welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الأنصاف في مسائل دام فيها الخلاف/ج2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الأنصاف في مسائل دام فيها الخلاف/ج2

بسم الله الرحمن الرحيم


(2)


(3)

الإنصاف
في مسائل دام فيها الخلاف

دراسات فقهية موجزة في مسائل احتدم فيها النقاش عبر القرون

الجزء الثاني

تأليف
الفقيه المحقّق آية الله

جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(4)

اسم الكتاب: الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف

الجزء: الثاني

المؤلف: آية الله جعفر السبحاني

الطبعة: الأُولى

المطبعة: اعتماد ـ قم

التاريخ: 1423 هـ . ق / 1381 هـ . ش

الكمية: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

الصفّ والإخراج باللاينوترون:مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

توزيع

مكتبة التوحيد

قم ـ ساحة الشهداء ـ تلفن 7745457 و 2925152، فاكس 2922331


(5)

المسائل الخلافيّة
و
دورها في الاستنباط

الحمد للّه الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه، والصلاة والسلام على أفضل خليقته وأشرف بريّته أبي القاسم محمد، وعلى خلفائه المبشّرين المعصومين، الموصوفين بكلّ جميل، ما تعاقب جيل بعد جيل.

أمّا بعد; فإنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة الّتي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وَصْمة محاباة أهل الكتابين، المؤدِّية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتّى اتّضحت الآراء، وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف.(1)

إنّ القرآن الكريم يُشيد بالوحدة، واتّفاق الكلمة والاعتصام بالعروة الوثقى،


1 . إبانة المختار لشيخ الشريعة الاصبهاني، نقله عن بعض الأعاظم: 10.


(6)

ورفض التشتّت والتفرّق، ويندِّد بالاختلاف والفرقة، يقول سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَتَفَرَّقُوا) .(1)

فهذا المقطع من الآية الكريمة بإيجازها يتكفّل بيان أمرين:

1. يأمر بتوحيد الكلمة والاعتصام بحبل اللّه.

2. يزجر عن التفرّق والتشتّت.

وهذان الأمران من الوضوح بمرتبة لايختلف فيهما اثنان.

ومع الاعتراف بذلك كلّه فاختلاف الكلمة إنّما يضرّ إذا كان صادراً عن ميول وأهواء، فهذا هو الّذي نزل الكتاب بذمّه في غير واحدة من آياته، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيء) (2)، ويقول: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)(3) ، فهؤلاء اختلفوا بعد ما تمّت عليهم الحجة وبانت لهم الحقيقة، فهذا النوع من الاختلاف آية الأنانية أمام الخضوع للحقائق الراهنة.

وأمّا إذا كان الاختلاف موضوعياً نابعاً عن حبِّ تحرّي الحقيقة وكشف الواقع، فهذا أمر ممدوح، وأساس للوصول إلى الحقائق المستورة، وإرساء لقواعد العلم ودعائمه.

إنّ الاختلاف بين الفقهاء أشبه بالخلاف الّذي وقع بين نبيّين كريمين: داود وسليمان ـ على نبينا وآله وعليهما السلام ـ في واقعة واحدة حكاها سبحانه في كتابه العزيز وقال: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ


1 . آل عمران: 103.
2 . الأنعام: 159.
3. آل عمران: 105.


(7)

وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمانَ وَكُلاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) .(1)

وكما آتى سبحانه لكلّ منهما حكماً وعلماً، فقد آتى لكلّ فقيه ربّاني فهماً وعلماً، يدفعه روح البحث العلمي إلى إجراء المزيد من الدقّة والفحص في الأدلّة المتوفّرة بين يديه، بُغية الوصول إلى الواقع، وهذا العمل بطبيعته يورث الاختلاف وتعدّد الآراء.

ولأجل ذلك نجم الاختلاف في الشريعة بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واتّسعت شقّته في القرن الثاني والثالث.

وقد اهتمّ كثير من العلماء منذ وقت مبكر بالمسائل الخلافية وصنّفوا فيها كتباً عديدة، جمعوا فيها آراء الفقهاء في مسائل خلافية إلى أن عادت معرفة العلم بالخلافيات علماً برأسه وأساساً لصحّة الاجتهاد، حتّى قيل: إنّ معرفة الأقوال في المسألة نصف الاستنباط. وإليك فيما يلي أسماء بعض الكتب الّتي أُلّفت في الخلافيات، فمن السنَّة:

1. «الموطّأ» للإمام مالك (المتوفّى 179هـ) يذكر فيه أقوال الفقهاء السابقين في مختلف أبوابه.

2. كتاب «الأُمّ» الّذي جمع فيه البويطي(المتوفّى231هـ) ثم الربيع المرادي(المتوفّى 270هـ) أقوال الإمام الشافعي، وقد ضمَّ فصولاً عديدة في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، واختلاف أبي حنيفة والأوزاعي، واختلاف الشافعي مع محمد بن الحسن.

3. «مسائل إسحاق الكوسج» قد تضمنت اختلاف الإمام أحمد مع معاصريه كابن راهويه وغيره.


1 . الأنبياء: 78ـ79.


(8)

4. «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام أبي عبد اللّه محمد بن نصر المروزي (202ـ294هـ) المطبوع بتحقيق الدكتور محمد طاهر حكيم، ط عام 1420هـ.

5. «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام أبي بكر محمد بن المنذر النيسابوري الشافعي (المتوفّى 309هـ).

6. «اختلاف الفقهاء» تأليف الإمام محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310هـ).

ذكر في كتابه اختلاف مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي حنيفة مع أبي يوسف ومحمد بن الحسن ثم أبي ثور، وذكر بعض فقهاء الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى المائة الثالثة، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، وحكي انّه سئل عن سبب ذلك؟ فقال: لم يكن أحمد فقيهاً وانّما كان محدِّثاً.

وقد لعب بالكتاب طوارق الحدثان ولم يبق منه إلاّ القليل يبتدأ بكتاب: «المدبّر فالبيوع والصرف والسلم والمزارعة والمساقاة والغصب والضمان»، والمطبوع من الكتاب مجلد واحد يشتمل على هذه الكتب.

7. «اختلاف العلماء» تأليف الإمام أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي (المتوفّى 321هـ) واختصره الإمام أبوبكر أحمد بن علي الجصّاص الحنفي (المتوفّى 370هـ) ونشره الدكتور محمد صغير حسن.

8. «اختلاف الفقهاء» تأليف محمد بن محمد الباهلي الشافعي (المتوفّى 321هـ).

9. «الخلافيات» للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (384ـ458هـ) ناقش فيه أدلّة الحنفية وانتصر لمذهب الشافعية. وطبعت بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان.

10. «اختلاف العلماء» تأليف أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي


(9)

الوزير (المتوفّى 555هـ).

هذه عشرة كاملة ذكرناها لإيقاف القارئ على أهمية معرفة الخلافيات وعناية الفقهاء بها. هذا مالدى السنّة وأمّا الشيعة فهي بدورها قد اهتمّت بهذا العلم أيضاً منذ عصر مبكِّر وألّفت فيه كتباً، نذكر منها مايلي:

1. كتاب «الاختلاف» لأبي عبد اللّه محمد بن عمر الواقدي (130ـ207هـ) ذكر ابن النديم: انّه كان يتشيّع، حسن المذهب، يلزم التقية، وقال: وكتاب «الاختلاف» يحتوي على اختلاف أهل المدينة والكوفة في الشفعة والصدقة والعمرى والرقبى والوديعة والعارية والبضاعة والمضاربة والغصب والسرقة والحدود والشهادات، وعلى نسق كتب الفقه ما يبقى.

2. «اختلاف الفقهاء» للقاضي أبي حنيفة نعمان بن أحمد المصري المغربي (المتوفّـى 363هـ) نقله ابن خلّكان عن ابن زولان في كتابه «أخبار مصر»، قال: إنّه ينتصر فيه لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وعبّر عنه في «كشف الظنون» باختلاف أُصول المذاهب.

3. «مسائل الخلاف في الفقه» للشريف المرتضى (355ـ436هـ) ذكره الشيخ الطوسي في «الفهرست». وقد أحال المصنّف إليها في كتاب «الناصريات».

4. «مسائل الناصريات» ألّفه الشريف المرتضى وفاءً لجده الناصر على الرغم من اختلاف المذهب بينهما، ويتجلّى فيه روح التفاهم والتسالم بين عالمين إماميّ وزيديّ، وهو لا يقتصر على المسائل الخلافية بين الإمامية والزيدية، بل يحتوي جلّ الخلافات الفقهية على مستوى المذاهب.

5. «الخلاف في الأحكام» لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460هـ) ويقال له «مسائل الخلاف» وهو مرتّب على ترتيب كتب الفقه، وقد صرح فيه بأنّه ألّفه بعد كتاب «التهذيب» و«الاستبصار» وناظر فيه المخالفين


(10)

جميعاً، وقد طبع مراراً.

6. «المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف» تأليف أمين الإسلام فضل بن الحسن الطبرسي (471ـ 548هـ) وقد لخّص به كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي ونشر في ثلاثة أجزاء، وأثبت هو في ذلك الكتاب انّ الخلاف بين الشيعة والسنّة في المسائل الفقهية ليس على نحو التباين، بل كثيراً مايوافق الشيعة مذهباً ويخالف مذهباً آخر، وهذا هو الأمر السائد في معظم المسائل الفقهية.

7. «خلاف المذاهب الخمسة في الفقه» للشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلّي (647ـ707هـ) صاحب كتاب الرجال المشهور برجال ابن داود.

8. «تذكرة الفقهاء» للعلاّمة حسن بن المطهر (648ـ726هـ) والكتاب مشحون بنقل أدلّة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وقد طبع قديماً، ويطبع حالياً طبعة جديدة محقّقة من قبل مؤسسة آل البيت ـ عليهم السَّلام ـ حيث صدر منه أكثر من 12 جزءاً.

9. «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» للعلاّمة الحلي وهو أفضل ما أُلّف في الفقه المقارَن نقلاً وتحقيقاً، يذكر آراء العلماء برحابة صدر ويناقش فيها، والكتاب من حسنات الدهر. وقد طبع قديماً وحديثا.

10. «مختلف الشيعة» له أيضاً وهو يختص ببيان اختلافات خصوص الشيعة في المسائل الفقهية، وقد طبع طبعات عديدة محقّقة.(1)

هذا بعض ما يمكن أن يذكر في المقام، ولعلّك تلمس بما ذكرناه اهتمام


1 . لاحظ للوقوف على أسماء هذه الكتب وميزاتها كشف الظنون: 1/64، مادة اختلاف; الذريعة: 1/360، مادة اختلاف و7/236، مادة خلاف; مقدّمة كتاب اختلاف الفقهاء للمروزي، والخلافيات للإمام البيهقي، واختلاف الفقهاء لأبي جعفر الطبري وغيرها.


(11)

العلماء بالخلافيات، وجدير بالذكر انّ الخلاف بين العلماء كان مرافقاً في الغالب برعاية أدب الخلاف وأُسلوب الحوار.

هذا البحث الموجز أوقفك على وجود الاختلاف في المسائل الفقهية في عصر الصحابة والتابعين والفقهاء إلى يومنا هذا، إلاّ أنّ الكلام في أسباب الاختلاف ودوافعه، فهناك أمران:

الأوّل: ماهو الحافز لاختلاف فقهاء السنّة فيما بينهم، فقد ذكر ابن رشد: انّ أسباب الاختلاف بين فقهاء السنّة، أُمور ستة:

الأوّل: تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع: أعني بين أن يكون اللفظ عامّاً يراد به الخاص، أو خاصّاً يراد به العام، أو عامّاً يراد به العام، أو خاصّاً يراد به الخاص، أو يكون له دليل خطاب، أو لا يكون له.

الثاني: الاشتراك الّذي في الألفاظ، وذلك إمّا في اللفظ المفرد كلفظ القرء الّذي يطلق على الأطهار وعلى الحيض، وكذلك لفظ الأمر الذي يحمل على الوجوب أو الندب، ولفظ النهي الذي يحمل على التحريم أو الكراهية، وإمّا في اللفظ المركب مثل قوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا)فإنّه يحتمل أن يعود على الفاسق فقط، ويحتمل أن يعود على الفاسق والشاهد، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف.

والثالث: اختلاف الإعراب.

والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز، التّي هي: إمّا الحذف، وإمّا الزيادة، وإمّا التقديم، وإمّا التأخير وإمّا تردده على الحقيقة أو الاستعارة.

والخامس: إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، مثل إطلاق الرقبة في العتق تارة، وتقييدها بالإيمان تارة.


(12)

والسادس: التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ الّتي يتلقى منها الشرع، الأحكام بعضها مع بعض، وكذلك التعارض الّذي يأتي في الأفعال أو في الإقرارات، أو تعارض القياسات أنفسها، أو التعارض الّذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة: أعني معارضة القول للفعل أو للإقرار أو للقياس، ومعارضة الفعل للإقرار أو للقياس، ومعارضة الإقرار للقياس.(1)

الثاني: ما هو الحافز للاختلاف بين الفقهين السني والشيعي؟ وهذا هو الذي نبحث عنه في المقام.

نعم هذه الأُمور الستة هي أسباب الاختلاف بين فقهاء أهل السنّة، لكن أسباب الاختلاف بين الفقهين: السني والشيعي ترجع إلى الاختلاف في الكبريات أي حجّية أُمور يأتي الكلام عنها، لا إلى الصغريات الّتي ذكرها ابن رشد، ولعلّنا نستقصي في خاتمة المطاف الأُمور الّتي وسعت الشقةَ بين الفقهين، ولكن نكتفي هنا ببيان سبب واحد.

الإعراض عن أحاديث العترة الطاهرة

إنّ العترة الطاهرة ـ بتنصيص النبي قرناء الكتاب وأعداله، حيث قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا».

والحديث متواتر أو متضافر، رواه الفريقان، أخرجه مسلم في صحيحه والترمذي في سننه وأحمد في مسنده إلى غير ذلك من المصادر المتوفّرة.(2)


1 . بداية المجتهد: 1/5ـ6، ط دار المعرفة، بيروت
2 . لاحظ صحيح مسلم: 7/122 و123، باب فضائل علي; سنن الترمذي: 2/308; مستدرك الصحيحين: 3/109 و148; مسند أحمد: 3/17 و26 و4/371 و5/181; الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/2; حلية الأولياء: 1/355 و9/64; كنز العمال: 1/47و96.


(13)

فعلى ذلك قولهم حجة قاطعة، مصون من الخطأ كالكتاب العزيز بحكم انّهما عِدْلان وصنوان.

والحديث يركِّز على أنّ المرجع العلمي بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو الكتاب والعترة، وانّ قول العترة قول الرسول وكلامه، وبقولهم تحفظ السنّة عبر القرون، غير أنّ أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم تلقّوا روايات أهل البيت فتاوى خاصة لهم، فلم يعتبروها حجّة شرعية على الجميع، وهذا النوع من التفسير لأحاديثهم مخالف لحديث الثقلين أوّلاً وكلامهم ثانياً، فإنّهم يعتبرون كل ما يروون، سنّة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يرويه كابر عن كابر إلى أن يصل إلى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

هذا هو النجاشي ينقل في ترجمة محمد بن عذافر الصيرفي عن أبيه قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ ، فجعل يسأله، وكان أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ له مكرِماً، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ : «يابني قم فأخرج كتاب عليّ ـ عليه السَّلام ـ » فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة، فقال أبو جعفرـ عليه السَّلام ـ :«هذا خط عليّ ـ عليه السَّلام ـ وإملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ » وأقبل على الحكم، وقال: «يا أبا محمد اذهب أنت وسلمة بن كهيل وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فواللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل ـ عليه السَّلام ـ ».(1)

فإذا كانت هذه مكانة أحاديث أئمة أهل البيت وأنّهم حفظة السنّة وعيبة علم الرسول، فلا حجّة للسنّيّ في الإعراض عن أحاديثهم والالتجاء إلى قواعد، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وفتحها وقول الصحابي إلى غير ذلك من القواعد الّتي ألجأهم إلى تأسيسها وإرسائها قلّة النصوص النبويّة في


1 . رجال النجاشي: 2/261، الترجمة 967.


(14)

الشريعة والأحكام الفرعية.

ولكنّهم لو رجعوا إلى أحاديث أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فيما لم يرد فيه نصّ في الكتاب والسنّة النبويّة لاستغنوا عن إرساء هذه القواعد والعمل بالظنون الّتي لا تغني من الحق شيئاً.

ويظهر ممّا رواه البخاري وغيره أن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان بصدد التصريح باسم من يشغل منصّة الحكم ومرجعية الأحكام في أُخريات أيامه، لكن حال بعضهم دون تحقيق أُمنيّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

أخرج البخاري في كتاب العلم عن ابن عباس، قال: لمّا اشتدّ بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجعُهُ، قال: ائتوني بكتاب أكتبُ لكم كتاباً لاتضلّوا بعده. قال عمر: إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غَلَبَهُ الوَجَع، وعندنا كتاب اللّه حسبُنا. فاختلفوا وكَثُرَ اللَّغَط قال: «قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول، إنَّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبين كتابه.(1)

والحقّ أنّها كانت رزيّة ليس فوقها رزيّة، فإنّ الحيلولة بين النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأُمنيّته الكبرى، وهو طريح الفراش، فرقّت المسلمين، وشتتّت شملهم إلى يومنا هذا، وظهرت خلافات على كافة الأصعدة.

والذي يميط الستر عن وجه الحقيقة، هو مارواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب «تاريخ بغداد» في كتابه مُسنداً، حيث قال: روى ابن عباس (رض)، قال: دخلتُ على عُمَر في أوّل خلافته، وقد أُلقي له صاعٌ من تمر على خَصَفة، فدعاني إلى الأكل، فأكلت تمرة واحدة،


1 . صحيح البخاري:1/38، كتاب العلم، الحديث 114، دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1420هـ. وللحديث أطراف في صحيح البخاري، لاحظ الأرقام التالية: 3053، 3168، 4431، 4432، 5669، 7366.


(15)

وأقبل يأكل حتّى أتى عليه، ثم شرب من جَرّ كان عنده، واستلقى على مِرفقة له، وطفق يحمد اللّه، يكرر ذلك.

ثم قال: من أين جئت يا عبد اللّه؟ قلتُ: من المسجد، قال: كيف خلّفت ابن عمك؟ فظننته يعني عبد اللّه بن جعفر، قلتُ: خلّفتُه يلعب مع أترابه، قال: لم أعنِ ذلك، إنّما عنيتُ عظيمَكم أهلَ البيت، قلتُ: خلّفته يمتح بالغَرْب(1) على نخيلات من فلان، وهو يقرأ القرآن.

قال: يا عبد اللّه، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها! هل بقيَ في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق.

فقال عمر: لقد كان من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أمره ذَرْوٌ (2) من قول لايثبتُ حُجّـة، ولا يقطـع عـذراً، ولقـد كان يربَع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصـرّح باسمه، فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لاورب هذه البنيّة لاتجتمع عليه قريش أبدا ! ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّي علمت مافي نفسه، فأمسك، وأبى اللّه إلاّ إمضاء ماحتم.(3)

فكل من يريد رأب الصدع وتقليل الشُّقّة بين الفقهين، فيلزمه الرجوع إلى روايات أئمة اهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ المروية بطرق صحيحة، مضافاً إلى مابين يديه من الروايات الواردة عن طريق الصحابة والتابعين. فلعل اللّه تعالى يلمّ بذلك الشّعَث والتفرّق.


1 . الغَرْب: الدلو.
2 . ذرو: طرف.
3. شرح نهج البلاغة: 12/20ـ21 ، ولاحظ أيضاً ص 53.


(16)

وفي الختام نود أن نشير إلى خطوة كبيرة في مجال التقريب بين المذاهب قام بها صاحب الفضيلة الأُستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية عندما سُئل عن جواز التعبد به، فأجاب:

1. انّ الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه إتباعَ مذهب معيّن، بل نقول: إنّ لكلّ مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أيَّ مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ـ أي مذهب كان ـ ولا حرج عليه في شيء من ذلك.

2. انّ مذهب الجعفرية المعروفة بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة.

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلّصوا من العصبية، بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين اللّه وما كان شريعته بتابعة لمذهب، أو مقصورة على مذهب، فالكلّ مجتهدون مقبولون عند اللّه تعالى، يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.(1)

نسأله سبحانه أن يجمع كلمة المسلمين ويلمّ شعثهم

بمنّه وكرمه

جعفر السبحاني            
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ
1 رمضان المبارك 1423      


1 . صدرت الفتوى بتاريخ 17ربيع الأوّل 1378هـ في القاهرة.