welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مع الشيعة الاماميه في عقائدهم*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مع الشيعة الاماميه في عقائدهم

(1)

مع الشيعة الاماميه
في عقائدهم

تأليف

الفقيه المحقق
جعفر سبحاني


(2)

(3)

رسائل موجزة حول عقائد الشيعة

إنّ المناهج الكلامية التي فرّقت المسلمين إلى مذاهب حدثت في أواخر القرن الأوّل الهجري ، واستمرّت في القرون التالية ، فنجمت عنها فرق إسلامية مختلفة كالمرجئة ، والجهمية ، والمعتزلة ، والحشوية ، والأشعرية ، والكرّامية بفرقهم المتشعّبة . وهذه الفرق بمجموعها تكون نتاجاً حقيقياً لمخاض البحث والمذاكرة ، وكنتيجة منطقية للتوسع الأُفقي في الرقعة الإسلامية التي شملت العديد من الأُمم والقوميات المختلفة ، وما يؤلّفه ذلك من احتكاك وجدل فكري وتأثّر وتأثير في تلك التيّارات الفكرية وتداخل غير محسوس في أحيان كثيرة أُوجد ودون وعي من الكثيرين ، ركائز وجود هذه التصوّرات التي تبلورت فيما بعد فيما يسمّى بالفرق الإسلامية .

ومن هنا فإنّ المرء لا يجد لها تاريخاً متّصلا بزمن النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ويقف على صدق ما ذكرنا من سبر أجزاء كتابنا هذا .

فالخوارج مثلا كانوا فرقة سياسية نشأت في عام (37هـ ) أثناء حرب صفّين ، ثمّ تبدّلت إلى فرقة دينيّة في أواخر القرن الأوّل وأوائل القرن الثاني .

والمرجئة ظهرت في الأوساط الإسلاميّة عند اختلاف الناس في الخليفة عثمان والإمام عليّ ، ثمّ تطورت إلى معنى آخر ، وكان من حصيلة التطوّر هو تقديم الإيمان وتأخير العمل .

والجهمية نتيجة أفكار «جهم بن صفوان» المتوفّى سنة (128هـ ) .

والمعتزلة تستمدّ أُصولها من واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري المتوفّى


(4)

عام (130هـ ) ، وهكذا القدريّة والكرّاميّة والظاهريّة والأشعريّة فجميعها فرق نتجت عن البحث الكلامي وصقلها الجدل عبر القرون ، فلا تجد لهذه الفرق سنداً متّصلا بالنبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

وأمّا عقائد الشيعة الإمامية فعلى النقيض من ذلك ، ولا صلة في نشأتها بينها وبين تلك الفرق ، لأنّها أُخذت أساساً من مصادر التشريع الحقيقية للإسلام ، وهي : الذكر الحكيم أوّلا ، والسنّة النبويّة ثانياً ، وخطب الإمام عليّ وكلمات العترة الطاهرة الصادرة من النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ثالثاً . فلأجل ذلك يحدّد تاريخ عقائدهم بتاريخ الإسلام وحياة أئمّتهم الطاهرين .

وهذا لا يعني أنّ الشيعة تتعبّد بالنصوص في أُصولها المذكورة من دون تحليل وتفكير ، بل إنّ أُصول العقائد الواردة في المصادر المذكورة أخذها علماؤهم منها وحرّروها بأوضح الوجوه ، ودعموها بالبراهين الواضحة ، كما أنّهم لا يعتدّون في بناء معتقداتهم ومتبنّياتهم برواية الآحاد بل يشترطون فيها أن تكون متواترة ، أو محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم واليقين; إذ ليس المطلوب في باب الاعتقاد مجرّد العمل ، بل المطلوب هو الإذعان والإيمان ، وهذا لا يحصل برواية الآحاد .

إلاّ أنّ الأمر الجدير بالذكر هو أنّ المرتكز الأساسي لبناء العقيدة الخاصّة بالشيعة الإمامية هو الاعتقاد بأنّ الإمام عليّاً منصوص عليه بالوصاية على لسان النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وأنّه وعترته الطاهرة هم المرجع الأعلى بعد الذكر الحكيم . وهذا هو العنصر المقوّم للتشيّع ، وأمّا سائر الأُصول فإنّها عقائد إسلامية لا تختصّ
بالشيعة الإمامية وحدها .

وسنحاول أن نستعرض في الصفحات اللاحقة بعضاً من جوانب عقائد الشيعة الإمامية ، الواردة في أحاديث أئمّتهم تارة ، وكلمات علمائهم الأقدمين ثانياً ، حتّى يقف القارئ على جذور تلك العقائد وتتوضّح له الصورة الحقيقية عن ركائز


(5)

هذه المعتقدات ، والتي تستمدّ كيانها من الأخبار والروايات الواردة من أئمّتهم الطاهرين والتي تكوّن كلمات الإمام عليّ ـ عليه السلام _ وخطبه البعد الأكبر فيها ، أو من الآراء الكلامية لعلمائهم ، والتي تتفق كثيراً مع جمهور المسلمين في أبعادها المختلفة .

1 ـ ما كتبه الإمام الرضا(عليه السلام) للمأمون عن محض الإسلام

روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان قال : سأل المأمون عليّ بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار ، فكتب ـ عليه السلام _ له :

«إنّ محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، إلهاً واحداً ، أحداً ، فرداً ، صمداً ، قيّوماً ، سميعاً ، بصيراً ، قديراً ، قديماً ، قائماً ، باقياً ، عالماً لايجهل ، قادراً لا يعجز ، غنيّاً لا يحتاج ، عدلا لا يجور ، وأنّه خالق كلّ شيء ، ليس كمثله شيء ، لا شبه له ، ولا ضدّ له ، ولا ندّ له ، ولا كفو له ، وأنّه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة .

وأنّ محمّداً عبده ورسوله وأمينه وصفيّه وصفوته من خلقه ، وسيّد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين ، لا نبيّ بعده ولا تبديل لملّته ولا تغيير لشريعته ، وأنّ جميع ما جاء به محمّد بن عبد الله هو الحقّ المبين ، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله ، وأنبيائه ، وحججه ، والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي : (لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيم حَميد)(1) وأنّه المهيمن على الكتب كلّها ، وأنّه حقّ من فاتحته إلى خاتمته ، نؤمن بمحكمه ومتشابهه ، وخاصّه وعامّه ، ووعده ووعيده ،


(1) فصّلت : 42 .


(6)

وناسخه ومنسوخه ، وقصصه وأخباره ، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله .

وأنّ الدليل بعده والحجّة على المؤمنين والقائم بأمر المسلمين ، والناطق عن القرآن ، والعالم بأحكامه : أخوه وخليفته ووصيّه ووليّه ، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى : عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ أمير المؤمنين ، وإمام المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وأفضل الوصيّين ، ووارث علم النبيّين ، والمرسلين ، وبعده الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين ، ثمّ محمّد بن عليّ باقر علم النبيّين ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق وارث علم الوصيّين ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم ، ثمّ عليّ بن موسى الرضا ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ عليّ بن محمّد ، ثمّ الحسن بن عليّ ، ثمّ الحجّة القائم المنتظر ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ .

أشهد لهم بالوصية والإمامة ، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله تعالى على خلقه في كلّ عصر وأوان ، وأنّهم العروة الوثقى ، وأئمّة الهدى ، والحجّة على أهل الدنيا ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وأنّ كل من خالفهم ضالّ مضلّ باطل ، تارك للحقّ والهدى ، وأنّهم المعبّرون عن القرآن ، والناطقون عن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالبيان ، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية ، وأنّ من دينهم الورع والفقه والصدق والصلاة والاستقامة والاجتهاد ، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر ، وطول السجود ، وصيام النهار وقيام الليل ، واجتناب المحارم ، وانتظار الفرج بالصبر ، وحسن العزاء وكرم الصحبة(1) .

ثمّ ذكر الإمام فروعاً شتّى من مختلف أبواب الفقه وأشار إلى بعض الفوارق بين


(1) عيون أخبار الرضا 2 : 121ـ122 .


(7)

مذهب أهل البيت وغيرهم لا يهمّنا في المقام ذكرها ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى المصدر .

2 ـ عرض السيّد عبد العظيم الحسنى عقائده على الإمام  الهادى(عليه السلام)

روى الصدوق عن عبد العظيم الحسني(1) قال : دخلت على سيّدي عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ـ عليهم السلام _ فلمّا بَصُرَ بي ، قال لي : «مرحباً بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّا» قال : فقلت له : يابن رسول الله إنّي أُريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضيّاً أثبت عليه حتّى ألقى الله عزّوجلّ . فقال : «هاتها أبا القاسم» .

فقلت : إنّي أقول : إنّ الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء ، خارج من الحدّين; حدّ الإبطال ، وحدّ التشبيه ، وأنّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض
ولا جوهر ، بل هو مجسِّم الأجسام ومصوِّر الصور ، وخالق الأعراض والجواهر ، وربُّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدثه ، وإنّ محمّداً عبده ورسوله ، خاتم النبيّين فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة ، وأقول : إنّ الإمام والخليفة ووليّ الأمر بعده أمير


(1) عبد العظيم بن عبد الله بن عليّ بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام) من أصحاب الإمام الهادي ، قال النجاشي : له كتاب خطب أمير المؤمنين ، ورد الري هارباً من السلطان وسكن سُرَباً (حفيراً تحت الأرض) في دار رجل من الشيعة في سكّة الموالي فكان يعبد الله في ذلك السرب ويصوم نهاره ويقوم ليله ، وكان يخرج مستتراً ، فيزور القبر المقابل قبره وبينهما الطريق ويقول : هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر(عليه السلام) . فلم يزل يأوي إلى ذلك السرب ويقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمّد(عليهم السلام) حتّى عرفه أكثرهم . رجال النجاشي (2 : 65ـ66) ، ومات عبد العظيم بالري وقبره مزار يزوره الناس . وذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الهادي والعسكري تحت رقم (1و20) ، وذكره أيضاً صاحب عمدة الطالب : 94 .


(8)

المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ أنت يا مولاي .

فقال ـ عليه السلام _ : «ومن بعدي الحسن ابني ، فكيف للناس بالخلف من بعده؟» قال : فقلت : وكيف ذاك يا مولاي؟ قال : «لأنّه لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً» .

قال : فقلت : أقررت وأقول : إنّ وليّهم وليّ الله ، وعدوّهم عدوّ الله ،
وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله ، وأقول : إنّ المعراج حقّ والمساءلة في القبر حقّ ، وإنّ الجنّة حقّ ، والنار حقّ ، والميزان حقّ ، وإنّ الساعة آتية
لا ريب فيها وإنّ الله يبعث من في القبور ، وأقول : إنّ الفرائض الواجبة بعد
الولاية : الصلاة والزكاة ، والصوم ، والحجّ ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

فقال عليّ بن محمّد ـ عليه السلام _ : «يا أبا القاسم ، هذا واللهِ دين الله الذي ارتضاه لعباده ، فاثبت عليه ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة»(1) .

وقد اكتفينا بهذين النصّين من الإمامين الطاهرين ، أحدهما قولي ، والآخر إمضائي ، وقد أخذوا عقائدهم عن آبائهم الطاهرين .

3 ـ رسالة الصدوق فى عقائد الإمامية

إنّ لمشايخنا الإمامية مؤلّفات شهيرة في بيان عقائد الشيعة ومعارفهم ، نختار في المقام رسائل موجزة من المتقدّمين منهم :


(1) التوحيد : باب التوحيد والتشبيه : 81 / 37 .


(9)

صنّف الشيخ الصدوق (306 ـ 381هـ ) رسالة موجزة في عقائد الإمامية ، قال : اعلم أنّ اعتقادنا في التوحيد : أنّ الله تعالى واحد أحد ، ليس كمثله شيء ، قديم ، لم يزل ، ولا يزال سميعاً بصيراً ، عليماً ، حكيماً ، حيّاً ، قيّوماً ، عزيزاً ، قدّوساً ، عالماً ، قادراً ، غنيّاً ، لا يوصف بجوهر ولا جسم ولا صورة ولا عرض ـ إلى أن قال : ـ وأنّه تعالى متعال عن جميع صفات خلقه ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال ، وحدّ التشبيه ، وأنّه تعالى شيء لا كالأشياء ، أحد صمد لم يلد فيورث ، ولم يولد فيشارك ، ولم يكن له كفواً أحد ، ولا ندّ ولا ضدّ ، ولا شبه ولا صاحبة ، ولا مثل ولا نظير ، ولا شريك له ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ولا الأوهام ، وهو يدركها ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، وهو اللطيف الخبير ، خالق كلّ شيء لا إله إلاّ هو ، له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين .

ومن قال بالتشبيه فهو مشرك ، ومن نسب إلى الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب ، وكلّ خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع ، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل ، وإن وجد في كتب علمائنا فهو مدلّس . . . ثمّ إنّه قدّس الله سرّه ذكر الصفات الخبرية في الكتاب العزيز وفسّـرها ، وبيّن حدّاً خاصّاً لصفات الذات وصفات الأفعال ، وما هو معتقد الإماميّة في أفعال العباد ، وأنّه بين الجبر والتفويض ، كما ذكر عقائدهم في القضاء والقدر ، والفطرة ، والاستطاعة ، إلى غير ذلك من المباحث المهمّة التي تشكّل العمود الفقري للمعارف الإلهية ، إلى أن قال :

اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمّد هو ما بين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس (114) سورة ، وعندنا أنّ الضحى والانشراح سورة واحدة ، كما أنّ الإيلاف والفيل سورة


(10)

واحدة . ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب . . . إلى آخر الرسالة(1) .

ثمّ إنّ الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ ) قد شرح تلك الرسالة بكتاب أسماه شرح عقائد الصدوق ، أو تصحيح الاعتقاد ، ناقش فيها أُستاذه الصدوق في بعض المواضع التي استند فيها الصدوق على روايات غير جامعة للشرائط في باب العقائد(2) .

4 ـ أمالى الصدوق(رحمه الله)

وهو ما أملاه الصدوق أيضاً على جماعة في المجلس الثالث والتسعين ، وجاء فيه : واجتمع في هذا اليوم إلى الشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه أهل مجلسه والمشايخ ، فسألوه أن يملي عليهم وصف دين الإماميّة على الإيجاز والاختصار ، فقال : دين الإماميّة هو الإقرار بتوحيد الله تعالى ذكره ،
ونفي التشبيه عنه ، وتنزيهه عمّا لا يليق ، والإقرار بأنبياء الله ورسله وحججه وملائكته وكتبه ، والإقرار بأنّ محمّداً هو سيّد الأنبياء والمرسلين ، وأنّه أفضل
منهم ومن جميع الملائكة المقرّبين ، وأنّه خاتم النبيّين; فلا نبيّ بعده . . . إلى آخر
ما  ذكر(3) .


(1) لاحظ رسالة الصدوق في الاعتقادات ، وقد طبعت غير مرّة ، وعليها شروح وتعاليق العلماء منهم العلاّمة المجلسي .

(2) طبع الكتاب مع كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد في تبريز عام (1371هـ ) . وطبع أخيراً في الجزء الخامس من كتب المؤتمر العالمي للشيخ المفيد ـ 1413هـ .

(3) الأمالي للشيخ الصدوق ، وانظر الحديث المتقدم في آخر كتاب المقنع والهداية وممّا أملاه في يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان سنة 368هـ لاحظ ص509 طبع بيروت ، في آخر كتاب المقنع والهداية .


(11)

5 ـ جمل العلم والعمل للسيّد الشريف المرتضى

ألّف السيّد الشريف المرتضى رسالة موجزة في العقائد أسماها جمل العلم والعمل . أورد فيها ـ رحمه الله ـ عقائد الشيعة على وجه الإيجاز ، نذكر منها ما يرتبط بالتوحيد ، وندعو القارئ الكريم إلى مطالعة الرسالة لما فيها من العرض الدقيق لهذه الجوانب :

بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد :

الأجسام محدثَة لأنّها لم تسبق الحوادث ، فلها حكمها في الحدوث ، ولابدّ لها من محدِث; لحاجة كلّ محدَث في حدوثه إلى محدِث كالصناعة والكتابة .

ولابدّ من كونه (تعالى) قادراً لتعذّر الفعل على من لم يكن قادراً ، وتيسّره على من كان كذلك .

ولابدّ من كون محدِثها عالماً; لأنّ الإحكام ظاهر في كثير من العالم ، والمحكَم لا يقع إلاّ من عالم .

ولابدّ من كونه موجوداً; لأنّ له تعلّقاً من حيث كان قادراً عالماً ، وهذا الضرب من التعلّق لا يصحّ إلاّ مع الوجود .

ويجب كونه قديماً; لانتهاء الحوادث إليه .

ويجب كونه حيّاً ، وإلاّ لم يصحّ كونه قادراً ، عالماً ، فضلا عن وجوبه .

ويجب أن يكون مدركاً إذا وجدت المدركات ، لاقتضاء كونه حيّاً .

ووجب كونه سميعاً بصيراً; لأنّه ممّن يجب أن يدرك المدركات إذا وجدت ، وهذه فائدة قولنا : سميع بصير .

ومن صفاته ـ وإن كانتا عن علّة ـ كونه تعالى مريداً وكارهاً; لأنّه تعالى قد أمر وأخبر ونهى ، ولايكون الأمر والخبر أمراً ولا خبراً إلاّ بالإرادة . والنهي لا يكون


(12)

نهياً إلاّ بالكراهة .

ولا يجوز أن يستحقّ هاتين الصفتين لنفسه; لوجوب كونه مريداً كارهاً للشيء الواحد ، على الوجه الواحد .

ولا لعلّة قديمة ، لما سنبطل به الصفات القديمة .

لا لعلّة محدثة في غير حيّ لافتقار الإرادة إلى تنبيه . ولا لعلّة موجودة في حيّ ; لوجوب رجوع حكمها إلى ذلك الحيّ . فلم يبق إلاّ أن توجد لا في محلّ .

ولا يجوز أن يكون له في نفسه صفة زائدة على ما ذكرناه; لأنّه لا حكم لها معقول .

وإثبات ما لا حكم له معقول من الصفات ، يفضي إلى الجهالات .

ويجب أن يكون قادراً فيما لم يزل; لأنّه لو تجدّد له ذلك لم يكن إلاّ لقدرة محدثة ، ولا يمكن إسناد إحداثها إلاّ إليه ، فيؤدّي إلى تعلّق كونه قادراً بكونه محدثاً ، وكونه محدثاً بكونه قادراً . وثبوت كونه قادراً فيما لم يزل يقتضي أن يكون فيما لم يزل حيّاً موجوداً .

ويجب أن يكون عالماً فيما لم يزل ; لأنّ تجدّد كونه عالماً يقتضي أن يكون بحدوث علم ، والعلم لا يقع إلاّ ممّن هو عالم .

ووجوب هذه الصفات لم تدلّ على أنّها نفسيّة ، وادّعاء وجوبها لمعان قديمة تبطل صفات النفس ، ولأنّ الاشتراك في القدم يوجب التماثل والمشاركة في سائر الصفات ولا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات لاسنادها إلى النفس .

ويجب كونه تعالى غنيّاً غير محتاج; لأنّ الحاجة تقتضي أن يكون ممّن ينتفع ويستضرّ ، وتؤدّي إلى كونه جسماً .

لايجوز كونه تعالى متّصفاً بصفة الجواهر والأجسام والأعراض لقدمه وحدوث هذه أجمع ، ولأنّه فاعل الأجسام ، والجسم يتعذّر عليه فعل الجسم .


(13)

ولا يجوز عليه تعالى الرؤية; لأنّه كان يجب مع ارتفاع الموانع وصحّة أبصارنا أن نراه .

ولمثل ذلك يعلم أنّه لا يُدرك بسائر الحواس .

ويجب أن يكون تعالى واحداً لا ثاني له في القدم ; لأنّ إثبات ثان يؤدّي إلى إثبات ذاتين لا حكم لهما يزيد على حكم الذات الواحدة ، ويؤدّي أيضاً إلى تعذّر الفعل على القادر من غير جهة منع معقول ، وإذا بطل قديم ثان بطل قول الثنوية والنصارى والمجوس . . . إلى آخرها(1) .

6 ـ البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان للكراجكى

كتب الإمام الشيخ أبو الفتح محمّد بن عليّ الكراجكي الطرابلسي رسالة موجزة في عقائد الإمامية وسمّـاها : «البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان» وممّا جاء فيها :

قال : سألت يا أخي ـ أسعدك الله بألطافه ، وأيّدك بإحسانه وإسعافه ـ أن أُثبت لك جملا من اعتقادات الشيعة المؤمنين ، وفصولا في المذهب يكون عليها بناء المسترشدين ، لتذاكر نفسك بها ، وتجعلها عدّة لطالبها ، وأنا أختصر لك القول وأُجمله ، وأُقرّب الذكر وأُسهّله وأورده على سنن الفتيا في المقالة ، من غير حجّة ولا دلالة ، وما توفيقي إلاّ بالله :


(1) جمل العلم والعمل قسم العقائد ، الطبعة الثانية تحقيق رشيد الصفّار ، طبعة النجف طالع الرسالة بأجمعها . نعم; رأيه في إعجاز القرآن من القول بالصرف رأي شخصي له ولا يمثل رأي جمهور الإمامية .


(14)

في توحيده سبحانه :

اعلم أنّ الواجب على المكلّف : أن يعتقد حدوث العالم بأسره ، وأنّه لم يكن شيئاً قبل وجوده ، ويعتقد أنّ الله تعالى هو محدِث جميعه ، من أجسامه ، وأعراضه ، إلاّ أفعال العباد الواقعة منهم ; فإنّهم محدثوها دونه سبحانه .

ويعتقد أنّ الله قديم وحده ، لا قديم سواه ، وأنّه موجود لم يزل ، وباق لا يزال ، وأنّه شيء لا كالأشياء . لا شبيه الموجودات ، ولا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات ، وأنّ له صفات يستحقّها لنفسه لا لمعان غيره ، وهي كونه حيّاً ، عالماً ، قديماً ، باقياً ، لا يجوز خروجه عن هذه الصفات إلى ضدّها ، يعلم الكائنات قبل كونها ، ولا يخفى عليه شيء منها .

في عدله سبحانه :

وأنّ له صفات أفعال ، لا يصحّ إضافتها إليه في الحقيقة إلاّ بعد فعله ، وهي ما وصف به نفسه من أنّه خالق، ورازق، ومعط، وراحم، ومالك ، ومتكلّم ، ونحو ذلك.

وأنّ له صفات مجازات وهي ما وصف به نفسه ، من أنّه يريد ويكره ، ويرضى ويغضب .

فإرادته لفعل هي الفعل المراد بعينه ، وإرادته لفعل غيره هي الأمر بذلك الفعل ، وليس تسميتها بالإرادة حقيقة ، وإنّما هو على مجاز اللغة ، وغضبه هو وجود عقابه ، ورضاه هو وجود ثوابه ، وأنّه لا يفتقر إلى مكان ، ولا يدرك بشيء من  الحواسّ .

وأنّه منزّه من القبائح ، لا يظلم الناس وإن كان قادراً على الظلم; لأنّه عالم بقبحه ، غنيّ عن فعله ، قوله صدق ، ووعده حقّ ، لا يكلّف خلقه على ما لا يستطاع ، ولا يحرمهم صلاحاً لهم فيه الانتفاع ، ولا يأمر بما لا يريد ، ولا ينهى عمّا


(15)

يريد . وأنّه خلق الخلق لمصلحتهم ، وكلّفهم لأجل منازل منفعتهم ، وأزاح في التكليف عللهم ، وفعل أصلح الأشياء بهم . وأنّه أقدرهم قبل التكليف ، وأوجد لهم العقل والتمييز .

وأنّ القدرة تصلح أن يفعل بها وضدّه بدلا منه . وأنّ الحق الذي تجب معرفته ، يدرك بشيئين ، وهما العقل والسمع ، وأنّ التكليف العقلي لا ينفكّ عن التكليف السمعي . وأنّ الله تعالى قد أوجد (للناس) في كلّ زمان مسمعاً (لهم) من أنبيائه وحججه بينه وبين الخلق ، ينبّههم على طريق الاستدلال في العقليات ، ويفقّههم على ما لا يعلمونه إلاّ به من السمعيات . وأنّ جميع حجج الله تعالى محيطون علماً بجميع ما يفتقر إليهم فيه العباد . وإنّهم معصومون من الخطأ والزلل عصمة اختيار . وأنّ الله فضّلهم على خلقه ، وجعلهم خلفاءه القائمين بحقّه . وأنّه أظهر على أيديهم المعجزات ، تصديقاً لهم فيما ادّعوه من الأنباء والأخبار . وأنّهم ـ مع ذلك ـ بأجمعهم عباد مخلوقون ، بشر مكلّفون يأكلون ويشربون ، ويتناسلون ، ويحيون بإحيائه ، ويموتون بإماتته ، تجوز عليهم الآلام المعترضات ، فمنهم من قتل ، ومنهم من مات ، لا يقدرون على خلق ، ولا رزق ، ولا يعلمون الغيب إلاّ ما أعلمهم إله الخلق . وأنّ أقوالهم صدق ، وجميع ما أتوا به حق .

في النبوّة العامّة والخاصّة :

وأنّ أفضل الأنبياء أُولو العزم ، وهم خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعليهم ، وأنّ محمّد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أفضل الأنبياء أجمعين ، وخير الأوّلين والآخرين . وأنّه خاتم النبيين ، وأنّ آباءه من آدم ـ عليه السلام _ إلى عبد الله بن عبد المطّلب ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا جميعاً مؤمنين ، وموحّدين لله تعالى عارفين ، وكذلك أبوطالب ـ رضوان الله عليه ـ .


(16)

ويعتقد أنّ الله سبحانه شرّف نبيّنا ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بباهر الآيات ، وقاهر المعجزات ، فسبّح في كفّه الحصى ، ونبع من بين أصابعه الماء ، وغير ذلك ممّا قد تضمّنته الأنباء ، وأجمع على صحّته العلماء ، وأتي بالقرآن المبين ، الذي بهر به السامعين! وعجز من الإتيان بمثله سائر الملحدين .

وأنّ القرآن كلام ربّ العالمين ، وأنّه محدَث ليس بقديم . ويجب أن يعتقد أنّ جميع ما فيه من الآيات الذي يتضمّن ظاهرها تشبيه الله تعالى بخلقه ، وأنّه يجبرهم على طاعته أو معصيته ، أو يضلّ بعضهم عن طريق هدايته ، فإنّ ذلك كلّه لا يجوز حمله على ظاهرها ، وأنّ له تأويلا يلائم ما تشهد به العقول ممّا قدّمنا ذكره في صفات الله تعالى ، وصفات أنبيائه .

فإن عرف المكلّف تأويل هذه الآيات فحسن ، وإلاّ أجزأ أن يعتقد في الجملة أنّها متشابهات ، وأنّ لها تأويلا ملائماً ، يشهد بما تشهد به العقول والآيات المحكمات ، وفي القرآن المحكم والمتشابه ، والحقيقة والمجاز ، والناسخ والمنسوخ ، والخاص والعامّ .

ويجب عليه أن يقرّ بملائكة الله أجمعين ، وأنّ منهم جبرئيل وميكائيل ، وأنّهما من الملائكة الكرام ، كالأنبياء بين الأنام ، وأنّ جبرئيل هو الروح الأمين الذي نزل بالقرآن على قلب محمّد خاتم النبيّين ، وهو الذي كان يأتيه بالوحي من ربّ العالمين .

ويجب الإقرار بأنّ شريعة الإسلام التي أتى بها محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ناسخة لما خالفها من شرائع الأنبياء المتقدّمين .

وإنّه يجب التمسّك بها والعمل بما تضمّنته من فرائضها ، وأنّ ذلك دين الله الثابت الباقي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، لا حلال إلاّ ما أحلّت ولا حرام إلاّ ما حرّمت ، ولا فرض إلاّ ما فرضت ، ولا عبادة إلاّ ما أوجبت .


(17)

وإنّ من انصرف عن الإسلام ، وتمسّك بغيره ، كافر ضالّ ، مخلّد في النار ، ولو بذل من الاجتهاد في العبادة غاية المستطاع .

وإنّ من أظهر الإقرار بالشهادتين كان مسلماً ، ومن صدّق بقلبه ولم يشكّ في فرض أتى به محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان مؤمناً .

ومن الشرائط الواجبة للإيمان ، العمل بالفرائض اللازمة ، فكلّ مؤمن مسلم ، وليس كلّ مسلم مؤمناً .

وقوله تعالى : (إنّ الدّينَ عِنْدَ الله الإسْلام)(1) إنّما أراد به الإسلام الصحيح التام ، الذي يكون المسلم فيه عارفاً ، مؤمناً ، عالماً بالواجبات ، طائعاً .

في الإمامة والخلافة :

ويجب أن يعتقد أنّ حجج الله تعالى بعد رسوله الذين هم خلفاؤه ، وحفظة شرعه، وأئمّة أُمّته، اثناعشر أهل بيته ، أوّلهم أخوه وابن عمّه ، وصهره ، بعل فاطمة الزهراء ابنته ، ووصيّه على أُمّته ، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين ، ثمّ الحسن بن عليّ الزكي ، ثمّ الحسين بن عليّ الشهيد ، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين ، ثمّ محمّد بن عليّ باقر العلوم ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم ، ثمّ عليّ بن موسى الرضا ، ثمّ محمّد بن عليّ التقي ، ثمّ عليّ بن محمّد المنتجب ، ثمّ الحسن بن عليّ الهادى ، ثمّ الخلف الصالح بن الحسن المهدي ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ .

لا إمامة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلاّ لهم ـ عليهم السلام _ ولا يجوز الاقتداء في الدين إلاّ بهم ، ولا أخذ معالم الدين إلاّ عنهم .

وأنّهم في كمال العلم والعصمة من الآثام نظير الأنبياء  ـ عليهم السلام _ .

وأنّهم أفضل الخلق بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .


(1) آل عمران : 19 .


(18)

وأنّ إمامتهم منصوص عليها من قبل الله على اليقين والبيان .

وأنّه سبحانه أظهر على أيديهم الآيات ، وأعلمهم كثيراً من الغائبات ، والأُمور المستقبلات ، ولم يعطهم من ذلك إلاّ ما قارن وجهاً يعلمه من اللطف والصلاح .

وليسوا عارفين بجميع الضمائر والغائبات على الدوام ، ولا يحيطون بالعلم بكلّ ما علمه الله تعالى .

والآيات التي تظهر على أيديهم هي فعل الله دونهم ، أكرمهم بها ، ولا صنع لهم فيها .

وأنّهم بشر محدَثون ، وعباد مصنوعون ، لا يخلُقون ، ولا يرزُقون ، ويأكلون ويشربون ، وتكون لهم الأزواج ، وتنالهم الآلام والأعلال ، ويستضامون ، ويَخافون فيتّقون ، وأنّ منهم من قتل ، ومنهم من قبض .

وأنّ إمام هذا الزمان هو المهدي ابن الحسن الهادي ، وأنّه الحجّة على العالمين ، وخاتم الأئمّة الطاهرين ، لا إمامة لأحد بعد إمامته ، ولا دولة بعد دولته ، وأنّه غائب عن رعيته ، غيبة اضطرار وخوف من أهل الضلال ، وللمعلوم عند الله تعالى في ذلك الصلاح .

ويجوز أن يعرّف نفسه في زمن الغيبة لبعض الناس ، وأنّ الله عزّ وجلّ سيظهره وقت مشيئته ، ويجعل له الأعوان والأصحاب ، فيمهّد الدين به ، ويطهّر الأرض على يديه ، ويهلك أهل الضلال ، ويقيم عمود الإسلام ، ويصير الدين كلّه لله .

وأنّ الله عزّ وجلّ يظهر على يديه عند ظهوره الأعلام ، وتأتيه المعجزات بخرق العادات ، ويحيي له بعض الأموات ، فإذا قام في الناس المدّة المعلومة عند الله سبحانه قبضه إليه ، ثمّ لا يمتدّ بعده الزمان ، ولا تتّصل الأيام حتّى تكون شرائط


(19)

الساعة ، وإماتة من بقي من الناس ، ثمّ يكون المعاد بعد ذلك .

ويعتقد أنّ أفضل الأئمّة  ـ عليهم السلام _ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، وأنّه لا يجوز أن يسمّى بأمير المؤمنين أحد سواه .

وأنّ بقيّة الأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ يقال لهم : الأئمّة ، والخلفـاء ، والأوصياء ، والحجج ، وإن كانوا في الحقيقة أُمراء المؤمنين; فإنّهم لم يمنعوا من هذا الاسم لأجل معناه ، لأنّه حاصل لهم على الاستحقاق ، وإنّما منعوا من لفظه حشمة لأمير المؤمنين ـ عليه السلام _ .

وأنّ أفضل الأئمّة بعد أمير المؤمنين ، ولده الحسن ، ثمّ الحسين ، وأفضل الباقين بعد الحسين ، إمام الزمان المهدي ـ صلوات الله عليه ـ ثمّ بقية الأئمّة بعده على ما جاء به الأثر وثبت في النظر .

وأنّ المهدي ـ عليه السلام _ هو الذي قال فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ :

«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد ، لطوّل الله تعالى ذلك اليوم حتّى يظهر فيه رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي ، يملأها عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(1) .

فاسمه يواطئ اسم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وكنيته تواطئ كنيته ، غير أنّ النهي قد ورد عن اللفظ ، فلا يجوز أن يتجاوز في القول أنّه المهدي ، والمنتظر ، والقائم بالحق ، والخلف الصالح ، وإمام الزمان ، وحجّة الله على الخلق .


(1) روي هذا الحديث وأمثاله ابن خلدون في المقدّمة في الفصل الثاني والخمسين عن الترمذي وأبي داود باختلاف بعض ألفاظه ، وروى نحو اثنين وثلاثين حديثاً ، وقال في ص 311 من المقدّمة :

«إنّ جماعة من الأئمّة خرّجوا أحاديث المهدي ، منهم : الترمذي ، وأبو داود ، والبزّار ، وابن ماجة ، والحاكم ، والطبراني ، وأبو يعلى الموصلي ، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي ، وابن عبّاس ، وابن عمر ، وطلحة ، وابن مسعود ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأبي سعيد الخدري ، وأُمّ حبيبة ، وأُمّ سلمة ، وثوبان ، وقرّة بن إياس ، وعليّ الهلالي» .


(20)

ويجب أن يعتقد أنّ الله فرض معرفة الأئمّة  ـ عليهم السلام _ بأجمعهم ، وطاعتهم ، وموالاتهم ، والاقتداء بهم ، والبراءة من أعدائهم وظالميهم . . . وأنّه لا يتم الإيمان إلاّ بموالاة أولياء الله ، ومعاداة أعدائه .

في التوبة والحشر والنشر :

ويعتقد أنّ الله يزيد وينقص إذا شاء في الأرزاق والآجال .

وأنّه لم يرزق العبد إلاّ ما كان حلالا طيّباً .

ويعتقد أنّ باب التوبة مفتوح لمن طلبها ، وهي الندم على ما مضى من المعصية ، والعزم على ترك المعاودة إلى مثلها .

وأنّ التوبة ماحية لما قبلها من المعصية التي تاب العبد منها .

وتجوز التوبة من زلّة إذا كان التائب منها مقيماً على زلّة غيرها لا تشبهها ، ويكون له الأجر على التوبة ، وعليه وزر ما هو مقيم عليه من الزلّة .

وأنّ الله يقبل التوبة بفضله وكرمه ، وليس ذلك لوجوب قبولها في العقل قبل الوعد ، وإنّما علم بالسمع دون غيره .

ويجب أن يعتقد أنّ الله سبحانه ، يميت العباد ويحييهم بعد الممات ليوم المعاد .

وأنّ المحاسبة حقّ والقصاص ، وكذلك الجنّة والنار والعقاب .

وأنّ مرتكبي المعاصي من العارفين بالله ورسوله ، والأئمّة الطاهرين ، المعتقدين لتحريمها مع ارتكابها ، المسوّفين التوبة منها ، عصاة فسّاق ، وأنّ ذلك لا يسلبهم
اسم الإيمان كما لم يسلبهم اسم الإسلام(1) .


(1) صرّح بهذا الشيخ المفيد ـ أُستاذ الشيخ الكراجكي ـ في كتابه أوائل المقالات (ص 48) ونسبه إلى اتّفاق الإمامية ، أمّا الخوارج فتسمّي مرتكب الكبيرة مشركاً وكافراً ، والحسن البصري ـ أُستاذ واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ـ سمّـاهم منافقين ، وأمّا واصل بن عطاء فوضعهم في منزلة بين منزلتين ، وقال : إنّهم فسّاق ليسوا بمؤمنين ، ولا كفّار ، ولا منافقين .


(21)

وأنّهم يستحقّون العقاب على معاصيهم ، والثواب على معرفتهم بالله تعالى ، ورسوله ، والأئمّة من بعده ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وما بعد ذلك من طاعتهم ، وأمرهم مردود إلى خالقهم ، وإن عفا عنهم فبفضله ورحمته ، وإن عاقبهم فبعدله وحكمته ، قال الله سبحانه : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ الله إمّا يُعَذِّبَـهُمْ وَإمّا يَتُوب عَلَيْهِمْ(1) وأنّ عقوبة هؤلاء العصاة إذا شاءها الله تعالى لا تكون مؤبّدة ، ولها آخر ، يكون بعده دخولهم الجنّة ، وليس من جملة من توجّه إليهم الوعيد بالتخليد ، والعفو من الله تعالى يرجى للعصاة المؤمنين .

وقد غلطت المعتزلة فسمّت من يرجو العفو مرجئاً ، وانّما يجب أن يسمّى راجياً ، ولا طريق إلى القطع على العفو ، وإنّما هو الرجاء فقط .

ويعتقد أنّ لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ والأئمّة من بعده  ـ عليهم السلام _ شفاعة مقبولة يوم القيامة ، ترجى للمؤمنين من مرتكبي الآثام .

ولا يجوز أن يقطع الإنسان على أنّه مشفوع فيه على كلّ حال ، ولا سبيل له
إلى العلم بحقيقة هذه الحال ، وإنّما يجب أن يكون المؤمن واقفاً بين الخوف
والرجاء .

ويعتقد أنّ المؤمنين الذين مضوا من الدنيا وهم غير عاصين ، يؤمر بهم يوم
القيامة إلى الجنّة بغير حساب .

وأنّ جميع الكفّار والمشركين ، ومن لم تصحّ له الأُصول من المؤمنين يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجحيم بغير حساب ، وإنّما يحاسب من خلط عملا صالحاً وآخر سيّئاً ، وهم العارفون العصاة .

وأنّ أنبياء الله تعالى وحججه  ـ عليهم السلام _ هم في القيامة المسؤولون للحساب بإذن الله


(1) التوبة : 106 .


(22)

تعالى ، وأنّ حجّة أهل كلّ زمان يتولّى أمر رعيّته الذين كانوا في وقته .

وأنّ سيّدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ والأئمّة الاثني عشر من بعده ـ عليهم السلام _ هم أصحاب الأعراف الذين هم لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه .

وأنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يحاسب أهل وقته وعصره ، وكذلك كل إمام بعده .

وأنّ المهدي ـ عليه السلام _ هو المواقِف لأهل زمانه ، والمسائل للذين في وقته .

وأنّ الموازين (التي) توضع في القيامة ، هي إقامة العدل في الحساب ، والإنصاف في الحكم والمجازاة ، وليست في الحقيقة موازين بكفّات وخيوط كما يظنّ العوامّ .

وأنّ الصراط المستقيم في الدنيا دين محمّد وآل محمّد ـ عليه وعليهم السّلام ـ وهو في الآخرة طريق الجنان .

وأنّ الأطفال والمجانين والبله من الناس ، يتفضّل عليهم في القيامة بأن تكمل عقولهم ، ويدخلون الجنان .

وأنّ نعيم أهل الجنّة متّصل أبداً بغير نفاد ، وأنّ عذاب المشركين والكفّار متّصل في النار بغير نفاد .

ويجب أن تؤخذ معالم الدين في الغَيبة من أدلّة العقل ، وكتاب الله عزّ وجلّ ، والأخبار المتواترة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعن الأئمّة  ـ عليهم السلام ـ (1) وما أجمعت عليه الطائفة


(1) ما ذكره هو رأي جماعة من علماء الإمامية ، كالشريف المرتضى ، وابن زهرة ، وابن البرّاج ، والطبرسي ، وابن إدريس وغيرهم ، فقد ذهب هؤلاء إلى عدم اعتبار الخبر الواحد إذا لم يكن مقطوع الصدور عن المعصوم ، وخصّوا اعتباره بما إذا كان قطعي الصدور ، سواء أكان محتفّاً بقرينة عقلية أو نقلية أُخرى ، فالمهم لدى هؤلاء في اعتبار الخبر أن يفضي إلى العلم ، ولو كان ذلك لإجماع أو شاهد عقلي ، بل صرّح المفيد في أوائل المقالات بأنّه لا يجب العمل بخبر الواحد .

أمّا المشهور بين الإمامية بل المجمع عليه بين المتأخّرين منهم فاعتبار الخبر الواحد لقيام الدليل على حجّيته ، ولكلّ من الفريقين أدلّة على دعواه مذكورة في كتب الأُصول .


(23)

الإمامية ، وإجماعها حجّة .

فأمّا عند ظهور الإمام ـ عليه السلام _ فإنّه المفزع عند المشكلات ، وهو المنبّه على العقليات ، والمعرّف بالسمعيات ، كما كان النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

ولا يجوز استخراج الأحكام في السمعيات بقياس ولا اجتهاد(1) .

أمّا العقليات فيدخلها القياس والاجتهاد ، ويجب على العاقل مع هذا كلّه
ألاّ يقنع بالتقليد في الاعتقاد ، وأن يسلك طريق التأمّل والاعتبار ، ولا يكون نظره لنفسه في دينه أقلّ من نظره لنفسه في دنياه; فإنّه في أُمور الدنيا يحتاط
ويحترز ، ويفكّر ويتأمّل ، ويعتبر بذهنه ، ويستدلّ بعقله ، فيجب أن يكون في
أمر دينه على أضعاف هذه الحال ، فالغرر في أمر الدين أعظم من الغرر في أمر
الدنيا .

فيجب أن لا يعتقد في العقليات إلاّ ما صحّ عنده حقّه ، ولا يسلّم في السمعيات إلاّ لمن ثبت له صدقه .

نسأل الله حسن التوفيق برحمته ، وألاّ يحرمنا ثواب المجتهدين في طاعته .

قد أثبتُّ لك يا أخي ـ أيّدك الله ـ ما سألت ، اقتصرت وما أطلت .

والذي ذكرت أصل لما تركت ، والحمد لله وصلواته على سيّدنا محمّد وآله وسلّم(2) .


(1) المراد بالاجتهاد هنا ليس هو استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية ، وإنّما المراد به الاعتماد على الرأي والاستحسان والقياس ، من دون الرجوع إلى القواعد والأُصول التي ثبتت حجّيتها شرعاً .

(2) أدرج المصنف الرسالة في كتابه القيّم : كنز الفوائد فلاحظ ص240 ـ 252 .


(24)

7 ـ العقائد الجعفريّة للشيخ الطوسى(رحمه الله)

الشيخ الطوسي ـ رحمه الله _ غنيّ عن التعريف ، فهو شيخ الطائفة على الإطلاق وكان قد أخذ على يد المفيد والمرتضى ، وقد ورد بغداد عام (408هـ ) وحضر في أندية دروس أُستاذه المفيد ، فلمّا لبّى الأُستاذ دعوة ربّه حضر لدى المرتضى إلى أن اشتغل بالتدريس والإفتاء في عصره وبعده ، وله رسائل وكتب كلامية قيّمة مفعمة بالتحقيق ، ونحن نورد هنا جانباً مختصراً عمّا دوّنه في عقائد الشيعة في المسائل الآتية :

«المسألة 1» معرفة الله واجبة على كلّ مكلّف ، بدليل أنّه منعم فيجب معرفته .

«المسألة 2» الله تعالى موجود ، بدليل أنّه صنع العالم ، وأعطاه الوجود ، وكلّ من كان كذلك فهو موجود .

«المسألة 3» الله تعالى واجب الوجود لذاته ، بمعنى أنّه لا يفتقر في وجوده إلى غيره ، ولا يجوز عليه العدم ، بدليل أنّه لو كان ممكناً لافتقر إلى صانع ، كافتقار هذا العالم ، وذلك محال على المنعم المعبود .

«المسألة 4» الله تعالى قديم أزلي ، بمعنى أنّ وجوده لم يسبقه العدم . باق أبديّ ، بمعنى أنّ وجوده لن يلحقه العدم .

«المسألة 5» الله تعالى قادر مختار ، بمعنى أنّه إن شاء أن يفعل فعل ، وإن شاء أن يترك ترك ، بدليل أنّه صنع العالم في وقت دون آخر .

«المسألة 6» الله تعالى قادر على كلّ مقدور ، وعالم بكلّ معلوم ، بدليل أنّ نسبة جميع المقدورات والمعلومات إلى ذاته المقدسة المنزّهة على السويّة ، فاختصاص قدرته تعالى وعلمه ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجّح ، وهو محال .

«المسألة 7» الله تعالى عالم ، بمعنى أنّ الأشياء منكشفة واضحة له ، حاضرة


(25)

عنده غير غائبة عنه ، بدليل أنّه تعالى فعل الأفعال المحكمة المتقنة ، وكلّ من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة .

«المسألة 8» الله تعالى يدرك لا بجارحة ، بل بمعنى أنّه يعلم ما يُدرَك بالحواسّ ، لأنّه منزّه عن الجسم ولوازمه ، بدليل قوله تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وَهُوَ يُدْرِك الأبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ)(1) فمعنى قوله تعالى : (إنَّهُ هُوَ السَّميعُ البَصيرُ)(2) أنّه عالم بالمسموعات لا بإذن ، وبالمبصرات لا بعين .

«المسألة 9» الله تعالى حيّ ، بمعنى أنّه يصحّ منه أن يقدر ويعلم ، بدليل أنّه ثبتت له القدرة والعلم وكلّ من ثبتت له ذلك فهو حيّ بالضرورة .

«المسألة 10» الله تعالى متكلّم لا بجارحة ، بل بمعني أنّه أوجد الكلام في جرم من الأجرام ، أو جسم من الأجسام ، لإيصال عظمته إلى الخلق ، بدليل قوله تعالى : (وَكَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيماً)(3) ولأنّه قادر ، فالكلام ممكن .

«المسألة 11» الله تعالى صادق ، بمعنى أنّه لا يقول إلاّ الحقّ الواقع ، بدليل أنّ كلّ كذب قبيح ، والله تعالى منزّه عن القبيح .

«المسألة 12» الله تعالى مريد ، بمعنى أنّه رجح الفعل إذا علم المصلحة (يعني أنّه غير مضطر وأنّ إرادته غير واقعة تحت إرادة أُخرى ، بل هي الإرادة العليا التي إن
رأى صلاحاً فعل ، وإن رأى فساداً لم يفعل ، باختيار منه تعالى) بدليل أنّه ترك إيجاد بعض الموجودات في وقت دون وقت ، مع علمه وقدرته ـ على كلّ حال ـ بالسويّة . ولأنّه نهى ، وهو يدلّ على الكراهة .

«المسألة 13» أنّه تعالى واحد ، بمعنى أنّه لا شريك له في الأُلوهية ، بدليل قوله :


(1) الأنعام : 103 .

(2) الإسراء : 1 ، غافر : 56 .

(3) النساء : 164 .


(26)

(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(1) ولأنّه لو كان له شريك لوقع التمانع ، ففسد النظام ، كما قال : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتَا)(2) .

«المسألة 14» الله تعالى غير مركَّب من شيء ، بدليل أنّه لو كان مركّباً لكان مفتقراً إلى الأجزاء ، والمفتقر ممكن .

«المسألة 15» الله تعالى ليس بجسم ، ولا عرض ، ولا جوهر ، بدليل أنّه لو كان أحد هذه الأشياء لكان ممكناً مفتقراً إلى صانع ، وهو محال .

«المسألة 16» الله تعالى ليس بمرئي بحاسّة البصر في الدنيا والآخرة ، بدليل أنّه تعالى مجرّد ، ولأنّ كلّ مرئي لابدّ أن يكون له الجسم والجهة ، والله تعالى منزّه عنهما ولأنّه تعالى قال : (لَنْ تَرَانِي)(3) وقال : (لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ)(4) .

«المسألة 17» الله تعالى ليس محلاّ للحوادث ، وإلاّ لكان حادثاً ، وحدوثه محال .

«المسألة 18» الله تعالى لا يتّصف بالحلول ، بدليل أنّه يلزم قيام الواجب بالممكن ، وذلك محال .

«المسألة 19» الله تعالى لا يتّحد بغيره ; لأنّ الاتّحاد صيرورة الشيء واحداً من غير زيادة ونقصان ، وذلك محال ، والله لا يتّصف بالمحال .

«المسألة 20» الله تعالى منفيّ عنه المعاني والصفات الزائدة ، بمعنى أنّه ليس عالماً بالعلم ، ولا قادراً بالقدرة (بل علم كلّه ، وقدرة كلّها) ، بدليل أنّه لو كان كذلك لزم كونه محلاّ للحوادث لو كانت حادثة ، وتعدّد القدماء لو كانت قديمة ، وهما محالان ،


(1) الإخلاص : 1 .

(2) الأنبياء : 22 .

(3) الأعراف : 143 .

(4) الأنعام : 103 .


(27)

وأيضاً لزم افتقار الواجب إلى صفاته المغايرة له ، فيصير ممكناً ، وهو ممتنع .

«المسألة 21» الله تعالى غنيّ ، بمعنى أنّه غير محتاج إلى ما عداه ، والدليل عليه أنّه واجب الوجود لذاته ، فلا يكون مفتقراً .

«المسألة 22» الله تعالى ليس في جهة ، ولا مكان ، بدليل أنّ كلّ ما في الجهة والمكان مفتقر إليهما ، وأيضاً قد ثبت أنّه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، فلا يكون في المكان والجهة .

«المسألة 23» الله تعالى ليس له ولد ولا صاحبة ، بدليل أنّه قد ثبت عدم افتقاره إلى غيره ، ولأنّ كلّ ما سواه تعالى ممكن ، فكيف يصير الممكن واجباً بالذات ، ولقوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)(1) و : (مَثَلَ عِيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب)(2) .

«المسألة 24» الله تعالى عدل حكيم ، بمعنى أنّه لا يفعل قبيحاً ، ولا يخلّ بالواجب بدليل أنّ فعل القبيح ، والإخلال بالواجب نقص عليه ، فالله تعالى منزّه عن كلّ قبيح وإخلال بالواجب .

«المسألة 25» الرضا بالقضاء والقدر واجب ، وكلّ ما كان أو يكون فهو بالقضاء والقدر ولا يلزم بهما الجبر والظلم; لأنّ القدر والقضاء هاهنا بمعنى العلم والبيان ، والمعنى أنّه تعالى يعلم كلّ ما هو (كائن أو يكون)(3) .

«المسألة 26» كلّ ما فعله الله تعالى فهو أصلح ، وإلاّ لزم العبث ، وليس تعالى بعابث; لقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّـما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً)(4) .


(1) الشورى : 11 .

(2) آل عمران : 59 .

(3) الاضافة منّا لإكمال العبارة .

(4) المؤمنون : 115 .


(28)

«المسألة 27» اللّطف على الله واجب ; لأنّه خَلَق الخلق ، وجَعَل فيهم الشهوة ، فلو لم يفعل اللطف لزم الإغراء ، وذلك قبيح ، (والله لا يفعل القبيح) فاللطف هو نصب الأدلّة ، وإكمال العقل ، وإرسال الرسل في زمانهم ، وبعد انقطاعهم إبقاء الإمام; لئلاّ ينقطع خيط غرضه .

«المسألة 28» نبيّنا محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف ، رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ حقّاً صدقاً ، بدليل أنّه ادّعى النبوّة وأظهر المعجزات على يده ، فثبت أنّه رسول حقّاً ، وأكبر المعجزات القرآن الحميد والفرقان المجيد ، الفارق بين الحقّ والباطل ، باق إلى يوم القيامة ، حجّة على كافّة النسمة .

ووجه كونه معجزاً : فرط فصاحته وبلاغته ، بحيث ما تمكّن أحد من أهل الفصاحة والبلاغة حيث تُحُدّوا به ، أن يأتوا ولو بسورة مصغّرة ، أو آية تامّة مثله .

«المسألة 29» كان نبياً على نفسه قبل البعثة ، وبعده رسولا إلى كافة النسمة لأنّه قال : «كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين» وإلاّ لزم تفضيل المفضول ، وهو قبيح .

«المسألة 30» جميع الأنبياء كانوا معصومين ، مطهّرين عن العيوب والذنوب كلّها ، وعن السهو والنسيان في الأفعال والأقوال ، من أوّل الأعمار إلى اللحد ، بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية أو يطرأ عليهم السهو لسقط محلُّهم من القلوب ، فارتفع الوثوق والاعتماد على أقوالهم وأفعالهم ، فتبطل فائدة النبوّة ، فما ورد في الكتاب (القرآن) فيهم فهو واجب التأويل .

«المسألة 31» يجب أن يكون الأنبياء أعلم وأفضل أهل زمانهم ; لأنّ تفضيل المفضول قبيح .

«المسألة 32» نبيّنا خاتم النبيين والمرسلين ، بمعنى أنّه لا نبيّ بعده إلى يوم القيامة ، يقول تعالى : (ما كَانَ مُحَمَّداً أَبَا أَحَد مِن رِجَالِكُمْ وَلَـكِن رَسُولَ الله


(29)

وَخَاتَمَ النَّبِيّينَ)(1) .

«المسألة 33» نبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين; لأنّه ثبتت نبوّته ، وأخبر بأفضليته فهو أفضل ، لمّا قال لفاطمة ـ عليها السلام _ : «أبوك خير الأنبياء ، وبعلك خير الأوصياء ، وأنت سيدة نساء العالمين ، وولدك الحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما خير منهما»(2) .

«المسألة 34» معراج الرسول بالجسم العنصري علانية ، غير منام ، حقّ ، والأخبار عليه بالتواتر ناطقة ، صريحة ، فمنكره خارج عن الإسلام ، وأنّه مرّ بالأفلاك من أبوابها من دون حاجة إلى الخرق والالتيام ، وهذه الشبهة الواهية مدفوعة مسطورة بمحالّها .

«المسألة 35» دين نبيّنا ناسخ للأديان السابقة; لأنّ المصالح تتبدّل حسب الزمان والأشخاص كما تتبدّل المعالجات لمريض بحسب تبدّل المزاج والمرض .

«المسألة 36» الإمام بعد نبيّنا عليُّ بن أبي طالب ـ عليه السلام _ بدليل قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «يا علي أنت أخي ووارث علمي وأنت الخليفة من بعدي ، وأنت قاضي ديني ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»(3) ، وقوله : «سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين ، واسمعوا له وأطيعوا له ، وتَعَلّموا منه ولا تُعَلّموه»(4) ، وقوله : «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»(5) .

«المسألة 37» الأئمّة بعد عليّ ـ عليه السلام _ أحد عشر من ذرّيته : الأوّل منهم ولده


(1) الأحزاب : 40 .

(2) راجع ينابيع المودّة : 434ـ436 .

(3) راجع صحيح مسلم 7 : 120ـ121 ، باب فضائل عليّ(عليه السلام)  ، وصحيح البخاري 5 : 19 باب مناقب عليّ(عليه السلام)و6 : 3 باب غزوة تبوك ، ومسند أحمد 1 : 174 ـ 177 وج3 : 32 وج6 : 369 .

(4) راجع البحار 37 : 290 ـ 340 .

(5) راجع مسند أحمد 1 : 84 ـ 152 وج4: 281 و 370 و372 وج5: 366 ـ 419 ، سنن الترمذي 5 : 633 .


(30)

الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ عليّ بن محمّد ، ثمّ الحسن بن عليّ ، ثمّ الخلف الحجّة القائم المهدي الهادي ابن الحسن صاحب الزمان ، فكلّهم أئمّة الناس واحد بعد واحد ، حقّاً ، بدليل أنّ كل إمام منهم نصّ على من بعده نصّاً متواتراً بالخلافة ، وقوله : «الحسين إمام ، ابن إمام ، أخو إمام ، أبو الأئمّة التسعة ، تاسعهم قائمهم ، يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً» .

«المسألة 38» يجب أن يكون الأئمّة معصومين مطهّرين من الذنوب كلّها ، صغيرة وكبيرة عمداً وسهواً ، ومن السهو في الأفعال والأقوال ، بدليل أنّه لو فعلوا المعصية لسقط محلّهم من القلوب ، وارتفع الوثوق ، وكيف يهدون بالضالّين المضلّين ، ولا معصوم غير الأئمّة الاثني عشر إجماعاً ، فثبت إمامتهم .

«المسألة 39» يجب أن يكون الأئمّة أفضل وأعلم ، ولو لم يكونوا كذلك للزم تفضيل المفضول ، أو الترجيح بلا مرجّح ، ولا يحصل الانقياد به ، وذلك قبيح عقلا ونقلا ، وفضل أئمّتنا وعلمهم مشهور ، بل أفضليتهم أظهر من الشمس وأبين من الأمس .

«المسألة 40» يجب أن نعتقد أنّ آباء نبيّنا وأئمّتنا مسلمون أبداً ، بل أكثرهم كانوا أوصياء ، فالأخبار عند أهل البيت على إسلام أبي طالب مقطوعة ، وسيرته تدل عليه ، ومثله مثل مؤمن آل فرعون .

«المسألة 41» الإمام المهدي المنتظر محمّد بن الحسن قد تولّد في زمان أبيه ، وهو غائب حيّ باق إلى بقاء الدنيا; لأنّ كلّ زمان لابدّ فيه من إمام معصوم لما انعقد عليه إجماع الأُمّة على أنّه لا يخلو زمان من حجّة ظاهرة مشهورة أو خافية مستورة ، ولأنّ اللطف في كلّ زمان واجب ، والإمام لطف ، فوجوده واجب .


(31)

«المسألة 42» لا استبعاد في طول عمره ; لأنّ غيره من الأُمم السابقة قد عاش ثلاثة آلاف سنة فصاعداً ، كشعيب ونوح ولقمان وخضر وعيسى ـ عليهم السلام _ وإبليس والدجّال ، ولأنّ الأمر ممكن ، والله قادر على جميع الممكنات .

«المسألة 43» غيبة المهدي لا تكون من قبل نفسه; لأنّه معصوم ، فلا يخلّ بواجب ، ولا من قبل الله تعالى ، لأنّه عدل حكيم ، فلا يفعل القبيح ; لأنّ الإخفاء عن الأنظار وحرمان العباد عن الإفادات قبيحان . فغيبته لكثرة العدوّ والكافر ، ولقلّة الناصر .

«المسألة 44» لابدّ من ظهور المهدي ، بدليل قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «لو لم يبق من الدنيا إلاّ ساعة واحدة لطوّل الله تلك الساعة حتّى يخرج رجل من ذرّيتي ، اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً»(1) .

ويجب على كلّ مخلوق متابعته .

«المسألة 45» في غيبة الإمام فائدة ، كما تنير الشمس تحت السحاب ، والمشكاة من وراء الحجاب .

«المسألة 46» إنّ الله يعيد الأجسام الفانية كما هي في الدنيا ، ليوصل كلّ حق إلى المستحقين ، وذلك أمر ممكن ، والأنبياء أخبروا به ، لا سيّما القرآن المجيد مشحون به ولا مجال للتأويل ، فالاعتقاد بالمعاد الجسماني واجب .

«المسألة 47» كلّ ما أخبر به النبيّ أو الإمام فاعتقاده واجب ، كإخبارهم عن نبوّة الأنبياء السابقين ، والكتب المنزلة ، ووجود الملائكة ، وأحوال القبر وعذابه وثوابه ، وسؤال منكر ونكير ، والإحياء فيه ، وأحوال القيامة وأهوالها ، والنشور ، والحساب والميزان ، والصراط ، وإنطاق الجوارح ، ووجود الجنّة والنار ، والحوض الذي يسقي منه أمير المؤمنين العطاشى يوم القيامة ، وشفاعة النبي والأئمّة لأهل


(1) راجع سنن أبي داود 4 : 106 ـ 107 ، كنز العمال 14 : 264 ـ 267 .


(32)

الكبائر من محبّيه ، إلى غير ذلك ، بدليل أنّه أخبر بذلك المعصومون .

«المسألة 48» التوبة ـ وهي الندم على القبيح في الماضي ، والترك في الحال ، والعزم على عدم المعاودة إليه في الاستقبال ـ واجبة ، لدلالة السمع على وجوبها ، ولأنّ دفع الضرر واجب عقلا .

«المسألة 49» الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر واجبان ، بشرط تجويز التأثير والأمن من الضرر(1) .

ما هو الهدف من نقل هذه الرسائل؟

1 ـ إنّ هذه الرسائل تدلّ بوضوح لا يقبل الشكّ أنّ جلّ عقائد الشيعة تمتد جذورها الحقيقية في كتاب الله المنزل وسنّة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وما جاء عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام _ وأنّ صورة هذه العقائد كانت تبدو واضحة المعالم ومستوعبة لجميع الجوانب المرتبطة بالمعارف الإلهية .

2 ـ تنبثّ في ثنايا هذه الرسائل آراء خاصّة لمؤلّفيها ، ربّما يقع فيها النقاش والجدال والخلاف مع غيرهم من علماء الشيعة ، فليس كلّ ما جاء فيها عقيدة لجميع علماء الشيعة ومؤلّفيهم ، إلاّ أنّ ما يهمّنا من الإشارة إليه هو أنّ هذه الرسائل
تمثّل عقائد الشيعة في مجال صفات الله سبحانه وأفعاله ، وما يرجع إلى النبوّة والإمامة ، والحياة الأُخروية ، خصوصاً فيما يرجع إلى الاعتقاد بمقامات الأئمّة وصفاتهم . فمن يريد أن يتعرّف بوضوح على عقائد الشيعة فليرجع إليها .

3 ـ إنّ الإمعان في الأُصول التي جاءت في هذه الكتب والرسائل يعرب عن


(1) طبعت الرسالة من قبل مؤسسة النشر الإسلامي في قم عام (1412هـ ) مع جواهر الفقه للقاضي ابن البرّاج وفي ضمن الرسائل العشر للشيخ الطوسي(قدس سره) .


(33)

اتّفاق الشيعة في أكثر مسائلهم العقائدية مع عموم عقائد المسلمين . وإن كانوا يختلفون عنهم في أُصول تختصّ بمجال الإمامة والقيادة بعد الرسول .

وسنحاول في الصفحات اللاحقة أن نستعرض أهمّ الفوارق الجوهرية بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية ، والتي لا يمكن أن تكون حدّاً فاصلا دون التقارب بين هذه المذاهب ونبذ الاختلاف بينها ، والذي لن يفيد إلاّ أعداء هذا الدين والمتربّصين به ، وسنشرع في أوّل بحثنا المقتضب هذا في تحديد الاختلافات التي أشرنا إليها بين الشيعة والمعتزلة ، وبين الشيعة والأشاعرة ، وذلك لما كانت تؤلّفه هاتان الفرقتان من جبهة واسعة من جمهور المسلمين إبّان تلك العصور السالفة .

الفرق بين الشيعة الإمامية والمعتزلة

إنّ المتأمّل في مجمل عقائد هاتين الفرقتين يمكنه أن يتبيّن بوضوح جوانب الاتفاق والاختلاف فيما بينهما ، وهو ما سنحاول أن نشير إليه اختصاراً في نقاط محدّدة واضحة ، وإذا كان البعض قد اعتقد جهلا بأنّ الشيعة قد أخذت عقائدها عن المعتزلة فإنّه يردّ بأكثر من دليل ، نحن في غنى عن إيرادها الآن ، إلاّ أنّه لا ينفى أنّ بين هاتين الطائفتين أُصول مشتركة نذكرها في حينها ، وهو ما قد يتّفق مع غير ذلك من فرق المسلمين المختلفة :

1 ـ الشفاعة : أجمع المسلمون كافّة على ثبوت أصل الشفاعة وأنّها تقبل من الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، إلاّ أنّهم اختلفوا في تعيين المشفَّع ، فقالت الإمامية والأشاعرة : إنّ النبيّ يشفع لأهل الكبائر بإسقاط العقاب عنهم أو بإخراجهم من النار ، وقالت المعتزلة : لا يشفع إلاّ للمطيعين ، المستحقّين للثواب ، وتكون نتيجة


(34)

الشفاعة ترفيع الدرجة .

2 ـ مرتكب الكبيرة : هو عند الإمامية والأشاعرة مؤمن فاسق ، وقالت المعتزلة : بل منزلته بين المنزلتين ; أي بين الكفر والإيمان .

3 ـ الجنّة والنار : قالت الإمامية والأشاعرة : إنّهما مخلوقتان الآن بدلالة الشرع على ذلك ، وأكثر المعتزلة يذهب إلى أنّهما غير موجودتين .

4 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : اتّفق المسلمون على وجوبهما ، فقالت الإمامية والأشاعرة : يجبان سمعاً ، ولولا النص لم يكن دليل على الوجوب ، خلافاً للمعتزلة الذين قالوا : بوجوبهما عقلا .

5 ـ الإحباط : اتّفقت الإمامية والأشاعرة على بطلان الإحباط ، وقالوا : لكلّ عمل حسابه الخاصّ ، ولا ترتبط الطاعات بالمعاصي ولا المعاصي بالطاعات ، والإحباط يختصّ بذنوب خاصة كالشرك وما يتلوه ، بخلاف المعتزلة حيث قالوا : إنّ المعصية المتأخّرة تسقط الثواب المتقدم ، فمن عَبَدَ الله طول عمره ثمّ كذب فهو كمن لم يعبد الله أبداً .

6 ـ الشرع والعقل : تشدّدت المعتزلة في تمسّكهم بالعقل ، وتشدّد أهل الظاهر في تمسكهم بظاهر النصّ ، وخالفهما الإمامية والأشاعرة ، فأعطوا للعقل سهماً فيما له مجال القضاء ، نعم أعطت الإمامية للعقل مجالا أوسع ممّا أعطته الأشاعرة . وسيوافيك تفصيله عند ذكر اختلاف الإمامية مع الأشاعرة .

7 ـ اتفقت الإمامية والأشاعرة على أنّ قبول التوبة بفضل من الله ولا يجب عقلا إسقاطها للعقاب ، وقالت المعتزلة : إنّ التوبة مسقطة للعقاب على وجه الوجوب .

8 ـ اتفقت الإمامية على أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة ، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك .


(35)

9 ـ اتفقت الإمامية على أنّ الانسان غير مسيّر ولا مفوّض إليه ، بل هو في ذلك المجال بين أمرين ، بين الجبر والتفويض ، وأجمعت المعتزلة على التفويض .

10 ـ اتفقت الإمامية والأشاعرة على أنّه لابدّ في أوّل التكليف وابتدائه من رسول ، وخالفت المعتزلة وزعموا أنّ العقول تعمل بمجردها عن السمع .

هذه هي الأُصول التي خالفت الإمامية فيها المعتزلة ووافقت فيها الأشاعرة ، وهناك أُصول أُخرى تجد فيها موافقة الإمامية للمعتزلة ومخالفتها للأشاعرة ، وإليك بعضها :

الفرق بين الشيعة الإمامية والأشاعرة

هناك أُصول خالفت الإمامية فيها الأشاعرة ، مخالفة بالدليل والبرهان وتبعاً لأئمّتهم ، ونذكر المهم منها :

1 ـ اتّحاد الصفات الذاتية مع الذات : إنّ لله سبحانه صفات ذاتية كالعلم والقدرة ، فهي عند الأشاعرة صفات قديمة مغايرة للذات زائدة عليها ، وهي عند الإمامية والمعتزلة متّحدة مع الذات .

2 ـ الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنّة ، كالوجه والأيدي والاستواء وأمثالها ، فالشيعة الإمامية يؤوّلونها تأويلا مقبولا لا تأويلا مرفوضاً ; أي أنّها تأخذ بالمفهوم التصديقي للجملة لا بالمفهوم التصوّري للمفردات ، فيقولون : إنّ معنى : (بَل يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء)(1) معناه : أنّه بريء من البخل ، بل هو باذل وسخيّ ، وقادر على البذل . وأمّا الأشاعرة فهم يفسّـرونها بالمفهوم


(1) المائدة : 64 .


(36)

التصوّري ويقولون : إنّ لله سبحانه يدين ، إلاّ أنّهم يتهرّبون عن التجسيم والتشبيه بقولهم : بلا كيف .

3 ـ أفعال العباد عند الإمامية صادرة من نفس العباد ، صدوراً حقيقياً بلا مجاز أو توسّع ، فالإنسان هو الضارب ، هو الآكل ، هو القاتل ، هو المصلّي ، هو القارئ وهكذا ، وقد قلنا : إنّ استعمال كلمة «الخلق» في أفعال الإنسان استعمال غير صحيح ، فلا يقال : خلقت الأكل والضرب والصوم والصلاة ، وإنّما يقال : فعلتها ، فالصحيح أن يقال : إنّ الإنسان هو الفاعل لأفعاله بقدرة مكتسبة من الله ، وإنّ قدرته المكتسبة هي المؤثّرة بإذن من الله سبحانه .

وأمّا الأشاعرة فذهبوا إلى أنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه ، فليس للإنسان فيها صنع ولا دور ، وليس لقدرته أيّ تأثير في تحقّق الفعل ، وأقصى ما عندهم أنّ إرادة الإنسان للعقل تقارن إيجاد الله سبحانه فعله في عالم التكوين والوجود .

إلاّ أنّهم وتحاشياً من الذهاب إلى الجبر في تلك الأفعال وبالتالي إقصاء الإنسان عن أفعاله ، ومن ثمّ براءته من مسؤوليتها عمدوا إلى ابتداع نظرية الكسب المعقدة فقالوا : إنّ الله هو الخالق والإنسان هو الكاسب ، إلاّ أنّها نظرية غريبة غير مفهومة ، ومليئة بالألغاز التي عجز عن فهمها وإيضاحها حتّى مبتدعوها أنفسهم .

4 ـ إنّ الاستطاعة في الإنسان على فعل من الأفعال تقارنه تارة ، وتتقدّم عليه أُخرى; فلو أُريد من القدرة العلّة التامّة فهي مقارنة ، ولو أُريد العلّة الناقصة فهي متقدّمة ، خلافاً للأشاعرة فقد قالوا بالتقارن مطلقاً .

5 ـ رؤية الله بالأبصار في الآخرة : فهي مستحيلة عند الإمامية والمعتزلة ، ممكنة عند الأشاعرة .

6 ـ كلامه سبحانه عند الإمامية هو فعله ، فهو حادث لا قديم ، وهذا
خلافاً للأشاعرة : فكلامه عبارة عن الكلام النفسي القائم بذاته ، فهو قديم


(37)

كقدم الذات .

7 ـ التحسين والتقبيح العقليان : ذهبت الإمامية إلى أنّ العقل يدرك حسن بعض الأفعال أو قبحها ، بمعنى أنّ نفس الفعل من أي فاعل صدر ، سواء أكان الفاعل قديماً أو حادثاً ، واجباً أو ممكناً ، يتّصف بأحدهما ، فيرى مقابلة الإحسان بالإحسان أمراً حسناً ، ومقابلته بالإساءة أمراً قبيحاً ، ويتلقّاه حكماً مطلقاً سائداً على مرّ الحقب ، والأزمان ، لا يغيّره شيء ، وهذا خلافاً للأشاعرة; فقد عزلوا العقل عن إدراك الحسن والقبيح ، وبذلك خالفوا الإمامية والمعتزلة في الفروع المترتّبة عليه .

هذه هي الأُصول التي تخالف فيها الإمامية الأشاعرة ، وربّما توافقهم المعتزلة في جميعها أو أكثرها ، كلّ ذلك يثبت أنّ للشيعة الإمامية منهجاً كلامياً خاصّاً نابعاً من الكتاب والسنّة ، وكلمات العترة الطاهرة والعقل فيما له مجال القضاء ، وليست الشيعة متطفّلة في منهجها الكلامي على أيّة من الطائفتين . وأنت إذا وقفت على الكتب الكلامية المؤلّفة في العصور المتقدّمة من عصر فضل بن شاذان (ت260هـ ) إلى عصر شيخنا الطوسي (385 ـ 460هـ ) ومن بعده بقليل ، تجد منهجاً كلامياً مبرهناً متّزناً واضحاً لا تعقيد فيه ولا غموض ، وعلى تلك الأُصول وذلك المنهج درج علماؤهم المتأخّرون في الأجيال التالية ، فألّف الشيخ الحلبي (374 ـ 447هـ ) «تقريب المعارف» والشيخ سديد الدين الحمصي (ت 600هـ ) كتابه «المنقذ من التقليد» ، وتوالى بعدهم التأليف على يد الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي (597 ـ 672هـ ) وابن ميثم البحراني (ت 589هـ ) في «تقريب المعارف» ، وتلميذه العلاّمة الحلّي (648 ـ 726هـ ) في جملة من المؤلّفات القيّمة . وهكذا . . . فإنّ كلّ ذلك يكشف عن أنّ الأئمّة طرحوا أُصول العقائد ، وغذّوا أصحابهم وتلاميذهم بمعارف سامية ، اعتبر الحجر الأساس للمنهج الكلامي الشيعي ، وتكامل المنهج


(38)

من خلال الجدل الكلامي والنقاش العلمي في الظروف المتأخّرة فوصل إلى الذروة والقمّة .

فالناظر في الكتب الكلامية للسيّد الشريف المرتضى كـ «الشافي»(1) و«الذخيرة»(2) يجد منبعاً غنيّاً بالبحوث الكلامية ، كما أنّ الناظر في كتب العلاّمة الحلّي المختلفة كـ «كشف المراد»(3) و«نهاية المرام»(4) وغيرهما يقف على أفكار سامية أنضجها البحث والنقاش عبر القرون ، فبلغت غايتها القصوى .

وقد توالى التأليف في عقائد الشيعة وأُصولهم من العصور الأُولى إلى يومنا هذا ، بشكل واسع لا يحصيه إلاّ محصي قطرات المطر وحبّات الرمال .

هذا وإنّ الشيعة وإن خالفوا في هذه الأُصول طائفة من الطوائف الإسلامية ووافقوا طوائف أُخرى ، ولكن هناك أُصول اتّفق الجميع فيها دون استثناء ، وهو ظاهر لمن قرأ ما أثبتناه من الرسائل والكتيبات .

أفما آن للمسلمين أن يتّحدوا في ظلّ هذه الأُصول المؤلّفة لقلوبهم ، ويستظلّوا بظلالها ، ويتمسّكوا بالعروة الوثقى ، ويكون شعارهم : (إنّما المؤمنون إخوة فأَصلِحوا بينَ أخويكم) ولا يصغوا إلى النعرات المفرّقة ، المفترية على الشيعة وأئمّتهم ، وليكن شعارنا في التأليف : التحقيق والتأكّد من عقائد الآخرين ، ثمّ التدوين .


(1) المطبوع في بيروت في أربعة أجزاء .

(2) المطبوع في إيران في جزأين .

(3) الكتاب الدراسي في الجامعات الشيعية .

(4) حقّقته مؤخراً مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ونشر في ثلاثة مجلّدات.


(39)

الفرق بين الشيعة الإمامية وسائر الفرق

إذا تعرّفت على الفوارق الموجودة بين الشيعة وبعض طوائف المسلمين ، فهلمّ معي إلى الفوارق الجوهرية بينهم وبين سائر الطوائف التي صيّرتهم إلى فرقتين متمايزتين ، وأكثرها يرجع إلى مسألة القيادة والخلافة بعد الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فنأخذ بالبحث عنها على وجه الإجمال .


(40)

المسألة الأُولى:

وجوب تنصيب الإمام على الله سبحانه

تتّفق جميع الفرق الإسلامية على وجوب نصب الإمام ، سوى العجاردة من الخوارج ، ومنهم حاتم الأصمّ أحد شيوخ المعتزلة (ت 237)(1) قد شذّوا عن ذلك ، واعتقاد المسلمين بذلك يفترق إلى مذهبين اثنين في ماهيّة هذا الوجوب ، فالشيعة يذهبون إلى وجوبه على الله تعالى ، وباقي الفرق على الأُمّة; فوجوب نصب الإمام لا خلاف فيه بين المسلمين ، وإنّما الكلام في تعيين من يجب عليه ذلك .

وليس المراد من وجوبه على الله سبحانه ، هو إصدار الحكم من العباد على الله سبحانه ، حتّى يقال : (إنِ الحُكْمُ إلاّ لله)(2) بل المراد كما ذكرنا غير مرّة : أنّ
العقل ـ حسب التعرّف على صفاته سبحانه ، من كونه حكيماً غير عابث ـ يكشف عن كون مقتضى الحكمة هو لزوم النصب أو عدمه ، وإلاّ فالعباد أقصر من أن يكونوا حاكمين على الله سبحانه .

ثمّ إنّ اختلاف المسلمين في كون النصب فرضاً على الله أو على الأُمّة ينجم عن اختلافهم في حقيقة الخلافة والإمامة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ . فمن ينظر إلى الإمام بوصفه رئيس دولة ليس له وظيفة إلاّ تأمين الطرق والسبل ، وتوفير الأرزاق ، وإجراء الحدود ، والجهاد في سبيل الله ، إلى غير ذلك ممّا يقوم به رؤساء الدول


(1) ادّعت العجاردة بأنّ الواجب على الأُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحقّ وإماتة الباطل ، ومع قيام الأُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد ، أمّا إذا اختلفت الأُمّة ولم تتعاون على نشر العدل وإحقاق الحقّ فيجب عليها تعيين من يقوم بهذه المهمات ، وعلى ذلك فالإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل ، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً .

(2) يوسف : 40 .


(41)

بأشكالها المختلفة ، فقد قال بوجوب نصبه على الأُمّة; إذ لا يشترط فيه من المواصفات إلاّ الكفاءة والمقدرة على تدبير الأُمور ، وهذا ما يمكن أن تقوم به الأُمّة الإسلامية .

وأمّا على القول بأنّ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة (لا لنفس الرسالة فإنّ الرسالة والنبوّة مختومتان بالتحاق النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالرفيق الأعلى) فمن المتّفق عليه أنّ تعهّد هذا الأمر يتوقّف على توفّر صلاحيات عالية لا ينالها الفرد إلاّ إذا حظي بعناية إلهية خاصّة ، فيخلف النبيّ في علمه بالأُصول والفروع ، وفي سدّ جميع الفراغات الحاصلة بموته ، ومن المعلوم أنّ هذا الأمر لا تتعرّف عليه الأُمّة إلاّ عن طريق الرسول ، ولا يتوفّر وجوده إلاّ بتربية غيبيَّة وعناية سماوية خاصّة .

وهكذا فلا يخفى أنّ كون القيادة الإسلامية بعد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بيد الله أو بيد الأُمّة ، أو أنّ التعيين هل هو واجب عليه سبحانه أو عليهم ، ينجم عن الاختلاف في تفسير ماهية الخلافة .

فمن جعلها سياسة زمنية وقتية يشغلها فرد من الأُمّة بأحد الطرق ، قال في حقّه : «لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار ، وتناول النفوس المحرمة ، وتضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ، ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب وعظه وتخويفه ، وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله»(1) .

ومن قال : بأنّ الإمام بعد الرسول أشبه برئيس الدولة أو أحد الحكام ، وتنتخبه الأُمّة الإسلامية ، قال في حقّه : «ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أُمورنا وإن جاروا ، ولا ندعو عليهم ، ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية ، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة . والحجّ والجهاد ماضيان مع أُولي الأمر من المسلمين ، برّهم وفاجرهم ، إلى قيام الساعة ، ولا


(1) التمهيد للقاضي أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ ) : 181 .


(42)

يبطلهما شيء ، ولا ينقضهما»(1) .

وقد درج على هذه الفكرة متكلّمو السنّة ومحدّثوهم ، حتّى قال التفتازاني : «ولا ينعزل الإمام بالفسق ، أو بالخروج عن طاعة الله تعالى ، والجور (الظلم على عباد الله) لأنّه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمّة والأُمراء بعد الخلفاء الراشدين ، والسلف كانوا ينقادون لهم ، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم ، ولا يرون الخروج عليهم ، ونقل عن كتب الشافعية : أنّ القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام ، والفرق أنّ في انعزاله ووجوب نصب غيره إثارة الفتنة; لما له من الشوكة; بخلاف القاضي»(2) .

أمّا من فسّـر الإمامة بأنّها عبارة عن إمرة إلهية واستمرار لوظائف النبوّة كلّها سوى تحمّل الوحي الإلهي ، فلا مناص له عن القول بوجوب نصبه على الله سبحانه .

وقد استدلّت الإمامية على وجوب نصب الإمام على الله سبحانه : بأنّ وجود الإمام الذي اختاره الله سبحانه ، مقرّب من الطاعات ، ومبعد عن المعاصي ، وقد أوضحوه في كتبهم الكلامية . والمراد من اللطف المقرّب هنا ما عرفت من أنّ رحلة
النبي الأكرم تترك فراغات هائلة بين الأُمّة في مجالي العقيدة والشريعة ، كما تترك جدالا ونزاعاً عنيفاً بين الأُمّة في تعيين الإمام . فالواجب على الله سبحانه من باب اللطف هو سدّ هذه الفراغات بنصب من هو صنو النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ في علمه بالعقيدة والشريعة ، وفي العدالة والعصمة ، والتدبير والحنكة ، وحسم مادة النزاع


(1) العقيدة الطحاوية : 379 ـ 387 .

(2) شرح العقائد النسفية لأبي حفص عمرو بن محمّد النسفي (ت573هـ ) والشرح لسعد الدين التفتازاني (ت791هـ ) : 185 ـ 186 ، ولاحظ في هذا المجال مقالات الإسلاميين للأشعري : 323 ، وأُصول الدين لمحمّد بن عبد الكريم البزدوي إمام الماتريدية : 190 .


(43)

المشتعل برحلة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ولمّ شعث الأُمّة ، وجمعهم على خطّ واحد .

والغريب أنّ المعتزلة الذين يذهبون إلى وجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه ، يشذّون في هذا المقام عن معتقدهم هذا ، مع العلم بأنّ هذا المورد من جزئياته ، والذي منعهم عن الالتزام بالقاعدة في المقام بأنّهم لو قالوا بها في هذه المسألة لزمهم أن يقولوا بعدم صحّة خلافة الخلفاء المتقدّمين على عليّ; لأنّ قاعدة اللطف تقتضي أن يكون الخليفة منصوصاً عليه من الله سبحانه .

ثمّ إنّك قد تعرّفت على أنّ الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ـ و بوحي من الله سبحانه ـ قام بتطبيق القاعدة ، ونصب إماماً للأُمّة; ليقود أمرهم ويسدّ جميع الفراغات الحاصلة بلحوقه بالرفيق الأعلى ، وبذلك حسم مادة النزاع ، وقطع الطريق على المشاغبين ، ولكنّه ـ وللأسف ـ تناست الأُمّة وصيّة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأمره ، فانقسموا إلى طوائف وأحزاب ، وقامت بينهم المعارك والحروب التي أُريقت فيها الدماء ، واستبيحت بسببها الأعراض ، وتبدّلت نتيجة لذلك المفاهيم ، واختلفت القيم ، واستثمر أعداء الدين هذه الاختلافات بين المسلمين فعمدوا إلى زيادة الهوّة بينهم وكرّسوا لذلك أقصى جهودهم حتّى أصبح التقريب فضلا عن الوحدة أمراً متعسّراً على المفكّرين ، نسأل الله سبحانه أن يسدّ تلك الفجوة العميقة بإيقاظ شعور علماء الأُمّة ومصلحيهم في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى .


(44)

المسألة الثانية :

عصمة الإمام

تفرّدت الإمامية من بين الفرق الإسلامية بإيجابها عصمة الإمام من الذنب والخطأ ، مع اتّفاق غيرهم على عدمها .

قال الشيخ المفيد : إنّ الأئمّة معصومون كعصمة الأنبياء ، ولا تجوز عليهم صغيرة إلاّ ما قدّم ذكر جوازه على الأنبياء ، ولا ينسون شيئاً من الأحكام ، ولا يدخل في مفهوم العصمة سلب القدرة عن المعاصي ، ولا كون المعصوم مضطرّاً إلى فعل الطاعات; فإنّ ذلك يستدعي بطلان الثواب والعقاب .

هذه هي عقيدة الإمامية في الإمامة، وقداستدلّواعليهابوجوه من العقل والسمع. أمّا العقل فقالوا : إنّ الإمام منفّذ لما جاء به الرسول ، وحافظ للشرع ، وقائم بمهام الرّسول كلّها ، فلو جاز عليه الخطأ والكذب ، لا يحصل الغرض من إمامته .

حقيقة العصمة

العصمة قوّة تمنع صاحبها من الوقوع في المعصية والخطأ ، حيث لا يترك واجباً ، ولا يفعل محرّماً ، مع قدرته على الترك والفعل ، وإلاّ لم يستحقّ مدحاً ولا ثواباً ، وإن شئت قلت : إنّ المعصوم قد بلغ من التقوى حدّاً لا تتغلّب عليه
الشهوات والأهواء ، وبلغ من العلم في الشريعة وأحكامها مرتبة لا يخطأ معها أبداً .

وليست العصمة فكرة ابتدعتها الشيعة ، وإنّما دلّهم عليها في حقّ العترة الطاهرة كتاب الله وسنّة رسوله ، قال سبحانه : (إنَّما يُريدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ


(45)

البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(1) وليس المراد من الرجس إلاّ الرجس المعنوي ، وأظهره هو الفسق .

وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «علي مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه كيفما دار»(2) ومن دار معه الحقّ كيفما دار محال أن يعصي أو أن يخطأ ، وقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ في حقّ العترة : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً»(3) فإذا كانت العترة عدل القرآن والقرآن هو كلام الله تعالى ، فمن المنطقي أن تكون معصومة كالكتاب ، لا يخالف أحدهما الآخر .

وإذا توضّحت الصورة الحقيقية لتبلور عقيدة العصمة عند الشيعة ، وإنّ منشأها هو الكتاب والسنّة ، فإنّ هذا الوضوح لم يتحسّسه البعض ، بل ولم يكلّف نفسه عناء التثبّت من حقيقة مدّعياته وتصوّراته ، حيث يقول :

«إنّ عقيدة العصمة تسرّبت إلى الشيعة من الفرس الذين نشأوا على تقديس الحاكم ، لهذا أطلق عليها العرب النزعة الكسروية ، ولا أعرف أحداً من العرب
قال ذلك في حدود اطّلاعي ، ولعلّ غالبية الشيعة كانت ترمي من وراء هذه الفكرة إلى تنزيه عليّ من الخطأ حتّى يتضح للملأ عدوان بني أُمية في اغتصاب الخلافة . هذا وفي اليهودية كثير من المذاهب التي تسرَّبت إلى الشيعة»(4) .

هكذا ودون أيّ دليل وبيّنة متناسياً أنّ جميع المسلمين يذهبون إلى عصمة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولا يختلف في ذلك أحد ، فهل إنّ هذه الفكرة تسرّبت إلى أهل السنّة من اليهود؟! أو أنّ المسلمين أرادوا بذلك إيضاح عداوة قريش للنبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ أو غير


(1) الأحزاب : 33 .

(2) حديث مستفيض ، رواه الخطيب فى تاريخه 14  :321 والهيثمي في مجمعه 7  :236 وغيرهما .

(3) حديث متواتر، أخرجه مسلم في صحيحه، والدارمي في فضائل القرآن،وأحمد في مسنده2: 114 وغيرهم.

(4) الدكتور نبيه حجاب : مظاهر الشعوبية في الأدب العربي : 492 ، كما في هوية التشيّع : 166 .


(46)

ذلك من التخرصات الباطلة؟!!

لا والله إنّها عقيدة إسلامية واقتبسها القوم من الكتاب والسنّة من دون أخذ من اليهود والفرس ، فما ذكره الكاتب تخرُّص بالغيب ، بل فرية واضحة .

إنّ الاختلاف في لزوم توصيف الإمام وعدمه ، ينشأ من الاختلاف في تفسير الإمامة بعد الرسول وماهيتها وحقيقتها كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ، فمن تلقّى الإمامة  ـ بعد الرسول ـ بأنّها مقام عرفي لتأمين السبل ، وتعمير البلاد ، وإجراء الحدود ، فشأنه شأن سائر الحكّام العرفيّين . وأمّا من رأى الإمامة بأنّها استمرار لتحقيق وظيفة الرسالة ، وأنّ الإمام ليس نبيّاً ولا يوحى إليه ، لكنّه مكلّف بملء الفراغات الحاصلة برحلة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فلا محيص له عن الالتزام بها; لأنّ الغاية المنشودة لا تحصل بلا تسديد إلهي كما سيوافيك ، نعم إنّ أهل السنّة يتحرَّجون من توصيف الإمام بالعصمة ، ويتصوّرون أنّ ذلك يلازم النبوّة ، وما هذا إلاّ أنّهم لا يفرّقون بين الإمامتين ، وأنّ لكلٍّ معطياته . والتفصيل موكول إلى محلّه .

الدليل على لزوم عصمة الإمام بعد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

يمكن الاستدلال على لزوم العصمة في الإمام بوجوه متعدّدة نورد أهمها :

الأوّل : إنّ الإمامة إذا كانت استمراراً لوظيفة النبوّة والرسالة ، وكان الإمام يملأ جميع الفراغات الحاصلة جرّاء رحلة النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فلا مناص من لزوم عصمته ، وذلك لأنّ تجويز المعصية يتنافى مع الغاية التي لأجلها نصبه الله سبحانه إماماً للأُمّة ; فإنّ الغاية هي هداية الأُمّة إلى الطريق المهيع ، ولا يحصل ذلك إلاّ بالوثوق بقوله ، والاطمئنان بصحّة كلامه ، فإذا جاز على الإمام الخطأ والنسيان ، والمعصية والخلاف ، لم يحصل الوثوق بأفعاله وأقواله ، وضعفت ثقة الناس به ،


(47)

فتنتفي الغاية من نصبه ، وهذا نفس الدليل الذي استدلّ به المتكلّمون على عصمة الأنبياء ، والإمام وإن لم يكن رسولا ولا نبيّاً ولكنّه قائم بوظائفهما .

نعم لو كانت وظيفة الإمام مقتصرة على تأمين السبل وغزو العدو والانتصاف للمظلوم وما أشبه ذلك ، لكفى فيه كونه رجلا عادلا قائماً بالوظائف الدينية ، وأمّا إذا كانت وظيفته أوسع من ذلك ـ كما هو الحال في مورد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ـ فكون الإمام عادلا قائماً بالوظائف الدينية ، غير كاف في تحقيق الهدف المنشود من نصب الإمام .

فقد كان النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يفسّر القرآن الكريم ويشرح مقاصده وأهدافه ويبيّن أسراره ، كما كان يجيب على الأسئلة في مجال الموضوعات المستحدثة ، وكان يردّ على الشبهات والتشكيكات التي كان يلقيها أعداء الإسلام ، وكان يصون الدين من محاولات التحريف والتغيير ، وكان يربّي المسلمين ويهذّبهم ويدفعهم نحو التكامل .

فالفراغات الحاصلة من رحلة النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ لا تسدّ إلاّ بوجود إنسان مثالي يقوم بتلك الواجبات ، وهو فرع كونه معصوماً عن الخطأ والعصيان(1) .

الثاني : قوله سبحانه : (أطِيعُوا الله وأطيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ»)(2).

والاستدلال مبني على دعامتين :

1 ـ إنّ الله سبحانه أمر بطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق ; أي في جميع الأزمنة والأمكنة ، وفي جميع الحالات والخصوصيات ، ولم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشيء كما هو مقتضى الآية .

2 ـ إنّ من الأمر البديهي كونه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان : (ولا


(1) هذا اجمال ما أوضحناه في بحوثنا الكلامية ، فلاحظ الإلهيات 2 : 528 ـ 539 .

(2) النساء : 59 .


(48)

يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْر)(1) من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداءً من دون تدخّل أمر آمر أو نهي ناه ، أو يقومون به بعد صدور أمر ونهي من أُولي الأمر .

فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين (وجوب إطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق ، وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان) أن يتّصف أُولو الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق ، بخصوصية ذاتية وعناية إلهية ربّانية ، تصدّهم عن الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة . وليس هذا إلاّ عبارة أُخرى عن كونهم معصومين ، وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية ، لما صحّ الأمر بإطاعتهم على وجه الإطلاق بدون قيد أو شرط . فنستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة .

وممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره ، ويطيب لي أن أذكر نصّه حتّى يمعن فيه أبناء جلدته وأتباع طريقته ، قال :

إنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع
الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وأنّه محال ، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في
هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً(2) .

بيد أنّ الرازي ، وبعد أن قادته استدلالاته المنطقية إلى هذه الفكرة الثابتة


(1) الزمر : 7 .

(2) مفاتيح الغيب 10 : 144 .


(49)

المؤكّدة لوجوب العصمة بدأ يتهرّب من تبعة هذا الأمر ، ولم يستثمر نتائج أفكاره ، لا لسبب إلاّ لأنّها لا توافق مذهبه في تحديد الإمامة ، فأخذ يؤوّل الآية ويحملها على غير ما ابتدأه وعمد إلى إثباته ، حيث استدرك قائلا بأنّا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم ، عاجزون عن الوصول إليه ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منه ، فإذا كان الأمر كذلك ، فالمراد ليس بعضاً من أبعاض الأُمّة ، بل المراد هو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة .

إلاّ أنّ ادّعاءه هذا لا يصمد أمام الحقيقة القويّة التي لا خفاء عليها ، وفي دفعه ذلك الأمر مغالطة لا يمكن أن يرتضيها هو نفسه ، فإنّه إذا دلّت الآية على عصمة أُولي الأمر فيجب علينا التعرّف عليهم ، وادّعاء العجز هروب من الحقيقة ، فهل العجز يختص بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية؟ لا أظنّ أن يقول الرازي بالثاني . فعليه أن يتعرّف على المعصوم في زمان النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعصر نزول الآية ، وبالتعرّف عليه يعرف معصوم زمانه ، حلقة بعد أُخرى ، ولا يعقل أن يأمر الوحي الإلهي بإطاعة المعصوم ثمّ لا يقوم بتعريفه حين النزول ، فلو آمن الرازي بدلالة الآية على عصمة أُولي الأمر فإنّه من المنطقي والمعقول له أن يؤمن بقيام الوحي الإلهي بتعريفهم بواسطة النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _; إذ لا معنى أن يأمر الله سبحانه بإطاعة المعصوم ، ولا يقوم بتعريفه .

ثمّ إنّ تفسير ( أُولي الأمر) بأهل الحلّ والعقد ، تفسير للغامض ـ حسب نظر الرازي ـ بما هو أشد غموضاً; إذ هو ليس بأوضح من الأوّل ، فهل المراد منهم : العساكر والضبّاط ، أو العلماء والمحدّثون ، أو الحكام والسياسيون ، أو الكلّ؟ وهل اتّفق إجماعهم على شيء ، ولم يخالفهم لفيف من المسلمين؟

إذا كانت العصمة ثابتة للأُمة عند الرازي كما علمت ، فهناك من يرى العصمة لجماعة من الأُمّة كالقرّاء والفقهاء والمحدّثين ، هذا هو ابن تيمية يقول في ردّه على


(50)

الشيعة عند قولهم : إنّ وجود الإمام المعصوم لا بدّ منه بعد موت النبيّ يكون حافظاً للشريعة ومبيّناً أحكامها خصوصاً أحكام الموضوعات المتجدّدة ، حيث يقول : إنّ أهل السنّة لا يسلّمون أن يكون الإمام حافظاً للشرع بعد انقطاع الوحي ، وذلك لأنّه حاصل للمجموع ، والشرع إذا نقله أهل التواتر كان ذلك خيراً من نقل الواحد ، فالقرّاء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه ، والمحدّثون معصومون في حفظ الأحاديث وتبليغها ، والفقهاء معصومون في الكلام والاستدلال(1) .

وهذا الرأي أغرب من سابقه وأضعف حجّة! فكيف يدّعي العصمة لهذه الطوائف مع أنّهم غارقون في الاختلاف في القراءة والتفسير ، والحديث والأثر ، والحكم والفتوى ، والعقيدة والنظر؟ ولو أغمضنا عن ذلك ، فما الدليل على عصمة تلكم الطوائف ، خصوصاً على قول البعض بأنّ القول بالعصمة تسرّب من اليهود إلى الأوساط الإسلامية؟

الثالث : قوله سبحانه : (وَإِذِ ابْتَلى إِبراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ )(2) .

والاستدلال بالآية على عصمة الإمام يتوقّف على تحديد مفهوم الإمامة الواردة في الآية وأنّ المقصود منها غير النبوّة وغير الرسالة ، فأمّا الأوّل فهو عبارة عن منصب تحمّل الوحي ، وأمّا الثاني فهو عبارة عن منصب إبلاغه إلى الناس .
والإمامة المعطاة للخليل في أُخريات عمره غير هذه وتلك; لأنّه كان نبيّاً ورسولا وقائماً بوظائفهما طيلة سنين حتّى خوطب بهذه الآية ، فالمراد من الإمامة في المقام هو منصب القيادة ، وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوّة وقدرة ، ويعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث قوله سبحانه : (أمْ يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا


(1) ابن تيمية : منهاج السنّة كما في نظرية الإمامة : 120 .

(2) البقرة : 124 .


(51)

آتاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْآتَيْنا آلَ إبْراهيمَ الكِتابَوالحِكْمَةَوآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظيماً)(1).

فالإمامة التي أنعم بها الله سبحانه على الخليل وبعض ذرّيته هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية . وعلينا الفحص عن المراد بالملك العظيم; إذ عند ذلك يتّضح أنّ مقام الإمامة يلي النبوّة والرسالة ، وإنّما هو قيادة حكيمة ، وحكومة إلهيّة ، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة ، والله سبحانه يوضّح حقيقة هذا الملك في الآيات التالية :

1 ـ يقول سبحانه ـ حاكياً قول يوسف ـ عليه السلام _ ـ : (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأويلِ الأحاديثِ)(2) ومن المعلوم أنّ الملك الذي منّ به سبحانه على عبده يوسف ليس هو النبوّة، بل الحاكمية; حيث صار أميناً مكيناً في الأرض; لقوله: «وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأويلِ الأحاديثِ» إشارة إلى نبوّته ، والملك إشارة إلى سلطته وقدرته .

2 ـ ويقول سبحانه في داود ـ عليه السلام _ : (وَآتاهُ الله المُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ)(3) ويقول سبحانه : (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الخِطَابِ)(4) .

3 ـ ويحكي الله تعالى عن سليمان ـ عليه السلام _ أنّه قال : (وَهَبْ لِي مُلْكَاً لا يَنْبَغِي لأِحَد مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ)(5) .

والتأمّل في هذه الآيات الكريمة يفسّر لنا حقيقة الإمامة باعتبار الملاحظات التالية :

أ ـ إنّ إبراهيم طلب الإمامة لذرّيته وقد أجاب سبحانه دعوته في بعضهم .

ب ـ إنّ مجموعة من ذرّيته ، كيوسف وداود وسليمان ، نالوا ـ وراء النبوّة والرسالة ـ منصب الحكومة والقيادة .


(1) النساء : 54 .

(2) يوسف : 101 .

(3) البقرة : 251 .

(4) ص : 20 .

(5) ص : 35 .


(52)

ج ـ إنّه سبحانه أعطى آل إبراهيم الكتاب ، والحكمة ، والملك العظيم .

فمن ضمّ هذه الأُمور بعضها إلى بعض ، يخرج بهذه النتيجة : أنّ ملاك الإمامة في ذرّية إبراهيم هو قيادتهم وحكمهم في المجتمع ، وهذه هي حقيقة الإمامة ، غير أنّها ربّما تجتمع مع المقامين الآخرين ، كما في الخليل ، ويوسف ، وداود ، وسليمان ، وغيرهم ، وربّما تنفصل عنهما كما في قوله سبحانه : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أحَقُ بِالمُلكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إنَّ الله اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسَطَةً فِي العِلْمِ والجسم وَالله يُؤْتي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَالله واسِعٌ عَليمٌ)(1) .

والإمامة التي يتبنّاها المسلمون بعد رحلة النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ تتّحد واقعيتها مع هذه الإمامة .

ما هو المراد من الظالم؟

قد تعرّفت على المقصود من جعل إبراهيم ـ عليه السلام _ إماماً للناس ، وأنّ المراد هو القيادة الإلهية وسوق الناس إلى السعادة بقوّة وقدرة ومنعة . بقي الكلام في تفسير الظالم الذي ليس له من الإمامة سهم ، فنقول :

لمّا خلع سبحانه ثوب الإمامة على خليله ، ونصبه إماماً للناس ، ودعا
إبراهيمُ أن يجعل من ذرّيته إماماً ، أُجيب بأنّ الإمامة منصب إلهيّ لا يناله الظالمون; لأنّ الإمام هو المطاع بين الناس ، المتصرّف في الأموال والنفوس ، فيجب أن يكون على الصراط السويّ والظالم المتجاوز عن الحدّ لا يصلح لهذا المنصب .


(1) البقرة : 247 .


(53)

كما أنّ الظالم الناكث لعهد الله ، والناقض لقوانينه وحدوده ، على شفا جرف هار ، لا يؤتمن عليه ولا تلقى إليه مقاليد الخلافة; لأنّه على مقربة من الخيانة والتعدّي ، وعلى استعداد لأن يقع أداة للجائرين ، فكيف يصحّ في منطق العقل أن يكون إماماً مطاعاً ، نافذ القول ، مشروع التصرّف ، وعلى ذلك; فكلّ من ارتكب ظلماً ، وتجاوز حدّاً في يوم من أيّام عمره ، أو عبد صنماً ، أو لاذ إلى وثن ـ وبالجملة ارتكب ما هو حرام فضلا عمّا هو شرك وكفر ـ ينادى من فوق العرش في حقّه : (لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ) من غير فرق بين صلاح حالهم بعد تلك الفترة ، أو البقاء على ما كانوا عليه .

نعم اعترض «الجصّاص» على هذا الاستدلال وقال : «إنّ الآية إنّما تشمل من كان مقيماً على الظلم وأمّا التائب منه فلا يتعلّق به الحكم; لأنّ الحكم إذا كان معلّقاً على صفة ، وزالت تلك الصفة ، زال الحكم . ألا ترى أنّ قوله : (وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا)(1) إنّما ينهى عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم ، فقوله تعالى : ( لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ) لم ينف به العهد عمّن تاب عن ظلمه; لأنّه في هذه الحالة لا يسمّى ظالماً ، كما لا يسمّى من تاب من الكفر كافراً»(2) .

إلاّ أنّه يلاحظ عليه : أنّ قوله : «الحكم يدور مدار وجود الموضوع» ليس ضابطاً كلّياً ، بل الأحكام على قسمين : قسم كذلك ، وآخر يكفي فيه اتّصاف الموضوع بالوصف والعنوان آناً ما ، ولحظة خاصّة ، وإن انتفى بعد الاتّصاف ، فقوله : «الخمر حرام» ، أو «في سائمة الغنم زكاة» من قبيل القسم الأوّل ، وأمّا
قوله : «الزاني يحدّ» ، و «السارق يقطع» فالمراد منه أنّ الانسان المتلبّس بالزنا أو السرقة يكون محكوماً بهما وإن زال العنوان وتاب السارق والزاني ، ومثله :


(1) هود : 113 .

(2) تفسير آيات الأحكام 1 : 72 .


(54)

«المستطيع يجب عليه الحجّ» فالحكم ثابت ، وإن زالت عنه الاستطاعة عن تقصير لا عن قصور .

وعلى ذلك فالمدّعى أنّ : «الظّالمين» في الآية المباركة كالسارق والسارقة والزاني والزانية وغيرها من الموارد المشابهة لها .

نعم المهمّ في المقام إثبات أنّ الموضوع في الآية من قبيل الثاني ، وأنّ التلبّس بالظلم ـ ولو آناً مّا ـ يسلب عن الإنسان صلاحية الإمامة ، وإن تاب من ذنبه ، فإنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة :

1 ـ من كان طيلة عمره ظالماً .

2 ـ من كان طاهراً ونقياً في جميع فترات عمره .

3 ـ من كان ظالماً في بداية عمره ، وتائباً في آخره .

4 ـ من كان طاهراً في بداية عمره ، وظالماً في آخره .

عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم ـ عليه السلام _ ، الذي سأل الإمامة لبعض ذرّيته ، أيَّ قسم منها أراد؟

إنّ من غير المعقول والبديهي أن يسأل خليل الله تعالى الإمامة لأصحاب القسمين الأوّل والرابع من ذرّيته ، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره ، أو المتّصف به أيام تصدّيه للإمامة ، لا يصلح لأن يؤتمن عليها .

ولمّا كان الله تعالى قد نفى امتلاك الإمامة من قبل الظالم وهو ما سبق أن وقع
في تسميته أصحاب القسم الثالث ، في حين يقابله في القسم الثاني من هو بريء
عن الظلم مطلقاً طيلة عمره ، وتتمثّل فيه جميع الصفات المطلوبة والمحدّدة في الآية الكريمة ، فلا مناص من الجزم بتعلّقها بالقسم الثاني وحده دون باقي الأقسام .


(55)

العصمة فى القول والرأى

إنّ الأئمّة معصومون عن العصيان والمخالفة أوّلا ، وعن الخطأ والزلّة في القول ثانياً ، وما ذلك إلاّ لأنّ كل إمام من الأوّل إلى الثاني عشر ، قد أحاط إحاطة شاملة كاملة بكلّ ما في هذين الأصلين ، بحيث لا يشذّ عن علمهم معنى آية من آي الذكر الحكيم تنزيلا وتأويلا ، ولا شيء من سنّة رسول الله قولا وفعلا وتقريراً ، وكفى بمن أحاط بعلوم الكتاب والسنّة فضلا وعلماً ، ومن هنا كانوا قدوة الناس جميعاً بعد جدّهم الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ باتّفاق الجميع المطلق دليلا واضحاً على أنّهم هم الأئمّة المعصومون وقادة المسلمين بعد غياب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحتّى قيام يوم الدين .

وقد أخذ أهل البيت علوم الكتاب والسنّة وفهموها عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تماماً(1) كما أخذها ووعاها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن جبرئيل ، وكما وعاها جبرئيل عن الله ، ولا فرق أبداً في شىء إلاّ بالواسطة .

نعم أخذ عليّ عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وأخذ الحسن عن أبيه ، وهكذا كلّ إمام يأخذ عن أبيه ، علم يتناقل ضمن هذه السلسلة الطاهرة المعروفة ، لم يأخذ أحد منهم ـ عليهم السلام ـ عن صحابي ولا تابعي أبداً ، بل أخذ الجميع عنهم ، ومنهم انتقلت العلوم إلى الآخرين كما تلقّاها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ من لدن حكيم خبير .

قال الإمام الباقر ـ عليه السلام _ : «لو كنّا نحدّث الناس برأينا وهوانا لهلكنا ، ولكن نحدّثهم بأحاديث نكنزها عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما يكنز هؤلاء ذهبهم


(1) أو إلهاماً غيبياً لأنّـهم محدَّثون، كما أنّ مريم كانت محدَّثة، وفى صحيح البخاري: عن أبي هريرة قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): «لقد كان فيمن قبلكم من بني اسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن كان من أُمّتي منهم أحد فعمر».

صحيح البخاري 2: 194 باب مناقب عمر بن الخطّاب.


(56)

وفضّتهم»(1) .


(1) محمّد جواد مغنية : الشيعة والتشيّع 44 .


(57)

المسألة الثالثة :

الإمام المنتظر

إنّ الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة مشتركة بين جميع المسلمين، إلاّ من أصمّه اللّه، فكل من كان له إلمام بالحديث يقف على تواتر البشارة عن النبى وآله وأصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل والظلم، ونشر أعلام العلم والعدل، وإعلاء كلمة الحقّ، وإظهار الدين كلّه، ولو كره المشركون، وهو بإذن الله ينجي العالم من ذُلِّ العبودية لغير اللّه، ويبطل القوانين الكافرة التي سنّتها الأهواء، ويقطع أواصر التعصّبات القومية والعنصرية، ويميت أسباب العداء والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الأُمّة واضطراب الكلمة، ومصدراً خطيراً لإيقاد نيران الفتن والمنازعات، ويحقق اللّه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله:

( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضْى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنَاً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُوْلئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ)(1).

قال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبادِيَ الصَّالِحُونَ)(2).

هذا ما اتّفق عليه المسلمون في الصدر الأوّل والأزمنة اللاحقة، وقد تضافر مضمون قول الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه


(1) النور: 55.

(2) الأنبياء: 105 .


(58)

ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً».

بلى إنّ جميع المسلمين يتفقون أساساً على فكرة قيام المهدي وما سيعم الأرض في عهده من العدل والأمن والخير العميم، وإن كان هناك من اختلاف يذكر في مضمون هذا الأمر العظيم، والحلم المنشود، فإنّه قد لا يتجاوز في أهم نقاطه الحدود الأساسية المرتكز عليها، والتي تتمحور أهمها في تحديد ولادته ـ عليه السلام _، فانّ الأكثرية من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، وأمّا الشيعة ولاستنادهم على جملة واسعة من الروايات والأدلّة الصحيحة يذهبون إلى أنّه ـ عليه السلام ـ ولد في «سرّ من رأى» عام 255 هـ ، وغاب بأمر الله سبحانه سنة وفاة والده الإمام الحسن بن علي العسكري ـ عليه السلام _، عام 260 هـ ، وهو يحيا حياة طبيعية كسائر الناس، غير أنّ الناس يرونه ولا يعرفونه، وسوف يظهره اللّه سبحانه ليحقّق عدله.

هذا المقدار من الاختلاف لا يجعل العقيدة بالمهدي عقيدة خلافية، ومن أراد أن يقف على عقيدة السنّة والشيعة في مسألة المهدي فعليه أن يرجع إلى الكتب التالية لمحقّقي السنّة ومحدّثيهم:

ـ «صفة المهدي» للحافظ أبي نعيم الإصفهاني.

ـ «البيان في أخبار صاحب الزمان» للكنجي الشافعي.

ـ «البرهان في علامات مهدي آخر الزمان» لملاّ علي المتقي.

ـ «العرف الوردي في أخبار المهدي» للحافظ السيوطي.

ـ «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر» لابن حجر.

ـ «عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر» للشيخ جمال الدين الدمشقي.

من أراد التفصيل فليرجع إلى «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر» للعلاّمة الصافي ـ دام ظلّه ـ ، وإلى كتاب «المهدي عند أهل السنّة» صدر في مجلّدين وطبع في


(59)

بيروت.

لعلّ الروايات والأخبار المستفيضة المؤكدة على قضية الإمام المهدي من الوفرة وقوّة الحجية بحيث لا يرقى إليها الشك والنقاش سواء في متونها أو في أسانيدها، وعلى ذلك دأب الماضون وتبعهم اللاحقون، إلاّ ما أورده ابن خلدون في مقدمته من تضعيفه لهذه الأخبار والتشكيك في صحّتها، وفي مدى حجيتها، وقد فنّد مقالته محمّد صديق برسالة أسماها «إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون».

قد كتب أخيراً الدكتور عبد الباقي كتاباً قيّماً في الموضوع أسماه «بين يدي الساعة» يشير فيه إلى تضافر الأخبار الواردة في حق المهدي بقوله:

«إنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث والأخبار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح.

لماذا نردّ كل هذه الكمّية؟ أكلّها فاسدة؟ لو صحّ هذا الحكم لانهار الدين ـ والعياذ بالله ـ نتيجة تطرّق الشك والظن الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _.

ثمّ إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي، أو حول حاجة العالم إليه، وإنّما الخلاف حول من هو، حسنى أو حسيني؟ سيكون في آخر الزمان، أو موجود الآن؟ خفي وسيظهر؟ ظهر أو سيظهر ؟ولا عبرة بالمدّعين الكاذبين، فليس لهم اعتبار.

ثمّ إنّي لا أجد مناقشة موضوعية في متن الأحاديث، والذي أجده إنّما هو مناقشة وخلاف حول السند، واتّصاله وعدم اتّصاله، ودرجة رواته، ومن خرّجوه، ومن قالوا فيه.

إذا نظرنا إلى ظهور المهدي نظرة مجرّدة فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها، أو على الأقل عدم رفضها. فإذا ما تؤيّد ذلك بالأدلّة الكثيرة،


(60)

والأحاديث المتعددة، ورواتها مسلمون مؤتمنون، والكتب التي نقلتها إلينا كتب قيمة، والترمذي من رجال التخريج والحكم، بالإضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها ما يصح أن يكون سنداً لها في البخاري ومسلم، كحديث جابر في مسلم الذي فيه: «فيقول أميرهم (أي لعيسى): تعال صلّ بنا»(1)، وحديث أبي هريرة في البخاري، وفيه: «كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح بن مريم وإمامكم منكم»(2)، فلا مانع من أن يكون هذا الأمير، وهذا الإمام هو المهدي.

يضاف إلى هذا انّ كثيراً من السلف ـ رضي الله عنهم ـ لم يعارضوا هذا القول، بل جاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لإثبات هذه العقيدة عند المسلمين»(3).


(1) صحيح مسلم 1 (باب نزول عيسى) : 59 .

(2) صحيح البخاري، بشرح الكرماني 14 : 88 .

(3) بين يدي الساعة للدكتور عبدالباقي : 123 ـ 125 .


(61)

المسألة الرابعة :

التقية

(مفهومها ، غايتها ، دليلها ، حدّها في ضوء الكتاب والسنّة)

التقية من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم ، وفي تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد التي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة ، ليصون بها نفسه أو من يمتّ إليه بصلة وعرضه وماله ، كما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل(1) ولاذ بها عمّـار عندما أُخذ وأُسِر و هُدِّد بالقتل(2) إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب والسنّة ، فمن المحتّم علينا أن نتعرّف عليها ، مفهوماً وغايةً ودليلا وحدّاً ، حتّى نتجنَّب الإفراط والتفريط في مقام القضاء والتطبيق .

إنّ التقية ، اسم لـ «اتّقى يتّقي»(3) والتـاء بدل من الواو ، وأصله من الوقاية ، ومن ذلك إطلاق التقوى على إطاعة الله ; لأنّ المطيع يتّخذها وقاية من النار والعذاب . والمراد هو التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحقّ .


(1) القصص : 20 .

(2) النحل : 106 .

(3) قال ابن الأثير في النهاية 5 : 217 ، وأصل اتّقى : اوتقى فقلبت الواو ياء لكسرة قبلها ثمّ أُبدلت تاء وأُدغمت . ومنه حديث علي(عليه السلام) : «كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله(صلى الله عليه وآله)» ، أي جعلناه وقاية من العدوّ . ولاحظ لسان العرب مادة «وقى» .


(62)

مفهومها

إذا كانت التقيّة هي اتّخاذ الوقاية من الشرّ ، فمفهومها في الكتاب والسنّة هو : إظهار الكفر وإبطان الإيمان ، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحقّ . وإذا كان هذا مفهومها ، فهي تُقابل النفاق ، تَقابُل الإيمان والكفر ، فإنّ النفاق ضدّها وخلافها ، فهو عبارة عن إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، والتظاهر بالحقّ وإخفاء الباطل ، ومع وجود هذا التباين بينهما فلا يصحّ عدّها من فروع النفاق . نعم من فسر النفاق بمطلق مخالفة الظاهر للباطن ، وبه صوَّر التقية ـ الواردة في الكتاب والسنّة ـ من فروعه ، فقد فسّره بمفهوم أوسع ممّا هو عليه في القرآن ; فإنّه يُعرِّف المنافقين المتظاهرين بالإيمان والمبطنين للكفر بقوله تعالى : (إذَا جَاءَكَ المنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله وَالله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَالله يَشْهَدُ إِنَّ آلمنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)(1) فإذا كان هذا حدُّ المنافق فكيف يعمُّ من يستعمل التقية تجاه الكفّار والعصاة; فيخفي إيمانه ويظهر الموافقة لغاية صيانة النفس والنفيس ، والعرض والمال من التعرّض؟!

ويظهر صدق ذلك إذا وقفنا على ورودها في التشريع الإسلامي ، ولو كانت من قسم النفاق ، لكان ذلك أمراً بالقبح ويستحيل على الحكيم أن يأمر به : (قُلْ إِنَّ الله لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(2) .


(1) المنافقون  : 1 .

(2) الأعراف : 28 .


(63)

غايتها

الغاية من التقيّة : هي صيانة النفس والعرض والمال ، وذلك في ظروف قاهرة لا يستطيع فيها المؤمن أن يعلن عن موقفه الحقّ صريحاً خوفاً من أن يترتّب على ذلك مضارّ وتهلكة من قوى ظالمة غاشمة كلجوء الحكومات الظالمة إلى الإرهاب ، والتشريد والنفي ، والقتل والتنكيل ، ومصادرة الأموال ، وسلب الحقوق الحقّة ، فلا يكون لصاحب العقيدة الذي يرى نفسه محقّاً محيص عن إبطانها ، والتظاهر بما يوافق هوى الحاكم وتوجّهاته حتّى يسلم من الاضطهاد والتنكيل والقتل ، إلى أن يُحدِث الله أمراً .

إنّ التقيّة سلاح الضعيف في مقابل القويّ الغاشم ، سلاح من يبتلى بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله ، لا لشيء إلاّ لأنّه لا يتّفق معه في بعض المبادئ والأفكار .

إنّما يمارس التقية من يعيش في بيئة صودرت فيها الحرية في القول والعمل ، والرأي والعقيدة فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت مرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها ، أو قد يلجأ إليها البعض كوسيلة لابدّ منها من أجل إغاثة الملهوف المضطهد والمستضعف الذي لا حول له ولا قوّة ، فيتظاهر بالعمل إلى جانب الحكومة الظالمة وصولا إلى ذلك كما كان عليه مؤمن آل فرعون الذي حكاه سبحانه في الذكر الحكيم .

إنّ أكثر من يَعيبُ التقيّة على مستعملها ، يتصوّر أو يصوّر أنّ الغاية منها هو تأليف جماعات سرية هدفها الهدم والتخريب ، كما هو المعروف من الباطنيين والأحزاب الإلحادية السرّية ، وهو تصوّر خاطئ ذهب إليه أُولئك جهلا أو عمداً دون أن يرتكزوا في رأيهم هذا على دليل مّا أو حجة مقنعة ، فأين ما ذكرناه من هذا الذي يذكره؟ ولو لم تُلجئ الظروف القاهرة والأحكام المتعسّفة هذه الجموع المستضعفة من المؤمنين لما كانوا عمدوا إلى التقية ، ولما تحمّلوا عبء إخفاء


(64)

معتقداتهم ولدعوا الناس إليها علناً ودون تردّد ، إلاّ أنّ السيف والنطع سلاح لا تتردّد كلّ الحكومات الفاسدة من التلويح به أمام من يخالفها في معتقداتها وعقائدها .

أين العمل الدفاعي من الأعمال البدائية التي يرتكبها أصحاب الجماعات السرّية للإطاحة بالسلطة وامتطاء ناصية الحكم ، فأعمالهم كلّها تخطيطات مدبّرة لغايات ساقطة .

وهؤلاء هم الذين يحملون شعار «الغايات تبرّر الوسائل» فكلّ قبيح عقلي أو ممنوع شرعي يستباح عندهم لغاية الوصول إلى المقاصد المشؤومة .

إنّ القول بالتشابه بين هؤلاء وبين من يتّخذ التقية غطاءً ، وسلاحاً دفاعياً ليسلم من شرّ الغير ، حتّى لا يُقْتَل ولا يُستأصل ، ولا تُنهب داره وماله ، إلى أن يُحدث الله أمراً ، من قبيل عطف المباين على مثله .

إنّ المسلمين القاطنين في الاتّحاد السوفيتي السابق قد لاقوا من المصائب والمحن ما لا يمكن للعقول أن تحتملها ولا أن تتصوّرها ; فإنّ الشيوعيّين وطيلة تسلّطهم على المناطق الإسلامية قلبوا لهم ظهر الِمجَنّ ، فصادروا أموالهم وأراضيهم ، ومساكنهم ، ومساجدهم ، ومدارسهم ، وأحرقوا مكتباتهم ، وقتلوا كثيراً منهم قتلا ذريعاً ووحشياً ، فلم ينج منهم إلاّ من اتّقاهم بشيء من التظاهر بالمرونة ، وإخفاء المراسم الدينية ، والعمل على إقامة الصلاة في البيوت إلى أن نجّاهم الله سبحانه بانحلال تلك القوّة الكافرة ، فبرز المسلمون إلى الساحة من جديد ، فملكوا أرضهم وديارهم ، وأخذوا يستعيدون مجدهم وكرامتهم شيئاً فشيئاً ، وما هذا إلاّ ثمرة من ثمار التقية المشروعة التي أباحها الله تعالى لعباده بفضله وكرمه سبحانه على المستضعفين .

فإذا كان هذا معنى التقية ومفهومها ، وكانت هذه غايتها وهدفها ، فهو أمر


(65)

فطري يسوق الإنسان إليه قبل كلّ شيء عقلُه ولبُّه ، وتدعوه إليه فطرته ، ولأجل ذلك يستعملها كلّ من ابتُلي بالملوك والساسة الذين لا يحترمون شيئاً سوى رأيهم وفكرتهم ومطامعهم وسلطتهم ولا يتردّدون عن التنكيل بكلّ من يعارضهم في ذلك ، من غير فرق بين المسلم ـ شيعياً كان أم سنيّاً ـ وغيره ، ومن هنا تظهر جدوى التقية وعمق فائدتها .

ولأجل دعم هذا الأصل الحيويّ ندرس دليله من القرآن والسنّة .

دليلها فى القرآن والسنّة 

شرّعت التقية بنصّ القرآن الكريم حيث وردت جملة من الآيات الكريمة(1)سنحاول استعراضها في الصفحات التالية :

الآية الأُولى :

قال سبحانه : (مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَـانِ وَلَـكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرَاً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(2)

ترى أنّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كرهاً ومجاراةً للكافرين خوفاً منهم ، بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان ، وصرّح بذلك لفيف من المفسّرين القدامى والجدد ، سنحاول أن نستعرض كلمات البعض منهم تجنّباً عن الإطالة والإسهاب ، ولمن يبتغي المزيد فعليه بمراجعة كتب التفسير المختلفة :

1 ـ قال الطبرسي : قد نزلت الآية في جماعة أُكرهوا على الكفر ، وهم عمّـار


(1) غافر : 28 و 45، القصص : 20 وستوافيك نصوص الآيات فى ثنايا البحث.

(2) النحل : 106 .


(66)

وأبوه ياسر وأُمّه سميّة ، وقُتلَ الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبيّ ، وأعطاهم عمّـار ما أرادوا منه ، فأطلقوه ، ثمّ أخبر عمّـار بذلك رسول الله ، وانتشر خبره بين المسلمين ، فقال قوم : كفر عمّـار ، فقال الرسول : «كلاّ إنّ عمّـاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» .

وفي ذلك نزلت الآية السابقة ، وكان عمّار يبكي ، فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول : «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت»(1) .

2 ـ وقال الزمخشري : روي أنّ أُناساً من أهل مكة فُتِنُوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه ، وكان فيهم من أُكره وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان ، منهم عمّـار بن ياسر وأبواه : ياسر وسميّة ، وصهيب وبلال وخباب .

أمّا عمّـار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً . . .(2) .

3 ـ وقال الحافظ ابن ماجة : «والإيتاء : معناه الإعطاء أن وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقيّة ، والتقيّة في مثل هذه الحال جائزة; لقوله تعالى : (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَـانِ)»(3) .

4 ـ وقال القرطبي : قال الحسن : التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ـ ثمّ قال : ـ أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتّى خشى على نفسه القتل إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بالكفر ، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي(4) .

5 ـ قال الخازن : «التقية لا تكون إلاّ مع خوف القتل مع سلامة النيّة ، قال الله


(1) الطبرسي ، مجمع البيان 3 : 388 .

(2) الزمخشري ، الكشاف عن حقائق التنزيل 2 : 430 .

(3) ابن ماجة ، السنن 1 : 53 ، شرح حديث رقم 150 .

(4) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 4 : 57 .


(67)

تعالى : (إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان) ثمّ هذه التقية رخصة»(1) .

6 ـ قال الخطيب الشربيني : (إلاّ من أُكره) أي على التلفّظ به «وقلبه مطمئن بالإيمان» فلا شيء عليه لأنّ محل الإيمان هو القلب»(2) .

ـ وقال إسماعيل حقّي : (إلاّ من أُكره) أُجبر على ذلك اللفظ بأمر يخاف على نفسه أو عضو من أعضائه . . . لأنّ الكفر اعتقاد ، والإكراه على القول دون الاعتقاد ، والمعنى : ولكن المكره على الكفر باللسان ، (وقلبه مطمئن بالإيمان) لا تتغيّر عقيدته ، وفيه دليل على أنّ الإيمان المنجي المعتبر عند الله ، هو التصديق بالقلب»(3) .

الآية الثانية :

قال سبحانه : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْء إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَإِلى الله الْمصيرُ)(4) .

وكلمات المفسّرين حول الآية تغنينا عن أيّ توضيح :

1 ـ قال الطبري : (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة) : قال أبو العالية : التقيّة باللسان ، وليس بالعمل ، حُدّثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحّاك يقول في قوله تعالى : (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة) قال : التقيّة باللسان من حُمِلَ على أمر يتكلّم به وهو لله معصية فتكلّم مخافة على نفسه (وقلبه مطمئن


(1) تفسير الخازن 1 : 277 .

(2) الخطيب الشربيني : السراج المنير في تفسير الآية .

(3) إسماعيل حقّي : تفسير روح البيان 5 : 84 .

(4) آل عمران : 28 .


(68)

بالإيمان) فلا إثم عليه ، إنّما التقية باللسان(1) .

2 ـ وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى : (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة) : رخّص لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك الموالاة : مخالفة ومعاشرة ظاهرة ، والقلب مطمئنّ بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع(2) .

3 ـ قال الرازي في تفسير قوله تعالى : (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة) : المسألة الرابعة : اعلم : أنّ للتقية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها :

أ : إنّ التقية إنّما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار ، ويخاف منهم على نفسه ، وماله ، فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبّة والموالاة ، ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرض في كلّ ما يقول ; فإنّ للتقيّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب .

ب : التقية جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «من قتل دون ماله فهو شهيد»(3) .

4 ـ وقال النسفي : (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة) إلاّ أن تخافوا جهتهم أمراً يجب اتقاؤه ، أي ألاّ يكون للكافر عليك سلطان ، فتخافه على نفسك ومالك ، فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطان المعاداة(4) .

5 ـ وقال الآلوسي : وفي الآية دليل على مشروعية التقية; وعرَّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء . والعدوّ قسمان :


(1) الطبري ، جامع البيان 3 : 153 .

(2) الزمخشري ، الكشّاف 1 : 422 .

(3) مفاتيح الغيب 8 : 13 .

(4) النسفي ، التفسير بهامش تفسير الخازن 1 : 277 .


(69)

الأوّل : من كانت عداوته مبنيّة على اختلاف الدين ، كالكافر والمسلم .

الثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية ، كالمال والمتاع والملك والإمارة(1) .

6 ـ وقال جمال الدين القاسمي : ومن هذه الآية : (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة)استنبط الأئمّة مشروعية التقية عند الخوف ، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق»(2) .

7 ـ وفسر المراغي قوله تعالى : (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة) بقوله : أي ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلاّ في حال الخوف من شيء تتّقونه منهم ، فلكم حينئذ أن تتّقوهم بقدر ما يبقى ذلك الشيء; إذ القاعدة الشرعية «إنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح» .

وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين ، إذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الأُولى إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة ، وليس لها أن تواليها في شيء يضرّ المسلمين ، ولا تختصّ هذه الموالاة بحال الضعف ، بل هي جائزة في كلّ وقت .

وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحقّ ، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس ، أو العرض ، أو المال .

فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك ، وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، لا يكون كافراً بل يُعذر كما فعل عمّـار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئنّ بالإيمان وفيه نزلت الآية :


(1) الآلوسي ، روح المعاني 3 : 121 .

(2) جمال الدين القاسمي ، محاسن التأويل 4 : 82 .


(70)

(مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان)(1) .

هذه الجمل الوافية والعبارات المستفيضة لا تدع لقائل مقالا إلاّ أن يحكم بشرعية التقية بالمعنى الذي عرفته ، بل قد لا يجد أحد مفسّراً أو فقيهاً وقف على مفهومها وغايتها يتردّد في الحكم بجوازها ، كما أنّك أخي القارئ لا تجد إنساناً واعياً لا يستعملها في ظروف عصيبة ، ما لم تترتّب عليها مفسدة عظيمة ، كما سيوافيك بيانها عند البحث عن حدودها .

وإنّماالمعارض لجوازها أو المغالط في مشروعيتها ، فإنّما يفسّرها بالتقيّة الرائجة بين أصحاب التنظيمات السرّية والمذاهب الهدّامة كالنصيرية والدروز ، والباطنية كلّهم ، إلاّ أنّ المسلمين جميعاً بريئون من هذه التقيّة الهدامة لكلّ فضيلة رابية .

الآية الثالثة :

قال تعالى : (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقَاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْـرِفٌ كَذَّابٌ)(2) .

وكانت عاقبة أمره أن : (وَقَاهُ الله سِيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(3) .

وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتقيّته استطاع أن يُنجي نبيّ الله من الموت : «قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ»(4) .

وهذه الآيات تدلّ على جواز التقيّة لإنقاذ المؤمن من شرّ عدوّه الكافر .


(1) تفسير المراغي 3 : 136 .

(2) غافر : 28 .

(3) غافر : 45 .

(4) القصص : 20 .


(71)

اتّقاء المسلم من المسلم فى ظروف خاصّة

إنّ مورد الآيات وإن كان هو اتّقاء المسلم من الكافر ، ولكن المورد ليس بمخصّص لحكم الآية فقط ، إذ ليس الغرض من تشريع التقيّة عند الابتلاء بالكفّار إلاّ صيانة النفس والنفيس من الشرّ ، فإذ ابتُلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردّد الطرف القوي عن إيذاء الطرف الآخر ، كأن ينكّل به أو ينهب أمواله أو يقتله ، ففي تلك الظروف الحرجة يحكم العقل السليم بصيانة النفس والنفيس عن طريق كتمان العقيدة واستعمال التقية ، ولو كان هناك وزر إنّما يتوجّه على من يُتّقى منه لا على المتّقي ، فلو سادت الحرّية جميع الفرق الإسلامية ، وتحمّلت كلّ فرقة آراء الفرقة الأُخرى بصدر رحب ، وفهمت بأنّ ذلك هو قدر اجتهادها ، لم يضطرّ أحد من المسلمين إلى استخدام التقيّة ، ولساد الوئام مكان النزاع .

وقد فهم ذلك لفيف من العلماء وصرّحوا به ، وإليك نصوص بعضهم :

1 ـ يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه : (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة)ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين ، إلاّ أنّ مذهب الشافعي ـ رضي الله عنه ـ : أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقيّة محاماة عن النفس .

وقال : التقيّة جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «من قتل دون ماله فهو شهيد»(1) .

2 ـ ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ


(1) الرازي ، مفاتيح الغيب 8 : 13 في تفسير الآية .


(72)

على الخلق» ما هذا نصه : «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران : أحدهما : خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن ، وإجماع أهل الإسلام ، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق ، وقد صحّ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال في ذلك العصر الأوّل : «حفظت من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _وعاءين ، أمّا أحدهما فبثثته في الناس ، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم»(1) .

3 ـ وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه : (مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَـان) : ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة ، وإلانة الكلام لهم ، والتبسّم في وجوههم ، وبذل المال لهم; لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم ، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهيّ عنها ، بل هو مشروع ، فقد أخرج الطبراني قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة»(2) .

إنّ الشيعة تتّقي الكفار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لأجلها يتّقيهم السنّيّ ، غير أنّ الشيعي ولأسباب لا تخفى ، يلجأ إلى اتّقاء أخيه المسلم لا قصور في الشيعي ، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك; لأنّه يدرك أنّ الفتك والقتل مصيره إذا صرّح بمعتقده الذي هو موافق لأُصول الشرع الإسلامي وعقائده ، نعم كان الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول : إنّ الله ليس له جهة ، أو إنّه تعالى لا يُرى يوم القيامة ، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحيل النبيّ الأكرم ، أو إنّ حكم المتعة غير منسوخ; فإنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق ـ التي استنبطت من الكتـاب والسنّة ـ سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر . وقد مرّ عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي الصريح في جواز هذا


(1) جمال الدين القاسمي ، محاسن التأويل : 4 : 82 .

(2) مصطفى المراغي ، التفسير 3 : 136 .


(73)

النوع من التقية ، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب جمود على ظاهر الآية وسدّ لباب الفهم ، ورفض للملاك الذي شُرّعت لأجله التقية ، وإعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهمّ إذا عارض المهمّ .

والتاريخ بين أيدينا يحدّثنا بوضوح عن لجوء جملة معروفة من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تودي بحياتهم وبما يملكون ، وخير
مثال على ذلك ما أورده الطبري في تاريخه (7 : 195 ـ 206) عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتّى وإن استلزم ذلك قتل الجميع دون رحمة ، ولمّا أبصر أُولئك المحدِّثون حد السيف مشهراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم ، ولمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون ، برّروا عملهم بعمل عمّـار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، والقصّة شهيرة وصريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة; وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة .

الظروف العصيبة التى مرّت بها الشيعة 

الذي دفع بالشيعة إلى التقية بين إخوانهم وأبناء دينهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة ، فلو لم يكن هناك في غابر القرون ـ من عصر الأُمويين ثمّ العباسيين والعثمانيين ـ أيّ ضغط على الشيعة ، ولم تكن بلادهم وعقر دارهم مخضّبة بدمائهم ـ والتاريخ خير شاهد على ذلك ـ كان من المعقول أن تنسى الشيعة كلمة التقية ، وأن تحذفها من ديوان حياتها ، ولكن ياللأسف!! فإنّ كثيراً من إخوانهم


(74)

كانوا أداة طيّعة بيد الأُمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم ، فكانوا يؤلِّبون العامّة من أهل السنّة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكّلون بهم ، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة لم يكن للشيعة ، بل لكلّ من يملك شيئاً من العقل وسيلة إلاّ اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادئ المقدّسة التي هي أغلى عنده من نفسه وماله .

والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى أو أن تعدّ ، إلاّ أنّا سنستعرض جانباً مختصراً منها : فمن ذلك ما كتبه معاوية بن أبي سفيان باستباحة دماء الشيعة أينما كانوا وكيفما كانوا .

كتاب معاوية إلى عماله

قد مرّ ذكر كتاب معاوية إلى عمّاله في بحث الشيعة في موكب التاريخ فراجع .

ونتيجة لذلك شهدت أوساط الشيعة مجازر بشعة على يد السلطات الغاشمة ، فقتل الآلاف منهم ، وأمّا من بقي منهم على قيد الحياة فقد تعرّض إلى شتّى صنوف التنكيل والإرهاب والتخويف ، والحق يقال إنّ من الأُمور العجيبة أن يبقى لهذه الطائفة باقية رغم كلّ ذلك الظلم الكبير والقتل الذريع ، بل العجب العجاب أن تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوّة وعدّة ، وأقامت دولا وشيدت حضارات وبرز منها الكثير من العلماء والمفكرين .

فلو كان الأخ السنّي يرى التقية أمراً محرّماً فليعمل على رفع الضغط عن أخيه الشيعي ، وأن لا يضيق عليه في الحرّية التي سمح بها الإسلام لأبنائه ، وليعذره في عقيدته وعمله كما عذر أُناساً كثيراً خالفوا الكتاب والسنّة وأراقوا الدماء ونهبوا الدور ، فكيف بطائفة تدين بدينه وتتّفق معه في كثير من معتقداته؟ وإذا كان معاوية وأبناء بيته والعباسيون كلّهم عنده مجتهدين في بطشهم وإراقة دماء مخالفيهم ، فماذا يمنعه عن إعذار الشيعة باعتبارهم مجتهدين؟


(75)

وإذا كانوا يقولون ـ وذاك هو العجيب ـ إنّ الخروج على الإمام عليّ ـ عليه السلام _ غير مضرّ بعدالة الخارجين والثائرين عليه ، وفي مقدّمتهم طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة ، وإنّ إثارة الفتن في صفّين ـ التي انتهت إلى قتل كثير من الصحابة والتابعين ، وإراقة دماء الآلاف من العراقيين والشاميين ـ لا تنقص شيئاً من ورع المحاربين ، وهم بعد ذلك مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد وأخطأ ، فلم لا يتعامل مع الشيعة ضمن هذا الفهم ، ويذهب إلى أنّهم معذورون ومثابون!!

نعم كانت التقية بين الشيعة تزداد تارة وتتضاءل أُخرى ، حسب قوّة الضغط وضآلته ، فشتّان ما بين عصر المأمون الذي يجيز مادحي أهل البيت ، ويكرم العلويين ، وبين عصر المتوكّل الذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة .

فهذا ابن السكّيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكّل ، وقد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً : أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ قال ابن السكّيت : والله إنّ قنبر خادم عليّ ـ عليه السلام _ خير منك ومن ابنيك . فقال المتوكل : سلّوا لسانه من قفاه ، ففعلوا ذلك به فمات . وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين ، وقيل ثلاث وأربعين ، وكان عمره ثمانياً وخمسين سنة . ولمّا مات سيَّـر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال : هذه دية والدك!!(1) .

وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر ابن الحسين بن زيد بن علي :

أكلّ أوان للنبيّ محمّد * قتيل زكيّ بالدماء مضرّجُ

بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم * لبلواكم عمّا قليل مفرِّجُ


(1) ابن خلّكان : وفيات الأعيان 3 : 33 ، الذهبي : سير أعلام النبلاء 12 : 16 .


(76)

أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم * تضيء مصابيح السماء فتسرجُ(1)

فإذا كان هذا هو حال أبناء الرسول ، فما هو حال شيعتهم ومقتفي آثارهم؟!

قال العلاّمة الشهرستاني : إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية . إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها; لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى ، فكانت مسلوبة الحريّة في عهد الدولة الأُموية كلّه ، وفي عهد العباسيين على طوله ، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية ، ولأجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أيّ قوم ، ولمّا كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهمّ من الاعتقادات في أُصول الدين ، وفي كثير من الأحكام الفقهيّة ، والمخالفة تستجلب بالطبع رقابة ، وتصدّقه التجارب ، لذلك أضحت شيعة الأئمة من آل البيت مضطرة في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختصّ به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك ، تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس والنفيس ، والمحافظة على الوداد والأُخوّة مع سائر إخوانهم المسلمين ، لئلا تنشق عصا الطاعة ، ولكي لا يحسّ الكفار بوجود اختلاف ما في المجتمع الإسلامي ، فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمّدية .

لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقيّة وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الأُخرى ، متّبعة في ذلك سيرة الأئمة من آل محمّد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل : «التقية ديني ودين آبائي»  ، إذ أنّ دين الله يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية ، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم(2) .

روي عن صادق آل البيت  ـ عليهم السلام _ في الأثر الصحيح : «التقية ديني ودين آبائي»


(1) ديوان ابن الرومي 2 : 243 .

(2) غافر : 28 ، النحل : 106 .


(77)

و«من لا تقية له لا دين له» وكذلك هي .

لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت  ـ عليهم السلام _ دفعاً للضرر عنهم ، وعن أتباعهم ، وحقناً لدمائهم ، واستصلاحاً لحال المسلمين ، وجمعاً لكلمتهم ، ولمّاً لشعثهم ، وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم . وكلّ إنسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه ، أو ماله بسبب نشر معتقده ، أو التظاهر به لابدّ أن يتكتّم ويتّقي مواضع الخطر . وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول .

ومن المعلوم أنّ الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن ، وصنوف الضيق على حرّياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أيّة طائفة ، أو أُمّة أُخرى ، فاضطرّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم ، وترك مظاهرتهم ، وستر عقائدهم ، وأعمالهم المختصّة بهم عنهم ، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا .

ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم .

وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها ، بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر ، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهيّة(1) .

حدّ التقيّة 

قد تعرّفت على مفهوم التقية وغايتها ، ودليلها ، وبقي الكلام في تبيين حدودها ، فنقول :

عرفت الشيعة بالتقية وأنّهم يتّقون في أقوالهم وأفعالهم ، فصار ذلك مبدأ لوهم عالق بأذهان بعض السطحيين والمغالطين ، فقالوا : بما أنّ التقية من مبادئ التشيّع


(1) مجلّة المرشد 3 : 252 ، 253 ، ولاحظ : تعليقة أوائل المقالات : 96 .


(78)

فلا يصحّ الاعتماد على كلّ ما يقولون ويكتبون وينشرون; إذ من المحتمل جداً أن تكون هذه الكتب دعايات والواقع عندهم غيرها . هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرّة ، ويكرّره الكاتب الباكستاني «إحسان إلهي ظهير» في كتبه السقيمة التي يتحامل بها على الشيعة .

ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ مجال التقية إنّما هو في حدود القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس ، فإذا دلّت القرائن على أنّ في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت ـ يحتمل أن يدفع بالمؤمن إلى الضرر يصبح هذا المورد من مواردها ، ويحكم العقل والشرع بلزوم الاتّقاء حتّى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر . وأمّا الأُمور الكلّية الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصوّر فيها التقيّة ، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في هذا النوع الأخير; إذ لا خوف هناك حتّى يكتب خلاف ما يعتقد ، حيث لم يكن هناك لزوم للكتابة أصلا في هذه الحال ، فله أن يسكت ولا يكتب شيئاً .

فما يدّعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشئ عن عدم معرفتهم بحقيقة التقيّة عند الشيعة .

والحاصل : أنّ الشيعة إنّما كانت تتّقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم ، ولا قدرة ولا منعة تدفع عنهم الأخطار . وأمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ ولا مبرر للتقيّة إلاّ في موارد خاصة .

إنّ الشيعة ـ وكما ذكرنا ـ لم تلجأ إلى التقية إلاّ بعد أن اضطرّت إلى ذلك ، وهو حقّ لا أعتقد أن يخالفها فيه أحد ينظر إلى الأُمور بلبّه لا بعواطفه ، إلاّ أنّ من الثوابت الصحيحة بقاء هذه التقيّة ـ إلاّ في حدود ضيّقة ـ تنحصر في مستوى الفتاوى ، ولم تترجم إلاّ قليلا على المستوى العملي ، بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية ، وبوسع كلّ باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية وغيره


(79)

من الحكام الأُمويين ، والحكّام العباسيين ، أمثال حجر بن عدي ، وميثم التمار ، ورشيد الهجري ، وكميل بن زياد ، ومئات غيرهم ، وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية .

التقية المحرّمة 

إنّ التقية تنقسم حسب الأحكام الخمسة ، فكما أنّها تجب لحفظ النفوس والأعراض والأموال ، فإنّها تحرم إذا ترتّب عليها مفسدة أعظم ، كهدم الدين وخفاء الحقيقة على الأجيال الآتية ، وتسلّط الأعداء على شؤون المسلمين وحرماتهم ومقدّساتهم ، ولأجل ذلك ترى أنّ كثيراً من أكابر الشيعة رفضوا التقيّة في بعض الأحيان وقدّموا أنفسهم وأرواحهم أضاحي من أجل الدين ، فللتقيّة مواضع معيّنة ، كما أنّ للقسم المحرّم منها مواضع خاصّة أيضاً .

إنّ التقية في جوهرها كتم ما يحذر من إظهاره حتّى يزول الخطر ، فهي أفضل السبل للخلاص من البطش ، ولكن ذلك لا يعني أنّ الشيعي جبان خائر العزيمة ، خائف متردّد الخطوات يملأ حناياه الذلّ ، كلاّ!! إنّ للتقية حدوداً لا تتعدّاها ، فكما هي واجبة في حين ، هي حرام في حين آخر ، فالتقيّة أمام الحاكم الجائر كيزيد بن معاوية مثلا محرّمة; إذ فيها الذلّ والهوان ونسيان المثل والرجوع إلى الوراء ، فليست التقيّة في جوازها ومنعها تابعة للقوّة والضعف ، وإنّما تحدّدها جوازاً ومنعاً مصالح الإسلام والمسلمين .

إنّ للإمام الخميني ـ قدّس الله سرّه ـ كلاماً في المقام ننقله بنصّه حتّى يقف القارئ على أنّ للتقية أحكاماً خاصة وربّما تحرم لمصالح عالية . قال ـ قدس سره _ :

تحرم التقية في بعض المحرّمات والواجبات التي تمثّل في نظر الشارع والمتشرّعة


(80)

مكانة بالغة ، مثل هدم الكعبة ، والمشاهد المشرّفة ، والردّ على الإسلام والقرآن والتفسير بما يضرّ المذهب ويطابق الإلحاد وغيرها من عظائم المحرمات ، ولا تعمّها أدلّة التقية ولا الاضطرار ولا الإكراه .

وتدلّ على ذلك معتبرة مسعدة بن صدقة وفيها : «فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز»(1) .

ومن هذا الباب ما إذا كان المتّقي ممّن له شأن وأهمية في نظر الخلق ، بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرّمات تقيّة أو تركه لبعض الواجبات كذلك مما يعدّ موهناً للمذهب وهاتكاً لحرمه ، كما لو أُكره على شرب المسكر والزنا مثلا; فإنّ جواز التقية في مثله متمسكاً بحكومة دليل الرفع(2) وأدلّة التقية مشكل ، بل ممنوع ، وأولى من ذلك كلّه في عدم جواز التقية ، وفيه ما لو كان أصل من أُصول الإسلام أو المذهب أو ضروري من ضروريات الدين في معرض الزوال والهدم والتغيير ، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الأرث والطلاق والصلاة والحجّ وغيرها من أُصول الأحكام فضلا عن أُصول الدين أو المذهب ، فإنّ التقية في مثلها غير جائزة ، ضرورة أنّ تشريعها لبقاء المذهب وحفظ الأُصول وجمع شتات المسلمين لإقامة الدين وأُصوله ، فإذا بلغ الأمر إلى هدمها فلا تجوز التقية ، وهو مع وضوحه يظهر من الموثقة المتقدّمة(3) .

وهكذا فقد بيّنا للجميع الأبعاد الحقيقية والواقعية للتقية ، وخرجنا بالنتائج التالية :

1 ـ إنّ التقية أصل قرآني مدعم بالسنّة النبوية ، وقد استعملها في عصر


(1) الوسائل كتاب الأمر بالمعروف ، الباب 25 ح 6 .

(2) قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «رفع عن أُمّتي ما اضطرّوا إليه وما استكرهوا عليه» .

(3) الإمام الخميني ، الرسائل : 177 ـ 178 .


(81)

الرسالة من ابتلي بها من الصحابة لصيانة نفسه ، فلم يعارضه الرسول ، بل أيّده بالنصّ القرآني ، كما في قضية عمّـار بن ياسر; حيث أمره ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالعودة إذا عادوا .

2 ـ إنّ التقية بمعنى تأليف جماعات سرّية لغاية التخريب والهدم ، مرفوضة عند المسلمين عامّة والشيعة خاصّة ، وهو لا يمتّ للتقية المتبنّاة من قبل الشيعة بصلة .

3 ـ إنّ المفسرين في كتبهم التفسيرية عندما تعرّضوا لتفسير الآيات الواردة في التقية اتفقوا على ما ذهبت إليه الشيعة من إباحتها للتقية .

4 ـ إنّ التقية لا تختصّ بالاتقاء من الكافر ، بل تعمّ الاتّقاء من المسلم المخالف ، الذي يريد السوء والبطش بأخيه .

5 ـ إنّ التقية تنقسم حسب انقسام الأحكام إلى أقسام خمسة ، فبينما هي واجبة في موضع ، فهي محرمة في موضع آخر .

6 ـ إنّ مجال التقية لا يتجاوز القضايا الشخصية ، وهي فيما إذا كان الخوف قائماً ، وأمّا إذا ارتفع الخوف والضغط ، فلا موضع للتقية لغاية الصيانة .

وفي الختام نقول :

نفترض أنّ التقية جريمة يرتكبها المتّقي لصيانة دمه وعرضه وماله ، ولكنّها في الحقيقة ترجع إلى السبب الذي يفرض التقيّة على الشيعي المسلم ويدفعه إلى أن يتظاهر بشيء من القول والفعل الذي لا يعتقد به ، فعلى من يعيب التقية للمسلم المضطهد ، أن يفسح له الحرية في مجال الحياة ويتركه بحاله ، وأقصى ما يصحّ في منطق العقل ، أن يسأله عن دليل عقيدته ومصدر عمله; فإن كان على حجّة بيّنة يتبعه ، وإن كان على خلافها يعذره في اجتهاده وجهاده العلمي والفكري .

نحن ندعو المسلمين للتأمّل في الدواعي التي دفعت بالشيعة إلى التقية ، وأن يعملوا قدر الإمكان على فسح المجال لإخوانهم في الدين; فإنّ لكلّ فقيه مسلم رأيه ونظره ، وجهده وطاقته .


(82)

إنّ الشيعة يقتفون أثر أئمة أهل البيت في العقيدة والشريعة ، ويرون رأيهم; لأنّهم هم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وأحد الثقلين اللّذين أمر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالتمسك بهما في مجال العقيدة والشريعة ، وهذه عقائدهم لا تخفى على أحد ، وهي حجّة على الجميع .

نسأل الله سبحانه : أن يصون دماء المسلمين وأعراضهم عن تعرّض أيّ متعرّض ، ويوحّد صفوفهم ، ويؤلّف بين قلوبهم ، ويجمع شملهم ، ويجعلهم صفّاً واحداً في وجه الأعداء ، إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير .


(83)

المسألة الخامسة:

البداء عند الشيعة الإمامية

إنّ من العقائد الثابتة عند الشيعة الإمامية ، هو القول بالبداء ، ومن الكلمات الدارجة بين علمائهم أنّ النسخ والبداء صنوان ، غير أنّ الأوّل في التشريع ، والثاني في التكوين ، وقد اشتهرت بالقول به كاشتهارها بالقول بالتقية وجواز متعة النساء . وصار القول بهذه الأُمور الثلاثة من خصائصهم وقد أنكرت عليهم السنّة أشد الإنكار خصوصاً في مسألة البداء ، ولكنّهم لو كانوا واقفين على مراد الشيعة من تجويز البداء على الله لتوقّفوا عن الاستنكار ، ولأعلنوا الوفاق ، وأقول عن جدّ : لو أُتيحت الفرصة لعلماء الفريقين للبحث عن النقاط الخلافية بعيداً عن التعصّب والتشنّج لتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره ، ولأقرّوا بصحّة مقالة الشيعة ، غير أنّ تلك أُمنية لا تتحقّق إلاّ في فترات خاصة ، وقد سألني أحد علماء أهل السنّة عن حقيقة البداء فأجبته بإجمال ما أُفصّله في هذا المقام ، فتعجّب عن إتقان معناه ، غير أنّه زعم أنّ ما ذكرته نظرية شخصية لا صلة بها بنظرية الإمامية في البداء ، فطلب منّي كتاباً لقدماء علماء الشيعة ، فدفعت إليه أوائل المقالات ، وشرح عقـائد الصـدوق لشيخ الأُمّة محمّد بن النعمان المفيد (336 ـ413هـ ) فقرأهما بدقة ، وجاء بالكتاب بعد أيام وقال : لو كان معنى البداء هو الذي يذكره صاحب الكتاب فهو من صميم عقيدة أهل السنّة ولا يخالفون الشيعة في هذا المبدأ أبداً .

ولتوضيح حقيقة البداء نأتي بمقدمات :

الأُولى : اتّفقت الشيعة على أنّه سبحانه عالم بالحوادث كلّها غابرها وحاضرها ، ومستقبلها ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فلا يتصوّر


(84)

فيه الظهور بعد الخفاء ، ولا العلم بعد الجهل ، بل الأشياء دقيقها وجليلها ، حاضرة لديه ، ويدلّ عليه الكتاب والسنّة المروية عن طريق أئمّة أهل البيت ـ مضافاً إلى البراهين الفلسفية المقرّرة في محلّها ـ .

أمّا من الكتاب :

فقوله سبحانه : (إنَّ الله لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَـيْءٌ فِـي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ)(1) .

وقوله تعالى : (وَمَا يَخْفَى عَلى الله مِنْ شَيْء فِي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ)(2) .

وقوله سبحانه : (إنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَـيء عَليماً)(3)كيف وهو محيط بالعالم صغيره وكبيره ، مادّيّه ومجرّده ، والأشياء كلّها قائمة به قياماً قيّوميّاً كقيام المعنى الحرفي بالاسمي والرابطي بالطرفين ، ويكفي في توضيح ذلك قوله سبحانه : (مَا أَصابَ مِنْ مُصيبَة في الأرْضِ وَلا فِـي أَنْفُسِكُمْ إلاّ فِي كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْـرَأهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسيرٌ)(4) .

وقوله سبحانه : (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأرْضِ إلاّ عَلَى الله رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِـي كِتاب مُبين)(5) .

وأمّا الأخبار فنكتفي بالقليل منها :

قال الإمام موسى الكاظم ـ عليه السلام _ : «لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق


(1) آل عمران : 5 .

(2) إبراهيم : 38 .

(3) الأحزاب : 54 .

(4) الحديد : 22 .

(5) هود : 6 .


(85)

الأشياء ، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء»(1) .

وقال الإمام عليّ ـ عليه السلام _ : «كلّ سرّ عندك علانية ، وكلّ غيب عندك شهادة»(2) .

قال ـ عليه السلام _ : «لا يعزب عنه عدد قطر الماء ، ولا نجوم السماء ، ولا سوافي الريح في الهواء ، ولا دبيب النمل على الصفا ، ولا مقيل الذرّ في الليلة الظلماء ، يعلم مساقط الأوراق ، وخفيّ طرف الأحداق»(3) .

وقال الصادق ـ عليه السلام _ في تفسير قوله : (يمحوا الله ما يشاءُ ويثبتُ وعندَهُ أُمُّ الكتاب)(4) : «فكل أمر يريده الله ، فهو في علمه قبل أن يصنعه ، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه ، إنّ الله لا يبدو له من جهل»(5) .

وقال ـ عليه السلام _ : «من زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له من شيء لم يعلمه أمس; فابرأوا منه»(6) .

إلى غير ذلك من الروايات التي تدلّ على إحاطة علمه بكلّ شيء قبل خلقه وحينه وبعده ، وأنّه لا يخفى عليه شيء أبداً(7) .

وأمّا العقل فقد دلّ على تنزّهه من وصمة الحدوث والتغيير ، وأنّه تقدّست أسماؤه أعلى من أن يقع معرضاً للحوادث والتغييرات ، ولأجل ذلك ذهبوا إلى امتناع البداء عليه ـ بمعنى الظهور بعد الخفاء والعلم بعد الجهل ـ لاستلزامه كون ذاته محلاّ للتغيّـر والتبدّل ، المستلزم للتركيب والحدوث ، إلى غير ذلك ممّا يستحيل


(1) الكافي ج1 ، باب صفات الذات ، الحديث 4 .

(2) نهج البلاغة ، الخطبة 105 ، طبعة عبده .

(3) نهج البلاغة ، الخطبة 173 .

(4) الرعد : 39 .

(5) البحار 4 : 111 باب البداء ، الحديث 30 ; والبرهان 2 : 300 .

(6) المصدر نفسه .

(7) للاطّلاع على المزيد من الروايات حول علمه تعالى أُنظر البحار 4 : 121 .


(86)

عليه سبحانه .

فالآيات وكذلك الأحاديث المروية عن أئمّة الشيعة  ـ عليهم السلام _ تشهد على علمه الذي لا يشوبه جهل ، وعلى سعته لكلّ شيء قبل الخلق وبعده ، وأنّه يستحيل عليه الظهور بعد الخفاء ، والعلم بعد الجهل .

وعليه فمن نسب إلى الشيعة الإمامية ما يستشمّ منه خلاف ما دلّت عليه الآيات والأحاديث فقد افترى كذباً ينشأ من الجهل بعقائد الشيعة ، أو التزلّف إلى حكّام العصر الحاقدين عليهم أو التعصّب المقيت .

وبذلك يعلم بطلان ما قاله الرازي في تفسيره عند البحث عن آية المحو والإثبات ، حيث يقول : قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسّكوا فيه بقوله : (يمحوا الله ما يشاء ويثبت) ، ثمّ قال : إنّ هذا باطل; لأنّ علم الله من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول التغيـّر والتبدّل فيه باطلا(1) .

وما حكاه الرازي عن «الرافضة» كاشف عن جهله بعقيدة الشيعة ، وإنّما سمعه عن بعض الكذّابين الأفّاكين الذين يفتعلون الكذب لغايات فاسدة ، وقد قبله من دون إمعان ودقّة ، مع أنّ موطنه ومسقط رأسه بلدة (ري) التي كانت آنذاك مزدحم الشيعة ومركزهم ، وكان الشيخ محمود بن عليّ بن الحسن سديد الدين الحمصي الرازي ـ علاّمة زمانه في الأُصولين ـ معاصراً ومواطناً للرازي وهو مؤلّف كتاب «المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد»(2) ، ولو كان الفخر الرازي رجلا منصفاً لرجع إليه في تبيين عقائد الشيعة ، ولما هجم عليهم بسباب مقذع ، وربّما ينقل عنه بعض الكلمات في تفسيره .


(1) تفسير الرازي 4 : 216 تفسير سورة الرعد .

(2) الطهراني آغا بزرگ ، الثقات العيون في سادس القرون : 295 وطبع الكتاب أخيراً .


(87)

وليس الرازي فريداً في التقوُّل في هذا المجال ، بل سبقه البلخي (319هـ ) في هذه النسبة(1) ، ونقله الشيخ الأشعري (260 ـ 324هـ )(2) ونقله أبو الحسن النوبختي في فرق الشيعة عن بعض فرق الزيدية(3) .

الثانية : كما دلّت الآيات والأحاديث(4) على أنّه سبحانه لم يفرغ من أمر الخلق والإيجاد ، والتدبير والتربية ، دلّت على أنّ مصير العباد يتغيّر ، بحسن أفعالهم وصلاح أعمالهم ، من الصدقة والإحسان وصلة الأرحام وبرّ الوالدين ، والاستغفار والتوبة وشكر النعمة وأداء حقّها ، إلى غير ذلك من الأُمور التي تغيّـر المصير وتبدّل القضاء ، وتفرّج الهموم والغموم ، وتزيد في الأرزاق ، والأمطار ، والأعمار ، والآجال ، كما أنّ لمحرَّم الأعمال وسيّئها من قبيل البخل والتقصير ، وسوء الخلق ، وقطيعة الرحم ، وعقوق الوالدين ، والطيش ، وعدم الإنابة ، وكفران النعمة ، وما شابهها تأثيراً في تغيير مصيرهم بعكس ذلك من إكثار الهموم ، والقلق ، ونقصان الأرزاق ، والأمطار ، والأعمار ، والآجال ، وما شاكلها .

فليس للإنسان مصير واحد ، ومقدّر فارد; يصيبه على وجه القطع والبتّ ، ويناله ، شاء أو لم يشأ ، بل المصير أو المقدر يتغيّـر ويتبدّل بالأعمال الصالحة والطالحة وشكر النعمة وكفرانها ، وبالإيمان والتقوى ، والكفر والفسوق . وهذا ممّا لا يمكن ـ لمن له أدنى علاقة بالكتاب والسنّة ـ إنكاره أو ادّعاء جهله .

ونحن نأتي في المقام بقليل من كثير ممّا يدل على ذلك من الآيات والروايات .


(1) الطوسي ، التبيان 1 : 13 .

(2) مقالات الإسلاميين : 107 .

(3) فرق الشيعة : 76 نقله عن سليمان بن جرير الذي كفّره أهل السنّة أيضاً لتكفير عثمان ، فهل يصحّ الاعتماد على قول مثله؟

(4) البحار 4 ، ص104 ، ح17 وغيره .


(88)

البداء فى القرآن الكريم 

منها : قوله سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوال وَبَنْينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً)(1) .

ترى أنّه ـ عليه السلام _ يجعل الاستغفار علّة مؤثّرة في نزول المطر ، وكثرة الأموال والبنين ، وجريان الأنهار إلى غير ذلك ، وأمّا بيان كيفيّة تأثير عمل العبد في الكائنات الطبيعية ، فيطلب في محلّه .

وقوله سبحانه : (إنَّ الله لا يُغَيّرُ مَا بِقَوْم حَتّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(2).

وقوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَم يَكُ مُغَيِّـراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلَى قَوْم حَتَى يُغَيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»(3) .

وقوله سبحانه : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأرْضِ وَلَـكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(4) .

وقوله سبحانه : (وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لايَحْتَسِبْ)(5) .

وقوله تعالى : (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِـي لَشَدِيدٌ)(6) .

وقوله سبحانه : (وَنُوحَاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ


(1) نوح : 10 ـ 12 .

(2) الرعد : 11 .

(3) الأنفال : 53 .

(4) الأعراف : 96 .

(5) الطلاق : 3 .

(6) إبراهيم : 7 .


(89)

الكَرْبِ العَظِيمِ)(1) .

وقال تعالى : (وَأَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الضُّـرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُـرّ)(2) .

وقال سبحانه : (وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(3) .

وقال تعالى : (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبّحِينَ * لَلَبِثَ فِـي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبذْنَاهُ بِالعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِين)(4) .

وقال تعالى : (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنينَ)(5) .

وقال سبحانه : (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنْتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إلى حِين)(6) .

وهذه الآيات بالإضافة إلى كثير من الأحاديث ـ التي سيوافيك بيان نزر منها ـ تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثّرة في مصير الإنسان ، وأنّ الإنسان بعمله
يؤثّر في تحديد قدره وتبديل القضاء ، وليس هناك مقدّر محتوم فيما يرجع إلى أفعاله الاختيارية حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي والأرجل .


(1) الأنبياء : 76 .

(2) الأنبياء : 83 .

(3) الأنفال : 33 .

(4) الصافات : 143ـ146 .

(5) الأنبياء : 88 .

(6) يونس : 98 . وقد استشهد الإمام أمير المؤمنين ببعض هذه الآيات عند الاستسقاء ، فقال : «إنَّ الله يبتلي عبادَهُ عند الأعمال السيّئة بنقص الثمرات . . .» نهج البلاغة ، الخطبة 143 .


(90)

البداء فى الروايات 

وأمّا الأحاديث التي تدلّ على هذا المطلب فكثيرة جدّاً مبعثرة في كتب الحديث تحت مواضيع مختلفة مثل الصدقة والاستغفار والدعاء وصلة الرحم ،
وما أشبه ذلك ، وسنذكر فيما يلي نماذج مختلفة من الأحاديث الدالّة على هذه المطالب :

ألف ـ الصدقة وأثرها في دفع البلاء :

روى الصدوق في الخصال عن أنس قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أكثر من صدقة السرِّ; فإنّها تُطفئ غضب الربِّ جلّ جلاله» .

وروى في عيون الأخبار عن الرضا عن آبائه  ـ عليهم السلام _ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «باكروا بالصدقة ، فمن باكر بها لم يتخطّاها البلاء» .

وروى الشيخ الطوسي في أماليه عن الباقر ـ عليه السلام _ قال: «قال أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ : أفضل ما توسّل به المتوسّلون الإيمان بالله ، وصدقة السرِّ; فإنّها تذهب الخطيئة ، وتطفئ غضب الرب ، وصنائعُ المعروف; فإنّها تدفع ميتة السوء ، وتقي مصارع الهوان» .

وروى الصدوق في ثواب الأعمال عن الصادق ـ عليه السلام _ : قال : «الصدقة باليد تدفع ميتة السوء ، وتدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء» .

إلى غير ذلك من الروايات المتعدّدة والتي يضيق المجال بذكرها ، وللمستزيد الرجوع إلى كتاب بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي ضمن أبواب الزكاة والصدقة وغيرها(1) .


(1) بحار الأنوار : الجزء 93 الباب21 ، الأحاديث 4 ، 7 ، 9 ، 26 وروى هناك أحاديث أُخرى .


(91)

ب ـ أثر الاستغفار في الرزق :

روى الصدوق في الخصال عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام _ قال : «الاستغفار يزيد في الرزق» .

وروى أيضاً عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام _ : «أكثروا الاستغفار; تجلبوا الرزق»(1) .

ج ـ الدعاء وآثاره :

روى الحميري في قرب الإسناد عن الصادق ـ عليه السلام _ : «إنّ الدعاء يردّ القضاء ، وإنّ المؤمن ليأتي الذنب فيحرم به الرزق»(2) .

وروى أيضاً عنه ـ عليه السلام _ : قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «داووا مرضاكم بالصدقة ، وادفعوا أبواب البلاء بالدعاء» .

وروى الصدوق عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام _ : «ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدعاء قبل ورود البلاء»(3) .

قد عقد الكليني في الكافي باباً أسماه «إنّ الدعاء يردّ البلاء والقضاء» ومن جملة أحاديث هذا الباب : روي عن حمّاد بن عثمان قال : سمعته يقول : «إنّ الدعاء يردّ القضاء; ينقضه كما ينقض السلك وقد أُبرم إبراماً»(4) .

وروى عن أبي الحسن موسى ـ عليه السلام _ : «عليكم بالدعاء; فإنّ الدعاء لله والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدّر وقضى ولم يبق إلاّ إمضاؤه ، فإذا دعي الله عزّ وجلّ


(1) المصدر نفسه كتاب الذكر والدعاء باب الاستغفار وفضله وأنواعه ، الحديث 4ـ17 (وروى أحاديث من الفريقين) .

(2) قرب الاسناد : 32 / 104 ط مؤسسة آل البيت ـ قم .

(3) البحار ج 93 كتاب الذكر والدعاء ، أبواب الدعاء . الباب 16 / ح 2 ، 3 ، 5 (وروى أحاديث من الفريقين) .

(4) الكافي ج2 باب إنّ الدعاء يرد القضاء : 469 / 1 .


(92)

وسئل ، صرف البلاء صرفة»(1) .

وأمّا من طرق العامّة فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : «لا ينفع الحذر عن القدر ، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر» .

قال : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنّف ، وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : ما دعا عبد بهذه الدعوات إلاّ وسّع الله له في معيشته : «ياذا المنّ ولا يمنّ عليه ، ياذا الجلال والإكرام ، ياذا الطول ، لا إله إلاّ أنت ظهر اللاّجين وجار المستجيرين ، ومأمن الخائفين ، إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقياً فامح عنّي اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيداً ، وإن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محروماً ، مقتّراً على رزقي ، فامح حرماني ، ويسّر رزقي ، وأثبتني عندك سعيداً موفّقاً للخير ، فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت : (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب)(2) .

وروى أيضاً في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى : (يسألُهُ من في السمـوات) ما يقرب من هذا ، فلاحظ(3) .

د ـ أثر صلة الرحم :

روى الكليني عن أبي الحسن الرضا قال : «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين ، فيصيّرها الله ثلاثين سنة ، ويفعل الله ما يشاء»(4) .

وروى أيضاً عن أبي جعفر قال : «صلة الأرحام تزكّي الأعمال ، وتنمي


(1) الكافي ج2 باب إنّ الدعاء يرد القضاء : 470 / 8 .

(2) السيوطي ، الدر المنثور 4 : 66 .

(3) المصدر نفسه 6 : 143 .

(4) الكافي 2 ، باب صلة الرحم ، الحديث 3 .


(93)

الأموال وتدفع البلوى ، وتيسّـر الحساب ، وتنسئ في الآجال»(1) .

ومن طرق العامّة وردت روايات متعدّدة في هذا المنحى ، نكتفي منها بما رواه السيوطي في الدر المنثور عن عليّ(رضي الله عنه) : أنّه سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _عن هذه الآية : (يَمْحُوا الله) فقال له : «لأقرّن عينيك بتفسيرها ، ولأقرّنَّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها : الصدقة على وجهها ، وبرّ الوالدين ، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء» .

وكما أنّ للأعمال الصالحة أثراً في المصير وحسن العاقبة ، وشمول الرحمة وزيادة العمر وسعة الرزق ، كذلك الأعمال الطالحة والسيّئات لها من التأثير المعاكس الذي لا يخفى على أحد في مسيرة حياة الإنسان .

ويدلّ على ذلك من الآيات قوله سبحانه :

(وضَـرَبَ الله مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِن كُلِّ مَكَان فَكَفَرتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَها الله لِباسَ الجُوعِ والخَوفِ بِمَا كانُوا يَصْنَعُونَ)(2) .

وقال سبحانه : (ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(3) .

وقال سبحانه : (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْص مِنَ الَّثمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)(4) .

أمّا الروايات في ذلك فحدّث عنها ولاحرج منها ما روي عن أمير المؤمنين عليّ ـ عليه السلام _ عندما قال في خطبة له : «أعوذ بالله من الذنوب التي تعجّل الفناء» فقام إليه


(1) الكافي 2 ، باب صلة الرحم ، الحديث 4 ولاحظ البحار ج4 باب البداء 121 ، الحديث 66 .

(2) النحل : 112 .

(3) الأنفال : 53 .

(4) الأعراف : 130 .


(94)

عبد الله بن الكوّاء اليشكري ، فقال : يا أمير المؤمنين أوَ تكون ذنوب تعجّل الفناء؟ فقال : «نعم ويلك! قطيعة الرحم» . وقال أيضاً : «إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار»(1) .

وقد وردت في الآثار الوضعية للأعمال روايات يطول الكلام بنقلها . فلاحظ ما ورد في الزنا من أنّ فيه ستّ خصال ثلاث منها في الدنيا وثلاث منها في الآخرة ، أمّا التي في الدنيا فيذهب بالبهاء ويعجّل الفناء ويقطع الرزق(2) .

وأيضاً ما ورد في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مثل ما روي عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السلام _ من أنّه قال : «لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ، أو لتستعملنّ عليكم شراركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم»(3) .

وعن أمير المؤمنين ـ عليه السلام _ قال : «إنّهم لمّا تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربّانيون والأحبار نزلت بهم العقوبات»(4) .

ورد عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «لا تزال أُمّتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات ، وسلّط بعضهم على بعض ، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء»(5) إلى غير ذلك من درر الكلمات التي نقلت عن معادنها .

فقد تحصّل ممّا ذكرنا :

أوّلا : أنّ علمه سبحانه يعمّ كلّ الأشياء; ماضيها وحاضرها ومستقبلها .

وثانياً : أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن .


(1) الكافي ج2 كتاب الإيمان والكفر ، باب قطيعة الرحم ، الحديث 7ـ8 .

(2) سفينة البحار 1 : 560 مادة (زنا) .

(3) الوسائل ج11 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الباب 1 الحديث 4 .

(4) المصدر نفسه ، الحديث 7 .

(5) المصدر نفسه ، الحديث 18 .


(95)

وثالثاً : أنّ لأفعال العباد تأثيراً في حسن العاقبة وسوئها ، ونزول الرحمة والبركة ، أو العقاب والنقمة .

إذا وقفت على هذه المقدّمات الثلاث فاعلم : أنّه يقع الكلام في البداء في مقامين :

1 ـ البداء في مقام الثبوت : أي تغييـر المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة .

2 ـ البداء في مقام الإثبات : أي الإخبار عن تحقّق الشيء علماً بالمقتضي مع خفاء المانع .

البداء فى مقام الثبوت

إنّ حقيقة البداء أنّه سبحانه ـ على خلاف ما اعتقده اليهود والنصارى في حقّه من فراغه عن أمر الخلق والتدبير ، والإحياء والإماتة ، والتوسيع والتقدير في الرزق ، والتعمير والتنقيص ، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى الكون والإنسان ـ هو القائم دائماً بالأمر والتدبير ، وهو القيّوم على كلِّ شيء ، وكلّ يوم في شأن ، وليست يداه مغلولتين ، بل يداه مبسوطتان (في كلّ شيء) يمحو ويثبت حسب مشيئته الحكيمة وإرادته النافذة ، فهو المتجلّي في كلّ زمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، كالخالقية والرازقية ، والإحياء والإماتة ، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى .

ومن شعب هذا الأمر ، هو أنّه سبحانه : يزيد في الرزق والعمر وينقص منهما ، وينزل الرحمة والبركة ، كما ينزل البلاء والنقمة ، حسب مشيئته الحكيمة ، النافذة ، ولا تصدر عنه الأُمور جزافاً واعتباطاً ، بل حسب ما تقتضيها حال العباد من حسن الأفعال وقبحها ، وصالح الأعمال وطالحها . فربّما يكون الإنسان مكتوباً في


(96)

الأشقياء ، ثمّ يمحى فيكتب من السعداء ، أو على العكس بسبب ما يقوم به من أعمال .

وبالجملة : فالبداء في عالم الثبوت مخالف لزعم اليهود والنصارى المشار إليه في قوله سبحانه : (وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيِهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبّك طُغْياناً وَكُفْراً)(1) ، وقد ردَّ سبحانه تلك العقيدة اليهودية الباطلة في هذه الآية كما هو واضح .

ولأجل أنّ يديه سبحانه مبسوطتان ، يزيد في الخلق ما يشاء ـ وفي العمر ـ وينقص منه ، حسب مشيئته الحكيمة قال سبحانه : (الحَمْدُ لله فَاطِرِ السَّمـواتِ والأرْضِ . . . يَزِيدُ فِـي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَىء قَديرٌ)(2) .

قال سبحانه : (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلاتَضَعُ إلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّر وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلاّ فِـي كِتاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ)(3) .

وبناء على ذلك فالبداء بهذا المعنى ممّا يشترك فيه كلّ المسلمين ، على مذاهبهم المختلفة ، من دون اختصاص بالشيعة ، فليس أحد من المسلمين ينكر أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن ، وأنّه جلّ وعلا يبدئ ويعيد ، ويحيي ويميت ، كما أنّه سبحانه يزيد في الرزق والعمر وينقص ، إلى غير ذلك حسب المشيئة الحكيمة والمصالح الكامنة في أفعاله .


(1) المائدة : 64 .

(2) فاطر : 1 .

(3) فاطر : 11 .


(97)

بحث في قوله تعالى : (يمحوا الله مايشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب) :

هذا الأصل ـ الذي يعدّ من المعارف العليا تجاه ما عرف من اليهود ، من سيادة القدر على كلّ شيء حتى إرادته سبحانه ـ يستفاد بوضوح من قوله سبحانه : (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب)(1) وهذه الآية هي الأصل في البداء في مقام الثبوت ويكفي في إيضاح دلالتها ، نقل كلمات المحقّقين من المفسّرين ، حتّى يقف القارئ على أنّ القول بالبداء بالمعنى الصحيح ، ممّا اصفقت عليه الأُمّة .

1 ـ روى الطبري (ت310هـ ) في تفسير الآية عن جمع من الصحابة والتابعين أنّهم كانوا يدعون الله سبحانه بتغيير المصير وإخراجهم من الشقاء ـ إن كتب عليهم ـ إلى السعادة ، مثلا كان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول وهو يطوف بالكعبة : اللّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني على الذنبِ [الشقاوة] فامحني وأثبتني في أهل السعادة ; فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب .

وروى نظير هذا الكلام عن ابن مسعود ، وابن عبّاس ، وشقيق وأبي وائل(2) .

روي عن ابن زيد أنّه قال في قوله سبحانه : (يمحوا الله ما يشاء) بما يُنزِّلُ على الأنبياء ، (ويُثبت) ما يشاء ممّا ينزله إلى الأنبياء وقال : (وعنده أُمّ الكتاب)لايُغيّر ولايُبدَّل»(3) .

2 ـ قال الزمخشري (ت528هـ ) : (يمحوا الله ما يشاء) ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو ينزله غير منسوخ(4) .

3 ـ ذكر الطبرسي (471 ـ 548هـ ) : لتفسير الآية وجوهاً متقاربة وقال :


(1) الرعد : 39 .

(2) الطبري : التفسير (جامع البيان) 13 : 112ـ114 .

(3) الطبري : التفسير (جامع البيان) 13 : 112ـ114 .

(4) الزمخشري ، الكشاف 2 : 169 .


(98)

«الرابع أنّه عامٌّ في كلّ شيء ، فيمحو من الرزق ويزيد فيه ، ومن الأجل ، ويمحو
السعادة والشقاوة ويثبتهما .(روى ذلك) عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وأبيوائل ، وقتادة . وأُمّ الكتاب أصل الكتاب الذي أُثبتت فيه الحادثات والكائنات .

وروى أبو قلابَة عن ابن مسعود أنّه كان يقول : اللّهمّ إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء . . .»(1) .

4 ـ قال الرازي (ت608هـ ) : إنّ في هذه الآية قولين :

القول الأوّل : إنّها عامة في كلّ شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا : إنّ الله يمحو من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر و ابن مسعود ، والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرّعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء . وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

والقول الثاني : إنّ هذه الآية خاصّة في بعض الأشقياء دون البعض .

ثمّ قال : فإن قال قائل : ألستم تزعمون أنّ المقادير سابقة قد جفَّ بها القلم وليس الأمر بأنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى ، المحو والإثبات؟

قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جفّ به القلم ، فلأنّه لايمحو إلاّ ما سبق في علمه وقضائه محوه(2) .

5 ـ قال القرطبي (ت671هـ ) ـ بعد نقل القولين وأنّ المحو والإثبات هل يعمّـان جميع الأشياء أو يختصّان ببعضـها ـ : مثل هذا لايدرك بالرأي والاجتهاد ، وإنّما يؤخذ توقيفاً ، فإن صحَّ فالقول به يجب أن يوقف عنده ، وإلاّ فتكون الآية عامّة في


(1) الطبرسي ، مجمع البيان 6 : 398 .

(2) تفسير الرازي 10 : 64ـ65 .


(99)

جميع الأشياء ، وهو الأظهر ـ ثم نقل دعاء عمر بن الخطاب في حال الطواف ودعاء عبدالله بن مسعود ثم قال : روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال : سمعت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم _يقول : «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقهِ ويُنسَأ له في أثره (أجله) فليصل رحمه»(1) .

6 ـ قال ابن كثير (ت774هـ ) بعد نقل قسم من الروايات : ومعنى هذه الروايات أنّ الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء ،وقد يُستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إن الرجل ليُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه ولايردّ القَدَرُ إلاّ بالدعاء ، ولايزيد في العمر إلاّ البر» ثم نقل عن ابن عبّاس : «الكتاب كتابان; فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت عنده ما يشاء ، وعنده أُمّ الكتاب»(2) .

7 ـ روى السيوطي (ت 911هـ ) عن ابن عبّاس في تفسير الآية : هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة ، فهو الذي يمحو ، والذي يثبت : الرجل يعمل بمعصية الله تعالى وقد سبق له خير حتّى يموت وهو في طاعة الله سبحانه وتعالى . ثمّ نقل ما نقلناه من الدعاء عن جماعة من الصحابة والتابعين(3) .

8 ـ ذكر الآلوسي (ت 1270هـ ) عند تفسير الآية قسماً من الآثار الواردة حولها وقال : أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ ـ كرم الله وجهه ـ أنّه سأل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن قوله تعالى : (يمحوا الله ما يشاء . . .) الآية فقال له عليه الصلاة والسلام : «لأقرّنّ عينك بتفسيرها ، ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها :


(1) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 5 : 329 .

(2) ابن كثير ، التفسير 2 : 520 .

(3) السيوطي ، الدر المنثور 4 : 660 لاحظ ما نقله في المقام من المأثورات .


(100)

الصدقة على وجهها ، وبرّ الوالدين واصطناع المعروف ، محوِّل الشقاء سعادة ، ويزيد في
العمر ، ويقي مصارع السوء» ثم قال : دفع الإشكال عن استلزام ذلك ، بتغيّـر علم الله سبحانه ، ومن شاء فليراجع(1) .

9 ـ قال صديق حسن خان (ت 1307هـ ) في تفسـير الآية : وظاهر النظم القرآني العموم في كلّ شيء ممّا في الكتاب ، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شرّ ويبدّل هذا بهذا ،ويجعل هذا مكان هذا . لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون . وإلى هذا ذهب عمر بن الخطّاب وابن مسعود وابن عبّاس وأبو وائل وقتادة والضحّاك وابن جريج وغيرهم . . .(2) .

10 ـ قال القاسمي (ت 1332هـ ) : تمسّك جماعة بظاهر قوله تعالى : (يمحوا الله ما يشاء ويثبت) فقالوا : إنّها عامَّة في كلّ شيء كما ـ يقتضيه ظاهر اللفظ ـ قالوا يمحو الله من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر(3) .

11 ـ قال المراغي (ت 1371هـ ) في تفسير الآية : وقد أُثر عن أئمة السلف أقوال لاتناقض بل هي داخلة فيما سلف ثم نقل الأقوال بإجمال(4) .

وهذه الجمل والكلم الدرّية المضيئة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان والمفسّرين ; تعرب عن الرأي العام بين المسلمين في مجال إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة ، ومنها الدعاء والسؤال ، وأنّه ليس كلّ تقدير حتمياً


(1) الآلوسي ، روح المعاني 13 : 111 .

(2) صديق حسن خان ، فتح البيان 5 : 171 .

(3) القاسمي ، المحاسن والتأويل 9 : 372 .

(4) المراغي ، التفسير 5 : 155 ـ 156 .


(101)

لايغيّـر ولايبدّل ، وأنّ لله سبحانه لوحين : لوح المحو والإثبات ولوح «أُمّ الكتاب» والذي لايتطرّق التغيير إليه هو الثاني دون الأوّل ، وأنّ القول بسيادة القدر على
اختيار الإنسان في مجال الطاعة والمعصية; قول بالجبر الباطل بالعقل والضرورة ومحكمات الكتاب . ومن جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب (ذلكَ ظَنُّ الَّذينَ كَفروا فَويلٌ لِلَّذينَ كَفروا مِنَ النّار)(1) .

وكما أنّه سبحانه يداه مبسوطتان ، كذلك العبد مختار في أفعاله لا مسيّر ، وحرٌّ في تصرّفاته(2) لا مجبور ، له أن يغيّر مصيره ومقدَّره بحسن فعله وجودة عمله ، ويخرج اسمه من الأشقياء ، ويدخله في السعداء ، كما أنّ له أن يخرج اسمه من السعداء ويدخله في الأشقياء بسوء عمله .

فالله سبحانه كما يمحو ويثبت في التكوين ، فيحيي ويميت ، كذلك يمحو مصير العبد ويغيّره حسب ما يغيّر العبد بنفسه (فعله وعمله) لقوله سبحانه : (إنَّ الله لا يُغَيّرُ مَا بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»(3) ، كل ذلك لأجل أنّ يديه مبسوطتان ، وأنّ العبد حرٌّ مختار ، قادر على تغيير القضاء ، وتبديل القدر ، بحسن فعله أو سوئه ، كما دلّت عليه الآيات والروايات .

وليس في ذلك أيّ محذور ولا مخالفة للعقل ولا الكتاب والسنّة ، بل تغيير القضاء بحسن الفعل وتغيير القدر بسوئه ، هو أيضاً من قدره وقضائه وسننه التي لا تبديل لها ولا تغيير ، فالله سبحانه إذا قدّر لعبده شيئاً وقضى له بأمر ، فلم يقدّره ولم يقضِ به على وجه القطع والبتِّ ، بحيث لا يتغيّر ولا يتبدّل ، بل قضى به على


(1) ص : 27 .

(2) لا يخفى أنّ المقصود من أفعال الإنسان التي تثبت اختياره فيها هي الأفعال التي تتعلق بها التكاليف لا الأفعال القهرية التي تصدر من جهازه الهضمي مثلا .

(3) الرعد : 11 .


(102)

وجه خاصّ ، وهو أنّ القضاء والقدر يجري عليه ، ما لم يغيّر العبد حاله ، فإذا غيّـر حاله بحسن فعله أو سوئه ، يتغيّـر القضاء ويتبدّل القدر ، ويخلف قضاء وقدر آخر
مكانهما الأوّل ، وكلّ هذه أيضاً قضاء وقدر منه ، كما لا يخفى .

وهذا (البداء في الثبوت) أولى من التسمية بالمحو والإثبات ، والتغيير والتبديل في الكون وفي مصير الإنسان ، غير أنّ المحو والإثبات في الكون بيد الله سبحانه ، يتصرّف فيه حسب مشيئته ، ولا دخل لإرادة الإنسان وفي صلاح فعله وفساده ، وأمّا التغيير في مصير الإنسان فيتوقّف تعلّق المشيئة عليه; على كيفية حال العبد وكيفية عمله من حسن أو قبح .

الأثر التربوي للاعتقاد في البداء :

الاعتقاد بالمحو والإثبات ، وأنّ العبد قادر على تغيير مصيره بأفعاله وأعماله ، لابدّ من أن يبعث الرجاء في قلب من يريد أن يتطهّر ، وينمي نواة الخير الكامنة في نفسه . فتشريع البداء ، مثل تشريع قبول التوبة ، والشفاعة ، وتكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر ، كلّها لأجل بعث الرجاء وإيقاد نوره في قلوب العصاة والعتاة ، حتّى لا ييأسوا من روح الله ، ولا يتولّوا بتصور أنّهم من الأشقياء وأهل النار قدراً ، وأنّه لافائدة من السعي والعمل ، فلعلم الإنسان أنّه سبحانه لم يجفّ قلمه في لوح المحو والإثبات ، وله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، يسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء «وليست مشيئته جزافية غير تابعة لضابطة عقلية» لأنّ العبد لو تاب ، وعمل بالفرائض ، وتمسّك بالعروة الوثقى ، فإنّه يخرج من سلك الأشقياء ، ويدخل في صنف السعداء ، وبالعكس . وهكذا فإنّ كلّ ما قدّر في حقّه من الموت والمرض والفقر والشقاء يمكن تغييره بالدعاء ، والصدقة ، وصلة الرحم ، وإكرام الوالدين ، وغير ذلك ، فجميع هذا من باب الرحمة الإلهية لأجل بثّ الأمل


(103)

في قلب الإنسان ، وعلى هذا فالاعتقاد بذلك من ضروريات الكتاب وصريح آياته وأخبار الهداة .

وبهذا يظهر أنّ البداء من المعارف العليا التي اتّفقت عليه كلمة المسلمين ، وإن غفل عن معناه الجمهور (ولو عرفوه لأذعنوا له) .

وأمّا اليهود ـ خذلهم الله ـ فقالوا باستحالة تعلّق المشيئة بغير ما جرى عليه القلم ، ولأجل ذلك قالوا : يد الله مغلولة عن القبض والبسط ، والأخذ والإعطاء ، وبعبارة أُخرى : فإنّهم يذهبون إلى أنّ للإنسان مصيراً واحداً لايمكن تغييره ولا تبديله ، وأنّه ينال ما قدّر له من الخير والشر .

ولو صحّ ذلك لبطل الدعاء والتضرّع ، ولبطل القول بأنّ للأعمال الصالحة وغير الصالحة ممّا عددناها تأثيراً في تغيير مصير الإنسان .

على ضوء هذا البيان نتمكّن من فهم ما جاء في فضيلة البداء وأهميته في الروايات مثل ما روى زرارة عن أحدهما (الباقر أو الصادق ـ عليهما السلام _) : «ما عُبد الله عزّ وجلّ بشيء مثل البداء»(1) .

وما روي عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله ـ عليه السلام _ : «ما عُظِّم الله عزّ وجلّ بمثل البداء»(2) .

إذ لولا الإقرار بالبداء بهذا المعنى ما عُرف الله حقّ المعرفة ، بل ويبدو سبحانه في نظر العبد (بناء على عقيدة بطلان البداء) أنّه مكتوف الأيدي ، لا يقدر على تغيير ما قدّره ، ولا محو ما أثبته .

ومن الروايات في هذه المعنى ما روي عن الصادق ـ عليه السلام _ أنّه قال :


(1) البحار 4 : 107 باب البداء ، الحديث 19 ، 20 .

(2) التوحيد للصدوق ، باب البداء ، الحديث 2 .


(104)

«لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا من الكلام فيه»(1) .

وذلك لأنّ الاعتقاد بالبداء نظير الاعتقاد بتأثير التوبة والشفاعة يوجب رجوع العبد عن التمادي في الغيِّ والضلالة ، والإنابة إلى الصلاح والهداية .

البداء فى مقام الإثبات 

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم : أنّ المراد من البداء في مقام الإثبات هو وقوع التغير في بعض مظاهر علمه سبحانه; فإنّ لعلمه سبحانه مظاهر ، منها : ما لا يقبل التغيير ، ومنها ما يقبل ذلك .

أمّا الأوّل : فهو المعبّر عنه بـ «اللوح المحفوظ» تارة وبـ «أُمّ الكتاب» أُخرى ، قال سبحانه : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِـي لَوْح مَحْفُوظ)(2) . وقوله تعالى : (وَإنّهُ في أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَليٌّ حَكِيمٌ)(3) .

وقال سبحانه : (مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَة فِـي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إلاَّ فِـي كِتاب مِن قَبْلِ أَن نَبْـرَأهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ)(4) .

فاللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب يمكن التعبير عنه بأنّه ذلك الكتاب الذي كتب فيه ما يصيب الإنسان طيلة حياته من بلايا وفتن ونعيم وسرور بشكل لا يمكن أن يتطرّق إليها المحو والإثبات قدر شعرة ، ولأجل ذلك لو تمكّن الإنسان أن يتّصل به ، لوقف على الحوادث على ما هي عليه بلا خطأ ولا تخلّف .

أمّا الثاني : فهو لوح المحو والإثبات الذي أشار إليه سبحانه بقوله : (يَمْحُوا الله


(1) الكافي 1 : 115 ; التوحيد للصدوق ، باب البداء ، الحديث 7 .

(2) البروج : 21 ـ 22 .

(3) الزخرف : 4 .

(4) الحديد : 22 .


(105)

مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ)(1) فالأحكام الثابتة فيه أحكام معلّقة على وجود شرطها أو عدم مانعها ، فالتغيّر فيها لأجل إعواز شرطها أو تحقّق مانعها ، فمثلا يمكن أن يكتب فيه الموت نظراً إلى مقتضياته في الوقت المعين المتّصل بالمقتضيات ، إلاّ أنّه ربّما يمحى ويؤجل ويكتب بدله توفر الصحّة; لفقدان شرط التقدير الأوّل أو طروّ مانع من تأثير المقتضي .

فالتقدير الأوّل يفرض لأجل قياس الحادث إلى مقتضيه ، كما أنّ التقدير الثاني يتصوّر بالنسبة إلى جميع أجزاء علّته ، فإنّ الشيء إذا قيس إلى مقتضيه ـ الذي يحتاج الصدور منه إلى وجود شرائط وعدم موانع ـ يمكن تقدير وجوده ، بالنظر إلى مجموع أجزاء علّته التي منها الشرائط وعدم الموانع ، ويقدّر عدمه لفرض عدم وجود شرائطه ، وتحقّق موانعه .

إذا علمت ذلك فاعلم : أنّه ربّما يتّصل النبيّ أو الوليّ بلوح المحو والإثبات ، فيقف على المقتضي من دون أن يقف على شرطه أو مانعه ، فيخبر عن وقوع شيء ما ، ولكنّه ربّما لا يتحقّق لأجل عدم تحقّق شرطه أو عدم تحقّق وجود مانعه ، وذلك هو البداء في عالم الإثبات .

وإن شئت قلت : إنّ موارد وقوع البداء حسب الإثبات من ثمرات البداء في عالم الثبوت ، ولم يرد في الأخبار من هذا القسم من البداء إلاّ موارد لا تتجاوز عدد الأصابع(2) ، نشير إليه بعد الفراغ عمّـا ورد في الذكر الحكيم .

تلميحات للبداء في الذكر الحكيم :

ـ قال سبحانه : (فَبَشَّـرْنَاهُ بِغُلام حَلِيم * فَلَمَّـا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنيَّ إنِّـي أَرى فِي المَنَامِ أَنِّـي أَذبَحُكَ فَانظر مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ


(1) الرعد : 39 .

(2) السيوطي ، الدر المنثور 5 : 280 .


(106)

سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ)(1) .

أخبر إبراهيم ـ عليه السلام _ ولده إسماعيل ـ عليه السلام _ بأنّه رأى في المنام أنّه يذبحه ، ورؤيا الأنبياء (كما ورد في الحديث) من أقسام الوحي ، فكانت رؤياه صادقة حاكية عن حقيقة ثابتة ، وهي أمر الله إبراهيم بذبح ولده ، وقد تحقّق ذلك الأمر ، أي أمر الله سبحانه به .

ولكن قوله : (إِنِّـي أَرى فِي المَنَامِ أَنِّـي أَذبَحُكَ) يكشف عن أمرين :

أوّلا : الأمر بذبح الولد أمر تشريعي كما عرفت وقد تحقّق .

ثانياً : الحكاية عن تحقّق ذلك في الواقع الخارجي وأنّ إبراهيم سيمتثل ذلك ، والحال أنّه لم يتحقّق لفقدان شرطه وهو عدم النسخ ، ويحكي عن كلا الأمرين قوله : (وفَدَيناهُ بِذَبْح عظيم) .

وعندئذيطرح هذاالسؤال نفسه:بأنّه كيف أخبر خليل الرحمن بشيءمن الملاحم والمغيبات ، ثمّ لم يتحقّق؟ والجواب عن هذا السؤال يكمن في الأمر الذي أشرنا إليه سابقاً وهو أنّ إبراهيم ـ عليه السلام _ وقف على المقتضى فأخبر بالمقتضي ، ولكنّه لم يقف على ما هو العلّة التامّة ، وليس لعلمه هذا مصدر سوى اتّصاله بلوح المحو والإثبات .

2 ـ وأمّا يونس ـ عليه السلام _ فإنّه أنذر قومه بأنّهم إن لم يؤمنوا فسوف يصيبهم العذاب إلى ثلاثة أيام(2) وما كان قوله تخرّص أو تخويف ، بل كان يخبر عن حقيقة يعلم بها ، إلاّ أنّ هذا الأمر لم يقع كما هو معروف ، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنّه ـ عليه السلام ـ وقف على المقتضي ولم يقف على المانع ، وهو أنّ القوم سيتوبون عند رؤية العذاب توبة صادقة يعلمها الله تعالى ترفع عنهم العذاب الذي وعدوا به ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه : (فَلَوْلا كَانَت قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ


(1) الصافات : 101 ـ 102 .

(2) الطبرسي ، مجمع البيان 3 : 135 .


(107)

عَذَابَ الخِزْيِ فِـي الحَياةِ الدُّنيا وَمَتَّعْناهُمْ إلى حِين)(1) .

3 ـ أخبر موسى قومه بأنّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة ، كما روي عن ابن عبّاس حيث قال : إنّ موسى قال لقومه : إنّ ربّي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هارون فيكم ، فلمّـا فصل موسى إلى ربّه زاده الله عشراً ، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله(2) .

وإلى هذا الأمر يشير قوله سبحانه : (وَوَاعدْنا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْـمَمْناها بِعَشْر فَتَمَّ مِيقاتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسى لأخيهِ هَارونَ اخْلُفْنِي فِـي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبيلَ المفسِدِينَ)(3).

فلا شكّ أنّ موسى أُطلع على الخبر الأوّل ولم يطلع على نسخه ، وأنّ التوقيت سيزيد ، ولا مصدر لعلمه إلاّ الاتّصال بلوح المحو والإثبات .

هذه جملة الأخبار التي تحدَّث بها الذكر الحكيم عن أحداث ووقائع كان النبيّون ـ عليهم السلام _ قد أخبروا بحتمية وقوعها على حدّ علمهم ، إلاّ أنّها لم تتحقّق ،وعندها لا مناص من تفسيرها بوقوف أنبياء الله تعالى على المقتضي دون العلّة التامّة .

فعندما يظهر عدم التحقّق يطلق عليه البداء ، والمراد به أنّه بدا من الله لنبيّه وللناس ما خفي عليهم ، على غرار قوله سبحانه : (وَبَدا لَهُمْ مِنَ الله مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)(4) فالبداء إذا نسب إلى الله سبحانه فهو بداء منه ، وإذا نسب إلى الناس فهو بداء لهم .


(1) يونس : 98 .

(2) الطبرسي ، مجمع البيان 2 : 115 .

(3) الأعراف : 142 .

(4) الزمر : 47 .


(108)

وبعبارة أُخرى : البداء من الله هو إظهار ما خفي على الناس ، والبداء من الناس بمعنى ظهور ما خفي لهم ، وهذا هو الحقّ الصراح الذي لا يرتاب فيه أحد .

تلميحات للبداء فى الروايات الشريفة

وأمّا ما ورد في الروايات ، فهو بين خمسة أو أزيد بقليل :

1 ـ إنّ المسيح ـ عليه السلام _ مرّ بقوم مجلبين(1) ، فقال : «ما لهؤلاء»؟ قيل يا روح الله فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان في ليلته هذه ، فقال : «يجلبون اليوم ويبكون غداً»  ، فقال قائل منهم : ولم يا رسول الله؟ قال : «لأنّ صاحبتهم ميّتة في ليلتها هذه»  . . . فلمّـا أصبحوا وجدوها على حالها ، ليس بها شيء ، فقالوا : يا روح الله إنّ التي أخبرتنا أمس أنّها ميّتة لم تمُت . فدخل المسيح دارها فقال : «ما صنعت ليلتك هذه» ؟ قالت : لم أصنع شيئاً إلاّ وكنت أصنعه فيما مضى ، إنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فَنُنيله ما يقوته إلى مثلها . فقال المسيح : «تنحّ عن مجلسك» فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة ، عاضّ على ذنبه ، فقال ـ عليه السلام _ : «بما صنعتِ ، صُرِفَ عنكِ هذا»(2) .

2 ـ روي الكليني عن الإمام الصادق ـ عليه السلام _ انّه قال : «مرّ يهودي بالنبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال : السام عليك ، فقال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : عليك . فقال أصحابه : إنّما سلّم عليك بالموت فقال : الموت عليك . فقال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : وكذلك رددت . ثمّ قال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله .

قال : فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله ، ثمّ لم يلبث أن انصرف ، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : ضعه ، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف


(1) أي تعلو منهم أصوات الفرح .

(2) المجلسي ، بحار الأنوار 4 : 94 .


(109)

الحطب عاضّ على عود ، فقال : يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال : ما عملت عملا إلاّ حطبي هذا حملته فجئت به وكان معي كعكتان ، فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : بها دفع الله عنه ، قال : إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان»(1) .

ولا يمكن لأحد تفسير مضامين الآيات الماضية وهذين الحديثين إلاّ عن طريق البداء بالمعنى الذي تعرّفت عليه ، وهو اتّصال النبيّ بلوح المحو والإثبات ، والوقوف على المقتضي ، والإخبار بمقتضاه دون الوقوف على العلّة التامّة .

3 ـ روى الصدوق عن الإمام الباقر ـ عليه السلام _ : «إنّ الله تعالى عرض على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم ، فمرّ بآدم اسم داود النبيّ ـ عليه السلام ـ فإذا عمره في العالم أربعون سنة ، فقال آدم : يا ربِّ ما أقل عمر داود وما أكثر عمري ، يا ربّ إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة ، أتثبت ذلك له؟ قال الله : نعم يا آدم ، فقال آدم : فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة» قال أبو جعفر الباقر ـ عليه السلام _ : «فأثبت الله عزّوجلّ لداود في عمره ثلاثين سنة»(2) .

ترى أنّه سبحانه أثبت شيئاً ، ثمّ محاه بدعاء نبيّه ، وهذا هو المراد من قوله سبحانه : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب) فلو أخبر نبيّ الله عن عمر داود بأربعين سنة لم يكن كاذباً في إخباره ; لأنّه وقف على الإثبات الأوّل ، ولم يقف على محوه .

4 ـ أوحى الله تعالى إلى نبيّ من أنبيائه أن يخبر أحد ملوك عصره بأنّه تعالى متوفّيه يوم كذا ، فما كان من ذلك الملك إلاّ أن رفع يديه بالدعاء إلى الله تعالى قائلا :


(1) المجلسي ، بحار الأنوار 4 : 121 .

(2) المجلسي ، بحار الأنوار 4 : 102 .


(110)

ربّ أخّرني حتّى يشبَّ طفلي وأقضي أمري ، فأوحى الله عزّوجلّ إلى ذلك النبيّ : أنِ ائت فلاناً الملك وأخبره أنّي قد زدت في عمره خمس عشرة سنة(1) .

5 ـ روى عمرو بن الحمق ، قال : دخلت على أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ حين ضرب على قرنه ، فقال لي : «يا عمرو إنّي مفارقكم ، ثمّ قال : سنة سبعين فيها بلاء» ـ قالها ثلاثاً ـ فقلت : فهل بعد البلاء رخاء؟ فلم يجبني وأُغمي عليه ، فبكت أُمّ كلثوم فأفاق . . . فقلت : بأبي أنت وأُمّي قلتَ : إلى السبعين بلاء ، فهل بعد السبعين رخاء؟ قال : «نعم يا عمرو إنّ بعد البلاء رخاء و (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب)»(2) .

هذه جملة ما ورد في البداء في مقام الإثبات ، وإن شئت قلت في ثمرات البداء في الثبوت ، ولا تجد في الأحاديث الشيعية بداء غير ما ذكرنا ، ولو عثر المتتبّع على مورد ، فهو نظير ما سبق من الموارد ، والتحليل في الجميع واحد .

إذا وقفت على ذلك تدرك بوضوح ضعف مقالة الرازي التي يقول فيها : إنّ أئمّة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم ، لا يظهر معهما أحد عليهم :

الأوّل : القول بالبداء ، فإذا قال : إنّهم سيكون لهم قوّة وشوكة ، ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروا ، قالوا : بدا لله فيه(3) .

إنّ الذي نقله أئمّة الشيعة هو ما تعرّفت عليه من الروايات ، وليس فيها شيء مما نسبه الرازي إليهم ، فقد نقلوا قصّة رسول الله مع اليهودي ، وقصة المسيح مع العروس ، كما نقلوا قصّة عمر داود وعمر الملك ، فهل يجد القارئ المنصف شيئاً مما


(1) المجلسي ، بحار الأنوار 4 : 121 (وفي رواية أُخرى أنّ ذلك النبيّ هو حزقيل ، البحار 4 : 112 وذكر مثله في قضية شعيا ص 113) .

(2) المجلسي ، بحار الأنوار 4 : 119 / ح 60 .

(3) الرازي ، نقد المحصل : 421 ، نقله عن سليمان بن جرير الزيدي ، والأمر الثاني هو التقية كما عرفت .


(111)

ذكره الرازي؟!

وأمّا ما رواه عمرو بن الحمق فإنّما هو خبر واحد ذيّل كلامه بالآية قائلا : بأنّ هذا ليس خبراً قطعياً وأنّه في مظانّ المحو والإثبات .

أفيصحّ لأجل مثله رمي أئمّة الشيعة «بأنّهم وضعوا قاعدتين ، وأنّهم كلّما يقولون سيكون لهم قوّة ثمّ لا يكون ، قالوا بدا لله تعالى فيه»؟!

وقد سبق الرازي في هذا الزعم أبو القاسم البلخي المعتزلي على ما حكاه شيخنا الطوسي في تبيانه(1) .

تتمّة البحث

ثمّ إنّ إكمال البحث يتوقّف على ذكر أُمور :

الأمر الأوّل :

إنّ البداء بالمعنى المذكور يجب أن يكون على وجه لا يستلزم تكذيب الأنبياء ووحيهم ، وذلك بأن تدلّ قرائن على صحّة الإخبار الأوّل كما صحّ الخبر الثاني ، وهو ما نراه واضحاً في قصّة يونس وإبراهيم الخليل ، فإنّ القوم قد شاهدوا طلائع العذاب فأذعنوا بصحّة خبر يونس ، كما أنّ التفدية بذبح عظيم دلّت على صحّة إخبار الخليل ، وهكذا وجود الأفعى تحت الثياب أو في جوف حطب اليهودي يدلاّن على صحّة إخبار النبيّ الأعظم .

كلّ ذلك يشهد على أنّ الخبر الأوّل كان صحيحاً ومقدّراً ، غير أنّ
الإنسان يمكن له أن يغيّر مصيره بعمله الصالح أو الطالح كما في غير تلك


(1) الطوسي ، التبيان 1 : 13 ـ 14 ، ط النجف ، وقد عرفت بعض المتشدّقين بهذه الكلمة المكذوبة .


(112)

المقامات .

وبالجملة : يجب أن يكون وقوع البداء مقروناً بما يدلّ على صحة إخبار النبيّ ـ عليه السلام _ ولا يكون البداء على وجه يعدّ دليلا على كذبه ، ففي هذه الموارد دلّت القرائن على أنّ المخبر كان صادقاً في خبره .

الأمر الثاني :

إنّ البداء لا يتحقّق فيما يتعلّق بنظام النبوّة والولاية والخاتمية والملاحم الغيبية التي تعدّ شعاراً للشريعة ، فإذا أخبر المسيح بمجيء نبيّ اسمه أحمد ، أو أخبر النبيّ بكونه خاتماً للرسل ، أو أنّ الخلافة بعده لوصيّه ، أو أنّه يخرج من ولده من يملأ الأرض قسطاً وعدلا ، ونظير ذلك ، فلا يتحقّق فيه البداء قطعاً; لأنّ احتمال البداء فيه ناقض للحكمة ، وموجب لضلال العباد ، ولو كان احتمال هذا الباب مفتوحاً في تلك المسائل الأُصولية لما وجب لأحد أن يقتفي النبيّ المبشَّـر به ، ولا يوالي الوصي المنصوص عليه ، ولا يتلقّى دين الإسلام خاتماً ، ولا ظهور المهدي أمراً مقضيّاً ، بحجّة أنّه يمكن أن يقع فيه البداء . ففتح هذا الباب في المعارف والعقائد والأُصول والسنن الإسلامية مخالف للحكمة وموجب لضلالة الناس ، وهذا ما يستحيل على الله سبحانه ، وإنّما مصبّ البداء هو القضايا الجزئية أو الشخصيّة ، كما هو الحال في الأخبار الماضية .

الأمر الثالث :

أنّ إطلاق البداء في هذه الموارد ، إنّما هو بالمعنى الذي عرفت ، وأنّ حقيقته بداء من الله للناس وإظهار منه ، ولو قيل بدا لله ، فإنّما هو من باب المشاكلة والمجاز ، والقرآن مليء به ، فقد نسب الذكر الحكيم إليه سبحانه المكر وقال : (وَمَكَرُوا


(113)

وَمَكَرَ الله والله خَيْـرُ الماكِرِينَ)(1) وليست المناقشة في التعبير من دأب المحقّقين ، فلو كان أهل السنّة لا يروقهم التعبير عن هذا الأصل بلفظ البداء لله ، فليغيّـروا التعبير ويعبّـروا عن هذه الحقيقة الناصعة بتعبير يرضيهم .

ولكن الشيعة تبعت النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ في هذا المصطلح ، وهو أوّل من استعمل تلك اللفظة في حقّه سبحانه ، وما يؤكّد ذلك هو ما رواه البخاري في كتاب النبوّة «قصّة بدء الخليقة» وفيها هذه اللفظة التي يستهجنها البعض ويتّهم الشيعة بابتداعها واختلاقها ، فقد روى أبو هريرة :

أنّه سمع من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم ، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحبّ إليك؟ قال : لون حسن ، وجلد حسن ، قد قذرني الناس ، قال : فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً ، فقال : أيّ المال أحبّ إليك؟ قال : الإبل أو قال : البقر ـ هو شكّ في ذلك أنّ الأبرص والأقرع قال أحدهما : الإبل وقال الآخر : البقر ـ فأُعطي ناقة عشراء ، فقال : يبارك الله لك فيها .

وأتى الأقرع فقال : أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال : شعر حسن ويذهب عنّي هذا ، قد قذرني الناس . قال : فمسحه ، فذهب ، وأُعطي شعراً حسناً ، قال : فأيّ المال أحب إليك؟ قال : البقر . قال : فأعطاه بقرة حاملا ، وقال : يبارك لك فيها .

وأتى الأعمى فقال : أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال : يردّ الله إليّ بصري ، فأُبصر به الناس ، قال : فمسحه فردّ الله إليه بصره . قال : فأيّ المال أحب إليك؟ قال : الغنم ، فأعطاه شاة والداً ، فأنتج هذان وولّد هذا ، فكان لهذا واد من إبل ، ولهذا واد من بقر ، ولهذا واد من الغنم .


(1) آل عمران : 54 ، وهنا آيات أُخر يستدلّ بها على المشاكلة في التعبير عن الحقائق العلوية .


(114)

ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ثمّ بك . أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلّغ عليه في سفري ، فقال له : إنّ الحقوق كثيرة . فقال له : كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس ، فقيراً فأعطاك الله؟ فأجابه : لقد ورثت لكابر عن كابر! فقال : إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت .

وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ، فردّ عليه مثلما ردّ عليه هذا ، فقال : إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت .

وأتى الأعمى في صورته فقال : رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ، ثمّ بك . أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلّغ بها في سفرى ، فقال : قد كنت أعمى فردّ الله بصري ، وفقيراً فقد أغناني ، فخذ ما شئت ، فو الله لا أجحدك اليوم بشيء أخذته لله ، فقال : أمسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضى الله عنك وسخط على صاحبيك»(1) .


(1) البخاري ، الصحيح 4 : 208 ، كتاب الأنبياء ، باب 51 حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل .


(115)

المسألة السادسة :

الرجعة في الكتاب والسنّة

إنّ فكرة الرجعة التي تحدّثت عنها بعض الآيات القرآنية والأحاديث المرويّة عن أهل بيت الرسالة ممّا يشنّع بها على الشيعة ، فكأنَّ من قال بها رأى رأياً يوجب الخروج عن الدين ، غير أنّ هؤلاء نسوا أو تناسوا أنّ أوّل من أبدى نظرية الرجعة هو الخليفة عمر بن الخطّاب ، فقد أعلن عندما شاعت رحلة النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّه ما مات وليعودنّ فيقطعنّ أيدي وأرجل أقوام . . .

عن أبي هريرة قال : لمّا توفّي رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ قام عمر بن الخطّاب ، فقال : إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ توفّي ، وإنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والله ما مات ، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ، ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل قد مات ، والله ليرجعنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ كما رجع موسى ، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ مات(1)!!

ولا يخفى أنّ كلام الخليفة لو كان كلاماً حقيقياً لابدّ أن يُحمل على أنّ النبيّ ما مات موتاً لا رجوع فيه وإنّما يرجع فيقوم بما أخبر عنه الخليفة ، ولو أراد من نفي موته أنّه ما زال حيّاً فهو خلاف رأي جميع الصحابة الذين اتّفقوا على موته ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ولم
يكن موت النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أمراً يدركه جميع الناس ولا يدركه الخليفة .

إنّ الرجعة بمعنى عود جماعة قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة ثمّ موتهم وحشرهم مجدّداً يوم القيامة ليس شيئاً يضادّ أُصول الإسلام ، وليس فيه إنكار


(1) السيرة النبوية لابن هشام 4 : 305 .


(116)

لأيّ حكم ضروري ، وليس القول برجعتهم إلى الدنيا يلغي بعثهم يوم القيامة ، وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه عن رجوع جماعة إلى الحياة الدنيوية ، نظير :

1 ـ إحياء جماعة من بني إسرائيل(1) .

2 ـ إحياء قتيل بني إسرائيل(2) .

3 ـ موت أُلوف من الناس وبعثهم من جديد(3) .

4 ـ بعث عزير بعد مائة عام من موته(4) .

5 ـ إحياء الموتى على يد عيسى ـ عليه السلام ـ (5) .

فلو كان الاعتقاد برجوع بعض الناس إلى الدنيا قبل القيامة أمراً محالا ، فما معنى هذه الآيات الصريحة في رجوع جماعة إليها؟

ولو كان الرجوع إلى الدنيا على وجه الإطلاق تناسخاً فكيف تفسّـر هذه الآيات؟

إنّ الاعتقاد بالذكر الحكيم يجرّنا إلى القول بأنّه ليس كلّ رجوع إلى الدنيا تناسخاً ، وإنّما التناسخ الباطل عبارة عن رجوع الإنسان إلى الدنيا عن طريق النطفة والمرور بمراحل التكوّن البشري من جديد ليصير إنساناً مرّة أُخرى ، وأين
هذا من الرجعة وعود الروح إلى البدن الكامل من جميع الجهات من دون أن يكون فيها رجوع من القوّة إلى الفعلية ، أو دخول روح في بدن آخر ، إنساناً كان أو حيواناً؟!


(1) البقرة : 55ـ56 .

(2) البقرة : 72ـ73 .

(3) البقرة : 243 .

(4) البقرة : 259 .

(5) آل عمران : 49 .


(117)

اتّفقت الشيعة على بطلان التناسخ وامتناعه ، وقد كتبوا فيه مقالات ورسائل يقف عليها من كان له إلمام بكتبهم وعقائدهم ، وقد ذكروا أنّ للتناسخ أنواعاً وأقساماً ، غير أنّ الرجوع إلى الدنيا من خلال دخول الروح إلى البدن الذي فارقه عند الموت لا يعدّ تناسخاً ، وإنّما هو إحياء للموتى ، الذي كان معجزة من معاجز المسيح .

كلّ ذلك يدلّ على أنّه ليس أمام القول بالرجعة عراقيل وموانع ، وإنّما هو أمر ممكن لو دلّ عليه الدليل القطعي نأخذ به وإلاّ فنتركه في سنبله ، والحال أنّ بعض الآيات والروايات تدلّ على أنّه سيتحقّق الرجوع إلى هذه الدنيا قبل يوم القيامة لبعض الناس على وجه الإجمال ، وأمّا من هم؟ وفي أيّ وقت يرجعون؟ ولأيّ غرض يعودون إلى الدنيا؟ فليس هنا مقام بيانها ، إنّما نكتفي ببيان بعض الآيات الدالّة على وقوعه قبل البعث ، وإليك الآيات .

قال سبحانه : (وَإذا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرضِ تُكَلّمُهُمْ أنَّ النّاسَ كَانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنونَ * وَيَومَ نَحْشُـرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجَاً مِمَّنْ يُكَذّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ)(1) .

لايشكّ من أمعن النظر في سياق الآيات وما ذكره المفسّـرون حولها ، في أنّ الآية الأُولى تتعلّق بالحوادث التي تقع قبل يوم القيامة ، وعليه تكون الآية الثانية مكمّلة لها ، وتدلّ على حشر فوج من كلّ جماعة قبل يوم القيامة ، والحال أنّ الحشر
في يوم القيامة يتعلّق بالجميع لا بالبعض ، يقول سبحانه : (وَيَومَ نُسَيّرُ الجِبالَ وَتَرى الأرضَ بارِزةً وَحَشَـرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أحداً)(2) .


(1) النمل : 82ـ83 .

(2) الكهف : 47 .


(118)

أفبعد هذا التصريح يمكن تفسير الآية السابقة بيوم البعث والقيامة؟

وهذه الآية تعرب عن الرجعة التي تعتقد بها الشيعة في حقّ جماعة خاصّة ، وأمّا خصوصياتها فلم يحدّث عنها القرآن الكريم ، وجاء التفصيل في السنّة .

وقد سأل المأمون العباسي الإمام الرضا ـ عليه السلام _ عن الرجعة ، فأجابه بقوله : «إنّها حقّ قد كانت في الأُمم السالفة ونطق بها القرآن وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يكون في هذه الأُمّة كلّ ما كان في الأُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة»(1) .

وأمّا من هم الراجعون؟ وما هو الهدف من إحيائهم؟ فيرجع فيه إلى الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع ، وإجمال الجواب عن الأوّل : أنّ الراجعين لفيف من المؤمنين ولفيف من الظالمين .

وقال المفيد ناقلا عن أئمّة أهل البيت : إنّما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم مَن محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً ، وأمّا ما سوى هذين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب(2) .

وقال أيضاً في المسائل السروية : والرجعة عندنا تختصّ بمن محض الإيمان ، ومحض الكفر دون ما سوى هذين الفريقين(3) .

وإجمال الجواب عن الثاني ما ذكره السيّد المرتضى ، قال : إنّ الله تعالى يعيد عند ظهور المهدي ـ عجَّل الله تعالى فرجه الشريف ـ قوماً ممّن كان تقدّم موته من
شيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته ، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم .


(1) بحار الأنوار 53 : 59 ، ح 45 .

(2) الشيخ المفيد ، تصحيح الاعتقاد : 40 .

(3) المصدر نفسه .


(119)

ملاحظات جديرة بالانتباه 

1 ـ إنّ الرجعة وإن كانت من مسلّمات عقائد الشيعة ، ولكن التشيّع ليس منوطاً بالاعتقاد بها ، فمن أنكرها فقد أنكر عقيدة مسلّمة بين أكثر الشيعة ، ولكن لم يكن ركناً من أركان التشيّع ، ولأجل ذلك نرى أنّ جماعة من الشيعة أوّلوا الأخبار الواردة في الرجعة إلى رجوع الدولة إلى شيعتهم وأخذهم بمجاري الأُمور دون رجوع أعيان الأشخاص ، والباعث لهم على هذا التأويل هو عجزهم عن تصحيح القول بها نظراً واستدلالا ، ولكن المحقّقين من الإمامية ، أخذوا بظواهرها وبيّنوا عدم لزوم استحالة عقلية على القول بها لعموم قدرة الله على كلّ مقدور ، وأجابوا عن الشبه الواردة عليها ، وإلى هذا الاختلاف يشير الشيخ المفيد بقوله : واتّفقت الإمامية على رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف .

ويشير إلى الاختلاف تلميذه الجليل الشريف المرتضى في المسائل التي وردت عليه من الريّ ومنها حول حقيقة الرجعة ، فأجاب : بأنّ الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية أنّ الله تعالى يعيد عند ظهور المهدي قوماً ممّن كان تقدّم موته من شيعته ، وقوماً من أعدائه ، وأنّ قوماً من الشيعة تأوّلوا الرجعة على أنّ معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى شيعتهم ، من دون رجوع الأشخاص ، وإحياء الأموات(1) .

2 ـ كيف يجتمع إعادة الظالمين مع قوله سبحانه : (وحَرامٌ عَلَى قَرْيَة أهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ)(2) فإنّ هذه الآية تنفي رجوعهم بتاتاً ، وحشر لفيف من الظالمين


(1) بحار الأنوار 53 : 138 .

(2) الأنبياء : 95 .


(120)

يخالفها .

والإجابة عن السؤال واضحة; فإنّ الآية مختصّة بالظالمين الذين أُهلكوا في هذه الدنيا ورأوا جزاء عملهم فيها ، فالآية تحكم بأنّهم لا يرجعون ، وأمّا الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا مؤاخذة فترجع طائفة منهم ليروا جزاء عملهم فيها ثمّ يردّون إلى أشدّ العذاب في الآخرة ، فالآية تنفي رجوع طائفة من الظالمين الذين ماتوا حتف الأنف .

3 ـ إنّ الظاهر من قوله تعالى : (حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعلّي أعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إنّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلها ومِنْ ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَومِ يُبْعَثُونَ)(1) هو نفي الرجوع إلى الدنيا بعد مجيء الموت لأيّ أحد .

والإجابة عنها واضحة; فإنّ الآية كسائر السنن الإلهية الواردة في حقّ الإنسان ; فهي تفيد أنّ الموت بطبعه ليس بعده رجوع ، وهذا لا ينافي رجوع البعض استثناءً ولمصالح عليا ، كما مرّت الآيات الواردة في هذا المضمار .

أضف إلى ذلك أنّ عود بعض الظالمين إلى الدنيا ـ على القول بالرجعة ـ إنّما هو لأجل عقابهم والانتقام منهم ، وأين هذا من طلب هؤلاء الكفّار الرجوع لأجل تصحيح عملهم والقيام بما تركوه من الصالحات ، وردّ هذا الفرع من الرجوع لا يكون دليلا على نفي النوع الأوّل منه .


(1) المؤمنون : 100 ـ 101 .


(121)

المسألة السابعة :

زواج المتعة

وممّا يشنع به على الشيعة : قولهم بجواز نكاح المتعة ، ويعدّون القول بتشريعه أو بعدم نسخه مخالفاً للكتاب والسنّة . ورغم أنّ المسألة فرعية فقهية لا يناسب البحث عنها في كتب تاريخ العقائد ، إلاّ أنّه لما كانت من شعائر فقه الشيعة ، آثرنا أن نبحث عنها في إطار الكتاب والسنّة ، على وجه الإجمال ، حتّى يقف القارئ على أنّ القول بأصل تشريعها وعدم نسخها ممّا يثبته الكتاب والسنّة ، وأنّ القول بعدم تشريعها بتاتاً أو ادّعاء نسخها يضادّهما . وسيوافيك أنّ لفيفاً من الصحابة والتابعين كانوا يفتون بجوازها وعدم نسخها ، وإنّما منع عنها عمر بن الخطاب لحافز نفسي أو اجتهاد شخصي لا دليل عليه وليس حجّة على الآخرين . وقد أبدى بنظيره في متعة الحجّ في زمن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

فأمّا زواج المتعة : فهو عبارة عن تزويج المرأة الحرّة الكاملة نفسها إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع ـ من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ـ بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا والاتّفاق ، فإذا انتهى الأجل تبين منه من غير طلاق . ويجب عليه مع الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً(1) .

وولد المتعة ـ ذكراً كان أو أُنثى ـ يلحق بالأب ولا يدعى إلاّ به ، وله من الإرث ما أوصانا الله سبحانه به في كتابه العزيز . كما يرث من الأُمّ ، وتشمله جميع


(1) لاحظ الكتب الفقهية للشيعة الإمامية في ذلك المجال .


(122)

العمومات الواردة في الآباء والأبناء والأُمّهات ، وكذا العمومات الواردة في الأُخوة والأخوات والأعمام والعمّـات .

وبالجملة : المتمتّع بها زوجة حقيقة ، وولدها ولد حقيقة . ولا فرق بين الزواجين : الدائم والمنقطع إلاّ أنّه لا توارث هنا ما بين الزوجين ، ولا قسمة ولا نفقة لها . كما أنّ له العزل عنها . وهذه الفوارق الجزئية فوارق في الأحكام لا في الماهية; لأنّ الماهية واحدة غير أنّ أحدهما مؤقّت والآخر دائم ، وأنّ الأوّل ينتهي بانتهاء الوقت والآخر ينتهي بالطلاق أو الفسخ .

وقد أجمع أهل القبلة على أنّه سبحانه شرّع هذا النكاح في صدر الإسلام ، ولا يشكّ أحد في أصل مشروعيّته ، وانّما وقع الكلام في نسخه أو بقاء مشروعيته .

النكاح المنقطع فى القرآن الكريم

والأصل في مشروعيته قوله سبحانه : (وحلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ وأنْ تَجْمَعُوا بينَ الاختَينِ إلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إنَّ الله كانَ غَفُوراً رَحيماً * والُمحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ الله عَلَيكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذَلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسافِحينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَريضةً ولا جُناحَ عَلَيكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعدِ الفَريضَةِ إنَّ الله كانَ عَليماً حَكيماً)(1) .

الآية ناظرة إلى نكاح المتعة وذلك لوجوه :

1 ـ الحمل على النكاح الدائم يستلزم التكرار بلا وجه :

إنّ هذه السورة ; أي سورة النساء ، تكفّلت ببيان أكثر ما يرجع إلى النساء من


(1) النساء : 23ـ24 .


(123)

الأحكام والحقوق ، فذكرت جميع أقسام النكاح في أوائل السورة على نظام خاص ، أمّا الدائم فقد أشار إليه سبحانه بقوله : (وإِنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا في اليَتامى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ ورُباعَ وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تَعدِلُوا فَواحِدَةً . . .)(1) .

وأمّا أحكام المهر فقد جاءت في الآية التالية : (وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيء مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَريئاً)(2).

وأمّا نكاح الإماء فقد جاء في قوله سبحانه : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أنْ يَنْكِحَ الُمحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن مّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ والله أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَنات غَيْـرَ مُسافِحات ولا مُتّخِذاتِ أخْدان . . .)(3) .

فقوله سبحانه : (مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ) إشارة إلى نكاح السيّد لأمته ، الذي جاء في قوله سبحانه أيضاً : (إلاّ علَى أَزْواجِهِمْ أوْ مَا مَلكَتْ أيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْـرُ مَلُومِينَ . . .)(4).

وقوله سبحانه : (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ) إشارة إلى الزواج من أمة الغير . فإلى هنا تمّ بيان جميع أقسام النكاح فلم يبق إلاّ نكاح المتعة ، وهو الذي جاء في الآية السابقة ، وحمل قوله سبحانه : (فما استمتعتم) على الزواج الدائم ، وحمل قوله : (فآتوهنّ أُجورهُنّ) على المهور والصدقات يوجب التكرار بلا وجه ، فالناظر في السورة يرى أنّ آياتها تكفّلت ببيان أقسام الزواج على نظام خاصّ ولا


(1) النساء : 3 .

(2) النساء : 4 .

(3) النساء : 25 .

(4) المؤمنون : 6 .


(124)

يتحقّق ذلك إلاّ بحمل الآية على نكاح المتعة كما هو ظاهرها أيضاً .

2 ـ تعليق دفع الأُجرة على الاستمتاع :

إنّ تعليق دفع الأُجرة على الاستمتاع في قوله سبحانه : (فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) يناسب نكاح المتعة الذي هو زواج مؤقّت لا النكاح الدائم ، فإنّ المهر هنا يجب بمجرّد العقد ولا يتنجّز وجوب دفع الكلّ إلاّ بالمسّ ، وأمّا المتعارف فيختلف حسب اختلاف العادات العرفية ، فربّما يؤخذ قبل العقد وأُخرى يترك إلى أن يرث أحدهما الآخر .

3 ـ تصريح جماعة من الصحابة بشأن نزولها :

ذكرت أُمّة كبيرة من أهل الحديث نزولها فيها ، وينتهي نقل هؤلاء إلى أمثال ابن عبّاس ، وأُبي بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وحبيب بن أبي ثابت ، وسعيد بن جبير ، إلى غير ذلك من رجال الحديث الذين لا يمكن اتهامهم بالوضع والجعل .

وقد ذكر نزولها من المفسّـرين والمحدّثين :

إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في مسنده(1) .

وأبو جعفر الطبري في تفسيره(2) .

وأبو بكر الجصّاص الحنفي في أحكام القرآن(3) .

وأبو بكر البيهقي في السنن الكبرى(4) .


(1) مسند أحمد 4 : 436 .

(2) تفسير الطبري 5 : 9 .

(3) أحكام القرآن 2 : 178 .

(4) السنن الكبرى 7 : 205 .


(125)

ومحمود بن عمر الزمخشري في الكشاف(1) .

وأبو بكر بن سعدون القرطبي في تفسير جامع أحكام القرآن(2) .

وفخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب(3) .

إلى غير ذلك من المحدّثين والمفسّـرين الذين جاءوا بعد ذلك إلى عصرنا هذا ، ولا نطيل الكلام بذكرهم .

وليس لأحد أن يتّهم هؤلاء الأعلام بذكر ما لا يتّقون به . وبملاحظة هذه القرائن لا يكاد يشكّ في ورودها في نكاح المتعة .

ونزيد الوضوح بياناً بقوله سبحانه : (وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسافِحين) .

أنّ قوله سبحانه : (أن تبتغوا) مفعول له لفعل مقدّر ، أي بيّـن لكم ما يحلّ ممّا يحرم لأجل أن تبتغوا بأموالكم ، وأمّا مفعول قوله : (تبتغوا) فيعلم من القرينة وهو النساء ; أي طلبكم النساء ; أي بيّـن الحلال والحرام لغاية ابتغائكم النساء من طريق الحلال لا الحرام .

وقوله سبحانه : (محصنين) وهو من الإحصان بمعنى العفّة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام ، وقوله سبحانه : (غير مسافحين) هو جمع مسافح بمعنى الزاني مأخوذ من السفح بمعنى صبّ الماء ، والمراد هنا هو الزاني بشهادة قوله سبحانه في الآية المتأخّرة في نكاح الإماء : (وآتوهُنَّ أُجُورهنَّ بالمعروف محصنات غير مسافحات) أي عفائف غير زانيات .

ومعنى الآية : أنّ الله تبارك وتعالى شرّع لكم نكاح ما وراء المحرّمات لأجل أن


(1) الكشاف 1 : 360 .

(2) جامع أحكام القرآن 5 : 13 .

(3) مفاتيح الغيب 3 : 267 .


(126)

تبتغوا بأموالكم ما يحصنكم ويصون عفّتكم ويصدّكم عن الزنا ، وهذا المناط موجود في جميع الأقسام ، النكاح الدائم ، والمؤقّت ، والزواج بأمة الغير المذكورة في هذه السورة من أوّلها إلى الآية 25 .

هذا هو الذي يفهمه كلّ انسان من ظواهر الآيات غير أنّ من لا يروقه الأخذ بظاهر الآية : (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أُجورهنّ) لرواسب نفسية أو بيئية حاول أن يطبق معنى الآية على العقد الدائم ، وذكر في المورد شبهات ضعيفة لا تصمد أمام النقاش نجملها بما يلي :

شبهات ضعيفة حول دلالة الآية 

الشبهة الأُولى : أنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكوين الأُسرة وإيجاد النسل ، وهو يختصّ بالنكاح الدائم دون المنقطع الذي لا يترتّب عليه إلاّ إرضاء القوّة الشهوية وصبّ الماء وسفحه .

ويجاب عنها : بأنّه خلط بين الموضوع والفائدة المترتّبة عليه ، وما ذكر إنّما هو من قبيل الحكمة ، وليس الحكم دائراً مدارها ، لضرورة أنّ النكاح صحيح وإن لم يكن هناك ذلك الغرض ، كزواج العقيم واليائسة والصغيرة . بل أغلب المتزوّجين في سن الشباب بالزواج الدائم لا يقصدون إلاّ قضاء الوطر واستيفاء الشهوة من طريقها المشروع ، ولا يخطر ببالهم طلب النسل أصلا وإن حصل لهم قهراً ، ولا يقدح ذلك في صحّة زواجهم .

ومن العجب حصر فائدة المتعة في قضاء الوطر ، مع أنّها كالدائم قد يقصد منها النسل والخدمة وتدبير المنزل وتربية الأولاد والإرضاع والحضانة .

ونسأل المانعين الذين يتلقّون نكاح المتعة ، مخالفاً للحكمة ، التي من أجلها


(127)

شرّع النكاح ، نسألهم عن الزوجين اللّذين يتزوّجان نكاح دوام ، ولكن ينويان الفراق بالطلاق بعد شهرين ، فهل هذا نكاح صحيح أو لا؟ لا أظن أنّ فقيهاً من فقهاء الإسلام يمنع ذلك إلاّ إذا أفتى بغير دليل ولا برهان ، وبهذا الشكل يتعيّن الجزم بصحّة هذا النكاح ، فأيّ فرق يكون حينئذ بين المتعة وهذا النكاح الدائم سوى أنّ المدّة مذكورة في الأوّل دون الثاني؟

يقول صاحب المنار : إنّ تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة بنيّة الطلاق ، وإن كان الفقهاء يقولون إنّ عقد النكاح يكون صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت ، ولم يشترطه في صيغة العقد ، ولكن كتمانه إيّاه يعدّ خداعاً وغشّاً وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت(1) .

أقول : نحن نفترض أنّ الزوجين رضيا بالتوقيت لبّاً ، حتّى لا يكون هناك خداع وغشّ ، فهو صحيح بلا إشكال .

الشبهة الثانية : إنّ تسويغ النكاح المؤقّت ينافي ما تقرّر في القرآن كقوله عزّ وجلّ في صفة المؤمنين : (والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إلاّ عَلَى أزواجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ مَلُومينَ*فَمَنِ ابْتَغْى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُون)(2) .

والمراد من الآية : أنّ من ابتغى وراء ذلك ، هم المتجاوزون ما أحلّه الله لهم إلى ما حرّمه عليهم . والمرأة المتمتّع بها ليست زوجة فيكون لها على الرجل مثل الذي عليها بالمعروف .

إلاّ أ نّه يرد عليها : أنّها دعوة بلا دليل . فإنّها زوجة ولها أحكام ، وعدم وجود النفقة والقسمة لا يخرجانها عن الزوجيّة ، فإنّ الناشزة زوجة ليست لها النفقة


(1) تفسير المنار 3 : 17 .

(2) المؤمنون : 5 ـ 7 .


(128)

وحقّ القسمة ، ومثلها الصغيرة . والعجب أن يستدلّ بعدم وجود الأحكام على نفي الماهية ، فإنّ الزوجيّة رابطة بين الزوجين تترتّب عليها جملة من الأحكام وربّما تختص بعض الأحكام ببعض الأقسام .

الشبهة الثالثة : إنّ المتمتّع في النكاح المؤقّت لا يقصد الإحصان دون المسافحة ، بل يكون قصده مسافحة ، فإن كان هناك نوع مّا من إحصان نفسه ومنعها من التنقّل في دِمنِ الزنا ، فإنّه لا يكون فيه شيء مّا من إحصان المرأة التي تؤجر نفسها كلّ طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل :

كرة حُذِفْت بصوالجة * فتلقّفها رجل رجـل(1)

ويرد على هذه الشبهة : أنّه من أين وقف على أنّ الإحصان في النكاح المؤقّت يختصّ بالرجل دون المرأة ، فإنّا إذا افترضنا كون العقد شرعياً ، فكلّ واحد من الطرفين يُحصن نفسه من هذا الطريق ، وإلاّ فلا محيص عن التنقّل في دمن الزنا . والذي يصون الفتاة عن البغي أحد الأُمور الثلاثة :

1 ـ النكاح الدائم .

2 ـ النكاح المؤقّت بالشروط الماضية .

3 ـ كبت الشهوة الجنسية .

فالأوّل ربّما يكون غير ميسور خصوصاً للطالب والطالبة اللّذين يعيشان بمنح ورواتب مختصرة يجريها عليهما الوالدان أو الحكومة ، وكبت الشهوة الجنسية أمر شاقّ لا يتحمّله إلاّ الأمثل فالأمثل من الشباب والمثلى من النساء; وهم قليلون ، فلم يبق إلاّ الطريق الثاني ، فيحصنان نفسهما عن التنقّل في بيوت الدعارة .

إنّ الدين الإسلامي هو الدين الخاتم ، ونبيّه خاتم الأنبياء ، وكتابه خاتم


(1) تفسير المنار 5 : 13 .


(129)

الكتب ، وشريعته خاتمة الشرائع ، فلابدّ أن يضع لكلّ مشكلة اجتماعية حلولا شرعية ، يصون بها كرامة المؤمن والمؤمنة ، وما المشكلة الجنسية عند الرجل والمرأة إلاّ إحدى هذه النواحي التي لا يمكن للدين الإسلامي أن يهملها ، وعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه :

ماذا يفعل هؤلاء الطلبة والطالبات الذين لا يستطيعون القيام بالنكاح الدائم ، وتمنعهم كرامتهم ودينهم عن التنقّل في بيوت الدعارة والفساد ، والحياة الماديّة بجمالها تؤجّج نار الشهوة في نفوسهم؟ فمن المستحيل عادة أن يصون نفسه أحد إلاّ من عصمه الله ، فلم يبق طريق إلاّ زواج المتعة ، الذي يشكّل الحلّ الأنجع لتلافي الوقوع في الزنا ، وتبقى كلمة الإمام علي بن أبي طالب ترنّ في الآذان محذّرة من تفاقم هذا الأمر عند إهمال العلاج الذي وصفه المشرّع الحكيم له ، حيث قال ـ عليه السلام _ : «لولا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلاّ شقيّ أو شقيّة» .

وأمّا تشبيه المتعة بما جاء في الشعر فهو يعرب عن جهل الرجل بحقيقة نكاح المتعة وحدودها ، فإنّ ما جاء فيه هي المتعة الدورية التي ينسبها الرجل(1) وغيره إلى الشيعة ، وهم براء من هذا الإفك ; إذ يجب على المتمتّع بها بعد انتهاء المدّة الاعتداد على ما ذكرنا ، فكيف يمكن أن تؤجّر نفسها كلّ طائفة من الزمن لرجل؟! سبحان الله! ما أجرأهم على الكذب على الشيعة والفرية عليهم ، وما مضمون الشعر إلاّ جسارة على الوحي والتشريع الإلهي ، وقد اتّفقت كلمة المحدّثين والمفسّـرين على التشريع ، وأنّه لو كان هناك نهي أو نسخ فإنّما هو بعد التشريع والعمل .

الشبهة الرابعة : إنّ الآية منسوخة بالسنّة ، واختلفوا في زمن نسخها إلى أقوال شتّى :


(1) لاحظ كتابه : السنّة والشيعة : 65 ـ 66 .


(130)

1 ـ أُبيحت ثمّ نهي عنها عام خيبر .

2 ـ ما أُحلّت إلاّ في عمرة القضاء .

3 ـ كانت مباحة ونهي عنها في عام الفتح .

4 ـ أُبيحت عام أوطاس ثمّ نهي عنها(1) .

وهذه الأقوال تنفي الثقة بوقوع النسخ ، كما أنّ نسخ القرآن بأخبار الآحاد ممنوع جدّاً ، وقد صحّ عن عمران بن الحصين انّه قال : «إنّ الله أنزل المتعة وما نسخها بآية أُخرى ، وأمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالمتعة وما نهانا عنها ، ثمّ قال رجل برأيه» ، يريد به عمر بن الخطّاب .

إنّ الخليفة الثاني لم يدّع النسخ وإنّما أسند التحريف إلى نفسه ، ولو كان هناك ناسخ من الله عزّ وجلّ أو من رسوله ، لأسند التحريم إليهما ، وقد استفاض قول عمر وهو على المنبر : متعتان كانتا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما : متعة الحج ومتعة النساء .

بل نقل متكلّم الأشاعرة في شرحه على شرح التجريد أنّه قال : أيّها الناس ثلاث كنّ على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وأنا أنهى عنهنّ ، وأُحرمهنّ ، وأُعاقب عليهنّ : متعة النساء ، ومتعة الحج ، وحيّ على خير العمل(2) .

وقد روي عن ابن عبّاس ـ وهو من المصرّحين بحلّية المتعة وإباحتها ـ في ردّه على من حاجّه بنهي أبي بكر وعمر لها ، حيث قال : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وتقولون : قال أبو بكر وعمر .

حتّى أنّ ابن عمر لمّا سئل عنها ، أفتى بالإباحة ، فعارضوه بقول أبيه ، فقال لهم :


(1) لاحظ للوقوف على مصادر هذه الأقوال ، مسائل فقهية لشرف الدين : 63ـ64 ، الغدير 6 : 225 ، أصل الشيعة وأُصولها : 171 ، والأقوال في النسخ أكثر مما جاء في المتن .

(2) مفاتيح الغيب 10 : 52ـ53 ، شرح التجريد للقوشجي : 484 ط إيران .


(131)

أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أحقّ أن يتّبع أم أمر عمر؟

كلّ ذلك يعرب عن أنّه لم يكن هناك نسخ ولا نهي نبوي ، وإنّما كان تحريماً من جانب الخليفة ، وهو في حدّ ذاته يعتبر اجتهاداً قبالة النصّ الواضح ، وهو ما انفكّ يعلن جملة من الصحابة رفضهم له وعدم إذعانهم لأمره ، وإذا كان الخليفة قد اجتهد لأسباب رآها وأفتى على أساسها ، فكان الأولى بمن لحقوه أن يتنبّهوا لهذا الأمر لا أن يسرفوا في تسويغه دون حجّة ولا دليل .

المنكرون للتحريم 

ذكرنا أنّ مجموعاً من وجوه الصحابة والتابعين أنكروا هذا التحريم ولم يقرّوا به ، ومنهم :

1 ـ عليّ أمير المؤمنين ، فيما أخرجه الطبري بالإسناد إليه أنّه قال : «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ»(1) .

2 ـ عبد الله بن عمر ، أخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر ، قال ـ وقد سئل عن متعة النساء ـ : والله ما كنّا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ زانين ولا مسافحين ، ثمّ قال : والله لقد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول : «ليكوننّ قبل يوم القيامة المسيح الدجّال وكذّابون ثلاثون وأكثر»(2) .

3 ـ عبد الله بن مسعود ، روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ، قال : كنّا نغزو مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وليس لنا شيء ، فقلنا : ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ، ثمّ رخّص


(1) الطبري ، التفسير 5 : 9 .

(2) مسند أحمد 2 : 95 .


(132)

لنا أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل معيّـن ، ثمّ قرأ علينا : (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أَحَلَّ الله لَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ الله لا يُحِبُّ المُعْتَدينَ»(1) .(2)

4 ـ عمران بن حصين ، أخرج البخاري في صحيحه عنه ، قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ، ففعلناها مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ولم ينزل قرآن يحرّمها ، ولم ينه عنها حتّى مات . قال رجل برأيه ما شاء(3) .

أخرج أحمد في مسنده عن أبي رجاء عن عمران بن حصين ، قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله وعملنا بها مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فلم تنزل آية تمنعها ، ولم ينه عنها النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ حتّى مات(4) .

5 ـ كما أنّ الخليفة العباسي المأمون أوشك أن ينادي في أيام حكمه ، بتحليل المتعة إلاّ أنّه توقّف خوفاً من الفتنة وتفرّق المسلمين . قال ابن خلّكان ، نقلا عن محمّد بن منصور : قال : كنّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة ، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء : بكّرا غداً إليه فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا ، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل ، قال : فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ : متعتان كانتا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعلى عهد أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وأنا أنهى عنهما ، ومن أنت يا جعل حتّى تنهى عمّـا فعله رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ؟! فأومأ أبو العيناء إلى محمّد بن منصور وقال : رجل يقول : من عمر بن الخطاب ، نكلّمه نحن؟ فأمسكنا ، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا ، فقال


(1) المائدة : 87 .

(2) صحيح البخاري ، كتاب النكاح 7 : 4 ، الباب 8 : الحديث 3 .

(3) صحيح البخاري 6 : 27 ، كتاب التفسير ، تفسير قوله تعالى : (فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ)من سورة البقرة .

(4) مسند أحمد ، ولاحظ مسائل فقهيّة للسيد شرف الدين : 70 .


(133)

المأمون ليحيى : ما لي أراك متغيّـراً؟ فقال : هو غمّ يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام ، قال : وما حدث فيه؟ قال : النداء بتحليل الزنا ، قال : الزنا؟! قال : نعم ، المتعة زنا ، قال : ومن أين قلت هذا؟ قال : من كتاب الله عزّ وجلّ ، وحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، قال الله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ) إلى قوله : (والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُون * إلاَّ عَلَى أَزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ ملومين * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذَلِكَ فَأُوْلئِكَ هُمُ العادُونَ)(1) يا أمير المؤمنين زوج المتعة ملك يمين؟ قال : لا ، قال : فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال : لا ، قال : فقد صار متجاوز هذين من العادين(2) .

أقول : هل عزب عن ابن أكثم ـ وقد كان ممّن يكنّ العداء لآل البيت ـ أنّ المتعة داخلة في قوله سبحانه : (إلاّ على أزواجهم) وانّ عدم الوراثة تخصيص في الحكم ، وهو لا ينافى ثبوتها ، وكم لها من نظير ، فالكافرة لا ترث الزوج المسلم ، وبالعكس ، كما أنّ القاتلة لا ترث وهكذا العكس ، وأمّا الولد فيلحق قطعاً ، ونفي اللحوق ناشئ إمّا من الجهل بحكمها أو التجاهل به .

وما أقبح كلامه حيث فسّـر المتعة بالزنا وقد أصفقت الأُمّة على تحليلها في عصر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ والخليفة الأوّل ، أفيحسب ابن أكثم أنّ الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ حلّل الزنا ولو مدَّة قصيرة؟!

كبرت كلمة تخرج من أفواههم 

وهناك روايات مأثورة عن الخليفة نفسه ، تعرب عن أنّ التحريم كان من صميم رأيه ، من دون استناد إلى آية أو رواية .


(1) المؤمنون : 1ـ7 .

(2) ابن خلّكان : وفيات الأعيان 6 : 149 ـ 150 .


(134)

فقد روى مسلم في صحيحه : عن ابن أبي نضرة قال : كان ابن عبّاس يأمر
بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، فذكر ذلك لجابر ، فقال : على يدي دار الحديث : تمتّعنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلمّا قام عمر قال : إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء ، فأتمّوا الحجّ والعمرة وأبتّوا نكاح هذه النساء ، فلئِن أُوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة(1) .

وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي نضرة قال : قلت لجابر : إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة ، وانّ ابن عبّاس يأمر بها ، فقال لي : على يدي جرى الحديث : تمتّعنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومع أبي بكر ، فلمّا ولّي عمر خطب الناس فقال : إنّ القرآن هو القرآن ، وإنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ هو الرسول ، وإنّهما متعتان كانتا عَلى عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _إحداهما متعة الحج والأُخرى متعة النساء(2) .

وهذه المأثورات تعرب جملة من الملاحـظات نجملها بملاحظتين اثنتين :

أوّلا : أنّ المتعة كانت باقية على الحلّ إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب ، وبقيت لوقت في أيامه حتى نهى عنها ومنع .

وثانياً : أنّه باجتهاده قام بتحريم ما أحلّه الكتاب والسنّة ، ومن المعلوم أنّ اجتهاده ـ لو صحّت تسميته بالاجتهاد ـ حجّة على نفسه لا على غيره .

وفي الختام نقول :

إنّ الجهل بفقه الشيعة أدّى بكثير من الكتّاب إلى التقوّل على الشيعة ، وخصوصاً في مسألة المتعة التي نحن في صدد الحديث عنها ، بجملة منكرة من الآراء والأحكام تدلّ على جهل مطبق أو خبث سريرة لا يدمغ ، ومن هذه الأقوال : إنّ من أحكام المتعة عند الشيعة أنّه لا نصيب للولد من ميراث أبيه ، وأنّ


(1) مسلم : الصحيح 4 : 130 ، باب نكاح المتعة الحديث 8 ، طبع محمد علي صبيح .

(2) أحمد ، المسند 1 : 52 .


(135)

المتمتَّع بها لا عدّة لها ، وانّها تستطيع أن تنتقل من رجل إلى رجل إن شاءت . ومن أجل هذا استقبحوا المتعة واستنكروها وشنَّعوا على من أباحها .

وقد خفي الواقع على هؤلاء ، وانّ المتعة عند الشيعة كالزواج الدائم لا تتم إلاّ بالعقد الدالّ على قصد الزواج صراحة ، وانّ المتمتَّع بها يجب أن تكون خالية من جميع الموانع ، وانّ ولدها كالولد من الدائمة من وجوب التوارث ، والإنفاق وسائر الحقوق الماديّة ، وانّ عليها أن تعتدّ بعد انتهاء الأجل مع الدخول بها ، وإذا مات زوجها وهي في عصمته اعتدّت كالدائمة من غير تفاوت ، إلى غير ذلك من الآثار(1) .

على أنّ الأمر الذي ينبغي الالتفات إليه وإدراكه بوضوح ، أنّ الشيعة ورغم إدراكهم وإيمانهم بحلّية زواج المتعة وعدم تحريمه ـ وهو ما يعلنون عنه صراحة ودون تردد ـ إلاّ أنّهم لا يلجأون إلى هذا الزواج إلاّ في حدود ضيّقة وخاصّة ، وليس كما يصوّره ويتصوره البعض من كونه ظاهرة متفشية في مجتمعهم وبشكل مستهجن ممجوج .


(1) محمّد جواد مغنية ، الاثنا عشرية وأهل البيت : 46 .


(136)

المسألة الثامنة:

متعة الحجّ

إنّ الكاتب المصري أحمد أمين ، يصف الخليفة عمر بن الخطاب بأنّه كان ممّن يأخذ بروح القانون لا بلفظه(1) . وهو يريد بذلك تفسير ما شوهدت منه في بعض الموارد المخالفة للنصوص ، ولو صحّ ما ذكره في بعضها; فإنّ البعض الآخر غير صحيح . ونحن نرى أنّه كان ممّن يجتهد تجاه النصّ ، ويأخذ بالرأي ، مكان الأخذ بالدليل .

إنّ العاطفة الدينية هي الّتي دفعت الكاتب المصري إلى ذلك التفسير ، ولو أنّه تأمّل فيما سبق من تنفيذ طلاق الثلاث ، وما يأتي منه في هذه المسألة من تحريم حجّ التمتّع ، وحصره في القِران والإفراد ، يقف على أنّه كان ممّن يقدّم المصلحة المزعومة على الذكر الحكيم وتنصيص النبيّ الأكرم ، وإنّه ما نهى عن متعة الحجّ وما هدّد بفاعلها إلاّ أنّه كان يكره أن يغتسل الحاجّ تحت الأراك ثمّ يفيض منه إلى الحجّ ورأسه يقطر ماءً; لأنّ التحلّل من محظورات الإحرام بين العمرة والحجّ ، من لوازم ذاك النوع من الحجّ ، وهو ممّا كان لا يروقه .

وإن كنت في شكّ فاقرأ ما نتلوه عليك :

اتّفق الفقهاء على أنّ أنواع الحجّ ثلاثة : تمتّع ، وقران ، وإفراد .

والمقصود من الأوّل ، هو إحرام الشخص بالحجّ في أشهره (شوال وذي القعدة وذي الحجّة) . والإتيان بأعمالها ، والتحلّل من محظورات الإحرام بالفراغ منها ، ثمّ الإحرام بالحجّ من مكّة والإتيان بأعماله من الوقوف بعرفات والإفاضة إلى المشعر


(1) أحمد أمين ، فجر الإسلام 2 : 238 نشر دار الكتاب .


(137)

و . . .

ويصحّ هذا النوع من الحجّ ممّن كان آفاقياً ، أي من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ويبتعد بيته عن مكّة بمقدار يجوز فيه تقصير الصلاة . وعند الإماميّة من نأى عن مكّة (48) ميلا من كلّ جانب وهو لا يتجاوز عن (16) فرسخاً .

وأمّا القسمان الآخران ، فالقِران عند أهل السنّة هو الإحرام بالحجّ والعمرة معاً ويقول : لبّيك اللّهمّ بحجّ وعمرة ، فيأتي بأعمال الحجّ أولا ثمّ العمرة بإحرام واحد; وهو القِران الحقيقي .

وهناك قسم يسمّى بالقِران الحكمي; وهو أن يدخل إحرام الحجّ في إحرام العمرة ، ثمّ يجمع بين أعمالها . وذلك بأن يحرم بالعمرة أولا ، وقبل أن يطوف لها; إمّا أربعة أشواط ، أو قبل أن يشرع فيه يحرم للحجّ ، على اختلاف بين الحنفية والشافعية ، وهل يكتفي بطواف وسعي واحد ، أو لكلٍّ طوافه وسعيه؟ فيه اختلاف .

وأمّا الإفراد ، فهو أن يُحرم بالحجّ من ميقاتِ بلده ، وبعد الفراغ من أعماله ، يُحرِم بالعمرة . والقِران والإفراد ، يشترك فيهما جميع الناس ولا يختصّ بغير الآفاقي .

هذا لدى أهل السنّة ، وأمّا الإماميّة ، فالقران والإفراد واجب على من لم يكن بين مكّة وبيته (48) ميلا ، وأمّا النائي عن هذا الحد ، فواجبه هو حجّ التمتع .

والقِران والإفراد ، ليسا أمرين متغايرين عندهم ، بل يتمتّع كلّ منهما بإحرام للحجّ وإحرام للعمرة ، غير أنّ الإحرام في الأوّل يقترن بسوق الهدي دون الثاني ، وعلى ذلك لا يجوز عندهم الإتيان بالحجّ والعمرة بإحرام واحد ، ولا إدخال إحرام الحجّ في إحرام العمرة ، كما في القران الحكمي(1) .


(1) لاحظ المختصر النافع للمحقّق الحلّي : 78; الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 : 391 ، المغني لابن قدامة 3 : 233 ، الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري 2 : 684 وغيرها .


(138)

والأصل حجّ التمتع ، كما في قوله سبحانه : (فَإذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ اِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فِصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(1) .

وتفسير الآية : أنّ من (تمتّع ) بسبب الإتيان (بالعمرة ) بما يحرم على المحرم ، كالطيب والمخيط والنساء ومتوجّهاً (إلى الحجّ فـ ) عليه (ما استيسر من الهدي )من البدنة أو البقرة أو الشاة . ثمّ بيّن كيفية الصيام وقال : (ثلاثة أيّام في الحجّ )متواليات و (سبعة إذا رجعتم ) إلى أوطانكم (تلك عشرة كاملة وذلك ) أي التمتّع بالعمرة إلى الحجّ فرض على من (لم يكن أهله) باعتبار موطنه ومسكنه (حاضري المسجد الحرام ) أي لم يكن من أهل مكّة وقراها (واتّقوا اللهَ ) فيما أُمرتم به ونهيتم عنه في أمر الحجّ (واعلموا أنّ الله شديد العقاب) .

والآية صريحة في جواز التمتّع بمحظورات الإحرام بعد الإتيان بأعمال العمرة ، وقبل التوجّه إلى الحجّ ، ولم يدّع أحد كونها منسوخة بآية ، أو قول أو فعل ، بل أكّد النبيّ الأكرم تشريعه بعمله .

روى أهل السير والتاريخ : أنّ رسول الله خرج في العام العاشر من الهجرة إلى الحجّ لخمس ليال بقين من ذي القعدة ، وقالت عائشة : لا يُذكَر ولا يَذكُر النّاسُ إلاّ الحجّ حتّى إذا كان بسرف وقد ساق رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ معه الهدي، وأشراف من أشراف
الناس ، أمر الناس أن يحلّوا بعمرة إلاّ من ساق الهدي ـ إلى أن قالت : ـ ودخل رسول الله مكة فحلّ كلّ من كان لا هدي معه ، وحلّت نساؤُه بعمرة ـ إلى أن


(1) البقرة : 196 .


(139)

قال : ـ لمّا أمر رسول الله نساءه أن يحلُلن بعمرة قلن : فما يمنعك يا رسول الله أن تحلّ معنا؟ فقال : إنّي أهديتُ ولبّوت فلا أُحلّ حتّى أنحَرَ هديي .

إنّ رسول الله كان بعث علياً(رضي الله عنه) إلى نجران فلقيه بمكّة وقد أحرم فدخل على فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ فوجدها قد حلَّتْ وتهيّأت فقال : ما لك يا بنت رسول الله؟ قالت : أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن نحلّ بعمرة فحللنا ، ثمّ أتى رسول الله ، فلمّا فرغ من الخبر عن سفره قال له رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : انطلق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ أصحابك ، قال : يا رسول الله إنّي أهللتُ كما أهللتَ فقال : ارجع فاحلل كما حلّ أصحابُك ، قال : يا رسول الله إنّي قلت حين أحرمت : اللّهمّ إنّي أُهلُّ بما أهلَّ به نبيُّك وعبدُك ورسولُك ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال : فهل معك من هدي؟! قال : لا . فأشركه رسول الله في هديه وثبتَ على إحرامه مع رسول الله حتّى فرغا من الحجّ ، ونحر رسول الله الهدي عنهما(1) .

هذا هو الذكر الحكيم المدعم بالسنّة وإجماع الأُمّة ، ومع ذلك نرى أنّ بعض الصحابة لا يروقه متعة الحجّ لا في عصر الرسالة ولا بعده بل يفتي بتحريمها! وإليك البيان :

1 ـ روى أبو داود أنّ النبيّ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة ، يطوفوا ثمّ يُقصِّروا ويُحلِّوا إلاّ من كان معه الهدي فقالوا : أننطلق إلى منى وذكورنا تقطر؟ فبلغ ذلك رسول الله فقال : «لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أنّ معي الهدي لأحللت»(2) .

2 ـ روى مالك ، عن محمد بن عبد الله أنّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحّاك


(1) ابن هشام ، السيرة النبوية 2 : 601 ـ 602 و 4 : 248 ـ 249 .

(2) أبو داود ، السنن 2 : 156 / 1789 .


(140)

ابن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وممّا يذكران أن الّتمتّع بالعمرة إلى الحجّ . فقال الضحّاك بن قيس : لا يفعل ذلك إلاّ من جهل أمر الله عزّوجلّ . فقال سعد : بئس ما قلت يا ابن أخي ، فقال الضحّاك : إنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك ، فقال سعد : قد صنعها رسول الله وصنعناها معه(1) .

3 ـ وروي عن عبد الله بن عمر أنّه قال : والله لئن أعتمر قبل الحجّ وأهدي أحبّ إليّ من أن أعتمر بعد الحجّ في ذي الحجّة(2) .

4 ـ روى الترمذي عن سالم بن عبد الله أنّه سمع رجلا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ . فقال عبد الله بن عمر : هي حلال ، فقال الشاميّ : إنّ أباك قد نهى عنها! فقال عبد الله بن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أأمرُ أبي نتّبع أم أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ فقال الرجل : بل أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فقال : لقد صنعها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (3) .

5 ـ روى مسلم عن أبي نضرة قال : كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، قال : فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال : على يديّ دار الحديث وتمتّعنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلمّا قام عمر قال : إنّ الله كان يُحلّ لرسوله ما شاء ، بما شاء ، وإنّ القرآن قد نزل منازلهُ ، فأتمّوا الحجّ والعمرة لله كما أمركم الله ـ إلى أن قال في الحديث : ـ فافصلوا حجّكم من عمرتكم ، فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم(4) .

ومن العجب أنّ الزرقاني يقوم بتصويب فتوى الخليفة ويعلّق على الرواية ويقول : الإتمام في قوله سبحانه : (فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ) يقتضي استمرارَ الإحرام إلى فراغ الحجّ ومنع التحلّل ، والمتمتّع متحلّل ويستمتع بما كان محظوراً


(1) الإمام مالك ، الموطأ ، كتاب الحج رقم 60 ، والترمذي ، السنن ، كتاب الحج رقم 823 .

(2) الموطّأ ، كتاب الحج ، رقم 61 .

(3) الترمذي ، الصحيح ، كتاب الحج ، باب ما جاء في التمتع رقم 824 .

(4) مسلم ، الصحيح 4 : 38 ، كتاب الحج ، باب في المتعة بالحج والعمرة .


(141)

عليه(1) .

يلاحظ عليه أولا : لو صحّ ما ذكره من التفسير تلزم المعارضة بين صدر الآية ، أعني قوله : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ) وبين ذيلها الدّالّ على جواز التمتّع بين الإحرامين بقوله : (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةَ اِلَى الْحَجِّ) وهو كما ترى .

وثانياً : أنّ الإتمام يهدف إلى فعل كلّ من الحجّ والعمرة تماماً ، بمعنى : إذا شرعتم في فعلِ كلّ فأتمّوه ، مثل قوله : (وَاِذ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ ) وقوله سبحانه : (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ اِلَى اللَّيْلِ )(3) ، لا إلى الاستمرار .

وثالثاً : إذا كان التفسير تبريراً لنهي الخليفة; فهو في الوقت نفسه تخطئة للنبيّ الأكرم; حيث أمر أصحابه وأهل بيته بالتحلّل ، وإنّما هو لم يتحلّل لسوقه الهدي .

نعم أراد الخليفة من قوله : «فافصلوا حجّكم من عمرتكم» ، هو الإتيان بالعمرة في غير أشهر الحجّ . روى الجصّاص عن ابن عمر أنّ عمر قال : أن تُفرّقوا بين الحجّ والعمرة; فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج ، أتمّ لحجّ أحدكم(4) .

6 ـ روى الإمام أحمد عن أبي نضرة عن جابر قال : متعتان كانتا على عهد النبيّ ، فنهانا عنها عمر (رضي الله عنه) فانتهينا(5) .

7 ـ روى ابن حزم في المحلّى بسنده قال : قال عمر بن الخطاب : متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما ـ ثمّ قال : ـ هذا لفظ أيوب ، وفي رواية خالد : أنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحجّ(6) .


(1) تعليقة الزرقاني ، المطبوعة بهامش صحيح مسلم 4 : 38 .

(2) البقرة: 124 .

(3) البقرة : 187 .

(4) الجصاص ، أحكام القرآن 1 : 285 .

(5) الإمام أحمد ، المسند 1 : 52 و3 : 325 .

(6) ابن حزم ، المحلّى 7 : 107 ; القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 2 : 392 .


(142)

8 ـ لم يكن نهي الخليفة عن متعة الحجّ مستنداً إلى دليل شرعي وانّما نهى عنه لما كرهه أن يظلّوا معرّسين بهنّ في الأراك ، ثمّ يروحون بالحجّ تقطر رؤوسهم(1) .

وهذا هو الّذي نوّهنا عنه في صدر البحث : أنّ الخليفة ومن لفّ لفّه ، كانوا يقدّمون المصالح المزعومة على النصوص الشرعية مهما تضافرت وتواترت .

ثمّ إنّ المتأخّرين أرادوا حفظ كرامة الخليفة ، فحرّفوا الكلم عن مواضعه وأوّلوا نهي الخليفة بوجهين :

1 ـ قالوا : إنّ ما حرّمه وأوعد عليه ، غير هذا ، وإنّما هو أن يحرم الرجل بالحجّ حتّى إذا دخل مكّة فسخ الحجّ إلى العمرة ، ثمّ حَلّ وأقام حلالا حتّى يهلّ بالحجّ يوم التروية(2) .

وهذا ـ كما ترى ـ لا يوافق ما مرّ من النصوص ، خصوصاً ما نقلناه من المناظرة بين سعد والضحّاك بن قيس من صحيح مسلم . ومن يقف على النصوص الكثيرة ، والمناظرة الدائرة بين النبيّ وأصحابه ، وبين الصحابة أنفسهم يطمئنّ إنّما نهى عن حجّ التمتع .

وقد روى البخاري عن مروان بن الحكم قال : شهدتُ عثمانَ وعليّاً ـ رضي الله عنهما ـ وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما ، فلمّا رأى عليٌّ (النهي) أهلّ بهما : لبّيك بعمرة وحجّة قال : ما كنت لأدع سنّة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ لقول أحد(3) .

2 ـ إنّ نهي الخليفة عن متعة الحجّ لاختصاص إباحة المتعة بالصحابة في عمرتهم مع رسول الله فحسب .


(1) الامام أحمد ، المسند 1 : 50 ، ابن ماجة ، السنن 2 ، كتاب الحج ، باب التمتع بالعمرة إلى الحج ، رقم2979 ، والبيهقي ، السنن 5 : 20 .

(2) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 2 : 292 .

(3) العيني ، عمدة القاري 5 : 198 .


(143)

ويكفينا في الردّ عليه قول ابن قيّم الجوزية : «إنّ تلكم الآثار الدالّة على الاختصاص بالصحابة بين باطل لا يصحّ ، عمّن نُسب إليه البتّة ، وبين صحيح عن قائل غير معصوم لا يعارض به نصوص المشرِّع المعصوم ، ففي صحيحة الشيخين وغيرهما عن سراقة بن مالك قال : مُتعتُنا هذه يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال : «لا بل للأبد»(1) .

قال العيني في قوله سبحانه : (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ اِلَى الْحَجِّ) : أجمع المسلمون على إباحة التمتّع في جميع الأعصار ، وأمّا السنّة فحديث سراقة : المتعة لنا خاصّة أم هي للأبد؟ قال : «بل للأبد» ، وحديث جابر المذكور في صحيح مسلم في صفة الحجّ نحو هذا . ومعناه أنّ أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتّع ، ولا يرون العمرة في أشهر الحجّ ، فبيّن النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّ الله قد شرّع العمرة في أشهر الحج وجوّز المتعة إلى يوم القيامة(2) .


(1) صحيح البخاري3: 148 كتاب الحج، باب عمرة التنعيم; مسندأحمد 3: 388 و4: 175; سنن البيهقي 5: 19.

(2) العيني ، عمدة القاري 5 : 198 .


(144)

المسألة التاسعة:

مسح الأرجل في الوضوء

اختلف المسلمون في غسل الرجلين ومسحهما ، فذهب الأئمّة الأربعة إلى أنّ الواجب هو الغسل وحده ، وقالت الشيعة الإمامية : إنّه المسح ، وقال داود بن علي والناصر للحقّ من الزيدية : يجب الجمع بينهما ، وهو صريح الطبري في تفسيره : ونقل عن الحسن البصري : أنّه مخيّـر بينهما(1) .

وممّا يثير العجب اختلاف المسلمين في هذه المسألة ، مع أنّهم رأوا وضوء رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ كلّ يوم وليلة في موطنه ومهجره ، وفي حضره وسفره ، ومع ذلك اختلفوا في أشدّ المسائل ابتلاءً ، وهذا يعرب عن أنّ الاجتهاد لعب في هذه المسألة دوراً عظيماً ، فجعل أوضح المسائل أبهمها .

إنّ الذكر الحكيم تكفّل ببيان المسألة وما أبقى فيها إبهاماً وإعضالا ، ومثل ذلك بيّنه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ومن هنا فلابدّ من الجزم بأنّ المسلمين كانوا قد اتّفقوا على فعل
واحد ، وإلاّ فما كان هذا الأمر بخفي ، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقوم بتوضيحه ، إذن فلا محيص من القول بأنّ الحاضرين في عصر النزول فهموا من الآية معنىً واحداً : إمّا المسح أو الغسل ، ولم يتردّدوا في حكم الرجلين أبداً . ولو خفي حكم هذه المسألة بعد رحلة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ على الأجيال الآتية فلا غرو في أنّ يخفى على المسلمين حكم أكثر المسائل .


(1) تفسير الطبري 6 : 86 ، مفاتيح الغيب 11 : 162 ، المنار 6 : 228 .


(145)

وقفة مع آية الوضوء 

وليس فيها شىء أوثق من كتاب الله فعلينا دراسة ما جاء فيه ، قال سبحانه : (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرؤوسِكُمْ وَأرْجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَيْن)(1) وقد اختلف القرّاء في قراءة : (وأرجلكم إلى الكعبين) فمنهم من قرأ بالفتح ، ومنهم من قرأ بالكسر إلاّ أنّه من البعيد أن تكون كلّ من القراءتين موصولة إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ فإنّ تجويزهما يضفي على الآية إبهاماً وإعضالا ، ويجعل الآية لغزاً ، والقرآن كتاب الهداية والإرشاد ، وتلك الغاية تطلب لنفسها الوضوح وجلاء البيان ،خصوصاً فيما يتعلّق بالأعمال والأحكام التي يبتلي بها عامّة المسلمين ، ولا تقاس بالمعارف والعقائد التي يختصّ الإمعان فيها بالأمثل فالأمثل .

وعلى كلّ تقدير فممّن حقّق مفاد الآية وبيّنها الإمام الرازي في تفسيره ، ننقل كلامه بتلخيص :

قال : حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله : (وأرجلكم) وهما :

الأوّل : قرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم ـ في رواية أبي بكر عنه ـ بالجرّ .

الثاني : قرأ نافع وابن عامر وعاصم ـ في رواية حفص عنه ـ بالنصب .

أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح في الرأس ، فكذلك في الأرجل .

فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الجرّ على الجوار؟ كما في قوله : «جُحْرُ ضَبّ


(1) المائدة : 6 .


(146)

خَرِب» وقوله : «كَبيرُ أُناس في بِجاد مَزَمّل» .

قيل : هذا باطل من وجوه :

1 ـ إنّ الكسر على الجوار معدود من اللحن الذي قد يتحمّل لأجل الضرورة في الشعر ، وكلام الله يجب تنزيهه عنه .

2 ـ إنّ الكسر على الجوار انّما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله : «جُحْرُ ضَبّ خَرِب» فإنّ «الخَرِب» لا يكون نعتاً للضبّ بل للجحر ، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل .

3 ـ إنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب .

وأمّا القراءة بالنصب فهي أيضاً توجب المسح ، وذلك لأنّ «برؤوسكم» في قوله : «فامسحوا برؤوسكم» في محل النصب(1) بامسحوا لأنّه المفعول به ، ولكنّها مجرورة لفظاً بالباء ، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس ، وجاز الجرّ عطفاً على الظاهر .

نزيد بياناً انّه على قراءة النصب يتعيّـن العطف على محلّ برؤوسكم ، ولا يجوز العطف على ظاهر (أيديكم) لاستلزامه الفصل بين العاطف والمعطوف عليه بجملة أجنبية وهو غير جائز في المفرد ، فضلا عن الجملة .

هذا هو الذي يعرفه المتدبّر في الذكر الحكيم ، ولا يسوغ لمسلم أن يعدل
عن القرآن إلى غيره ، فإذا كان هو المهيمن على جميع الكتب السماوية ، فأولى
أن يكون مهيمناً على ما في أيدي الناس من الحقّ والباطل ، والمأثورات التي


(1) يقال : ليس هذا بعالم ولا عاملا . قال الشاعر :

معاويَ إنّنا بشر فاسجحِ فلسنا بالجبال ولا الحديدا

لاحظ : المغني لابن هشام : الباب الرابع .


(147)

الحديث فيها ذو شجون . مع كونها متضاربة في المقام ، فلو ورد فيها الأمر بالغسل ، فقد جاء فيها الأمر بالمسح ، رواه الطبري عن الصحابة والتابعين نشير إليه على وجه الإجمال .

1 ـ ابن عباس ، قال : الوضوء غسلتان ومسحتان .

2 ـ كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما ، ولمّا خطب الحجّاج وقال : ليس شىء من ابن آدم أقرب إلى خبثه في قدميه ، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما ، قال أنس : صدق الله وكذب الحجّاج ، قال الله : (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما .

3 ـ عكرمة ، قال : ليس على الرجلين غسل ، وإنّما نزل فيهما المسح .

4 ـ الشعبي قال : نزل جبرئيل بالمسح وقال : ألا ترى أنّ التيمّم أن يمسح ما كان غسلا ويلغى ما كان مسحاً .

5 ـ عامر : أُمر أن يمسح في التيمّم ما أُمر أن يغسل بالوضوء ، وأُبطل ما أُمر أن يمسح في الوضوء; الرأس والرجلان . وقيل له : إنّ أُناساً يقولون : إنّ جبرئيل نزل بغسل الرجلين فقال : نزل جبرئيل بالمسح .

6 ـ قتادة في تفسير الآية : افترض الله غسلتين ومسحتين .

7 ـ الأعمش : قرأ «وأرجلكم» مخفوضة اللام .

8 ـ علقمة : قرأ «أرجلكم» مخفوضة اللام .

9 ـ الضحاك : قرأ «وأرجلكم» بالكسر .

10 ـ مجاهد : مثل ما تقدّم(1) .

وهؤلاء من أعلام التابعين وفيهم الصحابيان : ابن عبّاس وأنس وقد أصفقوا على المسح وقراءة الجرّ الصريحة في تقديم المسح على الغسل ، وجمهور أهل السنّة


(1) تفسير الطبري 6 : 82 ـ83 .


(148)

يحتجّون بأقوالهم في مجالات مختلفة ، فلماذا أُعرض عنهم في هذا المجال المهمّ والحسّاس في عبادة المسلم .

إنّ القول بالمسح هو المنصوص عن أئمّة أهل البيت  ـ عليهم السلام _ وهم يسندون المسح إلى النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ويحكون وضوءه به ، قال أبو جعفر الباقر ـ عليه السلام _ : «ألا أحكي لكم وضوء رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ »؟ ثمّ أخذ كفّاً من الماء فصبّها على وجهه . . . إلى أن قال : ثمّ مسح رأسه وقدميه .

وفي رواية أُخرى : ثمّ مسح ببقيّة ما بقي في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء(1) .

وفي ضوء هذه الروايات والمأثورات اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ الوضوء غسلتان ومسحتان ، وإلى ذلك يشير السيّد بحر العلوم في منظومته الموسومة بالدرة النجفيّة :

إن الوضوء غسلتان عندنا * ومسحتان والكتاب معنا

فالغسل للوجه ولليدينِ * والمسح للرأس وللرجلينِ

وبعد وضوح دلالة الآية ، وإجماع أئمّة أهل البيت على المسح ، واستناداً إلى جملة الأدلّة الواضحة التي ذكرنا بعضاً منها ، فانّ القول بما يخالفها يبدو ضعيفاً ولا يصمد أمام النقاش ، إلاّ أنّا سنحاول أن نورد الوجوه التي استدلّ بها القائلون بالغسل ليتبين للقارئ الكريم مدى ضعف حجّيتها :

أدلة القائلين بالغسل ونقضها 

1 ـ إنّ الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل ، والغسل مشتمل على المسح


(1) الحرّ العاملي ، الوسائل ج1 ، الباب 15 من أبواب الوضوء ، الحديث 9و 10 .


(149)

ولا ينعكس ، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه ، ويكون غسل الأرجل يقوم مقام مسحها(1) .

إلاّ أنّه يلاحظ عليه : أنّ أخبار الغسل معارضة بأخبار المسح ، وليس شيء أوثق من كتاب الله ، فلو دلّ على لزوم المسح لا يبقى مجال لترجيحه على روايات المسح .والقرآن هو المهيمن على الكتب والمأثورات ، والمعارض منها للكتاب لا يقام له وزن .

وأعجب من ذلك قوله : إنّ الغسل مشتمل على المسح ، مع أنّهما حقيقتان مختلفتان ، فالغسل إمرار الماء على المغسول ، والمسح إمرار اليد على الممسوح(2) وهما حقيقتان مختلفتان لغة وعرفاً وشرعاً ، ولو حاول الاحتياط لوجب الجمع بين المسح والغسل ، لا الاكتفاء بالغسل .

2 ـ ما روي عن علي ـ عليه السلام _ من أنّه كان يقضي بين الناس فقال : «(وأرجلكم)هذا من المقدّم والمؤخّر في الكلام فكأنّه سبحانه قال : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق واغسلوا أرجلكم وامسحوا برؤوسكم»(3) .

لكنّه يرد بأنّ أئمّة أهل البيت كالباقر والصادق ـ عليهما السلام _ أدرى بما في البيت ، وهما اتّفقا على المسح ، وهل يمكن الاتّفاق على المسح مع اعتقاد كبيرهم بالغسل؟! إنّ المؤكّد هو أنّ هذه الرواية موضوعة عن لسان الإمام ليثيروا الشكّ بين أتباعه وشيعته . ولا نعلّق على احتمال التقديم والتأخير شيئاً ، سوى أنّه يجعل معنى الآية شيئاً مبهماً في المورد الذي يطلب فيه الوضوح; إذ هي المرجع للقروي والبدوي ، وللحاضر عصر النزول ، والغائب عنه ، فيجب أن يكون على نسق ينتقل منه إلى


(1) مفاتيح الغيب 11 : 162 .

(2) قال سبحانه حاكياً عن سليمان: }رُدّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والأعْناق{ (ص : 33) ; أي مسح بيده على سوق الصافنات الجياد وأعناقها.

(3) المائدة : 6 .


(150)

المراد ، ثمّ إنّه أيّ ضرورة اقتضت هذا التقدّيم والتأخير ، مع إنّه كان من الممكن ذكر الأرجل بعد الأيدي من دون تأخير؟ ولو كان الدافع إلى التأخير هو بيان الترتيب ، وإنّ غسل الأرجل بعد مسح الرأس ، فكان من الممكن أن يُذكر فعله ويقال : (فامسَحُوا بِرُؤُوسِكُم واغْسلوا أرجلكم إلى الكعبين) . كلّ ذلك يعرب عن أنّ هذه محاولات فاشلة لتصحيح الاجتهاد تجاه النصّ ، وما عليه أئمّة أهل البيت من الاتّفاق على المسح .

3 ـ ما روي عن ابن عمر في الصحيحين قال : تخلّف عنّا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في سفره ، فأدركنا وقد أرهقنا العصر ، وجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا ، قال : فنادى بأعلى صوته : «ويل للأعقاب من النار» ـ مرتين أو ثلاثاً ـ(1) .

ويردّ هذا الاستدلال : أنّ هذه الرواية على تعيّـن المسح أدلّ من دلالتها على غسل الرجلين ; فإنّها صريحة في أنّ الصحابة يمسحون ، وهذا دليل على أنّ المعروف عندهم هو المسح ، وما ذكره البخاري من أنّ الإنكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على بعض الرجل ، اجتهاد منه ، وهو حجّة عليه لا على غيره ، فكيف يمكن أن يخفى على ابن عمر حكم الرجلين حتّى يمسح رجليه عدّة سنين إلى أن ينكر عليه النبيّ المسح؟!

على أنّ للرواية معنى آخر تؤيّده بعض المأثورات ، فقد روي : أنّ قوماً من أجلاف العرب ، كانوا يبولون وهم قيام ، فيتشرشر البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلونها ويدخلون المسجد للصلاة ، وكان ذلك سبباً لذلك الوعيد(2) ويؤيّد
ذلك ما يوصف به بعض الأعراب بقولهم : بوّال على عقبيه ، وعلى فرض كون المراد ما ذكره البخاري ، فلا تقاوم الرواية نصّ الكتاب .


(1) صحيح البخاري ج1 كتاب العلم ص 18 باب من رفع صوته ، الحديث 1 .

(2) مجمع البيان 2 : 167 .


(151)

4 ـ روى ابن ماجة القزويني عن أبي إسحاق عن أبي حيّة ، قال : رأيت عليّاً توضّأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثمّ قال : «أردت أن أُريكم طهور نبيّكم»(1) .

إلاّ أنّه يلاحظ عليه : أنّ أبا حيّة مجهول لا يعرف ، ونقله عنه أبو إسحاق الذي شاخ ونسي واختلط وترك الناس روايته(2) أضف إليه أنّه يعارض ما رواه عنه أهل بيته ، وأئمّة أهل بيته ، خصوصاً من لازمه في حياته وهو ابن عبّاس كما مرّ .

5 ـ قال صاحب المنار : وأقوى الحجج اللفظية على الإمامية جعل الكعبين غاية طهارة الرجلين ، وهذا لا يحصل إلاّ باستيعابهما بالماء ; لأنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل .

وهذا القول يلاحظ عليه : أنّا نفترض أنّ المراد من الكعبين هو ما ذكره ، لكنّا نسأله : لماذا لا تحصل تلك الغاية إلاّ باستيعابها بالماء؟ مع أنّه يمكن تحصيل تلك الغاية بمسحهما بالنداوة المتبقية في اليد ، والاختبار سهل ، فها نحن من الذين يمسحون الأرجل إلى العظمين الناتئين بنداوة اليد ، ولا نرى في العمل إعضالا وعسراً .

6 ـ وقال : إنّ الإمامية يمسحون ظاهر القدم إلى معقد الشراك عند المفصل بين الساق والقدم ، ويقولون هو الكعب ، ففي الرجل كعب واحد على رأيهم ، فلو صحّ هذا لقال : إلى الكعاب كما قال في اليدين : «إلى المرافق» (3) .

أقول : إنّ المشهور بين الإمامية هو تفسير الكعب بقبّة القدم التي هي معقد الشراك ، وهناك من يذهب إلى أنّ المراد هو المفصل بين الساق والقدم ، وذهب


(1) سنن ابن ماجة 1 : 170 باب ما جاء في غسل القدمين الحديث 1 .

(2) لاحظ التعليقة لسنن ابن ماجة : 170; وميزان الاعتدال للذهبي 4 : 519 / 10138 وص 489 باب «أبوإسحاق» .

(3) تفسير المنار 6 : 234 .


(152)

قليل منهم إلى أنّ المراد هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل . وعلى كلّ تقدير ، يصحّ إطلاق الكعبين ، وإن كان حدّ المسح هو معقد الشراك أو المفصل ، فيكون المعنى : (فامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين منكم) إذ لا شك أنّ كلّ مكلّف يملك كعبين في رجليه .

أضف إلى ذلك : أنّه لو صحّ التفسير بما ذكره فإنّه يجب أن يوسّع الممسوح ويحدّد بالعظمين الناتئين لا أن يبدّل المسح بالغسل ، وكأنّه تخيّل أنّ المسح بالنداوة المتبقّية في اليد لا يتحقّق بها ، وأنّ اليد تجفّ قبل الوصول إليهما .

ولعمري أنّ هذه اجتهادات واهية ، وتخرّصات لا قيمة لها في مقابل الذكر الحكيم .

7 ـ آخر ما عند صاحب المنار في توجيه غسل الأرجل هو التمسّك بالمصالح ، حيث قال : لا يعقل لإيجاب مسح ظاهر القدم باليد المبلّلة بالماء حكمة ، بل هو خلاف حكمة الوضوء ; لأنّ طروء الرطوبة القليلة على العضو الذي عليه غبار أو وسخ يزيده وساخة ، وينال اليد الماسحة حظّ من هذه الوساخة .

وهذا القول يردّه : أنّ ما ذكره استحسان لا يُعرَّج عليه مع وجود النصّ ، فلا شكّ أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الواقعية ولا يجب علينا أن نقف عليها ، فأيّ مصلحة في المسح على الرأس ولو بمقدار إصبع أو إصبعين حتّى قال الشافعي : إذا مسح الرجل بإصبع واحدة أو بعض إصبع أو باطن كفه ، أو أمر مَن يمسح له أجزأه ذلك؟!

وهناك كلمة قيّمة للإمام شرف الدين الموسوي نأتي بنصّها ، قال ـ رحمه الله ـ : نحن نؤمن بأنّ الشارع المقدّس لاحظ عباده في كلّ ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية ، فلم يأمرهم إلاّ بما فيه مصلحتهم ، ولم ينههم إلاّ عمّـا فيه مفسدة لهم ، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الأحكام منوطاً من حيث المصالح


(153)

والمفاسد بآراء العباد ، بل تعبّدهم بأدلّة قويّة عيّنها لهم ، فلم يجعل لهم مندوحة عنها إلى ما سواها . وأوّل تلك الأدلّة الحكيمة كتاب الله عزّ وجلّ ، وقد حكم بمسح الرؤوس والأرجل في الوضوء ، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه ، أمّا نقاء الأرجل من الدنس فلابدّ من إحرازه قبل المسح عليها عملا بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه(1) . ولعلّ غسل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _رجليه ـ المدّعى في أخبار الغسل ـ إنّما كان من هذا الباب ، ولعلّه كان من باب التبرّد ، أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء . والله أعلم(2) .


(1) ولذا ترى حفاة الشيعة والعمّال منهم ـ كأهل الحرث وأمثالهم وسائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطة بالطهارة ـ إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثمّ توضّأوا فمسحوا عليها نقيّة جافّة .

(2) مسائل فقهية : 82 .


(154)

المسألة العاشرة :

السجود على الأرض

لعلّ من أوضح مظاهر العبودية والانقياد والتذلّل من قبل المخلوق لخالقه ، هو السجود ، وبه يؤكّد المؤمن عبوديته المؤكّدة لله تعالى ، ومن هنا فانّ البارئ عزّ اسمه يقدّر لعبده هذا التصاغر وهذه الطاعة; فيضفي على الساجد فيض لطفه وعظيم إحسانه ، لذا روي في بعض المأثورات : «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده» .

ولمّا كانت الصلاة من بين العبادات معراجاً يتميّز بها المؤمن عن الكافر ، وكان السجود ركناً من أركانها ، فليس هناك أوضح في إعلان التذلّل لله تعالى من السجود على التراب والرمل والحجر والحصى ، لما فيه من تذلّل أوضح وأبين من السجود على الحصر والبواري ، فضلا عن السجود على الألبسة الفاخرة والفرش الوثيرة والذهب والفضّة ، وإن كان الكلّ سجوداً ، إلاّ أنّ العبودية تتجلّى في الأوّل بما لا تتجلّى في غيره .

والإمامية ملتزمة بالسجدة على الأرض في حضرهم وسفرهم ، ولا يعدلون عنها إلاّ إلى ما أُنبت منها من الحصر والبواري بشرط أن لا يؤكل ولا يلبس ، ولا يرون السجود على غيرهما صحيحاً في حال الصلاة أخذاً بالسنّة المتواترة عن النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأهل بيته وصحبه . وسيظهر ـ في ثنايا البحث ـ أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت ، كانت هي السنّة بين الصحابة ، وأنّ العدول عنها حدث في الأزمنة المتأخّرة ، ولأجل توضيح المقام نقدّم أُموراً :


(155)

1 ـ اختلاف الفقهاء فى شرائط المسجود عليه 

اتّفق المسلمون على وجوب السجود في الصلاة في كلّ ركعة مرّتين ، ولم يختلفوا في المسجود له; فإنّه هو الله سبحانه الذي له يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً(1) وشعار كلّ مسلم قوله سبحانه : (لا تَسجُدُوا لِلشَّمسِ ولا للقَمَرِ واسجُدُوا لله الَّذي خَلَقَهُنَّ)(2) وإنّما اختلفوا في شروط المسجود عليه _أعني : ما يضع الساجد جبهته عليه ـ فالشيعة الإمامية تشترط على أن يكون المسجود عليه أرضاً أو ما ينبت منها غير مأكول ولا ملبوس كالحصر والبواري ، وما أشبه ذلك . وخالفهم في ذلك غيرهم من المذاهب ، وإليك نقل الآراء :

قال الشيخ الطوسي وهو يبيّن آراء الفقهاء : لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتته الأرض ممّا لا يؤكل ولا يلبس من قطن أو كتّان مع الاختيار . وخالف جميع الفقهاء في ذلك وأجازوا السجود على القطن والكتان والشعر والصوف وغير ذلك ـ إلى أن قال ـ : لا يجوز السجود على شيء هو حامل له ككور العمامة ، وطرف
الرداء ، وكمّ القميص ، وبه قال الشافعي ، وروي ذلك عن عليّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ وابن عمر ، وعبادة بن الصامت ، ومالك ، وأحمد بن حنبل .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا سجد على ما هو حامل له كالثياب التي عليه أجزأه .

وإن سجد على ما لا ينفصل منه مثل أن يفترش يده ويسجد عليها أجزأه لكنّه مكروه ، وروي ذلك عن الحسن البصري(3) .


(1) إشارة إلى قوله سبحانه : (وَلله يَسْجُدُ مَنْ في السَّمواتِ والأرضِ طَوْعاً وَكرْهاً وظلالُهُم بِالغُدُوِّ وَالآصالِ) ، الرعد : 15 .

(2) فصلت : 37 .

(3) الخلاف 1 : 357 ـ 358 كتاب الصلاة ، المسألة 112 ـ 113 .


(156)

وقال العلاّمة الحلّي ـ وهو يبيّن آراء الفقهاء فيما يسجد عليه ـ : لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نباتها كالجلود والصوف عند علمائنا أجمع ، وأطبق الجمهور على الجواز .

وقد اقتفت الشيعة في ذلك أئمتهم الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه
في حديث الثقلين ، ونحن نكتفي هنا بإيراد جانب ممّا روي في هذا
الجانب :

روى الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبد الله ـ عليه السلام _ : أخبرني عمّا يجوز السجود عليه ، وعمّا لا يجوز قال : «السجود لا يجوز إلاّ على الأرض ، أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أُكل أو لبس» . فقال له : جعلت فداك ما العلّة في ذلك؟

قال : «لأنّ السجود خضوع لله عزّ وجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس ; لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة الله عزّ وجلّ ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا بغرورها»(1) .

فلا عتب على الشيعة إذا التزموا بالسجود على الأرض أو ما أنبتته; إذا لم يكن مأكولا ولا ملبوساً اقتداءً بأئمّتهم ، على أنّ ما رواه أهل السنّة في المقام ، يدعم
نظريّة الشيعة ، وسيظهر لك فيما سيأتي من سرد الأحاديث من طرقهم ، ويتّضح أنّ السنّة كانت هي السجود على الأرض ، ثمّ جاءت الرخصة في الحصر والبواري فقط ، ولم يثبت الترخيص الآخر بل ثبت المنع عنه كما سيوافيك .


(1) الوسائل 3 الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه ، الحديث 1 ، وهناك روايات بمضمونه . والكلّ يتضمّن أنّ الغاية من السجود التي هي التذلّل لا تحصل بالسجود على غيرها ، فلاحظ .


(157)

2 ـ الفرق بين المسجود له والمسجود عليه 

كثيراً ما يتصوّر أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت منها بدعة ، ويتخيّل الحجر المسجود عليه وثناً ، وهؤلاء هم الذين لا يفرّقون بين المسجود له ، والمسجود عليه ، ويزعمون أنّ الحجر أو التربة الموضوعة أمام المصلّي وثناً يعبده المصلّي بوضع الجبهة عليه . ولكن لا عتب على الشيعة إذا قصر فهم المخالف ، ولم يفرّق بين الأمرين ، وزعم المسجود عليه مسجوداً له ، وقاس أمر الموحّد بأمر المشرك بحجّة المشاركة في الظاهر ، فأخذ بالصور والظواهر ، مع أنّ الملاك هو الأخذ بالبواطن والضمائر ، فالوثن عند الوثني معبود ومسجود له يضعه أمامه ويركع ويسجد له ، ولكن الموحّد الذي يريد أن يصلّي في إظهار العبودية إلى نهاية مراتبها ، يخضع لله سبحانه ويسجد له ، ويضع جبهته ووجهه على التراب والحجر والرمال والحصى ، مظهراً بذلك مساواته معها عند التقييم قائلا : أين التراب وربّ الأرباب .

نعم; الساجد على التربة غير عابد لها ، بل يتذلّل إلى ربّه بالسجود عليها ، ومن توهّم عكس ذلك فهو من البلاهة بمكان ، وسيؤدّي إلى إرباك كلّ المصلين والحكم بإشراكهم ، فمن يسجد على الفرش والقماش وغيره لابدّ أن يكون عابداً لها على هذا المنوال ، فيا للعجب العجاب!!

3 ـ السنّة فى السجود فى عصر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبعده 

إنّ النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصحبه كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض مدّة لا  يستهان بها ، متحمّلين شدّة الرمضاء ، وغبار التراب ، ورطوبة الطين ، طيلة


(158)

أعوام . ولم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب وكور العمامة ، بل ولا على الحصر والبواري والخمر ، وأقصى ما كان عندهم لرفع الأذى عن الجبهة ، هو تبريد الحصى بأكفّهم ثمّ السجود عليها ، وقد شكا بعضهم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ من شدّة الحرّ ، فلم يجبه; إذ لم يكن له أن يبدل الأمر الإلهي من تلقاء نفسه ، إلى أن وردت الرخصة بالسجود على الخمر والحصر ، فوسع الأمر للمسلمين لكن في إطار محدود ، وعلى ضوء هذا فقد مرّت في ذلك الوقت على المسلمين مرحلتان لا غير :

1 ـ ما كان الواجب فيها على المسلمين السجود على الأرض بأنواعها المختلفة من التراب والرمل والحصى والطين ، ولم تكن هناك أيّة رخصة .

2 ـ المرحلة التي ورد فيها الرخصة بالسجود على نبات الأرض من الحصى والبواري والخمر ، تسهيلا للأمر ، ورفعاً للحرج والمشقّة ، ولم تكن هناك أيّة مرحلة أُخرى توسع الأمر للمسلمين أكثر من ذلك كما يدّعيه البعض ، وإليك البيان :

المرحلة الاُولى : السجود على الأرض :

1 ـ روى الفريقان عن النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال : «وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(1) .

والمتبادر من الحديث أنّ كلّ جزء من الأرض مسجد وطهور يُسجد عليه ويُقصد للتيمّم ، وعلى ذلك فالأرض تقصد للجهتين : للسجود تارةً ، وللتيمّم أُخرى .

وأمّا تفسير الرواية بأنّ العبادة والسجود لله سبحانه لا يختصّ بمكان دون مكان ، بل الأرض كلّها مسجد للمسلمين بخلاف غيرهم; حيث خصّوا العبادة


(1) صحيح البخاري 1 : 91 كتاب التيمّم الحديث 2 ، سنن البيهقي 2 : 433 باب : أينما أدركتك الصلاة فصلّ فهو مسجد ، ورواه غيرهما من أصحاب الصحاح والسنن .


(159)

بالبِيَع والكنائس ، فهذا المعنى ليس مغايراً لما ذكرناه; فإنّه إذا كانت الأرض على وجه الإطلاق مسجداً للمصلّي فيكون لازمه كون الأرض كلّها صالحة للعبادة ، فما ذكر معنى التزامي لما ذكرناه ، ويعرب عن كونه المراد ذكر «طهوراً» بعد «مسجداً» وجعلهما مفعولين لـ «جُعلت» والنتيجة هو توصيف الأرض بوصفين : كونها مسجداً ، وكونها طهوراً ، وهذا هو الذي فهمه الجصّاص وقال : إنّ ماجعله من الأرض مسجداً هو الذي جعله طهوراً(1) .

ومثله غيره من شرّاح الحديث .

تبريد الحصى للسجود عليها :

2 ـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : كنت أُصلّي مع النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ الظهر ، فآخذ قبضة من الحصى ، فأجعلها في كفّي ثمّ أُحوّلها إلى الكفّ الأُخرى حتّى تبرد ثمّ أضعها لجبيني ، حتّى أسجد عليها من شدّة الحرّ(2) .

وعلّق عليه البيهقي بقوله : قال الشيخ : ولو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى بالكفّ ووضعها للسجود(3) .

ونقول: ولوكان السجود على مطلق الثياب سواء كان متصلا أم منفصلا جائزاً لكان أسهل من تبريد الحصى ، ولأمكن حمل منديل أو ما شابه للسجود عليه .

3 ـ روى أنس قال : كنّا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ في شدّة الحرّ فيأخذ أحدنا الحصباء في يده ، فإذا برد وضعه وسجد عليه (4) .

4 ـ عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ شدّة الرمضاء في


(1) أحكام القرآن للجصاص 2 : 389 ط بيروت .

(2) مسند أحمد 3 : 327 عن جابر ، سنن البيهقي 1 : 439 باب ما روي في التعجيل بها في شدّة الحرّ .

(3) سنن البيهقي 2 : 105 .

(4) السنن الكبرى 2 : 106 .


(160)

جباهنا وأكفّنا ، فلم يشكّنا(1) .

قال ابن الأثير في معنى الحديث : إنّهم لمّا شكوا إليه ما يجدون من ذلك لم يفسح لهم أن يسجدوا على طرف ثيابهم(2) .

هذه المأثورات تعرب عن أنّ السنّة في الصلاة كانت جارية على السجود على الأرض فقط ، حتّى أنّ الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يفسح للمسلمين العدول عنها إلى الثياب المتّصلة أو المنفصلة ، وهو ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ مع كونه بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً أوجب عليهم مسّ جباههم الأرض ، وإن آذتهم شدّة الحرّ .

والذي يعرب عن التزام المسلمين بالسجود على الأرض ، وعن إصرار النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بوضع الجبهة عليها لا على الثياب المتّصلة ككور العمامة أو المنفصلة كالمناديل والسجاجيد ، ما روي من حديث الأمر بالتتريب في غير واحد من الروايات .

الأمر بالتتريب :

5 ـ عن خالد الجهني : قال : رأى النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ صهيباً يسجد كأنّه يتّقي التراب فقال له : «ترّب وجهك يا صهيب»(3) .

6 ـ والظاهر أنّ صهيباً كان يتّقي عن التتريب بالسجود على الثوب المتّصل والمنفصل ، ولا أقلّ بالسجود على الحصر والبواري والأحجار الصافية ، وعلى كلّ تقدير ; فالحديث شاهد على أفضليّة السجود على التراب في مقابل السجود على الحصى; لما دلّ من جواز السجدة على الحصى في مقابل السجود على غير الأرض .

7 ـ روت أُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ : رأى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ غلاماً لنا يقال له أفلح


(1) سنن البيهقي 2 : 105 باب الكشف عن الجبهة .

(2) ابن الأثير ، النهاية 2 : 497 مادة «شكا» .

(3) المتّقي الهندي ، كنز العمال 7 : 465 / 19810 .


(161)

ينفخ إذا سجد ، فقال : «يا أفلح ترّب»(1) .

8 ـ وفي رواية : «يا رباح ترّب وجهك»(2) .

9 ـ روى أبو صالح قال : دخلت على أُمّ سلمة ، فدخل عليها ابن أخ لها فصلّى في بيتها ركعتين ، فلمّا سجد نفخ التراب ، فقالت أُمّ سلمة : ابن أخي لا تنفخ ; فإنّي سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول لغلام له يقال له يسار ـ ونفخ ـ : «ترّب وجهك لله»(3) .

الأمر بحسر العمامة عن الجبهة :

10 ـ روي : أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته(4) .

11 ـ روي عن عليّ أمير المؤمنين أنّه قال : «إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن وجهه» ، يعني حتّى لا يسجد على كور العمامة(5) .

12 ـ روي عن صالح بن حيوان السبائي : أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ رأى رجلا يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته فحسر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن جبهته(6) .

13 ـ عن عياض بن عبد الله القرشي : رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ رجلا يسجد على كور عمامته فأومأ بيده : «ارفع عمامتك» وأومأ إلى جبهته(7) .

هذه الروايات تكشف عن أنّه لم يكن للمسلمين يوم ذاك تكليف إلاّ السجود على الأرض ، ولم يكن هناك أيّ رخصة سوى تبريد الحصى ، ولو كان هناك ترخيص لما فعلوا ذلك ، ولما أمر النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالتتريب ، وحسر العمامة عن الجبهة .


(1) المتّقي الهندي ، كنز العمال 7 : 459 / 19776 .

(2) المصدر نفسه / 19777 .

(3) كنز العمال 7 : 465 / 19809; مسند أحمد 6 : 301 .

(4) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 1 : 151 كما في السجود على الأرض : 41 .

(5) منتخب كنز العمال المطبوع في هامش المسند 3 : 194 .

(6) البيهقي ، السنن الكبرى 2 : 105 .

(7) البيهقي ، السنن الكبرى 2 : 105 .


(162)

المرحلة الثانية : الترخيص في السجود على الخمر والحصر :

هذه الأحاديث والمأثورات المبثوثة في الصحاح والمسانيد وسائر كتب الحديث تعرب عن التزام النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأصحابه بالسجود على الأرض بأنواعها ، وأنّهم كانوا لا يعدلون عنه ، وإن صعب الأمر واشتدّ الحرّ ، لكن هناك نصوصاً تعرب عن ترخيص النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ـ بإيحاء من الله سبحانه إليه ـ السجود على ما أنبتت الأرض ، فسهّل لهم بذلك أمر السجود ، ورفع عنهم الإصر والمشقّة في الحرّ والبرد ، وفيما إذا كانت الأرض مبتلّة ، وإليك تلك النصوص :

1 ـ عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّـي على الخمرة(1) .

2 ـ عن ابن عباس : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمرة ، وفي لفظ : وكان النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمرة(2) .

3 ـ عن عائشة : كان النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمرة(3) .

4 ـ عن أُمّ سلمة : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمرة(4) .

5 ـ عن ميمونة : ورسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمرة فيسجد(5) .

6 ـ عن أُمّ سليم قالت : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمرة(6) .

7 ـ عن عبد الله بن عمر : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمر(7) .


(1) أبو نعيم الاصفهاني ، أخبار اصبهان 2 : 141 .

(2) مسند أحمد 1 : 269 ، 303 ، 309 و358 .

(3) المصدر نفسه 6 : 179 وفيه أيضاً قال للجارية وهو في المسجد : ناوليني الخمرة .

(4) المصدر نفسه : 302 .

(5) مسند أحمد 1 : 331 ـ 335 .

(6) المصدر نفسه : 377 .

(7) المصدر نفسه 2 : 92 ـ 98 .


(163)

المرحلة الثالثة : السجود على الثياب لعذر :

قد عرفت المرحلتين الماضيتين ، ولو كان هناك مرحلة ثالثة فإنّما مرحلة جواز السجود على غير الأرض وما ينبت منها لعذر وضرورة . ويبدو أنّ هذا الترخيص جاء متأخّراً عن المرحلتين لما عرفت أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يُجب شكوى الأصحاب من شدّة الحرّ والرمضاء ، وراح هو وأصحابه يسجدون على الأرض متحمّلين الحرّ والأذى ، ولكنّ الباري عزّ اسمه رخّص لرفع الحرج السجود على الثياب لعذر وضرورة ، وإليك ما ورد في هذا المقام .

1 ـ عن أنس بن مالك : كنّا إذا صلّينا مع النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض ، طرح ثوبه ثمّ سجد عليه .

2 ـ وفي صحيح البخاري : كنّا نصلّي مع النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض بسط ثوبه .

3 ـ وفي لفظ ثالث : كنّا إذا صلّينا مع النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ مكان السجود(1) .

وهذه الرواية التي نقلها أصحاب الصحاح والمسانيد تكشف حقيقة بعض ما روي في ذلك المجال الظاهر في جواز السجود على الثياب في حالة الاختيار أيضاً . وذلك لأنّ رواية أنس نصّ في اختصاص الجواز على حالة الضرورة ، فتكون قرينة على المراد من هذه المطلقات ، وإليك بعض ما روي في هذا المجال :

1 ـ عبدالله بن محرز عن أبي هريرة: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على كور عمامته(2).

إنّ هذه الرواية مع أنّها معارضة لما مرّ من نهي النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن السجود عليه ،


(1) صحيح البخاري 1 : 101 ، صحيح مسلم 2 : 109 ، مسند أحمد 1 : 100 ، السنن الكبرى 2 : 106 .

(2) كنز العمال 8 : 130 / 22238 .


(164)

محمولة على العذر والضرورة ، وقد صرّح بذلك الشيخ البيهقي في سننه ، حيث قال : قال الشيخ : «وأمّا ما روي في ذلك عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ من السجود على كور العمامة فلا يثبت شيء من ذلك ، وأصحّ ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (1) .

وقد روي عن ابن راشد قال : «رأيت مكحولا يسجد على عمامته فقلت : لما تسجد عليها؟ قال أتّقي البرد على أسناني»(2) .

2 ـ ما روي عن أنس : «كنّا نصلّي مع النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيسجد أحدنا على ثوبه»(3) .

والرواية محمولة على صورة العذر بقرينة ما رويناه عنه ، وبما رواه عنه البخاري : «كنّا نصلّي مع النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ في شدّة الحرّ ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه»(4) .

ويؤيّده ما رواه النسائي أيضاً : «كنّا إذا صلّينا خلف النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ»(5) .

وهناك روايات قاصرة الدلالة حيث لا تدلّ إلاّ على أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ صلّى على الفرو . وأمّا أنّه سجد عليه فلا دلالة لها عليه .

3 ـ عن المغيرة بن شعبة: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الحصير والفرو المدبوغة(6).

والرواية مع كونها ضعيفة بيونس بن الحرث ، ليست ظاهرة في السجود عليه .


(1) السنن الكبرى 2 : 106 .

(2) المصنّف لعبد الرزاق 1 : 400 كما في سيرتنا وسنّتنا ، والسجدة على التربة : 93 .

(3) السنن الكبرى 2 : 106 ، باب من بسط ثوباً فسجد عليه .

(4) البخاري 2 : 64 كتاب الصلاة باب بسط الثوب في الصلاة للسجود .

(5) ابن الأثير ، الجامع للأُصول 5 : 468 / 3660 .

(6) أبو داود ، السنن باب ما جاء في الصلاة على الخمرة / 331 .


(165)

ولا ملازمة بين الصلاة على الفرو والسجدة عليه ، ولعلّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وضع جبهته على الأرض أو ما ينبت منها . وعلى فرض الملازمة لا تقاوم هي وما في معناها ما سردناه من الروايات في المرحلتين الماضيتين .

حصيلة البحث

إنّ المتأمّل في الروايات يجد وبدون لبس أنّ قضيّة السجود في الصلاة مرّت بمرحلتين أو ثلاث مراحل; ففي المرحلة الأُولى كان الفرض السجود على الأرض ولم يرخّص للمسلمين السجود على غيرها ، وفي الثانية جاء الترخيص فيما تنبته الأرض ، وليست وراء هاتين المرحلتين مرحلة أُخرى إلاّ جواز السجود على الثياب لعذر وضرورة ، فما يظهر من بعض الروايات من جواز السجود على الفرو وأمثاله مطلقاً فمحمولة على الضرورة ، أو لا دلالة لها على السجود عليها ، بل غايتها الصلاة عليها .

ومن هنا فإنّ ما يظهر بوضوح أنّ ما التزمت به الشيعة هو عين ما جاءت به السنّة النبويّة ، ولم تنحرف عنه قيد أُنملة ، ولعلّ الفقهاء هم أدرى بذلك من غيرهم ، لأنّهم الأُمناء على الرسالة والأدلاّء في طريق الشريعة ، ونحن ندعو إلى برهة من التأمّل لإحقاق الحقّ وتجاوز البدع .

ما هو السرّ في اتّخاذ تربة طاهرة؟

بقي هنا سؤال يطرحه كثيراً إخواننا أهل السنّة حول سبب اتّخاذ الشيعة تربة طاهرة في السفر والحضر والسجود عليها دون غيرها . وربّما يتخيّل البسطاء ـ كما ذكرنا سابقاً ـ أنّ الشيعة يسجدون لها لا عليها ، ويعبدون الحجر والتربة ، وذلك لأنّ هؤلاء المساكين لا يفرّقون بين السجود على التربة ، والسجود لها .


(166)

وعلى أيّ تقدير فالإجابة عنها واضحة ، فإنّ المستحسن عند الشيعة هو اتّخاذ تربة طاهرة طيّبة ليتيقن من طهارتها ، من أيّ أرض أُخذت ، ومن أيّ صقع من أرجاء العالم كانت ، وهي كلّها في ذلك سواء .

وليس هذا الالتزام إلاّ مثل التزام المصلّي بطهارة جسده وملبسه ومصلاّه ، وأمّا سرّ الالتزام في اتّخاذ التربة هو أنّ الثقة بطهارة كلّ أرض يحلّ بها ، ويتّخذها مسجداً ، لا تتأتّى له في كلّ موضع من المواضع التي يرتادها المسلم في حلّه وترحاله ، بل وأنّى له ذلك وهذه الأماكن ترتادها أصناف مختلفة من البشر ، مسلمين كانوا أم غيرهم ، ملتزمين بأُصول الطهارة أم غير ذلك ، وفي ذلك محنة كبيرة تواجه المسلم في صلاته لا يجد مناصاً من أن يتّخذ لنفسه تربة طاهرة يطمئنّ بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة ، والأوساخ التي لا يتقرّب بها إلى الله قطّ ولا تجوّز السنّة السجود عليها ولا يقبله العقل السليم ، خصوصاً بعد ورود التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلّي ولباسه والنهي عن الصلاة في مواطن منها :

1 ـ المزبلة ، والمجزرة ، وقارعة الطريق ، والحمّام ، ومعاطن الإبل ، بل والأمر بتطهير المساجد وتطييبها(1) .

وهذه القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح وإن غفل التاريخ عن نقلها ، فقد روي : أنّ التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع (ت 62هـ ) كان يصحب في أسفاره
لبنة من المدينة يسجد عليها . كما أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنّف ، باب من كان حمل في السفينة شيئاً يسجد عليه . فأخرج بإسنادين أنّ مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها(2) .


(1) العلاّمة الأميني ، سيرتنا وسنّتنا : 135 ، المطبعة الحيدريّة .

(2) أبو بكر بن أبي شيبة ، المصنف 1 : 400 كما في السجدة على التربة : 93 .


(167)

إلى هنا تبيّن أنّ التزام الشيعة باتّخاذ التربة مسجداً ليس إلاّ تسهيل الأمر للمصلّي في سفره وحضره خوفاً من أن لا يجد أرضاً طاهرة أو حصيراً طاهراً فيصعب الأمر عليه ، وهذا كادّخار المسلم تربة طاهرة لغاية التيمّم عليها .

وأمّا السرّ في التزام الشيعة استحباباً بالسجود على التربة الحسينية ، فإنّ من الأغراض العالية والمقاصد السامية منها ، أن يتذكّر المصلّي حين يضع جبهته على تلك التربة ، تضحية ذلك الإمام بنفسه وأهل بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ ومقارعة الجور والفساد .

ولمّا كان السجود أعظم أركان الصلاة ، وفي الحديث «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده» فيناسب أن يتذكّر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية ، أُولئك الذين جعلوا أجسامهم ضحايا للحقّ ، وارتفعت أرواحهم إلى الملأ الأعلى ، ليخشع ويخضع ويتلازم الوضع والرفع ، وتحتقر هذه الدنيا الزائفة ، وزخارفها الزائلة ، ولعلّ هذا هو المقصود من أنّ السجود عليها يخرق الحجب السبع كما في الخبر ، فيكون حينئذ في السجود سرّ الصعود والعروج من التراب إلى ربّ الأرباب(1) .

وقال العلاّمة الأميني : نحن نتّخذ من تربة كربلاء قطعاً لمعاً ، وأقراصاً نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنوّرة يسجد عليها ، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة ، فقيه المدينة ، ومعلّم السنّة بها ، وحاشاه من البدعة . فليس في ذلك أيّ حزازة وتعسّف أو شيء يضادّ نداء
القرآن الكريم أو يخالف سنّة الله وسنّة رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أو خروج من حكم العقل والاعتبار .

وليس اتّخاذ تربة كربلاء مسجداً لدى الشيعة من الفرض المحتّم ، ولا من واجب الشرع والدين ، ولا ممّا ألزمه المذهب ، ولا يفرق أيّ أحد منهم منذ أوّل


(1) الأرض والتربة الحسينية : 24 .


(168)

يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم ، وإن هو عندهم إلاّ استحسان عقلي ليس إلاّ ، واختياراً لما هو الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت ، وكثير من رجال المذهب يتّخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء ممّا يصحّ السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم(1) .

هذا إلمام إجمالي بهذه المسألة الفقهية والتفصيل موكول إلى محلّه ، وقد أغنانا عن ذلك ما سطّره أعلام العصر وأكابره ، وأخص بالذكر منهم .

1 ـ المصلح الكبير الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (1295 ـ 1373هـ ) في كتابه «الأرض والتربة الحسينية» .

2 ـ العلاّمة الكبيرالشيخ عبدالحسين الأميني مؤلّف الغدير (1320 ـ 1390هـ ) فقد دوّن رسالة في هذا الموضـوع طبعت في آخر كتابه «سيرتنا وسنّتنا» .

3 ـ السجود على الأرض للعلاّمة الشيخ عليّ الأحمدي ـ دام عزّه ـ فقد أجاد في التتبّع والتحقيق .

وما ذكرنا في هذه المسألة اقتباس من أنوار علومهم . رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الله الباقين منهم .


(1) العلاّمة الأميني ، سيرتنا وسنّتنا : 142 ، المطبعة الحيدرية .


(169)

المسألة الحادية عشرة :

عدالة الصحابة كلّهم

صحابة النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ هم المسلمون الأوائل الذين رأوا النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _وتشرّفوا بكرامة الصحبة ، وتحمّلوا جانباً مهمّاً في عملية نشر الدعوة الإسلامية ، وبذل جمع منهم النفس والنفيس في نشر الإسلام ، حتّى امتدّ إلى أقاصي المعمورة فأقاموا أُسسه ، وشادوا بنيانه ، ورفعوا قواعده بجهادهم المتواصل ، وبلغوا ذروة المجد باستسهال المصاعب ، فلولا بريق سيوفهم ، وقوّة سواعدهم ، وخوضهم عباب المنايا ، لما قام للدين عمود ، ولا اخضرّ له عود .

ولمّا كان الكتاب والسنّة هما المصدرين الرئيسيين عند المسلمين جميعاً ، والشيعة منهم ، وبهدي نورهما يسترشد في استشراف الحقائق الثابتة التي لا غبار عليها ، فإنّ التأمل في هذين المصدرين الغدقين يبيّن مدى فضل أُولئك ومنزلتهم في الإسلام .

ولعلّ المتأمل في الكتاب والسنّة يجد مدى ما يحفى به الصحابة الصادقون من ثناء وتكريم ، ومن تلا آيات الذكر الحكيم حول المهاجرين والذين اتّبعوهم بإحسان ، لا يملك نفسه إلاّ أن يغبط منزلتهم وعلوّ شأنهم ، بل ويتمنّى من صميم قلبه أن يكون أحدهم ويدرك شأنهم ، ومن استمع للآيات النازلة في الذين بايعوا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ تحت الشجرة أو أصحاب سورة الفتح(1) فلا بد أن تفيض عيناه دمعاً ويرتعش قلبه شوقاً نحو تلك الثلّة المؤمنة التي صدقت ما عاهدت الله عليه


(1) لاحظ الآيتين 18 و29 من سورة الفتح ، ففيهما إشارة واضحة إلى ما تحدّثنا عنه .


(170)

ورسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

فإذا كان هذا حال الصحابة في الذكر الحكيم فكيف يتجرّأ مسلم على تكفير الصحابة ورميهم بالردّة والزندقة أو تفسيقهم جميعاً؟ (سبحانك هذا بهتان عظيم) .

وكيف يستطيع أن يصوّر دعوة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ضئيلة الفائدة أو يتّهمه بعدم النجاح في هداية قومه وإرشاد أُمّته ، وأنّه لم يؤمن به إلاّ شرذمة قليلة لا يتجاوزون عدد الأصابع ، وأنّ ما سواهم كانوا بين منافق ستر كفره بالتـظاهر بالإيمان ، أو مرتدّ على عقبيه القهقرى بعد رحلة النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

كيف يجوز لمسلم أن يصف دعوته ويقول : إنّه لم يهتد ولم يثبت على الإسلام بعد مرور (23) عاماً من الدعوة إلاّ ثلاثة أو سبعة أو عشرة . إنّ هذا ليس إلاّ هراء وكذب رخيص لا تقبله العقول .

والأنكى من ذلك كلّه أن يُرمى الشيعة بهذا التقوّل الممجوج ، وأن تجد من يصدّق ذلك ويرتّب على أساسه مواقف وآراء ، وإنّا نسأل أُولئك عن هذا فنقول لهم : أيّ شيعي واع ادّعى ذلك؟ ومتى قال؟ وأين ذكره؟ إنّ الشيعة بريئة من هذه التخرّصات ، وما هذه الحكايات السقيمة إلاّ جزءاً من الدعايات الفارغة ضدّ الشيعة والتي أثارها الأمويّون في أعصارهم ، ليسقطوا الشيعة من عيون المسلمين ،
وتلقّفتها أقلام المستأجرين لتمزيق الوحدة الإسلامية ، وفصم عرى الأُخوّة . وترى تلك الفرية في هذه الأيام في كتيّب نشره الكاتب أبو الحسن الندوي أسماه بـ «صورتان متعارضتان» . وهو يجترّ ذلك مرّة بعد أُخرى ، وما يريد من ذلك إلاّ
زيادة الأُمّة فرقة وتمزيقاً .

نعم وردت روايات في ذلك ، ولكنّها لا تكون مصدراً للعقيدة ، ولا تتّخذ مقياساً لها; لأنّها روايات آحاد لا تفيد علماً في مجال العقائد ، وستوافيك دراسة متونها وأسانيدها .


(171)

إنّا لو أحصينا المهتدين في عصر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ من بني هاشم لتجاوز عددهم العشرات ، بدءاً من عمّه أبي طالب ومروراً بصفيّة عمّته ، وفاطمة بنت أسد ، وبحمزة والعبّاس وجعفر وعقيل وطالب وعبيدة بن الحارث «شهيد بدر» وأبي سفيان بن الحارث ونوفل بن الحارث وجعدة بن أبي هبيرة وأولادهم وزوجاتهم ، وانتهاءً بعليّ ـ عليه السلام _ وأولاده وبناته وزوجته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين .

أمّا الذين استشهدوا في عهد النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ فهم يتجاوزون المئات ، ولا يشكّ أيّ مسلم في أنّهم كانوا مثال المؤمنين الصادقين الذين حوّلهم الإسلام وأثّر فيهم ، فضربوا في حياتهم أروع الأمثلة في الإيمان والتوحيد والتضحية بالغالي والنفيس ، خدمة للمبدأ و العقيدة . ولعلّ الاستعراض المتعجّل لمجموع تلك الأسماء لا يملك إلاّ أن يجزم بصحّة ما ذهبنا إليه من القول بمكانة أُولئك الصحابة ابتداءً بآل ياسر الذين كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول لهم وهو يسمع أنينهم تحت سياط التعذيب : «صبراً آل ياسر إنّ موعدكم الجنّة»(1) ، و مروراً بمن توفّي في مهجر الحبشة وشهداء بدر وأُحد ، وقد استشهد في معركة أُحد سبعون صحابياً كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يزورهم ويسلّم عليهم ، ثمّ شهداء سائر المعارك والغزوات ، حتّى قال النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ في حقّ سعد بن معاذ شهيد غزوة الخندق : «اهتزّ العرش لموته» ، وشهداء بئر معونة والتي يتراوح عدد الشهداء فيها بين (40) حسب رواية أنس بن مالك و (70) حسب رواية غيره ، إلى غير ذلك من الأصحاب الصادقين الأجلاّء الذين :
(صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبديلا)(2) ، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ


(1) السيرة النبوية لابن هشام 1 : 320 طبعة الحلبي .

(2) الأحزاب : 23 .


(172)

إيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكيلُ)(1) ، (للفُقَراءِ المُهاجِرينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ الله وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسولَهُ . . . والَّذِينَ تَبَوّءوا الدّارَ والإيمان مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَـى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)(2) .

أو ليست هذه الآيات تثبت نجاح النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ في دعوته ، وأنّه اجتمع حوله رجال صالحون ومخلصون ، فكيف يمكن رمي مسلم يتلو الذكر الحكيم ليل نهار باعتقاده بخيبة النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ في دعوته وتهالكه في هداية أُمّته . إنّ الموقف الصحيح من الصحابة هو ما جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام _ :

«أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحقّ؟ أين عمّـار؟ وأين ابن التّيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة وأُبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟ أوّه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه وتدبّروا الفرض فأقاموه . أحيوا السنّة وأماتوا البدعة ، دُعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتّبعوه»(3) .

وليس ما جاء في هذه الخطبة فريداً في كلامه ، فقد وصف أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يوم صفّين ، يوم فرض عليه الصلح بقوله :

«ولقد كنّا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً ، ومضياً على اللقم ، وصبراً على مضض الألم ، وجدّاً في جهاد العدوّ ، ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول


(1) آل عمران : 173 .

(2) الحشر : 8 ـ 9 .

(3) نهج البلاغة ، الخطبة 182 .


(173)

الفحلين ، يتخالسان أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون ، فمرّة لنا من عدوّنا ، ومرّة لعدوّنا منّا . فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت ، وأنزل علينا النصر ، حتّى استقرّ الإسلام ملقياً جرانه ومتبوّئاً أوطانه ، ولعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ، ولا اخضرّ للإيمان عود»(1) .

هذه كلمة الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السلام _ قائد الشيعة وإمامهم ، أفهل يجوز لمن يؤمن بإمامته أن يكفّر جميع صحابة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أو يفسّقهم أو ينسبهم إلى الزندقة والإلحاد أو الارتداد ، من دون أن يقسّمهم إلى أقسام ، ويصنّفهم أصنافاً ويذكر تقاسيم القرآن والسنّة في حقّهم!! كلاّ وألف كلاّ .

وهذا هو الإمام عليّ بن الحسين يذكر في بعض أدعيته صحابة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ويقول : «اللّهمّ وأصحاب محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خاصّة الذين أحسنوا الصحبة ، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره ، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته ، وسابقوا إلى دعوته ، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته ، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته ، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته ، وانتصروا به ، ومن كانوا منطوين على محبّته ، يرجون تجارة لن تبور في مودّته ، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلّقوا بعروته ، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظلّ قرابته ، فلا تنس لهم اللّهمّ ما تركوا لك وفيك ، وأرضهم من رضوانك ، وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك ، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم ، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم .

اللّهمّ وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربّنا اغفر لنا


(1) نهج البلاغة ، الخطبة 56 .


(174)

ولإخواننا . . .»(1) .

فإذا كان الحال كذلك ، واتّفق الشيعي والسنّي على إطراء الذكر الحكيم للصحابة والثناء عليهم ، فما هو موضع الخلاف بين الطائفتين كي يعدّ ذلك من أعظم الخلاف بينهما؟

إنّ موضع الخلاف ليس إلاّ في نقطة واحدة ، وهي أنّ أهل السنّة يقولون بأنّ كلّ من رأى النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعاشره ولو يوماً أو يومين فهو محكوم بالعدالة منذ اللقاء إلى يوم أُدرج في كفنه ، ولو صدر منه قتل أو نهب أو زنا أو غير ذلك ، محتجّين بما نسب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أصحابي كالنجوم ، بأيّهم اقتديتم اهتديتم» وفي ذلك خلل كبير أعاذ الله المسلمين منه ، فالتاريخ بين أيدينا ، وصفحاته خير شاهد على ما نقول ، ونحن لا نقول كما قال الحسن البصري : «طهّر الله سيوفنا عن دمائهم ، فلنطهّر ألسنتنا» ، لأنّا لا نظنّ أنّ الحسن البصري يعتقد بما قال بل إنّه تدرّع بهذه الكلمة وصان بها نفسه عن هجمات الأمويين الذين كانوا يروّجون عدالة الصحابة في جميع الأزمنة ، بل يلبسونهم ثوب العصمة ، إلى حدّ كان القدح بالصحابي أشدّ من القدح برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فنفي العصمة عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ واتّهامه بالذنب قبل بعثه وبعده كان أمراً سهلا يطرح بصورة عقيدة معقولة ولا يؤاخذ القائل به ، وأمّا من نسب صغيرة أو كبيرة إلى صحابي فأهون ما يواجهونه به هو الاستتابة وإلاّ فالقتل . . .

فإذا كان هذا هو محلّ النزاع ـ أي عدالة الكل بلا استثناء أو تصنيفهم إلى مؤمن أو فاسق ، ومثالي أو عادي ، إلى زاهد أو متوغّل في حبّ الدنيا ، إلى عالم بالشريعة وعامل بها أو جاهل لا يعرف منها إلاّ شيئاً طفيفاً ـ فيجب تحليل المسألة على ضوء الكتاب والسنّة ، مجرّدين عن كلّ رأي مسبق ، لا يقودنا في ذلك إلاّ


(1) الصحيفة السجادية ، الدعاء 4 .


(175)

الدليل الصحيح والحجّة الثابتة ، ولأجل إماطة الستر عن وجه الحقيقة نذكر أُموراً :

الصحابة فى القرآن الكريم 

1 ـ إنّ القرآن الكريم يصنّف الصحابة إلى أصناف مختلفة; فهو يتكلّم عن السابقين الأوّلين ، والمبايعين تحت الشجرة ، والمهاجرين المهجّرين عن ديارهم وأموالهم ، وأصحاب الفتح ، إلى غير ذلك من الأصناف المثالية ، الذين يثني عليهم ويذكرهم بالفضل والفضيلة ، وفي مقابل ذلك يذكر أصنافاً أُخر يجب أن لا تغيب عن أذهاننا وتلك الأصناف هي التالية :

1 ـ المنافقون المعروفون(1) .

2 ـ المنافقون المتستّرون الذين لا يعرفهم النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (2) .

3 ـ ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب(3) .

4 ـ السمّـاعون لأهل الفتنة(4) .

5 ـ المسلمون الذين خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً(5) .

6 ـ المشرفون على الارتداد عندما دارت عليهم الدوائر(6) .

7 ـ الفاسق أو الفسّاق الذين لا يصدق قولهم ولا فعلهم(7) .


(1) المنافقون : 1 .

(2) التوبة : 101 .

(3) الأحزاب : 11 .

(4) التوبة : 45ـ47 .

(5) التوبة : 102 .

(6) آل عمران : 154 .

(7) الحجرات : 6 ، السجدة : 18 .


(176)

8 ـ المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم(1) .

9 ـ المؤلّفة قلوبهم الذين يظهرون الإسلام ويتآلفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم(2) .

10 ـ المولّون أمام الكفّار(3) .

هذه الأصناف إذا انضمّت إلى الأصناف المتقدّمة ، فإنّها تعرب عن أنّ صحابة النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يكونوا على نمط واحد ، بل كانوا مختلفين من حيث قوّة الإيمان وضعفه ، والقيام بالوظائف والتخلّي عنها ، فيجب إخضاعهم لميزان العدالة الذي توزن به أفعال جميع الناس ، وعندئذ يتحقّق أنّ الصحبة لا تعطي لصاحبها منقبة إلاّ إذا كان أهلا لها ، وتوضّح بجلاء أنّ محاولة المساواة في الفضل بين جميع الصحابة أمر فيه مجافاة صريحة للحقّ وكلمة الصدق ، وهذا ما ذهبت إليه الشيعة ، وهو نفس النتيجة التي يخرج بها الإنسان المتدبّر للقرآن الكريم .

2 ـ إنّ الآيات التي تناولت المهاجرين والأنصار وغيرهم بالمدح والثناء ، لا تدلّ على أكثر من أنّهم كانوا حين نزول القرآن مُثلا للفضل والفضيلة ، ولكن الأُمور إنّما تعتبر بخواتيمها ، فيحكم عليهم ـ بعد نزول الآيات ـ بالصلاح والفلاح
إذا بقوا على ما كانوا عليه من الصفات ، وأمّا لو ثبت عن طريق السنّة أو التاريخ الصحيح أنّه صدر عن بعضهم ما لا تحمد عاقبته ، فحينئذ لا مندوحة لنا إلاّ الحكم بذلك ، ولا يعد مثل ذلك معارضاً للقرآن الكريم; لأنّه ناظر إلى أحوالهم في ظروف خاصّة ، لا في جميع فصول حياتهم ، فليس علينا رفع اليد عن السنّة والتاريخ الصحيح بحجّة أنّ القرآن الكريم مدحهم ، وأنّ الله تعالى كان في وقت مّا راضياً


(1) الحجرات : 14 .

(2) التوبة : 60 .

(3) الأنفال : 15 ـ 16 .


(177)

عنهم ، لما عرفت من أنّ المقياس القاطع للقضاء هو دراسة جميع أحوالهم وإخضاعها للقرآن والسنّة ، فكم من مؤمن زلّت قدمه في الحياة ، فعاد منافقاً ، أو مرتدّاً ، وكم من ضالّ شملته العناية الإلهية ، فبصر الطريق وصار رجلا إلهياً .

وبالجملة : فمن ثبت عن طريق الدليل الصحيح انحرافه وزيغه عن الصراط المستقيم وشوب إيمانه بالظلم والعيث والفساد ، فيؤخذ بما هو الثابت في ذينك المصدرين ، وأمّا من لم يثبت زيغه فلا نتكلّم في حقّه بشيء سوى ما أمر الله به سبحانه من طلب الرحمة لهم حيث قال : (رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ)(1) .

3 ـ ومن سوء الحظ أنّ شرذمة قليلة من الصحابة زلّت أقدامهم وانحرفوا عن الطريق ، فلا تمس دراسة أحوال هؤلاء القليلين ، وتبيين مواقفهم ، وانحرافهم عن الطريق المستقيم بكرامة الباقين ، ولعلّ عدد المنحرفين (غير المنافقين) لا يتجاوز العشرة إلاّ بقليل .

أفيسوغ في ميزان العدل رمي الشيعة بأنّهم يكفّرون الصحابة ويفسّقونهم بحجّة أنّهم يدرسون حياة عدّة قليلة منهم ويذكرون مساوئ أعمالهم ، وما يؤاخذ عليهم على ضوء الكتاب والسنّة والتاريخ الصحيح .

وما نسب إلى الحسن البصري فهو أولى بالإعراض عنه ، إذ لو كانت النجاة في ترك ذكرهم ، فلماذا اهتمّ ببيان أفعالهم وصفاتهم التاريخ المؤلّف بيد السلف الصالح الذين كانوا يحترمون الصحابة مثلما يحترمهم الخلف؟ فلو كان الحقّ ترك التكلّم فيهم وإعذارهم بالاجتهاد ، فلماذا وصف النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعضهم بالارتداد ، كما


(1) الحشر : 10 .


(178)

رواه البخاري وغيره؟(1) .

وإذا دار الأمر بين كون القرآن أو النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أُسوة ، أو الكلمة المأثورة عن الحسن البصري ، فالأوّل هو المتعيّـن ، ويضرب بالثاني عرض الجدار .

الردّة بعد وفاة الرسول _ صلى الله عليه وآله _

بقيت هنا كلمة وهي : إذا كان موقف الشيعة وأئمّتهم من الصحابة ما ذكر آنفاً ، فما معنى ما رواه أبو عمرو الكشّي من أنّه ارتدّ الناس بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلاّ ثلاثة؟ إذ لو صحّ ما ذكر ، وجب الالتزام بأنّ النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم ينجح في دعوته ، ولم يتخرّج من مدرسته إلاّ قلائل لا يعتدّ بهم في مقابل ما ضحّى به من النفس والنفيس .

والإجابة على هذا السؤال واضحة لمن تفحّص عنها سنداً ومتناً; فإنّ ما رواه لا يتجاوز السبع روايات; وهي بين ضعيف لا يعوّل عليه ، وموثّق ـ حسب اصطلاح علماء الإمامية في تصنيف الأحاديث ـ وصحيح قابلين للتأويل ، ولا يدلاّن على الارتداد عن الدين ، والخروج عن الإسلام بل يرميان إلى أمر آخر .

أمّا الضعيف فهو ما رواه الكشّي عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير قال : حدّثنا محمّد بن عثمان ، عن حنّان بن سدير ، عن أبيه ، عن أبي جعفر ـ عليه السلام _ قال : «كان الناس أهل الردّة بعد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ ثلاثة . . .»(2) .

وكفى في ضعفها وجود محمّد بن عثمان في سندها; وهو من المجاهيل .

ما رواه أيضاً عن عليّ بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بكر


(1) صحيح البخاري 5 : 118 ـ 119 في تفسير سورة النور .

(2) رجال الكشي : 12 / 1 .


(179)

الحضرمي قال : قال أبو جعفر ـ عليه السلام _ : «ارتدّ الناس إلاّ ثلاثة نفر : سلمان ، وأبو ذر ، والمقداد»(1) .

وكفى في ضعفها أنّ الكشّي من أعلام القرن الرابع الهجري القمري ، فلا يصحّ أن يروي عن عليّ بن الحكم ، سواء أكان المراد منه الأنباري الراوي عن ابن عميرة المتوفّى عام (217هـ ) أو كان المراد الزبيري الذي عدّه الشيخ من أصحاب الرضا ـ عليه السلام _ المتوفّى عام 203هـ .

وما نقله أيضاً عن حمدويه بن نصير قال : حدّثني محمّد بن عيسى ومحمّد بن مسعود قال : حدّثنا جبرئيل بن أحمد قال : حدثنا محمّد بن عيسى ، عن النضر بن سويد ، عن محمّد بن البشير ، عمّن حدثه قال : «ما بقي أحد إلاّ وقد جال جولة إلاّ المقداد بن الأسود; فإنّ قلبه كان مثل زبر الحديد»(2) .

والرواية ضعيفة بجبرئيل بن أحمد; فإنّه مجهول كما أنّها مرسلة في آخرها .

وأمّا الروايات الباقية فالموثّق عبارة عمّـا ورد في سنده عليّ بن الحسن الفضال ، والثلاثة الباقية صحيحة ، ومن أراد الوقوف على أسنادها ومتونها فليرجع إلى رجال الكشّي(3) .

ومع ذلك كلّه فإنّ هذه الروايات لا يحتجّ بها أبداً لجهات عديدة نشير إلى بعض منها:

1 ـ كيف يمكن أن يقال إنّه ارتدّ الناس بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولم يبق إلاّ ثلاثة تمسّكوا بولاية عليّ ولم يعدلوا عنها ، مع أنّ ابن قتيبة والطبري رويا أنّ جماعة من بني هاشم وغيرهم تحصَّنوا في بيت علي معترضين على ما آل إليه أمر السقيفة ، ولم


(1) رجال الكشي : 16 / 13 .

(2) رجال الكشي : 16 الحديث 11 .

(3) المصدر نفسه : 13 / 3 و 4 و 6و 7 .


(180)

يتركوا بيت الإمام إلاّ بعد التهديد والوعيد وإضرام النار أمام البيت . وهذا يدلّ على أنّه كان هناك جماعة مخلصون بقوا أوفياء لما تعهّدوا به في حياة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وإليك نصّ التاريخ : قال ابن قتيبة :

إنّ بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى عليّ بن أبي طالب ، ومعهم الزبير ابن العوّام ـ رضي الله عنه ـ(1) .

وقال في موضع آخر : إنّ أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ تفقّد قوماً تخلَّفوا عن بيعته عند عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار عليّ ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها ، فقيل له : يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة ، فقال : وإن . . .(2) .

روى الطبري : قال : أتى عمر بن الخطاب منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : والله لأُحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة ، فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه(3) .

وقال ابن واضح الأخباري : وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع عليّ بن أبي طالب ، منهم : العبّاس بن عبد المطلب ، والفضل بن العبّاس ، والزبير بن العوّام بن العاص ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبوذر الغفاري ، وعمّـار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأُبي بن كعب . فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة فقال : ما الرأي؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في


(1) الإمامة والسياسة 1 : 10 ـ 12 .

(2) المصدر نفسه .

(3) تاريخ الطبري 2 : 442 .


(181)

هذا الأمر نصيباً . . .(1) .

كلّ ذلك يشهد على أنّه كان هناك أُمّة بقوا على ما كانوا عليه ، في عصر الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ولم يغترّوا بانثيال الأكثرية إلى غير من كان الحقّ يدور مداره . وكيف يمكن ادّعاء الردّة لعامة الصحابة إلاّ القليل .

2 ـ كيف يمكن أن يقال : ارتدّ الناس إلاّ ثلاثة مع أنّ الصدوق ـ رضي الله عنه ـ ذكر عدّة من المنكرين للخلافة في أوائل الأمر وقد بلغ عددهم اثنا عشر رجلا من المهاجرين والأنصار وهم : خالد بن سعيد بن العاص ، والمقداد بن الأسود ، وأُبي ابن كعب ، وعمّـار بن ياسر ، وأبوذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وعبد الله بن مسعود ، وبريدة الأسلمي ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وسهل بن حنيف ، وأبو أيّوب الأنصاري ، وأبو هيثم بن التيهان وغيرهم .

ثمّ ذكر اعتراضاتهم على مسألة الخلافة واحداً بعد واحد(2) .

3 ـ إنّ وجود الاضطراب والاختلاف في عدد من استثناهم الإمام يورث الشكّ في صحّتها ، ففي بعضها «إلاّ ثلاثة» وفي البعض الآخر «إلاّ سبعة» وفي ثالث «إلاّ ستة» فإنّ التعارض وإن كان يمكن رفعه بالحمل على اختلافهم في درجات الإيمان غير أنّه على كلّ تقدير يوهن الرواية .

4 ـ كيف يمكن إنكار إيمان أعلام من الصحابة مع اتّفاق كلمة الشيعة والسنّة على علوّ شأنهم ، أمثال : بلال الحبشي ، وحجر بن عدي ، وأُويس القرني ، ومالك ابن نويرة المقتول ظلماً على يد خالد بن الوليد ، والعبّاس بن عبد المطلب وابنه حبر الأُمّة وعشرات من أمثالهم ، وقد عرفت أسماء المتخلّفين عن بيعة أبي بكر في كلام اليعقوبي ، أضف إلى ذلك أنّ رجال البيت الهاشمي كانوا على خطّ الإمام ولم يتخلّفوا


(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 124 .

(2) الخصال ، الشيخ الصدوق أبواب الاثني عشر : 461 ـ 465 .


(182)

عنه ، وإنّما غمدوا سيوفهم اقتداءً بالإمام لمصلحة عالية ذكرها في بعض كلماته(1) .

وأقصى ما يمكن أن يقال في حقّ هذه الروايات هو أنّه ليس المراد من الارتداد الكفر والضلال والرجوع إلى الجاهلية ، وإنّما المراد عدم الوفاء بالعهد الذي أُخذ منهم في غير واحد من المواقف وأهمّها غدير خم . ويؤيّد ذلك :

ما رواه وهب بن حفص ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر ـ عليه السلام _ : «جاء المهاجرون والأنصار وغيرهم بعد ذلك(2) إلى عليّ ـ عليه السلام ـ فقالوا له : أنت والله أمير المؤمنين وأنت والله أحقّ الناس وأولاهم بالنبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هلمّ يدك نبايعك فوالله لنموتنّ قدامك . فقال عليّ ـ عليه السلام ـ  : إن كنتم صادقين فاغدوا غداً عليّ محلّقين . فحلق أمير المؤمنين وحلق سلمان وحلق المقداد وحلق أبو ذر ولم يحلق غيرهم(3) .

وهذه الرواية قرينة واضحة على أنّ المراد هو نصرة الإمام ـ عليه السلام ـ لأخذ الحق المغتصب ، فيكون المراد من الردّة هو عدم القتال معه .

وممّا يؤيّد ذلك أيضاً الرواية التي جاء فيها أنّ قلب المقداد بن الأسود كزبر الحديد ، فهي وإن كانت ضعيفة السند لكنّ فيها إشعاراً على ذلك; لأنّ وصف قلب المقداد إشارة إلى إرادته القويّة وثباته في سبيل استرداد الخلافة .

وظنّي أنّ هذه الروايات صدرت من الغلاة والحشوية دعماًلأمر الولاية وتغابناً في الإخلاص ، غافلين عن أنّها تضادّ القرآن الكريم ، وما روي عن أمير المؤمنين وحفيده سيّد الساجدين ، من الثناء والمدح لعدّة من الصحابة . وهناك كلام قيّم للعلاّمة السيد محسن الأمين العاملي نذكر نصّه وهو يمثّل عقيدة الشيعة فقال :

وقالت الشيعة : حكم الصحابة في العدالة حكم غيرهم ، ولا يتحتّم الحكم بها


(1) نهج البلاغة ، الكتاب 62 .

(2) أي بعد بيعة أبي بكر .

(3) لاحظ رجال الكشي : 14 / 7 من هذا الباب .


(183)

بمجرّد الصحبة; وهي لقاء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ مؤمناً به ومات على الإسلام . وإنّ ذلك ليس كافياً في ثبوت العدالة بعد الاتّفاق على عدم العصمة المانعة من صدور الذنب ، فمن علمنا عدالته حكمنا بها وقبلنا روايته ، ولزمنا له من التعظيم والتوقير ، بسبب شرف الصحبة ونصرة الإسلام والجهاد في سبيل الله ما هو أهله ، ومن علمنا منه خلاف ذلك لم تقبل روايته ، أمثال مروان بن الحكم ، والمغيرة بن شعبة ، والوليد بن عقبة ، وبسر بن أرطاة وبعض بني أُميّة وأعوانهم ، ومن جهلنا حاله في العدالة توقّفنا في قبول روايته .

وممّا يمكن أن يذكر في المقام أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ توفّي ومن رآه وسمع عنه يتجاوز مائة ألف إنسان من رجل وامرأة على ما حكاه ابن حجر في الإصابة عن أبي زرعة الرازي : «وقيل مات ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي» ومن الممتنع عادة أن يكون هذا العدد في كثرته وتفرّق أهوائه وكون النفوس البشرية مطبوعة على حبّ الشهوات كلّهم قد حصلت لهم ملكة التقوى المانعة عن صدور الكبائر ، والإصرار على الصغائر بمجرّد رؤية النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ والإيمان به ، ونحن نعلم أنّ منهم من أسلم طوعاً ورغبة في الإسلام ، ومنهم من أسلم خوفاً وكرهاً ، ومنهم المؤلّفة قلوبهم ، وما كانت هذه الأُمّة إلاّ كغيرها من الأُمم التي جبلت على حبّ الشهوات وخلقت فيها الطبائع القائدة إلى ذلك إن لم يردع رادع والكل من بني آدم ، وقد صحّ عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال : «لتسلكنّ سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة حتّى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه» . ولو منعت رؤية النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ من وقوع الذنب لمنعت
من الارتداد الذي حصل من جماعة منهم كعبد الله بن جحش ، وعبيد الله بن خطل ، وربيعة بن أُمية بن خلف ، والأشعث بن قيس(1) وغيرهم . هذا مع ما شوهد


(1) الثلاثة الأوّلون ارتدّوا وماتوا على الردّة ، والأشعث ارتدّ فأُتي به إلى الخليفة أبى بكر أسيراً فعاد إلى الإسلام وزوّجه أُخته ، وكانت عوراء ، فأولدها محمّداً أحد قتلة الحسين _ عليه السلام_  .


(184)

من صدور أُمور من بعضهم لاتتّفق مع العدالة ، كالخروج على أئمّة العدل ، وشقّ
عصا المسلمين ، وقتل النفوس المحترمة ، وسلب الأموال المعصومة ، والسبّ والشتم وحرب المسلمين وغشهم ، وإلقاح الفتن ، والرغبة في الدنيا ، والتزاحم على الإمارة والرئاسة وغير ذلك ممّا تكفّلت به كتب الآثار والتواريخ وملأ الخافقين . وأعمال مروان بن الحكم في خلافة عثمان معلومة مشهورة ، وكذلك بسر بن أرطاة والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة ، وكلّهم من الصحابة(1) .

وحصيلة البحث : أنّ موضع الاختلاف ، ومصبّ النزاع ليس إلاّ كون عدالة الصحابة قضية كلّية أو جزئيّة؟ فالسنّة على الأُولى ، والشيعة على الثانية ، وأمّا ما سواها من سبّ الصحابة ولعنهم ، أو ارتدادهم عن الدين بعد رحلة الرسول ، أو عدم حجّية رواياتهم على وجه الإطلاق ، فإنّها تُهمٌ أُموية ناصبية ، اتُّهم بها شيعة آل محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهم براء منها . ونعم الحكم الله . فالشيعة يعطون لكلّ ذي حقّ حقّه ، فيأخذون معالم دينهم عن ثقات الصحابة ، ولا يتكلّمون في حقّ من لم يتعرّفوا على حاله ، ويحكمون على القسم الثالث على ضوء الكتاب والسنّة .

إنّ هناك رجالا من السلف لا يسوغ لمنصف يمتلك مقياساً شرعياً سليماً أن يذهب إلى جواز حبّهم أو الترحّم عليهم; لأنّ في ذلك خروجاً صارخاً عن أبسط المقاييس والموازين الشرعية ، ومن هؤلاء :

1 ـ معاوية بن أبي سفيان ـ ويكفي في حقّه إيراد ما ذكره الجاحظ في رسالته في بني أُمية والآثام التي اقترفوها ـ : استوى معاوية على الملك ، واستبدَّ على بقيّة أهل الشورى ، وعلى جماعة المسلمين من المهاجرين والأنصار في العام الذي سمّوه عام


(1) الأمين ، أعيان الشيعة 1 : 113 ـ 114 .


(185)

الجماعة ، وما كان عام جماعة ، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة ، والعام الذي تحوّلت فيه الإمامة ملكاً كسروياً ، والخلافة غصباً قيصرياً ، ثمّ ما زالت معاصيه
من جنس ما حكيناه ، وعلى منازل ما رتّبناه ، حتّى ردّ قضية رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ردّاً مكشوفاً وجحد حكمه جحداً ظاهراً(1) ، فخرج بذلك من حكم الفجّار إلى حكم الكفّار .

أو ليس قتل حجر بن عدي ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر ، وبيعة يزيد الخليع ، والاستئثار بالفيء ، واختيار الولاة على الهوى ، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة ، من جنس الأحكام المنصوصة والشرائع المشهورة ، والسنن المنصوبة ، وسواء جحد الكتاب ، وردّ السنّة إذا كانت في شهرة الكتاب وظهوره ، إلاّ أنّ أحدهما أعظم وعقاب الآخرة عليه أشدّ(2) .

وقد أربت نابتة عصرنا ومبدعة دهرنا فقالت : لا تسبّوه; فإنّ له صحبة ، وسبّ معاوية بدعة ، ومن بغضه فقد خالف السنّة ، فزعمت أنّ من السنّة ترك البراءة ممّن جحد السنّة(3) .

2 ـ عمرو بن العاص ، الذي ألَّب على عثمان وسرّ بقتله ، ثم اجتمع مع معاوية يطالب بدمه عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام _ الذي كان من أشدّ المدافعين عنه ، وأعطفهم عليه يوم أمر طلحة بمنع الماء عنه وتعجيل قتله . كلّ ذلك كان من ابن العاص حبّاً بخراج مصر ، لا بعثمان ولا بمعاوية أيضاً ، والعجب أنّ الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ تنبّأ بذلك وصرّح بأنّهما لا يجتمعان إلاّ على غدر(4) .


(1) إشارة إلى استلحاق زياد بن أبيه وليد فراش غير أبي سفيان .

(2) أي ردّ السنّة مثل ردّ الكتاب إذا بلغت السنّة في الشهرة شهرة الكتاب .

(3) الجاحظ : رسائل الجاحظ : 294 طبع مصر .

(4) ابن حجر ، تطهير الجنان المطبوع على هامش الصواعق المحرقة : 102 .


(186)

3 ـ يزيد الخليع المستهتر خليفة معاوية الذي ولّي ثلاث سنين بعده ، فقتل في الأُولى الإمام الحسين ـ عليه السلام _ ، وفي الثانية أغار على المدينة وقتل من الصحابة والتابعين ما لا يحصى وأباح أعراضهم ، وفي الثالثة رمي الكعبة(1) ، وكفى في كفره وإلحاده جهره بقول ابن الزبعرى :

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزلْ

4 ـ مروان بن الحكم ، الذي كان من أشدّ الناس بغضاً لأهل البيت . قال ابن حجر : ومن أشدّ الناس بغضاً لأهل البيت مروان بن الحكم .

روى الحاكم : أنّ عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ قال : كان لا يولد لأحد بالمدينة ولد إلاّ أُتي به النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فأُدخل عليه مروان بن الحكم ، فقال : «هو الوزغ بن الوزغ ، الملعون بن الملعون»(2) .

5 ـ الوليد بن عقبة شارب الخمر ، والزائد في الفريضة(3) .

6 ـ وعبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي أهدر النبيّ دمه(4) .

7 ـ الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، الذي يخاطب كتاب الله العزيز بعد أن ألقاه ورماه بالسهام بقوله :

تهدّدني بجبار عنيد * فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر * فقل يا ربّ مزّقني الوليد(5)


(1) ابن الجوزي : تذكرة الخواص ، فصل يزيد بن معاوية : 257 .

(2) الحاكم ، المستدرك 4 : 479 .

(3) البلاذري : الأنساب 5 : 33; وأحمد بن حنبل ، المسند 1 : 144 .

(4) تاريخ الطبري 3 : 300 ، فصل : ذكر الخبر عن فتح مكّة .

(5) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 5 : 107 .


(187)

ويقول السيوطي : إنّ الوليد هذا كان فاسقاً خميراً لوّاطاً ، راود أخاه سليمان عن نفسه ، ونكح زوجات أبيه(1) .

هؤلاء وأضرابهم هم الذين تتبرّأ الشيعة منهم وتحكم عليهم بما حكم الله به عليهم . أفيصحّ تكفير الشيعة وتفسيقهم لأجل سبّ هؤلاء والتبرّي منهم؟! إنّ أعمال هؤلاء يندى لها جبين الإنسانية ولا يمكن أن تغضي عنها ، فيالله!! أمن الإنصاف أن تتّهم الشيعة بالانحراف والخروج عن الدين لأنّها تدين هؤلاء وتلعنهم ، والله تعالى لعن أقواماً كثيرين في كتابه الحكيم وكذلك رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ ولعلّ أعمال أُولئك لو وزنت بأعمال هؤلاء لما رجحت عليها .


(1) جلال الدين السيوطي ، تاريخ الخلفاء : 97 .


(188)

المسألة الثانية عشرة:

في عالمية رسالة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخاتميّتها

تمهيد : ملامح الشريعة الإسلاميّة

تمتاز الشريعة الإسلامية بنقطتين رئيستين :

الأُولى : عالميّتها وشموليّتها .

الثانية : كونها خاتمة الشرائع .

أمّا الأُولى : فمعناها أنّ دعوتَها عالمية لا تنحصر بإقليم معيّن ، وهي من أبرز الملامح التي يستهدفها القرآن في دعوته ورسالته .

يقول سبحانه: (تباركَ الَّذي نزَّلَ الفُرقانَ على عَبدِه ليكونَ للعالمينَ نَذيراً )(1).

ويقول أيضاً : (وما أرسلناك إلاّ كافّةً للنّاسِ بَشيراً ونَذيراً ولكنَّ أكثر النّاسِ لا يَعلَمون )(2) .

وقال سبحانه : (قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسولُ اللهِ إلَيكُمْ جَميعاً . . . )(3) .

لقد بعثَ الرسولُ الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ سفراءَه إلى أنحاء المعمورة لنشر دعوته فيها وبيد كلّ واحد منهم كتاب يعبِّر عن عالميّة دعوته ، فقد بعثَ إلى قيصر الروم ، وكسرى فارس ، وعظيم القبط ، وملك الحبشة ، والحارث بن أبي شمر الغسّاني ملك تخوم الشام ، وحوزة بن عليّ الحنفي ملك اليمامة ، وغيرهم من ملوك العرب


(1) الفرقان : 1 .

(2) سبأ : 28 .

(3) الأعراف : 158 .


(189)

وشيوخ القبائل والأساقفة ، والمرازبة ، والعمّال ، وهذه المواثيق أوضح دليل على أنّ رسالته عالمية لا تحدُّ بحدّ ، بل تجعل الأرض كلها ساحة لإشاعة دينه وتطبيق شريعته .

هذا والبراهين على عالمية دعوته كثيرة لا مجال لذكرها .

نعم ربما قد تظهر بعض المغالطات من النصارى القدامى في هذه النقطة; حيث حاولوا تحجيم أمر الرسالة وتخصيصها بمكان وعنصر خاصَّين ، وليست شبهاتهم قابلة للذكر .

كيف وبيانات القرآن وخطاباته للبشر كافة ومواثيق الرسول ودعواته المتجاوزة حدود الجزيرة العربية ، واجتياح جيوش المسلمين ورجالهم أرض غير العرب ، واستقرار الأُمّة الإسلامية في أكثر مناطق المعمورة بل معظمها يومذاك ، أبطلت هذه المغالطات وجعلتها في مدحرة البطلان ، ولذلك نعود إلى الملمح الثاني من ملامح الشريعة الإسلامية ، في بحثنا وهو خاتميتها; وهي تعني :

أنّها آخر الشرائع ، وأنّ المبعوث بها هو خاتم الأنبياء; فشريعته خاتمة الشرائع ، وهذا ما نحاول دراسته في هذه الرسالة ، ونستدلّ عليه عن طريق الكتاب والسنّة ونحلّل الإشكالات المثارة حوله كل ذلك في ضمن فصول .


(190)

الخاتمية فى الذكر الحكيم

اتّفقت الأُمّة الإسلامية ـ عن بكرة أبيها ـ على أنّ نبيّهم محمداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ خاتم النبيّين ، وأنّ دينه خاتم الأديان ، وكتابه خاتم الكتب والصحف ، فهو ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ آخر السفراء الإلهيين ، أُوصد به باب الرسالة والنبوة ، وختمت به رسالة السماء إلى الأرض .

لقد اتّفق المسلمون كافّة على أنّ دين نبيّهم دين الله الأبدي ، وكتابه كتاب الله الخالد ودستوره الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقد أنهى الله إليه كلّ تشريع وأودع فيه أُصول كلّ رقي ، وأناط به كلّ سعادة ورخاء ، فاكتملت بدينه وكتابه الشرائع السماوية التي هي رسالة السماء إلى الأرض .

توضيحه : أنّ الشريعة الإلهية الحقّة التي أنزلها الله تعالى إلى أوّل سفرائه لا تفترق جوهراً عمّا أنزله على آخرهم ، بل كانت الشريعة السماوية في بدء أمرها نواة قابلة للنموّ والنشوء; فأخذت تنمو وتستكمل عبر القرون والأجيال; حسب تطور الزمان وتكامل الأُمم ، وتسرّب الحصافة إلى عقولهم ، وتسلّل الحضارة إلى حياتهم .

ويفصح عمّا ذكرنا قوله سبحانه : (شرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بهِ نُوحاً . . . )(1) فقد وصّى نبينا محمداً بما وصّى به نوحاً ، من توحيده سبحانه وتنزيهه عن الشرك ، والدعوة إلى مكارم الأخلاق والتنديد بالجرائم الخلقية ، والقضاء على أسبابها ، إلى غير ذلك ممّا تجده في صحف الأوّلين والآخرين .

وتتجلّى تلك الحقيقة الناصعة; أي وحدة الشرائع السماوية من مختلف الآيات


(1) الشورى : 13 .


(191)

في شتّى المواضع ، قال سبحانه : (إنَّ الدِّين عِندَ اللهِ الإسلامُ ومَا اختلَفَ الَّذينَ أُتُوا الكِتابَ إلاّ مِنْ بَعدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغياً بَينَهُمْ )(1) وظاهر الآية يعطي أنّ الدين عند الله ـ لم يزل ولن يزال ـ هو الإسلام في طول القرون والأجيال ، ويعاضدها قوله تعالى : (ومَنْ يَبتَغِ غَيرَ الإسلامِ دِيناً فَلَنْ يُقبَلَ مِنهُ )(2) . وقال سبحانه في مورد آخر مخطّئاً مزعمة اليهود والنصارى في رَمي بطل التوحيد إبراهيم باليهودية والنصرانية قال : (ما كانَ إبراهيمُ يَهودياً ولا نَصرانياً ولكنْ كانَ حَنيفاً مُسلِماً وما كانَ منَ المُشرِكينَ )(3) .

فحقيقة الشرائع السماوية في جميع الأدوار والأجيال كانت أمراً واحداً وهو التسليم لفرائضه وعزائمه وحده جلّ وعلا .

ولأجل ذلك كتب الرسول إلى قيصر عندما دعاه إلى الإسلام ، قوله سبحانه : (قُلْ يا أهلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كلمة سَواء بَيننا وبَينَكُمْ ألاّ نَعبُدَ إلاّ اللهَ ولا نُشرِكَ بهِ شَيئاً ولا يتَّخِذَ بَعضُنا بَعضاً أرباباً مِنْ دُونِ اللهِ فإنْ تَولَّوْا فَقولُوا اشهَدُوا بأنّا مُسلِمُون )(4) .

وقد أمر سبحانه في آية أُخرى رسوله بدعوة معشر اليهود أو الناس جميعاً إلى اتّباع ملّة إبراهيم قال سبحانه : (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبراهيمَ حَنيفاً وما كانَ منَ المُشرِكين )(5) .

وصرّح سبحانه بأنّ كلّ نبيّ جاء عقب نبيّ آخر ، كانَ يصرِّح بأنّه مصدِّق بوجود النبيّ المتقدّم عليه وكتابه ودينه ، فالمسيح مصدّق لما بين يديه من التوراة


(1) آل عمران : 19 .

(2) آل عمران : 85 .

(3) آل عمران : 67 .

(4) السيرة الحلبية 2 : 275 ، مسند أحمد 1 : 262 . والآية هي الرابعة والستّون من سورة آل عمران .

(5) آل عمران : 95 .


(192)

ومحمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ مصدّق لما بين يديه من الكتب وكتابه مهيمن عليه ، كما قال سبحانه :(وَقفَّينا عَلى آثارِهمْ بِعِيسَى ابنِ مَريمَ مُصدِّقاً لِما بَينَ يَديهِ منَ التَّوراة )(1) ، (وأنْزَلْنا إليكَ الكتابَ بِالحقِّ مُصدِّقاً لِما بَينَ يَدَيهِ منَ الكتابِ ومُهَيمناً عَليهِ)(2).

وهذه النصوص كلّها تعبّر عن وحدة أُصول الشرائع وجذورها ولبابها .

وعلى هذا فرسالة السماء إلى الأرض ، رسالة واحدة في الحقيقة مقولة بالتشكيك ، متكاملة عبر القرون جاء بها الرسل طوال الأجيال وكلّهم يحملون إلى المجتمع البشري رسالة واحدة; لتصعد بهم إلى مدارج الكمال ، وتهديهم إلى معالم الهداية ومكارم الأخلاق .

نعم كان البشر في بدايات حياتهم يعيشون في غاية البساطة والسذاجة ،
فما كانت لهم دولة تسوسهم ، ولا مجتمع يخدمهم ، ولا ذرائع تربطهم ، وكانت أواصر الوحدة ووشائج الارتباط بينهم ضعيفة جداً ، فلأجل ذاك القصور في العقل ، وقلّة التقدم ، وضعف الرقي ، كانت تعاليم أنبيائهم ، والأحكام المشروعة لهم طفيفة في غاية البساطة ، فلما أخذت الإنسانية بالتقدّم والرقي ، وكثرت المسائل يوماً فيوماً ، اتّسع نطاق الشريعة واكتملت الأحكام تلو هذه الأحوال والتطوّرات .

فهذه الشرائع (مع اختلافها في بعض الفروع والأحكام نظراً إلى الأحوال الأُممية والشؤون الجغرافية) لا تختلف في أُصولها ولبابها ، بل كلّها تهدف إلى أمر واحد ، وتسوق المجتمع إلى هدف مفرد ، والاختلاف إنّما هو في الشريعة والمنهاج
لا في المقاصد والغايات كما قال سبحانه : (لِكلّ جَعلْنا مِنكُم شِرعةً ومِنهاجاً ولَوْ


(1) المائدة : 46 .

(2) المائدة : 48 .


(193)

شاءَ اللهُ لَجعلَكُمْ أُمّةً واحدةً ولكنْ لِيبلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ فَاستَبِقُوا الخَيراتِ )(1) .

وقال سبحانه : (ثُمَّ جَعلناكَ عَلى شَريعة مِنَ الأمرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذينَ لا يَعلَمون )(2) .

وخلاصة القول : إنّ السنن مختلفة ، فللتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة ، ولكن الدين هو الأُصول والعقائد والأحكام التي تساير الفطرة الإنسانية ولا تخالفها واحدة منها .

وهاتان الآيتان لا تهدفان إلى اختلاف الشرائع في جميع موادّها ، ومواردها اختلافاً كلّياً بحيث تكون النسبة بينها نسبة التباين ، كيف وهو سبحانه يأمر نبيَّه بالاقتداء بهدى أنبيائه السالفين ويقول : (أُولئكَ الَّذينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ )(3) .

نعم جاءت الرسل تترى ، وتواصلت حلقات النبوّة في الأدوار الماضية إلى أن بعث الله آخر سفرائه فأتمّ نعمته وأكمل به دينه ، فأصبح المجتمع البشري في ظلّ دينه الكامل ، وكتابه الجامع ، غنياً عن تواصل الرسالة وتعاقب النبوّة ، وأصبح البشر غير محتاجين إلى إرسال أيّ رسول بعده; إذ جاء الرسول بأكمل الشرائع وأتقنها وأجمعها للحقوق وبكلّ ما يحتاج إليه البشر في أدوار حياتهم وأنواع تطوراتهم ، وفي الوقت نفسه فيها مرونة تتمشى مع جميع الأزمنة والأجيال ، من دون أن تمسّ جوهرَ الرسالة الأصلي بتحوير وتحريف . وإليك أدلّة خاتميته من الكتاب أولاً ، والسنّة ثانياً ، أمّا الكتاب ففيه نصوص :


(1) المائدة : 48 أي جعلنا لكلٍّ من موسى وعيسى ومحمد  _ عليهم السلام _ أو لكلٍّ من أُمم التوراة والإنجيل والقرآن شريعة وطريقاً خاصاً إلى ما هو الهدف الأقصى من بعث الرسل ومنهاجاً واضحاً ، والاختلاف بين الكتب والشرائع جزئي لا كلّي ، والنسخ في بعض الأحكام لا في جميعها .

(2) الجاثية : 18 .

(3) الأنعام : 90 .


(194)

النصّ الأول :

قوله سبحانه : (ما كانَ محمدٌ أبا أحد مِنْ رجالِكُمْ ولكنْ رَسولَ اللهِ وخاتَمَ النبيّينَ وكانَ اللهُ بِكلِّ شَيء عَليماً )(1) .

توضيح الآية : تبنّى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ زيداً قبل عصر الرسالة ، وكانت العرب يُنزِّلون الأدعياء منزلة الأبناء في أحكام الزواج والميراث ، فأراد الله سبحانه أن ينْسخ تلك السنّة الجاهلية ، فأمر رسوله أن يتزوّج زينب زوجة زيد بعد مفارقته لها ، فلمّا تزوّجها رسول الله أوجد ذلك ضجّة بين المنافقين والمتوغّلين في النزعات الجاهلية والمنساقين وراءها ، فردّ الله سبحانه مزاعمهم بقوله (ما كانَ محمدٌ أبا أحد مِنْ رجالِكُمْ) من الذين لم يلدهم ومنهم زيد (ولكن رَسولَ اللهِ) وهو لايترك ما أمره الله به (وخاتَمَ النبيّينَ) وآخرهم خُتِمت به النبوّة ، فلا نبيّ بعده ، ولا شريعة بعد شريعته ، فنبوّته أبدية ، وشريعته باقية إلى يوم الدين .

الخاتم وما يراد منه :

لقد قرئ لفظ الخاتم بوجهين :

الأوّل : بفتح التاء وعليه قراءة عاصم ، ويكون بمعنى الطابع الذي تختم به الرسائل والمواثيق ، فكان النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالنسبة إلى باب النبوة كالطابع; ختم به باب النبوة ، وأُوصِدَ وأُغْلِقَ فلا يفتح أبداً .

الثاني : بكسر التاء وعليه يكون اسم فاعل; أي الذي يختم باب النبوّة ، وعلى كلتا القراءتين فالآية صريحة على أنّ باب النبوة أو بعث الأنبياء خُتم بمجيء النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

قال أبو محمد الدميري :


(1) الأحزاب : 40 .


(195)

والخاتِم الفاعلُ قُل بالكسر * وما به يُختم فتحاً يجري

وأنت إذا راجعت التفاسير المؤلّفة منذ العصور الأُولى إلى يومنا هذا ترى أنّ عامّة المفسّرين يفسّرونها بما ذكرنا ويصرحون بأنّ وصفه صلّى الله عليه وآله وتشبيهه بالخاتم (بالفتح) لأنّه كان الرسم الدائر بين العرب هو ختم الرسالات بخاتمهم الذي بين أصابعهم ، فكانت خواتيمهم طوابعهم ، فكأنَّ النبيّ الأكرم بين الأنبياء هو الخاتم ختم به باب النبوّات ، ولك أن تستلهم هذا المعنى من الآيات الكثيرة التي وردت فيها مادة تلك الكلمة ، فترى أنّ جميعها يفيد هذا المعنى ، كالآيات التالية :

1 ـ قال سبحانه : (يُسقَونَ مِنْ رَحيق مَختُوم )(1) أي مختوم بابه بشيء مثل الشمع وغيره دليلاً على خلوصه .

2 ـ وقال سبحانه : (خِتامُهُ مِسكٌ وفي ذلك فَلْيتنافَسِ المُتنافِسُونَ )(2) أي آخر شربه تفوح منه رائحة المسك .

3 ـ وقال سبحانه : (اليومَ نَختِمُ عَلى أفواهِهِمْ وتُكلِّمنا أيدِيهِمْ )(3) أي يطبع على أفواههم فتوصدُ ، وتَتكلَّم أيديهم .

إلى غير ذلك من الآيات التي وردت فيها مادّة تلك الكلمة ، والكلّ يهدف إلى الانتهاء والانقطاع . وفي مورد الآية . . انتهاء النبوّة وانقطاعها .

النصّ الثاني :

قوله سبحانه : (تَباركَ الَّذي نَزَّلَ الفُرقانَ على عَبدِهِ ليكونَ


(1) المطففين : 25 .

(2) المطففين : 26 .

(3) يس : 65 .


(196)

لِلعالَمينَ  نَذيراً )(1) .

والآية صريحة في أنّ الغاية من تنزيل القرآن على عبده (النبيّ الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _) كون القرآن نذيراً للعالمين من بدء نزوله إلى يوم يبعثون ، من غير فرق بين تفسيرها بالإنس والجنّ أو الناس أجمعهم ، وإن كان الثاني هو المتعيّن ، فإنّ العالمين في الذكر الحكيم جاء بهذا المعنى .

قال سبحانه حاكياً عن لسان لوط : (قالَ إنَّ هؤلاءِ ضَيفي فلا تَفْضَحونِ * واتَّقوا اللهَ ولا تُخزونِ * قالوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمين )(2) .

فإنّ المراد من العالمين في كلامهم هم الناس; إذ لا معنى لأن ينهونه عن استضافة الجن والملائكة ، ونظيره قوله سبحانه حاكياً عن لسان لوط : (أتأتونَ الذُّكرانَ مِنَ العالَمين )(3) فالمراد من العالمين في كلتا الآيتين هم الناس .

وبذلك يعلم قوّة ما روي عن الإمام الصادق ـ عليه السلام _ من أنّ العالمين عنى به الناس وجعل كلّ واحد عالماً ، ولا يعدل عن ذلك الظاهر إلاّ بقرينة ، وبما أنّه لا قرينة على العدول من الظاهر فيكون معنى قوله : (ليكونَ لِلعالَمينَ نَذيراً) أي نذيراً للناس أجمعهم من يوم نزوله إلى يوم يبعثون .

النصّ الثالث :

قوله سبحانه : (إنَّ الَّذينَ كَفروا بالذِّكرِ لما جاءَهُمْ وإنَّهُ لَكتابٌ عزيزٌ * لا يأتِيهِ الباطِلُ مِنْ بينِ يَديهِ ولا مِنْ خَلفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكيم حَميد )(4) .

وجه الدلالة على الخاتمية ، أنّ المراد من الذكر هو القرآن بقرينة قوله سبحانه :


(1) الفرقان : 1 .

(2) الحجر : 68 ـ 70 .

(3) الشعراء : 165 .

(4) فصلت : 41 ـ 42 .


(197)

(ذلكَ نتلُوه عليكَ منَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيمِ )(1) .

والضمير في (لا يأتيه) يرجع إلى الذكر ومفاد الآية أنّ الباطل لا يتطرّق إليه ولا يجد إليه سبيلا من أيّ جهة من الجهات; فلا يأتيه الباطل بأيّة صورة متصوّرة ، ودونك صوره .

1 ـ لا يأتيه الباطل : أي لا ينقص منه شيء ولا يزيد عليه شيء .

2 ـ لا يأتيه الباطل : أي لا يأتيه كتاب يبطله وينسخه وأن يجعله سُدى فهو حقّ ثابت لا يبدّل ولا يغيّر ولا يترك .

3 ـ لا يأتيه الباطل : لا يتطرق الباطل في إخباره عمّا مضى ولا في إخباره بما يجيء ، فكلّها تطابق الواقع .

وحاصل الآية أنّ القرآن حقّ لا يداخله الباطل إلى يوم القيامة ، فإذا كان حقّاً مطلقاً مصوناً عن تسلّل البطلان إليه ومتّبعاً للناس إلى يوم القيامة يجب عند ذلك دوام رسالته وثبات نبوّته وخاتمية شريعته .

وبتعبير آخر أنّ الشريعة الجديدة إمّا أن تكون عين الشريعة الإسلامية الحقّة أو غيرها ، فعلى الأول لا حاجة إلى الثانية ، وعلى الثاني : فإمّا أن تكون الثانية حقّة كالأُولى; فيلزم كون المتناقضين حقاً ، أو أن تكون الأُولى حقّاً دون الأُخرى; وهذا هو المطلوب ، وشريعة الرسول الأعظم جزءٌ من الكتاب الحقّ الذي لا يدانيه الباطل ، وسنّته المحكمة التي لا تصدر إلاّ بإيحاء منه كما قال تعالى : (وما يَنطِقُ عَنِ الهَوى * إنْ هُوَ إلاّ وَحيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَديدُ القُوى )(2) فالآية صريحة في نفي أيّ تشريع بعد القرآن وأيّة شريعة بعد الإسلام ، فتدلّ بالملازمة على عدم النبوّة التشريعية بعد نبوته .


(1) آل عمران : 58 .

(2) النجم : 3 ـ 5 .


(198)

النصّ الرابع :

قوله سبحانه : (قُلْ أيُّ شَيء أكبرُ شهادةً قُلِ اللهُ شَهيدٌ بَيني وبينَكُمْ وَأُوحيَ إليَّ هذا القُرآنُ لأُنذرَكُمْ بهِ ومَنْ بَلَغ . . . )(1) .

وظاهر الآية : أنّ الغاية من نزول القرآن تحذير من بلغه إلى يوم القيامة وبذلك يُفسّر قوله سبحانه في آية أُخرى : (وكذلكَ أوحينا إليكَ قُرآناً عَربياً لِتُنذِرَ أُمَّ القُرى ومَنْ حَولَها . . . )(2) .

فإنّ المراد (ومَن حولها) جميع أقطار المعمورة ، وعلى فرض انصرافها عن هذا المعنى العامّ فلا مفهوم للآية بعد ورود قوله سبحانه : (لأُنذركُمْ بهِ ومَنْ بَلَغ) .

النصّ الخامس :

قوله سبحانه : (وما أرسلناكَ إلاّ كافةً للنّاسِ بَشيراً ونذيراً ولكنَّ أكثرَ النّاسِ لا يعلَمون )(3) .

والمتبادر من الآية كون (كافّة) حالا من الناس قُدّمتْ على ذيها وتقدير الآية وما أرسلناك إلاّ للناس كافّة بشيراً ونذيراً .

وإليك محصّل الآيات الخمس :

أمّا الأُولى فهو : أنّ باب الإخبار عن السماء الذي كان هو النبوّة قد أُوصد ، وبإيصاده تكون النبوّة مختومة ، وبختمها تكون الشريعة المحمدية أبديّة; لأنّ تجديد الشريعة فرع فتح باب النبوّة ، فإذا كان التنبّؤ بإخبار السماء مغلقاً; فلا يمكن الإخبار عن السماء بوجه من الوجوه ، ومنها نسخ الشريعة .

وأمّا الآيات الأربع الباقية فهي صريحة ببقاء الشريعة الإسلامية بعموميتها ،


(1) الأنعام : 19 .

(2) الشورى : 7 .

(3) سبأ : 28 .


(199)

فمجموع الآيات يركِّز على أمر واحد : غلق باب النبوة وأبدية الشريعة الإسلامية .

هذه هي النصوص ، ومع ذلك ففي القرآن إشارات إلى الخاتمية بعناوين أُخرى نشير إلى بعض منها :

الأُولى : (أفغيرَ اللهِ أبتغي حَكَماً وهوَ الَّذي أنزلَ إلَيكُمُ الكتابَ مُفَصَّلاً والَّذينَ آتَيناهُمُ الكتابَ يَعَلمونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالحقِّ فَلا تكونَنَّ مِنَ المُمْتَرينَ * وتَمَّتْ كَلِمةُ ربِّكَ صِدْقاً وَعدْلاً لا مُبدِّلَ لِكلماتِهِ وهوَ السَّميعُ العَليمُ )(1) .

إنّ دلالة قوله سبحانه : (وتمّت كلمةُ رَبِّك . . .) على إيصاد باب الوحي إلى يوم القيامة واضحة بعد الوقوف على معنى الكلمة; فإنّ المراد منها الدعوة الإسلامية ، أو القرآن الكريم وما فيه من شرائع وأحكام ، والشاهد عليها الآية المتقدمة حيث قال سبحانه : (وهوَ الَّذي أنزلَ إلَيكُمُ الكتابَ مُفَصَّلاً والَّذينَ آتَيناهُمُ الكتابَ يَعَلمونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالحقِّ )(2) فالمراد من قوله (أنزلَ إلَيكُمُ الكتابَ) هو القرآن النازل على العالمين ، ثمّ يقول : بأنّ الذين آتيناهم الكتاب من قبل كاليهود والنصارى إذا تخلّصوا من الهوى يعلمون أنّ القرآن وحي إلهي كالتوراة والإنجيل ، وأنّه منزّلٌ من الله سبحانه بالحقّ ، فلا يصحّ لأيّ منصف أن يتردّد في كونه نازلاً منه إلى هداية الناس .

ثمّ يقول في الآية التالية : (وتمّت كلمةُ ربِّكَ) بظهور الدعوة المحمدية ، ونزول الكتاب المهيمن على جميع الكتب ، وصارت مستقرة في محلّها بعدما كانت تسير دهراً طويلاً في مدارج التدرّج بنبوّة بعد نبوّة وشريعة بعد شريعة(3) .


(1) الأنعام : 114 ـ 115 .

(2) الأنعام : 114 .

(3) الطباطبائي ، الميزان 7 : 338 ; الطبرسي ، مجمع البيان 2 : 354 .


(200)

وهذه الكلمة الإلهية ـ أعني : الدعوة الإلهية المستوحاة في القرآن الكريم ـ صدق لا يشوبه كذب وما فيه من الأحكام من الأمر والنهي ، عدل لا يخالطه ظلم ، ولأجل تلك التمامية لاتتبدّل كلماته وأحكامه من بعد(1) .

هذه نظرة إلى القرآن حول الخاتمية ومن أراد التفصيل والتحقيق فليراجع التفاسير ، وكما أنّ الكتاب الحكيم اهتمّ بالخاتمية ، فهكذا اهتمت بها السنّة النبوية وروايات العترة الطاهرة ولو حاولنا أن نذكر ما وقفنا عليه في ذلك المجال من المآثر لطال وقوفنا مع القرّاء ، ولذلك نقتصر على اثنتي عشرة رواية مع أنّ المأثور يتجاوز المائة .


(1) وقد استعملت الكلمات في القرآن الكريم في الشرائع الإلهية قال سبحانه واصفاً مريم : (وَصدَّقتْ بِكلماتِ ربِّها وكُتُبهِ . . .) التحريم : 12 .


(201)

الخاتمية فى الأحاديث النبويّة

لقد حصحص الحقّ بما أوردناه من النصوص القرآنية وانكشف الريب عن مُحيّا الواقع; فلم تبق لمجادل شبهة في أنّ الرسول في الذكر الحكيم خاتم النبيين وشريعته خاتمة الشرائع وكتابَه خاتم الكتب .

وقد وردت الخاتمية على لسان النبيّ الأكرم ، نذكر منها ما يأتي :

1 ـ خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ من المدينة إلى غزوة تبوك وخرج الناس معه فقال علي ـ عليه السلام _: «أخرج معك؟» فقال : «لا» ، فبكى عليّ فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ـ أو ليس بعدي نبيّ ـ ولا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي» .

والحديث على لسان المحدّثين حديث المنزلة; لأنّ النبيّ نزّل فيه نفسه منزلة موسىونزّل عليّاًمكان هارون، أخرجه البخاري في صحيحه في غزوة تبوك، ومسلم في صحيحه في باب فضائل علي  ـ عليه السلام _ ، وابن ماجة في سننه في باب فضائل أصحاب النبيّ، والحاكم في مستدركه في مناقب عليّ ـ عليه السلام _ وإمام الحنابلة في مسنده بطرق كثيرة(1) .

ووضوح دلالة الحديث على الخاتمية بمكان أغنانا عن البحث حولها .

2 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «مَثَلي ومَثل الأنبياء كمَثل رجل بنى داراً فأتمّها وأكملها إلاّ موضع لبنة ، فجعل الناس يدخلونها ويتعجّبون منها ويقولون ، لولا موضع هذه اللّبنة» قال رسول الله : «فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء» . أخرجه البخاري ومسلم والترمذي(2) .


(1) البخاري ، الصحيح 3 : 58 ; مسلم ، الصحيح 2 : 323 ; ابن ماجة ، السنن 1 : 28 ; الحاكم ، المستدرك 3 : 109 ; أحمد بن حنبل ، المسند 1 : 321 ، و 2 : 369 ، 437 .

(2) منصور علي ناصف ، التاج الجامع للأُصول 3 : 22 والكتاب يجمع أحاديث الستة إلاّ ابن ماجة .


(202)

3 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «لي خمسة أسماء : أنا محمّد ، وأحمد ، أنا الماحي يمحو الله بي الكفر ، وأنا الحاشر ، يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي»(1) .

4 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أنا قائد المرسلين ولا فخر ، وأنا خاتم النبيّين ولا فخر ، وأنا أوّل شافع ومشفّع ولا فخر»(2) .

5 ـ قال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «يا عليّ أخصمك بالنبوّة; فلا نبوّة بعدي وتخصم الناس بسبع ولا يجاحدك فيها أحد من قريش ، أنت أوّلهم إيماناً بالله»(3) .

6 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إنّ الرسالة والنبوّة قد انقطعت ولا رسولَ بعدي ولا نبيّ» قال : فشقّ ذلك على الناس فقال : «ولكن المبشّرات» فقالوا : يا رسول الله وما المبشّرات؟ فقال : «رؤيا المسلم ، وهي جزء من أجزاء النبوة»(4) .

7 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أُرسلتُ إلى الناس كافّة وبي خُتم النبيّون»(5) .

8 ـ قال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «كنت أوّل الناس في الخلق ، وآخرهم في البعث»(6) .

9 ـ استأذن العباس بن عبد المطّلب النبيّ في الهجرة فقال له : «يا عم أقم مكانك الذي أنت فيه; فإنّ الله تعالى يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوّة» ثمّ هاجر إلى النبيّ وشهد معه فتح مكّة وانقطعت الهجرة(7) .

10 ـ قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «يكون في أُمتي ثلاثون كذّاباً; كلّهم يزعم أنّه نبيّ وأنا


(1) مسلم ، الصحيح 8 : 89 ; مسند أحمد 4 : 81 و84 ; ابن سعد ، الطبقات الكبرى 1 : 65 .

(2) الدارمي ، السنن 1 : 27 .

(3) أبو نعيم الاصفهاني ، حلية الأولياء 1 : 66 .

(4) الترمذي ، السنن 3 : 364 .

(5) الإمام أحمد ، المسند 2 : 412 ; ابن سعد ، الطبقات 1 : 128 .

(6) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 1 : 96 ، القندوزي ، ينابيع المودة : ص17 وفيه أوّل الأنبياء في الخلق .

(7) الجزري ، أُسد الغابة 3 : 110 .


(203)

خاتم النبيين; لا نبيّ بعدي»(1) .

11 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «فُضِّلتُ بستٍّ : أُعطيتُ جوامعَ الكلم ، ونُصِرتُ بالرعب ، وأُحلّت لي الغنائم ، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأُرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيّون»(2) .

12 ـ روى الإمام أبو جعفر الباقر ـ عليه السلام _ عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنه قال : «قال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : يا أيّها الناس إنّه لا نبيّ بعدي ، ولا سنّة بعد سنّتي ، فمن ادّعى ذلك فدعواه وبدعته في النار فاقتلوه ومن تبعه; فإنّه في النار»(3) .

الخاتميّة في أحاديث العترة الطاهرة

قد روي عن النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أحاديث أُخر في مجال كونه خاتماً إلاّ أنّ ذكر الجميع غير ميسور لنا ، وأُردف البحث بما روي عن عترته الطاهرة ـ عليهم السلام _ في هذا المجال ، وأقتصر على القليل من الكثير; فإنّ المروي عنه في ذلك المجال متوفّر جداً .

1 ـ قال الإمام عليّ ـ عليه السلام _ : «إلى أن بَعثَ الله محمداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ لإنجاز عدته ، وإتمام نبوته ، مأخوذاً على النبيين ميثاقه ، مشهورة سماتُه ، كريماً ميلادُه»(4) .

2 ـ قال الإمام عليّ ـ عليه السلام _ : «اجعل شريف صلواتك ، ونامي بركاتك ، على محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عبدك ورسولك الخاتم لما سبق»(5) .

3 ـ وقال ـ عليه السلام _ : «أرسله على حين فترة من الرسل ، وتنازع من الألسن ، فقفا به الرسلَ وختَم به الوحي»(6) .


(1) الجزري ، الجامع للأُصول 10 : 410 ، عن الترمذي .

(2) السيوطي ، الجامع الصغير 2 : 126 .

(3) الصدوق ، الفقيه 4 : 163 .

(4) نهج البلاغة ، الخطبة 1 .

(5) نهج البلاغة ، الخطبة 69 .

(6) نهج البلاغة ، الخطبة 129 .


(204)

4 ـ قال ـ عليه السلام _ وهو يلي غسل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وتجهيزه : «بأبي أنت وأُمّي لقد انقطع بموتك مالم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والأنباءوأخبار السماء، خصّصت حتّى صِرتَ مسلّياً عمّن سواك ، وعمّمتَ حتّى صار الناس فيك سواء»(1) . هذا وقد روي عن غير الإمام علي ـ عليه السلام _ من العترة الطاهرة ونذكر منهم ما يأتي :

5 ـ عن فاطمة الزهراء ـ عليها السلام _ قالت : «لمّا حملتُ بالحسن وولدته جاء النبيّ ثمّ هبط جبرئيل فقال : يا محمّد ، العليّ الأعلى يقرؤك السلام ويقول : عليٌّ مِنك بمنزلة هارون من موسى ، ولا نبيّ بعدك ، سَمّ ابنك هذا باسم ابن هارون»(2) .

6 ـ وروي عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب  ـ عليهم السلام _ قال : «جاء نفر إلى رسول الله فقالوا : يا محمّد إنّك الذي تزعم أنّك رسول الله ، وأنّك الذي يوحى إليك كما أوحى الله إلى موسى بن عمران؟ فسكت النبيّ ساعة ثم قال : أنا سيّد ولد آدم ولا فخر ، وأنا خاتم النبيّين ، وإمام المتّقين ، ورسول ربّ العالمين»(3) .

7 ـ روي عن الحسين بن عليّ ـ عليهما السلام _ أنّه قال لرسول الله : «فأخبرني يا رسول الله هل يكون بعدك نبيّ؟ فقال : لا ، أنا خاتم النبيّين ، لكن يكون بعدي أئمة قوّامون بالقسط ، بعدد نقباء بني إسرائيل»(4) .

8 ـ وقال الإمام السجّاد ـ عليه السلام _ في بعض أدعيته : «صلّ على محمّد خاتم النبيّين ، وسيّد المرسلين ، وأهل بيته الطيّبين الطاهرين ، وأعذْنا وأهالينا وإخواننا وجميع المؤمنين والمؤمنات ممّا استعذنا منه»(5) .

9 ـ وقال الإمام الباقر في حديث : «وقد ختم الله بكتابكم الكُتبَ وختم


(1) نهج البلاغة ، الخطبة 235 .

(2) الصدوق ، عيون أخبار الرضا 2 : 25 .

(3) البحراني ، البرهان 2 : 41 .

(4) ابن شهر آشوب ، المناقب 2 : 300 ، الحرّ العاملي ، إثبات الهداة 2 : 544 .

(5) الإمام السجاد ، الصحيفة السجادية ، الدعاء 17 .


(205)

بنبيّكم الأنبياءَ»(1) .

10 ـ وقال الإمام الصادق ـ عليه السلام _ : «فكلّ نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه حتّى جاء محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه ، فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة»(2) .

11 ـ وقال ـ عليه السلام _ : «بعث الله سبحانه أنبياءَه ورسلَه ونبيَّه محمداً ، فأفضل الدين معرفة الرسل وولايتِهم ، وأخبرك أنّ الله أحلّ حلالاً وحرّم حراماً إلى يوم القيامة»(3) .

12 ـ روى زرارة قال : سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام _ عن الحرام والحلال فقال : «حلال محمّد حلال أبداً إلى يوم القيامة لايكون غيره ولا يجيء غيره»(4) .

13 ـ وقال الإمام موسى الكاظم ـ عليه السلام _ : «إذا وقفت على قبر رسول الله فقل أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّك خاتم النبيّين»(5) .

14 ـ وقال الإمام الرضا ـ عليه السلام _ في سؤال من سأله : ما بال القرآن ، لا يزداد
عند النشر والدراسة إلاّ غضاضة؟ قال : «لأنّ الله لم ينزّله لزمان دون زمان
ولا لناس دون ناس ، فهو في كلّ زمان جديد ، وعند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة»
(6) .

هذه أربعة عشر حديثاً عن العترة الطاهرة ، ولو أردنا أن نذكر ما وقفنا عليه لطال بنا المقام ، غير أنّ المهم طرح أسئلة حول الخاتمية وتحليلها بإيجاز .


(1) الكليني ، الكافي 1 : 177 ; الفيض ، الوافي 2 : 19 .

(2) الكليني ، الكافي 2 : 17 ; البرقي ، المحاسن : 196 .

(3) المجلسي ، البحار 24 : 288 .

(4) الكليني ، الكافي 1 : 57 .

(5) الصدوق ، عيون أخبار الرضا 2 : 87 .

(6) الصدوق ، عيون أخبار الرضا 2 : 87 .


(206)

أسئلة حول الخاتميّة

هناك أسئلة حول الخاتمية تثار بين آن وآخر ، وهي بين سؤال قرآني وفلسفي وفقهي ، ونكتفي من الأوّل بواحد من الأسئلة .

السؤال الأوّل : تنصيص القرآن على أنّ جميع أهل الشرائع ينالون ثواب الله .

إنّ القرآن الكريم ينصّ على أنّ المؤمنين بالله وباليوم الآخر من جميع الشرائع سينالون ثواب الله ، وأنّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ومعنى ذلك أنّ جميع الشرائع السماوية تُحفَظ إلى جانب الإسلام ، وأنّ أتباعها ناجون شأنُهم شأن من اعترف بالإسلام وصار تحت لوائه تماماً ، وعلى ضوء هذا ، فكيف تكون الشريعة الإسلامية واقعة في آخر مسلسل الشرائع السماوية؟ وكيف تكون رسالته خاتمة الشرائع؟ وإليك ما يدل على ذلك حسب نظر السائل :

1 ـ قال سبحانه : (إنَّ الَّذينَ آمَنوا والَّذينَ هادُوا والنّصارى والصّابئينَ مَنْ آمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ وعَمِلَ صالحاً فَلهُمْ أجرُهُمْ عندَ رَبِّهِمْ ولا خَوفٌ عَليهِمْ ولا هُمْ يَحزَنُونَ)(1) .

2 ـ (إنَّ الَّذينَ آمَنوا والَّذينَ هادُوا والصّابئونَ والنّصارى مَنْ آمنَ باللهِ واليومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالحاً فَلا خَوفٌ عَلَيهِمْ ولا هُمْ يَحزَنُونَ)(2) .

3 ـ (إنَّ الَّذينَ آمَنوا والَّذينَ هادُوا والصّابئينَ والنّصارى والمجوسَ والَّذينَ أشرَكوا إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَينهُمْ يومَ القيامةِ إنّ الله على كلِّ شَيء شَهيد)(3) .


(1) البقرة : 62 .

(2) المائدة : 69 .

(3) الحج : 17 .


(207)

إنّ استنتاج بقاء شرعية الشرائع السماوية من هذه الآيات مبنيّ على غضّ النظر عمّا تهدف إليه الآيات ، وذلك أنّ الآيات بصدد ردّ مزاعم ثلاثة كانت اليهود تتبناها ، لا بصدد بيان بقاء شرائعهم بعد بعثة الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ . وهي :

1 ـ فكرة «الشعب المختار»!

كانت اليهود والنصارى يستولون على المسلمين بل العالم بادّعائهم فكرة «الشعب المختار» بل إنّ كل واحدة من هاتين الطائفتين : اليهود والنصارى ، كانت تدّعي أنّها أرقى أنواع البشر ، وكانت اليهود أكثرهم تمسّكاً بهذا الزعم وقد نقل عنهم سبحانه قولهم :

(وقالَتِ اليَهودُ والنّصارى نحنُ أبناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعذِّبُكُمْ بِذُنُوبكُمْ بَلْ أنتُمْ بَشَرٌ مِمَّن خَلَق . . . )(1) والله سبحانه يردّ هذا الزعم بكلّ قوة عندما يقول : (فَلِمَ يُعذِّبُكُمْ بِذُنُوبكُمْ) ، وقد بلغت أنانية اليهود واستعلاؤهم الزائف حدّاً بالغاً وكأنّهم قد أخذوا على الله عهداً بأن يستخلصهم ويختارهم ، حيث قالوا : (وقالُوا لَنْ تَمسَّنا النّارُ إلاّ أياماً مَعدُودَةً )(2) .

2 ـ الانتماء إلى اليهودية والنصرانية مفتاح الجنة!

قد كانت اليهود والنصارى تبثّان وراء فكرة : «الشعب المختار» ، فكرة أُخرى ، وهي : أنّ الجنة نصيب كل من ينتسب إلى بني إسرائيل أو يُسمّى مسيحياً ليس إلاّ ، وكأنَّ الأسماء والانتساب مفاتيح للجنة ، قال سبحانه ناقلاً عنهم : (وقالُوا لَنْ يَدخُلَ الجنَّةَ إلاّ مَنْ كانَ هُوداً أو نَصارى)(3) .


(1) المائدة : 18 .

(2) البقرة : 80 .

(3) البقرة : 111 .


(208)

ولكنّ القرآن يردّ عليهم ويقول : (تِلكَ أمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرهانَكُمْ إنْ كُنتُمْ صادِقينَ * بَلى مَنْ أسلَمَ وَجهَهُ للهِ وهوَ مُحسنٌ فَلهُ أجرُهُ عندَ ربِّهِ ولا خوفٌ عَلَيهم ولا هُمْ يحزَنُون )(1) فإنّ قوله سبحانه : (بَلى مَنْ أسلَمَ) يعني الإيمان الخالص وقوله : (وهوَ مُحسنٌ) يعني العمل وفق ذلك الإيمان ، وكلتا الجملتين تدلاّن على أنّ السبيل الوحيد إلى النجاة يوم القيامة هو الإيمان والعمل لا الانتساب إلى اليهودية والنصرانية ، فليست المسألة مسألة أسماء ، وإنّما هي مسألة إيمان صادق وعمل صالح .

3 ـ الهداية في اعتناق اليهودية والنصرانية!

وهذا الزعم غير الزعم الثاني ، ففي الثاني كانوا يقتصرون في النجاة بالانتماء إلى الأسماء ، وفي الأخير يتصوّرون أنّ الهداية الحقيقية تنحصر في الاعتناق باليهودية والنصرانية (وقالُوا كونُوا هُوداً أو نَصارى تَهتَدوا )(2) والقرآن الكريم يردّ هذه الفكرة كما سبق ، ويقول إنّ الهداية الحقيقية تنحصر في الاقتداء بملّة إبراهيم واعتناق مذهبه في التّوحيد الخالص الذي أمر الأنبياء بإشاعته بين أُممهم ، قال سبحانه : (قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيمَ حَنيفاً وما كانَ مِنَ المُشركين )(3) وفي آية أُخرى (ما كانَ إبراهيمُ يَهوديّاً ولا نَصرانيّاً ولكنْ كانَ حَنيفاً مُسلماً وما كانَ مِنَ المُشركين )(4) .

نستخلص من كلّ هذه الآيات أنّ اليهودَ والمسيحيّين وبخاصة القدامى منهم كانوا يحاولون ـ بهذه الأفكار الواهية ـ التفوّق على البشر ، والتمرّد على تعاليم الله ،


(1) البقرة : 111 ـ 112 .

(2) البقرة : 135 .

(3) البقرة : 135 .

(4) آل عمران : 67 .


(209)

والتخلّص بصورة خاصّة من الانضواء تحت لواء الإسلام ، مرة بافتعال أُكذوبة «الشعب المختار» الذي لا ينبغي أن يخضع لأيّ تكليف ، ومرّة أُخرى بافتعال خرافة «الأسماء والانتساب» وادّعاء النجاة بسبب ذلك ، والحصول على مغفرة الله وجنّته وثوابه ، ومرّة ثالثة بتخصيص «الهداية» وحصرها في الانتساب إلى إحدى الطائفتين بينما نجد أنّه كلّما مرّ القرآن على ذكر هذه المزاعم الخرافية أعلن بكلّ صراحة وتأكيد : أنّه لافرق بين إنسان وآخر إلاّ بتقوى الله; فإنّ أكرمكم عند الله أتقاكم .

وأمّا النجاة والجنّة فمن نصيب من يؤمن بالله ، ويعمل بأوامره دونما نقصان لاغير ، وهو بهذا يقصد تفنيد مزاعم اليهود والنصارى الجوفاء .

بهذا البحث حول الآيات الثلاث (المذكورة في مطلع البحث) نكشف بطلان الرأي القائل بأن الإسلام أقرّ ـ في هذه الآيات ـ مبدأ «الوفاق الإسلامي المسيحي واليهودي» تمهيداً لإنكار عالمية الرسالة الإسلامية وخاتميتها ، بينما نجد أنّ غاية ما يتوخّاه القرآن ـ في هذه الآيات ـ إنما هو فقط نسف وإبطال عقيدة اليهود والنصارى ، وليعلن مكانه بأنّ النجاة إنما هي بالإيمان الصادق والعمل الصالح .

فلا استعلاء ولا تفوّق لطائفة على غيرها من البشر مطلقاً ، كما أنّ هذا التشبّث الفارغ بالأسماء والدعاوى ليس إلاّ من نتائج العناد والاستكبار عن الحقّ .

فليست الأسماء ولا الانتساب هي التي تنجي أحداً في العالم الآخر ، وإنّما هو الإيمان والعمل الصالح ، وهذا الباب مفتوح في وجه كلّ إنسان يهودياً كان أو نصرانياً ، مجوسياً أو غيرهم .

ويوضّح المراد من هذه الآية قوله سبحانه : (وَلو أنّ أهلَ الكِتابِ آمَنوا واتَّقَوا لَكفَّرنا عَنهمْ سَيِّئاتِهِمْ ولأدخلناهُمْ جَنّاتِ النَّعيم )(1) .


(1) المائدة : 65 .


(210)

فتصرّح الآية بانفتاح هذا الباب بمصراعيه في وجه البشر كافّة من غير فرق بين جماعة دون جماعة ، حتّى أنّ أهل الكتاب لو آمنوا بما آمن به المسلمون لقبلنا إيمانهم وكفّرنا عنهم سيئاتهم .

هذا هو كل ما كان يريد القرآن بيانه من خلال هذه الآيات ، وليس أيّ شيء آخر .

إذن فلا دلالة لهذه الآيات الثلاث على إقرار الإسلام لشرعيّة الشرائع بعد ظهوره . . . وإنّما تدلّ على أنّ القرآن يحاول بها إبطال بعض المزاعم .

هذا كله حول السؤال القرآني ، وهناك أسئلة أُخرى جديرة بالذكر والتحليل ، وإليك بيانها :

السؤال الثاني : لماذا ختمت النبوّة التبليغية؟

إنّ الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة الأركان; فلا شريعة بعدها ، ومع الاعتراف بذلك يطرح هذا السؤال :

إنّ الأنبياء كانوا على قسمين : منهم من كان صاحب شريعة ، ومنهم من كان مبلّغاً لشريعة مَن قبله من الأنبياء ، كأكثر أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يبلِّغون شريعة موسى بين أقوامهم .

فهب أنّه ختم باب النبوّة التشريعية لكون الشريعة الإسلامية متكاملة ، فلماذا ختم باب النبوّة التبليغية؟

والجواب عنه ، غنى الأُمة الإسلامية عن هذا النوع من النبوّة ، وذلك لوجهين :

الوجه الأول : أنّ النبيّ الأكرم ترك بين الأُمّة الكتابَ والعترة وعرّفهما إليها ، وقال : لن تضلّ الأُمّة مادامت متمسّكة بهما .

فإذا كانت الهداية تكمن في التمسّك بهما فالأُمّة الإسلامية في غنى عن المهمّة


(211)

التبليغية; إذ مهمّتها موجَدة بالتمسّك بهما فالعترة الطاهرة مشاعل الحقّ ، ومنارات التوحيد ، أغنت الأمة ، علومُهم وتوجيهاتُهم عن بعث نبيّ يبلّغ رسالات الله ، وهذا إجمال الكلام في أئمة أهل البيت  ـ عليهم السلام _ والتفصيل موكول إلى محلّه .

الوجه الثاني : أنّ علماء الأُمّة المأمورين بالتبليغ بعد التفقّه أغنوا الأُمّة عن أيّ نبوّة تبليغية ، قال سبحانه : (فَلَولا نفَر مِنْ كُلِّ فِرقة مِنهُمْ طائفةٌ لِيتفقَّهوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَومَهُمْ إذا رَجَعوا إلَيهم لَعلَّهم يَحذَرون )(1) وقال سبحانه : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدعونَ إلى الخيرِ ويأمُرونَ بالمَعرُوفِ وَينهَونَ عَنِ المُنكَرِ )(2).

السؤال الثالث : لماذا حرم الخلف من المكاشفة الغيبية والاتصال بعالم الغيب واستطلاع ما هناك من المعارف والحقائق؟

الجواب : إنّ الفتوحات الغيبية من المكاشفات والمشاهدات الروحية لم توصد بابها ، وإنّما أُوصد باب خاصّ وهو باب النبوّة الذي يحمل الوحي التشريعي أو التبليغي .

قال سبحانه : (سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنفسهِم حتّى يتبيَّنَ لَهُمْ أنّهُ الحقُّ أوَلَمْ يَكفِ بِربِّكَ أنَّهُ على كُلِّ شيء شَهيد )(3) .

فالفتوحات الباطنية من المكاشفات والإلقاءات في الروع غير مسدودة بنصّ الكتاب العزيز قال سبحانه : (يا أيُّها الذينَ آمَنوا إن تَتَّقوا الله يجعلْ لَكُمْ فُرقانا )(4) أي يجعل في قلوبكم نوراً تفرِّقون به بين الحقِّ والباطل


(1) التوبة : 122 .

(2) آل عمران : 104 .

(3) فصلت : 53 .

(4) الأنفال : 29 .


(212)

وتميِّزون به بين الصحيح والزائف لا بالبرهنة والاستدلال ، بل بالشهود والمكاشفة ، قال سبحانه : (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ وآمِنوا برسولهِ يُؤْتِكُمْ كِفلَينِ مِنْ رَحمتهِ ويَجعلْ لَكُمْ نُوراً تَمشونَ بهِ ويَغفرْ لَكُمْ واللهُ غَفورٌ  رَحيم )(1).

وهناك آيات وروايات تدلّ بوضوح على انفتاح هذا الباب في وجه الإنسان ، نكتفي بما ذكرناه .

السؤال الرابع : ادّعاء النقص في التشريع الإسلامي .

كلّما تكاملت جوانب الحضارة وتشابكت ، وتعدّدت ألوانها ، واجه المجتمع أوضاعاً وأحداثاً جديدة وطرحت عليه مشاكل طارئة لا عهد للأزمنة السابقة بها ، إذن فحاجة المجتمع إلى قوانين وتشريعات جديدة لا تزال تتزايد كلّ يوم تبعاً لذلك ، وما جاء به الرسول لا يجاوز قوانين محدودة ، فكيف تفي النصوص المحدودة بالحوادث الطارئة غير المتناهية؟

الجواب : إنّ خلود التشريع وبقاءه في جميع الأجيال ومسايرته للحضارات الإنسانية ، واستغناءه عن كلّ تشريع سواه ، يتوقّف على وجود أمرين فيه :

الأول : أن يكون التشريع ذا مادّة حيوية خلاّقة للتفاصيل بحيث يقدر معها علماء الأُمّة والأخصّائيون منهم على استنباط كلّ حكم يحتاج إليه المجتمع البشري في كلّ عصر من الأعصار .

الثاني : أن ينظر إلى الكون والمجتمع بسعة وانطلاق ، مع مرونة خاصة تماشي جميع الأزمنة والأجيال ، وتساير الحضارات الإنسانية المتعاقبة ، وقد أحرز التشريع الإسلامي كِلا الأمرين ، أمّا الأوّل فقد أحرزه بتنفيذ أُمور :


(1) الحديد : 28 .


(213)
الف ـ الاعتراف بحجّية العقل في مجالات خاصّة :

إنّ من سمات التشريع الإسلامي التي يمتاز بها عن سائر التشريعات هي إدخال العقل في دائرة التشريع ، والاعتراف بحجّيّته في الموارد التي يصلح له التدخّل والقضاء فيها ، فالعقل أحد الحجج الشرعيّة ، وفي مصافّ المصادر الأُخرى للتشريع ، وقد فتح هذا الاعتراف للتشريع الإسلامي سعةً وانطلاقاً وشمولاً لما يتجدّد من الأحداث ، ولما يطرأ من الأوضاع الاجتماعية الجديدة .

إنّ الملازمة بين حُكمي العقل والشرع (إنّه كلّما حكمَ بِه العقلُ حكمَ بِه الشرع) ترفع كثيراً من المشاكل التي لم يرد فيها نصّ ، فللعقل دور كبير في استنباط كثير من الأحداث التي يصلح للعقل القضاء فيها ، ويقدر على إدراك حكم الشرع من حكم نفس العقل ، وذلك في الموارد التالية :

1 ـ القول بالملازمة بين وجوب المقدّمة وذيها .

2 ـ القول بالملازمة بين حرمة الشيء ومقدمته .

3 ـ الحكم بالبراءة عند عدم النصّ .

4 ـ الحكم بالامتثال القطعي عند العلم الإجمالي .

5 ـ الحكم بالملازمة بين الحرمة وفساد العبادة .

6 ـ الحكم بالملازمة بين تعلّق النهي بنفس المعاملة وفسادها .

7 ـ الحكم بالإجزاء عند الامتثال وفق الأمر الاضطراري .

8 ـ الحكم بالإجزاء عند الامتثال وفق الأمر الظاهري .

9 ـ استكشاف الأمر الشرعي بالأهم عند التزاحم .

10 ـ استكشاف بطلان الصلاة عند اجتماع الأمر والنهي بتقديمه على الآمر .

إلى غير ذلك من الأحكام التي تعدّ من ثمرات القول بالتحسين والتقبيح العقليين ، فمن عزل العقل عن الحكم في ذلك المجال ، فقد قصرت فكرته عن تقديم


(214)

أيّ حلّ لهذه الأحكام وما ذكرناه نماذج لما للعقل من دور ، وإلاّ فالأحكام المستنبطة من العقل في مجالات مختلفة أكثر من ذلك .

ب ـ إنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد عند العدلية :

إنّ من أمعن في الكتاب والسنّة يقف على أنّ التشريع الإسلامي تابع لملاكات; فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله ولا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه ، ويشهد بذلك كتاب الله في موارد :

يقول سبحانه : (إنّما يُريدُ الشَّيطانُ أن يُوقِعَ بَينكُمُ العَداوةَ والبَغضاءَ في الخمرِ والمَيسِرِ ويَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكرِ اللهِ وعنِ الصَّلاةِ فَهلْ أنتم مُنتَهون )(1) فالآية تعلّل حرمة الخبيثين باستتباعهما العداوة والبغضاء وصدّهما عن ذكر الله ، يقول سبحانه : (. . .وأقِمِ الصَّلاةَ إنّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ . . . )(2) .

إلى غير ذلك من الآيات التي تصرّح بملاكات الأحكام .

وقد تضافرت النصوص عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام _ على أنّ الأحكام الشرعية تخضع لملاكات ، قال الإمام الطاهر عليّ بن موسى الرضا ـ عليه السلام _ : «إنّ الله تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح ، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد»(3) .

وقال ـ عليه السلام _ في الدم : «إنّه يسيء الخلق ، ويورث القسوة للقلب ، وقلّة الرأفة والرحمة ، ولايؤمن أن يقتل ولده ووالده»(4) .

وهذا باقر العلوم وإمامها ـ عليه السلام _ يقول : «إنّ مدمن الخمر كعابد وثن ، ويورثه


(1) المائدة : 91 .

(2) العنكبوت : 45 .

(3) النوري ، مستدرك الوسائل 3 : 71 .

(4) المجلسي ، بحار الأنوار 62 : 165 / 3 .


(215)

الارتعاش ، ويهدم مروّته ، ويحمله إلى التجسّر على المحارم من سفك الدماء ، وركوب الزنا»(1) .

وغيرها من النصوص المتضافرة عن أئمة الدين(2) .

فإذا كانت الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في الموضوع ، فالغاية المتوخّاة من تشريعها إنّما هي الوصول إليها ، أو التحرّز عنها ، وبما أنّ المصالح والمفاسد ليست على وزان واحد ، بل رُبّ واجب يسوغ في طريق إحرازه اقتراف بعض المحارم ، لاشتماله على مصلحة كبيرة لا يجوز تركها أصلاً ، ورُبّ حرام ذي مفسدة كبيرة ، لا يجوز اقترافه ، وإن استلزم ترك الواجب أو الواجبات .

ولأجل ذلك فقد عقد الفقهاء باباً خاصاً لتزاحم الأحكام وتصادمها في بعض الموارد ، فيقدّمون الأهم على المهم والأكثر مصلحة على الأقل منها ، والأعظم مفسدة على الأحقر منها ، وهكذا . . . ويتوصلون في تمييز الأهم عن المهم ، بالطرق والأمارات التي تورث الاطمئنان ، وباب التزاحم في علم الأُصول غير التعارض فيه ، ولكلٍّ أحكام .

وقد أعان فتح هذا الباب على حلّ كثير من المشاكل الاجتماعية التي ربّما يتوهّم الجاهل أنّها تعرقل خطى المسلمين في معترك الحياة ، وأنّها من المعضلات التي لاتنحلّ أبداً ، ولنأتي على ذلك بمثال وهو :

إنّه قد أصبح تشريح بدن الإنسان في المختبرات من الضروريات الحيوية التي يتوقّف عليه نظام الطبّ الحديث ، فلا يتسنّى تعلّم الطبّ إلاّ بالتشريح والاطّلاع على خفايا الأمراض والأدوية .

غير أنّ هذه المصلحة ، تصادمها مسألة احترام الإنسان حيّاً وميتاً ، إلى حدّ


(1) المجلسي ، بحار الأنوار 62 : 164 / 2 .

(2) راجع علل الشرائع للشيخ الصدوق فقد أورد فيه ما أثر عن النبيّ _ صلى الله عليه وآله _ والأئمة _ عليهم السلام_ في بيان علل التشريع .


(216)

أوجب الشارع الإسراع في تغسيله وتكفينه وتجهيزه للدفن ، ولا يجوز نبش قبره
إذا دفن ، ولا يجوز التمثيل به وتقطيع أعضائه ، بل هو من المحرّمات الكبيرة التي لم يجوّزها الشارع حتّى بالنسبة إلى الكلب العقور ، غير أنّ عناية الشارع بالصحّة العامة وتقدّم العلوم جعلته يسوّغ اقتراف هذا العمل لتلك الغاية ، مقدّماً بدن الكافر على المسلم والمسلم غير المعروف على المعروف منه ، وهكذا . . .

ج ـ التشريع الإسلامي ذو مادة حيوية :

إنّ التشريع الإسلامي في مختلف الأبواب مشتمل على أُصول وقواعد عامّة تفي باستنباط آلاف من الفروع التي يحتاج إليها المجتمع البشري على امتداد القرون والأجيال .

أخرج الكليني عن عمر بن قيس ، عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السلام _ قال : سمعته يقول : «إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله ، وجعل لكلّ شيء حدّاً ، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه ، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً» .

روى الكليني عن أبي عبد الله ـ عليه السلام _ أنّه قال : «ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة»(1) .

وقال الإمام الطاهر موسى الكاظم ـ عليه السلام _ عندما سأله عن وجود كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيه قال مجيباً : «بل كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه»(2) .

نعم تتجلّى حيوية مادة التشريع إذا أخذنا بسنّة رسول الله المرويّة عن طريق أئمة أهل البيت; فقد حفظوا سنّة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما كانت كتابة الحديث أمراً


(1) الكليني 1 : 59 ـ 62 باب الردّ إلى الكتاب والسنة .

(2) الكليني 1 : 59 ـ 62 باب الردّ إلى الكتاب والسنة .


(217)

معرضاً عنه ، ولذلك صارت أدلّة الفقه الإسلامي متوسّعة كافلة لاستنباط الأحكام ، وبذلك أغنوا الأُمة الإسلامية عن مقاييس ظنّية كالقياس والاستقراء ، وما لا دليل عليه من الكتاب والسنّة على وجه القطع واليقين .

إنّ الاكتفاء بما ورد عن النبيّ عن طريق الصحابة وعدم الرجوع إلى ما رواه أئمة أهل البيت عن جدّهم متسلسلاً كابر عن كابر لخسارة عظمى ، فعلى المشغوف بتجديد حياة الإسلام وإغنائه عن أيّ تشريع غربيّ وشرقيّ وتجسيد الخاتمية في مجال التشريع أن يجتاز الحدود التي ضربها الأُمويون ومَن لفّ لفّهم بين الناس وأئمة أهل البيت  ـ عليهم السلام ـ فعند ذلك ستنفتح آفاق من حديث الرسول ممّا يحتار اللبّ به ، ويثير الحسرة لما فات الأُمّة من التنوّر بنورهم في القرون الماضية .

د ـ تشريع الاجتهاد وعدم غلق بابه :

وممّا أضفى على التشريع الإسلامي خلوداً وغضاضة وشمولية وإغناءً عن موائد الأجانب ، فتح باب الاجتهاد فيما تحتاج إليه الأُمّة في حياتها الفردية والاجتماعية ، ومن أقفله في الأدوار السابقة قطع الأُمّة الإسلامية عن مواكبة التطوّر والحضارة ، ومِن ثَمَّ جعل التشريع الإسلامي ناقصاً غير كامل لما تحتاج إليه الاُمّة ، وأمّا لزوم فتحه فهو أنّ الأُمّة الإسلامية في زمن تتوالى فيه الاختراعات والصناعات ، وتتجدّد الأحداث التي لم يكن لها مثيل في عصر النبيّ ولا بعده ، فهم أمام أحد أُمور :

1 ـ بذل الوسع في استنباط أحكام الموضوعات الحديثة من الأُصول والقواعد الإسلامية .

2 ـ اتّباع المبادئ الغربية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة .

3 ـ الوقوف من غير إعطاء حكم .

ومن المعلوم بطلان الثاني والثالث فيتعيّن الأوّل .


(218)

نعم ، لم يزل هذا الباب مفتوحاً عند الشيعة بعد رحيل صاحب الرسالة إلى يومنا هذا ، وبذلك أنقذوا الشريعة من الانطماس وأغنوا الأُمّة الإسلامية عن التطلّع إلى موائد الغربيين .

وبما أنّ الاجتهاد الحرّ ، والخروج عن قيد المذاهب صار واضح اللزوم نقتصر على هذا المقدار .

هـ ـ حقوق الحاكم الإسلامي أو ولاية الفقيه :

من الأسباب الباعثة على بقاء الدين وكونه مادّة حيوية صالحة لحلّ المشاكل والمعضلات الطارئة ، كون الحاكم الإسلامي بعد النبيّ والأئمة ممثّلاً لقيادتهم الحكيمة في أُمور الدين والدنيا ، التي من شأنها أن توجّه المجتمع البشري إلى أرقى المستويات الحضارية ، فقد فتحت لمثل هذا الحاكم الصلاحيات المؤدّية إلى حقّ التصرّف في كلّ ما يراه ذا مصلحة للأُمّة في إطار القوانين العامّة; لأنّه يتمتّع بمثل ما يتمتّع به النبيّ والإمام من النفوذ المطلق إلاّ ما كان من خصائص النبيّ والأئمة .

وبما أنّ المحقّقين أسهبوا الكلام في معنى ولاية الفقيه اقتصرنا على هذا المقدار .

مرونة التشريع الإسلامي :

لقد سبق الحديث عن أنّ استغناء التشريع الإسلامي عن كلّ تشريع سواه رهن أمرين :

الأول : إنّه ذو مادة حيوية خلاّقة للتفاصيل بحيث يقدر على الإجابة ببيان حكم جميع الأحداث التالية والطارئة .

الثاني : النظر إلى الكون والمجتمع بسعة وانطلاق مع مرونة خاصة تماشي جميع الأزمنة والأجيال ، وقد مرّ الكلام في الأمر الأوّل وإليك الكلام حول الأمر الثاني .

إنّ الذي فتح للتشريع الإسلامي خلوداً وغناءً عن سائر التشريعات هو


(219)

مرونة أحكامه التي تماشي جميع الأزمنة والحضارات ، وقد تمثّلت هذه المرونة بأُمور :

الأول : كونه جامعاً بين الدعوة إلى المادّة والروح

إذا غالت المسيحية في التوجّه إلى الناحية الروحية ، فدعت إلى الرهبانية والتعزّب ، وغالت اليهودية في الدعوة إلى ملاذّ الحياة والانكباب على المادّة حتّى نسيت كلّ قيمة روحية ، فالإسلام دعا إلى المادّية والمعنوية على وجه يطابق الفطرة الإنسانية ، وجعل الفطرة مقياساً للحلال والحرام ، وشرع للإنسان ما يسعده في الدنيا والآخرة على ما هو مفصّل في محله .

الثاني : النظر إلى المعاني لا إلى الظواهر

الإسلام ينظر إلى المعاني والحقائق لا الظواهر والقشور ، فيأمر بالأخذ باللبّ لا بالقشر ، وهذا هو السرّ في خاتمية الدين الإسلامي وتمشّيه مع تطوّر الحياة ، ولا يتوهّم من ذلك جواز التدخّل في التشريع بحجّة الأخذ باللبّ دون القشر; فإنّ الكبريات الواردة في الكتاب والسنّة كلّها لبّ ، وأمّا القشر فإنّما يرجع إلى التخطيط والتجسيد .

وسيوافيك عند الإجابة على السؤال الخامس أنّ الإسلام دعا الإنسان إلى الملبس والمسكن وإشاعة العلم والتربية ، وهذا هو اللبّ ، وأمّا الأشكال والأنماط لهذا التشريع فمتروك إلى مقتضيات العصور .

إنّ الذي يهتمّ به التشريع كون البيت مُقاماً على أرض غير مغصوبة ومن مال حلال بحيث يتمكّن المسلم من إقامة فرائضه فيه وحفظ كيانه ، وقد أناط شكل البيت وهندسته إلى مقتضيات الظروف والمصالح; وكذا الملابس ووسائل التعليم
ابتداءً من الحفر على الصخر والجدران والكتابة على الجلود والقراطيس ، إلى


(220)

ابتكار وسائل ألكترونية متطوّرة لإنجاز الغرض ، فمن أراد الحفاظ على الصور ، فقد عرقل الأُمّة الإسلاميّة عن التقدّم وأثار مشاكل في تطبيق الشريعة في الأزمنة الحاضرة .

الثالث : الأحكام التي لها دور التحديد

من الأسباب الموجبة لمرونة هذا الدين وانطباقه على جميع الحضارات الإنسانية تشريعه القوانين الخاصّة التي لها دور التحديد والرقابة بالنسبة إلى عامّة تشريعاته وقد اصطلح عليها الفقهاء بالأدلّة الحاكمة; لأجل حكومتها وتقدّمها على كلّ حكم ثبت لموضوع بما هو هو ، فهذه القوانين الحاكمة ، تعطي لهذا الدين مرونة يماشي لبّها كلّ حضارة إنسانية ، مثلا قوله سبحانه : (وما جعلَ عَليكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَج . . . )(1) حاكم على كلّ تشريع استلزم العمل به حرجاً ، لا يتحمّل عادة للمكلّف فهو مرفوع في الظروف الحرجة ، ومثله قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «لا ضرر ولا ضرار» فكلّ حكم استتبع العمل به ضرراً شديداً ، فهو مرفوع في تلك الشرائط ، وقس عليهما غيرهما من القوانين الحاكمة .

نعم تشخيص الحاكم عن المحكوم ، ومايرجع إلى العمل بالحاكم من الشرائط ، يحتاج إلى الدقّة والإمعان والتفقّه والاجتهاد ، ورأْينا أنّ الموضوع يحتاج إلى التبسّط أكثر من هذا ، فإلى مجال آخر أيّها القارئ الكريم .

السؤال الخامس : القوانين الثابتة والحياة المتطوّرة .

إنّ مقتضى كون الإسلام ديناً خاتماً ، ثبات قوانينه وتشريعاته ، ومن المعلوم أنّ المجتمع الإنساني لم يزل في تطوّر وتغيّر ، فعند ذلك يُطْرح السؤال التالي :

كيف يمكن للقانون الثابت معالجة متطلّبات المجتمع المتغيّر؟ فإنّ من لوازم


(1) الحج : 78 .


(221)

التغيّر والتطوّر ، تغييرُ ما تسُود عليه من قوانين وتشريعات؟

هذا هو السؤال الذي يُطرح بين آن وآخر ، والإجابة عنه تتوقّف على بيان ما هو الثابت من حياة الإنسان عن متغيّرها ، وأنّ للثابت من جانب حياته تشريعاً ثابتاً ، وللجانب المتغيّر منها تشريعاً متغيّراً فالتشريع الثابت لما هو الثابت والمتغيّر لما هو المتغيّر ، وإليك البيان :

الجانب الثابت من حياة الإنسان :

1 ـ إنّ للحياة الإنسانية جانبين : متغيّر وثابت ، فالثابت منها عبارة عن الغرائز الثابتة والروحيات الخالدة التي لا تتغيّر ولا تتبدّل مادام الإنسان إنساناً ولا يتسرّب التغيّر إليها .

فالإنسان الاجتماعي بماهو موجود ذو غرائز يحتاج لحفظ حياته وبقاء نفسه إلى العيش الاجتماعي والحياة العائلية ، وهذان الأمران من أُسُس حياة الإنسان لا تفتأ تقوم عليهما حياته منذ وجوده إلى يومنا هذا .

فإذا كان التشريع الموضوع منسجماً ومتطلبات الغرائز ، ومعدِّلاً إيّاها عن الإفراط والتفريط ومرتكزاً على العدل والاعتدال ، فذلك التشريع يكون خالداً في ظلّ خلود الغرائز .

2 ـ إنّ التفاوت بين الرجل والمرأة أمر لا ينكر; فهما موجودان مختلفان اختلافاً عضوياً وروحياً رغم كلّ الدعايات السخيفة المنكرة لذلك الاختلاف ، ولكلّ من الرجل والمرأة متطلّب وفق تركيبه ، فإذا كان التشريع متجاوباً مع التركيب والفطرة ، يكون خالداً حسب خلود الفطرة والتركيب .

3 ـ الروابط العائلية كعلاقة الأب بولده وبالعكس ، علاقات طبيعية مبنية على الفطرة ، فالأحكام الموضوعية وفق هذه الروابط من التوارث ولزوم التكريم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان .


(222)

إنّ السؤال مبنيّ على أنّ الإنسان بفطرته وتركيبه يقع في مهبِّ التغيّر والتطوّر; فلا يبقى منه شيء عبْر القرون ، فكأنّ الإنسان الحالي غير الإنسان الغابر ، مع أنّها فكرة باطلة ، فلو كان هناك تغيّر فإنّما يعود هذا إلى غير الجانب الثابت من حياته .

4 ـ إنّ في حياة الإنسان قضايا أخلاقية ثابتة عبر الزمان لا يتسرَّب إليها التغيير ككون الظلم قبيحاً والعدل حسناً ، وجزاء الإحسان بالإحسان حسناً وبالسيّئ قبيحاً ، والعمل بالميثاق حسناً ونقضه قبيحاً ، إلى غيرها من القضايا الأخلاقية الثابتة في حياة الإنسان . سواء قلنا بأنّها أحكام فطرية نابعة من الخلقة أو قلنا إنّ هناك عوامل عبر التاريخ رسخت هذه المفاهيم في ذهن الإنسان; فإنّ الاختلاف في جذور تلك المُثُل لا يضرّ بما نحن بصدده; لأنّها على كلّ تقدير ثابتة في حياة الإنسان ، والتشريع الموضوع وفقها يتمتّع بالثبات .

إنّ هناك موضوعات في الحياة الإنسانية لم تزل ذات مصالح ومفاسد أبدية ، فما دام الإنسان إنساناً فالخمر يزيل عقله والميسر ينبت العداوة في المجتمع ، والإباحة الجنسية تفسد النسل والحرث مدى الدهور والأجيال ، فبما أنّ هذه القضايا قضايا ثابتة في حياته ، فالتشريع على وفقها يكون ثابتاً وفق ثباتها .

فهذه نماذج من الجانب الثابت من حياة الإنسان تناولناها لإيقاف القارئ على أنّ التغيّر في حياة الإنسان ليس أمراً كلّياً ولا يتسرَّبُ إلى أعماق حياته ، وإنّما التغيّر يرجع إلى صور من حياته فالتغيّر ـ كما سيوافيك بيانه ـ إنّما يكون مثلاً في المواصلات ، وفي التكتيك الحربي ، وفي طراز البناء وأشكاله ، وفي معالجة الأمراض وغيرها ، فأين مثل هذا التغيّر من حرمة الظلم ، ووجوب العدل ، ولزوم أداء الأمانات ، ودفع الغرامات ، ولزوم الوفاء بالعهد والأيمان ، وتكريم ذوي الحقوق إلى غير ذلك من القوانين الثابتة الموضوعة على غرار الفطرة مبنياً على الجانب الثابت من حياته فهو يحتلّ مكان التشريع الدائم .


(223)
الجانب المتغيّر في الحياة الإنسانية :

إنّ للإنسان جانباً آخر في حياته لا يزال يتغيّر من حال إلى حال ، فمثل هذا يتطلّب تشريعات متغيّرة حسب تغيّره وتبدّله ، ومن حسن الحظّ أنّه ليس في الإسلام الخاتم تشريعٌ ثابتٌ لهذا الجانب من الحياة مظاهر حياته وقشورها لا جوهرها ، ولذلك لم يتدخّل فيه الإسلام تدخُّلا مباشراً ، بل ترك أمرها للمجتمع الإسلامي في ظلّ إطار خاص . وسوَّغ للمجتمع البشري إدارة شؤون حياته في مجال العمران والبناء وتطور وسائل الحياة المختلفة في مجال الثقافة والدفاع والاقتصاد في ظلّ إطار عام الذي يتجاوب مع التغيّر والتطوّر .

فترك للإنسان مجالاً متحرّكاً يختار به أيّ نوع من الألبسة والبناء والمعدّات والوسائل المختلفة ضمن شروط معلومة في الفقه الإسلامي ، ولأجل هذه المرونة في الإنسان نرى أنّه يتجاوب مع جميع الحضارات الإنسانية ، وما هذا إلاّ لأنّه لم يتدخّل في الجزئيات المتغيّرة إلاّ بوضع إطار خاصّ لا يمنع حرّيته ولا يزاحم التغيّر ، وهنا كلمة قيّمة للشيخ الرئيس ابن سينا نذكرها ، قال :

«يجب أن يفوّض كثير من الأحوال خصوصاً في المعاملات إلى الاجتهاد; فإنّ للأوقات أحكاماً لا يمكن أن تنضبط ، وأمّا ضبط المدينة بعد ذلك بمعرفة ترتيب الحفظة ومعرفة الدخل والخرج وإعداد أهب الأسلحة والحقوق والثغور وغير ذلك فينبغي أن يكون ذلك إلى السائس من حيث هو خليفة ، ولا تفرض فيها أحكام جزئية; فإنّ في فرضها فساداً; لأنّها تتغيّر مع تغيّر الأوقات ، وفرض الكليّات فيها مع تمام الاحتراز غير ممكن ، فيجب أن يجعل ذلك إلى أهل المشورة»(1) .

نعم إنّ عنوان مقتضى الزمان صار رمزاً لكلّ من أراد أن يتحرّر من القيم


(1) الشفاء ، قسم الإلهيات : ص566 .


(224)

الأخلاقية ، ويعيش متحلّلاً من كلّ قيد وحدّ ، خالعاً كلّ عذار .

وهؤلاء حيثما رأوا الإباحة الجنسيّة ، واختلاط الرجال والنساء ، واتّخاذ الملاهي بأنواعها وشرب المسكر ، واللعب بالميسر ، واقتراف المعاصي وأخذ الربا وغير ذلك ممّا حرّمته الشريعة الإسلامية ، لم يجدوا مبرِّراً لاقترافها إلاّ بالتمسّك بمقتضيات الزمان وجبر التاريخ .

وهذا أبرز دليل على أنّ التمسّك به غطاء للتحرّر من القيود الشرعية والأخلاقية ، وإلاّ فلو كان المقصود من تطبيق الحياة على مقتضيات الزمان ، هو ترفيع الثقافة الإنسانية ، والاستفادة من أحدث الأجهزة في المجالات كافّة; فهذا ممّا لا يرفضه الإسلام ، وليس له فيه قانون يعرقل خطى الترقّي وحدوده بإطار عام ، وهو عبارة أن لا يزاحم سعادة الإنسان ، وأن لا يكون فيه ضرر على روحه وجسمه ، والقيم التي بها يمتاز عن الحيوان .

نماذج من الأحكام المتغيرة حسب تغير الظروف :

وها نحن نأتي في المقام بنماذج من الأحكام المتغيرة بتغيّر الظروف
وراء ماذكرناه في مجال الصناعة والمسكن والملبس بشرط أن لا يزاحم المثل
والقيم .

في مجال العلاقات الدولية الدبلوماسية :

يجب على الدولة الإسلامية أن تراعي مصالح الإسلام والمسلمين ، فهذا أصل ثابت وقاعدة عامّة ، وأمّا كيفية تلك الرعاية ، فتختلف باختلاف الظروف الزمانية والمكانية ، فتارة تقتضي المصلحة السلام والمهادنة والصلح مع العدوّ ، وأُخرى تقتضي ضدّ ذلك .

وهكذا تختلف المقرّرات والأحكام الخاصّة في هذا المجال ، باختلاف الظروف ،


(225)

ولكنّها لا تخرج عن نطاق القانون العام الذي هو رعاية مصالح المسلمين ، كقوله سبحانه :

(ولَنْ يَجعلَ اللهُ للكافرينَ عَلى المُؤمِنينَ سَبيلاً )(1) ، وقوله سبحانه : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَمْ يُخرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقسِطُوا إلَيهِمْ إنَّ اللهَ يُحبُّ المُقسِطينَ * إنَّما يَنهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذينَ قاتَلُوكُمْ في الدِّينِ وَ أخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وظاهَروا على إخراجِكُمْ أنْ تَوَلَّوهُمْ وَمنْ يَتولَّهُمْ فَأُولئك هُمُ الظّالِمونَ )(2) .

في العلاقات الدولية التجارية :

قد تقتضي المصلحة عقدَ اتفاقيات اقتصاديّة وإنشاء شركات تجارية ، أو مؤسّسات صناعية ، مشتركة بين المسلمين وغيرهم ، وقد تقتضي المصلحة غير ذلك . ومن هذا الباب حكم الإمام المغفور له المجدِّد السيد الشيرازي بتحريم التدخين ليمنع من تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية التي عقدت في زمانه بين إيران وإنجلترا; إذ كانت مُجحِفة بحقوق الشعب الإيراني المسلم ; لأنّها خوّلت لإنجلترا حقّ احتكار التنباك الإيراني .

في مجال الدفاع عن حريم الإسلام :

الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الأعداء ، قانون ثابت لا يتغيّر ، فالمقصد الأسنى لمشرِّع الإسلام ، إنّما هو صيانة سيادته عن خطر أعدائه وأضرارهم ، ولأجل ذلك أوجب عليهم تحصيل قوّة ضاربة ضدّ


(1) النساء : 141 .

(2) الممتحنة : 8 ـ 9 .


(226)

الأعداء ، وإعداد جيش عارم جرّار تجاه الأعداء كما يقول سبحانه : (وأعِدُّوا لَهُمْ مَا استَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة )(1) فهذا هو الأصل الثابت في الإسلام الذي يؤيّده العقل والفطرة أمّا كيفية الدفاع وتكتيكه ونوع السلاح ، أو لزوم الخدمة العسكرية وعدمه ، فكلّها موكولة إلى مقتضيات الزمان ، تتغيّر بتغيّره ، ولكن في إطار القوانين العامة فليس هناك في الإسلام أصل ثابت ، حتّى مسألة لزوم التجنيد العمومي ، الذي أصبح من الأُمور الأصلية في غالب البلاد .

وما نرى في الكتب الفقهية من تبويب باب ، أو وضع كتاب خاص ، لأحكام السبق والرماية ، وغيرها من أنواع الفروسية التي كانت متعارفة في الأزمنة الغابرة ونقل أحاديث في ذلك الباب عن الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأئمة الإسلام ، فليست أحكامها أصلية ثابتة في الإسلام ، دعا إليها الشارع بصورة أساسية ثابتة ، بل كانت هي نوع تطبيق لذلك الحكم ، والغرض منه تحصيل القوة الكافية ، تجاهَ العدو في تلكم العصور ، وأمّا الأحكام التي ينبغي أنْ تطبّق في العصر الحاضر فإنّه تفرضها مقتضيات العصر نفسه .

فعلى الحاكم الإسلامي تقوية جيشه وقواته المسلّحة بالطرق التي يقدر معها على صيانة الإسلام ومعتنقيه عن الخطر ، ويصدّ كلّ مؤامرة عليه من جانب الأعداء حسب إمكانيات الوقت .

والمقنِّن الذي يتوخّى ثباتَ قانونه ودوامه وسيادة نظامه الذي جاء به ، لا يجب عليه التعرّض إلى تفاصيل الأُمور وجزئيّاتها ، بل الذي يجب عليه هو وضع الكليات والأُصول ليساير قانونه جميعَ الأزمنة بأشكالها وصورها المختلفة ، ولو سلك غير هذا السبيل لصار حظّه من البقاء قليلاً جداً .


(1) الأنفال : 60 .


(227)
في نشر العلم والمعارف والثقافة :

نشر العلم والثقافة ، واستكمال المعارف التي تَضمنُ سيادةَ المجتمع ماديّاً ومعنويّاً ، يعتبر من الفرائض الإسلامية ، أمّا تحقيق ذلك وتعيين نوعه ونوع وسائله فلا يتحدّد بحدّ خاص ، بل يوكل إلى نظر الحاكم الإسلامي واللجان المقررة لذلك من جانبه حسب الإمكانيات الراهنة في ضوء القوانين الثابتة .

وبالجملة : فقد ألزم الإسلام رُعاة المسلمين وولاة الأمر نشرَ العلم بين أبناء الإنسان ، واجتثاث مادّة الجهل من بينهم ، ومكافحة أيّ لون من الأُميّة ، وأمّا نوع العلم وخصوصياته ، فكلّ ذلك موكول إلى نظر الحاكم الإسلامي وهو أعلم بحوائج عصره .

فربّ علم لم يكن لازماً; لعدم الحاجة إليه في العصور السابقة ، ولكنّه أصبح اليوم في الرعيل الأوّل من العلوم اللازمة التي فيها صلاح المجتمع كالاقتصاد والسياسة .

في مجال إقامة النظام :

حفظ النظام وتأمين السبل والطرق ، وتنظيم الأُمور الداخلية ورفع مستوى الاقتصاد و . . . من الضرورات ، فيتبع فيه وأمثاله مقتضيات الظروف ، وليس فيه للإسلام حكم خاصّ يتّبع ، بل الذي يتوخّاه الإسلام هو الوصول إلى هذه الغايات ، وتحقيقها بالوسائل الممكنة ، دون تحديد وتعيين لنوع هذه الوسائل ، وإنّما ذلك متروك إلى إمكانيات الزمان الذي يعيش فيه البشر ، وكلّها في ضوء القوانين العامّة .

في مجال المبادلات المالية :

قد جاء الإسلام بأصل ثابت في مجال الأموال وهو قوله سبحانه : (ولا تَأْكُلُوا


(228)

أموالَكُمْ بَينكُمْ بِالباطل )(1) وقد فرّع الفقهاء على هذا الأصل شرطاً في صحّة عقد البيع أو المعاملة فقالوا : يشترط في صحّة المعاملة وجود فائدة مشروعة ، وإلاّ فلا تصحّ المعاملة ومن هنا حرّموا بيع «الدم» وشراءه .

إلاّ أنّ تحريم بيع الدم أو شراءه ليس حكماً ثابتاً في الإسلام بل الحكم الثابت هو حرمة أكل المال بالباطل ، وكانت حرمة الدم في الزمان السابق صورة إجرائية لما أفادته الآية من حرمة أكل المال بالباطل ومصداقاً لها في ذلك الزمان ، فالحكم يدور مدار وجود الفائدة (التي تخرج المعاملة عن أن تكون أكلا للمال بالباطل) وعدم تحقّق الفائدة ، فلو ترتّبت فائدة معقولة على بيع الدم أو شرائه فسوف يتبدّل حكم الحرمة إلى الحلّيّة ، والحكم الثابت هنا هو قوله تعالى : (ولا تَأْكُلُوا أموالَكُمْ بَينكُمْ بِالباطل) .

وفي هذا المضمار ورد أنّ عليّاً ـ عليه السلام _ سئل عن قول الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود؟» فقال : ـ عليه السلام _ : «إنّما قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ذلك والدِّينُ قَلّ ، فأمّا الآن فقد اتّسع نطاقه ، وضرب بِجِرانِهِ(2) فالمرء وما اختار»(3) .


(1) البقرة : 188 .

(2) الجِران : باطن العُنُق ، وقيل : مقدّم العنق من مذبح البعير إلى منحره ، فإذا بَرَك البعير ومدّ عنقه على الأرض قيل : ألقى جرانه بالأرض (لسان العرب : مادّة جرن) .

(3) نهج البلاغة ، الحكمة رقم : 16 .


(229)

الشيعة والخاتميّة

اتّفقت الشيعة ـ قاطبة ـ تبعاً للكتاب والسنّة على أنّ نبيّ الإسلام ، هو
النبيّ الخاتم ، وكتابه خاتم الكتب ، ورسالته خاتمة الرسالات ، وقد أُوصِد برحيله باب الوحي ، وأُقفل بموته باب التشريع; فلا وحي ولا تشريع بعد ذهابه ، وقد وقفت على كلام الإمام أمير المؤمنين عليّ ـ عليه السلام _ عند تغسيل النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وتجهيزه فلا  نعيد(1) .

غير أنّ هناك شبهات ضئيلة في المقام تطرح من جانب أُناس لا عرفان لهم بمذهب الشيعة ولا تعرّفَ لهم عليه من كثب ، وقد تلقّوها من المستشرقين أو من البعداء عن البيئات الشيعية .

وهذه الأسئلة تجمعها الأُمور التالية .

1 ـ كيف تقولون بالخاتمية وإيصاد باب الوحي والتشريع وأنتم تعملون بكتاب عليّ ـ عليه السلام _؟

2 ـ كيف تقولون بذلك ، وعندكم مصحف باسم مصحف فاطمة؟ وهل كان عند بنت المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ قرآن غير القرآن الموجود عند المسلمين؟

3 ـ كيف تقولون ذلك وأنتم تعتمدون على روايات مروية عن الأئمة الاثني عشر بصورة موقوفة غير متّصلة إلى النبيّ الأكرم؟ وهل الأئمة الاثنا عشر ممّن يوحى إليهم؟

إنّ هذه الأسئلة ربّما تنطلي على الجاهل غير العارف بمعتقدات الشيعة فيرميهم بما هم براء منه ، ولأجل رفع الغطاء نأخذ كلَّ واحد بالدراسة بوجه موجز .


(1) لاحظ الحديث 4 في فصل (الخاتمية في أحاديث العترة الطاهرة) .


(230)

كتاب عليّ وإملاء رسول الله :

إنّ السؤال الأوّل يرجع إلى كتاب عليّ وماهيّته؟ وهل هو أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ التي دوّنها الإمام دون غيره؟ وإليك التفصيل :

كانت لمدرسة أئمة أهل البيت عناية خاصة بضبط وتدوين كلّ ما أُثِر عن النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من قول وفعل; لأنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ لا يصدر في مجال التشريع والتعليم إلاّ عن الوحي قال سبحانه : (ومايَنطِقُ عنِ الهَوى * إن هوَ إلاّ وَحيٌ يُوحى )(1) وكان ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ على علم قاطع بأنّه سوف ينتقل إلى بارئه ، وأنّ الأُمّة الإسلامية سوف تحتاج إلى كلماته وأقواله ، وأفعاله وأعماله ولا تبقى خالدة إلاّ بالضبط والتدوين .

إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام _ كان وليدَ البيت النبويّ وكان مع الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ منذ نعومة أظفاره إلى رحيل رسول الله عن الدنيا ، وهو ـ عليه السلام _ يصف حياته في صباه وما بعده ويقول : «ولقد كنتُ أتّبعُه (يعني : رسول الله) اتِّباع الفصيل أثر أُمّه ، يرفعُ لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بِحِراءَ فأراه ولا يراه غيري . ولم يجتمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة»(2) .

كان ربيبه عليّ ـ عليه السلام _ يلازمه ليلاً ونهاراً ، سفراً وحضراً ، في موطِنه ومهجَره ، لم يفارقه في غزوة إلاّ غزوة تبوك ، وقد أقامه رسول الله مقامه في المدينة ليكون عيناً للمسلمين على المنافقين ، وصاعقة على المتمرّدين إذا حاولوا المؤامرة ، أو إيذاء من بقي من المسلمين من الشيوخ والأطفال ، إلى أن دخل العام الحادي عشر للهجرة وقد قرب أجله وارتحاله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومرض وكان عليّ هو الممرّض له ، وقُبض ورأسه


(1) النجم : 3 ـ 4.

(2) الشريف الرضي ، نهج البلاغة ، الخطبة : 192 .


(231)

لَعلى صدره ـ عليه السلام _ .

إنّ علياً ـ عليه السلام _ يشرح ذلك الموقف ويقول : «ولقد قُبِضَ رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وإنّ رأسه لَعلَى صدري ـ إلى أن يقول ـ ولقد ولّيتُ غسلَه  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والملائكة أعواني ، فضجّت الدار والأفنية ، ملأ يهبط ، وملأ يعرُج وما فارقَتْ سمعي هينمة(1)منهم ، يصلّون عليه . حتّى واريناه في ضريحه . فَمَن ذَا أحقُّ به منّي حيّاً وميِّتاً؟»(2) .

كلّ ذلك يعرف عن لواذ الإمام واختصاصه بالنبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والتجائه إليه .

وقد اختصّ الإمام بهذا المقام من بين الصحابة ولم يشاركه غيره ، وبذلك صار باب علم النبيّ(3) والحاكم الروحي على الإطلاق حتّى عصر الخلفاء ولا يشكّ في ذلك من فتح عينيه على سيرة الخلفاء وتاريخ المسلمين .

ولمثل هذا النوع من التلاحم يصف عليّ ـ عليه السلام _ حاله مع النبيّ ويقول : «إنّي إذا كنت سألته أنبأني ، وإذا سكتُّ ابتدأني»(4) .

كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يأمر عليّاً ـ عليه السلام _ أن يكتب كلّ ما يملي عليه ، فقال ـ عليه السلام _ مرّة لرسول الله :

«يا نبيّ الله أتخاف عليَّ النسيان؟» قال : «لستُ أخاف عليك النسيان ، وقد دعوت الله أن يحفظك ولا ينسيك ، ولكن اكتب لشركائك» قال «قلت : ومن شركائي يا نبيّ الله؟» قال : «الأئمة من ولدك»(5) .

وكان من جملة ما أملاه عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وكتب عليّ ـ عليه السلام _ بخطّه ، كتاب


(1) الصوت الخفي .

(2) نهج البلاغة ، الخطبة : 197 .

(3) المتقي الهندي ، كنز العمال 6 : 156 و 401 .

(4) السيوطي ، تاريخ الخلفاء : ص115 .

(5) الصدوق ، إكمال الدين 1 : 206 ، وأماليه : 227 ، وغيرهما .


(232)

طوله سبعون ذراعاً في عرض الأديم ، وهذا هو المعروف بكتاب عليٍّ أو صحيفته ، اشتهر أمره بين الشيعة وأئمتهم ، وفيها ما يحتاج إليه الناس في مجال الأحكام إلى يوم القيامة ، وكانت الأئمة بعد الإمام يصدرون عنه ويروُونَ عنه ، ويستشهدون في مواقع خاصّة به ، وليس كتابه سوى أحاديث أملاها النبيّ ، وكَتبها الوصيّ وورثها أبناؤه كابر عن كابر ، ونقلوا عنه شيئاً كثيراً ، وبذلك صار الإمام هو المدوِّن الرسمي للحديث النبويّ ، وإن كان بعض الصحابة(1) شاركه في ضبط الحديث النبوي ، لكن صحائفهم وكتبهم أُحرقت ـ ويا للأسف ـ في عصر الخلفاء لمصالح هم أعرف بها ، وبذلك خسر المسلمون والسنّة النبوية خسارة كبرى لاتستقال ، وبالتالي صار الحديث النبوي مرتعاً لوضع الوضّاعين والكذّابين يلصقون به ما شاءوا من الإسرائليات والمسيحيات والمجوسيات ، لكن بقي كتاب الإمام غضّاً طريّاً مصوناً من الشرّ ، يرثه إمام بعد إمام .

ولأجل إيقاف القارئ على واقع الأمر ، نذكر مواصفات الكتاب وميزاته ، وشيئاً من نصوصه ، حتّى يتبيّن أنّ كتاب عليّ ـ عليه السلام _ لم يكن إلاّ جامعاً حديثياً ، وكان تدويناً مبكراً للسنّة النبوية المطهرة :

أ ـ روى : بكر بن كرب الصيرفي قال : سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام _ يقول : «إنّ عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس ، وإنّ الناس ليحتاجون إلينا ، وإنّ عندنا كتاباً إملاء رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وخطّ عليّ ـ عليه السلام _ ، صحيفة فيها كلّ حلال وحرام»(2) .

ب ـ روى فضيل بن يسار قال : قال لي أبو جعفر ـ عليه السلام _ : «يا فضيل! عندنا كتاب عليّ سبعون ذراعاً ، ما على الأرض شيء يحتاج إليه إلاّ وهو فيه حتّى


(1) الترمذي ، السنن 5 : 39 كتاب العلم ; الدارمي ، السنن 1 : 125 ، باب من رخص في كتابة العلم ; الإمام أحمد ، المسند 2 : 215 ، وغيره .

(2) الكليني ، الكافي 1 : 241 ; الصفّار ، بصائر الدرجات : ص142 .


(233)

أرش الخدش»(1) .

ج ـ روى أبو بصير ـ في حديث ـ عن أبي عبد الله ـ عليه السلام _ قال : «يا أبا محمّد! وإنّ عندنا الجامعة ، وما يُدريهم ما الجامعة؟» قال قلتُ : جعلتُ فداك ، وما الجامعة؟ قال : «صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وإملائه من فِلق فيه ، وخطّ عليّ ـ عليه السلام _ بيمينه ، فيها كلّ حلال وحرام ، وكلّ شيء يحتاج إليه الناس حتّى الأرش في الخدش»(2) .

د ـ روى أيضاً عن أبي عبد الله ـ عليه السلام _ قال : سمعته يقول ـ وذكر ابنَ شبرمة ـ «أين هو من الجامعة; إملاء رسول الله وخطّه عليّ بيده ، فيها جميع الحلال والحرام حتّى أرش الخدش»(3) .

إلى غير ذلك من الروايات الحاكية لخصوصيات الكتاب وميزاته الذي رواه أصحاب المعاجم من محدّثي الشيعة ، فتسمية أئمة أهل البيت تارة بكتاب عليّ ، وأُخرى بالجامعة ، وثالثة بصحيفة عليّ ، والكتاب ، يعرب عن عناية الإمام بضبط أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، كما يعرب عن عناية سيّد الثقلين ، بكتابة حديثه ، ليبقى على مرّ العصور والقرون ، لا يعتريه الوضع والدسُّ .

وفي العصر الذي كان الناس يروون عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال : لا تكتبوا عنّي!! ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه(4) وإنّ فريقاً من الصحابة استأذنوا النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يكتبوا عنه فلم يأذنهم(5)!

وفي العصر الذي كانت مدرسة الخلفاء تروّج تقليل الرواية عن الرسول ،


(1) بصائر الدرجات : ص147 .

(2) الكافي 1 : 239 ، بصائر الدرجات : ص143 .

(3) بصائر الدرجات : 146 .

(4) الدارمي ، السنن 1 : 119 ، والإمام أحمد 3 : 12 .

(5) المصدر نفسه .


(234)

وكلّما يبعث الخليفة عمر بن الخطاب والياً إلى قطر أو بلد يوصيه في جملة ما يوصيه بقوله : «جرّدوا القرآن ، وأقلّوا الرواية عن محمّد وأنا شريككم!!»(1) وربّما يعيب إفشاء الحديث عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويقول مخاطباً لأبي ذر ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي الدرداء «وما هذا الحديث الذي تفشون عن محمد؟»(2) .

ففي تلك العصور الحرجة ، نرى أئمة أهل البيت يحتفظون بكتاب عليّ ، ويعتمدون عليه في نقل الحلال والحرام ، وبه يردّون ما كان يصدر من الفتيا الشاذّة عن الكتاب والسنّة ولا يقيمون للمنع عن الكتابة والرواية وزناً ولا قيمة ، ولنذكر نماذج من روايات كتاب عليّ ليعلم موقفه من صيانة السنّة من الضياع :

1 ـ روى أبو بصير عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السلام _ قال : كنت عنده فدعا بالجامعة فنظر فيها أبو جعفر ـ عليه السلام _ فإذا فيها : «المرأة تموت وتترك زوجَها ليس لها وارث غيره قال : فله المال كلّه»(3) .

2 ـ روى أبو بصير المرادي قال : سألت أبا عبد الله عن شيء من الفرائض ، فقال : «ألا أُخرِج لك كتاب عليّ ـ عليه السلام _» ـ إلى أن قال : ـ فأخرجه فإذا كتاب جليل وإذا فيه : «رجل مات وترك عمّه وخاله فقال : للعمّ الثلثان ، وللخال الثلث»(4) .

3 ـ روى عبد الملك بن أعين قال : دعا أبو جعفر بكتاب عليّ فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطويّاً ، فإذا فيه : «إنّ النساء ليس لهنّ من عقار الرجل ـ إذا هو توفّي عنها ـ شيءٌ فقال أبو جعفر ـ عليه السلام _ :هذا والله خطّ عليّ بيده ، وإملاء رسول الله»(5) .


(1) الطبري ، التاريخ 3 : 273 طبعه الأعلمي بالاُوفست .

(2) كنز العمال 10 : 293 / 294 .

(3) بصائر الدرجات : 145 .

(4) الكليني ، الكافي 7 : 119 .

(5) الحرّ العاملي ، وسائل الشيعة 17 : 522 ، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج ، الحديث 17 .


(235)

4 ـ روى محمّد بن مسلم الثقفي : قال : أقرأني أبو جعفر كتاب الفرائض التي هي إملاء رسول الله وخطّ علي فإذا فيها : «إنّ السهام لا تعول»(1) .

5 ـ روى عذافر الصيرفي قال : كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر ـ عليه السلام _فجعل يسأله وكان أبو جعفر ـ عليه السلام _ له مكرماً ، فاختلفا في شيء ، فقال أبو جعفر :
«يا بُنيّ قُم فأخرِج كتابَ عليّ» فأخرج كتاباً مدرّجاً عظيماً وفتحه وجعل
ينظر حتّى أخرج المسألة فقال أبو جعفر ـ عليه السلام _ : «هذا خطّ عليّ ـ عليه السلام _ ، وإملاء رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _»(2) .

وهذه الروايات تكشف عن أنّ كتاب الفرائض الذي ذكر لعليّ ـ عليه السلام _ كان جزءاً من كتابه الكبير .

6 ـ روى ابن بكير قال : سأل زرارة أبا عبد الله ـ عليه السلام _ عن الصلاة في الثعالب والسنجاب وغيره من الوبر فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وألبانه وكلّ شيء منه فاسدة ، لا تقبل تلك الصلاة حتّى تصلّي في غيره ممّا أحل الله أكله» ثمّ قال : «يا زرارة هذا عن رسول الله»(3) .

وقد اقتصرنا على هذا المقدار ليعلم أنّ الكتاب أقدم جامع حديثي ، أملاه النبيّ وكتبه الإمام عليّ ، وكان الكتاب موجوداً بين أئمة أهل البيت يرثه كابر عن كابر ، يصدرون عنه في الإفتاء وشاهده غير واحد من أصحابهم ، والكتاب وإن لم يكن موجوداً بشخصه بيننا ، لكن روى أصحاب الجوامع الحديثية كالكليني ، والصدوق والطوسي قسماً كبيراً منه ، وفرّقوا أحاديثه على أبواب كتبهم على


(1) تهذيب الاحكام 9 : 247 ; وسائل الشيعة 17 : 423 ، الباب 6 من أبواب موجبات الإرث ، الحديث 11 .

(2) رواه النجاشي في رجاله في ترجمة محمّد بن عذافر بن عيسى الصيرفي المدائني 2 : 260 / 967 .

(3) الكافي 3 : 397 / ح1 .


(236)

الترتيب المألوف ، وقد جمعها العلاّمة الحجّة الشيخ علي الأحمدي في موسوعته «مكاتيب الرسول»(1) .

نعم بقي هنا سؤال :

هل هذا الكتاب ، نفس الصحيفة التي كانت في قراب سيفه أو غيره؟

الجواب : قد ذكر غير واحد من المحدّثين انّه كانت لعليّ في قراب سيفه صحيفة ، لكن الخصوصيات التي ذكرت للكتاب في الروايات تدلّ مائة بالمائة على أنّه غير الصحيفة التي كان يجعلها في قراب سيفه ، وكيف وقراب السيف لا يسع إلاّ صحائف صغار ، مهما لفَّت وأُدرِجت فأين هي من المواصفات التي وقفت عليها من أنّه كتاب طوله سبعون ذراعاً ، أو طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم ، أو مثل فخذ الفالج(2) أو أخرج أبو جعفر كتاباً مدرّجاً عظيماً ، أو كتاباً جليلاً أو هو مثل فخذ الرجل مطوياً ، إلى غير ذلك ممّا مرّ ذكرها .

نعم روى أبو جحيفة ، قال : سألت علياً _ رضي الله عنه _  : هل كان عندكم من النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _شيء سوى القرآن؟ قال : «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، إلاّ أن يوتي الله عبداً فهماً في القرآن ، وما في الصحيفة» ، قلت : وما الصحيفة؟ قال : «العقل وفِكاك الأسير ، ولايقتل مؤمن بكافر»(3) .

إنّ هذه الرواية مهما صحّت ونقلها أئمة الحديث ، لا تقابل ما نقلناه عن أئمة أهل البيت حول كتاب عليّ ، ومواصفاته ، ومشاهدة جمّ غفير لهذا الكتاب ، وقد نقلنا النزر اليسير من الكثير ، وهذا الحديث وما شابهه في التعبير وضع لنفي ما عند عليّ من ودائع النبوة وعلوم النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، والذي يعرب عن ذلك ، الإصرار على أنّه


(1) مكاتيب الرسول 1 : 72 - 79 .

(2) الكليني ، الكافي 1 : 241 ، والفالج : الجمل الضخم ذو السنامين .

(3) الإمام أحمد ، المسند 1 : 79 .


(237)

ليس عند عليّ سوى كتاب الله أو الصحيفة الموجودة في قراب سيفه ، فقد رووها
بالعبارات التالية :

أ ـ «ما كتبنا عن النبيّ إلاّ القرآن وما في هذه الصحيفة» .

ب ـ «من زعم أنّ عندنا شيئاً نقرأه إلاّ كتاب الله أو هذه الصحيفة فقد كذب» .

ج ـ «ما خصّنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بشيء لم يخصّ به الناس إلاّ ما في قراب سيفي هذا» .

د ـ «ما عهد إليَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ شيئاً خاصّاً دون الناس إلاّ شيء سمعته ، وهو في صحيفة قراب سيفي . . .»(1) .

إلى غير ذلك من التعابير الهادفة إلى نفي علمه بشيء إلاّ بالكتاب والصحيفة الصغيرة .

نحن نغضّ الطرف عمّا ذكرنا ، فلو صحّ ما في هذه الرواية ، فما معنى قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _لعليّ : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»؟ وقد نقله كثير من الحفاظ والمحدّثين ، فهذا شمس الدين المالكي يذكره في شعره بقوله :

وقال رسول الله إنّي مدينة * من العلم وهو الباب والبابَ فاقصدِ

وقد رواه من الحفاظ والأئمة ما يناهز مائة وثلاثة وأربعين شخصاً(2) وقد ذكروا حول الحديث كلمات تعرب عن مفاد الحديث .

قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت 658هـ ) : قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل عليّ ـ عليه السلام _ وزيادة علمه وغزارته ،


(1) لاحظ المصادر التالية : أحمد بن حنبل ، المسند 1 : 81 ، 100 ، 102 ، 110 ; ابن كثير ، البداية والنهاية 5 : 251 ; مسلم ، الصحيح 4 : 217 .

(2) لاحظ الغدير 6 : 61-77 .


(238)

وحدّة فهمه ، ووفور حكمته ، وحسن قضاياه ، وصحّة فتواه ، وقد كان أبو بكر
وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونه في الأحكام ويأخذون بقوله في النقض والإبرام ، اعترافاً منهم بعلمه ، ووفور فضله ، وبرصانة عقله ، وصحّة حكمه ، وليس هذا الحديث في حقّه بكثير; لأنّ رتبته عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين أجلّ وأعلى من ذلك(1) .

وقال فضل بن روزبهان في ضمن ردّه على حجاج العلاّمة بأعلمية أمير المؤمنين بحديثي : «أقضاكم عليّ» ، و«أنا مدينة العلم» ، من طريق الترمذي ، قال ما هذا نصّه : وأمّا ما ذكره المصنّف من علم عليّ فلا شكّ في أنّه من علماء الأُمّة ، والناس محتاجون إليه فيه ، وكيف لا; وهو وصيّ النبيّ في إبلاغ العلم وودائع حقائق المعارف؟ فلا نزاع لأحد فيه ، وما ذكره من صحيح الترمذي صحيح(2) .

وقال المناوي في فيض القدير تفسيراً لقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «عليّ عيبة علمي» : أي مظنّة استفصاحي وخاصّتي وموضع سرّي ، ومعدن نفائسي . والعيبة : ما يحرز الرجل فيه نفائسه قال ابن دريد : وهذا من كلامه الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل بشيء أراده اختصاصه بأُموره الباطنة التي لا يطّلع عليها أحد غيره ، وذلك غاية في مدح عليّ(3) .

وأخرج الطبراني عن ابن عبّاس أنّه قال : كنّا نتحدّث معاشر أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ عهد إلى عليّ سبعين ، لم يعهدها إلى غيره(4) .

ورواه القندوزي في ينابيعه ثمانين عهداً مكان سبعين(5) .


(1) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب : ص195 .

(2) دلائل الصدق 3 : 515 ط مصر .

(3) المناوي ، فيض القدير 4 : 356 .

(4) الطبراني ، المعجم الصغير : ص69 .

(5) القندوزي ، ينابيع المودة : ص89 .


(239)

فقد خرجنا بالنتائج التالية :

1 ـ إنّ كتاب عليّ من إملاء رسول الله وخطّ عليّ .

2 ـ إن الكتاب أوّل جامع حديثيّ قام بكتابته عليّ ـ عليه السلام _ لتدوين السنّة وصيانتها من الضياع .

3 ـ كانت في قرابة سيف عليّ ـ عليه السلام _ صحيفة ، ولكن لم تكن هي الشيء
الوحيد عند عليّ ، وإنّ كتاب عليّ ـ حسب ما مرّ من المواصفات ـ غير تلك
الصحيفة .

4 ـ إذا كان عليّ هو باب علم النبيّ ، والحاكم الروحيّ في عصر الخلفاء وما بعده; فيلزم أن يكون عنده ودائع النبوّة ، وجميع ماتحتاج إليه الأُمّة في مجال الأحكام .

* * *

مصحف فاطمة :

لا شكّ أنّه كان عند فاطمة مصحف ، حسبما تضافرت عليه الروايات ، ولكن المصحف ليس اسماً مختصّاً بالقرآن ، حتى تختص بنت المصطفى بقرآن خاصّ ، وإنّما كان كتاباً فيه الملاحم والأخبار .

المصحف : من أصحف ، بمعنى ما جعل فيه الصحف ، وإنّما سمي المصحف مصحفاً; لأنّه جعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين .

ولم يكن ذلك اللفظ علماً للقرآن في عصر نزوله ، وإنّما صار علماً له بعد رحيل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال السيوطي : روى ابن أشتة في كتاب المصاحف أنّه لمّا جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر : التمسوا له اسماً ، فقال بعضهم : السِّفْر ، وقال بعضهم : المصحف; فانّ الحبشة يسمّونه المصحف قال : وكان أبو بكر أوّل من جمع


(240)

كتاب الله وسمّـاه المصحف(1) .

وأمّا ما هو واقع هذا الكتاب؟ فقد كشفت عنه الروايات المتضافرة عن أئمة أهل البيت ، وقد جمع قسماً كبيراً منها العلاّمة الشيخ مصطفى قصير العاملي في دراسته كتاب عليّ ومصحف فاطمة .

وإليك بعضها :

1 ـ روى أبو عبيدة عن أبي عبد الله ـ عليه السلام _ قال : « . . . إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خمسة وسبعين يوماً ، و كان دخلها حزن شديد على أبيها ، وكان جبرئيل ـ عليه السلام ـ يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها ، وكان عليّ ـ عليه السلام ـ يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة»(2) .

2 ـ روى أبو حمزة عن أبي عبد الله ـ عليه السلام _ قال : «مصحف فاطمة مافيه شيء من كتاب الله ، وإنّما هو شيء أُلقي إليها بعد موت أبيها صلوات الله عليهما»(3) .

والعجب أنّ الدسّ الإعلامي قد اتّخذ لفظ «مصحف فاطمة» ذريعة لاتّهام الشيعة بأنّ عندهم قرآناً يسمى «مصحف فاطمة» ، وقد سعى غير واحد من دعاة التفرقة إلى نشر تلك الفكرة الخاطئة بين المسلمين ، ولكن خاب سعيهم; فإنّ للحقّ دولة ، وللباطل جولة .

ولعلّ القارئ يسأل نفسه عن كون فاطمة محدَّثة تحدّثها الملائكة ، كما ورد في الرواية السابقة ، غير أنّ فاطمة ـ عليها السلام _ لا تقلّ شأناً عن مريم البتول ، ولا عن امرأة الخليل ، قال سبحانه : (وإذْ قالَتِ الملائكةُ يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطَفاكِ وطَهَّركِ


(1) السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن 1 :185 .

(2) الكليني ، الكافي 1 : 241 .

(3) الصفّار ، بصائر الدرجات : ص195 ، ط مكتبة المرعشي .


(241)

واصطَفاكِ على نساءِ العالَمين )(1) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في سورتي آل عمران ، ومريم .

وهذه امرأة إبراهيم تسمع كلام الملك ، يقول سبحانه : (ولَقدْ جاءتْ رُسلُنا إبراهيمَ بالبُشرى . . وامرأتُهُ قائمةٌ فضَحِكَتْ فَبشَّرناها بإسحقَ ومن وراءِ إسحقَ يَعقوب * قالَتْ يا ويلتَى أألِدُ وأنا عَجوزٌ وهذا بَعْلي شَيخاً إنّ هذا لَشيءٌ عَجيب * قالُوا أتَعجَبينَ مِنْ أمرِ اللهِ رحمتُ اللهِ وبركاتُهُ عَليكُمْ أهلَ البَيتِ إنَّهُ حَميدٌ مَجيدٌ )(2) .

فإذا كانت مريم وامرأة الخليل محدّثتين ، ففاطمة سيدة نساء العالمين أولى بأن تكون محدّثة .

ما هو مصدر روايات أئمّة أهل البيت؟

هذا هو السؤال الثالث من الأسئلة الثلاثة المطروحة حول الخاتمية لدى الشيعة فنقول :

إنّ لعلوم أئمة أهل البيت مصادر مختلفة ، ونشير إلى أُصولها تاركين البحث في فروعها :

1 ـ النقل عن آبائهم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

إنّهم  ـ عليهم السلام _ كثيراً ما يروون الحديث عن آبائهم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معنعناً ، من دون أن يتوسّط بين الأسانيد شخص بين آبائهم وأجدادهم .

فمثلا لمّا ترك عليّ بن موسى الرضا نيسابور عازماً إلى مرو ، اجتمعت حوله مجموعة كبيرة من المحدّثين وطلبوا منه أن يحدّثهم بحديث عن جدّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فقال :


(1) آل عمران : 42 .

(2) هود : 69 ـ 73 .


(242)

«حدّثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدّثني أبي جعفر الصادق ، قال : حدّثني أبي أبو جعفر الباقر ، قال : حدّثني أبي عليّ بن الحسين ، قال : حدّثني أبي الحسين بن عليّ ، قال : حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب ، قال : حدّثني رسول الله عن جبرئيل ـ عليه السلام _ عن الله قال : لا إله إلاّ الله حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي»(1) .

إنّ هذا النوع من الأحاديث متوفّر في الجوامع الحديثية للشيعة; فلو قام باحث بجمع هذا النوع الذي يروي فيه كابر عن كابر والإمام بعد الإمام لبلغ موسوعة كبيرة .

وهذا هو هشام بن سلمان ، وحمّاد بن عثمان ، وغيرهما من أصحاب الإمام الصادق ، قالوا : سمعنا أبا عبد الله ـ عليه السلام _ يقول : حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ـ عليه السلام _ ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وحديث رسول الله قول الله عزوجل(2) .

2 ـ النقل عن كتاب عليّ

إنّ أئمة أهل البيت كانوا يستندون إلى كتاب عليّ ويحتجّون به ، فكان الكتاب أحد مصادر علومهم التي يصدرون عنها ، وقد وقفت على قسم قليل منها فيما تقدّم .

3 ـ الإلهام أو تحديث الملائكة

إنّ أئمة أهل البيت حسب النصوص محدّثون; تحدّثهم الملائكة ، كما كانت


(1) الصدوق ، عيون أخبار الرضا 2 : 143 .

(2) الكافي 1 : 53 / 14 .


(243)

تحدّث مريم البتول وامرأة الخليل ، فما كان يخبرون به من الملاحم أو يجيبون عن الأسئلة فالكلّ ممّا كان يلقى في روعهم .

وهذا النوع من المصدر وإن كان ثقيلاً على من لم يعرف مقاماتهم ، إلاّ أنّه صحيح لمن درس حياتهم ، ووقف على أحوالهم . ولأجل إيقاف القارئ على أنّ (المحدَّث) أمر ممّا اتّفق عليه الأعلام نبحث عنه على وجه الإيجاز :

المُحَدّث في الإسلام :

المحدَّث ـ بصيغة المفعول ـ : مَن تكلّمه الملائكة بلا نبوّة ولا رؤية صورة ، أو يلهم له ويلقى في روعه شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى ، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره .

المحدّث بهذا المعنى ممن اتفق عليه الفريقان : الشيعة والسنّة ، ولو كان هناك خلاف فإنّما هو في مصداقه .

وقبل ذلك نجد المحدّث في الأُمم السالفة; فهذا صاحب موسى كان محدّثاً ، فقد أخبره عن مصير السفينة والغلام والجدار على وجه جاء في سورة الكهف(1) فهو لم يكن نبيّاً ، ولكنّه كان عارفاً بما سيحدث ، وقد عرفه بإحدى الطرق المذكورة .

وهذه مريم البتول ، كانت الملائكة تكلّمها وتحدّثها ولم تكن نبيّة ، قال سبحانه :

(وإذْ قالَتِ الملائكةُ يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطَفاكِ وطَهَّركِ واصطَفاكِ على نساءِ العالَمين )(2) .

وقال سبحانه : (إذ قالَتِ الملائكةُ يا مريمُ إنّ اللهَ يبشِّرُكِ بِكَلِمة منهُ اسمُهُ


(1) من الآية : 60-82 .

(2) آل عمران : 42 .


(244)

المسيحُ عِيسى ابنُ مريمَ وَجيهاً في الدُّنيا والآخرةِ ومِنَ المُقرَّبِينَ )(1) .

وهذه أُمّ موسى يلقى في روعها ويوحى إليها ولم تكن نبيّة ، قال سبحانه :

(وأوحينا إلى أُمّ موسى أنْ أرضِعيهِ فإذا خِفتِ عَليهِ فَألقيهِ في اليَمِّ ولا تخافي ولاتَحزني إنّا رادُّوهُ إلَيكِ وجاعِلوهُ مِنَ المُرسَلين )(2) .

وأمّا السنّة النبوية ففيها تصريح بأنّ في الأُمّة الإسلامية ـ نظير الأُمم السالفة ـ رجالاً يكلّمون من دون أن يكونوا أنبياء; وإليك بعض هذه النصوص :

1 ـ أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال النبيّ : «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أُمّتي منهم أحد فعمر بن الخطاب»(3) .

2 ـ أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً «أنّه قد كان فيما مضى قبلكم من الأُمم محدّثون ، إن كان في أُمّتي هذه منهم فإنّه عمر بن الخطاب»(4) .

قال القسطلاني في شرح الحديث : يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوّة . وقال الخطّابي : يلقى الشيء في روعه فكأنّه قد حُدّث به ، يظنّ فيصيب ، ويخطر الشيء بباله فيكون . وهي منزلة رفيعة من منازل الأولياء(5) .

3 ـ أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «قد كان في الأُمم قبلكم مُحدّثون فإن يكن في أُمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخطّاب منهم» ، قال ابن وهب : تفسير «محدّثون» ملهَمون .

قال النووي في شرح صحيح مسلم : اختلف العلماء في تفسير المراد


(1) آل عمران : 45 .

(2) القصص : 7 .

(3) البخاري 2 : 194 باب مناقب عمر بن الخطّاب .

(4) البخاري 2 : 171 ، بعد حديث الغار .

(5) القسطلاني ، إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 5 : 431 ، وانظر أيضاً 6 : 99 .


(245)

بـ  «محدَّثون» فقال ابن وهب : ملهَمون ، وقيل : مصيبون إذا ظنّوا ، فكأنّهم حدّثوا بشيء فظنّوه ، وقيل تكلّمهم الملائكة ، وجاء في رواية «مكلَّمون» وقال البخاري : يجري الصواب على ألسنتهم ، وفيه كرامات الأولياء(1) . ومن راجع شروح الصحيحين يجد نظير هذه الكلمات بوفرة; والرأي السائد في تفسير المحدّث هو تكليم الملائكة أو الإلقاء في الروع . هذا ما لدى السنّة .

روايات الشيعة حول المحدَّث

وأمّا الشيعة ، فعندهم أخبار عن أئمتهم تصرّح بأنّهم محدّثون وفي الوقت نفسه ليسوا بأنبياء ، فقد روى الكليني في باب الفرق بين الرسول والنبيّ والمحدّث أحاديث أربعة :

قال : «المحدّث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة» . وفي رواية أُخرى : سألته عن الإمام ما منزلته؟ قال : «يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك» .

إلى غير ذلك من الروايات المصرّحة بأنّ الأئمة الاثني عشر محدَّثون(2) .

روى الصفّار في بصائر الدرجات عن بريد : قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السلام _ : ما منزلتكم بمن تُشَبَّهون ممّن مضى؟

فقال : «كصاحب موسى وذي القرنين كانا عالمين ولم يكونا نبيّين»(3) .

هذا ما لدى الفريقين . وبذلك يُعْلَم أنّ الإخبار عن الغيب بإذن من الله سبحانه لايلازم كون المخبر نبياً ، وأنّ تَكَلُّم الملائكة مع إنسان لا يصلح دليلاً على كونه مبعوثاً من الله سبحانه للنبوّة .


(1) النووي ، شرح صحيح مسلم 15 : 166 .

(2) الكافي 1 : 176 باب الفرق بين الرسول والنبيّ والمحدّث .

(3) بصائر الدرجات : 368 .


(246)

ولو اعتمدت الشيعة على علم الأئمة فلكونهم وارثين لعلم النبيّ ، ووارثين لما عند عليّ من الكتب التي كتبها بإملاء من رسول الله ، أو محدَّثين تلقى في روعهم الإجابات على الأسئلة ، فلا يدلّ على أنّهم أنبياء ، ومن نسبهم إلى تلك الفرية الشائنة بحجة إخبارهم عن الملاحم ، فقد ضلّ عن سواء السبيل ، ولم يفرّق بين النبوّة والرسالة والتحدّث .

Website Security Test