welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الأنصاف في مسائل دام فيها الخلاف/ج2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الأنصاف في مسائل دام فيها الخلاف/ج2

بسم الله الرحمن الرحيم


(2)


(3)

الإنصاف
في مسائل دام فيها الخلاف

دراسات فقهية موجزة في مسائل احتدم فيها النقاش عبر القرون

الجزء الثاني

تأليف
الفقيه المحقّق آية الله

جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(4)

اسم الكتاب: الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف

الجزء: الثاني

المؤلف: آية الله جعفر السبحاني

الطبعة: الأُولى

المطبعة: اعتماد ـ قم

التاريخ: 1423 هـ . ق / 1381 هـ . ش

الكمية: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

الصفّ والإخراج باللاينوترون:مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

توزيع

مكتبة التوحيد

قم ـ ساحة الشهداء ـ تلفن 7745457 و 2925152، فاكس 2922331


(5)

المسائل الخلافيّة
و
دورها في الاستنباط

الحمد للّه الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه، والصلاة والسلام على أفضل خليقته وأشرف بريّته أبي القاسم محمد، وعلى خلفائه المبشّرين المعصومين، الموصوفين بكلّ جميل، ما تعاقب جيل بعد جيل.

أمّا بعد; فإنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة الّتي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وَصْمة محاباة أهل الكتابين، المؤدِّية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتّى اتّضحت الآراء، وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف.(1)

إنّ القرآن الكريم يُشيد بالوحدة، واتّفاق الكلمة والاعتصام بالعروة الوثقى،


1 . إبانة المختار لشيخ الشريعة الاصبهاني، نقله عن بعض الأعاظم: 10.


(6)

ورفض التشتّت والتفرّق، ويندِّد بالاختلاف والفرقة، يقول سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَتَفَرَّقُوا) .(1)

فهذا المقطع من الآية الكريمة بإيجازها يتكفّل بيان أمرين:

1. يأمر بتوحيد الكلمة والاعتصام بحبل اللّه.

2. يزجر عن التفرّق والتشتّت.

وهذان الأمران من الوضوح بمرتبة لايختلف فيهما اثنان.

ومع الاعتراف بذلك كلّه فاختلاف الكلمة إنّما يضرّ إذا كان صادراً عن ميول وأهواء، فهذا هو الّذي نزل الكتاب بذمّه في غير واحدة من آياته، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيء) (2)، ويقول: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)(3) ، فهؤلاء اختلفوا بعد ما تمّت عليهم الحجة وبانت لهم الحقيقة، فهذا النوع من الاختلاف آية الأنانية أمام الخضوع للحقائق الراهنة.

وأمّا إذا كان الاختلاف موضوعياً نابعاً عن حبِّ تحرّي الحقيقة وكشف الواقع، فهذا أمر ممدوح، وأساس للوصول إلى الحقائق المستورة، وإرساء لقواعد العلم ودعائمه.

إنّ الاختلاف بين الفقهاء أشبه بالخلاف الّذي وقع بين نبيّين كريمين: داود وسليمان ـ على نبينا وآله وعليهما السلام ـ في واقعة واحدة حكاها سبحانه في كتابه العزيز وقال: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ


1 . آل عمران: 103.
2 . الأنعام: 159.
3. آل عمران: 105.


(7)

وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمانَ وَكُلاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) .(1)

وكما آتى سبحانه لكلّ منهما حكماً وعلماً، فقد آتى لكلّ فقيه ربّاني فهماً وعلماً، يدفعه روح البحث العلمي إلى إجراء المزيد من الدقّة والفحص في الأدلّة المتوفّرة بين يديه، بُغية الوصول إلى الواقع، وهذا العمل بطبيعته يورث الاختلاف وتعدّد الآراء.

ولأجل ذلك نجم الاختلاف في الشريعة بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واتّسعت شقّته في القرن الثاني والثالث.

وقد اهتمّ كثير من العلماء منذ وقت مبكر بالمسائل الخلافية وصنّفوا فيها كتباً عديدة، جمعوا فيها آراء الفقهاء في مسائل خلافية إلى أن عادت معرفة العلم بالخلافيات علماً برأسه وأساساً لصحّة الاجتهاد، حتّى قيل: إنّ معرفة الأقوال في المسألة نصف الاستنباط. وإليك فيما يلي أسماء بعض الكتب الّتي أُلّفت في الخلافيات، فمن السنَّة:

1. «الموطّأ» للإمام مالك (المتوفّى 179هـ) يذكر فيه أقوال الفقهاء السابقين في مختلف أبوابه.

2. كتاب «الأُمّ» الّذي جمع فيه البويطي(المتوفّى231هـ) ثم الربيع المرادي(المتوفّى 270هـ) أقوال الإمام الشافعي، وقد ضمَّ فصولاً عديدة في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، واختلاف أبي حنيفة والأوزاعي، واختلاف الشافعي مع محمد بن الحسن.

3. «مسائل إسحاق الكوسج» قد تضمنت اختلاف الإمام أحمد مع معاصريه كابن راهويه وغيره.


1 . الأنبياء: 78ـ79.


(8)

4. «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام أبي عبد اللّه محمد بن نصر المروزي (202ـ294هـ) المطبوع بتحقيق الدكتور محمد طاهر حكيم، ط عام 1420هـ.

5. «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام أبي بكر محمد بن المنذر النيسابوري الشافعي (المتوفّى 309هـ).

6. «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310هـ).

ذكر في كتابه اختلاف مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي حنيفة مع أبي يوسف ومحمد بن الحسن ثم أبي ثور، وذكر بعض فقهاء الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى المائة الثالثة، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، وحكي انّه سئل عن سبب ذلك؟ فقال: لم يكن أحمد فقيهاً وانّما كان محدِّثاً.

وقد لعب بالكتاب طوارق الحدثان ولم يبق منه إلاّ القليل يبتدأ بكتاب: «المدبّر فالبيوع والصرف والسلم والمزارعة والمساقاة والغصب والضمان»، والمطبوع من الكتاب مجلد واحد يشتمل على هذه الكتب.

7. «اختلاف العلماء» تأليف الإمام أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي (المتوفّى 321هـ) واختصره الإمام أبوبكر أحمد بن علي الجصّاص الحنفي (المتوفّى 370هـ) ونشره الدكتور محمد صغير حسن.

8. «اختلاف الفقهاء» تأليف محمد بن محمد الباهلي الشافعي (المتوفّى 321هـ).

9. «الخلافيات» للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (384ـ458هـ) ناقش فيه أدلّة الحنفية وانتصر لمذهب الشافعية. وطبعت بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان.

10. «اختلاف العلماء» تأليف أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي


(9)

الوزير (المتوفّى 555هـ).

هذه عشرة كاملة ذكرناها لإيقاف القارئ على أهمية معرفة الخلافيات وعناية الفقهاء بها. هذا مالدى السنّة وأمّا الشيعة فهي بدورها قد اهتمّت بهذا العلم أيضاً منذ عصر مبكِّر وألّفت فيه كتباً، نذكر منها مايلي:

1. كتاب «الاختلاف» لأبي عبد اللّه محمد بن عمر الواقدي (130ـ207هـ) ذكر ابن النديم: انّه كان يتشيّع، حسن المذهب، يلزم التقية، وقال: وكتاب «الاختلاف» يحتوي على اختلاف أهل المدينة والكوفة في الشفعة والصدقة والعمرى والرقبى والوديعة والعارية والبضاعة والمضاربة والغصب والسرقة والحدود والشهادات، وعلى نسق كتب الفقه ما يبقى.

2. «اختلاف الفقهاء» للقاضي أبي حنيفة نعمان بن أحمد المصري المغربي (المتوفّـى 363هـ) نقله ابن خلّكان عن ابن زولان في كتابه «أخبار مصر»، قال: إنّه ينتصر فيه لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وعبّر عنه في «كشف الظنون» باختلاف أُصول المذاهب.

3. «مسائل الخلاف في الفقه» للشريف المرتضى (355ـ436هـ) ذكره الشيخ الطوسي في «الفهرست». وقد أحال المصنّف إليها في كتاب «الناصريات».

4. «مسائل الناصريات» ألّفه الشريف المرتضى وفاءً لجده الناصر على الرغم من اختلاف المذهب بينهما، ويتجلّى فيه روح التفاهم والتسالم بين عالمين إماميّ وزيديّ، وهو لا يقتصر على المسائل الخلافية بين الإمامية والزيدية، بل يحتوي جلّ الخلافات الفقهية على مستوى المذاهب.

5. «الخلاف في الأحكام» لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460هـ) ويقال له «مسائل الخلاف» وهو مرتّب على ترتيب كتب الفقه، وقد صرح فيه بأنّه ألّفه بعد كتاب «التهذيب» و«الاستبصار» وناظر فيه المخالفين


(10)

جميعاً، وقد طبع مراراً.

6. «المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف» تأليف أمين الإسلام فضل بن الحسن الطبرسي (471ـ 548هـ) وقد لخّص به كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي ونشر في ثلاثة أجزاء، وأثبت هو في ذلك الكتاب انّ الخلاف بين الشيعة والسنّة في المسائل الفقهية ليس على نحو التباين، بل كثيراً مايوافق الشيعة مذهباً ويخالف مذهباً آخر، وهذا هو الأمر السائد في معظم المسائل الفقهية.

7. «خلاف المذاهب الخمسة في الفقه» للشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلّي (647ـ707هـ) صاحب كتاب الرجال المشهور برجال ابن داود.

8. «تذكرة الفقهاء» للعلاّمة حسن بن المطهر (648ـ726هـ) والكتاب مشحون بنقل أدلّة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وقد طبع قديماً، ويطبع حالياً طبعة جديدة محقّقة من قبل مؤسسة آل البيت ـ عليهم السَّلام ـ حيث صدر منه أكثر من 12 جزءاً.

9. «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» للعلاّمة الحلي وهو أفضل ما أُلّف في الفقه المقارَن نقلاً وتحقيقاً، يذكر آراء العلماء برحابة صدر ويناقش فيها، والكتاب من حسنات الدهر. وقد طبع قديماً وحديثا.

10. «مختلف الشيعة» له أيضاً وهو يختص ببيان اختلافات خصوص الشيعة في المسائل الفقهية، وقد طبع طبعات عديدة محقّقة.(1)

هذا بعض ما يمكن أن يذكر في المقام، ولعلّك تلمس بما ذكرناه اهتمام


1 . لاحظ للوقوف على أسماء هذه الكتب وميزاتها كشف الظنون: 1/64، مادة اختلاف; الذريعة: 1/360، مادة اختلاف و7/236، مادة خلاف; مقدّمة كتاب اختلاف الفقهاء للمروزي، والخلافيات للإمام البيهقي، واختلاف الفقهاء لأبي جعفر الطبري وغيرها.


(11)

العلماء بالخلافيات، وجدير بالذكر انّ الخلاف بين العلماء كان مرافقاً في الغالب برعاية أدب الخلاف وأُسلوب الحوار.

هذا البحث الموجز أوقفك على وجود الاختلاف في المسائل الفقهية في عصر الصحابة والتابعين والفقهاء إلى يومنا هذا، إلاّ أنّ الكلام في أسباب الاختلاف ودوافعه، فهناك أمران:

الأوّل: ماهو الحافز لاختلاف فقهاء السنّة فيما بينهم، فقد ذكر ابن رشد: انّ أسباب الاختلاف بين فقهاء السنّة، أُمور ستة:

الأوّل: تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع: أعني بين أن يكون اللفظ عامّاً يراد به الخاص، أو خاصّاً يراد به العام، أو عامّاً يراد به العام، أو خاصّاً يراد به الخاص، أو يكون له دليل خطاب، أو لا يكون له.

الثاني: الاشتراك الّذي في الألفاظ، وذلك إمّا في اللفظ المفرد كلفظ القرء الّذي يطلق على الأطهار وعلى الحيض، وكذلك لفظ الأمر الذي يحمل على الوجوب أو الندب، ولفظ النهي الذي يحمل على التحريم أو الكراهية، وإمّا في اللفظ المركب مثل قوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا)فإنّه يحتمل أن يعود على الفاسق فقط، ويحتمل أن يعود على الفاسق والشاهد، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف.

والثالث: اختلاف الإعراب.

والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز، التّي هي: إمّا الحذف، وإمّا الزيادة، وإمّا التقديم، وإمّا التأخير وإمّا تردده على الحقيقة أو الاستعارة.

والخامس: إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، مثل إطلاق الرقبة في العتق تارة، وتقييدها بالإيمان تارة.


(12)

والسادس: التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ الّتي يتلقى منها الشرع، الأحكام بعضها مع بعض، وكذلك التعارض الّذي يأتي في الأفعال أو في الإقرارات، أو تعارض القياسات أنفسها، أو التعارض الّذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة: أعني معارضة القول للفعل أو للإقرار أو للقياس، ومعارضة الفعل للإقرار أو للقياس، ومعارضة الإقرار للقياس.(1)

الثاني: ما هو الحافز للاختلاف بين الفقهين السني والشيعي؟ وهذا هو الذي نبحث عنه في المقام.

نعم هذه الأُمور الستة هي أسباب الاختلاف بين فقهاء أهل السنّة، لكن أسباب الاختلاف بين الفقهين: السني والشيعي ترجع إلى الاختلاف في الكبريات أي حجّية أُمور يأتي الكلام عنها، لا إلى الصغريات الّتي ذكرها ابن رشد، ولعلّنا نستقصي في خاتمة المطاف الأُمور الّتي وسعت الشقةَ بين الفقهين، ولكن نكتفي هنا ببيان سبب واحد.

الإعراض عن أحاديث العترة الطاهرة

إنّ العترة الطاهرة ـ بتنصيص النبي قرناء الكتاب وأعداله، حيث قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا».

والحديث متواتر أو متضافر، رواه الفريقان، أخرجه مسلم في صحيحه والترمذي في سننه وأحمد في مسنده إلى غير ذلك من المصادر المتوفّرة.(2)


1 . بداية المجتهد: 1/5ـ6، ط دار المعرفة، بيروت
2 . لاحظ صحيح مسلم: 7/122 و123، باب فضائل علي; سنن الترمذي: 2/308; مستدرك الصحيحين: 3/109 و148; مسند أحمد: 3/17 و26 و4/371 و5/181; الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/2; حلية الأولياء: 1/355 و9/64; كنز العمال: 1/47و96.


(13)

فعلى ذلك قولهم حجة قاطعة، مصون من الخطأ كالكتاب العزيز بحكم انّهما عِدْلان وصنوان.

والحديث يركِّز على أنّ المرجع العلمي بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو الكتاب والعترة، وانّ قول العترة قول الرسول وكلامه، وبقولهم تحفظ السنّة عبر القرون، غير أنّ أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم تلقّوا روايات أهل البيت فتاوى خاصة لهم، فلم يعتبروها حجّة شرعية على الجميع، وهذا النوع من التفسير لأحاديثهم مخالف لحديث الثقلين أوّلاً وكلامهم ثانياً، فإنّهم يعتبرون كل ما يروون، سنّة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يرويه كابر عن كابر إلى أن يصل إلى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

هذا هو النجاشي ينقل في ترجمة محمد بن عذافر الصيرفي عن أبيه قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ ، فجعل يسأله، وكان أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ له مكرِماً، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ : «يابني قم فأخرج كتاب عليّ ـ عليه السَّلام ـ » فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة، فقال أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ :«هذا خط عليّ ـ عليه السَّلام ـ وإملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ » وأقبل على الحكم، وقال: «يا أبا محمد اذهب أنت وسلمة بن كهيل وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فواللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل ـ عليه السَّلام ـ ».(1)

فإذا كانت هذه مكانة أحاديث أئمة أهل البيت وأنّهم حفظة السنّة وعيبة علم الرسول، فلا حجّة للسنّيّ في الإعراض عن أحاديثهم والالتجاء إلى قواعد، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وفتحها وقول الصحابي إلى غير ذلك من القواعد الّتي ألجأهم إلى تأسيسها وإرسائها قلّة النصوص النبويّة في


1 . رجال النجاشي: 2/261، الترجمة 967.


(14)

الشريعة والأحكام الفرعية.

ولكنّهم لو رجعوا إلى أحاديث أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فيما لم يرد فيه نصّ في الكتاب والسنّة النبويّة لاستغنوا عن إرساء هذه القواعد والعمل بالظنون الّتي لا تغني من الحق شيئاً.

ويظهر ممّا رواه البخاري وغيره أن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان بصدد التصريح باسم من يشغل منصّة الحكم ومرجعية الأحكام في أُخريات أيامه، لكن حال بعضهم دون تحقيق أُمنيّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

أخرج البخاري في كتاب العلم عن ابن عباس، قال: لمّا اشتدّ بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجعُهُ، قال: ائتوني بكتاب أكتبُ لكم كتاباً لاتضلّوا بعده. قال عمر: إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غَلَبَهُ الوَجَع، وعندنا كتاب اللّه حسبُنا. فاختلفوا وكَثُرَ اللَّغَط قال: «قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول، إنَّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبين كتابه.(1)

والحقّ أنّها كانت رزيّة ليس فوقها رزيّة، فإنّ الحيلولة بين النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأُمنيّته الكبرى، وهو طريح الفراش، فرقّت المسلمين، وشتتّت شملهم إلى يومنا هذا، وظهرت خلافات على كافة الأصعدة.

والذي يميط الستر عن وجه الحقيقة، هو مارواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب «تاريخ بغداد» في كتابه مُسنداً، حيث قال: روى ابن عباس (رض)، قال: دخلتُ على عُمَر في أوّل خلافته، وقد أُلقي له صاعٌ من تمر على خَصَفة، فدعاني إلى الأكل، فأكلت تمرة واحدة،


1 . صحيح البخاري:1/38، كتاب العلم، الحديث 114، دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1420هـ. وللحديث أطراف في صحيح البخاري، لاحظ الأرقام التالية: 3053، 3168، 4431، 4432، 5669، 7366.


(15)

وأقبل يأكل حتّى أتى عليه، ثم شرب من جَرّ كان عنده، واستلقى على مِرفقة له، وطفق يحمد اللّه، يكرر ذلك.

ثم قال: من أين جئت يا عبد اللّه؟ قلتُ: من المسجد، قال: كيف خلّفت ابن عمك؟ فظننته يعني عبد اللّه بن جعفر، قلتُ: خلّفتُه يلعب مع أترابه، قال: لم أعنِ ذلك، إنّما عنيتُ عظيمَكم أهلَ البيت، قلتُ: خلّفته يمتح بالغَرْب(1) على نخيلات من فلان، وهو يقرأ القرآن.

قال: يا عبد اللّه، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها! هل بقيَ في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق.

فقال عمر: لقد كان من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أمره ذَرْوٌ (2) من قول لايثبتُ حُجّـة، ولا يقطـع عـذراً، ولقـد كان يربَع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصـرّح باسمه، فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لاورب هذه البنيّة لاتجتمع عليه قريش أبدا ! ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّي علمت مافي نفسه، فأمسك، وأبى اللّه إلاّ إمضاء ماحتم.(3)

فكل من يريد رأب الصدع وتقليل الشُّقّة بين الفقهين، فيلزمه الرجوع إلى روايات أئمة اهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ المروية بطرق صحيحة، مضافاً إلى مابين يديه من الروايات الواردة عن طريق الصحابة والتابعين. فلعل اللّه تعالى يلمّ بذلك الشّعَث والتفرّق.


1 . الغَرْب: الدلو.
2 . ذرو: طرف.
3. شرح نهج البلاغة: 12/20ـ21 ، ولاحظ أيضاً ص 53.


(16)

وفي الختام نود أن نشير إلى خطوة كبيرة في مجال التقريب بين المذاهب قام بها صاحب الفضيلة الأُستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية عندما سُئل عن جواز التعبد به، فأجاب:

1. انّ الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه إتباعَ مذهب معيّن، بل نقول: إنّ لكلّ مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أيَّ مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ـ أي مذهب كان ـ ولا حرج عليه في شيء من ذلك.

2. انّ مذهب الجعفرية المعروفة بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة.

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلّصوا من العصبية، بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين اللّه وما كان شريعته بتابعة لمذهب، أو مقصورة على مذهب، فالكلّ مجتهدون مقبولون عند اللّه تعالى، يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.(1)

نسأله سبحانه أن يجمع كلمة المسلمين ويلمّ شعثهم

بمنّه وكرمه

جعفر السبحاني            
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ
1 رمضان المبارك 1423      


1 . صدرت الفتوى بتاريخ 17ربيع الأوّل 1378هـ في القاهرة.


(17)

13
الخمس في الكتاب والسنّة


(18)


(19)

الخمس في الكتاب والسنّة (1)

الأصل في ضريبة الخمس هو قوله سبحانه: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ مِن شيء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذي القُربى واليَتامى والمَساكينِ وابنِ السَّبيلِ إن كُنتُمْ آمَنتُمْ باللّهِ وما أنْزَلْنا على عَبدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَقَى الجَمْعانِ واللّه على كُلِّ شيء قديرٌ).(2)

لا شك أنّ الآية نزلت في مورد خاص، أعني: يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان وهو غزوة «بدر» الكبرى ، لكن الكلام في مادة «الغنيمة» في قوله سبحانه: (ما غَنِمْتُمْ) هل هو عام لكلّ ما يفوز به الإنسان في حياته، أو خاص بما يظفر به في الحرب من السلب والنهب؟

وعلى فرض كونه عامّاً فهل المورد مخصّص أو لا؟

فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: الغنيمة مطلق ما يفوز به الإنسان

فالظاهر من أئمّة اللغة أنّه في الأصل أعم ممّا يظفر به الإنسان في ساحات


1 . ربّما يُخيّل لبعض البسطاء أنّ الشيعة تنفرد بالقول بوجوب الخمس في غير الغنائم، ولأجل توضيح الحال ندرس الموضوع في ظل الكتاب والسنّة، وكلمات الفقهاء.
2 . الأنفال:41.


(20)

الحرب، بل هو لغة لكلّ ما يفوز به الإنسان، وإليك بعض كلماتهم:

1. قال الخليل: الغُنْم: الفوز بالشيء في غير مشقة، والاغتنام : انتهاز الغنم.(1)

2. قال الأزهري: قال الليث: الغنم: الفوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم.(2)

3. قال الراغب: الغنم معروف ... والغُنْم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العِدَى وغيرهم، قال: (واعلموا أنَّما غنمتم من شيء)، (فكلوا ممّا غنتم حلالاً طيّباً)والمغنم: ما يُغنم وجمعه مغانم، قال: (فَعندَ اللّهِ مغانمُ كثيرة). (3)

4. قال ابن فارس: «غنم» أصل صحيح واحد يدلّ على إفادة شيء لم يملك من قبل ثمّ يختص بما أُخذ من المشركين. (4)

5. قال ابن منظور: «الغُنْم» الفوز بالشيء من غير مشقّة. (5)

6. قال ابن الأثير: في الحديث: الرهن لمن رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه، غُنْمه: زيادته ونماؤه وفاضل قيمته. (6)

7. قال الفيروز آبادي: «الغنم» الفوز بالشيء لا بمشقّة، وأغنمه كذا تغنيماً نفله إيّاه، واغتنمه وتغنّمه، عدّه غنيمة. (7)


1 . كتاب العين:4/426، مادة غنم.
2 . تهذيب اللغة: مادة «غنم».
3. المفرادت : مادة «غنم».
4. مقاييس اللغة: مادة «غنم».
5. لسان العرب: مادة «غنم».
6. نهاية اللغة: مادة «غنم».
7. قاموس اللغة: مادة «غنم».


(21)

8. وقال الزبيدي: الغنيمة والغنم بالضم، وفي الحديث: «الرهن لمن رهنه، له غُنْمه وعليه غرمه» غنمه أي زيادته ونماؤه وفاضل قيمته، والغنم الفوز بالشيء بلا مشقة.(1)

9. وقال في الرائد: غنم: يغنم: أصاب غنيمة في الحرب أو غيرها.(2)

10. انّ الغُنم يستعمل مقابل الغرم وهو الضرر، فيكون معناه بمقتضى المقابلة هو النفع، ومن القواعد الفقهية قاعدة «الغُنْم بالغرم» ومعناه انّ من ينال نفع شيء يتحمّل ضرره.

ودليل هذه القاعدة هو قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه»، قال الشافعي: غنمه زيادته، وغرمه هلاكه ونقصه.(3)

وهذه النصوص تعرب عن أنّ المادّة لم توضع لما يفوز به الإنسان في الحروب، بل معناها أوسع من ذلك وإن كان يغلب استعمالها في العصور المتأخّرة عن نزول القرآن في ما يظـفر به في ساحة الحرب.

ولأجل ذلك نجد أنّ المادة استعملت في مطلق ما يفوز به الإنسان في الذكر الحكيم والسنّة النبويّة.

لقد استعمل القرآن لفظة «المغنم» فيما يفوز به الإنسان وإن لم يكن عن طريق القتال، بل كان عن طريق العمل العادي الدنيوي أو الأُخروي، إذ يقول سبحانه:

(يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إذا ضَـربتُمْ في سَبيلِ اللّهِ فَتَبيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ ألقى


1 . تاج العروس:ج9: مادة «غنم».
2 . الرائد:2: مادة «غنم».
3. الموسوعة الفقهية:31/301، مادة غنم.


(22)

إليكُمُ السَّلامَ لَستَ مُؤمِناً تَبتَغونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا فَعِندَ اللّهِ مَغانِمُ كَثيرة) . (1)

والمراد بـالمغـانم الكثيرة: هو أجر الآخرة، بدليـل مقابلـته لعرض الحياة الدنيا، فيدل على أنّ لفظ المَغْنم لا يختصّ بالأُمور والأشياء التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدنيا أو في ساحات الحرب فقط، بل هو عام لكلّ مكسب وفائدة وإن كان أُخرويّاً.

كما وردت هذه اللفظة في الأحاديث وأُريد منها مطلق الفائدة الحاصلة للمرء.

روى ابن ماجة في سننه: أنّه جاء عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرما».(2)

وفي مسند أحمد عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «غنيمة مجالس الذكر الجنّة». (3)

وفي وصف شهر رمضان عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «غنم للمؤمن». (4)

وفي نهاية ابن الأثير: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة ، سمّـاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب.(5)

فقد بان ممّا نقلناه من كلمات أئمّة اللغة وموارد استعمال تلك المادة في الكتاب والسنّة، أنّ العرب تستعملها في كل مورد يفوز به الإنسان، من جهة العدى وغيرهم، وإنّما صار حقيقة متشرعة في الأعصار المتأخّرة في خصوص ما


1 . النساء: 94.
2 . سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797.
3. مسند أحمد: 2/330و 374 و 524.
4. المصدر نفسه: ص 177.
5. النهاية: مادة «غنم».


(23)

يفوز به الإنسان في ساحة الحرب، ونزلت الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول اللّه، ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّـي على مورد خاص.

الثاني: المورد غير مخصّص

إذا كان مفهوم اللفظ عامّاً يشمل كافّة ما يفوز به الإنسان، فلا يكون وروده في مورد خاص، مخصّصاً لمفهومه ومضيّقاً لعمومه، فإذا وقفنا على أنّ التشريع الإسلامي فرض الخمس في الركاز والكنز والسيوب أوّلاً، وأرباح المكاسب ثانياً، فيكون ذلك التشريع مؤكّداً لإطلاق الآية، ولا يكون وروده في الغنائم الحربية رافعاً له. وإليك ما ورد في السنّة من الروايات في الموردين:

1. وجوب الخمس في الركاز من باب الغنيمة

اتّفقت السنّة على أنّ في الركاز الخمس وإنّما اختلفوا في المعادن، فالواجب هو الخمس لدى الحنفية والمالكية، وربع العشر عند الشافعية والحنابلة.

وقد استدلّت الحنفية على وجوب الخمس في المعادن بالكتاب والسنّة والقياس فقالوا:

أمّا الكتاب : فقوله تعالى: (واعْلَمُوا انّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فأنّ للّهِ خُمُسَهُ) ويعدّ المعدن غنيمة، لأنّه كان في محلّه من الأرض في أيدي الكفرة، وقد استولى عليه المسلمون عنوة.

وأمّا السنّة: فقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «العجماء جُبار ـ أي هدر لا شيء فيه ـ و البئر جبار والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» والركاز يشمل المعدن والكنز، لأنّه من الركز


(24)

أي المركوز، سواء من الخالق أو المخلوق.

وأمّا القياس: فهو قياس المعدن على الكنز الجاهلي، بجامع ثبوت معنى الغنيمة في كلّ منهما، فيجب الخمس فيهما.(1)

ترى أنّ الحنفية تستدلّ على وجوب الخمس في المعادن بآية الغنيمة ولا تصلح للاستدلال إلاّ أن يراد بها المعنى اللغوي لا المعنى الاصطلاحي.

وما جاء في ثنايا الاستدلال بأنّ المعدن غنيمة، لأنّه كان في محلّه من الأرض في أيدي الكفرة وقد استولى عليه المسلمون عنوة، غير تام، بل الظاهر انّ المعدن ـ بما هو هو ـ مع قطع النظر عن تلك الحيثية «غنيمة»، و إلاّ يتوجّه عليه إشكالان:

1. عدم وجوب الخمس في المعادن التي لم تكن عليها يد الكفر، كما في الصحارى الخالية عن أيّة سلطة عبر التاريخ.

2. انّ أمر «الغنيمة» دائر بين كونها حقيقة في خصوص ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب أو مطلق ما يفوز به الإنسان، و أمّا الفوز بالشيء بعد مرور قرن أو قرون على الحرب فهو ممّا لم يقل به أحد، و من الواضح انّ أكثر المعادن التي عليها يد الدولة الإسلامية أو آحاد الناس من هذا القبيل.

هذا و قد تضافرت الروايات عن طريق أهل السنّة على وجوب الخمس في الأُمور الأربعة:

أ. الركاز.

ب. الكنز.

ج. المعدن.

د. السيوب.


1 . الفقه الإسلامي وأدلّته:2/776.


(25)

روى لفيف من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك، وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب، وإليك قسماً ممّا روي في هذا المجال:

1. في مسند أحمد وسنن ابن ماجة واللفظ للأوّل: عن ابن عباس قال:

قضى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الركاز، الخمس (1).

2. وفي صحيحي مسلم والبخاري واللفظ للأوّل: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». (2)

قال أبو يوسف في كتاب «الخراج»: كان أهل الجاهلية إذا عطبَ الرجل في قُلَيب جعلوا القليب عَقَله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتله معدن جعلوه عقله. فسأل سائل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن ذلك؟ فقال: «العجماء جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس» فقيل له: ما الركاز يا رسول اللّه؟ فقال: «الذهب والفضة الذي خلقه اللّه في الأرض يوم خلقت» .(3)

3. وفي مسند أحمد: عن الشعبي عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «السائمة جبار، والجُبّ جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» قال الشعبي: الركاز: الكنز العادي. (4)

4. وفيه أيضاً: عن عبادة بن الصامت قال:من قضاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّ


1 . مسند أحمد : 1/314; سنن ابن ماجة: 2/839، ط 1373 هـ.
2 . صحيح مسلم : 5/127، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، من كتاب الحدود; صحيح البخاري: 1/182، باب في الركاز الخمس.
3. الخراج: 22.
4. مسند أحمد: 3/335.


(26)

المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار. والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يُغرم ، وقضى في الركاز الخمس. (1)

5. وفيه: عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حاجته فتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت عليه تبرا، فأخذها فأتى بها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبره بذلك، قال: «زنها» فوزنها فإذا مائتا درهم فقال النبي: «هذا ركاز وفيه الخمس». (2)

6. وفيه: أنّ رجلاً من مزينة سأل رسول اللّه مسائل جاء فيها: فالكنز نجده في الخرب وفي الآرام؟ فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : « فيه وفي الركاز الخمس» .(3)

7. وفي نهاية اللغة ولسان العرب وتاج العروس في مادة «سيب» واللفظ للأوّل: وفي كتابه ـ أي كتاب رسول اللّه ـ لوائل بن حجر: «وفي السيوب الخمس» السيوب: الركاز.

قالوا:

«السيوب: عروق من الذهب والفضة تَسيب في المعدن، أي تتكوّن فيه وتظهر» والسيوب: جمع سيب، يريد به ـ أي يريد النبي بالسيب ـ المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن لأنّه من فضل اللّه تعالى وعطائه لمن أصابه». (4)

تفسير ألفاظ الأحاديث

العجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على


1 . مسند أحمد: 5/326.
2 . المصدر نفسه: 3/128.
3. المصدر نفسه: 2/186.
4. النهاية : مادة «سيب».


(27)

صاحبها، والمعدن جبار يعني: إذا احتفر الرجل معدناً فوقع فيه انسان فلا غرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز: ما وجد من دفن أهل الجاهلية، فمن وجد ركازاً أدّى منه الخمس إلى السلطان وما بقي له. (1)

والآرام: الأعلام وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة يُهتدى بها، واحدها إرَم كعنب. وكان من عادة الجاهلية أنّهم إذا وجدوا شيئاً في طريقهم لا يمكنهم استصحابه، تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه. (2)

وفي «لسان العرب» وغيره من معاجم اللغة،: ركَزَه يركُزُه رَكزاً: إذا دفنه. والركاز: قطع ذهب وفضة تخرج من الأرض، أو المعدن. واحده الركزة، كأنّه ركز في الأرض.

وفي نهاية اللغة: والركزة: القطعة من جواهر الأرض المركوزة فيها، وجمع الركزة: الركاز.

إنّ هذه الروايات تعرب عن وجود ضريبة غير الزكاة، هي الخمس، وعليه كلام أبي يوسف في كتابه «الخراج» وإليك نصّه:

كلام أبي يوسف في المعدن والركاز

قال أبو يوسف: في كل ما أُصيب من المعادن من قليل أو كثير، الخمس، ولو أنّ رجلاً أصاب في معدن أقل من وزن مائتي درهم فضّة أو أقل من وزن عشرين مثقالاً ذهباً فإنّ فيه الخمس، وليس هذا على موضع الزكاة إنّما هو على


1 . سنن الترمذي: 6/145، باب ما جاء في العجماء.
2 . النهاية : مادة «ارم».


(28)

موضع الغنائم (1)، وليس في تراب ذلك شيء إنّما الخمس في الذهب الخالص والفضة الخالصة والحديد والنحاس والرصاص، ولا يحسب لمن استخرج ذلك من نفقته عليه شيء، وقد تكون النفقة تستغرق ذلك كلّه فلا يجب إذن فيه خمس عليه، وفيه الخمس حين يفرغ من تصفيته قليلاً كان أو كثيراً، ولا يحسب له من نفقته شيء من ذلك، وما استخرج من المعادن سوى ذلك من الحجارة ـ مثل الياقوت والفيروزج والكحل والزئبق والكبريت والمغرّة ـ فلا خمس في شيء (2) من ذلك، إنّما ذلك كلّه بمنزلّة الطين والتراب.

قال: ولو أنّ الذي أصاب شيئاً من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو النحاس، كان عليه دين فادح لم يُبطل ذلك الخمس عنه، ألا ترى لو أنّ جنداً من الأجناد أصابوا غنيمة من أهل الحرب خُـمِّسَت ولم ينظر أعليهم دين أم لا، ولو كان عليهم دين لم يمنع ذلك من الخمس.

قال: وأمّا الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه اللّه عزّ وجلّ في الأرض يوم خلقت، فيه أيضاً الخمس، فمن أصاب كنزاً عاديّاً في غير ملك أحد ـ فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب ـ فإنّ في ذلك الخمس وأربعة أخماسه للذي أصابه وهو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمَّس وما بقي فلهم.

قال: ولو أنّ حربياً وجد في دار الإسلام ركازاً و كان قد دخل بأمان، نزع ذلك كلّه منه ولا يكون له منه شيء، وإن كان ذمّياً أُخذ منه الخمس كما يؤخذ من


1 . ترى أنّ أبا يوسف يعد الخمس الوارد في هذا الموضع من مصاديق الغنيمة الواردة في آية الخمس وهو شاهد على كونها عامة مفهوماً.
2 . هذا رأي أبي يوسف، واطلاق الآية يخالفه مضافاً إلى مخالفته مع روايات أئمّة أهل البيت فإنّها تفرض الخمس في الجميع.


(29)

المسلم، وسلِّم له أربعة أخماسه. وكذلك المكاتب يجد ركازاً في دار الإسلام فهو له بعد الخمس .... (1)

إنّ الناظر في فتاوى العلماء وروايات الواردة في وجوب الخمس في الركاز الذي هو الكنز عند الحجازيين والمعدن عند أهل العراق يقف على أنّ إيجابه من باب انّه فوز بالشيء بلا بذل جهد، كالغنائم المأخوذة في الغزوات، وهذا يعرب عن أنّ مدلول الآية أوسع ممّا يتصوّر في بدء الأمر.

يقول ابن الأثير ناقلاً عن مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي سمعت أهل العلم يقولون: إنّ الركاز إنّما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية، ما لم يطلب بمال ولم يتكلّف فيه نفقة، ولا كبير عمل ولا مؤونة، فأمّا ما طلب بمال، وتكلّف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة، فليس بركاز.

والركاز عند أهل الحجاز كنز الجاهلية ودفنها، لأنّ صاحبه ركزه في الأرض، أي أثبته وهو عند أهل العراق، المعدن، لأنّ اللّه تعالى ركزه في الأرض ركزاً، والحديث إنّما جاء في التفسير الأوّل منهما، وهو الكنز الجاهلي على ما فسّره الحسن وإنّما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه، والأصل فيه أنّ ما خفت كلفته كثر الواجب فيه، وما ثقلت كلفته قلّ الواجب فيه.

ويؤ(2)يد ذلك ما رواه الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن آبائه ـ عليهم السَّلام ـ في وصية النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لعليـ عليه السَّلام ـ قال: «يا علي إنّ عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الإسلام... ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس وتصدّق به فأنزل اللّه:(وَاعْلَمُوا انّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فانّ للّه خمسه)». إلى غير ذلك من الأخبار.(3)


1 . الخراج: 22.
2 . جامع الأُصول:4/620ـ621.
3. الوسائل: 6، الباب5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث3.


(30)

ترى أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جعل الكنز من مصاديق الغنيمة الواردة في الآية المباركة، وهذا يعرب عن سعة مفهوم الآية.

غير أنّ الشيعة الإمامية عمّمتها إلى أرباح المكاسب ولكن السنّة خصصتها بالركاز والكنز والمعدن، وسيوافيك ما يدلّ على وجوب الخمس في أرباح المكاسب في روايات أهل السنّة.

2. الخمس في أرباح المكاسب

هذا هو بيت القصيد في المقام، والهدف من عنوان المسألة هو إثبات ذلك، حيث يظهر من غير واحد من الروايات أنّ النبيّ الأكرم أمر بإخراج الخمس من مطلق ما يغنمه الإنسان من أرباح المكاسب وغيرها، وإليك بعض ما ورد في المقام:

1. قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين وإنّا لا نصل إليك إلاّ في شهر الحرام، فَمُرْنا بأمر فصل، إنْ عملنا به دخلنا الجنة وندعو إليه مَن وراءنا» فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع; آمركم: بالإيمان باللّه، وهل تدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم». (1)

ومن المعلوم أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب كيف وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم، خوفاً من


1 . صحيح البخاري: 4/250، باب «واللّه خلقكم وما تعملون» من كتاب التوحيد، وج1/13 و 19 ، وج3/53; صحيح مسلم:1/ 35 ـ 36 باب الأمر بالإيمان; سنن النسائي: 1/333; مسند أحمد: 1/318; الأموال: 12 وغيرها.


(31)

المشركين. فيكون قد قصد المغنم بمعناه الحقيقي في لغة العرب وهو ما يفوزون به فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون.

وهناك كتب ومواثيق، كتبها النبيّ وفرض فيها الخمس على أصحابها وستتبيّـن بعد الفراغ من نقلها، دلالتها على الخمس في الأرباح وإن لم تكن غنيمة حربية، فانتظر.

2. كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم ... هذا ... عهد من النبي رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كلّه، وأن يأخذ من المغانم خمس اللّه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عُشر ما سقى البعل وسقت السماء، ونصف العُشر ممّا سقى الغرب» .(1)

والبعل ما سُقِيَ بعروقه، والغَرَبَ: الدلو العظيمة.

3. كتب إلى شرحبيل بن عبد كلال، و حارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين، ومعافر وهمدان:

«أمّا بعد، فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس اللّه» .(2)

4. كتب إلى سعد هُذيم من قضاعة، وإلى جذام كتاباً واحداً يعلّمهم فرائض الصدقة، ويأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أُبيّ وعنبسة أو من أرسلاه». (3)


1 . فتوح البلدان : 1/ 81 باب اليمن; سيرة ابن هشام: 4/ 265; تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك: 1/ 157.
2 . الوثائق السياسية: 227 برقم 110. (ط 4 بيروت).
3. الطبقات الكبرى: 1/270.


(32)

5. كتب للفُجَيع ومن تبعه:

«من محمد النبيّ للفجيع، ومن تبعه وأسلمَ وأقام الصلاةَ وآتى الزكاة وأطاع اللّه ورسوله وأعطى من المغانم خمس اللّه ...». (1)

6. كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه:

«ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا اللّه ورسوله وأعطوا من المغانم خمس اللّه وسهم النبي وفارقوا المشركين، فإنّ لهم ذمّة اللّه وذمّة محمد بن عبد اللّه» .(2)

7. كتب لجهينة بن زيد فيما كتب:

«إنّ لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها، على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها، على أن تؤدّوا الخمس». (3)

8. كتب لملوك حمير فيما كتب:

«وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم: خمس اللّه، وسهم النبي وصفيّه وما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة». (4)

9. كتب لبني ثعلبة بن عامر:

«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأعطى خمس المغنم وسهم النبي والصفي». (5)

10. كتب إلى بعض أفخاذ جهينة:


1 . المصدر نفسه: 304 ـ 305.
2 . المصدر نفسه: 270.
3. الوثائق السياسية: 265 برقم 157.
4. فتوح البلدان: 1/ 82; سيرة ابن هشام: 4/ 258.
5. الإصابة: 2/ 189; أُسد الغابة: 3/34.


(33)

«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع اللّه ورسوله وأعطى من الغنائم الخمس».(1)

إيضاح الاستدلال بهذه المكاتيب

يتبيّـن ـ بجلاء ـ من هذه الرسائل أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم الحرب التي اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحقّ في أموالهم من خمس وصدقة.

ثم إنّه كان يطلب منهم الخمس دون أن يشترط ـ في ذلك ـ خوض الحرب واكتساب الغنائم.

هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم الإسلامي أو نائبه هما اللّذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب وتقسيمها بعد استخراج الخمس منها، ولا يَملِك أحد من الغزاة عدا سلب القتيل شيئاً ممّا سلب وإلاّ كان سارقاً مغلاّ ً.

فإذا كان إعلان الحرب وإخراج خمس الغنائم على عهد النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من شؤون النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فماذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده في كتاب بعد كتاب، وفي عهد بعد عهد؟

فيتبيّـن أنّ ما كان يطلبه لم يكن مرتبطاً بغنائم الحرب. هذا مضافاً إلى أنّه لايمكن أن يقال: إنّ المراد بالغنيمة في هذه الرسائل هو ما كان يحصل الناس عليه في الجاهلية عن طريق النهب، كيف وقد نهى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن النهب والنهبى بشدّة، ففي كتاب الفتن باب النهي عن النُّهبة عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :


1 . الطبقات الكبرى: 1/271.


(34)

«من انتهب نهبة فليس منّا» (1) ، وقال: «إنّ النهبة لا تَحِلّ». (2)

وفي صحيح البخاري ومسند أحمد عن عبادة بن الصامت: بايعنا النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن لا ننهب. (3)

وفي سنن أبي داود، باب النهي عن النهبى، عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأصاب الناس حاجة شديدة وجهدٌ، وأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي، إذ جاء رسول اللّه يمشي [متّكئاً] على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثمّ جعل يُرمِّل اللحم بالتراب، ثمّ قال: «إنّ النُّهبة ليست بأحلَّ من الميتة». (4)

وعن عبد اللّه بن زيد: نهى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن النهبى والمثلة. (5)

إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في كتاب الجهاد.

وقد كانت النُّهبة والنهبى عند العرب تساوق الغنيمة والمغنم ـ في مصطلح يومنا هذا ـ الذي يستعمل في أخذ مال العدو.

فإذا لم يكن النهب مسموحاً به في الدين، وإذا لم تكن الحروب التي تُخاض بغير إذن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جائزة، لم تكن الغنيمة في هذه الوثائق غير ما يفوز به الناس من غير طريق القتال بل من طريق الكسب وما شابهه، ولا محيص حينئذ من أن يقال: إنّ المراد بالخمس الذي كان يطلبه النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو خمس أرباح الكسب والفوائد الحاصلة للإنسان من غير طريق القتال أو النهب الممنوع في الدين.

وفي الجملة: إنّ الغنائم المطلوب في هذه الرسائل النبويّة أداء خمسها إمّا أن


1 . سنن ابن ماجة: 2/ 1298 برقم 3937 و 3938، كتاب الفتن.
2 . سنن ابن ماجة: 2/ 1298 برقم 3937 و 3938، كتاب الفتن.
3. صحيح البخاري:2/ 48 باب النهب بغير إذن صاحبه.
4. سنن أبي داود: 3/66 برقم2705.
5. رواه البخاري في الصيد، راجع التاج : 4/ 334.


(35)

يراد بها ما يُستولى عليه من طريق النهب والإغارة، أو ما يستولى عليه من طريق محاربة بصورة الجهاد، أو ما يستولى عليه من طريق الكسب والكد.

والأوّل ممنوع، بنصّ الأحاديث السابقة فلا معنى أن يطلب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خمس النهبة.

والثاني يكون أمر الغنائم بيد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مباشرة، فهو الذي يأخذ كل الغنائم ويضرب لكلّ من الفارس والراجل ما له من الأسهم بعد أن يستخرج الخمس بنفسه من تلك الغنائم، فلا معنى لأن يطلبه النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الغزاة، فيكون الثالث هو المتعيّـن.

وورد عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ما يدلّ على ذلك، فقد كتب أحد الشيعة إلى الإمام الجوادـ عليه السَّلام ـ قائلاً: أخبرني عن الخمس أعَلـى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصنّاع وكيف ذلك؟ فكتب ـ عليه السَّلام ـ بخطّه: «الخمس بعد المؤونة».

(1)وفي هذه الإجابة القصيرة يظهر تأييد الإمام ـ عليه السَّلام ـ لما ذهب إليه السائل، ويتضمّن ذكر الكيفية التي يجب أن تراعى في أداء الخمس.

وعن سماعة قال: سألت أبا الحسن (الكاظم)ـ عليه السَّلام ـ عن الخمس؟ فقال: «في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير». (2)

وعن أبي علي ابن راشد (وهو من وكلاء الإمام الجواد والإمام الهادي ـ عليهما السَّلام ـ ) قال: قلت له (أي الإمام الهاديـ عليه السَّلام ـ ): أمرتني بالقيام بأمرك، وأخذ حقّك، فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم: وأي شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه؟


1 . الوسائل : ج6 الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
2 . المصدر نفسه، الحديث 6.


(36)

فقال: «يجب عليهم الخمس»، فقلت: وفي أي شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وصنائعهم» ، قلت: والتاجر عليه، والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم». (1)

إلى غير ذلك من الأحاديث والأخبار المرويّة عن النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأهل بيته الطاهرين ـ عليهم السَّلام ـ التي تدلّ على شمول الخمس لكلّ مكسب.

ثمّ إنّ هنا سؤالاً وهو إذا كان إخراج الخمس من أرباح المكاسب فريضة إلهية فلماذا كان أمراً متروكاً قبل الصادقين ـ عليهما السَّلام ـ ؟ فانّ الأخبار الدالة عليه مروية عنهما ـ عليهما السَّلام ـ وعمّن بعدهما من الأئمّة ، بل أكثرها مروية عن الإمامين الجواد والهادي ـ عليهما السَّلام ـ ، وهما من الأئمة المتأخّرين، فهل كان هذا الحكم مهجوراً عند الفريقين بعد عصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى عصر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ؟

والجواب هو انّه قد عرفت تضافر الروايات النبوية على وجوب الخمس في كلّ ما يربح الرجل ويفوز، وأمّا عدم قيام الخلفاء به فلأجل عدم وقوفهم على هذا التشريع، كما أنّ عدم قيام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بهذه المهمة على رؤوس الأشهاد لأجل تفشّي الفقر بين المسلمين يومذاك، والناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكانت المصلحة تقتضي تأخير إجراء التشريع إلى الأعصار اللاحقة.

وأمّا عصر الصادقين ـ عليهما السَّلام ـ الذي ورد فيه بعض الروايات ثمّ وردت تترى إلى عصر الجوادين ـ عليهما السَّلام ـ ، فلأجل تكدّس الأموال بين المسلمين، الأمر الذي اقتضى الإجهار بالحكم ودعوة الشيعة إلى العمل به، وإلاّ فأصل تشريع الخمس كان في عصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما عرفت.


1 . المصدر نفسه، الحديث 3.


(37)

14
مواضع الخمس في القرآن الكريم


(38)


(39)

مواضع الخمس في القرآن الكريم

يُقسَّم الخمس حسب تنصيص الآية على ستة أسهم، فيفرق على مواضعها الواردة في الآية، قال سبحانه: (واعلَموا أنَّما غنِمتُمْ مِن شيء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذي القُربى واليَتامى والمَساكينِ وابنِ السَّبيل) (1) غير أنّه يطيب لي تعيين المراد من ذي القربى.

يقصد بـ (ذي القربى) صاحب القرابة والوشيجة النسبية، ويتعيّـن فرده، بتعيين المنسوب إليه. وهو يختلف حسب اختلاف مورد الاستعمال، ويستعان في تعيينه بالقرائن الموجودة في الكلام وهي: الأشخاص المذكورون في الآية، أو ما دلّ عليها سياق الكلام.

1. قال سبحانه: (وما كَانَ للنَّبيِّ والَّذينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِروا لِلمُشْـرِكينَ وَلَوْ كانُوا أُوْلِـي قُرْبى)(2) والمراد أقرباء المذكورين في الآية، أي النبيّ والمؤمنين لتقدّم قوله: (والّذين آمنوا).

2. وقال سبحانه: (وإذا قُلتُمْ فَاعدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُربى) (3)، والمراد أقرباء المخاطبين في الآية بقوله : (قلتم) و (فاعدلوا) .


1 . الأنفال:41.
2 . التوبة:113.
3. الأنعام:152.


(40)

3. وقال سبحانه: (وإذا حضرَ القسمةَ أُولوا القُربى)(1) والمراد أقرباء من يقسم ماله أعني الميّت مطلقاً.

فقد أُريد من ذي القربى في هذه الآيات الثلاث، مطلق القريب دون أقرباء النبي خاصة، لما عرفت من القرائن بخلاف الآيتين التاليتين، فإنّ المراد ، أقرباء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لنفس الدليل.

4. قوله سبحانه: (ما أفاءَ اللّهُ على رَسُولهِ مِن أهلِ القُرى فَللّهِ وللرَّسولِ ولِذِي القُربى).(2)

5. وقوله سبحانه: (قُل لا أسألكُمْ عليه أجراً إلاّ المودَّةَ في القُربى) (3). المراد في الآيتين قرابة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لتقدّم ذكره وعدم صلاحية السياق إلاّ لذلك.

وأمّا آية الخمس من سورة الأنفال المتقدّم ذكرها ،فقد اتّفق المفسّرون على أنّ المراد من ذي القربى قرابة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فسدس الخمس لذي القربى و هو حكم خالد ثابت غير منسوخ إلى يوم القيامة.

وأمّا الأسداس الثلاثة الباقية فهي للأصناف الثلاثة المذكورة في الآية ـ أعني: اليتامى والمساكين وابن السبيل ـ وهل المراد مطلق اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، أو يتامى آل محمّد و مساكينهم وأبناء سبيلهم، وبالجملة: الثلاثة من ذوي القربى على الخصوص؟ والسياق هنا وإن لم يقتض الالتزام بأحدهما، إلاّ أنّ السنّة الشريفة الواردة عن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأهل بيته اقتضت الأخير كما يأتي في البحث التالي.


1 . النساء:8.
2 . الحشر:7.
3. الشورى:23.


(41)

مواضع الخمس في السنّة

وأمّا السنّة فهي أيضاً تدعم ما هو مفاد الآية:

روي عن ابن عباس: كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقسم الخمس على ستة: للّه وللرسول سهمان وسهم لأقاربه حتى قبض.(1)

إنّ السهم الوارد في قوله:«وسهم لأقاربه» تعبير آخر عن ثلاثة أسهم من الخمس يدل عليه قوله «على ستة: للّه وللرسول سهمان» فانّ معناه سهم للّه، وسهمان للرسول، أي سهم لنفس الرسول وسهم «لذي القربى» فتبقى الأسهم الثلاثة في الخمس و من لأقاربه، أعني: اليتامى والمساكين وابن السبيل.

وهذا هو الذي عليه الإمامية في تقسيم الخمس.

و روي عن أبي العالية الرياحي(2): كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة، فتكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثمّ يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفّه، فيجعله للكعبة و هو سهم اللّه، ثمّ يقسّم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول وسهم لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين و سهم لابن السبيل. قال: والذي جعله للكعبة فهو سهم اللّه.(3)

ولعلّ جعله للكعبة كان لتجسيد السهام وتفكيكها، وربّما خالفه كما روى


1 . تفسير النيسابوري المطبوع بهامش الطبري: 10/4.
2 . أبو العالية الرياحي: هو رفيع بن مهران، مات سنة 90. لاحظ تهذيب التهذيب: 3/246.
3. الأموال : 325; تفسير الطبري: 10/4; أحكام القرآن: 3/60.


(42)

عطاء بن أبي رباح(1) قال: «خمس اللّه، وخمس رسوله واحد، وكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يحمل منه ويعطي منه و يضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء» . (2)

والمراد من كون سهمهما واحداً، كون أمره بيده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بخلاف الأسهم الأُخر، فإنّ مواضعها معيّنة.

وبذلك يظهر المراد ممّا رواه الطبري: «كان نبيّ اللّه إذا اغتنم غنيمة جعلت أخماساً، فكان خمس للّه ولرسوله. ويقسّم المسلمون ما بقي (الأخماس الأربعة) وكان الخمس الذي جعل للّه ولرسوله، لرسوله، ولذوي القربى و اليتامى والمساكين وابن السبيل، فكان هذا الخُمْس خمسة أخماس خمس للّه ولرسوله» . (3)

فالمراد منه ـ كما يظهر ـ أنّ أمر السهمين كان بيد الرسول ولذا جعلهما سهماً واحداً، بخلاف السهام الأُخر، وإلاّ فالخبر مخالف لتنصيص القرآن الكريم، لتصريحه بأنّ الخمس يقسم أسداساً.

وأمّا تخصيص بعض سهام الخمس بذي القربى ومن جاء بعدهم من اليتامى والمساكين وابن السبيل، فلأجل الروايات الدالة على أنّه لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس من آل محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . روى الطبري: كان آل محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم(ذوي القربى) خُمْس الخُمْسِ، وقال: قد علم اللّه أنّ في بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخُمْس مكان الصدقة (4). كما


1 . عطاء بن أبي رباح مات سنة 114، أخرج حديثه أصحاب الصحاح.
2 . تفسير الطبري: 10/4.
3. المصدر نفسه. والأصح أن يقول ستة أسداس وقد مرّ وجه العدول عنه.
4. المصدر نفسه : 5، فجعل لهم تارة خمس الخمس، بلحاظ المواضع الخمسة ما سوى للّه، وجعله كله لهم تارة أُخرى كما في ذيل كلامه: «فجعل لهم الخمس» باعتبار أنّ أمره أيضاً بيده، فلا منافاة بين الجعلين.


(43)

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّ السهام الأربعة من الخمس، لآل محمدصلَّى اللّه عليه و آله و (1)سلَّم.

فتبين انّ سدس الخمس لذي القربى والأسداس الثلاثة الباقية، للطوائف الثلاث من آل محمّد.

هذا ما يستفاد من الكتاب و السنّة، غير أنّ الاجتهاد لعب دوراً كبيراً في تحويل الخمس عن أصحابه، وإليك ما ذهبت إليه المذاهب الأربعة:

إسقاط حقّ ذي القربى بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

اتّفق أكثر فقهاء المذاهب تبعاً لأسلافهم على إسقاط سهم ذوي القربى من خمس الغنائم وغيره، وإليك كلماتهم:

قالت الشافعية والحنابلة: تقسم الغنيمة، و هي الخمس، إلى خمسة أسهم، واحد منها سهم الرسول، ويصرف على مصالح المسلمين، و واحد يعطى لذوي القربى، وهم من انتسب إلى هاشم بالابوّة من غير فرق بين الأغنياء والفقراء، والثلاثة الباقية تنفق على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، سواء أ كانوا من بني هاشم أو من غيرهم.

وقالت الحنفية: إنّ سهم الرسول سقط بموته، أمّا ذوو القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من الرسول.

وقالت المالكية: يرجع أمر الخمس إلى الإمام يصرفه حسبما يراه من المصلحة.


1 . الوسائل: ج6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة. ولاحظ أيضاً صحيح البخاري: 1/181، باب تحريم الزكاة على رسول اللّه.


(44)

وقالت الإمامية: إنّ سهم اللّه وسهم الرسول وسهم ذوي القربى يفوّض أمرها إلى الإمام أو نائبه، يضعها في مصالح المسلمين. والأسهم الثلاثة الباقية تعطى لأيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ولايشاركهم فيها غيرهم.(1)

وفي هامش المغني لابن قدامة بعد ما روى أنّ أبابكر وعمر ـ رضى اللّه عنهما ـ قسّما الخمس على ثلاثة أسهم: «و هو قول أصحاب الرأي ـ أبي حنيفة وجماعته ـ قالوا: يقسّم الخمس على ثلاثة: اليتامى والمساكين وابن السبيل، وأسقطوا سهم رسول اللّه بموته، وسهم قرابته أيضاً.

وقال مالك: الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال.

وقال الثوري: والخمس يضعه الإمام حيث أراه اللّه عزّ وجلّ.

وما قاله أبو حنيفة مخالف لظاهر الآية، فإنّ اللّه تعالى سمّى لرسوله وقرابته شيئاً وجعل لهما في الخمس حقّاً كما سمّى الأصناف الثلاثة الباقية، فمن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب، وأمّا جعل أبي بكر وعمر ـ رضى اللّه عنهما ـ سهم ذي القربى في سبيل اللّه، فقد ذكر لأحمد فسكت وحرّك رأسه ولم يذهب إليه، ورأى أنّ قول ابن عباس و من وافقه أولى، لموافقته كتاب اللّه وسنّة رسوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ....(2)

إسقاط سهم ذي القربى اجتهاد تجاه النص

ثمّ إنّ الخلفاء بعد النبيّ الأكرم اجتهدوا تجاه النص في موارد منها إسقاط سهم ذي القربى من الخمس، وذلك أنّ اللّه سبحانه وتعالى جعل لهم سهماً،


1 . الفقه على المذاهب الخمسة : 188.
2 . الشرح الكبير ـ على هامش المغني ـ: 10/493ـ 494.


(45)

وافترض أداءه نصاً في الذكر الحكيم والفرقان العظيم يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، وهو قوله عزّ من قائل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبِى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَان وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ).(1)

وقد أجمع أهل القبلة كافّة على أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يختصّ بسهم من الخمس ويخص أقاربه بسهم آخر منه، وأنّه لم يَعْهَد بتغيير ذلك إلى أحد حتى قبضه اللّه إليه وانتقاله إلى الرفيق الأعلى.

فلمّا ولي أبو بكر ـ رضى اللّه عنه ـ تأوّل الآية فأسقط سهم النبيّ وسهم ذي القربى بموت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم و أبناء السبيل منهم.

قال الزمخشري: وعن ابن عباس: الخمس على ستّة أسهم: للّه ولرسوله، سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض، فأجرى أبوبكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روي عن عمر ومن بعده من الخلفاء قال: و روي أنّ أبا بكر منع بني هاشم الخمس.(2)

وقد أرسلت فاطمة ـ عليها السَّلام ـ تسأله ميراثها من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت، وعاشت بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ستّة أشهر، فلمّـا توفّيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبابكر،


1 . الأنفال: 41.
2 . الكشاف: 2/126.


(46)

وصلّى عليها. الحديث.(1)

وفي صحيح مسلم عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة بن عامر الحروري الخارجي إلى ابن عباس قال ابن هرمز: فشهدتُ ابن عباس حين قرأ الكتاب وحينَ كتب جوابه وقال ابن عباس: واللّه لولا أن أردّه عن نتن يقع فيه ما كتبت إليه، ولا نعمة عين. قال: فكتب إليه: إنّك سألتني عن سهم ذي القربى الذين ذكرهم اللّه من هم؟ وإنّا كنّا نرى أنّ قرابة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هم نحن فأبى ذلك علينا قومُنا. الحديث.(2)

وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس في أواخر ص294 من الجزء الأوّل من مسنده.

و رواه كثير من أصحاب المسانيد بطرق كلها صحيحة، وهذا هو مذهب أهل البيت المتواتر عن أئمّتهم ـ عليهم السَّلام ـ .

لكن الكثير من أئمّة الجمهور أخذوا برأي الخليفتين فلم يجعلوا لذي القربى نصيباً من الخمس خاصّاً بهم.

فأمّا مالك بن أنس فقد جعله بأجمعه مفوّضاً إلى رأي الإمام يجعله حيث يشاء في مصالح المسلمين، لا حقّ فيه لذي قربى ولا ليتيم ولا لمسكين ولا لابن سبيل مطلقاً.

وأمّا أبو حنيفة وأصحابه فقد أسقطوا بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سهمه وسهم ذي قرباه، وقسموه بين مطلق اليتامى والمساكين وابن السبيل على السواء، لا فرق


1 . صحيح البخاري : 3/36 باب غزوة خيبر. وفي صحيح مسلم: 5/154: «... وصلّـى عليها علي».
2 . صحيح مسلم: 2/105 ، كتاب الجهاد والسير.


(47)

عندهم بين الهاشميين وغيرهم من المسلمين.

والشافعي جعله خمسة أسهم: سهماً لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يصرف إلى ما كان يصرف إليه من مصالح المسلمين كعُدَّة الغزاة من الخيل والسلاح والكراع و نحو ذلك، وسهماً لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل يقسم بينهم (للذَّكر مثل حظّ الأُنثيين)، والباقي للفرق الثلاث: اليتامى والمساكين وابن السبيل مطلقاً.(1)

إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ الخمس يقسم على ستة أسهم، الثلاثة الأُولى، أمرها بيد الإمام يتولاّها حسب ما رأى من المصلحة، والثلاثة الأُخرى، للأيتام والمساكين وأبناء السبيل من آل النبيّ الأكرم لا مطلقهم.


1 . النص والاجتهاد : 25 ـ 27.


(48)


(49)

15
الإشهاد على الطلاق


(50)


(51)

الإشهاد على الطلاق

وممّا انفردت به الإماميّة، القول: بأنّ شهادة عدلين شرط في وقوع الطلاق، ومتى فُقِد لم يقع الطلاق، وخالف باقي الفقهاء في ذلك. (1)

وقال الشيخ الطوسي: كلّ طلاق لم يحضره شاهدان مسلمان عدلان وإن تكاملت سائر الشروط، فإنّه لا يقع. وخالف جميع الفقهاء ولم يعتبر أحد منهم الشهادة. (2)

قال سيد سايق: ذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف إلى انّ الطلاق يقع بدون إشهاد لانّ الطلاق من حقوق الرجل ولا يحتاج إلى بيّنة كي يباشر حقّه ولم يرد عن النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا عن


1 . الانتصار : 127 ـ 128.
2 . الخلاف: 2، كتاب الطلاق المسألة 5.


(52)

الصحابة ما يدلّ على مشروعية الإشهاد، وخالف في ذلك فقهاء الشيعة الإمامية... وممّن ذهب إلى وجوب الإشهاد واشتراطه لصحته من الصحابة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعمر ان بن حصين ـ رضي اللّه عنهما ـ ومن التابعين الإمام محمّد الباقر والإمام جعفر الصادق، وبنوهما أئمّة أهل البيت ـ رضوان اللّه عليهم ـ ، وكذلك عطاء وابن جُريح وابن سيرين.(1)

ولا يخفى ما في كلامه من التهافت فأين قوله«ولم يرد عن النبي ولا عن الصحابة ما يدلّ على مشروعية الإشهاد»، من قوله :«وممن ذهب إلى وجوب الإشهاد واشتراطه لصحّته من الصحابة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و عمران بن حصين» أو ليسا من الصحابة العدول.

ولا نعثر على عنوان للموضوع في الكتب الفقهية لأهل السنّة وانّما تقف على آرائهم في كتب التفسير عند تفسير قوله سبحانه: (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للّهِ)(2). وهم بين من يجعله قيداً للطلاق والرجعة، ومن يخصّه قيداً للرجعة المستفادة من قوله: (فَامْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف).

روى الطبري عن السدّي أنّه فسّـر قوله سبحانه: (وَأشْهِدُوا ذَوي عَدْل مِنْكُمْ) تارة بالرجعة وقال: أشهدوا على الإمساك إن أمسكتموهنّ وذلك هو الرجعة، وأُخرى بها وبالطلاق، وقال: عند الطلاق وعند المراجعة.

ونقل عن ابن عباس: أنّه فسّرها بالطلاق والرجعة.(3)

وقال السيوطي: أخرج عبد الرزاق عن عطاء قال: النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود.

وسئل عمران بن حصين عن رجل طلّق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد؟ قال: بئس ما صنع طلّق في بدعة وارتجع في غير سنّة، فليشهد على طلاقه ومراجعته وليستغفر اللّه.(4)

قال القرطبي: قوله تعالى: (وأشهدوا) أمرنا بالإشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. ثمّ الإشهاد مندوب إليه


1 . فقه السنة:2/230.
2 . الطلاق:2.
3. جامع البيان: 28 / 88.
4. الدر المنثور: 6/232، وعمران بن حصين كان أيضاً من كبار أصحاب الإمام عليّـ عليه السَّلام ـ .


(53)

عند أبي حنيفة كقوله: (وَأشْهِدُوا إذا تَبَايَعْتُمْ) وعند الشافعي واجب في الرجعة.(1)

وقال الآلوسي: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة إن اخترتموها تبرّياً عن الريبة.(2)

تدلّ الآية تدلّ بوضوح على لزوم الإشهاد في صحّة الطلاق وتقرير الدلالة، انّ قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) إمّا أن يكون راجعاً إلى الطلاق، كأنّه قال: «إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهنّ وأشهدوا، أو أن يكون راجعاً إلى الفرقة(أو فارِقُوهن بِمعروف) ، أو إلى الرجعة التي عبر تعالى عنها بالإمساك(فأمسكوهنّ).

ولا يجوز أن يرجع ذلك إلى الفرقة[الثاني] لأنّها ليست هاهنا شيئاً يوقع ويفعل، وإنّما هو العدول عن الرجعة، وإنّما يكون مفارقاً لها بأن لا يراجعها فتبين بالطلاق السابق، على أنّ أحداً لا يوجب في هذه الفرقة الشهادة وظاهر الأمر يقتضي الوجوب، ولا يجوز أن يرجع الأمر بالشهادة إلى الرجعة، لأنّ أحداً لا يوجب فيها الإشهاد وإنّما هو مستحب فيها، فثبت انّ الأمر بالإشهاد راجع إلى الطلاق.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في تفسير الآية.

وممّن أصحر بالحقيقة عالمان جليلان، وهما: أحمد محمد شاكر القاضي المصري، والشيخ أبو زهرة.

قال الأوّل ـ بعد ما نقل الآيتين من أوّل سورة الطلاق: «والظاهر من سياق


1 . الجامع لأحكام القرآن: 18/157.
2 . روح المعاني: 28/134.
3. الانتصار:300.


(54)

الآيتين أنّ قوله: (وأشهدوا) راجع إلى الطلاق و إلى الرجعة معاً، والأمر للوجوب، لأنّه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب ـ كالندب ـ إلاّبقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب، بل القرائن هنا تؤيّد حمله على الوجوب ـ إلى أن قال: ـ فمن أشهد على طلاقه، فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدّى حدود اللّه الذي حدّه له فوقع عمله باطلاً، لا يترتّب عليه أيُّ أثر من آثاره ـ إلى أن قال: ـ وذهب الشيعة إلى وجوب الإشهاد في الطلاق وأنّه ركن من أركانه، ولم يوجبوه في الرجعة والتفريق بينهما غريب لا دليل عليه.(1)

وقال أبو زهرة: قال فقهاء الشيعة الإمامية الاثنا عشرية والإسماعيلية: إنّ الطلاق لا يقع من غير إشهاد عدلين، لقوله تعالى ـ في أحكام الطلاق وإنشائه في سورة الطلاق ـ : (وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بهِ مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللّهِ واليومِ الآخرِ ومَن يَتَّقِ اللّهَ يَجعل لَهُ مَخرجاً * ويرزقه مِنْ حيثُ لا يحتَسب)(2) فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر إنشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعاً إليه، وإنّ تعليل الإشهاد بأنّه يوعظ به من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر يرشّح ذلك ويقوّيه، لأنّ حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين، فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى اللّه سبحانه وتعالى.

وأنّه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي، فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين.(3)


1 . نظام الطلاق في الإسلام: 118ـ 119.
2 . الطلاق:2ـ3.
3. الأحوال الشخصية: 365، كما في الفقه على المذاهب الخمسة: 131.


(55)

وهذه النصوص تعرب عن كون القوم بين من يقول برجوع الإشهاد إلى الرجعة وحدها، وبين من يقول برجوعه إليها وإلى الطلاق ، ولم يقل أحد من السنّة برجوعه إلى الطلاق وحده إلاّ ما عرفته من كلام أبي زهرة. وعلى ذلك فاللازم علينا بعد نقل النص، التدبّر والاهتداء بكتاب اللّه إلى حكمه.

قال سبحانه: (يا أيُّها النبيُّ إذا طلَّقتُمُ النِّساءَ فَطلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقوا اللّهَ ربَّكم لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إلاَّ أن يأتِينَ بِفحِشَة مُبيِّنة وَتِلكَ حُدودُ اللّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللّهَ يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمراً * فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ واليومِ الآخِر وَمَن يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لهُ مَخْرَجاً).(1)

إنّ المراد من بلوغهنّ أجلهنّ: اقترابهنّ من آخر زمان العدة وإشرافهنّ عليه. والمراد بإمساكهنّ: الرجوع على سبيل الاستعارة، كما أنّ المراد بمفارقتهنّ: تركهنّ ليخرجن من العدّة ويبنّ.

لا شك أنّ قوله: (وأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْل ) ظاهر في الوجوب كسائر الأوامر الواردة في الشرع ولا يعدل عنه إلى غيره إلاّ بدليل ، إنّما الكلام في متعلّقه. فهناك احتمالات ثلاثة:

1. أن يكون قيداً لقوله: (فطلّقوهنَّ لعدّتهنَّ) .

2. أن يكون قيداً لقوله: (فأمسكوهنّ بمعروف).

3. أن يكون قيداً لقوله: (أو فارقوهنّ بمعروف) .

لم يقل أحد برجوع القيد إلى الأخير فالأمر يدور بين رجوعه إلى الأوّل أو


1 . الطلاق:1ـ2.


(56)

الثاني، والظاهر رجوعه إلى الأوّل، وذلك لأنّ السورة بصدد بيان أحكام الطلاق وقد افتتحت بقوله سبحانه: (يا أيُّها النبيُّ إذا طلّقتُمُ النِّساءَ) فذكرت للطلاق عدّة أحكام:

1. أن يكون الطلاق لعدّتهنّ.

2. إحصاء العدّة.

3. عدم خروجهنّ من بيوتهنّ.

4. خيار الزوج بين الإمساك والمفارقة عند اقتراب عدّتهنّ من الانتهاء.

5. إشهاد ذوَي عدل منكم.

6. عدّة المسترابة.

7. عدّة من لا تحيض وهي في سن من تحيض.

8. عدّة أُولات الأحمال.

وإذا لاحظت مجموع آيات السورة من أوّلها إلى الآية السابعة تجد أنّها بصدد بيان أحكام الطلاق، لأنّه المقصود الأصلي، لا الرجوع المستفاد من قوله: (فأمسكوهنّ) وقد ذكر تبعا.

وهذا هو المرويّ عن أئمتنا ـ عليهم السَّلام ـ . روى محمد بن مسلم قال: قدم رجل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ بالكوفة فقال : إنّي طلّقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل أن أُجامعها، فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :أشهدت رجلين ذوَي عدل كما أمرك اللّه؟ فقال:لا، فقال: اذهب فانّ طلاقك ليس بشيء. (1)


1 . الوسائل: ج15 الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 7 و3 ولاحظ بقية أحاديث الباب.


(57)

وروى بكير بن أعين عن الصادقين ـ عليهما السَّلام ـ أنّهما قالا: «وإن طلّقها في استقبال عدّتها طاهراً من غير جماع، ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين، فليس طلاقه إيّاها بطلاق». (1)

وروى الفضلاء من أصحابب الإمام الباقر الصادق كزرارة ومحمد بن مسلم، وبريد، وفضيل عنهما ـ عليهما السَّلام ـ في حديث انّهما قالا: وإن طلقها في استقبال عدتها طاهراً من غير جماع ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق.(2)

وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال لأبي يوسف: إنّ الدين ليس بقياس كقياسك وقياس أصحابك، إنّ اللّه أمر في كتابه بالطلاق وأكّد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلاّ عدلين، وأمر في كتابه التزويج وأهمله بلا شهود، فأتيتم بشاهدين فيما أبطل اللّه، وأبطلتم شاهدين فيما أكّد اللّه عزّ وجلّ، وأجزتم طلاق المجنون والسكران، ثم ذكر حكم تظليل المحرم. (3)

قال الطبرسي: قال المفسرون: أُمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة شاهدي عدل حتى لا تجحد المرأة المراجعة بعد انقضاء العدّة ولا الرجل الطلاق. وقيل: معناه وأشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم، وهو المروي عن أئمتنا ـ عليهم السَّلام ـ وهذا أليق بالظاهر، لأنّا إذا حملناه على الطلاق كان أمراً يقتضي الوجوب وهو من شرائط الطلاق، ومن قال: إنّ ذلك راجع إلى المراجعة، حمله على الندب.(4)


1 . الوسائل: ج15 الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 7 و3 ولاحظ بقية أحاديث الباب.
2 . الوسائل:15، الباب10 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث3.
3. الوسائل: ج15 الباب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 12 ولاحظ بقية أحاديث الباب.
4. مجمع البيان : 5/306.


(58)

ومن عجيب الأمر حمل الأمر على الإشهاد في الآية على الندب قال الآلوسي: وأشهدوا ذوي عدل منكم عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة(أَو فارقُوهنّ بِمعَروف) إن اخترتموها تبرياً عن الريبة وقطعاً للنزاع، وهذا أمر ندب كما في قوله تعالى: (وأَشهدوا إِذا تبايعتم) وقال الشافعي في القديم: إنّه للوجوب في الرجعة. (1)

يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر من الأمر هو الوجوب، وقد قلنا في محلّه: إنّ الأصل المقرر عند العقلاء الذي أنفذه الشارع هو «انّ أمر المولى لا يترك بلا جواب» والجواب إمّا العمل بالأمر أو قيام الدليل على كونه مندوباً، وعلى ضوء ذلك فالأمر في المقام للوجوب خصوصاً بالنسبة إلى حكمة التشريع الذي ذكره وهو قوله تبرياً عن الريبة وقطعاً للنزاع.

وأمّا قوله سبحانه: (وَاشهدوا إِذا تَبايَعْتُمْ) فقد اتّفقت الأُمّة على كون الإشهاد عند البيع أمراً مندوباً.

ثمّ إنّ الشيخ أحمد محمد شاكر، القاضي الشرعي بمصر كتب كتاباً حول «نظـام الطلاق في الإسلام» وأهدى نسخة منه مشفوعة برسالة إلى العلامة الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وكتب إليه: إنّني ذهبت إلى اشتراط حضور شاهدين حين الطلاق، وإنّه إذا حصل الطلاق في غير حضرة الشاهدين لم يكن طلاقاً ولم يعتد به، وهذا القول وإن كان مخالفاً للمذاهب الأربعة المعروفة إلاّ أنّه يؤيّده الدليل ويوافق مذهب أئمّة أهل البيت والشيعة الإمامية.

وذهبتُ أيضاً إلى اشتراط حضور شاهدين حين المراجعة، وهو يوافق أحد القولين للإمام الشافعي ويخالف مذهب أهل البيت والشيعة، واستغربت (2) من


1 . روح المعاني: 28/134.
2 . مرّ نصّ كلامه حيث قال: والتفريق بينهما غريب.


(59)

قولهم أن يفرقوا بينهما والدليل له: (وأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْل منكُم) واحد فيها.

وبعث إليه العلاّمة كاشف الغطاء برسالة جوابية بيّـن فيها وجه التفريق بينهما، وإليك نص ما يهمنا من الرسالة:

قال بعد كلام له : وكأنّك ـ أنار اللّه برهانك ـ لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة كما هي عادتك من الإمعان في غير هذا المقام، وإلاّ لما كان يخفى عليك أنّ السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه حتى أنّها قد سمّيت بسورة الطلاق، وابتدأ الكلام في صدرها بقوله تعالى: (إذا طلّقتم النساء) ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدّة أي لا يكون في طهر المواقعة، ولا في الحيض، ولزوم إحصاء العدّة، وعدم إخراجهنّ من البيوت، ثمّ استطرد إلى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق حيث قال عزّ شأنه: (فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف) أي إذا أشرفن على الخروح من العدّة، فلكم إمساكهنّ بالرجعة أو تركهنّ على المفارقة. ثمّ عاد إلى تتمة أحكام الطلاق فقال: (وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل منكُم) أي في الطلاق الذي سيق الكلام كلّه لبيان أحكامه ويستهجن عوده إلى الرجعة التي لم تذكر إلاّ تبعاً واستطراداً، ألا ترى لو قال القائل: إذا جاءك العالم وجب عليك احترامه واكرامه وأن تستقبله سواء جاء وحده أو مع خادمه أو رفيقه، ويجب المشايعة وحسن الموادعة، فانّك لا تفهم من هذا الكلام إلاّ وجوب المشايعة والموادعة للعالم لا له ولخادمه ورفيقه، وإن تأخّرا عنه، وهذا لعمري حسب القواعد العربية والذوق السليم جلي واضح لم يكن ليخفى عليك وأنت خريت العربية لولا الغفلة (وللغفلات تعرض للأريب)، هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الآية الكريمة.

وهنالك ما هو أدقّ وأحقّ بالاعتبار من حيث الحكمة الشرعية والفلسفة


(60)

الإسلامية وشموخ مقامها وبعد نظرها في أحكامها. وهو أنّ من المعلوم أنّه ما من حلال أبغض إلى اللّه سبحانه من الطلاق، ودين الإسلام كما تعلمون ـ جمعي اجتماعي ـ لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة لاسيما في العائلة والأُسرة، وعلى الأخص في الزيجة بعد ما أفضى كل منهما إلى الآخر بما أفضى.

فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثّر قيوده وشروطه على القاعدة المعروفة من أنّ الشيء إذا كثرت قيوده، عزّ أو قلّ وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أوّلاً وللتأخير والأناة ثانياً، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندهما يحصل الندم ويعودان إلى الألفة كما أُشير إليه بقوله تعالى: (لا تدري لعلَّ اللّه يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمراً) وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين، لا شكّ أنّها ملحوظة للشارع الحكيم مضافاً إلى الفوائد الأُخر، وهذا كلّه بعكس قضية الرجوع فإنّ الشارع يريد التعجيل به، ولعلّ للتأخير آفات فلم يوجب في الرجعة أيّ شرط من الشروط.

وتصح عندنا معشر الإمامية ـ بكلّ ما دلّ عليها من قول أو فعل أو إشارة ـ ولا يشترط فيها صيغة خاصة كما يشترط في الطلاق; كل ذلك تسهيلاً لوقوع هذا الأمر المحبوب للشارع الرحيم بعباده والرغبة الأكيدة في إلفتهم وعدم تفرّقهم، وكيف لا يكفي في الرجعة حتى الإشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع وهي ـ أي المطلّقة الرجعية ـ عندنا معشر الإمامية لا تزال زوجة إلى أن تخرج من العدّة، ولذا ترثه ويرثها، وتغسّله ويغسّلها، وتجب عليه نفقتها، ولا يجوز أن يتزوّج بأُختها، وبالخامسة، إلى غير ذلك من أحكام الزوجية. (1)


1 . أصل الشيعة وأُصولها: 163ـ 165 ، الطبعة الثانية.


(61)

16
الطلاق ثلاثاً بصيغة أو ثلاث صيغ في مجلس واحد


(62)


(63)

الطلاق ثلاثاً بصيغة أو ثلاث صيغ
في مجلس واحد

من المسائل التي أوجبت انغلاقاً وعنفاً في الحياة، وأدّت إلى تمزيق الأُسر وتقطيع صلات الأرحام في كثير من البلاد، مسألة تصحيح الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة، بأن يقول: أنت طالق ثلاثاً، أو يكرّره ثلاث دفعات ويقول في مجلس واحد: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق. حيث تحسب ثلاث تطليقات حقيقية وتحرم المطلّقة على زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.

إنّ الطلاق عند أكثر أهل السنّة غير مشروط بشروط عائقة عن التسرّع إلى الطلاق، ككونها غير حائض، أو في غير طهر المواقعة، أو لزوم حضور العدلين. فربّما يتغلّب الغيظ على الزوج ويمتلكه الغضب فيطلّقها ثلاثاً في مجلس واحد، ثمّ يندم على عمله ندامة شديدة فتضيق عليه الأرض بما رحبت ويتطلّب المَخْلَص من أثره السيّئ، ولا يجد عند أئمّة المذاهب الأربعة و الدعاة إليها مخلصاً فيقعد ملوماً محسوراً، ولا يزيده السؤال والفحص إلاّ نفوراً من الفقه والفتوى.

إنّ إغلاق باب الاجتهاد وإقفاله بوجه الأُمّة، ومنع المفكرين من استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة دون التزام برأي إمام خاص، أثار مشاكل كثيرة في مسائل لها صلة بالأُسرة، يقول الكاتب محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار


(64)

السنة المحمدية: إنّ رابطة الأُسرة التي وثّقها اللّه برباط الزوجية وهَتْ وكادت أن تنفصم عروتها، بلى قد انفصمت في كثير من الطبقات وكان منشأ ذلك، ما استنّه الناس في الزواج من سنن سيئة وما شدّد الفقهاء قديماً وحديثاً في الطلاق حتّى جعلوه أشبه بالعبث واللعب(1) أو بالآصار والأغلال، وكم لمست فيما عرض لي في حياتي الوعظية، شقاء كثير من الأزواج الذين أوقعهم سوء حظهم في مشكل من مشاكل الطلاق فيطلبون حلها عند أحد أُولئك الجامدين فلا يزيدها إلاّ تعقيداً.(2)

وليس الفقّي هو المشتكي الوحيد من إغلاق باب الاجتهاد، والتعبّد بحرفية المذاهب الأربعة، بل هو أحد مَن ضم صوته إلى صوت أحمد محمد شاكر عضو المحكمة العليا الشرعية حيث لمس خطورة الموقف، التي سبّبت إحلال القوانين الوضعية مكان الأحكام الإسلامية.

قال: كان والدي: الشيخ محمد شاكر كاتب الفتوى لدى شيخه الشيخ محمد العباس المهدي مفتي الديار المصرية ـ رحمه اللّه ـ فجاءت أمرأة شابة ، حُكم على زوجها بالسجن مدّة طويلة، وهي تخشى الفتنة وتريد عرض أمرها على المفتي يرى لها رأياً في الطلاق من زوجها لتتزوج من غيره، وليس في مذهب الإمام أبي حنيفة حلٌّ لمثل هذه المعضلة إلاّ الصبر و الانتظار فصرفها الوالد معتذراً آسفاً متألِّماً.

ثمّ عرض الأمر على شيخه المفتي، واقترح عليه اقتباس بعض الأحكام من


1 . يقف على صدق هذا، من طالع مبحث الحلف بالطلاق في الكتب الفقهية التي تعبر عنه بالطلاق غير المعتبر، حيث أصبح الطلاق أُلعوبة بيد الزوج.
2 . مقدّمة «نظام الطلاق في الإسلام»: 6.


(65)

مذهب الإمام مالك في مثل هذه المشاكل، فأبى الشيخ كلّ الإباء واستنكر هذا الرأي أشدّ استنكار، وكان بين الأُستاذ وتلميذه جدال جادّ في هذا الشأن لم يؤثر على ما كان بينهما من مودة وعطف، ومازال الأُستاذ الوالد ـ حفظه اللّه ـ ... برأيه، معتقداً صحّته وفائدته للناس.(1)

ولو كان والد الشيخ أحمد (محمد شاكر) مطلعاً على فقه أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وانّ لهم في هذه المشاكل المستعصية حلولاً واضحة مأخوذة من الكتاب والسنّة، لاقترح على أُستاذه الرجوعَ إليه.

كيف والإمام جعفر الصادق ـ عليه السَّلام ـ أبو الفقهاء،وقد تتلمذ على يده الأئمّة الأربعة إمّا مباشرة أو بالواسطة.

إنّ أغلب المشاكل التي واجهت الشيخ في المحاكم هي إعسار الزوج، وإضراره بالزوجة، وغيبته الطويلة وماضاهاها، ولم يكن في فقه الإمام أبي حنيفة حلولاً لها، مع أنّ هذه المشاكل مطروحة في الفقه الإمامي بأوضح الوجوه.

وكان الأولى بوالد الشيخ أن يقترح كسر طوق التقليد والرجوع إلى الكتاب والسنّة لاستنباط الأحكام الشرعية من دون التزام برأي إمام دون إمام، و هذا هو الحجر الأساس لحلّ هذه المعضلات، و لم يزل الفقه الإمامي منادياً بهذا الأصل عبر القرون.

نحن نعلم علماً قاطعاً بأنّ الإسلام دين سهل وسمح، وليس فيه حرج وهذا يدفع الدعاة المخلصين إلى دراسة المسألة من جديد دراسة حرّة بعيدة عن أبحاث الجامدين الذين أغلقوا باب الاجتهاد في الأحكام الشرعية أمام وجوههم، وعن أبحاث أصحاب الهوى الهدّامين الذين يريدون تجريد الأُمم من الإسلام، حتى


1 . نظام الطلاق في الإسلام: 9ـ10.


(66)

ينظروا إلى المسألة ويتطلبوا حكمها من الكتاب والسنّة، متجرّدين عن كلّ رأي مسبق فلعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً، وربّما تفك العقدة ويجد المفتي مَخلصاً من هذا المضيق الذي أوجده تقليد المذاهب.

وإليك نقل الأقوال:

قال الشيخ الطوسي: إذا طلّقها ثلاثاً بلفظ واحد، كان مبدعاً ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا، وفيهم من قال: لا يقع شيء أصلاً وبه قال عليـ عليه السَّلام ـ وأهل الظاهر ، وحكى الطحاوي عن محمد بن إسحاق أنّه تقع واحدة كما قلناه، ورُوي أنّ ابن عباس وطاووساً كانا يذهبان إلى ما يقوله الإمامية.

وقال الشافعي: فإن طلّقها ثنتين أو ثلاثاً في طهر لم يجامعها فيه، دفعة أو متفرّقة كان ذلك مباحاً غير محذور ووقع. وبه قال في الصحابة عبد الرحمان بن عوف، ورووه عن الحسن بن علي ـ عليهما السَّلام ـ ، وفي التابعين ابن سيرين، وفي الفقهاء أحمد وإسحاق وأبو ثور.

وقال قوم: إذا طلّقها في طهر واحد ثنتين أو ثلاثاً دفعة واحدة، أو متفرقة، فعل محرّماً وعصى وأثم، ذهب إليه في الصحابة عليـ عليه السَّلام ـ ، وعمر، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وفي الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه ومالك، قالوا: إلاّ أنّ ذلك واقع. (1)

قال ابن رشد: جمهور فقهاء الأمصار على أنّ الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة، وقـال أهل الظاهـر وجماعة: حكمه حكم الواحدة ولا تأثير للفظ في ذلك. (2)


1 . الخلاف: 2 كتاب الطلاق ، المسألة 3. وعلى ما ذكره، نقل عن الإمام عليّ رأيان متناقضان: عدم الوقوع والوقوع مع الإثم.
2 . بداية المجتهد: 2/61 ، ط بيروت.


(67)

وقال عبد الرحمان الجزيري: يملك الرجل الحرُّ ثلاث طلقات، فإذا طلّق الرجل زوجته ثلاثاً دفعة واحدة، بأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً، لزمه ما نطق به من العدد في المذاهب الأربعة وهو رأي الجمهور، وخالفهم في ذلك بعض المجتهدين: كطاووس وعكرمة وابن إسحاق وعلى رأسهم ابن عباس ـ رضي اللّه عنهم ـ .(1)

وقد بين فتاوى الجمهور، الفقيه المعاصر «وهبة الزحيلي» وقال: اتّفق فقهاء المذاهب الأربعة والظاهرية على أنّه إذا قال الرجل لغير المدخول بها: «أنت طالق ثلاثاً» وقع الثلاث، لأنّ الجميع صادف الزوجية، فوقع الجميع، كما لو قال ذلك للمدخول بها.

واتّفقوا أيضاً على أنّه إن قال الزوج لامرأته:«أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» وتخلل فصل بينها، وقعت الثلاث سواء أقصد التأكيد أم لا، لأنّه خلاف الظاهر، وإن قال: قصدت التأكيد صدق ديانة، لا قضاء.

وإن لم يتخلل فصل، فإن قصد تأكيد الطلقة الأُولى بالأخيرتين، فتقع واحدة، لأنّ التأكيد في الكلام معهود لغة وشرعاً، وإن قصد استئنافاً أو أطلق (بأن لم يقصد تأكيداً ولا استئنافاً) تقع الثلاث عملاً بظاهر اللفظ.

وكذا تُطلَّق ثلاثاً إن قال: أنت طالق، ثمّ طالق، ثم طالق، أو عطف بالواو أو بالفاء.(2)

هذه هي آراء جمهور فقهاء السنّة، وقد خالفهم جماعة من الصحابة والتابعين ذكر أسماء غير واحد منهم الشوكاني في «نيل الأوطار» وقال:


1 . الفقه على المذاهب الأربعة: 4/341.
2 . الفقه الإسلامي وأدلّته:7/391 ـ 392.


(68)

ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّ الطلاق لا يتبع الطلاق بل يقع واحدة فقط. وقد حكى ذلك صاحب البحر عن أبي موسى ورواية عن عليـ عليه السَّلام ـ وابن عباس و طاووس و عطاء وجابر بن زيد و الهادي والقاسم والباقر والناصر وأحمد بن عيسى، و عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه.

ورواية عن زيد بن علي وإليه ذهب جماعة من المتأخرين منهم ابن تيمية وابن القيم وجماعة من المحقّقين ، وقد نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق عن محمد بن وضاح، ونُقل الفتوى بذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن بقي ومحمد بن عبد السلام وغيرهما، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاووس وعمر بن دينار وحكاه ابن مغيث أيضاً في ذلك الكتاب عن علي (رضي اللّه عنه) وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير.(1)

إلى غير ذلك من نظائر تلك الكلمات التي تعرب عن اتّفاق جمهور الفقهاء بعد عصر التابعين على نفوذ ذلك الطلاق محتجّين بما تسمع، ورائدهم في ذلك تنفيذ عمر بن الخطاب، الطلاق الثلاث بمرأى ومسمع من الصحابة، ولكن لو دلّ الكتاب والسنّة على خلافه فالأخذ بما دلّ متعيّـن.

وتبيين الحق يتم ضمن أُمور:


1 . نيل الأوطار:6/231.


(69)

دراسة الآيات الواردة في المقام

قال سبحانه:

(والمُطلَّقاتُ يَتَربَّصنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُروء ولا يَحلُّ لَهُنَّ أن يكتُمنَ ما خلَقَ اللّهُ في أرحامِهنَّ إنْ كُنَّ يُؤمِنَّ باللّهِ واليومِ الآخرِ وبُعولَتُهنَّ أحقُّ بِرَدِّهنَّ في ذلكَ إنْ أَرادُوا إصلاحاً ولَهُنَّ مثلُ الَّذِي عليهنَّ بالمعروفِ وللرجال عليهنَّ درجةٌ واللّهُ عزيزٌ حكيم).(1)

قوله سبحانه: (وَلَهُنّ مِثلُ الَّذِي عليهنَّ بالمعروف) كلمة جامعة لا يُؤدَّى حقّها إلاّ بمقال ، وهي صريحة في أنّ الحقوق بينهما متبادلة، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلاّ وعلى الرجل عمل يقابله، فهما ـ في حقل المعاشرة ـ متماثلان في الحقوق والأعمال، فلا تسعد الحياة إلاّ باحترام كل من الزوجين للآخر، وقيام كلّ منهما بواجباته، فعلى المرأة القيام بتدبير المنزل وإنجاز الأعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه، هذا هو الأصل الثابت في حياة الزوجين والذي تؤيدها الفطرة، وقد قسّم النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الأُمور بين ابنته فاطمة وزوجها عليـ عليه السَّلام ـ على النحو الذي ذكرناه.

(الطلاقُ مَرّتان فإِمْسَاكٌ بمعروف أو تَسريحٌ بإحسان وَلاَ يحِلُّ لَكُمْ أنْ تأخذُوا مِمّا آتَيتمُوهُنَّ شيئاً إلاّ أنْ يَخَافَا ألاّ يُقِيمَا


1 . البقرة:228.


(70)

حُدودَ اللّهِ فَإنْ خِفتُمْ ألاّ يُقيما حُدودَ اللّهِ فلا جُناحَ عَليهِما فيما افتدَتْ بهِ تِلكَ حُدودُ اللّهِ فَلا تَعتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدودَ اللّهِ فَأُولئكَ هُمُ الظّالِمونَ).(1)

كان للعرب في الجاهلية طلاق وعدّة مقدرة للمطلقة، ورجعة للمطلِّق أثناء العدة، ولكن لم يكن للطلاق عدد معيّن، فربما طلّق الرجل امرأته مائة مرة وراجعها، وتكون المرأة بذلك أُلعوبة بيد الرجل يضارّها بالطلاق والرجوع متى شاء.

وجاء في بعض الروايات : انّ رجلاً قال لامرأته: لا أقربك أبداً، ومع ذلك تبقين في عصمتي، ولا تستطيعين الزواج من غيري، قالت له: كيف ذلك؟ قال: أُطلّقك، حتى إذا قرب انقضاء العدة راجعتُكِ، ثمّ طلقتُكِ، وهكذا أبداً، فشكته إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فأنزل سبحانه: (الطّلاق مرّتان).(2) أي أنّ الطلاق الذي شرع اللّه فيه الرجوع هو الطلاق الأوّل والثاني فقط و أمّا الطلاق الثالث فلا يحلّ الرجوع بعده حتّى تنكح زوجاً غير المطلق، فعندئذ لو طلّقها فيحلّ للأوّل نكاحها، هذا هو مفهوم الآية:

(فَإن طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعدُ حَتى تَنكحَ زوجاً غيرَهُ فإن طلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيهِمَا أن يَتَراجَعا إن ظَنّا أن يُقِيما حُدودَ اللّهِ وَتِلكَ حُدودُ اللّهِ يُبَيِّنُها لِقَوم يَعلَمونَ). (3)

(وإذا طَلَّقتُمُ النِساءَ فَبَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمسِكُوهُنَّ


1 . البقرة:229.
2 . مجمع البيان:1/328; تفسير البغوي: 1/328; تفسير البغوي:1/304; روح المعاني:2/135; الكاشف:1/346.
3. البقرة:230.


(71)

بَمَعرُوف أَو سَـرِّحُوهُنَّ بِمَعرُوف ولا تُمسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعتَدُوا وَمَن يَفعل ذَلِكَ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُ ...).(1)

جئنا بمجموع الآيات الأربع ـ مع أنّ موضع الاستدلال هو الآية الثانية ـ للاستشهاد بها في ثنايا البحث وقبل الخوض في الاستدلال نشير إلى نكات في الآيات:

«المرّة» بمعنى الدفعة للدلالة على الواحد في الفعل، و «الإمساك» خلاف الإطلاق.

و«التسريح» في قوله:(أَوْ تَسريحٌ بإِحسان) مأخوذ من السرح وهو الإطلاق، يقال: سرّح الماشية في المرعى: إذا أطلقها لترعى. والمراد من الإمساك هو إرجاعها إلى عصمة الزوجية.

تفسير قوله: (أو تسريح بإحسان)

أنّ المقصود من «التسريح» عدم التعرّض لها لتنقضي عدتها في كل طلاق أو الطلاق الثالث الذي هو أيضاً نوع من التسريح . على اختلاف في معنى الجملة .

وذلك لانّ التسريح الذي هو خلاف الإمساك قابل للانطباق على الأمرين:

1. عدم التعرض لها حتّى تنقضي عدّتها.

2. أن يرجع إليها ثمّ يطلقها طلقة ثالثة.

وفي ضوء ذلك للمفسّرين في تفسير قوله :(أَو تسريحٌ بإِحسان) رأيان:

الأوّل: انّه ناظر إلى عدم التعرض لها حتّى تنقضي عدّتها، ويمكن تقريب


1 . البقرة:231.


(72)

هذا القول بالوجوه التالية:

أ. إنّ التسريح بالمعروف في الآية 231 أُريد به ترك الرجعة، قال سبحانه: (وإذا طَلَّقتُمُ النِساءَ فَبَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمسِكُوهُنَّ بَمَعرُوف أَو سَـرِّحُوهُنَّ بِمَعرُوف).

فالأولى حمل الثانية أيضاً على ترك الرجعة وإن اختلفا في التعبير حيث إنّ التعبير في المقام هو (أو تسريحٌ بإِحسان) وفي الآية الأُخرى:(أَو سرحوهنّ بمعروف)، ولعلّ المعروف والإحسان بمعنى واحد، كما عبّر عن ترك الرجعة بلفظة (أَو فارقُوهنّ بِمَعْرُوف)(1) فالأولى تفسير الجميع بترك الرجعة.

ب. انّ التطليقة الثالثة مذكورة بعد هذه الجملة (أَو تسريح بإِحسان)، حيث قال سبحانه: (فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجاً غيره)، وعندئذ فلا محيص من تفسير الجملة بترك الرجعة، حتّى لا يلزم التكرار.

ج. لا يجوز أن يفسّر قوله : (أَو تسريحٌ بإِحسان) بالطلاق الثالث و إلاّ يلزم أن يكون قوله: (فإن طلّقها فلا تحلّ له) طلاقاً رابعاً ولا طلاق رابع في الإسلام.(2)

الثاني: إنّ المراد بقوله: (أو تسريحٌ بإِحسان)، هو الطلاق الثالث، لا ترك الرجعة بعد الطلاق الثاني ومعنى الآية انّ الزوج بعد ما طلّق زوجته مرّتين يجب أن يفكر في أمر زوجته أكثر ممّا مضى حتّى يقف على أنّه ليس له بعد الطلقتين إلاّ أحد أمرين:

أمّا الإمساك بمعروف والاستمرار معها، أو التسريح بإحسان بالتطليقة الثالثة التي لا رجوع بعدها أبداً إلاّ في ظرف خاص أشار إليها في الآية التالية


1 . الطلاق:2.
2 . هذه الوجوه ذكرها الجصّاص في تفسيره:1/389.


(73)

بقوله: (فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجاً غيره).

وعندئذ يكون قوله: (أو تسريح بإِحسان) إشارة إلى التطليق الثالث الذي لا رجوع فيه ويكون التسريح بالمقام متحقّقاً في الطلاق الثالث على هذا القول لا بترك الرجعة كما على القول الآخر.

هذا ما ذكرناه هو عصارة القولين ولكلّ قائل.

وأمّا الوجوه التي ذُكرت تأييداً للقول الأوّل فالثاني والثالث قابلان للدفع، أمّا الثاني فلأنّه لا مانع من ذكر الشيء أوّلاً بالإجمال(أو تسريح بإحسان) ثمّ التفصيل ثانياً بقوله: (فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجاً غيره) ،فهو بيان تفصيلي للتسريح بعد البيان الإجمالي، والتفصيل مشتمل على ما لم يشتمل عليه الإجمال من تحريمها عليه حتّى تنكح زوجاً غيره، فلو طلّقها الزوج الثاني باختياره فلا جناح عليهما بالعقد الجديد ان ظنّا أن يقيما حدود اللّه، فأين هذه التفاصيل من قوله(أَو تسريحٌ بإِحسان)؟!

وبذلك يعلم دفع الوجه الثالث، لأنّ حمل قوله: (أَو تسريح بإحسان) على الطلقة الثالثة لا يلزم أن يكون قوله: (فإن طلقها فلا تحل من بعد...) طلاقاً رابعاً، بل يكون تفسيراً له.

أضف إلى ذلك انّ روايات الفريقين تؤيد المعنى الثاني.

روى أبو رزين قال: جاء رجل إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا رسول اللّه، أرأيت قول اللّه تعالى: (الطّلاق مرّتان فإِمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) فأين الثالثة؟ فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان).

ورواه الثوري و غيره عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مثله.(1)


1 . تفسير القرطبي:3/128.


(74)

وقد عزا الطبرسي القول الأوّل إلى أبي جعفر وأبي عبد اللّه ـ عليهما السَّلام ـ مع أنّه روى السيد البحراني في تفسير البرهان روايات ست عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ تؤيّد القول الثاني.

وعلى كلّ تقدير فالوجه الثاني والثالث قابل للإجابة، وأمّا الوجه الأوّل، فالإجابة عنه واضحة، وذلك لأنّ التسريح في الموارد الثلاثة بمعنى الإطلاق وإنّما الاختلاف في المصداق فلا مانع من أن يكون المحقّق له في المقام هو الطلاق و في الآيتين هو ترك الرجعة والاختلاف في المصداق لا يوجب اختلافاً في المفهوم.

إلى هنا تمّ تفسير قوله سبحانه:(الطّلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان).

وإليك تفسير ما بقي من الآية، أعني قوله: (ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً إلاّ أن يخافا ألا يقيما حدود اللّه فإن خفتم ألاّ يقيما حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود اللّه فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود اللّه فأُولئك هم الظالمون).(1)

وهذه الفقرة من الآية ناظرة إلى بيان أمرين:

الأوّل: انّه لا يحلّ للزوج أن يأخذ من الزوجة شيئاً ممّا آتاها إذا أراد طلاقها قال سبحانه: (ولا يحلّ لَكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً)، وفي آية أُخرى(وإن أردتُّمْ استبدالَ زوج مَكانَ زوج وآتيتم إحداهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأخُذُوا منه شيئاً أتأخذونهُ بهتاناً وإثماً مُبيناً).(2)

الثاني: انّه سبحانه استثنى من عدم جواز الأخذ صورة خاصة، وهي أنّ


1 . البقرة:229.
2 . النساء:20.


(75)

تكون الزوجة كارهة للزوج ولا تُطيق عشرته بحيث يؤدي نفورها منه إلى معصية اللّه في التقصير بحقوق الزوج وقد يخاف الزوج أيضاً أن يقابلها بالإساءة أكثر ممّا تستحقّ، ففي هذه الحال يجوز لها أن تطلب الطلاق من الزوج وتعوضه عنه بما يرضيه، كما يجوز له أن يأخذ ما افتدت به نفسها، وإليه يشير قوله سبحانه: (فإن خفتم ألاّ يقيما حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به...)إلى هنا تمّ تفسير الآية 229، وإليك تفسير الآية 230.

***

(فِإِنْ طَلَّقها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوجاً غَيْرُهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعَا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوم يَعْلَمُون).(1)

ومحصل الآية انّ من طلّق زوجته ثلاث مرات فلا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً، ثمّ إذا فارقها بموت أو طلاق وانقضت عدّتها جاز للأوّل أن يعقد عليها ثانياً.

ثمّ إنّ للمحلل شروطاً مذكورة في كتب الفقه.

وأمّا الآية الرابعة، أعني قوله: (فإِذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ)، فإنّها واضحة المفهوم.

هذا ما ارتأينا ذكره بشأن تفسير الآيات، ونرجع الآن إلى صلب البحث وهو حكم الطلاق ثلاثاً، فنقول:

إذا تعرّفت على مفاد الآية، فاعلم أنّ الكتاب والسنّة يدلاّن على بطلان الطلاق ثلاثاً، وأنّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الأُخرى، يتخلّل بينهما رجوع


1 . البقرة:230.


(76)

أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة، أو كرّر الصيغة فلا يقع الثلاث. وأمّا احتسابها طلاقاً واحداً ، فهو وإن كان حقّاً، لكنّه خارج عن موضوع بحثنا، وإليك الاستدلال عن طريق الكتاب أوّلاً والسنّة ثانياً:

أوّلاً: الاستدلال عن طريق الكتاب بوجوه:

1. قوله سبحانه: (الطلاق مرّتان)

إنّ قوله سبحانه: (الطلاق مرّتان) : ظاهر في :

1. إنّ هذا الحكم يشمل كافّة أقسام الطلاق وانّ التفريق بين الطلقات ليس من خصيصة طلاق دون طلاق، بل طبيعة الطلاق تلازم ذلك الطلاق، لأنّ الألف واللام إذا لم يكونا للمعهود أفاد الاستغراق، فصار تقدير الآية: كلّ الطلاق مرّتان، ومرّة ثالثة، ولو قال هكذا لأفاد انّ الطلاق المشروع متفرّق، لأنّ المرّات لا تكون إلاّ بعد تفرّق بالإجماع.(1)

2. انّ قوله: مرّتان ظاهر في لزوم وقوعه مرّة بعد أُخرى لا دفعة واحدة وإلاّ يصير مرّة ودفعة، ولأجل ذلك عبّـر سبحانه بلفظ «المرّة» ليدلّ على كيفية الفعل وانّه الواحد منه، كما أنّ الدفعة والكرّة والنزلة، مثل المرّة، وزناً ومعنىً واعتباراً.

وعلى ما ذكرنا فلو قال المطلِّق: أنت طالق ثلاثاً، لم يطلِّق زوجته مرة بعد أُخرى، ولم يطلّق مرّتين، بل هو طلاق واحد، وأمّا قوله «ثلاثاً» فلا يصير سبباً لتكرّره، وتشهد بذلك فروع فقهية لم يقل أحد من الفقهاء فيها بالتكرار بضم عدد فوق الواحد. مثلاً اعتبر في اللعان شهادات أربع، فلا تجزي عنها شهادة واحدة


1 . التفسير الكبير:6/103.


(77)

مشفوعة بقوله «أربعا». وفصول الأذان المأخذوة فيها التثنية، لا يتأتّى التكرار فيها بقراءة واحدة وإردافها بقوله «مرتين»، ولو حلف في القسامة وقال: «أُقسم باللّه خمسين يميناً أنّ هذا قاتله» كان هذا يميناً واحداً، ولو قال المقرّ بالزنا: «أنا أُقرّ أربع مرّات أنّي زنيت» كان إقراراً واحداً، ويحتاج إلى إقرارات ثلاث، إلى غير ذلك من الموارد التي لا يكفي فيها العدد عن التكرار.

هذا هو المقياس الكلي في كلّ مورد اعتبر فيه العدد كرمي الجمرات السبع فلا يجزي عنه رمي الحصيات مرة واحدة، و كتكبيرات صلاة العيدين الخمس أو السبع المتوالية ـ عند القوم ـ قبل القراءة لا تتأتى بتكبيرة واحدة بعدها قول المصلي خمساً أو سبعاً، وكصلاة التسبيح(1) وقد أخذ في تسبيحاتها العدد عشراً وخمسة عشر فلا تجزي عنها تسبيحة واحدة مردوفة بقوله عشراً أو خمسة عشر، وهذه كلّها ممّا لا خلاف فيها.

ولم أر من تردّد في ذلك غير ابن حزم، فزعم انّه ربما يستعمل في غير ذلك المعنى حيث قال: وأمّا قولهم: معنى قوله(الطلاق مرّتان) انّ معناه مرّة بعد مرّة فخطأ، بل هذه الآية كقوله تعالى:(نؤتها أجرها مرّتين) أي مضاعفاً معاً، وهذه الآية أيضاً تعليم لما دون الثلاث من الطلاق.(2)

يلاحظ على ما ذكره، أنّ استعمال «مرّتين» في هذه الآية بمعنى مضاعفاً، لأجل وجود القرينة ولولاها لحمل على المعنى الحقيقي، وذلك لأنّه سبحانه يخاطب نساء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بخطابين:

الأوّل: قوله: (يا نِساء النَّبيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشة مُبيّنة يُضاعَفْ لَها


1 . المراد صلاة جعفر الطيّار.
2 . المحلى: 10/168.


(78)

العَذابُ ضِعْفَين وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيراً).

الثاني:(وَمَنْ يَقْنُتْ مِنكُنَّ للّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرها مَرَّتينِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَريماً).(1)

فقوله في الآية الأُولى:(يُضاعف لَها العَذاب ضِعْفين) قرينة على أنّ المراد من قوله: (نُؤْتها أَجْرها مَرّتين) إيتاء الأجر المضاعف لا الأجر بعد الأجر، فلا يكون استعماله مرّتين في المضاعف فيها دليلاً على سائر المقامات.

قال الجصاص: والدليل على أنّ المقصد في قوله: (الطلاق مرّتان) الأمر بتفريق الطلاق و بيان حكم ما يتعلّق بإيقاع ما دون الثلاث من الرجعة انّه قال : (الطلاق مرّتان)، وذلك يقتضي التفريق لا محالة، لأنّه لو طلّق اثنتين معاً لما جاز أن يقال: طلّقها مرّتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين، حتى يفرق الدفع، فحينئذ يطلق عليه، وإذا كان هذا هكذا، فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلّق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لأدّى ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المرّتين، إذ كان هذا الحكم ثابتاً في المرة الواحدة إذا طلّق اثنتين، فثبت بذلك أنّ ذكر المرتين إنّما هو أمر بإيقاعه مرتين، ونهي عن الجمع بينهما في مرّة واحدة .(2)

وقد قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا طلاق إلاّ بعد نكاح»، وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا طلاق قبل نكاح»، وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا طلاق لمن لا يملك».(3)

فلا نكاح بعد الصيغة الأُولى حتّى يطلق.


1 . الأحزاب:30ـ31.
2 . أحكام القرآن: 1/378ـ379.
3. السنن الكبرى:7/318ـ 321; المستدرك للحاكم:2/24، وغيرهما من المصادر المتوفرة.


(79)

هذا كلّه إذا عبّـر عن التطليق ثلاثاً بصيغة واحدة، أمّا إذا كرّر الصيغة كما عرفت، فربّما يغتر به البسطاء ويزعمون أنّ تكرار الصيغة ينطبق على الآية، لكنّه مردود من جهة أُخرى وهي:

أنّ الصيغة الثانية والثالثة تقعان باطلتين لعدم الموضوع للطلاق، فإنّ الطلاق إنّما هو لقطع علقة الزوجية، فلا زوجية بعد الصيغة الأُولى حتى تقطع، ولا رابطة قانونية حتى تصرم.

وربّما يقال: إنّ المطلقة مازالت في حبالة الرجل وحكمها حكم الزوجة، فعندئذ يكون للصيغة الثانية والثالثة تأثير بحكم هذه الضابطة.

يلاحظ عليه: أنّه ماذا يريد من قوله: «انّها بحكم الزوجة»؟

فإن أراد به انّ للزوج حقّ الرجوع إليها، فهو صحيح ولذلك يقال: الرجعية بحكم الزوجة، أو هي زوجة باعتبار انّ للزوج إعادة البناء الذي هدمه بالطلاق، فلا حاجة إلى النكاح الجديد، وهذا غير المدّعى.

وإن أراد انّها زوجة بمعنى انّ صيغة الطلاق لم تؤثر شيئاً ولم تهدم بناء الزوجية وانّ حالها قبل الطلاق و بعده سيان، فهو على خلاف الأُصول الصحيحة، إذ كيف تكون حالها قبله و بعده سيّان، مع أنّها لو تركت حتّى تنقضي عدّتها، تصير أجنبية وبائنة بالتمام.

وكونها قابلة للطلاق الثاني ـ قبل الرجوع ـ مبنيّ على الوجه الثاني الذي عرفت مخالفته للأُصول، لا على الوجه الأوّل.

وبعبارة واضحة: إنّ الطلاق هو أن يقطع الزوج علقة الزوجيّة بينه وبين امرأته ويطلق سراحها من قيدها، وهو لا يتحقّق بدون وجود تلك العلقة الاعتبارية الاجتماعية، ومن المعلوم أنّ المطلّقة لا تطلق، والمسرَّحة لا تسرح.


(80)

على أنّ هناك إشكالاً يختص بهذه الصورة (إنشاء الطلاق الثلاث بلا تكرير للصيغة).

وتقريره: انّ الطلاق أمر اعتباري يتحقّق بإنشاء المطلّق، وليس له واقع وراء الاعتبار، مقابل الأمر التكويني الذي له واقع وراء الذهن والاعتبار.

فإذا كان الانشاء واحداً فيكون المنشأ أيضاً كذلك، فتعدّد الطلاق رهن تعدّد الإنشاء والمفروض وحدته.

نعم لا يتطرّق هذا الإشكال إلى ما إذا تعدّدت الصيغة كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.

والحاصل: أنّه لا يحصل بهذا النحو من التطليقات الثلاث، العدد الخاص الذي هو الموضوع للآية التالية، أعني قوله سبحانه: (فإن طلَّقها فلا تحلُّ له حتّى تنكح زوجاً غيره)، لأنّ تعدد الطلاق رهن تخلّل عقدة الزواج بين الطلاقين، ولو بالرجوع، وإذا لم تتخلّل يكون التكلّم أشبه بالتكلّم بكلام لغو.

قال سماك ـ من عنده ـ: إنّما النكاح عقدة تعقد، والطلاق يحلّها، وكيف تُحل عقدة قبل أن تعقد؟! (1)

والحاصل انّه إذا قال: أنت طالق، فكأنّه قال لها: حللت العقدة بيني وبينك، فسخت هذا العقد، قطعت هذا الرباط الذي يربط كلاً منّا بصاحبه; فإذا فسخ العقد الذي كان بينهما، أو حلّت العقدة أو قطع الرباط فمن أين يملك الرجل فسخ العقد أو حل العقدة أو قطع الرباط مرة أُخرى أو ثالثة؟ وفي أي عقد من العقود في هذه الشريعة المطهرة أو في غيرها من الشرائع والقوانين،


1 . السنن الكبرى:7/321.


(81)

يمكن فسخ العقد الواحد مرّتين أو ثلاثاً، وهو عقد واحد، إلاّ أن يتجدد العقد فيتجدد إمكان الفسخ، ويكون فسخاً لعقد آخر.(1)

2. قوله سبحانه: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)

تقدّم أنّ في تفسير هذه الفقرة من الآية قولين مختلفين، والمفسّـرون بين من يجعلونها ناظرة إلى الفقرة المتقدّمة، أعني قوله : (الطلاق مرّتان... ) ومن يجعلونها ناظرة إلى التطليق الثالث الذي جاء في الآية التالية، وقد عرفت ما هو الحق، فتلك الفقرة تدل على بطلان الطلاق الثلاث على كل التقادير.

أمّا على التقدير الأوّل، فواضح، لأنّ معناها أنّ كلّ مرّة من المرّتين يجب أن يتبعها أحد أمرين: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.

قال ابن كثير: أي إذا طلّقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخيّـر فيها ما دامت عدّتها باقية، بين أن تردّها إليك ناوياً الإصلاح والإحسان وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسناً إليها، لا تظلمها من حقّها شيئاً ولا تضارّ بها. (2)

وأين هذا من الطلاق ثلاثاً بلا تخلّل واحد من الأمرين ـ الإمساك أو تركها حتى ينقضي أجلها ـ سواء طلّقها بلفظ: أنت طالق ثلاثاً، أو: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.

قال الشوكاني: يشترط في وقوع الثالثة أن تكون في حال يصح من الزوج فيها الإمساك ـ قبل الطلاق الثالث ـ وإذا لم يصحّ الإمساك إلاّ بعد المراجعة لم تصحّ الثالثة إلاّ بعدها لذلك، وإذا لزم في الثالثة، لزم في الثانية.(3)


1 . نظام الطلاق في الإسلام:72.
2 . تفسير ابن كثير:1/53.
3. نيل الأوطار:6/234.


(82)

وأمّا على التقدير الثاني، فإنّ تلك الفقرة وإن كانت ناظرة لحال الطلاق الثالث، وساكتة عن حال الطلاقين الأوّلين، لكن قلنا: إنّ بعض الآيات، تدلّ على أنّ مضمونها من خصيصة مطلق الطلاق، من غير فرق بين الأوّلين والثالث، فالمطلّق يجب أن يُتبعَ طلاقه بأحد أمرين:

قال سبحانه: (فإذا طلّقتم النساء فبلغنّ أجلهنّ فأمسكوهن بمعروف أو سرّحوهنّ بمعروف).(1)

1. الإمساك بمعروف.

2. التسريح بإحسان.

فالمحصّل من المجموع هو كون إتباع الطلاق بأحد أمرين من لوازم طبيعة الطلاق الذي يصلح للرجوع.

ويظـهر ذلك بوضوح إذا وقفنا على أنّ قوله: (فبلغن أجلهنّ) من القيود الغالبية، وإلاّ فالواجب منذ أن يطلّق زوجته، هو القيام بأحد الأمرين، لكن تخصيصه بزمن خاص وهو بلوغ آجالهن، هو لأجل أنّ المطلّق الطاغي عليه غضبه وغيظه، لا تنطفئ سورة غضبه فوراً حتى تمضي عليه مدّة من الزمن تصلح فيها لأن يتفكّر في أمر زوجته ويخاطب بأحد الأمرين، وإلاّ فطبيعة الحكم الشرعي: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) تقتضي أن يكون حكماً سائداً على جميع الأزمنة من لدن أن يتفوّه بصيغة الطلاق إلى آخر لحظة تنتهي معها العدّة.

وعلى ضوء ما ذكرنا تدلّ الفقرة على بطلان الطلاق الثلاث وأنّه يخالف الكيفية المشروعة في الطلاق، غير أنّ دلالتها على القول الأوّل بنفسها، وعلى القول الثاني بمعونة الآيات الأُخر.


1 . البقرة:231.


(83)

3. قوله سبحانه: (فطلّقوهنّ لعدّتهنّ)

إنّ قوله سبحانه: ( الطلاق مرّتان) وارد في الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع(1)، ومن جانب آخر دلّ قوله سبحانه: (إذا طلّقتُمُ النِّساءَ فطلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ)(2) . على أنّ الواجب في حقّ هؤلاء هو الاعتداد وإحصاء العدّة، من غير فرق بين أن نقول أنّ «اللام» في (عدّتهنّ)للظرفية بمعنى «في عدّتهنّ» أو بمعنى الغاية، والمراد لغاية أن يعتددن، إذ على كلّ تقدير يدلّ على أنّ من خصائص الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع، هو الاعتداد وإحصاء العدّة، وهو لا يتحقّق إلاّ بفصل الأوّل عن الثاني، وإلاّ يكون الطلاق الأوّل بلا عدّة وإحصاء لو طلّق اثنتين مرّة. ولو طلّق ثلاثاً يكون الأوّل والثاني كذلك.

وقد استدلّ بعض أئمّة أهل البيت بهذه الآية على بطلان الطلاق الثلاث.

روى صفوان الجمّـال عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أنّ رجلاً قال له: إنّي طلّقت امرأتي ثلاثاً في مجلس واحد؟ قال: «ليس بشيء»، ثمّ قال: «أما تقرأ كتاب اللّه : (ياأيُّها النبيّ إذا طلّقتُمُ النِّساءَ فَطَلّقوهنّ لعدّتهنَّ ـ إلى قوله سبحانه: ـ لعلَّ اللّه يُحدثُ بعدَ ذلكَ أمراً) ثمّ قال: كلّما خالف كتاب اللّه والسنّة فهو يرد إلى كتاب اللّه والسنّة». (3)


1 . فخرج الطلاق البائن كطلاق غير المدخولة، وطلاق اليائسة من المحيض الطاعنة في السن وغيرهما.
2 . الطلاق:1.
3. قرب الاسناد : 30; ورواه الحر العاملي في وسائل الشيعة ج15، الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 25.


(84)

4. قوله سبحانه: (لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً)

أنّه لو صحّ التطليق ثلاثاً فلا يبقى لقوله سبحانه: (لعلَّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً) فائدة، لأنّه يكون بائناً ويبلغ الأمر إلى ما لا تحمد عقباه، ولا تحل العقدة إلاّ بنكاح رجل آخر وطلاقه، مع أنّ الظاهر أنّ المقصود حلّ المشكل من طريق الرجوع أو العقد في العدّة.

ثانياً: الاستدلال عن طريق السنّة

قد تعرّفت على قضاء الكتاب في المسألة، وأمّا حكم السنّة، فهي تعرب عن أنّ الرسول كان يعدّ مثل هذا الطلاق لعباً بالكتاب.

1. أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال: أُخبر رسول اللّه عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم؟! حتى قام رجل وقال: يا رسول اللّه ألا أقتله؟ (1)

ومحمود بن لبيد صحابي صغير وله سماع، روى أحمد باسناد صحيح عنه قال: أتانا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فصلّى بنا المغرب في مسجدنا، فلما سلّم منها، قال: اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم، للسبحة بعد المغرب.(2)

وهذا دليل على سماعه من الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد نقله الحافظ ابن حجر في «الإصابة».(3)

ولعلّ هذا الرجل الذي طلّق امرأته ثلاث تطليقات هو (ركانة) الذي يأتي


1 . سنن النسائي: 6/142; الدر المنثور: 1/283.
2 . مسند أحمد:5/427.
3. لاحظ :6/67.


(85)

الكلام عنه في الحديث الثاني.

ثمّ نرى أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يصف هذا النوع من الطلاق: باللعب بكتاب اللّه، وتظهر آثار الغضب في وجهه أفيمكن القول بصحّته بعد ما كان هذا منزلته؟!

ولو سلمنا عدم سماعه كما يدّعيه ابن حجر في فتح الباري (1) فهو صحابي ومراسيل الصحابة حجة بلا كلام عند الفقهاء، أخذاً بعدالتهم أجمعين.

2. روى ابن إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طلّق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها؟قال: طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد. قال: إنّما تلك طلقة واحدة فارتجعها.(2)

والسائل هو ركانة بن عبد يزيد. روى الإمام أحمد باسناد صحيح عن ابنعباس قال: طلّق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، قال: فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها؟ قال: طلّقتها ثلاثاً. قال، فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنّما تلك واحدة فأرجعها إنشئت. قال: فأرجعها، فكان ابن عباس يرى إنّما الطلاق عند كلّ طهر.(3)


1 . فتح الباري: 9/315. ومع ذلك قال: رجاله ثقات، وقال في كتابه الآخر «بلوغ المرام»: 224 : رواته موثّقون; ونقل الشوكاني في نيل الأوطار: 6/227، عن ابن كثير أنّه قال: اسناده جيد.
2 . بداية المجتهد: 2/61. ورواه آخرون كابن قيم في إغاثة اللهفان: 156، والسيوطي في الدر المنثور: 1/279 وغيرهم.
3. مسند أحمد : 1/265.


(86)

أدلّة القائل بصحّة الطلاق ثلاثاً

استدلّ القائل بجواز إرسال الثلاث دفعة أو مفرقة بالكتاب تارة والسنّة أُخرى والإجماع ثالثة.

أمّا الكتاب فبالآيات التالية:

1. انّ قوله سبحانه: (أَو تسريحٌ بإِحسان) يعمّ إيقاع الطلاق الثلاث دفعة.

2. وقوله: (وَإِنْ طلّقتُمُوهنّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسّوهُنّ).

3. وقوله: (لا جُناح عَلَيْكُمْ ان طلّقتم النساء ما لم تمسُوهنّ).

4. وقوله تعالى: (ولِلْمُطلّقات مَتاعٌ بِالْمَعرُوف).

ولم يفرق في هذه الآيات بين إيقاع الواحدة والثنتين والثلاث.

وقد أُجيب عن الاستدلال بأنّ هذه عمومات مخصّصة وإطلاقات مقيّدة بما ثبت من الأدلة الدالّة على المنع من وقوع فوق الواحدة.(1)

والأولى أن يجاب بأنّ شرط التمسّك بالإطلاق كون المتكلّم في مقام البيان لا في مقام الإجمال والإهمال، مثلاً: لو كان المتكلّم في مقام بيان حكم الطبيعة بما هي هي بأن يقول: الغنم حلال، والخنزير حرام فلا يمكن أن يستدلّ بهما على حلية الغنم وإن كان جلاّلاً أو مغصوباً تمسّكاً بإطلاقه، وقد قرر في علم الأُصول


1 . نيل الأوطار:6/232.


(87)

انّ التمسّك بالإطلاق رهن شروط ثلاثة، أوّلها: كون المتكلّم في مقام بيان الحيثية التي نحن بصدد استنباط حكمها، فإذا سكت يتمسّك بالإطلاق، وأمّا إذا لم يكن في مقام بيان تلك الحيثية، فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق، و هذه الآيات من هذا القبيل فانّها في مقام بيان أُمور أُخرى، فالأولى منها في مقام بيان كون المطلقة محرمة أبداً حتّى تنكح زوجاً غيره، والثانية في مقام بيان حكم المطلقة قبل المس ومثلها الثالثة و الرابعة في مقام بيان انّ للمطلقة حقّاً خاصاً باسم المتاع، فأين هذه الموضوعات من تجويز الطلاق ثلاثاً.

والحقّ انّ إغلاق باب الاجتهاد من أواسط القرن السابع إلى يومنا هذا صار سبباً لتدهور الاستنباط ، وإلاّ فلا يخفى ضعف هذا النوع من الاستدلال على المستنبط الملمّ بالأُصول.

الاستدلال بالسنّة

استدلّ القائل بصحّةة الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد بالسنّة:

1. خبر فاطمة بنت قيس

روى ابن حزم من طريق يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنّ فاطمة بنت قيس أخبرته انّ زوجَها ابن حفص بن المغيرة المخزومي طلّقها ثلاثاً، ثمّ انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في بيت ميمونة أُمّ المؤمنين فقالوا: انّ ابن حفص طلّق امرأته ثلاثاً فهل لها من نفقة؟ فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ليس لها نفقة، وعليها العدّة».(1)


1 . المحلى: 10/172.


(88)

فلو كانت التطليق ثلاثاً أمراً منكراً لأنكره النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

يلاحظ عليه: أنّ ابن حزم نقل الرواية على غير وجهها، فقد روى أحمد في مسنده بسنده عن فاطمة بنت قيس، قالت: كنت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، وكان قد طلّقني تطليقتين، ثمّ إنّه سار مع علي إلى اليمن حين بعثه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فبعث بتطليقتي الثالثة.(1)

وفي سنن الدارقطني بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أنّها أخبرته أنّها كانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلّقها آخر ثلاث تطليقات، فزعمت أنّها جاءت رسول اللّه فاستفته في خروجها من بيتها.(2)

وما نقله المحدثان دليل على أنّ التطليقات كانت متفرقة لا مجتمعة، غير أنّ ابن حزم تغافل عن ذكر نص الحديث.

2. حديث عائشة

روى ابن حزم عن طريق البخاري عن عائشة أُمّ المؤمنين قالت: إنّ رجلاً طلّق امرأته ثلاثاً فتزوجت فطلق(3)، فسئل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أتحلّ للأوّل؟ قال: «لا حتّى يذوق عسيلتها كما ذاق الأوّل»، فلم ينكر عليه الصلاة والسلام هذا السؤال، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك.(4)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية غير ظاهرة في أنّ التطليقات كانت مجتمعة لو لم نقل انّها ظاهرة في المتفرقة، بشهادة وقوع الطلاق في عصر رسول اللّه، وقد كان


1 . مسند أحمد:7/563، حديث 26789.
2 . سنن الدارقطني:4/29، كتاب الطلاق، الحديث80.
3. أي طلّقها الزوج الثاني.
4. المحلى:10/171.


(89)

الطلاق على عهد رسول اللّه وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة.(1)

3. حديث سهل

روى سهل بن سعد الساعدي قال: لاعن رسول اللّه بين الزبير العجلاني وزوجته، فلمّا تلاعنا، قال الزوج: إن أمسكتها فقد كذبت عليها، فهي طالق ثلاثاً، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا سبيل لك عليها .(2)

وجه الاستدلال: انّ العجلاني كان قد طلق في وقت لم يكن له أن يطلق فيه، فطلق ثلاثاً فبين له النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حكم الوقت، وانّه ليس له أن يطلق فيه ولم يبين له حكم العدد، ولو كان ذلك العدد محرماً وبدعة لبيّنه.

يلاحظ عليه: بأنّه من غرائب الاستدلال فانّ الزوج إذا لاعن زوجته تحرم عليه مؤبداً.(3) فلا موضوع للنكاح والطلاق، ولمّا كان الرجل جاهلاً بحكم الإسلام وأنّها بانت عنه باللعان من دون حاجة إلى الطلاق، طلّقها ثلاثاً بزعم انّها زوجته على رسم الجاهلية.

وأمّا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فليس في كلامه انّه انّه صحّح قوله ـ بعد اللعان ـ فهي طالق ثلاثاً، بل أشار إلى الحرمة الأبدية وانّها صارت محرمة على الزوج، وقال: «لا سبيل لك عليها»، وأين هذا من تصحيح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حكم العدد.


1 . صحيح مسلم:2، باب الطلاق الثلاث، الحديث15.
2 . سنن البيهقي:7/328.
3. اتّفقت فقهاء المذاهب الأربع على أنّ اللعان يحرم مؤبداً فلا تحلّ له أبداً حتّى وإن أكذب نفسه، نعم قالت الحنفية بالحرمة المؤبدة إلاّ إذا أكذب نفسه.( الفقه الإسلامي وأدلّته:7/177).


(90)

الاستدلال بالإجماع

استدلّ القائل بالصحّة بالإجماع وانّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ، فقال العيني في «عمدة القارئ»:

فإن قلت: ما وجه هذا النسخ وعمر لا ينسخ؟ وكيف يكون النسخ بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟

قلت: لما خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع إنكار صار إجماعاً، والنسخ بالإجماع جوّزه بعض مشايخنا بطريق أنّ الإجماع موجب علم اليقين كالنصّ، فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان النسخ جائزاً بالخبر المشهور فجوازه بالإجماع أولى.

فإن قلت: هذا إجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم، فلا يجوز ذلك في حقّهم.

قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نصّ أوجب النسخ، ولم ينقل إلينا ذلك.(1)

يلاحظ عليه: كيف يدّعي الإجماع وقد تواتر النصّ على أنّه كان على عهد رسول اللّه وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحداً، ومع ذلك كيف يدّعي الإجماع مع تحقّق الخلاف في المسألة وذهاب كثير من الصحابة والتابعين إلى عدم صحّة الطلاق ثلاثاً؟!

وأمّا التمسّك بسكوت الناس، فهو لا يكشف عن وجود نصّ يدلّ على النسخ، إذ لو كان هناك نص لأظهروه، ويصل من السلف إلى الخلف قطعاً، لأنّ المسألة ممّا يعمّ بها الابتلاء.


1 . عمدة القارئ:20/222.


(91)

ولو افترضنا وجود النصّ فكيف خفي في عصر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعصر الخليفة الأوّل وسنتين من عصر الخليفة الثاني؟!

الاجتهاد تجاه النص

التحق النبيّ الأكرم بالرفيق الأعلى وقد برز بين المسلمين اتّجاهان مختلفان، وفكران متباينان، فعليّ وسائر أئمّة أهل البيت، كانوا يتعرّفون على الحكم الشرعي من خلال النصّ الشرعي آية أو رواية، ولا يعملون برأيهم بتاتاً، وفي قبالهم لفيف من الصحابة يستخدمون الرأي للتوصّل إلى الحكم الشرعي من خلال التعرّف على المصلحة ووضع الحكم وفق متطلّباتها.

إنّ استخدام الرأي فيما لا نصّ فيه، ووضع الحكم وفق المصلحة أمر قابل للبحث والنقاش، إنّما الكلام في استخدامه فيما فيه نص، فالطائفة الثانية كانت تستخدم رأيها تجاه النص، لا في خصوص ما لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة بل حتى فيما كان فيه نصّ ودلالة.

يقول أحمد أمين المصري: ظهر لي أنّ عمر بن الخطاب كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه، وذلك أنّ ما ذكرناه هو استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة، ولكنّا نرى الخليفة سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لأجلها نزلت الآية أو ورد الحـديث، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه، وهو أقرب شيء إلى ما يعبّـر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيته. (1)

إنّ الاسترشاد بروح القانون الذي أشار إليه أحمد أمين أمر، ونبذ النص


1 . فجر الإسلام : 238، نشر دار الكتاب.


(92)

والعمل بالرأي أمر آخر، ولكن الطائفة الثانية كانت تنبذ النص وتعمل بالرأي، وما روي عن الخليفة في هذه المسألة، من هذا القبيل. وإن كنتَ في ريب من ذلك، فنحن نتلو عليك ما وقفنا عليه:

1. روى مسلم عن طاووس عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. (1)

2. وروى مسلم عن ابن طاووس عن أبيه: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبي بكر وثلاثاً من (خلافة) عمر؟ فقال: نعم. (2)

3. وروى مسلم عن طاووس أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك فلمّـا كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم. (3)

وربما يقال: انّ هذه الرواية تخالف ما روي عن ابن عباس أنّه أفتى بوقوع الثلاث .قال أحمد بن حنبل: كلّ أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما رواه طاووس في هذه المسألة، أعني بهم: سعيد بن جبير و مجاهد و نافع.

قال أبو داود في سننه: صار قول ابن عباس فيما حدثنا أحمد بن صالح ، قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس انّ ابن عباس وأبا هريرة و عبد اللّه بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثاً فكلّهم، قال:


1 . صحيح مسلم: 4/184 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتايع: بمعنى التتابع في الشر.
2 . صحيح مسلم: 4/184 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتايع: بمعنى التتابع في الشر.
3. صحيح مسلم: 4/184 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتايع: بمعنى التتابع في الشر.


(93)

لا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ المعتبر إنّما هو رواية ابن عباس و هي على بطلان الطلاق ثلاثاً، وأمّا ما نقل عنه من الرأي و هو حجّة عليه لا على غيره، ولو صحّ انّه أفتى على خلاف الرواية، فلا يكون دليلاً على ضعف الرواية، لأنّ الاحتمالات المسوّغة لترك الرواية والعدول إلى الرأي، كثيرة منها النسيان ونظائره.

ثمّ إنّ الشوكاني بعد ما ذكر هذا الجواب قال: إنّ القائلين بالتتابع (صحّة الطلاق ثلاثاً) قد استكثروا من الأجوبة على حديث ابن عباس كلّها غير خارجة عن دائرة التعسف، والحقّ أحقّ بالاتّباع.(2)

4. روى البيهقي، قال: كان أبو الصهباء كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبي بكر ـ رضى اللّه عنه ـ وصدراً من إمارة عمر ـ رضى اللّه عنه ـ فلمّـا رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم. (3)

5. أخرج الطحاوي من طريق ابن عباس أنّه قال: لمّا كان زمن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ قال: يا أيّها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة وإنّه من تعجل أناة اللّه في الطلاق ألزمناه إياه. (4)

6. عن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم، وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك. (5)


1 . نيل الأوطار:6/233.
2 . نيل الأوطار:6/234.
3. سنن البيهقي: 7/339; الدر المنثور: 1/279.
4. عمدة القارئ: 9/537، وقال: اسناده صحيح.
5. كنز العمال: 9/676، برقم 27943.


(94)

7. عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكنّ أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزِمُ كلّ نفس ما ألزَمَ نفسه؟ من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، فهي حرام; ومن قال لامرأته: أنت بائنة، فهي بائنة; ومن قال: أنت طالق ثلاثاً، فهي ثلاث. (1)

هذه النصوص تدلّ على أنّ عمل الخليفة لم يكن من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه، ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّـر عنه بتنقيح المناط وإسراء الحكم الشرعي إليالمواضع التي تشارك النصوص في المسألة، كما إذا قال: الخمر حرام، فيسري حكمه إلى كلّ مسكر أخذاً بروح القانون، وهو أنّ علّة التحريم هي الإسكار الموجود في المنصوص وغير المنصوص، وانّما كان عمله من نوع ثالث وهو الاجتهاد تجاه النص ونبذ الدليل الشرعي، والسير وراء رأيه وفكره وتشخيصه، وقد ذكروا هنا تبريرات لحكم الخليفة نذكرها تباعاً:

تبريرات لحكم الخليفة

لمّا كان الحكم الصادر عن الخليفة يخالف نصّ القرآن أو ظاهره، حاول بعض المحقّقين تبرير عمل الخليفة ببعض الوجوه حتّى يبرّر حكمه ويصحّحه ويخرجه عن مجال الاجتهاد تجاه النص، بل يكون صادراً عن دليل شرعي، وإليك بيانه:


1 . كنز العمال: 9/676، برقم 27943.


(95)

1. نسخ الكتاب بالإجماع الكاشف عن النص

إنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ.

فان قلت: ما وجه هذا النسخ وعمر ـ رضى اللّه عنه ـ لا ينسخ، وكيف يكون النسخ بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟

قلت: لمّا خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع إنكار، صار إجماعاً ، والنسخ بالإجماع جوّزه بعض مشايخنا، بطريق أنّ الإجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور.

فان قلت: هذا إجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم فلا يجوز ذلك في حقّهم.

قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا. (1)

يلاحظ عليه أولاً: أنّ المسألة يوم أفتى بها الخليفة، كانت ذات قولين بين نفس الصحابة، فكيف انعقد الإجماع على قول واحد؟! وقد عرفت الأقوال في صدر المسألة. ولأجل ذلك نرى البعض الآخر ينفي انعقاد الإجماع البتة ويقول: وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على أنّ الثلاث بلفظ واحد، واحدة، ولم ينقض هذا الإجماع بخلافه، بل لا يزال في الأُمّة من يفتي به قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا .(2)

وثانياً: أنّ هذا البيان يخالف ما برّر به الخليفة عمله حيث قال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم ، ولو كان هناك نص عند الخليفة، لكان التبرير به هو المتعيّـن.


1 . العيني: عمدة القارئ: 9/537.
2 . تيسير الوصول: 3/162.


(96)

وفي الختام نقول: أين ما ذكره صاحب العمدة ممّا ذكره الشيخ صالح بن محمد العمري (المتوفّى 1298هـ) حيث قال: إنّ المعروف عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين: أنّ حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نصّ كتاب اللّه تعالى أو سنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يُعارض نصّ الكتاب والسنّة بالاحتمالات العقليّة والخيالات النفسية، والعصبيّة الشيطانية بأن يقال: لعلّ هذا المجتهد قد اطّلع على هذا النصّ وتركه لعلّة ظهرت له، أو أنّه اطّلع على دليل آخر، ونحو هذا ممّا لهج به فرق الفقهاء المتعصّبين وأطبق عليه جهلة المقلّدين. (1)

2. تعزيرهم على ما تعدّوا به حدود اللّه

لم يكن الهدف من تنفيذ الطلاق ثلاثاً في مجلس، إلاّ عقابهم من جنس عملهم، وتعزيرهم على ما تعدّوا حدود اللّه، فاستشار أُولي الرأي، وأُولي الأمر وقال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟ فلمّـا وافقوه على ما اعتزم أمضاه عليهم وقال: أيّها الناس قد كانت لكم في الطلاق أناة وأنّه من تعجّل أناة اللّه ألزمناه إيّاه.(2)

لم أجد نصّاً ـ فيما فحصت ـ في مشاورة عمر أُولي الرأي والأمر، غير ما كتبه إلى أبي موسى الأشعري بقوله: لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة .... (3)وهو يُعرب عن عزمه وهمّه لا عن استشارته له، ولو كان بصدد الاستشارة، فالأجدر به أن يستشير الصحابة من المهاجرين


1 . إيقاظ همم أُولي الأبصار : 9.
2 . مسند أحمد : 1/314، برقم 2877.
3. كنز العمال : 9/676، برقم 27944.


(97)

والأنصار القاطنين في المدينة وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، وقد كان يستشيره في مواقف خطيرة ويقتفي رأيه.

ولا يكون استعجال الناس، مبرّراً لمخالفة الكتاب والسنّة، بل كان عليه ردع الناس عن عملهم السيّئ بقوّة ومنعة، وكيف تصحّ مؤاخذتهم بموافقتهم في عمل أسماه رسول اللّه لعباً بكتاب اللّه؟! (1)

ثمّ إنّ أحمد محمد شاكر مؤلف كتاب «نظام الطلاق في الإسلام» وإن أبدى شجاعة في هذه المسألة وأفتى ببطلان الطلاق الثلاث مطلقاً واستنبط حكم المسألة من الكتاب والسنة بوجه جدير بالاهتمام، لكنّه برّر عمل الخليفة بوجه لا يخلو من التعسّف، وقد صدر عمّا أجاب به ابن قيم الجوزية ـ كما سيوافيك كلامهـ يقول:

«ولم يكن هذا الإلزام من عمر تغييراً للحكم الظاهر من القرآن، والثابت عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّ الطلاق لا يلحق الطلاق، وانّ الطلقة الأُولى ليس للمطلق بعدها إلاّ الرجعة أو الفراق، وكذلك الثانية بعد رجعة أو زواج، وإنّما كان إلزاماً بحكم السياسة الشرعية في النظر إلى المصالح. ممّا جعل اللّه للحكام بعد استشارة أُولي الأمر، وهم العلماء و زعماء الناس و عرفاؤهم، فقد أراد عمر و الصحابة أن يمنعوا الناس من الاسترسال في الطلاق، ومن التعجل إلى بت الفراق، فألزموا المطلق ثلاث مرات في عدّة واحدة ما ظنّه ـ أو ما رغب فيه ـ من أنّها بانت منه بمرة، فمنعوه من رجعتها بإرادته ومن تزويجها بعقد آخر حتّى تنكح زوجاً غيره، ولذلك قال عمر: انّه من تعجل أناة اللّه في الطلاق الزمناه إياه، فجعله إلزاماً من الإمام و من أُولي الأمر. ولم يجعله حكماً بوقوع الطلاق الذي لم يقع، لأنّ الأحكام


1 . الدر المنثور : 1/283.


(98)

الثابتة بالكتاب والسنّة صريحاً لا يملك أحد تغييرها أو الخيار بينها و بين غيرها، سواء أكان فرداً أم كان أُمّة مجتمعة».

يلاحظ على(1)ه أوّلاً: أنّ للحاكم الإسلامي اتّخاذ سياسة مناسبة من أجل دفع المجتمع إلى ما فيه صلاحه وزجره عمّا فيه فساده.

فالتعزيرات الشرعية معظمها من هذا الباب ويشترط فيها قبل كلّ شيء أن تكون أمراً حلالاً لا حراماً، فلا يصحّ تعزير الناس بأمر لم يشرِّعه الشارع.

وعلى ضوء ذلك فلا يمكن أن يعد إمضاء عمر للتطليقات الثلاث سياسة شرعية، لأنّه من قبيل دفع الناس إلى ما نهاهم الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنه وحذّرهم منه وعدّه لعباً بكتاب اللّه حيث قال غاضباً: «أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم؟!»

وثانياً: أنّ الصحابة والتابعين ومن تلاهم تلقوه تشريعاً قام به الخليفة لا حكماً تأديبياً، ولذلك أخذوا به عبر القرون إلى يومنا هذا، و ما خالفه إلاّ النادر من أهل السنّة، كابن تيمية في «الفتاوى الكبرى»، وابن القيم في «اعلام الموقعين» و«إغاثة اللهفان».

والحقّ أن يقال: انّ إمضاء هذا النوع من الطلاق من قبل الخليفة بأيّ داع كان، قد جرّ الويل والويلات على الأُسر والعائلات، فصار سبباً لانفصام عُقَد الزوجية في عوائل كثيرة.

وممّا ذكرنا يظهر ضعف تبرير ابن قيم الجوزية عمل الخليفة بقوله: إنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسنّة والقياس والإجماع القديم، ولم يأت بعده إجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر ـ رضى اللّه عنه ـ أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة


1 . نظام الطلاق في الإسلام:80.


(99)

عقوبتهم بإمضائه عليهم ليعلموا أنّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة، وحرّمت عليه، حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة، يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإذا علموا ذلك كفّوا عن الطلاق المحرَّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النبيّ وعهد الصديق، وصدراً من خلافته كان الأليق بهم، لأنّهم لم يتابعوا فيه وكانوا يتّقون اللّه في الطلاق، وقد جعل اللّه لكلّ من اتّقاه مخرجاً، فلمّـا تركوا تقوى اللّه وتلاعبوا بكتاب اللّه وطلّقوا على غير ما شرّعه اللّه ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنّ اللّه شرّع الطلاق مرّة بعد مرّة، ولم يشرّعه كلّه مرّة واحدة .(1)

وبما ذكرنا حول كلام أحمد محمد شاكر يعلم ضعفه فلا نعيد.

3. تنفيذ الطلاق ثلاثاً للحد من الكذب

وربما يقال في تبرير فعل الخليفة الثاني هو وجود الفرق بين عصر رسول اللّه وعصر الخليفة، ففي عصر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان الناس في صلاح وفلاح، وإذا قالوا: أردنا من قولنا: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، التكرير يؤخذ بقولهم، بخلاف عصر الخليفة، فقد فشا في عصره الفساد والكذب فكانوا يعتذرون بنفس ما كانت الصحابة يعتذرون به، وبما انّ قسماً كثيراً منهم يكذبون في قولهم، بالتأكيد لم يجد الخليفة بداً من الأخذ بظاهر كلامهم وهو الطلاق ثلاثاً.

وهذا الوجه نقله الشوكاني، فقال: إنّ الناس كانوا في عهد رسول اللّه وعهد أبي بكر على صدقهم وسلامتهم وقصدهم في الغالب الفضيلة والاختيار لم يظهر فيهم خب ولا خداع، وكانوا يصدقون في إرادة التوكيد، فلمّا رأى عمر في زمانه


1 . اعلام الموقعين : 3/36.


(100)

أُموراً ظهرت وأحوالاً تغيرت وفشا إيقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل ألزمهم الثلاث في صورة التكرير، إذ صار الغالب عليهم قصدها، وقد أشار إليه بقوله: «إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة».

ثمّ إنّ الشوكاني ردّه ـ بعد نقله ـ حيث قال: وقد ارتضى هذا الجواب القرطبي، وقال النووي: إنّه أصحّ الأجوبة، ولا يخفى انّ ما جاء بلفظ يحتمل التأكيد وادعى انّه نواه يُصدَّق في دعواه ولو في آخر الدهر فكيف بزمن خير القرون ومن يليهم؟!

وإن جاء بلفظ لا يحتمل التأكيد لم يصدق إذا ادّعى التأكيد من غير فرق بين عصر و عصر.(1)

أقول: إنّ هذا التبرير ـ بالإضافة إلى ما ذكره الشوكانيـ من قبيل دفع الفاسد بالأفسد، وقد زاد في الطين بلّة، حيث إنّ المجيب حاول أن يبرر عمل الخليفة ويبرّئه من الخطأ ولو على حساب كرامة قسم من الصحابة والتابعين، حيث إنّ كثيراً منهم كان يرجع إلى الخليفة، فكيف يرميهم بالكذب والخداع؟!

وفي الختام نأتي بكلمة قيمة للشوكاني، فانّه بعد ما ذكر أدلّة القائلين بوقوع الطلاق ثلاثاً، و تأويل رواية ابن عباس، و تبرير عمل الخليفة، قال: فإن كانت تلك المماشاة لأجل مذاهب الأسلاف فهي أحقر وأقل من أن تُؤثَر على السنّة المطهرة، وإن كانت لأجل عمر بن الخطاب فأين يقع المسكين من رسول اللّه، فأيَّ مسلم من المسلمين يستحسن عقله وعلمه ترجيح قول صحابي على قول المصطفى؟!(2)


1 . نيل الأوطار:6/233.
2 . نيل الأوطار:6/234.


(101)

نعم بعض علماء أهل السنّة في هذه العصور فنّدهذا النوع من الطلاق، ولأجل ذلك تغيّـر قانون محاكم مصر الشرعية وخالفمذهب الحنفية بعد استقلالها وتحرّرها عن سلطنة الدولة العثمانية. كما أنّ عدداً من مفتي أهل السنّة عمِد إلى تفنيد هذا النوع من الطلاق، في هذا الإطار يقول مؤلّف المنار بعد البحث الضافي حول المسألة: ليس المراد مجادلة المقلّدين أو إرجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم، فإنّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بها، لأنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنّة رسوله. (1)

4. تغيّـر الأحكام بالمصالح

ولابن قيم الجوزية كلام مسهب في تحليل إمضاء عمر الطلاق ثلاثاً ، وهو يعتمد على تغيّـر الأحكام بالمصالح، ويخلط الصحيح بالسقيم، وإليك ملخّص كلامه:

قال: الأحكام نوعان:

نوع لا يتغيّـر عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمّة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرّمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم.

والنوع الثاني: ما يتغيّـر بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً ومكاناً وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها ـ ثمّ أتى بأمثلة كثيرة في باب التعزيرات ـ وقال: ومن ذلك أنّه رضى اللّه عنه ـ يريد عمر بن الخطاب ـ لمّا رأى الناس قد


1 . تفسير المنار: 2/386، الطبعة الثالثة ـ 1376هـ.


(102)

أكثروا في الطلاق، رأى أنّهم لا ينتهون عنه إلاّ بعقوبة، فرأى إلزامهم بها عقوبة لهم ليكفّوا عنها، وذلك:

إمّا من التعزير العارض الذي يفعل عند الحاجة كما كان يضرب في الخمر ثمانين ويحلق فيها الرأس.

وإمّا ظنّاً أنّ جعل الثلاث واحدة كان مشروعاً بشرط وقد زال.

وإمّا لقيام مانع قام في زمنه منع من جعل الثلاث واحدة.

ـ إلى أن قال: ـ فلمّـا رأى أمير المؤمنين أنّ اللّه سبحانه عاقب المطلِّق ثلاثاً، بأن حال بينه وبين زوجه وحرّمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره، علم أنّ ذلك لكراهة الطلاق المحرّم، وبغضه له، فوافقه أمير المؤمنين في عقوبته لمن طلّق ثلاثاً بأن ألزمه بها وأمضاها عليه. وقال:

فإن قيل: كان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرمه عليهم ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلاّ يقع المحذور الذي يترتّب عليه.

قيل: نعم ، لعمر اللّه كان يمكنه ذلك، ولذا ندم في آخر أيامه وودَّ أنّه كان فعله، قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في مسند عمر: أخبرنا أبو يعلى، حدثنا صالح بن مالك، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرّمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح.

وليس مراده من الطلاق الذي حرّمه، الطلاق الرجعيّ الذي أباحه اللّه تعالى وعلم من دين رسول اللّه جوازه، ولا الطلاق المحرّم الذي أجمع المسلمون على تحريمه كالطلاق في الحيض والطهر المجامع فيه، ولا الطلاق قبل الدخول، فتبيّـن قطعاً أنّه أراد تحريم الطلاق الثلاث ـ إلى أن قال: ـ ورأى عمر أنّ المفسدة تندفع


(103)

بإلزامهم به فلمّـا تبيّـن أنّ المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الأمر إلاّ شدّة، أخبر أنّ الأولى كان عدوله إلى تحريم الثلاث الذي يدفع المفسدة من أصلها، واندفاع هذه المفسدة بما كان عليه الأمر في زمن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبي بكر وأوّل خلافة عمر. (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من تقسيم الأحكام إلى نوعين، صحيح. ولكن من أين علم أنّ حكم الطلاق الثلاث من النوع الثاني، فأيّ فرق بين حكم الواجبات والمحرّمات وقوله سبحانه: (الطلاق مرتان) وكيف يتغيّـر حكم وصفَ رسول اللّه خلافه لعباً بالدين؟

وأمّا ما ذكره من الاحتمالات الثلاثة، فالاحتمال الأوّل هو المتعيّـن وهو الموافق لكلام الخليفة نفسه، وأمّا الاحتمالان الأخيران ـ أي جعل الثلاث واحدة كان مشروعاً بشرط وقد زال، أو قام مانع عن إمضائه ـ فلا يعتمد عليهما، ويبدو أن الدافع إلى تصوّر هذين الاحتمالين هو الخضوع للعاطفة وتبرير عمل الخليفة بأي نحو كان.

5.تغيّـر الأحكام حسب مقتضيات الزمان

إنّ الأحكام التي تتغيّـر بتغيّـر الزمان وتبدّل الظروف، عبارة عن الأحكام التي حُدّد جوهرها برعاية المصالح، وتركت خصوصياتها وأشكالها إلى رأي الحاكم الإسلامي، فهذا النوع من الأحكام يتعرّض للتغيّـر دون ما قام الشارع بتحديد جوهره وشكله وكيفيته، ولم يترك للحاكم الإسلامي أيّ تدخّل فيه، والأحكام


1 . إعلام الموقعين : 3/36، وأشار إليه أيضاً في كتابه «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان»: 1/336.


(104)

الواردة في الأحوال الشخصية من هذا القبيل، فليس للحاكم التدخل في أحكام النسب والمصاهرة والرضاع والعدد، فليس له أن يحرّم ما أحلّ اللّه عقوبة للخاطئ وبالعكس، وإنّما هي أحكام ثابتة لا تخضع لرأي حاكم وغيره.

وأمّا ما يجوز للحاكم التدخل فيه فهو عبارة عن الأحكام التي تركت خصوصياتها وأشكالها إلى الحاكم، ليصون مصالح الإسلام والمسلمين، بما تقتضيه الظروف السائدة، وإليك نزراً يسيراً منها، لئلاّ يخلط أحدهما بالآخر:

1. في مجال العلاقات الدولية الدبلوماسية: يجب على الدولة الإسلامية أن تراعي مصالح الإسلام والمسلمين، فهذا أصل ثابت وقاعدة عامة، وأمّا كيفية تلك الرعاية، فتختلف باختلاف الظروف الزمانية والمكانية، فتارة تقتضي المصلحة ، السلام والمهادنة والصلح مع العدو، وأُخرى تقتضي ضد ذلك.

وهكذا تختلف المقررات والأحكام الخاصّة في هذا المجال، باختلاف الظروف، ولكنّها لا تخرج عن نطاق القانون العام الذي هو رعاية مصالح المسلمين، كقوله سبحانه:

(ولَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلكـافِرينَ على المؤمِنينَ سبيلا).(1)

وقوله سبحانه: (لا ينهاكُمُ اللّهُ عن الَّذِين لم يقاتِلوكُمْ في الدِّينِ ولَمْ يُخرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطوا إليهمْ إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطين) .

(إنَّما ينهاكُمُ اللّهُ عنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُم فِي الدِّينِ وأخرَجُوكُم من ديارِكُمْ وظاهرُوا على إخراجِكُمْ أن تَولَّوهُمْ وَمَن يَتَولَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمون) .(2)

2.العلاقات الدولية التجارية: فقد تقتضي المصلحة عقد اتّفاقيات


1 . النساء:141.
2 . الممتحنة:8ـ9.


(105)

اقتصادية وإنشاء شركات تجارية أو مؤسّسات صناعية، مشتركة بين المسلمين وغيرهم، وقد تقتضي المصلحة غير ذلك. ومن هذا الباب حكم الإمام المغفور له، الفقيه المجدّد السيد الشيرازي بتحريم التدخين ليمنع من تنفيذ الاتّفاقية الاقتصادية التي عقدت في زمانه بين إيران وانجلترا، إذ كانت مجحفة بحقوق الأُمّة المسلمة الإيرانية، لأنّها خوّلت لانجلترا حقّ احتكار التنباك الإيراني.

3. الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلال البلاد وصيانة حدودها من الأعداء، قانون ثابت لا يتغيّـر، فالمقصد الأسنى لمشرّع الإسلام، إنّما هو صيانة السيادة من خطر الأعداء وأضرارهم، ولأجل ذلك أوجب تحصيل قوة ضاربة، وإعداد جيش عارم جرّار، ضدّ الأعداء كما يقول سبحانه: (وَأَعدُّوا لَهُمْ ما استطعتُمْ مِنْ قوَّة)(1) ، فهذا هو الأصل الثابت في الإسلام الذي يؤيده العقل والفطرة، أمّا كيفيّة الدفاع وتكتيكه ونوع السلاح، أو لزوم الخدمة العسكرية وعدمه، فكلّها موكولة إلى مقتضيات الزمان، تتغيّـر بتغيّـره، ولكن في إطار القوانين العامة، فليس هناك في الإسلام أصل ثابت، حتى مسألة لزوم التجنيد الإجباري، الذي أصبح من الأُمور الأصلية في غالب البلاد.

وما نرى في الكتب الفقهية من تبويب باب أو وضع كتاب خاص، لأحكام السبق والرماية، وغيرها من أنواع الفروسية التي كانت متعارفة في الأزمنة الغابرة، ونقل أحاديث في ذلك الباب عن الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأئمّة الإسلام فليست أحكامها أصلية ثابتة في الإسلام، دعا إليها الشارع بصورة أساسية ثابتة، بل كانت نوعاً من أنواع التطبيق لذلك الحكم، الغرض منه تحصيل القوّة الكافية تجاه العدو في تلك العصور، وأمّا الأحكام التي ينبغي أن تطبّق في العصر الحاضر، فإنّها


1 . الأنفال:60.


(106)

تخضع تفرضها لمقتضيات العصر نفسه. (1)

فعلى الحاكم الإسلامي تقوية جيشه وقواته المسلحة بالطرق التي يقدر معها على صيانة الإسلام و معتنقيه عن الخطر، ويصدّ كلّ مؤامرة عليه من جانب الأعداء حسب إمكانيات الوقت.

والمقنّن الذي يتوخّى ثبات قانونه ودوامه وسيادة نظامه الذي جاء به، لا يجب عليه التعرّض إلى تفاصيل الأُمور وجزئياتها، بل الذي يجب عليه هو وضع الكليات والأُصول ليساير قانونه جميع الأزمنة بأشكالها وصورها المختلفة، ولو سلك غير هذا السبيل لصار حظّه من البقاء قليلاً جدّاً.

4. نشر العلم والثقافة واستكمال المعارف التي تضمن سيادة المجتمع مادياً ومعنوياً يعتبر من الفرائض الإسلامية، أمّا تحقيق ذلك وتعيين نوعه ونوع وسائله فلا يتحدّد بحدّ خاص، بل يوكل إلى نظر الحاكم الإسلامي، واللّجان المقررة لذلك من جانبه حسب الإمكانيات الراهنة في ضوء القوانين الثابتة.

وبالجملة: فقد ألزم الإسلام، رعاة المسلمين، وولاة الأمر نشر العلم بين أبناء الإنسان واجتثاث مادة الجهل من بينهم ومكافحة أيّ لون من الأُميّة، وأمّا نوع العلم وخصوصياته، فكل ذلك موكول إلى نظر الحاكم الإسلامي وهو أعلم


1 . قال المحقق في «الشرائع»: 152: وفائدة السبق والرماية: بعث النفس على الاستعداد للقتال والهداية لممارسة النضال وهي معاملة صحيحة.
وقال الشهيد الثاني: في «المسالك» في شرح عبارة المحقّق: لا خلاف بين المسلمين في شرعية هذا العقد، بل أمر به النبي في عدّة مواطن لما فيه من الفائدة المذكورة وهي من أهم الفوائد الدينية لما يحصل بها من غلبة العدو في الجهاد لأعداء اللّه تعالى. الذي هو أعظم أركان الإسلام ولهذه الفائدة يخرج عن اللهو واللعب المنهى عن المعاملة عليهما.
فإذا كانت الغاية من تشريعها الاستعداد للقتال والتدرّب للجهاد، فلا يفرق عندئذ بين الدارج في زمن النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وغيره أخذاً بالملاك المتيقّن.


(107)

بحوائج عصره.

فربّ علم، لم يكن لازماً، لعدم الحاجة إليه، في العصور السابقة، ولكنّه أصبح اليوم في طليعة العلوم اللازمة، التي فيها صلاح المجتمع، كالاقتصاد والسياسة.

5.حفظ النظام وتأمين السبل والطرق، وتنظيم الأُمور الداخلية ورفع المستوى الاقتصادي و... من الضروريات، فيتبع فيه وأمثاله، مقتضيات الظروف وليس فيه للإسلام حكم خاص يتبع، بل الذي يتوخّاه الإسلام، هو الوصول إلى هذه الغايات، وتحقيقها بالوسائل الممكنة، دون تحديد وتعيين لنوع هذه الوسائل وإنّما ذلك متروك إلى إمكانيات الزمان الذي يعيش فيه البشر، وكلّها في ضوء القوانين العامة.

6. قد جاء الإسلام بأصل ثابت في مجال الأموال، وهو قوله سبحانه: (ولا تَأكُلوا أَموالَكُمْ بَينَكُمْ بِالباطِلِ)، وقد فرع الفقهاء على هذا الأصل شرطاً في صحّة عقد البيع أو المعاملة فقالوا: يشترط في صحّة المعاملة وجود فائدة مشروعة وإلاّ فلا تصح المعاملة، ومن هنا حرّموا بيع (الدم) وشراءه.

إلاّ أنّ تحريم بيع الدم وشرائه ليس حكماً ثابتاً في الإسلام، بل التحريم كان في الزمان السابق صورة إجرائية لما أفادته الآية من حرمة أكل المال بالباطل، وكان بيع الدم في ذلك الزمان مصداقاً له، فالحكم يدور مدار وجود الفائدة (التي تخرج المعاملة عن كونها أكل المال بالباطل) وعدم تحقّق الفائدة (التي تخرج المعاملة عن كونها أكل المال بالباطل) فلو ترتّبت فائدة معقولة على بيع الدم أو شرائه فسوف يتبدّل حكم الحرمة إلى الحلّية، والحكم الثابت هنا هو قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) .


(108)

وفي هذا المضمار ورد أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ سئل عن قول الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : غيّـروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «إنّما قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذلك والدين قُلٌّ، فأمّا الآن فقد اتّسع نطاقه وضرب بجرانه فامْرؤٌ وما اختار». (1)

هذا ولمّا كان الحكم بصحة الطلاق ثلاثاً، مثيراً للفساد، عبر التاريخ، قام ابن قيم ـ مع تبريره عمل الخليفة بما ذكر ـ ببيان ما ترتّب عليه من شماتة أعداء الدين به، وها نحن ننقل نصّ كلامه:

جزاء الانحراف عن الطريق المهيع

إنّ ابن القيم ـ كما عرفت ـ كان من المدافعين المتحمّسين عن فتيا الخليفة، وقد برّر حكمه بأنّ المصلحة يومذاك كانت تقتضي الأخذ بما التزم به المطلّق على نفسه، وقد عرفت ضآلة دفاعه ووهن كلامه، ولكنّه ذكر في آخر كلامه بأنّ المصلحة في زماننا هذا على عكس ما كان عليه زمن الخليفة، وأنّ تصحيح التطليق الثلاث، جرّ الويلات على المسلمين في أجوائنا وبيئاتنا، وصار سبباً لاستهزاء الأعداء، بالدين وأهله، وأنّه يجب في زماننا هذا الأخذ بمُرّ الكتاب والسنّة، وهو أنّه لا يقع منه إلاّ واحد.

ولكنّه غفل عمّـا هو الحق في المقام وأنّ المصلحة في جميع الأزمنة كانت على وتيرة واحدة، وأنّ ما حدّه سبحانه من الحدود، هو المطابق لمصالح العباد ومصائرهم، وأنّ الشناعة والاستهزاء اللَّتين يذكرهما ابن قيم الجوزية إنّما نجمتا من الانحراف عن الطريق المهيَع والاجتهاد تجاه النص بلا ضرورة مفضية إلى العدول ومن دون أن يكون هناك حرج أو كلفة، ولأجل ذلك نأتي بكلامه حتى يكون عبرة


1 . نهج البلاغة، الحكمة رقم 16. لاحظ كتابنا مفاهيم القرآن : 3/265 ـ 275.


(109)

لمن يريد في زماننا هذا أن يتلاعب بالأحكام الشرعية بهذه المصالح المزعومة، وإليك نصّ كلامه:

هذه المسألة ممّا تغيّـرت الفتوى بها بحسب الأزمنة وأمّا في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربّها من مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحلّلون ممّا هو رمد بل عمىً في عين الدين، وشجىً في حلوق المؤمنين، من قبائح تشمّت أعداء الدين بها، وتمنع كثيراً ممّن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلّهم من أقبح القبائح ويعدّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه، وغيّـرت منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها المطلّقةَ بنجاسة التحليل، وقد زعم أنّه قد طيّبها للحليل، فيا للّه العجب ! أيّ طيب أعارها هذا التيس الملعون؟! وأيّ مصلحة حصلت لها ولمطلِّقها بهذا الفعل الدون؟!

أترى وقوف الزوج المطلِّق أو الولي على الباب، والتيس الملعون قد حلّ أزارها وكشف النقاب، وأخذ في ذلك المرتع، والزوج أو الولي يناديه: لم يُقدَّم إليك هذا الطعام لتشبع، فقد علمت أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون، وربّ العالمين، أنّك لست معدوداً من الأزواج، ولا للمرأة أو أوليائها بك رضاً ولا فرح ولا ابتهاج، وإنّما أنت بمنزلة التيس المستعار للضراب، الذي لولا هذه البلوى لما رضينا وقوفك على الباب، فالناس يُظهرون النكاح ويُعلنونه فرحاً وسروراً ، ونحن نتواصى بكتمان هذا الداء العضال، ونجعله أمراً مستوراً بلا نثار ولا دف ، ولا خوان ولا اعلان، بل التواصي بهس ومس والاخفاء والكتمان، فالمرأة تنكح لدينها وحسبها ومالها وجمالها.

والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فانّه لا يُمسك بعصمتها، بل


(110)

قد دخل على زوالها، واللّه تعالى قد جعل كل واحد من الزوجين سكناً لصاحبه، وجعل بينهما مودة ورحمة ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شرّعه لأجلها العزيز الحكيم.

فسل التيس المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد ومقصوده ومصلحته أجنبي غريب؟! وسله: هل اتّخذ هذه المصابة حليلة وفراشاً يأوى إليه؟ هل رضيت به قط زوجاًوبعلاً تعول في نوائبها عليه؟! وسل أُولي التمييز والعقول: هل تزوّجت فلانة بفلان؟! وهل يعد هذا نكاحاً في شرع أو عقل أو فطرة إنسان؟ وكيف يلعن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رجلاً من أُمّته نكح نكاحاً شرعياً صحيحاً، ولم يرتكب في عقده محرماً ولا قبيحاً؟! وكيف يشبهه بالتيس المستعار، وهو من جملة المحسنين الأبرار؟! وكيف تعيّـر به المرأة طول دهرها بين أهلها والجيران، وتظل ناكسة رأسها إذا ذكر ذلك التيس بين النسوان؟! وسل التيس المستعار: هل حدّث نفسه وقت هذا العقد الذي هو شقيق النفاق، بنفقة أو كسوة أو وزن صداق؟! وهل طمعت المصابة منه في شيء من ذلك، أو حدّثت نفسها به هنالك؟! وهل طلب منها ولداً نجيباً واتّخذته عشيراً وحبيباً؟!

وسل عقول العالمين وفطرهم: هل كان خير هذه الأُمّة أكثرهم تحليلاً، وكان المحلّل الذي لعنه اللّه ورسوله أهداهم سبيلاً؟ وسل التيس المستعار ومن ابتليت به: هل تجمّل أحد منهما لصاحبه كما يتجمّل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لأحدهما رغبة في صاحبه بحسب أو مال أو جمال؟ وسل المرأة: هل تكره أن يتزوّج عليها هذا التيس المستعار أو يتسرّى، أو تكره أن تكون تحته امرأة غيرها أُخرى، أو تسأله عن ماله وصنعته أو حسن عشيرته وسعة نفقته؟! وسل التيس المستعار: هل سأل قط عمّـا يسأله عنه مَن قصد حقيقة النكاح، أو يتوسل إلى بيت أحمائه


(111)

بالهدية والحمولة، والنقد الذي يتوسّل به خاطب الملاح؟ وسله: هل هو «أبو يأخذ» أو «أبو يعطي»؟ وهل قوله عند قراءة أبي جاد هذا العقد: خذي نفقة هذا العرس أو حطي؟ وسله: هل تحمّل من كلفة هذا العقد خذي نفقة هذا العرس أو حطي؟

وسله عن وليمة عرسه، هل أولم ولو بشاة؟ وهل دعا إليها أحداً من أصحابه فقضى حقّه وأتاه؟ وسله: هل تحمّل من كلفة هذا العقد ما يتحمّله المتزوّجون، أم جاءه ـ كما جرت به عادة الناس ـ الأصحاب والمهنئون؟ وهل قيل له بارك اللّه لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية، أم لعن اللّه المحلِّل والمحلَّل له لعنة تامة وافية؟ (1)

يلاحظ عليه: أنّ العار الذي ـ على زعمه ـ دخل الإسلام رهن تصحيح الطلاق ثلاثاً، وأنّ الطلاق الواحد حقيقة يعد ثلاثاً، وأمّا ما شرّعه الذكر الحكيم من توقّف صحّة النكاح بعد التطليقات الثلاث على المحلّل فهو من أفضل قوانينه المشرقة، وأرسخها وأتقنها فلا يدخل العار من جانبه على الإسلام أبداً، وذلك:

أوّلاً: أنّه يصد الزوج عن الطلاق الثالث لما يعلم أنّ النكاح بعده يتوقّف على التحليل الذي لا يتحمّله أكثر الرجال.

وثانياً: أنّه لا يقوم به إلاّ إذا يئس من التزويج المجدّد، لأنّ التجارب المتكرّرة، أثبتت أنّ الزوجين ليسا على شاكلة واحدة من جانب الأخلاق والروحيات فلا يُقدِم على الطلاق إلاّ إذا كان آيساً من الزواج المجدّد وقلّما يتّفق تجدد الجنوح إلى بناء البيت بالزوجة التي طلّقها ثلاثاً لو لم نقل إنّه يندر جداً ـ


1 . اعلام الموقّعين: 3/41ـ43. ولاحظ إغاثة اللهفان له أيضاً: 1/312.


(112)

فعند ذاك تقل الحاجة إلى المحلّل جداً، وهذا بخلاف تصحيح الطلاق الواحد، ثلاثاً، فكثيراً ما يندم الزوج من الطلاق ويريد إعادة بناء البيت الذي هدمه بالطلاق ـ وهو حسب الفرض يتوقّف على المحلّل الذي يلصق العار بهما ويترتّب عليه ما ذكره ابن قيم الجوزية في كلامه المسهب.

وفي كلامه ملاحظات أُخرى تركناها خصوصاً في تصويره المحلّل كأنّه الأجير للتحليل، ويتزوّج لتلك الغاية، وهو تصوير خاطئ جداً، بل يتزوج بنفس الغاية التي يتزوّج لأجلها سائر النساء ،غير أنّه لو طلّق الزوجة عن اختيار يصير حلالاً للزوج السابق، وأين ذلك ممّا جاء في كلامه؟!


(113)

17

الطلاق المعلّق


(114)


(115)

الطلاق المعلّق

ينقسم الطلاق إلى منجَّز ومعلّق، والأوّل هو الطلاق الخالي في صيغته عن التعليق، والثاني على خلافه فيكون مضمون صيغة الطلاق، مقروناً بحصول أمر آخر، سواء أ كان ذلك الأمر، فعلَ المطلِّق أو فعلَ المطلَّقة أو غيرهما. إذا عرفت ذلك فنقول:

هل يشترط في صحّة الطلاق، التنجيز، أو يصحّ مع التعليق أيضاً، كما إذا قال: أنت طالق إن طلعت الشمس، أو أنت طالق إن قدم الحاج؟

والجواب: إنّ الطلاق المعلّق على قسمين:

1. قسم يعلّق على غير وجه اليمين وهذا كما في المثالين السابقين، ومثلهما ما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، أو إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق.

2. قسم يعلّق على وجه اليمين وهو الذي يُقصد به الحثّ أو المنع، كما إذا قال: إن كلّمتِ فلاناً فأنت طالق، أو إن ذهبت إلى دار عدوي فأنت طالق، وربّما يكون المقصود حمل المخاطب على الثقة بكلام الحالف فيقول مثلاً عند نقطة التفتيش:«ليس في حقيبتي ما هو ممنوع ولو كان فزوجتي طالق».

ونركز على البحث في القسم الأوّل ونحيل البحث في القسم الثاني، إلى المسألة الآتية.


(116)

فنقول: إنّ للشروط تقسيمات:

1. ما تتوقّف عليه صحّة الطلاق ككونها زوجة ـ و يقول: إن كنت زوجتي فأنت طالق ـ و ما لا تتوقف عليه كقدوم الحاج.

2. ما يعلم المطلق بوجوده عند الطلاق، كتعليقه بكون هذا اليوم يوم الجمعة، وأُخرى ما يشكّ في وجوده.

3. ما يذكر في الصيغة تبركاً، لا شرطاً و تعليقاً كمشيئته سبحانه، كما إذا قال: إن شاء اللّه فأنت طالق.

ومورد البحث هو القسم الثاني، أمّا الأوّل فالطلاق معلّق على مثل هذا الشرط لبّاً، سواء تكلم به أو لا، و أمّا الثالث فانّما يذكر تبركاً، لا اشتراطاً ، وهو كثير الدوران على لسان المسلمين.

إذا عرفت ذلك، نقول: إنّ بطلان الطلاق المعلّق من متفردات الفقه الإمامي، وإليك بعض كلمات فقهائنا:

1. قال السيد المرتضى: ممّا انفردت الإمامية به القول بأنّ الطلاق لا يقع مشروطاً وإن وجد شرطه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وأوقعوا الطلاق عند وقوع شرطه الذي علّقه المتلفظ.(1)

2. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قال لها أنت طالق، إذا قدم فلان، فقدم فلان لا يقع طلاقه، وكذلك لو علّقه بشرط من الشروط أو بصفة من الصفات المستقبلة فانّه لا يقع أصلاً، لا في الحال ولا في المستقبل حين حصول الشرط والصفة وقال جميع الفقهاء: انّه يقع إذا حصل الشرط.(2)


1 . الانتصار، كتاب الطلاق، المسألة16.
2 . الخلاف: الجزء4، كتاب الطلاق، المسألة12.


(117)

وبما انّ المسألة عندنا موضع وفاق نقتصر على هذا المقدار، وقد وافقَنا فيها الظاهريّة، قال ابن حزم ـ الذي يُمثِّل فقهُه،فقه الظاهريين ـ :إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، أو ذكر وقتاً ما، فلا تكون طالقاً بذلك لا الآن ولا إذا جاء رأس الشهر. برهان ذلك: انّه لم يأت قرآن ولا سنّة بوقوع الطلاق بذلك، وقد علّمنا اللّه الطلاق على المدخول بها وفي غير المدخول بها، وليس هذا فيما علّمنا (ومن يتعدّ حدود اللّه فقد ظلم نفسه).(1)

وقال السبكي: قد أجمعت الأُمّة على وقوع المعلّق كوقوع المنجّز، فإنّ الطلاق ممّا يقبل التعليق، ولا يظهر الخلاف في ذلك إلاّ عن طوائف من الروافض، ولما حدث مذهب الظاهريّين المخالفين لإجماع الأُمّة المنكرين للقياس خالفوا ذلك ـ إلى أن قال ـ: ولكنّهم قد سبقهم الإجماع.(2)

أدلّة القائل بالبطلان

الأوّل:الطلاق المشروط غير مسنون

إنّ تعليق الطلاق بالشرط غير مسنون، والمشروع في كيفية الطلاق غيره، فيجب أن لا تتعلّق به حكم الفرقة، لأنّ الفرقة حكم شرعي، والشرع هو الطريق إليه، وإذا انتفى الدليل الشرعي، انتفى الحكم الشرعي.

الثاني: مقتضى الاستصحاب بقاء الزوجية

ثبوت الزوجية متيقّن، فلا ينتقل عنه إلى التحريم إلاّ بيقين ولا يقين في


1 . المحلّى :10/213، المسألة 1970.
2 . الدرة المضيئة:155ـ 156.


(118)

الطلاق المشروط.(1)

وإلى الأخير أشار الشيخ الطوسي أيضاً في خلافه فقال: الأصل بقاء العقد، وإيقاع هذا الضرب من الطلاق يحتاج إلى دليل، والشرع خال من ذلك.(2)

وإلى الوجه الأوّل يشير ابن حزم فيقول: وبرهان عدم الصحة انّه لم يأت قرآن ولا سنّة بوقوع الطلاق بذلك، وقد علّمنا اللّه الطلاق على المدخول بها، وفي غير المدخول بها، وليس هذا فيما علمنا(ومن يتعدّ حدود اللّه فقد ظلم نفسه).(3)

وتوضيح الوجه الأوّل: أنّ الطلاق ليس كالبيع والإجارة ، حيث إنّ الأخيرين من الأُمور العقلائية، التي عليها رحى معاشهم وحياتهم فيُتّبع ما عليه العقلاء في ذينك الأمرين إلاّ إذا دلّ الدليل على اعتبار شيء زائد، وهذا بخلاف الطلاق فهو و إن كان أمراً عرفياً، لوجود الطلاق بين الناس قبل بزوغ شمس الإسلام لكن الإسلام تصرف فيه كثيراً، وحدّ له حدوداً، يظهر ذلك من مطالعة الآيات الواردة في سورة البقرة، الآيات 226ـ 232، و الآية 237 و الآية 241، والآية 49 من سورة الأحزاب، و الآية 1ـ3 من سورة الطلاق، كلّ ذلك أضفى على الطلاق حقيقة وماهية، تختلف مع تلك التي بين العقلاء، فلا يتمسّك بما في يد العقلاء لتجويز ما شكّ، بل يجب أن يرجع إلى الشرع، فان تبيّن حكم الطلاق المعلّق فيُتبع، وإلاّ فالحكم هو الاحتياط.

يقول الفقيه الفقيد الشيخ محمد جواد مغنية ـ رضوان اللّه عليه ـ : إنّ الإمامية يضيّقون دائرة الطلاق إلى أقصى الحدود، و يفرضون القيود الصارمة على المطلِّق و المطلَّقة، وصيغة الطلاق و شهود، كلّ ذلك لأنّ الزواج عصمة ومودة ورحمة


1 . الانتصار:298ـ 299.
2 . الخلاف:4/458.
3. المحلّى:10/213، المسألة1970.


(119)

وميثاق من اللّه، قال اللّه تعالى: (وقد أفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْض وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَليظاً)(1)، وقال سبحانه: (وَمِنْ آياتِهِ انْ خَلَقَ لكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزواجاً لِتَسْكُنُوا إِليها وَجَعلَ بَيْنكُمْ مَودّة وَرحمةً).(2) إذن لا يجوز بحال أن ننقض هذه العصمة والمودة والرحمة، و هذا العهد والميثاق، إلاّ بعد أن نعلم علماً قاطعاً لكلّ شك، بأنّ الشرع قد حلّ الزواج، ونقضه بعد أن أثبته وأبرمه.(3)

هذا كلّه حول الدليل الأوّل، و أمّا الثاني أي التمسّك بالاستصحاب و بقاء العقد، فكأنّه مكمّل له، فإذا شككنا في بقاء العقد ونقضه، فالاستصحاب هو المحكم، إلاّ إذا دلّ الدليل على نقض الحالة السابقة.

الثالث: الطلاق المعلّق خارج عن القسمين

دلّ قوله سبحانه:(الطّلاق مرّتان فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسريحٌ بِإحسان)(4) على أنّ الطلاق يجب أن يتمتع بأحد الأمرين: إمساك بمعروف بالرجوع إليها، أو تسريح بإحسان بتركها على حالها حتى تنقضي عدّتها، والطلاق بالأجل والشرط، خارج عن كلا القسمين، فلو قال في أوّل السنة: أنت طالق في نهاية السنة، أو أنت طالق عند رجوع الحجاج، فالمرأة لا مأخوذة ولا متروكة حتّى تنقضي عدّتها، لاحتمال عدم حصول المعلّق، فتبقى في الزوجية.

الرابع: المطلّقة أشبه بالمعلّقة

إنّ عناية الإسلام بنظام الأُسرة الذي أُسّه النكاح والطلاق، تقتضي أن يكون


1 . النساء:21.
2 . الروم:21.
3. الفقه على المذاهب الخمسة:414.
4. البقرة:229.


(120)

الأمر فيها منجّزاً لا معلّقاً، فإنّ التعليق ينتهي إلى ما لا تحمد عاقبته من غير فرق بين النكاح والطلاق، فالمرء إمّا إن يقدم على النكاح والطلاق أو لا، فعلى الأوّل ينكح أو يطلّق بتاتاً، وعلى الثاني يسكت حتّى يحدث بعد ذلك أمراً، والتعليق في النكاح والطلاق لا يناسب ذلك الأمر الهامّ، فقد قال سبحانه: (ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْـنَ النِّساءِ وَلو حَرَصْتُمْ فَلاَ تَـمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَةِ وَإن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فإِنَّ اللّهَ كان غَفُوراً رَحيماً).(1)

واللّه سبحانه يشبّه المرأة التي يترك الزوج أداء حقّها الواجب عليه، بالمعلّقة التي هي لا ذات زوج ولا أيّم، فالمنكوحة معلّقاً، أو المطلّقة كذلك، أشبه شيء بالمعلّقة الواردة في الآية، فهي لا ذات زوج ولا أيّم.

الخامس: إجماع أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

يظهر من مجموع الروايات الواردة في هذه المسألة وما يتلوها، إجماع أئمّة أهل البيت على بطلان الطلاق المعلّق.

روى بكير بن أعين عن أحدهما ـ عليهما السَّلام ـ أنّه قال:«ليس الطلاق إلاّ أن يقول الرجل لها ـ و هي طاهر من غير جماع ـ: أنت طالق، ويشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهو ملغى».(2)

وأيّ تعبير أوضح من قوله: «وكلّ ما سوى ذلك فهو ملغى» مع شيوع الطلاق المعلق خصوصاً قسم الحلف في أعصارهم.

فإذا أضيف إلى ذلك ما روي عنهم ـ عليهم السَّلام ـ في بطلان الحلف بالطلاق،


1 . النساء:129.
2 . وسائل الشيعة:15، الباب16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث1.


(121)

لأصبح الحكم واضحاً، لأنّ الحلف قسم من أقسام الطلاق المعلّق.

نعم ربّما استدلّ ببعض الوجوه العقلية على البطلان، وهي ليست تامّة عندنا، نظير:

أ . إنّ الطلاق المعلّق من قبيل تفكيك المنشـأ عن الإنشاء، لأنّ المفروض عدم وقوعه قبل الشرط، فيلزم تفكيك المنشأ عن الإنشاء.

وأنت خبير بعدم استقامة الدليل، فإنّ المنشأ بعد الإنشاء محقّق من غير فرق بين المنجّز والمعلّق، غير أنّ المنشأ تارة يكون منجّزاً وأُخرى معلّقاً، وفائدة الإنشاء أنّه لو تحقّق المعلّق عليه لا يحتاج إلى إنشاء جديد.

ب . ظاهر الأدلّة ترتّب الأثر على السبب فوراً، فاشتراط تأخّره إلى حصول المعلّق عليه، خلاف ظاهر الأدلّة.

يلاحظ عليه: أنّه ليس في الأدلّة ما يثبت ذلك، فالوارد في الأدلّة هو لزوم الوفاء بالإنشاء غير أنّ الوفاء يختلف حسب اختلاف مضمونه.

وبذلك يظهر عدم صحّة الاستدلال على البطلان بما في «المحلّى» حيث قال: فإن كلّ طلاق لا يقع حين إيقاعه فمن المحال أن يقع بعد ذلك في حين لم يوقعه فيه.(1)

أدلّة القائل بالصحّة

استدلّ القائل بالصحّة بوجوه:

1. إطلاق قوله تعالى: (الطلاق مرّتان) حيث لم يفرق بين منجز ومعلّق.(2)


1 . المحلى:10/213، المسألة 1970.
2 . الفقه الإسلامي وأدلته:7/448.


(122)

يلاحظ عليه: أنّ من شرائط التمسك بالإطلاق أو من شرائط انعقاد الإطلاق كون المتكلّم بصدد بيان حكم الأمر المشكوك فيه ، حتّى يستدلّ بسكوته على التسوية بين الأمر المشكوك فيه وغيره، كما في قوله: (وَالّذينَ يُظاهرونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لما قالُوا فَتَحريرُ رَقَبة مِن قَبْلِ أَنْ يَتماسَّا) (1) فإذا شكّ في شرطية الإيمان في تحرير الرقبة، يحكم بعدم الشرطية بإطلاق الآية.

وأمّا إذا لم يكن بصدد بيان حكم الأمر المشكوك فيه فلا يستدلّ بسكوته وعدم تعرّضه على التسوية كما في المقام، حيث إنّ قوله سبحانه بصدد بيان عدد الطلاق وانّه مرتان، وليس بصدد بيان كيفيته من حيث التنجيز والتعليق حتّى يتمسك بإطلاقه.

وكون المتكلّم في بيان المقام من مقدمات انعقاد الإطلاق كما هو محرر في محله.

2. المسلمون عند شروطهم، والطلاق المعلّق من قبيل الأُمور المشروطة.

يلاحظ عليه : أنّ قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «المسلمون عند شروطهم» ضابطة شرعية يستدلّ بها إذا شكّ في لزوم العمل بالشرط وعدمه، ـ بعد ثبوت صحة الاشتراط ـ كما إذا اشترطت الزوجة في عقد النكاح أن لايمنعها الزوج من مواصلة الدراسة أو العمل في خارج البيت إذا لم يكن مخلاً بحقّ الزوج ففي مثل هذا المورد ـ بعد ثبوت أصل مشروعية التعليق ـ يتمسك بالكبرى ويلزم الزوج بالعمل بالشرط.

وأمّا إذا شكّ في جواز أصل تعليق الإنشاء، وانّه هل يصحّ أو لا، لاحتمال خصوصية في الطلاق، فلا يتمسك بالكبرى لإثبات أصل مشروعية الصغرى، وهذا واضح لمن له إلمام بالأُصول.


1 . المجادلة :3.


(123)

ونظير الشرط، النذر، والعهد واليمين، فإنّما يستدلّ بكبرياتها على لزوم العمل إذا ثبتت المشروعية، وأمّا إذا شكّ في صحّة النذر ، فلا يتمسك بالكبرى لإثبات صحة الصغرى، فلو نذر أن يتوضأ بالماء المضاف، أو بالنبيذ، فلا يصلح قوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُم)(1) لإثبات مشروعية التوضّؤ بهما.

3. انّ القائلين بالصحّة استدلوا بآثار وفتاوى من ابن مسعود، وأبي ذرّ الغفاري، وعائشة، والحسن البصري وغيرهم من الفقهاء، ومعلوم أنّ أقوالهم وآراءهم حجّة على أنفسهم لا على غيرهم ما لم يثبت صدورها عن المعصوم.


1 . الحج:29.


(124)


(125)

18
الحلف بالطلاق


(126)


(127)

الحلف بالطلاق

قد عرفت أنّ الحلف بالطلاق من أقسام الطلاق المعلّق ويفارق المسألة السابقة في انّ الغاية فيها ربط مضمون صيغة الطلاق بفعل المطلّق أو المطلّقة أو غيرهما كطلوع الشمس وقدوم الحاج من دون أن يكون فيه حث على الفعل أو منع عنه، بخلاف الحلف بالطلاق، فانّ الغاية فيه هو الحث أو المنع من العمل، أو حمل المخاطب على الثقة بكلامه، وإنّما سمّي حلفاً تجوّزاً لمشاركته الحلف في الغاية وهو الحث أو المنع أو تأكيد الخبر، كقوله «واللّه لأفعلن» وليس في الواقع حلفاً.

وقبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:

الأوّل: ليس للطلاق إلاّ صيغة واحدة

ذهبت الإمامية تبعاً لأئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ إلى أنّه ليس للطلاق إلاّ صيغة واحدة . روى بكير بن أعين عن أحدهما ـ عليهما السَّلام ـ قال: «ليس الطلاق إلاّ أن يقول الرجل لها ـ و هي طاهر من غير جماع ـ: أنت طالق، و يشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهو ملغى».(1)

خلافاً لأهل السنّة فقد أجازوا الطلاق بكلّ ما دلّ عليه لفظاً، وكتابة،


1 . وسائل الشيعة:15، الباب16 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث1.


(128)

وصراحة، وكناية مثل: أنت عليّ حرام، أو أنت بريّة، أو اذهبي فتزوجي، أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك، إلى غير ذلك من الصيغ. وللبحث في تعيّن الصيغة الواحدة أو كفاية كلّ ما دلّ على الطلاق، مقام آخر.

الثاني: تسويد الصفحات بأقسام الحلف بالطلاق

ذهبت الإمامية إلى بطلان الحلف بالطلاق، لأنّه من أقسام المعلّق الذي أوضحنا حاله، وبذلك أراحوا أنفسهم من تسويد الصفحات الطوال العراض بأقسام الحلف بالطلاق، في حين زخرت كتب فقهاء السنّة بآراء وفتاوى لم يبرهنوا عليها بشيء من الكتاب والسنّة، والراجع إلى تلك الصفحات التي ربما تستغرق 45 صفحة يذعن بأنّ الطلاق أُلعوبة يتلاعب بها الرجل بصور شتى، وإن كنت في شك من ذلك فلاحظ الكتابين المعروفين:

1.المغني: تأليف محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قدامة (المتوفّـى عام 620) وهو أوسع كتاب فقهي ظهر عند الحنابلة مع الترجيح بين الأقوال بالدليل المقنع لهم. فقد خصّص (45) صفحة من كتابه لهذا النوع من الصيغ.(1)

2. الفقه على المذاهب الأربعة: تأليف الشيخ عبد الرحمن الجزيري، ألّفه ليعرض الفقه بثوبه الجديد على الجيل الجديد، ومع ذلك تجد قد خصّص لهذا النوع من صور الطلاق صفحات كثيرة. (2) وإليك نماذج من هذه الصور حتى تقف على صدق ما قلناه; ننقلها من «المغني» لابن قدامة.

1.إن قال لامرأتيه: كلّما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، ثمّ أعاد ذلك ثلاثاً، طلّقت كل واحدة منهما ثلاثاً.


1 . لاحظ الجزء السابع 369ـ 414 بتصحيح الدكتور محمد خليل هراس.
2 . الفقه على المذاهب الأربعة، الجزء الرابع.


(129)

2. إن قال لإحداهما: إن حلفت بطلاقك، فضرّتك طالق، ثمّ قال للأُخرى مثل ذلك ...

3.وإن كان له ثلاث نسوة فقال: إن حلفتُ بطلاق زينب، فعمرة طالق، ثم قال: وإن حلفت بطلاق عمرة، فحفصة طالق، ثمّ قال: إن حلفت بطلاق حفصة، فزينب طالق، طلّقت عمرة، وإن جعل مكان زينب عمرة طلّقت حفصة، ثمّ متى أعاده بعد ذلك طلّقت منهنّ واحدة ...

4. ومتى علّق الطلاق على صفات فاجتمعن في شيء واحد وقع بكلّ صفة ما علّق عليها كما لو وجدت متفرّقة وكذلك العتاق، فلو قال لامرأته: إن كلّمت رجلاً فأنت طالق، وإن كلّمت طويلاً فأنت طالق، وإن كلّمت أسود فأنت طالق، فكلّمت رجلاً أسود طويلاً، طلّقت ثلاثاً . (1)

إلى غير ذلك من الصور التي لا يترتب على نقلها سوى إضاعة الوقت والورق.

الثالث: بطلان الحلف بالطلاق عند البعض

المشهور عند أهل السنّة هو صحّة الطلاق بالحلف به، ومع ذلك ذهب لفيف من الصحابة والتابعين إلى كونه باطلاً ، ووافقهم بعض المتأخّرين من الظاهريين كابن حزم، وابن تيمية من الحنابلة.

قال ابن حزم: وصحّ خلاف ذلك (وقوع الطلاق باليمين) عن السلف.

1. روينا من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: انّ رجلاً تزوّج امرأة وأراد سفراً فأخذها أهل امرأته فجعلها طالقاً إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر،


1 . المغني:7/369ـ 376.


(130)

فجاء الأجل ولم يبعث بشيء، فلمّـا قدم خاصموه إلى عليّ، فقال عليّ ـ عليه السَّلام ـ : اضطهدتموه حتى جعلها طالقاً، فردّها عليه. (1)

2. روينا من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: في رجل قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أتزوّج عليك. قال: إن لم يتزوّج عليها حتى تموت أو يموت، توارثا. والحكم بالتوارث آية بقاء العلقة.

3. ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن غيلان بن جامع، عن الحكم بن عتيبة قال: في الرجل يقول لامرأته: أنتِ طالق إن لم أفعل كذا ثمّ مات أحدهما قبل أن يفعل، فإنّهما يتوارثان.

إنّ في عدم اعتداد الإمام عليّ بالطلاق ـ بلا إكراه ـ والحكم بالتوارث في الروايتين الأخيرتين دلالة على عدم الاعتداد باليمين بالطلاق.

4. ومن طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني ابن طاووس عن أبيـه أنّه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئاً. قلت: أكان يراه يمينـاً؟ قـال: لا أدري.

قال ابن حزم بعد نقل هذه الروايات: فهؤلاء علي بن أبي طالب وشريح (2) وطاووس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ ثم يقول: من أين أجزتم الطلاق بصفة ولم تجيزوا النكاح بصفة، والرجعة بصفة كمن قال: إذا دخلت الدار فقد راجعت زوجتي المطلّقة، أو قال: فقد تزوّجتك، وقالت هي مثل ذلك، وقال الولي مثل


1 . ظاهر الحديث: أنّ الإمام ردّ المرأة لوقوع الطلاق مكرهاً، وبما أنّه لم تكن هناك كراهة ولم يطلب أهل المرأة سوى النفقة، يحمل على خلاف ظاهره، من بطلان الطلاق لأجل الحلف به.
2 . نقل رواية عن شريح تركنا نقلها لعدم دلالتها. وكان عليه عطف عطاء عليه أيضاً.


(131)

ذلك ولا سبيل إلى فرق. (1)

هذا و قد فصّل ابن تيميّة بين التعليق الذي يقصد به الإيقاع والذي يقصد به اليمين.

فالأوّل أن يكون مريداً للجزاء عند الشرط وإن كان الشرط مكروهاً له، لكنّه إذا وجد الشرط فانّه يريد الطلاق لكون الشرط أكره إليه من الطلاق، كما إذا قال لزوجته: «إن خنت فأنت طالق»، فخانت الزوجة، فهذا موقع للطلاق عند الصفة لا حالف ووقوع الطلاق في مثل هذا هو المأثور عن الصحابة.

والثاني هو التعليق الذي يقصد به اليمين، ويمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم، كما إذا قال: «إن خنتِ فأنت طالق» بقصد زجرها أو تخويفها باليمين لإيقاع الطلاق (في المستقبل) إذا فعلت، لأنّه لا يكون مريداً لها ـ له ـ و إن فعلت لكون طلاقها أكره إليه من مقامها على تلك الحال فهو علق بذلك لقصد الحظر والمنع لا لقصد الإيقاع فهذا حالف ليس بموقع.(2)

حاصل تفصيله: يرجع إلى التفريق بين الحلف على النتيجة، والحلف على الفعل، فعلى الأوّل يتحقّق الطلاق، إذا حصل المعلّق عليه ولا يتصوّر فيه الحنث، لصيرورة الزوجة عندئذ مطلقة، شاء الزوج أم لم يشأ، لأنّ المنشأ صيرورتها مطلقة عند وقوع المعلق عليه وأمّا على الثاني، فالمنشأ قيامه بالفعل في المستقبل وتطليقها، وعندئذ يتصوّر فيه الحنث ولو كان ابن تيمية ملمّاً بفقه الشيعة ومصطلحاتهم، لسهل عليه التعبير عن مقصده بما قلناه.

نعم الحلف على النتيجة، إنّما يصحّ إذا لم يتوقّف حصولها على سبب


1 . المحلّـى: 10/212ـ213.
2 . الفتاوى الكبرى:3/9.


(132)

خاص، ككون الشيء ملكاً لزيد، وأمّا إذا توقّف على سبب خاص أو شكّ في توقّفها عليه، كما هو الحال في الطلاق، فالحلف به، لا يفيد في حصولها.

إذا عرفت هذه الأُمور يقع الكلام في محورين:

الأوّل: صحة الطلاق بالحلف به عند حصول المعلّق عليه.

الثاني: حكم الزوجة في الفترة التي لم يتحقق المعلّق عليه.

وإليك الكلام في الأوّل:

بطلان الطلاق بالحلف به

ذهبت الإمامية ـ كما عرفت ـ إلى بطلانه، وقد اشتهرت الطائفة في باب الطلاق بإنكار أُمور:

1. طلاق المرأة وهي حائض.

2. طلاق المرأة دون حضور عدلين.

3. الحلف بالطلاق.

والدليل على بطلان الحلف بالطلاق، هو نفس الدليل على بطلان الطلاق المعلّق، لما عرفت من أنّ الأوّل من أقسام الثاني، ونزيده بياناً بما ورد عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في خصوص الحلف بالطلاق.

عن أبي أُسامة الشحام، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ لي قريباً لي أو صهراً حلف إن خرجت امرأته من الباب فهي طالق ثلاثاً، فخرجت، فقد دخل صاحبها منها ما شاء اللّه من المشقة، فأمرني أن أسألك، فأصغى إليّ، فقال: «مره فليُمسكها فليس بشيء»، ثمّ التفت إلى القوم فقال: «سبحان اللّه يأمرونها أن تتزوّج


(133)

ولها زوج». (1)

ونعيد هنا كلمة لبعض المشايخ، مرّت بنا والصفحات الماضية، قال: إنّ الزواج عصمة ومودة ورحمة وميثاق من اللّه. قال تعالى: (وَقَدْ أَفْضَى بَعضُكُمْ إِلى بَعْض وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَليظاً)(2)، وقال سبحانه: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً).(3) إذن لا يجوز بحال أن ننقض هذه العصمة والمودة والرحمة، وهذا العهد والميثاق، إلاّ بعد أن نعلم علماً قاطعاً لكلّ شكّ بأنّ الشرع قد حلّ الزواج، ونقضه بعد أن أثبته وأبرمه.(4)

دليل القائل بالصحّة

استدلّ القائل بالصحّة بما مرّ في الطلاق المعلّق من أنّه التزم أمراً عند وجود شرطه فلزمه ما التزمه مثلاً التزم بأنّه إذا كلّمت الزوجة فلاناً فهي طالق.

يلاحظ عليه: أنّه عبارة أُخرى للتمسّك بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «المسلمون عند شروطهم» و قد سبق انّه لايستدلّ بالكبرى على صحّة الصغرى فانّ معنى قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «المسلمون عند شروطهم» هو انّهم عند شروطهم التي ثبتت صحّة الاشتراط بها في الإنشاء، دون ما إذا شكّ في صحّة الاشتراط.

وربما يستدلّ عليه بالإجماع، كما ذهب إلى ذلك السبكي في «الدرة»، وقد عرفت وجود الخلاف بين الصحابة والتابعين فكيف يدّعي الإجماع؟!


1 . الوسائل: الجزء 15، الباب 18 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 3.
2 . النساء:21.
3. الروم:21.
4. الفقه على المذاهب الخمسة: 414.


(134)

حكم المرأة في الفترة

لو قلنا ببطلان الحلف بالطلاق وانّ وجوده وعدمه سيان، تكون المحلوف عليها زوجته، سواء تحقّق المعلّق عليه أو لا، فيكون البحث أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، وقد مرّ في كلام أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :«سبحان اللّه يأمرونها أن تتزوّج ولها زوج».

وأمّا على القول بصحّة الإنشاء وصيرورتها مطلّقة عند تحقّق المعلّق عليه فمقتضى القاعدة جواز مسها في الفترة بين إنشاء الصيغة وتحقّق المعلّق عليه، وقد روى ابن حزم عن ابن عباس جواز مسّها قبل رأس الشهر إذا علّق الطلاق عليه، و مع ذلك نقل عن سعيد بن المسيب حرمة المس قبل رأس شهر.

ويترتب على ذلك التوارث إذا مات أحدهما قبل رأس الشهر، فيرث على قول ابن عباس، لأنّها زوجته ولا يرث على القول الآخر.

كما روى عن مالك التفصيل بين كون المعلّق عليه مشكوك الوجود في المستقبل، فيجوز فيها ويتوارثان إذا مات أحدهما قبل تحقّق المعلّق عليه، دون ما إذا كان محقّق الوجود، فلا يجوز فيها ولا يتوارثان.(1)


1 . المحلى:10/213ـ214، ونقل قولاً رابعاً لا يخلو من إبهام ولذا تركنا نقله.


(135)

خاتمة المطاف

هل تتعلّق الكفّارة إذا حنث

قال الشهيد: تختصّ الكفّارة بما إذا حلف باللّه أو أسمائه الخاصة لتحقّق ما يحتمل المخالفة والموافقة في المستقبل.(1)

وقال العلاّمة: اليمين عبارة عن تحقيق ما يمكن فيه الخلاف بذكر اسم اللّه أو صفاته.(2) إلى غير ذلك من الكلمات المتضافرة من اختصاص الكفّارة بالحلف باللّه وصفاته ولا ينعقد الحلف باليمين على غير اللّه وصفاته وإن كان المحلوف به هو الكعبة والقرآن والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وعلى ذلك فالبحث عن الكفّارة على أُصولنا أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع لعدم انعقاد اليمين بغير اللّه وصفاته.

نعم ذهبت المالكية إلى أنّ أيمان المسلمين ستة أشياء، وهي: اليمين باللّه تعالى، والطلاق البات لجميع الزوجات، أو عتق ما يملك من العبيد والإماء، والتصدق بثلث المال، والمشي بحج وصوم عام. ونُقل قريب من ذلك من الحنابلة.(3)

واختاره ابن تيمية فقال: إنّ هذا يمين من أيمان المسلمين فيجري فيها ما


1 . الدروس:2/161.
2 . القواعد :3/266.
3. الموسوعة الفقهية:17/251.


(136)

يجري في أيمان المسلمين، وهو الكفارة عند الحنث، إلاّ أن يختار إيقاع الطلاق فله أن يوقعه ولا كفّارة.(1)

ولكن من أين ثبت انّه من أيمان المسلمين، ليكونَ للطلاق من القداسة ما للفظ الجلالة، فلاحظ.

ومن عجيب الأمر ما أحدثه الحجاج بن يوسف الثقفي المعروف بأيمان البيعة، فكان يأمر الناس عند البيعة لعبد الملك بن مروان أن يحلفوا بالطلاق والعتاق واليمين باللّه وصدقة المال، فكان هذه الأيمان الأربعة ، أيمان البيعة القديمة المبتدعة.

ثمّ أحدث المستحلفون من الأمراء عن الخلفاء والملوك وغيرهم أيماناً كثيرة تختلف فيها عاداتهم.(2)

ومع ذلك فلا خلاف بين فقهاء السنة عدا ابن تيميّة في كلامه السابق انّ الحلف بغير اللّه لاتجب بالحنث فيه الكفّارة، إلاّ ما روي عن أكثر الحنابلة في وجوب الكفارة على من حنث في رسول اللّه، لأنّه أحد شطري الشهادتين اللّتين يصير بهما الكافر مسلماً.

ثمّ إنّ الحنث إنّما يتصوّر إذا حلف على الفعل بأن يطلقها في المستقبل عند حصول المعلّق عليه، فإذا حصل ولم يطلق، حصل الحنث دون ما إذا حلف على النتيجة أي صيرورة المرأة مطلقة أو ماله صدقة أو عبده معتقاً بنفس هذه الصيغة إذا حصل المعلّق عليه من دون حاجة إلى صيغة أُخرى، إذ تكون المرأة عندئذ مطلقة، شاء الحالف أم لم يشأ. ومثله كون أمواله صدقة وعبيده عتقاء، وقد مرّ توضيحه عند نقل كلام ابن تيمية.


1 . الفتاوى الكبرى:3/12و13.
2 . الموسوعة الفقهية:7/250.


(137)

19
الطلاق في الحيض والنفاس
أو
في طهر جامعها


(138)


(139)

الطلاق في الحيض والنفاس
أو
في طهر جامعها

اتّفقت الإمامية على أنّ الطلاق في الحيض والنفاس حرام تكليفاً و باطل وضعاً، وهكذا الطلاق في طهر المواقعة، وأمّا جمهور الفقهاء من السنّة فاتّفقوا على وقوع الطلاق مع اتّفاقهم على وقوع الإثم فيه على المطلِّق. وقبل الخوض في تحرير دليل المسألة، نقدّم أُموراً:

الأوّل: تقسيم الطلاق إلى سُنّي و بدعيّ

قسَّم الفقهاء الطلاق من حيث وصفه الشرعي إلى سُنّي وبدعي; ويريدون بالسنّي ما وافق السنّة في طريقة إيقاعه، والبدعي ما خالف السنّة في ذلك.

فمن مصاديق الطلاق السُّني هو أن يطلّق الزوج زوجته طلقة واحدة رجعية في طهر لم يطأها فيه، وعلى ذلك فالطلاق في الطهر الذي واقعها أو في حالة الحيض والنفاس طلاق بدعي، وهذا ممّا لا كلام فيه.


(140)

الثاني: في تفسير شرطية الطهر في الطلاق السنّي

اتّفقت كلمتهم على أنّ طهارة المرأة من الحيض والنفاس طلاق سنّي ومقابله بدعي، إلاّ أنّ الكلام في مفاد شرطية الطهر، فهل هو شرط الصحة والإجزاء، أو شرط الكمال والتمام؟

وبعبارة أُخرى: هل التكليف في المقام تكليف وضعي بمعنى كونها شرطاً لصحّة الطلاق ولولاه كان الطلاق باطلاً، أو انّه حكم تكليفي متوجّه إلى المطلِّق، وهو انّه يجب أن يُحلّ العقدة في حال كونها طاهرة من الحيض والنفاس فلو تخلّف أثم وصحّ الطلاق؟

فالإمامية وقليل من غيرهم كسعيد بن المسيب. (1)وابن عليّة كما يأتي على الأوّل(شرط الصحّة) وأكثر المذاهب على الثاني( حكم تكليفي).

الثالث: نقل كلمات الفقهاء

قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: الطلاق المحرَّم، هو أن يطلّق مدخولاً بها غير غائب عنها غيبة مخصوصة، في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه، فما هذا حكمه فانّه لا يقع عندنا، والعقد ثابت بحاله. وبه قال ابن عليّة، وقال جميع الفقهاء: إنّه يقع وإن كان محظوراً، ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعي والثوري والشافعي.(2)

وقال ابن رشد في حكم من طلّق في وقت الحيض: إنّ الجمهور قالوا:


1 . تفسير القرطبي:18/150.
2 . الخلاف:4، كتاب الطلاق، المسألة2.


(141)

يُمضى طلاقه، وقالت فرقة: لا ينفذ ولا يقع، والذين قالوا: ينفذ، قالوا:يؤمربالرجعة، وهؤلاء افترقوا فرقتين، فقوم رأوا انّ ذلك واجب، وأنّه يجبر على ذلك، وبه قال مالك وأصحابه، وقالت فرقة: بل يندب إلى ذلك ولا يجبر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد.(1)

وفي الموسوعة الفقهية: اتّفق جمهور الفقهاء على وقوع الطلاق البدعي، مع اتّفاقهم على وقوع الإثم فيه على المطلق لمخالفته السنّة المتقدّمة.

فإذا طلق زوجته في الحيض وجب عليه مراجعتها، رفعاً للإثم لدى الحنفية في الأصح عندهم، وقال القدوري من الحنفية: إنّ الرجعة مستحبة لا واجبة.

وذهب الشافعي إلى أنّ مراجعة من طلقها بدعياً سنّة، وعبر الحنابلة عن ذلك بالاستحباب.(2)

الرابع: ما هو المراد من القُرء؟

اتّفق الفقهاء على أنّ المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، غير أنّهم اختلفوا في معنى «القرء» الذي يجمع على قروء، فالشيعة الإمامية على أنّ المراد منه هو الأطهار الثلاثة .

وقد تبعوا في ذلك ما روي عن عليـ عليه السَّلام ـ ; روى زرارة عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: إنّي سمعت ربيعة الرأي يقول: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة بانت منه، وإنّما القرء ما بين الحيضتين وزعم انّه أخذ ذلك برأيه، فقال أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ : «أخذه عن عليـ عليه السَّلام ـ » قال: قلت له: وما قال فيها عليـ عليه السَّلام ـ ؟قال: «كان يقول: إذا


1 . بداية المجتهد:2/64.
2 . الموسوعة الفقهية:29/35.


(142)

رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها ولا سبيل عليها وإنّما القرء ما بين الحيضتين».(1)

روى زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ سمعت ربيعة الرأي يقول: من رأيي انّ الاقراء التي سمّى اللّه عزّ وجلّ في القرآن إنّما هو الطهر فيما بين الحيضتين، فقال: «إنّما بلغه عن عليـ عليه السَّلام ـ » فقلت:أكان عليـ عليه السَّلام ـ يقول ذلك، فقال: «نعم، إنّما القرء الطهر الذي يُقرأ فيه الدم، فيجمعه، فإذا جاء المحيض دفعه».(2)

وذهب أصحاب سائر المذاهب إلاّ من عرفت إلى أنّ المراد منها هي الحيضات والتحقيق في محلّه، وإنّما ذكرنا ذلك مقدّمة لتفسير الآية الآتية.

الخامس: عدم احتساب الحيضة من العدّة

إذا طلق زوجته في الحيض والنفاس فلا تحسب تلك الحيضة من الإقراء الثلاثة عند القائلين بصحّة الطلاق، بل تحسب الحيضة الثانية بعد انقضاء الأُولى بالدخول في طهرها، وعلى هذا الأصل ذكر بعض الباحثين بأنّ الحكمة في المنع من الطلاق في الحيض هو انّ ذلك يُطيل على المرأة العدة، فانّها إن كانت حائضاً لم تحتسب الحيضة من عدتها، فتنتظر حتى تطهر من حيضها وتتم مدة طهرها، ثمّ تبدأ العدة من الحيضة التالية.(3)

هذا على مذهب أهل السنّة من تفسير القروء، وبالتالي العدّة بالحيضات.

و تطول العدة أيضاً على القول بتفسير «القرء» بالطهر، إذا لا تحتسب الحيضة من عدتها فتنتظر حتّى تطهر من حيضها وتبدأ العدة من يوم طهرت.


1 . الوسائل:15، الباب15 من أبواب العدد، الحديث4، ولاحظ الحديث1.
2 . الوسائل:15، الباب14 من أبواب العدد، الحديث4.
3. نظام الطلاق في الإسلام:27.


(143)

السادس: طلاق عبد اللّه بن عمر هو الأصل

إنّ دليل القائل بالجواز في حال الحيض رواية عبد اللّه بن عمر، وقد وردت بألفاظ كثيرة، حتّى أوجدت في الرواية اضطراباً، وسيوافيك صورها ومعالجة اضطرابها وانطباقها على المختار.

إذا عرفت هذه الأُمور، فلنذكر الدليل على بطلان الطلاق.

الاستدلال بالكتاب على شرطية الطهر

يقول سبحانه:(يا أَيُّها النَّبيُّ إِذا طلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللّهَ رَبَّكُمْ لا تخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجنَ إِلاّ أَنْ يَأْتينَ بِفَاحِشة مُبَيِّنة وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْري لَعَلَّ اللّه يُحدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً).(1)

والآية ظاهرة في أنّ المسلم إذا أراد أن يطلّق زوجته فعليه أن ينتظر الوقت المناسب للدخول في العدة بحيث يكون الوقت الذي تطلّق فيه جزءاً من العدة، فلو طُلِّقت في حالة الحيض، فانّها لا تحسب منها بالاتّفاق.

قال القرطبي: معنى فطلقوهنّ لعدتهنّ، أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن، وحصل الإجماع على أنّ الطلاق في الحيض ممنوع، و في الطهر مأذون فيه.(2)

توضيح ذلك: انّ الآية دالّة على شرطية الطهارة من الحيض مطلقاً، سواء فسرت ثلاثة قروء ـ و بالتالي قوله:«لعدتهن» ـ بالأطهار الثلاثة، أو بالحيضات


1 . الطلاق:1.
2 . تفسير القرطبي:18/153.


(144)

الثلاث .

وذلك انّه إذا قلنا بأنّ المراد من قوله «لعدتهن» هي الأطهار الثلاثة، فاللام في قوله: (لعدتهنّ)عندئذ ظاهرة في الغاية والتعليل والمعنى فطلقوهن لغاية أن يعتددن، والأصل هو ترتّب الغاية على ذيها بلا فصل ولا تريّث(ما لم يدلّ دليل على الخلاف)، مثل قوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(1) وقوله تعالى: (وَما أَنْزلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فيهِ)(2)، واحتمال كون اللام للعاقبة التي ربّما يكون هناك فصل بين الغاية وذيها، مثل قوله سبحانه: (فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً)(3) غير صحيح، لأنّ موردها فيما إذا كانت النتيجة مرتبة على ذيها ترتّباً قهرياً غير إرادي كما في الآية، ومثل قولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب.

وأمّا إذا قلنا بأنّ المراد من قوله: «لعدتهن» هو الحيضات الثلاث فبما انّ الطلاق في حال الحيض حرام تكليفاً في عامة المذاهب الفقهية، فلا يصحّ تفسير اللام بالظرفية إن طلقوهن في عدتهن(الحيضات) أو بالغاية فطلقوهن لغاية اعتدادهنّ بعد الطلاق، لما عرفت من أنّ الحيضة التي وقع الطلاق فيها لا تحسب من الثلاث، فلا محيص من تفسير الآية بتقدير كلمة «مستقبلات لعدتهن» كما تقول: «لقيته لثلاث بقين من الشهر» تريد مستقبلاً لثلاث، و بما انّ المراد بـ«عدتهن» هو الحيضات الثلاث، فيكون المراد بمستقبلها، هو أيّام الطهر من الحيض، أي طلقوهن في حال كونهن مطهرات، مستقبلات لعدتهنّ، أي الحيضات الثلاث.


1 . النحل:44.
2 . النحل:64
3. القصص:8.


(145)

قال القرطبي: معنى (فطلقوهن لعدتهن) أي من قَبْل عدتهن أو لقبل عدتهن، و هي قراءة النبي كما قال ابن عمر في صحيح مسلم وغيره: فَقَبْل العدة آخر الطهر حتى يكون القرء هو الحيض.

هذا ولكن الحقّ هو الوجه الأوّل، فانّ لازم ذلك اختصاص الطلاق بآخر الطهر، ويترتّب عليه انّه لو طلق في أوّل الطهر لا يصلح، إذ لا يكون عندئذ مستقبلاً للعدة، لأنّ المفروض انّ الحيض لم يقبل بعد، ولعلّ هذا دليل على عدم صحّة تفسير (لعدتهنّ) بالحيضات وتعيّن تفسيرها بالأطهار.

وعلى كلّ تقدير فالآية ظاهرة في شرطية الطهارة في صحّة الطلاق، سواء أفسرت «العدّة» بالأطهار أو بالحيضات .

الاستدلال بالسنّة

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على اشتراط الطهارة.

روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر الباقرـ عليه السَّلام ـ قال: «كلّ طلاق لغير السنّة فليس بطلاق، أن يطلّقها وهي حائض أو في دم نفاسها أو بعد ما يغشاها قبل أن تحيض فليس طلاقها بطلاق». (1)

هذا ما لدى الشيعة وأمّا ما لدى السنّة فالمهم لديهم في تصحيح طلاق الحائض هو رواية عبد اللّه بن عمر، حيث طلّق زوجته وهي حائض، وقد نقلت بصور مختلفة نأتي بها. (2)


1 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 9، وغيره.
2 . راجع للوقوف على تلك الصور، السنن الكبرى: 7/ 324ـ 325.


(146)

الأُولى: ما دلّ على عدم الاعتداد بتلك التطليقة

1. روى أبو الزبير قال: سألت جابراً عن الرجل يطلّق امرأته وهي حائض؟ فقال: طلّق عبد اللّه بن عمر امرأته وهي حائض، فأتى عمر رسول اللّه فأخبره بذلك فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ليراجعها فانّها امرأته.

2. روى نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنّه قال في الرجل يطلّق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتدّ بها.

الثانية: ما يتضمّن التصريح باحتساب تلك التطليقة طلاقاً صحيحاً

1. يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر قلت: رجل طلّق امرأته وهي حائض؟ فقال: تعرف عبد اللّه بن عمر؟ قلت: نعم ، قال: فانّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض، فأتى عمر ـ رضى اللّه عنه ـ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فسأله، فأمره أن يراجعها ثمّ يطلّقها من قبل عدّتها. قال، قلت: فيعتدّ بها؟ قال: نعم، قال: أرأيت إن عجز واستحمق.


(147)

2. يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر قلت: رجل طلّق امرأته، وهي حائض؟ قال: تعرف ابن عمر؟ إنّه طلّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأمره أن يراجعها، قلت: فيعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه؟ أرأيت إن عجز واستحمق.

3. يونس بن جبير قال: سمعت ابن عمر قال: طلّقت امرأتي وهي حائض. فأتى عمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فذكر ذلك له، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ليراجعها، فإذا طهرت فليطلّقها، قال: فقلت لابن عمر: فاحتسبت بها؟ قال: فما يمنعه؟ أرأيت إن عجز واستحمق.

4. أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر يقول: طلَّقت امرأتي وهي حائض، قال: فذكر ذلك عمر للنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال، فقال: ليراجعها فإذا طهرت فليطلقها. قال: فقلت له ـ يعني لابن عمرـ: يحتسب بها؟ قال: فمه؟

5. أنس بن سيرين: ذكر نحوه غير أنّه قال: فليطلّقها إن شاء. قال: قال عمر ـ رضى اللّه عنه ـ: يا رسول اللّه أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم.

6. أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلّق؟ فقال: طلّقتها وهي حائض. فذكر ذلك لعمر ـ رضى اللّه عنه ـ فذكره للنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلّقها لطهرها. قال: فراجعتها ثمّ طلّقتها لطهرها. قلت: واعتدّت بتلك التطليقة التي طلّقت وهي حائض؟ قال: مالي لا أعتدّ بها، وإن كنت عجزت واستحمقت.

7. عامر قال: طلّق ابن عمر امرأته وهي حائض واحدة، فانطلق عمر إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبره، فأمره إذا طهرت أن يراجعها ثمّ يستقبل الطلاق في عدّتها ثمّ تحتسب بالتطليقة التي طلّق أوّل مرّة.

8. نافع عن ابن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ أنّه طلّق امرأته، وهي حائض، فأتى عمر ـ رضى اللّه عنه ـ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فذكر ذلك له فجعلها واحدة.

9. سعيد بن جبير عن ابن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ قال: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقة.

الثالثة: ما ليس فيه تصريح بأحد الأمرين

1. ابن طاووس عن أبيه : أنّه سمع ابن عمر سئل عن رجل طلق امرأته حائضاً؟ فقال: أتعرف عبد اللّه بن عمر؟ قال: نعم. قال: فإنّه طلّق امرأته حائضاً، فذهب عمر ـ رضى اللّه عنه ـ إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبره الخبر، فأمره أن


(148)

يراجعها. قال: لم أسمعه يزيد على ذلك لأبيه.

2. منصور بن أبي وائل: إنّ ابن عمر طلّق امرأته، وهي حائـض، فأمره النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يراجعها حتى تطهر، فإذا طهرت طلّقها.

3. ميمون بن مهران عن ابن عمر أنّه طلّق امرأتـه في حيـضها، قـال: فأمرهرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يرتجعها حتى تطهر، فإذا طهرت فإن شاء أمسك قبل أن يجامع.

4. سئل أبو الزبير عن رجل طلّق امرأته حائضاً؟ قال: طلّق عبد اللّه بن عمر ـ رضى اللّه عنهما ـ امرأته وهي حائض على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فسأل عمر ـ رضى اللّه عنه ـ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض؟ فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ليراجعها، فردّها عليّ وقال: إذا طهرت فليطلّق أو ليمسك، قال ابن عمر: وقرأ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (يا أيُّها النَّبيُّ إذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنّ لِعدَّتِهنَّ) أي في قبل عدّتهنّ.

وبعدتصنيف هذه الروايات نبحث عن الفئة الراجحة منها بعد معرفة طبيعة الإشكالات التي تواجه كلاً منها ومعالجتها.

معالجة الصور المتعارضة

لا شك أنّ الروايات كانت تدور حول قصة واحدة، لكن بصور مختلفة، فالحجة بينها مردّدة بين تلك الصور والترجيح مع الأُولى لموافقتها الكتاب وهي الحجّة القطعية، وما خالف الكتاب لا يحتج به، فالعمل على الأُولى.

وأمّا الصورة الثالثة، فيمكن إرجاعها إلى الأُولى لعدم ظهورها في الاعتداد والصحّة، نعم ورد فيه الرجوع الذي ربّما يتوهّم منه، الرجوع إلى الطلاق الملازم


(149)

لصحّته، لكن ليس بشيء.

فانّ المراد من المراجعة فيها هو المعنى اللغوي لا مراجعة المطلّقة الرجعية، ويؤيّد ذلك أنّ القرآن يستعمل كلمة الرد أو الإمساك، فيقول: (وبعُولَتهنَّ أحقُّ بِردِّهنَّ) (1).

وقال سبحانه: (الطلاقُ مرَّتانِ فإمساكٌ بِمَعروف) (2) ، وقال سبحانه: (فأمسكوهنَّ بِمعرُوف) (3) ،وقال تعالى: (ولاتُمْسِكُوهنَّ ضِراراً لِتعتَدوا)(4).

نعم استعمل كلمة الرجعة في المطلّقة ثلاثاً إذا تزوّجت رجلاً آخر فطلّقها، قال سبحانه: (فإنْ طَلَّقَها فَلا تَحلُّ لَهُ مِنْ بَعدُ حَتى تَنكِحَ زَوجاً غيرَه فَإنْ طَلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيهِما أنْ يَتَراجَعا) (5).

بقي الكلام في النصوص الدالة على الاحتساب، أعني: الصورة الثانية، فيلاحظ عليها بأُمور:

1. مخالفتها للكتاب، وما دلّ على عدم الاحتساب .

2. أنّ غالب روايات الاحتساب لا تنسبه إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإنّما إلى رأي ابن عمر وقناعته، فلو كان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد أمر باحتسابها، لكان المفروض أن يستند ابن عمر إلى ذلك في جواب السائل، فعدم استناده إلى حكم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ دليل على عدم صدور ما يدل على الاحتساب من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نفسه، فتكون هذه النصوص موافقة للنصوص التي لم تتعرّض للاحتساب، لأنّها كلّها تتّفق في عدم حكم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ باحتساب التطليقة، غايته اشتمل بعضها على نسبة الاحتساب إلى ابن عمر نفسه، وهو ليس حجّة لإثبات الحكم الشرعي.


1 . البقرة: 228.
2 . البقرة: 229.
3. البقرة: 231.
4. البقرة:231.
5. البقرة: 230.


(150)

وأمّا الرواية الأُولى لنافع فقد نسب الحكم بالاحتساب في إحدى الصيغتين إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نفسه (الرواية 8 من القسم الثاني) ، بينما رويت الثانية بصيغة أُخرى تضمّنت النسبة إلى ابن عمر بعدم الاحتساب (الرواية 2 من القسم الأوّل).

وأمّا رواية أنس فرويت بصيغتين تدلاّن على أنّ الحكم بالاحتساب هو قناعة ابن عمر نفسه لا قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (الرواية 4و 6 من القسم الثاني) وبصيغة ثالثة نسبت الاحتساب إلى النبيّ (الرواية 5 من القسم الثاني) ومع هذا الاضطراب لا تصلح الرواية لإثبات نسبة الحكم بالاحتساب إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نفسه.

3. أنّ فرض صحّة التطليقة المذكورة لا يجتمع مع أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بإرجاعها وتطليقها في الطهر الذي بعده هذا، لأنّ القائلين بصحّة الطلاق في الحيض لا يصحّحون إجراء الطلاق الثاني في الطهر الذي بعده، بل يشترطون بتوسّط الحيض بين الطهرين وإجراء الطلاق في الطهر الثاني. فالأمر من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بإرجاعها وتطليقها في الطهر الأوّل ينافي احتساب تلك تطليقة صحيحة.

4. اشتهر في كتب التاريخ أنّ عمر كان يعتبر ولده عاجزاً عن الطلاق، وظاهره يوحي بأنّ ما فعله لم يكن طلاقاً شرعيّاً.

وبعد ملاحظة كل ما قدّمناه يتّضح عدم ثبوت نسبة الاحتساب إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والذي يبـدو أنّ النـص ـ على فرض صـدوره ـ لم يتضمّن احتســـاب التطليقة من قبل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وانّما هي إضافات أو توهّمات بسبب قناعة ابنعمرأو بعض من هم في سلسلة الحديث، ولذلك اضطربت الصيغ في نقل الحادثة.

بقيت هنا رواية ثالثة لنافع وهي: إنّعبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي


(151)

حائض، في عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، فسأل عمر بن الخطاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن ذلك؟ فقال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :فليراجعها، ثمّ ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثمّ تطهر، ثمّ إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدّة التي أمر اللّه عزّ وجلّ أن يطلّق لها النساء.

فالظاهر انّ الرواية من أدلّة القول بالبطلان، إذ لا تدلّ على صحّة التطليقة الأُولى إلاّ بادّعاء ظهور «الرجوع» في صحّة الطلاق وقد علمت ما فيه.

وأمّا أمره بالطلاق في الطهر الثاني بعد توسّط الحيض بين الطهرين حيث قال: «مره فليراجعها، ثمّ ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر. ثمّ إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلّق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر اللّه عزّ وجلّ أن يطلّق لها النساء» وكان بإمكانه أن يطلقها في الطهر الأوّل حسب مختارنا فلعلّ أمره بمضي طهر وحيض، لأجل مؤاخذة الرجل حيث تسرّع في الطلاق وجعله في غير موضعه فأُرغم أن يصبر طهراً وحيضاً، فإذا استقبل طهراً ثانياً فليطلّق أو يمسك.

وبعد كلّ هذا لا يصحّ الاعتماد على رواية عبداللّه بن عمر، لاضطراب النقل عنه، خصوصاً مع ملاحظة الكتاب العزيز الدالّ على وقوع الطلاق في العدّة.

الطلاق في طهر المواقعة

قد عرفت أنّ الطلاق في حالة الحيض والنفاس حرام تكليفاً وباطل وضعاً وإن ذهب جمهور الفقهاء إلى الحرمة التكليفية دون الوضعية.

بقي الكلام في طلاق الزوجة في طهر المواقعة، فهو أيضاً من الطلاق البدعيّ، حكمه حكم الطلاق في الحيض والنفاس.


(152)

ويدلّ عليه من طرق أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ صحيحة الفضلاء(1) كلّهم عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه ـ عليهما السَّلام ـ انّهما قالا: «إذا طلّق الرجل في دم النفاس أو طلّقها بعد ما يمسّها فليس طلاقه إيّاها بطلاق».(2)

وروى أيضاً عمر بن أُذينة، عن بكير بن أعين وغيره، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ كلّ ذلك لغير السنّة فليس بطلاق، أن يطلقها وهي حائض أو في دم نفاسها أو بعدما يغشاها، قبل أن تحيض فليس طلاقه بطلاق».(3)

هذا عند الشيعة الإمامية وأمّا فقهاء السنّة فلهم أقوال ثلاثة :

1. إذا أوقع الزوج الطلاق في طهر جامعها فيه، كان الطلاق عند الجمهور حراماً شرعاً.

2. قالت الحنفية: مكروه تحريميّاً، وهو المسمّى طلاقاً بدعيّاً.

3. ذهبت المالكية إلى القول بتحريم الطلاق في الحيض أو النفاس و يكره في غيرهما.(4)

وعلى كلّ تقدير فإنّ الطلاق في هذه الحالة حرام تكليفاً، أو مكروه عند المالكية ولا يضرّ بصحّة الطلاق، ويمكن الاستدلال على بطلانه في طهر المواقعة بالكتاب والسنّة.

أمّا الكتاب فلقوله سبحانه: (فطلّقوهُنّ لعدتهنّ).

فإن قلنا بأنّ المراد من قوله: (لعدتهنّ) هي الأطهار الثلاثة فواضح، سواء


1 . المراد: زرارة و محمد بن مسلم و بكير بن أعين وبُريد و فضيل و إسماعيل الأزرق و معمر بن يحيى.
2 . الوسائل:15، الباب 8 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث5، 9.
3. الوسائل:15، الباب 8 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث5، 9.
4. الفقه الإسلامي وأدلّته:7/402.


(153)

قلنا: إنّ اللام بمعنى «في» فإنّ المراد إيقاع الطلاق في الزمان الذي يصلح للاعتداد، أو بمعنى الغاية والمراد إيقاع الطلاق لغاية الاعتداد، وعلى كلا الوجهين يجب أن يترتّب الاعتداد على إيقاع الطلاق بلا تريث ، فلا تعمّ الآية الطلاقَ في طهر المواقعة، لأنّه لا يصلح للاعتداد، ظرفاً و غاية في عامّة المذاهب.

وأمّا إن قلنا بأنّ المراد بها، هي الحيضات الثلاث، فكذلك، لما عرفت من أنّ المراد بالآية، هو إيقاع الطلاق مستقبلاً لعدتهن، وبما انّ الحيضة التي تقدّمها طهر المواقعة، لا تحسب من العدة، فالآية لا تعمّ إيقاعه في مثل ذلك الطهر، لأنّه ليس من أقسام «مستقبلات عدة».

وأمّا السنّة فيمكن الاستدلال برواية ابن عمر أنّه طلّق امرأة له وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فتغيظ فيه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثمّ قال: ليراجعها، ثمّ يمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلّقها، فليطلّقها قبل أن يمسها، فتلك العدّة كما أمر اللّه تعالى.

وفي لفظ : فتلك العدّة التي أمر اللّه أن يطلق لها النساء.

وأمّا كيفية الاستدلال: فلأنّ النبي بصدد بيان كيفية إيقاع الطلاق وشروطه، فأمر بإيقاعها في الطهر الثاني بشرط أن لايمسّها، فلو كان الطلاق في الطهر الذي واقعها صحيحاً، لما خصّه النبي بالطهر المشروط.

وأمّا عدم تجويز إيقاعه في الطهر الأوّل، فلأجل مؤاخذة الرجل حيث تسرّع في الطلاق، وجعله في غير موضعه فأُرغم أن يصبر طهراً و حيضاً ، كما مرّ.


(154)


(155)

20
الوصيّة للوارث إذا لم تتجاوز الثلث


(156)


(157)

الوصية للوارث إذا لم تتجاوز الثلث

اتّفقت المذاهب الخمسة على أنّ الوصية التبرّعيّة تنفذ في مقدار الثلث فقط، مع وجود الوارث سواء صدرت في المرض أم في الصحّة، وما زاد عن الثلث يفتقر إلى إجازة الورثة. وإن كان الأفضل في بعض المذاهب أن لا يستوعب الثلث بالوصية. (1)

وأمّا في مقدار الثلث فتنفّذ وصيته عند الإمامية في الأقرب والأجنبي، ومن غير فرق في الأقرب، بين الوارث وغيره. وأمّا المذاهب الأربعة فأجازت الوصية للأقرب بشرط أن لا يكون وارثاً، وأمّا الوارث فلا تجوز الوصية له سواء كان بمقدار الثلث أم أقل أم أكثر ، إلاّ بإجازة الورثة.

قال السيد المرتضى: وممّا ظنّ انفراد الإمامية به، ما ذهبوا إليه من أنّ الوصية للوارث جائزة، وليس للوارث (غير الموصى له) ردّها. وقد وافقهم في هذا المذهب بعض الفقهاء (2) وإن كان الجمهور والغالب، على خلافه .(3)

وقال الشيخ الطوسي: تصحّ الوصية للوارث مثل الابن والأبوين. وخالف


1 . المغني: 6/78.
2 . سيوافيك التصريح به من صاحب المنار أيضاً.
3. الانتصار: 308.


(158)

جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لا وصية للوارث. (1)

وقال الخرقي في متن المغني: «ولا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة ذلك». وقال ابن قدامة في شرحه: إنّ الإنسان إذا أوصى لوارثه بوصية فلم يجزها سائر الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البرّ : أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بذلك فروى أبو أُمامة قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «إنّ اللّه قد أعطى كل ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث» رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي، ولأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منع من عطية بعض ولده وتفضيل بعضهم على بعض في حال الصحّة وقوّة الملك وإمكان تلافي العدل بينهم بإعطاء الذي لم يعطه فيما بعد ذلك، لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم، ففي حال موته أو مرضه وضعف ملكه وتعلّق الحقوق به وتعذّر تلافي العدل بينهم أولى وأحرى، وإن أجازها جازت في قول الجمهور من العلماء.(2)

وحاصل الكلام: انّ فقهاء السنّة يشترطون لنفاذ الوصية أن لا يكون الموصى له وارثاً للموصي عند موت الموصي إذا كان هناك وارث آخر لم يجز الوصية، فإن أجاز بقية الورثة الوصية للوارث نفذت الوصية، فتكون الوصية للوارث موقوفة على إجازة بقية الورثة أخذاً بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تجوز وصية لوارث إلاّ أن يشاء الورثة»، وقوله: «لا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة».

ثمّ إنّ القوم بدل أن يعرضوا المسألة على الكتاب أخذوا بالتفلسف ونحت الحكمة للمسألة كما عرفت في كلام ابن قدامة حيث قال: «لما فيه من ايقاع العداوة والحسد بينهم».


1 . الخلاف: 2 كتاب الوصية 1.
2 . المغني: 6/79ـ80.


(159)

وقال بعضهم: لما في إيثار بعض الورثة من غير رضا الآخرين ما يؤدي إلى الشقاق والنزاع وقطع الرحم وإثارة البغضاء والحسد بين الورثة.

لكن هؤلاء غفلوا عن أنّ ما ذكروه من الوجه ليس كلياً، بل ولا غالبياً، إذ ربما يكون بعض الورثة أولى ببعض الميراث من غيرهم، كما إذا كان المورث صاحب كتاب مخطوط أو مطبوع لا يستفيد منه إلاّ الوارث الطالب دون الآخرين المشتغلين بالتجارة، فهل الإيصاء عندئذ يوجب البغضاء؟

وربما يكون الموصى له عاجزاً مقعداً مستحقاً للإيصاء فهل يثير الإيصاء في المقام البغضاء والحسد، ولأجل ذلك نرى أنّ قانون الوصية في مصر أخذ برأي الشيعة الإمامية في سنة 1946م،فأجاز الوصية للوارث في حدود الثلث من غير إجازة الورثة، نعم التزم القانون السوري برأي الجمهور و هي انّ الوصية لا تنفذ إلاّ إذا أجازها الورثة.

ومع أنّ الكتب الفقهية للمذاهب الأربعة تنفي جواز الوصية للوارث، إلاّ إذا أجاز الورثة، حتى أنّ بعضهم يقول بأنّ الوصية باطلة وإن أجازها سائر الورثة إلاّ أن يعطوه عطية مبتدأة (1) ـ ومع هذا التصريح ـ ينقل الشيخ محمد جواد مغنية: ما زال عمل المحاكم الشرعية السنّية في لبنان على عدم صحّة الوصية للوارث، ومنذ سنوات قدّم قضاتها مشروعاً إلى الحكومة يجيز الوصية للوارث ورغبوا إليها في تبنّيه. (2)

يلاحظ على ما ذكره ابن قدامة من الحكمة: أنّها لا تقاوم الذكر الحكيم، واتّفاق أئمّة أهل البيت، ولو صحّت لزم تحريم تفضيل بعضهم على بعض في


1 . المصدر نفسه.
2 . الفقه على المذاهب الخمسة: 465.


(160)

الحياة في البر والإحسان، لأنّ ذلك يدعو إلى الحسد والبغضاء مع أنّه لا خلاف في جوازه، وما نقل عن النبي من النهي، فهو محمول على التنزيه لا التحريم إذ لم يقل أحد بحرمة التفضيل في الحياة. وسيوافيك الكلام فيما تصور من الحكمة.

والإِوْلى عرض المسألة على الكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فيكفي في جواز الوصية قوله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذا حَضَـرَ أحَدَكُمُ المَوتُ إنْ تَرَكَ خيراً الوَصِيَّةُ لِلوالِدَينِ والأقْرَبِينَ بِالمَعروفِ حَقّاً عَلَـى المُتَّقِينَ) .(1)

المراد من حضور الموت: ظهور أماراته من المرض والهرم وغيره، ولم يرد إذا عاين ملك الموت، لأنّ تلك الحالة تشغل الإنسان عن الوصيّة، وأيضاً يجب أن يراعى جانب المعروف في مقدار الوصية والموصى له، فمن يملك المال الكثير إذا أوصى بدرهم فلم يوص بالمعروف، كما أنّ الإيصاء للغني دون الفقير خارج عن المعروف، فانّ المعروف هو العدل الذي لا ينكر، ولا حيف فيه ولا جور.

والآية صريحة في الوصية للوالدين، ولا وارث أقرب للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويّتهما بالوصية ثم عمّم الموضوع وقال: (والأقربين) ليعمّ كل قريب، وارثاً كان أم لا.

وهذا صريح الكتاب ولا يصح رفع اليد عنه إلاّ بدليل قاطع مثله، وقد أجاب القائلون بعدم الجواز عن الاستدلال بالآية بوجهين:

1. آية الوصية منسوخة بآية المواريث

قالوا: إنّها منسوخة بآية المواريث، فعن ابن عباس والحسن: نسخت


1 . البقرة:180.


(161)

الوصية للوالدين بالفرض في سورة النساء (1)، وتثبت للأقربين الذين لا يرثون، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين، وجماعة من أهل العلم.

ومنهم من يأبى كونها منسوخة، وقال: بأنّها محكمة ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللَّذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الورثة. (2)

ومرجع الوجه الأوّل:إلى نسخ جواز الايصاء في الوالدين وانّه لا يوصى لهما مطلقاً وارثين كانا أو ممنوعين من الإرث لأجل الكفر والرق، وتقييد جواز الإيصاء للأقربين بما إذا كانا غير وارثين.

ومرجع الوجه الثاني: إلى تقييدين، تقييد جواز الايصاء للوالدين بما إذا كانا ممنوعين من الإرث، وتقييد جواز الايصاء بالأقربين بما مرّ في الوجه الأوّل.

وقال الجصاص في تفسير الآية: نسختها آية الفرائض.

1. قال ابن جريج عن مجاهد: كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين. فهي منسوخة.(3)

2.وقالت طائفة أُخرى: قد كانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين فنسخت عمّن يرث، وجعلت للوالدين والأقربين الذين لا يرثون (4).

وعلى الوجه الأوّل فآية الوصية منسوخة بالمعنى الحقيقي، وعلى الثاني مخصّصة حيث أخرج الوارث منهما وأبقى غير الوارث، لكن لازم كون الوصية


1 . (ولأبويه لكل واحد منهما السدس ممّا ترك إن كان له ولد ...) النساء: الآية 11.
2 . الجامع لأحكام القرآن: 2/262ـ 263.
3. سنن الدارمي: 2/419 مرسلاً عن قتادة.
4. أحكام القرآن: 1/164.


(162)

واجبة وبقاء الأقربين تحت العموم، وجوب الوصية لغير الوارث منهما. وهو كما ترى.

تجد نظير هذه الكلمات في كتب التفسير والفقه لأهل السنّة ونعلّق عليها بوجهين:

الأوّل: إنّ السابر في كتب القوم يقف على أنّ الذي حملهم على ادّعاء النسخ والتخصيص في الآية هو رواية أبي أُمامة أو عمر بن خارجة وأنّه سمع رسول اللّه يقول في خطبته ـ عام حجة الوداعـ: ألا أنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث. (1) ولولا هذه الرواية لما خطر في بال أحد بأنّ آية المواريث ناسخة لآية الوصية، إذ لا تنافي بينهما قيد شعرة حتى تكون إحداهما ناسخة أو مخصّصة، إذا لا منافاة أن يكتب سبحانه على الإنسان فرضاً أو ندباً أن يوصي للوالدين والأقربين بشيء، لا يتجاوز الثلث، وفي الوقت نفسه يُورِّث الوالدين والأقربين على النظام المعروف في الفقه.

والذي يوضح ذلك: هو أنّ الميراث، في طول الوصيّة، ولا يصح للمتأخّر أن يعارض المتقدّم ، وأنّ الورّاث يرثون بعد إخراج الدين والوصية، قال سبحانه: (مِنْ بعَدِ وصيّة يُوصِي بها أو دَين) (2)وفي ثلاثة موارد أُخرى : (من بعد وَصيّة يوصين ...توصون... يُوصي بها أو دين) ، (3) فلا موضوع للنسخ ولا للتخصيص.

وقد تفطّن القرطبي لبعض ما ذكرنا وقال: ولولا هذا الحديث لأمكن الجمع


1 . سيوافيك نصّه وسنده.
2 . النساء:11.
3. النساء:12.


(163)

بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورِّث بالوصية، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقى بعد الوصية، لكن منع من ذلك هذا الحديث والإجماع. (1)

أقول: أمّا الإجماع ، فغير متحقّق، وكيف يكون كذلك مع أنّ أئمة أهل البيت ـ كما سيوافيكـ اتّفقوا على جوازه وكذلك فقهاء الإمامية طوال القرون وهم ثلث المسلمين، وبعض السلف كما يحدّث عنه صاحب المنار، وأمّا الحديث فسيوافيك ضعفه، وأنّه على فرض الصحّة سنداً، قابل للتأويل والحمل على ما زاد الإيصاء عن الثلث.

الثاني: إنّ ادّعاء النسخ أو التخصيص في الآية، بآية المواريث، متوقّف على تأخّر الثانية عن الأُولى وأنّى للقائل بهما إثباته؟! بل لسان آية الوصية بما فيها من التأكيد لأجل الإتيان بلفظ (كُتِبَ)وتوصيفه بكونه حقّاً على المؤمنين يأبى عن كونه حكماً مؤقتاً لا يدوم إلاّ شهراً أو شهوراً.

قال الإمام عبده: إنّه لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا فانّ السياق ينافي النسخ، فانّ اللّه تعالى إذا شرّع للناس حكماً وعلم أنّه مؤقت وأنّه سينسخه بعد زمن قريب، فانّه لا يؤكّده ولا يوثّقه بمثل ما أكّد به أمر الوصية هنا من كونه حقّاً على المتّقين ومن وعيد لمن بدّله.

ثم قال: وبإمكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إنّ الوصيّة في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث بأن يخصّ القريب هنا بالممنوع من الإرث ولو بسبب اختلاف الدين، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران، فله أن يوصي لهما بما يؤلّف به قلوبهما. (2)


1 . الجامع لأحكام القرآن: 1/263.
2 . تفسير المنار: 2/136ـ 137.


(164)

ولا يخفى ما في صدر كلامه من الإتقان لولا ما تنازل في آخره وحاول الجمع بين الآيتين بتخصيص جواز الوصية لمن لا يرثان من الوالدين لسبب كالقتل والكفر والسرقة، إذ لقائل أن يسأل الإمام أنّه إذا كان المراد من الوالدين والأقربين في آية الوصية هم الممنوعين من الوراثة، فما معنى هذا التأكيد والعناية البارزة في الآية مع ندرة المصداق أو قلّته بالنسبة إلى غير الممنوعين، أوَ ليس هذا أشبه بالتخصيص المستهجن فلا محيص عن القول بعموم الآية، لكلّ والد ووالدة، والأقربين ممنوعين كانوا أم غيرهم.

وأمّا ما يثيرون حول الإيصاء للوالدين من كونه سبباً لظهور العداء، فقد مرّ جوابه في صدر البحث، وهنا نزيد ما ذكره ذلك الإمام بقوله:

وجوّز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخصّ بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنياً والبعض الآخر فقيراً. مثال ذلك أن يطلّق أبوه أُمّه وهو غنيّ، ولا عائل لها إلاّ ولدها، ويرى أنّ ما يصيبها من التركة لا يكفيها، ومثله أن يكون بعض ولده أو إخوته ـ إن لم يكن له ولد ـ عاجزاً عن الكسب فنحن نرى أنّ الحكيم الخبير اللطيف بعباده ، الذي وضع الشريعة والأحكام لمصلحة خلقه، لا يحكم أن يساوي الغني الفقير. والقادر على الكسب من يعجزه عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنّهمسواسية في الحاجة كما أنّهم سواء في القرابة، فلا غرو أن يجعل أمر الوصيّة مقدّماً على أمر الإرث ... ويجعل الوالدين والأقربين في آية أُخرى أولى بالوصيّة لهم من غيرهم لعلمه سبحانه وتعالى بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحياناً، فقد قال في آيات الإرث في سورة النساء: (مِنْ بعَدِ وَصيَّة يُوصِي


(165)

بِها أو دَين) فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك .

لقد بان الحق ممّا ذكرنا وانّ الذكر الحكيم أعطى للإنسان حقّ الإيصاء للوالدين لمصالح هو أعرف بها، على حدّ لا يتجاوز الثلث، وليكون إيصاؤه أيضاً على حدّ المعروف.

ويؤيّده إطلاق قوله سبحانه في ذيل آية المواريث قال سبحانه: ( وأُولُوا الأرحام بَعضُهم أوْلى بِبَعض في كِتابِ اللّهِ منَ المؤمنينَ والمهاجرينَ إلاّ أن تَفعلوا إلى أوليائِكُمْ مَعروفاً كانَ ذلكَ في الكتابِ مَسطُورا)(1) . ويريد من الذيل الإحسان في الحياة والوصية عند الموت فانّه جائز. (2)وإطلاقه يعمّ الوارث وغيره.

واللّه سبحانه هو العالم بمصالح العباد، فتارة يخصّ بعض الورّاث ببعض التركة عن طريق تنفيذ الوصية ما لم تتجاوز الثلث، وأُخرى يوصي لغير الوارث بشيء منها، يقول سبحانه: (وإذا حَضَـرَ القِسمَةَ أُوْلُوا القُرْبَـى وَاليَتمَى والمَساكينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً).(3)

والمراد من ذوي القربى الأخ للميت الشقيق وهو لايرث، وكذلك العم والخال والعمّة والخالة ويعدّون من ذوي القربى للوارث، الذي لا يرثون معه وقد يسري إلى نفوسهم الحسد فينبغي التودّد إليهم، واستمالتهم بإعطائهم شيئاً من ذلك الموروث، بحسب ما يليق بهم ولو بصفة الهبة أو الهدية....(4)


1 . الأحزاب:7.
2 . الجامع لأحكام القرآن: 14/126.
3. النساء:8.
4. تفسير المنار: 2/394.


(166)

2. آية الوصية منسوخة بالسنّة

قد عرفت مدى صحّة نسخ الآية بآية المواريث فهلمّ معي ندرس منسوخية الآية بالسنّة التي رواها أصحاب السنن ولم يروها الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما، وإليك ما نقل سنداً و متناً.

روى الترمذي في باب: ما جاء لا وصية لوارث:

1. حدثنا علي بن حجر وهنّاد قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أُمامة الباهلي قال : سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول في خطبته عام حجة الوداع: إنّ اللّه قد أعطى لكلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر ...

2. حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن عمرو بن خارجة: أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خطب على ناقته وأنا تحت جِرانها وهي تقصع بجرّتها (1) وإنّ نعامها يسيل بين كتفي فسمعته يقـول: إنّ اللّه أعطى كـلّ ذي حقّ حقّـه، ولا وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر ....(2).

وفي الاسناد: من لا يحتجّ به.

1. إسماعيل بن عياش

قال الخطيب: عن يحيى بن معين يقول: أمّا روايته عن أهل الحجاز فإنّ


1 . «الجران»: هو من العنق ما بين المذبح إلى المنحر. و «تقصع بجرّتها»: أراد شدة المضغ وضمّ بعض الأسنان على بعض، وقيل: قصع الجرّة: خروجها من الجوف إلى الشدق. النهاية.
2 . سنن الترمذي: 4/ 433، باب ما جاء لا وصية لوارث، الحديث 2120ـ2121.


(167)

كتابه ضاع، فخلط في حفظه عنهم.

وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي بن المديني: كان يوثق فيما روى عن أصحابه أهل الشام فأمّا من روى عن غير أهل الشام ففيه ضعف.

وقال عمر بن علي: كان عبد الرحمان بن المهدي: لا يحدّث عن إسماعيل بن عياش. (1)

وقال ابن منظور: وقال مضر بن محمد الأسدي، عن يحيى: إذا حدّث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم، فإذا حدّث عن الحجازيين والعراقيين خلط ما شاء. (2)

وقال الحافظ جمال الدين المزّي: قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: سئل أبي عن إسماعيل بن عياش فقال: نظرت في كتابه عن يحيى بن سعيد أحاديث صحاح، وفي «المصنّف» أحاديث مضطربة.

وقال عثمان بن سعيد الدارمي عن دحيم: إسماعيل بن عياش في الشاميّين غاية، وخلط عن المدنيّين.

وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت وكيعاً يقول: قدم علينا إسماعيل بن عياش فأخذ منّي أطرافاً لاسماعيل بن أبي خالد، فرأيته يُخلِّط في أخذه.

وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ما أشبه حديثه بثياب سابور يُرقّم على الثوب المائة، وأقلّ شرائه دون عشرة. قال: كان من أروى الناس عن الكذابين.

وقال أبو إسحاق الفزاري في حقّه: ذاك رجل لا يدري ما يخرج من رأسه.(3)


1 . تاريخ بغداد: 6/226ـ227.
2 . مختصر تاريخ دمشق:4/376.
3. تهذيب الكمال: 3/175ـ178.


(168)

ونقل الترمذي بعد ذكر الحديث عن أبي إسحاق الفزاري: ولا تأخذوا عن إسماعيل بن عياش ما حدّث عن الثقات ولا عن غير الثقات.(1)

2. شرحبيل بن مسلم الخولاني الشامي

قال ابن معين: ضعيف واختُتِنَ في ولاية عبد الملك بن مروان ، ووثّقه الآخرون.(2)

3. شهر بن حوشب

تابعي توفّي حدود عام 100.

قال النسائي: ليس بالقوي. (3)

وقال يحيى بن أبي بكر الكرماني عن أبيه: كان شهر بن حوشب على بيت المال فأخذ خريطة فيها دراهم، فقال القائل:

لقد باع شهر ديـنه بخريطـــة * فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهرُ (4)

وقال جمال الدين المزّي: قال شبابة بن سوّار عن شعبة: ولقد لقيت شهراً فلم أعتد به. وقال عمرو بن علي: كان يحيى لا يُحدِّث عن شهر بن حوشب. وقال أيضاً: سألت ابن عون عن حديث هلال بن أبي زينب عن شهر ... فقال: ما يُصنع بشهر إنَّ شعبة نزك شهراً. فقال النضر: نزكوه. أي طعنوا فيه.


1 . سنن الترمذي: 4/433، الحديث 2120.
2 . تهذيب الكمال:12/431برقم 1721.
3. الضعفاء والمتروكين: 134 برقم 310.
4. تهذيب التهذيب: 4/286، برقم 570.


(169)

وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: أحاديثه لا تشبه حديث الناس. وقال موسى بن هارون: ضعيف . وقال علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد لا يحدّث عن شهر، وقال يعقوب بن شيبة: ... على أنّ بعضهم قد طعن فيه. (1)

3. روى أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، ثنا ابن عياش، عن شرحبيل بن مسلم: سمعت أبا أُمامة: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث».(2)

والاسناد مشتمل على إسماعيل بن عياش وشرحبيل بن مسلم وقد عرفت حالهما. فلاحظ.

4. روى النسائي: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصية لوارث.

5. أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، قال: حدثنا شعبة، قال: حدّثنا قتادة عن شهر بن حوشب، أنّ ابن غنم ذكر أنّ ابن خارجة ذكر له أنّه شهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يخطب الناس على راحلته، وإنّها لتقصع بجرّتها وإنّ نعامها ليسيل. فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في خطبته: إنّ اللّه قد قسّم لكل إنسان قسمة من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية.

فالإسنادان مشتملان على شهر بن حوشب، وقد تعرّفت عليه.

6. أخبرنا عتبة بن عبد اللّه المروزي قال: أنبأنا عبد اللّه بن المبارك، قال: أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قتادة، عن عمرو بن خارجة قال: قال رسول


1 . تهذيب الكمال: 12/581.
2 . سنن أبي داود:3 / 114، باب ما جاء في الوصية للوارث، برقم 2870.


(170)

اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ اللّه عزّ اسمه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصيّة لوارث». (1)

وقد اشتمل الإسناد على قتادة بن دعامة بن قتادة: أبو الخطاب البصري (61ـ117هـ) الذي ورد في حقّه عن حنظلة بن أبي سفيان: كنت أرى طاووساً إذا أتاه قتادة يسأله يفرّ منه، قال: وكان قتادة يتّهم بالقَدَر.

وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: إنّ عبد الرحمان يقول: اترك كلّ من كان رأساً في بدعة يدعو إليها. قال: كيف تصنع بقتادة...؟ ثم قال يحيى: إنْ تَرَكَ هذا الضرب، تَرَكَ ناساً كثيراً.

وقال الحاكم في علوم الحديث: لم يسمع قتادة من صحابي غير أنس.

وقال أبو داود: حدّث قتادة عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم.(2)

7. روى ابن ماجة: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون: أنبأنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن عمرو بن خارجة: أنّ النبيّ خطبهم وهو على راحلته، وإنّ راحلته لتقصع بجرّتها، وإنّ لُغامَها ليسيل بين كتفيَّ، قال: إنّ اللّه قسّم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية، والولد للفراش ...

الإسناد مشتمل على شهر بن حوشب، وقد مرّ الكلام فيه.

8. حدثنا هشام بن عمّـار ، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني: سمعت أبا أُمامة الباهلي يقول: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول في خطبته، عام حجّة


1 . سنن النسائي: 6/207، كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث. الحديث بأسناده الثلاثة ينتهي إلى عمرو بن خارجة الذي قال البزار في حقّه: إنّه لا نعلم له عن النبي إلاّ هذا الحديث.
2 . تهذيب التهذيب: 8/319; تهذيب الكمال: 23/509.


(171)

الوداع : إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية لوارث.

وفي الاسناد إسماعيل بن عياش، وقد عرفت حاله.

9. حدثنا هشام بن عمّـار، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، ثنا عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، أنّه حدّثه عن أنس بن مالك قال: إنّي لتحت ناقة رسول اللّه، يسيل عليَّ نعامها، فسمعته يقول: إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه ألا لا وصية لوارث.(1)

وفي السند، من لا يحتج به:

1.عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أبو عتبة الشامي (المتوفّى عام153هـ).

قال الفلاس: ضعيف الحديث ... روى عن أهل الكوفة أحاديث مناكير.(2)

2. سعيد بن أبي سعيد، واسمه كيسان المقبري أبو سعد المدني (المتوفّى عام125هـ).

قال يعقوب بن شيبة: قد كان تغيّـر واختلط قبل موته يقال بأربع سنين، وقال الواقدي: اختلط قبل موته بأربع سنين، وقال ابن حبّان في «الثقات»: اختلط قبل موته بأربع سنين.(3)

10. روى الدارقطني: نا أبو بكر النيسابوري، نا يوسف بن سعيد، نا حجاج، عن جريج، عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا تجوز


1 . سنن ابن ماجة: 2/ 905، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، الأحاديث2712ـ 2714.
2 . تهذيب التهذيب: 6/266 برقم 581.
3. المصدر نفسه: 4/34 برقم 61.


(172)

الوصية لوارث إلاّ أن يشاء الورثة.

وفي الاسناد عطاء بن أبي مسلم الخراساني (50 ـ 135 هـ).

قال الدارقطني: لم يلق ابن عباس.

وقال أبو داود: ولم يدرك ابن عباس ولم يره.

البخاري قد ذكر عطاء الخراساني في الضعفاء... والبخاري لم يخرج له شيئاً.

وقال ابن حبّان: كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم، فبطل الاحتجاج به.(1)

وقال البيهقي: عطاء هذا هو الخراساني لم يدرك ابن عباس ولم يره. قاله أبو داود السجستاني وغيره، وقد روى من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس.(2)

11. نا علي بن إبراهيم بن عيسى، نا أحمد بن محمد الماسرجسي، نا عمرو ابن زرارة، نا زياد بن عبد اللّه ، نا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن عمرو بن خارجة قال: قال رسول اللّه: لا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة.

ولو صحّ الاسناد، فهو محمول على ما إذا زاد عن الثلث كما سيأتي نقله.

12. نا عبيد اللّه بن عبد الصمد بن المهتدي، نا محمد بن عمرو بن خالد، نا أبي ، عن يونس بن راشد، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه: «لا يجوز لوارث وصية إلاّ أن يشاء الورثة». (3)

ولا أظنّ أن فقيهاً يحتجّ بحديث في سنده:


1 . المصدر نفسه: 7/190 برقم 395.
2 . السنن الكبرى: 6/264.
3. سنن الدار قطني: 4/152 «الوصايا» الحديث 10 و11.


(173)

عكرمة البربري: أبو عبد اللّه المدني، مولى ابن عباس: وقد عرّفه أهل الرجال بما يلي:

قال ابن لهيعة: عن أبي الأسود: كان عكرمة قليل العقل خفيفاً، كان قد سمع الحديث من رجلين، وكان إذا سئل حدّث به عن رجل يسأل عنه بعد ذلك، فيحدّث به عن الآخر، فكانوا يقولون: ما أكذبه.

وقال يحيى بن معين: إنّما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة، لأنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية (طائفة من الخوارج) وقال عطاء: كان إباضياً.

وقال أبو خلف الخزاز، عن يحيى البكاء: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتّق اللّه ويحك يا نافع ولا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.

وعن سعيد بن المسيب أنّه كان يقول لغلامه: لا تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس.

وعن عطاء الخراساني: قلت لسعيد بن المسيب: إنّ عكرمة يزعم أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تزوّج ميمونة وهو محرم، فقال: كذب مخبثان.

وقال سعيد بن جبير : كذب عكرمة.

وقال وهيب بن خالد عن يحيى بن سعيد الأنصاري: كان كذّاباً.

وكان مالك لا يرى عكرمة ثقة ويأمر أن لا يؤخذ عنه.

وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل : ... وعكرمة مضطرب الحديث يختلف عنه.

وقال ابن علية: ذكره أيوب فقال: قليل العقل.

وقال الحاكم: أبو أحمد احتجّ بحديثه الأئمّة القدماء لكن بعض المتأخرين


(174)

أخرج حديثه من حيز الصحاح. (1)

13. نا أحمد بن كامل، نا عبيد بن كثير ، نا عباد بن يعقوب، نا نوح بن دراج، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال رسول اللّه: لا وصية لوارث ولا إقرار بدين.

وفي الاسناد من لا يحتجّ به أهل السنّة، وهونوح بن دراج (المتوفّى عام 182هـ) والحديث نقل محرّفاً.

فقد تضافر عن جعفر بن محمد، صحّة الوصية للوارث إلاّ إذا تجاوز عن الثلث، فانّه إضرار بالورثة ويؤيّده ذيل الحديث «ولا إقرار بدين» والإقرار بالدين، والإيصاء فوق الثلث مظنّة الإضرار بالورثة.

14. نا أحمد بن زياد، نا عبد الرحمان بن مرزوق، نا عبد الوهاب،نا سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول اللّه بمنى فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد قسّم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث.

قال: ونا سعيد بن مطر، عن شهر، عن عمرو بن خارجة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مثله. (2)

والسند مشتمل على شهر بن حوشب، والمتن يؤيد مقالة الإمامية حيث قال: فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث.

15. روى الدارمي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام الدستوائي، ثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، قال:


1 . تهذيب التهذيب: 7/234 رقم 476.
2 . سنن الدارقطني: 4/152 «الوصايا» الحديث 12 و 13.


(175)

كنت تحت ناقة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهي تقصع بجرّتها ونعامها وينوص بين كتفي، سمعته يقول: ألا إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا يجوز وصية لوارث. (1)

وفي الاسناد شهر بن حوشب وكفى به ضعفاً.

16. روى البيهقي بأسانيد مختلفة، لا تخلو من ضعف.

فالأوّل مقطوع برواية عطاء عن ابن عباس، وقد عرفت عدم إدراكه له، وعطاء هذا هو عطاء الخراساني.

والثاني مشتمل على رواية: عطاء عن عكرمة عن ابن عباس، وقد عرفت حال الرجلين.

والثالث أيضاً مثل الثاني.

والرابع مشتمل على الربيع بن سليمان، الذي كان يوصف بغفلة شديدة، وعن الشافعي أنّه ليس بثبت وإنّما أخذ أكثر الكتب من آل البويطي بعد موت البويطي. (2)

وعلى سفيان بن عيينة (المتوفّى عام 198) قال محمد بن عبد اللّه بن عمّـار : سمعت يحيى بن سعيد يقول: اشهدوا أنّ سفيان بن عيينة اختلط سنة 197، فمن سمع في هذه السنة وبعدها، سماعه لا شيء. (3)

وعلى مجاهد بن جبر المكّي المولود في خلافة عمر (المتوفّى عام 100هـ) فمضافاً إلى أنّ الرواية مقطوعة فقد ورد في حقّه: مجاهد معلوم التدليس، فعنعنته لا تفيد الوصل. (4)


1 . سنن الدارمي: 2/419، باب الوصية للوارث.
2 . تهذيب التهذيب : 3 / 213 برقم 473.
3. تهذيب الكمال: 11/196.
4. تهذيب التهذيب: 10/40 برقم 68.


(176)

والخامس مشتمل على ابن عياش وشرحبيل بن مسلم، وقد تعرّفت عليهما.

والسادس مشتمل على شهر بن حوشب.

والسابع مشتمل على حماد بن سلمة عن قتادة، والسند إمّا مقطوع أو موصول بواسطة شهر بن حوشب بقرينة الرواية السابقة.

والثامن مشتمل على إسماعيل بن مسلم، وهو مردّد بين العبدي (أبو محمد البصري) والمكي (أبو إسحاق البصري) الذي ضعّفه جمال الدين المزّي بقوله: قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدّثان عن إسماعيل المكي.

وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن مسلم المكي منكر الحديث.

وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: إسماعيل بن مسلم المكي ليس بشيء. وكذلك قال عثمان بن سعيد الدارمي وأبو يعلى الموصلي عن يحيى.

وعن علي بن المديني: إسماعيل بن مسلم المكي لا يكتب حديثه ... وكان ضعيفاً في الحديث ... يكثر الخلط.

وقال أبو زرعة: هو بصري سكن مكة، ضعيف الحديث.

وقال النسائي:... متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. (1)

والتاسع مشتمل على عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، وسعيد بن أبي سعيد، وقد تعرّفت عليهما.

والعاشر مشتمل على سفيان بن عيينة وقد تعرّفت عليه; وعلى طاووس بن كيسان اليماني، وهو تابعي لم يدرك النبيّ، و إنّما ينقل ما ينقل عن ابن عباس. (2).

17. روى الحافظ سعيد بن منصور المكي (المتوفّى 227) في سننه هذا


1 . تهذيب الكمال: 3/ 198 برقم 483.
2 . سنن البيهقي: 6/264ـ265.


(177)

الحديث بأسانيد مختلفة.

فالأوّل ـ مضافاً إلى أنّه مقطوع بمجاهد ـ: مشتمل على سفيان بن عيينة.

والثاني: مقطوع بعمرو بن دينار (المتوفّى حدود عام 125هـ) ومشتمل على سفيان بن عيينة.

والثالث: مشتمل على إسماعيل بن عياش وشرحبيل بن مسلم.

والرابع: مشتمل على شهر بن حوشب.

والخامس: مشتمل على سفيان بن عيينة وهشام بن حجر المكي الذي ضعّفه يحيى بن معين، وعن غيره أنّه يضرب على حديثه، وعن أبي داود أنّه ضرب الحدّ بمكة. (1)

18. روى عبد الرزاق بن همام الصنعاني(176ـ211هـ) بسند ينتهي إلى شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة، قال: سمعت رسول اللّه يقول:لا وصية لوارث. (2) وقد تعرفت على حال «شهر».

ملاحظات على نسخ الآية بالسنّة

ويلاحظ على هذه الإجابة ـ أي نسخ الكتاب بهذه الروايات ـ بوجوه:

1. الكتاب العزيز، قطعي السند، وصريح الدلالة في المقام. وظاهر الآية كون الحكم أمراً أبدياً وأنّه مكتوب على المؤمنين، وهو حقّ على المتّقين، أفيصح نسخه أو تخصيصه برواية لم يسلم سند منها عن خلل ونقاش فرواتها: مخلّط، من أروى الناس عن الكذابين، لا يرى ما يخرج من رأسه، إلى ضعيف أُختُتِنَ في كبر


1 . تهذيب التهذيب: 11/32 برقم 74.
2 . المصنف: 9/70 برقم 16376.


(178)

سنِّه، إلى بائع دينه بخريطة، إلى مسنِد ولم ير المسند إليه، إلى محدود أُجري عليه الحد في مكة، إلى خارجيّ يُضرب به المثل، إلى، إلى، إلى.... (1)

ولو قلنا بجواز نسخ الكتاب فانّما نقول به إذا كان الناسخ، دلالة قرآنية أو سنّة قاطعة.

2. كيف يمكن الاعتماد على رواية، تدّعي أنّ النبي الأكرم خطب في محتشد كبير لم ينقل لنا التاريخ له مثيلاً في حياة النبي إلاّ في وقعة الغدير، وقال: إنّه لا وصية لوارث، ولم يسمعه أحد من الصحابة إلاّ أعرابي مثل عمرو بن خارجة الذي ليس له رواية عن رسول اللّه سوى هذه (2)، أو شخص آخر كأبي أُمامة الباهلي وهذا ما يورث الاطمئنان على وجود الخلل فيها سنداً أو دلالة.

3. لو سلم أنّ الحديث قابل للاحتجاج، لكنّه لا يعادله ولا يقاوم ما تواتر عن أئمّة أهل البيت من جواز الوصية للوارث. فهذا هو محمد بن مسلم أحد فقهاء القرن الثاني، من تلاميذ أبي جعفر الباقرـ عليه السَّلام ـ يقول: سألت أبا جعفر عن الوصية للوارث؟ فقال: «تجوز»، ثم تلا هذه الآية : (إنْ تَركَ خَيراً الوصية للوالدين والأقربين) .(3)

وهذا أبو بصير المرادي شيخ الشيعة في عصر الصادق ـ عليه السَّلام ـ يروي عنه أنّه سأله عن الوصية للوارث؟ فقال: تجوز. (4)

4. أنّ التعارض فرع عدم وجود الجمع الدلالي بين نصّ الكتاب والحديث،


1 . لاحظ ما نقلناه عن أئمة الرجال في حق رواة الحديث ونقلته.
2 . الاصابة: 2/527 ;تهذيب الكمال: 21/599; الثقات: 3/271.
3. وسائل الشيعة: 13، الباب 15 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث2و3، وفيه ثلاثة عشر حديثاً تصرِّح بجواز الوصية للوارث.
4. وسائل الشيعة: 13، الباب 15 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث2و3، وفيه ثلاثة عشر حديثاً تصرِّح بجواز الوصية للوارث.


(179)

إذ من المحتمل جداً أنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذكر قيداً لكلامه، ولم يسمعه الراوي أو سمعه، وغفل عن نقله، أو نقله ولم يصل إلينا وهو أنّه مثلاً قال: «ولا تجوز وصية للوارث» إذا زاد عن الثلث أو بأكثر منه، كما ورد كذلك من طرقنا، وطرق أهل السنّة. وقد عرفت: أنّ الدارقطني نقله عن الرسول الأكرم بهذا القيد. (1) وقد ورد من طرقنا عن النبي الأكرم أنّه قال في خطبة الوداع: «أيّها الناس إنّ اللّه قد قسّم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز وصية لوارث بأكثر من الثلث» .

(2)وبعد هذه الملاحظات لا يبقى أيّ وثوق بالرواية المنقولة بالصورة الموجودة في كتب السنن.

أضف إلى ذلك: أنّ الإسلام دين الفطرة، ورسالته خاتمة الرسالات، فكيف يصحّ أن يسد باب الإيصاء للوارث، مع أنّه ربّما تمسّ الحاجة إلى الإيصاء للوارث، بعيداً عن الجور والحيف، من دون أن يثير عداء الباقين وحسد الآخرين كما إذا كان طفلاً، أو مريضاً، أو معوّقاً أو طالب علم، لا يتسنّى له التحصيل إلاّ بعون آخرين.

كل ذلك يدعو فقهاء المذاهب في الأمصار، إلى دراسة المسألة من الأصل عسى أن يتبدّل المختلف إلى المؤتلف والخلاف إلى الوفاق بفضله وكرمه سبحانه.

قد عرفت أنّ مصدر الحكم عند القوم هو الروايات التي تعرفت على ضعفها ومقدار دلالتها، وربّما يستدلّ بوجه غريب: انّ المال حينئذ صار للورثة ، فحكم الموصي فيما استحقوه بالميراث باطل، لقول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» فليس لهم إجازة الباطل، لكن إن أحبوا أن


1 . لاحظ الرقم 14 ممّا سلف وفيه: فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث.
2 . تحف العقول: 34.


(180)

ينفذوا الوصية من مالهم باختيارهم، فلهم التنفيذ،ولهم حينئذ أن يجعلوا الأجر لمن شاءوا.

يلاحظ عليه: ما هو الدليل لقوله: «المال حينئذ صار للورثة فحكم الموصي فيما استحقّوه بالميراث باطل.

فإن كان الدليل هو الرواية، أعني قوله: «لاوصية لوارث» فقد عرفت ضعف الرواية وانّها لا تقاوم الذكر لحكيم أوّلاً، وإمكان الجمع بينهما ثانياً.

وإن كان الدليل قول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« إنّ دماءكم وأولادكم وأعراضكم عليكم حرام» كما هو الظاهر من ذيل كلامه ففيه انّه لم يدل دليل على أنّ الموصى به ملك للورثة ينتقل منهم إلى الموصى له، بل ظاهر الآية انّ المنقول من التركة إلى الوارث مخصص بغير الدين والوصية، فمقدار الدين وما أوصى به لا ينتقلان إلى الورثة حتّى ينتقلا إلى الموصى له، بل المنقول إليهم مضيق من أوّل الأمر بغير الدين والوصية، ويدلّ عليه قوله سبحانه في موردين:

أ. (فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين).

ب. (ولهن الثمن ممّا تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين).


(181)

21
المسلم يرث الكافر دون العكس


(182)


(183)

المسلم يرث الكافر دون العكس

إنّ للإرث في الفقه الإسلامي موجبات و موانع

أمّا الموجبات له فسببان: النسب والسبب. وقد قيل:

الإرث في الشرع بأمرين وجب * بـالنسب الثابت شرعاً وسبب

وأمّا الموانع فهي: الكفر، والقتل، والرقّ، فنُهمِلُ الكلامَ في المانعين الأخيرين ، ونركّز على المانع الأوّل ضمن مسألتين:

الأُولى: توريث الكافر من المسلم

لا يرث الكافر المسلم مطلقاً، إجماعاً محقّقاً بين المسلمين، مع تضافر الروايات عليه.

قال المفيد في «المقنعة»: ولا يرث كافر مسلماً على حال.(1)

وقال الطوسي في «المبسوط»: والكافر لا يرث المسلم بلا خلاف.(2)

وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنّ الكافر لا يرث المسلم.(3)

وبما انّ هذه المسألة ممّا لم يختلف فيها اثنان، وهي مورد اتفاق بين الفريقين نكتفي بهذا المقدار ونركّز البحث على المسألة الثانية.


1 . المقنعة :700.
2 . المبسوط:4/79.
3. المغني: 6/340.


(184)

الثانية: توريث المسلم من الكافر

هذه المسألة اختلفت فيها كلمات الفقهاء، فالإمامية ولفيف من غيرهم على أنّه يرث الكافر، ولكن الأكثرية من غيرهم على المنع.

وتحقيق الكلام في هذه المسألة التي أصبحت مثار بحث وجدل واسع بين المذهبين، يتم ببيان أُمور:


(185)

1
استعراض كلمات الفقهاء

1. قال الشيخ الطوسي: ذهبت الإمامية قاطبة تبعاً لأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، ومعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان من الصحابة، ومسروق وسعيد و عبد اللّه بن معقل و محمد بن الحنفية وإسحاق بن راهويه من التابعين إلى أنّ المسلم يرث الكافر.

وقال جمهور الصحابة والفقهاء على أنّه لا يرث المسلم الكافر.(1)

2. وقال ابن قدامة: قال جمهور الصحابة والفقهاء: لا يرث المسلم الكافر. يروى هذا عن أبي بكر وعثمان وعلي وأُسامة بن زيد وجابر بن عبد اللّه ، وبه قال عمرو بن عثمان وعروة والزهري و عطاء و طاووس والحسن وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن دينار والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وعامّة الفقهاء، وعليه العمل.

وروي عن عمر ومعاذ ومعاوية ، أنّهم ورَّثوا المسلم من الكافر ولم يورِّثوا الكافر من المسلم. وحكي ذلك عن محمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، و مسروق، وعبد اللّه بن معقل، والشعبي، والنخعي، ويحيى بن يعمر،


1 . الخلاف:4/23، كتاب الفرائض، المسألة16.


(186)

وإسحاق; وليس بموثوق به عنهم، فإنّ أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أنّ المسلم لا يرث الكافر.(1)

وجدير بالذكر انّهم ينسبون عدم الإرث إلى عليـ عليه السَّلام ـ وعلي بن الحسين المعروف بزين العابدين ـ عليه السَّلام ـ مع أنّ روايات أئمة أهل البيت متضافرة على خلافه كما سيوافيك.


1 . المغني:6/340.


(187)

2
الكتاب حجّة قطعية
لا يعدل عنه إلاّ بدليل قطعي

إنّ الكتاب حجّة قطعية سنداً ودلالة في غير المجملات والمبهمات والمتشابهات ولا ترفع اليد عن مثله إلاّ بدليل قطعي آخر، فإنّ كون الكتاب حجّة ليس ككون خبر الواحد حجّة، بل هو من الحجج القطعية الذي لا يعادله شيء إلاّ نفس كلام المعصوم، لا الحاكي عنه الذي يحتمل أن يكون كلام المعصوم أو موضوعاً على لسانه، و قد سمّاه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حديث الثقلين بالثقل الأكبر، ومعه كيف يمكن رفع اليد عن ظواهر القرآن بخبر الواحد وإن كان ثقة؟!

ولذلك قلنا في الأُصول: إنّ رفع اليد عن إطلاق الكتاب وعمومه بمجرّد ورود خبر ثقة مشكل جدّاً، إلاّ إذا احتفّ الخبر بقرينة توجب اطمئنان الإنسان بصدوره من المعصوم يجعله بمثابة تسكن النفس إليه، ولأجل ذلك لم تجوّز طائفة من الأُصوليّين تخصيص القرآن بخبر الواحد.

قال الشيخ الطوسي ـ بعد نقل الآراء في تخصيص الكتاب وتقييده بخبر الواحد ـ:

والذي أذهب إليه انّه لا يجوز تخصيص الكتاب بها [بأخبار الآحاد] على


(188)

كلّ حال، سواء خُصّ أم لم يخصّ، بدليل متّصل أو منفصل، والذي يدلّ على ذلك انّ عموم القرآن يوجب العلم، وخبر الواحد يوجب غلبة الظن، ولا يجوز أن يترك العلم بالظن على حال، فوجب بذلك أن لا يخصّ العموم به.(1)

وأيّده المحقّق الحلّيّ فقال: لا نسلّم انّ خبر الواحد دليل على الإطلاق، لأنّ الدلالة على العمل به،هي الإجماع على استعماله فيما لا يوجد عليه دلالة فإذا وجدت الدلالة القطعية سقط وجوب العمل.(2)

وحاصل كلامهما وجود الشكّ في سعة دليل حجّية خبر الواحد، وانّه هل يعمّ ما إذا كان في المورد دليل قطعي مثل الكتاب؟!

إنّ كثيراً من الأُصوليّين وإن كانوا يتعاملون مع الكتاب العزيز معاملة سائر الحجج، أعني: السنّة الحاكية، لكنّ الكتاب أعظم شأناً من أن يكون عِدْلاً لأمثالها بل هو حجة قطعية، فعموم القرآن وإطلاقاته حجّة على المجتهد إلاّ إذا وقف على حجّة أُخرى تسكن النفس إليها ويطمئن بها المجتهد ، فعند ذلك يقيّد عموم القرآن وإطلاقاته به.

إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع ونقدّم أدلّة القائلين بالإرث على أدلّة نفاته.


1 . عدّة الأُصول:1/135.
2 . المعارج:46.


(189)

3
أدلّة القائلين
بإرث المسلم من الكافر

استدلّ القائلون بأنّ المسلم يرث الكافر مطلقاً ، كتابياً كان أو وثنياً بوجوه:

1. إطلاقات الكتاب العزيز

إنّ مقتضى إطلاقات الكتاب وعموماته، هو التوارث في الحالتين، من دون فرق بين إرث الكافر، المسلم وبالعكس، قال سبحانه:

(يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَر مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيين فإِنْ كُنَّ نِساءً فَوق اثْنَتَين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإِن كانت واحدةً فلها النِّصف).(1)

و قال سبحانه: (ولكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْن مِنْ بَعْدِ وَصِيّة يُوصينَ بِها أَوْ دَيْن...).(2)


1 . النساء:11.
2 . النساء:12


(190)

وقال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ إِنِ امْرؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَد وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ...).(1)

غير أنّ الدليل القطعي وهو اتّفاق المسلمين قام على إخراج إرث الكافر من المسلم من تحت هذه الإطلاقات والعمومات.

وأمّا إرث المسلم من الكافر فخروجه رهن دليل قطعي تسكن إليه النفس حتّى يعد عديلاً للقرآن في الحجّية ويخصّ الكتاب أو يقيّد بهذا الدليل، فلابدّ من دراسة الروايات التي استدلّ بها على عدم توريث المسلم من الكافر، وانّه هل هي بهذه المثابة أو لا؟ وستتم دراسته في الفصل القادم.

2. إجماع الإمامية على الإرث

اتّفقت الإمامية على أنّ المسلم يرث الكافر مطلقاً، و لم يختلف فيه اثنان منهم، وقد مرّت الإشارة إلى إجماع الطائفة في كلام الشيخ الطوسي، ولنذكر غيرها، حتّى يتّضح اتّفاقهم في المسألة.

1. قال المفيد(336ـ 413هـ): ويرث أهل الإسلام بالنسب والسبب أهلَ الكفر والإسلام، ولا يرث كافر مسلماً على كلّ حال. فإن ترك اليهودي، أو النصراني، أو المجوسي، ابناً مسلماً وابناً على ملّته، فميراثه عند آل محمد لابنه المسلم دون الكافر; ولو ترك أخاً مسلماً و ابناً كافراً، حجب الاخُ المسلم الابنَ في الميراث وكان أحقّ به من الابن الكافر، وجرى الابن الكافر مجرى الميت في حياة أبيه، أو القاتل الممنوع بجنايته من الميراث.(2)

2. وقال السيد المرتضى(355ـ 436هـ) في «الانتصار»: و ممّا انفردت به


1 . النساء:176.
2 . المقنعة:700.


(191)

الإمامية عن أقوال باقي الفقهاء في هذه الأزمان القريبة وإن كان لها موافق في متقدّم الزمان: القول بأنّ المسلم يرث الكافر وإن لم يرث الكافر، المسلم.

وقد روى الفقهاء في كتبهم موافقة الإمامية على هذا المذهب عن سيدنا علي بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ و محمد بن الحنفية وعن مسروق و عبد اللّه بن معقل المزني وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان .(1)

3. وقال الطوسي(385ـ 460هـ): والكافر لا يرث المسلم بلا خلاف، والمسلم يرث الكافر عندنا، حربياً كان أو ذمّيّاً، أو كافر أصل، أو مرتداً عن الإسلام.(2)

4. وقال ابن زهرة(511ـ585هـ): إنّ الكافر لا يرث المسلم، فأمّا المسلم فانّه يرث الكافر عندنا وإن بعد نسبه. ويدلّ على ذلك الإجماع الماضي ذكره، وظاهر آيات الميراث، لأنّه إنّما يخرج من ظاهرها ما أخرجه دليل قاطع .(3)

5. وقال ابن إدريس(539ـ 598هـ): قد بيّنا فيما مضى انّ الكافر لا يرث المسلم، فأمّا المسلم فانّه يرث الكافر عندنا وإن بعد نسبه ويحجب من قرب عن الميراث بلا خلاف بيننا.(4)

6. وقال الكيدري (...ـ 600هـ) :المسلم يرث الكافر، وإن بعد نسبه، أمّا بالعكس فلا، كما مضى.

7. و(5)قال المحقّق الحلي:(602ـ 676هـ): ويرث المسلم الكافر، أصلياً


1 . الانتصار:587، المسألة323.
2 . المبسوط:4/79.
3. غنية النزوع:328، تحقيق مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ .
4. السرائر:3/266.
5. إصباح الشيعة بمصباح الشريعة :370.


(192)

ومرتداً، ولو مات كافر وله ورثة كفّار، ووارث مسلم، كان ميراثه للم(1)سلم.

8. قال الشهيد الثاني ـ معلّقاً على كلام المحقّق «ويرث المسلم الكافر»ـ: هذا موضع وفاق بين الأصحاب.(2)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يجدها الباحث في مظانّها، ولا حاجة إلى نقلها تفصيلاً.

وهذا النوع من الإجماع الموسوم بالإجماع المحصّل حجّة بنفسه حسب أُصول المخالفين، وكاشف عن رأي المعصوم على أُصولنا ، وهو حجّة قطعية لا يعدل عنها إلى غيرها.

3. الروايات المتضافرة عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

قد تضافرت الروايات على أنّ المسلم يرث الكافر ولا عكس، وقد جمعها الشيخ الحرّ العاملي في كتاب الفرائض الباب الأوّل من أبواب موانع الإرث، وهي تناهز عشر روايات، وإليك استعراضها:

1. أخرج الصدوق بسند صحيح عن أبي ولاّد، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «المسلم يرث امرأته الذمّيّة، وهي لا ترثه».(3)

ومورد الرواية هو إرث المسلم زوجته، ولكن المورد غير مخصّص خصوصاً بقرينة ما يأتي من المطلقات والعمومات.

2. أخرج الصدوق عن الحسن بن صالح، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «المسلم يحجب الكافر ويرثه، والكافر لا يحجب المسلم ولا يرثه».(4)


1 . الشرائع:2/814.
2 . مسالك الأفهام:13/31.
3. الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 1و2.
4. الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 1و2.


(193)

وعلى ذلك فلو كان للكافر ابن كافر، وأخ مسلم يحجب الأخ إرث الابن الكافر; والكلام في المقام في إرث المسلم، الكافر، و كونه ـ وراء ذلك ـ حاجباً عن إرث الكافر مسألة ثانية، ولا ملازمة عقلاً بين المسألتين، إذ يمكن الفصل بين المسألتين عقلاً، بأن يكون وارثاً ، لا حاجباً.

نعم دلّت الروايات على كونه حاجباً أيضاً، فيحجب إرث الكافر من الكافر، سواء كان الحاجب متّحداً مع الممنوع في الطبقة أو متأخّراً عنه، فالولد المسلم يحجب الولد الكافر، كما أنّ الأخ المسلم يحجب إرث الولد الكافر.

3. أخرج الشيخ بسند معتبر عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا يرث الكافر المسلم، وللمسلم أن يرث الكافر، إلاّ أن يكون المسلم قد أوصى للكافر بشيء».(1)

4. أخرج الشيخ عن عبد الرحمن بن أعين، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ في النصراني يموت و له ابن مسلم، أيرثه؟ قال: «نعم، إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً، فنحن نرثهم وهم لايرثوننا».(2)

5. ما أخرجه الصدوق بسند موثّق عن سماعة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن المسلم هل يرث المشرك؟ قال ـ عليه السَّلام ـ : «نعم، فأمّا المشرك فلا يرث المسلم».(3)

6. أخرج الفقيه بسند معتبر عن محمد بن قيس، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ ، قال: سمعته، يقول: «لا يرث اليهودي والنصراني المسلمين، ويرث المسلمون اليهود والنصارى».(4)


1 . الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.
2 . الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.
3. الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.
4. الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.


(194)

7. أخرج الشيخ في «التهذيب» عن أبي العباس (البقباق)قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «لا يتوارث أهل ملّتين(يرث هذا هذا، ويرث هذا هذا) إلاّ أنّ المسلم يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم».(1)

8. أخرج الكليني بسند صحيح عن جميل وهشام ،عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: فيما روى الناس عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «لا يتوارث أهل ملّتين، قال: نرثهم ولا يرثونا، انّ الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدّة».

وفي رواية الشيخ الطوسي: «انّ الإسلام لم يزده إلاّ عزّاً في حقّه».(2)

ثمّ إنّ الرواية السابعة والثامنة تفسران ما رواه الجمهور عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من أنّه لا يتوارث أهل ملّتين كما سيوافيك بيانه، وحاصل التفسير: انّ نفي التوارث كما يحصل بعدم إرث كلّ الآخر، يتحقّق أيضاً بعدم إرث الكافر المسلم دون المسلم، الكافر.

وبذلك أيضاً يفسر بعض الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت بنفس اللفظ النبوي أو قريب منه، نظير الروايات التالية:

9. أخرج الشيخ بسند معتبر عن حنان بن سدير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته يتوارث أهل ملّتين؟ قال: «لا».(3)

10. ونظيره ما رواه علي بن جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، عن أخيه موسى بن جعفرـ عليه السَّلام ـ ، قال: سألته عن نصراني يموت ابنه وهو مسلم، فهل يرث، فقال: «لا يرث أهل ملّة».

وفي المصدر :لا يرث أهل ملّة ملّةً.(4)


1 . الوسائل، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث15، 14، 20.
2 . الوسائل، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث15، 14، 20.
3. الوسائل، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث15، 14، 20.
4. لاحظ الوسائل:17 ، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث24.


(195)

وهو محمول على عدم التوارث من الطرفين فلا ينافي إرث المسلم الكافر.

إلى هنا تمّت دراسة ما دلّ على إرث المسلم الكافر، وهي متضافرة تفيد الاطمئنان بالصدور.

الروايات المعارضة

ثمّ إنّ هناك روايات ربّما يتراءى التعارض بينها و بين ما سبق، لا تعارضاً مطلقاً، بل تعارضاً نسبياً، وهي القول بإرث المسلم الكافر إلاّ في مورد الزوج والزوجة أو خصوص الزوجة.

ومقتضى صناعة الفقه تخصيص المطلقات السابقة بهذه الروايات المتعارضة، إلاّ أنّها فاقدة للحجّية فيطرح تخصيصها بها، وإليك ما يعارضها بظاهره:

1. ما رواه الصدوق مرسلاً، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل النصراني تكون عنده المرأة النصرانية فتسلم أو يسلم ثمّ يموت أحدهما؟ قال: «ليس بينهما ميراث».(1)

2. رواية عبد الملك بن عمير القبطي، عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال للنصراني الذي أسلمت زوجته: «بضعها في يدك، ولا ميراث بينكما».(2)

3. رواية عبد الرحمن البصري، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «قضى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في نصراني، اختارت زوجته الإسلام و دار الهجرة: أنّها في دار الإسلام لا تخرج منها، و أنّ بضعها في يد زوجها النصراني، وأنّها لا ترثه ولا


1 . الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث12و22.
2 . الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث12و22.


(196)

يرثها».(1)

4. رواية عبد الرحمن بن أعين قال: قال أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ : «لا نزداد بالاسلام إلاّ عزّاً، فنحن نرثهم ولا يرثونا، هذا ميراث أبي طالب في أيدينا، فلا نراه إلاّ في الولد والوالد، ولا نراه في الزوج والمرأة».(2)

وهذه الروايات لا يعتمد عليها في مقابل ما تضافر.

أمّا الأُولى فهي مرسلة الصدوق في «المقنع» وليست مسندة إلى المعصوم.

وأمّا الثانية ـ فهي مضافاً إلى كونها مرسلة لما في سندها من قوله: عن أُمّي الصيرفي أو بينه و بينه رجل، عن عبد الملك بن عمير القبطي ـ فإنّ عبد الملك لم يوثّق.

وأمّا الثالثة فسندها وإن كان موثّقاً ومقتضى الجمع الصناعي هو تخصيص ما دلّ على إرث المسلم الكافر بهذه الرواية و تكون النتيجة: إرث المسلم الكافر، إلاّ الزوجة المسلمة فإنّها لا ترث الزوج الكافر.

ولكن العمل بهذه الرواية في مقابل ما تضافر وتواتر عنهم غير صحيح، مضافاً إلى أنّ مقتضى التعليل الوارد في رواية عبد الرحمن بن أعين عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لا يتوارث أهل ملّتين، نحن نرثهم ولا يرثونا، إنّ اللّه عز ّوجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً». (3)هو عدم الفرق بين الزوجة وغيرها، لأنّ التعليل آب عن التخصيص.

وأمّا الرواية الرابعة فيرد عليها أمران:


1 . الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 23و19.
2 . الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 23و19.
3. انظر الرواية الرابعة.


(197)

الأوّل: انّ ظاهر الرواية هو عدم إيمان أبي طالب، وهذا ممّا اتّفق أئمّة أهل البيت على خلافه.

الثاني: انّ إخراج الزوجة والزوج خلاف مقتضى التعليل الوارد في نفس هذه الرواية.

أضف إلى ذلك إعراض المشهور عن هذه الروايات الأربع ومخالفتها لصحيح أبي ولاّد(الرواية الأُولى) على نحو التباين.

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ الرأي السائد عند أتباع أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ هو إرث المسلم الكافر، من دون فرق في المسلم بين كونه زوجاً أو زوجة.

وأمّا هذه الروايات الأربع، فهي بين ضعيفة كمرسلة الصدوق و رواية عبد الملك بن عمير، أو مخالفة للتعليل الآبي عن التخصيص، كالرواية الثالثة، أو مخدوش في المضمون لاشتماله على كفر أبي طالب، مضافاً إلى أنّ إخراج الزوج والزوجة خلاف التعليل الوارد فيها وخلاف صحيحة أبي ولاّد.

إلى هنا تمّت دراسة الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

الرابع: الآثار المروية في السنن

ثمّ إنّ هناك آثاراً مروية عن الصحابة تؤيّد موقف الإمامية في المسألة، وإليك بعض ما وقفنا عليه:

1. أخرج أبو داود عن عبد اللّه بن بريدة، انّ أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر، يهودي ومسلم فورّث المسلم منهما، وقال: حدّثني أبو الأسود انّ رجلاً حدّثه، انّ معاذاً حدّثه، قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: الإسلام يزيد ولا


(198)

ينقص، فورث المسلم.(1)

2. أخرج أبو داود عن عبد اللّه بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدؤلي انّ معاذاً أتى بميراث يهودي وارثه مسلم، بمعناه عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

3. أخرج الدارمي عن مسروق قال: كان معاوية يورِّث المسلم من الكافر ولا يورث الكافر من المسلم، قال : قال مسروق: وما حدث في الإسلام قضاء أحب إليّ منه، قيل لأبي محمد تقول بهذا، قال: لا .(3)

قال السيد المرتضى بعد نقل قضاء معاذ: ونظائر هذا الخبر موجودة كثيرة في رواياتهم.

وعلى كلّ تقدير ففي الكتاب مع ما تضافر من الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وفي هذه الآثار كفاية لمن رام الحق، ولكن لا يتم الإفتاء إلا بدراسة دليل المخالف فانتظر.

الخامس: حرمان المسلم خلاف الامتنان

إنّ من درس موارد الحرمان في الإرث يقف على أنّه إمّا للإرغام، أو لضعة الوارث.

والأوّل كما في القاتل فلا يرث المقتول، وذلك لأنّه حاول بقتله أن يرثه معجلاً، فانعكس الأمر وصار محروماً بتاتاً.

والثاني كما في الرق حيث لا يرث الحر لضعة مرتبته ودرجته.


1 . سنن أبي داود:3/126، حديث رقم2912.
2 . سنن أبي داود:3/126، برقم 2913.
3. سنن الدارمي: 370، باب في ميراث أهل الشرك وأهل الإسلام.


(199)

فعلى ضوء ما ذكرنا يجب أن يرث الكافر المسلم دون العكس، وإلاّ يلزم أن يكون حرمان المسلم إرث الكافر إرغاماً له، وهو كما ترى.

وإن شئت قلت: إنّ التشريع الإسلامي قائم على الترغيب والترهيب، ففي الموضع الذي يكون المورِّث كافراً والوارث على وشك اعتناق الإسلام، فلو قيل له أنت لو أسلمت يكون جزاء إسلامك هو حرمانك من عطايا والدك وأُمّك التي يتركها لك، فهو يرجع إلى الوراء ويتعجب من هذا التشريع الذي يُرهب مكان الترغيب، ويبعِّد بدل التقريب إلى الإسلام ويعده على طرف النقيض من الترغيب.

إلى هنا تمّ ما دلّ على إرث المسلم الكافر.

فحان حين البحث في أدلّة نفاة الإرث وهي على قسمين:

1. الأحاديث الواردة في الموضوع.

2. الآثار المنقولة عن الصحابة.

فإليك دراسة كلّ واحد على حدة.


(200)

4
أدلّة القائلين بعدم التوريث

استدلّ القائلون بعدم توريث المسلم من الكافر بأحاديث وآثار، نشير إلى الجميع.

1. حديث عمرو بن شعيب

أخرج أبوداود بسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا يتوارث أهل ملّتين شتى».(1)

وأخرج الدارقطني بسنده عن عمرو بن شعيب، قال: أخبرني أبي، عن جدّي عبد اللّه بن عمرو، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام يوم فتح مكة، قال: «لا يتوارث أهل ملّتين». (2)

وأخرجه البيهقي بنفس السند، قال: لا يتوارث أهل ملّتين شتّى. وفي لفظ آخر: ولا يتوارثون أهل ملّتين.(3)


1 . سنن أبي داود3/126، برقم2911.
2 . سنن الدارقطني :2/72، برقم16.
3. سنن البيهقي:6/218، باب لا يرث المسلم الكافر.


(201)

ورواه أيضاً ابن ماجة في سننه.(1)

ونقله الدارمي عن عمر مرسلاً عن النبي، وعن أبي بكر و عمر موقوفاً أنّ رسول اللّه و أبا بكر وعمر قالوا: لا يتوارث أهل دينين . ونقل عن عمر قال: لا يتوارث أهل ملّتين.(2)

ولكن الاستدلال غير تام دلالة وسنداً.

أمّا الدلالة فقد أُشير إليه في غير واحد من روايات أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، وحاصله: انّ الحديث بصدد نفي التوارث لا الإرث من كلّ جانب ويصدق نفي التوارث بعدم توريث الكافر من المسلم دون العكس، فلو قيل: ما تضارب زيد وعمرو، كفي في صدقه عدم الضرب من جانب واحد، فيقال: لم يكن هنا تضارب بل ضرب من جانب واحد، فالنبي بصدد نفي التوارث وهو لا ينافي الإرث من جانب واحد، وهذه الروايات وإن مرّت الإشارة إليها لكن نأت بواحد منها.

أخرج الكليني عن جميل وهشام، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: فيما روي الناس عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّه قال: لا يتوارث أهل ملّتين، قال: «نرثهم ولا يرثونا، انّ الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدة».(3)

هذا كلّه حول دلالة الرواية، وأمّا السند فقد تفرّد بروايته عمرو بن شعيب و أبوه وجدّه عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أفيمكن ترك الكتاب بالخبر الذي تفرد به هؤلاء؟!

على أنّ عمرو بن شعيب مطعون به ، فقد ترجم له ابن حجر في «التهذيب» ترجمة ضافية على نحو يسلب سكون النفس إلى روايته، حيث قال: قال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد:حديثه عندنا واه.


1 . سنن ابن ماجة: 2/912، الحديث2731.
2 . سنن الدارمي:2/369.
3. لاحظ الرواية الثامنة.


(202)

وقال علي عن ابن عيينة: حديثه عند الناس فيه شيء.

وقال أبو عمرو بن العلا : كان يعاب على قتادة وعمرو بن شعيب انّهما كانا لا يسمعان شيئاً إلاّ حدّثا به.

وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: له أشياء مناكير، وإنّما يكتب حديثه يعتبر به فأمّا أن يكون حجّة فلا.

إلى أن قال: و قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدّث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه.(1)

فمن قرأ ترجمته المفصّلة في هذا الكتاب وأقوال العلماء المتضاربة في حقّه، يقف على أنّه لا يمكن تقييد الكتاب وتخصيصه بروايته.

2. حديث أُسامة

أخرج البخاري عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة بن زيد انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.(2)

أخرج مالك عن عمرو بن عثمان بن عفان، عن أُسامة بن زيد، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا يرث المسلم الكافر.(3)

أخرج مسلم بنفس هذا السند انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم.(4)

وأخرجه البيهقي في سننه(5) ، إلى غير ذلك من المصادر.

يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: أنّه خبر واحد تفرّّد بنقله أُسامة بن زيد كما


1 . تهذيب التهذيب:8/48برقم80.
2 . فتح الباري:12/40 برقم 6764.
3. الموطأ:2/519، الحديث10.
4. صحيح مسلم:5/59، كتاب الفرائض.
5. سنن البيهقي:6/218.


(203)

تفرد بنقله من نقل عنه، وطبيعة المسألة تقتضي أن يقوم بنقلها غير واحد من الصحابة والتابعين لا سيّما في العهد النبوي ومن بعده حيث إنّ شرائح كبيرة من المجتمع كانت تبتلي بتلك الظاهرة ، فتفرّد أُسامة بسماع الحكم دون غيره يورث الشك بالرواية.

وثانياً: أنّ ابن شهاب في سند البخاري عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»(1)، مع أنّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ومنهم علي بن الحسين ـ عليهما السَّلام ـ كانوا يروون و يفتون على خلاف ذلك، فقد اشتهر أنّ آل محمّد متفردون بهذا الرأي.

وثالثاً : أنّ الدارمي نقل الحديث عن علي بن الحسين، عن أُسامة بحذف عمرو بن عثمان من السند.(2)

وقد نقل المرتضى في«الانتصار» أنّ الزهري[ابن شهاب] نقله عن عمرو بن عثمان ولم يذكر علي بن الحسين، فالاختلاف في السند يوجب الطعن في الرواية.(3)

ورابعاً: أنّ أحمد بن حنبل ينقل عن مالك، عن الزهري، عن علي بن الحسين ـ عليهما السَّلام ـ ، عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة بن زيد عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا يرث المسلم الكافر» (4)الظاهر في عدّ سماعة من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، مباشرة خلافاً لما رواه البخاريّ الظاهر في سماعة عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهذا أيضاً اختلاف واضطراب في الرواية، يحطّ من الاعتماد عليها.

3. حديث عامر الشعبي

عن عامر الشعبي انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبا بكر وعمر قالوا: لا يتوارث أهل


1 . مسند أحمد:5/208
2 . سنن الدارمي:2/370.
3. نقله المرتضى في الانتصار:590.
4. مسند أحمد:5/208.


(204)

دينين.

ولكن الرواية مرسلة، لأنّ الشعبي(1) ولد بالكوفة سنة 19هـ و قيل: سنة 21هـ، ورأى الإمام عليّاً و صلّى خلفه، فكيف ينقل عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟! والمعروف أنّ الشعبي كان من الموالين لبني أُميّة أعداء أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فكيف يمكن الاعتماد على روايته؟!

4. الاستدلال بالآثار المروية عن الصحابة

وقد استدلّ بالروايات الموقوفة على الصحابة من دون أن تسند إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهي كثيرة:

1. أخرج الدارمي عن عامر الشعبي، عن عمر قال: لا يتوارث أهل ملّتين.(2)

2. عن عامر انّ المغيرة بنت الحارث توفيت باليمن وهي يهودية، فركب الأشعث بن قيس وكانت عمّته إلى عمر في ميراثها، فقال عمر: ليس ذلك لك، يرثها أقرب الناس منها من أهل دينها، لا يتوارث ملّتان.(3)

3. عن ابن سيرين، قال عمر بن الخطاب: لا يتوارث ملّتان شتّى ولا يحجب من لا يرث.(4)

يلاحظ على الاستدلال بهذه الآثار: أنّها موقوفات لم تسند إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهي حجّة على أصحابها على أنّ قوله: «لا يتوارث أهل ملّتين» أو قوله: «لا يتوارث ملّتان شتّى» لا يصلح دليلاً على عدم توريث المسلم من الكافر، لماعرفت من أنّه يهـدف إلى نفي التـوارث، و يكفي في صدقـه عـدم توريث الكافـر من المسلم.


1 . انظر موسوعة طبقات الفقهاء:1/414 برقم181.
2 . سنن الدارمي:2/369، 370; سنن البيهقي:6/218.
3. سنن الدارمي:2/369، 370; سنن البيهقي:6/218.
4. سنن الدارمي:2/369، 370; سنن البيهقي:6/218.


(205)

نعم فهم الخليفة وأضرابه، نفي الإرث من كـلّ جانب، ففهمهم حجّة على أنفسهم دون غيرهم.

ولذلك يمكن أن يقال: انّ الحرمان من كلا الطرفين كان سنّة للخليفة لمصلحة رآها، وليس ذلك ببعيد، فإنّ له نظيراً غير هذا المورد.

أخرج مالك في موطّئه عن الثقة عنده انّه سمع سعيد بن المسيب يقول: أبى عمر بن الخطاب أن يورث أحداً من الأعاجم، إلاّ أحداً ولد في العرب.(1)

قال مالك: وإن جاءت امرأة حامل من أرض العدو ووضعته في أرض العرب، فهو ولدها يرثها إن ماتت و ترثه إن مات.(2)

وبذلك يعلم أنّ ما نسب إلى سعيد بن المسيب انّه قال: مضت السنّة أن لا يرث المسلم الكافر.(3) فلعلّ مراده من السنّة هو سنّة الخلفاء لا سنّة الرسول، وإلاّ لنسبها إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وأمّا ما رواه البيهقي في سننه عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب انّ عمر بن الخطاب قال: لا نرث أهل الملل ولا يرثونا.(4)

فهو مخدوش، لأنّ المعروف انّ سعيد بن المسيب ممّن يقول بالإرث، وقد نقله عنه غير واحد من الفقهاء.

وفي الحاوي: وحكي عن معاذ بن جبل ومعاوية انّ المسلم يرث الكافر ولا يرث الكافر المسلم، وبه قال محمد بن الحنفية وسعيد بن المسيب ومسروق والنخعي والشعبي وإسحاق بن راهويه.(5)


1 . الموطأ:2/520 برقم 14.
2 . الموطأ:2/520 برقم 14.
3. نقله المرتضى في الانتصار: 589.
4. سنن البيهقي:6/219.
5. الحاوي:8/78.


(206)

ونقله أيضاً النووي في شرح صحيح مسلم.(1)

إلى هنا تمت دراسة أدلّة المانعين، وهي على أقسام:

1. غير تامّة دلالة، أعني: ما يركز على نفي التوارث بين المسألتين الذي يصدق بنفي الإرث من جانب الكافر فقط.

2. تامّة سنداً ودلالة، مثلما أخرجه البخاري، لكنّه خبر واحد لا يقاوم الكتاب.

3. غير تامّة سنداً كرواية عمرو بن شعيب، وقد عرفت ضعفها.

4. آثار موقوفة ليست حجّة إلاّ على أصحابها.

بقي للمانعين دليل آخر وحاصله: انّ الإرث من آثار الولاية، ولا ولاية بين الكافر والمسلم .

5. انقطاع الولاية بين الكافر والمسلم

استدلّ القائل بنفي التوريث مطلقاً بوجه آخر، وهو انّه سبحانه قال: (وَالّذِينَ كَفَرُوا بَعضهُم أولياءُ بَعْض)(2) فإنّ الآية بصدد بيان نفي الولاية من الكفّار والمسلمين، فإن كان المراد به الإرث فهو إشارة إلى أنّه لا يرث المسلم الكافر، وإن كان المراد به مطلق الولاية ففي الإرث الولاية لأحدهما على الآخر.(3)

وقال ابن حجر: إنّ التوارث يتعلّق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم والكافر، لقوله تعالى: (لاَ تتَّخِذُوا اليَْهُودَ وَالنَّصارَى أَولياءَ بَعْضُهُمْ أَولياءُ بعْض)(4) .(5)


1 . شرح صحيح مسلم:11/52.
2 . الأنفال:73.
3. المبسوط للسرخسي:30/30.
4. المائدة:51.
5. فتح الباري:12/50.


(207)

يلاحظ عليه بأمرين:

أوّلاً: بأنّ الإرث من آثار الولاية في العتق وضمان الجريرة، فميراث المعتَق للمعتِق لأجل الولاء، وهكذا الأمر في ضمان الجريرة.

وأمّا الوراثة في غير هذين الموردين فلم يعلم أنّه من آثار الولاية، بل من آثار النسب والسبب.

والذي يدلّ على ذلك انّ التوارث أمر عقلائي لا يختصّ بأصحاب الشرائع، بل يعمّ قاطبة البشر، والملاك عند الجميع هو العلقة التكوينية بين أصحاب النسب أو الاعتبارية في السبب ووجود الولاية بين الوالد والولد أو غيرهما وإن كان أمراً ثابتاً مع العلقة التكوينية، لكن ليس كلّ مقرون بها يكون موضوعاً للوراثة.

والذي يوضح ذلك انّ الفقهاء يذكرون عند بيان أسباب الإرث، السببَ والنسَب مقابل الولاء.

أسباب ميراث الورى ثلاثة * كل يفيد ربّه الوراثة
وهي نكاح وولاء ونسب * ما بعدهن من مواريث سبب(1)

وثانياً: أنّ كون الولاية هي السبب للميراث يخالف ما عليه الحنفية و من تبعهم من أنّ المسلم، يرث المرتد مع انقطاع الولاية بين المسلم والمرتد.

قال النووي في شرح المهذب: قال أبو حنيفة والثوري: ما اكتسبه قبل الردة ورث عنه، وما اكتسب بعد الردة يكون فيها.(2)


1 . المجموع:17/48.
2 . المجموع:17/57.


(208)

وقال النووي في شرح صحيح مسلم: أمّا المسلم فلا يرث المرتد عند الشافعي ومالك وربيعة وابن أبي ليلى وغيرهم، بل يكون ماله فيئاً للمسلمين.

وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين، وروي ذلك عن علي و ابن مسعود وجماعة من السلف.(1)

وقال في الشرح الكبير عن أحمد ما يدلّ على أنّ ميراث المرتد لورثته من المسلمين، يروى ذلك عن أبي بكر الصديق و علي وابن مسعود(رض)، وبه قال سعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن وعمر بن عبد العزيز وعطاء والشعبي والحكم والأوزاعي والثوري وابن شبرمة وأهل العراق وإسحاق.(2)

ومن غريب القول: إنّ المسلم لا يرث الكافر ولكن الكافر يرث عتيقه المسلم، وهو منقول عن أحمد كما في الموسوعة الفقهية.(3)

ونكتفي بهذا المقدار من البحث، ولعلّ فيه غنى وكفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد، وأمّا الكلام في الفروع الأُخرى، أعني:

1. حجب المسلم الكافر.

2. إذا أسلم الكافر قبل القسمة وبعدها.

3. اشتراط عدم حجب المسلم الكافر في عقد الذمّة.

فنحيل الكلام فيها إلى مجال آخر، فإنّ هذه الفروع اختلفت فيها كلمة الفريقين بخلاف الفرع الأوّل، فجماهير أهل السنّة على المنع والإمامية على الجواز، وقد دام هذا الخلاف إلى يومنا هذا، ولعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً.


1 . شرح النووي لصحيح مسلم:11/52.
2 . المغني:7/167.
3. الموسوعة الفقهية:3/25، مادة إرث نقله عن العذب الفائض:1/31.


(209)

22

الميراث بالقرابة

أو

بالتعصيب


(210)


(211)

الميراث بالقرابة
أو
بالتعصيب

الميراث بالتعصيب من خصائص الفقه السنّي وليس في الفقه الإمامي منه عين ولا أثر، بل هو منكر عند الإمامية أشدّ الإنكار كما سيوافيك، ولإيضاح المقام نقدّم أُموراً:

الأوّل: العَصَبة في اللغة والاصطلاح

العَصَبَة جمع عاصب كطلبة جمع طالب، وهو مأخوذ من العَصَب وهو الطيّ الشديد، يقال: عصب برأسه العمامة، شدّها ولفّها عليه، ومع كونها جمعاً لكن تطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وتجمع أيضاً على عَصَبات.

ويطلق على الذكر من أقارب الميت الذي لم تدخل في نسبته إلى الميت أُنثى، وسُمُّوا عصبة لأنّهم أصابوا به، أي أحاطوا بالميت، فالأب طرف والابن طرف والأخ طرف، والعم طرف، وهؤلاء كلّهم عَصَبَة، لأنّهم يحيطون بالميت كإحاطة العمامة بالرأس.

وفي مصطلح الفقهاء: العصبَة، هو الوارث بغير فرض وتقدير، فإذا كان


(212)

معه ذو فرض أخذ بما فضل عنه قلّ أو كثر، وإن انفرد، أخذ الكل، وإن استغرقت الفروض المال، سقط .(1)

الثاني: أقسام العصبة

تنقسم العصبة عندهم إلى قسمين:

الأوّل: العصبة النَّسَبيّة.

الثاني: العصبة السببيّة.

أمّا القسم الأوّل فهو على ثلاثة أصناف:

أحدها: العصبة بنفسه وهي كلّ ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميت أُنثى، وتنحصر في أربعة.

أ. البنوة، وتسمّى جزء الميت.

ب. الأُبوة، وتسمّى أصل الميت.

ج. الأُخوة، وتسمّى جزء أبيه.

د. العمومة، وتسمّى جزء الجد.

ثانيها: عصبة بغيره، وهي الأُنثى التي يكون فرضها النصف حال الانفراد، والثلثين إذا كان معها أُخت أو أكثر، فإذا كان معها أو معهن أخ صار الجميع حينئذ عصبة به، وهي أربع:

1. البنت أو البنات.

2. بنت أو بنات الابن.


1 . المغني:6/226.


(213)

3. الأُخت أو الأخوات الشقيقات.

4. الأُخت أو الأخوات لأب.

فكلّ صنف من هذه الأصناف الأربعة يكون عصبة بغيره وهو الأخ ويكون الإرث بينهم للذكر مثل حظ الأُنثيين.

ثالثها: العصبة مع الغير وهي كلّ أُنثى تحتاج في كونها عاصبة إلى أُنثى أُخرى وتنحصر العصبة مع الغير في اثنتين فقط من الإناث، وهي:

أ. الأُخت الشقيقة أو الأخوات الشقيقات مع البنت أو بنت الابن.

ب. الأُخت لأب أو الأخوات لأب مع البنت أو بنت الابن، ويكون لهن الباقي من التركة بعد الفروض.

وأمّا القسم الثاني، أي العصبة السببية هو المولى المعتِقُ، ذكراً كان أم أُنثى، فإذا لم يوجد المعتِق فالميراث لعصبته الذكور.(1)

الثالث: أقسام نسبة الفروض مع مجموع التركة

الفروض الستة المقدرة في كتاب اللّه، تارة تتساوى مع مجموع التركة، كبنتين وأبوين، وحينئذ لا عول ولا تعصيب، حيث تأخذ البنتان الثلثين، والأبوان الثلث.

وأُخرى تنقص الفروض عن التركة، كبنت واحدة، فإن فرضها النصف أو بنتين فإن فرضهما الثلثان، فهل يردّ الباقي إليها أو إليهما بالقرابة كما عليه الإمامية، أو يردّ إلى العصبة كما عليه فقهاء السنّة ويسمّى الميراث بالتعصيب؟

وثالثة تزيد الفروض على مجموع التركة، كزوج وأبوين وبنت، فإنّ فرض


1 . فقه السنّة: 3/442، ط بيروت.


(214)

الزوج الربع والبنت النصف والأبوين الثلث، والتركة لا تتحمل ربعاً و نصفاً وثلثاً، و هذا هو العول الذي سيوافيك حكمه في المسألة الآتية.

الرابع: إيضاح التوريث بالتعصيب

المراد من التعصيب هنا هو توريث العصبة مع ذي فرض قريب، كما إذا كان للميت بنت أو أكثر، وليس له ولد ذكر.

أو لم يكن له أولاد أصلاً لا ذكور ولا إناث، وله أُخت أو أخوات وليس له أخ، وله عمّ.

فانّ مذاهب السنة تجعل أخ الميت شريكاً مع البنت أو البنات، في المثال الأوّل، كما تجعل العم أيضاً شريكاً مع الأُخت أو الأخوات كذلك في المثال الثاني.

هذا ما لدى السنّة، وأمّا الإمامية فالإرث بالتعصيب باطل مطلقاً و إنّما الميراث بالفرض المسمى في كتاب اللّه، أو بالقرابة أو الأسباب التي يورث بها من الزوجيّة والولاء.

ففي المثالين المذكورين إن بقي من الفرض يجب رده على صاحب الفرض القريب، فالتركة عندهم بكاملها للبنت أو للبنات وليس لأخ الميت شيء، وإذا لم يكن له أولاد ذكور ولا إناث و كان له أُخت أو أخوات، فالمال كلّه للأُخت والأخوات ولا شيء للعمّ، لأنّ الأُخت أقرب منه، و الأقرب يحجب الأبعد.

وبالجملة ليس للتعصيب دور في الميراث وإنّما يدور الميراث على الفروض والقرابة والسببية : الزوجية والولاء.


(215)

الخامس: ضابطة الميراث عند الفريقين

إنّ الضابطة لتقديم بعض الأقرباء النسبيّين على البعض الآخر عند الإمامية أحد أمرين:

1. كونه صاحب فريضة في الكتاب، قال سبحانه: (آباؤكُمْ وأبناؤكُمْ لا تَدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفْعاً فَريضةً مِنَ اللّهِ إنّ اللّهَ كانَ عَليماً حَكيماً) .(1)

2. القربى إذا لم يكن صاحب فريضة، فالأقرب إلى الميّت، هو الوارث للكلّ، أو لما فضل عن التركة، قال سبحانه: (وأُولُوا الأرحامِ بَعضهُم أوْلى بِبَعض في كِتابِ اللّهِ إنّ اللّهَ بِكُلِّ شيء عليم).(2)

وأمّا عند أهل السنّة فالملاك بعد الفرض، هو التعصيب ـ بالمعنى الذي عرفت ـ بعد أصحاب الفرض، وإن بعد عنهم، كالأخ عندما يموت عن بنت أو بنتين، أو العم عندما يموت عن أُخت أو أُختين فيرث الأخ أو العم، الفاضلَ من التركة، بما أنّهما عصبة، ويُردّ عندنا إلى أصحاب الفروض، وربّما لا يترتّب على الخلاف ثمرة، كما في الموردين التاليين:

كما لو اجتمع الأب مع الابن، فالأب يأخذ فرضه وهو السدس، وما بقي يأخذه الابن بالاتّفاق لكن عندنا بالقرابة وعند أهل السنّة بالعصبة.

ومثله لو اجتمع الأب مع ابن الابن فبما أنّ الأولاد تنزل منزلة الآباء فللأبالسدس والباقي لابن الابن عندنا بالقرابة وعندهم بالتعصيب.

لكنتظهر الثمرة في موارد أُخر. كما إذا كانت العصبة بعيدة عن ذي فرض، كالأخ فيما إذا ترك بنتاً أو بنات، ولم يكن له ولد ذكر، أو العم فيما إذا ترك


1 . النساء:11.
2 . الأنفال:75.


(216)

أُختاً أو أخوات ولم يكن له أخ، فعلى مذهب الإمامية لا يرد إلى البعيد أبداً، سواءكانأخاً أو عمّـاً، لأنّ الضابط في التقديم والتأخير هو الفرض والقرابة، وأمّا الأخوالعم فهما ليسا من أصحاب الفروض قطعاً، كما أنّهما بعيدان عن الميّت مع وجود البنت أو الأُخت، فيرد عليهما الفاضل،فالبنتترث النصف فرضاً والنصف الآخر قرابة، وهكذا الصورة الأُخرى.

وأمّا على مذاهب أهل السنّة، فبما أنّهم حكموا بتوريث العصبة مع ذي فرض قريب، يردّون الفاضل إلى الأخ في الأوّل، والعم في الثاني.

قال الشيخ الطوسي: القول بالعصبة باطل عندنا ولا يورث بها في موضع من المواضع، وإنّما يورث بالفرض المسمّى أو القربى، أو الأسباب التي يورث بها من الزوجية والولاء، وروي ذلك عن ابن عباس، لأنّه قال فيمن خلّف بنتاً وأُختاً: إنّ المال كلّه للبنت دون الأُخت(1)، ووافقه جابر بن عبد اللّه في ذلك.

وروى موافقة ابن عباس عن إبراهيم النخعي، روى عنه الأعمش ولم يجعل داود الأخوات مع البنات عصبة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وأثبتوا العصبات من جهة الأب والابن.(2)

السادس: عدم الثمرة فيما إذا كان قريب مساو لا فرض له

إذا بقى من سهام التركة شيء ـ بعد إخراج الفريضة ـ وكان بين الورثة من لا فرض له لا فرق بين القولين ولا تترتب عليهما ثمرة.

وبعبارة أُخرى: إذا اجتمع من لا فرض له مع أصحاب الفرض ففيها يردّ الفاضل على المساوي الذي ليس له سهم خاص في الكتاب، سواء قلنا


1 . وهي عصبة بالغير أي الأخ.
2 . الخلاف:4/62، كتاب الفرائض، المسألة80.


(217)

بالتعصيب أم لا. وإليك بعض الأمثلة:

1. إذا ماتت عن أبوين وزوج.

2.إذا مات عن أبوين وزوجة.

فالزوج في الأوّل، والزوجة في الثاني، والأُمّ في كليهما من أصحاب الفروض دون الأب، فما فضل بعد أخذهم، فهو لمن لا فرض له، أي الأب، فللزوج والزوجة نصيبهما الأعلى وللا ُم الثلث، والباقي للأب لأنّه لا فرض له، نعم الأب من أصحاب الفروض إذا كان للميّت ولد قال سبحانه: (ولأبَويهِ لِكُلِّ واحِد منهُما السُّدسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ وَلَد) (1)بخلاف الأُمّ فهي مطلقاً من ذوات الفروض.

قال الخرقي في متن المغني: وإذا كان زوج وأبوان، أُعطي الزوج النصف والأُم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب، وإذا كانت زوجة أُعطيت الزوجة الربع، والأُمّ ثلث ما بقي، وما بقي للأب.

قال ابن قدامة: هاتان المسألتان تسمّيان العُمَريّتين لأنّ عُمَر قضى فيهما بهذا القضاء، فتبعه على ذلك عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود، وروي ذلك عن علي، وبه قال الحسن والثوري ومالك والشافعي ـ رضي اللّه عنهم ـ وأصحاب الرأي، وجعل ابن عباس ثلث المال كلّه للا ُمّ في المسألتين، ويروى ذلك عن علي.(2)


1 . النساء:11.
2 . المغني : 6/236 ـ 237. وهذا ونظائره الكثيرة في الفرائض يعرب عن عدم وجود نظام محدّد في الفرائض في متناول الصحابة، ومع أنّهم يروون عن النبي أنّ أعلم الصحابة بالفرائض هو زيد بن ثابت وانّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «أفرضهم زيد، وأقرأهم أُبيّ». لكنّه تبع قضاء عمر ولم يكن عنده شيء في المسألة التي يكثر الابتلاء بها.


(218)

3. ذلك الفرض ولكن كان للا ُمّ حاجب، فللزوج والزوجة نصيبهما الأعلى وللا ُمّ السدس، والكلّ من أصحاب الفرض، والباقي للأب الذي لا فرض له.

4. إذا مات عن أبوين وابن وزوج أو زوجة، فلهما نصيبهما الأدنى ـ لأجل الولد ـ وللوالدين السدسان والباقي للابن الذي لا فرض له.

5. إذا مات عن زوج أو زوجة وإخوة من الأُمّ، وإخوة من الأبوين أو من الأب، فللزوج النصف أو للزوجة الربع، وللإخوة من الأُم الثلث، والباقي لمن لا فرض له، أي الإخوة من الأبوين أو الذين يتقرّبون بالأب.

ففي هذه الصورة فالزائد بعد إخراج الفرائض للمساوي في الطبقة الذي لا فرض له. ولعلّ هذه الصورة موضع اتّفاق بين الفقهاء: السنّة والشيعة.

السابع: ترتّب الثمرة إذا لم يكن قريب مساو لا فرض له

إذا لم يكن بين الورثة ـ وراء أصحاب الفروض ـ قريب مساو لا فرض له وزادت سهام التركة عن الفروض، فهناك رأيان مختلفان بين الفقهاء: الشيعة والسنّة.

1. الشيعـة كلّهم على أنّ الزائـد يرد إلى أصحاب الفرائض عدا الزوج والزوجة (1) بنسبة سهامهم، فإذا مات عن أبوين وبنت وليس في طبقتهم من ينتمي إلى الميّت بلا واسطة سواهم، يرد الفاضل ـ أي السدس ـ عليهم بنسبة


1 . اتّفقت عليه المذاهب كلّها قال ابن قدامة: «فأمّا الزوجان فلا يرد عليهما، باتّفاق أهل العلم» المغني: 6/257.


(219)

سهامهم، فيرد السدس عليهم أخماساً فللأبوين: الخمسان من السدس، وللبنت ثلاثة أخماس منه، ولا تخرج التركة عن هذه الطبقة أبداً.

2. أهل السنّة يرون أنّه يرد إلى أقرباء الميّت من جانب الأب والابن وهم العصبة.

إذا عرفت هذه الأُمور فلندرس أدلّة القولين:


(220)

دراسة أدلّة نفاة التعصيب

احتجّت الإمامية على نفي التعصيب ـ وانّه لا دور له في الميراث وانّه مع وجود الأقرب وإن كان ذا فرض لا يرد إلى البعيد وإن كان ذكراً ـ بالكتاب والسنّة، وإليك دراسة ما يدلّ على نفيه من الكتاب:

الآية الأُولى
مشاركة النساء للرجال في الميراث

قال سبحانه: (لِلرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدان وَالأَقرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقربُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصيباً مَّفْرُوضاً).(1)

وجه الاستدلال: انّ ظاهر الآية انّ النساء في درجة الرجال من حيث الاستحقاق وانّ كلّ مورد يرث فيه الرجل، ترث فيه المرأة إلاّ ما خرج بالدليل كالقاتل والمرتد.

وبعبارة أُخرى: انّه أوجب توريث جميع النساء والأقربين، ودلّت على المساواة بين الذكور والإناث في استحقاق الإرث ـ لا في مقداره ـ ، لأنّها حكمت بأنّ للنساء نصيباً كما حكمت بأنّ للرجال نصيباً، مع أنّ القائل بالتعصيب يُورّث


1 . النساء:7.


(221)

الرجال دون النساء مع كونهما في رتبة واحدة، وذلك في الصور التالية:

1. لو مات وترك بنتاً، وأخاً وأُختاً، فالفاضل عن فريضة البنت يرد إلى الأخ، ويحكم على الأُخت بالحرمان.

2. لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وابن أُخت، فالقائل بالتعصيب يعطي النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الأخ، ولا شيء لابن أُخته مع أنّهما في درجة واحدة.

3. لو مات وترك أُختاً، وعمّـاً، وعمّة، فالفاضل عن فريضة الأُخت يرد إلى العم، لا العمّة.

4. لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وبنت أخ، فإنّهم يعطون النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الأخ، ولا يعطون شيئاً لبنت الأخ مع كونهما في درجة واحدة.

فالآية تحكم بوراثة الرجال والنساء معاً وبوراثة الجميع، والقائل بالتعصيب يورّث الرجال دون النساء والحكم به أشبه بحكم الجاهلية المبني على هضم حقوق النساء كما سيوافيك بيانه.

وحمل ظهور الآية في مشاركة الرجال والنساء، على خصوص الميراث المفروض، لاالميراث لأجل التعصيب كما ترى، لأنّه حمل بلا قرينة في الآية ، وعلى خلاف إطلاقها.

والحاصل: أنّ نتيجة القول بالتعصيب هو توريث الرجال وإهمال النساء على ما كانت الجاهلية عليه.

قال العلاّمة الصافي في تفسير قوله سبحانه: (للرِّجالِ نصيبٌ مِمّا تَركَ الوالِدانِ والأقربونَ...)قد أبطل اللّه بهذه الآية النظام الجاهلي المبنيّ على توريث الرجال دون النساء، مثل توريث الابن دون البنت، وتوريث الأخ دون الأُخت،


(222)

وتوريث العم دون العمّة، وابن العم دون بنته، فقرّر بها مشاركة النساء مع الرجال في الإرث، إذا كنّ معهم في القرابة في مرتبة واحدة، كالابن والبنت، والأخ والأُخت، وابن الابن وبنته، والعم والعمّة وغيرهم، فلا يوجد في الشرع مورد تكون المرأة مع المرء في درجة واحدة إلاّ وهي ترث من الميت بحكم الآية ... فكما أنّ القول بحرمان الرجال الذين هم من طبقة واحدة نقض لهذه الضابطة المحكمة الشريفة، كذلك القول بحرمان النساء أيضاً ... ومثل هذا النظام ـ الذي تجلّى فيه اعتناء الإسلام بشأن المرأة ورفع مستواها في الحقوق المالية كسائر حقوقها ـ يقتضي أن يكون عامّاً لا يقبل التخصيص والاستثناء. (1)

قال السيد المرتضى: توريث الرجال دون النساء مع المساواة في القربى والدرجة، من أحكام الجاهلية، وقد نسخ اللّه بشريعة نبيّنا محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أحكام الجاهلية، وذمّ من أقام عليها واستمرّ على العمل بها بقوله: (أَفَحُكْمَ الجاهليّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكماً)(2) وليس لهم أن يقولوا إنّنا نخصّص الآية التي ذكرتموها بالسنّة، وذلك أنّ السنّة التي لا تقتضي العلم القاطع لا يُخصَّص بها القرآن، كما لم يُنسخ بها، وإنّما يجوز بالسنّة أن يخصّص وينسخ إذا كانت تقتضي العلم واليقين، ولا خلاف في أنّ الأخبار المروية في توريث العصبة أخبار آحاد لا توجب علماً، وأكثر ما يقتضيه غلبة الظن، على أنّ أخبار التعصيب معارضة بأخبار كثيرة ترويها الشيعة من طرق مختلفة في إبطال أن يكون الميراث بالعصبة، وأنّه بالقربى والرحم، وإذا تعارضت الأخبار رجعنا إلى ظاهر الكتاب.(3)


1 . مع الشيخ جاد الحق، شيخ الأزهر:15ـ16.
2 . المائدة:5.
3. الانتصار:278.


(223)

الآية الثانية
الضابطة في الميراث هي الأقربية

قال سبحانه: (وأولوا الأرحامِ بعضُهُمْ أولى بِبعض في كِتابِ اللّهِ إنَّ اللّهَ بِكُلِّ شيء عليم).

وقال فى(1) آية أُخرى: (النَّبِيُّ أَولى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمّهاتُهُمْ وَأُولوا الأرْحام بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْض فِي كِتابِ اللّه مِنَ المُؤْمِنينَ وَالْمُهاجِرين إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوليائكُمْ مَعْروفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً).(2)

وجه الاستدلال: أنّ الآية ظاهرة في أنّ ذوي الأرحام والقرابة بعضهم أحقّ بميراث بعضهم من غيرهم، والمروي عن جماعة من المفسّرين انّ الآية ناسخة لما قبله من التوارث بالمعاقدة والهجرة وغير ذلك من الأسباب، فقد كانوا يتوارثون بالمؤاخاة، فانّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان قد آخى بين المهاجرين والأنصار.

ثمّ إنّ وجه الأولوية هو الأقربية، فكلّ من كان أقرب إلى الميت في النسب كان أولى بالميراث، سواء كان ذا سهم أو غير ذي سهم، وسواء كان عصبة أو غير ذي عصبة.(3)


1 . الأنفال:75.
2 . الأحزاب:6.
3. مجمع البيان:2/563.


(224)

قال العلاّمة الطباطبائي: جعل الولاية بين أُولي الأرحام والقرابات، وهي ولاية الإرث، فانّ سائر أقسام الولاية لا ينحصر فيما بينهم.

والآية تنسخ ولاية الإرث بالمؤاخاة التي أجراها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بين المسلمين في أُول الهجرة، وتُثبت الإرث بالقرابة، سواء كان هناك ذو سهم أو لم يكن، و كان عصبة أو لم يكن، فالآية مطلقة كما هو ظاهر.(1)

وقد استدلّ بالآية بعض الفقهاء والمفسّرين في مورد الإرث وفسروه بالنحو التالي الموافق لما ذكرنا .

قال السرخسي في مبسوطه: والميراث يبنى على الأقرب ، قال اللّه تعالى: (ما ترك الوالدان والأقربون) وزيادة القرب تدلّ على قوة الاستحقاق.

وقال أيضاً: فإن كان بعضهم أقرب فهو بالميراث أحقّ.

وقال أيضاً: وميراث ذوي الأرحارم يبنى على القرب.(2)

و ممّا يدلّ على أنّ مفاد الآية هو منع القريب البعيد هو انّ بعض فقهاء السنة تمسك بالآية على أُولوية بعض العصبة على بعض، مثلاً: قدّموا الأخ على ابن الأخ، والعم على ابن العم، حتّى أنّهم يقدّمون الأخ لأبوين على ابن الأخ لأب، كما أنّ العمّ لأبوين يقدّمونه على العمّ لأب، وابن العم لأبوين على ابن العم لأب، تمسكّاً بالآية.(3)

وبما انّ الآية وردت في سورتين مدنيتين، فهي تؤكد على نسخ ما كان شائعاً في الجاهلية من تقديم الأقوياء على الضعفاء، والرجال على النساء في الميراث،


1 . الميزان:9/142.
2 . المبسوط: 29/139، 30/13و 20.
3. تفسير القرطبي:8/58و 59.


(225)

وتضع ملاكاً جديداً، هو الأقربية للميت، فالأقرب يرث ويمنع غيره من دون فرق بين الرجل والمرأة.

وعلى ضوء ذلك فكيف يرث الأخ أو العم مع وجود الأقرب ـ أعني: البنت أو الأُخت ـ وهما أقرب إلى الميّت من الأخ والعم،لأنّ البنت تتقرّب إلى الميّت بنفسها، والأخيتقرّب إليه بالأب، والأُخت تتقرّب إلى الميّت بالأب، والعمّ يتقرّب إليه بواسطة الجد، والأُخت تتقرّب بواسطة، والعم يتقرّب بواسطتين، وأولاده بوسائط.

وممّا يدل على أنّ الآية في بيان تقديم الأقرب فالأقرب ـ مضافاً إلى ما مرَّ من أنّها وردت ناسخة للتوارث بمعاقدة الإيمان والتوارث بالمهاجرة اللَّذين كانا ثابتين في صدر الإسلام ـ أنّ عليّاً كان لا يعطي الموالي شيئاً مع ذي رحم، سمّيت له فريضة أم لم تسم له فريضة وكان يقول:

«(وأُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّهِ إنّ اللّهَ بكلِّ شيء عليم) قد علم مكانهم فلم يجعل لهم مع أُولي الأرحام». (1)

وروى زرارة عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ في قول اللّه: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّهِ) : إنّ بعضهم أولى بالميراث من بعض، لأنّ أقربهم إليه رحماً أولى به، ثمّ قال أبو جعفر: أيّهم أولى بالميت وأقربهم إليه؟ أُمّه؟ أو أخوه؟ أليس الأُمّ أقرب إلى الميّت من إخوته وأخواته؟ (2)

وروي عن زيد بن ثابت أنّه قال : من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء. (3)

وربما يثار على الاستدلال بالآية استفساران:


1 . الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث10و11و12.
2 . الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث10و11و12.
3. الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث10و11و12.


(226)

الأوّل: تخصيص الآية بما دلّ على ميراث العصبة

إنّ قوله سبحانه: (وأُولوا الأَرحام بعضهم أَولى ببَعض) لا يعدو إمّا أن يكون مطلقاً أو عاماً، فالمطلق يُقيّد والعام يخصص بما ورد من توريث العصبة بعد استيفاء ذوي الفروض فروضهم وإن كانوا بُعَداء.

يلاحظ عليه: ـ بعد غضّ النظر عن الضعف الطارئ على أدلّة التعصيب سنداً ودلالة كما سيوافيك ـ انّ الآية المباركة تأبى على التخصيص والتقييد، لأنّها تحكي عن تشريع صدر استجابةً لميول ورغبات البشر، وهو انّ الإنسان أرأف وأميل بالوارث الأقرب من الأبعد، فتخصيص مثل ذلك التشريع يأباه الطبع السليم، مثل قوله سبحانه: (ما عَلى المُحْسِنينَ مِنْ سَبيل وَاللّه غَفُورٌ رَحيم)(1) ، أو قوله سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(2) ، وقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يُضيعُ أَجْر المُحْسِنين)(3) وأمثالها.

والشاهد على إبائها التخصيص والتقييد انّه لو قيل (وأُولوا الأَرحام بعضهم أَولى بِبَعض)إلاّ في مورد كذا لما استحسنه الطبع ولاستهجنه، مثل ما إذا قيل (إِنّ اللّه لا يُضيعُ أَجْر المُحْسِنين)إلاّ في مورد كذا ..

الثاني: حرمان الرجال من الميراث في الفقه الإمامي

إذا دلّت الآية على المشاركة، فكما أنّ حرمان النساء مخالف لها، فكذلك حرمان الرجال مع أنّه ثابت في القول بعدم التعصيب، وذلك كما في المثال التالي:

إذا مات الرجل عن بنت وعم أو ابن عم، فإنّ التركة كلّها للبنت عندهم


1 . التوبة:91.
2 . الحج:78.
3. التوبة:120.


(227)

ولا حظّ لهما. وهو حرمان الرجال دون النساء عكس القول بالتعصيب، ويشتركان في الحرمان ومخالفة الذكر الحكيم.

يلاحظ عليه: أنّ الحرمان في المثال لأجل عدم الاستواء في القرابة. ألا ترى أنّ ولد الولد (ذكوراً كانوا أو إناثاً) لا يرثون مع الولد، لعدم التساوي في الدرجة والقرابة، وإن كانوا يدخلون تحت التسمية بالرجال والنساء، وإذا كانت القرابة والدرجة مراعاة بين العم وابنه، فلا يساوي ـ العم ـ البنت في القربى والدرجة، وهو أبعد منها كثيراً.

وليس كذلك العمومة والعمّـات وبنات العم وبنو العم، لأنّ درجة هؤلاء واحدة وقرباهم متساوية والمخالف يورِّث الرجال منهم دون النساء، فظاهر الآية حجّة عليه وفعله مخالف لها، وليس كذلك قولنا في المسألة التي وقعت الإشارة إليها، وهذا واضح فليتأمّل. (1)


1 . الانتصار:283.


(228)

الآية الثالثة
توريث الأُخت مشروط بعدم وجود الولد

قال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُل اللّه يُفتِيكُمْ فِي الكَلالَة إِن امرؤا هلك لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَد فَإِنْ كانَتا اثنَتين فَلَهما الثلثان مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَة رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن يُبَيِّن اللّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُوا وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم). (1)

إنّ ظاهر قوله سبحانه: (إِن امرؤا هَلكَ لَيْسَ لَهُ وَلد وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما ترك) هو انّ توريث الأُخت من الأخ مشروط بعدم وجود الولد له مع أنّه يلزم في بعض صور التعصيب توريث الأُخت مع وجود الولد (البنت) للميّت، وذلك فيما إذا كان التعصيب بالغير كأُخت أو أخوات لأبوين، أو أُخت وأخوات لأب، فإنّهنّ عصبة بالغير من جانب الأب فلو مات عن بنت وأُخت لأبوين أو لأب، فالنصف للبنت، والنصف الآخر للعصبة وهي الأُخت أو الأخوات مع أنّ وراثة الأُخت مشروطة بعدم الولد في صريح الآية. قال الخرقي: والأخوات مع البنات عصبة، لهنّ ما فضل، وليس لهنّ معهنّ فريضة مسمّـاة.

وقال ابن قدامة في شرحه: والمراد بالأخوات هاهنا، الأخوات من الأبوين،


1 . النساء:176.


(229)

أو من الأب، وإليه ذهب عامّة الفقهاء إلاّ ابن عباس ومن تابعه، فإنّه يروى عنه أنّه كان لا يجعل الأخوات مع البنات عصبة فقال في بنت وأُخت: للبنت النصف ولا شيء للأُخت. فقال ابن عباس: أنتم أعلم أم اللّه، يريد قول اللّه سبحانه: (إنِ امْرؤاْ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ ...) فإنّما جعل لها الميراث بشرط عدم الولد.

ثمّ إنّ ابن قدامة ردّ على الاستدلال بقوله: إنّ الآية تدل على أنّ الأُخت لايفرض لها النصف مع الولد، ونحن نقول به، فإنّ ما تأخذه مع البنت ليس بفرض، وإنّما هو بالتعصيب كميراث الأخ، وقد وافق ابن عباس على ثبوت ميراث الأخ مع الولد مع قول اللّه تعالى: (وهو يرثها إنْ لم يَكُنْ لَها ولَد)وعلى قياس قوله «ينبغي أن يسقط الأخ لاشتراطه في توريثه منها عدم ولدها».(1)

حاصل كلامه: أنّ الأُخت ترث من الأخ النصف في حالتي وجود الولد وعدمه، غاية الأمر عند عدم الولد ترث فرضاً، وعند وجوده ترثه عصبة.

يلاحظ عليه: أنّ المهم عند المخاطبين هو أصل الوراثة، لا التسمية تارة بالفرض و أُخرى بالتعصيب، فانّ الأسماء ليس بمطروحة لهم; فإذا كان الولد وعدمه غير مؤثّر فيها، كان التقييد لغواً، وما ذكره من أنّها ترث النصف عند الولد تعصيباً لا فرضاً أشبه بالتلاعب بالألفاظ، والمخاطب بالآية هو العرف العام، وهو لا يفهم من الآية سوى حرمان الأُخت عند الولد وتوريثها معه باسم آخر، يراه مناقضاً.

وما نسبه إلى ابن عباس من أنّه كان يرى ميراث الأخ مع الولد، غير ثابت، وعلى فرض تسليمه فهو ليس بحجة.


1 . المغني:6/227.


(230)

الاستدلال بالسنّة
على
نفي التعصيب

1. روى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص أنّه قال: مرضت بمكّة مرضاً فأشفيت (1) منه على الموت فأتاني النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يعودني فقلت: يا رسول اللّه: إنّ لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلاّ ابنتي أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشَّطرُ؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنّك إن تركت ولدك أغنياء خيرٌ من أن تتركهم عالةً يتكفّفون الناس. (2)

وفي لفظ مسلم في باب الوصية بالثلث : «ولا يرثني إلاّ ابنة لي واحدة».(3) والرواية صريحة في أنّه كان يدور في خلد سعد، أنّها الوارثة المتفرّدة والنبيّ سمع كلامه وأقرّه عليه، ولم يرد عليه بأنّ لك وارثاً آخر وهم العصبة، بل قرره على ذلك فيكون المال للبنت فالنصف فرضاً والنصف الآخر بالردّ.

وقد كان السؤال والجواب بعد نزول آيات الفرائض.


1 . أي فأشرفت وقاربت.
2 . صحيح البخاري: 8/150، كتاب الفرائض، باب ميراث البنات.
3. صحيح مسلم، ج4، باب الوصية بالثلث، ص 71.


(231)

2. روى البيهقي عن سويد بن غفلة في ابنة وامرأة ومولى قال: كان علي ـ عليه السَّلام ـ يعطي الابنة النصف والمرأة الثمن ويرد ما بقي على الابنة (1).

ورواه الدارمي عن حيان بن سليمان قال: كنت عند سويد بن غفلة فجاءه فسأله عن فريضة رجل ترك ابنته وامرأته قال: أما أُنبئك قضاء عليّ؟ قال: حسبي قضاء عليّ. قال: قضى عليّ لامرأته الثُمن ولابنته النصف، ثمّ رد البقية على ابنته.(2)

3. روي عن رسول اللّه ـ صلاى الله عليه وآله وسلَّم ـ َّنّه قال:: من ترك مالاً فلأهله. (3)

وليس الأخ، أو الأُخت من أهل الرجل وإنّما أهله أولاده وزوجته.

4. وربّما يستدل بما روي عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : والمرأة تحوز ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي تلاعن عليه. (4)

وجه الاستدلال ظاهر في الرواية انّ الأُمّ ترث ما يتركه ولدها كلّه، لأنّ الأب ممنوع من الإرث للملاعنة ونفي الولد عنه فيكون المال كله للأُمّ سدسه أو ثلثه بالفرض والباقي بالردّ، لأنّ سهم الأُم هو السدس أو الثلث، وقد حكم على الفاضل عن التركة بالرد عليها دون العصبة. إلاّ أن يقال: إنّ عدم الرد لعدم وجود العصبة شرعاً (بحكم اللعان) فلا يصحّ الاستدلال به على ما إذا كانت هناك عصبة.


1 . السنن الكبرى: 6/242، باب الميراث بالولاء.
2 . سنن الدارمي، كتاب الفرائض، باب فيمن أعطى ذوي الأرحام دون الموالي، ص 288.
3. صحيح البخاري: 8/150 كتاب الفرائض باب قول النبي: من ترك مالاً فلأهله; كنز العمال: 11/7 الحديث 30388; جامع الأُصول: 9/631 قال: رواه الترمذي.
4. مسند أحمد: 3/490;سنن ابن ماجة: 2/916، باب ما تحوزه المرأة، ثلاث مواريث رقم 2742; وفي جامع الأُصول: 9/614، برقم 7401 ... ولدها الذي لاعنت عنه. أخرجه أبو داود والترمذي.


(232)

إلى هنا تمّ الاستدلال بما رواه أهل السنّة وليعلم إنّ القول بالتعصيب يقتضي كون توريث الوارث مشروطاً بوجود وارث آخر، وهو مخالف لما علم الاتّفاق عليه، لأنّه إمّا أن يتساوى مع الوارث الآخر فيرثان، وإلاّ فيمنع وذلك كما في المثال الآتي:

إذا خلّف الميّت بنتين، وابنة ابن، وعمّ. فبما أنّ العمّ من العصبة بالنفسوالابنة عصبة بالغير يرد الفاضل إلى العمّ. ولا شيء لبنت الابن. ولكنّه لو كان معها أخ أي ابن الابن، فهي تتعصّب به، وبما أنّه أولى ذَكَر بالميّت يكون مقدماً على العم ويكون الفاضل بينهما أثلاثاً، للإجماع على المشاركة، لقوله سبحانه: (يُوصيكُم اللّهُ في أولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حظِّ الأُنثيين) (1) ، وهذا هو ما قلناه من أنّه يلزم أن يكون توريث الابنة مشروطاً بالأخ وإلاّ فيرث العم.

قال الخرقي في متن المغني: «فإن كنّ بنات، وبنات ابن، فللبنات الثلثان وليس لبنات الابن شيء إلاّ أن يكون معهنّ ذكر فيعصبهن فيما بقي للذكر مثل حظّ الأُنثيين».

وقال ابن قدامة: «فإن كان مع بنات الابن، ابن في درجتهنّ كأخيهنّ أو ابن عمّهنّ، أو أنزل منهنّ كابن أخيهنّ أو ابن ابن عمّهنّ أو ابن ابن ابن عمّهن، عصبهنّ في الباقي فجعل بينهم للذكر مثل حظّ الأُنثيين» . (2)

الأحاديث المأثورة عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

لقد أُثر عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أنّ الفاضل عن الفروض للأقرب، وفي


1 . النساء:11.
2 . المغني: 6/229.


(233)

ذلك روايات متضافرة لو لم نقل أنّها متواترة، ولعل الشهيد الثاني لم يتفحّص في أبواب الإرث فقال: ترجع الإمامية إلى خبر واحد(1) ، ويظـهر من الروايات أنّه كان مكتوباً في كتاب الفرائض لعليّ ـ عليه السَّلام ـ .

1. روى حماد بن عثمان قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن رجل ترك أُمّه وأخاه؟ قال: «يا شيخ تريد على الكتاب؟» قال: قلت: نعم. قال: «كان علي ـ عليه السَّلام ـ يعطي المال للأقرب، فالأقرب». قال: قلت: فالأخ لا يرث شيئاً؟ قال: «قد أخبرتك أنّ علياًـ عليه السَّلام ـ كان يعطي المال الأقرب فالأقرب». (2)

2. روى زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في رجل مات وترك ابنته وأُخته لأبيه وأُمّه؟ فقال: «المال كلّه للابنة وليس للأُخت من الأب والأُمّ شيء». (3)

3. روى عبد اللّه بن خداش المنقري أنّه سأل أبا الحسن عن رجل مات وترك ابنته وأخاه؟ فقال: «المال للابنة». (4)

4. عن بريد العجلي عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: رجل مات وترك ابنة وعمّه؟ فقال: «المال للابنة وليس للعم شيء، أو قال: ليس للعم مع الابنة شيء».(5)

5. ما رواه حسين الرزاز قال: أمرت من يسأل أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ المال لمن هو؟ للأقرب أو العصبة؟ فقال: «المال للأقرب والعصبة في فيه التراب». (6)

6. ما رواه العياشي في تفسيره عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:


1 . المسالك، كتاب الفرائض عند شرح قول المحقق: ولا يثبت الميراث عندنا بالتعصيب.
2 . الوسائل: 17 ، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث: 6 و 1 .
3. الوسائل: 17 ، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث: 6 و 1 .
4. الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين الحديث: 3 و 14. ولاحظ الحديث4و 5 و7 من ذلك الباب.
5. الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين الحديث: 3 و 14. ولاحظ الحديث4و 5 و7 من ذلك الباب.
6. الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث1،وفي السند: صالح بن السعدي وهو ممدوح، والحسين الرزاز مجهول، وفي التهذيب: 9/267 رقم 972 «البزاز» مكان الرزّاز وهو أيضاً مجهول.


(234)

«اختلف علي بن أبي طالب وعثمان في الرجل يموت وليس له عصبة يرثونه وله ذو قرابة لا يرثونه، ليس لهم سهم مفروض، فقال عليّ: ميراثه لذوي قرابته، لأنّ اللّه تعالى يقول: (وأُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه) وقال عثمان: اجعل ماله في بيت مال المسلمين. (1)

7. ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن الحسن الصفار ، عن السندي، عن موسى بن حبيش، عن عمّه هاشم الصيداني، قال: كنت عند العباس وموسى بن عيسى، وعنده أبو بكر بن عيّاش، وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وعلي بن ظبيان، و نوح بن درّاج تلك الأيام على القضاء، قال: فقال العباس: يا أبا بكر أما ترى ما أحدث نوح بن درّاج(2) في القضاء، أنّه ورث الخال، وطرح العصبة، وأبطل الشفعة، فقال أبو بكر بن عياش: ما عسى أن أقول لرجل قضى بالكتاب والسنّة، قال: فاستوى العبّاس جالساً فقال: وكيف قضى بالكتاب والسنّة؟ فقال أبو بكر: إنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لما قُتل حمزة بن عبد المطلب بعث علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ فأتاه بابنة حمزة فسوّغها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الميراث كلّه، فقال له العباس: يا أبا بكر فظلم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جدّي؟ فقال: مه أصلحك اللّه، شرع لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ما صنع، فما صنع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّ الحقّ.(3)

هذا بعض ما روي عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وغيرهم ومن أراد الإحاطة بكلّ ما روي فعليه الرجوع إلى الجوامع الحديثية.


1 . الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث9.
2 . هو اخو جميل بن درّاج: كان قاضياً في الكوفة، ترجمه النجاشي عند ترجمة ابنه، ايوب في رجاله وقال: «صحيح الاعتقاد» أي شيعي إمامّي.
3. تهذيب الأحكام:6/356، ذيل الحديث63، باب في الزيادات في القضايا والأحكام طالغفاري. ونقله ملخصاً في الوسائل، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث3.


(235)

دراسة أدلّة القائلين بالتعصيب

لقد اتّضح الحق وتجلّى بأجلى مظاهره، بقي الكلام في دراسة أدلّة المخالف، فقد استدلّ بوجوه:

الأوّل: لو أراد سبحانه توريث البنات ونحوهنّ أكثر ممّا فرض لهنّ لفعل ذلك والتالي باطل، فإنّه تعالى نصّ على توريثهنّ مفصّلاً ولم يذكر زيادة على النصيب.

بيان الملازمة أنّه تعالى لما ورّث الابن الجميع لم يفرض له فرضاً، وكذا الأخ للأب والعم وأشباههم، فلولا قصر ذوي الفروض على فرضهم لم يكن في التنصيص على المقدار فائدة.

وحاصله: أنّ كل من له فرض لا يزاد عنه وإلاّ كان الفرض لغواً وكل من لم يفرض له يعطى الجميع.

يلاحظ عليه: أوّلاً: بالنقض بورود النقيصة على ذوات الفروض عند أهل السنّة إذا عالت الفرائض على السهام، كما سيوافيك شرحه فإنّهم يدخلون النقص على الجميع مثل باب الديون، فربّما يكون سهم البنت والأُخت أقل من النصف، فإذا جاز النقص فما المانع من الزيادة، بل الأمر في النقصان أولى، لأنّ النقصان ينافي الفرض بخلاف الزيادة عليه بدليل آخر، فإنّ فيه إعمال الدليلين والأخذ بمفادهما.


(236)

وثانياً: بالحلّ إنّ تحديد الفرض بالنصف إنّما يكون لغواً إذا لم تترتّب عليه فائدة مطلقاً، ولكنّه ليس كذلك لترتّب الثمرة عليه فيما إذا كان معه وارث ذو فرض كالأُم ، فإنّ كيفية الرد على الوارثين لا تعلم إلاّ بملاحظة فرضهما ثم الرد عليهما بحسب تلك النسبة فلو لم يكن سهم البنت و البنتين منصوصاً في الذكر الحكيم لما عُلِمت كيفيّة الرد عليهما وعلى الأُمّ.

وبالجملة: أنّه وإن كان لا تظهر للقيد ثمرة إذا كان الوارث هو البنت أو الأُخت وحدها ، ولكنّه ليس كذلك إذا كان معه وارث آخر وهو ذو فرض مثلها كالأُمّ، فإنّ الرد عليهما يتوقّف على ملاحظة فرضهما ثمّ الرد بتلك النسبة.

وثالثاً: أنّ التصريح بالفرض لأجل التنبيه على أنّها


(237)

لا تستحق بالذات إلاّ النصف أو الثلثين، وإنّما تأخذ الزائد بعنوان آخر وهو عندما لم يكن معه وارث مساو بخلاف الابن أو الأخ، فإنّ كلاّ ً يستحق المال كلّه بالذات.

ورابعاً: إنّ المفهوم في المقام أشبه بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة فيه.

الثاني: قوله سبحانه: (إنِ امْرُؤٌاْ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ وهوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَد).(1)

وجه الاستدلال: أنّه سبحانه حكم بتوريث الأُخت، نصف ميراث أخيها مع عدم الولد وحكم بتوريث الأخ ميراث الأُخت ـ إذا لم يكن لها ولد ـ أجمع بدليل قوله تعالى: (وهو يرثها)فلو ورثت الأُخت ـ نصفه بالفرض و نصفه الآخر بالردّ لأجل القرابة ـ الجميع كما هو مذهبكم لن تبقَ للفرق بين الأخ والأُخت ثمرة أصلاً.

الجواب: أنّ التقييد بالنصف مع أنّها ربّما ترث الكلّ لأجل التنبيه، على أنّها لا تستحق بالذات إلاّ النصف وأنّ الأصل القرآني هو استحقاق الذكر ضعف سهم الأُنثى وهو النصف، وأنّها إن ورثت المال كله فإنّما هو لأجل طارئة خاصة، على أنّ التصريح بالفرض لأجل تبيين ما يتوقّف عليه تقسيم الفاضل، بينها وبين من يشاركه في الطبقة كالإخوة أو الأخوات من الأُمّ، فإنّ الباقي يردّ عليهما بنسبة سهامهما فلو لم يكن هناك تحديد بالنصف فمن أين تعلم كيفيّة الرد.

الثالث: قوله تعالى: (وإنِّـي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي وكَانَتِ امْرَأَتِـي عاقِراً فَهَبْ لِـي مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرثُنِـي وَيَرِثُ من آلِ يَعقوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا).(2)

وجه الاستدلال: أنّ زكريا ـعليهالسلامـ لمّا خاف أن ترثه العصبة، سأل اللّه سبحانه أن يهبه وليّاً حتى يرث المال كلّه، لا وليّة حتى ترث المال نصفه ويرث الموالي الفاضل، ولولا ذلك لما أكّد على كون الولد الموهوب من اللّه ذكراً، في قوله سبحانه: (وإنِّـي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي وكَانَتِ امْرَأَتِـي عاقِراً فَهَبْ لِـي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً * يَرثُنِـي وَيَرِثُ من آلِ يَعقوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا).

يلاحظ عليه: أنّ المقصود من قوله «وليّاً» هو مطلق الأولاد ذكراً كان أو أُنثى، وذلك على مساق إطلاق المذكّر وإرادة الجنس، وهو شائع في القرآن الكريم.

مثل قوله سبحانه: (إلاّ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) بشهادة قوله تعالى في آية أُخرى: (هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لي مِن لَدُنكَ ذُرِّيّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاء) .(3)

بل يمكن أن يقال إنّه طلب ذرّية مثل مريم لقوله سبحانه قبل هذه الآية: (كُلَّما دََخَلَ عَلَيها زَكريّا المحرابَ وَجدَ عِندها رِزْقاً قالَ يا مَريمُ أنّى لَكِ هذا


1 . النساء:176.
2 . مريم:5ـ6.
3. آل عمران:38.


(238)

قالَت هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيرِ حِساب * هنالِكَ دَعا ... )(1) أي في هذه الحال التي رأى فيها الكرامة من مريم سأل اللّه سبحانه أن يرزقه ذريّة طيّبة (مثل مريم) فلو لم نقل إنّه سأل أُنثى مثل مريم، ليس لنا أن نقول إنّه طلب الذكر.

ولو سلمنا أنّه طلب الذكر لكنّه لم يطلب لأجل أنّه لو رزق الأُنثى ترثه العصبة وإنّما سأله الذكر للحبّ الكثير له، أو لأنّه أولى بالإدارة من الأُنثى كما لا يخفى.

الرابع: الروايات والآثار الواردة في هذا المجال ولعلّها أهم المدارك والمصادر لهذه الفتيا.

الرواية الأُولى: في أنّ بقية المال لأولى رجل ذكر

روى البخاري عن مسلم بن إبراهيم، عن وهيب، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر .(2)


1 . مريم:7ـ8.
2 . صحيح البخاري: 8/151، باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن; وص 152، باب ميراث الجد مع الأب والإخوة، ورواها عن سليمان بن حرب (مكان مسلم بن إبراهيم) ورجال السند في غيرهما، واحد، و باب ابني عم أحدهما أخ والآخر زوج ص 153، رواها عن أُمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع عن روح عن عبد اللّه بن طاووس.
وصحيح مسلم: 5/59، باب ألحقوا الفرائض بأهلها عن ابن طاووس عن ابن عباس برقم1615.
وصحيح الترمذي في الفرائض باب ميراث العصبة برقم 2099.
وسنن أبي داود في الفرائض باب ميراث العصبة برقم 2898.
ولاحظ السنن الكبرى: 6/238 باب العصبة; جامع الأُصول: 9/6104 برقم 7421.


(239)

وهذه الرواية ، هي الرواية المعروفة برواية طاووس بن كيسان اليماني (المتوفّى سنة 132).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الرواية ضعيفة سنداً، لأنّ الروايات تنتهي إلى عبد اللّه بن طاووس بن كيسان اليماني وقد وثّقه علماء الرجال (1) ، لكن يعارض توثيقهم مع ما ذكره أبو طالب الأنباري (2)في حقّ هذه الرواية قال: حدثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن قاربة بن مضرب(3) قال: جلست عند ابن عباس وهو بمكة، فقلت: يا ابن عباس حديث يرويه أهل العراق عنك وطاووس مولاك يرويه: إنّ ما أبقت الفرائض فلأوْلَى عصبة ذكر؟ قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ من وراءك أنّي أقول: إنّ قول اللّه عزّ وجلّ: (آباؤكُم وأبناؤكُم لا تدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفعاً فريضة مِنَ اللّه) وقوله: (أُولُوا الأرحام بَعضُهم أولى بِبَعض في كتابِ اللّه) وهل هذه إلاّ فريضتان، وهل أبقتا شيئاً؟ ما قلت هذا، ولا طـاووس يرويه عليّ، قال قاربة بن مضرب: فلقيت طاووساً فقال: لا واللّه ما رويت هذا على ابن عباس قـط وإنّما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال سفيان:


1 . تهذيب التهذيب: 5/268; برقم 458 سير أعلام النبلاء، حوادث عام 132، وغيرهما.
2 . هو عبيد اللّه بن أبي زيد أحمد بن يعقوب بن نصر الأنباري. قال النجاشي: شيخ من أصحابنا «أبو طالب» ثقة في الحديث، عالم به، كان قديماً من الواقفة توفّـي عام 356 (رجال النجاشي برقم 615 طبع بيروت).
3. وأمّا رجال السند ففي تعليقة الخلاف أنّه لم يتعرّف على البربريّ، وأمّا بشر بن هارون لعلّه تصحيف بشر بن موسى، إذ هو الراوي عن الحميدي على ما في تاريخ البغدادي: 86. والحميدي هو عبد اللّه بن الزبير القرشي توفّي بمكة 219 كما في تذكرة الحفّاظ :2/413، وسفيان هو سفيان بن عيينة ، وأبو إسحاق هو: عمرو بن عبد اللّه بن عبيد السبيعي.


(240)

أراه من قبل ابنه عبد اللّه بن طاووس فإنّه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك (1) وكان يحمل على هؤلاء القوم حملاً شديداً ـ أي بني هاشم ـ. (2)

إنّ سليمان بن عبد الملك الأموي المرواني هو الذي قتل أبا هاشم عبد اللّه بن محمد بن علي الحنفية بالسم ظلماً وخداعاً، فكيف يكون حال من يواليهم؟!

وثانياً: أنّ وراثة العصبة ليست من المسائل التي يقل الابتلاء بها، بل هي ممّا تعمّ البلوى بها في عصر النبيّ وعصور الخلفاء، فلو كان هناك تشريع على مضمون هذه الرواية لما خفي على غيره ونقله الآخرون، وقد عرفت أنّ الأسناد ينتهي إلى عبد اللّه بن طاووس.

وثالثاً: أنّ فقهاء المذاهب أفتوا في موارد على خلاف مضمون هذا الخبر، وقد أشار إليها فقيه الطائفة الشيخ الطوسي، نذكر قسماً منها.

1.لو مات وخلّف بنتاً وأخاً وأُختاً، فقد ذهبوا إلى أنّ للبنت النصف والنصف الآخر للأخ والأُخت (للذَّكر مثل حظّ الأُنثيين) مع أنّ مقتضى خبر ابن طاووس أنّ النصف للأخ فقط لانّه أخذاً بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما يفي فهو لأولى رجل ذكر».

2. لو أنّ رجلاً مات وترك بنتاً، وابنة ابن، وعمّـاً ، فقد ذهبوا إلى أنّ النصف للبنت والنصف الآخر لابنة الابن والعم، مع أنّ مقتضى الخبر أن يكون النصف الآخر للعم وحده لأنّه أولى ذكر.(3)


1 . سليمان بن عبد الملك بن مروان سابع خلفاء بني أُمية، بويع سنة 96 وتوفّي سنة 98، وهو ابن خمس وأربعين سنة، و كان خاتمه بيده يختم رسائله بخاتمه صيانة عن التزوير.
2 . التهذيب: 9/262; الخلاف:2، المسألة 80.
3. الخلاف: 4/68، المسألة 80; والتهذيب: 9/306 ط الغفاري.


(241)

إلى غير ذلك من الأحكام التي اتّفقوا عليها وهي على طرف النقيض من الخبر.

فإن قلت: فماذا تصنع بالخبر(خبر عبد اللّه بن طاووس)، مع أنّ الشيخين نقلاه بل نقله غيرهما على ما عرفت؟

قلت: يمكن حمل الخبر على ما لا يخالف إطلاق الكتاب ولا ما أطبق المسلمون عليه، وهو أنّه وارد في مجالات خاصّة: مثلاً:

1. رجل مات وخلّف أُختين من قبـل الأُمّ، وابن أخ، وابنة أخ لأب وأُمّ، وأخاً لأب، فالأُختان من أصحاب الفرائض، كلالة الأُمّ، يعطى لهما الثلث والباقي لأولى ذكر، وهو الأخ لأب.

2. رجل مات وخلّف زوجة وخالاً وخالة، وعمّـاً وعمّة، وابن أخ، فالزوجة من أصحاب الفرائض تلحق بفريضتها وهي الربع والباقي يدفع إلى أولى ذكر، وهو ابن الأخ.

3. رجل مات وخلّف زوجة، وأُختاً لأب، وأخاً لأب وأُمّ، فإنّ الزوجة من أصحاب الفرائض تلحق بفريضتها وهي الربع والباقي للأخ للأب والأُم، ولا ترث الأُخت لأب معه.

4. امرأة ماتت وخلّفت زوجاً، وعمّـاً من قبل الأب والأُم، وعمّة من قبل الأب، فللزوج النصف سهمه المسمّى وما بقي للعم للأب والأُمّ، ولا يكون للعمّة من قبل الأب شيء.

إلى غير ذلك من الصور التي يمكن أن ينطبق عليها الخبر.

قال السيد المرتضى، ولا عتب إذا قلنا إنّ الرواية وردت: في من خلّف أُختين لأُمّ، وابن أخ، وبنت أخ لأب وأُمّ، وأخاً لأب، فإنّ الأُختين من الأُمّ


(242)

فرضهنّ الثلث وما بقي فلأولى ذكر أقرب، وهو الأخ من الأب وسقط ابن الأخ وبنت الأخ، لأنّ الأخ أقرب منهما.

وفي موضع آخر وهو أن يخلف الميّت امرأة وعمّـاً وعمّة، وخالاً وخالة، وابن أخ، فللمرأة الربع وما بقي فلأولى ذكر وهو ابن الأخ; وسقط الباقون. والعجب أنّهم ورثوا الأُخت مع البنت عصبة، فإن قالوا: من حيث عصَّبها أخوها، قلنا: فألاّ جعلتم البنت عصبة عند عدم البنين ويكون أبوها هو الذي يعصِّبها.(1)

الرواية الثانية: ما ورد في ميراث البنتين

ما أخرجه الترمذي وابن ماجة وأبو داود وأحمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللّه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع، بابنتيها من سعد إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالت : يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أُحد شهيداً، وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدَع لهما مالاً، ولا تُنكحانإلاّولهما مال، قال: يقضي اللّه في ذلك، فنزلت آية الميراث فبعث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إليعمّهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أُمّهما الثمن وما بقي فهولك.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ جابر بن عبد اللّه نقل نزول الآية في واقعة أُخرى قال


1 . الانتصار: 280.
2 . سنن الترمذي 4/414، باب ما جاء في ميراث البنات رقم 2092; سنن ابن ماجة: 2/908 باب فرائض الصلب رقم 272; سنن أبي داود: 3/121، باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2891; و مسند أحمد:4/319، الحديث 14384.


(243)

السيوطي: أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، من طرق عن جابر بن عبد اللّه قال: عادني رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا أعقل شيئاً، فدعا بماء فتوضّأ منه ثم رشّ عليّ فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول اللّه؟ فنزلت : (يُوصيكُمُ اللّهُ فِـي أولادِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنثيين) (1) واحتمال نزول الآية مرّتين، أو كون سبب النزول متعدّداً يحتاج إلى دليل.

وثانياً: أنّ ابن كثير روى هذه الرواية وفيها انّ لسعد بن الربيع بنات وليس فيها ذكر للأُم والعم .

و(2)ثالثاً: أنّ أبا داود أخرج الرواية وفيها مكان بنتا سعد بن الربيع، بنتا ثابت بن قيس.(3)

و هذا يكشف عن عدم ضبط الراوي فتارة ينقل الواقعة في بنتي سعد بن الربيع وأُخرى في بنتي ثابت بن قيس و إن كان الصحيح هو الأوّل، لأنّ المقتول في غزوة أُحد، هو سعد بن الربيع، و أمّا ثابت بن قيس فقد قتل في يوم اليمامة.(4)


1 . الدر المنثور: 2/124.
2 . جامع المسانيد والسنن:24/ 216،الحديث24.
3. سنن أبي داود:3/120، الحديث 2891.
4. السنن الكبرى:6/229 باب فرض الابنتين، وقال البيهقي: قوله: ثابت بن قيس خطأ، إنّما هو سعد بن الربيع، وقال أبو داود 3/121 رقم 2891: أخطأ بشر بن المفضل فيه انّما هما ابنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة.


(244)

ورابعاًً: أنّ في سند الرواية من لا يصحّ الاحتجاج به، وإليك البيان:

1. عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، والأسانيد في سنن الترمذي وابن ماجة وأبي داود، تنتهي إليه.

ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة وقال: كان منكر الحديث، لا يحتجّون بحديثه وكان كثير العلم، وقال بشر بن عمر: كان مالك لا يروي عنه، وقال يعقوب بن أبي شيبة عن ابن المديني: لم يُدخله مالك في كتبه، قال يعقوب: وابن عقيل صدوق وفي حديثه ضعف شديد جداً، وكان ابن عيينه يقول: أربعة من قريش يُترك حديثهم فذكره فيهم، وقال ابن المديني عن ابن عيينة: رأيته يحدّث نفسه فحملته على أنّه قد تغيّـر، إلى غير ذلك من الكلمات الجارحة التي تسلب ثقة الفقيه بحديثه. (1)

2. الراوي عنه في سنن الترمذي هو عبيد بن عمرو البصري الذي ضعّفه الأزدي وأورد له ابن عدي حديثين منكرين وضعّفه الدارقطني ووثّقه ابن حبَّان.(2)

3. الراوي عنه في سنن أبي داود: بشر بن المفضّل، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عثمانياً ..

ا(3)لى غير ذلك من رجال في الأسانيد، مرميّين بأُمور لا يحتجّ معها.

4. انّ الاستدلال بفعل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فرع معرفة وجهه، فكما يحتمل انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ورّث العم من باب التعصيب، يحتمل انّه دفع الباقي إلى العم لأجل تكفله


1 . تهذيب التهذيب: 6/140، ولاحظ بقيّة كلامه.
2 . المصدر نفسه: 4/121.
3. تهذيب التهذيب: 1/459.


(245)

حضانة البنتين والحفاظ على أموالهما من التلف والضياع، والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أولى بالمؤمنين من أنفسهم فكيف على أموالهم.

***

أضف إلى ذلك انّه ورد من طرقهم ما يخالف ذلك.

أخرج البيهقي في سننه بسنده عن حيان بياع الأنماط، قال: كنت جالساً مع سويد بن غفلة فأتى في ابنة، وامرأةومولى،فقال: كان علي رضي اللّه عنه يعطي الابنة النصف، والمرأة الثمن ويرد ما بقي على الابنة.(1)

الرواية الثالثة: ما ورد في ميراث البنت والأُخت

روى الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلّماً وأميراً، فسألناه عن رجل توفّي وترك ابنة وأُختاً؟ فقضى: أنّ للابنة النصف، وللأُخت النصف . ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حي. (2)

وفي لفظ أبي داود : أنّ معاذ بن جبل ورث أُختاً وابنة، جعل لكلّ واحدة منهما النصف، وهو باليمن، ونبيّ اللّه يومئذ حي. (3)

والأثر يتضمّن عمل الصحابة وهو ليس بحجّة إلاّ إذا أُسند إلى المعصوم وكون النبي حيّاً يوم ذاك لا يلازم تقريراً لعمله.

والرجوع إلى الآثار الواردة عن الصحابة في مجال الفرائض يعرب عن أنّه لم


1 . السنن الكبرى:6/242.
2 . صحيح البخاري: 8/150 في الفرائض باب ميراث البنات، وباب ميراث الأخوات مع البنات عصبة.
3. سنن أبي داود في الفرائض، باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2893. ولاحظ جامع الأُصول: 9/610 رقم 7394.


(246)

يكن عندهم إحاطة بأحكام الفرائض، بل كلّ كان يفتي حسب معايير ومقاييس يتصوّرها صحيحة. ويكفي في ذلك اختلاف أبي موسى الأشعري مع ابن مسعود في رجل ترك بنتاً وأُختاً وابنة ابن.

روى البخاري : سُئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن، وأُخت؟ فقال: للابنة النصف، وللا ُخت النصف وأْت ابن مسعود فسيتابعني، قال: سئل ابن مسعود وأُُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللتُ إذاً وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : للابنة النصف، ولابنة ابن السدس تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأُخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. (1)

الرواية الرابعة: ما ورد في ميراث الأخوات مع البنات

أخرج البخاري، قال: حدّثني عمرو بن عباس، حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا سفيان عن أبي قيس عن هزيل، قال: قال عبد اللّه: لأقضين فيها بقضاء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للابنة النصف ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأُخت.(2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّه لايصحّ الاحتجاج به، إذ في سنده عبد الرحمن بن ثروان، قال ابن حجر في «التهذيب» ناقلاً عن أبي حاتم انّه قال فيه: ليس بقوي، هو قليل الحديث وليس بحافظ.(3)


1 . صحيح البخاري: 8/151، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة; سنن الترمذي: 4/415، باب ما جاء في ميراث ابنة الابن مع ابنة الصلب رقم 2093; سنن أبي داود: 3/120، باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2890.
2 . صحيح البخاري:8/189.
3. تهذيب التهذيب:6/138.


(247)

وعده الصقيل من الضفعاء.(1)

وثانياً: أنّ دفع السدس لبنت الابن لم يكن من باب التعصيب، إذ عليه يكون للابنة النصف والباقي بين الأُخت وابنة الابن بالمناصفة، فالحكم عليه بالسدس مخالف للتعصيب.

الرواية الخامسة: ما رواه البخاري في صحيحه عن الأسود

قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ النصف للابنة والنصف للأُخت، ثمّ قال سليمان: قضى فينا ولم يذكر على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

يلاحظ عليه: بأنّه عمل صحابي موقوف لم يسنده إلى قول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفعله أو تقريره فهو حجّة عليه.

هذا ما استدلّ به القائل بالتعصيب من الروايات بعد الذكر الحكيم.

مضاعفات القول بالتعصيب

ثمّ إنّه يلزم على القول بالتعصيب أُمور يأباها الطبع ولا تصدّقها روح الشريعة، نأتي بنماذج:

1. لو كان للميّت عشر بنات وابن، يأخذ الابن السدس، وتأخذ البنات خمسة أسداس، وذلك أخذاً بقوله سبحانه: (للذَّكر مثل حظّ الأُنثيين) .

2. لو كان له مكان الابن، ابن عم للميّت، فللبنات فريضتها وهي الثلثان،


1 . الضعفاء الكبير:2/327.
2 . صحيح البخاري:8/189.


(248)

والباقي ـ أي الثلث ـ لابن العم. فيكون الابن أسوأ من ابن العم.

قال السيد المرتضى: فإذا تبيّـن بطلان القول بالتعصيب يظهر حكم كثير من المسائل، منها: فمن هذه المسائل أن يخلف الرجل بنتاً وعمّـاً فعند المخالف أنّ للبنت النصف والباقي للعم بالعصبة، وعندنا أنّه لا حظّ للعم والمال كلّه للبنت بالفرض والرد، وكذلك لو كان مكان العم ابن عم، وكذلك لو كان مكان البنت ابنتان، ولو خلف الميت عمومة وعمّـات أو بني عم وبنات عم فمخالفنا يورّث الذكور من هؤلاء دون الإناث لأجل التعصيب ـ أي قول: لأولى رجل ذكر ـ ونحن نورث الذكور والإناث. ومسائل التعصيب لا تحصى كثرة. (1)

يقول المحقّق محمد جواد مغنية: إنّ الإنسان أرأف بولده منه بإخوته، وهو يرى أنّ وجود ولده ذكراً أو أُنثى امتداد لوجوده، ومن هنا رأينا الكثير من أفراد الأُسر اللبنانية الذين لهم بنات فقط يبدلون مذهبهم من التسنّن إلى التشيّع، لا لشيء إلاّ خوفاً أن يشترك مع أولادهم الإخوان أو الأعمام.

ويفكر الآن، الكثير من رجال السنّة بالعدول عن القول بالتعصيب، والأخذ بقول الإمامية من ميراث البنت تماماً كما عدلوا عن القول بعدم صحّة الوصيّة للوارث، وقالوا بصحّتها كما تقول الإمامية، على الرغم من اتّفاق المذاهب على عدم الصحّة. (2)


1 . الانتصار: 282.
2 . الفقه على المذاهب الخمسة: 517ـ 518.


(249)

23
العول في الفرائض


(250)


(251)

العول في الإرث
أو
حكم الفرائض إذا عالت

قبل الخوض في المقصود، نقدّم أُموراً:

الأوّل: العول لغة واصطلاحاً

للعول في اللغة معاني متعددة أو معنى واحد، له مصاديق مختلفة، فيُستعمل في الموارد التالية:

1. الفاقة والحاجة يقال: عال، يعيل، عيلة: إذا احتاج ، قال سبحانه: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً)(1) وفي الحديث: «ما عال مقتصد».(2)

2. الميل إلى الجور، قال سبحانه: (ذلكَ أَدْنى أَنْ لا تَعُولُوا).(3)

3. النقصان: يقال: عال الميزان عولاً فهو عائل إذا نقص.

4. الارتفاع: يقال: عالت الناقة بذنبها إذا رفعته، ومنه العويل وهو ارتفاع الصوت بالبكاء.

إلى غير ذلك ممّا ذكره أصحاب المعاجم.(4)


1 . التوبة:28.
2 . المقاييس:4/198.
3. النساء:3.
4. انظر اللسان:11/481ـ 484; المصباح المنير:2/599.


(252)

وأمّا اصطلاحاً فهو عبارة عن زيادة السهام المفروضة في الكتاب على مبلغ المال، أو نقصان المال عن السهام المفروضة.

قال السيد المرتضى: إنّ لفظ العول يجري مجرى الأضداد، وإنّما دخل هذا الاسم في الفرائض في الموضع الذي ينقص فيه المال عن السهام المفروضة فيه، فدخل هاهنا النقصان، ويمكن أن يكون دخوله لأجل الزيادة، لأنّ السهام زادت على مبلغ المال [وبالجملة] إذا أضيف إلى المال كان نقصاناً وإذا أُضيف إلى السهام كان زيادة.(1)

وحصيلة الكلام هو انّ العول عبارة عن زيادة سهام الفروض عن أصل المسألة بزيادة كسورها عن الواحد الصحيح. مثلاً إذا ترك الميت زوجة وأبوين وبنتين فللزوجة الثُّمن، وللأبوين الثلث، وللبنتين الثلثان، و التركة لا تتسع للثمن والثلث والثلثين، بل يستغرق الأخيران مجموعَ التركة ولم يتَّسع للثمن.

وكذا لو ما تت امرأة وتركت زوجاً وابنتين شقيقتين، فللزوج النصف ـ لعدم الولد للميت ـ و للبنتين الثلثان، والمال المتروك لا يتسع للنصف والثلثين، ولا يتحقّق العول إلاّ بوجود الزوج أو الزوجة مع سائر الورثة، فلو فقد الزوج والزوجة بين الورثة لما يتحقّق العول عندنا، وأمّا عند غيرنا فيتحقّق عند فقدهما أيضاً كما سيوافيك.

الثاني: العول، تاريخيّاًًًً

إنّ مسألة العول من المسائل التي لم يرد فيها نصّ عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد ابتلى بها عمر بن الخطاب عندما ماتت امرأة في عهده وكان لها زوج وأُختان،


1 . الانتصار:561.


(253)

فجمع الصحابة، فقال لهم: فرض اللّه تعالى للزوج النصف، وللأُختين الثلثان، فإن بدأت للزوج لم يبق للأُختين حقهما، وإن بدأت للأُختين لم يبق للزوج حقّه، فأشيروا عليَّ، فاتّفق رأيه مع عبد اللّه بن مسعود، على العول، أي إيراد النقص على الجميع بنسبة فرضهم من دون تقديم ذي فرض على آخر; وخالف ابن عباس، في عصر عثمان، وقال: إنّ الزوجين يأخذان تمام حقّهما ويدخل النقص على البنات فهو يقدّم من له فرضان في الكتاب على من له فرض واحد كما سنبيّن.

ومنذ ذلك العصر صار الفقهاء على فرقتين، فالمذاهب الأربعة وما تقدّمها من سائر المذاهب الفقهية قالوا بالعول، والشيعة الإمامية، تبعاً للإمام عليـ عليه السَّلام ـ وتلميذه ابن عباس على خلافه، فهم على إيراد النقص على البعض دون بعض من دون أن يكون عملهم ترجيحاً بلا مرجح.

فعن عبد اللّه بن عباس انّه قال: أوّل من أعال الفرائض عمر لما التوت عليه الفرائض ودافع بعضها بعضاً، فقال: ما أدري أيّكم قدَّمه اللّه ولا أيّكم أخّره، فقال: ما أجد شيئاً أوسع لي من أن أقسِّم التركة عليكم بالحصص، وأدخل على كلّ ذي حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة، ولم يخالف في ذلك أحد حتى انتهى أمر الخلافة إلى عثمان، فأظهر ابن عباس خلافه في ذلك وقال: لو أنّهم قدَّموا من قدَّم اللّه وأخّروا من أخّر اللّه ما علت فريضة قط، فقيل له: من قدّمه اللّه ومن أخّره اللّه؟ فقال: قدّم اللّه الزوج والزوجة، والأُمّ والجدة، وأمّا من أخّره اللّه فالبنات وبنات الابن والأخوات الشقيقات والأخوات لأب.

وفي رواية أُخرى أنّه قال: من أهبطه اللّه من فرض إلى فرض فهو الذي قدّمه، ومن أهبطه اللّه من فرض إلى غير فرض فهو الذي أخّره.(1)


1 . المبسوط للسرخسي:29/161ـ 162.


(254)

ويظهر من بعض الروايات انّ ابن عباس كان يصرّ على رأيه ويدعو المخالف إلى المباهلة.

قال الشربيني في «مغني المحتاج» : كان ابن عباس صغيراً فلما كبر أظهر الخلاف بعد موت عمر وجعل للزوج النصف، وللأُمّ الثلث وللأُخت ما بقي(1) و لا عول حينئذ فقيل له: لِمَ، لَمْ تقل هذا لعمر؟ فقال: كان رجلاً مهاباً فهبتُه، ثمّ قال: إنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً لم يجعل في المال نصفاً ونصفاً وثلثاً، ذهب النصفان بالمال فأين موضع الثلث؟

ثمّ قال له عليـ عليه السَّلام ـ : هذا لا يغني عنك شيئاً لو متُّ أو متَ لقُسِّم ميراثنا على ما عليه الناس من خلاف رأيك، قال: فإن شاءوا فلندع أبناءنا وأبناءهم ، ونساءنا ونساءهم، وأنفسنا وأنفسهم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين، فسمّيت المباهلة لذلك.(2)

وروى الجصاص في تفسيره عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود قال: دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان على ابن عباس بعد ما ذهب بصره فتذاكرنا فرائض الميراث، فقال: ترون الذي أحصى رمل عالج عدداً لم يحص في مال نصفاً و نصفاً و ثلثاً، إذا ذهب نصف ونصف فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر: يابن عباس، مَنْ أوّل من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب، قال: ولم؟ قال: لما تدافعت عليه وركب بعضها بعضاً، قال: واللّه ما أدري كيف أصنع بكم؟ واللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه و لاأيّكم أخّر، قال: وما أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أن أُقسمه عليكم بالحصص، ثمّ قال ابن عباس: وأيم اللّه لو قدّم من


1 . وهذه المسألة نفس ما ابتلى به عمر بن الخطاب، غير أنّه أُضيفت عليها «الأُمّ».
2 . مغني المحتاج:3/33.وانظر المبسوط29/161.


(255)

قدّم اللّه، وأخّر من أخر اللّه ماعالت فريضة، فقال له زفر: وأيّهم قدّم وأيهم أخّر؟ فقال: كلّ فريضة لا تزول إلاّ إلى فريضة فتلك التي قدّم اللّه وتلك فريضة الزوج، له النصف فإن زال فإلى الربع لا ينقص منه، والمرأة لها الربع فإن زالت عنه صارت إلى الثمن لا تنقص منه، والأخوات لهن الثلثان والواحدة لها النصف، فإن دخل عليهم كان لهنّ ما بقي فهؤلاء الذين أخّر اللّه، فلو أعطى من قدّم اللّه فريضة كاملة ثمّ قُسِّم ما يبقى بين من أخّر اللّه بالحصص ما عالت فريضة، فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته واللّه.(1)

الثالث: الأقوال المطروحة في العول

اتّفقت الشيعة ووافقهم الظاهرية وثلّة من الصحابة والتابعين على بطلان العول بمعنى إدخال النقص على جميع الورثة بنسبة فروضهم، بل يقدّم من له الفرضان على من له فرض واحد.

قال السيد المرتضى في «الانتصار»: والذي تذهب إليه الشيعة الإمامية: أنّ المال إذا ضاق عن سهام الورثة قدم ذو السهام المؤكدة من الأبوين والزوجين على البنات والأخوات من الأُم وعلى الأخوات من الأب والأُمّ أو من الأب، وجعل الفاضل عن سهامهم لهنّ.

وذهب ابن عباس إلى مثل ذلك وقال به أيضاً عطاء بن أبي رباح و حكى الفقهاء من العامة هذا المذهب عن محمد بن علي بن الحسين الباقرـ عليه السَّلام ـ ومحمد بن الحنفية،وهو مذهب داود بن علي الاصفهاني.

وقال باقي الفقهاء: إنّ المال إذا ضاق عن سهام الورثة قُسِّم بينهم على قدر


1 . أحكام القرآن:2/109; مستدرك الحاكم:4/340.


(256)

سهامهم كما يفعل في الديون والوصايا إذا ضاقت التركة عنها.(1)

وقال في الناصريات: وذهب أصحابنا ـ بلا خلاف ـ انّ الفرائض لا تعول، ووافقنا على ذلك ابن عباس، وداود بن علي الاصفهاني، وخالفنا باقي الفقهاء.(2)

وقال الشيخ في «الخلاف»: العول عندنا باطل فكلّ مسألة تعول على مذهب المخالفين فالقول عندنا فيها بخلاف ما قالوه. وبه قال ابن عباس فانّه لم يُعْوِلْ المسائل وأدخل النقص على البنات و بنات الابن والأخوات للأب والأُمّ أو للأب، وبه قال محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليهم السَّلام ـ وداود بن علي، و أعالها جميع الفقهاء.(3)

وممّن خالف العول ابن حزم في «المُحلّى» و هو من أعيان مذهب الظاهرية: وقال أوّل من قال به (العول) زيد بن ثابت ووافقه عليه عمر بن الخطاب وصحّ عنه هذا، وروي عن علي و ابن مسعود غير مسند، وذكر عن العباس ولم يصحّ، وصحّ عن شريح ونفر من التابعين يسير، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. وأصحاب هؤلاء القوم إذا اجتمع رأيهم على شيء كان أسهل شيء عليهم دعوى الإجماع، فإن لم يمكنهم ذلك، لم تكن عليهم مؤنة من دعوى أنّه قول الجمهور و انّ خلافه شذوذ و انّ خصومهم ليرثون لهم من تورطهم في هذه الدعاوى الكاذبة نعوذ باللّه من مثلها... وبقول ابن عباس هذا، يقول عطاء و محمد بن علي بن أبي طالب و محمد بن علي بن الحسين و أبو سليمان و جميع أصحابنا وغيرهم.(4)


1 . الانتصار:561ـ 562.
2 . الناصريات:403، المسألة190.
3. الخلاف:4/73، المسألة81.
4. المحلّى:9/263ـ 264، المسألة1717.


(257)

الرابع ذكر نماذج من صور العول

ذكر الفقهاء للعول صوراً مختلفة نذكر بعضها روماً للاختصار:

1. زوج وأُختان: للزوج النصف أي الثلاثة من ستة، وللا ُختين الثلثان أي الأربعة منها. ومن المعلوم أنّ المال ليس فيه نصف وثلثان فلو أُخذ من الست، النصفُ، لا يفي الباقي بالثلثين وهكذا العكس، فتعول السهام إلى السبعة (3+4=7).

ففي المذهب الإمامي يقدّم الزوج فيعطى له النصف والباقي للأُختين، وأمّا القائل بالعول فهو يقسّم التركة إلى سبعة سهام، مكان الستة فيعطي للزوج ثلاثة سهام، وللا ُختين أربعة سهام لكن من السبعة، وبذلك يُدخل النقص على الجميع، فلا الزوج ورث النصف الحقيقي ولا الأُختان، الثلثين، بل أخذ كل أقل من سهامه.

2.تلك الصورة ومعهما أُخت واحدة من الأُم فريضتها السدس، ومن المعلوم أنّ التركة لا تفي بالنصف والثلثين والسدس، فتعول التركة إلى ثمانية سهام وذلك (1+3+4=8). ففي الفقه الإمامي يقدّم الزوج والأُخت لكونهما ذو فرضين فيعطى للزوج النصف وللأُخت السدس والباقي للأُختين، وأمّا القائل بالعول فهو يورد النقص على الجميع، فيقسّم المال إلى ثمانية سهام، فيعطي للزوج ثلاثة. وللأُختين أربعة، وللا ُخت من الأُم واحداً، ولكنّ الكلّ من ثمانية أجزاء، فلا الزوج نال النصف، ولا الأُختان الثلثين، ولا الأُخت من الأُم، السدس.

3.تلك الصورة ومعهم أخ من أُم وفريضتها أيضاً السدس فتعول الفريضة إلى تسعة، وذلك (1+1+3+4=9).


(258)

ففي الفقه الإمامي يقدّم الزوج و الأُخت من الأُم، والأخ من الأب، ويختص الباقي بالأُختين; وأمّا القائل بالعول فيعطي للزوج ثلاثة، وللا ُختين أربعة، ولكلّ من الأُخت والأخ من الأُم واحداً لكن من تسعة أسهم، لا من ستة سهام، وبالتالي لا يُمتَّع الزوج بالنصف، ولا الأُختان بالثلثين، ولا الأُخت والأخ من الأُم بالثلث إلاّ لفظاً.

4. زوجة وأبوان و بنتان و هي المسألة المعروفة باسم المسألة المنبرية، وهي التي سُئل عنها الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ وهو على المنبر، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وزوجة؟ فقال الإمام ـ عليه السَّلام ـ : «صار ثمن المرأة تسعاً». ومراده: أنّه على الرأي الرائج، إدخال النقص على الجميع صار سهمها تسعاً.

وذلك لأنّ المخرج المشترك للثلثين والسدس والثمن هو عدد (24) فثلثاه (16) وسدساه(8) وثمنه (3)، وعند ذلك تعول الفريضة إلى (27) سهماً، وذلك مثل (3+8+16=27).

فالقائل بالعول، يورد النقص على جميع أصحاب الفروض، فيعطي لأصحاب الثلثين (16) سهماً، وللأبوين (8) سهام، وللزوجة (3) سهام، من (27)، بدل إعطائهم بهذا المقدار من (24) سهماً، والزوجة وإن أخذت (3) سهام، لكن لا من (24) سهماً حتى يكون ثمناً واقعياً، بل من (27) وهو تُسْع التركة، وهي في الواقع (24) سهماً (1). بخلاف المذهب الإمامي فهو يقدّم الزوجة والأبوين والباقي لابنتيه.

هذه هي نظرية العول وبيانها بوجه سهل غير مبتن على المحاسبات الدقيقة


1 . سهم الزوجة 3/27=1/9 مجموع السهام 3+8+16= 27 .


(259)

وإن كان البيان على ضوئها أتقن وأدق.

ويظهر من السيد المرتضى أنّ القائلين بالعول ربّما يوافقون الإمامية في بعض الصور، كامرأة ماتت وخلّفت بنتين وأبوين وزوجاً، والمال يضيق عن الثلثين والسدسين والربع، فنحن بين أُمور: إمّا أن ندخل النقص على كل واحد من هذه السهام أو ندخله على بعضها، وقد أجمعت الأُمّة على أنّ البنتين هاهنا منقوصتان بلا خلاف، فيجب أن نعطي الأبوين السدس والزوج الربع، ويجعل ما بقي للابنتين، ونخصّهما بالنقص لأنّهما منقوصتان بالاجماع. (1)

إذا عرفت هذه الأُمور فلندرس أدلّة القائلين بالعول أوّلاً، ثمّ أدلّة القائلين بتقديم ذي الفرضين على من له فرض واحد.


1 . الانتصار: 284.


(260)

أدلّة القائلين بالعول

استدلّ القائلون بالعول بوجوه:(1)

1. قياس الحقّ بالدين

إنّ الدُّيّان يقتسمون المال على تقدير قصوره عن دينهم بالحصص، وكذلك الورّاث، والجامع، الاستحقاق للمال.

يلاحظ عليه: أنّه قياس مع الفارق فانّ الدَّيْن يتعلّق بالذمة، والتركة كالرهن عند الدائن. وبعبارة أُخرى: تعلّق الدين بعين المال تعلّقُ استحقاق لا تعلّق انحصار، فلو لم يؤدّوا حقّ الغرماء فلهم مصادرة التركة واستيفاء طلبهم من باب التقاص، ولو قاموا بالتأدية من غير التركة فليس لهم أيّ اعتراض، ولأجل ذلك ليس بمحال أن يكون لرجل على رجل ألف، ولآخر ألفان، ولثالث عشرة آلاف وإن صار الدَّين أضعاف التركة، لأنّ المديون أتلف مال الغير بالاستقراض والصرف، فصار مديوناً بما أتلف، كان بمقدار ماله أو أزيد أو أنقص فلا إشكال في تعلّق أضعاف التركة بالذمة لأنّها تسع أكثر من ذلك.

وأمّا سهام الإرث فانّها انّما تتعلّق بالتركة والأعيان الموروثة، ومن المحال أن يكون للمال نصف، ونصف وثلث(كما إذا ماتت الزوجة عن زوج وأُخت للأبوين وأُختين للأُمّ)، فامتلاك الورثة من التركة بقدر هذه الفروض أمر غير معقول،


1 . أخذنا الدلائل الثلاثة الأُول من المغني: 6/242 مع تفصيل منّا.


(261)

فلابدّ أن يكون تعلّقها بشكل آخر تسعها التركة. بأن لا يكون لبعض أدلّة الفروض إطلاق يعمّ حالي الانفراد والاجتماع حتى لا يستلزم المحال، وسيوافيك بيان ماله إطلاق لحال الاجتماع مع سائر الفروض وما ليس له إطلاق.

وقد فصّل أصحابنا في نقد هذا الدليل بوجوه، وما ذكرناه أتقن، وإليك ما ذكره المرتضى في نقد هذا الدليل:

قال : ما يقولونه في العول: إنّ الديون إذا كانت على الميّت ولم تف تركته بالوفاء بها، فإنّ الواجب القسمة للمال على أصحاب الديون بحسب ديونهم من غير إدخال النقص على بعضهم، وذلك أنّ أصحاب الديون مستوون في وجوب استيفاء أموالهم من تركة الميّت، وليس لأحد مزية على الآخر في ذلك، فإن اتّسع المال لحقوقهم استوفوها، فإن ضاق تساهموه وليس كذلك مسائل العول، لأنّا قد بيّنّا أنّ بعض الورثة أولى بالنقص من بعض، وأنّهم غير مستويين كاستواء أصحاب الديون فافترق الأمران .(1)

2. قياس الإرث بالوصية

إنّ التقسيط مع القصور واجب في الوصية للجماعة والميراث كذلك، والجامع بينهما استحقاق الجميع التركة، فلو أوصى لزيد بألف، ولعمرو بعشرة آلاف، ولبكر بعشرين ألف، وضاق ثلثه عن القيام بالجميع، يُورد النقص على الجميع حسب سهامهم.

يلاحظ عليه: أنّ الحكم ليس بمسلّم في المقيس عليه حتى يستظهر حال المقيس منها. بل الحكم فيه أنّه يعطى الأوّل فالأوّل ـ عند الإيصاء ـ إلى أن يبقى


1 . الانتصار: 285.


(262)

من المال شيء ويسقط من لم يسعه الثلث، لأنّه أوصى بشيء لم يملكه فتكون وصيّته باطلة.

نعم لو ذكر جماعة ثمّ سمّى، كما إذا قال: زيد وعمر وبكر لكل واحد ألف، فعجز عنه مقدار ما ترك، فلا شك أنّه يدخل النقص على الجميع والفارق بينه وبين المقام هو تصريح الموصي بالعول،ولو ورد التصريح به في الشريعة ـ وأغضينا عمّـا سيوافيك ـ يجب اتباعه فكيف يقاس، مالم يرد فيه التصريح بالتقسيط بما ورد فيه التصريح به.

3. تقديم البعض على البعض ترجيح بلا مرجّح

إنّ النقص لابدّ من دخوله على الورثة على تقدير زيادة السهام، أمّا عند العائل فعلى الجميع وأمّا عند غيره فعلى البعض، لكن هذا ترجيح من دون مرجّح.

يلاحظ عليه: أنّ رفع الأمر المحال بإيراد النقص على الجميع فرع إحراز صحّة أصل تشريعه، وأنّه يصحّ أن يتملّك شخص، نصفَ المال، وآخر نصفَه الآخر، وثالث ثلثَه، وقد عرفت أنّه غير صحيح وأنّ المال لا يتحمّل تلك الفروض، ومع عدم صحّة تشريعه لا تصل النوبة إلى احتمال ورود النقص على الجميع، فانّ تصويره بصورة العول، وإيراد النقص على الجميع رجوع عن الفرض، واعتراف بأنّه ليس فيه نصفان وثُلث كما سيظهر عند بيان أدلّة القائلين ببطلانه، لأنّ من سهمه النصفان أو الثُّلث، يأخذ أقل من سهمهما، وبالتالي يعترف بأنّه ليس في المال نصفان وثلث.

أضف إلى ذلك، وجود المرجّح الذي أشار إليه الإمام أمير المؤمنين وتلميذه ابن عباس سابقاً، وسيأتي كلامهما وكلام عترته الطاهرة.


(263)

4. قول علي ـ عليه السَّلام ـ في المسألة المنبرية

روى البيهقي قال أخبرنا أبو سعيد، أنبأنا أبو عبد اللّه، ثنا محمد بن نصر، ثنا إسحاق، ثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث عن علي ـ رضي اللّه عنه ـ في امرأة وأبوين وبنتين، صار ثمنها تسعاً .(1)

والمسألة تسمّى المنبرية، لأنّه سئل عنها الإمام و هو على المنبر، يخطب، ويظهر من أحمد المرتضى انّ السائل كان هو ابن الكوّا، أحد المناوئين فأجاب الإمام بقوله: «صار ثمنها،تسعاً» ثمّ مضى في خطبته.(2)

قال في الشرح الكبير: انّ المرأة كان لها الثمن ثلاثة من أربعة وعشرين صار لها بالعول ثلاثة من سبعة وعشرين وهي التُّسع. (3)

و بعبارة أُخرى: انّ الثلاثة إذا نسبت إلى أربعة وعشرين فهو ثُمن التركة وإذا نسبت إلى سبعة وعشرين فهو تُسْع التركة ولذلك قال: «صار ثمنها تسعاً»، و هذا صريح في العول، إذ على القول الآخر: انّها لا تنقص سهمها عن الثمن، وقد جعل الإمام ثمنها تسعاً.

يلاحظ عليه: أنّ السند ضعيف، والدلالة غير تامة.

أمّا الأوّل ففيه: شريك بن عبد اللّه بن أبي شريك، أبو عبد اللّه الكوفي القاضي فقد ترجمه ابن حجر في التهذيب» وقال: قال الجوزجاني: شريك، سيّئ الحفظ، مضطرب الحديث مائل.

وقال ابن أبي حاتم قلت لأبي زرعة : شريك يحتج بحديثه قال: كان كثير


1 . السنن الكبرى:6/253.
2 . البحر الزخار:356 باب العول والردّ ; الشرح الكبير في ذيل متن المغني:7/74.
3. الشرح الكبير في ذيل متن المغني:7/47.


(264)

الخطأ، صاحب حديث و هو يغلط أحياناً.

وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: أخطأ في أربعمائة حديث.

وقال ابن المثنى: ما رأيت يحيى و لا عبد الرحمن حدثنا عنه بشيء.

ونقل عن عبد اللّه بن أحمد عن أبيه الإمام أحمد: حسن بن صالح أثبت من شريك، كان شريك لا يبالي كيف حدث.(1)

ويروي شريك ذلك الحديث عن أبي إسحاق و هو عمرو بن عبد اللّه السبيعي، وقد وصفه ابن حيان في «الثقات» بأنّه كان مدلّساً، كما وصفه به حسين الكرابيسي و أبو جعفر الطبري.(2)

ومع كلّ ذلك كيف يحتجّ به على الحكم الشرعي.

وأمّا الدلالة : ففيه احتمالات:

1. انّ الإمام ذكر ذلك تعجّباً، وكأنّه قال: أصار ثُمنها تسعاً؟! فكيف يمكن ذلك، مع أنّه سبحانه جعل فرضها الثمن، وفي ما سألت صار فرضها تُسعاً حسب الظاهر، و أمّا ما هو علاج المسألة وصيانة ثمنها الوارد في القرآن، فقد سكت عنه الإمام و مضى في خطبته.

2. انّ ما ذكره إخبار عما جرى عليه الناس بعد إفتاء الخليفة بإدخال النقص على الجميع، دون أن يفتي على وفقه.

3. انّه ذكر ذلك مجاراة للرأي السائد في ذلك وإخماداً للفتنة، حيث إنّ السائل كان أحد المناوئين للإمام، وقد حاول بسؤاله، أن يجعل الإمام في مأزق، وكان عارفاً برأي الإمام .

ويظهر ما ذُكر ممّا نقله شيخ الطائفة عن أبي طالب الأنباري قال: حدثني


1 . تهذيب التهذيب:4/295ـ 296.
2 . تهذيب التهذيب:8/59


(265)

الحسن بن محمد بن أيوب الجوزجاني قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى بن أبي بكر، عن شعبة ،عن سماك، عن عبيدة السلماني قال: كان عليـ عليه السَّلام ـ على المنبر فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وزوجة، فقال عليـ عليه السَّلام ـ : صار ثمن المرأة تسعاً. قال سماك: قلت لعبيدة: وكيف ذلك؟ قال: إنّ عمر بن الخطاب وقعت في إمارته هذه الفريضة، فلم يدر ما يصنع وقال: للبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وللزوجة الثمن. قال: هذا الثمن باق بعد الأبوين والبنتين، فقال له أصحاب محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اعط هؤلاء فريضتهم، للأبوين السدس، وللزوجة الثمن، وللبنتين ما يبقى، فقال: فأين فريضتهما الثلثان؟ فقال له علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ : لهما ما يبقى. فأبى ذلك عمر وابن مسعود فقال عليـ عليه السَّلام ـ : على ما رأى عمر. قال عبيدة: وأخبرني جماعة من أصحاب عليـ عليه السَّلام ـ بعد ذلك في مثلها أنّه أعطى للزوج الربع، مع الابنتين، وللأبوين السدسين والباقي ردّ على البنتين[قال: ]وذلك هو الحق وإن أباه قومنا.(1)

ويستفاد من الحديث أوّلاً: أنّ عليّاً وأصحاب النبيّ إلاّ القليل منهم كانوا يرون خلاف العول، وأنّ سيادة القول العول لأجل أنّ الخليفة كان يدعم ذلك آنذاك.

وثانياً: أنّ الإمام عمل في واقعة برأيه وأورد النقص على البنتين فقط، وعلى ذلك يكون المراد من قوله ، فقال عليـ عليه السَّلام ـ : «على ما رأى عمر»، هو المجاراة والمماشاة، وإلاّ يصير ذيل الحديث مناقضاً له.

إلى هنا تمت دراسة أدلّة القائلين بالعول. فلنذكر أدلّة المنكرين.


1 . تهذيب الأحكام:9/300، الحديث13 ط الغفّاري.


(266)

أدلّة القائلين ببطلان العول

1. استلزام العول نسبة الجهل أو العبث إلى اللّه

يستحيل أن يجعل اللّه تعالى في المال نصفين وثلثاً، أو ثلثين ونصفاً ونحو ذلك ممّا لا يفي به وإلاّ كان جاهلاً أو عابثاً، تعالى اللّه عن ذلك.

توضيحه: انّ السهام المنصوصة في الذكر الحكيم ستة، وهي:

الثلثان: وهو فرض صنفين: 1. البنتان فصاعداً، 2. والأُختان الشقيقتان فصاعداً أو من الأب.

النصف: وهو فرض أصناف ثلاثة: 1. الزوج مع عدم الولد، 2. والبنت المنفردة، 3. والأُخت منفردة من الأبوين، أو من الأب.

الثلث: وهو فرض صنفين:1. الأُمّ مع عدم الولد، 2. الاخوان أو الأُختان أو أخ و أُخت فصاعداً من الأُمّ.

الربع: وهو فرض صنفين: 1. الزوج مع الولد، 2. الزوجة مع عدم الولد.

السدس: وهو فرض أصناف ثلاثة: 1. الأبوان مع الولد، 2. الأُمّ مع الحاجب، 3. الأخ و الأُخت من الأُمّ.

الثمن: وهو فرض صنف واحد وهو الزوجة مع الولد.

إذا عرفت ذلك فعندئذ يقع الكلام في أنّ الأدلة المتكفّلة لبيان فروض هذه الأصناف هل هي مطلقة، بمعنى ثبوت الفرض في كافة الصور، كاجتماع أبوين والبنت مع الزوج، أو ليس لها ذلك الإطلاق؟

فعلى الأوّل يلزم عبثية التشريع ولغويته لاستغراق فرض الزوج (النصف) و


(267)

فرض البنت المنفردة (النصف) مثلاً مجموع التركة وعدم اتساعها لفرض الأبوين وهو الثلث.

وعلى الثاني يلزم الوقوف على من قدّمه اللّه سبحانه و من أخّره لئلاّ يلزم المحذور وهذا هو المطلوب.

2.استلزامه التناقض والإغراء بالجهل

إنّ القول بالعول يؤدّي إلى التناقض والإغراء بالجهل، أمّا التناقض فقد بيّنا عند تفصيل القول بالعول أنّه إذا مات وترك أبوين وبنتين وزوجاً، وقلنا: إنّ فريضتهم من اثني عشر، فمعنى ذلك أنّ للأوّلين أربعة من اثني عشر، وللثانيتين، ثمانية من اثني عشر، وللزوج ثلاثة من اثني عشر، فإذا أعلناها إلى خمسة عشر فأعطينا الأبوين أربعة من خمسة عشر وللبنتين ثمانية من خمسة عشر، وللأبوين أربعة من خمسة عشر، فقد دفعنا للأبوين (مكان الثلث) خمساً وثلُثه، وإلى الزوج (مكان الربع) خُمساً، وإلى الابنتين (مكان الثلثين) ثلثاً وخمساً، وذلك نفس التناقض.

وأمّا الإغراء بالجهل، فقد سمّى اللّه سبحانه، الخمس وثلثه باسم الثلث، والخُمس باسم الربع، وثلثاً وخمساً باسم الثلثين (1).

ويمكن جعل الدليل الأوّل والثاني، دليلاً واحداً بأن يقال: إذا جعل اللّه سبحانه في المال نصفين وثلثاً، فأمّا أن يجعلها بلا ضم حلول ـ مثل العول ـ إليه، يلزم كونه سبحانه جاهلاً أو عابثاً تعالى عن ذلك، وأمّا أن يجعل مع النظر إلى حلول مثل العول، يلزم التناقض بين القول والعمل، والإغراء مع كونه قبيحاً.


1 . لاحظ ص253.


(268)

3. يلزم تفضيل النساء على الرجال

لو قلنا بالعول يلزم تفضيل النساء على الرجال في موارد، ومن المعلوم أنّه يخالف روح الشريعة الإسلامية، ولنذكر نموذجاً:

إذا ماتت المرأة عن زوج وأبوين وبنتاً، فالتركة لا تتسع لنصفين وثلثاً، فلو قلنا بالعول ارتفعت السهام إلى 13 سهماً، فللبنت منها 6 وللأبوين منها 4 وللزوج منها 3، فهذه صورة المسألة :

41 (سهم الزوج)+ 21 (سهم البنت) + 62 (سهم الأبوين) = 123 + 6 + 4 = 1213

(سهم الزوج)+ (سهم البنت)+ (سهم الأبوين)=

ففي هذه الصورة على القول بالعول صار سهم البنت 6 من 13.

ولو كان الابن مكان البنت، أُعطي الأبوان 4 سهام من أصل 12 سهماً، والزوج 3 سهام من أصل 12 سهماً والباقي وهو 5 سهام للابن فصار سهم الابن أقلّ من سهم البنت، وهذا التالي الفاسد جاء من القول بالعول في الصورة الأُولى.

وقد جاء ذلك الدليل في رواية أبي جعفر الباقرـ عليه السَّلام ـ .

أخرج الكليني عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ في امرأة ماتت و تركت زوجها وأبويها وابنتها، قال: للزوج الربع ثلاثة أسهم من اثني عشر سهماً، و للأبوين لكلّ واحد منهما السدس سهمين من اثني عشر سهماً، و بقي خمسة أسهم فهي للابنة، لأنّه لو كان ذكراً لم يكن له أكثر من خمسة أسهم من اثني عشر سهماً، لأنّ الأبوين لا ينقصان كلّ واحد منهما في السدس شيئاً وانّ الزوج لا ينقص من الربع شيئاً.(1)

وقد جاءت الإشارة إلى بعض هذه الصور التي يلزم على القول بالعول


1 . الوسائل:17، الباب18 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث2.


(269)

زيادة نصيب النساء على الرجال في الروايات.(1)

الرابع: تصريح أئمّة أهل البيت ببطلان العول

قد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ مضافاً إلى ما عرفت عن عليـ عليه السَّلام ـ ـ على بطلان العول، وإليك طائفة منها:

1. أخرج الكليني عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ قال: «السهام لا تعول».

2. أخرج الكليني عن محمد بن مسلم، قال: أقرأني أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ صحيفة كتاب الفرائض التي هي إملاء رسول اللّه وخط علي بيده فإذا فيها انّ السهام لا تعول.

3. أخرج الشيخ الطوسي بسنده عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: كان ابن عباس يقول: إنّ الذي يحصي رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول من ستة، فمن شاء لاعنته عند الحجر انّ السهام لا تعول من ستة».

ومعنى قوله: «لا تعول من ستة» انّها و إن زادت ولكن لا تزيد أُصولها على ستة.

إلى غير ذلك من الروايات التي رواها الشيخ الحرّ العاملي في «الوسائل».(2)

أُسلوب علاج العول من منظار روائي

قد عرفت أنّ أئمّة أهل البيت أنكروا العول، ولم يكتفوا بالإنكار فحسب، بل وضعوا الحلول المناسبة لعلاجه والتي وردت في روايات كثيرة، نختار منها


1 . لاحظ الوسائل:17، الباب3 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث3.
2 . الوسائل:17، الباب6 من أبواب موجبات الإرث، الحديث1، 11، 12.


(270)

طائفة، و من أراد التفصيل فعليه، فليرجع إلى الجوامع الحديثية.

1. ما ذكره ابن عباس و قد أخذه عن إمامه وأُستاذه علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، وقد تقدّم ذكره فلنقتصر على محل الشاهد، قال:

وأيم اللّه لو قدّم من قدّم اللّه وأخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة.

فقال له زفر: وأيّها قدّم وأيّها أخّر؟

فقال: كل فريضة لم يهبطها اللّه عن فريضة إلاّ إلى فريضة فهذا ما قدّم اللّه. وأمّا ما أخّر: فلكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلاّ ما بقى، فتلك التي أخّر.

فأمّا الذي قدَّم: فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء; والزوجة لها الربع، فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء; والأُم لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس، ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم اللّه.

وأمّا التي أخّر: ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهنّ الفرائض عن ذلك لم يكن لهنّ إلاّ ما بقى، فتلك التي أخّر; فإذا اجتمع ما قدّم اللّه وما أخّر بدئ بما قدّم اللّه فأُعطي حقّه كاملاً، فإن بقى شيء كان لمن أخّر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له. (1)

فقد جاء في كلام ابن عباس الطوائف الذين لا يدخل عليهم النقص وهم عبارة عن:

1. الـزوج. 2. الزوجـة. 3. الأُم، وهـؤلاء يشتركون في أنّهم لا يهبطون عن


1 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث: 6. لاحظ المستدرك للحاكم: 4/340 كتاب الفرائض والحديث صحيح على شرط مسلم; وأورده الذهبي في تلخيصه إذعاناً بصحّته.


(271)

فريضة إلاّ إلى فريضة أُخرى، وهذا دليل على أنّ سهامهم محدودة لا تنقص.

وكان عليه أن يذكر الأخ والأُخت من أُمّ، لأنّهم أيضاً لا يهبطون من سهم (الثلث) إلاّ إلى سهم آخر و هو السدس، وقد جاء الجميع في كلام الإمام أمير المؤمنين التالي .

2. روى أبو عمر العبدي عن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ أنّه كان يقول: الفرائض من ستة أسهم: الثلثان أربعة أسهم، والنصف ثلاثة أسهم، والثلث سهمان، والربع سهم ونصف، والثمن ثلاثة أرباع سهم، ولا يرث مع الولد إلاّ الأبوان والزوج والمرأة، ولا يحجب الأُم عن الثلث إلاّ الولد والإخوة، ولا يزاد الزوج عن النصف ولا ينقص من الربع، ولا تزاد المرأة على الربع ولا تنقص عن الثمن، وإن كنّ أربعاً أو دون ذلك فهنّ فيه سواء، ولا تزاد الإخوة من الأُم على الثلث ولا ينقصون من السدس وهم فيه سواء الذكر والأُنثى، ولا يحجبهم عن الثلث إلاّ الولد، والوالد، والدية تقسم على من أحرز الميراث». (1)

3. روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: أربعة لا يدخل عليهم ضرر في الميراث: الوالدان، والزوج، والمرأة». (2) وبما أنّ المراد من المرأة هي الزوجة فلابدّ من تقييد الرواية بإدخال كلالة الأُم فيها، لأنّها أيضاً لا يدخل عليها ضرر. فإذا كان هؤلاء من قدّمهم اللّه ولا يزيد عليهم النقص، فيكون من أخّره اللّه عبارة عن البنت أو البنتين أو من يتقرّب بالأب والأُم أو بالأب من الأُخت أو الأخوات.

4. محمد بن مسلم، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: ما تقول في امرأة تركت زوجها وإخوتها لأُمّها وإخوة وأخوات لأبيها؟ قال: «للزوج النصف ثلاثة


1 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 12.
2 . الوسائل: 17 الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 3.


(272)

أسهم، ولإخوتها من أُمّها الثلث سهمان الذكر والأُنثى فيه سواء، وما بقي سهم للإخوة والأخوات من الأب: (للذكر مثل حظ الأُنثيين)، لأنّ السهام لا تعول، ولأنّ الزوج لا ينقص من النصف، ولا الإخوة من الأُم من ثلثهم فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث». (1)

5.وورد تعبير لطيف في رواية الصدوق في «عيون الأخبار»: عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ في كتابه إلى المأمون وهو أنّه: «وذو السهم أحقّ ممّن لا سهم له». (2)

ما الفرق بين البنت وكلالة الأُم؟

بقي الكلام في عدّ البنت والبنات والأُخت والأخوات، ممّن يدخل عليهم النقص دون الأُخت والأخ من الأُم، مع أنّ الطوائف الثلاث على وتيرة واحدة.

فللبنت: الثلثان والنصف، وللأُخت: الثلثان والنصف، ولكلالة الأُم: الثلث والسدس. فما هو الفارق بين الطائفة الثالثة والأُوليين؟

يتّضح الجواب ببيان أمر: وهو دخول الأخ في كلالة الأُم، لا يخرجها عن كونها وارثة بالفرض، فالواحد منها سواء كان ذكراً أم أُنثى له السدس، وغير الواحد، سواء كان ذكراً أم أُنثى، أو ذكراً وأُنثى لهم الثلث يقتسمون بالمناصفة.

وهذا بخلاف الطائفتين الأُوليين فللبنت والأُخت الواحدتين النصف، ولأزيد من الواحد الثلثان، ولو انضمّ إليهما الأخ فللذكر مثل حظّ الأُنثيين في الطائفتين، أي لا يرثن بالفرض بل بالقرابة.

وعلى ذلك فكلالة الأُم مطلقاً وارثة بالفرض لا ترث إلاّ به، بخلاف البنت وأزيد، أو الأُخت وأزيد، فربّما يرثن بالقرابة وذلك فيما إذا انضمّ إليهنّ الأخ.


1 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 17.
2 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 15.


(273)

إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول:

إنّ كلالة الأُم، ترث بالفرض مطلقاً كان معهم ذكر أو لا، تفرّدت من الطبقة بالإرث أو لا، فلو لم يكن وارث سواها وكانت واحدة ترث السدس، وإن كانت غير واحدة ترث الثلث فرضاً والباقي ردّاً. ولا ينقص حظّهم في صورة من الصور لو لم يزد عند الرد، وهذا آية عدم ورود النقص عند التزاحم.

وبالجملة: لا نرى فيهم أيّ إزالة من الفرض في حال من الحالات إلاّ إلى فرض آخر ولا ورود نقص عليهم عند تطوّر الأحوال. وهذا بخلاف البنت والأُخت فلو دخل فيهم: الأخ، يتغيـّر الفرض من النصف أو الثلثين، إلى مجموع ما ترك بعد دفع سهام الآخرين كالوالدين، أو كلالة الأُم، ثم يقتسمون بالتثليث وتنقص حظوظ البنت أو البنات أو الأُخت والأخوات عن النصف والثلثين بكثير، وهذا آية جواز دخول النقص عليهم عند التزاحم.

وبعبارة أُخرى: أنّ كلالة الأُم ترث دائماً بالفرض حتى فيما إذا تفرّدت، وأمّا الطائفتان الأُوليتان فإنّما ترثان بالفرض تارة كما إذا لم يكن بينهم أخ، وأُخرى بالقرابة فقط كما إذا انضمّ الأخ إليهنّ. وأيضاً: كلالة الأُم لا يرد عليها النقص ولا ينقص حظهم عن الثلث والسدس، بخلاف الأخيرتين فينقص حظّهما عن النصف والثلثين.

ولعلّه إلى ما ذكرنا من التوضيح يشير صاحب الجواهر بقوله: دون من يتقرّب بالأُم الذي لا يرث إلاّ بفرض، بخلاف غيره فإنّه يرث به تارة وبالقرابة أُخرى كالبنت والبنتين، اللَّتين ينقص إذا اجتمعن مع


(274)

البنين عن النصف أو الثلثين بنصّ الآية، لأنّ للذكر حينئذ مثل حظّ الأُنثيين. (1)

وقال العاملي: ويدخل النقص على البنت والبنات، لأنّهنّ إذا اجتمعن مع البنين ربّما نقص عن العشر أو نصفه لنصّ الآية (للذكر مثل حظّ الأُنثيين)، وكذا الحال في الإخوة والأخوات من قبل الأب أو من قبلهما. (2)

وقال المحقّق: يكون النقص داخلاً على الأب أو البنت أو البنتين، أو من يتقرّب بالأب والأُم أو بالأب من الأُخت والأخوات دون من يتقرّب بالأُم.(3)

وليعلم أنّ عامل العول هو الزوج أو الزوجة إذا اجتمع أحدهما مع البنت أو البنات، أو مع الأُخت أو الأخوات من قبل الأبوين أو لأب، وإلاّ لم يلزم العول.

وعلى ذلك:

1. فلو خلفت زوجـاً وأبوين وبنتـاً، يختصّ النقص بالبنت بعد الربع والسدس.

2. لو خلّفت زوجاً وأحد الأبوين وبنتين، يختصّ النقص بهما بعد الربع والسدس.

3. لو خلّـف زوجـة وأبويـن وبنتين، يختـصّ النقـص بهما بعد الثـمن والسدسين.

4. لو خلّفـت زوجـاً مع كلالة الأُم وأُختاً أو أخوات لأب وأُم أو لأب، يدخل النقص بالأُخت أو الأخوات بعد النصف والسدس إن كانت الكلالة واحدة أو الثلث إن كانت متعدّدة.

إنّ ما ذكرناه من أنّ عامل العول هو الزوج والزوجة إنّما يتم على أُصولنا في الإرث، وأمّا على أُصول غيرنا فيأتي العول من غير جهة الزوج والزوجة ، كما إذا مات عن أبوين مع الأُختين، فانّهما لا يرثان على أُصولنا مع وجود الأبوين، لأنّهما أقرب من الأُختين بخلافه على أُصول غيرنا حيث ترث الأُختين بالتعصيب،


1 . الجواهر: 39/ 110. وحاشية جمال الدين على الروضة البهية: 2/297 في هامش الكتاب.
2 . مفتاح الكرامة: 8/120.
3. الشرائع:4/823 ط الاستقلال.


(275)

فعندئذ يلزم العول، لأنّ فرض الأُم عند عدم الولد للميت هو الثلث و فرض الأُختين هو الثلثان .

ولا يبقى من التركة للأب شيء إذا بدأنا بالأُم والأُختين.

بقيت هنا نكات نذكرها:

1. إنّ الآثار المروية عن ابن عباس تشهد على أنّ حبر الأُمّة كان صارماً في رأيه ببطلان العول إلى حد كان معه مستعدّاً للمباهلة. قال ابن قدامة: روي عن ابن عباس أنّه قال في زوج وأُخت وأُم: من شاء باهلته أنّ المسائل لا تعول، إنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً، أعدل من أن يجعل في مـال نصفـاً ونصفـاً وثلثاً، هـذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟! فسُمِّيت هذه المسألة، مسألة المباهلة لذلك.(1)

ومن الغريب انّ العول أسفر عن طرح مسائل اشتهرت بألقاب خاصة نذكر منها ما يلي:

الأكدرية: وصورتها إذا ماتت المرأة عن زوج وأُمّ وأُخت وجدّ، فللزوج النصف و للأُمّ الثلث وللأُخت النصف وللجد السدس، وتسمّى هذه المسألة الأكدريّة، قيل لأنّ عبد الملك بن مروان سأل عنها رجلاً اسمه الأكدر، وقد اختلفت فتاوى فقهاء السنة بل التابعين في المسألة، والمسألة من فروع العول حتّى ولو لم نقل انّ للجدّ سهماً في المقام، لأنّ للزوج النصف وللأُخت النصف وللأُمّ الثلث فلا تتسع التركة لهذه الفروض فكيف إذا قلنا بوجوب السدس للجد؟

المروانية: وصورتها ست أخوات متفرقات وزوج، للزوج النصف وللأُختين لأبوين الثلثان و للأُختين لأُم الثلث، سميت المروانيّة لوقوعها في فرض مروان بن


1 . المغني: 7/69، ونقله عن ابن عباس أكثر من تعرّض للمسألة.


(276)

الحكم، و تسمّى العراء لاشتهارها بينهم.

وقد ذكرت ألقاب أُخرى لبعض المسائل في الموسوعة الفقهية.(1) وإن كان بعض هذه الصور خارجاً عن مسألة العول.

2. قد عرفت أنّ القول بالعول لا يصمد أمام الأدلّة الدالّة على خلافه، والذي يصدّ الفقهاء الأربعة والتابعين عن العدول عن العول هو إفتاء عمر بن الخطاب بالعول، و قد عرفت أنّ الرجل كان مهاباً لا يجرأ أحد على مخالفته، ولم يكن الخليفة ملمّـاً بأحكام الفرائض، و لذلك كان يفتي بحكم في واقعة يخالفها في واقعة أُخرى.

أخرج البيهقي في سننه عن عبيدة انّه قال: إنّي لأحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلّها ينقض بعضها بعضاً.(2)

ولا بأس بنقل ما قضى به في مسألة سمّيت بالحمارية.

روى البيهقي بسنده عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: شهدت عمرَ بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب والأُم مع الإخوة من الأُم في الثلث، فقال له رجل: قضيت في هذا عام أوّل بغير هذا، قال: كيف قضيت؟

قال: جعلته للإخوة من الأُم و لم تجعل للإخوة من الأب و الأُم شيئاً، قال: تلك على ما قضينا و هذا على ما قضينا.(3)

وفي رواية السرخسي انّ الإخوة لأب وأُم سألوا عمر عن هذه المسألة، فأفتى بنفي التشريك كما كان يقوله أوّلاً، فقالوا: هب انّ أبانا كان حماراً، ألسنا من أُمّ واحدة؟ فقال عمر: صدقتم ورجع إلى القول بالتشريك.(4)

ومن أجل ذلك سمّيت هذه المسألة بالحمارية.


1 . الموسوعة الفقهية:3/75ـ 80.
2 . السنن الكبرى:6/245.
3. السنن الكبرى:6/255.
4. المبسوط:29/154ـ 155.


(277)

3. إنّ فقيه المدينة: الزهري كان يستحسن فتوى ابن عباس ويقول: إنّها الحجّة لولا أنّه تقدّم عليه عمر بن الخطاب.

روى الشيخ في «الخلاف» عن عبيد اللّه بن عبد اللّه وزفر بن أوس البصري أنّهما سألا ابن عباس: من أوّل من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب، قيل له: هلا أشرت به عليه؟ قال: هبته وكان أمره مهيباً، قال الزهري: لولا أنّه تقدّم ابن عباس، إمام عدل وحكم به وأمضاه وتابعه الناس على ذلك، لما اختلف على ابن عباس اثنان. (1)

4. أطنب موسى جار اللّه في الكلام مسألة «العول» إلى حدّ مملّ جداً وأخذ يجترّ كلاماً واحداً، وحصيلة كلامه: يغلب على ظنّي أنّ القول بأنّ لا عول عند الشيعة، قول ظاهري، فإنّ العول هو النقص، فإن كان النقص في جميع السهام بنسبة متناسبة، فهو العول العادل أخذت به الأُمّة وقد حافظت على نصوص الكتاب، وإن كان النقص في سهم المؤخّر، فهو العول الجائر أخذت به الشيعة وخالفت به نصوص الكتاب. (2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ المعنى المناسب للعول في المقام هو الارتفاع أو الميل إلى الجور، وتفسيره بالنقص و إن كان صحيحاً كما مرّ في صدر المسألة لكن الأنسب في المقام هو الزيادة، لظهور ارتفاع الفرائض عن سهام التركة، وارتفاعها وإن كان ملازماً لنقص التركة عن الإجابة لجميع الفروض، لكن ينظر إلى المسألة من زاوية ارتفاع الفرائض دون نقصان سهام التركة، ولأجل ذلك يقول ابن عباس: «وأيم اللّه لو قدّموا من قدّم اللّه، وأخّروا من أخّر اللّه ما عالت فريضة» ومن المعلوم عدم صحّة تفسيره بـ «وما نقصت الفريضة».


1 . الخلاف: 2/282، المسألة 81 وغيرها.
2 . الوشيعة في نقض عقائد الشيعة، وقد نقلنا كلامه مجرّداً عن الطعن بأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .


(278)

وثانياً: سلّمنا أنّ العول بمعنى النقص لكن رمي الشيعة بأنّهم يقولون به حيث إنّهم يوردون النقص على المؤخّر، غفلة من نظره، فانّ النقص إنّما يتصوّر إذا كان المؤخّر ذا فرض، ولكنّه عندهم ليس بذي فرض، بل يرث بالقرابة كسائر من يرثون بها، وعندئذ لا يصدق النقص أبداً في هذه الحالة.

يشهد بذلك كلام ابن عباس حيث يفسّـر المقدّم بأنّه ممّن له فرضان، والمؤخّر بأنّه ممّن ليس له إلاّ فرض واحد وهو في غير هذا المورد: حيث قال في جواب «زفر» الذي سأله عمّن قدّمه ومن أخّره؟ فقال: والذي أهبطه من فرض إلى فرض فذلك الذي قدّمه، والذي أهبطه من فرض إلى ما بقى فذلك الذي أخّره اللّه. (1)

وبعبارة أُخرى: إنّ الذي أخّره اللّه لم يجعل له حقّاً مفروضاً في حالة التزاحم والاجتماع فيرث ما بقى، وليس هو بذي فرض في هذا الفرض لكونه وارثاً بالقرابة. وبذلك تبيّـن أنّه لا عول عند الشيعة بالمعنى المصطلح عند الفقهاء.

وثالثاً: ما ذكره من أنّ السنّة حافظت على نصوص الكتاب ولكن الشيعة بإدخال النقص على المؤخّر خالفت نصوصه، من أعاجيب الكلام، فإذا كان في دخول النقص على المؤخّر (على وجه المسامحة) مخالفة لظاهر الكتاب، ففي دخولها على الجميع مخالفة مضاعفة، فقد عرفت في ما سبق أنّ من فرض اللّه له النصف أعطوه أقلّ منه، ومن فرض له الثلثان أعطوه أقلّ منهما. فكيف لا يكون فيه مخالفة.(2)


1 . لاحظ الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 6.
2 . وقد كفانا في نقد ما اختلقه من الشبهات أو أخذها ممّن تقدم عليه العلمان الجليلان: السيد عبد الحسين العاملي في كتابه «أجوبة موسى جار اللّه»، والسيد محسن العاملي في «نقض الوشيعة» ـقدّس اللّه أسرارهما ـ.


(279)

24
التقية
في الكتاب والسنّة


(280)


(281)

تُعنى الشعوب الحيّة بتاريخها، وتقف طويلاً عند أحداثه ووقائعه، وتتطلّع إلى ما يزخر به من مواقف مضيئة، ساهم في صنعها العظماء، لتستهدي بها في بناء حاضرها ومستقبلها، وتعزير وجودها وكيانها.

وهي في ذات الوقت لا تنفكّ عن ملاحظة ما شابَ تاريخَها من مساحات سوداء وصفحات مظلمة، ودراسة الأسباب التي أدت إلى تواجدها، بهدف إثراء التجربة وإنماء الوعي وصولاً إلى رسم حاضر ومستقبل زاهر، تضيق فيه تلك المساحات أو تزول، على حسب ما تتمتع به هذه الشعوب من وعي وعزم وإرادة تحثّها على تجاوز أسباب الضعف و التخلف والتقهقر.

وإذا كان التاريخ ـ كلّ تاريخ ـ بحاجة إلى دراسة وإعادة تقييم على ضوء الأفكار والمعطيات الجديدة والمناهج الحديثة لكي تنتفع به الأُمّة في مسيرتها الفكرية والاجتماعية والسياسية، فإنّ التاريخ الإسلامي لا يشذّ عن ذلك، بل هو ـ كما نرى ـ أشدّ حاجة إلى ذلك من غيره، لتعدّد وتنوّع العوامل التي ساهمت في العبث به تحريفاً للحقائق وتزويراً للأقوال واختلافاً للأحداث.

فقد دُوِّن جانب كبير من تاريخنا بيد حكام الجور من بني أُميّة وبني العباس وأشياعهم من تجّار الحديث والتاريخ، وبيد مستسلمة أهل الكتاب وغيرهم من أصحاب الأهواء والأطماع والأحقاد، الذين جهدوا في طمس الحقائق ونشر الأباطيل وترويج الأكاذيب.


(282)

وممّا لا شكّ فيه أنّ أتباع مدرسة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ قد نالهم على مرّ التاريخ ـ من التشويه والطعن والتحامل نصيب وافر، ولا زالت معاناتهم في هذا المجال قائمة، وللّه درّ الشاعر الأزري، حيث يقول:

إقرأْ بعصرك ما الأهواءُ تكتبهُ * يُنْبِئْكَ عمّا جرى في سالف الحُقُبِ

لقد آن الأوان لإماطة اللثام عن وجه الحقيقة، ورفع الحيف عن المظلومين من خلال دراسة جادّة للتاريخ، تُعيد تفسير أحداثه ووقائعه انطلاقاً من مقاييس وموازين ومفاهيم صحيحة تعتمد الصدق والاخلاص والأمانة التاريخية والمناهج العلمية الحديثة.

ونحن نعتقد أنّ النقد البنّاء للتاريخ لإجلاء حقائقه سوف ينعكس بتائجه الايجابية على حاضرنا ومستقبلنا ويوطّد عرى الوحدة والتعاون بين المسلمين، ويذيب الخلافات بينهم و الصراعات التي تُنهك القوى وتُبعثر الجهود.

النقد يُصلحُ للشعوب كيانَها وتُماثُ فيه الفتنة الصمّاء

وإذا تمّ اعتماد ما سبق، وكُسرت قيود التعصب، وأُغمد سيف التهديد والإرعاب، فإنّ الآفاق ستتسع للتعبير الأفكار والمفاهيم والرؤى دون خوف أو وجل، وعندها سترحل التقيّة ـ التي اشتهر بالعمل بها أتباع مدرسة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ـ عن واقعنا، وسيحلّ محلّها الاطمئنان والثقة المتبادلة.

ولما كانت التقيّة قد أُحيطت بالغموض، وأُثيرت حولها الشبهات، فإنّنا نعمد إلى الكشف عن حقيقتها بهذا البيان القائم على الحجج التاريخية الصحيحة التي أُسدل عليها ستار الجهل.

تُعدّ التقية من المفاهيم الإسلامية الأصيلة، المنسجمة مع حكم العقل،


(283)

وروح الإسلام، ومرونة الشريعة المقدسة وسماحتها، وضرورات العمل الإسلامي، وقد وردت في القرآن الكريم، وأكّدتها السنة الشريفة، وآمن بمشروعيتها علماء المسلمين.

ولا ريب في أنّ الشيعة ـ و بحكم الظروف العصيبة التي حاقت بهم على امتداد فترات تاريخية طويلة ـ اشتهروا بالعمل بالتقية، واللّياذ بظلها كلما اشتدت عليهم وطأة القهر والظلم.

وقد سعى الصائدون في الماء العكر من حُكّام الجور والمغرضين والمتعصّبين إلى استغلال هذا الأمر، وذرّ الرماد في العيون من خلال إيجاد تصوّرات وأوهام باطلة، وغرسها في أذهان الناس، بدعوى أنّ التقية عند الشيعة ضرب من النفاق والخداع والتموية، وأنّها تجعل منهم منظّمة سرية غايتها الالتفاف على الإسلام وتشويه صورته وتهديم أركانه.

إنّ العمل بالتقية والاحتراز عن الإفصاح عن المبادئ والأفكار لا يعنيان أبداً أنّ للشيعة أسراراً وطلاسم يتداولونها بينهم، ولا يتيحون للآخرين فرصة الاطلاع عليها ومعرفتها،ولا يعنيان أيضاً أنّ لهم نوايا عدوانية ضدّ الإسلام وأهله، وإنّما يتعلّق الأمر كلّه بإرهاب فكري وسياسي مُورس ضدهم، وجرائم وحشية ارتكبت بحقهم، ألجاتهم إلى اتخاذ التكتّم والاحتراز أسلوباً لصيانة النفوس والأعراض والمحافظة عليها. ونحن إذا نظرنا إليهم في بعض العهود التي استطاعوا أن يتنفسوا فيها نسائم الحرية، نجد كيف أنّهم بادروا وبنشاط إلى نشر أفكارهم وآرائهم وبثّ مبادئهم وتعاليمهم، وكيف أنّهم ساهموا ـ مع إخوانهم من سائر المذاهب والطوائف ـ في صنع حضارة الإسلام الخالدة.


(284)

وإذا كان الانصاف يدعو إلى تبرير موقف ضحايا القمع والاستبداد بالالتجاء إلى حمى التقية لضمان السلامة والتوقّي من الشر المستطير... وإذا كان الضمير الحي يدعو إلى مواساة هؤلاء المظلومين الذين تُحصى عليهم أنفاسهم ويعانون أفانين الضغط والإكراه، وأشكال التضييق والمحاربة، فإنّ شيئاً من هذا ولا ذاك لم يحصل، بل حصل العكس، إذ عمد الكثير من أهل السنّة والجماعة ـ و مع الأسف ـ إلى الإغضاء عن الجزّارين أو معاضدتهم، وإلى التنديد بالضحايا والتشهير بهم!!

وأخيراً، نحن نعتقد أنّ العمل بالتقية أمر لا مفرّ منه، وأنّ مجانبتها تماماً وفـي كلّ الأحوال والعصـور أمـر لا واقع ولا حقيقـة لـه. وأنت إذا رميت ببصرك إلـى بعض الشعوب التي تحكمها أنظمة قمعية استبدادية، لوجدت أنّها ـ و فيها من هم مـن أهـل السنـّة ـ تتجنّب الإعلان عـن آرائها وأهـدافها جهـرةً، و تسكت عمّا يُمارس بين ظهرانيها من أعمال منافية للإسلام، وما ذلك إلاّ خوفاً من البطش والقتل والأذى الذي سيصيبها لو أنّها نطقت بما يخالف إرادة المستبدين.

وهذه الرسالة المتواضعة، ستميط الستر عن وجه الحقيقة وتثبت ، انّ التقية ثمرة البيئة التي صودرت فيها الحريات، ولو كان هناك لومٌ وانتقاد، فالأجدر أن نتوجه بهما إلى من حمل المستضعفين على التقية، لا إليهم أنفسهم.

وستتضح للقارئ في غضون هذه الرسالة، انّ التقيّة من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وفي تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد التي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة، ليصون بها نفسه وعرضه وماله، أو نفسَ من


(285)

يمتُّ إليه بصلة وعرضَه ومالَه، كما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل(1) ولاذ بها عمّـار عندما أُخذ وأُسِر و هُدِّد بالقتل (2) ، إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب والسنّة، فمن المحتّم علينا أن نتعرّف عليها، مفهوماً (لغة و اصطلاحاً)، و تاريخاً وغايةً ودليلاً وحدّاً، حتى نتجنَّب الافراط والتفريط في مقام القضاء والتطبيق.

وتحقيق المسألة يتم ببيان أُمور:


1 . القصص: 20.
2 . النحل: 106.


(286)

1
التقية لغة

التقية اسم مصدر لـ«إتقى يتقي» و أصل اتقى: إوتقى فقلبت الواو ياءً للكسرة قبلها، ثمّ أُبدلت تاءً وادغمت وقد تكرر ذكر الاتقاء في الحديث ومنه حديث علي: «كنّا إذا احمّر البأس اتقينا برسول اللّه»، أي جعلناه وقاية لنا من العدو.(1)

وقد أخذ «اتقى» من وقي الشيء، يقيه إذا صانه، قال اللّه تعالى: (فَوقاهُ اللّهُ سيّئاتِ ما مَكَرُوا)أي حماه (2)منهم فلم يضرّه مكرهم.

وربما تستعمل مكان التقية لفظة «التُّقاة» قال سبحانه: (لا يَتّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافرينَ أولِياءَ مِنْ دُونِ المؤمِنينَ ومَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ في شيْء إلاّ أن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاة).(3)

قرأ الأكثر «تقاة» إلاّ يعقوب فقرأ «تقيّة» وكلاهما مصدر لفعل اتقى«فتقاة، أصله «وقية» أبدلت الواو تاءً كما أبدلوها في تُجاة وتكاة وانقلبت الياء الفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو مصدر على وزن فُعل كتؤدد وتخمة.(4)


1 . النهاية: مادة وقي.
2 . غافر:45.
3. آل عمران:28.
4. عن تعليق أحمد محمد شاكر على دائرة المعارف الإسلامية:5/423.


(287)

2
التقية اصطلاحاً

التقية كما عرّفها السرخسي هي أن يقي الإنسان نفسه بما يظهره وإن كان ما يضمر خلافه.(1)

وقال ابن حجر: التقية: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير.(2)

وعرفها صاحب المنار بأنّها ما يقال أو يفعل مخالفاً للحقّ لأجل توقّي الضرر.(3)

وعرفها الشيخ محمد أبو زهرة بأنّها أن يخفي الشخص ما يعتقد دفعاً للأذى.(4)

والتعريف الثالث أشمل من الرابع لاختصاص الأخير بالعقيدة وعمومية الآخر لها وللفعل.


1 . المبسوط للسرخسي: 25/45.
2 . فتح الباري:12/314، ط المكتبة السلفية.
3. تفسير المنار:3/280.
4. محمد أبو زهرة: الإمام الصادق:255.


(288)

وأمّا الشيعة فقد عرّفها الشيخ المفيد بقوله: التقية كتمان الحقّ وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا.

وفُرض ذلك، إذا علم بالضرورة أو قوي في الظن، فمتى لم يعلم ضرراً بإظهار الحقّ ولا قوي في الظن ذلك لم يجب فرض التقية.(1)

وعرفها الشيخ الأنصاري بقوله: التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحقّ.(2)


1 . شرح عقائد الصدوق:66، ط تبريز.
2 . رسالة التقية للشيخ الأنصاري:37.


(289)

3
التقية تاريخيّاً

ربما يتصوّر لأوّل وهلة انّ للتقية مبدأً تاريخياً ظهر في المجتمع الإنساني، ولكن هذا التصور يجانب الحقّ، فظاهرةُ التقية زامنت وجود الإنسان على هذا الكوكب يوم برز بين البشر القويّ و الضعيف، وصادر الأوّل حريات الثاني ولم يسمح له بإبداء ما يضمره عن طريق القول والفعل.

فظهور التقية في المجتمع البشري إذن، كان تعبيراً عن مصادرة الحريات، وسلاحاً لم يجد الضعيف بدّاً من اللجوء إليه للدفاع عن نفسه وعرضه وماله.

1. التقيّة في عصر الكليم

وأظهر مورد تبنّاه القرآن الكريم في هذا الصدد هو مؤمن آل فرعون، يقول اللّه تعالى:

(وَقالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرعَوْنَ يكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّي اللّهُ وقَدْ جاءَكُمْ بِالبَيِّنات مِنْ رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صادِقاً يُصِبكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُم إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّاب).(1)


1 . غافر:28.


(290)

وكانت عاقبة أمره أن(فَوقاهُ اللّه سيّئاتِ ما مَكَرُوا وحَاقَ بآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذاب).(1)

وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتعميته، استطاع أن ينجّي نبيَّ اللّه من القتل كما يحكيه سبحانه عنه ويقول: (قالَ يا مُوسى إِنَّ المَلأَ يَأتمِرُونَ بِكَ لَيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنّي لَكَ مِنَ النّاصِحِين).(2)

نقل الثعلبي عن السدي و مقاتل انّ مؤمن آل فرعون كان ابن عم فرعون و هو الذي أخبر اللّه تعالى عنه فقال: (وجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى).(3)

وقال آخرون: كان إسرائيلياً، ومجاز الآية:« وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعونْ، واختلفوا أيضاً في اسمه.

فقال ابن عباس وأكثر العلماء: اسمه حزبيل.

وقال وهب بن منبه: اسمه حزيقال.

وقال ابن إسحاق: خبرل.(4)

2. التقية في عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

هناك حوادث تاريخية تدلّ على شرعية التقية في عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نكتفي بهذين النموذجين:

1.يقول سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِّنٌ بِالإِيمان).(5)

قال المفسرون: قد نزلت الآية في جماعة أُكْرِهُوا على الكفر، وهم عمّار و أبوه


1 . غافر:45.
2 . القصص:20.
3. القصص:20.
4. تفسير الثعلبي:8/273.
5. النحل:106.


(291)

ياسر وأُمّه سُميّة، و قُتل الأبوان لأنّهما لم يُظهرا الكفر ولم ينالا من النبي، وأعطاهم عمّارُ ما أرادوا منه فأطلقوه، ثمّ أخبر بذلك رسول اللّه، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمار، فقال الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «كلاّ انّ عماراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه».

وفي ذلك نزلت الآية السابقة، وكان عمّار يبكي، فجعل رسول اللّه يَمْسَحَ عينيه ، ويقول:« إن عادُوا لك فعُد لهم بما قلت».(1)

2. أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن، انّ مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال لأحدهما:

أتشهد انّ محمّداً رسول اللّه؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أنّي رسول اللّه؟ قال: نعم، ثمّ دعا بالآخر فقال: أتشهد أنّ محمّداً رسول اللّه؟ قال: نعم، فقال له: أفتشهد انّي رسول اللّه؟ قال: إنّي أصمّ. قالها ثلاثاً، كل ذلك يجيبه بمثل الأوّل، فضرب عُنقُه، فبلغ ذلك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: أمّا ذلك المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله، فهنيئاً له.

وأمّا الآخر فقبلَ رخصة اللّه فلا تبعةَ عليه.(2)

3. التقية بعد رحيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

قد استغل الأمويُّون مسألة القضاء والقدر وركّزوا على أنّ كلّ ما يجري في


1 . مجمع البيان:3/388.
2 . مسند ابن أبي شيبة:12/358، ط السلفية; التبيان:2/453، وقد علق الطوسي على الرواية وقال: وعلى هذا التقية رخصة، والافصاح بالحق فضيلة، وظاهر أخبارنا يدلّ على انّها واجبة، وخلافها خطأ وسيوافيك أنّها على أقسام خمسة.


(292)

المجتمع الإسلامي بقضاء و قدر من اللّه سبحانه وليس لأحد فيه الاختيار ولا الاعتراض، وعلى ذلك فالفقر المدقع السائد بين أكثر المسلمين تقدير من اللّه، والترف الذي يعيشه الأمويون، والظلم الذي يُلحقونه بالمسلمين تقدير من اللّه.

ولما كانت تلك المزعمة مخالفة لضرورة الدين وبعثة الأنبياء، قام غير واحد بوجه هذه الفكرة، وسكت كثيرون خوفاً من بطش الأمويين، فكتموا عقيدتهم وسلكوا مسلك التقيّة.

1. هذا هو ابن سعد يروي عن الحسن البصري بانّه كان يخالف الأمويين في القدر بالمعنى الذي تتبنّاه السلطة آنذاك فلما خوّفه بعض أصدقائه من السلطان، وعد أن لا يعود.

روى ابن سعد في طبقاته عن أيوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرة حتّى خوّفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد اليوم.(1)

2. كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم رئيس الشرطة في بغداد أن يُشخص إليه سبعة نفر من المحدثين منهم:

1. محمد بن سعد كاتب الواقدي، 2. أبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون، 3. يحيى بن معين، 4. زهير بن حرب أبو خثيمة، 5. إسماعيل بن داود، 6. إسماعيل بن أبي مسعود، 7. أحمد بن الدورقي فامتحنهم المأمون وسألهم عن خلق القرآن، فأجابوا جميعاً انّ القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة السلام، وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره فشهّر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث فأقرّوا بمثل ما أجابوا به المأمون فخلّى سبيلهم. وقد فعل إسحاق بن إبراهيم ذلك بأمر المأمون.


1 . طبقات ابن سعد:7/167، ط بيروت.


(293)

يُذكر أن الرأي الذي كان سائداً بين المحدّثين هو قدم القرآن أو عدم حدوثه ولكنّهم اتّقوا واعترفوا بخلق القرآن، و هذا هو نفس التقية التي يعمل بها الشيعة، وقد مارسها المحدِّثون في عصر المأمون.

وهناك رسالة أُخرى للمأمون إلى إسحاق بن إبراهيم رئيس الشرطة، وممّا جاء فيها: وليس يَرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة(القرآن ليس بمخلوق) حظاً في الدين ولا نصيباً من الإيمان....

فلما جاءت الرسالة إلى إسحاق بن إبراهيم أحضر لفيفاً من المحدّثين ربما يبلغ عددهم إلى 26 فقرأ عليهم رسالة المأمون مرتين حتّى فهموها ثمّ انّ إسحاق دعا بهم رجلاً رجلاً فأجاب القوم كلّهم واعترفوا بانّ القرآن مخلوق إلاّ أربعة نفر منهم:

أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشُدُّوا في الحديد، فلما كان من الغد دعا بهم جميعاً يساقون في الحديد فأعاد عليهم المحنة فأجابه سجادة إلى أنّ القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده وخلّى سبيله وأصرّ الآخرون على قولهم.

فلما كان من بعد الغد عاودهم أيضاً فأعاد عليهم القول، فأجاب القواريري بأنّ القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده وخلّى سبيله، وأصرّ أحمد بن حنبل و محمد بن نوح على قولهما ولم يرجعا فشدّا جميعاً في الحديد ووُجِّها إلى طرسوس وكتب معهما كتاباً بإشخاصهما.

ثمّ لما اعتُرض على الراجعين عن عقيدتهم، برّرّوا عملهم بعمل عمار بن ياسر حيث أكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان.(1)


1 . لاحظ تاريخ الطبري:7/197، حوادث 218هـ.


(294)

كلّ ذلك يدلّ على انّ التقية أصل مشروع التزم بها المسلمون عند الشعور بالضعف أمام السلطة الغاشمة.

وبذلك يظهر انّ اتهام الشيعة بتفرّدها بالقول بالتقية يضادُّ الذكر الحكيم والسنة النبوية وسيرة المسلمين عبر التاريخ.

إنّ التقية سلاح الضعيف، سلاح من صُودرتْ حقوقه وحرّياته من قبل سلطة غاشمة، قاهرة، لا تُبدي أية مرونة في مواقفها، وهذا هو حكم العقل وهو دفع الضرر عن النفس والنفيس بإظهار الموافقة لساناً وعملاً حتّى يرتفع الضرر ثمّ يعود الإنسان إلى ما كان عليه.

ومثل هذا لا يمكن أن يختص بفرقة دون أُخرى.


(295)

4
محنة الشيعة
في عصر الأمويين والعباسيين

اشتهرت الشيعة بالتقيّة أكثر من سائر الفرق، ولكونهم أكثر من غيرهم من حيث التعرّض للضغط، ومصادرة الحريّات، والأخذ بالظنّة، والتشريد والقتل تحت كلّ حجر ومدر.

إنّ الذي دفع بالشيعة إلى التقية بين إخوانهم وأبناء دينهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة، فلو لم يكن هناك في غابر القـرون ـ من عصـر الأمويين ثمّ العباسيين والعثمانيين ـ أيُّ ضغط على الشيعة، ولم تكن بلادهم وعُقر دارهم مخضّبة بدمائهم (والتاريخ خير شاهد على ذلك)، لأصبح من المعقول أن تَنْسى الشيعة كلمة التقية وأن تحذفها من قاموس حياتها، ولكن ـ ياللأسف ـ إنّ كثيراً من إخوانهم كانوا أداة طيّعة بيد الأمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم، فكانوا يؤلِّبون العامة من أهل السنّة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكلون بهم، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة، لم يكن للشيعة، بل لكل من يملك شيئاً من العقل وسيلة إلاّ اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادئ المقدّسة التي هي أغلى عنده من نفسه وماله.


(296)

والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى أو أن تعدَّ، إلاّ أنّا سنستعرض جانباً مختصراً منها: فمن ذلك ما كتبه معاوية بن أبي سفيان باستباحة دماء الشيعة أينما كانوا وكيفما كانوا، وإليك نص ما ذكرته المصادر عن هذه الواقعة لتدرك محنة الشيعة:

محنة الشيعة في العصر الأموي

روى أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويتبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة مَن بها من شيعة عليـ عليه السَّلام ـ فاستعمل عليها زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتتبَّع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيام عليـ عليه السَّلام ـ ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسَمَلَ العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عمّـاله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.

ثمّ كتب إلى عمّـاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أُخرى: مَن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة حتّى أنّ الرجل من شيعة عليـ عليه السَّلام ـ ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيُلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولايحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمنَّ عليه.


(297)

وأضاف ابن أبي الحديد: فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي ـ عليهما السَّلام ـ ، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض.

ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، وولي عبد الملك بن مروان، فاشتد على الشيعة، وولّـى عليهم الحجاج بن يوسف، فتقرَّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من البغض من عليـ عليه السَّلام ـ وعيبه، والطعن فيه، والشنآن له، حتى أنّ إنساناً وقف للحجاج ـ ويقال إنّه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب ـ فصاح به: أيّها الأمير إنّ أهلي عقوني فسمّوني علياً، وإنّي فقير وبائس وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج، وقال: للطف ما توسّلتَ به، قد ولّيتك موضع كذا.(1)

واستمر الحزب الأموي في الإرهاب وسفك الدماء على امتداد مراحل وجوده في السلطة، حيث سجّل لنا التاريخ حوادث أُخرى تحكي أبشع صور الإرهاب والاستخفاف بقيم الحق والعدل أيام عبد الملك بن مروان وقتله سعيد بن جبير. وقد جاء في كتاب عبد الملك بن مروان الذي ولّى فيه خالد بن عبد اللّه القسري:

أمّا بعد، فانّي ولّيت عليكم خالد بن عبد اللّه القسري، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلاً، فإنّما هو القتل لا غير، وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير، والسلام. ثمّ التفت إليهم خالد، وقال: والذي نحلف به، ونحجُّ إليه، لا أجده في دار أحد إلاّ قتلته وهدمت داره ودار كلّ من جاوره واستبحت حرمته،وقد أجلّت لكم فيه ثلاثة أيّام.(2)


1 . شرح نهج البلاغة:11/44ـ 46.
2 . الإمامة والسياسة:2/47، ط مصر.


(298)

ثمّ يُلقى القبض على سعيد بن جبير الذي كان من طلائع الموالين لآل البيت النبوي، ويُسلَّم إلى الحجاج السفّاح الشهير في تاريخ الإسلام الذي قتل عشرات الآلاف من معارضي السلطة، فيقتله.

وهذا هو الإمام الباقرـ عليه السَّلام ـ يصف بيئته والمجتمع الذي كان يعيش فيه حيث قال لبعض أصحابه: يا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيانا، وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس... ـ إلى أن قال ـ ثمّ لم نزل ـ أهلَ البيت ـ نُستذل ونُستضام، ونُقصى ونُمتهن، ونُحرم ونُقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون، لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم، وقضاة السوء وعمال السوء في كلّ بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنّا ما لم نقله وما لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، وكان عُظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن ـ عليه السَّلام ـ فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقطعت الأيدي و الأرجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سُجن أو نُهب ماله، أو هدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ ثمّ جاء الحجاج فقتلهم كلّ قتلة وأخذهم بكلّ ظنة وتهمة، حتّى انّ الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحبّ إليه من أن يقال شيعة علي.(1)

محنة الشيعة في العصر العباسي

لقد مارست السلطة العباسية سياسة البطش والقتل والتشريد كنظيرتها


1 . شرح ابن أبي الحديد:11/43ـ 44.


(299)

السلطة الأموية بل كانت أكثر بطشاً وتنكيلاً ، وهذا هو أبو الفرج الاصفهاني يقول في حقّ المتوكل:

كان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً في جماعتهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم... واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس ومنع الناس من البرّ بهم، وكان لا يبلغه انّ أحداً أبرّ أحداً منهم بشيء، وإن قل إلاّ أنهكه عقوبة، واثقله غرماً، حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة ثمّ يرقعنه، ويجلسن على مغازلهن عواري حاسرات.(1)

هكذا شاء أميرالمؤمنين المتوكل على اللّه، أن تقبع العلويات في بيوتهن عاريات يتبادلن القميص المرقع عند الصلاة، وان تختال الفاجرات العاهرات بالحلي وحلل الديباج بين الاماء والعبيد... لقد أرسل الرشيد إلى بنات الرسول من يسلب الثياب عن أبدانهن، أمّا المتوكّل فقد شدد و ضيق عليهن، حتّى ألجأهن إلى العري، وهكذا تتطور الفلسفات والمناهج مع الزمن على أيدي القرشيين العرب أبناء الأمجاد والأشراف!

لقد تفرق العلويون أيام المتوكل، فمنهم من توارى فمات في حال تواريه كأحمد بن عيسى الحسين و عبد اللّه بن موسى الحسيني، و منهم من ثار على القهر والجور كمحمد بن صالح و محمد بن جعفر.

ولم يكتف المتوكل بالتنكيل بالأحياء، حتّى اعتدى على قبور الأموات فهدم


1 . مقاتل الطالبيين:395ـ 396.


(300)

قبر الحسين ـ عليه السَّلام ـ وما حوله من المنازل والدور، ومنَع الناس من زيارته ونادى مناديه من وجدناه عند قبر الحسين ـ عليه السَّلام ـ حبسناه في المطبق ـ سجن تحت الأرض ـ فقال الشاعر:

تاللّه إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوماً
فلقد أتاه بنو أبيه مثلها * هذا لعمرك قبره مهدوماً
أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا * في قتله فتَتّبعوه رميماً (1)

نعم كانت التقية بين الشيعة تزداد تارة وتتضاءل أُخرى، حسب قوّة الضغط وضآلته، فشتّان بين عصر المأمون الذي يجيز مادحي أهل البيت، ويكرم العلويين، وبين عصر المتوكل الذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة.

فهذا ابن السكيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكل، وقد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً: أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ قال ابن السكيت: واللّه إنّ قنبر خادم عليـ عليه السَّلام ـ خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات. ولما مات سيَّـر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال: هذه دية والدك!! (2).

وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي:


1 . الشيعة والحاكمون:169ـ 170.
2 . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 3/33. الذهبي: سير أعلام النبلاء : 12/16.


(301)

أكلّ أوان للنبيّ محمّد * قتيل زكيّ بالدماء مضرَّجُ
بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم * لبلواكم عمّـا قليل مفرِّجُ
أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم * تضيء مصابيح السماء فتسرجُ (1)

وكان العباسيون أشدّ كرهاً للعلويين من الأمويين ، وأعظم بغضاً فأمعنوا فيهم قتلاً وحرقاً واضطهاداً وتعذيباً، فهذا هو المنصور يُحمل إليه من المدينة كلّ من كان فيها من العلويين مقيدين بالسلاسل والأغلال، ولما وصلوا إليه حبسهم في سجن مظلم لا يعرف فيه ليل من نهار، و كان إذا مات أحدهم تُرك معهم و أخيراً أمر بهدم السجن عليهم، وفي ذلك يقول أحد شعراء الشيعة:

واللّه مـا فعلت أمية فيهم * معشار ما فعلت بنو العباس

وقال آخر:

يا ليت جـور بني مروان دام لنا * وليت عدل بني العباس في النار(2)

وقال أبو فراس:

ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت * تلك الجرائم إلاّ دون نيلكم

وقال الشريف الرضي:

ألا ليس فعل الأولين وإن علا * على قبح فعل الآخرين بزائد

وقال الشيخ الطوسي الذي كان يعيش في عصر ازدهار الخلافة العباسية، وهو يصف حال الشيعة:


1 . ديوان ابن الرومي : 2/243.
2 . الشعر لأبي عطاء السندي.


(302)

لم تلق فرقة ولا بُلي أهل مذهب بما بُليت به الشيعة، حتّى إنّا لانكاد نعرف زماناً تقدّم سلمت فيه الشيعة من الخوف و لزوم التقية، ولا حالاً عريت فيه من قصد السلطان وعصبيته وميله وانحرافه.(1)

هذه لمحة خاطفة لمحنة الشيعة في العصر العباسي وقد دام الأمر على هذه الوتيرة في العصور المتأخرة لاسيما في عصر الأيوبيين والعثمانيين.

محنة الشيعة في العصرين: الأيوبي والعثماني

ما إن انتزع صلاح الدين الأيّوبي الملك من الفاطميين حتّى قام بعزل القضاة الشيعة واستناب عنهم قضاة شافعية، وأبطل من الأذان«حي على خير العمل» وتظاهر الناس بمذهب مالك والشافعي، واختفى مذهب التشيع إلى أن نسي من مصر، و كان يحمل الناس على التسنن وعقيدة الأشعري، ومن خالف ضربت عنقه، وأمر أن لاتقبل شهادة أحد ولا يقدم للخطابة ولا للتدريس إلاّ إذا كان مقلداً لأحد المذاهب الأربعة، قال الخفاجي في كتابه «الأزهر في ألف عام» ما ن(2)صه: فقد غالى الأيوبيون في القضاء على كلّ أثر للشيعة.

وأمّا في العصر العثماني فقد تولى السلطان سليم زعامة السنة واستحصل على فتوى من شيوخ السوء بأنّ الشيعة خارجون على الدين يجب قتلهم ولذلك أمر بقتل كلّ من كان معروفاً بالتشيع داخل بلاده.

وبهذا الأمر قُتل في الاناضول وحدها أربعون ألفاً وقيل سبعون، لا لشيء إلاّ لأنّهم شيعة. وجاء في «الفصول المهمة» للسيد شرف الدين انّ الشيخ نوح الحنفي


1 . الطوسي: تلخيص الشافي:2/59.
2 . الأزهر في ألف عام:1/58.


(303)

أفتى بكفر الشيعة ووجوب قتلهم، فقتل من جراء هذه الفتوى عشرات الألوف من شيعة حلب حتّى لم يبق فيها شيعي واحد وكان التشيّع فيها راسخاً و منتشراً منذ كانت حلب عاصمة الدولة الحمدانية، وقد نشأ في حلب منذ القديم العديد من كبار العلماء وأئمة الفقه كبني زهرة وآل أبي جرادة وغيرهم ممن جاء ذكرهم في كتب السير والتراجم خاصة كتاب «أمل الآمل».(1)

وقتل العثمانيون الشهيد الثاني المشهور بفضله وورعه وكتبه العلمية الجليلة التي يدرس بعضها حتّى اليوم في جامعة النجف وقم، وفَعل الجزار والي عكا بجبل عامل ما فَعل الحجاج في العراق.

وانتهب الجزار أموال العامليين ومكتباتهم، وكان في مكتبة آل خاتون خمسة آلاف مجلد، و بقيت أفران عكا توقد أسبوعاً كاملاً من كتب العامليين، ولم يسلم من ظلم الجزار إلاّ من استطاع الفرار، وفي عهده هاجر علماء جبل عامل مشردين في الأقطار، ومن هؤلاء الشاعر الشيعي إبراهيم يحيى الذي هرب إلى دمشق، و في نفسه لوعة وحسرة، وذكرى فظائع الجزار لا تفارقه بحال، وقد صورها وهو شاهد عيان في قصائد تدمي الأفئدة والقلوب منها قصيدة طويلة، يقول فيها:

مضى ما مضى والدهر بؤس وأنعم * وبصر الفتى ان مسه الضر أحزم

إلى أن قال :

يعز علينا أن نروح ومصرنا * لفرعون مغنى، يصطفيه ومغنم
منازل أهل العدل منهم خليّة * وفيها لأهل الجور جيش عرمرم


1 . راجع الفصول المهمة:206، الفصل التاسع; غنية النزوع:11، المقدمة.


(304)

هذه لمحة خاطفة لمحنة الشيعة في العصر العثماني، وعلى الرغم من شيوع الحرية في عصرنا الراهن فلم تزل الشيعة في أكثر نقاط العالم تمارس التقيه، وإلاّ يضيق عليها الخناق.

يقول العلاّمة السيّد هبة الدين الشهرستاني: إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية. إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها لأنّها مُنيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحرية في عهد الدولة الأموية كلّه، وفي عهد العباسيين على طوله، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية، ولأجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أيّ قوم، ولما كانت الشيعة، تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهم من الاعتقادات في أُصول الدين وفي كثير من الأحكام الفقهيّة، والمخالفة تستجلب بالطبع رقابة وتصدقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمّة من آل البيت مضطرّة في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختص به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك، تبتغي بهذا الكتمان، صيانةَ النفس والنفيس، والمحافظة على الوداد والاخوة مع سائر اخوانهم المسلمين، لئلاّ تنشق عصا الطاعة، ولكي لا يحسّ الكفّار بوجود اختلاف ما في المجتمع الإسلامي فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمدية.

لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقية وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الا ُخرى، متبعة في ذلك سيرة الأئمّة من آل محمد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل: «التقية ديني ودين آبائي»، إذ أنّ دين اللّه يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم. (1)


1 . غافر:28; النحل:106.


(305)

روي عن صادق آل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في الأثر الصحيح:

«التقية ديني ودين آبائي» .

لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت ـ عليهم السَّلام ـ دفعاً للضرر عنهم، وعنأتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمّاًلشعثهم، وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم.وكل إنسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أوالتظاهر به لا بد أن يتكتم ويتقي مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول.

من المعلوم أنّ الإمامية وأئمّتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أية طائفة، أو أُمّة أُخرى، فاضطروا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المختصة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا.

ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم.(1)

حصيلة البحث

فحصيلة البحث انّ أوساط الشيعة شهدت مجازر بشعه على يد السلطات الغاشمة، فقتل الآلاف منهم، وأمّا من بقي منهم على قيد الحياة فقد تعرض إلى شتى صنوف التنكيل والارهاب والتخويف، والحقّ يقال: انّ من الأُمور العجيبة أن يبقى لهذه الطائفة باقية رغم كلّ ذلك الظلم الكبير والقتل الذريع بل العجب العجاب أن تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوة وعدة وأقامت دولاً وشيّدت


1 . مجلة المرشد: 3/252، 253ولاحظ تعاليق اوائل المقالات ص 96.


(306)

حضارات وبرز منها الكثير من العلماء والمفكرين.

فلو كان الأخ السني يرى التقية أمراً محرماً فليعمل على رفع الضغط عن أخيه الشيعي وأن لا يضيق عليه في الحرية التي سمح بها الإسلام لأبنائه، وليعذره في عقيدته وعمله كما عذَرَ أُناساً كثيرين خالفوا الكتاب والسنّة وأراقوا الدماء ونهبوا الديار، فكيف بطائفة تدين بدينه وتتفق معه في كثير من معتقداته، وإذا كان معاوية وأبناء بيته والعباسيون كلّهم عنده مجتهدين في بطشهم وإراقة دماء مخالفيهم فماذا يمنعه عن إعذار الشيعة باعتبارهم مجتهدين.

وإذا كانوا يقولون ـ و ذاك هو العجيب ـ انّ الخروج على الإمام عليـ عليه السَّلام ـ غير مضرّ بعدالة الخارجين والثائرين عليه، وفي مقدمتهم طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة، وإنّ إثارة الفتن في صفّين ـ التي انتهت إلى قتل كثير من الصحابة والتابعين وإراقة دماء الآلاف من العراقيين والشاميين ـ لا تنقص شيئاً من ورع المحاربين!! وهم بعد ذلك مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد وأخطأ، فَلِمَ لا يتعامل مع الشيعة ضمن هذا الفهم ولايذهب إلى أنّهم معذورون ومثابون!!


(307)

5
الغاية من تشريع التقية

الغاية من التقية: هي صيانة النفس والعرض والمال، وذلك في ظروف قاهرة لا يستطيع فيها المؤمن أن يعلن عن موقفه الحق صريحاً خوفاً من أن تترتّب على ذلك مضار وتهلكة من قوى ظالمة غاشمة تمارس الارهابَ، والتشريد والنفي، والقتل والتنكيل، ومصادرة الأموال، وسلب الحقوق الحقة، وعندئذ لا يجد صاحبُ العقيدة ـ الذي يرى نفسه محقاً ـ محيصاً من إبطانها، والتظاهر بما يوافق هوى الحاكم وتوجّهاته حتى يسلم من الاضطهاد والتنكيل والقتل، إلى أن يُحدِث اللّه أمراً.

إنّ التقية سلاح الضعيف في مقابل القوي الغاشم، سلاح من يُبتلى بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلاّ لأنّه لا يتفق معه في بعض المبادئ والأفكار.

إنّما يمارس التقية من يعيش في بيئة صودرت فيها الحرية في القول والعمل، والرأي والعقيدة فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت مُرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها، أو قد يلجأ إليها البعض كوسيلة لابد منها من أجل اغاثة الملهوف المضطهد والمستضعف الذي لا حول له ولا قوة، فيتظاهر بالعمل إلى جانب الحكومة الظالمة وصولاً إلى ذلك كما كان عليه مؤمن آل فرعون الذي


(308)

حكاه سبحانه في الذكر الحكيم.

إنّ أكثر من يَعيبُ التقية على مستعملها، يتصوّر أو يصوِّر أنّ الغاية منها هو تشكيل جماعات سرية هدفها الهدم والتخريب، كما هو المعروف من الباطنيين والأحزاب الإلحادية السرية، وهو تصوّر خاطئ ذهب إليه أُولئك جهلاً أو عمداً دون أن يرتكزوا في رأيهم هذا على دليل ما أو حجة مقنعة، فأين ما ذكرناه من هذا الذي يُذكر، ولو لم تستبد الظروف القاهرة والأحكام المتعسفة بهذه الجموع المستضعفة من المؤمنين لما كانوا عمدوا إلى التقية، ولما تحمّلوا عبء إخفاء معتقداتهم ولَدَعوا الناس إليها علناً، ودون تردّد.

أين العمل الدفاعي بصورة بدائية من الأعمال التي يرتكبها أصحاب الجماعات السرية للإطاحة بالسلطة وامتطاء منصّة الحكم؟ وهي أعمال كلها تخطيطات مدبّرة لغايات ساقطة.

وهؤلاء هم الذين يحملون شعار «الغايات تبرّر الوسائل» فكل قبيح عقلي أو ممنوع شرعي يستباح عندهم لغاية الوصول إلى المقاصد المشؤومة.

إنّ القول بالتشابه بين هؤلاء وبين من يتخذ التقية غطاءً، وسلاحاً دفاعياً ليسلم من شر الغير، حتى لا يُقْتَل ولا يُستأصل، ولا تُنهب داره وماله، إلى أن يُحدث اللّه أمراً، من قبيل عطف المبائن على مثله.

إنّ المسلمين القاطنين في الاتحاد السوفيتي السابق قد لاقوا من المصائب والمحن ما لا يمكن للعقول أن تحتملها ولاأن تتصورها، فإنّ الشيوعيّين طيلة تسلّطهم على المناطق الإسلامية قلبوا لهم ظهر المِجَنّ، فصادروا أموالهم وأراضيهم، ومساكنهم، ومساجدهم، ومدارسهم، وأحرقوا مكتباتهم، وقتلوا كثيراً منهم قتلاً ذريعاً ووحشياً، فلم ينج منهم إلاّ من اتقاهم بشيء من التظاهر


(309)

بالمرونة، وإخفاء المراسيم الدينية، والعمل على إقامة الصلاة في البيوت إلى أن نجّاهم اللّه سبحانه بانحلال تلك القوة الكافرة، فبرز المسلمون إلى الساحة من جديد، فملكوا أرضهم وديارهم، وأخذوا يستعيدون مجدهم وكرامتهم شيئاً فشيئاً، وما هذا إلاّ ثمرة من ثمار التقية المشروعة التي أباحها اللّه تعالى لعباده بفضله وكرمه سبحانه على المستضعفين.

فإذا كان هذا معنى التقية ومفهومها، وكانت هذه غايتَها وهدفَها، فهي أمر فطريّ، يسوق الإنسان إليها قبل كل شيء عقلُه ولبُّه، وتدعوه إليها فطرته، ولأجل ذلك يلوذ بها كل من ابتُلي بالملوك والساسة الذين لا يحترمون شيئاً سوى رأيهم وفكرتهم ومطامعهم وسلطتهم ولا يترددون عن التنكيل بكل من يعارضهم في ذلك، من غير فرق بين المسلم ـ شيعياً كان أم سنيّاً ـ وغيره، ومن هنا تظهر جدوى التقية وعمق فائدتها.

ولأجل دعم هذا الأصل الحيويّ، ندرس دليله من القرآن والسنّة.


(310)

6
التقية في الكتاب العزيز

شرّعت التقية بنص القرآن الكريم، حيث وردت فيها جملة من الآيات الكريمة(1) سنحاول استعراضها في الصفحات التالية:

الآية الأُولى:

قال سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَـانِ وَلَـكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرَاً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).(2)

ترى أنّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كرهاً ومجاراةً للكافرين خوفاً منهم، بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان، وصرّح بذلك لفيف من المفسرين القدامى والجُدد، سنحاول أن نستعرض كلمات البعض منهم تجنّباً عن الإطالة والاسهاب، ولمن يبتغي المزيد فعليه مراجعة كتب التفسير المختلفة:

1. قال الطبرسي: قد نزلت الآية في جماعة أُكرهوا على الكفر، وهم عمّـار


1 . غافر : الآية 28 و 45، والقصص: الآية 20، وستوافيك نصوص الآيات في ثنايا البحث.
2 . النحل:106.


(311)

وأبوه ياسر وأُمّه سمية، وقُتلَ الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبيّ، وأعطاهم عمّـار ما أرادوا منه، فأطلقوه، ثمّ أخبر عمّـار بذلك رسول اللّه، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمّـار، فقال الرسول: «كلاّ إنّ عمّـاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه».

وفي ذلك نزلت الآية السابقة، وكان عمّـار يبكي، فجعل رسول اللّه يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت».(1)

2. وقال الزمخشري: روي أنّ أُناساً من أهل مكّة فُتِنُوا فارتدّوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أُكره وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمّـار بن ياسر وأبواه: ياسر وسمية، وصهيب وبلال وخبّاب.

أمّا عمّـار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً .... (2)

3. وقال الحافظ ابن ماجة: والايتاء: معناه الاعطاء أن وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقية، والتقية في مثل هذه الحال جائزة، لقوله تعالى: (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَـانِ). (3)

4. وقال القرطبي: قال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ـ ثمّ قال: ـ أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتّى خشى على نفسه القتل إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تَبين منه زوجته ولا يُحكم عليه بالكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي (4).


1 . مجمع البيان: 3/388.
2 . الكشاف عن حقائق التنزيل: 2/430.
3. ابن ماجة: السنن: 1/53، شرح حديث رقم 150.
4. الجامع لأحكام القرآن : 4/57.


(312)

5. قال الخازن: التقية لا تكون إلاّ مع خوف القتل مع سلامة النيّة، قال اللّه تعالى: (إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان) ثمّ هذه التقية رخصة.(1)

6. قال الخطيب الشربيني: (إلاّ من أُكره) أي على التلفّظ به (وقلبه مطمئن بالإيمان) فلا شيء عليه لأنّ محل الإيمان هو القلب.(2)

7. وقال إسماعيل حقّي: (إلاّ من أُكره) أُجبر على ذلك اللفظ بأمر يخاف على نفسه أو عضو من أعضائه ... لأنّ الكفر اعتقاد، والإكراه على القول دون الاعتقاد، والمعنى: «ولكن المكره على الكفر باللسان»، (وقلبه مطمئن بالإيمان) لا تتغير عقيدته، وفيه دليل على أنّ الإيمان المنجي المعتبر عند اللّه، هو التصديق بالقلب. (3)

الآية الثانية:

قال سبحانه: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِـي شَـيْء إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلى اللّهِ الْمصيرُ )(4).

وكلمات المفسّـرين حول الآية تغنينا عن أي توضيح:

1. قال الطبري: ( إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ) : قال أبو العالية: التقية باللسان، وليس بالعمل، حُدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحّاك يقول في قوله تعالى: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) قال:


1 . تفسير الخازن: 1/277.
2 . السراج المنير. في تفسير الآية.
3. تفسير روح البيان: 5/84.
4. آل عمران: 28.


(313)

التقيّة باللسان من حُمِلَ على أمر يتكلّم به وهو للّه معصية فتكلم مخافة نفسه (وقلبه مطمئن بالإيمان) فلا إثم عليه، إنّما التقية باللسان. (1)

2. وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ): رخّص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة: مخالفة ومعاشرة ظاهرة، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع.(2)

3. قال الرازي في تفسير قوله تعالى: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة): المسألة الرابعة: اعلم: أنّ للتقية أحكاماً كثيرة، ونحن نذكر بعضها:

ألف: إنّ التقيّة إنّما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار، ويخاف منهم على نفسه، وماله، فيداريهم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرض في كل ما يقول، فإنّ للتقيّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.

ب: التقيّة جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة: لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، ولقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من قتل دون ماله فهو شهيد».(3)

4. وقال النسفي: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) إلاّ أن تخافوا جهتهم أمراً يجب اتّقاؤه، أي ألاّ يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينئذ يجوز لك اظهار الموالاة وإبطان المعاداة.(4)

5. وقال الآلوسي: وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرَّفوها بمحافظة


1 . جامع البيان : 3/153.
2 . الكشاف: 1/422.
3. مفاتيح الغيب: 8/13.
4. تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن: 1/277.


(314)

النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء. والعدو قسمان:

الأوّل: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين، كالكافر والمسلم.

الثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية، كالمال والمتاع والملك والامارة. (1)

6. وقال جمال الدين القاسمي: ومن هذه الآية: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) استنبط الأئمّة مشروعية التقية عند الخوف، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه (إيثار الحق على الخلق).(2)

7. وفسّـر المراغي قوله تعالى: ( إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ) بقوله: أي انّ ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلاّ في حال الخوف من شيء تتّقونه منهم، فلكم حينئذ أن تتّقوهم بقدر ما يتقى ذلك الشيء، إذ القاعدة الشرعية: «إنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح».

وإذا جازت موالاتهم لاتّقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين، إذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة، لفائدة تعود إلى الأُولى، إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة، وليس لها أن تواليها في شيء يضر المسلمين، ولا تختص هذه الموالاة بحال الضعف، بل هي جائزة في كل وقت.

وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحق، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس، أو العرض، أو المال.

فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك، وقلبه مطمئن


1 . روح المعاني: 3/121.
2 . محاسن التأويل: 4/82.


(315)

بالإيمان، لا يكون كافراً بل يُعذر كما فعل عمّـار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، وفيه نزلت الآية:

(مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان).(1)

هذه الجمل الوافية والعبارات المستفيضة لا تدع لقائل مقالاً إلاّ أن يحكم بشرعية التقيّة بالمعنى الذي عرفته، بل قد لا يجد أحد مفسّـراً أو فقيهاً وقف على مفهومها وغايتها، وهو يتردد في الحكم بجوازها، كما أنّك ـ أخي القارئ ـ لا تجد إنساناً واعياً لا يستعملها في ظروف عصيبة، ما لم تترتّب عليها مفسدة عظيمة، كما سيوافيك بيانها عند البحث عن حدودها.

وإنّما المعارض لجوازها أو المغالط في مشروعيتها، فإنّما يفسّـرها بالتقية الرائجة بين أصحاب التنظيمات السرية والمذاهب الهدّامة كالباطنية وأمثالهم، إلاّ أنّ المسلمين جميعاً بريئون من هذه التقية الهدّامة لكل فضيلة رابية.

الآية الثالثة:

قوله سبحانه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّـيَ اللّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقَاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يهدِي مَنْ هُوَ مُسْـرِفٌ كَذَّابٌ).(2)

وكانت عاقبة أمره أن:(فَوَقَاهُ اللّهُ سِيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ


1 . تفسير المراغي: 3/136.
2 . غافر: 28.


(316)

الْعَذَابِ). (1)

وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتقيّته استطاع أن ينجي نبيّ اللّه من الموت: (قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)(2).

وهذه الآيات تدل على جواز التقية لإنقاذ المؤمن من شرّ عدوّه الكافر.


1 . غافر: 45.
2 . القصص:20.


(317)

7
التقيّة في السنّة النبويّة

دلّت الروايات على أنّ الوجوب والحرمة ترتفع عند طروء الاضطرار، الذي تعدّ التقية من مصاديقه وأوضح دليل على ذلك هو حديث الرفع الذي رواه الفريقان.

1. روى الصدوق بسند صحيح في خصاله عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة».(1)

إنّ للحديث دوراً في مبحث البراءة والاشتغال في علم الأُصول، وقد فصلنا الكلام حوله في بحوثنا الأُصولية .(2)

وعلى كلّ تقدير فالحديث صريح في أنّ الاضطرار يبيح المحظور.

2. روى الكليني بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ ، قال: «التقية في كلّ ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به».(3)

3. روى الكليني عن محمد بن مسلم و زرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ


1 . الخصال:417.
2 . لا حظ إرشاد العقول:1/347ـ 364.
3. الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.


(318)

يقول: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له».(1)

4. وعن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ انّه قال:«وكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فانّه جائز».(2)

5. وعنه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: «ولا حنث ولا كفّارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلماً عن نفسه».(3)

6. وعنه ـ عليه السَّلام ـ قال: «وانّ التقية لأوسع ممّا بين السماء والأرض».(4)

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الموضوع.

ولك أن تضيف إلى ذلك الاستدلال بالآيات التي رخصت عند الاضطرار، قال تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغَ ولاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(5) ومورد الآية وإن كان الاضطرار لأجل الجوع، ولكن الموضوع هو الاضطرار، سواء أكان العامل داخلياً كاضطراره إلى أكل الميتة، أو خارجياً قاهراً مُلْزِماً على العمل بالخلاف على نحو لو لم يفعله لأدّى إلى إلحاق الضرر بنفسه ونفيسه.

التقية في كلمات العلماء

1. قال ابن عباس: التقيّة باللسان والقلب مطمئن بالإيمان ولا يبسط يده للقتل.(6)

2. قال الحسن البصري: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلاّ في قتل النفس.(7)


1 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث2.
2 . الكافي:2/168.
3. الخصال:607.
4. بحارالأنوار:75/412.
5. البقرة:173.
6. فتح الباري:12/279.
7. تفسير النيسابوري في هامش الطبري:3/178.


(319)

3. وقال الرازي: تجوز التقية لصون المال على الأصح كما يجوز صون النفس.(1)

4. وقال السيوطي: يجوز أكل الميتة في المخمصة وإساغة اللقمة في الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر، ولو عمّ الحرام قطراً بحيث لا يوجد فيه حلال إلاّ نادراً فانّه يجوز استعمال ما يحتاج إليه.(2)

وقد أنكر الشاطبي على الخوارج إنكارهم التقية في القول والفعل، وعدها من جملة مخالفاتهم للكليات الشرعية أصلية وعملية. (3)

5. وقال الطوسي: والتقية عندنا واجبة عند الخوف على النفس، وقد روي رخصة في جواز الإفصاح بالحق عنده.(4)

6. وقال العلاّمة الطباطبائي: الكتاب والسنّة متطابقان في جوازها في الجملة، والاعتبار العقلي يؤيده، إذ لا بغية للدين ولا همَّ لشارعه إلاّ ظهور الحقّ وحياته، وربما يترتّب على التقية و المجاراة مع أعداء الدين ومخالفي الحقّ حفظ مصلحة الدين وحياة الحق ما لا يترتب على تركها وإنكار ذلك مكابرة وتعسف.(5)

مجال التقية هو الأُمور الشخصية

عُرِفَتِ الشيعة بالتقية وأنّهم يتّقون في أقوالهم وأفعالهم، فصار ذلك مبدأ لوهم عَلِقَ بأذهان بعض السطحيين والمغالطين، فقالوا: بما أنّ التقية من مبادئ التشيّع فلا يصح الاعتماد على كلّ ما يقولون ويكتبون وينشرون، إذ من المحتمل جداً أن تكون هذه الكتب دعايات والواقع عندهم غيرها. هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرّة، ويكرّره الكاتب الباكستاني «إحسان إلهي ظهير» في كتبه السقيمة


1 . التفسير الكبير:8/13.
2 . الأشباه والنظائر:76.
3. الموافقات:4/180.
4. التبيان:2/435.
5. الميزان:3/153.


(320)

التي يتحامل بها على الشيعة.

ونحن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ مجال التقية إنّما هو في حدود القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس، فإذا دلّت القرائن على أنّ في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت ما يُلحق بالمؤمن الضرر، يُصبح هذا المورد من مواردها، ويحكم العقل والشرع بلزوم الاتقاء حتى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر. وأمّا الأُمور الكلّية الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصوّر فيها التقية، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في هذا النوع الأخير، إذ لا خوف هناك حتى يكتب خلاف ما يعتقد، حيث ليس هناك أيُّ مُلْزم للكتابة أصلاً في هذه الأحوال فله أن يسكت ولا يكتب شيئاً.

فما يدعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشئ عن قلّة معرفتهم بحقيقة التقية عند الشيعة.

والحاصل: أنّ الشيعة إنّما كانت تتّقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم، ولا قدرة ولا منعة تدفع عنهم الأخطار. وأمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ ولا مبرّر للتقية إلاّ في موارد جزئيّة خاصة.

إنّ الشيعة كما ذكرنا لم تلجأ إلى التقية إلاّ بعد أن اضطرّت إلى ذلك، وهو حق لا أعتقد أنّ أحداً ممّن ينظر إلى الا ُمور بلبّه لا بعواطفه يخالفها فيه، إلاّ أنّ من الأُمور المسلّمة في تاريخ التشيّع، كثرة التقية على مستوى الفتاوى، وأمّا على المستوى العمليّ فالشيعة من أكثر الناس تضحية، وبوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية وغيره من الحكّام الأمويين، والحكام العباسيين، أمثال حجر بن عدي، وميثم التمار، ورشيد الهجري، وكميل بن زياد، ومئات من غيرهم، وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية و قد مرّ تفصيله في بعض الفصول.


(321)

8
أقسام التقية

تنقسم التقية حسب انقسام الأحكام إلى خمسة، والمهم هو الإشارة إلى الأقسام الثلاثة:

1. التقية الواجبة: وهي ما كانت لدفع الخوف على نفس أو عرض محترمين، أو ضرر لا يتحمل عن نفسه أو غيره من المؤمنين.

2. التقية المندوبة: وهي ما كانت لدفع ما يرجح دفعه من ضرر يسير يتحمّل عادة، سواء تعلق بنفسه أو بغيره.

3. التقية المحرمة وهي ما يترتّب عليها مفسدة أعظم، كهدم الدين وخفاء الحقيقة على الأجيال الآتية، وتسلّط الأعداء على شؤون المسلمين وحرماتهم ومعابدهم، ولأجل ذلك ترى أنّ كثيراً من أكابر الشيعة رفضوا التقية في بعض الأحيان وقدّموا أنفسهم وأرواحهم أضاحي من أجل الدين، فللتقية مواضع معينة، كما أنّ للقسم المحرم منها مواضع خاصة أيضاً.

إنّ التقية في جوهرها كتم ما يحذر من إظهاره حتى يزول الخطر، فهي أفضل السبل للخلاص من البطش، ولكن ذلك لا يعني أنّ الشيعي جبان خائر العزيمة، خائف متردّد الخطوات يملأ حناياه الذل، كلاّ إنّ للتقية حدوداً لا


(322)

تتعداها، فكما هي واجبة في حين، هي حرام في حين آخر، فالتقية أمام الحاكم الجائر كيزيد بن معاوية مثلاً محرّمة، إذ فيها الذل والهوان ونسيان المُثُل والرجوع إلى الوراء، فليست التقية في جوازها ومنعها تابعة للقوّة والضعف، وإنّما تحددها جوازاً ومنعاً مصالح الإسلام والمسلمين.

إنّ للإمام الخميني ـ قدّس اللّه سرّه ـ كلاماً في المقام ننقله بنصّه حتى يقف القارئ على أنّ للتقية أحكاماً خاصة وربّما تحرم لمصالح عالية. قال ـقدّس اللّه سرّه ـ:

تحرم التقية في بعض المحرّمات والواجبات التي تمثّل في نظر الشارع والمتشرّعة مكانة بالغة، مثل هدم الكعبة، والمشاهد المشرّفة، والرد على الإسلام والقرآن والتفسير بما يفسد المذهب ويطابق الإلحاد وغيرها من عظائم المحرّمات، ولا تعمّها أدلة التقية ولا الاضطرار ولا الإكراه.

وتدلّ على ذلك معتبرة مسعدة بن صدقة وفيها: «فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز». (1)

ومن هذا الباب ما إذا كان المتقي ممن له شأن وأهمية في نظر الخلق، بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرّمات تقية أو تركه لبعض الواجبات كذلك مما يعد موهناً للمذهب وهاتكاً لحرمه، كما لو أُكره على شرب المسكر والزنا مثلاً، فإنّ جواز التقية في مثله متمسّكاً بحكومة دليل الرفع(2) وأدلّة التقية مشكل بل ممنوع، وأولى من ذلك كلّه في عدم جواز التقية، ما لو كان أصل من أُصول الإسلام أو المذهب أو ضروري من ضروريات الدين في معرض الزوال والهدم والتغيير، كما لو


1 . الوسائل:10، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث8.
2 . الوسائل:10، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.


(323)

أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الإرث والطلاق والصلاة والحج وغيرها من أُصول الأحكام فضلاً عن أُصول الدين أو المذهب، فإنّ التقية في مثلها غير جائزة، ضرورة أنّ تشريعها لبقاء المذهب وحفظ الا ُصول وجمع شتات المسلمين لإقامة الدين وأُصوله، فإذا بلغ الأمر إلى هدمها فلا تجوز التقية، وهو مع وضوحه يظهر من الموثقة المتقدمة.(1)

وعلى ضوء ما تقدّم، نخرج بالنتائج التالية:

1. إنّ التقية أصل قرآني مدعم بالسنّة النبوية، وقد عمل بها في عصر الرسالة من ابتلي من الصحابة، لصيانة نفسه، فلم يعارضه الرسول، بل أيّده بالنص القرآني كما في قضية عمّـار بن ياسر، حيث أمره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالعودة إذا عادوا.

2. انّ التقيّة ليست بمعنى تشكيل جماعات سرية لغاية التخريب و الهدم، وهذا لا يمتّ إلى التقية بصلة.

3. اتّفق المفسّرون عند التعرّض لتفسير الآيات الواردة في التقية على ما ذهبت إليه الشيعة من إباحتها للتقية.

4. تنقسم التقية حسب انقسام الأحكام إلى أقسام خمسة، فبينما هي واجبة في موضع، تجدْها محرّمة في موضع آخر.

5. إنّ مجال التقية لا يتجاوز القضايا الشخصية، وهي فيما إذا كان الخوف قائماً، وأمّا إذا ارتفع الخوف والضغط، فلا مجال للتقية.

وفي ختام هذا البحث نقول:

نفترض أنّ التقية جريمة يرتكبها المتقي لصيانة دمه وعرضه وماله، ولكنّها


1 . رسالة في التقية مطبوعة ضمن الرسائل العشر:14، باب حول موارد استثنيت من الأدلّة.


(324)

في الحقيقة ترجع إلى السبب الذي يفرض التقيّة على الشيعي المسلم ويدفعه إلى أن يتظاهر بشيء من القول والفعل الذي لا يعتقد به، فعلى من يعيب التقية للمسلم المضطهد، أن يسمح له بالحرية في مجال الحياة ويتركه بحاله، وأقصى ما يصح في منطق العقل، أن يسأله عن دليل عقيدته ومصدر عمله، فإن كان على حجّة بيّنة يتبعه، وإن كان على خلافها يعذره في اجتهاده وجهاده العلمي والفكري.

نحن ندعو المسلمين للتأمّل في الدواعي التي دفعت بالشيعة إلى التقية، وأن يعملوا قدر الإمكان على فسح المجال لإخوانهم في الدين فإنّ لكل فقيه مسلم، رأيَه ونظرَه، وجهدَه وطاقتَه.

إنّ الشيعة يقتفون أثر أئمّة أهل البيت في العقيدة والشريعة، ويرون رأيهم، لأنّهم هم الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأحد الثقلين اللّذين أمر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالتمسّك بهما في مجالي العقيدة والشريعة، وهذه عقائدهم لا تخفى على أحد، وهي حجّة على الجميع.

نسأل اللّه سبحانه، أن يصون دماء المسلمين وأعراضهم عن تعرض أي متعرض، ويوحّد صفوفهم، ويؤلّف بين قلوبهم، ويجمع شملهم، ويجعلهم صفّاً واحداً في وجه الأعداء، إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.


(325)

9
شبهات حول التقية

لقد تعرفت على حقيقة التقية: لغة واصطلاحاً وتاريخاً، كما تعرفت على أدلّتها من الكتاب والسنّة وظهر انّ سيرة المسلمين جرت على ممارسة التقية عند الشدة، وبقيت ثمّة شبهات تدور حول التقية، نطرحها على طاولة البحث.

الشبهة الأُولى: التقية من شعب النفاق

إذا كانت التقية إظهارَ ما يُضمر القلبُ خلافَه أو ارتكاب عمل يخالف العقيدة، فهي إذن شعبة من شعب النفاق، لأجل انّ النفاق عبارة عن التظاهر بشيءعلى خلاف العقيدة.

والجواب عنها واضح: لأنّ مفهوم التقية في الكتاب و السنّة هو إظهار الكفر وإبطان الايمان، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق، وإذا كان هذا مفهومها، فهي تقابل النفاق، تقابلَ الإيمان والكفر، فانّ النفاق ضدها وخلافها، فهو عبارة عن إظهار الإيمان


(326)

و إبطان الكفر، والتظاهر بالحق وإخفاء الباطل، و مع وجود هذا التباين بينهما فلا يصحّ عدّها من فروع النفاق.

وبعبارة أُخرى: انّ النفاق في الدين ستر الكفر بالقلب، وإظهار الإيمان باللسان، وأين هذا من التقية التي هي على العكس تماماً (إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فهي إظهار الكفر وإخفاء الإيمان و ستره بالقلب، وأمّا تقية الشيعة فهي تَكْمُنُ في إخفاء الاعتقاد بالإمامة والولاية لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يعني ستر التشيع مع التظاهر بموافقة الآخرين في عقيدتهم تجاه الإمامة وفي الوقت نفسه يشاركون المسلمين في الشهادتين والإيمان بالقيامة، ويمارسون العبادات ويعملون بالفروع ويعتقدون ذلك بقلوبهم ويعيشون هذه العقيدة بوجدانهم وبأرواحهم .

نعم من فسر النفاق بمطلق مخالفة الظاهر للباطن وبه صوّر التقية ـ الواردة في الكتاب والسنّة ـ من فروعه، فقد فسره بمفهوم أوسع ممّا هو عليه في القرآن، فانّه يعرف المنافقين بالمتظاهرين بالإيمان و المبطنين للكفر بقوله تعالى: (إِذا جَاءَكَ الْمُنافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ واللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقينَ لَكاذِبُون)(1) فإذا كان هذا حدّ المنافق فكيف يعمّ من يستعمل التقية تجاه الكفار والعصاة فيُخفي إيمانه أو عقيدته في ولاء أهل البيت و يظهر الموافقة لغاية صيانة النفس والنفيس والعرض والمال من التعرض؟!

ويظهر صدق ذلك إذا وقفنا على ورودها في التشريع الإسلامي، ولو كانت من قسم النفاق، لكان ذلك أمراً بالقبيح ويستحيل على الحكيم أن يأمر به (قُلْ إِنّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون). (2)

الشبهة الثانية: لماذا عُدَّت التقية من أُصول الدين؟

قد نقل عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ انّهم قالوا: التقية ديني و دين آبائي، ولا


1 . المنافقون:1.
2 . الأعراف:28.


(327)

دين لمن لا تقية له.(1)

وظاهر هذه الروايات انّ الاعتقاد بالتقية وتطبيق العمل على ضوئها من أُصول الدين فمن لم يتق فقد خرج عن الدين وليس له من الإيمان نصيب.

يلاحظ عليه: بأنّ التقية من الموضوعات الفقهية، تخضع كسائر الموضوعات للأحكام الخمسة، فتارة تجب وأُخرى تحرم، وثالثة...، ومعه كيف يمكن أن تكون من أُصول الدين، وقد ذكرها فقهاء الشيعة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وأمّا الروايات التي عدتها من الدين فهي من باب الاستعارة وغايتها، التأكيد على أهميتها وتطبيقها في الحياة لصيانة النفس والنفيس، وبما انّ بعض الشيعة كانوا يجاهرون بعقائدهم وشعائرهم، الأمر الذي يؤدي إلى إلقاء القبض عليهم وتعذيبهم وإراقة دمائهم، فالإمام وللحيلولة دون وقوع ذلك يقول بأنّ (التقية ديني ودين آبائي) لحثّهم على الاقتداء بهم، وأمّا ما ورد في الحديث «لا دين لمن لا تقيّة له» فالغاية التأكيد على الالتزام بالتقيّة، نظير قوله: لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد.

وبعبارة أُخرى: ليس المراد من الدين هو الأُصول العامة كالتوحيد والنبوة والمعاد التي بالاعتقاد بها يرد إلى حظيرة الإسلام وبإنكارها أو إنكار واحد منها أو إنكار ما يلازم إنكار أحد الأُصول الثلاثة يخرج عنها، وإنّما المراد به هو الشأن الذي يتعبد به الإمام ويعمل بدين اللّه، فقوله : «التقية ديني و دين آبائي» أي هو من شؤوننا أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ فاقتدوا بنا، وأمّا من يتصور انّ التقية تمس كرامته فهو إنسان جاهل خارج عن هذا الشأن الذي عليه تدين الأئمة به.


1 . الوسائل:10، الباب24 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث3، 22.


(328)

الشبهة الثالثة: التقية تؤدي إلى محق الدين

إذا مارست جماعةٌ التقية فترة طويلة في أُصول الدين وفروعه، ربما يتجلى للجيل المقبل بأنّ ما مارسه آباؤهم من صميم الدين وواقعه، فعند ذلك تنتهي التقية إلى محق الدين واندثاره.

يلاحظ عليه: أنّ الظروف مختلفة وليست على منوال واحد، فربما يشتد الضغط فلا يجد المحقّ مجالاً للإعراب عن رأيه وعقيدته وشريعته ، وقد تتبدّل الظروف إلى ظروف مناسبة تسمح بممارسة الشعائر بكلّ حرية، وقد عاشت الشيعة بين الحين والآخر في هذه الظروف المختلفة، وبذلك صانت أُصولها وفروعها وثقافتها واللّه سبحانه هو المعين لحفظ الدين وشريعته.

وبعبارة أُخرى: انّ للتقية سيطرة على الظاهر دون الباطن، فالأقلّية التي صودرت حرياتها يمارسونها في الظاهر، و أمّا في المجالس الخاصة فيقومون بواجبهم على ما هو عليه ويربّون أولادهم على وفق التعاليم التي ورثوها عن آبائهم عن أئمتهم.

ولو افترضنا انّ مراعاة التقية فترة طويلة تنتهي إلى محق الدين فالتقية عندئذ تكون محرمة يجب الاجتناب عنها. وقد مرّ انّ التقية لها أحكام خمسة، فالتقية المنتهية إلى محق الدين محظورة.

الشبهة الرابعة: التقية تؤدي إلى تعطيل الأمر بالمعروف

إنّ التقية فكرة تحوّل المسلم إلى إنسان يتعايش مع الأمر الواقع على ما فيه من ظلم وفساد وانحراف، فتعود إلى الرضا بكلّ ما يحيط بها من الظلم والفساد


(329)

والانحراف.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط بالتمكن منه، فمرتبة منه وظيفة الفرد و هو الأمر بالمعروف بكراهية القلب و اللسان، ومرتبة منه وظيفة المجتمع وعلى رأسه الدولة صاحبة القدرة والمنعة، فالممارس للتقية يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حسب مقدرته ولولا القدرة فلا حكم عليه، لأنّ اللّه سبحانه لا يكلف نفساً إلاّ وسعها.

ومع ذلك فالممارس للتقية يتحيّن الفرص للانقضاض على الواقع الفاسد وتغييره، فلو ساعدته الظروف على هذا التغيير فحينها يتخلّى عن التقية ويجاهر بالحقّ قولاً وعملاً.

الشبهة الخامسة: التقية من المسلم من البدع

ربما يتصور انّ التقية من اختلاقات الشيعة وانّها لا دليل عليها من الكتاب والسنّة، وذلك لأنّ الآيات الواردة في التقية ترجع إلى اتّقاء المسلم من الكافر، وأمّا اتّقاء المسلم من المسلم فهذا ما لا دليل عليه من الكتاب والسنة.

الجواب

إنّ مورد الآيات وإن كان هو اتّقاء المسلم من الكافر، ولكن المورد كما هو المسلم لا يكون مخصِّصاً، إذ ليس الغرض من تشريع التقية عند الابتلاء بالكفار إلاّ صيانة النفس والنفيس من الشر، فإذا ابتُلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردد الطرف القوي عن إيذاء الطرف الآخر، كأن ينكل به أو ينهب أمواله أو يقتله، ففي تلك الظروف الحرجة يحكم العقل السليم بصيانة


(330)

النفس والنفيس عن طريق كتمان العقيدة واستعمال التقية، ولو كان هناك وزر فإنّما يحمله من يُتّقى منه لا المتّقي. ونحن نعتقد أنّه إذا سادت الحرية جميع الفرق الإسلامية، وتحمّلت كل فرقة آراء الفرقة الأُخرى لوقفت على أنّ الرأي الآخر هو نتيجة اجتهادها، وعندها لا يضطر أحد من المسلمين إلى استخدام التقية، ولساد الوئام مكان النزاع.

وقد فهم ذلك لفيف من العلماء وصرّحوا به، وإليك نصوص بعضهم:

1. قال الشافعي: تجوز التقية بين المسلمين كما تجوز بين الكافرين محاماة عن النفس.(1)

2. يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة): ظاهر الآية يدل على أنّ التقية إنّما تحل مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي ـ رضي اللّه عنه ـ: أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من قتل دون ماله فهو شهيد» .(2)

3. ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحق على الخلق» ما نصّـه: وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، ولا برح المحق عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة ـ رضي اللّه


1 . تفسير النيسابوري في هامش تفسير الطبري:3/178.
2 . مفاتيح الغيب:8/13 في تفسير الآية.


(331)

عنه ـ أنّه قال ـ في ذلك العصر الأوّل ـ: حفظت من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.(1)

4. وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَـان): ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّـم في وجوههم، وبذل المال لهم، لكف أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعد هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».(2)

إنّ الشيعة تتقي الكفّار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لأجلها يتّقيهم السنّي، غير أنّ الشيعي ولأسباب لا تخفى، يلجأ إلى اتّقاء أخيه المسلم لا لتقصير في الشيعي، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك، لأنّه يدرك أنّ الفتك والقتل مصيره إذا صرّح بمعتقده الذي هو عنده موافق لا ُصول الشرع الإسلامي وعقائده، نعم كان الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول: إنّ اللّه ليس له جهة، أو أنّه تعالى لايُرى يوم القيامة، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحلة النبي الأكرم، أو أنّ حكم المتعة غير منسوخ. إنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق ـ التي استنبطت من الكتـاب والسنّةـ سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر. وقد مرّ عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي الصريح في جواز هذا النوع من التقية، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب، جمود على ظاهر الآية وسد لباب الفهم، ورفض للملاك الذي شُـرّعت لأجله التقية، وإعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهم إذا عارض المهم.


1 . محاسن التأويل:4/82.
2 . تفسير المراغي:3/136.


(332)

وقد مرّ الكلام عن لجوء جملة من كبار المحدّثين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تودي بحياتهم وبما يملكون، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري في تاريخه(1) عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً وقد علموا انّ إنكاره يستعقب قتل الجميع دون رحمة، ولما أبصر أُولئك المحدّثون لَمَعان، حد السيف عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم، ولمّا عُوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون برّروا عملهم بعمل عمّـار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان، والقصّة شهيرة وصريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض بالتشنيع فيها على الشيعة وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة.


1 . تاريخ الطبري:7/195ـ206.


(333)

10
الآثار البنّاءة للتقية

إذا ساد الاستبداد المجتمعَ الإنساني وصودرت فيه الحريات وهُضمت فيه الحقوق وأُخمدت فيه أصوات الأحرار، فحينئذ لا تجد الأقلية المهضومة، حيلة سوى اللجوء إلى التقية والتعايش مع الأمر الواقع، وهذا الأمر وان يتلقّاه البعض أمراً مرغوباً عنه، ولكن الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ـ كما سيوافيك كلامه ـ يصفه بأنّه رخصة من اللّه تفضّل اللّه بها على المؤمنين. كيف و قد يترتّب على ممارسة التقية آثار بنّاءة تتلخّص في الأُمور التالية:

1. حفظ النفس والنفيس

إنّ ممارسة التقية والمداراة مع الظالم المستبد يصون الأقلية من البطش والكبت والقتل ومصادرة الأموال بخلاف عدم ممارستها فانّه يعرِّضها للقتل والفناء، ولذلك يعبر عنها بالترس والجُنّة ، قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ التقية ترس المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له».(1)

وقال ـ عليه السَّلام ـ : «كان أبي يقول: وأي شيء أقرّ لعيني من التقية، انّ التقية جُنّة المؤمن».(2)


1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث4و6.
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث4و6.


(334)

روى شيخنا المفيد قال: كتب علي بن يقطين (الوزير الشيعي للرشيد) إلى الإمام الكاظم ـ عليه السَّلام ـ يسأله عن الوضوء؟ فكتب إليه أبو الحسن ـ عليه السَّلام ـ :«فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثاً، و تستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلّل شعر لحيتك، وتغسل يديك من أصابعك إلى المرفقين ثلاثاً، وتمسح رأسك كلّه، وتمسح ظاهر أُذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً، ولا تخالف ذلك إلى غيره.

فلمّا وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم له أبو الحسن ـ عليه السَّلام ـ فيه ممّا أجمع العصابة على خلافه، ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال: وأنا أمتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد، ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالاً لأمر أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ ، وسُعِيَ بعلي بن يقطين إلى الرشيد، و قيل: إنّه رافضي، فامتحنه الرشيد من حيث لا يشعر، فلمّا نظر إلى وضوئه ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنّك من الرافضة، وصلحت حاله عنده، وورد عليه كتاب أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ : «ابتدأ من الآن يا علي بن يقطين و توضّأ كما أمرك اللّه تعالى، اغسل وجهك مرة فريضة وأُخرى إسباغاً و اغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنّا نخاف منه عليك، والسلام».(1)

ترى أنّ الإمام أنقذ علي بن يقطين من الموت من خلال أمره بالتقية وكم له في التاريخ من نظير، و كفى شاهداً قصة عمّار و أبيه وأُمّه المتقدّمة.


1 . الوسائل:1، الباب32 من أبواب الوضوء، الحديث3.


(335)

2. حفظ وحدة الأُمّة

لا شكّ انّ وحدة الكلمة هي مصدر قوة الأُمّة وازدهارها، وهي حبل اللّه الوثيق الذي لابدّ من الاعتصام به، حيث قال في محكم كتابه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا).(1)

فقد عدّ سبحانه التفريق والتشرذم والتشتت عذاباً يستأصل الأُمّة ويستنفد قواها، قال سبحانه: (قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرجُلِكُمْ أَو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعضَكُمْ بَأْسَ بَعْض). (2)

إلى غير ذلك من الآيات الحاثّة على الوحدة والمحذِّرة من التفرق والتبدد.

وتشريع التقية يعين على الوحدة ويمسك الأُمة عن التبدد، فلذلك يصفها الإمام بأنّها «رخصة تفضّل بها اللّه على المؤمنين رحمة لهم».

وهذ لا يعني الإفراط في ممارسة التقية حتّى إذا توفرت الفرص المناسبة للتعبير عن رأيه ومنهجه، فعند ذلك تحرم التقية، لأنّه يترتب عليها طمس الدين وكتمان الحقيقة.

3. الحفاظ على القوى من الاستنزاف

إنّ الجماعة المهضومة، بممارسة التقية تحمي قواها وطاقاتها من الاستنزاف، وبالتالي تربّي جماعة واعية لأهدافها، فإذا هبّ على مجتمعهانسيم الحرية فيتيسّر عندها أن تُجاهر بأفكارها وآرائها دون أي خوف أو وجل و تطالب بحقوقها، وهذا من آثار التقية حيث صانت الجماعة الضعيفة من استنزاف قواها.


1 . آل عمران:103.
2 . الأنعام:65.


(336)

وبما انّ هذه الآثار البنّاءة تعبير واضح للرحمة، التي أشار إليها الإمام أمير المؤمنين، نأتي بنص كلمته:

روى الشريف المرتضى في رسالة «المحكم والمتشابه» نقلاً عن «تفسير النعماني» عن عليـ عليه السَّلام ـ أنّه قال :«و انّ اللّه منّ على المؤمن بإطلاق الرخصة له عند التقية في الظاهر، أن يصوم بصيامه ويفطر بإفطاره ويصلّي بصلاته ويعمل بعمله ويظهر له استعمال ذلك، موسعاً عليه فيه، وعليه أن يدين اللّه تعالى في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين المستولين على الأُمّة، فهذه رخصة تفضّل اللّه بها على المؤمنين رحمة لهم ليستعملوها عند التقية في الظاهر».(1)


1 . الوسائل:1، الباب 25 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث1.


(337)

11
موقف أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ من التقية

إنّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ خلفاء الرسول في الخلافة والإمامة، فهم ساسة العباد في حقل قيادة المجتمع إلى المنهج المهيع، والمرجع العلمي في تفسير الكتاب والسنّة وما تحتاج إليه الأُمّة إلى يوم القيامة في حقل الأحكام، هذا عندنا و أمّا غيرنا ، فقد اتّفقت كلمة الأُمّة على أنّ العترة الطاهرة باب علم النبي بحكم حديث الثقلين، ولذلك يرجع إليهم الموافق والمخالف في حلّ المشاكل العقائدية والتشريعية.

فأئمّة المذاهب الأربعة وغيرهم من التابعين قد نهلوا من نمير علومهم، ولا يشكّ في ذلك مَن له أدنى إلمام بتاريخ الحديث والفقه، ولا يسع المقام هنا لبيان التفصيل.

وينبغي أن يعلم أنّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لم يمارسوا التقية في حياتهم الشخصية إلاّ في المجالات السياسية التي تمس سياسة الخلفاء، ولم تكن لديهم أيّة خشية في الإفصاح عن أفكارهم وآرائهم أمام فقهاء عصرهم، كيف وانّ الفقهاء والمحدّثين كلّهم كانوا معترفين بفضلهم ومغترفين من علومهم، وكانوا عيالاً عليهم، وبذلك يظهر ما ينسب إلى الأئمّة من التقية في حياتهم لا يجانب


(338)

الصواب.

نعم كانوا يمارسون التقية في الأُمور التي تتعلّق بالسلطان ولا يخالفونه.

روى الصدوق بسند صحيح عن عيسى بن أبي منصور أنّه قال: كنت عند أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في اليوم الذي يشك فيه، فقال: يا غلام اذهب فانظر أصام السلطان أم لا؟ فذهب ثمّ عاد فقال: لا، فدعا بالغداء فتغدّينا.(1)

وهنا سؤال يطرح نفسه وهو انّه لا يشكّ مَن أمعن في الأخبار المروية عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ انّهم كانوا يفتون ـ في بعض الموارد ـ على وفق آراء فقهاء عصرهم تقية مع أنّ الحكم الواقعي لديهم غير ذلك، فما هو الوجه في الإفتاء بالتقية؟

والجواب: انّ الإفتاء بالتقية لم يكن لأجل الحفاظ على أنفسهم من القتل والتعذيب، وإنّما كان الغرض صيانة شيعتهم من أن يُعرَّضوا ويُؤخذوا لمخالفتهم الرأي العام في حقل العقيدة والشريعة، ولما قلناه شواهد كثيرة في تاريخ الحديث والفقه، نكتفي بهذين الحديثين:

1. روى سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ رجلاً مـات وأوصى إليّ بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: «إعطها النصف»، قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتّقاك إنّما المال لها، قال: فدخلت عليه بعدُ، فقلت: أصلحك اللّه! إنّ أصحابنا زعموا أنّك اتّقيتني فقال: «لا و اللّه ما اتّقيتك، ولكنّي اتّقيت عليك أن تُضْمن، فهل علم بذلك أحد؟» قلت: لا، قال: «فاعطها ما بقي».(2)


1 . الوسائل:7، الباب75 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث1.
2 . الوسائل: 17، الباب4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث3.


(339)

2. روى عبد اللّه بن محرز بياع القلانص، قال: أوصى إليّ رجل، وترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم، وترك ابنة، وقال: لي عصبة بالشام، فسألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن ذلك؟ فقال: «اعط الابنة النصف، والعصبة النصف الآخر».

فلمّا قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا، فقالوا: اتّقاك، فأعطيت الابنة النصف الآخر، ثمّ حججت فلقيت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ فأخبرته بما قال أصحابنا وأخبرته انّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة، فقال: «أحسنت إنّما أفتيتك مخافة العصبة عليك».(1)

إنّ مذهب أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ كان أمراً ذائعاً بين الناس و كان خلافهم مع سائر الفقهاء والمحدّثين في مسائل كثيرة واضحة، ولذلك لم يكن أيّ ضغط عليهم بالإفصاح بالحقيقة، نعم الإفتاء على وفق الواقع واجتماع الشيعة على العمل به يورث سوء الظن للسلطة وتقف في وجههم بحجة انّهم بصدد الثورة عليها، فلذلك كان الإمام يكره اجتماعهم على فكرة واحدة لئلاّ يؤخذوا. نعم البطانة من أصحاب الأئمة كانوا يميزون الحكم الواقعي عن الحكم الصادر تقية، يقول الشيخ جعفر كاشف الغطاء:

وليس مذهبنا أقل وضوحاً من مذهب الحنفية والشافعية والحنبلية والمالكية والزيدية والناووسية والواقفية والفطحية وغيرهم، فانّ لكلّ طائفة طريقة مستمرة يتوارثونها صاغراً عن كابر، بل أهل الملل من عدا المسلمين على بُعد عهدهم عن أنبيائهم الماضين لهم طرائق وسير يمشون فيها على الأثر ولا يصغون إلى إنكار من أنكر.(2)


1 . المصدر نفسه، الباب5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث4.
2 . كشف الغطاء:1/215.


(340)

12
في إجزاء العمل الموافق للتقية

قد تقدّم البحث في أقسام التقية وأحكامها التكليفية، بقي الكلام في أحكامها الوضعيّة، والمراد منها هو صحّة العمل الموافق للتقية المخالف للواقع، وله أقسام:

1. أن تكون التقية في العمل بالحكم الواقعي كغسل القدمين مكان مسحهما، والمسح على الخفّين، والنكس في غسل اليدين والصلاة في جلد الميتة وما لا يؤكل لحمه، والتكفير في اليدين (قبض اليسرى باليمنى) والتأمين في الصلاة، والسجود على ما لا يصحّ السجود عليه، والطلاق بلا حضور عدلين أو مع كون المطلقة حائضاً، إلى غير ذلك من الأعمال التي تخالف الواقع وتوافق التقية، ومورد التقيّة هو الأحكام الشرعية.

2. أن تكون التقية في الموضوعات لا في الأحكام الشرعية، سواء كان الموضوع عاماً غير مقيد بزمان دون زمان، ككون المغرب متحقّقاً بسقوط القرص; أو في الموضوعات الخاصة كثبوت هلال ذي الحجة أو شهر رمضان أو شوال في سنة معينة، وعندئذ يقع الكلام في صحّة العمل في هذه الموارد فالعمل موافق للتقية لكنّه مخالف للوظيفة الواقعية في مجال الحكم والموضوع.


(341)

والظاهر الصحّة في جميع الأقسام وفاقاً للشيخ كاشف الغطاء في كتابه(1) والسيد الأُستاذ الإمام الخميني كما أفاد في محاضراته.

ثمّ إنّ الروايات الدالّة على صحّة العمل الصادر عن التقية على أصناف:

1. ما دلّ على صحّة العمل المضطر إليه، فيختصّ هذا الصنف بالتقية الاضطرارية التي تنبع عن خوف الضرر على النفس والنفيس، ضرراً لا يتحمل عادة.

2. ما دلّ على صحّة العمل المأتي به تقية والظاهر انصراف هذا الصنف إلى التقية الاضطرارية.

وعلى كلّ تقدير فعنوان الحكم في الصنف الأوّل هو الاضطرار وفي الصنف الثاني هو التقية.

3. ما دلّ على صحّة العمل المخالف للواقع والموافق للمخالف مداراة له حفظاً للوحدة الإسلامية.

فها نحن نتناول لغاية الاختصار من كلّ صنف بعض الروايات.

الصنف الأوّل: ما يكون فيه الموضوع هو الاضطرار

إذا أتى بعمل مخالف للواقع لأجل الاضطرار، فيدلّ على صحّته الروايات التالية:

1. حديث الرفع، أعني قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «رفع عن أُمّتي ... ما اضطروا إليه» .(2)

والرواية صحيحة سنداً لكن المهم تحقيق مدلولها، فإنّ الرفع يتعلّق بأمر وجودي وهو دائر بين أحد أُمور ثلاثة:

أ. المؤاخذة والعقاب.


1 . كشف الغطاء:1/300.
2 . الوسائل:11، الباب56 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.


(342)

ب. الأثر المناسب لكلّ واحد من الأُمور التسعة.

ج. تمام الآثار المترتبة على الأمر المرفوع في لسان الشرع.

والأوّل غير صحيح، لوضوح انّ الرواية بصدد الإخبار عن رفع أمر تشريعي من الوجوب والحرمة أو الجزئية والمانعية، وأمّا المؤاخذة والعقاب الأُخروي فهو أمر تكويني لا تشريعي.

أضف إلى ذلك انّه لا يصحّ تقديرها في رفع النسيان و الخطأ اللّذين هما من الأُمور التسعة، لعدم وجود العقوبة فيهما حتّى يصحّ الامتنان من الشرع على الأُمّة برفعها فيهما.

والثاني بعيد أيضاً فانّه يحتاج إلى الفحص عن الأثر المناسب لكلّ واحد من الأُمور التسعة وربّما لا يصل الإنسان إليه في بعضها.

والثالث هو المتعيّن، أي رفع تمام الآثار الشرعية المترتبة على الموضوع، مثلاً: يحرم التكفير في الصلاة ، كما تجب السورة كاملة فيها، فينتزع من حرمة التكفير، مانعيته للصلاة; ومن وجوب السورة، جزئيتها لها. فإذا اضطر إلى التكفير أو إلى ترك قراءة السورة الكاملة، فالآثار المترتبة على التكفير أو السورة مرفوعة، فالمرفوع في التكفير هو الحرمة وبالتالي المانعية ، كما أنّ المرفوع في ترك السورة الكاملة اضطراراً هو الوجوب وبالتالي الجزئية، وكأنّ الشارع لم يحكم على التكفير والسورة بشيء من الأحكام، فينحصر المأمور به فيما أتى على وفق التقيّة.

فإن قلت: إنّ الرفع يتعلّق بأمر وجودي، وعندئذ يصحّ التمسك بحديث الرفع في التكفير الذي هو أمر وجودي دون ترك السورة الذي هو أمر عدمي.

قلت: الملاك في الاستدلال هو تعلّق الرفع بعنوان كلّي ـ أعني: ما اضطروا إليه وهو أمر وجودي ـ سواء كان المنطبَق و المصداق أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً،


(343)

فالمصحِّح لصدق الرفع هو متعلّقه في الحديث ـ أعني: ما اضطروا إليه ـ وعلى ذلك فلو اضطرّ إلى ترك الوقوف في عرفات دون المشعر أمكن التمسّك في صحّة العمل بحديث الرفع، لأنّ العنوان في الحديث الذي تعلّق به الرفع(الاضطرار) أمر وجودي.

2. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر الباقرـ عليه السَّلام ـ :«إنّ التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم، فقد أحلّه اللّه له».(1)

وجه الدلالة: انّ الإنسان يضطر إلى التكفير وترك الوقوف بعرفة وغير ذلك من الأفعال والتروك الممنوعة شرعاً في عباداته، فكلّ ذلك أحلّه اللّه ورفع المنع الثابت فيها لولا التقية.

وبعبارة أُخرى: المراد بالإحلال رفع المنع السابق، والرفع في كلّ ممنوع بحسب حاله سواء كان الممنوع حكماً تكليفياً كشرب النبيذ أو الفقاع أو حكماً غيرياً كالتكفير وترك الوقوف بعرفة، فالمنع في كلا الموردين مرفوع بحكم قوله: أحلّه اللّه، وينتج صحّة العمل.

3. موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا حلف رجل تقية لم يضرّ إذا هو أُكره أو اضطر إليه» وقال: «ليس شيء ممّا حرم اللّه إلاّ وقد أحلّه اللّه لمن اضطر إليه».(2)

وجه الدلالة على صحّة العمل المأتي به اضطراراً، هو انّ حنث الحلف حرام تكليفاً ووضعاً بمعنى ترتب الكفّارة عليه في حالة الاختيار، وهذا العمل إذا صدر عن إكراه واضطرار يتجرّد عن كلا الحكمين، فلا هو حرام تكليفاً ولا وضعاً بمعنى


1 . الكافي:2/175، الحديث18، باب التقية. ولاحظ الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث2.
2 . الوسائل:16، الباب12 من كتاب الأيمان، الحديث18.


(344)

وجوب الكفّارة.

4. صحيحة زرارة:« عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ قال: التقية في كلّ ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به».(1)

والظاهر انّ الضرورة أعمّ من الاضطرار من حيث المورد، فانّ الثاني يختصّ بما إذا كان الخوف على نفس الشخص ونفيسه، بخلاف الضرورة فهي أعمّ، فتصدق أيضاً على ما إذا كان في ترك العمل خطر يهدد كيان الإسلام والمسلمين أو طائفة منهم.

هذا بعض ما دلّ على صحّة العمل المخالف للواقع لأجل الاضطرار والضرورة، وعلى ضوء ذلك فلو اضطر الإنسان أو دعت الضرورة إلى فعل المانع كالتكفير أو ترك الجزء كالسورة الكاملة فالعمل جائز وماض، وسيوافيك في روايات الصنف الثاني انّ المراد من قوله: «أحله اللّه» هو تنفيذ العمل وقبوله لا بمعنى حلّيته وعدم حرمته.

الصنف الثاني: ما يكون الموضوع فيه «التقيّة»

ما اتّخذ عنوان التقيّة موضوعاً لتنفيذ العمل وتصحيحه فيدلّ عليه الروايات التالية:

1. موثّقة مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث وتفسير ما يتّقى: «مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحقّ وفعله، فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فانّه جائز».(2)


1 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
2 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي ، الحديث6.


(345)

فلو أُريد من الجواز الإباحة فيدلّ على حلية العمل إذا كان حراماً في الواقع، وأمّا لو أُريد به نفوذ العمل ومضيّه عند الشارع فيدلّ على صحّة العمل مثل قوله: «الصلح جائز بين المسلمين»، فإفطار المؤمن عند سقوط القرص أو وقوفه بعرفات قبل وقته أو إيقاعه الطلاق مع عدم العدلين كلّها جائزة أي نافذة ومقبولة لدى الشارع.

نعم المتبادر من التقية هي التقية الاضطرارية، ولا يعمّ القسم المدارائي الذي يتجرّد عن الخوف.

2. صحيحة أبي الصباح إبراهيم بن النعيم، قال: واللّه لقد قال لي جعفر بن محمد:«إنّ اللّه علم نبيه التنزيل والتأويل، فعلمه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ علياً ـ عليه السَّلام ـ » قال:«وعلمنا واللّه» ثمّ قال:«ما منعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقية، فأنتم منه في سعة».(1)

فقوله: «ما منعتم من شيء... تقية» يعم كلّ عمل صدر من الإنسان تقية فهو في سعة منه، أي لا يترتب عليه الأثر، فلو كفّر أو ترك سورة كاملة أو سجد على ما لا يجوز السجود عليه، فالمصلي في سعة من هذا العمل يعني لا يعد عمله هذا محرّماً ولا يترتب عليه الإعادة والقضاء، وتوهم انّ المراد من السعة هو خصوص عدم الحرمة لا رفع الكفّارة فقط كما ترى، مخالف لإطلاقها.

3. موثّقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلّي، فخرج الإمام و قد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة، قال: «إن كان إماماً عدلاً فليصل أُخرى وينصرف ويجعلها تطوعاً، وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو، ويصلّي ركعة أُخرى، ويجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا


1 . الوسائل:16، الباب12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث3.


(346)

إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، ثمّ ليتم صلاته معه على ما استطاع فانّ التقية واسعة، وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء اللّه».(1)

والرواية صريحة في صحّة صلاته بمحضر منهم مع ترك ما لم يستطع فعله أو إتيان مالم يستطع تركه من الأجزاء والشرائط والموانع.

والرواية كالضابطة الكلية في كافة الأعمال حيث قال: «فانّ التقية واسعة، وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور».

وحصيلة الكلام: انّ الإنسان إذا تأمّل في العناوين التالية:

1. رفع عن أُمّتي ما اضطروا إليه .

2. كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه.

3. ليس شيء ممّا حرم اللّه إلاّ وقد أحلّه اللّه لمن اضطر إليه.

4. التقيّة في كلّ ضرورة وصاحبها أعلم بها.

5. كلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية فانّه جائز.

6. ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه في يمين في تقية فأنتم منه في سعة.

7. وليس شيء من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها.

فإذا أمعن في هذه العناوين وما حمل عليها من الأحكام يقف على أنّ طروء الاضطرار والضرورة والتقية سبب لرفع الحكم أو نفوذ العمل وجوازه فينتزع منه صحّة العمل في مجالي التكليف والوضع.

4. ما رواه في أُصول الكافي بسنده عن أبي جعفر أنّه قال: «التقية في كلّ شيء إلاّ في شرب المسكر و المسح على الخفّين».(2)


1 . الوسائل:8/405، الباب56 من أبواب كتاب الصلاة، الحديث2.
2 . الكافي:2/172، باب التقية، الحديث2.


(347)

دلّت الرواية على ثبوت التقية ومشروعيتها في كلّ شيء ممنوع لولا التقية، إلاّ في الفعلين المذكورين، فاستثناء المسح على الخفين مع كون المنع فيه عند عدم التقية منعاً غيرياً دليل على عموم الشيء لكلّ ما يشبهه من الممنوعات، لأجل التوصّل بتركها إلى صحّة العمل، فدلّ على رفع التقية لمثل هذا المنع الغيري وتأثيرها في ارتفاع أثر ذلك الممنوع منه، فيدلّ على أنّ التقية ثابتة في التكفير في الصلاة مثلاً، بمعنى عدم كونه ممنوعاً عليه فيها عند التقية، وكذا في غسل الرجلين واستعمال النبيذ في الوضوء و نحوهما.(1)

فظهر ببركة هذه الروايات انّ العمل الموافق للتقية مجزي مطلقاً.

فإن قلت: قد ورد في بعض الروايات وجوب القضاء لمن أفطر في شهر رمضان تقية، نظير:

1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن داود بن الحصين، عن رجل من أصحابه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال و هو بالحيرة في زمان أبي العباس: إنّي دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم و هو و اللّه من شهر رمضان، فسلّمت عليه، فقال: يا أبا عبد اللّه أصمت اليوم؟ فقلت: لا والمائدة بين يديه، قال: فادنُ فكل، قال: فدنوت فأكلت، قال: وقلت: الصوم معك والفطر معك، فقال الرجل لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : تفطر يوماً من شهر رمضان؟! فقال: «أي واللّه أفطر يوماً من شهر رمضان وأقضي أحبّ إليّ من أن يضرب عنقي».(2)

2. ما رواه الكليني عن رفاعة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «دخلت على أبي العباس بالحيرة، فقال: يا أبا عبد اللّه ما تقول في الصيام اليوم ؟ فقال:


1 . لاحظ رسالة التقية للشيخ الأنصاري:56ـ 57.
2 . الوسائل:7، الباب57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث4.


(348)

«ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا، وإن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام عليّ بالمائدة فأكلت معه، وأنا أعلم واللّه انّه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوماً و قضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد اللّه».(1)

فهاتان الروايتان تدلاّن على لزوم القضاء وعدم كفاية التقية في الإجزاء .

قلت: مضافاً إلى أنّ الروايتين لا يحتجّ بهما لوجود الإرسال في آخرهما أنّ الكلام في الإجزاء وعدمه في العمل الموافق للتقية، كما إذا أتى العمل على وفق التقية لا فيما إذا تركه رأساً كما في المقام، لأنّ مصب روايات التقية هو العمل المأتي به لتلك الغاية لا ترك العمل للتقية، وعندئذ الروايات الدالة على وجوب القضاء لمن أفطر يوم الشك ولو عن عذر حاكم في المقام لو عملنا بالروايتين وقد علمت ضعفهما.

الصنف الثالث: التقية لغاية المداراة

كان الكلام في السابق في التقية الناشئة من الخوف و هناك قسم آخر من التقية وهو المسمّى بالتقية المدارائية.

والمراد منها هو حسن المعاشرة مع العامة بالحضور في شعائرهم و المشاركة في عباداتهم تحبيباً للقلوب، دون أيّ خوف على النفس والنفيس. ويدلّ عليه روايات:

1. صحيحة هشام بن الحكم وفيه قال: قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «إيّاكم أن تعملوا عملاً نُعيَّر به، فإنّ ولد السوء يُعيّر والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً، ولا تكونوا عليه شيناً، صلّوا في عشائرهم، وعوِّدوا مرضاهم،


1 . المصدر السابق، الحديث5.


(349)

واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم، واللّه ما عبد اللّه بشيء أحب إليه من الخبء»، قلت: وما الخبء؟ قال:«التقية».(1)

2. ما رواه الصدوق عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «من صلّى معهم في الصف الأوّل كمن صلّى مع رسول اللّه في الصف الأوّل».(2)

وليست الرواية ناظرة إلى صورة الخوف، و إلاّ لأشار إليه الإمام.

3. صحيحة حفص البختري، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «يحسب لك إذا دخلت معهم وإن كنت، لا تقتدي بهم، مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من تقتدي به».(3)

4. صحيحة حماد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «من صلّى معهم في الصف الأوّل كان كمن صلّى خلف رسول اللّه».(4)

5. ما رواه إسحاق بن عمار، قال لي أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «يا إسحاق ، أتصلّي معهم في المسجد»، قلت: نعم، قال: «صلّ معهم، فانّ المصلّي معهم في الصف الأوّل كالشاهر سيفه في سبيل اللّه».(5)

6. ما رواه البرقي عن عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: أُوصيكم بتقوى اللّه عزوجل ، ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتُذلّوا، إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول في كتابه:(وقولوا للنّاس حسناً)».


1 . الوسائل: 11، الباب 26 من أبواب الأمر والنهي، الحديث2.
2 . الوسائل:5، الباب5 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.
3. المصدر السابق، الحديث2.
4. المصدر السابق، الحديث3.
5. المصدر السابق، الحديث7.


(350)

ثمّ قال: «عودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصلوا معهم في مساجدهم».(1)

7. ما رواه سماعة، قال: سألته عن مناكحتهم والصلاة خلفهم، فقال: «هذا أمر شديد لم تستطيعوا ذلك، قد أنكح رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وصلّى عليـ عليه السَّلام ـ وراءهم».(2)

إنّ الدعوة إلى معاشرتهم وإقامة الصلاة في مساجدهم وجماعاتهم ربما يترتّب عليه فعل المانع في الصلاة أو ترك الجزء أو غير ذلك من الأُمور المبطلة للصلاة عندنا ومع ذلك نرى أنّ الإمام يرغب إلى العمل في صفوفهم وعشائرهم.

فقوله في صحيحة هشام:«واللّه ما عبد اللّه بشيء أحبّ إليه من الخبء»، قلت: وما الخبء؟، قال: «التقية» لأجل دفع استبعاد المخاطب صحّة العمل المخالف للواقع وانّه كيف يكون أحب العبادات وأحسنها، ولكن القدر المتيقن من هذا الصنف هو الصلاة وشموليّتها لسائر الأُمور لا يخلو من تأمّل.

ثمّ إنّ هناك روايات ربما يستظهر منها خلاف ما ذكرناه، مثلاً قوله:

1. رواية عمرو بن ربيع انّه سأل الإمام ـ عليه السَّلام ـ إن لم أكن أثق به أُصلّي خلفه وأقرأ، قال: «لا، صلّ قبله أو بعده»، قيل له: أفأُصلّي خلفه وأجعلها تطوعاً، قال: «ولو قبلت التطوع لقبلت الفريضة ولكنّها اجعلها سبحة».(3)

والرواية ضعيفة وفي سندها مجهول، وهو أحمد بن محمد بن يحيى الخازني، كما أنّ في سندها الحسن بن الحسين و هو مشترك.


1 . المصدر السابق، الحديث8.
2 . المصدر السابق، الحديث 10.
3. الوسائل:5، الباب6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث5.


(351)

2. رواية ناصح المؤذن، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ إنّي أُصلّي في البيت وأخرج إليهم، قال:« اجعلها نافلة ولا تكبر معهم فتدخل معهم في صلاتهم، فانّ مفتاح الصلاة التكبيرة».(1)

والرواية ضعيفة، والناصح المؤذن مجهول على أنّ الرواية ظاهرة في الصحّة إذا كبّر ودخل معهم في الصلاة.

3. رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه قال: قلت: إنّي أدخل المسجد وقد صليت فأُصلّي معهم فلا أحتسب تلك الصلاة، قال: «لا بأس».

وأمّا أنا فأُصلّي معهم وأُريهم إنّي أسجد وما أسجد».

والرواية ضعيفة لوجود قاسم بن عروة في سندها وهو مجهول. إلى غير ذلك من الروايات التي يستشم منها عدم الاعتداد بالأعمال التي يؤتى بها معهم، فالجل لولا الكلّ ضعاف وما دلّ على الصحّة أكثر عدداً وأوضح دلالة.

وبما اخترنا من صحّة العمل في مجالي الاضطرار والمداراة نستغني عن عقد البحث حول «اشتراط عدم المندوحة في صحّة العمل المأتي به تقية» كمالا يخفي كما نستغني عن البحث حول وجوب اعمال الحيلة والتورية لفظاً وعملاً.

بقي هنا مباحث طفيفة تظهر الحال فيها ممّا ذكرنا.

والحمد للّه أوّلاً و آخراً و ظاهراً وباطناً.


1 . الوسائل:5، الباب6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث7.


(352)


(353)

خاتمة المطاف
جذور الاختلاف بين الفريقين


(354)

إنّ الاختلاف بين الفقهاء أمر مستحسن، إذ في ظلّه تتلاقى الأفكار وتتلاقح الآراء، ويُثمر عن نتائج بنّاءة تعود بالنفع إلى الأُمّة الإسلامية، ولعلّ على هذا ورد في بعض الآثار انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «اختلاف أُمّتي رحمة» فالمراد من هذا الاختلاف هو جانبه الإيجابي، المؤدّي إلى الوصول إلى الحقيقة.

وثمة وجه مشترك بين الاختلاف والشكّ، فكما أنّ الشكّ قنطرة إلى اليقين فكذلك الاختلاف الموضوعي هو القنطرة الأُخرى لنيل الحقيقة شريطة أن لا يراوح في مكانه بل يتجاوزه إلى اليقين.

فلأجل هذه الغاية طرحت هذه المسائل على طاولة البحث، ليكون حافزاً للمفكرين على مناقشة هذه المسائل في ظل إقامة مؤتمر فقهي يجمع كافة المذاهب الإسلامية حتّى ينفض عن وجهها غبار الاختلاف المضني، ويتجلى وجه الحقيقة بأنصع صورها ولا ينال هذا الهدف إلاّ بإزالة العراقيل أمام الجهود المخلصة للوصول إلى الحقّ.

وهذه العراقيل عبارة عن ضرورة التعرف على جذور الاختلاف ومحاولة استئصالها على ضوء المنهج الموضوعي بعيداً عن التعصب المقيت.

وقد دونت هذه البحوث لتكون خطوة متواضعة للوقوف على جذور الاختلاف كي يُبان الحقُ ويُتَّبع، ويأتي ذلك في ضمن فصول:


(355)

الفصل الأوّل

أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ
هم المرجع العلمي للمسلمين بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

إنّ الإمامية ـ كما تصدر عن الكتاب والسنّة في مجالي العقيدة والشريعة ـ كذلك تصدر عن أحاديث أئمّة أهل البيت وترى قولهم وفعلهم وتقريرهم حجّة، وهذا لا يعني أنّ أحاديثهم، حجّة ثالثة، في عرض الكتاب والسنّة أو أنّهم أنبياء يوحى إليهم كما ربّما يتخيّله من ليس له إلمام بعقائدهم وأُصولهم، بل العترة الطاهرة لما كانوا وعاة علمه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحفظة سنّته، وخلفاءه بعده، يحكون بقولهم وأفعالهم وتقريرهم، سنّة النبي الأكرم، فالاحتجاج بأحاديثهم، احتجاج في الحقيقة بحديث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكلامه.ولأجل إيضاح الموضوع، نأتي بتفصيل ذلك:

أئمّة الشيعة أوصياء الرسول

اتّفقت الشيعة على أنّ الأئمّة الاثني عشر أوصياء الرسول، وأنّهم أئمّة الأُمّة وأحد الثقلين اللَّذين أوصى بهما رسول اللّه في غير موقف من المواقف، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي» والحديث من التواتر بمكان أغنانا عن


(356)

ذكر مصادره، ويكفي في ذلك ما نشرته دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة في هذا المجال.

إنّ الشيعة الإماميّة كسائر المسلمين مؤمنون بعالمية رسالة النبيّ الأكرم كما هم مؤمنون بخاتمية رسالته، مستدلين بقوله سبحانه: (ما كانَ مُحمَّدٌ أَبا أَحَد مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً) (1).

وقوله سبحانه: (وإنّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ * لا يأتِيهِ الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفهِ تَنْزِيلٌ مِنَ حَكِيم حَميد) (2) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.

إنّ خاتمية رسالة النبي الأكرم من الأُمور الدينية الضرورية تكفّل لبيانها الذكر الحكيم والأحاديث المتضافرة التي بلغت حدّ التواتر، منها قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عندما خرج إلى غزوة تبوك فقال له علي: أأخرج؟ فقال: لا ، فبكى علي، فقال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».(3)

وهذا علي أمير المؤمنين أوّل الأئمّة الاثني عشر قال وهو يلي غسل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «بأبي أنت وأُمّي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والأنباء وأخبار السماء». (4)

وفي كلام آخر له: «أمّا رسول اللّه فخاتم النبيّيـن ليس بعده نبيّ ولا رسول،


1 . الأحزاب: 40.
2 . فصّلت: 41ـ42.
3. أمالي الصدوق : 29; معاني الأخبار: 94 وغيرها من المصادر الشيعية ولاحظ صحيح البخاري: 6/3 باب غزوة تبوك.
4. نهج البلاغة: الخطبة 129.


(357)

وختم رسول اللّه الأنبياء إلى يوم القيامة» .(1)

ونكتفي في هذه العجالة بهذا المقدار من النصوص فمن أراد أن يقف على نصوص الأئمّة الاثني عشر على ختم النبوّة وانقطاع الوحي وسدّ باب التشريع بعد رحلة الرسول، فعليه الرجوع إلى الجزء الثالث من كتابنا «مفاهيم القرآن» فقد جاء فيه قرابة (134) نصّاً من النبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين في ذلك المجال.

إنّ فقهاء الشيعة حكموا بارتداد من أنكر عالمية الرسالة، أو خاتميتها، فلأجل ذلك فالبابية والبهائية وهكذا القاديـانية مرتـدّون عنـدهم ارتـداداً فطريـاً أو ملّيّاً (2) أحياناً، وهذه كتبهم الفقهية في باب الحدود وأحكام المرتد وغير ذلك.

هذا قليل من كثير اكتفينا به لتبيين عقيدة الشيعة في حقّ الرسول الأعظم وأنّهم عن بكرة أبيهم معتقدون بعالمية رسالة الرسول وخاتميته، ولم ينحرفوا عن هذا الخط قيد شعرة، ويظهر ذلك من المرور على الكتب الاعتقادية المدوّنة من بداية القرن الثالث الهجري إلى عصرنا هذا، فقد ألّفوا مئات الكتب والرسائل، بل الموسوعات الكبيرة حول العقائد الإسلامية وهي بين مخطوطة ومطبوعة منتشرة في العالم وهذه كتبهم ومكتباتهم وجامعاتهم العلمية، وخطباؤهم ومنشوراتهم الرسمية لا تجد فيها كلمة تشير إلى نبوّة غير النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أو بنزول الوحي على غيره فلا محيص عن القول بأنّ هذه النظرية الخاطئة، استنبطها البعض من خلال أُمور لا دلالة لها على ما يرتئيه ولا بأس بالإشارة إلى بعض هذه الأُمور التي كانت


1 . نهج البلاغة : الخطبة 230; مجالس المفيد: 527; بحار الأنوار : 22/ 527.
2 . المرتد الملّـي: عبارة عن من لم يكن أحد والديه مسلماً حين انعقاد نطفته، كما إذا كان الوالدان كتابيين فأسلم الولد بعد البلوغ ثم ارتدّ.


(358)

سبباً لهذا الوهم، وقد ألمح إليها بعض دكاترة العصر من المستهترين وهي لا تتجاوز أمرين:

1. حجّية أحاديثهم وأفعالهم.

2. القول بعصمتهم من الإثم والخطأ.

وإليك تحليل هذين الأمرين :


(359)

1
حجّية أقوال العترة الطاهرة

إنّ الشيعة يتعاملون مع أحاديث العترة الطاهرة كالتعامل مع أحاديث النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فلولا كونهم أنبياء أو طرفاً للوحي فكيف تكون أحاديثهم حجّة؟

الجواب: إنّ الشيعة الإمامية تأخذ بأقوالهم للأُمور التالية:

ألف: إنّ النبيّ الأكرم هو الذي أمر المسلمين قاطبة بالأخذ بأقوال العترة حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ...» (1) فالتمسّك بأحاديثهم وأقوالهم امتثال لقول الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهو لا يصدر إلاّ عن الحق، فمن أخذ بالثقلين فقد تمسّك بما ينقذه من الضلالة، ومن أخذ بواحد منهما فقد خالف الرسول.

ب : نرى أنّ الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يأمر الأُمّة بالصلاة على آل محمد في الفرائض والنوافل، والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يذكرون العترة بعد النبيّ الأكرم في تشهّدهم ويصلّون عليهم مثل الصلاة عليه، والفقهاء وإن


1 . ربّما يروى عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وسنّتي. ولا تعارض بين الخبرين، غير أنّ الأوّل متواتر دون الثاني والأوّل مسند، والثاني مرسل نقله الإمام مالك في موطئه، وأين هو من حديث العترة الذي أطبق المحدّثون على نقله؟! والتفصيل موكول إلى محلّه.


(360)

اختلفوا في صيغة التشهّد ولكنّهم لا يختلفون في لزوم الصلاة على النبي وآله وفيها يقول الإمام الشافعي:

يا أهل بيت رسول اللّه حبّكمُ * فرض من اللّه في القرآن أنزلهُ
كفاكمُ من عظيم الشأن أنّكمُ * من لم يصلّ عليكم لا صلاة لهُ

فلو لم يكن للعترة شأن ومقام في مجال هداية الأُمّة ولزوم الاقتفاء بهم، فما معنى جعل الصلاة عليهم فريضة في التشهّد وتكرارها في جميع الصلوات ليلاً ونهاراً، فريضة ونافلة؟

وهذا يعرب عن سرّ نقف عليه من خلال أمر النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في هذا المجال، وهو أنّ لآل محمّد شأناً خاصّاً في الأُمور الدينية والقيادة الإسلامية أظهرها: أنّ أقوالهم وآراءهم حجّة على المسلمين، وأنّ لهم المرجعية الكبرى بعد رحلة الرسول، سواء أكان في مجال العقيدة والشريعة أم في مجال آخر.

ج: إنّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شبـّه العتـرة الطاهـرة بسفينة نوح، وأنّه من ركبها نجا، وأنّ مـن تخلّف عنها غرق(1). وهو يدلّ على حجّية أقوالهم وأفعالهم.

إلى غير ذلك من الوصايا الواردة في حقّ العترة التي نقلها أصحاب الصحاح والمسانيد، ومن أراد فليرجع إلى مصادرها.

فالمسلم المؤمن بصحّة هذه الوصايا لا يشك في حجّية أقوال العترة سواء أعلم مصدر علومهم أم لم يعلم. قال سبحانه: (وما كانَ لِمُؤْمِن ولا مُؤْمِنة إذا قَضى اللّهُ ورَسولُهُ أمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَـرةُ مِنْ أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (2).


1 . مستدرك الحاكم: 2/151; الخصائص الكبرى: 2/266; الصواعق: 191، الباب 12 .
2 . الأحزاب:36.


(361)

ومع ذلك كلّه نحن نشير إلى بعض مصادر علومهم حتى يتّضح أنّ حجية أقوالهم لا تدلّ على أنّهم أنبياء أو فوّض إليهم أمر التشريع:

1. السماع عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

إنّ الأئمّة يروون أحاديث رسول اللّه سماعاً منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، إمّا بلا واسطة أو بواسطة آبائهم، ولأجل ذلك ترى في كثير من الروايات أنّ الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ يقول: حدثني أبي، عن أبيه، عن زين العابدين، عن أبيه الحسين بن علي، عن عليّ أمير المؤمنين، عن الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . وهذا النمط في الروايات كثير في أحاديثهم، وقد تضافر عن الإمام الصادق أنّه كان يقول: «حديثي، حديثأبي، وحديث أبي حديث جدّي» ،فعن هذا الطريق تحمّلوا أحاديث كثيرة عن الرسول الأكرم وبلّغوها، من دون أن يعتمدوا على الأحبار والرهبان، أو على أُناس مجاهيل، أو شخصيات متسترة بالنفاق وهذا النوع من الأحاديث ليس بقليل.

2. كتاب عليّ ـ عليه السَّلام ـ :

يرجع قسم آخر من أحاديثهم إلى ما أخذوه عن كتاب الإمام أمير المؤمنين بإملاء رسول اللّه وخطّ عليّ، وقد أشار أصحاب الصحاح والمسانيد إلى بعض هذه الكتب. (1)

فقد كان لعليّ كتاب خاص بإملاء رسول اللّه وقد حفظته العترة الطاهرة وصدرت عنه في مواضع كثيرة ونقلت نصوصه في موضوعات مختلفة، وقد بثّ الحر العاملي في موسوعته الحديثية، أحاديث ذلك الكتاب حسب الكتب الفقهية


1 . مسند أحمد: 1/81; صحيح مسلم: 4/217; السنن الكبرى: 8/26 نقلاً عن الإمام الشافعي.


(362)

من الطهارة إلى الديات ومن أراد فليرجع إلى تلك الموسوعة.

وقال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عندما سئل عن الجامعة؟ فقال: «فيها كل ما يحتاج الناس إليه وليس من قضية إلاّ فيها حتى أرش الخدش» .

وكان كتاب علي مصدراً لأحاديث العترة الطاهرة يرثونه واحداً بعد آخر وينقلون عنه ويستدلّون به على السائلين.

وهذا هو أبو جعفر الباقرـ عليه السَّلام ـ يقول لأحد أصحابه ـ أعني حمران بن أعين ـ وهو يشير إلى بيت كبير: «يا حمران إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخطّ عليـ عليه السَّلام ـ وإملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لو ولّينا الناس لحكمنا بما أنزل اللّه لم نعدوا ما في هذه الصحيفة».

وهذا هو الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ يعرّف كتاب عليـ عليه السَّلام ـ بقوله: «فهو كتاب طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من فلق فِيهِ وخطّ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ بيده، فيه واللّه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة حتى أنّ فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة».

ويقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «إنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخطّ عليـ عليه السَّلام ـ بيده، ما من حلال ولا حرام إلاّ وهو فيها حتى أرش الخدش».

ويقول أبو جعفر الباقرـ عليه السَّلام ـ لبعض أصحابه : «يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ » (1).


1 . وقد جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الأثر حول كتب الإمام عليّ في موسوعته «بحار الأنوار»: 26/18 ـ 66 تحت عنوان «باب جهات علومهم وما عندهم من الكتب» فلاحظ الباب، الحديث 12،1، 10، 30.


(363)

3. الاستنباط من الكتاب والسنّة:

المصدر الثالث لأقوالهم، هو إمعانهم في الكتاب والسنّة وتدبّرهم فيهما، فاستخرجوا من المصدرين الرئيسيين ما يخصّ العقيدة والشريعة بصورة يقصر عنها أكثر الأفهام، وهذا هو الذي جعلهم متميّزين بين المسلمين بالوعي والدقّة والفهم، وخضع لهم أئمّة الفقه في مواقف شتّى حتى قال الإمام أبو حنيفة بعد تتلمذه على الإمام الصادق «سنتين»: لولا السنتان لهلك النعمان. ولأجل ذلك كانوا يستدلّون على كثير من الأحكام عن طريق الكتاب والسنّة ويقولون: «ما من شيء إلاّ وله أصل في كتاب اللّه وسنّة نبيّه».

أخرج الكليني باسناده عن عمر بن قيس عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله وجعل لكلّ شيء حدّاً. وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً».

أخرج الكليني باسناده عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: «مامن شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة» .

وأخرج عن سماعة عن أبي الحسن موسى ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه».(1)

ومن وقف على الأحاديث المروية عنهم يقف على أنّهم كيف يستدلّون على الأحكام الإلهية عن المصدرين بفهم خاص ووعي متميّـز يبهر العقول، ويورث


1 . راجع الكافي : 1/59ـ62«باب الرد إلى الكتاب والسنّة» تجد فيه أحاديث تصرّح بما ذكر، والمراد منها أُصول الأحكام وجذورها لا فروعها وجزئياتها.


(364)

الحيرة. ولولا الخوف من الإطالة لنقلت في المقام نماذج من ذلك ونكتفي ببيان موردين:

1. قُدِّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يُضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكّل إلى الإمام الهادي يسأله، فلمّـا قرأ الكتاب، كتب: يُضرب حتى يموت، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم (فَلَمّـا رَأَوا بَأْسَنا قَالوا آمَنّا باللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْـرِكينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُم لَمّا رَأَوْا بَأسَنا سُنّتَ اللّهِ الَّتي قَدْ خَلَتْ فِـي عِبادِهِ وَخَسِـرَ هُنالِكَ الكافِرون) (1) فأمر به المتوكّل فضرب حتى مات. (2)

إنّ الإمام الهادي ببيانه هذا شقّ طريقاً خاصّاً لاستنباط الأحكام من الذكر الحكيم، طريقاً لم يكن يحلم به فقهاء عصره، وكانوا يزعمون أنّ مصادر الأحكام الشرعية هي الآيات الواضحة في مجال الفقه التي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، وبذلك أبان للقرآن وجهاً خاصّاً لدلالته ، لا يلتفت إليه إلاّ من نزل القرآن في بيته، وليس هذا الحديث غريباً في مورده، بل له نظائر في كلمات الإمام وغيره من آبائه وأبنائه ـ عليهم السَّلام ـ .

2. لمّا سمّ المتوكّل نذر للّه: إن رزقه اللّه العافية أن يتصدّق بمال كثير، أو بدراهم كثيرة. فلمّـا عوفي اختلف الفقهاء في مفهوم «المال الكثير» فلم يجد المتوكّل عندهم فرجاً، فبعث إلى الإمام عليّ الهادي فسأله؟ قال: يتصدق بثلاثة وثمانين ديناراً، فقال المتوكل: من أين لك هذا؟ فقال: من قوله تعالى: (لَقَدْ


1 . غافر: 84 ـ85.
2 . مناقب آل أبي طالب: 4/405.


(365)

نَصَرَكُمُ اللّهُ فِـي مَواطِنَ كَثِيرَة...). (1)

والمواطن الكثيرة: هي هذه الجملة، وذلك لأنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غزا سبعاً وعشرين غزوة، وبعث خمساً وخمسين سرية، وآخر غزواته يوم حنين، وعجب المتوكل والفقهاء من هذا الجواب. (2)

وقد ورد عن طريق آخر أنّه قال «بثمانين» مكان «ثلاثة وثمانين» وذلك لأنّ عدد المواطن التي نصر اللّه المسلمين فيها إلى يوم نزول هذه الآية كان أقلّ من ثلاثة وثمانين. (3)

4. الإشراقات الإلهية:

إنّ هناك مصدراً رابعاً لأحاديثهم نعبّـر عنه بالإشراقات الإلهية، وأيّ وازع من أن يخصّ سبحانه بعض عباده بعلوم خاصّة يرجع نفعها إلى العامّة من دون أن يكونوا أنبياء، أو معدودين من المرسلين، واللّه سبحانه يصف مصاحب موسى بقوله: (فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمةً من عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْما) ولم يكن المصاحب نبيّاً بل كان وليّاً من أولياء اللّه سبحانه وتعالى بلغ في العلم والمعرفة مكاناً حتى قال له موسى ـ وهو نبيّ مبعوث بشريعة ـ: (هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدا). (4)

يصف سبحانه وتعالى جليس سليمان ـ آصف بن برخيا ـ بقوله: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّـا رَآه مُسْتَقِرّاً


1 . التوبة:25.
2 . تذكرة الخواص: 202.
3. مناقب آل أبي طالب: 4/402.
4. الكهف: الآية 66.


(366)

عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّـي).(1)

وهذا الجليس لم يكن نبيّاً، ولكن كان عنده علم من الكتاب، وهو لم يحصّله من الطرق العاديّة التي يتدرّج عليها الصبيان والشبان في المدارس والجامعات، بل كان علماً إلـهياً أُفيض إليه لصفاء قلبه وروحه، ولأجل ذلك ينسب علمه إلى فضل ربّه ويقول: (هذا من فضل ربّي) .

تضافرت الروايات على أنّ في الأُمّة الإسلامية ـ مثل الأُمم السابقة ـ رجالاً مخلصين محدَّثين تفاض عليهم حقائق من عالم الغيب من دون أن يكونوا أنبياء، وإن كنت في شكّ من ذلك فارجع إلى ما رواه أهل السنّة في هذا الموضوع.

روى البخاري في صحيحه: لقد كان في من كان قبلكم من بني إسرائيل يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أُمّتي منهم أحد فعمر. (2)

قال القسطلاني ليس قوله: «فإن يكن» للترديد بل للتأكيد كقولك: إن يكن لي صديق ففلان، إذ المراد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء.

وإذا ثبت أنّ هذا وجد في غير هذه الأُمّة المفضولة فوجوده في هذه الأُمّة الفاضلة أحرى .(3)

وأخرج البخاري في صحيحه بعد حديث الغار: عن أبي هريرة مرفوعاً: أنّه قد كان فيما مضى قبلكم من الأُمم محدَّثون إن كان في أُمّتي هذه منهم فإنّه عمر ابن الخطاب. (4)


1 . النمل:40.
2 . صحيح البخاري: 2/149.
3. إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 6/ 99.
4. صحيح البخاري: 2/171.


(367)

قال القسطلاني في شرحه: قال المؤلف: يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوّة. (1)

وقال الخطابي: يُلقى الشيء في روعه، فكأنّه قد حُدِّث به يظن فيصيب، ويخطر الشيء بباله فيكون، وهي منزلة رفيعة من منازل الأولياء.

وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : قد كان في الأُمم قبلكم محدَّثون فإن يكن في أُمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخطاب منهم.

ورواه ابن الجوزي في «صفة الصفوة» وقال: حديث متّفق عليه. (2)

وأخرجه أبو جعفر الطحاوي في «مشكل الآثار» بطرق شتى عن عائشة وأبي هريرة، وأخرج قراءة ابن عباس: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدّث. قال: معنى قوله محدَّثون أي ملهمون، فكان عمر ـ رضى اللّه عنه ـ ينطق بما كان ينطق ملهماً. (3)

قال النووي في شرح صحيح مسلم: اختلف تفسير العلماء للمراد بمحدّثون فقال ابن وهب: ملهمون، وقيل: مصيبون إذا ظنّوا فكأنّهم حُدِّثوا بشيء فظنّوه. وقيل: تكلّمهم الملائكة، وجاء في رواية: مكلّمون. وقال البخاري: يجري الصواب على ألسنتهم وفيه إثبات كرامات الأولياء.

وقال الحافظ محبّ الدين الطبري في «الرياض» : ومعنى «محدّثون ـ واللّه أعلم ـ أي يلهمون الصواب، ويجوز أن يحمل على ظاهره وتحدّثهم الملائكة لا


1 . إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 5/431.
2 . صفة الصفوة: 1/104.
3. مشكل الآثار: 2/257.


(368)

بوحي وإنّما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة» .(1)

قال القرطبي: محدَّثون ـ بفتح الدال ـ اسم مفعول جمع محدَّث ـ بالفتح ـ أي ملهم أو صادق الظن، وهو من أُلقي في نفسه شيء على وجه الإلهام والمكاشفة من الملأ الأعلى، أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد، أو تكلّمه الملائكة بلا نبوّة، أو من إذا رأى رأياً أو ظنّ ظنّاً أجاب كأنّه حدّث به، وأُلقي في روعه من عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له، وهذه كرامة يكرم اللّه بها من شاء من عباده، وهذه منزلة جليلة من منازل الأولياء.

فإن يكن من أُمّتي منهم أحد فإنّه عمر، كأنّه جعله في انقطاع قرينة في ذلك كأنّه نبيّ، فلذلك أتى بلفظ «إن» بصورة التردّد. قال القاضي: ونظير هذا التعليق في الدلالة على التأكيد والاختصاص قولك: إن كان لي صديق فهو زيد، فإنّ قائله لا يريد به الشكّ في صداقته بل المبالغة في أنّ الصداقة مختصّة به لا تتخطّاه إلى غيره. (2)

فإذا كان في الأُمم السالفة رجال بهذا القدر والشأن فلِمَ إذاً لا يكون بين الأُمّة الإسلامية رجال شملتهم العناية الإلهية فأحاطوا بالكتاب والسنّة إحاطة كاملة يرفعون حاجات الأُمّة في مجال العقيدة والتشريع.

فمن زعم أنّ مثل هذه الإفاضة تساوق النبوّة والرسالة، فقد خلط الأعم بالأخصّ فالنبوّة منصب إلهيّ يقع طرفاً للوحي يسمع كلام اللّه تعالى ويرى رسول الوحي، ويكون إمّا صاحب شريعة مستقلّة أو مروّجاً لشريعة من قبله.

وأمّا الإمام: وهو الخازن لعلوم النبوّة في كل ما تحتاج إليه الأُمّة من دون أن


1 . الرياض: 1/199.
2 . لاحظ للوقوف على سائر الكلمات حول المحدَّث، كتاب الغدير: 5/42 ـ 49.


(369)

يكون طرفاً للوحي أو سامعاً كلامه سبحانه أو رائياً للملك الحامل له. ولإحاطته بعلوم النبوّة طرقاً أشرنا إليها.

ومن التصوّر الخاطئ: الحكم بأنّ كل من أُلهم من اللّه سبحانه أو كلّمه الملك فهو نبيّ ورسول، مع أنّ الذكر الحكيم يعرّف أُناساً، أُلهموا أو رأوا الملك ولم يكونوا بالنسبة إلى النبوّة في حلّ ولا مرتحل.

هذه أُمّ موسى يقول في حقّها سبحانه: (وَأَوْحَيْنَا إلى أُْمِّ مُوسى أنْ أرْضِعيهِ فإِذا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِـي ولا تَحْزَني إنَّا رادُّوهُ إليكِ وَجَاعلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ) . (1)

أفصارت أُمّ موسى بهذا الإلهام نبيّة من الأنبياء؟

وهذه مريم البتول، تكلّمها الملائكة من دون أن تكون نبيّة قال سبحانه: (وإذْ قالَتِ الملائِكَةُ يا مَريمُ إنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ*يا مَرْيمُ اقْنُتِـي لِرَبِّكِ... ).(2)

بلغت مريم العذراء مكاناً شاهدت رسول ربّها المتمثَّل لها بصورة البشر قال سبحانه: (فَأََرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنا فَتَمثَّلَ لَهَا بَشَـراً سَوِيّاً * قَالتْ إنّي أعُوذُ بالرَّحمنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إنَّما أنّا رَسُولُ رَبِّكِ لأِهَبَ لَكِ غُلامَاً زَكِيّاً * قَالتْ أنّى يكُونُ لي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسنِي بَشرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَليَّ هَيـِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيّاً).(3)

نرى أنّ مريم البتول رأت الملك وسمعت كلامه ولم تصبح نبيّة ولا رسولة، فمن تدبّر في الكتاب والسنّة يقف على أبدال شملتهم العناية الإلهية وقفوا على أسرار الشريعة ومكامن الدين بفضل من اللّه سبحانه من دون أن يصيروا أنبياء.


1 . القصص: 7.
2 . آل عمران:42ـ 43.
3. مريم: 17ـ21.


(370)

2
عصمة الأئمّة الاثني عشر

إنّ القول بعصمة الأئمّة الاثني عشر وقعت ذريعة لتخيّل أنّهم أنبياء، زاعمين بأنّ العصمة تساوي النبوّة، غافلين عن أنّها أعمّ من النبوّة وإليك البيان:

العصمة: قوّة تمنع صاحبها من الوقوع في المعصية والخطأ، حيث لا يترك واجباً، ولا يفعل محرّماً مع قدرته على الترك والفعل، وإلاّ لم يستحقّ مدحاً ولا ثواباً، وإن شئت قلت: إنّ المعصوم قد بلغ في التقوى حدّاً لا تتغلّب عليه الشهوات والأهواء، وبلغ من العلم في الشريعة وأحكامها مرتبة لا يخطأ معها أبداً.

وليست العصمة شيئاً ابتدعته الشيعة وإنّما دلّهم عليها في حق العترة الطاهرة كتاب اللّه وسنّة رسوله، أمّا الكتاب:

فقد قال سبحانه: (إنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا)(1)وليس المراد من الرجس إلاّ الرجس المعنوي وأظهره هو الفسق.

وأمّا السنّة فنذكر بعضها:


1 . الأحزاب:33.


(371)

1ـ قال الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «عليٌّ مـع الحـقّ والحـقّ مع عليّ يـدور مـعه كيفما دار». (1) ومن دار معه الحقّ كيفما دار محال أن يعصي أو أن يخطأ.

2ـ وقال الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّ العترة: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً». (2) فإذا كانت العترة عدل القرآن، تصبح معصومةً كالكتاب، لا يخالف أحدهما الآخر وليس القول بعصمة العترة بأعظم من القول بكون الصحابة كلّهم عدول.

ولا أظنّ أن يرتاب فيما ذكرنا أحد، إلاّ أنّ اللازم التعرّف على أهل بيته عن طريق نصوص الرسول الأكرم فنقول: من هم العترة وأهل البيت؟

لا أظنّ أنّ أحداً، قرأ الحديث والتاريخ، يشكّ في أنّ المراد من العترة وأهل البيت لفيف خاصّ من أهل بيته، ويكفي في ذلك مراجعة الأحاديث التي جمعها ابن الأثير في جامعه عن الصحاح، و نكتفي بالقليل من الكثير منها.

روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: لمّـا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ وَنِساءَنَا وَنِساءَكُمْ ... ) الآية، دعا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عليّاً، وفاطمة ، وحسناً، وحسيناً، فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».

وروى أيضاً عن أُمّ سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ: إنّ هذه الآية نزلت في بيتي: (إنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا) .

قالت: وأنا جالسة عند الباب، فقلت: يا رسول اللّه، ألستُ من أهل البيت؟ فقال: إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول اللّه. قال: وفي البيت رسول اللّه،


1 . حديث مستفيض، رواه الخطيب في تاريخه: 14/321، والهيثمي في مجمعه: 7/236.
2 . حديث متواتر أخرجه مسلم في صحيحه والدارمي في فضائل القرآن وأحمد في مسنده: 2/114 وغيرهم.


(372)

وعليّ، وفاطمة، وحسن ، وحسين، فجلّلهم بكسائه وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً».

وروي أيضاً عن أنس بن مالك: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يمرُّ بباب فاطمة إذاخرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية قريباً من ستة أشهر، يقول: «الصلاة أهل البيت»: (إنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا) .

وروى مسلم عن زيد بن أرقم قال: قال يزيد بن حيّان : انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم، إلى زيد بن أرقم ، فلمّـا جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصلّيت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدّثنا يازيد ما سمعت من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟

قال: يا ابن أخي واللّه، لقد كبر سنّي، وقدم عهدي، فما حدّثتكم فاقبلوا ومالا فلا تكلّفونيه. ثم قال: قام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً، بين مكّة والمدينة، فحمد اللّه وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال:

«أمّا بعد، ألا أيّها الناس، إنّما أنّا بشر ، يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به ـ فحثّ على كتاب اللّه ورغّب فيه، ثمّ قال:ـ وأهل بيتي، أُذكّركم اللّه في أهل بيتي، أُذكّركم اللّه في أهل بيتي، أُذكّركم اللّه في أهل بيتي».

فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: وأيم اللّه، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته


(373)

الذين حرموا الصدقة بعده. (1)

3. روى المحدّثون عن النبيّ الأكرم أنّه قال: «إنّما مثل أهل بيتي في أُمّتي، كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق». (2)

فشبّه ـ صلوات اللّه عليه وآله ـ أهل بيته بسفينة نوح في أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ أُصوله وفروعه منهم نجا من عذاب النار، ومن تخلّف عنهم كان كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه غير أنّ ذاك غرق في الماء وهذا في الحميم.

فإذا كانت هذه منزلة علماء أهل البيت (فأنّى تصرفون)؟

يقول ابن حجر في صواعقه: «ووجه تشبيههم بالسفينة: أنّ من أحبّهموعظّمهم، شكراً لنعمة مشرّفهم وأخذاً بهدي علمائهم، نجا من ظلمة المخالفات. ومن تخلّف عن ذلك ، غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان». (3)


1 . لاحظ فيما نقلناه من الأحاديث، جامع الأُصول: 1/ 100 ـ103 الفصل الثالث، من الباب الرابع.
2 . مستدرك الحاكم:2/151; الخصائص الكبرى: 2/266. وللحديث طرق ومسانيد كثيرة من أراد الوقوف عليها، فعليه بتعاليق إحقاق الحق: 9/270ـ 293.
3. الصواعق: 191 الباب 11. يقول سيدنا شرف الدين في مراجعاته:
راجع كلامه هذا لماذا لم يأخذ ـ ابن حجر ـ بهدي أئمتهم في شيء من فروع الدين وعقائده، ولا في شيء من أُصول الفقه وقواعده، ولا في شيء من علوم السنّة والكتاب، ولا في شيء من الأخلاق والسلوك والآداب؟ ولماذا تخلّف عنهم، فأغرق نفسه في بحار كفر النعم، وأهلكها في مفاوز الطغيان ؟! لاحظ المراجعات:25، المراجعة8.


(374)

عصمة الإمام في الكتاب

وممّا يدلّ على عصمة الإمام على وجه الإطلاق قوله سبحانه: (أطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِـي الأمْرِ مِنْكُمْ).(1)

والاستدلال مبنيّ على دعامتين:

1. إنّ اللّه سبحانه أمر بطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق، أي في جميع الأزمنة والأمكنة وفي جميع الحالات والخصوصيات، ولم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشيء كما هو مقتضى الآية.

2. إنّ من البديهي أنّه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان (ولا يَرضى لعبادِهِ الكُفرَ).

من غير فرق(2) بين أن يقوم به العباد ابتداءً من دون تدخّل أمر آمر أو نهي ناه، أو يقومون به بعد صدور أمر ونهي من أُولي الأمر.

فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين: وجوب إطاعة أُولي الأمر على وجه الاطلاق وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان، وأن يتّصف أُولو الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق، بخصوصية ذاتية وعناية إلهية ربّانية، تصدّهم عن الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة. وليس هذا إلاّ عبارة أُخرى عن كونهم معصومين، وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت العناية، لما صحّ الأمر بإطاعتهم على وجه الاطلاق ولما صحّ الأمر بالطاعة بلا قيد وشرط. فيستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة.


1 . النساء:59.
2 . الزمر:7.


(375)

هذه الآية تدلّ على عصمة من أمر اللّه بطاعتهم ولا تحدد مصداق المعصوم الواجب طاعته، ولكن اتّفقت الأُمّة على عدم عصمة غير النبي والأئمّة الاثني عشر، فلا محيص عن انطباقه عليهم لئلاّ تخلو الآية عن المصداق.

وممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره ويطيب لي أن أذكر نصّه حتى يمعن فيه من يعشق الحقيقة قال:

«إنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع، لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيٌ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحدبالاعتبار الواحد، وأنّه محال فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم وثبت أنّ كلّ من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً».(1)

وهذه الأدلّة والبراهين على لزوم اتّباع أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لا تبقي شكّاً لمشكّك ولا جدلاً لمجادل، ويفرض على المسلمين الرجوع إليهم فيما لا نصّ فيه في كتاب أو سنّة، ولكن ـ مع الأسف الشديد ـ نجد انّ جماهير أهل السنّة ولجوا كلّ باب إلاّ باب أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في الأُصول والفروع حتّى بلغ الأمر إلى حد أثار تعجب الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الأسبق من عدول أهل السنة عنهم، والتوجه إلى غيرهم ويقول:«فما ندري لماذا عدل أهل القبلة عن أئمّة أهل البيت


1 . مفاتيح الغيب: 10/144.


(376)

فلم يتعبدوا بمذاهبهم في شيء من الأُصول والفروع، ولاوقفوا في المسائل الخلافية عند قولهم، ولا كان علماء الأُمّة يبحثون عن رأيهم، بل كانوا يعارضونهم في المسائل النظرية ولا يبالون بمخالفتهم، وما برح عوام الأُمّة خلفاً عن سلف يرجعون في الدين إلى غير أهل البيت بلا نكير».(1)


1 . المراجعات: المراجعة17.


(377)

الفصل الثاني

الصحابة
والمرجعية العلميّة بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

إنّ الصحابة هم الذين رأوا نور الوحي واستضاءوا به، وصحبوا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجاهدوا بين يديه ونشروا الإسلام وحملوا رايته خفّاقة، كما تعلّموا منه العقيدة والشريعة في ظل تعلم القرآن والسنّة، وأخذ منهم الخلف، فلهم حقّ كبير على الأُمّة في حفظ الشريعة ونشرها.

ومع أنّهم بذلوا جهوداً كبيرة في تعلّم الدين وأحكام الشريعة ومعالمها ومعارفها، ولكنّهم لم يستوعبوا كلّ ما تحتاج إليه الأُمّة عبْر القرون، فهم وإن أخذوا من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ معالم دينهم ولكنّهم لم يبلغوا مستوى يؤهّلُهم لرفع حاجات الأُمّة في مختلف العصور.

ولعلّ القارئ يتلقّى ما ذكرنا دعوة بلا برهان نظراً للقداسة التي حظي بها الصحابة عبر القرون على نحو عرفوا بمراجع الدين في العقيدة والشريعة.

ولكنّه فكرة مرفوضة، لأنّ التاريخ يشهد على خلافه، وإليك نماذج من تلك الشواهد.


(378)

1
الإفتاء بالرأي

إنّ ردّ الفرع إلى الأصل، واستخراج حكم الواقعة من الأُصول الكلية، ليس إفتاءً بالرأي وإنّما هو إفتاء بالدليل وبالكتاب والسنّة، غاية الأمر انّ الكتاب أدلى، والسنّة أشارت إلى القاعدة، والمستنبط يستخرج حكم الواقعة الجزئية من الضوابط الكلية، وهذا هو الاجتهاد الصحيح الذي هو رمز بقاء الشريعة ولولاه لما قامت لخاتمية الإسلام دعامة، ومن أنكره فإنّما ينكره بلسانه ويذعن به بقلبه.

إنّ الإفتاء بالمقاييس الظنية التي لم تثبت حجيتها بدليل قاطع هو الإفتاء بالرأي، والصحابة بعد رحيل النبي إذا لم يجدوا في الواقعة المستجدة دليلاً من الكتاب والسنّة أفتوا بتلك المقاييس، وربّما تشاوروا فأخذوا بالرأي الراجح المظنون انّه حكم اللّه سبحانه، ومن المعلوم أنّ الإفتاء بهذا النوع من الرأي، ليس إفتاءً بحكم اللّه سبحانه، بل أشبه بالأحكام الوضعية الرائجة في الغرب غاية الأمر انّهم كانوا يلتجئون إلى هذا النوع من الحكم بعد اليأس عن وجود دليل في الكتاب والسنّة، وإليك شواهد على ذلك.

1. عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب اللّه، فإن وجد فيه ما يَقْضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعُلِمَ عن رسول اللّه في ذلك الأمر سنّة قضى بها، فإن أعياه خرج، فسأل المسلمين،


(379)

فقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلّهم يذكر عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيه قضايا، فيقول أبو بكر: الحمد للّه الذي جعل فينا من يحفظ علينا علم نبيّنا، فإن أعياه ان يجد فيه سنّة عن رسول اللّه، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به.(1)

وهذا اعتراف صريح من الخليفة بأنّ السنّة النبوية التي وعاها الصحابة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانت غير وافية بالحاجات الفقهية، ولذلك كان يعمد إلى الأخذ بالرأي والمقاييس الظنيّة لاستنباط حكم الموضوع، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الصحابة لم يكونوا بمنزلة، تجعلهم مصادر الحكم ومراجع الدين على نحو تكون الشريعة مخزونة عندهم، بل كانوا كسائر الناس في عدم المعرفة بالمستجدات وما ليس فيه نص معين وإن كانوا يتفاوتون عن الآخرين بصحبتهم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأخذهم عنه قسماً من معالم الدين حسب ما سمح لهم الوقت.

2. نصب عمر بن الخطاب شريحاً قاضي بالكوفة وأوصاه على النحو التالي:

إن جاءك شيء من كتاب اللّه، فاقض به ولا يُلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب اللّه، فانظر سنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب اللّه ولم تكن في سنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب اللّه ولم يكن في سنّة رسول اللّه ولم يتكلّم فيه أحد قبلك فاختر أيّ الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد برأيك فتُقدِّم، وإن شئت ان تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخير إلاّ خيراً لك.(2)


1 . دائرة المعارف لفريد وجدي:3/212، مادة جهد.
2 . دائرة المعارف لفريد وجدي:3/212مادة جهد.


(380)

فالمراد من قوله: «ان تجتهد برأيك» هو العمل بالمقاييس الظنية التي لم يدل عليه دليل، وإلاّ فلو كان هناك دليل لما كان هناك حاجة إلى الرأي.

وممّا يدلّ على أنّ العمل بالرأي لم يكن عملاً بالدليل الشرعي، بل كان تخلّصاً من المأزق، انّ الإمام علياً ـ عليه السَّلام ـ لما ولـّى شريحاً على القضاء، اشترط عليه ألاّ ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه، وما ذلك إلاّ لأجل انّ الإمام كان واقفاً بأنّ بعض المعايير التي يقضي على ضوئها شريح، ليست معايير شرعية فلذلك اشترط عليه العرض.(1)

3. يقول عبداللّه بن مسعود: أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك، وان اللّه قد قدر من الأمر ان قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء بعد اليوم، فليقض فيه بما في كتاب اللّه عزّ وجلّ، فإن جاءه ما ليس في كتاب اللّه فليقض بما قضى به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فإن جاءه ما ليس في كتاب اللّه ولم يقض به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فليقض فيه بما قضى به الصالحون، ولا يقل إنّي أخاف وإنّي أرى.(2)

وزاد مؤلف كتاب «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية»: فإن جاء أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيُّه ولم يقض به الصالحون، فليجتهد برأيه فإن لم يحسن فليقم ولا يستحيي.(3)

فهو على النصّ الأوّل نهي عن الإفتاء بالرأي، بخلاف النصّ الثاني فقد أجاز الإفتاء به.

4. كان ابن عباس إذا سئل عن أمر: فإن كان في القرآن أخْبِر به، وإن لم


1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب صفات القاضي، الحديث6.
2 . دائرة المعارف لفريد وجدي:3/212ـ 213، مادة جهد.
3. تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية:177.


(381)

يكن في القرآن وكان عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أخْبِر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن، كان فيه رأيه.(1)

إنّ هذه العبارات ونظائرها من الاعترافات، تستطيع أن تكشف عن مدى قصور الصحابة في أخذ التعاليم والأحكام الإسلامية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

فهي تكشف بوضوح عن أنّ الصحابة كانوا يواجهون وقائع وحوادث جديدة لا يجدون لها حلولاً في الكتاب الكريم أو في ما تلقُّوه من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولذلك كانوا يحاولون استنباط حلول لها من غير الكتاب والسنّة.

نحن لا نلومهم في أخذ الرأي لوقوفهم على قصور ما بأيديهم من مصادر التشريع عن إغنائهم من الإفتاء بالرأي، كيف وكلّ الأحاديث الصحيحة التي نقلها أعلام السنّة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الفروع لا تتجاوز500 حديث.

قال السيد محمد رشيد رضا: إنّ أحاديث الأحكام والأُصول 500 حديث تمدّها أربعة آلاف فيما أذكر.(2)

وما ذكره من الممدّات، هي آثار موقوفة على الصحابة، أو مراسيل، لا يحتج بها.

وقال في تفسير المنار: يقولون إنّ مصدر القوانين الأُمة، ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب والسنّة كما قرره الإمام الرازي، والمنصوص قليل جداً.(3)

كيف يقول: إنّ مصدر القوانين في غير المنصوص هو الأُمّة أو ليس سبحانه وتعالى يقول: (اليَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً).(4)


1 . دائرة المعارف لفريد وجدي:3/213.
2 . الوحي المحمدي:217.
3. تفسير المنار:5/189.
4. المائدة:3.


(382)

ويصرح به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في خطابه التاريخي في حجة الوداع إذ يقول: « أيّها الناس واللّه ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النارإلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلاّ وقد نهيتكم عنه».(1)

وقد أكد الإمام عليـ عليه السَّلام ـ على هذه الحقيقة أي اكتمال الدين وغناء الأُمّة عن الرجوع إلى القوانين الوضعية التي مصدرها رأي نواب الأُمّة، وقال: «أم أنزل اللّه سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل اللّه سبحانه ديناً تاماً فقصّر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن تبليغه وأدائه، واللّه سبحانه يقول: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)وفيه تبيان لكلّ شيء».(2)

فإذا كان اللّه قد أكمل دينه فلا نقصان فيه، والرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يقصِّر عن تبليغه وأدائه، وكانت الصحابة عاجزة عن حل المعضلات الجديدة التي تواجهها في حياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فمن المرجع والمفزع للمسلمين عند ذاك؟

ترى أنّ الكتاب والسنّة يحكمان بكمال الدين في كلّ ما تحتاج إليه الأُمّة إلى يوم القيامة في الأُصول والفروع، في الحوادث الفعلية ، أو المستجدة وعندئذ كيف يمكن القول بأنّ مصدر القوانين هو الأُمّة وما هذه إلاّ امتداد لنفس الفكرة في عصر الصحابة لكن بنحو آخر حيث قام رأي الأُمّة، مكانَ رأي الصحابي واجتهاده وسعيه في بيان حكم الواقعة.

إلى هنا تبيّن انّ الصحابة ـ مع الاعتراف بفضلهم ـ لم يستوعبوا الأحكام الشرعية ولذلك التجأوا إلى العمل بالرأي.

وهناك شواهد أُخرى على العمل بالرأي أعرضنا عن ذكرها مخافة الإطناب.


1 . الكافي:2/74.
2 . نهج البلاغة: الخطبة رقم18.


(383)

2
اعتراف الصحابة بقصور علمهم بالشريعة

إنّ هناك شواهد تاريخية تحفل بها كتب التاريخ والمعاجم على قصور علم جُلّ الصحابة عن الإحاطة بالأحكام ولذلك يرجع بعضهم إلى بعض، وربما لا ينتهي إلى نتيجة ونذكر هنا نماذج :

1. روى ابن عساكر في تاريخه عن أبي عبيدة(بن عبد اللّه بن مسعود) قال: أرسل عثمان إلى أبي يسأله عن رجل طلّق امرأته ثمّ راجعها حين دخلت في الحيضة الثالثة، فقال أبي: وكيف يفتي منافق؟ فقال عثمان: نعيذك باللّه أن تكون منافقاً، ونعوذ باللّه أن نسمّيك منافقاً، ونعيذك باللّه أن تكون مثل هذا، قال: أولى أنّه إذاً أحقّ بها مالم تغتسل من الحيضة الثالثة، وتحل لها الصلاة.

قال: لا أعلم عثمان إلاّ أخذ بذلك.(1)

وذيل الرواية يدلّ على أنّ عثمان لم يكن جازماً بصحة ما أفتى به ابن مسعود و لكنّه أخذ به لأجل الضرورة، فإذا كان هذا حال من جلس على منصَّة الحكم فما ظنك بغيره.

2. روى ابن عساكر في تاريخه عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: أنّه أُتي في فريضة ابني عم، أحدهما أخ لأُمّ فقالوا: أعطاه ابن مسعود المال كلّه، فقال: يرحم اللّه ابن مسعود، إن كان لفقيهاً لكني أعطيه سهم الأخ من الأُمّ من قبل أُمّه،


1 . تاريخ مدينة دمشق:33/150.


(384)

ثمّ أقسم المال بينهما.(1)

3. روى ابن عساكر في تاريخه عن أبي عمرو الشيباني قال: أتى رجل ابن مسعود، فقال: في حجري بنت عم لي، وإن امرأتي خافتني عليها فأرضعتْها، فقال: سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم، أبا موسى، فقال: حُرِّمتْ عليك، قال: إنّه لا يقول شيئاً، لا أُحرّم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم والدم، فأتيت أبا موسى فذكرت ذلك له، فقال: لا تسألوني عن شيء مادام هذا الحبر بين أظهركم، فواللّه لقد رأيته، وما رأيته إلاّ عبد آل محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

4. روى ابن عساكر في تاريخه عن ابن عطية قال:

جاء رجل إلى أبي موسى فقال: إنّ امرأتي ورم ثديها فمصصتُ فدخل حلقي شيء فسبقني، فشدّد عليه أبو موسى فأتى ابن مسعود فقال: سألت أحداً غيري، قال: نعم، أبا موسى، فشدّد عليّ وقال: فأتى أبا موسى، فقال له: أرضيع هذا؟ فقال أبو موسى: لا تسألون مادام هذا الحبر بين أظهركم.(3)

هذا حال أبي موسى الأشعري الصحابي الكبير الذي اختير حكماً في وقعة صفين!!

ويظهر من غير واحد من الروايات انّ عبد اللّه بن مسعود كان يختلف مع زيد بن ثابت في الفتيا والقراءة وقد قالوا: إنّ زيد بن ثابت أفرض الصحابة.

5. روى ابن عساكر عن أبي وائل عن عبد اللّه قال: لقد أخذتُ من في رسول اللّه بضعاً وسبعين سورة وانّ زيد بن ثابت له ذؤابة يلعب مع الغلمان.(4)


1 . تاريخ مدينة دمشق:33/151.
2 . تاريخ مدينة دمشق:33/151.
3. تاريخ مدينة دمشق:33/152.
4. تاريخ مدينة دمشق:33/135.


(385)

6. وفي رواية أُخرى خطب ابن مسعود على المنبر فقال: (ومن يغلل يأت بما غُلَّ يوم القيامة غُلّو)(1) مصاحفكم، كيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت؟ وقد قرأت من في رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بضعاً وسبعين سورة، وانّ زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، واللّه ما نزل من القرآن إلاّ وأنا أعلم في أيّ شيء نزل، ما أحد أعلم بكتاب اللّه مني، وأما أنا خيركم،ولو أعلم مكاناً تبلغه الإبل أعلم بكتاب اللّه مني لأتيته.

قال أبو وائل: فلمّا نزل عن المنبر جلست في الحِلَق فما أحد ينكر ما قال.(2)

وكم في غصون التاريخ شواهد كثيرة على اختلاف الصحابة بعضهم مع بعض في التشريع والقراءة وغير ذلك، وهذا إن دل فإنّما يدلّ على عدم استيعابهم لأحكام الشريعة ومعالم الدين، فكيف يكونوا مراجع الأحكام ومصادر التشريع ومنابع الحكم بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟!


1 . آل عمران:161.
2 . تاريخ مدينة دمشق:33/136.


(386)

3
قلة معرفتهم بالأحكام

إنّ تاريخ الفقه سجل أُموراً يكثر بها الابتلاء ومع ذلك لم يكن عند الصحابة حلول واضحة لها، لذلك تشبّثوا بالمقاييس والظنون ولنذكر أمثلة:

1. لقد شغلتْ مسألةُ العول بالَ الصحابة فترة من الزمن، ويُعنى به أن تقصر التركة عن سهام ذوي الفروض و لا تقصر غالباً إلاّ بدخول الزوج أو الزوجة في الورثة كما في المثال التالي:

إذا ترك الميت زوجة وأبوين وبنتين، ففرض الزوجة هو الثمن، وفرض الأبوين هو السدسان، وفرض البنتين الثلثان مع أنّ التركة لا تسع للثمن والسدسين والثلثين.

أو إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأُختين للأب، ففرض الزوج النصف، وفرض الأُختين الثلثان، فحينئذ زادت السهام عن التركة.

وقد واجه الصحابة هذه المسألة، فاختلفوا على قولين:

أ: إدخال النقص على من له فريضة واحدة في القرآن وذلك كالأب والبنتين والأُختين دون من له فريضتان في الكتاب لاستحالة أن يجعل اللّه في المال ثمناً وسدسين وثلثين، كما أنّه محال أن يجعل فيه نصفاً وثلثين وإلاّ كان المشرع جاهلاً أو عابثاً، تعالى عن ذلك. وهذا ما كان عليه الإمام عليـ عليه السَّلام ـ وحبر الأُمّة


(387)

ابن عباس وغيرهما.

ب: ما اختاره الخليفة عمر بن الخطاب بعد ما تحيّر وقال: واللّه ما أدري أيّكم قدَّم اللّه وأيكم أخّر، ولكنّي لا أجد شيئاً هو أوسع لي من أن أقسم المال عليكم بالحصص وادخل على ذي حقّ ما أدخل عليه من عول الفريضة.(1)

وكم لهذه المسألة (العول)من نظير في حياة الصحابة:

2. سأل رجل عمر بن الخطاب عن رجل طلق امرأته في الجاهلية تطليقتين وفي الإسلام تطليقة، فهل يحسب ذلك ثلاثَ تطليقات؟ فقال عمر: لا آمرك ولا أنهاك، وقد احتاط الخليفة في الإفتاء وعمل بالوظيفة لكن ابنه عبد الرحمن بن عمر، قال: لكنّي آمرك ليس طلاقك في الشرك بشيء.(2)

ولم يذكر دليل حكمه وقضائه.

3. روى الشعبي قال: اختلف علي و ابن مسعود وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان و ابن عباس في جد و أُمّ وأُخت لأب وأُمّ; فقال علي: للأُخت النصف، وللأُمّ الثلث، وللجدّ السدس; وقال ابن مسعود: للأُخت النصف، وللأُمّ السدس، وللجدّ الثلث; وقال عثمان: للأُمّ الثلث، وللأُخت الثلث، وللجدّ الثلث; وقال زيد: هي على تسعة أسهم، للأُمّ الثلث ثلاثة، وما بقي فثلثان للجدّ، والثلث للأُخت; وقال ابن عباس: للأُمّ الثلث، وما بقي فللجد وليس للأُخت شيء.(3)

4. روى عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج


1 . أحكام القرآن للجصاص:2/114.
2 . كنز العمال:5/161.
3. كنز العمال:11/68.


(388)

وأبوين؟ فقال: للزوج النصف، وللأُمّ الثلث ممّا بقي، وللأب الفضل، فقال ابن عباس: أفي كتاب اللّه وجدتَه أم رأي تراه؟ قال: رأي أراه، لا أرى ان أُفضل أُمّاً على أب، وكان ابن عباس يجعل لها الثلث من جميع المال.(1)

5. ورد عن طريق أهل السنّة انّ زيد بن ثابت أفرض الصحابة.(2)

ولكن روى بكير بن أعين من أصحاب الإمام الباقرـ عليه السَّلام ـ قال: دخل رجل على أبي جعفر الباقرـ عليه السَّلام ـ فسأله عن امرأة تركت زوجها واخوتها لأُمّها وأختاً لأب، قال أبو جعفر: «للزوج النصف ثلاثة أسهم، وللإخوة من الأُم الثلث سهمان، وللأُخت للأب سهم» فقال له الرجل : فإنّ فرائض زيد وابن مسعود وفرائض العامة والقضاة على غير ذا يا أبا جعفر، يقولون: للأب والأُمّ ثلاثة أسهم نصيب من ستة يعول إلى ثمانية؟ فقال أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ :«ولم قالوا ذلك؟» قال: لأنّ اللّه قال: (وله أُخت فلها نصف ما ترك).

فقال أبو جعفر: «فما لكم نقصتم الأخ إن كنتم تحتجون بأمر اللّه فإنّ اللّه سمّى لها النصف وإن اللّه سمّى للأخ الكل، فالكلّ أكثر من النصف، فإنّه قال: (فلها النصف) وقال للأخ:(وهو يرثها)يعني جميع المال إن لم يكن لها ولد، فلا تعطون الذي جعل له الجميع في بعض فرائضكم شيئاً وتعطون الذي جعل اللّه له النصف تاماً».(3)

6. أُتي عمر بن الخطاب بخمسة نفر أُخذوا في زنا، فأمر أن يقام على كلّ


1 . المصدر نفسه:43.
2 . السنن الكبرى:6/210.
3. البحار:101/346، الباب5 من أبواب الميراث، ح25.


(389)

واحد منهم الحدّ، وكان أمير المؤمنين على ـ عليه السَّلام ـ حاضراً، فقال: «يا عمر، ليس هذا حكمَهم» قال عمر: فأقم أنت عليهم الحكم. فقدّم واحداً منهم فضرب عنقه، وقدّم الثاني فرجمه حتى مات، وقدّم الثالث فضربه الحدّ، وقدّم الرابع فضربه نصف الحدّ، وقدّم الخامس فعزّره. فتحيّر الناس وتعجّب عمر!!

فقال: يا أبا الحسن خمسة نفر في قضية واحدة، أقمت عليهم خمس حكومات (أي أحكام) ليس فيها حكم يُشبه الآخر؟

فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :«نعم، أمّا الأوّل، فكان ذمياً وخرج عن ذمّته فكان الحكم فيه السيف.

وأمّا الثاني: فرجل محصن قد زنا فرجمناه.

وأمّا الثالث: فغير محصن، زنا فضربناه الحد.

وأمّا الرابع: فرجل عبد زنا فضربناه نصف الحدّ.

وأمّا الخامس: فمجنون مغلوب على عقله عزّرناه».

فقال عمر: لاعشت في أُمّة لست فيها يا أبا الحسن.(1)

هذه نماذج قليلة من الموارد التي لم يرد فيها نصّ صريح، وقد واجهتها كبار الصحابة بعد وفاة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعجزوا عن حلّ معضلاتها ممّا يدلّ بوضوح على أنّه لو كان الصحابة مستوعبين لكلّ أحكام الشريعة وأبعادها، لأجابوا عليها دون تحير أو تردد. ويثبت انّ المرجع العلمي على الإطلاق، أعني: الذين يعلمون كلّ الأحكام بلا تحيّر وتردد، غيرهم.


1 . الكافي:7/265، الحديث26.


(390)

4
اختلافهم فيما يكثر الابتلاء به

إنّ أدلّ دليل على عدم استيعابهم للسنّة النبوية، اختلافهم في أبسط المسائل التي يعمل بها المسلمون كلّ يوم وليلة، أعني: كيفية صلاة الميت، فهل يصلى عليه بخمس أو بالأربع فقد قال زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان انّها خمس تكبيرات(1)، وقد كبر عليّـ عليه السَّلام ـ على سهل بن حنيف خمساً.(2)

وكان أصحاب معاذ يكبرون على الجنازة خمساً.(3) وعليه أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، وقال الإمام الباقرـ عليه السَّلام ـ كبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (4) خمساً.

وسئل الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن التكبير على الميت فقال خمس.(5)

وقال الفقهاء الأربعة والثوري والأوزاعي و داود وأبو ثور التكبير أربع، ورووه عن الحسن بن علي ـ عليهما السَّلام ـ وأخيه محمد بن الحنفية، وعمر، وابن عمر، وزيد، وجابر، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وعتبة بن عامر، وعطاء بن أبي رباح، لأنّ


1 . المجموع:5/231.
2 . المغني:2/387; الشرح الكبير:2/349نقلاً عن سعيد في سننه.
3. سنن البيهقي:4/37; مصنف ابن أبي شيبة:3/303.
4. التهذيب:3/315، الحديث 977.
5. الكافي:3/184، الحديث3.


(391)

رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نعى النجاشي للناس وكبّر بهم أربعاً.(1)

وفي مقابل هاتين الطائفتين قال محمد بن سيرين(2)وأبو الشعثاء جابر بن زيد انّه يُكبّر ثلاثاً، ورواه الجمهور عن ابن عباس.(3)

وقال عبد اللّه بن مسعود: يكبر ما كبر الإمام أربعاً وخمساً وسبعاً وتسعاً.(4)

وعن أحمد روايات: إحداها: يكبر أربعاً، والأُخرى يتابع الإمام إلى خمس، وأُخرى يتابعه إلى سبع.(5)

ومن حاول أن يقف على اختلافهم في عدد التكبيرات على الميت فليرجع إلى «السنن الكبرى» للبيهقي فقد جمع عدداً كبيراً من الروايات الواردة حول التكبير على الميت تحت باب عدد التكبير في صلاة الجنائز والبابين التاليين.(6) وإذا كان هذا حال هذه المسألة فما ظنك بسائر المسائل التي لا يكثر الابتلاء بها.

ولا يقتصر اختلافهم عند هذا الحد بل تعداه إلى الاختلاف في تفسير الآيات التي تتضمن بيان الأحكام، فلنأت بنماذج:

1. قال سبحانه في آية الوضوء:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلى الْمَرافِقِ وَامْسَحَوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلى الْكَعْبَيْنِ).(7)


1 . صحيح البخاري:2/92و 112; صحيح مسلم:2/656 و 951; سنن الترمذي:3/342; سنن أبي داود:3/212; سنن النسائي:4/72; والموطأ:1/226.
2 . المجموع:5/231; المحلى:5/127 .
3. المغني:2/389; المجموع:5/231; المحلّى:5/127.
4. المغني:2/388.
5. المغني:2/387ـ 388; الشرح الكبير بهامش المغني:2/349; المجموع:5/231.
6. سنن البيهقي:4/35ـ 38.
7. المائدة:6.


(392)

وقد تضاربت الآراء في فهم هذه الآية، وصارت الأُمّة إلى قولين:

فمن عاطف لفظ «أرجلكم» على الرؤوس فيحكم على الأرجل بالمسح.

ومن عاطف له على الأيدي فيحكم على الأرجل بالغسل، فأي الرأيين هو الصحيح؟!

2. لقد حكم اللّه تعالى على السارق والسارقة بقطع الأيدي، حيث قال: (وَالسّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما).(1)

وقد اختلفت الأُمّة في مقدار القطع وموضع اليد.

فمن قائل: انّ القطع من أُصول الأصابع دون الكف وترك الإبهام، كما عليه الإمامية وجماعة من السلف.

ومن قائل: انّ القطع من الكوع، وهو المفصل بين الكف والذراع، كما عليه أبو حنيفة ومالك والشافعي.

ومن قائل: انّ القطع من المنكب كما عليه الخوارج.(2)

هذه نماذج من اختلافاتهم في حقل التفسير.


1 . المائدة:38.
2 . راجع الخلاف للطوسي كتاب السرقة:184.


(393)

5
المرجع العلمي وأصناف الصحابة

نفترض انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ارتحل وجعل أصحابه المرجع العلمي بعده لاستنطاق الكتاب والسنّة وبيان معالم الشريعة، ولكن الصحابة كانوا على أصناف.

فصنف منهم هم المهاجرون والأنصار أهل الجهاد والإنفاق.

وصنف آخر يشمل الأعراب والطلقاء والمنافقين.

فهل المرجع العلمي هو صنف خاص أو يعم جميع الأصناف؟

فعلى الأوّل ما هو سماتهم وصفاتهم، وعلى الثاني فيعم الأعراب والطلقاء والمنافقين و من رأى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مرّة واحدة، فهل يمكن أن يكون هؤلاء مراجع العلم؟!

وحصيلة الكلام :انّه لو كانت المرجعية العلمية بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو أصحابه لكان على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يحدّدهم صنفاً و وصفاً.

ثمّ إنّ طائفة كبيرة من الصحابة اتهموا بالنفاق وقد سجّل وصفهم بالنفاق في المعاجم، كما أنّ طائفة كبيرة منهم لم يُحسنوا الصحبة ومع ذلك كيف يكونون مراجع الفتياء؟! نظير:

1. احمد بن قيس الأنصاري، قيل انّه صاحب الجمل الأحمر، وقد قال في


(394)

حقّه النبي: كلّكم مغفور له إلاّ صاحب الجمل الأحمر. رواه مسلم.(1)

2. الحرقوص بن زهير السعدي شهد الرضوان لكنّه كان رأس الخوارج، وهو الذي قال للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إعدل يا محمد.

3. الحارث بن سويد بن الصامت، عدّه ابن حزم من المتهمين بالنفاق ويظهر له براءته فقد شهد بدراً لكنّه قتل المجذر بن زياد يوم أحد لثأر جاهلي فأمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقتل الحارث بالمجذر.

4. العرنيون الذين قتلهم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جزاء على فعلهم بقتل بعض الرعاة وسرقة الإبل، كانوا قد صحبوا قبل الحديبية.

5. محلم بن جثامة، وقد قال فيه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اللّهم لا تغفر لمحلم بن جثامة، ولم يكن منافقاً لكنّه قتل صحابياً متعمّداً.

6.مقيس بن صبابة، قتل نفساً مؤمنة فأهدر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ دمه، فقتل في فتح مكة.

7. عبد اللّه بن خطل، كان صحابياً ثمّ ارتد ولحق بمكة وقتل يوم فتح مكة.

8. المغيرة بن شعبة، اتّهم بالنفاق في غزوة الطائف، وساءت سيرته بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

9. مدعم مولى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي غلّ من غنائم خيبر.

10.كركرة مولى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غلّ من غنائم خيبر أيضاً.

11. سمرة بن جندب، لم يؤثر عنه نفاق لكنّه أساء السيرة بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فكان يبيع الخمر ويقتل البشر ويُرضي معاوية في سخط الخالق.


1 . صحيح مسلم، ح8، كتاب صفات المنافقين، ص 123، وليس في الرواية ما يدلّ على انّه كان منافقاً، وإنّما ذكره مسلم في ذلك الباب لصيانة عدالة الصحابة


(395)

12. عبيد اللّه بن جحش الأسدي كان من السابقين إلى الإسلام ومن مهاجرة الحبشة لكنّه تنصّر بالحبشة.

13. الحارث بن ربيعة بن الأسود القرشي افتتن وارتد بمكة.

14. علي بن أُميّة بن خلف افتتن بمكة.

15. العاص بن المنبه بن الحجاج افتتن بمكة وقتل ببدر مع المشركين.

16. الوليد بن عقبة الذي وصفه القرآن الكريم بالفسق في سورة الحجرات عند قوله: (يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بنبأ فتبيَّنُوا).(1)

17. مسلم بن عقبة الأشجعي الذي أباح القتل والنهب في المدينة المنورة ثلاثة أيام في سنة 63هـ.

18. بسر بن أبي أرطاة الذي ذبح ولدي عبيد اللّه بن العباس.

19. معاوية بن أبي سفيان رأس الفئة الباغية وهو الذي قال في حقّه النبي مخاطباً عمار: «ويح عمار، تقتلك الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار».

20. أبو الغالية قاتل عمار.(2)

هذه نماذج من الصحابة الذين لم يُحسنوا الصحبة، وأمّا ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنينَ)(3) وقوله:(محمّدٌ رسولُ اللّهِ والّذِينَ مَعَه).(4)

وقول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ اللّه اطّلع على أهل بدر ـ إن كان الخبر صحيحاً ـ فكلّه مشروط بسلامة العاقبة، ولا يجوز أن يخبر الحكيم فرداً غير معصوم بأنّه لا عقاب عليه فليفعل ما شاء.

وبعبارة أُخرى: كلّ ما ورد من الثناء على المهاجرين والأنصار في الكتاب


1 . الحجرات:6.
2 . لاحظ كتاب : الصحبة والصحابة: 182ـ 184.
3. الحجرات:18.
4. الحجرات:29.


(396)

العزيز فإنّما هو ثناء على مجموعهم لا على كلّ فرد فرد منهم وإن تبيّن فسقه وبانت زلّته، وكم له في الذكر الحكيم من نظير:

1. انّه سبحانه أثنى على بني إسرائيل في غير واحد من الآيات وقال: (يا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الّتي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ عَلى الْعالَمين).(1)

2. وقال تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنّا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمين).(2)

فليس لأحد أن يستدل بهذه الآيات على تنزيه كلّ فرد من بني إسرائيل.

3. وقال تعالى في حقّ أُمّة نبينا:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تََأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ).(3)

فالآية تصف الأُمة المرحومة بأنّها خير أُمّة ولكنّها ليست بصالحة للاستدلال على صلاح كلّ مسلم وفلاحه، وهل كلّ فرد من آحاد الأُمّة كذلك؟!

ونحن لم نزل نسمع عن كلّ من يحاول اثبات عدالة كلّ صحابي الاستدلال بهذه الآيات ولكنّهم غفلوا عن نكات:

الأوّل: انّ الآيات نزلت في حقّ المهاجرين والأنصار، فأين هي من الأعراب والطلقاء والمرتدين والمنافقين المندسين في الصحابة؟!

الثانية: انّها ثناء على مجموعة ولا يخص كلّ فرد فرد منهم، مثلاً إذا أُثني على الأُمة العربية فإنّما يراد المجموعة من الأُمة لا كلّ فرد فرد حتّى أُولئك الخونة الذين باعوا الأراضي الإسلامية بثمن بخس.


1 . البقرة:47.
2 . الجاثية:16.
3. آل عمران:110.


(397)

6
المرجع العلمي وعدم تدوين الحديث
و
تفرق الصحابة

إنّ مرجعية الصحابة بعد رحيل النبي في حلّ المشاكل والمعضلات الطارئة في مختلف الأصعدة، بمعنى مرجعية سنّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التي حدّث بها النبي أو شوهد منه فعل أو تقرير، ولكنّها إنّما تُزيح العلة وترفع حاجات الأُمّة إذا كانت مدونة في ضمن صحف ورسائل حتّى يتيسّر رجوع بغاة العلم وأهل الفتيا إليها، ولكنّها ـ و للأسف ـ لم تكن مدونة في عصره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بل حالت الخلافة، بينها و بين تدوينها قرابة قرن ونصف ـ فبعد ما بلغ السيل الزُّبى واندرس العلم وأُبيد معظمُ الصحابة والتابعين فعند ذلك وقف المسلمون على الرزيّة الكبرى التي مُنوا بها، فعادوا يتداركونه ببذل جهود حثيثة في تقييد شوارد الحديث.

يقول ابن الأثير: لما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الاقطار، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرّق أصحابهم وأتباعهم وقلّ الضبط، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة ولعمري انّها الأصل، فانّ الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يُهمِل والعلم يحفظ ولا


(398)

ينسى.(1)

يقول الذهبي:«في سنة مائة وثلاثة وأربعين شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطّأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنّف أبو إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي ـ إلى أن قال ـ و قبل هذا العصر كان الأئمة يتكلّمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.(2)

أفيصحّ في منطق العلم، اتهام صاحب الرسالة بعدم وضع ضمانات لازمة لحلّ العويصات التي تطرأ على المجتمع الإسلامي في هذه الفترة الطويلة، فإذا لم يصحّ فما هي الضمانات اللازمة فيها، وهل هناك مرجع آخر، غير العترة الطاهرة الذين هم حَفَظة سُننه ورواةُ أحاديثه، وعيبة علمه.

وهناك مشكلة أُخرى وهي عدم حضور أكثر الصحابة في عامة القضايا والوقائع التي يقضي فيها النبي ويُفتي أو يحدّث أو يقرر، لأنّ أكثر الصحابة كانوا على النعت الذي يصفهم به ابن حزم ويقول: مشاغيل في المعاش، وتعذر القوت عليهم لجهد العيش في الحجاز، وانّه كان يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط، وانّه إنّما قامت الحجة على سائر من لم يحضر بنقل من حضره وهم واحد أو اثنان.(3)


1 . جامع الأُصول:1/40.
2 . تاريخ الخلفاء للسيوطي:316.
3. الأُصول العامة للفقه المقارن: 166، نقلاً عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية :123، نقلاً عن ابن حزم.


(399)

هذا ويقول المحقّق الفقيد: السيد محمد تقي الحكيم بعد نقل هذا: و إذا صحّ هذا ـ وهو صحيح جدّاً، لأنّ التاريخ لم يحدثنا عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه كان يجمع الصحابة جميعاً، ويبلّغهم بكلّ ما يجد من أحكام، ولو تصورناه في أقواله فلا نتصوره في أفعاله وتقريراته وهما من السنّة ـ فماذا يصنع من يريد التمسك بسنّته من بعده ولنفترضه من غير الصحابة؟

أيظل يبحث عن جميع الصحابة ـ و فيهم الولاة والحكام، وفيهم القواد والجنود في الثغور ـ ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه من أحكام؟ أم يكتفي بالرجوع إلى الموجودين وهو لا يجزيه، لاحتمال صدور الناسخ أو المقيِّد أو المخصِّص أمام واحد أو اثنين ممّن لم يكونوا بالمدينة؟ والحجية ـ كما يقول ابن حزم ـ: لا تتقوّم إلاّ بهم.

والعمل بالعام أو المطلق لا يجوز قبل الفحص عن مخصِّصه أو مقيِّده، مادمنا نعلم أنّ من طريقة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في التبليغ هو الاعتماد على القرائن المنفصلة، فالإرجاع إلى شيء متشتّت وغير مدوّن تعجيز للأُمّة وتضييع للكثير من أحكامها الواقعية.

وإذا كانت هذه المشكلة قائمة بالنسبة إلى من أدرك الصحابة وهم القلة نسبياً، فما رأيكم بالمشكلة بعد تكثر الفتوح، وانتشار الإسلام، ومحاولة التعرف على أحكامه من قِبَل غير الصحابة من رواتهم، وبخاصة بعد انتشار الكذب والوضع في الحديث للأغراض السياسية أو الدينية أو النفسية؟

ومثل هذه المشكلة هل يمكن أن لا تكون أمامه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو المسؤول عن وضع الضمانات لبقاء شريعته مادامت خاتمة الشرائع؟!

إنّ الشيء الطبيعي أن لا يفرض أيَّ مصدر تشريعي على الأُمّة ما لم يكن


(400)

مدوّناً ومحدَّد المفاهيم، أو يكون هناك مسؤول عنه يكون هو المرجع فيه.

ومادمنا نعلم أنّ السنّة لم تدوّن على عهد الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وانّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منزّه عن التفريط برسالته، فلابدّ أن نفترض جعل مرجع تُحدَّد لديه السنّة بكلّ خصائصها.(1)

وليس هناك أي مرجع بهذا الوصف إلاّ العترة الطاهرة الذين هم أحد الثقلين، اللذين أُنيط بالتمسك بهما، النجاة من الضلالة في حديث الثقلين المتواتر أو المتضافر، وحديث السفينة الذي جاء فيه:«ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق».(2)


1 . الأُصول العامة للفقه المقارن: 167.
2 . مستدرك الحاكم:3/151.


(401)

الفصل الثالث

حجّية العقل
في مجالات خاصّة

إنّ الشيعة الإمامية أدخلت العقل في دائرة التشريع واعترفت بحجيته في الموارد التي يصلح له التدخل والقضاء فيها. فالعقل أحد الحجج الشرعية وفي مصافّ المصادر الأُخر للتشريع وبه يُكْشف الحكم الشرعي وتُبين وجهة نظر الشارع في مورده، وانّه من الممتنع أن يحكم العقل بشيء ولا يحكم الشرع على وفاقه أو يحكم بخلافه إذا كان الموضوع من المواضيع التي يصلح للعقل أن يقضي فيه، فالملازمة بين حكمي العقل والشرع حتمية.

ولا يهمّنا البحث في أنّ ما يدركه العقل في مورد، هل هو نفس الحكم الشرعي أو انّه يكشف عن نظر الشارع إذا توفّرت فيه الشروط التي اعتبرها الشارع في حجّية إدراكاته.

وإنّما المهم أن نقف على أنّ العقل احتلّ محلاً خاصاً في التشريع الإسلامي وانّ كلّ ما يحكم به العقل فكأنّه ينطق على لسان الشرع كالكتاب والسنّة، وعند ذلك يستند إليه الشارع في تبليغ أحكامه إلى الناس كما يستند إلى القرآن والسنّة.


(402)

وقد فتح هذا الاعتراف للإسلام بقاء وخلوداً، وجعله صالحاً للانطباق مع عامة الحضارات الإنسانية، وغدا التشريع الإسلامي في ضوئه ذا سعة وانطلاق وشمول لما يتجدد من الأحداث ولما يطرأ من الأوضاع الاجتماعية الجديدة.

هذا بخلاف ما إذا اعتبرناه عنصراً غريباً في صعيد التشريع وعزلناه عن الحكم ورفضنا كلّ ما يدركه من الأحكام العقلية المحضة، فانّه يؤدي إلى تجميد المخطط القانوني، وعدم صلاحيته للحكم والتطبيق في البيئات والظروف الاجتماعية المختلفة.

نعم ليس معنى الاعتراف بحجّية العقل، انّه يطلق سراحه في جميع المجالات حتّى يتاح له أن يتسرع في الحكم في مصالح الفرد والمجتمع وشكل العلاقات والروابط الاجتماعية والعبادات والأحكام التوقيفية.

بل يفسح له الحكم في مجالات خاصة إذا توفرت فيه الشرائط التي تصونه عن الاشتباه والخطأ و