welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسالة في التحسين والتقبيح العقليين*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسالة في التحسين والتقبيح العقليين

رسالة
في
التحسين والتقبيح
العقليين

وتليها رسالة فى فلسفة الاخلاق
والمذاهب الاخلاقية

تأليف

العلامة المحقق
جعفر السبحاني


(2)

(3)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

المدخل

شغلت قاعدةُ التحسين والتقبيح العقليين بالَ كثير من المفكِّرين منذ عصور قديمة إلى يومنا هذا، فقلّما يتفق أن يخوض باحث في العلوم الاِنسانية دون أن يشير إليها، لعلاقتها بعلوم جمّة ولا سيما علم الكلام والاَخلاق والفقه.

مثلاً الباحث في الكلام الذي يبحث عن أفعال اللّه سبحانه من حيث الجواز والامتناع، أي ما يجوز عليه أن يفعل كبعث الرسل، وما لا يجوز كإتيان الكاذب المعجزة، يتخذ الحسن والقبح أساساً لقضائه الباتّ.

كما أنّ الباحث في الاَخلاق حينما يتناول القيم الاِنسانية بالبحث يتعرض إلى تلك القاعدة بأخذ ما يحسِّنه العقل أساساً للقيم وما يقبِّحه أساساً للرذائل، فلا غنى له عنهما.

والباحث في أُصول الفقه ـ أي العلم الذي يبحث عن قواعد الاستنباط وأدلّته ـ يخوض في غمار تلك القاعدة في أكثر مباحثه؛ نظير القول بأنّ الاَمر بالشيء يلازم الاَمر بمقدمته لقبح التفكيك بينهما، أو انّ الاَمر بالشيء يلازم النهي عن ضده لنفس الملاك، فيتخذها الاَُصولي أصلاً موضوعياً لاستنباط وجوب مقدمة الواجب أو حرمة ضدّه.

وليست الملازمات نسيج وحدها في تفرعها على تلك المسألة بل ثمة


(4)

مسائل أُصولية أُخرى متفرعة عليها كما سيوافيك في محله.

قال المحقّق الشيخ محمد تقي الاصفهاني ـ في تعليقته على «معالم الاَُصول» عند البحث عن الاَدلّة الاَربعة: الكتاب والسنّة والاِجماع والعقل ـ بعد الفراغ من حجّية الاَُمور الثلاثة: إنّ هنا أمرين:

أحدهما: إثبات حكم العقل بالنسبة إلى التحسين والتقبيح.

ثانيهما: كون حكمه به دليلاً على حكم الشرع.

والثاني من مباحث أُصول الفقه، نظير إثبات حجّية الكتاب وخبر الواحد وغيرهما من الاَدلّة، والاَوّل مبادىَ للثاني، حيث إنّه يتحقّق موضوع البحث فيه.(1)

ولنيل الغاية المتوخاة من كلام المحقّق الاِصفهاني، نعطف نظر القارىَ الكريم إلى هذا المثال: إذا افترضنا انّ المكلّف شكّ في حكم واقعة وتناول الموضوع من منظار الكتاب والسنّة فلم يعثر فيهما على أيِّ حكم، حينها يستقل العقل بقبح موَاخذة هذا المكلف، لاَنّ موَاخذته ستكون بلا بيان، ومثله أمر قبيح لا يصدر من حكيم مختار.

ثمّ إنّ الاَُصولي يتخذها ذريعة لاستنباط حكم شرعي وهو عدم تعلّق حكم إلزامي به، وإلاّ يلزم العقاب بلا بيان.

وليست حاجة الفقيه إلى تلك القاعدة بأقل من حاجة الطوائف الثلاث المذكورة، فانّ خلود الاَحكام الفقهية عبْـر الزمان رهن القول بالتحسين والتقبيح العقليين الذاتيين.

فكلّ حكم شرعي يستمد ملاكه من تلك القاعدة، فهو حكم موَبَّد بتأبيد


(1) هداية المسترشدين:431، المطلب الثاني.

(5)

ملاكه وكون حسنه وقبحه ذاتيّاً لا يتغير ولا يتبدل، فشكر النعمة حسن على كلّ حال، وكفرانها قبيح، والاَحكام التي تعبّر عن شكر النعمة كالعبادات خالدة لخلود ملاكاتها.

وخلاصة القول: لمّا كانت القاعدة تعدُّ حجر الاَساس لكثير من مسائل العلوم مسّت الحاجة إلى طرح تلك القاعدة على طاولة البحث من زوايا مختلفة كي تكون مصباحاً منيراً لكلّ محاولة تستهدف نيل الحقيقة في مختلف المجالات، وقد استحوذت تلك القاعدة على أهمية بالغة في العصور المتأخرة ولا سيما عند الغربيين الذين أنكروا ثبات القِيَم الاَخلاقية وقالوا بنسبيّتها وانّها تابعة للاَوضاع والظروف السائدة، فليس هناك أصل أخلاقي ثابت.

ومن الواضح بمكان، أنّ الانصياع وراء هذا القول يوجب انهيار كافة المُثُل الاَخلاقيّة بل انهيار تأبيد الاَحكام الشرعية.

فلم يزل بعض المفكِّرين الغربيين يثيرون الشكوك حول تلك القاعدة، وما يترتب عليها من مسائل كلامية وأخلاقية تدعو إلى ثبات القيم الاَخلاقية والقوانين الشرعية السماوية، وذلك لدواعٍ غير خافية على أحد.

ونحن بفضل اللّه سنتناول دراسة تلك القاعدة من منظار العقل السليم، وبأُسلوب موضوعي متجردين عن كلّ رأي مسبق، وتأتي تلك الدراسة ضمن فصول.


(6)

الفصل الاَوّل

الجذور التاريخية للقاعدة

إنّ المتكلّمين من المسلمين قد خاضوا غمار تلك القاعدة وبحثوا فيها بحثاً مبسوطاً عجّت بها الكتب الكلامية ـ ومع الاعتراف بذلك ـ إلاّ أنّ القاعدة ليست من ابتكاراتهم، بل سبقتهم فلاسفة الاِغريق منذ وقت مبكِّر، عند تقسيمهم الحكمة إلى نظرية وعملية، وحاصل التقسيم انّ ما يدركه الاِنسان على قسمين:

أ. يدرك الاِنسان ما من شأنه أن يُعْلَم، مثل اللّه موجود، والعقل موجود، أو انّ زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين.

ب. يدرك ما من شأنه أن يُعمل، كقولنا: العدل حسن، والظلم قبيح.

قال المعلم الثاني الفارابي (المتوفّى 339هـ): إنّ الحكمة النظرية هي التي بها يحوز الاِنسان علمَ ما ليس من شأنه أن يعمله إنسان، والحكمة العملية هي التي يعرف بها ما من شأنه أن يعمله الاِنسان بإرادته. (1)

ثمّ إنّ إدراك ما من شأنه أن يعمله الاِنسان: إمّا راجع إلى سياسة المدن وتدبير المجتمع، أو راجع إلى تدبير المنزل وإدارة العائلة، أو إلى الاَخلاق والقيم التي يجب أن يتخلّق بها الاِنسان في حياته.

ومن المعلوم أنّ تمييز الفضائل والرذائل رهن ملاك، ومن الملاكات إدراك


(1) شرح منظومة السبزواري: 310.

(7)

العقل حسن الشيء أو قبحه، فالاَوّل يجب أن يفعل، والثاني يجب أن يترك، فهذا التقسيم هداهم إلى البحث عن الحسن والقبح العقليين.

وبذلك صارت فلاسفة الاِغريق سبّاقين في هذا المضمار، وإن لم يبلغوا في تفريع القاعدة وتشريحها المرتبةَ التي وصل إليها الاِسلاميون.

مكانة القاعدة في الكلام الاِسلامي

بزغ نجم الاِسلام وبسط نفوذه على أصقاع شاسعة من الاَرض واعتنقته أُمم وأقوام متنوعة الحضارات، مما دفع إلى تنامي الاحتكاك الثقافي بين الاِسلام وسائر الحضارات، وأعقبه نشاط حركة الترجمة لا سيما ترجمة الكتب الفلسفية والكلامية لاَصحاب الديانات المختلفة، إلى العربية، فتواردت أفكار جديدة احتضنها المسلمون وأرسوا قوائمها وبلغوا القمَّة في البحث والتنقيب.

وممّا ألفتَ نظرهم هي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين التي استخدمها علماء الاِغريق لاِرساء القيم الاَخلاقية وإثبات المُثُل الخالدة، ولكن المسلمين نحوا بها منحى آخر وهو التعرّف على أفعاله تبارك وتعالى، ومعرفة ما يجوز عليه عند العقل عمّـا لا يجوز، فكان التوحيد والعدل هي المهمة الاَُولى للمفكِّرين من المسلمين.

فالبحث عن التوحيد لغاية قمع الشرك، والدعوة إلى توحيده سبحانه بمراتبه المختلفة، أعني: توحيد الذات والاَفعال و الصفات.

كما أنّ البحث في العدل لمعرفة ما يجوز عليه سبحانه عمّـا لا يجوز، فكلّ فعل استكنَّ تحت ظلال العدل فهو جائز عليه حسب حكمته، وكلّما دخل تحت عنوان الظلم فلا يجوز عليه، بحجّة أنّ العدل حسن والظلم قبيح. فصار ذلك


(8)

أساساً لبحوث كثيرة طرحت في علم الكلام.

فالبحث عن العدل رمز القول بحسن الاَفعال،كما أنّ البحث في الظلم رمز القول بقبحه.

فالمسألة الاَساسية ـ في الواقع ـ هي قابلية العقل على درك حسن فعل أو قبحه سواء أكان الفاعل واجباً أو ممكناً.

وعلى ضوء ذلك استأثر التوحيد بمراتبه، وعدله سبحانه، على اهتمام بالغ في علم الكلام، دون سائر المسائل، ويكفي في ذلك أنّ الاختلاف في العدل شق صفوف المتكلّمين إلى عدلية وغيرها، فالمعتزلة والاِمامية رفعوا شعار العدلية، والاَشاعرة وأهل الحديث لم يرتضوا بذلك، بيد انّ الطائفة الاَُولى استدلت على عدله وحكمته سبحانه بأنّ الحكمة تقابل العبث، والعدل يقابل الظلم، واللّه سبحانه حكيم لا يعبث، عادل لا يجور، وإلاّ يلزم وصف أفعاله بالعبث والجور وكلاهما قبيح وهو سبحانه منزّه عنه.

وفي هذه الاَجواء ظهرت مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وهل للعقل قابلية على درك حسن الاَفعال وقبحها أو لا ؟

فمن زعم أنّ للعقل قابلية درك حسن الاَفعال وقبحها، قال بأنّ العبث والظلم قبيح، وهو سبحانه منزّه عن القبح، بخلاف من أثبت عجز العقل عن نيل هذا النوع من الاِدراك، فلم يكن بمقدوره إقامة البرهان على الوصفين المذكورين واقتصر في وصفه سبحانه بهما على النقل فقط.

وحصيلة البحث: أنّ فلاسفة الاِغريق تداولوا القاعدة لاِثبات كثير من القيم الاَخلاقية والدفاع عنها، وقالوا: إنّ الصدق وأداء الاَمانة ولزوم العمل بالميثاق واحترام حقوق الآخرين من القيم الاَخلاقية يجب فعلها باعتبار حسن الجميع،


(9)

كما أنّ مقابلاتها يجب تركها لاَنّها قبيحة.

وأمّا الاِسلاميون فقد تداولوها لاِثبات صفاته وأفعاله، لاَنّه حكيمٌ لا يعبث وعادلٌ لا يجور، وبذلك اكتسبت القاعدة مكانة كلامية سامية، ولذا نجد أنّ المحقّق الطوسي عندما يتطرق في بحثه إلى أفعاله سبحانه، يقول: الفعل إمّا حسن أو قبيح، والحسن أربعة، وهما عقليان للعلم بحسن الاِحسان وقبح الظلم من غير شرع.

ويقول العلاّمة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد: لما فرغ من إثباته تعالى وبيان صفاته، شرع في بيان عدله وانّه تعالى حكيم لا يفعل القبيح ولا يخلُّ بالواجب وما يتعلق بذلك من المسائل، وبدأ بقسمة الفعل إلى الحسن والقبيح، وبيّن انّ الحسن والقبح أمران عقليان وهذا حكم متفق عليه بين المعتزلة.

وهذا يعرب عن أنّ مسألة الحسن والقبح حازت على جدارة أهّلتها لحل رموز كثير من المسائل الكلامية، وقد أشرنا في تعليقتنا على كشف المراد (1) إلى تلك المسائل المبتنية عليها، وهي كالتالي:

1. لزوم معرفته سبحانه عقلاً، 2. وجوب تنزيه فعله عن العبث، 3. لزوم تكليف العباد، 4. لزوم بعث الاَنبياء، 5. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة، 6. العلم بصدق مدّعي النبوة ، 7. الخاتمية واستمرار أحكام الشريعة، 8. ثبات الاَُصول الاَخلاقية ودوامها، 9. لزوم الحكمة في البلاء والمصائب، 10. اللّه عادل لا يجور.

هذه عشر مسائـل كلامية يَعْتَمِـد إثباتُـها على الاِيمان بالحسـن والقبـح العقليين وإنكارهما مساوق للشك في جميع هذه المسائل المترتبة عليهما.


(1)كشف المراد:56، قسم الاِلهيات، الفصل الثالث في أفعاله.

(10)

ومن توغّل في الكتب الكلامية (1)للاِسلاميين يقف على أنّ القاعدة شكّلت أساساً لمعرفة أفعاله سبحانه.


(1)انظر كتاب نهج الحقّ وبيان الصدق للعلاّمة الحلّي.

(11)

الفصل الثاني

الآراء والنظريات المطروحة

إنّ الاِحاطة بالاَقوال والنظريات المطروحة في التحسين والتقبيح العقليين، كفلية بإعطاء صورة واضحة عن الحقيقة، ولذلك عدّ بعض المفكّرين الاِحاطة بالاَقوال والنظريات خطوة كبيرة في سبيل نيل المعرفة، وإليك النظريات المطروحة حول القاعدة:

1. التحسين والتقبيح الذاتيان

إنّ القائلين بذاتيّة التحسين والتقبيح، يفسرونها: بأنّ الفعل الصادر من الفاعل المختار، سواء أكان واجباً أو ممكناً، إذا نظر إليه العقل وتجرّد عن كلّ شيء يستقل إمّا بحسنه وانّه يجب أن يفعل، أو بقبحه وانّه يجب أن يترك، بغض النظر عمّـا يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، أو بغض النظر عن موافقته لغرض الفاعل أو مخالفته، فانّ كلّ هذه الضمائم ممّا لا حاجة إليها في قضاء العقل بالحسن والقبح، فكأنّ نفس الفعل علة تامة ـ عند اللحاظ ـ لحكم العقل بالحسن أو القبح.

نعم استيعاب حكمه لكافة الاَفعال الصادرة من الفاعل المختار أو عدمه، بحث آخر لا نتطرق إليه.

وإنّما المطروح في المقام هو إثبات القاعدة على نحو الموجبة الجزئية.


(12)

2. التحسين والتقبيح الاقتضائيان

وتهدف هذه النظرية إلى القول بأنّ نفس الفعل مجرّداً عمّا يترتب عليه من المصالح الاجتماعية أو الفردية، وكذا المفاسد، ليس علة تامة لقضاء العقل بالتحسين والتقبيح، وإنّما للفعل اقتضاء لاَحد الحكمين، ومع ذلك يمكن أن يتغيّر حكم العقل بطروء عناوين تحوِّل الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، كحسن الصدق وقبح الكذب، فإنّ حكم العقل بحسن الاَوّل وقبح الثاني ليس حكماً ذاتيّاً لا يتغير ولا يتبدّل، وليس الفعل علّة تامة بل مقتض لاَحد الحكمين لولا طروء المانع، ولذلك لو كان الصدق مظنة الفتنة وإراقة الدماء، يصير قبيحاً والكذب على العكس.

والفرق بين النظريتين هو أنّ الفعل ـ على النظرية الا َُولى ـ بما هوهو علّة تامة للحكم بالحسن أو القبح ولا يتغير ولا يتبدل مهما تغيّرت الظروف والاَحوال فلو صار الصدق مبدأ للفتنة يحكم العقل بتركه، كما أنّ الكذب لو صار مبدأ للصلاح يحكم بفعله وذلك لا يستوجب زوال حسن الاَوّل وقبح الثاني، بل الصدق باق على حسنه، والكذب على قبحه، ولكنّه يرجّح ارتكاب أقلّ القبيحين وهو الكذب لدفع ما هو أكثر قبحا،ً أعني: قتل الاِنسان.

هذا على القول الاَوّل، وأمّا على القول بالاقتضاء فيزول حسن الصدق وقبح الكذب في هذه الظروف فينقلب الحسن قبيحاً والقبيح حسناً.

3. التحسين والتقبيح في إطار المصالح والمفاسد

توَكد هذه النظرية على القول بالتحسين والتقبيح العقليين، ولكن دون أن يكون الفعل علّة تامة أو مقتضياً له، وإنّما يدور حكم العقل بالتحسين والتقبيح


(13)

مدار المصالح والمفاسد، فلو ترتبت مصلحة فهو حسن كما أنّه لو ترتبت مفسدة فهو قبيح.

4. التحسين والتقبيح حسب نية الفاعل

وقائل هذه النظرية ينفي الحسن والقبح الذاتيين، ويقول بدوران حكم العقل مدار نيّة الفاعل، فلو ضرب اليتيم تأدباً فهو حسن ولو ضربه إيذاءً فهو قبيح.

5. التفصيل بين التحسين والتقبيح

نقل عن أبي الحسن البصري الفرق بين التحسين والتقبيح، فقال: بأنّالحسن وصف ذاتي للاَفعال، بخلاف القبح فانّه يدور مدار نيّة القاصد.

هذه هي النظريات والآراء المطروحة حول وصف الاَفعال بالحسن والقبح، والحق هو النظرية الا َُولى كما سيتضح في الفصل الآتي.


(14)

الفصل الثالث

تفسير ذاتية التحسين والتقبيح

قد تقدم مفاد النظرية الاَُولى وحاصلها: أنّ التحسين والتقبيح ذاتيان، فيقع الكلام في المراد من الذاتي، فهل هو من قبيل الذاتي في باب «الايساغوجي» أو من قبيل الذاتي في باب «البرهان»؟

وتحقيق المقام رهن إيضاح الاصطلاحين المذكورين بُغْية الوقوف على المقصود من الذاتي في المقام. أو لا هذا ولا ذاك، كما هو الحقّ.

الذاتي في باب الايساغوجي

يطلق الذاتي ويراد منه ما يكون جنساً أو فصلاً لماهية النوع، وهذا كالحيوان أو الناطق بالنسبة إلى الاِنسان فهما ذاتيان بالنسبة إلى الاَخير، بمعنى أنَّه إذا حاول الشخص أن يحلِّل الاِنسان تحليلاً ذاتياً ويقف على قوامه وصلب حقيقته، يرى فيه هذين المفهومين: الحيوان و الناطق، فالحيوان يشاركه بين جميع أصناف الحيوان، والناطق يميزه عن غيره.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ التحسين والتقبيح بالنسبة إلى العدل والظلم ليسا ذاتيين بهذا المعنى، وذلك لاَنّا نتصور العدل ولا نجد في حاقِّ المفهوم، عنوانَ الحسن، كما لا نجد عنوان القبح في حاقِّ الظلم، فليس الحسن جنساً ولا فصلاً للعدل، كما أنّ القبح ليس كذلك بالنسبة إلى الظلم، فالعدل والظلم


(15)

مفهومان،والحسن والقبح مفهومان آخران، لا يندرجان في ضمن الاَوّلين وهذا بخلاف الحيوان والناطق فانّهما مضَمَّنان في مفهوم الاِنسان.

وبعبارة أُخرى: انّ حمل الذاتي على النوع من مقولة الحمل الاَوّلي، والمراد منه ما يتحد المحمول مع الموضوع مفهوماً ويختلفان بالاِجمال والتفصيل، فيقال: الاِنسان حيوان ناطق، فما يفهم من الاِنسان هو المفهوم من الحيوان الناطق، غير انّ الاِنسان إجمال الثاني، والثاني تفصيل الاَوّل، وهذا بخلاف التحسين والتقبيح فلا يحملان على العدل والظلم بالحمل الاَوّلي، لاَنّ المفهوم من الاَوّلين (العدل والظلم) غير المفهوم من التحسين والتقبيح، فلو قلنا العدل حسن فالحمل من مقولة أُخرى كما سيتضح.

وبذلك يعلم وجه الضعف في كلام الشهرستاني حيث أبطل ذاتية التحسين والتقبيح للاَفعال، بما يلي:

إنّ الصدق والكذب على حقيقة ذاتية لا تتحقّق ذاتهما إلاّ بأن كان تلك الحقيقة مثلاً كما يقال: إنّ الصدق إخبار عن أمر على ما هو به، والكذب إخبار عن أمر على خلاف ما هو به، ونحن نعلم انّمن أدرك هذه الحقيقة عرف التحقّق ولم يخطر بباله كونه حسناً أو قبيحاً، فلم يدخل الحسن والقبيح إذاً في صفاتهما الذاتية التي تحقّقت حقيقتهما ولا لزمتهما في الوهم بالبديهة كما بيَّنا. (1)

وهذا الانتقاد الذي وجّهه مبني على تصور انّ الذاتي في المقام هو الذاتي في باب الايساغوجي، وقد عرفت أنّ الذاتي هنا ليس بهذا المعنى إذ ليس الحسن ولا القبيح جنساً أو فصلاً بالنسبة إلى موضوعهما.


(1)نهاية الاِقدام في علم الكلام: 372.

(16)

الذاتي في باب البرهان

قد يطلق الذاتي ويراد منه، الذاتي في باب البرهان، والمراد منه: ما لا يكون المحمول نفس الموضوع مفهوماً كما في الذاتي في باب الايساغوجي بل يكون غيره، ولكن يحمل المحمول على الموضوع بلا حاجة إلى ضمِّ ضميمة إليه، وهذا ما يعبر عنه بـ «الذاتي في باب البرهان» أو «المحمول بالصميمة» وتُعْلم حقيقة الحال في المثالين التاليين:

1. الاِنسان ممكن.

2. الجسم أسود.

فانّ فرض الاِنسان كاف في حمل الممكن عليه، وإن لم يكن المحمول عين الموضوع مفهوماً، لكن فرضه كاف في انتزاع الاِمكان منه وحمله عليه، وهذا بخلاف المثال الثاني فانّ الاَسود ليس عين الموضوع مفهوماً فلا يكون من قبيل الذاتي في باب الايساغوجي، كما ليس الموضوع كافياً في انتزاع المحمول منه وحمله عليه لاَنّ الجسم بما هو جسم دون أي ضميمة لا يتصف بالاَسود والاَبيض إلاّ إذا ضم إليه السواد والبياض وهذا ما يعبر عنه بـ«المحمول بالضميمة».

هذا هو الفرق الجوهري بين المثالين.

إذا عرفت ذلك، فنقول: ربما يتصور أنّذاتية الحسن والقبح بالنسبة إلى العدل والظلم من قبيل الذاتي في باب البرهان، وذلك بالبيان التالي:

إنّ مفهوم الحسن وإن لم يكن داخلاً في مفهوم العدل، وليس جزءاً من أجزاء مفهومه، إلاّأنّه يعد من لوازم العدل أينما تحقّق ولا ينفك عنه، وهكذاالحال في مفهوم القبح بالنسبة إلى مفهوم الظلم ، فالعدل حسن بالضرورة كما أنّالظلم قبيح كذلك.


(17)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قاعدة التحسين والتقبيح طرحت منذ البداية ولم يكن آنذاك أيَّ أثر لاصطلاح الذاتي في باب البرهان، فلا يصحّ لنا تفسير قولهم بالذاتي بالمصطلح الذي لم يكن رائجاً يومذاك، بل كانت القاعدة تدور حول استقلالية العقل في درك حسن الاَفعال أو قبحها، أو حاجته إلى أمر خارج كالشرع.

فالاَشاعرة وأهل الحديث على الثاني، والعدلية على الاَوّل، وعلى ذلك فتفسير الذاتي في مصطلحـهـم بـ «الذاتي في باب البرهـان» بعيد عن مرامهـم ومقاصدهم.

اللّهمّ إلاّ أن يكون الغرض إظهار رأيه وهو أنّ وزان الحسن والقبح إلى العدل والظلم، كوزان لازم الماهية بالنسبة إليها من دون أن ينسبه إلى القائلين بالذاتي في القرون الغابرة.

وثانياً: وجود الفرق الواضح بين لازم الماهية والحسن والقبح بالنسبة إلى موضوعهما، أعني: العدل والظلم.

وحاصل الفرق: أنّ لازم الماهية كالزوجية بالنسبة إلى الاَربعة، أمر واقعي وله أثر خاص وهو الانقسام إلى متساويين، ولا نبغي من الواقعية انّاللازم أمر عيني ملموس، بل المراد منها انّله سهماً من الوجود كسائر اللوازم، والعقل كاشف عنه، وهذا بخلاف الحسن والقبح إذ ليس وراء موضوعهما واقعية وإنّما يستقل العقل بأحدهما عند مقايستهما إلى البعد الملكوتي منه، (الفطرة والوجدان أو سمّ ما شئت) فيجد أحدهما ملائماً له والآخر بخلافه فيحكم بالحسن عند الملائمة وبالقبح عند المخالفة، فللعقل دور الحكم لا الكاشفية.

وبتعبير آخر : إنّ الماهية ولازمها مفهومان ذهنيان، أو وجودان خارجيان بينهما تلازم ذهني (كتصور الاَربعة الملازم لتصور الزوجية) أو خارجي(كما إذا تحقّقت الاَربعة فيتحقّق معها الزوجية) والعقل يستكشف تلك الملازمة بعد


(18)

الوقوف على الملزوم واللازم، وهذا بخلاف الحسن والقبح بالنسبة إلى موضوعهما، فليس هناك تلازم بينهما في الذهن أو في الخارج، وإنّما يوصف كلّ بالحسن والقبح عند المقايسة، وهو إذا قيس العدل أو الظلم على الفطرة الاِنسانية التي نعبر عنها بالبعد الملكوتي أو البعد الروحاني، فيجد العقل أحدهما ملائماً ومطابقاً لقضاء الفطرة والآخر مخالفاً لها، فيحكم بحسن الاَوّل وقبح الثاني، فليس هناك واقعيتان وراء حكم العقل وقضائه، كما هو الحال في لازم الماهية، بل الواقعية الثانية ـ أعني: الحسن والقبح ـ هي قضاء العقل وإصداره الحكم بعد الملائمة أو المنافرة.

وبذلك يظهر أنّالتحسين والتقبيح من الاَُمور الذهنية، ولكن لا من الاعتباريات المعروفة التي ربما تكون قائمة باعتبار المعتبر، كالملكية للمال والزوجية للمرأة بحيث لو غض النظر عن الاعتبار لما كان للمعتبَـر أيُّ نحو من الواقعية، بل من الاَحكام العقلية، الصادرة من العقل عند المقايسة، وإحساس الملائمة للفطرة أو المنافرة لها.

كلام للمحقّق الاصفهاني

ثمّ إنّ للمحقّق الشيخ محمد حسين الاصفهاني(1296ـ 1361هـ) كلاماً قيّماً في تفسير ذاتية التحسين والتقبيح نأتي بنصه:

إنّ حديث كون حسن العدل وقبح الظلم ذاتياً، لا يراد منه ما هو المصطلح عليه في كتاب الكليات (باب الايساغوجي)، لوضوح أنّ استحقاق المدح والذم ليس جنساً ولا فصلاً للعدل والظلم، وليس المراد منه ما هو المصطلح عليه في كتاب البرهان، لاَنّ الذاتي هناك ما يكفي وضع نفس الشيء في صحّة انتزاعه منه، كالاِمكان بالاِضافة إلى الاِنسان مثلاً، وإلاّ لكان الاِنسان في حدّ ذاته إمّا واجباً أو ممتنعاً.


(19)

ومن الواضح بالتأمل انّ الاستحقاق المزبور ليس كذلك، لاَنّ سلب مال الغير مثلاً مقولة خاصة بحسب أنحاء التصرف، وبالاِضافة إلى كراهة المالك الخارجة عن مقام ذات التصرّف، ينتزع منه أنّه غصب، وبالاِضافة إلى ترتب اختلال النظام عليه بنوعه وهو أيضاً خارج عن مقام ذاته ينتزع منه انّه مخل بالنظام، وذو مفسدة عامة، فكيف ينتزع الاستحقاق (استحقاق الذمّ) المتفرع على كونه غصباً وكونه مخلاً بالنظام عن مقام ذات التصرّف في مال الغير.

بل المراد بذاتية الحسن والقبح كون الحكمين عرضاً ذاتياً، بمعنى انّ العدل بعنوانه والظلم بعنوانه يحكم عليهما باستحقاق المدح والذم، من دون لحاظ اندراجه تحت عنوان آخر، بخلاف سائر العناوين فانّها ربما تكون مع حفظها معروضة لغير ما يترتب عليه لو خلّي ونفسه كالصدق والكذب فانّهما مع حفظ عنوانهما في الصدق المهلك للموَمن والكذب المنجي للموَمن يترتب استحقاق الذم على الاَوّل بلحاظ اندراجه تحت الظلم على الموَمن، ويترتب استحقاق المدح على الثاني لاندراجه تحت عنوان الاِحسان إلى الموَمن، وإن كان لو خلّي الصدق والكذب ونفسهما يندرج الاَوّل تحت عنوان العدل في القول، والثاني تحت عنوان الجور ، فضلاً عن سائر الاَفعال التي في نفسها لا تندرج تحت عنوان ممدوح أو مذموم. (1)

وحاصله: أنّه يتوسط بين التصرّف في مال الغير، واستحقاق الذمّ، أمران:

1. وصفه بكونه غصباً.

2. وصفه بكونه مخلاًّ بالنظام.

وعند ذلك، يوصف باستحقاق الذم، فكيف يمكن أن ينتزع الاستحقاق من


(1)نهاية الدراية في شرح الكفاية:2|8ـ 9.

(20)

التصرّف في مال الغير ابتداءً، مع غضِّ النظر عن هذين الاَمرين.

ولك أن تقرّر كلامه بنحو آخر، وهو انّ التصرّف في مال الغير من مقولة الفعل، وكراهة المالك وعدم رضائه من مقولة الكيف، والغصب المنتزع من هذين الاَمرين (التصرف في مال الغير مع كراهته) لا يمكن أن يكون أمراً خارجياً، وإلاّيلزم أن يكون الشيء داخلاً تحت جنسين، وهذا يثبت أنّالغصب عنوان انتزاعي عند تحقّق هذين الاَمرين، فإذا كان الغصب أمراً انتزاعياً فلا يمكن أن يكون لازمه، أعني: القبح، أمراً واقعياً ملموساً ـ كما هو الحال في ذاتيّ باب البرهان ـ بل يكون هو أيضاً انتزاعياً كالمنتزع منه، أعني: الغصب.

ومنه يظهر أنّ المراد من الذاتي في المقام إنَّما هو حسن الاَفعال وقبحها العقلي، في مقابل الاَشاعرة الذين ذهبوا إلى حسن الاَفعال وقبحها الشرعي. فمن قال بأنّ العقل له القابلية على أن يصف الفعل ـ إذا نظر إليه بما هوهو ـ بأحد الوصفين، فقد ذهب إلى التحسين والتقبيح العقليين الذاتيين.

وأمّا من قال بعجز العقل عن وصف الفعل بالحسن أو القبح وإنّما يستعين بالشرع وحكمه، فقد ذهب إلى التحسين والتقبيح الشرعيين غير الذاتيين.

ومن هنا يتضح أيضاً انّ من يصف الفعل بالحسن والقبح بملاحظة ما يترتب عليه من المصالح والمفاسد الاجتماعية، أو بما يلائم غرض الفاعل ويخالفه، فليس هو من القائلين بذاتية التحسين والتقبيح، فهو إمّا قول ثالث أو أشبه بقول الاَشاعرة.


(21)

الفصل الرابع

حدود الاِدراك العقلي

إنّ النزاع بين القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين والمنكرين لهما، نزاع بين الاِيجاب الجزئي والسلب الكلي، فالمثبتون لهما اختاروا أنّ للعقل قابلية درك حسن الفعل وقبحه على نحو الموجبة الجزئية، كما أنّالنافين ينكرون ذلك على نحو السالبة الكلية، ويستنتج من ذلك أمران:

الاَوّل: يجوز أن يكون العقل عاجزاً عن درك حسن بعض الاَفعال وقبحها، وإن كان الواقع لا يخلو من أحد الوصفين، وهذا آية عجز العقل عن الاِحاطة بجميع المحسِّنات والمقبِّحات العقلية.

الثاني: يمكن أن يكون بعض الاَفعال في نفس الاَمر فاقداً لاَحد الوصفين، أعني: لا يكون حسناً ولا قبيحاً وتكون نسبتهما إلى الفعل على حدّ سواء.

هذا هو المتحصَّل من كلام المثبتين والنافين، وبذلك يعلم أنّه لا يصحّ نسبة الاَمرين التاليين إلى المثبتين:

أ. استطاعة العقل إدراك حسن جميع الاَفعال وقبحها.

ب. انّ كلّ فعل صادر من الفاعل المختار لا يخلو من أحد الوصفين.

وجه عدم صحّة الادّعاء الاَوّل ـ وهو: تمكن العقل من درك الملاكات المحسنة للفعل أو المقبحة له : ـ أنّه تقوّل لا يرضى به اللبيب، وإلاّلاستغني عن بعث الاَنبياء وإرسال الرسل مادام العقل له القابلية على نهج طريق السعادة المادية


(22)

والمعنوية، وآية ذلك اختلاف الناس في حسن أو قبح طائفة من الاَفعال.

وأمّا وجه عدم صحّة الادّعاء الثاني: وجود النسخ في الشرائع السماوية، فربّ حكم كان حراماً في شريعة صار جائزاً في شريعة أُخرى، فلو كان قبح الشيء أمراً ذاتياً لزمته الحرمة ولم تفارقه.

ويوَيده تقسيم الاَحكام الشرعية إلى خمسة، فانّ وجود المباح دال على أنّ ثمة أفعال لا توصف بالحسن أو القبح، ولذلك تركت وحالها، فلو كان التحسين والتقبيح حكماً شمولياً لجميع الاَفعال، لانحصرت الاَحكام الشرعية في الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة.

نظرية المحقّق الطوسي (597 ـ 672 هـ)

ثمّ إنّ للمحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد رأياً آخر نشير إليه.

قال المحقّق الطوسي: «الفعل المتصف بالزائد، إمّا حسن أو قبيح، والحسن أربعة».

وهذه العبارة تعرب عن أنّ جميع الاَفعال غير خارج عن إطار الحسن والقبح، والدليل على ذلك انّه جعل للحسن أقساماً أربعة وأدخل المباح تحت الحسن .

وشرحها العلاّمة الحلي بقوله: فالحسن ما لا يتعلّق بفعله ذم، والقبيح بخلافه. والحسن إمّا أن لا يكون له وصف زائد على حسنه، وهو المباح، ويرسم بأنّه ما لا مدح فيه على الفعل والترك؛ وإمّا أن يكون له وصف زائد على حسنه، فإمّا أن يستحق المدح بفعله والذم بتركه وهو الواجب، أو يستحق المدح بفعله ولا يتعلّق بتركه ذم وهو المندوب، أو يستحق المدح بتركه ولا يتعلّق بفعله ذم وهو المكروه.


(23)

فقد انقسم الحسن إلى الاَحكام الاَربعة: الواجب والمندوب والمباح والمكروه، ومع القبيح تبقى الاَحكام الحسنة والقبيحة خمسة. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّتفسير الحسن بمالا يتعلق بفعله ذم، تفسير غيرتام، وإنّما دعاه إلى هذا الاَمر محاولة إدخال المباح تحت عنوان الحسن، وإلاّ فالحسن أمر أخص من هذا التعريف، وهو عبارة عن: اشتمال الفعل على ملاك يستحسنه العقل، كالنظر إلى جمال الطبيعة الخلاّب الذي تسكن إليه النفس. فمجرّد عدم تعلّق الذم أعم من كون الفعل حسناً.

وثانياً: أنّ محاولة تفسير المكروه بما يستحق المدح بتركه ولا يتعلّق بفعله ذم، بغية إدخاله تحت الحسن محاولة غير ناجعة، وكان بوسعه أن يدخله تحت القبيح لكن بادّعاء أنّ للقبح مراتب شديدة، ولعلّ هذا كان أفضل من إدخال المكروه تحت الحسن.

نظرية المحقّق الخراساني (1255ـ 1329هـ)

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ جميع الاَفعال غير خارجة عن إطار الحسن والقبح، وإن كان العقل قاصراً عن الاِحاطة بكافة المحاسن والقبائح، وإليك نصّ كلامه ضمن مقاطع:

إنّ الاَفعال كسائر الاَشياء تختلف بحسب وجوداتها الخاصة سعة وضيقاً، وعلى حسب اختلافِ وجوداتها، يختلف، بحسب الآثار خيراً وشراً، وكما تختلف الاَشجار والاَحجار وسائر الجمادات والنباتات في ذلك، كذلك الاَفعال، فأين الضرب المورث للحزن والغم والفجع والاَلم، من الاِعطاء الموجب للفرح والسرور الرافع للسأم والهم؟!


(1)كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 58.

(24)

وقال أيضاً: لا خفاء في اختلاف الاَشياء بالقياس إلى كلّواحد من الحواس الظاهرة والقوى الباطنة، ملائمة ومنافرة وكذا بحسب الطبائع والغرائز ، فربَّ شيء يلائم الباصرةَ أو السامعة، وينافرها آخر، فالقوة العاقلة أيضاً تكون معجبة لبعض ما تدركه وتطلع عليه لملائمته لها ومشمئزة من الآخر لمنافرته لها.

وقال أيضاً: لا مجال لاِنكار اختلاف الاَفعال بحسب خصوصيات وجودها سعة وضيقاً وخيراً وشراً (وهذا الاختلاف في سعة الوجود وضيقه) هو الموجب لاختلافها بحسب المنافرة والملائمة للقوة العاقلة، ومع هذا لا يكاد أن يبقى مجال لاِنكار الحسن والقبح عقلاً، إذ لا نعني بهما إلاّ كون الشيء في نفسه ملائماً للعقل أو منافراً له، وبالضرورة يوجبان صحّة المدح والقدح في الفاعل إذا كان مختاراً.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه)أثار سوَالاً، وقال:

فإن قلت: عليه لابدّ من استقلال العقل بالحسن أو القبح في جميع الاَفعال مع بداهة فساد ذلك.

ثمّ أجاب وقال: هذا بالنسبة إلى العقول القاصرة الناقصة لعدم إحاطتها بجهات الخير والشر دون العقول الكاملة المحيطة بجميع جهات الاَفعال، فلا يكاد أن يشذَّ فعل عن تحت حكومتها بالحسن والقبح، لكمال إحاطتها بجهاتها، ولا يبعد أن تكون الصحيفة المكتوبة فيها جميع الاَحكام الموروثة من إمام إلى إمام، كناية عن عقل الاِمام المنعكس فيه جميع الكائنات على ما هي عليها لتمام صفائه. (1)


(1)فوائد الاَُصول، المطبوعة في ذيل تعليقته على الفرائد التي أسماها بـ«درر الفوائد في شرح الفرائد»:339.

(25)

أقول: إنّه (قدّس سرّه)قد سلّم أنّ العقول الناقصة لا تستطيع أن تدرك حسن جميع الاَفعال أو قبحها، ولكنّه أذعن بأنّ جميع الاَفعال غير خارجة عن إطار الحسن والقبح فالفعل إمّا حسن أو قبيح ونحن نعلّق على كلامه الثاني، ونقول:

إنّ ما ذكره من أنّ اختلاف الآثار خيراً وشراً ناشىَ من اختلاف درجات وجودها من حيث السعة والضيق، كلام تام ولكنّه غير منطبق على المقام، فانّ تفسير اختلاف الآثار باختلاف الموضوع إنّما يصحّ إذا كان بين الموضوعين اختلاف جوهري، كما مثل بالحجر أو الشجر، وأمّا إذا كانا ينطويان تحت عنوان واحد ـ كما هو الحال في أفعال الاِنسان ـ فالجميع فعل صادر عن فاعل مختار لغاية من الغايات، فليس هناك اختلاف في الموضوع حتى يفسر اختلاف الآثار باختلافه. مثلاً ضرب اليتيم للتأديب حسن، وضربه تشفّياً قبيح، فماهية الفعل في الجميع واحدة وإنّما الاختلاف في الغاية.

فالعدل والظلم كلاهما من مقولة الفعل، أحدهما وضع الشيء في موضعه، كدفع مال اليتيم إليه، والآخر وضعه في غير موضعه كسلبه عنه ويختلفان بالاِيجاب والسلب، لكن الفارق هو أنّ الاَوّل حسن والآخر قبيح، فلا يمكن تفسير حسن الاَفعال وقبحها من ناحية الاختلاف الماهوي في الموضوع.

وعلى أيّة حال فالمهم هو مناقشة ما ذهب إليه من عمومية الحسن والقبح لعامة الاَفعال فيرد عليه أنّ لازم ذلك انحصار الاَحكام الخمسة في الحرمة والوجوب، أو فيهما مع إضافة الكراهة والاستحباب، بذريعة إدخال الكراهة تحت عنوان القبيح، والاستحباب تحت عنوان الحسن، مع أنّ الاَحكام الشرعية تنقسم إلى خمسة.

والاِنسان وإن كان لا يبلغ المستوى الذي يوَهله للوقوف على ملاكات


(26)

الحسن والقبح ولكن المفروض أنّعقل الشارع عقل كامل وبلغ القمة ووقف على ملاكات الحسن والقبح ومع ذلك أصبح يصنِّفُ الاَحكام إلى خمسة دون أن يحصرها في حكمين أو في أربعة.

Website Security Test