welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 1

رسائل ومقالات

تبحث في
مواضيع فلسفية وكلامية وفقهية
وفيها الدعوة إلى التقريب بين المذاهب

تأليف

العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني


(2)

(3)

بسم الله الرحمن الرحيم


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه وآله الطاهرين.

أمّا بعد:

هذه رسائل ومقالات كتبت في ظروف مختلفة لدواعي شتى، يجمعُها هدف واحد، وهو الذب عن الاِسلام والتعريف بالتشيع، وفيها بحوث فلسفية وكلامية وتاريخية، صرفتُ في كتابتها وقتاً كثيراً، على أملِ أن تكون مشعلاً منيراً في سبيل الوحدة الاِسلامية التي هي أُمنية كل مسلم واعٍ، وكل موَمن ملّم بالاَخطار المحدِقة بالاِسلام والمسلمين.

واللّه من وراء القصد

قم المشرفة ـ موَسسة الاِمام الصادق عليه السّلام

جعفر السبحاني


(6)

قد طلب الا َُستاذ رئيس تحرير مجلة «آفاق الاِسلام» التي تصدر في المملكة الاَردنية الهاشمية، منّي كتابة مقال مسهب أُبين فيه أُصول المذهب الجعفري وفروعه، فنزلت عند رغبته وبعثت بهذا المقال إليه، فنشره على صفحات مجلته، السنة الخامسة، العدد الاَوّل، آذار 1997، وقد نشر قبل هذا العدد ترجمة الاَئمّة الاَربعة للمذاهب الفقهية، وبهذا المقال اكتملت الحلقات حول المذاهب الفقهية الاِسلامية.

نعم يمتاز هذا المقال أنّه صب اهتمامه على أُصول الشيعة وفروعها مكان ترجمة الاِمام الصادق عليه السّلام .

فأتقدّم بالشكر الجزيل إلى الا َُستاذ رئيس التحرير على مساهمته في إنجاز هذا العمل ونفض غبار التعصب من خلال نشر هذا المقال في الاَوساط السنية.

شكر اللّه مساعي الجميع

الموَلف


(7)

الرسالة الا َُولى

الشيعة الاِمامية الاِثنا عشرية
رسالة موجزة تتناول تاريخ الشيعة الاِمام
عقائدهم، ومنهجهم الفقهي

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّه وآله
وعلى رواة سُنَنِه وحملة أحاديثه، وحفظة كلمه
صلاة دائمة ما دام الفرقدان وكرّ الجديدان.

أمّا بعد :

فهذا مقال موجز عن الشيعة الاِمامية يبيّـن نشأتهم وعقائدهم ومنهجهم الفقهي والتراث العلمي الذي تركوه، إلى غير ذلك ممّا يمتّ لهم بصلة.

إنّ المذهب الشيعي الاِمامي يقوم على دعامتين:
1. الا َُصول التي يتبنّاها في مجال العقيدة.
2. الشريعة التي يقرّرها دستوراً لجوانب الحياة كافة.


(8)

وليس المذهب الشيعي مذهباً فقهياً بحتاً كالمذاهب الاَربعة، وإنّما هو منهج متكامل يغذِّي الاِنسانَ فكراً وعملاً، وعلى ضوء ذلك فلا محيص عن دراسة المذهب من جانبين: أحدهما يتعلّق بالا َُصول، والآخر بالفروع.

وإليك الكلام في الجانب الاَوّل.

تمهيد:

الشيعة لغةً واصطلاحـاً وتاريخـاً

الشيعة لغة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم، يقال تشايعَ القومُ: إذا تعاونوا، وربّما يُطلق على مطلق التابع، قال تعالى: (وإنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لاِبْراهيمَ * إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (1)

وأمّا اصطلاحاً فتطلق على من يشايع علياً والاَئمة من بعده باعتبار أنّهم خلفاء الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، نصبهم لهذاالمقام بأمرٍ من اللّه سبحانه.

فالتشيّع عبارة عن استمرار قيادة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد وفاته، بمن نصَبه للناس إماماً وقائداً للا َُمّة.

وأمّا تاريخاً فالشيعة هم ثلّة من المسلمين الاَوائل الذين عاصروا الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وآزروه وعاضدوه في مواقف عصيبة، فلمّـا مضى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى الرفيق الاَعلى انطووا تحت قيادة عليّ عليه السّلام وأولاده باعتباره الممثل الشرعي للخلافة والمنصوص عليه من قبل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .


1. الصافات: 83 ـ 84 .


(9)

فليس التشيّع ظاهرة طارئة على الاِسلام، ولا أَنّ الشيعة وليدة الاَحداث التي رافقت وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .

وليس للتشيع تاريخ وراء تاريخ الاِسلام، ولا للشيعة أُصول سوى أنّهم رهط من المسلمين الاَوائل في عصر الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن جاء بعدهم عبر القرون، كل ذلك يعلم من خلال التحليلات التي ستمرّ عليك.

تسمية التشيّع:

إنّ الآثار المروية على لسان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تكشف اللثام عن وجه الحقيقة وتعرب عن التفاف ثلة من المهاجرين والاَنصار حول الاِمام عليّ في حياة الرسول وكانوا معروفين بشيعة علي، وانّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سمّـاهم الشيعة ووصفهم بأنّهم الفائزون، وإليك بعض ما روي مقتصراً بالقليل من الكثير:
1. أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد اللّه، قال: كنّا عند النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأقبل عليّ، فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت: (إنَّ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئكَ هُمْ خَيْـرُ البَـرِيَّة) (1) فكان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البرية (2)
2. أخـرج ابن عدي عن ابـن عباس قـال: لمّا نزلت: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَريَّة) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لعليّ عليه السّلام : هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين (3)


1. البيّنة: 7.
2. السيوطـي: الدر المنثور: 2| 589. ولاحظ الصواعـق: 161؛ والنهاية لابن الاَثير مادة «قمـح»: 4|106؛ ربيع الاَبرار للزمخشري، فالروايات الواردة في تسمية النبيّ من يتابع علياً شيعياً، تقارب عشرين رواية.
3. السيوطـي: الدر المنثور: 2| 589. ولاحظ الصواعـق: 161؛ والنهاية لابن الاَثير مادة «قمـح»: 4|106؛ ربيع الاَبرار للزمخشري، فالروايات الواردة في تسمية النبيّ من يتابع علياً شيعياً، تقارب عشرين رواية.


(10)

وعلى ضوء هذه التسمية غلب لفظ الشيعة على من يشايع علياً في كلمات غير واحد من الموَرخين.
3. قال المسعودي في حوادث وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنّ الاِمام علياً أقام و من معه من شيعته في منزله بعد أن تمّت البيعة لاَبي بكر (1)
4. وقال النوبختي: إنّ أوّل فرق الشيعة هم فرقة علي بن أبي طالب المسمّون شيعة عليّ في زمان النبي وبعده معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته(2).
5. وقال الاِمام أبو الحسن الاَشعري: إنّما قيل لهم الشيعة لاَنّهم شايعوا علياً وقدّموه على سائر أصحاب رسول اللّه (3)
6. يقول الشهرستاني: الشيعة هم الذين شايعوا علياً على الخصوص وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية (4)
7. وقال ابن حزم: ومن وافق الشيعة في أنّ علياً أفضل الناس بعد رسول اللّه وأحقّهم بالاِمامة وولده من بعده فهو شيعي وإن خالفهم فيما عدا ذلك ممّا اختلف فيه المسلمون، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعياً (5)

جاءت دعوته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى التشيّع متزامنة مع دعوته للرسالة، فقد بذر التشيع حال حياته في غير موقف من مواقفه الحاسمة، وإليك نماذج منها:
1. حديث يوم الدار الذي جمع فيه أكابر بني هاشم وعشيرته وعرض


1. المسعودي: الوصية: 121.
2. النوبختي: فرق الشيعة: 15.
3. الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 1|65.
4. الشهرستاني: الملل والنحل: 1|131.
5. ابن حزم: الملل والنحل: 2|113، طبعة بغداد.


(11)

عليهم رسالته، وقال: إنّـي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَمن بي ويوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ فلم يقم أحد إلاّ عليّ، فقال: إنّ هذا أخي و وصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا (1)
2. حديث المنزلة أعني قوله: «أما ترضى (مخاطباً علياً) أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» (2)
3. حديث الغدير الذي سيوافيك تفصيله.

إنّ هذه الاَحاديث وغيرها الناصّة على إمامة علي عليه السّلام وخلافته بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم توقفنا على أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو الذي بذر بذرة التشيع حال حياته وألفت أنظار المهاجرين والاَنصار إلى قيادة عليّ عليه السّلام للاَُمة بعد رحيله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، مضافاً إلى ما صدر على لسانه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الفضائل والمناقب لعلي وعترته حيث صار سبباً لاستقطاب الناس حوله في حال حياته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبعد رحيله.

هذا، وقد تزامنت دعوته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للرسالة، دعوته للاِمامة دون أن يكون بينهما سبق ولحوق.

وهو ما عبّـرنا عنه أَنّ التشيع ليس ظاهرة طارئة، ولا الشيعة وليدة الاَحداث التي رافقت وفاته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بل إنّ الاِسلام والتشيع وجهان لعملة واحدة.

وإليك أسماء مجموعة من روّاد الشيعة في عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .

روّاد التشيع في عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :


1. الطبري: التاريخ: 2|62، الجزري: الكامل: 2|40، ولاحظ التفاسير بشأن قوله سبحانه: (وأنْذر عَشيرتَكَ الاَقربين) (الشعراء | 214).
2. مسلم: الصحيح: ج6، باب فضائل علي ص 120 طبع محمد علي صبيح.


(12)

لمّا كان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو الباذر الاَوّل للتشيّع في عصره، فقد التفّ حول الاِمام عليّ عليه السّلام مجموعة من المهاجرين والاَنصار في عصره صلوات اللّه عليه وبعد رحيله، وناصروه في مواقف عديدة وعُرفوا بشيعة عليّ، ولاَجل مرافقة المدعى بالدليل نذكر هنا أسماء روّاد التشيع من الصحابة في صدر الاِسلام:
1. عبد اللّه بن عباس. 2ـ الفضل بن العباس.
3. قثم بن العباس. 4ـ عبد الرحمان بن العباس.
5. تمام بن العباس. 6ـ عقيل بن أبي طالب.
7. أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب. 8 ـ نوفل بن الحرث.
9. عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب. 10ـ عون بن جعفر.
11. محمد بن جعفر. 12ـ ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب.
13. الطفيل بن الحرث. 14ـ المغيرة بن نوفل بن الحارث.
15. عبد اللّه بن الحرث بن نوفل. 16ـ عبد اللّه بن أبي سفيان بن الحرث.
17. العباس بن ربيعة بن الحرث. 18ـ العباس بن عتبة بن أبي لهب.
19. عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث. 20ـ جعفر بن أبي سفيان بن الحرث.

هوَلاء من مشاهير بني هاشم، وأمّا غيرهم فإليك أسماء لفيف منهم:
21. سلمان المحمدي. 22ـ المقداد بن الاَسود الكندي.
23. أبو ذر الغفاري. 24ـ عمار بن ياسر.
25. حذيفة بن اليمان. 26ـ خزيمة بن ثابت.
27. أبو أيوب الاَنصاري (مضيّف النبيصلّى اللّه عليه وآله وسلّم). 28ـ أبو الهيثم مالك بن التيهان.


(13)

29ـ أُبي بن كعب. 30ـ قيس بن سعد بن عبادة.
31. عدي بن حاتم. 32ـ عبادة بن الصامت.
33. بلال بن رباح الحبشي. 34ـ أبو رافع مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
35. هاشم بن عتبة. 36ـ عثمان بن حنيف.
37. سهل بن حنيف. 38ـ حكيم بن جبلة العبدي.
39. خالد بن سعيد بن العاص. 40ـ بريدة بن الحصيب الاَسلمي.
41. هند بن أبي هالة التميمي. 42ـ جعدة بن هبيرة.
43. حجر بن عدي الكندي. 44ـ عمرو بن الحمق الخزاعي.
45. جابر بن عبد اللّه الاَنصاري. 46ـ محمد بن الخليفة أبي بكر.
47. أبان بن سعيد بن العاص. 48ـ أُم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
49. أُم هاني بنت أبي طالب. 50ـ أسماء بنت عميس.

هوَلاء خمسون صحابياً من روّاد الشيعة، فمن أراد التفصيل والوقوف على حياتهم وتشيعهم فليرجع إلى الكتب الموَلفة في الرجال .

قال محمد كرد علي في كتابه «خطط الشام»: عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مثل: سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول اللّه على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له، ومثل: أبي سعيد الخدري الذي يقول: أُمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولما سئل عن الاَربع، قال: الصلاة، والزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج، فقيل: فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب، قيل له: وإِنّها لمفروضة معهن؟ قال: نعم هي مفروضة معهن، ومثل: أبي ذر الغفاري، وعمّـار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيوب الاَنصاري،


(14)

وخالد بن سعيد، وقيس بن سعد بن عبادة (1)

وبذلك يستغني القارىَ عن الافتراضات الوهمية التي أبداها لفيف من المستشرقين تبعاً لما ورد على لسان بعض الباحثين من أُسطورة عبد اللّه بن سبأ التي حاكها سيف بن عمر الكذّاب الوضّاع (2)

* * *

هذا هو معنى الشيعة لغة واصطلاحاً وتاريخاً ذكرناه بصورة موجزة والتفصيل يطلب من الكتب المعدّة لهذا الغرض.

وأمّا دراسة عقائد الشيعة ومنهجهم الفقهي فتتمّ ضمن فصول سبعة:

الاَول: الشيعة والتوحيد.

الثانــي: الشيعة والعــدل.

الثالـــث: الشيعة والنبـــوّة.

الرابـــع: الشيعة والمعـــاد.

الخامـس: الشيعة والاِمامة والخلافة.

السادس: الشيعة والمنهـج الفقهـي.

السابــع: الشيعة والتراث الفكـري.


1. خطط الشام: 5|251.
2. لاحظ ميزان الاعتدال: للذهبي: 1|438، تهذيب التهذيب: لابن حجر: 4|285، اللئالي المصنوعة: 1|157 و 199.


(15)

الفصل الاَول:

الشيعة والتوحيد

الشيعة تصف اللّه سبحانه كما وصف به نفسه ويقول: (قُل هوَ اللّهُ أحدٌ * اللّهُ الصَّمدُ * لَم يلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوَاً أحَد) .

وتصفه بأنّه سبحانه قديم لم يزل ولا يزال، عالم قادر، حيّ قيّوم، سميع بصير، متعال عن جميع صفات خلقه، خارج عن الحدّين: حدّ التعطيل، وحدّ التشبيه، لا يجوز تعطيل ذاته عن صفاته كما لا يجوز تشبيه ذاته بمخلوقاته.

تعتقد الشيعة في توحيده ما كتبه الاِمام الرضا عليه السّلام للمأمون العباسي، حيث سأله المأمون أن يكتب له محض الاِسلام على سبيل الاِيجاز والاختصار.

فكتب عليه السّلام له: «إنّ محض الاِسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، إلهاً واحداً أحداً فرداً، صمداً، قيوماً، سميعاً بصيراً، قديراً قديماً قائماً، باقياً، عالماً لا يجهل، قادراً لا يعجز، غنيّاً لا يحتاج، عدلاً لا يجور وأنّه خالق كلّ شيء، وليس كمثله شيء، لا شبه له، ولا ضدّ له، ولا ندّ له، ولا كفو له، وأنّه المقصود بالعبادة والدعاء، والرغبة والرهبة» (1)

وقد عرض عبد العظيم الحسني عقيدته على الاِمام الهادي علي بن محمد النقي عليمها السّلام فقال له: يا بن رسول اللّه، إنّي أُريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيّاً ثبتُّ عليه حتى ألقى اللّه عزّ وجلّ.


1. الصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السّلام : 2|121.


(16)

فقال عليه السّلام : هاتها.

فقلت: إنّي أقول إنّ اللّه تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء، خارج عن الحدّين: حدّ الاِبطال، وحدّ التشبيه، وانّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسِّم الاَجسام ومصوِّر الصور، وخالق الاَعراض والجواهر، وربّ كل شيء ومالكه وجاعله ومحدثه (1)

هذه عقيدة الشيعة في توحيده وتنزيهه، والقارىَ إذا رجع إلى الكتب الكلامية والعقائدية التي أُلّفت بيد علماء الشيعة منذ أوائل القرن الثالث إلى العصر الحاضر يرى اتّفاقهم على ما ذكرنا، وقد اخترنا لك نصّين:

أحدهما: للرضا عليه السّلام الاِمام الثامن للشيعة الاِمامية (148 ـ 203 هـ).

وثانيهما: للاِمام الهادي الاِمام العاشـر (232 ـ 254 هـ) فقـد أمضى ما ذكره عبد العظيم الحسني عليه.

إخترنا هذين النصّين ليُعلم أنّ الشيعة أهل التنزيه منذ عهدٍ مبكّر، ومع ذلك كلّه فقد قسّم علماء الشيعة التوحيد إلى مراتب ودرجات نذكرها على وجه الاِيجار .
1. التوحيد الذاتي: واحد لا نظير له.
2. التوحيد الذاتي أيضاً: بسيط ليس بمركب.
3. التوحيد الاَفعالي: إنّه لا خالق في الكون إلاّ هو.
4. التوحيد التدبيري: إنّه لا مدبّر للكون إلاّ هو.
5. التوحيد العبادي: لا معبود سواه.


1. الصدوق: التوحيد، باب التوحيد والتشبيه: 81 برقم 37.


(17)

ثم إنّ هناك مراتب للتوحيد ذكرها علماء الشيعة في كتبهم الكلامية واستنبطوها من القرآن الكريم وأحاديث العترة الطاهرة، وهي:
6. التوحيد في التقنين والتشريع: إنّه لا مقنّـن ولا مشرّع إلاّ هو ، وليس لاَحد حقّ التشريع.
7. التوحيد في الطاعة: إنّه لا مطاع بالذات إلاّ هو ، ولو وجبت إطاعة النبي والاِمام فإنّما هي بأمره سبحانه.
8. التوحيد في الحاكمية: لا حاكم إلاّ هو ، وانّه ليس لاَحد أن يحكم إلاّ بإذنه سبحانه.
9. التوحيد في الشفاعة: والمراد أنَّ الشفاعة حقّ للّه سبحانه، و لا يشفع لاَحد إلاّ بإذنه (ولا يَشفَعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضى) (1)
10. التوحيد في الاستعانة: وانّه لا يستعان إلاّ به، ولو استعان بغيره بزعم أنّه يقوم بالاِعانة مستقلاً فهو مشرك، ولو استعان بغيره معتقداً بأنّه معين بحول وقوّة منه سبحانه فهو عين التوحيد.
11. التوحيد في المغفرة: وإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ هو.
12. التوحيد في الرازقية: وإنّه لا رازق إلاّ هو.

هذه مراتب التوحيد الاثنا عشر التي يتفقون فيها مع إخوانهم أهل السنّة لا سيما الاَشاعرة .

نعم هناك مرتبة من التوحيد تختص بالشيعة الاِمامية يختلفون فيها عن سائر الفرق والطوائف الاِسلامية وهي:


1. الاَنبياء: 28.


(18)

التوحيد في الصفات: والمراد به أنّ صفاته الثبوتية كالعلم والقدرة والحياة عين ذاته لا زائدة على الذات وإلاّ يلزم تعدد القدماء الثمانية ـ وهي مسألة كلامية خاض فيها عباقرة علم الكلام ـ خلافاً للاَشاعرة القائلين بزيادة الصفات على الذات.

وهناك مصطلح كلامي وهو الصفات الخبرية والمقصود منها هي الصفات التي أخبر بها القرآن الكريم وأثبتها الوحي للّه سبحانه كعين اللّه، ويد اللّه، واستوائه على العرش، وما ماثلها، والمسلمون فيها على أقوال: فمن معطِّل يفوِّض تفسير هذه الآيات والصفات إلى اللّه تبارك وتعالى، إلى مجسِّم يفسّـرها بالمعاني اللغوية من دون أن يجعلها ذريعة إلى المعاني المجازية، إلى موَوّل يوَوّلها إلى معاني تجتمع مع تنزيهه.

والشيعة الاِمامية تحملها على المعاني اللغوية ولكن تجعلها كناية عن المفاهيم العالية، ولا ترى ذلك تأويلاً ، فإنّ كلام العرب مشحون بالمجاز فاليد في قوله سبحانه: (يَدُ اللّهِ فَوقَ أيْدِيهم) (1) مستعملة في نفس المعنى اللغوي لكن كناية عن سعة قدرته، وهو أمر رائج بين البلغاء ولا يعدّ تأويلاً.

ثم إنّ توحيده سبحانه بكونه الخالق والمدبّـر لا يعني سلب التأثير عن العوامل الطبيعية والجنود الغيبية للربّ، فإنّ سلب التأثير الظلي والتبعي عن كل موجود سوى اللّه، يردّه الذكر الحكيم بقوله سبحانه: ( وَأنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ) (2)

وعلى ضوء ذلك فالماء يروي العطشان، كما أنّ الخبز يشبعُ الجائع، والماء ينبت النبت والزرع، لكن بأثر مودع فيه من جانب خالقه، فالقول بتأثيره في ظل


1. الفتح: 10.
2. البقرة: 22.


(19)

إرادته سبحانه وأمره عَيْـن التوحيد الذي دعا إليه الذكر الحكيم.

ومن أراد أن يفسّـر التوحيد في الخالقية و التدبير، بسلب الاَثر عن كل موجود سواه، فقد خالف القرآن والوجدان الصريح ووقع في متاهات الجبر الذي سيوافيك بطلانه في الفصل الثاني.

تقسيم صفاته إلى ذاتي وفعلي:

إنّ صفاته سبحانه تنقسم إلى ذاتي قائم بذاته، وفعليّ يعدّ وصفاً لفعله، والميزان في تمييز الصفات الذاتية عن الفعلية هو أنّ القسم الاَول لا يقبل السلب والاِيجاب، بخلاف الثاني ولذلك لا يصحّ أن يقال اللّه يعلم ولا يعلم، أو يقدر ولا يقدر، بخلاف الرزق فيصدق إنّه يرزق ولا يرزق ولذلك تعتقد الشيعة بأنّ من صفاته الفعلية كونه متكلّماً فالتكلّم صفة من صفاته الفعلية بالشرح التالي:

في تكلمه سبحانه:

اتفقت الشيعة على انّه سبحانه متكلّم، ولكن التكلّم عندهم من صفات الاَفعال ويفسّـر كونه متكلماً بأمرين.

الاَوّل: إنّ كل ما في الكون كلام اللّه سبحانه، فكما أنّ الكلمة تعرب عمّـا يقوم في نفس المتكلّم من المعاني فكذلك كل ما في الكون يُعرب عن حكمته وعلمه وقدرته الواسعة قال سبحانه: (وَلَوْ أنَّما في الاَرضِ مِنْ شَجَرةٍ أقلامٌ والبَحرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعدِهِ سَبعةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ) (1)

قال عليّ عليه السّلام : يقولُ لِمَنْ أراد كونه: «كُن فيكون»، لا بِصَوتٍ يَقرَعُ، ولا بِنِداءٍ


1. لقمان: 27.


(20)

يُسمَعُ، وإنّما كلامُه سبحانه فِعلٌ منه أنشأَهُ و مثَّلَه، لم يكن من قبلِ ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً (1)

فكل ما في صحيفة الوجود من الموجودات الاِمكانية، كلماته وتخبر عما في خالقها من كمال وجمال، و علم وقدرة.

الثاني: إنّه سبحانه يخلق الحروف المنظومة والاَصوات المقطّعة، يسمعها نبيّه ورسوله أو يرسل رسولاً فيبلّغه آياته، أو يلقي في روع النبي، وإلى هذه الاَقسام الثلاثة يشير سبحانه، بقوله: (وما كانَ لِبَشَـرٍ أن يُكَلِّمَهُ اللّهُ إلاّ وَحياً أو مِنْ وَراءِ حِجابٍ أو يُرسِلَ رَسُولاً فَيوحيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ إنَّهُ عَلِـيٌّ حَكِيمٌ) (2)

وقد بيّـن تعالى أن تكلّمه مع الاَنبياء لا يعدو عن الاَقسام التالية:
1. ( إلاّ وحياً).
2. ( أو من وراء حجاب).
3. ( أو يرسل رسولاً).

فقد أشار بقوله: (إلاّ وحياً) إلى الكلام الملقى في روع الاَنبياء بسرعة وخفاء.

كما أشار بقوله: (أو من وراء حجاب) إلى الكلام المسموع لموسى عليه السّلام في البقعة المباركة. قال تعالى: (فَلَمّا أتاها نُوديَ مِن شاطِىَ الوادِ الاَيمَنِ في البُقعَةِ المُباركَةِ مِنَ الشَّجَرةِ أنْ يا مُوسى إنّـي أنا اللّهُ رَبُّ العالَمِينَ) (3)


1. نهج البلاغة، الخطبة: 186.
2. الشورى: 51.
3. القصص: 30.


(21)

وأشار بقوله: (أو يُرسل رسولاً) إلى الاِلقاء الذي يتوسّط فيه ملك الوحي، قال سبحانه: (نَزَلَ بهِ الرُّوحُ الاَمينُ * على قَلْبِكَ) (1) ففي الحقيقة الموحي في الاَقسام الثلاثة هو اللّه سبحانه، تارة بلا واسطة، بالاِلقاء في الروع، وأُخرى بالتكلّم من وراء حجاب بحيث يُسمَع الصوت ولا يُرى المتكلم وذلك بخلق الاَصوات والحروف، وثالثة بواسطة الرسول (أمين الوحي جبرائيل)، فهذه الاَقسام الثلاثة الواردة في الآية المباركة.

إنّ موقف أئمّة أهل البيت في مسألة خلق القرآن وقدمه هو الموقف الاِيجابي وإنّهم كانوا يرون القرآن حادثاً لا قديماً وإلاّ يلزم أن يكون القرآن إلهاً ثانياً.

وأمّا انّه مخلوق فلو أُريد انّه مختلق فهو أمر باطل شبيه قول الوليد بن المغيرة الذي حكاه القرآن عنه: (إنْ هذا إلاّ قَولُ البَشَـرِ) (2)

وإن أُريد انّه مخلوق للّه، وهو منزِّله وهو نفس المطلوب، وقد سئل الاِمام الصادق عليه السّلام عن واقع القرآن فقال: هو كلام اللّه، وقول اللّه، وكتاب اللّه، ووحي اللّه وتنزيله، وهذا الكتاب العزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (3).

ومن هنا يعلم أنّ مسألة خلق القرآن كانت فتنة ابتلي بها المسلمون في عصر المأمون واستغلتها النصارى لصالحهم، وأوجدت فجوة عميقة بين المسلمين وكان النزاع نزاعاً بلا ثمر.


1. الشعراء: 193 ـ 194.
2. المدّثّر: 25.
3. الصدوق: التوحيد: 224، الحديث 2.


(22)

تقسيم صفاته إلى ثبوتية وسلبية:

إنّ المتكلّمين قسّموا صفاته سبحانه إلى ثبوتية وسلبية وقد بسطوا القول فيها ومن جملتها انّه سبحانه:
1. ليس بجسم.
2. ليس في جهة.
3. ليس في محل.
4. ليس حالاًّ في شيء ولا متّحداً مع غيره.

إلى غير ذلك من الصفات السلبية التي مرجعها إلى سلب النقائص عن ذاته سبحانه لاَنّه الكمال المطلق.

وأمّا روَيته سبحانه فقد اتفق المسلمون على أنّه سبحانه لا يُرى في الدنيا وإنّما اختلفوا في روَيته في الآخرة.

روَيته تعالى في الآخرة:

ذهبت الشيعة الاِمامية تبعاً للذكر الحكيم وما جاء في خطب الاِمام أمير الموَمنين إلى امتناع روَيته، قال سبحانه: (لا تُدرِكُهُ الاَبْصارُ وهوَ يُدرِكُ الاَبْصارَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ ) (1)

وقال الاِمام عليّ عليه السّلام في وصفه سبحانه: الاَوّل الذي لم يكن له قبل، فيكون شيء قبله، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده، والرادع أناسيَّ الاَبصارِ عن أن تنالَهُ أو تُدركَه (2)


1. الاَنعام: 103.
2. نهج البلاغة: الخطبة 87. والاَناسي: جمع إنسان، وإنسان البصر هو ما يرى وسط الحدقة ممتازاً عنها في لونها.


(23)

وفي خطبة أُخرى: الحمد للّه الذي لا تُدركُه الشواهدُ، ولا تَحويه المشاهدُ، ولا تَراه النواظرُ، ولا تحجُبُه السواتِرُ (1)

وفي كلامه لذعلب اليماني عندما قال له: هل رأيت ربّك يا أمير الموَمنين؟ فقال عليه السّلام : «أفأعبد ما لا أرى؟» فقال: وكيف تراه؟ فقال: «لا تدركه العيون بمشاهدةِ العِيانِ، لكن تدركه القلوبُ بحقائقِ الاِيمانِ، قريبٌ من الاَشياءِ، غيرَ ملابِس، بعيدٌ منها غيرَ مُباين» (2)

وأمّا ما يستدل به على جواز الروَية في الآخرة فليس بتامّ، وقد استدلّ القائلون بجوازها قديماً وحديثاً بقوله سبحانه: (وُجـوهٌ يَومئـذٍ ناضِـرَةٌ * إلى رَبِّها ناظِرةٌ * وَوُجُوهٌ يَومَئِذٍ باسِـرَةٌ * تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرةٌ) (3)

والدقة في الآيات الاَربع توقفنا على أنّ المراد بالنظر هو انتظار الرحمة وذلك لوجهين:
1. إنّه سبحانه: يسنِد النظر إلى الوجوه لا العيون، فلو كان المراد من النظر هو الروَية كان اللازم أن يقول مكان «الوجوه»: العيون.
2. إنّ مقابلة بعض الآيات ببعض يرفع الاِبهام عن قوله: (إلى ربّها ناظرة) ويتعيّـن كونه بمعنى انتظار الرحمة وذلك بالشكل التالي:

أ ـ (وجوه يومئذ ناظرة) يقابلها قوله: ( وجوه يومئذ باسرة) .

ب ـ (إلى ربّها ناظرة) يقابلها قوله: (تظنّ أنْ يُفعل بها فاقرة) .

لا شك أنّ الفقرتين الاَوليتين واضحتان جداً، وإنّما الكلام في الفقرة الثالثة


1. نهج البلاغة: الخطبة 180.
2. نهج البلاغة: الخطبة 174.
3. القيامة: 22 ـ 25.


(24)

فيجب رفع إبهامها عن طريق الفقرة الرابعة التي تقابل الثالثة، بحكم أنّ الاَشياء تعرف بأضدادها.

وبما أنّ المراد من الفقرة الرابعة هو توقّع العذاب الكاسر للفقار، والقاصم للظهر يكون ذلك قرينة على أنّ المراد من الفقرة الثالثة ضدّ ذلك وليس هو إلاّ انتظار فضله سبحانه وكرمه.

على أنّه نسأل من يدّعي إمكان الروَية للّه سبحانه في الآخرة، هل الروَية تتعلّق بكل ذاته أو ببعضه؟ فإن تعلّقت بالجميع يكون سبحانه محاطاً مع أنّه جلّ جلاله محيط.

وإن تعلّقت بالبعض فصار ذات أجزاء وأبعاض تعالى عن التركيب.

وأمّا ما ورد في الروايات حول الروَية فكلّها أخبار آحاد لا تثبت بها العقيدة خصوصاً إذا كانت مضادّة للذكر الحكيم والعقل السليم، على أنّ في سند البعض ضعفاً.

هذا إجمال القول في توحيده وصفاته الذاتية والفعلية، والاِيجابية والسلبية.

نتيجة البحث:

وقد خرجنا من هذا البحث الضافي بالنتيجة التالية:

إنّ المسلمين متّفقون جميعاً على توحيده وتنزيهه ووصفه بالكمال، وإنّما تختلف الشيعة عن أهل السنّة في المسائل الكلامية التالية:

أ ـ إنّ صفاته الثبوتية كالعلم والقدرة عين ذاته وجوداً وتحققاً وإن كانت


(25)

غيره مفهوماً، وذلك لئلاّ يلزم تعدّد القدماء خلافاً للاَشاعرة حيث قالوا بزيادة الاَوصاف على الذات، ولو أرادت الاَشاعرة المغايرة والزيادة مفهوماً، لا تحققاً وخارجاً يصبح النزاع لفظياً، ولو أرادت المغايرة خارجاً وعيناً يلزم تعدد القدماء، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

ب ـ إنّ التكلم من صفاته الفعلية كالرزق والمغفرة والرحمة خلافاً للاَشاعرة حيث فسّـروه بالكلام النفسي القائم بذاته.

ج ـ إنّه سبحانه منزّه عن الروَية في الدنيا والآخرة خلافاً لاَهل السنّة حيث قالوا بجوازها في الآخرة.


(26)

الفصل الثاني:

الشيعة و العدل

اتّفق المسلمون على أنّه سبحانه عادل لا يجور، غير انّ الشيعة اعتمدت في حكمها هذا على البرهان العقلي كما سيوافيك بيانه، واعتمدت السنّةُ في وصفه بالعدل على السمع، حيث يصفه القرآن الكريم بكونه قائماً بالقسط، قال سبحانه: (شَهِدَ اللّهُ أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ والمَلائِكَةُ وأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ) (1)

والاختلاف في مصدر عدله نابع عن الاختلاف في مسألة أُخرى وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليين أو الشرعيين، فذهبت الشيعة الاِمامية إلى أنّ العقل قادر على أن يدرك حسنَ الاَفعال وقبحها، ويستقلَّ بالبعث إلى الفعل الحسن، والزجرِ عن الفعل القبيح، كالعدل والظلم فكل إنسان إذا جرّد نفسه عن كل شيء يرى في صميم ذاته حسنَ الاَول وقبحَ الثاني، ومثله مجازاة الاِحسان بالاِحسان أو بالسوء، والعمل بالميثاق ونقضه فيستقلّ بحسن الاَوليين وقبح الاَخيريين ولاَجله قالوا بأنّ التحسين والتقبيح عقليان لا شرعيان.

ولو حكم الشارع بحسن شيء أو قبحه فقد حكم العقل به قبله، لاَنّه رسول باطني، وحكم الشرع موَكّد لحكم العقل وليس حكماً تأسيسياً.

هذا هو موقف الشيعة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين وعلى ذلك بنت أُصولاً كلامية لا تقبل النقاش، وإليك تلك الا َُصول:


1. آل عمران: 18.


(27)

1ـ لا جبر ولا تفويض:

طرحت مسألة الجبر والتفويض في أواسط القرن الاَوّل بين المسلمين فصاروا إلى أقوال وأوجدت فجوة سحيقة بين المسلمين ولم تزل آثارها إلى يومنا هذا.

فمن قائل بالجبر وانّه سبحانه هو الخالق لفعل الاِنسان والموجد له وليس للاِنسان أيّ دور في أفعاله وأعماله، وإنّما هو ظرف لظهور إرادته سبحانه في أعماله وأفعاله.

وإنّما ذهب القائل إلى هذا القول لاَجل أنّه فسّـر التوحيد بالخالقية بالمعنى الباطل وزعم أنّ معناه سلب الاَثر عن العلل والعوامل الطبيعية، وعند ذاك يتجلّـى الاِنسان في مجال الاَفعال كالظرف ليس له دور ولا تأثير في أفعاله وأعماله.

ولا شك أنّ تفسير التوحيد بالخالقية بهذا المعنى باطل، لما عرفت من تصريح الذكر الحكيم بدور العلل الطبيعية في نمو الاَزهار والاَشجار ـ مضافاً إلى أنّ القول بالجبر ينافي عدله سبحانه ـ فكيف يكون هو الخالق لعمل الاِنسان ولا يكون له دور فيه، لكن هو المسوَول عن العمل؟!

إنّ للقول بالجبر سبباً آخر وهو تفسير القضاء والقدر ـ الذي لا غبار في صحتهما ـ بالمعنى السالب للاختيار عن الاِنسان، وسيوافيك أنّ القضاء والقدر حقّ ولكنّهما لا يسلبان الاختيار عن الاِنسان.

فهذا وذاك صارا سببين لنشوء القول بالجبر بين كثير من المسلمين حيث صيّـرهم مكتوفي الاَيدي أمام الحوادث والطوارىَ.

فكما أنّ الجبر يخالف عدله سبحانه فكذلك التفويض ينافي توحيده، لاَنّ


(28)

معنى القول بالتفويض كون الاِنسان مستقلاً في فعله وعمله عن اللّه سبحانه، وبذلك يصبح العمل إلهاً ثانياً لاستغنائه عن اللّه، مضافاً إلى أنّه كيف يمكن الجمع بين فقر الاِنسان في ذاته، وغناه في فعله عنه مع أنّ الفعل أثر الذات، والفعل متوقّف على ذات الفاعل وهو الواجب مفيض الوجود، فيكون الفعل ـ بالتالي ـ متوقفاً على الواجب؟

والصحيح أنّه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، ومعناه أنّ الاِنسان في فعله يعتمد على قدرته سبحانه ومواهبه فبذلك يكون للواجب دور في عمله، وبما أنّه إنسان موجود مختار في أعمال القدرة والسلطنة في أيّ جانب من جوانب حياته، يكون هو المسوَول عن عمله لا غيره فالعمل نتاج المواهب الاِلهية وإعمال السلطنة من ناحية العبد. ولتقريب ذلك المعنى أمثلة كثيرة مسطورة في الكتب الكلامية.

2ـ التكليف بما لا يُطاق أمر غير جائز:

إذا قلنا بأنّه سبحانه عادل لا يجور فلا يصحّ على الحكيم تكليف العبد فوق قدرته، و قولنا إنّه لا يصحّ للّه سبحانه ذلك النوع من التكليف لا يعني تحكيم فكرتنا وإرادتنا على اللّه سبحانه بل معناه إنّا نستكشف من التدبر في صفاته سبحانه وهو كونه حكيماً لا يعبث، وعادلاً لا يجور، إنّه لا يكلّف إنساناً إلاّ بما في وسعه وقدرته، قال سبحانه: (لا يُكلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها) (1)

3ـ أفعاله سبحانه معلّلة بالاَغراض:

اتفقت الشيعة ـ بما أنّه سبحانه حكيـم لا يعبث ـ على أنّ أفعاله معلّلـة بالاَغراض، ومعنى ذلك أنّ فعله لا ينفكّ عن الغرض، وليس الغرض غرضاً


1. البقرة: 286.


(29)

للفاعل وإنّما هو غرض لنفس الفعل، وكم فرق بين كون الغرض عائداً إلى الفاعل، وبين كون الفعل غير خال عن الغرض، ومقتضى الحكمة هو الثاني، أي عدم خلو فعله عن الغرض، ومقتضى غناه وكماله المطلق عدم عود الغرض إلى الفاعل.

وأظنّ أنّ النزاع بين الشيعة وأهل السنّة لفظيّ، فإنّ أهل السنّة ينفون أن يكون له سبحانه غرض في فعله يستكمل به ذاته والشيعة أيضاً يوافقونهم على ذلك ويقولون بأنّه سبحانه هو فوق الكمال ومن هو بهذه المكانة أسمى من أن يطلب غرضاً يستكمل به.

ولكنّ الشيعة تعتقد أنّ الغرض لا ينحصر بالغرض العائد إلى الفاعل بل هناك قسم آخر يخرج به الفعل عن العبثية ويضفي عليه وصف الحكمة ويكون غرضه سبحانه عائداً إلى المكلّفين، وهذا ما يتراءى من الذكر الحكيم في موارد مختلفة ويقول: (سَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّمواتِ وما في الاَرض) (1)

فإنّ خلق السماوات والاَرض لم يكن عبثاً، قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقناكُمْ عَبَثاً وأنَّكُمْ إلَينا لا تُرجَعُونَ) (2)

وقال سبحانه: (وما خَلَقْنا السَّمواتِ والاَرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) (3)

4ـ القضاء والقدر لا يسلبان الاختيار :

إنّ القضاء والقدر من المفاهيم الاِسلامية الواردة في الكتاب والسنّة، قال سبحانه: (ما أصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الاَرضِ ولا في أنْفُسِكُمْ إلاّ في كِتابٍ مِنْ قَبلِ أن


1. لقمان: 20.
2. الموَمنون: 115.
3. الدخان: 38.

(30)

نَبْـرأَها إنّ ذلكَ على اللّهِ يَسيرٌ ) (1)

وفي السنّة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة تصريحات بالقضاء والقدر ، وهذا ممّا اتّفق عليه المسلمون وإنّما الكلام في تفسيرهما.

إنّ اليهود ممّن غالت في التقدير حتى جعلته إلهاً ثانياً إلى حدٍّ ليس للّه سبحانه تغيير قضائه وقدره، يقول سبحانه حاكياً عنهم: (وقالَتِ اليَهودُ يَدُ اللّهِ مَغلولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشاءُ ...) (2)

فَمن أراد تفسير القضاء والقدر على نحو يسلبان الاختيار عن الاِنسان فقد وقع في متاهات الجبر فالاِيمان بالقضاء والقدر يجب أن يكون بنحوٍ لا يسلب عن الاِنسان اختياره قال سبحانه: (وقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُوَْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (3) وقال سبحانه: (إنّا هَدَيناهُ السَّبيلَ إمّا شاكِراً وإمّا كَفُوراً) (4)

إنّ تقديره وقضاءه سبحانه يختلف حسب اختلاف الفاعل، فلو كان الفاعل فاعلاً موجَباً كالنار بالنسبة إلى الحرارة، وسقوط الحجر على الاَرض فقد قدَّر وقضى بصدور الفعل عن الفاعل عن جبر و اضطرار، وأمّا إذا كان الفاعل فاعلاً مختاراً ومسوَولاً أمام اللّه فقد قدَّر وقضى على صدور فعله منه عن إرادة واختيار.

فالتقدير والقضاء عند الشيعة يخالفان الجبر ويوَيدان الاختيار قال سبحانه: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أو تَركْتُموها قائِمةً على أُصُولِها فَبإِذنِ اللّهِ وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ)(5).


1. الحديد: 22.
2. المائدة: 64.
3. الكهف: 29.
4. الاِنسان: 3.
5. الحشر: 5.


(31)

5 ـ تعذيب البريء مخالف لعدله:

اتّفقت الشيعة على أنّه لا يجوز سبحانه أن يعذّب أطفال الكفّار يوم القيامة، وذلك أنّ تعذيبهم بغير جرم اقترفوه مخالف لعدله وحكمته.

وقد أشرنا أنّ قولنا «لا يجوز» أو «يجوز» لا يعني تحكيم إرادتنا وفكرتنا على اللّه سبحانه حتى يكون الواجب محكوماً بحكم البشر فإنّ ذلك باطل لا مرية فيه، ولكن المراد هو استكشاف حال الواجب من خلال أوصافه من كونه حكيماً عادلاً فنستكشف من هذين الوصفين أنّه لا يعذّب طفلاً بريئاً سواء أكان طفلاً لمسلم أم لكافر.

6ـ وجوب المعرفة:

اتّفقت الشيعة على لزوم معرفة اللّه سبحانه لزوماً عقلياً بمعنى أنّ العقل يحكم بحسن المعرفة وقبح تركها، لما في المعرفة من أداء شكر المنعم وهو حسن، وفي تركها احتمال الوقوع في الضرر وهو قبيح.

نعم غير الشيعة لم تلتزم بلزوم معرفة اللّه إلاّ سمعاً ونقلاً، ولكن لم يتبيّـن لنا كنه مرادهم فإنّ المفروض أنّ الشريعة بعد لم تثبت فكيف يثبت وجوب المعرفة بحكم الشريعة؟

7ـ لزوم تكليف العباد:

إذا كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث يستقل العقل بالحكم بلزوم إيصال كلّ مكلّف إلى الغاية التي خلق لها، وذلك يتحقق في مورد الانسان بالتكليف.


(32)

8 ـ لزوم بعث الاَنبياء:

إذا كان الاِنسان لم يُخلق سدى بل خلق لغاية، والغاية ممّا لا يدركها البشر بعقله العادي، ففي ذمّته سبحانه إرسال الرسل لهداية الناس إلى الغايات المنشودة وإلاّ يلزم أن يكون خلق الاِنسان سُدى وعبث.

9ـ قاعدة اللطف:

إنّ قاعدة اللطف لها دور في الكلام الشيعي وتترتّب عليها قواعد وأحكام، وحاصلها أنّه إذا كان الغرض المترتب على التكليف لا يحصل إلاّ بفعل يقرّب العبد من الطاعة ويبعّده عن المعصية، كان على اللّه سبحانه القيام بذلك.

وبعبارة أُخرى كل ما هو دخيل في تحقق الرغبة إلى الطاعة والابتعاد عن التمرد والمعصية في نفوس الاَكثرية الساحقة من البشر يجب على اللّه سبحانه القيام به صوناً للتكليف عن اللغو يقول سبحانه: (وبَلَوناهُمْ بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعلَّهُمْ يَرجِعُونَ) (1) وقال تعالى: (وما أرْسَلْنا في قَريَةٍ مِنْ نَبىٍّ إلاّ أخَذْنا أهلَها بالبأْساءِ والضَّرَّاءِ لَعلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) (2)

فإنّ تعليل ابتلاء الناس بالسراء والضراء لرجاء رجوعهم للطاعة دليل على أنّ كل ما يكون سبباً للجوء الناس للطاعة كان عليه سبحانه أن يقوم به لاَنّه مقتضى حكمته. والعقل يستقلّ بحسن ذلك.

10ـ لزوم النظر في برهان مدّعي النبوّة:

يجب النظر في برهان المدعي إذا ادّعى مسألة تمتّ إلى الدين بصلة على وجه يعاقب الاِنسان لو لم يعتقد بها أو اعتقد بالخلاف.


1. الاَعراف: 168.
2. الاَعراف: 94.


(33)

إنّ للتحسين والتقبيح العقليين دوراً عظيماً في المسائل الكلامية اقتصرنا على هذه النتائج القليلة ومن أراد التفصيل فعليه مراجعة الكتب الكلامية المطوّلة(1).

خاتمة المطاف:

وفي خاتمة هذا الفصل أود أن أطرح مسألتين لهما دويّ في الاَوساط العلمية، والمسألتان هما عبارة عن القول بالبداء والتقية، فقد وقعا غرضاً للنبال وأخذ المخالف يعترض على الشيعة بالقول بهما غافلاً عن أنّ النزاع بين الطائفتين نزاع لفظي ولو وقف المخالف على الحقيقة، لتجاوب معها وإليك البيان:

البداء عند الشيعة:

البداء في اللّغة هو الظهور بعد الخفاء، قال سبحانه: (وبَدا لَهُمْ مِنَ اللّهِ ما لَمْ يَكُونوا يَحْتَسِبونَ * وبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَستَهْزِءُونَ)(2)

والبداء بهذا المعنى، لا يطلق على اللّه تعالى بتاتاً، لاستلزامه حدوث علمه بعد جهله بالشيء، تعالى عمّـا يقول الظالمون.

وهذا هو الذي ينسبه متكلمو السنّة إلى الشيعة، وهم براء من تلك النسبة وإنّما أرادوا منه المعنى الثاني الآتي.

و هو أنّ تقديره سبحانه للحوادث على قسمين:

أ ـ تقدير قطعي وقضاء مبرم.

ب ـ تقدير معلّق وقضاء غير منجّز.


1. راجع الاِلهيات: 1|257 ـ 262 بقلم الموَلف.
2. الزمر: 47 ـ 48.


(34)

فأمّا القسم الاَوّل: فلا يتسـرّب إليه البداء لافتراض كونه تقديراً حتمياً وقضاءً مبرماً، وإنّما يتسـرّب البداء إلى القسم الثاني وهو القضاء المعلق فهو يتغيّـر إمّا بالاَعمال الصالحة أو الطالحة قال سبحانه: (إنّ اللّه لا يُغيِّـرُ ما بِقَومٍ حتّى يُغَيِّـروا ما بِأَنْفُسِهمْ) (1)

وقال سبحانه: (وَلَوْ أنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقوا لَفَتَحْنا عَلَيهِمْ بَركاتٍ مِنَ السَّماءِ والاَرضِ ولكنْ كَذَّبُوا فأخْذناهُمْ بِما كانُوا يَكسِبُونَ) (2)

وقال تعالى: حاكياً عن شيخ الاَنبياء نوح عليه السّلام : (فَقُلْتُ اسْتغفِروا رَبَّكُمْ إنَّهُ كانَ غفَّاراً * يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكُمْ مِدراراً * ويُمْدِدْكُمْ بِأموالٍ وَبَنينَ ويَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكُمْ أنهاراً) (3)

فالبداء بهذا المعنى ممّا اتفق عليه المسلمون قاطبة كما اتفقوا على عدم صحة البداء بالمعنى الاَول، وأمّا استعمال البداء «بدا للّه» في هذا المقام مع أنّه بداء لنا من اللّه فهو أشبه بالمجاز وقد استعمل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حديث الاَقرع والاَبرص والاَعمى تلك اللفظة، وقال: وبدا للّه عزّ وجلّ أن يبتليهم (4) وعلى كلّ تقدير فليس النزاع في اللفظ والتسمية بل مورده هو المسمى والمقصود.

ولو أنّ علماء السنّة وقفوا على ما هو المقصود من القول بالبداء للّه لما اعترضوا على الشيعة الاِمامية. وكم من مسائل خلافية لو طرحت في جوٍّ هادىَ يسوده روح البحث العلمي بعيدٍ عن التعصب لزالت حواجز الاختلاف ولتقاربت وجهات نظر الطائفتين.


1. الرعد: 11.
2. الاَعراف: 96.
3. نوح: 10 ـ 12.
4. البخاري: الصحيح: 4|171.


(35)

التقية عند الشيعة:

التقية من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، والغاية منها هي صيانة النفس والعرض والمال، وذلك في البيئات التي صودرت فيها الحريات في القول والعمل، والرأي والعقيدة، فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت، مرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها.

إنّ التقية سلاح الضعيف وكهف الخائف أمام القوي الغاشم، سلاح من يبتلى بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلاّ لاَنّه لا يتفق معه في بعض الاَفكار والمبادىَ.

وهذا شيء يستسيغه العقل كما ورد في الشرع، قال سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالاِيمانِ) (1)

وقال سبحانه: (لا يَتَّخِذِ المُوَمِنونَ الكافِرينَ أولِياءَ مِنْ دُونِ المُوَمِنينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلكَ فَلَيسَ مِنَ اللّهِ فِـي شَيءٍ إلاّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) (2)

ولا تختصّ بتقية المسلم من المشرك والكافر بل تعمّ تقية المسلم من المسلم الجائر أيضاً.

قال الرازي: إنّ مذهب الشافعي (رض): إنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : حرمة مال المسلم كحرمة دمه، وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : من قتل دون ماله فهو شهيد(3).


1. النحل: 106.
2. آل عمران: 28.
3. الرازي: مفاتيح الغيب: 8|13.


(36)

وقال جمال الدين القاسمي: وزاد الحق غموضاً وخفاءً، أمران: خوف العارفين ـ مع قلتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن، وإجماع أهل الاِسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، وما برح المحق عدوّاً لاَكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة (رض) أنّه قال في ذلك العصر الاَوّل: حفظت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم (1)

وليعلم أنّ التقية إنّما تتصور في القضايا الشخصية أي تقية شخص من شخص آخر في بيئته. وأمّا التقية العامة بأن تصور العقائد أو الاَحكام في الكتب الفقهية بشكل يوافق عقائد الموافق وفقهه فهذا ليس بصحيح.

فالشيعة لم تتّق ولن تتّق في محاضراتها وكتبها ومنشوراتها قدر شعرة، فمن يتهم الشيعة بالتقية في كتمان عقائدها وتحرير فقهها، فقد خبط خبطة عشواء لما عرفت من أنّ التقية ترجع إلى القضايا الشخصية. وأين هم من الباطنيّة الذين يخفون كتبهم حتّى عن معتنقيهم، والشيعة الاِمامية لم تزل مجهرة بعقائدها بشتى الطرق وأساليبها .

أضف إلى ذلك أنّ الشيعة قامت لهم دول مختلفة في فترات كثيرة من التاريخ منذ ألف سنة فلماذا تتقي في تحرير عقائدها ونشر أفكارها وبثِّ فقهها؟!


1. جمال الدين القاسمي: محاسن التأويل: 4|82.


(37)

الفصل الثالث:

الشيعة والنبوّة العامة والخاصة

النبوّة عند الشيعة كسائر المسلمين: سفارة بين اللّه وبين ذوي العقول من عباده لهدايتهم إلى ما فيه السعادة في معاشهم ومعادهم.

والنبيّ هو الاِنسان المخبر عن اللّه تعالى بإحدى الطرق المعروفة الواردة في الذكر الحكيم.

أعني قوله سبحانه: (ما كانَ لِبَشَـرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إلاّ وَحْياً أو مِنْ وَراءِ حِجابٍ أوْ يُرسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عليٌّ حَكيمٌ) (1)

وبما أنّ صفحات التاريخ تشهد على وجود أُناس ادّعوا السفارة من اللّه والاِنباء عنه عن كذب و افتراء ولم يكن لهم متاعٌ غير التزوير، ولا سلعة سوى السلطة فلابد في تمييز النبي عن المتنبّي من معايير وضوابط تكون هي الفصل في القضاء بالحق، وهي إحدى الاَُمور الثلاثة التالية:

1ـ التحدي بالاِعجاز:

تجهيز الاَنبياء بالمعاجز عند طرحهم دعوى النبوّة. والاِعجاز يدل بالدلالة المنطقية على صدق دعواه، وذلك لاَنّ المعجزة فيها خرق للنواميس الطبيعية فلا


1. الشورى: 51.


(38)

يمكن أن تقع من أحد إلاّ بعناية من اللّه تعالى، واقتدار منه، فلو كان مدّع النبوّة كاذباً في دعواه كان إقداره على المعجزة من قبله سبحانه إغراراً بالجهل، وإشادة بالباطل، وذلك محال على الحكيم تعالى، فإذا ظهرت المعجزة على يده كانت دالّة على صدقه وكاشفة عن نبوّته.

يقول سبحانه: (ولَوْ تَقَوَّلَ عَلينا بَعضَ الاَقاويلِ * لاَخَذْنا مِنْهُ باليَمين * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتينَ * فَما مِنكُمْ مِنْ أحدٍ عَنهُ حاجزينَ) (1)

يريد سبحانه أنّ محمداً الذي أثبتنا نبوّته وأظهرنا المعجزة بتصديقه لا يمكن أن يتقوّل علينا بعض الاَقاويل ولو صنع ذلك لاَخذنا منه باليمين ولقطعنا منه الوتين، فإنّ في سكوتنا عن هذه الاَقاويل إمضاءً منّا لها وإدخالاً للباطل في شريعة الحق فيجب علينا حفظ الشريعة في مرحلة البقاء كما يجب علينا حفظها في مرحلة الحدوث.

2ـ تنصيص النبيّ السابق على نبوّة النبيّ اللاحق:

إذا ثبتت نبوّة نبيّ بدلائل مفيدة للعلم ثم نصّ هذا النبيُّ على نبوّة نبيّ لاحق يأتي من بعده، كان ذلك حجة قطعية على نبوّة النبيّ اللاحق لا تقل في دلالتها عن المعجزة.

ولاَجل ذلك يستدل المسلمون بالبشارات الواردة في العهدين على نبوّة نبيّ الاِسلام، ويرشدنا إليه قوله سبحانه حاكياً عن المسيح: (وإذْ قالَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ يا بَني إسرائيلَ إنّـي رَسولُ اللّهِ إليكم مُصَدِّقاً لِما بَينَ يَديَّ مِنَ التَّوراةِ ومُبَشِّـراً بِرَسولٍ يأتي مِنْ بَعدِي اسمُهُ أحمد) (2)


1. الحاقة: 44 ـ 47.
2. الصف: 6.


(39)

3ـ جمع القرائن والشواهد:

إنّ جمع القرائن والشواهد ضابطة مطردة في المحاكم الوضعيّة تتّخذها القضاة في إصدار أحكامهم، ويستند إليها المحامون في إبراء موكليهم، فبجمع تلك القرائن والشواهد يمكن أن نستعلم صحّة دعوى المدّعي أو إنكار المنكر.

فعلى ضوء ذلك، فللباحث أن يتحرّى القرائن المكتنفة بدعوى النبوّة حتى يقطع معها بصدق الدعوى أو كذبها وهذه القرائن تتلخّص في الا َُمور التالية:

أ ـ سيرة المدّعي قبل الدعوة.

ب ـ سمات بيئته.

ج ـ مضمون الدعوة.

د ـ ثباته في طريق الدعوة.

هـ ـ الاَدوات التي يستخدمها في نشر دعوته.

و ـ الموَمنون الملتفّون حوله.

ز ـ مكانة أتباعه في الورع والتقوى والعلم والوعي.

هذه القرائن وأشباهها ترشدنا إلى أحد الاَمرين:

إمّا أنّه نبيّ صادق أو متنبّي كاذب.

الوحي:

إنّ تحديد حقيقة الوحي وتبيين ماهيته من المواضيع الحساسة في أبحاث النبوّة العامة، والاَنبياء يتلقّون تعاليمهم عن هذا الطريق ولولاه لانقطعت أخبار السماء عن الاَرض وصلة الاَنبياء باللّه.


(40)

والشيعة الاِمامية تعتقد بأنّ الوحي يختصّ بالاَنبياء وليس هو نتاج الحسّ ولا العقل ولا الغريزة وإنّما هو شعور خاص لا نَعْلم حقيقته، وهو يغاير الشعور الفكري المشترك بين أفراد الاِنسان قاطبة .

والوحي لا يغلط معه النبي في إدراكه، ولا يشتبه، ولا يختلجه شك ولا يعترضه ريب فهو يدركه من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر أو التماس دليل، أو إقامة حجة، إذ لو افتقر إلى شيء من ذلك لكان اكتساباً عن طريق القوة النظرية لا تلقّياً من الغيب من غير توسط القوة الفكرية.

قال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمينُ * على قَلبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرينَ) (1)

سمات الاَنبياء:

إنّ أخطر المناصب وأكبرها مسوَولية قيادة المجتمع البشري وهدايته إلى السعادة فإنّـها تتطلّب في المتصدي لها، موَهّلات وامتيازات خاصة ينفرد بها عن سائر الناس، وهذه في الاَنبياء تتلخّص في الا َُمور التالية:

1ـ العصمة ولها مراتب ثلاث:

المرتبة الا َُولى: المصونية عن الذنب ومخالفة الاَوامر المولوية قبل البعثة وبعدها، وخالف بعض أهل السنّة في عصمة النبي قبلها خصوصاً في صغائر الذنوب فجوزها له.

المرتبة الثانية: المصونية في تلقّي الوحي ووعيه وإبلاغه إلى الناس.

المرتبة الثالثة: المصونية من الخطأ والاشتباه في تطبيق الشريعة والا َُمور


1. الشعراء: 193 ـ 194.


(41)

الفردية والاجتماعية.

2ـ التنزّه عن كل ما يوجب نفرة الناس عنه وعقم التبليغ.

3ـ الاطّلاع على أُصول الدين وفروعه وكلّ ما أُلقي إبلاغه على عاتقه.

4ـ التحلّـي بكفاءة خاصة في القيادة والاِدارة مقترنة بحسن التدبير، وقد برهن الكلام الشيعي على لزوم هذه السمات في الاَنبياء عامّة والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خاصة. ومن أراد الوقوف فعليه الرجوع إلى الكتب الكلامية.

النبوّة الخاصة:

كان الكلام السابق في النبوّة العامّة من دون تخصيص بنبيّ، وأمّا النبوّة الخاصة أي نبوّة نبيّ الاِسلام، فالشيعة الاِمامية تعتقد بأنّ محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نبيّ اللّه الخاتم جاء لهداية الناس في الوقت الذي عمّت سيادة الشرك وعبادة الاَصنام أكثر ربوع المعمورة، وفي هذا الظرف قام رجل بين أُمّة متقهقرة تقطن أراض جدباء، ومعشر ليس لهم من الحضارة أيّ سهم يذكر، يسفكون دماءهم ويقطعون أرحامهم، فادّعى النبوّة والسفارة من اللّه تعالى على أساس نشر التوحيد، ورفض الوثنية وعبادة الاَصنام، وإقامة العدل، وبسط القسط، ورفض التمييز، وحماية المضطهدين والمظلومين، وقد كان تاريخ دعوته في أوائل القرن السابع الميلادي 610 وأوّل ما بدأ به، بدأ بدعوة أقربائه وعشيرته.

واستطاع هداية جمع من عشيرته ثم وجّه دعوته إلى عموم الناس من غير خصوصية بين قبيلة وغيرها. ويُستدل على صحّة دعوته بالطرق الثلاثة:

1ـ معجزته الخالدة القرآن الكريم الذي تحدّى به الاَُمم ولم يزل متحدّياً إلى يومنا هذا، قال سبحانه: (قُلْ لاَِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنْسُ وَالجِنُّ على أنْ يَأتُوا بِمِثْلِ هذا


(42)

القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً) (1)

مضافاً إلى سائر معجزاته التي كانت تظهر منه بين آونة وأُخرى.

2ـ بشائره في العهدين وقد بقيت ـ بحمد اللّه ـ إلى يومنا هذا.

3ـ دلالة القرائن الداخلية والخارجية على صحة دعوته.

سمات دعوته:

أوّلاً: عالمية رسالته:

اتفقت الشيعة على أنّ الاِسلام عقيدة وعمل لا ينفرد بهما شعب أو مجتمع خاص ولا يختص ببلد دون بلد، بل هو دين يعمّ المجتمع الاِنساني ككل، على اختلافه في العنصر والوطن واللسان، ولا يفترض لنفوذه حاجزاً بين أبناء الاِنسان، ولا يعترف بأية فواصل قوميـّة أو إقليمية.

قال سبحانه: (قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنّـي رَسولُ اللّهِ إلَيكُمْ جَميعاً) (2)

وقال تعالى: (وما أرْسَلْناكَ إلاّ كَافَّةً للنّاسِ بَشيراً ونذيراً) (3)

ثانياً: خاتمية رسالته:

اتّفقت الشيعة عن بكرة أبيها على أنّ نبيّها محمداً خاتم النبيين، وأنّ شريعته خاتمة الشرائع، وكتابه خاتم الكتب والصحف، فهو آخر السفراء الاِلهيين أُوصد به باب الرسالة والنبوّة وختمت به رسالة السماء إلى الاَرض، وأنّ دينه دين اللّه


1. الاِسراء: 88.
2. الاَعراف: 158.
3. سبأ: 28.


(43)

الاَبدي، وأنّ كتابه كتاب اللّه الخالد، وقد أنهى اللّه إليه كلّ تشريع فاكتملت بدينه وكتابه الشرائع السماوية التي هي رسالة السماء إلى الاَرض قال سبحانه: (ما كانَ مُحمدٌ أبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ولكنْ رَسُولَ اللّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللّهُ بكُلِّ شَيءٍ عليماً) (1).

صيانة القرآن من التحريف:

القرآن الكريم هو المصدر الاَوّل لدى المسلمين من غير فرق بين الشيعة وأهل السنّة، وهو كلام اللّه ووحيه وقوله وكتابه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم، وانّه الحق الفصل وما هو بالهزل، وإنّ اللّه تبارك وتعالى منزله وحافظه صانه من الزيادة والنقيصة.

وهذه عقيدة كبار المحققين من الشيعة.

قال السيد المرتضى (355 ـ 436 هـ): إنّ جماعة من الصحابة مثل عبد اللّه بن مسعود، وأُبي بن كعب وغيرهما ختم القرآن على النبيّ عدة ختمات وكل ذلك يدلّ بأدنى تأمل على أنّه مجموع مرتّب غير مبتور ولا مبثوث (2)

وقد تقدمه في هذا القول (صيانة القرآن من التحريف) مشايخ الشيعة كالفضل بن شاذان (المتوفّـى 260 هـ) والشيخ الصدوق ( 306 ـ 381 هـ) و الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) وتبعه أيضاً الطوسي (385 ـ 460) والطبرسي (471 ـ 548 هـ) والسيد ابن طاووس ( المتوفّـى 664 هـ) إلى غير ذلك من أعلام الا َُمّة إلى يومنا هذا.

وإليك كلمة قيّمة للا َُستاذ الاَكبر الاِمام الخميني قدّس سرّه في محاضراته حيث


1. الاَحزاب: 40.
2. الطبرسي: مجمع البيان: 1|10، نقلاً عن رسالة جواب المسائل الطرابلسية للسيد المرتضى.


(44)

قال:

إنّ الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءة وكتابة يقف على بطلان دعوى التحريف وانّه لا ينبغي أن يركن إليها، وما وردت من الاَخبار في التحريف فهي: بين ضعيف لا يستدل به، إلى مجهول تدل أمارات الجعل على وضعه، إلى غريب يقضي بالعجب، إلى صحيح يدل على أنّ الساقط هو تأويل الكتاب وتفسيره لا نفس الكتاب ... (1)

نعم ذهب شذّاذ من الاخبارية والحشوية من الشيعة والسنّة إلى القول بالتحريف فلا يقام لاَقوالهم وزن بعد كونها مخالفة للقرآن الكريم بإجماع الا َُمّة.

* * *

خرجنا بالنتيجة التالية:

لا خلاف بين الشيعة والسنّة في حقل النبوّة العامة والخاصّة إلاّ شيئاً لا يذكر وهو تجويز العصيان للاَنبياء قبل دعوى النبوّة فتنفيه الشيعة، ومجموعة من السنّة ويجوّزه لفيف منهم.


1. تهذيب الاَُصول، محاضرات الاِمام الخميني: 2|56 بقلم الموَلف.


(45)

الفصل الرابع:

الشيعة و المعاد

المعاد وحشر الاِنسان بعد الدنيا إجابة عن أحد الاَسئلة التي طالما أخذت جلَّ تفكيره فمذ فتح عينيه على الحياة يسأل نفسه عن الا َُمور التالية:

1ـ ما هو مبدأ العالم والاِنسان؟

2ـ ما هو الهدف من وجود الاِنسان؟

3ـ إلى أين المصير بعد الموت؟

فالبحث عن الصانع إجابة عن السوَال الاَوّل.

كما أنّ البحث عن كونه حكيماً وأنّ فعله منزّه عن العبث إجابة عن الثاني.

والقول بأنّ الموت ليس نهاية الحياة وإنّ الاِنسان لا يفنى بموته، وإنّما هو جسر ينتقل عبره من نشأة إلى نشأة أُخرى أكمل من الا َُولى، هو جواب عن السوَال الثالث.

إنّ الاعتقاد بالمعاد عنصر أساسي في كل شريعة لها صلة بالسماء، ولاَجل ذلك أصبح المعاد في الشرائع السابقة أصلاً مسلَّماً حتى عند اليهود في العهد القديم (1).


1. صموئيل الاَوّل: الاِصحاح الثاني: الجملة 6 ، طبع دار الكتاب المقدس.


(46)

وإذا كان المعاد يحتلّ المكانة العليا في الشرائع السماوية وكان القرآن خاتم الكتب، والمبعوث به خاتم الاَنبياء فيناسب أن يكون المعاد مطروحاً فيه بشكل واسع مقترناً بالدلائل العقلية المقنعة.

وقد صدق الخُبرُ الخبر ، فالذكر الحكيم يعتني بالمعاد، ويهتم به اهتماماً بالغاً تكشف عنه كثرة الآيات الواردة في مجال المعاد وربّما تبلغ زهاء ألف وأربعمائة آية، وكان أُستاذنا العلاّمة الطباطبائي يقول: تربُو على الاَلفين ولعلّه قدّس سرّه ضم الاِشارة إلى التصريح به فبلغت ما تربو على ألفي آية.

وعلى أية حال فالشيعة لا تختلف عن سائر الفرق الاِسلامية في هذا الاَصل الخطير وتقول: إنّ اللّه سبحانه سيجمع الناس يوم القيامة ويضع الموازين القسط فلا يظلم أحداً مثقال ذرة، وتوفّى كل نفس ما عملت فإمّا إلى النعيم الدائم أو إلى العذاب المقيم.

وهناك أُصول اتّفقت الشيعة عليها نذكرها لشدّة مناسبتها بالمقام:

1ـ اتّفقت الشيعــة على أنّ المسلـم الموَمن العاصي غير مخلّد في النـار وهو موَمن فاسق فليس بكافر ولا بالمنزلة بين المنزلتين.

2ـ اتّفقت على أنّ الشفاعة حقّ، وانّ لخاتم الاَنبياء مقام الشفاعة الكبرى كما تعتقد بجواز طلبها من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حياته ومماته.

قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهََ تَوّاباً رَحِيماً) (1)

وليس طلب الشفاعة إلاّ طلب الدعاء فإذا جاز في حال الحياة يجوز بعد الرحيل أيضاً لافتراض أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيّ يُرزق وأنّه بإذنه سبحانه يسمع كلامنا ويجيب سلامنا.


1. النساء: 64.


(47)

3ـ اتّفقت الشيعة على أنّ التناسخ باطل والقائل به كافر، والمراد منه انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر في هذه النشأة فإذا مات البدن الثاني انتقلت إلى ثالث وهكذا.

والداعي للقول بالتناسخ هو إنكار المعاد كما حقّق في محلّه.

4ـ اتّفقت الشيعة على أنّ حقيقة التوبة عبارة عن الندم عمّا مضى والعزم على عدم العودة عليه وإذا قدر الاِنسان عليها وجبت ولا تقبل حين الموت.

5ـ اتّفقت الشيعة على أنّ حبّ النبيّ والاَئمّة المعصومين يقرب الاِنسان من اللّه تبارك وتعالى ويبعث في روعه روح الطاعة والمشاكلة معهم في الاِتيان بالواجبات والتحرّز عن المحرمات، وأمّا الحب المجرَّد عن العمل فليس سبباً للنجاة وإنّما النجاة هو العمل بعد الحب.

6ـ إنّ الشيعة تبعاً واقتداءً بأئمتهم يقدّسون الصحابة الذين عملوا بكتاب اللّه سبحانه وسنّة نبيّه، ولم يتجاوزوهما، كما أنّـهم يتبرّأون ممن خالف كتاب اللّه وسنّة رسوله وفي هذا المقام كلمة مباركة للاِمام زين العابدين قال في دعاء له:

«اللّهمّ وأصحاب محمّد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاءَ الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الاَزواج والاَولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والاَبناء في تثبيت نبوّته، وانتصروا به ومن كانوا منطوين على محبّته يرجون تجارة لن تبور في مودّته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته وانتفت منهم القربات إذ سكنوا في ظلّ قرابته، فلا تنس لهم اللّهمّ ما تركوا لك وفيك وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومَن كَثَّـرْتَ في إعزاز دينك من مظلومهم. اللّهمّ وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان


(48)

الذين يقولون ربّنا اغفر لنا ولاِخواننا (1)

نعم لا يقولون بعدالة كلّ صحابي وكل من رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولو يوماً أو أياماً بل يقسّمون الصحابة كالتابعين إلى قسمين تبعاً للذكر الحكيم والسنّة النبوية، وهذا هو الذكر الحكيم يصف بعض الصحابة بالفسق يقول: (إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (2)

كما أنّ الرسول الاَعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يصفهم في حديث الحوض بما لا يتلاءم مع عدالة الجميع.

روى البخاري ومسلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال: يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي ويُحلَوَون عن الحوض فأقول: يا ربِّ أصحابي فيقول: إنَّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقرى (3)

هذا هو قدامة بن مظعون صحابي بدري شرب الخمر وأقام عليه عمر الحدّ(4).

ومن الصحابة من خضبوا وجه الاَرض بالدماء، فهذا بسر بن أرطأة قد قتل مئات المسلمين وما نقم منهم إلاّ أنّهم كانوا يحبّون علي بن أبي طالب، ولم يكتف بذلك فحسب، بل قتل طفلين لعبيد اللّه بن عباس (5)

* * *


1. الصحيفة السجادية، الدعاء الرابع مع شرح «في ظلال الصحيفة السجادية»: 55 ـ 56.
2. الحجرات: 6.
3. لاحظ في الوقوف على هذا النوع من الاَحاديث جامع الا َُصول لابن الاَثير: ج11 كتاب الحوض: 120 ـ 121 .
4. الجزري: أُسد الغابة: 4|199.
5. الثقفي: الغارات: 2|591؛ اليعقوبي: التاريخ: 1|186؛ الجزري: الكامل: 3|192.


(49)

إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية:

لا اختلاف بين المذهبين: فيما يرجع إلى المعاد والا َُصول الستة التي تتبنّاها الشيعة إلاّ في الاَصل السادس فالسنّة تعتقد بعدالة كلّ صحابي خلافاً للشيعة حيث تقسّمهم إلى مثالي يُستدر به الغمام، وموَمن يضحّي بنفسه ونفيسه في طريق الدين وإعلاء كلمة اللّه، إلى من يصفه سبحانه في محكم كتابه (1) على خلاف هذين الصنفين.


1. انظر الحجرات: 6.


(50)

الفصل الخامس:

الشيعة و الاِمامة و الخلافة

الخلافة عند الشيعة إمرة إلهية واستمرار لتحقيق أهداف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ووظائفه، والاِمام له نفس الصلاحيات والوظائف المخولة إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم غير انّه ليس بنبيّ ولا يوحى إليه والنبوّة أُوصدت وختمت بالرسول فلا نبيّ ولا رسول بعده، ولكن الوظائف كلّها مستمرة، ولاَجل ذلك يجب أن يكون الاِمام قائماً بوظائفه الروحية والمادّية والعلميةوالاجتماعية كي يسدّ الفراغ الحاصل بوفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن جملة وظائفه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :

1ـ تبيين الاَحكام الشرعية والوظائف الاجتماعية.

2ـ تفسير القرآن الكريم وتوضيح إجماله وتبيين متشابهه.

3ـ تبيين الاَحكام الشرعية للحوادث المستجدّة.

4ـ إزالة الشبهات الطارئة من قبل الفرق المختلفة.

5ـ إزالة الخلاف الناجم بين أصحابه باعتباره محوراً للحق والباطل.

هذا ما يرجع إلى الوظائف الروحية وأمّا ما يرجع إلى الوظائف المادية فحدّث عنها ولا حرج فقد كان رئيساً للدولة، مرسلاً الجيوش لنشر الدعوة الاِسلامية، موَمِّناً لميزانية الدولة عن طريق جلب الضرائب والزكوات، باعثاً السرايا لاِخماد الفتن إلى غير ذلك.

فالاِمام عند الشيعة الاِمامية هو الذي يقوم بهذه الوظائف كافةً بلا استثناء ولا


(51)

يقوم بها إلاّ الاَمثل فالاَمثل من الا َُمّة، و من تمتَّع بتربية إلهية وكان ذا كفاءة وجدارة على إدارة الدولة بمختلف شوَونها، وليس التعرّف على مثل ذلك الاِنسان أمراً يسيراً بل لا يعلمه إلاّ اللّه سبحانه والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن طريق إبلاغه.

وهذه هي نظرية التنصيص عند الاِمامية فهم لا يرضون إلاّ بتنصيص النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على من يخلفه لملء الفراغ الحاصل بعد غيابه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن المسرح السياسي والاجتماعي وليس في مقدرة الشورى ولا وسع البيعة العامة التعرّف على ذلك الرجل المثالي والكفوء الذي يلي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الفضائل والمناقب.

إنّ انتخاب الخليفة عن طريق شورى المهاجرين والاَنصار أو البيعة العامّة قد تعرّض إليه علماء الكلام نظرياً، دون أن يدخل حيز التطبيق العملي بل واقع الخلافة في صدر الاِسلام أثبت خلاف ذلك، ويعرب هذا عن أنّ المعهود في ذلك العصر هو التنصيص لا المشاورة ولا الاستفتاء ولا بيعة عامة.

فهذا عمر بن الخطاب قد أخذ بزمام الا َُمور من قبل الخليفة الاَوّل حيث قال: إنّي أستخلف عليكم عمر بن الخطاب (1)

كما أنّ الخليفة الثالث تسلّم مقاليد الا َُمور عن طريق شورى سداسية عيّـن أعضاءها عمر بن الخطاب (2)

روى الموَرّخون أنّ عمر بن الخطاب لمّا أحسّ بالموت قال لابنه عبد اللّه: إذهب إلى عائشة واقرأها منّي السلام واستأذن منها أن أُقبر في بيتها مع رسول اللّه ومع أبي بكر.

فأتاها عبد اللّه بن عمر فأعلمها فقالت: نعم وكرامة، ثم قالت: يا بُنيّ أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أُمّة محمّد بلا راع واستخلف عليهم ولا تدعهم بعدك


1. ابن قتيبة الدينوري: الاِمامة والسياسة: 18؛ الجزري: الكامل: 2|425.
2. الطبري: التاريخ: 3|294.


(52)

هملا فإنّي أخشى عليهم الفتنة (1)

إنّ عبد اللّه بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته، فقال: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك، وزعموا أنّك غير مستخلف وانّه لو كان لك راع إبل، أو راع غنم ثم جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد (2)

إلى غير ذلك من النصوص الحاكية على أنّ النظرية التي تبنّاها المسلمون الاَوائل هي نظرية التنصيص، ولكنّهم عدلوا عن تنصيصه سبحانه إلى تنصيص نفس الخليفة.

هل المصلحة كانت تكمن في تعيين الوصي أو تركه إلى انتخاب الا َُمّة؟

هل المصلحة العامّة عند الرسول تكمن في تعيين الوصي والقائم بشوَون الخلافة، أو تكمن في تركه إلى الا َُمّة؟

إنّ دراسة أحوال المسلمين يوم ذاك، تحتم علينا، أن نقول بأنّ المصلحة العامة كانت رهن تعيين الوصيّ.

وقد فرضت الاَخطار الداخلية والخارجية المحدقة بالاِسلام على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تعيين وصيّ يسدّ ذلك الفراغ الحاصل بغيابه عن المسرح السياسي ويسدّ باب الجدل والنقاش في وجه الا َُمّة.

إنّ الخطر الثلاثي لم يكن أمراً خفياً على الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خاصّة إنّ امبراطورية إيران ذات الحضارة الزاهرة تهدّد كيان الحكومة الفتّية، كما انّ الامبراطورية البيزنطية في شمال الجزيرة العربية لم تكن بأقل من امبراطورية إيران خطراً في


1. ابن قتيبة الدينوري: الاِمامة والسياسة: 32.
2. أبو نعيم الاصفهاني: حلية الاَولياء: 1|444.


(53)

إيجاد الفتن والفوضى فأخذت تشغل بال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولم يبارحه التفكير في خطرها حتى لحق بالرفيق الاَعلى، و أضف إلى ذلك خطر المنافقين من الداخل الذين كانوا يتحيّنون الفرص ويتربّصون الدوائر لتسديد ضربة قاصمة إلى الاِسلام.

واتّحاد هذا المثلث الخطر: الفرس والروم والمنافقون ، لاكتساح الاِسلام واجتثاث جذوره، بات أمراً محتملاً ، خاصّة بعد رحيل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وغيابه عن الساحة السياسية.

أفهل يمكن أن يغيب عن قلب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هذا الخطر ليحول دون وقوعه بتعيين الوصي فيلتفّ المسلمون حوله ويفض النقاش والجدال بينهم؟!

هذا التهديد التاريخي يجرّنا إلى القول بأنّ المصلحة اقتضت التنصيص على الوصي لا أن يترك الاَمر سُدًى يتلقفه الصحابة بالجدال والنقاش الحاد دون أن ينتهي عند حد .

فنرى أنّ الشيخ الرئيس ـ ذلك العقل الكبير ـ يقول:

والاستخلاف بالنص أصوب، فانّ ذلك لا يوَدّي إلى التشعّب والتشاغب والاختلاف (1).

السنّة النبويّة و التنصيص على إمامة عليّ :

إنّ من أحاط علماً بسيرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في تأسيس دولة الاِسلام، وتشريع أحكامها وتمهيد قواعدها، وبمواقف عليَّ بن أبي طالب وزير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في أمره وظهيره على عدوّه، وعيبة علمه، ووارث حكمه، وولي عهده، وصاحب الاَمر


1. ابن سينا: الشفاء، الاِلهيات، المقالة العاشرة، الفصل الثالث والخمسون؛ ولاحظ المبدأ والمعاد: 558.


(54)

بعده ومن وقف على أقوال النبي وأفعاله في حلّه وترحاله، يجدّ انّ نصوص النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في خلافة علي عليه السّلام وإمامته متواترة، وإليك البيان:

أ ـ حديث بدء الدعوة:

أخرج الطبري وغيره انّه لما نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقرَبين) (1) دعا رسول اللّه علياً، فقال له: يا عليّ إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الاَقربين فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أنّي حتى أُباديهم بهذا الاَمر أرى منهم ما أكره، فاصنع لنا يا عليّ صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة واملاَ عساً من اللبن.

فلمّا جاء القوم وأكلوا وشربوا قام النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقال: يا بني عبد المطلب إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَازرني على هذا الاَمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟

قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت: أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا(2)

ودلالة الحديث على الخلافة لعلي والوصاية له لا تحتاج إلى بيان، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النبوّة والاِمامة كانتا متعاقدتين بعقد واحد تتجليان معاً ولا تتخلفان.


1. الشعراء: 214.
2. الطبري: التاريخ: 2|63 ـ 64 وابن الاَثير: الكامل: 2|40، أبو الفداء عماد الدين الدمشقي في تاريخه: 3|90 والاِمام أحمد: المسند: 1|159 إلى غير ذلك من المصادر .


(55)

ب ـ حديث المنزلة:

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما وكثير من أهل السير والتاريخ انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خلّف عليَّ بن أبي طالب عليه السّلام على أهله في المدينة عند توجّهه إلى تبوك فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالاً له، وتخفّفاً به، فلمّا قال ذلك المنافقون أخذ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام سلاحه وخرج حتى أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبيّ اللّه، زعم المنافقون أنّك إنّما خلفتني انّك استثقلتني، وتخففت بي، فقال: كذبوا، ولكنّي خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟

فرجع علي إلى المدينة ومضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في سفره (1)

الحديث يدلّ بوضوح على أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أفاض على علي عليه السّلام بإذن من اللّه سبحانه الخلافة والوصاية، فكل مقام كان ثابتاً لهارون فهو أيضاً ثابت لعليّ عليه السّلام إلاّ ما استثناه وهي النبوّة، على أنّ الاستثناء دليل العموم.

وما جاء في صدر الحديث من أنّه خلّفه على أهله لا يكون دليلاً على التخصيص لبداهة أنّ المورد لا يكون مخصّصاً.

ج ـ حديث الغدير :

حديث الغدير حديث الولاية الكبرى، حديث كمال الدين وإتمام النعمة


1. البخاري: الصحيح، غزوة تبوك: 6|3، طبع عام 1314 هـ ، ومسلم: الصحيح: فضائل علي: 7|120، وابن ماجة: السنن في فضائل أصحاب النبيّ : 1|55، وأحمد: المسند: 1|173، 175، 177، 179، 182، 185، 330.


(56)

ورضى الرب تعالى وهو حديث نزل به كتاب اللّه المبين وتواترت به السنّة النبوية، وتواصلت حلقات أسانيده منذ عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا.

وقد صبّ شعراء الاِسلام واقعة الغدير في قوالب شعرية وإليك خلاصة تلك الواقعة:

أجمع الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الخروج إلى الحجّ في السنة العاشرة من الهجرة تلك الحجة التي سميت بحجّة الوداع وحجّة الاِسلام وحجّة البلاغ، فلمّا قضى مناسكه انصرف راجعاً إلى المدينة ومن معه من الجموع المذكورة وصل إلى غدير خمّ من الجحفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة فعند ذاك نزل جبرئيل الاَمين بقوله: (يا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيكَ مِنْ رَبِّكَ) (1)

وكان أوائل القوم قريبين من الجحفة فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يرد من تقدّمهم ويحبس من تأخر عنهم حتى إذا أخذ القوم منازلهم نودي بالصلاة، صلاة الظهر، فصلّـى الناس، وكان يوماً حاراً يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدة الرمضاء، فلمّـا انصرف من صلاته قام خطيباً وسط القوم على اقتاب الاِبل، وأسمع الجميع رافعاً عقيرته، فقال:

الحمد للّه، ونستعينه، ونوَمن به، ونتوكّل عليه، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضلّ ولا مضلّ لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمداً عبده ورسوله، أمّا بعد: أيّها الناس، إنّي أُوشك أن أُدعى فأجيب، وإنّي مسوَول وأنتم مسوَولون، فماذا أنتم قائلون؟

قالوا: «نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت، وجاهدت، فجزاك اللّه خيراً».


1. المائدة: 67.


(57)

قال: «ألستم تشهدون أنّ لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وناره حقّ، و أنّ الموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّه يبعث من في القبور؟» .

قالوا: «بلى نشهد بذلك».

قال: «اللّهم اشهد». ثم قال: «أيّها الناس، ألا تسمعون؟»

قالوا: «نعم».

قال: «فإنّي فرط على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين».

فنادى مناد: «وما الثقلان يا رسول اللّه؟»

قال: الثقل الاَكبر، كتاب اللّه، والآخر الاَصغر، عترتي، وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّـهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا».

ثم أخذ بيد عليّ فرفعها، حتى روَي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال: «أيُّها الناس، من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟».

قالوا: «اللّه ورسوله أعلم».

قال: «إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه، فعليّ مولاه ـ يقولها ثلاث مرات ـ ثم قال: اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبّه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب».

ثم لم يتفرّقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله:

(اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي) الآية (1) فقال رسول


1. المائدة: 3.


(58)

اللّه: «اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ برسالتي، والولاية لعليّ من بعدي».

ثم أخذ الناس يهنِّئون عليّاً، وممّن هنّاه في مقدّم الصحابة: الشيخان أبو بكر وعمر، كلّ يقول: بخ بخ، لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي، ومولى كل موَمن وموَمنة.

وقال حسّان: أتأذن لي يا رسول اللّه أن أقول في عليٍّ أبياتاً، فقال: قل على بركة اللّه، فقام حسان، فقال:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم * بخمّ وأَسمِعْ بالرسول مناديا
فقال فمن مولاكم ونبيّكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبيّنا * ولم تلق منّا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا عليّ فإنّني * رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه * فكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعا اللّهم وال وليّه * وكن للذي عادى عليّاً معاديا


(59)

فلمّا سمع النبيّ أبياته قال: «لا تزال يا حسّان موَيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك».

هذا مجمل الحديث في واقعة الغدير، وقد أصفقت الا َُمّة على نقله، فلا نجد حديثاً يبلغ درجته في التواتر والتضافر ولا في الاهتمام به نظماً ونثراً.

لا أظن أن أحداً ينكر سند الحديث وتواتره، فقد رواه:

1ـ من الصحابة 110 صحابياً.

2ـ ومن التابعين 84.

وأمّا عدد الرواة من العلماء والمحدثين فنذكرهم على ترتيب القرون.

3ـ في القرن الثانـــي: 56 عالماً ومحدِّثاً.

4ـ في القرن الثالــث: 92 عالماً ومحدِّثاً.

5ـ في القرن الرابـــع: 43 عالماً ومحدِّثاً.

6ـ في القرن الخامـس: 24 عالماً ومحدِّثاً.

7ـ في القرن السادس: 20 عالماً ومحدِّثاً.

8ـ في القرن السابــع: 20 عالماً ومحدِّثاً.

9ـ في القرن الثامــن: 19 عالماً ومحدِّثاً.

10ـ في القرن التاسع: 16 عالماً ومحدِّثاً.

11ـ في القرن العاشر: 14 عالماً ومحدِّثاً.


(60)

12ـ في القرن الحادي عشر: 12 عالماً ومحدِّثاً.

13ـ في القرن الثــاني عشر: 13 عالماً ومحدِّثاً.

14ـ في القرن الثالث عشر: 12 عالماً ومحدِّثاً.

15ـ في القرن الرابع عشـر: 19 عالماً ومحدِّثاً (1)

وقد ألّف غير واحد من أعلام الفريقين كتباً في اسناد الحديث وتواتره وإنّما المهم هو تبيين دلالة الحديث على الاِمامة الكبرى.

دلالة الحديث على الولاية الكبرى:

إنّ لفظة «مولى» في كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه» بمعنى «أولى» كما في قوله سبحانه: (فَاليومَ لا يُوَْخَذُ مِنْكُمْ فِديَةٌ ولا مِنَ الَّذينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هيَ مَولاكُمْ وبِئْسَ المَصِيرُ ) (2)

وقد فسّـر المفسّـرون قوله: (هي مولاكم) بقولهم هي أولى لكم، وهناك قرائن حالية ومقالية على أنّ المراد من ذلك اللفظ هي الولاية.

أمّا القرائن الحالية فهي أنّ النبي أمر بحبس المتقدم في السير ومنع التالي في محل ليس صالحاً للنزول، غير أنّ الوحي حبسه هناك والناس قد أنهكتهم وعثاء السفر وحرّ الهجير وحراجة الموقف حتى أنّ أحدهم ليضع طرفاً من ردائه تحت قدميه فعند ذاك رقى رسول اللّه منبر الاَهداج.

فهل يصحّ أن يراد من المولى في هذا الموقف الحرج غير إبلاغ الولاية لعليّ وانّه هو المتصرّف والآخذ بالزمام بعده، وإلاّ فلو أغمض على هذا المعنى


1. راجع في الوقوف على مصادر هذا البحث الكتاب القيم «الغدير» الجزء الاَوّل.
2. الحديد: 15.


(61)

وقيل بأنّ المراد من المولى الناصر والمحب لسقط الكلام عن البلاغة واحتفظ عامة الناس بحقّ النقد والرد على النبيّ بعدم ضرورة حبس هذه الحشود في ذلك الموقف غير الصالح للنزول، وإلقاء الخطبة لاَجل تفهيم الجميع أمراً واضحاً وهو الدعوة إلى نصرة عليّ وحبّه.

فلا يسوغ للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حشر الجماهير في حرّ الرمضاء إلاّ أن تكون الخطبة حول أمر خطير تناط به حياة الاِسلام وكيان المسلمين وهي تعيين الوصي بعده وإضفاء الولاية العامة على من بعده.

وأمّا القرائن المقالية فكثيرة ونشير إلى بعضها:

الا َُولى: صدر الحديث وهو قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «ألست أولى بكم من أنفسكم»، فهذه قرينة على أنّ المراد من المولى ما ورد في الصدر وهي الاَولوية في النفوس والاَموال قال سبحانه: (النَّبيُّ أولى بالموَمنينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ) (1)

الثانية: قوله في ذيل الحديث: «اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» وفي جملة من الحديث قوله «وانصر من نصره واخذل من خذله» أو ما يوَدي موَداه فلو أُريد منه غير الولاية العامة والاَولوية بالتصرّف فما معنى هذه الاِطالة.

الثالثة: أخذ الشهادة من الناس حيث قال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الجنةَ حقّ والنار حقّ» فانّ وقوع قوله «من كنت مولاه» في سياق الشهادة بالتوحيد والرسالة يحقّق انّ المراد هو الخلافة بعد الرسالة للاَولوية على الناس.

ولعلّ يكفيك ما ذكرنا من القرائن ولم يفهم الشعراء والاَُدباء منذ صدور الحديث من صاحب الرسالة إلاّ الولاية العامة لعليّ عليه السّلام ، وقد أنشأ حسان شعراً في هذا المقام حيث قال:


1. الاَحزاب: 6.


(62)

فقال له قم يا عليّ فإنّني * رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

وهذا هو علي صاحب الولاية يقول في شعره:

وأوجب لي ولايته عليكم * رسولُ اللّه يوم غدير خم

وهذا هو قيس بن سعد بن عبادة ذلك الصحابي العظيم يقول:

وعليٌّ إمامُنا وإمامٌ * لسوانا أتى به التنزيل

يوم قال النبيّ من كنت مولا * ه فهذا مولاه خطب جليل

هذا هو داهية العرب عمرو بن العاص يكتب إلى معاوية رسالة وفيها قصيدته المعروفة بالجلجلية يقول فيها معترضاً على معاوية:

وكم قد سمعنا من المصطفى * وصايا مخصصة في علي

وفي يوم خم رقى منبراً * وبلغ والصحب لم ترحل

فامنحه امرة الموَمنين * من آل مستخلف المنحل (1)

هذا هو خلاصة القول في إمامة علي بعد رحيل الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من اللّه.

ومن عجائب الا َُمور أنّ الشيعة قد ذهبت إلى أنّ عدد الخلفاء بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو اثنا عشر خليفة، ونرى ذلك أيضاً في الصحاح والمسانيد، وقد تضافرت الروايات الناهزة على سبع عشرة رواية، أنّ عدد خلفاء الرسول هو اثنا عشر خليفة والمواصفات المحدّدة لهم تنطبق بالتمام على أئمّة الشيعة، وإليك بيانه.

روى البخاري عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول: يكون اثنا


1. من أراد أن يقف على مصادر هذه الاَشعار وما حول هذا الحديث من كلمات درّية لاَساطين الحديث، فعليه الرجوع إلى كتاب الغدير للعلامة الاَميني بكافة أجزائه .


(63)

عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش (1)

وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «لا يزال الاِسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لاَبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش» (2)

وروى أيضاً: لا يزال هذا الدين منيعاً إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمنيها الناس، فقلت لاَبي ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش» (3)

هذه النصوص تثبت أنّ صيغة الحكومة والاِمامة عند النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانت هي التنصيص وقد نصّ على عليّ عليه السّلام وهو نصَّ على ولده الحسن عليه السّلام وهو على أخيه الحسين عليه السّلام وتوالت الاَوصياء حسب التنصيص إلى اثني عشر إماماً، وعلى ضوء ذلك اتّفقت الشيعة على أنّ الاَئمّة الاثني عشر خلفاء الرسول وانّهم منصوبون من اللّه لزعامة الا َُمة وقد نصّ الرسول على عددهم بل وعلى أسمائهم كما ونصّ كل خليفة سابق منهم على الخليفة من بعده ودونك أسماءهم :

أوّلهم الاِمام عليّ بن أبي طالب، ابن عمّ الرسول وصهره تربّى في حجره، ولم يزل يقفو أثره طول حياته وهو أوّل النّاس إسلاماً وأشدّهم استقامة في طاعة اللّه وتفانياً في الدين، بلغ في علمه وتقاه درجة تقاصر عنها شأو أقرانه.

كان الاِمام أفضل الناس وأمثلهم بعد رسول اللّه ولم يكن يومذاك رجل أليق بزعامة الا َُمّة وقيادتها منه.

نعم قدمت مجموعة من المهاجرين غيره عليه عليه السّلام وتناسوا النصّ وأجمعوا


1. البخاري: الصحيح: 9، باب الاستخلاف، ص 81، وما رواه متن ناقص كما سيظهر ممّا نقله مسلم.
2. مسلم: الصحيح:6|3، باب الناس تبع لقريش، من كتاب الامارة.
3. المصدر السابق، ولاحظ مسند أحمد: 5|98.


(64)

على صرف الخلافة من أوّل يومها عن وليّه المنصوص عليه.

ولم ير الاِمام بداً ـ لحفظ مصالح الدين والمسلمين ـ من تسليم الاَمر إليهم فلزم عقر داره مدة خمسة وعشرين عاماً إلى أن رجعت إليه الخلافة واتّفقت على قيادته وزعامته كلمتهم لا سيما جبهة الاَنصار وسنام العرب. فتولى الاِمام مقاليد الخلافة وأحيا سنّة النبيّ الاَعظم في عدله وإنصافه و مساواته بين الناس ولم يكن لاَحد فيه مطمع، ولا عنده هوادة ولم يكن يقيم وزناً لغير الحق ولم يحكم بين الا َُمّة إلاّ بالحقّ والعدالة حتى قتل في محراب عبادته لشدة عدله.

فالحقّ أنّ الاِمام مفخرة من مفاخر المسلمين على الاِطلاق بل الاِنسانية جمعاء.

فالاِمام عليّ عليه السّلام أوّل الاَئمة الاثني عشر ، ويليه:

الحسن بن علي، الحسين بن علي، فعلي بن الحسين زين العابدين، فمحمد ابن علي الباقر، فجعفر بن محمد الصادق، فموسى بن جعفر الكاظم، فعلي بن موسى الرضا، فمحمد بن علي الجواد، فعلي بن محمد الهادي، فالحسن بن علي العسكري، فمحمد بن علي بن الحسن الحجة المهدي المنتظر.

هوَلاء أئمّة الشيعة الاثني عشر وقادتهم يقتبس من أنوارهم ويهتدي بهداهم و قد حُفظت تواريخهم و آثارهم ودُوِّنت أحاديثهم وما رويت عنهم.

والاِمام الثاني عشر هو الاِمام المهدي المنتظر الذي تواترت الروايات على ظهوره في آخر الزمان.

إنّ الاعتقاد بالاِمام المهدي المنتظر عقيدة مشتركة بين جميع المسلمين، إلاّ من أصمّه اللّه، فكلّ من كان له أدنى إلمام بالحديث يقف على تواتر البشارة عن النبيّ وآله وأصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لاِزالة الجهل والظلم، ونشر


(65)

أعلام العلم والعدل، وإعلاء كلمة الحق وإظهار الدين كله ولو كره المشركون، وهو بإذن اللّه ينجي العالم من ذلّ العبودية لغير اللّه ويبطل القوانين الكافرة التي سفّتها الاَهواء. ويقطع دابر التعصّبات القومية والعنصرية، ويزيل العداء والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الا َُمّة واضطراب الكلمة، وتأجيج نار الفتن والمنازعات، ويحقق اللّه بظهوره وعده الذي وعد به الموَمنين بقوله:

(وَعَدَ اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الاَرضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بي شَيئاً وَمَنْ كَفَرََ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقونَ) (1).

وقال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الاَرضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ) (2)

هذا ما اتّفق عليه المسلمون في الصدر الاَوّل والاَزمنة اللاحقة وقد تضافر مضمون قول الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوَّل اللّهُ ذلك اليومَ حتى يخرج رجلٌ من ولدي، فيملاَها عدلاً وقسطاً كما مُلِئت ظُلماً وجَوراً» .

ولو وُجد هناك خلاف بين أكثر السنّة والشيعة فالاختلاف في ولادته، فانّ الاَكثرية من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، والشيعة بفضل الروايات المتواترة تذهب إلى أنّه ولد في «سرّ من رأى» عام 255 هـ، وغاب بأمر اللّه سبحانه سنة وفاة والده، عام 260 هـ، وهو يحيى حياة طبيعية كسائر الناس غير انّ الناس يرونه ولا يعرفونه، وسوف يظهره اللّه سبحانه ليحقّق عدله.

وهذا المقدار من الاختلاف لا يجعل العقيدة بالمهدي من المسائل


1. النور: 55.
2. الاَنبياء: 105.


(66)

الخلافية، ومن أراد أن يقف على عقيدة السنّة والشيعة في مسألة المهدي، فعليه أن يرجع إلى الكتب التالية لمُحققي السنّة ومحدّثيهم:

1ـ «صفة المهدي» للحافظ أبي نعيم الاصفهاني.

2ـ «البيان في أخبار صاحب الزمان» للكنجي الشافعي.

3ـ «البرهان في علامات مهدي آخر الزمان» لملاّ علي المتقي.

4ـ «العرف الوردي في أخبار المهدي» للحافظ السيوطي.

5ـ «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر» لابن حجر.

6ـ «عقد الدرر في أخبار الاِمام المنتظر» للشيخ جمال الدين الدمشقي.

وعلى ضوء ذلك اتّفقت الشيعة على أنّ الاَرض لا تخلو من قائم للّه بحجة إمّا ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً، وتلك الحجج في عامة الاَدوار تتمثّل إمّا في نبيّ أو في وصيّ نبيّ، والحجة المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه) هو خاتم الاَوصياء حيّ يرزق منحه اللّه من العمر أطوله كما منح للمسيح ذلك، وليس على اللّه بعسير فهو القادر على كل شيء فله أن يمنح عبداً من عباده أيّ قدر شاء من العمر، فلا قدرة اللّه متناهية ولا الموضوع في نفسه محال ولا أُسس علم الحياة تعانده، وما جاء العلم بحدٍّ لحياة البشر لا يتجاوزه.

وقد ادّخره اللّه ليوم يتظاهر فيه الزمان بالجور والعدوان والقتل وسفك الدماء والفساد وإحاطة المجتمع بأنواع العذاب والبلاء.

فهذه الكوارث والمكاره تهيّىَ المجتمع وتدفعه إلى ثورة عارمة على الظلم والعدوان، تقتلع بها جذور الفساد وتقطع دابر الجبابرة عن أديم الاَرض، حتى ترفرف رايات العدل والاِسلام في شرق الاَرض وغربها بقيادة آخر الخلفاء وخاتم الاَوصياء فيملاَ اللّه به الاَرض عدلاً وأمناً كما مُلئت ظلماً وجوراً.


(67)

هذه خلاصة القول في الاِمام المهدي.

وفي خاتمة المطاف نأتي بما كتبه الدكتور عبد الباقي في كتابه الذي أسماه «بين يدي الساعة» وقد طبع في السعودية، فقال في تضافر الاَخبار الواردة في حق المهدي:

إنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راوٍ أو راويين إنّها مجموعة من الاَحاديث والاَخبار تبلغ الثمانين تقريباً اجتمع على تناقلها مئات الرواة وأكثر من صاحب كتاب صحيح.

فلماذا تردّ كل هذه الكمية، أكلّها فاسدة؟ لو صح هذا الحكم لانهار الدين ـ والعياذ باللّه ـ نتيجة تطرّق الشك والظن الفاسد إلى ما عداهما من سنّة رسول اللّه.

وإذا نظرنا إلى المهدي نظرة مجردة فإنّا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها أو على الاَقل عدم رفضها (1)


1. الدكتور عبد الباقي: بين يدي الساعة: 123.


(68)

الفصل السادس :

الشيعة و المنهج الفقهي

لقد سبق قولنا أنّ مذهب الشيعة مزيج من العقيدة والشريعة وليس مذهباً كلامياً بحتاً حتى نقتصر في دراسته على بيان الا َُصول الكلامية، ولا مذهباً فقهياً كالمذاهب الفقهية الاَربعة حتى يُكتفى في تعريفه بما يتبنّى من فروع في باب العبادات والمعاملات والاِيقاعات والسياسات، وقد وقفت على موجز عقائدهم في المسائل الكلامية في الفصول الخمسة السالفة الذكر ، وإليك الاِشارة إلى ما يدينون به في باب الاَحكام.

ينقسم فقه الشيعة إلى:

1ـ عبادات 2 ـ عقــود 3ـ إيقاعات (1) 4ـ سياسات.

وهناك تقسيم آخر وهو تقسيمه إلى العبادات، والمعاملات، والاَحوال الشخصية، والسياسات.

مصادر الفقه الشيعي:

تعتمد الشيعة في استنباط الاَحكام الشرعية على الاَدلة الاَربعة لا غير:

الاَوّل : كتاب اللّه العزيز ولا يعدل عنه إلى غيره مطلقاً.

الثاني : السنّة المأثورة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن طريق أئمّة أهل البيت وسائر


1. العقد: اتفاقية قائمة بالطرفين كالبيع والنكاح، بخلاف الاِيقاع فإنّه إنشاء أمر قائم بطرف واحد، كالطلاق والعتق. وربّما يعبر عن الرابع بـ «أحكام» وهو أمتن وأشمل.


(69)

الثقات، فإنّ المأثور عن أئمّة أهل البيت يصل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بسند عالٍ غير خاضع للنقاش.

الثالث : الاِجماع: إجماع المسلمين على حكم شرعي، أو إجماع الطائفة الشيعية الكاشف عن وجود النص الواصل إلى يد المجمعين وغير الواصل إلينا. وليس الاِجماع عندهم بنفسه حجة، بل لاَجل كشفه عن دليل شرعي موجود لدى المجمعين.

الرابـع : العقل: أعني الاِدراكات القطعية العقلية التي لا يتردد فيها ولا يشك في صحتها، كيف والعقل هو الحجة الباطنية التي يحتجّ بها المولى سبحانه على العباد، ثم بحكم العقل الذي له صلاحية الحكم والقضاء يُستكشف حكم الشرع، للملازمة بين حكم العقل والشرع واستحالة التفكيك بينهما، فمثلاً إذا استقلّ العقل بقبح العقاب بلا بيان فيفتي المجتهد في الموارد التي لم يرد فيها دليل شرعي على الحكم الشرعي، بالبراءة أو الحلّية.

هذه هي مصادر التشريع عند الشيعة وليس هناك مصدر آخر تعتمد عليه.

وأمّا الرجوع إلى العرف، فإنّما هو لتحديد المفاهيم وتبيين الاَوضاع كالرجوع إلى قول اللغوي.

نعم، رفضت الشيعة منذ زمن مبكر القياس والاستحسان وسدّ الذرائع وما يماثلها من الاَدلة الظنية التي لم يقم دليل عندهم على حجيتها.

اتفقت الشيعة على أنّ السنّة المطهرة كما تثبت بالخبر المتواتر، والخبر المحفوف بالقرائن، تثبت أيضاً بالخبر الواحد إذا كان رواته ثقات في جميع السلسلة.

* * *


(70)

فتح باب الاجتهاد:

الاجتهاد هو بذل الوسع في استنباط الاَحكام الشرعية من مصادرها المعينة وهو رمز خلود الدين وبقاء قوانينه، لاَنّه يحفظ غضارته وطراوته ويصونه عن الاندراس ويغني المسلمين عن التطفل على موائد الاَجانب بإعطاء كل موضوع ما يقتضيه من الحكم.

وقد حثّ أئمّة أهل البيت شيعتهم على التفقه في الدين والاجتهاد فيه وانّه من لم يتفقّه في الدين فهو أعرابي، وأرشدوهم إلى كيفية استخراج الفروع المتشابكة، من الآيات والاَُصول المتلقّاة عنهم، كل ذلك صار سبباً لاندفاع الشيعة نحو دراسة كتاب اللّه والاَحاديث المروية وبذل الجهد في استنباط الاَحكام من أدلّتها الشرعية ورأوا أنّ الاجتهاد أمرٌ لازمٌ لاَنّ بين الاَخبار ما هو عام وخاص ومطلق ومقيد، وبين الآيات ناسخ ومنسوخ، وبين الاَحكام ما هو مجمع عليه ومختلف فيه. كل ذلك جرهم إلى فتح باب الاجتهاد أي بذل الوسع في فهم الحكم الشرعي من أدلته.

وأمّا لزوم فتح هذا الباب في عصرنا فلا يحتاج إلى البرهنة والدليل، لاَنّنا أمام موضوعات مستجدّة تتطلب لنفسها الجواب، والجواب إمّا يطلب من بذل الوسع في استنباط أحكام الموضوعات المستجدة من الاَُصول والقواعد الاِسلامية، أو اتّباع المبادىَ الغربية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة. ومن المعلوم تعيّـن الاَوّل وبطلان الثاني.

فقهاء الشيعة:

لقد أنجبت مدرسة أهل البيت فقهاء في عصر الاَئمّة كـ «زرارة بن أعين» (80 ـ 150هـ) و «محمـد بن مسلـم الطائفـي» (80 ـ 150 هـ) و «محمـد بن أبي


(71)

عمير» ( المتوفّـى 217 هـ) و «الحسن بن محبوب» (150 ـ 224 هـ) إلى غير ذلك من فقهاء الشيعة في القرن الثاني والثالث.

احتفل القرن الرابع والخامس بفقهاء كبار لهم مكانتهم في الفقه الشيعي كـ «علي بن بابويه» ( المتوفّـى 329 هـ)، و «محمد بن جعفر بن قولويه» ( المتوفّـى 369هـ)، و «الشيخ الصدوق» (306 ـ 381هـ) و « الشيخ المفيد» (336ـ413 هـ)، و «السيـد المرتضى» (355 ـ 436 هـ)، و « الشيـخ الكراجكي» ( المتوفّـى 449 هـ)، و «الشيخ الطوسي» (385ـ460 هـ)، و «سلار الديلمـي» موَلف المراسـم، و «ابن البـراج» (401 ـ 489 هـ) موَلـف المهـذب، وغيرهـم من الـذيـن ملاَت أسماوَهم كتب التراجم والرجال، ومن أراد الوقوف على حياتهم وكتبهم فعليه الرجوع إلى الموسوعات الرجالية و فهارس الموَلفات، وأخص بالذكر كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة، و توالى التأليف في الفقه بأشكال وصور مختلفة إلى العصر الحاضر وترى فيه موسوعات كبيرة كجواهر الكلام في 42 جزءاً، والحدائق الناضرة في 26 جزءاً.

إنّ لكل كتاب أو باب فقهي شأناً ومكانة خاصة تدور عليها رحى الحياة المادّية والروحية للمسلم ولا يستغني المجتمع الاِسلامي عن واحد منها، غير أنّ هناك موضوعات تعدّ بمثابة أُصول لها منزلة متميّزة وهي ما نسمّيه أركان الفقه.

أركان الفقه وأُسسه:

1ـ الصلاة : وهو ركن عظيم إسلامي، فيجب على كل مسلم أن يقيم الصلوات اليومية في أوقاتها الخاصة إلى الجهة (القبلة) التي نصّ عليها القرآن وأطبق المسلمون عليها، وهي الكعبة.

2ـ الصوم: يجب على كل مسلم أن يصوم شهر رمضان كلّه بادئاً بروَية هلاله


(72)

وخاتماً بهلال شوال.

3ـ الحج: يجب على كل مسلم مستطيع أن يحج بيت اللّه الحرام ولو مرّة واحدة، ويجتمع مع سائر إخوانه في ذلك المشهد العظيم الذي ينعقد مرة واحدة كل سنة.

4ـ الزكاة: وهي عند الشيعة ركن اجتماعي بارز وضريبة إسلامية، وهي حق الجماعة في عنق الفرد وعلى عاتق المكلفين، حدّد لها الاِسلام نصاباً، وجعل لها شرائط، وأوضح جهة مصارفها كمساعدة الفقراء والمساكين وتجهيز المجاهدين ودعم المرابطة وعلاج المرضى وكل ما يمت إلى مصالح الاِسلام والمسلمين بصلة.

5ـ الخمس: وهي ضريبة إسلاميـة أُخرى تتعلق بأموال المتمكنين من المسلمين ولها شرائط وضوابط محرّرة في مواضعها.

6ـ الجهاد: وهو ركن من أركان الاِسلام فيجـب على كل مسلم الوقوف أمام أعداء الاِسلام بكل حول وقوة بتضحية النفوس والاَموال .

7 و 8 ـ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هما من أفضل القربات لدى الشيعة أساسهما الدعوة إلى الحق، والهدى، ومكافحة الفساد، بألوانه المختلفة الفردية والاجتماعية على ضوء العلم و المنطق الصحيح، وهما وظيفة الشعب المسلم ولا يختص بطائفة دون أُخرى ليقف على الاَحداث المهددة لمجتمعه ويعالجها بالحكمة والموعظة الحسنة. وأمّا تنفيذهما فيقع على عاتق الدولة الاِسلامية وليس له شكل خاص وإنّما يتبع المصالح العامّة حسب اختلاف الظروف.

ما ذكرنا من العناوين الفقهية تعدّ من أركان الفقه وأُسسه، وأمّا الكتب الفقهية التي وقعت في إطار البحث والنقاش بين فقهاء الشيعة فتربو على أكثر من خمسين


(73)

كتاباً، وإليك أسماءها:

1ـ كتاب الطهارة.

2ـ كتاب الصلاة.

3ـ كتاب الزكاة.

4ـ كتاب الخمس.

5ـ كتاب الصوم.

6ـ كتاب الاعتكاف.

7ـ كتاب الحج.

8 ـ كتاب الجهاد.

9ـ كتاب الكفارات.

10ـ كتاب النذر.

11ـ كتاب القضاء.

12ـ كتاب الشهادات.

13ـ كتاب الوقف.

14ـ كتاب العطية.

15ـ كتاب المتاجر.

16ـ كتاب الدين.

17ـ كتاب الرهن.

18ـ كتاب الحجر.

19ـ كتاب الضمان.

20ـ كتاب الحوالة.

21ـ كتاب الكفالة.

22ـ كتاب الصلح.

23ـ كتاب الشركة.

24ـ كتاب المضاربة.

25ـ كتاب الوديعة.

26ـ كتاب العارية.

27ـ كتاب المزارعة.

28ـ كتاب المساقاة.

29ـ كتاب الاِجارة.

30ـ كتاب الوكالة.

31ـ كتاب الشفعة.

32ـ كتاب السبق والرماية.

33ـ كتاب الجعالة.

34ـ كتاب الوصايا.

35ـ كتاب النكاح.

36ـ كتاب الطلاق.

37ـ كتاب الخلع والمباراة.

38ـ كتاب الظهار.

39ـ كتاب الاِيلاء.

40ـ كتاب اللعان.

41ـ كتاب العتق.

42ـ كتاب التدبـير والمكاتبة والاستيلاء.

43ـ كتاب الاِقرار.

44ـ كتاب الغصب.

45ـ كتاب اللقطة.

46ـ كتاب إحياء الموات.

47ـ كتاب الصيد والذبائح.

48ـ كتاب الاَطعمة والاَشربة.

49ـ كتاب الميراث.

50ـ كتاب الحدود.

51ـ كتاب القصاص.

52ـ كتاب الديات.


(74)

الملامح العامّة للفقه الشيعي:

إنّ للفقه الشيعي ملامح عامة يتميز بها عن سائر المناهج الفقهية، وإليك بيانها:

1ـ الفقه الشيعي هو حصيلة النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنّة وذلك، لاَنّ الاَحاديث الفقهية عند أهل السنّة لا تتجاوز عن 500 حديث يدعمها مراسيل وموقوفات، قال السيد محمد رشيد رضا موَلف المنار: إنّ أحاديث أحكام الا َُصول خمسمائة حديث فعدها أربعة آلاف فيما أذكر(1)، وما يذكره من أربعة آلاف إنّما هي موقوفات ومراسيل لا يحتج بها.

وعلى كل تقدير صار ذلك سبباً للجوئهم في استنباط الاَحكام إلى غير النصوص، كالقياس والاستحسان وسدّ الذرائع، وأمّا الشيعة فبما أنّهم أناخوا مطيتهم على باب العترة الطاهرة فتسنّى لهم الوقوف على حجم هائل من الاَحاديث النبوية أكثر من غيرهم حتى صار ذلك سبباً لثراء الفقه الشيعي، من غير حاجة إلى العمل بغير النصوص.

2ـ قد عرفت أنّ باب الاجتهاد مفتوح عندهم منذ رحيل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى يومنا هذا ولم يتوقف يوماً ما فأدّى إلى نضارة الفقه وتبلوره وإعداده للاِجابة على المستجدات الطارئة.

ولا شك أنّ الحقيقة بنت البحث، والعلم يتكامل إذا دخل حلبة الصراع الفكري، وفقهاء الشيعة بذلوا جهوداً مضنية على هذا الصعيد بغية تنمية الفقه وتكامله فصار فقههم متكامل الجوانب.


1. الوحي المحمدي: 212، الطبعة السادسة.


(75)

3ـ إنّ الاجتهاد عند فقهاء الشيعة ليس اجتهاداً في مذهب خاص وإنّما هو اجتهاد حر موضوعي لا يختص بمذهب دون آخر.

فالمجتهد الحنفي إنّما يجتهد للبحث عن رأي إمامه في المسألة، وهكذا المجتهد الشافعي ولا يخرج عن إطار المذهب وإن تبين أنّ الحق على خلافه.

وأمّا الاجتهاد في المذهب الشيعي فليس اجتهاد في مذهب الاِمام جعفر الصادق أو غيره من أئمّة الشيعة، إذ ليست الاَئمّة عندهم مجتهدين أو مفتين وإنّما هم رواة سنن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعيبة علمه غير مشوب بالخطأ، فالمجتهد الشيعي إنّما هو بصدد استنباط الحكم الواقعي الذي نزل به الوحي وبيّنه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .

4ـ المذهب الفقهي يتمتع بالدقة في السند والدلالة فربّ رواية يراها الاِنسان العادي دليلاً على الحكم الشرعي، ولكنّهم بإمعان الدقة، يرونها غير دالة عليه، يعلم ذلك بالرجوع إلى كتبهم الفقهية.

5ـ الشيعة تستمد اجتهادها من القواعد العامّة المسماة بأُصول الفقه، وقد تكامل هذا العلم منذ عصر الاَئمّة إلى يومنا هذا على وجه أوجد فجوة سحيقة بين ما ألفه علماء السنّة في الاَُصول كالمختصر لابن الحاجب، والمستصفى للغزالي، وما ألفه علماء الشيعة في أُصول الفقه في القرنين الاَخيرين، وما ذلك إلاّ نتيجة التعمّق في القواعد الاَُصولية من خلال فتح باب الاجتهاد.

* * *

وحصيلة القول

إنّ الفقه الشيعي كالفقه السنّي يسيران جنباً إلى جنب في استنباط الحكم الشرعي مع اختلاف يسير في الطرق والمشارب.

فالاَدلّة الفقهية عند الشيعة هي الاَربعة السالفة الذكر ، وعند السنّة إضافة إلى


(76)

الكتاب والسنّة والاِجماع، القياس والاستحسان وسدّ الذرائع.

فنجد أنّ الفقه الشيعي يتّفق في غالب المسائل الفقهية مع أحد المذاهب الاَربعة نتيجة اتّفاقهم في أُصول الاستنباط، وأمامك كتاب الخلاف للشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) فهو خير شاهد على ما ندّعيه، فإنّه فقه مقارن يبحث عن الحكم الشرعي على ضوء المذاهب الخمسة .

نعم ثمة مسائل خلافية انفردت الشيعة بها ونشير إلى بعضها:

1ـ إنّ الشيعي يمسح الرجلين في الوضوء والسنّي يغسلهما.

2ـ إنّ الشيعي يصلي بلا قبض اليسرى باليمنى والسنّي يصلي مع القبض إلاّ المالكي.

3ـ الشيعي يطلق ضريبة الخمس إلى أرباح المكاسب والسنّي يخصصها بالغنائم الحربية.

4ـ الشيعي جوّز الوصية للوارث دون السنّي.

5ـ السنّي يقول بالعول والتعصيب في الارث دون الشيعي.

وهذا المقدار الضئيل من الاختلافات ليس بشيء أمام الفقه الاِسلامي الواسع والذي هو محيط لا يدرك ساحله ولا يضر بالوحدة المنشودة ولا يقطع عرى الا َُخوة.

ولو أقيم موَتمر فقهيّ حول هذه المسائل التي تفرّدت بها الشيعة لتجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها، وتقاربت الخطى وأخذ الجميع برأيٍ واحدٍ كما صار الحال كذلك في الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد، فقد أخذ الفقه المصري في هذه المسألة برأي الشيعة الاِمامية من انّه يحسب طلاقاً واحداً، لا ثلاثاً وصادقت المحاكم المصرية على ذلك.


(77)

الفصل السابع:

الشيعة والتراث الفكريّ

إنّ المسلمين بصورة عامة شيّدوا أركان الحضارة الاِسلامية في ظلّ الخطوط التي رسمها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من خلال القرآن والسنّة فأصبحت لهم قوة اقتصادية ونظم سياسية وتقاليد دينية وخلقية، وأصبحت العلوم والفنون تتطور وتتقدم، وقد قاموا بترجمة كتب اليونانيين والفرس وغيرهم إلى لغتهم فصارت الحضارة الاِسلامية مزدهرة، بفضل هذه العلوم وتطويرها.

والذي يطيب لنا في هذا الموضوع ذكر مساهمة الشيعة في بناء الحضارة خصوصاً فيما يرجع إلى العلوم والفنون:

1ـ الشيعة وعلم النحو:

قام أبو الاَسود الدوَلي ـ الذي كان من سادات التابعين وصاحب علياً عليه السّلام وشهد معه الجمل و صفّين ـ بوضع قواعد نحوية ودوّنها بأمر الاِمام أمير الموَمنين عليه السّلام وإرشاده وتعليمه قسماً من القواعد.

ومن المعلوم أنّ هذه القواعد لم تكن تسدّ الحاجة الملحّة ولكن أبا الاَسود قام بإكمالها، ثم عُرف فيما بعد بأنّه مدوّن علم النحو وواضعه وتوالى التأليف بعده من الطائفتين.


(78)

2ـ الشيعة وعلم الصرف:

كما أنّ أوّل من دوّن الصرف هو أبو عثمان المازني، وكان قبل ذلك مندرجاً في علم النحو كما ذكره في كشف الظنون . وأبسط كتاب في الصرف، ما كتبه نجم الاَئمة أعني محمد بن الحسن الاسترآبادي الغروي، له شرح الشافية في الصرف كما له شرح الكافية في النحو، وكلا الكتابين جليلا الخطر محمودا الاَثر.

3ـ الشيعة وعلم اللغة:

وقد ألّفت الشيعة كتباً في علم اللغة، فأوّل من ضبط اللغة هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي الاَزدي الذي وضع علم العروض فهو سيد أهل الاَدب، وقد سبق الجميع إلى تدوين اللغة وترتيب ألفاظها على حروف المعجم، فألّف كتابه «العين» جمع فيه ما كان معروفاً في أيامه من ألفاظ اللغة وأحكامها وقواعدها، ورتب ذلك على ترتيب خاص.

ولم يشك أحد من علمائنا أنّ الخليل كان شيعياً، وعن المرزباني أنّه ولد عام مائة بعد الهجرة وتوفي عام 170 أو 175 هـ، وقد ألف كتاباً في الاِمامة كما نقله ابن قانع.

4ـ الشيعة وعلم العروض:

وإذا كانت الشيعة هي التي ابتكرت علم النحو بهداية من أمير الموَمنين عليّ عليه السّلام ، ولحسن الحظ أنّها المبتكرة أيضاً لعلم العروض وظهوره إلى الوجود، كما تقدّم وقد ألف كافي الكفاة الصاحب بن عباد الذائع الصيت، كتاباً في العروض أسماه «الاقناع» وقد توالى التأليف بعده إلى عصرنا هذا، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المعاجم حول مصنّفات الشيعة.


(79)

5 ـ الشيعة والشعر:

وجدت في الشيعة طبقة راقية منذ أوائل القرون الا َُولى، وكان أئمّة أهل البيت يقدّرون جهودهم ويرحّبون بهم بكل حفاوة كما نطق به التاريخ في حقّ الفرزدق وميميته، وهاشميات الكميت، وعينية الحميري، وتائية دعبل، لقد حظوا جميعاً بتقدير واحترام الاَئمّة وصار عملهم في هذا المجال أُسوة الشيعة.

وإليك أسماء قليل من شعراء الشيعة:

1ـ قيس بن سعد بن عبادة.

2ـ الكميت.

3ـ السيد الحميري.

4ـ دعبل الخزاعي.

5ـ ابن الرومي.

6ـ أبو فراس.

7ـ أبو الطيب المتنبي.

6ـ الشيعة وعلم التفسير :

إنّ مدرسة الشيعة منذ أن ارتحل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى يومنا هذا، أنتجت تفاسير على أصعدة مختلفة وخدمت الذكر الحكيم بصور شتى.

إنّ أئمّة أهل البيت عليهم السّلام بعد الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هم المفسرون للقرآن الكريم حيث فسروا القرآن بالعلوم التي نحلهم الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم التي لا تشذّ عن قول الرسول وفعله وتقريره، ومن الظلم الفادح أن نذكر الصحابة والتابعين في عداد المفسرين ولا نعترف بحقوق أئمّة أهل البيت عليهم السّلام .


(80)

عكف المسلمون على دراسة القرآن وأوّل ما فوجئوا به بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو قصور باع لفيف منهم عن فهم بعض ألفاظ القرآن، والقرآن وإن نزل بلغة الحجاز، لكن توجد فيه ألفاظ غير رائجة وربّما كانت رائجة بين القبائل الا َُخرى، وهذا النوع من الاَلفاظ ما سمّوه «غريب القرآن».

وبما أنّ تفسير غريب القرآن كانت الخطوة الا َُولى لتفسيره، ألف غير واحد من علماء الشيعة إبَّان التدوين كتباً في ذلك المضمار، نذكر إليك بعضها:

1ـ غريب القرآن لاَبان بن تغلب بن رباح البكري (المتوفّـى 141 هـ).

2ـ غريب القــرآن لمحمد بن السائب الكلبـي من أصحــاب الاِمـام الصادقعليه السّلام .

3ـ غريب القرآن لاَبي روق، عطية بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي.

4ـ غريب القرآن لعبد الرحمن بن محمد الاَزدي الكوفي.

5ـ غريب القرآن للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد الطبري الآملي الوزير الشيعي المتوفّـى عام 313 هـ.

كما أنّ هناك لوناً آخر من التفسير يهدف إلى بيان مقاصده ومعانيه فيما إذا كانت الآية مشتملة على المجاز والكناية والاستعارة ، ونأتي ببعض ما أُلف في ذلك المجال بيد أعلام الشيعة:

1ـ مجاز القرآن، لشيخ النحاة الفـرّاء يحيى بن زياد الكوفـي المتوفّـى عام 207 هـ.

2ـ مجاز القرآن، لمحمد بن جعفر أبو الفتح الهمداني وله كتاب «ذكر المجاز في القرآن».

3ـ مجازات القرآن، للشريف الرضي المسمّى بـ «تلخيص البيان في مجازات القرآن».


(81)

وهناك لون آخر من التفسير يندفع فيه المفسر إلى توضيح قسم من الآيات تجمعها صلة خاصة كالمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وآيات الاَحكام، وقصص الاَنبياء، وأمثال القرآن، والآيات الواردة في مغازي النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والنازلة في حقّ العترة الطاهرة إلى غيرها من الموضوعات التي لا تعم جميع آيات القرآن بل تختص بموضوع واحد.

وقد خدمت الشيعة كتاب اللّه العزيز بهذه الاَنواع من التفاسير ومن أراد أن يقف عليها فعليه أن يرجع إلى المعاجم وأخص بالذكر الذريعة إلى تصانيف الشيعة.

7ـ الشيعة والتفسير الموضوعي:

إنّ هذا النمط من التفسير هو غير النمط المعروف بالتفسير الترتيبي فإنّ النمط الثاني يتّجه إلى تفسير القرآن سورة بعد سورة وآية بعد آية، وأمّا النمط الاَوّل فيحاول فيه المفسر إيراد الآيات الواردة في موضوع خاص في مجال البحث وتفسير الجميع جملة واحدة وفي محل واحد.

ولعلّ العلاّمة المجلسي (1037 ـ 1110 هـ) أوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه في موسوعته «بحار الاَنوار» حيث يورد في أوّل كل باب الآيات الواردة حولها ثم يفسّـرها إجمالاً ، وبعد الفراغ عنها، ينتقل إلى الاَحاديث التي لها صلة بالباب.

8 ـ الشيعة والتفسير الترتيبي:

إنّ المنهج الراسخ بين القدماء وأكثر المتأخرين هو التفسير الترتيبي، وقد نهجت الشيعة منذ عصر الاِمام عليٍّ إلى العصر الحاضر هذا النمط من التفسير، إمّا


(82)

بتفسير جميع السور أو بعضها، والغالب على التفاسير المعروفة في القرون الثلاثة الا َُولى، هو التفسير بالاَثر ولكن تحول إلى اسلوب آخر وهو التفسير العلمي والتحليلي منذ أواخر القرن الرابع.

فأوّل من ألف من الشيعة على هذا الاسلوب هو الشريف الرضي (357 ـ 406 هـ) موَلف كتاب «حقائق التأويل» في عشرين جزءاً ثم جاء بعده أخوه الشريف المرتضى فسلك مسلكه في أماليه المعروفة بالدرر والغرر، ثم توالى التأليف على هذا الاسلوب في عصر الشيخ الاَكبر الطوسي (385 ـ 460هـ) موَلف «التبيان في تفسير القرآن» في عشرة أجزاء.

9ـ الشيعة وعلم الحديث:

إنّ السنّة هي المصدر الثاني للثقافة الاِسلامية على كافة الاَصعدة، ولم يكن شيء أهم، بعد كتابة القرآن وتدوينه وصيانته من نقص وزيادة، من كتابة حديث الرسول وتدوينه وصيانته من الدس والدجل وقد أمر به الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم غير مرّة.

لقد تعرّفت على أنّ أئمّة أهل البيت هم رواة سنن النبيّ وأحاديثه وقد التفّ حولهم الشيعة فأنجبت مدرسة أهل البيت في القرون الثلاثة الا َُولى محدّثين كبار لكلّ منهم جامع حديثي نذكر منهم ما يلي:

1ـ يونس بن عبد الرحمن، من تلامذة الاِمام موسى بن جعفر والاِمام الرضا عليمها السّلام ، وقد وصفه ابن النديم في فهرسته بعلاّمة زمانه، له جوامع الآثار، والجامع الكبير، وكتاب الشرائع.

2ـ صفوان بن يحيى البجلي (المتوفّـى 220 هـ) كان أوثـق أهل زمانه وصنّف ثلاثين كتاباً.


(83)

3 و 4ـ الحسن والحسين ابنا سعيد بن حماد الاَهوازي صنّفا 30 كتاباً.

5ـ أحمد بن محمد بن خالد البرقـي (المتوفّـى 274 هـ) صاحب كتاب المحاسن.

6ـ محمد بن أحمد بن يحيى الاَشعري القمي صاحب الجامع المعروف (المتوفّـى حوالي 293 هـ ).

7ـ أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطـي (المتوفّـى 221 هـ) صاحب الجامع المعروف.

هذه هي الجوامع الحديثية الاَوّلية للشيعة، وهناك جوامع حديثية أُخرى أُلفت في القرن الرابع والخامس مستمدة تأليفها من الجوامع الاَولية وهي:

1ـ الكافي، لثقة الاِسلام الكليني (المتوفّـى 329 هـ) طبع في 8 أجزاء.

2ـ من لا يحضره الفقيه، للشيـخ الصدوق (306 ـ 381 هـ) طبع في 4 أجزاء.

3ـ التهذيب طبع في عشرة أجزاء.

4ـ الاستبصار طبع في أربعة أجزاء.

كلاهما لشيخ الطائفة محمد بن الحسـن الطوسي (385 ـ 460 هـ) .

وهذه هي الجوامع الحديثية الثانوية.

وهناك جوامع أُخرى أُلّفت في القرن الحادي عشر وقد استمد موَلّفوها من الجوامع الثانوية وهي:

1ـ وسائـل الشيعة، للشيـخ الحـر العاملي (المتوفّـى 1104 هـ) وطبع في 20 جزءاً.


(84)

2 ـ الوافي، للمحدث الكاشاني (المتوفّـى 1091 هـ) طبع حديثاً وراء طبعته القديمة في خمسة وعشرين جزءاً.

3ـ بحار الاَنوار، للشيخ محمد باقر المجلسي (1037 ـ 1110 هـ) وقد طبع في مائة وعشرة أجزاء.

والركب بعدُ غير متوقف فقد انتشر في الآونة الاَخيرة جامع حديثي للشيعة ألفته لجنة علمية بإشراف من فقيه العصر ومحدثه السيد حسين البروجردي، وقد تمّ طبعه في 26 جزءاً.

كل ذلك ينم عن اعتناء الشيعة بالاَحاديث النبوية والآثار المروية عن أئمة أهل البيت، ولو رجع محدّثو السنّة وفقهاوَهم إلى هذه الكنوز الثمينة لوجدوا فيها درراً و لآلىَ لامعة تقرّ بها عيونهم.

10ـ الشيعة وعلم أُصول الفقه:

انبرى أئمّة أهل البيت عليهم السّلام إلى إملاء ضوابط وقواعد يرجع إليها الفقيه عند فقدان النص، أو إجماله أو تعارضه إلى غير ذلك من الحالات، وتلك الا َُصول هي التي تشكّل أساساً لعلم أُصول الفقه، ولقد جمعها عدة من الاَعلام في كتب خاصّة أفضلها «الفصول المهمة في أُصول الاَئمّة» للشيخ المحدث الحر العاملي المتوفى عام 1104 هـ.

كما ونرى أنّ لفيفاً من صحابة الاَئمة درسوا بعض مسائل أُصول الفقه نظير:

1ـ هشام بن الحكم (المتوفى سنة 199 هـ ) صنف كتاب الاَلفاظ.

2ـ يونس بن عبد الرحمن، صنّف كتاب اختلاف الحديث ومسائله.

3ـ إسماعيـل بن علي بن إسحاق بن أبـي سهـل بن نوبخـت (237 ـ 311


(85)

هـ) صنّف كتاب الخصوص والعموم وكتاب إبطال القياس وكتاب نقض اجتهاد الرأي.

4ـ أبـو محمد الحسـن بن موسى النوبختي من علماء القرن الثالث، له كتاب الخصوص والعموم والخبر الواحد.

5ـ محمد بن أحمـد بن داود بـن علي المتوفـى عام 368 هـ ، له كتـاب الحديثـين المختلفين.

6ـ محمد بن أحمد بن الجنيد المتوفى عام 381هـ ، له كتاب كشف التمويه والالتباس في إبطال القياس.

11ـ الشيعة وعلم المغازي والسير:

مغازي النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جزء من تاريخ حياته وسيرته، والرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قدوة وأُسوة وفعله كقوله حجة بلا إشكال، وقد وضع بعضهم كتباً في فقه السيرة فكان على المسلمين ضبط دقيقها وجليلها وقد قاموا بذلك لولا أنّ الجهاز الحاكم حال دون تحقق تلك الا َُمنية.

ولكن قيّض اللّه سبحانه رجالاً من الشيعة في ذلك المجال ضبطوا سيرة الرسول ومغازيه، منهم:

1ـ محمد بن إسحاق بن يسار (المتوفّـى 151 هـ).

2ـ عبيد اللّه بن أبي رافع، من أصحاب الاِمام أمير الموَمنين فقد عمل كتاباً أسماه «تسمية من شهد مع أمير الموَمنين الجمل وصفين والنهروان من الصحابة».

3ـ كما ألّف جابر بن يزيد الجعفي (المتوفّـى 128 هـ) كتباً في ذلك المجال، منها: كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب النهروان، كتاب مقتل أمير


(86)

الموَمنين وكتاب مقتل الحسين عليه السّلام .

4ـ أبان بن عثمان الاَحمر البجلي الكوفي.

5ـ أبو مخنف لوط بن يحيى الاَزدي الغامدي، شيخ أصحاب الاَخبار بالكوفة، صنّف كتباً منها: كتاب المغازي، وكتاب السقيفة، وكتاب الردّة، وكتاب فتوح الاِسلام، وكتاب المختار الثقفي، وكتاب صفين، وكتاب الجمل.

6ـ نصر بن مزاحم ألف كتباً كثيرة في هذا المجال أشهرها كتاب صفين، وهو كبير الحجم.

7ـ هشام بن محمد بن السائب الكلبي (المتوفّـى 206 هـ).

12ـ الشيعة وعلم الرجال:

اهتم علماء الشيعة بعد عصر التابعين بعلم الرجال، نذكر الموَلفين الاَوائل منهم:

1ـ عبد اللّه بن جبلة الكناني (المتوفّـى 219 هـ).

2ـ علي بن الحسن بن فضال، كان فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم وعارفهم بالحديث.

3ـ الحسن بن محبوب السراد (150 ـ 224 هـ) له كتاب «المشيخة» و «معرفة رواة الاَخبار».

4ـ أبو عمرو الكشي، له كتاب «معرفة الرجال».

5ـ أبو العباس أحمد بن علي النجاشي (372 ـ 450 هـ).

6ـ الطوسي (385 ـ 460 هـ) له كتاب «الفهرست» و «الرجال».


(87)

13ـ الشيعة والعلوم العقلية:

إنّ خطب الاِمام علي عليه السّلام ورسائله وقصار حكمه شكلت احدى المصادر المهمّة لكلام الشيعة وآرائهم في العقائد والمعارف، ولم يقف نشاط الشيعة عند هذا الحد بل جاءت الاَئمّة عليهم السّلام وحثوا شيعتهم على التدبّر والتفكّر في المعارف حتى تربّى في مدرستهم رواد الفكر من عصر سيد الساجدين إلى عصر الاِمام العسكري، تجد أسماءهم وتآليفهم وأفكارهم في المعاجم وكتب الرجال.

وقد نبغ في عصر أئمّة أهل البيت مفكّرون بارزون أفادوا الاَجيال من بعدهم.

وإليك أسماء بعض متكلمي الشيعة في القرون الا َُولى:

1ـ زرارة بن أعيـن، شيخ أصحابنا في زمانه، كان قارئاً متكلّماً، قال ابن النديم: وزرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً ومعرفة بالكلام (المتوفّـى 150هـ).

2 ـ محمد بن علي بن النعمـان البجلي المعروف بموَمن الطاق (المتوفّـى 148هـ) . له كتب في الكلام قال ابن النديم: وكان متكلّماً حاذقاً، وله من الكتب: كتاب الاِمامة والمعرفة، وكتاب الرد على المعتزلة.

3ـ هشام بن الحكم، قال ابن النديم: هو من متكلّمي الشيعة الاِمامية وبطانتهم، وقد ذكر الرجالي المعروف النجاشي كتبه الكلامية البالغة 30 كتاباً، قال أحمد أمين المصري: هشام بن الحكم أكبر شخصية شيعية في الكلام، وكان قوي الحجة، ناظر المعتزلة وناظروه.

4ـ قيس بن الماصر، أحد أعلام المتكلّمين تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السّلام، وهو من عيون المتكلّمين بين أصحاب الاِمام الصادق عليه السّلام .

5ـ عيسى بن روضة، كان متكلِّماً جيّد الكلام وله كتب في الاِمامة.


(88)

إلى غير ذلك من متكلّمي القرن الثاني ويليهم في القرن الثالث أُناس بارزون في الكلام، وإليك أسماء طائفة منهم:

1ـ الفضل بن شاذان (المتوفّـى 260 هـ).

2ـ الحكم بن هشام بن الحكم المتوفّـى في أوائل القرن الثالث.

3ـ محمد بن عبد اللّه بن مملك الاصفهاني، له كتاب مجالس مع أبي علي الجبائي.

4ـ إسماعيل بن محمد المخزومي، له كتاب المعرفة.

إلى غير ذلك من متكلّمي الشيعة في القرن الثالث.

دخل القرن الرابع وبرز متكلّمون من الشيعة، كالحسن بن علي بن أبي عقيل، وإسماعيل بن علي بن نوبخت، ومحمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي، والحسن بن موسى أبي محمد النوبختي، موَلّف كتاب الآراء والديانات، وكتاب فرق الشيعة.

وأمّا القرن الخامس فحدّث عن متكلّمي الشيعة فيه ولا حرج كابن المعلم المفيد (المتوفّـى 413 هـ) الذي انتهت إليه رئاسة متكلّمي الشيعة وتلميـذه السيد الرضي، وتلميذه الآخر السيد المرتضى وغيرهم.

وأمّا مساهمة الشيعة في العلوم الطبيعية فمن أكبر علمائهم جابر بن حيان وهو الذي ظهر في حقل الكيمياء، والشريف أبو القاسم علي بن قاسم القصري من علماء القرن الرابع، إلى إن وصلت النوبة إلى نصير الملّة والدين نصير الدين الطوسي، فأسّس معهداً للاَبحاث الطبيعية لا مثيل له وجهزه بالآلات الفلكية التي زادت في شهرة المعهد ورفعت مكانته.

كما أسس مرصد مراغة وجلب إليه علماء من مختلف أنحاء المعمورة.


(89)

تقول السيدة زيغريد هونكه: «إنّ نصير الدين أحضر إلى مكتبة المعهد أربعمائة ألف مجلّد كانت قد سرقت من مكتبات بغداد وسوريا وبلاد بابل، وقد استدعى علماء ذوي شهرة واسعة من اسبانيا ودمشق وتفليس والموصل إلى مدينة مراغة لكي يعملوا على وضع الازياج بأسرع وقت ممكن» (1)

وفي مجال الجغرافيا نذكر في المقام رحّالتين طافا في البلاد الاِسلامية وكتبا ما يرجع إلى جغرافية البلدان وقد صار كتاباهما أساساً للآخرين:

1ـ أحمد بن أبي يعقـوب بن واضح المعـروف باليعقوبي، المتوفّـى في أواخر القرن الثالث، فهو أوّل جغرافي بين العرب وصف الممالك معتمداً على ملاحظاته الخاصة متوخّياً ضبط ما أراد من وصف البلد وخصائصه.

2ـ أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (المتوفّـى 346 هـ) فقد ألّف في ذلك المضمار كتاب «مروج الذهب ومعادن الجوهر» وكتابه الآخر: «التاريخ في أخبار الا َُمم من العرب والعجم» وكتابه الثالث «التنبيه والاشراف» فقد اشتمل وراء التاريخ على الجغرافية وتقويم البلدان، وقد جرّه حبّه للاستطلاع إلى السفر إلى بلاد نائية فكتب ما رآه وشاهده.

* * *

هذه إلمامة عابرة حول الشيعة وفقهها وتاريخها، وتراثها، والاَعمال التي قامت بها في بناء الحضارة الاِسلامية ذكرناها على وجه الاِيجاز ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب الموسعة المعدّة لذلك، ونذكر على سبيل المثال:

1ـ المراجعات، تأليـف السيد شرف الدين الموسـوي العاملـي (1290ـ


1. السيدة زيغريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب: 133. والتسمية الاَجدر: شمس الاِسلام ... .


(90)

1377 هـ).

2ـ أصل الشيعة وأُصولها، للشيخ محمد كاشف الغطاء (1295ـ1373هـ).

3ـ تاريخ الشيعة، للشيخ محمد حسين المظفر (المتوفّـى 1375 هـ).

4ـ أوائل المقالات، للشيخ المفيد (336 ـ 403 هـ).

5ـ الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الاِمامية، للسيد صدر الدين المدني الحسيني (المتوفّـى 1120 هـ).

6ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للشيخ آغا بزرگ الطهراني (1293 ـ 1389هـ).

7ـ الشيعة والتشيّع، تأليف محمد جواد مغنية (المتوفّـى 1400 هـ).

8ـ الشيعة بين الاَشاعرة والمعتزلة، تأليف هاشم معروف الحسني (المتوفّـى 1407 هـ).

9ـ أعيان الشيعة، للسيد محسن الاَمين العاملي (1284 ـ 1371 هـ).

10ـ آخرها «الاِلهيات» بقلم الموَلف.

جامعات الشيعة:

الاِسلام دين العلم والمعرفة يحاول دفع الاِنسان من حضيض الجهل إلى أعلى مستويات العلم والكمال، فأراد للاِنسان حياة نابضة بالفكر والثقافة وقد كانت للشيعة خلال القرون الماضية جامعات في أقطار مختلفة نشير إلى بعضها:

1ـ المدينة المنورة:

إنّ الجامعة الا َُولى للشيعة أُسست بيد الاِمامين الهمامين الباقر والصادق


(91)

عليمها السّلام فقد تقاطر طلاب العلم وعشاق الحقيقة إلى الاستفادة من علومهما، وكان لهما دور في صيانة وإحياء السنّة النبوية وتفسير القرآن الكريم وتربية طليعة إسلامية في العلوم المختلفة .

2ـ الكوفة وجامعها الكبير:

لمّا هاجر الاِمام أمير الموَمنين من المدينة إلى الكوفة، استوطن معه خيار شيعته ومن تربّى على يديه من الصحابة والتابعين وكانت نواة لجامعة شيعية ثانية.

ولمّا غادر الاِمام الصادق المدينة المنورة إلى الكوفة أيام أبي العباس السفاح حيث مكث فيها مدة سنتين مغتنماً تلك الفرصة الذهبية التي أوجدتها الظروف السياسية، فربى جيلاً كبيراً من المحدّثين والفقهاء في عصره، وكان أبو حنيفة واحداً ممن تربّى على يد الاِمام الصادق عليه السّلام مدة سنتين.

وهذا هو الحسن بن علي الوشاء يحكي لنا ازدهار مدرسة الكوفة بعد رحيل الاِمام الصادق عليه السّلام يقول: أدركت في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كلٌّ يقول حدّثني جعفر بن محمد عليمها السّلام .

ويضيف النجاشي ـ ذلك الرجالي الكبير ـ ويقول:

كان هذا الشيخ (الحسن بن الوشاء) عيناً من عيون هذه الطائفة، ثم ذكر كتبه.

ومن خريجي هذه المدرسة: هشام بن محمد بن سالم الكلبي الذي ألّف أكثر من مائتي كتاب، وابن شاذان الذي ألّف 280 كتاباً، وابن أبي عمير الذي صنّف 194 كتاباً، وابن دوئل الذي صنف 100 كتاب، وجابر بن حيّان أُستاذ الكيمياء والعلوم الطبيعية.


(92)

3ـ مدرسة قم والرَّي:

كانت مدرسة الكوفة مزدهرة بالعلم والثقافة ففي حوالي سنة 250 هـ هاجر إبراهيم بن هاشم الكوفي إلى قم ونشر فيها حديث الكوفيين فصارت مدرسة قم والرَّي مزدهرة بالمحدثين والرواة الكبار، وساعد على ذلك بسط الدولة البويهية نفوذها على تلك البلدان، وقد خرج من تلك المدرسة علماء ومحدّثون، نظراء:

1ـ محمد بن يعقوب الكليني المتوفّى 329 هـ موَلّف الكافي في الا َُصول والفروع.

2ـ علي بن حسين بن بابويه والد الشيخ الصدوق صاحب الشرائع المتوفّى عام 329 هـ .

3ـ ابن قولويه أبي القاسم جعفر بن محمد (285 ـ 368 هـ) إلى غير ذلك من أعلام الحديث والفقه.

4ـ مدرسة بغداد:

كانت مدرسة الكوفة تزدهر بمختلف النشاطات العلمية حينما كانت بغداد عاصمة للخلافة. ولمّا أخذ الضعف يدبّ في الخلافة العباسية وكانت مقاليد الا َُمور بيد البويهيين، تنفّس علماء الشيعة الصعداء في أكثر مناطق العراق فأسسوا مدرسة رابعة للشيعة في بغداد أنجبت شخصيات مرموقة تفتخر بها الاِنسانية ومن نتائجها ظهور أعلام نظير:

1ـ الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) تلك الشخصية الفذّة حيث اعترف الموافق والمخالف بعلمه وفضله.

2ـ السيد المرتضى (355 ـ 436 هـ) صاحب الانتصار في الفقه والاَمالي.


(93)

3ـ السيد الرضي (359 ـ 406 هـ)جامع نهج البلاغة، وموَلف الكتب القيمة في التفسير والاَدب، وهو وأخوه كوكبان في سماء العلم والاَدب غنيان عن التعريف.

4ـ الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) وهو شيخ الطائفة ومن أعلام الا َُمّة تربّى على يد شيخه المفيد والسيد المرتضى وله كتاب «التبيان في تفسير القرآن» و «التهذيب» و «الاستبصار» وهما من المصادر المهمّة عند الشيعة.

وكانت مدرسة بغداد زاهرة في عهد هوَلاء الاَعلام ، وقام كلّ منهم بدور كبير في تطوير العلوم وتقدّمها من خلال تخريج نخبة من المجتهدين والمحدثين، من الشيعة والسنّة.

5ـ جامعة النجف الاَشرف:

لمّا دخل طغرل بك ـ الحاكم التركي ـ بغـداد وأشعل نار الفتنة بين الطائفتين السنّة والشيعة، و أحرق دوراً في الكرخ ومكتبة الشيخ الطوسي، لم يجد زعيم الشيعة آنذاك بدّاً من مغادرة بغداد إلى النجف الاَشرف، وتأسيس جامعة علمية فقهية عند جوار ضريح أمير الموَمنين عليه السّلام سنة 448 هـ .

وقد مضى على عمرها قرابة ألف سنة وهي جامعة كبيرة لها حقوقها الكبرى على الاِسلام والمسلمين، وقد خرّجت الكثير من المحقّقين والمفكّرين في مختلف أصناف العلوم ولم تزل مشعّة حتى اليوم.

6ـ مدرسة الحلّة:

في الوقت الذي كانت جامعة النجف تزدهر وتنجب أفذاذاً أُسست جامعة في الحلة الفيحاء وكانت تحتضن كبار المحققين، كالمحقق الحلّـي صاحب


(94)

الشرائع (602 ـ 667 هـ) ، وجمال الدين الحسن بن يوسف المعروف بالعلامة الحلي (648 ـ 726 هـ) صاحب الموسوعات الفقهية الكبيرة، وفخر المحققين ولد العلامة الحلي (682ـ771هـ)، إلى غير ذلك من رجال الفكر كابن طاووس، وابن ورام، وابن نما، وابن أبي الفوارس الذين أنجبتهم مدرسة الحلة.

7ـ الجامع الاَزهر:

امتدّ سلطان الدولة الفاطمية من المحيط الاَطلسي غرباً إلى البحر الاَحمر شرقاً، ونافست الدولةُ الفاطمية الشيعية خلافةَ الحكّام العباسيين في بغداد، وكان المعز لدين اللّه (319 ـ 365 هـ) أحد الخلفاء الفاطميين بمصر رجلاً مثقفاً ومولعاً بالعلوم والآداب، وقد أسس أعظم جامعة علمية إسلامية باسم الجامع الاَزهر ، وكانت جامعة شيعية من بدء تأسيسها إلى قرنين.

وهناك جامعات أُخرى للشيعة في أقطار العالم كافغانستان وباكستان والهند وسوريا تضم علماء ومدرّسين كبار.

وأمّا اليوم فالجامعة العلمية بقم التي أسسها الشيخ عبد الكريم الحائري (1274 ـ 1355 هـ) عام 1340 هـ أكبر جامعة شيعية تحتضن قرابة 28 ألف أستاذ ومساعد وطالب ومحقق وكاتب ومفكّر.

دول الشيعة:

حاول الا َُمويون القضاء على التشيّع وأراد العباسيون الحدّ من انتشاره بعد اليأس من استئصاله ولكن نما وازدهر عبر القرون بالرغم من تلك العوائق، بل قامت لهم هنا وهناك دول ودويلات نظير:


(95)

1ـ دولة الادارسة في المغرب (194 ـ 305 هـ).

2ـ دولة العلويين في الديلم (205 ـ 304 هـ).

3ـ دولة البويهيين في العراق وما يتصل بها من بلاد فارس (321 ـ 447هـ).

4ـ دولة الحمدانيين في سوريا والموصل وكركوك (293 ـ 392 هـ).

5ـ دولة الفاطميين في مصر (296 ـ 567 هـ).

6ـ دولة الصفويين في إيران (905 ـ 1133 هـ).

7ـ دولة الزنديين (1148 ـ 1193 هـ).

8 ـ دولة القاجاريين (1200 ـ 1344 هـ).

أضف إلى ذلك وجود امارات للشيعة في نقاط مختلفة.

إنّ اطناب القول في موَسس هذه الدول وترجمة أحوالهم وما آل إليه مصيرهم يحوجنا إلى تأليف كتاب مستقل فنترك المقال في ذلك وعلى القراء مراجعة الكتب الموَلفة في هذه المواضيع.

أمّا اليوم فتتواجد الشيعة في جميع أنحاء العالم بنسب مختلفة وربّما تعد بعض البلدان معقل الشيعة و التشيّعُ مذهباً سائداً فيها. وإليك أسماء بعضها وهي : إيران، والعراق، والحجاز، والشام، وتركيا، وافغانستان، والباكستان، والهند، واليمن، ومصر، والامارات العربية المتحدة، والبحرين، والاحساء، والقطيف، والكويت، ومسقط، وعمان، والتبت، والصين، وجمهورية اذربايجان، وطاجيكستان، والجمهوريات المتحررة بانحلال الاتحاد السوفيتي، وماليزيا، واندونيسيا، وسيلان، وتايلند، وسنغافورة، وافريقيا الشمالية، والصومال، والارجنتين، وبريطانيا، والمانيا، وفرنسا، والبانيا، والولايات المتحدة، وكندا، وغيرها مما يعسر عدها.


(96)

خاتمة المطاف:

قاربوا الخطى أيُّها المسلمون

قد تعرّفت على المنهج الشيعي عقيدة وشريعة، بقيت هنا كلمة وهي أنّ المذهب الشيعي على الرغم من امتيازه بأُصول وفروع نابعة عن صميمه، لكنه لا يحول دون اتحاد المسلم الشيعي مع أخيه المسلم السنّي.

هذا هو القرآن الكريم يتطرق إلى الوحدة ورصّ الصفوف ويمدحه بحماس ويقول: (واعْتَصِمُوا بِحَبلِ اللّهِ جَميعاً ولا تَفرَّقوا) (1)

ويقول أيضاً: (إنَّما الموَمنونَ إخوةٌ فأصلحوا بين أخَويكُم) (2)

ويذم بشدة كل ما يمس بهذه الوحدة قائلاً: (ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واختَلَفُوا مِنْ بَعدِ ما جاءَهُمُ البَيّناتُ) (3)

حتى إنّه سبحانه يعدّ الفرقة نوع عذاب من اللّه سبحانه إلى من سعى إليها.

ويقول سبحانه: (قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبعَثَ عَليكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أو مِنْ تَحتِ أَرجُلِكُمْ أو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعضٍ) (4)

ففي ظلّ هذه الدعوة المباركة ترحّب الشيعة بكلّ خطوة نحو التقريب ولمّ الشمل وتندد بكل نعرة طائفية تفرّق شمل المسلمين وتهدّد كيانهم.

إنّ دعاة الوحدة لا يبغون سوى تقريب الخطى وتعريف المسلمين بعضهم


1. آل عمران: 103.
2. الحجرات: 10.
3. آل عمران: 105.
4. الاَنعام: 65.


(97)

ببعض حتى يقفوا على المشتركات الكثيرة التي تجمعهم وهي الكتاب وسنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإنّما اختلافهم في فهم هذين المصدرين ولكلٍّ حجته ودليله. وللمصيب أجران وللمخطي أجر واحد.

نحن نعيش في عصر تحالفت فيه القوى الكافرة، على إطفاء نور اللّه والحدّ من الصحوة الاِسلامية فعلى الرغم من التشتّت السائد بين تلك القوى الغاشمة في أُصول السياسة والاقتصاد، لكنّهم متفقون على إبعاد الاِسلام عن ساحة الصراع الحضاري وللحيلولة دون وصول المسلمين إلى مركزهم المرموق في بناء الحضارة.

فالمعسكر الشرقي والغربي طرفا مقص يتحركان معاً لاجتثاث الاِسلام.

فإذا كان هذا ديدنهم فلماذا لا نتّحد نحن معاشر المسلمين فإنّ ما يجمعنا أكثر ممّا يفرّقنا؟

إنّ التعاون والمواساة من أهمّ الا َُصول الاجتماعية، إذ بالتعاون يقوم صرح المجتمع وقد ندب إليه الاِسلام حيث قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «من أصبح ولم يهتم بأُمور المسلمين فليس بمسلم»، فعلى المسلمين جميعاً أن يتعاونوا في مسائلهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والصناعية ليستغنوا بذلك عن القوى الشرقية والغربية.

يا أبناء أُمتنا الاِسلامية المجيدة فاللّه ربّكم والقرآن كتابكم والكعبة قبلتكم والسنّة منهجكم، فكونوا يداً واحدة على من سواكم، ورصّوا صفوفكم أمام أعدائكم، ولا تصغوا لكلّ نعرة تهدّد وحدة كلمتكم.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربِّ العالمين جعفر السبحاني

قم ـ الحوزة العلمية

11|ربيع الآخر | 1417 هـ


(98)


(99)

الرسالة الثانية

الشيعة الاِمامية في دائرة المعارف المصرية «السفير»

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.

أمّا بعد: فقد وقفت على مقال حول الفرقة الاثني عشرية في دائرة المعارف المصرية «السفير»، قرأته بامعان ودقّة فوجدت فيه أخطاءً لا تُغفر، و زلات لا تُسْتقال، علّقتُ عليه التعاليق الآتية مع تبنّي الايجاز والاختصار.

إنّ السنّة المتّبعة عند كتّاب دائرة المعارف هو تبيين المفاهيم المختلفة استناداً إلى المصادر والمراجع المقبولة، بلا أيّ تحيّز ، لكن المقال كُتِبَ لغاية الردّ على هذه الطائفة لا على تبيين عقائدها حقّة كانت أم باطلة.

كان من اللازم على كاتبه أن يشير إلى عقائدهم وأُصولهم وفروع مذهبهم في مقال خاص، ثم يُعلِّق عليها في آخر المقال بشيء ...، لا أن يبتدىَ بالردّ والنقد العنيف معتمداً على كتب الخصوم بدلَ كتبهم الخاصة بهم.

هذه هي السنّة الدارجة بين أبناء دائرة المعارف ولكن الكاتب لم يتّبعها. فما هو الوجه؟ لا أدري ولا المنجم يدري، ولا القراء يدرون !!

ولاِيقاف القارىَ على ما في المقال من الاَخطاء والقضاء الجائر نأتي بنصه أوّلاً ثم نردفه بالتعاليق ثانياً:


(100)

نص المقال في دائرة المعارف المصرية «السفير» :

الاثنا عشرية

هي إحدى فرق الشيعة، ويُطلق عليها أيضاً عدة أسماء أُخرى، منها:

«الجَعْفرية» نسبة إلى «جعفر الصادق».

و «الرافضة» لاَنّهم رفضوا نصرة الاِمام «زيد بن علي زين العابدين» (79 ـ 122 هـ = 698 ـ 740 م) حين طلبوا منه سبّ «أبي بكر» و «عمر» ـ رضي اللّه عنهما ـ فأبى.

و «الاِمامية» نظراً لآرائهم الخاصة في الاِمامة، وجعلهم إياها أصلاً من أُصول الدين.

أمَّا لقبهم «الاثنا عشرية»؛ فلقولهم بأنّ منصب الاِمامة ليس باختيار الاَُمّة، وإنّما قد حدده اللّه وعينه في «علي بن أبي طالب» رضي اللّه عنه، وفي أحد عشر من ذريته من أولاد «فاطمة الزهراء» رضي اللّه عنها، وهم بالتتابع بعد «علي» رضي اللّه عنه (المعروف عندهم بعلي المرتضى):

1ـ «الحسن بن علي» المتوفى سنة (50هـ =670م) ولقبه «الحسن المُجْتَبى».

2ـ «الحسين بن علي» المتوفى سنة (61هـ =680م) ولقبه «الحسين الشهيد».

3ـ «علي زين العابدين بن الحسين» المتوفى سنة (94هـ = 712م)ولقبه «السجَّاد».


(101)

4ـ «محمد بن علي زين العابدين» المتوفى سنة (114هـ = 732م) ولقبه «محمد الباقر».

5ـ «جعفـر بن محمد» المتوفى سنـة (148هـ = 765 م) ولقبه «جعفر الصادق».

6ـ «موسى بن جعفر» المتوفى سنـة (183 هـ = 799م) ولقبـه «موسى الكاظم».

7ـ «علي بن موسى» المتوفى سنة (203 هـ = 818 م) ولقبه «علي الرِّضا».

8ـ «محمد بن علي» المتوفى سنة (226 هـ = 840 م) ولقبه «محمد الجواد».

9ـ «علي بن محمد» المتوفى سنة (254 هـ = 868 م) ولقبه «علي الهادي».

10ـ «الحسـن بن علي» المتوفى سنة (260هـ = 873 م) ولقبـه «الحسن العسكري».

11ـ «محمد بن الحسن» المتوفى سنة (265 هـ = 878 م) ولقبه «محمد المَهْدِي».

و «الاثنا عشرية» أكثر فرق الشيعة عدداً في العالم، وبخاصة في قارة «آسيا»، ويبلغ عدد الشيعة بعامة قرابة (100) مليون شخص يمثلون حوالي 10% تقريباً من إجمالي عدد المسلمين.

وفي أواخر عهد الاِمام السادس «جعفر الصادق» أخذ بعض الغُلاة يتجمعون حول ولده إسماعيل؛ مما دفعه إلى جمع الناس وإشهادهم على وفاة إسماعيل الذي مات في حياة أبيه عام (143 هـ = 760 م) واختار ولده الآخر «موسى الكاظم» ـ كما تروي الاثنا عشرية ـ إماماً بعده، وقد قام بأمر الطائفة في نطاق سياسة أبيه «جعفر» التي نزعت إلى السلم، واتجهت إلى العلم والنشاط


(102)

الروحي، ومن «الكاظم» تناسل الاَئمة حتى «محمد بن الحسن العسكري» الاِمام الثاني عشر و «المهدي المنتظر».

لكن الشيعة انقسموا بعد وفاة «جعفر» ـ رضي اللّه عنه ـ فتبع أكثرهم «الكاظم» وهم الاثنا عشرية، وأصرت طائفة أُخرى على إمامة «إسماعيل» منكرة إمامة «الكاظم»، وقالوا بإمامة «محمد بن إسماعيل» بعد «جعفر» مباشرة، ومن هوَلاء تشكلت طائفة الاِسماعيلية التي تغلو في التأويل الباطني، وترى أنّ للاِمام وظيفة كونية بجانب سلطته التشريعية كمصدر للشرع، وسلطته التنفيذية كمنفذ له. كما نزعت إلى المبالغة في التَّقيَّة والاختفاء، والظاهر والباطن في تأويل أحكام الدين، وقد استخدمت دولتها الفاطمية في «مصر» و «المغرب» في تحقيق ما ترمي إليه.

وكان الشيعة الاثنا عشرية ـ بخلاف «الزيدية» و «الاِسماعيلية» ـ قد اتجهوا وجهة ثقافية روحية بتأثير «جعفر الصادق»، وأعرضوا عن النشاط السياسي إلى حد كبير؛ وبخاصة النشاط الثوري المسلح الذي لجأت إليه فرق الشيعة الاَُخرى، إلاّ ما كان منهم عند سقوط «بغداد» في يد «التتار» ونشوء الدولة «الاِيلخانية» التي قامت بعد ذلك في القرنين (7 ، 8 هـ = 13، 14م).

وعلى الرغم ممّا يوَخذ عليهم في أثناء هذه الفترة، فقد أسهموا في تحويل بعض قادة المغول إلى الاِسلام، وإلى التشيع بطبيعة الحال، ولكنّهم أحسوا ببعض القوة في العهد الجديد الذي أعقب سقوط الخلافة العباسية؛ ممّا كان له أثر في إشعال الجدل الطائفي الذي يتمثل في عدة موَلفات: من أبرزها كتاب «الحسن بن المطهر» «منهاج الكرامة» الذي ردّ عليه «ابن تيمية» بكتابه «منهاج السنّة»، وتابعه علماء آخرون، وبخاصة في الهند وفارس وما حولهما. ومن أبرز ما كتبه أهل السنّة في ذلك «التحفة الاثنا عشرية» للشيخ «عبد العزيز بن ولي اللّه الدهلوي».


(103)

وفي أواخر عهد الاَئمّة كان من بين الاثني عشرية رجل بلغ النشاط والحماسة للمذهب، مع نزوع إلى الغلو، اسمه «محمد بن نُصَيْـر النميري» (270 هـ = 883 م) وقد عاصر الاَئمّة الثلاثة المتأخرين: «علي الهادي» (214 ـ 254 هـ = 829 ـ 868 م) و «الحسن العسكري» (230 ـ260 هـ = 844 ـ 873 م) و «محمد المهدي» الثاني عشر المولود (255 هـ = 868 م) والمنتظر ظهوره فيما يعتقدون.

وقد زعم «ابن نصير» هذا أنّه «الباب» إلى الاِمام «الحسن العسكري»، فتبعه طائفة من الشيعة سموا بالنُّصَيْـرية، وخالفه جمهورهم الذين أنكروا ادعاءاته، وقالوا بأنّ المرجعية الدينية بعد موت «العسكري» وغيبة ولده «المهدي» ترجع إلى لجنة من أربعة أشخاص، هم: «عثمان بن سعيد العمري» ، و «محمد بن عثمان بن سعيد»، و «الحسين بن روح النوبختي»، و «علي بن محمد السمري».

ويغلب الغلو على عقائد النصيرية، إذ يوَلّهون علياً، ويتركون ظاهر الشرع، ويهملون المساجد وصيام رمضان، ويخالفون بعض الاَحكام في النكاح وغيره، ويقولون بثالوث من علي ومحمد وسلمان الفارسي، وأنّ معنى الاَلوهية تَشَخَّص في عليّ، ثم محمد، ثم سلمان الفارسي، ثم المقداد.

وتتسم عقيدتهم بالمبالغة في السرية، وهم في هذا كلّه يقلدون من سبقهم من غلاة الشيعة منذ عبد اللّه بن سبأ، ومن جاء بعده؛ وخاصة «الخطابية» أتباع «أبي الخطاب الكاهلي» الذي زعم أنّه (الباب) للاِمام الخامس (1) «موسى الكاظم»، ثم قال بتأليه الاَئمّة ونسخ بعض الاَحكام الشرعية، والاِسراف في التأويل الباطني، فأخذ النصيرية بهذا كله.

ولكن «الاثني عشرية» ينكرون مزاعم «ابن نصير» ويكفرون من اعتقد هذه


1. كذا في أصل المقال، والصحيح: السابع. المعلق.


(104)

الاَقاويل، بصرف النظر عن العلاقات العملية التي قد تقوم بين الطائفتين.

وقد عادت الطائفة «الاثنا عشرية» إلى تقاليدها المسالمة وعنايتها بإشاعة العلم والاهتمام بالشوَون الاجتماعية والروحية لاَتباعها إلى أن قامت للاثني عشرية دولة في «إيران» لاَوّل مرة في التاريخ على يـد الشـاه «إسماعيل الصفـوي» (906 ـ 930 هـ = 1500 ـ 1523 م) الذي نزع هو وخلفاوَه إلى التشيـع على الرغم من أُصولهم السنية الصوفية. وقد استمر حكم «الصوفيين» لاِيران قرابة قرنين ونصف قرن إلى سنة (1148هـ (1) = 1735 م)، وكانوا خلال حكمهم في عداء شبه مستمر مع الخلافة العثمانية، ونشبت بينهما الحروب التي أسهمت في انحسار المد الاِسلامي عن «أوربا» وتمزق بلدان العالم الاِسلامي وتفككها، ثم سقوطها في براثن الاستعمار الغربي، ومما ساعد على ذلك: اتفاق الشاه «إسماعيل الصفوي» مع البرتغاليين ضد دولة الخلافة العثمانية، وسيطرتهم على بعض جزر الخليج كقاعدة موجهة لحرب «الخلافة العثمانية»، ثم قيام الشاه «عباس الصفوي» بعـد توليـه الحكم عـام (996 هـ = 1587 م) بالتحالف مع «الاِنجليز» لمحاربة دولة الخلافة، كما توقف الحج إلى «مكة» في عهده، وروجت الدولة لزيارة مدينة «مَشْهد»، وهي مدينة «طُوس» القديمة التي دفن بها «الرشيد» وولد فيها «أبو حامد الغزالي» وغيره من أئمّة المسلمين، ولكن مكانتها الدينية لدى الاثني عشرية ترجع إلى كونها تضم رفات الاِمام الثامن «علي الرضا». وهو الاِمام الوحيد المدفون بإيران، وبسبب ذلك اشتهرت باسمها الحالي.

وهذا التحالف مع الغزاة الاَجانب، مع تمادي الخلاف بين الدولتين، قد مهد للاستعمار الغربي فرصة تمزيق العالم الاِسلامي واحتلال أراضيه، وكان هذا الصراع المذهبي والسياسي من أهم أسباب هزيمة العثمانيين ـ والعالم الاِسلامي


1. الصحيح: 1135 هـ. المعلق.


(105)

من ورائهم ـ أمام حمية الغرب الغازية.

وحين تحولت «الدولة الصفوية» إلى المذهب الشيعي كثر التشيع بإيران وصار أتباعه هناك أكثرية. بعد أن كانت الاَغلبية سنية في تلك البلاد، ويرجع الاضطراب بين الطائفتين ـ إلى حد كبير ـ إلى العداء الذي خلفته «الدولة الصفوية» في إيران ضد أهل السنّة، فبرغم أنّ عدد أهل السنّة يصل الآن حوالي 20% من إجمالي عدد السكان في إيران إلاّ أنّهم محرومون من تولي الوظائف الرئيسية في الدولة، ومن صلاة العيدين، ومن بناء مسجد لهم بطهران العاصمة، على الرغم من وجود (12) كنيسة للنصارى بها ومعبدين لليهود، ومثلهما للمجوس، وآخرين للهندوس.

وقد تطور مذهب الاثني عشرية على مر الزمن وأسهم العداء السياسي والغلو المذهبي في انفراد الطائفة بعقائد ومبادىَ تتجافى عن روح الاِسلام السمحة، ومقتضيات المنطق السليم، ومنها:

1. الاِمامة والخلافة:

يدعي «الاثنا عشرية» أنّ اللّه أمر نبيَّه بأن يعلن في الناس أنّ عليّاً وصيُّه وأنّه الاِمام من بعده عُقَيب حجة الوادع في طريق عودته من مكة إلى المدينة عند مكان يسمى «غدير خُمّ»، ويرون أن تستمر الاِمامة في ولد «علي بن أبي طالب» و «فاطمة الزهراء» إلى يوم القيامة، وأنّ «عليّاً» هو الاِمام بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بلا فصل بتعيين اللّه له، ولكن الصحابة بايعوا «أبا بكر الصديق» و «عمر» و «عثمان» ـ رضي اللّه عنهم ـ ولذلك فإنّهم يعتقدون أنّ أكثر الصحابة خالفوا النص، وهو قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «من كنت مولاه فعلي مولاه». (1)


1. سنن الترمذي: كتاب المناقب.


(106)

وقوله: «... اللهم والِ من والاه، اللهم عادِ من عاداه». (1)

وقد ورد كلا الحديثين فيما يرويه أهل السنّة من سنن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وآثاره، ومعناهما ـ فيما يتأوله «الاثنا عشرية» ـ الوصية له بالخلافة، ولكنها لدى أهل السنّة وصية عامة بإكرام آل البيت، وتنويه بمكانة «علي» رضي اللّه عنه.

وهم يستشهدون أيضاً بآثار أُخرى، بعضها ضعيف والآخر موضوع (زائف) تدلّ لديهم على ولاية الاِمام «علي بن أبي طالب» ـ رضي اللّه عنـه ـ وخلافته للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وهذه الآثار لا تدل عند علماء السلف والخلف من أهل السنّة على ما ذهبوا إليه من وصية الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لعلي بالخلافة من بعده؛ إذ الولاية تَرِد بمعنى النصرة والمودة والولاء والاَخوة، لا بمعنى الاِمامة والخلافة حتْماً، كما في قوله تعالى عن ولاية الموَمنين بعضهم بعضاً:

(وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَـرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ). (2)

كما قال سبحانه عن ولاية الكافرين بعضهم بعضاً:

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) . (3)

والاِمامة عند الاثني عشرية من حق «علي» رضي اللّه عنه، وأحد عشر من ذريته، حيث نص كل إمام على من بعده حسب رواياتهم المتداولة فيما بينهم.

وهم يعنون الاِمامة ركناً وأصلاً من أُصول الدين، ولكنها (أي الاِمامة) أصل مذهبي في رأيهم، فمن لم يعرف إمام زمانه ولم يُبايعْه عُدَّ خارجاً عن المذهب، ولكنّه في عامة المسلمين، وربّما غلا بعضهم فكفره، غير أنّهم يرون فسق من لم يُبايع الاِمام وكفر من يحاربه، مع أنّ الاِمام «عليّاً» ـ رضي اللّه عنه ـ لم يكفِّر


1. مسند أحمد: 1|118.
2. الاَنفال: من 72
3. الاَنفال: من 73.


(107)

الخوارج الذين كفَّروه وحاربوه، وأمر ألا يُمنعوا من المساجد، وأن يُدفَن موتاهم في مقابر المسلمين.

ويزعم «الاثنا عشرية» أنّ أئمّتهم معصومون من الخطأ، والمعصية، ولهم صفة المعرفة اللُّدُنِّية، دون حاجة إلى تلقين الرواة، فيصح لهم أن يرووا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مباشرة دون سند من الرجال، كما أنّـهم يعلمون الغيب، ولا يموتون إلاّ باختيار منهم، ولذا يعتبرون عهد الوحي مستمراً إلى غيبة الاِمام الثاني عشر، ولا يُباح الاجتهاد مع وجود الاِمام، وإنّما يبدأ الاجتهاد الفقهي بعد تلك الغيبة.

وفكرة «الاِمامة» على هذا النحو ترجع إلى آراء مغالية ظهرت في الفترات الاَولى من تاريخ المسلمين، ثم ورثها الاثنا عشرية، واتخذوها أُصولاً لهم، وكان من نتائجها إيقاع العداوة والشقاق بين جمهور المسلمين.

وممّا يدل على بطلان مبدأ «الاِمامة» بصيغته تلك ـ عند «الاثني عشرية» ـ ما فعله الاِمام «علي» رضي اللّه عنه؛ إذ بايع «أبا بكر الصديق»، ونصره بنفسه وولده، ممّا يدل على عدم وجود نص لديه يوصي له بالاِمامة، ولو وُجِد هذا النص لاَخذ به الصحابة ـ رضوان اللّه عنهم ـ الذين كانوا أشد حرصاً على طاعة اللّه ورسوله، وكذلك بايع «علي» ـ رضي اللّه عنه ـ كلاَّ ً من «عمر» و «عثمان» ـ رضي اللّه عنهما ـ بالخلافة، وسمى أولاده بأسمائهم، كما زوّج «عمر بن الخطاب» من ابنته «أُم كلثوم»، وأخلص لهوَلاء الخلفاء الثلاثة المشورة والنصرة.

وكل هذه الوقائع تدل على أنّه بايع مختاراً، وليس مكرهاً كما يدعي «الاثنا عشرية»، وعندما سئل وهو على فراش الموت عمن يستخلفه من بعده، قال: «لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم».

ولو كانت الاِمامة حُدِّدت في «علي» وأولاده كما يزعمون، لعيَّـن الاِمام «علي ابن أبي طالب» ـ كرم اللّه وجهه ـ ابنه «الحسن» ـ رضي اللّه عنه ـ خليفة


(108)

للمسلمين من بعده.

وبعد أن بُويع «الحسن» بالخلافة، صالح «معاوية بن أبي سفيان» ـ رضي اللّه عنه ـ وتنازل له عن الخلافة حقناً لدماء المسلمين، مما يسقط دعاوى القوم في بطلان ولاية أي إمام غير الاثني عشر.

ثم إنّ الاِمامة لو كانت معينة بوصية الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في «علي» وأولاده كما يرون، لما استطاع أحد من الصحابة أن يخالفها.

2. المعاد والرجعة:

تعتقد الاثنا عشرية بالمعاد واليوم الآخر، وبتفاصيل ذلك من الجنّة والنار، والنعيم والعذاب الحِسِّيَّيْـن، وبالحياة البرزخية، والحشر والنشر، والميزان والصراط كما وردت في الكتاب والسنّة، وأنّ اللّه تعالى هو الذي يحاسب الخلق على ما قدموا في حياتهم الدنيا، ويجزيهم عليها، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر.

ويعتقدون برجعة «المهدي المنتظر» الاِمام الثاني عشر «محمد بن الحسن العسكري» قبل القيامة مهما طالت غيبته ليملاَ الاَرض عدلاً كما ملئت جَوراً، ويقول بعض غلاتهم برجوع الاَئمة الاثني عشر إلى الدنيا بعد أن يكون «المهدي» قد سبقهم إليها، كما يعود إلى الحياة أعداء الاَئمّة من الصحابة وغيرهم ليُقتص منهم على روَوس الاَشهاد، ثم يموتون انتظاراً للبعث والجزاء الاَخروي.

وهذه المعتقدات الغالية ـ مما لا دليل عليه ـ ليست عامّة في مذهبهم، ولكن ما هي إلاّ روايات ضعيفة منسوبة إلى بعض أئمّتهم.

وأوّل من قال بفكرة (الرجعة) ودعا إليها «عبد اللّه بن سبأ» اليهودي، فأخذ يقول برجعة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مثل «عيسى» عليه السّلام، واستشهد بقول اللّه تعالى:


(109)

(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَـى مَعَادٍ) . (1)

ثم قال برجعة «علي بن أبي طالب» ـ رضي اللّه عنه ـ . وقد ترتب على القول بعقيدة «الرجعة» تمزيق الصف الاِسلامي، وتقوية الفرقة بين الشيعة وأهل السنّة، كما أثَّرت في دعاة الفرق الغالية المتأخرة التي تشبثت بهذه الاَقاويل الفاسدة، من آخرهم: «ميرزا محمد» موَسس «البابية» (وهي فرقة دينية نشأت بإيران منشقة عن الاثني عشرية إبان القرن 13 هـ = 19 م) و «الميرزا حسين، بهاء اللّه» موَسس «البهائية» وهي صورة متطورة من البابية اختلفت عنها في أهدافها وأساليبها، تنحت تقليد الغلاة السابقين، وأعلنت نفسها ديانة جديدة تنسخ الجهاد وتنادي بالسلام، وتتخذ كتباً مقدسة بديلة عن القرآن، وتهدد وحدة الاَُمة الاِسلامية بوجه خاص، وتحظى بتأييد الغرب وأجهزته الاستعمارية، ويعيش روَساوَها الآن في ظعن الدولة الصهيونية التي تحتل فلسطين.

3. سب بعض الصحابة وأزواج الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :

ويستبيح «الاثنا عشرية» سب بعض الصحابة وأزواج الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وبخاصة السيدة «حفصة» و السيدة «عائشة» رضي اللّه عنهما، على الرغم من نهي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن سب الصحابة ـ رضوان اللّه عليهم ـ، فقال:

«لا تسبُّوا أصحابي، فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» . (2)

وبرغم أنّ سب الصحابة ـ رضوان اللّه عليهم ـ واتهامهم بالكذب قد يوَدي


1. القصص: من 85.
2. صحيح البخاري: كتاب فضائل الصحابة.

المُدّ: مكيال قديم، نصيفه: نصفه، والمراد أنّ القليل الذي أنفقه أحدهم خير من الكثير الذي ينفقه غيرهم.


(110)

إلى التشكيك في القرآن الكريم والسنّة النبوية، لاَنّهما نُقِلا عن طريق الصحابة رضوان اللّه عليهم، ومن بعدهم من علماء الاَمة بالشروط الشرعية في العدالة، والضبط وما يتصل بهما. وسب الصحابة يشيع للاَسف بين عوام الاثني عشرية، ويوجد كذلك في كتب شيوخهم وعلمائهم، وكان ينبغي تنزههم عن ذلك ما داموا يدعون إلى تقارب المذاهب والفرق الاِسلامية.

4. الطعن في القرآن الكريم ودعوى التحريف:

يوَمن جمهور «الاثني عشرية» بالمصحف الذي بين أيدي المسلمين، ويعتقد بعض غُلاتهم أنّ الاِمام «عليّاً» ـ كرم اللّه وجهه ـ والسيدة «فاطمة الزهراء» ـ رضي اللّه عنها ـ كان لهما مصحف يخالف هذا المصحف المتواتر بين المسلمين، ويزعم هوَلاء الغلاة أنّ الصحابة قاموا بتبديله فأسقطوا كثيراً من السور والآيات التي نزلت في فضائل أهل البيت، ومن جملة ما يدَّعون إسقاطه ما يسمونه سورة «الولاية»، وادّعوا أنّه كان فيها: (يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالنبي والولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى صراط مسقيم ... الخ).

وقد يضيفون أحياناً إلى بعض الآيات في السور الموجودة بالمصحف المتواتر عبارات من عندهم ليوَيدوا بها ولاية «علي» ـ رضي اللّه عنه ـ وأبناءه الاَئمة، ومن ذلك: (ألم نشرح لك صدرك [بعلي]. ومن يطع اللّه ورسوله [ في ولاية علي والاَئمة بعده] فقد فاز فوزاً عظيماً).

وهوَلاء الغلاة من دعاة التحريف يتواصون بالعمل بما في المصحف الذي بين أيدينا؛ حتى يخرج «المهدي» ومعه المصحف الكامل في زعمهم.

ولا يخفى أنّ ما ذهبوا إليه باطل من أساسه، فقد تكفَّل اللّه تعالى بحفظ القرآن، فقال:


(111)

(إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ). (1)

وقد روت الاَمة ـ بأجيالها المتعاقبة وشعوبها في أركان الاَرض ـ القرآن الكريم بسوره وآياته وحروفه بالتواتر والاِجماع، كما شهدت الاَمة كلها على مدى (14) قرناً أنّ المصحف الذي بين الدفتين هو القرآن الذي نزل على محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دون تحريف أو تبديل، ولم يثبت وجود مصحف لعلي أو «فاطمة الزهراء» ـ رضي اللّه عنهما ـ مخالف لما في أيدي المسلمين، وكان سائر أئمتهم يتلون هذا القرآن في صلواتهم ويستشهدون به في دروسهم، وكل ما روي عنهم ما زال على ما هو عليه الآن في أيدي المسلمين.

وقد سئل «علي بن أبي طالب» نفسه: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن، فقال: والذي فَلَقَ الحَبَّة وبَرَأَ النَّسمَةَ (كل كائن حي فيه روح) ما عندنا إلاّ ما في القرآن، إلاّ فهماً يُعْطَى رجل في كتابه ...». (2)

وهذا ما أجمع عليه المسلمون كافة.

5. التَّقِيَّة:

ويقصدون بها أن يُظهر الاِنسان خلاف ما يُبْطن، فيقول شيئاً ويضمر غيره، أو أن يقوم بعمل تعبدي لا يعتقد صحته، ثم يوَديه بعد ذلك بالصورة التي يعتقد صحتها، فالشيعي يتصرف بين خصومه كما لو كان يدين بعقيدتهم. وقد بدأوا العمل بهذا المبدأ منذ القرن الرابع الهجري، وقد يصل العمل بهذه التقية إلى حد استباحة الكذب والنفاق، وإخفاء العقيدة الاَصلية عن الخصوم، ومع هذا فإنّهم ينسبونها إلى أئمّتهم؛ بل يرفعونها إلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيما زعموا، مع أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ـ


1. الحجر: 9.
2. صحيح البخاري: كتاب الديات.


(112)

وأبناءه من علماء أهل البيت ـ كانوا أبعد الناس عن التقية، وكانوا من الشجاعة والاِقدام بحيث يتحملون المشاق الناجمة عن مواقفهم وآرائهم بلا خوف أو تردد.

وهم ينسبون إلى «جعفر الصادق» قوله: «التقية ديني ودين آبائي». والتقية مبيحة للكذب والنفاق مبدأ مذموم في الاِسلام، قال تعالى في معرض ذمه للمنافقين:

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إَلَـى شَيَـطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ). (1)

وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «كبرت خيانة أن تُحدِّث أخاك حديثاً هو لك به مصدق وأنت له به كاذب». (2)

وقال أيضاً:

«إنّ الصدق بر، وإنّ البر يهدي إلى الجنّة، وإنّ العبد ليتحرى الصدق حتى يُكتب عند اللّه صديقاً، وإنّ الكذب فجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النار، وإنّ العبد ليتحرى الكذب حتى يُكتب كذاباً». (3)

وقد كانت التقية من أهم الاَسباب التي أدت إلى غلو كثير من الشيعة، وإلى إنشاء الجمعيات المنحرفة ذات الاَهداف الباطنية الهدامة، وإن كان القرآن الكريم قد أباح للمسلم ـ في حالة الخوف والاِكراه الملجىء ـ أن ينطق بكلمة الكفر ظاهراً وقلبه مطمئن بالاِيمان، كما في قوله تعالى:

(إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمنِ). (4)


1. البقرة: 14.
2. سنن أبي داود: كتاب الاَدب.
3. صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب.
4. النحل: من 106.


(113)

6. البدَاء:

يقول بعض الغلاة بأنّ اللّه سبحانه وتعالى يبدو له ـ أحياناً ـ غير الذي أراده فيرجع عن إرادته الاَولى إلى الذي بَدَا له، وفي هذا مساس بالقدرة الاِلهية، والكمال الاِلهي، مما يتناقض مع العقيدة السليمة ومقتضيات العقل، كما يتعارض مع صريح القرآن الكريم، قال تعالى:

(لا يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى). (1)

وقال تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلّـمٍ لِلْعَبِيدِ). (2)

والبدَاء بهذا المعنى فكرة يهودية روجها «عبد اللّه بن سبأ» واستغلها بعض الشيعة، لئلا يظهر على أئمّتهم كذب فيما يدعونه من علم الغيب، فإن تحقق ما يقولونه لاَتباعهم، قالوا لهم: ألم نُعلمكم أنّ هذا سيكون، فنحن نعلم من قِبَل اللّه عزّ وجلّ ما علمته الاَنبياء عن اللّه، وإن جاء الواقع بخلافه اعتذروا لشيعتهم وقالوا لهم: بدا للّه في ذلك أمر.

ولكن «الاثني عشرية» وإن قالوا بالبداء، فهم يفسرونه بمثل ما قال به بعض أهل السنّة، من قضاء مبرم وقضاء معلق، وما أشارت إليه خواتيم سورة الرعد من محو وإثبات:

(يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَـبِ). (3)

فأمّا القضاء المعلَّق فهو ما توجهت إليه الاِرادة من البداية معلقاً على شرط حصوله، وكلاهما مراد منذ البدء دون بداء أو تغير في العلم أو الاِرادة، وليس هذا من قبيل ما كان يلجأ إليه كذبة الغلاة تضليلاً لاَتباعهم حين يتخلف بعض ما قالوا،


1. طه: من 52.
2. ق: 29.
3. الرعد: 39.


(114)

ولا هو مستلزم لنسبة الجهل أو تخلف المعلوم إلى اللّه تعالى ويقولون بأنّ النسخ في عالم التكوين كالنسخ في عالم التشريع، فكما أنّ للنسخ حكماً وأسراراً قد تظهر أو لا تظهر، فللبداء بهذا المعنى حكم ومصالح قد تخفى على العباد.

7. زواج المتعة:

وهو الزواج لمدة محددة، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد أباحه في بدء البعثة (1) ثم حرمه تحريماً موَبداً بعد ذلك وثبت ذلك عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، كما حرمه الاِمام «علي بن أبي طالب» أيضاً وعمل الاِمام حجة ملزمة عند الشيعة، ومع هذا فإنّ جمهور الشيعة وبعض علمائها يبيحونه ويستدلون له بآية من سورة النساء كما يوَولونها، وهي قوله سبحانه:

(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَـََاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) . (2)

وإباحة زواج المتعة يُسبب اضطراب العلاقة الزوجية، ويهز أركان الاَسرة المسلمة، وإن كانوا يبررونها بأمور، منها أنّها تحل مشاكل الشباب المسلم حين يرحل إلى خارج العالم الاِسلامي، غير أنّ مسألة نكاح المتعة على كل حال حكم فرعي لا يتصل بالعقيدة.

وقد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نسخه، حيث قال:

«يا أيها الناس إنّـي قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وإنّ اللّه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليُخَلّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً». (3)


1. الصحيح: في دار الهجرة.
2. النساء: من 24.
3. صحيح مسلم: كتاب النكاح.


(115)

8. بدع يوم عاشوراء:

يقوم عوام الشيعة بضرب ظهورهم بالسلاسل حتى يدموها، وضرب أجسادهم بالسيوف حتى يقطعوها حزناً على استشهاد «الحسين» وفقده، أو تطهراً من مسئولية خذلانه، وغالباً ما توَدي هذه العادات المنكرة إلى حدوث صراع بين الشيعة والسنّة في المجتمعات المشتركة، وذهاب العديد من الاَرواح البريئة. وليست هذه الاَمور من أُصول المذهب أو فروعه، ولكنها شاعت بين جماهيره ـ وخاصة العوام منهم ـ في أقطار عديدة.

وكانت السياسة الاستعمارية قد روجت لشيوع ذلك في العالم الاِسلامي منذ (200) عام، وبخاصة في شبه القارة الهندية، ولا يزال لهذه العادة نفوذ بالغ وأثر سيىَ هناك؛ وإن أخذت تقل حدتها وتختفي في مناطق أُخرى. ويستغل أعداء الاِسلام فرصة هذه المواكب المشينة في يوم عاشوراء، ويسجلونها، ويصفون المسلمين من أجلها بالوحشية والرجعية.

9. الخُمُس:

يرى الاثنا عشرية وجوب دفع الخمس من دَخْل كل اثني عشري في كل عام إلى مراجع المذهب، وهم المجتهدون من قادة الطائفة الذين يتبعهم العوام ويقلدونهم ويلتزمون بفتاواهم، وذلك لينفق منه على الشوَون المذهبية والمصالح الدينية التي يقدرها هوَلاء القادة، وهم يرون ذلك بديلاً عن الزكاة وفي بعض المجتمعات التي فرضت فيها الزكاة الشرعية بحكم القانون ـ كباكستان ـ رفض الاثنا عشرية دفعها للدولة بسبب دفعهم هذا الخمس إلى مراجعهم الدينية الخاصة.

هذا وقد أحدثت «الاثنا عشرية» في الصلاة أُموراً منها «السجود على التربة


(116)

الحسينية» وذلك لاَنّهم يقدسون تراب مدينة كربلاء (النجف) التي استشهد فيها الاِمام «الحسين بن علي» رضي اللّه عنهما، فلا يكاد يخلو بيت من بيوت الشيعة من تلك التربة.

ومن مظاهر تقديسهم لها أنّهم يقومون بالسجود عليها وتقبيلها والتبرك بها، بل وأكل قليل منها للشفاء ـ على الرغم من أنّ الفقه الشيعي يحرم أكل التراب ـ كما يصنعون من هذه التربة أشكالاً مختلفة يحملونها في سفرهم ويسجدون عليها في صلواتهم التماساً للقبول والبركة.

وأهم تطور في حياة الفرقة «الاثني عشرية» في العصر الحديث هو اتجاههم إلى النشاط السياسي، والعمل على إقامة الدولة التي ترعى المذهب وتحقق أهدافه وتنشر مبادئه، وأهم مظهر لذلك هو قيام دولتهم المسماة «بالجمهورية الاِسلامية» في إيران التي ينظمها دستور أعلنه الخميني قائد الثورة التي أقامت هذه الجمهورية. ومارس فيها الخميني ومن بعده خليفته ـ مرشد الجمهورية ـ السلطة العليا نيابة عن الاِمام الغائب حتى يظهر بناءً على ما للفقيه من سلطة وولاية حال غياب الاِمام، برغم أنّ الثورة قبل قيام الجمهورية كانت تبدي وجهاً إسلامياً متسامحاً، ولا تتورط في مثل هذه الاَمور الطائفية، ولكن بعض الشيعة من المجتهدين وغيرهم في بعض أنحاء العالم الاِسلامي يرون أنّ ولاية الفقيه بهذا المفهوم السياسي ليست من مسلمات المذهب، وأنّ الاَقرب إلى موقف الاَئمة وخاصة «علي» ـ رضي اللّه عنه ـ تقديم وحدة الاَمة على مسائل الاِمامة، وجمع كل المسلمين على ما يحفظ مصالحهم في ظل الشريعة الخاتمة أياً كان شخص الحاكم القائم بذلك فيهم، فعسى أن يحقق اللّه ذلك وهو الغالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

* * *


(117)

كان هذا نص المقال المنشور في دائرة المعارف الموسومة بـ «السفير» ، وقد بلغنا أنّ بعض المهتمين بهذه الموسوعة قد وقف على أنّ فيه بخساً لبعض حقوق الاثني عشرية فاستعدوا لتصحيحها بإرشادهم إلى مواقف الخطأ والاشتباه حتى يستدركوا في الطبعة الثانية فقمنا بعملين:

1ـ التنويه بمواضع الخطأ والاشتباه في المقال المطبوع وناقشناها بأرقام متسلسلة. وهذا هو الذي نقدمه في هذه الكراسة.

2ـ تأليف مقالٍ (1) يتضمن تاريخ الفرقة الاثني عشرية وجذورهم وأُصولهم وعقائدهم ودورهم في بناء الحضارة الاِسلامية. سوف يرسل إلى اللجنة التي ترأس دائرة المعارف إذا طلبت منا. راجين أن ينشر بدلاً عن المقال المنشور سابقاً.

ونقتصر في النقد والتحليل بما يمتّ إلى المذهب الاثني عشري بصلة وأما ما طرحه في ثنايا المقال من مسائل سياسية واشتباهات من تحالف الصفوية مع انكلترا، فنمر عليها مر الكرام.


1. المراد الرسالة الا َُولى في هذه المجموعة وقد ألف بعد هذا المقال ونشر في صحيفة اللواء.


(118)

تحليل المقال ونقده

1. يقـول: «من أسمائهم الرافضة لاَنّهم رفضوا نصرة الاِمام زيد بن علي زين العابدين (79 ـ 122 هـ) حين طلبـوا منـه سبَّ أبي بكرٍ وعمر (رضي اللّه عنهما) فأبى».

مناقشتنا:

إنّ الرافضة مصطلح سياسي قد كان رائجاً قبل ولادة زيد بن علي بأعوام، وكان يطلق على من لم يعترف بشرعية النظام السياسي الحاكم، ولاَجل ذلك نرى أنّ معاوية يصف مخالفي علي عليه السّلام بالرفض ويُسمِّيهم بالرافضة.

ينقل نصر بن مزاحم المنقري (212 هـ) في كتابه «وقعة صفين» عن معاوية، أنّه كتب إلى عمرو بن العاص وهو في البِيع في فلسطين، أمّا بعد: فانّه كان من أمر عليّ وطلحة والزبير ما قد بلغك وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة وقدِمَ علينا جريرُ بن عبد اللّه ...» (1)

ترى أنّه يصف مروان بن الحكم ومن كان معه بالرفض وما ذلك إلاّ لاَنّهم


1. نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين: 29، ط: مصر.


(119)

لم يعترفوا بشرعية حكومة الاِمام علي عليه السّلام وهذا يعرب عن تقدم الاستعمال على ولادة زيد.

إنّ الشيعة عن بكرة أبيهم لم يعترفوا بشرعية خلافة غير الاِمام فصاروا رافضة، كما أنّ الخوارج والاَمويين بما أنّهم لم يعترفوا بشرعية خلافة الاِمام سُمّوا رافضة.

فلا يصح اسناد تسمية الشيعة بالرافضة إلى زيد بن علي عليه السّلام ، فما جاء في المقال مأخوذ من كتب المخالفين.

يقول البزدوي: «وإنّما سمّوا روافض، لاَنّهم وقعوا في أبي بكر وعمر فزجرهم زيد فرفضوه فسُمُّوا روافض» (1)

والتاريخ يشهد بأنّ الشيعة كانت تسمى بالرافضة في أعوام متقدمة على ميلاد زيد (2).
2. يقول الكاتب في شأن الاِمام الثاني عشر :

«محمد بن الحسن المتوفى سنة 265 = 878 الخ».

مناقشتنا:

الاِمام الثاني عشر عند الاثني عشرية حيّ يُرزق فكيف يقول بأنّه المتوفى سنة 265 ؟! . والظاهر انّه من هفوة القلم. كما انّ عدّ الاِمام الكاظم عليه السّلام الاِمام الخامس ناشىَ من قلة الاِمعان في دراسة الموضوع.


1. البزدوي، أُصول الدين: 248.
2. المرتضى، الاَمالي: 1|68، قسم التعليق، لاحظ: بحوث في الملل والنحل: 1|122ـ 125.


(120)

3. يقول في عدد الشيعة:

«ويبلغ عدد الشيعة بعامة فرقها، قرابة 100 مليون شخص يمثلون حوالي 10% تقريباً من اجمالي عدد المسلمين».

مناقشتنا:

أنّ دوائر الاحصاء في العالم تحت نفوذ الصهاينة، وأعداء الاِسلام وهمّهم تقليل المسلمين وتكثير غيرهم.

وعدد الشيعة ما يقارب 250 مليون شخص وهم يمثلون 25% تقريباً من اجمالي عدد المسلمين لو صح أنّ عددهم في العالم يبلغ ميليار مسلم.
4. يقـول: «وفي أواخر عهد الاِمام السادس، جعفر الصادق أخذ بعض الغلاة يتجمعون حول ولده إسماعيل مما دفعه إلى جمع الناس وإشهادهم على وفاة إسماعيل الذي مات في حياة أبيه عام 143».

مناقشتنا:

أنّ إسماعيل أعلى شأناً ومقاماً من أن يجتمع حوله بعض الغلاة ويستغلوا مكانته الاجتماعية، والدليل على ذلك «انّ الاِمام جعفر الصادق عليه السّلام كان يحبه حباً كثيراً وعندما توفي جزع أبو عبد اللّه عليه السّلام جزعاً شديداً، وتقدم سريره بغير حذاء ولا رداء وأمر بوضع سريره على الاَرض قبل دفنه، مراراً واستناب أجيراً ليحج عنه وكتب على كفنه: إسماعيل يشهد أن لا إله إلاّ اللّه» (1)

فلو كان إسماعيل ممن تستغله الغلاة لما كال له الاِمام الصادق بهذا الصاع الكبير.


1. المفيد، الارشاد: 284؛ ابن شهر آشوب: المناقب: 4|308، وغيرهما.


(121)

وأمّا استشهاد الاِمام على وفاته فلم يكن لاَجل اجتماع الغلاة حوله، بل كان ردّاً لما اشتهر بين الشيعة في ذلك اليوم، أنّ الاِمامة للولد الاَكبر وكان إسماعيل أكبر ولده، فلاَجل إبطال تلك الفكرة أشهد الاِمام عليه السّلام على وفاته، ومع ذلك ذهبت ثلة من الشيعة ـ بعد وفاة الاِمام الصادق عليه السّلام ـ إلى إمامة ولده محمد بن إسماعيل.
5. يقول في حق الاِمام الكاظم عليه السّلام : «وقد قام بأمر الطائفة في نطاق سياسة أبيه جعفر التي نزعت إلى السَّلم» .

مناقشتنا:

انّ نسبة النزوع إلى السَّلم إلى الاِمام الصادق وولده الكاظم عليمها السّلام نسبة خاطئة مستندة إلى النظر إلى ظواهر الاَحوال من دون فحص عمّـا كان يقوم به الاِمام عليه السّلام سرّاً، فقد كان الاِمام الصادق عليه السّلام يدعم ثورة زيد وثورات الآخرين التي تلت ثورته.

وكان الاِمام الكاظم عليه السّلام مسانداً لثورة الحسين بن علي الخير (شهيد فخ).

نعم كانت المصالح يومذاك تستدعي كون الحركة ثقافية في الظاهر، ودعم الكفاح المسلّح ضد الطغاة سراً لا علانية.

وبذلك يعلم عدم صواب كلامه الآخر ، حينما قال: «وكان الشيعة الاثنا عشرية قد اتجهوا وجهة ثقافية روحية بتأثير جعفر الصادق وأعرضوا عن النشاط السياسي إلى حد كبير».

ولا نعود إلى نقده.


(122)

6. يقول: «وعلى الرغم ممّا يوَخذ عليهم في أثناء هذه الفترة فقد أسهموا في تحويل بعض قادة المغول إلى الاِسلام وإلى التشيع بطبيعة الحال، ولكنّهم أحسوا ببعض القوة في العهد الجديد الذي أعقب سقوط الخلافة العباسية، ممّا كان له أثر في إشعال الجدل الطائفي الذي يتمثل في عدة موَلفات من أبرزها كتاب الحسن بن المطهر «منهاج الكرامة» الذي ردّ عليه ابن تيمية بكتابه «منهاج السنّة» .

مناقشتنا:

انّ السقيفة التي تم فيها الانتخاب المسرحي للخلافة كان مبدأً لانفتاح باب الجدل الطائفي وربّما أعقب حروباً دامية ولاَجل ذلك يقول الشهرستاني: «وأعظم خلاف بين الا َُمة خلاف الاِمامة إذ ما سُلّ سيف في الاِسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الاِمامة في كلّ زمان» (1)، وقد اشتد الجدال الكلامي في القرن الثاني في عصر الاِمام الباقر عليه السّلام والصادق عليه السّلام يعلم ذلك من المناظرات التي دارت بين تلاميذهما كهشام بن الحكم، وموَمن الطاق، وهشام بن سالم، مع مخالفيهم. وفي القرن الرابع والخامس استفحل فيهما الجدال في الاِمامة بين المعتزلة والشيعة الاِمامية وهذا هو عبد الجبار القاضي المتوفى عام 415 هـ ألف كتابه المغني في عشرين جزء وخص الجزء الاَخير بمسألة الاِمامة في الردّ على الاِمامية، ونقضه السيـد المرتضى (355 ـ 436 هـ) بكتاب أسماه «الشافي» وقد طبع في أربعة أجزاء ولخصه تلميذه الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) إلى غير ذلك من الموَلفات الكلامية قبل حلول القرن السابع. والذي يدل على سبق الجدال انّه ألف عشرات الكتب باسم الاِمامة قبل حلول القرن الرابع. لاحظ الذريعة (2)


1. الشهرستاني، الملل والنحل: 1|24 دار المعرفة، بيروت ـ 1402 هـ.
2. آقا بزرگ الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج2، مادة الاِمامة.


(123)

7. يقول: «وفي أواخـر عهــد الاَئمّة كان من بين الاثني عشرية رجـل بلغ النشاط والحماسة للمذهب، مع نزوع إلى الغلو اسمه محمد بن نصير النميري...».

مناقشتنا:

كان اللازم لمن يريد أن يكتب عن الاثني عشرية أن لا يكتب عن الغلاة شيئاً لاَنّ الغلاة عندهم وعند جمهور المسلمين ليسوا بمسلمين.

8 . يقول: «انّ المرجعية الدينية بعد موت العسكري وغيبة ولده المهدي ترجع إلى لجنة من أربعة أشخاص، هم: عثمان بن سعيد العمري، ومحمد ابن عثمان بن سعيد، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري».

مناقشتنا:

انّ ما ذكره من غرائب الهفوات فانّه لم تكن هناك أي لجنة بينهم لاِدارة أُمور الشيعة بل كان كل واحد من الاَربعة سفيراً عن الاِمام في عصر يختلف عن عصور الآخرين.

وإليك تاريخ سفارتهم:

1 ـ عثمان بن سعيد العمري وكانت سفارته ما بين 260 ـ 265 هـ.

2 ـ محمد بن عثمان العمري وكانت سفارته ما بين 265 ـ 305 هـ.

3 ـ الحسين بن روح النوبختي وكانت سفارته بين 305 ـ 326 هـ.

4 ـ علي بن محمد السمري وكانت سفارته بين 326 ـ 329 هـ.


(124)

9. يقول: «ولكن الاثني عشرية ينكرون مزاعم ابن نصير ويكفرون من اعتقد هذه الاَقاويل بصرف النظر عن العلاقات العملية التي قد تقوم بين الطائفتين» .

مناقشتنا:

انّ صدر هذا الكلام يناقض ذيله، فإذا كانت الاثنا عشرية يكفرون النصيرية فما معنى العلاقات العملية التي تقوم بين الطائفتين؟!
10. يقول: «إلى أن قامت للاثني عشرية دولة في إيران لاَول مرة في التاريخ على يد الشاه إسماعيل (906 ـ 930) الخ».

مناقشتنا:

مضافاً إلى أنّ مبدأ الحكومة الصفوية كان عام 905 لا 906، انّه قد سبقت الدولة الصفوية في إيران، دولة البويهيين في العراق، وما اتصل بها من بلاد فارس وغيرها، ودولة السربدارية في خراسان حوالي 780، وقد طلب رئيس الدولة السربدارية وهو علي بن موَيد من الشهيد الاَوّل محمد المكي العاملي (734 ـ 786) السفر إلى خراسان فامتنع الشهيد عن ذلك وأرسل إليهم رسالة اللمعة الدمشقية وهي دورة فقهية مختصرة على أساس الفقه الاِمامي.

وكذلك دولة السلطان خدابنده المغولي الذي تشيّع على يد العلاّمة الحلي وأمر بذكر «حيَّ على خير العمل» في الاذان وضرب السكة بأسماء أئمّة أهل البيت عليهم السّلام . وكان حاكماً على البلاد بين سنة 703 ـ 716.


(125)

11. يصف الشاه إسماعيل بقوله: «الذي نزع هو وخلفاوَه إلى التشيع على الرغم من أُصولهم السنية الصوفية».

مناقشتنا:

انّه لم يكن الشاه إسماعيل ولا أبوه وجده سنيّين وإنّما طرأ عليهم التشيع في القرن الثامن وأوّل من تشيع منهم جدهم الاَعلى صفي الدين الاَردبيلي المتوفى عام 735 أي قبل نشوء الدولة الصفوية بقرنين.
12. يصف حكم الصفويين بأنّهم كانوا خلال حكمهم في عداء شبه مستمرّ مع الخلافة العثمانية ونشبت بينهما الحروب التي أسهمت في انحسار المد الاِسلامي عن أوربا وتمزّق بلدان العالم الاِسلامي وتفككها. الخ» .

مناقشتنا:

لا شك أنّه قامت بين الدولتين حروب طاحنة إنّما المهم هو تعيين المعتدي، والكاتب كتبَ وقد أغمض عينَه عن الواقع التاريخي فانّ اعتداء الخلافة العثمانية على الشيعة إلى عهد انقراضها، كالشمس في رائعة النهار وقد قتل السلطان سليم العثماني من الشيعة في يوم واحد حوالي أربعين ألفاً، مضافاً إلى اعتداءات وجرائم نكراء بأيدي عُمّـاله في العراق والشام ولبنان ضد المواطنين الشيعة، وقصة الجزار معروفة فمن أراد أن يقف على تلك الاعتداءات ويتعرف على البادىَ فليراجع كتاب «الشيعة والحاكمون» وبما أنّ التفصيل في المقام موجب لجرح العواطف نقتصر على هذا الموجز.

ثم إنّ الخلافة العثمانية كانت في عهد الصفويين في ذروة قدرتها وسلطانها، ولم يكن آنذاك أيّ انحسار للمد الاِسلامي.


(126)

وإنّما بدأ الانحسار في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجري لعللٍ داخلية وخيانات في البلاط العثماني، والضباط الاَتراك العملاء للاَحزاب العلمانية.

ولا تنسَ يا كاتب ! أنّ فكرة العروبة والقومية العربيّة التي كان يتبّناها سياسيو الا َُمة العربية في القرنين الاَخيرين، كانت هي الضربة القاضية على هيكل الخلافة العثمانية، وهذه الفكرة بعد لا تزال حيّة، ولما سقطت قلعة العثمانيين ارتفعت قلاع باسم الدول العربية تحمل الشعارات القومية بدل الاِسلامية.

لا تكشفن مغطّاً فلربّــ * ـمـا كشّفــتَ جيفــــةً

تلك شقشقة هدرت ثم قرّت.
13. يقول عن عهد الشاه عباس الصفوي بأنّه: «توقف الحج إلى مكة في عهده ووجبت زيارة مدينة مشهد وهي مدينة طوس القديمة الخ».

مناقشتنا:

انّه لو ثبت انّ الحج توقف يوم ذاك فانّما توقف لفقد شرط وجوبه وهو أمن السرب والطريق ولم يكن المنع مختصاً بهذا العصر ففي عصر القرامطة مُنِع المسلمون من الحج لاَجل فقد شرطه.

على أنّ عمل فرد من ملوك الشيعة لا يعتبر دليلاً على أنّه من عقائد الشيعة والكاتب بصدد بيان مذهب الاثني عشرية بما له من الاَُصول والفروع.
14. يقول: «فبرغم أنّ عدد أهل السنّة في إيران يصل إلى حوالي 20% من اجمالي عدد السكان في ايران إلاّ أنّـهم محرومون من تولي الوظائف الرئيسية في الدولة، ومن صلاة العيدين، ومن بناء مسجد لهم بطهران العاصمة الخ».


(127)

مناقشتنا:

انّ الكاتب كأنّه يكتب عن أُمّة بعيدة عن أعين المسلمين ووكالات الاَنباء العالمية، ونحن ندعو الكاتب لزيارة إيران حتى يرى بأُم عينه أنّ إخواننا السنّة أحرار في عقائدهم وشعائرهم كما أنّ لهم مندوبين في مجلس الشورى الاِسلامي، وانّ الجمهورية الاِسلامية هي المتبنّية للتقريب بين المسلمين عن طريق مساهمتها في تأسيس دار المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاِسلامية، وقد شارك في تأسيس تلك الدار رجال من الشيعة والسنّة من الداخل والخارج، كما وتصدر عنها مجلة رسالة التقريب، والكاتب إنّما كتب هذه السطور لاثارة الفتنة بين الاِخوة.

لكن نعود فنسأله انّ القاهرة مكتظة بالشيعة، فهل لهم فيها مكتبة رسمية أو مسجد أو مدرسة؟ وهل تسمح الحكومة بإقامة شعائرهم علناً.

انّ الحرمين الشريفين لا يختصان بطائفة دون أُخرى وإنّما هما لجميع المسلمين (سواءً العاكِفُ فيهِ والبادِ ...). (1)

ولكن الشيعة محظور عليهم التظاهر بشعائر دينهم أو بناء مسجد أو مدرسة أو مكتبة لهم.

فدع عنك نهباً صيح في حجراته ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

وأمّا ما ذكر من عدد أهل السنّة فلا أدري من أين جاء بتلك الاحصاءات فإنّ احصاء عدد النفوس في إيران لم يتم على أساس المذهب حِرصاً على وحدة الكلمة بين الطائفتين.


1. الحج: 25.


(128)

15. يقول: «وقد تطور مذهب الاثني عشرية على مرّ الزمن وأسهم العداء السياسي والغلو المذهبي في انفراد الطائفة بعقائد ومبادىَ تتجافى عن روح الاِسلام السمحة ومقتضيات المنطق السليم» .

مناقشتنا:

انّ عقائد الاِمامية مأخوذة من الكتاب وأحاديث أئمّة أهل البيت عليهم السّلام والعقل الصريح ولم يكن هناك أي تطور فيها. نعم نضجت المسائل الكلامية عبْـر القرون كسائر العلوم الاِسلامية، ولاَجل الاشارة إلى ذلك نذكر فيما يلي ما كتب حول عقائد الشيعة في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث:

الف ـ كتب الاِمام الرضا عليه السّلام للمأمون رسالة في محض الاِسلام (1)

ب ـ وقد عرض السيد عبد العظيم الحسني عقائده على الاِمام الهادي عليه السّلام المتوفى عام 254 هـ، وهو مكتوب (2)

ج ـ وبعده توالت الرسائل العقائدية للشيعة ومعارفهم. يقف عليها من تتبع كتبهم الكلامية.

فهذا هو الصدوق (306 ـ 381 هـ) له رسالـة في عقائـد الشيعة، وللشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) رسالة أسماها «شرح عقائد الصدوق»، وللمرتضى (355 ـ 436 هـ) رسالة «جمل العلم والعمل» ومن تتبّعها يرى أنّ الرسائل كلّها على غرار واحد ولو كان هناك خلاف فانّما هو في البحوث الكلامية والتي لا تمت إلى ذات العقائد بصلة.

نحن لا نريد المقابلة بالمثل، وإلاّ فانّ الاِمام الاَشعري كتب عقائد أهل السنّة


1. الصدوق، عيون أخبار الرضا: 2|121.
2. الصدوق، التوحيد: 81 رقم الحديث 37.


(129)

في عدّة بنود في كتابه «الابانة عن أُصول الديانة» وأفرد كل واحد منها، للردّ على الفرق الاِسلامية فصارت عقائد أهل السنّة حصيلة الردود على عقائد الآخرين، ولولا هذه الفرق، لم يكن هناك سبب لعقدها.
16. يتعرض الكاتب إلى حديث الغدير ويوَوّله بأنّه لدى أهل السنّة وصية عامّة لاِكرام آل البيت والتنويه بمكانة علي رضي اللّه عنه.

مناقشتنا:

انّ من قرأ تاريخ حديث الغدير وتدبر في خطبة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قبل أن يدلي بقوله في حق علي عليه السّلام : «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» لا يشك في انّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بصدد تعيين الوصي من بعده. ونحن نذكر مقتطفاً من خطبة النبي الاَكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ذلك الحشد العظيم حتى يعلم مدى صدق قول القائل بأنّها بصدد إيصاء عام بإكرام آل البيت عليهم السّلام ؟

قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «أيها الناس انّه قد نبّأني اللطيف الخبير انّه لم يعمر نبي إلاّ نصف عمر الذي يليه من قبله، وانّي لاَظن أني يوشك أن أُدعى فأُجيب وأني مسوَول وانّكم مسوَولون فماذا أنتم قائلون؟».

قالوا: نشهد إنّك قد بلغت وجهدت ونصحت فجزاك اللّه خيراً، فقال: «أليس تشهدون أنّ لا اله إلا اللّه وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ جنته حق، وأنّ ناره حق، وأنّ الموت حق، وأنّ البعث حق بعد الموت، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّه يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى، نشهد بذلك، قال: «اللهم اشهد» ثم قال: «يا أيها الناس انّ اللّه مولاي وأنا مولى الموَمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا ـ يعني علياً ـ مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» ثم قال: «يا أيها الناس إنّي فُرطكم وأنّكم واردون عليّ الحوض، حوض أعرض مما بين


(130)

بُصرى، إلى صنعاء، فيه عدد النجوم قدحان من فضة وأنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثقل الاَكبر كتاب اللّه عزّ وجلّ سبب، طرفه بيد اللّه وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي، فانّه نبأني اللطيف الخبير انّهما لن ينقضيا حتى يردا عليَّ الحوض» (1)

وأخرجه غير واحد من أئمّة الحديث منهم الاِمام أحمد من حديث زيد بن أرقم، قال: نزلنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بواد يقال له وادي خُم، فأمر بالصلاة فصلاها بهجير، قال: «فخطبنا وظلل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال: «ألستم تعلمون، أولستم تشهدون، أنّي أولى بكل موَمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»(2).

وأخرجه الحاكم في مناقب علي من مستدركه عن طريق زيد بن أرقم من طريقين صححهما على شرط الشيخين، قال: لما رجع رسول اللّه من حجة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، فقال: «إنّـي دُعِيتُ فأجبتُ، قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، ثم قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى كل موَمن ـ ثم أخذ بيد عليٍّ فقال: ـ من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ...» (3)

وأخرجه النسائي في خصائصه عن زيد بن أرقم، قال: لما رجع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، ثم قال: «كأنّي دُعيت


1. الصواعق: 43 ـ 44 وأخرجه عن طريق الطبراني وغيره، وحكم بصحته.
2. مسند الاِمام أحمد: 4|372، وأخرجه الاِمام أيضاً في مسنده من حديث البراء بن عازب من طريقين، لاحظ الجزء الرابع الصفحة 281.
3. المستدرك: 3|109، مع أنّ الذهبي في تعليقته على المستدرك يعلق على مواضع من تصحيحات الحاكم صرح في هذا المقام بصحة الحديث.


(131)

فأجبت، وأنّـي تارك فيكم الثقلين: أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه وأهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحـوض ـ ثم قال: ـ إنّ اللّه مولاي وأنا وليّ كل موَمن ـ ثم أخذ بيد عليٍّ فقال: ـ من كنت وليه فهذا وليه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه»؛ قال أبو الطفيل: فقلت لزيد: سمعتَه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ فقال: وانّه ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينه وسمعه باذنه(1).

إنّ سوَال أبي الطفيل يعرب عن حقيقة مرّة، وهو انّه يرى التنافي بين مضمون الحديث وعمل أكثر الاَمة، فانّ الحديث نص على ولايته وخلافته، وأكثر الاَمة صرفتها عن علي، فلاَجل ذاك عاد يتعجب ويسأل، وليس التعجب مختصاً به، فهذا هو الكميت يصرح به في هاشمياته ويقول:

ويوم الدوح دوح غدير خم * أبـان له الخلافة لو أطيعــا

ولكن الرجــال تبايعــوهـا * فلم أر مثلهـا خطراً مبيعــا

ولم أر مثل ذاك اليوم يومـــا * ولم أر مثلــه حقاً أُضيعــا (2)

ولو أردنا استقصاء مصادر الحديث وأسانيده ورواته من الصحابة والتابعين والعلماء لاَحوجنا ذلك إلى تأليف مفرد، وقد قام بحمد اللّه أعلام العصر ومحققوه بذلك المجهود (3)

والمهم هو دلالة الحديث على الولاية العامة والخلافة الكبرى لعليٍّ بعد الرسول، وقبل الخوض في ذلك نقدم الا َُمور التالية:


1. الخصائص العلوية: 21.
2. الهاشميات طبعت غير مرّة وشرحها غير واحد من أدباء العصر كالرافعي المصري، والاَُستاذ محمد شاكر الخياط وقد دبَّ اليها الدس والتحريف، لاحظ الغدير: 2|181.
3. العبقات للسيد مير حامـد حسين (المتوفّـى 1306 هـ) والغدير للعلاّمة الفذ عبد الحسين الاَميني (المتوفّـى 1390 هـ) وكلاهما من حسنات الدهر .


(132)

1ـ انّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال في خطبته: «إنّ اللّه مولاي وأنا مولى الموَمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا ـ يعني علياً ـ مولاه» وهذا قرينة لفظية على أنّ المراد من «مولاه» الثانية عَيْـن المراد من «مولاه» الاَولى فالمعنى انّ اللّه أولى بي من نفسي، وأنا أولى بالموَمنين من أنفسهم، ومن كنت أولى به من نفسه، فعليّ أولى به من نفسه، وهذا هو معنى الولاية الكبرى للاِمام.

2ـ ذيل الحديث وهو قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وفي بعض الطرق «وانصر من نصره واخذل من خذله» فانّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا نصبه إماماً على الاَُمّة بعده، كان يعلم أنّ تطبيق هذا الاَمر رهن توفر الجنود والاَعوان، وطاعة أصحاب الولايات والعمّـال، مع علمه بأنّ في الملاَ من يَحسده وفيهم من يحقد عليه، وفي زمرة المنافقين من يضمر له العداء، فعاد يدعو لمن والاه ونصرَه، وعلى من عاداه وخذله، ليتم أمر الخلافة وليعلم الناس أنّ موالاته موالاة للّه وأنّ عداءه عداوَه، والحاصل أنّ هذا الدعاء لا يناسب إلاّ من نصب زعيماً للاِمامة والخلافة.

3ـ انّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صدّر كلامه بأخذ الشهادة من الحاضرين بأنّ لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه، ثم قال: انّ اللّه مولاي وأنا مولى الموَمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فقال: «فمن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه»، وهذا يدلّ على أنّ التالي، من جنس المقدم وأنّه ركن من الدين كما هما ركنان.

4ـ انّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذكر قبل بيان الولاية قوله: «كأنّـي دُعيت فأجبت» أو ما يقرب من ذلك، وهو يعرب عن أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يبق من عمره إلاّ قليل ويُحاذر أن يدركه الاَجل، فأراد سدّ الفراغ الحاصل بموته ورحلته بتنصيب علي إماماً وقائداً من بعده.

هذه القرائن وغيرها الموجودة في كلامه، توجبُ اليقين بأنّ الهدف من هذا النبأ في ذلك الحشد العظيم ليس إلاّ إكمال الدين واتمام النعمة من خلال ما أعلن


(133)

عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّ علياً قائد وإمام للاَمة، ومن أراد الحصول على المزيد من هذه القرائن فليرجع إلى كتاب الغدير القيم (1)

لا يشك من درس مضمون حديث الغدير وما احتف به من القرائن يقف على أنّ المراد منه هو نصب علي للاِمامة والخلافة وهذا هو الذي فهمه الحضور من المهاجرين والاَنصار في ذلك المحفل كما فهمه من بلغه النبأ بعد حين، ممن يحتج بقوله في اللغة، وتتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء ورجال الاَدب إلى العصر الحاضر، وهذا هو حسان بن ثابت الذي حضر مشهد الغدير قد استأذن رسول اللّه أن ينظم الحديث في أبيات منها قوله:

وقـــال له قـم يا علي فاننـي * رضيتك من بعدي إماماً وهاديا (2)

17. يقول: «وهذه الآثار لا تدل عند علماء السلف والخلف من أهل السنّة على ما ذهبوا إليه من وصية الرسول لعلي بالخلافة من بعده إذ الولاية ترد بمعنى النصرة والمودة والولاء والاخوة لا بمعنى الاِمامة والخلافة حتما».

مناقشتنا:

انّه ورد في الحديث لفظ المولى وليس له إلاّ معنى واحد وهو الاَولى، قال سبحانه: (فاليومَ لا يُوَخَذُ مِنْكُم فِديةٌ ولا من الّذِينَ كَفَروا مَأواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وبِئْسَ المَصِير ) . (3)

وقد فسر المولى في الآية بمعنى الاَولى، وإذا استعمل في مورد الجار وابن العم والعبد وغيرهم فبنفس ذاك الملاك فالجار أولى بأن يحمي الجار، وابن العم


1. الغدير: 1|370، وقد ذكر هناك ما يقرب من عشرين قرينة على ما هو المراد من الحديث.
2. رواه غير واحد من حفّاظ الفريقين لاحظ الغدير: 2|35 ـ 37.
3. الحديد: 15.


(134)

أولى بنصر ابن عمه، والعبد أولى بإطاعة أمر مولاه وهكذا.

والدليل على أنّ المولى في حديث الغدير بمعنى الاَولى هو كلام الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قبل هذه الجملة فقد قال: «ألستم تشهدون أني أولى بكلِّ موَمن من نفسه؟ قالوا: بلى. قال: فمن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه» (1)

على أنّ ذكر التوحيد والمعاد والرسالة في خطبة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والتنويه برحيله عن قريب وذكر الثقلين، كل ذلك يعرب عن أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بصدد بيان أمر خطير فيه اكمال الدين واتمام النعمة لا بصدد الايصاء بإكرام أهل بيته الذي لم يكن أمراً مستوراً على الا َُمّة.

أضف إلى ذلك أنّه لو كان الهدف من كلام النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو الايصاء بالمحبة والمودة فلماذا أخره إلى أُخريات أيام حياته الشريفة؟ ولماذا نوه به في حشدٍ عظيم في صحراء لا يخيم على الناس فيها إلاّ حر الشمس؟ أوليس هذا بعيداً عن بلاغة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ورعاية مقتضى الحال؟
18. يقول: «والشيعة يستشهدون أيضاً بآثار أُخرى بعضها ضعيف والآخر موضوع».

مناقشتنا:

ماذا يريد بالآثار الموضوعة؟ فالشيعة تستدلّ بحديث الثقلين الذي مرّ في كلام الرسول في خطبة الغدير، وأخرجه الترمذي والنسائي في سننهما، وأحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه فلاحظ المصادر التالية:

الف ـ كنز العمال 1|44.


1. مسند الاِمام أحمد: 4|374 و 281 وغير ذلك.


(135)

ب ـ مسند أحمد 5|182 و 189 و ج 3|17 و 26.

ج ـ المستدرك للحاكم 3|109.

إلى غيرها من المصادر المتوفرة التي يضيق المقام عن بيانها.

وقد ألف غير واحد من المحققين رسائل في أسانيد هذا الحديث.

وتستدل الشيعة بحديث السفينة وفيه يقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق».

يرويه الحاكم بسنده إلى أبي ذر، لاحظ ج3|151، وبسنده إلى ابن عباس ج3|149، ويرويه النبهاني في أربعينه ص 216، نقله عن الطبراني في الاَوسط، ويرويه ابن حجر في صواعقه الباب الحادي عشر ص 91 و 149.

والشيعة تستدل بحديث الاَئمّة الاثني عشر، فقد أخرج البخاري عن جابر ابن سمرة، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول: يكون اثنا عشر أميراً فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلهم من قريش» (1)

وأخرج مسلم عنه أيضاً، قال: دخلت مع أبي على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فسمعته يقول: «انّ هذا الاَمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» قال ثم تكلم بكلام خفي عليّ، قال: فقلت لاَبي: ما قال؟ قال: «كلهم من قريش» (2) إلى غير ذلك من الاَحاديث التي جاءت في المجاميع الحديثية. فما ظنك بحديث يرويه الشيخان؟ فهل ما يرويه الاِمام البخاري موضوع فلو كان موضوعاً (فَبأيّ حَدِيثٍ بَعدَهُ يُوَْمِنُون) (3)!!

إنّ الاَحاديث التي تنص على عدد خلفاء النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتذكر سماتهم أكثر


1. صحيح البخاري: 9|101، كتاب الاَحكام، الباب 51 (باب الاستخلاف).
2. صحيح مسلم: 6|3. باب الناس تبع لقريش من كتاب الامارة .
3. الاَعراف: 185.


(136)

ممّا نقلناه و نقتصر في المقام على نقل السمات الواردة فيها حتى نتعرّف من خلالها على أصحابها فقد ورد فيها:

1ـ لا يزال الاِسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.

2ـ لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً.

3ـ لا يزال الدين قائماً.

4ـ لا يزال أمر أُمّتي صالحاً.

5ـ لا يزال أمر هذه الا َُمّة ظاهراً.

6ـ حتى يمضي فيهم اثنا عشر.

7ـ ما وليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش.

8 ـ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل.

وهذه السمات والخصوصيات لا توجد مجتمعة إلاّ في الاَئمّة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين، وتلك الاَحاديث من أنباء الغيب ومعجزات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خصوصاً إذا ضُمّت إليها أحاديث الثقلين والسفينة وكون أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أماناً لاَِهل الاَرض كما أنّ النجوم أمان لاَِهل السماء.

فالاَئمّة الاثنا عشر المعروفون بين المسلمين، أوّلهم علي أمير الموَمنين عليه السّلام ، وآخرهم المهدي عليه السّلام تنطبق عليهم تلك العلائم، ومن وقف على حياتهم العلمية والاجتماعية والسياسية يجزم أو يقطع بأنّهم هم المثل العليا في سماء الاَخلاق والعلم والاحاطة بالقرآن والسنّة، وأنّه سبحانه بهم حفظ دينه عن التحريف وبهم اعتزّ الدين.

وأمّا ما ورد في بعض هذه الطرق: «كلّهم تجتمع عليهم الا َُمّة» على فرض الصحّة، فالمراد تجتمع على الاقرار بإمامتهم جميعاً وقت ظهور آخرهم، و ـ على


(137)

فرض الاِبهام ـ لا تمنع عن الاَخذ بمضامين الحديث.

هلمّ معي نقرأ ماذا يقول غير الشيعة في حق هذه الاَحاديث، وكيف يفسّـرها بالخلفاء القائمين بالاَمر بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ ولننقل إليك شيئاً من كلامهم:

إنّ قوله اثنا عشر إشارة إلى عدد خلفاء بني أميّة وأوّل بني أميّة يزيد بن معاوية وآخرهم مروان الحمار وعدتهم اثنا عشر ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابن الزبير لكونهم صحابة، ولا مروان بن الحكم لكونه صحابياً أو لاَِنّه كان متغلباً بعد أن اجتمع الناس على عبد اللّه بن الزبير، وليس على المدح بل على استقامة السلطنة وهم يزيد بن معاوية وابنه معاوية ثم عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد بن عبد الملك ثم هشام بن عبد الملك ثم الوليد بن يزيد ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد ثم مروان بن محمّد (1)

يلاحظ عليه: إذا كان الرسول أراد هذا ولم يكن في مقام مدحهم فأي فائدة في الاخبار بذلك. ثم كيف يقول إنّها صدرت على غير سبيل المدح مع ما عرفت من السمات الواردة الصريحة في المدح فيقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً قائماً»، أو «أمر أُمّتي صالحاً» والعجب أنّه جعل أوّل الخلفاء يزيد بن معاوية بحجّة أنّه استقامت له السلطنة، إذ كيف استتبّت له السلطنة وقد ثار عليه أهل العراق في السنة الاَولى وثار عليه أهل المدينة في السنة الثانية وكان مجموع أيّامه موَلف من حروب دامية وقتل ونهب وتدمير.
19. يقول: الاِمامة عند الشيعة ركن وأصل من أُصول الدين ولكنها (أي الاِمامة) أصل مذهبي في رأيهم فمن لم يعرف أمام زمانه ولم يبايعه عدّ خارجاً عن


1. فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 13|212 ط دار المعرفة. وفي المصدر: عدتهم ثلاثة عشر .


(138)

المذهب ولكنّه في عامة المسلمين وربّما غلا بعضهم فكفره الخ» .

مناقشتنا:

انّ الاِمامة عند الشيعة من الاَُصول ولكن انكارها لا يلازم الخروج عن الاِسلام بل يوجب الخروج عن حظيرة التشيع ثم إنّ الكاتب يذكر في ذيل كلامه أنّ علياً لم يكفّر الخوارج الذين كفّروه وحاربوه» وليس لكلامه هذا صلة بعقائد الشيعة. فانّ الشيعة عن بكرة أبيهم يعدون أهل السنّة إخواناً وإن كانوا خاطئين في مسألة الاِمامة.
20. قال: «ويزعم الاثنا عشرية أنّ أئمّتهم معصومون من الخطأ والمعصية، ولهم صفة المعرفة اللّدُنِّية، دون حاجة إلى تلقين الرواة فيصح لهم أن يرووا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مباشرة دون سند من الرجال، كما أنّهم يعلمون الغيب، ولا يموتون إلاّ باختيار منهم، ولذا يعتبرون عهد الوحي مستمراً إلى غيبة الاِمام الثاني عشر، ولا يباح الاجتهاد في وجود الاِمام، وإنّما يبدأ الاجتهاد الفقهي بعد تلك الغيبة».

مناقشتنا:

انّ هذه الفقرة تشتمل على أُمور صحيحة، وأُخرى خاطئة نشير إليها على وجه الاجمال لاَنّ التفصيل يحوجنا إلى إفراد رسالة خاصة.

ألف ـ انّ الاَئمّة الاثني عشر معصومون من الخطأ والمعصية بدليل انّهم عدل الكتاب وقرناوَه في قول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي، إنّ اقتران العترة بالقرآن يدل:


(139)

أوّلاً: على أنّ عندهم علم القرآن وفهمه فهماً لائقاً بشأنه.

وثانياً: انّ التمسك بالكتاب والعترة يعصم من الضلالة.

وثالثاً: يحرم التقدم على العترة كما يحرم الابتعاد عنهم.

ورابعاً: انّ العترة لا تفارق الكتاب إلى يوم القيامة.

وخامساً: انّ الكتاب مصون من الخطأ وهكذا عدله.

مضافاً إلى قوله سبحانه: (إنَّما يُريدُ اللّهُ ليُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطِهِّرَكُمْ تَطْهِيرا). (1)

والمراد من الرِّجس هو العصيان والارادة ارادة كونية وهي التي لا تنفك فيها الارادة عن المراد والمراد من أهل البيت هم الذين أدخلهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تحت الكساء، وقال: اللهم انّ لكل نبي أهل بيت وهوَلاء أهل بيتي. ولما أرادت أُم سلمة أن تدخل تحت الكساء منعها وقال: أنت على خير ولست من أهل البيت.

ب ـ انّ علوم أئمّة أهل البيت عليهم السّلام مستندة إلى مصادر مختلفة فتارة يروون الحديث عن آبائهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وما أكثر هذا القسم من الاَحاديث في رواياتهم. وأُخرى يعتمدون على كتاب عليٍّ الذي أملاه الرسول وكتبه الوصي وهو في سبعين ذراعاً. وثالثة يعتمدون على تحديث الملك فهم محدَّثون والمحدَّث عبارة عمن يسمع كلام الملك ولا يرى عينه وقد عقد الاِمام البخاري باباً للمحدَّث وعدّ منهم عمر بن الخطاب والمحدَّث غير الرسول والنبيَّ ومن أراد الوقوف على واقع المحدَّث فعليه بشرح صحيح مسلم للاِمام النووي فقد أسهب فيه الكلام.

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لقد كان فيمن كان قبلكم من بني اسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن


1. الاَحزاب: 33.


(140)

من أُمتي منهم أحد، فعمر ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: من نبي ولا محدث(1).

وبذلك يعلم مدى صحّة كلمة الكاتب: من أنّ للاَئمّة أن يرووا عن رسول اللّه مباشرة من دون سند من الرجال.

وذلك لما عرفت أنّ مصادر علومهم مختلفة فتارة يروون عن طريق آبائهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأُخرى يروون عن كتاب عليّ وثالثة يروون عن طريق التحديث.

ج ـ قال: انّ الاَئمّة يعلمون الغيب.

مناقشتنا:

انّ علم الغيب مختص باللّه تبارك وتعالى، قال سبحانه: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَن فِي السّمواتِ والاَرضِ الغَيْبَ إلاّ اللّه) . (2)

وأمّا تحديثهم عن الغيب فإنّما هو تعلم من ذي علم فلا مانع من أن يلهم اللّه سبحانه أولياءه أُموراً غيبية كما ألهم يوسف وهو شاب غير مبعوث ثم استمر الالهام إلى آخر عمره.

وليست أئمّة أهل البيت عليهم السّلام بأقل شأناً من أُم موسى فقد أخبرها سبحانه عن مصير ولدها، وقد علم مصاحب موسى بمصير الغلام الذي قتله، وقال: (وأمّا الغُلاَمُ فَكانَ أبواهُ مُوَمِنَيْنِ فَخَشِينَا أن يُرْهِقَهُما طُغياناً وكُفْرا) (3) إلى غير ذلك من الا َُمور الغيبية التي أوقف اللّه سبحانه عباده الصالحين عليها من دون أن يكونوا أنبياء كرامة لهم، وإعظاماً لمقامهم.

د ـ يقول: ولذا يعتبرون عهد الوحي مستمراً إلى غيبة الاِمام الثاني عشر.


1. صحيح البخاري: 2|194 باب مناقب عمر بن الخطاب.
2. النمل: 65.
3. الكهف: 80.


(141)

مناقشتنا:

انّه خلط في كلامه الوحيَ التشريعي المختصَ بالاَنبياء والرسل، بالتحديث الذي أطبقت الا َُمّة على حصوله وعلى وجود محدَّثين في الا َُمة الاِسلامية، فالاَئمّة ملهمون، محدَّثون وليسوا أنبياء يوحى إليهم.

هـ ـ يقول: ولا يبـاح الاجتهاد في وجود الاِمام وإنّما يبدأ الاجتهاد الفقهي بعد تلك الغيبة.

مناقشتنا:

أنّ الاجتهاد كان موجوداً بعد رحيل الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى يومنا هذا ومفتوحاً بابه في وجه الا َُمة ولم يغلق أبداً ويحرم تقليد المجتهد لغيره وأمّا عدم الاجتهاد عند وجود الاِمام فالمراد منه أن يكون الانسان في حضرة الاِمام، وأمّا البعيد عنه كمن يقطن خراسان والاِمام في المدينة فله أن يجتهد على ضوء الكتاب والسنّة وأحاديث أئمّة أهل البيت وقد كان بين أصحاب أبي جعفر الباقر عليه السّلام والاِمام الصادق عليه السّلام مجتهدون كبار يعلم من رجع إلى أحوالهم.
21. يقول: «وفكرة الاِمامة على هذا النحو ترجع إلى آراء مغالية ظهرت في الفترات الا َُولى من تاريخ المسلمين ثم ورثها الاثنا عشرية واتخذوها أُصولاً لهم وكان من نتائجها ايقاع العداوة والشقاق بين جمهور المسلمين».

مناقشتنا:

انّ فكرة الاِمامة ترجع إلى الكتاب والسنّة بشرط الفحص عن أسباب النزول، والتاريخ الصحيح، والروايات الواردة حول الآيات.


(142)

انّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو الذي بذر فكرة الاِمامة في حديث الدار عندما نزل قوله سبحانه:

(وأنذِرْ عَشِيرتَكَ الاَقْرَبِين). (1)

ففي هذا اليوم قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في علي: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا» (2)

ولما نزل قوله سبحانه: (إنَّ الّذِينَ آمنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ الَبِريّة) قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لعلي عليه السّلام : «هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين»(3).

وفي رواية أُخرى، قال: «والذي نفسي بيده أنّ هذا (مشير إلى علي) وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة» (4)

إنّ فكرة الاِمامة تمخضت من حديث الثقلين وحديث السفينة وحديث الغدير إلى غير ذلك من الاَحاديث الواردة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإذا كان ثمّة اعتراض فانّما يتوجه إلى المعرضين عن هذه الاَحاديث لا إلى المتمسكين بها.

انّ الذي أوقع العداوة والشقاق بين جمهور المسلمين هو معاوية وحزبه الاَموي. فقد أصدر بياناً قاطعاً حاسماً بقتل الشيعة وقطع مِنَحهم وبذلك أغرى الحزب الاَموي ومن والاه على الخوض في دماء شيعة أهل البيت.


1. الشعراء: 214.
2. مسنـد أحمد: 1|111، تاريخ الطبري: 2|62 ـ 63، تاريخ الكامل: 2|40 ـ 41، إلى غير ذلك من المصادر المتوفرة يقف عليها من سبر كتب السيرة ـ عند سرد حوادث بدء الدعوة وكتب التفسير في تفسير الآية الآنفة في سورة الشعراء.
3. الدر المنثور: 6|589. والآية 7 من سورة البيّنة.
4. نفس المصدر.


(143)

كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بدء عام الجماعة أن برئتُ الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته. فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السّلام فاستعمل عليها زياد بن سمية وضمّ إليه البصرة، وكان تتبع الشيعة وهو بهم عارف لاَنّه كان منهم أيام علي عليه السّلام فقتلهم تحتَ كل حجر ومدر ، وأخافهم وقطع الاَيدي والاَرجل وسمَل العيونَ وصلَبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق أن لا يجيزوا لاَحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة (1)

نسأل الكاتب، فمن الذي أوقع العداوة والشقاق بين جمهور المسلمين؟ ولو أردنا أن نسبر التاريخ لنرى قتلى الشيعة من صحابيهم إلى تابعيهم إلى تابعي التابعين لطال بنا المقام .
22. يقول: «ومما يدل على بطلان مبدأ الاِمامة بصيغته تلك عند الاثني عشرية فعل الاِمام علي رضي اللّه عنه إذ بايع أبا بكر الصديق ونصره بنفسه وولده وكذلك بايع كلاً من عمر و عثمان بالخلافة الخ» .

مناقشتنا:

العجب كل العجب أن نترك النصوص الواردة في الكتاب والسنّة والتاريخ الصحيح ونستدل بفعل عليّ وبيعته التي لم تثبت قط وإنّما يرويها رواة مدرسة الخلفاء وتكذبها رواة مدرسة أهل البيت. انّ الاِمام لم يبايع قط، وإنّما تعاون مع


1. ابن أبي الحديد، شرح النهج: 11|44 ـ 46.


(144)

الخلفاء لما رأى أنّ في ترك التعاون معهم ضرراً أعظم من ذهاب ولايته وهو سلام اللّه عليه يشرح لنا سبب مساهمته وسكوته ورفقه.

إذ يقول عليه السّلام : «فواللّه ما كان يُلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أنّ العرب تزعج هذا الاَمر من بعده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن أهل بيته، ولا أنّهم مُنحُّوه عني من بعده. فما راعني إلاّ إنثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاِسلام، يدعون إلى محق دين محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فخشيت إن لم أنصر الاِسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الاَحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه» (1)

فقد جاء في كتاب الاِمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري: الذي ورد فيه ذكر حوادث حدثت في صدر الاِسلام والكتاب جدير بالمطالعة لطالبي الحقيقة وقد جاء فيه أنّ أبا بكر أرسل عمر ومعه جماعة إلى بيت فاطمة الذي كان فيه عليّ وجماعة من بني هاشم متخلفين عن البيعة فأزعجوا فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أيّما ازعاج حيث نادت بأعلى صوتها: يا أبتا يا رسول اللّه ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تتصدع وأكبادهم تتفطر وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا علياً ومضوا به إلى أبي بكر فقالوا له بايع، قال: ان أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذاً واللّه الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك، قال: أتقتلون عبد اللّه وأخا رسوله؟ قال عمر : أمّا عبد اللّه فنعم وأمّا أخا رسوله فلا. وأبو بكر ساكت لا يتكلم. فقال عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟ فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه (2)


1. نهج البلاغة، الكتاب: 62.
2. الاِمامة والسياسة: 1|13.


(145)

وهذا شاعر النيل حافظ إبراهيم المصري (المتوفّـى 1351 هـ) يصف لنا كيف تم أخذ البيعة في قصيدته العمرية ويقول:

وقولة لعلي قالـهــا عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرّقت دارك لا أبقي عليــك بهـا * إن لم تبايــع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفــوه بهـــا * أمــام فارسِ عدنــان وحاميـها (1)

أفبعد هذا يمكن أن يحتج بهذا الشكل من البيعة؟ والنار موَججة تكاد أن تأكل الرطب واليابس وهذا هو الطبري (المتوفّـى 310 هـ) يصف لنا كيفية أخذ البيعة ويقول: أتى عمر بن الخطاب منزل علي فقال لاَحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة (2).

وهذا ابن عبد ربه الاَندلسي (المتوفّـى 495 هـ) يقول: بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من النار على أن يضرم عليهم الدار. فقالت: يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الا َُمة (3)
23. قال: «ولو وجد هذا النص لاَخذ به الصحابة رضوان اللّه عليهم الذين كانوا أشد حرصاً على طاعة اللّه ورسوله».

مناقشتنا:

قد أخذ لفيف من الصحابة بنصوص الخلافة في حق علي عليه السّلام من مشاهير بني هاشم وغيرهم.


1. ديوانه: 1|84.
2. تاريخ الطبري: 3|202 ط: دائرة المعارف.
3. العقد الفريد: 4|260 ؛ولاحظ تاريخ أبي الفداء: 1|356؛ وأعلام النساء: 3|1207.


(146)

وإليك فهرس أسماء خمسين صحابياً كانوا روّاد التشيع في عصر النبي وما بعده:

1ـ عبد اللّه بن عباس 2ـ الفضل بن العباس 3ـ عبيد اللّه بن العباس 4ـ قثـم بن العباس 5ـ عبـد الرحمان بن العبـاس 6ـ تمـام بـن العبـاس 7ـ عقيـل بن أبي طالـب 8 ـ أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب 9ـ نوفل بن الحرث 10ـ عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب 11ـ عون بن جعفر 12ـ محمد بن جعفر 13ـ ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب 14ـ الطفيل بن الحرث 15ـ المغيرة ابن نوفل بن الحارث 16ـ عبد اللّه بن الحرث ابن نوفل 17ـ عبد اللّه بن أبي سفيان ابن الحـرث 18ـ العبـاس بن ربيعة بن الحـرث 19ـ العباس بن عتبة بن أبي لهب 20ـ عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث 21ـ جعفـر بن أبي سفيان بن الحرث.

هوَلاء من مشاهير بني هاشم، وأمّا غيرهم فإليك أسماء ثلة منهم:

22ـ سلمان المحمدي 23ـ المقـداد بن الاَسـود الكندي 24ـ أبو ذر الغفـاري 25ـ عمار بن ياسر 26ـ حذيفــة بن اليمـان 27ـ خزيمــة بن ثابت 28ـ أبو أيوب الاَنصاري مضيِّف النبي 29ـ أبـو الهيثم مالك بن التيهان 30ـ أُبي بن كعب 31ـ سعد بن عبادة 32ـ قيـس بن سعد بن عبادة 33ـ عـديّ ابن حاتم 34ـ عبـادة بن الصامت 35ـ بلال بن رباح الحبشي 36ـ أبو رافع مولى رسول اللّه 37ـ هاشم بن عتبة 38ـ عثمان بن حنيف 39ـ سهل بن حنيف 40ـ حكيم بن جبلة العبدي 41ـ خالد بن سعيد بن العاص 42ـ ابن الحصيب الاَسلمي 43ـ هند بن أبي هالة التميمي 44ـ جعدة بن هبيرة 45ـ حجـر بن عدي الكندي 46ـ عمرو بن الحمق الخزاعي 47ـ جابر بن عبد اللّه الاَنصاري 48ـ محمد بن الخليفة أبي بكر 49ـ أبان بن سعيد بن العاص 50ـ زيـد بن صوحان العبدي.


(147)

هوَلاء خمسون صحابياً من الطبقة الا َُولى للشيعة، فمن أراد التفصيل والوقوف على حياتهم وتشيّعهم فليرجع إلى الكتب الموَلفة في الرجال ولكن ببصيرة نافذة.

وأمّا الذين لم يأخذوا به فهوَلاء هم الذين خالفوا الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في غير واحد من المواقف. فقد خالفوه في المواقف التالية:

1ـ في الاَنفال والاَسرى في غزوة بدر.

2ـ في أُحد حيث أعرضوا عن امتثال أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الوقوف في المضيق.

3ـ في صلح الحديبية حيث نسبوا صلحه إلى الدنية في الدين.

4ـ في تجهيز جيش أُسامة حيث لم يخرجوا معه و قاموا في معسكر المدينة حتى أتى قبض النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فرجعوا إلى البلدة وفعلوا ما فعلوا.

5ـ في احضار القلم والدواة في أُخريات عمره الشريف.

6ـ زيادتهم في الاَذان التثويب (أي الصلاة خير من النوم) حسب ما يرويه الاِمام مالك في موطئه.

7ـ حذف (حي على خير العمل) من فصول الاَذان.

8ـ الحيلولة بين فاطمة وميراثها.

9ـ النهي عن متعة الحج.

10ـ اسقاط أسهم ذوي القربى من الخمس بعد وفاة الرسول.

تلك عشرة كاملة خالف فيها بعض الصحابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكم لها من نظير.

والعجب أنّ الكاتب ومن لفّ لفّه ألبسوا الصحابة ثوب العصمة فصار صمتهم وسكوتهم حجة إلهية فضلاً عن قولهم وكلامهم وفيهم المنافقون المندسون غير المعروفين حتى لدى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .


(148)

قال سبحانه: (ومِن أهلِ المدينةِ مَرَدُوا على النفاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحنُ نَعْلَمُهُمْ) (1)

انّه لا يرضى من الشيعة القول بعصمة اثني عشر إماماً، ولكنّه ومن لف لفه يرون أنّ الصحابة معصومون ولا يذكرون لهم أي ذنب ولا خطأ.

انّهم ينسبون في تواريخهم وتفاسيرهم أموراً إلى الاَنبياء من الخطأ والعصيان بارتياح وبلا تحرّج فلاحظ كتب التفسير والتاريخ فانّها مليئة بنسبة الخطايا والذنوب إلى يوسف وداود وسليمان وغيرهم. وعند ما يذكر أحد شيئاً في حق الصحابة مما يعاب به عليهم، ثارت ثائرتهم وما هذا إلاّ لاَنّ الصحابة بمنزلة الساتر الاَوّل لهم ومنهم أخذوا دينهم، فإذا دبّ الجرح إليهم إنهار دينهم وفقههم، ولاَجل صونهم عن أي ذنب وخطأ، حرّموا أي كلام حولهم واتفقوا على عدالتهم المساوية لعصمتهم.
24. يقول: «لو كانت الاِمامة حُدِّدت في عليٍّ وأولاده كما يزعمون لعيَّـن الاِمام علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ابنه الحسن رضي اللّه عنه خليفة للمسلمين من بعده».

مناقشتنا:

انّ ما ذكره تجاهل للواقع أو غفلة عن حقيقة الحال أو ناشىء عن قلة التتبّع. فقد تضافر النص من علي عليه السّلام على وصيه وإمام المسلمين من بعده. وهو الحسن بن علي عليه السّلام فمن أراد الوقوف على النصّ فليرجع إلى مظانه (2)


1. التوبة: 101.
2. الكافي: 1|297 باب النص على الحسن بن علي، واثبات الهداة: 2|543.


(149)

وأمّا ما نسب إلى علي من انّه سئل عمن يستخلفه من بعده، فقال: ولكن أتركُكم إلى ما ترككم إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : فهو موضوع على لسانه. فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يترك الا َُمة سُدى وهو الذي يأمر الا َُمة أن لا يموت واحد منهم بلا وصية فكيف يموت هو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بلا وصية؟

وقد كانت سيرة الخلفاء على الايصاء فقد أوصى أبو بكر إلى عمر بن الخطاب كما أنّ عمر بن الخطاب لم يترك الناس على أن يختاروا لاَنفسهم خليفة باختيارهم فقام بتشكيل شورى سداسية أشبه بلُعبة سياسية منتهية إلى خلافة من كان يهوى خلافته.

وهذه هي السيدة عائشة حينما ضرب عمر في بطنه وأشرف على الموت قالت لعبد اللّه بن عمر: «أبلغ أباك سلامي وقل له لا تدع أُمّة محمد بلا راعٍ استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا» (1)

وهذا هو معاوية بن أبي سفيان قد أخذ البيعة لابنه يزيد في حياته بترغيب وارهاب.

فلو كانت السنّة الموروثة في الخلافة هي ترك الايصاء فلماذا خالفها الخلفاء حيث لم يتركوا الا َُمّة سدى ونصبوا قائداً لها بأشكال مختلفة؟ أوليس الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو الاَسوة كما قال سبحانه: (لقد كانَ لَكُمْ فِي رسولِ اللّهِ أُسوةٌ حَسنةٌ لِمَن كانَ يَرجُوَ اللّهَ واليومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيرا ) (2)؟

وكل ذلك يشهد على أنّ الرواية موضوعة على لسان عليّ عليه السّلام الذي لم يكن يتخلف عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قيد شعرة.


1. ابن قتيبة الدينوري المتوفى: 276 هـ ، تاريخ الخلفاء الراشدين المعروف بالاِمامة والسياسة: 1|22.
2. الاَحزاب: 21.


(150)

25. يقول: «بعدما بويع الحسن بالخلافة وتنازل لمعاوية عن الخلافة حِقْناً لدماء المسلمين مما يسقط دعاوى القوم في بطلان ولاية أي إمام غير الاثنى عشر».

مناقشتنا:

انّ الاِمام الحسن عليه السّلام لم يتنازل عن الخلافة إلاّ بعد أن أتمّ الحجّة وأرسل كتائبه إلى ميادين الحرب فلما لم يجد في جيشه من يناصره وكادت الحرب تنتهي إلى إهراق دماء الصلحاء من شيعة علي عليه السّلام بلا جدوى. اضافة إلى ما وصله من أخبار تهيُّوَ الروم للوثوب على بلاد الاِسلام وعزمهم على سحق المسلمين بلا فرق بين أُموي وعلوي فلم يكن أمامه عليه السّلام مناص إلاّ التنازل عن الخلافة لحفظ كيان الاِسلام. كما تنازل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن كتابة «رسول اللّه» بعد اسمه الشريف في صلح الحديبية (1) فلم يكن التنازل حجة على أنّه ليس برسول اللّه.
26. يقول: «ويعتقدون برجعة الاِمام المهدي المنتظر قبل القيامة» .

مناقشتنا:

انّ مسألة المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) مسألة إسلامية لا تختص بطائفة دون طائفة فقد أطبقت الا َُمة على ظهـور المهدي في آخر الزمان وليس حديث الاِمام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) حديثَ رواية واحدة أو اثنتين بل روايات متواترة ملاَت الصحاح والمسانيد ومن أراد فليرجع إلى الكتب الموَلفة في هذا الصدد ولكن الاِمام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) عند الشيعة حيٌّ يُرزق وليس له رجوع وإنّما له ظهور بعد الغيبة


1. السيرة النبويةلابن هشام: 2|317 ط الحلبي مصر، السيرة الحلبية: 3|19 ط مصر.


(151)

الكبرى.

فليرجع الكاتب إلى الكتب التالية:

1ـ «البيان في أخبار صاحب الزمان» للكنجي الشافعي.

2ـ «البرهان في علامات المهدي آخر الزمان»، لملا علي المتقي صاحب كنز العمال.

3ـ «العرف الوردي في أخبار المهدي» للحافظ السيوطي.

4ـ «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر» لابن حجر.

5ـ «عقد الدرر في أخبار الاِمام المنتظر» للشيخ جمال الدين الدمشقي.

6ـ وأخيراً «بين يدي الساعة» للدكتور عبد الباقي إلى غير ذلك من الموَلفات.
27. ويقول: «ويقول بعض غلاتهم برجوع الاَئمّة الاثني عشر إلى الدنيا بعد أن يكون المهدي قد سبقهم إليها» .

مناقشتنا:

القول بالرجعة عقيدة معروفة عند الشيعة ويعنون برجوع الاَئمّة عليهم السّلام أحد الاَمرين إمّا رجوع دولتهم لا أنفسهم كما عليه جماعة من أعلامهم كالسيد المرتضى وغيره، أو رجوع أعيانهم وليس فيه أي بُعد وعجب فانّه سبحانه أحيى أُناساً من الا َُمم السالفة.

يقول سبحانه: (أو كالّذِي مَرَّ على قَرْيةٍ وهِيَ خَاويةٌ على عُرُوشها قَالَ أنّى يُحِيي هذهِ اللّهُ بعدَ مَوْتِها فأماتَهُ اللّهُ مائةَ عامٍ ثُمّ بَعَثَهُ ...)(1)


1. البقرة: 259.


(152)

وقد أحيى أصحاب الكهف بعد أن أنامهم نومة شبه الموت مئات السنين.

يقول سبحانه: (وكَذلِكَ بَعَثناهُمْ لِيَتَساءلُوا بَينَهُم ...) (1)

إلى أن قال سبحانه: (ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِم َثلاثَ مِائةٍ سِنينَ وازدادوا تِسعا) (2)

ومن أنكر امكان الرجعة فقد أنكر قدرة اللّه، وأمّا الوقوع فإن كانت الروايات متواترة نأخذ بها في مجال العقيدة وإلاّ فروايات الآحاد لا تفيد في مجالها ولا يوَخذ بها.
28. يقول: «وأوّل من قال بفكرة الرجعة ودعا إليها عبد اللّه بن سبأ اليهودي فأخذ يقول برجعة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مثل عيسى واستشهد بقول اللّه تعالى: (انّ الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) » . (3)

مناقشتنا:

انّ من الموَسف جداً أن ينسب فكرة الرجعة إلى شخصية اسطورية لم يثبت أي وجود لها بالوصف المذكور في التاريخ حيث إنّه يوصف فيه انّه بتجوّله في البلاد استطاع أن يقلب وضع المسلمين رأساً على عقب ويثيرهم ضد الخليفة عثمان بن عفان و ... ، انّ ذلك ممّا لا يقبله العقل السليم، ولا سيرة المسلمين أيام الخلفاء.

لم يكن ابن سبأ المزعوم بأعز من أبي ذر ـ ذلك الصحابي العظيم ـ عند عثمان فقد نفاه إلى الربذة فمات هناك وحيداً فلِمَ لم يقم به الخليفة في حق عدوه المزعوم حتى أفسد الجو وأثار الفتنة وانتهى الاَمر إلى قتله في عقر داره كل ذلك


1. الكهف: 19.
2. الكهف: 25.
3. القصص: 85.


(153)

يوَكد أنّ ما ذكر له من الصفات مما صنعته يد الوضع ضد الشيعة، وانّ للمقال صلة موكولة إلى محلها.

إنّ أوّل من قال بالرجعة هو الذكر الحكيم.

يقول سبحانه: (ويَومَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمّةٍ فَوجاً مِمُن يكَذِّبُ بآياتِنا فَهُم يُوزَعُون) (1).

والآية لا علاقة لها بيوم القيامة فانّ الحشر هناك يتعلق بالجميع لا بالبعض على خلاف ما ورد في هذه الآية.

قال سبحانه: (ويَومَ نُسَيّـرُ الجِبالَ وتَرى الاَرضَ بارزةً وحَشَرنْاهُم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهُم أحداً) (2)

ثم إنّ من أنكر موت الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقال إنّه سيرجع ويقطع أيدي القائلين بموته هو عمر بن الخطاب.

فهذا ابن سعد يقول: «لما توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بكى الناس فقام عمر بن الخطاب في المسجد خطيباً فقال: لا أسمعنّ أحداً يقول: إنّ محمداً مات ولكنه أُرسل إليه كما أُرسل إلى موسى بن عمران فلبث عن قومه أربعين ليلة. واللّه انّي لاَرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنّه مات».

فقال العباس: ادفنوا صاحبكم، أيُميت أحدكم ميتةً واحدةً ويُميته إماتتين؟ وقد كان عمر بن الخطاب مصراً على انّه سيرجع حتى خطب أبو بكر فأمره بالسكوت فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قرأ: (إنّكَ مَيّتٌ وإنّهُم مَيِّتُون) (3) إلى آخر ما ذكر (4).

وقد ذكر ذلك ابن هشام في السيرة النبوية أيضاً.


1. النمل: 82 ـ 83.
2. الكهف: 47.
3. الزمر: 30.
4. طبقات ابن سعد: 2|266 ـ 267.


(154)

29. يقول: «انّ البابية فرقة دينية نشأت في إيران منشعبة عن الاثني عشرية أبان القرن الثالث عشر والميرزا حسن بهاء اللّه موَسس البهائية وهي صورة متطوّرة من البابية اختلفت عنها في أهدافها وأساليبها» .

مناقشتنا:

لم أزل أتعجب من الكاتب كيف ينسب البابية والبهائية إلى الشيعة الاثني عشرية!! وليست البابية والبهائية إلاّ حزبين سياسيين أُضفي عليهما طابعُ الدين أسسهما الاستعمار الغربي لايجاد الفوضى الدينية في الاَوساط الشيعية كالحركة القاديانية في الاَوساط السنية .

البهائية ـ بدّد اللّه شملهم ـ ينكرون الخاتمية ويدّعون النبوة بل الالوهية لزعيمهم حسين علي البهائي وقد ألف علماء الشيعة ردوداً عليهم واقصوهم عن مجامع المسلمين ومجالسهم أفهل يصح لنا أن ننسب إلى السنّة، المذهبَ القادياني وهو في حركته كحركة البابية والبهائية، غير أنّهما حدثا في إيران بين الشيعة، والقاديانية حدثت في الهند بين السنة.
30. يقول: «ويستبيح الاثنا عشرية سـب بعض الصحابة وأزواج الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبخاصة السيدة حفصة والسيدة عائشة ـ رضي اللّه عنهما ـ ...».

مناقشتنا:

انّه من المستحيل أن يحبّ الانسان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وفي الوقت نفسه يبغض من ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق رسالته، والانسان العاقل لا يمكنه أن يجمع في قلبه حالتين متضادتين.

والذي دعا أهل السنّة إلى اتهام الشيعة بالسبّ هو اعتقادهم بعدالة الصحابة


(155)

كلّهم من أولهم إلى آخرهم، والشيعة الاثنا عشرية لا تعترف بذلك، بل أنّ الصحابة والتابعين وغيرهم من تابعي التابعين عندهم في صف واحد ولا ترى أي ملازمة بين كون الرجل صحابياً رأى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وبين كونه رجلاً مثالياً يكون القدوة والاسوة للمسلمين إلى يوم القيامة. بل تعتقد أنّ مصير الصحابة كمصير الآخرين فيهم الصالح والتقي والمخلص، وفيهم الطالح والمنافق ويدل على ذلك أُمور كثيرة نذكر منها ما يلي:

1ـ انّ المنافقين كانوا مندسّين بين الصحابة وحتى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكن يعلم بهم. قال سبحانه: (ومِن أهلِ المدينةِ مَردُوا على النفاقِ لا تَعلمُهُمْ نحنُ نَعلمُهُم) (1) ومع ذلك كيف يصح أخذ الدين والحكم الشرعي عن كل صحابي بمجرد أنّه رأى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع أنّه من المحتمل أن يكون منافقاً فلاَجل ذلك يجب التمحيص والتفريق بين من ثبت إسلامه وإيمانه ومن ثبت نفاقه كعبد اللّه بن أُبي، والاجتناب عمن لم يعرف بأحد الاَمرين: الايمان والنفاق.

2ـ انّه سبحانه يقول: (إن جاءكُمْ فاسِقٌ بِنبأٍ فَتَبيّنُوا) (2) فنسأل: من هذا الفاسق الذي جاء بخبر كاذب في عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فهل كان واحداً من الصحابة أم كان من غيرهم؟

إننا إذا راجعنا أسباب النزول نرى أنّ الروايات متفقة على أنّ المراد بالفاسق هو الوليد بن عقبة الصحابي الذي كان عاملاً للخليفة عثمان في الكوفة وقد ألقى إليه زمام المسلمين من قبل الخليفة هناك.

ومن أراد أن يقف على رأي الشيعة في الصحابة فعليه بما يقوله إمام المسلمين علي عليه السّلام في حقهم، يقول: «أين اخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على


1. التوبة: 101.
2. الحجرات: 6.


(156)

الحق. أين عمار وأين ابن التيهان وأين ذو الشهادتين وأين نظراوَهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وأبردَ بروَوسهم إلى الفجرة. أوه على اخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفرض وأقاموه، أحيوا السنّة وأماتوا البدعة، دُعوا للجهاد فأجابوا ووثقوا بالقائد فاتبعوه» (1)

وهذا هو علي بن الحسين عليمها السّلام وهو الاِمام الرابع للشيعة يذكر في بعض الاَدعية صحابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويقول: اللّهم وأصحاب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاءَ الحسَن في نصره وكانفوه، وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته وفارقوا الاَزواج والاَولاد في اظهار كلمته وقاتلوا الآباء والاَبناء في تثبيت نبوته الخ» (2)

أفهل يمكن بعد كل هذه التصريحات أن يُنسب سبَّ بعض الصحابة إلى عقائد الشيعة؟

نعم إذا كان للشيعة كلام حول بعض الصحابة فإنّما يذكرون أعمالهم ويصفون أفعالهم حسب ما ورد في القرآن والسنّة مثلاً السيدة عائشة مع ما لها من المكانة بين المسلمين ولكنهم لايمنعهم ذلك عن الحكم بخطئها في خروجها على عليّ عليه السّلام لانّها كانت مأمورة بلزوم بيتها.

يقول سبحانه: (... وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولاَ تَبَرّجْنَّ تَبرُّجَ الجاهليةِ الا َُولى...) (3) فما للنساء وقيادة الجيش الجرار ضد من أصفقت الا َُمّة على خلافته وإمامته وبايعه وجوه الصحابة من الاَنصار والمهاجرين إلاّ من شذ من الذين لا يعبأ بهم أمام غالبية المسلمين.


1. نهج البلاغة، الخطبة 182.
2. الصحيفة السجادية، الدعاء الرابع.
3. الاَحزاب: 33.


(157)

فتحليل حياة السيدة عائشة على ضوء الكتاب والسنّة والتاريخ الصحيح لا يعد سباً بل يعد فهماً للتاريخ وتعرفاً على الصحابيات عن كثب.

إنّ الذكر الحكيم قد تعرض إلى بعض أزواج النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقال في حقهما: (إن تَتُوبا إلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإن تَظاهرا عليهِ فإنّ اللّهَ هُو موليهُ وجِبريلُ وصالِحُ المُوَْمِنِينَ والملائكةُ بعدَ ذلكَ ظهِير ) (1).

فمن يُضفي على أُمهات الموَمنين ثوبَ العصمة فعليه دراسة هذه الآية بإمعانٍ بما لها من سببٍ للنزول.

إنّ أوّل من روّج سبَّ الصحابة هو معاوية بن أبي سفيان. فقد أمر بسبّ أوّل الموَمنين إسلاماً وإيماناً وأخا رسول اللّه علياً حتى سُبّ على صهوات المنابر بأمره قرابة ستين سنة ومع ذلك كلّه هو صحابي يدعى له كلما ذكر بـ ـ رضـى اللّه عنه ـ . فما هذا التناقض في حياة الصحابة يا ترى؟!

وتبرير أفعال السابّين بالاجتهاد أشبه بالمهزلة، أفيصح الاجتهاد مع وجود الدليل القاطع؟ ما هذا الاجتهاد الذي يُبيح إراقة دماء آلاف من المسلمين في حروب الناكثين والقاسطين فما قيمة صحابي أو صحابية أثار أو أثارت فتنة قُتِل فيها الاَبرار من الصحابة والتابعين.

والنبي الاَعظم أعرف من كل الناس بصحابته ومكانتهم من الاَمانة والديانة فها هو يحدثنا عن حالاتهم يوم القيامة:

روى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «إنّي فُرَطُكم (2) على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً وليردنّ علي أقوام أعرفهم


1. التحريم: 4.
2. الفُرَط: المتقدم قومه إلى الماء ويستوي فيه الواحد والجمع .


(158)

ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم ...» قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أُحدثهم بهذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلاً يقول، فقلت: نعم قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول: «إنّهم مني» فقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: «سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي». أخرجه البخاري ومسلم(1).

وظاهر الحديث أنّ المراد بقرينة «بدّل بعدي» أصحابه الذين عاصروه وصحبوه وبقوا بعده مدة ثم مضوا. أخرج البخاري ومسلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال: يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي ـ أو قال من أُمّتي ـ فيحلوَون عن الحوض فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك انّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى (2)

ثم قال: وللبخاري: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال: «بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. فقلت: أين؟ فقال: إلى النار واللّه، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة أُخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم: هلم. فقلت إلى أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلاّ همل النعم» (3)

وظاهر الحديث بقرينة «حتى إذا عرفتهم» وقوله: «ارتدوا على أدبارهم القهقرى» أنّ الذين أدركوا عصره وكانوا معه هم الذين يرتدون بعده.


1. جامع الا َُصول لابن الاَثير: 11|120، كتاب الحوض في ورود الناس عليه، رقم الحديث 7972 .
2. جامع الا َُصول: 11|120 رقم الحديث 7973.
3. جامع الا َُصول: 11|121، و «همل النعم» كناية عن أنّ الناجي عدد قليل، وقد اكتفينا من الكثير بالقليل ومن أراد الوقوف على ما لم نذكره فليرجع إلى «جامع الا َُصول».


(159)

31. يقول: «يوَمن جمهور الاثني عشرية بالمصحف الذي بين يدي المسلمين ويعتقد بعض غلاتهم أنّ الاِمام علياً كرم اللّه وجهه والسيدة فاطمة الزهراء ـ رضي اللّه عنها ـ كان لهما مصحف يخالف هذا المصحف المتواتر بين المسلمين ...».

مناقشتنا:

انّ جمهور الشيعة الاِمامية يعتقدون بصيانة القرآن عن التحريف كما اعترف به الكاتب وأمّا ما نَسب إلى بعضهم فقد أخطأ فيه من وجهين:

ألف ـ انّ القرآن الذي قام عليٌّ بجمعه هو نفس ذلك القرآن ولكن يختلف معه في ترتيب السور فقد جمع الاِمام الذكر الحكيم حسبَ تاريخ النزول وهذا أمر مشهور بين المفسرين.

ب ـ وأمّا المصحف المنسوب إلى السيدة فاطمة الزهراء عليها السّلام فلا يراد به القرآن بل المصحف بمعنى الكتاب وهو ما حدّثتها به الملائكة من الحوادث المستقبلية وكتبه علي عن لسانها. فالمصحف بمعنى القرآن مصطلح متأخر وهو في عصر النزول بمعنى مطلق الكتاب، يقول سبحانه: (وإذا الصُّحُفُ نُشِـرَتْ) (1) والاِمام الصادق عليه السّلام يصف مصحف فاطمة ويقول: «واللّه ما فيه من قرآنكم حرف واحد» (2)

ن.

ونحن بدورنا نتقدم بالشكر إلى الكاتب لاَنّه لم ينسب التحريف إلى جمهور الاِمامية كما فعله بعض المغفلين من الكُتّاب الجدد، ولكن يجب اضافة هذه النكتة انّه ليس كل من قال بالتحريف فهو غال وإنّما هو مخطىَ في تلك


1. التكوير: 10.
2. الكافي: 1|239 باب ذكر الصحيف ومصحف فاطمة.


(160)

الفكرة التي تضاد الذكر الحكيم حيث تكفل اللّه تعالى بحفظ القرآن، وقال: (إنّا نحنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لحافِظُون) (1).

فليس القول بالتحريف ملازماً للغلو هذا هو الاِمام البخاري ينقل عن عمر بن الخطاب سقوط آية الرجم من القرآن الكريم (2) وقد روي انّ السيدة عائشة تقول: إنّ سورة الاَحزاب كانت مائتي آية (3)

ولما كانت هذه الروايات تمس كرامة القائلين بالتحريف راحوا يوَوّلونها بأنّها من باب نسخ التلاوة. فإذا كان هذا التأويل صحيحاً فليكن صحيحاً في ما يقولـه بعض الشواذ من الشيعة.
32. يقـول: «ويقصدون بالتقية أن يظهر الانسان خلافَ ما يُبطن ... فالشيعي يتصرف بين خصومه كما لو كان يدين بعقيدتهم. وقد بدأوا العمل بهذا المبدأ منذ القرن الرابع الهجري، وقد يصل العمل بهذه التقية إلى حد استباحة الكذب والنفاق ... ومع هذا فانّهم ينسبونها إلى أئمّتهم بل يرفعونها إلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيما زعموا، مع أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ـ وأبناءه من علماء أهل البيت ـ كانـوا أبعد النـاس عن التقيـة وكانوا من الشجاعة والاقـدام بحيث يتحملون المشاق الناجمة عن مواقفهم وآرائهم بلا خوف أو تردد».

مناقشتنا:

انّ الكاتب خلط بين النفاق والتقية، والنفاق اظهار الاِيمان وابطان الكفر ،


1. الحجر: 9.
2. صحيح البخاري: 8|208 ـ 211، باب رجم الحبلى؛ وراجع صحيح مسلم: 4|167 و 5|116، ومسند أحمد: 1|23 و 5|132 و 183، وسنن أبي داود، الحدود: 23 و ....
3. الجامع لاَحكام القرآن، القرطبي في مقدمة تفسير سورة الاَحزاب.


(161)

والتقيّة على خلافه فهي عبارة عن اظهار الكفر وابطان الاِيمان. وشتان ما بينهما.

إنّ التقية سلاح الضعيف في مقابل القويّ الغاشم. سلاحُ من يبتلى بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلاّ لاَنّه لا يتفق معه في بعض المبادىَ والاَفكار. انّما يمارس التقيّة من يعيش في بيئة صودرت فيها الحرية في القول والعمل والرأي والعقيدة فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت مرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها وربّما يتظاهر بموافقة السلطة لاَجل أن ينجي موَمناً كما كان عليه موَمن آل فرعون.

فإذا كان هذا مفهوم التقيّة وعللها فهو مما يبرّره ويمضيه الشرع في غير واحد من آياته.

قال سبحانه: (مَن كَفرَ ِباللّه من بعدِ إيمانِهِ إلاّ مَن أُكرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئنٌ بالاِيمان) (1) .

وقال سبحانه: (لا يَتّخِذِ الموَمِنونَ الكافِرينَ أولياءَ من دونِ المُوَمِنينَ ومَن يفعلْ ذلكَ فليسَ ِمَن اللّهِ فِي شَـيءٍ إلاّ أن تتقّوُا مِنهُم تُقاة) (2).

وقد فسرت الآيتان بالتقية:

قال جمال الدين القاسمي: «استنبط الاَئمة مشروعية التقية عند الخوف، وقد نقل الاِجماع على جوازها عند ذلك الاِمام مرتضى اليماني في كتابه ايثار الحق على الخلق» (3)

ومورد الآيات وإن كان هو التقية في مقابل الكافر ولكن العلماء فهموا المعنى العام حتى في مقابل المسلم الظالم.


1. النحل: 106.
2. آل عمران: 28.
3. جمال الدين القاسمي، محاسن التأويل: 4|82.


(162)

قال الرازي ناقلاً عن الاِمام الشافعي: «إنّ الحالة بين المسلمين، إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلت التقية محاماة عن النفس» (1)

انّ الشيعة والسنّة يتقون الكفار لصيانة النفس والنفيس غير أنّ الشيعي ربّما يتقي أخاه المسلم لا لتقصير أو قصور في الشيعي بل لخوفه بطش أخيه الذي دفعه إلى ذلك لاَنّه يدرك أنّ الفتـك والقتـل مصيره إذا ما صرح بمعتقده الذي هو موافق عنده للدليل والبرهان.

إنّ الشيعي يتحاشى أن يقول: إنّ اللّه ليس له جهة، ولا يُرى يوم القيامة وانّ المرجعية العلمية والسياسية لاَهل البيت بعد رحيل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأنّ حكم المتعة غير منسوخ وذلك لاَنّه إذا صرح بمعتقده فقد عرّض نفسه ونفيسَه للمهالك والمخاطر.

قال جمال الدين القاسمي: «وزاد الحق غموضاً وخفاءً، خوف العارفين مع قلتهم من علماء السوء وسلاطين الجور، وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن واجماع أهل الاِسلام. وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق وما برح المحقّ عدواً لاَكثر الخلق وقد صح عن أبي هريرة، انّه قال: في ذلك العصر الاَول: حفظتُ من رسول اللّه وعائين أمّا أحدَهما فبثثته في الناس وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم» (2)

ومن وقف على الظروف العصيبة التي مرّت بها الشيعة وجد المبرر الكافي لاعمالهم التقية صيانة لوجودهم وكيانهم فلو كان في التقية غضاضة فهي تتوجه على من حمَل الشيعة على التقية.


1. الرازي، مفاتيح الغيب: 8|13 في تفـسير الآية.
2. جمال الدين القاسمي، محاسن التأويل: 4|82.


(163)

33. يقول: «يقول بعض الغلاة بأنّ اللّه سبحانه يبدو له أحياناً غير الذي أراده فيرجع عن ارادته الا َُولى إلى الذي بدا له ... ولكن الاثني عشرية وإن قالوا بالبداء فهم يفسرونه بمثل ما قال به أهل السنّة من قضاء مبرم وقضاء معلق».

مناقشتنا:

انّ مسألة البداء من المسائل التي كان يُتَحامل بها على الشيعة، وذلك لاَنّ أهل السنّة يزعمون أنّ الشيعة يقولون بمقالة الغلاة (لو صحت النسبة إليهم) ولاَجل ذلك ترى أنّ علماءهم يتحاملون على الشيعة في كتبهم الكلامية والتفسيرية بالبداء، ونحن نشكر الكاتب حيث خطا خطوة مباركة بتفسيره البداء تفسيراً صحيحاً.

وقد ورد البداء بهذا المعنى في كتب أهل السنّة حتى في صحيح البخاري في حديث الاَبرص والاَقرع والاَعمى حيث ينقل عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، انّه قال: «بدا للّه أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً الخ» (1)

وواقع البداء هو عبارة عن تغيير المصير بالاَعمال الصالحة أو الطالحة. وهو من ضروريات الاِسلام والذكر الحكيم.

قال سبحانه: (ولَو أنّ أهلَ القُرى آمَنُوا واتّقَوْا لَفَتَحنا عَلَيْهِم بَركاتٍ مِنَ السّماءِ والاَرضِ ولكِن كَذّبُوا فأخذنَاهُم بِما كانُوا يَكْسِبُون) (2).

فالقول بالبداء على طرف النقيض مما يزعم به اليهود قائلين: (يدُ اللّهِ مغلولةٌ غُلَّت أيدِيهِم) (3)كما انّ الكاتب أمعن النظر ووصل إلى الحق في قضية


1. صحيح البخاري: 4|171، باب ما ذكر عن بني اسرائيل من كتاب بدء الخلق.
2. الاَعراف: 96.
3. المائدة: 64.


(164)

البداء، فالمرجو أن يمعن النظر فيما نقدمه إليه في هذا الكراس لكي يرى أنّ وجهات نظرنا معه في أكثر مواضيع العقيدة والاَحكام متقاربة.
34. ويقول في حق زواج المتعة: «هو الزواج لمدة محدودة وكان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد أباحه في بدء البعثة ثم حرمه تحريماً موَبداً بعد ذلك وثبت ذلك عنه كما حرمه الاِمام علي بن أبي طالب أيضاً وعمل الاِمام حجة ملزِمة عند الشيعة».

مناقشتنا:

إنّ الكاتب لا يملك المعرفة التامة حول زواج المتعة واكتفى بقوله «الزواج لمدة محدودة» وواقعه: عبارة عن تزويج المرأة الحرة الكاملة نفسها، إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع من نسب أو سبب أو رضاع أو احصان أو عدة أو غير ذلك من الموانع الشرعية بمهر مسمى إلى أجل مسمى بالموافقة والاتفاق. فإذا انتهى الاَجل تبين الزوجة عنه من غير طلاق ويجب عليها مع الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدة الطلاق إذا كانت ممن تحيض وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً، وولد المتعة ذكراً كان أو انثى يلحق بهما ويرثهما كما يرثانه حسب ما أوصانا اللّه سبحانه به في كتابه العزيز وتشمله جميع العمومات الواردة في الآباء والاَبناء والا َُمهات والاِخوة والاَخوات والاَعمام والعمات.

وقد اتفق المسلمون على أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شرع زواج المتعة بعد الهجرة حتى أنّ مُعظم المفسرين قالوا بنزول قوله سبحانه: (فَما استَمْتَعْتُم بهِ مَنهُنَّ فآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (1) في متعة النساء.


1. النساء: 24.


(165)

وإنّما اختلفوا في نسخه وعدمه. فالشيعة الاِمامية قالوا ببقائه على حكمه، وأهل السنّة ذهبوا إلى كونه منسوخاً وهذه مسألة فقهية لا تمس إلى العقائد بصلة، وإنّما أوردها الكاتب للازدراء بالشيعة، لكنه غفل عن النكات التالية:

الف ـ أنّ تشريع المتعة دليل على كمال الدين وتمام النعمة على الا َُمة لاَنّه حلٌّ شرعي لاَزمةٍ جنسية تهدد دين الشباب والفتيات بالخطر. فلنفترض أنّ طالباً يدرس في الغرب وله من الشبق الجنسي ما لا يتركه ليلاً ونهاراً والذي يطلب غايته فأمامه طرق أربعة:

1ـ أن يتزوج نكاحاً دائماً وأنّى له ذلك إذ ليس له من المال والامكانيات ما تفي بذلك مضافاً إلى أنّه ربّما لا يرغب الاقامة في ذلك البلد وإنّما يريد الرجوع إلى وطنه والتزوج هناك من بنات بلده.

2ـ أن يكبح جماح الشهوة وهو وإن كان أمراً حسناً وآية للتقوى لكنه لا يقوم به إلاّ الاَمثل فالاَمثل وليس كل طالب على تلك الدرجة من العفاف.

3ـ أن يتردد إلى بيوت الدعارة وهذا ما تمنعه منه كرامته وعزة نفسه ودينه.

4ـ أن يتزوج نكاحاً موَقتاً على الشرائط المذكورة.

إذ ليس هناك طريق خامس حتى يكون حلاً للاَزمة.

أو لسنا نقول إنّ التشريع الاِسلامي أغنانا عن كل تشريع بشري، فعندئذ نسأل ما هو الحل الاِسلامي لهذه المشكلة؟ ولا شك أنّ الحل منحصر بما قام به التشريع الاِلهي في قرآنه وسنته.

ب ـ انّ أهل السنّة وإن كانوا ينكرون حلّية المتعة بقاءً ولكنهم يقولون بها بصورة أُخرى وقد أفتوا بصحة الزواج الدائم بنيّة الطلاق بعد مدّة وهذا نفس المتعة مادة ومعنى، وإن كان يختلف عنها صورة بل المتعة أفضل من هذا النوع من


(166)

الزواج. لاَنّ فيه خداعاً وتزويراً لا يوجد في المتعة.

ج ـ والذي لا ينقضي منه عجبي انّ الكاتب يقول «وكان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد أباحه في بدء البعثة»، مع أنّ أقوالهم تنفي ذلك. لاَنّهم يقولون:

أُبيحت ثم نهي عنها عام خيبر.

ما أُحلّت إلاّ في عمرة القضاء.

كانت مباحة ونهي عنها في عام الفتح.

أُبيحت عام أوطاس ثم نهي عنها.

ثم إنّ سورة النساء مدنية وحكم المتعة جاء في تلك السورة فكيف يصح القول بأنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أحلها في بدء البعثة؟ على أنّ في بدء البعثة لم يكن هناك أي تشريع مدني حتى تصل النوبة إلى زواج المتعة.

د ـ والعجب أيضاً أنّه يقول إنّ الاِمام علياً عليه السّلام حرّمه مع أنّ المنقول عن الاِمام عليه السّلام انّه قال: «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ» وقد أخرجه الطبري بأسانيده (1).

نعم، أوّل من نهى عنه هو عمر بن الخطاب.

روى مسلم في صحيحه عن ابن أبي نضرة، قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة. وكان ابن الزبير ينهى عنها. فذكر ذلك لجابر فقال: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فلما قام عمر، قال: إنّ اللّه كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، فاتموا الحجَ والعمرة وأبتوا نكاح هذه النساء فلاَن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجلٍ إلاّ رجمته بالحجارة» (2)


1. تفسير الطبري: 5|9.
2. صحيح مسلم: 4|130، باب نكاح المتعة، الحديث 8، ط: محمد علي صبيح؛ ومسند أحمد: 1|52.


(167)

وهناك نصوص أُخرى طوينا الكلام عن نقلها وكفاك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين. قال: «نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء» (1)

وقد تضافر النقل عن عمر، انّه قال: متعتان كانتا في زمن النبي حلالاً وأنا أُحرمهما وأُعاقب عليهما.

35ـ يقول حول يوم عاشوراء: «يقوم عوام الشيعة بضرب ظهورهم بالسلاسل حتى يدموها، وضرب أجسادهم بالسيوف حتى يقطعوها حزناً على استشهاد الحسين، وفقده، وتطهراً من مسوَولية خذلانه» .

مناقشتنا:

كان على الكاتب أن يشير إلى عظمة يوم عاشوراء وما كان عليه سيد أهل الاِباء الذي علّم الناسَ الحميّة، والموتَ تحت ظلال السيوف اختياراً له على الدنية. وقد عُرِض عليه الاَمان، فأبى الذل واختار الموت على ذلك.

إنّ ثورة الحسين منذ تفجرها صارت أُسوة وقدوة للمضطهدين على وجه البسيطة والمعذبين تحت نير الطغاة، وللمعانين من حكومات الجور والعسف في الاَوساط الاِسلامية وانحراف الدول والحكومات عن خط العدل والاقتصاد.

لقد لمس الثائرون أنّ ثورة الحسين كانت ثورة مبدئية إلهية، لاَجل صيانة الدين عن التحريف والمجتمع عن الانحراف والاعتساف، فهذه الغاية دفعت


1. صحيح البخاري: 6|27، كتاب التفسير، تفسير قوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ...) من سورة البقرة.


(168)

الاِمام إلى الثورة والتضحية بشيخه وكهله وشابّه وطفله الرضيع حتى يتبين عمقُ الثورة فلما كانت ثورة الحسين ثورة منهجية نابضة، فالشيعة بمواكبها ومظاهراتها يوم عاشوراء تريد أن يَبقى المنهج حيّاً غضّـاً مثمِراً عبر القرون.

نعم يجب أن تكون المواكـب والمظاهــرات موافقـة للا َُصــول والموازيــن الشرعية. وهذا ما أهاب به غير واحد من علمائنا.

ولكن يا للاَسف أنّ بعض الجهلة، أعداء أئمّة أهل البيت، حَمَلَة النزعة الاَمويّة، شنوا هجوماً شنيعاً على المواكب الحسينية أسفر عنه قتل الاَبرياء من محبي أئمة أهل البيت عليهم السّلام وهوَلاء هم أعداء الرسول وآله وبما أنّهم لا يتجرّأون على إظهار العداوة والبغضاء لصاحب الرسالة وأهل بيته لذا يوجّهون سهام حقدهم إلى شيعتهم ومحبيهم. وهناك من يجد في نفسه الجرأة فيضيف إلى سب الشيعة وقتلهم، سب وقتل أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من غير اكتراث وقد قتل بنوا أُمية السبط الحسين عليه السّلام تشفياً لغليل قلوبهم من قتل آبائهم الكافرين في بدر و أُحد وها هو يزيد الكافر يتشدق بهذه الاَبيات ويقول:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * لاَهلّـوا واستهّلــوا فرَحـا

جـزع الخـزرج من وقع الاَسل * ثم قالـوا يا يزيــد لا تشـل
36. يقول حول الخمس: «يرى الاثنا عشرية وجوب دفع الخمس من دخل كل اثني عشري في كل عام إلى مراجع المذهب ... وهم يرون ذلك بديلاً عن الزكاة، وفي بعض المجتمعات التي فرضت فيها الزكاة الشرعية بحكم القانون ـ كباكستان ـ رفض الاثنا عشرية دفعها للدولة بسبب دفعهم هذا الخمس إلى مراجعهم الدينية الخاصة» .


(169)

مناقشتنا:

الشيعة تعتقد بأنّ الغنيمة الواردة في قوله سبحانه: (واعلَمُوا أنّما غَنِمتُم مِنْ شَـيْءٍ فَأنَّ للّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُربَى واليتامى والمساكِينِ وابنِ السبيل إن كُنتُم آمنتُمْ بِاللّهِ ومَا أنزَلْنا على عَبدِنا يومَ الفُرقانِ يومَ التَقى الجَمْعانِ واللّهُ على كُلِّ شيءٍ قَدِير ) (1) عامة لكل ما يفوز به الانسان سواء كان في ساحة الحرب أو غيرها.

قال الاَزهري: «الغنم، الفوز بالشيء والاغتنام، انتهاز الغنم» (2)

قال الراغب: الغنم معروف والغُنم اصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدي وغيرهم. قال: (واعلموا أنّما غنمتم من شيء) ، (فَكُلُوِا ممّا غَنِمتُمْ حَلالاً طَيِّبا) (3)المغنم: ما يغنم وجمعه مغانم. قال: (فعندَ اللّهِ مغانمُ كَثِيرة) (4).

إلى غير ذلك من النصوص لاَهل اللغة المعربة عن كون المادة موضوعة لاَوسع مما يفوز به الانسان في ساحات الحروب، حتى انّه سبحانه يستعمله في المغانم الاخروية قال تعالى: (فعند اللّه مغانم كثيرة) وقد استعملت المادة في الحديث النبوي في المعنى الاَعم.

روى ابن ماجة في سننه، انّه جاء عن رسول اللّه: «اللهم اجعلها (الزكاة) مغنماً ولا تجعلها مغرماً» (5).

ونزول الآية في الغنائم الحربية لا يكون مخصصاً، ولاَجل ذلك لا يختص الخمس عند أهل السنّة بما يفوز به الانسان في الحروب.


1. الاَنفال: 41.
2. تهذيب اللغة، مادة غنم.
3. الاَنفال: 69.
4. النساء: 94.
5. سنن ابن ماجة، كتاب الزكاة، باب ما يقال عند اخراج الزكاة، الحديث 1797.


(170)

ففي مسند أحمد وسنن ابن ماجة، واللفظ للاَوّل عن ابن عباس، قال: «قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الركاز الخمس» (1)

وقد تضافر هذا الحديث في غير واحد من المجاميع الحديثية.

وأمّا أرباح المكاسب فقد ذهبت الشيعة فيها إلى لزوم اخراج الخمس اقتداءً بأئمّة أهل البيت، وقد ورد اخراج الخمس فيها في روايات أهل السنّة، وإليك بعض ما ورد:

لما وفد عبد القيس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين وإنّا لا نصل إليك إلاّ في الاَشهر الحرم فمرنا بجمل الاَمر، ان عملنا به دخلنا الجنّة وندعوا إليه من ورائنا. فقال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع:

آمركم بالاِيمان باللّه وهل تدرون ما الاِيمان؟ شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأقام الصلاة وايتاء الزكاة وتوَتوا الخمس من المغنم» (2)

ومن المعلوم أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب كيف وهم لا يستطيعون الخروج من أحيائهم في غير الاَشهر الحرم خوفاً من المشركين فيكون المراد أن يدفعوا خمس ما يفوزون به ويربحونه.

وهناك روايات أُخرى تدلّ على لزوم دفع خمس كل ما يفوز به الانسان تركنا ذكرها للاختصار.

فمن أراد التوسع فليرجع إلى كتابنا «الاعتصام بالكتاب والسنّة» ص 100 ـ 105.

فما ذنب الشيعة إذا عملت بروايات رواها اخوانهم أهل السنّة، وتركهم


1. مسند أحمد: 1|304، سنن ابن ماجه: 2|839 ط: 1373.
2. صحيح البخاري: 9|160، باب (واللّه خلقكم وما تعملون) من كتاب التوحيد.


(171)

العمل بها لا يكون مبرراً لترك غيرهم الذين قامت الحجة عندهم على لزوم دفع الخمس.

فما ذكره من أنّ الشيعة يرون الخمس بديلاً عن الزكاة فهو كذب وافتراء وهذه مئات الكتب الفقهية التي جاء فيها الخمس تالياً للزكاة.

وما نقله عن بعض المجتمعات ـ على فرض الصحّة ـ لا يكون دليلاً على أنّ منعهم يمت إلى المذهب بصلة، وما علّلوا به من أنّهم يدفعون الخمس إلى مراجعهم الدينية غطاء وواجهة للمنع. والسبب الواقعي للمنع عبارة عن أنّ للزكاة مصارف معيّنة عند الشيعة وهم يعلمون أنّ الحكومات لا تصرفها في مصارفها الواقعية لعدم التزام أصحاب السلطة بالعمل بالواقع غالباً.
37. يقول: «وقد أحدثت الاثنا عشرية في الصلاة أُموراً منها «السجود على التربة الحسينية» ذلك لاَنّـهم يقدسون تراب مدينة كربلاء (النجف) التي استشهد فيها الاِمام الحسين بن علي رضي اللّه عنهما فلا يكاد يخلو بيت من بيوت الشيعة من تلك التربة. ومن مظاهر تقديسهم لها أنّهم يقومون بالسجود عليها وتقبيلها والتبرك بها، بل وأكل قليل منها للشفاء على الرغم من أنّ الفقه الشيعي يحرم أكل التراب كما يصنعون من هذه التربة أشكالاً مختلفة يحملونها في سفرهم ويسجدون عليها في صلواتهم التماساً للقبول والبركة».

مناقشتنا:

انّه سبحانه هو المسجود له والاَرض وما ينبت منها عند الشيعة هو المسجود عليه، فيشترط في فقه الشيعة أن يكون المسجود عليه هو مطلق الاَرض أو ما أنبتته مما لا يوَكل ولا يلبس، ولا تشترط في صحة الصلاة، السجود على


(172)

التربة الحسينية أخذاً بالمتضافر عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «جعلت لي الاَرض مسجداً وطهوراً» (1)،

ك.

وليس المراد من الاَرض كل ما يداس حتى يعم الفرش والسجاد بل المراد هو التراب والحصى والحجر وما أشبهها وذلك لاَجل قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم «وطهوراً»، بمعنى مطهراً من الحدث ومن المعلوم أنّه لا يجوز التيمم إلاّ على الصعيد الطيب. كما قال سبحانه: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (2) وهو الاَرض لا كل ما يُداس.

وهناك روايات تدل على أنّ السيرة في عصر الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانت جارية على السجود على التربة لا على الثياب ولا على الفرش.

روى جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، قال: كنت أصلي مع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الظهر فآخذ قبضة من الحصى فأجعلها في كفي ثم أحولها إلى الكف الاَُخرى حتى تبرد ثم أضعها لجبيني حتى أسجد عليها من شدّة الحر (3)

يقول البيهقي معلقاً على الحديث: قال الشيخ: ولو جاز السجود على ثوب متصل به لكان أسهل من تبريد الحصى بالكف ووضعها للسجود.

ونقول: لو جاز السجود على مطلق غير الاَرض سواء أكان متصلاً أم منفصلاً كالمناديل لما وصلت النوبة إلى تبريد الحصى.

روى الحسن، قال: كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في شدّة الحر فيأخذ أحدنا الحصباء في يده، فإذا برد، وضعه وسجد عليه (4)

وهناك روايات أُخرى تدل على هذا الاَمر.

فعن خالد الجهني قال رأى النبي صُهيباً يسجد كأنّه يتقي التراب، فقال له:


1. صحيح البخاري: 1|191، كتاب التيمم، الحديث 2.
2. المائدة: 6.
3. سنن البيهقي: 1|439، مسند أحمد: 3|327.
4. سنن البيهقي: 2|105، باب الكشف عن الجبهة.


(173)

ترّب وجهك يا صهيب (1)

روت أُم سلمة: رأى النبي غلاماً لنا يقال له أفلح ينفخ إذا سجد، فقال: يا أفلح، ترّب (2).

وهناك قسم ثالث من الروايات نرى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيها يحسر العمامة عن جبهة المصلي لكي لا يسجد عليها.

روى صالح بن حيوان السباعي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رأى رجلاً يسجد بجنبه وقد اعتم على جبهته. فحسر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن جبهته (3)

وما ذكرناه غيض من فيض.

إنّ الشيعة لا يلتزمون بكون التربة التي يسجد عليها لابد أن تكون من تربة كربلاء، بل يسوغون السجود على التربة من أي مكان كانت.

نعم يستحب أن يكون المسجود عليه من تربة كربلاء وذلك لاَنّ تلك التربة عجنت بدم المجاهد الشهم أبي الشهداء الحسين بن علي عليه السّلام الذي ضحى بنفسه ونفيسه من أجل كسر جبروت الطواغيت واحياء الاِسلام.

وأمّا الالتزام باتخاذ تربة طاهرة طيبة في البيوت فسببه عدم تمكّن المصلي من السجود في جميع الاَمكنة على الاَرض الطيبة.

لاَنّ البيوت والمساجد مفروشة غالباً فلا مناص من اتخاذ أقراص ترابية طاهرة يتمكن من السجود عليها.

وهذه القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح وإن غفل التاريخ عن نقلها فقد روي: أنّ التابعي الفقيه مسروق بن الاَجدع المتوفى عام 62 كان


1. كنز العمال: 7|465 و 459.
2. كنز العمال: 7|465 و 459.
3. سنن البيهقي: 2|105.


(174)

يصحب في أسفاره لبنة من المدينة يسجد عليها. كما أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنّف، باب من كان حمل في السفينة شيئاً يسجد عليه. فأخرج باسنادين أنّ مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها (1)
38. ثم إنّ الكاتب ختم المقال بالنشاط السياسي الاَخير للشيعة وانتهى كلامه إلى القول بولاية الفقيه بمفهومه السياسي ونقل عمن يزعم أنّ ولاية الفقيه ليست من مسلمات المذهب وأنّ الاَقرب إلى موقف الاَئمّة هو تقديم وحدة الا َُمّة على مسائل الاِمامة ... .

مناقشتنا:

انّ من مفاخر الشيعة الاِمامية انّهم قاموا بتشكيل دولة إسلامية وسط أجواء سادها العداء السافر للدين واعلان انتهاء عصر الحياة الدينية.

فأثبتوا بعملهم هذا أنّ الاِسلام دين صالح للماضي كما هو صالح للحال والمستقبل وانّه لم ينته عصر الدين وانّ الجوهر الديني له جذور راسخة لا يقهر أمام تلك التيارات المادية.

وأمّا مسألة ولاية الفقيه فالبحث عنها لا يناسب هذا الكراس واجمال القول فيها: أنّ الحكومة الاِسلامية حكومية الهية منهجية لا يليق بادارتها إلاّ الحاكم الاِلهي العارف بالكتاب والسنّة والواقف على حاجات الا َُمّة والقادر على تطبيق الاَحكام الشرعية على الساحة الاجتماعية وليس هو إلاّ المجتهد العارف بالاِسلام، المعبر عنه بالفقيه ويعبر عن صلاحيته الشرعية لاِدارة شوَون المجتمع، بولاية الفقيه، وليس ذلك بدعاً فانّ هناك جماعة من أهل السنّة يشترطون في الحاكم الاجتهاد والعرفان بالكتاب والسنّة.


1. ابن أبي شيبة، المصنف: 1|400.


(175)

والعجب أنّ الكاتب زعم أنّ ولاية الفقيه تزاحم وحدة الا َُمّة مع أنّ ولاية الفقيه سلطة في يد الفقيه يمكنه استخدامها في سبيل تأليف الا َُمّة وجمع كلمتهم ولمّ شملهم، فها نحن نرى أنّ قائد الجمهورية الاِسلامية في إيران قام بتأسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاِسلامية. والذي قام باصدار مجلة تحت عنوان: «رسالة التقريب».

فهل كانت ولاية الفقيه مضادّة لوحدة الا َُمّة يا ترى؟!

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ذكرناه لاِيقاف الكاتب على الهفوات والاَخطاء الواضحة في كلامه وفيه عبرة لمن يأخذ بالقلم ويكتب عن الشيعة بلا مراجعة مصادرهم.

هذه التعاليق الموجزة ربما تثير حفائظ من لا يحب وحدة الكلمة واتفاق الا َُمة لكنّها تقع موقع القبول ممن يحبّ تقريب الخُطى وتقارب المسلمين في الوقت الذي يئن المسجد الاَقصى أُولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين من وطأة الصهاينة.

وفي نهاية المطاف نحن على استعداد لاِرسال مقال حول الفرقة الاثني عشرية يتضمّن تاريخ نشوئها والا َُصول التي تتبنّاها، والفروع التي تدين بها، والخدمات التي قدّمتها إلى الا َُمّة و تُبيّـن مساهماتها في بناء الحضارة الاِسلامية.

والحمد للّه على ما هدانا.

جعفر السبحاني

قم ـ موَسسة الاِمام الصادق عليه السّلام

10 صفر المظفّر عام 1417


(176)


(177)

الرسالة الثالثة

الدفاع عن الحقيقة

الغاية من كتابة هذا المقال هو الدفاع عن حقيقة واضحة كتمها كاتب باسم جبرين في السعودية في جوابه على سوَال شخص سأله عن حلية ذبائح الشيعة وطعامهم، فأجاب بما تقرأونه في رسالته المختصرة.

ولما كانت الرسالة قاسية بمكان وبعيدة عن أدب الاِسلام وروحه معربة عن جهله بأُصول الاِسلام وفروعه وما أطبق عليه أئمّته في مجال الاِسلام والاِيمان، قمنا بتأليف هذه الرسالة، وبعثنا بها إلى السعودية، لتنشر هناك كي يقف المسلمون على الخطط التي يحيكها الاستعمار بغية زرع بذور التفرقة في أوساطهم.

* * *

لا يشك أيّ ذي مسكة إلى ضرورة توحيد الصفوف ورصّها للحفاظ على كيان الاِسلام والمسلمين ومواجهة الموَامرات الخطيرة في الوقت الذي يتحالف فيه أعداء الاِسلام، للقضاء على الصحوة الاِسلامية الصاعدة ... من خلال إثارة النعرات الطائفية التي تهدف إلى شق العصا وتفريق الصفوف، والحيلولة دون تقارب طوائف المسلمين لتحقيق الوحدة المطلوبة التي يخشاها المستعمرون، ويرهبها أعداء الاِسلام من الصهاينة والصلبيّين الجدد.


(178)

نرى أنّ رجلاً يعد نفسه فقيهاً مفتياً يقوم بتكفير طائفة كبيرة من المسلمين. لهم جذور في التاريخ، وخدمات جليلة في الحضارة الاِسلامية. ويجيب على سوَال بعثه إليه رجلٌ مجهول الاسم والهوية، وإليك السوَال والجواب:

السوَال:

يوجد في بلدتنا شخص رافضي يعمل قصاب (1) ويحضره أهل السنّة كي يذبح ذبائحهم. وكذلك هناك بعض المطاعم تتعامل مع هذا الشخص الرافضي وغيره من الرافضة الذين يعملون في نفس المهنة.. فما حكم التعامل مع هذا الرافضي وأمثاله؟ وما حكم ذبحه وهل ذبيحته حلال أم حرام؟ أفتونا مأجورين، واللّه ولي التوفيق.

الجـواب:

وعليكم السلام ورحمة اللّه وبركاته.

وبعد فلا يحل ذبح الرافضي، ولا أكل ذبيحته فإنّ الرافضة غالباً مشركون، حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء، حتى في عرفات والطواف والسعي، ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مراراً. وهذا شرك أكبر، وردة عن الاِسلام يستحقّون القتل عليها كما هم يغالون في وصف علي ـ رضي اللّه عنه ـ ، ويصفونه بأوصاف لاتصلح إلاّ للّه، كما سمعناهم في عرفات، وهم بذلك مرتدّون حيث جعلوه ربّاً وخالقاً ومتصرّفاً في الكون ويعلم الغيب ويملك الضر والنفع، ونحو ذلك كما أنّـهم يطعنون في القرآن الكريم، ويزعمون أنّ الصحابة حرّفوه، وحذفوا منه أشياء كثيرة متعلّق بأهل البيت وأعدائهم. فلا يقتدون به ولا يرونه دليلاً.


1. هكذا وردت في نص سوَال السائل والصحيح (قصاباً) لكونها حال.


(179)

كما أنّهم يطعنون في أكابر الصحابة كالخلفاء الثلاثة وبقية العشرة وأُمهات الموَمنين. فمشاهير الصحابة كأنس وجابر وأبي هريرة ونحوهم فلا يقبلون أحاديثهم لاَنّهم كفّار في زعمهم، ولايعملون بأحاديث الصحيحين إلاّ ما كان عن أهل البيت ويتعلّقون بأحاديث مكذوبة ولا دليل فيها على ما يقولون، ولكنّهم مع ذلك يفتون فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.

ويخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك. ويقولون من لا تقية له فلا دين له فلا تقبل دعواهم في الآخرة و ... الخ.

فالنفاق عقيدة عندهم كفى اللّه شرهم وصلى اللّه على محمد وآله وصحبه وسلم.

جبرين
22|2|1412

هذا هو نص السوَال والجواب وقبل أن نخوض في الاِجابة على ما ساق من التهم على الشيعة. ننبه على أُمور:

1 ـ السنّة الرائجة في الاِجابة على الاَسئلة الفقهية هو الاقتصار على نفس الفتوى. وكان على المفتي أن يقتصر على تحريم الاَكل من دون حاجة إلى التفصيل. وما جاء به يعرب عن أنّ هناك موَامرة، وأنّ السوَال والجواب دبِّرا بليل. فالمقصود إيجاد القلق وإشاعة التهم ضد الشيعة سواء أصحَّ السوَال أو لا ، وهل كان هناك سائل أم لا ؟.

2 ـ إنّ الكلمة التي يستخدمها العوام في التعبير عن هذه الطائفة هو لفظ الشيعة، وأمّا الرافضي وهي كلمة يستخدمها أصحاب المقالات وكتّاب الملل


(180)

والنحل. فاستخدام كلمة الرافضي بدل كلمة الشيعة يرشدنا إلى أنّ السوَال كان مصطنعاً ممّن لهم ممارسة في تكفير الفرق.

3 ـ سواء أصحت تلك التهم أم لا فقد أسماهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشيعة علي بن أبي طالب وقال: إنّ هذا ـ علي عليه السّلام ـ وشيعته لهم الفائزون، وهم اختاروا لاَنفسهم تلك الكلمة. فاستخدام الرافضي في هذا المجال من قبيل التنابز بالاَلقاب، وهو أمر محرم على كل تقدير.

4 ـ إنّ المجيب يقول: فإنّ الرافضة غالباً مشركون، وهذا يدل على أنّ فيهم موحدين، أو ليس من واجب المفتي أنّ يسأل السائل عن القصاب الذي يذبح ذبائحهم هل هو من الغالب أو من غيرهم، فلا يحكم على البريء بحكم المجرم. ومن أدراه أنّ الذي يذبح هو من المشركين؟!

كل ذلك يسوقنا إلى أنّ الهدف لم يكن إرشاد العوام ولا الاِجابة على السوَال وإنّما كان الهدف إيجاد البلوى والشغب وضرب المسلمين بعضهم ببعض لتصفو المياه للمستعمرين.

إذا وقفت على ذلك فنرجع إلى الاِجابة عن التهم الباطلة التي أُجيب عنها عشرات المرات. ونحن نعلم أنّ خلافاً دام قروناً لا يرتفع بهذه الرسالة وأمثالها. غير أنّا نقوم بواجبنا الذي أدلى به الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في كلامه المشرق: «اذا ظهرت البدع في أُمتي فليُظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه» (1) وأي بدعة أفظع من تكفير أُمة كبيرة تعد ربع المسلمين أو أكثر وليس لهم جريمة سوى حب أهل البيت الذين أمر اللّه سبحانه بمودتهم وسوى المشايعة للثقلين الذين أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالتمسك بهما ؟!!


1. الكافي: 1|54، باب البدع والرأي، الحديث 1.


(181)

وحدة الاَُمة أُمنية النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الكبرى :

إنّ وحدة الكلمة كانت أُمنية النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم العليا، فقد كان رسول الاِسلام محمّد ابن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يهدف دائماً إلى توحيد المسلمين ويحافظ أبداً على وحدة صفوفهم، ويسعى إلى إطفاء أية نائرة أو ثائرة تهدد هذه الوحدة.

فيوم دخل شاب يهودي مجتمع الاَوس والخزرج الذين جمعهم الاِسلام بعد طول نزاع وتشاجر وتقاتل، وأخذ يذكّرهم بما وقع بينهم في عهد الجاهلية، من قتال، فأحيى فيهم الحميّة الجاهليّة حتى استعدّوا للنزاع والجدال، وكادت نيران الفتنة تثور من جديد بينهم بعد أن أشعلها ذلك اليهودي المتآمر، وتواثب رجلان من القبيلتين وتقاولا، وبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم، فقال:

«يا معشر المسلمين! اللّه اللّه أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم اللّه بالاِسلام وأكرمكم به وقطع عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم من الكفر، وألّف بين قلوبكم» (1)

فإذا كانت هذه هي أهمية الوحدة في الاَُمة الاِسلامية فما جزاء من يرفع عقيرته يريد تفريق صفوف المسلمين بفتوى ظالمة مخالفة لنصوص الكتاب العزيز والسنّة المحمدية الشريفة؟ وهو بذلك لا يخدم إلاّ القوى الاستعمارية الكافرة المعادية للاِسلام والمسلمين إذ لا ينتفع من هذه الفتوى المفرّقة، غيرهم.

ما جزاء هذا المتسمّي باسم أهل العلم المتصدّي لمقام الدعوة والاِفتاء؟ ينبري في وقت أشد ما يكون فيه المسلمون إلى التآخي والتقارب ينجّس ويكفر طائفة كبرى من طوائف المسلمين. فيقول: «لايحل ذبح الرافضي ـ ويقصد


1. السيرة النبوية: 2|250.


(182)

به شيعة الاِمام علي عليه السّلام من أتباع الاِسلام ـ ولا أكل ذبيحته، فإنّ الرافضة غالباً مشركون حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء حتى في عرفات والطواف والسعي ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مراراً وهذا شرك أكبر وردّة عن الاِسلام يستحقّون القتل عليها كما هم يغالون في وصف علي رضي اللّه عنه ويصفونه بأوصاف لا تصلح إلاّ للّه كما سمعناهم في عرفات وهم بذلك مرتدّون حيث جعلوه ربّاً وخالقاً ومتصرّفاً في الكون»!!

إنّ هذا الرجل يتطاول على شيعة أهل البيت عليهم السّلام ويذلقهم بلسان حادّ ويتّهمهم بالشرك والارتداد بينما هو يسكت ويخرس في قضية سلمان رشدي الذي تجرّأ على رسول اللّه وأُمّهات الموَمنين وأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتجاسر عليهم ومسّ كرامتهم، ونال من شرفهم، ولا يشير إلى ارتداد سلمان رشدي، وهو ينشر تلك الترّهات والاِساءات إلى المقدّسات الاِسلامية. وما هذا السكوت إلاّ لاَنّ أسيادهم يرفضون تكفير رشدي، بينما يتكلّفون خلق الشبهات الباطلة لاِلصاقها بشيعة أهل البيت عليهم السّلام وتكفيرهم ويغمضون عيونهم عن الحقائق الناصعة التي تحكي إيمانهم الصادق باللّه ورسوله وكتابه وأحكامه وإنّهم صفوة اللّه ورسوله وأهل بيته في رفع شأن هذا الدين وحمل هموم المسلمين والدفاع عنهم والعمل على ترسيخ وحدتهم على مرّ العصور والاَزمان.

كما أنّ الغاية من هذا التكفير هو التغطية على جريمة السماح باستيطان اليهود والنصارى في أرض مكة والمدينة المقدسة، وبهذا أثبتوا صلتهم بالاَجانب المستعمرين.

أجل للتغطية على هذا العار وتحريفاً لاَذهان ومشاعر الشعوب الاِسلامية الجريحة بسبب تدنيس الاَمريكان وحلفاوَهم أرض المقدسات مكة والمدينة، عمد المدعو عبد اللّه بن عبد الرحمان الجبرين إلى تكفير الشيعة ورميهم


(183)

بالشرك، ليخفي الحقيقة عن المسلمين غافلاً عن أنّ الشعوب الاِسلامية قد أصبحت اليوم واعية تميّز بين الحق والباطل ولم تعد تخفى عليها حقيقة المدعو «جبرين» ونظرائه من مفرّقي الصفوف الاِسلامية، تحت غطاء الدفاع عن التوحيد.

وإلاّ فما ذنب الشيعة إلاّ كونهم موالين لاَئمة أهل البيت الذين «أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً». كما فرض في الكتاب مودّتهم وجعلها أجراً للرسالة المحمدية؟!

ما ذنب الشيعة إلاّ كونهم أُمة مقاومة للاستعمار البغيض رافضة لخططه الجهنمية، أُمة مجاهدة امتزجت حياتهم بالجهاد والدفاع عن حياض الاِسلام الحنيف ... والنبي وآله الكرام. وهو رمز معاداة الكفر لهم.

ما هو ميزان التوحيد والشرك ؟

لقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يكتفي في قبول الاِسلام من الذين يريدون الانضواء تحت رايته بمجرّد الشهادة بالوحدانية واستقبال القبلة والصلاة.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «من شهد أن لا إله إلاّ اللّه واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم» (1) وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه، فإذا شهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلّوا صلاتنا حرمت علينا دماوَهم وأموالهم إلاّ بحقّها» (2)

بهذا كان يكتفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لاِطلاق وصف الاِسلام على الاَشخاص


1. جامع الاَُصول: 1|158.
2. جامع الاَُصول: 1|158 ـ 159.


(184)

من دون أن ينبش في أعرافهم الاجتماعية وممارساتهم التقليدية، عند احترام شخصياتهم وتكريمهم. فما بال المدعو «جبرين» وأضرابه يكفّرون بسهولة أُمة كبيرة من الموحدين الموَمنين بالرسالة المحمدية، التابعين للعترة الطاهرة المجاهدين للكفار والمستعمرين؟ مع أنّـهم يشهدون بالوحدانية والرسالة والمعاد ويصلّون ويصومون ويحجّون ويزكّون.

وهل يحق لهم التكفير وقد نهاهم رسول الاِسلام صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن ذلك في أكثر من حديث صحيح تنقله مصادر السنّة والشيعة:

«كفّوا عن أهل لا إله إلاّ اللّه لا تكفّروهم بذنب، فمن كفّر أهل لا إله إلاّ اللّه فهو إلى الكفر أقرب».

«من قذف موَمناً بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفساً بشيء عذّبه اللّه بما قتل».

«إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فهو كقتله، ولعن الموَمن كقتله» (1)

هل دعاء الصالحين عبادة لهم وشرك؟

يقول صاحب هذه الفتوى الظالمة الباطلة: إنّ الرافضة مشركون حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء.

إنّه يتمسّك بهذه الحجة (أي دعاء الاَولياء الصالحين في الشدة والرخاء) لرمي الشيعة المسلمين الموَمنين بالكفر والشرك. وهو أكبر حججهم لتكفير عامة المسلمين وليس خصوص الشيعة وهو لا يدرك أن دعاء الاَولياء يقع على وجهين:

الاَوّل: دعاء الوليّ ونداوَه بما أنّه عبد صالح تستجاب دعوته عند اللّه إذا طلب منه تعالى شيئاً، وهو شيء أباحه القرآن بل أمر به إذ قال: (وَلَوْ أنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا


1. راجع جامع الاَُصول: 1 و 10 و 11، وكنز العمال للمتقي الهندي1.


(185)

أنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاستَغْفَرُوا اللّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً)(1).

عن يعقوب عليه السّلام أنّه لما طلب منه أبناوَه أن يدعو لهم ويستغفر لذنبهم قال:

(سَوفَ أستغفِرُ لَكُم) وهو أمر جائز وجار في حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأهل بيته وحال مماته، إذ الموت لا يغيّر الموضوع كما أنّه ليس دخيلاً في مفهوم التوحيد والشرك، ما دام الداعي يوَمن باللّه الواحد ويعتبره الرب الخالق والمدبر المستقل دون سواه.

روى الطبراني عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: اللّهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نبي الرحمة يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي، فتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك.

فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان (رض) فجاء البوّاب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان (رض) فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كان الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها. ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك اللّه خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ. فقال عثمان بن حنيف: واللّه ما كلّمتُه ولكنّي شهدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقد أتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: فتصبّر،


1. النساء: 64.


(186)

فقال: يارسول اللّه ليس لي قائد، فقد شق عليّ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «إئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات».

قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط (1)

إنّ هذه الرواية ونظائرها تكشف عن أنّ الصحابة كانوا يدعون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويتوسّلون به حتى بعد وفاته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من دون أن يعتبروا ذلك محرّماً بل ولا مكروهاً.

الثاني: لا شك أنّ دعاء النبي أو الصالح ونداءهما والتوسّل بهما باعتقاد أنّه إله أو ربّ أو خالق أو مستقلّ في التأثير أو ملك للشفاعة والمغفرة شرك وكفر، ولكنّه لا يقوم به أيّ مسلم في أقطار الاَرض، بل ولا يخطر ببال أحد وهو يقرأ آيات الكتاب العزيز آناء الليل وأطراف النهار، ويتلو قوله سبحانه:

(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللّه) (2).

(أَ ءِلَهٌ مَعَ اللّهِ تَعالَى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُون) (3)

(قُلْ أَغَيـرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً...) (4)

(قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَراً ولا نَفْعاً إلاّ مَا شَاءَ اللّه) (5)

إنّ المسلمين لا يعتقدون في النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأهل بيته المطهرين: (فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السّلام ) إلاّ كونهم عباداً صالحين مقرَّبين عند اللّه مستجابة


1. الحافظ الطبراني: المعجم الكبير: 9|16 و 17.
2. فاطر: 3.
3. النمل: 63.
4. الاَنعام: 164.
5. يونس: 49.


(187)

دعوتُهم. ولا يعتقدون بغير ذلك من ربوبية أو إلوهية أو مالكية للشفاعة والمغفرة أبداً.

ولكنّ القوم الذين عمدوا إلى تكفير الشيعة وغيرهم من المسلمين لم يفرّقوا بين الدعاءين والنداءين، فرموهما بسهم واحد.

ثم يقول المدعو جبرين: «حيث جعلوه ـ أي علياً عليه السّلام ـ رباً وخالقاً ومتصرفاً في الكون» ويالها من كذبة وقحة، وفرية فاضحة، وتهمة للمسلمين الموحدين. فما الرب عند المسلمين شيعة وسنّة، وما الخالق وما المتصرف الحقيقي في الكون إلاّ اللّه سبحانه دون سواه ... وهذه كتبهم ومصنفاتهم في العقائد والحديث والتفسير، فهي طافحة بالاعتراف والاِقرار بوحدانية اللّه تعالى في الذات والصفات والخالقية والتدبير والحاكمية والتشريع والطاعة، والعبودية والشفاعة والمغفرة.

وكيف ترى يحق لجبرين ونظرائه أن يكفّروا المسلمين شيعة وسنّة الذين يوحّدون اللّه، بشيء لم يعتقدوا به ولم يقولوا به؟

ولو صحّ أنّ دعاء أحد يستلزم القول بإلوهيته أو ربوبيته ويعدّ هذا الدعاء والنداء شركاً وكفراً فكيف نادى ودعا إخوة يوسف، أخاهم يوسف وقالوا: (يَا أيّها العَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّـرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنّ اللّهَ يَجْزِي المـُتَصَدِّقِينَ) (1)؟ ولم يعتبر القرآن هذا شركاً.

فهل النبي الاَكرم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أقل شأناً ودرجة من عزيز مصر يوسف الصديق عليه السّلام ؟!

وأمّا كون النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يختلف عن العزيز بأنّه ميت فهو عذر تافه


1. يوسف: 88.


(188)

وكلام باطل، إذ حياة النبي وأهل بيته الشهداء في سبيل اللّه في البرزخ أمر مسلّم، كيف والقرآن الكريم يقول: (وَلا تَـحْسَبَنَّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أحْياءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرزَقُون) (1) وقال: (وَلاتَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيل اللّهِ أموَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ وَلَكِن لا تَشْعُرُون) (2)

مع العلم أنّ الشهداء يأتون في المرتبة الثالثة في قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الّذِينَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّبِيّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصّالِحين) (3)

لو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ميتاً فما معنى قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «ما من أحد يسلّم عليَّ إلاّ ردّ اللّه عزّ وجلّ عليّ روحي حتى أرد - عليه السلام - » (4) وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «صلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (5)

إنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والاَئمة الطاهرين من أهل بيته الذين يشاركونه في الطهر والقداسة لآية التطهير والمباهلة والمودة، والذين قُتِلوا في سبيل اللّه ودفاعاً عن حياض الشريعة المحمدية المقدسة، متماثلون في الحياة بعد الموت، فكيف يكون نداوَهم ودعاوَهم دعاء للميت الذي لا يسمع؟

العلم بالغيب على نوعين:

ويقول جبرين في فتواه: «وجعلوه ـ يعني علياً ـ يعلم الغيب».

إنّ صاحب هذه الفتوى الباطلة جاهل حتى باللغة العربية والمصطلح


1. آل عمران: 169.
2. البقرة: 154.
3. النساء: 69.
4. سنن أبي داود: 2| 218، وكنز العمال: 10|381، وغيرهما من كتب الحديث.
5. نفس المصدر.


(189)

الديني، فإنّ العلم بالغيب في الكتاب العزيز هو العلم النابع من الذات (أي من ذات العالم) غير المكتسب من آخر وهذا يختص باللّه الواحد الاَحد، وإليه يشير قوله سبحانه: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَواتِ والاَرضِ الغَيْبَ إلاّ اللّه) (1) وأمّا الاِخبار بالغيب بتعليم من اللّه فالكتاب العزيز والسنّة الشريفة مليئان منه.

فهذه سورة يوسف تخبرنا بأنّ يعقوب وابنه يوسف قد أخبرا عن حوادث مستقبلية كثيرة.. أي أخبرا بالغيب:

1 ـ لمّا أخبر يوسف والده بأنّه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له، قال يعقوب عليه السّلام : (يا بُنَيّ لا تَقْصُصْ رُوَْيَاكَ عَلَى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدا) (2) وبذلك أخبر ضمناً عن مستقبله المشرق الذي لو عرف به إخوته لثارت عليه حفائظهم.

2 ـ لمّا أخبر صاحبا يوسف في السجن يوسفَ بروَياهما قال عليه السّلام لمن أخبره بأنّه يعصر خمراً: (أمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبّهُ خَمراً) وقال للثاني ـ الذي قال إنّه رأى يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه ـ: (وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ مِن رَأسِهِ) (3).

3 ـ لما فصلت العير قال أبوهم «يعقوب»: (إنّي لاََجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أن تُفَنِّدُون) (4) .

4 ـ قـال النبـي عيسى عليه السّلام لقومـه في معرض بيـان معاجـزه وبيّناته:


1. النمل: 65.
2. يوسف: 5.
3. يوسف: 41.
4. يوسف: 94.


(190)

(وأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُم) (1)

أليست كل هذه إخبارات بالغيب، ومغيبات أنبأ بها الرسلُ؟

وإذا هي ثبتت لنبيّ جـاز نسبتها إلى العترة الطاهرة لما لهم من المنزلة والمكانة العليا، وهل عليٌّ عليه السّلام أقلّ شأناً من هارون عليه السّلام وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في شأنّه: «ياعلي أمّا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»؟ (2) الذي يعني أنّه له ما للرسول إلاّ أنّه ليس نبياً، لختم النبوة برسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.

كيف لا، وعلي عليه السّلام وارث علم رسول اللّه بإجماع الاَُمة الاِسلامية، وهل عليٌّ عليه السّلام أقل من كعب الاَحبار الذي أخبر الخليفة الثاني بأنّه سيموت بعد ثلاثة أيام وتحقّقت هذه النبوءة فعلاً (3)

وهلاّ علم «جبرين» ما أخرجه قومه في أئمتهم من العلم بالغيب ففي مسند أحمد: أن عمر بن الخطاب أخبر بموته بسبب روَيا رآها وكان بين روَياه وبين يوم مصرعه اسبوع واحد (4)؟

الشيعة وصيانة القرآن عن التحريف :

ويقول جبرين في فتواه الجائرة على شيعة أهل البيت: «كما أنّهم يطعنون في القرآن الكريم..».

إنّ الشيعة أيّها الشيخ لا يطعنون في القرآن ولا يقولون بوقوع التحريف فيه.


1. آل عمران: 49.
2. جامع الاَُصول: 8|650.
3. الرياض النضرة: 2|75.
4. مسند أحمد: 1|48 و 51.


(191)

ولكن غيرهم قال بهذا، راجع تفسير الجامع لاَحكام القرآن للقرطبي: وكانت هذه السورة (أي سورة الاَحزاب) تعدل سورة البقرة وكانت فيها آية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من اللّه واللّه عزيز حكيم) . ذكره أبو بكر الاَنباري عن أُبي بن كعب.

ثم قال: وقد حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال: حدثنا أبو عبيد القاسم ابن سلام قال: حدثنا ابن أبي مريم عن أبي لهيعة عن أبي الاَسود عن عروة عن عائشة، قالت: كانت سورة الاَحزاب تعدل على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مائتي آية، فلما كُتِبَ المصحف لم يقدر منها إلاّ على ما هي الآن (1)

وروي أيضاً عن أُبي بن كعب قوله: «فو الذي يحلف به أُبي بن كعب إنّها كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ولقد قرأنا منها آية الرجم: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من اللّه واللّه عزيز حكيم) .

وفي موطأ مالك قال عمر بن الخطاب: والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب اللّه تعالى لكتبتُها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فإنّا قد قرأناها» (2)

إذن فأين ذهبت هذه الآية؟!

وجاء في صحيح البخاري ومسند أحمد: قال عمر بن الخطاب: ... ثم إنّا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللّه: (أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إنَّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (3)

فهذا هو الخليفة يصرّح بسقوط آية من القرآن الحكيم!


1. تفسير الجامع لاَحكام القرآن: 14|113.
2. الموطأ، كتاب الحدود: 714، الحديث 9.
3. صحيح البخاري: 8|169 باب رجم الحبلى من الزنا من كتاب الفرائض، مسند أحمد: 1|55.


(192)

أمّا ما يقوله الشيعة حول القرآن الكريم فإليك طائفة من أقوال أبرز شخصياتهم القدامى والمتأخّرين نذكرها على سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ قال الشيخ الصدوق (المتوفى 381هـ) في رسالته التي وضعها لبيان معتقدات الشيعة الاِمامية: اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله اللّه تعالى على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو ما بين الدفتين وهو ما بأيدي الناس ليس بأكثر من ذلك.

ثم قال: ومن نسب إلينا أنا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب (1)

2 ـ قال الشريف المرتضى (المتوفى عام 436هـ) : إنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه فيما ذكرناه، لاَنّ القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والاَحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟ (2)

3 ـ وقال الشيخ الطوسي (المتوفى 460هـ) : وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه فممّا لا يليق بهذا الكتاب المقصود منه العلم بمعاني القرآن، لاَنّ الزيادة مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه وهو الاَليق بالصحيح من مذهبنا (3)

4 ـ قال العلاّمة الحلّي (المتوفى 726هـ) في أحد موَلفاته: الحق أنّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه (أي القرآن) وأنّه لم يزد ولم ينقص ونعوذ باللّه تعالى من


1. اعتقادات الاِمامية المطبوعة مع شرح الباب الحادي عشر.
2. مجمع البيان: 1|15.
3. مقدّمة تفسير التبيان.


(193)

أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك، فإنّه يوجب التطرّق إلى معجزة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المنقولة بالتواتر (1)

5 ـ وقال السيد محسن الاَمـين العاملـي (المتوفى عام 1371هـ) : لا يقـول أحد من الاِمامية لا قديماً ولا حديثاً أنّ القرآن مزيد فيه قليل أو كثير فضلاً عن كلّهم، بل كلّهم متفقون على عدم الزيادة ومن يعتدّ بقوله من محقّقيهم متفقون على أنّه لم ينقص منه، ومن نسب إليهم خلاف ذلك فهو كاذب مفتر مجترىَ على اللّه ورسوله (2)

6 ـ وقال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (المتوفى عام 1373هـ) : إنّ الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله اللّه إليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للاِعجاز والتحدي ولتعليم الاَحكام ولتمييز الحلال والحرام، وانّه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة وعلى هذا إجماعهم (أي إجماع الشيعة الاِمامية) (3)

7 ـ وقال الاِمام شرف الدين العاملي (المتوفى عام 1377هـ) : كل من نسب إليهم تحريف القرآن فإنّه مفتر ظالم لهم، لاَنّ قداسة القرآن الحكيم من ضروريات الدين الاِسلامي ومذهبهم الاِمامي ـ إلى أن قال: ـ وتلك كتـبهم في الحديث والفقه والاَُصول صريحة بما نقول: والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنّما هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً ولاتبديل لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواتراً قطعياً إلى عهد الوحي والنبوة (4)


1. أجوبة المسائل المهنّائية: 121، المسألة 13.
2. أعيان الشيعة: 1|41.
3. أصل الشيعة وأُصولها: 133.
4. الفصول المهمة: 163.


(194)

8 ـ وقال السيد الاِمام الخميني قدّس سرّه: إنّ الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءة وكتابة يقف على بطلان تلك المزعمة. وماورد فيه من أخبار ـ حسبما تمسّكوا ـ إمّا ضعيف لا يصلح للاستدلال به أو مجعول تلوح عليه امارات الجعل، أو غريب يقضي بالعجب، أمّا الصحيح منها فيرمي إلى مسألة التأويل والتفسير وأنّ التحريف إنما حصل في ذلك لا في لفظه وعباراته.

وتفصيل ذلك يحتاج إلى تأليف كتاب حافل ببيان تاريخ القرآن والمراحل التي قضاها طيلة قرون ويتلخّص في أنّ الكتاب العزيز هو عين ما بين الدفتين لا زيادة فيه ولانقصان، وأنّ الاختلاف في القراءات أمر حادث ناشىٌَ عن اختلاف في الاجتهادات من غير أن يمس جانب الوحي الذي نزل به الروح الاَمين على قلب سيد المرسلين (1)

9 ـ وقال السيد الاِمام الگلبايگاني قدّس سرّه: الصحيح من مذهبنا أنّ كتاب اللّه الكريم الذي بأيدينا بين الدفتين هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه من لدن عزيز حكيم، المجموع المرتّب في زمانه (أي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعصره) بأمره بلا تحريف وتغيير وزيادة ونقصان والدليل على ذلك تواتره بين المسلمين، كلاّ ًوبعضاً، ترتيباً وقراءة... (2)

10 ـ وللسيد الاِمام الخوئي قدّس سرّه: بحث مفصل يوَكد فيه على خلو القرآن الكريم من أيّة زيادة أو نقيصة في مقدمة تفسيره البيان (3)

هذه هي نماذج صريحة تعكس عقيدة الشيعة الاِمامية منذ القديم وإلى الآن حول القرآن الكريم، وكلّها توَكد على صيانة الكتاب العزيز من أيّة زيادة أو نقيصة


1. تهذيب الاَُصول: 2|165.
2. البرهان للبروجردي: 156 ـ 158.
3. ارتحل الاِمام الخوئي (قدّس سرّه) إلى بارئه في 8 صفر 1413 هـ ق . لاحظ مقدمة تفسير البيان.


(195)

وخلوّه من كل تغيير أو تبديل، فكيف يتّهم «جبرين» الشيعة الاِمامية بأنهم يطعنون في القرآن؟!

وأمّا الروايات فهي مضافاً إلى كونها ضعيفة شاذة، أو مجعولة موضوعة لا يأبه بها الشيعة الاِمامية ـ لاتشكل عقيدة الشيعة الاِمامية، إذ ليس كل ما في الروايات يعكس عقيدتهم، حتى يوَاخذون عليها، حتى لو افترضت صحة بعضها سنداً ـ فكيف يوَاخـذون عليها والحـال أنّها ـ كما قلنـاه ـ ليست بصحيحة.

إنّ القرآن الكريم حسب عقيدة المسلمين سنّة وشيعة الذي بأيدي الناس هو ما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في جميع خصوصياته الحاضرة.

وكما لا يعبأ أعلام السنّة بروايات التحريف الواردة في مصادرهم، كذلك لا يأبه علماء الشيعة أيضاً بما ورد في بعض مصادرهم لضعفها وشذوذها، وظهور آثار الاختلاق عليها.

الصحابة من منظار القرآن والحديث:

وأمّا قول «جبرين»: حول موقف الشيعة الاِمامية من الصحابة ففيه مغالطة وتغطية للحق إذ لا تجد على أديم الاَرض مسلماً يعتنق الاِسلام ويحب النبي الاَكرم، يبغض أصحاب النبي الاَكرم بما أنّهم أصحابه وأنصاره، بل الكل ينظر إليهم في هذا المجال بنظر التكريم والتبجيل، ومن أبغضهم أو سبَّهم بهذا المنظار، فهو كافر، أبعده اللّه. ولكن إذا صدر منهم فعل لا يوافق الكتاب والسنّة فقام أحد بذكر فعله وتوصيف حاله حسب دلالة عمله وفعله عليه وقال: إنّه صدرت منه المعصية، أو قتل نفساً بغير نفس، إلى غير ذلك من المحرّمات والموبقات، فقد تبع القرآن الكريم والسنّة والنبوية والسلف الصالح.


(196)

فحب الصحابي بما هو صحابي أمر، وتوصيف أعماله وأفعاله ـ إن خيراً فخير وإن شراً فشر ـ أمر آخر يهدف إلى الموضوعية في البحث، والقضاء والابتعاد عن العشوائية في الاعتقاد، «وجبرين» لا يفرّق بين الاَمرين ويضربهما بسهم واحد لغايات سياسية.

إنّ صحبة الصحابة لم تكن بأكثر ولا أقوى من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط فما أغنتهما من اللّه شيئاً، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امرَأتَ نُوحٍ وامرَأَةَ لُوطٍ كانَتَا تَـحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبَادِنَا صَالِحَينَ فَخَانَتَاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيل ادخُلا النارَ مَعَ الدّاخِلِين) (1)

إنّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بالزواج من النبي، وقد قال سبحانه في شأن أزواجه: (يانِسَاءَ النّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَها العَذَابُ ضِعْفَينِ وكانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرا) (2)

وكما أنّهم كانوا مختلفين في السن عند الانقياد للاِسلام، كذلك كانوا مختلفين أيضاً في مقدار الصحبة، فبعضهم صحب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أياماً أو ساعات.

فهل يصح أن نقول: إنّ صحبةً مّا قلعت ما في نفوسهم جميعاً من جذور غير صالحة وملكات رديئة وكوّنت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح؟

إن تأثير الصحبة عند من يعتقد بعدالة الصحابة كلّهم أشبه شيء بمادة كيمياوية تستعمل في تحويل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب، فكأن


1. التحريم: 10.
2. الاَحزاب: 30.


(197)

الصحبة قلبت كل مصاحب إلى إنسان مثاليّ يتحلّـى بالعدالة، وهذا ممّا يردّه المنطق والبرهان السليم، وذلك لاَنّ الرسول الاَعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الاِعجاز (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أجـْمَعِين) (1)

بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحق وصبهم في بوتقة الكمال مستعيناً بالاَساليب الطبيعية والاِمكانات الموجودة كتلاوة القرآن الكريم، والنصيحة بكلماته النافذة، وسلوكه القويم وبعث رسله ودعاة دينه إلى الاَقطار، ونحو ذلك. والدعوة القائمة على هذا الاَساس، يختلف أثرها في النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها فلا يصح لنا أن نرمي الجميع بسهم واحد.

الصحابة في الذّكر الحكيم:

نرى أنّ الذكر الحكيم يصنّف صحابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويمدحهم ضمن أصناف نأتي ببعضها:

1ـ السابقون الاَوّلون:

يصف الذكر الحكيم السابقين الاَوّلين من المهاجرين والاَنصار والتابعين لهم بإحسان بأنّ اللّه رضي عنهم وهم رضوا عنه.

قال عزّ من قائل: (والسّابِقُونَ الاََوّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والاَنصَارِ وَالّذينَ اتّبَعُوهُم بِإحسانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحتَها الاَنهارُ خَالِدِينَ فِيها أَبَداً ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيم) (2)

2 ـ المبايعون تحت الشجرة:

ويصف سبحانه الصحابة الذين بايعوا الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تحت الشجرة بنزول


1. الاَنعام: 149.
2. التوبة: 100.


(198)

السكينة عليهم قائلاً في محكم كتابه: (لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ المُوَْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (1)

3 ـ المهاجرون:

وهوَلاء هم الذين يصفهم تعالى ذكره بقوله: (لِلفُقَرَاءِ المُهاجِرينَ الّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُون) (2)

4 ـ أصحاب الفتح:

وهوَلاء هم الذين وصفهم اللّه سبحانه وتعالى في آخر سورة الفتح بقوله: (مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطأهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاستَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظ بِـهِمُ الكُفّارَ وعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأجْراً عَظِيماً) (3)

5 ـ الاَصناف الاَُخرى للصحابة:

فالناظر المخلص المتجرّد عن كل رأي مسبق يجد في نفسه تكريماً لهوَلاء الصحابة.

غير أنّ الرأي الحاسم في عامّة الصحابة يستوجب النظر إلى كل الآيات


1. الفتح: 18.
2. الحشر: 8.
3. الفتح: 29.


(199)

القرآنية الواردة في حقّهم، فعندئذ يتبيّن لنا أنّ هناك أصنافاً أُخرى من الصحابة غير ما سبق ذكرها، تمنعنا من أن نضرب الكلّ بسهم واحد، ونصف الكل بالرضا والرضوان. وهذا الصنف من الآيات يدل بوضوح على وجود مجموعات من الصحابة تضاد الاَصناف السابقة في الخلقيات والملكات والسلوك والعمل، وهم:

أ ـ المنافقون المعروفون:

المنافقون المعروفون بالنفاق الذين نزلت في حقّهم سورة «المنافقون» قال سبحانه:

(إذَا جَاءَكَ المُنافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ واللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ واللّهُ يَشْهَدُ إِنّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُون...) إلى آخر السورة (1)

فهذه الآيات تعرب بوضوح عن وجود كتلة قويّة من المنافقين بين الصحابة آنذاك، وكان لهم شأنٌ ودورٌ في المجتمع الاِسلامي فنزلت سورة قرآنية كاملة في حقهم.

ب ـ المنافقون المختفون:

تدل بعض الآيات على أنّه كانت بين الاَعراب القاطنين خارج المدينة ومن نفس أهل المدينة جماعة مردوا على النفاق وكان النبي الاَعظم لا يعرف بعضهم ومن تلك الآيات قوله سبحانه: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الاَعْرابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ (2)لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُم) (3)


1. المنافقون: 1.
2. مردوا على النفاق: تمرّنوا عليه ومارسوه.
3. التوبة: 101.


(200)

لقد بذل القرآن الكريم عناية خاصة بعصبة المنافقين وأعرب عن نواياهم وندّد بهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، المائدة، التوبة، العنكبوت، الاَحزاب، محمد، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، والمنافقون.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الاِسلامي بين معروف، عرف بسمة النفاق ووسمة الكذب، وغير معروف بذلك مقنَّع بقناع التظاهر بالاِيمان والحبّ للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير موَثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم. وهناك ثلّة من المحقّقين كتبوا حول النفاق والمنافقين رسائل وكتابات وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم (1) وهذا يدل على كثرة أصحاب النفاق وتأثيرهم يوم ذاك في المجتمع الاِسلامي، وعلى ذلك لا يصح لنا الحكم بعدالة كل من صحب الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع غض النظر عن تلك العصابة، المتظاهرة بالنفاق والمختفية في أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .

ج ـ مرضى القلوب:

وهذه المجموعة من الصحابة لم يكونوا من زمرة المنافقين بل كانوا يتلونهم في الروحيات والملكات مع ضعف في الاِيمان والثقة باللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، قال سبحانه بحقّهم: (وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُرُورا) (2)

فأنّى لنا أن نصف مرضى القلوب الذين ينسبون خُلف الوعد إلى اللّه سبحانه وإلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالتقوى والعدالة؟


1. النفاق والمنافقون: تأليف الاَستاذ: إبراهيم علي سالم المصري.
2. الاَحزاب: 12.


(201)

د ـ السمّاعون:

تلك المجموعة كانت قلوبهم كالريشة في مهبّ الريح تميل إلى هوَلاء تارة وإلى أُولئك أُخرى، وذلك بسبب ضعف إيمانهم وقد حذّر الباري عزّ وجلّ المسلمين منهم حيث قال عزّ من قائل، واصفاً إيّاهم بالسمّاعين لاَهل الريب: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الّذِينَ لا يُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدّدَونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لاَََعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللّهُ انبعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فيكُمْ ما زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلاَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ واللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمين) (1)وذيل الآية دليل على كون السمّاعين من الظالمين لا من العدول.

هـ ـ خالطوا العمل الصالح بالسيّء:

وهوَلاء هم الذين يقومون بالصلاح والفلاح تارة، والفساد والعبث أُخرى، فلاَجل ذلك خلطوا عملاً صالحاً بعمل سيّء، قال سبحانه: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيّئاً) (2)

و ـ المشرفون على الارتداد:

إنّ بعض الآيات تدل على أن ّمجموعة من الصحابة كانت قد أشرفت على الارتداد يوم دارت عليهم الدوائر، وكانت الحرب بينهم وبين قريش طاحنة فأحسّوا بالضعف، وقد أشرفوا على الارتداد وقد عرّفهم الحق سبحانه بقوله: (وطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيـرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا


1. التوبة: 45 ـ 47.
2. التوبة: 102.


(202)

مِنَ الاََمْرِ مِنْ شَيءٍ قُلْ إِنَّ الاََمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الاََمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنا) (1)

ز ـ الفاسق:

إنّ القرآن الكريم يحثُّ الموَمنين وفي مقدّمتهم الصحابة، على التحرّز من خبر الفاسق حتى يتحقّق التبيّن. فمَن هذا الفاسق الذي أمر القرآن بالتحرّز من خبره؟ إقرأ أنت ماورد حول الآية من شأن النزول واحكم بما هو الحق، قال سبحانه: (يَا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (2)

فإن ّمن المجمع عليه بين أهل العلم أنّه نزل في حق الوليد بن عقبة بن أبي معيط وذكره المفسّرون في تفسير الآية فلا نحتاج إلى ذكر المصادر.

كما نزل في حقه قوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُوَْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتوُون)(3).

نقل الطبري في تفسيره باسناده أنّه كان بين الوليد وعليّ، كلام فقال الوليد: أنا أسلط منك لساناً، وأحدُّ منك سناناً وأردُّ منك للكتيبة. فقال علي: اسكت فانّك فاسق، فأنزل اللّه فيهما: (أَفَمَن كانَ مُوَْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُون) (4)

وقد نظم الحديث حسانُ بن ثابت (شاعر عصر الرسالة) وقال:


1. آل عمران: 154.
2. الحجرات: 6.
3. السجدة: 18.
4. تفسير الطبري: 21|60، وتفسير ابن كثير: 3|462.


(203)

أنزل اللّه والكتاب عزيز * في علي وفي الوليد قرآنا

فتبوّأ الوليد إذ ذاك فسقاً * وعليٌّ مبوءٌ إيمانا

سوف يدعى الوليدُ بعد قليل * وعليٌّ إلى الحساب عيانا

فعليٌّ يجزى بذاك جنانا * ووليدٌ يجزى بذاك هوانا (1)

أفهل يمكن لباحث حرّ، التصديقُ بما ذكره ابن عبد البر وابن الاَثير وابن حجر، وفي مقدّمتهم أبو زرعة الرازي الذي هاجم المتفحّصين المحقّقين في أحوال الصحابة واتّـهمهم بالزندقة؟

ح ـ المسلمون غير الموَمنين:

إنّ القرآن يعد جماعة من الاَعراب الذين رأوا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وشاهدوه وتكلّموا معه، مسلمين غير موَمنين وأنّهم بعدُ لم يدخل الاِيمان في قلوبهم، قال سبحانه: (قَالَت الاَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَم تُوَْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلمّا يَدْخُلِ الاِِيمانُ في قُلُوبِكُمْ وَإن تُطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ لايَلْتِكُم مِنْ أعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم) (2).

أفهل يصح عدُّ عصابة غير موَمنة من العدول الاَتقياء؟!

ط ـ الموَلّفة قلوبهم:

اتّفق الفقهاء على أنّ الموَلّفة قلوبهم ممّن تصرف عليهم الصدقات، قال سبحانه: (إِنَّما الصَّدَقَاتُ لِلفُقَراءِ وَالمَسَاكِينِ والعَامِلِينَ عَلَيْها وَالمُوََلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ والغَارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِواللّهُ عَلِيمٌ


1. تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: 15؛ كفاية الكنجي: 55؛ مطالب السوَول لابن طليحة: 20؛ شرح النهج، الطبعة القديمة: 2|103؛ جمهرة الخطب لاَحمد زكي: 2|22؛ لاحظ الغدير: 2|43.
2. الحجرات: 14.


(204)

حَكِيم)(1).

و «الموَلّفة قلوبهم»: هم قوم كانوا في صدر الاِسلام ممّن يظهر الاِسلام، يتألَّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم. وهناك أقوال أُخر فيهم متقاربة، والقصد بجميعها الاِعطاء لمن لايتمكن إسلامُه حقيقةً إلاّ بالعطاء (2)

ي ـ المولُّون أمام الكفّار:

إنّ التولّي عن الجهاد والفرار منه، من الكبائر الموبقة التي ندّد بها سبحانه بقوله:

(يَا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الاَدْبار * وَمَنْ يُوَلِّـهمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أو مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصيرِ ) (3)

إنّ التحذير من التولّي والفرار من الزحف، والحث على الصمود أمام العدو، لم يصدر من القرآن إلاّ بعد فرار مجموعة كبيرة من صحابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في غزوة «أُحد» و «حنين».

أ0 مّا الاَوّل: فيكفيك قول ابن هشام في تفسير الآيات النازلة في أُحد، قال: «ثم أنّبهم بالفرار عن نبيهم وهم يُدعون، لا يعطفون عليه لدعائه إيّاهم فقال: (إذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُم) (4)

وأمّا الثاني: فقد قال ابن هشام فيه أيضاً: فلمّا انهزم الناس ورأى من كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلّم رجالٌ منهم بما في أنفسهم من


1. التوبة: 60.
2. تفسير القرطبي: 8|178، المغني لابن قدامة: 2|556.
3. الاَنفال: 15 ـ 16.
4. آل عمران: 153.


(205)

الضغن فقال أبو سفيان بن حرب: لاتنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ جبلة بن حنبل: ألا بَطَلَ السحرُ اليوم... (1)

أفبعد هذا يصح أن يعدّ جميع الصحابة، بحجة أنّهم رأوا نور النبوة، عدولاً أتقياء؟

قال القرطبي في تفسيره: قد فرّ الناس يوم «أُحد» وعفا اللّه عنهم وقال اللّه فيهم يوم حنين: (ثم وليتم مدبرين) ثم ذكر فرار عدّة من أصحاب النبي من بعض السرايا (2).

هذه هي الاَصناف العشرة من صحابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ممّن لايمكن توصيفهم بالعدالة والتقوى، أتينا بها في هذه العجالة .

ولكن نلفت نظر القارىَ الكريم إلى الآيات الواردة في أوائل سورة البقرة وسورة النساء وغيرها من الآيات القرآنية فيرى فيها أنّ الاِيمان بعدالة الصحابة بأجمعهم خطأ في القول، وزلّة في الرأي، يضاد نصوص الذكر الحكيم، ولم يكن الصحابة إلاّ كسائر الناس فيهم صالح تقي بلغ القمة في التقى والنزاهة، وفيهم طالح شقي سقط إلى هوّة الشقاء والدناءة. ولكن الذي يميّز الصحابة عن غيرهم أنّهم رأوا نور النبوّة وتشرّفوا بصحبة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وشاهدوا معجزاته في حلبة المباراة بأمّ أعينهم، ولاَجل ذلك تحمّلوا مسوَُولية كبيرة أمام اللّه وأمام رسوله وأمام الاَجيال المعاصرة لهم واللاحقة بهم، فإنّهم ليسوا كسائر الناس، فزيغهم وميلهم عن الحق أشد ولا يعادل زيغ أكثر الناس وانحرافهم. وقد قال سبحانه في حق أزواج النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: (يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساء) (3) فإن انحرف هوَلاء فقد انحرفوا في حال شهدوا النور، ولمسوا الحقيقة، وشتان بينهم وبين غيرهم.


1. سيرة ابن هشام: 3|11 و 4|444، ولاحظ التفاسير.
2. تفسير القرطبي: 7|383.
3. الاَحزاب: 32.


(206)

الصحابة في السنّة النبوية :

ونذكر في المقام بعض ماورد في مصادر أهل السنّة أنفسهم حول بعض الصحابة .

ففي صحيح البخاري: في تفسير سورة المائدة بسنده عن ابن عباس قال: خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم... ـ إلى أن قال: ـ ويجاء برجال من أُمتي فيوَخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يارب أصيحابي، فيقال إنّك لا تدري ما أحدَثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: (وَكُنْتُ عَلَيْهِم شَهيداً مَادُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم) (1) فيقال إنّ هوَلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم(2)..

ورواه الترمذي في تفسير سورة الاَنبياء أيضاً .

وجاء في موطأ مالك: عن أبي النضر أنّه بلغه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال لشهداء أُحد: هوَلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر: ألسنا يارسول اللّه إخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي.

فبكى أبو بكر ثم قال: أئنّا لكائنون بعدك؟ (3)

وهل أتى الشيعة الاِمامية بجديد إذا كانوا يفرّقون في الحب والمودة بين جماعة وأُخرى، وقد أمر القرآن بذلك في أكثر من آية؟

ثم إنّ «جبرين» وأمثاله لماذا يغمضون عيونهم عن حقائق القرآن ولا يصارحون الناس بها فهم بدل اتّخاذ مواقف شريفة يمليها الحق والاِنصاف؟ يعمدون إلى تكفير طائفة كبرى من طوائف المسلمين وهم الشيعة الاِمامية


1. المائدة: 117.
2. صحيح البخاري: 6|55، تفسير سورة المائدة .
3. الموطأ: 1|307، كتاب الجهاد ، الشهداء في سبيل اللّه.


(207)

ويرونهم مستحقّين للقتل والاِبادة، ولا يوجّه مثل هذه الفتوى ضد الصهاينة في فلسطين، والاَمريكان الذين يدنسّون أرض المقدّسات؟

لماذا لا يحارب الفساد الاَخلاقي والسياسي في مشرق الاِسلام ومهجر الرسول، ولا يفكر في تسيّب الشباب هناك وتسرّب اللاّدينية، والانحراف العقائدي إلى قلوبهم البريئة؟!

لماذا تصدر هذه الفتوى في هذا الظرف الذي انهارت فيه الشيوعية، واعترف «غورباتشوف» بأن السبب الرئيسي وراء هذا المصير الذي آل إليه الاتحاد السوفيتي هو نسيان اللّه وتجاهل الفطرة التي فطر الناس عليها كما قال في خطاب الاستقالة موَخراً؟! وهو الاَمر الذي ذكَّرَه به الاِمامُ الراحلُ الخميني في رسالَتهِ التاريخية إليه.

لماذا في مثل هذا الظرف الهامّ الذي يتوجّه العالم إلى الاِسلام ويتطلَّع المستضعفون إلى المسلمين، وهو أمر يفرض العمل الجاد لتوحيد صفوف المسلمين وإظهارهم في مظهر الاَُمة الواحدة القوية على اختلاف مذاهبها ومسالكها التي تتمحور حول أُصول الاِيمان وتتّفق فيها وإن اختلفت في بعض الاجتهادات الفرعية العلمية؟!

أقول: لماذا ينبري مجلسُ الاِفتاء السعودي متمثّلاً بالمدعوّ «جبرين» وبعض زملائه إلى شق عصا المسلمين وإثارة النعرات الطائفية، وعزل أكبر قطعة من جسم الاَُمّة الاِسلامية التي هي الآن صخرة صمّاء أمام تلاطم أمواج الكفر والاستكبار رافعة راية لا إله إلاّ اللّه، كلمةً وعملاً وظهرها ومتكأها هو الباري صاحب الكلمة، فأين يا ترى موقفه أمام أعداء الاِسلام اليوم وكيف سيواجه خالقه وقد أفرح بفعلته هذه قلوب المستكبرين والظلمة والمنافقين؟!!

وهل أذنب الشيعةُ إذا هم اتّبعوا وأحبوا مَن أمرَ القرآن باتّباعهم ومحبّتهم من


(208)

أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً والذين فرض محبتهم ومودتهم بقوله: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى) (1)؟

المطلوب موَتمر للحوار العلمي الديني :

نحن ندعو علماء الوهابية إلى حوار علمي صريح وبنّاءٍ يحضره علماء المسلمين لمناقشة ما يعتقدونه، أوّلاً، وما يرمون به المسلمين ويكفّرونهم بسببه ثانياً، إنهاءً لهذه المواقف المضرّة بالمسلمين وقطعاً لدابر الفتنة والاختلاف.

نحن نهيب بمفكري الاَُمّة الاِسلامية وبالشباب في البلاد الاِسلامية أن يضغطوا على مجلس الاِفتاء السعودي بغية الدخول في مناظرة مع علماء الشيعة الاِمامية بصورة خاصة، وعلماء الطوائف الاِسلامية الاَُخرى بصورة عامة في حوار علمي جادّ... لوضع حدٍّ لمُسلَسل التكفيرات والمذابح الناشئة عنها، ونحن نحمّل المسلمين كلّ الجرائم التي ستنشأ من هذه التكفيرات التي تعكس أهداف الاستعمار الحاقد، لو سكتوا وتركوا الاَمر.

وإنّنا لنحذّر المسلمين بأنّ هذا الموقف الصادر من «الجبرين» ونظرائه الذين لايهمّهم إلاّ تكفير المسلمين ورميهم بالشرك تاركين الصهاينة والصليبيّين يسرحون ويمرحون في بلاد الاِسلام، لن يقتصر على الشيعة الاِمامية بل سيشمل الطوائف الاَُخرى، لاَنّ الوهابيين الذين يرفعون شعار التوحيد يكفرّون عامة المسلمين إلاّ أنفسهم، فهل من مدّكر؟!.

جعفر السبحاني

قم ـ موَسسة الاِمام الصادق عليه السّلام


1. الشورى: 23.


(209)

الرسالة الرابعة

المسلمون وتكفير أهل القبلة

الحمد للّه ربِّ العالمين والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه المنتجبين

إلى إخواننا المسلمين في اليابان وفقهم اللّه لمرضاته.

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

وصلتنا بعض المنشورات التي تتبنى إيجاد الفرقة بين المسلمين مكان الدعوة إلى الاعتصام بحبل اللّه والتمسك بالكتاب والسنّة، والعيش تحت ظلال الاِيمان باللّه تبارك وتعالى، ورسالة نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، اللّذين يربطان عامّة المسلمين بعضهم ببعض.

في العصر الذي ترزح فيه أُولى القبلتين تحت وطأة الصهاينة، وأصبحت بلاد الوحي والرسالة مركزاً لجيوش الغزو الغربي، و تجري في البوسنة والهرسك مذابح عامة للمسلمين، نسائهم وأطفالهم.

وفي هذا العصر الذي يهاجم فيه الغرب المسلمين ويقتل مفكريهم وشبابهم ويفسد أخلاقهم ويدمر كيانهم قامت عدة من العملاء بفصل طائفةٍ كبيرةٍ من المسلمين عن كيان الاَُمّة الاِسلامية وكأنّ الهجوم على أتباع أئمّة أهل البيت وتكفيرهم ورميهم بالابتداع هو الدواء الناجع .

إنّ المسلمين اليوم بحاجة ماسة إلى التماسك والوحدة ورصِّ الصفوف


(210)

أمام الهجوم الثقافي والفكري، فمن دعا إلى الوحدة والاعتصام فقد اقتفى الذكر الحكيم، قال سبحانه: (واعْتَصِمُوا بِحَبلِ اللّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرّقُوا) (1) ومن دعا إلى الفرقة فقد ابتعد عمّا دعا إليه الكتاب واقتفى سنّة المشركين قال سبحانه: (... ولاَ تَكُونُوا مِن المُشْـرِكِينَ * مِنَ الّذِينَ فَرَُّقوا دِينَهُم وكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُون) (2) ولكنـا نمرّ على كلماتهم وأعمالهم مـرور الكـرام ونركز على تحليـل مسألتيـن في ضوء الكتاب والسنّة حتى يتبين المبتدع من المتمسك بهما وهما:

1ـ الاحتفال بمولد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .

2ـ تكفير أهل القبلة.

فقد استعرض الاَُولى الشيخ صالح بن غانم السدلان وزميله الدكتور فهد السنيدي فتكريم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يوم ميلاده وتعزيره عندهم بدعة وقد نَشرت مجلة الشرق الاَوسط ما أدليا به، وليس في كلاميهما شيء جديد سوى ما في كلام شيخهما ابن تيمية ومجدد مذهبه محمد بن عبد الوهاب وقد عاد المحاضران يجترّان نفس ما ورثاه من إماميهما.

ومن العجب جداً انّ اقامة الاحتفال لميلاد الملوك والروَساء تكريماً لهم أمرٌ غير محظور ولكن تكريم ميلاد النبي الاَكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أمر مبتَدع حرام وكأنّهم لم يسمعوا قوله سبحانه: (فالّذِينَ آمنُوا بِهِ وعَزّرُوهُ ونَصرُوه) (3) فتعزيره غير نصره، وغير الاِيمان به فكما أنّ الاِيمان به لا يختص بوقت دون وقت فكذلك تكريمه وتعظيمه، فهذه الآية الداعية إلى تكريم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مطلقة غير محددة بزمان خاص من حيث الدعوة وتخصيصه بيوم الميلاد من جهة ملابسات تُسهِل للمسلمين تجسيد الآية في ذلك اليوم.


1. آل عمران: 103.
2. الروم : 31 ـ 32.
3. الاَعراف : 157.


(211)

إنّه سبحانه يصف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويقول: (ورفعنا لك ذكرك) (1) فالمحتفلون يوم ميلاده يجسدون ذلك الترفيع.. أفيمكن أن يكون ترفيعه اتباعاً للذكر الحكيم حراماً؟!

وأمّا الثانية: فإنّ القائلين بتكفير بعض الطوائف الاِسلامية هم الذين لا يرغبون في وحدة المسلمين، وهم لا يكفّرون الشيعة فحسب بل يكفّرون قاطبة المسلمين سوى أتباع محمد بن عبد الوهاب غير أنّهم كانوا يجهرون بتكفير جميع المسلمين في الاَزمنة السابقة ويغزونهم ويقتلونهم وينهبون أموالهم ولكنهم اليوم يتقون ولا يبدون كل ما يضمرون غير تكفير الشيعة فهذا «موسى بايكي» أحد العملاء للوهابية أخذ يكفر الشيعة ويحرم ذبائحهم، فهل درس القرآن الكريم والسنّة النبوية في تحديد الاِيمان والكفر أو أنّه أخذ مقياساً من عندِ نفسه دعماً لمبدئه فصار يكفر شيعة آل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ؟ وها نحن ندرس في هذه الرسالة المتواضعة حدود الكفر والاِيمان، حتى يقف القارىَ على أنّ الطوائف الاِسلامية المشهورة بين السنّة والشيعة كلّهم مسلمون موَمنون حسب الضابطة التي نص عليها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وجرى عليها السلف الصالح طيلة القرون الماضية وإليك البيان:


1. الانشراح: 4.


(212)

1

الاحتفال بمولد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم

الاحتفال بمولد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، من مظاهر حب النبي الاَكرم الذي حبّه وتكريمه وتعزيره أصل في الكتاب والسنّة.

إنّ لحب نبي الاِسلام مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الاِنسان وتصرفاته، بل انّ من خصائص الحب أن يظهر أثره على جسم الاِنسان وملامحه، وعلى قوله وفعله، بصورة مشهورة وملموسة.

فحب اللّه ورسوله الكريم لا ينفك عن اتّباع دينه، والاستنان بسنّته، والاِتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محباً لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أشدَّ الحب، ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه ولا يرضيه، فمن ادّعى حباً في نفسه وخالفه في عمله فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادين.

ولنعم ما روي عن الاِمام جعفر الصادق عليه السّلام في هذا الصدد موجهاً كلامه إلى مدّعي الحب الاِلهي كذباً:

تعصي الاِله وأنتَ تظهر حبَّه * هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبك صادقاً لاَطعتَه * إنّ المحب لمن يحب مطيع (1)


1. سفينة البحار: مادة «حب».


(213)

للحبِّ مظاهر وراء الاتباع:

نعم لا يقتصر أثر الحب على هذا، بل له آثار أُخرى في حياة المحب، فهو يزور محبوبه ويكرمه ويعظمه ويزيل حاجته، ويذبّ عنه، ويدفع عنه كل كارثة ويهيىَ له ما يريحه ويسره إذا كان حياً.

وإذا كان المحبوب ميتاً أو مفقوداً حزن عليه أشد الحزن، وأجرى له الدموع كما فعل النبي يعقوب عليه السّلام عندما افتقد ولده الحبيب يوسف عليه السّلام فبكاه حتى ابيضّت عيناه من الحزن، وبقي كظيماً حتى إذا هبّ عليه نسيم من جانب ولده الحبيب المفقود، هشَّ له وبشَّ، وهفا إليه شوقاً وحبّاً.

بل يتعدّى أثر الحب عند فقد الحبيب وموته هذا الحد، فنجد المحب يحفظ آثار محبوبه، وكل ما يتصل به، من لباسه وأشيائه كقلمه ودفتره وعصاه ونظارته. كما ويحترم أبناءه وأولاده، ويحترم جنازته ومثواه، ويحتفل كل عام بميلاده وذكرى موته، ويكرمه ويعظمه حباً به ومودة له.

إلى هنا ثبت، أنّ حب النبي وتكريمه أصل من أُصول الاِسلام لا يصح لاَحد إنكاره، ومن المعلوم أنّ المطلوب ليس الحب الكامن في القلب من دون أن يُرى أثره على الحياة الواقعية، وعلى هذا يجوز للمسلم القيام بكل ما يعد مظهراً لحب النبي شريطة أن يكون عملاً حلالاً بالذات ولا يكون منكراً في الشريعة، نظير:

1ـ تنظيـم السنّـة النبويــة، وإعراب أحاديثهـا وطبعهـا ونشرها بالصـور المختلفــة، والاَساليب الحديثة، وفعل مثل هذا بالنسبة إلى أقوال أهل البيت وأحاديثهم.

2ـ نشر المقالات والكلمات، وتأليف الكتب المختصرة والمطولة حول


(214)

حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعترته، وإنشاء القصائد بشتى اللغات والاَلسن في حقّهم، كما كان يفعله المسلمون الاَوائل.

فالاَدب العربي بعد ظهور الاِسلام يكشف عن أنّ إنشاء القصائد في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان ممّا يعبّـر به أصحابها عن حبهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .

فهذا هو كعب بن زهير ينشىَ قصيدة مطولة في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منطلقاً من إعجابه وحبه له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيقول في جملة ما يقول:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيّم إثرها لم يُفد مكبول

نُبِّئتُ أنّ رسول اللّه أوعدني * والعفو عند رسول اللّه مأمول

ويقول:

مهلاً هداك الذي أعطاك نـا * فلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل

إنّ الرسول لنور يستضاء به * مهنّد من سيوف اللّه مسلول (1)

وقد ألقى هذه القصيدة في مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأصحابه، ولم ينكر عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .

وهذا هو حسّان بن ثابت الاَنصاري يرثي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ويذكر فيه مدائحه، ويقول:

بطيبة رسم للرسول ومَعْهَد * مُنير وقد تعفو الرسومُ وتهمدُ

إلى أن قال:

يدل على الرحمان من يقتدي به * وينقذ من هول الخزايا ويرشد

إمام لهم يهديهم الحق جاهداً * معلّم صدقٍ إن يطيعوه يَسْعدُوا(2)


1. ابن هشام: السيرة النبوية: 2|513.
2. المصدر نفسه: 2|666.


(215)

وهذا هو عبد اللّه بن رواحة ينشىَ أبياتاً في هذا السياق فيقول فيها:

خلّوا بني الكفار عن سبيله * خلّوا فكل الخير في رسوله

يا رب إنّي موَمن بقيله * أعرف حق اللّه في قبوله (1)

هذه نماذج ممّا أنشأها الشعراء المعاصرون لعهد الرسالة في النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ونكتفي بها لدلالتها على ما ذكرنا.

ولو قام باحث بجمع ما قيل من الاَشعار والقصائد في حق النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لاحتاج في تأليفه إلى عشرات المجلدات.

إنّ مدح النبي كان الشغلَ الشاغل للمخلصين والموَمنين منذ أن لبّى الرسول دعوة ربّه، ولا أظن أنّ أحداً عاش في هذه البسيطة نال من المدح بمقدار ما ناله الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من المدح بمختلف الاَساليب والنظم.

وهناك شعراء مخلصون أفرغوا فضائل النبي ومناقبه في قصائد رائعة وخالدة مستلهمين ما جاء في الذكر الحكيم والسنّة المطهرة في هذا المجال، فشكر اللّه مساعيهم الحميدة وجهودهم المخلصة.

3ـ تقبيـل كل ما يمـت إلى النبي بصلة كباب داره، وضريحه وأستار قبره انطلاقاً من مبدأ الحب الذي عرفت أدلّته.

وهذا أمر طبيعي وفطري فبما أنّ الاِنسان الموَمن لا يتمكّن بعد رحلة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من تقبيل الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم (2) فيقبّل ما يتصل به بنوع من الاتصال، وهو كما


1. ابن هشام: السيرة النبوية: 2|371.
2. دخل أبو بكر حجرة النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم بعد رحيله وهو مسجّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبَّله ثم بكى فقال: بأبي أنت يا نبي اللّه لايجمع اللّه عليك موتتين، أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها. لاحظ صحيح البخاري: 2|17 كتاب الجنائز.


(216)

أسلفنا، أمر طبيعي في حياة البشر حيث يلثمون ما يرتبط بحبيبهم ويقصدون بذلك نفسه. فهذا هو المجنون العامري كان يقبّل جدار بيت ليلى ويصرّح بأنّه لا يقبّل الجدار، بل يقصد تقبيل صاحب الجدار ، يقول:

أمرّ على الديار ديار ليلى * أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

فما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا

4ـ إقامة الاحتفالات في مواليدهم وإلقاء الخطب والقصائد في مدحهم وذكر جهودهم ودرجاتهم في الكتاب والسنّة، شريطة أن لا تقترن تلك الاحتفالات بالمنهيات والمحرمات.

ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبي في أيّ قرن من القرون، فقد انطلق من هذا المبدأ أي حب النبي الذي أمر به القرآن والسنّة بهذا العمل.

هذا هو موَلف تاريخ الخميس يقول في هذا الصدد: لا يزال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الشريف، ويظهر عليهم من كراماته كل فضل عظيم (1)

وقال أبو شامة المقدسي في كتابه: ومن أحسن ما يفعل في اليوم الموافق ليوم مولده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الصدقات والمعروف بإظهار الزينة والسرور، فإنّ في ذلك مع ما فيه من الاِحسان للفقراء شعاراً لمحبته (2)

وقال القسطلاني: ولا زال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده عليه السّلام ، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في


1. الديار بكري: تاريخ الخميس: 1|323 .
2. الحلبي: السيرة: 1|83 ـ 84.


(217)

المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم ... فرحم اللّه امرءاً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً، ليكون أشد علّة على من في قلبه مرض وأعيا داء (1)

إذا عرفت ما ذكرناه فلا تظن أن يشك أحد في جواز الاحتفال بمولد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، احتفالاً دينياً فيه رضى اللّه ورسوله، ولا تصح تسميته بدعة، إذ البدعة هي التي ليس لها أصل في الكتاب والسنّة، وليس المراد من الاَصل؛ الدليل الخاص، بل يكفي الدليل العام في ذلك.

ويرشدك إلى أنّ هذه الاحتفالات تجسيد لتكريم النبي؛ وجدانك الحر، فانّه يقضي ـ بلا مرية ـ على أنّها إعلاء لمقام النبي وإشادة بكرامته وعظمته، بل يتلقاها كل من شاهدها عن كثب على أنّ المحتفلين يعزّرون نبيّهم ويكرمونه ويرفعون مقامه اقتداءً بقوله سبحانه: (ورَفَعنا لكَ ذِكْرَكَ) (2)

السنّة النبوية وكرامة يوم مولده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :

1ـ أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي قتادة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «فيه ولدت، وفيه أُنزل عليّ» (3)

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ عند الكلام في استحباب صيام الاَيام التي تتجدّد فيها نعم اللّه على عباده ـ ما هذا لفظه: إنّ من أعظم نعم اللّه على هذه الاَُمّة إظهار محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبعثته وإرساله إليهم، كما قال اللّه تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ علَـى الموَمنينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أنْفُسِهِمْ) (4) فصيام يوم تجدّدت فيه هذه


1. المواهب اللدنية: 1|148.
2. الانشراح: 4.
3. مسلم: الصحيح: 3|168 باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر من كتاب الصيام.
4. آل عمران: 164.


(218)

النعمة من اللّه سبحانه على عباده الموَمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجدّدها بالشكر (1)

2ـ روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنه ـ قال: لمّا قدم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسُئلوا عن ذلك، فقالوا: هو اليوم الذي أظفر اللّه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصوم تعظيماً له، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «نحن أولى بموسى» وأمر بصومه (2)

وقد استدل ابن حجر العسقلاني بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي على ما نقله الحافظ السيوطي، فقال: فيستفاد منه فعل الشكر للّه تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة. والشكر للّه يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم(3).

3ـ وللسيوطي أيضاً كلام آخر نأتي بنصه، يقول: وقد ظهر لي تخريج عمل المولد على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس انّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنّه قد ورد أنّ جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أنّ الذي فعله النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إظهار للشكر على إيجاد اللّه إيّاه رحمة للعالمين وتشريفاً لاَُمته كما كان يصلّي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات (4)


1. ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف: 98.
2. مسلم: الصحيح: 3|150 باب صوم يوم عاشوراء من كتاب الصيام.
3. السيوطي: الحاوي للفتاوي: 1|196.
4. السيوطي: الحاوي للفتاوي: 1|196.


(219)

4ـ أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أنّ رجلاً من اليهود، قال له: يا أمير الموَمنين! آية في كتابكم تقروَنها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال: أيّ آية؟ قال: (اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً) (1)

قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو قائم بعرفة يوم جمعة (2)

وأخرج الترمذي عن ابن عباس نحوه وقال: فيه نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة، وقال الترمذي: وهو صحيح (3)

وفي هذا الاَثر موافقة عمر بن الخطاب على اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة، عيداً لاَنّ الزمان ظرف للحدث العظيم، فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة كان موسماً لشكر تلك النعمة، وفرصة لاِظهار الفرح والسرور (4)

نرى أنّ المسيح عندما دعا ربه أن ينزل مائدة عليه وعلى حوارييه قال: (اللّهمَّ ربَّنا أنْزِلْ عَلَينا مائِدَةً ِمَن السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدَاً لاِوَّلِنا وَآخِرِنا وآيَةً مِنْكَ وارْزُقْنا وأَنْتَ خَيرُ الرّازِقينَ) (5)

فقد اتّخذ يوم نزول النعمة المادية التي تشبع البطون عيداً، والرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نعمة عظيمة منّ بها اللّه على المسلمين بميلاده، فلم لا نتّخذه يوم فرح وسرور؟


1. المائدة: 3.
2. البخاري: الصحيح: 1|14 باب زيادة الاِيمان ونقصانه من كتاب الاِيمان ـ 6|50 تفسير سورة المائدة، وكما أخرجه الترمذي في 5|250، وفي الروايات المتضافرة أنّـها نزلت في الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع.
3. البخاري: الصحيح: 1|14 باب زيادة الاِيمان ونقصانه من كتاب الاِيمان ـ 6|50 تفسير سورة المائدة، وكما أخرجه الترمذي في 5|250، وفي الروايات المتضافرة أنّـها نزلت في الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع.
4. عيسى الحميري: بلوغ المأمول: 29.
5. المائدة: 114.


(220)

إجماع المسلمين على تكريم مولده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :

ذكروا أنّ أوّل من أقام المولد هو الملك المظفر صاحب اربل، وقد توفي عام 630 هـ، وربّما يقال: أوّل من أحدثه بالقاهرة الخلفاء الفاطميون؛ أوّلهم المعز لدين اللّه، توجّه من المغرب إلى مصر في شوال 361 هـ، وقيل في ذلك غيره، وعلى أيّ تقدير فقد احتفل المسلمون حقباً وأعواماً من دون أن يعترض عليهم أيّ ابن أُنثى، وعلى أيّ حال فقد تحقّق الاِجماع على جوازه وتسويغه واستحبابه قبل أن يولد باذر هذه الشكوك، فلماذا لم يكن هذا الاِجماع حجة؟! مع أنّ اتفاق الاَُمّة بنفسه أحد الاَدلّة، وكانت السيرة قائمة على تبجيل مولد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى أن جاء ابن تيمية، وعبد العزيز بن عبد السلام (1) والشاطبي فناقشوا فيه ووصفوه بالبدعة، مع أنّ الاِجماع فيه انعقد قبل هوَلاء بقرنين أو قرون، أو ليس انعقاد الاِجماع في عصر من العصور حجة بنفسه؟

إلى هنا وقفت على أنّ شرعية الاحتفال بمولد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يثبتها القرآن الكريم والسنّة النبوية واتفاق المسلمين ومن فارقهم فقد فارق الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه، قال سبحانه: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّـنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْـرَ سَبِيلِ الموَمِنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّـى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (2)

وإليك الكلام في المسألة الثانية:


1. هو عبد العزيز بن عبد السلام السلمـي الدمشقي (577 ـ 660 هـ): فقيه شافعـي، له من الكتب «التفسير الكبير» و «مسائل الطريقة» وغيرها. انظر أعلام الزركلي: 4|21.
2. النساء: 115.


(221)

2

تكفير أهل القبلة

لا يصح تكفير فرقة من الفرق الاِسلامية ما دامت تعترف بالشهادتين ولا تنكر ما يعد من ضروريات الدين التي يعرفها كل من له أدنى إلمام بالشريعة وإن لم تكن له مخالطة كثيرة مع المسلمين. وعلى ذلك فالبلاء الذي حاق بالمسلمين في القرون الماضية وامتد إلى عصرنا الحاضر بلاء مبدِّد لشمل المسلمين أوّلاً، ومحرّم في نفس الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين ثانياً، ومن الموَسف أنّ التعصّبات المذهبيّة الكلامية صارت أساساً لتكفير المعتزلة أصحاب الحديث والاَشاعرة وبالعكس، وربما عمّ البلاء شيعة أئمة أهل البيت، فترى أنّ بعض المتعصبين أخذوا يكفّرون الشيعة بأُمور لو ثبتت لا تكون سبباً للتكفير، فضلاً عن كون أكثرها تهماً باطلة كالقول بتحريف القرآن ونظيره وأنّ الثابت منها، مدعم بالكتاب والسنّة، ولاَجل أن يقف القارىَ على مدى البلاء في العصور السابقة، نذكر ما يلي:

1 ـ قال ابن حزم عندما تكلم فيمن يُكفَّر ولا يكفَّر: وذهبت طائفة إلى أنّه لا يُكفَّر ولايُفسَّق مسلم بقول قال في اعتقاد، أو فتيا، وإنّ كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحق فإنّه مأجور على كل حال إن أصاب فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد.

قال وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن


(222)

علي، وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة (رضي اللّه عنهم) لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً (1)

2 ـ وقال شيخ الاِسلام تقي الدين السبكي: إنّ الاِقدام على تكفير الموَمنين عسر جداً، وكل من كان في قلبه إيمان يستعظم القول بتكفير أهل الاَهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ اللّه، محمد رسول اللّه، فإنّ التكفير أمر هائل عظيم الخطر (إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتعظيم خطره) (2)

3 ـ وكان أحمد بن زاهر السرخسي الاَشعري يقـول: لمّا حضرت الشيخَ أبا الحسن الاَشعريّ الوفاةُ بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتهم له، فقال: اشهدوا على أنّني لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب، لاَنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والاِسلام يشملهم ويعمّهم (3)

4 ـ وقال القاضي الاِيجي: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة واستدل على مختاره بقوله: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون اللّه تعالى عالماً بعلم زائد على ذاته أو موجداً لفعل العبد، أو غير متحيز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الاِسلام.

ثم إنّ الاِيجي ذكر الاَسباب الستة التي بها كفّرتِ الاَشاعرةُ المعتزلةَ، ثم ناقش في جميع تلك الاَسباب وأنّها لا تكون دليلاً للكفر.

ثم ذكر الاَسباب الاَربعة التي بها كفّرتِ المعتزلةُ الاَشاعرةَ وناقش فيها وأنّها لا تكون سبباً للتكفير.

ثم ذكر الاَسباب الثلاثة التي بها تكفّر شيعة أهل البيت وناقش فيها وأنّها


1. ابن حزم: الفصل: 3|247.
2. الشعراني: اليواقيت والجواهر: 58.
3. الشعراني: اليواقيت والجواهر: 58.


(223)

لاتكون سبباً للكفر (1)

والحقّ أنّ القاضي قد نظر إلى المسألة بعين التحقيق وأصاب الحقّ إلاّ في بعض المسائل. فقد ناقش في أسباب تكفير المجسمة وهو في غير محلّه والتفصيل لايناسب المقام.

5 ـ وقـال التفتازاني: إنّ مخالف الحـق من أهل القبلـة ليس بكافر مالم يخالف ما هو من ضروريات الدين كحدوث العالم وحشر الاَجساد، واستدلّ بقوله: إنّ النبي ومن بعده لم يكونوا يفتشون عن العقائد وينبّهون على ما هو الحق.

فإن قيل: فكذا في الاَُصول المتفق عليها.

قلنا: لاشتهارها وظهور أدلّتها على ما يليق بأصحاب الجمل.

ثم أجاب بجواب آخر وقال:

قد يقال ترك البيان إنّما كان اكتفاءً بالتصديق الاِجمالي إذ التفصيل إنّما يجب عند ملاحظة التفاصيل، وإلاّ فكم موَمن لا يعرف معنى القديم والحادث.

فقد ذهب الشيخ الاَشعري إلى أنّ المخالف في غير ما ثبت كونه من ضروريات الدين ليس بكافر، وبه يُشعر ما قاله الشافعي ـ رحمه اللّه ـ: لا أرد شهادة أهل الاَهواء إلاّ الخطابية لاستحلالهم الكذب.

وفي المنتقى عن أبي حنيفة أنّه لم يكفِّر واحداً من أهل القبلة وعليه أكثر الفقهاء، ثم ذكر بعض الاَقوال من الاَشاعرة والمعتزلة الذين كانوا يكفّرون مخالفيهم في المسألة (2)

قال ابن عابدين: نعم يقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير، لكن ليس من


1. الاِيجي: المواقف: 392 ـ 394.
2. التفتازاني، شرح المقاصد: 5|227 ـ 228.


(224)

كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من غيرهم ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا (1)

ولعل بعض البسطاء يتصوّر أنّ العاطفة والمرونة الخارجة عن إطار الاِسلام هي التي صارت مصدراً لهذه الفتيا، ولكنّه سرعان ما يرجع عن قضائه إذا وقف على الاَحاديث المتوفرة الواردة في المقام الناهية عن تكفير أهل القبلة، وإليك سردها:

السنّة النبوية وتكفير المسلم :

قد وردت أحاديث كثيرة تنهى عن تكفير المسلم الذي أقرّ بالشهادتين فضلاً عمّن يمارس الفرائض الدينية، وإليك طائفة من هذه الاَحاديث:

1ـ «بُني الاِسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمداً رسول اللّه، والاِقرار بما جاء من عند اللّه، والجهاد ماض منذ بعث رسله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين ... فلا تكفّروهم بذنب ولاتشهدوا عليهم بشرك».

2ـ «لاتكفّروا أهل ملّتكم وإن عملوا الكبائر» (2)

3ـ «لاتكفّروا أحداً من أهل القبلة بذنب وإن عملوا الكبائر».

4ـ «بُني الاِسلام على ثلاث: ... أهل لا إله إلاّ اللّه لا تكفّروهم بذنب ولا تشهدوا لهم بشرك».

5ـ عن أبي ذر: أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول: «لا يرمي رجل رجلاً بالفسق أو بالكفر إلاّ ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».


1. ابن عابدين: رد المختار: 4|237.
2. نعم الكبائر توجب العقاب لا الكفر.


(225)

6ـ عن ابن عمر: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال: «من قال لاَخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما».

7ـ «من قذف موَمناً بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفساً بشيء عذّبه اللّه بما قتل».

8 ـ «من كفّر أخاه فقد باء بها أحدهما».

9ـ «إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فهو كقتله، ولعن الموَمن كقتله».

10ـ «أيّما رجـل مسلم كفّـر رجلاً مسلمـاً فـإن كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر».

11ـ «كفّوا عن أهل لا إله إلاّ اللّه لا تكفّروهم بذنب، فمن كفّر أهل لا إله إلاّ اللّه فهو إلى الكفر أقرب».

12ـ «أيّما امرىَ قال لاَخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه».

13ـ «ما أكفر رجل رجلاً قط إلاّ باء بها أحدهما».

14ـ «إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فقد باء به أحدهما إن كان الذي قيل له كافراً فهو كافر، وإلاّ رجع إلى من قال».

15ـ «ما شهد رجل على رجل بكفر إلاّ باء بها أحدهما، إن كان كافراً فهو كما قال، وإن لم يكن كافراً فقد كفر بتكفيره إيّاه».

16ـ عن علي عليه السّلام : في الرجل يقول للرجل: يا كافر ياخبيث يافاسق ياحمار؟ قال: «ليس عليه حد معلوم، يعزر الوالي بما رأى» (1)


1. هذه الاَحاديث مبثوثة في جامع الاَُصول: 1، و 10، 11 كما أنّها مجموعة بأسرها في كنز العمال للمتقي الهندي: ج1.


(226)

17ـ حدثنا أُسامة بن زيد قال: بعثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سرية إلى الحرُُّّقات، فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلاً فلما غشيناه قال: لا إله إلاّ اللّه، فضربناه حتى قتلناه فعرض في نفسي من ذلك شيء فذكرته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال: «مَنْ لَكَ بِلا إله إلاّ اللّه يوم القيامة؟» قال: قلت: يارسول اللّه، إنّما قالها مخافة السلاح والقتل، فقال: «ألا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك أم لا ؟ مَنْ لَكَ بِلا إله إلاّ اللّه يوم القيامة؟» قال: فما زال يقول ذلك حتى وددت أنّي لم أُسلم إلاّ يومئذ (1)

18ـ لما خاطب ذو الخويصرة الرسول الاَعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله اعدل، ثارت ثائرة من كان في المجلس ومنهم خالد بن الوليد قال: يارسول اللّه! ألا أضرب عنقه؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «فلعله يكون يصلّـي»، فقال: إنّه ربّ مصلٍّ يقول بلسانه ماليس في قلبه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «إنّي لم أُوَمر أن أُنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم» (2)

ما هو المقوّم للاِسلام:

إنّ دخول الاِنسان في حظيرة الاِسلام رهن الاِقرار بالشهادتين والتصديق بالتوحيد والرسالة وفي بعض الروايات يضاف إليهما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ، وإليك الصنفين:


1. صحيح مسلم: 1|67، باب تحريم قتل الكافر من كتاب الاِيمان؛ سنن أبي داود: 3|45 برقم 2643؛ مسند أحمد: 5|207؛ سنن ابن ماجة: 2|1296 برقم 3930.
2. صحيح مسلم: 3|111 باب ذكر الخوارج وصفاتهم من كتاب الزكاة مسند أحمد: 3|4.


(227)

الصنف الاَوّل، وهو ما اقتصر على إظهار الشهادتين:

1 ـ أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أنّ علياً صرخ: «يا رسول اللّهعلى ماذا أُقاتل الناس؟» قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «قاتلهم حتى يشهدوا أنّ لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على اللّه» (1)

2 ـ ما أخرجه الاِمام الشافعي عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال: «لا أزال أُقاتل النّاسَ حتى يقولُوا: لا إله إلاّ اللّه، فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه» (2)

3 ـ روى التميمي عن الاِمام الرضا عليه السّلام عن آبائه عن عليّ، قال: «قال النبي: أُمرت أن أُقاتل النّاس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه، فإذا قالوا حرمت عليّ دماوَهم وأموالهم» (3).

4 ـ روى البرقي مسنداً عن الاِمام الصادق عليه السّلام أنّه قال: «الاِسلام يحقن به الدم، وتوَدّى به الاَمانة، ويستحلّ به الفرج، والثواب على الاِيمان» (4)

5 ـ وقال الاِمام الصادق عليه السّلام: «الاِسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه والتصديق برسول اللّه، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث» (5)

6 ـ قال الاِمام الشافعي: فأعْلَمَ رسولُ اللّه أنّه سبحانه فرض أن يقاتلهم حتى


1. البخاري: الصحيح: 1|10، باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) من كتاب الاِيمان؛ وصحيح مسلم: 7|121، باب فضائل علي بن أبي طالب عليه السّلام .
2. الشافعي: الاَُم: 6|157، 158.
3. المجلسي: البحار: 68|242.
4. المجلسي: البحار: 68|243 ح3 و 248 ح8.
5. المجلسي: البحار: 68|243 ح3 و 248 ح8.


(228)

يُظهِرُوا أنّ لا إله إلاّ اللّه، فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها (1)

7 ـ قال القاضي عياض: اختصاص عصم النفس والمال بمن قال: لا إله إلاّ اللّه، تعبير عن الاِجابة إلى الاِيمان، أو أنّ المراد بهذا مشركو العرب وأهل الاَوثان ومن لا يوحّد، وهم كانوا أوّل من دُعي إلى الاِسلام وقوتل عليه، فأمّا غيرهم ممّن يقرّ بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا إله الاِّ اللّه إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، ولذلك جاء في الحديث الآخر: وأنّي رسول اللّه، ويقيم الصلاة ويوَتي الزكاة (2)

وأمّا الصنف الثاني فنأتي ببعض نصوصه:

8 ـ ما أخرجه البخاري عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه: «بُني الاِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم شهر رمضان» (3)

9 ـ ما تضافر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «من شهد أن لا إله إلاّ اللّه، واستقبل قبلتنا وصلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم»(4).

10 ـ روى أنس بن مالك عن رسول اللّه قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه، فإذا شهدوا ألاّ إله إلاّ اللّه و أنّ محمّداً رسول اللّه واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلّوا صلاتنا، حرمت علينا دماوَهم وأموالهم إلاّ بحقّها» (5)


1. الشافعي: الاَُم: 7|296 ـ 297.
2. المجلسي: البحار: 68|243.
3. البخاري: الصحيح: 1|16، باب أداء الخمس، من كتاب الاِيمان.
4. ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 1|158 ـ 159.
5. ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 1|158 ـ 159.


(229)

وهذه النصوص ـ وما أكثرها ـ تُصرِّح بأنّ ما تُحقَن به الدماء وتُصان به الاَعراض ويدخل به الاِنسان في عداد المسلمين ويتخيّم بخيمة الاِسلام، هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهذا ما نعبر عنه ببساطة العقيدة وسهولة التكاليف الاِسلامية.

إذا عرفت هذين الصنفين من الروايات فاعلم أنّ الجميع يهدف إلى أمر واحد وهو أنّ الدخول في الاِسلام والدخول تحت مظلّته ليس بأمر عسير بل سهل جداً، وليس في الاِسلام ما هو معقّد في المعارف، ولا معسور في الاَحكام، وشتان بين بساطة العقيدة فيه، والتعقيد الموجود في المسيحية من القول بالتثليث وفي الوقت نفسه الاعتقاد بكونه سبحانه إلهاًواحداً.

وعلى ضوء هذا البحث فالمسلمون في أقطار العالم إخوة بكل طوائفهم تربطهم شهادة التوحيد والرسالة فتحرم دماوَهم ونواميسهم وأموالهم وتحل ذبائحهم، وبالجملة فالكل مسلمون موَمنون لهم من الاَحكام ما للمسلم والموَمن.

فهذه المنشورات التي تهدف إلى فصل طائفة من المسلمين باتهامهم بالشرك ، أوراق ضالة مضلة يُضرب بها عرض الجدار ولا يقام لها في سوق الدين قيمة.

اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولةٍ كريمة تعزّ بها الاِسلام وأهله وتذلّ بها النفاق وأهله.

جعفر السبحاني

قم المشرفة

تحريراً في 4 جمادى الاَُولى

عام 1416 هـ


(230)


(231)

الرسالة الخامسة

موقف الشيعة الاِمامية من حديث الاِفك

إنّ السيدة عائشة من زوجات النبي وأُمّهات الموَمنين لها من الشرف والكرامة ما لسائر نسائه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم غير خديجة ـ رضي اللّه عنها ـ فقد رأت النور في بيتها، وعاشت معه فترة طويلة، ولم يشك أحد من المسلمين القدامى والجُدد في براءتها من الافك الذي صنعته يد النفاق، ونشره عميد المنافقين وأذنابه «عبد اللّه بن أبي سلول» في عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وحدّث عنه القرآن في آيات، يقول سبحانه: (إنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالاِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْـرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِىٍَ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الاِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْـرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظيمٌ) (1)

(وَلَولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظيمٌ) (2).

وكفى في براءتها أنّه سبحانه سمّى النسبة إفكاً وبهتاناً عظيماً وأوعد من


1. النور: 11.
2. النور: 16.


(232)

تولّـى كبره بعذاب أليم.

ولاَجل إيقاف إخواننا أهل السنّة على موقف الشيعة من هذه المسألة نأتي بنص أحد أقطاب التفسير من علماء الاِمامية في القرن السادس، أعني: الشيخ الطبرسي (471 ـ 548هـ) موَلف «مجمع البيان في علوم القرآن»، الذي طبق اسمه وكتابه أقطار العالم الاِسلامي، يعرفه كل من له صلة بالتفسير وعلومه.

يقول رحمه الله بعد نقل آيات من سورة النور فيما لها صلة بالموضوع:

«روى الزهري، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وغيرهما، عن عائشة أنّها قالت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، فخرجت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى فرغ من غزوه وقفل.

وروي أنّها كانت غزوة بني المصطلق من خزاعة قالت: ودنونا من المدينة، فقمت حين أذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدرتي فإذا عِقد من جِزْع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاوَه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فحملوا هودجي على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أنّي فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافاً لم يهبلهنّ اللحم ولم يغشهن اللحم إنّما يأكلن العُلقة من الطعام، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عِقدي، وجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فسموت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنّ القوم سيفقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة إذ غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان، المعطل السلمي قد عرّس من وراء الجيش فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، فخمرت وجهي بجلبابي وواللّه ما كلّمني بكلمة حتى أناخ راحلته، فركبتها، فانطلق يقود الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في حر الظهيرة فهلك من هلك فيَّ.


(233)

وكان الذي تولّـى كبره منهم عبد اللّه بن أبي سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمتها شهراً والناس يفيضون في قول أهل الاِفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يرثيني في وجعي، غير أنّي لا أعرف من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اللطف الذي كنت أرى من حين اشتكي إنّما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فذلك يحزنني ولا أشعر بالسرّ ـ إلى أن قالت: ـ استأذنت رسول اللّه إلى بيت أبي فأذن لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فجئت أبوي وقلت لا َُمي: يا أُمّاه ماذا يتحدث الناس؟ فقالت: أي بنية هوني عليك، فواللّه لقلّ ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلاّ أكثرن عليها، قلت: سبحان اللّه أوقد يحدث الناس بهذا؟ قالت: نعم، فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم.

ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول اللّه أُسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب عليه السّلام حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأمّا أُسامة فأشار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّمبالذي علم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال: يا رسول اللّه هم أهلك ولا نعلم إلاّ خيراً، فأمّا علي بن أبي طالب ـ عليه أفضل الصلوات ـ فقال: لم يضيق اللّه عليك والنساء سواها كثيرة، وإن تسأل الجارية تصدقك، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بريرة، فقال: يا بريرة! هل رأيت شيئاً يريبك من عائشة ؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قطّ أغمضه عليها أكثر من أنّها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها.

قالت: وأنا واللّه أعلم أنّي بريئة، وما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولكنّي كنت أرجو أن يرى رسول اللّه روَيا يبرئني اللّه بها، فأنزل اللّه تعالى على نبيه وأخذه ما كان يأخذه من برحاء الوحي حتّى أنّه لينحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الثاني من ثقل القول الذي أنزل عليه، فلما سري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال: أبشري يا عائشة أما اللّه فقد برّأك، فقالت لي أُمي: قومي إليه، فقلت: واللّه لا


(234)

أقوم إليه ولا أحمد إلاّ اللّه، فهو الذي أنزل براءتي فأنزل اللّه تعالى: (إنّ الّذينَ جَاءُوا بالاِِفْكِ) الآيات العشر (1)

هذه مقالة الشيعة ولو كان لهم ولغيرهم من سائر الطوائف الاِسلامية كلام في حقّ السيدة فإنّما يرجع إلى وقعة الجمل وهي ذي شجون ولاَعلام المسلمين ومحققي التاريخ كلمات حولها ومن أراد فليرجع إليها.

اللّهم ارزق المسلمين توحيد الكلمة، كما رزقتهم كلمة التوحيد

جعفر السبحاني

قم المقدسة

8 جمادى الآخرة عام 1415هـ


1. الطبرسي: مجمع البيان: 4|130، ط صيدا، لبنان.


(235)

الرسالة السادسة

مبدأ حي وتعاليم قيّمة

كانت مجلة «مكتب إسلام» (1) قد نشرت في عددها الخاص (2) مقالاً ضافياً حول مذهب الشيعة باللغات العالمية الحية: العربية والانكليزية والفارسية.

ولما كان المقال على منهج جديد، تجاوب مع شعور كثير من القراء والمفكّرين في العالم الاِسلامي وقد ألحّوا علينا أن نفرد المقال بالطبع والنشر.

وممّا لا يشكّ أي ذي مسكة فيه، أنّالسلطات الجائرة في غابر الزمان والدعايات المسمومة من جانب أعداء الاِسلام أوجدت ستاراً وألقت أسدالاً على وجه الحقيقة، حالت دون وقوف المسلمين على مذهب الشيعة.

فلاَجل هذا وذاك قامت الهيئة التحريرية للمجلة بتلبية نداء هذا الصنف من القرّاء بإفراد المقال بالطبع وتوزيعه في مختلف الاَقطار على نطاق واسع بعد إعادة النظر فيه .

فها نحن نقدم للاَُمّة الاِسلامية وسائر الاَُمم أُمّهات عقائد الشيعة ولباب أُصولها بغية تقريب الخطى، وحفظاً للوحدة والوئام بين الاَُمّة جمعاء.

قم: ايران ـ مجلة «مكتب اسلام»


1. مجلة شهرية، علمية، دينية، ثقافية، تصدر عن الجامعة الاِسلامية بقم المقدسة تهدف إلى بث روح الاِيمان والعمل ومعالجة المعضلات الخلقية والاجتماعية ، أُسّست عام 1378هـ. ق وما زال عطاوَها العلمي مستمرّاً إلى سنتنا هذه 1419هـ.ق.
2. العدد السابع سنة 1386هـ .ق.


(236)

بسم الله الرحمن الرحيم

ليس الغرض من وضع هذا المقال سرد عقائد الشيعة وما لها من أُصول ومبادىَ وأفكار ، لاَنّ ذلك يدفعنا إلى تأليف كتاب مفرد، وإنّما الهدف إيقاف القارىَ على مبادىَ التشيّع وأُسسه على وجه الاِجمال بأوضح العبارات وأخصرها كي يرجع إليه من ليس له إلمام صحيح ومعرفة وافية بأُصول تلك الطائفة ولا يكون من الذين أخذوا مبادىَ التشيّع عن كُتّاب مغرضين .

ولمّا كان هذا المقال يصدر عن معهد علميّ له تاريخه الحافل بين معاهد الشّيعة الكبيرة، فسيجده القارىَ كافياً في ازاحة الستار عن كثير من المختلقات والمبهمات التي حامت حول مذهب الشيعة وفيه أجوبة لكثير من الاَسئلة الّتي قد تتبادر إلى الاَذهان.

وإليك الاِشارة إلى العناوين المطروحة في المقال:

* الشيعة في الوقت الحاضر * الجامعات العلمية للشيعة

* نشوء مذهب الشيعة * مكانة القرآن الكريم عند الشيعة

* الشيعة وسائر الفرق الاِسلامية * عقائد الشيعة

* مميزات الشيعة * المصادر الدينية للشيعة

* نماذج من الوظائف الاَخلاقية والاجتماعية عند الشيعة

وذلك ضمن فصول:


(237)

1

الشيعة في الماضي و الحاضر

تدلّنا الاِحصاءات الدقيقة على أنّ التشيّع في الوقت الحاضر يدين به أكثر من مائتين وخمسين مليون نسمة وهم متفرِّقون في أقطار العالم وأرجاء الدُّنيا يقطنون غالباً في إيران والعراق وباكستان والهند واندونسيا وسوريا ولبنان و المملكة السعوديّة و أفغانستان وتركيا والقفقاس ومصر وأمارات الخليج وإفريقية الشرقية والمركزية والاَمريكتين والصين، إلى غيرها من البلاد،وتشكّل الشيعة رُبع فرق المسلمين .

ولهذه الطائفة مساهمة فعالة في تأسيس الحضارة الاِسلامية، فانّهم حازوا قصب السبق على غيرهم في حفظ التراث الاِسلامي.

ومع الاَسف الشديد لم تُعْرف الشيعة حقّ المعرفة حتّى أنّ إخواننا أهل السنّة على الرغم من تعايشهم مع الشيعة لا يعرفون عن مذهب الشيعة إلاّ النزر اليسير.

وليس ذلك جديداً فانّ المستعمرين وأذنابهم وجدوا أهدافهم وتحقّق مآربهم في فصل السنّة عن الشيعة وتأجيج نار الشحناء والبغضاء بينهما، ولم يقتصروا على ذلك فحسب بل استعانوا بتشويه الحقائق وتحويرها بغية ترسيخ ذلك التعصّب البغيض.


(238)

وقد خلّفت تلك العوامل مضاعفات سيّئة ، أعقبها حروب طاحنة بين الفئتين غير أنّ تلك القلاقل والفتن لم تُنتج سوى وهن الاِسلام وضرب المسلم أخاه المسلم.

لكن اللّه أبطل سعيهم وأفسد كيدهم بيقظة المسلمين بعد طول سبات، وتقدُّمهم في معترك الحياة فتعارفوا بعد ما تناكروا وتآلفوا بعدما تباغضوا.

وقد قام عدد كبير من أساتذة جامعة الاَزهر بمعاضدة بعض مفكّري الشيعة بتأسيس دار للتقريب بين المذاهب الاِسلاميّة والهدف الاسمى لتلك الجمعيّة الثقافيّة كما ينبىَ عنه عنوان «دار التقريب بين المذاهب الاِسلامية» هوالتقريب بين فرق المسلمين والقيام على جمع كلمة الطوائف الاِسلاميّة الّذين فرّقتهم آراء لا تتّصل بالعقائد الّتي يجب الاِيمان بها وقد تألّفت الجمعيّة من أعلام السنّة والشيعة، والسكرتير العامّ للجماعة هو شيعيّ إيرانيّ.

كما قامت الجمعيّة بإصدار مجلّة علميّة سمتها «رسالة الاِسلام» لنشر دعوتها ورسالتها، وهي صحيفة حافلة بالمواضيع العلميّة الحيّة الّتي تلائم روح دعوتها ويساهم في كتابتها عدّة من كتاب علماء السنّة والشيعة وقد قطعت في ذلك المضمار شوطاً كبيراً.

ومن نتائج دعوتها الفتوى التاريخية الّتي أصدرها فضيلة الاَُستاذ الاَكبر الفقيد الشيخ محمود شلتوت شيخ الاَزهر فقال:

إنّ مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الاِمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلّصوا من العصبية بغير الحقّ. (1)


1. راجع العدد الثالث من رسالة الاِسلام السنة الحادية عشرة .


(239)

ولم يكن شيخ الاَزهر الفقيد وحيداً في فتواه فقد سبقه إلى هذا الاَُستاذ الاَكبر الشيخ عبد المجيد سليم، شيخ الاَزهر في وقته وإن لم يكن مجاهراً مثله.

وقد كان لتلك الفتوى التاريخيّة صدى واسع في المجتمع الاِسلاميّ حيث أحكمت أواصر الاَُخوّة و كرست روح التفاهم بين الطائفتين وتلقاها أعلام السنّة والشيعة بصدور رحبة.

الجامعات العلمية للشيعة

للشيعة الاِماميّة جامعات علميّة مكتظّة بالاَساتذة وروّاد العلم والتحقيق وأخصُّ بالذكرجامعتين كبيرتين لهما منزلة ومكانة عظيمة:
1. جامعة النجف الاَشرف ذلك المركز العلميّ العريق الّذي أُسّس منذ قرابة ألف عام عند مرقد الاِمام أمير الموَمنين عليه السّلام .
2.جامعة قم وهي جامعة كبيرة لها الاَثر الكبير في نشر المذهب الشيعي إضافة إلى جامعة مشهد الّتي تأسّست عند مرقد الاِمام الطاهر عليّ بن موسى الرضا عليمها السّلام وتضمُّ الجامعات المذكورة أكابر مراجع الشيعة وأعاظم زعمائها الدينيّين وقادتها الروحيّين ومهمّتهم تحمّل أعباء الزعامة والمرجعيّة الروحيّة العامّة مع بذل جهدهم في صيانة الجامعة وتربية طلاّبها بإلقاء الدروس في أندية البحث والتدريس وراء ما يقومون به من مهمّة الاِفتاء.

وقد اكتظت الجامعات منذ تأسيسها بآلاف من روّاد العلم والمعرفة في كافة الاختصاصات، كلّ حسب استعداده وكفاءته إلى أن يقضي وطره وينال من التحصيل بغيته فتخوّله المرجعيّة الدينية مهمّة من المهمّات إمّا بالتخصّص في الوعظ والارشاد، وإمّا بتمثيل الزعيم الدينيّ في بلد أو قطر، وإمّا بإقامة الجماعة في مسجد، أو بالتدريس في نفس الجامعة إلى غير ذلك من الصلاحيات .


(240)

ومن مفاخر الشيعة أنّهم حازوا قصب السبق في تأسيس فنون الاِسلام وتدوينها يقف على ذلك كلُّ من سبر تاريخ العلوم الاِسلاميّة وأمعن النظر في نشوئها وتكاملها ففي طيات التاريخ والمعاجم دلائل واضحة على أنّ جُلّ العلوم الاِسلاميّة أُسّست بيد الفطاحل من الشيعة والاَعلام من أقدميهم. (1)

وللشيعة منهج خاصٌّ في تربية الخطيب والمبلّغ فترى الخطيب واقفاً أمام حشد عظيم يلقي خطابة حماسية أوكلمة اجتماعيّة ارتجالاً بأحسن العبارات وأفصحها.

كان الزعيم الديني الاَكبر الاِمام البروجردي قدّس اللّه سرّه (1292ـ 1380هـ.ق) باذلاً تمام جهده في تعريف الشيعة على وجهها الصحيح ساعياً في هذا الطريق بكلّ ما أُوتي من حول وقوّة، لاِيمانه بأنّ التشيّع قائم على أُسس منطقية وأنّه الملجأ الوحيد لحلّ المشاكل الاجتماعيّة والاَخلاقيّة الّتي حاقت بالغرب.

كان الاِمام المغفور له على إيمان بأنّه لو وقف العالم الغربيّ والشبيبة المتربيّة في أحضانه على مبادىَ التشيّع وأُصوله ومعتقداته للجوَوا إليه بخاطر رحب وصدر منشرح.

وقد نجح رحمه الله بعض النجاح في أهدافه فقام بإزاحة العقبات والعراقيل الّتي وضعت امامه ببعث رجال العلم إلى البلاد النائية مثل «واشنطن» و«هامبورغ» في أمريكا و ألمانيا، فقاموا بأعباء التبليغ والاِشادة بمذهب الشيعة وتشكيل أندية الوعظ والاِرشاد، وإقامة الموَتمرات حتّى وفّق لبناء مسجد عامر في ساحل بحيرة «الستر» في هامبورغ، وقد قام البناء على مزيج من الفنون المعمارية


1. تجد تلك الدلائل والشواهد في كتاب «تأسيس الشيعة لفنون الاِسلام» تأليف المرجع الديني الاَكبر السيد حسن الصدر.


(241)

الشرقيّة الاِسلاميّة والغربيّة على أرض تربو مساحتها على أربعة آلاف متر تقام فيه الصلاة وتعقد فيه الموَتمرات والندوات يحضرها العديد من الجامعيين والتجّار ومن أسلم من الغربييّن من غير فرق بين الشيعيّ والسنّي والاَبيض والاَسود بل الجميع يقفون في صفّ واحد.

وللشيعة مكتبات عامرة ذات عظمة وشأن وفي طليعتها مكتبات النجف الاَشرف وقم ومشهد وطهران تحفظ فيها النفائس والمخطوطات والآثار الاِسلاميّة.

وممّا هو جدير بالذكر أنّ جامعتي الاَزهر والقرويين في القاهرة والمغرب من أقدم الجامعات الّتي أُسّست بيد الشيعة، فقد قام المعزُّ لدين اللّه أحد الخلفاء الفاطميّين المجاهرين بالتشيّع بتأسيس الاَزهر الشريف في أواسط القرن الرابع كما أنّ جامعة القرويّين من آثار «الاَدارسة» الحسنيّين ملوك مراكش.

نشوء مذهب الشيعة

لقد فسح المجال لذوي الاَقلام المستأجرة لتشويه سمعة الشيعة ورمي التشيّع بأنّه فكرة خاصّة لطائفة انطوت على نفسها لاتمتُّ إلى المسلمين والاِسلام بصلة، وإن اتّسمَت بطابع الاِسلام مع أنّها هي الاِسلام نفسه.

إذ ليس التشيّع مبدأ خاصاً وراء الاِسلام، ولا الاِسلام مبدأ يغاير التشيع، إنّما التشيّع هو نفس الاِسلام الذي جاء به نبيّنا الاَعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والشيعة تدّعي أنّ أحسن الطرق وأبعدها عن الريب إلى معرفة الاِسلام وما فيه من تعاليم إنّما هو أوصياوَه وأهل بيته الّذين تربّوا في مهبط الوحي فصاروا أقرب الناس إلى رسول اللّه من غيرهم، فالاِسلام والتشيع حقيقة واحدة حدثا وتكوّنا في آن واحد.


(242)

مكانة القرآن الكريم عند الشيعة

إنّ القرآن الكريم هو المصدر الاَوّل لدى الشيعة كما هو عند المسلمين كافّة ولم يتطرّق إليه تحريف أو تشويه، وهو عندهم المقياس الوحيد لتمييز الموضوع من الصحيح في الاَحاديث الاِسلاميّة، وأنّ كلّ حديث خالف كتاب اللّه فهو زخرف يضرب به عرض الحائط.

الشيعة وسائر الفرق الاِسلامية

لعلّك تقول: لماذا افترقت السنّة عن الشيعة؟ وما هي أسباب ذلك ؟ فنقول: إنّ الفارق الاَساسيّ إنّما هو موضوع الاِمامة، فانّ الخلافة الاِسلاميّة عند الشيعة منصب إلهيٌّ خطير لا يقوم به إلاّ الاَمثل فالاَمثل من الاَُمّة، وليس تشخيص ذلك إلاّ للّه ولرسوله من بعده، فلاَجله ذهبت الشيعة إلى أنّ الاِمامة كالنبوّة لا تنعقد إلاّ بتنصيص وتعيين من اللّه.

اتّفقت الشيعة على أنّ الاَئمّة الاثني عشر خلفاء الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأنّهم منصوبون من اللّه لقيادة الاَُمّة وزعامتها وقد نصَّ الرسول على عددهم وأسمائهم ونصَّ كلُّ خليفة سابق منهم على الخليفة من بعده، ودونك أسماءهم:

الاِمام عليُّ بن أبي طالبعليه السّلام ابن عمِّ الرسول وصهره تربّى في حجره ولم يزل يقفو أثره طول حياته، وهو أوّل النّاس إسلاماً، وأشدّهم استقامة في مصالح الدين الاِسلامي وتفانياً في تثبيته وتركيزه، بلغ في علمه وتقواه رتبة تقاصر عنها الاَقران وتراجع عنها الاَكفاء.

نصَّ النبيُّ الاَعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حشد عظيم على خلافته وولايته، عند منصرفه من مكّة عام حجّة الوداع في موضع يقال له «غدير خم» و لم تكن أوّل مرَّة شاد


(243)

فيها الرسول بمقام وصيّه فقد كان طول حياته ينوِّه بوصايته وخلافته، من بدء إظهار الدعوة إلى مرضه الّذي توفّي فيه.

كان الاِمام أفضل الناس وأمثلهم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يبلغ شأوه أحد من الصحابة، ولم يكن يوم ذاك رجل أليق بزعامة الاَُمّة وقيادتها منه.

غير أنّ قريشاً قد تمالاَت على تداول الخلافة في قبائلها، واشرأبّت إلى ذلك أطماعها فتصافق الاَغلب منهم على تناسي النصّ، وأجمعوا على صرف الخلافة من أوّل أيّامها عن وليّها المنصوص عليه.

نعم تصافقت مع عليّ عليه السّلام ثلة جليلة من الشخصيّات البارزة من المهاجرين والاَنصار والتابعين لهم بإحسان فبقوا على منهاج نبيّهم ولم يرضوا إلاّ بولايته وخلافته الّتي صدع بها نبيّهم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حياته، ولم يبايعوا غيره ونصروا إمامهم بتضحية نفوسهم وبذل أموالهم وقد حفظ التاريخ أسماءهم وما لهم من مواقف، غير أنّ شيعة عليّ تحفّظاً للوحدة والوئام خطوا خطوة إمامهم من ترك التعرُّض لمتقمصي الخلافة، والمماشاة معهم في مهامِّ الاَُمور ومصالح الدين والمسلمين.

ولم ير الاِمام بدّاً لحفظ مصالح الدين من تسليم الاَمر إلى المجلبين على الخلافة فلزم عقر داره مدَّة تربو على خمسة وعشرين عاماً إلى أن رجعت إليه الخلافة، فتصافقت على قيادته وزعامته جبهة الاَنصار والمهاجرين وألقوا إليه مقاليد الخلافة، فأحيا الاِمام عليه السّلام سنّة النبيّ الاَعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في عدله وإنصافه ومساواته بين الناس ولم يكن لاَحد فيه مطمع، ولا عنده هوادة، ولم يكن يُقيم وزناً لغير الحق ، ولم يحكم بين الاَُمّة إلاّ بالحقّ والعدالة ، وهذه الحكومة الاِلهيّة وإن لم تطل أيّامها ولم تتجاوز خمسة أعوام، وانتهت باغتياله عليه السّلام إلاّ أنّها كانت مثالاً نموذجياًً لحكومة الحقّ والعدالة والمثل الراقية، وهذه خطبه ورسائله توقفنا على أصالة رأيه وسداد منطقه وعدله.


(244)

والاِمام مفخرة من مفاخر المسلمين على الاِطلاق، لا بل الاِنسانيّة جمعاء، وليست الشيعة إلاّ من تابع الاِمام وشايعه في أقواله وأفعاله، وما أُطلق لفظ الشيعة على هذه الفئة إلاّ لمشايعتهم الاِمام فيما كان يأخذ ويذر.

فالاِمام عليٌّ أوّل الاَئمّة الاثني عشر، ويليه الحسن بن عليّ، فالحسين بن عليّ، فعلي بن الحسين، فمحمد بن عليّ، فجعفر بن محمد، فموسى بن جعفر، فعليُّ بن موسى، فمحمد بن عليّ، فعلي بن محمّد، فالحسن بن عليّ، فمحمد بن الحسن عليهم السّلام هوَلاء أئمّة الشيعة وقادتهم، نقتبس من أنوارهم ، ونهتدي بهداهم، وقد حُفظت تواريخهم وآثارهم ودوِّنت أحاديثهم وما روي عنهم.

اتّفقت الشيعة على أنّ الاَرض لا تخلو من قائم للّه بحجة، إمّا ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً يسلك بالمجتمع طريق المكارم، ويرفع لهم أعلام الهداية، ويربّيهم ويرشدهم إلى صراط الحقّ، وتلكم الحجج في عامّة الاَدوار تمثّل إمّا في نبيِّ أو وصيّ نبيّ، هذا منهج الشيعة تسير عليه في أبحاثها الكلامية، وتبرهن عليه بالوجوه العقليّة والنصوص المتضافرة، كما وتعتقد أنّ الاِمام الثاني عشر عليه السّلام آخر الاَئمّة حيٌّ يرزق، منحه اللّه من العمر أطوله، وليس ذلك في عقيدة الشيعة بجديد، فقد قالت جمهرة المسلمين بأنّ المسيح حيّ يُرزق بعد مرور عشرين قرناً على ميلاده لحدِّ الساعة هذه، وليس على اللّه بعسير فهو القادر على كلِّ شيء فله أن يمنح عبداً من عباده أيَّ قدر شاء من العمر، فلا قُدرة اللّه متناهية ولا طول العمر محال في نفسه، ولا الاَُصول المحرَّرة في علم الحياة تعانده وما جاء العلم لحياة البشر بحدِّ لا يتجاوزه.

وقد ادَّخره اللّه ليوم يتظاهر فيه الزمان بالجور والعدوان، ويشاع فيه القتل وسفك الدماء والفساد ويحيق بالمجتمع ألوان العذاب والبلاء حتّى تضيق بهم الحياة.


(245)

غير أنّ هذه المصائب والمكاره تهيّىَ المجتمع وتدفعه إلى ثورة عارمة ضدّ الظلم والعدوان تقلع وتقطع جذور الجبابرة عن أديم الاَرض إلى أن ترفرف أعلام العدل والسلام في شرق الاَرض وغربها وهذه الثورة الاِلهيّة الموعودة الّتي تغير الزمان وأهله ستتحقّق بإذن اللّه بقيادة آخر الخلفاء من أئمّة الشيعة فيملاَ اللّه به الاَرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.

وعقيدة الشيعة في الاِسلام أنّه ليس دين رهبانيّة وتزمّت ولا ديناً يصب اهتمامه على النفعيّة والانتهازيّة والعمل غير المشروع وإنّما هو دين انطلاق مع المثل الراقية وأُصول الحياة. ودونك بيان عصارة عقائد الشيعة تحت أُصول ثلاثة:


(246)

2

عقايد الشيعة

الاَصل الاَوّل: التوحيد

أقامت الشيعة براهين قيّمة على أنّه تعالى واحد لا شريك له ولا نظير ولا شبيه له لم يلد ولم يولد وهي تكافح كلَّ لون من ألوان الشرك وأيَّ انحراف عن صراط التوحيد.

أجمعت الشيعة على أنّ العالم مخلوق للّه ومصنوع له لم يشاركه فيه أحد من خلقه، ولم ينازعه أحد في ملكه ولا خالق إلاّ اللّه. وهذا الاَصل هو الّذي أرشدهم إلى القول بأنّكلَّ ما في الكون من حقير وخطير ليس فيه إلاّ الخير و الصلاح وأنّ كلَّ انحراف وفساد فهو من فعل الاِنسان .

اتّفقت الشيعة على تنزيه اللّه تبارك وتعالى عن الجسم ولوازم الجسمانيّات وأنّه تعالى فوق المادّة والمادّيّات، فليس هو في حيّز ولا يحيط به شيء، و علمه قد أحاط بكلّ شيء، و هو أقرب إلى عبده من حبل الوريد، بصير سميع لا يخفى عليه شيء في الاَرض ولا في السماء.

وهو محيط بكلّ الاَزمنة والاَمكنة، فالماضي والمستقبل والعالي والداني عنده سواء، والموجودات بهويّاتها وحقائقها الخارجيّة حاضرة لديه منكشفة له أتمَّ الانكشاف، يعلم خائنة الاَعين وما تخفي الصدور.

الشيعة توحّد اللّه أتمَّ التوحيد، فاللّه جلّوعلا عندهم بسيط لا جزء له؛


(247)

حتّى أنّ صفاته الجماليّة كعلمه وقدرته عين ذاته لا زائدة عليها، فليست هاهنا ذات وراء الصفات حتّى تكون معروضة لها كما في غيره من الممكنات، وهذا لا يعني خلوّ ذاته سبحانه عن العلم والقدرة كما عليه بعض الفرق الاِسلامية، بل يعني انّ الذات بلغ في الكمال بمكان صار نفس العلم والقدرة. كما انّه لا حدّ لوجوده فهو أزليٌّ أبديٌّ غير متناه من جميع الجهات.

وهو جلَّ وعلا لا يجانس أحداً من مخلوقاته في صفاته وأوصافه، إذ لا سنخيّة بينه وبين مصنوعاته ولا تشابه بين المتناهي وغير المتناهي.

اتّفقت الشيعة على أنّ اللّه هو الغافر لذنوب عباده وزلاّت خلائقه دون غيره، ولا يشاركه في ذلك أحد، ولا يشفع أحد من أنبيائه وأوليائه إلاّ بإذنه.

الاَصل الثاني: النبوة وبعثة الرسل

اتّفقت الشيعة على أنّ اللّه تعالى بعث رسله وأنبياءه إلى عباده وهم خيار خلائقه ليهدوهم إلى صراطه ويخرجوهم من ظلام الجهل إلى نور العلم والاِيمان، لاَنّه لم يخلقهم إلاّللفوز بالسعادة، وقد جبلهم على موَهّلات في أنفسهم تحبّب إليهم الخير والسعادة وتبعثهم إلى الابتعاد عن الظلم والانحراف وما شابه ذلك من مساوي الاَخلاق.

ثمّ إنّه تعالى عزّز الفطرة وكمّلها ببعث رسله وقادة هداه، وأمرهم بإبلاغ أحكامه ونصح خلائقه حتّى يتسنّى لهم الارتقاء إلى قمة الكمال الممكن، وهذا يعني انّ الشرائع السماويّة لا تفارق الفطرة قط بل تماشيها ، وكلُّ ما يطرق سمعك ممّا هو منسوب للدين و تتجافى عنه الفطرة فاعلم أنّه ليس من الدين وأنّه مختلق مصنوع.

أجمعت الشيعة على أنّ ما تحمّلته الرسل من المحن والمكاره وما أصابهم


(248)

في جنب اللّه من الاَذى لم يكن لفداء أُمتهم وتأمين أتباعهم ممّا اقترفوا من ذنب وارتكبوا من خطيئة، بل كان لمرضاة اللّه وخدمة المجتمع، وقد نوّه القرآن على ذلك غير مرَّة.

تعتقد الشيعة أنّ الاَنبياء والرسل صفوة الناس وخيرتهم وأفضلهم وأنّه يجب على كلِّ إنسان تكريمهم، غير أنّ أيدي السوء عبثت بالكتب السماوية ما سوى القرآن، فحرَّفت منها ما كان حقّاً لا شائبة فيه، وثبّتت فيها خرافات هي أشبه بقصص القصاصين لا تنسجم مع المنطق السليم.

والعصمة عند الشيعة أصل مبرهن عليه، والاَنبياء عندهم معصومون من الذنوب نزيهون عن الخطأ والنسيان.

أجمعت الاَُمّة الاِسلاميّة على أنّ نبيَّ الاِسلام أعظم الاَنبياء منزلة، وهو خاتمهم، ودينه خاتمة الشرائع.

الاَصل الثالث: المعاد

وهو أصل إسلاميّ خطير ، وقد اتّفقت السنّة والشيعة على أنّ اللّه يحيي الناس يوم القيامة ويضع الموازين القسط فلا يُظلم أحد مثقال ذرة، ووفيت كلّ نفس ما عملت، فإمّا إلى النعيم الدائم وإمّا إلى العذاب المقيم.

ميزات الشيعة

هذه الاَُصول الثلاثة تشترك فيها عامّة فرق المسلمين غير أنّ للشيعة أُصولاً اختصّت وانفردت بها عن سائر الفرق وهي:
1. الاِمامة و الخلافة: الاِمامة كما قلنا منصب إلهيّ يمنحه اللّه لخاصّة عباده وهم الاَئمّة الاثنا عشر خلفاء اللّه وخلفاء نبيّه صلّى الله عليه و آله و سلّم.


(249)

2. العدل: اتّفقت الشيعة على عدله تعالى فلا يظلم عباده مثقال ذرَّة لاَنّ الظلم ينشأ إمّا عن الجهل بقبحه وإمّا عن الحاجة إليه وكلاهما آية النقص وهو تعالى منزَّه عن كلِّ ذلك لكماله المطلق وعلى هذا الاَساس قالت الشيعة ببطلان الجبر في أفعال العباد وأنّ المكلّفين غير مجبورين في أفعالهم وأقوالهم، خلقهم اللّه مختارين في ما يفعلون ويتركون غير مضطرّين في طاعة أو معصية، وجعل الاِنسان تامّ التصرُّف في ما يسعد به ويشقى، وأنّه (لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى) (1) و (أَنْ لَيْسَ لِلاِنْسانِ إِلاّ ما سَعى) (2) و (فَمَنْ شاء فَلْيُوَْمِنْ وَمَن شاءَ فَلْيَكْفُر ) (3).

لكن إخواننا أبناء السنّة لمّا لم يعترفوا بالحسن والقبح العقليّين ولم يعتقدوا بأنّ النفس تدرك حسن العدل وقبح الظلم، قالوا بأنّما حسّنه الشرع فهو حسن، حتّى لو أمر بالظلم والعدوان، وكلّ ما قبّحه الشرع فهو قبيح حتّى لو نهى عن العدل والاِحسان، وآلت النتيجة أنّه لا مفهوم للحسن والقبح ولا للعدل والظلم بالنسبة إليه تعالى.

المصادر الدينية للشيعة

الشيعة كسائر الفرق الاِسلاميّة تعتمد على كتاب اللّه العزيز، الذي هو مقياس يوزن به الحقُّ والباطل، وتعتمد على السنّة المأثورة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن طريق الثقات وعلى ما اتّفق عليه المسلمون في الاَجيال السالفة والحاضرة، وعلى الاَحاديث المأثورة عن الاَئمّة الاثني عشر الّذين هم أقرب الناس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعنه أخذوا علومهم ومعارفهم بلا واسطة أو بواسطة آبائهم.

والمصدر الاَخير عند الشيعة من أهمِّ مصادر التشريع تعتمد عليه في غالب شوَونها، وهم يتمسّكون في حجّيّة هذا المصدر بقول الرسول الاَعظم ـ : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ


1. الاَنعام: 164.
2. النجم: 39.
3. الكهف: 29.


(250)

الحوض» فجعل أئمّة الشيعة أعدال الكتاب وقرناءه، والشيعة تتمسّك بأهداب ولائهم ويروون أقوالهم وأفعالهم كقول نبيّهم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وفعله وتقريره.

والشيعة تعتمد على ما يحكم به العقل حكماً باتّاً وهذه المصادر الاَربعة: (كتاب اللّه، وسنة رسوله، وما أجمع عليه المسلمون وما حكم به العقل) هي مدارك الشيعة ومصادر أحكامها ولا تعتمد على الاَقيسة والاستحسانات وغيرها من الوجوه الظنية.

كما يجب على من تصدّى للاِفتاء والقضاء استنفاد وسعه في استنباط الحكم الشرعيّمن الاَدلّة المذكورة، ولا يجوز له أن يرتجل الاَحكام ارتجالاً خارجاً عن المصادر المذكورة.

إنّ باب الاجتهاد عند الشيعة مفتوح على مصراعيه إلى يوم القيامة، ولا يختصُّ بفرد دون فرد أوجمع دون جمع، والشيعة لا تسلب العقول المستنيرة حرِّيّتها ولا تلزمها بالرجوع إلى مجتهد خاصّ، ومن بلغ رتبة الاجتهاد عندهم حرُم عليه العمل بالتقليد ولزمه العمل وفق رأيه سواء وافق سائر المذاهب أم خالفها، والشيعة في هذا الجانب تخالف السنّة في انسداد باب الاجتهاد بعد الاَئمّة الاَربعة.

بيد أنّ السنّة والشيعة وإن اختلفوا فيما تقدّم من الاَُمور فانّهم لا يختلفون في أُصول الاَحكام الاِسلاميّة وأُمّهاتها وهذه الفوارق لا تخرجهما عن كونهما أُمّة واحدة وذات دين واحد.

الاِسلام عند الشيعة شريعة سهلة سمحة تحقّق سعادة الاِنسان في جميع نواحيه وفي كافّة أدوار حياته وفيه مرونة تماشي جميع الاَزمنة والاَجيال .

دوَّنت الشيعة أُصول الاِسلام وفروعه وما يرجع إلى المسوَوليات الفرديّة والاجتماعيّة وتحمّلوا في سبيل ذلك جهوداً مضنية وقد اضطرُّوا في هذا المضمار (الاجتهاد في الاَحكام الفرعيّة) إلى تأسيس علوم تعدُّ مبادىَ له حيث لا يتمُّ


(251)

الاجتهاد إلاّ بها.

وها نحن نشير إلى قليل من كثير من الفروع الّتي تعدُّ أُسساً وأركاناً للاِسلام:
1. الصّلاة: وهو ركن عظيم إسلاميٌّ، فيجب على كلِّ مسلم أن يقيم الصلوات اليوميّة في أوقاتها الخاصّة إلى الجهة (القبلة) الّتي نصّعليها القرآن وأطبق المسلمون عليها.
2. الصوم: يجب على كلِّ مسلم أن يصوم شهر رمضان كلّه بادئاً بروَية الهلال وخاتماً بهلال شوّال.
3. الحجّ: يجب على كلِّ مسلم مستطيع أن يحجَّ بيت اللّه الحرام ويجتمع مع سائر إخوانه في ذلك المشهد العظيم الّذي ينعقد كلَّ سنة مرَّة واحدة.
4. الزكاة: وهي عند الشيعة ركن اجتماعيٌّ بارز، لها صلة وثيقة بسياسة المال في الاِسلام، وهي حقُّ الجماعة في عنق الفرد وضريبة إسلامية على عاتق المكلّفين ـ وقد حدَّد لها الاِسلام نصاباً وجعل لها شرائط، وأوضح مواضع صرفها، التي منها الفقراء والمساكين وفي «سبيل اللّه» وهو مصرف عامٌّ تحدِّده الظروف، ومنها تجهيز المجاهدين وعلاج المرضى وكلّما يمت لصالح الاِسلام والمسلمين بصلة.
5. الخمس: وهو ضريبة إسلاميّة أُخرى تتعلّق بأموال المسلمين وله شرائط وحدود محرَّرة في مواضعها.
6. الجهاد: وهو ركن من أركان الاِسلام، فيجب على كلّ مسلم جهاد العدوّوطرده إذا حاول القضاء على الاِسلام بتضحية النفوس والاَموال.

7 و 8. الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هما لدى الشيعة من أفضل القربات أساسهما الدعوة إلى الحقّ ونبذ الباطل ومكافحة الفساد بألوانه المختلفة الفرديّة والاجتماعيّة على ضوء العلم والمنطق الصحيح وهو وظيفة الشعب المسلم كلّه ولا يختصّ بطائفة دون أُخرى.


(252)

3

نماذج من الوظائف الاَخلاقية والاجتماعية عند الشيعة

المسلم من يكون متذكّراً لخالقه، صادقاً في أقواله، أميناً في أفعاله، محبّاً لاِخوانه، مستطلعاً عن أحوالهم، معيناً لهم بما في وسعه بنفسه وماله، معتقداً بأنّالمسلم أخو المسلم وأنّ لكلّ أخ على أخيه حقوقاً متقابلة متساوية و الاَُخوّة من أوثق الوشائج بين أفراد الاِنسان، و لذلك أسماهم كتاب اللّه إخوة، كما قال تعالى : (إِنّما الموَمنونَ إِخْوَة) (1)

الاِنسان عند الشيعة يرجع بجميع ألوانه وأنسابه إلى أصل واحد لا فضل لفرد على آخر بلون أو نسب أو جنس إلاّ بالتقوى والاِيمان، وأنّالناس جميعاً كأسنان المشط سواسية في ما لهم و ما عليهم.

وقد أفرد غير واحد من علماء الشيعة كتباً فيما يرجع إلى الوظائف الفرديّة والاجتماعيّة وبحثوا في دقائق الحقوق صغيرها وكبيرها، وقد توسّعوا في التحقيق، فلم يدعوا في القوس منزعاً حتّى حرّروا حقوق الحيوان على مقتنيه، حين لم يكن لهذه البحوث في الجوامع الغربيّة وزن ولا قيمة، وقد احتذوا في ذلك حذو صاحب الرسالة صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأهل بيته عليهم السّلام .


1. الحجرات: 10.


(253)

يجب على كلِّ مسلم عند الشيعة أن يعوِّل نفسه و عياله، ويسعى لتأمين قوته ولا يجوز له ترك السعي، نعم يجب عليه في سعيه مراعاة أُصول الفضيلة والاَخلاق ولا يجوز له الاسعاف والركض إلى كلّ مظنّة ولو كانت ساقطة، فانّ شرف النفس فوق شرف الترفّه في المعاش.

اتّفقت الشيعة على أنّ المسكرات ولحم الخنزير والميسر والربا وكلَّ ما يمسُّ بكرامة الاِنسان حرام إلاّ أنّ المحرَّمات غير منحصرة فيما مرّ.

***

المواسات والتعاون من أهمّ الاَُصول الاجتماعيّة لدى الشيعة، إذ بالتعاون يقوم صرح الاجتماع، وقد ندب إليه الاِسلام لما قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «من أصبح ولم يهتمّ بأُمور المسلمين فليس بمسلم».

إنّالشيعة كسائر الفرق الاِسلاميّة يجعلون للاِنسان و كلّ ما يمت إليه وزناً وقيمة وبالاَخص لدمه، فمن قتل نفساً أو سفك دماً أو جرح إنساناً، فقد جعل اللّه لوليّه سلطاناً إمّا أن يقتصَّ منه أو يأخذ الدية المقرَّرة.

ويهتم المذهب الشيعيّ بفرض نظم خاصّة بالنسبة إلى الاَدب البيتي والعائليّ فقد فرض على الرجل المسلم القيام بتربية أولاده وتهذيبهم وأوصى المسلمين بمواصلة الاَقارب و الاَرحام سواء القريب منهم أو البعيد، وعدَّ تجافي القريب عن قريبه من قطع الرحم والانحراف عن الجادّة المنشودة للاِسلام، كما ركّز على حقوق الجار وآداب الجوار وتوثيق الصلة بين أفراد المجتمع بالدعوة للاَُلفة والوئام.

اتّفقت الشيعة والسنّة على أنّ الاِسلام نهى عن الاسترسال في الشهوات، غير أنّه أباح لكلِّ مسلم أن يتزوَّج بأكثر من واحدة (مَثْنى وَثُلاث وَرُباع) لكن


(254)

مشروطاً بشروط كثيرة لا يتسنّى لكلِّ إنسان تحمّلها.

وتتصوّر الدواعي الدّافعة للاِنسان إلى تعدُّد الزوجات في عدّة أُمور، فربّما يكون الرجل شبقاً فلا تقوم الزوجة الواحدة بحاجته، أو تكون الزوجة خامدة الشهوة، أو تكون ناحلة الجسم ، أو تكون عقيماً ، إلى غير ذلك من العوامل الدافعة إلى تعدُّد الزوجات.

ولا نزال نلمس من الغربيّين روح استنكار للشرقيّين في تزوُّجهم لاَكثر من زوجة واحدة ظناً منهم أنّ ذلك إرخاص لحقوق المرأة في حين أنّالواقع خلافه .

فالمسلم لثقته بنفسه في إقامة العدل والمساواة يقدم على التزوُّج بأكثر من واحدة، على أنّ الروابط المشروعة لا تقاس بالسفاح ومطاردة النساء كما تلوح على الجيل المائع في عصرنا الحاضر.

اتّفقت الشيعة على أنّه يلزم على كلّمسلم أن يساهم مع سائر الاَُمّة في المسائل الاجتماعية والسياسية فانّ الاِسلام ليس دين رهبانية.


(255)

الرسالة السابعة

الشيعة وعلم الكلام عبر القرون السبعة

إنّ الذي أكّد عزمي على الكتابة في هذا الموضوع، ما وقفتُ عليه في كلام المستشرق «آدم متز» موَلف كتاب «الحضارة الاِسلامية في القرن الرابع» (1) وقد خصّ الفصل الخامس من كتابه بالشيعة، ولم يكن عنده من كتبهم إلاّ مخطوط علل الشرائع للصدوق (306ـ 381هـ) و قد عثر عليه في مكتبة برلين، ولم يذكر في هذا الفصل شيئاً مهماً عن هذه الطائفة سوى المعارضاتِ والفتنِ التي دارت بين السنّة و الشيعة في القرن الثالث والرابع في عاصمة الخلافة «بغداد» و غيرها، وقد جمع تلك المعارضات بجد وحماس، وكأنّه يريد أن يلخِّص الشيعة في إثارة الفتنة والفساد، كأنّهم لم يلعبوا دوراً كبيراً في الدين و الاَدب، ولم يشاركوا المسلمين في بناء الحضارة الاِسلامية، وإن أشار في ثنايا كتابه إلى بعض الشخصيات اللامعة منهم كنصير الدين الطوسي، وليته يقتنع في ترسيم تلك الطائفة بما ذكر، ولم يتّهمهم بكونهم تبعاً للمعتزلة في الاَُصول والآراء، وأنّه لم يكن لهم في القرن الرابع مذهب كلاميّ مدوّن،وإليك نصّ كلامه:


1. نقله إلى العربية محمد عبد الهادي أبو ريدة، وله طبعات، منها الطبعة الثالثة التي ننقل منها، وحاول الموَلف أن يسجّل حضارة الاِسلام في القرنين الثالث والرابع مع العناية الخاصة بالقرن الرابع ليكون كتابه مقابلاً و مشابهاً لما كتب عن حضارة عصر النهضة في اوربا،(لاحظ مقدمة المترجم، ص 1).


(256)

«إنّ الشيعة هم ورثة المعتزلة، ولا بدّ أن تكون قلّة اعتداد المعتزلة بالاَخبار المأثورة ممّا لائم أغراض الشيعة، ولم يكن للشيعة في القرن الرابع(300ـ 400) مذهب كلاميّ خاصّ بهم، فتجد مثلاً أنّ عضد الدولة(المتوفّى372هـ) وهو من الاَُمراء المتشيّعين يعمل على حسب مذهب المعتزلة، ولم يكن هناك مذهب شيعي للفاطميين، ويصرّح المقدسيّ بأنّهم يوافقون المعتزلة في أكثر الاَُصول، وعلى العكس من هذا نجد الشيعة الزيديّة يرتقون بسند مذهب المعتزلة حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب «رضي اللّه عنه»، ويقولون: إنّ واصلاً أخذ عن محمّد بن علي ابن أبي طالب،وأنّ محمّداً أخذ عن أبيه، و الزيديّة، يوافقون المعتزلة في أُصولهم إلاّفي مسألة الاِمامة، ويدلّعلى العلاقة الوثيقة بين المعتزلة والشيعة أنّالخليفة القادر جمع بينهما حينما نهى في عام (408) عن الكلام و المناظرة في الاعتزال والرفض (مذهب الشيعة)، والمقالات المخالفة للاِسلام. ثمّ إنّ الطريقة التي سار عليها ابن بابويه القمّي أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري في كتابه المسمّى بكتاب «العلل» تذكّرنا بطريقة علماء المعتزلة الذين يبحثون عن علل كلّشيء. (1)

إنّ في كلام الاَُستاذ موارد للتأمل والنقاش:
1. اتّهام الشيعة بقلّة الاعتداد بالاَخبار المأثورة كقلّة اعتداد المعتزلة بها.

يلاحظ عليه: أنّ الشيعة أوّل من اهتمّ بتدوين الحديث ودراسته ونقله حينما كانت كتابة الحديث ممنوعة ونقلها أمراً مكروهاً يعرف ذلك من درس تاريخ الحديث عند الشيعة، ولهم في كلّقرن من القرون الاَربعة ـ التي يكتب هو عن القرن الاَخير منها ـ محدّثون كبار، منهم: الشيخ الصدوق الذي وقف على كتابه


1. آدم متز: الحضارة الاِسلامية في القرن الرابع الهجري:1| 106، 107.


(257)

«علل الشرائع»، فقد ألّف عشرات الكتب والرسائل في الحديث (1) وقد ألّفت الشيعة في عصر الاِمام علي عليه السّلام إلى عصر الاِمام العسكريعليه السّلام (المتوفّى260هـ) في حقل الحديث ما يتجاوز الاَُلُوف يقف عليها من سبر الكتب الرجالية (2) وبما أنّ الموضوع واضح جداً لا نطيل الكلام فيه.
2. إنّ عضد الدولة وهو من الاَُمراء المتشيعين يعمل على حسب مذهب المعتزلة.

يلاحظ عليه: أنّه لم يكن للمعتزلة آنذاك مذهب فقهي حتى يعمل على وفقه أمير الشيعة في عصره، و الاعتزال مذهب كلاميّ لا مذهب فقهي. فلا صلة له بالعمل، وتفسيره بالاعتقاد بمذهب المعتزلة يناقض كونه من المتشيّعين، لاَنّ الطائفتين تفترقان في مسألة الاِمامة افتراقاً و اضحاً، وتخصيصه بالاعتقاد بسائر الاَُصول غير الاِمامة كما ترى.
3. إنّ الزيدية يرتقون بسند مذهب المعتزلة إلى علي بن أبي طالب، ويقولون: إنّ واصلاً أخذ عن محمّد بن الحنفيّة.

يلاحظ عليه: أنّواصلاً ولد عام 80هـ، ـ أو بعده بقليل ـ و تُوفّـيَ محمّد بن الحنفيّة ذلك العام أو بعده بسنة، فكيف يصحّ له أن يأخذ عنه واصل بن عطاء؟! والصحيح أن يقول: إنّ واصلاً أخذ عن أبي هاشم: عبد اللّه بن محمّد ابن الحنفيّة وهو عن أبيه محمّد، عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السّلام . (3)


1. رجال النجاشي: 2|325 برقم 1066.
2. راجع الوسائل: 2|49، الفائدة الرابعة.
3. لاحظ ذكر المعتزلة للبلخي68 ،طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار:234، وطبقات المعتزلة لابن المرتضى في ما نقله عن الحاكم، وأمّا ما ذكره هو نفسه أوّلاً فقد تخبّط فيه كتخبّط ذلك المستشرق، قال الحاكم: إنّ واصلاً وعمرو بن عبيد أخذا عن عبد اللّه بن محمد، وعبد اللّه أخذه عن أبيه محمد ابن علي ابن الحنفية، ومحمد أخذه عن أبيه علي عليه السّلام وعلي أخذ عنه صلّى الله عليه و آله و سلّم.


(258)

4. إنّ الخليفة القادر منع الطائفتين عن الكلام عام 408هـ.

يلاحظ عليه: أنّ الشيعة والمعتزلة يتوافقان في التمسك بالعقل وتحليل العقائدعن طريق الدليل العلمي، ويخالفون الحنابلة والاَشاعرة بالجمود على ظواهر النصوص، وكانوا يناظرون القشريّين،ولاَجل ذلك منعهما الخليفة عن الكلام والجدل، وهذا لا يكون دليلاً على اتّفاقهما في جميع الاَُصول سوى الاِمامة ، بل الجامع بينهما هو التعويل على العقل في مجال العقيدة.
5. إنّ الطريقة التي سار عليها ابن بابويه القمّي في كتابه«العلل» تذكّرنا بطريقة علماء المعتزلة.

يلاحظ عليه: أنّ الموَلّف وقف على كتاب الصدوق وقوفاً عابراً. فإنّ الصدوق جمع فيه الاَحاديث الواردة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وآله حول علل الاَحكام ومصالحها الواردة عن طريق الشرع، وأين ذلك من صُنع المعتزلة الذين قاموا بتحليل الاَُصول الاعتقادية عن طريق العقل وحكّموه فيما لا مجال فيه؟ ولاَجل ذلك عادوا إلى تأويل كثير من ظواهر الكتاب و السنّة التي لا تلائم عقائدهم وأُصولهم.

وعلى أية حال، فلنعد إلى كلامه الذي لاَجله عقدنا هذا المقال وهو : «إنّ الشيعة ورثة المعتزلة وإنّه لم يكن للشيعة في القرن الرابع مذهب كلاميّ خاص بهم».

وقد اغترّ بكلامه هذا بعض من تأخّر عنه من الكتّاب، كأحمد أمين المصري في «فجر الاِسلام» وغيره وهو الذي وقف على كتاب «الحضارة الاِسلامية» باللغة الاَلمانية، واختار هذا الكتاب للترجمة وشجّع محمّد عبد الهادي أبو ريدة على ترجمته. (1)


1. لاحظ مقدّمة المترجم.


(259)

ففي هذا المقال نعالج المواضيع التالية:
1. المنهج الصحيح في تفسير المعارف القرآنية.
2. علم الكلام وعوامل نشأته الداخلية والخارجية.
3. بدايات المسائل الكلاميّة في القرنين الاَوّل والثاني.
4. الدفاع عن العقيدة والشريعة، وفهرس أسماء متكلّمي الشيعة في القرون الاَربعة.
5. الجدل المستمر بين الشيعة والمعتزلة.
6. الفوارق الفكرية بين الشيعة والمعتزلة.

فيقع الكلام في فصول ستة:


(260)

الفصل الاَوّل:

المنهج الصحيح في تفسير المعارف القرآنية

يتميّز الاِنسان عن كلّذي روح وشعور، بقوّة التفكير والتعقّل، والجوهرة الفريدة التي بها يهتدي في ظلمات الحياة. فتنظيم المقدمات البديهيّة لغاية الاهتداء إلى حلِّ المجاهيل من خصائصه وميزاته، فلو كرّمه ربّه، وحمله في البر والبحر وفضّله على كثير ممّن خلق (1) فإنّما هو بفضل تلك القوّة التي لها الرئاسة التامة على سائر القوى الجزئية الكامنة فيه.

إنّ الاِنسان مهما أسَفَّ إلى الاَُمور الدنيّة، فلا يستطيع إخلاء نفسه عن التعقّل والاستدلال حتى أنّ الطغمة المنكرة للبرهنة، والداعية إلى الاقتصار على الحسّ والتجربة، تراهم يبرهنون على ذلك بالدليل وبالتالي يبطلون الاستدلال بالاستدلال. وهذا يعرب عن انّ التفكير وحلّ المجهولات في ظلّ المعلومات من الاَُمور الفطرية التي لا تنفكّ عن الاِنسان في حياته أبداً وإن تظاهر برفض القيم العقلية، والاقتصار في الحياة العلمية على مجال الحواس.


1. اقتباس من قوله سبحانه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَني آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْر وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّبات وَفَضّلناهُمْعَلى كَثيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً) (الاِسراء|70).


(261)

جاء القرآن يدعو الاِنسان إلى التفكير والاستدلال المنطقي، ويصدّه عن تقليد الآباء ويحرّر عقله عن الاَغلال التي خلّفتها له الاَجيال الغابرة حتى يكون على بصيرة في حياته وأمر دينه وأُخراه، ونسمع هتافه وصراخه ودويّه في آيات كثيرة نقتصر منها على ما يلي:

قال سبحانه: (ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَة وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحَسَن) (1)

وقال عزّ وجلّ: (واللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاََبْصارَ وَالاََفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (2) فإذا كان الشكر هو صرف النعمة في موضعها، فشكر السمع والبصر هو إدراك المسموعات و المبصرات بهما. وشكر الفوَاد، درك المعقولات غير المشهودة الخارجة عن إطار الحسّ به، فمن فتح عينه على الكون الفسيح وتدبّر أسراره ودقائقه فقد شكره، و من أقفل عقله وفوَاده، فقدكفر بنعمته. فلوح نفس كلّ إنسان يوم خلقت، خالٍ عن كلّ علم وإدراك، ثمّ تنتقش فيها الاَشياء والمعلومات شيئاً فشيئاً عن طريق الحسّ و العقل.

وقال سبحانه حاكياً عن المشركين: ( إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ* قُلْ أَوََ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدتُّم عَلَيِهِ آباءكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بهِِ كافِرُونَ) . (3)

وهذا ديدنه في غير واحد من الآيات، اكتفينا بما ذكر، روماً للاختصار.


1. النحل:125.
2. النحل:78.
3. الزخرف:23ـ 24.


(262)

إنّ القرآن يخاطب العقل ويدعوه إلى التأمّل والتفكّر، ويخاطب القلب والضمير ويدعوه إلى التدبّر في ما حوله من الاَدلة الناطقة، ولاَجل ذلك ترى أنّ يستعمل مادة العقل بصور مختلفة «47» مرّة،والتفكّر كذلك «18» مرّة، و اللبّ «16»مرّة، والتدبّر «8»مرات، والنهى مرتين،وبذلك يرفع الاِنسان من حضيض الجهل إلى أوج العلم والمعرفة.

إنّ القرآن لم يقتصر على الدعوة إلى التفكّر والبرهنة بل طبّقها في غير واحدمن مجالات العقيدة والتشريع، فأثبت مقاصده بناصع بيانه، وساطع برهانه نأتي بنموذجين منها.

الاَوّل: قال سبحانه: (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُون * ءَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُون * نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِين * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنشأكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأَةَ الاَُولى فَلَولا تَذَكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * ءَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ * لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ * إِنّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُُمُ الماءَ الّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزلُونَ * لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلولا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الّتي تُورونَ * ءَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُون) . (1)

فاللّه سبحانه يذكر في هذه الآيات شواهد ربوبيّته،وأنّه هو الخالق والمدبّر، ولا خالق ولا مدبّر سواه، وأنّمن يزعم أنّهناك خالقاً أومدبّراً غيره، فقد قصر فهمه أو قصّر في تفكيره.

فما أروع بيانَه وأتقن برهانه، يذكر فيها أمر الخلق والزرع و الماء و النار ويذكر دور الاِنسان فيها، فأمره في الاَوّل، لا يزيد على أن يودع الرجل ما يمني، رحمَ امرأة ثمّ ينقطع عمله وعملها، فالعقل يحكم بأنّ هناك قدرة غيبية تأخذ في


1. الواقعة:58ـ 72.


(263)

العمل، تعمل في هذا الماء المهين، في تنميته وبناء هيكله ونفخ الروح فيه.

وأمره في الثاني لا يزيد على الحرث وإلقاء الحبّ والبذر الذي هو من صنعه سبحانه ثمّ ينتهي دوره فلا محيص عن وجود قدرة تحميه تحت التراب والطين وتجعله سنبلاً أو سنابل فيها حبّاث كثيرة.

وأمّا الماء فليس للاِنسان فيه أيّدور لكنّه أصل الحياة وعنصرها، لا تقوم إلاّ به، فمن الذي خلقه وأنزله من المزن وأسكنه في الاَرض، ومثله النار فليس له فيها شأن سوى أنّه يوقدها، ولكن من الذي خلق وقودها وانشأ شجرها الذي توقد.

فقد عرض الذكر الحكيم هذه الاَُمور لغاية الاهتداء بها إلى الحقيقة التي تنتهي إليها كافة الحقائق و التي ينحصر بها التأثير في هذه الظواهر الكونية ولاَجل ذلك ختم الآيات بقوله:

(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظيم) .

فكأنّ عالم الكون عُمْلَة لها وجهان: صورة حسيّة لامعة تخدع البسطاء الذين يقفون عليها ولا يتجاوزون عنها إلى غيرها، وصورة غيبية التي هي روحها وبها قوامها، وهي التي خلقها واتقنها، (صُنعَ اللّه الّذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبيرٌ بِما تَفْعَلُون) . (1)

الثاني: قال سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِشَيءٍ أَمْ هُمُ الخالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالاََرض بَل لا يُوقِنُون) . (2) فلو فسّرنا «الشيء» في الآية بالسبب والعلة فالجزء الاَوّل من الآية يشير إلى برهان الاِمكان الذي يقوم على لزوم سبب


1. النمل:88.
2. الطور:35ـ 36.


(264)

موجب لخروج الشيء من العدم إلى الوجود،والجزء الثاني منها يشير إلى بطلان كونهم خالقين أنفسهم، الذي يستقلّ العقل ببطلانه قبل أن يستقلّببطلان الدور اللازم عليه.

ومن سبر هذه الآيات وتدبّر فيها يقف على مدى صحّة قوله سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آياتُنا فِي الآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنّهُ عَلى كُلّ شَيْءٍ شَهيد) . (1)

فيتخلّص لنا من عرض هذه الآيات، أنّ القرآن، يحثّ على المعرفة من طريق الحسّ و العقل، ويدعو إلى استغلالهما في مجاليهما، فالاقتصار على الحسّ، بُخس وخسران، كما أنّ الاكتفاء بالعقل وإلغاء الحسّ، مغالاة في حقّ العقل. فاليمين والشمال مضلّة، والطريق الوسطى هي الجادة (2) فيُستهدى إلى ما في القرآن من العلوم والمعارف القرآنية الباحثة عن ذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، بالحسّ والعقل، فهما جناحا الاِنسان في سماء العلم والمعرفة ومجال التدبّر والتفكّر قال سبحانه: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدّبّروا آياتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُولُوا الاََلْباب) . (3)

المعارف القرآنية بين التعطيل والتشبيه

إنّ هناك من حبسوا أنفسهم في اطار المادة والماديات وجدران الزمان والمكان فتجدهم لا يأنسون بالمعارف العقلية إلاّ عن طريق التشبيه والمحاكات، فصعب عليهم فهم المعارف القرآنية، وعسر عليهم تصوّر أنّ في صحيفة الوجود


1. فصّلت:53.
2. لاحظ نهج البلاغة: الخطبة 16.
3. ص:29.


(265)

موجوداً ليس له جسم ولا جهة ولا مكان، ولا يحويه زمان ولا مكان، ولا يوصف بالكيف والكم، وما هذا إلاّ لاَنّهم أُسراء المادة والجسمانية، فوقعوا فريسة لمخالب التجسيم، وتورّطوا في مخاطر التشبيه، فصاروا من المشبّهة والمجسّمة لا يتورّعون عن وصفه سبحانه بكلّ ما توحي إليهم القوّة الخيالية الاَسيرة لعالم الحسّ والمادة، فأثبتوا للّه سبحانه يداً ورجلاً وعيناً وغير ذلك ممّا جاء في الذكر الحكيم، وفسّروها بالمعاني الافرادية الملازمة للتجسيم، وكأنّهم لم يسمعوا قول اللّه سبحانه: (لَيْسَكَمِثْلِهِ شَيء) (1) أو لم يسمعوا قول اللّه سبحانه: (ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرهِ إِنَّ اللّهَ لَقَويٌّ عَزيز ). (2)

وفي مقابل هوَلاء، المعطّلة (3) وهم وإن تورّعوا عن التجسيم والتشبيه ولكنّهم عطّلوا العقول عن المعارف بحجّة أنّ البشر أعطي العقل لاِقامة العبودية لا لاِدراك الربوبية، فمن شغل ما أعطي لاِقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية. (4)

وكأنّ القائل يفسّر العبودية بالقيام والقعود، والاِمساك والصيام التي هي من واجبات الاَعضاء، وغفل عن أنّلها ركناً آخر يرجع إلى العقل واللبّ، فتعطيل العقول عن معرفة المعبود، بالمقدار المستطاع تعطيل لاِقامة العبودية أو لجزئها، فلو اقتصر الاِنسان في إقامة العبودية على الجزء الاَوّل من دون إدراك ما للمعبود من صفات الجمال والجلال، لكانت عبوديّته كعبودية الحيوان والنبات والجماد، بل تكون أنزل منها. قال سبحانه: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتفجّرُ مِنْهُ الاََنْهارُ وَإِنَّ مِنْها


1. الشورى:11.
2. الحج:74.
3. المعطّلة في مصطلح الاَشاعرة هم المعتزلة لتعطيلهم الذات عن التوصيف بالصفات. و المقصود في المقام غير هوَلاء بل الذين عطّلوا العقول عن المعرفة على النحو الذي جاء في المتن.
4. رضا نعسان: علاقة الاِثبات والتفويض: 33، نقلاً عن الحجّة في بيان المحجّة.


(266)

لَما يَشّقّقُ فَيخرُجُ مِنْهُ الماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغافِلٍعَمّا تَعْمَلُونَ) . (1)

فالحجر يستشعر بعظمته سبحانه حسب قابليّته، ولكن الاِنسان تُفْرض عليه تلاوة كتاب اللّه سبحانه ثمّ السكوت عليه.

قد ورد في الذكر الحكيم مسائل، لا يحيط بها الحسّ، ولا تقع في إطار الطبيعة، وليست الغاية من طرحها، هو التلاوة و السكوت حتى تصبح تلاوة الآيات لقلقة لسان، لا تخرج عن تراقي القارىَ بدل أن تتسرّب إلى صميم الذهن وأعماق الروح.

وإن كنت في ريب من وجودها، فلاحظ الآيات التالية:
1. (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه) . (2)

2. (هُوَ الاََوّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم) . (3)

3. (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) . (4)

4. (هُوَ اللّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُوَْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزيزُ الجَبّارُ المُتَكبّرُ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُون) . (5)

5. (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَق وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ) . (6)


1. البقرة :74.
2. البقرة:115.
3. الحديد:3.
4. الحديد:4.
5. الحشر:23.
6. الموَمنون:91.


(267)

6. (لَوْ كانَ فِيِهِما آلِهَةٌ إِلاّاللّه لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ). (1)

إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول ذاته وصفاته وأفعاله، التي هي من أُمّهات المعارف القرآنية.

فلروادّ العلم و المعرفة التدبّر والتفكّر فيها من خلال الاستعانة بالقضايا البديهيّة والنظريّة المعتبرة والتدبّر في الآيات الواردة في هذا الشأن، وبما أنّالمقدمات بديهية الصدق أو قطعية لدى العقل، و الآيات الواردة حول موضوع واحد خالية عن التناقض والاختلاف، تكون النتيجة أمراً قطعياً وحجّة بين الاِنسان وربّه.

إنّ تعطيل العقول عن التدبّر فيها إسدال الستار على المعارف القرآنية، وخسارة عظمى للعلم وأهله، وعدم خوض السلف من الصحابة والتابعين، لا يكون دليلاً على حرمة الخوض، وليس السلف قدوة في التروك لو سلّمنا كونهم قدوة في الاَفعال، كما ليس الخلف بأقل منهم في صحّة الاقتداء.

القول الحاسم في المقام

إنّ هوَلاء أي الذين يحرّمون الخوض في المعارف العقلية، ويقولون: إنّ واجبنا هو الاِيمان والاِقرار أو التلاوة والسكوت، خلطوا مرحلة الاِيمان القلبي المطلوب من جميع الناس، بمرحلة الفهم والنظر العقلي الذي لا يقوم به إلاّ الاَماثل من الناس، وصاحب المواهب والموَهلات الفكرية الخاصة، وما ذكروه راجع إلى المرحلة الاَُولى فإنّ الاِيمان المنقذ من الضلال والعذاب، هو الاعتقاد بصحّة ما جاء في الكتاب العزيز حول أسمائه وصفاته وأفعاله، حتى في مجالات


1. الاَنبياء:22.


(268)

الصفات الخبرية من اليدو الوجه والعين والاستواء على العرش، وبما أنّالاَكثرية الساحقة لا يستطيعون فهم ما فيها من الدقائق والمعارف وربما يكون الخوض منتهياً إلى ما لا يحمد، كفى لهم الاِيمان والاِقرار و الاِمرار والسكوت، وما نقل عن الاِمام مالك (المتوفّى179هـ): إيّاكم والبدع، قيل: يا أبا عبد اللّه ما البدع؟ قال: أصحاب البدع هم الذين يتكلّمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، و لا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة و التابعون لهم بإحسان (1) لعلّه ناظر إلى هذه الطائفة الذين لو خاضوا فيها، فسدوا وأفسدوا، ولم يأتوا بشيء.

وأمّا إذا انتُقل إلى المرحلة الثانية أي مرحلة الفهم والدراية والبحث والنظر وصياغة العقائد في ضوء الكتاب والسنّة والعقل، فلا يصحّ له الاكتفاء بالاِقرار والاِمرار، فإنّ الاستطلاع أمر طبيعيّ للبشر، وهو أحد الاَبعاد الاَربعة الروحية له، فلا يمكن كبح جماح فهمه ونظره بحجّة أنّالصحابة و التابعين سكتوا عنه، وكأنّ السلف هم القدوة دون الذكر الحكيم، ودون النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعترته الذين تكلّموا فيها، وأضاءوا الطريق لسالكيه، وكأنّ قوّة التفكير والنظر والمواهب العقلية المودعة في الاِنسان خلقت سدىً وبلا غاية.

وهل يمكن أن يفرض على عمالقة الفكر وأصحاب المواهب العقلية أن يقفوا دون هذه المعارف ويُطفئوا نور عقلهم وفي التالي يكونوا كأجلاف البيداء لا همّ لهم سوى الاَكل والشرب والسير طلباً للماء والعشب؟!

وعلى هذا فيجب تصنيف الناس على صنفين؛ قابل وغير قابل، مستعدٌ وغير مستعد، فلو صحّ الحرمان فإنّما للسوقة من الناس دون من أُوتي تفكيراً قوياً واستعداداً وقّاداً.


1. الدكتور أحمد محمود صبحي، في علم الكلام:1|21 نقلاً عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الاِسلامية، لمصطفى عبد الرزاق:155، طبعة 1944م.


(269)

ثمّ إنّه كما يجب تصنيف الناس يجب تصنيف المسائل بين ما يمكن للاِنسان الخوض فيه والرجوع بفكر صحيح، وما لا يمكن للاِنسان دركه وفهمه، فإنّ البحث عن ذاته سبحانه أمر غير ممكن إذ ليس كمثله شيء حتى يعرف الذات به، ولاَجل ذلك ورد النهي الاَكيد عن البحث والجدال في ذاته، ومثله البحث عن حقيقة الوحي و النبوة، أو عن حقيقة الجنة والنار، إلى غير ذلك من الاَُمور الغيبية التي لا يلمسها ولا يدركها إلاّ نبي يوحى إليه أو إنسان خرج من الدنيا ودخل الآخرة والواجب فيها الاِيمان فقط، قال سبحانه: (الّذينَ يُوَْمِنُونَ بِالغَيْب) (1) فإنّ الاِنسان المحبوس في سجن المادة، لا يمكن له درك حقيقتها، وإن كان له البحث عن آثار الوحي والنبوة وخصائصهما.

ثمّ إنّه لا محيص للمانعين عن الخوض في المعارف القرآنية بل العقلية على الاِطلاق، عن سلوك أحد طريقين:
1. التلاوة والسكوت والاِمرار والاِقرار وتفويض معانيها إلى مُنزِّلها.
2. الاَخذ بظواهر الآيات الحرفية وتفسيرها بظواهرها الحرفية.

أمّا الاَوّل فينتهي إلى تعطيل العقول عن المعارف وبالتالي يتنزّل الاِنسان إلى حدّ الحيوان ويكون وظيفة الحكيم العارف المقتدر على درك دقائق التوحيد ورقائقها نفس وظيفة الجاهل البائل على عقبه، في مجال العقيدة والتفكير، وهو كما ترى.

وأمّا الثاني فهو ينتهي إلى التشبيه والتجسيم، وأقصى ما عند هوَلاء الذين يأخذون بالظواهر الحرفية هو ضمّ كلمة «بلا كيف ولا تمثيل» إلى مفاد هذه الآيات، فيقولون: إنّ للّه يداً ورجلاً و عيناً واستواءً على العرش بنفس المعنى اللغوي، ولكن بلا كيف ولا تمثيل.


1. البقرة:3.


(270)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لم ترد تلك الجملة في نصّقرآني ولا سنّة نبوية، فمن أين لهم هذه الجملة وتفسير الآيات على ضوئها، أليس الواجب هو تعطيل الفهم، وا لجمود على ما ورد في النصوص؟ والمفروض أنّه لم يرد فيها هذه الجملة.

وثانياً: أنّ اليد وأضرابها موضوعة حسب اللغة للاَعضاء المحسوسة، التي لها هيئات ومواصفات وهي مقوّماتها، فإجراوَها على اللّه سبحانه مع حفظ المقوّمات، يستلزم التشبيه والتمثيل، ومع عدمها، يستلزم التأويل، فاليد في (يَدُاللّه فَوْقَ أَيديهِمْ) (1)إمّا مستعملة في اليد المحسوسة فهو مثار التشبيه،وإمّا في غيرها فهو مثار التأويل الذي يفرّون منه فرار المزكوم من المسك.

وهذه المضاعفات ناشئةٍ عن الجمود على الظواهر الحرفية والاَخذ بالظهور التصوّري، دون الظهور التصديقي الذي لا يخالف العقل قيد شعرة في آية من الآيات.

إنّ الدعوة السلفية التي أحدثت ضجة هذه الاَيام قد طرحت الصفات الخبرية على صعيد البحث في الآونة الاَخيرة، وتصرّ على الاَخذ بمعانيها الحرفية، وقد عرفت أنّها تنتهي إلى التجسيم أو التأويل.

ومن الموَسف جدّاً إنّ أكثر السلفيين كانوا يصرّون على الاَخذ بحرفية الصفات، وإليك بعض نصوصهم:
1. قيل لعبد اللّه بن مبارك: كيف يعرف ربّنا؟ قال: بأنّه فوق السماء السابعة وعلى العرش بائن من خلقه.
2. وقال الاَوزاعي: إنّ اللّه على عرشه، و نوَمن بما وردت به السنّة من صفاته.


1. الفتح: 10.


(271)

3. وقال الدارمي في مقدمة كتابه «الردّ على الجهمية» استوى على عرشه فبان من خلقه.
4. وقال القرطبي في تفسير قوله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْش) (1) وقد كان السلف لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم، والكافة بإثباتها للّه تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنّه استوى على عرشه حقيقة. (2)

(ذلِكَ مَبلغُهُم مِنَ العِلْمِ إِنَّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى) . (3)

شبهات عقيمة

إنّ للمانعين عن الخوض في المسائل العقلية شبهات طرحوها أمام السالكين، نذكرها مع التحليل:
1. إذا كان الاِنسان قادراً على فهم المسائل، فما معنى قوله سبحانه: (وَما أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّقَلِيلاً) (4). وقوله سبحانه: (فَأَمّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زيغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ) . (5)

2. إنّ البحث والحوار في المسائل الغيبية يورث الشقاق والتخاصم بين


1. الاَعراف: 54.
2. لاحظ في الوقوف على مصادر هذه الاَقوال كتاب «علاقة الاِثبات والتفويض»: 48، 41، 68، 115.
3. النجم:30.
4. الاِسراء:85.
5. آل عمران:7.


(272)

المسلمين، قال سبحانه: (إِنَّ الّذينَ فَرّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ). (1)

والاِجابة عن هذه الشبه واضحة، أمّا الآية الاَُولى فإنّ الاِنسان مهما بلغ من العلم فعلمه بالنسبة إلى الاَسرار الكامنة في صحيفة الكون والوجود، ضئيل جداً، فأين عقله المحدود من العالم اللا محدود؟ فإنّ نسبة ما يعلمه إلى ما لا يعلمه كنسبة الذرة إلى المجرّة، فهو لم يعرج من سلّم العلم و المعرفة إلاّ درجات معدودة لا يعتدّبها.

وأمّا الآية الناهية عن اتّباع المتشابه: فهي على عكس المقصود أدلّ، فإنّالاَخذ بحرفية الظواهر فيما يرجع إلى اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله اتّباع للمتشابه وإن لم يكن ابتغاءً للفتنة، بخلاف ما إذا قلنا بجواز الخوض فإنّ الواجب عندئذٍ هو إرجاع المتشابهات إلى المحكمات وتفسيرها بها، لاَنّها أُمّ الكتاب كما قال سبحانه: (هُنَّ أُمّ الكِتاب) .

وأمّا الدليل الثاني؛ أعني كون البحث عن المعارف القرآنية مورثاً للشقاق فهو تجاهل بقيمة ذلك العلم، فإنّ الذي يورث الشقاق هي العوامل النفسية الكامنة في ذات المجادل التي تصدّه عن اتّباع الحقّفيلقي أشواكاً في طريق الحقيقة. ولو سَلَمَتْ نفسه عن الاَهواء لحسم الخلاف وانعدم الشقاق.

إنّ الجدال إذا انتهى إلى المراء في الدين، يحرم بلا إشكال، ولكن إذا كانت المجادلة على أساس علمي، ودافع موضوعيّ، وقصد منها كشف المجاهيل في ظلّتلاقي الاَفكار، فليس بحرام قطعاً، وعليها بنيت الحضارة العلميّة فإنّه من قبيل دراسة العلم ومذاكرته التي أمر بها الاِسلام.

إنّاللّه سبحانه، أمر نبيّه بالمجادلة بالتي هي أحسن، وقال: (وَجادِلْهُمْ بِالّتي


1. الاَنعام:159.


(273)

هِيَأَحْسَن) . (1)

وقال عزّ وجلّ: (ولا تُجادِلُوا أَهْلَالكِِتابِ إِلاّبِالّتي هِيَ أَحْسَن). (2)

وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَإِلَى الّذي حاجَّ إِبْراهيم فِي رَبّهِ أَنْآتاهُ اللّهُ المُلكَ إِذ قالَإِبْراهيمُ رَبّيَ الّذي يحيي و يُميتُ قالَأَنَا أُحْيي وأُميتُ قالَ إِبْراهيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الّذي كَفَرَ وَاللّهُ لا يَهْدِي القومَ الظّالِمين) . (3)

وقد نقل سبحانه احتجاج إبراهيم على عبدة الاَجرام السماوية والاَصنام الاَرضية وقال: (وكَذلِكَ نُري إِبْراهيم مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالاََرْضِ وَلِيَكُونَمِنَالمُوقِنينَ* فَلَمّا جَنّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوكباً) ـ إلى أن قال: ـ (وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهيمَ عَلى قَومِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ). (4)

و قد تضمّنت تلك الآيات أروع البراهين وأتقن الاَدلّة في إبطال ربوبية الاَجرام والاَصنام وحصرها في اللّه سبحانه. إلى غير ذلك من الحجاج والحوار الوارد في الذكر الحكيم.

إنّ «أهل السنّة» نسبوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، النهي عن الخوض في موضوعات عالم الغيب، ولكنّه يعارض سيرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وجداله مع الوثنيين والاَحبار والرهبان بوحي من اللّه سبحانه، ويكفي في ذلك دراسة الآيات الواردة في ذلك المجال، وقد جمعنا احتجاجات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وحواره مع المشركين وأهل الكتاب في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» (5) وهي مبثوثة في السور القرآنية.


1. النحل:125.
2. العنكبوت:46.
3. البقرة:258.
4. الاَنعام|75ـ 83.
5. جعفر السبحاني، مفاهيم القرآن: الجزء السابع.


(274)

وحصيلة البحث؛ انّالنهي عن الخوض في المعارف الاِلهية التي للعقل فيها مجال النظر، تجميد للعلم والمعرفة، وإيقاف للركب الحضاري عن المسير في طريق التكامل الفكري، وإنّالصراع العلمي إذا كان بدافع كشف الحقيقة فهو من أدوات المعرفة، وعليه جرت سيرة العلماء المحقّقين.

وإذا أردت أن تلمس ذلك بوضوح قارن بين ما يدرسه السلفيون في مجال العقائد في عصرنا هذا، مع ما كتبه الشيخ الرئيس في الشفاء، أو المحقّق الطوسي في التجريد ترى البساطة والسذاجة في الاَوّل، والعمق والتحقيق في الاخرين.

إنّكتب العقائد عند السلفية لا تتجاوز عن نقول عن ذلك الصحابي، وهذا التابعي، بلا تحليل و مثل هذه لا تفيد إلاّللطبقة الساذجة المثقّفون الجامعيّون الذين يريدون تحليل العقائد وتبيينها على أسس منطقية فلا تفيدهم تلك الكتب أصلاً لو لم نقل أنّها تنفّرهم عن الاِسلام.

ولو كان ما ذكره صحيحاً، لعمّ البلاء جميع الشرائع السماوية، فانّ نزول شريعة تلو الاَُخرى، أورث ذلك الخلاف والجدل.

زلّة لا تستقال

إلى هنا تبيّن أنّ الخوض في المسائل العقلية لمن له أهلية أمر معقول وكمال للنفس وعمل بالقرآن.

ثمّ إنّ بعض رواد التفكير الحنبلي والسلفي زعم صحّة نهي الرسول والصحابة عن الخوض في موضوعات عالم الغيب وقال: وكان أحرى بالمتكلّمين أن ينتهجوا نفس النهج إلاّ أنّ الحقّ أن يقال: ما كان ذلك منهم عن زيغ في القلوب أو ابتغاء فتنة وإنّما أُكرهوا على ذلك إكراهاً واضطرّوا إلى ذلك اضطراراً


(275)

أحلّ المحظور. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الكتاب العزيز هو الذي فتح باب التفكير في المعارف الاِلهية، فكيف يمكن للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم النهي عنه، وأين هذا النهي، ومن نقله وأين يوجد؟ وأمّا الصحابة والتابعون لهم بإحسان كانوا على صنفين: فعليٌّ عليه السّلام وعترته وشيعته، فقد فتحوا أبواب المعارف في وجوه المسلمين، ومن سبر خطب الاِمام عليّ عليه السّلام ورسائله وكلمه القصار، أو رجع إلى أدعية الاِمام زين العابدين والاَحاديث المرويّة عن الصادقين يجد فيها كميّة هائلة من البحوث القيّمة حول المبدأ و المعاد، وأفعال العباد، وأمّا غيرهم فكانوا يمرون على المعارف ويرون انّ الفريضة تلاوتها وقراءتها لا الخوض في معانيها وحقائقها، وعند ذلك فالاستدلال بسكوت قسم من السلف و إسدال الستار على تكلّم الآخرين خروج عن طور الانصاف.

ثمّ إذا كان خوض السابقين في هاتيك المسائل من باب الاضطرار والضرورة المبيحة للمحظور، فقد ارتفع المسوّغ في هذه الاَيّام بعد تأليف مئات الكتب في الكلام والعقائد، فما هو المسوّغ لارتكاب الموَلف للمحظور، ومخالفة النهي الصريح عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟!!! و التمرّد على سيرة السلف الصالح، بوضع كتاب في علم الكلام في عدّة أجزاء.


1. الدكتور أحمد محمود صبحي: في علم الكلام:298.


(276)

الفصل الثاني

علم الكلام وعوامل نشأته

إنّ علم الكلام كسائر العلوم الاِنسانية، ظاهرة علمية نشأت بين المسلمين في ظلّ أسباب سيوافيك بيانها، ولايقتصر هذا العلم على المسلمين فحسب بل كانت للا َُمم السابقة مذاهب كلامية ومدارس دينية يُبحث فيها عن اللاهوت والناسوت، وقد ألّف غير واحد من علماء اليهود والنصارى كتباً كلامية يرجع تاريخها إلى القرنين الخامس والسادس. وأمّا عوامل نشأته بين المسلمين فتتلخّص في عامل داخلي وآخر خارجي، وإليك البيان:

1. القرآن هو المنطلق الاَوّل لنشوء علم الكلام:

إنّ القرآن المجيد هو المنطلق الاَوّل لنشوء علم الكلام ونضجه وارتقائه عند المسلمين، وإليه يرجع كل متكلّم إسلاميّ باحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله، وقد تضمّن القرآن إشارات فلسفية وعقلية قامت على أُسسٍ منطقيةٍ مذكورة في نفس الآيات أو معلومة من القرائن. فمن سبر القرآن الكريم فيما يرجع إلى التوحيد بأنواعه يجد الحجج الملزمة، والبيّنات المسلّمة التي لا تدع لباحث الشك فيها. كما أنّه أرفق الدعوة إلى المعاد والحياة الا َُخروية بالبراهين المشرقة، والدلائل الواضحة التي لا تقبل الخدش.


(277)

إنّ القصص الواردة في القرآن الكريم تتضمّن احتجاجات الاَنبياء وصراعهم الفكري مع الوثنيين والمعاندين من أهل اللجاج، فهي ممّا يستند إليها المتكلّم في آرائه الكلامية. كما تتضمن بحوثاً في الاِنسان وأفعاله ومسيره ومصيره، وغير ذلك ممّا جعل القرآن الكريم المنطلق الاَوّل لنشأة علم الكلام في الاِسلام.

2. السنّة هي المنطلق الثاني:

إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ناظر المشركين وأهل الكتاب بمرأىً ومسمع من المسلمين، وهذه احتجاجاته مع نصارى نجران في العام العاشر من الهجرة، حتى أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعدما أفحمهم دعاهم إلى المباهلة، وقد حفل التاريخ وكتب السير والتفسير بما دار بين الرسول وبطارقة نجران وقساوستهم، وقد استدلّوا على أُلوهيّة المسيح بقولهم: هل رأيت ولداً من غير ذكر؟ فأفحمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بإيحاء من اللّه: إنّ مثل عيسى في عالم الخلقة كمثل آدم، وقد خُلِق من غير أبٍ ولا أُمّ، فليس هو أبدع ولا أعجب منه (1).

إنّ النهي عن كتابة الحديث نجم عنه خسارة فادحة أدت إلى ضياع الكثير من احتجاجات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومناظراته مع المشركين وأهل الكتاب، فقد ذهبت كذهاب سائر خطبه، ولكن الشيعة اقتداءً بالعترة احتفظت بكثير من هذه المناظرات في كتبهم الحديثية، فمن سبرها يرى فيها بحوثاً ومناظرات تصلح لاَن تكون هي المنطلق في الصدر الاَوّل لاَهل الكلام من الشيعة وغيرهم (2)


1. لاحظ تفسير قوله سبحانه: (إنّ مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثمّ قال له كن فيكون) (آل عمران|59).
2. لاحظ احتجاجات النبي في كتاب الاحتجاج للشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب المعروف بالطبرسي المتوفّـى حدود عام (550 هـ).


(278)

3. خطب الاِمام علي عليه السّلام هي المنطلق الثالث:

إنّ خطب الاِمام ورسائله وكلمه القصار، التي حفظها التاريخ عن العصف والضياع لاَوضح دليل على أنّ الاِمام كان هو الموَسس للا َُصول الكلامية خصوصاً فيما يرجع إلى التوحيد والعدل، وبين يديك نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي ممّا وصل إليه من خطبه، تجد فيه من الا َُصول الكلامية ما لا تجده في غيره، وإلى ذلك يشير السيد المرتضى في أماليه فيقول: «اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير الموَمنين ـ صلوات اللّه عليه ـ وخطبه، فإنّها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه ولا غاية وراءه. ومن تأمّل المأثور في ذلك من كلامه، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعدُ في تصنيفه وجمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الا َُصول، وروي عن الاَئمّة من أبنائه عليهم السّلام في ذلك ما لا يكاد يحاط به كثرة، ومن أحبّ الوقوف عليه فطلبه من مظانّه أصاب منه الكثير الغزير الذي في بعضه شفاء للصدور السقيمة ولقاح للعقول العقيمة» (1)

وقال ابن أبي الحديد: «إنّ أشرف العلوم هو العلم الاِلهي، لاَنّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف، ومن كلامه عليه السّلام اقتبس، وعنه نقل، ومنه ابتدىَ وإليه انتهي، فإنّ المعتزلة ـ الذين هم أصل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم من تعلّم الناس هذا الفن ـ تلامذته وأصحابه، لاَنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه، وأمّا الاَشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الاَشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ


1. الشريف المرتضى: الاَمالي: 1|148.


(279)

المعتزلة فالاَشعرية ينتهون بالآخرة (1) إلى أُستاذ المعتزلة ومعلّمهم، وهو علي بن أبي طالب» (2).

4. العترة الطاهرة ودورهم في نشوء هذا العلم:

إنّ العترة الطاهرة وإن أُقصيت عن القيادة الاِسلامية، إلاّ أنّه أُتيحت لهم الفرصة في آخر عهد الاَمويين وأوائل حكومة العباسيين، في شرح المعارف وتوضيح الحقائق وتربية رواد الفكر، وارشاد الحكيم إلى دلائل وبراهين لا يقف عليها إلاّ الاَوحدي من الناس والتلميح إلى نكات عرفانية، لا يدركها إلاّ العارف المتألّه. ففي أدعية الاِمام زين العابدين إشارات كلامية وتلميحات عرفانية، كما أنّ في الاَحاديث المرويّة عن الصادقين والكاظمين كميّة هائلة من البحوث الكلامية، والمناظرات العلمية التي أدّت إلى نضوج علم الكلام الاِسلامي بوجه واضح، وها نحن نذكر احتجاجين قصيرين للاِمامين الصادق والرضا عليمها السّلام ليكونا نموذجين لما لم نذكره:

مناظرة الاِمام الصادق عليه السّلام مع أحد القدرية:

روى العياشي: أنّه طلب عبد الملك بن مروان من عامله بالمدينة أن يوجه إليه محمّد بن علي بن الحسين (الباقر) عليه السّلام حتى يناظر رجلاً من القدرية وقد أعيا الجميع، فبعث أبو جعفر ولده مكانه، فقدم الشام وتسامع الناس بقدومه لمخاصمة القدرية، فقال عبد الملك لاَبي عبد اللّه: إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري، فقال الاِمام:


1. والصحيح أن يقول: أخيراً، وقد تسرّب هذا اللحن إلى الكتب العربية حتى استعمله سعد الدين التفتازاني في مطوّله.
2. شرح ابن أبي الحديد: 1|17.


(280)

«إنّ اللّه يكفيناه» فلما اجتمعوا، قال القدري لاَبي عبد اللّه عليه السّلام : سل عمّـا شئت؟ فقال له: «اقرأ سورة الحمد». قال: فقرأها، فلمّـا بلغ قول اللّه تبارك وتعالى: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) فقال جعفر: «قف! من تستعين؟ وما حاجتك إلى الموَونة أنّ الاَمر إليك»، فبهت الرجل (1)

إنّ القدرية هم أسلاف المعتزلة، وقد تبنّت فكرة استغناء الممكن في فعله (لا في ذاته) في عصر خلافة عبد الملك (65 ـ 86 هـ) وكان لها دويّ في عصره، وقد أخذتها المعتزلة عنهم وصقلتها وجعلتها من توابع القول بالعدل وغفلت عن أنّ القول بالحرية إلى حدّ الاستغناء عن الواجب ينسجم مع التنزيه لكنه يهدم التوحيد الذاتي، فيكون الممكن مثل الواجب في الاستغناء عن غيره في مقام الاِيجاد، ولاَجل ذلك تضافرت عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام:

«لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين» (2)

احتجاج الاِمام الرضا عليه السّلام مع أبي قرّة:

قال أبو قرّة للاِمام الرضا عليه السّلام : إنّا روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسّم الروَية والكلام بين اثنين، فقسّم لموسى عليه السّلام الكلام، ولمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الروَية. فقال أبو الحسن عليه السّلام : «فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين: الجن والاِنس (لا تُدْرِكُهُ الاَبصارُ وهو يُدرِكُ الاَبصار ) (3) و (ولا يُحيطونَ بهِ علماً) (4)و (ليسَ كمثلهِ شيء) (5) أليس محمّداً صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ !»قال: بلى. قال: «فكيف يجيَ رجل إلى الخلق


1. المجلسي: البحار: 5|55 ـ 56.
2. الصدوق: التوحيد: 362.
3. الاَنعام: 103.
4. طه: 110.
5. الشورى: 11.


(281)

جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه، وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول: (لا تدركهُ الاَبصارُ وهو يدركُ الاَبصار ) و (ولا يحيطونَ بهِ علماً) و (ليسَ كمثلهِ شيء) ثم يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر ! أمّا تستحيون، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يكون يأتي عن اللّه بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر» (1)

ومن وقف على كتب أهل الحديث والاَشاعرة، يقف على أنّ لهم في إثبات الروَية، إصراراً عجيباً، وترى أنّ الاِمام كيف قطع الطريق على أبي قرّة الذي اغترّ بأحاديث مدسوسة اختلقتها اليهود وأنصارهم وبثّوها بين المسلمين، ولولا ضيق المجال لنقلت قسماً وافراً من خطبهم ومناظراتهم عليهم السّلام في مجال العقائد حتى تقف على أنّ حديثهم هو المنطلق الرابع لنشوء علم الكلام ونضوجه وتكامله.

فمن الموَسف جداً أن يتّهم شيعة العترة الطاهرة بما في كلام المستشرق (آدم متز) فقد وصفهم بأنّه لم يكن للشيعة مذهب كلامي إلى القرن الرابع، مع أنّ فيهم أئمّة المسلمين وقادة الا َُمّة الذين يصدق فيهم قول الشاعر:

من تلق منهم، تلق كهلاً أو فتىً علم الهدى بحـر الندى المورودا

إلى هنا، تبيّن أنّ أحد الاَسباب لنشوء علم الكلام هو العامل الداخلي الذي لا يتجاوز عن إطار القرآن والسنّة النبوية وكلمات العترة الطاهرة، وهناك عامل خارجي صار سبباً لنموّ الاَفكار الكلامية المأخوذة عن الا َُصول الموجودة في الكتاب والسنّة وهو وجود الصراع الفكري بين المسلمين وغيرهم، وإليك بيانه:


1. الصدوق: التوحيد: 110 ـ 111 ح9.


(282)

الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري:

إذا كان الكتاب والسنّة وحديث العترة الطاهرة هو المنطلق لنشوء علم الكلام وظهوره بين المسلمين، فقد كان للاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري دور خاص في ذلك المجال، وهو أنّه دفع عجلة علم الكلام إلى الاَمام، وصار سبباً لنموه ونضوجه بين المسلمين، ولولا هذا الصراع الفكري لما نمت تلك البذور الطيبة الكامنة في الكتاب والسنّة، وما استوت على سوقها، وهذان العاملان (الداخلي والخارجي) وإن صارا سبباً لنشوء هذا العلم وتكامله إلاّ أنّ دور الاَوّل، يخالف دور الثاني، فالاَوّل يعد مصادر علم الكلام ومنابعه ومناشئه، وأمّا الثاني، فهو الذي أيقظ المفكرين من المسلمين حتّى ينمّوا ما تعلموه في مدرسة الدين من الا َُصول والعقائد، وإليك بيان ذلك العامل الخارجي.

بُعِثَ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بدين عالمي، ونبوة خاتمة، وكتاب خاتم للكتب، والمهيمن عليها، وبثّ شريعته الغراء في ربوع الجزيرة العربية في بضع سنين، إلى أن مضى إلى جوار ربّه، وراية الاِسلام خفّاقة عالية، تدين أهلها بالتوحيد، وتكافح الثنوية، وتُوَمن بالحياة الا َُخروية وتعمل بسنن الاِسلام وطقوسه.

وقد أحسّ المسلمون بواجبهم ـ بعد رحلته ـ وهو نشر الاِسلام وبسطه في العالم كلِّهِ ودعوة جميع البشر على مختلف قومياتهم إلى الانضواء تحت راية الاِسلام، بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم كسر الاَصنام والاَوثان بالجهاد المتواصل، وبذل النفس والنفيس في سبيله، حتى تُصْبِح الاَجواء صافية، والظروف حرّة، وترتفع العوائق والموانع بغية دخول الناس في دين اللّه زرافات ووحداناً عن طوع ورغبة، بلا خوف ولا رهبة من طواغيت العصر .

قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد، ونشروا الثقافة الاِسلامية بين الا َُمم المتحضرة والتي كانت تتمتّع ـ وراء الآداب والفنون والعلوم والصناعات ـ بمناهج


(283)

فلسفية، وآراء كلامية لا يذعن بها الاِسلام .

وقد كان في ذلك الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري تأثير بالغ عاد على الاِسلام والمسلمين بالخير الكثير إلاّ أنّ هذا الاحتكاك لا يخلو عن مضاعفات، وهي انتقال تلك الآراء والاَفكار إلى الاَوساط الاِسلامية وهم غير متدرّعين تجاه تلك الشبهات والمشاكل.

وأعان على ذلك أمر ثان وهو انتقال عدة من الاَسرى إلى العواصم الاِسلامية فانتقلوا إليها بآرائهم وأفكارهم وعقائدهم المضادّة للاِسلام وأُسِسِه، وكان بين المسلمين من لم يتورّع في أخذ هاتيك العقائد الفاسدة، نظراء: عبد الكريم ابن أبي العوجاء، وحماد بن عجرد، ويحيى بن زياد، ومطيع بن اياس، وعبد اللّه بن المقفّع إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع، فأوجد ذلك بلبلة في الاَفكار والعقائد بين المسلمين.

أضف إلى ذلك أمراً ثالثاً كان له التأثير الحاسم في بسط الاِلحاد والزندقة وهو نقل الكتب الرومانية واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة ورقابة وجعلها في متناول أيدي الناس، وقد ذكر ابن النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال:

«كان خالد بن يزيد بن معاوية محِبّاً للعلوم، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل مدينة مصر، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهذا أوّل نقل كان في الاِسلام من لغة إلى لغة، ثم نقل الديوان وكان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج، وكان أمر الترجمة يتقدم ببطء، إلى أن ظهر المأمون في ساحة الخلافة، فراسل ملك الروم يسأله الاذن في انفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة، المدّخرة في بلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فبعث المأمون جماعة، منهم: الحجاج بن مطر،


(284)

وابن بطريق، ومحمد بن أحمد و الحسين بنو شاكر المنجّم، فجاءوا بطرائف الكتب، وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة وغيرهما»، ثم ذكر ابن النديم أسماء النقلة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية، وجاء بأسماء كميّة هائلة (1) فأخذوا يصبون ما وجدوه من غث وسمين في كتب الوثنيين والمسيحيين على روَوس المسلمين، وهم غير متدرّعين وغير واقفين على جذور هذه الشبه، مع أنّها كانت تزعزع أركان الاِسلام.

فقد أثار انتقال هذه الشبه والعقائد والآراء إلى أوساط المسلمين ضجّة كبرى بينهم، فافترقوا إلى فرقتين:

فرقة اقتصرت في الذب عن حياض الاِسلام بتضليلهم وتكفيرهم وتوصيفهم بالزندقة وتحذير المسلمين من الالتقاء بهم وقراءة كتبهم والاستماع إلى كلامهم، إلى غير ذلك مما كان يعدّ مكافحة سلبيةوالتي لا تصمد أمام ذلك السيل الجارف.

وفرقة قد أحسّوا بخطورة الموقف وأنّ المكافحة السلبية لها أثرها الموَقت، وإنّ ذلك الداء لو لم يعالج بالدواء الناجع سوف يعمّ المجتمع كلّه أو أكثره، فقاموا بمكافحة إيجابية أي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الذي يستحسنه الاِسلام، فأزالوا شبهاتهم، ونقدوا أفكارهم في ضوء العقل والبرهان، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً، وهوَلاء هم الشيعة خرّيجو مدرسة أهل البيت أوّلاً، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء ثانياً الذين أخذوا أُصول مذهبهم عن علي عليه السّلام بواسطتين:
1. أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية.
2. محمّد ابن الحنفية ابن علي بن أبي طالب.


1. ابن النديم: الفهرست: 352، 356.


(285)

ففي تلك الاَجواء المشحونة بالبحث والجدل استفحل أمر الكلام، أي العلم الباحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله لغاية الذب عن الاِسلام، فكان علم الكلام وليد الحاجة، ورهن الصراع الفكري مع التيارات الاِلحادية المتحديّة للاِسلام والمسلمين، وفي هذه الظروف العصيبة قام أهل البيت عليهم السّلام بتربية جموع غفيرة من أصحاب المواهب للذب عن الاِسلام وأُصوله أوّلاً، وحريم الولاية ثانياً، في ضوء العقل والبرهان، فصاروا يناظرون كل فرقة ونحلة بأمتن البراهين وأسلمها، وقد حفظ التاريخ أسماء لفيف من الرافلين في حلل الفضائل والمعارف، وسوف يوافيك أسماوَهم لاحقاً.


(286)

الفصل الثالث

بدايات المسائل الكلامية في القرنين الاَوّلين

قد عرفت أنّ القرآن والسنّة، وأحاديث العترة الطاهرة هي المنطلق الحقيقي لنشوء علم الكلام وأنّ المسلمين بطوائفهم المختلفة كانوا يصدرون عنها، نعم كان للّقاء الحضاري والاحتكاك الثقافي دور هام في تكامل علم الكلام وكثرة مسائله، فالكتاب والسنّة كانا مرجعين للاهتداء إلى موقف الاِسلام فيها، واللّقاء الحضاري كان سبباً لطرح المسائل في الاَوساط، وانتقال الاَذهان إليها، وعلى كل حال أصبح الاَمران سبباً لنشوء علم الكلام ونضوجه بين المسلمين على نزعاتهم المختلفة.

إنّ كتّاب الملل والنحل يصرّون على أنّ الاختلاف في الاِمامة كان أوّل اختلاف ديني وأعظم خلاف بين الا َُمّة.

يقول الاِمام أبو الحسن الاَشعري: أوّل ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد وفاة نبيّهم اختلافهم في الاِمامة (1)

ويقول الشهرستاني: إنّ الاختلاف في الاِمامة أعظم خلاف بين الا َُمّة، إذ ما سلّ سيف في الاِسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الاِمامة في كل زمان (2)


1. مقالات الاسلاميين واختلاف المصلّين: 1|34، نشر محيي الدين عبد الحميد.
2. الملل والنحل: 1|24.


(287)

يلاحظ عليه: أنّ الاختلاف في الاِمامة بعد أيام الخلفاء وإن أصبح اختلافاً كلامياً، فذهبت الشيعة إلى أنّها تنصيصية والسنّة إلى غيرها، لكن الاختلاف يوم ارتحل الرسول لم يكن اختلافاً في قاعدة دينية، وجدالاً في مسألة كلامية بل كان جدالاً سياسياً محضاً، لم يكن مبنياً على قاعدة دينية، إذ كان علي عليه السّلام وأهل بيت النبي ولفيف من شيعة الاِمام بعيدين عن السقيفة وما جرى فيها، مشغولين بتجهيز النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأمّا الاَنصار فكانوا يرون أنفسهم أولى بإدارة الا َُمور لاَنّهم آووا النبي ونصروه، وكان المهاجرون يرون أنفسهم أولى بها لاَنّهم أصل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعشيرته، من دون أن يبحث أحد من الفئتين عن القاعدة الدينية في مجال الاِمامة، وأنّها هل هي التنصيص، أو الشورى أو غيرهما، وما هو الملاك فيها؟ بل كانت هذه الا َُمور مغفولاً عنها يوم ذاك، وكان الهدف هو تسنّم منصّة الخلافة وتداول كرتها بين أبنائهم وعشيرتهم، حتى لو لم تكن حكومة الرسول حكومة دينية وكان الرسول قائداً بشرياً مات عنها، لقام المهاجرون والاَنصار بنفس ذلك الجدال، وكلٌّ سعى إلى جرّ النار إلى قرصه.

فما في أكثر الكتب الكلامية من تصوير الاختلاف في مسألة الاِمامة، اختلافاً كلامياً ناشىَ عن النظر إليها فيما بعد السقيفة، وأمّا إذا نظرنا إليها من منظار المهاجرين والاَنصار، فالاختلاف بينهم لم يكن نزاعاً كلامياً ودينياً بل سياسياً بحتاً، مبنياً على تناسي النص، وتصوير الخلافة الاِسلامية كخلافة موروثة من القائد لا َُمّته، وإلاّ فلو كان النزاع على أساس دينيّ، لما كان للاختلاف مجال، وكفتهم هتافات الرسول في بدء الدعوة، ويوم ترك المدينة لغزوة تبوك، ويوم الغدير وغيرها.

وإليك نماذج من بدايات المسائل الكلامية في القرنين الاَوّلين:


(288)

1. مسألة التحكيم:

إنّ أوّل خلاف ظهر بين المسلمين، وصيّـرهم فرقتين، هو مسألة التحكيم في وقعة صفين، والمسألة يوم ذاك وإن اصطبغت بصبغة سياسية لكن كان لها أساس دينيّ، وهو أنّ الخوارج خالفوا علياً عليه السّلام وانعزلوا عن جنده بحجّة أنّ حكم اللّه في الباغي، هو مواصلة الحرب والجهاد حتى يفيَ إلى حكم اللّه لا التصالح وإيقاف الحرب، وحجّتهم وإن كانت مردودة لاَجل أنّ التحكيم إنّما فُرِض على الاِمام، لا أنّه قبله عن اختيار وحرية، والخوارج هم الذين فرضوه عليه، ولم يكتفوا بذلك حتى فرضوا عليه صيغة التحكيم ووثيقته، وحتى المُحكِّم الذي يشارك فيه مع مندوب معاوية، إلاّ أنّ هذا الاعوجاج الفكري صار سبباً لتشكّل فرقتين متخاصمتين إلى عهود وقرون.

وبذلك يفترق اختلافهم مع اختلاف أمثال طلحة والزبير ومعاوية إذ لم يكن اختلافهم حول المبادىَ وإنّما طمعوا أن يكونوا خلفاء و ... ولذلك لم يثيروا إلاّ مشاكل سياسية دموية، بخلاف اختلاف الخوارج فإنّ اختلافهم كان حول المبادىَ وكانوا يردّدون كلمة «لا حكم إلاّ للّه» وكان علي عليه السّلام وحواريّه ابن عباس يحتجّان عليهم بالقرآن والسنّة.

وبظهور الخوارج على الصعيد الاِسلامي، ورفضهم التحكيم، طرحت مسائل أُخرى بين المسلمين شكّلت مسائل كلامية عبر القرون، وهي:

2. حكم مرتكب الكبيرة:

إنّ الخوارج كانوا يحبّون الشيخين ويبغضون الصهرين، بمعنى أنّهم كانوا يوافقون عثمان في سني خلافته إلى ستّ سنين، ولمّا ظهر منه التطرّف والجنوح


(289)

إلى النزعة الاَموية، واستئثار الاَموال أبغضوه، وأمّا علي عليه السّلام فقد كانوا مصدّقيه إلى قضية التحكيم، فلما فُرض عليه التحكيم وقبل هو ذلك المخطّط عن ضرورة واضطرار، خالفوه ووصفوه باقتراف الكبيرة، ـ فعند ذاك ـ نجمت مسألة كلامية وهي ما هو حكم مرتكب الكبيرة؟ وقد استفحل أمرها أيام محاربة الخوارج مع الاَمويين الذين كانوا معروفين بالفسق والفجور، وسفك الدماء وغصب الاَموال، فكان الخوارج يحاربونهم بحجّة أنّهم كفرة لا حرمة لدمائهم ولا أعراضهم ولا نفوسهم لاقترافهم الكبائر .

وعلى أي تقدير ففي المسألة أقوال:

ألف . مرتكب الكبيرة كافر.

ب . مرتكب الكبيرة فاسق منافق.

ج . مرتكب الكبيرة موَمن فاسق.

د. مرتكب الكبيرة لا موَمن ولا فاسق بل منزلة بين المنزلتين.

فالاَوّل خيرة الخوارج، والثاني مختار الحسن البصري، والثالث مختار الاِمامية والاَشاعرة، والرابع نظرية المعتزلة.

3. تحديد مفهوم الاِيمان:

وقد انبثق من هذا النزاع، نزاع كلامي آخر وهو: تحديد مفهوم الاِيمان، وإنّ العمل داخل في حقيقة الاِيمان أو لا ؟ فعلى قول الخوارج والمعتزلة، فالعمل مقوّم للاِيمان، بخلافه على القول الآخر، وقد صارت تلك المسألة ذات أهميّة في الاَوساط الاِسلامية وانتهت إلى مسألة أُخرى، وهي زيادة الاِيمان ونقصه بصالح الاَعمال وعدمها.


(290)

4. الاِرجاء والمرجئة:

انّ فكرة إرجاء حكم مرتكب الكبيرة إلى اللّه سبحانه تعالى، أو إرجاء حكم الصهرين إلى اللّه سبحانه، حتى لا ينبس فيهما المسلم ببنت شفة، أخذت تنمو حتى تحوّلت إلى الاِباحية التي تنزع التقوى من المسلم وتفتح أمامه أبواب المعاصي، وهو تقديم الاِيمان وتأخير العمل، وإنّ المهم هو الاعتقاد القلبي والعمل ليس شيئاً يعتدّ به، وإنّ التعذيب إنّما يكون على الكفر، وإمّا التعذيب على اقتراف المعاصي فغير معلوم، وقد اشتهر عنهم قولهم: لا تضرّ مع الاِيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.

5. مسألة القضاء والقدر:

إنّ مسألة القضاء والقدر وإن كان لها جذور قبل بزوغ نجم الاِسلام وبعده، لكنّها أخذت لنفسها أهميّة خاصة في عصر الاَمويين حيث كانوا يبرّرون استئثارهم وأعمالهم الاِجرامية بالقضاء والقدر، فصار ذلك سبباً، لوقوع المسألة مثاراً للبحث والنقاش بين المفكرين المسلمين.

فالمسألة وإن كانت مطروحة بين المسلمين قبل الاَمويين لكنها لم تشكّل تيّاراً فكرياً ولا مذهباً كلاميّاً.

روى الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الاَنصارية وهي تحدّث عن فرار المسلمين يوم حنين قالت: مرّ بي عمر بن الخطاب (منهزماً) فقلت: ما هذا؟ فقال عمر: أمر اللّه (1)


1. الواقدي: المغازي: 3|904.


(291)

وقد كانت تلك الفكرة سائدة حتى بعد رحلة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم روى عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم. قال: اللّه قدّره عليّ ثم يعذّبني؟ قال: نعم يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي انسان أمرته أن يجأ أنفك (1).

استغلال الاَمويين للقدر:

لقد اتخذ الاَمويّون مسألة القدر أداة تبريرية لاَعمالهم السيّئة وكانوا ينسبون وضعهم الراهن بما فيه من شتى ضروب العيث والفساد إلى القدر. قال أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّه يريد أفعال العباد كلّها (2)

ولاَجل ذلك لما سألت أُمّ الموَمنين عائشة، معاوية عن سبب تنصيب ولده يزيد للخلافة والاِمامة أجابها: أنّ أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم (3)‌.

وبهذا أيضاً أجاب معاوية عبد اللّه بن عمر عندما استفسر معاوية عن تنصيبه يزيد فقال: إنّـي أُحذّرك أن تشقّ عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دماءهم وأنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم (4).

وقد كانت الحكومة الاَموية الجائرة متحمّسة إلى تثبيت هذه الفكرة في المجتمع الاِسلامي وكانت تواجه المخالف بالشتم والضرب والاِبعاد.


1. السيوطي: تاريخ الخلفاء: 95.
2. الاَوائل: 22|125.
3. الاِمامة والسياسة لابن قتيبة: 1|167.
4. الاِمامة والسياسة لابن قتيبة: 1|171، طبعة مصر.


(292)

قال الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «نظرية الاِمامة»: إنّ معاوية لم يكن يدعم ملكه بالقوّة فحسب، ولكن بايديولوجية تمسّ العقيدة في الصميم، فلقد كان يعلن في الناس أنّ الخلافة بينه وبين علي عليه السّلام قد احتكما فيها إلى اللّه، وقضى اللّه له على علىٍّ، وكذلك حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيد من أهل الحجاز أعلن أنّ اختيار يزيد للخلافة كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة في أمرهم، وهكذا كاد يستقرّ في أذهان المسلمين، أنّ كل ما يأمر به الخليفة حتى لو كانت طاعة اللّه في خلافه (فهو) قضاء من اللّه قد قدر على العباد (1)

وقد سرت هذه الفكرة إلى غير الاَمويين من الذين كانوا في خدمة خلفائهم وأُمرائهم فهذا عمر بن سعد بن أبي وقاص قاتل الاِمام الشهيد الحسين عليه السّلام لما اعترض عليه عبد اللّه بن مطيع العدوي، بقوله: اخترت همدان والري على قتل ابن عمك، فقال عمر: كانت أُمور قضيت من السماء، وقد اعذرت إلى ابن عمّي قبل الوقعة فأبى إلاّ ما أبى (2)

ويظهر أيضاً ممّا رواه الخطيب عن أبي قتادة عندما ذكر قصة الخوارج في النهروان لعائشة، فقالت عائشة: ما يمنعني ما بيني وبين علي أن أقول الحق سمعت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول: «تفترق أُمّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة محلّقون روَوسهم، يحفّون شواربهم، أُزُرهم إلى أَنصاف سوقهم يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يقتلهم أحبّهم إليّ، وأحبّهم إلى اللّه». قال فقلت: يا أُمّ الموَمنين فأنت تعلمين هذا، فلم كان الذي منك؟! قالت: يا أبا قتادة وكان أمر اللّه قدراً مقدوراً وللقدر أسباب(3).


1. نظرية الاِمامة: 334.
2. طبقات ابن سعد: 5|148، طبع بيروت.
3. تاريخ بغداد: 1|160.


(293)

وقد كان حماس الاَمويين في هذه المسألة إلى حدّ قد كبح ألسن الخطباء عن الاِصحار بالحقيقة، فهذا الحسن البصري الذي كان من مشاهير الخطباء ووجوه التابعين وكان يسكت أمام أعمالهم الاِجرامية، ولكن كان يخالفهم في القول بالقدر بالمعنى الذي كانت تعتمد عليه السلطة آنذاك. فلما خوّفه بعض أصدقائه من السلطان، فوعد أن لايعود، روى ابن سعد في طبقاته عن أيوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرّة حتى خوّفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد اليوم(1).

كيف وقد جُلد محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية المعروفة في مخالفته في القدر قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: إنّ محمد بن إسحاق اُتّـهم بالقدر، وقال الزبير عن الدراوردي: وجلد ابن إسحاق يعني في القدر (2)

إذا كانت العوامل الداخلية سبباً لاِثارة المسائل السابقة، فقد أثار العامل الخارجي أي الاحتكاك والصراع الفكري بين المسلمين وأهل الكتاب مسائل أُخرى نشير إلى أهمّها:

6. مسألة التشبيه والتنزيه:

تلتقي اليهودية مع الاِسلام في التوحيد والنبوة، لكنها تفارقها في أوصاف الربّ، فالتوراة تصف الاِله بصورة بشر وله صورة، ويقول: خلق اللّه آدم على صورته (3)، وإذا عمل يتعب فيحتاج إلى الاستراحة، السادس في عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع (4) وأنّه يمشي بين رياض الجنة وله نداء (5) إلى غير ذلك ممّا ورد في العهد القديم من التشبيه والتجسيم


1. طبقات ابن سعد: 7|167، طبع بيروت.
2. تهذيب التهذيب: 9|38 ـ 46.
3. العهد القديم، سفر التكوين، الاصحاح الاَوّل.
4. العهد القديم، سفر التكوين، الاصحاح الاَوّل.
5. العهد القديم، سفر التكوين، الاصحاح الاَوّل.


(294)

والتمثيل، وقد دسّت الاَحبار كثيراً من البدع بين الاَحاديث لاعتماد الرواة على أُناس نظراء: كعب الاَحبار، ووهب بن منبه، وتميم الداري وغيرهم.

فأصبحت مسألة التشبيه وحديث الصفات الخبرية الواردة ذات أهميّة كبرى فرّقت المسلمين إلى طوائف واستفحل أمرها بوجود روايات التشبيه والتجسيم في الصحاح والمسانيد التي عكف على روايتها المحدّثون السُذّج، غير العارفين بدسائس اليهود ومكرهم. فحسبوها حقائق راهنة، والخلاف في تفسير الصفات الخبرية بعدُ باق إلى يومنا هذا.
7. النسخ في الشريعة:

إنّ مسألة إمكان النسخ في مجال التشريع اكتسبت لنفسها مكانة بين المسائل الكلامية، وبما أنّ طائفة اليهود كانت منكرة لنبوة المسيح والنبي الخاتم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، عادت إلى انكار إمكان النسخ متمسّكة بما جاء في التوراة: «إنّ هذه الشريعة موَبدة عليكم ولازمة لكم ما دامت السموات لا نسخ لها ولا تبديل» ومستدلة بأنّ النسخ مستلزم للبداء أي الظهور بعد الخفاء.

فصارت تلك الفكرة سبباً لطرحها في المحافل الاِسلامية، فأخذ المتكلّمون بالبحث والنقد وأنّ النص في التوراة إمّا منحول أو موَوّل، وإنّ النسخ لا يستلزم البداء المستحيل وإنّما هو إظهار بعد إخفاء، وإنّه من قبيل الدفع لا الرفع.

8. عصمة الاَنبياء:

إنّ أبرز ما يفترق فيه القرآن عن العهدين هو مسألة حياة رجال الوحي والهداية الذين وصفهم اللّه سبحانه بقوله: (وإنّهم عِندنا لَمِنَ المُصطفينَ الاَخيار)


(295)

(1)) وقد ذكر من قصصهم الشيء الكثير فلا تجد فيه شيئاً من مقامهم وأمّا التوراة والاِنجيل (المحرّفتان) فقد جاءا بإساطير خيالية تمسّ كرامة اللّه أوّلاً، وكرامة أنبيائه ثانياً، فالاَنبياء فيها يشربون الخمر (2) يمكرون (3) ويقترفون الزنا (4) إلى غير ذلك ممّا يخجل القلم عن بيانه.

فصار ذلك سبباً لطرح مسألة العصمة بين المسلمين، فهم بين مثبت وناف ومفصّل، وإن كان النافي بينهم أقل.

9. حدوث القرآن وقدمه:

كان أهل الحديث ملتزمين بعدم اتخاذ موقف خاص فيما لم يرد فيه نص عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو عهد من الصحابة إلاّ أنّـهم خالفوا منهجهم في هذه المسألة وقد كانت تلعب وراءها يد الاَجانب، فقد طرحها يوحنّا الدمشقي في كتابه فعلّم أتباعه المسيحيّين أن يسألوا المسلمين عن السيد المسيح فإذا أجابوهم بنصّ قرآنهم: (إنّما المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ رسولُ اللّهِ وكَلمتُهُ ألقاها إلى مريمَ وروحٌ مِنه) (5) فيقولوا هل كلمة اللّه وروحه مخلوقة مخلوقة، فإلزموهم بأنّ معناه أنّ اللّه كان ولم تكن له كلمة ولا روح وإن قالوا قديمة يثبت قدم المسيح، وكونه ابن اللّه وأحد الثلاثة (6)

وقد كان للتخطيط المسيحي أثره الخاص فأوجدت تلك المسألة ضجّة


1. ص: 47.
2. العهد القديم، سفر التكوين، الاصحاح التاسع، الجملات 20ـ 25.
3. العهد القديم، سفر التكوين، الاصحاح التاسع والعشرون 18 ـ 38.
4. العهد القديم، صموئيل الثاني، الاصحاح الحادي عشر 497.
5. النساء: 171.
6. تاريخ المذاهب الاِسلامية: 2|394.


(296)

كبرى بين المسلمين، فالمحدثون على عدم كونه مخلوقاً والمتفكّرون كالشيعة والمعتزلة على الحدوث.

فهذه المسائل الاَربع، دخلت أوساط المسلمين وتناولها المفكّرون بالبحث والنقاش، لدافع خارجي، كما عرفت.

هذه نماذج من المسائل الكلامية التي طرحت في القرن الاَوّل والثاني، ولم تزل المسائل تطرح واحدة بعد الا َُخرى حسب امتداد الصراع الفكري بين المسلمين وسائر الشعوب من مسيحية ويهودية ومجوسية وبوذية، فقد دفع هذا الاحتكاك الثقافي عجلة علم الكلام إلى الاَمام، فأصبح المتكلّمون يبحثون عن مسائل أُخرى ربّما تقع ذريعة للردّ على الاِسلام، إلى أن صار علم الكلام، علماً متكامل الاَركان متشعّب الفنون ناضج الثمار داني القطوف.


(297)

الفصل الرابع

متكلّمو الشيعة عبر القرون

قد تعرفت على روَوس المسائل الكلامية التي شغلت بال المفكّرين المسلمين عبر القرنين: الاَوّل والثاني، ومن حسن الحظّ أنّ أئمّة أهل البيت عليهم السّلام ، أخذوها بالبحث والتحليل في خطبهم ورسائلهم وقصار كلمهم، وإنّهم وإن أُقْصوا عن سدة الحكم والخلافة لكن الا َُمّة عكفت على بابهم فيما يتعلق بالعقيدة والشريعة، واعترفت بمرجعيتهم فيهما حتى المتقمّصين للخلافة.

ولو أنّك سبرت ما أُثر عن أمير الموَمنين عليه السّلام وولديه السبطين، وما ورد في أدعية السجاد عليهم السّلام لوجدت في كلامهم إشارات لتلك المسائل، نذكر بعض النماذج منها.

كان لمسألة القضاء والقدر دويٌّ في العقد الثالث والرابع من الهجرة وكان القدر بمعنى السالب عن الاختيار متفشّياً بين المسلمين، وقد سأل الاِمام علياًعليه السّلام أحد أصحابه عند منصرفه من صفين ـ وكان انطباعه عن التقدير أنّه لا دور للاِنسان في محاسن أفعاله ومساويها ـ وقال:

أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام أبقضاء من اللّه وقدر؟ فقال له أمير الموَمنين عليه السّلام : «أجل يا شيخ، فواللّه ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن وادٍ إلاّ بقضاء من


(298)

اللّه وقدر». فقال الشيخ: عند اللّه أحتسب عنائي (1) يا أمير الموَمنين، فقال: «مهلاً يا شيخ: لعلّك تظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والاَمر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعيد والوعد، ولم يكن على مسيىٍَ لائمة ولا لمحسنٍ مَحْمَدة، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالاِحسان من المحسن ، تلك مقالة عبدة الاَوثان، وخصماء الرحمن وقدرية هذه الا َُمّة ومجوسها، يا شيخ إنّ اللّه عزّ وجلّ كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يخلق السموات والاَرض وما بينهما باطلاً (ذَلِكَ ظَنُّ الّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لّلِذيَن َكَفُروا مِنَ النّار ) (2).

قال: فنهض الشيخ وهو يقول:

أنت الاِمام الذي نرجو بطاعتــه * يوم النجـــاة من الرحمن غفرانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً * جزاك ربّــك عنّا فيه إحسانا (3)

وفي كلام آخر له ينهى فيه البسطاء عن الخوض في القدر فقال عليه السّلام : «طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسرّ اللّه فلا تتكلّفوه» (4)

إنّ خطب الاِمام أو رسائله وقصار كلمه، مملوءة بالمعارف الالهية،


1. أي إن كان خروجنا وجهادنا بقضائه تعالى وقدره لم نستحق أجراً، فرجائي أن يكون عنائي عند اللّه محسوباً في عداد أعمال من يتفضّل عليهم بفضله يوم القيامة.
2. سورة ص: 27.
3. الصدوق: التوحيد: 380؛ الرضي: نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 78، وقد حذف الرضي سوَال السائل ولخّص الجواب، ونقله غيره من المحدّثين على وجه التفصيل، ونقلناه عن تحف العقول للحرّاني: 166.
4. الرضي: نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 287.


(299)

والاَجوبة على هذه المسائل وأشباهها، وقد عرفت كلام الشارح الحديدي أنّ المتكلّمين أخذوا أُصولهم عن خطبه.

استشهد الاِمام بسيف الجور والظلم، وجاء دور السبط الاَكبر، فقد قام بنفس الدور، وكان مرجعاً للمسائل والاَحكام، نذكر نموذجاً ممّا أثر عنه.

رسالة الحسن البصري إلى السبط الاَكبر :

كان الحسن البصري خطيب القوم ومتكلّمهم، وكان يشار إليه بالبنان خصوصاً في أواخر القرن الاَوّل، ووقع كثير من أهل الحديث في ورطة الجبر زعماً منهم أنّ القول بالقضاء والقدر، يسلب الحرية عن الاِنسان، ويجعله مكتوف الاَيدي في الحياة؛ هذا، ومن جانب آخر، فانّ تلك الفكرة تضادّ الفطرة الاِنسانية وتجعل جهود الاَنبياء والاَولياء وعلماء التربية تذهب سدى.

فكتب الحسن البصري إلى السبط يسأله عن تلك المعضلة، وإليك السوَال والجواب:

أمّا بعد: فانّكم معشر بني هاشم، الفلك الجارية في اللّجج الغامرة، والاَعلام النيّـرة الشاهرة، أو كسفينة نوح عليه السّلام التي نزلها الموَمنون، ونجا فيها المسلمون، كتبت إليك يا ابن رسول اللّه عند اختلافنا في القدر وحيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك عليهم السّلام ، فإنّ من عِلْم اللّه علمكم، وأنتم شهداء على الناس واللّه الشاهد عليكم (ذريّةً بَعضُها مِن بعضٍ واللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (1)

فأجابه الحسن عليه السّلام : «بسم اللّه الرحمن الرحيم، وصل إليّ كتابك، ولولا ما


1. آل عمران: 34.


(300)

ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذاً ما أخبرتك، أما بعد: فمن لم يوَمن بالقدر خيره وشرّه وإنّ اللّه يعلمه فقد كفر، ومن أحال المعاصي على اللّه فقد فجر، إنّ اللّه لم يُطَعْ مكرهاً، ولم يُعْصَ مغلوباً، ولم يهمل العباد سدى من المملكة، بل هو المالك لما ملّكهم والقادر على ما عليه أقدرهم، بل أمرهم تخييراً، ونهاهم تحذيراً، فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صادّاً، وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمنّ عليهم بأن يحول بينهم وبينها، فعل، وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً، ولا أُلزموها كرهاً، بل منَّ عليهم بأن بصَّـرهم وعرّفهم وحذّرهم وأمرهم ونهاهم، لا جَبْلاً لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة، ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه، وللّه الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين، والسلام على من اتّبع الهدى» (1)

مكافحة السبطين للتشبيه:

قد كان للاَحبار والرهبان دور مهم في بثّ أحاديث التجسيم بين المسلمين، فكان القول به متفشياً بين أهل الحديث ولكن السبطين كافحاه بخطبهم وكلامهم.

وقد خطب الحسن بن علي عليه السّلام وقال: «الحمد للّه الذي لم يكن فيه أوّل معلوم، ولا آخر متناه، ولا قبل مدرك، ولا بعد محدود، فلا تدرك العقول أوهامها، ولا الفكر وخطراتها، ولا الاَلباب وأذهانها صفته فتقول: متى ولا بدىَ ممّا، ولا ظاهر على ما، ولا باطن فيما» (2)


1. ابن شعبة الحرّاني: تحف العقول: 232؛ المجلسي: بحار الاَنوار: 5|40 ح 63؛ الكراجكي: كنز الفوائد: 117، ط 1.
2. نور الثقلين: 5|236.


(301)

سوَال نافع بن الاَزرق عن الاِله الذي يُعبد:

كان نافع بن الاَزرق من روَوس الخوارج ومتطرفيهم، وكان يتعلّم من ابن عباس ما يجهله من مفاهيم القرآن، نقل عكرمة عن ابن عباس أنّه بينما كان يحدّث الناس إذ قام إليه نافع بن الاَزرق، فقال له: يا ابن عباس تفتي الناس في النملة والقمّلة، صف لي إلهك الذي تعبد؟! فأطرق ابن عباس إعظاماً لقوله، وكان الحسين بن علي جالساً ناحية فقال: «إليّ يا ابن الاَزرق»، قال ابن الاَزرق: لست إيّاك أسأل. قال ابن عباس: يا ابن الاَزرق، إنّه من أهل بيت النبوة وهم ورثة العلم، فأقبل نافع نحو الحسين عليه السّلام ، فقال له الحسين عليه السّلام : «يا نافع إنّ من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الالتباس، سائلاً ناكباً عن المنهاج، ظاعناً بالاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل.

يا ابن الاَزرق أصف إلهي بما وصف به نفسه، وأُعرِّفه بما عرّف به نفسه: لا يُدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب غير ملتصق، وبعيد غير منقص، يوحّد ولا يتبعّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال».

فبكى ابن الاَزرق، وقال: يا حسين ما أحسن كلامك! قال له الحسين عليه السّلام: «بلغني أنك تشهد على أبي وعلى أخي بالكفر وعليّ؟» قال ابن الاَزرق: أما واللّه يا حسين لئن كان ذلك لقد كنتم منار الاِسلام ونجوم الاَحكام، فقال له الحسينعليه السّلام : «إني سائلك عن مسألة»، قال: اسأل، فسأله عن هذه الآية: (وأمّا الجِدارُ فكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَة ) (1)

يا ابن الاَزرق من حفظ في الغلامين؟» قال ابن الاَزرق: أبوهما. قال


1. الكهف: 82.


(302)

الحسين: «فأبوهما خيرٌ أم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟» قال ابن الاَزرق: قد أنبأنا اللّه تعالى أنّكم قوم خصمون (1)

دور الاِمام السجاد في الدفاع عن العقيدة:

قام الاِمام السجاد بنفس الاَمر الذي قام به جدّه وأبوه وعمّه، فقال لما سئل عن التوحيد: إنّ اللّه عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل اللّه تعالى: (قل هو اللّه أحد) والآيات الست من أوّل سورة الحديد وهي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم (سَبّحَ للّهِ ما في السمواتِ والاَرضِ وهُوَ العزيزُ الحكيمُ * لَهُ مُلْكُ السمواتِ والاَرضِ يُحيِي ويُمِيتُ وهُوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ * هُوَ الاَوّلُ والآخِرُ والظاهِرُ والباطِنُ وهُوَ بكلِّ شَـيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الذي خَلَقَ السَّمواتِ والاَرضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ استوَى على العرشِ يَعْلمُ ما يَلِجُ فِي الاَرضِ وما يخرجُ مِنها وما يَنزِلُ مِنَ السّماءِ ومَا يَعْرُجُ فِيها وهُوَ مَعَكُمْ أينَ ما كُنْتُمْ واللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ ملكُ السمواتِ والاَرضِ وإلى اللّهِ تُرجَعُ الا َُمورُ * يُولِجُ الليلَ فِي النهارِ ويُولِجُ النّهارَ فِي الليلِ وهُوَ عَلِيمٌ بذاتِ الصُّدُور ) (2)

روى الشيخ المفيد أنّ عليّ بن الحسين عليه السّلام كان في مسجد رسول اللّه ذات يوم إذ سمع قوماً يشبّهون اللّه بخلقه، ففزع لذلك وارتاع له، ونهض حتى أتى قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فوقف عنده، ورفع صوته يناجي ربّه، فقال في مناجاته له:

«إلهي بدت قدرتك، ولم تبدُ هيئة جلالك، فجهلوك، وقدّروك بالتقدير على غير ما أنت به، شبّهوك وأنا بريءٌ يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك، ليس


1. ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، قسم حياة الاِمام الحسين: 158، تحقيق محمد باقر المحمودي؛ والمجلسي: بحار الاَنوار: 4|297 (وذيل الحديث يحتاج إلى توضيح).
2. نور الثقلين: 5|231.


(303)

كمثلك شيء إلهي ولم يُدركوك، وظاهر ما بهم من نعمة دليلهم عليك لو عرفوك، وفي خلقك يا إلهي مندوحة عن أن يناولوك، بل سوّوك بخلقك، فمن ثَمّ لم يعرفوك واتخذوا بعض آياتك ربّاً، فبذلك وصفوك، فتعاليت يا إلهي عمّـا به المشبّهون نعتوك» (1)

وقد ضاق المجال على الاِمام، وكانت السلطة لا تسمح له بالكلام والخطابة، فتفرّغ إلى العبادة ومناجاة ربّه، وخلّف أدعية ضمّت في طيّاتها، بحراً من المعرفة ودقايق العرفان.

هذا دور أئمّة الشيعة الاَربعة في القرن الاَوّل وقد تربّى في مدرستهم رجال ذبّوا عن حياض العقيدة، بكلّ ما يملكون من حول وقوة، وإليك أسماء بعضهم:

1. سلمان الفارسي:

وله مشاهد ومواقف جليلة لا سيما بعد انتزاع الخلافة من أهل بيت النبي الاَكرم، وقد خطب بعد رحلة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خطبة مطوّلة قال فيها:

ألا إنّ لكم منايا تتبعها بلايا، فإنّ عند عليّ علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب على منهاج هارون بن عمران، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «أنت وصيّي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى»، ولكنّكم أصبتم سنّة الاَوّلين، وأخطأتم سبيلكم، والذي نفس سلمان بيده لتركبنّ طبقاً عن طبق سنّة بني إسرائيل، القذة بالقذة، أما واللّه لو ولّيتموهما عليّاً لاَكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم فابشروا بالبلاء، واقنطوا من الرخاء، ونابذتكم على سواء وانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء ... (2)


1. المفيد: الاِرشاد: 260، طبعة النجف.
2. المامقاني: تنقيح المقال: 2|47 رقم 5059.


(304)

2. أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة:

جندب بن جنادة ذلك الصحابيّ الجليل الذي كانت له مواقف مشهودة بعد رحلة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأيّام خلافة عثمان، حتى لفظ نفسه في صحراء لا ماء فيها ولا كلاء لاَجل تلك المواقف، وقد قال في حقّه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «ما أضلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» ، وهو الذي أخذ بحلقة باب الكعبة ونادى بأعلى صوته: «أنا جندب بن جنادة لمن عرفني، وأبو ذر لمن لم يعرفني، إنّي سمعت رسول اللّه يقول: «إنّ مثل أهل بيتي في هذه الا َُمّة مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»، ألا هل بلّغت؟» (1)

وله مواقف حاسمة مع كعب الاَحبار في مجلس الخليفة في تفسير آية الكنز وغيرها، وقد حفظتها كتب التاريخ والتفسير .

3. عبد اللّه بن عباس:

حبر الا َُمّة وعالم الشريعة، تلميذ الوصي المعروف بحجاجه ومناظراته مع الخوارج وغيرهم، وقد حفلت كتب التفسير بآرائه وأفكاره في العقائد والتفسير، وقد ذكر السيوطي في إتقانه مناظرة الخوارج معه في لغات قرآنية (2)

4. حجر بن عديّ الكندي:

من أصحاب عليّ عليه السّلام ويصفه الاِمام أبو عبد اللّه الحسين بن علي عليه السّلام بقوله مندّداً بعمل معاوية حيث قتله بشهادة مزوّرة حاكها زياد بن أبيه، «ألست القاتل


1. المامقاني: تنقيح المقال: 1|235 رقم 1900.
2. السيوطي: الاتقان: 1|383 ـ 416، تحقيق الدكتور مصطفى ديب البُغا، ولو صحّ النقل يدل على سعة اطّلاع ابن عباس على ديوان العرب.


(305)

حجراً أخا كندة، والمصلّين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في اللّه لومة لائم، قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الاَيمان المغلّظة والمواثيق الموَكّدة» (1) وقد استشهد في مرج عذراء عام 15 هـ.

قال ابن الاَثير في أُسد الغابة بعد عدّه من الصحابة: هو المعروف بحجر الخير، شهد القادسية وكان من فضلاء الصحابة، وكان على كندة بصفين، وعلى الميسرة يوم النهروان، وشهد الجمل أيضاً مع عليّ عليه السّلام وكان من أعيان صحابته (2)

5. كُميل بن زياد النخعي:

الذي يعرّفه ابن حجر وغيره بقوله: كميل بن زياد بن نهيك بن الهيثم النخعي، حدّث عن عليّ وغيره، شهد صفين مع عليّ، وكان شريفاً مطاعاً، ثقة عابداً على تشيّعه، قليل الحديث قتله الحجاج ووثّقه ابن سعد وابن معن (3)

أقول: كان كميل من خيار الشيعة وخاصّة أمير الموَمنين، طلبه الحجاج فهرب منه، فحرم قومه عطاءهم، فلمّـا رأى كميل ذلك قال: أنا شيخ كبير وقد نفذ عمري، ولا ينبغي أن أكون سبباً في حرمان قومي، فاستسلم للحجاج، فلما رآه قال له: كنت أحبّ أن أجد عليك سبيلاً، فقال له كميل: لا تبرق ولا ترعد! ، فواللّه ما بقي من عمري إلاّ مثل الغبار، فاقض فإنّ الموعد اللّه عزّ وجلّ، وبعد القتل الحساب، ولقد أخبرني أمير الموَمنين أنّك قاتلي، فقال الحجاج: الحجّة عليك إذاً!، فقال: ذلك إن كان القضاء لك، قال: اضربوا عنقه (4)


1. ابن قتيبة: الاِمامة والسياسة: 1|164 ـ 165، ط مصر.
2. ابن الاَثير: أُسد الغابة : 1| 385.
3. الذهبي: ميزان الاعتدال: 3|415؛ ابن حجر: تهذيب التهذيب: 8|447 برقم 811.
4. الخوئي: معجم رجال الحديث: 14|128 برقم 9753.


(306)

كفى في وعيه ومعرفته وعرفانه أنّ الاِمام علّمه دعاءه المعروف باسمه، وفيه من النكات البديعة والاِشارات اللطيفة التي لا يتحمّلها إلاّ الاَوحديّ.

6. الاَصبغ بن نباتة:

التميميّ الحنظّلي المجاشعيّ الكوفيّ من خاصّة أمير الموَمنين وعمّر بعده. روى عنه عليه السّلام عهد الاَشتر ووصيّته إلى ابنه، قال المفيد: كان رحمه اللّه من خواصّ أصحابه عليه السّلام ، وكثير الحبّ له، وكان رجلاً فاضلاً، كثير الرواية، متّفقاً في حديثه من كبار التابعين، وكان أكثر رواياته عن أمير الموَمنين عليه السّلام وله روايات كثيرة في فنون العلم، وأبواب الفقه والتفسير والحكم وغيرها (1)

7. زيد بن صوحان العبدي:

عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب أمير الموَمنين قائلاً: كان من الاَبدال، قتل يوم الجمل، وقيل استرجعت عائشة حين سمعت أنّه قتل (2)ولما صرع يوم الجمل جلس عليّ عند رأسه فقال: «رحمك اللّه يا زيد، لقد كنت خفيف الموَنة، عظيم المعونة»، فرفع زيد رأسه ثم قال: وأنت فجزاك اللّه خيراً يا أمير الموَمنين ... واللّه ما قاتلت معك على جهالة، ولكن سمعت أُمّ سلمة زوج رسول اللّه تقول: سمعت رسول اللّه يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله»، فكرهت أن أخذلك فيخذلني اللّه.


1. النجاشي: الرجال: 1|60 برقم 5، وابن سعد في الطبقات الكبرى: 6|255، والمفيد في الاختصاص: 65، والكشي في الرجال برقم 42.
2. الطوسي: الرجال: 64 برقم 566، أصحاب أمير الموَمنين عليه السّلام .


(307)

وكتبت عائشة من البصرة إلى زيد بن صوحان: من عائشة زوج النبي إلى ابنها زيد بن صوحان أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فاجلس في بيتك وخذِّل الناس عن علي بن أبي طالب، حتى يأتيك أمري، فلما قرأ كتابها قال: أُمرْتِ بأمر وأُمرْنا بغيره، فركبتِ ما أُمرْنا به، وأمرتِنا أنْ نركب ما أُمرْتِ به، أُمرْتِ أن تقرِّ في بيتكِ وأمرْنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة (1)

8. صعصعة بن صوحان:

صعصعة بن صوحان العبدي روى عهد مالك بن الحارث الاَشتر (2) وقال ابن عبد البرّ: أسلم في عهد رسول اللّه ولم يره (3)

وقال ابن الاَثير: إنّ صعصعة كان من سادات قومه «عبد القيس» وكان فصيحاً خطيباً ديّناً فاضلاً يعدّ في أصحاب عليّ وشهد معه حروبه، وهو القائل لعمر بن الخطاب حتى قسّم المال الذي بعث إليه أبو موسى وكان ألف ألف درهم وفضلت فضلة فاختلفوا أين يضعها، فخطب عمر الناس وقال: أيّها الناس قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس، فقام صعصعة وهو غلام شاب وقال: إنّما نشاور الناس فيما لم ينزل فيه قرآن، فأما ما نزل به القرآن فضعه في مواضعه التي وضعها اللّه عزّ وجلّ فيها، فقال: صدقتَ أنت منيّ وأنا منك، فقسّمه بين المسلمين، وهو من سيّـره عثمان إلى الشام وتوفى أيّام معاوية وكان ثقة، جليل الحديث، أخرجه الثلاثة (4)


1. الكشي: الرجال: 63 ـ 64.
2. النجاشي: 1|448 برقم 540.
3. الاستيعاب: 2|185.
4. ابن الاَثير: أُسد الغابة: 3|20.


(308)

9. سعيد بن جبير:

التابعيّ المعروف بالعفّة والزهد والعبادة، وكان يصلّـي خلف الاِمام زين العابدين. وذكر أنّه لمّا دخل على الحجاج قال له: أنت شقيّ بن كسير، فقال: أُمّي أعرف باسمي منك، ثم بعد ردّ وبدل أمر الحجاج بقتله، فقال سعيد: (وَجّهْتُ وَجهي لِلّذي فَطَرَ السمواتِ والاَرضَ حَنِيفاً ومَا أنا مِنَ المُشْرِكين) (1) فقال الحجاج: شدّوه إلى غير القبلة، فقال: (فأين ما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللّهِ) (2)فقال: كبّوه على وجهه، قال: (مِنْها خَلَقناكُمْ وفِيها نُعِيدُكْم ومِنها نُخْرِجُكْم تارةً أُخْرى) (3) ثم ضربت عنقه (4)

10. قنبر مولى أمير الموَمنين:

صاحب سرّه ومستودع علمه. قال الحجاج لبعض جلاوزته: أحبّ أن أُصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب، فقال: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة له من مولاه قنبر ، فبعث في طلبه فقال: أنت قنبر؟ قال: نعم. قال له: إبرأ من دين عليّ. فقال له: هل تدلّني على دين أفضل من دينه؟ قال: إنّي قاتلك فاختر أيّ قتلة أحبّ إليك؟ قال: أخبرني أمير الموَمنين: أنّ ميتتي تكون ذبحاً بغير حق، فأُمر به فذبح كما تذبح الشاة (5).


1. الاَنعام: 79.
2. البقرة: 115.
3. طه: 55.
4. الكشي: الرجال: 110، برقم 55؛ ابن حجر، تهذيب التهذيب: 4|12.
5. الكشي: الرجال: 67 ـ 70 برقم 21.


(309)

11. ميثم التمّـار:

هو صاحب أمير الموَمنين وأمره في الجلالة، ورفعة المنزلة وعلوّ الشأن مستغن عن البيان، كان عبداً لامرأة فاشتراه عليّ فأعتقه، قال: «ما اسمك؟» قال: له سالم. قال: «حدّثني رسول اللّه أنّ اسمك الذي سمّـاك أبوك في العجم: ميثم؟» قال: صدق اللّه ورسوله فرجع إلى ميثم واكتنّ بأبي سالم، وقد أخبره عليّ بأنّه يصلب على باب عمرو بن حريث عاشر عشرة هو أقصرهم خشبة، وأراه النخلة التي يصلب على جذعها، وكان ميثم يأتي ويصلّـي عندها.

وقال لابن عباس: سلني عمّـا شئت من تفسير القرآن فإنّـي قرأت تنزيله عند أمير الموَمنين وعلّمني تأويله، فقال: يا جارية هات الدواة والقلم، فأقبل يكتب (1).

12. مالك بن الحارث الاَشتر النخعي:

عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الاِمام أمير الموَمنين وقائد قوّاته في حرب الجمل وصفين، أمره في الجلالة والوثاقة والشجاعة والمناظرة أظهر من أن يبيّـن، ولمّا بلغ عليّاً عليه السّلام موته، قال: «رحم اللّه مالكاً، لو كان صخراً لكان صلداً، ولو كان جبلاً لكان فنداً».

لم يزل يكافح النزعات الاَموية، من عصر الخليفة عثمان إلى أن استشهد في مصر بيد أحد عملاء معاوية (2)

ومن نماذج كلامه ما ذكره عند تجهيز أبي ذر، حيث خرج مع رهط إلى


1. الكشي: الرجال: 47، برقم 24.
2. المامقاني: تنقيح المقال: 3|262 برقم 12344.


(310)

الحج فإذا امرأة على قارعة الطريق تقول: يا عباد اللّه، هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد هلك غريباً ليس لي أحد يعينني عليه، فنزل ونزل الرهط، فلما جهّزوه، وصلّـى عليه الاَشتر قام على قبره وقال: اللّهم هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه عبدك في العابدين، وجاهد فيك المشركين، لم يغيّـر ولم يبدّل، لكنه رأى منكراً فغيّـره بلسانه وقلبه، حتى جُفِيَ ونُفِيَ وجُرّم واحتُقِر ثم مات وحيداً، اللهم فاقصم من حرّمه ونفاه من حرم رسولك. فقال الناس: آمين (1)

* * *

هوَلاء اثنا عشر رجلاً من رجال الدعوة والاِصلاح والذبّ والدفاع عن حريم العقيدة، المعروفون بنفسيّاتهم الكريمة، وملكاتهم الفاضلة، وسعيهم وراء الدعوة إلى الحق، ومع ذلك نراهم ما بين قتيل وشريد وسجين، إلى غير ذلك من ألوان العذاب التي عمّت هوَلاء الذابّين عن حريم العقيدة.

وما نقموا منهم، سوى الاصحار بالحقيقة، والاِجهار بالولاية، والسعي وراء العقيدة الحقّة.

فبعض هوَلاء إن لم يكونوا متكلّمين بالمعنى المصطلح، لكن كانوا ذابّين عن حريم العقيدة بالكتاب والسنّة، والبعض الآخر كان من أكبر متكلّمي عصرهم لا يشقّ غبارهم ولا يدرك شأوهم.


1. الكشي: الرجال: 61 ـ 62 برقم 17.


(311)

متكلّمو الشيعة في القرن الثاني:

1. زرارة بن أعين بن سنسن:

مولى (بني عبد اللّه بن عمرو السمين بن أسعد بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان)، أبو الحسن، شيخ أصحابنا في زمانه، ومتقدّمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلّماً شاعراً، أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقاً في ما يرويه.

قال أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه: رأيت له كتاباً في الاستطاعة والجبر (1) وقال ابن النديم: وزرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً ومعرفةً بالكلام والتشيع. (2) وهو من الشخصيّات البارزة للشيعة التي اجتمعت العصابة على تصديقهم، هو غنيّ عن التعريف والتوصيف.

2. محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي:

يُعرِّفه النجاشي بقوله: مولى، الاَحول «أبو جعفر» كوفيّ، صيرفيّ، يلقب موَمن الطاق و «صاحب الطاق» ويلقبه المخالفون «شيطان الطاق» ... وكان دكّانه في طاق المحامل بالكوفة، فيرجع إليه في النقد فيردّ ردّاً فيخرج كما يقول فيقال «شيطان الطاق»، فأمّا منزلته في العلم وحسن الخاطر، فأشهر ، وقد نسب إليه أشياء لم تثبت عندنا وله كتاب «افعل لا تفعل» رأيته عند أحمد بن الحسين بن عبيد اللّه رحمه اللّه، كتاب حسن كبير وقد أدخل فيه بعض المتأخرين أحاديث تدلّ على فساد، ويذكر تباين أقاويل الصحابة، وله كتاب «الاحتجاج في إمامة أمير


1. النجاشي: الرجال 1|397 برقم 461؛ الطوسي: الفهرست: برقم 314؛ الكشي: الرجال: برقم 62؛ الذهبي: ميزان الاعتدال: 2| برقم 2853.
2. ابن النديم: الفهرست: 323.


(312)

الموَمنين عليه السّلام »، وكتاب كلامه على الخوارج، وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة والمرجئة ... (1) وقد توفي الاِمام الصادق عليه السّلام عام 841، وأبو حنيفة عام 051، فالرجل من متكلّمي القرن الثاني.

وقال ابن النديم: وكان متكلّماً حاذقاً، وله من الكتب كتاب الاِمامة، كتاب المعرفة، كتاب الردّ على المعتزلة في إمامة المفضول، كتاب في أمر طلحة والزبير وعائشة (2).

3. هشام بن الحكم:

قال ابن النديم: هو من متكلّمي الشيعة الاِمامية وبطانتهم، وممّن دعا له الصادق عليه السّلام ، فقال: «أقول لك ما قال رسول اللّه لحسّان: لا تزال موَيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك»، وهو الذي فتق الكلام في الاِمامة، وهذّب المذهب، وسهّل طريق الحجاج فيه، وكان حاذقاً بصناعة الكلام، حاضر الجواب (3)

يقول الشهرستاني: وهذا هشام بن الحكم، صاحب غور في الا َُصول لا ينبغي أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم، ودون ما يظهره من التشبيه وذلك أنّه ألزم العلاّف ... (4)

وقال النجاشي: هشام بن الحكم، أبو محمد مولى كندة، وكان ينزل بني شيبان بالكوفة، انتقل إلى بغداد سنة 199، ويقال أنّ في هذه السنة مات، له كتاب يرويه جماعة. ثم ذكر أسماء كتبه على النحو التالي:


1. النجاشي: الرجال: 2|203 برقم 878؛ الطوسي: الرجال: أصحاب الكاظم برقم 18؛ الفهرست للطوسي: برقم 594؛ الكشي: الرجال: برقم 77.
2. ابن النديم: الفهرست: 264، وأيضاً ص 258.
3. ابن النديم: الفهرست: 257.
4. الشهرستاني: الملل والنحل: 1|185.


(313)
1. علل التحريم 2. الاِمامة 3. الدلالة على حدوث الاَجسام 4. الردّ على الزنادقة 5. الردّ على أصحاب الاثنين 6. الردّ على هشام الجواليقي 7. الردّ على أصحاب الطبائع 8. الشيخ والغلام في التوحيد 9. التدبير في الاِمامة 10. الميزان 11. إمامة المفضول 12. الوصيّة والردّ على منكريها 13. الميدان 14. اختلاف الناس في الاِمامة 15. الجبر والقدر 16. الحكمين 17. الردّ على المعتزلة وطلحة والزبير 18. القدر 19. الاَلفاظ 20. الاستطاعة 21. المعرفة 22. الثمانية أبواب 23. الاَخبار 24. الردّ على المعتزلة 25. الردّ على ارسطاطاليس في التوحيد 26. المجالس في التوحيد 27. المجالس في الاِمامة (1)

يقول أحمد أمين: أكبر شخصية شيعية في الكلام، وكان جدلاً قويّ الحجّة، ناظر المعتزلة وناظروه، ونقلت له في كتب الاَدب مناظرات كثيرة متفرّقة تدلّ على حضور بديهته وقوّة حجته (2)

ثم إنّه كان في بداية أمره من تلاميذ أبي شاكر الديصاني، صاحب النزعة الاِلحادية في الاِسلام، ثم تبع الجهم بن صفوان، الجبري المتطرّف المقتول بترمذ، عام 128 هـ، ثمّ لحق بالاِمام الصادق عليه السّلام ودان بمذهب الاِمامية، وما تنقل منه من الآراء التي لا توافق أُصول الاِمامية، فإنّما هي راجعة إلى العصرين اللّذين كان فيهما على النزعة الاِلحادية أو الجهمية، وأمّا بعدما لحق بالاِمام الصادق عليه السّلام ، فقد انطبعت عقليّته بمعارف أهل البيت إلى حدّ كبير، حتى صار أحد المدافعين عن عقائد الشيعة الاِمامية (3)


1. النجاشي: الرجال: 2|397 برقم 1165.
2. عبد اللّه نعمة: هشام بن الحكم: 75.
3. إنّ للعلامة الحجة الشيخ عبد اللّه نعمة كتاباً في حياة هشام بن الحكم، فقد أغرق نزعاً في التحقيق وأغنانا عن كل بحث وتنقيب.


(314)

4. قيس بن الماصر:

أحد أعلام المتكلّمين، تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين عليه السّلام ، روى الكليني أنّه أتى شامي إلى أبي عبد اللّه الصادق ليناظر أصحابه، فقال عليه السّلام ليونس بن يعقوب: انظر من ترى بالباب من المتكلّمين ... إلى أن قال يونس: فأدخلت زرارة بن أعين وكان يحسن الكلام، وأدخلت الاَحول وكان يحسن الكلام، وأدخلت هشام بن الحكم وهو يحسن الكلام، وأدخلت قيس بن الماصر، وكان عندي أحسنهم كلاماً وقد تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين عليمها السّلام (1)

5. عيسى بن روضة حاجب المنصور:

كان متكلّماً، جيّد الكلام، وله كتاب في الاِمامة وقد وصفه أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد، وذكر أنّه رأى الكتاب وقال بعض أصحابنا رحمهم اللّه:إنّه رأى هذا الكتاب، وقرأت في بعض الكتب: أنّ المنصور لما كان بالحيرة، تسمّع على عيسى بن روضة، وكان مولاه وهو يتكلّم في الاِمامة، فأعجب به واستجاد

كلامه (2) وبما أنّ المنصور توفي عام 851، فالرجل من متكلّمـي القرن الثاني.

6. الضحّاك، أبو مالك الحضرمي:

كوفيّ، عربيّ، أدرك أبا عبد اللّه عليه السّلام ، وقال قوم من أصحابنا: روى عنه، وقال آخرون: لم يرو عنه، روى عن أبي الحسن، وكان متكلّماً، ثقة ثقة في الحديث، وله كتاب في التوحيد رواه عنه علي بن الحسين الطاطري (3) فالرجل من متكلّمي


1. الكليني: الكافي: 1|171.
2. النجاشي: الرجال: 2|145 برقم 794.
3. النجاشي: الرجال: 1|451 برقم 544.


(315)

القرن الثاني، وقال ابن النديم: من متكلّمي الشيعة، وله مع أبي عليّ الجبائي مجلس في الاِمامة وتثبيتها بحضرة أبي محمّد القاسم بن محمّد الكرخي، وله من الكتب: كتاب الاِمامة، نقض الاِمامة على أبي عليّ ولم يتمّه (1)

7. علي بن الحسن بن محمّد الطائي:

المعروف بـ «الطاطري» كان فقيهاً، ثقة في حديثه، له كتب، منها: التوحيد، الاِمامة، الفطرة، المعرفة، الولاية (2)وغيرها. وعدّه ابن النديم من متكلّمي الاِمامية وقال: «ومن القدماء: الطاطري وكان شيعيّاً واسمه ... وتنقّل في التشيّع وله من الكتب كتاب الاِمامة حسن. (3)وبما أنّه من أصحاب الاِمام الكاظم فهو من متكلّمي القرن الثاني.

8. الحسن بن عليّ بن يقطين بن موسى:

مولى بني هاشم، وقيل مولى بني أسد، كان فقيهاً متكلّماً روى عن أبي الحسن والرضا عليمها السّلام ، وله كتاب مسائل أبي الحسن موسى عليه السّلام (4)وبما أنّ أبا الحسن الاَوّل توفي عام 183، والثاني توفي عام 203، فالرجل من متكلّمي القرن الثاني وأوائل القرن الثالث؛ وذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الرضا (5) وهو الذي سأل الاِمام الرضا عليه السّلام بأنّه لا يقدر على لقائه في كل وقت فعمّن يأخذ معالم دينه؟ فأجاب الاِمام عليه السّلام : «خذ عن يونس بن عبد الرحمن» (6)


1. ابن النديم: الفهرست: 266.
2. النجاشي: الرجال: 2|77 برقم 665.
3. ابن النديم: الفهرست: 266.
4. النجاشي: الرجال: 1|148 برقم 9.
5. الشيخ الطوسي: الرجال: برقم 7.
6. النجاشي: 2|421 برقم 1209.


(316)

9. حديد بن حكيم:

أبو علي الاَزدي المدائني، ثقة، وجه، متكلّم، روى عن أبي عبد اللّه، وأبي الحسن عليمها السّلام ، له كتاب يرويه محمد بن خالد (1)

وبما أنّه من تلاميذ الصادق والكاظم عليمها السّلام فالرجل من متكلّمي الشيعة في القرن الثاني.

10. فضال بن الحسن بن فضال:

وهو من متكلّمي عصر الصادق عليه السّلام ، وذكر الطبرسي في احتجاجه مناظرته مع أبي حنيفة، فلاحظ (2)

وما ذكرناه نماذج من مشاهير المتكلّمين في عصر الصادقين والكاظم عليهم السّلام ، وهناك من لم نذكرهم ولهم مناظرات واحتجاجات احتفلت بها الكتب التاريخية والكلامية، كحمران بن أعين الشيباني، وهشام بن سالم الجواليقي، والسيّد الحميري، والكميت الاَسدي (3)

متكلّمو الشيعة في القرن الثالث:

1. الفضل بن شاذان بن الخليل أبو محمد الاَزدي النيشابوري:

كان أبوه من أصحاب يونس، وروى عن أبي جعفر الثاني وقيل الرضا عليمها السّلام ، وكان ثقة، أحد أصحابنا الفقهاء، والمتكلّمين، وله جلالة في هذه


1. النجاشي: الرجال: 1|377 برقم 383، وذكره الخطيب في تاريخه: ج8 برقم 4377.
2. التستري: قاموس الرجال: 4|313.
3. لاحظ أعيان الشيعة: 1|134 ـ 135.


(317)

الطائفة، وهو في قدره أشهر من أن نصفه، وذكر الكنجي أنّه صنّف مائة وثمانين كتاباً.

وذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الاِمام الهادي والعسكري عليمها السّلام ، وقد توفي عام 260 هـ ، فهو من متكلّمي القرن الثالث، وقد ذكر النجاشي فهرس كتبه نقتبس منه ما يلي:

النقض على الاسكافي في تقوية الجسم، الوعيد، الردّ على أهل التعطيل، الاستطاعة، مسائل في العلم، الاعراض والجواهر، العلل، الاِيمان، الردّ على الثنوية، إثبات الرجعة، الردّ على الغالية المحمدية، تبيان أصل الضلالة، الردّ على محمد بن كرام، التوحيد في كتب اللّه، الردّ على أحمد بن الحسين، الردّ على الاَصم، كتاب في الوعد والوعيد آخر، الردّ على بيان (يمان) بن رباب (الخارجي)، الردّ على الفلاسفة، محنة الاِسلام، أربع مسائل في الاِمامة، الردّ على المنّانية، الردّ على المرجئة، الردّ على القرامطة، الردّ على البائسة، اللطيف، القائم عليه السّلام ، كتاب الاِمامة الكبير، كتاب حذو النعل بالنعل، فضل أمير الموَمنين عليه السّلام ، معرفة الهدى والضلالة، التعرّي والحاصل، الخصال في الاِمامة، المعيار والموازنة، الردّ على الحشوية، الردّ على الحسن البصري في التفضيل، النسبة بين الجبرية والبترية(1).

2. حكم بن هشام بن الحكم:

أبو محمّد، مولى كندة، سكن البصرة، وكان مشهوراً بالكلام، كلّم الناس، وحكي عنه مجالس كثيرة، ذكر بعض أصحابنا أنّه رأى له كتاباً في الاِمامة (2) وقد توفّـي والده 200 أو 199، فهو من متكلّمي أواخر القرن الثاني، وأوائل القرن الثالث.


1. النجاشي: الرجال: 2|168 برقم 838، والطوسي: الرجال: برقم 1 و 2 في أصحاب الهادي والعسكري، والكشي: الرجال: برقم 416.
2. النجاشي: الرجال: 2|328 برقم 349.


(318)

3. داود بن أسد بن أعفر:

أبو الاَحوص البصري (رحمه اللّه) شيخ جليل، فقيه متكلّم، من أصحاب الحديث، ثقة ثقة، وأبوه من شيوخ أصحاب الحديث الثقات، له كتب، منها: كتاب في الاِمامة على سائر من خالفه من الا َُمم، والآخر مجرّد الدلائل والبراهين، وذكره الشيخ الطوسي في الفهرست في باب الكنى، وقال: إنّه من جملة متكلّمي الاِمامية، لقيه الحسن بن موسى النوبختي، وأخذ عنه، واجتمع معه في الحائر على ساكنه السلام، وكان ورد للزيارة فبما أنّه من مشايخ الحسن بن موسى النوبختي المعاصر للجبائي (المتوفّـى 303 هـ) فهو من متكلّمي القرن الثالث (1)

4. محمّد بن عبد اللّه بن مملك الاصبهاني:

أصله من جرجان، وسكن اصبهان، جليل في أصحابنا، عظيم القدر والمنزلة كان معتزلياً ورجع على يد عبد الرحمن بن أحمد بن جبرويه (رحمه اللّه)، له كتب منها: كتاب الجامع في سائر أبواب الكلام كبير، وكتاب المسائل والجوابات في الاِمامة، كتاب مواليد الاَئمّة عليهم السّلام ، كتاب مجالسه مع أبي علي الجبائي (235 ـ 303 هـ ) (2).

5. ثبيت بن محمّد، أبو محمّد العسكري:

صاحب أبي عيسى الوراق (محمّد بن هارون) متكلّم حاذق، من أصحابنا العسكريين، وكان أيضاً له اطّلاع بالحديث والرواية، والفقه، له كتب:


1. النجاشي: الرجال: 1|364، وفهرست الشيخ: 221.
2. النجاشي: الرجال: 2|297 برقم 1034.


(319)
1. كتاب توليدات بني أُميّة في الحديث، وذكر الاَحاديث الموضوعة.
2. الكتاب الذي يعزى إلى أبي عيسى الوراق في نقض العثمانية له.
3. كتاب الاَسفار.
4. دلائل الاَئمّة عليهم السّلام (1)

وبما أنّه من أصحاب أبي عيسى الوراق، وقد توفّـي هو في 247، فالرجل من متكلّمي القرن الثالث.

6. إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل بن هلال المخزومي:

أبو محمّد، أحد أصحابنا، ثقة فيما يرويه، قدم العراق، وسمع أصحابنا منه، مثل أيوب بن نوح، والحسن بن معاوية، ومحمّد بن الحسين، وعلي بن حسن بن فضال، له كتاب التوحيد، كتاب المعرفة، كتاب الاِمامة.

وبما أنّ الراوي عنه كعليّ بن حسن بن فضال من أصحاب الهادي والعسكري عليمها السّلام ، وقد توفي الاِمام العسكري عام 260، فهو في رتبة حسن بن علي ابن فضال، الذي هو من أصحاب الاِمام الرضا عليه السّلام فيكون من متكلّمي القرن الثالث (2)

7. محمّد بن هارون:

أبو عيسى الورّاق: له كتاب الاِمامة، وكتاب السقيفة، وكتاب الحكم على سورة لم يكن، وكتاب اختلاف الشيعة والمقالات. وقال ابن حجر: له تصانيف


1. النجاشي: الرجال: 1|293 برقم 298، وثبيت على وزان زبير.
2. النجاشي: الرجال: 1|120 برقم 66.


(320)

على مذهب المعتزلة. وقال المسعودي: له مصنّفات حسان في الاِمامة وغيرها وكانت وفاته سنة 247 (1)

8. إبراهيم بن سليمان بن أبي داحة المزني، مولى آل طلحة بن عبيد اللّه:

أبو إسحاق، وكان وجه أصحابنا البصريّين في الفقه والكلام والاَدب والشعر، والجاحظ يحكي عنه، وقال الجاحظ (في البيان والتبيين): حدّثني إبراهيم ابن داحة عن محمد بن أبي عمير (2)

وبما أنّ استاذه ابن أبي عمير توفي عام 217، والجاحظ، الراوي عنه توفّـي عام 255، فهو من متكلّمي القرن الثالث.

9. الشّكّال:

قال ابن النديم: صاحب هشام بن الحكم وخالفه في أشياء إلاّ في أصل الاِمامة، وله من الكتب: كتاب المعرفة، كتاب في الاستطاعة، كتاب الاِمامة، كتاب على من أبى وجوبَ الاِمامة بالنص (3) وبما أنّ هشاماً توفّـي عام 991، فالرجل من متكلّمي أوائل القرن الثالث.

10. الحسين بن اشكيب:

شيخ لنا، خراساني ثقة مقدّم، ذكره أبو عمرو في كتاب الرجال في أصحاب


1. النجاشي: الرجال: 2|280 برقم 1017، ابن حجر: لسان الميزان: ج5 برقم 1360، المحقق الداماد: الرواشح السماوية: 55 ومرّ ذكره في ترجمة ثبيت، وما في كلام ابن حجر من عدّه من المعتزلة، ناش عن الخلط بين المعتزلة والاِمامية.
2. النجاشي: الرجال: 1|87 برقم 13؛ و2|205 برقم 888؛ البيان والتبيين: 1|61.
3. ابن النديم: الفهرست: 264.


(321)

أبي الحسن، صاحب العسكر عليه السّلام ، وصفه بأنّه عالم متكلّم موَلف للكتب، المقيم بسمرقند وكش، وله من الكتب: كتاب الردّ على من زعم أنّ النبي كان على دين قومه، والردّ على الزيدية، وبما أنّه من أصحاب أبي الحسن المتوفّـى عام 260، فهو من متكلّمي القرن الثالث (1)

وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الاِمام الهادي عليه السّلام (2)

11. عبد الرحمن بن أحمد بن جبرويه، أبو محمّد العسكري:

متكلّم من أصحابنا، حسن التصنيف، جيّد الكلام، وعلى يده رجع محمد ابن عبد اللّه بن مملك الاصبهاني عن مذهب المعتزلة، وقد كلّم عباد بن سليمان ومن كان في طبقته، وقع إلينا من كتبه: كتاب الكامل في الاِمامة، كتاب حسن (3)

وبما أنّ محمد بن عبد اللّه معاصر للجبائي (235 ـ 303 هـ) وله مجالس معه (4))پ، فالرجل من متكلّمي القرن الثالث، ولعله أدرك أوائل القرن الرابع.

12. علي بن منصور:

أبو الحسن، كوفـي سكن بغداد، متكلّم من أصحاب هشام، له كتب، منها: كتاب التدبير في التوحيد والاِمامة (5) وقال النجاشي في ترجمة هشام بن الحكم، كتاب التدبير في الاِمامة، وهو جمع علي بن منصور من كلامه (6) وبما أنّ هشام توفّـي عام 199، فالرجل من متكلّمي القرن الثاني، وأوائل القرن الثالث.


1. النجاشي: الرجال: 1|146 برقم 87.
2. الشيخ الطوسي: الرجال: برقم 18.
3. النجاشي: الرجال: 2|47 برقم 623.
4. النجاشي: الرجال: 2|297 برقم 1034.
5. النجاشي: الرجال: 2|71 برقم 656.
6. النجاشي: الرجال: 2|397 برقم 1165.


(322)

13. علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمّـار:

أبو الحسن، مولى بني أسد، كوفـي، سكن البصرة، وكان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا، كلّم أبا الهذيل (135 ـ 235 هـ) والنظام (160 ـ 231هـ) له مجالس وكتب، منها: كتاب الاِمامة، كتاب مجالس هشام بن الحكم، وكتاب المتعة. (1)

پ وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا برقم الثالث.

وقال ابن النديم: أوّل من تكلّم في مذهب الاِمامة علي بن إسماعيل بن ميثم التمّـار، وميثم (جدّه) من جلّة أصحاب علي رضي اللّه عنه، ولعليّ من الكتب: كتاب الاِمامة، كتاب الاستحقاق (2)

متكلّمو الشيعة في القرن الرابع:

1. الحسن بن عليّ بن أبي عقيل:

أبو محمد العماني، الحذاء، فقيه متكلّم ثقة، له كتب في الفقه والكلام منها: كتاب «المتمسّك بحبل آل الرسول»، قال النجاشي: وقرأت كتابه المسمّى: الكرّ والفرّ، على شيخنا أبي عبد اللّه المفيد (رحمه اللّه)، وهو كتاب في الاِمامة، مليح الوضع.

وذكره الشيخ في الفهرست والرجال (3) وبما أنّه من مشايخ أبي القاسم جعفر بن محمد المتوفّـى عام 368 هـ ، فالرجل من أعيان القرن الرابع، المعاصر للكليني، المتوفّـى عام 329 هـ .


1. النجاشي: الرجال: 2|72 برقم 659.
2. الفهرست لابن النديم: 263.
3. النجاشي: الرجال: 1|153 برقم 99، ولاحظ فهرست الشيخ: رقم 204، ورجاله في باب من لم يرو عنهم عليهم السّلام برقم 53.


(323)

2. إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت:

كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا وغيرهم، له جلالة في الدنيا والدين، يجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب، صنّف كتباً كثيرة، منها: كتاب الاستيفاء في الاِمامة، التنبيه في الاِمامة ـ قال النجاشي: قرأته على شيخنا أبي عبد اللّه المفيد (رحمه اللّه) ـ كتاب الجمل في الاِمامة، كتاب الردّ على محمد بن الاَزهر في الاِمامة، كتاب الردّ على اليهود، كتاب في الصفات للردّ على أبي العتاهية (130 ـ 211هـ) في التوحيد في شعره، كتاب الخصوص والعموم والاَسماء والاَحكام، كتاب الاِنسان والردّ على ابن الراوندي، كتاب التوحيد، كتاب الارجاء، كتاب النفي والاِثبات، مجالسه مع أبي علي الجبائي (235 ـ 303هـ) بالاَهواز، كتاب في استحالة روَية القديم، كتاب الردّ على المجبرة في المخلوق، مجالس ثابت بن أبي قرّة (221 ـ 288هـ)، كتاب النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد، نقض مسألة أبي عيسى الوراق في قدم الاَجسام، كتاب الاحتجاج لنبوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كتاب حدوث العالم (1).

وقال ابن النديم: أبو سهل إسماعيل بن علي بن نوبخت من كبار الشيعة وكان أبو الحسن الناشىَ يقول: إنّه أُستاذه وكان فاضلاً، عالماً، متكلّماً، وله مجالس بحضرة جماعةمن المتكلّمين ... وذكر فهرس كتبه (2)

3. الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه:

أخو الصدوق القمي أبو عبد اللّه، ثقة روى عن أبيه إجازة، وله كتب، منها: كتاب التوحيد ونفي التشبيه، وكتاب عمله للصاحب أبي القاسم بن عبّاد (326 ـ


1. النجاشي: الرجال: 1|121 برقم 67 (وهو خال الحسن بن موسى موَلف فرق الشيعة).
2. ابن النديم: الفهرست: 265.


(324)

385هـ) وقد توفّـي أخوه عام 381 هـ ، فهو من أعيان القرن الرابع، وهو وأخوه ولدا بدعوة صاحب الاَمر، ترجمه ابن حجر في لسان الميزان (1)

4. محمّد بن بشر الحمدوني «أبو الحسن السوسنجردي»:

متكلّم جيّد الكلام، صحيح الاعتقاد، كان يقول بالوعيد، له كتب منها: كتاب المقنع في الاِمامة، كتاب المنقذ في الاِمامة (2)

وقال ابن النديم: السوسنجردي من غلمان أبي سهل النوبختي، يكنّى أبا الحسن، ويعرف بالحمدوني منسوباً إلى آل حمدون، وله من الكتب: كتاب الاِنقاذ في الاِمامة (3).

وقال ابن حجر: كان زاهداً ورعاً متكلّماً، على مذهب الاِمامية، وله مصنّفات في نصرة مذهبه (4)

5. يحيى أبو محمّد العلويّ من بني زيارة:

علويّ، سيّد، متكلّم، فقيه، من أهل نيشابور، قال الشيخ الطوسي: جليل القدر، عظيم الرياسة، متكلّم، حاذق، زاهد، ورع، لقيت جماعة ممّن لقوه وقرأوا عليه، له كتاب إبطال القياس، وكتاب في التوحيد (5) وعلى هذا فالرجل في درجة شيخ مشايخ الطوسي، فهو من متكلّمي القرن الرابع.


1. النجاشي: الرجال: 1|189 برقم 161، ابن حجر: لسان الميزان: 2|306 برقم 1260.
2. النجاشي: الرجال: 2|297 برقم 1037.
3. ابن النديم: الفهرست: 266.
4. ابن حجر: لسان الميزان: 5|93 برقم 304.
5. النجاشي: الرجال: 2|413 برقم 1192، وقد جاءت ترجمته أيضاً برقم 1195؛ الشيخ الطوسي: الفهرست: برقم 803.


(325)

6. محمّد بن القاسم، أبو بكر:

بغداديّ، متكلّم، عاصر ابن همام، له كتاب في الغيبة، كلام (1) وابن همام هو محمّد بن أبي بكر بن سهيل الكاتب الاسكافي الذي ترجم له النجاشي في رجاله برقم 1033 .

وذكره الخطيب في تاريخه (3|365)، وقال: أحد شيوخ الشيعة، ولد عام 258 هـ ، وتوفّـي عام 338. وعلى هذا فالمترجم من متكلّمي أوائل القرن الرابع.

7. محمّد بن عبد الملك بن محمّد التبّان:

يكنّى أبا عبد اللّه، كان معتزلياً، ثم أظهر الانتقال، ولم يكن ساكناً له كتاب في تكليف من علم اللّه أنّه يكفر، وله كتاب في المعدوم، ومات لثلاث بقين من ذي القعدة سنة 419 هـ (2) وعلى هذا فهو من متكلّمي القرن الرابع وأوائل الخامس.

8 . محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي أبو جعفر:

متكلّم، عظم القدرة، حسن العقيدة، قويّ في الكلام، كان قديماً من المعتزلة، وتبصّـر وانتقل، له كتب في الكلام، وقد سمع الحديث، وأخذ عنه ابن بطّة وذكره في فهرسته الذي يذكر فيه من سمع منه فقال: وسمعت من محمّد بن عبد الرحمن بن قبة.

له كتاب الانصاف في الاِمامة، وكتاب المستثبت نقض كتاب أبي القاسم البلخي (المتوفّـى 319هـ )، وكتاب الرد على الزيدية، وكتاب الردّ على أبي علي الجبائي، المسألة المفردة في الاِمامة.


1. النجاشي: الرجال: 2|298 برقم 1036.
2. النجاشي: الرجال: 2|333 برقم 1070.


(326)

قال النجاشي: سمعت أبا الحسين السوسنجردي (رحمه اللّه) وكان من عيون أصحابنا وصالحيهم المتكلّمين، وله كتاب في الاِمامة معروف به، وقد كان حجّ على قدميه خمسين حجّة، يقول: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا عليه السّلام بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً بي ومعي كتاب أبي جعفر بن قبة في الاِمامة المعروف بالانصاف، فوقف ونقضه بالمسترشد في الاِمامة فعدت إلى الريّ، فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بالمستثبت في الاِمامة، فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بنقض المستثبت، فعدت إلى الريّ فوجدت أبا جعفر قد مات رحمه اللّه (1).

وقال ابن النديم: أبو جعفر بن محمد بن قبة من متكلّمي الشيعة وحذاقهم، وله من الكتب: كتاب الانصاف في الاِمامة، كتاب الاِمامة (2)

وقال العلامة: وكان حاذقاً شيخ الاِمامية في عصره (3)

9. عليّ بن وصيف، أبو الحسن الناشىَ (271 ـ 365 هـ ):

الشاعر المتكلّم، ذكر شيخنا (رضي اللّه عنه) أنّ له كتاباً في الاِمامة (4)

قال الطوسي: وكان متكلّماً شاعراً مجوّداً، وله كتب ... (5)

قال ابن خلّكان: من الشعراء المحبّين، وله في أهل البيت قصائد كثيرة، وكان متكلّماً بارعاً، أخذ علم الكلام عن أبي سهل إسماعيل بن عليّ بن نوبخت


1. النجاشي: الرجال: 2|288 برقم 1024.
2. ابن النديم: الفهرست: 262.
3. العلامة: الخلاصة: 163، القسم الاَوّل.
4. النجاشي: الرجال: 2|105 برقم 707.
5. الطوسي: الفهرست: 115، ط النجف.


(327)

المتكلّم، وكان من كبار الشيعة، وله تصانيف كثيرة، وقال ابن كثير: إنّه كان متكلّماً، بارعاً، من كبار الشيعة، فهو من متكلّمي القرن الرابع (1)

10. الحسن بن موسى، أبو محمد النوبختي:

شيخنا المبرّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها، له على الاَوائل كتب كثيرة، منها: 1. كتاب الآراء والديانات، يقول النجاشي: كتاب كبير حسن يحتوي على علوم كثيرة قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد اللّه المفيد ـ رحمه اللّه ـ 2. كتاب فرق الشيعة 3. كتاب الردّ على فرق الشيعة ما خلا الاِمامية 4. كتاب الجامع في الاِمامة 5. كتاب الموضح في حروب أمير الموَمنين 6. كتاب التوحيد الكبير 7. كتاب التوحيد الصغير 8. كتاب الخصوص والعموم 9. كتاب الاَرزاق والآجال والاَسعار 10. كتاب كبير في الجبر 11. مختصر الكلام في الجبر 12. كتاب الردّ على المنجمين 13. كتاب الردّ على أبي علي الجبائي في ردّه على المنجّمين 14. كتاب النكت على ابن الراوندي 15. كتاب الردّ على من أكثر المنازلة 16. كتاب الردّ على أبي الهذيل العلاّف في أنّ نعيم أهل الجنّة منقطع 17. كتاب الانسان غير هذه الجملة 18. كتاب الردّ على الواقفة 19. كتاب الردّ على أهل المنطق 20. كتاب الردّ على ثابت بن قرّة 21. الردّ على يحيى بن أصفح في الاِمامة 22. جواباته لاَبي جعفر بن قبة 23. جوابات أُخر لاَبي جعفر 24. شرح مجالسه مع أبي عبد اللّه بن مملك 25. حجج طبيعية مستخرجة من كتب ارسطاطاليس في الردّ على من زعم أنّ الفلك حيّ ناطق 26. كتاب في المرايا وجهة الروَية فيها 27. كتاب في خبر الواحد والعمل به 28. كتاب في الاستطاعة


1. المامقاني: تنقيح المقال: 2|313 برقم 8549.


(328)

على مذهب هشام وكان يقول به 29. كتاب في الردّ على من قال بالروَية للباري عزّ وجلّ 30. كتاب الاعتبار والتمييز والانتصار 31. كتاب النقض على أبي الهذيل في المعرفة 32. كتاب الردّ على أهل التعجيز، وهو نقض كتاب أبي عيسى الوراق 33. كتاب الحجج في الاِمامة 34. كتاب النقض على جعفر بن حرب (177ـ 236 هـ ) في الاِمامة 35. مجالسه مع أبي القاسم البلخي (المتوفّـى 319 هـ ) 36. كتاب التنزيه وذكر متشابه القرآن 37. الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين في الوعيد 38. الردّ على أصحاب التناسخ 39. الردّ على المجسّمة 40. الردّ على الغلاة 41. مسائله للجبائي في مسائل شتّى (1)

والرجل من أكابر متكلّمي الشيعة، عاصر الجبائي (المتوفّـى 303)، والبلخي (المتوفّـى 319)، وأبا جعفر بن قبة المتوفّـى قبل البلخي، فهو من أعيان متكلّمي الشيعة في أواخر القرن الثالث، وأوائل القرن الرابع.

وقال ابن النديم: أبو محمد الحسن بن موسى ابن أُخت بن سهل بن نوبخت، متكلّم، فيلسوف كان يجتمع إليه جماعة من النقلة لكتب الفلسفة، مثل: أبي عثمان الدمشقي، وإسحاق، وثابت وغيرهم وكانت المعتزلة تدعيه، والشيعة تدعيه، ولكنه إلى حيّز الشيعة ما هو (كذا) لاَنّ آل نوبخت معروفون بولاية عليّ وولده عليهم السّلام في الظاهر ، فلذلك ذكرناه في هذا الموضع ... وله مصنّفات وتأليفات في الكلام والفلسفة وغيرها، ثم ذكر فهرس كتبه ولم يذكر إلاّ القليل من الكثير (2)

إنّ بيت «نوبخت» من أرفع البيوتات الشيعية خرج منه فلاسفة كبار، ومتكلّمون عظام، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب الموَلفة في هذا الصدد.


1. النجاشي: الرجال: 1|179 برقم 146، ترجمه ابن حجر في لسان الميزان: 2|258 برقم 1075، وترجمه هبة الدين الشهرستاني في مقدمة فرق الشيعة.
2. ابن النديم: الفهرست: 265 ـ 266: الفن الثاني من المقالة الخامسة.


(329)

متكلّمو الشيعة في القرن الخامس:

بلغ علم الكلام في أوائل القرن الخامس إلى ذروة الكمال، و ظهر في الاَوساط الشيعية روّاد كبار، نشير إلى ثلة منهم:

1. الشيخ المفيد (336ـ 413هـ)

الشيخ المفيد من الشخصيات البارزة في العالم الاِسلامي، الذي احتفلت بذكره وذكر آثاره كتب التاريخ والتراجم والذي لا يضن بمثله الدهر إلاّ في فترات يسيرة، فهو في حقل الكلام متكلم بارع له آراء ونظريات جعلته صاحب منهج فيه،وفي حَقْل الفقه سيد الفقهاء وأُستاذهم والذي هذّبه وأشاد بنيانه ورفع قواعده بكتبه ورسائله الفقهيّة التي من أبرزها كتاب المقنعة، وفي مجال الحديث والتاريخ أُستاذ بلا منازع، إلى غير ذلك من صلاحيات ممّا تعرب أنّه من أصحاب المواهب الكبيرة والموَهّلات العظيمة التي منحها اللّه له في مجال العلم والكمال.

وقد سارت بذكره الركبان في حياته من قبل معاصريه فعطروا كتبهم بذكره الجميل وسطرت أقلامهم له أنصع الصفحات.
1. هذا هو ابن النديم معاصره يعرفه في الفهرست بقوله: «ابن المعلّم، أبو عبد اللّه، في عصرنا انتهت رئاسة متكلّمي الشيعة إليه، مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطرة شاهدته، فرأيته بارعاً ...» (1)

والمعروف أنّ ابن النديم ألّف الفهرست عام 377 هـ ، وعلى ضوء هذا فالمفيد انتهت إليه رئاسة متكلّمي الشيعة وله من العمر ما لا يجاوز الخمسين.
2. وقال الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي (المتوفّـى 463 هـ):

«أبو عبد اللّه المعروف بابن المعلّم، شيخ الرافضة، والمتعلّم على مذهبهم،


1. ابن النديم: الفهرست: 266، في فصل أخبار متكلمي الشيعة.


(330)

صنّف كتباً كثيرة» (1)
3. وقال عبد الرحمن ابن الجوزي (المتوفّـى 597 هـ ):

«شيخ الاِمامية وعالمها، صنّف على مذهبه، ومن أصحابه المرتضى، كان لابن المعلّم مجلس نظر بداره، بدرب رياح، يحضره كافة العلماء، له منزلة عند أُمراء الاَطراف، لميلهم إلى مذهبهم» (2)
4. وقال أبو السعادات عبد اللّه بن أسعد اليافعي (المتوفّـى 768 هـ):

«وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة توفي عالم الشيعة، وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد، وابن المعلّم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية، قال ابن أبي طيّ: وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس، وقال غيره: كان عضد الدولة ربّما زار الشيخ المفيد، وكان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر، عاش ستاً وسبعين سنة وله أكثر من مائتي مصنّف وكانت جنازته مشهودة وشيّعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة» (3)
5. ووصفه أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي (المتوفّـى 774 هـ ) بقوله:

«شيخ الاِمامية الروافض، والمصنّف لهم، والمحامي عن حوزتهم، وكان يحضر مجلسه خلق كثير من العلماء وسائر الطوائف» (4)
6. وقال الذهبي (المتوفّـى 748 هـ ):

«محمد بن محمد بن النعمان، الشيخ المفيد، عالم الرافضة، أبو عبد اللّه ابن


1. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد: 3|331 برقم 1799.
2. ابن الجوزي: المنتظم: 15|157.
3. اليافعي: مرآة الجنان: 3|28، طبع الهند.
4. ابن كثير: البداية والنهاية: 11|15.


(331)

المعلّم، صاحب التصانيف، وهي مائتا مصنّف» (1) ويعرّفه في كتاب آخر بقوله:

عالم الشيعة، وإمام الرافضة وصاحب التصانيف الكثيرة، قال ابن أبي طيّ في تاريخه (تاريخ الاِمامية): هو شيخ مشايخ الطائفة، ولسان الاِمامية، ورئيس الكلام والفقه والجدل، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية (2).

7. وقال ابن حجر (المتوفّـى 852 هـ ) ـ بعد نقل ما ذكره الذهبي:

«كان كثير التعقيب والتخشّع والاكباب على العلم، تخرّج به جماعة، وبرع في المقالة الاِمامية حتى يقال: له على كل إمام منّة، وكان أبوه معلّماً بواسط، وما كان المفيد ينام من الليل إلاّ هجعة، ثم يقوم يصلّـي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن»(3).

8. وقال ابن العماد الحنبلي (المتوفّـى 1089هـ ) في حوادث سنة413هـ:

«وفيها (توفّـي) المفيد، ابن المعلّم، عالم الشيعة، إمام الرافضة، وصاحب التصانيف الكثيرة، قال ابن أبي طيّ في تاريخ الاِمامية: هو شيخ مشايخ الطائفة ولسان الاِمامية، رئيس في الكلام، والفقه والجدل، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية» (4)

هذا ما قاله علماء السنّة، وأمّا الشيعة فنقتصر على كلام تلميذيه: الطوسي والنجاشي، ونترك الباقي لمترجمي حياته:
1. يقول الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ ) في الفهرست:

«المفيد يكنّى أبا عبد اللّه، المعروف بابن المعلّم، من أجلّة متكلّمي الاِمامية،


1. الذهبي: ميزان الاعتدال: 4|30 برقم 8143.
2. الذهبي: العبر: 2|225.
3. ابن حجر: لسان الميزان: 5|368 برقم 1196.
4. عماد الدين الحنبلي: شذرات الذهب: 3|199، وفي مكان الطائفة الصوفية وهو لحن. وقد نقل ما ذكره في كتابه مما ذكره الذهبي حرفياً.


(332)

انتهت إليه رئاسة الاِمامية في وقته في العلم، وكان مقدّماً في صناعة الكلام، وكان فقيهاً متقدماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، وله قريب من مائتي مصنّف كبار وصغار ، وفهرست كتبه معروف ولد سنة 338، وتوفي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 413، وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والموالف» (1)
2. ويقول تلميذه الآخر النجاشي (372 ـ 450 هـ):

«شيخنا واستاذنا (رضي اللّه عنه) فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والوثاقة والعلم» ثم ذكر تصانيفه (2)

وهذه الكلمات توقفنا على حقيقة الحال، وأنّه لم يكن يومذاك للشيعة متكلّم أكبر منه، وكفى في ذلك أنّه تخرج على يديه لفيف من متكلّمي الشيعة نظير السيد المرتضى (355 ـ 436 هـ )، والشيخ الطوسي، وهما كوكبان في سماء الكلام، وحاميان عظيمان عن حياض التشيّع، بالبيان والبنان.

2. علي بن الحسين الشريف المرتضى (355ـ 436هـ)

تلميذ الشيخ المفيد، عرّفه تلميذه النجاشي بقوله: حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه ، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلماً شاعراً، أديباً، عظيم المنزلة في العلم و الدين و الدنيا، و من كتبه الكلامية: «الشافي» في نقض المغني للقاضي عبد الجبار في قسم الاِمامة، وكتاب «تنزيه الاَنبياء والاَئمّة» و«الذخيرة» في علم الكلام، وغيرها من الرسائل (3) و شرح جمل العلم و العمل.


1. الشيخ الطوسي: الفهرست: برقم 710.
2. النجاشي: الرجال: 2|327 برقم 1068.
3. النجاشي: الرجال، برقم 706.


(333)

3. أبو الصلاح التقي بن الحلبي (374ـ 447هـ)

موَلف «تقريب المعارف» في الكلام مطبوع.
4. وأخيرهم لا آخرهم محمد بن الحسن الطوسي (385ـ 460هـ)

يعرّفه زميله النجاشي بقوله: جليل من أصحابنا، ثقة، عين، من تلاميذ شيخنا أبي عبد اللّه.

ويعرفه العلاّمة بقوله: شيخ الاِمامية ورئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق، عارف بالاَخبار والرجال و الفقه و الاَُصول، و الكلام والاَدب، وجميع الفضائل تنتسب إليه، وله في الكلام كتب كثيرة منها:

الجمل والعقود، تلخيص الشافي في الاِمامة، ومقدمة في المدخل إلى علم الكلام (1)

ر، والاقتصاد، والرسائل العشر.

متكلّمو الشيعة في القرن السادس

ما إنْأطلّ القرن السادس إلاّو قد أفل نجم المعتزلة حيث وُضِع فيهم السيف من قبل الخلافة العباسية، وكان غيابهم عن المسرح الفكري خسارة جسيمة للمنهج العقلي، وقد بلغ التعصب بمكان انّه أحرقت كتبهم، وقتل اعلامهم، وشُرِّد لفيف منهم، و الحديث ذو شجون. (2)

ومع إطلالة هذا القرن بدأت تلوح علامات الضغط والكبت على الشيعة، وقد وضع صلاح الدين الاَيوبي السيف على عنق الشيعة في حلب وغيرها، وعلى الرغم من ذلك فقد ظهر في هذا القرن أفذاذ في علم الكلام، نذكر منهم على سبيل المثال:


1. النجاشي: الرجال، برقم 1069، و الخلاصة:148.
2. لاحظ الجزء الثالث من كتابنا بحوث في الملل والنحل.


(334)

1. محمد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري(المتوفّى513هـ)

المعروف بابن الفارسي، عرّفه ابن داود في رجاله بقوله : متكلم جليل القدر، فقيه، عالم، زاهد، ورع ، قتله أبو المحاسن عبد الرزاق رئيس نيشابور الملقب بشهاب الاِسلام. (1)

اشتهر في أيام شبابه و ارتفع شأنه فاستفتي، و سئل عن مسائل في الكلام، و صنّف كتاب «التنوير في معاني التفسير» و كتاب «روضة الواعظين وبصيرة المتعظين» في علم الكلام و الاَخلاق والآداب، وهو كتاب قيّم، طبع أكثر من مرّة.

استشهد في أيام وزارة أبي المحاسن عبد الرزاق بن عبد اللّه بن أخي نظام الملك سنة 513 أو 515هـ .

2. قطب الدين المقري النيسابوري

من مشايخ السيد ضياء الدين أبي الرضا فضل اللّه الراوندي (المتوفّى حدود 547هـ) موَلـف كتاب الحـدود (المعجـم الموضوعي للمصطلحــات الكلامية) وقد طبع، وله كتاب كلامي قيم مخطوط عسى أن نقوم بنشره بإذن اللّه سبحانه.

3. الفضل بن الحسن الطبرسي

موَلف مجمع البيان (المتوفّى 548هـ) و له في تفسيره بحوث كلامية مهمة.


1. رجال أبي داود، ص 295 برقم 1274.


(335)

4. الحسين بن علي بن محمد بن أحمد (المتوفّى 552هـ)

المعروف بـ «أبي الفتوح الرازي» وكتابه المعروف بـ«روض الجنان» مشحون بالبحوث الكلامية.

5. قطب الدين سعيد بن هبة اللّه الراوندي (المتوفّى 573هـ)

موَلف كتاب «تهافت الفلاسفة» و جواهر الكلام في شرح مقدمة الكلام.

6. سديد الدين الشيخ محمود الحمصي (المتوفّى في أواخر القرن السادس)

موَلف «المنقذ من التقليد» مطبوع.

7. أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي

صاحب «الاحتجاج» توفي في أواسط القرن السادس.

8. السيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (511ـ 585هـ)

له كتاب «غنية النزوع في علمي الاَُصول والفروع» يقع في جزءين، والكتاب يشتمل على علوم ثلاثة : الكلام والفقه و أُصوله، و قد طبع الكتاب أخيراً بتحقيق الشيخ إبراهيم البهادري شكر اللّه مساعيه، و ترجمنا الموَلف في الجزء الاَوّل ترجمة وافية.

9. محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني ( المتوفّى 588هـ)

أخذ عن المتكلم أبي سعيد عبد الجليل بن أبي الفتح الرازي .

قال الصفدي: أحد شيوخ الشيعة، حفظ القرآن و له ثمان سنين، وبلغ النهاية في أُصول الشيعة، كان يرحل إليه في البلاد، توفي عام 588هـ. (1)


1. الوافي بالوفيات:4|164 برقم 1703.


(336)

متكلّمو الشيعة في القرن السابع:

لقد تزامن طلوع القرن السابع مع اضطراب الاَوضاع السياسيّة الحاكمة على معظم الاَمصار الاِسلامية لا سيما الحروب الصليبية التي تركت مضاعفات خطيرة في الحواضر الاِسلامية ، وقد تزامن هذا الوضع مع هجوم شرس من قبل الوثنيين من المشرق الذين جرّوا الويل و الدمار على المسلمين في المشرق الاِسلامي، وامتدَّ سلطانهم إلى بغداد وأعقبها انقراض الدولة العباسية.

وعلى الرغم من تلك الاَوضاع العصيبة، كان للعلوم العقلية نشاط ملموس في الاَوساط الشيعيّة، نذكر من متكلميهم ما يلي:

1. سديد الدين بن عزيزة الحلي (المتوفّى حوالي 630هـ)

سالم بن محفوظ بن عزيزة بن وشاح، شيخ المتكلمين، سديد الدين السوراوي الحلي، و يقال له: سالم بن عزيزة.

كان من كبار متكلمي الشيعة، صنف كتاب «التبصرة» وكتاب «المنهاج» في علم الكلام، وأخذ عنه المحقّق جعفر بن الحسن الحلي(المتوفّى 676هـ) علم الكلام و شيئاً من الفلسفة وقرأ عليه المنهاج.

2. الشيخ كمال الدين علي بن سليمان البحراني (المتوفى حوالي 656هـ)

أُستاذ الشيخ ميثم البحراني، له كتاب الاِشارات في الكلام والحكمة.

وصفه السيد الصدر بقوله: كان وحيد عصره، و فريد دهره في العلوم العقلية و النقلية، صنّف الاِشارات في الكلام، وشرحها تلميذه المحقّق ميثم البحراني، وله رسالة العلم التي شرحها المحقّق نصير الدين الطوسي (1)(المتوفّى عام 276هـ).


1. الذريعة: 2|96 وتأسيس الشيعة، ص 395.


(337)

3. نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي
(597ـ 672هـ)

وهو شخصية فذة يعجز القلم عن وصفه، فقد كان علامة عصره في الكلام والحكمة والعلوم الرياضية والفلكية.

له «شرح الاِشارات» الذي فرغ منه عام 644هـ، و هو شرح لاِشارات الشيخ الرئيس ابن سينا، و قد فنّد فيها أكثر ما أورده الرازي من الشكوك التي أُثيرت حول آراء الشيخ.

ويعد كتاب شرح الاِشارات من أفضل الكتب الدراسية في الحكمة إلى يومنا هذا، و يكفي في حقّ مترجمنا ما قاله العلاّمة في هذا المضمار.

قال: كان هذا الشيخ أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية، و له مصنفات كثيرة في العلوم الحكمية والاَحكام الشرعية على مذهب الاِمامية، و كان أشرف من شاهدناه في الاَخلاق ـ نضر اللّه مضجعه ـ قرأت عليه إلهيات الشفاء لاَبي علي بن سينا، وبعض التذكرة في الهيئة .

4. كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني

المعروف بالعالم الرباني المبرز في جميع الفنون الاِسلامية لا سيما في الحكمة والكلام والاَسرار العرفانية، اتفقت كلمة الجميع على إمامته ولد عام 636هـ وتوفي عام 696هـ، له كتاب «قواعد المرام في علم الكلام» المطبوع وله «شرح نهج البلاغة» الذي صنّفه للصاحب خواجة عطاء الملك الجويني، وهو شرح مشحون بالمباحث الكلامية و الحكمية والعرفانية، فرغ منه عام 676هـ.

5. الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الاَسدي (648ـ 726هـ)

شيخ الاِسلام، المجتهد الاَكبر، المتكلم الفذ، الباحث الكبير، جمال الدين


(338)

أبو منصور المعروف بالعلاّمة الحلي، وبآية اللّه على الاِطلاق، و بابن المطهّر، ولد في شهر رمضان سنة 648 هـ و أخذ عن والده الفقيه المتكلم البارع سديد الدين يوسف، و عن خاله شيخ الاِمامية المحقّق الحلي الذي كان له بمنزلة الاَب الشفيق، فحظا باهتمامه ورعايته، ولازم الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي مدة و اشتغل عليه في العلوم العقلية وبرع فيها وهو لا يزال في مقتبل عمره.

يعرفه معاصره أبو داود الحلي، بقوله: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، وصاحب التحقيق و التدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الاِمامية إليه في المعقول والمنقول. (1)

وقال الصفدي: الاِمام العلاّمة ذو الفنون، عالم الشيعة وفقيههم، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته... و كان يصنف و هو راكب... و كان ريّض الاَخلاق، مشتهر الذكر... وكان إماماً في الكلام والمعقولات. (2)

وقال ابن حجر في لسان الميزان: عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم، وكان آية في الذكاء...و كان مشتهر الذكر، حسن الاَخلاق. (3)

إنّ شخصية كلّ إنسان رهن الآثار التي خلفها على الصعيد التربوي والعلمي.

أمّا الجانب الاَوّل فكفى انّه ربّى جيلاً كبيراً من روّاد العلم في المنقول والمعقول، و يشهد على ذلك كثرة المتخرّجين على يديه في كلا الحقلين.

ففي حقل الفقه و الاَُصول تخرّج عليه: ولده فخر المحقّقين، وزوج أُخته مجد الدين أبو الفوارس محمد بن علي بن الاَعرج الحسيني، وولدا أبي الفوارس:


1. رجال أبي داود: 119 برقم 461.
2. الوافي بالوفيات: 13|85 برقم 79.
3. لسان الميزان: 2|317.


(339)

عميد الدين عبد المطلب وأخوه ضياء الدين، و مهنّا بن سنان بن عبد الوهاب الحسيني المدني، وقد ألّف كتاب باسمه أسماه «المسائل المهنائية»، وتاج الدين محمد بن القاسم بن معية الحسني، وركن الدين محمد بن علي بن محمد الجرجاني، والحسين بن إبراهيم بن يحيى الاستر ابادي، والحسين بن علي بن إبراهيم بن زهرة الحسيني الحلبي، وأبو المحاسن يونس بن ناصر الحسيني الغروي المشهدي، وعلي ابن محمد بن رشيد الآوي.

وفي حقل المعقول ربّى جيلاً كثيراً في طليعتهم: محمد بن محمد قطب الدين أبو عبد اللّه الرازي (694ـ 766هـ) مصنف كتاب «تحرير القواعد المنطقية في شرح الشمسية» و «لوامع الاَسرار في شرح مطالع الاَنوار»، «تحقيق معنى التصور والتصديق»و «المحاكمات بين الاِمام والنصير»، كلّها مطبوعة.

هذا كلّه في الجانب التربوي، وأمّا الجانب العلمي فالآثار والمصنّفات التي خلفها وبقيت خالدة على جبين الدهر كثيرة يضيق المجال عن ذكر جميعها.

ولا نبالغ لو قلنا بأنّ آثاره تعد موسوعة كبيرة في جل العلوم الاِسلامية، فقد ألّف في الفقه عدة دورات كـ«تبصرة المتعلمين»و «إرشاد الاَذهان»، و«تحرير الاَحكام الشرعية» و«قواعد الاَحكام»، و«تذكرة الفقهاء»، و «منتهى المطلب» فالكتب الاَربعة الاَُولى تعد دورة فقهية كاملة، ولكنّه قدّس سرّه لم يُتم الكتابين الاَخيرين.

وأمّا في حقل المعقول والكلام فكفى في حقّه انّه ألف قرابة عشرين كتاباً و رسالة في ذلك المضمار، وبما انّا بصدد التقديم لموسوعته الكلامية المسماة «نهاية المرام» نشير إلى أسماء كتبه التي ألّفها في حقل الكلام والعقائد وإليك بيانها.


(340)

الثروة العلمية الكلامية للعلاّمة الحلّي

قد وقفت على مكانة العلاّمة الحلّي في علم الكلام، و انّه أحد الروّاد الاَفذاذ في ذلك المضمار فقد خلّف تراثاً كلامياً ضخماً أثرى المكتبة الاِسلامية حيث ألّف كتباً كلامية على مستويات مختلفة، بين موجز اقتصر فيه على بيان روَوس المسائل، ومتوسط أردف المسائل الكلامية بنوع من البرهان، ومسهب بسط الكلام في نقل الآراء ونقدها والبرهنة على مذهبه ومختاره.

وهانحن نستعرض أسماء كتبه الكلامية:

1. الاَبحاث المفيدة في تحصيل العقيدة

رسالة موجزة أورد فيها المباحث الكلامية في ثمانية فصول، وقد عبّر عنها بنفس ذلك الاسم في رجاله (1)وفي الوقت نفسه عبّر عنها في أجوبة المسائل المهنائية بـ«الاَبحاث المفيدة في تحقيق العقيدة» وشرحها الشيخ ناصر بن إبراهيم البويهي الاِحسائي (المتوفّى853هـ) والحكيم السبزواري (المتوفّى1289هـ) وتوجد النسختان مع الشرح في المكتبة الرضوية (2)وقمنا بنشر هذه الرسالة بتحقيق العلاّمة الشيخ يعقوب الجعفري على صفحات مجلة علم الكلام. (3)

2. استقصاء النظر في البحث عن القضاء و القدر

رسالة موجزة أورد فيها مباحث القضاء والقدر، وطرح فيها المذاهب


1. الخلاصة للعلاّمة الحلّي: 45.
2. لاحظ فهرس المكتبة الرضوية في مشهد: 320.
3. مجلة علم الكلام، السنة الاَُولى، العدد الثالث، مجلّة فصلية تصدرها موَسسة الاِمام الصادق عليه السّلام للبحوث والدراسات العليا وهي في سنتها السابعة.


(341)

المختلفة في أفعال العباد، ثمّ أقام البراهين العقليةعلى مذهب العدلية، كما أردف براهينه بما ورد في الكتاب العزيز.

وقد طبعت الرسالة عام 1354هـ بتحقيق الشيخ علي الخاقاني في النجف الاَشرف، ووقفنا على نسخة خطية في مكتبة مدرسة الطالبية بتبريز، فقوبلت النسختان المطبوعة والمخطوطة، وطبعت بتحقيق شيخنا يعقوب الجعفري على صفحات مجلة الكلام الاِسلامي السنة الثانية، العدد الثاني .

3. الاَلفين الفارق بين الصدق والمين

وقد ألّفه لولده محمد المعروف بفخر المحقّقين (المتوفّى772هـ)، ذكر في مقدمته انّ الكتاب يشتمل على ألف دليل على إمامة الاِمام علي بن أبي طالب عليه السّلام ، وألف دليل على إبطال شبهات الطاعنين.

وقد طبع غير مرّة وطبع أخيراً ببيروت بطبعة منقحة رشيقة والنسخة الخطية متوفرة، بيد انّالمطبوع منه طبع تحت عنوان الاَلفين في إمامة أمير الموَمنين، ولكن العلاّمة الحلّي عبّر عنه في فهرس مصنفاته ومقدمة الكتاب بما ذكرنا.

4. أنوار الملكوت في شرح الياقوت

أمّا الياقوت فهو تأليف أبي إسحاق إبراهيم بن نوبخت(المتوفّى310هـ) كما ذكره العلاّمة في مقدمة الكتاب (1)و الشرح للعلاّمة الحلّي، وقد طبع بتحقيق محمد النجمي الزنجاني عام 1378هـ، ولا يخلو المطبوع من هن و هنات، لا سيما و انّه حذف الفصل الاَخير من الكتاب ممّا يرجع إلى أحكام المخالفين


1. وقيل انّه تأليف إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت كما عليه التبريزي في رياض العلماء:6|38.


(342)

والبغاة.

ولما كان الكتاب المطبوع مبتوراً حاول الشيخ يعقوب الجعفري نشر الفصل الاَخير منه في مجلة الكلام الاِسلامي (1)في ضمن عددين.

وقد أوعز العلاّمة في كتابه هذا، إلى كتاب «مناهج اليقين» وكتاب «معارج الفهم» و«نهاية المرام» و الجميع من تآليفه.

5. الباب الحادي عشر

وهو رسالة مختصرة في العقائد الاِمامية كتبه حينما اختصر «مصباح المتهجد» للشيخ الطوسي التي ألّفها في الاَدعية والعبادات، اختصره العلامة في أبواب عشرة وأضاف إليها «الباب الحادي عشر »في العقائد.وأسمى الجميع «منهاج الصلاح في مختصر المصباح»، وهذه الرسالة لم تزل مطمحاً للاَنظار فكتب عليها شروح وتعليقات، أشهرها ما كتبه الفاضل المقداد الذي أسماه بـ«النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر» و هي رسالة دراسية في الحوزات الشيعية إلى يومنا هذا.

وقد قام الفاضل المقداد (المتوفّى828هـ) بشرحها في سبعة فصول.

6. تسليك النفس إلى حظيرة القدس

وهذا الكتاب كما حكاه المحقّق الطهراني (المتوفّى1389هـ) يحتوى على نكات في علم الكلام، وهي في مراصد، والمرصد الاَوّل في الاَُمور العامة، وتوجد نسخة منه في الخزانة الغروية بخط تلميذ العلاّمة الشيخ حسن بن علي المزيدي استنسخه عام (707هـ) وعلى النسخة خط العلاّمة الحلي، كما شرحها نظام الدين


1. مجلة الكلام الاِسلامي، السنة الثانية، العدد الثاني و الثالث.


(343)

الاَعرجي ابن أُخت العلاّمة (المتوفّى745هـ) أسماه «إيضاح اللبس في شرح تسليك النفس». (1)

7. الرسالة السعدية

وهي رسالة بين الاِيجاز والاِطناب، ألّفها العلاّمة الحلّّي لسعد الحقّ و الملّة والدين المعروف بـ «المستوفي الساوجي» الذي كان وزيراً لـ«غازان خان» و قد ساهم في عهد «اولجايتو» مع رشيد الدين فضل اللّه في إدارة أُمور البلد إلى أن قتل عام 711هـ. (2)

والرسالة تحتوي على مقدمة وفصول، وقد استوفى فيها حقّ مسائل ثلاث:

أ. استحالة روَية اللّه سبحانه.

ب. كلامه سبحانه حادث.

ج. صفاته عين ذاته.

وقد طبعت الرسالة عام 1315هـ ضمن مجموعة باسم «كلمات المحقّقين»،و«الرسالة السعدية» هي الرسالة العاشرة.

8. كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد

الكتاب شرح لكتاب قواعد العقائد للمحقّق الطوسي، شرحه نزولاً عند رغبة ولده فخر المحقّقين وقد طبع عام 1305هـ ، كما طبع أخيراً بتحقيق المحقّق الشيخ حسن مكي العاملي عام 1413هـ، نشرته دار الصفوة في بيروت، والكتاب مع اختصاره مشتمل على مجموع المسائل الكلامية، نظير الكتاب الآتي.


1. الذريعة: 4|180.
2. انظر تاريخ أدبيات إيران: 3|150، للدكتور ذبيح اللّه صفاء.


(344)

9. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد

وهذا الكتاب شرح لكتاب تجريد الاعتقاد للمحقّق نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي (597 ـ 672هـ) وهو من أوجـز المتـون الكلاميـة وفق العقائد الاِمامية ويكفي في رفعة منزلته، قول شارحه علاء الدين القوشجي الاَشعري حيث وصفه، بقوله: «تصنيف مخزون بالعجائب، وتأليف مشحون بالغرائب، فهو وإن كان صغير الحجم، وجيز النظم، لكنه كثير العلم، عظيم الاسم، جليل البيان، رفيع المكان، حسن النظام، مقبول الاَئمّة العظام، لم يظفر بمثله علماء الاَعصار، ولم يأت بمثله الفضلاء في القرون والاَدوار، مشتمل على إشارات إلى مطالب هي الاَُمّهات، مشحون بتنبيهات على مباحث هي المهمات، مملوء بجواهر كلها كالفصوص، ومحتو على كلمات يجري أكثرها مجرى النصوص، متضمن لبيانات معجزة، في عبارات موجزة » إلى آخر ما ذكره. (1)

وقد شرحه جمع غفير من المحقّقين منذ تأليفه إلى يومنا هذا، وأوّل من شرحه: تلميذه المشهور بالعلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ) الذي أسماه «كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد»، ثمّ توالت الشروح بعده، فشرحه ثانياً: شمس الدين محمد الاسفرائيني البيهقي وأسماه «تعريد الاعتماد في شرح تجريد الاعتقاد» وثالثاً: الشيخ شمس الدين محمود بن عبد الرحمان بن أحمد الاِصفهاني (المتوفّى746هـ) وأسماه «تسديد القواعد في شرح تجريد العقائد» ورابعاً: علاء الدين علي بن محمد المعروف بالفاضل القوشجي (المتوفّى 879هـ) ألّفه للسلطان أبي سعيد كوركان.

ويسمّى الشرح الثالث بالشرح القديم، والرابع بالشرح الجديد، وقد كتب على الشرحين تعاليق وحواشٍ كثيرة، يقف عليها من تتبع المعاجم.


1. علاء الدين القوشجي، شرح التجريد: 1.


(345)

ثمّ توالت الشروح بعد هذه الشروح الاَربعة إلى عصرنا هذا.

إنّ كتاب كشف المراد تبعاً لمتنه يدور على محاور ثلاثة:

الاَوّل: في الاَُمور العامة التي تطلق عليها الاِلهيات بالمعنى الاَعم، ويبحث فيه عن الوجود والعدم وأحكام الماهيات، والمواد الثلاث: الوجود والاِمكان والامتناع، والقدم والحدوث، و العلّة والمعلول، وغيرها من المسائل التي تبحث عن أحكام الوجود بما هوهو.

الثاني: في الجواهر والاَعراض التي يطلق عليها الطبيعيات، ويبحث فيه عن الاَجسام الفلكية و العنصرية والاَعراض التسعة، على وجه التفصيل.

الثالث: في الاِلهيات بالمعنى الاَخص، ويبحث فيه عن الاَُصول الخمسة.

وبما أنّ المحور الاَوّل هو المقصد الاَهم للحكماء من المشائين والاِشراقيين، وقد بحثوا عنه في الاَُمور العامة على وجه التفصيل والاستيعاب، حتى خصّص صدر المتألهين ثلاثة أجزاء من كتابه «الاَسفار» بمباحث هذا المحور ـ لاَجل ذلك ـ استغنى الطلاب عن دراسة هذا المقصد من كتاب كشف المراد.

وبما أنّ العلوم الجديدة الباحثة عن الطبيعة وأحكامها قد قطعت أشواطاً كبيرة، وأبطلت كثيراً من الفروض العلمية في الفلكيات والاَكوان، فأصبح ما يبحث في الكتب الكلامية والفلسفية في هذا القسم تاريخاً للعلم الطبيعي لا نفسه، ولاَجل ذلك تركت دراسة المحور الثاني في الكتب الكلامية والفلسفية في أعصارنا.

فلم يبق إلاّ المحور الثالث الموسوم بالاِلهيات بالمعنى الاَخص الذي يبحث فيه عن ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله، ولاَجل ذلك عكف المحصلون على دراسة هذا المحور الذي يتضمن البحث عن إثبات الصانع وصفاته وأفعاله،


(346)

ويدخل في البحث عن صفاته: البحث عن عدله، كما يدخل في البحث عن أفعاله: البحث عن النبوة والاِمامة والمعاد.

وقد طبع الكتاب غير مرّة أحسنها طبعة موَسسة النشر الاِسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم المقدسة، ولنا تعليقات على قسم الاِلهيات أفرزناها من سائر المباحث، وطبع الكتاب على حدة، وصار مادة دراسية في موَسسة الاِمام الصادق عليه السّلام للبحوث والدراسات العليا.

10. معارج الفهم في شرح النظم

وهي رسالة معدة لبيان أُصول الدين و قد صرح به في كتابه «خلاصة الاَقوال» وفي أجوبة المسائل المهنائية ونسخته الخطية متوفرة في المكتبة الرضوية ومكتبة السيد المرعشي وغيرهما.

11. مقصد الواصلين في أُصول الدين

واسمه حاك عن معناه، ولكن لم نقف على نسخة منه، و جاء اسمه في «خلاصة الاَقوال» و أجوبة المسائل المهنائية وعبّر عنه في إجازات البحار بمعتقد الواصلين.

12. منهاج الكرامة في معرفة الاِمامة

هذا الكتاب كتاب كلامي يشير إلى جميع المسائل الكلامية لاسيما مسائل الاِمامة التي استأثرت باهتمام واسع، ويثبت فيه بأدلة رصينة إمامة الاَئمّة الاثني عشر ألّفه للسلطان «محمد خدا بنده اولجايتو» الذي تشيع على يد العلاّمة، وقد آثار الكتاب حفيظة أهل السنة كابن تيمية، فكتب عليه رداً أسماه «منهاج السنة في


(347)

ردّ منهاج الكرامة».

وأيمن اللّه! الاسم لا يوافق مسماه، فلو قام أحد بجمع شتائمه وسبابه لعاد برسالة في ذلك المجال.

وأمّا أكاذيبه و إنكاره المسائل المسلّمة، فحدث عنه ولا حرج، ولذلك ردّ عليه غير واحد من علماء الشيعة، كسراج الدين بن عيسى الحلي ألف كتاباً باسم «إكمال الملة» والسيد مهدي الكاظمي حيث رد على ابن تيمية بكتاب أسماه «منهاج الشريعة» و لشيخنا المحقّق الاَميني بحث مسهب حول الكتاب وأكاذيبه، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الغدير الجزء الثالث.

13. مناهج اليقين

وهو أبسط كتاب في علم الكلام بعد نهاية المرام، وقد أوعز إليه في كتاب كشف المراد، والكتاب إلى الآن لم ير النور عسى اللّه أن يشحذ همم بعض الباحثين لنشره، وتوجد منه نسخة في المكتبة الرضوية ومكتبة المسجد الاَعظم في قم المقدسة.

14. نظم البراهين في أُصول الدين

رسالة موجزة في أُصول الدين، وقد شرحها العلاّمة بنفسه وأسماها «معارج الفهم»، وقد جاء اسمها في كتاب خلاصة الاَقوال وأجوبة المسائل المهنائية.

15. نهج الحقّ وكشف الصدق

رسالة كلامية و في الوقت نفسه تشتمل على روَوس المسائل الاَُصولية


(348)

والفقهية ألّفها للسلطان «محمد خدا بنده».

والرسالة تركز على المسائل الكلامية، لا سيما المسائل الخلافية وقد أثار الكتاب حفيظة الآخرين وقد ردّ عليه الفضل بن روزبهان وأسماه «إبطال الباطل وإهمال كشف العاطل».

وقد ردّعلى ردّه ثلة من علماء الشيعة منهم:
1. القاضي نور اللّه التستري (المتوفّى 1019هـ) في كتاب أسماه «إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل» فقد ذكر أوّلاً كلام العلاّمة في نهج الحقّ، ثمّ أردفه بما ذكره ابن روزبهان في ردّه، ثمّ ذكر ما جاد به ذهنه في إحقاق الحقّو المحاكمة بين الطرفين.

وهذا الكتاب يضم في الحقيقة ثلاثة كتب وطبع مرّات عديدة.
2. الشيخ محمد حسن المظفر (1301ـ 1375هـ) في كتاب أسماه «دلائل الصدق» وهو يذكر كلام العلاّمة أوّلاً ثمّ يتبعه بنقل كلام ابن روزبهان بعينه، ثمّ يتحاكم بينهما. وقد استفاد في رده هذا من كتاب «إحقاق الحقّ» المتقدم ذكره ، وقد ألمع إليه في مقدمة الكتاب.

وطبع الكتاب في طهران والنجف والقاهرة وبما انّ كتاب «نهج الحقّ وكشف الصدق» من الكتب المفيدة، فقد قام بتحقيقه الشيخ عين اللّه الحسني الاَرموي فطبعه مستقلاً بتقديم الاَُستاذ آية اللّه السيد رضا الصدر قدّس سرّه في بيروت.

16. نهج المسترشدين في أُصول الدين

ألّفه العلاّمة باستدعاء ولده فخر المحقّقين، وحرر فيه القواعد الكلامية وقد شرحه الفاضل المقداد (المتوفّى 828هـ) وقد طبع الكتاب أيضاً بتحقيق السيد أحمد الحسيني والشيخ هادي اليوسفي، وعرّفه الفاضل المقداد بقوله:


(349)

إنّ الكتاب الموسوم بـ «نهج المسترشدين في أُصول الدين» من تصانيف شيخنا وإمامنا الاِمام الاَعظم علاّمة العلماء في العالم، وارث الاَنبياء وخليفة الاَوصياء، بل آية اللّه في العالمين، جمال الملّة و الحقّو الدين، أبي منصور الحسن ابن المطهر (طهر اللّه رمسه وقدس وكرم، وشرف نفسه وبجل وعظم) قد احتوى من المباحث الكلامية على أشرفها و أبهاها، وجمع من الفوائد الحكمية أحسنها وأسناها، حتى شغف بالاشتغال به معظم الطلاب وعول على تقرير مباحثه جماعة الاَصحاب.

وكنت ممن جدّ في تحرير مباحثه بالتحصيل، وإن لم أحصل منه إلاّ على القليل، حتى جمعت من مباحث المشايخ وفوائدهم ممّا يتعلق به نبذة، بحيث صار منها بين الطلبة ممّا يعد على نعمة. (1)

17. واجب الاعتقاد على جميع العباد

وقد بيّـن العلاّمة فيه ما يجب معرفته على العباد من العقائد الدينية، والمسائل الفرعية ما عدا المعاد فلم يذكره و انتهى في الفروع إلى آخر الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يقول في أوّله: بيّنت في هذه المقالة واجب الاعتقاد على جميع العباد ولخّصت فيه مايجب معرفته من المسائل الاَُصولية على جميع الاَعيان وألحقت به بيان الواجب في أُصول العبادات.

والرسالة لم تر النور ولكن توجد منها نسخة خطية في المكتبة الرضوية وفي مكتبة جامعة طهران.

وشرحه الفاضل المقداد وأسماه «الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد» طبع


1. إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين، ص 4.


(350)

ضمن كلمات المحقّقين.

وعلى ذلك فقد طبع الكتاب في ضمن شرح الفاضل المقداد.

وما ذكرناه من الكتب هي التي ثبتت نسبتها إلى العلاّمة الحلّي، و قد عزي إليه كتب أُخرى لم تثبت نسبتها ولذا ضربنا عنها صفحاً، ونأتي بذكر كتاب آخر له ينبغي أن يحتفل به تاريخ علم الكلام ومتكلّميه وهو بيت القصيد لكتب العلاّمة الكلامية المتوفرة.

18. نهاية المرام في علم الكلام

وهذا الكتاب هو الذي يزفّه الطبع إلى القرّاء الكرام بعد تحقيقه وتقويم نصه وتبيين إشاراته ضمن جهد متواصل.

وهو أبسط وأعمق كتاب ظهر للكلام الشيعي في القرن الثامن إلى يومنا هذا، وهو قدّس سرّه يعرّف الكتاب في مقدمته بقوله:

وقد أجمع رأينا في هذا الكتاب الموسوم بـ«نهاية المرام في علم الكلام» على جمع تلك الفوائد التي استنبطناها، والنكت التي استخرجناها، مع زيادات نستخرجها في هذا الكتاب لطيفة، ومعان حسنة شريفة لم يسبقنا إليها المتقدمون ولا سطّرها المصنفون.

ثمّ نذكر على الاستقصاء ما بلغنا من كلام القدماء، ونحكم بالانصاف بين المتكلمين والحكماء، وجمعت فيه بين القوانين الكلامية والقواعد الحكمية المشتملة عليهما المباحث والنهاية. فكان في هذا الفن قد بلغ الغاية، لاَجل أعزّ الناس عليَّ وأحبّهم إليّ وهو الولد العزيز محمد، رزقه اللّه تعالى الوصول إلى أقصى نهايات الكمال، و الارتقاء إلى أعلى ذُرى الجلال، وأيّده بالعنايات الاَزلية، وأمدّه بالسعادات الاَبدية، وأحياه اللّه تعالى في عيش رغيد وعمر مديد بمحمد


(351)

وآله الطاهرين.

وقد رتبت هذا الكتاب على مقدمة وقواعد مستعيناً باللّه لا غير، فانّه الموفق لكلّخير ودافع كلّشر. (1)

ويظهر من إرجاعات الموَلف إلى هذا الكتاب في غير واحد من تآليفه انّه أكمل الكتاب حيث نرى إرجاعات كثيرة في كشف المراد إلى ذلك الكتاب نذكر منها ما يلي:
1. قال في مبحث الاَلم ووجه حسنه: «ويمكن الجواب هنا لاَبي علي بما ذكرناه في كتاب نهاية المرام». (2)

2. قال عند البحث في الاَصلح: «ذكرناها في كتاب نهاية المرام على الاستقصاء». (3)

3. وقال في مبحث النبوة الخاصة: «وقد أوردنا معجزات أُخرى منقولة في كتاب نهاية المرام». (4)

4. كما يقول في مبحث تفضيل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على الملائكة: «وهاهنا وجوه أُخرى من الطرفين ذكرناها في كتاب نهاية المرام».

كما انّه أحال إلى ذلك الكتاب في كشف الفوائد، وقال عند البحث في كونه تعالى عالماً: «ولنا على هذا البرهان إيرادات ذكرناها في كتاب النهاية. (5) كما ألمح إليه أيضاً عند البحث في صفات الاِمام علي عليه السّلام ، قال: والاَدلة كثيرة ذكرناها في


1. نهاية المرام في علم الكلام:1|5ـ6.
2. كشف المراد، المسألة الثالثة عشرة في الاَلم و وجه حسنه، ص 330.
3. كشف المراد، المسألة الثامنة عشرة في الاَصلح، ص 344.
4. كشف المراد، المسألة السابعة في نبوة نبينا، ص 357.
5. كشف الفوائد، ص 168، طبعة بيروت، تحقيق حسن مكي العاملي.


(352)

كتاب النهاية. (1)

كما انّه يشير إليه في كتابه نهج المسترشدين في غير مورد :
1. قال في مبحث الاِدراك: «والحقّ ما اخترناه نحن في "نهاية المرام"». (2)

2. وقال في البحث الثاني، في أنّه قادر خلافاً للفلاسفة: «وقد أوضحنا هذا الكلام في كتاب النهاية». (3)

3. وقال في البحث الرابع، في انّه تعالى حيّ: «وقد بيّنا ضعف هذا القول في كتاب نهاية المرام». (4)

4. وقال في البحث الخامس، في أنّه تعالى مريد: «وقد بيّنا توجيه الكلامين والاعتراض عليها في كتاب النهاية. (5)

5. قال في البحث الثاني، في نفي المعاني والاَحوال: «وقد أشبعنا القول في هذه المسألة في كتاب نهاية المرام في علم الكلام وكتاب المناهج». (6)

6. قال في الفصل الحادي عشر في الاِمامة: «...وهو كثير لا يعد ولا يحصى، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في كتاب نهاية المرام». (7)

7. وقال في الفصل الثالث عشر في المعاد (البحث الاَوّل في حقيقة الاِنسان): «...وقد بيّنا أكثر حججهم في كتاب المناهج، واستقصينا ما بلغ من أقاويل العلماء في ذلك في كتاب النهاية». (8)


1. كشف الفوائد، ص 308.
2. نهج المسترشدين في أُصول الدين، ص 30.
3. المصدر السابق، ص 38.
4. المصدر السابق، ص 40.
5. المصدر السابق، ص 41.
6. المصدر السابق، ص 43.
7. المصدر السابق، ص 70.
8. المصدر السابق، ص 74.


(353)

8. وقد ذكر في آخر الكتاب الذي انتهى فيه إلى البحث في الاِيمان والكفر، ما هذا لفظه: «ومن أراد التطويل فعليه بكتابنا الكبير المسمى بـ «نهاية المرام في علم الكلام» ومن أراد التوسط فعليه بكتابنا «منتهى الوصول » و «المناهج» وغيرهما من كتبنا. (1)

كلّ ذلك يعرب عن انّ المصنف أتمّ الكتاب إلى نهايته.

ولكن الموجود فيما بأيدينا أقلّمن ذلك، فقد انتهى الجزء الثالث وهو بعد في الطبيعيات وآخر مسألة جاءت فيه قوله «المسألة السابعة في الآن أي الزمان وختمها بقوله: «قال الشيخ :»، فأين الباقي؟ فاللّه سبحانه وحده أعلم، ويظهر من هذه العبارة انّه رحمه الله كتب مقالة الشيخ ومابعدها ولكنّها ما وصلت إلى النُسّاخ.

والذي يدل على أنّه أكمل الكتاب ولو إكمالاً نسبياً أزيد ممّا بأيدينا الاَمران التاليان:

أ. انّه فرغ من الجزء الاَوّل كتابة وتصنيفاً في الرابع عشر من شهر ربيع الاَوّل من سنة اثنتي عشرة وسبعمائة بالسلطانية. (2)

كما فرغ من الجزء الثاني في سلخ شهر ربيع الآخر من سنة اثنتي عشرة وسبعمائة بالسلطانية. (3)

وهذا يعرب انّه ألف الجزء الثاني في مدة شهر و نصف، وليس هو ببعيد عن العلاّمة الحلّي لاِحاطته بالمسائل الكلامية واجتماع ثلة من الاَفاضل حوله في السلطانية ربما يستعين ببعضهم في نقل المطالب.

وقد عاش بعد الفراغ من الجزء الثاني 14 سنة ومن البعيد أن يترك هذا


1. المصدر السابق، ص 85.
2. لاحظ الجزء الاَوّل من كتاب نهاية المرام في علم الكلام، ص 229.
3. لاحظ الجزء الثاني من كتاب نهاية المرام، ص 607.


(354)

الكتاب في بوتقة الاِهمال.

ب. انّ الجزء الثالث الذي بأيدينا مبتور غير موَرخ، ولكنّه قدّس سرّه صرح في إجازته للسيد مهنا بن سنان المدني: خرج منه أربع مجلدات. (1)

وقد كتب الاجازة عام 721، ومن البعيد أن لا يهتم باكمال الموسوعة، وأبعد منه أن يسمّي الاَجزاء الثلاثة الموجودة أربعة أجزاء.

إلى هنا تبين انّ ما خرج من قلمه أزيد ممّا بأيدينا قطعاً، ولا يبعد انّه أتم الكتاب وفرغ من تأليفه.

ولعلّه سبحانه يوفق روّاد العلم للعثور على الاَجزاء الباقية.

مشكلة الارجاعات

ثمّ إنّ هنا مشكلة أُخرى وهي انّ العلاّمة الحلّي فرغ من الجزء الاَوّل من نهاية المرام في سلطانية زنجان عام 712 هـ، ولكنّه أحال إلى ذلك الكتاب في كشف المراد الذي فرغ من تأليفه في الخامس عشر من ربيع الاَوّل عام 696هـ. (2)

فكيف أحال في كتاب ألّفه قبل نهاية المرام بـ 16 عاماً، كما انّه أحال في «كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد» إلى هذا الكتاب في مواضع وقد فرغ منه نهار الاَربعاء في ثالث ذي الحجة عام 703هـ ، فكيف أحال إلى ذلك الكتاب في كتاب ألفه قبل ذلك بتسع سنين؟!

هناك فروض لحلّ هذه المشكلة أوضحها، انّه أدخل هذه الاِرجاعات في هذه الكتب، بعد الفراغ عن تأليفها، وليس ببعيد عن دأب الموَلفين الذين كانت


1. أجوبة المسائل المهنائيّة: 156 .
2. الذريعة: 18|60 برقم 668.


(355)

كتبهم تستنسخ عاماً بعد عام، في الاَزمنة السابقة، أو تطبع، طبعة بعد طبعة، على ما عليه الحال فيقوم الموَلف بإكمال الكتاب، بإضافة أُمور لم يخطر بباله حين التأليف.

وعلى ذلك يحمل ذكر «النهاية في خلاصة الرجال» الذي ألّفه سنة 693هـ.(1)

مواصفات هذا الكتاب

يتميز هذا الكتاب عن سائر الكتب بميزات مهمة:
1. تفصيل المباحث والاستقصاء لآراء المذاهب والفِرَق المختلفة مروراً بآراء الثنوية، و المجوس، والصابئة، واليهود،والنصارى، وانتهاءً بآراء كبار متكلّمي الاِسلام من الاَشاعرة، والمعتزلة، والشيعة (العدلية)، وكبار فلاسفة الاِسلام كالفارابي، وابن سينا وغيرهم.

فيقوم باستعراض الآراء بأفضل صورة ممكنة، ثمّ يبدأ بطرح رأيه و نقض تلك الآراء و تفنيدها بمجموعة كبيرة من الاَدلة، تربو في بعض الاَحيان على عشرين دليلاً.

ولا نبالغ إن قلنا: إنّ هذا الكتاب يعد أوسع كتاب كلامي للشيعة في هذا المضمار، فلا يضاهيه في السعة والشمول أيّ كتاب كلامي آخر.
2. بذل العلاّمة في كتبه لا سيما في هذا الكتاب جهده لنقل آراء الآخرين، حيث يعرض الآراء بأمانة وصدق دون أي تصرف، بل يحاول أحياناً كثيرة أن يجد وسيلة لتبرير رأي باطل يخرجه من مدحرة البطلان.
3. يتّسم الكتاب بطابع المقارنة، وهونوع من النشاط العلمي الذي خبرته


1. خلاصة الرجال:47 برقم 52.


(356)

ضروب المعرفة الاِنسانية في حقول التربية، والنفس، والاجتماع، والاقتصاد.

وهذه المقارنة تُسهم مساهمة فعّالة في بلورة المفهوم الذي يستهدفه الباحث وتعميقه، يقول العلاّمة في معرض الاِشارة إلى تلك الحقيقة: «ثمّنذكر على الاستقصاءما بلغنا من كلام القدماء ، ونحكم بالانصاف بين المتكلمين والحكماء وجمعت فيه بين القوانين الكلامية والقواعد الحكمية».
4. انّمنهجه المقارن يتسم بسمة أُخرى، وهي انّه يفترض إشكالاً ونقضاً من قبل مخالفيه، حيث يتكّهن الموَلف أن يردّ مخالفوه على ردوده بذلك، ومن الواضح انّهذه الخطوة لها أثر ملموس في تطور الكلام الاِسلامي الاِمامي من حيث السعة والاِحاطة والشمول والمقارنة وتطور مناهج البحث العلمي. كما انّها تعد من الخطوات المهمة بالنسبة إلى متطلبات المنهج المقارن، نظراً لاِمكانية إيراد إشكالات أُخرى على ردوده .

ويعبّر عن هذه الخطوة بعبارة «لا يقال» وعبارة «لو قيل» وما شاكل ذلك ويجيب على هذه الردود و الاِشكالات الافتراضية تارة، ويقرّبها أُخرى على أنّـها أُمور افتراضية فحسب، وهذا في الحقيقة أُسلوب آخر في الردّ على الفرضية، نلاحظ هذا من خلال استخدامه عبارة «سلمنا»حيث تناسب هذه العبارة طبيعة «الفرضية» التي لم يقتنع بها.

وأهمية هذا الاَُسلوب (فرضية الاِشكال والنقض) تتمثل في شمولية الممارسة لكلّ الاحتمالات التي يمكن أن يتقدم بها المخالف، حتى تصبح «المقارنة» مستكملة لجميع شروطها.

ولقد امتاز الكتاب بهذا الاَُسلوب الرائع وهذا ما يمكن ملاحظته من بداية الكتاب إلى نهايته.
5. نقل العلاّمة في هذا الكتاب أسئلة فلسفية وكلامية، سألها العلاّمة أُستاذه


(357)

المحقّق الطوسي وأجاب عليها الاَُستاذ شفهياً، وقد جرى طرح كثير من تلك الاَسئلة في الطريق، وفي سفر العلاّمة من الحلة إلى بغداد وهو في ركاب الاَُستاذ.(1)

6. يحتوى الكتاب على نظريات الاِمامية و آرائهم النهائية حول المسائل الكلامية والحكمية تفصيلاً والتي قلما توجد في كتبه الاَُخرى، إمّا لاَنّها شروح لم يتعرض فيها لرأيه الخاص إلاّما قلّ وندر، وإمّا لاَنّها مختصرة ولا مجال فيها لطرح آرائه ا لتي لها شجون و تفصيل.
7. يتسم الكتاب بالموضوعية والابتعاد عن العصبية ورعاية الاَُصول الدقيقة للبحث العلمي والانفراج على سائر الآراء والفرق .

فتارة يوافق رأي المتكلّمين وأُخرى يخالفهم ويختار رأي الفلاسفة ولا يلتزم بمنهج واحد كما يستعرض ردود المحقق الطوسي على الرازي وربما يدافع عن الثاني.

فالحقّ هو بغيته سواء أكان في جانب أُستاذه أو في جانب خصومه.
8. الكتاب مشحون بالاستنتاجات العقلية والاستدلال بالقضايا البرهانية، كما انّه ربما يستدل بالقضايا المشهورة (الجدل) إلى غير ذلك من أنواع الاستدلال كالاستدلال بالتمثيل والاستقراء و التجربة.

وقد استفاد من الاَخير في قسم الطبيعيات بشكل واضح.


1. راجع أعيان الشيعة: 5|396.


(358)

الفصل الخامس:

المنازلة المستمرّة بين الشيعة والمعتزلة

لا شكّ أنّ الشيعة والمعتزلة يلتقون في كثير من الاَُصول، كما يفترقون في كثير منها أيضاً؛ نظير الاَشاعرة وأهل الحديث من الحنابلة، فهم يلتقون في كثير من الاَُصول كما يفترقون في قسم منها.

ووجه ذلك أنّ الطائفتين الاَُولتين يقولون: بأمرين تتفرّع عليهما مسائل كثيرة:

الف. التحسين والتقبيح العقليان.

ب. حجّية العقل في مجال العقائد.

ويترتّب على الاَصل الاَوّل ثمرات نشير إليها:
1. وجوب معرفة اللّه عقلاً قبل وجوبها شرعاً.
2. وجوب تنزيه فعله سبحانه عن العبث.
3. لزوم تكليف العباد وإيصالهم إلى الغاية التي خُلقوا لها.
4. لزوم بعث الاَنبياء لهداية الاِنسان.
5. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة.
6. الاِعجاز دليل قطعي على صدق صاحبه لقبح إعطاء البيّنة للكاذب.


(359)
7. لزوم استمرار أُصول أحكام الاِسلام إلى يوم القيامة.
8. ثبات الاَُصول الاَخلاقية وعدم تغيّرها.
9. كون البلايا والمصائب غير خالية من الحكمة والغاية.
10. سيادة عدله سبحانه في التشريع والتكوين، فلا يجوز التكليف بغير المقدور . إلى غير ذلك من الاَُصول المستنتجة من القول بالتحسين والتقبيح العقليين.

كما أنّه تترتب على القول بحجّية العقل في مجال العقائد المسائل التالية:
1. صفاته سبحانه عين ذاته، لاستلزام الزيادة التركيب الملازم للاِمكان.
2. أنّ القرآن حادث غير قديم، لامتناع تعدّد القديم المستلزم لتعدّد الواجب.
3. امتناع روَيته سبحانه بالبصر في الدنيا والآخرة، لاَنّ الروَية إمّا تقع على كلّه أو على جزئه، فعلى الاَوّل يلزم أن يكون محاطاً، وعلى الثاني يلزم أن يكون مركّباً.
4. امتناع الواسطة بين الوجود و العدم، فالحال الذي تعتقد به المعتزلة غير معقول.

إلى غير ذلك من الاَُصول التي يستثمرها العقل من المقدمات الواضحة.

كما أنّ رفض الحنابلة و الاَشاعرة، استطاعة العقل على التحسين والتقبيح، أو عدم حجّيته في مجال العقائد بحجّة أنّها موضوعات غيبية لا سبيل للعقل إليها، جعلهما في صفّ مخالف للمعتزلة والشيعة فيما مضى من المسائل.

فعلى ضوء ذلك فلا يصحّ لنا أن نعتبر طائفة فرعاً لطائفة أُخرى أومشتقّة منها، إلاّ إذا دلّ الدليل على ذلك. نعم إنّبعض المتكلّمين وبعض أصحاب


(360)

المقالات يبخسون الشيعة ويصوّرونهم فرعاً للمعتزلة، بحجّة التقائهم معهم في الاَُصول المتقدّمة، حتى أنّ أحمد أمين يقول: وقد قرأت كتاب الياقوت لاَبي إسحاق إبراهيم من قدماء متكلّمي الشيعة الاِمامية ، فكنت كأنّي أقرأ كتاباً من كتب أُصول المعتزلة، إلاّفي مسائل معدودة كالفصل الاَخير من الاِمامة، وإمامة عليّوإمامة الاَحد عشر بعده، ولكن أيّهما أخذ من الآخر؟

أمّا بعض الشيعة فيزعم أنّالمعتزلة أخذوا عنهم، وأنّ واصل بن عطاء تتلمذ لجعفر الصادق، وأنا أُرجّح أنّالشيعة هم الذين أخذوا من المعتزلة تعاليمهم، ونشوء مذهب الاعتزال يدلّ على ذلك، وزيد بن عليّزعيم الفرقة الشيعية الزيدية تتلمذ لواصل، وكان جعفر الصادق يتّصل بعمّه زيد، ويقول أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: كان جعفر بن محمد يمسك لزيد بن علي بالركاب ويسوّي ثيابه على السرج، فإذا صحّ ما ذكره الشهرستاني وغيره من تتلمذ زيد لواصل فلا يعقل كثيراً أن يتتلمذ واصل لجعفر، وكثير من المعتزلة يتشيّع، فالظاهر أنّه عن طريق هوَلاء تسرّبت أُصول المعتزلة إلى الشيعة.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ في هذا الكلام ما لا يدعمه العقل ولا النقل:
1. نفترض صحّة ما ذكره أبو الفرج من أنّ الاِمام الصادق كان يمسك لزيد ابن علي بالركاب، لكنّه لا يصحّ أن يكون دليلاً على أنّ الاِمام تتلمذ لعمّه زيد، وبما أنّزيداً ولد عام (79هـ) و على الاَصح عام (67هـ)وولد الاِمام الصادق عليه السّلام (83) وكان عمّـاً له أكبر منه بأربع سنين أو أكثر كان الاِمام يكرمه عملاً بما نقل: «وقرّوا كباركم».
2. إنّما ذكره أنّزيد بن علي تتلمذ لواصل من غرائب الاَُمور، فإنّ واصل ولد بالمدينة عام (80) وقد عرفت أنّ زيد بن علي ولد بسنة أو سنين قبله، وقد


1. أحمد أمين: ضحى الاِسلام: 267ـ 268.


(361)

تتلمذ واصل لاَبي هاشم: عبد اللّه بن محمد بن علي بن الحنفية وغادر المدينة متوجهاً إلى البصرة أوائل القرن الثاني، فكيف يصحّ أن يتتلمذ زيد لواصل وهو أكبر منه سناً وقد تربّى في نفس البيت الذي تتلمذ واصل فيه لاَبي هاشم عبد اللّه ابن محمد بن الحنفية، ولو صحّ لنا الرجم بالغيب يجب أن نقول إنّكليهما تتلمذا لاَبي هاشم، لا أنّ زيداً تتلمذ لواصل، و من هو واصل؟! و هو في العقد الثاني من عمره، وما علمه بالعقائد و المعارف وهو في ذلك السنّ المبكّر؟! حتى يتتلمذ عليه زيد بن علي ولاَجله لم يذكره مشاهير الزيدية.

إنّ زيد بن علي ولد في بيت رفيع، وأبوه زين العابدين إمام الاَُمّة وعالمها الذي عكف على أخذ العلم منه الموافق و المخالف، فهل يصحّ له ترك أبيه والعكوف على شابّ لم يرتقِ في سُلَّم العلم شيئاً؟!
3. إنّ اشتراك المعتزلة والشيعة في مسائل كثيرة، لا يدل على أنّإحدى الطائفتين عيال على الاَُخرى، بل هناك احتمال ثالث وهو أنّ كلتا الطائفتين أخذتا عن مصدر واحد، وصدرتا عن منبع فارد، وقد تقدم أنّ المعتزلة أخذت أُصول مذهبهم في التوحيد و العدل عن الاِمام أمير الموَمنين ، والشيعة عن بكرة أبيهم أخذوا أُصولهم وفروعهم عن أئمّة أهل البيت وفي طليعتهم الاِمام أمير الموَمنينعليه السّلام .

وإنّما ذهب أحمد أمين إلى ما ذهب بدافع من هواه المعروف عنه، فإنّه يريد أن يسلب كلّ فضل وفضيلة عن أئمّة أهل البيت وشيعتهم، لكن بصورة دراسة علمية حتى لا يُتّهم بالتعصب. وآية تعصّبه أنّه في نفس الوقت ينكر انتساب علم النحو إلى علي بن أبي طالب مع أنّانتسابه إليه كالنار على المنار.(1)


1. لاحظ ابن النديم: الفهرست وغيره.


(362)

وقد تأثر المصريون الجدد بأفكار أحمد أمين، فنرى أنّ الاَُستاذ عبد الرحمان الشرقاوي يقول: «إنّالشيعة التقطوا كثيراً من أفكار المعتزلة».(1)

الجدل المستمر بين الشيعة والمعتزلة

إنّ من تتبّع تاريخ علم الكلام وتاريخ كلام الشيعة يقف على أنّ المناظرة بين الطائفتين كانت مستمرة ومحتدمة من عصر الاِمام الصادق عليه السّلام إلى عصر المفيد وتلامذته، كالسيد المرتضى (355ـ 436هـ) و الشيخ الكراجكي (449هـ) موَلّف كنز الفوائد، والشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) إلى غير ذلك من أكابر الشيعة فكيف يمكن عدّ إحدى الطائفتين تبعاً للاَُخرى؟

إنّ الشيعة والمعتزلة كانا يتصاولان تصاول الفحلين في غير موضع من المجالس وقد حفظ التاريخ قسماً من تلك المناظرات بنصّها، نذكر منها ما يلي:

مناظرات الشيعة مع المعتزلة:

1. إنّ علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم من وجوه متكلّمي الشيعة، وكان معاصراً لاَبي الهذيل (135ـ 235هـ)، والنظام (160ـ 231هـ) وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا وقد مضت ترجمته، فقد ناظر أبا الهذيل العلاّف مرّات عديدة، وضراراً غير مرّة.(2)

2. إنّ هشام بن الحكم من شيوخ الشيعة في الكلام ناظر ضراراً وغيره.(3)


1. مجلة الغد: العدد الثاني سنة 1953م.
2. المرتضى، العيون والمحاسن: 5ـ 9.
3. المصدر نفسه: 9.


(363)
3. إنّالشيخ المفيد وهو من أعاظم متكلّمي الشيعة ناظر مشايخ المعتزلة، فقد ذكر تلميذه الشريف المرتضى مناظراته مع الشيخ عرزالة(1)وأبي عمر الشطوي(2) و أبي الحسن الخيّاط(3) في تفسير الشفاع القاسم الكعبي في مسألة الاجتهاد، ونقل الشريف قسماً من مناظراته مع بعض المعتزلة ولم يسمّ أسماء المناظرين.(4)

وهذا تلميذه محمد الكراجكي، فقد أورد في كتابه كنز الفوائد مناظرته مع بعض المعتزلة في مسألة البداء(5)و اتّهامهم للشيعة بالقول بالاِرجاء(6) وأدرج رسالته الخاصة في أغلاط المعتزلة في نفس الكتاب وهي رسالة ممتعة(7) وقال في تلك الرسالة: واعلم أنّ المعتزلة لها من الاَغلاط القبيحة والزلاّت الفضيحة ما يكثر تعداده. وقد صنّف ابن الراوندي كتاباً في فضائحهم، فأورد فيه جملاً من اعتقاداتهم وآراء شيوخهم مما ينافر العقول ويضادّشريعة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وقد وردت الاَخبار بذمّهم من أهل البيت، ولعنهم جعفر بن محمد الصادق عليمها السّلام بقوله: «لعن اللّه المعتزلة أرادت أن توحّد فألحدت، ورامت أن ترفع التشبيه فأثبتت» فمن أقبح ما تعتقده المعتزلة، وتضاهي فيه قول الملاحدة، قولهم: إنّالاَشياء كلّها كانت قبل حدوثها أشياء ثمّ لم يقنعهم ذلك حتى قالوا: إنّ الجواهر في حال عدمها جواهر، وأنّ الاَعراض قبل أن توجد كانت أعراضاً، حتى أنّ السواد عندهم قد كان في عدمه سواداً. وكذلك الحركة قد كانت قبل وجودها حركة، وسائر الاَعراض يقولون فيها هذا المقال... الخ.(8)


1. المصدرنفسه: 7و 8 و 45.
2. المصدرنفسه: 7و 8 و 45.
3. المصدرنفسه: 7و 8 و 45.
4. لاحظ الصفحات 49، 70،78، 88، 94، 103، من المصدر نفسه ط. النجف.
5. الكراجكي: كنز الفوائد: 227، 124، 132.
6. الكراجكي: كنز الفوائد: 227، 124، 132.
7. الكراجكي: كنز الفوائد: 227، 124، 132.
8. الكراجكي، كنز الفوائد: 1|125ـ 127.


(364)

الردود والنقوض المتبادلة

إذا كان الشيعي في كلامه تبعاً للمعتزلة فيما سوى الاِمامة ، فما معنى هذه الردود و النقوض التي لم تزل تتبادل بين الطائفتين في الاِمامة وغيرها وربما وضع عالم واحد، سبعة كتب في ردّمقالات المعتزلة، وإليك نماذج منها. ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الفهارس.
1. محمد بن علي بن النعمان موَمن الطاق من متكلّمي القرن الثاني، يقول ابن النديم: «وكان متكلّماً حاذقاً، وله من الكتب : كتاب الردّ على المعتزلة، في إمامة المفضول، كتاب في أمر طلحة والزبير وعائشة(1)ولعلّ الثاني أيضاً ردّ عليهم.
2. هشام بن الحكم ألّف كتباً منها الردّعلى المعتزلة.(2)

3. الضحّاك أبو مالك من متكلّمي القرن الثاني ناظر أبا علي الجبائي ونقض كتاب الاِمامة له.(3)

4. الفضل بن شاذان( المتوفّى260هـ) له كتاب النقض على الاسكافي في تقوية الجسم، له كتاب الردّ على الاَصم، كتاب في الوعد والوعيد.(4)

5. محمد بن عبد اللّه بن مملك الاصفهاني من متكلّمي القرن الثالث، له كتاب مجالسه مع أبي علي الجبائي، والنقض على ابن عبّاد في الاِمامة.(5)

6. ثبيت بن محمد، أبو محمد العسكري (نقض العثمانية لاَبي عيسى


1. ابن النديم: الفهرست: 26، وأيضاً ص 258.
2. النجاشي: الرجال: 2|397 برقم 1165.
3. ابن النديم: الفهرست: 266.
4. النجاشي: الرجال: 2|168 برقم 838.
5. النجاشي: الرجال:2|297 برقم 1034.


(365)

الوراق محمد بن هارون) « المتوفّـى 247هـ» الذي كان معتزلياً في برهة من عمره.(1)

7. عبد الرحمان بن أحمد بن جبرويه كلّم عباد بن سليمان و غيره.(2)

8. إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت من متكلّمي الشيعة في القرن الرابع له كتاب: مجالسه مع أبي علي الجبائي بالاَهواز.(3)

9. محمد بن عبد الرحمان بن قبة، له كتاب «المستثبت نقض كتاب أبي القاسم البلخي»، والردّ على أبي علي الجبائي.(4)

10. الحسن بن موسى أبو محمد النوبختي ألّف ردوداً سبعة على المعتزلة، منها:1. كتاب الردّعلى أبي علي الجبائي؛2. كتاب الردّعلى أبي الهذيل العلاّف القائل بأنّنعيم الجنة منقطع؛3. كتاب النقض على أبي الهذيل العلاّف في المعرفة؛ 4. مجالسه مع أبي جعفر البلخي؛ 5. كتاب الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين، في الوعيد؛ 6. مسائله للجبائي في مسائل شتّى؛ 7. النقض على كتاب جعفر بن حرب (177ـ 236هـ) من شيوخ المعتزلة و من تلاميذ أبي الهذيل العلاّف.(5)

11. أبو الجيش المظفر البلخي المتكلّم (المتوفّى 367هـ) ردّعلى الجاحظ في كتابه العثمانية وأسماه نقض العثمانية.(6)

12. وضع الشيخ المفيد كتباً رديّة، نقض بها كتب المعتزلة، نذكر منها ما


1. النجاشي: الرجال: 1|293برقم 298؛ الذريعة: 10|288.
2. النجاشي: الرجال:2|47 برقم 623.
3. النجاشي: الرجال:1|121 برقم 67.
4. النجاشي: الرجال:2|288 برقم 1024.
5. النجاشي: الرجال: 1|179 برقم146.
6. الطهراني: الذريعة: ج24 برقم 1489.


(366)

يلي: 1. الردّ على الجاحظ العثمانية؛ 2. نقض فضيلة المعتزلة؛ 3. النقض على علي ابن عيسـى الرماني (المتوفّـى 385هـ)؛ 4. النقـض على أبي عبـد اللّه البصري؛ 5. نقض الخمس عشرة مسألة على البلخي؛ 6. نقض الاِمامة على جعفر بن حرب؛ 7. الكلام على الجبائي في المعدوم؛ 8. جوابات مقاتل بن عبد الرحمان عمّـا استخرجه من كتب الجاحظ؛ 9. نقض كتاب الاَصم في الاِمامة؛ 10. الردّعلى أبي علي الجبائي في التفسير؛ 11. عمد مختصرة على المعتزلة في الوعيد. إلى غير ذلك من الردود والنقوض الوافرة في تآليفه.(1)

والشيخ المفيد هو النجم اللامع في سماء علم الكلام في القرن الرابع، وهو ومن سبقه من أعلام الاِمامية ردّوا على المعتزلة بجدّوحماس، ومعه كيف يصحّ عدّهم تبعاً لهم؟!

و نقض المرتضى (355ـ 436هـ) الجزء العشرين لكتاب المغني تأليف القاضي عبد الجبار، وأسماه «الشافي» وهو مطبوع ببيروت في أربعة أجزاء.

كما ردّ الشيـخ الطوسي (385 ـ 460هـ) على المعتـــزلة في تفسيره الكبيـر «التبيان»، في مواضع كثيرة، ومثله تلميذه الآخر الكراجكي (المتوفّـى 449هـ) وأدرج الردود في كتاب «كنز الفوائد».

ولما نقض أبو الحسن البصري كتاب الشافي للسيد المرتضى كتب سلاّر بن عبد العزيز الديلمي صاحب المراسم، ردّاً عليه بأمر السيد الشريف.(2)


1. النجاشي، الرجال: 2|329 برقم 1068.
2. الطهراني، الذريعة: 10|179.


(367)

الفصل السادس

الفوارق الفكرية بين الشيعة والمعتزلة

إنّ بين المنهجين الكلاميين مشتركات و مفترقات، وقد تعرّفت على قسم من المشتركات، فها نحن نلمّح إلى الفوارق بينهما، التي جعلتهما منهجين كلاميّين مختلفين لكلّ ميزة وخصوصيّة، وإليك روَوسها على وجه الاِجمال:

1. عينيّة الصفات مع الذات

اتّفقت الطائفتان على أنّ صفاته الذاتية ليست زائدة على الذات، بمعنى أن يكون هناك ذات وصفة وراءها، كما في الممكنات فإنّ الاِنسان له ذات و له علم و