welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : حــوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

حــوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش/ ج 1

الفقيه المحقّق جعفر السبحاني

حــوار
مع الشيخ

صالح بن عبد الله الدرويش
صالح بن عبد الله الدرويش (القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف)

حول تأمّلات في نهج البلاغة

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(4)

السبحاني التبريزي، جعفر 1347ق ـ
حوار مع الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1423 ق. = 1381

168 ص   ISBN : 964 - 357 - 051 - 7

كتاب حاضر نقدى بر كتاب «تاملات فى كتاب نهج البلاغه» اثر محمد الصادق مى باشد كه مقدمه آن را «صالح بن عبد الله الدرويش» نوشته است .

كتابنامه به صورت زير نويس .

فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا

على بن ابى طالب (ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت ـ 40 ق. نهج البلاغة ـ ـ نقد و تفسير. الف. مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام ب. عنوان

9ح2س / 08/38BP    9515 / 297

اسم الكتاب:   … حوار مع صالح بن عبد الله الدرويش

المؤلــف:   … آية الله جعفر السبحاني

الطبعــة:   … الأُولى ـ 1423 هـ

المطبعـة:   … اعتماد ـ قم

الكمّيّـة:   … 1500 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق ـ عليه السَّلام ـ

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خليقته محمد وآله الطاهرين ومن اتبعهم ووالاهم بإحسان إلى يوم الدين.

أمّا بعد; فإن الحوار عبارة عن تبادل الكلام بين شخصين أو أكثر، إما لغاية إظهار الحق وإبطال الباطل، أو لإثبات قوله، وإبطال قول صاحبه.

فالأوّل هو الجدال بالحق الذي دعا إليه الكتاب العزيز بقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(1).


1 . النحل: 125 .


(6)

والثاني هو الجدال المنهي عنه في غير واحد من الأحاديث والآثار، ويطلق عليه «المراء».

وقد كان الحوار شعار الأنبياء، وواقع رسالتهم في التبليغ والدعوة إلى الله، ومارسه المسلمون وأصحاب الفكر والنظر منهم ـ خلا بعض الحنابلة كالبربهاويّ ومن تبعه(1) ـ قروناً متطاولة، وكان شعار الجميع قوله سبحانه: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(2).

وقد عرض القرآن الكريم جانباً من مناظرات الأنبياء وحواراتهم، كما تكفّلت كتب الحديث والتاريخ بعرض جانب آخر منها، ورائدنا في ممارسة هذا الأسلوب الحضاري هو النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي نقل لنا التاريخ حواره مع نصارى نجران وخروجه منه ظافراً، وغير ذلك من الحوارات .(3)


1 . راجع كتاب السنة: 71، للبربهاويّ .
2 . الأنبياء: 24 .
3 . انظر حواره مع الأنصار في غزوة حنين .


(7)

وممّا لفتَ نظري في هذه الأيّام، هو اطلاعي على كتاب «تأمّلات في نهج البلاغة»، تصدّرته مقدمة لأحد علماء الحنابلة، يدعو فيها إلى تحكيم لغة الحوار، ويتمنى شيوعها في الأوساط الإسلامية بعد غيابها في هذه الأيّام، ويؤكد أن الكتاب الّذي هو بصدد التقديم له أُلِّف على هذا الغرار.

فشكرت الله سبحانه على هذه النعمة، بالتزام جانب المرونة من أحد علماء الحنابلة، وكلِّي أمل أن يكون هذا خطوة على طريق الانفتاح على الآخرين، والتخفيف من سوْرة العنف السائدة في كتاباتهم وأقوالهم وأفعالهم.

وقد وضعتُ هذا المؤلّف لمناقشة ما ورد في الكتاب الآنف الذكر من موضوعات، مستعيناً باللغة الهادئة والحوار البنّاء .

فأقدم كتابي هذا إلى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله


(8)

الدرويش ومؤلف الكتاب ـ لو كانا شخصين ـ راجيا إمعان النظر فيما طرحتُ فيه من أفكار، فإن أصبتُ في أنظاري فذلك من فضل ربي وإن أخطأت فالرجاء إرشادي إليه، وقد قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : أَحبُّ أخواني من أهدى إليّ عيوبي.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

17 جمادي الأُولى من شهور عام

1423 هـ


(9)

نقطتان جديرتان بالاهتمام
في المقدّمة

تمهيد:

اشار فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش في تقديمه للرسالة إلى توحيد الكلمة ووحدة الصف تجاه الاعداء لقوله تعالى: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً).

وقد استوقفني في مقدمته نقطتان جديرتان بالاهتمام نركِّز عليهما على وجه الاختصار:

الأُولى: الواقع المأساوي للأُمّة الإسلامية من حيث ضعفها وانقساماتها وكثرة ما يحيط بها من فتن وبلايا، وفي الوقت نفسه أسباب الضعف كثيرة من أهمها: كثرة الاختلافات في الأُمّة، فنجد الانقسامات في السنّة والشيعة. ومع هذه الاختلافات قلّ الساعي للإصلاح وجمع الكلمة ووحدة الصف.

الثانية: انّ الأُمّة الإسلامية تفتقد لغة الحوار


(10)

والخطاب ونحن بأمسّ الحاجة إلى هذا الأُسلوب، والرسالة الّتي بين يدي القارئ أُلّفت بلغة الحوار والطرح، وقد حرص المؤلّف على الاختصار وسهولة العبارة .

هاتان النقطتان تمثّلان خلاصة ما جاء في مقدّمة فضيلة الشيخ .

ونحن بدورنا نؤيّد موقفه في كلتا النقطتين، ونأسف للوضع المزري للمسلمين وواقعهم المتخلّف، وقلّة المصلحين على هذا الصعيد. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى نبارك له موقفه الداعي إلى فتح باب الحوار. ومع هذا فلنا مع سماحته وقفة قصيرة في هذا المقام .

على هامش المقدّمة:

1 ـ إن ظاهر كلام الشيخ انّه من دعاة الوحدة وبتعبير آخر من دعاة التقريب بين المسلمين وتضييق الشقة بينهم. وهذا الموقف الّذي يتّخذه فضيلة الشيخ يناقض بالتمام موقف إمام مدرسة الوهابيّة: محمد بن عبد الوهاب


(11)

(1115 ـ 1206 هـ) في كتابه «كشف الشبهات»، فإنّه ـ سامحه الله ـ قد كفّر فيه المسلمين قاطبة إلاّ من التفّ حوله من الأعراب الذين شاركوا معه في سفك دماء الأبرياء ونهب أموال القبائل المجاورة ، ففضيلة الشيخ إذن بين أحد أمرين :

إمّا أن يرفع راية الإصلاح والتقريب بين المسلمين عملا بقوله سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)ويرفض نهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب بضرس قاطع، وإمّا أن يتّخذه قدوة وسيفاً بتّاراً على رقاب المخالفين من الشيعة والسنّة، ليخلو الميدان لأتباعه، ويكافح كلّ دعوة ترفع لواء التقريب بين المذاهب .

2 ـ ما ذكره فضيلة الشيخ من غياب لغة الحوار أمر لا غبار عليه، ولكن الذي أُلْفِتُ إليه نظره السامي هو أنَّ الشيعة قد فتحت هذا الباب على مصراعيه وآية ذلك كتاب «المراجعات» الّذي يمثّل حواراً بنّاءً بين علمين كبيرين من أعلام الأُمّة. أحدهما من الشيعة والآخر من


(12)

السنّة ـ رحمهما الله ـ .

وقد ترك الحوار نتائج بنّاءة اعترف بها كلّ من طالع الكتاب وعرف صدق نوايا المتحاورين وحرصهما على جمع الكلمة، لكن الرقابة حالت دون انتشار هذا النوع من الكتب في الأوساط السنّية لاسيّما في المملكة العربية السعودية، ومع ذلك فهل تبقى فائدة للحوار؟!

ومهما يكن من أمر فنحن نزولاً عند رغبة الشيخ نذكر مضامين الكتاب بأوجز العبارات ونناقشها بلغة هادئة. نبتدئ بكلام الشيخ ثم نعقبه بكلامنا .

والرسالة وإن لم تكن بقلم الشيخ بحسب الظاهر، ولكن التقديم لها حاك عن تأييده الضمني للأفكار والمضامين المطروحة فيها، فكأنّ الشيخ نطق بها بلسان الحال لا بلسان المقال، ولأجل ذلك اتّخذناه طرفاً للحوار، والله من وراء القصد .


(13)

1
أوهام حول «نهج البلاغة»

يقول الشيخ:

قال بعض علماء أهل السنّة عن «نهج البلاغة»: «... ألَّفه لهم الشريف الرضي وأعانه عليه أخوه المرتضى، وطريقتهما في تأليفه أن يعمدا إلى الخطبة القصيرة المأثورة عن أمير المؤمنين فيزيدان عليها... وانّ الصحيح من كلام أمير المؤمنين في نهج البلاغة قد يبلغ عشره أو نصف عشره، والباقي من كلام الرضي والمرتضى(1). وقيل أيضاً: إنّ الّذي ألّفه هو الشريف المرتضى المتوفّى سنة (436 هـ ).

فبالرغم من هذه الشقة البعيدة من السنين بينهما


1 . مختصر التحفة الاثني عشرية: شاه عبد العزيز الدهلوي: 58 .


(14)

وبين علي ـ عليه السَّلام ـ إلاّ أنّهما يرويان عنه مباشرة بدون إسناد.

وقد انتهج مثل ذلك، صاحب الكتاب المسمّى «مستدرك نهج البلاغة»؟! فكيف لهذا المعاصر (1) أيضاً أن يروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ الّذي عاش في القرن الأوّل الهجري وهو قد عاش في القرن الرابع عشر بدون ذكر المصادر أو الاسناد؟! وما يدرينا لعلّه بعد سنين أو قرون من يأتي ويروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ وبالطريقة نفسها (2).

المناقشة:

إنّ كلام الشيخ يدور على محاور ثلاثة:

الأوّل: انّ الشريف الرضي هو الذي أبدع نهج البلاغة وأعانه عليه أخوه المرتضى، بل قيل إنّ المؤلّف هو الشريف المرتضى.

الثاني: كيف يروي الشريف الرضي عن علي ـ عليه السَّلام ـ


1 . هو الهادي بن عباس كاشف الغطاء (1289 ـ 1361 هـ) .
2 . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 9 .


(15)

مباشرة بلا اسناد مع وجود شقة بعيدة بينه وبين علي؟!

الثالث: قد انتهج مؤلّف «مستدرك نهج البلاغة» ذلك المنهج وهو من أبناء القرن الرابع عشر .

وها نحن نأخذ بمناقشة المحاور واحداً بعد الآخر .

1 . إنّ الشريف الرضي هو الجامع لا المنشئ.

إنّ نهج البلاغة اسم وضعه الشريف الرضي لكتاب جمع فيه المختار من كلام الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في جميع فنونه، وجعله يدور على أقطاب ثلاثة:

الخطب والمواعظ، والعهود والرسائل، والحكم والآداب. وقد بيّن ذلك الرضي نفسه في مقدّمة الكتاب وقال: «علماً بأنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الأطراف في كتاب.(1)

ولم يشكّ أحد من أعلام الفكر وجهابذة العلم أنّ


1 . نهج البلاغة، المقدّمة .


(16)

الرضي هو الجامع لكلمات أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .

وليس الشريف الرضي (قدس سره)أوّل وآخر من جمع كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في المحاور الثلاثة، بل سبقته أُمّة كبيرة في ذلك المضمار، كما لحقته أُمّة أُخرى.

هذا هو المسعودي (المتوفّى 346 هـ) يقول: والّذي حفظ الناس من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة ونيف وثمانون خطبة (1).

ولأجل إيقاف القارئ على العناية البالغة بجمع كلام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ قبل صدور نهج البلاغة، نورد ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ أسماء مَن تصدّوا لذلك، وهم:

1 ـ خطب علي ; لأبي إسحاق إبراهيم بن الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي المفسر من رجال القرن الثامن (2) .

2 ـ كتاب الخطب ; لأبي إسحاق إبراهيم بن


1 . مروج الذهب: 2 / 431 .
2 . رجال النجاشي: 15، الفهرست: 35 .


(17)

سليمان بن عبد الله بن خالد النهمي ـ نسبة الى منهم، بطن من همدان ـ الكوفي الخزاز، وله مقتل أمير المؤمنين من رجال القرن الثاني (1).

3 ـ كتاب رسائل علي وحروبه; لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي الكوفي (المتوفّى 283 هـ)، وله كتاب كلام علي في الشورى، وله كتاب بيعة أمير المؤمنين، وله كتاب مقتل أمير المؤمنين (ذكرها الطوسي)(2) .

4 ـ خطب أمير المؤمنين ; لأبي يعقوب إسماعيل بن مهران بن محمد السكوني الكوفي، المتوفّى بعد سنة 148 هـ (ذكره النجاشي والطوسي) (3).

5 ـ خطب أمير المؤمنين على المنابر في الجُمَع والأعياد وغيرها; لزيد بن وهب الجهني الكوفي، المتوفّى


1 . رجال النجاشي: 18، الفهرست: 38 .
2 . الفهرست: 36 .
3 . رجال النجاشي: 26; الفهرست: 46 و 52 .


(18)

سنة 96 هـ . (ذكرها الطوسي)(1) .

6 ـ خطب أمير المؤمنين ; لأبي الخير صالح بن أبي حمّاد الرازي، المتوفّى بعد سنة 214 هـ ، من أصحاب الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ . (ذكره النجاشي) (2).

7 ـ خطب عليّ; لأبي أحمد عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي الأزدي البصري المتوفّى سنة 332 هـ ، وله كتاب شعر علي، وله كتاب ذكر كلام عليّ في الملاحم، وله كتاب قول علي في الشورى، وله كتاب ما كان بين علي وعثمان من الكلام، وله كتاب الأدب عن عليّ، وكتب أُخرى فيها آثار الإمام ـ عليه السَّلام ـ : رسائل علي، ومواعظ علي، وخطب عليّ. (ذكرها النجاشي) (3) .

8 ـ خطب أمير المؤمنين ; لأبي بشر (أبي محمد) مسعدة بن صدقة العبدي الكوفي، الراوي عن الإمام


1 . الفهرست: 130 .
2 . رجال النجاشي: 198 .
3 . رجال النجاشي: 240 ـ 242 .


(19)

الكاظم ـ عليه السَّلام ـ ، المتوفّى سنة 183 هـ . (ذكره النجاشي) (1) .

9 ـ خطب وكتب أمير المؤمنين عليّ ـ عليه السَّلام ـ ; لأبي المفضل نصر بن مزاحم المنقري الكوفي العطار، المتوفّى سنة 212 هـ ، (ذكره النجاشي) (2).

10 ـ خطب عليّ ـ عليه السَّلام ـ ; لأبي منذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، المتوفّى سنة 206 هـ ، كان والده محمد من أصحاب الإمام الباقر والصادق ـ عليهما السَّلام ـ ، وله تفسير القرآن، توفّي سنة 146 هـ ، وجدّه السائب، وأخوه عبيد وعبد الرحمان، وأبوهم بشر شهد الجمل وصفين مع أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ . (ذكره النجاشي) (3).

وقد أنصف الأستاذ علي العرشي الحنفي في «استناد نهج البلاغة» بقوله: «ليس بخاف على أبناء العلم والمولعين به أنّ معظم محتويات نهج البلاغة توجد في


1 . رجال النجاشي: 415 .
2 . رجال النجاشي: 428 .
3 . رجال النجاشي: 434 ـ 435; وفهرست ابن النديم: 1406 .


(20)

كتب المتقدّمين ولو لم يذكرها الشريف الرضي، ولو لم يعر بغداد ما عراها من الدمار على يد التتر، ولو بقيت خزانة الكتب الثمينة التي أحرقها الجهلاء لعثرنا على مرجع كلّ مقولة مندرجة في نهج البلاغة» (1).

وأمّا ما أُلّف بعد نهج البلاغة في خطب الإمام ـ عليه السَّلام ـ ورسائله وكلمه، فحدّث عنه ولا حرج. ولسنا في حاجة إلى ذكر أسمائهم وكتبهم، فقد تكفّلت بعض المصادر بإيراد ذلك، فراجعها(2).

وقد اشتهر من بين هذه الكتب كتاب نهج البلاغة، لأنّ جامعه كان صائغاً يعرف الذهب الخالص من غيره.

نعم، من أوائل من بذر بذرة التشكيك في «نهج البلاغة» وفيمن جمعه هو ابن خلكان (608 ـ 681 هـ)، حيث قال عند ترجمة السيد المرتضى :


1 . استناد نهج البلاغة: 20 .
2 . ارشاد المؤمنين إلى معرفة نهج البلاغة المبين: 1 / 215 ـ 216، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده: 1 / 51 ـ 65 .


(21)

«وقد اختلف الناس في كتاب (نهج البلاغة) المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب ـ رضى الله عنه ـ هل هو جَمْعه أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنّه ليس من كلام علي، وإنّما الذي جمعه ونسبه اليه هو الذي وضعه، والله أعلم (1).

أقول: (إنْ يَتَّبِعونَ إلاّ الظَّنَّ وإنْ هُمْ إلاّ يَخْرُصُونَ) إنّ ابن خلّكان قد تبع الظن وبذر بذرة التشكيك ولم يأت على ذلك بأي دليل، وأعجب من ذلك أنه نقل اختلاف الناس فيمن هوالجامع أو المؤلّف هل هو السيد المرتضى أو الرضي؟ مع أنّه لم يختلف اثنان إلى عصر ابن خلكان في أنّ الجامع هو الرضي وقد صرح به في غير واحد من آثاره (2).


1 . وفيات الاعيان: 3 / 3 .
2 . لاحظ المجازات النبوية: 40 وحقائق التأويل: 167. وكلاهما من تأليفات الرضي.


(22)

ابن خلّكان ونزعته الأُموية:

إنّ من يحمل نزعة أموية ويكون مْغرَماً بشعر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، لا يستضيء بنور نهج البلاغة، بل تحمله نزعاته إلى بذر الشك فيه، كيف وهو يصف نفسه بأنّه أوّل من جمع شعر يزيد بن معاوية واعتنى به وهو صغير الحجم في ثلاثة كراريس؟! ثم قال: وكنت حفظت جميع ديوان يزيد لشدة غرامي به سنة 633 هـ بمدينة دمشق وعرفت صحيحه من المنسوب إليه .

وكان ابن خلّكان مستهزءاً بالقيم الأخلاقية، حيث ابتلي في أواخر أيامه بحب أحد أولاد الملوك، وهو مسعود بن الملك المظفر، حتى أنّ الغلام زاره في بعض الأيام فبسط له ابن خلكان الطرحة(1) وقال له: ما عندي أعزّ من هذا تطأ عليه ولمّا فشى أمرهما، وعلم به أهله، منعوه من الركوب إليه، فقال ابن خلكان في ذلك أشعاراً


1 . الطرحة هي الطيلسان وهو كساء أخضر يلبسه القضاة والمشايخ يوم ذاك.


(23)

ذكر بعضها ابن شاكر في (فوات الوفيات) وقد شغفه حبّه، وتيّمه هواه حتى امتنع من النوم فكان يدور الليل كلّه، ويكرر قول ابن سكرة الهاشمي:

أنا والله هالك * آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي * قد أقامت قيامتي

إلى أن يصبح على هذه الحال، ويروى أنّه مات وهو ينشدهما، وكان ذلك آخر ما نطق به(1).

قل لنا يا صاحب الفضيلة أي الرجلين أحقّ بالاتّباع؟ هل هذا الرجل الذي تعرّفنا عليه عن كثب، أو السيد الرضي الذي يعرّفه الثعالبي في اليتيمة بقوله: هو اليوم أبدع أبناء الزَّمان، وأنجب سادة العراق، يتحلّى مع محتده الشريف، ومفخره المنيف، بأدب ظاهر، وفضل باهر وحظٍّ من جميع المحاسن وافر.(2)


1 . فوات الوفيات: 1 / 101 و 102 .
2 . ديوان الشريف الرضي: 2 / 42 .


(24)

ويعرّفه ابن الجوزي بقوله: كان الرَّضي نقيب الطالبيِّين ببغداد حفظ القرآن في مدَّة يسيرة بعد أن جاوز ثلاثين سنة وعرف من الفقه والفرائض طرفاً قويّاً وكان عالماً فاضلاً وشاعراً مترسِّلاً، عفيفاً عالي الهمَّة متديِّناً.(1)

إلى غير ذلك من كلمات الثناء التي يضيق المقام بنقل قليل منها.

أضف إلى ذلك انّه لو كانت هذه الخطب والرسائل والكلم من منشآت الرضي فلماذا نسبها إلى الإمام أمير المؤمنين، بل كان الأولى أن ينسبها إلى نفسه فيما يصلح أن يكون راجعاً إليه كخطبه في التوحيد والأخلاق والسياسة والآداب.

ليس في النهج دخيل

إنّ كلام صاحب الفضيلة ربّما يعرب أن في «نهج البلاغة» دخيلاً، حيث نقل عن عبد العزيز الدهلوي أن


1 . المنتظم: 15 / 115 برقم 3065 .


(25)

الصحيح من كلام أمير المؤمنين قد يبلغ عشره أو نصف عشره والباقي من كلام الرضيّ والمرتضى.

قد عرفت أنّ ابن خلّكان نسب الجميع إلى الشريفين، وهذا القائل نسب ماوراء العشر أو نصف العشر إليهما.

أقول: إنّ الدسّ في الخطب البليغة الّتي هي في أقصى مراتب الفصاحة والمحتوية على كنوز علوم الحكمة والمعرفة ليس كالدسّ والإدخال في الحديث والرواية، ولا يتمكنّ من هذا الأمر كلّ من عرف اللغة العربية ومارس الأدب والشعر.

ثمّ إن هذا الدسّ إمّا أن يكون من الشريفين أو من غيرهما، وكلا الاحتمالين باطلان جدّاً، أمّا الأوّل، فيكفي في ذلك ما ذكره ابن الخشّاب، في ردّ من زعم أن إحدى الخطب منحولة، فقال: لا والله وإنّي لأعلم أنّها كلامه (الإمام)، كما أعلم أنّك مصدِّق. قال: فقلت له: إنّ كثيراً من


(26)

الناس يقولون إنّها من كلام الرضيّ (رحمه الله) فقال: أنّى للرضيّ ولغير الرضيّ هذا النفس وهذا الاسلوب؟! قد وقفنا على رسائل الرضيّ، وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام المنثور، وما يقع مع هذا الكلام في خلّ ولا خمر(1).

وأفاض ابن أبي الحديد في بيان هذا المعنى، فقال: لا يخلو إمّا أن يكون كلّ نهج البلاغة مصنوعاً منحولاً أو بعضه، والأوّل باطل بالضرورة لأنّا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ... والثاني يدلّ على ما قلناه، لأنّ من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفاً من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب لابد أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولّد، وإذا وقف على كرّاس واحد يتضمّن كلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط، فلابدّ أن يفرّق بين الكلامين ويميّز بين الطريقتين... وأنت إذا


1 . شرح نهج البلاغة: 1 / 205 .


(27)

تأملتَ نهج البلاغة وجدته ماءً واحداً ونَفَساً واحداً وأسلوباً واحداً، كالجسم البسيط الّذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية .(1)

وأمّا الثاني أي أن يكون الدّسّ من جانب غيرهما، فهو من المحالات العاديّة، إذ لا نعرف في التاريخ شيعياً قبل زمن الشريف أو في عصره بلغ في الفصاحة والبلاغة شأواً يقتدر به أن يساجل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في فصاحته، ويأتي بمثل كلامه ويُدخله فيه، ولو كان في الشيعة أو في الصوفية من لديه هذه القدرة لاشتهر أمره وعُرِف خبره ولعدّ من أعاظم الخطباء وأكابر الحكماء.

مصادر نهج البلاغة

إن الشريف الرضي ذكر الخطب والرسائل والكلم القصار مجرّدة عن المصادر والأسانيد، وذلك للغرض الّذي كان يتوّخاه وهو أن يخرج للناس جانباً من كلام


1 . شرح نهج البلاغة: 10 / 128 .


(28)

أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ الّذي يتضمن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر العربية وثواقب الكلم الدينية والدنيويّة ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الاطراف في كتاب (1).

ومع ذلك فإن جميع ما نقله الشريف الرضيّ، موجود في الكتب المؤلفة قبل الرضيّ، فالمصادر الّتي يجد الباحث مجموع النهج فيها، موجودة الآن ومتوفّرة، وهي على أقسام:

1 ـ ما ألّفت قبل سنة أربعمائة الّتي هي عام صدور نهج البلاغة .

2 ـ ما ألِّفت بعد زمن الشريف ولكن روت كلام الإمام بأسانيد متصلة لم تمرّ في طريقها على الرضي ولا على كتابه .

3 ـ كتب صدرت بعد الرضيّ ولكنها نقلت كلام


1 . مقدمة نهج البلاغة .


(29)

الإمام بصورة تختلف عمّا في النهج.

وقد وفّق الله سبحانه العالم المتتبع الموفق السيد عبد الزهراء لاستخراج عامّة مصادر نهج البلاغة من تلك المصادر المتوفّرة وقد بلغ عددها حسب ما ذكره إلى 114 مضافاً إلى ما ذكره الرضيّ من المصادر، ومع هذا فهل يصحّ لباحث أن يشكّ في نهج البلاغة ؟(1)

وليس يصحّ في الافهام شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل

* * *

المحور الثاني: كيف يروي الشريف عن علي ـ عليه السَّلام ـ مباشرة؟

هذا هو المحور الثاني من كلام فضيلة الشيخ وهو أنه يتعجب من رواية الرضيّ الّذي ولد عام 359 هـ وتوفّي عام 406 هـ عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ الّذي توفّي عام 40 هـ ؟


1 . مصادر نهج البلاغة: 29 ـ 41 .


(30)

إنّ كتاب «نهج البلاغة» وما أدراك ما نهج البلاغة ـ دونه أكثر المصادر شأناً واستعرضته الافكار ونخبة الآراء ـ ، وقد أظهره الشريف في عصر ازدهرت فيه الآداب، ونبغ النوابغ، وأنتج للأُمّة العربية أعظم ثروة علمية. فهو كان على يقين من صدور هذه الخطب عن إمام الفصاحة والبلاغة، وكانت المصادر الدالة على صدورها عن الإمام  ـ عليه السَّلام ـ متوفّرة، فلأجل ذلك لم يكن يشك فيها ذو مسكة، فلأجل ذلك حذف المصادر وأتى بلبّ اللباب، فلو لم يكن على يقين منه وثقة به، لما حذف الأسانيد والمصادر.

وممّا يؤيد ذلك أنه يذكر لخصوص بعض الخطب والكتب والكلم القصار مصدرها، وذلك فيما لم تثبت عنده نسبته إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ بخلاف غيره فانّه كان على ثقة منه ويقين، فلم يكن محتاجاً إلى ذكر مصدر له، تكون العهدة عليه في النقل والنسبة، وكان هذا إحدى السنن الدارجة بين القدماء في التأليف.


(31)

وها نحن نذكر بعض المصادر الّتي أشار إليها الرضي في ذيل بعض الخطب والرسائل والكلم:

1 ـ كتاب البيان والتبيين لعمرو بن بحر الجاحظ.

2 ـ كتاب المقتضب للمبرد في باب اللفظ بالحروف.

3 ـ كتاب المغازي لسعيد بن يحيى الأموي.

4 ـ كتاب الجمل للواقدي.

5 ـ كتاب المقامات في مناقب أمير المؤمنين لأبي جعفر الاسكافي.

6 ـ تاريخ ابن جرير الطبري.

7 ـ حكاية أبي جعفر محمد بن علي الباقر ـ عليهما السَّلام ـ .

8 ـ رواية اليماني عن ابن قتيبة .

9 ـ ما وجد بخط هشام بن الكلبي.

10 ـ خبر ضرار بن حمزة الضبابي.

11 ـ رواية أبي جحفة .

12 ـ حكاية ثعلب.


(32)

3 ـ مؤلّف مستدرك نهج البلاغة يروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ مباشرة

هذا هو المحور الثالث في كلام الشيخ، يتعجّب من عمل الشيخ هادي كاشف الغطاء الّذي يروي عن علي مباشرة، ولكن التعجب في غير محلّه لأنّه ألّفه على منوال نهج البلاغة مرتبّاً كتابه على الأبواب الثلاثة. ففضيلة الشيخ يتعجّب كيف يروي المؤلّف الّذي عاش في القرن الرابع عشر عن الإمام الّذي عاش في القرن الأوّل؟! ولكن الشيخ لم يقرأ مقدّمة الكتاب ولو قرأها لما تفوّه بذلك!! فإنه صرّح في مقدّمة كتابه أنّه ألّف هذا الكتاب ناهجاً منهج السيد الشريف، جرياً على سنته، لأنّه ـ كما يقول ـ قدوتي في هذا المشروع الجليل وأُسوتي في هذا العمل الصالح... الخ.


(33)

2
اين النص الالهي لعلي في نهج البلاغة

يقول الشيخ:

فبالرغم من مكانة هذا الكتاب عند الشيعة والمكانة الّتي يُعطونها لعلي لكن النهج خال عن التنصيص بالإمامة، فلو كان الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ منصوصاً من جانب الله سبحانه لاستدلّ به الإمام في خطبه ورسائله .

المناقشة:

يبدو أن فضيلة الشيخ لم يمعن النظر في «نهج البلاغة»، أو لم يقرأ منه إلاّ صحائف قليلة، ولو طالع الكتاب برمّته لما تسرّع في هذا الحكم، فإنّ في خطب


(34)

الإمام احتجاجاً على إمامته وإمامة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بالوصاية، ونحن نذكر فقرات من خطبه وكلماته في مواطن مختلفة :

1 ـ [يقول في حق آل النبي: لا يُقاسُ بآل محمد من هذه الأُمّة أحد، ولا يسوَّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين. إليهم يَفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة. الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونُقل إلى منتقله ](1).

فقوله: «فيهم الوصية» دليل على أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أوصى بخلافتهم وإمامتهم، كما أنّ قوله «فيهم الوراثة» دليل على ميراث المال، وياللأسف فإن الأُمّة ـ لا كلّها ـ تركت كلا الأمرين وراء ظهرها. والدليل على أنّ المراد من الوصاية هو الخلافة، قوله في ذيل الخطبة «الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله» فما هو المراد من الحق


1 . نهج البلاغة: الخطبة 2، ط عبده .


(35)

الّذي كان خارجاً ثم رجع إلى أهله؟ أليس هو الإمامة والخلافة الّتي غُيِّب عنها الإمام طيلة 25 سنة ثم رجعت إليه بعد تلك الفترة؟

2 ـ أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا، كذبوا بغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم، بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى. إنّ الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم.(1)

وأيّة كلمة أوضح من قوله «إن الأئمة من قريش»؟ وبما أن قريشاً كانت ذات بطون، حدّد الإمام البطن الّذي غُرست فيه الإمامة بقوله: «غرسوا في هذا البطن من هاشم» .

وفيه تصريح بأنّ الإمامة لا تصلح إلاّ في قريش من بطن هاشم خاصة، ولم يدّع أحد من بني هاشم الإمامة إلاّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .


1 . نهج البلاغة، الخطبة 14 .


(36)

ولمّا كان هذا الكلام صريحاً في التنصيص على الإمامة لم يجد ابن أبي الحديد شارح كتاب نهج البلاغة بدّاً من الإذعان به، حيث قال: وإنْ صحّ أن عليّاً ـ عليه السَّلام ـ قاله، قلتُ كما قال، لأنّه ثبت عندي أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «إنّه مع الحق وإن الحق يدور معه حيثما دار» (1).

3 ـ فو الله مازلت مدفوعاً عن حقّي مستأثراً عليّ، منذ قبضَ الله نبيَه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى يوم الناس هذا(2).

ما هو الحق الّذي استأثره الناس على علي ـ عليه السَّلام ـ منذ أن قبض الله نبيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى يوم الناس هذا؟ فلو كان المراد من الحق، هو الحق الناتج عن بيعة الناس فلم يكن هناك أيّة بيعة عامّة لعلي يوم ذاك حتّى يكون الإمام ذا حق من تلك الجهة، فيتعيّن أن يكون هو الحق الّذي حبا الله به علياً في غير واحد من المواضع، كحديث يوم الدار، وغزوة خيبر، وغزوة تبوك، وغدير خم إذ نصّبه إماماً


1 . شرح نهج البلاغة: 9 / 88 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 5 .


(37)

بمرأى ومسمع جموع غفيرة من الناس.

إنّ الإمام يذكر في هذه الخطبة الّتي أخذنا منها ذلك المقطع، عصيان طلحة والزبير عليه وهو يضرب بالمقبل إلى الحق، المدبرَ عنه، ثم خروجهما يقول: ليس هذا أوّل مرة هُضم فيها حقه، بل هُضمَ منذ أن قبض نبيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ .

4 ـ وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلمّا قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين، هبَّ كأنه بُهت لا يدري ما يجيبني به .

اللهم إني استعينك على قريش ومن أعانهم؟ فإنهم قطعُوا رحمي وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هُوَ لي، ثم قالوا: ألا إنَّ في الحق أن تأخذه، وفي الحقّ أن تتركه(1).

إنّ الإمام يذكر في هذه الخطبة ما جرى في يوم


1 . نهج البلاغة، الخطبة 167، ط عبده.


(38)

السقيفة، حيث قال له أبو عبيدة بن الجراح: إنك على هذا الأمر لحريص، فأجابه الإمام بقوله: «بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب».

ثم يقول «وإنما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه وتضربون وجهي دونه»، فما هو الحق الّذي كان الإمام يطلبه وأصحاب السقيفة يحولون بينه وبينه ويضربون وجهه دونه؟! أليس هو التنصيص من الله سبحانه عن طريق نبيه على خلافته وقيادته، وإلاّ لم يكن هناك حق حتّى يطلبه علي ـ عليه السَّلام ـ ، بل كان عليه أن يصبر حتّى يتم أمر البيعة فعندئذ يتبيّن صاحب الحق عن غيره .

هذا غيض من فيض ممّا صرح به الإمام على خلافته وإمامته بالحق الثابت له، ولو أنّ فضيلة الشيخ يتأمّل هذه الفقرات وغيرها لأذعن بأنّ الإمام يعرِّف نفسه وصياً للرسول في أمر الخلافة، وإماماً للمسلمين بعد رحيل الرسول، وكونه ذا حق ثابت وقد حيل بينه وبين حقه ، وها نحن نذكر مقاطع أُخرى على وجه الإيجاز،


(39)

وربّما سبق ذكره في بعض ما تقدم أيضاً تاركين التفصيل إلى وقت آخر.

قال ابن أبي الحديد: واعلم أنّه قد تواترت الأخبار عنه ـ عليه السَّلام ـ بنحو من هذا القول، نحو قوله: «مازلت مظلوماً منذ قبض الله رسوله حتّى يوم الناس هذا».

وقوله: «اللّهم أخز قريشاً، فإنّها منعتني حقي، وغصبتني أمري».

وقوله: «فجزى قريشاً عنِّي الجوازي، فإنّهم ظلموني حقي، واغتصبوني سلطان ابن أُمّي» .

وقوله، وقد سمع صارخاً ينادي: أنا مظلوم، فقال: «هلمّ فلنصرخ معاً، فإنّي مازلت مظلوماً» .

وقوله: «وانه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى».

وقوله: «أرى تراثي نهبا».

وقوله: «أصغيا بإنائنا، وحَمَلا الناسَ على رقابنا».


(40)

وقوله: «إنّ لنا حقاً إن نُعْطَه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الأبل وإن طال السُّرى ».

وقوله: «مازلت مستأثراً عليّ، مدفوعاً عمّا أستحقه واستوجبه».(1)

ولعلّ هذا المقدار يكفي في إقناع الشيخ ومن على طريقته بأنّ الإمام احتجّ على إمامته وخلافته في مواضع مختلفة من النهج .

وهنا نكتة أُخرى وهي أنّ «نهج البلاغة» ليس كتاباً عقائدياً يشرح كل عقيدة ويبرهن عليها، وانّما هو مجموع خطب ورسائل وكلم، انتخبها الرضي من كثير من خطبه ورسائله وكلمه.

وكتاب كهذا لا يمكن أن نتوقع منه أن يلج في كل صغير وكبير ـ وإن كانت الولاية الإلهية لعليّ من مهامّ الأُمور ـ .


1 . شرح نهج البلاغة: 9 / 306 .


(41)

3
رفض الإمام ـ عليه السَّلام ـ لبيعته

يقول الشيخ:

ففي نهج البلاغة خطبة لعلي حينما دعوه إلى البيعة بعد مقتل عثمان ـ رضى الله عنه ـ قال فيها: دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول... إلى أن قال: وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلِّي أسمَعُكم وأطوعُكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً».(1)

فلله العجب إذ لو كان أمر الإمامة أو الخلافة كما يصوّرها الشيعة بأنها نص إلهي في علي ـ عليه السَّلام ـ وأبنائه الأحد


1 . نهج البلاغة، الخطبة 88 ، ط عبده .


(42)

عشر من بعده،... كيف يستطيع علي ـ عليه السَّلام ـ أن يقول دعوني والتمسوا غيري؟ هل يتّهم الشيعة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ بعصيان الله؟ أين حبهم لعلي؟

إنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ هنا يقرر أن الخلافة يجوز أن تكون له أو لغيره، ويقول نفسه عن نفسه: أكون مقتدِياً خيرلي من أن أكون أماماً، فهو لا يرى الأمر كما يراه الشيعة (1).

المناقشة:

كان على فضيلة الشيخ أن يتأمّل مورد صدور الكلام من الإمام، وانّه في أيّ موقف رفض بيعة القوم وقال: «دعوني والتمسوا غيري». وأي خلافة رفضها، وقال في حقها ما قال؟

إنّ الذين أرادوه على البيعة هم الذين بايعوا الخلفاء السابقين، وكان عثمان منهم، وقد منع حقّ كثير منهم في العطاء، فلمّا قُتِل قالوا لعلي ـ عليه السَّلام ـ : نبايعك على أن تَسير فينا


1 . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 10 ـ 11.


(43)

بسيرة أبي بكر وعمر لأنّهما لا يستأثران بالمال لأنفسهما ولا لأهلهما فطلبوا من علي ـ عليه السَّلام ـ البيعة على أن يسير بسيرتهما، فاستعفاهم وسألهم أن يطلبوا غيره ممّن يسير بسيرتهما، ثم ذكر عدم قبوله في ذيل كلامه وهو «إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وان الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت» مشيراً إلى أنّ الشبهة قد استولت على العقول والقلوب، وجهل أكثر الناس محجّة الحق، ففي مثل هذه الظروف لا أقدر ان أسير فيكم بسيرة الرسول في أصحابه مستقلاًّ بالتدبير، لفساد أحوالكم، وتعذر صلاحكم.

وقد صدق الخُبْر الخَبَر، فلمّا قام الإمام بالأمر وقسّم الأموال بينهم بالعدل، نكثت طائفة، ومرقت أُخرى، وقسط آخرون (1).

فالذي رفضه الإمام هو الخلافة الّتي يتقمّصها الإمام


1 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .


(44)

عن طريق البيعة، وأمّا الخلافة الالهية الّتي ألبسها الله سبحانه إيّاه يوم الغدير وغيره فلم تكن مطروحة لدى البائعين والإمام، حتّى يستقيلها أو يقبلها.

فالخلافة الّتي ينحلها الناس عن طريق البيعة، فالإمام وغيره أمامها سواء، وفي حقها قال: دعوني والتمسوا غيري. وأمّا الخلافة الإلهية الّتي تدّعيها الشيعة بفضل النصوص الكثيرة فهي غنية عن البيعة، غير خاضعة لإقبال الناس وإدبارهم. وليست الناس أمامها سواء، بل تختص بمن خصه سبحانه بها، وليس لمن خصَّه بها رفضها ولا استقالتها. والإمامة بهذا المعنى لم تكن مطروحة حين الحوار حتّى يرفضها الإمام .

وليس هذا أول كلام للامام وآخره حول رفضه بيعة القوم وإنّ أصرّوا عليه وتداكّوا عليه تداكّ الإبل على حياضها يوم وِرْدها، يقول:

«وبسطتم يدي فكففُتها، ومددتموها فقبضُتها ثم


(45)

تداكّكتم عليّ تداكّ الابل الهِيْم على حياضها يوم وِردها، حتّى انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطُئ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصغير، وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسرت إليها الكعاب».(1)

قال ابن أبي الحديد في شرح مفردات الخطبة:

التداك: الازدحام الشديد، والإبل الهيم: العطاش.

وهدج اليها الكبير: مشى مشياً ضعيفاً مرتعشاً، والمضارع يهدج، بالكسر.

وتحامل نحوها العليل: تكلّف المشي على مشقّة .

وحسرت إليها الكعاب: كشفت عن وجهها حرصاً على حضور البيعة، والكعاب: الجارية الّتي نهد ثديها، كعُب تكعُب (بالضم).

قوله: «حتّى انقطع النعل وسقط الرداء» شبيه بقوله


1 . نهج البلاغة: الخطبة 224، ط عبده .


(46)

في الخطبة الشقشقية: «حتّى لقد وطئ الحسنان وشُقَّ عِطفاي»(1).

أقول: إنّ الذين جاءوا لمبايعة علي من الصحابة والتابعين، إنّما حاولوا أن يبايعوه كما بايعوا الخلفاء الماضين، فالخليفة في هذا المقام يستمد شرعية خلافته من بيعة الناس، وهي التي وقف منها الإمام موقفاً رافضاً لعدم رغبته فيها ، وعلماً منه بأنّ المبايعين لا يطيقون عدله وقضاءه.

وأين ذلك من الإمامة الإلهية الثابتة له بتنصيص النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في غير واحد من المواقف؟! فإنّ المبايعين في تلك الظروف العصيبة لم يكن لهم همّ سوى تنصيب الخليفة من دون نظر إلى الإمامة المنصوصة لعلي ـ عليه السَّلام ـ . حتّى يستقيلها الإمام أو يقبلها.

وفي الختام نودّ الإشارة إلى نكتة، وهي أنّ البيعة


1 . شرح نهج البلاغة: 13 / 3 ـ 4 .


(47)

الّتي تمّت لعلي ـ عليه السَّلام ـ على النحو الّذي وصفها الإمام ـ عليه السَّلام ـ كانت ظاهرة استثنائية لم يكن لها مثيل في من سبقه من الخلفاء، ومع ذلك نرى أنّه لمّا استتب الأمر للإمام ـ عليه السَّلام ـ ظهرت بوادر التمّرد والعصيان عليه، والتي شغلت باله ـ عليه السَّلام ـ منذ تولِّيه منصب الخلافة وحتّى استشهاده ـ عليه السَّلام ـ .

ثم إنّ الإمام في نهاية الأمر يبيّن وجه قبوله لبيعة هؤلاء (مع عدم رغبته في الخلافة) في خطبة أُخرى، حيث يقول :

أما والّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز(1).

وهذه الفقرات تعرب عن وجه قبول الخلافة


1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 3 .


(48)

ومبايعة الناس، كما تعرب عن مكانة الحكم عند الإمام  ـ عليه السَّلام ـ  .

استدلال آخر بكلام علي ـ عليه السَّلام ـ :

قال فضيلة الشيخ: ورد في نهج البلاغة قول علي ـ عليه السَّلام ـ وهو يذكر أمر الخلافة والإمامة: رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره... فنظرت في أمري، فإذا طاعتي سبقت بيعتي وإذا الميثاق في عنقي لغيري»(1).

المناقشة:

إنّ فضيلة الشيخ ـ سامحه الله ـ لم ينقل كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ على ما هو عليه، وحذف منه جُملاً لها مدخلية تامة في فهم مراده، ووضع مكانها عدة نقاط، فكلام الإمام في النهج على النحو التالي:

«رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره، أتراني


1 . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 12. لاحظ نهج البلاغة طبعة عبده رقم 36 .


(49)

أكذب على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وأنا أوّل من صدّقه، فلا أكون أوّلَ من كذب عليه».

«فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري».

ولكل من الفقرتين موضوع خاص. فالموضوع في الفقرة الأُولى يتعلّق بالتنبّؤ عن المستقبل والإخبار عن الملاحم التي تعلّمها من رسول الله .

في حين يتعلّق الموضوع في الفقرة الثانية، بالخلافة.

وفضيلة الشيخ ـ عفا الله عنه ـ ، أقتطع جزءاً من الفقرة الأُولى ـ أعني قوله: «رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره» ـ وضمّه للفقرة الثانية حتى يتمّ استدلاله على ما يرتئيه. غافلاً عن أنّ التنقيب ورائه والله من وراء القصد.

إذا تبين ذلك، نقول: إنّ كلام الإمام يدور حول محورين:


(50)

الأوّل: انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ كان يتنبّأ بالملاحم التي سمعها من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولمّا تفرّس في قوم من عسكره انّهم يتّهمونه فيما يخبرهم به عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ من أخبار الملاحم والغائبات، أجابهم بقوله: «رضينا عن الله قضاءه ـ إلى قوله: فلا أكون أوّل من كذب عليه».

فليس لقوله: «رضينا عن الله» أي صلة بالخلافة، وإلاّ انقطعت الصلة بينه وبين قوله: «أتراني أكذب على رسول الله، والله لأنا أوّل من صدّقه...».

الثاني: انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ كان يصف حاله بعد رحيل الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، حيث إن الغالبية نسيت أو تناست وصية رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في حق علي وإمامته وخلافته في غير واحد من مواقفه ومع ذلك فقد أوصاه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وعهد إليه أن لا ينازع في أمر الخلافة مع القوم طلباً للمصلحة، فالإمام يحكي هذه الحقيقة بقوله:

«فإذا طاعتي سبقت بيعتي» أي وجوب طاعة رسول


(51)

الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ووجوب امتثالي أمرهُ، سابق على بيعتي للقوم، فلا سبيل لي إلى الامتناع من البيعة، لأنّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أمرني بها.

«وإذا الميثاق في عنقي لغيري»، أي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أخذ عليّ الميثاق بترك الشقاق والمنازعة، فلم يحلّ لي أن أتعدّى أمره أو أُخالف نهيه(1).

وأين هذا الكلام من نفي الوصاية الإلهية؟! بل هو دليل على أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أمسك ولم ينازع لأجل مصلحة عامّة بعد رحيل الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلو قام على أخذ حقّه لكانت المصيبة عليه أعظم من ذهاب الحق الّذي كان له. وها نحن نأتي بكلمة للإمام ـ عليه السَّلام ـ يصف فيها حاله بعد السقيفة وانه مع اعتقاده بخلافته وإمامته صبر وأمسك يده لمصالح عالية.

1 ـ يقول في خطبة: فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن الموت، واغضيتُ عن القذى،


1 . شرح نهج البلاغة: 2 / 296 .


(52)

وشربتُ على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمرَّ من طعم العلقم.(1)

وطلع الفجر :

إنّ القضاء البات في موضوع يقتضي جمع كل ما يمتّ بصلة إلى الموضوع من أقوال المتكلّم، وعند ذاك يتّخذ الباحث موقفاً حاسماً، ويُدلي برأيه القاطع حسب شهادة القرائن بعضها على بعض.

وأمّا القضاء بملاحظة بعض ما يرجع إلى الموضوع وتناسي غيره فهو ليس قضاء صحيحاً .

إنّ فضيلة الشيخ ورد من الطريق الثاني حيث أخذ ببعض الكلم ولم يرفع إبهام البعض بالبعض الآخر. وكان عليه أن يرجع في الموضوع إلى الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية، فإنّ الإمام بيّن فيها موقفه من خلافة الخلفاء، وقد قال ابن الخشاب في حق هذه الخطبة: إنّي وقفت


1 . نهج البلاغة: الخطبة 25، ط عبده .


(53)

عليها في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الادب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي .

وقال ابن أبي الحديد: قد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديّين من المعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة، ووجدت أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلّمي الإمامية، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب «الإنصاف» وكان أبوجعفر من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي (رحمه الله) موجوداً (1).

وها هو الإمام يبيّن موقفه من خلافة الخلفاء ويقول:


1 . شرح نهج البلاغة: 1 / 205 ـ 206 .


(54)

«أما واللهِ لقد تقمّصها ابن أبي قحافةَ، وإنّهُ ليعلم أنَّ محلّي منها محلُّ القُطبِ من الرّحى، ينحدِرُ عنّي السّيلُ، ولا يرقى إليّ الطيرُ، فسدلتُ دونها ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً، وطفقتُ أرتئي بين أنْ أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياءَ، يهرمُ فيها الكبيرُ، ويشيبُ فيها الصّغيرُ، ويكدحُ فيها مؤمنٌ حتّى يلقى ربّهُ، فرأيتُ أنَّ الصّبر على هاتا أحجى، فصبرتُ وفي العينِ قذىً، وفي الحلقِ شجاً أرى تُراثي نهباً.

حتّى مضى الأوّل لسبيلهِ، فأدلى بها إلى ابن الخطّابِ بعدهُ (ثمَّ تمثَّل بقول الأعشى) :

شتّان ما يومي على كورها * ويومُ حيّان أخي جابر

فياعجباً بينا هو يستقيلها في حياتهِ! إذ عقدها لآخر بعدَ وفاتهِ، لشدَّ ما تشطّرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناءَ، يَغلُظُ كَلْمُها ويخشُنُ مسُّها، ويكثرُ العثارُ فيها، والاعتذارُ منها، فصاحبها كراكبِ الصعبةِ، إنْ أشنق لها خرمَ، وإنْ أسلسَ لها تقحَّم، فُمني النّاس ـ لعمرُ اللهِ ـ بخبط


(55)

وشماس، وتلوّن واعتراض، فصبرتُ على طولِ المدَّةِ، وشدَّةِ المحنةِ.

حتّى إذا مضى لسبيلهِ، جعلها في جماعة زعمَ أنّي أحدهم، فياللهِ وللشورى، متى اعترض الريبُ فيّ مع الأوّل منهم؟ حتّى صرِتُ أقرنُ إلى هذهِ النظائر، لكنّي أسففتُ إذ أسفّوا، وطرتُ إذ طاروا، فصغى رجلٌ منهم لضغنهِ، ومالَ الآخرُ لصهرهِ، مع هن وهن.

إلى أن قام ثالثُ القومِ نافجاً حضنيهِ، بينَ نثيلهِ ومعتلفهِ، وقام معهُ بنو أبيهِ يخضمون مال اللهِ خَضْمَةَ الإبلِ نبتة الربيع، إلى أنِ انتكث عليه فتلهُ، وأجهز عليه عملُهُ، وكَبت به بطنتهُ.

فما راعني إلاّ والناس كعُرْف الضَّبُع إليّ، ينثالون عليّ من كل جانب، حتّى لقد وُطئ الحسنان، وشُقّ عطفاي... (1)


1 . نهج البلاغة، الخطبة 3 .


(56)

اُفيصح ـ بعد هذا التصريح... انّ موقف الإمام بالنسبة إلى الخلفاء موقف المادح الّذي لا يرى في حياتهم وخلافتهم ما يؤخذ عليهم؟!


(57)

4
ثناء الإمام ـ عليه السَّلام ـ على الخلفاء

يقول الشيخ :

ورد في النهج انّ عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ لما استشار عليّاً عند انطلاقه لقتال فارس، وقد جمعوا للقتال، أجابه: «إنّ هذا الأمر لم يكن نصَره ولا خذلانه بكثرة ولا قلّة وهو دين الله تعالى الّذي أظهره... والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب» (1) .


1 . تأمّلات في نهج البلاغة: 14. ولاحظ نهج البلاغة: الخطبة 142 وشرح نهج البلاغة: 9 / 95 .


(58)

المناقشة:

إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ قد كشف النقاب عن موقفه في التعامل مع الخلفاء كافة في كلامه الآتي، وذلك لأنّه شهد ـ بعد إقصائه عن الحكم واستتباب الأمر للخليفة الأوّل ـ استفحال المؤامرات الداخلية والخارجية ضد الإسلام وأهله، فأحسّ انّ وظيفته في هذا الموقف العصيب هي نصرة الإسلام والمسلمين، والتعاون مع الخلفاء بُغية تحقيق مصالح الإسلام العليا، والقضاء على المؤامرات الّتي استهدفته، فهذا هو الحافز الّذي دعا بالإمام إلى التعاون مع الخلفاء.

إنّ المسألة الّتي حازت على اهتمام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في كلامه المتقدّم، هي مسألة الإسلام الكبرى، وما دام الخليفة الثاني أو أي شخص آخر يقود هذا الركب فالإمام ـ عليه السَّلام ـ يبذل له النصح والمشورة، وهذه الحقيقة جاءت في كتاب الإمام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولاّه إمارتها، فقال:


(59)

فو الله ما كان يُلقى في روعي ولا يخطر ببالي انّ العرب تُزعج هذا الأمر من بعده ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عن أهل بيته ولا انّهم مُنحُّوه عنّي من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعةَ الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فخشيتُ إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاعُ أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب، فنهضتُ في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه(1).

وبالجملة فالظروف السائدة آنذاك فرضت على الإمام ـ عليه السَّلام ـ التعاون معهم والإشارة بالحق والصلاح عند الاستشارة، والإدلاء بالحق عند طلبه، وليس في هذا أي


1 . نهج البلاغة: الخطبة 62، ط عبده .


(60)

مدح لشخص الخليفة، ولو كان في كلامه تكريم فانّما هو لمقام الخلافة سواء أتقمّصها عمر بن الخطاب أم غيره .

ومنه يظهر وجه كلام الإمام لمّا استشاره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزوة الروم، فقال الإمام ـ عليه السَّلام ـ :

وقد تَوكّلَ اللهُ لأهل هذا الدين بإعزاز الحوزة، وستر العورة، والّذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون، حيّ لا يموت... الخ (1) .

لم يكن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ـ نعوذ بالله ـ بالذي يُضمر حقداً أو ضغينة حتى يضنّ بنصيحة أو مشورة فيها عزٌّ للإسلام وحفظ لكيان المسلمين، فهو ـ عليه السَّلام ـ مثال الإنسان الكريم النفس، العالي الهمّة، الذي يقهر ذاته، ويذوب إخلاصاً لمبادئه، ويفيض حبّاً ورأفة وحناناً، فلا غرو إذن أن يسجّل مثل هذه المواقف الرائعة، وأن يشير بحكمته البالغة إلى ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 130، ط عبده .

Website Security Test