالمقدار الفلاني. ولولا التسلّط على المناط والإحاطة بالعلّة، لما قدر العقل على إسراء الحكم وتوسعته.


(171)

ومن هنا يتبين أنّه ما من معرفة طبيعية تجريبية إلاّ وفي جنبها معرفة عقلية قطعية لولاها لكانت التجربة عقيمة غير مفيدة.

وممّن تنبّه إلى ما ذكرنا الشيخ الرئيس: فقد أجاب في سؤال من سأله عن علّة إيراث التجربة اليقين، بأنّ التجربة ليست بمعنى أنّ تكرار المشاهدات يفيد اليقين، وإنّما المشاهدات (العملية) تفيد اليقين بضميمة قياس عقلي(1).

وكذلك الحكيم السبزواري، قال: العلم في التجربة منوط بأمرين: أحدهما المشاهدة، والآخر القياس الخفي، وهو أنّه لو كان اتّفاقيّاً، لما كان دائماً ولا أكثرياً، ثم يستثني نقيض التالي لنقيض المقدَّم.(2)

وللأسف، إنّ التجربة بهذا المعنى قد نسيت في الجامعات العلمية، فترى أنّهم يفسرونها بعملية تعميم وبسط ما تدركه الحواس الظاهرية والباطنية. وقد تطرق هذا الخطأ إليهم بسبب تبعيتهم للغربيين حيث يستعملون المشاهدة والتجربة مترادفين، مع أنّ المشاهدة غيرالتجربة، فإنّ كلاًّ منهما أصلٌ من أُصول اليقينيات الست، كما تقدّم.

نعم، إنّما تفيد المشاهدةُ اليقينَ، في موردها، ولا تكون مبدأً لانتزاع حكم كلّي، بخلاف التجربة فإنّها تكون مبدأً لقاعدة كليّة بحكم القياس العقلي. فإذا أردنا تفسير الاستقراء، فلنفسّره بالمشاهدة، وأمّا التجربة، فتفسيرها بالمشاهدة، تفسيرٌ ناقص، وإنّما هي عمليات كثيرة مختلفة، في أجواء متنوعة، يشهدها الحسّ الظاهري أو الباطني، ثم يعمّم نتيجتها في ضوء حكم العقل .

نقل وتحليل

قد عرفت أنّ تعميم حكم التجربة في مورد، إلى جميع أفراد الطبيعة ومصاديقها الّتي لم تجر فيها التجربة، إنّما هو بحكم العقل القائل بأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد. وبعبارة أُخرى: يحصل للمجرّب، بعد تكرر


1 . منطق الشفاء: 96، ط مصر .
2 . شرح المنظومة، لناظمها: 90 .


(172)

التجربة، اليقين بأنّ النتيجة الّتي أفادتها راجعة إلى نفس طبيعة الشيء بما هي هي، من دون أيّة دخالة لغيرها من الظروف الزمانية والمكانية وآلة التجربة والمجرِّب الخ.

غير أنّ بعض الغربيين، أعني الفيلسوف جان استوارت ميل (1)، ذهب إلى أنّ تعميم نتيجة التجربة إنّما هو في ظل قاعدة مسلّمة هي: إنّ الطبيعة ـ في جميع الأمكنة والأزمنة ـ متحدة الحقيقة والاقتضاء، فهي تعمل في جميع الظروف على نسق واحد. فلو كان لفلزّ معين، ذوبان عند حرارة معينة، فهو (أي الفلزّ) يقتضي ذلك الأثر في جميع المواطن، سواء أكانت ممّا أُجريت فيها التجربة أو لا.

ولكن أشكل عليه بالدور، وهو أنّ تعميم نتيجة التجربة إلى جميع الأفراد، يتوقف على ثبوت هذا الأصل(2) (الطبيعة متحدة الحقيقة والاقتضاء)، مع أنّه ليس أصلاً عقلياً حتّى يعتمد في ثبوته على العقل، وإنّما هو أصل تجريبي، يحصل بالتجربة. ومن المعلوم أنّ عملية التجربة لكشف وحدة الطبيعة حقيقةً واقتضاءً، لا يمكن أن تتحقق في جميع أفراد الطبيعة، وإنّما تتحقق في الموارد الّتي تجري فيها التجربة. فتعميم نتيجة هذه العمليات المحدودة، يتوقف على ثبوت هذا الأصل، وهو بعدُ غير ثابت. فيُنتج أنّ إثبات كون الطبيعة متّحدة الحقيقة والاقتضاء، يتوقف على ثبوت كون الطبيعة متحدة الحقيقة والاقتضاء، وهذا دور واضح.

لكن «ميل» تخلّص من هذا الدور بما هذا حاصله:

إنّ وقوف الإنسان على هذا الأصل (الطبيعة متحدة الحقيقة والاقتضاء)، لا يتوقف على استقراء تام وتجارب متعددة، بل يكفي في ثبوته تجربة ناقصة تحصل للإنسان البسيط قبل خوضه في المباحث العقلية، وهو ما أسماه بـ «الاستقراء السطحي». وذلك بحجة أنّ الطفل إذا أدنى يده من النار وآذته بلهيبها، فإنّه لن يمدّ يده بعد ذلك إلى أيّة نار يصادفها، لأنّ تلك التجربة تفيده علماً بأنّه سوف


1 . (1806 ـ 1873 م). John Stuart Mill .
.. Principe de I'uniformite de al nature .


(173)

يواجه في المرة الثانية بمثل ما وُجه به في المرة الأُولى، فكأنّ الطبيعة عنده متحدة الحقيقة والاقتضاء .

نعم، ثبوت هذا الأصل على الوجه العلمي، يتوقف على تجارب كثيرة غير متناهية، في مختلف أصناف الطبيعة وأنواعها، حتّى يحصل له العلم بهذا الأصل، وهوما أسماه بـ «الاستقراء العلمي»، ويتمكن بالتالي من تدوين العلوم والقوانين والسنن، في ضوء هذا الأصل. فالقول بأنّ الطبيعة متحدة الحقيقة والاقتضاء، عبارة إجمالية عن هذه التجارب غير المتناهية.(1)

يلاحظ عليه: إنّ التجارب المتضافرة الكثيرة ا لتي أسماها بـ «الاستقراء العلمي»، هي أيضاً غير مفيدة للعلم بهذا الأصل (الطبيعة متحدة الحقيقة والاقتضاء). لأنّ استقراءه، وإن كان كثيراً منسَّقاً، ولكنه بعدُ محدود، فمن أين علم بسريان النتيجة إلى ما تبقى من الموارد غير المتناهية، الّتي لا يفي عمر الإنسان لإجراء التجربة فيها، والمفروض أنّ هذا الأصل غير ثابت بعد، ونحن في طريق إثباته.

وبذلك تصير نتائج التجارب العلمية، ظنوناً متراكمة، مشوبة بالشك، وبذلك ينسلخ عن العلوم وصف الجزم والقطعية. وقد اعترف «ميل» بذلك إذ يقول: العلوم التجريبية لا توجب اليقين المطلق، وليس عندنا اطمئنان مطلق بأنّ غداً سيأتي نهار بعد هذه الليلة. ولكن هذا الشك شك نظري فقط، وإن كانت لتلك العلوم قاطعية عملية .(2)

والحق في إضفاء القطعية والكلية على نتائج التجارب، هو ما ذكرنا.

التجربة والحضارة الإسلامية

التجربة من أسمى أدوات المعرفة في العلوم الطبيعية، وفي ظلّها يصل


1 . لاحظ الفلسفة العلمية، لـ «فيليسين شاله» Felicien Challaye، ص 111 ـ 112 بتصرّف وتوضيح منّا .
2 . المصدر السابق نفسه .


(174)

الإنسان إلى سنن الكون الكليّة الصادقة في جميع الظروف، من دون أن تختص بزمان أو مكان. وبها يتسامى موكب الحضارة وركب الإنسانية إلى قمة المعرفة الشامخة، وكل ما نعايشه من تطور وتسلّط على القوى الطبيعية، مدين للتجربة.

ولم يهمل أئمة المسلمين التأكيد على هذه الناحية الحيوية، ويجد المرء في كثير من كلمات أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، تشجيعاً وحثّاً على اتّخاذ التجربة أداة في عامة نواحي المعرفة، ونذكر فيما يلي نزراً يسيراً منها:

قال ـ عليه السَّلام ـ :

1. التجارب علم مستفاد (1).

2. العقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، وكلاهما يؤدّي إلى المنفعة.(2)

3. الأُمور بالتجربة، والأعمال بالخبرة.(3)

كما أنّ الإسلام قد أنتج فطاحل وأساطين عظام في العلوم الطبيعية، سلكوا مسلك التجارب والاختبارات العلمية، فخرجوا بنتائج باهرة، واكتشافات عظيمة، دفعت عجلة العلوم البشرية إلى الأمام، وأرست قواعد الحضارة المدنية الحديثة. وفيما يلي نذكر بعضاً من نوابغهم:

1. جابر بن حيّان الكوفي (80 ـ 160 هـ)

جابر بن حيّان، أول رائد مسلم احتضن العلوم الكونية، وعكف عليها بقلبه وعقله، وامتزج بها بروحه ودمه، يدرسها ويبحثها ليدرك أسرارها، ويكتشف مجهولاتها على أساس مبدأ التجربة والاختبار، وعلى أساس تفسير الطبيعة بالطبيعة، لا بالفرضيات والأشكال المنطقية، فهو من قمم الفكر والثقافة الإسلامية، ومن مفاخر المسلمين الّتي يُعتزّ بها، حتّى لقب بأبي الكيمياء، وقال


1 . غرر الحكم للآمدي: 224 .
2 . بحار الأنوار: 17 / 119، الطبعة القديمة .
3 . غرر الحكم للآمدي: 224 .


(175)

عنه «برتيلو»(1): «لجابر بن حيان ما لأرسطو طاليس في المنطق».

وتبدو عبقرية جابر ومواهبه بأنّه كان عالماً بالكيمياء بالمعنى الصحيح، فقد درسها دراسة وافية، ووقف على ما أنتجه الذين سبقوه، وعلى ما بلغته المعرفة في هذا العلم في عصره، وبأنّه أخضع الكيمياء للتجربة والملاحظة والاختبار. وهو من تلامذة الإمام جعفر الصادق، حيث وجد في إمامه سنداً ومعيناً، ورائداً أميناً، وموجّهاً لا يستغني عنه.

وجابر أول من استخرج حامض الكبريتيك، وسمّاه زيت الزاج. وأوّل من اكتشف «الصودا الكاوية» وأول من استحضر ماء الذهب، ومركبات أُخرى ككربونات البوتاسيوم، وكربونات الصوديوم وغيرها. كما درس خصائص مركبات الزئبق واستحضرها.

قال «لوبون» (2): «تتألف من كتب جابر، موسوعة علمية تحتوي على خلاصة ما وصل إليه علم الكيمياء عند المسلمين في عصره، وقد اشتملت كتبه على بيان مركبات كيميائية، كانت مجهولة قبله، وهو أول من وصف أعمال التقطير والتبلور والتذويب والتحويل وغير ذلك»(3) .

2. محمد بن زكريا الرازي (251 ـ 313 هـ)

أبو بكر محمد بن زكريا الرازي من أئمة صناعة الطب، واشتغل بالسيمياء والكيمياء، ثم عكف على الطب والفلسفة في كبره، فنبغ واشتهر.

وقد سُمِّي من تصانيفه 232 كتاباً ورسالة، منها:

ـ «الحاوي» في صناعة الطب، وهو أجَلّ كتبه. ترجم إلى اللاتينية .

ـ «الطب المنصوري» ترجم إلى اللاتينية .


1 . M.Berthelot، (1827 ـ 1907 م)، عالم كيميائي فرنسي له تآليف ممتازة في علم الكيمياء .
2 . G.le bon، (1841 ـ 1931 م).
3 . لاحظ: فلاسفة الشيعة، للشيخ عبد الله نعمة: 184 ـ 230 ; والأعلام للزركلي: 2 / 103 ـ 104.


(176)

ـ «الفصول في الطب»، ويسمى المرشد.

ـ «الجدري والحصبة».

ـ «برء الساعة».

وغير ذلك من التآليف (1).

3. الرئيس ابن سينا (370 ـ 428 هـ)

هو ألمع اسم في تاريخ العلم والفكر والطب، ومن أكبر الفلاسفة المسلمين الذين برزوا في الفلسفة والطبيعيات والطب، ومن الذين دفعوا عجلة العلم إلى الأمام خطوات كثيرة. وتقوم شهرة الرئيس ـ في الأكثر ـ على الفلسفة والطب، وعلى كتبه العميقة الّتي وضعها، كالإشارات، والشفاء، والنجاة والقانون وغيرها.

وكتابه القانون موسوعة طبية أودع فيها الشيخ كل ما يتعلّق بالطب، وهو يتألف من خمسة كتب، وفيه يظهر اعتماده على الاختيار والتجربة. وقد بقي هذا الكتاب معوّلاً عليه في علم الطب وعمله ستة قرون من الزمن، وترجمه الإفرنج إلى لغاتهم، وكانوا يتعلمونه في معاهدهم.

وقسم الطبيعيات من كتاب الشفاء، مليء بالتجارب الّتي أجراها فيها، يقول مثلاً عند البحث عن الهالة وقوس قزح: «وقد تواترت مني هذه التجربة بعد ذلك مراراً، فظهر لي أنّ السحاب الكدر، ليس يصلح أن يكون مرآةً البتة... الخ»(2).

4. الحسن بن الهيثم (354 ـ 43 هـ)

أبو علي الحسن بن الهيثم، فلكي رياضي وعالم طبيعي، كان أكثر عمله


1 . الأعلام للزركلي: 6 / 130 .
2 . الشفاء قِسم الطبيعيات: 266، لاحظ في أحوال ابن سينا فلاسفة الشيعة، لنعمة: 256 ـ 284 ; والأعلام: 2 / 241 ـ 242 .


(177)

بالبصريات، والعدسات، والمشهور أنّه هو مخترع المِجْهَر. له كتاب في علم المناظر، وقد طبع إلى اللاتينية وأصبح كتاباً مدرسياً في أوروبا في العصور الوسطى إلى عصر روجر بيكون(1) (1214 ـ 1292 م). وله مقالة في الضوء .(2)

5. نصير الدين الطوسي (597 ـ 672 هـ)

المحقق المشهور محمد بن محمد بن الحسن الطوسي من عباقرة الدهر الذين لم تنتج منهم الدنيا إلاّ القليل. نبغ في الفلسفة والكلام والرياضيات والفلك والإرصاد.

والمحقق الطوسي رغم تعمُّقه في الفلسفة والكلام، فإنّ شهرته لدى باحثي العصور المتأخرة، قائمة على مواهبه وآثاره في الرياضيات والفلك والجغرافية. وقد بنى في مراغة (آذربيجان) مرصداً في جمادى الأُولى عام 657 هـ ، ورصد وجماعته الكواكب، وعينوا أطوالها ودرجات عرضها.

وقد طلب المحقق لإتمام هذا المشروع الضخم، من البلاد الإسلامية، نخبة فريدة من كبراء علماء الفلك المشهود لهم بالمقدرة العلمية. وكانت النفقات الّتي صرفت في هذا السبيل باهظة جداً. وقد ذكر التاريخ أسماء هؤلاء العلماء.(3) وقد تمّ بناء المرصد في نفس السنة الّتي توفي فيها المحقق، سنة 672، واستغرق بناؤه خمسة عشر عاماً.

وقد استنبط المحقق الطوسي زيجه المعروف بالزيج الإيلخاني في المرصد المذكور، ونشره في كتاب خاص، احتوى على جداول وطرائف حسابية جديدة لم تكن معروفة من قبل، لذلك كان هذا الزيج هو المعتمد عليه في أُوربا في عصر النهضة.(4)


1 . Roger Bacon .
2 . لاحظ ريحانة الأدب، لمحمد علي المدرس: 6 / 281 .
3 . أنظر «تاريخ علم الفلك في العراق»: 32 ـ 39، كما في فلاسفة الشيعة: 484 .
4 . لاحظ فلاسفة الشيعة: 472 ـ 484. ومن أراد الوقوف على كيفية استخدام المسلمين أداة التجربة للفحص عن الحقائق، فعليه الرجوع إلى الكتاب المؤلفة في هذا المضمار. ونكتفي بذكر كتابين منها:
1. «ميراث الإسلام»، بقلم عدّة من المستشرقين.
2. «شمس العرب تسطع على الغرب»، تأليف المستشرقة «زيگرند هونكه».


(178)

(179)

أدوات المعرفة

   (6)

الإلهام والإشراق

الأُصول الّتي يتبناها الماديّ في نظرته الكونية إلى العالم، تفرض عليه أن لا يعتقد إلاّ بأداتين من أدوات المعرفة: العقل، والحسّ وما يعتمد عليه من تمثيل واستقراء وتجربة. وأمّا الإلهي، فيعتقد أنّ هناك وراء هذه الأدوات، أداة أُخرى، يتجهّز بها عدّة ممن طهرت قلوبهم، وصفت أذهانهم، وصقلت أنفسهم، فاستعدوا لتلقّي المعارف من عالم الغيب، وما وراء الحسّ والشهود.

فالمادي، حيث إنّه يعتقد بتساوي الوجود مع المادة، لا يرى للغيب والمعارف المفاضة منه إلى قلوب العرفاء والأولياء، مفهوماً صحيحاً، وربما يخطئه، أو يسكت عنه قائلاً بأنّ العلم والمختبرات لم تكشف عنه شيئاً.

وأمّا الإلهي المعتقد بكون دائرة الوجود أوسع من المادة، فيعتقد بأنّ هناك شهادة وهناك غيباً، وأنّه يمكن للإنسان أن يتصل بعالم الغيب، ويقف على أشياء لا يقف عليه لا بحسّه ولا بعقله، وليست حقيقة هذا الوقوف إلاّ إفاضة المعاني والحقائق والصور من ذلك العالم إلى نفس العارف السالك المطّهر من درن المعاصي ورذائل الأوصاف.

وأمّا كيف يتصل الإنسان، المأسور بالمادة، بعالم الغيب، فإليك بيانه:

إنّ النفس الإنسانية بمنزلة المرآة، تنعكس على صفحتها حقائق الأشياء من عالم الغيب، فيقف على صور ومعاني لا يمكن الوقوف عليها بالحسّ والعقل،


(180)

ولكن كما أن انعكاس الصور من الخارج على المرآة يتوقف على صفائها ووجود شرائط تمكّن من انعكاسها عليها مثل وقوعها في زاوية خاصة، وارتفاع الحجب بينها وبين المرئي، كذلك لابدّ في انعكاس حقائق الأشياء من عالم الغيب، من صفاء النفس وصقالتها وطهارتها من آثار الذنب والعصيان وكل مناف للأخلاق والشيم، وتحررها من قيود الطبيعة، حتّى يسمع كلام جنود ربِّه ووحيهم.

ويصب العرفاء الشرائط اللازمة لإمكان التلقّي من الغيب، في أمور، لابدّ من تحققها في النفس :

1. عدم نقصان جوهرها، بأن لا تكون كنفس الصبي الّتي لا تتجلّى لها المعلومات لنقصانها.

2. صفاؤها عن كدورات ظلمة الطبيعة وخبائث المعاصي، وهو بمنزلة الصيقل عن الخبث والصدأ.

3. توجهها الكامل إلى عالم الغيب، وانصراف فكرها إلى المطلوب، بأن لا تكون غارقة في الأُمور الدنيوية، وهو بمنزلة محاذاة المرآة.

4. تخليتها عن التعصّب والتقليد، وهو بمنزلة ارتفاع الحجب. وربما يزيدون قولهم:

5. التوصل إلى المطلوب بتأليف مقدمات مناسبة للوصول إليه على الترتيب المخصوص والشرائط المقررة.

فإذا ارتفعت حجب العصبية والسيئات عن النفس، وحازت شطر الحق الأول (الله جلّ وعلا)، تجلّت لها صورة عالم الملك والشهادة إجمالاً، بحسب ما تستطيعه من الأخذ والتلقّي.

وما يتلقّاه الإنسان الطاهر، من عالم الغيب بلا إعمال الحسّ والعقل، إن كان راجعاً إلى شخص الإنسان، يسمّى إلهاماً تارة، وإشراقاً أُخرى، وإن كان راجعاً إلى تربية الناس وتكميل نفوسهم بتشريع قوانين وتعاليم يرتقي بها المجتمع إلى الكمال، فيسمّى وحياً، والإنسان المتلقّي له نبيّاً.

ولكن بعض من يدّعون الإلهام والإشراق، لا يكيلون العقل بصاع،


(181)

ويردْونه على وجه القطع والبتّ، ويشبّهون من يمشي طريق المعرفة بالعقل، بمن يمشي برجل خشبية.

غير أنّ ذلك مغالاة في القول، لا يصدقه العقل، فكيف بالكتاب العزيز؟!

مع أنّا نؤاخذ عليهم بأنّ ما ذكروه، هو استدلال بالعقل والبرهان على إبطال العقل، والبرهان، حيث يشبّهون الماشي في طريق كسب المعرفة على ضوء العقل، بمن يمشي برجل خشبية، فكما أنّ الرجل الخشبية تعرقل الإنسان عن إدامة المشي، فهكذا العقل. إذ لو لم يكن العقل من أدوات المعرفة، فكيف يستدلّ به على حصر أدوات المعرفة بالإلهام والإشراق.

ولو رفضنا المغالاة في القول، فالحق أن نقول: إنّ الحسّ والعقل أوسع نفعاً من الإلهام والإشراق، فإنّ الأَوَلَيْن يعمّ الانتفاع بهما كل الناس، بينما الأخيرين لا ينتفع بهما إلاّ قلّة ممّن ذكرنا أوصافهم، وليسا رميةً لكلّ نبّال.

هذا، والذكر الحكيم كما دعا إلى هذا النوع من المعرفة كما سيوافيك، دعا إلى الانتفاع بالحسّ والعقل وأكّد عليه كثيراً، من ذلك قوله سبحانه: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)(1) .

وبهذا تقف على الفرق بين العارف الإسلامي والصوفي المتقشّف، فالأخير يخصّ أداة المعرفة بالإلهام، بينما العارف الإسلامي، كما يستضيء بهذه الأداة، يستضيء بالحسّ والعقل، ويعطي كلاًّ حقَّه.

وللشيخ الرئيس ابن سينا في الإشارات، ولشارحه أيضاً المحقق الطوسي، كلام في المقام، نذكر منه المقتطفات التالية:

قال الشيخ: «إنّ للعارفين مقامات ودرجات يُخَصُّونَ بها، وهم في حياتهم الدنيا، دون غيرهم، فكأنّهم وهم في جلابيب من أبدانهم، قد نضّوها وتجرّدوا عنها إلى عالم القدس، ولهم أُمور خفية فيهم، وأُمور ظاهرة عنهم يستنكرها من ينكرها، ويستكبرها من يعرفها».


1 . يونس: 101 .


(182)

وقال المحقق في شرحه: «إن نفوسهم الكاملة، وإن كانت في ظاهر الحال ملتحفة بجلابيب الأبدان، لكنها كأنْ قد خلعت تلك الجلابيب، وتجرّدت عن جميع الشوائب الماديّة، وخلصت إلى عالم القدس متصلة بتلك الذوات الكاملة البريئة من النقصان والشّر، ولهم أُمور خفية، وهي مشاهداتهم لما تعجز عن إدراكه الأوهام، وتكلّ عن بيانه الألسنة، وابتهاجاتهم بما لا عين رأت ولا أُذن سمعت»(1).

وقال الشيخ الرئيس في موضع آخر: «وإذا بلغك أنّ عارفاً حدّث عن غيب، فأصاب، متقدِّماً ببشرى أو نذير، فصدِّق، ولا يتعسّرنّ عليك الإيمان به، فإنّ لذلك في مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة»(2).

ثم إنّ الشيخ الرئيس يصرِّح بأنّ النفوس القوية إذا كانت غالبة على الشواغل الحسيّة، تقدر على الاتّصال بعالم القدس، وتنتقش فيها صور ومعان من ذلك العالم، ثم يعود فيخبر بما أدرك. فكأنّ انغمار النفس في عالم الطبيعة، واشتغالها بالأُمور الحسيّة، يمنعها عن الاتّصال، يقول:

«كلما كانت النفس اقوى قوّة، كان انفعالها عن المحاكيات(3) أقلّ، وكان ضبطها للجانبين أشدّ. وكلما كانت بالعكس، كان ذلك على العكس» (4) .

وقد أشار صدر المتألهين إلى إمكان الإلهام والإشراق بوجه عام، بقوله:

«إنّ الروح الإنسانية إذا تجرّدت عن البدن مهاجرة إلى ربّها لمشاهدة آياته الكبرى، وتطهّرت عن المعاصي والشهوات والتعلّقات، لاح لها نور المعرفة والإيمان بالله وملكوته الأعلى. وهذا النور إذا تأكّد وتجوهر، كان جوهراً قدسياً يسمى عند الحكماء في لسان الحكمة النظرية بالعقل الفعّال، وفي لسان الشريعة النبوية بالروح القدسي.


1 . الإشارات مع شرحه، ج 3، النمط التاسع في مقامات العارفين: 363 ـ 364 .
2 . المصدر السابق: 398 .
3 . أي الشواغل الحسيّة.
4 . المصدر السابق: 406 .


(183)

وبهذا النور الشديد العقلي، يتلألأ فيها(أي الروح الإنسانية) أسرار ما في الأرض والسماء، وتتراءى منها حقائق الأشياء، كما تتراءى بالنور الحسيّ البصري، الأشباح المثالية في قوّة البصر إذا لم يمنعها حجاب. والحجاب ها هنا هو آثار الطبيعة وشواغل هذا الأدنى. وذلك لأنّ القلوب والأرواح ـ بحسب أصل فطرتها ـ صالحة لقبول نور الحكمة والإيمان إذا لم يطرأ عليها ظلمة تفسدها كالكفر، أو حجاب يحجبها كالمعصية وما يجري مجراها.

وقال: إذا أعرضت النفس عن دواعي الطبيعة وظلمات الهوى، وولّت بوجهها شطر الحق، وتلقاء عالم الملكوت، اتّصلت بالسعادة القصوى، فلاح لها سرّ الملكوت، وانعكس عليها قدس اللاهوت»(1).

الإلهام والإشراق، وعلماء الغرب

إنّ علماء الغرب كانوا غارقين في العلوم الطبيعية، فلم يبحثوا عن هذا النوع من أدوات المعرفة إلاّ عابراً. ومن أبرز من التفت إلى هذه الأداة هو الفيلسوف الفرنسي «هنري بِرْگسُن» (2)، في آراء منفردة له في الأوساط الغربية، حيث ذهب إلى أنّ الإنسان إنّما يدرك بعقله ظواهر الأشياء وقشورها، وأمّا إدراك حقائقها فإنّما يتم له بالمراقبة المستمرة التي تنتهي إلى المكاشفة وشهود الوقائع. فَمَثَلُ مَنْ يريد دَرْك المعارف عن طريق العقل، كَمَثل من يريد أن يطلع على ما في البيت بتفحص جدرانه وسطوحه من الخارج. وأمّا من يريد درك الحقيقة بالإلهام والإشراق، فمثله مثل من يلج البيت ويتفحص الأشياء الموجودة فيه واحدة بعد الأُخرى .(3)

كما أنّ عدّة من المكتشفين والمخترعين ادّعوا أنّ الإلهام كان العامل الوحيد لانتقالهم إلى بعض المكتشفات والمخترعات، وربما ادّعوا أنّهم ألهموا أُموراً، وهم في غفلة، وعدم اشتغال بالكشف والاختبار.


1 . الأسفار الأربعة: 7 / 24 ـ 25 .
2 . Henri Bergson (1859 ـ 1941 م).
3 . وله في ذلك كلام مفصل أتى به الكاتب محمد علي فروغي في كتابه «مسيرة الفلسفة في أوروبا»: 3 / 264 ـ 273، فلاحظ.


(184)

وقد اعترف من اعترف منهم بهذه الأداة من دون أن يحدد طريق الوصول إليها وكيفية الاستضاءة بها. وبعبارة أُخرى: هم حدّدوا طريق المعرفة بآلية الحسّ والعقل، فطرحوا مباحث قيّمة في كيفيّة الاستضاءة بهما، وإزالة الموانع الّتي تعرقل مسيرة الإنسان لاكتساب المعرفة بهما. ولكنهم سكتوا عن آلية الإشراق، وأنّه كيف يصل الإنسان إلى تلك الأداة، وكيف يستضيء منها، وما هي مُعِدّاتُها وشرائطها، وما هي موانعها.

إلاّ أنّ العرفاء الإسلاميين حرّروا هذا الجانب فكشفوا عن آلية القلب (1)، وقالوا إنّ الإنسان يصل إلى مرتبة خاصة من الاستشراق والاستلهام إذا طوى منازل خاصة، هي:

1. اليقظة.

2. التوبة.

3. المحاسبة.

4. الإنابة.

5. التفكّر.

6. التذكر.

7. الاعتصام.

8. الانقطاع.

9. كبح جماح النفس .

10. درك اللطائف.

وقد فصلوا الكلام في هذه المنازل الّتي تسمّى عندهم «منازل السائرين».

وفيما يلي نذكر هنا إجمالاً آليّة هذه الأداة:


1 . ليس المراد من القلب الجسم الصنوبري الّذي ليس له وظيفة سوى ضخّ الدمّ إلى أجزاء البدن، بل المراد نفس الإنسان وروحه الواعية. وإليه يشير قوله سبحانه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ) (ق: 37) ومن المعلوم أنْ ليس المراد من القلب هنا هو القلب الجسماني، لأنّ كل إنسان يمتلك هذا القلب وإنّما المراد من كان له عقل مدرك وواع.


(185)

آلية القلب في إدراك المعارف

إنّ تفصيل هذه المنازل يتوقف على عرض عرفان إسلامي على الباحثين، وهذا لا يناسب موضوع الكتاب، وإنّما نذكر أثر طيِّ هذه المنازل في الحياة العلمية.

إنّ لطيّ هذه المنازل أثرين بارزين في الوقوف على المعارف :

1. إنّ الباصرة الظاهرية تقدر على رؤية الأشياء البعيدة عنها. ولكن إذا كان هناك ضباب أو غبار، ينحصر البصر برؤية الأشياء القريبة فقط، فالضباب والغبار مانعان عن الرؤية، ولكن الباصرة مستعدة لها.

إنّ النفس الإنسانية قادرة على التعرّف على الحقائق الموجودة في مجال الحسّ والعقل. لكن العصبية والهوى يعميان الإنسان، فيعود منكراً للمحسوس والمعقول، فأدنى أثر لطي هذه المنازل هو صيرورة الإنسان، إنساناً خالصاً، مجرّداً عن الهوى والعصبية المعميين، كاملاً لا يطلب إلاّ الواقع ولا يعشق إلاّ الحقيقة، سواء أكانت لصالحه أم لا، وافقت انتماءه القومي أم لا، وغير ذلك من موانع المعرفة الّتي سيأتي البحث عنها.(1)

2. إنّ طيّ هذه المنازل يعطي للنفس قوّة واقتداراً على الاتّصال بعالم الغيب، وإشراق صور ومعان منه عليها، ويُلهم مفاهيم وحقائق لا يتوصل الإنسان العادي إليها بأدوات المعرفة الحسيّة والعقلية.

وعلماء الأخلاق يوصون بأُمور، ويحذّرون من أُمور: يوصون بالإيثار والتقوى والشجاعة والاستقامة. ويحذّرون من البخل، والانحلال، والجبن والانخذال ولكنهم يكتفون بالإيصاء بتلك والتحذير من هذه، من دون الإفاضة في كيفية توصّل الإنسان إليها، وأنّه في ظل أي عامل يقدر على تحصيل الفضائل، وتحت أي حافز يستطيع اجتناب الرذائل، فهذه النقطة الحساسة قد أُهملت في كتب الأخلاق، فلا تجد فيها سوى الدعوة إلى الفضائل ولزوم التحلي بها،


1 . لاحظ الفصل الحادي عشر.


(186)

والتحذير عن الرذائل ولزوم اجتنابها، من دون بيان الطرق الّتي يصل بها الإنسان إلى تلك الأُمنية الكبرى.

وقد سدّ العرفاء الإسلاميون هذه الثغرة، وبيّنوا الوسيلة الّتي يبلغ بها الإنسان تلك الأهمية، وهي سلوك المنازل العشرة المتقدم ذكرها، ليصير الإنسان بعدها، إنساناً كاملاً ذا حسّ وعقل وشهود.

الفتوحات الغيبية والذكر الحكيم

إنّ في الذكر الحكيم لآيات كثيرة تصرِّح بأنّ الإنسان المتّقي، المتحلّي بالفضائل، والمتنزّه عن الرذائل، ترعاه عناية الله تعالى، وتفيض عليه الهداية بعد الهداية، والعلم بعد العلم، ولا يزال يرقى مدارج المعرفة حتّى يبلغ مقام شهود عالم الغيب. ونذكر فيما يلي نبذة منها.

1. يقول عزّوجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً)(1). أي يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحقّ والباطل، وتميّزون به بين الصحيح والزائف، تارة بالبرهنة والاستدلال، وأُخرى بالشهود والمكاشفة.

2. ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(2) والمراد بالنور، النور الّذي يمشي المؤمن في ضوئه في دينه ودنياه وآخرته، وهذا النور نتيجة إيمانه وتقاه. ويوضحه قوله سبحانه: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا)(3) .

3. ويقول سبحانه: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)(4). فإنّ العطف يحكي عن وجود صلة بين التّقى والتعليم .


1 . الأنفال: 29 .
2 . الحديد: 28 .
3 . الأنعام: 122 .
4 . البقرة: 282 .


(187)

4. ويقول سبحانه: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)(1). والمراد رؤية الجحيم قبل يوم القيامة، رؤية قلبية. وهذه الرؤية غير متحققة لمن ألهاه التكاثر، لأنّها من آثار اليقين، ومن ألهاه التكاثر خلو منه.

5. ويقول سبحانه: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)(2). فلو أقام الإنسان نَفْسَه في مسير الهداية، وطلبها من الله سبحانه، زاده تعالى هدىً وآتاه تقواه. ولا تختص الهداية بالعمل حتّى تُفَسَّر بتوفيقه سبحانه للطاعات، بل هي أوسع من ذلك .

6. ويقول سبحانه: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً)(3). والآية تبيِّن حال أصحاب الكهف الذين اعتزلوا قومهم وتغرّبوا حفظاً لدينهم، فزاد الله من هداه فيهم، وربط على قلوبهم، كما يقول سبحانه: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً)(4) .

فهذه الآيات تُعرب عن أنّ نافذة الفتوحات الباطنية، والمكاشفات والمشاهدات الروحية، والإلقاءات في الرَّوْع، غيرُ مسدودة، بل هي تتنزل على الأمثل فالأمثل من أفراد الأُمّة .

الإمام علي والإنسان المثالي

وللإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، تصريحات وإشارات إلى انفتاح هذه النافذة في وجه الإنسان :

1. يقول ـ عليه السَّلام ـ في المتّقي: «قد أحيا عَقْلَه، وأمات نفسه، حتّى دقَّ جليلُه، ولطف غليظه، وبرق له لامعٌ كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك


1 . التكاثر: 3 و 4 .
2 . محمد: 17 .
3 . الكهف: 13 .
4 . الكهف: 14 .


(188)

به السبيل »(1).

2. ويقول ـ عليه السَّلام ـ في حجج الله تعالى في أرضه: «هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا رَوْح اليقين»(2) .

3. ويقول ـ عليه السَّلام ـ : «ومابرح لله عزت آلاؤه، في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عبادٌ ناجاهم الله في فكرهم، وكلَّمهم في ذات عقولهم»(3) .

هذه الآيات والروايات توقفنا على أنّ المعرفة الحقيقية الّتي تحيا بها نفس الإنسان، لا تُستوفى بالسَّبر الفكري، وإنّما بتهذيب النفس، وتطهيرالقلب، والانقطاع عن كل شيء، حتّى يرفع دونها كل حجاب مضروب، وكل ستار مسدول، فيرى عالم الغيب ويعاين معارفه وحقائقه بعين القلب.

وإكمال هذا البحث يتوقف على شرح الأسفار الّتي يسلكها العارف في سيره الروحي والمعنوي، ولكنه بحث واسع، لا يسعه المقام.

هذا، ولا يحق للباحث الكريم أن يستنتج ممّا تقدّم أنّ دعوى آليّة القلب والمكاشفة والشهود والإلهام، في كسب المعرفة الحقّة، إحباط لمقام الحسّ والعقل، وإنكار لفضلهما ولزوم إعمالهما. لا، ليس الأمر كذلك البتّة، بل إنّ لكلّ أداة مقامها، ومجال عملها، وسيأتي مدى قيمة هذه الأداة.

الوحي

ثم إنّ هناك أداةً أُخرى تقرُب من الإلهام والإشراق، وهي المسمّاة بالوحي في مصطلح الشرع، وهو الّذي يخصّ به الخالق تعالى أنبياءه.

والوحي إدراك خاص متميّز عن سائر الإدراكات، وليس نتاج الحسّ ولا


1 . نهج البلاغة، الخطبة 215 .
2 . نهج البلاغة، الكلم القصار، الرقم 147. من كلام له ـ عليه السَّلام ـ لكميل بن زياد النَّخعي.
3 . نهج البلاغة، الخطبة 117 .


(189)

العقل ولا الغريزة، وإنّما هو شعور خاص يوجده سبحانه في بعض عباده الصالحين، وهو يغاير الشعور الفكري المشترك بين أفراد الإنسان عامّة. ومن ينزل عليه الوحي لا يغلط في إدراكه، ولايختلجه شك، ولا يعترضه ريب في أنّ الّذي يوحي إليه هو الله تعالى، من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر أو التماس دليل أو إقامة حجة. ولو افتقر إلى شيء من ذلك لكان اكتساباً عن طريق القوة النظرية لا تلقيّاً من الغيب.

والفرق بين الوحي وما تقدم من الإلهام والإشراق هو أنّ الوحي يتضمن تعاليم في مجالي العقيدة والعمل، فيكون الموحى إليه نبياً مبعوثاً من جانب الخالق تعالى لتربية الناس وتزكيتهم .

وهذا بخلاف الإلهام والإشراق، فإنّهما لا يتضمنان تشريعاً ولا تقنيناً، ولا يكون المُلْهَمُ مبعوثاً من جانبه سبحانه لتبليغ ما أُلهم.

قيمة الإلهام والإشراق

إنّ قبول قول بلا حجة ولا برهان، خروج عن الفطرة، فالإنسان العاقل هو من يقبل الدعوى إذا قورنت بالدليل، فصاحب المعرفة الحسيّة أو العقلية يصحّ له تعميم معرفته إلى غيره، فيرشدنا إلى مُبْصرَاته ومسموعاته، فنقبلها لأجل تطابق الحسَّين، ويرشدنا إلى ماعقله بالبرهان، فنتعقله به أيضاً .

وأمّا مدّعي الإلهام، فبما أنّه يدّعي أمراً غير محسوس ولا معلوم بالبرهان، فيكون شهوده حجةً على نفسه فحسب، ودليلاً له لا للغير. ولا يمكنه تعميم ما أُلِهم وأَشْرَقَ على قلبه، وإراءته لغيره ليشاهده ويعاينه ويشرق على قلبه، لأنّ للإلهام والإشراق مبادئ ومؤهلات خاصة، كما تقدّم.

ولكن مع ذلك، لا يكذّب مدّعي الشهود والكشف، غاية الأمر أنّه لا يمكن تعدية ما انكشف له ليكون قاعدة مطردة في مجالات العلم والمعرفة.

نعم، إذا تضمَّن الاتّصال بعالم الغيب تنبّؤاً بالوظائف الإنسانية في مجالَيْ


(190)

العمل والعمل، كما في الوحي، يكون حجة على الجميع، ويكون المخبر نبياً، والتابعون له أُمة، وللبحث في هذا مجال آخر .(1)


1 . الكلام في الوحي واسع، سنفيض فيه في مباحث النبوة العامّة من الإلهيات.


(191)

الفصل الخامس
مراحل المعرفة


(192)

(193)

الفصل الخامس

مراحل المعرفة

كان اللازم بعد الفراغ من قيمة المعرفة، وأداتها، البحث عن موضوعات المعرفة الّتي يمكن أن تقع عليها المعرفة وما لا يمكن. غير أنّه لماكان لمراحل المعرفة صلة وثيقة بالبحث عن أداتها، قدمناه بالبحث.

إنّ الفلاسفة في هذا المجال على طائفتين:

فمنهم من يقول بأنّ للمعرفة مرحلة واحدة فقط.

ومنهم من يعتقد بتعدد مراحلها.

والنظرية الأُولى، أعني وحدة مراحل المعرفة مترتبة على القول بوحدة أداة المعرفة، كما أنّ النظرية الثانية مترتبة على تعدد أدواتها.

أمّا القائلون بوحدة أداة المعرفة ـ كالقائلين بانحصارها في الحسّ، أو في العقل ـ فيحاولون أرجاع جميع مراحلها إلى مرحلة واحدة.

مثلاً: القائلون بانحصار أدوات المعرفة بالحسّ، إذا واجهوا المفاهيم الكلية الّتي يدركها الإنسان في ذهنه من دون أن يكون للحسّ إليها سبيل، يقولون بأنّ المفاهيم الكليّة ليست إلاّ الفرد المبهم من دون أن يكون وراءه شيء آخر. فكلُّ فرد إذا أدركه الإنسان بمشخصاته ومميزاته، يكون المدرَك جزئياً محسوساً، ولكن ربما يحاول الإنسان تناسي المشخصات والمميزات، فعند ذلك يتبلور هذا


(194)

الفرد الشخصي بصورة الفرد المبهم، ويطلق عليه الإنسان الكلي. فليس الإنسان الكلي إلاّ الفرد المبهم الّذي حذفت أو نسيت مشخصاته ومميّزاته. فما أشبه هذا الفرد بالعملة المعدنية الرائجة إذا طُمست نقوشها من كثرة التداول، فلم يبق منها إلاّ جسم العملة دون مشخصاتها.

وأنت ترى كيف يتحمل هذا القائل بوحدة الأداة، المشاقّ في تحليل المفاهيم العقلية. وما هذا إلاّ لأنّه لم يعتقد إلاّ بأداة واحدة، ولو كان مؤمناً بأداتين لصدّق بالمفاهيم الكلية العقلية الّتي هي بمنأى عن الفرد الّذي نسيت مشخِّصاته.

وهكذا القائل بانحصار الأداة بالعقل كـ «ديكارت»، فإنّه لا يقيم للحسّ وزناً. فهذا إذا واجه المحسوسات ـ الّتي يدركها الإنسان بحواسه ـ يضيق عليه الخناق، ويقول إنّ الحسّ لا يوصلنا إلى حقيقة الأشياء وإنّما هو لينتفع به الإنسان في حياته لا أكثر، كما تقدم.

ونظير ذينك المنهجين، منهج القائلين بانحصار معرفة الحقائق بالإلهام والإشراق، المنقول عن الفيلسوف الغربي «بِرْگُسن»(1).

وعلى ذلك، فنحن نضرب الصفح دون البحث حول هذه المناهج النابعة عن القول بوحدة الأداة، لأنّ إنكار تعددها وكثرتها، أشبه بإنكار الضروريات كما عرفت. ونعطف عنان البحث إلى المراحل المتعددة للمعرفة، فنقول:

إنّ القائلين بتعدد المراحل هم أيضاً على طوائف نعبر عنهم بالعناوين التالية:

أ ـ أصحاب الفلسفة العلمية .

ب ـ أصحاب الفلسفة الماديّة الديالكتيكيّة.

ج ـ الفلاسفة الإسلاميّون .

***


1 . Henri Bergson(1859 ـ 1941 م).


(195)

أ ـ نظرية الفلسفة العلمية في تعدد مراحل المعرفة

إنّ أصحاب هذه النظرية يقسّمون مراحل المعرفة إلى الأقسام التالية:

1. المعرفة الحسيّة.

2. المعرفة العلمية.

3. المعرفة الفلسفية.

فكل معرفة متقدمة، تكون مقدِّمةً لحصول معرفة أوسع وأكمل، وإليك البيان:

إذا عرّض الإنسان للنار معدناً خاصّاً كالرصاص، فرأى انّه يذوب عند درجة خاصة; أو لاحظ أنّ مريضاً ما مبتلىً بالصداع مثلاً، قد برئ عند استعمال عشبة طبيّة معينة، فهذه المرحلة يطلق عليها المرحلة الحسيّة، إذ هي لا تتجاوز إطار الحسّ.

ثم إذا كرّر هذا العمل مرّات عديدة وفي ظروف مختلفة، استطاع العقل أن ينتزع منه قانوناً كليّاً وهو أنّ الرصاص يذوب عند درجة كذا، والنبات الفلاني مبرءٌ من الصداع، فهذه المرحلة هي المرحلة العلمية، ومنها يستنتج قاعدة وقانوناً علمياً عاماً.

وأمّا المعرفة الفلسفية فهي عندهم عبارة عن المعرفة الّتي لا تختص بعلم دون علم أوموضوع دون موضوع، وإن شئت قلت: هي عبارة عن المعرفة العامة المنتزعة من غالب العلوم أو جميعها.

مثلاً: القوانين الرياضية مختصة بموضوعها كالكم المنفصل والمتصل (الأعداد، والسطوح)، وهكذا قوانين العلوم الفيزيائية والكيميائية. وأمّا إذا انتزع الإنسان من هذه القوانين والعلوم قاعدةً تثبتها جميعها أو غالبها فهي قانون فلسفي، كقانون التكامل العام الّذي تدعمه جميع العلوم التجريبية. فالتكامل أمر يثبته علم الأحياء وعلم الاجتماع وغيرهما. فالمطلع على هذه العلوم يصل إلى معرفة فلسفية وينتزع منها قانوناً كليّاً سائداً على الكون أجمع.

وهذه المرحلة من المعرفة فوق المرحلة العلمية، فإنّ المعرفة العلميّة تختص


(196)

بموضوع خاص لا تتجاوزه، بينما المعرفة الفلسفية هي معرفة حكم يعم موضوعات كثيرة.

وعلى ضوء ذلك، فالمسائل الفلسفية، نتيجة العلوم، ولا تختلف عن المسائل العلمية إلاّ بعلو درجة المعرفة، فإذا كانت المعرفة راجعة إلى موضوع خاص، تسمّى المعرفة معرفةً علميةً، والمسألة المعلومة مسألةً علميةً. وأمّا إذا تجاوزت المعرفة موضوعاً معيناً وعمّت غالب الموضوعات أو جميعها، فالمعرفة فلسفية والمسألة المعلومة مسألة فلسفية، فليست المسائل الفلسفية متغايرة جوهراً مع المسائل العلمية .

هذا ما يذهب إليه أصحاب الفلسفة العلمية ونحن نعلّق عليه ما يلي:

1. إنّ ما ذكره أصحاب الفلسفة العلمية من هذه المراحل الثلاث لا ننكر منه شيئاً، ولكن المعرفة العلمية عن طريق التجربة تحتاج إلى ضم حكم عقليّ إليها، وأمّا نفس التجربة فلا تعطي قانوناً كليّاً في مجال العلم، بل العقل إذا لاحظ وجود التماثل بين مورد التجربة وغيرها، يحكم بسريان الحكم إلى جميع الموارد بحجة أنّ المتماثلين متساويان في الأحكام. ولولا هذا الحكم لما تجاوز حكم التجربة مواردها. وقد تقدم الكلام في ذلك.

2. إنّ المسائل الفلسفية تختلف عن المسائل العلمية جوهراً وذاتاً، وليست المعرفة الفلسفية نتيجة لترقّي المعرفة العلمية حتّى يلزم كون المعرفة علميةً إذا كان الحكم مختصاً بموضوع، وفلسفية إذا عمّت جميع الموضوعات، فإنّ هذا التفسير خاطئ جداً، بل المسائل الفلسفية تفترق عن العلمية موضوعاً، وذلك انّ كلَّ معرفة تختص بالبحث عن أحوال الموجود الطبيعي المادي المتحيِّث بحيثيّة جسمانية أو رياضية أو هندسية، فهو معرفة علمية، وأبحاثها أبحاث علمية، وإنْ عمّ الحكم جميع هذه الموضوعات.

فالعلم الباحث عن الخواص الظاهرية والباطنية للأجسام، كعلمي الفيزياء والكيمياء، والباحث عن أحكام الكم المنفصل كالحساب، والكم المتصل كالهندسة، و...، كلها مسائل علمية، لأنّ الموضوع فيها مقيّدٌ بحيثية طبيعيّة ماديّة متبلورة في الحيثية الطبيعية أو التعليمية الحسابية أو الهندسية.


(197)

كما أنّ البحث عن عوارض الموجود الحيّ المادي، سواء أكان راجعاً إلى الإنسان أم الحيوان أم النبات، بحث علمي طبيعي. وهكذا كل الأبحاث العلمية الّتي تأخذ لنفسها موضوعاً مادياً وتبحث عن عوارضه، فهي كلها بحوث علمية حتّى ولو انتزع من الكل قانون عام يشمل أكثر العلوم أو جميعها، كالتكامل، فإنّه نتيجة العلوم المتنوعة، وليس نتيجة العلوم إلاّ نفس العلوم لا غير.

وأمّا المسائل الفلسفية فهي عبارة عمّا يأخذ لنفسه موضوعاً عامّاً غير متقيِّد بحيثية طبيعية أو تعليمية، بل تبحث عن الموجود بما هو هو، فتقول :

الموجود إمّا واجب، أو ممكن.

والممكن إمّا جوهر، أو عرض.

والجوهر إمّا نفس، أو عقل، أو جسم، أو صورة، أو هيولي.

والعرض إمّا كم، أو كيف، أو وضع، أو فعل، أو انفعال، أو أين، أو متى، أو ملك، أو إضافة.

إلى غير ذلك من التقسيمات الواردة على الموجود من حيث هو هو، حتّى قولنا: الموجود إمّا علة أو معلول، وغير ذلك من الأحكام العارضة على الموجود من حيث هو هو، من دون أن يتقيّد بحيثية طبيعية أو تعليميّة.

وبذلك تظهر رئاسة المسائل الفلسفية على العلوم لأنّ العلوم في إثبات موضوعاتها، محتاجة إلى الفلسفة، كإثبات الكم في الحساب والهندسة، كما يظهر أن تغير العلوم وتبدل الفروض العلمية لا يغيّر شيئاً في المسائل الفلسفية فإنّ قولنا: كل ممكن يحتاج إلى علّة، أو: إنّ واجب الوجود غني عن العلّة، مسائل ثابتة لا يزعزعها تغيّر الفروض العلمية وتبدّلها.

نعم، مَنْ جعل المسائل الفلسفية منتزعة من العلوم، جعلها مسائل متزلزلة غير يقينية لتبعيّتها لمسائل العلوم الّتي هي بدورها في مهبّ التغيّر والتبدّل.

***


(198)

ب ـ نظرية أصحاب الفلسفة المادية الديالكتيكية

إنّ أصحاب هذه الفلسفة يعتقدون بتعدد مراحل الفلسفة، كأصحاب الفلسفة العلمية، غير أنّهم يبينون تعدد المراحل بالشكل التالي:

1. مرحلة الحسّ.

2. مرحلة التعقل.

3. مرحلة العمل والتجربة.

ونحن نقرّر ذلك في ظل مثال:

افرض أنّ إنساناً يريد أن يطّلع على علّة مرض خاص كالسلّ، فيريد أن يقف على علائمه وآثاره، وعلله وموجباته، ودوائه الناجع في اقتلاعه من المجتمع، فعند ذلك يحين أوان المرحلة الأولى، فيتفحص حياة المبتلين بالسلّ وكيفية عيشهم وأماكن سكنهم ومحيطهم، فيجمع عن الجميع معلومات خاصة يجمعها قولنا: إنّ السائد عليهم هو العيش في أمكنة مظلمة ملوثة بالدخان والغبار، ويتغذّون بأطعمة فاقدة للقيمة الصحيّة والغذائية.

ثم بعد ذلك يأتي أوان المرحلة الثانية، وهي مرحلة التعقل، وهي عبارة عن مطالعة تلك المعلومات، وحَدْس العلة الحقيقية الكامنة وراء حدوث هذا المرض وتكوّن جراثيمه في البدن. وعند ذاك توضع الفرضيات العلمية، إذ يحدس هذا العالم أنّ العلة هي ذي، وآخر أنها ذِهْ وثالث أنّها تلك.

ثم إذا تمّت المرحلة الثانية، وعرض العلماء والمفكّرون فروضهم لظهور هذا المرض، يأتي أوان مرحلة التجربة، فإنّ الفروض لا تُعلم صحتها إلاّ بالتجربة، فإذا قام المجرّبون بعملياتهم التجريبية في المختبرات، يُميَّزُ الفرض الصحيح من الفروض الباطلة.

هذه هي مراحل المعرفة المختلفة. والمعرفة في ضوء المثال المتقدم تبدأ من الحس إلى العقل، ومن العقل إلى التجربة.

وإن شئت قلت: المعرفة عبارة عن حركة المادة إلى جانب الشعور والتعقل ومنه إلى جانب المادة الخارجية.


(199)

ونحن لا نعلّق عليه شيئاً غير أنّا نقول إنّ هذه المراحل ليست شيئاً ينكر، فإنّ تكامل العلوم مبني على هذه المراحل، وقد عرفت دور التجربة وأهميتها، غير أنّ المهم تبيين أنّ هناك معرفة عقلية غير تجريبية غفلت عنها كلتا الفلسفتين الماضيتين، وإنّما استوفت حقّها الفلسفة الإسلامية، وإليك بيانها.

***

ج ـ نظرية الفلاسفة الإسلاميين في مراحل المعرفة

تعترف الفلسفة الإسلامية بوجود معرفة عقلية وراء المعرفة الحسيّة والتجريبية، وقد قصرت سائر الفلسفات عن إدراكها. كما تختص الفلسفة الإسلامية بنوع ثالث من المعرفة هو المعرفة الآيوية، وإليك فيما يلي توضيحها:

1. المعرفة الحسيّة

تنقسم المعرفة إلى حسيّة وعقلية، والحسيّة عبارة عن المعرفة السطحية المشتركة بين الإنسان والحيوان، بل ربما تكون في الحيوان أقوى منها في الإنسان، فالعُقاب يرى الأشياء البعيدة جداً الّتي لا تنالها أبصار غيره، والكلاب تشمّ الروائح الخفية، والخفافيش تحسّ الموانع في الليالي الظلماء، فتتجنّبها... وعلى كلّ تقدير فالمعرفة الحسيّة الّتي تقوم بالحواس الظاهرية تعمّ الإنسان وغيره.

وللمعرفة الحسية خصائص :

1. إنّها جزئية لا تتجاوز موضوعاً خاصاً، سواء أكان مبصراً أم مسموعاً أم مشموماً أم ملموساً أم مذوقاً. وليس للطفل معرفة سوى المعرفة الحسيّة، فهو لا يدرك سوى اللون المشخص والفرد المعين، وأمّا اللون والإنسان الكلِّيَّيْن فبعيدان عن أُفق معرفته.

2. المعرفة الحسيّة تتعلق بما يقع في مرمى الحسّ وسلطانه، دون الخارج عنه، فالإنسان يقف على الأعراض والكيفيات الظاهرية للإجسام كالألوان والروائح والأشكال، والليونة والخشونة،... وأمّا الخارج عنها، فلا، كقانون


(200)

العلية والمعلولية، أو ضرورة وجود المعلول عند وجود علّته، فإنّها معان عقلية خارجة عن أُفق الحسّ.

3. إنّ المعرفة الحسيّة محدّدة بالزمان، فالحسّ يقف على الأشياء المتحققة في الزمن الحال، دون الّتي تحققت في غابر الزمان، أو ستتحقق في مستقبله وإن كانت أشياء محسوسة، بل لابدّ في إدراك الماضي والآتي من أداة أُخرى.

4. المعرفة الحسيّة محدّدة بالمكان والجهة، فكما أنّ الإنسان لا يدرك إلاّ الأشياء الواقعة في الزمن الحاضر، فهكذا لا يدركها إلاّ في مكان أو جهة خاصة.

وأمّا المعرفة العقلية فهي على النقيض من المعرفة الحسيّة، إنّها معرفة كليّة لا جزئية، تتعلّق بمفاهيم خارجة عن الحسّ، كما هي غير مقيّدة بالزمان والمكان والجهة، سواء أكانت معرفة تصورية، كالإنسان الكلّي، أم تصديقيّة، كالقوانين الّتي يستنبطها الإنسان من التدبُّر في الطبيعة.

عناصر عقلية في المعارف الحسيّة

إنّ هناك معارف تبدو للرأي العام أنّها حسيّة، مع أنّها في الحقيقة معارف عقلية، وإليك نماذج منها.

1. نحن نعتقد بوجود الإسكندر المقدوني ذلك الفاتح العالمي، ووجود نابليون بونابرت ذلك القائد العسكري، ونخال أن معرفتنا بوجودهما معرفة حسيّة ولكن الواقع أنّها معرفة عقلية، إذ نحن لم نر أيّاً منهما، ولا شاهدنا شيئاً من بطولاتهما وفتوحاتهما، وإنّما قرأنا ذلك في الكتب. فالمحسوس لنا في الحقيقة هو المكتوب والمقروء لا نفس الرجلين وما قاما به من أعمال.

ونحن نحتمل ـ وراء ذلك ـ أن يكون كل ما نقرؤه ونسمعه عنهما باطلاً وكذباً، غير أنّ العقل يدفع هذا الاحتمال ويقول: إنّ من الممتنع أن تكون تلك الأخبار المتضافرة كاذبة، إذ من المحال أن يتواطأ عبر القرون جميع المؤرّخين على اختلاف مشاربهم، على جعل الأكاذيب حول الرجلين. فعند ذلك نذعن بصحة وجودهما وبطولتهما وآثارهما.


(201)

فالنتيجة أنّ وجود تلكما الشخصيتين وما اتّسمتا به، ليس من الأُمور الحسيّة، بل من الأُمور الاستنباطية العقلية المعلومة تحت ضوابط عقلية.

2. نحن نعتقد بوجود حضارات ازدهرت عبر التاريخ ثم اندثرت ولم يبق منها إلاّ الأطلال الّتي ترشد إليها. ولكن معرفتنا بها معرفة عقلية لا حسيّة، وذلك لأنّ المشاهَد لنا هو الآثار الباقية، وأمّا نفس الحضارات الّتي كانت مزدهرة، فهي غائبة عن حواسنا وإنّما نستدلّ عليها بالآثار:

إنّ آثارنا تدلّ علينا * فانظروا بعدنا إلى الآثار

3. إنّ هناك أمماً كبيرة عفا عليها الزمن، ونحن نذعن بوجودها ونتصور أنّ معرفتنا بها حسيّة، مع أنّها في الحقيقة عقلية مستنبطة فالإنسان إذا رأى الأهرام في «الجيزة» يستدلّ فوراً على وجود أمّة في غابر الأزمان، كانت واقفة على أُصول الهندسة، وتمتلك رافعات عملاقة، وجيشاً عظيماً من العمّال مكّنها كل ذلك من تشييد هذه الأهرام.(1)

4. نحن نعتقد بوجود عواصم كبيرة كلندن وموسكو وطهران وطوكيو، كما أنّ القاطنين في هذه العواصم يعتقدون بوجود عواصم أُخرى في شرق العالم وغربه، ولم يروها بأمّهات أعينهم ولكنّهم مذعنون بذلك.

وليست هذه المعرفة حسيّة بل عقلية مستنبطة، حيث تتواتر الأخبار عن وجودها وعظمتها عن طريق المسافرين والرحّالة، فيحكم العقل باستحالة أن يتواطأ هؤلاء جميعاً في إخبارهم. فالمحسوس لنا في الواقع هو نفس الإخبار وأمّا وجود البلدان فعقلي مستنبط .

5. يقول راسل (2): نحن نعتقد بوجود الشمس في السماء، وأنّه ليست لدينا معرفة حسيّة أوضح منها. ولكن المحسوس لنا في الواقع هو ضوء الشمس


1 . والقرآن يسمّي هذه المعرفة وسابقتها معرفة «آيوية» وهي الوقوف بالآية وخصائصها، على ذي الآية وصفاته، ويحثّ عليها في كثير من آياته. وعلى ذلك فمعرفة وجود خالق الكون لا تختلف عن معرفة الحضارات وأصحابها، فالاستدلال عليها من باب واحد وهو الاستدلال بالآية على ذيها، وسيأتي الكلام في ذلك .
2 . Bertrand Russel، (1872 ـ 1970 م).


(202)

ونورها لا ذاتها ووجودها، بل إنّه يمكن التشكيك بوجودها بالقول بأنّ ضوء النهار ناتج عن تفجير الملايين من المنوِّرات الضوئية. ولولا استبعاد العقل ذلك وإحالته لما أذعنّا يقيناً بوجودها.

6. كلٌّ منّا يعتقد بأنّ له أُماً وأباً، ويتخيل أنّ معرفته بهما إذ يراهما حسيّة، مع أنّها في الواقع عقلية، لأنّه إذا لقيهما في الخارج، فمن المحتمل عند العقل أن يكون من شاهده مشابهاً لهما في الشكل والقيافة والتصرّف والصوت و... ولولا دحض هذا الاحتمال بحكم عقلي لما أمكنه الإذعان بأنّهما أُمه وأبوه.

7. الفلسفة الماركسية تنبئ عن حركة التاريخ الاجتماعية والاقتصادية، فتقول إنّ الإنسان كان على الاشتراكية الأُولى فتبدّل منها إلى الإقطاعية ومنها إلى البرجوازية ثم يتبدل منها إلى الاشتراكية ثم إلى الشيوعية الّتي هي الجنة الموعودة في الكتب السماوية.

ولكن جميع ما أنبأت به استنباطات عقلية وليست معارف حسيّة.

والحاصل أنّ العناصر العقلية موجودة في كثير من الإدراكات الحسيّة، ولولاها لما اتّصفت الإدراكات الحسيّة بالعلم واليقين. وبما أنّ الذهن ينتقل إلى تلك العناصر بسرعة، فلذا ربما يغفل الإنسان عن وجودها ودخالتها في الإدراكات الحسيّة. ولأجل ذلك نقول: إنّ الحسّ وإن كان من أدوات المعرفة، ولكنه لا يورث العلم في كثير من الموارد إلاّ بضم استدلالات عقلية ومنطقية تعطي معرفة حسية بمعنىً، وعقليّةً بمعنى آخر.

2. المعرفة العقلية

المعرفة العقلية هي المفاهيم الكلية التصورية أو القضايا الكلّيّة التصديقية الّتي ينالها العقل في ظل عمليات خاصة. فالانتقال إلى مفهوم الإنسان الكلّي من مشاهدة عدّة أفراد متماثلة، معرفة عقلية تصورية، كما أنّ انتزاع قاعدة كليّة (كانصهار الحديد عند درجة خاصة) من عمليات تجريبية متكررة، معرفة عقلية تصديقية.

وقد أوضحنا فيما تقدّم كيفية انتقال الإنسان إلى المفاهيم والقوانين الكليّة،


(203)

غير أنّ هناك غموضاً في كفية صنع الكليات من مشاهدة الجزئيات، والرابطة المنطقية القائمة بين المعرفة الحسيّة والمعرفة العقلية. فانّ الإنسان عندما يطل بنظره إلى أفراد محدودة، كيف يصنع منها مفهوماً كلّياً يشملها وغيرها؟ أو أنّه عندما يجري عملية التجربة على عناصر خاصة، كيف يصنع منها قاعدة كلية تعم ما جرّبه وغيره ؟

إنّ هذا العمل يشبه في بادئ النظر، عمل المصور الّذي يلتقط صورة لعدة أشخاص معينين في مجلس ما، ثم يدلّس في الصورة، فُيدخل فيها صور أشخاص لم يكونوا مع الذين التقطت صورتهم. فإنّ عمل العقل في مجالي التصور والتصديق من قبيل تبديل المعرفة الحسية المحدودة إلى معرفة عقلية كلّية تشمل ما لم يكن داخلاً في المعرفة الحسية. ولكن الحقيقة أنّ هناك فرقاً بين عمل العقل وعمل ذاك المصوّر، فما هو؟

الرابطة المنطقية بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية

إنّ هذه المعضلة (كيفية صنع الكليات من مشاهدة الجزئيات) مطروحة في الفلسفة الغربية، وقد حاول الكثير من الباحثين في نظرية المعرفة الإجابة عنها، أمثال: «كانت» و «هيجل»، ولكنهم لم يصلوا إلى شيء مقنع، وسنذكر فيما يأتي ما أجابوا به .

وقد سبقتهم الفلسفة الإسلامية إلى حلّها ببيان يظهر ممّا تقدم إيضاحه عند البحث عن عمليات أداة العقل، فقلنا إنّ منها إدراكه للمفاهيم الكليّة وذلك بنحوين: إمّا عن طريق التجريد والانتزاع ; أو عن طريق تبديل المعرفة الحسيّة إلى المعرفة العقلية بالخلق والإبداع، كما ذهب إليه الشيخ الرئيس أو الارتقاء من درجة إلى أُخرى كما ذهب إليه صدر المتألهين، فلا نعيد.

وعلى ضوء ذلك يظهر الفرق بين عمل العقل وعمل ذاك المصوِّر الّذي يقصد إشراك من لم يكن في المجلس، فإنّ العقل لا يزيد على المعرفة الحسيّة شيئاً، وإنّما يرقِّي معرفته إمّا عن طريق حذف المشخصات والأخذ بالمشتركات، أو بأنّ النفس بعد مشاهدة المميزات والمشتركات تستطيع خلق مفهوم كلّي، أو أنّها هي بذاتها تتكامل إلى معرفة أرقى .


(204)

فليست المسألة من قبيل التدخل في المعرفة الحسيّة كما هو الحال في عمل المصوِّر، بل المعرفة الحسيّة باقية على حالها، ولكنها ـ بما هي ـ تعطي للنفس مقدرة خاصة على انتزاع الكلّي أو صنعه في أُفق الذهن، أو تنتقل إلى معرفة أُخرى. فبين العملين فرق جوهري.

جوابان للفلاسفة الغربيين

لما وقف الفلاسفة الغربيون على هذه المعضلة، حاولوا حلّها، فجاءُوا بجوابين نشير إليهما:

أ ـ تعميم المعرفة الحسيّة

وحاصل هذا الجواب أنّ الذهن يقوم بتعميم المعرفة الحسيّة المحدودة إلى معرفة وسيعة غير محدودة، هي المفاهيم الكليّة.

ولا يخفى أنّ هذا مصادرة واضحة، إذ لا يزال السؤال باق بحاله، فالمستشكل يسأل عن الفرق بين تعميم العقل المعرفة المحدودة إلى غير محدودة، وتعميم المصور تلك الصورة بالتلاعب فيها وزيادة أشخاص غرباء، ولماذا يعدّ أحد العملين جرماً دون الآخر؟

فالمستشكل بدلاً من أن يحلّ العقدة، كرر الإشكال، بخلاف الفلاسفة الإسلاميين فقد حلّوها إمّا بحديث الانتزاع، وإمّا بخلاقية النفس، أو بترقي المعرفة من الحسيّة إلى درجة فوقها .

ب ـ تبدل التغيرات الكمية إلى الكيفية

تذهب الفلسفة الديالكتيكية إلى أنّ التبدلات الجزئية التدريجية المستمرة الطارئة على الطبيعة ربما تصل إلى حدّ يفقد فيه الجسم قدرته على تحمل هذه التغيرات بشكلها الخاص، فيقع في الجسم تحول فجائي آني تحصل على أثره كيفية جديدة.

وبعبارة أُخرى: إنّ التطور الديالكتيكي للمادة على قسمين: أحدهما تغيّر


(205)

كميّ يحصل ببطء، والآخر تغيّر فجائي يحصل بصورة دفعية نتيجة للتغيرات الكمية المتدرجة، بمعنى أنّ التغيرات الكمية تبلغ إلى مرحلة تتغير فيها من الكمية إلى كيفية جديدة.

مثلاً: إنّ الماء عند تسخينه ترتفع درجة حرارته تدريجياً، ويحصل بسبب هذا الارتفاع التدريجي، تغيرات كمية بطيئة، حتّى إذا وصلت درجة حرارته إلى المائة، فينقلب في تلك اللحظة من حالة السيلان إلى البخارية، وتنقلب فجأة تلك التغيرات الكمية إلى حالة كيفية جديدة.

وهكذا في جانب البرودة، فإنّها لا تزال تنخفض شيئاً فشيئاً إلى أن تصل إلى حدّ لا تقبل معه طبيعة الماء الانخفاض التدريجي في برودتها، فيتحول الماء فجأة إلى الجليد.

وقد أبدع هذا الأصل الفيلسوف الألماني «هيجل» (1761 ـ 1836 م)، وقد استخدمته الفلسفة الديالكتيكية في توجيه نظرياتها الاجتماعية والفلسفية. وفي ظل هذا الأصل قالوا: يتبدّل النظام الإقطاعي إلى الرأسمالية، وهي إلى الاشتراكية. وفي المقام يفسّرون تبدل المعرفة الحسيّة إلى العقلية بأنّه من قبيل انتقال التبدلات الكمية إلى التبدلات الكيفية.(1)

يلاحظ عليه :

أوّلاً: إنّ هذا الأصل على فرض صحته، غير صحيح في مثال الماء المعروف عندهم. وذلك أنّ التبدلات الطارئة على الماء عند تزايد الحرارة إنّما هي من قبيل التبدلات الكيفية لا الكمية، لأنّ التبدلات الكمية الحاصلة في الماء عبارة عن تزايد الماء وتناقصه. وأمّا تصاعد السخونة فليس من تزايد الماء وتناقصه في شيء، ولهذا لا يكون من قبيل التبدلات الكمية، بل هو من التبدلات الكيفية، فكيف سمّى «هيجل» تصاعد السخونة بالتبدّل الكمي؟

ثم إنّ تبدّل الماء الحار إلى بخار ليس تبدّلاً كيفياً حاصلاً في الماء، بل البخار


1 . هذا الّذي ذكروه ناشئ من أحد أُصول الديالكتيك الّتي تبنّاها «هيجل»، ويعرف بـ «قفزات التطور» وستأتي الإشارة إليه وإلى سائر أصول الديالكتيك في الفصل الثاني عشر.


(206)

نوع جديد يغاير الماء بدليل تغاير آثارهما. فالأوْلى أن يعبّر «هيجل» عن مقصوده بأنّ التغيرات الكيفية التدريجية ربما تبلغ درجة تنقلب فيها الطبيعة إلى نوع آخر. فينبغي أن يقال في مثل الماء: إنّ التبدّلات الكيفية التدريجية في الماء تتحول إلى تبدلات نوعية.

وثانياً: لو صحّ هذا الأصل، فلا يصحّ في هذا المقام أيضاً، وذلك لما عرفت من أنّ هذا التبدّل ينتهي إلى تبدلات ماهوية وتغيرات جوهرية، فعند ذلك تفقد المعرفة العقلية صلتها بالمعرفة الحسيّة، فكيف تكون حاكية عنها، مع أنّهما من نوعين مختلفين جوهراً وماهية.

وإن شئت قلت: إنّ نسبة المعرفة العقلية إلى المعرفة الحسيّة، كنسبة البخار إلى الماء، بل كنسبة الذهب إلى النحاس على ما هو المنقول من أنّ بعض الكيميائيين القدماء كانوا يستطيعون بمعالجات كيميائية قلب النحاس إلى الذهب، فعندئذ تكون الصورة الحسيّة كالنحاس، والمعرفة العقلية كالذهب، وبينهما بون شاسع بعيد، واختلاف في الجوهر، فلا يمكن جعل أحدهما حاكياً عن الآخر.

وعلى ذلك، فالقائل بهذا الأصل يجب أن يُعَدّ من المثاليين الذين ينكرون كاشفية العلم عن الواقع، وقد تعرفت فيما مضى على أنّ الصلة الموجودة بين العلم ومحكيّه هي صلة الكاشفية والمكشوفية، لا صلة التوليد والإنتاج، وأنّ نسبة العلم إلى محكيه ليس كنسبة الوالدين إلى ولدهما أو نسبة الندى إلى البخار، فإنّ تصوير الرابطة بهذه الصورة يستتبع المغايرة وهي تنتهي إلى نفي الكاشفية المنجر إلى إنكار الحقائق الخارجية أو التشكيك فيها.

فليس للفيلسوف الموضوعي إلاّ ولوج الباب الّذي ولج فيه الفلاسفة الإسلاميون، وتفسير المعرفة العقلية بإحدى الصور الثلاث المتقدمة.

3. المعرفة الآيوية عند الفلاسفة الإسلاميين

وهناك معرفة أُخرى عند الفلاسفة الإسلاميين وتسمّى بالمعرفة الآيوية أو تبديل المعرفة السطحية إلى معرفة عُمْقِيّة.


(207)

توضيح ذلك: إنّا إذا رأينا أشخاصاً معينين، تقدر النفس على إدراك مفهوم كلي يصدق على هؤلاء وغيرهم. وهذا المفهوم بما أنّه يصدق على غير هؤلاء من الأفراد الموجودين في زمن الإدراك، يكون تبسيطاً عَرْضياً للمعرفة. وبما أنّه يصدق حتّى على الأفراد الغابرة والآتية يكون تبسيطاً طولياً للمعرفة. فهذه المعرفة لا تتجاوز البسط والتعميم في كلا البعدين.

ولكن هناك معرفة أُخرى أعلى وأكمل، وهي التكميل العمقي للمعرفة، وبسطها إلى آفاق عليا، ألاّ وهي الاستدلال بالمرئي على غيره، وبالآثار على ذيها، وبالآيات على صاحبها.

والاستدلال بالآية على ذيها على قسمين:

الأوّل: الاستدلال بالآثار الحسيّة والطبيعية على شيء مادي ولكنه ليس بمحسوس للمستدلّ في ظرف إحساس الآثار وإدراكها. فالآثار الباقية من أصحاب الملاحم والدواوين قابلة للاستدلال بها على أنّه كان هناك نوابغ في الشعر والأدب نظموا هذه القصائد والدواوين، كما هو الحال في الآثار العلمية الموروثة.

فهذه الآثار أعني الدواوين والكتب، محسوسة، ولكن مؤلفيها ليسوا محسوسين في زمان إدراك الآثار، ولكنها بالذات أُمور محسوسة في ظرفها. فيستدلّ ـ إذن ـ بالمحسوس في الآن، على المحسوس بالذات، استدلالاً آيوياً.

الثاني: الاستدلال بالمحسوس على غير المحسوس بالذات، وهذا الاستدلال بإتقان المصنوع على علم الصانع وقدرته، وبجماله على ذوقه وبراعته. ومن هذا أيضاً، الاستدلال بالآيات الموجودة في عالم الكون على أنّ له صانعاً عالماً قادراً قام بتنظيم الكون وتنسيقه وفق قوانين وسنن تحيّر العقول.

والماديون يقرّون بكلا الاستدلالين ولا يفرّقون بينهما في حياتهم العملية. فهم كما يستدلّون بالكتاب الفلسفي على وجود فيلسوف ألفه وكتبه، يستدلّون بأفعال الرجل وتصرفاته، على روحياته ونفسياته من حسن وسوء، وصفاء وخبث، وإخلاص وخيانة، مع أنّ حسن السريرة وسوءها، وصفاء النفس وخبثها... كلها أُمور غيبية غير مرئية ولا واقعة في أُفق الحواس.


(208)

ولكن مع ذلك كلّه تراهم إذا وصل الأمر إلى المسائل العقائدية وما يرجع إلى ما وراء الطبيعة، ينكرون الاستدلال الثاني، أو يشكّون فيه، مع ما عرفت من جريان سيرتهم العملية عليه في أمورهم العادية. وهذا ممّا ينقضي منه العجب!!.

وبرهان النظم الّذي يعتبر من أهم أدلّة الإلهيين على إثبات صانع العالم، يرتكز أساساً على الاستدلال بالآية على ذيها بصور وتقارير مختلفة.(1)

ومجمل القول فيه هو أنّ العقل إذا لاحظ النظام البديع بما فيه من النواميس المبنية على القواعد الدقيقة، يذعن بأنّه صادر عن فاعل عالم محيط بالمادة وخصوصياتها، والقوانين والنواميس المتحكمة في أجزاء الكون، من ذرّته إلى مجرّته، وأنّه لا يصحّ أن يستند هذا النظام إلى نفس المادة الصمّاء ويعدّ من آثارها، أو يستند إلى الصدفة. وهذا استدلال عقلي آيوي.

القرآن والمعرفة الآيوية

ركز القرآن الكريم على هذا النوع من المعرفة، وكرر في كثير من آياته قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ)(2)، و: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات) (3)ونحو ذلك ممّا يفيد تأكيده على لزوم التعرف على ذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وما فيه من الكمال والجمال، عن طريق النظر والتدبر في آثاره وآياته، نظير الاستدلال بالموسوعة العلمية على تبحّر مؤلفها وجامعيته في المعرفة.

فذاته سبحانه، بما أنّها مجهولة الكنه، لا يسع العقل البشري الممكن أن يتعرف عليها، فلذا لم يكن بدٌّ من اللجوء إلى آثاره، والنظر فيها، والاستدلال بها على ما في مؤثرها من كمال وجمال، وهذا الطريق متاح للجميع .


1 . سيوافيك بيانها في بحث إثبات الصانع.
2 . الروم: 20 و 21 و 22 و 23 و 24 و 25 و 46، فصّلت: 37 و 39، الشورى: 29 و 32 .
3 . يونس: 67، الرعد: 3 و 4، إبراهيم: 5، الحجر: 75، النحل: 12 و 79، مريم: 128، المؤمنون: 30، النمل: 86، العنكبوت: 24، الروم: 21 و 22 و 23 و 24 و 37، لقمان: 31، السجدة: 26، سبأ: 19، الزمر: 42 و 52، الشورى: 33، الجاثية: 13 .


(209)

ونكتفي في المقام بذكر بعض الآيات من سورة الروم المباركة، يقول تعالى:

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاِتِه أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ )(1).

لقد كان العرب الجاهليون يفرّقون بين الخلق والتدبير، فينسبون الخلق إلى الله سبحانه، والتدبير إلى أرباب الأصنام، فكانوا يعبدونها لتكون لهم شفعاء عند الله، فجاءت الآيات لتردّ تلك المزعمة، وتثبت أنّ الخلق والتدبير كليهما لله سبحانه، وأنّه هو المدبّر وبالتالي هو الربّ(2) دون غيره، مستدلة بالشهود على الغيب، وبالآية على ذيها. وقد رتّبت الآيات المذكورة وصيغت على وجه بديع، آخذة من بدء خلق الإنسان وتكوّنه، ثم تصنيفه صنفين: ذكر وأنثى، ثم ارتباط وجوده بالسماء والأرض (3)، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، ثم سعيهم في طلب الرزق، وسكونهم في منامهم، ثم إراءة البرق، وتنزيل الأمطار حتّى تحيا الأرض وتصلح لاستفادة الإنسان منها واستنمائها; إلى أن تنتهي الآيات إلى قيام السماء والأرض إلى أجل مسمّى، ليتم لهذا النوع الإنساني ما قدّر له من أمد الحياة.


1 . الروم: 20 ـ 25 .
2 . الرب في اللغة بمعنى الصاحب، يقال: ربُّ البستان وربُّ الدار وربُّ القطيع ويراد به من إليه تدبير أمر البستان والدار والقطيع وتلبية جميع مستلزمات نموها وعيشها وبقائها.
3 . إشارة إلى أنّ المراد من قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...) ، ثبات السماء والأرض على وضعهما الطبيعي الملائم لحياة النوع الإنساني المرتبط بهما.


(210)

وقد جاء في فواصل الآيات قوله: (يَتَفَكَّرُونَ)، (يَسْمَعُونَ)، (يَعْقِلُونَ)، مشيرةً إلى أنّ دراسة هذه الآيات يوقفنا على أنّه سبحانه هو المدبّر كما هو الخالق، ببيان أنّ الإمعان فيها يعرب عن أنّ الخلق والتدبير ممتزجان، بحيث لا يمكن أن ينسب الخلق إلى فاعل والتدبير إلى فاعل آخر، فإنّ ذلك إنّما يتصور إذا كان التدبير منفصلاً عن الخلق، كما في ربّ البستان وغيره، فإنّه إنّما يهيئ له ما يضمن بقاءه من تنظيف الأرض، وشق الجداول وتنقيتها، وإيصال الماء إلى الأصول، وتسميد الأرض وغير ذلك ممّا يصلح الأشجار ويهيِّئها للإثمار، من دون أن يكون هو خالقاً للأشجار والثمار بوجه من الوجوه. وأمّا العامل الّذي يشاهده الإنسان، وجاء ذكره في الآيات، فإنّما هو سبيكة واحدة امتزج فيها الخلق والتدبير، فلا يمكن الفصل بينهما.

وقد استدلّ إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ على بطلان ربوبية الكوكب والقمر والشمس بآثارها الحسيّة، وهي أُفولها وغيبتها عن الإنسان، ولا يصحّ أن يكون الربُّ غائباً عن مربوبه، فكيف يمكن أن تُعَدَّ الأفلاك أرباباً للإنسان الّذي يحتاج إلى التدبير في جميع آنات عمره ولحظات حياته؟

يقول تعالى حاكياً هذا الاستدلال: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَيْلُ رَءَا كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِىءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(1).

*


1 . الأنعام: 75 ـ 79 .


(211)

الفصل السادس
ملاك الحقيقة



(212)

(213)

الفصل السادس

ملاك الحقائق والأوهام

تمهيد

لقد طال الحوار محتدماً بين أنصار الحقائق والأوهام، وكان لكلٍّ أعوان، فلم يبرح الحجاج قائماً على ساق عبر قرون متطاولة بين الطرفين. فإذا كانت الحال هذه، فيجب على كل ذي لب أن يتعرف على ملاك الحقيقة ما هو؟. وملاك الوهم ما هو؟، وأنّه كيف توصف قضية بكونها حقة، وأُخرى بكونها باطلة؟، أو يحكم على فكر بالصواب، وعلى آخر بالخطأ؟ أو على خبر بأنّه صادق، وعلى آخر بأنّه كاذب؟

ثم بعد التعرف على الملاك الّذي يكون به الشيء حقّاً أو باطلاً، لا بدّ من معرفة الطريق الّذي نستكشف به وجود ذلك الملاك، ليكون سلوكه موصلاً إلى ما نتطلبه من حقيقة وصدق وصواب.

والبحث الأول بحث ثبوتي، نبحث فيه عن الملاك الواقعي لاتّصاف القضايا في نفسها بالحقيقة أو البطلان، سواء أكانت هناك معرفة أم لا. وأمّا البحث في الثاني فإثباتي، وهو طريق معرفتنا باتّصاف القضية المطروحة أمامنا بأحد ذينك الوصفين.

وإن شئت فعبّر عن البحث الأول بقولك: ما هو ملاك كون شيء حقيقة أو وهماً؟


(214)

وعن الثاني بقولك: ما هو ملاك معرفة الحقيقة وتمييزها عن خلافها؟

وإن أردت قلت بعبارة ثالثة: البحث في الأوّل بحث كليٌّ، لا يمت إلى قضية خاصة بصلة، وإنّما العقل يقسّم الأفكار والقضايا إلى حقّة وباطلة، فنسعى إلى معرفة الملاك الّذي به تنقسم القضايا إلى ذينك القسمين. ولكن البحث في الثاني بحث عن قضية شخصية مطروحة في باب فلسفي أو علمي، نريد أن نعرف أنّها قضية حقيقية أو باطلة، فنسعى إلى إثبات وجود ملاك الحقيقة أو ضدها فيها.

ولنمثل لذلك بالعالم الطبيعي الّذي يبحث عن حقيقة الذهب والفضة، فبعد البحث والتحليل يتوصل إلى أنّ الذهب هو عنصر طبيعي، معدني، أصغر اللون، رنّان، يذوب عند درجة (1063) سانتيغراد، ويغلي عند درجة (2970). والفضة عنصر، طبيعي، معدني رمادي اللون، يذوب عند درجة (8 و 970) سانتيغراد، ويغلي عند درجة (2210) .

ثم بعدما تبينت له الحقيقة بصورتها العلمية، ربما يواجه قضية جزئية، كتشخيص هذا الخاتم الّذي يلبسه، هل هو ذهب أو فضة، فهنا يحتاج إلى ملاك آخر، يوصله إلى معرفة أيٍّ من ملاكات حقيقة الذهب والفضة موجودة فيه .

ولأجل ذلك فصلنا البحث الثاني عن الأول، وهما من المباحث المهمّة في نظرية المعرفة، وفي هذا الفصل نبحث في المجال الأول، ونستعرض آراء الفلاسفة القدامى والجدد فيه .

***

1. نظرية الفلسفة الإسلامية

يرى الفلاسفة الإسلاميّون أنّ القضية الصادقة هي المطابقة للواقع، والكاذبة هي المخالفة له. وإليك توضيح نظريتهم:

إذا قيس موجود إلى موجود آخر، فإمّا أن ينطبق أحدهما على الآخر، كالذراع على الذراع، والمتر على مثله، فعندئذ يرى بينهما ا لتوافق والانطباق،


(215)

والوئام والتآلف. أو لا، كما لو لوحظ كلّ منهما مع النقطة الهندسية (آخر الخط)، فإنّ الّذي يتراءى حينذاك هو حالة التباين والتخالف، وفقدان الارتباط والانسجام، وكل ذلك ضروري.

وهاتان الحالتان (الانطباق وعدمه) لا تختصان بالأمور الخارجية، بل تتحقق أيضاً في الإدراكات الذهنية إذا نسبت إلى الخارج، فلا أحد يشك في أنّ قولنا: «الأربعة أكثر من الثلاثة»، قضية تنطبق على الواقع، كما أنّ قولنا: «الثلاثة أكثر من الأربعة»، تباينه وتعانده.

والتدبر في هاتين الحالتين أوجب تقسيم الإدراكات التصديقية إلى صائبة وخاطئة، فيقال: قضية صادقة أو كاذبة. وعلى ذلك، فالصواب والخطأ لا يطلقان إلاّ بعد تحقق أُمور:

1. قياس النسبة الموجودة في القضية إلى واقعها.

2. تحقق الاتّحاد بين المقاس والمقاس عليه، وعدمه.

3. الحكم بأنّ هذا ذاك، أو أنّ هذا ليس بذاك.

وعلى ضوء الأمر الأوّل، لا يعقل الصواب والخطأ في المعاني المفردة، والمفاهيم التصورية، لأنّ المقايسة لا معنى لها إلاّ بوجود أمرين: النسبة الموجودة المدرَكة، وواقعها. والمفهوم المجرّد عن المحمول والنسبة مثل: «زيد»، لا يقاس إلى شيء آخر .

وعلى ضوء الأمر الثاني يظهر لزوم التجانس بين القضية المدركة وواقعها، فلو لم يكن هناك تجانس وتناسب لما صحّ الوصف بالصواب والخطأ، لخروج المحل عن قابلية الاتّصاف بأحدهما. فلو لاحظت القضية المتقدمة «الأربعة أكثر من الثلاثة» مع قضية أُخرى غير مجانسة، كقولنا: «الألماس يقطع الزجاج»، لم تتصف الأُولى بالصواب والخطأ.

وعلى ضوء الشرط الثالث، يظهر أنّ التطابق الواقعي وعَدَمَه، لا يكفيان في تحقق الصواب والخطأ، بل يتوقف تحققهما على الحكم بالاتّصاف أو بسلبه، وأنَّ هذا ذاك أو أنّه ليس بذاك. فلو لم يكن في الوجود متعقِّلٌ ومتصوِّر، لما حكم على قضية بالصواب والخطأ، لفقدان الحكم والإذعان والتصديق .


(216)

فتلخص من ذلك أنّ ميزان الصواب والخطأ في الفلسفة الإسلامية انطباق القضية المدركة مع واقعها.

أقسام القضايا ووقائعها

لماكان ملاك الصحة والبطلان، والخطأ والصواب، انطباق القضايا على واقعها، فلابُدّ من بيان أقسام القضايا وواقع كل منها، وكيفية انطباقها عليه، فنقول:

تنقسم القضايا إلى ثلاثة أقسام رئيسية: خارجية، وحقيقية وذهنية.(1)

فالقضية تتصف بالخارجية، إذا كان الحكم فيها على موضوع لا ينطبق إلاّ على الأفراد الموجودة في زمان الحكم فقط. كقولنا: «هلكت المواشي»، و «قُتل من في المعسكر».

وتتصف بالحقيقية، إذا كان الحكم فيها ناظراً إلى الأفراد المحققة حال الحكم والآتية بعده، كقولنا: «كل جسم متناه، أو متحيّز، أو منقسم إلى غير النهاية».

وتتصف بالذهنية، إذا كان الحكم فيها على الأفراد الذهنية، كقولنا: «الكلي إما ذاتي (كالحيوان) أو عرضي (كالضاحك). والذاتي إمّا جنس أو فصل».

أمّا ملاك الصدق والانطباق في القضايا الخارجية، فهو باعتبار نسبتها إلى ما في الخارج حال الحكم، فإذا هلكت جميع المواشي في المرعى، أو جميع من كان في المعسكر، كانت القضيتان صادقتين، وإلاّ فكاذبتان.

ومثل ذلك القضايا الحقيقية، فهي صادقة إذا طابقت نسبتها الخارج الفعلي والمستقبلي. أمّا في جانب الأفراد الموجودة بالفعل، فواضح. وأمّا في جانب


1 . بما أنّ البحث في المقام في القضايا المستعملة في العلوم، لذا لم نذكر القضية الشخصية أو الجزئية مثل قولنا: «زيد قائم». ويظهر حالها ممّا نذكره في القضايا الخارجية.


(217)

الأفراد المقدّرة فإنّا نفرضها موجودة، ثم نحكم على الكلّ بأنّها كذا أو كذا. فإذا طابقتها النسبة كانت القضية صادقة، وإلاّ فكاذبة.

وأمّا القضايا الذهنية، فالصدق فيها باعتبار مطابقة نسبتها لما في نفس الأمر، إذ لا خارج لها حتّى تطابقه أو لا تطابقه. والمراد من نفس الأمر، ما يقابل فرض الفارض. فقولنا: الإنسان كلي، أو الإنسان نوع، أو: الحيوان ذاتي للإنسان، أو: الضاحك عرضي للإنسان، كلها قضايا ليس لها مصاديق خارجية ملموسة حتّى تطابقها أو لا تطابقها. ومع هذا، فلتلك القضايا واقعية في نفس الأمر، وليست واقعيتها حسب فرض الفارض واعتبار المعتبر، بدليل أنّ قولنا: «الإنسان جزئي»، أو «ليس بنوع»، باطل. وهذا يكشف عن أنّ هنا واقعية تفرض علينا صدق البعض وكذب البعض الآخر. فانطباقها على نفس الأمر ملاك الصدق، وعدمها ملاك الكذب.

ومن هنا يعلم أنّ ملاك الصدق في القضايا الذهنية وفي جميع القضايا المعنونة في المنطق هو الانطباق على نفس الأمر الّذي هو أعمّ من الوجود الخارجي الملموس. فنفس الأمر في القضايا الخارجية هو خارجها، وأمّا في القضايا الذهنية فهو واقعها، وإن لم يكن لها خارج ملموس.

فلو كنّا في مقام تحديد الإنسان بما هو هو، من دون نظر إلى الخارج، نقول: الإنسان حيوان ناطق، فهي مطابقة لنفس الأمر وإن لم يكن لها خارج ملموس.

ويقابله القضايا الكاذبة، كقولنا: «الأربعة فرد»، فإنها ليس لها خارج ولا واقع.

ولأجل مزيد من الإيضاح نقول:

إنّ كثيراً من القضايا المنطقية والرياضية والهندسية تفقد المصاديق الخارجية، ومع ذلك فليست فاقدة للواقع المسمّى بنفس الأمر، وذلك لأنّ القضايا المنطقية كقولنا: «الإنسان نوع» أو «الإنسان كليّ»، وإن لم يكن لها مصداق في الخارج، إلاّ أنّ الخارج على وجه يصحح انتزاع هذه القضايا منه، وانتقال الذهن منه إليها. فبما أنّه يرى أنّ زيداً وعمراً وبكراً يشتركون في الإنسانية، وأنّ


(218)

مفهومها مطرد فيهم وصادق عليهم صدقاً متواطئاً، ينتقل من تلك الحقيقة الملموسة إلى مسألة منطقية ويقول: «الإنسان نوع»، أو: إنّه كليّ»، على ما مرّ توضيحه.

فالخارج منصّة لانطلاق الفكر إلى تلك القضية الكلية الّتي يتخيل أنّها ليس لها مصداق في الخارج، إلاّ أنّ هناك حقيقة خارجية تصحح تلك القضية الكليّة.

وبذلك يعلم حال القضايا الحسابية، إذ ليس لموضوعاتها وجود في الخارج. فليس في الخارج عشرة ولا مائة ولا ألف، بل الموجود في الخارج هو الوحدات، ولكن تلك الوحدات تصحح لنا انتزاع هذه المفاهيم والأعداد، بل صنع قضايا كليّة منها، الّتي منها جدول الضرب الّذي ابتكره «فيثاغورس» اليوناني، فإنّك لا تجد في الخارج مصداقاً لقولنا سبعة مضروبة في سبعة تساوي تسعة وأربعين إلاّ أنّ هناك واقعية تصحح تلك القضية وتعد منشأ انتزاع لها، وهي أنا إذا كررنا سبعة أشياء سبع مرّات نصل إلى تلك النتيجة.

ومثله القضايا الهندسية، وما يرجع إلى الأشكال الهندسية من مربع ومثلث ودائرة، وقواعدها وضوابطها، فإنّها كلها لا مصاديق لها في الخارج. خذ الدائرة مثلاً، فإنّها على التحقيق ليست موجودة في الخارج، وإنّما الموجود هو الجسم المادي. وهكذا المربع ـ مثلاً ـ فإنّما هو مشكّل من خطوط، والخط ـ بالمعنى الفلسفي (الّذي هو نهاية السطح) لا العرفي ـ لا وجود له في الخارج، لأنّها (النهاية) أمر عدمي. ومع ذلك كلّه فالأحكام الواردة على هذه الأشكال بين صحيح وباطل، وما ذلك إلاّ لأنّ لهذه الأشكال مناشئ انتقال تصحح تصويرها، كما تصحح الأحكام الواردة عليها. وعلى مطابقتها وعدمه يدور مدار صدقها وبطلانها.

وبذلك يعلم حال العلوم النفسية، فإنّ الحالات الروحية من حسد وبخل، وكرم، ويأس، و...، ليس لها وجود خارجي كالأجسام، ولكنها بالقياس إلى العدم، لها واقعيات، كما أنّ لها آثاراً تصحح كشفها والانتقال إليها، والحكم بصحة أو بطلان ما نقضي عليها من أحكام.


(219)

ومن هنا نرى أنّ الفلاسفة الإسلاميين يجعلون ملاك كون الشيء حقيقة أو وهماً، أحد أمرين:

1. أن تكون القضية مطابقة للعينية الخارجية أو مخالفة لها.

2. أن تكون القضية مطابقة للواقعية الّتي تناسب تلك القضية، كما هو الحال في القضايا المبحوث عنها في المنطق وعلم النفس والعلوم الحسابية والهندسية، على ما مرّ من نماذج.

شبهات وأجوبتها

بعد أن اتّضح لك معيار وملاك الصدق والكذب، والصواب والخطأ عند الفلاسفة الإسلاميين، يمكنك أن تدفع كل ما أُثير حوله من شبهات، من قبل بعض الغربيين أمثال فيليسين شاله(1) وغيره. ونحن نذكر هنا بعضها ليعلم مدى ضآلتها.

الشبهة الأُولى : إنّ هذا التعريف لا ينطبق على الحقائق الرياضية، إذ ليس لموضوعاتها وجود خارجي.

الشبهة الثانية: إنّه لا ينطبق على الحقائق النفسانية لأنّها أمور نفسية وذهنية ليس لها وراء الذهن وجود خارجي حتّى يكون الانطباق ملاك الصدق وعدمه ملاك الكذب.

ويظهر الجواب عنهما بوضوح ممّا قدّمناه.

الشبهة الثالثة : إنّ التعريف لا ينطبق على القضايا التاريخية المندثرة لزوال موضوعاتها، فلم يبق منها شيء في زمان الإدراك حتّى تطابقه أو لا تطابقه .

وهذه الشبهة بمكان من الضعف، وذلك لأنّ القضايا التاريخية وإن لم تكن موجودة في ظرف الإدراك والحكم، إلاّ أنّها موجودة في ظروفها. فإذا قلنا: «أرسطو تلميذ أفلاطون» كان صحيحاً، وإذا قلنا: «أفلاطون تلميذ أرسطو»


1 . Felicien Challaye. في كتابه الفلسفة العلمية.


(220)

كان كذباً، وما ذاك إلاّ لأنّ الأول مطابق للواقع المتحقق في ظرفه، والآخر مخالف له.

وكون شيء غير موجود في زمان الإدراك لا يجوّز إنكار وجوده مطلقاً حتّى في ظرفه.

فالإنسان الحاكم بالحكم في قضية تاريخية، يعطف نظره إلى الوقائع السابقة المندثرة، فيحكي عنها حكاية صادقة أو كاذبة(1).

الشبهة الرابعة: إنّ هذا التعريف ينبع من النظر إلى الكون نظرة جامدة فيتخيل أنّ عالم الطبيعة جامد، وثابت غير متغير، ولذلك عرفوا الحقيقة بأنّها عبارة عن مطابقة الذهن للعين.

وأمّا على القول الّذي تتبناه الفلسفة الديالكتيكية من أنّ الكون لما يزل متبدلاً متغيّراً، وأنّه لا يبقى على حالة واحدة، فكيف يمكن أن يكون ملاك الحقيقة تطابق الذهن والعين، فإنّ العين يذهب أو يتغّير ويتبدّل ولا يبقى حتّى تطابقه القضية الموجودة في الذهن.

والجواب عنها بوجهين:

1. لو صحّ هذا الإشكال، للزم بطلان جميع القضايا الحاكية عن الخارج، إذ لا شكّ أنّ هناك قضايا علمية وعرفية يريد الإنسان بها شرح الخارج وبيانه، فلو كان الخارج على وجه لا يستطيع الذهن أن يحكم عليه بشيء، للزم بطلان كل الأحكام الصادرة عن الإنسان، لأنّ كل موضوع يتبدل قبل الحكم عليه. فلامعنى لقولنا ـ مثلاً ـ : هذه التفاحة طيبة الرائحة، لو فرضنا تغيّر الموضوع وتبدّله.

2. إنّ التحول والتغيّر، ليس بمعنى تبدّل الخارج إلى موضوع مغاير له من جميع الجهات، وإنّما التغيّر في الطبيعة الثانية أشبه بتعاقب الأمثال. فالتفاحة


1 . هذه الإشكالات الثلاثة ذكرها «فيليسين شاله» في كتابه «الفلسفة العلمية»، الفصل العاشر في قيمة العلوم وحدودها: 223 .


(221)

الثانية استمرار للتفاحة الأولى حسب الوجود، فهي في حالة البقاء نفس التفاحة في حالة حدوثها، ولأجل ذلك يصحّ الحكم عليها بالطيب.

وعلى ضوء ذلك، فلو كان التغيّر شاملاً للذات والصفات معاً، كما إذا صار الحطب ناراً، أو في الصفات، كما إذا تغيّر لون الفاكهة من البياض إلى الحمرة، فالحكم عندئذ على ذلك الموضوع المتغيّر ذاتاً ووصفاً، أو وصفاً فقط، إن كان راجعاً إلى حالاته السابقة، يكون أشبه بالحكم على الموضوعات التاريخية المعدومة، فالذهن يُحضر الصورة المنطبقة على الحالة الماضية ويحكم عليها بشيء. وأمّا إذا لم يكن متغيّراً في الذات والصفات، بل بقي على ما كان عليه، ولو ظاهراً، فيحكم عليه بأنّه كذا وكذا. فكون الطبيعة متغيّرة، لا يضرّ الحكم والإذعان به، لكون اللاحق مماثل للسابق من جميع الجهات.

وهذه الإشكالات وأمثالها تعرب عن أنّ فلاسفة الغرب لم يقفوا على معالم الفلسفة الإسلامية وقوفاً كافياً، ولم يلمّوا بنظرياتها إلماماً وافياً.

إلى هنا تمّ الكلام في بيان معيار الحقيقة والوهم في الفلسفة الإسلامية، ونذكر فيما يلي معيارها عند الغربيين.

***

2. نظريات الفلاسفة الغربيين

جنح عدّة من فلاسفة الغرب إلى معايير أُخرى لتمييز الحقيقة عن الوهم، نطرحها على منضدة التحليل.

النظرية الأولى : الحق هو المقبول والموهوم هو المرفوض

اختار هذه النظرية الفيلسوف الفرنسي «أوغست كونت»(1) (1798 ـ


1 . Auguste comte. أسس المذهب الوضعي Positivism القائل بأنّ الملاحظة والتجربة هما السبيل الوحيد للوصول إلى المعرفة الكاملة التامة.


(222)

1857 م) وهو يضيف الحقيقة تارة إلى الفرد وأُخرى إلى المجتمع، وإليك فيما يلي توضيح هذه النظرية:

إنّ فكرةً ما إنّما تكون حقيقة لدى الفرد، عندما تكون موافقة لسائر أفكاره وملائمة لها. وتكون خاطئة إذا كانت هناك مطاردة بينها وبين سائر أفكاره.

وتكون الفكرة حقيقة لدى المجتمع، إذا كانت مقبولة لدى أبنائه، يتفقون عليها قولاً وعملاً. فما داموا متفقين عليها فهي موصوفة بالحقيقة، فإذا تغيّرت آراؤهم إلى فكرة أُخرى، تكون الأولى خاطئة والأخيرة هي الصائبة.

مثلاً: انّ فرضية «بطليموس» (1) (90 ـ 168 م) القائلة بأنّ الأرض ثابتة لا تتحرك، والأفلاك تدور حولها، كانت مقبولة لدى الناس والعلماء في العصور الغابرة مدة تمتد أكثر من خمسة عشر قرناً. فهي ـ إذن ـ كانت حقيقة وصحيحة في تلك الأعصار، ولا يضرها مخالفة عدد قليل من العلماء (2) لبعض جزئياتها.

وفي مطلع الحضارة الحديثة، تغيّرت هذه الفرضية إلى فرضية أُخرى ساهم في إبداعها أقطاب علم الهيئة الأربعة:

1. كوپرنيك (3) البولوني (1473 ـ 1543 م)، فإنّه أنكر كون الأرض مركزاً تدور حوله الشمس والسيارات، وبرهن على مركزية الشمس ودوران الأرض وسائر الكواكب السيّارة حولها.

2. كپلر (4) الألماني (1571 ـ 1630 م)، فإنّه أثبت أنّ كلّ سيّارة تدور حول الشمس في مسار بيضاوي، وأنّ السيارة القريبة من الشمس أسرع حركة من البعيدة عنها.


1 . Ptolemee .
2 . فقد كان أبو الريحان البيروني (973 ـ 1048 م) مخالفاً لسكون الأرض وكونها مركزاً للكون. كما كان الشيخ البهائي (المتوفّى 1030 هـ) لها أيضاً. ولكن لما كانت الأوساط العلمية خاضعة للنظرية، لم تخرجها تلك المخالفة عن كونها حقيقة، على مذهب كونت.
3 . Copernic .
4 . Kepler .


(223)

3. غاليليو (1) الإيطالي (1564 ـ 1642 م)، فإنّه أثبت بمنظاره الفلكي وجود كواكب كثيرة لم تكن معروفة إلى ذلك العصر.

4. نيوتن (2) الإنكليزي (1642 ـ 1727 م)، فإنّه أثبت تماسك النظام الشمسي بفضل قوتي الجذب والطرد المركزيتين عن الشمس وإليها، فكل سيارة تدور على مدار فيها قوتان: قوة الطرد عن المركز (الشمس) وقوة الانجذاب إليها، وفي ظل تعادل القوتين تستقرّ في مدارها.

فهذه النظريات الجديدة التي حلّت محلّ نظرية بطليموس، حقيقية صادقة، أيضاً، ونظرية بطليموس غدت باطلة بعد أن كانت صادقة. وما دامت هذه النظرية مشهورة مقبولة في الأوساط العلمية، فهي حقيقة، إلى أن تحلّ محلّها فرضيات أُخرى.

تحليل هذه النظرية

إنّ القائل بهذه النظرية خلط بين المسائل الاجتماعية والسياسية التي لا مصدر لها سوى تصويب الرأي العام، والقضايا الكونية الحاكية عن الخارج. فلو صحّ ما ذكره، فإنّما يصحّ في القسم الأول من المسائل، إذ من الحقوق المسلّمة لكلّ شعب أن يعيّن لون النظام الحاكم عليه، فكل ما يصوّت له الشعب، هو الحق، ما دام الشعب مؤيّداً له، فإذا تبدّلت رغبتهم إلى نظام آخر، بطل الأول وكان الثاني هو الحق والحقيقة.

وأمّا القضايا الحاكية عن الكون، فليست المقبولية فيها ملاك الحقيقة، ولا الرفض ملاك الخطأ، فملاك الحقيقة في القضايا الرياضية والفيزيائية والكيميائية والفضائية ليس هو تصويت الرأي العام لها، بل إنّ مجموع زوايا المثلث تساوي180 درجة، سواء اتّفق الرأي العام والعلمي عليه أم لا، هو ذلك شاءُوا أم أبوا، كما أنّ محيط الدائرة يساوي قُطْرَها مضروبٌ في النسبة الثابتة (   ) (3)، دائماً وأبداً.


1 . Galileo .
2 . Newton .
3 . 1416، 3 = 722 =       .


(224)

وإن شئت قلت: إنّ القضايا على قسمين:

قضايا لا تحكي عن الخارج، وهذه مثل الحقوق المجعولة للشعوب، فإنّ لكل شعب، الحرية في اختيار مصيره، فإن جنح شعب إلى الاتّحاد مع شعب آخر ليشكّلوا دولة واحدة، فذلك لهم. وإن جنح إلى الانفصال وترك الحلف، فذلك له أيضاً . وهو حق في كلتا الحالتين، لأنّ الشعب يميل إليه. فهذه القضايا ليست حاكية عن الخارج، فلا مناص من جعل الملاك فيها، الإجماع والتصويت، وعدمهما.

وقضايا حاكيات عن الخارج، تُري الحقيقة الراهنة وراء الذهن. وبما أنّ الحقيقة ليست متعددة، بل هي واحدة، فلا يمكن أن تكون كلتا النظريتين موصوفة بالحقيقة، فإنّ الأرض إمّا أن تدور حول الشمس، أو تدور الشمس حول الأرض، وليست الحقيقة خارجة عنهما. فالقول بأنّ كلتا النظريتين صائبة وحقيقية، كل في ظرفها الخاص، يرجع إلى السفسطة وإنكار كاشفية العلم، فإذا كان المكشوف واحداً، فأحد العلمين خطأ ليس له كشف ولا إراءة.

فكان الحري بهذا الفيلسوف دراسة المسائل السياسية والمسائل الكونية، والإمعان في كل منها، ليعرف الفرق في ملاك الحقيقة والخطأ بينهما.

النظرية الثانية : الحق هو النافع والموهوم هو الضارَ

وهناك نظرية ثانية في تمييز الحقيقة عن الوهم قالت بها الفلسفة البراغماتية(1)، وهي أنّ كل ما يكون نافعاً فهو حق، وكل ما كان ضارّاً فهو باطل. فالعدل حق، إذ به يقوم المجتمع وينسجم، والظلم باطل لأنّه يهدم المجتمع ويشتت شمله. وهكذا سائر القوانين والسنن الاجتماعية والسياسية.

يلاحظ عليه أمران:

الأوّل: إنّ ما ذكر إنّما يختصّ بالأحكام الكليّة والقوانين العامة، فالصدق


1 . PRAGMATISM. لاحظ الفلسفة العلمية لفيلسين شاله، ص 203. وسيأتي بحث مبادئ هذه الفلسفة في الفصل الثامن عند البحث عن دوافع إخراج العوالم الغيبية عن إطار المعرفة.


(225)

ـ بما هو هو ـ نافع، والكذب ـ بما هوهو ـ ضارّ. ولكن اتّصاف الصدق بالنفع، والكذب بالضرر، إنما يختصّ بالكلي منهما، وأمّا في موارد التطبيق فربما ينقلبان فيكون الصدق ضاراً والكذب نافعاً. كما لو أُصيب إنسان بذبحة قلبية، وفي تلك الأثناء مات ولده بحادث ما، فسأل الأب عنه، فإنّ الإخبار عن الحقيقة والواقع ضارّ لأنّه ربما يؤدّي إلى اشتداد أزمته وموته، والكذب والقول بأنّ ولده حي بصحة جيّدة، نافع.

الثاني: إنّ هذا الملاك يختصّ بما يقع في إطار حياة الإنسان العملية، وأمّا الأمور الخارجة عن ذلك الإطار، كالقوانين الفيزيائية والكيميائية والرياضية و...، فإنّ جعل الحقِّ والصائب منها ما كان نافعاً، والباطلِ والخاطئ منها ما كان ضارّاً، بعيد غاية البعد عن التفسير بالواقع.

وإن شئت قلت: إنّ الملاك المذكور يناسب المسائل الأخلاقية والاجتماعية والاعتقادية، فيفسَّر فيها الحق بالنافع، والباطل بالضارّ، لا المسائل العلمية الّتي يدور الصواب والبطلان فيها مدار مطابقة الواقع ومخالفته، كما تقدّم.

نعم، إنّ الذكر الحكيم، عندما يصوِّر نزاع الحق والباطل، ينسب الحق إلى ما ينفع، والباطل إلى ما يضرّ، يقول: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ)(1).

ولكنها لا تناقض ما ذكرناه، وذلك لأنّ الآية في مجال بيان الاعتقادات الدينية، وأنّ الحق منها في نفس المؤمن مثل الماء النازل من السماء، الجاري في الأودية على اختلاف سعتها، وينتفع به الناس وتحيا به قلوبهم، ويمكث فيها الخير والبركة. وأمّا الاعتقادات الباطلة في نفس المشرك، فهي كالزبد الّذي يربو السيل، فإنّه لا يلبث أن يذهب جفاءً ويصير سدىً(2). وأين هذا من بيان الحق

والباطل في القضايا الشخصية والعلوم؟. ومثلها الحركات الاجتماعية، فالآية تنطبق عليها مثل انطباقها على العقائد.

***

النظرية الثالثة: الحقيقة أمر نسبي لا مطلق

إنّ القائلين بنظرية النسبية في باب المعرفة ينكرون أن تكون الإدراكات البشرية، إدراكات مطلقة، ويصرّون على أنّ الحقيقة تختلف باختلاف الظروف المحيطة بالمدرك، وقد شرحنا نظريتهم عند البحث عن قيمة المعرفة، فلا نعيد.

وعلى ضوء هذا، يقولون: إنّا نصف أحد الأخلاّء في فترة من فترات الرفاقة، بالإخلاص، ونَصِفُهُ في فترة أُخرى بالخيانة. وكلا


1 . الرعد: 17 .
2 . لاحظ الميزان في تفسير القرآن، ج 11، وسنذكر في مباحث إعجاز القرآن من الإلهيات تصويرات أُخرى بديعة لما تفيده الآية.


(226)

القضاءين حقّ صحيح، وما ذلك إلاّ لأنّ الظرف الأوّل يوحي إلينا بالقضاء الأَوّل، والظرف الثاني يوحي إلينا بالقضاء الثاني.

ونظرية بطليموس القائلة بأنّ الأرض مركز العالم، حقّةٌ وصائبة، لكن بالنسبة إلى تلك الأعصار، وإن كانت باطلة بالنسبة إلى هذه الأعصار.

والرأي الّذي كان سائداً في عدد العناصر الأساسية الّتي تشكل الكون، وأنّها أربعة لا غير وهي: التراب والماء والهواء والنار، هو رأي صحيح، ولكن بالنسبة إلى تلك الظروف الّتي لم تكن لتنتج سوى هذا الرأي. ولكن عندماتبدّلت الظروف، وخضعت الطبيعة للإنسان المجرّب، تجاوز عددها المائة وأربعة عناصر، ولعلّ الظروف الآتية تنتج غير ذلك. فالكل حقّ بالنسبة إلى الأزمنة والظروف الّتي تنتجه.

بل يصحّ أن نقول: إنّ الموحّد والملحد كلاهما على حق، لأنّ الظروف المحيطة بالموحّد تجرّه إلى التوحيد، والظروف المحيطة بالملحد تدفعه إلى الإلحاد.

إلى غير ذلك من الأمثلة، وكل ذلك ينتج أنّ الحقيقة المطلقة أمر مرفوض، وإنّما كل الأشياء تقع في إطار الحقيقة النسبية.

يلاحظ عليه: إنّ الأمور على قسمين: إضافي وحقيقي، والنسبيون


(227)

خلطوا بينهما وضربوا أحدهما بسهم الآخر، وإليك البيان:

ما ذكره النسبيون إنّما يصحّ في الأُمور النسبية الإضافية، وهي ما كان قوام حقيقتها بالنسبة والإضافة، من دون أن يكون لها في حدّ ذاتها واقع محفوظ على كل حال، كالسعة والضيق، والكبر والصغر، والفوقية والتحتية...

مثلاً: افرض إنساناً يعيش في كوخ حقير لا تتجاوز مساحته عشرين متراً مربعاً وآخر غني يعيش في قصر عظيم تحيط به حدائق شاسعة مترامية الأطراف، لا تقلّ مساحتها عن خمسين ألف متر مربع، فإذا وردا مدرسة أمامها ملعب، ولنفرض أنّ مساحتها بأكملها خمسمائة متر مربع، فإنّا نرى الأوّل يستهولها ويصفها بالعظمة والكبر، بينما الثاني يستصغرها ويصفها بالضيق والصغر. فلا شك هنا أنّ كلاًّ من التوصيفين صحيح، لكن بالنسبة إلى ما في نفس كلِّ واصف، فالأوّل إذْ يصفها بالكبر والعظمة، إنّما يصفها بذلك بالقياس إلى كوخه الحقير، والثاني إذْ يصفها بالضيق والصغر، فإنّما هو بالإضافة إلى قصره العظيم .

وهكذا إذا قلنا: الأرض كبيرة، وقلنا: الأرض صغيرة، فإنّ كلا القضاءين صحيح، لكن كلٌّ بالنسبة إلى أمر، فالأرض كبيرة بالنسبة إلى القمر، وصغيرة بالنسبة إلى الشمس.

فليس للصغر والكبر واقع محفوظ حتّى نقيس القضاءين إلى ذلك الواقع، ونصف أحدهما بأنّه حقّ، والآخر بأنّه باطل. بل واقعيتهما هي بنفس الإضافة والنسبة القائمة بالنفس والذهن.

فما ذكره النسبيون إنّما يصحّ في مثل هذه الأُمور الإضافية الّتي لا واقعية لها إلاّ ملاحظة الإضافة بين المقيس والمقيس عليه .

وأمّا الأُمور الّتي لها واقعية وراء النسبة والإضافة، ولها حقيقة محددة يحكي عنها العلم، ففيها يكون أحد القضاءين صحيحاً قطعاً، وهو ما وافق الواقع وطابقه، والآخر باطلاً قطعاً، وهوما خالفه. فقولنا: «درس أرسطو عند أفلاطون»، وقولنا: «لم يدرس أرسطو عند أفلاطون»، لا يمكن أن يكونا صحيحين وصائبين، بل أحدهما حقّ قطعاً والآخر باطل قطعاً.


(228)

وبذلك يظهر الجواب عن الأمثلة الّتي تمسكوا بها، فإنّها من الضآلة بمكان:

أمّا الأوّل: فإن أرادوا من صحة توصيف الصديق بالإخلاص والخيانة، أنّه يصحّ أن يكون في ظرف خاص مخلصاً وخائناً في الواقع، فهذا لا يقبله أحد، كيف والصداقة والخيانة مختلفان في المبادئ والآثار.

وإن أرادوا أنّه يمكن لإنسان أن يتخيّل خليله في ظرف مخلصاً، ثم يبدو له بعد ذلك أنّه كان خائناً في ذلك الظرف، فهذا لا يمتّ إلى النسبية بصلة، فإنّ الرأي الأوّل يرفض الرأي الثاني ويدفعه ولا يصدّقه، فأين اجتماع الحقيقتين المتغايرتين؟

ومن هذا يظهر حال ما زعموه في النظريتين المعروفتين في الأفلاك والعناصر، فإنّ العلم ـ بما أنّه كاشف عن الواقع ومرآة إليه ـ فلا محالة تكون إحداهما خاطئة مطلقاً والأُخرى صحيحة مطلقاً.

وأمّا المثال المعروف لدى النسبيين، الّذي يتمسكون به في أكثر كتبهم ورسائلهم، وهو أنّ الإنسان إذا أدخل إحدى يديه في ماء بارد والأُخرى في ماء حار، ثم أخرجهما دفعة وأدخلهما معاً في ماء ثالث فاتر، فإنّ كلاٍّ من اليدين تخبر عن حقيقة تخالف ما تخبر به الأُخرى، فهو مغالطة واضحة، فإنّهم لم يميزوا بين أمرين:

أ ـ الحسّان يخبران عن شيئين مختلفين (الحرارة والبرودة).

ب ـ الماء الثالث في حدّ ذاته حار وبارد في آن واحد.

فالصحيح في المثال هو الأوّل، وذلك لأنّ إحدى اليدين تنفعل بالماء الحار، فتبقى الحرارة في عروقها ومسامّها، واليد الأُخرى تنفعل بالماء البارد، فتبقى البرودة فيهما. فإذا وردتا بعد ذلك في الماء الفاتر، فلا شكّ أنّ اليد الحارة تحسّ بالحرارة، لأنّ حرارة الماء دون حرارتها، واليد الباردة تحسّ بالبرودة، لأنّ برودتها أشدّ من برودة الماء.

وأمّا الماء الثالث في حدّ ذاته، مع قطع النظر عن اليدين المختلفتين في التأثّر


(229)

والانفعال، فإنّ له درجة حرارة معينة لا غير، ولذلك لو بقيت اليدان فيه مدّة، حتّى زالت عنهما التأثرات والانفعالات، فإنّهما تحسّان بحرارة واحدة.

فالخلط حصل بين إخبار اليدين عن شيئين مختلفين، وكون الماء متّصفا بأمرين متضادين، فالصحيح هوالأول دون الثاني.

وكم لهم من زلاّت وعثرات ناتجة عن عدم تعمّقهم في دراسة وفهم مبادئ الفلسفة الإسلامية ونظرياتها.

إلى هنا تمّ الكلام في مقياس الحقيقة والوهم وملاكهما، وحان أوان البحث عن الأمر الثاني وهو بيان طريق الوصول إلى الحقائق، وكيفية تمييزها عن الأوهام.

*


(230)

(231)

الفصل السابع
معيار تمييز الحقائق عن الأوهام



(232)

(233)

الفصل السابع

ما هو معيار تمييز الحقائق عن الأوهام؟

يواجه الإنسان في حياته العلمية أكداساً من النظريات حول الكون والحياة، وبما أنّ الحقيقة في كل أمر ومسألة، واحدةٌ لا أكثر، فلا بدّ أن يحكم بصحة بعض دون الآخر، ويستحيل تصحيح جميع النظريات المتناقضة والمتخالفة، وإصباغ ثوب الحقيقة عليها، حسب ما مرّ في الفصل السابق.

وبما أنّ كلّ إنسان يعدّ رأيه حقّاً، ونظريته هي الصائبة، فلا يمكن الاعتماد على تصديق القائل وإيمانه، بل لابدّ من الرجوع إلى ضابطة نميّز بها الحقيقة عن الوهم، والصواب عن البطلان، وهذا من المباحث الحساسة في نظرية المعرفة.

وفي هذا المجال نظريات نستعرضها:

النظرية الأولى: المعرفة البديهية هي المعيار

يرى أرسطو، وبعده الفلاسفة الإسلاميون أنّ الحجر الأساس لتشخيص الحقّ عن الباطل، والصواب عن الخطأ، ليس شيئاً خارجاً عن إطار المعرفة، بل المعرفة نفسها هي الوسيلة لتعيين المعرفة الصحيحة من المعرفة الزائفة. بيان ذلك:

إنّ كل إنسان يملك مجموعة من القضايا البديهية يجدها في باطن عقله، ويذعن بها من دون حاجة إلى إقامة برهان. وهذه القضايا الضرورية يسلّم بها كل إنسان لم يخضع مسبقاً لرأي يؤثّر في تفكيره.


(234)

فإذا طرحت أمام الإنسان قضية ما، لايدري هل هي صحيحة وصادقة أو زائفة وموهومة، يُرجعها إلى تلك القضايا والمعارف الضرورية، فإن صدّقت تلك هذه، كانت قضية حقّة، وإن لم تصدّقها كانت قضية باطلة.

وعلى هذا، فكل إنسان متطلب للحقّ ومتحرٍّ للحقيقة يجب أن يصنّف قضاياه، ويقسمها إلى قسمين: بديهية ونظرية، ثم يحتفظ بالأُولى لتكون مفتاحه للوصول إلى الثانية، وحلّها، وإدراك صدقها أو بطلانها.

مثلاً: إذا علمنا أنّ زاوية (أ) تساوي زاوية (ب)، وعلمنا أيضاً أنّ زاوية (ب) تساوي زاوية (ج). ولكن لم نعلم هل زاوية (أ) تساوي زاوية (ج) أو لا. فالعلمان المتقدمان، يكونان مفتاحاً لحل المشكلة، واكتشاف حكم القضية الثالثة، فلا نتحرج هنا من القول بأنّ زاوية (أ) تساوي قطعاً زاوية (ج). وذلك لأنّ قانون المساواة من القضايا البديهية الّتي يدركها العقل في الأمور الكمية. وهكذا إذا كان زيد وعمرو متساويين في الطول، وعمرو وبكر متساويين في الطول، فزيد وبكر متساويان في الطول.

فالقضايا المجهولة المشكوكة صحةً وبطلاناً، تنتهي إلى بديهيات عقلية، ولو بوسائط متعددة، وهي الكاشفة لصدقها أو بطلانها.

حتّى أنّ التجربة الّتي احتلت الصدارة في الفلسفة والعلوم الحديثة في مجال اكتشاف الحقائق، لا تستغني عن معرفة عقلية بديهية هي الضامنة لصحة النتيجة، والتجربة بحدّ ذاتها غير كافية في هذا المجال. وقد سبق أن ذكرنا عند البحث عن أدوات المعرفة، أنَّ تبسيط وتعميم نتيجة التجربة إلى جميع الأفراد والموارد المتماثلة في الحقيقة قائم أساساً على قضاء العقل بأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.

والكثير من المتجددين يزعمون أنّ الفلسفة الأرسطية فلسفة فكرية بحتة، وأنّ الفلسفة الغربية الحديثة الّتي وضع «بيكون»(1)(1561 ـ 1626 م) أساسها، علمية تجريبية ; ولكنّه زعم غير خال عن المغالطة، فإنّهم إن أرادوا أنّها


1 . Francis Bacon.


(235)

لا تعتمد على التجربة، فهو خاطئ جداً، كيف وقد عرفت أنّ البرهان يتألف من اليقينيات وأنّ التجريبيات من أُصولها. وإن أرادوا أنّ صحة النظريات ـ في تلك الفلسفة ـ تعتمد على الفكر والتعقل، حتّى الإذعان بنتائج التجربة فإنّه لا يستغني عن سناد عقلي أولّي، فهذا نفس ما أثبتناه عند البحث عن أدوات المعرفة.

النظرية الثانية : التجربة هي المعيار

قد عرفت أنّ السائد بين الفلاسفة في معيار تمييز الحقائق عن الأوهام هو أنّه نفس المعرفة، بمعنى إرجاع القضايا النظرية إلى القضايا البديهية، حتّى تكون مطابقتها لها، دليلاً على صدقها.

واستمرّ الفلاسفة على هذا الاعتقاد إلى أوائل نشوء الحضارة الغربية الصناعية، عندما زعم «فرانسيس بيكون» أنّ معيار تمييز الحقائق عن الأوهام، وكشف صواب المعارف وخطئها، ليس من سنخ المعرفة بشيء، بل هو من سنخ العمل، ألا وهو التجربة والاختبار.

وقد استغلت المادية هذه النظرية لإنكار المغيبات، باعتبار عدم وقوعها في إطار الحسّ والتجربة. والعوالم الغيبية ـ على فرض وجودها ـ غير قابلة للتعرف عليها.

وجملة القول: إنّ أنصار هذه النظرية، لا يعترفون بمعارف عقلية أوليّة سابقة على التجربة، بل يرون التجارب هي الأساس الوحيد للحكم الصحيح. ويتفرع على هذه المقالة، تحديد طاقة الفكر البشري بحدود الميدان التجريبي، ويصبح من العبث كل بحث ميتافيزيقي أو دراسة لمسائل ما وراء الطبيعة.

يلاحظ على هذه النظرية

أولاً: إنّ هؤلاء خلطوا بين تفتح العلوم الطبيعية عن طريق التجربة، وكونها هي المعيار لتمييز الحقائق عن الأوهام، فالحق هو الأوّل دون الثاني، إذ لا


(236)

شك أنّ العلوم الطبيعية تفتحت ونضجت في ظلال التجربة ولولاها لشلّت عجلة العلوم ولم تبلغ هذا الحدّ الّذي أدهش العقول وحيّر الألباب. وأمّا كون التجربة هي المسلك الوحيد لكشف صحة العلوم، وانقطاع كل طريق آخر إلى ذلك فهو كلام زائف، لماستقف عليه من أنّ الإنسان يملك علوماً كثيرة ضرورية قبل شروعه بتجاربه.

وثانياً: إنّ نفس هذه النظرية، أي كون التجربة هي المعيار، لم تثبت بالتجربة، فيجب على القائلين بهذه النظرية البرهنة عليها إمّا بتجربتها، وهو غير معقول، أو بادّعاء أنّها قضية بديهية لا تحتاج إلى الدليل، وهو ما نريده.

وثالثاً: لا ملازمة بين صحة النتيجة في مقام العمل، وصحة الفرضية، بل قد تكون النتيجة صحيحة والفرضية باطلة، فإنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق، فصحة الفرضية دليل على صحة النتيجة ولا عكس، نظير قولنا كل جَوْز مدوّر، وليس كل مدوّر جَوْز.

وإن شئت قلت: هؤلاء استدلّوا بوجود الأخصّ على وجود الأعمّ، نظير الاستدلال بوجود كائن حي في البيت على وجود إنسان، وهذا خاطئ.

والشهود والعيان ينفيان تلك الملازمة، وهاك بعض النماذج :

أ ـ إنّ نظرية بطليموس الّتي سادت الأوساط العلمية قرابة خمسة عشر قرناً من الزمن، كانت مبنية على مركزية الأرض وحركة الشمس والأفلاك حولها. ولكن هذه النظرية بطلت من أساسها في الحضارة الحديثة وتبيّن أنّ الأمر على العكس، مع أنّ النتائج الّتي كان يستخلصها المنجمون والفلكيون، اعتماداً على هذه الفرضية الباطلة، صحيحة لا غبار عليها، نظير تعيين قواعد الخسوف والكسوف وعلاماته وأوقاته الدقيقة، وأوضاع الهلال ودورة القمر الشهرية، واتّجاه القبلة، وخطوط الطول والعرض وغير ذلك.

ب ـ كان السائد عند العلماء أنّ العناصر المكوّنة للكون أربعة: الهواء والتراب والماء والنار. والعناصر الأساسية الّتي يتشكل منها الطبع البدني الإنساني أربعة أيضاً: الدم والبلغم والصفراء والسوداء. وكان الأطباء يعالجون بهذه


(237)

الفرضية كثيراًمن الأمراض، وكانت عملياتهم ناجحة. ومع ذلك لا يمكن القول بأنّ صحة نتائجهم دليل على صحة فرضيتهم.

ج ـ من السذاجة جعل صحة النتيجة دليلاً على صحة الفرضية، لإمكان أن تكون نتيجةٌ واحدةٌ مترتبة على فرضيتين مختلفتين. مثلاً:

إذا أخبرت مديرية السكك الحديدية بأنّ قطاراً سينطلق من دمشق إلى المدينة المنورة الساعة الثالثة صباحاً بسرعة خمسين كيلومتراً في الساعة، وأخبرت أيضاً بأنّ قطاراً آخر سيتحرك في نفس الساعة من المدينة بإتجاه دمشق بسرعة مائة كيلومتر في الساعة. فعند ذلك، يصحّ لمن كان له إلمام بمواقع المحطات أن يتنبّأ بأنّ القطارين سيلتقيان في محطة كذا، في الساعة الثانية عشرة ليلاً ـ مثلاً ـ ويخبر عنه بجزم. والإنسان الساذج يجعله دليلاً على صحة ما أخبرت به المديرية، وليس كذلك، بدليل أنّه لو تحركا على عكس ما أخبرت به المديرية بأنْ كانت سرعة القطار المتوجه إلى المدينة مائة كيلو متر، والمتوجه إلى دمشق خمسين كيلو متراً، تتحقق نفس تلك النتيجة، والقطاران يلتقيان في الوقت المعيّن.

ورابعاً ـ إنّ هناك قضايا يحكم عقل الجميع بامتناعها، كاستحالة الدور والتسلسل، وليس لأحد إنكار امتناعها، فمن أين وقف أصحاب هذا المذهب (التجريبي) على استحالتها؟ أفهل وقفوا عليه من طريق التجربة؟ من المعلوم بطلانه، لأنّ الأمور المستحيلة معدومات صرفة، فكيف يمكن إجراء التجارب عليها، ولو وقعت تحت إطار التجربة لدلّ ذلك على أنّها موجودة لامعدومة مستحيلة.

وخامساً ـ نحن وأصحاب هذا المذهب (التجريبي) معترفون بالمادة بمفهومها الفلسفي، الّتي لها ظواهر وأعراض وصفات، لكن المادة بهذا المفهوم لا تقع في إطار التجربة، وإنّما الواقع فيه آثارها، فالزهرة الّتي نراها على الشجرة، أو نلمسها بأيدينا، إنّما نرى لونها، ونحسّ بنعومتها، ولسنا نرى ولا نحسّ ـ في جميع الأحوال ـ الجوهر المادي الّذي تكسوه هذه الظواهر والأعراض .

ولذلك ذهب السذج من الطبيعيين إلى إنكار المادة قائلين ـ في المثال ـ بأنّه ليس لنا وراء الرائحة الزكية واللون الأحمر والطعم الخاص شيء نسمّيه زهراً. مع


(238)

أنّ القول بوجود المادة هو الأساس للمذهب التجريبي، فلا يمكن الإيمان بوجودها إلاّ عن طريق العقل، كما سنشير إليه عند البحث عن حدود المعرفة.

والتجربة، وإن لم تكن معياراً لتمييز الحقائق عن الأوهام، إلاّ أنّك عرفت فيما مضى أنّها إحدى أدوات المعرفة، ونضيف هنا أنّها المفتاح الأول للمعرفة، ومع ذلك لا بُدّ لمتحرّي الحقيقة إذا أعمل التجربة، من أن يعمل مفتاحاً آخر هو العقل، حتّى تنكشف له آفاق أُخرى من الحقائق.

فالحقائق المادية والمعنوية أشبه بغرف متداخلة لا يمكن لإنسان دخول الغرفة الثانية إلاّ بعد دخول الأولى. فالتجربة تفتح الغرفة الأولى، ولا بدّ لدخول الغرفة التالية من استعمال مفاتيح أُخرى غير التجربة.

وبعبارة أُخرى: إنّ التجربة في مورد خاص، تعطي للمعرفة الإنسانية ـ بمعاونة حكم العقل ـ بسطاً عَرْضياً، فنحكم بأنّ نتيجتها شاملة لعامة الموارد. وأمّا تعميق تلك المعرفة وبسطها عمقاً، فهو يرجع إلى العقل المحض، ليستدلّ من رؤية الآية على ذيها، ومن الآثار على مؤثّرها، كما أوضحنا ذلك فيما سبق. وتأتي الإشارة إليه عند البحث عن حدود المعرفة.

النظرية الثالثة: الغلبة آية الحق

انتشر في هذه الآونة الأخيرة بين الشباب المتأثرين بالماركسية (1) (الّتي تداعت أُسسها وبدأت بالانهيار)، بأنّ الغلبة آية الحق وعلامته. وليست هذه الفكرة حديثة، بل لها جذور في التاريخ، كيف وقد قيل قديماً: إنّ المُلك لمن غلب، يريدون أنّ الحق لمن غلب. وانتشر في الألسن قول شاعر العهد الأموي:

أرى فتنةً تغلي مراجلُها والمُلْكُ بعد أبي ليلى لمن غلبا

وهذا المبدأ، على إطلاقه، غير صحيح، بل لابدّ من التفريق بين غلبة فرد أو طائفة على فرد أو طائفة، وغلبة منهج على منهج، ولو صحّ جعل الغلبة آية


1 . MARXISM .


(239)

الحق، فإنّما يصحّ في القسم الثاني ـ على ما سنشرحه ـ لا الأول. فإنّ لغلبة فرد أو طائفة أو دولة على مثلها عوامل كثيرة لا صلة لها بالحق والباطل. نعم، إذا كان اقتفاء منهج سبباً لغلبة أصحاب المنهج الآخر، فهذا من آيات أحقيّة المنهج الغالب وبطلان المنهج المغلوب، كما يشير إليه قوله تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً)(1)، وإليك البيان:

نحن نرى في الحياة أنّ طائفة تثور على طائفة أُخرى وتتغلّب عليها، وقد يتصور الإنسان الساذج أنّ الغلبة هنا، غلبة منهاج على منهاج، ولكن كثيراً ما يتفق أن يكون من قبيل غلبة طائفة على طائفة من دون أن يكون لأيّ المنهجين اللّذين تتبناهما أو تنسب إليهما كل طائفة، أدنى دخالة في تلك الغلبة والملغوبية. ولأجل إيضاح الحال نمثّل بمثالين:

المثال الأوّل: كان الصراع بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، ومعاوية، صراعاً عنيفاً، استمرّ عدّة سنين، وانتهى بانتصار جيش معاوية، وانهزام جيش علي ـ عليه السَّلام ـ (2). ولا ريب أنّ علياً كان على الحق، ومعاوية على الباطل حيث تمرّد على وصي النبي أوّلاً، ومُنْتَخَب المهاجرين والأنصار ثانياً، فكيف تُفَسَّر إذن هذه الغلبة؟

إنّ هذه الغلبة لم تكن غلبة منهج على منهج، بل كانت من قبيل غلبة طائفة على طائفة، وهناك فروض متعددة يمكن الاستعانة بها على تفسير هذه الغلبة، مثل أن يقال: إنّ الشاميين تغلبوا على العراقيين، أو إنّ العراقيين، لتخلّفهم عن منهاج الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ، حالفتهم الهزيمة. والوقائع التاريخية تشهد على ذلك، كيف وقد كان علي ـ عليه السَّلام ـ يشتكي من أهل العراق تخاذلهم عنه، وتقاعسهم عن حقّه.

يقول ـ عليه السَّلام ـ في إحدى خُطَبه لهم: «إنّي والله لأَظنُّ أنّ هؤلاء القوم


1 . الإسراء: 81 .
2 . لقد كان عليٌّ ـ عليه السَّلام ـ يخبر عن النتيجة المرّة قبل وقوعها، نظير قوله في إحدى خطبه: «أما والله ليسلطنّ عليكم غلام ثقيف، الذيّال الميّال، يأكل خَضِرَتَكُمْ، ويزيل شَحْمَتَكُمْ» لاحظ نهج البلاغة، الخطبة 116 .


(240)

سيُدالون منكم، باجتماعهم على باطلهم، وتفرُّقِكُمْ عن حقِّكُمْ، وبمعصيِتكُمْ إمامَكُم في الحق، وطاعتِهِمْ إمامَهُم في الباطل، وبادائِهِمْ الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادِكُم، فلو أئتمنت أَحَدَكم على قُعْب لخشيتُ أن يذهب بعِلاقته، اللهم إني قد مَلِلْتُهُمْ وملّوني، وَسَئِمْتُهُمْ وسَئِموني، فأَبْدِلْني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شرّاً مني. اللهم مُثْ قلوبَهم كما يُماث المِلْحُ في الماء. أما والله لَوَدِدتُ أَنَّ لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غَنْم.

هنالك لو دَعَوْتَ أتاك منهم * فوارسُ مثل أرْمِيَةِ الحميم»(1)

فالإمام ـ عليه السَّلام ـ ـ في هذه الكلمات ـ يكشف النقاب عن العوامل الّتي أدّت بالتالي إلى هزيمة جيشه، وهي تتلخص في تخلّف أتباعه عن الأصول الحقّة الّتي يجب على الشعب الالتزام بها تجاه قائده، بينما كان أتباع معاوية يجسدونها في مجتمعهم. وهذه الأُصول هي:

1. توحيد الكلمة ووحدتها، ويقابله التفرّق والاختلاف.

2. إطاعة القائد، ويقابلها التمرّد عليه وعصيانه.

3. أداء الأمانة إلى الإمام، ويقابله خيانتها.

4. إصلاح البلاد، ويقابله الإفساد فيها.

هذه الأصول الّتي جاءت في كلام الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وهي أُصول حقّة، وكان الإمام داعماً لها، والنصر حليف العمل بها، ولكن العراقيين تخلفوا عنها، بينما تفانى فيها الشاميون. فلا تُعَدّ غلبتهم، غلبةً لمنهج معاوية الّذي كان مبتنياً على مبادئ لاتوافق تعاليم الإسلام، على منهج الإمام المجسد لأصول ومبادئ الإسلام.

الثاني ـ نحن نرى أنّ البلاد الإسلامية قد صارت في هذه الأزمان فريسة للغربيين، وأنّ الغرب والشرق بمعسكريه الإشتراكي والرأسمالي، ضربا المسلمين ضرباً عنيفاً، وأغارا على ثقافتهم ومعارفهم واقتصادهم وثرواتهم، وكل شيء نالته أيديهم، فالإنسان الساذج يزعم أنّ ذلك من قبيل غلبة منهج على منهج


1 . نهج البلاغة، الخطبة 25 .


(241)

آخر، وأنّ الإسلام صار مغلوباً بالمسيحية المزعومة، أو الماركسية الملحدة، ولكنه زعم بسيط لا يثبت إلاّ بعد نفي سائر الفروض الّتي تصلح لتفسير هذه الغلبة، ومنها ما سنوضحه.

وقد استغلّ الغربيون هذه الفكرة للدعاية لمصالحهم، فترى المستشرقين والقسيسين يقولون: إنّ الطريق الدمث لتمييز الحق عن الباطل هو ملاحظة آثار الديانتين: المسيحية والإسلام، فإنّا نرى أنّ كل بلد أشرقت عليها شمس المسيحية تنعم بالرفاهية والعمران والتقدم الحضاري، وكل بلد يحكمه الإسلام تسود فيه الأميّة والتخلّف والانحطاط، أو ليس هذا دليلاً على كون الأولى حقّة والثانية باطلة.

ويقولون: إنّ المسيحية والإسلام شجرتان غرستا في المجتمعات الإنسانية، إلاّ أنّ السبيل السهل لمعرفة حقيقة الشجرة هو ثمرتها، ونحن نرى أنّ ثمرة شجرة المسيحية هي العلم والتمدن، وثمرة شجرة الإسلام خلاف ذلك.

ولكن هذه الكلمات مغالطات محضة، يتأثر بها السذج، فيفسّرون تقدّم البلاد المسيحية وتأخّر الإسلامية، بتقدم المنهج النصراني وتفوقه على المنهج الإسلامي، وهذا ادّعاء محض، لا يثبت إلاّ إذا كانت البلاد الإسلامية إسلامية حقّاً، وكانت السيادة فيها للإسلام الإسلام، وكانت البلاد المسيحية مسيحية حقّاً والسائد عليها هو الدين المسيحي، فعند ذلك يمكن أن نستدلّ بنجاح أحد المنهجين على الآخر بكونه حقّاً والآخر باطلاً.

ولكن لحسن الحظ، فإنّ كلا الأمرين منتفيان، فليست البلاد الإسلامية إسلامية بالمعنى الحقيقي، ولاالنظام إسلامي، ولا الحكام المتصدون للحكومة إسلاميون، ولا القوانين الإسلامية هي المطبّقة في المجتمع، وإنّما يحملون اسم الإسلام في تلك المجالات. ويوم كان الإسلام ـ ولو إلى حدود ما ـ سائداً فيها، كانت مزدهرة بالعلم والعمران، حليفة الرقي والتقدّم، وكانت البلاد الأوروبية والغربية عامّة، بما أنّها كانت متمسكة بالمسيحية المزعومة، متدهورة، لا أثر لعلم فيها ولا لحضارة، يعيش أهلها عيش الوحوش وتحكمهم قوانين الغاب.

وعندما انقلب الأمر وخلعت البلاد الإسلامية ربقة الإسلام عن عنقها،


(242)

انقلبت حضارتهم رأساً على عقب، ورحلت عنهم العلوم والمعارف.

وبذلك يتضح أنّ الهزيمة كانت ناتجة عن الابتعاد عن الإسلام، والانحلال عن الالتزام بمبادئه وأُصوله وفروعه، كما أنّ غلبة الغرب ناتجة عن طرده للمسيحية المزعومة الّتي كانت تحاصر العلم والعلماء، وتعذّب المكتشفين والمخترعين، وتنشر الخرافات والأساطير، وتمسكه بأسباب الحضارة والأُصول الإنسانية التي لم يزل الإسلام داعياً إليها، واتّصاله بالحضارة الإسلامية واقتباس علومها وإكمال مسيرتها. والله تعالى يعلم إلى متى تستمر هذه الغلبة ـ وبوادر انحلالهم ويقظة المسلمين قد ظهرت ـ ولله سبحانه سننُ لا تتخلّف، قال سبحانه: (سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)(1)، ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً)(2)، (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)(3).

فما ذكروه من أن ثمرة كل شجرة تعرب عن ماهيتها، صحيح، إلاّ أنّه يجب ضم معرفة أُخرى إليه وهي أنّ نعلم أنّ هذه الثمرة لهذه الشجرة، وأنّ التأخّر نتيجة تطبيق الإسلام في هذه الأعصار، والتقدم نتيجة تطبيق المسيحية كذلك. وهذا العلم منتف، بل الواقع هو العلم بخلافه .

*


1 . الفتح: 23 .
2 . فاطر: 43 .
3 . آل عمران: 140 .


(243)

الفصل الثامن
حدود المعرفة


(244)

(245)

الفصل الثامن

حدود المعرفة

الإنسان بفطرته متشوق لمعرفة كل شيء ويحاول أن يهتك حجاب الجهل عن الكون وأسراره، والنظام ورموزه، وأن يحلّق بفكره، فيقف على الغيب المستور، ويشاهد الآخرة وهوبعدُ محصورٌ بحصار الزمان والمكان، مغلول بالقيود الجسمانية والطبيعية الّتي تعرقله عن الغوص في الأعماق البعيدة عنه، ولكنه هل ينال تلك الأمنية؟ أو يعجز عنها ويقف دونها؟ أو أنّ هناك طريقاً وسطاً يسمح له بسلوك طريق المعرفة على وجه يناسب عقليته وقواه الذهنية ومرتبة وجوده الإمكاني؟

لا ريب في أنّ هناك موضوعات خارجة عن إطار المعرفة، ويقصر العقل الإنساني عن الإحاطة بها وإدراك كنهها، وفيما يلي بيانها:

1. حقيقة الوجود

إذا قلنا: الشجر موجود، أو الغنم موجود، أو الإنسان موجود، فهناك موضوعات هي: الشجر والغنم والإنسان، ومحمول هو الوجود. وعند التحقيق نرى أنّ هناك وجوداً نعبّر عنه بمرتبة من مراتب تحققه وعينيّته، ومبلغه في الكمال.

ففي المثال الأوّل نتصور أنّ الشيء حسب حركته نحو الكمال تدرج من الجسمانية إلى النباتية.


(246)

وفي الثاني نتصوره قد تدرج من النباتية إلى الحيوانية.

وفي الثالث نتصوره قد تدرج من هذه المراتب إلى مرتبة الإنسانية.

فهذه المفاهيم تحدد لنا بعض مراتب الوجود ودرجاته والحدّ الّذي بلغه في الكمال، وإذا أردنا أن نعبّر عن ذلك بعبارة بسيطة نقول: إنّ الوجود كالشمس المشرقة ليس لنورها لون، فإذا أشرقت على زجاجة ملونّة ينعكس نورها بحسب لون الزجاجة من أخضر أو أصفر أو أزرق الخ... فكأنّ شمس الوجود في عالم التكوين ليس لها لون وإنّما تتلون بالحدود والخصوصيات الّتي نعبر عنها بالماهيات، فيظهر لنا الوجود متلوناً بالنباتية والحيوانية والإنسانية.

وهذا البيان يقرّب لنا معنى الماهية الّتي تضاف إلى الوجود، ويبين لنا مكانتها بالنسبة إليه، فالعينية الخارجية هي الوجود، والحدود المبينة لدرجة كماله ومرتبته في الخارج هي الماهية.

وإذا قال الفلاسفة: الفلسفة عبارة عن العلم بحقائق الموجودات على ما هي عليه حسب الطاقة البشرية، فلا يريدون إلاّ ذلك، أي الوقوف على حدود الوجود وقيوده والإلوان الّتي تلوّن بها، ولا يزال الإنسان المتحرّي يفتح قُلل المعرفة واحدة بعد الأُخرى، ويقف على حدود الموجودات حسب ما أوتي من طاقة، فيصيب أحياناً ويخطئ أُخرى.

ولكنّ هناك كلاماً آخر دقيق جداً، وهو أنّهم مع تصريحهم بذلك، يقولون بأنّ الوجود غير معلوم الكنه، ولا يمكن للإنسان العلم بحقيقته، وإنّما يعرف الوجود برسمه وشرحه. يقول المحقق السبزواري في منظومته:

مفهومُهُ مِنْ أَعْرَفِ الأشياءِ * وكُنْهُهُ في غايَةِ الخَفاءِ

ولكنْ، أو ليس هذا تناقضاً في القول حيث إنّهم من جانب يعرّفون الفلسفة بأنّها العلم بحقائق الموجودات، ومن جانب آخر يقولون بتعذّر معرفة حقيقة الوجود؟ أو أنّه ليس بذلك، باعتبار أنّ النفي والإثبات ليسا واردين على محلّ واحد؟

فالصحيح هو الثاني، وإليك بيانه:

إنّ ما يمكن معرفته حقيقةً ـ إن صحّ ـ إنّما هو حدود الوجود وماهيات


(247)

الموجودات، الّتي ترجع معرفتها إلى معرفة درجة الوجود من حيث الكمال.

وأمّا الموضوع الّذي لا يمكن الاكتناه به ومعرفته حقيقةً، فهو نفس الوجود متعرّياً عن كل حدّ ولون. وذلك لأنّ الإنسان يتعرف على الأشياء بذهنه، وأداة الذهن أداة داخلية، لا يقع في إطارها إلاّ ما كان من سنخها وفي مرتبتها. وأمّا الوجود فهو نفس العينية الخارجية، وهو مباين لسنخ أداة إدراك الإنسان وخارج عن مرتبتها، فلايقع في أفقها حتّى تتعلّق به المعرفة.

فالذي يقع في إطار الذهن، هو المفاهيم والصور، الّتي يعبّر عنها برسم الوجود وشرحه، وبيان مرتبته وحدّه، لا الشيء الّذي يشكل دار الوجود والتحقق، أعني نفس العينية الخارجية، فإنّه يستحيل من يرد الذهن من غير طريق المفاهيم والصور والإشارات، ولأجل ذلك قالوا في الوجود: «كنهه في غاية الخفاء».

وبعبارة ثانية: إنّ أدوات المعرفة، الّتي تتبلور جذورها في الذهن، إنّما تستطيع درك ما لا يترتب عليه أثر إلاّ نفس وجوده، كالمفاهيم وصور الأشياء، دون ما تترتب عليه الآثار.

مثلاً: النار الخارجية تتصور معرفتها بنحوين:

أ ـ التعرف عليها بالمفهوم والصورة، فنتصور مفهوم النار أو صورتها في الذهن، وهذا ما يقدر عليه الذهن، لأنّ المعلوم، أعني المفهوم والصورة، لا يترتب عليهما شيء.

ب ـ التعرف عليها بحقيقتها العينية، وحيثيتها الخارجية، الّتي لا تنفك عن الأثر ـ وهو الإحراق ـ وهذا ما لا يقدر عليه الذهن، وإلاّ لزم أن يحترق الذهن في ظرف ذلك الإدراك، وليس كذلك، بل الذهن في درجة، والمعلوم في درجة أُخرى، لا يجتمعان .

فبما أنّ حقيقة الوجود في جميع مراتبه من الواجب والممكن، والعلّة والمعلول، والمجردات والماديات، والجواهر والأعراض، نفس العينية الخارجية الّتي لا تنفك عن الأثر، لا يستطيع الذهن الاكتناه بها، اللهم إلاّ ما أمكن وقوعه


(248)

في دائرة العلم الحضوري، كعلمنا بذواتنا، فإنّ الحاضر لدينا هو وجود ذاتنا، وإن كان محدوداً بحدود، ومقيّداً بقيود، إلاّ أنّ وجود النفس، بما هو وجود، حاضر لديها، لا حضوراً بالصورة والترسيم، بل حضوراً بالعينية والحقيقة.

نعم، لا يصحّ لنا أن نتخذ ذلك ذريعة لتصحيح علم الإنسان الحضوري بجميع مراتب الوجود، واجبه وممكنه، لأنّ علمه الحضوري مقصور على علمه بذاته أو بالصور القائمة بها. وأمّا العوالم الخارجة عنها، فليست هي عين ذات الإنسان ولا فعلاً قائماً بذهنه.

2. واجب الوجود

الموجود إمّا واجب لذاته وإمّا ممكن لذاته. فما وجب لذاته، لا يمكن معرفة كنهه، لإنّ واجب الوجود، على خلاف الممكنات، وجود بحت، ليس له ماهية وحدود(1) حتّى يتعلق التعرف به .

ولأجل ذلك، ينسلك واجب الوجود في عدم التعرف على كنهه، في عداد حقيقة الوجود بعامة مراتبه، غير أنّ حقيقة الوجود في غير الواجب محدودة بالماهية، ومقترنة بها، فيمكن التعرف عليها، وأمّا في الواجب فهي وجود صرف، فهو فوق أفق المعرفة.

ولكن هذا لا يعني أنّه لا يمكن التعرف على الواجب بوجه آخر يناسب مقدرة الإنسان، وهو التعرف عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله، والحكم عليه بضرورة الوجود والتحقق، وأنّه مبدأ الأشياء، إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يتخذه الإنسان وسيلة للتعرف على تلك الذات، فيقول: الله موجود، وهو واجب الوجود، عالم، قادر، حي، مريد، حكيم، ليس بجسم، ولا عرض، ولا متحيز، وهو الخالق ليس له شريك في خلقه، والمدبر ليس له شريك في تدبيره، إلى غير ذلك من الصفات الجمالية والجلالية.


1 . ستوافيك أدلته في الإلهيات في بحث التوحيد الذاتي من مباحث الصفات السلبية.


(249)

3. حقائق الأشياء

قد عرفت أنّ الماهيات، حدود الوجود الّتي تتكفل ببيان مراتبه، ولكن هل بإمكان الإنسان الوقوف على واقعية تلك الحدود الّتي يعبّر عنها تارة بالماهيات، وثانية بالجنس والفصل، وثالثة بالنوع؟ أو أنّ المعرفة تقتصر على لوازم الأنواع وخصائصها الّتي يعبّر عنها بالأعراض الخاصة والعامة؟

المنقول عن الشيخ الرئيس أنّ معرفة حقائق الأشياء أمر عسير إن لم يكن محالاً، وأنّ المعرفة إنّما تتعلّق بلوازمها وخصوصياتها.

مثلاً: المعروف في بيان حقيقة ماهية الإنسان أنّه «حيوان ناطق»، حيث جعلوا «الحيوان» جنساً، و «الناطق» فصلاً. مع أنّ فيه تأمّلاً واضحاً، لأنّه إن أُريد من الناطق، الناطق باللسان، فالنطق كيف جسماني; وإنْ أُريد منه المفكر، فالتفكير كيف نفساني; وإنْ أُريد منه النفس الناطقة، فما هي ماهية النفس؟.

يقول بعض المعاصرين: «إنّا نعيش في عالم مملوء بالحقائق والقوى، ولا نعلم أيَّ شيء هي. وهذا في الدنيا الّتي نعيش فيها، ونلمسها، ونزاول شؤوننا فيها، فكيف بالعوالم الأُخرى البعيدة عنّا؟ نقول: إنّ العالم مكوّن من ذرّات، ونقول إنّ الذرّة مكونة من الكترونات، أو من نواة وشحنة كهربائية سالبة وموجبة، ويتغيّر رأينا في تكوين الذرّة بمعدّل مرّة كل أربع سنوات، ونتبجح فنعمل من الذرّة قنابل ذريّة، ونحن لا نعلم عن حقيقتها شيئاً. نقول إنّ الأجسام تسقط لقانون الجاذبية، والمصباح يشتعل بالكهرباء، ونسخّر الكهرباء في إيجاد الحرارة والبرودة والحركة، وإيجاد الأمواج واستقبالها، ولكن ما الكهرباء؟ لا نعلم عن حقيقتها شيئاً، وإنّما نعلم كيف تستخدم، بل الحياة نفسها لم نعرف حقيقتها، وإن كانت تسكن فينا، وكل ما حولنا لا نعرف حقيقته، وإنّما نعرف أعراضه. وبعبارة أُخرى: نعرف «كيف»، ولا نعرف «ما» و «لماذا».(1)


1 . مجلة رسالة الإسلام الصادرة عن دار التقريب بالقاهرة، السنة الرابعة، العدد الأول (ربيع الثاني 1371 هـ)، ص 24، مقالة للدكتور أحمد أمين بعنوان «ما نعلم وما لا نعلم».


(250)

ولكن الحق أن يقال: إنّ الإنسان ـ بما أُوتي من بضاعة مزجاة في مواجهة هذا الكون العظيم ـ عاجز عن معرفة حقائق أكثر الموجودات، وإنّما يتمكن من التعرف على صفاتها الظاهرية ـ كثيراً ما ـ والباطنية، أحياناً.

ومع هذا الاعتراف، لا مانع من تعلّق نور العلم بحقائق بعض الأشياء، وإن كان الجزم بها، خصوصاً في مثل الفرضيات العلمية، أمر مشكل، لأنّ مُثْبَتات العلوم والمعارف ـ عدا مسلّماتها القطعية، كالأحكام الكلية في الفن الأعلى والفلسفة الأُولى، والقواعد الرياضية والهندسية ومبادئ العلوم الطبيعية ـ أقول: لأنّ مثبتاتِ العلوم والمعارف في اليوم الحاضر، منفياتُها في الغد والمستقبل. وعلى الإنسان أن يذكر في كل حال قوله تعالى: ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً )(1) .

هذا هو الحدّ الّذي يجب أن يقال في المقام من غير فرق في ذلك بين الأُمور الطبيعية والخارجة عن إطارها.

هل تتعلق المعرفة بالخارج عن إطار الحسّ؟

الإجابة عن هذا السؤال متفرعة على نتيجة البحث في أداة المعرفة، فإن قلنا هناك بانحصار أداتها في الحسّ وما يشابهه، كالتمثيل والاستقراء والتجربة، فلاتتعلق المعرفة بما وراء المحسوسات، لعدم وجود أداة قابلة لإداركها.

وأمّا لو قلنا بأنّ العقل أحدها، بل قلنا بأنّ الأدوات الأُخرى لا تنتج إلاّ بمعونة العقل، فعندئذ لا يبقى هناك فرق بين المحسوسات والمعقولات، والماديات والمجردات.

فوجود أداة العقل، دليل على إمكان المعرفة، وقد تقدم فيما سبق أنّ طريق البرهنة على النظريات الخارجة عن إطار الحسّ، هو إنهاؤها حسب التسلسل المنطقي إلى البديهيات، فعند ذلك يستطيع العقل التعرّف على المحسوسات وما وراءها، لأنّ البديهيات بديهية الصدق، وما يبتني عليها يكون صادقاً مثلها.


1 . الإسراء: 85 .


(251)

وبعبارة أُخرى: إنّ التعرّف على ما وراء الحسّ، يحصل في ظل البرهان، وهو مركب من اليقينيات، وأصولها ست: الأوليّات، والمشاهدات، والتجريبيات، والحدسيات، والمتواترات، والفطريات. فإذا كان الأساس صادقاً، فما يبتني عليه يكون مثله .

وبذلك تقع عوالم الوجود في إطار المعرفة، فالإنسان يتعرّف عليها من مبدئها إلى منتهاها. ولا يَحُدّ من إطارها إلاّ ما يحدّ من أدوات المعرفة.

ولأجل إيقاف الباحث على كيفية تعلّق المعرفة بما وراء الحسّ، نأتي بتقريبات يسهل معها التصديق بإمكان معرفة المغيبات والعوالم الخارجة عن إطار الحسّ:

1. العقل الباطن أو اللاوعي

كانت النظرية السائدة في علم النفس أنّ الإنسان ذو نفس واعية وعقل شاعر، يتصوّر ويصدّق، وتظهر سلطانها في الأفعال والحركات وغير ذلك ممّا يرجع إليها.

ولكن التحليل النفسي ـ فيما بعد ـ كشف عن أنّ هذا الذهن المشهود، هو أحد وجهي العملة، وأنّ الوجه الآخر، جانب مغمور من النفس لا يلتفت إليه الإنسان، سمّي بالعقل الباطن أو اللاوعي.

وقد أخذ بحث اللاوعي شوطاً كبيراً من الاهتمام، بعد اكتشافه كحدث عظيم في تاريخ علم النفس على يد مدرسة التحليل النفسي الّتي يتزعمها «فرويد»، وقد تبعه على هذا النهج تلامذته نظراء «يونغ» (1) و «أدلر»(2)، وإن

اختلفا مع استاذهما في بعض النتائج. وركّز المحلّلون النفسيون اهتمامهم على الدوافع والأسباب اللاشعورية الّتي تتستر خلف بعض الأفعال السلوكية والحالات النفسية للإنسان، وكشفت بذلك على سر عظيم في باطن الإنسان، غير مرئي ولا ملموس لنا، وإنّما نتعرف عليه من سلوك الإنسان وحالاته النفسية. وإليك فيما يلي البيان.

إنّ الشخصية النفسية الّتي يشير إليها الإنسان بلفظ «أنا»، يشكلها أمران نفسيان يعبّر عنهما في مصطلح علماء النفس بالعقل الواعي


1 . Jung، كارل غوستاف (1875 ـ 1961 م)، سويسري. أسس مدرسة «علم النفس التحليلي» بعد انفصاله عن فرويد 1913. يرى أنّ وراء اللاشعور الفردي، لا شعور جماعي، يتكون من أنماط قديمة من النزعات والتصورات الموروثة. وضع اختبار تداعي المعاني للكشف عن العقد النفسية. ونظريةً في أنماط الشخصية، له مذكرات نشرت عام 1963 .
2 . Edler، ألفرد إدلر (1870 ـ 1937 م) سويسري. أسس مدرسة «علم النفس الفردي». والمشهور أنّ إدلر يعارض التحليل النفسي الفرويدي في تضخيمه للجنس، مؤكّداً بالعكس دور الأنا الشعوري، وفاعلية الأهداف في مقابل العوامل الطفلية، وأنّ اضطرابات السلوك والأعراض العصبية تنشأ عن التعويض الزائد عمّا يعانيه الشخص من نقص وقصور وشعور بالدونية، وما يصيب نزعته إلى التفوق والعلو، من هبوط وحرمان. وتتلخص ـ بنظره ـ أهداف الإنسان الرئيسية في التوافق الاجتماعي، والنجاح المهني، وإشباع الحب جسمياً وعاطفياً وروحياً. ومن مؤلفاته: «علم النفس الفردي علماً وعملاً» و «فهم الطبيعة البشرية».


(252)

والعقل الباطن، أو الشعور واللاشعور.

فالعقل الواعي ـ وهو المشهود لكل إنسان ـ هو المسؤول عن سلوك الفرد وأفعاله وتصرفاته الاختيارية في الحياة. وهو ـ بما أنّه قوة مدركة للإنسان ويعمل في ظل الاختيار والإرادة ـ يكون شاعراً وعالماً بما يقع في صفحة النفس، وتظهر آثاره في أفعاله وحركاته وسكناته، في حالات وعي الإنسان والتفاته وصحوته، ويتوقف عن العلم إذا كان مسلوب الإرادة أو واقعاً تحت تأثير ظروف خاصة، كما سيأتي. وهذاكلّه مشهود لا نقاش فيه .

ثم إنهم اكتشفوا بأنّ للإنسان وراء ذلك وجداناً آخر وعقلية خاصة، تكونها عناصر عدّة، يمكن جمعها في أمرين:

الأوّل: المكبوتات، وهي الأسرار والميول والرغبات الّتي يعاني منها الإنسان، فهو يخشى ظهورها وبروزها، فيحاول أن يدفنها وينساها ويمحوها من صفحة ذهنه الواعي، ليرتاح من دوام الالتفات إليها .

الثاني: الروحيات، وهي الفطريات الإنسانية والدوافع المثلى فينا، كحب العلم والفن وحب الخير والنفور من الشر. وأيضاً: العقد النفسية،


(253)

والانحرافات السلوكية الّتي تمنع البيئة أو العادات والتقاليد من إظهارها، كعقدة التحقير، والكبر، والعجب، ونحو ذلك.

وهذه المكبوتات والروحيات تجتمع في أعماق النفس لتشكّل العقل اللاواعي للإنسان. وما دام الإنسان في حالات الوعي والشعور والاختيار، يكون العقل الواعي هو المتسلط على أفعاله، المانع لتلك المخفيات عن الظهور.

غير أنّ تلك السيادة، سيادة مؤقتة، تدوم مادام الوعي والإرادة مسيطرين، فإذا ارتفعا عنه، وقع أسير عقله الباطني من حيث لا يشعر، وانبثقت مكبوتاته وروحياته من مَكْمَنِها، فتتجلّى على أسارير وجهه، وفلتات لسانه، وتهورات جوارحه.

وأكثر ما تبرز مخفيات العقل الباطني، في حالتين:

الأولى ـ حالات غفوة العقل الظاهر، وكبوته، كحالة النوم والسكر وغيرها. ولذا يذكر الإنسان في حالة النوم ما لا يذكره في اليقظة، ويبدي في بعض حالاته ـ كحالات التنويم المغناطيسي ـ ما لا يبديه في يقظته، وما ذلك إلاّ لأنّ العقل الواعي كان مسيطراً على العقل الباطني في حال اليقظة، فإذا غفا ونام، سلبت سيادته، وتوقف في تلك اللحظات عن عمله، مفسحاً بذلك المجال أمام مخفيات العقل الباطن.

وهكذا في حال السكر، حيث تمحق ملكات التمييز والإرادة، فيقع السكران في نفوذ ضرب من الهذيان، تواكبه ثائرات زائفة، وكل ذلك من تجليات ما أُبطن في عقله.

الثانية ـ الحوادث النفسية، والمؤثّرات الروحية الخارجية، الّتي تخضع العقل الظاهر لتأثيرها الشديد، وتسلب عنه السيطرة الكاملة. كحالات الغضب، والحسد، والنزعات العاطفية، وتَوَهُّم العقاب أو الفضيحة وما شابه ذلك. فالحسود ـ مثلاً ـ إذا سمع مأثرة عن منافسة، يجرّ رداءه ـ بلا شعور ـ أو يحرّك سبحته بشدة أو غير ذلك من الحركات الّتي تبرز روحياته الباطنية.

إذا تبين ذلك نقول: إنّ العقل الباطن ليس شيئاً ملموساً ولا مشهوداً،


(254)

ومع ذلك كلّه فقد كشفت عنه الأبحاث النفسية، ودلّت عليه المشهودات الحسيّة من أفعال الإنسان في الحالات المختلفة الّتي ذكرناها. أفيصح بعد هذا أن يقال إنّ التعرّف على الذهن الباطن غير ممكن بحجة أنّه غير ملموس ولا محسوس ولا واقع في إطار التمثيل والاستقراء والتجربة؟ بل يكفينا في ذلك أنّ الأثر يكشف عن وجود المؤثر، والآية تدلّ على ذيها.

ولا خصوصية لهذا المقام، بل جميع المغيبات من هذا القبيل، نكشفها بآثارها وآياتها.

وممّا يثبت أنّ للإنسان عقلاً باطناً أنّه ربّما يتأثر بعوامل خارجية، خارجة عن إطار العقل الواعي، خصوصاً إذا عطل العقل الواعي بالتنويم الصناعي أو المغناطيسي الّذي كشفه الدكتور مسمر (1) الألماني في القرن الثامن عشر، وجاهد هو وأتباعه مدى قرن كامل من الزمن في سبيل إثباته. وقد نجح في اختباراته، فاعترف العلماء به علمياً، وها نحن نضع بين يديك هنا تجربة واحدة من تجارب التنويم الصناعي تقرّب إليك البعيد، نقلها الأستاذ المصري الزرقاني في مناهل العرفان، قال:

«هذه التجربة رأيتها بعيني، وسمعتها بأُذني، على مرأى ومسع من جمهور مثقف كبير. قام المحاضر وأحضر الوسيط، وهو فتىً فيه استعداد خاص للتأثر بالأستاذ. نظر الأستاذ في عيني الوسيط نظرات عميقة نافذة، وأجرى عليه حركات يسمونها سحبات، فما هي إلاّ لحظة حتّى رأينا الوسيط يغط غطيط النائم، وقد انتقع لونه، وهمد جسمه، وفقد إحساسه المعتاد، حتّى لقد كان أحدنا يخزه بالإبرة وخزات عدّة، ويخزه كذلك ثان وثالث، فلا يبدي الوسيط حراكاً، ولا يظهر أي عرض لشعوره وإحساسه بها. وحينئذ تأكّدنا أنّه قد نام ذلك النوم الصناعي أو المغناطيسي وهنالك تسلّط الأستاذ على الوسيط يسأله: ما اسمك؟. فأجابه باسمه الحقيقي، فقال الأستاذ: ليس هذا هو اسمك، وإنّما اسمك كذا (وافترى عليه اسماً آخر)، ثم أخذ يقرر في نفس الوسيط هذا الاسم الجديد الكاذب، ويمحو منه أثر الاسم القديم الصادق بواسطة أغاليط


1 . فردريك أنطون مسمر (1734 ـ 1815 م).


(255)

يلقنها إياه في صورة الأدلة، بكلام يوجهه إليه في صيغة الأمر والنهي، وهكذا أملى عليه هذه الأكذوبة إملاءً، وفرضها عليه فرضاً، حتّى خضع لها الوسيط وأذعن.

ثم أخذ الأستاذ وأخذنا نناديه باسمه الحقيقي المرّة بعد الأُخرى، في فترات متقطعة، وفي أثناء الحديث، على حين غفلة، كل ذلك وهو لا يجيب. ثم نناديه باسمه المصنوع فيجيب دون تردد ولا تلعثم.

ثم أمر الأستاذ وسيطه أن يتذكّر دائماً أنّ هذا الإسم الجديد هو اسمه الصحيح، حتّى إلى ما بعد نصف ساعة من صحوه ويقظته. ثم أيقظه وأخذ يتم محاضرته، ونحن نَفْجَأُ الوسيط بالاسم الحقيقي فلا يجيب، ثم نفجؤه باسمه الثاني فيجيب. حتّى إذا مضى نصف الساعة المضروب عاد الوسيط إلى حاله الأُولى من العلم باسمه الحقيقي.

وبهذه التجربة أثبت الأُستاذ أنّ المنوِّم (بكسر الواو) يستطيع أن يمحو من نفس وسيطه كلَّ أثر يريد محوه، مهما كان ثابتاً في النفس، كاسم الإنسان، عنه. وبهذه التجربة أثبت أنّ للإنسان عقلاً باطناً مثل عقله المعتاد، وأنّه في حالة التنويم يرى ويسمع من بعد شاسع، وأنّ للتنويم درجات بعضها فوق بعض، يزداد العقل الباطن سمواً بتنقله فيها، إلى غير ذلك من الآثار الّتي ذكروها في محله.(1)

إنّ هذه التجارب وأمثالها الّتي تكررت في عالم العلم كثيراً، نوافذ على الغيب، تهزّ ضمير الإنسان وتنبهه إلى أن لا يأخذه العجب بما أوتي من معلومات ضئيلة، فينكر غير المحسوس والخارج عن عالم الطبيعة، وليس الإنسان محروماً من التطلع إلى الغيب، بل وشهوده، بالطرق العلمية كالتي ذكرنا، أو المعنوية كالكشف والشهود لإهلهما.

العقل الباطن في الكتاب والسنّة

وفي الذكر الحكيم والأحاديث الإسلامية إشارات إلى العقل الباطن والشخصية الثانوية للإنسان.


1 . مناهل العرفان في علوم القرآن: 1 / 60 ـ 61 .


(256)

يقول سبحانه: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)(1).

يقول العلامة محمد حسين الطباطبائي (1321 ـ 1402 هـ): الجهر بالقول، رفعُ الصوت به. والإسرار خلافه. قال تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ)(2). و «أخفى»: أَفْعَل التفضيل من الخفاء، وذِكْر الجهر بالقول في الآية أولاً، ثم إثبات العلم بما هو أدقّ منه، وهو السرّ، والترقّي إلى أخفى، يدلّ على أنّ المراد إثبات العلم بالجميع، والمعنى: وإن جهرت بقولك وأعلنت ما تريده، أو أسررته في نفسك وكتمته، لا بل كان أخفى من ذلك، بأن كان خفياً حتّى عليك نفسك، فإن الله يعلمه.(3)

فالآية تدلّ على أنّ هناك أشياء في الضمير الإنساني، مكتومة على الإنسان نفسه، لأنّها ليست في عقله الواعي، بل في عقله الباطن الّذي لا تتجلى سرائره وخفاياه إلاّ في حالات خاصة كما ذكرنا.

وروى الصدوق في معاني الأخبار عن محمد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبد الله (الإمام الصادق) ـ عليه السَّلام ـ عن قول الله عزّوجلّ: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)، قال: «السرّ ما أكننته في نفسك، و «أخفى»: ماخطر ببالك ثم انسيته».(4)

وقال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في إشارة واضحة إلى العقل الباطن الّذي يختفي عند سيادة العقل الواعي، ثم يظهر على حين غرّة عند كبوته أو خضوعه للمؤثرات النفسية القوية: «ما أَضْمَرَ أحدٌ شيئاً إلاّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه»(5).

وقال ـ عليه السَّلام ـ في الدعاء الّذي علّمه لكميل بن زياد النخعي: «إلهي


1 . طه: 7 .
2 . المُلْك: 13 .
3 . الميزان في تفسير القرآن: 14 / 132 .
4 . معاني الأخبار: 1 / الباب 82، ص 143، الحديث الأوّل. ورواه الطبرسي في مجمع البيان عن السيدين الباقر والصادق ـ عليهما السَّلام ـ : 4 / 3 .
5 . نهج البلاغة، قصار الحكم، الرقم 26 .


(257)

وسيدي، فأسألك بالقدرة الّتي قدّرتها... أن تهب لي في هذه الليلة، وفي هذه الساعة، كل جُرْم أَجْرَمْتُه... وكلَّ سيِّئة أَمَرْتَ بإثباتها الكِرامَ الكاتبين الذين وَكَّلْتَهُمْ بِحِفْظِ ما يكون مني وجعلتهم شهوداً عليّ مع جوارحي، وكنت أنت الرقيب عليّ من ورائهم، والشاهد لما خفي عنهم»(1).

2. تجرّد النفس

الأدلة القائمة على تجرّد النفس عن المادة، وأنّها شخصية مستقلة لها السيادة والتسلط على المادة (البدن)، نافذةٌ على الغيب تثبت أنّ ما وراء الطبيعة قابل للتعرف عليه. وفيما يلي نذكر أحد أدلّة وجود النفس المجردة، وهو دليل من سنخ الأدلة الّتي يعتمد عليها علماء النفس في إثبات النفس وحالاتها.

ما هو المشار إليه بلفظ «أنا»

لم يزل كل واحد منّا ينسب أفعالاً كثيرة إلى نفسه الّتي يعبّر عنها بـ «أنا»، أو بالضمير المتصل، ويقول: قرأت، كتبت، أردت، أحببت، بل لا يكتفي بذلك، فيضيف أعضاءه إليها، ويقول: يدي، رجلي، عيني، قلبي، وما شاكل ذلك. وهذا ممّا يتساوى فيه الإلهي والمادي، ولا يمكن أن ينكره أحد.

غير أنّه يجب علينا أن نتعرف على تلك الحقيقة المعبّر عنها بـ «أنا» الّتي تستند إليها الأحوال الروحية والخارجية.

فالحسيّون يقولون: ليس هنا إلاّ مجموعة أفعال وأفكار وتصورات متلاحقة، تشكّل هذه الحقيقة، وليس لها حقيقة مستقلة. غيرأنّ الإلهيين يعتقدون بوجود حقيقة مستقلة تقف وراء الأفعال الذهنية والخارجية، وإليها تستند تلك الأفكار والتصورات والأفعال .

والّذي يبين صحة النظرية الثانية هو أنّ الأفعال البشرية، رغم صدورها عن أعضاء مختلفة، ينسبها الإنسان جميعها إلى مصدر واحد ويقول: أنا


1 . مصباح المتهجد، للشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ)، ص 774 و «الإقبال»، ص 706 .


(258)

شاهدت، أنا مشيت، أنا فكّرت، أنا أذعنت. فلا مناص ـ حينئذ ـ من الاعتراف بأنّ هناك، وراء هذه المحمولات، موضوعاً واحداً، تحمل عليه جميع هذه المحمولات، حتّى يصحّ هذا الإسناد .

ولو كان المشار إليه هو نفس التصورات والأفعال المتراكمة،لوجب أن تكون هذه القضايا محمولات بلا موضوع، لأنّ القائل لا يعترف إلاّ بالفعل كالرؤية، والتفكير و...، أو يلزم أن يكون الموضوع نفس المحمول، لأنّه إذا كانت الأفعال المتلاحقة هي نفس «أنا»، يكون الموضوع مفهوماً منتزعاً من تلك الأفعال، وكلا الأمرين ـ أي كون القضية بلا موضوع، أو كون الموضوع نفس المحمول ـ خاطئ بالوجدان والبرهان.

وبعبارة أُخرى: إذا صحّت نظرية الحسيين القائلة بأنّ شخصية الإنسان ليست سوى نفس أفعاله، لزم من ذلك أن يكون الموضوع نفس المحمول، بمعين أن يكون المنسوب إليه نفس المنسوب. وهذا ما ذكرنا من أنّه يستلزم أن تكون القضايا فاقدة للموضوع، أو تكون نفس المحمول. والكل باطل، لأنّ المحمول غير الموضوع، والمنسوب إليه غير المنسوب. وهذا خير دليل على وجود حقيقة مستقلة عن الأفكار والأفعال، هي الشخصية الإنسانية المعبّر عنها بـ «أنا»، أو النفس الإنسانية»(1).

وهذا كما يدلّ على وجود مصدر لهذه الأفعال، يدلّ على أنّه غير البدن، لأنّ المفروض أنّ ما يصدر من الأعضاء ـ كالرؤية والتفكير ـ يسند إليه أيضاً، لا إلى البدن. وهذايكشف عن أنّه غير البدن، وعن أنّه خارج عن إطار الحسّ والمادّة.

وهكذا إذن، فالموضوعات المجرّدة، تماماً كالموضوعات المادية، واقعة تحت أفق المعرفة، عبر النوافذ الّتي يمكن الإنسان بها التطلع إلى ما وراء عالم المادة.


1 . وقد اكتفينا هنا بهذا البرهان. وذكرنا ثلاثة براهين أخرى على تجرد النفس في بحث المعاد من «الإلهيات»، تحت عنوان تجرّد الروح الإنسانية، وكلّها براهين علمية يعتمد عليها الفلاسفة وعلماء النفس. ونشير إلى رؤوسها:
أ ـ ثبات الشخصية الإنسانية في دوّامة التغيّرات الجسدية.
ب ـ علم الإنسان بنفسه مع غفلته عن بدنه.
ج ـ عدم انقسام الذات الإنسانية.


(259)

3. الرؤيا الصادقة

إنّ علماء النفس قسّموا الرؤيا إلى أقسام.

أ ـ أضغاث أحلام، وهي الأحلام الّتي تنشأ من هموم الإنسان وأفكاره الّتي يعايشها في يقظته فهي تراوده عند النوم في صورة الأحلام والمنامات. وهي لا تدلّ على شيء، لأنّها ليست سوى انعكاسات لأفكار اليقظة ومشاكل الحياة.

ب ـ تجلّي اللاوعي في صفحة الوعي، وقد عرفت الكلام فيه. وهو إن دلّ، فإنّما يدلّ على أنّ شخصية الإنسان ليست هي الظاهر منه فحسب، بل له باطن لا يقلّ عن ذلك الظاهر.

ج ـ الرؤيا الصادقة، والمراد منها الصور الواقعية المرئية عند النوم، الحاكية عن أحداث قطعية وقعت قبل الرؤيا أو حينها أو بعدها، ولم يكن منها في خِلْد الإنسان شيء.

قال الشيخ الرئيس: التجربة والقياس متطابقان على أنّ للنفس الإنسانية ان تنال من الغيب نيلاً في حالة المنام، فلا مانع من أن يقع ذلك النيل في حال اليقظة، إلاّ ما كان إلى زواله سبيله، وإلى ارتفاعه إمكان.

أمّا التجربة، والتسامع والتعارف (أي إخبار الآخرين والمعرفة الشخصية)، يشهدان به. وليس من أحد من الناس إلاّ وقد جرّب ذلك في نفسه تجارب ألهمته التصديق، اللهم إلاّ أن يكون أحدهم فاسد المزاج .(1)

يريد الشيخ أنّ لكل أحد تجارب شخصية في حقل الأحلام الصادقة، إلاّ أن يكون فاسد المزاج. ويدلّ على ذلك أنّ هناك أحلاماً تحكي عن أحداث واقعة في عالم اليقظة دون أن يكون لها جذور في أعماق النفس، ودون أن يكون لها سوابق في باطن الإنسان، وقد ألّف غير واحد في ذلك المجال تآليف قيّمة، من أرادها فليرجع إليها.(2)


1 . الإشارات، مع شرحه للمحقق الطوسي: 3 / 399 .
2 . لاحظ «دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام»، للمحدث النوري (م 1320 هـ) و «الآيات البيّنات في حقيّة بعض المنامات»، للمحقق التستري (1320 ـ 1415 هـ) وهو حيّ يرزق مدّ الله في عمره. وقد ذكر الأستاذ ـ دام ظلّه ـ نبذاً من ذلك في كتاب «الله خالق الكون» الذي أُلّف تحت إشرافه فلاحظ: 387 ـ 391 .


(260)

إنّ الاستدلال بهذه الرؤيا، على وجود عالم الغيب، وإمكان التعرّف عليه، بالطريق التالي:

إنّ هذه الرؤيا تكشف عن أحداث قطعية وقعت قبلها، لم يكن الإنسان واعياً لها ولا مطّلعاً عليها ; أو بعد الرؤيا، كما هوالحال في رؤيا النبي يوسف، حيث يدلّ ذلك على أنّ للأحداث وجودات مثالية خارجة عن إطار المادة، تتعرّف عليها النفس في ظروف خاصة، حتّى قبل أن تتحقق. فالنبي يوسف رأى سجود والديه وإخوته له، قبل مدّة طويلة من تحققه، وقد ظهرت له هذه الحقيقة بصورة سجود الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً، له .

وقد أفرط الغربيون في البحث عن هذا القسم من الرؤى، واستنتجوا منها وجود عالم خارج عن إطار المادة، فيه صور الأشياء .

وقد جاء في القرآن ذكر عدّة رؤى صادقة رآها الأنبياء وغيرهم وتحققت بعد زمن من رؤيتها، وهي (عدا رؤيا يوسف الّتي قد عرفت):

ـ رؤيا أحد زميلي يوسف في السجن (1) .

ـ رؤيا زميله الآخر .(2)

ـ رؤيا ملك مصر في عهد يوسف (3) .

ـ رؤيا النبي محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دخول مكّة (4).

ـ رؤياه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نزو بني أُميّة على منبره (5). (6)

4. البراهين العقلية


1 . قوله تعالى: (قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً) يوسف: 36 .
2 . قوله تعالى: (وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ) يوسف: 36 .
3 . قوله تعالى: (وقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَرَات سِمَان يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَت خُضْر وَأُخَرَ يَابِسَات) يوسف: 43 .
4 . قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) الفتح: 27.
5 . قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) الإسراء: 60. لاحظ في نزولها مجمع البيان: 3 / 424 .
6 . إن للفخر الرازي كلاماً في ذكر سبب الرؤيا الصادقة، يقول: أمّا الرؤيا الصادقة، فالكلام في ذكر سببها مبني على ذكر مقدّمتين:
إحداهما أنّ جميع الأُمور الكائنة في العالم ممّا كان وممّا سيكون وممّا هو كائن، موجود في علم الباري، والملائكة العقلية، والنفوس السماوية.
وثانيتهما أنّ النفوس الناطقة من شأنها أن تتصل بتلك المبادئ وتنتقش فيها الصور المنتقشة في تلك المبادئ، وإنّ عدم حصول تلك الصور ليس للبخل من جهة تلك المبادئ، أو لعدم كون النفس قابلة لتلك الصور، بل لأجل أن انغماس النفس في البدن، صار مانعاً من ذلك الاتّصال التام.
إنّ النفس إذا حصل لها أدنى فراغ من تدبير البدن، اتّصلت بطباعها بالمبادئ، فينطبع فيها من الصور الحاصلة عند تلك المبادئ ما هوأليق بتلك الأنفس وأولى الأمور بها، ما يتصل بذلك الإنسان أو بأصحابه وأهل بلده وإقليمه. فإن كان الإنسان منجذب الهمّة إلى المعقولات، لاحت له أشياء، وما كانت همته في مصالح الناس رآها.
ثم أخذ بالكلام في التصرفات الّتي تطرأ على المنامات من جانب القوة المتخيلة.
لاحظ: المباحث المشرقية: 2 / 421 .


(261)

إنّ التعرّف على الموضوعات الغيبية، كما يحصل بما ذكرنا من التقريبات، يحصل بالبراهين العقلية القطعية التي تكشف عن وجود عَيْب مسلط على عالم الحضور والشهادة.

إنّ الشاك في عالم الغيب أو المنكر له، لو فتح آذان عقله، وأصغى إليها، لأدرك أنّ عالم الغيب ليس بعيداً عن مرمى المعرفة. ولكنه لمّا ركز جهوده على التجربة ـ كما سيأتي ـ وأهمل الإمعان في هذه البراهين العقلية، أنكر الغيب، أو شكّ فيه، أو حكم بتعذّر معرفة موضوعاته على فرض وجوده.

ونحن نذكر هنا رؤوس بعض من الأدلة التي استند إليها الإلهيون في الاستدلال على وجود عالم غيبي، وسنفصل بعضها في بحث إثبات الصانع :

أ ـ برهان النظم

يبتني هذا البرهان أساساً على دلالة النظام الدقيق الموجود في الكون، على وجود مبدع عظيم أبدعه، بحكم عقلي بوجود رابطة منطقية بين النظم ودخالة الشعور، وأنّ من الممتنع أن يكون النظم البديع وليد الصدفة أو خصوصية في المادة.


(262)

وهذا البرهان من قبيل الاستدلال بالأثر على المؤثر، وهو استدلال رائج في العلوم، وعليه ارتفع صرح العلم في الحضارة الحديثة.

في حين أنّ العلماء الطبيعيين يقصرون جهودهم على الطبيعة نفسها، من دون تعد إلى سواها،ترى الأنبياء والإلهيين ينتقلون من مطالعة عالم الظاهر بأسره، والآيات الطبيعية والكونية بمجموعها، إلى عالم الباطن وما وراء الطبيعة، مستدلّين بالآيات على ذيها، وبالآثار على مؤثّرها، وبالنظم السائد عليها، على دخالة علة شاعرة عالمة ليخلُصوا من ذلك إلى وجود قوّة غيبية أوجدت العالم ودبّرته بالسنن والنواميس.

فعالم الوجود متشكل من عالمي شهود وغيب، وقد تبيّن للإنسان جزء من ذلك العالم المشهود عن طريق التجربة وغيرها، وأمّا العوالم الغيبية، فهي مغمورة تحت عالم الشهود، والطريق إليها هو بالتدبر في الظاهر المشهود والعبور منه إلى الباطن: الإمعان في الجسم والتجاوز منه إلى الروح، ومطالعة مجموع الكون والانتقال منه إلى وجود خالق مدبر...

ب ـ برهان الإمكان

يبتني هذا البرهان على تقسيم المعقول إلى الواجب والممكن والممتنع، وهو من التقسيمات العقلية الواضحة.

والممكن هو ما يحتاج في وجوده إلى علّة تخرجه من العدم إلى الوجود، فهذا العالم الإمكاني يكشف عن وجود علّة أوجدته.

ثم يدور أمر تعيين هذه العلة بين عدّة فروض أكثرها باطل لأدائه إمّا إلى الدور أو إلى التسلسل الباطلين، ويتعيّن منها انتهاء عالم الإمكان إلى علة فوقه، واجبة الوجود، هي الّتي أوجدته.

ج ـ حدوث المادة

أثبتت العلوم الطبيعية والبراهين الفلسفية أنّ وجود المادة حادث غير قديم،


(263)

وأنّ للمادة بداية كما لها نهاية. ومن المعلوم أنّ الحدوث لا ينفك عن محدث، تبعاً لقانون العلية والمعلولية، فما هو المحدث للمادة؟ إنّه شيء غير المادة قطعاً، فهو شيء غيبي محيط بالمادة، وخصوصياتها .(1)

د. برهان الصدّيقين

هذا البرهان يختلف عمّا تقدم من البراهين اختلافاً جوهرياً. فإنّ ما سبق من البراهين، يشترك في توسيط الخلق بين الإنسان والغيب. ولكن هذا البرهان لا واسطة فيه، وإنّما يتوجه مباشرة إلى مطالعة الوجود ـ بما هو وجود ـ ليصل في النتيجة إلى أن هناك وجوداً واجباً، ينبع وجوده من ذاته.

وإنّما اختصّ العرفاء به، من بين سائر البراهين، لأنّهم قالوا: إنّ وجوده سبحانه أجلى من أن يستدلّ عليه بشيء من الممكنات والمخلوقات، فلا حاجة إلى شيء من هذه الوسائط، وقد قرروه بوجوه مختلفة تلاحظ في محلّها.(2)

وفي بعض كلمات أهل بيت الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، إشار إلى هذا النوع من الإستدلال:

ـ يقول الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ في دعاء الصباح: «يا من دلّ على ذاته بذاته»(3).

ـ يقول الإمام الشهيد الحسين بن علي ـ عليهما السَّلام ـ في مناجاته يوم عرفة:

«كيف يُسْتَدَلُّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟!


1 . سيأتي في البحث في هذه البراهين الثلاثة بإسهاب في «الإلهيات»، فصل إثبات الصانع.
2 . قد قرر هذا البرهان بوجوه: الأوّل ـ ما أشار إليه الشيخ الرئيس وهو معروف بالتقرير السينوي، لاحظ شرح الإشارات: 3 / 18 و 66. الثاني ـ ما أشار إليه صدر المتألهين والمعروف بالتقرير الصدرائي، لاحظ الأسفار: 6 / 13 ـ 16. الثالث ـ ما ذكره الحكيم السبزواري في تعاليقه على الأسفار، لاحظ الموضع المذكور. الرابع ـ ما اعتمد عليه المؤسس العلامة الطباطبائي في تعاليقه على الأسفار (الموضع السابق) وأصول الفلسفة، ج 5 .
3 . بحار الأنوار: 18 / 486 الباب 66، الطبعة الحجرية.


(264)

أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتّى تحتاجَ إلى دليل يدلّ عليك؟!

ومتى بَعُدتَ حتّى تكون الآثار هي الّتي توصل إليك؟!».

ثم يقول ـ عليه السَّلام ـ في آخر هذه المناجاة الشريفة الجليلة:

«يا من تجلّى بكمال بهائه... كيف تخفى وأنت الظاهر؟!

أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟!»(1).

هذه البراهين العقلية ـ وغيرها ـ تأخذ يد المتحرّي للحقيقة وتوصله إلى عالم الغيب إيصالاً عقليّاً وعلمياً، إلى حدٍّ يصير ذهن الحكيم المتأله، عاَلماً علمياً مضاهياً للعالم الواقعي. فمن قَصرَّ النظر عن هذه الأدلة، وخصّه بالتجربة ونحوها، فلا يلومَنّ إلاّ نفسه .

وها قد آن الأوان لنميط اللثام عمّا أردناه، فنقول:

إنّ العقل الباطن الّذي اكتشفه فرويد ونظراؤه، من العقل الظاهر، وبنوا عليه نظريات علم النفس الحديث، هل يمكن أن يقع في إطار التجربة مباشرة، وهل يمكن رؤيته تحت المجهر أو إدخاله في أنابيب الإختبار، أو طرحه على مناضد التشريح؟، قطعاً لا. فلماذا إذن لا ينكرون على فرويد وأمثاله هذا النوع من الأبحاث، وينكرون علينا استكشافنا عالم الغيب من عالم الشهود؟!.

ومثل ذلك يقال في ما ذكرنا من أنّ الإنسان يستكشف من توارد النسب على شيء واحد، ونسبة كل شيء إليه حتّى عمليات الأعضاء: جوارحها وجوانحها، يستكشفّ وجود جوهر مجرّد، عال عن المادة وشوائبها.

وكذلك الرؤى الصادقة الّتي تنبئ عن الحوادث قبل وقوعها.

وكذلك غيره ممّا هو شائع في العلوم الطبيعية، مثل ما حصل في اكتشاف الكوكب السيّار «نبتون» (2)، فإنّ جميع ذلك يدلّ على أنّ الاطّلاع على الغيب،


1 . الإقبال، لابن طاووس (المتوفّى عام 664 هـ): 339 .
2 . سنستعرض هذه الواقعة وواقعة أُخرى في ملحق خاص آخر الكتاب، لاحظ الملحق رقم (2) .


(265)

أي الخارج عن الحسّ، ليس أمراً محالاً، بل أمر واقعي موضوعي، معتَمَدٌ في جميع أبواب العلوم.

وقد حان الآن وقت البحث عن الحوافز الّتي دفعت بعض العلماء الطبيعيين إلى تخصيص المعرفة بالأُمور المحسوسة أو المادية، وإخراج ما وراء الطبيعة من جدول موضوعات المعرفة.

***

دوافع إخراج العوالم الغيبية عن إطار المعرفة

كانت النظرية السائدة بين العلماء الواقعيين الموضوعيين، أنّ حدود المعرفة لا تنحصر بالمحسوسات والماديات، بل تعمّها وغيرها، وأنَّ الإنسان بما أُوتي من أدوات كثيرة للمعرفة، يستطيع أن يتعرّف على عالم الغيب من طرق علمية أو فلسفية أو عن طريق الكشف والشهود، كلٌّ بما أعطي من موهبة.

ولما جاءت الحضارة الصناعية، وأوجدت ما أوجدت من رجّة كبرى في المحافل العلمية، صار بعض المتقولين في العلوم المادية إلى تبنّي نظرية أُخرى، وهي أنّ ما وراء الطبيعة خارج عن حدود المعرفة، لا يتعلق به العلم. بل ربما تجاوزوا هذا الحدّ وقالوا إنّ المعرفة إنّما تتعلّق بظواهر المادة فحسب، لا بها نفسها.

وقد كانت الدوافع النفسية إلى تبنّي هذه النظرية أُموراً نذكر منها ما يلي:

الدافع الأوّل: تخصيص أداة المعرفة بالتجربة وما يضاهيها

تطرّف بعض الطبيعيين ـ من عصر بيكون فما بعده ـ في التجربة، فزعموا أنّها الأداة الوحيدة للتعرّف على الحقائق، وأنّ ما لا يقع في إطار التجربة، فهو إمّا معدوم ليس بموجود، أو يستحيل التعرّف عليه. ولأجل ذلك شطبوا على جملة المعارف الإلهية، والعوالم الغيبية ـ حتّى عالم الأرواح ـ بخطّ عريض قائلين بأنّا لا نرى أثراً لتلك الموجودات تحت أجهزة الإختبار.


(266)

وكانت النتيجة أن نحا بعض الغربيين منحىّ مأساوياً، إذ اعتقدوا مساواة الوجود للمادة في مقام الإثبات، فكل موصوف بالوجود معناه أنّه موجود مادي، ولا شيء سوى ذلك.

التحليل: إنّا لا ننكر على التجربة فضلها العظيم على الإنسانية، ومدى خدمتها في ميادين العلم، وإنّما نريد أنْ يَفْهَمَ هؤلاء التجربيون أنّ التجربة ليست هي المقياس المنحصر للأفكار والمعارف أولاً، وأنّ التجربة بذاتها محتاجة إلى مقياس عقلي حتّى يتوسع حكمها على ما لم يجرّب ثانياً، وإليك البيان:

أ ـ إنّ لجهاز التجربة حقّ الإثبات لا حقّ النفي. فلو رأينا بالتجربة أثراً من الشيء، نستكشف أنّه موجود. وأمّا إذا لم نر منه أثراً، فليس لنا حقّ نفي وجوده، وذلك لأنّ التجربة إنّما يصحّ لها أن تحكم بالنفي والإثبات في موضوع يناسبها ويقع في إطارها. وأمّا الأشياء الروحانية، الخارجة عن إطار المادة ـ على الفرض ـ فليس لجهاز التجربة نفيها، إذ لو كانت موجودة لما أمكنها الدخول تحت أجهزة التجربة المخبرية.

فهذه الأجهزة المادية الضيقة، إنّما يمكنها القضاء في الأمور المادية، دون الخارج عنها، فإنّها عاجزة عنها.

ب ـ إنّ التجربة بنفسها، لا تعطي اليقين والجزم، فإنّها لا تزيد عن إجراء عملية على موضوعات خاصة، فمن أين لها إسراء الحكم على جميع أفراد طبيعة واحدة؟، ولا مناص في ذلك، من ضم حكم عقلي إلى هذه العملية حتّى يستنتج المجرّب حكماً عاماً، دائماً، سائداً على ما سبق، وظرفِ الحكم، وما يأتي. ولذلك عندما وقف «جان استوارت ميل» على هذا الإشكال، ذهب إلى أنّ التجربة والإستقراء مبنيان على أصل مسلّم عند جميع العلماء، وهو أنّ الطبيعة ـ في كل زمان ومكان ـ متحدة الحقيقة والوظيفة والأثر. ولأجل ذلك إذا أجرينا التجربة في مكان وزمان خاصّين، صحّ تطبيق الحكم المستنتج على ما لم نره من مصاديق الطبيعة.(1)


1 . الفلسفة العلمية: 110 .


(267)

ولكن لسائل أن يسأل: من أين وقف هؤلاء الأقطاب على أنّ الطبيعة متحدة الحقيقة والوظيفة. فالمعدن الخاص إذا انبسط في ظروف خاصة، وجب أن نحكم على جميع أفراد نوعه الأُخرى بالإنبساط في مثل تلك الظروف ؟

وقد سبق أنْ ذكرنا أنّ هذا حكم عقلي اعتمد عليه هؤلاء، وهو أنّ المتماثلين يمتنع أن يختلفا حكماً، وبعبارة أُخرى: حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.

كما ذكرنا أنّ كثيراً من المعارف الحسيّة ممتزجة بمعرفة عقلية، غير أنّ الإنسان المتسامح يتوجه إلى الجوانب الحسيّة ويغفل عن الجانب العقلي، فلاحظ.

الدافع الثاني ـ تأثير الفلسفة الوضعية

لقد كان للفلسفة الوضعية، الّتي أَسّسها أُوغست كانت (1) (1798 ـ 1857 م)، تأثير كبير في إخراج العوالم الغيبية عن إطار المعرفة، فإنّها تتبنى أصلاً خاصاً لا يضفي الواقعية إلاّ على ما له صورة ومعطيات حسيّة في الخارج، وإليك فيما يلي تقريره.

إنّ الفلسفة الوضعية ترفض النظر في أصل الأشياء بحجة أنّ هذا الأمر يتجاوز نطاق المشاهدة والتجربة، ولأجل ذلك أُتهمت بالإلحاد والمادية .

إنّ الخاصية الأساسية للفلسفة الوضعية هي النظر إلى كل الظواهر على أنّها خاضعة لقوانين طبيعية ثابتة، في الوقت الّذي تعتبر البحث عمّا يسمى بالعلل (2)


1 . Auguste Conte . مؤسس الفلسفة الوضعية، والمؤسس الحديث لعلم الإجتماع. ولد عام 1798 في مونبيليه (جنوب فرنسا)، تخصص في الهندسة. وفي سنة 1826 بدأ بإلقاء محاضرات في كلية الهندسة، عرض فيها مذهبه الوضعي، كان يحضرها عدد كبير من رجال العلم. وفي أثنائها كان يطبع ما يفرغ من تأليفه منها، فظهرت في المدة من سنة 1830 إلى 1842 تحت عنوان «محاضرات في الفلسفة الوضعية»، وهي أعظم أعماله العلمية. عشق إمرأة متزوجة وهام فيها هياماً بالغاً. أثر على نفسياته وآرائه الفلسفية والاجتماعية!! (وهكذا شأن كثير من الفلاسفة الغربيين، كما يقف عليه المتتبع لسيرهم) وأحدثت فيه لوناً من الإختلال النفسي. توفي في 5 أيلول سنة 1857 ودفن في باريس.
2 . Causes.


(268)

الأُولى أو النهائية، أمراً غير مقبول، وخال من كل معنى .

وقد سعت هذه الفلسفة لردّ ما أُلصق بها من إلحاد ومادية، ولكن سعيها كان فاشلاً، لأنّها ترى أنّه لا يمكن إثبات أحد المذهبين: المادية والميتافيزيقية، عن طريق المشاهدة، وأقصى ما عندها أنّ افتراض إرادة عاقلة (الله) هو أمر أكثر معقولية من الإلحاد، لكن ليس لديها دليل على كلا الموقفين الديني والإلحادي .(1)

وعلى ضوء هذه المعاني الفلسفية، يقول الوضعيون: إنّ القضايا المتصوّرة على قسمين:

قضايا لها معطيات حسيّة في الخارج، تمكّن من الحكم بصدقها أو كذبها. فلو قيل: «الفلز يتمدد بالحرارة»، أو قيل: «لا يتمدد»، فإنّ هناك واقعية خارجية يمكن أن تكون ملاكاً للقضاء على القضية بالصدق أو الكذب. ومثل هذه القضايا يقع في إطار المعرفة، إذ هناك شيء يمكن أن يكون مقياساً لصدق كل قضية أو كذبها.

وقضايا فاقدة لأيّة صورة في العالم الخارجي تحدد صدقها أو كذبها. «وهذا كما إذا قلنا: (إنّ للتفاحة جوهراً هو التفاحة في ذاتها، وهو فوق ما نحسّه منها بالبصر واللمس والذوق). فإنّك لن تجد فرقاً في الواقع الخارجي بين أن تصدق هذه العبارة أو تكذب، بدليل أنّك إذا تصورت التفاحة مذعناً بوجود جوهر لها غير ما تدركه منها بحواسك. ثم تصورتها في حال عدم وجود هذا الجوهر، لم تر فرقاً بين الصورتين، لأنّك لا تجد في كلتا الصورتين إلاّ المعطيات الحسيّة من اللون والرائحة والنعومة.

وما دمنا لم نجد ـ في الصورة الّتي رسمناها لحال الصدق ـ شيئاً يميزها عن الصورة الّتي رسمناها لحال الكذب، فالقضية الفلسفية كلام فارغ، لايفيد خبراً عن العالم»(2).


1 . وقد حاول أوغست كانت تطبيق منهج هذه الفلسفة على علم الإجتماع في عصره وقد كانت العلوم الاجتماعية في أيامه في عهد طفولتها. ومن أراد البسط فليرجع إلى «محاضرات في الفلسفة الوضعية»: 4 / 213 ـ 216. لاحظ الموسوعة الفلسفية: 2 / 312 ـ 313 .
2 . فلسفتنا: 97 .


(269)

وإذا كان الجوهر في التفاحة بهذه المنزلة، فالقضايا الفلسفية الّتي تعالج موضوعات ميتافيزيقيّة، ليست كلاماً مفهوماً، لعدم توفّر الشرط الأساسي للكلام المفهوم فيها، وهو إمكان وصف الظروف الّتي يعرف فيها صدق القضية أو كذبها. ولذلك لا يصحّ أن توصف القضية الفلسفية بصدق أو كذب.

يلاحظ عليه :

أولاً ـ إنّهم قد أخذوا موقفاً مسبقاً في معنى الواقعية، حيث فسّروها بعالم الحسّ والمادة، وزعموا أنّ كل ما له صورة في عالم الحسّ، فله واقعية يتمكن بها الإنسان من توصيف القضية بالصدق أو الكذب. وبعبارة أُخرى: له معطيات في حالة الصدق ومعطيات حالة الكذب.

وأمّا ما ليس له معطيات حسيّة، فلا يملك واقعية يتمكن بها الإنسان من الإذعان بصدقها أو كذبها.

ولكن هذا مصادرة على المطلوب، إذ لم يستدلوا بشيء على انحصار الواقعية بعالم الحسّ، وأنّه لولا تلك الصورة لما أمكن تصديق ولا تكذيب شيء من القضايا.

ولذلك، فلو قلنا بأنّ الواقعية ليست منحصرة بعالم الحسّ، بل هي أعمّ منه، وأنّ هناك مقاييس ومعايير أُخرى يتمكن بها الإنسان من توصيف القضايا بالصدق أو الكذب، فتكون محاولتهم فاشلة، إذ للإنسان أن يدرس القضايا الفلسفية في ضوء تلك المقاييس والمعايير، ويصفها بالصدق أو الكذب.

أجل، إنّ العالِم الميتافيزيقي يرى الواقعية أوسع ممّا ذكره الوضعيون، كما يرى المقاييس الّتي تُزَوِّدُ الإنسان بالمقدرة على وصف القضايا بالصدق أو الكذب، أعمّ من الحسّ. وقد عرفت فيما مضى أنّ من الطرق الرائجة عند العلماء ـ حتّى التجريبيين ـ الاستدلال بالآية على ذيها، وأنّ النُّظُم السائدة على الطبيعة بأسرها، آيات تعرب عن سيطرة قوة هائلة عظيمة على هذا العالم، من ذرّته إلى مجرّته .

وثانياً ـ لو اقتصرنا في توصيف القضايا، على ما له معطيات حسيّة، فيجب أن تخرج القضايا العلمية الّتي لا تعبّر عن معطىً علمي، عن إطار


(270)

المعرفة، فإنّا نرى سقوط التفاحة من الشجرة، فهذا له معطىً حسيٌّ، وأمّا قانون الجاذبية الُمسْتَنْتَج من ذلك السقوط، فليس له معطىً حسيٌّ مباشر.

ولأجل ذلك، يجب على أصحاب الفلسفة الوضعية القول بأنّ الواقعية أوسع من تحديدها بما له معطى حسيّ، بل هو على قسمين: ما له معطىً حسيّ إذا كانت نفس الواقعية حسيّة، وما ليس له معطى حسي، إذا كانت الواقعية فوق الحسّ.

فليس إثبات واقعية الشيء رهن أن يكون له معطى حسيّ تباشره حواسنا، بل يكفي في كشف الواقعيات والإذعان بوجودها، البرهنة عليها من جانب القضايا البديهية، وكأنّها تكون ذريعة لإثباتها على النحو الّذي ذكرناه.

الدافع الثالث ـ تأثير البرجماتية

لقد كان للفلسفة البرجماتية (1) الّتي كان للفيلسوف الأميركي ويليام جيمس (2) (1842 ـ 1915 م) مساهمة وافرة في تأسيسها، تأثيرٌ هامٌ في إخراج العوالم الغيبية عن إطار تعلّق المعرفة.

لقد بُنيت هذه الفلسفة على أساس أنّ «الحق» هو ما كان مفيداً أو ناجحاً أو نافعاً في الحياة. ويتوسع «جيمس» في فهم ما هو مفيد أو ناجح أو نافع:

أ ـ ففي ميدان التجربة الفيزيائية: المفيد هو ما يمكّن من التنبؤ، ومن العمل، ومن التأثير والإنتاج.

ب ـ وفي ميدان التجربة النفسانية والعقلية: المفيد هو ما هو مفيد للفكر، ومايزودنا الشعور بالمعقولية، وهو شعور بالراحة والسلام.

ج ـ وفي ميدان التجربة الدينية، يكون الإعتقاد حقاً إذا نجح روحياً، أي


1 . PRAGMATISM.
2 . Willaim James. ولد في نيويورك عام 1842. وهو الإبن الأكبر لهنري جيمس الكاتب الساخر، الّذي كان شديد الإشمئزاز من رجال الدين، عبّر عنه طوال حياته في كتاباته، وترك ذلك أثره البالغ في نشأة وتكوين ابنه ويليام. توفي في 26 آب سنة 1915 .


(271)

إذا حقق للنفس الطمأنينة والسلوى، وأعاننا على تحمل مصاعب الحياة، وسما بنا فوق أنفسنا (1) .

وبعبارة أُخرى: إنّ الأفكار ينبغي أن تعالج على أساس ما «تؤدّيه». وحينما يحكم المرء على فكرة ما بأنّها صادقة، فإنّه يدّعي بذلك أنّها تقوده في نجاح، خلال متاهة الخبرة .(2)

وبعبارة واضحة: إنّ الموضوع الّذي يليق أن يبحث عنه الإنسان، هو ما تترتب عليه نتائج عملية، فلو كان هناك موضوع غير مؤثّر في الحياة الإنسانية، فالبحث عنه إضاعة للوقت.

فكل قضية يكون الإعتقاد بها موجباً للنجاح، فهي صدق وصواب، وخلافها كذب وخطأ .(3)

فهذه الفلسفة ـ في الواقع ـ تجعل الإعتبار كلّه للعمل، دون الفكر، فكانت فلسفة معبّرة عن أصالة العمل: كل شيء يقع في إطار العمل والفائدة والإنتفاع فهو حقّ; وكل حقيقة لا تؤثّر في الواقع، لا قيمة لها; والعلم إنّما يفيد إذا كان مطلوباً للعمل، وأمّا طلب العلم للعلم، فلغو لا طائل فيه .

وجاء أتباع «جيمس» بعده يصرّحون بأنّ الذهن المملوءَ بالخرافات والمفيد في الحياة، خيرٌ من الذهن المملوء بالحقائق غير المنتج في مقام العمل، والعلم مطلوب ومرغوب به بما أنّه أداة للحياة، لا بما أنّه كاشف عن الواقع والحقائق الكونية.

إنّ استفحال هذه النظرية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أوجد في الأذهان نظرة سلبية تجاه المعارف الميتافيزيقية، بحجة أنّها أمور فكرية محضة، لا أثر عملي لها في الحياة، فهي باطلة لا حقيقة لها.

يلاحظ على هذه النظرية:


1 . موسوعة الفلسفة: 1 / 448 ـ 449 .
2 . الموسوعة الفلسفية المختصرة: 179 .
3 . مسيرة الفلسفة في أوروبا: 3 / 241 .


(272)

أولاً: لا شكّ أنّ ما ينفع في الحياة ويعطي الراحة والرفاهية، وينشر السلام ويبسط الأمن والاستقرار، أمر مطلوب جداً. غير أنّ الكلام في أنّ الإنسان هل يتمحض في الشؤون المادية، من أمنه وسلامه، وشَبَعه وارتوائه، ورَوْحه وريحانه، بحيث إنّ كل ما لا يمت إلى ذلك بصلة فهو مرفوض، ويجب أن يشطب عليه بقلم عريض، ويرمى بأنّه معدوم أو غير قابل للمعرفة؟ أو أنّ للإنسان شؤوناً أوسع من تلك، وتتطلع نفسه إلى ما هو أبعد، وإن لم يقع في طريق حياته، أو يؤمن رفاهه ورغد عيشه ؟

إنّ تمحيض الإنسان وتلخيصه في المرحلة الأُولى، نظرة إلى عالم الوجود بمنظار ضيق. وإن التقوّل بأنّ كل ما لا يقع في خدمة «أنا»، فهو ليس بموجود أو لا يعرف، فكرة خاطئة ناشئة من أنانية ماديّة، وتنزيل للإنسان من مقام إنسانيته الشامخ، إلى درجة البهيمة الّتي لا يهمها إلاّ ماؤها وعلفها.(1)

وثانياً ـ إنّ تخصيص المعرفة بما يقع في طريق العمل وخدمة الإنسان، كبح لجماح البعد العلمي الّذي اختمرت به النفس الإنسانية. وقد كشف علماء النفس أنّ للوجود الإنساني أبعاداً روحية مثلى، هي:

ـ روح الاستطلاع واستكشاف الحقائق.

ـ حب الخير والنزوع إلى البِرّ والمعروف.

ـ عشق الفن والجمال.

ـ الشعور الديني.

فإنّ البعدين الأول والثالث، يدفعاننا إلى التعرّف على كلّ ما تناله قدرة العقل البشري، سواء أكان راجعاً إلى الإنسان (أنا) أم لا. كما أنّ الشعور الديني يدفعنا إلى التعرف على ما يتصل بهذا الشعور. فتخصيص المعرفة بما ينفع في حياتنا المادية، طمسٌ لهذه الأبعاد الفطرية المسلّمة عند علماء النفس .


1 . قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «فما خُلِقْتُ لِيَشْغَلَني أَكْلُ الطيّبات، كالبهيمة المربوطة، هَمُّهْا علفها، أو المُرْسَلَةِ شُغْلُها تَقَمُّمُها، تَكْتَرِشُ من أعلافها، وتلهو عما يراد بها». (نهج البلاغة، قسم الكتب، من كتاب له ـ عليه السَّلام ـ إلى عثمان بن حُنَيْف).


(273)

ونحن نضع أمام هؤلاء ـ برسم التأمل ـ الجهود الجبارة الّتي يبذلها الفلكيون لاستطلاع الكون الهائل، وكشف أغواره وما يسبح فيها من مجرّات عظيمة، ونجوم قاصية، تبعد عن الأرض مسافات هائلة تقدر بملايين بل مليارات السنين الضوئية(1). ولا يزال المحققون يضحون بأعمارهم في سبيل هذه الاكتشافات؟ أترون أيّها البرجماتيون، هل جهود هؤلاء هباء، وعلومهم لاغية؟!

وثالثاً ـ إنّ من الوهم رمي الإيمان بالعوالم الغيبية باللغوية، وسلب كل نفع وفائدة عنها. كيف، والدين مبدع للعلوم، ودعامة للقيم الأخلاقية، والعدالة الإجتماعية، وحصن الإنسان يحصّنه في خضم متقلبات العالم، وغير ذلك من الآثار العملية العظيمة الّتي سنأتي على شرحها عند البحث عن دور الدين في الحياة.

هل العمل يصنع الإنسان؟

لقد غالت البرجماتية ومَنْ قَبِلَها من الماديين الديالكتيكيين والوجوديين (2)، فذهبوا إلى أنّ العمل هو الّذي يبني للإنسان ملكاته وأفكاره وروحياته. فإنّ الإنسان يولد وذهنه وروحه خاليان من كل فكرة وملكة، وإنّما يكتسب الصور والملكات في ظل العمل، وبها يندفع مجدداً إلى العمل عن وعي أو عن لا وعي.

يلاحظ عليه :

لا شك أنّ للعمل تأثيراً كبيراً في صنع الروحيات والملكات الفاضلة والطالحة. فإنّك ـ مثلاً ـ ترى الإنسان عند أول نطقه، لا ينطق إلاّ بصدق، حتّى يلجئه عامل ما على الكذب، فإذا كرّر ذاك العمل الرديء، انقلب الكذب في نفسه ملكة راسخة تتحكم بلجام بيانه، حتّى لا يقدر على الصدق إلاّ بمشقة. وكذلك الأمر في جانب الملكات الفاضلة. وبالجملة: العمل وتكراره خلاّق للملكات.


1 . السنة الضوئية هي المسافة الّتي يقطعها النور في مدة سنة واحدة وهي تساوي على التقريب = 5، 9 تريليون كلم، أي تسعة آلاف وخمسمائة مليار كيلومتر.
2 . EXISTENTIALISM .


(274)

ولكن الروحيات الخبيثة والطيبة ليست حصيلة العمل وحده، بل للإنسان منذ ولادته إلى أن يدرج في كفنه، ملكات عامة وفطريات سالمة، توجد بوجوده، وتنشأ وتترعرع معه، وهي تتلخص في تلك الأبعاد العامة الّتي تقدمت إليها الإشارة. فكان غلو هؤلاء في مجال العمل نتيجةً حتمية لإنكارهم الروحيات الفطرية المختمرة في وجود الإنسان.

فالإنسان الفطري هو الإنسان الّذي حافظ على فطرته، ويمشي في حياته على ضوئها. ومن مشى على خلاف ما تقتضيه فطرته، فقد مسخ إنسانيته. فالحياة القائمة على الكذب والخداع، والظلم والإفساد، بل التجرّد والعزوبية، حياة مخالفة لما تطلبه الفطرة الإنسانية. وقس على ذلك كل طارئ في حياة الإنسان، فهو إمّا على خطّ الفطرة أو منحرف عنه.

وأخيراً نقول: إنّ الوجوديين لاحقاً ـ حرصاً على حفظ الحرية ـ أنكروا الفطريات والأبعاد الروحية الثابتة في وجدان الإنسان منذ وجوده على هذه البسيطة. وكأنّهم زعموا أنّ هذه الفطريات سوائق تدفعه إلى جانب خاص، وهذا ينافي حرية الإنسان وكون شخصيته وذاتياته نتيجة العمل.

ولكن خفي على أولئك أنّ للإنسان ماهيات عامة وخاصة. فالأُولى هي الماهيات المشتركة بين جميع أفراد الإنسان، سواء أفسرناها بالحيوان الناطق أم بما ينضم إليه من الأبعاد الروحية العامة الّتي كشف عنها علماء النفس وقررها الدين باسم الفطرة، ولا يشذّ إنسان عنها أبداً، فإنّ كل فرد مذ يفتح عينيه على الحياة، يمتلك هذه الصفات العامة، ولا تزال تتكامل يوماً فيوماً.

وأمّا الماهيات الخاصة فهي الملكات والروحيات الّتي يكتسبها الإنسان عن طريق العمل، حسب دؤوبه وتمرّسه، فتحصل في نفسه ملكات لم تكن موجودة يوم جاء إلى الحياة.

فالوجوديون الذين يذهبون إلى أنّ وجود الإنسان خال ـ مُذْ ولد ـ من كل حدّ وقيد، وأنّه إنّما يكتسب هذه القيود بالعمل، خفيت عنهم الماهيات العامة وحسبوا أنّ الإنسان ذو بُعد واحد فحسب، هو ما يكتسبه من روحيات وملكات، في حين أنّها تشكل بُعداً واحداً هو الماهيات الخاصة، ووراءها ماهيات عامّة غير


(275)

مكتسبة كما عرفت (1) .

الدافع الرابع ـ الثأر من جَوْر الكنيسة

لقد كان سلوك أرباب الكنائس ومحاكم التفتيش الكتسيّة في القرون الوسطى من العوامل القوية الّتي دفعت بعض المفكرين والمثقفين الغربيين باتجاه المادية، واتّخاذ موقف سلبي من الدين والميتافيزيقية ككل.

لقد تحولت هذه المحاكم من ملاحقة المرتدين عن العقيدة الكاثوليكية، إلى مطاردة ومعاقبة العلماء والمفكرين الذين يكتشفون أشياء في الكون والطبيعة، ويتراءى أنّها حركة ضد الكنيسة.

ولقد آل أمر تلك المحاكم إلى ارتكاب مجازر شنيعة، بلغ عدد المعدومين والمحروقين فيها أزيد من ثلاثمائة ألف، أُحرق منهم اثنان وثلاثون ألفاً أحياء، منهم العالم الطبيعي المعروف «برونو»، الّذي كان جرمه أنّه حاول إحياء نظرية «فيثاغورس» في حركة الأرض والسيارات المناقضة لنظرية «بطليموس». كما صدر حكم الإعدام على العالم الفلكي الكبير «غاليليو» (2) (1564 ـ 1642 م) لتأييده نظرية «كوپرنيك»(3) (1473 ـ 1543 م) في دوران الأرض على ذاتها وحول الشمس.

لقد تطورت محاكم التفتيش الكَنَسِيّة إلى جهاز جهنمي يعارض كل تقدّم علمي، وكل شكل من أشكال الحرية الفكرية، بأعنف الوسائل وأشدّها.

وقد أحدث كل ذلك ردّة فعل سلبية تجاه الكنيسة ومبادئها، وأوجد فكرة فصل الدين عن العلم، بزعم أنّ الدين ـ بأي لون كان ـ يكافح الرُّقّي والتقدم والحضارة. وظهرت بالنتيجة، موجة الشك بالعوالم الغيبية بل إنكارها من أساسها.


1 . سنطرح شبهة الوجوديين ونجيب عنها مفصلاً عند البحث عن أفعال العباد في دائرة العدل الإلهي .
2 . Galileo.
3 . Copernic.


(276)

حدث كل ذلك من المفكرين والفلاسفة الغربيين، بلا وعي، بل كان انفعالاً لا شعورياً، ولم يكن إنكارهم للعوالم الغيبية أو الشك فيها، وكذا كل موقف سلبي حملوه على الدين والتدين، إلاّ ضلالاً في المنطق، لا استدلالاً بالبرهان.

ولذا ترى أنّ تلك المجتمعات لما مضت إلى حالتها الأولى، وتمركز فيها الإستقرار الفكري، برز جملة كثيرة من العلماء الطبيعيين والمفكرين، يدعون إلى الإيمان والاعتقاد بالمفاهيم الفلسفية الصحيحة، في ضوء ما اكتشفوه من قوانين ونواميس وأنظمة في الكون الفسيح .(1)

الدافع الخامس ـ إنهيار بعض النظريات العلمية القديمة

لقد كان سقوط وانهيار بعض الآراء والنظريات الطبيعية والفلكية القديمة، إبّان التحول العلمي في الغرب، من العوامل الجوهرية الّتي دفعت العلماء والمفكرين في عصر النهضة (2) إلى الشك في كل ما يتصل بالقديم من آراء وأفكار ونظريات، شأن كل ثورة علمية أو اجتماعية، فإنّها لا تكتفي باجتياح ما هو باطل فحسب، بل تجتاح ـ تحت تأثير العامل النفسي السلبي ـ كلَّ شيء يتصل بما قبل الثورة، حقّاً كان أو باطلاً، صحيحاً كان أم خاطئاً.

ولم تسلم العقائد الدينية من هذا القانون، فإنّهم لما رأوا أنّ ما افترضه القدماء حول الأفلاك والعناصر ذهب أدراج الرياح، عادوا يحدّثون أنفسهم قائلين: لم لا تكون العوالم الغيبية والروحية، مثل الفروض الفلكية والعنصرية، والمصدر واحد؟

فصار ـ بالتالي ـ انهيار الفروض العلمية سبباً للتشكيك في صحة المعتقدات


1 . ولعلّ من أبرز ما كتب في هذا المجال، كتاب: «الله يتجلّى في عصر العلم»، الّذي يحتوي على ما يقرب من ثلاثين مقالة تحقيقية حول وجود الله وبعض صفاته، بقلم علماء واختصاصيين في مختلف أبواب العلوم.
2 . Renaissance .


(277)

الدينية من أساسها، بل سبباً لإنكارها. وأقصى ما كان لدى المنصفين منهم (!) أنّها لا تقع في إطار المعرفة حتّى يعلم صدقها أو كذبها.

يلاحظ عليه أنّ هذا التحول كان ينبغي أن يكون دافعاً لإعادة التحقيق في العوالم الغيبية لا الإعراض عنها وضرب الكل بسهم واحد. فكما أنّ لتشخيص الحق عن الباطل في العلوم الطبيعية والفلكية معايير صحيحة، فكذلك للعلوم الإلهية والميتافيزيقية معايير راسخة يتميز بها الحق عن الباطل . غير أنّ الإنسان الثائر على القديم والقدماء والآثار الباقية منه، يموج في غلوائه ولا يمكنه الإمعان والسماع: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ)(1).

انظر إلى بطرس بيل (المتوفّى عام 1674 م) كيف يغتر بمعلوماته الضئيلة الّتي لم يبق منها في عصرنا هذا إلاّ صبابة في إناء، ويقول: «الإلحاد أفضل من التمسك بالأضاليل»، يريد بها الأديان والمعتقدات السماوية. ومثله في الغرور، البارون هولباخ الألماني (2)، يقول في كتابه «نضال الطبيعة»: «إنّ كل شيء محصور في الطبيعة، وإن كلّ ما يتخيل وراءها، وهمٌ في وهم»(3).

هذه العبارات ونظائرها تعرب عن أنّ المنكرين ركبوا مركب العصبية، وأدلوا لجامها، وألقوا حبلها على غاربها، تذهب بهم إلى مهالك الغواية، ومساقط الضلالة. ولأجل ذلك ترى أنّ المنصفين من المحققين يحقّرون علومهم، ويتواضعون بها أمام هذا الكون العظيم، مصدّقين قوله جلّ وعلا: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً )(4).

***


1 . هود: 20 .
2 . Holbach پول هنري هولباخ، (1723 ـ 1789 م) يرى أنّ الإنسان خير بطبعه لكنه ينحرف بالتربية. عارض الديانة المسيحية وأيّد وجهة النظر الطبيعية المادية.
3 . على أطلال المذهب المادي: 1 / 302 .
4 . الإسراء: 85 .


(278)

(279)

الفصل التاسع
تجرّد المعرفة



(280)

(281)

الفصل التاسع

هل المعرفة مجرّدة أو ماديّة؟

أثبتت التجارب والمشاهدات العلمية أنّ المادة الخارجية تؤثّر في الأعصاب عن طريق الحواس، وأنّ الإنسان إذا استعمل إحدى حواسه، بأن أطل بنظره على الموجودات، أو لمس بيده شيئاً، اواستمع إلى مقال قائل، وهكذا...، يحدث بنتيجة ذلك أثر ماديّ في الأعصاب والخلايا الدماغية. وهذا الأثر المادي يدور وجوده وعدمه مدار إعمال الحواس وعدمه، فإذا توقف الحسّ عن العمل إنعدم الأثر، وإذا انطلق تجلّى الأثر في الدماغ ومحالّ الإدراك.

ولكن هل حقيقة العلم والإدراك هو ذاك الأثر المادي البارز في الأدمغة عند حصول الإدراك ; أو أن العلم والإدراك شيء وراء ذلك، ولا تكون تلك الطوارئ المادية سوى معدات لحصول الإدراك والعلم؟

هذا هو السؤال الّذي نجيب عنه في هذا الفصل، وفي هذا المجال إتجاهان متغايران:

فالماديون ـ بما أنّهم يرون الوجود مساوياً للمادة ـ يقولون بأنّ العلم هو نفس الآثار المادية الظاهرة في المراكز الإدراكية عند الإدراك.

وأمّا الإلهيون ـ الذين أقاموا براهين دامغة على أنّ الوجود أعمّ من المادة، وأنّه ينقسم إلى مجرّد ومادي ـ يقولون: إنّ العلم شيء وراء ذلك الأثر، وإنّ له وجوداً خاصاً غير مادي. وإليك فيما يلي البراهين الّتي أقاموها على تجرّد


(282)

المعرفة(1).

أدلة تجرّد المعرفة

الدليل الأول ـ استحالة انطباع الكبير في الصغير

لا شك أنّ كل واحد منّا يدرك صورة الموجودات العظيمة ويتصورها بما لها من الحجم والمقدار، كالسماء المترامية، والجبال الشاهقة، والسهول الفسيحة، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إنّ من المستحيل انطباع الصور الكبيرة في المحالّ الصغيرة، لأنّ المحل يجب أن يكون أوسع من الحالّ أو مساوياً له.

فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن القول بأنّ العلم هو نفس الأثر البارز في الدماغ، فإنّ الدماغ المادي يستحيل أن يستوعب صور الأشياء العظيمة، الّتي قد ترقى نسبتها إليه، إلى نسبة أعظم الجبال إلى الذرة؟!

فلابدّ ـ إذن ـ من وجود مجرَّد وراء هذا الدماغ المادي، هو الّذي يشكل حقيقة العلم، وإدراك الأشياء.

قال صدر المتألهين: إنّا نتصور جبالاً شاهقة وصحاري واسعة مع أشجارها وأنهارها وتلالها ووهادها، ونتصور الفلك والكواكب العظيمة المقدار. فلو كان محل هذه الأشياء مقدم الدماغ، لوجب أن تحصل تلك الأُمور فيه، فإنّه شيء قليل المقدار والحجم، وانطباع العظيم في الصغير ممّا لا يخفى بطلانه.

ولا يكفي الإعتذار بأنّ كليهما يقبلان التقسيم إلى غير النهاية، فإنّ الكف لا تسع الجبل وإن كان كل منهما يقبل التقسيم لا إلى نهاية.(2)


1 . وقد بحث الإسلاميون عن تجرّد المعرفة تارة مستقلاً وأخرى تبعاً للبحث عن تجرّد النفس. فالأول ما يجده الباحث عند بحثهم عن تقسيم الوجود إلى الذهني والخارجي، فلاحظ الجزء الأوّل من الأسفار: 299 ـ 302، وشرح منظومة الحكيم السبزواري، لناظمها: 23 ـ 32. وأمّا الثاني فلاحظه في الأسفار: 3 / 475 ـ 487. وج 8 / 260 ـ 303 .
2 . المراد التقسيم العقلي لا الحسيّ، وهذا هو المراد من بطلان الجوهر الفرد أي الجزء الّذي لا يتجزّأ.


(283)

فلا محيص عن القول بأنّ ما في مقدّم الدماغ، مظاهر معدّة لمشاهدة النفس تلك الصور والأشباح في عالم المثال الأعظم، كما هو رأي شيخ الإشراق تبعاً للأقدمين من حكماء الفرس والرواقيين، أو أسباباً وآلات للنفس بها تفعل تلك الأفعال والآثار في عالم مثالها الأصغر، كما ذهبنا إليه .(1)

إجابة الماديين عن الإستدلال

اعترضوا على هذا الاستدلال، بما اثبتته الأبحاث العلمية الحديثة. وإليك حاصلها:

لقد أثبتت العلوم التشريحيّة أنّ النظام السائد على الجهاز البصري، هو نفس النظام السائد على آلة التصوير. فإنّ الأشعة المنعكسة من المرئي إلى العين تقع على عدستها، فتنكسر، وتمرّ بعدة طبقات حتّى تصطدم بالشبكية في مؤخر العين، فتنطبع صورة المرئي ـ مصغّرة ـ على الشبكية، ولكن بما للمرئي من نسب بين أجزائه الخارجية، ثم تنتقل الصورة ـ بتلك النسب ـ عبر الأعصاب إلى الدماغ، الّذي يقوم بتفسير تلك النسب ومقايستها، ثم يحكم بصغرها أو كبرها.

فالصغر والكبر ـ إذن ـ إنّما هما من الأحكام العقلية الّتي يقف عليها العقل بالمقايسة.

وأمّا ما هو مبدأ القياس في ذلك، فلعلّه بدنُ الإنسان المُدْرِك نفسُه، الّذي يمكنه الوقوف عليه عن طريق المسح باليد وغيره.

وعلى هذا الأساس، فما نجده من العظمة والإتّساع في الموجودات ليس منعكساً في جهاز الإبصار، ومحلّ الإدراك، حتّى يقال إنّه يمتنع انطباع الكبير في الصغير، بل حديث الكبر والصغر وليد الوهم والتفكير، بمقايسة أجزاء الصورة الذهنية بأجزاء بدنه الّذي وقف على حجمه بالملامسة المباشرة.


1 . الأسفار: 1 / 299 بتصرّف. وهو هنا يشير إلى المذهبين في الصور الذهنية فهناك قول بأنّ لهذه الصور وجود مستقل في عالم المثال تشاهدها النفس وهو رأي الإشراقيين. وهناك قول آخر وهو أنّ هذه الصور مخلوقة للنفس .


(284)

نعم، هذه المقايسات والنسب تحصل في الدماغ بسرعة مذهلة، كما ربما يحصل في الآلات الحاسبة والأدمغة الإلكترونية، فيتخيل الإنسان أنّه شاهد العوالم الخارجية بسعتها. والحال أنّه إنّما شاهدها مصغّرة بما انعكس على الشبكية، لكن عملية المقايسة العقلية تأخذ مجراها بسرعة فائقة كما ذكرنا.

يلاحظ عليه :

نحن لا ننكر شيئاً ممّا أقرّ به العلم من تشبيه العين بآلة التصوير، كما لا ننكر تلك المقايسات العقلية، لكن ذلك كلّه ليس شافياً ولا دافعاً للسؤال، بل تجدنا نتساءل ثانية: أين هي تلك الصورة العلمية الكبيرة، الّتي صورتها الأعصاب والخلايا الدماغية بعمليات المقايسة، وفي أي محلّ تحلّ؟

وما ربما يقال من أنّ تلك الصورة، بتلك الكيفية، صورة خيالية لا واقع لها، غير شاف أيضاً، لأنّ الصورة الخيالية صورةٌ خيالية إذا قيست إلى الواقع، وأمّا بالنسبة إلى محلّها، فلها واقعيّة لا يصحّ سلبها عنها. فتصوّر إنسان له رأسان، صورة خيالية إذا قيست إلى أفراد البشر المتعارفين، ولكنها بالنسبة إلى المحل الّذي تحققت فيه، أمر واقعي.

ولذا يعود السؤال مرة أخرى: أين هي هذه الصورة الخيالية، بتلك الكيفية، المتحققة في محلّها بعد عملية المقايسة وحكم العقل ؟

فإن زعم الماديّ أنّ هذه الصورة، في الخلايا الإدراكيّة، عاد الإشكال ثانية (انطباع الكبير في الصغير).

وإن قال بأنّها موجودة في محلّ غير الجهاز المادي، فقد اعترف بتجرّد الإدراك عن هذا الجهاز.

الدليل الثاني ـ امتناع انطباع المتصل في المنفصل

إنّ من خواص المادة، إنفصالها وعدم اتّصالها، ولكنا نرى الأجسام وما فيها من الأشكال والخطوط، متصلة. ولو كانت الصور العلمية حالّة في المادة، لظهرت هذه الصور في الذهن، متخلخلة، لأنّ محالّ الإدراك منفصلة


(285)

متخلخلة، فيجب أن يكون الحالّ بهذا الوصف، مع أنّ المعلوم لدى الذهن أمور متصلة متّسقة لا ثقب فيها ولا انفصال .

وبعبارة أُخرى: إنّ المدرك (بالفتح) أمر واحد متصل، لا انفصال بين أجزائه، ونسميه خطاً أو سطحاً أو جسماً، فليس السطح المدرك لنا إلاّ شيئاً واحداً منبسطاً انبساطاً واحداً، لا مؤلفاً من أجزائه. ومثله غيره.

فلو كانت الصورة العلمية، موجوداً ماديّاً منطبعاً على الأعصاب الدماغية، فلا منتدح من اتّصافها بصفة محالّها، فعندئذ لا تظهر صورة الجسم والسطح والخط في أفق الإدراك إلاّ بأوصاف محالّها. فلو كان المدرك (بالكسر) هو الدماغ والأعصاب لامتنع انطباع أمر واحد متصل فيه، فلا بد أن يكون شيئاً وراءه، بسيطاً لا تركُّب فيه، وهو النفس .

إجابة الماديين عن الإستدلال

أجاب الماديون عن الاستدلال المتقدم بأنّ عدم وجدان خواص المادة وشؤونها (الإنفصال) في الصور العلمية الّتي ندركها، لا يدلّ على عدم اتّصاف الصور بتلك الآثار. فإنّا وإن كنّا نجد الصور العلمية متصلة في ظرف الإدراك، لا ثقب فيها ولا خلل، إلاّ أنّ ذلك لا يستلزم القول بأنّ الفواصل والثقوب غير موجودة بين أجزاء الصور، وكم فرق بين الأمرين.

وإن أردت استجلاء ذلك، فقس الصور العلمية للأجسام على نفس الأجسام الواقعية. فكما أنّ العين ـ لمكان ضعفها ـ لا تقدر على تمييز الثقوب والفواصل، وترى الأجسام والسطوح والخطوط متصلات، فهكذا الصور العلمية المنطبعة في الدماغ، فإنّها أُمور منفصلة نتخيلها على غير واقعها.

يلاحظ عليه :

إنّا لا ننكر شيئاً ممّا ذكروه، ونحن أيضاً نقول بأنّ إدراك الجسم على صفة الإتصال إدراك تخيّلي. ولكن نضيف أنّ صور الأجسام في ظرف الخيال مسلوبٌ عنها أثر المادة (الإنفصال)، فالصور العلمية في هذا الظرف (الخيال) صور متصلة. فاقدة لخواص المادة. فتكون النتيجة أنّه وجد في ظرف الخيال أُمور غير


(286)

مادية. ولو قال المادي إنّ ذلك من صنع الخيال، لما أضرّ الدليلَ بشيء، لأنّه اعترف بوجود الأُمور المتصلة في ظرف الخيال. والصور الخيالية إنّما هي خيالية إذا قيست إلى الخارج، وأمّا إذا لوحظت بأنفسها، وغُضَّ البصر عن القياس، فهي من مراتب الوجود ومدارج الحقيقة.

الدليل الثالث ـ الروابط التصديقية لا تقبل الإنقسام

إنّ الإنقسام والتجزئة من خواص المادة، ولو وجدنا شيئاً لا يقبل الإنقسام لا حسّاً ولا عقلاً، فذاك دليل على أنّه ليس من سنخها، وإلاّ لما فارقه الإنقسام والتجزئة.

ومن تلك الأُمور الروابط التصديقية، فهي غير قابلة للإنقسام. وبإمكانك أن تستوضح الحال من المثال التالي:

تقول: هذا الجسم أبيض. فالموضوع ـ وهو الجسم ـ كمحموله، ذو أبعاض وأجزاء، إلاّ أنّ الحكم بأنّ هذا ذاك (الّذي يعبّر عنه في مصطلح المنطقيين بـ «الهوهويّة») الّذي هو روح التصديق، لا يقبل الإنقسام أصلاً. ومهما حاول الإنسان أن يضغط على عقله ليقسّم هذا التصديق والحكم، ويجعل له جزءاً، فإنّه سيظل عاجزاً عنه، غير قادر عليه .

وهذا دليل على أنّ حقيقة التصديق القائمة بالنفس، ليست ماديّة، وإلاّ لما تخلّصت من آثار المادة وخواصها.

الدليل الرابع ـ الوجدانيات لا تنقسم

يجد كلّ إنسان في أعماق ذهنه حبّاً وبغضاً وإرادة وكراهة وحسداً وبخلاً، وغير ذلك من الإدراكات الروحية، يعلم بها علماً حضورياً. وجميع تلك الأُمور بسيطة لا تقبل الإنقسام والتحليل والتجزئة، الّتي هي من أظهر خواصّ المادة.

لاحظ حبَّك لرفيقك، وبُغْضَك لعدوِّك، فهل تجد فيهما، في قراءة ذهنك، تَرَكُّباً وانقساماً، وأنّ كلاًّ منهما ينقسم إلى أجزاء. كلا، فذاك آية تميّزهما عن المادة، وإن شئت قلت: تجرّدهما.


(287)

الدليل الخامس ـ إدراكُ الكلِّي غيرُ ماديٍّ

إنّ المفاهيم العامة الكلية الّتي لا تأبى الصدق على كثيرين، كمفاهيم الإنسان والشجرة والحجر، الّتي يعبر عنها في الفلسفة بـ «المفاهيم المُرْسَلَة»، يمتنع أن تكون مادية. وذلك أنّ الموجود المادي، موجود شخصيٌّ، مقيّد بقيود الزمان والمكان. والمقيّد بها يستحيل أن يطّرد صدقه على مصاديق كثيرة، مع أنّ المفاهيم الذهنية نقيض ذلك، فإنّها تصدق على مصاديق وجدت في الأزمان الغابرة وتوجد في المستقبلية وموجودة في الحال.

واعترافنا بأنّ الكلي له صلة بأفراده ومصاديقه نتيجة انطباقه عليها، لا يصدُّنا عن القول بأنّ وجوده غير مشوب بالمادة وآثارها. يرشدنا إلى ذلك أنّ جواز صدق الكلي على كثيرين ـ الّذي هو من خصائصه ـ ممّا لا يعقل تحققه في المادة، لأنّ المادة والمادي متعينان بالزمان والمكان، والتعيّن بهما أو أحدهما لا يجتمع مع الكليّة، إذ الكلي يصدق على مصاديق مختلفة حتّى من حيث الزمان والمكان.

وعلى ذلك يصحّ لنا أن نقول: إنّ المفهوم الكلي ـ كالإنسان ـ الموجود في العقل، عار عن شوائب المادية. فهو ـ بما أنّه يصدق على كثيرين ـ مُرْسَلٌ من كل قيد، ومُطْلَق من حيث الزمان والمكان. ولا شيء من الماديات يمتّ إلى المطلق والمرسل بصلة.

وهذا يهدينا إلى القول بتجرّد الفكر من المادّة وشؤونها .(1)

الدليل السادس ـ ثبات الفكر وعدم تغيّره

التغيّر وعدم الثبات يُعَدان من أظهر خواص المادة، فلا ثبات ولا بقاء ولا استقرار لها. فالمادة والتغيّر متلازمان، وقد أثبت ذلك الفلاسفة الإسلاميون عند بحثهم عن القوة والفعل، والحركة والزمان. كما أيدته العلوم الحديثة. هذا من جانب.


1 . وقد بسط الفخر الرازي الكلام في هذا الدليل في كتابه «المباحث المشرقية»: 2 / 345 و 364 ـ 366، والأخير الصق بالبحث. فمن أراد فليرجع إليه .


(288)

ومن جانب آخر، إنّ إدراك شيء وتصوره لا يجتمع مع التغيّر والسيلان، لأنّ أسهل التعابير الّتي ذكرت لحقيقة العلم، مثل قولهم: «هو الوقوف على الشيء بإدراك صورة منه»، أو قولهم: «هو انتزاع صورة من الموجود الخارجي بالأجهزة المناسبة»، أو غير ذلك من التعاريف، تعرب عن أنّ حقيقة الإدراك يمتنع أن تكون سيّالة متغيّرة، فإنّ الوقوف على الشيء يستدعي نحو ثبات للمعلوم ونحو قرار له.

وبإمكانك صبُّ البرهان في قالب الإصطلاح، فتقول:

حيثية العلم غير حيثية التغيّر والسيلان، ويستنتج منه تغاير سنخ وجود العلم مع سنخ وجود المادة.

وإنْ صَعُبَ عليك هذا البيان فاستغن عنه بالبيان التالي في مجال التذكر:

لاشك أنّ الإنسان أليف النسيان، ينسى ما عرفه أولاً، ثم يسترجعه في فترات معينة ثانية. وليس الإسترجاع إلاّ تذكر ما غاب عنه، وبعبارة أدقّ ; إعادة عين ما كان واقفاً عليه في سالف الزمان، بحيث لا يجد فرقاً بين المُدْرَكَينْ.

فعملية الإستذكار الّتي يمارسها كلٌّ منّا في يومه وليله، دليل واضح على أنّ للصور العلمية ثباتاً وبقاءً، ولولاه لما أعدنا واستحضرنا عين ما وَعَيْناه سابقاً.

والآن نقول: لو كانت حقيقة العلوم، نفس الآثار المادية البارزة في الأدمغة البشرية، لماكان للتذكر مفهوم صحيح، خصوصاً إذا طالت المدة بين الإدراكين. ومن المعلوم والثابت في العلوم البيولوجية أنّ الخلايا تموت وتتبدل بغيرها بشكل دائم ومستمر، بل أثبت العلماء أنّ بدن الإنسان يتبدل كليّاً كل عشر سنين، فتنعدم الخلايا السابقة بأسرها وتحلّ محلها خلايا جديدة.

فلو كانت إدراكات الإنسان وعلومه متمركزة في هاتيك الأعصاب والأجهزة الدماغية، لما كان للتذكر واسترجاع عين الإدراكات، حقيقةٌ بعد فناء الأجهزة الدماغية وحلول غيرها مكانها. ويكون موقف التذكر عندئذ، موقف العلم الجديد الّذي لم يقف عليه الإنسان بعد.

إنّ القائل بمادية المعرفة لا يقدر على حلّ مشكلة عدم اجتماع العلم والإدراك


(289)

مع التغيّر والسيلان، أولاً، ومشكلة التذكر الّذي لا يجتمع مع التبدل، ثانياً، إلاّ إذا قال بتجرّد العلم عن المادة وأنّ له وجوداً وتحققاً غير ماديّ ليس قائماً بالدماغ وأعصابه، ثابتاً مستقراً مهما تبدلت الخلايا والأعصاب، والأزمنة والأمصار.

جواب الماديين عن الإستدلال

لما وقف الماديون على أنّ التذكر ـ بمعنى استرجاع الإنسان عين ما وقف عليه قبل سنين متطاولة ـ لايتلاءم مع حصر الوجود في المادة، وتفسير المعرفة بها، إنبروا لحلّ المشكلة، فتعمّلوا وجهاً فاشلاً، إليك بيانه:

قالوا: إنّ التبدلات الطارئة على البدن والدماغ، غير مُنْكَرَة. غير أنّها تعرض أيضاً على الإدراك، بسرعة لا تقدر القوى المدركة على ضبطها وتمييز ما يقوم مقامها. فهي أشبه شيء بالصور الموجودة في الماء الجاري، الّتي يتخيلها الإنسان صوراً ثابتة، وهي في الحقيقة صور سيالة تحدث واحدة بعد الأُخرى، حسب جريان الماء وسرعته، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إنّ الخلايا الجديدة الحالّة محلّ الخلايا المتحلّلة في الدماغ وأجهزة الإدراك، تحمل خواص المتحلل منها، لا بمعنى أنّ خواص السابقة تنتقل إلى الحادثة بعينها، بل المراد أنّ الخلايا الجديدة تحمل آثاراً وخواصاً تُشاكل وتُسانخ آثار الأجزاء المتحللة.

وبما أنّ التبدلات تحدث في محالّ الإدراك بسرعة، فلا يستطيع الإنسان تشخيص النائب والمنوب عنه، فيتخيل الإنسان عند التذكر أنّه استرجع عين ما عرفه في السنين السابقة، رغم أنّه مضى على ذلك الإنسان والأجهزةِ الدماغية منه، ما لا يستهان به من السنين، وتبدل بدنه بالكليّة. ولهذا يسمّى مُشاكل الأثرِ عينَه، ومُسانِخَه نفسَه.

يلاحظ عليه :

نحن لا ننكر شيئاً ممّا ذكروه من التحليل العلمي، غير أنّ جوابهم لا يحلّ


(290)

مشكلة التذكر (بالنظر إلى الأُصول المادية). فإنّ حاصل كلامهم أنّ عامة التذكرات علوم حديثة يتخيلها الإنسان أنّها عين ما كان يعرفه من قبل، ولكنها ليست ـ في الحقيقة ـ عينه، بل مثله. وهذا إنكار للتذكر من أساسه .

وبعبارة أُخرى: إنّ الماديين يزعمون أنّ القديم والحديث، والسابق واللاحق، بالنظر إلى واقعهما، متغايران، لكنهما في ظرف الخيال واحد.

فنقول: نحن نتمسك باعترافهم بالوحدة في ظرف الخيال ونقول: هذه العينية المتحققة في ذلك الظرف معناها أنّ هناك إدراكاً ثابتاً ولو في فترة التخيّل، وهو لا يصحّ أن يكون مادياً، لأنّ حقيقة المادة هي السيلان والتبدّل والتغيّر واللاثبات، وذلك على طرف النقيض من الوحدة.

وما ربما يقال من أنّ الخيال وهم ليس له سهم من الحقيقة، أمر قابل للتحليل، فإنّ القوة الخيالية والصور المتحققة فيها، موصوفان بالخيال بالنسبة إلى الخارج الحقيقي، وأمّا بالنظر إلى مرتبتهما الوجودية، فهما من مراتب الحقيقة والواقع، ودرجات الإدراك.

الآراء الماديّة في تفسير التذكر: نقل وتحليل

إنّ ما ذكره الفلاسفة قديماً وحديثاً، في تفسير التذكر تفسيراً مادياً، لا يخلو كلّه من إشكال. ومع ذلك ننقل أبرز ما ذكروه في هذا المجال.

لقد جعلوا مراحل الإدراك أربع:

المرحلة الأولى: الإدراك الابتدائي، وهو إدراك شيء بإحدى القوى الظاهرية في بادئ الأمر.

المرحلة الثانية: الحفظ، وهو إبقاء الأثر الموروث من الإدراك الابتدائي، إذ لو لم يحتفظ الذهن بالأثر الموروث من الإدراك الابتدائي، لما أمكنه أن يلتفت إليه يوماً ما ويسترجعه بلااستعانة من القوى الظاهرية.

المرحلة الثالثة: التذكر، وهو انعطاف الذهن إلى استرجاع ما أدركه سابقاً.


(291)

المرحلة الرابعة: التشخيص، وهو القضاء بأنّ هذا عين ما أدركه سابقاً وليس أمراً موهوماً، ولا إدراكاً جديداً.

والنقطة الحساسة الّتي حاروا فيها هي تفسير المرحلة الثانية، وأنّه كيف يحفظ الذهن الصورة المدرَكة مدة من الزمن، مع كونها مغفولاً عنها، إلى زمان التذكر الّذي هو ثالث المراحل، وها هنا افترضوا فروضاً.

الفرضية الأُولى: ما روي عن بعض الأغارقة من أنّ الصورة المعلومة تنتقش في الذهن، وتبقى بعينها في الدماغ.

ولكن هذه الفرضية مردودة من أساسها، لأنّها تبتني على ثبات المادة وقرارها.

الفرضية الثانية: ما ذهب إليه «ديكارت» (1595 ـ 1650 م)، من أنّ الإحساس الابتدائي يودع آثاراً وخطوطاً في الدماغ، كلما توجهت إليها النفس، وحصل التفات من الروح إليها، تؤثّر تأثيراً مشابهاً، وتطرأ ـ عند ذاك ـ في الذهن صور وهيئات وأصوات تماثل الإحساس الابتدائي.

وما ذكره مبني على أمرين:

أ ـ استقلال الروح عن البدن، الّذي كان يتبنّاه «ديكارت».

ب ـ الإدراك أثرٌ مادي في الدماغ.

والأوّل مردود بما ذكره المحققون الإلهيون.

والثاني مردود بما تقدم من تجرّد الإدراك.

الفرضية الثالثة: ما يذكره بعض الماديين المعاصرين، يقولون: إنّ الإحساس الابتدائي يورث أثراً مخصوصاً في نقطة خاصة من الدماغ بعد زوال الإدراك، وارتفاع الصورة العلمية، عند تعطيل الحواس. وكلّما أراد الإنسان إعادة تلك الخواطر، تتأثر تلك النقطة بعوامل خارجية وداخلية، كالإرادة وغيرها، فيحصل هيجان في الأعصاب، وتتولد صور علمية جديدة تماثل السابقة.


(292)

فالذهن أشبه ما يكون بآلة التسجيل، فإنّ الأمواج الصوتية لا تُسَجّل على الشريط بعينها وخصوصياتها، وإنّما تتبدّل إلى امواج مغناطيسية تنتقش في الشريط، على وجه لو أدير هذا الشريط مرة ثانية في جهاز التسجيل، تتبدل تلك الأمواج إلى أصوات تشابه السابقة.

وهذه الفرضية أيضاً مردودة، وذلك لأنّ الأثر الباقي في الأعصاب الإدراكية بعد تعطيل الحواس والإدراك، ليس نفس الصور العلمية والخواطر، وإنّما هو أثر ماديٌّ للإدراك السابق، فعندما تتأثر تلك النقطة بعوامل خارجية أو داخلية، تتمثل لنا الصور العلمية والخواطر الّتي مضت علينا. فحينئذ نسأل: هل هذه الصور العلمية والخواطر والسوانح عين ما أدركناه سابقاً أو لا؟. والأوّل لا يجتمع مع كون الإدراك مادياً. وعلى الثاني، لابدّ للمادي من الالتزام بأنّها علوم وصور جديدة، ومفاهيم حديثة تشابه سوابقها. وهو خلاف ما يجده الإنسان في قرارة ذهنه، فإنّ كل واحد منّا إذا رجع إلى وجدانه، يجد عين ما أدركه سابقاً، متمثلاً ومتجسماً، لا مشابهه ومماثله.

وأمّا قياسهم الذهن بالمسجلة، فقياس مع الفارق، فإنّ ما يسمعه الإنسان من المسجلة، إنّما هو كلام حديث يشابه الكلام السابق، مع أنّ القضية في التذكّر غير ذلك.

الدليل السابع ـ التصديق لا يتلاءم مع مادية الإدراك

لو كان الإدراك ماديّاً ـ وقد عرفت أنّ السيلان والتغيّر واللابقاء من خصائص المادة ـ لامتنع التصديق بقضية من القضايا. إذ التصديق هو الإذعان بأنّ هذا ذاك، وأنّ الموضوع متصف بمحموله. والإذعان بهذا الأمر، يتوقف على تصور مفرداته حتّى يتعلق الإذعان بالنسبة، وهذا يتوقف على كون ما ندركه من المفردات والنسب أُموراً مجرّدة ثابتة، حتّى يتمكن العقل من الحكم.

وأمّا إذا قلنا بماديّة الإدراك، وأنّ الأجزاء الدماغية وما يطرأ عليها من الصور تتبدّل فوراً ففوراً إلى المماثلات، فيمتنع التصديق. لأنّه ـ على الفرض ـ إذا تصور الإنسان موضوعاً أولاً، ثم عاد إلى تصور المحمول، ليحكم في الآن


(293)

الثالث بالوحدة بينهما، يكون الموضوع قد تبدل إلى شيء آخر، بل المحمول ـ كذلك ـ تبدل إلى أمر آخر، فكيف يمكن حصول التصديق أعني الحكم بأنّ هذا ذاك؟

وعلى القول بأنّ للصور العلمية: مفرداتها ومركباتها، وجودات مجردة، نزيهة عن المادة وعوارضها، فإذا تصور الموضوع، يبقى على ما تصور إلى أن يحمل عليه المحمول، ويحكم بالهوهوية والاتّحاد.

ولْيُعْلَم أنّ ما ذكرناه هنا يغاير ما ذكرناه في الدليل الثالث، فإنّ ما ذكرناه سابقاً مبني على أنّ التصديق عار عن الآثار الماديّة ـ وهو عدم قابليته للانقسام ـ والدليل الحاضر قائم على أساس أنّ مادية الإدراك، تَجُرّ الماديَّ ـ لا محالة ـ إلى القول بامتناع تحقق التصديق. فالدليلان متغايران جوهراً.

إجابة الماديين عن الاستدلال

إنّ للماديين حول هذا البرهان تكلّف وتجشم، لا بأس بالإشارة إليه. وهو أنّ القوى المدرِكة، والصور العلمية، بما أنّها أُمور مادية، تتحول وتتبدّل آناً بعد آن. وعلى ذلك فالموضوع المتصور أولاً، وإن كان غير باق بعينه عند حمل المحمول عليه، إلاّ أنّه تبدّل إلى موضوع مماثل يتخيّل الإنسان أنّه نفس الأوّل، فيحمل المحمول على المُتَبَدَّل إليه لا المتبَدِّل.

يلاحظ عليه :

إنا ذكرنا سابقاً أنا نرجع إلى قولهم هذا: إن الإنسان يتخيّل الموضوع باقياً لا متبدلاً إلى موضوع مماثل، فعندئذ يحمل الموضوع عليه، فنقول: إنّهم يدّعون إذن أنّ الإنسان يتخيّل المتحرك (الموضوع) ثابتاً، وهذا لا يجتمع مع ماديّة الإدراك، لأنّ الصورة العلمية ـ على ما يقولون ـ ثابتة وقارّة في ظرف الإدراك. فهل لها وجود مستقل عن الدماغ المادي؟، فهذا هو المطلوب، ومعناه أن للعلم فرداً مجرّداً عن المادة. أم أنّها مادية كما يزعمون، لكنه مناقض لمبادئ المادية القائلة بشمول الحركة والتبدل لعامة الماديات.


(294)

ولا يضرّ كونُ هذا الثبات والاستقرار خيالياً، لما تقدم مراراً من أنّ الخيال إنّما هو خيال بالنسبة إلى الخارج، وأمّا بالنسبة إلى الوجود بما هو هو، فهو من مراتب الواقع والحقيقة.

الدليل الثامن ـ حضور الذات لدى الذات

قد عرفت فيما مضى انقسام العلم إلى حصولي وحضوري، وأكثر (1) ما مرّ من البراهين أثبت تجرّد العلوم الحصولية الّتي عبّرنا عنها بالصور العلمية اوالمفاهيم الذهنية.

وهناك دليل على تجرّد العلوم الحضورية أيضاً، وهو علم ذاتنا بذاتنا. فقد دلّت التجارب على وجود هذا الإدراك في عامة المخلوقات الحيّة، وفي طليعتها الإنسان.

وهذه الحالة العلمية، أعني حضور ذواتنا لدى أنفسنا، لا تختص بعضو معين أو جانب خاص، بل تعمّ الإنسان كلّه، لأنّ أحدنا ربما يغفل عن جميع أعضائه، ومع ذلك يجد ذاته حاضرة لدى ذاته لا تغيب عنه أبداً.

واذارجع الإنسان إلى ما مضى من أيام حياته، يجد أنّ ها هنا ذاتاً ثابتة، لم يغيّرها مرور السنين وتطاول الأعوام، وتبدّل الظروف والأحوال.

فإذن، نحن ندرك ونعلم علماً حضورياً بأمر واحد بسيط لا يقبل انقساماً ولا كثرة، ثابت مستقر لا يطرأ عليه تبدّل ولا تغيّر، حاضِر أبداً لا يغيب، حضوراً بوجوده الخارجي عند المدرك من دون انتزاع صورة علمية منه. وهذه الأُمور جميعها آية كون المعلوم هذا مجرّداً بريئاً عن المادة وآثارها .(2)


1 . إشارة إلى البرهان الرابع، فإنّه ـ كهذا البرهان ـ ناظر إلى تجرّد العلوم الحضورية، فإنّ الوجدانيات كالحب والبغض معلومات للإنسان بالعلم الحضوري.
2 . إنّ هذه البراهين الّتي أقمناها على تجرّد الإدراك مستفادة من دراسات الفيلسوف الأكبر الأُستاذ العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي، ذكرها في «أُصول الفلسفة» المترجم إلى العربية بقلم الشيخ الأُستاذ ـ دام ظله ـ فلاحظ: 137 ـ 172 .


(295)

حصيلة البحث

وحصيلة البحث أنّ الصور العلمية ـ خياليّها وحقيقيّها ـ صور مجرّدة عن المادة لها وجود في الذهن الإنساني، ولها واقعية وحقيقة بريئة عن التبدّل والتغيّر، يعبّر عنها بالـ «الخيال المتصل» في الصور المحسوسة، و «عالم العقل» في الصور الكليّة.

*


(296)

(297)

الفصل العاشر
«المعرفة»
والمقولات العشر


(298)

(299)

الفصل العاشر

«المعرفة» والمقولات العشر

بسط الفلاسفة الإسلاميون البحث في تبيين ماهية العلم وأنّه من أيّة مقولة من المقولات العشر هو، وقد اختلفت آراؤهم في هذا المجال حتّى أنّ الإمام الرازي ذكر أنّ كلام الشيخ الرئيس قد اضطرب في حقيقة العلم غاية الاضطراب:

فتارة جعله أمراً عدمياً، حيث يفسِّر العلم بالتجرّد عن المادة، وهو أمر عدمي.

وأُخرى يجعله عبارة عن الصور المرتسمة في الجوهر العاقل، المطابقة لماهية المعقول.

وثالثة يجعله مجرّد إضافة.

ورابعة يجعله عبارة عن كيفية ذاتِ إضافة إلى الشيء الخارجي، وذلك عندما يبيّن أنّ العلم داخل في مقولة الكيف بالذات، وفي مقولة المضاف بالعَرَض .(1)

وقبل الخوض في صلب الموضوع، نقدم أُموراً تقرّب المقصود .


1 . المباحث المشرقية: 1 / 324 ـ 325 .


(300)

الأمر الأوّل: المقولات العشر

المعروف عند الفلاسفة الإسلاميين ـ تبعاً لأرسطو ـ أنّ المقولات لا تتجاوز العشر، وأنّ الموجودات الإمكانية لا تخرج عن إطار أحد هذه الأمور الّتي يجب أن تقال في جواب السؤال بما هي(1).

وهذه المقولات هي:

1. الجوهر: وهو الماهيّة المحصَّلة الّتي إذا وجدت وجدت لا في موضوع (2) .

2. الكم: وهو ما يقبل القسمة بالذات .(3)

3. الكيف: وهو هيئة قارّة لا تقبل القسمة والنسبة (4) .

4. الأين: وهي هيئة حاصلة من كون الشيء في المكان.

5. المتى: وهي هيئة حاصلة من كون الشيء في الزمان.(5)

6. الجدَة: وهي هيئة حاصلة من إحاطة شيء بشيء، كالتَّعَمُم والتَّنَعُّل، والتَّجَلْبُب .


1 . ولأجل ذلك أُطلق عليها المقولة لأنّها تقال في جواب السؤال عما هو الشيء، فيقال: الإنسان جوهر أو المثلث كم، أو السواد كيف.
2 . وهو خمسة أقسام: العقل، والنفس، والهيولي (المادة)، والصورة، والجسم المركب من الأخيرين.
3 . وهو على قسمين: كم متصل، كالجسم التعليمي. وقد قالوا بأنّ الزمان كم متصل .
وكم منفصل، كالأعداد.
4 . وهو أربعة أقسام :
ـ كيفٌ نفساني، كالإرادة، والقدرة، وكالعلم على مذاق المشهور.
ـ كيفٌ مختص بالكم، كالاستقامة، والانحناء.
ـ كيف استعدادي، والمسمى بالقوة واللاقوة، كالصلابة والمصحاحية، في مقابل اللين والممراضية.
ـ كيف محسوس بقوى خمس (الحواس)، فمنه كيفٌ مُبْصرَ، وكيفٌ مسموع، وكيفٌ ملموس، وكيفٌ مَذوق، وكيفٌ مشموم.
وقد احترز في التعريف بما لا يقبل القسمة عن الكم. وبما لا يقبل النسبة، عن الإضافة.
5 . وقد عرفت أنّ نفس الزمان من مقولة الكم، وأمّا المتى فهو الهيئة الحاصلة من وقوع الشيء في الزمان.


(301)

7. الوضع: وهي هيئة حاصلة للشيء من نسبة أجزاء الشيء بعضها إلى بعض، والكل إلى الخارج. فالقيام ـ مثلاً ـ هيئة في الإنسان بحسب نسبة فيما بين أجزائه وبحسب كون رأسه من فوق ورجله من تحت، والمجموع إلى الخارج المحيط، ككونه مستقبلاً أو مستدبراً.

8. الفعل: وهو هيئة غير قارة، حاصلة في الشيء المؤثر، من تأثيره، ما دام يؤثّر. كتسخين المسخِّن ما دام يُسَخِّن، وتبريد المبرِّد ما دام يُبرِّد.

9. الانفعال: وهو هيئة غير قارة، حاصلة في المتأثر، ما دام يتأثر، كتسخُّن المتسخِّن ما دام يَتسَخَّن، وتَبَرُّد المتبرِّد ما دام يَتَبرَّد .

10. الإضافة: وهي النسبة المتكررة بين شيئين. وبعبارة أُخرى: هي ماهية معقولة بالقياس إلى مهية معقولة بالقياس إلى الأُولى. فالأُبوّة إضافة، لأنّها نسبة معقولة بالقياس إلى النسبة الأُخرى وهي البنوة، الّتي هي على خلاف النسبة (1).

الأمر الثاني: اتّحاد الصور الذهنية مع الحقائق الخارجية في الماهية

قد عرفت أنّ العلم عبارة عن حضور المعلوم بنفسه لدى الذهن. وهذا يستلزم بالضرورة اتّحاد ما في الذهن مع ما في الخارج، اتّحاداً ماهوياً لا وجودياً. فالصور الذهنية عين الحقيقة الخارجية، في الماهيات والأشكال والحدود، وغيرها في سنخ الوجود.

فما تلبّس بالوجود في النشأتين (الذهن والخارج) أمر واحد من حيث الماهية، غير أنّه تحقق في النشأة الخارجية بوجود عيني، وفي النشأة العقلية بوجود ذهني، ولأجل ذلك لايترتب على كلٍّ من الوجودَيْن ما يترتب على نظيره وعديله .

يقول الحكيم السَّبْزَوَاري:

للشيء غيرُ الكوْنِ في الأعيانِ * كونٌ، بِنَفْسِهِ، لدى الأذهانِ(2)


1 . والإضافة على قسمين:
مختلفة الأطراف: كالأُبوّة والبنوّة، والعلية والمعلولية.
ـ متشابهة الأطراف: كالأُخوّة.
2 . المنظومة: 23 .


(302)

والموضوعية في «المعرفة» قائمة على أساس أنّ الصور الذهنية لا تختلف عن الموجودات الخارجية في الماهية، وإنّما تختلف في الوجود فحسب. فالذاتي ـ يعني الماهية ـ محفوظ في كلتا النشأتين، وإلى هذا يشير الحكماء بقولهم: «الذاتيات محفوظة في جميع أنحاء الوجود».

وعلى هذا الأساس، فإذاتعلق العلم بمقولة من المقولات الّتي تقدّم بيانها، لابدّ أن تكون تلك المقولة الخارجية محفوظة بعين حقيقتها في الذهن. فإذا رأينا شكلاً هندسياً مثلثاً ـ والمثلث من مقولة الكم ـ تكون صورته الذهنية ـ بحكم الضابطة المتقدمة ـ من مقولة الكم أيضاً، وإلاّ لما كانت الذاتيات محفوظة فيه ولما كان العلم حاكياً عن الواقع وكاشفاً له. فالمثلث، بكلا وجودَيْه الخارجي والذهني، من مقولة الكم وقس عليه غيره من أفراد سائر المقولات.

الأمر الثالث: المقولات هي الأجناس العليا للموجودات

ذهب الفلاسفة إلى أنّ المقولات العشر، هي المقولات العليا، وليس فوقها مقولات وإن كان تحتها أنواع أو أجناس متوسطة. فالجوهر جنسٌ عال ليس فوقه جنس وإن كان تحته أجناس متوسطة (1). والكيف جنسٌ عال ليس فوقه جنس، وإن كان تحته أجناس متوسطة(2).

وهذه الأجناس العليا، متباينة بالذات، ليس بينها جهة جامعة ذاتية. نعم، الأعراض التسعة وإن كانت داخلة تحت عنوان «العَرَض»، لكن العَرَضية ليست عنواناً ذاتياً لها، بل هي مفهوم انتزاعي ينتزع من مقام وجودها، فإنّ الأعراض التسعة ـ نسبية كانت أو غيرها(3) ـ لمّا كانت عارضة في مقام الوجود على موضوعاتها، يطلق عليها عنوان العَرَض، ولأجل ذلك لم يكن «العَرَض» جنساً عالياً، بل الأجناس العالية هي ما وقع تحت عنوان «العَرَض».


1 . هي: العقل، والنفس، والصورة، والهيولي، والجسم المركب منهما.
2 . تقدمت أقسام الكيف في الأمر الأول .
3 . الأعراض غير النسبية هي الكم والكيف. وما سواهما ـ أعني السبعة الباقية ـ أعراض نسبية.


(303)

الأمر الرابع: عُقْدة الوجود الذهني

لقد جوبه القائلون بالوجود الذهني للأشياء الخارجية، بإشكال عويص، وصفه صدر المتألهين (1) والحكيم السبزواري بأنّه «جَعَلَ العقول حيارى والأفهام صرعى». وهذا الإشكال مبني على أمرين مُسَلّميْن:

الأوّل: أنّ العلم كيفية نفسانية، فهو من مقولة الكيف النفساني.

والثاني: أنّ الصورة الذهنية متحدة مع محكيّها في الماهية، وإن اختلفا وجوداً وتحقُّقاً، لما تقدّم من أنّ كاشفية الصور الذهنية، رهنُ كونها متحدة مع الخارج ماهية، فيجب أن يكن العلم بالجوهر جوهراً، والعلم بالكيف كيفاً، والعلم بالكم كمّاً، وهكذا.

وعند ذلك يتوجه الإشكال، وهو أنّه إذا تعلّق العلم بالجوهر ـ كالإنسان ـ وجب أن تكون الصورة الذهنية الواحدة داخلة تحت جنسين عاليين متبائنين. إذ من جانب، إنّ العلم من مقولة الكيف، فالصورة الذهنية كيفٌ. ومن جانب آخر، إنّ الصورة الذهنية متحدة مع الواقعية الخارجية في الماهية، وهي هنا جوهر، فيجب أن تكون الصورة جوهراً. فكيف يمكن أن يكون شيء واحد (الصورة الذهنية) مُجَنّساً بجنسين عاليين، أعني أن يكون كيفاً، وفي الوقت نفسه جوهراً. هذا محال، لأنّ لازمه اجتماع المتبائنين في شيء واحد، أو تحت أمرين متبائنين.

ولا يختص الإشكال بالعلم بالجواهر، بل يطّرد في العلم بالأعراض في غير الكيف، كما في الكمّ والوضع، مثل السطح والانتصاب، فيلزم أن يكون العلم بالكم ـ كالمثلث ـ كيفاً من جهة، وكمّاً من جهة أُخرى .

بل يمكن تقرير الإشكال في العلم بالكيف نفسه أيضاً، إذا تعلّق بالكيف المحسوس، كالسواد، فيلزم أن يكون شيء واحد (الصورة الذهنية) كيفاً نفسانياً من جهة، وكيفاً محسوساً من جهة أُخرى .


1 . الأسفار: 1 / 298 .


(304)

وإلى هذا الإشكال يشير صدر المتألهين بقوله: «إنَّ العلم، بما أنّه من صفات النفس، يجب أن يكون من مقولة الكيف، ومن حيث إنّ حقيقة المعلوم وجدت في الذهن، وجب أن يكون من مقولة المعلوم، فيلزم أن تكون حقيقة واحدة من مقولتين»(1) .

ويقول أيضاً في الفصل الّذي عقده لحلّ إشكالات الوجود الذهني: «إنّ الحقائق الجوهرية، بناءً على أنّ الجوهر ذاتي لها ـ وقد تقرر عندهم انخفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات، كما تسوق إليه أدلّة الوجود الذهني ـ يجب أن تكون جوهراً أينما وجدت، وغير حالّة في موضوع، فكيف يجوز أن تكون الحقائق الجوهرية موجودة في الذهن، أعراضاً قائمة به؟

ثم إنّكم قد جعلتم جميع الصور الذهنية كيفيات، فيلزم اندراج حقائق جميع المقولات المتبائنة بالنظر إلى ذواتها، مع الكيف، في الكيف»(2) .

وإليه يشير الحكيم السبزواري بقوله:

والذاتُ في أنحاء الوُجوداتِ حُفِظْ * جَمْعُ المُقابِلَيْنِ فيه لُحظْ

فَجَوْهَرٌ مع عَرَض كَيْفَ اجتَمَعْ * أمْ كَيْفَ تَحْتَ الكَيْفِ كلّ قَدْ وَقَعْ

وقد مال القوم يميناً ويساراً في حلّ الإشكال، ونكتفي نحن في المقام بذكر أقرب الإجوبة إلى الصواب .(3)

الجواب الأول: للمحقق الدواني (م 908 هـ)

قال إنّ إطلاق الكيف على الصور العلمية للجوهر وسائر المقولات، إطلاق على المسامحة، تشبيهاً للأُمور الذهنية بالحقائق الكيفية الخارجية، وإنّما العلم كيف في مورد واحد، وهو ما إذا تعلّق بالكيف. وأمّا إذا تعلّق بسائر المقولات، فبما أنّ العلم متّحد بالذات مع المعلوم، يكون من مقولة المعلوم فحسب، فإن كان جوهراً فجوهر، وإن كان كمّاً فكمٌّ، وإن كان كيفاً فمن مقولة الكيف. وعلى هذا، فلا يلزم اندراج شيء واحد تحت مقولتين.


1 . الأسفار الأربعة: 1 / 325 .
2 . الأسفار الأربعة: ج 1 المنهج الثالث في الإشارة إلى نشأة أخرى للوجود غير هذا المشهود، الفصل الثالث: 277 .
3 . وأمّا الأجوبة الّتي لم يتعرض لها الأُستاذ ـ دام ظله ـ فإليك بيان رؤوسها :
1. إنكار الوجود الذهني من أساس.
2. التفريق بين القيام بالذهن والحصول فيه، ذهب إليه المحقق القوشجي (لاحظ الأسفار: 1 / 282) .
3. القول بالأشباح، أي أنّ الموجود في الذهن شبح الخارج، لا نفسه (لاحظ الأسفار: 1 / 314 ـ 315) .
4. القول بالانقلاب وأنّ الجوهر الخارجي إذا وجد في الذهن ينقلب كيفاً (لاحظ الأسفار: 1 / 316 ـ 318) ولاحظ شرح المنظومة لناظمها: 25 ـ 28، تجد تفصيل ذلك كلّه.


(305)

وإلى هذا المذهب يشير صدر المتألهين ناسباً إيّاه إلى بعض معاصري السيد الصدر (1) بقوله: إنّ إطلاق الكيف على العلم والصور النفسانية من باب المجاز والتشبيه .(2)

ويقول عنه الحكيم السَبْزَواري:

وقيل بالتشبيهِ والمسامَحَهْ * تَسْمِيَةٌ بالكيفِ عنهم مُفْصَحَهْ(3)

وهذا الجواب قابل للتصديق، ولكن ببيان سيوافيك آخر البحث.

الجواب الثاني: لصدر المتألهين الشيرازي (979 ـ 1050 هـ)

إنّ الجوهر الذهني جوهرٌ بحسب ماهيته (4)، والكمُّ الذهني كمٌّ كذلك، ومثلهما سائر المقولات، ولكنه عَرَض (كيف) بحسب وجوده في الذهن، فلا منافاة بينهما.

وقد فصَّل ـ قدَّس سرَّه ـ في تقرير مذهبه، تفصيلاً بالغاً (5)، لا يسعنا نقله، وإنّما نوضحه أولاً، ثم نورد كلام بعض شراح نظريته ثانياً:


1 . السيد السند صدر الدين الدشتكي، المتوفى عام 930 هـ .
2 . الأسفار: 1 / 324 .
3 . شرح المنظومة: 28 .
4 . أي بالحمل الأَولي، ومثله الكم الذهني، وهكذا.
5 . لاحظ الأسفار: 1 / 277 ـ 282 .


(306)

إنّ الجواب الّذي ذكره صدر المتألهين، مبني على التفريق بين الحمل الأولي، والحمل الشائع الصناعي.

والمراد من الأوّل، وحدة المحمول مع الموضوع مفهوماً، كالإنسان إنسانٌ، أو الإنسان حيوان ناطق. فالمقصود أنّ الموضوع نفس المحمول مفهوماً، ولا نظر إلى خارج المفهوم.

والمراد من الثاني، هو وحدتهما مصداقاً وخارجاً، عيناً وتحققاً، كقولنا: زيد إنسان، فالوحدة هنا لا تعني الوحدة في المفهوم، لوضوح مغايرتهما، بل تعني الوحدة تحققاً، وأنّ زيداً، والإنسان، متحققان بوجود واحد. ومثله: زيد قائم وآكل.

ولأجل اختلاف الحَمْلَينْ حقيقةً، يشترط في تحقق التناقض بين قضيتين، وحدة الحمل فيهما، ولولاها ربما يجتمع الإيجاب والسلب بلا تناقض (1)، فيصح أن يقال :

«زيد إنسان».

و «زيد ليس بإنسان».

أما الأوّل، فبالحمل الشائع الصناعي.

وأمّا الثاني، فبالحمل الأولي.

إذا اتّضح ذلك، فعلينا أن نقف على المراد من كون الإنسان الذهني جوهراً، هل هو جوهر بالحمل الأولي، أو جوهر بالحمل الشائع الصناعي.

والحق هو الأوّل، إذ ليس للإنسان الذهني من الجوهرية نصيب إلاّ مفهومها، فإذا قيل بأنّ الإنسان: جوهر، جسم، نام، حساس... فالمراد أنّ الإنسان الكلّي، في مقام التحليل، ينحل إلى تلك المفاهيم، ولكنه لا يمتلك سوى المفهوم لا الواقعية والعينية. وما له الواقعية والعينية من ذلك الجوهر، فإنّما هو المصداق الخارجي لذلك الإنسان الكلي، وهو زيد الفرد الخارجي، فإنّه هو الجوهر حقيقةًَ.


1 . ولذلك أضيفت وحدة الحمل على الوحدات الثمان المشتَرَطَة في تحقق التناقض .


(307)

وإنّما قلنا إنّ الإنسان الكلّي ليس له نصيب من الجوهرية إلاّ مفهومها، لأنّ للجوهر الواقعي الخارجي، آثاراً، منها كونه موجوداً لا في موضوع، والحال أنّ الإنسان الكلّي موجود في الذهن وقائم به، فكيف يمكن أن يكون مصداقاً للجوهر مع عدم ترتب الأثر عليه؟ وهذا يجرّنا إلى القول بأنّه جوهر من حيث المفهوم فحسب، أي إذا حلّلناه ينحل إلى مجموعة مفاهيم هي: مفهوم الجوهر، ومفهوم الجسم، ومفهوم النامي... الخ.

ومثل الإنسان الكليّ، «السواد» الموجود في الذهن، والسطح الذهني، فلاحَظَّ للأول من الكيفية إلاّ مفهوم الكيف، ولاحظّ للثاني من الكمية إلاّ مفهوم الكم، بنفس البيان السابق، فإنّ للكيف والكم الخارجيين آثاراً مفقودة في الذهن.

وعلى ضوء ذلك ينحل الإشكال، إذ لا مانع من أن يكون الإنسان الذهني جوهراً وكيفاً في الوقت نفسه، والسطح الذهني كما وكيفاً في الوقت نفسه، والسواد الذهني كيفاً محسوساً وكيفاً نفسانياً في الوقت نفسه، وذلك باعتبارين .

فهو بالحمل الأولي من نفس مقولته الخارجية.

وبالحمل الشائع الصناعي كيف نفساني قائم بصقع الذهن.

فلا تناقض في قولنا: الإنسان الذهني جوهر وكيف، إذ هو جوهر بالحمل الأولي، وكيف بالحمل الشائع الصناعي.

وبعد أن أوضحنا هذه النظرية، نذكر كلام بعض من لخّصها من الحكماء:

قال الحكيم السبزواري: إنّ الطبائع الكلية العقلية (كالإنسان) من حيث كليتها ومعقوليتها، لا تدخل تحت مقولة من المقولات (بالحمل الشائع لا بالحمل الأَولي) ومن حيث وجودها في النفس تدخل تحت مقولة الكيف.(1)

إنّ الجوهر، وإن أُخذ في طبيعة نوعه، كالإنسان، وكذا الكم في طبيعة


1 . فهو جوهر بالحمل الأولي، وكيف بالحمل الشائع. وفي الحقيقة جوهر مسامحةً، كيف بالحقيقةِ، لأنّ الجوهر الحقيقي هو ما تترتب عليه آثاره الخارجية.


(308)

نوعه، كالسطح، فقد حدّدا بما اشتمل عليه. وكذلك في بواقي الأجناس والأنواع، كيفٌ. ولو لم تؤخذ فيها، لم تكن الأشخاص أيضاً جواهر أو كميات أو غيرهما بالحقيقة وبالحمل الشائع مع أنّها كذلك ، لكنه غير مُجْد، لأنّ مجرّد أخذ مفهوم جنسيٍّ (الجوهر) في مفهوم نوعي (الإنسان)، لا يوجب اندراج ذلك النوع في ذلك الجنس، كاندراج الشخص تحت الطبيعة (زيد إنسان)، ولا حمله شائعاً عليه، إذا لم يكن أزيد من صدق ذلك الجنس على نفسه (الجوهر جوهر)، حيث لا يوجب كونه فرداً من نفسه، بل الاندراج الموجب لذلك أَنْ يترتب على المندرج آثار تلك الطبيعة المندرج فيها، كما يقال: السطح كمّ، متصل، قارّ، منقسم في الجهتين. فيكون السطح باعتبار كميته، بلا انقسام، وباعتبار اتّصاله، ذا حدّ مشترك، وباعتبار قراره، ذا أجزاء مجتمعة في الوجود. ولكن ترتب الآثار، مشروط بالوجود العيني، كما في الشخص الخارجي من السطح. وأمّا طبيعة السطح المعقولة، فلا تترتب عليها تلك الآثار، كما لا يخفى. نعم، مفاهيمها لا تنفك عنها»(1).

وقال العلاّمة الطباطبائي في بيان هذه النظرية: «إنّ مجرّد أخذ مفهوم جنسي أو نوعي في حدِّ شيء، وصدقه عليه، لا يوجب اندراج ذلك الشيء تحت ذلك الجنس أو النوع، بل يتوقف الاندراج على ترتب آثار ذلك الجنس أو النوع، الخارجية، على ذلك الشيء.

فمجرّد أخذ الجوهر والجسم مثلاً في حدّ الإنسان ـ حيث يقال ; الإنسان جوهر جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق ـ لا يوجب اندراجه تحت مقولة الجوهر أو جنس الجسم حتّى يكون موجوداً لا في موضوع، باعتبار كونه جوهراً، ويكون بحيث يصحّ أن تفرض فيه الأبعاد الثلاثة باعتبار كونه جسماً، وهكذا. وكذا مجرّد أخذ الكم والاتّصال في حدّ السطح حيث يقال: السطح كم متصل قار منقسم في جهتين، لا يوجب اندراجه تحت الكم والمتصل، مثلاً، حتّى يكون


1 . شرح المنظومة، لناظمها: 29، تلخيصاً لكلام صدر المتألهين في الأسفار: 1 / 294 ـ 298 .


(309)

قابلاً للانقسام بذاته، من جهة أنّه كمّ، ومشتملاً على الفصل المشترك، من جهة أنّه متصل، وهكذا.

ولو كان مجرّد صدق مفهوم على شيء موجباً للاندراج، لكان كل مفهوم كلّي فرداً لنفسه، لصدقه بالحمل الأولي على نفسه. فالاندراج يتوقف على ترتّب الآثار، ومعلوم أنّ ترتب الآثار إنّما يكون في الوجود الخارجي دون الذهني.

فتبيّن أنّ الصورة الذهنية غير مندرجة تحت ما يصدق عليها من المقولات، لعدم ترتب آثارها عليها. لكن الصورة الذهنية، إنّما لا تترتب عليها آثار المعلوم الخارجي، من حيث هي وجود مقيس إلى ما بحذائها من الوجود الخارجي. وأمّا من حيث هي حاصلة للنفس حالاً، أو ملكةً تطرد عنها الجهل، فهي وجود خارجي، موجود للنفس، ناعت لها، يصدق عليه حدّ الكيف بالحمل الشائع، وهو أنّه عرض لا يقبل قسمة، ولا نسبةً، لذاته، فهو مندرج بالذات تحت مقولة الكيف، وإن لم يكن من جهة كونه وجوداً، ذهنياً مقيساً إلى الخارج، داخلاً تحت شيء من المقولات، لعدم ترتب الآثار، اللهم إلاّ تحت مقولة الكيف بالعرض »(1).

***

الجواب الثالث ـ للمحقق السبزواري (1214 ـ 1289 هـ)

إنّ كلَّ متصوَّر في الذهن، داخلٌ بالحمل الأولي تحت مقولته، وإن لم يكن فرداً منه، ومحمولاً عليه بالحمل الشائع الصناعي. ولكن ليس المتصوَّر فرداً حقيقياً للكيف.

فله ادّعاءان:

الأوّل: إنّ كل متصوَّر داخل تحت مقولته بالحمل الأوّلي. وفي هذا


1 . بداية الحكمة: 31 ـ 32، ط المطبعة العلمية. وقد قصدنا اختيار أبسط تعابيره. ولاحظ نهاية الحكمة: 35 ـ 37، ط جامعة المدرسين. وقد تبع في توصيف الكيف بالعرض كلام صاحب النظرية في الأسفار: 1 / 298. وسيوافيك توضيحه عند بيان الجواب الثالث.


(310)

الادّعاء يوافق صدر المتألهين، ويخالف المحقق الدواني، فإنّه كان يُصِرُّ على أنّ الإنسان المتصوَّر جوهر بالذات، والسطح المتصوَّر، كمٌ حقيقيٌّ.

الثاني: إنّ تصور الإنسان في الذهن، لا يُدخله تحت الكيف، وتسميته كيفاً، بالمجاز والمسامحة. وهو في هذا الادّعاء يوافق المحقق الدواني ويفارق صدر المتألهين.

وبما أنّ الادّعاء الأوّل قد ثبت بوضوح، فلا نكرره. وإنّما الكلام في الثاني، حيث لا يرضى بتوصيف الوجود الذهني لكل مقولة، بالكيف. وإليك توضيح نظريته:

إنّ المتصوَّر الذهني ـ عند التحليل ـ ينحل إلى أمرين :

ـ ماهيةٌ من الماهيات، كالإنسان والسطح.

ـ ظهور هذه الماهية في صقع الذهن وتحققها فيه.

فبما أنّه ماهية ومفهوم، فهو داخل تحت مقولته بالحمل الأولي، كما مرّ. وبعبارة ثانية: هو غير داخل في الواقع تحت أيّة مقولة من المقولات، لأنّ دخول الماهية تحت مقولة حقيقية بمعنى ترتب الأثر عليها، وما لا يترتب عليه الأثر لا يدخل تحت المقولة الحقيقية، وقد أَوعزنا إلى ذلك فيما تقدم.

وبما أنّه نوع تحقق لهذا المفهوم في صقع الذهن، فهو من أقسام الوجود. والوجود ـ بما هو هو ـ سواء أكان وجوداً ذهنياً أم وجوداً خارجياً، لا يقع تحت أيّة مقولة، كما هو مقرر في محلّه، لأنّ الوجود ـ على الإطلاق ـ في مقابل الماهية. وفي مقابل المقولات، وشأن الوجود ـ ذهنياً كان أم خارجياً ـ إيجاد المقولة وتحقيقها، فيستحيل أن يدخل تحت مقولة من المقولات.

وعلى ذلك، فالوجود الذهني ـ على التحقيق ـ ظهورٌ للمقولات لدى النفس، والظهور وجودٌ، والوجود لا يدخل تحت المقولة. وأمّا متعلَّقه، أعني الماهية، كالإنسان والسطح، فقد عرفت شأنه.

وبعبارة أُخرى: كما أنّ الوجود العيني المنبسط ـ المصطلح عليه في العرفان بفيض الله المقدَّس ـ منبسط على الجوهر والعرض، ولكنه ليس بجوهر ولا


(311)

عَرَض، فهكذا الوجود الذهني ـ وهو إشراق النفس المنبسط على كل الماهيات المعلومة لها ـ ليس بجوهر ولا عَرَض. فليس هو كيفاً، ولا الماهيات المنبسط عليها إشراق النفس، كيفيّات وبالتالي ليس العلم ولا المعلومات، كيفاً (1) .

ونضيف تأييداً لهذا المذهب،أنَّ كلَّ ما لا يختص بمقولة واحدة، بل يتعلَّق بأكثر من مقولة، لا يدخل تحت مقولة. ولذلك يكون الوجود الذهني، والوجود الخارجي، والوحدة ـ الّتي هي مساوقة للوجود الصرف ـ أُموراً فوق المقولات، بل المقولات تكون متحققة بها. هذا.

وإنَّ الوجود، وإن كان فوق المقولات، ولكنه، في كل مقولة، نفس تلك المقولة. فالوجود الخارجي مع الجوهر جوهرٌ، ومع الكيف كيف، ومع الكم كمٌ.

يقول الحكيم السَّبْزَواري، صاحب هذه النظرية:

ليس الوجود جوهراً ولا عَرَضْ عند اعتبار ذاته بل بالعَرَضْ(2)

نعم، هذا يختصّ بالوجود الخارجي، فهو الّذي يتصبّغ بصبغة المتعلَّق، فيكون مع الجوهر جوهراً، ومع العرض عَرَضاً، لأنّ الجوهرية والعرضية تتحققان في ظل الوجود الخارجي، فالوجود يخرج الماهيات من كتم العدم إلى ساحة التحقُّق والعَيْنية، وبالتالي يَنْصَبغُ بصبغتها، ويتلوَّن بلونها.

وأمّا الوجود الذهني، فبما أنّ أيّاً من الجوهريّة والعَرَضية، بمعناه الحقيقي، لا يتجسد به، فلا يكون في متعلقاته جوهراً ولا عرضاً، بل يبقى وجوداً صرفاً، وإشراقاً من النفس على المفاهيم، لإظهارها في تلك النشأة فيصح أن يقال إنّها ليست بكيف فيما إذا تعلقت بالكيف، ولا بكمّ إذا تعلقت به، وهكذا. وتسميتها بالكيف، بالمجاز والمسامحة، تشبيهاً لقيامها بعلتها (النفس) بقيام الأعراض بموضوعاتها، ولعلّه لذلك ربما جاء في بعض الكلمات تسميتها بـ «الكيف بالعَرَض»(3).


1 . شرح المنظومة: لناظمها ـ صاحب النظرية: 31 ـ 32، بتوضيح منّا .
2 . المنظومة: 36 .
3 . وفي كلام صدر المتألهين نوع إيحاء إلى هذا الجواب، والله العالم. لاحظ الأسفار: 1 / 298 .


(312)

(313)

الفصل الحادي عشر
شرائط المعرفة وموانعها


(314)

(315)

الفصل الحادي عشر

شرائط المعرفة وموانعها

المعرفة ظاهرة روحية لا تختلف عن سائر الظواهر الروحية. وبما أنّها ظاهرة ممكنة، فلابُدّ لها من سبب وشرط ومانع، شأن سائر الظواهر الإمكانية.

سبب المعرفة

سبب المعرفة هو أدوات المعرفة الّتي تستخدمها النفس الإنسانية، عبر الاتّصال بالمحيط الخارجي، ليحصل لها بذلك معرفة الأشياء وإدراك الحقائق.

شرائط المعرفة

من المعلوم أنّ الإدراك لا يتهيّأ للنفس في جميع الظروف، بل لابدّ من توفّر شروط في النفس ذاتها، فضلاً عن أدوات المعرفة، ليتحقق الإدراك.

أمّا ما ينبغي توفّره في النفس وفي أدوات المعرفة عامةً لإدراك الضروريات، فضلاً عن النظريات، فيمكن تلخيصه في الأُمور التالية.

1. الانتباه، فإنّ الغافل قد تخفى عليه أوضح الواضحات.

2. سلامة الذهن، فإنّ كلّ من كان سقيم الذهن قد يشكّ في أظهر الأُمور أو لا يفهمها. وقد ينشأ هذا السقم من نقصان طبيعي، أو مرض عارض، أو تربية فاسدة.


(316)

3. سلامة الحواس، وهذا خاص بالمشاهدات الحسيّة، فإنّ الأعمى يفقد العلم بالمبصرات، والأصم بالمسموعات، وفاقد الذائقة والشامّة واللامسة، بالمذوقات والمشمومات والملموسات.

وأمّا الأدوات العقلية للمعرفة، فإنّ حصول المعرفة بها والاستنتاج منها، يتوقف على شروط.

مثلاً: إنّ كثيراً من الأخطاء الّتي تظهر في المعارف المستندة إلى إعمال الأدوات العقلية، تستند إلى عدم رعاية شروط الاستنتاج. حتّى التجربة (1)، فإنّها لا تكون منتجة إلاّ إذا بلغت أعداد التجارب حدّاً يذعن معه العقل بأنّ هذا الأثر المتكرر حصوله في جميع التجارب، مستند إلى ذات الشيء، بلا مدخلية لزمان التجربة ومكانها ومحيطها ومجرّبها. ومن المعلوم أنّ تحصيل هذه النتيجة القطعية رهن عمليات كثيرة وجهود شاقّة. لكن الكثيرين من البسطاء يكتفون بتجارب محدودة، ويستنتجون منها أحكاماً عامّة، ولكنهم ما أسرع ما يفاجؤن بخطئها.

فإذا كان هذا هو الحال في التجربة، المزيجة من حسّ وعقل، فالأدوات العقلية المحضة أولى برعاية شرائط انتاجها في صورها أولاً، وموادّها ثانياً.

أمّا الصورة فيراعى فيها الشرائط اللازمة في صحة الإنتاج دائماً، المذكورة في علم المنطق، سواء في ذلك الشرائط العامة كتكرر الحدّ الأوسط، أو الخاصة بكل شكل من الأشكال الأربعة، كإيجاب الصغرى وكليّة الكبرى في الشكل الأول .(2)

مثلاً: تقول: «زيد إنسان»، ثم تقول: «والإنسان نوع»، فتستنتج: «زيد نوع». ولا شكّ أنّ النتيجة خاطئة، لعُقم صورة القياس لأنّه من الشكل الأَول، ويشترط فيه كلية كبراه، ومن المعلوم أنّ القول بأنّ كلَّ إنسان نوع غلط.(3)


1 . وقد مرّ عليك أنّ التجربة يتراءى أنّها أداة حسية في حين أنّها لا تكون منتجة ما لم ينضم إليها حكم عقلي .
2 . للقياس ـ من حيث الصورة ـ شرائط عامة وأخرى خاصة .
أمّا الشرائط العامة فهي:   1. تكرر الحدّ الأوسط.
                            2. إيجاب إحدى المقدمتين، فلا إنتاج من سالبتين.
                            3. كلية إحدى المقدمتين، فلا إنتاج من جزئيتين.
                            4. أنْ لا يتألف من صغرى سالبة وكبرى جزئية.
وأمّا الشرائط الخاصة: فيشترط في الشكل الأول:   1. إيجاب الصغرى.
                                                    2. كلية الكبرى .
ويشترط في الشكل الثاني:    1. كلية الكبرى.
                                 2. اختلاف المقدمتين في السلب والإيجاب.
ويشترط في الشكل الثالث:   1. إيجاب الصغرى.
                               2. كلية إحدى المقدمتين.
ويشترط في الشكل الرابع:   1. أن لا تكون إحدى مقدماته سالبة جزئية.
                               2. كلية الصغرى إذا كانت المقدمتان موجبتين .
3 . ويمكن أن يقال بأنّ الحدّ الأوسط لم يتكرر بعينه، فإنّ الإنسان المحمول في الصغرى يراد منه مصداق الإنسان (بالحمل الشائع) والإنسان الموضوع في الكبرى يراد منه مفهوم الإنسان (بالحمل الأولي) فلم يتكرر بعينه.


(317)

وأمّا المادة، فتراعى فيها أيضاً شروطها الّتي تختلف باختلاف أنواع القياس:

فالقياس البرهاني يجب أن يكون مستمداً من اليقينيات، لأنّ الهدف منه هو تحصيل الإيمان والإذعان بالواقع، سواء أكان هناك منكِر أم لا، ومثل ذلك لا يتألّف إلاّ ممّا ذكرنا (1) .

والقياس الجَدَلي يجب أن يؤلف من المشهورات والمسلّمات، بل يمكن تخصيص الجدل بالثاني، أي ما هو مسلّم عند الخصم، فإنّ الهدف منه هو إقناع الخصم وإفحامه، وهو لا يخضع إلاّ لما كان مسلّماً عنده وربما يرفض ما تطابقت عليه آراء غيره.

والقياس الخطابي يجب أن يؤلف من المقبولات والمظنونات: والمراد من المقبولات: القضايا الّتي تؤخذ عمن يعتقد بصحة قوله، كالحكماء والخبراء. والمراد من المظنونات: القضايا الّتي يحكم بها العقل حكماً راجحاً غير جازم. وبما أنّ الهدف من القياس الخطابي إرشاد العامة، فيستمد الخطيب من التمثيل والاستقراء. مثلاً يقول: الظالمون قصار الأعمار، أما رأيتم أنّ فلاناً الظالم وفلاناً وفلاناً، ماتوا في عنفوان شبابهم.


1 . عُرّف البرهان بأنّه قياس مؤلف من قضايا، ينتج يقيناً بالذات اضطراراً.


(318)

فلابدّ إذن من رعاية شرائط مادة كل قياس. وقد مضى أنّ المعرفة، كما تصدق على المعرفة اليقينية، تصدق على المعرفة الظنية أيضاً، على تأمل كما سبق. وهذه الأقيسة الثلاثة مشتملة على المعرفة: إمّا يقيناً للمستدلّ، أو يقيناً عند من يحتج عليه، أو ظناً عند المخاطب.

وأمّا القياس الشعري، فلا يفيد معرفة، لأنّ الغرض من الشعر ليس سوى التأثير على النفوس لإثارة عواطفها، من سرور وابتهاج أو حزن وتألم، أو إقدام وشجاعة أو غضب وحقد أو خوف وجبن، أو تهويل أمر وتعظيمه أو تحقير شيء وتوهينه، أو نحو ذلك من انفعالات النفس، باستخدام الأوزان الشعرية لما فيها من نغمة تلهب الشعور وتحفزه.

وهكذا قياس المغالطة، لا يفيد معرفة، فإنّ الهدف منها تعمّد تغليط الغير. نعم، قد تقع عن قصد صحيح لمصلحة محمودة، مثل اختباره وامتحان معرفته، فتسمّى امتحاناً أو مدافعةً ; أو تعجيزه إذا كان مبطلاً مصرّاً على باطله، فتسمّى عناداً. ومع ذلك، فالرجل المغالط يجب أن يراعي شرائط المغالطة حتّى تترتب عليه النتيجة المرجوة.

إلى هنا تمّ بيان شروط المعرفة، بياناً خاطفاً وعلى وجه الإجمال.

موانع المعرفة

موانع المعرفة على قسمين:

ـ موانع خارجية لا صلة لها بمتون الأقْيِسَة والاستدلالات.

ـ وموانع داخلية مرتبطة بها.

1. الموانع الخارجية للمعرفة

الموانع الخارجية، وقد نسميها موانع روحية، تتلخص بالتحلّي بالفضائل، والاجتناب عن الرذائل الخلقية الّتي تكون حائلاً بين الإنسان ورؤية الواقع. فإنّ الإنسان العاشق للحقيقة، المتحري لها، يتعرف عليها بسهولة، إذ ليس بينه


(319)

وبينها حجاب. ولنذكر بعضاً من أبرز تلك الخصال الصادّة عن معرفة الحقائق ودركها، وكثير من الخصال الأُخرى تندرج تحتها.

أ ـ الكِبْر: وهي حالة أو مَلَكَة في الإنسان تضفي على صاحبها روح الأنانية والغَطْرَسة، والشعور بالاستعلاء والتفوّق على الغير: فالحقُّ ما يراه هو حقّاً، والباطل ما يراه هو باطلاً.

فإذا نظر الإنسان المتكبّر إلى الأقيسة والأدلة، خصوصاً إذا وجدها في كلام من ينافسه أو يعانده أو يراه أنزل درجة منه، لا تخضع نفسه لمضامينها ونتائجها، ويتسرّع في ردّها ونقدها ولو على وجه فاشل.

يقول الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ : «ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلاّ نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك، قلّ ذلك أو كثر»(1).

ب ـ العصبية، واتّباع الأَهواء القَبَلية والقومية والعرقية وما شاكل، فإنّها من أعظم سدود المعرفة وموانعها، وهي الّتي منعت الأُمم عبر التاريخ من الخضوع لبراهين أنبياء الله ورسله، الواضحة القاطعة، كما يقول سبحانه: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(2).

ج ـ اتّخاذ المواقف والآراء المسبقة بلا دليل وبرهان: فإنّ من بنى لنفسه رأياً مسبقاً ـ أيّاً كان مصدره ـ مهما سيقت أمامه البراهين والحجج، لن يراها مقنعة، إلاّ إذا كان رجلاً موضوعياً منصفاً، يحترم الحقَّ أزيد من نفسه وآرائه وعقيدته.

د ـ الغرور العلمي: وهو داء يصيب المجتمعات فيلقي حجاباً على قلوب أبنائها ويصدّهم عن رؤية الواقع والحقيقة، وقد تفشّى هذا الداء في الغرب في أعقاب نهضته الصناعية وألقى بهم في مهاوي الإلحاد. ونحن نكتفي بنموذج واحد من هذا الغرور العلمي والعاقبة الوخيمة الّتي انجرّ إليها: «وما عشت أراك الدهر عجباً».


1 . سفنية البحار: 2 / 460، مادة كبر .
2 . الزخرف: 23 .


(320)

لقد تركت الفلسفة الديالكتيكية الّتي أَسسها «ماركس» وزميله «أنجلز»، صدى عظيماً في البلاد الغربية(1)، وتلقفها الجامعيون تلامذة وأساتذة، وكأنّها وحي أوحي إليهما، وما كان ذلك إلاّ لانغرارهم بما توصّلوا إليه من علوم، حتّى حسبوا أنّ الحقيقة كلَّها فيما وصلوا إليه، ولا شيء بعده، فاستهزأوا بالدين ورجالاته، ومبادئه وقيمه. وقد ضلّ غِبّ هذه النظرية خَلْق كثير، وجَمٌّ غفير من شعوب الدنيا.

ولكن الزمان لم يمهلهم، وإذْ بدائرته تدور عليهم، وترغم أنوف غطرستهم، فها قد سقط الحجاب عن وجه الماركسية، وظهر لناظرَيْ أهل الدنيا فشلها الذريع فلسفياً وسياسياً واقتصادياً، وغدت في متاحف التاريخ ومن مخلّفات الماضي، بل أضحى أبناؤها يهرولون ذات اليمين وذات الشمال وهم يتبرأون منها، ويَرْحَضون عن أنفسهم عارها (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ)(2).

فهذا النموذج مثال ساطع لعاقبة الغرور العلمي، وعاقبة الإلحاد والخروج عن دائرة الربوبية. وعلى طلاّب الحقيقة دراسة هذه الظاهرة، والتدبّر فيها من كافة جوانبها، والتأمّل في العاقبة الّتي آلت إليها، ليتجنّبوا تكررها ثانية في التاريخ.

هـ ـ التأثّر بالشخصيات المرموقة: لاشك أنّ للشخصية الاجتماعية


1 . نريد بها ما وراء العالم الإسلامي.
2 . الحشر: 2 .
ومن عجائب الأُمور ما قرره البرلمان السوفياتي يوم 15 شعبان 1410 هـ ـ يوم ولادة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ من إلغاء دور الحزب الشيوعي في حكم البلاد، وإلغاء الملكية العامة للدولة وإطلاق المجال للملكيات الخاصة، وإقامة نظام رئاسي مكان النظام السابق يكون للشعب فيه حرية انتخاب رئيسه. وقد اعتبره المؤرخون سقوطاً للشيوعية في مهدها، ونحن تفألنا بذلك في ذلك اليوم: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) (الإسراء: 81).
ومن جملة اعترافات زعماء الشيوعية بأخطائهم، اعتراف «غورباتشوف»، زعيم الحزب الشيوعي السوفياتي، في لقائه لـ «البابا» يوحنا بولس السادس، أنّ من أكبر أخطاء الشيوعيين كانت مكافحتهم للمذاهب ورجال الدين، وأنّ عليهم أن يستعينوا بهم من الآن فصاعداً في إعمار البلاد!! .


(321)

والمكانة العلمية المرموقة، تأثيراً في انبهار العيون وانجذاب النفوس إليها، قهراً بلا اختيار. ومن الناس من يجعل المنزلة مقياساً للحق والباطل، فإذا سمع كلاماً من شخصية بارزة يتلقّاه حقّاً بحجة أنّ قائله ذو مكانة اجتماعية أو مرتبة عالية. كما أنّه إذا تلقى كلاماً أو رأياً من فاقد تلك المنزلة، لا يعطيه بالاً أو يجعله في خانة الشك والترديد، وهذا من موانع نيل الواقع ومعرفة الحق والباطل.

فالواجب على كل متحرٍّ للحقيقة اجتناب هذه العادة الجارية بين السذج من الناس، فإنّ الشخصيات الاجتماعية والعلمية، مهما بلغت في درجات السلطة والوقار أو العلم والكمال، ليست بمعصومة، وإنّما العصمة تختص بالأنبياء وأوصيائهم (1)، وأمّا غيرهم فيجوز عليهم الخطأ والاشتباه. فعليه أن ينظر إليهم بعين الاحترام والتوقير، لا متابعتهم في المسائل العقلية والعلمية بلا دليل وبرهان، فإنّ التبعية في هذه المجالات، تُعْقِم العقول عن الإبداع، وتُحَجِّر الطاقات الباطنية عن التفتح والازدهار. وإنّما ينظر إلى نفس الكلام، بغض النظر عمّن صدر منه.

وفي التعاليم الإسلامية إيعاز إلى ذلك، نذكر منه:

ـ ما روي عن الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «أُنظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال».

وما روي عنه ـ عليه السَّلام ـ عندما سئل عن محاربته طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين، وهم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أيمكن أن يجتمعوا على باطل؟ فقال: «إنّك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله»(2) .

وقد كان لانبهار عيون الشرقيين بإنجازات الغرب الصناعية، تأثيرٌ كبيرٌ


1 . لأدلة تأتي في بحث النبوة العامة.
2 . «علي وبنوه»، للدكتور طه حسين، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته، المجلد الرابع: 468، ط دار الكتاب اللبناني، 1939 م بيروت.
ويعلّق طه حسين على هذا الحديث بعد نقله بقوله: «وما أعرف جواباً أروع من هذا الكتاب...».


(322)

في جمود قرائحهم، وخمود طاقاتهم، لما وقعوا فيه من إسارة التبعية والتقليد، حتّى أنَّك ترى الشاب الشرقي يستدلّ على كل شيء بأقوال الغربيين، ولايُفْسح المجال لعقله ليتفحص عن صدقه أو كذبه.

و ـ المادية في الأخلاق: إنّ من المستحيل الفصل والتفكيك بين طريقة سلوك الفرد في حياته، وطريقة تفكيره، لأنّ بين العمل والفكر رابطة وثيقة، فما يفكر به المرء ينعكس على عمله، وما يعمله ويصرّ عليه يؤثّر في تفكيره أيضاً .

صحيح أنّ من الأفكار ما لا تأثير له على السلوك، كالعلوم الرياضية والجغرافية مثلاً، بيد أنّ هناك من الأفكار ما يستحوذ على وجود الإنسان بأسره. ويَصْبَغ سلوكه، ويحدد مسيرته في الحياة. وذلك مثل معرفة الله والإيمان بوجوده، فإنّ هذه المعرفة ليست مجرّد أفكار خاوية معزولة عن واقع الحياة، لا شأن لها في السلوك ولا تأثير لها في الأخلاق والعمل، بل هي معرفة تجرُّ وراءها أفكاراً ومعارف أُخرى تؤدّي بالإنسان إلى اتّخاذ مواقف معينة في الحياة.

فمن يعتقد بوجود الله تعالى، ويؤمن بذلك يقيناً، يجرّه هذا الإعتقاد حتماً إلى الإعتقاد بأنّه سبحانه خالق حكيم، وقادر عليم، خلق الحياة والكون لغرض وهدف، وأوجد الإنسان لغاية وحكمة، فلم يتركه سدى، بل ألزمه بفرائض، ونهاه عن أُمور. وهكذا، في ضوء هذه الأفكار المتلاحقة المترابطة، ينتهي المرء إلى أنّ يغيّر أسلوبه في الحياة، وينحو منحىً يناسب تلك المعارف، وتمليه عليه تلك الأفكار.

وهكذا العمل، فإنّه يعمّق هذا الإعتقاد ويزيد من قوته في النفس، ويعمّق آفاق المرء وإدراكاته في ذلك البُعد. فإذا تَرَكَ العملَ بمقتضى اعتقاده، ضَمُرَ ذلك الإعتقاد في وجوده، وضاقت آفاقه، واختفى من قلبه شيئاً فشيئاً.

إن وزان العقيدة والعمل الصالح، وزان الجذور والسيقان والأغصان في الشجر. فكما أنّ تقوية الجذور مؤثرة في قوة الساق والأغصان، وكمال الشجرة، وجَوْدة ثمارها، فكذلك تهذيب الساق والأغصان ورعايتها، بقطع الزوائد عنها، وتعريضها لنور الشمس، مؤثّر في قوة الجذور.

إنّ الّذي ينطلق في ميادين الشهوات بلا قيود، ويمضي في إشباع غرائزه إلى


(323)

أبعد الحدود، يستحيل عليه أن يبقى محافظاً على أفكاره واعتقاداته الدينية وقيمه الروحية.

إنّه كلّما ازداد توغلاً في المفاسد، إزداد بعداً عن الإعتقاد بالعوالم الغيبية، لأنّ ذلك الإعتقاد يمنعه عمّا يطلبه من الفساد والتمادي في العصيان (1)، وهكذا يتحرّر عن تلك المعتقدات شيئاً فشيئاً، حتّى يَنسَلِخَ منها، وينبذها وراءه ظِهْريّاً.

وإلى هذه الظاهرة تشير الآية الكريمة بقولها: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَ كَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)(2)، فجرّهم اقتراف المساوئ، وركوب المفاسد، إلى تكذيب آيات الله وشرائعه وأنبيائه.

وكما تؤثّر المادية الأخلاقية في ذوبان عقيدة المرء شيئاً فشيئاً، وانحلاله من الإعتقاد بالرسالات السماوية، ليصبح في المآل مادياً في تفكيره، كذلك تكون صادّة عن حصول الإعتقاد من بَدْء الأمر، وتكون مانعة عن نفوذ نور البرهان والدليل إلى القلب، لما يدركه ذاك الإنسان ـ في صميم ذاته ـ من أنّ الخضوع لمفاهيم البراهين والأدلة، لا ينسجم مع ما يطلبه من الإنغماس في الشهوات، وما هو واقع فيه من الفساد والإنحراف. ولعلّه إلى هذا يشير قوله سبحانه: (بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) (3).

وبذلك تصبح المادية الأخلاقية رافعة للعقيدة تارة، وصادّة عنها أُخرى، فالأول في المعتنقين للأُصول الغيبية إذا جنحوا إلى المعاصي، والثاني في الناشئين في أحضان المجتمعات الغارقة في الفساد إذا فوجئوا بمعلّم مُصلح يريد أن يهديهم ويقنعهم، بالبرهان والدليل، فيرفضون البراهين ومنطق العقل، ويُوصدون بذلك باب المعرفة أمامهم.

***


1 . وتلقي المعاصي حُجُباً على قلوبهم تعميها عن معرفة الحق، يقول تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) المطففين: 14 .
2 . الروم: 10 .
3 . القيامة: 4 و 5. والمراد من فجوره أمامَه، فجوره فيما يستقبل من أيام عمره .


(324)

2. الموانع الداخلية للمعرفة

المراد من الموانع الداخلية ما قد يحتف ببعض موارد الاستدلال، ويمنع من حصول العلم بالواقع وإدراك الحق كماهو، ممّا لا ارتباط له بالعوامل النفسية.

والمانع الداخلي على قسمين:

أ. مانع عن معرفة الحق في مطلق العلوم.

ب. مانع عن معرفة الحق في المعارف العقلية بالخصوص.

أ. المانع في مطلق المعارف

إنّ ما يكون ساداً لباب المعرفة في مطلق العلوم، حسيّها وعقليّها، هو وجود الشبهة في الذهن، خصوصاً إذا طرأت عن غير طريق الاستدلال. ولذا نرى أنّ السوفسطائيين قد حُبِسوا عن معرفة الواقعيات بأسرها، لرسوخ الشبهة ـ الّتي قد عرفت ـ في أذهانهم، فرفعوا عقريتهم بالإنكار والشك في أوضح البديهيات.

وقد يُظَنّ أنّ المغالطة أحد الموانع الداخلية لحصول المعرفة، ولكنه غير تام، لأنّ المغالطة صناعة يقوم بها أهل الصناعة للإمتحان أو الإضلال، وهذا لا يمت إلى الباحث المتحري للحقيقة، بصلة، حتّى يكون مانعاً عن المعرفة. هذا.

مع أنّ مرجع المغالطة إلى فقدان شروط الإستدلال، فإرجاعها إلى فقدان الشرط أوْلى من إرجاعها إلى وجود المانع.

ب. المانع في المعارف العقلية

المانع عن معرفة الحق في المعارف العقلية، هو سيطرة الوهم(1) على


1 . القضية الوهمية هي ما يحكم فيها على الموضوع العقلي بأحكام حسيّة. يقول الحكيم السَّبْزَوَاري:

مِنْ تِلكَ ما يُدعى بِوَهمياتِ * حُكْمٌ على العقليِّ بحسيّاتِ
كالقَبْلِ في المجرّدِ زماني * والفَوْقُ وَضْعيٌ كذا مكاني

فإذا قيل: المجرّدات قبل الماديات وفوقها، يَتَصوَّرُ أنّه قَبْلٌ زمانيٌّ، وفوقٌ مكاني.


(325)

العقل. فإنّ القوة الواهمة تسعى لصياغة كلّ أفكار الإنسان في قالب المحسوسات، ومن المعلوم أنّ المعارف العقلية فوق الحسّ، فمن غلبت عليه الواهمة، ضعفت عقليته، ولا تحصل له معرفة الحق في العقليات.

يقول الشيخ الرئيس (370 ـ 428 هـ): «إعلم أنّه قد يغلب على أوهام الناس أنّ الموجود هو المحسوس، وأنّ ما لا يناله الحسّ بجوهره، فغرض وجوده محال، وأَنّ ما لا يتمحّض بمكان أو وضع بذاته ـ كالجسم ـ أو بسبب ما هو فيه ـ كأحوال الجسم ـ فلا حظّ له من الوجود».

ثم أخذ بالردّ عليه، وقال: «وأنت يتأتى لك أن تتأمل نفس المحسوس فتعلم منه بطلان قول هؤلاء، لأنّك ومن يستحق أن يخاطَب، تعلمان أنّ هذه المحسوسات قد يقع عليها اسم واحد لا على سبيل الإشتراك الصرف، بل بحسب معنى واحد مثل إسم الإنسان. فإنّكما لاتشكان في أنّ وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود. فذلك المعنى الموجود لا يخلو: إمّا أن يكون بحيث يناله الحسّ، أو لا يكون. فإن كان بعيداً من أن يناله الحسّ، فقد أخرج التفتيش، من المحسوسات، ما ليس بمحسوس، وبهذا أعجب. وإن كان محسوساً، فله لا محالة وضعٌ، وأينٌ، ومقدارٌ معين، وكيفٌ معينّ، لا يتأتى أن يحسّ، بل ولا أن يتخيّل إلاّ كذلك. فإنّ كل محسوس وكل متخيّل فإنّه يتخصص لا محالة بشيء من هذا الأحوال. وإذا كان كذلك، لم يكن ملائماً لما ليس بتلك الحال، فلم يكن مقولاً على كثيرين مختلفين في تلك الحال. فإذن الإنسان من حيث هو واحد الحقيقة، بل من حيث حقيقته الأصلية الّتي لا تختلف فيها الكثرة، غير محسوس، بل معقول صرف، وكذلك الحال في كل كلّي».

ويقول المحقّق الطوسي (597 ـ 672 هـ) في شرحه: «يريد التنبيه على فساد قول من زعم أنّ الموجود هو المحسوس وما في حكمه (1). وهم المشبّهة ومن يجري مجراهم، ممن يذعن لقوته الوهمية الحاكمة على ما ليس من شأنه أن يكون


1 . يعني الجواهر .


(326)

محسوساً، حكمها على المحسوسات... ثم قال: إنّ المحسوس هو ما له مكان أو وضع بذاته، وهم إمّا جسم أو جسماني، هم ينكرون وجود ما لا يكون جسماً أو جسمانياً. والشيخ نبّه على فاسد قولهم بوجود الطبائع المعقولة من المحسوسات، لا من حيث هي عامة أو خاصة، بل من حيث هي مجرّدة عن الغواشي الغريبة من الأين والوضع والكم والكيف. مثلاً كالإنسان من حيث هو إنسان، الّذي هو جزء من زيد، أو من هذا الإنسان. بل كل إنسان محسوس، وهو الإنسان المحمول على الأشخاص، فإنّه من حيث هو هكذا موجود في الخارج، وإلاّ فلاتكون هذه الأشخاص أُناساً. ثم إن كان محسوساً، وجب أن يكون الإحساس به من لواحق معينة، كأين ما، ووضع ما، متعينين، وحينئذ يمتنع أن يكون مقولاً على إنسان لا يكون في ذلك الأين وعلى ذلك الوضع، فلا يكون المشترك فيه مشتركاً، هذا خلف. وإن لم يكن محسوساً، فها هنا موجود غير محسوس، وهو الموجود المعقول»(1).

ولأجل ذلك نرى أنّ الممارسين للعلوم الطبيعية قلّما يتأمّلون في الأُمور العقلية، فإنّ تلك الممارسة توجد فيهم ملكة لزوم صبِّ كل موجود في قالب المحسوس، فإذا سمعوا بوجود عوالم غيبية، أو معجزات خارجة عن قوانين الطبّ والفيزياء، تلقوه بغرابة، وأَحاطوه بالشك والاستفهام، إن لم يكن بالخرافة والجنون. ولكنهم لو أمعنوا في نفس العلوم الطبيعية الّتي يمارسونها، لوجدوها عملة ذات وجهين: الأوّل هو ما يمارسونه من النظم والعلاقات المادية، والثاني هو ما يدعو إليه رجال الدين والمعرفة العقلية من عالم الغيب.

يقول الحكيم السبزواري في معرض تبيينه لشدّة تأثير القوة الواهمة في حياة الإنسان وأفكاره:

فالوهم تابعٌ ذَوي الأوْضاع * يَحْسَبُ نورَ القاهِرِ الشعاعِ

يريد أَنّ الوهم يتعلّق بالحواس والمحسوسات إلى حدٍّ يحسب معه الإنسان أنّ


1 . لاحظ ما ذكرناه من كلام الرئيس والمحقق في شرح الإشارات: 3 / 2 ـ 6 .


(327)

نور القاهِر ـ أي نور العقل المفارق (1) ـ هو أيضاً نور حسيّ. وإذا أُطلق عنده نور الأنوار(2)، فهو يتصور أنّه نور حسيّ، قال سبحانه: (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ)(3) .

بل قلّما تجد إنساناً لا يخاف من ميّت مع علمه بأنّه جماد، أو يخاف من الظلمة مع أنّها عدم محض لا تأثير له، يقول الحكيم السبزواري :

يخاف من ميِّت جمادٌ عادَلَه(4) * وَغَسَق، والسَّلْبُ لا تأثير له (5)

فإذا كان هذا دور القوة الواهمة في الحياة، فكيف بها إذا وردت مجال العقليات. ولذا يلزم كل متحر للحقيقة أن يفك عقله من أسارة الوهم، ويعطي للوهم مجاله الخاص به، وللعقل مجاله كذلك، ولا يرخِّص للوهم أن يدخل في مجال العقل ومحيط العقليات.

*


1 . أي المجرّد .
2 . أي الخالق تعالى .
3 . النور: 35 .
4 . أي والحال أنّ الميت يعادل الجماد .
5 . المنظومة قسم المنطق: 102. قال الشيخ الأستاذ دام ظله: «وقد كان سيدنا الأستاذ الإمام الخميني ـ رحمه الله ـ ، يمثّل لتمييز العلم عن الإيمان، بهذا المثال ويقول بأنّ الخائف عالمٌ بأنّ الميت لا يضرّ ولكنه غير مؤمن بذلك، ولو آمن لبات عنده بلا خوف. وهذا بخلاف الغسّال، فإنّه ـ لكثرة ممارسته ـ عالم ومؤمن بأنّ الميت لا يضرّ شيئاً، ولأجل ذلك يغسّله وحده ويبيت معه وحده».


(328)

(329)

الفصل الثاني عشر
الرابطة بين الحكمة النظرية والحكمة العقلية


(330)

(331)

الفصل الثاني عشر

ما هي الصلة بين الحكمة النظرية والحكمة العملية؟

قد وقفت في الفصل الثاني على أنّ المعرفة تنقسم إلى معرفة نظرية (علمية) ومعرفة عملية، وأنّ ما يدركه الإنسان يدور بين معلومات وأفكار ليس لها شأن سوى أن تُدرك، ومعلومات وأفكار أُخرى من شأنها أن يعمل بها وتُجرى في حياة الإنسان.

والأوّل يشمل مسائل الفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضية كلِّها، فإنّ المُدْرَكات فيها من شأنها النظر فيها والإعتقاد بها فحسب، ولا تتطلب عملاً بها وإتياناً لها.

والثاني يعمّ الأخلاق، وما يرجع إلى المجتمع الصغير والكبير، أعني تدبير المنزل وسياسة المدن، فإن هذه المُدْرَكات من شأنها أن يعمل بها، وتتطلب تطبيقها في الحياة.

وعلى ضوء ذلك، فإدراك ما في الوجود من موجودات ـ ماديّة كانت أم مجرّدة ـ وما تتصف به، وماتنقسم إليه، وما يسودها من نُظُم وعلاقات، كلُّه من الحكمة النظرية، ويقف عليه الإنسان بسبر الوجود والكون، كلٌّ بما يوحيه إليه عقله، وتناله قدراته الذهنية.

كما أنّ إدراك ما يرجع إلى عمل الإنسان وسلوكه في حياته الفردية والإجتماعية، والحكم عليه بالوجوب أو التحريم، يُعَدُّ حِكْمَة عملية. فما نقوله


(332)

من أَنَّ العدلَ حَسَن، والظلمَ قبيح، وعَوْنَ الضعيفِ حَسَن، والركونَ إلى الظالم قبيح، مُدْركاتٌ من شأنها تطبيقها في الحياة(1).

إذا وقفت على الفرق بين الإدراكيين (2) يقع الكلام أولاً في أنّه هل هناك صلة وعلاقة بينهما، أو لا؟ وعلى فرض وجودها، فهل الإدراكات النظرية علّة تامّة لاستخراج الحِكَم العملية، أو أَنّها ليست كذلك؟ها هنا نظريات ثلاث:

1. وجود رابطة وثيقة بينهما، وأنّ مَثَل الإدراكات العلمية بالنسبة إلى العملية، مثل العلل التامّة إلى معاليلها.

2. إنّ بينهما إرتباطاًبنحو المقتضي. فالحِكَم النظرية ليست علّة تامّة للعملية بل يتوسط بين الإدراكين أُمور أُخرى ربما تفرض على الإنسان تطبيق حياته وفق ما يدركه من السنن السائدة على الكون، وربما تصدُّه عن اقتفائها وتطبيق عمله عليها.

3. لا ارتباط أصلاً بين الحكمتين.

وإليك بيان هذه النظريات ومناقشتها.

***

النظرية الأُولى: الحكمة العملية تنطلق من الحكمة النظرية

يقول أصحاب هذه النظرية: إنّ ما يدركه الإنسان من عالم الوجود


1 . ويرجع لُبُّ الحكم بالحُسْن أو القُبْح إلى الحكم بلزوم الإتيان، أو لزوم عدمه. فهنا إدراك باللزوم فعلاً وتركاً.
2 . نضيف هنا بأنّ كلَّ ما يعتقده الإنسان من مبادئ وعقائد حول الوجود والكون، وما يعتقده المسلم حول الصانع تعالى، وصفاته، وأفعاله، الّتي يطلق عليها أُصول الدين ومبادئُهُ، هي من الحكمة النظرية.
وما يلتزم به السياسيون والحزبيون من أُصول خاصة يطبّقونها على أحزابهم وبلدانهم، أو ما فرض على الموحدين من شرائع، كلُّها من الحكمة العملية. نعم، تختص «الحكمة العملية» بمايدركه العقل ـ باستقلاله ـ في مجالات الحياة، ولكنها تُطلق ـ توسعاً ـ على ما نزل به الوحي السماوي من إلزامات وتحريمات ومستحبات ومكروهات ومباحات.


(333)

والكون، وما يقف عليه من قوانين وسنن سائدة فيه، هي القدوة والأُسوة لحياة الإنسان الفردية والإجتماعية، ومنها يجب أن تنطلق جميع آرائه فيما ينبغي عليه تطبيقه في شؤونه العملية المختلفة. وما هذا إلاّ لأنّ الإنسان جزء من الطبيعة، ليس أجنبياً عنها، فيجب أن يسود حياته ما يسود الطبيعة بأسرها من سنن ونواميس.

وقد تبنّى هذه النظرية كارل ماركس (1) (1817 ـ 1883 م) ورفيقه فردريك إنجلز (2) (1820 ـ 1895 م) متأثِرَيْن من الأُصول الّتي أَسسها فردريك هيجل (3) (1770 ـ 1831 م) فيما يعرف بـ «المفهوم الفلسفي للعالم» وهذه الأُصول (4) هي:

1. حركة التطور: ويراد به أنّ المادة وكلَّ ما في الكون، من أصغر أجزائه إلى أعظمها، في حالة تبدّل وتغيّر مستمرّين.

2. تناقضات التطوّر: ويراد به أنّ جميع ما يحصل في الكون من تبدّل وتغيّر وتكامل، ينشأ نتيجة لصراع داخلي في جوهر الأشياء بين جانب السلب (5) وجانب الإثبات (6)، ثم يتولد من هذا الصراع شيء ثالث (7)، هو الصورة المتكاملة للشيء (8).


1 . Karl Marx. ألماني.
2 . Friedrich Engels. ألماني.
3 . Friedrich Hegel. ألماني.
4 . وتعرف بمبادئ الجدل أو الديالكتيك dialectic .
5 . these: تِز.
6 . antithe'se: أنتي تِز .
7 . synthese: سينتِز .
8 . وقد مثّلوا لذلك بأمثلة متعددة: منها أنّ حبة الحنطة إذا وُضعت تحت التراب، وسقيت بالماء، ينشأ في صميم ذاتها صراع بين ما يريد نفي وجودها، وما يريد ثباتها وبقاءها، فيتولد من هذا الصراع تفتّح الحبة. ثم نموها واخضرارها ولا تزال تتطور في ظل هذا الصراع حتّى تصير نبتةً متكاملة وتنتج حاصلها.
وهكذا البيضة، فإنّها تحمل في صميمها ما يضادها، وبعد صراع بين الإثبات والنفي، يتولد الفرخ .


(334)

3. قفزات التطور: أو انتقال التبدلات الكمية إلى النوعية، ويراد به أنّ التغيرات التدريجية في الكم، ستنتهي إلى تبدّل فجائي آنيّ تحصل على إثره كيفية جديدة للمادة (1) .

4. الإرتباط العام: أو العلاقات المتبادلة بين الظواهر الطبيعية، ويراد به أنّ الطبيعة شيء واحد متماسك، ترتبط فيه الأشياء فيما بينها ارتباطاً عضوياً وثيقاً، بحيث يكون بعضها شرطاً لبعض بصورة متقابلة.

هذه هي الأُصول الّتي تبّناها ماركس وانجلز، وبَنَيا عليها نظريتهما هذه القائلة بانطلاق العمل من الفكر.

يقول ماركس: «ليست حركة الفكر إلاّ انعكاساً لحركة الواقع منقولة ومحوّلة في مخّ الإنسان»(2).

تحليل هذه النظرية

يلاحظ على هذه النظرية أُمور:

1. إنّ الإنسان يمتاز عن الطبيعة، وما فيها، بالإرادة والإختيار. فإنّ الطبيعة بأسرها تخضع لقوانين وضوابط تسيّرها، ليس بإمكانها الإنفكاك عنها وخرقها، بلا فرق بين جمادها ونباتها وعجماواتها، بينما الإنسان موجود حرّ مستقل يختار من السنن الطبيعية ما يراه ملائماً لمصلحته الفردية والإجتماعية وينبذ ما يراه مخالفاً لها ولفطرته السليمة. وإلزامه بما في الطبيعة نوع من الجبر.

ويمكننا أن نلاحظ ذلك في الأصل الّذي تبنّاه الماركسيون، أعني قفزات التطور، وانتقال التغيّرات الكميّة إلى حالة كيفية جديدة، انتقالاً آنياً، حيث إنَّهم استفادوا منه لزوم حصول الثورات في المجتمعات البشرية بشكل دائم


1 . ويمثلون لذلك بأنّ الماء عند تسخينه، ترتفع درجة حرارته رويداً رويداً، ويحصل بذلك تغيّرات كمية بطيئة، حتّى تصل حرارته إلى درجة معينة هي مائة مئوية، فينقلب عندها من حالة السيلان إلى حالة البخارية، فتحصل كيفية جديدة في الشيء.
2 . المادية والمثالية في الفلسفة: 83 .


(335)

ومستمر، أُسوةً بتلك السنّة الطبيعية، وأنّ التكامل الإجتماعي لا يتحقق إلاّ في ظلّ هذه الثورات الّتي هي انتقال دفعي من حالة إلى أُخرى .

ولكن هذه النظرة باطلة جداً، بل الإنسان الحرّ ينظر إلى المجتمع، فإن كان غارقاً في الفساد الإداري، والاستبداد والظلم، حكم بلزوم قَلْبه وتغييره وتأسيس نظام عادل جديد، وأمّا إذا كان المجمع مستقراً، والفساد فيه سطحياً ليس مستشرياً في الجذور، وكان المصلحون وأصحاب الهمم العالية متواجدون في جميع أجهزة الحكومة، فلا ريب أنّ تكامله رهن الإصلاح الهادي والتدريجي، لا الدفعي. فالدواء ليس هو الثورة، بل الإصلاح ولو بدونها.

وهذا يثبت اختيار الإنسان وحريته، وأنّه ليس مكتوف اليدين أمام الطبيعة وسننها، بل له موقف انتخاب الأصلح له ولمجتمعه.

2. إنّ الذين تبنّوا علّية السُّنن الطبيعية للحِكَّمْ العمليّة، إنّما تبنّوا ذلك ليبرروا آيديولوجيتهم(1) وأفكارهم الثورية، فوجدوا في هذه النظرية، مضافاً إلى أصل «قفزات التطور» من أُصول الديالكتيك الهيجلي، خير غطاء لإعطاء الشرعية لثورة البروليتاريا (الطبقة العمالية) على الرأسماليين والإقطاعيين. فلم تكن آيديولوجيتهم منطلقة من النظرة العامة إلى الكون، بل كانت الآيديولوجية المتبناة مسبقاً عندهم، سبباً لأن يتبنوا تلك النظرية، وينتخبوا ذلك الأصل المزعوم.

وليست هذه الطريقة بدعاً لديهم، بل هي ديدن أصحاب الضلالات الأباطيل عبر العصور، فإنّ ضلالاتهم إنّما تجذب إليها الأفئدة والنفوس، إذا اتّخذت لنفسها واجهة علمية، ولبست لباساً منطقياً، وصُبغت بصبغة الحق .


1 . الآيديولوجية (ideology) كلمة (ideo) بمعنى الفكر، (logy) بمعنى العلم والمعرفة. وكانت سابقاً تطلق على كل ما يحمله الفكر الإنساني من عقائد وعلوم ومعارف، ولكن هذا الإصطلاح تطور لاحقاً وصار يطلق أخيراً على كل ما يتبناه الإنسان في حياته الإجتماعية والسياسية ممّا يلزمه العمل به لأجل حياة أفضل. وشاع إطلاقها على برامج الحزبيين والسياسيين وآرائهم الّتي يدّعون أنّ السعادة في إجرائها. فلو أُطلق في هذه الأيام، فلا يراد إلاّ هذا المعنى الأخير، وعليه جَرَيْنا في الإستعمال.


(336)

وقد أشار إلى ذلك الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ بقوله: «لو أَنَّ الباطلَ خلص من مزاج الحق، لم يَخْفَ على المرتادين. ولو أَنَّ الحق خلص من الباطل، انقطعت عنه ألسنة المعاندين، ولكن يُؤخذ من هذا ضِغْثٌ ومن هذا ضِغْثُ، فُيمزجان»(1).

3. لو صحّت هذه النظرية، لجاز لنا أن نطبق على حياة الإنسان كل ما نستشكفه من السنن الجارية في الطبيعة، وهذا يؤدّي إلى نتائج وخيمة لا يمكن أن يرضى بها عاقل.

مثلاً: لو وجب أن تكون الآيديولوجية إنعكاساً لما يجري في الطبيعة، لكان اللازم اتّخاذ ناموس تنازع البقاء وناموس الإنتخاب الطبيعي ـ الذين هما من الأركان الأربعة لنظرية النشوء والارتقاء في مذهب داروين (2) (1809 ـ 1882 م) ـ أُسوة في الحياة.

ونتيجةُ اعتماد آيديولوجية محاكية لهذين الناموسين، هي لزوم إبقاء فتيل الفتن والحروب بين الضعفاء والأقوياء، مشتعلاً، بشكل دائم ومستمر، حتّى يتغلّب الأقوياء على الضعفاء. ولا لَوْم على أي مجرم يُشعل حرباً ضروساً، ويُهلكُ الحَرْث والنسل، ويعذِّبُ البشريةَ، ويدمر الحضارة لأنّ ذلك واجب: سنة عمليةً محاكيةً للسنة النظرية!!. هذا ما لا يقبله عاقل، ولا يرضاه ضميرٌ حيٌّ .


1 . نهج البلاغة، الخطبة (50) .
2 . Darwin. انكليزي .
والأُصول الأربعة الّتي بنى عليها نظريته في نشوء الكون وارتقائه هي:
1. ناموس تنازع البقاء، ويعني أنّ هناك كفاحاً مستمراً بين أفراد الأحياء (أي الحيوانات) لأجل البقاء.
2. ناموس الإنتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، ويعني أنّ من امتلك صفات تؤهله للغلبة والبقاء، كُتب له البقاء، ومن لم يمتلك ما يؤهله لذلك انقرض وفنى. وبهذا يؤدّي الإنتخاب الطبيعي، الّذي يحركه الصراع للبقاء، إلى بقاء الأصلح .
3. ناموس الوراثة، وهو انتقال الصفات بالوراثة إلى الأخلاف.
4. ناموس الملاءمة للبيئة، ويعني أنّ التغيّرات الحاصلة في الكائن الحي، تفرضها عليه البيئة.


(337)

ونضيف أخيراً: كما أنّ إجراء قوانين الطبيعة الصمّاء على الإنسان وإلزامه بأن يتّخذها أُسوةً وقدوةً له في حياته، أمرٌ باطل لا ينسجم مع طبيعة الإنسان; فهكذا إجراء حكم الإنسان على الطبيعة، وتصوير مجموع العالم بصورة إنسان كبير، ذي قلب ودماغ وكبد وسائر أعضاء الإنسان، كما ذهب إليه بعض قدماء الحكماء عند بيان أنّ العالَم إنسانٌ واحد، وله إلهٌ واحدٌ، فإنَّه تشبيهٌ محضٌ، وخَيالٌ صِرْف، ليس له أَيّةُ لمسة من الواقع والحقيقة. يقول الحكيم السَّبْزَواري:

إنّ السماءَ كلَّها أحياءُ * والشمسُ قَلْبٌ غيرُها الأَعضاءُ

وقال في شرحه: إنّ القلب الصنوبري في الإنسان الصغير، أشرف الأعضاء، وله الرئاسة، كذلك الشمس في الإنسان الكبير، سيد الكواكب، وله الرئاسة على كل الإجسام، وغيرها الأعضاء الأُخر للإنسان الكبير من الرئيسة والمرؤوسة (1).

وحصيلة البحث أنّ الأخلاق والقوانين الحاكمة على المجتمعات الصغيرة والكبيرة، الّتي عليها تكاملها، لا يمكن أن تمليها الطبيعة الصمّاء على الإنسان، بل يمليها عليه عقله وتجربته، فما كان مفيداً لحاله وحال مجتمعه، يقتبس منه، وما كان ضاراً له، يرفضه (2).

***

النظرية الثانية: تأثير الحكمة النظرية في العملية بنحو المقتضي

هذه النظرية هي النظرية المعتدلة بين من يعتقد بأنّ الحكمة العملية تستنتج من النظرية وأنّ وزان الثانية إلى الأُولى وزان العلة إلى المعلول، وبين من ينفي أيّة


1 . شرح المنظومة، لشارحها: 146. وذكر في هامشه تشبيهاً لكل من السيارات السبع بعضو من أعضاء بدن الإنسان، فلاحظ .
2 . أشرنا في أفصل شرائط المعرفة وموانعها إلى سقوط الماركسية فكراً وقانوناً وأخلاقاً، وما ذلك إلاّ لكونها مبنية على قوانين الطبيعة ـ الّتي زعموها ـ ومنافاتها للفطرة، وعدم صلاحيتها للإنسان. ومثلها ستكون عاقبة كلّ السياسات والمخططات الحزبية والقوانين الوضعية المأخوذة من الطبيعة ولا تلائم الإنسان.


(338)

صلة أو ارتباط بين الحكمتين ويقول بأنّه لا رابطة بين القضايا الّتي تحكي عن وجود الأشياء وعدمها، والقضايا الّتي تَفْرُض على الإنسان فِعْلَ شيء أو تركه. وبتبيين هذه النظرية الوسط، يُعلم بطلان النظرية الثالثة، ولا حاجة بعده إلى مناقشتها.

ولتوضيحها نقدّم مقدمة:

تشترك قضايا الحكمة النظرية والحكمة العملية في انقسامها إلى ضرورية وكسبية. والبرهان الدالّ على لزوم انتهاء القضايا الكسبية إلى الضرورية ـ وهو دفع محذور الدور والتسلسل (1) ـ مشترك بين الحكمتين.

فكما أنّ امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما من القضايا البديهية، بل أبدهها وأوضحها في الحكمة النظرية، فكذلك هناك قضايا بديهية في الحكمة العملية، وِزانها في الوضوح والبداهة، وِزانَ أُمِّ القضايا في الحكمة النظرية، وتلك مثلُ: حُسْنِ العدل، وقُبْحِ الظُّلم، فإنّ بداهتهما في مجال العمل، ليست بأقلّ من بداهة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما في مجال الفكر.

وكما أنّ في الحكمة النظرية قضايا غيرَ واضحة من النظرة الأُولى بل تحتاج في تصديقها والإذعان بها إلى إرجاعها إلى قضايا بديهية واضحة، بالبرهنة والإستدلال، فكذلك الأمر في الحكمة العملية، فإنّ فيها قضايا أخلاقية وحقوقية غير واضحة، بل تحتاج إلى الاستدلال والبيان، فلاحظ القضيتين التاليتين:

ـ يجب أن نعمل لنعيش .

ـ أَحْسِن لمن أساء إليك.

تجد الأُولى واضحة، لا تحتاج إلى عناء لتصديقها، بينما الثانية تحتاج إلى الإستدلال والبرهان حتّى يُذْعَنَ بصدقها، ولذلك قال سبحانه: (ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِي حَمِيمٌ)(2).


1 . بيان ذلك: لو كانت جميع القضايا مكتسبات، غير منتهية إلى قضايا بديهية بالذات، فإمّا أن لا ينقطع ذلك التوقف، فيلزم التسلسل. أو ينقطع ولكن يتوقف آخر القضايا على أولها، فيلزم الدور. فلم يبق إلاّ الإنقطاع عند قضايا بديهية بالذات.
2 . فصلت: 34 .


(339)

مثال آخر: يقول الإلهيون في مجال الحكمة العملية:

1. يجب معرفة الله .

2. يجب إطاعته.

3. يجب عبادته (1).

فهذه الواجبات الثلاثة عند الإلهي، ليست في وضوح: «العدل حَسَنٌ»، أو «إعمل لتعيش»، ولذلك يستدلّ عليها الإلهيون ويوضحونها بالبراهين .(2)

ومن هنا يتبينّ أنّ الفرائض الأخلاقية والاجتماعية والسياسية إمّا واضحة بالذات يحكم العقل فيها بالوجوب والتحريم استقلالاً، وإمّا قضايا نظرية تنتهي إلى البديهية.

إذا عرفت ذلك، فلنرجع إلى ما نحن فيه من تأثير القضايا النظرية في القضايا العملية على وجه المقتضي، فنقول:

إنّ دور الحكمة النظرية في استنتاج الآيديولوجيات، إنّما هو تعيين الموضوع، والتركيز على الصغرى، وأمّا الكبرى، فهي حكمة عملية، إمّا واضحة بالذات أو منتهية إلى ما هو واضح بالذات. ولنستوضح ذلك بمثال:

نقول: ـ الله، هو المنعم.

ـ وكل منعم، يجب شُكْرُه .

فنستنتج: الله، يجب شكره .

فالنتيجة حكمةٌ عملية، متوقفةٌ على صغرى وكبرى، ولا يمكن الإستنتاج بواحدة منهما فقط، بل لكلٍّ منهما دور في إبصار النتيجة نور الوجود.

فالصغرى حكمة نظرية تعطي الموضوع وتعيّنه. وهي تَثْبُت في ضوء


1 . الإطاعة أعم من العبادة، فالقيام ببعض المعنونات الشرعية في الحياة، كالمشي عن يمين الطرقات، طاعة لحكم الله تعالى، ولكنه ليس عبادة له، وقد أوضحنا ذلك في تقريراتنا لبحوث الأستاذ ـ دام ظله ـ في علم أصول الفقه، عند البحث في التعبدية والتوصلية.
2 . سنذكر بعض براهين وجوب المعرفة في المقدمات الأصولية العامة، وسنذكر في «الإلهيات» أدلّة وجوب الطاعة والعبادة، في بحثي التوحيد في الطاعة والتوحيد في العبادة.


(340)

البراهين العقلية الدالّة على أنّ كل ما في الوجود منته إليه تعالى، وهو المعطي والمفيض له .

ومن المعلوم أنّ الصغرى لا تحمل حكماً، لا إيجابياً ولا سلبياً، ولا تفرض على الإنسان شيئاً، وإنّما هي نظرة فلسفية إلى الكون والوجود تكشف عن بعض حقائق هذا العالم الإمكاني، وهو انتهاؤه إليه سبحانه.

وأمّا الكبرى، فإّنها هي الّتي تحمل الحكم بصورته الكلية. ففيها الحكم البات بأنّ شكر المنعم ـ كائناً من كان ـ واجب، وهذا حكمة عملية، إمّا واضحة بالذات، أو منتهية إلى ما هو كذلك.

وفي ظلّ هاتين القضيتين، يصل الإنسان إلى تبنّي حكم مفروض عليه، جزئيٍّ بالنسبة إلى الحكم الموجود في الكبرى، وهو أنّه سبحانه يجب شكره.

فظهر من ذك أنّا إذا نفينا كلَّ دور للحكمة النظرية والمفاهيم الفلسفية الكلية، في استنتاج الآيديولوجيات، فقد أَجحفنا في الحكم، لما قلنا من أنّ النتيجة وليدة الصغرى والكبرى معاً، ولا تكفي واحدة منهما.

وإذا قلنا بأنّ الحكمة النظرية الّتي أدركناها، علة تامة للنتائج العملية، الأخلاقية والإجتماعية، فقد أجحفنا ـ أيضاً ـ في الحكم، لما عرفت من أنّ المفاهيم المُدْرَكة من الكون، لا تلزم الإنسان بشيء، ولا تدفعه إلى فعل من الأفعال.

وأمّا لو قلنا بأنّ لكل من الحكمتين تأثيراً في تبنّي النتيجة، فالقضية الأُولى تعيّن الموضوع وتشرحه من المنظار الفلسفي، والقضية الثانية تعرب عن حكم كلّي وسيع شامل لموضوع النتيجة وغيره. وفي ظل هاتين القضيتين يصل الإنسان إلى حكم خاص، وهو آيديولوجية إلهية يتبناها الموحِّدون.

ومن هنا يتبين أنّ ما من حكم عملي كسبي يفرضه العقل على الإنسان، إلاّ وفوقه حكم عقلي عملي كلّي، يمهّد لاستنتاج ذاك الحكم الجزئي، بحيث لولا الكلّي، لصار القياس عقيماً.

هذا هو الحق الّذي يجب أن نتخذه مقياساً لسائر الموارد، ولأجل زيادة


(341)

الإيضاح، نأتي بمثالين، تتنوّع نتائجهما بين صادقة وباطلة.

أ. هجوم العدو، بلاء.

وكل بلاء، يجب الصبر عنده.

فهجوم العدو، يجب الصبر عنده.

ترى أَنّ النتيجة صادقة، أوّلاً. وأنَّها موقوفة على كلتا المقدمتين، ثانياً. وأنّ دورَ الصغرى ـ الّتي هي حكمة نظرية ـ دورُ تعيين الموضوع، ثالثاً. وأنّ الكبرى ـ الّتي هي حكمة عملية ـ إمّا واضحة بالذات أو منتهية إلى ما هو كذلك، رابعاً.

ب. الإنسان، مختلف الأعراق.

وكلُّ مختلف الأعراق، يجب أن يكون متفاوت الحقوق.

فالإنسان، يجب أن يكون متفاوت الحقوق.

وهنا ترى أنّ النتيجة كاذبة ـ عندنا ـ ، وما ذلك إلاّ لأنّ الكبرى غير واضحة بالذات ولا منتهية إلى ما هو كذلك. وإن شئت قلت: ما دلّ على صحتها عقل ولا شرع.

فتلخص من ذلك أنّ دورَ المعرفة النظرية، الّتي نعبّر عنها بالنظرة العامة إلى الكون، إنّما هو تعيين موضوعات قضايا المعرفة العملية.

وما ذكرناه من أنّ الانتقال من الحكمة النظرية إلى حكم عملي جزئي يحتاج إلى واسطة، أشار إليه الشيخ الرئيس في الإشارات بقوله: «فمن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، وهي القوة الّتي تختص باسم العقل العملي، وهي الّتي تستنبط الواجب فيما يجب أن يفعل من الأُمور الإنسانية، جزئيّةً، ليتوصل به إلى أغراض اختيارية، من مقدّمات أوليّة، وذائعة، وتجربيّة، باستعانة بالعقل النظري في الرأي الكلّي إلى أن ينتقل به إلى الجزئي».(1)

فقوله: «باستعانة بالعقل النظري في الرأي الكلي، إلى أن ينتقل به إلى


1 . شرح الإشارات: 2 / 352 .


(342)

الجزئي» لعلّه إشارة إلى ما حققناه وهو أنّ المقدمات الأولية أو الذائعة أو التجربية، الّتي هي من شعب العقل النظري، لا تكفي في الإنتقال إلى حكم جزئي عملي فيما يجب أن يُفعل من الأُمور الإنسانية، بل هي بمنزلة المقتضي، ولا بُدّ أن ينضم إليها حكم عملي كلي واضح بالذات أو منته إليه .

منشأ الرابطة بين الحكمتين

أول من طرح السؤال حول ارتباط الحكمتين النظرية والعملية بصورة الشبهة والإشكال، الفيلسوف الإنكليزي دافيد هيوم (1)(1711 ـ 1776 م)، فقد ذكر أمرين هما:

1. إنّ طريقة البحث في الحكمة النظرية تغاير طريقته في الحكمة العملية، وهذا واضح. فالباحثون في الحكمة النظرية يبحثون عن الوجود واللاوجود، مثلاً يقولون: «الخالق موجود». وإذا وردوا الأبحاث الأخلاقية، يتغيّر عنوان البحث، فبدلاً من أن يقولوا موجود اوغير موجود، يحكمون بلزوم الفعل أو الترك، فيقولون مثلاً: «أُعبُدوا الخالق».

فالنسبة في الحكمتين متغايرة، فهي في الحكمة النظرية تدور بين الوجود والعدم، وفي الحكمة العملية تدور بين الوجوب والحرمة.

2. إنّهم يستدلّون بقضايا الحكمة النظرية على قضايا الحكمة العملية، بمعنى أنّهم يستدلّون بالقضايا المخبرة عن وجود الشيء أو عدمه، على لزوم ترك شيء أو عدمه. وإن شئت قلت: يستدلون بضرورة الوجود وعدمه، على ضرورة الإتيان وعدمه، فأي رابطة منطقية بين النسبتين والإستنتاجين؟(2).

يلاحَظ عليه: أمّا فيما ذكره أولاً: فإنّ اختلاف النسبتين ليس أمراً بديئاً في


1 . David Hume. كان ـ باعتراف المؤرخين في الفلسفة ـ شكّاكاً وخصماً لكافة الأديان المقررة، وقد ذاعت شهرته باعتباره «زنديقاً»، (لاحظ الموسوعة الفلسفية المختصرة: 525).
2 . نقل ذلك الأُستاذ مهدي الحائري في كتابه: تعمقات العقل العملي، وقد أوضحناه وقررناه بعباراتنا.


(343)

الفلسفة والأخلاق، بل أمر طبيعي في حياة كل إنسان، حتّى هيوم نفسه، فإنه إذا أراد أن يخبر عن حاله يقول: مزاجي اليوم جيد أو معتكر. ثم يقرر بعدها: فيجب عليّ أن أذهب إلى عملي، أو لا يجب. فالمطلوب في القضية الأُولى هو الإخبار عن وجود الشيء أو عدمه، وفي الثانية طَلَبُ إيجاده الشيء أو عدمه .

وأمّا فيما ذكره ثانياً، فبأنَّ أيَّ أُستاذ أخلاقي أو قانوني لا يستدلّ مباشرة بضرورة الوجود الكوني أو عدمه، على ضرورة الفعل والترك، بل يوسِّط بين الضرورتين كبرى عقلية عملية ليستكمل بها الإستنتاج. وأمّا ضرورةُ الوجود، فيقتصر دورها على تعيين الموضوع، كما تقدم.

سؤال وإجابة

السؤال: إذا لم يكن للحكمة النظرية دور في استنتاج القضايا الأخلاقية والإجتماعية إلاّ بنحو تعيين الموضوع، وكان الإذعان بالنتيجة رهن صغرىً نظرية، وكبرىً عملية، فلماذا نرى في الذكر الحكيم أنّه ربما يعطف على قضايا نظرية، معارف عملية يفرضها على الإنسان؟ إن هذا يعرب عن أنّ المعرفة النظرية كافية في الإستنتاج، ولا تتوقف على ضمّ كبرى إليها. وإليك بعض ما يتراءى ذلك منه:

1. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَ مَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم )(1).

لا يشك الناظر في هذه الآية بأنّ الله تعالى يستدلّ بمعرفة نظرية على معرفة عملية، وهو أنّه إذا كان مَنْ في السموات والأرض، بل كل ما في الكون من شمس وقمر ونجوم... ساجد لله تعالى، فلماذا لا تسجد أنت أيها الإنسان، بل يجب عليك السجود لله سبحانه.

ومعنى ذلك أنّ فيما يدركه الإنسان من الكون، وهو سجود الموجودات


1 . الحج: 18 .


(344)

الإمكانية لله تعالى، أُسوةٌ وقدوة للإنسان لكي يقوم بما تقوم به تلك. ومعنى ذلك أنّ المعرفة النظرية، علةٌ تامّةٌ للإستنتاج، لا أنّها المقتضي، ولا أنّها تقتصر على تعيين الموضوع.

2. قوله تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ )(1).

إنّك ترى بوضوح في هذه الآية أنّ قوله: (وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ) تعليل لقوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ)، فهو يستدلّ بمعرفة نظرية، وهي مطاوعة ما في الكون واستسلامه لله سبحانه، على معرفة عملية، وهي لزوم استسلام الإنسان لله سبحانه لا للأصنام والأوثان، ولا للنفس الأمّارة. فكأنّه يقول: يجب على كل إنسان قبول دين الله تعالى وإطاعته والتسليم له، لأنّ كلَّ ما في الكون مستسلم لله تعالى.

3. قوله تعالى: (وَ عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا)(2)، وبما أنّ العلم لا ينفك عن الفريضة والتكليف، فرض سبحانه على آدم الإجتناب عن الشجرة، وقال: (قُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)(3). فصارت معرفة آدم للأسماء ـ خصوصاً ما يرتبط منها بسعادة الإنسان أو شقائه ـ علّة لهذا الواجب، وهو لزوم اجتناب الشجرة.

4. قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ)(4).

فما في هذه الآية، معرفةٌ نظرية صارت دليلاً على حكم عملي مذكور في الآية التالية، وهي قوله :

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَ قُعُوداً وَ عَلَى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ


1 . آل عمران: 83 .
2 . البقرة: 31 .
3 . البقرة: 35 .
4 . آل عمران: 190 .


(345)

السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )(1).

وما جاء في هذه الآية، وإنْ كان جملةً خبريةً، ولكنَّ الهدف من الإخبار هو دعوة أولي الأَلباب «ليذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم...».

5. يخاطب سبحانه موسى ـ عليه السَّلام ـ بقوله: (إِنَّني أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا)(2). فهذه معرفة نظرية رتب عليها حكمةً عمليةً، فقال: (فَاعْبُدْني وَ أَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري)(3).

6. إنّ قوم قارون قالوا له: (وَ أَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَ لاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(4).

فقوله: (كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ)، معرفة نظرية لا تمتّ إلى العمل بصلة، أُستُدِلَ بها على تكليف عملي وهو قوله: (أَحْسِنْ) .

7. وقال سبحانه: (وَ السَّمَاءَ رَفَعَهَا وَ وَضَعَ الْمِيزَانَ)(5).

فما في هذه الآية معرفةٌ نظريةٌ، أُستُدِلَ بها على معرفة عملية، وهي قوله في الآية الّتي تليها: (أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ)(6).

ولايمكننا القول بانقطاع الآية الثانية عن الآية الأُولى في المضمون، وإنّما العرف يتلقّى مضمون الآية الأُولى علةً لمضمون الآية الثانية.

هذا هو السؤال، ويرجع لبُّه إلى أنّ القرآن يستدلّ ـ في الآيات المذكورات وغيرها ـ بالمعرفة الكونية والقوانين السائدة على العالم والطبيعة، على أحكام خُلُقيّة وعبادية، وهذا يؤيّد النظرية الأُولى .


1 . آل عمران: 191 .
2 . طه: 14 .
3 . طه: 14 .
4 . القصص: 77 .
5 . الرحمن: 7 .
6 . الرحمن: 8 .


(346)

الجواب

الجواب عن السؤال المذكور بوجهين: إجمالي وتفصيلي.

أمّا الإجمالي فهو أنّ الترتب في هذه الآيات، وإن كان أمراً لايمكن إنكاره، ولكن ليس معناه أنّ المعرفة النظرية ـ بمفردها ـ علّة لما رتّب عليها من الفرائض والأحكام، بل الأمر في هذه الآيات على وجه آخر، وهو وجود معرفة عملية كلية ـ إمّا واضحة بالذات أو منتهية إليه ـ دخيلة في هذا الإستنتاج، لكنها لم تُذكر، لأنّها مفهومة من سياق الآيات. ومَنْ تدبّر الذكر الحكيم، يجده كثيراً ما يتّكل على فهم الإنسان الفطري، لإدراك المراد، من دون حاجة إلى ذكره، ويكتفي بالإتيان بما هو لازم في مقام المخاطبة، أخذاً بمجامع البلاغة.

وعلى ذلك، فليس ما تذكره الآيات من معارف نظرية، مبدأً مستقلاً لتلك الفرائض العملية، وإن كان له أيضاً دورٌ، كدورِ كلِّ صغرىً في الإستنتاج، بل التأثير إنّما هو بضميمة كبرىً عقلية عملية مقدَّرة، كما ذكرنا.

وأمّا التفصيلي:

ففي الآيتين الأُولى والثانية اللتين أُستُدِلَ فيهما بسجود الموجودات وتسليمها أمام الله سبحانه على وجوب أن يكون الإنسان مثلها، قياسٌ واضح معلوم عند التخاطب، وهو أنّ خضوع الموجودات وتسليمها لله سبحانه ناشيء من أنّه سبحانه مَبْدَأُ الوجود ومفيض النعم، وأنّ كلَّ شيء فقيرٌ إليه تعالى. وواجبُ كلِّ ممكن فقير بالذات، الخضوعُ لموجده ومفيض نعمه، وليس الإنسان مستثنىً من هذه القاعدة، فيجب عليه السجود كسجودها، والتسليم كتسليمها.

فالقضية النظرية الّتي تعطيها هاتين الآيتين، هي نتيجة قياس كالتالي:

ـ السموات ومن فيها، فقير إلى الله تعالى .

ـ وكلُّ فقير إلى الله تعالى، ساجد وخاضع له .

فالسموات ومن فيها، ساجد وخاضع لله تعالى.

ومن هذا القياس الّذي لفتتنا إليه تلك القضية النظرية ننتقل إلى قياس آخر


(347)

يوصلنا إلى النتيجة الجزئية العملية، وهي وجوب خضوع الإنسان لله تعالى، وهو كالتالي:

ـ الإنسان (بما أنّه جزء من السموات والأرض)، فقير إلى الله تعالى.

ـ وكل فقير إلى الله تعالى، يجب أن يخضع له .

فالإنسان، يجب أن يخضع لله تعالى.

وأمّا الآية الثالثة، فإنّه سبحانه لما علّم آدم الأسماء كلَّها، وعرّفه حقائق الأشياء، وقف من جملة ما وقف عليه، على أنّ الأكل من الشجرة المعلومة، موجب للشقاء، وكل ما يوجب الشقاء يجب الإجتناب عنه (كبرى عملية)، فيستنتج من ذلك أنّ الأكل من هذه الشجرة المعلومة يجب الإجتناب عنه.

وأمّا الآية الرابعة، فتُعلم ممّا ذكر من الآيتين الأُولَيينْ، فإنَّ ذكرَ الله سبحانه قياماً وقعوداً ليس إلاّ خضوعاً واستسلاماً لله عزّوجل. وما في السموات والأرض من الآيات، يدلّ على خضوع جميع الموجودات لله تعالى، لفقرها إليه، والإنسان فقير مثلها، فيجب أن يخضع لله ويذكره قياماً وقعوداً.

وهكذا سائر الآيات، تستتر فيها أقيسة عقلية تظهر بالتدبر، وتدفع الإنسان إلى لزوم تبني النتيجة العملية، فلا حاجة إلى ذكرها جميعها وإنّما نكتفي بالآية الأخيرة وهي قوله: (وَ السَّمَاءَ رَفَعَهَا وَ وَضَعَ الْمِيزَانَ)، حيث رتّب عليها قوله:(أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ). فإنّ الآية الأُولى ترشد إلى سنّة طبيعيّة، وهي أنّ كل ظاهرة يسودها النظام إنّما تستمر في بقائها، إذا سادها التعادل (الميزان)(1). والإنسان بما أنّه من صغريات هذا الموضوع، فلايستمر له البقاء إلاّ إذا ساد على حياته الفردية والإجتماعية، العلمية والعملية، التعادل والتوازن، فلا يصدر عنه من عمل ولا فكر، إلاّ بميزان يعدّله ويقوّمه، فلا يظلم ولا يُجْحف ولا يُخْسِر.

***


1 . جاء في «الإلهيات» في مباحث المعاد أنّ «الميزان» أعمُّ من ميزان الأثقال، ويراد منه عموم ما تُقَدَّر به الأشياء، حتّى لو كانت أفعالاً وأقوالاً وعقائد، كما يؤيّده قوله سبحانه; (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الحديد: 25 .


(348)

(349)

خاتمة المطاف

ثبات المعرفة وتطورها

لا شك أنّ معرفة الإنسان بالكون وشؤونه وسننه، لم تزل في تزايد و تكامل مطّرد، مذ عرف البسيطة، وفتح عينيه على آفاق هذا الوجود الوسيع. كما أنّه لمّا يَزَل يقف على أخطائه و عثراته في بعض ما توصل إليه، أو يكتشفه من معارف، في ظل تطور العلوم وترقّيها. وهذا يعرب عن اتّصال وثيق بين المعارف البشرية، بحيث تؤثّر المعرفة الثانية في المعرفة الأُولى، إكمالاً أو تأسيساً.

ولكنّ المرءَ يتساءل: هل تطور المعرفة وتكاملها في حقل من حقول العلم، يؤثّر في جميع المعارف البشرية، أو أنّ تأثيره يقتصر على بعضها فقط، ممّا كان بينه وبين ذلك العلم المتكامل مسانخة؟

تراءى للبعض،الأوّل، ولكن الحقّ هو الثاني، فإنّ الأوّلَ باطل من جهتين:

الجهة الأُولى: لو قلنا بأنّ التطور في معرفة ما، والوقوف على آفاق جديدة في علم، يؤثّر في جميع المعارف الأُخرى، للزم عدم الجزم والإذعان بقضية من القضايا، وذلك لأنّا على يقين بأنّه سيحصل تطور في جانب من المعارف، والمفروض أنّه مؤثّر في جميعها، فيلزم أن تكون جميع المعارف دائماً في رحاب الشك، وعلى ساق الترديد، وهو عين السفسطة الّتي لا يقبلها عاقل ولا حكيم.

الجهة الثانية: إنّ شأن الترابط بين العلوم والمعارف والتأثير فيما بينها، شأن


(350)

الترابط بين القضايا والنتائج في الأقيسة، فكما أنّ السنخية معتبرة في الأخيرة، حيث لا يمكن استنتاج كل نتيجة من كل قضية وقياس، فهكذا الأمر في مسألة التأثير والتحول، فليس كل تحول في علم ما موجباً للتحول في كل العلوم، ما لم يكن بين العلمين سنخية.

فإذن، كما أنّ السنخية شرط أساسي في الإستنتاج، فهكذا هي شرط أساسي للتأثير والتحول.

ولأجل ذلك يمكننا أن نُقِرّ بصحة التأثير والتحول في المواضع التالية:

1. إنّ تحول مسألة رئيسية في علم، تؤثّر في جميع مسائل ذلك العلم أو أكثر، لوجود السنخية، ويمكن أن نلاحظ أمثلة متعددة لذلك.

ففي علم الفلك، كان للتحول عن نظرية بطليموس القائلة بمركزية الأرض للعالم، إلى مركزية الشمس للكواكب السيارة، الّتي تشكل الأرض فرداً منها، أثرٌ كبيرٌ في تغيير مجرى العلوم الفلكية.

وفي الفلسفة، كان للتحول من أصالة الماهية إلى أصالة الوجود، وكذلك التحول من تباين الوجودات بالذات، إلى تباينها بالتشكيك في مراتب الحقيقة الواحدة، وكذلك التحول من القول بالكون والفساد إلى الحركة الجوهرية، كان لكل ذلك آثاره العميقة في المسائل الفلسفية.

2. التحول في مسألة من مسائل علم آلي بالنسبة إلى علم آخر، كعلم الأُصول بالنسبة إلى الفقه، يؤثّر على مسائل العلم الآخر. ولذلك كان لتأسيس أصل ورود الأمارات على الأصول العملية، عقليها وشرعيها، أثر كبير في كثير من المسائل الفقهية، بحيث لم يعد صحيحاً الإستدلال بالأصل العملي ـ كأصالة البراءة ـ مع وجود الدليل الإجتهادي.

3. موضوعات القرآن الكريم، فإنّ القرآن بما أنّه كتاب سماوي خالد عبر الأجيال والأزمنة، قد بحث عن موضوعات كثيرة ترتبط بالفلسفة، والعرفان، والأخلاق، وعلم الإجتماع، والهيئة، والبيئة، والنفس، والطبيعة (1)، ومن


1 . نعم ليس القرآن الكريم كتاب فلسفة أو طبيعيات... الخ، وإنّما تطرق إلى هذه الموضوعات، باعتبار دلالتها على الخالق تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته الكمالية، وتقع في طريق هداية الإنسان إلى المبدأ تعالى .


(351)

المعلوم أنّ التحول في هذه العلوم، يعطي الإنسان أُفقاً أوسع لفهم ما خفي على الأولين من المعارف، فيكون ذلك التحول سبباً لتكامل معرفة الإنسان بالله تعالى وما وراء الطبيعة.

وهذا الّذي ذكرناه، نماذج لتمييز ما يؤثر من التحولات العلمية، عمّا لا يؤثر.

***

هذا تمام مباحث نظرية المعرفة، وقد فرغت من تبييضه بتوفيقه سبحانه في
الواحد والعشرين من شهر رمضان المبارك ـ يوم شهادة حامل لواء المعارف
الإلهية الّتي منها نهلت جميع الطوائف الإسلامية مبادئها، قائد الأبرار
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، ثبّتنا الله على
ولايته ـ من شهور عام 1410 للهجرة، في مدينة قم
المشرفة، وأنا العبد الفقير حسن بن محمد مكي
العاملي، عامله الله بلطفه الخفي.
أللهم اجعله ذخراً في خزائنك
والحمد لله رب العالمين .


(352)

ملحق (1)

تعليق للمؤلف (1)

رائد السفسطة

اقدم سوفسطائي معروف هو اليوناني «بروتاجوراس»(2). ولد في «أبديرا» حوالي عام (480 ق. م). واتّهم بالتحلل والإلحاد إستناداً إلى كتاب ألفّه عن الآلهة، وبدأه بهذه الكلمات: «أمّا بالنسبة للآلهة، فإنّني عاجز عن القول ما إذا كانت موجودة أم لا». وقد حُرِق الكتاب علناً، وهرب «بروتاجوراس» إلى صقلية، لكنه غرق في البحر، وكان ذلك حوالي (410 ق. م).

وبروتاجوراس هو صاحب القول الشهير، الّذي يلخّص تعاليمه كلّها، ويحتوي على شكل جنينّي للفكر السوفسطائي، ألا وهو: «الإنسان هو معيار كل الأشياء، معيار ما هو موجود فيكون موجوداً، ومعيار ما ليس بموجود فلا يكون موجوداً».

وهذه الكلمة تهدف إلى نفي الموضوعية عن كل الأشياء، وأنّ كل ما يقال بأنّه موجود، إنّما هو موجود لأنّ الإنسان يظنه موجوداً، وإلاّ فهو زائف.

ثم ترقت الفلسفة البروتاجورية إلى مستوى الإعلان بأنّ كل معرفة


1 . راجع إلى موضوع: منهج الإنكار .
2 . Protagoras، حوالي 480 ـ 411 ق . م .


(353)

مستحيلة، فإنّه إذا لم تكن هناك أيّة حقيقة موضوعية، فإنّه لا يمكن أن تتحقق أيّة معرفة بها.

وجاء بعده «جورجياس»(1)، فكتب كتاباً بعنوان «حول الطبيعة أو اللاوجود»، والسفسطة واضحة في عنوانه، حيث ساوى بين الطبيعة واللاوجود. وقد حاول في هذا الكتاب أن يبرهن على ثلاث قضايا:

1. لا يوجد شيء.

2. إذا وجد شيء فلا يمكن معرفته.

3. إذا أمكنت معرفته، فلا يمكن نقل معرفته إلى الآخرين .

الآراء العملية للسوفسطائيين

بمرور الزمان، أخذت السفسطة منحى خطيراً، وذهب السوفسطائيون المتأخرون إلى أبعد ممّا ذهب إليه بروتاجوراس وجورجياس، عندما صرفوا هممهم. إلى تطبيق تعاليم معلمهم الأول بروتاجوراس، على مجالَيْ السياسة والأخلاق، فقالوا:

إذا لم تكن هناك أيّة حقيقة موضوعية، وإذا كان ما يبدو صادقاً عند كل فرد، هو صادق بالنسبة إليه فحسب، فكذلك لن يكون هناك قانون أخلاقي موضوعي أبداً، فإنّ ما يبدو لكل إنسان أنّه صواب، فإنّما هو صواب بالنسبة له لا غير.

فكانت لهم هذه المقولة: إنّ مشاعري وأحاسيسي لا تُلزم أحداً سواي .

حتّى قال بعض أقطابهم ـ أعني «بولس» (2) و «تراسيماخوس»(3) ـ : إنّ قوانين الدولة هي من إختراع الضعفاء الذين بلغ بهم المكر مداه، وقد لجأوا إلى هذه الحيلة للسيطرة على الأقوياء، وسلبهم ثمار قوتهم الطبيعية.


1 . Gorgias، 484 ـ 396 ق. م .
2 . Bolos .
3 . Thrasymachus .


(354)

وفسّر «كريتياس» (1) الإعتقاد الشعبي والإيمان بالآلهة، بأنّه إختراع من جانب سياسيٍّ محترف للسيطرة على العوام عن طريق الخوف.

وهكذا، فقد رأى السوفسطائيون أنّ من اللغو الحديث عن القوانين العادلة والخيّرة، فما من قانون خيّر أو عادل في ذاته، لأنّه لا يوجد شيء اسمه الخير أو العدالة. وكانوا ـ بالتالي ـ أولَّ من روّج المذهب القائل: القوة هي الحق، وإن لم يكونوا الأخيرين.

ولقد اتّضح لك ممّا ذكرناه، أنَّ الإتجاه الكلي لهذه التعاليم السوفسطائية هو اتّجاه مدمّر ومعاد للجميع. إنّه مدمّر للدين، والأخلاقيات، وأُسس الدولة، وكل المؤسسات القائمة.

كما بإمكانك أن تلاحظ الآن، أنّ آراء السوفسطائيين متبلورة في الإتجاهات العملية لأبناء هذا العصر. فالناس في الممارسة، والسوفسطائيون في النظرية، يطأون تحت الأقدام قيود القانون، والسلطة، والعادة، والدين، ويتركون الساحة لتحديات الأفراد في إراداتهم الفجّة، وأنانياتهم المتمادية.(2)


1 . Kritias .
2 . بإمكانك أن تلاحظ ما نقلناه في «تاريخ الفلسفة اليونانية»، وولترستيس: 97 ـ 112 .


(355)

ملحق (2)

تعليق للمؤلف (1)

أشرنا إلى حصول حوادث كثيرة في العلوم الطبيعية، استُدلّ فيها بالمحسوس المرئي على ظواهر غيبية غير مرئية.

فمن تلك الحوادث، واقعتا اكتشاف الكوكبين السيارين من كواكب المجموعة الشمسية «نبتون» و «بلوتون». وإليك فيما يلي بيانهما.

لقد ظلت حركة سابع الكواكب السيارة «أورانوس» ـ وعلى مدى سنين عديدة من الأرصاد الدقيقة ـ محيّرة لعلماء الفلك، وذلك لأنّ مسير دورانه حول الشمس، لم يكن مطابقاً للمسير المعيّن طبقاً لمحاسبات قانون «نيوتون» للجذب الكوني بين الأجرام، وكأنّ شيئاً ما يحرف «أورانُوس » عن مسيره الّذي ينبغي أن يكون عليه .

وانطلاقاً من ذلك، توصل عالمان رياضيان هما «جون أدامز» (2)، و «أُربَن ليفرييه»(3)، إلى حتمية وجود كوكب سيار آخر مجهول، يجذب «أُورانُس» إليه. ثم قاموا بمحاسبات رياضية دقيقة عينوا بها مكان ذلك الكوكب الغيبي اللامرئي.


1 . راجع إلى موضوع: دوافع أخراج العوالم الغيبية عن إطار المعرفة، في برهان الصديقين .
2 . جون كاوتش آدامز، (1819 ـ 1892 م)، مدير مرصد كامبريدج عام 1858 م .
3 . أُربن جان جوزيف ليفرييه، (1811 ـ 1877 م)، مدير مرصد پايس 1854 م .


(356)

وبعد مدة من الزمان، اعتمد مرصد في برلين محاسبات «ليفرييه» أساساً له في سبر أغوار المجموعة الشمسية، حتّى كان العام 1846، عندما وجد فلكيو ذلك المرصد نقطة نورانية جديدة في صورة الدلو الفلكية. وهكذا تمّ اكتشاف ثامن الكواكب السيّارة: «نبتون».

ثم عكف الفلكيون على مراقبة «نبتون»، ولكنهم ـ بعد فترة ـ اندهشوا عندما لاحظوا أنّه بدأ بالإنحراف عن مسيره. فتساءلوا: هل يوجد كوكب سيّار آخر وراء «نبتون» يجذبه إليه؟. لم يكن بالإمكان إعطاء أي جواب شاف، حتّى عام 1915 م عندما عيّن «برسيوال لوُوِل»، بالمحاسبات الرياضية; مكان ذلك الكوكب اللامرئي، وباءت بعده كل محاولات الفلكيين لكشفه، بالفشل، حتّى تمكّن «كلايد تومبا» (1)، سنة 1930 م، بعد سبر طويل، وبالصدفة المحضة، من اكتشاف تاسع الكواكب السيارة «بلوتو» (2).

أفترى، أي فرق بين انتقال الفلكيين من مشاهدة ومطالعة أمور مشاهَدَة محسوسة، إلى وجود أشياء غيبية، ما شاهدوها، ولا عرفوها من قبل; وبين انتقال الإلهي من مشاهدة ومطالعة هذا الكون المحسوس، إلى وجود أشياء وعوالم غيبية لم يرها ولم يعرفها؟

*


1 . ولد عام 1906 م .
2 . ترجمناه من كتاب Discovering Astronomy، تأليف: Jackelineو Simon Mitton ص 111، بتصرف .

Website Security Test