welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسالة في التحسين والتقبيح العقليين*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسالة في التحسين والتقبيح العقليين

رسالة
في
التحسين والتقبيح
العقليين

وتليها رسالة فى فلسفة الاخلاق
والمذاهب الاخلاقية

تأليف

العلامة المحقق
جعفر السبحاني


(2)

(3)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

المدخل

شغلت قاعدةُ التحسين والتقبيح العقليين بالَ كثير من المفكِّرين منذ عصور قديمة إلى يومنا هذا، فقلّما يتفق أن يخوض باحث في العلوم الاِنسانية دون أن يشير إليها، لعلاقتها بعلوم جمّة ولا سيما علم الكلام والاَخلاق والفقه.

مثلاً الباحث في الكلام الذي يبحث عن أفعال اللّه سبحانه من حيث الجواز والامتناع، أي ما يجوز عليه أن يفعل كبعث الرسل، وما لا يجوز كإتيان الكاذب المعجزة، يتخذ الحسن والقبح أساساً لقضائه الباتّ.

كما أنّ الباحث في الاَخلاق حينما يتناول القيم الاِنسانية بالبحث يتعرض إلى تلك القاعدة بأخذ ما يحسِّنه العقل أساساً للقيم وما يقبِّحه أساساً للرذائل، فلا غنى له عنهما.

والباحث في أُصول الفقه ـ أي العلم الذي يبحث عن قواعد الاستنباط وأدلّته ـ يخوض في غمار تلك القاعدة في أكثر مباحثه؛ نظير القول بأنّ الاَمر بالشيء يلازم الاَمر بمقدمته لقبح التفكيك بينهما، أو انّ الاَمر بالشيء يلازم النهي عن ضده لنفس الملاك، فيتخذها الاَُصولي أصلاً موضوعياً لاستنباط وجوب مقدمة الواجب أو حرمة ضدّه.

وليست الملازمات نسيج وحدها في تفرعها على تلك المسألة بل ثمة


(4)

مسائل أُصولية أُخرى متفرعة عليها كما سيوافيك في محله.

قال المحقّق الشيخ محمد تقي الاصفهاني ـ في تعليقته على «معالم الاَُصول» عند البحث عن الاَدلّة الاَربعة: الكتاب والسنّة والاِجماع والعقل ـ بعد الفراغ من حجّية الاَُمور الثلاثة: إنّ هنا أمرين:

أحدهما: إثبات حكم العقل بالنسبة إلى التحسين والتقبيح.

ثانيهما: كون حكمه به دليلاً على حكم الشرع.

والثاني من مباحث أُصول الفقه، نظير إثبات حجّية الكتاب وخبر الواحد وغيرهما من الاَدلّة، والاَوّل مبادىَ للثاني، حيث إنّه يتحقّق موضوع البحث فيه.(1)

ولنيل الغاية المتوخاة من كلام المحقّق الاِصفهاني، نعطف نظر القارىَ الكريم إلى هذا المثال: إذا افترضنا انّ المكلّف شكّ في حكم واقعة وتناول الموضوع من منظار الكتاب والسنّة فلم يعثر فيهما على أيِّ حكم، حينها يستقل العقل بقبح موَاخذة هذا المكلف، لاَنّ موَاخذته ستكون بلا بيان، ومثله أمر قبيح لا يصدر من حكيم مختار.

ثمّ إنّ الاَُصولي يتخذها ذريعة لاستنباط حكم شرعي وهو عدم تعلّق حكم إلزامي به، وإلاّ يلزم العقاب بلا بيان.

وليست حاجة الفقيه إلى تلك القاعدة بأقل من حاجة الطوائف الثلاث المذكورة، فانّ خلود الاَحكام الفقهية عبْـر الزمان رهن القول بالتحسين والتقبيح العقليين الذاتيين.

فكلّ حكم شرعي يستمد ملاكه من تلك القاعدة، فهو حكم موَبَّد بتأبيد


(1) هداية المسترشدين:431، المطلب الثاني.

(5)

ملاكه وكون حسنه وقبحه ذاتيّاً لا يتغير ولا يتبدل، فشكر النعمة حسن على كلّ حال، وكفرانها قبيح، والاَحكام التي تعبّر عن شكر النعمة كالعبادات خالدة لخلود ملاكاتها.

وخلاصة القول: لمّا كانت القاعدة تعدُّ حجر الاَساس لكثير من مسائل العلوم مسّت الحاجة إلى طرح تلك القاعدة على طاولة البحث من زوايا مختلفة كي تكون مصباحاً منيراً لكلّ محاولة تستهدف نيل الحقيقة في مختلف المجالات، وقد استحوذت تلك القاعدة على أهمية بالغة في العصور المتأخرة ولا سيما عند الغربيين الذين أنكروا ثبات القِيَم الاَخلاقية وقالوا بنسبيّتها وانّها تابعة للاَوضاع والظروف السائدة، فليس هناك أصل أخلاقي ثابت.

ومن الواضح بمكان، أنّ الانصياع وراء هذا القول يوجب انهيار كافة المُثُل الاَخلاقيّة بل انهيار تأبيد الاَحكام الشرعية.

فلم يزل بعض المفكِّرين الغربيين يثيرون الشكوك حول تلك القاعدة، وما يترتب عليها من مسائل كلامية وأخلاقية تدعو إلى ثبات القيم الاَخلاقية والقوانين الشرعية السماوية، وذلك لدواعٍ غير خافية على أحد.

ونحن بفضل اللّه سنتناول دراسة تلك القاعدة من منظار العقل السليم، وبأُسلوب موضوعي متجردين عن كلّ رأي مسبق، وتأتي تلك الدراسة ضمن فصول.


(6)

الفصل الاَوّل

الجذور التاريخية للقاعدة

إنّ المتكلّمين من المسلمين قد خاضوا غمار تلك القاعدة وبحثوا فيها بحثاً مبسوطاً عجّت بها الكتب الكلامية ـ ومع الاعتراف بذلك ـ إلاّ أنّ القاعدة ليست من ابتكاراتهم، بل سبقتهم فلاسفة الاِغريق منذ وقت مبكِّر، عند تقسيمهم الحكمة إلى نظرية وعملية، وحاصل التقسيم انّ ما يدركه الاِنسان على قسمين:

أ. يدرك الاِنسان ما من شأنه أن يُعْلَم، مثل اللّه موجود، والعقل موجود، أو انّ زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين.

ب. يدرك ما من شأنه أن يُعمل، كقولنا: العدل حسن، والظلم قبيح.

قال المعلم الثاني الفارابي (المتوفّى 339هـ): إنّ الحكمة النظرية هي التي بها يحوز الاِنسان علمَ ما ليس من شأنه أن يعمله إنسان، والحكمة العملية هي التي يعرف بها ما من شأنه أن يعمله الاِنسان بإرادته. (1)

ثمّ إنّ إدراك ما من شأنه أن يعمله الاِنسان: إمّا راجع إلى سياسة المدن وتدبير المجتمع، أو راجع إلى تدبير المنزل وإدارة العائلة، أو إلى الاَخلاق والقيم التي يجب أن يتخلّق بها الاِنسان في حياته.

ومن المعلوم أنّ تمييز الفضائل والرذائل رهن ملاك، ومن الملاكات إدراك


(1) شرح منظومة السبزواري: 310.

(7)

العقل حسن الشيء أو قبحه، فالاَوّل يجب أن يفعل، والثاني يجب أن يترك، فهذا التقسيم هداهم إلى البحث عن الحسن والقبح العقليين.

وبذلك صارت فلاسفة الاِغريق سبّاقين في هذا المضمار، وإن لم يبلغوا في تفريع القاعدة وتشريحها المرتبةَ التي وصل إليها الاِسلاميون.

مكانة القاعدة في الكلام الاِسلامي

بزغ نجم الاِسلام وبسط نفوذه على أصقاع شاسعة من الاَرض واعتنقته أُمم وأقوام متنوعة الحضارات، مما دفع إلى تنامي الاحتكاك الثقافي بين الاِسلام وسائر الحضارات، وأعقبه نشاط حركة الترجمة لا سيما ترجمة الكتب الفلسفية والكلامية لاَصحاب الديانات المختلفة، إلى العربية، فتواردت أفكار جديدة احتضنها المسلمون وأرسوا قوائمها وبلغوا القمَّة في البحث والتنقيب.

وممّا ألفتَ نظرهم هي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين التي استخدمها علماء الاِغريق لاِرساء القيم الاَخلاقية وإثبات المُثُل الخالدة، ولكن المسلمين نحوا بها منحى آخر وهو التعرّف على أفعاله تبارك وتعالى، ومعرفة ما يجوز عليه عند العقل عمّـا لا يجوز، فكان التوحيد والعدل هي المهمة الاَُولى للمفكِّرين من المسلمين.

فالبحث عن التوحيد لغاية قمع الشرك، والدعوة إلى توحيده سبحانه بمراتبه المختلفة، أعني: توحيد الذات والاَفعال و الصفات.

كما أنّ البحث في العدل لمعرفة ما يجوز عليه سبحانه عمّـا لا يجوز، فكلّ فعل استكنَّ تحت ظلال العدل فهو جائز عليه حسب حكمته، وكلّما دخل تحت عنوان الظلم فلا يجوز عليه، بحجّة أنّ العدل حسن والظلم قبيح. فصار ذلك


(8)

أساساً لبحوث كثيرة طرحت في علم الكلام.

فالبحث عن العدل رمز القول بحسن الاَفعال،كما أنّ البحث في الظلم رمز القول بقبحه.

فالمسألة الاَساسية ـ في الواقع ـ هي قابلية العقل على درك حسن فعل أو قبحه سواء أكان الفاعل واجباً أو ممكناً.

وعلى ضوء ذلك استأثر التوحيد بمراتبه، وعدله سبحانه، على اهتمام بالغ في علم الكلام، دون سائر المسائل، ويكفي في ذلك أنّ الاختلاف في العدل شق صفوف المتكلّمين إلى عدلية وغيرها، فالمعتزلة والاِمامية رفعوا شعار العدلية، والاَشاعرة وأهل الحديث لم يرتضوا بذلك، بيد انّ الطائفة الاَُولى استدلت على عدله وحكمته سبحانه بأنّ الحكمة تقابل العبث، والعدل يقابل الظلم، واللّه سبحانه حكيم لا يعبث، عادل لا يجور، وإلاّ يلزم وصف أفعاله بالعبث والجور وكلاهما قبيح وهو سبحانه منزّه عنه.

وفي هذه الاَجواء ظهرت مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وهل للعقل قابلية على درك حسن الاَفعال وقبحها أو لا ؟

فمن زعم أنّ للعقل قابلية درك حسن الاَفعال وقبحها، قال بأنّ العبث والظلم قبيح، وهو سبحانه منزّه عن القبح، بخلاف من أثبت عجز العقل عن نيل هذا النوع من الاِدراك، فلم يكن بمقدوره إقامة البرهان على الوصفين المذكورين واقتصر في وصفه سبحانه بهما على النقل فقط.

وحصيلة البحث: أنّ فلاسفة الاِغريق تداولوا القاعدة لاِثبات كثير من القيم الاَخلاقية والدفاع عنها، وقالوا: إنّ الصدق وأداء الاَمانة ولزوم العمل بالميثاق واحترام حقوق الآخرين من القيم الاَخلاقية يجب فعلها باعتبار حسن الجميع،


(9)

كما أنّ مقابلاتها يجب تركها لاَنّها قبيحة.

وأمّا الاِسلاميون فقد تداولوها لاِثبات صفاته وأفعاله، لاَنّه حكيمٌ لا يعبث وعادلٌ لا يجور، وبذلك اكتسبت القاعدة مكانة كلامية سامية، ولذا نجد أنّ المحقّق الطوسي عندما يتطرق في بحثه إلى أفعاله سبحانه، يقول: الفعل إمّا حسن أو قبيح، والحسن أربعة، وهما عقليان للعلم بحسن الاِحسان وقبح الظلم من غير شرع.

ويقول العلاّمة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد: لما فرغ من إثباته تعالى وبيان صفاته، شرع في بيان عدله وانّه تعالى حكيم لا يفعل القبيح ولا يخلُّ بالواجب وما يتعلق بذلك من المسائل، وبدأ بقسمة الفعل إلى الحسن والقبيح، وبيّن انّ الحسن والقبح أمران عقليان وهذا حكم متفق عليه بين المعتزلة.

وهذا يعرب عن أنّ مسألة الحسن والقبح حازت على جدارة أهّلتها لحل رموز كثير من المسائل الكلامية، وقد أشرنا في تعليقتنا على كشف المراد (1) إلى تلك المسائل المبتنية عليها، وهي كالتالي:

1. لزوم معرفته سبحانه عقلاً، 2. وجوب تنزيه فعله عن العبث، 3. لزوم تكليف العباد، 4. لزوم بعث الاَنبياء، 5. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة، 6. العلم بصدق مدّعي النبوة ، 7. الخاتمية واستمرار أحكام الشريعة، 8. ثبات الاَُصول الاَخلاقية ودوامها، 9. لزوم الحكمة في البلاء والمصائب، 10. اللّه عادل لا يجور.

هذه عشر مسائـل كلامية يَعْتَمِـد إثباتُـها على الاِيمان بالحسـن والقبـح العقليين وإنكارهما مساوق للشك في جميع هذه المسائل المترتبة عليهما.


(1)كشف المراد:56، قسم الاِلهيات، الفصل الثالث في أفعاله.

(10)

ومن توغّل في الكتب الكلامية (1)للاِسلاميين يقف على أنّ القاعدة شكّلت أساساً لمعرفة أفعاله سبحانه.


(1)انظر كتاب نهج الحقّ وبيان الصدق للعلاّمة الحلّي.

(11)

الفصل الثاني

الآراء والنظريات المطروحة

إنّ الاِحاطة بالاَقوال والنظريات المطروحة في التحسين والتقبيح العقليين، كفلية بإعطاء صورة واضحة عن الحقيقة، ولذلك عدّ بعض المفكّرين الاِحاطة بالاَقوال والنظريات خطوة كبيرة في سبيل نيل المعرفة، وإليك النظريات المطروحة حول القاعدة:

1. التحسين والتقبيح الذاتيان

إنّ القائلين بذاتيّة التحسين والتقبيح، يفسرونها: بأنّ الفعل الصادر من الفاعل المختار، سواء أكان واجباً أو ممكناً، إذا نظر إليه العقل وتجرّد عن كلّ شيء يستقل إمّا بحسنه وانّه يجب أن يفعل، أو بقبحه وانّه يجب أن يترك، بغض النظر عمّـا يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، أو بغض النظر عن موافقته لغرض الفاعل أو مخالفته، فانّ كلّ هذه الضمائم ممّا لا حاجة إليها في قضاء العقل بالحسن والقبح، فكأنّ نفس الفعل علة تامة ـ عند اللحاظ ـ لحكم العقل بالحسن أو القبح.

نعم استيعاب حكمه لكافة الاَفعال الصادرة من الفاعل المختار أو عدمه، بحث آخر لا نتطرق إليه.

وإنّما المطروح في المقام هو إثبات القاعدة على نحو الموجبة الجزئية.


(12)

2. التحسين والتقبيح الاقتضائيان

وتهدف هذه النظرية إلى القول بأنّ نفس الفعل مجرّداً عمّا يترتب عليه من المصالح الاجتماعية أو الفردية، وكذا المفاسد، ليس علة تامة لقضاء العقل بالتحسين والتقبيح، وإنّما للفعل اقتضاء لاَحد الحكمين، ومع ذلك يمكن أن يتغيّر حكم العقل بطروء عناوين تحوِّل الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، كحسن الصدق وقبح الكذب، فإنّ حكم العقل بحسن الاَوّل وقبح الثاني ليس حكماً ذاتيّاً لا يتغير ولا يتبدّل، وليس الفعل علّة تامة بل مقتض لاَحد الحكمين لولا طروء المانع، ولذلك لو كان الصدق مظنة الفتنة وإراقة الدماء، يصير قبيحاً والكذب على العكس.

والفرق بين النظريتين هو أنّ الفعل ـ على النظرية الا َُولى ـ بما هوهو علّة تامة للحكم بالحسن أو القبح ولا يتغير ولا يتبدل مهما تغيّرت الظروف والاَحوال فلو صار الصدق مبدأ للفتنة يحكم العقل بتركه، كما أنّ الكذب لو صار مبدأ للصلاح يحكم بفعله وذلك لا يستوجب زوال حسن الاَوّل وقبح الثاني، بل الصدق باق على حسنه، والكذب على قبحه، ولكنّه يرجّح ارتكاب أقلّ القبيحين وهو الكذب لدفع ما هو أكثر قبحا،ً أعني: قتل الاِنسان.

هذا على القول الاَوّل، وأمّا على القول بالاقتضاء فيزول حسن الصدق وقبح الكذب في هذه الظروف فينقلب الحسن قبيحاً والقبيح حسناً.

3. التحسين والتقبيح في إطار المصالح والمفاسد

توَكد هذه النظرية على القول بالتحسين والتقبيح العقليين، ولكن دون أن يكون الفعل علّة تامة أو مقتضياً له، وإنّما يدور حكم العقل بالتحسين والتقبيح


(13)

مدار المصالح والمفاسد، فلو ترتبت مصلحة فهو حسن كما أنّه لو ترتبت مفسدة فهو قبيح.

4. التحسين والتقبيح حسب نية الفاعل

وقائل هذه النظرية ينفي الحسن والقبح الذاتيين، ويقول بدوران حكم العقل مدار نيّة الفاعل، فلو ضرب اليتيم تأدباً فهو حسن ولو ضربه إيذاءً فهو قبيح.

5. التفصيل بين التحسين والتقبيح

نقل عن أبي الحسن البصري الفرق بين التحسين والتقبيح، فقال: بأنّالحسن وصف ذاتي للاَفعال، بخلاف القبح فانّه يدور مدار نيّة القاصد.

هذه هي النظريات والآراء المطروحة حول وصف الاَفعال بالحسن والقبح، والحق هو النظرية الا َُولى كما سيتضح في الفصل الآتي.


(14)

الفصل الثالث

تفسير ذاتية التحسين والتقبيح

قد تقدم مفاد النظرية الاَُولى وحاصلها: أنّ التحسين والتقبيح ذاتيان، فيقع الكلام في المراد من الذاتي، فهل هو من قبيل الذاتي في باب «الايساغوجي» أو من قبيل الذاتي في باب «البرهان»؟

وتحقيق المقام رهن إيضاح الاصطلاحين المذكورين بُغْية الوقوف على المقصود من الذاتي في المقام. أو لا هذا ولا ذاك، كما هو الحقّ.

الذاتي في باب الايساغوجي

يطلق الذاتي ويراد منه ما يكون جنساً أو فصلاً لماهية النوع، وهذا كالحيوان أو الناطق بالنسبة إلى الاِنسان فهما ذاتيان بالنسبة إلى الاَخير، بمعنى أنَّه إذا حاول الشخص أن يحلِّل الاِنسان تحليلاً ذاتياً ويقف على قوامه وصلب حقيقته، يرى فيه هذين المفهومين: الحيوان و الناطق، فالحيوان يشاركه بين جميع أصناف الحيوان، والناطق يميزه عن غيره.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ التحسين والتقبيح بالنسبة إلى العدل والظلم ليسا ذاتيين بهذا المعنى، وذلك لاَنّا نتصور العدل ولا نجد في حاقِّ المفهوم، عنوانَ الحسن، كما لا نجد عنوان القبح في حاقِّ الظلم، فليس الحسن جنساً ولا فصلاً للعدل، كما أنّ القبح ليس كذلك بالنسبة إلى الظلم، فالعدل والظلم


(15)

مفهومان،والحسن والقبح مفهومان آخران، لا يندرجان في ضمن الاَوّلين وهذا بخلاف الحيوان والناطق فانّهما مضَمَّنان في مفهوم الاِنسان.

وبعبارة أُخرى: انّ حمل الذاتي على النوع من مقولة الحمل الاَوّلي، والمراد منه ما يتحد المحمول مع الموضوع مفهوماً ويختلفان بالاِجمال والتفصيل، فيقال: الاِنسان حيوان ناطق، فما يفهم من الاِنسان هو المفهوم من الحيوان الناطق، غير انّ الاِنسان إجمال الثاني، والثاني تفصيل الاَوّل، وهذا بخلاف التحسين والتقبيح فلا يحملان على العدل والظلم بالحمل الاَوّلي، لاَنّ المفهوم من الاَوّلين (العدل والظلم) غير المفهوم من التحسين والتقبيح، فلو قلنا العدل حسن فالحمل من مقولة أُخرى كما سيتضح.

وبذلك يعلم وجه الضعف في كلام الشهرستاني حيث أبطل ذاتية التحسين والتقبيح للاَفعال، بما يلي:

إنّ الصدق والكذب على حقيقة ذاتية لا تتحقّق ذاتهما إلاّ بأن كان تلك الحقيقة مثلاً كما يقال: إنّ الصدق إخبار عن أمر على ما هو به، والكذب إخبار عن أمر على خلاف ما هو به، ونحن نعلم انّمن أدرك هذه الحقيقة عرف التحقّق ولم يخطر بباله كونه حسناً أو قبيحاً، فلم يدخل الحسن والقبيح إذاً في صفاتهما الذاتية التي تحقّقت حقيقتهما ولا لزمتهما في الوهم بالبديهة كما بيَّنا. (1)

وهذا الانتقاد الذي وجّهه مبني على تصور انّ الذاتي في المقام هو الذاتي في باب الايساغوجي، وقد عرفت أنّ الذاتي هنا ليس بهذا المعنى إذ ليس الحسن ولا القبيح جنساً أو فصلاً بالنسبة إلى موضوعهما.


(1)نهاية الاِقدام في علم الكلام: 372.

(16)

الذاتي في باب البرهان

قد يطلق الذاتي ويراد منه، الذاتي في باب البرهان، والمراد منه: ما لا يكون المحمول نفس الموضوع مفهوماً كما في الذاتي في باب الايساغوجي بل يكون غيره، ولكن يحمل المحمول على الموضوع بلا حاجة إلى ضمِّ ضميمة إليه، وهذا ما يعبر عنه بـ «الذاتي في باب البرهان» أو «المحمول بالصميمة» وتُعْلم حقيقة الحال في المثالين التاليين:

1. الاِنسان ممكن.

2. الجسم أسود.

فانّ فرض الاِنسان كاف في حمل الممكن عليه، وإن لم يكن المحمول عين الموضوع مفهوماً، لكن فرضه كاف في انتزاع الاِمكان منه وحمله عليه، وهذا بخلاف المثال الثاني فانّ الاَسود ليس عين الموضوع مفهوماً فلا يكون من قبيل الذاتي في باب الايساغوجي، كما ليس الموضوع كافياً في انتزاع المحمول منه وحمله عليه لاَنّ الجسم بما هو جسم دون أي ضميمة لا يتصف بالاَسود والاَبيض إلاّ إذا ضم إليه السواد والبياض وهذا ما يعبر عنه بـ«المحمول بالضميمة».

هذا هو الفرق الجوهري بين المثالين.

إذا عرفت ذلك، فنقول: ربما يتصور أنّذاتية الحسن والقبح بالنسبة إلى العدل والظلم من قبيل الذاتي في باب البرهان، وذلك بالبيان التالي:

إنّ مفهوم الحسن وإن لم يكن داخلاً في مفهوم العدل، وليس جزءاً من أجزاء مفهومه، إلاّأنّه يعد من لوازم العدل أينما تحقّق ولا ينفك عنه، وهكذاالحال في مفهوم القبح بالنسبة إلى مفهوم الظلم ، فالعدل حسن بالضرورة كما أنّالظلم قبيح كذلك.


(17)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قاعدة التحسين والتقبيح طرحت منذ البداية ولم يكن آنذاك أيَّ أثر لاصطلاح الذاتي في باب البرهان، فلا يصحّ لنا تفسير قولهم بالذاتي بالمصطلح الذي لم يكن رائجاً يومذاك، بل كانت القاعدة تدور حول استقلالية العقل في درك حسن الاَفعال أو قبحها، أو حاجته إلى أمر خارج كالشرع.

فالاَشاعرة وأهل الحديث على الثاني، والعدلية على الاَوّل، وعلى ذلك فتفسير الذاتي في مصطلحـهـم بـ «الذاتي في باب البرهـان» بعيد عن مرامهـم ومقاصدهم.

اللّهمّ إلاّ أن يكون الغرض إظهار رأيه وهو أنّ وزان الحسن والقبح إلى العدل والظلم، كوزان لازم الماهية بالنسبة إليها من دون أن ينسبه إلى القائلين بالذاتي في القرون الغابرة.

وثانياً: وجود الفرق الواضح بين لازم الماهية والحسن والقبح بالنسبة إلى موضوعهما، أعني: العدل والظلم.

وحاصل الفرق: أنّ لازم الماهية كالزوجية بالنسبة إلى الاَربعة، أمر واقعي وله أثر خاص وهو الانقسام إلى متساويين، ولا نبغي من الواقعية انّاللازم أمر عيني ملموس، بل المراد منها انّله سهماً من الوجود كسائر اللوازم، والعقل كاشف عنه، وهذا بخلاف الحسن والقبح إذ ليس وراء موضوعهما واقعية وإنّما يستقل العقل بأحدهما عند مقايستهما إلى البعد الملكوتي منه، (الفطرة والوجدان أو سمّ ما شئت) فيجد أحدهما ملائماً له والآخر بخلافه فيحكم بالحسن عند الملائمة وبالقبح عند المخالفة، فللعقل دور الحكم لا الكاشفية.

وبتعبير آخر : إنّ الماهية ولازمها مفهومان ذهنيان، أو وجودان خارجيان بينهما تلازم ذهني (كتصور الاَربعة الملازم لتصور الزوجية) أو خارجي(كما إذا تحقّقت الاَربعة فيتحقّق معها الزوجية) والعقل يستكشف تلك الملازمة بعد


(18)

الوقوف على الملزوم واللازم، وهذا بخلاف الحسن والقبح بالنسبة إلى موضوعهما، فليس هناك تلازم بينهما في الذهن أو في الخارج، وإنّما يوصف كلّ بالحسن والقبح عند المقايسة، وهو إذا قيس العدل أو الظلم على الفطرة الاِنسانية التي نعبر عنها بالبعد الملكوتي أو البعد الروحاني، فيجد العقل أحدهما ملائماً ومطابقاً لقضاء الفطرة والآخر مخالفاً لها، فيحكم بحسن الاَوّل وقبح الثاني، فليس هناك واقعيتان وراء حكم العقل وقضائه، كما هو الحال في لازم الماهية، بل الواقعية الثانية ـ أعني: الحسن والقبح ـ هي قضاء العقل وإصداره الحكم بعد الملائمة أو المنافرة.

وبذلك يظهر أنّالتحسين والتقبيح من الاَُمور الذهنية، ولكن لا من الاعتباريات المعروفة التي ربما تكون قائمة باعتبار المعتبر، كالملكية للمال والزوجية للمرأة بحيث لو غض النظر عن الاعتبار لما كان للمعتبَـر أيُّ نحو من الواقعية، بل من الاَحكام العقلية، الصادرة من العقل عند المقايسة، وإحساس الملائمة للفطرة أو المنافرة لها.

كلام للمحقّق الاصفهاني

ثمّ إنّ للمحقّق الشيخ محمد حسين الاصفهاني(1296ـ 1361هـ) كلاماً قيّماً في تفسير ذاتية التحسين والتقبيح نأتي بنصه:

إنّ حديث كون حسن العدل وقبح الظلم ذاتياً، لا يراد منه ما هو المصطلح عليه في كتاب الكليات (باب الايساغوجي)، لوضوح أنّ استحقاق المدح والذم ليس جنساً ولا فصلاً للعدل والظلم، وليس المراد منه ما هو المصطلح عليه في كتاب البرهان، لاَنّ الذاتي هناك ما يكفي وضع نفس الشيء في صحّة انتزاعه منه، كالاِمكان بالاِضافة إلى الاِنسان مثلاً، وإلاّ لكان الاِنسان في حدّ ذاته إمّا واجباً أو ممتنعاً.


(19)

ومن الواضح بالتأمل انّ الاستحقاق المزبور ليس كذلك، لاَنّ سلب مال الغير مثلاً مقولة خاصة بحسب أنحاء التصرف، وبالاِضافة إلى كراهة المالك الخارجة عن مقام ذات التصرّف، ينتزع منه أنّه غصب، وبالاِضافة إلى ترتب اختلال النظام عليه بنوعه وهو أيضاً خارج عن مقام ذاته ينتزع منه انّه مخل بالنظام، وذو مفسدة عامة، فكيف ينتزع الاستحقاق (استحقاق الذمّ) المتفرع على كونه غصباً وكونه مخلاً بالنظام عن مقام ذات التصرّف في مال الغير.

بل المراد بذاتية الحسن والقبح كون الحكمين عرضاً ذاتياً، بمعنى انّ العدل بعنوانه والظلم بعنوانه يحكم عليهما باستحقاق المدح والذم، من دون لحاظ اندراجه تحت عنوان آخر، بخلاف سائر العناوين فانّها ربما تكون مع حفظها معروضة لغير ما يترتب عليه لو خلّي ونفسه كالصدق والكذب فانّهما مع حفظ عنوانهما في الصدق المهلك للموَمن والكذب المنجي للموَمن يترتب استحقاق الذم على الاَوّل بلحاظ اندراجه تحت الظلم على الموَمن، ويترتب استحقاق المدح على الثاني لاندراجه تحت عنوان الاِحسان إلى الموَمن، وإن كان لو خلّي الصدق والكذب ونفسهما يندرج الاَوّل تحت عنوان العدل في القول، والثاني تحت عنوان الجور ، فضلاً عن سائر الاَفعال التي في نفسها لا تندرج تحت عنوان ممدوح أو مذموم. (1)

وحاصله: أنّه يتوسط بين التصرّف في مال الغير، واستحقاق الذمّ، أمران:

1. وصفه بكونه غصباً.

2. وصفه بكونه مخلاًّ بالنظام.

وعند ذلك، يوصف باستحقاق الذم، فكيف يمكن أن ينتزع الاستحقاق من


(1)نهاية الدراية في شرح الكفاية:2|8ـ 9.

(20)

التصرّف في مال الغير ابتداءً، مع غضِّ النظر عن هذين الاَمرين.

ولك أن تقرّر كلامه بنحو آخر، وهو انّ التصرّف في مال الغير من مقولة الفعل، وكراهة المالك وعدم رضائه من مقولة الكيف، والغصب المنتزع من هذين الاَمرين (التصرف في مال الغير مع كراهته) لا يمكن أن يكون أمراً خارجياً، وإلاّيلزم أن يكون الشيء داخلاً تحت جنسين، وهذا يثبت أنّالغصب عنوان انتزاعي عند تحقّق هذين الاَمرين، فإذا كان الغصب أمراً انتزاعياً فلا يمكن أن يكون لازمه، أعني: القبح، أمراً واقعياً ملموساً ـ كما هو الحال في ذاتيّ باب البرهان ـ بل يكون هو أيضاً انتزاعياً كالمنتزع منه، أعني: الغصب.

ومنه يظهر أنّ المراد من الذاتي في المقام إنَّما هو حسن الاَفعال وقبحها العقلي، في مقابل الاَشاعرة الذين ذهبوا إلى حسن الاَفعال وقبحها الشرعي. فمن قال بأنّ العقل له القابلية على أن يصف الفعل ـ إذا نظر إليه بما هوهو ـ بأحد الوصفين، فقد ذهب إلى التحسين والتقبيح العقليين الذاتيين.

وأمّا من قال بعجز العقل عن وصف الفعل بالحسن أو القبح وإنّما يستعين بالشرع وحكمه، فقد ذهب إلى التحسين والتقبيح الشرعيين غير الذاتيين.

ومن هنا يتضح أيضاً انّ من يصف الفعل بالحسن والقبح بملاحظة ما يترتب عليه من المصالح والمفاسد الاجتماعية، أو بما يلائم غرض الفاعل ويخالفه، فليس هو من القائلين بذاتية التحسين والتقبيح، فهو إمّا قول ثالث أو أشبه بقول الاَشاعرة.


(21)

الفصل الرابع

حدود الاِدراك العقلي

إنّ النزاع بين القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين والمنكرين لهما، نزاع بين الاِيجاب الجزئي والسلب الكلي، فالمثبتون لهما اختاروا أنّ للعقل قابلية درك حسن الفعل وقبحه على نحو الموجبة الجزئية، كما أنّالنافين ينكرون ذلك على نحو السالبة الكلية، ويستنتج من ذلك أمران:

الاَوّل: يجوز أن يكون العقل عاجزاً عن درك حسن بعض الاَفعال وقبحها، وإن كان الواقع لا يخلو من أحد الوصفين، وهذا آية عجز العقل عن الاِحاطة بجميع المحسِّنات والمقبِّحات العقلية.

الثاني: يمكن أن يكون بعض الاَفعال في نفس الاَمر فاقداً لاَحد الوصفين، أعني: لا يكون حسناً ولا قبيحاً وتكون نسبتهما إلى الفعل على حدّ سواء.

هذا هو المتحصَّل من كلام المثبتين والنافين، وبذلك يعلم أنّه لا يصحّ نسبة الاَمرين التاليين إلى المثبتين:

أ. استطاعة العقل إدراك حسن جميع الاَفعال وقبحها.

ب. انّ كلّ فعل صادر من الفاعل المختار لا يخلو من أحد الوصفين.

وجه عدم صحّة الادّعاء الاَوّل ـ وهو: تمكن العقل من درك الملاكات المحسنة للفعل أو المقبحة له : ـ أنّه تقوّل لا يرضى به اللبيب، وإلاّلاستغني عن بعث الاَنبياء وإرسال الرسل مادام العقل له القابلية على نهج طريق السعادة المادية


(22)

والمعنوية، وآية ذلك اختلاف الناس في حسن أو قبح طائفة من الاَفعال.

وأمّا وجه عدم صحّة الادّعاء الثاني: وجود النسخ في الشرائع السماوية، فربّ حكم كان حراماً في شريعة صار جائزاً في شريعة أُخرى، فلو كان قبح الشيء أمراً ذاتياً لزمته الحرمة ولم تفارقه.

ويوَيده تقسيم الاَحكام الشرعية إلى خمسة، فانّ وجود المباح دال على أنّ ثمة أفعال لا توصف بالحسن أو القبح، ولذلك تركت وحالها، فلو كان التحسين والتقبيح حكماً شمولياً لجميع الاَفعال، لانحصرت الاَحكام الشرعية في الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة.

نظرية المحقّق الطوسي (597 ـ 672 هـ)

ثمّ إنّ للمحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد رأياً آخر نشير إليه.

قال المحقّق الطوسي: «الفعل المتصف بالزائد، إمّا حسن أو قبيح، والحسن أربعة».

وهذه العبارة تعرب عن أنّ جميع الاَفعال غير خارج عن إطار الحسن والقبح، والدليل على ذلك انّه جعل للحسن أقساماً أربعة وأدخل المباح تحت الحسن .

وشرحها العلاّمة الحلي بقوله: فالحسن ما لا يتعلّق بفعله ذم، والقبيح بخلافه. والحسن إمّا أن لا يكون له وصف زائد على حسنه، وهو المباح، ويرسم بأنّه ما لا مدح فيه على الفعل والترك؛ وإمّا أن يكون له وصف زائد على حسنه، فإمّا أن يستحق المدح بفعله والذم بتركه وهو الواجب، أو يستحق المدح بفعله ولا يتعلّق بتركه ذم وهو المندوب، أو يستحق المدح بتركه ولا يتعلّق بفعله ذم وهو المكروه.


(23)

فقد انقسم الحسن إلى الاَحكام الاَربعة: الواجب والمندوب والمباح والمكروه، ومع القبيح تبقى الاَحكام الحسنة والقبيحة خمسة. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّتفسير الحسن بمالا يتعلق بفعله ذم، تفسير غيرتام، وإنّما دعاه إلى هذا الاَمر محاولة إدخال المباح تحت عنوان الحسن، وإلاّ فالحسن أمر أخص من هذا التعريف، وهو عبارة عن: اشتمال الفعل على ملاك يستحسنه العقل، كالنظر إلى جمال الطبيعة الخلاّب الذي تسكن إليه النفس. فمجرّد عدم تعلّق الذم أعم من كون الفعل حسناً.

وثانياً: أنّ محاولة تفسير المكروه بما يستحق المدح بتركه ولا يتعلّق بفعله ذم، بغية إدخاله تحت الحسن محاولة غير ناجعة، وكان بوسعه أن يدخله تحت القبيح لكن بادّعاء أنّ للقبح مراتب شديدة، ولعلّ هذا كان أفضل من إدخال المكروه تحت الحسن.

نظرية المحقّق الخراساني (1255ـ 1329هـ)

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ جميع الاَفعال غير خارجة عن إطار الحسن والقبح، وإن كان العقل قاصراً عن الاِحاطة بكافة المحاسن والقبائح، وإليك نصّ كلامه ضمن مقاطع:

إنّ الاَفعال كسائر الاَشياء تختلف بحسب وجوداتها الخاصة سعة وضيقاً، وعلى حسب اختلافِ وجوداتها، يختلف، بحسب الآثار خيراً وشراً، وكما تختلف الاَشجار والاَحجار وسائر الجمادات والنباتات في ذلك، كذلك الاَفعال، فأين الضرب المورث للحزن والغم والفجع والاَلم، من الاِعطاء الموجب للفرح والسرور الرافع للسأم والهم؟!


(1)كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 58.

(24)

وقال أيضاً: لا خفاء في اختلاف الاَشياء بالقياس إلى كلّواحد من الحواس الظاهرة والقوى الباطنة، ملائمة ومنافرة وكذا بحسب الطبائع والغرائز ، فربَّ شيء يلائم الباصرةَ أو السامعة، وينافرها آخر، فالقوة العاقلة أيضاً تكون معجبة لبعض ما تدركه وتطلع عليه لملائمته لها ومشمئزة من الآخر لمنافرته لها.

وقال أيضاً: لا مجال لاِنكار اختلاف الاَفعال بحسب خصوصيات وجودها سعة وضيقاً وخيراً وشراً (وهذا الاختلاف في سعة الوجود وضيقه) هو الموجب لاختلافها بحسب المنافرة والملائمة للقوة العاقلة، ومع هذا لا يكاد أن يبقى مجال لاِنكار الحسن والقبح عقلاً، إذ لا نعني بهما إلاّ كون الشيء في نفسه ملائماً للعقل أو منافراً له، وبالضرورة يوجبان صحّة المدح والقدح في الفاعل إذا كان مختاراً.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه)أثار سوَالاً، وقال:

فإن قلت: عليه لابدّ من استقلال العقل بالحسن أو القبح في جميع الاَفعال مع بداهة فساد ذلك.

ثمّ أجاب وقال: هذا بالنسبة إلى العقول القاصرة الناقصة لعدم إحاطتها بجهات الخير والشر دون العقول الكاملة المحيطة بجميع جهات الاَفعال، فلا يكاد أن يشذَّ فعل عن تحت حكومتها بالحسن والقبح، لكمال إحاطتها بجهاتها، ولا يبعد أن تكون الصحيفة المكتوبة فيها جميع الاَحكام الموروثة من إمام إلى إمام، كناية عن عقل الاِمام المنعكس فيه جميع الكائنات على ما هي عليها لتمام صفائه. (1)


(1)فوائد الاَُصول، المطبوعة في ذيل تعليقته على الفرائد التي أسماها بـ«درر الفوائد في شرح الفرائد»:339.

(25)

أقول: إنّه (قدّس سرّه)قد سلّم أنّ العقول الناقصة لا تستطيع أن تدرك حسن جميع الاَفعال أو قبحها، ولكنّه أذعن بأنّ جميع الاَفعال غير خارجة عن إطار الحسن والقبح فالفعل إمّا حسن أو قبيح ونحن نعلّق على كلامه الثاني، ونقول:

إنّ ما ذكره من أنّ اختلاف الآثار خيراً وشراً ناشىَ من اختلاف درجات وجودها من حيث السعة والضيق، كلام تام ولكنّه غير منطبق على المقام، فانّ تفسير اختلاف الآثار باختلاف الموضوع إنّما يصحّ إذا كان بين الموضوعين اختلاف جوهري، كما مثل بالحجر أو الشجر، وأمّا إذا كانا ينطويان تحت عنوان واحد ـ كما هو الحال في أفعال الاِنسان ـ فالجميع فعل صادر عن فاعل مختار لغاية من الغايات، فليس هناك اختلاف في الموضوع حتى يفسر اختلاف الآثار باختلافه. مثلاً ضرب اليتيم للتأديب حسن، وضربه تشفّياً قبيح، فماهية الفعل في الجميع واحدة وإنّما الاختلاف في الغاية.

فالعدل والظلم كلاهما من مقولة الفعل، أحدهما وضع الشيء في موضعه، كدفع مال اليتيم إليه، والآخر وضعه في غير موضعه كسلبه عنه ويختلفان بالاِيجاب والسلب، لكن الفارق هو أنّ الاَوّل حسن والآخر قبيح، فلا يمكن تفسير حسن الاَفعال وقبحها من ناحية الاختلاف الماهوي في الموضوع.

وعلى أيّة حال فالمهم هو مناقشة ما ذهب إليه من عمومية الحسن والقبح لعامة الاَفعال فيرد عليه أنّ لازم ذلك انحصار الاَحكام الخمسة في الحرمة والوجوب، أو فيهما مع إضافة الكراهة والاستحباب، بذريعة إدخال الكراهة تحت عنوان القبيح، والاستحباب تحت عنوان الحسن، مع أنّ الاَحكام الشرعية تنقسم إلى خمسة.

والاِنسان وإن كان لا يبلغ المستوى الذي يوَهله للوقوف على ملاكات


(26)

الحسن والقبح ولكن المفروض أنّعقل الشارع عقل كامل وبلغ القمة ووقف على ملاكات الحسن والقبح ومع ذلك أصبح يصنِّفُ الاَحكام إلى خمسة دون أن يحصرها في حكمين أو في أربعة.


(27)

الفصل الخامس

ملاكات التحسين والتقبيح

إنّ الحسن والقبح من الاَلفاظ الواضحة التي يعرفها كلّعربي صميم، غير أنّ بعض الاَشاعرة كالفاضل القوشجي ذهب إلى أنّ للحسن والقبح معاني مختلفة، مع أنّما ذكره ـ كما سيوافيك ـ ليس من قبيلها، بل من قبيل الملاكات للقضاء بالحسن أو القبح، فلذلك يجب أن نستعمل ملاكات الحسن والقبح مكان معانيهما.

وإليك دراسة الملاكات المطروحة في الكتب الكلامية:

الاَوّل: موافقة الطبع

إنّ من ملاكات الحسن والقبح موافقة الفعل للطبع وعدمها. وهذا أمر مبهم بحاجة إلى المزيد من الاِيضاح، فثمة احتمالان:

أ. أن يراد من الطبع، الطبعُ الحيواني المشترك بين جميع أنواعه. ولكن هذا الاحتمال ضعيف، بل باطل، إذ ليس للحيوان طبع واحد بل طبائع مختلفة حسب اختلاف الاَنواع، ولذلك ربما يكون شيء لذيذاً في ذائقة وغير لذيذ في ذائقة أُخرى، أو رائحة، طيبة في شامّة حيوان، ورائحة، كريهة في شامّة حيوان آخر.


(28)

أضف إلى ذلك أنّ الغرض من طرح مسألة الحسن والقبح هو الوقوف على كيفية فعل الاِنسان ولا يمكن أن يكون الطبع الحيواني ملاكاً لاستكشاف كيفية فعل الاِنسان من الحسن والقبح.

ب. أن يراد من الطبع هو البعد العلوي والجانب الملكوتي من الاِنسان الذي تناط به إنسانية الاِنسان.

وبعبارة أُخرى: البعد الروحاني من الاِنسان الذي يميل بطبعه إلى أُمور وينفر كذلك عن أُمور أُخرى، فما وافق الاَوّل فهو الحسن وما خالفه فهو القبيح، وحيث إنّ هذا الجانب من البعد الروحي هو مناط الاِنسانية وواقعها فيشترك فيها جميع أفراد الاِنسان، كما أنّجميعهم يشترك في البعد السفلي الحيواني من الغضب والشهوة إلى غير ذلك من الاَبعاد، ولذلك نرى أنّ جميع الاَفراد يرغبون في العدل وحفظ الاَمانة والعمل بالميثاق وشكران النعمة ويفرّون من ضدّها.

فلو أُريد من الطبع هو هذا المعنى فهو معنى معقول، بل هو المتعيّن في تعيين ملاك الحسن والقبح، ومن قال بأنّ موافقة الطبع ومخالفته ملاك التحسين والتقبيح، وأراد منه الطبع بهذا المعنى فقد أصاب الواقع .

الثاني: موافقة الاَغراض والمصالح

هذا هو الملاك الثاني لتمييز الحسن عن القبيح، ولا شكّ انّ العاقل إنّما يفعل لاَغراض ومصالح، فكلّ فعل يوَمِّن مصلحته فهو حسن، وما ليس كذلك فهو قبيح.

وهذا الملاك كالملاك الاَوّل يتصور على وجهين:

أ. أن يكون المراد من الاَغراض والمصالح، الاَغراضَ والمصالح الشخصية،


(29)

فالملاك بهذا المعنى يوجب الهرج والمرج في باب وصف الاَفعال بأحدهما، لاَنّالاَفعال الكفيلة بتحقيق تلك الاَغراض، تختلف باختلاف الاَشخاص، فعندئذٍ تكون حسنة عند شخص وقبيحة عند آخر، وليس مثل هذا البحث لائقاً بالبحث الكلامي.

ب. أن يكون المراد منها المصالحَ والاَغراضَ النوعية التي يدور عليها بقاء النظام، وهذا كالعدل الذي يقيم النظام، والظلم الذي يهدمه.

إنّ اتخاذ المصالح والاَغراض النوعية ملاكاً للقضاء بأحد الوصفين وإن كانت تصلح أن تكون ملاكاً للحسن والقبح في أفعال الاِنسان ولكنّها لا تصلح لوصف أفعاله سبحانه بالحسن والقبح، وقد سبق منا القول إنّ السبب من وراء طرح هذه المسألة في المسائل الكلامية هو الوقوف على أفعاله سبحانه وما يجوز عليه أو ما لا يجوز، ومن الواضح أنّفعله سبحانه فوق المصالح والاَغراض التي لا تكون ملاكاً لوصف فعله بالحسن والقبح، مثلاً أخذ البريء بذنب المجرم فعل قبيح ولا صلة له بالمصالح والمفاسد، ولاَجل ذلك يجب أن يكون الملاك شاملاً لاَفعال الواجب والممكن.

وبعبارة أُخرى: انّ البحث عن الحسن والقبح العقليّين هو فوق مستوى البحث عن الحسن والقبح العقلائيين، فالملاك في الثاني هو ما مرّ آنفاً من موافقة الفعل للمصالح النوعية ومخالفتها، وهذا النوع من البحث بحث أخلاقي ويصلح أن تكون المصالح والاَغراض رصيداً للحكم بالحسن والقبح في ذلك الاِطار .

وأمّا الملاك في الاَوّل الذي يعم الممكن والواجب، فهو ملاك أوسع من سابقه، لما عرفت من أنّ فعل البارىَ هو فوق مستوى المصالح والمفاسد النوعية.


(30)

الثالث: موافقة الكمال النفسي

لا شكّ أنّ صفات الاِنسان تنقسم إلى صفات كمال يرغب إليها، وصفات نقص ينفر عنها. فالشجاعة مثلاً كمال نفساني مطلوب للاِنسان كما أنّالجبن هو نقص نفساني مبغوض له، والاِنسان بطبعه ميّال للكمال فارّ عن النقص، هذا حال الوصف، وأمّا الفعل فلو كان محصِّلاً للكمال فهو موصوف بالحسن، وأمّا ما كان على غير هذا السبيل فهو موصوف بالقبح.

أقول: لعلّ هذا الملاك ليس جديداً، بل يعود إلى القسم الثاني من الملاك الاَوّل، أي موافقة الفعل للبعد العلوي من الاِنسان ومخالفته، لاَنّ الميل إلى الكمال والهرب من النقص أمر فطري وطبيعي، فلو كان الفعل محصِّلاً للكمال فهو أمر يوافق الطبع العلوي للاِنسان وإلاّفلا.

الرابع: موافقة العادات والتقاليد

إنّ لكلّ قوم عادات وتقاليد تخصّهم، فملاك الحسن والقبح موافقة الفعل للعادات والتقاليد ويقابله القبيح.

ولكن موافقة العادات والتقاليد أو مخالفتها لا تصلح أن تكون ملاكاً للحسن والقبح، إذ عندئذٍ يكون الحسن والقبح أمرين نسبيين أوّلاً، وغير ثابتين ثانياً، ولا يكون معياراً لوصف فعله سبحانه بالحسن والقبح، لاَنّهما فيه فوق العادات و التقاليد.

هذه هي الملاكات المذكورة في المقام، والصالح للبحث هو موافقة الفعل للطبع لكن بالمعنى الذي عرفت، أي كون الفعل ملائماً للبعد العلوي من شخصية الاِنسان أو منافراً له.


(31)

وبعبارة أُخرى: تميل إليه النفس بالذات أو تنفَّر عنه كذلك، من دون ملاحظة كون الفعل ذا مصلحة أو مفسدة، أو كونه محصلاً لهما، وعلى هذا الملاك يكون الموضوع للبحث عاماً شاملاً لفعل الفاعل المختار، واجباً كان أو ممكناً.

ثمّ إنّ الاَشاعرة لما ضاق عليهم الخناق واتسع عليهم سبيل الانتقاد عمدوا إلى تكثير الملاكات واعترفوا بالحسن والقبح في بعضها وأنكروا في البعض الآخر، وحاصل كلامهم: أنّ للحسن والقبح معاني ثلاثة:

الاَوّل: صفة الكمال والنقص، يقال العلم حسن، والجهل قبيح، ولا نزاع في أنّ هذا الاَمر ثابت للصفات في أنفسها وأنّ مدركه العقل ولا تعلّق له بالشرع.

الثاني: ملائمة الغرض ومنافرته، فما وافق الغرض كان حسناً وما خالفه كان قبيحاً، وما ليس كذلك لم يكن حسناً ولا قبيحاً، وقد يعبَّـر عنهما بالمصلحة والمفسدة.

الثالث: ما تعلّق به مدحه تعالى وثوابه و ذمُّه و عقابه، فما تعلّق به مدحه تعالى في العاجل وثوابه في الآجل يسمّى حسناً، وما تعلّق به ذمه تعالى في العاجل وعقابه في الآجل يسمّى قبيحاً، وما لا يتعلّق به شيء منهما فهو خارج عنهما، هذا في أفعال العباد، وإن أُريد ما يشمل أفعال اللّه تعالى اكتفي بتعلّق المدح والذم فقط وترك الكلام في الثواب والعقاب، وهذا المعنى هو محل النزاع فهو عندنا شرعي، وذلك لاَنّ الاَفعال كلّها ليس منها شيء في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه، ولا ذم فاعله وعقابه، وإنّما صارت كذلك بسبب أمر الشارع بها ونهيه عنها. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الكلام في الاَفعال دون الصفات، فإقحام صفة الكمال


(1)شرح التجريد للفاضل القوشجي: 441؛ دلائل الصدق:1|215.

(32)

والنقص في المقام خارج عن إطار البحث، ولاَجل ذلك لما طرحنا ذلك المثال صححناه بقولنا: فكلّفعل يقع في طريق تحصيل ذلك الكمال أو يقع في طريق هذه فهو حسن أو قبيح، كما أنّ طرح ملائمة الغرض ومنافرته أو المصلحة والمفسدة إطالة في البحث، لما عرفت من أنّالغرض الباعث لطرح هذه المسألة هو التعرّف على أفعاله سبحانه دون أفعال الاِنسان، ولو دخل الثاني فإنّما دخل استطراداً، ومن الواضح بمكان أنّفعله سبحانه خارج عن إطار المصلحة والمفسدة. وإن كان تشريعه للعباد غير خال عنهما لكنّ الكلام في فعله التكويني كتعذيب البريء.

ومنه يظهر ضعف الملاك الثالث وهو تفسيرهما بما يقتضي المدح والذم والثواب والعقاب؛ ولما رأى أنّفعله سبحانه فوق إطار الثواب والعقاب حذفهما في فعله وأثبتهما في فعل الاِنسان، وهذا ممّا يعرب عن أنّالقوم لما ضاق عليهم الخناق مالوا يميناً وشمالاً لتكثير ملاكات الحسن والقبح والاعتراف ببعض الصور وإنكار بعضها الآخر، مع أنّه ليس للبحث إلاّملاك واحد وهو الذي عرفت. أعني: موافقة الفعل للطبع العِلْويّ أو مناقرته معه التي ربما يستعقب المدح أو الذمّ عند العقلاء ولكن ليس المدح أو الذمّ ملاكاً لهما. وسيوافيك نقد كلامه تفصيلاً في المستقبل (1).


(1)لاحظ: ص 50 ـ 51.

(33)

الفصل السادس

العقل العملي من مقولة الاِدراك

تنقسم الحكمة لدى الحكماء منذ عهد مبكر إلى حكمة نظرية وحكمة عملية، وهذا التقسيم بمعنى تقسيم إدراك الاِنسان باعتبار متعلّقه، فلو تعلّق الاِدراك بما من شأنه أن يُعلم كقولنا: اللّه موجود، فهو حكمة نظرية، ولو تعلّق بما من شأنه أن يعمل فهو حكمة عملية، فالحكمتان: النظرية و العملية كلاهما من مقولة الاِدراك وإنّما الاختلاف في المتعلّق، هذا هو المعروف عند الفلاسفة، وهذا هو الظاهر من المعلم الاَوّل حيث يقول:

النظرية هي التي بها يحوز الاِنسان علمَ ما من شأنه أن يعلمه إنسان، والعملية هي التي يعرف ما شأنه أن يعمله الاِنسان بإرادته. (1)

والعبارة صريحة في أنّ الحكمة العملية من مقولة الاِدراك.

وقد تبعه الشيخ الرئيس في «الاِشارات» وجعل الحكمة العملية من مقولة الاِدراك لا مبدأً للتحريك والعمل، وقال:

فمن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، وهي القوة التي تختص باسم العقل العملي، وهي التي تستنبط الواجب فيما يجب أن يفعل من الاَُمور الاِنسانية، جزئية ليتوصل به إلى أغراض اختيارية من مقدمات أوّلية وذائعة وتجربية، وباستعانة بالعقل النظري في الرأي الكلي إلى أن ينتقل به إلى الجزئي.(2)


(1) شرح منظومة السبزواري: 310.

(2)شرح الاِشارات:2|352.

(34)

وأمّا كلام المحقّق الطوسي في شرحه على الاِشارات فلا يخلو عن إجمال، فصدر العبارة يوافق نظرية الشيخ، وأمّا ذيلها فكأنّه يشير إلى أنّ الحكمة العملية مبدأ للتحريك لا للاِدراك، يقول:

قوى النفس تنقسم بالقسمة الاَُولى، إلى ما يكون باعتبار تأثيرها في البدن، الموضوع لتصرفاتها، مكمّلة إيّاه تأثيراً اختيارياً، وإلى ما يكون باعتبار تأثيرها عما هو فوقها، مستكملة في جوهرها بحسب استعداداتها وتسمّي الا َُولى عقلاً عملياً، والثانية عقلاً نظرياً، والشيخ بدأ بالاَُولى لاَنّها أظهر، فالشروع في العمل الاختياري الذي يختص بالاِنسان لا يتأتى إلاّ بإدراك ما ينبغي أن يعمل في كلّ باب وهو إدراك رأي كلي مستنبط من مقدمات كلية: أوّلية أو تجربية أو ذائعة أو ظنية يحكم بها العقل النظري، ويستعملها العقل العملي في تحصيل ذلك الرأي الكلي من غير أن يختص بجزئي دون غيره، والعقل العملي يستعين بالنظري في ذلك.

ثمّ إنّه ينتقل من ذلك باستعمال مقدمات جزئية أو محسوسة إلى الرأي الجزئي الحاصل فيعمل بحسبه ويحصل بعمله مقاصده في معاشه ومعاده. (1)

وأنت ترى أنّالعبارة يكتنفها الكثير من الغموض ولكن الظاهر من عبارته في «الجوهر النضيد» هو انّها من مقولة الاِدراك حيث يقول: ومبادىَ الجدل عند السائل هي ما يتسلمه عن المجيب، وهي المشهورات الحقيقية إمّا مطلقة يراها الجمهور ويحمدها حسب العقل العملي كقولنا : العدل حسن ويسمّى آراء محمودة .... (2)

هذا وقد تبعه الحكيم السبزواري في شرح منظومته، فنقل عبارة المعلم الاَوّل وشرحها على الرغم من أنّه ذكر في آخر كلامه عبارة صاحب «المحاكمات» التي تخالف تلك النظرية.


(1)شرح الاِشارات:2| 353.

(2)الجوهر النضيد: 199.

(35)

العقل العملي مبدأ العمل والحركة

قد عرفت أنّ العقل العمليّ عند الفارابي ومن تبعه مبدأ إدراك كالعقل النظري، وإنّما الاختلاف في المتعلّق لكن خالف تلك النظرية جمع من الفلاسفة منهم الشيخ في الشفاء والنجاة، حيث قال في الشفاء:

وأمّا النفس الناطقة الاِنسانية فينقسم قواها إلى قوة عاملة وقوة عالمة، وكلّ واحدة من القوَّتين تسمّى عقلاً باشتراك الاسم أو تشابهه، فالعاملة قوة هي مبدأ محرك لبدن الاِنسان إلى الاَفاعيل الجزئية ـ إلى أن قال ـ وإنّما كانت الاَخلاق التي فينا منسوبة إلى هذه القوة، لاَنّ النفس الاِنسانية جوهر واحد وله نسبة وقياس إلى جنبتين، جنبة هي تحته وجنبة هي فوقه، وله بحسب كلّ جنبة، قوة بها ينتظم العلاقة بينه، وبين تلك الجنبة فهذه القوة العملية هي القوة التي لها لاَجل العلاقة إلى الجنبة التي دونها وهو البدن وسياسته ـ إلى أن قال ـ فمن الجهة السفلية يتولد الاَخلاق ومن الجهة الفوقانية يتولد العلوم. (1)

وعلى ذلك درج الشيخ أيضاً في النجاة وقال:

وأمّا النفس الناطقة الاِنسانية فتنقسم قواها أيضاً إلى قوة عاملة وقوة عالمة، وكلّ واحدة من القوتين تسمّى عقلاً باشتراك الاسم، فالعاملة قوة هي مبدأ محرك لبدن الاِنسان إلى الاَفاعيل الجزئية الخاصة بالرويّة على مقتضى آراء تخصها إصطلاحية.... (2)


(1)الطبيعيات من الشفاء: 293، طبع إيران .

(2)النجاة: 164، ط مصر ؛ و 202، ط بيروت .

(36)

وممن سار على هدي الشيخ الرئيس في الشفاء والنجاة، هو قطب الدين صاحب المحاكمات، فقد شرح هذا المقال، وقال:

لا شكّ أنّ للنفس الاِنسانية إدراكاً للاَشياء وتصرفاً في البدن وهو فعل منه، فأثبتوا للنفس قوتين: مبدأ إدراك ومبدأ فعل، من جهتي الاِدراك من الملاَ الاَعلى، والفعل في العالم الاَدنى وفي بدنه.

فبالجهة الاَُولى متأثرة، وبالجهة الثانية موَثرة، والقوة التي يدرك بها النفس الاَشياء يسمى العقل النظري، وبالقوة التي بها صارت مصدراً للاَفعال يسمّى عقلاً عملياً، وإطلاق العقل على القوتين بالاشتراك اللفظي لاختلافهما من حيث إنّ الاَُولى منها نظير الانفعال، والثاني مصدر الفعل (الاِدراك) أو بطريق التشابه لاشتراكهما في كونهما قوتي النفس. (1)

وقد تبع صاحب المحاكمات الحكيم النراقي حيث نقل عن الشيخ الرئيس انّه قال: إنّ إدراك فضائل الاَعمال ورذائلها من شأن العقل العملي، ثمّ أعرض عنه، وقال: والحقّ أنّ مطلق الاِدراك والاِرشاد إنّما هو من العقل النظري، فهو بمنزلة المشير الناصح، والعقل العملي بمنزلة المنفِّذ الممضي لاِشاراته، وما ينفذ فيه الاِشارة فهو قوة الغضب والشهوة. (2)

وعلى هذا فالعقل العملي ليس من مقولة الاِدراك المتعلّق بأعمال الاِنسان في مجالات السياسة والتدبير أو الاَخلاق أو تدبير المنزل، بل يكون ـ حسب تعبير النراقي ـ منفذاً لما يحكم به العقل النظري.

ثمّإنّ الشيخ المظفر ـ لما لم يكن واقفاً على وجود المصطلح الثاني ـ


(1)المحاكمات في ذيل شرح الاِشارات:2|352. وفي ذيل كلامه ما ربما يغاير ما اختاره هنا، فلاحظ.

(2)جامع السعادات: 1|57، طبع عام 1383هـ.

(37)

استغرب كلام جامع السعادات، وقال: ومن العجيب ما جاء في جامع السعادات إذ يقول رداً على الشيخ الرئيس خرّيت هذه الصناعة «انّ مطلق الاِدراك والاِرشاد إنّما هو من العقل النظري، فهو بمنزلة المشير الناصح، والعقل العملي بمنزلة المنفذ لاِشارته».

وهذا منه خروج عن الاصطلاح. وما ندري ما يقصد من العقل العملي إذا كان الاِرشاد والنصح للعقل النظري؟ وليس هناك عقلان في الحقيقة بل هو عقل واحد، ولكن الاختلاف في مدركاته ومتعلّقاته، وللتمييز بين الموارد يسمّى تارة عملياً وأُخرى نظرياً، وكأنّه يريد من العقل العملي نفس التصميم والاِرادة للعمل، وتسمية الاِرادة عقلاً وضع جديد في اللغة». (1)

وقد عرفت أنّ الفكرة لم يبتدعها صاحب جامع السعادات بل هو تبع الشيخ في الشفاء والنجاة.

كما أنّ بعض المحقّقين من المعاصرين، نقل كلام قطب الدين ووافق بعضه وخالف في البعض الآخر، وأسماه اشتباهاً كبيراً ثمّ حاول تصحيحه.

والحق انّها نظرية قابلة للنقاش طرحها الشيخ الرئيس في كتابيه المذكورين خلافاً لما قاله في الاِشارات وتبعه بعض المتأخرين كما عرفت.


(1)أُصول الفقه: 1|223.

(38)

الفصل السابع

التحسين والتقبيح العقليان من اليقينيات

هل القضايا ـ التي يحكم بها العقل العملي حكماً باتاً، كحسن العدالة وقبح الظلم وما شاكلهماـ من القضايا اليقينية القطعية؟ أو هي من القضايا المشهورة التي ليس لها رصيد سوى الشهرة وتطابق العقلاء عليها ؟

قد اشتهر على ألسن كثير من الفلاسفة أنّ التحسين والتقبيح المذكورين ليسا من قبيل القضايا اليقينية وليس لهما رصيد، سوى تطابق العقلاء على وجه لو أعرض عنهما العقلاء لما نالا هذا المقدار من القيمة العلمية.

ذهب الشيخ الرئيس، والمحقق الطوسي، وقطب الدين الرازي، وعمر بن سهلان الساوي صاحب «البصائر النصيرية» والمحقّق الاِصفهاني، وتلميذه الشيخ المظفر، إلى أنّهما من القضايا المشهورة لا اليقينية.وقبل أن نستعرض كلماتهم لابد من ذكر شيء كالمقدمة.

إنّ مادة القياس تنقسم إلى أقسام خمسة: فالقياس إمّا برهاني أوجدلي أو خطابي أو شعري أو مغالطي.

فالقياس البرهاني يتألف من يقينيات،وأُصولها ستة:

1. الاَوّليات، 2. المشاهدات، 3. التجربيات، 4. الحدسيات، 5. المتواترات، 6. الفطريات.


(39)

وليعلم انّ المراد من المشاهدات إمّا المشاهدات الظاهرة أعني الحسيات، أو الباطنة، كالوجدانيات.

كما أنّ المراد من الفطريات هو ما يكفي ملاحظة نفس القضية في الجزم بها، كقولنا الاَربعة زوج.

وإنّما فسرنا هذين الاصطلاحين لاَجل انّ المشاهدات في مصطلح العرف مختصة بالحسيات، وأمّا في المصطلح المنطقي فهي أعم من الظاهر والباطن، كما أنّالفطريات في المصطلح المنطقي هي غيرها في المصطلح القرآني فانّها في المصطلح الثاني هي الوجدانيات التي عدت قسماً من المشاهدات، هذا كلّه حول القياس البرهاني.

وأمّا القياس الجدلي فيتألف من المسلّمات والمشهورات، والمراد من المسلّمات هي القضايا التي قبلها الخصم المجادل وإن لم تكن صحيحة في نظر الآخر.

والمراد من القضايا المشهورة هي القضايا المقبولة عند الناس، وهي على أقسام:

1. واجب القبول إذا كان يقينياً من الاَوّليات كقولنا: الكلّ أكثر من الجزء.

2. الآراء المحمودة، والمراد ما يستحسنه أو يستقبحه طوائف الناس، كقولنا: العدل حسن، والظلم قبيح.

3. الانفعاليات.

4. الخلقيات.

5. العاديات.

6. الاستقرائيات.


(40)

وعلى ضوء ذلك فقضية الحسن والقبـح العقليين ـ عند هوَلاء الذين أسميناهم ـ من القضايا المشهورة التي قبلها الناس وليست من اليقينيات، ولذلك تستخدم في باب الجدل دون البرهان.

وهذا هو الظاهر من كلمات علماء الاِسلام، ودونك نصوصهم:

1. قال الشيخ الرئيس في كتاب النجاة: وأمّا الذائعات فهي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إمّا شهادة الكلّ، مثل: انّ العدل جميل. وإمّا شهادة الاَكثر، وإمّا شهادة العلماء، أو شهادة أكثرهم أو الاَفاضل منهم، فيما لا يخالف فيه الجمهور؛ وليست الذائعات من جهة ما هي هي ممّا يقع التصديق بها في الفطرة، فانّ ما كان من الذائعات ليس بأولى عقلي ولا وهمي، فانّها غير فطرية، ولكنّها متقررة عند الاَنفس، لاَنّ العادة تستمر منذ الصبا، وفي الموضوعات الاتفاقية.

وربّما دعا إليها محبة التسالم والاِصلاح المضطر إليهما الاِنسان، أو شيء من الاَخلاق الاِنسانية، مثل الحياء والاستئناس، أو سنن قديمة بقيت ولم تنسخ، أو الاستقراء الكثير، أو كون القول في نفسه ذا شرط دقيق بين أن يكون حقّاً صرفاً، أو باطلاً صرفاً، فلا يُفطَن لذلك الشرط ويوَخذ على الاِطلاق، وإذا أردت أن تعرف الفرق بين الذائع والفطري، فأعرض قولك:«العدل جميل» و«الكذب قبيح» على الفطرة التي عرفنا حالها وتكلف الشكّ فيها تجد الشك متأتياً فيهما وغير متأت في أنّالكل أعظم من الجزء وهو حقّ أولى. (1)

وكلامه هذا صريح في أنّ المشهورات والذائعات ليست من الاَُمور اليقينية، ولذلك قال: إنّ الشكّ يتطرق إلى قولنا: العدل جميل، والكذب قبيح، ولا يتطرق إلى قولنا: الكلّأعظم من الجزء.


(1)النجاة: 63.

(41)

2. وقال أيضاً في الاِشارات: ومن المشهورات الآراء المسماة بالمحمودة، وربما خصصناها باسم المشهورة إذ لا عمدة لها إلاّ الشهرة، وهي آراء لو خلّي الاِنسان وعقله المجرد ووهمه وحسّه، ولم يوَدب بقبول قضاياها والاعتراف بها، ولم يُمْلِ الاستقراء بظنه القوي إلى حكم لكثرة الجزئيات، ولم يستدع إليها ما في طبيعة الاِنسان من الرحمة والخجل والاَنفة والحمية وغير ذلك، لم يقض بها الاِنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه، مثل حكمنا انّ سلب مال الاِنسان قبيح، وانّ الكذب قبيح، لا ينبغي أن يقدم عليه. (1)

3. وقال المحقّق الطوسي عند شرحه لعبارة الشيخ الرئيس: إنّ المعتبر في الواجب قبولها، كونها مطابقة لما عليه الوجود، فالمعتبر في المشهورات كون الآراء عليها مطابقة، فبعض القضايا أولى باعتبار ، ومشهور باعتبار (2) والفرق بينها وبين الاَوّليات ما ذكره الشيخ.

وعبارته صريحة في أنّ ما يجب قبولها، عبارة عمّا إذا كان له مصداق في الخارج، والقضايا المشهورة كقولنا: العدل حسن، ليس لها مطابق في الخارج.

هذه كلمات الاَقدمين، وقد وافقهم في ذلك بعض المتأخرين، كالمحقّق الاصفهاني في شرحه على الكفاية والشيخ المظفر في أُصول الفقه فزعما أنّ الحسن والقبح من القضايا المشهورة التي تطابق عليها العقلاء، لا من القضايا اليقينية.

قال المحقّق الاِصفهاني: إنّ المعتبر عند أهل الميزان في المواد الاَوّلية للقضايا البرهانية المنحصرة تلك المواد في الضروريات الست، مطابقتها للواقع ونفس الاَمر، والمعتبر في القضايا المشهورة، والآراء المحمودة، مطابقتها لما عليه آراء العقلاء حيث لا واقع لها غير توافق الآراء عليها. (3)


(1)شرح الاِشارات: 1|220ـ 221.

(2)شرح الاِشارات: 1|220ـ 221.

(3)نهاية الدراية:2|125.

(42)

وقد اعتمد في نظره هذا على كلام الشيخ من التفريق بين البرهانيات التي يكون لها مطابق في الخارج، والمشهورات التي ليست لها مطابق في الخارج، ولا واقع لها غير توافق الآراء عليها.

وقال الشيخ المظفر ـ عند كلامه في الفرق بين الاَوّليات التي يدركها العقل النظري، والمشهورات التي يدركها العقل العملي ـ: إنّ الفارق وجوه ثلاثة:

1. انّ الحاكم في قضايا التأديبات العقل العملي، والحاكم في الاَوّليات العقل النظري.

2. انّ القضية التأديبية لا واقع لها إلاّ تطابق آراء العقلاء، والاَوّليات لها واقع خارجي.

3. انّ القضية التأديبية لا يجب أن يحكم بها كلّ عاقل لو خلي وطبعه ونفسه ولم يتأدب بقبولها والاعتراف بها، وليس كذلك القضية الاَوّلية التي يكفي تصور طرفيها في الحكم، فانّه لابدّ أن لا يشذ عاقل في الحكم بها لاَوّل وهلة. (1)

وهذه الكلمات تعرب عن أنّ المشهورات ليست من الاَوّليات، وبالتالي ليست من اليقينيات، وإنّما رصيدها تطابق العقلاء عليها.

نعم انّ بين المتأخرين من ذهب إلى أنّ التحسين والتقبيح من اليقينيات، وفي مقدمهم المحقّق اللاهيجي في كتابه: «سرمايه ايمان» و بما أنّ لكلامه من القيمة بمكان آثرنا تعريبه إلى العربية قال:

«اعلم أنّ الحقّ مذهب العدلية، فانّ حسن بعض الاَفعال كالعدل والصدق أو قبحها كالظلم والكذب أمر ضروري، والعقل في قضائه هذا غنيّ عن الشرع.


(1)أُصول الفقه:2|231ـ 232.

(43)

ثمّ يطرح الاِشكال التالي ويقول:

قد عدّ الحكماء حسن العدل وقبح الظلم من المقبولات، وذلك لما فيها من المصلحة والمفسدة العامتين، ومن الواضح أنّالمقبولات مادة للقياس الجدلي لا للقياس البرهاني، فعندئذٍكيف يمكن عدّها من الضروريات والاَوّليات التي هي مبدأ للبرهان؟

وأجاب قائلاً: إنّه لا مانع من أن تدخل قضية واحدة من جهة تحت اليقينيات، ومن جهة أُخرى تحت المقبولات، وحيث إنّها من القضايا الضرورية التي لا يشك فيها كلّ من رجع إليها، مع قطع النظر عن المصلحة أو المفسدة، فهي من الاَوّليات، إلاّ أنّ هذا لا يمنع من اندراجها تحت المقبولات لترتب المصالح والمفاسد العامة عليها». (1)

ووافقه الحكيم السبزواري في «شرح الاَسماء الحسنى»، حيث قال:

إنّ منع جزم العقلاء بالحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه مكابرة غير مسموعة، وقد يستشكل دعوى الضرورة في القضية القائلة بأنّ «العدل حسن» و«الظلم قبيح» بأنّ الحكماء جعلوها من المقبولات العامة التي هي مادة الجدل، فجعلهما من الضروريات التي هي مادة البرهان غير مسموعة.

والجواب: انّ ضرورة هذه الاَحكام بمرتبة لا تقبل الاِنكار، بل الحكم ببداهتها أيضاً بديهي، غاية الاَمر أنّ هذه الاَحكام من العقل النظري بإعانة العقل العملي، بناء على أنّ فيها مصالح العامة ومفاسدها، وجعل الحكماء إياها من المقبولات العامة ليس الغرض منه إلاّ التمثيل للمصلحة والمفسدة المعتبر فيه قبول عموم الناس لا طائفة مخصوصة، وهذا غير مناف لبداهتها، إذ القضية


(1)سرمايهَ ايمان: 60ـ 62.

(44)

الواحدة يمكن أن تدخل في اليقينيات والمقبولات من جهتين، فيمكن اعتبارها في البرهان والجدل باعتبارين. (1)

وحصيلة النزاع : أنّالمنطقيين خصّوا اليقينيات بالاَوّليات والمشاهدات والتجربيات والحدسيات والمتواترات والفطريات، فالبرهان الموَلف من هذه الاَُمور الستة يفيد اليقين، وخصّوا الجدل غير المفيد لليقين بالمشهورات والمسلمات، وأدخلوا حسن العدل وقبح الظلم في المشهورات التي لا تفيد اليقين.

ولو صحّ ما ذكروه لانهارت الاَُصول التي بني عليها الكلام الاِسلامي.

ولكن الحقّمع المحقّق اللاهيجي والحكيم السبزواري، لاَنّ مسألة الحسن والقبح ذات جهتين:

فمن جهة انّها داخلة في الاَوّليات، ومن جهة أُخرى داخلة في المشهورات.

أمّا الاَوّليات: فقد عرّفوها بقولهم: كلّ قضية تتضمن أجزاوَها علّية الحكم فهي أوّلية لا يتوقف العقل فيه إلاّعلى تصور الاَجزاء، ثمّ مثّلوا بقوله: الكلّ أعظم من جزئه. فانّ هذا التصديق معلول لتصور جزئيه لا غير، ولا يتوقف العقل فيه إلاّعلى تصور مفرديه. (2)

وقولنا: العدل حسن، واجد لتلك الخصيصة، فانّ تصور الجزءين كاف في الجزم بالقضية.

فإن قلت: إنّه يعتبر في القضايا اليقينية وجود المطابق لها في الواقع، كقولنا: الكلّأكبر من الجزء وليس لقولنا : العدل حسن أو الظلم قبيح شيء مطابق في الخارج.


(1)شرح الاَسماء الحسنى: 107ـ 108.

(2)الجوهر النضيد: 173.

(45)

والجواب: أنّه يكفي في أن يكون للقضية مطابقاً في الخارج، تطابقها مع الفطرة الاِنسانية أو البعد الملكوتي، فانّ الاِنسان حينما يتصور القضية، ويعرضها على البعد الملكوتي والفطرة السليمة يراهما متطابقتين،وللفطرة واقعية عينية في الخارج، وقد ذكر الشيخ في كتاب النجاة معنى للفطرة ربما يكون صالحاً لنقض كلامه به، وقال:

ومعنى الفطرة أن يتوهم الاِنسان نفسه، حصل في الدنيا، دفعة وهو بالغ عاقل لكنّه ولم يسمع رأياً ولم يعتقد مذهباً، ولم يعاشر أُمة، ولم يعرف سياسة، لكنّه شاهد المحسوسات، وأخذ منها الخيالات ثمّيعرض منها على ذهنه شيئاً ويتشكك فيه، فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك، فهو ما يوجبه الفطرة. (1)

فحسن العدل داخل في الاَُمور الفطرية بهذا المعنى، وقضية (العدل حسن) إذا تصورها الاِنسان وتجرّد عن كلّ شيء لا يساوره الشك فيها.

وأمّا المشهورات فلا شكّ في تطابق العقلاء على «حسن العدل» لما فيه بقاء النظام، و«قبح الظلم» لما فيه من زواله.

فعدّتلك القضية من المشهورات لا ينافي كونها من الاَوّليات، وتخصيص الاَوّليات بالعقل النظري بعدُ لم يثبت، فانّ منها ما يرجع إلى العقل النظري ومنها ما يرجع إلى العقل العملي.


(1)النجاة: 62.

(46)

الفصل الثامن

القضايا البديهية في الحكمة العملية

إنّتقسيم الحكمة النظرية إلى ضرورية وغير ضرورية أمر واضح لا سترة فيه، كما أنّ تقسيم البديهيات إلى مراتب ودرجات أمر لا غبار عليه، لذلك نرى أنّ البرهان المفيد للعلم واليقين يتشكل من الاَوّليات والمشاهدات والتجربيات والحدسيات والمتواترات والفطريات، وكلّها من الاَُمور اليقينية البديهية ولكن للبداهة درجات.

هذا هو حال الحكمة النظرية، ومثلها الحكمة العملية ـ أي إدراك العقل ما من شأنه أن يعمل به ـ فهي أيضاً تنقسم إلى ضرورية وغير ضرورية ـ أي ما يدرك العقل العملي لزوم العمل به بضرورة وبداهة ـ كحسن الاِحسان وقبح الظلم، وأُخرى لا يدركه إلاّأن يرجع إلى مثل هذا الاَمر البديهي في العقل العملي.

والسبب وراء تقسيم العقل العملي إلى ضروري وغير ضروري، هو نفس السبب في تقسيم الحكمة النظرية إلى ضرورية ونظرية، لاَنّ القضايا لو كانت جميعها بديهية في الحكمة النظرية لما احتاجت إلى التفكير، ولم يكن هناك أي مشكلة فكرية، ولو كانت بأسرها نظرية لتاه الاِنسان في دوّامة من المشاكل الفكرية دون أن يجد حلولاً لها، لاَنّ المفروض انعقاد القضايا على نمط واحد، فلم يكن بد إلاّأن تكون القضايا في الحكمة النظرية على قسمين: يستمد من البديهي في حل النظري.


(47)

وهذا هو السبب في انقسام الحكمة العملية إلى قضايا واضحة قائمة على ساقها، وقضايا غير بديهية تستمِدّ حكمها من خلال الاستعانة بالقضايا الواضحة.

يقول التفتازاني في تقسيم قضايا الحكمة النظرية إلى قسمين:

الضرورة أي الحصول بلا نظر ، والاكتساب أي الحصول بالنظر. (1)

ويقول صاحب البصائر النصيرية: إنّ المقدمات في القياس يجب أن تنتهي إلى أُمور غنية عن البيان، ولو كان الجميع من القضايا النظرية المحتاجة إلى البيان لامتنع تحصيل العلم، لاَنّ كلّ مقدمة تحتاج إلى الاَُخرى ويذهب إمّا إلى غير النهاية، أو يكون الاَخير من المقدمات موقوفة على الاَُولى، وهو الدور.

فللابتعاد عن التسلسل والدور الباطلين لا محيص عن تقسيم الحكمة النظرية إلى بديهي ونظري. (2)

وهذا البيان جار في الحكمة العملية، فانّ القضايا التي يحكم العقل بحسنها وقبحها ومدح الفاعل وذمّه وبإلزام العمل على وفقه أو الاجتناب عنه، لا تخلو عن حالتين:

إمّا أن تكون قضايا تامة يدركها العقل بلا توسيط مقدمة، وهي قضايا ضرورية من العقل العملي.

وإمّا لا يدركها إلاّ بإرجاعها إلى قضايا أُخرى حتى تنتهي إلى أُم القضايا العملية البديهية لتكون مفتاحاً لحلّ سائر القضايا. وهي حسنُ العدلِ وقبحُ الظلمِ .


(1)الحاشية على التهذيب قسم المتن: 22.

(2)البصائر النصيرية: 139 بتوضيح منّا.


(48)

الفصل التاسع

أدلّة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين

أقام القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين أدلّة ساطعة على أنّ العقل يدرك حسن بعض الاَفعال وقبحها، فيبعث إلى الاَوّل، ويزجر عن الثاني. ونحن نقتصر في هذا المقام على دلائل ثلاثة:

الاَوّل: بداهة العقل

إنّالحكم المزبور من الاَحكام البديهية للعقل العملي، وكلّ إنسان يجد من نفسه حسن العدل وقبح الظلم، وإذا عرض الاَمرين على وجدانه وعقله يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل وتنفُّراً عن الظلم، وهكذا سائر الاَفعال التي تعد من مشتقات الاَمرين.

وربما يقال: إنّ الحكم بالتحسين والتقبيح ليس ناتجاً من صميم العقل، وإنّما هو وليد التعاليم الدينية الراسخة، التي يعتمد عليها المصلحون في دعواتهم، فصار ذلك سبباً لرسوخ تلك الفكرة في أذهان الناس.

ولنا مع هذا الكلام وقفة قصيرة، ذلك أنّه لو كانت تلك الفكرة ناتجة من دعوة المصلحين الذين حازوا على سهم وافر فيها، لاختصت بهم، ولكن نجد أنّتلك الفكرة عامة تشمل كافة الاَُمم والطوائف البشرية حتى الذين لا يمتلكون خلفيات إيمانية، وقد أشار المحقّق الطوسي إلى ذلك الدليل، بقوله:

وهما عقليان للعلم بحسن الاِحسان وقبح الظلم من غير شرع.


(49)

وأوضحه تلميذه بقوله: إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الاَشياء وقبح بعضها من غير نظر إلى شرع، فانّكلّعاقل يجزم بحسن الاِحسان ويمدح عليه، وبقبح الاِساءة والظلم ويذم عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشكّ، وليس مستفاداً من الشرع، لحكم البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع. (1)

ويقول الشارح ـ العلاّمة الحلّي ـ في كتاب آخر: ذهبت الاِمامية، ومن تابعهم من المعتزلة، إلى أنّ من الاَفعال ما هو معلوم الحسن والقبح بضرورة العقل، كعلمنا بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، فكلّ عاقل لا يشك في ذلك، وليس جزمه بهذا الحكم بأدون من الجزم بافتقار الممكن إلى السبب، وأنّ الاَشياء المساوية لشيء واحد، متساوية، ومنها ما هو معلوم بالاكتساب أنّه حسن، أو قبيح، كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع.

ومنها ما يعجز العقل عن العلم بحسنه أو قبحه فيكشف الشرع عنه كالعبادات.

وقال الاَشاعرة: إنّ الحسن والقبح شرعيان، ولا يقضي العقل بحسن شيء منها، ولا بقبحه، بل القاضي بذلك هو الشرع، و ما حسّنه فهو حسن وما قبّحه فهو قبيح. (2)

ولما كان هذا الدليل رصيناً بمكان لم يجد المنكرون للقاعدة بداً من أن يعترفوا بما في بعض معانيها دون بعض، وهذا هو الفاضل القوشجي، يقول: إنّ للحسن والقبح معاني ثلاثة:

الاَوّل: صفة الكمال والنقص، والحسن كون الصفة صفة كمال، والقبح كون


(1)كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:59.

(2)نهج الحقّ وكشف الصدق:83.

(50)

الصفة صفة نقصان، يقال العلم حسن أي ان اتصف به كمال، والجهل قبيح أي لمن اتصف به نقصان، وهذا المعنى من الحسن والقبح عقليان، أي العقل يدرك ملاك الكمال والنقص، وبالتالي يدرك الحسن والقبح بهذا المعنى.

الثاني: ملائمة الغرض ومنافرته، فما وافق الغرض كان حسناً و ما خالفه كان قبيحاً، وما ليس كذلك لم يكن حسناً ولا قبيحاً، وقد يعبر عنهما بالمصلحة والمفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح ما فيه مفسدة، وما خلا عنهما لا يكون شيئاً منهما، وذلك أيضاً يدركه العقل كالمعنى الاَوّل. ويختلف بالاعتبار فانّ قتل زيد مصلحة لاَعدائه وموافق لغرضهم، وفي الوقت نفسه مفسدة لاَوليائه ومخالفة لغرضهم.

الثالث: ما تعلّق به المدح والثواب أو الذم والعقاب هذا في أفعال العباد، وأمّا أفعال اللّه فالحسن فيه بمعنى تعلّق المدح والذم وترك الثواب والعقاب.

فقال هذا هو محل النزاع فهو عندنا شرعي، وذلك لاَنّ الاَفعال كلّها سواء ليس شيء منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه ولا ذم فاعله وعقابه، وإنّما صارت كذلك بسبب أمر الشارع ونهيه. (1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّالقول بأنّ للحسن والقبح ثلاثة معان، وانّ التحسين والتقبيح العقليين صحيح في الاَوّلين دون الثالث، يعرب عن تراجع القائل عن الاِنكار المطلق، وإظهار شيء من المرونة للمثبتين لهما، ولكن الحقّ انّه ليس للحسن والقبح إلاّ معنى واحد، وهو الذي ذكره في المعنى الثالث، وإلاّ فدرك الكمال و النقص أو الملائمة والمنافرة خارجان عن محط البحث، كما أنّإقحام الثواب والعقاب في المعنى الثالث أيضاً نوع مغالطة تفوّه بها القائل، فالبحث مكرّس على حسن الفعل وقبحه على وجه يبعث الآخرين على تحسين الفعل


(1)شرح التجريد:441.

(51)

ومدحه أو تقبيح الفعل وذمه.

وأعجب من ذلك هو إنكاره إدراك العقل لحسن الاَفعال وقبحها بالمعنى الثالث، ولعمري انّه خالف وجدانه، وأنكر بلسانه ما ليس في قلبه، فلا ينكره إلاّ سوفسطائي يشك في أبده البديهيات.

وقد نقل عن النظام هذه الحكاية الطريفة:

قيل اجتمع النظام والنجار للمناظرة، فقال له النجار: لم تدفع أن يكلِّف اللّه عباده ما لا يطيقون، فسكت النظام، فقيل له: لِمَ سَكتّ؟ قال: كنت أريد بمناظرته أن ألزمه القول بتكليف مالا يطاق، فإذا التزمه ولم يستح، فبم أُلزمه. (1)

وثانياً: أنّ المجيب يسلم بأنّ العقل يدرك حسن الاَفعال وقبحها ببعض الملاكات، وهو ملاك الكمال والنقص أو ملاك المصلحة والمفسدة، وعندئذٍ فالعقل يستقل بحسن بعض الاَفعال بأحد هذين الملاكين أو يستقل بقبحها كذلك، وهذا نوع اعتراف من المنكر باستقلال العقل بدرك الحسن والقبح.

إلاّ أن يقول بحصر الكمال والنقص بالاَوصاف دون الاَفعال، فلا يعدّ فعل كمالاً ولا نقصاً وهو كما ترى.

وثالثاً: أنّ موضوع البحث هو مطلق الاَفعال الصادرة من الفاعل المختار، سواء أكان الفاعل واجباً أم ممكناً، وليس هناك إلاّ ملاك واحد يعم جميع المصاديق، وهو استقلال العقل بالحسن أو القبح الذي ربّما يستعقب المدح والذم، دون الثواب والعقاب لعدم توفرهما في أفعاله سبحانه.

الثاني: انتفاوَهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً

هذا هو الدليل الثاني الذي أشار إليه المحقق الطوسي، وقال: ولانتفائهما


(1)دلائل الصدق:192.

(52)

مطلقاً لو ثبتا شرعاً. وقد أوضحه العلامة في شرحه بقوله: وتقريره: انّهما لو ثبتا شرعاً لم يثبتا لا شرعاً ولا عقلاً.

توضيحه: أنّا لو لم نعلم حسن بعض الاَشياء وقبحها عقلاً لم نحكم بقبح الكذب، فجاز وقوعه من اللّه ـ تعالى عن ذلك علواً كبيراً ـ فإذا أخبرنا عن شيء انّه قبيح لم نجزم بقبحه، وإذا أخبرنا عن شيء انّه حسن لم نجزم بحسنه، لتجويز الكذب، ولجوّزنا أن يأمرنا بالقبيح وأن ينهانا عن الحسن، لانتفاء حكمته تعالى على هذا التقرير. (1)

وخلاصة الدليل: أنّه لو لم نعرف حسن الاَفعال وقبحها شرعاً إلاّ عن طريق إخبار الاَنبياء، فإذا قالوا: الصدق حسن والكذب قبيح، لا يحصل لنا العلم بصدق القضية، إذ نحتمل أن يكون المخبر كاذباً.

ولو قيل إنّه سبحانه شهد على صدق مقالة أنبيائه، فنقول: إنّ شهادته سبحانه لم تصل إلينا إلاّ عن طريقهم، فمن أين نعلم صدقهم في كلامهم هذا ؟

أضف إلى ذلك من أين نعلم أنّه سبحانه ـ و العياذ باللّه ـ لا يكذب؟

فهذه الاحتمالات لا تندفع إلاّ باستقلال العقل ـ قبل كلّ شيء ـ بحسن الصدق وقبح الكذب، وانّه سبحانه منزه عن القبح.

غير انّالفاضل القوشجي شرح كلام المحقق الطوسي بنحو آخر وقال: لو لم يثبت الحسن والقبح إلاّ بالشرع لم يثبت أصلاً، لاَنّ العلم بحسن ما أمر به الشارع، أو أخبر به عن حسنه، و بقبح ما نهى عنه، أو أخبر عن قبحه، يتوقف على أنّ الكذب قبيح لا يصدر عنه، وأنّ الاَمر بالقبيح والنهي عن الحسن سفه وعبث لا يليق به. (2)


(1)كشف المراد: 59.

(2)شرح التجريد: 442.

(53)

أقول: ثمة احتمال آخر، وهو: انّه من الممكن أن يأمر الشارع بالقبيح ويأمر بالمنكر، أو أن يكذب في إخباره عن الحسن والقبيح، فلا ينتفي ذلك الاحتمال إلاّ بطرح قضية أُخرى وهي:

إنّ الاَمر بالقبيح، والنهي عن المعروف، أو صدور الكذب أمر قبيح، يمتنع صدوره من اللّه سبحانه. لكنّ هذه القضية التي هي المكملة لعلمنا بحسن الاَفعال وقبحها شرعاً، موقوفة على ثبوت أحد أمرين:

أ. أن يحكم العقل بامتناع صدور القبيح من اللّه سبحانه؛ والمفروض أنّ هذا الباب موصد أمام المنكرين للحسن والقبح.

ب. أن يحكم الشرع بامتناع الاَمر بالمنكر والنهي عن المعروف، أو صدور الكذب من اللّه سبحانه؛ ومن الواضح انّ هذه الاَخبار لا ترفع الاحتمال السابق، لاحتمال أن يكون كلامه هذا أيضاً كذباً، أو من قبيل الاَمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وبذلك يظهر معنى الدور الذي أشار إليه الفاضل القوشجي بوضوح.

ثمّ إنّه أشكل على محذور الدور بما هذه عبارته:

انّا لا نجعل الاَمر والنهي دليلي الحسن والقبح ليرد ما ذكرتم، بل نجعل الحسن عبارة عن كون الفعل متعلّق الاَمر والمدح، والقبح عن كونه متعلّق النهي والذم. (1)

ل

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مغالطة محضة لا تزيل الاِشكال، لاَنّا نفترض أنّ الاَمر والنهي ليسا دليلي الحسن والقبح، بل دليلهما عبارة عن كون الفعل متعلق الاَمر والنهي، ولكن هناك احتمالات لا يمكن رفعها إلاّ بحكم العقل.


(1)شرح التجريد: 442.

(54)

الاَوّل: انّه جعل المنكر متعلّق الاَمر، والمعروف متعلّق النهي، وهذا لا يمكن رفعه بإخبار الشارع، لاحتمال الكذب في جميع إخباراته، بل الطريق منحصر بالاِذعان لحكم العقل.

الثاني: نحتمل انّه أمر بلا إرادة.

الثالث: انّه أراد إرادة استعمالية دون الجدية.

الرابع: انّه استعمل الاَلفاظ على غير الطريقة المألوفة.

ومع هذه الاحتمالات ونظائرها، كيف يمكن لنا أن نستكشف الحسن والقبح عن طريق الشرع مهما صدع به، ولا ترتفع هذه الاحتمالات إلاّ بحكم العقل.

إلاّ أن يُفسِّـر الحسنَ بمجرد وقوع الشيء متعلقاً للاَمر وإنْ احْتُمِل ما احْتُمِل، وهو كما ترى.

الثالث: إنكارهما يلازم امتناع إثبات الشرائع السماوية

الاعتقاد بالنبوة العامة عبارة عن كونه سبحانه بعث أنبياءه بالشريعة إلى كافة البشر، فمن ادّعى السفارة من اللّه سبحانه فلا يمكن لنا تصديقه إلاّ في ظل القول بالحسن والقبح العقليين، لاَنّ المفروض أنّ ذلك المدّعي يكون مبعوثاً بالمعاجز والبيّنات، فإن كان صادقاً فهو، وإلاّيلزم تزويد الكاذب بقدرة خارقة ليضلّ الناس عن طريق الحقّ، وهو أمر قبيح لا يصدر منه سبحانه وأمّا على القول بالحسن والقبح الشرعيين فلا يمكن لنا الاِذعان بصدق دعواه لعدم ثبوت قبح تسليط الكاذب على المعاجز.

ولو صدع الشارع انّي لا أُسلط الكاذب على القوة الخارقة، فلا يمكن الاِيمان بصدق قوله لعدم ثبوت قبح الكذب على الشارع.


(55)

وإلى ذلك يشير العلاّمة الحلّي في كتابه، ويقول: لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير ، لما قبح من اللّه تعالى شيء، ولو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على يد الكاذبين، وتجويز ذلك يسد باب معرفة النبوة، فانّ أيّ شيء أظهر المعجزة عقيب ادّعاء النبوة لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعوى النبوة. (1)

و بما ذكرنا من التوضيح ، يظهر عدم صحّة ما ذكره الفضل بن روزبهان (المتوفّى919هـ) حيث قال: عدم إظهار المعجزة على يد الكذابين ليس لكونه قبيحاً عقلاً، بل لعدم جريان عادة اللّه الجاري مجرى المحال العادي بذلك وقوله (العلامة): تجويز هذا يسد باب معرفة النبوة، قلنا : لا يلزم هذا لاَنّ العلم العادي حاكم باستحالة هذا الاِظهار فلا ينسد ذلك الباب. (2)

إنّ العلم بجريان عادة اللّه على عدم إظهار المعجزة على يد الكذّابين، يتم بأحد طريقين:

أ. أن يحكم العقل بأنّاللّه حكيم، ولا يجعل الحكيم المعجزةَ على يد الكذّابين، والمفروض انّه غير ثابت لدى المستشكل.

ب. دراسة سيرة الاَنبياء والظروف التي حاطت بهم والقرائن الحافة بدعوتهم حتى يقطع الاِنسان بقضية كلية، وهي: انّه سبحانه لا يجعل المعجزة على غير يد الصادق؛ وهذا العلم الكلّي لا يحصل إلاّ بدراسة سيرة طائفة كبيرة من الاَنبياء على نحو يحصل له هذا العلم الكلي، ومن الواضح بمكان أنّه أمر غير ممكن عادة.

ثمّإنّ للفضل بن روزبهان كلاماً في آخر هذا الفصل نأتي به ليعلم مدى تأخّر القوم عن المسائل العقلية وانكبابهم على التقليد من مشايخ مذهبهم، حيث يقول:


(1)نهج الحقّ وكشف الصدق:84.

(2)دلائل الصدق: 219.

(56)

اتّفقت كلمة الفريقين من الاَشاعرة والمعتزلة على أنّ من أفعال العباد ما يشتمل على المصالح والمفاسد، وما يشتمل على الصفات الكمالية، والنقصانية، وهذا ممّا لا نزاع فيه، ويبقى النزاع في أنّ الاَفعال التي تقتضي الثواب أو العقاب، هل في ذواتها جهة محسنة، صارت تلك الجهةُ سببَ المدح والثواب، أو جهة مقبحة، صارت سبباً للذم والعقاب أو لا ؟

فمن نفى وجود هاتين الجهتين في الفعل، ماذا يريد من هذا النفي؟

إن أراد عدم هاتين الجهتين في ذوات الاَفعال، فيرد عليه أنّك سلمت وجود الكمال والنقص والمصلحة والمفسدة في الاَفعال، وهذا عين التسليم بأنّالاَفعال في ذواتها جهة الحسن والقبح، لاَنّ المصلحة والكمال حسن والمفسدة والنقص قبح.

وإن أراد نفي كون هاتين الجهتين مقتضيتين للمدح والثواب بلا حكم الشرع بأحدهما لاَنّ تعيين الثواب والعقاب للشارع، والمصالح والمفاسد التي يدركهما العقل، لا يقتضي تعيين الثواب والعقاب بحسب العقل، لاَنّالعقل عاجز عن إدراك أقسام المصالح والمفاسد في الاَفعال، ومزج بعضها ببعض حتى يعرف الترجيح ويحكم بأنّ هذا الفعل حسن لاشتماله على المصلحة، أو قبيح لاشتماله على المفسدة، فهذا الحكم خارج عن طوق العقل فتعين تعينه للشرع.

فهذا (1) كلام صالح صحيح لا ينبغي أن يرده المعتزلي.

مثلاً: شرب الخمر كان مباحاً في بعض الشرائع، فلو كان شربه حسناً في ذاته بالحسن العقلي، كيف صار حراماً في بعض الشرائع الاَُخر؟

هل انقلب حسنه الذاتي قبحاً؟


(1)«فهذا» جواب لقوله: «إن أراد نفي ... ».

(57)

وهذا ممّا لا يجوز، فبقي أنّه كان مشتملاً على مصلحة ومفسدة كلّ واحد منهما بوجه، والعقل كان عاجزاً عن إدراك المصالح والمفاسد بالوجوه المختلفة، فالشرع صار حاكماً بترجيح جهة المصلحة في زمان، وترجيح جهة المفسدة في زمان آخر، فصار حلالاً في بعض الاَزمنة وحراماً في البعض الآخر.

فعلى الاَشعري أن يوافق المعتزلة، لاشتمال ذوات الاَفعال على جهة المصالح والمفاسد، وهذا يدركه العقل ولا يحتاج في إدراكه إلى الشرع، وهذا في الحقيقة هو الجهة المحسنة والمقبحة في ذوات الاَفعال.

وعلى المعتزلي أن يوافق الاَشعري أنّ هاتين الجهتين في العقل لا تقتضي حكم الثواب والعقاب والمدح والذم باستقلال العقل، لعجزه عن مزج جهات المصالح والمفاسد في الاَفعال.

وقد سلّم المعتزلي هذا فيما لا يستقل العقل به، فليسلم في جميع الاَفعال، فانّ العقل في الواقع لا يستقل في شيء من الاَشياء بإدراك تعلق الثواب، فإذن كان النزاع بين الفريقين مرتفعاً، تحفظ بهذا التحقيق، وباللّه التوفيق. (1)

لقد سعى القائل جاهداً إلى التوفيق بين المذهبين لما رأى من البراهين الساطعة على بطلان مذهبه، فتارة يتخذموقفاً يوافق فيه المعتزلة، ويدعو الاَشاعرة إلى الانصياع وأُخرى يتخذموقفاً يوافق فيه الاَشاعرة ويدعو المعتزلة إليه، وما هذا الموقف المضطرب إلاّنتيجة وقوفه على عدم صحّة نفي الحسن والقبح العقليين، فلذلك نعود ونقول:

أ. ما ذكره من أنّ أفعال العباد تشتمل على المصالح والمفاسد، ويكون هذا سبباً لتحسين الفعل أو تقبيحه، غير تام، لما عرفت من أنّ الحسن والقبح العقلي لا


(1)دلائل الصدق:374ـ 376.

(58)

يدور مدار الاَغراض والمصالح الشخصية، ولا المصالح والمفاسد النوعية، لاَنّ إطار البحث وسيع يشمل فعله سبحانه الذي هو فوق المصالح والمفاسد، كما في أخذ البريء بذنب المجرم، فجعل هذا مصباً للنزاع ومورداً للاتفاق وبالتالي دعوة الاَشعري إلى المصافقة مع المعتزلي خروج عن محل النزاع.

ب. انّ ما ذكره من أنّ المصالح والمفاسد غير مقتضيين للمدح أو الثواب بأحدهما، وانّه ليس للعقل أن يستقل بأحدهما من دون حكم الشارع، غير تام.

لاَنّ المدح والذم لا يستند إلى وجود المصالح والمفاسد، بل يستقل بهما العقل مع قطع النظر عن هذا الملاك، فكون المصالح والمفاسد مقتضية لا علة تامة للمدح أو الذم كأنَّه خروج عن مصب البحث.

وحصيلة القول: إنّ مصب البحث هو نفس الفعل بما هوهو بغضِّ النظر عن الاَُمور الجانبية من موافقته للغرض أو مخالفته له، وتضمنه للمصلحة أو المفسدة، إلى غير ذلك.

فمحاولة الفضل لتقريب المنهجين وتصديق المعتزلة تارة، والاَشاعرة تارة أُخرى، ناشىَ عن الغفلة عن مصب النزاع.

الحسن والقبح في الذكر الحكيم

يحتج الذكر الحكيم في موارد بقضاء الفطرة على حسن بعض الاَفعال وقبحها، على وجه يسلِّم أنّ الفطرة صالحة لدرك حسن الشيء وقبحه، ولذلك يتخذ وجدان الاِنسان قاضياً صادقاً في قضائه، ويقول:

1.(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الاََرْضِ أَمْ


(59)

نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالْفُجّار ) . (1)

2. (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمين) . (2)

3. (هَلْ جَزاءُ الاِِحْسانِ إِلاّ الاِِحْسان) . (3)

ففي هذه الطائفة من الآيات يوكِّل الذكر الحكيم القضاء إلى وجدان الاِنسان، وانّه هل يصحّ التسوية بين المفسدين والمتّقين، والمسلمين والمجرمين، كما يتخذ من الوجدان قاضياً، في قوله: (هَلْ جَزاءُ الاِِحْسان إِلاّ الاِِحْسان) .

وهناك آيات أُخرى تأمر بالمعروف كالعدل والاِحسان، وإيتاء ذي القربى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي على نحو تسلِّم انّ المخاطب يعرفهما معرفة ذاتية ولا يحتاج إلى الشرع بغية التعرف على الموضوع، وكأنّ الشرع يوَكد ما يجده الاِنسان بفطرته، يقول سبحانه:

1.(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي القُربى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) . (4)

2. (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنْ) . (5)

3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر ) . (6)

وكيفية دلالة هذه الآيات على قابلية العقل على درك الحسن والقبح علم ممّا سبق.


(1)ص:28.

(2)القلم: 35.

(3)الرحمن:60.

(4)النحل:90.

(5)الاَعراف:33.

(6)الاَعراف:157.

(60)

وثمة آية أُخرى تندِّد بعمل المشركين حينما ينسبون بعض أعمالهم المنكرة إلى أمره سبحانه، وهو يردُّ عليهم بأنّ عملهم فحشاء واللّه لا يأمر بها، وبذلك سلم قضاء الوجدان على أنّ اللّه منزّه عن ارتكاب القبائح والمنكرات، ويقول:

(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاء) . (1)

إلى هنا تمت أدلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وإليك دراسة أدلّة المنكرين.


(1)الاَعراف:28.

(61)

الفصل العاشر

أدلة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليين

ذهبت الاَشاعرة من المتكلمين إلى أنّ العقل عاجز عن درك حسن الاَفعال وقبحها، وفي كلامهم هذا تداع لكلام السوفسطائيين حيث كانوا ينكرون الحقائق العينية حتى وجودهم أنفسهم في ظل شبهات واهية.

والذي يسهِّل الخطب أنّ الاَشاعرة أكثر تعقّلاً من السوفسطائيين، ولذلك لما واجهوا أدلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وأدركوا بوجدانهم أنّ الاِنكار المطلق أشبه بإنكار البديهيات، حاولوا أن يبتكروا معاني متعددة للحسن والقبح أو ملاكات لهما، فسلّموا التحسين والتقبيح في بعض المعاني و الملاكات دون بعض، وقد جعلوا من بعض معانيه إدراك العقل استحقاق الفاعل الثواب والعقاب فأنكروه مع أنّه لا صلة له بالبحث أبداً.

وهوَلاء وإن رفعوا راية الاِنكار ولكنّهم تراجعوا عنها، وقد سبق منّا نقل كلام الفاضل القوشجي: انّ الحسن والقبح بمعنى كون فعل كمالاً كالعلم، وكون فعل آخر نقصاً كالجهل مما يدركه العقل، كما أنّ اشتمال الفعل على المصلحة كالعدل، أو المفسدة كالظلم ممّا يدركه العقل أيضاً، ثمّ أضاف معنى ثالثاً، وقال:

ملائمة الفعل لغرض الفاعل ومنافرته غرضه كما في قتل زيد، فانّه يوَمّن


(62)

غرض الاَعداء ولا ينافي غرض أوليائه. (1)

فالحسن والقبح بهذه المعاني أو الملاكات اعترف به الاَشاعرة.

وهذه الاَُمور الثلاثة التي اعترفت بها الاَشاعرة خارجة عن مصب البحث، لكنّهم اخترعوا للحسن والقبح معنى رابعاً وهو تعلّق مدحه تعالى وثوابه، أو ذمّه وعقابه، فما تعلّق به مدحه في العاجل وثوابه في الآجل يسمّى حسناً، وما تعلّق به ذمّه تعالى في العاجل وعقابه في الآجل يسمّى قبيحاً، وما لا يتعلّق به شيء منهما فهو خارج عنهما، فقالوا: هو عندنا شرعي، لاَنّ الاَفعال كلّها سواء، ليس شيء منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه ولا ذم فاعله وعقابه، وإنّما صارت كذلك بسبب أمر الشارع بها ونهيه عنها. (2)

وهذه المحاولة منهم نوع رجوع عن الاِنكار المطلق، ومغالطة في تحرير محل النزاع، وليس هو إلاّ نفس الفعل بما هو هو سواء أكان صادراً من الواجب أم من الممكن، فالنزاع في أنّ العقل هل يدرك حسنه أو قبحه، سواء أتعلَّق به مدح في العاجل وثواب في الآجل أو لا ، وسواء كان هناك ثواب أو عقاب.

إذا عرفت ذلك فنقول: ظهر ممّا ذكرنا أنّ للحسن والقبح معنى وملاكاً واحداً، وهو كون نفس الشيء مدركاً للعقل حسنه أو قبحه، والملاك كونه ملائماً لفطرته ووجدانه، أو منافياً.

وبعبارة أُخرى: إذا كان ملائماً للبعد العلوي منه أو منافراً معه، وعلى ذلك فلو لم يكن هناك إنسان، ولم يكن له بعد علوي أو ملكوتي لما صحّ الحكم بحسن الاَفعال وقبحها، فالمصحح هو ملائمته ومنافرته معه، فعند المقايسة والمطابقة يوصف بأحد الشيئين.


(1)شرح التجريد للفاضل القوشجي: 441، نقل بتوضيح منّا.

(2)المصدر نفسه:441.

(63)

وبذلك يعلم أنّ ما ربّما يقال من أنّ الحسن والقبح واقعيتان يدركهما العقل، كلام مجمل، فإن أرادوا بذلك أنّ العقل بنفسه يكشف عن واقعية وراء واقعيتهما في الخارج، مع قطع النظر عن الاِنسان ودركه ومطابقته للبعد العلوي منه، فهو أمر مقطوع البطلان، إذ ليس للحسن والقبح مطابَق ومصداق خارجي.

وإن أرادوا أنّ الاِنسان عند تطبيق الاَفعال على البعد العلوي و الواقعية الاِنسانية يجد في صميم ذاته الملائمة والمنافرة، فهذا أمر صحيح كما ذكرناه غير مرة.

إذا علمت ذلك فلنتناول أدلة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليين.

الدليل الاَوّل: لو كانا بديهيين لما اختلف فيه اثنان

لوكان العلم بحسن بعض الاَفعال وقبحها ضرورياً لما وقع التفاوت بينه وبين العلم بزيادة الكل على الجزء، والتالي باطل بالوجدان، لوقوع الاختلاف بين العلمين، وانّ العلم بزيادة الكل على الجزء أوضح وأبين من التحسين والتقبيح، فالمقدّم مثله، لاَنّ العلوم الضرورية لا تتفاوت.

وأجاب عنه المحقّق الطوسي، بجواز التفاوت في العلوم لا سيما في تصوراتها، وأوضحه العلاّمة الحلي، بأنّ العلوم الضرورية قد تختلف تبعاً لاختلاف التصوّرات.

أقول: إنّ دليلهم هذا ردّ الدليل الاَوّل للمثبتين، حيث قالوا: إنّ الحسن والقبح من البديهيات العقلية، فردّت الاَشاعرة عليهم بوجود فوارق بين سائر البديهيات وهذا النوع من الاِدراك.

والجواب ما ذكره المحقّق الطوسي بإيضاح منّا، وهو: انّ القضايا اليقينية في القياس تتمتَّع بالبداهة وهي ستة: الاَوّليات، المشاهدات،التجربيات، الحدسيات،


(64)

المتواترات، الفطريات. ومن الواضح وجود التفاوت بين أقسامها، فأين قولنا: الكلّ أعظم من الجزء، من قولنا: نور القمر مستفاد من الشمس؟! فالاَوّل من الاَوّليات، والثاني من الحدسيات، وبذلك يظهر انّ وجود التفاوت لا يضر بالبداهة.

وأمّا سبب التفاوت فيرجع غالباً إلى وجود الاختلاف بين تصور مفرداتها، مثلاً كلّ ممكن يحتاج إلى علة، حكم بديهي، ومع ذلك فقولنا: الكل أعظم من الجزء، أيضاً بديهي، وسبب الاختلاف يرجع إلى ظهور مفردات الثاني دون الاَوّل، فأين الاِمكان والحاجة والعلّة من الظهور إلى الكلّ والجزء والعظم، فاختلاف المفردات من حيث الظهور والخفاء يورث ظهوراً وخفاءً في المركب أيضاً.

أضف إلى ذلك، أنّ قصارى ما يثبته الدليل انّها ليست من الاَُمور البديهية لا أنّها ليست من الاَُمور العقلية.

ثمّ إنّ الشيخ المظفر أجاب عن الاِشكال بوجه آخر بقوله:

إنّ قضية الحسن والقبح ـ كما قلنا ـ من المشهورات، وقضية أنّ الكلّ أعظم من الجزء، من الاَوّليات اليقينيات، فلا ملازمة بينهما، وليس هما من باب واحد حتى يلزم من كون القضية الاَُولى ممّا يحكم به العقل ألاّ يكون فرق بينها و بين القضية الثانية، وينبغي أن نذكر جميع الفروق بين المشهورات هذه وبين الاَوّليات، فيكون أكثر وضوحاً بطلان قياس إحداهما على الاَُخرى وذكر فروقاً، نذكر منها اثنين:

أ. انّ الحاكم في قضايا التأديبات، العقل العملي، والحاكم في الاَوّليات العقل النظري.

ب. انّ القضية التأديبية لا واقع لها إلاّ تطابق آراء العقلاء، و الاَوّليات لها


(65)

واقع خارجي. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بما ذكرنا في الفصل السابع من أنّ حسن العدل وقبح الظلم ليسا من القضايا التي لا واقعية لها إلاّ الشهرة كما زعم، بل لها واقعية، لكن بالمعنى الذي عرفت من أنّ الاِنسان إذا عرض القضيتين على البعد الملكوتي يجد بينهما كمال الملائمة والمنافرة فيرغب إلى إحداهما وينزجر عن الاَُخرى.

كما وقفت أيضاً على أنّالعقل النظري والعملي ليسا إلاّ مظاهر لقوة واحدة، وإنّما الاختلاف فيما يدرك كما أوضحناه سابقاً.

وثانياً: أنّ كلام المستدل ناظر إلى ردّ الدليل الاَوّل للمثبتين، وانّه لو كان الحسن والقبح من الاَُمور البديهية يجب أن يقعا في عداد سائر البديهيات دون أي اختلاف.

فالاِجابة عنه من خلال بيان الفوارق بين القضايا ـ كما عرفت ـ نوع تسليم للاِشكال و ترسيخ له .

الدليل الثاني: الكذب النافع ليس بقبيح

لو كان الكذب قبيحاً، لكان الكذب المفضي إلى تخليص النبي من يد ظالم قبيحاً أيضاً، والتالي باطل، لاَنّه يحسن تخليص النبي من يد أعدائه، فالمقدم مثله.

هذا حسب تقرير العلاّمة الحلّي، وقرّره الفاضل القوشجي بنحو آخر، وهو: لو كانا عقليين لما حسن القبيح و لما قبح الحسن، والتالي باطل، فانّ الكذب قد يحسن والصدق قد يقبح إذا تضمن الكذب انقاذ نبي من الهلاك،والصدق إهلاكه.(2)


(1)أُصول الفقه :1|231.

(2)شرح التجريد: 442.

(66)

والجواب: انّ في المقام أمرين قبيحين:

1. تعريض النبي للهلاك، وهو قبيح.

2. الكذب والاِغراء بالجهل، وهو أيضاً قبيح.

ولكن يختار الثاني، لاَنّه أقل قبحاً من الاَوّل، لما فيه من نجاة النبي وإنقاذه، فالكذب في جميع الحالات قبيح، لكن عند التعارض مع ما هو أقبح، يأخذ الاِنسان بأقلّ القبيحين بحكم العقل.

يقول الفاضل القوشجي: إنّ الكذب في الصورة الاَُولى باق على قبحه، إلاّ أنّ ترك إنقاذ النبي أقبح منه فيلزم ارتكاب أقل القبيحين تخلصاً من ارتكاب الاَقبح، على أنّه لا ضرورة للكذب، إذ يمكن التخلص من الكذب بالتعريض (التورية) ولهذا قيل إنّ في التعاريض لمندوحة. (1)

إجابة أُخرى

ويمكن الجواب عن الاستدلال بشكل آخر، وهو انّ الاَفعال على أقسام:

الاَوّل: أن يكون الفعل علة تامة للحسن أو القبح، بحيث لا ينفكان عن الفعل في زمان من الاَزمنة، وهذا كحسن العدل وقبح الظلم.

الثاني: ما يكون مقتضياً للحسن والقبح، أي أن يكون فيه أرضية صالحة لواحد منهما لا علة تامة، على وجه لو لم يكن هناك مانع عن التأثير لاَثر المقتضي، وهذا كتكريم الصديق، فانّه بما هوهو، مقتض للحسن، ولكن ليس علة تامة له، كما إذا كان تكريمه سبباً لاِهانة الغير.


(1)شرح التجريد:442.

(67)

الثالث: ما لا يكون علة ولا مقتضياً للحسن والقبح، وإنّما يوصف بأحدهما لاَجل طروء عناوين مختلفة عليه، وهذا كضرب اليتيم، فهو ليس بحسن ولا قبيح، إلاّ أنّه حسن إذا كان بعنوان التأديب وقبيح إذا كان بعنوان الانتقام والتشفّي.

وعلى ذلك فيظهر الجواب على الكذب النافع والصدق الضار، إذ ليس الصدق والكذب بالنسبة إليهما إلاّ مقتضياً على وجه لولا المانع لاَثَّرا. والمفروض اقترانه بالمانع، بل يمكن عدّهما من القسم الثالث فلا يوصفان بأحدهما مع طروء عنوان القبيح على الصدق، وطروء عنوان الحسن على الكذب.

يلاحظ عليه: أنّ الصدق وإن كان ربّما يوصف بالقبح إذا كان متضمناً لهلاك النبي، أو الكذب يوصف بالحسن إذا كان متضمناً لاِنقاذه، لكن هذا ليس بمعنى تبدل حسن الصدق إلى القبح، وقبح الكذب إلى الحسن، بل معناه أنّ هناك عناوين تطرأ على فعل الاِنسان، كإنقاذ النبي عند الكذب، وهلاكه عند الصدق، فتنبثق مسألة أُخرى وهي تقديم الاَصلح والاَهم من الاَمرين على غيرهما. فالاِنسان مكلف بحكمين:

أ. صيانة النبي وإنقاذه، وهو أمر حسن.

ب. حرمة الكذب، وهو أمر قبيح.

ولا يمكن التوفيق بينهما، لاَنّ العقل يحكم بانتخاب الاَهم منها، وليس هو إلاّإنقاذ النبي وإن استلزم الكذب.

فعلى ضوء هذا الجواب فحسن الاَفعال وقبحها ثابتان غير زائلين، غير أنّ التزاحم دفع العقل إلى انتخاب الاَهم والاَصلح وتقديمها على الراجح والمهم، ونفس هذا التقديم عين العدل، لاَنّه من قبيل وضع الشيء، في محله.


(68)

الدليل الثالث: إذا وعد بالكذب

لو قال الاِنسان لاَكذبنّ غداً، فإن حسن منه الصدق بإيفاء الوعد، لزم حسن الكذب، وإن قبح كان الصدق قبيحاً فيحسن الكذب.

توضيح الاستدلال: انّه إذا قال الاِنسان: لاَكذبنَّ غداً، يلزم حسن أحد الكذبين، لاَنّه إن حسن العمل بوعده يجب عليه أن يكذب غداً، فيكون هذا الكذب المحقق للعمل بالوعد الحسن، حسناً أيضاً.

وإن قبـح العمل بالوعد، وبالتالي يلـزم عليه ـ إن أخبـر ـ أن يخبر خبراً صادقاً، فما أخبر به و إن كان بذاته صادقاً لكنّه بالقياس إلى ما وعد به، كاذب والمخاطب يتصوّر أنّه خبر كاذب، وإنّما يكون صادقاً لو أخبر بخبر كاذب لا ما إذا أخبر بخبر صادق، ولو أخبر عن صدق يعدّ كاذباً بالنسبة إلى ما وعد.

ومراده من الصدق هو الاِخبار عن كذب، كما أنّمراده من الكذب هو الاِخبار عن صدق، الذي يعُدُّ بالنسبة إلى ما وعد خبراً كاذباً.

وقد أجاب العلاّمة الحلي عن الاستدلال الذي هو أشبه باللغز من الدليل، بقوله: بأنّه يجب عليه ترك الكذب في غد، لاَنّه إذا كذب في الغد فعل شيئاً فيه جهتا قبح وهو العزم على الكذب وفعله، ووجهاً واحداً من وجوه الحسن وهو الصدق، وإذا ترك الكذب يكون قد ترك ثمة العزم والكذب وهما وجها حسن، وفَعَل وجهاً واحداً من وجوه القبح وهو الكذب. (1)

هذا والصحيح أن يقال: إنّ هناك أمرين:

الاَوّل: العمل بالوعد وهو حسن.

الثاني: انّ العمل بالوعد الحسن يتحقق في المقام في ضمن الكذب وهو أمر قبيح.


(1)كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 61.

(69)

ولكن المغالطة تكمن في الاَمر الاَوّل، إذ لا نسلم حسن العمل بالوفاء على وجه الاِطلاق، وإنّما هو حسن إذا كان المتعلّق أمراً حسناً لا قبيحاً، فلو وعد إنسان أن يقتل آخر فليس الاِيعاد أمراً حسناً يجب تنفيذه بل هو قبيح، فالاستدلال من الوهن بمكان.

والعجب من هوَلاء حيث حاولوا إثبات قاعدة كلية على أمر لا أساس له من الصحة، فبدل أن يكرّسوا جهودهم إلى دراسة نفس القضايا وعلاقاتها وما يحكم به العقل والعقلاء حاولوا إثبات ما اختاروه بهذا المثال الذي لا يعرف كنهه إلاّ بعد بذل عناء كبير . وأعجب منه ما ذكره التفتازاني في نظير المقام، وقال: هذه مغلطة تحيّر في حلها عقول العقلاء، وفحول الاَذكياء، ولهذا أسميتها مغلطة جذر الاَصم، ولقد تصفحت الاَقاويل فلم أظفر بما يروي الغليل. (1)

الدليل الرابع: التحسين والتقبيح العقليان، فرضُ تكليفٍ على اللّه سبحانه

هذا الدليل الذي نذكره هو أكثر تداولاً على ألسنة السُّذَّج من الناس الذين ينكرون قابلية العقل على إدراك الحسن والقبح، حيث يقولون: بأنّ القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين يوجبون على اللّه ما يوجبون على العبد، ويحرِّمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد، ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته. (2)

والجواب: أوّلاً: أنّ المستدل ـ على فرض صحّة استدلاله ـ خلط بين المسألتين:

أ. مسألة قابلية العقل على درك الحسن والقبح.


(1)شرح المقاصد: 2|150، طبع آستانة .

(2)التبصير في الدين: 153؛ ولاحظ مجموعة الرسائل الكبرى:1|333، الرسالة الثامنة.

(70)

ب. مسألة الملازمة بين درك العقل حسن الفعل وقبحه، وبين حكم الشرع.

فالكلام إنّما هو في المسألة الاَُولى لا في المسألة الثانية، التي يبحث فيها عن الملازمة بين الحكمين: العقلي والشرعي.

فهناك من يوافق المسألة الاَُولى، وفي الوقت نفسه ينفي الملازمة وإن كان الحقّخلافه

ثانياً: أنّ المستدل خلط بين فرض التكليف على اللّه وكشف ما عنده من الحُكْم من خلال صفاته وكماله، فالقائل بالملازمة لا يفرض التكليف على اللّه، ويقول: أين التراب ورب الاَرباب، لكن هذا لا يمنع من أن نستكشف ما عنده من الاَحكام من خلال دراسة صفاته الكمالية، فهو بما انّه عادل، لا يجور، وحكيم لا يعبث، وعالم، لا يجهل، نستكشف الاَحكام اللائقة به حسب صفاته فالتكاليف المخوَّلة إليه من قبيل التكاليف التي فرضتها عليه حكمته وعدله وعلمه. فلو قلنا لا يجوز على اللّه سبحانه تعذيب البريء أو أخذه بذنب المجرم، لا نعني انّا نفرض هذا التكليف عليه، وانّه يجب أن يقوم به، وإنّما يراد أنّلازم صفاته الكمالية هو أن لا يفعل ذلك.

وهذا نظير ما يقوم به العلماء من كشف أسرار الطبيعة وقوانينها، فلو قال القائل: بأنّ زوايا المثلث تساوي قائمتين، وهذا لا يعني إلاّ أنّه في الواقع كذلك، لا انّه يجب أن يكون كذلك لاَجل حكمه به.

فإذا كان النظام السائد على الكون نظاماً مبنياً على العلم والعدل والحكمة فلازم ذلك أن لا يوَخذ البريء بذنب المجرم، فكشف هذا الحكم نظير كشف القوانين السائدة على الكون في العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية.


(71)

وفي كلام بعض الاَشاعرة إلماع لما ذكرنا، يقول النسفي (المتوفّى537هـ): وفي إرسال الرسل، حكمة.

ويقول التفتازاني (المتوفّى791هـ) في شرحه على العقائد: أي مصلحة وعاقبة حميدة. وفي هذا إشارة إلى أنّ الاِرسال واجب لا بمعنى الوجوب على اللّه تعالى، بل بمعنى أنّ قضية الحكمة تقتضيه لما فيه من الحكم والمصالح وليس بممتنع. (1)

وكلامه هذا نفس ما ذكرناه، وهذا دليل على أنّ الاَشاعرة قد أظهروا نوعاً من المرونة للعدلية عبْـر الزمان.

الدليل الخامس: التحسين والتقبيح لا يجتمعان مع الجبر

إنّ الاَشاعرة لما اختاروا كون الاِنسان مجبوراً في أعماله، وانّفعله ليس فعله، بل فعله سبحانه عند تعلّق إرادة العبد، رتّبوا على هذا الاَصل امتناع القول بالتحسين والتقبيح العقليين وقرّروه بوجوه:

1. قرّره فخر الدين الرازي(المتوفّى680هـ) بقوله: لو قبح الشيء لقبح إمّا من اللّه أو من العبد، والقسمان باطلان، فالقول بالقبح باطل، إمّا انّه لا يقبح من اللّه فمتفق عليه، وإمّا انّه لا يقبح من العبد، فلاَنّ ما صدر عنه [إنّما هو] على سبيل الاضطرار، لما بينا من أنّه يستحيل صدور الفعل عنه إلاّ إذا أحدث اللّه فيه الداعي إلى ذلك الفعل، ومتى أحدث اللّه الداعي فيه إليه كان الفعل واجباً، وبالاتفاق لا يقبح من المضطر شيء. (2)


(1)شرح العقائد النسفية:164.

(2)الاَربعون: 246.

(72)

2. نقل عن سعد الدين التفتازاني (المتوفّى791هـ) في شرح المقاصد انّه قرّر الدليل بالنحو التالي:

العبد لا يستقل بفعله لما سبق وعندهم لا مدح ولا ذم من اللّه تعالى إلاّعلى ما يستقل العبد به.

3. يقول الفاضل القوشجي(المتوفّى879هـ): لو كان الحسن والقبح بالعقل لماكان شيء من أفعال العباد حسناً ولا قبيحاً عقلاً، واللازم باطل باعترافكم.

وجه اللزوم انّ العبد مجبور في أفعاله ولا شيء من أفعال المجبور بحسن ولا قبيح عقلاً. (1)

وقبل أن أتناول بالبحث دليل قولهم بالجبر، يحسن أن نشير إلى نكتة مهمة ألْفَتَ إليها القوشجي وهي انّلازم قول الاَشاعـرة ـ بأنّ الاِنسان مجبور في فعله مضطر في عمله، و ليس له إلاّ سلوك الطريق الذي اختـاره ـ هو عبثية إرسال الرسل وإنزال الكتب، بل كافة التعاليم السماوية والوضعية.

إنّ مسألة الجبر وسلب الاختيار عن الاِنسان أكثر غموضاً وإبهاماً من مسألة التحسين والتقبيح العقليين، فكيف أخذوا الاَُولى أساساً للمسألة الثانية، مع أنّ الاَُسلوب الصحيح هو استنتاج الخفي من الواضح لا استنتاج الخفي من الاَخفى؟!

إذا عرفت ذلك فلنذكر ما أقاموه من دليل على جبر الاِنسان في أفعاله، فقد ذكره الفاضل القوشجي بعبارة موجزة نشرحها بعد نقلها:


(1)شرح التجريد:442.

(73)

إن ّالعبد إن لم يتمكن من الترك فذاك (الجبر)، وإن تمكن و إن لم يتوقف فعله على مرجح بل صدر عنه تارة ولم يصدر عنه أُخرى بلا تجدد أمر، لزم الترجيح بلا مرجح وانسدَّ باب إثبات الصانع، وإن توقف، فذلك المرجح إن لم يجب معه الفعل بل صحّ الصدور واللا صدور عاد الترديد، وإن وجب فالفعل اضطراري والعبد مجبور. (1)

وحاصل الدليل يتلخص في أُمور:

الاَوّل: انّ الفعل يكون أمراً ضرورياً ويمتنع عليه العدم حينما تتعلق به الاِرادة، وهذا هو القول بالجبر فيترتب عليه امتناع وصف الفعل بالحسن أو القبح.

الثاني: لو قلنا بأنّ تعلّق الاِرادة بالفعل لا يُضفي عليه وصف الضرورة، وتكون نسبة الوجود والعدم إلى الفعل على حد سواء، ومع ذلك يتحقق الفعل ويطرد العدم عن نفسه، فهذا يستلزم إنكاراً لمبدأ العلية، ومع إنكاره ينسد باب إثبات الصانع.

الثالث: انّ الفعل يتحقق في ظل المرجح الذي يضفي عليه وصف الضرورة ويجعل العدم ممتنعاً، فهذا هو عين الجبر.

الرابع: نفس تلك الصورة، ولكن المرجح لا يضفي على الفعل وصف الوجوب وامتناع العدم، وعندئذٍ يعود السوَال إذا كانت النسبتان إلى الشيء على حد سواء، فكيف تحقق، إن هذا إلاّ عبارة أُخرى عن إنكار قانون العلية؟

الخامس: لو كان المرجح الاَوّل غير مفيض وجوبَ الفعل، ولكن علّة


(1)شرح التجريد:443.

(74)

ترجُّح الفعل على العدم، وجود مرجح ثان فيتوجه إليه الاِشكال السابق، وهو انّ نسبة الفعل بعد المرجح الثاني لم تتغير فكيف ترجح العلَّةُ جانب الوجود على العدم؟ وإن علل بمرجح ثالث ورابع فذلك هو التسلسل بعينه.

نعلّق على الاستدلال بالقول: نختار الشق الاَوّل، وانّ الفعل بعد تعلّق الاِرادة به يكون ضروري الوجود امتناعي العدم، ولكن ذلك لا يلازم سلب الاختيار عن الاِنسان، فهنا أمران:

أ. انّتعلق الاِرادة بالفعل يضفي عليه وصف الضرورة والوجوب وامتناع العدم.

ب. انّ هذه الضرورة التي يكتسبها الفعل من جانب الفاعل المختار لا يخرج الفعل عن الاختيار.

أمّا الاَوّل فلقاعدة الشيء ما لم يجب لم يوجد. توضيحها:

إنّ وجود الشيء رهن سدّ باب العدم على وجهه بالقطع والبت، حتى يكون وجوده على نحو الوجوب ولكي ينقطع السوَال لماذا وجد ولم ينعدم.

فلنفترض انّ هناك فعلاً له علة ذات أجزاء خمسة، فلا يتحقق ذلك الفعل إلاّ بسدّ جميع أبواب العدم عليه من خلال إيجاد أجزاء علته مجتمعة، فعند ذاك يوصف الفعل بضرورة الوجود، فإن لم يوصف بضرورة الوجود ولم يتحقق المعلول، والحال هذه، يتوجّه السوَال إلى ما هو السبب في عدم تحقّقه مع فرض وجود جميع أجزاء علّته؟

وأمّا الثاني فلاَنّ الفعل وإن اكتسب وصف الضرورة لكنّها لم تكن نابعة من صميم ذاته وجوهره، وإنّما أفاضها عليه الفاعل المختار، فهو باختياره أضفى على الفعل وصف الوجوب وطرد عنه العدم، فالفاعل هنا فاعل موجب (بالكسر) أي معطي الضرورة للفعل من جانب نفسه، لا فاعل موجب (بالفتح) أي من فرض عليه الاِيجاب من جانب آخر.


(75)

الدوافع من وراء إنكار التحسين والتقبيح العقليين

إنّ التحسين والتقبيح العقليين من المسائل الواضحة لدى العقل والعقلاء والتي لا تحتاج إلى مزيد بيان، ومن أنكرهما فإنّما ينكرهما بلسانه دون قلبه، وعلى الرغم من ذلك نرى وجود فئة كبيرة من المتكلمين ـ كالاَشاعرة ـ غلب عليهم إنكار هذا الاَصل، فما هو الدافع الذي جرّهم إلى إنكاره؟

أقول: إنّ الدافع من وراء إنكار الحسن والقبح في أفعاله سبحانه غير الدافع الذي جرّهم إلى إنكارهما في أفعال الاِنسان.

فالدافع في الاَوّل هو زعمهم المنافاة بين القول بهما و بين وصفه سبحانه بالمالك المطلق والسلطان بلا منازع الذي له أن يتصرف في ملكه كيف ما شاء حتى لو جازى الاِحسان بالسوء.

وأمّا الثاني فلاَنّ الدافع إلى إنكارهما في أفعال الاِنسان هو قولهم بالجبر في أفعاله وانّ الاِنسان مضطر في فعله لا محيص له عن ارتكابه، ومع ذلك كيف يمكن أن يوصف فعله بالحسن و القبح؟!

يقول المحقّق الخراساني (المتوفّى1329هـ) في هذا الصدد:

وإنّما أنكر الاَشاعرة الحسن والقبح العقليين مطلقاً، أو في أفعاله تعالى فلبنائهم انّه تعالى كلّما فعل صدر منه في محله، لاَنّه مالك الخلق كلّه، فلو أثاب العاصي وعاقب المطيع لم يأت بقبيح، لاَنّه تصرّف في فلكه وهو لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون.

وأمّا في أفعال العباد، فلبنائهم على عدم صدور الاَفعال منهم بالاختيار، بل بالجبر والاضطرار، ولا شيء من أفعال المجبور بحسن ولا قبيح.


(76)

وكلا البناءين باطلان، لاَنّ علمه واستغناءه تعالى يمنع عن صدور ما لا يكون جهات كماله وخيره غالباً على جهات نقصه وشره، وصدورها معها على سبيل الوجوب لا ينافي الاختيار وإلاّلم يكن بالاختيار أصلاً ولو منه تعالى كما لا يخفى. (1)

الدليل السادس: جواز التكليف بما لا يطاق شرعاً

اعتمد الرازي في إنكاره للحسن والقبح العقليين على أنّ التكليف بما لا يطاق قبيح عقلاً عند العدلية مع أنّ الشرع أمر به، قال: إنّمن صور النزاع قبح تكليف مالا يطاق، فنقول:

1. لو كان قبيحاً لما فعله اللّه تعالى، وقد فعله بدليل أنّه كلف الكافر بالاِيمان، مع علمه بأنّه لا يوَمن وعلمه بأنّه متى كان كذلك كان الاِيمان منه محالاً.

2. لاَنّه كلّف أبا لهب بالاِيمان، ومن الاِيمان تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه، وممّا أخبر عنه أنّه لا يوَمن، فقد كلّفه بأن يوَمن بأنّه لا يوَمن، وهو تكليف الجمع بين الضدين. (2)

يلاحظ عليه: أنّ الرازي تصور انّه قد وقف على دليل حاسم في المقام، فاستدل بما ذكرته المجبرة قبله بقرون وأجابت عنه العدلية بوجوه، وقال الرازي في بعض كلماته: لو اجتمعت جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلاّ بالتزام مذهب هشام وهو انّه تعالى لا يعلم الاَشياء قبل وقوعها. (3)

أقول: إنّ ما نسبه إلى هشام بن الحكم فرية عليه كما أوضحناه في محله (4)، وأمّا الاِجابة عن الدليلين الاَوّلين فلاَنّ علمه الاَزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل من


(1) درر الفوائد في شرح الفرائد: 339.

(2)المحصل: 153، ط دارالفكر؛ نقد المحصل: 339، ط طهران.

(3)شرح المواقف: 8|155.

(4)لب الاَثر في الجبر والقدر:150.

(77)

فاعله على وجه الاِطلاق، بل تعلّق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسب الخصوصيات المتوفرة فيه.

وعلى ضوء ذلك تعلّق علمه الاَزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور، كما تعلّق علمه الاَزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الاِنسان عن اختيار منه، فتعلّق علمه بوجود الاِنسان وصدور فعله عنه اختياراً ـ فمثل هذا العلم ـ يوَكِّد الاختيار ويدفع الجبر عن ساحة الاِنسان.

وإن شئت قلت: إنّ العلة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالاِنسان، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية، فلو صدر فعل الاِنسان منه بهذه الكيفية لكان علمه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه، وأمّا لو صدر فعله منه عن جبر واضطرار بلا علم وشعور، أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.

وأمّا الجواب على الدليل الثالث فحاصله: انّ أبا لهب مكلّف بالاِيمان لكونه أمراً اختيارياً له، وأمّا الاِخبار بعدم إيمانه فقد نزل به الوحي بعدما ختم اللّه على قلبه، وبالتالي لا يكون مكلّفاً بما جاء في القرآن من أنّه لا يوَمن.

الدليل السابع: تصور الصدق لا يلازم تصور الحُسن

ربما يتصور انّه لو كان الحسن والقبح ذاتيين لزم تصورهما عند تصور موضوعهما، كالصدق والكذب مع أنّا ربما نتصور الصدق والكذب ونحقّق ماهيتهما ولا يخطر ببالنا حسن الاَوّل وقبح الثاني، وهذا هو الذي جعله الشهرستاني أساساً لاِنكار الحسن والقبح العقليين، قال: والذي يوضحه انّ الصدق والكذب على حقيقة ذاتية لا تتحقق ذاتهما إلاّ بأن كانت تلك الحقيقة مثلاً، كما يقال انّ الصدق إخبار عن أمر على ما هو به، والكذب إخبار عن أمر على خلاف ما


(78)

هو به، ونحن نعلم أنّ من أدرك هذه الحقيقة عرف التحقّق ولم يخطر بباله كونه حسناً أو قبيحاً، فلم يدخل الحسن والقبيح إذاً في صفاتهما الذاتية التي تحقّقت حقيقتهما ولا لزمتهما في الوهم بالبديهة. (1)

يلاحظ عليه: بما مرّ من أنّ المراد من الذاتي ليس هو الذاتي المصطلح عليه في باب الاِيساغوجي الذي يكون فيه إمّا جنساً للشيء أو فصلاً كالحيوان أو الناطق بالنسبة إلى الاِنسان، وإنّما المراد من الذاتي هنا ما يُشبه الذاتي بباب البرهان، وإن كان يفارقه من جهة كما أشرنا إليه سابقاً، والمراد انّ الاِنسان إذا عرض العدل والظلم على البعد الروحاني والبعد الملكوتي من نفسه يجد فيه تمايلاً ورغبة في العدل و تنفراً من الكذب على وجه يستحسن ذوقه العدل ويقبح الظلم.

نعم تسمية هذا بالذاتي بباب البرهان لاَجل الاِيضاح.

الدليل الثامن: الاستدلال بالدليل النقلي

ما اعتمد عليه العضدي في مواقفه والجرجاني في شرحه، قال الاَوّل: من السمع قوله تعالى: (وَما كُنّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) .

وقال الثاني في شرحه: لو حسن الفعل أو قبح عقلاً لزم تعذيب تارك الواجب ومرتكب الحرام سواء ورد في الشرع أو لا، بناء على أصلهم من وجوب تعذيب من استحق إذا مات غير تائب، واللازم باطل لقوله تعالى: (وَما كُنّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) . (2)

وحاصل الاستدلال: انّه لو كان العقل كافياً للتحسين والتقبيح، وفي التالي في التثويب والتعذيب، لزم أن يقول في قوله سبحانه :(رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرِينَ


(1)نهاية الاقدام:372.

(2)شرح المقاصد: 4|284.

(79)

لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِعَلى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل) . (1)

أن يقول: بعد العقل مع أنّه قال بعد الرسل.

نعلّق عليه: انّ المستدل تصور انّ العقل دواء كلّ داء، وانّه له القابلية على تحديد الواجبات والمحرمات بشرائطها وخصوصياتها، فعند ذلك يكفي حكم العقل بالحسن والقبح، ولكنّه غفل عن أنّ العقل حجّة فيما يستقل به من الواجبات والمحرمات، وهذا كوجوب شكر المنعم ولزوم النظر في معجزة المدعي.

وأمّا ما وراء ذلك الذي أوصد في وجه العقل بابها فالمرجع هو الشرع، والآية ناظرة إلى الاَحكام والموضوعات التي بيد الشارع حكمها وبيانها، وأمّا ماوراء ذلك فالعقل هو المحكم.

الدليل التاسع:

انّ للآمدي ـ الذي هو من وجوه الاَشاعرة ـ بحثاً ضافياً حول الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين يدور على محاور ثلاثة:

المحور الاَوّل: تفسير الحسن والقبح بمعانيه الثلاثة.

المحور الثاني:إقامة الاَدلة على مذهبه من أنّهما شرعيين.

المحور الثالث: نقد أدلة العدلية القائلين بكونهما عقليين.

وإليك نصّ كلامه حيث يقول: إنّ الحسن والقبح عندهم باعتبارات ثلاثة إضافية غير حقيقية:

أوّلها: إطلاق اسم الحسن على ما وافق الغرض، والقبح على ما خالفه، وليس ذلك ذاتياً، لاختلافه وتبدّله بالنسبة إلى اختلاف الاَغراض.

ثانيها: إطلاق اسم الحسن على ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، ويدخل فيه أفعال اللّه والواجبات والمندوبات دون المباحات؛ وإطلاق اسم القبح على ما أمر


(1)النساء:165.

(80)

الشارع بذم فاعله، ويدخل فيه الحرام دون المكروه والمباح، وذلك أيضاً ممّا يختلف باختلاف ورود أمر الشارع في الاَفعال.

ثالثها: إطلاق اسم الحسن على ما لفاعله مع العلم به والقدرة عليه أن يفعله. بمعنى نفي الحرج عنه في فعله. وهو أعمّ من الاعتبار الثاني لدخول المباح فيه. والقبيح في مقابلته، ولا يخفى انّ ذلك أيضاً ممّا يختلف باختلاف الاَحوال فلا يكون ذاتياً؛ وعلى هذا فما كان من أفعال اللّه تعالى بعد ورود الشرع فحسن بالاعتبار الثاني والثالث وقبله بالاعتبار الثالث، وما كان من أفعال العقلاء قبل ورود الشرع فحسنه وقبحه بالاعتبار الاَوّل والثالث وبعده بالاعتبارات الثلاثة. (1)

يلاحظ عليه: ممّا يوَسف له انّ المتكلم الشهير الذاب عن منهج الاَشاعرة ضلّ في الطريق، وجعل موضع النزاع أُموراً واعتبارات ليس لها مساس بمصب النزاع.

إنّ هذه المعاني أو هذه الاعتبارات ـ حسب تعبيره ـ خارجة عن محل النزاع، لاَنّ مصبه هو تجرد الفعل عن جميع الاَغراض والدواعي، ومع قطع النظر عن كون فاعله ممكناً أو واجباً ممدوحاً أو مذموماً عند العقل، وعلى ذلك فما ذكره من الاعتبارات الثلاثة لا صلة لها بالبحث.

أضف إلى ذلك انّ تبدل الحسن والقبح حسب اختلاف الاَغراض ـ سواء أكان الغرض فردياً أم اجتماعياً ـ خارج عن محلّالنزاع؛ فإنّ قتل المظلوم من قبل أعدائه باعتبار موافقته لغرضهم حسن وعند أخلائه قبيح، وكذلك قتل المجرم عند العقلاء ممدوح وعند أوليائه مذموم.

كلّ ذلك خروج عن طور البحث ومغالطة كبيرة، بل انّ محلّ النزاع عبارة


(1)الاِحكام في أُصول الاحكام: 1|119ـ 120.

(81)

عن النظر إلى نفس الفعل ـ لا باعتبار كونه محصلاً للغرض أو مقيماً للنظام الاجتماعي ـ هل هو موصوف بالحسن أو القبح أو لا ؟

فما ربما يقال انّ العدل الموَمِّن لبقاء النظام حسن والظلم لاَجل سيادة الفوضى قبيح، خلط بين الحسن والقبح العقليين والعقلائيين أو الاجتماعيين، فتعليل الحسن والقبح بالغرض الفردي أو الاَغراض الاجتماعية كلّها خارجة عن دائرة البحث، وقد ذكرنا غير مرّة انّ البحث في الحسن والقبح العقليين مقدمة للتعرف على أفعاله سبحانه من حيث الحسن والقبح، وأفعاله فوق أن يكون لها غرض خاص أو يكون لها غرض في المجتمع.

هذا كلّه حول المحور الاَوّل.

أمّا المحور الثاني: فقد نقل دلائل امام مذهبه وأتباعه على كون الحسن والقبح شرعيين، ثمّ ردّها بحماس واعتمد هو على دليل خاص، وقال:

والمعتمد في ذلك أن يقال لو كان فعل من الاَفعال حسناً أو قبيحاً لذاته، فالمفهوم من كونه قبيحاً وحسناً، ليس هو نفس ذات الفعل، وإلاّ كان منْ عَلِمَ حقيقةَ الفعل، عالماً بحسنه وقبحه. وليس كذلك لجواز أن يعلم حقيقة الفعل ويتوقف العلم بحسنه وقبحه على النظر، كحسن الصدق الضارّ ، وقبح الكذب النافع، وإن كان مفهومه زائداً على مفهوم الفعل الموصوف به، فهو صفة وجودية لاَن نقيضه، وهو لا حسن ولا قبح، صفة للعدم المحض، فكان عدمياً. ويلزم من ذلك كون الحسن والقبح وجودياً وهو قائم بالفعل لكونه صفة له. ويلزم من ذلك قيام العرض بالعرض بالجوهر [و] لا معنى له غير وجوده في حيث الجوهر، تبعاً له فيه و قيام أحد العرضين بالآخر لا معنى له سوى أنّه في حيث العرض الذي قيل انّه قائم به. وحيث ذلك العرض هو حيث الجوهر. فهما في حيث الجوهر


(82)

وقائمان به، ولا معنى لقيام أحدهما بالآخر. وإن كان قيام أحدهما بالآخر مشروطاً بقيام العرض الآخر به. (1)

يلاحظ عليه: أنّالآمدي اشتبه عليه المراد من ذاتية الحسن والقبح للعدل والظلم أو لما مثله من حسن الصدق وقبح الكذب، وزعم انّه ذاتي إمّا بمعنى كون الحسن أو القبح جنساً أو فصلاً للموصوف، فقال: (بأنّ الاِنسان ربما يتصور الفعل ولا يتصور الحسن والقبح، وهذا دليل على خروجهما عن حقيقتهما) مع أنّ القائل بالذاتي لا يعني هذا القسم منه حتى يرد عليه بما ذكر.

كما لا يعني كونه ذاتياً بالمعنى المعروف في باب البرهان حتى يأتي حديث قيام العرض بالعرض، بل المراد من الذاتي هو انّ الاِنسان إذا عرض الموصوف على فطرته لوجد ميلاً إليه من صميم ذاته أو تنفراً عنه، فينتزع منهما الحسن أو القبح. وعلى ذلك فليس الحسن أو القبح عرضاً قائماً بالعدل والظلم كقيام البياض بالعاج ،والسواد بالفحم.

ولعمري، إنّ الاستدلال على نفي كون الحسن أو القبح من الاَُمور الذاتية بهذا النوع الاستدلالي المعقَّد ممّا يوَسف له، فانّ لكلّمسألة مبادىَ ودلائل مسانخة لها، فأين مسألة استطاعة العقل على درك حسن الاَفعال وقبحها من مسألة قيام العرض بالعرض؟!

وأمّا المحور الثالث: فيتلخص ضمن أُمور ثلاثة:

أ. نقل أدلّة القائلين بذاتية الحسن والقبح.

ب. إلزامات القائلين على المنكرين.

ج. جواب الآمدي عن الاستدلال والاِلزام، وإليك نقل استدلالاتهم، فقد


(1) الاِحكام في أُصول الاحكام: 1|119ـ 123.

(83)

ذكر عنهم وجهين:

الاَوّل: اتّفاق العقلاء على حسن الصدق النافع وقبح الكذب المضرّ.

وكذلك حسن الاِيمان وقبح الكفران، وغير ذلك، مع قطع النظر عن كلّحالة تقدر من عرف أو شريعة أو غير ذلك، فكان ذاتياً والعلم به ضروري.

الثاني: انّا نعلم انّه من استوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب وقطع النظر في حقّه عن الاعتقادات والشرائع وغير ذلك من الاَحوال، فانّه يميل إلى الصدق، ويُوَثره وليس ذلك إلاّ لحسنه في نفسه.

وكذلك نعلم أنّ من رأى شخصاً مشرفاً على الهلاك وهو قادر على إنقاذه، فانّه يميل إليه، وإن كان بحيث لا يتوقع في مقابل ذلك حصولَ غرض دنيوي ولا أُخروي، بل ربما كان يتضرر بالتعب والتعني وليس ذلك إلاّلحسنه في ذاته.

ثمّ ذكر إلزامات العدلية، وقال:

وأمّا من جهة الاِلزام، فهو انّه لو كان السمع، وورود الاَمر والنهي، هو مدرك الحسن والقبح، لما فرّق العاقل بين من أحسن إليه وأساء، ولما كان فعل اللّه حسناً قبل ورود السمع، ولجاز من اللّه الاَمر بالمعصية، والنهي عن الطاعة، ولجاز إظهار المعجزة على يد الكذاب، ولامتنع الحكم بقبح الكذب على اللّه تعالى قبل ورود السمع، ولكان الوجوب أيضاً متوقفاً على السمع، ويلزم من ذلك إفحام الرسل من حيث إنّ النبي إذا بعث وادّعى الرسالة، ودعا إلى النظر في معجزته، فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك، ما لم يجب عليّ النظر، ووجوب النظر متوقف على استقرار الشرع بالنظر في معجزتك وهو دور. (1)

إلى هنا تمّ كلامه في بيان استدلالات العدلية وإلزاماتهم، ثمّ شرع هو بنقد


(1) الاِحكام في أُصول الاحكام: 1|124.

(84)

الاَدلّة والاِلزامات.

أمّا الاَدلة فقد كرّر ما سبق منه، من أنّه لو كان الحسن ذاتياً يلزم قيام العرض بالعرض؛ وقد سمعت جوابه وانّه اشتبه عليه المراد من الذاتي إنّما المهم نقل ردّه على إلزامات العدلية.

فقال: أمّا عن المعارضة الاَُولى بمنع إجماع العقلاء على الحسن والقبح فيما ذكروه، فانّ من العقلاء من لا يعتقد ذلك، كبعض الملاحدة، ونحن أيضاً لا نوافق على قبح إيلام البهائم من غير جرم ولا غرض، وهو من صور النزاع وإن كان ذلك متفقاً عليه بين العقلاء. فلا يلزم أن يكون العلم به ضرورياً، وإلاّلما خالف فيه أكثر العقلاء عادة ، وإن كان ذلك معلوماً ضرورة فلا يلزم من أن يكون ذاتياً، إلاّ أن يكون مجرداً عن أمر خارج منه، وهو غير مسلم على ما يأتي. (1)

يلاحظ عليه: أنّ منع إجماع العقلاء على الحسن والقبح مكابرة واضحة، وما نقل عن بعض الملاحدة فإنّما يرجع إنكارهم إلى حسن الاِيمان وقبح الكفر لا إلى حسن العدل، كما أنّ استشهاده بعقيدة الاَشاعرة بأنّهم لا يقبحون إيلام البهائم من غير جرم ولا غرض أشبه بالمصادرة على المطلوب.

واختلاف بعض الناس في بداهة الموضوع لا يضر ببداهة المسألة، فانّ بين الناس من يكابر في أوضح الاَُمور وأبدهها، فلا تنفع موافقته كما لا تضر مخالفته.

ثمّ إنّه أجاب عن المعارضة الثانية، بقوله: إنّه لا يخلو إمّا أن يقال بالتفاوت بين الصدق والكذب ولو بوجه أو لا يقال به، والاَوّل يلزمه إبطال الاستدلال والثاني يمنع معه إيثار أحد الاَمرين دون الآخر. (2)


(1)الاِحكام في أُصول الاحكام:1|125.

(2) الاِحكام في أُصول الاحكام: 1|125.

(85)

أقول: نختار الشقّ الاَوّل وهو انّه يوَثر الصدق على الكذب بمرجح، غير انّ ذلك المرجح لا يوجب خروج الموضوع عن محط البحث، لاَنّ هذا المرجح هو مطابقة للفطرة واستجابته لنداء الوجدان، فهذا هو الذي يدفعه إلى إيثار الصدق على الكذب. لا انّالمرجح هو تأمين الصدق للغرض حتى يقال انّ حسن الفعل الموَمن للغرض خارج عن محط البحث.

إلى هنا تمّت أدلة القائلين والمنكرين، فتبيّن الحقّ بأجلى مظاهره، والحقّ أحق أن يتبع.



(86)

الفصل الحادي عشر

النتائج المترتبة
على مسألة التحسين والتقبيح العقليّين

قد عرفت في صدر الكتاب انّ التحسين والتقبيح العقليين من المسائل الاَساسية التي تترتب عليها ثمرات كثيرة لا سيما في علمي الكلام والاَُصول، وإليك نزراً يسيراً من تلك الثمرات:

1. معرفة اللّه عقلاً

اتّفق المتكلّمون على لزوم معرفة المنعم لكن اختلفوا في وجه لزومه، فقالت العدلية تجب معرفته عقلاً لبعض الوجوه التي نذكرها خلافاً للاَشاعرة حيث قالوا بلزوم معرفة اللّه شرعاً مع أنّه أمر غير معقول إذ كيف تجب معرفته شرعاً مع أنّ الشريعة بعدُ لم تثبت، حتى يثبت وجوب معرفة اللّه، ولذلك ذهبت العدلية إلى أنّ معرفة اللّه واجب عقلاً.

واستدلّوا على ذلك بوجهين:

أ. لزوم شكر المنعم.

لا شكّ انّ حياة الاِنسان رهن النعم التي يعيش فيها، فليس مصدر النعم هو نفسه بل شخص آخر، والعقل يدفع الاِنسانَ إلى شكر من أحسن إليه، ولا يصدر الشكر إلاّ بمعرفته، فينتج وجوب معرفته عقلاً.


(87)

ب. دفع الضرر المحتمل.

إنّاختلاف الناس في مبدأ العالم، وانّه هل هو موجود بنفسه أو موجود قائم بالغير؟

وبعبارة أُخرى: فهل هناك صانع وخالق للكون والاِنسان أو لا ؟هذا من جانب.

ومن جانب آخر يحتمل الاِنسان صدق القائلين بمخلوقية العالم والاِنسان لموجود أعلى ربما تخوّل إليه وظائف من واجبات ومحرمات ويكون في مخالفته مضاعفات، فالعقل يدفع به إلى معرفة الخالق ومعرفة تكاليفه وإلزاماته.

وبهذين الدليلين أثبتوا انّ معرفة اللّه سبحانه عقلي ولولا القول بالحسن والقبح العقليين لما كان ثمة سبيل إلى إثبات وجوب معرفته، لاَنّالمفروض عزل العقل عن درك المعارف وبالاَخص ما يرجع إلى الحسن والقبح.

وقد أشار العلاّمة الحلي ببعض ما ذكرنا، وقال: إنّ معرفة اللّه تعالى واجبة بالعقل، والحقّ انّ وجوب معرفة اللّه تعالى مستفاد من العقل وإن كان السمع قد دلّ عليه، بقوله: فاعلم أنّه لاإله إلاّ اللّه، لاَنّ شكر المنعم واجب بالضرورة، وآثار النعمة علينا ظاهرة، فيجب أن نشكر فاعلها، وإنّما يحصل بمعرفته.

ولاَنّ معرفة اللّه تعالى واقعة للخوف الحاصل من الاختلاف، ودفع الخوف واجب بالضرورة. (1)

2. وصفه بالعدل والحكمة

إنّ وصفه سبحانه بالعدل والحكمة فرع ثبوت التحسين والتقبيح العقليين،


(1)نهج الحقّ وكشف الصدق:51.

(88)

ولولا استقلال العقل بحسن العدل وقبح الظلم لما صحّ وصفه سبحانه بالعدل أو تنزيهه عن الظلم، ونظير ذلك وصفه بكونه حكيماً لا يعبث، لاَنّ الفعل العبث قبيح عقلاً، ومن عزل العقل عن درك التحسين والتقبيح العقليين لما صحّ له إثبات هذين الوصفين، قال العلاّمة الحلي:

والاَصل الذي يتفرّع عليه مسائل العدل معرفة كونه تعالى حكيماً لا يفعل القبيح، ولا يخلُّ بالواجب، فإذا أثبتوه بنوا عليه مسائل العدل من حسن التكليف ووجوب اللطف وغيرهما من المسائل الآتية.

ولما كان هذا الاَصل يتوقف على معرفة الحسن والقبح وانّهما عقليان ابتدأ المصنف بالبحث عن ذلك. (1)

وقال المحقّق اللاهيجي : العدل عبارة عن وصفه سبحانه بالفعل الحسن الجميل وتنزيهه عن الظلم القبيح، فإذا كان التوحيد عبارة عن كمال الواجب ذاتاً وصفة فالعدل كماله في الفعل. (2)

وعلى ذلك فالاَفعال الجميلة آية كماله سبحانه في مقام الفعل، والاَفعال القبيحة آية نقصه في ذلك المجال، فلو كان فعله موصوفاً بالحسن ومنزهاً عن القبح، يوصف بالعدل ويمتنع وصفه بالظلم.

ولاَجل هذه الاَهمية ترى أنّهم يقدمون مسألة التحسين والتقبيح العقليين على البحث عن سائر صفاته.


(1)أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 105.

(2)سرمايهَ ايمان: 57.

(89)

دليل العدلية على نفي صدور القبيح من الواجب

اعتمد المتكلمون على نفي صدور القبيح منه سبحانه على وصفين:

أ. علمه بالحسن والقبح.

ب. غناه وعدم حاجته إلى شيء.

ونحن في حياتنا اليومية نشاهد ذلك بالعيان، فانّ من يرتكب القبيح فإنّما يرتكب لاِحدى جهتين:إمّا لجهله بقبح الفعل، أو لاِحساس الحاجة إليه (وإن كان ربما لا يكون محتاجاً إليه في الواقع) ومن فقد هذين الاَمرين فلا يصدر منه القبيح.

فإذا كان هذا هو السبب الاَساسي لصدور القبيح من الاِنسان، فهذا هو السبب أيضاً في صدوره عن اللّه سبحانه، فإذا كان سبحانه نفس العلم والغنى يمتنع صدور فعل القبيح منه.

ربما يعترض على هذا الاستدلال بأنّ البرهان مبني على قياس أفعاله سبحانه بالاِنسان، وهو انّ فعل الاِنسان رهن وجود غاية عقلية أو خيالية تدفع به إلى القيام بالفعل، مع أنّ فعله سبحانه مجرد عن تلك الغاية الداعية إلى الفعل، لاَنّ تعليل فعله بالغاية يعود إلى كونه محتاجاً والاحتياج آية الاِمكان واللّه هو المنزه عنه.

وقد نقل العلاّمة الحلّي ذلك الاِشكال، وقال: ربما يقال انّا كما لا نفعل القبيح إلاّ عند الجهل أو الحاجة، كذلك لا نفعل الحسن إلاّ عند النفع أو دفع الضرر، ولما استحال ذلك في حقّ اللّه تعالى، بطل قياس الغائب على الشاهد في انتفاء القبيح عنه.

ثمّ أجاب عنه بما هذا لفظه: لا نسلّم انّا إنّما نفعل الحسن للنفع أو دفع


(90)

الضرر بل نفعله لحسنه كما سنرشد الضال وننجي الغريق مع انتفاء كلّغرض سوى الحسن واللّه تعالى إنّما يفعل الحسن لحسنه فانّه لا غرض له في حقّ العالم، والتكليف لهم سوى كونه حسناً. (1)

ومع قطع النظر عمّا ذكره الاَعلام نقول:

إنّ قضاء العقل بحسن الفعل وقبحه إنّما هو بالنظر إلى ذات الفعل بما هوهو مجرّداً عن كلّ شيء سواء أكان الفاعل واجباً أم ممكناً، فاعلاً بالغرض أم غير فاعل بالغرض، محتاجاً إلى الغرض أم غنياً، فهو يدرك نفس الفعل قابلاً للتحسين والتقبيح، ومع ذلك لا يختص قضاوَه بفعل الممكن أو بفعل الواجب، وهذا كإدراك العقل النظري امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما أو امتناع ارتفاع الدور والتسلسل، فكما أنّقضاء العقل غير محدد بزمان أو مكان بفاعل دون فاعل، وإنّما المحكوم بالامتناع نفس الفعل بما هوهو ، فكذلك حكمه بالحسن والقبح، والملاك ذات الفعل إذا قيسا على الفطرة أو الوجدان أو البعد الملكوتي منه، فيجده إمّا ملائماً أو منافراً.

وممّن تنبه إلى الاِشكال والاِجابة على النحو المذكور هو القاضي عبد الجبار المعتزلي (المتوفّى415هـ) حيث أجاب عن الاِشكال بقوله:

إنّ القبيح إنّما يقبح لوقوعه على وجه، فمتى وقع على ذلك الوجه، وجب قبحه سواء وقع من اللّه تعالى أو من واحد منّا، وهذه مسألة كبيرة اختلف الناس فيها.

فعندنا انّ القبيح إنّما يقبح لوقوعه على وجه نحو كونه ظلماً، وعند أبي


(1)أنوار الملكوت: 180.

(91)

قاسم البلخي انّ القبيح إنّما يقبح لوقوعه بصفته وعينه، وإلى هذا ذهب بعض المجبرة. (1)


3.لزوم اللطف على اللّه

اللطف عبارة عمّا يكون المكلّف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد عن فعل المعصية، وقد قسّموا اللطف إلى المقرِّب نحو الطاعة وإلى المحصِّل لها، فلو كان موجباً لقرب المكلّف إلى فعل الطاعة والبعد عن فعل المعصية فهو لطف مقرب، ولو ترتبت عليه الطاعة فهو لطف محصل.

وليعلم أنّه ليس هنا لطفان مختلفان بل كلاهما في الحقيقة أمر واحد، بيد انّ ترتّب الطاعة عليه يكون محصِّلاً، وعلى ضوء ذلك فوصف الفعل بأنّه مقرب من الطاعة، أو وصفه بالمحصل لها، أمر انتزاعي ينتزع منه بعد حصول الغاية أو قربها.

وحاصل اللطف عبارة عن فسح المجال أمام المكلّف بغية حصول الطاعة والابتعاد عن المعصية، وهو أمر غير إعطاء القابلية للمكلّف، فانّ القدرة شرط عقلي ولولاها لقبح التكليف، والمراد انّه سبحانه يتلطف على العبد ـ وراء إعطائه القابلية والقدرة ـ بفعل أُمور يُرغَّب معها إلى الطاعة وترك المعصية، فلو توقف تحصيل الغرض وراء إعطاء القدرة على فعل المرغِّبات إلى الطاعة وترك المعصية، كان على المكلِّف القيام به لئلاّ ينتفي الغرض، وإلى هذا الدليل يشير المحقّق الطوسي، ويقول: واللطف واجب لتحصيل الغرض به.

ويقول العلاّمة الحلّي في شرحه: إنّ المكلِّف إذا علم أنّ المكلَّف لا يطيع إلاّ باللطف، فلو كلّفه مِنْ دونه كان ناقضاً لغرضه، كمن دعا غيره إلى طعام وهو يعلم


(1)شرح الاَُصول الخمسة: 309 ـ 310.

(92)

أنّه لا يجيبه إلاّ إذا فعل معه نوعاً من التأدب، فإذا لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدب كان ناقضاً لغرضه،فوجوب اللطف يستلزم تحصيل الغرض. (1)

ولتوضيح القاعدة نمثّل مثالاً آخر وهو انّ العبد يحكم بقبح قتل الاَولاد ووأد البنات،ولكن ربما لا يوَثر حكم العقل في ردع البعض إلاّ إذا تزامن مع حكم الشرع وإيعاده بالعذاب الدائم، فحكم الشارع هنا لطف يقرب العبد من الطاعة، وهكذا الاَمر في أكثر المحرّمات التي يستقل العقل بقبحها، فالاَحكام الشرعية ألطاف في الاَحكام العقلية، وتوجب تقرب العبد من الطاعة والانزجار عن المعصية، ولولا هذه التكاليف والوعود لما كان هنا تأثير للتحسين والتقبيح العقليين، وإلى ما ذكرنا تشير القاعدة المعروفة «الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية».

إنّ قاعدة اللطف قاعدة كلامية لها دور فعّال في تحليل المسائل الكلامية، وهي مبنية على التحسين والتقبيح العقليين، ولولا القول بهما لما قام لها عمود ولا اخضرّ لها عود، ويتضح دوره من خلال بيان الثمرة التالية.

4. بعثة الاَنبياء

إنّ العقل يحكم بلزوم بعث الاَنبياء، وذلك لاَمرين رئيسيين:

الاَوّل: انّ للعقل أحكاماً كلية كلزوم شكر المنعم وعبادته، إلاّ أنّه عاجز عن الخوض في تفاصيلها فوجب من باب اللطف بعث الاَنبياء لغاية إيضاح كيفية أداء الواجب وبيان المزيد من التفاصيل .

الثاني: ما يدرك العقل حسنه وقبحه، ولكن ربما لا يكون إدراكه هذا باعثاً أو


(1)كشف المراد:109.

(93)

زاجراً إلاّ إذا اقترن بوعد ووعيد من قبل المولى سبحانه، وبذلك يعلم أنّ دور الاَنبياء بالنسبة إلى ما يدركه العقل أحد أمرين، إمّا دور الاِرشاد إلى التفاصيل التي لا يدركها العقل، وإمّا دور الدعم لحكمه.

وما ذكرناه من فائدة البعثة يرجع إلى ما يدركه العقل من حسنه وقبحه، وأمّا الخارج عن هذا الاِطار فحدث عنه ولا حرج.

5. حسن التكليف

إذا كان فعله سبحانه منزهاً عن العبث، يستقل العقل بالحكم بلزوم إيصال كلّمكلّف إلى الغايات التي خلق لها، وذلك بتكليفهم بما يوصلهم إلى الكمال، وزجرهم عمّا يمنعهم عنه، حتى لا يُتركوا سدىً وتنفتح في ضوء التكليف طاقاتهم الروحية، وعلم الاِنسان بالحسن والقبح لا يكفي في استكماله، إذ هناك أُمور تحول دون بلوغه الغاية المنشودة ، ولا تعلم إلاّ عن طريق الوحي والشرع.

مضافاً إلى أنّ حفظ النظام أمر حسن واختلاله وزعزعته أمر قبيح، ولا يسود النظام المجتمع الاِنساني إلاّ بتقنين قوانين تكفل تحقيق العدل والمساواة بين كافة الشعوب.

إلى غير ذلك من الثمرات المذكورة لحسن التكليف.

6. لزوم تزويد الاَنبياء بالبيّنات والمعاجز

إنّ بداهة العقل قاضية بعدم جواز الخنوع والخضوع لاَي ادّعاء مالم يعضده الدليل والبرهان، فمقتضى الحكمة الاِلهية تزويد الاَنبياء بالمعاجز حتى تتحقّق الغاية المتوخّاة من بعثهم، ولولاها لاَصبح بعثهم سدىً وعملاً بلا غاية وهو قبيح.


(94)

7. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة

إذا كان مقتضى الحكمة الاِلهية دعم الاَنبياء بالبراهين، فيلزم على العباد عقلاً النظر في برهان مدّعي النبوة لاستقلال العقل بذلك، ولدفع الضرر المحتمل.

وأمّا من عزل العقل عن الحكم في ذلك المجال، فليس له أن يثبت لزوم النظر إلاّ عن طريق الشرع، وهو بعد غير ثابت، فتطرح مشكلة الدور.

8. العلم بصدق دعوى الاَنبياء

إذا اقترنت دعوة المتنبىَ بالمعاجز والبيّنات الواضحة ـ فبناء على استقلال العقل بالحسن و القبح العقليين ـ لحكمنا بصدقه لقبح إعطاء البينات للمدّعي الكذّاب لما فيه من إضلال الناس، وأمّا إذا عزلنا العقل عن الحكم المذكور، فلا دليل على صدق نبوته.

9. الخاتمية واستمرار أحكام الاِسلام

إنّ استقلال العقل بالتحسين والتقبيح ـ بالمعنى الذي عرفت من الملاءمة للفطرة أو المنافرة لها ـ أساس الخاتمية وبقاء أحكام الاِسلام وخلودها إلى يوم القيامة، لاَنّ الفطرةمشتركة بين جميع أفراد البشر ولا تتبدّل بتبدّل الحضارات وتطور الثقافات، فانّ تبدّلها لا يمسّ فطرة الاِنسان ولا يغير جبلته، فيصبح ما تستحسنه الفطرة أو تستقبحه خالداً إلى يوم القيامة، دون أن يتطرّق إليه التبدّل والتغيّر .


(95)

10. اللّه عادل لا يجور

من أبرز مصاديق حكمته ـ تعالى ـ هو عدله، بمعنى قيامه بالقسط، وأنّه لا يجور ولا يظلم، ويترتب عليه بعض النتائج التي منها:

أ. قبح العقاب بلا بيان.

إذا كان اللّه تعالى عادلاً، فانّه لا يعاقب عباده دون أن يبين لهم تكاليفهم، لحكم العقل بقبح العقاب بلا وصول بيان، أو مع وصوله دون أن يقع في مظانه، ولزوم تنزّه الواجب عنه.

ب. قبح التكليف بما لا يطاق

من نتائج حكم العقل بعدله تعالى، حكمه بلزوم تكليفه بما يطيقه العبد، وأنّ تكليفه وإلزامه بما هو فوق طاقته ظلم وقبيح لا يصدر عن الحكيم.

ج. مدَى تأثير القضاء و القدر في مصير الاِنسان

هذه المسألة على الرغم من أهميتها البالغة في العقيدة الاِسلامية، فقد احتدم الجدل حولها إلى درجه التكفير وإراقة الدماء خاصة في العصور الاَُولى، ويتفرع عليها مسألة البداء أو تغيير المصير بالاَعمال الصالحة أو الطالحة.

د. اختيار الاِنسان.

من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى، اختيار الاِنسان في أفعاله دون أن يكون مجبوراً مسيَّراً فيما يقوم به من ظلم وجور.

11. ثبات الاَخلاق

إنّمسألة ثبات الاَخلاق في جميع العصور و الحضارات أو تبدلها تبعاً لاختلافها، ممّا طرح موَخراً عند الغربيين ودارت حوله نقاشات حادة، فمن قائل


(96)

بثبات أُصولها، ومن قائل بتبدلها وتغيّرها حسب تغير الاَنظمة والحضارات، ولكن المسألة لا تنحل إلاّفي ضوء التحسين والتقبيح العقليين الناشئين من قضاء الجبلّة الاِنسانية والفطرة الثابتة، فعند ذاك تتسم أُصول الاَخلاق بسمة الثبات والخلود.

خذ على سبيل المثال «إكرام المحسن» فانّه أمر يستحسنه العقل، ولا يتغير حكم العقل هذا أبداً، وإنّما الذي يتغيّر بمرور الزمان، وسائل الاِكرام وكيفيته.

إنّ الثابت عبارة عن الاَُصول الفطرية التي لها جذور في عمق الاِنسان، وطبيعته، وبما انّ الفطرة الاِنسانية واحدة في جميع الشرائط والظروف لا تتغير بتغيرها، تُصبح الاَُصول المبنية على الفطرة الاِنسانية أُصولاً ثابتة لا تتغير أيضاً، فقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِوَالاِِحْسانِ وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) . (1)ثابت ولا يتغير عبر القرون، لاَنّالعدل والاِحسان قد جبل الاِنسان عليهما، نعم ثمة تغيّر يطرأ على الاَساليب المقررة لاِجراء تلك الاَُصول الثابتة تبعاً لتغيّر الزمان، فهي لم تزل تتغيّر حسب تغيّر الحضارات وهذا التغيّر ليس جوهرياً يمس ثبات تلك الاَُصول.

إنّ للاِنسان ـ مع غض النظر عن البيئة التي يعيش فيها ـ سلوكاً باطنياً يلازمه ولا ينفك عنه، وفطرة ثابتة ويعد جزءاً مهماً من شخصيته يميزه عن سائر الحيوانات ويلازم وجوده في كلّ زمان ومكان.

فهذا السلوك الباطني الثابت لا يستغني عن قانون ينظم اتجاهاته، ويصونه عن الاِفراط والتفريط، فإذا كان القانون مطابقاً لمقتضى فطرته، وصالحاً لتعديلها، ومقتضياً لصلاحها، ومقاوماً لفسادها، لزم خلوده بخلوده، وثبوته بثبوته، فمن زعم أنّ الاَخلاق تتطور حسب تطور الظروف والشرائط غفل عن أنّللاِنسان سلوكاً


(1)النحل :90.

(97)

باطنياً وفطرة ثابتة لا تنفك عنه مادام الاِنسان إنساناً.

نعم إنّالذي يتغير وتتغير بتبعه العادات والتقاليد ، لا صلة له بالاَخلاق وثباتها، وها نحن نذكر من الاَُصول الثابتة في علم الاَخلاق نماذج:

1. لا يشك ذو مسكة أنّبقاء النظام في المجتمع الاِنساني رهن قوانين توَمِّن حقوق جميع شرائح المجتمع بعيداً عن الظلم والجور والتعسف، وهذا أصل ثابت لا يشك فيه أحد، بيد أنّالذي يتغيّر هو الاَساليب التي تتكفل إجراء هذا الاَصل، فلا تجد على أديم الاَرض من ينكر حسن تقنين مبنيّ على العدل وبسطه بين الناس، وقبح الظلم والتعسف.

وهذا الاَصل الثابت لم يتغيّر منذ انوجد الاِنسان على البسيطة وأصبحت له حياة اجتماعية.

2. الاختلاف بين الرجل والمرأة أمر تكويني محسوس، فهما موجودان مختلفان عضوياً وروحياً على الرغم من الاَبواق الاِعلامية التي تبغي كسر الحواجز بينهما، ولذلك اختلفت أحكام كلّ منهما عن الآخر.

فإذا كان التشريع مطابقاً لفطرتهما ومسايراً لطبعهما يظل ثابتاً لا يتغيّر بمرور الزمان، لثبات الموضوع المقتضي لثبات المحمول.

3. الروابط العائلية، كرابطة الابن بأبويه، ورابطة الاَخ بأخيه، وهي روابط طبيعية، تتحد فيها الاَواصر الروحية والنسبية، فالاَحكام التي قنّنت لتنظيم تلك الروابط باتت ثابتة لا تتغيّر بتغير الزمان.

4. انّ التشريع الاِسلامي بالغ في الاهتمام بالاَخلاق للحيلولة دون تفسّخها، كما عالج التفسّخ الخلقي كالخمر والميسر والاِباحة الجنسية بوضع حلول تتناسب معها من خلال تحريمها وإقامة الحدود على مقترفيها، وهذه الحلول ليست


(98)

مقطعية تتغيّر بتغير الزمان، بل هي ثابتة لا تتغير، لاَنّ الآثار التي تتركها المفاسد الخلقية أيضاً ثابتة، فالخمر يزيل العقل، والميسر ينبت العداوة في المجتمع، والاِباحة الجنسية تفسد النسل والحرث.

هذا وأمثالها من الاَحكام الثابتة في حياة الاِنسان الاجتماعية ، وهي تنسجم قبل كلّ شيء مع فطرته.

وخلاصة البحث: أنّ تطوّر الحياة الاجتماعية في بعض مجالاتها، أو تغيّر الاَحكام الموضوعة على وفق ملاكات واقعية متغيّرة لا يكون ذريعة لنسخ قبح الظلم وحسن العدل ولزوم أداء الاَمانة، ودفع الغرامات، والوفاء بالعهود والمواثيق.


(99)

الفصل الثاني عشر

القيم الخالدة
و
قانون التغيّر والحركة

قد مرّ آنفاً وجود أُصول أخلاقية وقيم إنسانية خالدة بخلود الاِنسان، ثابتة بثبوت غرائزه وميوله الفطرية.

وهناك سوَال يثار، وهو انّ القول بثبات القيم والاَُصول الاَخلاقية يتناقض مع قانون التغير والحركة الذي يشمل عالم الاِمكان بأسره، فليس هناك شيء غير خاضع له، وقد اشتهر بين العلماء القائلين بشمول الحركة للعالم «انّ الاِنسان لا يسبح في ماء واحد مرتين»، لاَنّ الماء في المرّة الثانية غير الماء في المرّة الاَُولى، ومع القول بذلك فكيف يمكن استثناء القيم من هذا الاَصل الثابت الراسخ الذي لا يقبل التخصيص والاستثناء؟

والجواب: أنّه لا منافاة بين ثبات القيم وشمول الحركة لذرّات العالم وأجزائه، طبيعياً كان أو فلكياً، لاَنّ مصب قانون التغيّر هو الموجود المادي، والمادة بجوهرها سيالة لا تقبل الثبات.

وأمّا القيم والاَُصول الاَخلاقية فهي قوانين يكشف عنها العقل النظري، فليست هي في جوهرها أُموراً مادية ولا جزءاً للطبيعة، كما أنّ القوانين السائدة على الموجود الطبيعي أُصول ثابتة، وإن كان المورد متغيّراً ومتحولاً، ونحن نوضح


(100)

ذلك بالمثال التالي:

القوانين الرياضية قوانين كلية ثابتة لا تتغير بتغيّر العالم وأجزائه فحاصل الضرب بين 2و2 يساوي 4 فالنتيجة غير خاضعة للتحوّل والتبدّل وإن كان ما ينطبق عليه خاضعاً للتغير.

وصفوة القول: إنّ السائل خلط بين القانون و موارد تطبيقه، فلا ملازمة بين شمول التغيّر لكافة المصاديق وشموله للقانون الكلي، وقد أثبتت البراهين العقلية والتجربية على أنّ العلم بما هو علم لا تناله يد التغيّر و التبدّل.

وأمّا مسألة تكامل العلوم فليست دليلاً على أنّ العلم خاضع للتغيّر والتبدّل، للفرق بين التكامل الموجود في نمو النبات والحبة والبذرة وتكامل العلوم، فانّ التكامل في القسم الاَوّل بمعنى تبدل الصورة النوعية للبذرة مثلاً إلى صورة نوعية أُخرى، فلم تزل الصور تتوارد عليها واحدة تلو الاَُخرى حتى تتحول إلى شجرة مثمرة.

وأمّا التكامل في العلم فهو قائم على انكشاف بعد انكشاف، على نحو توَثر الانكشافات المتعاقبة في سعة علم الاِنسان وعظم رقعته، لا أنّ العلم الاَوّل ينمو ويتكثّر ويتشعّب حقيقة، ولو أطلق عليه التكامل فهو بمعنى آخر، لا مِثْل التكامل الحاصل في الموجود الطبيعي.

والذي يوَيد ذلك أنّ القائلين بأصالة المادة وشمول التغيير للعالم بأسره يستثنون أُصولهم الفلسفية عن هذا الاَصل ويعتبرون القوانين الديالكتيكية من أثبت الاَُصول وأدومها والتي لا تخضع للتغيّر والتحوّل، وكأنّها أُفرغت في قوالب فولاذية ـ على حد تعبير لينين ـ لا تقبل أيّ خدشة.

إنّ القائلين بأصالة المادة وشمول التغيّر ينفون قطعية كلّ قاعدة وإطلاقها


(101)

وقداستها، ويرون أنّ القوانين المكتشفة ليست قطعية ولا مطلقة ولا منزهة عن التبدّل والتغيّر، فسواء أكانوا على حقّ في هذا المدّعى أو لا فهم يثبتون وراء كلامهم هذا قضية قطعية مقدسة، وهي قطعية هذه القاعدة بالذات، (لا إطلاق ولا قطعية) وشمولها لجميع الاَزمنة والاَمكنة، فهم في الوقت الذي ينفون قطعية الآراء وإطلاق القوانين، يثبتون قانوناً قطعياً ثابتاً غير خاضع للتغيّر.

وهذا دليل على الفرق الواضح بين العلوم القائمة بالذهن والواقع الذي تنطبق العلوم عليه فالاَُصول الديالكتيكية علوم قائمة بذهن المادي غير خاضعة للتغير، وأمّا موارد تلك الاَُصول من الجوهر والعرض فلم تزل في مهبِّ التغير والتحول.

سرّ ثبات الحسن والقبح العقليين

ما مرّ من البيان الضافي يثبت بجلاء سرّ ثبات الحسن والقبح العقليين، وتعاليهما عن طروء التغيّر والتحوّل عليهما، وإن كان الاِنسان في حياته والعالم الذي يعيش فيه مهبَّاً للتغير، وذلك لاَنّ المعيار في حسن الفعل وقبحه عبارة عن ملائمة الفعل للفطرة ومجاوبته معها، أو منافرته ومجانبته عنها، فهذا هو الملاك لثبات الحسن والقبح، وبالتالي ثبات غرائز الاِنسان وميوله العلوية والسفلية، فمادام الاِنسان إنساناً فقد فُطرت طينته بالرغبة إلى العدل والاِيثار والعمل بالميثاق إلى غير ذلك من الاَُصول، كما عجنت فطرته بالتضجّر من أضدادها ، فالاِنسان الذي كان في غابر القرون يشترك مع الاِنسان في العصر الراهن في الميول والغرائز من دون فرق بينهما ألبتة، وهذه الوحدة هي سرّ ثبات القيم.

فالحكيم يعرِّف الاِنسان بأنّه حيوان ناطق، ولكن العالم الاَخلاقي يرى أنّه تعريف ناقص، وإن كان في نظر الحكيم تعريفاً كاملاً، لتركيزه على التفكير


(102)

والتعقّل، لكنّه من منظار العالم الاَخلاقي تعريف ناقص ولا يكتمل إلاّ بضم كلمة (ذو غرائز) إلى التعريف السابق.

وما هذا إلاّ لاَنّ الميول الباطنية تلازم وجود الاِنسان منذ الاَزل كالتفكير والتعقّل، ولاَجل إيقاف القارىَ على مثل وقيم ثابتة، نسرد بعض الاَمثلة.

أ. الاِنسان موجود اجتماعي ولا محيص له من إقامة العلاقات مع سائر أبناء البشر، وهذا أصل ثابت عبر القرون، والحياة الاِنسانية على الرغم من أنّها تعجُّ بالتغيّرات والمستجدّات ولكن يبقى هذا الاَصل الثابت مهيمناً على حياته.

ب. انّ الحياة العائلية هي نوع من تلك العلاقات الثابتة، فلا محيص له من تشكيل أُسرة وتنظيم العلاقات بين أعضائها، فهذا أصل ثابت لا تمسه يد التغير.

ج. حبّ الاِنسان لاَبويه وأولاده أمر غريزي وطبيعي، وقد يتطلب ذلك الحبّ الثابت، تنظيمَ العلاقات داخل هذا الاِطار من إرث وغيره.

وهناك أفعال لم تزل تدور حول محور المصالح والمفاسد في كلّ زمان ومكان، فالكذب والخيانة والانحلال الخلقي أفعال قبيحةفي كافة الاَعصار، كما أنّ ما يضادها أفعال توَمن مصالحه فتصبح حسنة في كافة الاَعصار. وإن كان هذا النوع من الحسن دون ما طرح في هذه الرسالة.

إنّ الاَُصول الاَخلاقية العامة الثابتة في جميع الاَجيال لا تنحصر بما ذكرنا، فانّ ثمة أُصول لا يتردد في حسنها اثنان كحب الاِنسانية وإقامة العدالة الاجتماعية والعمل بالوظائف الاجتماعية إلى غير ذلك من الاَُصول، فالقوانين التي تحتضن تلك الفضائل هي جديرة بالدوام والثبات دون أن يزعزها التغيّر والتحوّل.


(103)

القيم الثابتة وشمولية التكامل

كان البحث السابق منصباً على أنّ شمولية الحركة والتغير على طرف النقيض من ثبات الاَخلاق والقيم، وقد عرفت تحليله وانّ شمولية ظاهرة التغير لا تمس بكرامة ثبات القيم.

وربما ينظر إلى البحث من منظار آخر وهو أنّ شمولية التكامل لعالم الاِمكان لا سيما الاِنسان، تقوّض دعائم ثبات الاَخلاق، وأوّل من طرح هذا الموضوع هو الفيلسوف المعروف هربت اسبنسر (1820ـ 1903م) وإليك خلاصة رأيه:

يقول: إنّ الصلة بين الموجودات الحية والعالم الخارجي صلة مستمرة، وفي ظلها تتكامل أعضاء الموجود الحي بالتدريج، ولا يختص التكامل بأعضائه بل يعم مداركه ومشاعره وأحاسيسه وعواطفه.

وبكلمة جامعة يتطرق التكامل إلى كلّ ما يمت إلى المدنية بصلة من الدين والسياسة والعلم والصناعة.

ثمّيضيف: بأنّ العالم قد خلق وفق التكامل، والمدنية الكاملة هي التي تنسجم تمام الانسجام مع كمال الاَخلاق وحسن الآداب، الذي هو بدوره يرتبط بتكامل المدنية والنظم الاجتماعية، ولا يمكن ادّعاء تكامل الآداب والعادات ما لم تُطبَّق المدنية على حياة الاِنسان.

وبما أنّ كمال المدنية كمال نسبي (وربّ حضارة لها قيمة في ظرفها دون ظرف آخر) فكمال الاَخلاق أيضاً أمر نسبي ليس أمراً مطلقاً.

ويستنتج من ذلك أنّ الاَخلاق والقيم تتكامل كتكامل أجزاء العالم. (1)


(1)سير حكمت در اروپا: 3|170ـ 178.

(104)

نقد النظرية

إنّ أصل التكامل أصل أطبق عليه الفلاسفة منذ قرون وليس من مبدعات الفلسفة الغربية ولا من منشآت اسبنسر، بل كل من قال بالحركة الجوهرية رأى أنّالتكامل لازم وجود الجوهر، وعلى ذلك فليس القول بالتكامل شيئاً بديعاً، إنّما المهم تمييز مصبِّه ومركزه.

إنّ التكامل الفكري والعقلي بمعنى كشف الحقائق شيئاً فشيئاً وتسليط الضوء على أسرار الوجود بغية الوصول إلى خفايا الطبيعة وأسرارها أمر لاسترة فيه، إنّما الكلام في أنّه هل التكامل يعم البديهيات والفطريات والاَوّليات، أو انّ الفكر الاِنساني مهما حلّق في سماء الفكر والعلم، ليس بإمكانه إثارة الشكوك حولها، ولذلك تجد انّ امتناع اجتماع النقيضين كارتفاعهما على درجة واحدة من الاِذعان عبر القرون دون أن يحيط به الغموض.

إنّ التحسين والتقبيح العقليين من ضروريات العقل العملي، ومهما بلغ التكامل ذروته لا يوَثِّر في قضاء العقل بحسن العدل وقبح الظلم، فإدراكه بالنسبة إليهما على حدّ سواء لا يزعزعه شيء.

والذي أوقع ذلك الفيلسوف الغربي في تلك الورطة هو خلطه بين العادات والتقاليد من جهة، والقيم والاَخلاق من جهة أُخرى، فالسير التكاملي للعالم يعمّ العادات والتقاليد دون الاَخلاق، وما ادّعاه من أنّ كمال المدنية أمر نسبي فكمال الاَخلاق كذلك إنّما يرجع إلى العادات والتقاليد والمراسم، مثلاً احترام الضيف أصل ثابت بين جميع الاَقوام والملل غير أنّكيفية الاحترام تختلف حسب تقدّم الحضارات.


(105)

إنّ القيم التي تبتني على إدراكات بديهية وأوّلية وفطرية لا تتغيّر ولا تتبدّل بتكامل الاِنسان وبيئته.

وآية ذلك أنّ شعوب العالم مهما اختلفت في الحضارات والمدنيات، فكلّها أمام أُصول الاَخلاق على حدّ سواء، فالجميع يدرك حسن العدل وقبح الظلم، والانفراج الحضاري بين هذه الشعوب لم يزعزع تلك الاَُصول فحسب بل بقيت راسخة في أعماق نفوسهم.

نعم، انّ التكامل المدني أثّر كثيراً في التقاليد والعادات، فالمراسم العسكرية ـ مثلاً ـ الدارجة بين شعوب العالم تختلف كثيراً مع ما كان عليه الاِنسان في الماضي السحيق.

فصفوة القول: إنّ ثمّة أُمور لا تحوم حولها الشكوك:

أ. شمول التكامل للاِنسان والعالم.

ب. انّ المدنية أمر نسبي تختلف حسب اختلاف الحضارات.

ج. انّ الآداب والتقاليد تختلف حسب تكامل الحضارات.

د. الاَُصول والقيم الاَخلاقية المستقاة من البديهيات والاَوّليات والفطريات راسخة أمام تلك التحوّلات الحضارية.


(106)

الفصل الثالث عشر

العلاقة بين الروَية الكونية والآيديولوجية

الصلة بين الروَية الكونية والآيديولوجية من المباحث التي لها جذور تاريخية، ولكن أوّل من طرحها بصورة مسهبة وأفاض فيها الكلام هو الفيلسوف «ديفيد هيوم» (1711ـ 1776م) ومن هنا أخذت هذه المسألة مكانتها في الفلسفة الغربية وألفتت نظر الفلاسفة إليها.

والمراد من الروَية الكونية، أو ما يسمّى بالحكمة النظرية، هو: إدراك العقل شيئاً من شأنه أن يعلم، ويعد نفس العلم به كمالاً للنفس، كقولنا: «اللّه موجود» أو «النفس موجودة» وغير ذلك من العلم بالموجودات المادية والمجردة.

والمراد من الآيديولوجية أو ما يعبّر عنه بالحكمة العملية، هو: إدراك العقل شيئاً من شأنه أن يعمل ويعد نفس العمل به كمالاً للنفس كقولنا: «الظلم قبيح» و«العدل حسن» فانّه بمعنى يجب القيام بالعدل والاجتناب عن الظلم.

ومن هنا يعلم أنّه ليس لنا عقلان أحدهما يدرك ما من شأنه أن يعلم، والثاني يدرك ما من شأنه أن يعمل، وإنّما هي قوة مدركة واحدة تارة تدرك ما من شأنه العلم، وأُخرى ما من شأنه العمل، وعندئذٍ يقع الكلام في أنّه كيف يجوز لنا أن نستنبط ما من شأنه أن يعمل ممّا شأنه أن يعلم مع أنّ بينهما بوناً شاسعاً؟ فانّ مآل الحكمة النظرية هو الاِخبار عن وجود شيء كالنفس موجودة، وأمّا مآل


(107)

الحكمة العملية هو الاِنشاء أي فليعدل، أو ليجتنب عن الظلم، إلى غير ذلك من المسائل التي يجب على الاِنسان القيام بها في حياته العملية كالاَخلاق. واستنباط الاِنشاء من الاخبار أمر غير ميسور، وهذا هو الذي رفع به عقيرته «ديفيد هيوم» وآثار ضجة صاخبة في المحافل العلمية في أُروبا، وقد ذكرنا في صدر البحث أنّ للمسألة جذوراً في تاريخ الفلسفة الاِسلامية، فهذا هو الشيخ الرئيس، يقول:

فمن قواها مالها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، وهي القوة التي تختص باسم العقل العملي، وهي التي تستنبط الواجب فيما يجب أن يفعل من الاَُمور الاِنسانية جزئية ليتوصل به إلى أغراض اختيارية من مقدمات أوّلية وذائعة وتجريبية، باستعانة بالعقل النظري في الرأي الكلي إلى أن ينتقل به إلى الجزئي. (1)

إنّ عبارة الشيخ صريحة في أنّ العقل العملي يستعين بالعقل النظري في الرأي الكلي إلى أن ينتقل إلى الجزئي، وهذا دليل على أنّهم كانوا غير غافلين عن تبيين الصلة بين الحكمتين.

إذا عرفت ذلك فلنطرح روَوس الآراء التي تتبنى بيان وجود الصلة وعدمها بين الحكمتين، وهي تدور على محاور أربعة:

أ. الحكمة العملية تنبثق من الحكمة النظرية.

ب. انقطاع الصلة بين الحكمتين .

ج. يجب أن لا يكون بين الحكمتين أيُّ تصادم.

د. وجود الصلة بين الحكمتين لا على نحو العلة التامة.

وسيوافيك الفرق بين المحور الثالث والاَوّل، وإليك شرح تلك المحاور:


(1)شرح الاِشارات: 2|352.

(108)

أ. انبثاق الحكمة العملية من الحكمة النظرية

إنّ أصحاب تلك النظرية يتبنّون أنّ كلّ ما في الكون من قوانين وسنن هي القدوة والاَُسوة لحياة الاِنسان الفردية والاجتماعية، وأنّ على الاِنسان تطبيق ما يدركه في الكون، على الشوَون الحياتية، وما هذا إلاّ لاَنّ الاِنسان جزء من الطبيعة، فيجب أن يسود في حياته ما يسود في الطبيعة بأسرها.

ولعلّ التعبير الواضح لبيان هذا النمط من التفكير هو أنّ عالم الطبيعة أُسوة للاِنسان فيجب تطبيق العمل على وفق ما جاء في الطبيعة، وقد تبنّى هذه النظرية كارل ماركس (1817ـ 1883م) وزميله فردريك انجلز(1820ـ 1895م) متأثرين بالاَُصول التي أسّسها فردريك هيجل (1770ـ 1831م) فيما يعرف بـ«المفهوم الفلسفي للعالم» وهذه الاَُصول عبارة عن:

1. حركة التطور: ويراد بها: أنّ المادة وكلّ ما في الكون، من أصغر أجزائه إلى أعظمها في حالة تبدّل وتغيّر مستمرين.

2. تناقضات التطور: ويراد به: أنّ جميع ما يحصل في الكون من تبدل وتغير وتكامل، ينشأ نتيجة لصراع داخلي في جوهر الاَشياء بين جانب السلب وجانب الاِثبات، ثمّ يتمخض عن هذا الصراع شيء ثالث، هو الصورة المتكاملة للشيء.

3. قفزات التطور: أو انتقال التبدلات الكمية إلى النوعية، ويراد بها أنّ التغيرات التدريجية في الكم، ستوَول إلى تبدل فجائي آني تحصل على إثره كيفية جديدة للمادة.

4. الارتباط العام: أو العلاقات المتبادلة بين الظواهر الطبيعية، ويراد به انّ الطبيعة شيء واحد متماسك، ترتبط فيه الاَشياء فيما بينها ارتباطاً عضوياً وثيقاً،


(109)

بحيث يكون بعضها شرطاً لبعض.

هذه هي الاَُصول التي تبناها «ماركس» و «انجلز» ، وبنيا عليها نظريتهما القائلة بانطلاق العمل من الفكر ، والحكمة العملية من النظريّة.

يقول ماركس: ليست حركة الفكر إلاّ انعكاساً لحركة الواقع منقولة ومحولة في مخ الاِنسان. (1)

أقول: إنّ ما ذكروه من الاَُصول الاَربعة في الفلسفة الماركسية هو المورد الذي تبنّى أصحابها تطبيقها على الحياة الاِنسانية بمعنى أنّ الاِنسان إذا أدرك بالفلسفة النظرية وجود قانون سائد في الطبيعة يجب عليه أن يطبقه على حياته الفردية والاجتماعية، لاَنّ الاِنسان جزء من الطبيعة، يحكم عليه بمثل ما يحكم على الطبيعة.

ويترتب على تلك النظرية الملاحظات التالية:

1. انّ الماركسية تتبنى ماوراء طرح الاَصل الثالث وهو: انّ قفزات التطور وانتقال التبدّلات الكمية دفعة إلى النوعية ، دعوةَ العمّـال والموظفين إلى الثورة العارمة بغية الاِطاحة بالنظام السابق الذي كان تهدر فيه حقوق العمال.

إنّما رتبه ماركس و زملاوَه على هذا الاَصل أمر بعيد عن الصحّة، إذ لا دليل على صياغة وصفة واحدة لجميع المجتمعات الاِنسانية التي تختلف من حيث احتضانها لعوامل الشر والفساد.

فالمجتمع الغارق في الفساد الذي دبّ فيه الشر وتأصل فيه، لا يمكن إصلاحه إلاّ بثورة عارمة تطيح بالنظام وتوَسس نظاماً آخر مكانه، وفي هذه المرحلة يكون ما يجري في الطبيعة من قفزات التطوّر أُسوة لاِصلاح المجتمع.


(1)المادية والمثالية في الفلسفة:83.

(110)

وأمّا المجتمع الذي لم يتجذّر الفساد فيه، وكان له دور هامشي ففي مثل هذا النوع من المجتمعات لا داعي إلى نشوب الثورات بغية إصلاح المجتمع، لاَنّ الاِصلاح رهن التحقق دونها ،وهذا خير شاهد على أنّ القوانين الطبيعية ليست أُسوة للاِنسان على نحو مطلق، بل الاِنسان بما هو موجود مختار، له أن ينتخب أيسر السبل لاِصلاح المجتمع، سواء وافق مايجري في الطبيعة أم خالف.

نعم لما كانت الماركسية بصدد بيان فلسفة ماتتبناه من الاَُصول في حياتها السياسية لم تجد بداً من جعل ناموس الطبيعة وقوانينها مقياساً للحياة، ولم يتبنّ ذلك الاَصل إلاّ لتبرر به ثورتها على الرأسمالية والامبريالية.

2. لو وجب أن تكون الآيديولوجية انعكاساً لما يجري في الطبيعة لكان اللازم اتخاذ ناموس تنازع البقاء وناموس الانتخاب الطبيعي ـ اللّذين هما من الاَركان الاَربعة لنظرية النشوء والارتقاء في نظرية دارون ـ عماداً في الحياة ، وإبقاء فتيل الفتن والحروب مشتعلاً بين الضعفاء والاَقوياء، بشكل دائم ومستمرّ حتى يتغلب الاَقوياء على الضعفاء، ولا لوم على أيِّ مجرم يشعل حرباً ضروساً، ويهلك الحرث والنسل ويعذب البشرية ويدمّر الحضارة، لاَنّها سنة عملية محاكية للسنة النظرية. هذا ما لا يقبله عاقل، ولا يرضاه ضمير حي.

و من هنا يعلم أنّ الماركسية لم تتشبث بهذا الاَصل إلاّ لتدعم آيديولوجيتها وأفكارها الحزبية، فهي تتبنّى فوق كلّ شيء وقبل الروَية الكونية لزوم الاِطاحة بالرأسماليين والاِقطاعيين ومن يدعمهم من النظام السياسي، فوجدت بغيتها في نظام القفزات في الطبيعة، ثم التغييرات الكمية تتبدل فجأة إلى تبدلاّت كيفية أو نوعية، فاستخدمتها لدعم نظريتها الحزبية، ولولا هذا الدعم لاَسدل على نظام القفزات ستار النسيان.


(111)

ولو تجرد «ماركس» عن برامجه الحزبية لوقف على أنّ الحكم على الاِنسانية وفق ما يجري في الطبيعة الصماء إسراء قانون من موضوع إلى موضوع آخر بينهما غاية البعد، إذ أين الاِنسان الشاعر المختار العاقل الذي يستطيع أن يقف على مصالحه ومفاسده بالعقل والتجربة والمشورة، من الطبيعة الصماء؟!

كلّذلك دلائل قاطعة على أنّ نظرية الانبثاق نظرية خاطئة، وليس من واجب الاِنسان أن ينظر إلى ما في الكون من قوانين ثمّ يطبقها بحذافيرها على حياته وسلوكه، فلو قلنا بعدم الصلة بهذا المعنى بين الحكمتين فلم نبتعد عن جادة الصواب.

وحصيلة البحث: أنّ الاَخلاق والقوانين الحاكمة على المجتمعات الصغيرة والكبيرة، لا يمكن أن تُمليها الطبيعة الصماء بل يمليها عقل الاِنسان وتجربته، فما كان مفيداً لحاله وحال مجتمعه، يأخذ به،و ما كان ضاراً له يرفضه.

ب. انفصام الصلة بين الحكمتين

أنكر الفيلسوف الانكليزي «ديفيد هيوم» الصلة ـ بين الحكمتين، واستند إلى أمرين:

1. انّ طريقة البحث في الحكمة النظرية تغاير طريقته في الحكمة العملية؛ فالباحثون في القسم الاَوّل يبحثون في الوجود واللاوجود، مثلاً يقول: (الخالق موجود)، (الملك موجود)، وفي الوقت نفسه يبحث في الحكمة العملية عن الوظائف الفردية والاجتماعية، وعندئذٍ يتبدل كلامه من الاِخبار إلى الاِنشاء، يقول: اعبدوا اللّه تبارك وتعالى؛ فبين الحكمتين بون شاسع، فأين الوجود والعدم ـ الذي يدور حولهما رحى الحكمة النظرية ـ من الاِيجاب والحظر الذي يدور حولهما رحى الحكمة العملية ؟


(112)

2. انّهم يستدلون بقضايا الحكمة النظرية على قضايا الحكمة العملية، بمعنى أنّهم يستندون بالقضية الخبريّة على لزوم ترك الشيء وعدمه.

وإن شئت قلت: يستدلون بضرورة الوجود على ضرورة الاِتيان، فأي رابطة منطقية بين النسبتين والاستنتاجين.

والحقيقة أنّ ما ذكره في الاَمر الاَوّل ـ من أنّطريقة البحث في الحكمة النظرية تختلف عما عليه في الحكمة العملية ـ ليس أمراً غريباً، بل يوجد نظيره في حياة كلّ إنسان حتى هيوم نفسه، فإذا مرض وأراد الاِخبار عن مزاجه، يقول: مزاجي متعكّر ، فيجب أن أذهب إلى الطبيب؛ فعامة الناس يخبرون عما يرتبط بوجودهم بجمل إخبارية، كما أنّهم إذا صاروا لبيان الوظائف غبَّها يذكرونها بصيغ الاِنشاء.

والذي يوَخذ عليه: ما ذكره من أنّهم يستدلّون بالقضايا النظرية، على القضايا العمليّة، فإنّه أمر باطل، لاَنّ القضايا العملية إمّا واضحة بالذات، أو منتهية إلى ما هو واضح بالذات ولا يُستدلّ أبداً بالنظرية، على العمليّة، وسيوافيك تفصيله في القول الرابع.

ج. يجب أن لا يكون بين الحكمتين أيّ تصادم

يتبنّى أصحاب تلك النظرية لزوم الانسجام بين الحكمتين،والاّ يكون بينهما أيّ تصادم وتناقض، كما إذا كان الاِنسان يحمل وجهة نظر ماديةحيال الكون، ويرى أنّالوجود يعادل المادة وليس ورائها شيء «ليس وراء عبادان قرية» ومع ذلك ينتهي في الحكمة العملية إلى وجوب عبادة الخالق.

إنّ هذه النظرية ليست نظرية مستقلة بإزاء سائر النظريات، وإنّما هي شرط على الحكيم أن لا يناقض فعله عقيدته وبالعكس، فلا يمكن أن يكون مادياً في العقيدة، وموَمناً في العمل أو بالعكس.


(113)

وبعبارة أُخرى: يجب التوفيق بين العقيدة والعمل؛ ولا نطيل الكلام في ذلك، ولنذكر النظرية الرابعة ولعلها أظهر النظريات.

د. وجود الصلة بين الحكمتين على نحو المقتضي

وهي النظرية المتوسطة بين النفي التام والاِثبات التام، فليس الحكمة النظرية في منأى ومعزل عن الحكمة العملية ، كما أنّـها ليست علة لها (للحكمة)، بل هناك صلة بينهما لا تعدو عن حد المقتضي، ويعلم ذلك ممّا قدمنا في هذا الكتاب غير مرّة، وهو كما أنّ قضايا الحكمة النظريةمختلفة من حيث الوضوح والخفاء ـ فهناك قضايا بديهية وقضايا نظرية ـ وهكذا الحال في الحكمة العملية، فهي بين واضحةكحسن العدل وقبح الظلم، وخفية يتضح حالها بالنظر إلى غيرها، ولنضرب مثالاً :

إعمل لتعيش.

أحسن لمن أساء إليك.

تجد الاَُولى واضحة لا تحتاج إلى عناء لتصديقها، بينما نجد الثانية بحاجة إلى الاستدلال حتى يُذعن بصدقها ، قال سبحانه: (ادْفَعْ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنهُ عداوةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميم). (1)

مثال آخر: يقول الاِلهيون في مجال الحكمة العملية:

1. يجب معرفة اللّه.

2. يجب إطاعته.

3. يجب عبادته.


(1)فصلت:34.

(114)

فهذه الواجبات الثلاثة عند الاِلهي، ليست في وضوح «العدل حسن» أو «اعمل لتعيش»، ولذلك يستدل عليها الاِلهيون ويوضحونها بالبراهين.

ومن هنا يظهر أنّالفرائض الاَخلاقية والاجتماعية والسياسية إمّا واضحة بالذات، يحكم العقل فيها بالوجوب والتحريم استقلالاً، وإمّا قضايا نظرية تنتهي إلى البديهية.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى ما نحن فيه من تأثير القضايا النظرية في العملية على وجه المقتضي.

إنّ الحكمة النظرية لها دور في تعيين الصغرى، وأمّا الحكمة العملية التي تكون بمنزلة الكبرى فهي امّا واضحة بالذات أو منتهية إليها، ولنوضح ذلك بمثال:

اللّه هو المنعم.

وكلّمنعم يجب شكره.

فنستنتج : اللّه يجب شكره.

فالنتيجة حكمة عملية، متوقفة على صغرى وكبرى، ولا يمكن الاستنتاج بواحدة منهما.

لكن الصغرى تُعيِّن الموضوع وتثبت بأنّ ما سوى اللّه فيض من فيوضه سبحانه، إذ هو معطي الوجود ومفيضه، ومعلوم أنّ الصغرى لا تتضمن حكماً عملياً، وإنّما توحي إلى أنّما في الكون ينتهي إلى اللّه وهو المنعم.

وأمّا الكبرى فهي التي تفرض الشكر على الاِنسان، فهي ليست مستنتجة من نفس الصغرى، بل مستنتجة من براهين سابقة عليها واضحة للعقل، فإذا ضمت إلى الصغرى نستنتج حكماً عملياً جزئياً.


(115)

وبذلك يتضح أنّالصلة بين الحكمتين صلة الاقتضاء، فليس بإمكاننا أن نغض النظر عن تلك الصلة، لاَنّ الكبرى لوحدها لا تنتج ما لم تنضم إليها الصغرى، كما أنّه ليس لنا أن نقول بأنّ الكبرى و النتيجة مترشحتان من الصغرى، فتكون الصلة بين الحكمتين بنحو الاقتضاء لا العلية التامة.

ولمزيد من التوضيح نعطف نظر القارىَ الكريم إلى هذين المثالين:

أ. هجوم العدو بلاء.

وكلّ بلاء يجب الصبر عنده.

فنستنتج: انّهجوم العدو يجب الصبر عنده.

ترى أنّ النتيجة صادقة، وللصغرى دور تعيين الموضوع، والكبرى صادقة تدعمه سائر القضايا العملية والصلة بين الكبرى والنتيجة وبين الصغرى صلة الاقتضاء.

ب. الاِنسان مختلف الاَعراق.

وكلّ مختلف الاَعراق يجب أن يكون مختلف الحقوق.

فالاِنسان يجب أن يكون مختلف الحقوق.

فالنتيجة باطلة، وما هذا إلاّ لاَنّ الكبرى غير واضحة بالذات ولا مدعمة بسائر القضايا، ولو كانت الكبرى وليدة الصغرى كما يزعمه «ديفيد هيوم» يجب أن تكون النتيجة صادقة، لاَنّ الصغرى صادقة بالذات.

سوَال وإجابة

ربما يتبادر في بدء النظر عن بعض الآيات انّ كلامه سبحانه على نحو يشعر بانتقال الاِنسان إلى الحكمة العملية عن طريق الحكمة النظرية على وجه


(116)

يكون الاِقرار بالصغرى ملازماً للاِقرار بالكبرى، وعندئذٍ يتجه الاِشكال كيف يصحّ لنا استنتاج الاِنشاء من قضية إخبارية، وإليك بعض الآيات التي ربما تكون ذريعة للتشبّث بها.

1. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الاََرض وَالشَّمْسُ والقَمَرُ وَالنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاس وَكثيرٌ حقَّ عَلَيْهِ العَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللّهُ فَما لَهُ مِن مُكرِم). (1)

فإنّ الآية تندد بالاِنسان على عدم سجوده للّه سبحانه، وما ذلك إلاّلاَنّ من في السماوات والاَرض كلّها ساجدة للّه تبارك وتعالى.

فمجموع الآية حكمة نظرية تخبر عن سجود ما سوى اللّه له، ولكن الغرض من بيان سجود الموجودات للّه، هو دعوة الاِنسان إلى السجود وفرضه عليه.

2. ونظير تلك الآية قوله سبحانه: (أَفَغَيرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ طَوْعاً وَكَرهاً وَإِلَيْهِ يرجعُون) (2)، ففي هذه الآية كالآية السابقة تستدل بمعرفة نظرية وهي متابعة ما في الكون واستسلامه للّه سبحانه، على معرفة عملية، وهي لزوم عبادة اللّه سبحانه لا غيره.

والجواب: أنّ المذكور في الآية هو الصغرى، والكبرى العملية مقدرة كما هو واضح، غير أنّ هنا قضية عقلية تتوسط بين الصغرى والكبرى، وهي عبارة عن:

انّ خضوع الموجودات في الآية الاَُولى وتسليمها في الآية الثانية ناشىَ من أنّه سبحانه مبدأ الوجود الاِمكاني ومفيض النعم، وانّ كلّ شيء فقير إليه، وواجب كلّ فقير بالذات الخضوع لموجده ومفيض نعمه وليس الاِنسان مستثنى من هذه


(1)الحج:18.

(2)آل عمران:83.

(117)

القاعدة.

فيجب عليه السجود كسجود الموجودات، والتسليم كتسليمها.

وكأنّ القياس بالشكل التالي:

إنّ من في السماوات والاَرض ساجد وخاضع له، وهذا هو المفهوم من الآية، والحدّ الوسط بينها و بين الكبرى العملية هو انّ سبب السجود والخضوع والتسليم هو الفقر، وهو أمر مشترك بينه وبين الاِنسان، فعند ذلك يستقل العقل بوجوب التسليم، وإلاّ فلو أغمض النظر عن هذا الحدّ الاَوسط غير المذكور فيها لا يمكن لنا الانتقال إلى بيان ما هو الواجب على الاِنسان وهو السجود للّه، وهذا هو معنى انّ الحكمة النظرية إمّا واضحة بالذات أو منتهية إلى ما هو واضح بالذات.

3. قال سبحانه:(وَعَلَّمَ آدَمَ الاََسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هوَُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ). (1)

والآية تتضمن حكمة عملية وهي الاخبار عن تعليمه سبحانه آدم الاَسماء، ولكنّه في الآية 35 رتب عليها حكمة عملية وهي قوله: (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَة فَتَكُونا مِنَ الظّالِمين) وكأنّ تعليم الاَسباب صار سبباً لحكمة عملية.

والجواب يتضح من خلال ما سبق وهو أنّ الآية تخبر عن وقوف آدم على حقائق الاَشياء، ومنها انّالاَكل من شجرة معلومة يورث الشقاء.

وبداهة العقل عندئذٍ قاضية بوجوب الاجتناب عنها، وعلى ضوء ذلك فالآية الاَُولى تتبنى الصغرى ومفادها حكمة نظرية.


(1)البقرة:31.

(118)

والآية الثانية تتضمن حكماً عملياً جزئياً.

وليست الثانية مترشحة من الاَُولى، بل يتوسط بينهما حكم العقل، وهو وجوب الاجتناب عن كلّ عامل للشقاء. ومن خلال هذا البيان يتضح حال الجواب عن الآيات التالية.

4. قوله سبحانه: (إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالاََرْضِ وَاخْتِلافِ اللِّيلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لاَُولي الاََلْباب) . (1)

فهذه الآية تتبنى معرفة نظرية، وربما يتصور أنّها صارت ذريعة لحكم عملي مذكور في الآية التالية، أعني قوله:

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالاََرْضِ رَبَّنا ما خَلْقتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ) . (2)

وهذه الآية وإن كانت جملة خبرية لكن الغاية هي الانشاء، وفرض الذكر، أي ليذكروا اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم.

5. قال سبحانه: (إِنَّني أَنَا اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا) . (3)

وهذه الآية تتضمن معرفة نظرية، رتبت عليها حكمة عملية، وهي قوله: (فَاعْبُدْني وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْري) . (4)

6. قال سبحانه نقلاً عن قوم قارون، انّهم قالوا له: (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبغِ الْفَسادَ فِي الاََرضِ إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّالْمُفْسِدِينَ) . (5)


(1)آل عمران:190.

(2)آل عمران:191.

(3)طه:14.

(4)طه:14.

(5)القصص:77.

(119)

فالآية تتضمن حكمة نظرية وهي كما أحسن اللّه إليك، ورتب عليها حكمة عملية، وهي قوله: «أحسن».

7. قال سبحانه: (وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) (1)وهي حكمة نظرية، ثمّ رتب عليها حكمة عملية، وقال: (أَلاّتَطْغَوا فِي الْمِيزَانِ) . (2)

والجواب عن الجميع كالجواب عن الآيات السابقة، وهو تخلّل قضية واضحة بين الكبرى والصغرى وهذه القضيّة تجعل الكبرى بعمومها دليلاً على النتيجة لا أنّها مستخرجة من الصغرى.


(1)الرحمن:7.

(2)الرحمن: 8.

(120 )

الفصل الرابع عشر

ثبوت الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع

قد ثبت ممّا سبق استقلال العقل بدرك حسن بعض الاَفعال أو قبحها، وحكمه بإتيان الاَوّل والانتهاء عن الثاني، وعندئذٍ يقع الكلام في أنّه هل يمكن أن يكون حكم العقل مصدراً لحكم الشرع؟

فالعدلية ـ أعني: الشيعة والمعتزلة ـ على الملازمة فهو عندهم طريق للوصول إلى الحكم الشرعي، وأمّا الاَشاعرة من أهل السنة والاَخبارية من الشيعة على عدم الملازمة؛ والمهم هو تبيين محلّ النزاع، فانّه غير منقَّح في كلامهم، كما كان الاَمر كذلك في مسألة التحسين والتقبيح.

إنّهنا مسألتين:

الاَُولى: إذا استقل العقل بالتحسين والتقبيح، كمدح المحسن وذم المسيء، فهل يستقل بأنّ الاَمر كذلك عند الشرع وانّه أيضاً باعث إلى الاِحسان، وزاجر عن الظلم ومادح المحسن وذام للمسيء؟

الثانية: إذا استقل العقل بوجود المصلحة في الفعل أو المفسدة فيه، واستقل بلزوم فعل الاَُولى والاجتناب عن الثانية، فهل يكشف ذلك عن كونه حراماً، أو واجباً عند الشرع، بحيث يكون العلم بالمصالح والمفساد من مصادر التشريع الاِسلامي أو لا ؟


(121)

ويكمن محل النزاع في المسألة الاَُولى، وهو أنّ حسن الاَفعال وقبحها عند العقل ـ مع قطع النظر عن حيازتها للمصلحة أو المفسدة ـ يلازم كونها كذلك عند الشرع، فما هو حسن عند العقل، حسن عند الشرع، وهكذا القبيح، وما يأمر به العقل لاَجل حسنه أو ينهى عنه لاَجل قبحه، كذلك عند الشرع أيضاً.

وأمّا المسألة الثانية فهي خارجة عن محط البحث، لاَنّ العقل عاجز عن أن يحيط بالمصالح والمفاسد حتى يصبح من مصادر التشريع بهذا المعنى.

ومن هنا يُعْلم أنّ الباحث عن الملازمة إنّما يبحث بالمعنى الاَوّل، وهو أنّ الحسن عند العقل هل يستلزم كونه كذلك عند الشرع، وامّا أنّ الفعل ذات المصلحة أو المفسدة، طريق إلى الحكم الشرعي، فهذا ممّا لا يمكن الاعتماد عليه، لقصور العقل عن الاِحاطة بالملاكات بالمعنى المتقدّم، فربما يدرك المصلحة ويغفل عن موانعها، أو يقف على المفسدة ويغفل عن موانعها، فإدراك العقل بالمصالح والمفاسد، لا يكون دليلاً على أنّها ملاكات تامّة لتشريع الحكم على وفقها.

فلو قلنا بأنّ العقل من مصادر التشريع فإنّما هو بالمعنى الاَوّل، لاَنّ المدرَك أمر عام غير خاص بمدرِك معين، وهوحسن الفعل بما هو، وقبحه كذلك إذا صدرا من فاعل مختار.

وبذلك يعلم أنّالقول بالملازمة لا يمت بصلة إلى القول بفتح الذرائع أو القياس والاستحسان، فإنّ ذلك التوهم إنّما يصحّ لو فسِّرت الملازمة بالمعنى الثاني لا بالمعنى الاَوّل.

وقد صرّح بعض المحقّقين من علمائنا بما ذكرنا، ولنذكر هنا كلام المحقّق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية: «امّا استتباع حكم العقل النظري للحكم


(122)

الشرعي المولوي فمجمل القول فيه انّمصالح الاَحكام الشرعية المولوية التي هي ملاكات تلك الاَحكام ومناطاتها لا تندرج تحت ضابط ولا تجب أن تكون هي بعينها المصالح العمومية المبني عليها حفظ النظام وإبقاء النوع، وعليه فلا سبيل للعقل بما هو إليها، نعم لو اتّفق إدراك مصلحة حاصلة لبعض الاَحكام بحيث كانت في نظر العقل تامة الاقتضاء فهل يحكم العقل بحكم الشارع على طبقها أم لا. (1)

قال الشيخ المظفرـ بعد تقرير بحث أُستاذه ـ: وعلى هذا فلا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الاَحكام الشرعية، فإذا أدرك العقل المصلحة في شيء أو المفسدة في آخر، ولم يكن إدراكه مستنداً إلى المصلحة أو المفسدة العامتين اللتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء، فانّه ـ أعني: العقل ـ لا سبيل له إلى الحكم بأنّ هذا المدرَك، يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل، إذ يحتمل انّ هناك ما هو مناط لحكم الشارع، غير ما أدرك العقل أو أنّ هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل، وإن كان ما أدرك مقتضياً لحكم الشارع.

ولاَجل هذا نقول: إنّه ليس كلّ ما حكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل، وإلى هذا يشير إمامنا الصادق (عليه السلام) : «إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقل» ولاَجل هذا نحن لا نعتبر القياس والاستحسان من الاَدلة الشرعية على الاَحكام.(2)

المنهج الوسيط:

قد تقدم ممّا ذكرنا أنّ ثمة اتجاهات ثلاثة:


(1)نهاية الدراية:2|130.

(2)أُصول الفقه:1|239ـ 240.

(123)

الاَوّل: من يضفي على العقل قوة التشريع وإمكان إدراكه ملاكات الاَحكام ومصالحها ومفاسدها.

الثاني: من يعزل العقل عن مقام التشريع مطلقاً.

الثالث: من اتخذ اتجاهاً وسطاً فلا يعترف باستطاعة العقل على درك ملاكات الاَحكام التي لا يقف عليها إلاّ علاّم الغيوب، وانّ ما يدركه من المصالح والمفساد ليست ملاكات تامة لتشريع الحكم على وفقها، وفي الوقت نفسه يعترف باستطاعة العقل لدرك حسن الاَفعال وقبحها.

فمن اختار الاتجاه الاَوّل فقد ذهب إلى حجّية القياس التي تبتني على درك ملاكات الاَحكام بالحدس والتخمين، مع أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول.

كما أنّ أصحاب الاتجاه الثاني عزلوا العقل عن درك أبسط الاَُمور وأوضحها.

والاتجاه الثالث هو الوسط بينها.

وبالوقوف على محلّالنزاع تعرف أنّ أدلة الكثير من المثبتين والنافين متداخلة، وما ذلك إلاّلاَنّهم لم يحرّروا محل النزاع.

ولنقدم دليل المختار ثمّ نعرج إلى أدلة نفاة القول بالملازمة.

دليل الملازمة يكمن في الوقوف على حدود ما أدركه العقل في مجال الحسن والقبح، فهناك احتمالات:

أ. أن يكون المدرَك للعقل هو حسن الفعل أو قبحه إذا صدر من الاِنسان.

ب. أن يكون المدرَك للعقل هوحسن الفعل أو قبحه من حيث صدوره عن الفاعل المختار سواء أكان ممكناً كالاِنسان أو واجباً كاللّه سبحانه.

فلو كان المدرك للعقل هو الاَوّل لم يكن لكشف الملازمة هناك طريق، لاَنّ


(124)

المفروض عدم سعة مدركه، واختصاص درك الحسن والقبح لفاعل مختار خاصّ كالاِنسان.

وأمّا إذا كان المدرك بنحو ما ذكر في القسم الثاني، فالفاعل المختار يصدق على الممكن والواجب، وعليه فيكون الفعل الموصوف بالحسن والقبح عند الاِنسان هو أيضاً كذلك عند الواجب عزّ اسمه.

والدليل على أنّ ما يدركه العقل أمر واسع يعم كلا الفاعلين هو ما أقمنا برهانه من أنّ الموضوع للحسن والقبح هو نفس الفعل، بغضِّ النظر عن فاعل خاص، بل مع غض النظر عمّا يترتب عليه من المصالح والمفساد، فإذا كان هذا هو الموضوع فما وقف عليه العقل بفطرته، أمر واقعي يكون الواجب والممكن أمامه سواء.

وهذا نظير إدراكات العقل في مجال الحكمة النظرية، فلو أدرك العقل بفضل البداهة أو التجربة بأنّ زوايا المثلث تساوي قائمتين، فقد أدرك أمراً واقعياً من دون مدخلية للمدرك في حقيقتها، فإذا كانت زوايا المثلث محكومة بهذا الحكم فإنّما هو لاَجل طبيعة المثلث، فإذا كان كذلك، فالمعلوم عند الاِنسان هو نفس المعلوم عند اللّه، والفرق بين العقل النظري والعملي أنّ مدركاته في الاَوّل إخبار عن الواقع، كما أنّ مدركاته في الثاني إنشاء وبعث وزجر.

ثمّ إنّ للمحقّق القمي بياناً وافياً في هذا الموضوع نقتبس منه ما يلي، يقول:

إنّالعقل يدرك الحسن والقبح بمعنى أنّ بعض الاَفعال على وجه يستحق فاعله من حيث هو فاعله، المدحَ، وبعضها على وجه يستحق فاعله من حيث فاعله، الذمَّ، سواء أكان فيه من الشرع خطاب أم لم يكن، فانّه يدرك في شيء حسناً لا يرضى بتركه، ويحكم بلزوم الاِتيان به، وفي بعضها قبحاً يحكم بلزوم


(125)

تركه، وقد يجوز الترك في بعضها والفعل في بعضها الآخر، ومن الواضح أنّه يدرك أنّ بعض هذه الاَفعال ممّا لا يرضى اللّه بتركه ويريده من عباده بعنوان اللزوم، وبعضها ممّا لا يرضى بفعله ويريد تركه بعنوان اللزوم، ولازم ذلك أنّه تعالى طلب منّا الفعل والترك بلسان العقل.

فكما أنّ الرسول الظاهر يبيِّن أحكام اللّه وأوامره ونواهيه فكذلك العقل يبيِّن بعضها، فَمَنْ حكَم عقلُه بوجود المبدع الحكيم القادر، العدل الصانع، العالم، يحكم بأنّه يجازي العبد القوي بسبب ظلمه على العبد الضعيف بالعقاب، وكذلك الودعي الذي أئتمنه عبد من عباده لا سيما إذا كان ذلك العبد محتاجاً غاية الاحتياج بسبب ترك ردها إليه، ويجازي العبد القوي الرفيع برأفته على العبد الضعيف العاجز المحتاج، بالثواب، فلو لم يكن نهانا عن الظلم وأمرنا برد الوديعة، ولم يكن الظلم وترك الرد مخالفة له، لما حكم العقل بموَاخذة اللّه وعقابه، فانّ القبح الذاتي يكفي فيه محض استحقاق الذم، فيثبت من ذلك أنّ الظلم حرام شرعاً وردّ الوديعة واجب شرعي.

ثمّ أورد على نفسه إشكالاً وقال: إنّالثواب والعقاب إنّما يترتبان على الاِطاعة والمخالفة لا غير، والاِطاعة والمخالفة لا تتحقق إلاّ بموافقة الاَوامر والنواهي من الكتاب والسنة ومخالفتهما، وحيث لا أمر ولا نهي ولا خطاب فلا إطاعة ولا ثواب ولا عقاب.

ثمّأجاب عنه: بأنّ انحصار الطاعة والمخالفة في موافقة الخطاب اللفظي ومخالفته، دعوى بلا دليل، بل هما موافقة طلب الشارع ومخالفته وإن كان ذلك الطلب بلسان العقل، ونظير ذلك أنّ اللّه تعالى إذا كلّف نبيّه بواسطة إلهام من دون نزول وحي من جبرئيل (عليه السلام) وإتيان كلام، وامتثله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


(126)

فيقال إنّه أطاع اللّه جزماً والعقل فينا نظير الاِلهام فيه.

ثمّ يقول: إنّمن يدّعي حكم العقل بوجوب ردّالوديعة وحرمة الظلم يدّعي القطع بأنّ اللّه تعالى خاطبه بذلك بلسان العقل، فكيف يجوز العمل بالظن بخطاب اللّه تعالى وتكليفه ولا يجوز العمل مع اليقين به؟ فإن كان ولابدّ من المناقشة فليكتف في منع حصول هذا القطع من جهة العقل وانّه لا يمكن ذلك.(1)

وكلامه هذا كلام رصين وكان في وسعه الاقتصار على استكشاف العقل حكم الشارع بالوجوب والحرمة دون الجزاء بالثواب والعقاب، لاَنّ الامتثال لا يلازم الثواب لما قرر في محله من أنّ الثواب تفضل من اللّه سبحانه وليس استحقاقاً.

وبذلك ثبت أنّما يدركه العقل في مجال العقل العملي من الحسن والقبح قضية شمولية تعم كلّفاعل مختار من غير فرق بين الممكن والواجب.


(1)القوانين:2|2 ـ 3.

(127)

الفصل الخامس عشر

أدلّة نفاة الملازمة

إنّ لنفاة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع أدلة مختلفة لا تنصبُّ على أمر واحد، وهذا يعرب عن أنّ محلّ النزاع لم يكن منقَّحاً بين المثبتين أنفسهم فضلاً عن النافين.

وقد مرّ ـ فيما سبـق ـ أنّمحط النزاع ينصبُّ على الملازمة بين درك حسن الشيء وبعث الشارع إليه، وقبح الشيء وزجر الشارع عنه، فمن قائل بالملازمة، ومن قائل بعدمها.

وامّا أنّ إدراك العقل للمصالح والمفاسد هل يلازم تشريع الوجوب من قبل الشارع على وفق المصالح، والحرمة على وفق المفاسد أو لا ؟ فهذا غير مطروح بالمرة، لاَنّ القائلين بالملازمة ـ كأكثر الاَُصوليين من الشيعة الاِمامية ـ ينفون هذا النوع من الملازمة، بادّعاء أنّالعقل عاجز عن إدراك مناطات الاَحكام وملاكاتها، والمصالح التامّة والمفاسد كذلك، فليس العلم بهما ملازماً للتشريع.

إذا عرفت ذلك، فنقول:

1. دليل الزركشي على نفي الملازمة:

إنّ بدر الدين الزركشي (745ـ 794هـ) ـ الذي هو من المتحمسين لنفي الملازمـة ـ تخيل أنّالنزاع بين إدراك المصالح والمفاسد، وبين الوجوب والحرمة


(128)

، فجعل يرد ذلك بقوله:

إنّ الحسن والقبح ذاتيان، والوجوب والحرمة شرعيان، وأنّه لا ملازمة بينهما، والمعتزلة لا ينكرون أنّ اللّه تعالى هو الشارع للاَحكام وإنّما يقولون إنّ العقل يدرك أنّ اللّه شرّع أحكام الاَفعال بحسب ما يظهر من مصالحها ومفاسدها، فهو طريق عندهم إلى العلم بالحكم الشرعي، والحكم الشرعي تابع لهما لا عينهما، فما كان حسناً جوّزه الشارع وما كان قبيحاً منعه، فصار عند المعتزلة حكمان أحدهما عقلي والآخر شرعي تابع له. (1)

يلاحظ على كلامه، أوّلاً: زعمه أنّ النزاع في الملازمة بين المصلحة والوجوب، والمفسدة والحرمة، مع أنّك عرفت أنّ النزاع في غيره.

نعم هناك نزاع آخر في أنّ أحكام الشارع تابعة للمصالح والمفاسد أوّلاً، ولا يمت إلى بحثنا بصلة.

وثانياً: تصوَّر أنّ القول بالملازمة يخرج الشارع عن كونه شارعاً للحكم، ولذلك قال: إنّ المعتزلة لا ينكرون أنّ اللّه هو الشارع للاَحكام.

أقول: إنّ المعتزلة وعموم المسلمين لا ينكرون أنّاللّه هو الشارع، وليس القول بالملازمة بمعنى نفي كونه سبحانه شارعاً، بل معناه استكشاف حكمه الذي هو فعله من ذلك الطريق.

ثمّ إنّه أقام الدليل على نفي الملازمة، وقال: إنّ هنا أمرين:

الاَوّل: إدراك العقل حسن الاَشياء وقبحها.

الثاني: انّذلك كاف في الثواب والعقاب وإن لم يرد في الشرع، ولا تلازم بين الاَمرين بدليل قوله سبحانه: (ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَالْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها


(1)تشنيف المسامع بجمع الجوامع: 1|133 ـ 139، كما في التعليقة على الوافية : 175 ـ 177 .

(129)

غافِلُونَ) (1)والمراد من قوله :(بِظُلم) أي بقبيح فعلهم، فلو كان حكم العقل بقبح الظلم ملازماً لعقابه سبحانه لما صحّ مضمون الآية الذي يعلق العقاب على بيانه.

يلاحظ عليه: أنّ النزاع ليس بين حسن الاَشياء وترتّب الثواب، ولا قبح الشيء وترتب العقاب، بل النزاع بين حسن الشيء وبعث الشارع إليه، وقبح الشيء وزجر الشارع عنه، وأمّا الثواب والعقاب فربما لا يترتبان حتى على الحكم الشرعي المستفاد من الكتاب والسنّة بناء على أنّ الثواب من باب التفضّل لا الاستحقاق.

وأمّا عدم عقابه سبحانه لاَهل القرى فإنّما لغفلتهم وإلاّلعمّهم العذاب، فلا يكون دليلاً على نفي العقاب فيمن خالف حكم العقل، وهو غير غافل.

وبذلك يعلم الجواب عن الاستدلال ببعض الآيات التي تعلّق العذاب على مجيىَ النذير، بزعم أنّه لو كان حكم العقل كافياً في العقاب لما صحّ هذا التعليق، وقد عرفت أنّ النزاع ليس بين الحسن وترتب الثواب، والقبح وترتب العقاب حتى يعد عدم ترتّب العقاب فيما يدرك العقل قبحه دليلاً على عدم الملازمة لما عرفت من أنّ الثواب والعقاب أمران مستقلان، فمن قال بالاستحقاق يقول بترتبهما على الحسن والقبح، ومن قال بالتفضّل في الثواب لا يقول بالترتب. وإنّ محط النزاع بين إدراك الحسن والبعث وإدراك القبح والزجر .

وبالجملة فكلام الزركشي لا يخلو من خلط.

2. دليل صاحب الوافية على نفي الملازمة

إنّ الفاضل التوني (المتوفّى1070هـ) صاحب الوافية ممن قال بالتحسين


(1)الاَنعام:131.

(130)

والتقبيح العقليين، ولكنّه لم يلتزم بالملازمة، وقال: والحقّ ثبوت الحسن والقبح العقليين، ولكن في إثبات الحكم الشرعي ـ كالوجوب والحرمة ـ بهما نظر وتأمّل، لاَنّ قوله تعالى: (وَما كُنّا مُعَذِّبين حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (1)ظاهر في أنّ العقاب لا يكون إلاّ بعد بعثة الرسول، فلا وجوب ولا تحريم إلاّ وهو مستفاد من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأيضاً انّ العقل يحكم بأنّه يبعد من اللّه توكيل بعض أحكامه إلى مجرّد إدراك العقول مع شدة اختلافها في الاِدراكات من غير انضباطه بنص، أو شرع، فانّه يوجب الاختلاف والنزاع، مع أنّ رفعه من إحدى الفوائد لاِرسال الرسل ونصب الاَوصياء. (2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه إذا وقف العقل على الملازمة بين حسن الشيء والبعث إليه، وقبحه والزجر عنه، يستكشف بيان الشارع أيضاً عن طريق رسوله غير أنّ هذا الرسول، رسول باطني لا ظاهري كما في رواية هشام عن الكاظم (عليه السلام): «يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة. أمّا الظاهرة فالرسل والاَنبياء والاَئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول». (3)

وثانياً: خروج ما ذكره عن محط البحث، إذ ليس البحث في إدراك مناطات الاَحكام وملاكاتها حتى يستكشف منها حكم الشرع، ليرد عليه بأنّه يبعد من اللّه توكيل بعض أحكامه إلى مجرّد إدراك العقول مع شدة اختلافها في الاِدراكات من غير انضباطه بنصّ أو شرع... وإنّما الكلام في الملازمة بين حسن الشيء وقبحه، وليسا من الاَُمور التي تختلف فيها العقول، لوضوح درك حسن الشيء وقبحه إذا عرض الفعل على الفطرة.


(1)الاِسراء:15.

(2)الوافية:172ـ 174.

(3)الكافي:1|16.

(131)

3. دليل السيد الصدر على نفي التسمية

يرى السيد صدر الدين محمد باقر الرضوي القمي(المتوفّى1160هـ) الملازمةَ، ولكن يقول بأنّ المكشوف عن طريق الملازمة لا يسمى حكماً شرعياً، ولا يترتب عليه الثواب والعقاب، قال: إنّا إذا أدركنا العلة التامة لحكم العقل بوجوب شيء أو حرمته مثلاً، يصح أن يحكم عليه بأنّ الشارع حكم أيضاً مثل حكم العقل عليه، ولكن لما فرضنا عدم بلوغ التكليف إلينا لا يترتب عليه الثواب وإن كان يترتب على نفس الفعل شيء من قرب وبعد، فلا يكون واجباً أو حراماً شرعياً. إلى أن يقول: وجود الاِضافة التي يعبر عنها بالخطاب معتبر في تحقّق حقيقة الحكم وليس مجرد التصديق من الشارع بأنّشيئاً خاصاً ممّا يحسن فعله أو قبحه وكذا إرادته من المكلَّف أن يفعل أو يترك، ورضاه من فعل ومقته، حكماً شرعياً من دون أن يصير المكلّف مخاطباً بالفعل بأن يصل إليه قول النبي : أن صلِّ وصم.

وكذا إخبار الشرع بأنّ هذا الشيء واجب أو حرام أو طلبه قبل بلوغ الخطاب ليس حكماً فعلياً وإنّما يترتب الثواب والعقاب على التكليف الخطابي، والقاعدة لا تثبت الخطاب حتى يترتب عليه.(1)

وقد أورد عليه الشيخ الاَنصاري إشكالات عديدة ذكرناها في الرسالة التي ألّفناها حول الملازمة بين العقل والشرع التي نشرتها الاَمانة العامة للموَتمر العالمي لاِحياء الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الاَعظم، فمن أراد التفصيل فليرجع إليها . (2)

وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي: إن أراد من الحكم صدور الخطاب على


(1)مطارح الاَنظار: رسالة في الاَدلة العقلية: 236.

(2)الملازمة بين حكم العقل والشرع عند الشيخ الاَنصاري: 52 ـ 53.

(132)

وجه يصدق أنّه حكم تنجيزي صادر من الشارع، فهذا ممّا لا يدّعيه القائل بالملازمة، وإن أراد من الحكم كونه مطلوباً ومراداً للشارع، فهو أمر ثابت، فانّ الفعل إذا أدرك حسن الشيء، فقد أدرك انّه كذلك عند كلّ عاقل حكيم فكيف بمن هو سيد العقلاء.

بل لا يبعد ترتب العقاب والثواب على الحكم المستكشف، فانّ العقل إذا أدرك حسن الشيء فإنّما يدركه على وجه انّ العامل به ممدوح مثاب وانّ مرتكب قبيح الشيء مذموم معاقب، فلو كان دركه بهذا النحو يكون الحكم المستكشف أيضاً على هذا النحو من الوصف .

وهناك مثال نلفت نظر القارىَ إليه: ألا ترى لو علم العبد بعدم إرادة المولى قتل ولده أو أراد إكرامه، فقتله أو أكرمه فيعد عند العقلاء عاصياً عند القتل ومطيعاً عند الاِكرام من دون أي شبهة.

4. دليل صاحب الفصول على نفي الملازمة

حرّر صاحب الفصول (المتوفّى1261هـ) محلّ النزاع، وقال: نزاعهم في المقام يرجع إلى مقامين:

المقام الاَوّل: إذا أدرك العقل جهات الفعل من حسن وقبح، فحكم بوجوبه أو حرمته أو غير ذلك، فهل يكشف ذلك عن حكمه الشرعي ويستلزم أن يكون قد حكم الشارع أيضاً على حسبه ومقتضاه من وجوب أو حرمة أو غير ذلك، أو لا يستلزم ذلك؟ ثمّ إنّ عدم الاستلزام يتصور على وجهين:

1. أن يُجوَّز حكم الشارع على خلافه، وعلى هذا تنفى الملازمة من الجانبين، فلا يستلزم حكم العقل حكم الشرع ولا حكم الشرع حكم العقل.

2. يجوز أن لا يكون للشارع ـ فيما حكم العقل فيه بوجوب أو حرمة مثلاً ـ


(133)

حكم أصلاً ، لا موافقاً ولا مخالفاً. ذلك بأن تخلو الواقعة عن الحكم رأساً، وعلى هذا تنفى الملازمة من جانب واحد، وأمّا الجانب الآخر فتجوَّز الملازمة.

المقام الثاني: انّ عقولنا إذا أدركت الحكم الشرعي وجزمت به، فهل يجوز لنا اتّباعها ويثبت بذلك الحكم في حقّنا أو لا ؟ (1)

أما المقام الاَوّل، فقال: الحقّ أنّه لا ملازمة بين حسن الفعل وقبحه، و بين وقوع التكليف على حسبه ومقتضاه، ثمّ استدل على ذلك بعدة نقوض مكانَ إقامة الدليل.

الاَوّل: حسن التكليف الابتدائي، وتكليف العبد لا لاَجل حسن الفعل بل لاَجل اختباره وانّه هل يمتثل أو لا.

يلاحظ عليه: أنّ المدّعى هو أنَّ حسن الفعل يستدعي التكليف لا أنّ كلّما يصحّ التكليف فيه، فإنّما هو لاَجل حسن الفعل.

وبعبارة أُخرى: الكلام في أنّ العقل إذا استقل بحسن الشيء أو قبحه يلازم كونه مطلوباً ومنزجراً عند الشارع، وليس الكلام في أنّ كلّ ما يصحّ فيه التكليف، فإنّما هو لاَجل حسن الفعل، بل ربما يكون حسن التكليف رهن أمر آخر غير حسن الفعل وهو اختبار العبد وبيان مقدار إطاعته وامتثاله.

الثاني: التكاليف التي ترد مورد التقية، فانّ تلك التكاليف موصوفة بالحسن والرجحان لما فيها من صون المكلّف عن مكائد الاَعداء، وانّ تجرد ما كُلف به عن الحسن الابتدائي.

يلاحظ عليه: بنفس ما أوردناه على الدليل الاَوّل، إذ البحث في أنّ حسن الفعل وقبحه يلازم بعث المولى أو زجره، وأمّا انّ المصحّح للتكليف فهو منحصر


(1)الفصول: 337.

(134)

في حسن الفعل فليس بمطروح، بل ربما يكون المصحّح أمراً آخر غير حسن الفعل و هو حفظ النفوس والاَعراض والاَموال.

الثالث: أنّكثيراً من علل الشرائع غير موجودة، ومع ذلك يصحّ التكليف فيما يفقد تلك الحكم كالاعتداد المعلل بعدم اختلاط المياه، مع أنّه يجب الاعتداد حتى مع القطع بعدم الاختلاط كالغائب عنها زوجها، وكتشريع غسل الجمعة لرفع رائحة الآباط مع ثبوت استحبابه مع عدمها، وكراهة الصلاة في الاَودية لكونها مظنة لمفاجأة السيل مع ثبوتها والقطع بعدمها، وقضية ذلك، حسن التكليف مع عدم حسن الفعل أو القبح من الفعل.

والجواب نفس الجواب وهو انّ الملازمة بين حسن الفعل وحكم الشرع لا بين حكم الشرع وحسن الفعل ومثله جانب القبح.

الرابع: الاَخبار الدالة على عدم تعلّق بعض التكاليف رفعاً للكلفة كقوله: «لولا أشقّ على أُمّتي لاَمرتهم بالسواك» فالفعل الشاق قد يكون حسناً لكن لا يحصل الاِلزام به لما فيه من التضييق على المكلف فالحسن موجود مع عدم الاَمر .

يلاحظ عليه: أنّ المثال خارج عن محط البحث وهو انّ حسن الفعل يلازم البعث وقبحه يلازم الزجر، والسواك ليس ممّا يستقل بحسنه العقل أو يستقل بقبح تركه، وإنّما وقف العقل على ذلك عن طريق التجارب، حيث إنّ للسواك دوراً في سلامة المزاج وصحته، فيدخل في باب إحراز المصالح والمفاسد، وقد قلنا إنّ العلم بالمصالح والمفاسد لا يلازم الوجوب أو الحرمة لعدم إحاطة العقل بالمناطات والملاكات فربَّ مصلحة تتزاحم بشيء آخر كما في المقام وهي المشقة.


(135)

الخامس: الصبي المراهق إذا كان كامل العقل لطيف القريحة تثبت فيه الاَحكام العقلية في حقّه كغيره، ومع ذلك لم يكلفه الشارع بوجوب ولا تحريم لمصالح داعية إلى ترك تكليفه بهما من التوسعة عليه.

يلاحظ عليه: نمنع أوّلاً عدم ثبوت جميع الاَحكام الشرعية في حقّه النابعة من الاَحكام العقلية، كحرمة الظلم ووجوب ردّالاَمانة. وأمّا المرفوع فإنّما هو سائرها.

وثانياً: انّ عدم تكليفه بسائر الاَحكام فلاَجل أنّ الكلام فيما إذا كان الحسن علة تامة للتكليف ولم يكن مزاحماً بشيء آخر، والمقام من هذا القبيل فانّ حسن الفعل وإن كان يقتضي التكليف لكن تعليق التكليف على الصلاحيات الفردية يوجب الفوضى في عالم التكليف، ولاَجل إيصاد هذا الباب أُلغيت الصلاحيات الفردية واقتصر على تعيين السن في البنين والبنات، وعلى ضوء ذلك فلا محيص من عدم الاعتداد بالذكاء الشخصي وإن كان صالحاً للتكليف، ولم يكن الحسن في المقام علة تامة للتكليف.

وصفوة البحث انّ ما ذكره ذلك المحقق من النقوض على القاعدة لا يصلح للاحتجاج بها، لاَنّها على قسمين:

1. ما لاتمس بالقاعدة، حيث إنّ المدّعى هو أنّ حسن الفعل يلازم تكليف الشرع وليس المدَعى هو أنّ حسن التكليف مطلقاً رهن حسن الفعل، فالملازمة بين حسن الفعل وحسن التكليف، لا بين حسن التكليف وحسن الفعل، فالموارد التي نقض بها كلّها من هذا القبيل، ففيها حسن التكليف وليس فيها حسن الفعل، ولا يضرّنا هذا الانفكاك، وإنّما المدعى ملازمة حسن الفعل مع حسن التكليف لا العكس.


(136)

2. ما يرجع إلى أنّ العلم بالمصالح لا يلازم التكليف وقد عرفنا صحّته كما في مورد السواك حيث إنّ المصلحة لا تلازم التكليف، ونظيره تكليف المراهق فانّ هناك علماً بمصلحة التكليف، وقد قلنا انّ العلم بالمصلحة لا يلازم إذ ليس للعقل إحاطة كاملة بالموانع والعوائق.

وأمّا المقام الثاني، أعني: أنّ عقولنا إذا أدركت الحكم الشرعي وجزمت به، فهل يجوز لنا اتباعها ويثبت بذلك الحكم في حقّنا أو لا ؟

وقد أذعن بالملازمة في المقام الثاني وانّه لا يتوقف وصول التكليف بطريق سمعي، وقال: إنّ احتمال كون التكليف أو حسنه مشروطاً ببلوغه بطريق سمعي مع إمكان دعوى كونه مقطوع العدم في بعض الموارد ممّا لا يعتد به العقل في إهمال ما أدركه من الجهات القطعية، لظهور أنّ الاحتمال لا يعارض اليقين لا سيما إذا كان بعيداً أو ليس في السمع ما يدل على هذا الاشتراط لما سنبيّنه من بطلان ما تمسك به الخصم وعدم قيام دليل صالح له سواه، ويدل عليه قوله تعالى: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّلَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِث)(1).(2)

ولعل بيانه كاف في لزوم الطاعة ، وقد ذكر الشيخ الاَنصاري في المقام كلاماً في ردّ الاَخبارية الذين يظنون لزوم السماع من الصادقين في وجوب الطاعة فمن أراد فلينظر إليه. (3)


(1)الاَعراف:157.

(2)الفصول:340.

(3)الفرائد: مبحث القطع، التنبيه الثاني: 11.

(137)

5. دليل المحقّق الخراساني على نفي الملازمة

إنّالمحقّـق الخـراسانـي (1255ـ 1329هـ) وافـق صاحـب الفصول في نظريته ونفى الملازمة بين الحكمين، وقدَّم لتحقيق مرامه أمرين، والمهم هو الاَمر الثاني الذي نأتي بخلاصته:

1. انّ مجرد حسن فعل أو قبحه لا يوجب عقلاً إرادة العقلاء إياه بحيث يبعثون إليه عبيدهم أو يزجرونهم عنه، كما يحسِّنون أو يقبِّحون عليه لو اتفق صدوره من أحد، بل لابدّ في حصولهما من دواع وأغراض، فربما يكون لهم داع إلى صدور الحسن من العبد وربما لا يكون.

ثمّ استشهد على ذلك بأنّه كثيراً ما يختار العقلاء فعلاً قبيحاً وترك الحسن، والسر هو أنّ الداعي الذي هو سبب الاِرادة يختلف باختلاف الاَحوال والاَشخاص وغلبة الشهوات والتفاوت في الملاكات.

يلاحظ عليه: أنّ ما أفاده من أنّ الاِنسان ربما يحسِّن الشيء ولا يريده، كما لا يريد الاِحسان من عدوه، وربما يقبح الشيء ولا يكرهه، كما في الظلم على العدو، إنّما يتم في الاَفراد الغارقة في الاَغراض الشخصية والمصالح المادية، وأمّا الاِنسان المنسلخ عنها، فالاِيمان فيه يدعو إلى العمل ولا ينفك عنه.

فالقوة العاقلة التي هي رئيس القوى إذا كانت معجبة بالشيء أو مشمئزة منه، تطلب فعل الاَوّل وترك الثاني، وإنّما ينفك الاِيمان عن العمل، إذا كانت القوة العاقلة، محكومة بالدواعي النفسانية والاَغراض المادية، وهي خارجة عن البحث.

وبالجملة إذا أدرك العقل المجرد من الرواسب انّ الاِحسان، حسن وانّ فعله كمال له فيطلبه، وانّ الظلم قبيح وارتكابه نقص له فيزجر عنه أو يشمئز منه.


(138)

وبعبارة أُخرى: إذا أدرك انّالفعل كمال، أو هو نقص له، فكيف يتوقف عن الاَمر بتحصيله مع أنّ الميل إلى الكمال، أمر فطري جُبل عليه الاِنسان، ولاَجل ذلك لا ينفك ذاك العلم عن الطلب والزجر مادام زمان القضاء بيد القوة العاقلة.

2. ثمّ إنّه (قدّس سرّه)ردّ الملازمة بمثالين:

الاَوّل: الصبي الذي تفتحت قريحته وحسن ذكائه فالعقل يحكم بحسن التكليف وليس في الشرع كذلك.

الثاني: جواز خلو الواقعة من الحكم الشرعي كما في الصبي وكافة الناس في صدر الاِسلام في الجملة فهناك حسن الفعل موجود والحكم الشرعي مفقود.

والجواب على المثالين واضح لما عرفت من خروج المثال الاَوّل عن محط البحث، لما مرّ من أمرين:

1. منع عدم كونه محكوماً بما يستقل العقل بقبحه كالظلم.

2. إنّ عدم تكليفه بسائر الاَحكام الشرعية، فلاَجل أنّ تعليق التكليف على الصلاحيات الفردية يوجب الفوضى في عالم التكليف بل ربّما يوجب العسر في تشخيص الموضوع بخلاف ما إذا علق التكليف على البلوغ المحدد بعلائم ثلاثة لا سيما السن.

وبالجملة كلّمورد يحتمل عدم كون الحسن والقبح علة تامة للطلب والزجر وابتلائه بمانع فلا يحكم بالملازمة به .

وأمّا ما ذكره من النقض من إمكان خلو الواقعة من الحكم الشرعي فهذا ما لا تصدقه الروايات المتضافرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام)، وقال:


(139)

«ألا ما من شيء يقرّبكم إلى الجنة ويبعّدكم عن النار إلاّوقد أمر اللّه به، ألا ما من شيء يقرّبكم إلى النار ويبعّدكم عن الجنة إلاّوقد نهاكم عنه». (1)

إلى هنا تمّ بعض ما استدل به على نفي الملازمة بين الحكم العقلي والشرعي، وهناك كلام للمحقّق الاصفهاني وتلميذه الشيخ المظفر، فقد أوردنا كلامهما في رسالة خاصة أفردناها لبيان الملازمة بين حكمي العقل والشرع فمن أراد، فليرجع إليها. (2)

ولما كان لمسألة التحسين والتقبيح العقليين صلة تامة بالاَخلاق أردفنا هذه الرسالة برسالة أُخرى تبحث في فلسفة الاَخلاق والمذاهب الاَخلاقية على وجه الاِيجاز.

تم الكلام في التحسين والتقب
الحكمين
ليلة العشرين من ربيع الثاني من شهور عام 1420 هـ
والحمد للّه رب العالمين


(1)البحار:70| 96، ح 3.

(2)الملازمة بين حكمي العقل والشرع عند الشيخ الاَنصاري:68ـ 74.


(140)

(141)

رسالة
في
فلسفة الاَخلاق
و
المذاهب الاَخلاقية


(142)

(143)

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه حمداً يستوجب المزيد من إحسانه وفضله، والصلاة والسلام على نبيّه، محمّد الذي فتح اللّه له من كنوز غيبه، فارتوت أُمّته من فيضه، وعلى آله كنوز أسراره، وحملة شرعه، ومكارم أخلاقه.

أمّا بعد: فهذه رسالة موجزة في فلسفة الاَخلاق نتطرق فيها إلى أهم المذاهب الاَخلاقية، وقبل الخوض في الموضوع ، لابدّ من تعريف علم الاَخلاق أوّلاً ، ثمّ نعرّج إلى تعريف فلسفة الاَخلاق ثانياً، فنقول:

علم الاَخلاق: هو العلم الباحث عن الفضائل والرذائل الروحية التي يكتسبها الاِنسان بإرادة واختيار، فهذه الصفات هي موضوع علم الاَخلاق، والغاية منها هي تحلية النفس بالفضائل وتخليتها عن الرذائل.

وأمّا السلوك العملي، فهو من آثار تلك الصفات من حسن وقبيح.

نعم ربما يطلق علم الاَخلاق ويراد منه مجموع ما يصدر من الاِنسان في حياته الفردية أو الاجتماعية من الاَفعال، الذي يعرب عن فضيلة أو رذيلة نفسانية.

ما هي فلسفة الاَخلاق؟

يمكن تعريف فلسفة الاَخلاق بأحد أمرين على وجه مانعة الخلو:


(144)

1. هو العلم الباحث عن المبادىَ التصورية والتصديقية لهذا العلم، بمعنى انّها توضح المفاهيم الواردة في ذلك العلم كما تسهل التصديق بالقضايا الاَخلاقية المبحوثة في علم الاَخلاق.

2. هو العلم الباحث عن مباني علم الاَخلاق، وتبيين الا َُسس التي يبتني عليها ذلك العلم، فهل الاَخلاق مبنية على الحسن والقبح العقليين، أو على مذهب الجمال، أو الاعتدال، أو اللذة، أو غير ذلك؟ فما لم يكن للعالم الاَخلاقي موقف حاسم حيال تلك المباني، لا يتيسر له عرض مذهب أخلاقي جامع.


(145)

المذاهب الاَخلاقية

1. المذهب الاَخلاقي في الاِسلام

أنّ الاِنسان بفطرته يميّز بين الفضائل والرذائل، وأنّمنشأ الاَخلاق عبارة عن الانصياع لقضاء الفطرة بالتحلّي أو بالتخلّي، وأنّهناك أُموراً يدرك العقل العملي حسنها وجمالها فيبعث إلى تحصيلها، كما أنّ ثمة أُموراً يدرك قبحها فيزجر عن فعلها، وهذا ما يعبّر عنه بمذهب الفطرة.

وثمّة مذاهب تبنت أُسساً أُخرى للاَخلاق.

2. مذهب الجمال.

3. مذهب الاعتدال.

4. مذهب اللذة.

5. المذهب الكلبي (العزوف عن لذائذ الدنيا).

6. مذهب الحس الاَخلاقي.

7. مذهب القوة.


(146)

المذاهب الاَخلاقية
1

المذهب الاَخلاقي في الاِسلام

قد احتدم النقاش في تمييز الفعل الاَخلاقي عن غيره، وأسفر عن تأسيس مذاهب أخلاقية، سيأتي شرحها تباعاً.

والذي نحن بصدد بيانه حالياً هو تبيين موقف الاِسلام في هذا المقام وانّالفعل الاَخلاقي يندرج تحت أي مقولة من المقولات، وما هو سماته وخصوصياته؟ فيقع البحث في مقامين:

المقام الاَوّل: في بيان المقولة التي تندرج تحتها الاَخلاق

وتوضيحه رهن بيان أُمور:

أ. الاَخلاق سلوك نابع من ذات الاِنسان

الاَخلاق جمع الخلق، وهو يحكي عن أنّالفعل الاَخلاقي عبارة عن سلوك نابع من صميم الاِنسان وذاته.

وعلى ذلك فالفعل الاَخلاقي مظهر من مظاهر ما يكمن في وجود الاِنسان، ويحكي عن حس باطني. فلو قام إنسان بمشاريع خيرية نتيجة ضغوط خارجية فلا يعد عمله هذا عملاً أخلاقياً، لاَنّه لم ينبع من صميم ذاته أو من حس باطني،ولذلك تكون الاَخلاق نحو سلوك حاكٍ عما يجيش في ضميره وكيانه.

نعم هذا القيد، قيد لازم دون أن ينحصر به.


(147)

ب. أنواع قضايا الحكمة العملية

قسّم الحكماء الاِدراكات العقلية إلى نظرية وعملية، فالمراد من الاَُولى ما من شأنه أن يُعلم، والمراد من الثانية ما من شأنه أن يُعمل، ولكن الغاية من الاَُولى هي العلم، والغاية من الثانية هي العمل، فثمة قوة واحدة تدعى «العقل» وإنّما الاختلاف في مدركاته.

ثمّ إنّهم قسّموا قضايا الحكمة النظرية إلى بديهية ونظرية، لاَنّه لو كانت عامة القضايا غير بديهية لما استطاع الاِنسان أن يحل مجاهيله ومشاكله، فالقضايا البديهية مفاتيح لحل مبهمات القضايا النظرية.

وطبيعة الحال تقتضي أن تكون الحكمة العملية على ذلك الغرار، فقضاياها بين بديهية تقف على صحتها أو سقمها عقول الناس قاطبة من دون إمعان نظر، كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح. وغير بديهية تفك عُقدها من خلال البديهيات، والدليل على ذلك التقسيم في قضايا الحكمة العملية هو نفس الدليل في تقسيم قضايا الحكمة النظرية.

ج. حسن الفعل وقبحه عند العقل

إنّ العقل العملي يقسّم الاَفعال إلى قسمين: بين حسن وجميل يطلب إيجاده، وقبيح ودميم يطلب تركه واجتنابه، هذا النمط من التقسيم نابع من صميم ذاته، فيميل إلى الاَوّل لاِحساس جمال في الفعل وحسن فيه، كما أنّه ينفر عن الثاني لاِحساس قبحه ودمامة طبعه.

فإذا اتضحت تلك الاَُمور، فنقول:

إنّ القيم الاَخلاقية من مقولة الجمال، فالفعل الجميل نابع عن الاِحساس


(148)

اللطيف، والروح الجميلة غير انّه ينبغي الوقوف على حقيقة الجمال.

قد صرح القدماء ان الجمال يدرك ولا يوصف، كما أنّ الملاحة كذلك، ولكن يمكن لنا الوقوف على واقع الجمال من خلال إمعان النظر في الاَُمور الحسية الجميلة.

فالجمال الحسي رهن التوازن والتعادل بين أجزاء الموجود سواء أكان موجوداً عنصرياً أو نباتياً أو حيوانياً أو إنسانياً.

فإذا كانت الاَجزاء متناسبة ومتناسقة، كل جزء يحتلُّ مكانه الخاص فهو جميل، هذا هوحال الجمال الحسي.

وأمّاالجمال المعنوي: فهو عبارة عن حسن الفعل النابع عن تعادل القوى وتوازن الاستعدادات.فإذا كان الاِنسان متعادلاً في قواه، ومجتنباً عن الاِفراط والتفريط في إعمالها، حينها تكون الروح مبدأً لصدور الاَعمال الحسنة مثلاً: انّالشهوة والغضب وحب الجاه والمال من أركان الحياة ولولاها لما قام صرحها، شريطة أن يستغلّها الاِنسان بأسلوب معتدل. وعلى ضوء ذلك يُصبح الفعل الاَخلاقي من مقولة الجمال.

ومما يوَيد انّ الاَخلاق من مقولة الجمال هو انّ الاِسلام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والمعروف ما عرفه الناس و المنكر ما أنكره الناس، وليس لعرفانهم وإنكارهم سبب سوى أنّ بعض الاَفعال تتجلى في نظر الاِنسان بصورة الحسن والبعض الآخر بصورة القبيح.

نعم هناك فرق بين الجمال الحسي والروحي.

فالجمال الحسي أمر خارج عن الاختيار، دون الجمال الروحي فانّه داخل في اختياره،فله أن يقوم بإقامة التوازن والانسجام في الميول النفسانية العلوية


(149)

والسفلية، حينها تصبح الروح جميلة، والسلوك المنعكس منها مثلها، كما أنّ له أن يقوم بعكس ذلك،حينها تصبح الروح شريرة، والسلوك الصادر منها كذلك.

ومع ذلك يمكن أن يقال انّ الفعل الاَخلاقي من مقولة العدالة بشرط أن تفسر العدالة بالتوازن والانسجام.

إذا عرفت ذلك وانّ الاَخلاق تندرج في مقولة الجمال أو الاعتدال، فلنتناول المقام الثاني بالبحث.

المقام الثاني:سمات المذهب الاَخلاقي في الاِسلام وخصوصياته

لقد ظهرت أنظمة أخلاقية متنوعة منذ العهد اليوناني القديم إلى عصرنا الراهن، ويرجع تاريخ تأسيسها في الغرب إلى عهد الثورة الصناعية والنهضة الثقافية التي حلَّت فيها التجربة مكانَ البرهان في الاستدلال على العلوم الطبيعية، وآل الاَمر إلى ظهور فكرة تفكيك الدين عن السلطة، وبالتالي تفكيك الاَخلاق عن الدين.

ففي ظلِّ هذه الظروف سادت أنظمة أخلاقية جديدة غير مبتنية على الدين معتمدة على ملاكات مختلفة، وسيوافيك بيانها في الفصل القادم بإذن اللّه.

والمهم هنا، هو بيان دعائم المذهب الاَخلاقي في الاِسلام وخصوصياته وسماته، وقبل الخوض في البحث لابدّ من طرح مسألة لها بالغ الاَهمية في هذا الموضوع، وهو انّ الاطروحات التي يقدمها أي نظام أخلاقي رهن الوقوف على حقيقة الاِنسان، لاَنّ القضايا الاَخلاقية التي يتبنّاها فإنّما يطرحها لغاية جلب السعادة إلى الاِنسان والمجتمع، وتلك الاَُمنية فرع معرفة ما يُسعد الاِنسان عمّا يشقيه، فلولا تلك المعرفة لما نال المذهب الاَخلاقي بغيته .


(150)

ثمّ إنّ الاختلاف الجوهري بين المذاهب الاَخلاقية يرجع إلى اختلاف الروَى حيال الاِنسان، فكان من المهم الاِشارة إلى وجهة نظر الاِسلام حول الاِنسان. وقد قامت على عدة أُسس نجملها بما يلي:

1. الاِنسان مركب من جسم و روح

إنّ العالم المادي ينظر إلى الاِنسان من خلال منظار ضيق، وانّه موجود مادي منذ أن تشكلت نطفته في رحم أُمّه حتى خروجه إلى هذاالعالم الفسيح، وتكامله بالتدريج من الصبا إلى البلوغ والكمال ثمّ الشيخوخة والهرم إلى أن توافيه المنيَّة وينطفىَ مصباح حياته، فهذه النظرة إلى الاِنسان نظرة مادية صرفة، فلا يعلم من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وإلى أين ينتهي؟ فتجول تلك الاَسئلة في ذهنه باطراد دون أن يجد لها حلولاً عند المادي.

وفي المقابل، فانّالاِلهي ينظر إلى الاِنسان بما انّه موجود مركب من مادة ومعنى، وجسم وروح، وبدن ونفس إلى غير ذلك من التعابير المكررة التي تشير كلّ منها إلى زاوية من زوايا وجوده.

بل الحقّأن يقال انّالاِنسان واحد متكامل، بدل القول بالتركيب، فواقع الاِنسان هو الروح التي تستخدم البدن لقضاء حاجاتها، حيث ترى بالعين، وتسمع بالاذن، ولكن الرائي والسامع الحقيقي هي الروح التي تستخدم هذه الاَعضاء بغية إدراك الواقع الموضوعي.

و قد أقام فلاسفة الاِسلام براهين دامغة على تجرد النفس وليس في الوسع طرحها في هذا المختصر، وإنّما نشير في هذه العجالة إلى آيتين كريمتين، تشيران إلى تجرد الروح عن المادة.


(151)

أ: انّه تبارك و تعالى يبين كيفية خلق الاِنسان على الوجه التالي :

ويقول: (وَلَقَدْخَلَقْنَا الاِِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍمِنْ طِين* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍمَكين* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَونَا الْعِظامَ لَحْماً) وبعد ما ينتهي إلى تلك النقطة من خلق الاِنسان، يغيِّر لحن الكلام، ويقول: (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَباركَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقين) . (1)

نرى أنّه سبحانه يصف هذه المرحلة من خلقة الاِنسان بخلق آخر، وكأنّه يختلف عما سبق من مراتب الخلقة، وما هذا إلاّلاَجل وجود اختلاف جوهري بين تلك المرحلة، وما سبقتها من المراحل، وهو انّالمراحل الاَُخر تصوّر الاِنسان بأنّه موجود مادي أشبه بموجود حيٍّ له حركة طبيعية، ولكنّه بعد طيّه لتلك المراحل يصل إلى مرحلة تعلّق الروح به وفي هذه المرحلة تتبدّل المادة إلى خلق آخر ، وهذا إن دل على شيء فإنّما يدل على امتياز تلك المرحلة عن سائر المراحل وليس هوإلاّ تجرد روحه ونفسه.

ب: انّه سبحانه يذكر في سورة السجدة شبهة منكري المعاد، وحاصل الشبهة:

انّ الموت سبب لتفسخ أعضاء البدن واندثار رميمه في أطراف العالم وأكنافه، وهو يلازم انحلال شخصيته، ومعه كيف يمكن إعادته ولو بجمع أجزاء بدنه المبعثرة في أصقاع العالم، فانّ اجتماع الاَجزاء المتفرقة لا يعيد شخصيته الاَُولى، بل يُضفي عليه شخصية ثانية مع أنّها ليست المسوَولة عن أعمال الاِنسان الذي انحلت شخصيته.


(1)الموَمنون: 12 ـ 14.

(152)

وهذه الشبهة هي التي نقلها الذكر الحكيم عن المشركين، قال: (وَقالُوا أَئِذا ظَلَلْنا في الاََرْضِ أَئِنّا لَفي خَلْقٍ جَديدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِرَبِّهِمْ كافِرُون) . (1)

فهذه الآية تتضمن الشبهة والاِجابة الاِجمالية عنها، ولكن الجواب التفصيلي ورد في الآية التالية: (قُلْيَتَوفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوت الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرجَعُون) . (2)

وهذه الآية تزيل الشبهة بالبيان التالي، وهو:

إنّواقع الاِنسان ليس هو البدن المتفرقة أجزاوَه، بل واقعه أمر محفوظ، وهو الذي يأخذه ملك الموت ويُرجعه إلى ربه، وهو شيء لا يمسَّه الانحلال ولا التغيير ولا التبدُّل، فما يتبدل أو يتغير ليس هو واقع الاِنسان، و ما هو واقع الاِنسان فهو في معزل عن التفرق والانحلال، ويتضح ذلك إذا كان معنى التوفي هو الاَخذ، يقول سبحانه: (اللّهُ يَتَوَفّى الاََنْفُسَ حين مَوتِها). (3)

أي أنّاللّه يأخذ الاَنفس حين موتها، وفيما نحن فيه من الآية ينسب التوفي وأخذ الروح إلى ملك الموت، ولا تنافي بين النسبتين، لاَنّ ملك الموت جند من جنود اللّه سبحانه،ومأمور من قبله، والآية بصراحتها تكشف عن أنّموت البدن ليس موت الاِنسان، بل الاِنسان باقٍ بعد الموت يتوفّاه ملك الموت ويحتفظ به إلى قيام الساعة.

إلى هنا تبيّن انّ الروَية الاِسلامية حيال خلقة الاِنسان هو انّه كائن علوي روحي باق بعد الموت عبر القرون إلى يوم القيامة، وانّالحياة لا تنقطع بالموت،


(1)السجدة:10.

(2)السجدة:11.

(3)الزمر: 42.

(153)

وإنّما تمتد بنشأة أُخرى وهي الحياة البرزخية، ثمّالحياة الاَُخروية، فكما أنّ هناك عوامل تسعد الاِنسان أو تشقيه في الدنيا، فهكذا الحال في الآخرة.

وفي هذه النقطة بالذات يختلف المذهب الاَخلاقي في الاِسلام عن سائر المذاهب التي تحدِّد الحياة في إطار مادي محدود، لا تتصور للسعادة معنى إلاّالسعادة الدنيوية،فتجعل محور الاَخلاق هو الالتذاذ الفردي أو الانتفاع الجماعي، وأمّا المذهب الاَخلاقي في الاِسلام والذي يرى أنّ وراء الحياة الدنيا حياة أُخروية، وهناك سعادة وشقاء ، ينظر إلى الحياتين على حد سواء، ويبعث إلى مايسعده في كلتا النشأتين، ويزجره عما يشقيه فيهما، وسيوافيك توضيحه في بعض الاَُصول الآتية:

2. الاِنسان موجود مختار

على الرغم من أنّ هناك فئة قليلة تصوِّر الاِنسان انّه فاعل بالجبر وانّه فاقد للحرية والاختيار، إلاّ أنّ الاَكثرية الساحقة تصوّره فاعلاً عالماً بفعله، ومختاراً بين الفعل والترك، وهذا غني عن اقامة برهان بعد شهادة الوجدان عليه.

وعلى ذلك نزل الذكر الحكيم: (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبيد) (1)ويقول في آية أُخرى مبيّناً حريته واختياره: (وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَلْيُوَْمِنْ وَمَنْ شاءَف(2)لْيَكْفُر ) .

ولقد صبّ العالم الكبير زين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني (قدّس سرّه)مضمون الآية في قالب الشعر، وقال:


(1)فصلت: 46.

(2)الكهف:29

(154)

فقد جاء في القرآن آيةُ حكمة * تدمِّرُ آياتِ الضلال ومن يُجبر
وتُخبر انّ الاختيار بأيدينا * فمن شاء فليوَمن ومن شاء فليكفر

نعم ربما يقع موضوع الحرية في إطار المغالطة، ويقال انّ حرية الاِنسان يحيط بها الغموض، لاَنّه من جانب، خُلِقَ بلا مشية منه، كما أنّه خرج من رحم الاَُمإلى هذا العالم بلا ارادة منه، مضافاً إلى ذلك فإنّ شخصيته رهن مثلث الوراثة والثقافة والبيئة التي لكلّ منها تأثير في مصيره وتفكيره ومايختار من الاَفعال.

ومن جانب آخر، يشهد الوجدان انّه موجود حرّ يمكن أن يهشم إطار المثلث المذكور ويفعل على خلاف مقتضاه

ولكن الحقّ هو الثاني، إذ ليس معنى حرية الاِنسان انّه موجود مختار في عامة ما يرجع إليه من نواحي حياته، فخلقته وخروجه إلى الدنيا وتأثره بالاَضلاع الثلاثة، أُمور خارجة عن اختياره دون أن تُخلّ بحريته إذا كان تعيين المصير في المستقبل بيده.

وعلى هذا، فالاِنسان موجود مسوَول عن أفعاله، لما رزق من إرادة واختيار في جوهر ذاته، ولاَجل هذه النعمة عرض الاِسلام نظاماً أخلاقياً ينسجم معهما.

3. تعديل الغرائز

خلق الاِنسان مقروناً بغرائز علوية وسفلية، وفيه ميول متضادة، يطلب كل غير ما يطلبه الآخر، فهو موجود إلهي مثالي يميل إلى ماوراء الطبيعة والاتصال بمبدأ الوجود، كما يميل إلى العدل والصدق والوفاء وغير ذلك من الصفات العلوية التي تحكي عن فطرته، كما أنّه له ـ في الوقت نفسه ـ ميول حيوانية جامحة


(155)

كالشهوة والغضب وحب المال والثروة والاَنانية، إلى غير ذلك من الاَفعال الناشئة من الغرائز السفلية، وكل واحد من هذه الغرائز تشكّل دعامة وجود الاِنسان ومحور حقيقته، فلو فُقد واحد منها لسقط النوع الاِنساني في الهاوية، فالشهوة دعامة بقاء النوع، و الغضب آلة دفاع الشر، إلى غير ذلك من الميول.

وقد قام الاِسلام بتعديل الغرائز فلم يحصر اهتمامه بالغرائز العلوية دون السفلية، أو بالعكس، وإنّما عدَّل بينهما، فالنكاح أمر حسن لكن في قالب العفة، والعبادة أمر حسن شريطة التجرد عن الرهبانية، و للاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) كلام في خلق الاِنسان من مواد مختلفة ، ننقل منه هذه الشذرات:

«ثمّ نفخ فيها من روحه فَمثُلَتْ إنساناً ذا أذهان يُجيلُها، وفكر يتصرّفُ بها، وجوارح يختدِمُها، وأدوات يُقلّبها، ومعرفة يفرق بهابين الحقّ والباطل والاَذواق والمشامّ، والاَلوان والاَجناس، معجوناً بطينة الاَلوان المختلفة، والاَشباه الموَتلفة، والاَضداد المتعادية، والاَخلاط المتباينة، من الحرّ والبرد، والبلَّة والجمود». (1)

4. ما هو ملاك القيم الاَخلاقية؟

إنّ الوقوف على ملاك القيم الاَخلاقية رهن أمرين:

الاَمر الاَوّل: معرفة الميول الباطنية في الاِنسان

إنّ كلّ إنسان يجد في صميم ذاته انّ له ميولاً خاصة نحو أُمور، كالميل إلى إقامة العدل، و الوفاءبالمواثيق، وإجابة الاِحسان بالاِحسان، وإغاثة الملهوفين، إلى


(1)نهج البلاغة، الخطبة 1، صفة خلق آدم (عليه السلام) .

(156)

غير ذلك من الميول النابعة من البعد الملكوتي للاِنسان.

كما أنّه يحس من صميم ذاته الانزجار من الظلم، ونقض المواثيق إلى غير ذلك من المنكرات العقلية.

والمعيار في تمييز الاَخلاق عن اللاأخلاق هو مطابقة العمل لهذا النوع من الميول على نحو يصدر تلبية لهذه الميول الباطنية.

الاَمر الثاني: السير على هدي الوحي

إنّ نور الفطرة والحس الباطني بحاجة إلى دعمهما بنور الوحي، إذ ربما تكون الفطرة والعقل الباطني عاجزين عن درك الحسن والقبح، فبما انّ نور الوحي نور لا ظلمة فيه، صواب لا خطأ فيه، فلا محيص عن اقتفائه فيما إذا لم يكن للعقل هناك حكم خاص.

وقد أمر الاِسلام بالمعروف ونهى عن المنكر، وربما يعجز عن تشخيص المعروف من المنكر، فلا محيص له عن التمسك بأذيال الوحي، فالواجبات والمحرمات الشرعية من القيم الاَخلاقية، التي قد يعرفها الاِنسان بفطرته ونور عقله، وإلاّ فيكون الوحي هو المتبع.

وعلى ذلك فالضابطة التي طرحها الاِسلام في مجال تمييز الاَخلاق عن اللا أخلاق، أمران:

أ: الميول الباطنية، ب: السير على نور الوحي وما يأمر به الشرع أوينهى.

5. العمل الصالح المقرون بنية خالصة

إنّالمذهب الاَخلاقي في الاِسلام يثمّن العمل الحسن الناجم من نية صادقة، كما إذا صلّى وصام تقرّباً من اللّه سبحانه، أو قام بمشاريع خيرية قربة إلى


(157)

اللّه وتلبية للعاطفة الاِنسانية، فهذا النوع من العمل يعد من القيم الاَخلاقية، فالعمل الحسن، هو النابع من نية صادقة لا يشوبها أي رياء.

وأمّا المذاهب الاَخلاقية الاَُخرى فإنّما هي تنظر إلى ظاهر العمل فحسب دون أن تولي أهمية إلى الحوافز التي دفعت الاِنسان نحو القيام به، فلو قام شخص بمشاريع خيرية لغاية كسب رصيد أكبر من آراء الناس في الانتخابات مثلاً أو في مجالات أُخرى فهذا النوع من العمل بما انّه لم ينبع من نية صادقة، بل من أنانية استحوذت عليه للوصول إلى مآربه المادية، ليس له قيمة في الاِسلام، وما ذلك إلاّ لاَنّ العمل ثمرة النيّة، فلو كانت النية خالصة فالعمل حسن مهما كان ضئيلاً، وأمّا إذا كانت النية مشوبة بالرياء والسمعة فيحطّ من قيمة العمل مهما كان عظيماً، والآيات القرآنية تثبت هذا المدّعى بوضوح نكتفي بآيتين: وردتا في عمارة المسجد الحرام.

كان المشركون في عصر الرسالة قائمين بتعمير المسجد الحرام لا للّه سبحانه، بل لاَجل كسب الوجاهة عند القبائل العربية التي كانت تحج كلّ عام و تزور المسجد الحرام، فنزل الوحي الاِلهي على قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبلغه بأنّه ليس لهم أي حقّفي تعمير المسجد الحرام مع شركهم وكفرهم، وما ذلك إلاّ لاَجل انّ نيتهم كانت يعوزها الاِخلاص في العمل.

قال سبحانه: (ما كانَ لِلْمُشْرِكينَ أَنْ يعَمُرُوا مَساجِدَ اللّهِ شاهِدينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ) . (1)وفي الوقت نفسه يرى سبحانه ذلك الحق للمخلصين من عباده الذين يوَمنون باللّه واليوم الآخر، قال سبحانه: (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَأقامَ الصَّلاةَ


(1)التوبة:17.

(158)

وَآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إِلاّ اللّه) . (1)

وهذا العنصر له أهمية بالغة في المذهب الاَخلاقي في الاِسلام دون أن تجد له أثراً يذكر في المذاهب الاَخلاقية المادية الاَُخرى، ولم يكتف الاِسلام بذلك، بل جعل النية الخالصة مكان العمل إذا لم يكن الناوي قادراً على القيام به.

روي أنّعليّاً لمّا أظفره اللّه بأصحاب الجمل، قال له بعض أصحابه: وددت أنّ أخي فلاناً كان شاهدنا ليرى ما نصرك اللّه به على أعدائك.

فقال له (عليه السلام) : «أهوى أخيك (2)معنا؟»

فقال: نعم.

قال: «فقد شهدنا. ولقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء سيرعف (3)بهم الزمان، ويقوى بهم الاِيمان». (4)

إنّ اهتمام الاِسلام بتصفية الباطن من خلال الترغيب إلى النية الخالصة والابتعاد عن النية المشوبة، يعرب عن عناية الاِسلام بموضوع النية، وما ذلك إلاّ لاَنّها مصدر العمل وروحه، فالنيات الصالحة مصادر الخيرات كما أنّ النيات الطالحة منابع الشرور.

قال أمير الموَمنين (عليه السلام) : «أيّها الناس، إنّمايجمع الناس الرضا والسخط، وإنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لما عمّوه بالرضا، فقال سبحانه: (فَعَقَروها فَأَصْبَحُوا نادِمين)(5). (6)

وقال (عليه السلام) : «الرّاضي بفعل قوم كالدّاخل فيه معهم،وعلى كلِّ داخل في


(1)التوبة:18.

(2)هوى أخيك أي ميله ومحبته.

(3)يرعف بهم: يجود بهم.

(4)نهج البلاغة: الخطبة 12.

(5)الشعراء:157.

(6)نهج البلاغة: الخطبة 201.

(159)

باطل إثمان: إثم العمل به، و إثم الرِّضا به». (1)

فالواجب على علماء التربية أن يولوا أهمية كبرى لهذا العنصر، وهو إصلاح الباطن وغرس بذور الاِيمان في قلوب الاَجيال الذي من ثمراته النية الخالصة والعمل الصالح بغية إقامة مجتمع صالح وفاضل. يقول سبحانه: (وإنْ تُبدُوا ما فِي أَنفُسِكُمْ أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّه) . (2)

6. القيم الشمولية المطلقة

إنّ المطلق والنسبي اصطلاحان رائجان في العلوم والفلسفة الاِسلامية، فلو كانت القضية صادقة في جميع الاَزمنة والاَمكنة وفي جميع الشرائط والظروف، فهي قضية مطلقة، كما هو الحال في القضايا الرياضية، فقضية 1+1=2، قضية مطلقة لا ترى أمامها أي رادع ومانع، والنسبي على العكس، فإذا كانت القضية صادقة في ظروف خاصة، فالقضية صادقة صدقاً نسبياً، مثلاً إذا شاهدنا قاعة واسعة في مدينة فيمكن وصفها بالكبر والصغر معاً، فإذا قيست القاعة إلى قاعة أُخرى، وكانت الثانية أوسع منها بمراتب، توصف القاعةالاَُولى بالصغر، وأمّا إذا قيست إلى قاعة ثانية هي أقل مساحة، فتوصف القاعة الاَُولى بالكبر، وما هذا إلاّ لاَنّ الصغر والكبر من الاَوصاف النسبية.

إذا وقفت على ما نرمي إليه، فنقول:

إنّالقضايا الاَخلاقية التي يتبنّاها الاِسلام هي قضايا كلية مطلقة صادقة في جميع الاَزمنة والاَمكنة، وما ذلك إلاّ لاَنّ الاِسلام يعتمد في استنتاج القيم على


(1)نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 154.

(2)البقرة:284.

(160)

محورين مطلقين عامين شاملين هما:

1. الفطرة الاِنسانية التي تتحد في جميع الاَفراد.

2. بلاغات الوحي ونوره الذي نزل لاِنقاذ البشر من الضلالة إلى الهداية، وقال: (يا أَيُّهَا النّاسُ إنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) . (1)

وقال سبحانه: (تَبارَكَ الَّذي نزَّلَ الفُرقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمينَ نَذيراً).(2)

وقال سبحانه: (الر كِتابٌ أنزلناهُ إِلَيْكَ لتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإِذنِ رَبِّهِم). (3)

فالآيات تركز على أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بُعث إلى الناس كافة ، إذ انّ الفرقان الذي هو تعبير آخر عن القرآن، نذير للعالمين، وبالتالي جاء الرسول ليخرج عامة الناس من الظلمات إلى النور، فيكون تشريعه عالمياً.

وثمة سوَال يثار وهو كيف يقال انّ القضايا الاَخلاقية قضايا مطلقةمع أنّها تعد من القيم في ظرف دون ظرف. مثلاً: الصدق حسن، ولكنّه لا في كلّ زمن، فلو كان الصدق سبباً لهلاك الاَبرياء فليس بحسن، بل الكذب ينقلب هناك من القبيح إلى الحسن، فهذا يدل على أنّ القضايا الاَخلاقية في الاِسلام قيم نسبية لا مطلقة؟

والجواب: إنّ الصدق حسن في جميع الاَزمنة والاَمكنة، غير انّه لما كان الصدق في ذلك المورد يقع ذريعة لقتل الاَبرياء، فلا يجيزه العقل لا لقبحه بل لاَجل دفع الظلم عنهم، وأمّا قبح الكذب فهو باق على قبحه حتى في ذلك الظرف


(1)الاَعراف:158.

(2)الفرقان: 1.

(3)إبراهيم:1.

(161)

الحرج، ولكنّه لما دار الاَمر بين ارتكاب أحد القبيحين الاَصغر وهو الكذب، والاَكبر وهو قتل الاَبرياء، فيقدِّم العقل، الاَقلَّ قبحاً على الاَكثر منه، كما هو الحال في باب التزاحم في باب الاَغراض والمقاصد حيث يقدم الاَهم على المهم، أو الاَقل مفسدة على الاَكثر مفسدة.

والحاصل: انّ الصدق في هذه الظروف أيضاً حسن،كما أنّ الكذب فيها أيضاً قبيح، غير انّالعقل لا يرخص العمل الحسن للحيلولة دون قتل الاَبرياء، أويجوّز الكذب لدفع القبيح الاَكبر.

7. القيم الاَخلاقية والحرص على إجرائها

إنّ أكثر المذاهب الاَخلاقية تنطوي على التزامات، وتوصي باتّباعها، فمثلاً: تأمر بالصدق في الكلام،و الوفاء بالمواثيق،والنهي عن الكذب إلى غير ذلك من القضايا. ولكنّها لا تخرج عن إطار الاِيصاء ولكن المنبع الاَخلاقي في الاِسلام، يتجلّى ـ وراء كونه منهجاً منسجماً مسايراً للحياة ضامناً للسعادة ـ في ضرورة العمل وفق تلك القضاياوالوصايا، وذلك بوضع ضمانات ووعد ووعيد في ذلك المجال.

فأغلب المناهج الاَخلاقية لا تتجاوز عن كونها وصايا مجردة، لا تدعمها أي جنبة إجراء، إلاّالحس الاَخلاقي أو ما يعبر عنه بالوجدان ، ولكنّه لا يشكل دعامة قوية أمام إجراء القوانين بصورة صحيحة بل ينهار أمام التيارات النفسانية الجارفة التي تزيل كل رادع أمامها. مما يشكل ثغرة واضحة في كيان المذاهب الاَخلاقية الوضعية.

أمّا المذهب الاَخلاقي في الاِسلام فهو ليس مجرد وصايا فحسب، ولا يقتصر في مقام الاِجراء على الحس الاَخلاقي، بل يعتمد أيضاً على قدرة فوق


(162)

الطبيعة قاهرة على كلّ شيء، تحاسب عمل الاِنسان حقيره وخطيره، يوم تبلى السرائر وتكشف الحقائق ويتجسد عمل كل إنسان أمامه .

فهذا النوع من المنهج يعلوه الكمال حيث جمع بين العلم والاِيمان، والتقنين والتنفيذ.

إلى هنا ظهر مجموع السمات التي يتمتع بها المذهب الاَخلاقي في الاِسلام، وإليك موجز ما سبق منها:

1. الاِنسان في النظرة الاِسلامية مركب من المادة والمعنى، والبدن والروح، بل حقيقته تتقوّم بالروح، والبدن ليس إلاّ أداة للروح.

2. الاِنسان فاعل مختار وما يقوم به من الاَعمال إنّما تعد من القيم إذا قام به عن إرادة واختيار لا عن جبر وقسر، فلو أدّى ما عليه من الضرائب المالية بإجبار من الجهاز الحاكم فلا يعد عمله عملاً أخلاقياً.

3. المذهب الاَخلاقي قائم على تعديل الغرائز علوها وسفلها، وجعل الاِنسان على صراط يتمتع بكافة غرائزه لكن بتعديل خاص ويعطي حق كل غريزة.

4. الملاك في القضايا الاَخلاقية هو تطابقها مع الفطرة و نور الوحي.

5. العمل الحسن إنّما يعد حسناً ومن القيم إذا اقترن بنية خالصة بعيدة عن الرياء والسمعة.

6. المذهب الاَخلاقي في الاِسلام نظام عام يسود كافة المجتمعات الاِنسانية دون فرق بين من غبر ومن حضر ومن يأتي في المستقبل.

7. انّالمذهب الاَخلاقي ليس مجرد وصايا وبلاغات فارغة عن أي قوة تنفيذية.


(163)

المذاهب الاَخلاقية
2

مذهب الجمال

نظرية الاَخلاق عند أفلاطون (427 ـ 346|ق. م) من فروع سياسة المدن، فقد انتهى هو من البحث في العدالة الاجتماعية إلى العدالة الفردية التي هي الاَخلاق، والقيم عند أفلاطون تنحصر في أُمور ثلاثة:

1. العدالة

2. الحسن.

3. الحقيقة.

ومرجع الثلاثة إلى الخير، فالذي له قيمة ذاتية هو الخير، والاَُمور الثلاثة تبسيط لهذا الاَمر المعياري.

ثمّإنّه ارجع العدالة إلى الحسن (1)من غير فرق بين العدالة الاجتماعية أو الفردية، لاَنّها توجد التوازن المطلوب الذي هو عبارة أُخرى عن الحسن، وعلى ذلك فالحسن إمّا محسوس كجمال الورد، أو معقول كحسن الصدق والاَدب والتقوى والاِيثار وغير ذلك، الذي نعبّر عنه بالخير والاَخلاق الحميدة فهو من مقولة الجمال.

ذهب أفلاطون إلى أنّ الاَخلاق أمر واقعي، فالاَخلاقي من يدرك هذه الاَُمور الواقعية ويكفي في التخلّق بها معرفة الخير عن الشر، فلو عرف الاِنسان الخير


(1)لاحظ ص 14 من وجود الصلة بين الجمال وتعادل القوى.

(164)

يعمل به ومن لم يعمل فإنّما هو لجهله، فلا محيص لنا من استئصال الفساد الاَخلاقي بالقضاء على الجهل ومكافحة الاَُمية، وعلى ذلك فرأس الفضيلة هو الحكمة والمعرفة، فكلّ فضيلة نوع من الحكمة، مثلاً الشجاعة عبارة عن معرفة ما يجب أن يخاف منه ومالا يخاف، وانّ الفقه عبارة عن العلم بالحد الذي يجب أن يراعى به اعمال الشهوات، كما أنّ العدالة عبارة عن العلم بالاَُصول والضوابط التي يجب أن تراعى في تنظيم رابطة الاِنسان مع أخيه الاِنسان.

فإذا كانت الحكمة مبدأ للفضيلة، والمعرفة منشأ للاَخلاق، فكلّ حكيم أخلاقي ولا ينفك عن الاَخلاق. (1)

وحصيلة الكلام : انّالمذهب الاَخلاقي لاَفلاطون مبني على أمرين:

أ. لو انّ إنساناً وقف على الخير والشر على ما هما عليه،ففعله يكون على وفق الاَخلاق دائماً ولا يخرج عن إطاره.

ب. انّ القضايا الاَخلاقية ، قضايا كليةعامة شاملة لجميع الظروف والشرائط، ولذلك ليس لبني آدم إلاّ نوع من الحياة فيه سعادته لا أكثر.

هذه عصارة نظرية أفلاطون في الاَخلاق، وقد يوَاخذ عليها بأُمور أوضحها بأنّ العلم بالفضيلة أو الرذيلة لا يكفي في التخلّق ولا في الاجتناب عن الشرّ ما لم تدعمه التربية والتهذيب.

وبعبارة أُخرى: انّ العلم وإن كان موَثراً في سعادة الناس وانّقسماً من الجرائم نتيجة جهل الاِنسان بمضاعفاتها ونتائجها، ولكن نفس العلم لا يكفي لكبح جماح النفس، إذ ربَّ عالم قد قتله جهله، وعلمه معه لم ينفعه. (2)


(1)ويل دورانت: تاريخ الفلسفة: 34ـ 36.

(2) كلام مروي عن الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) .

(165)

فالغرائز السافلة للاِنسان تدفعه إلى الحرص والثروة واللذة والشهوة التي ربّما تعمي بصيرة الاِنسان، وقد قيل «إنارة العقل مكسوف بطوع الهوى»، و ربما يكون علم الاِنسان ذريعة لارتكاب جرائم أبشع.

مضافاً إلى أنّالاَُصول الاَخلاقية ليست رهن التعليم الكلاسيكي، بل إذا تجردت الاِنسانية عن نزعاتها الشخصية والاَنانية ربما تدرك هذه الاَُصول بشكل أوضح، كما بيناه فيما سبق.


(166)

المذاهب الاَخلاقية
3

مذهب الاعتدال

ذهب المعلم الاَوّل أرسطو (384ـ 322ق.م) إلى أنّ كلّ إنسان يطلب بفطرته السعادة ويفرّ من الشقاء، والمراد من السعادة هو التمتع باللذائذ والابتعاد عن الآلام ، دون أن يقتصر عليها بل يعم اللّذات والآلام العقلائية والروحانية.

وعلى ذلك فكلّ إنسان يطلب السعادة ويرفض الشقاء، بيد أنّ تحصيل السعادة لا يتم إلاّ عبْـر علم الاَخلاق.

يعتقد المعلم الاَوّل بأنّ سبيل الوصول إلى السعادة عبارة عن التمسك بالاعتدال، ثم يمثل بالشجاعة التي هي وسط بين إفراط هو التهور ، وتفريط هو الجبن، وبالكرم أو السخاء التي هي وسط بين إفراط هو التبذير وتفريط هو التقتير ، والمناعة من الفضائل لوقوعها وسطاً بين التكبّـر والتزلزل، ويمثل أيضاً بالعفة فانّها من فروع القوة الشهوية وتتوسط بين الخمول والشره، كما أنّ الحكمة ترجع إلى القوة العاقلة وهي حدّوسط بين الجربزة والبلاهة، كما أنّ السخاوة حدّ وسط بين البخل والاِسراف، كما أنّ التواضع حدّ وسط بين التكبر والتحقير (1)

فأرسطو على خلاف أُستاذه لا يقول بكفاية العلم والمعرفة في تحصيل الفضيلة، بل يعتقد بأهمية التربية في التحلّي بالاَخلاق والفضائل.


(1)انظر سير حكمت در اروبا: 1|34.

(167)

وقد أورد على مذهبه مناقشات كثيرة أظهرها:

الاَُولى: انّ الفضيلة لا تدور على رحى الاعتدال في جميع الظروف والشرائط، إذ ربما لا يوجد بين السعادة والشقاء حدّ وسط، فالصدق فضيلة والكذب رذيلة دون أن يكون بينهما حدّ وسط.

فالعمل بالعهد حسن كما أنّ نقض الميثاق قبيح وليس بينهما حدّ وسط، ونظير ذلك طلب العلم، ومقابله الجهل.

فالاَوّل حسن بمكان مهما أفرط في تحصيله، وليس الحسن هو الحد الوسط، وليس المراد من الاِفراط في العلم ترك سائر الوظائف بل تحصيل العلم مع ما عليه من الوظائف الفردية والعائلية.

الثانية: انّ العلم بالحد الوسط من بين الصفات أمر صعب المنال، لاَنّ الوقوف على الحد الوسط فرع معرفة قوى الاِنسان الروحية والجسمانية، ثمّ معرفة الحدّ الوسط منه، وهذا ليس أمراً سهلاً لكل من طلب التخلّق بالاَخلاق الحسنة.

الثالثة: ربما يطرأ التزاحم بين تحقيق الاعتدال بين الصفات فلم يعط ضابطة على ضوئها يتم تقديم إحداهما على الا َُخرى.

ثمّ إنّ الحكيم النراقي (1128 ـ 1209 هـ) يوَيد مذهب الاعتدال في كتابه «جامع السعادات» ويقرّره بصورة واضحة تستغرق صحائف كثيرة، نقتبس منها ما يلي:

إنّ القوى في الاِنسان أربع: قوة نظرية عقلية، وقوة وهمية خيالية، وقوة سبعية غضبية، وقوة بهيمية شهوية.

والصورة المعتدلة من اعمال هذه القوى هي الفضيلة، والانحراف عن الوسط امّا إلى طرف الاِفراط أو إلى طرف التفريط، رذيلة، فيكون بازاء كلّفضيلة


(168)

جنسان من الرذيلة، ولما كانت أجناس الفضائل أربعة، فتكون أجناس الرذائل ثمانية.

فالحكمة هي الحدّ المتوسط، وهي العلم بحقائق الاَشياء على ما هي عليه، وهو موقوف على اعتدال القوة العاقلة ، فإذاحصلت له حدّة خارجة عن الاعتدال (كالجربزة) يخرج عن الحد اللائق ويستخرج أُموراً دقيقة غير مطابقة للواقع، ويكون العلم بهذه الا َُمور ضد الحكمة من طرف الاِفراط، وإذا حصلت له بلادة لا ينتقل إلى شيء فلا يحصل لها العلم بالحقائق وهذا هو الجهل، وهو ضده من طرف التفريط.

والشجاعة هي الصورة المعتدلة للقوة الغضبية، والتهور والجبن طرف الاِفراط والتفريط.

والعفّة هي الصورة المعتدلة من القوة الشهوية، والشره والخمول في طرفي الاِفراط والتفريط، فانّ الشره عبارة عن الانهماك في اللذات الشهوية على ما لا يحسن شرعاً وعقلاً. والثاني في طرف سكون النفس عن طلب ما هو ضروري للبدن. (1)


(1) جامع السعادات:1|75 و 99.


(169)

المذاهب الاَخلاقية
4

مذهب اللّذة

إنّ مذهب اللّذة من المذاهب الاَخلاقية المهمة والذي ظهر في العهد اليوناني القديم، وقد تطور ذلك المذهب عبر الزمان خصوصاً في العصور الاَخيرة في الغرب ، ولذلك ظهرت مذاهب أخلاقية أُخرى كلّها من فروع هذا المذهب، فكأنّها تعود إلى أصل واحد.

وهذه المذاهب عبارة عن:

أ. مذهب اللّذة الشخصية المنسوب إلى «أرسطيفوس».

ب. مذهب اللّذة الشخصية المحددة المنسوب إلى «أبيقور».

ج. مذهب المنفعة المنسوب إلى «جيريمي بنتام».

د. مذهب العاطفة المنسوب إلى «آدم اسميت»

هـ. مذهب القانون المنسوب إلى «راسل».

1. مذهب اللّذة الشخصية

هذا المذهب منسوب إلى «ارسطيفوس» الذي ولد حوالي 435 ق.م وجاء إلى أثينا سنة 416ق. م وإلى إيجينا سنة 399 ق. م، وكان رفيقاً لاَفلاطون وتوفي سنة 350 ق. م.


(170)

وخلاصة مذهبه في الاَخلاق إنّ كلّ إحساس عبارة عن حركة فيمن يحسّ، فإن كانت هذه الحركة ناعمة نشأ الشعور باللّذة، وإن كانت خشنة نشأ الشعور بالاَلم، وإذا أصبحنا في حالة سكون لم نشعر بلذة ولا بألم. ومن بين هذه الاَحوال الثلاثة : اللّذة، الاَلم، الخلو من كليهما، الاَفضل هو اللّذة قطعاً. تشهد على ذلك الطبيعة نفسها، لاَنّالجميع يطلبون اللّذة ويتجنبون الاَلم. والخلو من الاَلم لا يمكن أن يكون أفضل من اللّذة، لاَنّ عدم الحركة هو عدم شعور، كما في النوم، فالخير إذن هو اللّذة، والشرّ إذن هو الاَلم، و ما ليس لذة ولا ألماً فليس بشر ولا بخير.

ولهذا كانت الغاية من الاَفعال جلب اللّذات ولا يمكن الخلو من الاَلم ان يكون غاية، ولهذا أيضاً جعلوا واجب الاِنسان هو تحصيل أكبر قدر من اللّذات، ولكن في اللحظة الحاضرة، لاَنّاللّذة المقبلة، واللّذة الماضية كلتيهما غير موجودة، انّ الحاضر هو ملكنا، أمّا الماضي والمستقبل فليسا لنا، ولهذا ينبغي أن لا نحفل بهما.

وكلّلذة خير ولا تفاضل بين اللّذات، ولا بين الاَُمور المولِّدة للّذات، فليكن الجالب للّذة ما يكون، المهم انّه يجلب لذة فقط.

إنّاللّذات كلّها سواء ولهذا لا يفرِّقون بين لذّات تسمح بها العادات والقوانين، وأُخرى لا تسمح بها.انّ كلّ لذة مطلوبة حتى لو انتجها فعل قبيح.(1)

وصفوة القول: إنّ كلّ عمل يلائم الغريزة الاِنسانية ويلتذ من ورائه حاضراً فهو حسن، وكلّ عمل يوجب ألماً حاضراً فهو قبيح، وأمّا ما لا يوجب واحداً منها فهو خارج عن موضوع الاَخلاق.


(1)عبد الرحمن بدوي: موسوعة الفلسفة: 2|241.

(171)

يلاحظ عليه بأُمور:

أوّلاً: أنّ موَسس هذا المذهب نظر إلى الاِنسان من زاوية ضيّقة، وهي أنّ تلبية الغرائز الحيوانية تستتبع لذة، وكبح جماحها تستتبع ألماً، ولكنّه غفل في الوقت نفسه عن أنّ للاِنسان وراء بُعْده المادي، بعداً روحانياً ملكوتياً لا صلة له بالغرائز المادية، ولا باللذائذ الحسية.

فالعارف باللّه سبحانه المستغرق في جلاله وجماله، يلتذّ بعبادته وخضوعه أمام اللّه سبحانه أكثر مما يلتذُّ به الاِنسان المادي من أعمال غريزة من الغرائز السفلية.

كما أنّ الاِنسان المثالي الذي يحب للغير ما يحبه لنفسه إذا قام بإجراء العدالة ونبذ الظلم، واجتثاث جذورها يلتذّ بعمله هذا أكثر مما يلتذ به الاِنسان الغارق في الشهوات والرغبات النفسية، فعلى صاحب هذا المذهب أن يفسر اللّذة بالاَعم من المادية والمعنوية،وموافقة الطبع ومنافرته،وبالطبع السفلي والعلوي، وعندئذٍ يخرج عن كونه رجلاً مادياً حسياً لا يوَمن بما وراء الحس، كما هو المعروف من صاحب هذا المذهب.

ثانياً: لو افترضنا انّ الاَخلاق تتلخص في اللّذائذ الشخصية والفردية غير انّ اعمال الغرائز دون تعديل من قِبل العقل والقوانين الوضعية، يوجب الفوضى في المجتمع، ويقلب اللّذة ألماً، فلابدّ أن تحدّد مشروعية اللّذة بما يحدّده القانون والرأي العام، فعندئذ لا تكون كلُّ لذّةٍ مقرونة بالسعادة، كما هو المعروف من أنّه فسر السعادة التي هي مذهب استاذه سقراط، باللّذة.

ثالثاً: لماذا خصّص اللّذة باللّذة الحالية وألغى الماضي والمستقبل مدّعياً بأنّ كلاً من اللّذة المقبلة أو اللّذة الماضية كلتيهما غير موجودة، مع أنّه إذا كانت اللّذة


(172)

مورثة للاَلم في المستقبل، فلا تصحّ تسميتها أخلاقاً وسعادة بحجة انّ السعادة عبارة عن اللّذة الفعلية أو أنّاللّذة المقبلة غير موجودة.

رابعاً: هذا المذهب ـ لم يأخذ بنظر الاعتبار ـ اللّذات المعنوية، فلو أخذت بنظر الاعتبار لعمَّت اللّذة الدنيوية والاَُخروية ، وبما ان موَسّس هذا المذهب كان مادياً حسياً لم يوَمن إلاّباللّذة الدنيوية، كما عرفت في الاَمر الاَوّل.

ثمّ إنّ أتباع هذا المذهب المعروفون بـ«القورينائيين» تصرفوا في هذا المذهب ووقعوا في حرج من قبوله بأكمله، وقالوا:

إذا كانت كل لذّة خيراً فلا شكّ أيضاً في أنّ في بعضها مزيداً من الخير عن الاَُخرى، فبطل قوله فلا تفاضل بين اللّذات.

كما أنّه لا سبيل إلى إنكار أنّ بعض اللّذات تشترى بآلام كبيرة، ولهذا اضطروا إلى الاِقرار بأنّ بلوغ سعادة خالية من الاَحزان أمر عسير المنال، ولهذا قالوا فيما بعد، انّ العمل السيء هو الذي ينشأ عنه ألم أكثر مما تنشأ لذة، ولهذا ينبغي على العاقل أن يمتنع عن الاَعمال التي تحرمها القوانين المدنيةوالرأي العام. (1)

2. مذهب اللذة الشخصية المحددة

موَسس هذا المذهب هو «ابيقور» وهو نفس مذهب« ارسطيفوس»، غير انّه أدخل فيه عنصراً خاصاً وهومدخلية العقل في تحديد تسمية اللذة بالاَخلاق.

ولد «ابيقور» عام 341ق.م. في مدينة «شامِس» ثم انتقل إلى «اثينا» فأقام مدرسة في حديقته المشهورة باسم «حديقة ابيقور». وظل يدرِّس بها حوالي ست وثلاثين سنة، وتوفي سنة 270 ق.م.


(1)موسوعة الفلسفة:2|241؛ تاريخ فلسفة اليونان والروم، فردريك كابلستون: 1|145.

(173)

وهو في الفلسفة تلميذ «ذيمقراطيس» الذي يقول: إنّ الاَصل في كلّ معرفة هو الحس، وعن طريقه وحده تتمّ المعرفة، وإنّالاَجسام موَلفةمن أجزاء لا تتجزأ.

واللازم هنا دراسة الاَخلاق الابيقورية، وخلاصتها انّ «ابيقور » يفرّق بين أنواع عدة من اللذة والاَلم، فهو لا ينظر إلى اللذة بحسبانها اللذة الحسية الصرفة، التي يجدها الاِنسان في الاِحساس المباشر بما هو ملائم في اللحظة والزمن المعينين بل يفاضل بين اللّذات بعضها وبعض، وبين الآلام بعضها وبعض، فيجعل بعض الآلام أفضل من بعض اللّذات، لاَنّ في احتمال هذه الآلام ما يوَدي إلى لذة أكبر، ولاَنّ في تجنب هذه اللّذات ما يوَدي إلى تجنب آلام أكبر. (1)

إنّما يجب أن نحسب حساباً إلى جانب الآلام واللّذات في ذاتها، للّذات والآلام المترتبة عليها، فإذا كنا نجد لذة تنتج ألماً تأثُرنا به أشد بكثير من تنعُّمنا وتملينا باللّذة الاَُولى، كان علينا أن نتجنب هذه اللّذة حرصاً على تجنب ألم أكبر، وإذا كان بعض الآلام من شأنه أن ينقضي إلى لذة درجتها أكبر من درجة الاَلم المنتج لها، كان علينا أن نعاني هذا الاَلم حرصاً على تحصيل هذه اللّذة الكبرى.

إنّ المذهب اللذِّي عند أبيقور يختلف كل الاختلاف عن المذهب اللذِّي عند القورينائيّين (2) فهوَلاء كانوا يطلبون اللّذة كائناً ما كان نوعها، أو درجتها، أو النتائج المترتبة عليها، ولم يكونوا ينظرون إلى اللّذات بوصفها تكون كلاًّ واحداً متصلاً بلذات الاِنسان، بل كانوا ينظرون إلى هذه اللّذات كأشياء مفردة مستقلة بعضها عن بعض، وكأنّ لحظات الحياة الاِنسانية المتتابعة مستقلة بعضها عن بعض، حتى ليعطي الاِنسان أو ليجب عليه أن يعطي كلّلحظة استقلالها وقيامها بذاتها. ولا داعي إذاً للنظر إلى مايترتب عليها مما يجري في لحظات تالية.


(1)موسوعة الفلسفة: 1|86.

(2)لاحظ ص 172.

(174)

أمّا الاَبيقوريون، فعلى العكس من ذلك ينظرون إلى لحظات الحياة الاِنسانية المتتابعة بحسبانها تكوِّن وحدة، فيضطرون بالتالي إلى جعل اللحظات المكونة للحياة تعتمد الواحدة منها على الاَُخرى.

وبالتالي يجب أن نراعي اللحظة التالية، ونحن ننظر إلى اللحظة السابقة، فإذا كانت الحال على هذا النحو، فقد يكون ما تتصف به لحظة مستقلة عن غيرها ومنظوراً إليها بوصفها وحدة مستقلة، مخالفاً كل المخالفة لما يجب أن ننظر به إلى هذه اللحظة بوصفها جزءاً من كل. (1)

انّ هذا المذهب يفارق المذهب الاَوّل في أمرين بعد اشتراكهما في أنَّ مناط السعادة هو اللّذة:

الاَول: إدخال عنصر العقل في وصف الشيء باللّذة، فاللّذة المستتبعة ألماً كثيراً ليس بلذة.

الثاني: انّه يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار معدَّل المجموع الكلي للّذات التي يصادفها الاِنسان، فلو كان شيء لذيذاً حالياً وموَلماً في المستقبل فهذا ليس بلذّة.

يلاحظ على ذلك أوّلاً: أنّ المذهب وإن كان أسلم من المذهب الاَوّل ولكنّه يشاركه في أنّه جعل محور الاَخلاق هو الاِنانية واللذة الشخصية، لكن محدّدة بقضاء العقل باعمالها، مع أنّ هناك أُموراً معنوية يلتذ بها الآخرون كإغاثة الملهوفين وإعانة المنكوبين.

وهذا يعرب عن أنّه نظر إلى الاِنسان كارسطيفوس من زاوية ضيقة وهي الالتذاذ بالغرائز الحيوانية، غير انّ ارسطيفوس جعل مطلق اللّذة ملاك السعادة، ولكن أبيقور جعل اللّذة محددة بحدين كما عرفت.


(1)موسوعة الفلسفة:1|86 ـ 87.

(175)

وثانياً: أنّ موَسس هذا المذهب إذا كان إلهياً يجب أن يفكر في اللذائذ والآلام الاَُخروية، فالملاك الذي أدخله في المذهب يلزم أن يعمّ اللذائذ والآلام الا َُخرويّة.

لكن أكثر الباحثين في المسائل الاَخلاقية ـ وللاَسف الشديد ـ قد غفلوا عن هذا الجانب.

3. مذهب المنفعة (1)

هذا المذهب منقول عن «جيريمي بنتام» (1748ـ 1832) زعيم القائلين بمذهب المنفعة ولد في «لندن» ودرس القانون مهنة أبيه ، واعتنق المذهب النفعي وطبّقه في أهم كتبه «مدخل إلى مبادىَ الاَخلاق والتشريع».

ويدعو «بنتام» إلى الاَخذ، بالقانون وإخضاعه لاختبار حساب المنفعة بهدف زيادة سعادة الناس، وإنقاص ما يعانونه، ويقيم مذهبه في المنفعة على مبدأ نفسي: ان الطبيعة أخضعت الاِنسان لحكم سيّدين مطاعين ، هما: الاَلم واللّذة، وانّهما يتحكمان في كل ما يفعله أو يقوله أو يفكر فيه، وانّه يستوي في ذلك مع بقية المخلوقات لكن الاِنسان يتميز بتطبيقه لمبدأ المنفعة، بمعنى انّ ما يعود عليه باللّذة المستمرة أو تزيد به لذته على الاَلم الذي يستحدثه فهو خير، وإنّ ما يترتب عليه ألم مستمر أو ما زاد فيه الاَلم على اللّذة فهو شر.

لكن كيف نوفّق بين ما يحقّق للفرد السعادة وبين الصالح العام؟ وكيف نقنع الناس بالتصرف بما يوَدي إلى السعادة العامة؟ والاِدراك السليم يقضي بأنّ منفعة


(1)كان ذكر هذا المذهب في هذا المقام لاَجل صلته بمذهب اللّذة، وإلاّ كان موضعُ ذكره حسب التسلسل الزمني غيرَ هذا المقام.

(176)

المجتمع شاملة لمنفعة الفرد و من ثَمَّ مقدمة عليها، ولهذا ينبغي أن يكون شعارنا في المقارنة بين اللّذات والمفاضلة بين ما تحقّقه للفرد، وما تحقّقه للجماعة، تحقيق أكبر قدر من السعادة لاَكبر عدد من الناس، وحينئذٍ يكون لزاماً على القانون أن يتدخل لاستحداث نوع من الانسجام المصطنع بين صالح الفرد والصالح العام.(1)

وحاصل هذا المذهب يتلخّص في أُمور:

الاَوّل: انّ الخير يتلخّص في اللّذة المستمرة أو ما يزيد لذته على الاَلم الذي يحدثه، كما أنّالشر يتلخّص فيما يترتب عليه ألم مستمر أو ما زاد فيه الاَلم على اللّذة.

الثاني: انّالخير بهذا المعنى لا يتحقّق إلاّإذا تم للصالح العام وأدّى إلى السعادة العامة، فإذا دار الاَمر بين صالح الفرد، و بين التصرف لصالح المجتمع يقدم الثاني على الاَوّل، لاَنّمنفعة الفرد تنطوي في منفعة المجتمع.

الثالث: انّ شعار المذهب بين ما تحقّقه للفرد وما تحقّقه للجماعة هو تحقّق أكبر قدر من السعادة لاَكبر عدد من الناس، وحينئذٍيكون لزاماً على القانون أن يتدخل لاستحداث نوع من الانسجام بين المصلحتين.

نقد وتحليل

إنّ هذا المذهب هو نفس مذهب اللّذة الذي شيّد أركانه «ارسطيفوس» ثم أعقبه «أبيقور»، بيد انّالفارق بين هذين المذهبين هو انّمذهب اللّذة ركز على اللّذة الفردية وغضّ النظر عن اللذة الجماعية، مما شكل ثغرة واضحة في كيان


(1)عبد المنعم الحفني: الموسوعة الفلسفية: 111؛عبد الرحمان بدوي: موسوعة الفلسفة : 1|364.

(177)

مذهب اللّذة الذي كان يدور على الاَنانية والغفلة عن مصالح المجتمع.

أمّا مذهب المنفعة، فقد تمكن من ملء هذه الثغرة من خلال تقرير حقيقة وهي أنّ منفعة المجتمع شاملة لمنفعة الفرد ومقدمة عليها.

ولكن هناك سوَالاً: وهو انّتقديم النفع الجماعي، هل هو وسيلة للنفع الفردي الذي ينطوي في نفع الجمع، أو هو غاية هدف؟ فعلى الاَوّل تعود الاَنانية بأجلى مظاهرها، وحينها يتحد هذا المذهب مع مذهب اللّذة، غير انّالمذهب السابق لم ينبس عن النفع الجماعي ببنت شفة، ولكنّه تمخّض عن ذلك غير انّه أخذه واجهة للّذة الفردية.

وعلى الثاني يكون نزيهاًعمّا ذكرنا من الاِشكال.

هذه هي حصيلة مذهب المنفعة إلاّ أنّها لا تخلو من مناقشات.

الاَُولى: انّ تخصيص إطار الفعل الاَخلاقي بما يرجع نفعه إلى المجتمع تخصيص بلا وجه، بل ثمة صفات محمودة تعد من أفضل الاَفعال الاَخلاقية مع أنّها لا صلة لها بالمجتمع، كالاَُمور التالية:

أ. عدم الخضوع للظلم الذي يعبر عنه بإباء الضيم

ب. عزّة النفس وكرامتها، أعني: من لا يخضع لسفلة الناس من أجل كسب حطام الدنيا.

الثانية: إذا كان معيار الفعل الاَخلاقي هو «جلب قدر أكبر من السعادة لاَكثر عدد من الناس» فهو أمر مبهم وبحاجة إلى المزيد من البيان، فما هو المراد من أكثر عدد الناس؟ فهل المراد هو الكثرة العددية أو الكثرة النوعية؟ ولو كانت كثرة عددية فما حدها، فلو كان هناك عمل يتم لصالح 51 وينتهي بضرر 49، فهل هو عمل أخلاقي؟ وعلى الثاني فما هي الكيفية المعتبرة التي يتم على ضوئها عدُّ


(178)

العمل أخلاقياً، مثلاً إذا كان عمل يتم لصالح 10% من أساطين العلم والمعرفة و ضرر 90% من سائر أبناء المجتمع.

الثالثة: انّثمة أعمال لا تظهر نتائجها بهذه السرعة إلاّ بعد طي سنوات عديدة، فلا يمكن لهذا المذهب أن يجيب على أنّ هذه الاَعمال، هل هي أخلاقية أو غير أخلاقية مالم تظهر نتائجها لصالح العام أو لضرره.

4. مذهب العاطفة

إنّ المذهب العاطفي جاء كتعديل لمذهب المنفعة العامة، حيث كان الاَساس فيه هو انّ نفع الفرد ومصالحه مندرجة في المنفعة العامة، وهذا النوع من التفكير مبني على إشباع رغبة الاَنانية، وكلّفعل يصدر عن ذلك المبدأ فلا يكون فعلاً أخلاقياً، ولذلك صار روّاد المذهب العاطفي إلى تعديل تلك النظرية، وهم: «آدم اسميت» (1723ـ 1790 م) صاحـب النظـرية الاقتصادية و «آرثـر شوبنهاور» (1788ـ 1860م) الفيلسـوف الاَلماني،و «اغوسـت كونت» (1798 ـ 1857م) الفيلسوف الفرنسي.

هوَلاء زعماء ذلك المشرب وروّاده وحاصل نظريتهم كالتالي:

إنّ كلّفعل يصدر من الاِنسان وليس هناك غاية إلاّ الفاعل فهو خارج عن إطار الفعل الاَخلاقي بل لا يوصف بالحسن والقبح، وإنّما الفعل الاَخلاقي ما يكون له صلة بالجمع، فلو كان الفعل صادراً عن أحاسيس إنسانية، أو كانت الغاية من الفعل هو انتفاع الغير فهو فعل أخلاقي.

وعلى ذلك فيشترط في الفعل الاَخلاقي أحد أمرين:

الاَوّل: أن يكون الهدف من الفعل هو الغير لا الفاعل نفسه.


(179)

الثاني: أن يكون المبدأ لصدور هذه الاَفعال هي الاَحاسيس الاِنسانية التي جُبِّل عليها الاِنسان.

وباختصار انّالفعل الاَخلاقي ما يكون الغاية فيه هو انتفاع الغير، أو يكون المبدأ لصدوره الاِحساسات الاِنسانية نحو الغير، والفرق بين التعبيرين، هو انّ الغير تارة يلاحظ باعتباره علة غائية وأُخرى باعتباره علة فاعلية.

نقد وتحليل

وربما يوَخذ على ذلك المذهب بأنّه ليس كل عمل صادر عن العواطف الاِنسانية عملاً أخلاقياً، ولذلك لا يعد فعل الاَُم بالنسبة إلى رضيعها فعلاً أخلاقياً، أو فعل الوالد بالنسبة إلى حفظ ولده إلى غير ذلك، فانّ هذا النوع من العاطفة مشترك بين الاِنسان والحيوان.

وأظن انّ المذهب العاطفي يخص الفعل الاَخلاقي بالصادر عن عاطفة عامة فلا يعم عاطفة الاَُم بالنسبة إلى ولدها،وذلك لاَنّ تلك العاطفة تختص بولدها ولا تعم ولد الغير ، وهكذا الوالد بالنسبة إلى المحافظة على أبنائه.

نعم العواطف العامة التي لا تختص بفرد دون فرد، إذاكانت مبدأ لصدور الفعل أو كان الغير هو الغاية من فعل الفاعل، فهذا النوع من الفعل يوصف بالاَخلاقية.

والذي يمكن أن يوَخذ على ذلك المذهب هو انّه فسر الفعل الاَخلاقي بالفعل الصادر عن العواطف الاِنسانية مع أنّ هناك أفعالاً أخلاقية لا يصحّ لفيلسوف إنكار كونها كذلك، مع أنّها لا صلة لها بالمجتمع، وهي إمّا من فضائل الاَخلاق أو رذائلها، كالصبر والاستقامة في طريق الطاعة، أو في مقابل النوائب،


(180)

وترك المعاصي.

فالاِنسان الذي يمسك زمام الغرائز الجامحة ويصمد أمام الضغوط التي تجابهه فهوإنسان أخلاقي وفعله فعل أخلاقي من دون أن يكون له صلة بالمجتمع.

ونظيره البخل للمال والضن بالعلم والاِرشاد، فانّه من مساوىَ الاَخلاق مع أنّه لا صلة له بالمجتمع حيث لايريد الاِضرار به وإنّما لا يوصل نفعه إلى الغير.

وعلى كلّ حال فهذه المعايير للاَخلاق ناقصة وليست لها شمول لجميع الاَفعال.

5. مذهب القانون

لقد اشتهر الفيلسوف الانكليزي «برتراند راسل» (1872ـ 1970م) بآرائه ونظرياته الفلسفية ولا سيما في حقل الاَخلاق، وعلى الرغم من ذلك فهو فيلسوف مادي لا يعترف بعالم الغيب ،وله منهج خاص في تفسير القيم والاَخلاق ذكره في كتبه ورسائله، ومن أشهرها كتابه المعروف بـ «العالم الذي أراه».

وحاصل منهجه في الاَخلاق: أنّ الاِنسان موجود أناني يطلب كلّ شيء لنفسه ويدور سعيه وجهده حول هذا المحور، فالنفع الشخصي هو كعبة آمال كلّ إنسان يعيش على هذا الكوكب، وهذا أمر لا يمكن تجريد الاِنسان عنه.

ومن جانب آخر ليس له في الحياة الاجتماعية مناص عن رعاية الاَُصول والقوانين التي تسمى بالوظائف والتكاليف. فيجب على كلّ إنسان رعاية حقوق الآخرين واحترام شخصيتهم إلى غير ذلك ممّا يعد وظيفة اجتماعية.

ولا يخفى أنّهناك تزاحماً بين النفع الشخصي والاحترام لحقوق الآخرين،


(181)

إذ كثير ما يصطدم النفع الشخصي بحقوق المجتمع ، فكان لابد من تقديم تنازلات وترجيح حقوق الآخرين على الانتفاع الشخصي من أجل تسوية النزاع.

إنّما الكلام في وجه التقديم، فهناك مذهبان:

أ. مذهب المثاليين وهو أنّ العقل له قابلية ادراك الحسن والقبح ولذلك يأمره العقل بأنّ الكرامة في حفظ حقوق الآخرين وغض النظر عن النفع الشخصي، وهوَلاء يتناولون الاَخلاق على أساس القيم العقلية.

ب. مذهب النفعيين وهو أنّ النفع الشخصي يكمن في احترام حقوق الآخرين، وانّه لولاه لعمّت الفوضى المجتمع الاِنساني ويحرم الفرد حينها من منافعه الشخصية.

ثمّ إنّ «راسل» يختار هذا المذهب ويعود ويمثل انّ من وظيفة الجار أن يحفظ مال جاره ولا يسرقه، لاَنّ النفع الشخصي يدور على هذا إذ لو سرقه لقوبل بمثله أيضاً، وهكذا سائر الوظائف الاجتماعية فانّ في رعايتها جلب المنفعة للاِنسان.

ومجمل القول أنّ الانتفاع الشخصي هي أمنية كلّ إنسان ولا ينالها إلاّفي ظل احترام القوانين الكفيلة بتأمين حقوق المجتمع بأسره والتي فيها يكمن النفع الفردي.

إنّ «راسل» لما كان فيلسوفاً ذا اتجاه مادي يرجح أن يكون أساس الحياة مبنياً على ترويض المجتمع على رعاية القوانين واحترامها والانصياع الكامل لها بغية نيل منافعهم الشخصية، وهو عنده أرجح ممّا عليه المثاليون من علماء الاَخلاق من توعية الناس بقبائح الاَعمال وحسنها وضرورة الاِتيان بالحسن والانزجار عن القبيح، وما ذلك إلاّ لفقدان معيار الحسن والقبح ـ عنده ـ حتى


(182)

يعرض الاَفعال عليه، لاَنّ الحسن عبارة عمّا يميل إليه الاِنسان والقبيح ما يتنفر عنه، لكن الكلام في ما هو المعيار للرغبة والانزجار؟ فليس هناك شيء يرغب إليه كلّالناس أو ينزجروا عنه، إذ ربّشيء يكون فيه نفع شخصي وضرر على الآخرين فيرغب الاَوّل وينفر الآخرين، فانحصر المعيار في الحب و البغض الشخصيين أو النفع والضرر الفرديين، فإذا لم يكن هناك معيار كلي مطلق فلنضرب على ما ذكره المثاليون من الدعوة إلى الحسن والنهي عن القبيح صفحاً ولنرجع إلى ما قلناه وهو توعية الناس بغية احترام القوانين الاجتماعية، وليس للاَخلاق معنى سواه.

تقييم النظرية

1. انّ تسمية هذا المنهج بالمنهج الاَخلاقي غريب جداً، فانّ الاَخلاق عبارة عن القيم التي تكون بنفسها مطلوبة للاِنسان سواء جرّت النفع أم لا، وأمّا الاَخلاق التي تدور على محور النفع الشخصي وتكون مطلوبة لاَجل درّها منافع للاِنسان، فليست هذه أخلاقاً، وإنّما هي مقتضى غريزة من الغرائز الاِنسانية. ولو صحّ ما ذكره «راسل» فتصبح كلّ القيم التي يفتخر بها «راسل» وغيره في خطاباته من لزوم نشر السلام في العالم وتوثيق أواصر الاَخوة أمراً باطلاً وشعارات جوفاء، مع أنّالمعروف انّ «راسل» كان ممن ينادي بنشر السلام في العالم وتكريس الجهود لمحو الجوع والاَُميّة والتخلّف عن العالم.

2. انّما ادّعاه من أنّمصالح الفرد تكمن في مصالح المجتمع على صواب، ولكن إنّما ينفع إذا كان هناك توازن بين القدرات والقوى كما في مثال الجار، وأمّا إذا اختل التوازن وكان أحد الطرفين ذا قدرة واسعة والطرف الآخر في غاية الضعف على نحو يعلم القوي بأنّ الضعيف لا يقدر على الاِضرار به، فما هو المحفِّز للقويّ على رعاية حقوق الضعيف، وليس هناك أي وازع أمامه.


(183)

وعلى هذا الاَساس نشاهد اليوم من هضم حقوق الدول الضعيفة من قبل الدول الكبرى فينهبون ثروات الدول الفقيرة دون اكتراث ودون أيِّ وازع لعلمها بعدم استطاعة الدول الفقيرة أن تنال حقوقها المهدورة أو أن تقابل بالمثل.

فما سمّاه أخلاقاً يقتصر على نطاق محدود من دون أن يكون معياراً عاماً لكافة الشرائط والظروف.

3. انّ ما ذكر راسل من إنكار معيار الحسن والقبح حتى يكون هو الاَساس للقيم والاَخلاق من الضعف بمكان لوجود احتمالات ثلاثة:

أ. الحسن والقبح بمعنى ما يرغب إليه الفرد أو يرغب عنه بملاك انّه يوَمّن منافعه الشخصية أو لا يوَمّن.

ب. الحسن والقبح ما يوَمّن المنافع النوعية من دون نظر إلى المنافع الشخصية على وجه يكون الاِنسان محوراً لتمييز الحسن عن القبح مع قطع النظر عن الفرد ومنافعه أو مضاره.

ج. الحسن والقبح عبارة عن النظر إلى الشيء من زاوية خاصة وهو التجرد عن كلّ نزعاته، فعندئذٍ يرى في نفسه ميلاً نحو أُمور ورغبة عن أُمور أُخرى والذي نعبِّـر عنها بالبعد الروحي أو الملكوتي للاِنسان.

فهذا الفيلسوف تصور أنّ المعيار الاَوّل هو الملاك للحسن والقبح وغفل عن المعيارين الآخرين اللّذين لا يدوران على النفع الشخصي بل الثالث الّذي لا يدور حول النفع والضرر بل يدور حول النظر إلى القضية مع قطع النظر عن مضاعفاتها وآثارها.

ثمّ إنّ ما ذكره «راسل» قد سبقه الفيلسوف الالماني «هيجل» (1770ـ 1831م) حيث فسر الاَخلاق بالانقياد للقوانين السائدة، فحدّد النفع الشخصي مع


(184)

المصالح الاجتماعية ويترك مصالحه في حدود المقررات والقوانين الموجودة، ويحترس عن إعمال الميول التي تخالف العدل والقانون.

يقول في هذا الصدد: إذا كانت الاِرادة الشخصية منافية للحقّ الذي هو عبارة عن إرادة المجتمع فلو قدَّم الثانية وأخَّر الاَُولى وطبّق ميوله على الحقّ والقانون، فقد عمل بالاَخلاق، فلو خالط الحقّ ـ الذي هو أمر خارج عن ذات الاِنسان ـ نفسه وذاته فهذا هو الاَخلاق، فليس الاَخلاق مجرّد العمل بل يجب أن ينبع من النية على احترام القانون ويجعل نفعه الشخصي تابعاً للقانون.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره بُعدٌ خاص للاَخلاق، وهو تطبيق الميول الشخصية على القوانين لصالح الاِرادة العامة، وهناك رذائل وفضائل لا تمس بالقانون كالغرور والكبر والحسد والبخل، وكان من المفروض أن يفسِّر الفضائل والرذائل الاَخلاقية ومنابعها وآثارها وكيفية تعدّدها.

نعم لو قال« هيجل» بمقولة «كنت» من تقسيم الاَخلاق إلى قسم يعد جزءاً من علم الاجتماع وقسم آخر يختص بعلم الاَخلاق لكان لكلامه مفهوم تام.

«والاَخلاق إمّا أن تهدف إلى البحث عن قوانين الحوادث الاَخلاقية وتكون عندئذٍ شطراً من علم الاجتماع، مادام غرضه المعرفة الوضعية بالطبيعة البشرية، فردية وجمعية، وإمّا أن يهدف علم الاَخلاق إلى تحديد غاية الاِنسان في سلوكه، وتبيان أفضل سبيل لاستعمال قدرته على تغيير مجرى الحوادث، وهذا هو الفن الاَخلاقي أو صناعة توجيه السلوك تبع معايير وقواعد عقلية يستقيها هذا الفن العملي من معطيات علم الاجتماع». (1)


(1)العمدة في فلسفة القيم:190

(185)

المذاهب الاَخلاقية
5

المذهب الكلبي

هذا المذهب على طرف النقيض من كون الاِنسان موجوداً مدنياً اجتماعياً، له رغبة بالنسبة إلى التنعم مما منحه اللّه سبحانه، ولذا كانوا يرون السعادة أن يعدل الاِنسان عن خيرات الدنيا، وأن ينزل عن مكانته الاجتماعية،ويعيش عيشة مرتاض لاصلة له بالدنيا وما فيها

وقد كان لهذا المذهب دعاة قبل الميلاد منهم «ديوجانس»(413ـ 327ق.م) كان هو حريصاً على الزهد تبعاً لاَُستاذه «انستانس»، وكان الثاني يحتقر العلوم كأُستاذه ويريد الناس على أن يروّضوا أنفسهم على الفضيلة فيجيدوها.

وخلاصة القول في حقّهم: إنّهم كانوا يعيشون كالمرتاضين، فيلبسون لباس عامة الشعب، ويرسلون شعر الرأس واللحية، ولمّا تغيّر الزي الشعبي بتأثير المقدونيين، احتفظوا هم بزيّهم، فكان دلالة عليهـم، وكانــوا يحملــون العصا بأيديهم والجراب فوق ظهورهم، ويطوفون في التماس قوتهم كالشحاذين المحترفين أو كرهبان الهنود، وليس لهم من مأوى سوى المعابد وغيرها من الاَمكنة العامة. وكان فيهم كثير من الشذوذ، مثل أن يقف الواحد منهم عرياناً تحت المطر في برد الشتاء، أو يمكث في شمس الصيف المحرقة، ليظهر قوة احتماله وما إلى ذلك، كانوا يغشون المجالس ويتطفّلون على الموائد فيجابهون الحضور


(186)

بنقائصهم في قول جريء إلى حد البذاءة، لا يستحيون ولا يفرّقون بين المقامات، بل يدعون انّهم في كل ذلك يوَدّون مهمة كلّفهم بها الاِله تزوس، هي ملاحظة العيوب والتشهير بها، ويتخذون من اسمهم تشبيهاً، فيقولون إنّهم حراس الفضيلة ينبحون على الرذيلة، كما ينبح الكلب الحارس عند الخطر. (1)

إنّ المذهب الكلبي في الاَخلاق ليس مذهباً يلائم طبيعة الاِنسان، بل هو على جانب الضد مما فطر عليه الاِنسان من الحياة المدنية، فهو بكلمة موجزة يضاد الفطرة، ولا يستحق تسميته بالمذهب الاَخلاقي، ولعل هذا صار سبباً لظهور الرهبانية في المسيحية وانزوائها في الاَديرة والصوامع واجتنابها عن لذائذ الدنيا، يقول سبحانه في ردّ عقيدتهم: (وَرَهْبانيَةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاّ ابْتِغاءَرِضْوانِ اللّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ). (2)

وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا رهبانية في الاِسلام». (3)

وشعار الاِنسان الموَمن هو ما هتف به القرآن: (ربّنا آتِنا فِي الدُّنيا حسنةً وفِي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النّار ) . (4)


(1)يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية: 212.

(2)الحديد:27.

(3)مستدرك الوسائل: 14|155، الحديث 2 نقلاً عن دعائم الاِسلام: 2|193، الحديث 701.

(4)البقرة: 201.

(187)

المذاهب الاَخلاقية
6
مذهب الحس الاَخلاقي

لقد ابتكر «عمانوئيل كنت» مذهباً خاصاً في الاَخلاق يرجع حصيلته إلى أنّ سمة الفعل الاَخلاقي عبارة عن العمل بالفعل بنية انّه أداء للتكليف الذي وجهه ضمير الاِنسان إليه، ولا يكون له حافز ودافع غير أداء التكليف من دون أن يلاحظ حسن الفعل أو قبحه، أو كونه ذا مصلحة أو مفسدة، أو ذا لذة ومرارة أو دعوة العاطفة إليه، فقد أبدع ذلك المذهب شاطباً على الملاكات المختلفة التي كان فلاسفة اليونان والروم عليها.

كان الرأي السائد في عصر «كنت» هو انّ الحس منبع الاِلهام، أو انّه لا يوجد في الذهن إلاّويوجد في الحس قبله، فكأنّ الذهن مخزن يرد إليه العلوم من الخارج عن طريق الحواس الخمسة الظاهرية، وقد اشتهر في عصره قولهم: «لايوجد في الذهن شيء إلاّوقد وجد في الحس قبله».

ولم يرض «كنت» بهذا المذهب وجعل العلوم الاِنسانية على قسمين:

قسم يرجع إلى ما قبل الحس والتجربة.

وقسم آخر يرجع إلى الحس والتجربة، وأحكام العلوم الطبيعية من قبيل الثاني، وأمّا أحكام الاَخلاق فهي من قبيل الاَوّل التي يوحيها الحس الاَخلاقي ويبعث الاِنسان إلى الفعل أو الترك، فيأمر بالعدل والصدق وحفظ الميثاق، وجزاء الاِحسان بالاِحسان، كما يزجر عن الظلم ونقض الميثاق، وجزاء الاِحسان بالسوء.


(188)

ثمّ إنّه يشترط في الفعل الاَخلاقي أُموراً ثلاثة:

الاَوّل: أن يكون الفعل اختيارياً، فالفعل الصادر عن إكراه واضطرار لا يعد فعلاً أخلاقياً وإن كان ربما يوصف بالحسن.

الثاني: أن يكون الفعل مطابقاً للوظيفة والتكليف الذي يوحيه الضمير إلى الاِنسان.

الثالث: أن يكون الدافع إلى العمل هو الحس الاَخلاقي ونية امتثال الاَمر الاَخلاقي. مجرداً عن كلّ دافع سواه. وهذا الشرط هو الذي يصرّ عليه «كنت» وكأنّه دعامة مذهبه الاَخلاقي.

ويوضح ذلك بأنّ الفعل الذي يصدر من الاِنسان لغاية من الغايات ككونه مقتضى الجمال أو الحكمة أو اللذة أو نتيجة الاستشعار بالعاطفة، ليس فعلاً أخلاقياً، بل ربما يعد فعلاً عقلانياً، وإنّما يوصف به إذا كان الاِنسان فارغاً عن كلّداعٍإلى العمل غير الاِتيان به لاَجل امتثال التكليف الذي كلّفه به وجدانه.

فالبائع والمشتري اللّذان يمارسان البيع والشراء لغاية إمرار المعاش فلا يمس عملهما بالاَخلاق وفاقاً وخلافاً، ولكن لو دفع المشتري للبائع بدل دينار واحد، عشرة دنانير عن غفلة، فقام البائع بإرشاده إلى خطئه ورد الزائد عليه فهو عمل أخلاقي نابع من الاِحساس بالتكليف، كما أنّه إذا تغافل عن هذه الزيادة ولم يخبر المشتري بها، فعمله يعدُّ عملاً لا أخلاقياً.

فالفعل الاَخلاقي هو الفعل النابع عن العمل بالتكليف، وأمّا الفعل الصادر عن الميول و الغرائز الباطنية التي تطلب عملاً مناسباً لنفسها فلا يكون موصوفاً بالاَخلاق أو ضدّ الاَخلاق. هذه خلاصة نظرية «كنت» في الاَخلاق.


(189)

نقد وتحليل

أوّلاً: إذا كانت سمة الفعل الاَخلاقي هو القيام به بدافع العمل بالتكليف من دون أن يتأثر الاِنسان بوازع داخلي أو عامل خارجي، فهذا النوع من الفعل لا يقوم به إلاّالاَمثل فالاَمثل من الناس ، مع أنّ«كنت» بصدد تبيين الاَخلاق لعامة الناس.

انّ الاَكثر لا يقومون بالعمل إلاّ بدافع داخلي أو حافز خارجي، فالفعل إذا كان إجابة للغريزة أو مطلوباً لمن يخاف مخالفته يقوم الاِنسان به دون ما إذا تجرد عن كلا الدافعين. اللهم إلاّ إذاكان إنساناً مثالياً متجرّداً عن كل ميل و نزوع.

وثانياً: أنّ الاِتيان بالفعل لاَجل حسنه أو تركه لاَجل قبحه، أوفق بكونه فعلاً أخلاقياً مما فسره «كنت» فانّ الفاعل في الصورة الاَُولى يكون فاعلاً عالماً واعياً بوصف الفعل فيشعر بحسنه ويأتي به، وهذا بخلاف الاِتيان به لاَجل تلبية نداء الباطن، حيث يأتي به لا عن وعي ولا شعور، وأيّهما أفضل وأقرب إلى الاَخلاق.

وثالثاً: أنّ تخصيص الفعل الاَخلاقي بما يوحيه نداء الضمير، تفسير له بوجه أخص، إذ هناك أعمال كثيرة داخلة في إطار الاَخلاق وليست من تلك المقولة ، كأعمال الصالحين الموَمنين باللّه ورسوله حيث يقومون برفع عيلة الفقراء ببناء المستشفيات والمدارس والمرافق العامة، فالداعي لهم هو كسب رضا اللّه سبحانه أو كون الفعل حسن في ذاته، فهذا النوع من الفعل أخلاقي ولكنّه خارج عن الاِطار الذي حدّده «كنت».

هذه بعض التأملات في ذلك المذهب، ولعلّه هناك اشكالات أُخرى يعلم حالها مما ذكرنا.


(190)

المذاهب الاَخلاقية
7

مذهب القوّة

الاِنسان الكامل في منهج فريدرش نيتشه (1844ـ 1900م) هو الاِنسان المقتدر القاهر الغالب، ولعلّه تبع في مذهبه ما نقل عن سوفسطائية اليونان حيث كانوا يفسّـرون الحقّ بالقوة، فالقدرة والغلبة آية الحق، و الضعف والانهزام آية الباطل، وهوَلاء لم يكونوا يتصورون للعدل والظلم مفهوماً غير هذا، فمنطق القوة هو العدل، ومنطق الضعف هو منطق الباطل، ولهذا كانوا يدعون الناس إلى اكتساب القوة والقدرة.

وقد كان هذا المذهب مطموسَ الذكر حتى جاء «نيتشه» فأحياه وراح ينكر الحسن والقبح بتاتاً، إلاّ حسن شيء واحد وهو القوة والقدرة، وكان يدعي أنّ الدين من مخترعات الضعفاء اخترعوه للحد من نفوذ الاَقوياء، فاخترعوا مفاهيم الجود والرحمة والمروءة والاِنسانية والعدالة كي يعيشوا تحت ظل هذه المفاهيم ويرقّقوا قلوب الاَقوياء، وادّعاوَه هذا على طرف النقيض مما يدّعيه «كارل ماركس» إذ كان يدّعي أنّ الدين من صنع الاَقوياء لاستغلال الضعفاء.

يقول نيتشه: ما الخير؟ كلّ ما يعلو في الاِنسان بشعور القوة، وإرادة القوة، والقوة نفسها.

ما الشر؟ كلّ ما يصدر عن الضعيف.

ما السعادة؟ الشعور بأنّ القوة تنمو و تزيد ، وبأنّ مقاومة ما، قد قضي عليها.


(191)

الضعفاء العجزة يجب أن يُفْنُوا، هذا أوّل مبدأ من مبادىَ حبنا للاِنسانية، ويجب أيضاً أن يساعدوا على هذا الفناء. (1)

وعلى ضوء ما ذهب إليه نيتشه فالمفاهيم الاِنسانية كالمساواة والعدالة والاِيثار كلّها مفاهيم تحول دون وصول الاِنسان إلى القوة حتى مساواة المرأة بالرجل، فكان يعتقد أنّ المرء هو الموجود الاَقوى والمرأة خلقت لخدمة الرجل فحسب، وقد استلهم منهجه هذا عن «شارل دارون» الذي طرح نظرية تطور الاَنواع على أُصول أهمها:

نشوء التنازع بين أفراد نوع واحد أوّلاً، والبقاء للاَصلح والاَقوى ثانياً، فزعم انّ هذا أصل في الحيوان والاِنسان على حدّ سواء، فكأنَّ عالم الطبيعة يغربل ما فيه من الاَصناف والاَنواع ويزيح الضعيف عن حلبة الوجود ويُبقي القوي المقتدر، وهكذا الحال في المجتمعات الاِنسانية فهي تحاول دائماً حذف الضعيف وإبقاء القوي.

يقول نيتشه: إنّ إرادة الحياة أسمى الاِرادة وأقواها، ولا تعبر عن نفسها في التنازع التعس من أجل البقاء بل في إرادة القتال، إرادة القوة والسيطرة. (2)

ثمّ يضيف بأنّ الحب والاِحسان ونظائرهما التي يبذلها الآباء للاَبناء تحول بين الاِنسان وتكامله، لاَنّ هذه الاَعمال تحافظ على وجود الضعفاء وعدم حذفهم من المجتمعات، فما دعا إليه سقراط الحكيم من العفة والعدالة والحب، بل ما دعا إليه سيدنا المسيح من الحبّ والعشق كلّها تصد عن ظهور الاِنسان الكامل في المجتمع. (3)


(1)عبد الرحمان البدوي: الاَخلاق النظرية: 239، ط الثانية عام 1976؛ موسوعة الفلسفة:2|514.

(2)العمدة في فلسفة القيم:128.

(3)انظر في الوقوف على مذهبه كتاب «سير حكمت در اروپا»: فقد نقل الشيء الكثير من أقواله وعباراته.

(192)

وهذه النظرية ممّا يأسف لها العقل السليم، كيف وقد هبط الاِنسان من مقامه السامي وصار حيواناً يتنازع في البقاء ويسعى لمحو الضعيف إبقاءً لنفسه، فإذا كان الحيوان الكامل هو الباطش الفاتك فالاِنسان الكامل أيضاً هو القوي الذي لا يرحم الضعيف ويحاول محوه وإفناءه.

أفيرضى إنسان ذومسكة بهذه النظرية، فلو كان الاِنسان الكامل هو الاِنسان القوي الذي يجعل الدنيا كلقمة سائغة لنفسه، فلازم ذلك إلغاء الاَُصول التربوية وإبطال القوانين الحقوقية ومجالس التشريع مادام الحقّ يدور مدار القوة والبطش والحكم لمن غلب.

نعم إنّ القوة إحدى القيم التي يجب على الاِنسان السعي وراءها ليخرجه من ظل الضعف إلى عزّ القوة. يقول سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رباطِالْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (1)ولكنّها إحدى القيم لا القيمة المنحصرة والخلق المثالي.

فذلك الفيلسوف نظر إلى شجرة الاَخلاق التي لها أغصان كثيرة وأخذ بغصن واحد وقطع سائر الاَغصان فصار الكمال عنده منحصراً في القوة.

بقيت نكتة جديرة بالاِشارة وهي أنّ القوة وإن كانت من القيم لكنّها لا تعادل البطش وإجحاف الحقوق والاستئثار بالدنيا، وإنّما يراد منها القوة لاِجراء العدل وإقامة القسط وحفظ الحقوق وصيانة كرامة الاِنسان من الذلّ، فالحاكم القوي رصيد للعدالة يأخذ من الاَقوياء حقوق الضعفاء ويبسط نفوذه على الظالمين ويحيي القيم الاَخلاقية بقوته ومنطقه وسيفه وسنانه.

فالقوة الممدوحة التي هي من القيم ما يكون ملجأ للاِنسانية ومحيياً للحقوق وسدّاً منيعاً أمام الظلم والظالمين.


(1)الاَنفال:60.

(193)

وقد قال الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) في وصيته للحسن والحسين (عليهما السلام) : «وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً» (1)

وقال في كلام آخر له (عليه السلام):

« ... لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ اللّه على العلماء ألاّ يقارّوا على كِظَّة ظالم ولا سغب مظلوم ... » (2)


والحمد للّه رب العالمين


(1)نهج البلاغة: قسم الكتب، رقم 47.

(2)نهج البلاغة؛ الخطبة: 3.
Website Security Test