welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : حــوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش / ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

حــوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش / ج 2

(2)               
الفقيه المحقّق جعفر السبحاني

حــوار
مع الشيخ

صالح بن عبد الله الدرويش
(القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف)

حول الصحبة والصحابة

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

قال الله تبارك وتعالى :

(وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ).

آل عمران: 144

صدق الله العظيم

روى الإمامان: البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنَّ إِليَّ رجال مِنكم حتّى إذا أهويتُ إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

(جامع الأُصول للجزريّ: 11 / 19، برقم 7969 ولاحظ بقية أحاديث الباب إلى رقم 7979).


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على سيّد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد الّذي بعثه سبحانه والناس ضُلالٌ في حَيْرَة وحاطِبون في فِتنَة، استهوتهُم الأهواء، واستزلّتهم الكبرياء، واستخفّتهم الجاهليّة الجَهلاء، حَيارى في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل، فبالغ (صلى الله عليه وآله وسلم)في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة (1)، وعلى آله وعترته الذين طهّرهم الله تعالى من الرجس والدنس، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.


1-اقتباس من خطب الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ من كتاب نهج البلاغة، الخطبة95.


(6)

أمّا بعد، فإنّ من دواعي الخير وبواعث الغبطة ظهور فئة من العلماء الواعين، الذين لمسوا خطورة الحملة الشرسة الّتي يقودها أعداء الإسلام ضدّ الإسلام والمسلمين، فتصدّوا لها بفكرهم ويراعهم بتجرّد وموضوعية، بعيداً عن التعصّب المقيت وبروح منفتحة، وأخصّ بالذكر فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف فقد قرأت من آثاره كرّاستين:

إحداهما: تأمّلات حول نهج البلاغة.

الثانية: صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

فلو كان الأثر دليلاً على ما يحمل الكاتب من أفكار فالأثران يدلاّن على أنّ الكاتب إنسان مؤدّب بأخلاق الإسلام، يعرض آراءه وأفكاره بأُسلوب واضح مراعياً أدب الكتابة، ونحن نرحِّبُ بهذا الأدب الرفيع الّذي قلّما يوجد عند سائر الكُتّاب الوهابيين.

وقد علّقنا على الأثر الأوّل ببعض ما جال في الذهن


(7)

ونشرناه باسم «حوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش في كتابه تأمّلات حول نهج البلاغة» ولعلّ الكتاب وصل إليه .

ثمّ وقفنا على أثر ثان ووجدناه مثل الأوّل في الأُسلوب .

ولكن الكتاب ـ مع هذا التثمين ـ لا يخلو من هن وهنات، بل من هفوات وزلاّت، وبما انّ المؤلّف طلب من القرّاء أن يناقشوا أثره لكي يتدارك ما فات في الطبعة الثانية، فقال: أخي الكريم لا تعجل اصبر معي قليلاً، وبعد التأمّل أحكم، ومن معروفك أن ترسل لي كلّ ما يخطر ببالك من ملاحظات فأنا مستعد للرجوع والزيادة والحذف في الطبعات القادمة إن شاء الله، المهم واصل معي القراءة في تأمّل واحكم بعد ذلك. (1)

وانطلاقاً ممّا دعا إليه المؤلّف نذكر ملاحظاتنا على تلك الكراسة في فصول ثلاثة:

الفصل الأوّل: تبيين الخطوط العريضة الّتي سار على


1- صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : 13.


(8)

ضوئها الكاتب.

الفصل الثاني: في بيان الأُصول الّتي لا مناص للباحث عنها في تقييم عدالة الصحابة وتزكيتهم.

الفصل الثالث: إزاحة الستار عمّا فات الكاتب من مواقف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مع أصحابه.

وأظن ـ وظن الألمعي صواب ـ انّ فضيلة الشيخ لو رجع إلى تلك المذكّرات ربّما غيّر موقفه فيما تبنّاه من عدالة كلّ صحابي بلا استثناء.

المؤلّف


(9)

الفصل الأوّل

الخطوط العريضة
التي سار على ضوئها الكاتب

لا يستغني أيُّ باحث عن اتخاذ أُصول موضوعية يبدي فكرته على ضوئها، حتّى يكون لدراسته قيمة علمية.

وقد تصفّحنا تلك الرسالة الموجزة فوقفنا على الخطوط التي سار عليها المؤلف وهي تتلخّص في الأُمور التالية:

1. الأُسلوب الخطابي

اقتفى فضيلة الشيخ في رسالته، الأُسلوبَ الخطابي الذي كثيراً ما يُنتفع به في المسائل التربوية لا سيّما في تربية الجيل الجديد، وقد دعا إليه القرآن الكريم أيضاً بقوله تعالى:


(10)

(ادعُ إِلى سَبيلِ رَبّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِي أَحسن)(1) ولعلّ الموعظة الحسنة هي الأسلوب الخطابي الذي ينفذ في قلوب الناشئين أكثر من غيره.

وكان على فضيلة الشيخ ـ خاصة في البحوث التاريخيةـ أن يستخدم الأُسلوب البرهاني بدل الأُسلوب الخطابي، إذ لكلّ أُسلوب مجاله الخاص ولكنّه ـ يا للأسف ـ استخدم إثارة العواطف والمشاعر مكان الاستدلال بالوثائق التاريخية.

ولإراءة نموذج من أُسلوبه نأتي بكلامه في تنزيه أصحاب النبي من أوّلهم إلى آخرهم وتعديلهم وتزكيتهم عامّة:

إنّ الذين يحبّون الرسول وبه يقتدون، يعتقدون بأنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة وقام بما أمره اللّه به، ومن ذلك انّه بلغ أصحابه العلم وزكّاهم، وهم الذين أخذوا القرآن والسنّة من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مباشرة، وعنهم أخذ


1-النحل:125.


(11)

التابعون، والحكم بعدالتهم من الدين، ومن الشهادة بأنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام بما أمره اللّه به.

والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم وقائدهم ومعلّمهم سيد المرسلين. ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه.(1)

ترى أنّه كيف يحاول اثارة مشاعر القارئ بشيء لا يتجاوز عن بيان أصل المدّعى، من دون إقرانه بدليل، إذ لا شكّ انّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة وقام بما أمر اللّه به، لكن أداء الأمانة والرسالة لا يلازم مثالية الصحابة ونزاهتهم من كلّ عيب وشين واتّصافهم بالعدالة والوثاقة من أوّلهم إلى آخرهم.

لاحظ قوله: «والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم وقائدهم».

أي تلازم بين الطعن في المدعو، والطعن في الداعي، فالقرآن يطعن في قوم نوح وعاد وثمود، فهل معنى هذا أنّه


1-صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :8.


(12)

يطعن في الدعاة (فما لكم كيف تحكمون)؟!

هذا وقد استخدم المؤلف هذا الأُسلوب بكثرة اقتصرنا على هذا المورد تجنباً للاطناب.

2. انطباعات شخصية خاطئة

تجد انّ فضيلة الشيخ يستدلّ على تزكية عامّة الصحابة وتعلّمهم أحكام الشريعة بقوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي بَعثَ في الأُمِّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِين).(1)

فقال في تفسير الآية:

(ويزكّيهم) وهم من خيرة الناس وقد قام الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بتربيتهم وتزكيتهم، فهل يعقل الطعن فيهم؟ وتأمّل في تقديم التزكيّة على التعليم! فهي لفتة لغوية لها دلالاتها.

وقال اللّه تعالى: (ويُعلّمُهُم الكتابَ والحِكْمَة) وقد


1-الجمعة:2.


(13)

فعل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الواجب عليه، فهل يمكن لعاقل منصف يخاف اللّه أن يصف طلاّب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالجهل؟(1)

أقول: إنّه سبحانه و تعالى إنّما يذكر شؤون النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوله: (ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة) وانّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مأمور بكلتا المهمتين، وأمّا انّ الأُمّة التي عاشرت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد تزكّى جميع أفرادها وتَعلّموا بعد قيام النبي بالمهمتين فلا ملازمة بينهما، بشهادة انّ التزكية والتعليم من شؤون عامّة الأنبياء ولا تختصّان بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول سبحانه حاكياً عن لسان إبراهيم الخليل ( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الحَكِيمُ).(2)

والآية كماهوالمتبادربصددبيانشؤونمطلقالرسول حتّى ولو قيل بأنّ المراد من قوله: «رسولاً» هو النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ ليس للأنبياء شأن في مجال التربية إلاّ التزكية والتعليم.


1-صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :7.
2-البقرة:129.


(14)

ويدلّ على أنّ المهمّتين من خصائص الرسل قوله سبحانه:

(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَديدَ فيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيعلَمَ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيز).(1)

فالغاية من تأييد الرسل بالبيّنات وإنزال الكتب والميزان معهم هي إقامة القسط في المجتمع في عامّة مجالاته، وهذا هو نفس التزكية التي أُمر بها الرسول كما أمر بها عامّة الرسل.

وهذا النوع من التزكية لا يفارق التعليم يقول سبحانه: (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَبِالكِتابِ الْمُنِير). (2)

ويقول سبحانه: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَني إِسرائيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللّهُ إِنّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ


1-الحديد:25.
2-فاطر:25.


(15)

الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةُ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهُ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ...).(1)

فإذا كان التعليم والتزكية من شؤون الرسل، فهل يصحّ لفضيلة الشيخ أن يقول إنّ الأُمم السالفة الذين قام رسلهم بتزكيتهم وتعليمهم صاروا كلّهم نموذجاً للمثل العليا والفضائل الكبرى وصار الكل عدولاً ثقاةً من أوّلهم إلى آخرهم مع أنّ القرآن الكريم يحكي عن إبادة الأُمم السالفة لأجل الإعراض عن أنبيائهم؟!

فهذا النوع من الانطباعات الشخصية عن آيات الذكر الحكيم يحكي عن اتّخاذ الشيخ لموقف مسبق، محاولاً إثباته بأيّة وسيلة وإن كانت فاقدة للدلالة.

3. قراءة صفحات معدودة من ملف الصحابة

إنّ فضيلة الشيخ حاول قراءة حياة الصحابة على ضوء


1-المائدة:12.فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة رمز التعليم، وتكفير السّيئات رمز التزكية.


(16)

الصفحات التي انتخبها من ملف حياة الصحابة واكتفى بما يرجع إليهم في غزوة «بدر» و« أُحد» وغيرهما بما يتم لصالح الصحابة، وغضّ النظر عمّا ورد في تلك الوقائع من ذمّ بعضهم والتنديد بالبعض الآخر مع الإشارة بطهارة قسم ثالث منهم.

وبتعبير آخر: نصادف عند معالجة موضوع ما منهجين:

الأوّل: ينظر إليه من زاوية واحدة يحشّد الباحث من خلاله، ما يدعم رؤيته ووجهة نظره، من دون أن يلتفت إلى زواياه وأبعاده الأُخرى.

وهذا المنهج الانتقائي، منهج خاطئ، لا يرتكز على أُسس علمية رصينة، والنتائج التي ينتهي إليها، تأتي ناقصة مشوّهة، لا تعبّر عن واقع، ولا تمثّل حقيقة.

والمنهج الثاني: ينظر إلى الموضوع من زوايا مختلفة، يقرأ الباحث من خلاله كلّ ما يرتبط به وما يمتّ إليه بصلة في


(17)

محاولة منه للكشف عن صورته الحقيقية، وبالتالي خلق تصوّر واضح وصحيح عنه.

ولا ريب في أنّ ثمار هذا المنهج، ستكون ناضجة يانعة، يستسيغها طلاب الحقّ والحقيقة.

ولأجل بيان ما تقدّم، نتوجه للشيخ الدرويش ـ القاضي بالمحكمة الكبرى ـ بهذا الكلام:

إنّ القاضي العادل إذا ما رُفعت إليه قضية، فإنّه ينظر في ملفّ صاحبها بدقّة، ويقرأ ما ورد فيه على وجه التفصيل، ولا يغفل عن جانب من جوانبه، لكي تبدو له القضية بأجلى صورها، ويكون حكمه فيها قائماً على موازين القسط والعدل، بعيداً عن الحيف والظلم.

وليس من الإنصاف في شيء، أن يطالع بعض فصول الملفّ، ويغضّ الطرف عن سائر فصوله، بقصد إخفاء بعض الحقائق أو طمسها لدوافع معيّنة، أو بدون قصد.

وأنت إذا ما طالعت أثر الشيخ الدرويش، فإنّك تجد


(18)

أنّه اعتمد بشكل صارم على المنهج الأوّل، وأقحم القارئ في درب ضيق ذي اتجاه واحد، وراح يسوقه فيه بدون هوادة، بما يختار من وسائل تنسجم ودوافعه المتمثّلة في إيصاله إلى الهدف المرسوم سلفاً، ثمّ يطلب منه ـ أي من القارئ ـ أن يتأمّل ويفكّر، وأن يسير ـ مع ذلك الضغط والإكراه ـ في الطريق التي يحبّ!!!

لقد عرض سماحة الشيخ سيرة الصحابة من خلال اعتماد هذا المنهج، وعلى قاعدة (وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة)، وذلك بانتقاء النصوص التي تتفق وما يرمي إليه، وليس على أساس تقرير الحقائق، وإجلاء الواقع كما هو لا كما يتصوّره ويتمنّاه.

وليته وهو يورد النصوص القرآنية في حقّ الصحابة ـ كلّ الصحابة ـ أن يورد كلّ ما جاء عنهم في القرآن، ولكنّه أبى إلاّ أن يسير في منهجه حتّى النهاية، فيقتطع منها ما يخدم أغراضه المحددة.


(19)

ثمّ إنّ دراسة حياة الصحابة لا تكتمل إلاّ من خلال مراجعة السنّة النبوية الشريفة والتاريخ الصحيح، وأمّا الاقتصار على بعض الآيات من الكتاب المجيد وإهمال ما سواه من المصادر، فهو أيضاً أمر مرفوض، ولا تقرّه طبيعة القضاء الصحيح.


(20)

الفصل الثاني: الخطوط العريضة للقضاء في المسألة

1
حبّ الصحابة من مظاهر حبّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ
وكرامة للمحبّ

الحب والبغض خُلّتان تتواردان على قلب الإنسان، تشتدّان وتضعفان، ولنشوئهما واشتدادهما أو انحلالهما وضعفهما عوامل وأسباب، ولا شكّ انّ حبّ الإنسان لذاته من أبرز مصاديق الحبّ، وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى بيان، وجبليّ لا يخلو منه إنسان، ومن هذا المنطلق حبُّ الإنسان لما يرتبط به أيضاً، فهو كما يحبّ نفسه يحبُّ كذلك كلّ ما يمتُّ إليه بصلة، سواء كان اتّصاله به جسمانياً كالأولاد والعشيرة، أو معنوياً كالعقائد والأفكار والآراء والنظريات التي يتبنّاها;


(21)

وربّما يكون حبّه للعقيدة أشدّ من حبّه لأبيه وأُمّه، فيذبُّ عن حياض العقيدة بنفسه ونفيسه، وتكون العقيدة عنده أغلى من كلّ شيء حتّى نفسه التي بين جنبيه.

فإذا كان للعقيدة هذه المنزلة العظيمة يكون لمؤسِّسها ومُغذّيها، والدعاة إليها منزلة لا تقلّ عنها، إذ لولاهم لما قام للعقيدة عمود، ولا اخضرّ لها عود، ولأجل ذلك كان الأنبياء والأولياء، بل جميع الدعاة إلى الأُمور المعنوية والروحية، معزّزين لدى جميع الأجيال، من غير فرق بين نبيّ و آخر، ومصلح وآخر، فالإنسان يجد من صميم ذاته خضوعاً تجاههم، وإقبالاً عليهم.

ولهذا لم يكن عجيباً ان تحترم بل تعشق النفوس الطيبة طبقةَ الأنبياء والرسل منذ ان شرع اللّه الشرائع وبعث الرسل، فترى أصحابها يقدِّمونهم على أنفسهم بقدر ما أُوتوا من المعرفة والكمال.

ولوجود هذه الأرضية في النفس الإنسانية والفطرة البشرية، تضافرت الآيات والأحاديث على لزوم حب النبي


(22)

وكلّ ما يرتبط به، وليست الآيات إلاّ إرشاداً إلى ما توحيه إليه فطرته، قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشيرَتُكُمْ وَأَموالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسادَها وَمَساكِنَ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِي اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقين).(1)

وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُون).(2)

وليست الآيات الحاثّة على حبّ الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منحصرة في ذلك، وبما انّ حبّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الأُصول المسلّمة عند المسلمين اتّباعاً للكتاب والسنّة نقتصر على هذا المقدار.

مظاهر حبّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

إنّ لهذا الحب مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقرّ


1-التوبة:24.
2-المائدة:56.


(23)

في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرّفاته، بل من خصائص الحب ظهور أثره في نفس الإنسان وعلى قوله وفعله بصورة مشهودة ملموسة.

إنّ لحبّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مظاهر كثيرة أهمّها اتّباع دينه والاستنان بسنّته والإتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، وهذا شيء لم يختلف فيه اثنان.

ومن مظاهر حبُّ النبي حب ذوي القربى الذين جعل الوحيُ الإلهي مودّتَهم شبه أجر الرسالة وقال: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَودّةَ فِي الْقُربى) .(1)

ومن تلك المظاهر حبّ أصحابه، ولا أظن انّ أحداً يؤمن باللّه ورسوله ويحبّ اللّه ورسوله وفي الوقت نفسه يبغض الصحابة ويسبّهم، (بما أنّهم صحابة نبيّه) لأنّ الإيمان بالرسول والحبّ له لا يجتمع مع بغض من أعانه وفدّاه بنفسه ونفيسه قبل الهجرة وبعدها، من غير فرق بين من آمن بمكة


1-الشورى:23


(24)

وعذّب وقُتل أو مات، و بين من هاجر إلى المدينة وشارك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في غزواته وشايعه في ساعة العسرة، كالبدريّين والأُحديّين وغيرهم من الصحابة الذين حفل القرآن الكريم والتاريخ بذكرهم وذكر تضحياتهم، وهذا شيء لا يختلف فيه اثنان من المسلمين.

هذا شيء تميل إليه النفس ويدعو إليه حبُّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحبُّ دينه وحبُّ من عاضده، من غير فرق بين من استشهد في غزواته أو حضر فيها وقاتل لا سيما في بدر وأُحد، فإنّ للبدريّين والأُحديين مكانة خاصة في قلوب المسلمين وكثيراً ما يتمنّى المرء أن يحشر في عدادهم.

وهذا شيء اتّفق عليه المسلمون ولا يبغض الصحابيّ بما انّه صحب النبي وعاضده وعاونه ونشر الإسلام إلاّ الجاهل غير العارف بالإسلام الخارج عن عداد المسلمين.

فخرجنا بالنتيجة التالية، وهي: انّ حبّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا ينفك عن حبّ أصحابه والمتعلّمين عنده وناشري دينه وحملة لوائه.


(25)

2
من هو الصحابي؟

اختلف في تعريف الصحابي، ونذكر هنا بعض التعاريف:

1. قال سعيد بن المسيب: الصحابي، ولا نعدّه إلاّ من أقام مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين.

2. قال الواقدي: رأينا أهل العلم يقولون: كلّ من رأى رسول اللّه وقد أدرك فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممّن صحب رسول اللّه، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدّمهم في الإسلام.

3. قال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللّه كلّ من


(26)

صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه.

4. قال البخاري: من صحب رسول اللّه أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.

5. وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب: لا خلاف بين أهل اللغة في أنّ الصحابي مشتق من الصحبة، قليلاً كان أو كثيراً، ثمّ قال: ومع هذا فقد تقرر للأُمّة عرف فإنّهم لا يستعملون هذه التسمية إلاّ فيمن كثرت صحبته، و لا يجيزون ذلك إلاّ فيمن كثرت صحبته لا على من لقيه ساعة أو مشى معه خطى، أو سمع منه حديثاً، فوجب ذلك أن لا يجري هذا الاسم على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول و معمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع عنه إلاّ حديثاً واحداً.

6. وقال صاحب الغوالي: لا يطلق اسم الصحبة إلاّ على من صحبه ثمّ يكفي في الاسم من حيث الوضع، الصحبة ولو ساعة ولكن العرف يخصصه بمن كثرت صحبته.


(27)

قال الجزري بعد ذكر هذه النقول، قلت: وأصحاب رسول اللّه على ما شرطوه كثيرون، فإنّ رسول اللّه شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألف سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه«هوازن» مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلّهم له صحبة.(1)

إنّ التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم ممّا لا تساعد عليه اللغة والعرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن جماعة تكون لهم خلطةومعاشرة معه مدّة مديدة، فلا تصدق على من ليس له حظ إلاّالرؤية من بعيد، أو سماع الكلام أو المكالمة أو المحادثة فترة يسيرة، أو الإقامة معه زمناً قليلاً.


1-أُسد الغابة:1/11ـ12، طبع مصر.


(28)

وأظن أنّ في هذا التبسيط والتوسّع غاية سياسية، لما سيوافيك أنّ النبي قد تنبّأ بارتداد ثلّة من أصحابه بعد رحلته فأرادوا بهذاالتبسيط، صرف هذه النصوص إلى الأعراب وأهل البوادي، الذين لم يكن لهم حظ من الصحبة إلاّلقاء قصيراً، وستعلم أنّ هذه النصوص راجعة إلى الملتفِّين حوله الذين كانوا مع النبي ليلاً ونهاراً، صباحاً ومساءً إلى حدّ كان النبي يعرفهم بأعيانهم وأشخاصهم وأسمائهم، فكيف يصحّ صرفها إلى أهل البوادي والصحاري من الأعراب؟! فتربّص حتى تأتيك النصوص.

وعلى كلّ تقدير فلسنا في هذا البحث بصدد تعريف الصحابة وتحقيق الحقّ بين هذه التعاريف غير أنّا نركّز الكلام على عدالة هذا الجم الغفير من الصحابة، وسيوافيك انّ الكتاب والسنّة وحياة الصحابة لا تدعم هذا الزعم بل أنّ الحكم على الصحابي، كالحكم على التابعي، فهما صنوان على أصل واحد، ففيهما الصالح والطالح والعادل والفاسق، فانتظر حتّى يأتيك دليله.


(29)

3
ثناء القرآن على طوائف من الصحابة
لا على جميعهم

أثنى القرآن الكريم على الصابرين في العهد المكي الثابتين على الإسلام، و تكرر الثناء منه في العهد المدني، على المهاجرين والأنصار فقط لما بذلوه من إنفاق وجهاد وهجرة ونصرة وحسن اتّباع وما لقوه من محن ومصائب، يقول سبحانه:

1. (لَقَدْ تابَ اللّهُ عَلى النّبيِّ وَالمُهاجِرينَ وَالأَنصار الّذينَ اتّبعُوهُ فِي ساعَة العُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَريق مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ انّهُ بِهِم رَؤوفٌ رَحيم).(1)


1-التوبة:117.


(30)

ترى أنّ الآية تُثني على فريق خاص من الصحابة وهم المهاجرون والأنصار، وقد نزلت في شأن غزوة تبوك التي كانت في السنّة التاسعة من الهجرة، وكان عدد جيش المسلمين قرابة ثلاثين ألفاً، ومع ذلك أثنى على فريق خاص لا على الأعراب ولا على الطلقاء و لا على الطوائف الأُخرى الذين أسلموا بعد بيعة الرضوان أو بعد فتح مكة.

والآية لا تهدف إلى تعديلهم وتوثيقهم، بل تدلّ على رجوع اللّه إليهم بالمغفرة (1) لأجل(ما كادَ يزيغ قلوب فريق منهم)، فطهّر قلوبهم منه، وأين ذلك من صيرورتهم عدولاً إلى آخر حياتهم؟!

2. (والسّابِقُونَ الأوّلُونَ من المُهاجِرينَ والأَنصارِ والّذينَ اتَّبعُوهُمْ بإِحسان رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وأَعدَّ لَهُمْ جَنّات تَجْري تَحتَها الأَنهارُ خالِدِينَ فيها أَبداً ذلِكَ الْفَوزُ العَظيم).(2)


1-يقال: تاب اللّه عليه، أي رجع إليه بالرحمة والمغفرة.
2- التوبة:100.


(31)

فقد أثنى سبحانه في هذه الآية على طوائف ثلاث:

الأُولى : السابقون الأوّلون من المهاجرين، وهم الذين هاجروا أيّام هجرة النبيّ أو بعدها بقليل، وبما انّ لفظة «من» من المهاجرين للتبعيض فهو يخرج المتأخرين من المهاجرين.

وعلى كلّ تقدير فالآية تثني على السابقين من المهاجرين لا على عامة المهاجرين.

الثانية: السابقون من الأنصار وهم الذين سبقوا في نصرة النبيّ بالإنفاق والإيواء، ولا يدخل مطلق الأنصار ولا أبناؤهم و حلفاؤهم. وذلك لأنّ تقدير الآية: والسابقون الأوّلون من الأنصار.

فالآية تثني على السابقين الأوّلين من الأنصار لا على عامّتهم.

وقد اختلفت كلمة المفسّرين في تطبيق السابقين الأوّلين من المهاجرة والأنصار إلى وجوه لا دليل عليها.

وبما انّ الموضوع هو السبق في الهجرة، والسبق في


(32)

النصرة فلا ينطبق العنوانان إلاّ على الذين أسّسوا أساس الدين، ورفعوا قواعده، قبل أن يشيّد بنيانه، وتهتّز راياته، وهم على أصناف، منهم من آمن بالنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وصبر على الفتنة والبلاء، ومفارقة الديار والأموال بالهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة، ومنهم من آمن به ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونصره وآواه وآوى أصحابه من المهاجرين، واستعدّ للدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع.

وهذا ينطبق على من آمن بالنبي قبل الهجرة ثمّ هاجر قبل وقعة بدر التي منها ابتدأ ظهور الإسلام على الكفر، أو آمن بالنبي وآواه وتهيّأ لنصرته عندما هاجر إلى المدينة.

فالمبدأ هو ظهور أمر النبيّ من الفترة المكية، والمنتهى هو قبل ظهور الإسلام وغلبته على أقوى مظاهر الشرك في المنطقة، أعني: غزوة بدر.

وعلى ضوء ذلك يتبيّن المراد من الصنف الثالث، أعني:

الثالثة: الذين اتّبعوا السابقين الأوّلين من المهاجرين


(33)

والأنصار بإحسان، وهذه الطائفة عبارة عمّن أسلم بعد بدر إلى بيعة الرضوان أو إلى فتح مكة، فلا تشمل الوافدين من العرب في العام التاسع الذي يطلق عليه عام الوفود.

وأمّا وجه الثناء على التابعين مع أنّهم ربّما لم ينصروا النبي الأكرم في مغازيه ، فلكونهم تضرروا وكابدوا المصاعب بفقد أقربائهم في المعارك، وربّما لحقهم بعض الأذى، والمراد من التابعين بإحسان هم الذين صلحت سيرتهم وسلوكهم فصاروا بعيدين عن اقتراف الذنوب ومساوئ الأخلاق.

وقد جاء ذكر الطوائف الثلاث في سورة الحشر، بلفظ آخر، والمضمون في السورتين واحد قال سبحانه:

3. (لِلْفُقراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَموالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُون* وَالّذينَ تَبَوَّءُو الدارَ والإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحبُّونَ مَن هاجَر إِليهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ


(34)

شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُون* وَالَّذينَ جاءو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمان وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحيم).(1)

فهذه الآيات الثلاث نظير ما تقدّم من الآيتين لا تثني على عامّة الصحابة بل على فريق منهم.

أمّا المهاجرون فتثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:

أ. (أخرجوا من ديارهم وأموالهم).

ب. (يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً).

ج. (ينصرون اللّه ورسوله).

فمن تمتع بهذه الصفات الثلاث من المهاجرين فقد أثنى القرآن عليه، وبما انّ من أبرز صفاتهم، كونهم مشرّدين من ديارهم وأموالهم، فيكون المقصود هم الذين هاجروا قبل وقعة «بدر».


1-الحشر:8ـ10.


(35)

وأمّا الأنصار فإنّما تثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:

أ.(تبوءُو الدار والإِيمان مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي آمنوا باللّه ورسوله، فخرج بذلك من اتّهم بالنّفاق وكان في الواقع منافقاً.

ب. (يُحبُّونَ مَن هاجَر إِليهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجة مِمّا أُوتُوا ).

ج.(وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَة ).

وبما انّ من أبرز صفاتهم، هو إيواء المهاجرين والأنصار وإيثارهم على الأنفس، فيكون المراد من آمنوا بالنبيّ وآووه وآووا المهاجرين، فينطبق على من آمن وآوى قبل غزوة بدر لانتفاء الإيواء بعدها خصوصاً بعد إجلاء «بني قينقاع» غبَّ معركة «بدر» حيث خرجوا تاركين قلاعهم وأموالهم وأسلحتهم، فوقعت بأيدي المسلمين.

وأمّا التابعون لهم، أعني: الذين جاءوا بعدهم فإنّما أثنى على من تمتع منهم بالصفات التالية:


(36)

أ.( يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمان ).

ب.(وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذينَ آمَنُوا).

فالآيات الواردة في سورة الحشر، تتّحد مضموناً مع ما ورد في سورة التوبة ولا تختلف قيد شعرة.

فالاستدلال بهذه الآيات وما تقدّمها على أنّ القرآن أثنى على الصحابة جميعهم من أوّلهم إلى آخرهم ـ الذين ربّما جاوز عددهم المائة ألف ـ غفلة عن مفاد الآيات; فأين الدعاء والثناء على لفيف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم المتمتّعين بخصوصيات معيّنة، من الثناء على الطلقاء والأعراب وأبناء الطلقاء والمتّهمين بالنفاق؟!

وأين هذه الآيات من مدح خمسة عشر ألف صحابي سجلت أسماؤهم في المعاجم أو مائة ألف صحابي صحبوا النبي في مواقف مختلفة ورأوه وعاشروه؟!

4. (لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ


(37)

الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَل السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً).(1)

فالآية تثني على مَن صحب النبي في الحديبية وبايعوه تحت الشجرة، وكان ذلك في السنّة السادسة من الهجرة، وقد رافقه حوالي ألف وأربعمائة أو ألف وستمائة أو ألف وثمانمائة.(2)

والثناء على هذا العدد القليل لا يكون دليلاً على الثناء على جميع الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم!!

كما أنّ الرضا محدّد بزمان البيعة حيث قال: (إذ يبايعونك) ولا يشمل الفترات المتأخرة عنها.

5. (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِداءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ


1-الفتح:18.
2-السيرة النبوية:2/309; مجمع البيان:2/288.


(38)

فِي التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيل كَزَرْع أَخْرَجَ شَطأَهُ فَ آزَرَهُ فَاستَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاع لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات مِنْهُمْ مَغْفِرةً وَأَجراً عَظيماً).(1)

فهذه الآية بظاهرها أوسع دلالة ممّا سبق لأنّها تثني على النبي ومن معه، ولكن مدلول الآية ـ في الحقيقةـ ليس بأوسع ممّا سبق، وذلك للقرائن التالية:

الأُولى: الصفات التالية لم تكن متوفرة في عامّة الصحابة، أعني بها:

أ. (أشدّاء على الكفّار).

ب. (رُحماء بَينَهُمْ).

ج.(تَراهُمْ رُكّعاً سُجّداً)

د. ( يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً).


1-الفتح:29.


(39)

هـ.( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود).

ومن المعلوم أنّه لم تكن هذه الصفات متوفّرة في عامّة صحابة النبيّ، فهل كان في وجوه الأعراب والطلقاء وأبنائهم والذين آمنوا بعد الفتح أثر للسجود؟!

الثانية: انّ ذيل الآية يشهد بأنّ الثناء على قسم منهم يقول: (وَعَدَ اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرةً وَأَجراً عَظيماً) فانّ لفظة «من» في قوله: «منهم» للتبعيض، وما يقال من أنّ «من» بيانية غير صحيح، لأنّها لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلامهم وإنّما تدخل على الاسم الظاهر، كما في قولك: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)(1).(2)


1-الحج:30.
2-وربما يستشهد على دخول من البيانية على الضمير بقوله تعالى: ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ).(الفتح:25) والاستدلال مبني على عود الضمير في تزيلوا إلى المؤمنين، والضمير في «منهم» إلى الذين كفروا، ولكنّه غير صحيح ، بل الضميران جميعاً يرجعان إلى مجموع المؤمنين والكافرين من أهل مكة فتكون «من» تبعيضية لا بيانية.


(40)

الثالثة: انّ الآية نزلت قبل فتح مكة وبعد الحديبية، والمراد من قوله سبحانه في هذه الآية (إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً) هو الفتح في صلح الحديبية، وفيه إخبار عن فتح مكة في المستقبل بقوله: ( لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنينَ مُحَلِّقينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ لاَ تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً).(1)

فالآية تتضمن الإخبار عن فتحين آخرين:

1. عمرة القضاء وأشار إليه بقوله: (لتدخلنّ المسجد الحرام).

2. فتح مكة وأشار إليه بقوله: (وجعل من دون ذلك فتحاً قريباً).

فإذا كانت الآية ممّا نزلت في السنّة السادسة وحواليها، فلا تكون أوسع دلالة من الآيات النازلة بعدها في السنّة


1-الفتح:27.


(41)

التاسعة كما نقلناه، فالثناء المطلق في الآية على مَن كان مع النبي (والّذين مَعَه)يحمل ويخصص بما خصصه القرآن في آيات أُخرى كالآيات المتقدّمة.

وعلى ضوء ما تقدّم، نصل إلى النتيجة التالية: انّ ما اشتهر على الألسن من ثناء القرآن على صحابة الرسول قاطبة وتعديله إياهم ممّا لا أساس له، وإنّما وقع الثناء ـ بعد ضمّ بعضها إلى بعض ـ على لفيف منهم وطائفة خاصّة.


(42)

4
الثناء على الصحابة، ثناء جمعي لا أُحادي

لا شكّ أنّ هذه الآيات تثني على طائفة خاصّة من الصحابة، والمهم ـ الآن ـ هو الدّقة في استجلاء مفاهيم الآيات، فهل إنّ الآيات في معرض الثناء على كلّ فرد من أفراد هذه الطوائف؟ أم إنّها بصدد الثناء على المجموع في فترات خاصّة ؟ حيث لا ينافي ذلك خروج بعض الأفراد إذا ثبت صدور عمل منه لا يتّفق مع عدالته. وللثناء الجمعيّ نظائر في القرآن الكريم والأدب العربي. فأمّا القرآن فنشير إلى الآيات التالية:

1 . انّه سبحانه أثنى على بني إسرائيل في غير واحدة من الآيات، وقال:(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). (1)


1-البقرة:47.


(43)

2 . وقال تعالى:(وَ لَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ وَ رَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). (1)

أفيصح لأحد أن يستدلّ بهذه الآيات على تنزيه كلّ فرد من بني إسرائيل؟!

3 . وقال تعالى في حق أُمّة نبيّنا:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر). (2)

فالآية تصف الأُمّة المرحومة بأنّها خير أُمّة ولكنّها ليست بصالحة للاستدلال على صلاح كلّ مسلم وفلاحه.

إذا وقفت على نماذج من الثناء الجمعيّ في القرآن فلا محيص عن حمل الآيات المادحة للصحابة عليه بوجوه:

أوّلاً: انّ القرآن الكريم يصنّف صحابة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى أصناف مختلفة من غير فرق بين البدري و غيره، ومن غير فرق بين من آمن قبل الحديبية أو بعده، التحق بالمسلمين قبل


1-الجاثية:16.
2-آل عمران:110.


(44)

الفتح أو بعده، وإليك رؤوس هذه الطوائف مع الإشارة إلى مواضعها في القرآن الكريم، وهم:

1.المنافقون المعروفون.(المنافقون:1)

2. المنافقون المندسّون.(التوبة:101)

3. مرضى القلوب.(الأحزاب:12).

4. السمّاعون.(التوبة:45ـ47).

5. خالطو العمل الصالح بغيره.(التوبة:102).

6. المشرفون على الارتداد.(آل عمران:154).

7. الفاسق.(الحجرات:6).

8. المسلمون غير المؤمنين(الحجرات:14).

9. المؤلّفة قلوبهم(التوبة:60).

10. المولّون أمام الكفّار. (الأنفال:15ـ 16).

فهذه الأصناف العشرة من صحابة النبيّ لا يمكن وصفها بالعدالة والتقوى كما لا يمكن القول بشمول الآيات


(45)

المادحة لهؤلاء، وإلاّ يلزم التناقض في مدلول الآيات.

ثانياً: انّ القرآن الكريم يتنبّأ بارتداد لفيف من الصحابة بعد رحيل الرسول كما في قوله :( وَمَا مُحمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضرّ اللّه شَيئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكرين).(1)

والآية وإن كانت قضية شرطية، والقضية الشرطية لا تدلّ على وقوع طرفيها، ولكنّها تدلّ بمضمونها على أنّ في صحابة الرسول في عصر نزول الآية ـ أعني: السنة الثالثة (غزوة أُحد) ـ مَن كانت سيرته وأعماله تدلّ على إمكان ارتداده بعد رحيل الرسول، وعند ذلك كيف يمكن أن نكيل جميع الصحابة بمكيال واحد حتّى الأُحديين؟ فكيف بمن آمن بعدهم ويعدّ دونهم؟!

فهذه الآيات إذا انضمت إلى الآيات المادحة يخرج


1-آل عمران:144.


(46)

المفسر بنتيجة واحدة، وهي انّ مَن صحب النبي كان بين صالح وطالح، و بين من يُستدر به الغمام ومن لا يساوي إيمانه شيئاً.

ثالثاً: انّ التاريخ سجّل أسماء جماعة من صحابة النبي لم يحسنوا الصحبة، ونحن نأتي بأسماء لفيف منهم، وهم ليسوا من المنافقين قطعاً إلاّ واحد منهم ومع ذلك ساءت سيرتهم ولا يمكن غض النظر عن هذا التاريخ:

1. الجد بن قيس الأنصاري، الذي قال النبيُّ في حقّه كلكم مغفور له إلاّ صاحب الجمل الأحمر.(1)

2. عبد اللّه بن أبيّ بن سلّول، كان من المبايعين تحت الشجرة في بيعة الرضوان (وإن كان منافقاً).

3. الحرقوص بن زهير السعدي، شهد بيعة الرضوان وصار رأس الخوارج، وهو الذي قال للنبيّ: إعدل يا محمد!!

4. حارث بن سويد بن الصامت، شهد بدراً لكنّه قتل


1-صحيح مسلم:8/123، طبعة محمدعلي صبيح وأولاده.


(47)

المجذر بن زياد يوم أُحد لثأر جاهلي، فأمر النبيّ بقتل الحارث بالمجذر.

5. العرنيون، الذين قتلهم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جزاءً على فعلهم بقتل بعض الرعاة وسرقة الإبل، كانوا قد صحبوا قبل الحديبية.

6. محلم بن جثامة، قال فيه النبي: «اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة» لأنّه قتل صحابياً متعمداً.

7. مقيس بن صبابة، قتل نفساً مؤمنة فأهدر النبيّ دمه، فقتل في فتح مكة.

8. عبد اللّه بن خطل، كان صحابياً ثمّ ارتد ولحق بمكة وقتل يوم فتحها.

9. المغيرة بن شعبة، ساءت سيرته بعد النبي كما هو واضح.

10. مدعم، مولى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي غلّ من غنائم خيبر.


(48)

11. كركرة، مولى النبي غلّ من غنائم خيبر.

12. سمرة بن جندب، أساء السيرة بعد النبي فكان يبيع الخمر ويقتل البشر ويُرضي معاوية.

13. عبيد اللّه بن جحش الأسدي، كان من السابقين إلى الإسلام ومن مهاجرة الحبشة لكنّه تنصّر بالحبشة.

14. الحارث بن ربيعة بن الأسود القرشي، افتنن وارتد بمكة.

15. أبو قيس بن الوليد بن المغيرة، افتتن بمكة.

16. علي بن أُمية بن خلف افتتن بمكة.

17. العاص بن منبه بن الحجاج، افتتن بمكة وقتل ببدر مع المشركين.(1)

أضف إلى ذلك: انّه كيف يمكن للذكر الحكيم أن


1-وقد عقد الكاتب المعاصر حسن فرحان المالكي فصلاً تحت عنوان «أُناس لم يحسنوا الصحبة» وجاء فيها بأسماء 71 صحابياً اتّسموا بعدم حسن الصحبة، وقد أخذنا هذه الأسماء من تلك القائمة[لاحظ كتاب الصحبة والصحابة:180ـ 184].


(49)

يُثني على الأفراد التالية أسماؤهم:

1. معاوية بن أبي سفيان، 2. الوليد بن عقبة(الفاسق بنصّ القرآن)، 3. بُسر بن أبي أرطأة، 4. أبو الأعور السلمي وغيرهم.

فهؤلاء حاربوا عليّاً وعماراً وعشرات البدريّين ومئات الرضوانيين الذين كانوا مع علي في خلافته، وشتموهم، فهؤلاء وأمثالهم خارجون عن الآيات المادحة على فرض شمولها لهم.

مدح الإمام عليّ مدح جمعيّ

لقد أثنى الإمام علي بن أبي طالب على أصحاب النبيّ في بعض خطبه وقال: «لقد رأيت أصحاب محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فما أرى أحداً منكم يشبههم ، لقد كانوا يصبحون شُعثاً غبراً، وقد باتوا سجّداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بين أعينهم رُكَبَ


(50)

المعزى من طول سجودهم، إذا ذُكر اللّههملت أعينهم حتى تَبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب». (1)

وقال أيضاً مادحاً أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيجُوا إلى القتال فَوَلهوا وَلَهَ اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً، وصفاً صفاً، بعضٌ هلك، وبعض نجا، لا يُبَشَّرون بالأحياء، ولا يُعَزَّوْنَ بالموتى، مُرْهُ العيون من البكاء، خُمصُ البطون من الصيام، ذُبَّل الشفاه من الدعاء، صُفرُ الألوان من السَّهَر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أُولئك إخواني الذاهبون، فحقَّ لنا أن نظمأ إليهم، ونَعضَّ الأيدي على فراقهم». (2)

فالإطراء لا يشمل كلّ فرد من أفراد الصحابة، وإنّما


1-نهج البلاغة: الخطبة97.
2- نهج البلاغة: الخطبة 121; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7 /291. ولاحظ تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 21.


(51)

يتعلّق بمجموعهم، ويُراد بهم أُولئك الّذين آمنوا وصبروا وجاهدوا وزهدوا في الدنيا وانقطعوا إلى العبادة والجهاد في سبيل اللّه، نظراء:

مصعب بن عمير القرشي، من بني عبد الدار.

سعد بن معاذ الأنصاري من الأوس.

جعفر بن أبي طالب.

عبد اللّه بن رواحة الأنصاري، من الخزرج.

عمّار بن ياسر .

أبي ذر الغفاري.

المقداد الكندي .

سلمان الفارسي.

خَبّاب بن الأرت.

وجماعة من أصحاب الصُّفَّة وفقراء المسلمين أرباب العبادة الذين قد جمعوا بين الزهد والشجاعة.

فإطراء هؤلاء وهذه سماتهم وصفاتهم لا يكون دليلاً على إطراء صحابة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قاطبة.


(52)

5
تعزيز السنّة
لما أخبر عنه الوحي

انّ الذكر الحكيم قد تنبّأ بارتداد لفيف من المحدقين بالنبي في غزوة «أُحد» ، التي وقعت في السنة الثالثة من هجرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قال سبحانه:( وَمَا مُحمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضرَّ اللّهَ شَيئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرين)(1). والتنبّؤ وإن كان بصورة القضية الشرطية ولكنّه كان إنذاراً لهم وإخباراً عن وجود أرضية لهذه الطارئة.


1-آل عمران:144


(53)

وقد أخبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حديثه بصورة الجزم عن ارتداد قسم كثير من أصحابه على نحو يعمّ كافّة الطوائف من الصحابة ولا يختصّ بالطلقاء والوافدين في العام التاسع، وهذا ممّا لا يشكّ فيه أحد إذا تدبّر في الأحاديث التالية، ونحن نذكر ما جمعه الجزري في «جامع الأُصول» والمتأمّل في هذه الروايات يقف على أنّ مسألة عدالة الصحابة والدعوة إلى الاقتداء بهم وحجّية قولهم بلا تحقيق في أحوالهم، فكرة طارئة على المجتمع الإسلامي روّجتها السلطة الأموية وبعدها العباسية للحدّ من الرجوع إلى أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فانّ الناس كانوا بعد رحيل الرسول بين أمرين، إمّا الرجوع إلى أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أحد الثقلين في حديث الرسول، أو الرجوع إلى الصحابة، فلم يكن بد للسلطة إلاّ إرجاع الناس إلى الصحابة وترفيع مكانتهم والثناء عليهم وتقديسهم على نحو يتجلّى للناس انّهم معصومون من العصيان والخطأ، بل لهم حقّ التشريع والتقنين، فأقوالهم وآثارهم وآراؤهم حجّة للأُمّة بلا كلام، وإليك ما نقله ابن الأثير في جامعه:


(54)

1. روى عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك». أخرجه البخاري ومسلم.

2. روى أنس بن مالك أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممّن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إليَّ اختلجوا دوني، فلأقولنَّ: أي ربّ، أصحابي أصحابي، فليُقالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك».

وفي رواية: ليردنّ عليّ أُناس من أُمتي ـ الحديث ـ و في آخره، فأقول: «سحقاً لمن بدّل بعدي». أخرجه البخاري ومسلم.

3. روى أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ


(55)

يُحال بيني وبينهم»، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش، وأنا أُحدِّثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً يقول؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري: لسمعته يزيد، فيقول: «إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي». أخرجه البخاري و مسلم.

4. وللبخاري: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قال: «بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ فقال: إلى النار و اللّه.

فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال لهم: هلمّ ، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم. فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هَمَل النعم».

5. ولمسلم : انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «ترد عليّ أُمّتي


(56)

الحَوض و أنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا: يا نبيّ اللّه تعرفنا؟ قال: نعم. لكم سيما ليست لأحد غيركم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء، وليصدَّن عنّي طائفة منكم فلا يصلون.

فأقول: يا رب، هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!».

6. روت عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، يقول ـ و هو بين ظهراني أصحابه ـ : «إنّي على الحوض أنتظر من يرد عليَّ منكم. فواللّه ليُقطعنّ دوني رجال، فلأقولنَّ: أي ربِّ، منّي ومن أُمّتي! فيقول: إنّك لا تدري ماعملوا بعدك. مازالوا يرجعون على أعقابهم» . أخرجه مسلم.

7. روت أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّي على الحوض، أنظر من يرد عليَّ و سيُؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب، مني ومن أُمّتي ـ و في رواية، فأقول: أصحابي ـ فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ واللّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم». أخرجه البخاري و مسلم.


(57)

8. روت أُمّ سلمة، قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض. ولم أسمع ذلك من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلمّا كان يوماً من ذلك والجارية تمشطني، سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «أيّها الناس»، فقلت للجارية، استأخري عنّي. قالت: إنّما دعا الرجال ولم يدع النساء فقلت:إنّي من الناس. فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّي لكم فرط على الحوض، فإيّاي لا يأتينّ أحدكم، فيُذبُّ عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً». أخرجه مسلم.

9. روى سعيد بن المسيب انّه كان يحدّث عن أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال:« يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي، فيحُلؤون عنه. فأقول: يا رب، أصحابي، فيقول: إنّك لاعلم لك بماأحدثوا بعدك. انّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى» . أخرجه البخاري.

10. روى أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «والذي


(58)

نفسي بيده، لأذودنّ رجالاً عن حوضي. كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض. أخرجه البخاري ومسلم.

11. روى حذيفة بن اليمان: انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «إنّ حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن. والذي نفسي بيده: لأذودنّ عنه الرجال، كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه. قالوا: يا رسول اللّه، وتعرفنا؟ قال: نعم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء ليست لأحد غيركم. أخرجه مسلم.(1)

وهذه الأحاديث تعرب عن موقف محدِّثي أهل السنّة بالنسبة إلى الصحابة، مع أنّ بعضهم يتجاهلون هذه الروايات، وربّما ينسبون مفادها إلى الشيعة، فأيّهما أحقّ بهذه النسبة، أهؤلاء الذين رووا تلك الروايات ودوّنوها في صحاحهم وأسموها بأصحّ الكتب بعد كتاب اللّه؟ أم الشيعة؟


1- جامع الأُصول:11/119ـ 123 برقم 7969 ـ 7979 ، كتاب القيامة، الفرع الأوّل في الحوض.


(59)

6
قداسة الصحابة
حالة طارئة

لم يكن جيل الصحابة ليتخلّف عن سنّة الصراع والتدافع التي حكمت تاريخَ الإنسانية، وليس من منطق التاريخ أن يرتقي جيل كامل إلى مستوى الكمال دفعة واحدة، بحيث تذوب في ذلك الجيل كلّ الأنانيات والأهواء والمصالح الشخصية، فيصير جميعُهم مظاهرَ للمثل العليا ومحاسن الأخلاق، وهذا أمر لا توافقه سنّة التاريخ.

وأنت إذا تصفّحت التاريخ تجد انّ النزاع والتخاصم وحتى تبادل التُّهم والشتائم كان قائماً بين الصحابة على قدم


(60)

وساق، بل تجد فيه أحداثاً مريرة بينهم أُريقت فيها الدماء وانتهكت فيها الحرمات والكرامات.

وهذه الهالة القدسية التي يضفيها جمهور السنّة على الصحابة ـ جميع الصحابة من دون استثناء ـ ليست إلاّ وليدة عصر متأخّر عنهم، ولم تزل هذه الهالة تزداد وتتسع ـ ولأهداف شخصية واضحة ـ حتّى أصبحنا في عصر لا يمكن فيه لأحد أن يبحث في ممارسات الصحابة وسلوكياتهم، ولا أن يشير إلى مواضع الألم في تاريخ تلك الحُقبة، حتّى روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي، قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه فاعلم أنّه زنديق، وذلك أنّ الرسول حقّ والقرآن حقّ وما جاء به حقّ وانّما أدى إلينا ذلك كلّه، الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.(1)

وقد عزب عن الرجل انّ الغاية ليست هي تنقيص


1-الإصابة:1/17


(61)

الصحابة وإنّما هي التأكد من عدالة مَنْ نأخذ ديننا عنهم، فلو قام الرجل بالتحقيق في حياة الصحابة وتحمّل العبء الثقيل فإنّما هو لفرط الاحتياط في أخذ معالم الدين، ولو قال أبو زرعة ـ مكان قوله الآنف ـ هذا القول: إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه أو كذبه، أو خيره أو شره، حتّى يأخذ دينه عن الخيرة الصادقين، ويحترز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحقّقين في الدين والمتحرّين للحقيقة، لكان حقّاً متعيّناً.

ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبّت في أُمور الدين، والتحقيق في مطالب الشريعة بالزندقة، وأنّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّ الآلاف المؤلّفة من أصحابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فلا يضرّ بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين القيم قائماً بهذا الصنف من المجروحين، «ما هكذا تورد يا سعد الإبل»!!

إنّ هذه النظرية تكوّنت ونشأت من العاطفة الدينية


(62)

التي حملها المسلمون تجاه الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجرّتهم إلى تبنّي تلك الفكرة، وقد قيل: «من عشق شيئاً، عشق لوازمه وآثاره».واستغلّتها السلطةُ الأمويّة لإبعاد الناس عن أئمّة أهل البيت (أحد الثقلين).

إنّ صحبة الصحابة لم تكن بأكثر ولا أقوى من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط فما أغنتهما من اللّه شيئاً، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللّهُ مَثلاً لِلّذينَ كَفَرُوا امرأة نُوح وَامرأةَ لُوط كانَتا تحتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبادِنا صالِحَينِ فَخانَتاهُما فَلَم يُغْنِيا عَنْهما مِنَ اللّه شَيئاً وَقِيلَ ادخُلا النّار مَعَ الدّاخلين).(1)

إنّ التشرف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بالزواج من النبي، وقد قال سبحانه في شأن أزواجه:( يا نِساءَ النّبىِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبيّنة يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَينِ وَكانَ ذلكَ عَلى اللّه يَسيراً).(2)


1-التحريم:10.
2-الأحزاب:30.


(63)

إنّ الدعاية والأبواق الإعلامية ربّما تصنع من شخصيات سيّئة أُناساً عدولاً يستدرّ بهم الغمام، كما أنّها ربما تعكس الحالة فتصوّر بعض الصالحين بصورة شوهاء وتعدّهم من الطالحين!!

إنّ الحاكم النيسابوري عندما يبحث في أنواع التدليس وذكر موارده، يقول:

«قد ذكرت في هذه الأجناس الستة أنواع التدليس، ليتأمّله طالب هذا العلم، فيقيس بالأقل على الأكثر، ولم أستحسن ذكر أسامي من كان من أئمّة المسلمين صيانة للحديث ورواته».(1)

ويقول الذهبي في «المغني في الضعفاء»:

«قد احتوى[كتابه] على ذكر الكذّابين الوضّاعين، ثمّ على ذكر المتروكين الهالكين، ثمّ على الضعفاء من المحدّثين الناقلين، ولم أعتن بمن ضعف من الشيوخ ممّن كان في المائة


1-معرفة علوم الحديث:111


(64)

الرابعة وبعدها، ولو فتحت هذا الباب لما سلم أحد إلاّ النادر من رواة الكتب والأجزاء».(1)

ويقول أيضاً في مقدّمة ميزانه:

«ثمّ من المعلوم أنّه لابدّ من صون الراوي وستره، والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاثمائة، ولو فتحتُ على نفسي تليين هذا الباب ما سلم معي إلاّ القليل».(2)

فهذه النصوص الواضحة تكشف عن حقيقة مرّة، وهي انّ أئمّة المسلمين الذين أضفى عليهم التاريخ هالة من القداسة كانوا مدلسين، ولم يجرأ رجال الجرح والتعديل عن الإفصاح بهذه الحقيقة لأجل صيانة الحديث ورواته!!

ولو كان هذا حال أئمّة المسلمين في رجال الحديث والرواية فما بال غيرهم!! وعليك أن تتخذه مقياساً لحال من تقدّمهم.


1-المغني في الضعفاء:1/4.
2-ميزان الاعتدال:1/4.


(65)

فانّ القداسة التي أحاطت بالصحابة أمر طارئ صنعتها السياسة لأغراض خاصة، وليست الصحابة إلاّ كالتابعين ففيهم الصالح والطالح والعادل والفاسق، وإن كنت في شكّ ممّا تلوناه عليك فاستمع لخرّيت فن الجرح والتعديل الشيخ الذهبي في «معرفة الرواة» حيث يقول:

«لو فتحنا هذا الباب (الجرح والتعديل) على نفوسنا لدخل فيه عدّة من الصحابة والتابعين والأئمّة، فبعض الصحابة كفّر بعضهم بعضاً بتأويل ما».(1)

وليس الذهبي من رماة القول على عواهنه، بل يشهد على ما ذكره، حديث صحيح البخاري الذي نتلوه عليك وغيره.

1. صحابي يتّهم صحابياً آخر بالنفاق

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التفسير في


1-معرفة الرواة:45.


(66)

مسألة الإفك:

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل [المراد منه عبد اللّه بن سلول] قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فواللّه ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي.

فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا رسول اللّه أنا أعذرك منه ان كان من الأوس ضربتُ عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت[عائشة]: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد: كذبت لعمر اللّه لاتقتله ولا تقدر على قتله، فقام أُسيد بن حُضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه فإنّك منافق، تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قائم على المنبر، فلم يزل رسول


(67)

اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يُخفّضهم حتّى سكتوا وسكت.(1)

ترى أنّ سعد بن عبادة يصف الصحابي الجليل سعد بن معاذ الأنصاري بالكذب!! ويصف أُسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، سعدَ بن عبادة بمثله، بل يتجاوزه ويصفه بالنفاق والدفاع عن المنافقين!! حتّى بلغ النزاع بين الحيّين الذروة و كادا أن يقتتلا في محضر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

أفيمكن وصف الحيّين من أوّلهما إلى آخرهما بالعدالة والوثاقة وهما على هذا الحدّ من الأدب والعصبية وعدم ضبط النفس في مجلس رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟!

وليست هذه القصة فريدة في بابها، فلها نظائر في الصحاح والسنن وفي غضون التاريخ لا نطيل الكلام بذكرها.

2. قصّة السقيفة المأساويّة

وتكفيك قراءة تاريخ السقيفة وما جرى فيها من اللغط


1-صحيح البخاري بشرح الكرماني:17/14ـ 15.


(68)

والشتم وا لضرب، ونحن نقتصر على مقطع خاص يرويه عمر بن الخطاب.

روى الطبري وغيره، قام واحد من الأنصار فخطب فانتهى إلى قوله: منّا أمير ومنكم ـ أي المهاجرين ـ أمير يا معشر قريش. وعندئذ ارتفعت الأصوات وكثر اللّغط، فلمّا أشفقت الاختلاف، قال عمر لأبي بكر: أبسط يدك لأُبايعك، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار، ثمّ نزونا على سعد حتّى قال قائلهم: قتلتم سعد بن عبادة فقلت: قتل اللّه سعداً، وأنّا واللّه ما وجدنا أمراً هو أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يُحدِثوا بيعة، فإمّا أن نتابعهم على ما نرضى أو نخالفهم فيكون فساد.(1)

وفي نص آخر للطبري: فأقبل الناس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر وكانوا يطؤون سعد بن عبادة، فقال ناس من


1-تاريخ الطبري:2/446 حوادث السنة 11.


(69)

أصحاب سعد: اتقوا سعداً لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوه قتله اللّه، ثمّ قام على رأسه، فقال: لقد هممت أن أطأك حتّى تندر عضوك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: واللّه لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، فقال أبو بكر: مهلاً يا عمر الرفق هاهنا أبلغ، فأعرض عنه عمر، وقال سعد: أما واللّه لو انّ بي قوّة ما أقوى على النهوض، لسمعت منّي في أقطارها وسككها زئيراً يُحجرك وأصحابك، أما واللّه إذاً لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع، احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه في داره.(1)

2. تهجم الخليفة على عبد اللّه بن مسعود

أخرج البلاذري في «الأنساب» ما هذا خلاصته:

كان سعد بن أبي وقاص والياً على الكوفة فعزله عثمان وولّى عليها الوليد بن عقبة، وكان عبد اللّه بن مسعود خازن


1-تاريخ الطبري:2/458ـ 459 واقرأ تاريخ السقيفة في كامل ابن الجزري وغيره.


(70)

بيت المال، فلمّا ورد الوليدُ الكوفةَ طلب منه مفاتيح بيت المال، فألقى إليه عبد اللّه بن مسعود مفاتيحه وهو يقول: من غيّر غيّر اللّه ما به، ومن بدل أسخط اللّه عليه، وما أرى صاحبكم إلاّ وقد غيّر وبدّل، أيُعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويولّى الوليد؟!

فكتب الوليد إلى عثمان بذلك، وقال: إنّه يعيبك، ويطعن عليك. فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه، فلمّا غادر الكوفة وقدم المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلمّا رأه قال:

ألا إنّه قد قدمت عليكم دويبة سوء، من يمشي على طعامه يقئ ويسلح.

فقال ابن مسعود:

لست كذلك ولكنّي صاحب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يوم بدر ويوم بيعة الرضوان.

ونادت عائشة:


(71)

أي عثمان أتقول هذا لصاحب رسول اللّه؟! ثمّ أمر عثمان به فأخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً، وضرب به عبد اللّه ابن زمعة الأرض، ويقال: بل احتمله «يحموم» غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتّى ضرب به الأرض فدُقّ ضلعه. فقال علي: «يا عثمان أتفعل هذا بصاحب رسول اللّه بقول الوليد بن عقبة»، فقال: ما بقول الوليد فعلت هذا ولكن وجهت زبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة، فقال له ابن مسعود: إنّ دم عثمان حلال، فقال علي: «أحلت عن زبيد على غير ثقة.(1)

ترى أنّ عبد اللّه يُشتم على رؤوس الأشهاد ويُخرج من مسجد رسول اللّه إخراجاً عنيفاً ويضرب به الأرض، فتدق أضلاعه، وقد بطشوا به بطش الجبارين!!

هذا مبلغ حلمهم وأدبهم في مسجد الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ !!


1-أنساب الأشراف:6/147. ولاحظ أيضاً تاريخ ابن كثير:7/163و 183 حوادث سنة 32.


(72)

أهؤلاء كلّهم من أوّلهم إلى آخرهم، عدول لا يشق غبارهم، ولا يصل إلى مرتبتهم لاحق؟!

4. تهجّم الخليفة على عمّار بن ياسر

أخرج البلاذري في «الأنساب» قال: كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حليّ وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلّى به بعض أهله، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلّموه فيه بكلام شديد حتّى أغضبوه، فخطب فقال: لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام!! فقال له علي: «إذاً تُمنع من ذلك ويحال بينك وبينه».

وقال عمّار بن ياسر: أشهد اللّه أنّ أنفي أوّل راغم من ذلك.

فقال عثمان: أعليّ يابن المتكاء تجترئ؟ خذوه، فأخذ ودخل عثمان ودعا به فضربه حتّى غشي عليه، ثمّ أُخرج فحمل حتّى أُتي به منزل أُمّ سلمة زوج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلم يصلّ الظهر والعصر والمغرب، فلمّا أفاق توضّأ وصلّى وقال:


(73)

الحمد للّه ليس هذا أوّل يوم أُوذينا فيه في اللّه.(1)

والمغالي في حق الصحابة يبرر كلّ هذه الفظائع بالاجتهاد المصحح للأباطيل والمبرّر للشنائع، وهو الوسيلة الوحيدة لإغراء البسطاء من الأُمّة. أي اجتهاد يبرّر كسر ضلع عبد اللّه بن مسعود، وضرب عمّار الذي ملئ بالإيمان من قرنه إلى قدمه كما في حديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟! إلى غير ذلك من سيّئات أعمالهم التي حفل بذكرها تاريخ الصحابة الصحيح!! ونشير إلى قليل من كثير:

1. كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يخطب بالجمعة إذا أقبلت عير تحمل طعاماً فتركوه وذهبوا إليها حتّى لم يبق معه إلاّ اثنا عشر رجلاً.(2)

2. حرم على الصائم إذا نام الأكل والشرب ونكاح النساء فكان جماعة ينكحون سرّاً و هو محرم عليهم فعاتبهم اللّه بقوله :(علم اللّه انّكم كنتم تختانون أنفسكم).(3)


1-أنساب الاشراف:6/161.
2-المعجم الكبير:19/99.
3-صحيح البخاري:4/1639. والآية 187 من سورة البقرة.


(74)

7
أُسلوب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التربوي

إنّ الأُسلوب التربوي للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان كأُسلوب سائر الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ ، فقد حكاه اللّه سبحانه بقوله: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافَعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيز).

(وَلَقَدْ أَرسَلْنا نُوحاً وَإِبراهِيمَ وَجَعَلْنا في ذُرّيّتِهما النُّبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَد وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُون).(1)

فهذا الأُسلوب الوارد في الآية الكريمة كان سائداً على جميع الأنبياء من غير فرق بين خاتمهم وغيرهم، فكان الناس


1-الحديد:25ـ26.


(75)

بين مَن يستضيء بهدى الأنبياء وبين مَن يعرض عنه، ويشير في آية أُخرى إلى أُسلوب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بوجه خاص ويقول:

(ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَة وَالمَوعِظَةِ الحَسَنة وَجادِلْهُمْ بِالتّي هِيَ أَحسنُ إِنَّ رَبّكَ هُوَ أَعلمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِالْمُهْتَدين).(1)

وهذه الآية تكشف انّ أُسلوب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان أُسلوباً مؤثراً في حقّ فريق دون فريق آخر. و انّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يستعن بأُسلوب غيبي في هداية الناس، بل كان يمارس الأُسلوب الدارج بين العقلاء في التربية والتعليم.

ولأجل ذلك اختلفت درجات المهتدين، فمنهم مَن بلغ القمة في الهداية حتّى صار مثالاً يُحتذى به، ومنهم مَن بلغ دون ذلك، ومنهم مَن رسب حتى صار رئيس الفئه الباغية حسب اختلاف قابلياتهم، فهل يصحّ لعاقل أن يدّعي بأنّ صحبة ما، قلعت ما في نفوسهم من جذور غير صالحة


1-النحل:125.


(76)

وملكات ردية وكوّنت منهم شخصيات مثالية أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح؟!

إنّ تأثير الصحبة عند مَن يعتقد بعدالة الصحابة كلّهم أشبه شيء بمادة كيمياوية تستعمل في تحليل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب، فكأنّ الصحبة ـ عند القوم ـ قلبت كلّ مصاحب إلى إنسان مثالي يتحلّى بالعدالة، وهذا ممّا يرده المنطق والبرهان، وذلك لأنّ الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الإعجاز(فَلَو شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعين)(1)، بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحقّ وصبّهم في بوتقات الكمال مستعيناً بالأساليب الطبيعية والإمكانيات الموجودة، كتلاوة القرآن الكريم والنصيحة بكلماته النافذة وسلوكه القويم وبعث رسله ودعاة دينه إلى الأقطار ونحو ذلك، والدعوة القائمة على هذا الأساس يختلف أثرها في النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها، فلا يصح لنا


1-الأنعام:149


(77)

أن نزن الجميع بميزان واحد.

ويقول بعض المعاصرين تحت عنوان:«هل للصحابي خصوصية مسألة العدالة»:

وأرى أنّ أوّل الخلل يكون عندما نتعامل مع الصحابة وكأنّهم جنس آخر غير البشر، والقرآن الكريم والسنّة المطهرة لم يوجد فيها أبداً هذا التفريق بين الصحابة وغيرهم إلاّ ميزة الفضل للمهاجرين والأنصار الذين كانت لهم ميزة الجهاد والإنفاق أيّام ضعف الإسلام وذلّة أهله، أمّا بقية الأُمور كطروء النسيان والوهم والخطأ وارتكاب بعض الكبائر، فهذه وجدت وحصل من بعض السابقين ومن كثير من اللاحقين.

ولم أجد دليلاً مقنعاً صحيحاً صريحاً يفرق بين شروط العدالة بين جيل وآخر، لا استثني من ذلك صحابة ولا تابعين.(1)


1-الصحبة والصحابة:218.


(78)

8
بين سبّ الصحابة ونقدهم

يحاول بعضهم أن يسلب النقد مشروعيته، ويطعن في أهدافه السامية من خلال عدّه لوناً من ألوان السبّ والشتم والانتقاص، وهذا في الحقيقة التفاف على مفهوم النقد، وتشويه لوجهه المشرق.

فالنقد القائم على أُسس صحيحة وموازين سليمة، هو قبلة الطالبين للحقيقة، والساعين إلى الفضيلة.

أمّا أُسلوب السبّ والشتم، فهو وليد العصبية، ونتاج الغيظ والحقد والهوى.

وبتعبير آخر: السبّ هو النيل من كرامة الشخص بكلمات مبتذلة ولسان بذيء لغاية التشفّي وهدم كرامته.


(79)

وأمّا النقد، فهو دراسة حياة الشخص من منظار موضوعي، وبيان ما له من الفضيلة والكرامة أو ما اقترف من الم آثم والخطايا، فيثني عليه تارة، ويجرحه أُخرى كما جرى عليها القرآن الكريم حيث قصّ حياة الماضين صالحهم وطالحهم لغايات صحيحة، قال سبحانه: (لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وَإِخْوتِهِ آياتٌ للسّائلين).(1) وقال سبحانه:(لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبرةٌ لأُولي الأَلباب)(2)، إلى غير ذلك من الآيات الحاثّة على دراسة سيرة الماضين ففيها عبر وعظات للخلف، ولم أقف على دليل يفرق بين جيل وجيل.

وعلى ضوء ذلك فدراسة حياة الصحابة ونقدها على ضوء الكتاب والسنّة والتاريخ الصحيح، كدراسة حال التابعين وتابعي التابعين ومن جاء بعدهم من خلف.

ومن هنا يعلم أنّ دراسة حياة الصحابة بنيّة النقد والتقييم، والوقوف على ما فيها من محاسن ومساوئ، أمر


1-يوسف:7.
2-يوسف:111


(80)

مرغوب فيه، وليس هو من قبيل السب والشتم فانّهما من مقولتين مختلفتين.

قال ابن منظور في «لسان العرب»: السب: الشتم،وفي الحديث: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.

قال ابن الأثير: وفي حديث أبي هريرة :لا تمشينّ أمام أبيك ولا تجلس قبلَه ولا تَدْعُه باسمه لا تستبّ له أي لا تعرّضه للسب وتجره إليه، بأن تسبّ أبا غيرك فيسبّ أباك مجازاة لك. وقد جاء مفصلاً في الحديث الآخر:انّ من أكبر الكبائر أن يسبّ الرجل والديه، قيل: وكيف يسبّ والديه؟ قال: يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه وأُمّه.(1)

فعلى ذلك فالسب هو أُسلوب الأراذل والأوباش وسفلَة الناس وأخلاطهم تأخذهم الحمية الجاهلية فينثرون ركائك الألفاظ على مخالفيهم ومناوئيهم كما هو واضح، وأين هذا من نقد حياة فئة أو عشيرة أو شخص على ضوء


1-لسان العرب، مادة سب، النهاية:2، مادة سب.


(81)

الروايات الصحيحة إن خيراً فخير وإن شراً فشرّ فيصف أعمالهم الحسنة، إلى جانب أعمالهم السيّئة؟!

وأوضح دليل على أنّ دراسة أحوال الصحابة يفارق السب، انّ الصحاح والسنن والسير والتاريخ مليئة بذكر محاسن أعمالهم ومساويها .

نعم صارت لفظة «سب الصحابة» واجهة للصد عن دراسة حياتهم ونقدها، فكلّ من يذكر شيئاً من حالاتهم المزرية يتّهم بسبّهم وشتمهم، والغاية من ذلك إخفاء الحقائق والستر عليها.

فلو درس الباحث حياة صحابي في ضوء الوثائق التاريخية وأثبت أنّه ظلم ـ في برهة ـ شخصاً; فنتيجة الدراسة تكون أنّه ظالم، فهذا ليس سبّاً وإنّما هو حصيلة الدراسة التي وصل إليها.

ولو دلّت الوثائق التاريخية على أنّ صحابياً قتل مالك ابن نويرة ونزا على زوجته، فنتيجة هذه الدراسة هو انّه قاتل


(82)

وزان، وهذا ليس سبّاً وإنّما هو من نتائج الأدلّة القطعية التي تعضدها الوثائق التاريخية.

وذلك لأنّ السب هو إطلاق الكلام البذيء، لشخص تشفّياً منه وإخماداً لسورة غضبه، فيقول: يا فاسق، يا ظالم، يا زاني.

وأمّا الدارس لحياة أُمّة أو طائفة أو شخص بالوثائق التاريخية من دون أن تأخذه الحمية والغضب إنّما يرفع الستر عن حقيقة تاريخية أُسدل عليها الستر فيصل إلى النتائج الماضية فهذا لا يعدّ سبّاً، لأنّ مقوّم السب هو التشفّي والغضب، وهو مفقود في مثل هذه الدراسات الموضوعية التي لغتها لغة العلم والتحقيق.

وبذلك يعلم أنّ كلمة سبّ الصحابة صارت ذريعة لحظر الدراسات في سير الصحابة والتابعين بموضوعية وتجرّد.


(83)

9
الإمساك عمّا شجر
بين الصحابة من الخلاف

لقد شاع على الألسن ما نسب إلى عمر بن عبد العزيز وأحياناً إلى الإمام أحمد بن حنبل من لزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الاختلاف، وكثيراً ما يقولون حول الدماء التي أُريقت بيد الصحابة ـ حيث قتل بعضهم بعضاً ـ تلك دماء طهّر اللّه منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا.

غير أنّ هذه الكلمة من أيّ شخص صدرت تخالف القرآن الكريم والسنّة النبوية والعقل الصريح.

أمّا القرآن الكريم فقد وصف طوائف من الصحابة بالأوصاف التي وقفت عليها عند تصنيف الصحابة وقال


(84)

فيما قال: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنوا إِنْ جاءكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبيّنوا أَن تصيبُوا قَوْماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين).(1)

وأمّا السنّة النبوية فهي تصف قتلة عمار بالفئة الباغية حيث قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنّة ويدعونك إلى النار».(2)

ويقول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّ الخوارج:« تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق».(3)

وهذه الأحاديث وأمثالها كثيرة مبثوثة في الصحاح والمسانيد، فإذا كان الإمساك أمراً واجباً والإطلاق أمراً محرماً، فلماذا أطلق الوحي الإلهي والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لسانهما بوصف هؤلاء بالأوصاف الماضية؟!

وأمّا العقل فلا يجوّز لنا أن نلبس الحق بالباطل ونكتم الحقّ ونكيل للظالم والعادل بمكيال واحد، أمّا ما روي عن الإمام أحمد فلعلّه يريد به الإمساك عن الكلام فيهم بالباطل


1-الحجرات:6.
2-الجمع بين الصحيحين:2/461، رقم1794.
3-السنة لابن حنبل،رقم 41.


(85)

والهوى، وأمّا الكلام فيهم بما اشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار ونقله المحدّثون والمؤرخون في كتبهم وأُشير إليه في الذكر الحكيم فلا معنى للزوم الإمساك عنه.

ثمّ إنّه يُستشفّ من هذا الكلام أنّ الدماء التي أُريقت في وقائع الجمل وصفين والنهروان، كانت قد سُفكت بغير حق، وهذا ـ وأيم الحق ـ عين النصب، وقضاء بالباطل، وإلاّ فأي ضمير حرّ يحكم بأنّ قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، كان قتالاً بغير حقّ؟! وكلّنا يعلم أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ كان على بيّنة من ربّه وبصيرة من دينه، يدور معه الحقّ حيثما دار، وهو الذي يقول: واللّه لو أُعطيبتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصيَ اللّهَ في نملة أسلبُها جِلْبَ شعيرة ما فعلتُ.

يقول بعض المعاصرين:

نقول لأصحاب هذا القول: إنّ الشريعة التي نقلها هؤلاء الصحابة فيها كلّ ما نقول من تخطئة بعضهم، ففيها


(86)

قصة ماعز الأسلمي والمخزومية وحاطب بن أبي بلتعة، وحديث عمّار، وفرار بعضهم يوم أُحد، وافتخارهم يوم حنين، وحديث الزبير والحوأب، وحديث قاتل عمّار في النار، وحديث الخلافة والملك، وغير ذلك من الأحاديث النبوية الصحيحة الكثيرة التي فيها تخطئة لأفراد أو جماعات منهم، فالشريعة التي نقلوها لم تأمرنا أن نجعلهم معصومين وإنّما أمرتنا بالأخذ بما أصابوا فيه أو أجمعوا عليه، أمّا ما اختلفوا فيه فينظر أقواها دليلاً.

ثمّ إنّ خطأ الأفراد لا يعني الجميع ولا يعني القدح في حملة الشريعة، بل انّ ردّ الأحاديث السابقة عن أخبار الصحابة فيها قدح غير مباشر في حملة الشريعة، وإلاّ فماذا يعني تضعيف الأحاديث الصحيحة أو صرفها عن معانيها الصحيحة؟!(1)


1-مع الشيخ عبد اللّه السعد في الصحبة والصحابة ،لحسن بن فرحان المالكي:222.


(87)

10
نجاح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ
في إعداد أُمّة رسالية

إنّه سبحانه بعث نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار، منيخون بين حجارة خشن، وحيّات صمّ، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة.

إنّ اللّه بعث محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً ولا يدّعي نبوّة، فساق الناسَ حتّى بوّأهم محلّتهم وبلّغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم.


(88)

إنّه سبحانه أضاء بنبيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ البلاد بعد الضلالة المظلمة، والجهالة الغالبة، والجفوة الجافية.

هذه الكلمات المشرقة هي كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ (1) يصف فيها أوضاع العرب قبل البعثة وما أنجزه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد البعثة حتّى أنزل الناس منزلتهم السامية وبلغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم، ومع هذا التغيير الشامل، كيف يمكن رمي النبي بالإخفاق في دعوته؟ بل لا شكّ في نجاحه في ميدان الدعوة والتبليغ.

لكن ثمة نكتة نلفت إليها نظر القارئ الكريم، وهي انّ معنى نجاح دعوته شيء، وعدالة كلّ من رآه أو سمع منه شيئاً أو صحبه يوماً أو أيّاماً أو سنة أو سنتين شيء آخر، إذ لا ملازمة بين نجاح الدعوة وعدالة من صحبه ، فالمراد من نجاحه هو تأثيرها في أُمم العالم، معاصرة كانت أم لاحقة، ولاريب في أنّ الدعوة المحمدية أثرت في أُمم العالم وشعوبها وأصحابه والتابعين لهم بإحسان حتّى المنافقين من أصحابه،


1- راجع نهج البلاغة:2/37، طبعة عبده; شرح نهج البلاغة:2/19.


(89)

وهم ـ أي أصحابه ـ قد أخذوا منه كلٌّ حسب قابليته واستعداده; فقد بلغت عدّة من أصحابه إلى القمة، كعلي بن أبي طالب، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وخزيمة بن ثابت، إلى غير ذلك من أصحابه الكرام; كما بلغت عدّة منهم درجة متوسطة في الإيمان والعمل، في حين أخلدت عدّة أُخرى إلى الأرض، وأخفقت في كلا المجالين، ومَن قرأ تاريخ الصحابة يعلم أنّهم لم يكونوا على مستوى واحد في الإيمان والعمل.

إنّ فضيلة الشيخ صالح بن عبد اللّه الدرويش ـ حفظه اللّه ـ من المتحمّسين لعدالة كلّ الصحابة ، فيتصور انّ نقد حياة بعض الصحابة بمعنى جرح الكلّ تغافلاً عن أنّ الصحابة كالتابعين، فكما أنّ جرح بعض التابعين لا يعني جرحهم جميعاً، فهكذا جرح بعض الصحابة.

والعجب أنّ الشيخ ـ حفظه اللّه ـ يتمسّك في إثبات ما يتبنّاه بالعواطف دون البرهان ويقول:

أرأيتم لو أنّ رئيساً أو رمزاً لبلد أو لقومية من القوميات


(90)

ثمّ جاء من أتباعه الذين ينسبون أنفسهم له من يزعم أو يقرر بأنّ هذا الزعيم أحاط به ناس من الانتهازيين، لا بل من الخونة وممّن يحارب فكر المعلم.(1)

إنّ فضيلة الشيخ استعان بالخطابة مكان البرهان، فاتّهم المخالف بأنّه يصف عامّة الصحابة بالانتهازية والخيانة ومحاربة فكر المعلِّم، كلاّ، انّ المخالف إنّما يجرح لفيفاًمن الصحابة ولعلّه لا يتجاوز عددهم العشرين شخصاً، فأين هذه الفئة القليلة من خمسة عشر ألف صحابي سجّل التاريخ أسماءَهم وأثنى على بعضهم وسكت عن الآخرين؟!

فها نحن نضع أمام الشيخ قائمة بأسماء لفيف من الصحابة الذين شهدت أعمالهم على أوصافهم، وأفعالهم على نيّاتهم، وأثنى أصحاب الرجال والتراجم عليهم أو على أقل سكت عنهم التاريخ، ولنكتف بذكر القليل منهم عن الكثير، وهم:

جندب بن جنادة (أبو ذرّ الغفاري)، عمار بن ياسر،


1-صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :9.


(91)

سلمان الفارسي، المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، حذيفة بن اليمان صاحب سرّ النبي، خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، الخباب بن الأرت التميمي أحد المعذبين في اللّه، سعد بن مالك أبو سعيد الخدري، أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري، قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، أنس بن الحرث بن منبه أحد شهداء كربلاء، أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد الذي استضاف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند دخوله للمدينة، جابر بن عبد اللّه الأنصاري أحد أصحاب بيعة العقبة، هاشم ابن عتبة بن أبي وقاص المرقال فاتح جلولاء، مالك بن الحارث الأشتر النخعي، مالك بن نويرة ردف الملوك الذي قتله خالد بن الوليد، البراء بن عازب الأنصاري، أُبيّ بن كعب سيد القرّاء، عبادة بن الصامت الأنصاري، عبد اللّه بن مسعود صاحب وضوء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن سادات القرّاء، أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمير واضع أُسس النحو بأمر الإمام عليّ، خالد بن سعيد بن أبي عامر بن أُمية بن عبد شمس خامس من أسلم، أُسيد بن ثعلبة الأنصاري من أهل بدر،


(92)

الأسود بن عيسى بن وهب من أهل بدر، بشير بن مسعود الأنصاري من أهل بدر و من القتلى بواقعة الحرة بالمدينة، ثابت أبو فضالة الأنصاري من أهل بدر، الحارث بن النعمان بن أُمية الأنصاري من أهل بدر، رافع بن خديج الأنصاري ممّن شهد أُحداً ولم يبلغ وأجازه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،كعب بن عمير بن عبادة الأنصاري من أهل بدر، سماك بن خرشة أبو دجانة الأنصاري من أهل بدر، سهيل بن عمرو الأنصاري من أهل بدر، عتيك بن التيهان من أهل بدر، ثابت بن عبيد الأنصاري من أهل بدر، ثابت بن حطيم بن عدي الأنصاري من أهل بدر، سهل بن حنيف الأنصاري من أهل بدر، أبو مسعود عقبة بن عمرو من أهل بدر، أبو رافع مولى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي شهد مشاهده كلّها مع مشاهد عليّ ـ عليه السَّلام ـ وممّن بايع البيعتين: العقبة والرضوان وهاجر الهجرتين: للحبشة مع جعفر وللمدينة مع المسلمين، أبو بردة بن دينار الأنصاري من أهل بدر، أبو عمر الأنصاري من أهل بدر، أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري من أهل بدر، عقبة بن عمر بن


(93)

ثعلبة الأنصاري من أهل بدر، قرظة بن كعب الأنصاري، بشير بن عبد المنذر الأنصاري أحد النقباء ببيعة العقبة، يزيد بن نويرة بن الحارث الأنصاري ممّن شهد له النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالجنة، ثابت بن عبد اللّه الأنصاري، جبلة بن ثعلبة الأنصاري، جبلة بن عمير بن أوس الأنصاري، حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعي، زيد بن أرقم الأنصاري شهد مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بضعة عشر وقعة، أعين بن ضبيعة بن ناجية التميمي، يزيد الأسلمي من أهل بيعة الرضوان، تميم بن خزام، جندب بن زهير الأزدي، جعدة بن هبيرة المخزومي، جارية بن قدامة التميمي السعدي، جبير بن الحباب الأنصاري، حبيب بن مظاهر الأسدي، حكيم بن جبلة العبدي، خالد بن أبي دجانة الأنصاري، خالد بن الوليد الأنصاري، زيد بن صوحان العبدي، الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري، زيد بن شرحبيل الأنصاري، زيد بن جبلة التميمي، بديل بن ورقاء الخزاعي، أبو عثمان الأنصاري، مسعود بن مالك الأسدي، ثعلبة أبو عمرة الأنصاري، أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي،


(94)

عبد اللّه بن حزام الأنصاري شهيد أُحد، سعد بن منصور الثقفي، سعد بن الحارث ابن الصمد الأنصاري، الحارث بن عمر الأنصاري، سليمان بن صرد الخزاعي، شرحبيل بن مرّة الهمداني، شبيب بن رت النميري، سهل بن عمر صاحب المربد، سهيل بن عمر أخو سهل المار ذكره، عبد الرحمن الخزاعي، عبد اللّه بن خراش، عبد اللّه بن سهيل الأنصاري، عبيد اللّه بن العازر، عدي بن حاتم الطائي، عروة بن مالك الأسلمي، عقبة بن عامر السلمي، عمر بن هلال الأنصاري، عمر بن أنس بن عون الأنصاري من أهل بدر، هند بن أبي هالة الأسدي، وهب بن عبد اللّه بن مسلم بن جنادة، هاني بن عروة المذحجي، هبيرة بن النعمان الجعفي، يزيد بن قيس بن عبد اللّه، يزيد بن حوثرة الأنصاري، يعلى بن عمير النهدي، أنس بن مدرك الخثعمي، عمرو العبدي الليثي، عميرة الليثي، عليم بن سلمة الفهمي، عمير بن حارث السلمي، علباء بن الهيثم بن جرير وأبوه الهيثم من قواد الحملة في قتال الفرس بواقعة ذي قار، عون بن عبد اللّه الأزدي، علاء بن عمر


(95)

الأنصاري، نهشل بن ضمرة الحنظلي، المهاجر بن خالد المخزومي، مخنف بن سليم الأزدي، محمد بن عمير التميمي، حازم بن أبي حازم البجلي، عبيد بن التيهان الأنصاري وهو أوّل المبايعين للنبي ليلة العقبة، أبو فضالة الأنصاري، أويس القرني الأنصاري، زياد بن النضر الحارثي، عوض بن علاط السلمي، معاذ بن عفراء الأنصاري، علاء بن عروة الأزدي، الحارث بن حسان الذهلي صاحب راية بكر بن وائل، بجير بن دلجة، يزيد بن حجية التميمي، عامر بن قيس الطائي، رافع الغطفاني الأشجعي، وأبان بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس من أُمراء السرايا أيّام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن خلّص أصحاب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وأمثالهم من الصحابة الكرام.

فهؤلاء هم طليعة الصحابة وسنام العرب من المهاجرين والأنصار، قد استضاءوا بنور النبوّة والوحي واستقامت أُمورهم وكانوا على الصراط المستقيم في حياتهم، وكم لهم من نظائر في صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أعرضنا عن ذكرهم مخافة الإطناب.


(96)

وأخيراً نوصي الشيخ ـ حفظه اللّه ـ أن يستند على البرهان في إثبات دعواه ويعرض عن الخطابة ويتركها لأهلها ومحلها، وقد قال سبحانه: (ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوعِظَة الحَسَنَة وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحسن).

هذا ولعلّ هذه المقدّمات تسلّط الأضواء على جوانب البحث والحوار مع فضيلة الشيخ في كتابه «صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ » و أسأل اللّه سبحانه أن يهدينا إلى الحق المهيع وأن يعصم أفكارنا وأقلامنا عن الخطأ والزلل، إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.


(97)

11
حسن العاقبة
هو معيار القضاء الحاسم

اتّفق المسلمون على أنّ من آمن بعد الكفر والمعاصي، فهو من أهل الجنّة بمنزلة من لا معصية له; ومن كفر بعد الإيمان والعمل الصالح، فهو من أهل النار بمنزلة من لا حسنة له، إنّما الكلام في من آمن وعمل عملاً صالحاً وآخر سيّئاً واستمر على الطاعات والكبائر كما يشاهَد من الناس فم آله إلى الجنة ولو بعد النار، واستحقاقه للثواب والعقاب بمقتضى الوعد والوعيد من غير حبوط.(1)


1-شرح المقاصد:2/232.


(98)

إنّ القضاء الحاسم في عدالة الشخص هو دراسة عامّة صفحات تاريخ حياته، وإلاّ فلو حسنت حياته في فترة من فترات عمره ثمّ تبدّلت حاله وجنح إلى الفسق والفجور، فلا يستدلّ بحسن حاله في أوائل عمره على كونه من أهل السعادة، بل المعيار هو دراسة أُخريات عمره.

إنّ مسألة الإحباط والتكفير من المسائل العقائدية التي دام فيها التشاجر بين الأشاعرة والمعتزلة، ونحن لا نحوم حولها، وقد بسطنا الكلام فيها في محاضراتنا العقائدية.(1)

ولكن الآيات القرآنية تشهد على أنّ بعض الأعمال السيّئة ربّما تُبطل ما حصّله الإنسان عبر حياته، يقول سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصواتَكُمْ فَوقَ صَوْتِ النَّبيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تحْبِط أَعمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون)(2) وقد ذكر المفسرون في أسباب


1-لاحظ الإلهيات:4/336ـ 377.
2-الحجرات:2


(99)

نزول الآية انّ بعض الصحابة كانوا يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي، وكانوا يقفون وراء بيته ويقولون: أُخرج يا محمّد!! فنزلت الآية وحذّرتهم من ذلك الأُسلوب المشين.

كلّ ذلك يدلّ على أنّ القضاء البات في حقّ الشخص هو دراسة سيرته طيلة حياته، ولذلك نرى أنّ أُناساً كانوا من الصالحين ولكن اقترفوا في أُخريات حياتهم أعمالاً قبيحة، فهبطوا عمّا كانوا عليه من المنزلة والمكانة.

والقرآن الكريم يحدِّثنا عن نماذج نذكر منهم:

1. من وصفه بقوله: «الذي آتيناه آياتنا» حيث يقول سبحانه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغَاوِين).(1)

روى السيوطي في «الدر المنثور» عن عبد اللّه بن عباس أنّه كان ممّن تعلّم اسم اللّه الأكبر.

وعنه أيضاً: أنّه كان رجلاً أُعطي له ثلاث دعوات


1-الأعراف:175.


(100)

يُستجاب له فيهن.

وعن كعب أنّه كان يعلم اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، ومع هذه المكانة انسلخ من هذه الآيات فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين.(1)

قال ابن كثير في تفسير قوله: (فأتبعه الشيطان) أي استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل وأطاع، ولهذا قال: (فكان من الغاوين) أي من الهالكين الحائرين البائرين.

ثمّ روى عن حذيفة بن اليمان أنّه قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ ممّا أتخوف عليكم رجل قرأ القران حتى إذا روئيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام، اعتراه إلى ما شاء اللّه انسلخ منه ونبذه وراء ظهره....(2)

ولأجل أخذ العبرة من حياة هذا الرجل يقول سبحانه في الآية التالية بعد إتمام القصّة: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ


1-الدر المنثور:3/608ـ 611.
2-تفسير ابن كثير:3/252.


(101)

يَتَفَكَّرُون).

2. مصير قارون فقد كان ـ حسب ما تنقله الآثار ـ ابن عم موسى وكان يسمّى المنظر لحسن صوته بالتوراة، ولكنّه بغى على بني إسرائيل، يقول سبحانه: (إِنَّ قارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأ بِالْعُصْبَةِ أُولي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِين )(1) فقد جزاه اللّه سبحانه بالخسف به وبداره حيث قال: (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَما كانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِين)(2).(3)

ولأجل أن نعتبر بسيرة هؤلاء يقول سبحانه بعد إتمام القصة: (تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين).(4)


1-القصص:76.
2-القصص:81.
3-تفسير ابن كثير:5/298; والدر المنثور:6/437.
4-القصص:83.


(102)

يقول ابن كثير في تفسير الآية: يخبر تعالى انّ الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوّاً في الأرض، أي ترفّعاً على خلق اللّه، وتعاظماً عليهم، وتجبراً بهم، ولا فساداً عليهم.(1)

ولعلّ ما أخرجه مسلم في صحيحه يهدف إلى بيان حال هذه الطبقة حيث روى عن عبد اللّه بن مسعود أنّه قال: حدّثنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو الصادق المصدوق: «انّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره انّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وانّ أحدكم


1-تفسير ابن كثير:5/303.


(103)

ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها».(1)

وقال الإمام النووي عند شرحه لهذا الحديث: ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أو معصية، لكن يختلفان في التخليد وعدمه، فالكافر يخلّد في النار والعامي الذي مات موحداً لا يخلّد فيها، وفي هذا الحديث تصريح بإثبات القدر و انّ التوبة تهدم الذنوب قبلها، وانّ من مات على شيء حكم له به من خير أو شر إلاّ أنّ أصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة.(2)

وعلى ضوء ذلك فما دلّ من الآيات والروايات على أنّه سبحانه رضي عن طوائف من الصحابة في ساعات خاصّة وأزمنة مختلفة، فلا يمكن الاستدلال بها على كونهم موصوفين بالحسن والوجاهة عند اللّه إلاّ إذا داموا على الحالة السابقة،


1-صحيح مسلم:8/44، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمّه من كتاب القدر.
2-شرح صحيح مسلم للنووي:16/434 ـ 435.


(104)

وأمّا إذا بطلت بالأدلّة القطعية على اقتراف بعضهم السيئات وانحرافهم عن الحقّ المهيع، فإنّما يؤخذ بالدليل الأخير.

وممّا لا شكّ فيه وقوع التشاجر والقتال بين الصحابة بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى خاضوا معارك دامية، فقتل من البدريّين والأُحديّين بيد بعض الصحابة، فهل يمكن أن يكون القاتل والمقتول من الطبقة المثلى؟!

ثمّ إنّ بعض الذين وقفوا على الأدلّة القاطعة الدالّة على اقتراف المعاصي والكبائر من قِبَل لفيف من الصحابة، حاولوا أن يبرّروا أعمالهم من خلال التشبّث بالاجتهاد!! ولكن عزب عنهم أنّ الاجتهاد أمام النص والضرورة، اجتهاد باطل لا يحوم حوله أيُّ مسلم واع.


(105)

12
النجاح والفشل في الدعوة
ليسا معيارين للحقّ والباطل

إنّ كمال الدعوة وصحّتها يتمثّل في قوّة المحتوى ورصانة حجّتها، بحيث تكون الدعوة مطابقة للفطرة، وموافقة لحكم العقل السليم، ومتماشية مع الحياة الإنسانية الفردية والاجتماعية، عند ذلك تتم الحجّة من اللّه سبحانه على العباد، وأمّا اشتراط كون الداعي ناجحاً في دعوته، وتربية جيله، فلم يدلّ عليه شيء من العقل والشرع، إذ النجاح والفوز ليس دليلاً على صحّة الدعوة، ولا تولّي الناس وعدم استجابتهم برهاناً لبطلانها، والعجب انّ المنطق الذي اعتمده صالح بن عبد اللّه الدرويش في بيانه مما تكرّسه الملاحدة من أتباع


(106)

الماركسية والبهائية وغيرهم من الأحزاب الباطلة، فهم يستدلون على صحّة خططهم في مجال الحياة بالنفوذ والاستيلاء على الأفكار في مختلف الأقطار، ويقولون إنّه لم يمض على موت ماركس وانجلس مدة حتّى غطت فلسفتهما ربع المعمورة واعتنقها ملايين الناس، وهذه البهائية البغيضة تشترط في صحّة دعوى النبوة أُموراً أربعة:

1. ادّعاء النبوّة 2. النفوذ والنجاح في الدعوة 3. ثبات المدّعي في طريقها، 4. وكونه صاحب شريعة وبرنامج.

هذه هي الأُمور التي نسمعها من الماركسية والبهائية، وما يدعو إلى الحيرة والدهشة هو كيفية تسرّب هذه الأفكار المنحرفة إلى ذهن الكاتب، فقام بادّعاء لا يفترق عن ادّعائهم قيد شعره؟!!

ما أشبه الليلة بالبارحة

والعجب انّ يهود أبناء قريظة والنضير وقين قاع،


(107)

تمسكوا بهذا العذر عندما دعاهم النبي إلى الطريق المهيع.

فقالوا: يا محمد إلى مَ تدعو؟ قال: «إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّي رسول اللّه، وأنّي الذي تجدونني مكتوباً في التوراة، والذي أخبركم به علماؤكم ان مَخْرجي بمكة ومهاجري بهذه الحرة، يبلغ سلطاني منقطع الخفّ والحافر». فقالوا له: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك ولا نعين عليك أحداً، ولا نتعرض لأحد من أصحابك، ولا تتعرض لنا ولا لأحد من أصحابنا حتّى ننظر إلى ما يصير أمرك.(1)

قدّمنا إليك موجزاً عن هذه النظرية التي تعتبر النفوذ دليلاً على كون الدعوة حقاً، وانحسار الدعوة على خلافه، وليس هذا إلاّ منطقاً باطلاً لا يدعمه القرآن ولا العقل، فهذا هو الذكر الحكيم يصف لفيفاًمن أنبيائه بأنّهم لم ينجحوا في دعوتهم طيلة حياتهم، فيقول في دعوة نوح:


1-إعلام الورى بأعلام الهدى:76.


(108)

(وما آمَنَ مَعَهُ إلاّ قَلِيل)(1) وقد قام بالدعوة وإرشاد الناس( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنة إِلاّ خَمْسِينَ عاماً)(2)، فما آمن به إلاّ عدّة قليلة حملهم على الفلك.

إنّ الاعتماد على الكثرة هو منطق الفراعنة، وقد كان فرعون يصف أتباع موسى بقوله: (إِنّ هؤلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُون)(3)، وعلى العكس يصف سبحانه أتباع الحق، ويقول: (إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَليلٌ ما هُمْ).(4)

ففي منطق العقل الحصيف لا ملازمة بين صحّة دعوة الداعي وإجابة المدعوين، فربّما يكون الداعي كاملاً في دعوته قوّياً في منطقه، رصيناً في بيانه، إلاّ أنّ الظروف لا تسمح للتجاوب معه والإقبال عليه ، أو يكون المدعوون أُسراء شهوة


1-هود:40
2-العنكبوت:14
3-الشعراء:54
4-ص:24.


(109)

وطلاّب لذّة وحينئذ لا يحالف الداعي ـ مهما بالغ في النصيحة ـ النجاح.

إنّ فضيلة الشيخ صالح بن عبد اللّه الدرويش قد تأثر بهذا المنطق من غير وعي، فزعم انّ سلب العدالة عن بعض الصحابة وجرحهم يكون طعناً في الداعي والمربّي وصدق الدعوة حيث يقول بعد كلام طويل:

«فهل يعقل بعد ذلك وصف هؤلاء(صحابة الرسول) بأنّهم نكصوا على أعقابهم إلاّ النادر منهم؟ يعني الغالبية لم تنتفع بالتربية والتوحيد، كلّ ذلك الجهد ذهب سدى، وباعوا دينهم لأجل مال، من أخذه؟ ومن الذي دفعه؟

تقول: لا بل لأجل جاه وشرف ما هو ذلك؟ وهل يعادل شرف صحبة الإمام وخدمته؟ لماذا نكصوا؟ لا أدري.

المهم انّ الناقد يطعن في عدالتهم وانّهم غير ثقاة، وأقل ما يصف الطاعن هؤلاء الذين تربوا على يد


(110)

الإمام القدوة بأنّهم ضعاف الإيمان، نعم هذا أضعف وصف.

قل ... بربك العيب في الإمام المربّي، أم في الذين بَذل جَهْده في تربيتهم ومدحهم وزكّاهم وعلّمهم؟ أم العيب في الناقد الطاعن»؟(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذا التساؤل لا يختص بدعوة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بل يعمّ دعوة سائر الأنبياء، فانّ نجاحهم في مجال دعوتهم كان شيئاً لا يذكر.

فهذا هو شيخ الأنبياء نوح قد لبث في قومه (ألف سنة إلاّ خمسين) ومع ذلك (وما آمن معه إلاّ قليل)، وعندئذ نخاطب الشيخ ونسأله ونقول:

قل لي بربك هل العيب في الإمام المربي أم في الذين بذل جهده في تربيتهم ومدحهم وزكّاهم وعلّمهم؟

أم في الناقد الطاعن؟!


1-صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :12.


(111)

هذا هو نبي اللّه الكليم موسى بن عمران، قد تحمل العبء الكبير في هدايتهم وإنقاذهم من مخالب آل فرعون وعبر بهم البحر، فلمّا جاوزوه مالوا إلى الوثنية وطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، يقول سبحانه: (فأتَوْا على قَوْم يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنام لَهُمْ قَالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون).(1)

فنسأل فضيلة الشيخ:

هل كان العيب في الإمام المربي؟ أم في الذين بذل جهده في تربيتهم ومدحهم وزكاهم وعلمهم؟

أم العيب في الناقد الطاعن؟!

وقد ابتلى الكليم بنفس تلك البلية في فترة أُخرى من فترات حياته، عندما ذهب إلى ميقات ربّه، ارتد قومه ولجأوا إلى الوثنية، وأخبره سبحانه بذلك وقال: (فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ


1-الأعراف:138.


(112)

مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِىّ).(1)

فنسأل فضيلة الشيخ ما هو سبب هذا النكوص والارتداد مع وجود المربي الكبير موسى بن عمران؟

هل كان العيب في الإمام المربي، أم في الذين بذل جهده في تربيتهم ومدحهم وزكاهم وعلمهم، أم العيب في الناقد الطاعن؟!

وهكذا سائر الأنبياء الذين لم يكن لهم نجاح باهر في دعوتهم ولم يلتف حولهم إلاّ القليل من المستضعفين، فجواب فضيلة الشيخ في حقّهم هو جوابنا في موقف نبينا الخاتم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وبما انّ الشيخ يضع وزر هذه الفكرة على الشق الثالث ويعبّر عنه بقوله أم العيب في الناقد الطاعن؟ فنحن نلفت نظر الشيخ إلى أنّ الناقد الطاعن في أُمّة نوح والكليم هو اللّه سبحانه، فهل يرضى الشيخ بهذه النتيجة؟!


1-طه:85.


(113)

ولكن الإجابة الواضحة عن تلك الاستفسارات هو انّ العيب في موضع آخر وراء ما ذكره، و هو اختلاف قابليات نفس الأُمة وخصيصة تربية الجيل العظيم، فانّ الأساليب التربوية تقتضي بطبيعتها أن تؤمن به فئة دون فئة، ويصلح حال فئة دون فئة، وما سمعت أذن التاريخ انّ مصلحاً حمل رسالة إلى قومه ، وكُتب له النجاح التام ولم يتخلّف عن دعوته أحد من قومه.

لقد التف حول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من المهاجرين والأنصار والأعراب وغيرهم ما ربّما ينوف على مائة ألف، فلا ضير من أن يجيب دعوته أُلوف ويتخلّف عنها أُلوف أُخرى، وهذا أمر لا غبار عليه، بخلاف قول الشيخ: إنّ دعوة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جعلت كلّ من رآه وصحبه إنساناً مثالياً عادلاً قائماً بوظائفه طيلة عمره خير قيام وإن كان قبل الدعوة من المتوغّلين في الرذائل ومساوئ الأخلاق.


(114)

الفصل الثالث

في دراسة أدلّة الشيخ

تقدّم أنّ الشيخ استخدم الأُسلوب الخطابي في إثبات مدّعاه بدلَ الأُسلوب البرهاني، ولعلّه استشعر بأنّ ما استعرضه في الفصل الأوّل خطابيات لا تُقنـع إلاّ السُذّج مـن النـاس، فحـاول أن يستـدرك هذه النقيصـة بفتـح ملـفّ جـديد من حيـاة الصحابة ذكر فيه الأدلّة القرآنيّة على تزكيتهم وعدالتهم عامة، ولكنّه ـ مع الأسف ـ انتقى مـن أوراق هذا الملفّ ما يدعم مطلبه وأهمل دراسة أوراق أُخـرى لا تخدم مدّعاه، بـل تضـادّه وتنافيـه، وعلى كلّ تقدير فقـد انتقى آيات خاصـة ممّـا ورد في حـقّ الصحـابة في


(115)

الغـزوات التالية:

1. غزوة بدر، 2. غزوة أُحد، 3. غزوة الخندق، 4. صلح الحديبية .

ونحن نذكر ما استعرضه مـن الآيات فـي دعم موقفـه، ثمّ نعقبه بسرد الآيات التي تفسر الآيات الأُولى وتوضحها.

يقول الشيخ:


(116)

1
غزوة بدر
منازعة البدريين في الغنائم والأسرى

يقول الشيخ:

أنزل اللّه عزّ وجلّ في أحداث غزوة بدر سورة الأنفال، وقد تضمنت لطائف ودلالات على ما ذكرناه وهي كثيرة نقف مع ثلاث آيات منها:

قال اللّه تعالى :(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَينزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَليربِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدام).(1)

تأمّل في الآية وتدبّر معانيها، فكّر في معنى التطهير


1-الأنفال:11.


(117)

وإذهاب رجس الشيطان، والآية التي بعدها شهد اللّه لهم بالإيمان (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) لذا قال الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ولعلّ اللّه اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».(1)

فاللّه سبحانه حكم بأنّ المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض، وقال أيضاً: (والّذينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وََنَصَرُوا أُولئك هُمُ المُؤْمنُون حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَريم* وَالّذينَ آمنوا مِنْ بعد وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكُمْ فأُولئكَ مِنْكُم وَأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُم أَوْلى بِبَعْض في كِتابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيء عَلِيم).(2)

اللّه أكبر، هنيئاً لهم، أي وربّي انّها واللّه الشهادة عن المولى سبحانه للسابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار بالإيمان لهم مغفرة ورزق كريم، فهل لمؤمن أن يطعن بهم مع


1-صحيح البخاري:7/140، كتاب المغازي، باب فتح مكة; صحيح مسلم :7/168، باب فضائل أهل بدر..
2-الأنفال:74ـ75.


(118)

هذه الشهادات والتأكيدات؟(1)

المناقشة

إنّ ما استعرضه الشيخ من الآيات لا يثبت مدّعاه من تزكية كلّ من حضر في غزوة بدر من أوّلهم إلى آخرهم، وذلك لأنّ القضاء الحاسم في الموضوع رهن استعراض جميع الآيات النازلة في تلك الغزوة، وعند ذلك يخرج الباحث بنتيجة قطعية، فنقول:

إنّ الحاضرين في غزوة بدر، تنازعوا وتشاجروا في أمرين، ونزل الوحي في ذمّهم وقدحهم، وإليك الأمرين:

1. تنازعهم في الغنائم الحربية

إنّ صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد انتصارهم على المشركين في غزوة بدر استولوا على أموال المشركين وتنازعوا في أمر الغنائم إلى حد التخاصم، كما يحكيه سبحانه و يقول: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ للّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ


1-صحبة الرسول:24ـ 25.


(119)

وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين).(1)

إنّ ظاهر الآية بسياقها يدلّ على أنّه كان بين هؤلاء المشار إليهم بقوله: (يسألونك) تخاصم، حيث خاصم بعضهم بعضاً فأخذ كلّ جانباً من القول ،لا يرضى به خصمه.

والتفريع الذي في قوله: (فاتَّقُوا اللّه وأَصلحوا ذات بَيْنكم) يدلّ على أنّ الخصومة كانت في أمر الأنفال، ولازم ذلك أن يكون السؤال الواقع منهم إنّما وقع لقطع الخصومة كأنّهم تخاصموا في أمر الأنفال ثمّ راجعوا رسول اللّه يسألونه عن حكمها لرفع الخصومة.

والمراد من الأنفال في هذه الآية هي غنائم غزوة بدر، أو مطلق الغنائم ـ لأنّ المورد لا يخصص ـ فعند ذلك نزل قوله سبحانه: (قُل الأَنفال للّه و الرَّسُول فاتَّقُوا اللّه وأَصلحوا ذات بَيْنكم) فالآية تخطّئهم فيما زعموا أنّهم يملكون الأنفال.

ويؤيد ذلك الروايات الصحيحة التي رواها أصحاب


1-الأنفال:1.


(120)

الصحاح والسنن في كتبهم.

أخرج أحمد و عبد بن حميد و ابن جرير و أبو الشيخ و ابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي أمامة، قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال؟ فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أخلاقُنا، فانتزعه اللّه من أيدينا وجعله إلى رسول اللّه، فقسّمه رسول اللّه بين المسلمين.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن المنذر و ابن أبي حاتم وابن حبان و أبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فشهدتُ معه بدراً، فالتقى الناس فهزم اللّه العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمون يقتلون، واكبّت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا يصيب العدو منه غرة، حتّى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض.

قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها


(121)

فليس لأحد فيها نصيب.

وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم أحقّ بها منّا، نحن نفينا عنها العدو و هزمناهم.

وقال الذين أحدقوا برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لستم بأحق بها منّا نحن أحدقنا برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به، فنزل (يسألونك عن الأَنفال قُل الأَنفال للّه والرسول فاتَّقُوا اللّه وأَصلحوا ذات بينكم).(1) وأبطل منطق المتنازعين وجعل الأنفال للّه وللرسول، لا للغزاة، والرسول يضعها حيث يشاء وفق المصالح العامة الإسلامية.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ومردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي صالح عن أبي هريرة قال: لمّا كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها قبل أن تحلّ لهم، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إنّ الغنيمة لا تحل لأحد سود الرؤوس قبلكم.(2)


1-الدر المنثور:4/5.
2-الدر المنثور:4/108.


(122)

ثمّ إنّه سبحانه يعظ هؤلاء السائلين ويأمرهم بأُمور ثلاثة بقوله:

1. (فاتّقوا اللّه)

2. (وأصلحوا ذات بينكم)

3. (وأطيعوا اللّه ورسوله).

ثمّ يذكر سبحانه ما يتميز به المؤمن عن غيره ويقول: (إِنّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون...).(1) مشيراً إلى أنّ بعض هؤلاء غير موصوفين بهذه السمات.

فالإمعان في الآيات النازلة حول هؤلاء المتنازعين والروايات الواردة في تفسير الآية، لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ لفيفاً من الحاضرين في غزوة بدر لم يبلغوا في التقوى مرتبة عالية تميزهم عن غيرهم، بل كانوا كسائر الناس الذين يتنازعون على حطام الدنيا وزبرجها دون أن يستشيروا


1-الأنفال:2.


(123)

النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أمرها، ويسألونه عن حكمها، أفهؤلاء الذين كانوا يتنازعون على حطام الدنيا، يصبحون مُثلاً للفضيلة وكرامة النفس والطهارة ؟!!

الثاني: تنازعهم في الأسرى

يقول سبحانه: (ما كانَ لِنَبِىّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيماأَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيم*فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم).(1)

الآيات عتاب من اللّه سبحانه لأهل بدر حين أخذوا الأسرى من المشركين قبل الإثخان في الأرض، ثمّ اقترحوا على رسول اللّه أن لا يقتلهم ويأخذ منهم الفداء ليصلح به حالهم ويتقوّوا بذلك على أعداء الدين، وقد شدّد سبحانه في العتاب .


1-الأنفال:67ـ 69.


(124)

وظاهر قوله سبحانه: (ما كانَ لنبي أن يكون له أسرى حتّى يُثخن في الأرض)هو انّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضين انّهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم، ينكلونهم بالقتل ليعتبر به مَنْ وراءهم حتّى يكفّوا عن عدائهم للّه ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتى يُثخنوا في الأرض ويستقر دينهم بين الناس، فعند ذلك لم يكن مانع من الأسر، ثمّ يعقبه المنّ أو الفداء.

يقول سبحانه في آية أُخرى:(فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمّا مَنّاً بَعْد وَإِمّا فِداءً)(1) . فأجاز أخذ الأسر، لكن بعد الإثخان في الأرض واستتباب الأمر.

ثمّ إنّه يستفاد من الآيات الماضية أمران:

الأوّل: انّ الحافز لأكثرهم أو لفئة منهم هو الاستيلاء على عرض الدنيا دون الآخرة كما يشير إليه سبحانه بقوله:


1-محمد:4.


(125)

(تريدون عرض الدنيا واللّه يريد الآخرة).(1)

الثاني: لقد بلغ عملهم من الشناعة درجةً، بحيث استحقّوا مسَّ عذاب عظيم، غير أنّه سبحانه دفع عنهم العذاب لما سبق منه في الكتاب، قال سبحانه: (لولا كتاب مِنَ اللّه سَبَق لمسّكم فيما أخذتم) ـ أخذ الأسرى ـ (عذاب عظيم).

فقوله : (عذاب عظيم) يعرب عن عِظَم المعصية حتّى استحقُوا العذاب العظيم.

فإذا ضمّت الآياتُ بعضُها إلى بعض، نخرج بالنتيجة التالية:

1. انّ أكثر المسلمين في غزوة بدر تخاصموا في أمر الغنائم واستولوا عليها بلا استشارة من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهذا يحكي عن رغبتهم في الدنيا على نحو يجعلهم من المتوسطين في الإيمان.


1-الأنفال:67.


(126)

2. تنازعوا في الأسرى على نحو استحقوا مسّ عذاب عظيم لعظم المعصية.

ولا يمكن لباحث أن يصف قاطبةَ البدريين بهذين الوصفين بل يرجعان إلى فئات منهم.

ومن هنا يعلم مدى صحة ما ورد في الصحيحين من أنّ عمر استأذن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقتل حاطب بن أبي بلتعة فقال له النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أليس من أهل بدر؟ لعل اللّه اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم.

وفي رواية: وما يدريك؟ لعلّ اللّه اطّلع على أهل بدر.(1)

فهل يصحّ للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يعطي الضوء الأخضر لطائفة أرادوا عرض الدنيا بدل الآخرة واستحقّوا مسّ عذاب عظيم، ويقول: اعملوا ما شئتم؟! وما ذلك إلاّ لأنّكم شاركتم في


1-صحيح البخاري:7/40، المغازي، باب فتح مكة; صحيح مسلم: 7/168، باب فضائل أهل بدر.


(127)

غزوة من الغزوات إبّان ضعف الإسلام وإن تنازعتم إلى حد صرتم مستحقين لنزول العذاب، ومع ذلك لا عتب عليكم، فاقترفوا المعاصي؟!!

وهل يصحّ هذا التكريم والتقدير لكلّ من حضر غزوة بدر وفيهم من عرفت؟ولا منتدح من أن يقال: أنّ شأن البدريّين كشأن غيرهم من البشر، فيهم الصالح والطالح، وطالب الدنيا ومبتغي الآخرة من دون أن تكون لهم ميزة في الطبيعة والخلقة، ولا يختلفون عن غيرهم في الإيمان والإخلاص.


(128)

2
غزوة أُحد

يقول الشيخ: أنزل اللّه سبحانه و تعالى على نبيّه ستين آية من سورة آل عمران في أحداث غزوة أُحد وماتضمّنته السورة مـن الثناء على الصحابة يستحق دراسـة واسعـة مفردة.

ومن أوّل آية تجد الترابط بين الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجنده والشهادة لهم من اللّه تعالى بالإيمان، قال اللّه تعالى: (وإذ غَدوتَ من أهلك تُبوئ المؤمنين مقاعد للقتال...)ثمّ تمضي الآيات وفيها بيان لما حصل، وحتّى في آية العتاب التي فيها ذكر أسباب الهزيمة تجد قوله سبحانه (عفا عنكم) العفو من اللّه لهم، وتأمّل في وصف حالهم بعد نهاية المعركة، بل النصر


(129)

المبين الذي حصل لهم(1) وهروب قريش منهم، ورجع المؤمنون بفضل اللّه.

قال اللّه تعالى:(الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيماناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ*فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَة مِنَ اللّهِ وَفَضْل لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْل عَظِيم)(2) شهادة المولى لهم بزيادة الإيمان، وانّهم اتبعوا رضوان اللّه، ولا يخفى عليك بأنّ جميع الذين شهدوا غزوة أحد ساروا مع الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى حمراء الأسد هم الذين نزلت فيهم الآيات، وتأمّل فيما ذكره اللّه في ختام الآية ممّا يدل على سعة رحمة اللّه.(3)


1-نعم بعد ما بلغ السيل الزبى واستشهد سبعون صحابياً جليلاً لابتغاء البعض عرض الحياة الدنيا!!
2-آل عمران:173ـ 174
3-صحبة الرسول:25ـ 26.


(130)

المناقشة

إنّ فضيلة الشيخ كعادته السابقة انتقى من ستين آية من سورة آل عمران التي تتحدث عن غزوة «أُحد» ما يدعم مدّعاه ويؤيّد ما يتبنّاه، ولكنّه أهمل دراسة الآيات الأُخرى التي إذا ضمّت إلى الآيات السابقة لحصلت نتيجة أُخرى، تختلف عمّا ذهب إليه، ونحن نذكر شيئاً من تلك الآيات .

صفحات من ملف غزوة أُحد

(وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِل انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللّهَ شَيئاً وَسَيَجْزي اللّهُ الشّاكِرينَ* وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤجّلاً وَمَنْ يَرِدْ ثَوابَ الدُّنيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرد ثَوابَ الآخرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزي الشّاكِرين* وَكَأَيّن مِنْ نَبيّ قاتَلَ مَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبيلِ اللّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللّهُ يُحبُّ الصابِرين* وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبّنا اغْفِر لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافنا في أَمْرِنا وَثَبِّتْ


(131)

أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلى القَومِ الكافِرين* فَ آتاهُمُ اللّهُ ثَوابَ الدُّنيا وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين).(1)

إنّ تفسير هذه الآيات على وجه التفصيل لا يناسب وضع الرسالة، فلنذكر خلاصة الآيات:

إنّ قوله سبحانه: (وما محمّد) يشتمل على العتاب والتوبيخ لمن شهد غزوة أُحد، ويهدف إلى أنّ محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ليس إلاّ رسولاً من اللّه مثل سائر الرسل، ليس شأنه إلاّ تبليع رسالة ربّه، لا يملك من الأمر شيئاً، وإنّما الأمر للّه، والدين دين اللّه باق ببقائه; فما معنى اتّكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أنّه لو مات أو قتل، تركتم القيام بالدين، ورجعتم القهقرى، واتّخذتم الغواية بعد الهداية؟!

وهذا السياق أقوى شاهدعلى أنّهم عندما شاع خبر مقتله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يوم أُحد ، انسلّوا عند ذلك وتولّوا عن القتال، وسيوافيك بيانه عند عرض ما ورد في شأن الآيات، ومعنى


1-آل عمران:144ـ 148.


(132)

ذلك أنّ إيمانهم كان قائماً بالنبي يبقى ببقائه ويزول بموته.

ثمّ إنّه سبحانه يستثني من هذا السياق الشاكرين الذين لم يظهر منهم هذا الانقلاب، أو لم يظهر منهم التولّي والانسلال حيث قال: (وسيجزى اللّه الشاكرين).

كما أنّه سبحانه يذكر بقوله: (وكأيّن من نبيّ قاتل معه ربيّون كثير...) قصة من مضى من أصحاب الأنبياء، و في الآية وعظ مشوب بعتاب وتشويق للمؤمنين بأن يأتمّوا بهؤلاء الربيّين، فيعطيهم اللّه ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة كما آتاهم.

قال ابن قيّم الجوزية: إنّ وقعة أُحد كانت مقدّمة وإرهاصاً ـ أي لوماً ـ بين يدي موت محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو قُتل.(1)

ونقل صاحبُ تفسير المنار عن أُستاذه الشيخ محمد


1- زاد المعاد:253.


(133)

عبده انّ كلمة (انقلبتم على أعقابكم) من قبيل المثل تضرب لمن رجع عن الشيء بعد الإقبال عليه، والأحسن أن تكون عامّة تشمل الارتداد عن الدين الذي جاهر بالدعوة إليه بعض المنافقين، والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحق، وهذا هو الصواب».(1)

وعلى ضوء ما ذكره فالانقلاب المقصود بالآية لا ينحصر بترك كلمة التوحيد، بل يشمل ترك العمل بالحقّ الذي أوصى به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ... ويعزز ذلك ما جاء في الجزء التاسع من صحيح البخاري، كتاب الفتن، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول يوم القيامة: أي ربي أصحابي، فيقول له: لا تدري ما أحدثوا بعدك...وفي حديث ثان من أحاديث البخاري: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك؟ فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي...وليس في شك انّ المراد بهذا التبديل الإعراض عن سنّته و وصيّته، ومخالفة أقواله وشريعته.(2)


1- تفسير المنار:4/161.
2-تفسير الكاشف:2/171.


(134)

فخرجنا بهذه النتيجة:

1. أنّ القوم الذين شهدوا غزوة أُحد قد شارف بعضهم على التقهقر والانقلاب على الأعقاب، وكانوا لا يريدون إلاّ متاع الدنيا وثوابها دون ثواب الآخرة .

2. أنّ اللّه سبحانه أمر الصحابة بأن يأتموا بالربيّين الذين قاتلوا مع أنبيائهم فما وهنوا لما أصابهم في سبيل اللّه وما ضعفوا وما استكانوا ، بخلاف من حضر «أُحد» فقد وهنوا وضعفوا واستكانوا.

فتكون النتيجة: انّ الحاضرين في تلك الغزوة لم يكونوا على درجة واحدة في الإيمان والإخلاص والثبات ورباطة الجأش كما هو واضح.

صفحة ثانية من ملف «أُحد»

وهنا صفحة من ملف «أُحد» أهمل الشيخ دراستها ، لأنّها لا تدعم ما تبنّاه، بل تهدمه، وهي قوله سبحانه في شأن الرماة المستقرين فوق الجبل وكانوا يرشقون المشركين وبقية


(135)

الأصحاب يضربونهم بالسيوف، يقول سبحانه:

(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذ تَحسُّونَهُم بإِذنهِ حتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الأَمرِ وعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَن يُريدُ الدُّنيا وَمِنْكْمُ مَنْ يُريدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْل عَلى المُؤْمنين).(1)

إنّ الآية تقسّم أصحاب النبي إلى قسمين:

1. منهم من يريد الدنيا وزخارفها و زبرجها.

2. منهم من يريد الآخرة ودرجاتها ورضوانه سبحانه.

فعندئذ كيف يصحّ لنا ان نزن الجميع بكيل واحد؟! فهل يساوى طالب الدنيا، بطالب الآخرة؟! (ما لكُم كَيْفَ تَحْكُمُون).

وأمّا تفسير الآية فقد ذكرت كتب السير، والتفاسير، ما حدث في غزوة «أُحد» ونحن نأتي بملخّص ما قالوه:


1-آل عمران:152.


(136)

ذإنّ الرسول أقام الرماة عند الجبل صيانة لمؤخّر المسلمين، وأوصاهم أن لا يبرحوا مكانهم، حتّى ولو رأوا أنّ العدو تخطفه الطير، وكان الرماة خمسين رجلاً.

ولمّا ابتدأت المعركة قام كلٌّ من الطائفتين بما خُوِّل إليهم من الأعمال، فمن كان في مقدّم الصفوف يقاتل المشركين بسيفه و من كان على الجبل يرشق العدو بسهامه، حتّى انهزم العدو وتولّى وخرج عن ساحة الحرب وكانوا ثلاثة آلاف، وعند ذاك امتلأ الوادي بما خلّفوه من الغنائم، وحينما رآها الرماة ورأوا أنّ إخوانهم المسلمين يحوزونها دونهم، عصف بهم ريح الطمع واختلفوا فيما بينهم و قال بعضهم: ما بقاؤنا هنا، وتجاهلوا وصية الرسول وتشديده عليهم بالبقاء، فقال لهم أميرهم عبد اللّه بن جبير: امكُثوا ولا تُخالفوا أمر الرسول، ولكنّ أكثرهم غادروا مواقعهم لانتهاب الأسلاب والأموال، وتاركين أميرهم عبد اللّه في نفر دون العشرة.

واللّه سبحانه يشير إلى هذا التنازع والعصيان بقوله:


(137)

(حتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ).

كما أنّه سبحانه يشير إلى طمعهم في جمع الأموال والأسلاب، بقوله : (مِن بعدِ ما أراكُم ما تحبّون).

كما أنّه يشير إلى أنّ الرماة المستقرين على الجبل كانوا على قسمين بقوله:

الف: (منهُم مَنْ يريد الدّنيا) وهم الذين تركوا مقاعدهم طمعاً بالغنيمة.

ب: (منهم من يريد الآخرة) وهم الذين ثبتوا في مواقعهم مع أميرهم عبد اللّه بن جبير و استشهدوا ـ رضوان اللّه تعالى عليهم ـ على يد خالد بن الوليد و من معه. وذلك لأنّ خالداً لمّا رأى أنّ مؤخّرة المسلمين مكشوفة حيث أخلاها الرماة، اغتنم الفرصة، فهاجم مع جماعة من المشركين، البقية الباقيةَ من الرماة، وقاتل هؤلاء بشجاعة وحرارة حتّى استشهدوا جميعاً، ولمّا انكشف ظهر المسلمين ، رجع المشركون ـ المنهزمون ـ إلى الميدان من وراء المسلمين وأحاطوا بهم من


(138)

الخلف والأمام وأكثروا فيهم القتل والجراح، ودارت الدائرة عليهم بعد أن كانت لهم.

وهذه هي النتيجة القطعية للتخاصم والتنازع أوّلاً، ومخالفة أمر الرسول ثانياً.

صفحة ثالثة من ملف أُحد

وهناك صفحة ثالثة أهمل قراءتها الشيخ، كعادته فيما سبق وهو قاض بالمحكمة الكبرى بالقطيف، وكان الأولى به أن لا يُصدر رأيه إلاّ بعد دراسة عامة الصفحات التي يحتويها الملف، ولكنّه ـ يا للأسف ـ اقتفى أثر «الانتقاء» ، وإليك تلك الصفحة الذي تصف هزيمة المسلمين بعد الانتصار ولجوءهم إلى الجبل، غير مكترثين بدعوة الرسول إلى نصرته.

يقول سبحانه:( إِذ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْريكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمّاً بِغَمّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا


(139)

عَلى ما فاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصابَكُمْ وَاللّهُ خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).(1)

الخطاب للّذين انهزموا يوم أُحد وهو يصف خوفهم من المشركين وفرارهم يوم الزحف، غير ملتفتين إلى أحد، ولا مستجيبين إلى دعوة الرسول، حين كان يناديهم من ورائهم ويقول: هلم إليّ عباد اللّه أنا رسول اللّه...ومع ذلك لم يُجبْهُ أحد من المولّين.

والآية تصف تفرّقهم وتولّيهم على طوائف أُولاهم مبتعدون عنه، وأُخراهم قريبون منه، والرسول يدعوهم ولا يجيبه أحد لا أوّلهم ولا آخرهم، فتركوا النبي بين جموع المشركين غير مكترثين بما يصيبه من القتل أو الأسر أو الجرح.

نعم كان هذا وصف طوائف منهم وكانت هناك طائفة أُخرى، التفُّوا حول النبي ودفعوا عنه شر الأعداء، وهم الذين أُشير إليهم بقوله سبحانه: (وسَيجزِي اللّهُ الشاكِرِين).(2)


1-آل عمران:153.
2-آل عمران:144


(140)

صفحة رابعة من ملف أُحد

ثمّ إنّه سبحانه يصف بعض من حضر الواقعة بأنّهم ـ عند الانهزام والقنوط من انتصار المسلمين ـ ظنّوا باللّه ظنّ الجاهلية، يقول سبحانه:

(...وطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِليَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيء قُل إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ...).(1)

الآية تخبر عن اقتراب بعض من حضر الواقعة من الردة حيث ظنّوا باللّه ظنّ الجاهلية، فقالوا: لو كان محمّد نبيّاً لما تسلّط عليه المشركون، جاهلين أو متجاهلين بأنّ الحرب سجال ، وانّ الأُمور بخواتيمها، ولكنّهم ظنّوا أنّ دين الحق لا يُغلب، لأنّ اللّه وعد أن ينصره من غير قيد وشرط.

ثمّ يشير بقوله سبحانه :(يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك)، إلى طروء الشك، بل الإنكار عليهم، ومن الخطأ


1-آل عمران:154.


(141)

تفسير الآية بالمنافقين وعلى رأسهم عبد اللّه بن أُبيّ، فإنّهم قد رفضوا المشاركة في القتال ورجعوا وهم في وسط الطريق، كما هو واضح لمن سبر كتب السير.

صفحة خامسة من ملف أُحد

وهذه الصفحة تخبر عن سيّء عملهم وهو تولّيهم يوم التقى الجمعان ويصفه بأنّ الشيطان استزلّهم، قال سبحانه:

(إِنّ الّذين تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعانِ إِنَّما استَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ).(1)

والآية تشير إلى ما اقترفوا من عمل سيِّئ و هو الفرار من الزحف، والآية تعمّ الرماة وغيرهم، ولا تشمل المنافقين لقوله تعالى: (ولقد عفا اللّه عنهم)، لأنّ اللّه لا يعفو عن المنافق المصرّ على النفاق الذي هو أعظم من الشرك الواضح.


1-آل عمران:155.


(142)

ونحن نقتصر بهذا المقدار من الآيات التي تبيّن لنا، مواقف عدّة من الصحابة في غزوة أُحد، بحيث لا يترك لنا شكّاً في أنّ صحابة الرسول على طوائف منهم بلغ قمة الإيمان، فلا يهمه سوى رضا اللّه سبحانه غير مكترث بحياته الدنيوية، ومنهم من استزله الشيطان ببعض ما اكتسب، فتولّى يوم التقى الجمعان، مضافاً إلى بعض الأعمال السيّئة التي أدت إلى شهادة جم غفير من أصحاب الرسول.

أفيصح أن نكيل الجميع بكيل واحد ونتّخذهم قدوة وأُسوة، ونأخذ معالم ديننا من هؤلاءجميعاً؟ كلاّ و لا.

موجز ما ورد في الأحاديث والآثار

قد تعرّفت قضاء القرآن الكريم في مَن حضر غزوة أُحد، فهلمّ معي ندرس ما ورد في كتب الحديث والآثار حول من حضر فيها، وهو كثير لا يسعنا نقله، ولكن نشير إلى بعضه:

1. ذكر الحافظ السيوطي في تفسير قوله سبحانه:


(143)

(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّون الموتَ مِنْ قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون).(1)

قال: أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس انّ رجالاً من أصحاب النبي كانوا يقولون ليتنا نُقْتَل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد، فأشهدهم اللّه أُحداً، فلم يلبثوا إلاّ من شاء اللّه منهم، فقال اللّه :(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمنَّون المَوت...).

2. نقل السيوطي في تفسير قوله سبحانه: (وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُم...).(2)

3. نقل السيوطي وقال: أخرج أبو جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: ذلك يوم أُحد حين أصابهم ما أصابهم من القتل والقرح، وتداعوا نبي اللّه...؟ قالوا: قد قُتِلَ.


1-آل عمران:143.
2-آل عمران:144.


(144)

وقال أُناس منهم: لو كان نبياً ما قتل. وقال أُناس من علية أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : قاتلوا على ما قتل عليه نبيكم حتّى يفتح اللّه عليكم أو تلحقوا به، وذكر لنا انّ رجلاً من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتخبط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت انّ محمّداً قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فأنزل اللّه :(وَما مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِل انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعقابِكُمْ) يقول: ارتددتم كفاراً بعد إيمانكم.(1)

ثمّ إنّ هذه الرواية لم تصرح بأسماء بعض من مرّ يوم الزحف ولكن ابن هشام أفصح عن اسمه حيث قال:

قال ابن إسحاق: وحدّثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر، عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد اللّه، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم،


1-الدر المنثور:2/335.


(145)

فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ثمّ استقبل القوم، فقاتل حتّى قتل، وبه سمّي أنس بن مالك.

قال ابن إسحاق: فحدّثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلاّ أُخته، عرفته ببنانه.(1)

إنّ في أحداث معركة أُحد ووقائعها تجارب مُرّة وأُخرى حلوة، فهذه الحوادث والوقائع تثبت بجلاء صمود واستقامة جماعة، وضعف وهزيمة آخرين.

كما أنّه يستفاد من ملاحظة الحوادث التاريخية انّه لايمكن اعتبار جميع المسلمين الذين عاصروا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أتقياء عدولاً بحجّة انّهم صحبوا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، لأنّ الذين أخلوا مراكزهم على الجبل، يوم أُحد وعصوا أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في تلك


1-سيرة ابن هشام:2/83.


(146)

اللحظات الخطيرة، وجرّوا على المسلمين تلك المحنة الكبرى، كانوا أيضاً ممّن صحبوا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

يقول المؤرخ الإسلامي الكبير الواقدي في هذا الصدد: بايع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يوم أُحد ثمانية على الموت ثلاثة من المهاجرين علي وطلحة والزبير وخمسة من الأنصار فثبتوا وهرب الآخرون.(1)

وكتب العلاّمة ابن أبي الحديد المعتزلي أيضاً: حضرت عند محمد بن معد العلوي الموسوي الفقيه على رأي الشيعة الإمامية في داره بدرب الدواب ببغداد في سنة 608هـ، وقارئ يقرأ عنده مغازي الواقدي، فقرأ: حدّثنا الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن خالد بن رياح، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن محمد بن مسلمة، قال:سمعتْ أُذناي، وأبصرتْ عيناي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول يوم أُحد، وقد انكشف الناس إلى الجبل وهو يدعوهم وهم لا يلوون عليه، سمعته يقول:


1-المغازي:2/240.


(147)

إليّ يا فلان، إليّ يا فلان أنا رسول اللّه.

فما عرّج عليه واحد منهما، ومضيا فأشار ابن معد إليّ أي اسمع.

فقلت: وما في هذا؟ قال: هذه كناية عنهما.

فقلت: ويجوز أن لا يكون عنهما لعلّه عن غيرهما.

قال: ليس في الصحابة من يُحتشم من ذكره بالفرار،وما شابهه من العيب، فيضطر القائل إلى الكناية إلاّ هما.

قلت له:هذا ممنوع.

فقال: دعنا من جدلك ومنعك، ثمّ حلف انّه ما عنى الواقدي غيرهما وانّه لو كان غيرهما لذكر صريحاً.(1)


1-شرح نهج البلاغة:15/23ـ 24


(148)

3
غزوة الخندق

يقول فضيلة الشيخ: نزلت فيها آيات من سورة الأحزاب ومع قصرها إلاّ أنّ فيها تصويراً بليغاً للترابط بين الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ مع الوصف الدقيق لحالتهم النفسية، وما أصابهم من جهد و جوع وخوف وحرصهم على ملازمة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

أخي القارئ تأمّل في الآيات من الآية التاسعة من سورة الأحزاب التي نادى اللّه بها المؤمنين وذكر نعمته عليهم في تلك المواقف(يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لم تَرَوْها )الآيات، ثمّ ذكر المولى نعمته عليهم مرّة أُخرى بكفّ يد العدو عن القتال وشهد لهم بالإيمان بقوله سبحانه: (وكَفى اللّهُ المُؤْمنينَ


(149)

القتال) ثمّ ذكر اللّه آيتين فيهما بيان لما حصل لبني قريظة القبيلة اليهودية المشهورة.

فتأمّل في الآيات وتلاوتها بتدبّر وقِفْ عند قوله تعالى: (وَلَمّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً) وفضل اللّه سبحانه وتعالى واسع لا يمكن أن يقال بأنّ هذا خاص بأفراد مع الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)

المناقشة

جرى فضيلة الشيخ في هذا المقام على عادته السابقة، فانتقى من الآيات ما يدعم مدعاه، وأعرض عن الآيات التي تندد ببعض الحاضرين في غزوة الخندق، وهم على طائفتين:

الأُولى: المنافقون، ولا كلام لنا فيهم لأنّهم ليسوا من الصحابة حقيقة، وان استتروا في أوساطهم.


1-صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :26ـ 27.


(150)

الثانية: الذين في قلوبهم مرض، وهم من الصحابة قطعاً بلا شكّ، والناس أخذوا دينهم من الصحابة عامّة من دون فرق بين مرضى القلوب وغيرهم.

وإليك هذه الآيات:

انّه سبحانه تبارك و تعالى ابتدأ ببيان ما حدث في غزوة بدر بقوله: (يا أَيُّهاالّذين آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَة اللّه...).

ثمّ إنّه سبحانه شرح حال بعض من حضر واقعة الخندق بقوله:

( إِذْ جاءُوكُمْ مِنْ فَوقِكُمْ وَمِن أَسفَل مِنكُمْ وَإِذ زاغَتِ الأَبْصار ُوبَلَغَتِ القُلُوبُ الحناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللّهِ الظُّنُونا).

(هُنالِك ابْتليَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلزالاً شَديداً).

(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً).

(وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُم فَارجِعُوا وَيَستَأذِنُ فَريقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَمَا


(151)

هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فراراً).

(ولو دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفتنةَ لآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِِها إِلاّ يَسيراً).

(وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوااللّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدبارَ وَكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْؤُولاً).(1)

انّه سبحانه يسمّي طائفة من صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بمرضى القلوب ويصفهم بأوصاف لا تجتمع مع عدالتهم، وإليك بيانها:

1. (وتظنُّون بِاللّه الظنُونا) والجملة وإن كانت ظاهرة في عامّة من حضر، لكنّها وبحسب القرائن ترجع إلى طائفتين سابقتين، فقد ظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض الظنونَ: انّ الكفّار سيغلبون ويستولون على المدينة.

ويقول البعض الآخر: إنّ الإسلام سيُمحق والدين سيضيّع، والثالث منهم يقول: الجاهلية ستعود، إلى آخر ما


1-الأحزاب:9ـ15.


(152)

قالوا.

وبإمكان القارئ تفسير قوله: (وتظنُّون باللّه الظنونا) بما مرّ في سورة آل عمران التي وردت في غزوة أُحد حيث حكى عنهم سبحانه قوله: (وطائفةٌ قَدْ أَهمّتهم أَنفسُهُمْ يظنُّونَ بِاللّه غَيرَ الحقِّ ظَنَّ الجاهلية).(1)

2. (وإِذْ يَقُول المُنافِقونَ وَالّذِينَ في قُلُوبِهمْ مَرَض ما وَعَدَنا اللّه وَرَسُوله إِلاّ غُروراً) فضعفاء الإيمان من المؤمنين كانوا يظنون باللّه انّه وعدهم وعداً غروراً، فهل يصحّ وصف هؤلاء بالعدالة والتزكية وهم غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان و يبطنون الكفر.

3. (وَإِذْ قالت طائِفةٌ مِنْهُمْ يا أَهل يَثْرب لا مقام لَكُمْ فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي) والضمير في «منهم» يرجع إلى كلتا الطائفتين.

فالطائفة الثانية كالطائفة الأُولى تخذِّل المسلمين


1-آل عمران:154.


(153)

وتخوّفهم من الأحزاب، فكانت تقول: لا طاقة لنا بالجيش الجرّار ولا نجاة منه إلاّ بالفرار والاستسلام، ولأجل ذلك كان يستأذن فريق منهم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقولون: إنّ بيوتنا عورة، أي منكشفة للّصوص فأذن لنا لحمايتها، فأكذبهم اللّه وكشف عن نفاقهم بقوله: «وما هي بعورة ان يريدون إلاّ الفرار من الجهاد ونصرة الحقّ».

3.(ولو دُخلَتْ عليهم من أقطارِها ثمّ سُئلوا الفتنة لآتوها وما تلبّثوا بها إلاّ يسيراً)والآية تحكي حالة الطائفتين ، أعني: المنافقين وأصحاب الإيمان المستودع الذي لا قرار له، والمراد من الفتنة الارتداد عن الدين، والمعنى أي إذا دخلت جيوش الشرك المدينة وأحاطت بها من كلّ جانب وطلب المشركون من المنافقين ومرضى القلوب الارتداد عن دينهم، ارتدّوا عنه وأعلنوا الشرك واستجابوا على الفور من غير تردّد، أو ترددوا قليلاً ثمّ استسلموا للقوّة.

ومن الواضح انّ المؤمن الحق لا يرتدّ عن عقيدته، بل يقتل عليها، وهذا شأن شهداء العقيدة الذين يستقبلون


(154)

السيوف برحابة صدر.

4.(ولقد كانوا عاهدوا اللّه من قبل لا يولّون الأدبار) وهؤلاء تذرّعوا بالأكاذيب للفرار من عسكر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعدما أعطوه المواثيق والعهود على أن يثبتوا في الجهاد بين يديه حتّى الموت.

روى الطبري في تفسيره انّ بني حارثة وهم الّذين همّوا أن يفشلوا يوم أُحد مع بني سلمة حين هما بالفشل ثمّ عاهدوا اللّه أن لايعودون لمثلها أبداً فذكرهم اللّه الآن بهذا العهد الذي أعطوه وإن نكثوا.(1)

ثمّ إنّ مرضى القلوب لم يكتفوا بالفرار فحسب، بل كانوا يثبّطون عزائم الناس،ويقول بعضهم لبعض تعالوا إلى الراحة والدعة مالنا وللقتال.

يقول سبحانه: (قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلينَ لإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا...).(2)


1- تفسير الطبري:11/87.
2-الأحزاب:18.


(155)

وربّما يتوهم القارئ انّ مرضى القلوب كانوا ثلة قليلة لا يعبأ بهم أمام الجم الغفير من الصحابة، ولكنّه وهم خاطئ إذ لو كانوا بهذا الوصف لما ركّز عليهم القرآن في أكثر من آية، فترى سبحانه يذكرهم في غير مرّة ويقول:

(فَتَـرَى الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ).(1)

(إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ


1-المائدة:52.


(156)

غَرَّ هؤلاءِ دِينُهُم).(1)

(وَأمّا الّذِينَ فِي قُلُوبهم مرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلى رِجْسِهِمْ).(2)

( أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا).(3)

(لئِن لَمْ يَنْتَهِ المنافِقُونَ وَالّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرض وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدينة لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِم).(4)

(رَأَيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوت).(5)

إلى غير ذلك من الآيات التي تذكر تلك الطائفة بهذا العنوان.(6)

فإذا ضُمَّت هذه الآيات إلى ما ذكره فضيلة الشيخ من الآيات المادحة نخرج بدراسة متكاملة حول مَن حضر الأحزاب.

فمنهم من بلغ في الإيمان والإخلاص والتضحية شأواً بعيداً لا يدرك مداه، وهم الذين يصفهم سبحانه بقوله:

(وَلَمّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قَالُوا هذا ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْليماً).(7)


1-الأنفال:49.
2-التوبة:125.
3-النور:50.
4-الأحزاب:60.
5-محمد:20.
6-لاحظ سورة محمّد:29; المدثر:31.
7-الأحزاب:22.


(157)

ومنهم من ضعف إيمانهم وقل إخلاصهم وأهمّتهم أنفسهم فظنوا باللّه ظن الجاهلية، وتلقّوا وعد اللّه سبحانه غروراً، وكانوا يستئذنون النبي ويقولون إنّ بيوتهم عورة ولكنهم لا يريدون إلاّ فراراً، ولو غلب المشركون واستولوا على المدينة، لأعلنوا الشرك واستجابوا على الفور من غير تردّد أو بعد تردد قليل إلى غير ذلك من الأوصاف التي ذكرها سبحانه في حقّ هذه الطائفة.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الرأي الصائب الذي يدعمه القرآن والسنّة، والتاريخ الصحيح هو ماعليه الإمامية من أنّ حكمهم حكم التابعين بلا مدخلية للصحبة.


(158)

4
صلح الحديبية

ذكر الشيخ في صلح الحديبية كلاماً ما هذا ملخصـه: انّ النبيّ سار بالسابقين والأنصار، وعددهم ألف وأربعمائة مقاتل وقامت قريش بالاستعداد لمنعهم من دخول مكة.

وفي أرض الحديبية بايع المهاجرون والأنصار رسول اللّه وهي بيعة الرضوان ذكرها المولى سبحانه، قال تعالى: (لقد رَضِيَ اللّهُعَنِ الْمُؤْمنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرة فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهمْ فَأَنْزَلَ السّكينَة عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَريباً).(1) فقد رضي اللّه عن كلّ فرد منهم بايع تحت الشجرة مكان البيعة،


1-الفتح:18


(159)

والطاعنون في أصحاب رسول اللّه حاروا فيها، وعجز خيالهم ولكن المراء والجدال واتّباع الهوى منع الناس من اتّباع الحقّ.(1)

المناقشة

قد سبق منّا تفسير الآية فقلنا:

1. انّ المدح، جمعي لا آحاديّ، كيف وقد شارك فيها عبد اللّه بن أُبيّ رأس النفاق وأذنابه!!

2. انّ رضاه سبحانه محدد بزمان البيعة حيث قال: (لقَد رَضِي اللّه عَنِ الْمؤْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونكَ)، فلا يستدل به على الفترات التالية التي عاشوا فيها، فإنّ الأُمور بخواتيمها، لا بأوائلها.

إنّ هؤلاء الذين أخذ الشيخ يمدحهم لبلوغهم الغاية في الصدق والإخلاص، صاروا من المعترضين على النبي في الصلح مع قريش في أرض الحديبية، وإن كنت في شكّ من


1-صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :31.


(160)

ذلك فاقرأ ما كتبه ابن هشام وغيره حول صلح الحديبية قال:

فلمّا التأم الأمر ولم يبق إلاّ الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أليس برسول اللّه؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى; قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى; قال: فعلام نُعطي الدّنيّة في ديننا؟ قال أبوبكر: يا عمر، الزم غرزه(1)، فإنّي أشهد أنّه رسول اللّه; قال عمر: وأنا أشهد أنّه رسول اللّه; ثمّ أتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا رسول اللّه ألست برسول اللّه؟ قال: بلى; قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى; قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى; قال: فعلام نُعطي الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد اللّه ورسوله، ولن أُخالف أمره، ولن يضيّعني! قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأُصلّـي وأُعتق، من الذي صنعتُ يومئذ! مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتّى رجوت أن يكون خيراً.(2)


1-أي ألزم أمره، والغرز للرجل بمنزلة الركاب للسرج.
2-سيرة ابن هشام:2/316، طبعة مصر الطبعة الثانية 1375هـ 1955م.


(161)

هؤلاء هم الذين حضروا صلح الحديبية، وهذا مبلغ تسليمهم لرسول اللّه وقد قال سبحانه: (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ممّا قَضَيت وَيُسَلّمُوا تَسْليماً).(1)

فمن يصف عمل الرسول بإعطاء الدنيّة في الدين، كيف يعدّ من المسلِّمين لأمره ونهيه؟!

ثمّ إنّ الشيخ يستدلّ على ما تبنّاه من عدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم ببعض الآيات التي أوضحنا حالها في الفصل الثاني الذي عقدناه في بيان الخطوط العريضة للقضاء الحاسم في المسألة، وهذه الآيات عبارة عن قوله سبحانه:

1.(وَالسّابِقُونَ الأَوّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالأَنْصارِ...).(2)

2. (مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِداءُ عَلى الكُفّارِ


1-النساء:65 .
2-التوبة:100.


(162)

رُحَماءُ بَيْنَهُمْ).(1)

وقد أوضحنا حال الآيتين وقلنا بعدم دلالتهما على ما يدّعيه من تزكية الصحابة وعدالتهم من أوّلهم إلى آخرهم فلا نعود إليه روماً للاختصار.


1-الفتح:29.


(163)

5
استقبال الوفود

يقول الشيخ:

سورة الحجرات فيها آيات في غاية الوضوح على فضل الصحابة، وقد اشتملت السورة على كليات في الاعتقاد والشريعة، وحقائق الوجود الإنساني وفيها بيان لمعالم المجتمع المسلم وتقرير الأُخوّة الإيمانية ومحاربة كلّ ما يضادّها ويضعف كيانها.

ثمّ إنّه استدلّ على عدالة الصحابة وتزكيتهم بقوله سبحانه: (وَلكنَّ اللّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم وَكَرّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالعِصْيان)(1) وقال: نعم الفضل


1-الحجرات:7


(164)

من اللّه جعل الإيمان في قلوبهم راسخاً فطرياً، ومحبتهم له أشدّ من محبتهم للشهوات، وتأمّل في التأكيد، (وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم)، وذكر ما يضاده وينقص منه، (وَكَرّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالعِصْيان)، فقد فطر اللّه الصحابة رضوان اللّه عليهم على كراهية كلّ ما ينقص الإيمان. اللّه أكبر تأمّل في الآية وختامها(أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُون)، وفضل اللّه على هذه الفئة أن اختارهم اللّه لصحبة نبيّه ـ عليه السَّلام ـ وهداهم للإيمان، وزيّنه في قلوبهم، وجعلهم أهلاً لصحبة الرسول ـ عليه السَّلام ـ ، فهم يَكرهون الكفرَ، والفسوقَ، والعصيان، ولحكمة بالغة جاء النصّ مشتملاً على الأسماء الثلاثة: الكفر، الفسوق، العصيان، فلم يترك شيئاً.(1)

المناقشة

قد ذكرنا كلام الشيخ على طوله ولكن نلفت نظره إلى الأُمور التالية، ولو تدبّر فيها لرجع عمّا يصرّ عليه:


1-صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : 38ـ 39 .


(165)

1. إنّ الآيات الواردة في بدأ السورة تحكي عن أنّ طائفة من الصحابة كانوا يتعاملون مع النبي بما لا يناسب شخصية النبيّ الأكرم حيث كانوا يتسارعون إلى قول أو فعل يتصل بالدين والمصالح العامّة قبل أن يقضي النبي أو يتكلم فيه فنهاهم اللّه سبحانه ، بقوله:(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُوله واتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليم).(1)

2. ثمّ إنّه سبحانه يؤدّبهم بأن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي فإنّ رفع الصوت في محضر العظماء يعد إهانة لهم، وهذا يعرب عن مبلغ أدبهم في عام الوفود وهو العام التاسع، يقول سبحانه: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصواتَكُمْ فَوقَ صَوْتِ النَّبيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهْرِ بَعضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون).

وقد ذكر ابن جرير في تفسيره أسماء الذين كانوا يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي، ولا حاجة لنا لذكرها، فمن أراد


1-الحجرات:1.


(166)

التفصيل فليرجع إليه.(1)

3. ثمّ إنّه سبحانه يصف المؤمنين بالتثبت عند سماع خبر الفاسق، وهذا يعرب عن ابتلائهم بأخبار الفاسق بينهم وهو الوليد بن عقبة ـ حسب نظر أكثر المفسرين ـ فيقول: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتبَيَّنُوا).(2)

4. كما أنّه يأمر المؤمنين بإطاعة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بدلَ إطاعة الرسول لهم قال سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فيكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَوْ يُطيعُكُمْ فِي كَثير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّم).(3)

وهذا الأمر موجّه من اللّه إلى المؤمنين في العام التاسع بأن يطيعوا الرسول ويسمعوا له ولا يشيروا عليه لما يَعْلم من اللّه ما لا يعلمون، ولو استجاب إلى الكثير ممّا يدعونه إليه لتعبوا ووقعوا في الجهد والإثم.

والإمعان في الآية يثبت مدى مبلغ طائفة من الصحابة


1-تفسير الطبري:26/74ـ 77، طبع دار المعرفة.
2-الحجرات:6.
3-الحجرات:7.


(167)

في الوعي، حيث إنّهم كانوا يرجون أن يتّبعهم الرسول، كما يحكي عن مدى أدبهم وكيفية معاشرتهم للرسول، أفهل يمكن بعد هذا أن نكيل الجميع بكيل واحد أو أن نصفهم جميعاً بالعدالة والتقوى والأدب؟!

أهؤلاء الذين كادت أعمالهم أن تحبط، ـ كما هو صريح قوله سبحانه( أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُم) ـ هم القدوة والأُسوة للأُمّة جميعاً؟!

5.طالما نسمع من خطبائهم، و تبعهم الشيخ ـ عفا اللّه عنّا و عنه ـ الاستدلال بقوله سبحانه: (ولكنّ اللّه حبّب إليكم الإِيمان وزيّنه في قُلُوبكُم) على أنّ اللّه تعالى جعل الإيمان راسخاً في قلوب الصحابة وأنّه تعالى فطر الصحابة على كراهية ما ينقص الإيمان... الخ.

ولكنّه غفلة عن أنّ الخطاب وإن كان متوجّهاً إليهم، لكن المقصود الإنسان كلّه، والآية إشارة إلى قانون اللطف، أعني: اللطف التكويني الداعي إلى الطاعة والاجتناب عن


(168)

المعصية، وهذا النوع من اللطف يشمل حال كلّ إنسان، فإنّ الجميع مفطورون على حب الإيمان والطهارة والتقوى، والبراءة من الكفر والذنب من غير فرق بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم البعث.

وبعبارة أُخرى: الميل إلى الإيمان والانزجار عن الكفر، من خصائص طبيعة الإنسان مالم تتلوث بعوامل قاهرة، تغطّي الفطرة الإنسانية، بأهوائها كالبيت الذي نشأ فيه وبيئة التعليم وغيرهما من العوامل المفسدة.

فمفاد الآية كمفاد قوله سبحانه: ( فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون).

ففي هذه الآى(1)ة لم تجعل مسألة«معرفة اللّه والإيمان به» فقط أمراً فطرياً، بل وصف الدين بأُصوله( الأُصول والكليات التي تؤلّف أساس الدين الإلهي) بكونه فطرياً جبلياً.


1-الروم:30.


(169)

ويشهد الواقع على ذلك إذ نرى أنّ أُصول التعاليم التي جاء بها الدين من عقيدة وعمل، تنطبق على مجموع الاحتياجات الفطرية سواء بسواء. والإمعان في الآية المذكورة يفيدنا أنّ الدين عجن بفطرة البشر عجناً، فإذا هو منها وإذا هي منه، وجزءمن كيانه. وما يعنى من الدين سوى حب الإيمان وكراهة الكفر والفسق والعصيان.

ونظراً للأهمية التي تتمتع بها فطرية الحس الديني تتحدّث بعض الأحاديث الصادرة من النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن ذلك. روى البخاري عن أبي هريرة في تفسير الآية(فطرت اللّه...) قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة ثمّ أبواه يهوّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه...» ثمّ يقول أبوهريرة : (فطرت اللّه التي فطر الناس عليها).(1)

وممّا يرشدنا إلى أنّ المقصود هو عامّة المكلّفين على وجه البسيطة إلى يوم البعث، وانّه لا يختص ـ تحبيب الإيمان وإكراه


1-صحيح البخاري:2/98، دار الفكر.


(170)

الكفر ـ بجيل خاص، هو ما جاء في ذيل الآية من الجملتين:

1. انّ الجمل في الآية كلّها بصيغة الخطاب، غير أنّه سبحانه عدل في الذيل إلى صيغة الغائب وقال(أُولئكَ هُمُ الرّاشدون) مكان أن يقول: «وأنتم الراشدون»، ليدلّ على أنّ هذا الحكم غير مختص بالمخاطبين في مجلس الخطاب أو بمطلق من عاصر الرسول وصحبه، بل هو قانون عام يعمّ الناس كلّهم، فحكمته ولطفه يوجبان أن يخلق في الإنسان عوامل الرشد والسعادة، ثمّ يكملها بدعوة الأنبياء.

ومع هذا اللطف فالناس في جميع الأجيال على طائفتين منهم مؤمن ومنهم كافر، منهم من تبع الفطرة الإلهية وآمن واتقى، ومنهم من أعرض عنها ونسيها واتّبع هواه فكفر وعصى.

2. قوله سبحانه في ذيل الآية: (فضلاً مِنَ اللّهِ وَنعْمَةً وَاللّهُ عَليمٌ حَكِيم)(1) فهو ظاهر في عموم فيضه، وشمول نعمته


1-الحجرات:8 .


(171)

دون اختصاص بجيل دون جيل.

وتخصيص مفاد الآية بمن صحب النبي، تخصيص بلا دليل، بل اتّباع للهوى والرأي المسبق، فهو من مصاديق قوله سبحانه:(تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى).

بلغ الكلام إلى هنا عشية

يوم الخميس آخر شهر رمضان المبارك

من شهور عام 1423هـ.ق

والحمد للّه الّذي بنعمته تتم الصالحات

المؤلف

Website Security Test