welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد "قسم الالهيات"*
نویسنده :العلامة الحلي ابن المطهر الحسن بن يوسف*

كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد "قسم الالهيات"

كشف المراد

في شرح

تجريد الاعتقاد

"قسم الالهيات"

تأليف

العلامة الحلي ابن المطهر الحسن بن يوسف

(648 _ 726 هـ )
قدم له وعلق عليه

الفقيه المحقق الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام عى خاتم أنبيائه ورسله، وعلى أهل بيته وعترته، الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً.

أما بعد: فإنّ كتاب «تجريد الاعتقاد»(1) للمحقق نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (597 ـ 672 هـ) من أوجز المتون الكلاميّة، وفقَ عقائد الإمامية، ويكفي في رفعة منزلته قول شارحه علاء الدين القوشجي الأشعري حيث وصفه بقوله: «تصنيف مخزون بالعجائب، وتأليف مشحون بالغرائب، فهو وإن كان صغير الحجم، وجيز النظم، لكنّه كثير العلم، عظيم الاسم، جليل البيان، رفيع المكان، حسن النظام، مقبول الأئمّة العظام، لم يظفر بمثله علماء الأعصار، ولم يأت بمثله الفضلاء في القرون والأدوار، مشتمل على إشارات إلى مطالبَ هي الأمّهات، مشحون


(1) أسماه شيخنا الطهراني في الذريعة «تجريد الكلام في تحرير عقائد الإسلام».


(4)

بتنبيهات على مباحث هي المهمات، مملوء بجواهر كلّها كالفصوص، ومحتو على كلمات يجري أكثرها مجرى النصوص، متضمن لبيانات معجزة، في عبارات موجزة» إلى آخر ما ذكره(1) .

وقد شرحه جم غفير من المحققين منذ تأليفه إلى يومنا هذا، وأوّل من شرحه: تلميذه الطائر الصيت ابن المطهر الحسن بن يوسف المشهور بالعلاّمة الحلي (648 ـ 726 هـ) الّذي أسماه «كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد»، ثم توالت الشروح بعده، فشرحه ثانياً: شمس الدين محمد الإسفراييني البيهقي وأسماه «تعريد الاعتماد في شرح تجريد الاعتقاد». وثالثاً: الشيخ شمس الدين محمود بن عبد الرحمان بن أحمد الإصفهاني (المتوفّى 746 هـ) وأسماه «تسديد القواعد في شرح تجريد العقائد». ورابعاً: علاء الدين علي بن محمد المعروف بالفاضل القوشجي (المتوفّى 879 هـ)، ألَّفه للسلطان أبي سعيد كوركان.

ويسمى الشرح الثالث بالشرح القديم، والرابع بالشرح الجديد، وقد كتب على الشرحين تعاليق وحواش كثيرة، يقف عليها من تتبع المعاجم.

ثم توالت الشروح بعد هذه الشروح الأربعة إلى عصرنا هذا.

إنّ كتاب كشف المراد تبعاً لمتنه يدور على محاور ثلاثة:

الأوّل: في الأمور العامة الّتي تطلق عليها الإلهيات بالمعنى الأعم، ويبحث فيه عن الوجود والعدم وأحكام الماهيات، والمواد الثلاث: الوجود


(1) علاء الدين القوشجي، شرح التجريد: 1 .


(5)

والإمكان والامتناع، والقدم والحدوث، والعلة والمعلول، وغيرها من المسائل الّتي تبحث عن أحكام الوجود بما هو هو .

الثاني: في الجواهر والإعراض الّتي تطلق عليها الطبيعيات ويبحث فيه عن الأجسام الفلكية والعنصرية والأعراض التسعة، على وجه التفصيل.

الثالث: في الإلهيات بالمعنى الأخص، ويبحث فيه عن الأصول الخمسة.

وبما أنّ المحور الأوّل هو المقصد الأهم للحكماء من المشائين والإشراقيين، وقد بحثوا عنه في الأمور العامة على وجه التفصيل والاستيعاب، حتّى خصص صدر المتألهين ثلاثة أجزاء من كتابه «الأسفار» بمباحث هذا المحور ـ لأجل ذلك ـ استغنى الطلاّب عن دراسة هذا المقصد من كتاب كشف المراد.

وبما أنّ العلوم الجديدة الباحثة عن الطبيعة وأحكامها قد قطعت أشواطاً كبيرة، وأبطلت كثيراً من الفروض العلمية في الفلكيات والأكوان، فأصبح ما يبحث في الكتب الكلامية والفلسفية في هذا القسم تاريخاً للعلم الطبيعي لا نفسه، ولأجل ذلك تركت دراسة المحور الثاني في الكتب الكلامية والفلسفية في أعصارنا.

فلم يبق إلاّ المحور الثالث الموسوم بالإلهيات بالمعنى الأخص الّذي يبحث فيه عن ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله، ولأجل ذلك عكف المحصلون على دراسة هذا المحور الّذي يتضمن البحث عن إثبات


(6)

الصانع وصفاته وأفعاله، ويدخل في البحث عن صفاته: البحث عن عدله، كما يدخل في البحث عن أفعاله: البحث عن النبوّة والإمامة والمعاد.

وقد قررت اللجنة العلمية المشرفة على الدراسات الكلامية في مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ تدريس المحور الثالث والإلهيات بالمعنى الأخص من الكتاب، للسنة الثانية من السنوات الأربع الدراسية، هذا وذاك ممّا دعا اللجنة إلى طبعه مستقلاً عن القسمين الآخرين.

مع أنّ الفضل والفضيلة يرجع إلى العلاّمة الشارح في فهم مقاصد التجريد كما اعترف به الموافق والمخالف، لكن الشرح ـ في بعضالمواضع ـ يحتاج إلى تعليق يوضح معضلاته، ويبيّن مغلقاته، فقمت بهذا الواجب حتّى أسهِّل الطريق للدارسين، وأرجو منه سبحانه أن يكون وافياً بالغرض ومحصلاً للأمنيّة بإذنه .

وأخيراً أتقدم بالشكر إلى المحقّق الجليل الشيخ محمد هادي به ـ حفظه الله ـ حيث كان له شرف الإشراف على طبع وإخراج هذا الكتاب بهذه الصورة البهية وتعيين المقاطع في المتن، وإلى السيد الجليل المحقق محمد كاظم «حكيم زاده» فقد قام بتخريج مصادر الروايات في أبواب النبوّة والإمامة، فشكر الله مساعيهما ووفقهما لما يحب ويرضى .

جعفر السبحاني

تحريراً في 27 من ذي الحجة الحرام 1416 هـ


(7)

قال المحقق الطوسي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

أمّا بعد: حمد واجب الوجود على نعمائه والصلاة على سيد أنبيائه محمّد المصطفى وعليّ أكرم أمنائه فإنّي مجيب إلى ما سئلت من تحرير مسائل الكلام وترتيبها على أبلغ نظام مشيراً إلى غرر فوائد الاعتقاد ونكت مسائل الاجتهاد مما قادني الدليل إليه وقوى اعتقادي عليه، وسمّيته بتجريد الاعتقاد، واللّه أسأل العصمة والسداد وأن يجعله ذخراً ليوم المعاد، ورتبته على مقاصد(1):...

* * *

المقصد الثالث
في: إثبات الصانع(2) تعالى وصفاته وآثاره

وفيه فصول:

الأوّل

في وجوده تعالى

الموجود إن كان واجباً وإلاّ استلزمه، لاستحالة الدور والتسلسل.


(1) الخطبة مأخوذة من صدر الكتاب.

(2) إنّ الصـانع تبارك وتعالى هو موضوع علم الكلام، وشأن العلم هو البحث عن عوارض الموضوع المسلّم وجوده، وعلى هذا يخرج إثبات الصانع تعالى عن مسائل علم الكلام، بل إثباته على عاتق الفن الأعلى في الفلسفة حيث يبحث عن الموجود بما هو هو، ويصل في تقسيمه وبرهنته إلى الواجب والممكن.

نعم البحث عن صفاته ـ بعد ثبوت وجوده ـ وأفعاله، يعدُّ من مسائله، ويندرج في قوله: «وأفعاله» البحث عن النبوة العامة والخاصة، والإمامة، والمعاد، وما فيها من مباحث لها صلة بأفعاله سبحانه.


(8)

أقول: يريد إثبات واجب الوجود تعالى وبيان صفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز وبيان أفعاله وآثاره، وابتدأ بإثبات وجوده، لأنّه الأصل في ذلك كلّه، والدليل على وجوده أن نقول: هنا موجود بالضرورة، فإن كان واجباً فهو المطلوب، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود بالضرورة ، فذلك المؤثر إن كان واجباً فالمطلوب، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود، فإن كان واجباً فالمطلوب وإن كان ممكناً تسلسل أو دار وقد تقدّم بطلانهما. وهذا برهان قاطع أشير إليه في الكتاب العزيز بقوله: (أوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَـى كُلِّ شَيء شَهيد)(1) وهو استدلال لمّي (2).


(1) فصّلت: 53.

(2) الاستدلال اللمّي هو الاستدلال بالعلّة على المعلول، والإنِّي هو العكس، فهذا النوع من الاستدلال الوارد في الكتاب ليس منهما، لأنّ الموضوع فيه هو الوجود المطلق من دون تقييد بالوجوب والإمكان.

نعم الاستدلال بوجوب وجوده على صفاته كما سيأتي من الماتن استدلال لمّي، بل الاستدلال المذكور هو برهان الصديقين، وهو وإن قرر بوجوه مختلفة (1)

ولكن المذكور أيضاً أحدها، وقد ذكره الشيخ في الإشارات بالنحو التالي: «كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره فإمّا أن يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه أو لا يكون. فإن وجب فهو الحق بذاته، الواجب وجوده من ذاته وهو القيّوم، وإن لم يجب لم يجز أن يقال: إنّه ممتنع بذاته بعدما فرض موجوداً، بلى إن قرن باعتبار ذاته شرط، مثل شرط عدم علته صار ممتنعاً، أو مثل شرط وجود علته صار واجباً، وإن لم يقرن بها شرط لا حصول علّة ولا عدمها، بقي له في ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان. فيكون باعتبار ذاته، الشيَء الذي لا يجب ولا يمتنع. فكل موجود إمّا واجب الوجود بذاته أو ممكن الوجود بحسب ذاته» (2).

وقال ـ بعد بحوث مفصّلة حول البرهان المذكور ـ: «تأمّل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأوّل ووحدانيته وبراءته من الصمات إلى تأمّل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار مِنْ خلقه وفعله و إن كان ذلك دليلاً عليه لكن هذا الباب أوثق وأشرف، أي إذا اعتبرنا حال الوجود فشهد به الوجود من حيث هو وجود وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود، وإلى مثل هذا أُشير في الكتاب الإلهي: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أنفُسِهِم حتى يَتَبَيَّـنَ لَهُم أنّهُ الحَق) (فصّلت: 53).

أقول: إنّ هذا حكم لقوم ثم يقول: (أوَلَم يَكفِ بِرَبِّكَ أنّهُ على كُلِّ شَـيْء شَهِيد)

(فصّلت: 53) .

أقول: إنّ هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه» (3).

نعم هذا مسلكهم، وأمّا مسلك المتكلّمين فهم يستدلّون بحدوث العالم على وجود المحدِث، كما أنّ الباحثين عن الطبيعة يستدلّون بالحركة فيها على وجود المحرِّك، وقد أشار الحكيم السبزواري إلى الوجوه الثلاثة، قال:

«إذا الوجود كان واجباً فهو * ومع الإمكان قد استلزمه
ثم الطبيعي طريقَ الحركة * يأخذ للحق سبيلاً سلكه
من في حدوث العالم قد انتهج * فإنّه عن منهج الصدق خرج

[وأمّا ضعف الوجه الثالث]

لأنّ مناط الحاجة إلى العلّة هو الإمكان فقط لا الحدوث، ولا الإمكان مع الحدوث» (4)

.


1ـ الأسفار: 6/14 تعليقة الحكيم السبزواري والعلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّهماـ.
2ـ شرح الإشارات للمحقق الطوسي قسم المتن: 3/18.
3ـ شرح الإشارات للمحقق الطوسي قسم المتن: 3/66.
4ـ الحكيم السبزواري: شرح المنظومة / 141 ـ 143.


(9)

والمتكلمون سلكوا طريقاً آخر فقالوا: العالم حادث فلابدّ له من محدث، فلو كان محدثاً تسلسل أو دار وإن كان قديماً ثبت المطلوب لأنّ القدم يستلزم الوجوب، وهذه الطريقة إنّما تتمشى بالطريقة الأولى فلهذا اختارها المصنّفرحمه اللّه على هذه.


(10)

الفصل الثاني
في صفاته تعالى

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: في أنّه تعالى قادر (1)

قال: الثاني في صفاته .وجودُ العالم بعد عدمه يَنفي الإيجابَ.

أقول: لما فرغ من البحث عن الدلالة على وجود الصانع تعالى شرع في الاستدلال على صفاته تعالى، وابتدأ بالقدرة.


(1) المقصود من القدرة هنا هو كونه فاعلاً مختاراً، لا فاعلاً موجباً كالنار بالنسبة إلى الحرارة، والذي يُركَّز عليه هنا في تفسير القدرة هو كونه فاعلاً بالاختيار. وأمّا الاستدلال على القدرة بإتقان فعله سبحانه فهو يهدف إلى كونه فاعلاً عن علم وحكمة، فلا يشتبه الغرضان في البحث.

والمقام أحد المواقف التي يفترق فيها التفكير الكلامي عن التفكير الفلسفي وإن لم يصرّح به الماتن والشارح، والإشكالات التي يذبّ عنها الماتن، للحكماء كما سيوافيك، وإليك بيان التفكيرين في المقام:

عرّف المتكلّمون القدرة بصحّة الفعل والترك (1)

، وإن شئت قلت: إمكان الفعل والترك وكون نسبتها إليه على السواء.

وأورد عليه: بأنّ هذا التعريف يصلح لتفسير القدرة في الوجود الإمكاني كالإنسان، ولا يصح تفسير قدرته سبحانه به، لأنّ هذا الإمكان ليس قائماً بذات الشيء (المقدور)

لأنّه في حد ذاته ممكن بلا كلام وإنّما هو قائم بالقادر، فلو أُريد منه: الإمكان الماهوي لزم اتصافه سبحانه بالماهية وهو أرفع من أن يكون له ماهية، وإن أُريد: الإمكان الاستعدادي لزم أن يكون ذاته محلاً للتغير لوجود الإمكان الاستعدادي.

وقد ذكرنا في الإلهيات (2)

ما يصلح جواباً للإشكال.

ويمكن أن يقال عاجلاً: ليس المراد منه أحد الإمكانين بل المراد هو المعنى الثالث، وهو الإمكان الصدوري، ويعلم مفاده إذا قيس الأثر إلى مؤثره، فلا يخلو أنَّ نسبته إليه إمّا بالإيجاب، أو بالامتناع، أو لا هذا ولا ذاك، والحاصل أنّ الفاعل إذا كان مقيّداً بإحدى النسبتين، لا يسمّى قادراً بالنسبة إلى الفعل والترك، والقادر هو المتجرد عن النسبتين، وتفسير القدرة به لا يستلزم المحذورين المتقدمين.

وعرفها الحكماء بأنّ قدرته تعالى هي كونه إذا شاء فعل ولو لم يشأ لم يفعل (3)

، ولو اقتصر في تعريف القدرة بهذا القدر لم يتوجه إشكال، فيكون معناه: إنّ القادر هو غير المجبور على أحد الطرفين، لكن ربّما يضاف إليه ويقال: «ولكنه شاء وفعل» ، فتجعل الشرطية الأُولى واجبة التحقّق أزلاً وأبداً، وهذا يعطي كونه فاعلاً موجَباً، خصوصاً إذا قلنا: إنّ مشيئته وإرادته قديمة، فيُصبح عدم العالم أمراً ممتنعاً، بل واجب التحقّق بالقياس إلى مشيئته القديمة، وهذا هو الذي جرّ المتكلّمين لاتهام الحكماء بأنّه سبحانه عندهم فاعل موجَب (بالفتح)، والحكماء وإن كانوا محترزين عن وصف اللّه سبحانه بكونه فاعلاً موجَباً، بل يقولون: إنّه فاعل موجِب (بالكسر) فهو يعطي للفعل وصف الوجوب، لكن بالنظر إلى قولهم: «ولكنه شاء وفعل» وقولهم بالمشيئة القديمة والإرادة الذاتية يكون سبحانه فاعلاً موجَباً أي غير مختار.

هذا ما يرجع إلى بيان موقف المسألة بين المتكلّمين والحكماء، وأمّا الدفاع عن أحد المنهجين فهو خارج عن وضع التعليقة، وقد استدل الماتن على قدرته (اختياره) بحدوث العالم زماناً أو ذاتاً، على وجه يكون هناك انفكاك بين الذات والعالم، وهو دليل الاختيار.


1ـ الإلهيات: 1/134.
2ـ الإلهيات: 1/134.
3ـ الحكيم السبزواري: شرح المنظومة : 172.


(11)

والدليل على أنّه تعالى قادر أنّا قد بيّنا أنّ العالم حادث، فالمؤثر فيه إن كان موجَباً لزم حدوثه أو قدم ما فرضناه حادثاً أعني العالم، والتالي بقسميه باطل، بيان الملازمة: أنّ المؤثّر الموجَب يستحيل تخلف أثره عنه، وذلك


(12)

يستلزم إمّا قدم العالم وقد فرضناه حادثاً، أو حدوث المؤثر ويلزم التسلسل، فظهر أنّ المؤثر للعالم قادر مختار.

قال: والواسطةُ غير معقولة.

أقول: لما فرغ من الاستدلال على مطلوبه شرع في أنواع من الاعتراضات للخصم مع وجه المخلص منها.

وتقرير هذا السؤال أن يقال: دليلكم يدل على أنّ مؤثر العالم مختار وليس يدل على أنّ الواجب مختار بل جاز أن يكون الواجب تعالى موجِباً لذاته معلولاً ، يؤثر في العالم على سبيل الاختيار (1).

وتقرير الجواب: أنّ هذه الواسطة غير معقولة، لأنّا قد بيّنا حدوث العالم بجملته وأجزائه، والمعني بالعالم كل موجود سوى اللّه تعالى، وثبوت واسطة بين ذات اللّه تعالى وبين ما سواه غير معقول.


(1) هذه الشبهـة وما يليها من الحكماء الذين يتراءى من كلماتهم أنّه سبحانه فاعل موجَب (بالفتح) لا مختار .

ونجلّ الحكماء الإماميين عن هذه التهمة.

حاصل الشبهة: أنّه من المحتمل أنّه سبحانه يكون فاعلاً موجَباً ومع ذلك يكون العالم حادثاً متأخراً عنه، وذلك بأن يخلق عن إيجاب موجوداً مختاراً بالذات يقوم هو بخلق العالم، فيكون العالم حادثاً، لأنّ علته فاعل مختار، ومع ذلك يكون الواجب فاعلاً موجَباً بالنسبة إلى الصادر الأوّل.

فقوله: «موجِباً» بالكسر بمعنى موجداً لذاته، معلولاً يؤثر في العالم على سبيل الاختيار، فقوله: «معلولاً» مفعول لقوله «موجِباً» بمعنى موجداً، وبذلك تستغني عما في بعض النسخ من إضافة قوله: «وله معلول يؤثر» بعد قوله: «موجباً لذاته» ، وعلى هذه النسخ يكون موجباً (بالفتح) ولا يتم الكلام إلاّ بإضافة قوله:«وله...» كما لا يخفى.


(13)

قال: ويمكن عروض الوجوبِ والامكانِ للأثر باعتبارين.

أقول: هذا جواب عن سؤال آخر، وتقريره: أنّ المؤثر إما أن يستجمع جميع الجهات المؤثرية أو لا، فإن كان الأوّل كان وجود الأثر عنه واجباً، وإلاّ لافتقر ترجيحه إلى مرجح زائد، فلا تكون الجهات بأسرها موجودة، هذا خلف، أو لزم الترجيح من غير مرجح (1) وهو باطل بالضرورة، وإن لم يكن مستجمعاً لجميع الجهات استحال صدور الأثر عنه، وحينئذ لا يمكن تحقق القادر، لأنّه على تقدير حصول جميع الجهات يمتنع الترك، وعلى تقدير انتفاء بعضها يمتنع الفعل، فلا تتحقق المكنة من الطرفين.

وتقرير الجواب: أنّ الأثر تعرض له نسبتا الوجوب والإمكان باعتبارين، فلا يتحقق الموجَب ولا يلزم الترجيح من غير مرجح. وبيانه أنّ فرض استجماع المؤثر جميع ما لابد منه في المؤثرية هو بأن يكون المؤثر المختار مأخوذاً مع قدرته التي يستوى طرفا الوجود والعدم بالنسبة إليها، ومع داعيه الذي يرجح أحد طرفيه، وحينئذ يجب الفعل بعدهما نظراً إلى وجود الداعي والقدرة، ولا تنافي بين هذا الوجوب وبين الإمكان نظراً إلى مجرد القدرة والاختيار، وهذا كما إذا فرضنا وقوع الفعل من المختار، فإنّه يصير واجباً من


(1) إذا كان المؤثر جامعاً لجميع الجهات ومع ذلك لم يصدر المعلول لزم أحد المحذورين:

1ـ إنّ عدم الصدور، إمّا لأجل افتقاره إلى مرجح.

2ـ أو لا لافتقاره إليه ولكن ترجح جانب العدم على جانب الوجود.

فعلى الأوّل يلزم الخلف لأنّا فرضناه جامعاً للجهات المؤثرة غير محتاج إلى شيء، وعلى الثاني يلزم الترجيح من غير مرجح، بل يلزم ترجيح المرجوح (أي العدم) على الراجح (الوجود)، لكون علته موجوداً.


(14)

جهة فرض الوقوع ولا ينافي الاختيار. وبهذا التحقيق يندفع جميع المحاذير اللازمة لأكثر المتكلمين في قولهم: القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر لالمرجح.

قال: واجتماعُ القدرة على المستقبل مع العدم .

أقول: هذا جواب عن سؤال آخر، وتقريره أن نقول: الأثر إمّا حاصل في الحال فواجب فلا يكون مقدوراً، أو معدوم فممتنع فلا قدرة (1).

وتقرير الجواب: أنّ الأثر معدوم حال حصول القدرة ولا نقول إنّ القدرة حال عدم الأثر تفعل الوجود في تلك الحال بل في المستقبل، فيمكن


(1) حاصل الشبهة انّ الأثر إذا كان حاصلاً في الحال لا تتعلّق به القدرة لأنّه، يكون واجباً بالوجوب اللاحق لأنّه ما لم يجب لم يوجد، وإن تعلقت به في حال العدم، يكون العدم واجباً كالوجود، بالامتناع اللاحق فإذا كان كذلك لا تتعلق القدرة في كل حال على شيء.

والجواب: انّا نختار الشق الأوّل ونقول: إنّ القدرة في حال وجود الأثر، تؤثر في عدمه في المستقبل (الآن الثاني) بمعنى انّ الوجود يكون محدوداً، ونختار الشق الثاني (كما عليه عبارة الشارح) ونقول: إنّ القدرة تؤثر في وجود المقدور في المستقبل (الآن الثاني) ويكون العدم منتفضاً غير باق.

فإن قلت: كيف تتعلق القدرة في الحال (الشق الثاني)، بالمعدوم فعلاً، الموجود في المستقبل؟

قلت: إنّ القدرة في الحال، موجودة لكنها لا تتعلق كذلك بما يتحقّق في المستقبل، بل تتعلق في الاستقبال بالفعل الاستقبالي فالقدرة حالية، ولكن التعلق والفعل استقباليان، وإلى هذا ينظر قول الشارح: «لا تتعلق بالوجود في الاستقبال في الحال، بل في الاستقبال» وإن شئت قلت: القدرة لا تتعلق في الحال بالوجود الاستقبالي، بل تتعلق في الاستقبال بالوجود الاستقبالي والحاصل أنّ التعلق والفعل كلاهما استقباليان، وإن كانت القدرة موجودة حالياً.


(15)

اجتماع القدرة على الوجود في المستقبل مع العدم في الحال.

لا يقال: الوجود في الاستقبال غير ممكن في الحال لأنّه مشروط بالاستقبال الممتنع في الحال وإذا كان كذلك فلا قدرة عليه في الحال وعند حصول الاستقبال يعود الكلام.

لأنّا نقول: القدرة لا تتعلق بالوجود في الاستقبال في الحال بل في الاستقبال.

قال: وانتفاءُ الفعلِ ليس فعلَ الضدّ(1).

أقول: هذا جواب عن سؤال آخر، وتقريره: أنّ القادر لا يتعلق فعله بالعدم فلا يتعلق فعله بالوجود.

أمّا بيان المقدمة الأُولى فلأن الفعل يستدعي الوجود والامتياز وهما ممتنعان في حق المعدوم.

وأمّا الثانية فلأنكم قلتم: القادر هو الذي يمكنه الفعل والترك، وإذا


(1) حاصل الإشكال: أنّ القدرة عبارة عن كون الفاعل مؤثراً في أحد جانبي الفعل والعدم ولكن العدم لا يقبل التأثير لأنّ التأثير يستلزم الامتياز وهو ليس بمتميز.

وحاصل الجواب: أنّ القادر ليس هو المؤثر في الفعل أو العدم بحيث يكون العدم طرف التأثير، والقدرة عبارة عن صحة صدور الفعل وعدمه، وبالتالي القادر من يصح أن يصدر عنه وأن لا يصدر، لا أن يصدر منه العدم، فتأثير القدرة في جانب العدم بمعنى عدم القيام بالفعل والوجود، لا القيام بإيجاد العدم، فعدم تميز العدم ليس بمخلّ.

إلى هنا تبيّـن أنّه سبحانه قادر، والشبهات الأربع المذكورة في كلام الماتن مع أجوبتها ليست بتامة، ولو صحّت لاقتضى نفي القدرة عن صحيفة الوجود فيصبح كل الفواعل، فواعلَ بالإيجاب من غير فرق بين الواجب والممكن لاشتراك الجميع في الشبهات وهو عجيب.


(16)

انتفى إمكان الترك انتفى إمكان الفعل.

وتقرير الجواب: أنّ القادر هو الذي يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل وليس لا يفعل عبارة عن فعل الضدّ.

قال: وعموميةُ العلة تستلزم عمومية الصفة (1) .

أقول: يريد بيان أنّه تعالى قادر على كل مقدور، وهو مذهب الأشاعرة، وخالف أكثر الناس في ذلك، فإنّ الفلاسفة قالوا إنّه تعالى قادر على شيء واحد، لأنّ الواحد لا يتعدد أثره، وقد تقدم بطلان مقالتهم.

والمجوس ذهبوا إلى أنّ الخير من اللّه تعالى، والشرّ من الشيطان، لأنّ اللّه تعالى خير محض وفاعل الشر شرير.

والثنوية ذهبوا إلى أن الخير من النور، والشر من الظلمة.


(1) هذه المسألة من فروع عموم خالقيته لكل شيء، كما هو مقتضى التوحيد في الخالقية الذي آمنت به الأشاعرة والإمامية، فلو كان خالقاً لكل شيء لكان قادراً عليه وقابلاً لأن تتعلق به قدرته، من غير فرق بين الخير والشر وأفعال العباد وغيرها، غير أنّ الإمامية تفترق عن الأشاعرة في تفسير التوحيد في الخالقية ،حيث تفسره على وجه لا ينافي عدلَه سبحانه، بخلاف الأشاعرة فهؤلاء يفسرونه بشكل ينطبق على الجبر، فالمطلوب للأشاعرة هو حفظ التوحيد في الخالقية، سواء أضرّ بعدله أم لا، بخلاف الإمامية فالمطلوب عندهم هو حفظ كلا الأصلين.

وأمّا غير هاتين الطائفتين فينكرون عموم قدرته لجهات مختلفة، وهؤلاء طوائف أربع: 1ـالفلاسفة. 2ـ المجوس. 3ـ الثنوية. 4ـ المعتزلة. والدواعي لنفي عموم القدرة مختلفة، وإليك البيان:

1ـ لمّا ذهبت الفلاسفة إلى أنّ الواحد (الواجب) لا يصدر عنه إلاّ الواحد، قالوا بأنّه قادر على الشيء الواحد فقط، وهو الصادر الأوّل، فنفوا عمومَ قدرته حسب نقل الشارح، ولكن النسبة غير صحيحة، لأنّ القول به لا يستلزم تلك النتيجة كما لا يخفى على من له إلمام بمفاد القاعدة، ولأجل ذلك قال الماتن في السابق: «ومع وحدته يتحد المعلول»(1)

، ومع ذلك قال في المقام بعمومية القدرة، وهو يعرب عن إمكان الجمع بين القاعدتين.

2ـ لمّا ذهبت المجوس والثنوية إلى أنّه سبحانه خير محض، فقالوا بعدم تعلّق قدرته بالشرور، فهي عند المجوس مستند إلى المبدأ الحادث، أعني: الشيطان، وعند الثنوية مستند إلى مبدأ قديم كالظلمة، وبذلك افترقت المجوس عن الثنوية، حيث إنّ مبدأ الشر عند المجوس حادث وعند الثنوية قديم، والظاهر من المحقق الطوسي في نقد المحصل أنّ عقيدة المجوس والثنوية واحد، وهو أنّ الخير من «يزدان» والشر من «اهرمن» ويريدون من الأوّل: الملك، ومن الثاني: الشيطان(2).

يقول الحكيم السبزواري:

والشرّ أعدام فكم قد ضلَّ من * يقول باليزدان ثم الأهرمن

وأمّا ما نسبه إلى الثنوية فهو عقيدة المانوية، وعلى هذا فالثنوية مصحّف «المانوية».

3ـ لمّا قالت المعتزلة بخروج أفعال العباد عن كونه مخلوقاً للّه سبحانه، حفظاً لعدله، ظهر بينهم قول النظّام (ت 231هـ) والكعبي (ت 317هـ) والجُبّائيين (أبي علي ت 302 هـ وأبي هاشم ت 321 هـ)، والأقوال مذكورة في الشرح مع أجوبتها.


1ـ كشف المراد: 116، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، المسألة الثالثة .
2ـ لاحظ نقد المحصل: 190 .


(17)

والنظّام قال: إنّ اللّه تعالى لايقدر على القبيح، لأنه يدلّ على الجهل أو الحاجة.

وذهب البلخي إلى أنّ اللّه لا يقدر على مثل مقدور العبد، لأنّه إمّا طاعة أو سفه.

وذهب الجُبّائيان إلى أنّه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد وإلاّ لزم اجتماع الوجود والعدم على تقدير أن يريد اللّه إحداثه والعبد عدمه.


(18)

وهذه المقالات كلّها باطلة، لأن المقتضي لتعلق القدرة بالمقدور إنّما هو الإمكان، إذ مع الوجوب والامتناع لا تعلق، والإمكان ثابت في الجميع فثبت الحكم وهو صحة التعلق، وإلى هذا أشار المصنفرحمه اللّه بقوله: عمومية العلة، أي الإمكان، تستلزم عمومية الصفة، أعني القدرة على كل مقدور.

والجواب عن شبهة المجوس: أنّ المراد من الخيّـر والشرير (1) إن كان مَنْ فَعَلَهُما فَلِمَ لا يجوز اسنادهما إلى شيء واحد؟

وأيضاً الخير والشر ليسا ذاتيين للشيء، فجاز أن يكون الشيء خيراً بالقياس إلى شيء وشراً بالقياس إلى آخر، وحينئذ يصح إسنادهما إلى ذات واحدة.

وعن شبهة النظّام أنّ الإحالة حصلت بالنظر إلى الداعي، فلا تنافي الإمكان الذاتي المقتضي لصحة تعلق القادر.

وعن شبهة البلخي: أنّ الطاعة والعبث وصفان لا يقتضيان الاختلاف الذاتي.


(1) أجاب عن شبهة المجوس بوجهين:

الأوّل: إذا كان المراد من الخيّـر من يفعله ومن الشرير من يصدر منه الشر، فلا مانع من كون شيء واحد وهو اللّه مبدأ لهما، وهذا الجواب ليس حاسماً للاشكال، لأنّ الإشكال بعدُ باق بحاله، إذ الخصم يقول: إذا كان مقتضى صدور شيء من شيء، وجود رابطة بينهما فلازم صدور الأمرين المتضادين اشتماله على أمرين متضادين، مع أنّا فرضناه واحداً بسيطاً، وعلى فرض جواز التركيب، المتضادان لا يجتمعان.

الثاني وهو الجواب الحقيقي: أنّ الشر ليس له مصداق في الخارج وإنّما هو أمر إضافي ينتزع من قياس شيء إلى شيء آخر، فإذا كان بينهما عدم الملاءمة، يقال: إنّه شر كما أوضح في محله، وليس العدم إلاّ أمراً قياسياً.


(19)

وعن شبهة الجُبّائيين: أنّ العدم إنّما يحصل إذا لم يوجد داع لقادر آخر إلى إيجاده (1).

المسألة الثانية: في أنّه تعالى عالم

قال: والإحكامُ والتجردُ واستنادُ كل شيء إليه دلائلُ العلم.

أقول: لما فرغ من بيان كونه تعالى قادراً وكيفية قدرته شرع في بيان كونه تعالى عالماً وكيفية علمه.

واستدل على كونه تعالى عالماً بوجوه ثلاثة: الأوّل منها للمتكلمين والأخيران للحكماء.


(1) إذا كان المفروض في كلامهما هو ما جاء في الشرح من أنّ اللّه يريد الإحداث، والعبد لا يريده، فالجواب هو ما جاء هنا، وهو أنّه يقع الفعل دون العدم، إذ العدم رهن عدم الداعي إلى الفعل، فلو كان هناك داع إلى الفعل يقع الفعل وتؤثر إرادة اللّه، وليس في ناحية العبد داع ولا إرادة حتى يكون هناك تعارض.

وبعبارة أُخرى: إذا كان المفروض في كلام الجبائيين أنّ أحد الفاعلين يريد الفعل دون الآخر، فالجواب هو ما جاء في كلام الشارح، فيتحقّق مراد من يريد دون من لا يريد، وإلى ذلك ينظر قوله: إنّ العدم إنّما يحصل إذا لم يوجد داع لقادر آخر إلى إيجاده.

نعم لكلامهما صور أُخر لم يذكرها الشارح ولكل حكمه، والتفصيل موكول إلى مسألة برهان التمانع الوارد في كلام المتكلمين على توحيده، وإجماله أنّه إذا أرادا الفعل، أو أرادا العدم أو أراد أحدهما الفعلَ والآخر العدم، ففي الصورتين الأُوليين لا تزاحم بين الداعيين ولا بين الإرادتين، لكون إرادة العبد في طول إرادة اللّه سبحانه، فيكون تعلّق إرادة الواجب بالتسبيب وتعلّق إرادة العبد بالمباشرة، وأمّا عند المخالفة فلو كان زمانا الإرادتين مختلفين يتحقّق كل في ظرفه وإلاّ فيتبع الواقعُ أقوى الإرادتين وهو إرادة الواجب سبحانه.


(20)

الوجه الأوّل: أنّه تعالى فعل الأفعال المحكمة، وكلّ من كان كذلك فهو عالم.

أما المقدمة الأُولى فحسّية، لأن العالم إمّا فلكي أو عنصري، وآثار الحكمة والإتقان فيهما ظاهرة مشاهدة.

وأما الثانية فضرورية، لأن الضرورة قاضية بأنّ غير العالِم يستحيل منه وقوع الفعل المحكم المتقن مرة بعد أُخرى.

الوجه الثانية: أنّه تعالى مجرد وكل مجرد عالم بذاته (1) وبغيره.

أما الصغرى فإنّها وإن كانت ظاهرة لكن بيانها يأتي فيما بعد عند الاستدلال على كونه تعالى ليس بجسم ولا جسماني.

وأمّا الكبرى فلأنّ كل مجرد فإنّ ذاته حاصلة لذاته لا لغيره وكل مجرد حصل له مجرد، فإنّه عاقل لذلك المجرد لأنّا لا نعني بالتعقل إلاّ الحصول، فإذن كل مجرد فإنّه عاقل لذاته.

وأمّا أنّ كلّ مجرد عالم بغيره فلأن كل مجرد أمكن أن يكون معقولاً وحده،


(1) إنّ هنا لونين من البحث:

أحدهما: كل عاقل مجرد، وكل مجرد عاقل، وقد أطرحه المحقّق الطوسي في آخر «المسألة الثانية والعشرون» من مباحث العلم وتبعه شرّاح المتن، وأقاموا البرهان على القاعدتين المعروفتين (1)

وقد ذكر أيضاً بعض ما يرتبط بهما في الفصل الرابع، المسألة الخامسة في تجرد النفس(2)

ولكنّ بيان الشارح في المقام الأوّل في الكتاب غير خال عن التعقيد والصعوبة.

ثانيهما: ما ذكره الشارح في المقام استلهاماً من قول المصنف في المتن حيث قال: «والتجرد»، وفسّره في المقام بالصورة التالية: إنّه سبحانه مجرد وكل مجرد عالم بذاته

وبغيره. ولأجل أن لا تخرج التعليقة عن حدها، نشرح ما ذكره الشارح في المقام ونرجئ البحث عن اللون الأوّل وما ذكره في تجرد النفس إلى آونة أُخرى لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمراً، فنقول:

هنا: دعويان:

الأُولى: أنّه سبحانه مجرد، وكل مجرّد عالم بذاته.

الثانية: أنّه سبحانه مجرد، وكل مجرّد عالم بغيره.

أمّا الدعوى الأُولى: فهي مركبة من صغرى مفروضة الصدق، لأنّه ليس جسماً ولا جسمانياً فيكون مجرداً، ومن كبرى، ومعناها أنّه عالم بذاته. ويمكن توضيحه بالوجه التالي:إنّ العلم ليس إلاّ حضور الشيء لدى الشيء، والعائق عن الحضور هو كون الشيء جسماً أو جسمانياً، لأنّ لازمهما التفرق والانبساط وعدم اجتماع الأجزاء وغيبوبة بعضها عن بعض، وهو مفقود بالفرض، لأنّه مجرد وليس له جزء يغيب بعضه عن بعض، فهو بوحدته وبساطته كمال مطلق ليس له جزء يغيب بعضه عن بعض، وعند ذاك تكون ذاته حاضرة لدى ذاته، وقد عرفت أنّ العلم ليس إلاّ الحضور. وما قاله الشارح: «وكلّ مجرد حصل له مجرد» يريد من المجرد الأوّل نفسَ الشيء ومن قوله: «حصل له مجرد» حصولَ ذاتِه لذاته أي حضور ذاته لدى ذاته.

هذا كلّه حول الدعوى الأُولى التي انتهت إلى علمه سبحانه بذاته.

وأمّا الدعوى الثانية: أنّه مجرد، وكلّ مجرد عالم بغيره، التي تريد إثبات علمه سبحانه بما سواه من أفعاله فبيانه يتوقف على ثبوت أُمور ثلاثة:

1ـ أنّ كلّ مجرد أمكن أن يكون معقولاً وحده.

2ـ وكلّ ما يمكن أن يكون معقولاً وحده أمكن أن يكون معقولاً مع غيره.

3ـ وكلّ مجرد يعقل مع غيره فإنّه عاقل لذلك الغير.

وإليك بيان الأُمور الثلاثة:

أمّا الأوّل، أعني: كل مجرد يمكن أن يكون معقولاً وحده، أي بلا وساطة صورة مرتسمة والشاهد عليه قوله: «لأنّ المانع من التعقل إنّما هو المادة لا غير» ومن المعلوم أنّها تمنع عن المعقولية المباشرية أي بلا واسطة، لا مع الواسطة وإلاّ يلزم امتناع حصول العلم بالمادة والماديات وهو كما ترى، ولعل ما في الأمر الأوّل لا يتجاوز عمّا ثبت في الدعوى الأُولى وهو أنّه سبحانه مجرّد وكلّ مجرّد عالم بذاته.

وأمّا الثاني: أعني كل ما يمكن أن يكون معقولاً وحده أمكن أن يكون معقولاً مع غيره، فإن ّ كلّ معقول لا ينفك عن الأُمور العامّة كالإمكان والوجود والوحدة وغيرها فانّ كل معقول يصح أن يعقل مع أحد هذه الأُمور.

إلى هنا ثبت معقولية المجرد لنفسه وكونه معقولاً مع كل ما يقارنه.

بقي الكلام في أنّ المجرد عاقل لذلك المقارن، وهذا هو الذي نبيّنه في الأمر الثالث، فإنّ إمكان مقارنة معقول مجرد لمجرد، كاف في الحكم بعلمه به، وذلك أخذاً بمقتضى التجرّد، الذي يستلزم عدم العائق والمانع، ولا يتوقف إمكان الشيء على وقوعه، فإمكان المقارنة مساوق لوقوع المقارنة، وحيث إنّه لا مانع من التعقل ينتج أنّه سبحانه عالم بأفعاله التي هي بمنزلة المعقول الثاني.

وإن شئت قلت: إنّه لا شك أنّ كلّ مجرّد عاقل لنفسه فيكون معقولاً، لأنّ المانع من المعقولية بالذات هو المادة والمفروض عدمها.

وعلى ذلك كما يمكن أن يكون معقولاً وحده، يمكن أن يكون معقولاً مع الغير أي يصح أن يقارن معقول معقولاً في العقل، فإذا ثبت إمكان اقترانهما في العقل ثبت مطلق اقترانهما، لأنّ الاقتران في العقل نوع من المقارنة وليست المقارنة منحصرة فيه، ولو توقف إمكان مقارنة المعقولين على مقارنتهما في العقل لزم توقف إمكان الشيء على وجوده وهو كما ترى.

فإذا ثبت أنّ مطلق المقارنة ممكن، فلو تحقّقت تلك المقارنة وقارن مجرد مجرداً لكان عاقلاً له، إذ المانع من التعقل هو المادية وهي في المقام منتفية، كل ذلك بشرط تحقّق المقارنة.

يلاحظ عليه: أنّ البرهان على فرض تماميته يثبت علم المجرد بكل مجرد مقارن، والمقارنة تحصل إمّا بالحلول أو بالصدور، والأوّل كالصور المرتسمة في النفس، والثاني هي نفسها أيضاً على القول بأنّ النفس خلاّق لها.

ولكنّه عقيم بالنسبة إلى علم البارئ للموجودات الإمكانية، من المجرد إلى الهيولى، لعدم تجرد الجميع، والجسمانيات مغمورة في المادة والماديات، والعلم بصورها غير علمه بذواتها والمقصود علمه بذواتها ولابد من التماس دليل آخر.


1ـ لاحظ كشف المراد: 246 طبعة النشر الإسلامي.
2ـ لاحظ المصدر نفسه: 184 طبعة النشر الإسلامي.


(21)

وكل مايمكن أن يكون معقولاً وحده أمكن أن يكون معقولاً مع غيره، وكل مجرد يعقل مع غيره فإنّه عاقل لذلك الغير، أما ثبوت المعقولية لكل مجرد فظاهر لأن المانع من التعقل إنّما هو المادة لا غير، وأما صحة التقارن في


(22)

المعقولية فلأنّ كل معقول فإنّه لاينفكّ عن الأُمور العامة، وأما وجوب العاقلية حينئذ فلأنّ إمكان مقارنة المجرد للغير لا يتوقف على الحضور في العقل لأنه نوع من المقارنة فيتوقف إمكان الشيء على ثبوته فعلاً وهو باطل، وإمكان المقارنة هو إمكان التعقل، وفي هذا الوجه أبحاث مذكورة في كتبنا العقلية.


(23)

الوجه الثالث: أنّ كل موجود سواه ممكن، على ما يأتي في باب الوحدانية، وكل ممكن فإنّه مستند إلى الواجب إما ابتداءً أو بوسائط على ما تقدم، وقد سلف أنّ العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول واللّه تعالى عالم بذاته على ما تقدم فهو عالم بغيره.

قال: والأخيرُ عامٌّ .

أقول: الوجه الأخير من الأدلة الثلاثة الدالة على كونه تعالى عالماً يدل على عمومية علمه بكل معلوم، وتقريره: أنّ كل موجود سواه ممكن وكل ممكن مستند إليه فيكون عالماً به، سواء كان جزئياً أو كلياً، وسواء كان موجوداً قائماً بذاته أو عرضاً قائماً بغيره، وسواء كان موجوداً في الأعيان أو متعقلاً في الأذهان لأن وجود الصورة في الذهن من الممكنات أيضاً فيستند إليه، وسواء


(24)

كانت الصورة الذهنية صورة أمر وجودي أو عدمي ممكن أو ممتنع، فلا يعزب عن علمه شيء من الممكنات ولا من الممتنعات، وهذا برهان شريف قاطع.

قال: والتغايرُ اعتباريٌّ.

أقول: لما فرغ من الاستدلال على كونه تعالى عالماً بكل معلوم، شرع في الجواب عن الاعتراضات الواردة عن المخالفين، وابتدأ باعتراض من نفيعلمه تعالى بذاته، ولم يذكر الاعتراض صريحاً بل أجاب عنه وحذفه للعلم به.

وتقرير الاعتراض أن نقول: العلم إضافة (1) بين العالم والمعلوم أو مستلزم للإضافة، وعلى كلا التقديرين فلابد من المغايرة بين العالم والمعلوم ولا مغايرة في علمه بذاته.

والجواب: أن المغايرة قد تكون بالذات وقد تكون بنوع من الاعتبار وهاهنا ذاته تعالى من حيث إنّـها عالمة مغايرة لها من حيث إنّـها معلومة، وذلك كاف في تعلق العلم.


(1) الأولى أن يقال: العلم وإن لم يكن من مقولة الإضافة ـ كما حقق في مبحـث الوجود الذهنيـ لكنّه حسب الوجود من الأُمور ذوات الإضافة، وهي تطلب لنفسها طرفين وهما غير متحققين في علمه سبحانه بذاته.

والجواب أنّا نمنع أنّه من ذوات الإضافة الحقيقية في جميع المراحل حتى في علم النفس بذاته فضلاً عن علمه سبحانه بذاته، وإن أبيت نقول: إنّ التعدد ـ حفظاً للإضافة ـ في المقام اعتباري فمن حيث إنّه مجرد، عالم، ومن حيث حضور ذاته لدى ذاته، معلوم.


(25)

قال: ولا يستدعي العلمُ صوراً مغايرة للمعلومات عنده (1) لأنّ نسبة الحصول إليه أشدُّ من نسبة الصور المعقولة لنا.

أقول: هذا جواب عن اعتراض آخر أورده من نفى علم اللّه تعالى بالماهيات المغايرة له.

وتقرير الاعتراض: أنّ العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم، فلو كان


(1) الإشكال في علمه سبحانه بالماهيات المغائرة له ـ على حد تعبير الشارح ـ أو الوجودات المغائرة له ـ حسب تعبيرنا ـ مبني على حصر العلم بالقسم الحصولي أي الصور المرتسمة الحالّة في العالم وعندئذ يتوقف علمه سبحانه بها على توسط صورة بينه و بين الموجودات فيتسرَّب ما ذكر من الإشكالات، وأمّا إذا كسرنا إطار الحصر وقلنا: إنّه ينقسم إلى حضوري وحصولي ولا يتوقف القسم الأوّل، على انتزاع صورة من المعلوم بل هو بنفسه وواقعه يكون حاضراً لدى العالم بلا توسط صورة، فيرتفع الإشكال.

ويعلم حال علمه سبحانه بذاته من مقايسة علم النفس بالصورة المرتسمة الحاكية عن الخارج فإنّها عالمة بالخارج بتوسط الصور وأمّا علمها بها، فلا يتوقف على توسط صورة أُخرى وإلاّ لزم التسلسل.

واللّه سبحانه عالم بالوجودات الإمكانية بنفسها لأنّها فعله القائم به قيام المعنى الحرفي، بالإسمي، ولا يتوقف علمه بها على توسيط صور بينه وبينها. فمَثل الوجودات الإمكانية بالنسبة إليه تعالى، كمثل الصور المرتسمة لدى النفس ولكن حضورها عنده تعالى أشدّ من حضورها لديها. لأنّ نسبته إليه، نسبة المؤثر إلى الأثر والموجد إلى موجَده، بخلاف نسبتها إليها، إذ هو من قبيل نسبة القابل إلى المقبول.

نعم بناءً على أنّ النفس خلاّق للصور، وموجدة لها بعد تحقق مقدمات ومعدات من الحواس، يكون التشبيه أوضح إذ النفس تكون خلاّقة للصور في ظلّ خلاقيته سبحانه لما سواه فيكون مثَلاً له في عالم الشهادة، وإن كان سبحانه نزيهاً عن المثْل.


(26)

اللّه تعالى عالماً بغيره من الماهيات لزم حصول صور تلك المعلومات في ذاته تعالى وذلك يستلزم تكثره تعالى، وكونه قابلاً وفاعلاً ومحلاً لآثاره، وأنّه تعالى لا يوجد شيئاً مما يباين ذاته بل بتوسط الأُمور الحالّة فيه، وكلّ ذلك باطل.

وتقرير الجواب: أن العلم لايستدعي صوراً مغايرة للمعلومات عنده تعالى، لأنّ العلم هو الحصول عند المجرد على ما تقدم، ولا ريب في أنّ الأشياء كلها حاصلة له لأنّه مؤثرها وموجدها، وحصول الأثر للمؤثر أشد من حصول المقبول لقابله مع أنّ الثاني لا يستدعي حصول صورة مغايرة لذات الحاصل، فإنا إذا عقلنا ذواتنا لم نفتقر إلى صورة مغايرة لذواتنا ثم إذا أدركنا شيئاً ما بصورة تحصل في أذهاننا فإنا ندرك تلك الصورة الحاصلة في الذهن بذاتها لا باعتبار صورة أُخرى وإلاّ لزم تضاعف الصور مع أن تلك الصورة حاصلة لذاتنا لا بانفرادها بل بمشاركة من المعقولات، فحصول العلم بالموجودات لواجب الوجود الذي تحصل له الأشياء من ذاته بانفراده من غير افتقار إلى صور لها أولى; ولما كانت ذاته سبباً لكل موجود وعلمه بذاته علة لعلمه بآثاره وكانت ذاته وعلمه بذاته العلتان، متغايرتين بالاعتبار متحدتين بالذات، فكذا معلوله والعلم به متحدان بالذات متغايران بنوع من الاعتبار.

وهذا بحث شريف أشار إليه صاحب التحصيل وبسطه المصنف رحمه اللّه في شرح الاشارات، وبهذا التحقيق يندفع جميع المحالات لأنها لزمت باعتبار حصول صور في ذاته تعالى عن ذلك.

قال: وتغيُّرُ الإضافات ممكنٌ.

أقول: هذا جواب عن اعتراض الحكماء القائلين بنفي علمه تعالى


(27)

بالجزئيات الزمانية.

وتقرير الاعتراض: أن العلم يجب تغيره عند تغير المعلوم، وإلاّ لانتفت المطابقة لكن الجزئيات الزمانية متغيرة فلو كانت معلومة للّه تعالى لزم تغير علمه تعالى والتغير في علم اللّه تعالى محال.

وتقرير الجواب: أنّ التغير هنا إنّما هو في الإضافات لا في الذات (1) ولا في الصفات الحقيقية، كالقدرة التي تتغير نسبتها وإضافتها إلى المقدور عند عدمه، وان لم تتغير في نفسها، وتغير الإضافات جائز لأنّها أُمور اعتبارية لا تحقق لها في الخارج.


(1) ويعبر أيضاً عن هذا الجواب بأنّ التغير في طرف العلم لا في نفسه، كالقدرة، فإنّ المتغير هو المقدور، لا القدرة.

توضيحه: أنّه لو كان علمه حصولياً ارتسامياً حالاًَّ في ذاته، لزم التغير في الذات، حسب تغير الصور كما إذا قام زيد ثم قعد، فتكون هناك صورة بعد صورة، لكن علمه سبحانه بالأشياء حضوري، وعليه يكون هناك حضور بعد حضور، فالتغير إنّما هو في الإضافة والنسبة (الحضور) لا في العلم، والإضافات أُمور اعتبارية كما قرره الماتن في مبحث المضاف من الأعراض (1).

والأولى أن يجاب بأنّ التغير إنّما هو في علمه الفعلي لا في علمه الذاتي، فإنّ العالم بوجوده الخارجي فعله وعلمه، كما أنّ الصورة المرتسمة فعل النفس وعلمها، والممنوع إنّما هو التغير في علمه الذاتي بالأشياء الموجب لحدوث التغير في ذاته سبحانه، لا في علمه الفعلي.

وأمّا عدم التغير في علمه الذاتي فلأنّه لما لم يكن مكانياً كانت الأمكنة بالنسبة إليه سواء فلا قريب ولا بعيد بالنسبة إليه، و لمّا لم يكن زمانياً كانت الأزمنة بالنسبة إليه سواء فلا ماضي ولا مستقبل لديه بل هو واقف على الجميع من غير تقدم وتأخر، ومن تكن

حاله كذلك فالمتغيرات بأجمعها حاضرة لديه من دون أن يحدث التغير في الكون تغيراً في العلم، ونستوضح ذلك بالمثال التالي: إذا نظرنا من الكوّة إلى الشارع المليئة بالسيارات فلا نرى في كل لحظة إلاّ سيارة واحدة فنصفُ السيارات بالسبق والتأخر، وأمّا إذا نظرنا إلى الشارع من أُفق عال رأينا الجميع دفعة واحدة ومحيطاً بها من غير سبق ولا لحوق، واللّه سبحانه لتنزهه عن الزمان والمكان يحيط بالأشياء متقدمها ومتأخرها بلا تقدم وتأخر وتكون نسبة الجميع إليه واحدة.


1ـ لاحظ كشف المراد، الفصل الخامس: المضاف، المسألة الثالثة في أنّ الاضافة ليست ثابتة في الأعيان ص 258، وقال الماتن: وثبوته ذهني و إلاّ تسلسل.


(28)

قال: ويمكن اجتماعُ الوجوب والإمكان باعتبارين.

أقول: هذا جواب عن احتجاج من نفى علمه تعالى بالمتجددات قبل وجودها.

وتقرير كلامهم: أنّ العلم لو تعلق بالمتجدد (1) قبل تجدده لزم وجوبه، وإلاّ لجاز أن لا يوجد فينقلب علمه تعالى جهلا وهو محال.

والجواب: إن أردتم بوجوب ما علمه تعالى، أنّه واجب الصدور عن العلم فهو باطل لأنّه تعالى يعلم ذاته ويعلم المعدومات، وإن أردتم وجوب المطابقة لعلمه فهو صحيح لكن ذلك وجوب لاحق لا سابق فلا ينافي الإمكان الذاتي.

وإلى هذا أشار بقوله: ويمكن اجتماع الوجوب والإمكان باعتبارين.


(1) توضيح التقرير: أنّه تعالى لا يعلم الحوادث قبل وقوعها، وإلاّ يلزم أن يكون تلك الحوادث ممكنة وواجبة معاً، والتالي باطل للتنافي بين الوجوب والإمكان، بيان اللزوم أنّها ممكنة لكونها حادثة، وواجبة أيضاً وإلاّ أمكن أن لا يوجد فينقلب علمه جهلاً وهو محال.

والجواب: أنّ العلم تابع للمعلوم، فلا يكون تعلّق علمه به دليلاً على وجوبه، ولو سلم فنقول: انّها ممكنة لذواتها، وواجبة بغيرها وهو تعلق علم البارئ تعالى بوجودها ولا تنافي بين الإمكان بالذات، والوجوب بالغير (1).

وقول الشارح: «إن أردتم بوجوب علمه تعالى أنّه واجب الصدور عن العلم ...» معناه: إن أردتم أنّ علمه علّة تامة لصدور هذه الجزئيات الزمانية فهو باطل وإلاّ لزم أن تكون ذاته علّة لذاته و المعدومات، لكون المفروض أنّه يعلمهما. وإن أردتم وجوب كون الخارج مطابقاً فهو صحيح لكنّه لا ينافي الإمكان، لأنّ هذا الوجوب وجوب متأخر لاسابق.

يلاحظ على الشق الأوّل في الجواب أنّه ليس المراد من كون العلم علّة تامة، كونه علّة تامة مطلقاً لكل معلوم حتى يعم ذاته والمعدومات، بل علمه علّة تامة في كل فعل يعدّ فعلاً له سبحانه ومتعلقاً للداعي (حسب مصطلح المتكلمين) أو وقع في إطار إرادته، فعندئذ لا يصح النقض بالعلم بالذات والمعدومات.


1ـ لاحظ شرح علاء الدين للقوشجي: 414 ط تبريز عام 1307.

Website Security Test