welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : حــوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش / ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

حــوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش / ج 2

(2)               
الفقيه المحقّق جعفر السبحاني

حــوار
مع الشيخ

صالح بن عبد الله الدرويش
(القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف)

حول الصحبة والصحابة

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

قال الله تبارك وتعالى :

(وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ).

آل عمران: 144

صدق الله العظيم

روى الإمامان: البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنَّ إِليَّ رجال مِنكم حتّى إذا أهويتُ إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

(جامع الأُصول للجزريّ: 11 / 19، برقم 7969 ولاحظ بقية أحاديث الباب إلى رقم 7979).


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على سيّد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد الّذي بعثه سبحانه والناس ضُلالٌ في حَيْرَة وحاطِبون في فِتنَة، استهوتهُم الأهواء، واستزلّتهم الكبرياء، واستخفّتهم الجاهليّة الجَهلاء، حَيارى في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل، فبالغ (صلى الله عليه وآله وسلم)في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة (1)، وعلى آله وعترته الذين طهّرهم الله تعالى من الرجس والدنس، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.


1-اقتباس من خطب الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ من كتاب نهج البلاغة، الخطبة95.


(6)

أمّا بعد، فإنّ من دواعي الخير وبواعث الغبطة ظهور فئة من العلماء الواعين، الذين لمسوا خطورة الحملة الشرسة الّتي يقودها أعداء الإسلام ضدّ الإسلام والمسلمين، فتصدّوا لها بفكرهم ويراعهم بتجرّد وموضوعية، بعيداً عن التعصّب المقيت وبروح منفتحة، وأخصّ بالذكر فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف فقد قرأت من آثاره كرّاستين:

إحداهما: تأمّلات حول نهج البلاغة.

الثانية: صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

فلو كان الأثر دليلاً على ما يحمل الكاتب من أفكار فالأثران يدلاّن على أنّ الكاتب إنسان مؤدّب بأخلاق الإسلام، يعرض آراءه وأفكاره بأُسلوب واضح مراعياً أدب الكتابة، ونحن نرحِّبُ بهذا الأدب الرفيع الّذي قلّما يوجد عند سائر الكُتّاب الوهابيين.

وقد علّقنا على الأثر الأوّل ببعض ما جال في الذهن


(7)

ونشرناه باسم «حوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش في كتابه تأمّلات حول نهج البلاغة» ولعلّ الكتاب وصل إليه .

ثمّ وقفنا على أثر ثان ووجدناه مثل الأوّل في الأُسلوب .

ولكن الكتاب ـ مع هذا التثمين ـ لا يخلو من هن وهنات، بل من هفوات وزلاّت، وبما انّ المؤلّف طلب من القرّاء أن يناقشوا أثره لكي يتدارك ما فات في الطبعة الثانية، فقال: أخي الكريم لا تعجل اصبر معي قليلاً، وبعد التأمّل أحكم، ومن معروفك أن ترسل لي كلّ ما يخطر ببالك من ملاحظات فأنا مستعد للرجوع والزيادة والحذف في الطبعات القادمة إن شاء الله، المهم واصل معي القراءة في تأمّل واحكم بعد ذلك. (1)

وانطلاقاً ممّا دعا إليه المؤلّف نذكر ملاحظاتنا على تلك الكراسة في فصول ثلاثة:

الفصل الأوّل: تبيين الخطوط العريضة الّتي سار على


1- صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : 13.


(8)

ضوئها الكاتب.

الفصل الثاني: في بيان الأُصول الّتي لا مناص للباحث عنها في تقييم عدالة الصحابة وتزكيتهم.

الفصل الثالث: إزاحة الستار عمّا فات الكاتب من مواقف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مع أصحابه.

وأظن ـ وظن الألمعي صواب ـ انّ فضيلة الشيخ لو رجع إلى تلك المذكّرات ربّما غيّر موقفه فيما تبنّاه من عدالة كلّ صحابي بلا استثناء.

المؤلّف


(9)

الفصل الأوّل

الخطوط العريضة
التي سار على ضوئها الكاتب

لا يستغني أيُّ باحث عن اتخاذ أُصول موضوعية يبدي فكرته على ضوئها، حتّى يكون لدراسته قيمة علمية.

وقد تصفّحنا تلك الرسالة الموجزة فوقفنا على الخطوط التي سار عليها المؤلف وهي تتلخّص في الأُمور التالية:

1. الأُسلوب الخطابي

اقتفى فضيلة الشيخ في رسالته، الأُسلوبَ الخطابي الذي كثيراً ما يُنتفع به في المسائل التربوية لا سيّما في تربية الجيل الجديد، وقد دعا إليه القرآن الكريم أيضاً بقوله تعالى:


(10)

(ادعُ إِلى سَبيلِ رَبّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِي أَحسن)(1) ولعلّ الموعظة الحسنة هي الأسلوب الخطابي الذي ينفذ في قلوب الناشئين أكثر من غيره.

وكان على فضيلة الشيخ ـ خاصة في البحوث التاريخيةـ أن يستخدم الأُسلوب البرهاني بدل الأُسلوب الخطابي، إذ لكلّ أُسلوب مجاله الخاص ولكنّه ـ يا للأسف ـ استخدم إثارة العواطف والمشاعر مكان الاستدلال بالوثائق التاريخية.

ولإراءة نموذج من أُسلوبه نأتي بكلامه في تنزيه أصحاب النبي من أوّلهم إلى آخرهم وتعديلهم وتزكيتهم عامّة:

إنّ الذين يحبّون الرسول وبه يقتدون، يعتقدون بأنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة وقام بما أمره اللّه به، ومن ذلك انّه بلغ أصحابه العلم وزكّاهم، وهم الذين أخذوا القرآن والسنّة من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مباشرة، وعنهم أخذ


1-النحل:125.


(11)

التابعون، والحكم بعدالتهم من الدين، ومن الشهادة بأنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام بما أمره اللّه به.

والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم وقائدهم ومعلّمهم سيد المرسلين. ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه.(1)

ترى أنّه كيف يحاول اثارة مشاعر القارئ بشيء لا يتجاوز عن بيان أصل المدّعى، من دون إقرانه بدليل، إذ لا شكّ انّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة وقام بما أمر اللّه به، لكن أداء الأمانة والرسالة لا يلازم مثالية الصحابة ونزاهتهم من كلّ عيب وشين واتّصافهم بالعدالة والوثاقة من أوّلهم إلى آخرهم.

لاحظ قوله: «والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم وقائدهم».

أي تلازم بين الطعن في المدعو، والطعن في الداعي، فالقرآن يطعن في قوم نوح وعاد وثمود، فهل معنى هذا أنّه


1-صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :8.


(12)

يطعن في الدعاة (فما لكم كيف تحكمون)؟!

هذا وقد استخدم المؤلف هذا الأُسلوب بكثرة اقتصرنا على هذا المورد تجنباً للاطناب.

2. انطباعات شخصية خاطئة

تجد انّ فضيلة الشيخ يستدلّ على تزكية عامّة الصحابة وتعلّمهم أحكام الشريعة بقوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي بَعثَ في الأُمِّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِين).(1)

فقال في تفسير الآية:

(ويزكّيهم) وهم من خيرة الناس وقد قام الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بتربيتهم وتزكيتهم، فهل يعقل الطعن فيهم؟ وتأمّل في تقديم التزكيّة على التعليم! فهي لفتة لغوية لها دلالاتها.

وقال اللّه تعالى: (ويُعلّمُهُم الكتابَ والحِكْمَة) وقد


1-الجمعة:2.


(13)

فعل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الواجب عليه، فهل يمكن لعاقل منصف يخاف اللّه أن يصف طلاّب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالجهل؟(1)

أقول: إنّه سبحانه و تعالى إنّما يذكر شؤون النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوله: (ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة) وانّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مأمور بكلتا المهمتين، وأمّا انّ الأُمّة التي عاشرت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد تزكّى جميع أفرادها وتَعلّموا بعد قيام النبي بالمهمتين فلا ملازمة بينهما، بشهادة انّ التزكية والتعليم من شؤون عامّة الأنبياء ولا تختصّان بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول سبحانه حاكياً عن لسان إبراهيم الخليل ( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الحَكِيمُ).(2)

والآية كماهوالمتبادربصددبيانشؤونمطلقالرسول حتّى ولو قيل بأنّ المراد من قوله: «رسولاً» هو النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ ليس للأنبياء شأن في مجال التربية إلاّ التزكية والتعليم.


1-صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :7.
2-البقرة:129.


(14)

ويدلّ على أنّ المهمّتين من خصائص الرسل قوله سبحانه:

(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَديدَ فيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيعلَمَ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيز).(1)

فالغاية من تأييد الرسل بالبيّنات وإنزال الكتب والميزان معهم هي إقامة القسط في المجتمع في عامّة مجالاته، وهذا هو نفس التزكية التي أُمر بها الرسول كما أمر بها عامّة الرسل.

وهذا النوع من التزكية لا يفارق التعليم يقول سبحانه: (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَبِالكِتابِ الْمُنِير). (2)

ويقول سبحانه: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَني إِسرائيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللّهُ إِنّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ


1-الحديد:25.
2-فاطر:25.


(15)

الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةُ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهُ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ...).(1)

فإذا كان التعليم والتزكية من شؤون الرسل، فهل يصحّ لفضيلة الشيخ أن يقول إنّ الأُمم السالفة الذين قام رسلهم بتزكيتهم وتعليمهم صاروا كلّهم نموذجاً للمثل العليا والفضائل الكبرى وصار الكل عدولاً ثقاةً من أوّلهم إلى آخرهم مع أنّ القرآن الكريم يحكي عن إبادة الأُمم السالفة لأجل الإعراض عن أنبيائهم؟!

فهذا النوع من الانطباعات الشخصية عن آيات الذكر الحكيم يحكي عن اتّخاذ الشيخ لموقف مسبق، محاولاً إثباته بأيّة وسيلة وإن كانت فاقدة للدلالة.

3. قراءة صفحات معدودة من ملف الصحابة

إنّ فضيلة الشيخ حاول قراءة حياة الصحابة على ضوء


1-المائدة:12.فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة رمز التعليم، وتكفير السّيئات رمز التزكية.


(16)

الصفحات التي انتخبها من ملف حياة الصحابة واكتفى بما يرجع إليهم في غزوة «بدر» و« أُحد» وغيرهما بما يتم لصالح الصحابة، وغضّ النظر عمّا ورد في تلك الوقائع من ذمّ بعضهم والتنديد بالبعض الآخر مع الإشارة بطهارة قسم ثالث منهم.

وبتعبير آخر: نصادف عند معالجة موضوع ما منهجين:

الأوّل: ينظر إليه من زاوية واحدة يحشّد الباحث من خلاله، ما يدعم رؤيته ووجهة نظره، من دون أن يلتفت إلى زواياه وأبعاده الأُخرى.

وهذا المنهج الانتقائي، منهج خاطئ، لا يرتكز على أُسس علمية رصينة، والنتائج التي ينتهي إليها، تأتي ناقصة مشوّهة، لا تعبّر عن واقع، ولا تمثّل حقيقة.

والمنهج الثاني: ينظر إلى الموضوع من زوايا مختلفة، يقرأ الباحث من خلاله كلّ ما يرتبط به وما يمتّ إليه بصلة في


(17)

محاولة منه للكشف عن صورته الحقيقية، وبالتالي خلق تصوّر واضح وصحيح عنه.

ولا ريب في أنّ ثمار هذا المنهج، ستكون ناضجة يانعة، يستسيغها طلاب الحقّ والحقيقة.

ولأجل بيان ما تقدّم، نتوجه للشيخ الدرويش ـ القاضي بالمحكمة الكبرى ـ بهذا الكلام:

إنّ القاضي العادل إذا ما رُفعت إليه قضية، فإنّه ينظر في ملفّ صاحبها بدقّة، ويقرأ ما ورد فيه على وجه التفصيل، ولا يغفل عن جانب من جوانبه، لكي تبدو له القضية بأجلى صورها، ويكون حكمه فيها قائماً على موازين القسط والعدل، بعيداً عن الحيف والظلم.

وليس من الإنصاف في شيء، أن يطالع بعض فصول الملفّ، ويغضّ الطرف عن سائر فصوله، بقصد إخفاء بعض الحقائق أو طمسها لدوافع معيّنة، أو بدون قصد.

وأنت إذا ما طالعت أثر الشيخ الدرويش، فإنّك تجد


(18)

أنّه اعتمد بشكل صارم على المنهج الأوّل، وأقحم القارئ في درب ضيق ذي اتجاه واحد، وراح يسوقه فيه بدون هوادة، بما يختار من وسائل تنسجم ودوافعه المتمثّلة في إيصاله إلى الهدف المرسوم سلفاً، ثمّ يطلب منه ـ أي من القارئ ـ أن يتأمّل ويفكّر، وأن يسير ـ مع ذلك الضغط والإكراه ـ في الطريق التي يحبّ!!!

لقد عرض سماحة الشيخ سيرة الصحابة من خلال اعتماد هذا المنهج، وعلى قاعدة (وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة)، وذلك بانتقاء النصوص التي تتفق وما يرمي إليه، وليس على أساس تقرير الحقائق، وإجلاء الواقع كما هو لا كما يتصوّره ويتمنّاه.

وليته وهو يورد النصوص القرآنية في حقّ الصحابة ـ كلّ الصحابة ـ أن يورد كلّ ما جاء عنهم في القرآن، ولكنّه أبى إلاّ أن يسير في منهجه حتّى النهاية، فيقتطع منها ما يخدم أغراضه المحددة.


(19)

ثمّ إنّ دراسة حياة الصحابة لا تكتمل إلاّ من خلال مراجعة السنّة النبوية الشريفة والتاريخ الصحيح، وأمّا الاقتصار على بعض الآيات من الكتاب المجيد وإهمال ما سواه من المصادر، فهو أيضاً أمر مرفوض، ولا تقرّه طبيعة القضاء الصحيح.


(20)

الفصل الثاني: الخطوط العريضة للقضاء في المسألة

1
حبّ الصحابة من مظاهر حبّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ
وكرامة للمحبّ

الحب والبغض خُلّتان تتواردان على قلب الإنسان، تشتدّان وتضعفان، ولنشوئهما واشتدادهما أو انحلالهما وضعفهما عوامل وأسباب، ولا شكّ انّ حبّ الإنسان لذاته من أبرز مصاديق الحبّ، وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى بيان، وجبليّ لا يخلو منه إنسان، ومن هذا المنطلق حبُّ الإنسان لما يرتبط به أيضاً، فهو كما يحبّ نفسه يحبُّ كذلك كلّ ما يمتُّ إليه بصلة، سواء كان اتّصاله به جسمانياً كالأولاد والعشيرة، أو معنوياً كالعقائد والأفكار والآراء والنظريات التي يتبنّاها;


(21)

وربّما يكون حبّه للعقيدة أشدّ من حبّه لأبيه وأُمّه، فيذبُّ عن حياض العقيدة بنفسه ونفيسه، وتكون العقيدة عنده أغلى من كلّ شيء حتّى نفسه التي بين جنبيه.

فإذا كان للعقيدة هذه المنزلة العظيمة يكون لمؤسِّسها ومُغذّيها، والدعاة إليها منزلة لا تقلّ عنها، إذ لولاهم لما قام للعقيدة عمود، ولا اخضرّ لها عود، ولأجل ذلك كان الأنبياء والأولياء، بل جميع الدعاة إلى الأُمور المعنوية والروحية، معزّزين لدى جميع الأجيال، من غير فرق بين نبيّ و آخر، ومصلح وآخر، فالإنسان يجد من صميم ذاته خضوعاً تجاههم، وإقبالاً عليهم.

ولهذا لم يكن عجيباً ان تحترم بل تعشق النفوس الطيبة طبقةَ الأنبياء والرسل منذ ان شرع اللّه الشرائع وبعث الرسل، فترى أصحابها يقدِّمونهم على أنفسهم بقدر ما أُوتوا من المعرفة والكمال.

ولوجود هذه الأرضية في النفس الإنسانية والفطرة البشرية، تضافرت الآيات والأحاديث على لزوم حب النبي


(22)

وكلّ ما يرتبط به، وليست الآيات إلاّ إرشاداً إلى ما توحيه إليه فطرته، قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشيرَتُكُمْ وَأَموالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسادَها وَمَساكِنَ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِي اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقين).(1)

وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُون).(2)

وليست الآيات الحاثّة على حبّ الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منحصرة في ذلك، وبما انّ حبّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الأُصول المسلّمة عند المسلمين اتّباعاً للكتاب والسنّة نقتصر على هذا المقدار.

مظاهر حبّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

إنّ لهذا الحب مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقرّ


1-التوبة:24.
2-المائدة:56.


(23)

في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرّفاته، بل من خصائص الحب ظهور أثره في نفس الإنسان وعلى قوله وفعله بصورة مشهودة ملموسة.

إنّ لحبّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مظاهر كثيرة أهمّها اتّباع دينه والاستنان بسنّته والإتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، وهذا شيء لم يختلف فيه اثنان.

ومن مظاهر حبُّ النبي حب ذوي القربى الذين جعل الوحيُ الإلهي مودّتَهم شبه أجر الرسالة وقال: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَودّةَ فِي الْقُربى) .(1)

ومن تلك المظاهر حبّ أصحابه، ولا أظن انّ أحداً يؤمن باللّه ورسوله ويحبّ اللّه ورسوله وفي الوقت نفسه يبغض الصحابة ويسبّهم، (بما أنّهم صحابة نبيّه) لأنّ الإيمان بالرسول والحبّ له لا يجتمع مع بغض من أعانه وفدّاه بنفسه ونفيسه قبل الهجرة وبعدها، من غير فرق بين من آمن بمكة


1-الشورى:23


(24)

وعذّب وقُتل أو مات، و بين من هاجر إلى المدينة وشارك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في غزواته وشايعه في ساعة العسرة، كالبدريّين والأُحديّين وغيرهم من الصحابة الذين حفل القرآن الكريم والتاريخ بذكرهم وذكر تضحياتهم، وهذا شيء لا يختلف فيه اثنان من المسلمين.

هذا شيء تميل إليه النفس ويدعو إليه حبُّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحبُّ دينه وحبُّ من عاضده، من غير فرق بين من استشهد في غزواته أو حضر فيها وقاتل لا سيما في بدر وأُحد، فإنّ للبدريّين والأُحديين مكانة خاصة في قلوب المسلمين وكثيراً ما يتمنّى المرء أن يحشر في عدادهم.

وهذا شيء اتّفق عليه المسلمون ولا يبغض الصحابيّ بما انّه صحب النبي وعاضده وعاونه ونشر الإسلام إلاّ الجاهل غير العارف بالإسلام الخارج عن عداد المسلمين.

فخرجنا بالنتيجة التالية، وهي: انّ حبّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا ينفك عن حبّ أصحابه والمتعلّمين عنده وناشري دينه وحملة لوائه.


(25)

2
من هو الصحابي؟

اختلف في تعريف الصحابي، ونذكر هنا بعض التعاريف:

1. قال سعيد بن المسيب: الصحابي، ولا نعدّه إلاّ من أقام مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين.

2. قال الواقدي: رأينا أهل العلم يقولون: كلّ من رأى رسول اللّه وقد أدرك فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممّن صحب رسول اللّه، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدّمهم في الإسلام.

3. قال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللّه كلّ من


(26)

صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه.

4. قال البخاري: من صحب رسول اللّه أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.

5. وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب: لا خلاف بين أهل اللغة في أنّ الصحابي مشتق من الصحبة، قليلاً كان أو كثيراً، ثمّ قال: ومع هذا فقد تقرر للأُمّة عرف فإنّهم لا يستعملون هذه التسمية إلاّ فيمن كثرت صحبته، و لا يجيزون ذلك إلاّ فيمن كثرت صحبته لا على من لقيه ساعة أو مشى معه خطى، أو سمع منه حديثاً، فوجب ذلك أن لا يجري هذا الاسم على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول و معمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع عنه إلاّ حديثاً واحداً.

6. وقال صاحب الغوالي: لا يطلق اسم الصحبة إلاّ على من صحبه ثمّ يكفي في الاسم من حيث الوضع، الصحبة ولو ساعة ولكن العرف يخصصه بمن كثرت صحبته.


(27)

قال الجزري بعد ذكر هذه النقول، قلت: وأصحاب رسول اللّه على ما شرطوه كثيرون، فإنّ رسول اللّه شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألف سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه«هوازن» مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلّهم له صحبة.(1)

إنّ التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم ممّا لا تساعد عليه اللغة والعرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن جماعة تكون لهم خلطةومعاشرة معه مدّة مديدة، فلا تصدق على من ليس له حظ إلاّالرؤية من بعيد، أو سماع الكلام أو المكالمة أو المحادثة فترة يسيرة، أو الإقامة معه زمناً قليلاً.


1-أُسد الغابة:1/11ـ12، طبع مصر.


(28)

وأظن أنّ في هذا التبسيط والتوسّع غاية سياسية، لما سيوافيك أنّ النبي قد تنبّأ بارتداد ثلّة من أصحابه بعد رحلته فأرادوا بهذاالتبسيط، صرف هذه النصوص إلى الأعراب وأهل البوادي، الذين لم يكن لهم حظ من الصحبة إلاّلقاء قصيراً، وستعلم أنّ هذه النصوص راجعة إلى الملتفِّين حوله الذين كانوا مع النبي ليلاً ونهاراً، صباحاً ومساءً إلى حدّ كان النبي يعرفهم بأعيانهم وأشخاصهم وأسمائهم، فكيف يصحّ صرفها إلى أهل البوادي والصحاري من الأعراب؟! فتربّص حتى تأتيك النصوص.

وعلى كلّ تقدير فلسنا في هذا البحث بصدد تعريف الصحابة وتحقيق الحقّ بين هذه التعاريف غير أنّا نركّز الكلام على عدالة هذا الجم الغفير من الصحابة، وسيوافيك انّ الكتاب والسنّة وحياة الصحابة لا تدعم هذا الزعم بل أنّ الحكم على الصحابي، كالحكم على التابعي، فهما صنوان على أصل واحد، ففيهما الصالح والطالح والعادل والفاسق، فانتظر حتّى يأتيك دليله.


(29)

3
ثناء القرآن على طوائف من الصحابة
لا على جميعهم

أثنى القرآن الكريم على الصابرين في العهد المكي الثابتين على الإسلام، و تكرر الثناء منه في العهد المدني، على المهاجرين والأنصار فقط لما بذلوه من إنفاق وجهاد وهجرة ونصرة وحسن اتّباع وما لقوه من محن ومصائب، يقول سبحانه:

1. (لَقَدْ تابَ اللّهُ عَلى النّبيِّ وَالمُهاجِرينَ وَالأَنصار الّذينَ اتّبعُوهُ فِي ساعَة العُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَريق مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ انّهُ بِهِم رَؤوفٌ رَحيم).(1)


1-التوبة:117.


(30)

ترى أنّ الآية تُثني على فريق خاص من الصحابة وهم المهاجرون والأنصار، وقد نزلت في شأن غزوة تبوك التي كانت في السنّة التاسعة من الهجرة، وكان عدد جيش المسلمين قرابة ثلاثين ألفاً، ومع ذلك أثنى على فريق خاص لا على الأعراب ولا على الطلقاء و لا على الطوائف الأُخرى الذين أسلموا بعد بيعة الرضوان أو بعد فتح مكة.

والآية لا تهدف إلى تعديلهم وتوثيقهم، بل تدلّ على رجوع اللّه إليهم بالمغفرة (1) لأجل(ما كادَ يزيغ قلوب فريق منهم)، فطهّر قلوبهم منه، وأين ذلك من صيرورتهم عدولاً إلى آخر حياتهم؟!

2. (والسّابِقُونَ الأوّلُونَ من المُهاجِرينَ والأَنصارِ والّذينَ اتَّبعُوهُمْ بإِحسان رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وأَعدَّ لَهُمْ جَنّات تَجْري تَحتَها الأَنهارُ خالِدِينَ فيها أَبداً ذلِكَ الْفَوزُ العَظيم).(2)


1-يقال: تاب اللّه عليه، أي رجع إليه بالرحمة والمغفرة.
2- التوبة:100.


(31)

فقد أثنى سبحانه في هذه الآية على طوائف ثلاث:

الأُولى : السابقون الأوّلون من المهاجرين، وهم الذين هاجروا أيّام هجرة النبيّ أو بعدها بقليل، وبما انّ لفظة «من» من المهاجرين للتبعيض فهو يخرج المتأخرين من المهاجرين.

وعلى كلّ تقدير فالآية تثني على السابقين من المهاجرين لا على عامة المهاجرين.

الثانية: السابقون من الأنصار وهم الذين سبقوا في نصرة النبيّ بالإنفاق والإيواء، ولا يدخل مطلق الأنصار ولا أبناؤهم و حلفاؤهم. وذلك لأنّ تقدير الآية: والسابقون الأوّلون من الأنصار.

فالآية تثني على السابقين الأوّلين من الأنصار لا على عامّتهم.

وقد اختلفت كلمة المفسّرين في تطبيق السابقين الأوّلين من المهاجرة والأنصار إلى وجوه لا دليل عليها.

وبما انّ الموضوع هو السبق في الهجرة، والسبق في


(32)

النصرة فلا ينطبق العنوانان إلاّ على الذين أسّسوا أساس الدين، ورفعوا قواعده، قبل أن يشيّد بنيانه، وتهتّز راياته، وهم على أصناف، منهم من آمن بالنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وصبر على الفتنة والبلاء، ومفارقة الديار والأموال بالهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة، ومنهم من آمن به ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونصره وآواه وآوى أصحابه من المهاجرين، واستعدّ للدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع.

وهذا ينطبق على من آمن بالنبي قبل الهجرة ثمّ هاجر قبل وقعة بدر التي منها ابتدأ ظهور الإسلام على الكفر، أو آمن بالنبي وآواه وتهيّأ لنصرته عندما هاجر إلى المدينة.

فالمبدأ هو ظهور أمر النبيّ من الفترة المكية، والمنتهى هو قبل ظهور الإسلام وغلبته على أقوى مظاهر الشرك في المنطقة، أعني: غزوة بدر.

وعلى ضوء ذلك يتبيّن المراد من الصنف الثالث، أعني:

الثالثة: الذين اتّبعوا السابقين الأوّلين من المهاجرين


(33)

والأنصار بإحسان، وهذه الطائفة عبارة عمّن أسلم بعد بدر إلى بيعة الرضوان أو إلى فتح مكة، فلا تشمل الوافدين من العرب في العام التاسع الذي يطلق عليه عام الوفود.

وأمّا وجه الثناء على التابعين مع أنّهم ربّما لم ينصروا النبي الأكرم في مغازيه ، فلكونهم تضرروا وكابدوا المصاعب بفقد أقربائهم في المعارك، وربّما لحقهم بعض الأذى، والمراد من التابعين بإحسان هم الذين صلحت سيرتهم وسلوكهم فصاروا بعيدين عن اقتراف الذنوب ومساوئ الأخلاق.

وقد جاء ذكر الطوائف الثلاث في سورة الحشر، بلفظ آخر، والمضمون في السورتين واحد قال سبحانه:

3. (لِلْفُقراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَموالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُون* وَالّذينَ تَبَوَّءُو الدارَ والإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحبُّونَ مَن هاجَر إِليهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ


(34)

شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُون* وَالَّذينَ جاءو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمان وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحيم).(1)

فهذه الآيات الثلاث نظير ما تقدّم من الآيتين لا تثني على عامّة الصحابة بل على فريق منهم.

أمّا المهاجرون فتثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:

أ. (أخرجوا من ديارهم وأموالهم).

ب. (يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً).

ج. (ينصرون اللّه ورسوله).

فمن تمتع بهذه الصفات الثلاث من المهاجرين فقد أثنى القرآن عليه، وبما انّ من أبرز صفاتهم، كونهم مشرّدين من ديارهم وأموالهم، فيكون المقصود هم الذين هاجروا قبل وقعة «بدر».


1-الحشر:8ـ10.


(35)

وأمّا الأنصار فإنّما تثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:

أ.(تبوءُو الدار والإِيمان مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي آمنوا باللّه ورسوله، فخرج بذلك من اتّهم بالنّفاق وكان في الواقع منافقاً.

ب. (يُحبُّونَ مَن هاجَر إِليهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجة مِمّا أُوتُوا ).

ج.(وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَة ).

وبما انّ من أبرز صفاتهم، هو إيواء المهاجرين والأنصار وإيثارهم على الأنفس، فيكون المراد من آمنوا بالنبيّ وآووه وآووا المهاجرين، فينطبق على من آمن وآوى قبل غزوة بدر لانتفاء الإيواء بعدها خصوصاً بعد إجلاء «بني قينقاع» غبَّ معركة «بدر» حيث خرجوا تاركين قلاعهم وأموالهم وأسلحتهم، فوقعت بأيدي المسلمين.

وأمّا التابعون لهم، أعني: الذين جاءوا بعدهم فإنّما أثنى على من تمتع منهم بالصفات التالية:


(36)

أ.( يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمان ).

ب.(وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذينَ آمَنُوا).

فالآيات الواردة في سورة الحشر، تتّحد مضموناً مع ما ورد في سورة التوبة ولا تختلف قيد شعرة.

فالاستدلال بهذه الآيات وما تقدّمها على أنّ القرآن أثنى على الصحابة جميعهم من أوّلهم إلى آخرهم ـ الذين ربّما جاوز عددهم المائة ألف ـ غفلة عن مفاد الآيات; فأين الدعاء والثناء على لفيف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم المتمتّعين بخصوصيات معيّنة، من الثناء على الطلقاء والأعراب وأبناء الطلقاء والمتّهمين بالنفاق؟!

وأين هذه الآيات من مدح خمسة عشر ألف صحابي سجلت أسماؤهم في المعاجم أو مائة ألف صحابي صحبوا النبي في مواقف مختلفة ورأوه وعاشروه؟!

4. (لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ


(37)

الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَل السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً).(1)

فالآية تثني على مَن صحب النبي في الحديبية وبايعوه تحت الشجرة، وكان ذلك في السنّة السادسة من الهجرة، وقد رافقه حوالي ألف وأربعمائة أو ألف وستمائة أو ألف وثمانمائة.(2)

والثناء على هذا العدد القليل لا يكون دليلاً على الثناء على جميع الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم!!

كما أنّ الرضا محدّد بزمان البيعة حيث قال: (إذ يبايعونك) ولا يشمل الفترات المتأخرة عنها.

5. (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِداءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ


1-الفتح:18.
2-السيرة النبوية:2/309; مجمع البيان:2/288.


(38)

فِي التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيل كَزَرْع أَخْرَجَ شَطأَهُ فَ آزَرَهُ فَاستَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاع لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات مِنْهُمْ مَغْفِرةً وَأَجراً عَظيماً).(1)

فهذه الآية بظاهرها أوسع دلالة ممّا سبق لأنّها تثني على النبي ومن معه، ولكن مدلول الآية ـ في الحقيقةـ ليس بأوسع ممّا سبق، وذلك للقرائن التالية:

الأُولى: الصفات التالية لم تكن متوفرة في عامّة الصحابة، أعني بها:

أ. (أشدّاء على الكفّار).

ب. (رُحماء بَينَهُمْ).

ج.(تَراهُمْ رُكّعاً سُجّداً)

د. ( يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً).


1-الفتح:29.


(39)

هـ.( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود).

ومن المعلوم أنّه لم تكن هذه الصفات متوفّرة في عامّة صحابة النبيّ، فهل كان في وجوه الأعراب والطلقاء وأبنائهم والذين آمنوا بعد الفتح أثر للسجود؟!

الثانية: انّ ذيل الآية يشهد بأنّ الثناء على قسم منهم يقول: (وَعَدَ اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرةً وَأَجراً عَظيماً) فانّ لفظة «من» في قوله: «منهم» للتبعيض، وما يقال من أنّ «من» بيانية غير صحيح، لأنّها لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلامهم وإنّما تدخل على الاسم الظاهر، كما في قولك: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)(1).(2)


1-الحج:30.
2-وربما يستشهد على دخول من البيانية على الضمير بقوله تعالى: ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ).(الفتح:25) والاستدلال مبني على عود الضمير في تزيلوا إلى المؤمنين، والضمير في «منهم» إلى الذين كفروا، ولكنّه غير صحيح ، بل الضميران جميعاً يرجعان إلى مجموع المؤمنين والكافرين من أهل مكة فتكون «من» تبعيضية لا بيانية.


(40)

الثالثة: انّ الآية نزلت قبل فتح مكة وبعد الحديبية، والمراد من قوله سبحانه في هذه الآية (إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً) هو الفتح في صلح الحديبية، وفيه إخبار عن فتح مكة في المستقبل بقوله: ( لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنينَ مُحَلِّقينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ لاَ تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً).(1)

فالآية تتضمن الإخبار عن فتحين آخرين:

1. عمرة القضاء وأشار إليه بقوله: (لتدخلنّ المسجد الحرام).

2. فتح مكة وأشار إليه بقوله: (وجعل من دون ذلك فتحاً قريباً).

فإذا كانت الآية ممّا نزلت في السنّة السادسة وحواليها، فلا تكون أوسع دلالة من الآيات النازلة بعدها في السنّة


1-الفتح:27.


(41)

التاسعة كما نقلناه، فالثناء المطلق في الآية على مَن كان مع النبي (والّذين مَعَه)يحمل ويخصص بما خصصه القرآن في آيات أُخرى كالآيات المتقدّمة.

وعلى ضوء ما تقدّم، نصل إلى النتيجة التالية: انّ ما اشتهر على الألسن من ثناء القرآن على صحابة الرسول قاطبة وتعديله إياهم ممّا لا أساس له، وإنّما وقع الثناء ـ بعد ضمّ بعضها إلى بعض ـ على لفيف منهم وطائفة خاصّة.


(42)

4
الثناء على الصحابة، ثناء جمعي لا أُحادي

لا شكّ أنّ هذه الآيات تثني على طائفة خاصّة من الصحابة، والمهم ـ الآن ـ هو الدّقة في استجلاء مفاهيم الآيات، فهل إنّ الآيات في معرض الثناء على كلّ فرد من أفراد هذه الطوائف؟ أم إنّها بصدد الثناء على المجموع في فترات خاصّة ؟ حيث لا ينافي ذلك خروج بعض الأفراد إذا ثبت صدور عمل منه لا يتّفق مع عدالته. وللثناء الجمعيّ نظائر في القرآن الكريم والأدب العربي. فأمّا القرآن فنشير إلى الآيات التالية:

1 . انّه سبحانه أثنى على بني إسرائيل في غير واحدة من الآيات، وقال:(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). (1)


1-البقرة:47.


(43)

2 . وقال تعالى:(وَ لَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ وَ رَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). (1)

أفيصح لأحد أن يستدلّ بهذه الآيات على تنزيه كلّ فرد من بني إسرائيل؟!

3 . وقال تعالى في حق أُمّة نبيّنا:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر). (2)

فالآية تصف الأُمّة المرحومة بأنّها خير أُمّة ولكنّها ليست بصالحة للاستدلال على صلاح كلّ مسلم وفلاحه.

إذا وقفت على نماذج من الثناء الجمعيّ في القرآن فلا محيص عن حمل الآيات المادحة للصحابة عليه بوجوه:

أوّلاً: انّ القرآن الكريم يصنّف صحابة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى أصناف مختلفة من غير فرق بين البدري و غيره، ومن غير فرق بين من آمن قبل الحديبية أو بعده، التحق بالمسلمين قبل


1-الجاثية:16.
2-آل عمران:110.


(44)

الفتح أو بعده، وإليك رؤوس هذه الطوائف مع الإشارة إلى مواضعها في القرآن الكريم، وهم:

1.المنافقون المعروفون.(المنافقون:1)

2. المنافقون المندسّون.(التوبة:101)

3. مرضى القلوب.(الأحزاب:12).

4. السمّاعون.(التوبة:45ـ47).

5. خالطو العمل الصالح بغيره.(التوبة:102).

6. المشرفون على الارتداد.(آل عمران:154).

7. الفاسق.(الحجرات:6).

8. المسلمون غير المؤمنين(الحجرات:14).

9. المؤلّفة قلوبهم(التوبة:60).

10. المولّون أمام الكفّار. (الأنفال:15ـ 16).

فهذه الأصناف العشرة من صحابة النبيّ لا يمكن وصفها بالعدالة والتقوى كما لا يمكن القول بشمول الآيات


(45)

المادحة لهؤلاء، وإلاّ يلزم التناقض في مدلول الآيات.

ثانياً: انّ القرآن الكريم يتنبّأ بارتداد لفيف من الصحابة بعد رحيل الرسول كما في قوله :( وَمَا مُحمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضرّ اللّه شَيئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكرين).(1)

والآية وإن كانت قضية شرطية، والقضية الشرطية لا تدلّ على وقوع طرفيها، ولكنّها تدلّ بمضمونها على أنّ في صحابة الرسول في عصر نزول الآية ـ أعني: السنة الثالثة (غزوة أُحد) ـ مَن كانت سيرته وأعماله تدلّ على إمكان ارتداده بعد رحيل الرسول، وعند ذلك كيف يمكن أن نكيل جميع الصحابة بمكيال واحد حتّى الأُحديين؟ فكيف بمن آمن بعدهم ويعدّ دونهم؟!

فهذه الآيات إذا انضمت إلى الآيات المادحة يخرج


1-آل عمران:144.


(46)

المفسر بنتيجة واحدة، وهي انّ مَن صحب النبي كان بين صالح وطالح، و بين من يُستدر به الغمام ومن لا يساوي إيمانه شيئاً.

ثالثاً: انّ التاريخ سجّل أسماء جماعة من صحابة النبي لم يحسنوا الصحبة، ونحن نأتي بأسماء لفيف منهم، وهم ليسوا من المنافقين قطعاً إلاّ واحد منهم ومع ذلك ساءت سيرتهم ولا يمكن غض النظر عن هذا التاريخ:

1. الجد بن قيس الأنصاري، الذي قال النبيُّ في حقّه كلكم مغفور له إلاّ صاحب الجمل الأحمر.(1)

2. عبد اللّه بن أبيّ بن سلّول، كان من المبايعين تحت الشجرة في بيعة الرضوان (وإن كان منافقاً).

3. الحرقوص بن زهير السعدي، شهد بيعة الرضوان وصار رأس الخوارج، وهو الذي قال للنبيّ: إعدل يا محمد!!

4. حارث بن سويد بن الصامت، شهد بدراً لكنّه قتل


1-صحيح مسلم:8/123، طبعة محمدعلي صبيح وأولاده.


(47)

المجذر بن زياد يوم أُحد لثأر جاهلي، فأمر النبيّ بقتل الحارث بالمجذر.

5. العرنيون، الذين قتلهم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جزاءً على فعلهم بقتل بعض الرعاة وسرقة الإبل، كانوا قد صحبوا قبل الحديبية.

6. محلم بن جثامة، قال فيه النبي: «اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة» لأنّه قتل صحابياً متعمداً.

7. مقيس بن صبابة، قتل نفساً مؤمنة فأهدر النبيّ دمه، فقتل في فتح مكة.

8. عبد اللّه بن خطل، كان صحابياً ثمّ ارتد ولحق بمكة وقتل يوم فتحها.

9. المغيرة بن شعبة، ساءت سيرته بعد النبي كما هو واضح.

10. مدعم، مولى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي غلّ من غنائم خيبر.


(48)

11. كركرة، مولى النبي غلّ من غنائم خيبر.

12. سمرة بن جندب، أساء السيرة بعد النبي فكان يبيع الخمر ويقتل البشر ويُرضي معاوية.

13. عبيد اللّه بن جحش الأسدي، كان من السابقين إلى الإسلام ومن مهاجرة الحبشة لكنّه تنصّر بالحبشة.

14. الحارث بن ربيعة بن الأسود القرشي، افتنن وارتد بمكة.

15. أبو قيس بن الوليد بن المغيرة، افتتن بمكة.

16. علي بن أُمية بن خلف افتتن بمكة.

17. العاص بن منبه بن الحجاج، افتتن بمكة وقتل ببدر مع المشركين.(1)

أضف إلى ذلك: انّه كيف يمكن للذكر الحكيم أن


1-وقد عقد الكاتب المعاصر حسن فرحان المالكي فصلاً تحت عنوان «أُناس لم يحسنوا الصحبة» وجاء فيها بأسماء 71 صحابياً اتّسموا بعدم حسن الصحبة، وقد أخذنا هذه الأسماء من تلك القائمة[لاحظ كتاب الصحبة والصحابة:180ـ 184].


(49)

يُثني على الأفراد التالية أسماؤهم:

1. معاوية بن أبي سفيان، 2. الوليد بن عقبة(الفاسق بنصّ القرآن)، 3. بُسر بن أبي أرطأة، 4. أبو الأعور السلمي وغيرهم.

فهؤلاء حاربوا عليّاً وعماراً وعشرات البدريّين ومئات الرضوانيين الذين كانوا مع علي في خلافته، وشتموهم، فهؤلاء وأمثالهم خارجون عن الآيات المادحة على فرض شمولها لهم.

مدح الإمام عليّ مدح جمعيّ

لقد أثنى الإمام علي بن أبي طالب على أصحاب النبيّ في بعض خطبه وقال: «لقد رأيت أصحاب محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فما أرى أحداً منكم يشبههم ، لقد كانوا يصبحون شُعثاً غبراً، وقد باتوا سجّداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بين أعينهم رُكَبَ


(50)

المعزى من طول سجودهم، إذا ذُكر اللّههملت أعينهم حتى تَبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب». (1)

وقال أيضاً مادحاً أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيجُوا إلى القتال فَوَلهوا وَلَهَ اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً، وصفاً صفاً، بعضٌ هلك، وبعض نجا، لا يُبَشَّرون بالأحياء، ولا يُعَزَّوْنَ بالموتى، مُرْهُ العيون من البكاء، خُمصُ البطون من الصيام، ذُبَّل الشفاه من الدعاء، صُفرُ الألوان من السَّهَر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أُولئك إخواني الذاهبون، فحقَّ لنا أن نظمأ إليهم، ونَعضَّ الأيدي على فراقهم». (2)

فالإطراء لا يشمل كلّ فرد من أفراد الصحابة، وإنّما


1-نهج البلاغة: الخطبة97.
2- نهج البلاغة: الخطبة 121; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7 /291. ولاحظ تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 21.


(51)

يتعلّق بمجموعهم، ويُراد بهم أُولئك الّذين آمنوا وصبروا وجاهدوا وزهدوا في الدنيا وانقطعوا إلى العبادة والجهاد في سبيل اللّه، نظراء:

مصعب بن عمير القرشي، من بني عبد الدار.

سعد بن معاذ الأنصاري من الأوس.

جعفر بن أبي طالب.

عبد اللّه بن رواحة الأنصاري، من الخزرج.

عمّار بن ياسر .

أبي ذر الغفاري.

المقداد الكندي .

سلمان الفارسي.

خَبّاب بن الأرت.

وجماعة من أصحاب الصُّفَّة وفقراء المسلمين أرباب العبادة الذين قد جمعوا بين الزهد والشجاعة.

فإطراء هؤلاء وهذه سماتهم وصفاتهم لا يكون دليلاً على إطراء صحابة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قاطبة.


(52)

5
تعزيز السنّة
لما أخبر عنه الوحي

انّ الذكر الحكيم قد تنبّأ بارتداد لفيف من المحدقين بالنبي في غزوة «أُحد» ، التي وقعت في السنة الثالثة من هجرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قال سبحانه:( وَمَا مُحمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضرَّ اللّهَ شَيئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرين)(1). والتنبّؤ وإن كان بصورة القضية الشرطية ولكنّه كان إنذاراً لهم وإخباراً عن وجود أرضية لهذه الطارئة.


1-آل عمران:144


(53)

وقد أخبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حديثه بصورة الجزم عن ارتداد قسم كثير من أصحابه على نحو يعمّ كافّة الطوائف من الصحابة ولا يختصّ بالطلقاء والوافدين في العام التاسع، وهذا ممّا لا يشكّ فيه أحد إذا تدبّر في الأحاديث التالية، ونحن نذكر ما جمعه الجزري في «جامع الأُصول» والمتأمّل في هذه الروايات يقف على أنّ مسألة عدالة الصحابة والدعوة إلى الاقتداء بهم وحجّية قولهم بلا تحقيق في أحوالهم، فكرة طارئة على المجتمع الإسلامي روّجتها السلطة الأموية وبعدها العباسية للحدّ من الرجوع إلى أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فانّ الناس كانوا بعد رحيل الرسول بين أمرين، إمّا الرجوع إلى أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أحد الثقلين في حديث الرسول، أو الرجوع إلى الصحابة، فلم يكن بد للسلطة إلاّ إرجاع الناس إلى الصحابة وترفيع مكانتهم والثناء عليهم وتقديسهم على نحو يتجلّى للناس انّهم معصومون من العصيان والخطأ، بل لهم حقّ التشريع والتقنين، فأقوالهم وآثارهم وآراؤهم حجّة للأُمّة بلا كلام، وإليك ما نقله ابن الأثير في جامعه:


(54)

1. روى عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك». أخرجه البخاري ومسلم.

2. روى أنس بن مالك أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممّن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إليَّ اختلجوا دوني، فلأقولنَّ: أي ربّ، أصحابي أصحابي، فليُقالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك».

وفي رواية: ليردنّ عليّ أُناس من أُمتي ـ الحديث ـ و في آخره، فأقول: «سحقاً لمن بدّل بعدي». أخرجه البخاري ومسلم.

3. روى أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ


(55)

يُحال بيني وبينهم»، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش، وأنا أُحدِّثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً يقول؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري: لسمعته يزيد، فيقول: «إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي». أخرجه البخاري و مسلم.

4. وللبخاري: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قال: «بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ فقال: إلى النار و اللّه.

فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال لهم: هلمّ ، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم. فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هَمَل النعم».

5. ولمسلم : انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «ترد عليّ أُمّتي


(56)

الحَوض و أنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا: يا نبيّ اللّه تعرفنا؟ قال: نعم. لكم سيما ليست لأحد غيركم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء، وليصدَّن عنّي طائفة منكم فلا يصلون.

فأقول: يا رب، هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!».

6. روت عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، يقول ـ و هو بين ظهراني أصحابه ـ : «إنّي على الحوض أنتظر من يرد عليَّ منكم. فواللّه ليُقطعنّ دوني رجال، فلأقولنَّ: أي ربِّ، منّي ومن أُمّتي! فيقول: إنّك لا تدري ماعملوا بعدك. مازالوا يرجعون على أعقابهم» . أخرجه مسلم.

7. روت أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّي على الحوض، أنظر من يرد عليَّ و سيُؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب، مني ومن أُمّتي ـ و في رواية، فأقول: أصحابي ـ فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ واللّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم». أخرجه البخاري و مسلم.


(57)

8. روت أُمّ سلمة، قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض. ولم أسمع ذلك من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلمّا كان يوماً من ذلك والجارية تمشطني، سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «أيّها الناس»، فقلت للجارية، استأخري عنّي. قالت: إنّما دعا الرجال ولم يدع النساء فقلت:إنّي من الناس. فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّي لكم فرط على الحوض، فإيّاي لا يأتينّ أحدكم، فيُذبُّ عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً». أخرجه مسلم.

9. روى سعيد بن المسيب انّه كان يحدّث عن أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال:« يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي، فيحُلؤون عنه. فأقول: يا رب، أصحابي، فيقول: إنّك لاعلم لك بماأحدثوا بعدك. انّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى» . أخرجه البخاري.

10. روى أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «والذي


(58)

نفسي بيده، لأذودنّ رجالاً عن حوضي. كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض. أخرجه البخاري ومسلم.

11. روى حذيفة بن اليمان: انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «إنّ حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن. والذي نفسي بيده: لأذودنّ عنه الرجال، كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه. قالوا: يا رسول اللّه، وتعرفنا؟ قال: نعم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء ليست لأحد غيركم. أخرجه مسلم.(1)

وهذه الأحاديث تعرب عن موقف محدِّثي أهل السنّة بالنسبة إلى الصحابة، مع أنّ بعضهم يتجاهلون هذه الروايات، وربّما ينسبون مفادها إلى الشيعة، فأيّهما أحقّ بهذه النسبة، أهؤلاء الذين رووا تلك الروايات ودوّنوها في صحاحهم وأسموها بأصحّ الكتب بعد كتاب اللّه؟ أم الشيعة؟


1- جامع الأُصول:11/119ـ 123 برقم 7969 ـ 7979 ، كتاب القيامة، الفرع الأوّل في الحوض.

Website Security Test