welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : حــوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

حــوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش/ ج 1

الفقيه المحقّق جعفر السبحاني

حــوار
مع الشيخ

صالح بن عبد الله الدرويش
صالح بن عبد الله الدرويش (القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف)

حول تأمّلات في نهج البلاغة

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(4)

السبحاني التبريزي، جعفر 1347ق ـ
حوار مع الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1423 ق. = 1381

168 ص   ISBN : 964 - 357 - 051 - 7

كتاب حاضر نقدى بر كتاب «تاملات فى كتاب نهج البلاغه» اثر محمد الصادق مى باشد كه مقدمه آن را «صالح بن عبد الله الدرويش» نوشته است .

كتابنامه به صورت زير نويس .

فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا

على بن ابى طالب (ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت ـ 40 ق. نهج البلاغة ـ ـ نقد و تفسير. الف. مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام ب. عنوان

9ح2س / 08/38BP    9515 / 297

اسم الكتاب:   … حوار مع صالح بن عبد الله الدرويش

المؤلــف:   … آية الله جعفر السبحاني

الطبعــة:   … الأُولى ـ 1423 هـ

المطبعـة:   … اعتماد ـ قم

الكمّيّـة:   … 1500 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق ـ عليه السَّلام ـ

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خليقته محمد وآله الطاهرين ومن اتبعهم ووالاهم بإحسان إلى يوم الدين.

أمّا بعد; فإن الحوار عبارة عن تبادل الكلام بين شخصين أو أكثر، إما لغاية إظهار الحق وإبطال الباطل، أو لإثبات قوله، وإبطال قول صاحبه.

فالأوّل هو الجدال بالحق الذي دعا إليه الكتاب العزيز بقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(1).


1 . النحل: 125 .


(6)

والثاني هو الجدال المنهي عنه في غير واحد من الأحاديث والآثار، ويطلق عليه «المراء».

وقد كان الحوار شعار الأنبياء، وواقع رسالتهم في التبليغ والدعوة إلى الله، ومارسه المسلمون وأصحاب الفكر والنظر منهم ـ خلا بعض الحنابلة كالبربهاويّ ومن تبعه(1) ـ قروناً متطاولة، وكان شعار الجميع قوله سبحانه: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(2).

وقد عرض القرآن الكريم جانباً من مناظرات الأنبياء وحواراتهم، كما تكفّلت كتب الحديث والتاريخ بعرض جانب آخر منها، ورائدنا في ممارسة هذا الأسلوب الحضاري هو النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي نقل لنا التاريخ حواره مع نصارى نجران وخروجه منه ظافراً، وغير ذلك من الحوارات .(3)


1 . راجع كتاب السنة: 71، للبربهاويّ .
2 . الأنبياء: 24 .
3 . انظر حواره مع الأنصار في غزوة حنين .


(7)

وممّا لفتَ نظري في هذه الأيّام، هو اطلاعي على كتاب «تأمّلات في نهج البلاغة»، تصدّرته مقدمة لأحد علماء الحنابلة، يدعو فيها إلى تحكيم لغة الحوار، ويتمنى شيوعها في الأوساط الإسلامية بعد غيابها في هذه الأيّام، ويؤكد أن الكتاب الّذي هو بصدد التقديم له أُلِّف على هذا الغرار.

فشكرت الله سبحانه على هذه النعمة، بالتزام جانب المرونة من أحد علماء الحنابلة، وكلِّي أمل أن يكون هذا خطوة على طريق الانفتاح على الآخرين، والتخفيف من سوْرة العنف السائدة في كتاباتهم وأقوالهم وأفعالهم.

وقد وضعتُ هذا المؤلّف لمناقشة ما ورد في الكتاب الآنف الذكر من موضوعات، مستعيناً باللغة الهادئة والحوار البنّاء .

فأقدم كتابي هذا إلى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله


(8)

الدرويش ومؤلف الكتاب ـ لو كانا شخصين ـ راجيا إمعان النظر فيما طرحتُ فيه من أفكار، فإن أصبتُ في أنظاري فذلك من فضل ربي وإن أخطأت فالرجاء إرشادي إليه، وقد قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : أَحبُّ أخواني من أهدى إليّ عيوبي.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

17 جمادي الأُولى من شهور عام

1423 هـ


(9)

نقطتان جديرتان بالاهتمام
في المقدّمة

تمهيد:

اشار فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش في تقديمه للرسالة إلى توحيد الكلمة ووحدة الصف تجاه الاعداء لقوله تعالى: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً).

وقد استوقفني في مقدمته نقطتان جديرتان بالاهتمام نركِّز عليهما على وجه الاختصار:

الأُولى: الواقع المأساوي للأُمّة الإسلامية من حيث ضعفها وانقساماتها وكثرة ما يحيط بها من فتن وبلايا، وفي الوقت نفسه أسباب الضعف كثيرة من أهمها: كثرة الاختلافات في الأُمّة، فنجد الانقسامات في السنّة والشيعة. ومع هذه الاختلافات قلّ الساعي للإصلاح وجمع الكلمة ووحدة الصف.

الثانية: انّ الأُمّة الإسلامية تفتقد لغة الحوار


(10)

والخطاب ونحن بأمسّ الحاجة إلى هذا الأُسلوب، والرسالة الّتي بين يدي القارئ أُلّفت بلغة الحوار والطرح، وقد حرص المؤلّف على الاختصار وسهولة العبارة .

هاتان النقطتان تمثّلان خلاصة ما جاء في مقدّمة فضيلة الشيخ .

ونحن بدورنا نؤيّد موقفه في كلتا النقطتين، ونأسف للوضع المزري للمسلمين وواقعهم المتخلّف، وقلّة المصلحين على هذا الصعيد. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى نبارك له موقفه الداعي إلى فتح باب الحوار. ومع هذا فلنا مع سماحته وقفة قصيرة في هذا المقام .

على هامش المقدّمة:

1 ـ إن ظاهر كلام الشيخ انّه من دعاة الوحدة وبتعبير آخر من دعاة التقريب بين المسلمين وتضييق الشقة بينهم. وهذا الموقف الّذي يتّخذه فضيلة الشيخ يناقض بالتمام موقف إمام مدرسة الوهابيّة: محمد بن عبد الوهاب


(11)

(1115 ـ 1206 هـ) في كتابه «كشف الشبهات»، فإنّه ـ سامحه الله ـ قد كفّر فيه المسلمين قاطبة إلاّ من التفّ حوله من الأعراب الذين شاركوا معه في سفك دماء الأبرياء ونهب أموال القبائل المجاورة ، ففضيلة الشيخ إذن بين أحد أمرين :

إمّا أن يرفع راية الإصلاح والتقريب بين المسلمين عملا بقوله سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)ويرفض نهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب بضرس قاطع، وإمّا أن يتّخذه قدوة وسيفاً بتّاراً على رقاب المخالفين من الشيعة والسنّة، ليخلو الميدان لأتباعه، ويكافح كلّ دعوة ترفع لواء التقريب بين المذاهب .

2 ـ ما ذكره فضيلة الشيخ من غياب لغة الحوار أمر لا غبار عليه، ولكن الذي أُلْفِتُ إليه نظره السامي هو أنَّ الشيعة قد فتحت هذا الباب على مصراعيه وآية ذلك كتاب «المراجعات» الّذي يمثّل حواراً بنّاءً بين علمين كبيرين من أعلام الأُمّة. أحدهما من الشيعة والآخر من


(12)

السنّة ـ رحمهما الله ـ .

وقد ترك الحوار نتائج بنّاءة اعترف بها كلّ من طالع الكتاب وعرف صدق نوايا المتحاورين وحرصهما على جمع الكلمة، لكن الرقابة حالت دون انتشار هذا النوع من الكتب في الأوساط السنّية لاسيّما في المملكة العربية السعودية، ومع ذلك فهل تبقى فائدة للحوار؟!

ومهما يكن من أمر فنحن نزولاً عند رغبة الشيخ نذكر مضامين الكتاب بأوجز العبارات ونناقشها بلغة هادئة. نبتدئ بكلام الشيخ ثم نعقبه بكلامنا .

والرسالة وإن لم تكن بقلم الشيخ بحسب الظاهر، ولكن التقديم لها حاك عن تأييده الضمني للأفكار والمضامين المطروحة فيها، فكأنّ الشيخ نطق بها بلسان الحال لا بلسان المقال، ولأجل ذلك اتّخذناه طرفاً للحوار، والله من وراء القصد .


(13)

1
أوهام حول «نهج البلاغة»

يقول الشيخ:

قال بعض علماء أهل السنّة عن «نهج البلاغة»: «... ألَّفه لهم الشريف الرضي وأعانه عليه أخوه المرتضى، وطريقتهما في تأليفه أن يعمدا إلى الخطبة القصيرة المأثورة عن أمير المؤمنين فيزيدان عليها... وانّ الصحيح من كلام أمير المؤمنين في نهج البلاغة قد يبلغ عشره أو نصف عشره، والباقي من كلام الرضي والمرتضى(1). وقيل أيضاً: إنّ الّذي ألّفه هو الشريف المرتضى المتوفّى سنة (436 هـ ).

فبالرغم من هذه الشقة البعيدة من السنين بينهما


1 . مختصر التحفة الاثني عشرية: شاه عبد العزيز الدهلوي: 58 .


(14)

وبين علي ـ عليه السَّلام ـ إلاّ أنّهما يرويان عنه مباشرة بدون إسناد.

وقد انتهج مثل ذلك، صاحب الكتاب المسمّى «مستدرك نهج البلاغة»؟! فكيف لهذا المعاصر (1) أيضاً أن يروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ الّذي عاش في القرن الأوّل الهجري وهو قد عاش في القرن الرابع عشر بدون ذكر المصادر أو الاسناد؟! وما يدرينا لعلّه بعد سنين أو قرون من يأتي ويروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ وبالطريقة نفسها (2).

المناقشة:

إنّ كلام الشيخ يدور على محاور ثلاثة:

الأوّل: انّ الشريف الرضي هو الذي أبدع نهج البلاغة وأعانه عليه أخوه المرتضى، بل قيل إنّ المؤلّف هو الشريف المرتضى.

الثاني: كيف يروي الشريف الرضي عن علي ـ عليه السَّلام ـ


1 . هو الهادي بن عباس كاشف الغطاء (1289 ـ 1361 هـ) .
2 . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 9 .


(15)

مباشرة بلا اسناد مع وجود شقة بعيدة بينه وبين علي؟!

الثالث: قد انتهج مؤلّف «مستدرك نهج البلاغة» ذلك المنهج وهو من أبناء القرن الرابع عشر .

وها نحن نأخذ بمناقشة المحاور واحداً بعد الآخر .

1 . إنّ الشريف الرضي هو الجامع لا المنشئ.

إنّ نهج البلاغة اسم وضعه الشريف الرضي لكتاب جمع فيه المختار من كلام الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في جميع فنونه، وجعله يدور على أقطاب ثلاثة:

الخطب والمواعظ، والعهود والرسائل، والحكم والآداب. وقد بيّن ذلك الرضي نفسه في مقدّمة الكتاب وقال: «علماً بأنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الأطراف في كتاب.(1)

ولم يشكّ أحد من أعلام الفكر وجهابذة العلم أنّ


1 . نهج البلاغة، المقدّمة .


(16)

الرضي هو الجامع لكلمات أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .

وليس الشريف الرضي (قدس سره)أوّل وآخر من جمع كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في المحاور الثلاثة، بل سبقته أُمّة كبيرة في ذلك المضمار، كما لحقته أُمّة أُخرى.

هذا هو المسعودي (المتوفّى 346 هـ) يقول: والّذي حفظ الناس من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة ونيف وثمانون خطبة (1).

ولأجل إيقاف القارئ على العناية البالغة بجمع كلام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ قبل صدور نهج البلاغة، نورد ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ أسماء مَن تصدّوا لذلك، وهم:

1 ـ خطب علي ; لأبي إسحاق إبراهيم بن الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي المفسر من رجال القرن الثامن (2) .

2 ـ كتاب الخطب ; لأبي إسحاق إبراهيم بن


1 . مروج الذهب: 2 / 431 .
2 . رجال النجاشي: 15، الفهرست: 35 .


(17)

سليمان بن عبد الله بن خالد النهمي ـ نسبة الى منهم، بطن من همدان ـ الكوفي الخزاز، وله مقتل أمير المؤمنين من رجال القرن الثاني (1).

3 ـ كتاب رسائل علي وحروبه; لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي الكوفي (المتوفّى 283 هـ)، وله كتاب كلام علي في الشورى، وله كتاب بيعة أمير المؤمنين، وله كتاب مقتل أمير المؤمنين (ذكرها الطوسي)(2) .

4 ـ خطب أمير المؤمنين ; لأبي يعقوب إسماعيل بن مهران بن محمد السكوني الكوفي، المتوفّى بعد سنة 148 هـ (ذكره النجاشي والطوسي) (3).

5 ـ خطب أمير المؤمنين على المنابر في الجُمَع والأعياد وغيرها; لزيد بن وهب الجهني الكوفي، المتوفّى


1 . رجال النجاشي: 18، الفهرست: 38 .
2 . الفهرست: 36 .
3 . رجال النجاشي: 26; الفهرست: 46 و 52 .


(18)

سنة 96 هـ . (ذكرها الطوسي)(1) .

6 ـ خطب أمير المؤمنين ; لأبي الخير صالح بن أبي حمّاد الرازي، المتوفّى بعد سنة 214 هـ ، من أصحاب الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ . (ذكره النجاشي) (2).

7 ـ خطب عليّ; لأبي أحمد عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي الأزدي البصري المتوفّى سنة 332 هـ ، وله كتاب شعر علي، وله كتاب ذكر كلام عليّ في الملاحم، وله كتاب قول علي في الشورى، وله كتاب ما كان بين علي وعثمان من الكلام، وله كتاب الأدب عن عليّ، وكتب أُخرى فيها آثار الإمام ـ عليه السَّلام ـ : رسائل علي، ومواعظ علي، وخطب عليّ. (ذكرها النجاشي) (3) .

8 ـ خطب أمير المؤمنين ; لأبي بشر (أبي محمد) مسعدة بن صدقة العبدي الكوفي، الراوي عن الإمام


1 . الفهرست: 130 .
2 . رجال النجاشي: 198 .
3 . رجال النجاشي: 240 ـ 242 .


(19)

الكاظم ـ عليه السَّلام ـ ، المتوفّى سنة 183 هـ . (ذكره النجاشي) (1) .

9 ـ خطب وكتب أمير المؤمنين عليّ ـ عليه السَّلام ـ ; لأبي المفضل نصر بن مزاحم المنقري الكوفي العطار، المتوفّى سنة 212 هـ ، (ذكره النجاشي) (2).

10 ـ خطب عليّ ـ عليه السَّلام ـ ; لأبي منذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، المتوفّى سنة 206 هـ ، كان والده محمد من أصحاب الإمام الباقر والصادق ـ عليهما السَّلام ـ ، وله تفسير القرآن، توفّي سنة 146 هـ ، وجدّه السائب، وأخوه عبيد وعبد الرحمان، وأبوهم بشر شهد الجمل وصفين مع أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ . (ذكره النجاشي) (3).

وقد أنصف الأستاذ علي العرشي الحنفي في «استناد نهج البلاغة» بقوله: «ليس بخاف على أبناء العلم والمولعين به أنّ معظم محتويات نهج البلاغة توجد في


1 . رجال النجاشي: 415 .
2 . رجال النجاشي: 428 .
3 . رجال النجاشي: 434 ـ 435; وفهرست ابن النديم: 1406 .


(20)

كتب المتقدّمين ولو لم يذكرها الشريف الرضي، ولو لم يعر بغداد ما عراها من الدمار على يد التتر، ولو بقيت خزانة الكتب الثمينة التي أحرقها الجهلاء لعثرنا على مرجع كلّ مقولة مندرجة في نهج البلاغة» (1).

وأمّا ما أُلّف بعد نهج البلاغة في خطب الإمام ـ عليه السَّلام ـ ورسائله وكلمه، فحدّث عنه ولا حرج. ولسنا في حاجة إلى ذكر أسمائهم وكتبهم، فقد تكفّلت بعض المصادر بإيراد ذلك، فراجعها(2).

وقد اشتهر من بين هذه الكتب كتاب نهج البلاغة، لأنّ جامعه كان صائغاً يعرف الذهب الخالص من غيره.

نعم، من أوائل من بذر بذرة التشكيك في «نهج البلاغة» وفيمن جمعه هو ابن خلكان (608 ـ 681 هـ)، حيث قال عند ترجمة السيد المرتضى :


1 . استناد نهج البلاغة: 20 .
2 . ارشاد المؤمنين إلى معرفة نهج البلاغة المبين: 1 / 215 ـ 216، ومصادر نهج البلاغة وأسانيده: 1 / 51 ـ 65 .


(21)

«وقد اختلف الناس في كتاب (نهج البلاغة) المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب ـ رضى الله عنه ـ هل هو جَمْعه أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنّه ليس من كلام علي، وإنّما الذي جمعه ونسبه اليه هو الذي وضعه، والله أعلم (1).

أقول: (إنْ يَتَّبِعونَ إلاّ الظَّنَّ وإنْ هُمْ إلاّ يَخْرُصُونَ) إنّ ابن خلّكان قد تبع الظن وبذر بذرة التشكيك ولم يأت على ذلك بأي دليل، وأعجب من ذلك أنه نقل اختلاف الناس فيمن هوالجامع أو المؤلّف هل هو السيد المرتضى أو الرضي؟ مع أنّه لم يختلف اثنان إلى عصر ابن خلكان في أنّ الجامع هو الرضي وقد صرح به في غير واحد من آثاره (2).


1 . وفيات الاعيان: 3 / 3 .
2 . لاحظ المجازات النبوية: 40 وحقائق التأويل: 167. وكلاهما من تأليفات الرضي.


(22)

ابن خلّكان ونزعته الأُموية:

إنّ من يحمل نزعة أموية ويكون مْغرَماً بشعر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، لا يستضيء بنور نهج البلاغة، بل تحمله نزعاته إلى بذر الشك فيه، كيف وهو يصف نفسه بأنّه أوّل من جمع شعر يزيد بن معاوية واعتنى به وهو صغير الحجم في ثلاثة كراريس؟! ثم قال: وكنت حفظت جميع ديوان يزيد لشدة غرامي به سنة 633 هـ بمدينة دمشق وعرفت صحيحه من المنسوب إليه .

وكان ابن خلّكان مستهزءاً بالقيم الأخلاقية، حيث ابتلي في أواخر أيامه بحب أحد أولاد الملوك، وهو مسعود بن الملك المظفر، حتى أنّ الغلام زاره في بعض الأيام فبسط له ابن خلكان الطرحة(1) وقال له: ما عندي أعزّ من هذا تطأ عليه ولمّا فشى أمرهما، وعلم به أهله، منعوه من الركوب إليه، فقال ابن خلكان في ذلك أشعاراً


1 . الطرحة هي الطيلسان وهو كساء أخضر يلبسه القضاة والمشايخ يوم ذاك.


(23)

ذكر بعضها ابن شاكر في (فوات الوفيات) وقد شغفه حبّه، وتيّمه هواه حتى امتنع من النوم فكان يدور الليل كلّه، ويكرر قول ابن سكرة الهاشمي:

أنا والله هالك * آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي * قد أقامت قيامتي

إلى أن يصبح على هذه الحال، ويروى أنّه مات وهو ينشدهما، وكان ذلك آخر ما نطق به(1).

قل لنا يا صاحب الفضيلة أي الرجلين أحقّ بالاتّباع؟ هل هذا الرجل الذي تعرّفنا عليه عن كثب، أو السيد الرضي الذي يعرّفه الثعالبي في اليتيمة بقوله: هو اليوم أبدع أبناء الزَّمان، وأنجب سادة العراق، يتحلّى مع محتده الشريف، ومفخره المنيف، بأدب ظاهر، وفضل باهر وحظٍّ من جميع المحاسن وافر.(2)


1 . فوات الوفيات: 1 / 101 و 102 .
2 . ديوان الشريف الرضي: 2 / 42 .


(24)

ويعرّفه ابن الجوزي بقوله: كان الرَّضي نقيب الطالبيِّين ببغداد حفظ القرآن في مدَّة يسيرة بعد أن جاوز ثلاثين سنة وعرف من الفقه والفرائض طرفاً قويّاً وكان عالماً فاضلاً وشاعراً مترسِّلاً، عفيفاً عالي الهمَّة متديِّناً.(1)

إلى غير ذلك من كلمات الثناء التي يضيق المقام بنقل قليل منها.

أضف إلى ذلك انّه لو كانت هذه الخطب والرسائل والكلم من منشآت الرضي فلماذا نسبها إلى الإمام أمير المؤمنين، بل كان الأولى أن ينسبها إلى نفسه فيما يصلح أن يكون راجعاً إليه كخطبه في التوحيد والأخلاق والسياسة والآداب.

ليس في النهج دخيل

إنّ كلام صاحب الفضيلة ربّما يعرب أن في «نهج البلاغة» دخيلاً، حيث نقل عن عبد العزيز الدهلوي أن


1 . المنتظم: 15 / 115 برقم 3065 .


(25)

الصحيح من كلام أمير المؤمنين قد يبلغ عشره أو نصف عشره والباقي من كلام الرضيّ والمرتضى.

قد عرفت أنّ ابن خلّكان نسب الجميع إلى الشريفين، وهذا القائل نسب ماوراء العشر أو نصف العشر إليهما.

أقول: إنّ الدسّ في الخطب البليغة الّتي هي في أقصى مراتب الفصاحة والمحتوية على كنوز علوم الحكمة والمعرفة ليس كالدسّ والإدخال في الحديث والرواية، ولا يتمكنّ من هذا الأمر كلّ من عرف اللغة العربية ومارس الأدب والشعر.

ثمّ إن هذا الدسّ إمّا أن يكون من الشريفين أو من غيرهما، وكلا الاحتمالين باطلان جدّاً، أمّا الأوّل، فيكفي في ذلك ما ذكره ابن الخشّاب، في ردّ من زعم أن إحدى الخطب منحولة، فقال: لا والله وإنّي لأعلم أنّها كلامه (الإمام)، كما أعلم أنّك مصدِّق. قال: فقلت له: إنّ كثيراً من


(26)

الناس يقولون إنّها من كلام الرضيّ (رحمه الله) فقال: أنّى للرضيّ ولغير الرضيّ هذا النفس وهذا الاسلوب؟! قد وقفنا على رسائل الرضيّ، وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام المنثور، وما يقع مع هذا الكلام في خلّ ولا خمر(1).

وأفاض ابن أبي الحديد في بيان هذا المعنى، فقال: لا يخلو إمّا أن يكون كلّ نهج البلاغة مصنوعاً منحولاً أو بعضه، والأوّل باطل بالضرورة لأنّا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ... والثاني يدلّ على ما قلناه، لأنّ من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفاً من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب لابد أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولّد، وإذا وقف على كرّاس واحد يتضمّن كلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط، فلابدّ أن يفرّق بين الكلامين ويميّز بين الطريقتين... وأنت إذا


1 . شرح نهج البلاغة: 1 / 205 .


(27)

تأملتَ نهج البلاغة وجدته ماءً واحداً ونَفَساً واحداً وأسلوباً واحداً، كالجسم البسيط الّذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية .(1)

وأمّا الثاني أي أن يكون الدّسّ من جانب غيرهما، فهو من المحالات العاديّة، إذ لا نعرف في التاريخ شيعياً قبل زمن الشريف أو في عصره بلغ في الفصاحة والبلاغة شأواً يقتدر به أن يساجل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في فصاحته، ويأتي بمثل كلامه ويُدخله فيه، ولو كان في الشيعة أو في الصوفية من لديه هذه القدرة لاشتهر أمره وعُرِف خبره ولعدّ من أعاظم الخطباء وأكابر الحكماء.

مصادر نهج البلاغة

إن الشريف الرضي ذكر الخطب والرسائل والكلم القصار مجرّدة عن المصادر والأسانيد، وذلك للغرض الّذي كان يتوّخاه وهو أن يخرج للناس جانباً من كلام


1 . شرح نهج البلاغة: 10 / 128 .


(28)

أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ الّذي يتضمن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر العربية وثواقب الكلم الدينية والدنيويّة ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الاطراف في كتاب (1).

ومع ذلك فإن جميع ما نقله الشريف الرضيّ، موجود في الكتب المؤلفة قبل الرضيّ، فالمصادر الّتي يجد الباحث مجموع النهج فيها، موجودة الآن ومتوفّرة، وهي على أقسام:

1 ـ ما ألّفت قبل سنة أربعمائة الّتي هي عام صدور نهج البلاغة .

2 ـ ما ألِّفت بعد زمن الشريف ولكن روت كلام الإمام بأسانيد متصلة لم تمرّ في طريقها على الرضي ولا على كتابه .

3 ـ كتب صدرت بعد الرضيّ ولكنها نقلت كلام


1 . مقدمة نهج البلاغة .


(29)

الإمام بصورة تختلف عمّا في النهج.

وقد وفّق الله سبحانه العالم المتتبع الموفق السيد عبد الزهراء لاستخراج عامّة مصادر نهج البلاغة من تلك المصادر المتوفّرة وقد بلغ عددها حسب ما ذكره إلى 114 مضافاً إلى ما ذكره الرضيّ من المصادر، ومع هذا فهل يصحّ لباحث أن يشكّ في نهج البلاغة ؟(1)

وليس يصحّ في الافهام شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل

* * *

المحور الثاني: كيف يروي الشريف عن علي ـ عليه السَّلام ـ مباشرة؟

هذا هو المحور الثاني من كلام فضيلة الشيخ وهو أنه يتعجب من رواية الرضيّ الّذي ولد عام 359 هـ وتوفّي عام 406 هـ عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ الّذي توفّي عام 40 هـ ؟


1 . مصادر نهج البلاغة: 29 ـ 41 .


(30)

إنّ كتاب «نهج البلاغة» وما أدراك ما نهج البلاغة ـ دونه أكثر المصادر شأناً واستعرضته الافكار ونخبة الآراء ـ ، وقد أظهره الشريف في عصر ازدهرت فيه الآداب، ونبغ النوابغ، وأنتج للأُمّة العربية أعظم ثروة علمية. فهو كان على يقين من صدور هذه الخطب عن إمام الفصاحة والبلاغة، وكانت المصادر الدالة على صدورها عن الإمام  ـ عليه السَّلام ـ متوفّرة، فلأجل ذلك لم يكن يشك فيها ذو مسكة، فلأجل ذلك حذف المصادر وأتى بلبّ اللباب، فلو لم يكن على يقين منه وثقة به، لما حذف الأسانيد والمصادر.

وممّا يؤيد ذلك أنه يذكر لخصوص بعض الخطب والكتب والكلم القصار مصدرها، وذلك فيما لم تثبت عنده نسبته إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ بخلاف غيره فانّه كان على ثقة منه ويقين، فلم يكن محتاجاً إلى ذكر مصدر له، تكون العهدة عليه في النقل والنسبة، وكان هذا إحدى السنن الدارجة بين القدماء في التأليف.


(31)

وها نحن نذكر بعض المصادر الّتي أشار إليها الرضي في ذيل بعض الخطب والرسائل والكلم:

1 ـ كتاب البيان والتبيين لعمرو بن بحر الجاحظ.

2 ـ كتاب المقتضب للمبرد في باب اللفظ بالحروف.

3 ـ كتاب المغازي لسعيد بن يحيى الأموي.

4 ـ كتاب الجمل للواقدي.

5 ـ كتاب المقامات في مناقب أمير المؤمنين لأبي جعفر الاسكافي.

6 ـ تاريخ ابن جرير الطبري.

7 ـ حكاية أبي جعفر محمد بن علي الباقر ـ عليهما السَّلام ـ .

8 ـ رواية اليماني عن ابن قتيبة .

9 ـ ما وجد بخط هشام بن الكلبي.

10 ـ خبر ضرار بن حمزة الضبابي.

11 ـ رواية أبي جحفة .

12 ـ حكاية ثعلب.


(32)

3 ـ مؤلّف مستدرك نهج البلاغة يروي عن علي ـ عليه السَّلام ـ مباشرة

هذا هو المحور الثالث في كلام الشيخ، يتعجّب من عمل الشيخ هادي كاشف الغطاء الّذي يروي عن علي مباشرة، ولكن التعجب في غير محلّه لأنّه ألّفه على منوال نهج البلاغة مرتبّاً كتابه على الأبواب الثلاثة. ففضيلة الشيخ يتعجّب كيف يروي المؤلّف الّذي عاش في القرن الرابع عشر عن الإمام الّذي عاش في القرن الأوّل؟! ولكن الشيخ لم يقرأ مقدّمة الكتاب ولو قرأها لما تفوّه بذلك!! فإنه صرّح في مقدّمة كتابه أنّه ألّف هذا الكتاب ناهجاً منهج السيد الشريف، جرياً على سنته، لأنّه ـ كما يقول ـ قدوتي في هذا المشروع الجليل وأُسوتي في هذا العمل الصالح... الخ.


(33)

2
اين النص الالهي لعلي في نهج البلاغة

يقول الشيخ:

فبالرغم من مكانة هذا الكتاب عند الشيعة والمكانة الّتي يُعطونها لعلي لكن النهج خال عن التنصيص بالإمامة، فلو كان الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ منصوصاً من جانب الله سبحانه لاستدلّ به الإمام في خطبه ورسائله .

المناقشة:

يبدو أن فضيلة الشيخ لم يمعن النظر في «نهج البلاغة»، أو لم يقرأ منه إلاّ صحائف قليلة، ولو طالع الكتاب برمّته لما تسرّع في هذا الحكم، فإنّ في خطب


(34)

الإمام احتجاجاً على إمامته وإمامة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بالوصاية، ونحن نذكر فقرات من خطبه وكلماته في مواطن مختلفة :

1 ـ [يقول في حق آل النبي: لا يُقاسُ بآل محمد من هذه الأُمّة أحد، ولا يسوَّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين. إليهم يَفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة. الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونُقل إلى منتقله ](1).

فقوله: «فيهم الوصية» دليل على أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أوصى بخلافتهم وإمامتهم، كما أنّ قوله «فيهم الوراثة» دليل على ميراث المال، وياللأسف فإن الأُمّة ـ لا كلّها ـ تركت كلا الأمرين وراء ظهرها. والدليل على أنّ المراد من الوصاية هو الخلافة، قوله في ذيل الخطبة «الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله» فما هو المراد من الحق


1 . نهج البلاغة: الخطبة 2، ط عبده .


(35)

الّذي كان خارجاً ثم رجع إلى أهله؟ أليس هو الإمامة والخلافة الّتي غُيِّب عنها الإمام طيلة 25 سنة ثم رجعت إليه بعد تلك الفترة؟

2 ـ أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا، كذبوا بغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم، بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى. إنّ الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم.(1)

وأيّة كلمة أوضح من قوله «إن الأئمة من قريش»؟ وبما أن قريشاً كانت ذات بطون، حدّد الإمام البطن الّذي غُرست فيه الإمامة بقوله: «غرسوا في هذا البطن من هاشم» .

وفيه تصريح بأنّ الإمامة لا تصلح إلاّ في قريش من بطن هاشم خاصة، ولم يدّع أحد من بني هاشم الإمامة إلاّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .


1 . نهج البلاغة، الخطبة 14 .


(36)

ولمّا كان هذا الكلام صريحاً في التنصيص على الإمامة لم يجد ابن أبي الحديد شارح كتاب نهج البلاغة بدّاً من الإذعان به، حيث قال: وإنْ صحّ أن عليّاً ـ عليه السَّلام ـ قاله، قلتُ كما قال، لأنّه ثبت عندي أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «إنّه مع الحق وإن الحق يدور معه حيثما دار» (1).

3 ـ فو الله مازلت مدفوعاً عن حقّي مستأثراً عليّ، منذ قبضَ الله نبيَه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى يوم الناس هذا(2).

ما هو الحق الّذي استأثره الناس على علي ـ عليه السَّلام ـ منذ أن قبض الله نبيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى يوم الناس هذا؟ فلو كان المراد من الحق، هو الحق الناتج عن بيعة الناس فلم يكن هناك أيّة بيعة عامّة لعلي يوم ذاك حتّى يكون الإمام ذا حق من تلك الجهة، فيتعيّن أن يكون هو الحق الّذي حبا الله به علياً في غير واحد من المواضع، كحديث يوم الدار، وغزوة خيبر، وغزوة تبوك، وغدير خم إذ نصّبه إماماً


1 . شرح نهج البلاغة: 9 / 88 .
2 . نهج البلاغة، الخطبة 5 .


(37)

بمرأى ومسمع جموع غفيرة من الناس.

إنّ الإمام يذكر في هذه الخطبة الّتي أخذنا منها ذلك المقطع، عصيان طلحة والزبير عليه وهو يضرب بالمقبل إلى الحق، المدبرَ عنه، ثم خروجهما يقول: ليس هذا أوّل مرة هُضم فيها حقه، بل هُضمَ منذ أن قبض نبيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ .

4 ـ وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلمّا قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين، هبَّ كأنه بُهت لا يدري ما يجيبني به .

اللهم إني استعينك على قريش ومن أعانهم؟ فإنهم قطعُوا رحمي وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هُوَ لي، ثم قالوا: ألا إنَّ في الحق أن تأخذه، وفي الحقّ أن تتركه(1).

إنّ الإمام يذكر في هذه الخطبة ما جرى في يوم


1 . نهج البلاغة، الخطبة 167، ط عبده.


(38)

السقيفة، حيث قال له أبو عبيدة بن الجراح: إنك على هذا الأمر لحريص، فأجابه الإمام بقوله: «بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب».

ثم يقول «وإنما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه وتضربون وجهي دونه»، فما هو الحق الّذي كان الإمام يطلبه وأصحاب السقيفة يحولون بينه وبينه ويضربون وجهه دونه؟! أليس هو التنصيص من الله سبحانه عن طريق نبيه على خلافته وقيادته، وإلاّ لم يكن هناك حق حتّى يطلبه علي ـ عليه السَّلام ـ ، بل كان عليه أن يصبر حتّى يتم أمر البيعة فعندئذ يتبيّن صاحب الحق عن غيره .

هذا غيض من فيض ممّا صرح به الإمام على خلافته وإمامته بالحق الثابت له، ولو أنّ فضيلة الشيخ يتأمّل هذه الفقرات وغيرها لأذعن بأنّ الإمام يعرِّف نفسه وصياً للرسول في أمر الخلافة، وإماماً للمسلمين بعد رحيل الرسول، وكونه ذا حق ثابت وقد حيل بينه وبين حقه ، وها نحن نذكر مقاطع أُخرى على وجه الإيجاز،


(39)

وربّما سبق ذكره في بعض ما تقدم أيضاً تاركين التفصيل إلى وقت آخر.

قال ابن أبي الحديد: واعلم أنّه قد تواترت الأخبار عنه ـ عليه السَّلام ـ بنحو من هذا القول، نحو قوله: «مازلت مظلوماً منذ قبض الله رسوله حتّى يوم الناس هذا».

وقوله: «اللّهم أخز قريشاً، فإنّها منعتني حقي، وغصبتني أمري».

وقوله: «فجزى قريشاً عنِّي الجوازي، فإنّهم ظلموني حقي، واغتصبوني سلطان ابن أُمّي» .

وقوله، وقد سمع صارخاً ينادي: أنا مظلوم، فقال: «هلمّ فلنصرخ معاً، فإنّي مازلت مظلوماً» .

وقوله: «وانه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى».

وقوله: «أرى تراثي نهبا».

وقوله: «أصغيا بإنائنا، وحَمَلا الناسَ على رقابنا».


(40)

وقوله: «إنّ لنا حقاً إن نُعْطَه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الأبل وإن طال السُّرى ».

وقوله: «مازلت مستأثراً عليّ، مدفوعاً عمّا أستحقه واستوجبه».(1)

ولعلّ هذا المقدار يكفي في إقناع الشيخ ومن على طريقته بأنّ الإمام احتجّ على إمامته وخلافته في مواضع مختلفة من النهج .

وهنا نكتة أُخرى وهي أنّ «نهج البلاغة» ليس كتاباً عقائدياً يشرح كل عقيدة ويبرهن عليها، وانّما هو مجموع خطب ورسائل وكلم، انتخبها الرضي من كثير من خطبه ورسائله وكلمه.

وكتاب كهذا لا يمكن أن نتوقع منه أن يلج في كل صغير وكبير ـ وإن كانت الولاية الإلهية لعليّ من مهامّ الأُمور ـ .


1 . شرح نهج البلاغة: 9 / 306 .


(41)

3
رفض الإمام ـ عليه السَّلام ـ لبيعته

يقول الشيخ:

ففي نهج البلاغة خطبة لعلي حينما دعوه إلى البيعة بعد مقتل عثمان ـ رضى الله عنه ـ قال فيها: دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول... إلى أن قال: وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلِّي أسمَعُكم وأطوعُكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً».(1)

فلله العجب إذ لو كان أمر الإمامة أو الخلافة كما يصوّرها الشيعة بأنها نص إلهي في علي ـ عليه السَّلام ـ وأبنائه الأحد


1 . نهج البلاغة، الخطبة 88 ، ط عبده .


(42)

عشر من بعده،... كيف يستطيع علي ـ عليه السَّلام ـ أن يقول دعوني والتمسوا غيري؟ هل يتّهم الشيعة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ بعصيان الله؟ أين حبهم لعلي؟

إنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ هنا يقرر أن الخلافة يجوز أن تكون له أو لغيره، ويقول نفسه عن نفسه: أكون مقتدِياً خيرلي من أن أكون أماماً، فهو لا يرى الأمر كما يراه الشيعة (1).

المناقشة:

كان على فضيلة الشيخ أن يتأمّل مورد صدور الكلام من الإمام، وانّه في أيّ موقف رفض بيعة القوم وقال: «دعوني والتمسوا غيري». وأي خلافة رفضها، وقال في حقها ما قال؟

إنّ الذين أرادوه على البيعة هم الذين بايعوا الخلفاء السابقين، وكان عثمان منهم، وقد منع حقّ كثير منهم في العطاء، فلمّا قُتِل قالوا لعلي ـ عليه السَّلام ـ : نبايعك على أن تَسير فينا


1 . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 10 ـ 11.


(43)

بسيرة أبي بكر وعمر لأنّهما لا يستأثران بالمال لأنفسهما ولا لأهلهما فطلبوا من علي ـ عليه السَّلام ـ البيعة على أن يسير بسيرتهما، فاستعفاهم وسألهم أن يطلبوا غيره ممّن يسير بسيرتهما، ثم ذكر عدم قبوله في ذيل كلامه وهو «إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وان الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت» مشيراً إلى أنّ الشبهة قد استولت على العقول والقلوب، وجهل أكثر الناس محجّة الحق، ففي مثل هذه الظروف لا أقدر ان أسير فيكم بسيرة الرسول في أصحابه مستقلاًّ بالتدبير، لفساد أحوالكم، وتعذر صلاحكم.

وقد صدق الخُبْر الخَبَر، فلمّا قام الإمام بالأمر وقسّم الأموال بينهم بالعدل، نكثت طائفة، ومرقت أُخرى، وقسط آخرون (1).

فالذي رفضه الإمام هو الخلافة الّتي يتقمّصها الإمام


1 . نهج البلاغة: الخطبة 3 .


(44)

عن طريق البيعة، وأمّا الخلافة الالهية الّتي ألبسها الله سبحانه إيّاه يوم الغدير وغيره فلم تكن مطروحة لدى البائعين والإمام، حتّى يستقيلها أو يقبلها.

فالخلافة الّتي ينحلها الناس عن طريق البيعة، فالإمام وغيره أمامها سواء، وفي حقها قال: دعوني والتمسوا غيري. وأمّا الخلافة الإلهية الّتي تدّعيها الشيعة بفضل النصوص الكثيرة فهي غنية عن البيعة، غير خاضعة لإقبال الناس وإدبارهم. وليست الناس أمامها سواء، بل تختص بمن خصه سبحانه بها، وليس لمن خصَّه بها رفضها ولا استقالتها. والإمامة بهذا المعنى لم تكن مطروحة حين الحوار حتّى يرفضها الإمام .

وليس هذا أول كلام للامام وآخره حول رفضه بيعة القوم وإنّ أصرّوا عليه وتداكّوا عليه تداكّ الإبل على حياضها يوم وِرْدها، يقول:

«وبسطتم يدي فكففُتها، ومددتموها فقبضُتها ثم


(45)

تداكّكتم عليّ تداكّ الابل الهِيْم على حياضها يوم وِردها، حتّى انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطُئ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصغير، وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسرت إليها الكعاب».(1)

قال ابن أبي الحديد في شرح مفردات الخطبة:

التداك: الازدحام الشديد، والإبل الهيم: العطاش.

وهدج اليها الكبير: مشى مشياً ضعيفاً مرتعشاً، والمضارع يهدج، بالكسر.

وتحامل نحوها العليل: تكلّف المشي على مشقّة .

وحسرت إليها الكعاب: كشفت عن وجهها حرصاً على حضور البيعة، والكعاب: الجارية الّتي نهد ثديها، كعُب تكعُب (بالضم).

قوله: «حتّى انقطع النعل وسقط الرداء» شبيه بقوله


1 . نهج البلاغة: الخطبة 224، ط عبده .


(46)

في الخطبة الشقشقية: «حتّى لقد وطئ الحسنان وشُقَّ عِطفاي»(1).

أقول: إنّ الذين جاءوا لمبايعة علي من الصحابة والتابعين، إنّما حاولوا أن يبايعوه كما بايعوا الخلفاء الماضين، فالخليفة في هذا المقام يستمد شرعية خلافته من بيعة الناس، وهي التي وقف منها الإمام موقفاً رافضاً لعدم رغبته فيها ، وعلماً منه بأنّ المبايعين لا يطيقون عدله وقضاءه.

وأين ذلك من الإمامة الإلهية الثابتة له بتنصيص النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في غير واحد من المواقف؟! فإنّ المبايعين في تلك الظروف العصيبة لم يكن لهم همّ سوى تنصيب الخليفة من دون نظر إلى الإمامة المنصوصة لعلي ـ عليه السَّلام ـ . حتّى يستقيلها الإمام أو يقبلها.

وفي الختام نودّ الإشارة إلى نكتة، وهي أنّ البيعة


1 . شرح نهج البلاغة: 13 / 3 ـ 4 .


(47)

الّتي تمّت لعلي ـ عليه السَّلام ـ على النحو الّذي وصفها الإمام ـ عليه السَّلام ـ كانت ظاهرة استثنائية لم يكن لها مثيل في من سبقه من الخلفاء، ومع ذلك نرى أنّه لمّا استتب الأمر للإمام ـ عليه السَّلام ـ ظهرت بوادر التمّرد والعصيان عليه، والتي شغلت باله ـ عليه السَّلام ـ منذ تولِّيه منصب الخلافة وحتّى استشهاده ـ عليه السَّلام ـ .

ثم إنّ الإمام في نهاية الأمر يبيّن وجه قبوله لبيعة هؤلاء (مع عدم رغبته في الخلافة) في خطبة أُخرى، حيث يقول :

أما والّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز(1).

وهذه الفقرات تعرب عن وجه قبول الخلافة


1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 3 .


(48)

ومبايعة الناس، كما تعرب عن مكانة الحكم عند الإمام  ـ عليه السَّلام ـ  .

استدلال آخر بكلام علي ـ عليه السَّلام ـ :

قال فضيلة الشيخ: ورد في نهج البلاغة قول علي ـ عليه السَّلام ـ وهو يذكر أمر الخلافة والإمامة: رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره... فنظرت في أمري، فإذا طاعتي سبقت بيعتي وإذا الميثاق في عنقي لغيري»(1).

المناقشة:

إنّ فضيلة الشيخ ـ سامحه الله ـ لم ينقل كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ على ما هو عليه، وحذف منه جُملاً لها مدخلية تامة في فهم مراده، ووضع مكانها عدة نقاط، فكلام الإمام في النهج على النحو التالي:

«رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره، أتراني


1 . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 12. لاحظ نهج البلاغة طبعة عبده رقم 36 .


(49)

أكذب على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وأنا أوّل من صدّقه، فلا أكون أوّلَ من كذب عليه».

«فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري».

ولكل من الفقرتين موضوع خاص. فالموضوع في الفقرة الأُولى يتعلّق بالتنبّؤ عن المستقبل والإخبار عن الملاحم التي تعلّمها من رسول الله .

في حين يتعلّق الموضوع في الفقرة الثانية، بالخلافة.

وفضيلة الشيخ ـ عفا الله عنه ـ ، أقتطع جزءاً من الفقرة الأُولى ـ أعني قوله: «رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره» ـ وضمّه للفقرة الثانية حتى يتمّ استدلاله على ما يرتئيه. غافلاً عن أنّ التنقيب ورائه والله من وراء القصد.

إذا تبين ذلك، نقول: إنّ كلام الإمام يدور حول محورين:


(50)

الأوّل: انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ كان يتنبّأ بالملاحم التي سمعها من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولمّا تفرّس في قوم من عسكره انّهم يتّهمونه فيما يخبرهم به عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ من أخبار الملاحم والغائبات، أجابهم بقوله: «رضينا عن الله قضاءه ـ إلى قوله: فلا أكون أوّل من كذب عليه».

فليس لقوله: «رضينا عن الله» أي صلة بالخلافة، وإلاّ انقطعت الصلة بينه وبين قوله: «أتراني أكذب على رسول الله، والله لأنا أوّل من صدّقه...».

الثاني: انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ كان يصف حاله بعد رحيل الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، حيث إن الغالبية نسيت أو تناست وصية رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في حق علي وإمامته وخلافته في غير واحد من مواقفه ومع ذلك فقد أوصاه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وعهد إليه أن لا ينازع في أمر الخلافة مع القوم طلباً للمصلحة، فالإمام يحكي هذه الحقيقة بقوله:

«فإذا طاعتي سبقت بيعتي» أي وجوب طاعة رسول


(51)

الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ووجوب امتثالي أمرهُ، سابق على بيعتي للقوم، فلا سبيل لي إلى الامتناع من البيعة، لأنّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أمرني بها.

«وإذا الميثاق في عنقي لغيري»، أي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أخذ عليّ الميثاق بترك الشقاق والمنازعة، فلم يحلّ لي أن أتعدّى أمره أو أُخالف نهيه(1).

وأين هذا الكلام من نفي الوصاية الإلهية؟! بل هو دليل على أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أمسك ولم ينازع لأجل مصلحة عامّة بعد رحيل الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلو قام على أخذ حقّه لكانت المصيبة عليه أعظم من ذهاب الحق الّذي كان له. وها نحن نأتي بكلمة للإمام ـ عليه السَّلام ـ يصف فيها حاله بعد السقيفة وانه مع اعتقاده بخلافته وإمامته صبر وأمسك يده لمصالح عالية.

1 ـ يقول في خطبة: فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن الموت، واغضيتُ عن القذى،


1 . شرح نهج البلاغة: 2 / 296 .


(52)

وشربتُ على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمرَّ من طعم العلقم.(1)

وطلع الفجر :

إنّ القضاء البات في موضوع يقتضي جمع كل ما يمتّ بصلة إلى الموضوع من أقوال المتكلّم، وعند ذاك يتّخذ الباحث موقفاً حاسماً، ويُدلي برأيه القاطع حسب شهادة القرائن بعضها على بعض.

وأمّا القضاء بملاحظة بعض ما يرجع إلى الموضوع وتناسي غيره فهو ليس قضاء صحيحاً .

إنّ فضيلة الشيخ ورد من الطريق الثاني حيث أخذ ببعض الكلم ولم يرفع إبهام البعض بالبعض الآخر. وكان عليه أن يرجع في الموضوع إلى الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية، فإنّ الإمام بيّن فيها موقفه من خلافة الخلفاء، وقد قال ابن الخشاب في حق هذه الخطبة: إنّي وقفت


1 . نهج البلاغة: الخطبة 25، ط عبده .


(53)

عليها في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الادب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي .

وقال ابن أبي الحديد: قد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديّين من المعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة، ووجدت أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلّمي الإمامية، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب «الإنصاف» وكان أبوجعفر من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي (رحمه الله) موجوداً (1).

وها هو الإمام يبيّن موقفه من خلافة الخلفاء ويقول:


1 . شرح نهج البلاغة: 1 / 205 ـ 206 .


(54)

«أما واللهِ لقد تقمّصها ابن أبي قحافةَ، وإنّهُ ليعلم أنَّ محلّي منها محلُّ القُطبِ من الرّحى، ينحدِرُ عنّي السّيلُ، ولا يرقى إليّ الطيرُ، فسدلتُ دونها ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً، وطفقتُ أرتئي بين أنْ أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياءَ، يهرمُ فيها الكبيرُ، ويشيبُ فيها الصّغيرُ، ويكدحُ فيها مؤمنٌ حتّى يلقى ربّهُ، فرأيتُ أنَّ الصّبر على هاتا أحجى، فصبرتُ وفي العينِ قذىً، وفي الحلقِ شجاً أرى تُراثي نهباً.

حتّى مضى الأوّل لسبيلهِ، فأدلى بها إلى ابن الخطّابِ بعدهُ (ثمَّ تمثَّل بقول الأعشى) :

شتّان ما يومي على كورها * ويومُ حيّان أخي جابر

فياعجباً بينا هو يستقيلها في حياتهِ! إذ عقدها لآخر بعدَ وفاتهِ، لشدَّ ما تشطّرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناءَ، يَغلُظُ كَلْمُها ويخشُنُ مسُّها، ويكثرُ العثارُ فيها، والاعتذارُ منها، فصاحبها كراكبِ الصعبةِ، إنْ أشنق لها خرمَ، وإنْ أسلسَ لها تقحَّم، فُمني النّاس ـ لعمرُ اللهِ ـ بخبط


(55)

وشماس، وتلوّن واعتراض، فصبرتُ على طولِ المدَّةِ، وشدَّةِ المحنةِ.

حتّى إذا مضى لسبيلهِ، جعلها في جماعة زعمَ أنّي أحدهم، فياللهِ وللشورى، متى اعترض الريبُ فيّ مع الأوّل منهم؟ حتّى صرِتُ أقرنُ إلى هذهِ النظائر، لكنّي أسففتُ إذ أسفّوا، وطرتُ إذ طاروا، فصغى رجلٌ منهم لضغنهِ، ومالَ الآخرُ لصهرهِ، مع هن وهن.

إلى أن قام ثالثُ القومِ نافجاً حضنيهِ، بينَ نثيلهِ ومعتلفهِ، وقام معهُ بنو أبيهِ يخضمون مال اللهِ خَضْمَةَ الإبلِ نبتة الربيع، إلى أنِ انتكث عليه فتلهُ، وأجهز عليه عملُهُ، وكَبت به بطنتهُ.

فما راعني إلاّ والناس كعُرْف الضَّبُع إليّ، ينثالون عليّ من كل جانب، حتّى لقد وُطئ الحسنان، وشُقّ عطفاي... (1)


1 . نهج البلاغة، الخطبة 3 .


(56)

اُفيصح ـ بعد هذا التصريح... انّ موقف الإمام بالنسبة إلى الخلفاء موقف المادح الّذي لا يرى في حياتهم وخلافتهم ما يؤخذ عليهم؟!


(57)

4
ثناء الإمام ـ عليه السَّلام ـ على الخلفاء

يقول الشيخ :

ورد في النهج انّ عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ لما استشار عليّاً عند انطلاقه لقتال فارس، وقد جمعوا للقتال، أجابه: «إنّ هذا الأمر لم يكن نصَره ولا خذلانه بكثرة ولا قلّة وهو دين الله تعالى الّذي أظهره... والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب» (1) .


1 . تأمّلات في نهج البلاغة: 14. ولاحظ نهج البلاغة: الخطبة 142 وشرح نهج البلاغة: 9 / 95 .


(58)

المناقشة:

إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ قد كشف النقاب عن موقفه في التعامل مع الخلفاء كافة في كلامه الآتي، وذلك لأنّه شهد ـ بعد إقصائه عن الحكم واستتباب الأمر للخليفة الأوّل ـ استفحال المؤامرات الداخلية والخارجية ضد الإسلام وأهله، فأحسّ انّ وظيفته في هذا الموقف العصيب هي نصرة الإسلام والمسلمين، والتعاون مع الخلفاء بُغية تحقيق مصالح الإسلام العليا، والقضاء على المؤامرات الّتي استهدفته، فهذا هو الحافز الّذي دعا بالإمام إلى التعاون مع الخلفاء.

إنّ المسألة الّتي حازت على اهتمام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في كلامه المتقدّم، هي مسألة الإسلام الكبرى، وما دام الخليفة الثاني أو أي شخص آخر يقود هذا الركب فالإمام ـ عليه السَّلام ـ يبذل له النصح والمشورة، وهذه الحقيقة جاءت في كتاب الإمام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولاّه إمارتها، فقال:


(59)

فو الله ما كان يُلقى في روعي ولا يخطر ببالي انّ العرب تُزعج هذا الأمر من بعده ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عن أهل بيته ولا انّهم مُنحُّوه عنّي من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعةَ الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فخشيتُ إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاعُ أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب، فنهضتُ في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه(1).

وبالجملة فالظروف السائدة آنذاك فرضت على الإمام ـ عليه السَّلام ـ التعاون معهم والإشارة بالحق والصلاح عند الاستشارة، والإدلاء بالحق عند طلبه، وليس في هذا أي


1 . نهج البلاغة: الخطبة 62، ط عبده .


(60)

مدح لشخص الخليفة، ولو كان في كلامه تكريم فانّما هو لمقام الخلافة سواء أتقمّصها عمر بن الخطاب أم غيره .

ومنه يظهر وجه كلام الإمام لمّا استشاره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزوة الروم، فقال الإمام ـ عليه السَّلام ـ :

وقد تَوكّلَ اللهُ لأهل هذا الدين بإعزاز الحوزة، وستر العورة، والّذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون، حيّ لا يموت... الخ (1) .

لم يكن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ـ نعوذ بالله ـ بالذي يُضمر حقداً أو ضغينة حتى يضنّ بنصيحة أو مشورة فيها عزٌّ للإسلام وحفظ لكيان المسلمين، فهو ـ عليه السَّلام ـ مثال الإنسان الكريم النفس، العالي الهمّة، الذي يقهر ذاته، ويذوب إخلاصاً لمبادئه، ويفيض حبّاً ورأفة وحناناً، فلا غرو إذن أن يسجّل مثل هذه المواقف الرائعة، وأن يشير بحكمته البالغة إلى ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.


1 . نهج البلاغة: الخطبة 130، ط عبده .


(61)

5
احتجاج الإمام بمبايعة الناس لأبي بكر وعمر

يقول الشيخ :

وأورد المرتضى في النهج عن علي ـ عليه السَّلام ـ في كتابه الذي كتبه إلى معاوية:

«إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضىً فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين وولاّه الله ما تولّى» (1).


1 . نهج البلاغة: 446، قسم الرسائل: 6، ط محمد عبده .


(62)

وهنا يستدل الإمام على صحة خلافته وانعقاد بيعته بصحة بيعة من سبقه، وهذا يعني بوضوح أنّ علياً كان يعتقد بشرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان (1) .

المناقشة:

لقد سها قلم الشيخ وقال: قال المرتضى مكان أن يقول قال الرضي، كما أنّه حذف من آخر الخطبة ما يبيّن مقصود الإمام الذي لا صلة له بما يرتئيه المستدلّ. وهو قوله:

ولعمري ـ يا معاوية ـ لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمنّ أنّي كنت في عزلة عنه، إلاّ أن تتجنّى فَتَجَنَّ مابدا لك ّ والسلام (2).

وليس فضيلة الشيخ أوّل من استدلّ بهذا الكلام على أنّ بيعة المهاجرين والأنصار طريق إلى الإمامة


1 . تأمّلات في نهج البلاغة: 16 .
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل: 6 .


(63)

والخلافة، بل استدلّ شيوخ المعتزلة به على مقاصدهم، ولكنّهم ـ سامحهم الله ـ غفلوا عن الظروف الّتي أدلى بها الإمام ـ عليه السَّلام ـ كلامه هذا .

كما غفلوا عن مخاطَبه، وتصوّروا أنّ الإمام يُدلي بقاعدة كلامية عامّة حول الإمامة، مفادها انّ الشورى حق للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك إماماً ولله فيه رضا.

وهذا التفسير لكلام الإمام ـ عليه السَّلام ـ مرفوض جدأً، إذ ليس الإمام بصدد تبيين قاعدة كلامية، بل هو بصدد الاحتجاج على خصم عنود لدود بايع الخلفاء السابقين الذين استمدوا شرعية خلافتهم من بيعة المهاجرين والأنصار ولكنّه لم يبايع عليّاً وخالفه ونازعه.

فالإمام يحتجّ على هذا الشخص «بأنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد».


(64)

فهذا النوع من الاحتجاج هو الجدل الذي دعانا إليه الذكر الحكيم وقال:

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ) (1) .

فالاستدلال بالبرهان هوالدعوة بالحكمة، كما أنّ الدعوة بالنصائح هي الدعوة بالموعظة الحسنة، والاستدلال على الخصم بعقائده وأفكاره وأعماله هو الجدال بالتي هي أحسن .

فالإمام ورد من الطريق الثالث فاحتج على الخصم بما هو موضع قبوله، فلذلك بدأ رسائله بقوله:

«فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنّه بايعني القوم» (2).


1 . النحل: 125 .
2 . إنّ قوله: «فانّ بيعتي بالمدينة» وان لم يكن موجوداً في نسخة «نهج البلاغة» لكنه جاء فى سائر المصادر. لاحظ كتاب صفين: 29 لنصر بن مزاحم .


(65)

وختمها بقوله: «ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنّي أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمنَّ أنّي كنت في عزلة عنه، إلاّ أن تتجنّى فتجنَّ ما بدا لك والسلام».(1)

والرسالة طويلة لخّصها الرضي، لأنّه يقتصر على الموضع البليغ من كلامه ومن قرأ كتاب الإمام إلى خصمه بتمامه لوقف على أنّ الإمام اتّخذ موقف المجادل الذي يحتجّ على خصمه بمقبولاته وأفكاره ، ولا يعدّ مثل ذلك دليلاً على أنّه من مسلّماته ومقبولاته .

وها نحن نذكر ما تركه الرضي من الرسالة ليكون دليلاً على صدق ما بيّناه قال الإمام في ذيل كلامه السابق:

«وإنَّ طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردِّهما، فجاهدتهما على ذلك حتّى نجا الحق


1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل: 6 .


(66)

وظهر أمر الله وهم كارهون. فادخُلْ فيما دخل فيه المسلمون ; فإنَّ أحبَّ الأُمور إليَّ فيك العافية، إلا أن تتعرض للبلاء. فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت اللهَ عليك. وقد أكثرتَ في قتلة عثمان فادخلْ فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إليّ أحملك وإيّاهم على كتاب الله. فأمّا تلك التي تريدها فخُدعة الصبيِّ عن اللبن. ولعمري لئن نظرتَ بعقلكَ دون هَواك لتجدنِّي أبرأَ قريش من دم عثمان. واعلم أنّك من الطلقاء (1) الذين لا تحلُّ لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشُّورى. وقد أرسلتُ إليك وإلى من قِبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة. فبايعْ ولا قوة إلاّ بالله» .


1 . الطلقاء: جمع طليق، وهو الأسير الذي أطلق عنه إساره وخلّى سبيله. ويراد بهم: الذين خلّى عنهم رسول الله يوم فتح مكة وأطلقهم ولم يسترقهم .


(67)

6
وصف الخليفة بأعلى الصفات

يقول الشيخ:

وفي النهج عن علي ـ عليه السَّلام ـ : «لله بلاء فلان لقد قوّم الأود، وداوى العمد، وأقام السنّة، وخلّف البدعة، وذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها واتّقى شرها، أدّى لله طاعته واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة، لا يهتدي إليها الضال، ولا يستيقن المهتدي»(1).

ثم قال: لقد وصف الإمام عمر بن الخطاب من الصفات بأعلى مراتبها وناهيك بها (2).


1 . نهج البلاغة، الخطبة 223، شرح محمد عبده .
2 . تأمّلات في نهج البلاغة: 18 .


(68)

تنبيه:

قبل مناقشة كلام الشيخ نذكر بعض التصرفات التي جـاءت في نقل الكلام، وهي أُمور :

1 ـ بلاء فلان، وفي النهج «بلاد فلان» .

2 ـ «خلّف البدعة» وفي النهج «خلّف الفتنة».

3 ـ «اتقى شرها» وفي النهج «سبق شرَّها».

4 ـ «لا يهتدي إليها الضال» وفي النهج «لا يهتدي فيها الضال».

ولعل النسخة المتوفرة عند الشيخ كانت على غرار ما كتب. ولكن الأولى والأصح لا يخفى على من له إلمام بالكلام الفصيح .

تفسير مفردات الخطبة:

1 ـ يقال: لله بلاد فلان: يراد البلاد التي أنشأته وانبتته، وربّما يقال: «لله در فلان» ويراد: لله الثدي الذي أرضعه. ولو كانت النسخة لله بلاء فلان فهي بمعنى لله ما صنع .


(69)

2 ـ «الأوَد»: العوج.

3 ـ «العَمدَ»: انفضاخ سنام البعير. والمراد في المقام «العلّة».

4 ـ أصاب خيرها: خير الولاية.

5 ـ سبق شرّها: مات قبل استفحاله.

6 ـ واتّقاه بحقه: أي بادر حقه والقيام به (1).

المناقشة:

اختلف شرّاح نهج البلاغة في المكنّى عنه بهذا الكلام ولهم فيه آراء :

1 ـ ذهب قطب الدين الراوندي إلى أنّه ـ عليه السَّلام ـ مدحَ به بعض أصحابه بحسن السيرة. وانّ الفتنة هي التي وقعت بعد رسول الله من الاختيار والإثرة.

2 ـ وذهب ابن أبي الحديد إلى أنّ المكنّى عنه هو


1 . شرح النهج: 12 / 5 ـ 6 .


(70)

عمر بن الخطاب قال: وقد وُجدتْ النسخةُ التي بخط الرضي أبي الحسن جامع نهج البلاغة وتحت «فلان» «عمر» حدثني بذلك فخار بن معد الموسوي .

3 ـ يظهر من الطبري أنه ليس من كلام الإمام ، بل هو من كلام «ابنة أبي حثمة». وأنّ الإمام صدّقها في كلمتين «ذهب بخيرها، نجا من شرها» أي ذهب بخير الولاية ونجا من شرها الّذي ابتلي به عثمان. روي عن صالح بن كيسان عن المغيرة بن شعبة قال: لما مات عمر ـ رضى الله عنه ـ بكتْه ابنةُ أبي حثمة فقالت: واعمراه، أقام الأود، وأبرأ العَمدَ، أمات الفتن، وأحيا السنن، خرج نقيّ الثوب، بريئاً من العيب.

قال: وقال المغيرة بن شعبة لمّا دفن عمر أتيت علياً  ـ عليه السَّلام ـ وأنا أُحبُّ ان أسمع منه في عمر  ـ رضى الله عنه ـ شيئاً، فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحف بثوب لا يشك أنّ الأمر سيعود إليه، فقال: يرحم الله ابن الخطاب لقد صدَقَتْ ابنة أبي حثمة: لقد ذهب بخيرها ونجا من


(71)

شرها. أما والله ما قالت ولكن قُوّلت (1).

والظاهر طروء النقص على عبارة الطبري، إذ كيف ارتجل الإمام بكلامه وقال: رحم الله ابن الخطاب من دون أن يتكلم المغيرة بن شعبة بكلام حول عمر، وهذه قرينة على أنّ المغيرة عندما واجه علياً أخبره بما سمعه من ابنة أبي حثمة، فَحلفَ الإمام بأنّها ما قالت ولكن قوّلت .

ويريد أنّ الكلام لم يكن من إنشائها، بل من إنشاء شخص آخر، وقد علّمه إيّاها لكي تندب به الخليفة. ولعلّه  ـ عليه السَّلام ـ يشير بذلك إلى التواطؤ الّذي كان بينها وبين المغيرة، وسيوافيك أنّها كانت نادبة.

ولقد كان للخليفة يد بيضاء على المغيرة بدرء الحد عنه لمّا اتّهم بالزنا في عصر الخليفة وهو أمير على الكوفة، فقد شهد عليه بالزنا: أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد، وقالوا بأنّهم رأوه يولجه ويخرجه، فلمّا قدم الرابع (زياد


1 . تاريخ الطبري: 2 / 575 ط دار الكتب العلمية، بيروت .


(72)

بن أبيه) للشهادة، حاول الخليفة أن يدرأ عنه الحدّ بالشبهة، فخاطبه بقوله: إنّي لأرى رجلاً لم يخز الله على لسانه رجلاً من المهاجرين...(1).

ولقد جازاه المغيرة بما قام به بعد وفاته.

وقال ابن شبّه (2): بلغنا انّ عبد الله بن مالك بن عيينة الأزدي حليف بني المطلب، قال: لمّا انصرفنا مع عليّ ـ رضى الله عنه ـ من جنازة عمر ـ رضى الله عنه ـ دخل فاغتسل، ثم خرج إلينا فصمت ساعة، ثم قال: «لله بلاء نادبة عمر قالت: واعمراه أقام الأود، واعمراه، ذهب نقيّ الثوب، قليل العيب، واعمراه أقام السنّة وخلّف الفتنة. ثم قال: والله ما درتْ هذا ولكنها قوَّلَته، وصدقت والله أصاب عمر خيرها وخلّف شرها....(3)


1 . سير أعلام النبلاء: 3 / 28 رقم الترجمة 7 ; الأغاني: 14 / 146 ; تاريخ الطبري: 4 / 207 ; الكامل: 2 / 228 .
2 . أبو زيد عمر بن شبّه النميري البصري: (173 ـ 262 هـ) .
3 . تاريخ المدينة المنورة: 3 / 941 ـ 942، تحقيق فهيم محمد شلتوت .


(73)

بالله عليك يا صاحب الفضيلة، هل يصحّ الاستدلال بكلام لم يُعرف قائله، وهل هو من نسج المغيرة أو من نسج غيره؟! وقد أُلقي إلى النادبة توخيّاً لمصالح معينة، وخلافاً لنهي عمر عن ندب الموتى .

ومن المحتمل جداً أن يكون تكرار الإمام لكلام النادبة من باب إظهار التعجب منه، إذ سيرة الخليفة لم تكن تنسجم ومضامين ذلك الكلام.

وفي نهاية المطاف نقول: إنّ حياة الخليفة كانت مزيجاً من الإيجابيات والسلبيّات، ومن أبرز صفاته أنّه لم يكن مستأثرا ببيت المال، ولا مُسلّطاً بني عدي على رقاب الناس، ولا مترفعاً على المهاجرين والأنصار، إلى غير ذلك من الصفات البارزة الّتي تعد من سمات خلافته; مقابل خلافة عثمان الّذي استأثر ببيت المال، وحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، وسلّم الأُمور بيد مروان بن الحكم اللعين بن اللعين على لسان رسول الله (1)، إلى غير


1 . المستدرك للحاكم : 4 / 481 .


(74)

ذلك من الأُمور الّتي أثارت غضب المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من سائر البلاد، فقِتل في عقر داره بمرأى ومسمع منهم .

فلو صحّ صدور هذا الكلام من الإمام وأغمضنا النظر عمّا حوله من الشكوك والإبهامات، فقد صدر منه لغاية إلايعاز إلى الحكم الّذي سوف يُبتلى به المسلمون ولذلك وصفه بقوله «وخلّف الفتنة» وهي الّتي رافقت خلافة عثمان، فقد كان مشغوفاً بحب بني أبيه، آل أُمية وتفضيلهم على الناس، وقد تنشّب ذلك في قلبه وكان معروفاً به من أوّل يومه، ولذلك قال عمر بن الخطاب لابن عباس: لو وليها عثمان لحمل آل أبي معيط على الناس، ولو فعلها لقتلوه.(1)

وبكلمة قصيرة: إنّ المدح والتنزيه نسبيّان، وليسا بمطلقين، يعلم ذلك من التدبّر في كلامه ـ عليه السَّلام ـ .


1 . انساب البلاذري: 5 / 16 وقد رويت كلمة الخليفة بصورة مختلفة لاحظ الغدير: 8 / 289 .


(75)

7
مدح عثمان على لسان الإمام

يقول الشيخ:

جاء في «نهج البلاغة» على لسان عليّ بخصوص عثمان رضي الله عنهما:

«والله ما أدري ما أقول لك؟ ما أعرف شيئاً تَجْهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنُخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلِّغكه، وقد رأيتَ كما رأينا وسمعتَ كما سمِعنا وصحبت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كما صحبنا، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وشيجة رحم منهما وقد نلت من صهره ما لم ينالا» .


(76)

فانظر هذا المدح والثناء على عثمان من علي رضي الله عنهما وانظر إلى قوله: «وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب، بأولى بعمل الحق منك» فهذه شهادة على أنّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهم كانا على الحق وعملا به وليسا بأولى من عثمان ـ رضى الله عنه ـ في ذلك، فهو لعمل الحق أهل.(1)

المناقشة:

إنّ فضيلة الشيخ ذكر كلام الإمام مبتوراً وقد حذف صدره، كما حذف ذيله، مع أنّ صدر كلامه وذيله يشهدان بوضوح أنّ الإمام بصدد بذل النصح للخليفة بُغية معالجة المشاكل التي حاقت بالخلافة قبل ان تستفحل الفتنة الّتي أودت بحياته، وما وصفه بكونه «أقرب إلى رسول الله وشيجة رحم منهما وقد نال من صهره مالم ينالا» إلاّ لأجل تشجيعه على إخماد نار الفتنة، وتنشيط عزمه، على إقامة السنّة وإماتة البدعة الّتي غطت حياة الخلافة في عصره.


1 . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 20 .


(77)

ولأجل إيقاف القارئ على مقاصد الإمام في كلامه هذا نأتي بنصّ كلامه مشفوعاً بمقدّمة الرضي:

ومن كلام له ـ عليه السَّلام ـ لعثمان بن عفّان. قالوا:

لمّا اجتمع الناس إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، وشكوا إليه ما نقموه على عثمان، وسألوه مخاطبته عنهم واستعتابه لهم، فدخل ـ عليه السَّلام ـ على عثمان، فقال:

«إنَّ النَّاسَ وَرَائي وقدِ اسْتَسْفَرُوني بينكَ وبينهمْ ; وَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلاّ أَدُلُّكَ عَلَى أَمْر لاَ تَعْرِفُهُ !

إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ ; مَا سَبَقْنَاكَ إلى شَيء فَنُخْبرَكَ عَنْهُ، وَلاَ خَلَوْنَا بِشَيء فَنُبَلِّغَكَهُ; وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُول اللهِ ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كَمَا صَحِبْنَا. وَمَا ابْنُ أَبي قُحَافَةَ وَلاَ ابْنُ الخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الحقّ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إلى رَسُولِ اللهِ ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وَشِيجَةَ رَحِم مِنْهُمَا، وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالاَ; فَاللهَ الله في نَفْسِكَ،


(78)

فَإنَّكَ وَاللهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمىً، وَلاَ تُعَلَّمُ مِنْ جَهْل; وَإنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ، وَإنَّ أعلامَ الدِّينِ لقائمةٌ.

فَاعلَمْ أنَّ أفضل عباد الله عند اللهِ إمامٌ عادلٌ; هُدِيَ وهَدَى، فأقام سُنَّةً معلومةً، وأمات بدعةً مجهولةً; وإنَّ السُّننَ لنيرةٌ لها أعلامٌ، وإنَّ البدع لظاهرةٌ لها أعلامٌ; وإنَّ شرَّ الناس عند اللهِ إمامٌ جائرٌ ضلَّ وضُلَّ به ; فأمات سنَّةً مأخوذةً، وأحيا بدعةً متروكةً! وإنِّي سمعتُ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يقولُ: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر، وليس معه نصيرٌ ولا عاذرٌ، فيلقى في نار جهنَّمَ، فيدور فيها كما تدور الرَّحى ; ثمَّ يرتبط في قعرها.

وإنِّي أنشدك الله أن لا تكون إمام هذه الأُمَّة المقتول! فإنَّهُ كان يقال: يقتل في هذه الأُمَّة إمامٌ يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويُلبِس أُمورها عليها، ويبثُّ الفتن فيها، فلا يبصرون الحقَّ من الباطل; يموجون فيها موجاً، ويمرجون فيها مَرجاً. فلا تكوننَّ لمروان سيِّقةً يسوقك


(79)

حيث شاء بعد جَلال السِّنِّ، وتقضِّي العمر».

فقال له عثمان ـ رضى الله عنه ـ :

كَلِّم النَّاس في أَنْ يؤجِّلوني، حتَّى أخرج إليهم من مظالمهم.

فقال ـ عليه السَّلام ـ :

«ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ; وما غاب فأجله وصولُ أمرك إليه» .(1)

أقول: إنّ من أمعن في خطبة الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ وأحاط بالظروف الحرجة التي صدرت فيها، يقف على أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ ليس بصدد مدح الخليفة وتنزيهه عمّا نقم عليه الناس ، وإنّما كان يتوخّى تحقيق هدفين:

الأوّل: إعادة الخلافة الإسلامية إلى مسارها الصحيح بعد أن زاغت عنه بممارسة الجهاز الحاكم


1 . نهج البلاغة، الخطبة 159 ; شرح النهج: 9 / 261 ـ 262 .


(80)

للأعمال المنافية لأهدافها الكبرى، كالاستئثار بأموال المسلمين، وتعيين أغلمة بني أُمية وشبابها المترف في الولايات والأعمال، وتوطيد السبل لطغيانهم واستطالتهم على الناس، وغير ذلك من الأُمور الّتي فتحت باب الفتن والجور على مصراعيه .

فكان في نيّة الإمام بكلامه هذا أن يقوم الخليفة بتغيير الوضع السائد، بعزل ولاة الجور وإعطاء أزمّة الأُمور إلى الصالحين من الأُمّة، وتقسيم بيت المال على المسلمين بالعدل والإنصاف.

الثاني: إنقاذ الخليفة من القتل بيد الثائرين من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من سائر الأمصار الإسلامية، ولم يكن من مصلحة الإسلام قتل الخليفة، ولذلك كان الإمام ـ عليه السَّلام ـ يخاطب عثمان بقوله: «وإنّي أنشدك الله أن لا تكون إمام هذه الأُمّة المقتول».

هذان هما الهدفان اللّذان كان الإمام ـ عليه السَّلام ـ يتوخّاهما، ويدلّ على ما ذكرنا، الأُمور التالية:


(81)

1 ـ انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ كان يندِّد بأعمال عثمان وينقم عليه في غير موقف من مواقفه، فيقول عند بيان الدافع الحقيقي وراء قتل عثمان:

«اسْتَأْثَرَ فَأسَاءَ الأَثَرةَ، وَجَزِعْتُمْ فَأسَأْتُمُ الجَزَعَ، وَللهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ في المُسْتَأْثِرِ والجَازِعِ» .(1)

2 ـ لما سيّر عثمان أبا ذر ذلك الصحابي العظيم لتنديده بأعمال عثمان وولاته، خرج عليّ يشايعه، وقال له :

«يَا أَبَا ذَرِّ، إنَّكَ غَضِبْتَ للهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ. إنَّ القَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ، وَخِفتَهُمْ عَلى دِينكَ، فَاتْرُك في أيْديهمْ ما خَافُوكَ عَلَيه واهْرُبْ بِمَا خِفْتَهُم عَلَيْه، فَمَا أحْوَجَهَم إلى مَا مَنَعْتَهمْ وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ ».(2)

فمع هذه العبارات الواضحة، كيف يُنتظَر من الإمام بعد ذلك أن ينزّه الخليفة عمّا نُقم عليه، ويبالغ في إطرائه


1 . نهج البلاغة: الخطبة 29، شرح محمد عبده .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 126، شرح محمد عبده .


(82)

والثناء عليه، وكأنّه لم يجترح آثاماً، ولم يُحدث أحداثاً، أو يُبدع بدعاً؟!

3 ـ روى الطبري عن الواقدي، أنّ عبد الله بن محمد حدّثه عن أبيه، قال: لما كانت سنة 34 هـ ، كتب أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بعضهم إلى بعض أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب إلاّ نفير: زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس وكلّموا علي بن أبي طالب، فدخل على عثمان، فقال: «الناس ورائي وقد كلّموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلّغك، وما خُصِّصنا بأمر دونك...»(1).


1 . تاريخ الطبري: 3 / 375 ، حوادث سنة 34 هـ .


(83)

إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ باعتباره سفير الناس إلى الخليفة لإطلاعه على تذمّرهم منه ونقمتهم عليه، كان يتوخّى أفضل السبل لإنجاز مهمّته المتمثّلة في نصح الخليفة وإرشاده، وتليين موقفه المتصلّب الرافض لاستعتابهم وتلبية مطالبهم، ولهذا بدأ ـ عليه السَّلام ـ كلامه بهذا الأسلوب الرقيق الّذي يحرّك في النفس نوازع الخير من خلال التذكير بذلك العهد الّذي أظلّتهم فيه رحمة الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وعدله واستقامته وخلقه المعطار.

ثم أعقبه بكلام يحمل في طيّاته تحذيراً شديداً من مغبّة التمادي في سلوك طريق الضلال والإضلال وفي إمامة السنّة وإحياء البدعة .

وقد نجح الإمام ـ عليه السَّلام ـ بهذا الاسلوب ـ الّذي يجمع بين الترغيب والتحذير ـ في تحقيق أهدافه السامية في كبح روح العناد لدى الخليفة، ودفعه إلى استعتاب الثائرين، وآية ذلك النجاح تأثّر الخليفة بكلامه وإقباله


(84)

عليه، الأمر الّذي حداه إلى مخاطبة الإمام بقوله: كلِّمِ الناس في أن يؤجّلوني حتّى أَخرُجَ إليهم من مظالمهم.

وعلى ضوء ما تقدّم، يُعلم مغزى كلام الإمام ـ عليه السَّلام ـ وأنه ليس بصدد الحديث عن وفور علم عثمان، وإنّما بصدد لفت نظره وتذكيره بمصاحبته للرسول الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، من أجل حثّه على مراعاة العدل ومجانبة الظلم والجور والرفق بالرعية وإنصافهم وغير ذلك من الأُمور العامة الّتي ينبغي أن يكون قد وعاها من حديث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وسيرته العظيمة. وعليه فإن ما استنتجه فضيلة الشيخ من أنّ كل ما يعلمه الإمام يعلمه عثمان، ليس في محلّه، وبعيد عن الصواب، لغفلته أو تغافله عن ملاحظة الظرف الّذي صدر فيه كلام الإمام ـ عليه السَّلام ـ .

ونحن إذا غضضنا الطرف عن مسألة اختصاص الإمام برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وملازمته له من لدن أن كان وليداً إلى آخر لحظات حياته ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وانتهاله من نمير علمه وبحر عطائه، ولم نأخذ بعين الاعتبار أيضاً مسألة الاختلاف


(85)

الطبيعي بين الأشخاص في المواهب والقابليات والملكات، ورجعنا إلى التاريخ، فإنّنا لم نجد فيه من يدّعي المساواة بين علم عثمان وعلم أبي بكر وعمر فضلاًعن المساواة بينه وبين علم علي الّذي شاع فيه القول: إنّه أفصح الناس بعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وأكثرهم علماً وزهداً وتنمّراً في ذات الله تعالى .

قيل لعطاء بن أبي رباح: أكان في أصحاب محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أعلم من علي؟ قال: لا والله لا أعلم.(1)

وقالت عائشة: علي أعلم الناس بالسنّة.(2)

وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن. (3)

أمّا قوله ـ عليه السَّلام ـ : «وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب أولى بعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله


1 . أسد الغابة: 4 / 22 .
2 . مختصر تاريخ دمشق: 18 / 25 .
3 . أسد الغابة: 4 / 22 ـ 23 ; تهذيب الكمال: 20 / 485 .


(86)

وشيجة»، فيمكن بيانه على النحو التالي:

لايشك أحدٌ في أنّ سيرة أبي بكر وعمر في خطوطها العامّة كانت أفضل من سيرة عثمان، ولهذا أراد الإمام بهذا القول أن يحثّه على انتهاج سيرتهما، وأن ينأى بنفسه عن استئثار بني أبيه وأقاربه بالأموال والولايات والمناصب، وأن يعدل في الرعية، ويرفع عنها مظالمها، وهذا لا يعني أنّه ـ عليه السَّلام ـ كان راضياً عن سيرة الشيخين في تفاصيلها، لأنّ هذا المعنى خارج عن موضوع الكلام.

وممّا يؤكد ما نذهب إليه، هو أن الخلافة كانت من علي على طرف الثُّمام(1)، ولكنّه ـ عليه السَّلام ـ رغب عنها بعد أن اشترط عليه عبد الرحمن بن عوف الاقتداء بسيرة الشيخين!!

فلو كانت سيرتهما مستضيئة بالكتاب والسنّة في كلّ تفاصيلها، لما كان هناك مساغ لرفضه ـ عليه السَّلام ـ لهذا الشرط .


1 . جمع الثمامة، نبت، سهل التناول مثل يضرب لكل أمر يسهل تناوله .


(87)

8
مدح الإمام وثناؤه على أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ

يقول الشيخ :

ورد في «نهج البلاغة» خطبة علي ـ عليه السَّلام ـ والتي تدور حول مدح وثناء على أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ونعرض هنا جزءاً منها:

«لقد رأيت أصحاب محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فما أرى أحداً منكم يشبههم ، لقد كانوا يصبحون شُعثاً غبراً، وقد باتوا سجّداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بين أعينهم رُكَبَ المعزى من طول سجودهم، إذا ذُكر الله هملت أعينهم حتى تَبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح


(88)

العاصف، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب» (1).

وقال أيضاً مادحاً أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيجُوا إلى القتال فَوَلهوا وَلَهَ اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً، وصفاً صفاً، بعضٌ هلك، وبعض نجا، لا يُبَشَّرون بالأحياء، ولا يُعَزَّوْنَ بالموتى، مُرْهُ العيون من البكاء، خُمصُ البطون من الصيام، ذُبَّل الشفاه من الدعاء، صُفرُ الألوان من السَّهَر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أُولئك إخواني الذاهبون، فحقَّ لنا أن نظمأ إليهم، ونَعضَّ الأيدي على فراقهم» (2).


1 . نهج البلاغة: الخطبة 93، شرح محمد عبده ; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7 / 77 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 117، شرح محمد عبده ; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7 / 291. ولاحظ تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 21. وقد نقل الكاتب الخطبتين، وفيهما بعض التصحيف، وتمّ تصحيحهما على الأصل .


(89)

المناقشة:

أوّلاً: إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ ليس بصدد الثناء على عامّة أصحاب الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى يستدلّ بكلامه على عدالة الجميع، إذ أين هذه السمات الواردة في الخطبتين من الأعراب والطلقاء والمرتدّين؟! وانّما يثني على صنف خاص منهم، وهم الذين آمنوا وجاهدوا إبّان ضعف الإسلام وخموله وكانوا أرباب زهد وعبادة وجهاد في سبيل الله، نظراء:

ـ مصعب بن عمير القرشي، من بني عبد الدار.

ـ سعد بن معاذ الأنصاري من الأوس.

ـ جعفر بن أبي طالب.

ـ عبد الله بن رواحة الأنصاري، من الخزرج

ـ عمّار بن ياسر .


(90)

ـ أبو ذر الغفاري.

ـ المقداد الكندي .

ـ سلمان الفارسي.

ـ خَبّاب بن الأرتّ ونظرائهم مضافاً إلى جماعة من أصحاب الصُّفَّة وفقراء المسلمين أرباب العبادة الذين قد جمعوا بين الزهد والشجاعة.

فإطراء هؤلاء وهذه سماتهم وصفاتهم لا يكون دليلاً على إخلاص صحابة رسول الله  ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قاطبة، وسيوافيك أنّ الإطراء على جميع الصحابة لا يعدّ دليلاً على إطراء كلّ واحد واحد منهم .

وثانياً: نحن نشاطر فضيلة الشيخ في أنّه لا يجوز سب المؤمن فضلاً عن سب أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، الذين رأوا نور الوحي واستضاءوا به خصوصاً من شهد بدراً وأُحداً والأحزاب واتّبعوا النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ طيلة حياته وأحسنوا الصحبة معه.


(91)

وللأئمة المعصومين كلمات أُخرى غير ما ذكره فضيلة الشيخ حول الصحابة، منقولة في كتب الشيعة، وهذا هو الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ يقول في دعائه: «اللّهم وأصحاب محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته...» (1).

ومع الإيمان بهذا كلّه، فلنا وقفات مع فضيلة الشيخ:

الأُولى: حب الصحابة كرامة للمحب

لا أظن انّ أحداً يؤمن بالله ورسوله ويحب الله ورسوله يبغض الصحابة ويسبّهم، لأنّهم صحابة نبيّهم ، لأنّ الإيمان بالرسول والحب له لا يجتمع مع بغض من أعانه وفدّاه بنفسه ونفيسه قبل الهجرة وبعدها، من غير فرق بين مَن آمن بمكة وعُذِّب وقتل أو مات، وبين مَن


1 . الصحيفة السجادية: الدعاء الرابع .


(92)

هاجر إلى المدينة وشارك النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في غزواته وشايعه في ساعة العسرة كالبدريّين والأُحديّين وغيرهم من الصحابة الذين حفل القرآن الكريم والتاريخ بذكرهم وذكر تضحياتهم، وهذا شيء لا يختلف فيه اثنان من المسلمين، فرميُ الشيعة بسبّ الصحابة فرية ليس فيه مرية، خصوصاً أنّ قسماً من صحابة النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كانوا رُوّاد التشيّع وأتباع علي ـ عليه السَّلام ـ قبل رحيل الرسول وبعده، ولازموه إلى أن وافاهم الأجل، وقد تكفّل التاريخ بذكر أسمائهم، وعقدنا البحث في سيرهم في كتاب مفرد.

وهذه التهمة أشاعها أعداء أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لاسيّما الأُمويّين ثم العباسيّين ومن تبعهم، وما ذلك إلاّ لأنّ الشيعة منذ ظهورهم لم يوالوا السلطات الزمنية قط، بل قاموا بوجهها، ولذلك رمتهم السلطات الظالمة بهذه التهمة، وهم منها براء كبراءة يوسف ممّا اتّهم به.

ويشهد على ذلك كلمات الإمام في «نهج البلاغة»،


(93)

ودعاء الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ في صحيفته السجادية كما مرت الإشارة إلى ذلك .

الثانية: إنّ النقد الموضوعي لأعمال الصحابة على ضوء الكتاب والسنّة لا يعني سبَّهم، فإنّ سباب المسلم فسوق، كما أنّ دراسة حياة الصحابي وفق المعايير العلمية والّتي قد تنتهي بنتيجة قاسية في حق الصحابي لا تعد سبّاً. وها نحن نذكر أسماء عدد قليل من الصحابة الذين رأوا النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وعاشوا معه وصحبوه ومع ذلك يندّد بهم القرآن الكريم والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح.

1 ـ الوليد بن عقبة الفاسق

إنّ القرآن الكريم يحثُّ المؤمنين وفي مقدّمتهم الصحابة الحضور، على التحرّز من خبر الفاسق حتّى يتبيّن، فمن هذا الفاسق الّذي أمر القرآن بالتحرز منه؟ اقرأ أنت ما نزل حول الآية من شأن النزول واحكم بما هو الحق .


(94)

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(1).

اتّفق المفسرون على أنّ الآية نزلت في حقّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد سوّد الرجل صحائف حياته بأعمال سيئة سجلها التاريخ، وقد أمّ المصلّين في مسجد الكوفة وهو سكران، إلى غير ذلك من موبقات الأعمال الّتي تعدّ من مسلّمات التاريخ .

2 ـ أبو الغادية قاتل عمّار

يعرّفه ابن حجر بقوله: أبو الغادية الجهني، اسمه: يسار، سكن الشام، وروي أنّه سمع النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: إنّ دماءكم وأموالكم حرام، وقال الدوري عن ابن معين: أبو الغادية الجهني قاتل عمار، له صحبة.


1 . الحجرات: 6 .


(95)

والعجب أنّ ابن حجر مع ذكره هذا ونقله عن البخاري ومسلم، يقول: إنّه كان متأوّلاً، وللمجتهد المخطئ أجر (1).

وياللعجب يقطر التاريخ ظلماً ودماً باسم الدين والاجتهاد وإصلاح الأُمور!! وكلّما كثر الذنب، ازداد الاجر للمجتهد.

3 ـ مسلم بن عقبة قاتل أهل المدينة

مسلم بن عقبة الأشجعي من صحابة النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ذكره ابن حجر في «الإصابة» برقم 7977، وكفى في حقّه ما ذكره الطبري في حوادث سنة 64 هـ ، يقول: ولمّا فرغ مسلم بن عقبة من قتال أهل المدينة وإنهاب جنده أموالهم ثلاثاً، شخَصَ بمن معه من الجند متوجّهاً إلى مكة، فلمّا وصل إلى قفا المشلل نزل به الموت، وذلك في آخر محرم من سنة 64 هـ (2).


1 . الإصابة: 3 / 150، باب الكنى .
2 . تاريخ الطبري: 4 / 381، حوادث سنة 64 .


(96)

4 ـ بسر بن أبي أرطأة ذابح ولدي عبيد الله بن العباس

كان من أصحاب الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، شهد فتح مصر واحتفظ بها، وكان من شيعة معاوية، وكان معاوية وجّهه إلى اليمن والحجاز في أوّل سنة أربعين وأمره أن ينظر من كان في طاعة علي فيوقع بهم، ففعل ذلك.

وقد ارتكب جرائم كثيرة ذكرها التاريخ، ولمّا كانت تمسّ عدالة الصحابة وكرامتهم أعرض ابن حجر عن استعراضها مكتفياً بالقول: وله أخبار شهيرة في الفتن لا ينبغي التشاغل بها!!

ومن جرائمه الّتي لا تستقال ولا تغتفر ذبحه ولدي عبيد الله بن العباس.

قال الطبري: أرسل معاوية بن أبي سفيان بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطأة فساروا من الشام حتى قدموا المدينة، وعامل علي ـ عليه السَّلام ـ على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري ففرّ منهم أبو أيوب. ثم صعد بسر على المنبر ونادى: يا أهل المدينة والله لو لا ما عهد إليَّ


(97)

معاوية ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته ـ إلى أن قال : ـ ثم مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد الله بن عباس، فلمّا بلغه مسيره فرّ إلى الكوفة واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي على اليمن، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثَقَلَ عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له، فذبحهما (1).

5 ـ معاوية بن أبي سفيان رأس الفئة الباغية

نحن لا نصف معاوية بالأحاديث الذامّة في حقّه وبينها صحاح وحسان، بل نكتفي بالأمر المتواتر وهو انّه كان يرأس الفئة الباغية الّتي قال النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في حقّها: ويح عمار تقتلك الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار».(2)


1 . تاريخ الطبري: 4 / 107، حوادث سنة أربعين ; سير اعلام النبلاء: 3 / 409، برقم 65 .
2 . صحيح البخاري، الجهاد: 6 / 30 رقم 2813. ولاحظ الجمع بين الصحيحين للحُميري: 2 / 47 رقم 1794 .


(98)

هذه نماذج من الصحابة الذين ألبسهم أهل السنّة ثوب العدالة بل العصمة، فلا تراهم يذكرون شيئاً مما يرجع إلى موبقات أعمالهم .

إنّ القرآن الكريم يذكر من بين الصحابة فئات ويصفهم بأنّهم :

1 ـ المنافقون المعروفون (1).

2 ـ المنافقون المختفون (2).

3 ـ مرضى القلوب (3).

4 ـ السمّاعون (4).

5 ـ خالطو العمل الصالح بغيره (5).

6 ـ المشرفون على الارتداد (6).

7 ـ المؤلّفة قلوبهم (7).


1 . المنافقون: 1 .
2 . التوبة: 101 .
3 . الأحزاب: 12 .
4 . التوبة: 47 .
5 . التوبة: 102 .
6 . الأعراف: 154 .
7 . التوبة: 60 .


(99)

8 ـ المولّون أمام الكفّار (1).

9 ـ الفاسقون (2).

ومع هذا التقسيم والتصنيف كيف يمكن أن نصف عامة الصحابة بالعدل والتقى؟! وهذا لا يعني أنّ كلّهم ـ نعوذ بالله ـ كانوا كذلك، بل نقول: إنّ حكمهم حكم التابعين، فالشيعة لا تفرّق بين الصحابي والتابعي، ولا تعدّ وصف أعمالهم بما ثبت في التاريخ الصحيح سبّاً لهم ،ولا تغضّ النظر عن التاريخ الصحيح .

وأمّا ما ورد في القرآن من قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِىَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)وقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) .

وقول النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّ الله اطّلع على أهل بدر ـ انْ كان الخبر صحيحاً ـ فكلّه مشروط بسلامة العاقبة، ولا يجوز أن يخبر الحكيم فرداً غير معصوم بأنّه لا عقاب عليه فليفعل ما شاء.


1 . الأنفال: 15 ـ 16 .
2 . الحجرات: 6 .


(100)

وبعبارة أُخرى: كلّ ما ورد من الثناء على المهاجرين والأنصار في الكتاب العزيز فانّما هو ثناء على مجموعهم لا على كلّ فرد فرد منهم وإن تبيّن فسقه وبانت زلّته، وكم له في الذكر الحكيم من نظير:

1 ـ انّه سبحانه أثنى على بني إسرائيل في غير واحد من الآيات وقال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (1).

2 ـ وقال تعالى: (وَ لَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ وَ رَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (2).

أفيصح لأحد أن يستدلّ بهذه الآيات على تنزيه كلّ فرد من بني إسرائيل؟!

3 ـ وقال تعالى في حق أُمّة نبيّنا: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة


1 . البقرة: 47 .
2 . الجاثية: 6 .


(101)

أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (1).

فالآية تصف الأُمّة المرحومة بأنّها خير أُمّة ولكنّها ليست بصالحة للاستدلال على صلاح كلّ مسلم وفلاحه.

ونحن لم نزل نسمع من كلّ من يحاول إثبات عدالة كلّ صحابي، الاستدلال بهذه الآيات ولكنّهم غفلوا عن نكات:

الأُولى: انّ الآيات نزلت في حقّ المهاجرين والأنصار فأين هي من الأعراب والطلقاء والمرتدّين والمنافقين المندسّين في الصحابة؟!

الثانية: انّها ثناء على مجموعة ولا يخص كلّ فرد فرد منهم ، فإذا أثنى الشاعر على الأُمّة العربية فانّما يريد المجموعة من الأُمّة لا كلّ فرد فرد حتّى أولئك الخونة الذين باعوا الأراضي الإسلامية بثمن زهيد .


1 . آل عمران: 110 .


(102)

الثالثة: الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الخلاف

ثم إنّ كثيراً من المحدّثين والمؤرّخين لمّا وقفوا على الموبقات الّتي ارتكبها بعض صحابة النبي  ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بعد رحيله، أسّسوا هنا أصلاً مفاده ضرورة الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الخلاف، وربّما يقولون تلك دماء طهّر الله منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا!! والقول منسوب إلى عمر بن عبد العزيز وربّما ينسب إلى الإمام أحمد بن حنبل.

وأنت خبير بأنّها تغطية وتعمية على الحقائق الثابتة. لماذا أوجبوا الإمساك عمّا شجر بينهم من الخلاف، وهم بين ظالم ومظلوم، وهذه الشريعة الغرّاء تدعونا إلى أن نكون للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً.

على أنّ الكلام المنسوب لعمر بن عبد العزيز أو أحمد بن حنبل يوهم بأنّ تلك الدماء كلّها قد سفكت بغير حق، فكأنّ القاتلين والمقتولين في الحروب الثلاثة:


(103)

الجمل وصفين والنهروان كلّهم طغاة وبغاة، يجب أن لا نلوّث ألسنتنا بدمائهم.

هذا غيض من فيض ممّا يمكن أن يقال في الصحابة، ولو أردنا ان نفصّل البحث فيهم ونسرد أسماء من ظهر منهم الظلم والفسق ـ كالحكم بن أبي العاص، وابنه مروان بن الحكم، ووحشي بن حرب قاتل حمزة، وعبد الله بن وهب الراسبي من رؤوس الخوارج وأمثالهم ـ لاحتجنا إلى كتاب مفرد، وعند ذاك أذعنت انّ الحقّ مع الشيعة حيث تنظر إلى الصحابة والتابعين بنظرة واحدة، وتكيلهما بكيل واحد ولا ترى دراسة أحوال الصحابة بالمعايير الصحيحة، سبّاً لهم، وذلك اقتداءً بالكتاب العزيز أوّلاً، والسنّة النبوية ثانياً، والسلف الصالح ثالثاً، فإنّ الجميع يحفل بذكر الفضائل والمناقب، كما يحفل بذكر مساوئ الأعمال وقبائح الأفعال.


(104)

9
إنّ عليّاً لم يكفّر أحداً ممّن قاتله

يقول الشيخ :

إنّ عليّاً لم يكفّر أحداً ممّن قاتله حتّى ولا الخوارج، ولا سبَّ ذرية أحد منهم، ولا غنم ماله، ولا حكم في أحد ممّن قاتله بحكم المرتدّين كما حكم أبو بكر وسائر الصحابة في بني حنيفة وأمثالهم من المرتدّين، بل كان يترضّى عن طلحة والزبير وغيرهما ممّن قاتلهم، ويحكم فيهم وفي أصحاب معاوية ممّن قاتلهم بحكم المسلمين، وقد ثبت بالنقل الصحيح عند أهل السنّة وغيرهم أنّ مناديه نادى يوم الجمل لا يُتبع مدبر، ولا يُجهز على جريح ولا يغنم مال. واستفاضت الآثار أنّه كان يقول عن


(105)

قتلى معاوية: إنّهم جميعاً مسلمون ليسوا كفّاراً ولا منافقين. وهذا ثبت بنقل الشيعة عن نفسها (1).

المناقشة:

ما ذكره فضيلة الشيخ لا غبار عليه، ونحن الشيعة لا نكفِّر أحداً من الصحابة ولا التابعين ولا سائر الفرق ممّن يشهدون بالأُصول الثلاثة:

1 ـ التوحيد .

2 ـ رسالة النبي الخاتم .

3 ـ المعاد.

وهذا هو معيار الإيمان والكفر في كتبهم ونقتصر هنا على كلمتين لعلمين من قدماء الإمامية:

قال ابن ميثم البحراني (المتوفّى 679 هـ) شارح النهج: الكفر إنكار صدق الرسول وإنكار شيء ممّا علم مجيئه به بالضرورة.(2)


1 . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 23 .
2 . قواعد المرام: 171 .


(106)

وقال الفاضل المقداد (المتوفّى 828 هـ) : الكفر اصطلاحاً هو إنكار ما علم ضرورة مجيء الإسلام به (1).

ولو حاولنا أن نذكر نصوص علمائنا القدامى في معيار الإيمان والكفر لطال بنا الكلام في المقام مع أنّ أساس الرسالة قائم على الإيجاز والاختصار .

وها نحن نردف النصّين المذكورين بنصّين آخرين لأشهر مراجع الفتيا بين الشيعة في هذه الأعصار:

قال السيد الطباطبائي: والمراد بالكافر من كان منكراً للأُلوهية أو التوحيد أو الرسالة أو ضرورياً من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضروريّاً بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة (2).

وقال السيد الإمام الخميني: الكافر: هو من انتحل غير الإسلام، أو انتحله وجحد ما يعلم من الدين ضرورة


1 . إرشاد الطالبين: 443 .
2 . العروة الوثقى، كتاب الطهارة، قسم النجاسات الثامن: الكافر: 24 .


(107)

بحيث يرجع جحوده إلى إنكار الرسالة أو تكذيب النبي  ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أو تنقيص شريعته المطهّرة (1).

وعلى ذلك، فأبناء الفرق الإسلامية سنّيّهم وشيعيّهم محكومون بالإسلام ما داموا يستظلّون بخيمة التوحيد والرسالة والاعتقاد بالمعاد ولا ينكرون شيئاً من ضروريات الدين التي ربّما يرجع إنكارها إلى انكار الرسالة .

فأين التكفير الذي يفترى على الشيعة بالنسبة إلى سائر الفرق؟! وقد عرفت أنّ وصف الأعمال ودراسة حياة الصحابي والتابعي لا يمَتُّ إلى السبّ ولا إلى التكفير، ولو كان هناك خطب فانّما هو في كتب الآخرين وأفعالهم، وبما أنّ فضيلة الشيخ من الحنابلة نذكر شيئاً قليلاً من تكفيراتهم المروّعة لطوائف من المسلمين، حتّى يتبيّن الداعي إلى وحدة الكلمة عن مفرّق الجماعة والصفوف!!


1 . تحرير الوسيلة: 1 / 118 .


(108)

مسلسل التكفير في كتب الحنابلة:

إنّ فضيلة الشيخ رمى الشيعة تلويحاً بتهمة تكفير البعض، وقد عرفت أنّ الشيعة بريئة من هذه التهمة، وانّ كل من آمن بالأُصول الثلاثة ولم ينكر شيئاً من ضروريات الدين فهو مسلم، والمسلم أخو المسلم من غير فرق بين شيعيّهم وسنّيّهم، ويجب على الجميع الاعتصام بحبل الله والوقوف بوجه كلّ من يتربّص بالإسلام الدوائر.

ولكن أُلفِتُ نظر الشيخ لنكتة مهمة وهي وجود مسلسل التكفير في كتب الحنابلة بالنسبة إلى بعض أئمة المذاهب الفقهية وسائر المسلمين، وها نحن نذكر نماذج لهذا الموضوع :

1 ـ تكفير أبي حنيفة والحنفية:

هذا هو عبد الله بن أحمد بن حنبل (المتوفّى 290 هـ) كفّر في كتابه «السنّة» أبا حنيفة وعرّفه بالنحو التالي: كافر، زنديق، مات جهمياً، ينقض الإسلام عروة عروة، ما


(109)

ولد في الإسلام أشأم ولا أضرَّ على الأُمّة منه، وأنّه أبو الخطايا، وأنّه يكيد الدين، وأنّه نبطي غير عربي وأنّ الخمّارين خير من أتباع أبي حنيفة، وأنّ الحنفية أشدّ على المسلمين من اللصوص، وأنّ أصحاب أبي حنيفة مثل الذين يكشفون عوراتهم في المساجد! وأنّ أبا حنيفة سيُكبّه الله في النار، وأنّه أبو جيفة، وانّ المسلم يؤجر على بغض أبي حنيفة وأصحابه... (1)

وربّما يتصوّر القارئ أن التكفير يختصّ بالولد وأنّ الوالد ـ أعني الإمام أحمد ـ منزّه عن هذه الوصمة، ولكنّه لو رجع إلى كتبه المطبوعة باسمه يرى أنّ الولد تبع والده في التكفير .

2 ـ تكفير من قال: القرآن كلام الله:

هذا هو الوالد يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو


1 . كتاب السنّة: 1 / 184 ـ 210، ولكلامه صلة فمن أراد فليرجع إلى نفس الكتاب .


(110)

جهميّ كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من قول الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي، ومن لم يكفّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم (1).

تجد أنّ الإمام يكفّر من قال بأنّ القرآن كلام الله ووقف، بل يراه أخبث ممّن يقول بأن القرآن مخلوق، وحتّى يكفّر من لم يكفّرهم. وعندئذ نسأل فضيلة الشيخ: انّ مسألة خلق القرآن وعدمه أو حدوث القرآن وقدمه، مسألة ليس لها جذور في الكتاب والسنّة وإنّما طُرحت في أيام خلافة المأمون وكانت بصمات يوحنّا النصراني الدمشقي (2) عليها واضحة، أليس اللازم على الإمام أحمد


1 . طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: 1 / 29 .
2 . وهو من حفدة سرجون بن منصور الرومي النصراني المشرف على الشؤون المالية للدولة الأُموية في عصر معاوية ومن بعده إلى زمن عبد الملك. وقد بسطنا ـ في كتابنا «بحوث في الملل والنحل» ج 3 ـ الكلام في تاريخ مسألة حدوث القرآن وقدمه وأنّها من أين نشأت؟ وكيف دخلت في حوزة الإسلام؟


(111)

ـ حسب أُصول المحدّثين والسلفيّين ـ أن لا يخوض في هذه المسألة عند المرور عليها ويسكت عن وصف القرآن بالقدم أو الحدوث؟!

وربما يتصوّر القارئ أن مسلسل التكفير قد انتهى في أوساط الحنابلة بموت الوالد والولد، ولكن المتتبع في التاريخ يرى استمرار التكفير على يد علماء الحنابلة. كابن تيميّة وتلميذه ابن القيم ونذكر من الاخير شيئاً .

3 ـ التكفير عند ابن قيّم الجوزية:

لقد نحا ابن قيّم الجوزية (المتوفّى 751 هـ) منحى أُستاذه ابن تيميّة في تكفير المسلمين فأطلق على المسلمين قاطبة اسم «المعطّلة» وعلى منهجه ومنهج أُستاذه اسم «المثبتة» حيث اختلفا مع سائر المسلمين في مفاد الصفات الخبرية كيد الله، وعين الله، وغيرهما، فالمسلمون على إجراء هذه الصفات على الله سبحانه مع


(112)

تجريدها من التشبيه والتجسيم، ولكنّهما يصرّان على إجرائها على الله سبحانه بنفس معانيها اللغوية من دون تجريد عن التجسيم والتشبيه، ولذلك يطلقون على فرق المسلمين من الأشاعرة والمعتزلة والإمامية اسم «المعطّلة».

يقول ابن القيّم في نونيته المعروفة، المشحونة بالتشبيه والتجسيم :

لكن أخو التعطيل شر من أخي * الإشراك بالمعقول والبرهان

ان المعطَّل جاحد للذات أو * كمالها هذان تعطيلان

والمشركون أخف في نعراتهم * وكلاهم من شيعة الشيطان(1)


1 . شرح نونية ابن القيم: 1 / 27. ولاحظ كتابنا بحوث في الملل والنحل الجزء الرابع .


(113)

4 ـ تشبيه الروافض باليهود والنصارى:

إنّ من البحوث الدارجة في كتب الحنابلة هو تشبيه الشيعة أو الروافض حسب مصطلحهم باليهود والنصارى، وهذا هو ابن الجوزي (510 ـ 597 هـ) قد فتح باباً في كتاب «الموضوعات» في تشبيه الروافض باليهود والنصارى، وذكر هناك وجوهاً عشرة تجمعهم، فقال:

1 ـ محنة الرافضة، محنة اليهود قالت اليهود لا يصلح الملك إلاّ في آل داود وقالت الرافضة لا تصلح الإمارة إلاّ في آل علي.

2 ـ وقالت اليهود لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وقالت الرافضة لا جهاد حتى يخرج المهدي... (1)

وقد سبقه إلى ذلك ابن حزم الظاهري (المتوفّى


1 . الموضوعات: 1 / 338 ـ 339 .


(114)

456 هـ) فذكر نفس الوجوه التي اعتمد عليها ابن الجوزي في «الموضوعات» والظاهر انّ ابن الجوزي أخذها عن ابن حزم (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)(1).

قل لنا يا صاحب الفضيلة: هل رأيتم شيعياً يُشبّه أخاه السنّيّ باليهود ويختلق له وجوهاً عشرة، كيف يطيب لكم إخراج هذه الكتب وطبعها ونشرها وقراءتها دون أن تؤدّوا واجبكم أمام هذه التهم؟! أفرأيتم شيعياً، يصلّي إلى غير الكعبة، أو ينتحل غير دين الإسلام، أو يختلف في القرآن أنّه كلام الله سبحانه النازل على قلب سيد المرسلين ليكون من المنذرين، أو يختلف في الصلوات الخمس، أو في حج بيت الله الحرام، وما ضاهاها من الأُصول والفروع.

نعم يفارق الشيعة إخوانَهم السنّة في مسائل اجتهادية، فهم مثلاً يمسحون الأرجل مكان غسلها ـ تبعاً لظاهر الكتاب ـ ولا يروْن المسح على الخفين مجزياً،


1 . الأنعام: 112 .


(115)

ويجهرون بالبسملة في الصلوات الجهرية، ويقولون بجواز الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر من دون عذر ; أخذاً بما روي عنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ متضافراً: «جمع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر»، ويروْن القصر والإفطار في السفر عزيمة لا رخصة، ويقيمون نوافل رمضان (التراويح) فرادى في البيوت عملاً بوصية الرسول  ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويصدرون في هذه الموارد ونظائرها عن الكتاب والسنّة.

نعم لولا الدعايات الخادعة، من الأُمويّين والعباسيّين ثم العثمانيّين عبر القرون في تشويه سمعة الشيعة، لعلمتم أنّ الشيعي هو الأخ الذي افتقدتموه طيلة قرون، والتشيّع والتسنّن صنوان من أصل واحد، والاختلاف بين الشيعة والسنّة، ليس بأكثر من الاختلاف بين المذاهب الأربعة. يعرف ذلك من له إلمام بالفقه على المذاهب الخمسة .


(116)

وهذا هو ابن جبرين المعاصر ، جلس على منصة الفتيا في السعوديّة وكفّر الشيعة في جواب سؤال رُفع إليه، فقال في جواب السؤال :

أما بعد; فلا يحل ذبح الرافضي ولا أكل ذبيحته، فإنّ الرافضة غالباً مشركون، حيث يدعون علي بن أبي طالب دائماً في الشدة والرخاء حتى في عرفات والطواف والسعي... (1)

سبحان الله تُؤكل ذبيحة اليهودي والنصراني في الحرمين الشريفين، وفي عامَّة بلادهم مع أنّها ذبيحة لم يذكر عليها اسم الله، ولكن لا تباح ذبيحة من آمن بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن كتاباً، وبالكعبة قبلة!!


1 . الجواب المؤرخ: 22 / 2 / 1412 هـ وقد ألّفنا رسالة مفردة في رد ما افترى على الشيعة في هذه الفتيا القصيرة، وطبعت باسم: «القول المبين في الرد على ابن جبرين».


(117)

وقد حكى بعض المعاصرين في كتاب له أنّه رأى رسالة عنوانها «بذل المجهود في مشابهة الرافضة لليهود» وأضاف قائلاً :

نشأنا هنا في الخليج عامة وفي المملكة خاصة على أن الشيعة فيهم معظم صفات اليهود والنصارى وأنّهم أسوأ من اليهود والنصارى بخصلتين حتى طبعت في ذلك الكتب ونوقشت الرسائل العلمية! مع أنّ كل هذا أخذناه من ابن تيمية، فقد ذكره ابن تيمية في مقدّمة منهاج السنة معتمداً على رواية مكذوبة من رواية أحد الكذّابين واسمه عبد الرحمن بن مالك بن مغول رواها عن والده عن الشعبي، وهما بريئان من تلك الرواية.

أبعد مسلسلات التكفير والتفسيق هذه، يصح لشيخنا القاضي أن يشتكي الشيعة بتكفيرهم وتفسيقهم الآخرين، فأيّ الفريقين أولى بالإثم، فاقضِ بوجدانك الحرّ؟!!


(118)

حرام على بلابله الدوح

قل لنا يا صاحب الفضيلة: أنتم من قضاة المحكمة الكبرى في القطيف ـ حسب العنوان المكتوب على غلاف الرسالة ـ والقطيف جزء من المنطقة الشرقية، يغلب عليها التشيّع من العصور الأُولى إلى يومنا هذا، فلماذا تصادرون الكتب الشيعية، وفي الوقت نفسه، تدخل المجلات الغربية التي رسالتها الدعوة إلى الخلاعة والانحلال الأخلاقي، بوفرة من دون رقابة؟!

أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس

هذا وقد أصبحت الرياض ـ بحمد الله ـ عاصمة للثقافة عام 2000 م، ومع هذا، لا تزال الكتب الشيعية حتى المصاحف المطبوعة في إيران، والصحيفة السجادية تصادر بلا اكتراث من قبل رجال الجمارك، ويُمنع الزائرون من إدخالها .

وقد اقتصرتُ في هذا المقام على بثّ القليل من


(119)

الشكوى ، ونحيل الباقي إلى آونة أُخرى .

فدع عنك نهباً، صِيحَ في حَجَراته * ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

اللهم ارزق المسلمين توحيد الكلمة، كما رزقتهم كلمة التوحيد، واجعل الجميع صفاً واحداً أمام الأعداء وأرنا الحقّ ووفّقنا لاتّباعه، وأرنا الباطل وأعنّا على اجتنابه بمنِّك وجودك وإحسانك.


(120)

10
الشيعة خالفوا إمامهم عليّاً

يقول الشيخ:

إنّ عليّاً يذم الذين ادعوا التشيع له وخالفوا أوامره من شيعة الكوفة حتى قال فيهم:

1 ـ «لودِدْتُ أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ منّي عشرة منكم، وأعطاني رجلا منهم. يا أهل الكوفة منيتُ منكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وْبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصار»(1).

2 ـ وقال: «اللهم إنّي مللتُهم وملّوني، وسئمتهم


1 . نهج البلاغة: الخطبة 93 ط عبده; شرح نهج البلاغة: 7 / 70 ـ 71 .


(121)

وسئموني فأبدلني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شرّاً منّي»(1).

وقال: «يا أشباه الرجال ولا رجال! حلوم الأطفال، وعقول ربّات الحجال لوَدِدْت أنّي لم أَرَكم، ولم أعرفْكم معرفةً ـ والله ـ جرّت ندماً وأعقبتْ سَدَماً، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرّعتموني نُغَبَ التهمام أنفاساً، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان». (2)

المناقشة:

إنّ فضيلة الشيخ يتصوّر أنّ أهل العراق كانوا على رأي واحد، وكانوا كلهم شيعة الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وذم الإمام ـ عليه السَّلام ـ يتوجّه إلى شيعته وتابعيه، وبذلك استدلّ على أنّ الشيعة


1 . نهج البلاغة: الخطبة 24 ط عبده ; شرح نهج البلاغة: 1 / 333 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 26، ط عبده ; شرح نهج البلاغة: 2 / 74 ـ 75 .


(122)

خالفوا إمامهم، ولكنّه لو قلب صفحات التاريخ لوقف على أنّ أهل العراق كانت لديهم أهواء مختلفة ومشارب متنّوعة.

يقول ابن أبي الحديد: إنّ أصحاب علي كانوا فرقتين :

إحداهما: تذهب إلى أن عثمان قُتل مظلوماً وتتولاّه وتبرأ من أعدائه.

والأُخرى ـ وهم جمهور أصحاب الحرب وأهل الغَناء والبأس ـ : يعتقدون أنّ عثمانَ قتِل لأحداث أوجبت عليه القتل، وقد كان منهم من يصرّح بتكفيره. وكل من هاتين الفرقتين يزعم أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ موافق لها على رأيها، وتطالبه في كل وقت بأن يبدي مذهبه في عثمان وتسأله أن يجيب بجواب واضح في أمره، وكان ـ عليه السَّلام ـ يعلم أنّه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الأُخرى وأسلمته وتولّت عنه وخذلته، فأخذ ـ عليه السَّلام ـ يعتمد في جوابه ويستعمل في كلامه


(123)

ما يظن به كل واحدة من الفرقتين أنّه يوافق رأيها ويماثل اعتقادها (1).

والإمام وإن كان يخاطب أهل الكوفة ويذمّهم، إلاّ أنّ المجتمع الكوفي لم يكن آنذاك معقل الشيعة حسب، بل كانت تتقاسمه اتجاهات مختلفة :

1 ـ طائفة كانت علويّة الهوى تقاتل مع علي ـ عليه السَّلام ـ عن عقيدة وثبات بما أنّه خليفة الرسول الذي نصّ على خلافته في يوم الغدير وغيره، وهم الشيعة الخلّص كعمار بن ياسر، وحجر بن عدي، وعمرو بن الحَمِق، وصعصة بن صوحان، وزيد بن صوحان، وكميل بن زياد، وميثم التمار، وغيرهم من أعيان الشيعة وروّادهم.

2 ـ طائفة أُخرى كانت على عقيدة التربيع، وأنّ الإمام رابع الخلفاء وتجب إطاعته كإطاعة السابقين، فلذلك أجابوا دعوته وحاربوا الناكثين في البصرة


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7 / 73 ـ 74 .


(124)

والقاسطين في صفين والمارقين في النهروان .

3 ـ طائفة ثالثة كانت عثمانية الهوى، وهم أهل البصرة الذين ساندوا طلحة والزبير في محاربتهما عليّاً، ولمّا قُتلا انضمّوا إلى جيش علي ـ عليه السَّلام ـ كرهاً لا طوعاً، وكانوا يضمرون لعلي ـ عليه السَّلام ـ الحقد والكراهية، ويطيعونه في الظاهر.

4 ـ طائفة رابعة هي الطابور الخامس لمعاوية، كالأشعث بن قيس (ومن كان معه) الذي أفسد الأمر على الإمام في قضية رفع المصاحف، وحتى خُدع به جمع غفير ممّن كان في عسكر الإمام ـ عليه السَّلام ـ وإنْ ندموا على فعلهم فيما بعد، وهم الخوارج.

والذي يوقفك على أنّ الإمام لا يخاطب فئة خاصة، بل يخاطب المجتمع الكوفي بكافة عناصره، ما رواه المؤرخون في أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ بعدما خاطب القوم بقوله: «يا أشباه الرجال ولا رجال حُلوم الأطفال، وعقول ربَّات


(125)

الحجال» قام إليه رجل آدم طوال، فقال: ما أنت بمحمد، ولا نحن بأُولئك الذين ذكرت، فقال ـ عليه السَّلام ـ : «أحسن سمعاً تُحسن إجابة، ثكلتكم الثواكل! ما تزيدونني إلاّ غمّاً! هل أخبرتكم أنّي محمد، وأنّكم الأنصار! إنّما ضربت لكم مثلاً، وإنما أرجو أن تتأسّوْا بهم»(1).

ثم قام رجل آخر، فقال: ما أحوج أمير المؤمنين اليوم وأصحابه إلى أصحاب النهروان. ثم تكلّم الناس من كل ناحية ولغطوا، وقام رجل منهم، فقال بأعلى صوته: استبان فقدُ الأشتر على أهل العراق! أشهد لو كان حياً لقلّ اللغط، ولعلم كلّ امرئ ما يقول.

فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : «هبلتكم الهوابل! أنا أوجب عليكم حقّاً من الأشتر، وهل للأشتر عليكم من الحقّ إلاّ حقّ المسلم على المسلم» !

فقام حجر بن عدي الكندي وسعيد بن قيس


1 . شرح نهج البلاغة: 1 / 89 ـ 90 .


(126)

الهمداني، فقالا: لا يسوءك الله يا أمير المؤمنين، مرنا بأمرك نتبعه، فوالله ما نعظم جزعاً على أموالنا إن نفدتْ، ولا على عشائرنا إن قتلت في طاعتك، فقال: «تجهّزوا للمسير إلى عدونا».(1)

وقد ابتُلي الإمام بهذه الطوائف المختلفة الأهواء المتعددة المشارب، ومع ذلك حارب بها الناكثين والقاسطين والمارقين، وهذا يدلّ على حكمته وصبره.

قال ابن أبي الحديد:

إنّ علياً كان يقرأ في صلاة الصبح وخلفه جماعة من أصحابه، فقرأ واحد منهم رافعاً صوته، معارضاً قراءة أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ( إنِ الحُكْمُ إلاّ للهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلينَ)(2) فلم يضطرب ـ عليه السَّلام ـ ولم يقطع صلاته ولم يلتفت وراءه، ولكنّه قرأ معارضاً له على البديهة (فاصْبِرْ


1 . شرح نهج البلاغة: 1 / 90 .
2 . الأنعام: 57 .


(127)

إنّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ وَلا يَسْتَخفَّنّكَ الّذينَ لا يُوْقِنُونَ)(1). وهذا صبر عظيم (2).


1 . الروم: 60 .
2 . شرح نهج البلاغة: 7 / 73 .


(128)

11
الإمام ينهى عن الجزع في المصيبة

يقول الشيخ:

1 ـ وفي نهج البلاغة: وقال علي ـ عليه السَّلام ـ بعد وفاة النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ مخاطباً إيّاه: لولا أنّك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لأنفدنا عليك ماء الشؤون(1).

2 ـ وذكر في نهج البلاغة أيضاً انّ علياً ـ عليه السَّلام ـ قال: من ضرب يده على فخذه عند مصيبته حبط أجره (2).


1 . نهج البلاغة: الخطبة 230، شرح محمد عبده; شرح نهج البلاغة: 13 / 24 .
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم، 144 ; شرح نهج البلاغة: 18 / 342 .


(129)

المناقشة:

إنّ فضيلة الشيخ ذكر هاتين الكلمتين تحت في عداد البحث عن الغلو مع أنّهما لا صلة لهما بالغلو وانّما هي مسألة أُخرى، وهي جواز البكاء على الميت وعقد المجالس لأجله، وهذه مسألة فقهية ثبت جوازها بقول الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وفعله، وإليك التفصيل:

الحزن والتأثّر عند فقدان الأحبّة أمر جُبلت عليه الفطرة الإنسانية، فإذا ابتلي الإنسان بمصاب عزيز من أعزّائه أو فلذة من أفلاذ كبده وأرحامه، يحسُّ بحزن شديد، تُذرف على أثره الدموع ، دون أن يستطيع أن يتمالك حزنه أو بكاءه.

ولا أجد أحداً ينكر هذه الحقيقة إنكارَ جد وموضوعية، ومن الواضح بمكان انّ الإسلام دين الفطرة يجاريها ولا يخالفها.

قال سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)(1).


1 . الروم: 30 .


(130)

ولا يمكن لتشريع عالميٍّ أن يمنع الحزن والبكاء على فقد الأحبّة ويحرّم البكاء إذا لم يقترن بشيء يُغضبُ الربّ.

ومن حسن الحظ نرى أنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان ساروا على وفق الفطرة.

فهذا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يبكي على ولده إبراهيم، ويقول: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولانقول إلاّ ما يُرضي ربنا، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون» (1).

روى أصحاب السِّيَر والتاريخ، أنّه لمّا احتضر إبراهيم ابن النبي، جاء ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فوجده في حجر أُمّه، فأخذه ووضعهُ في حجره، وقال: «يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من الله شيئاً ـ ثمّ ذَرفتْ عيناه وقال: ـ إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون، تَبكي العينُ ويحزن القلبُ ولا نقول ما يسخط الربّ، ولولا أنّه أمرٌ حقٌّ ووعدٌ صدقٌ وأنّها سبيل


1 . سنن أبي داود: 1 / 58 ; سنن ابن ماجة: 1 / 482 .


(131)

مأتيّة، لحزَنّا عليك حزناً شديداً أشدّ من هذا».

ولمّا قال له عبد الرحمان بن عوف: «أو لم تكن نهيت عن البكاء»؟ أجاب بقوله: «لا، ولكن نَهيتُ عن صوتين أحمقين وآخرين، صوت عند مصيبة وخمش وجوه وشقّ جيوب ورنّة شيطان، وصوت عن نغمة لهو، وهذه رحمة، ومن لا يَرحم لا يُرحَم»(1).

وليس هذا أوّل وآخر بكاء منه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ عند ابتلائه بمصاب أعزّائه، بل كان ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بكى على ابنه «طاهر» ويقول: «إنّ العين تذرف وإنّ الدمع يغلب والقلب يحزن، ولا نعصي الله عزّ وجلّ»(2).

هذا ولو حاولنا أن نجمع الموارد التي بكى فيها النبي والصحابة والتابعون على أعزائهم عند افتقادهم، لخرجنا برسالة مفردة ولكننا نقتصر هنا على بعض الموارد:(3)


1 . السيرة الحلبية: 3 / 348 .
2 . مجمع الزوائد للهيثمي: 3 / 8 .
3 . لاحظ كتابنا «بحوث قرآنية في التوحيد والشرك»: 141 ـ 149 .


(132)

1 ـ لما أُصيب حمزة ـ رضى الله عنه ـ وجاءت صفية بنت عبد المطلب تطلبه فحال بينها وبينه الأنصار، فقال  ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ دعوها، فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وإذا نشجت نَشَجَ، وكانت فاطمة ـ عليها السَّلام ـ تبكي، ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كلّما بكت يبكي، وقال: لن أُصاب بمثلك أبداً(1).

2 ـ ولما رجع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ من أُحد بكت نساء الأنصار على شهدائهن، فبلغ ذلك النبي  ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فرجع الأنصار فقالوا لنسائهم لا تبكين أحداً حتى تبدأن بحمزة، قال: فذاك فيهم إلى اليوم لا يبكين ميّتاً إلاّ بدأن بحمزة(2).

3 ـ وهذا هو ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ينعى جعفراً وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة وعيناه تذرفان (3) .


1 . امتاع المقريزي: 154 .
2 . مجمع الزوائد: 6 / 120 .
3 . سنن البيهقي: 4 / 70 .


(133)

4 ـ وهذا هو ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قد زار قبر أُمه وبكى عليها وأبكى من حوله(1).

5 ـ وهذا هو ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يقبّل عثمان بن مظعون وهو ميت ودموعه تسيل على خده(2) .

6 ـ وهذا هو ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يبكي على ابن لبعض بناته، فقال له عبادة بن الصامت: ما هذا يا رسول الله  ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: الرحمة التي جعلها الله في بني آدم وإنّما يرحم الله من عباده الرحماء(3).

7 ـ وهذه الصدّيقة الطاهرة تبكي على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وتقول: يا أبتاه مِنْ ربه ما أدناه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه(4).


1 . سنن البيهقي: 4 / 70 .
2 . سنن أبي داود: 2 / 63 .
3 . سنن أبي داود: 2 / 58، سنن ابن ماجة: 1 / 481 .
4 . مستدرك الحاكم: 3 / 163 .


(134)

إذا وقفت على ذلك لتبيّن ان البكاء على الميت والحزن على فقدان الأحبّة أمر جميل جرت عليه السيرة، نعم الجزع المُعرِب عن الاعتراض على قضاء الله أمر مذموم وهذا ما قصده الإمام من قوله: «ولو لا أنّك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع» .

إنّ ما أجاب به النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ على اعتراض عبد الرحمان بن عوف يوضح ما هوالمنهي عنه في المقام حيث قال ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّما نهيت عن صوتين أحمقين، وآخرين: صوت عند مصيبة وخمش وجوه وشقّ جيوب ورنة شيطان» ومعنى ذلك هو انّ المنهي عنه هو الجزع الملازم لخمش الوجوه وشق الجيوب ورنة الشيطان، ومن المعلوم أنّ الجزع بهذا المعنى لا يفارق الاعتراض على قضاء الله وتقديره، وأين هو من البكاء على فقد الأحبّة، مسلّماً لقضاء الله وراضياً بتقديره، دون أن يتكلّم بشيء يغضب الربّ أو يعمل عملاً يسخطه.


(135)

والّذي يدلّ على ذلك أنّ الإمام جعل ضرب اليد على الفخذ عند المصيبة سبباً لحبط أجره، لأنّ الضرب نظير خمش الوجوه وشقّ الجيوب.

والحاصل: انّ البكاء والندب على فقد الأحبة وتبادل التعازي، لا ينافي الصبر الّذي أمرنا الله به سبحانه وقال: (وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)(1).

وليس كبح النفس عن البكاء، وعدم تذريف الدموع آية الصبر، وخلافها آية الجزع بل يجمعهما الرضا بالقضاء والقدر سواء أبكي أم لا، ذرفت عينه الدموع أم لا.

نعم، بقي هنا كلام، وهو ان فضيلة الشيخ ندّد بمظاهر الحزن التي تُنشر في أيام عاشوراء وجعلها من أمارات الجزع.

ونُلفت نظر فضيلة الشيخ إلى النقاط التالية، وإنْ كان


1 . البقرة: 155 ـ 156 .


(136)

الموضوع يحتاج إلى بسط في الكلام :

الأُولى: إنّ اجتماع الشيعة في أيّام عاشوراء وإظهار الحزن على ما جرى على الحسين ـ عليه السَّلام ـ وأولاده وأصحابه في ذلك اليوم، يُعد من مظاهر الحب للرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وآله، ومن الواضح أنّ حبَّ الرسول وأهل بيته من أُصول الإسلام، فقد تضافرت الأدلّة على ذلك ويكفيك ما يلي!

فقد أمر الكتاب والسنّة بحب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وودّه أوّلاً، وتكريمه وتوقيره ثانياً، وحثّ عليهما في الشريعة قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ وَ إِخْوَانُكُمْ وَ أَزْوَاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَ تِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَ مَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(1).

1 ـ وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا يؤمن أحدكم حتى


1 . التوبة: 24 .


(137)

أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» (1).

2 ـ وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبّ الناس إليه من والده وولده»(2).

3 ـ وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «ثلاث من كنَّ فيه وجَدَ حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، وأن يُحبّ في الله ويُبغض في الله، وأن تُوقَد نار عظيمة، فيقع فيها أحبّ إليه من أن يشرك بالله شيئاً (3).

وهل يشك أحد في أنّ إظهار الحزن والندب يوم عاشوراء بصور ومظاهر مختلفة آية حب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته ـ عليهم السَّلام ـ ، نعم كثيراً ما نسمع من خطباء الحرمين أنّ الحبّ هو الاتّباع، وهذا لا يخالف ما ذكرنا فإنّ للتعبير عن الحب مظاهر مختلفة، فالاتّباع من مظاهره، كما أنّ الفرح يوم فرحهم والحزن يوم حزنهم من مظاهره.


1 . جامع الأُصول: 1 / 237 ـ 238 برقم 20 و 21 و 22. وهنا روايات، تعطف حبّ العترة على حب الرسول فلاحظ .
2 . المصدر السابق .
3 . المصدر السابق .


(138)

الثانية: إنّ إقامة المآتم ليس أمراً بدْعيّاً، فقد قام بها النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ حال حياته وأهل بيته بعد رحيله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ في مواقف مختلفة، نذكر منها موردين ليكون نموذجاً لما لم نذكر:

1 ـ أخرج إمام الحنابلة أحمد في المسند عن عبد الله بن نجيّ، عن أبيه: أنّه سار مع علي ـ رضى الله عنه ـ فلما جازوا نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي: اصبر أبا عبد الله! اصبر أبا عبد الله بشطّ الفرات! قلت: وماذا؟ قال: دخلت على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ذات يوم وعيناه تفيضان. قلت: يا نبي الله: أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبل فحدّثني: أنّ الحسين يُقتل بشطِّ الفرات، قال: فقال: هلَ لك إلى أن اشهدك من تربته؟ قال: قلت: نعم، فمدَّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا(1).


1 . مسند أحمد: 2 / 60 ـ 61 .


(139)

2 ـ أخرج الحافظ الترمذي عن رزين قال: حدثتني سلمى، قالت: دخلت على أُم سلمة وهي تبكي فقلت: ما يبكيك؟ قالت رأيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ـ تعني في المنام ـ وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال شهدتُ قتل الحسين آنفاً (1).

اقتصرنا على ذكر هذين الموردين، ومن أراد الوقوف على عدد المآتم التي أُقيمت في عصر الرسول وبعد رحيله بين أهل بيته فعليه الرجوع إلى كتاب « سيرتنا وسنتنا سيرة نبيّنا وسنته» للعلاّمة الأميني.

الثالثة: إن الغاية من عقد المجالس وتشكيل الأندية ليس هو إظهار الحزن والندب على شهيد الطف فحسب، بل ثمة غاية أُخرى وهي تخليد الثورة الحسينية في نفوس الأُمّة حتى يتّخذها الأحرار نبراساً مضيئاً ينير درب الجهاد والتضحية، فإن الحسين ـ عليه السَّلام ـ كما يعرّفه ابن أبي الحديد


1 . سنن الترمذي: 13 / 193 .


(140)

هو: سيد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف، اختياراً له على الدنيّة، أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ عُرض عليه الأمان، فأنف من الذل، وخاف من ابن زياد ان يناله بنوع من الهوان إن لم يقتله، فاختار الموت على ذلك.(1)

نعم، إنّ الذين يسودهم الجبن ويروْن الخروج على الإمام الظالم حراماً لا تروقهم تلك المظاهر الحزينة ويكنّون للأحرار وسيّدهم حقداً دفيناً، يقول الشيخ عمر النسفي في كتابه العقائد النسفية:

ولا ينعزل الإمام بالفسق ـ أي الخروج على طاعة الله تعالى وظلم عباده ـ لأنّ الفاسق من أهل الولاية ، وربّما يعلّل ذلك بأنّه قد ظهر الفسق واشتهر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم، ولا يروْن الخروج عليهم. (2)


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 249 .
2 . شرح العقائد النسفية ممزوجاً مع المتن : 185 ـ 186 .


(141)

12
نهي الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ عن الغلو

يقول الشيخ:

1 ـ وجاء في نهج البلاغة أنّ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ قال: «وسيهلك فيّ صنفان: محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، وخير الناس فيَّ حالاً النمط الأوسط فالزموه، والزموا السواد الأعظم فإنّ يد الله مع الجماعة وإيّاكم والفرقة» (1).

2 ـ وجاء في نهج البلاغة ما يخالف اعتقاد الشيعة


1 . نهج البلاغة: الخطبة 123، شرح محمد عبده ; شرح ابن أبي الحديد: 8 / 112 .


(142)

في عصمة الأئمة ـ حيث قال أمير المؤمنين ـ كما يروي صاحب النهج: «فلا تكفُّوا عن مقالة بحقّ، أو مَشُورة بعدل، فانّي لست في نفسي بفوق أن أُخْطِئ ولا آمن ذلك من فعلي»(1).

3 ـ وفي نهج البلاغة أيضاً كان علي ـ عليه السَّلام ـ يوصي ابنه الحسن ـ عليه السَّلام ـ حيث قال :

«فإن أشكل عليك في ذلك فاحمله على جهالتك به، فانّك أوّل ما خُلِقْتَ جاهلاً ثم علمت، وما أكثرَ ما تجهل من الأمر ويتحيّر فيه رأيك، ويَضلُّ فيه بصرك ثم تُبصره بعد ذلك»(2).

4 ـ كان علي يناجي ربَّه بهذا الدعاء كما يروي صاحب النهج: «اللّهم اغفر لي ما أنت أعلم به مّني فإن


1 . نهج البلاغة: الخطبة 211، شرح محمد عبده ; شرح ابن أبي الحديد: 11 / 101 ـ 102 .
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل: 31، شرح محمد عبده ; شرح ابن أبي الحديد: 16 / 74 .


(143)

عُدْتُ فَعُدْ علي بالمغفرة» إلى آخر الدعاء. (1) فهذا علي يدعو الله بأن يغفر ذنوبه من السهو وغيره فهل هذا ينافي العصمة. (2)

المناقشة:

الغلو هو عبارة عن تجاوز الحد ومنه غلا السعر، يغلو غلاءً، وغلا بالجارية لحْمُها وعظُمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لِداتها .

والغلو ممقوت أينما كان وحيثما كان وفي أي أمر كان، ولاسيّما في الدين، وقد نهى عنه سبحانه في الكتاب العزيز مرتين، وقال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)(3).

والمراد غلو النصارى في المسيح حيث اتّخذوه ربّاً


1 . نهج البلاغة: الخطبة 75، شرح محمد عبده ; شرح ابن أبي الحديد: 6 / 176 .
2 . تأمّلات في شرح نهج البلاغة: 27 .
3 . النساء: 171 ; المائدة: 77.


(144)

وإلهاً. وعلى ذلك فالغلو هو الإفراط ويمكن أن يكون المراد هو الأعم حتّى يعمّ التقصير والتفريط أيضاً كغلو اليهود في أُمّ عيسى حتّى قذفوا مريم، فيكون المنهي عنه هو مطلق الخروج عن الحد الحقيقي من غير فرق بين الإفراط والتفريط وعليه بعض المفسرين.(1)

وقد نقل الزمخشري عن الإمام أمير المؤمنين علي  ـ عليه السَّلام ـ قوله: «إنّ دين الله بين المقصّر والغالي، فعليكم الفرقة الوسطى فيها يلحق المقصِّر ويرجع إليها الغالي»(2).

وهناك كلمة قيّمة أُخرى نقلها الرضي عن علي ـ عليه السَّلام ـ في قصار الحكم، وهي: «الثناء بأكثر من الاستحقاق مَلَق، والتقصير عن الاستحقاق عِيٌّ أو حسد»(3).

إلاّ أنّ المهم هو معرفة الحد الواقعي الذي لا ينبغي أن يتجاوزه الإنسان، لأنّ الإفراط في الثناء يعد ملقاً والتقصير يعد عيّاً أو حسداً، لكنَّه موضوع آخر خارج عن


1 . تفسير القرطبي: 6 / 21 .
2 . ربيع الأبرار للزمخشري.
3 . قصار الحكم، برقم 347 .


(145)

وضع هذا المؤلَّف، ولكن نقتصر على دراسة كلمات الإمام التي استدلّ بها فضيلة الشيخ على عدم عصمة الإمام أو عصمة ولده الحسن ـ عليهما السَّلام ـ .

أمّا الخطبة الأُولى فلا صلة لها بما يرتئيه الشيخ فإنّه يخبر عن صنفين : محب مفرط ومبغض مفرط، فالأوّل يذهب به الحب إلى غير الحق، كما إذا ذهب إلى أنّه ربّ، والثاني يذهب به البغض إلى غير الحق فيصبح ناصبيّاً ، وليس هذا منطق الإمام وحده بل منطق القرآن الكريم. والشيعة تكفر من قال هو بربوبيته ومن حسن الحظِّ ان الدهر قضى عليهم.

نعم ثَمّة شيء ربّما يخفيه فضيلة الشيخ في قرارة نفسه، وهو أنّه يظن أن الشيعة الإمامية من المحبّين المفرطين بشهادة أنّهم ينقلون فضائله وكراماته، وإخباره عن الغيب ـ بتعليم من نبيّه ـ واستجابة دعائه في برأ الأمراض الصعبة العلاج وزيارة ضريحه والتبرّك به والدعاء والصلاة عند مرقده، ولكنّ عزب عن الشيخ أنّه لو كان هذا ملاك الغلو فالمسلمون قاطبةً ـ إلاّ من شذّ من


(146)

أتباع محمد بن عبد الوهاب ـ من الغلاة حيث يعتقدون كل ما ذكرناه في حق النبي ويعملون نفس ما أشرنا إليه .

فأيّ غلو في نقل الفضائل التي ملأت الصحاح والمسانيد .

وأيّ غلو في أن يخبر الإمام عن الغيب بتعليم من النبي كما أخبر غير واحد من الأنبياء عن الغيب بتعليمه تعالى، وهذا هو النبي صالح ـ عليه السَّلام ـ يخبر عن هلاك قومه بعد ثلاثة أيّام حيث قال لهم:(تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب)(1).

وهذا هو النبي يوسف ـ عليه السَّلام ـ يُخبر عن الغيب بتعليم من الله سبحانه في مواضع متعددة من الذكر الحكيم، منها قوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَ أَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)(2).


1 . هود: 65 .
2 . يوسف: 41 .


(147)

فعلم الغيب النابع من الذات غير المحدّد كمّاً وكيفاً من خصائص الله سبحانه، وأمّا الإخبار عنه في موارد محدّدة بإعلام من الله وتعليم منه فهو من خصائص الأنبياء والأئمة والأولياء .

ومنه يُعلم سائر ما يعتقده الشيعة في حق إمامهم، وقد صدروا في اعتقادهم هذا عن الدليل. والتفصيل موكول إلى كتب العقائد.

وقد أوضح الإمام نفسه هذا الأمر، حينما قال له بعض أصحابه من بني كلب لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك ـ عليه السَّلام ـ ، وقال :

يا أخا كلب، ليس هو بعلم غيب وإنّما هو تعلّم من ذي علم! وإنما علم الغيب علم الساعة، وما عدَّده الله بقوله: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)... فهذا علم الغيب الّذي لا يعلمه أحد إلاّ الله، وما سوى ذلك فعِلمٌ علَّمَه الله نبيَّه فعَلَّمَنيهِ، ودعا لي بأن يَعِيَهُ صدري، وتضطمَّ عليه جوانحي(1) .


1 . نهج البلاغة: الخطبة 124، شرح محمد عبده .


(148)

وقال ـ عليه السَّلام ـ أيضاً:... فوالّذي فَلَقَ الحبّة، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إن الّذي أُنبِّئُكم به عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ما كَذَب المُبَلِّغ، ولا جَهِلَ السامعُ... (1)

وأمّا الخطبة الثانية الّتي ربّما يستظهر منها جواز الخطأ على الإمام، أعني قوله: «فلا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أُخطئ، ولا آمن من ذلك من فعلي إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به منّي»(2).

فهي على خلاف مقصود المستدل أدلّ، وذلك لأنّ كلّ إنسان حسب ذاته ليس بفوق أن يخطئ كيف وهو فقير بالذات، لا يملك كمالاً، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَ اللهُ هُوَ الْغَني الْحَمِيدُ)(3). وقوله سبحانه:


1 . نهج البلاغة: الخطبة 97، شرح محمد عبده .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 211، شرح محمد عبده .
3 . فاطر: 15 .


(149)

(إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر)(1) وإنّما يصان عن الخطأ في مرحلتيْ الفكر والعمل بإعصام من الله سبحانه ولا ينال تلك الفضيلة إلاّ الأمثل فالأمثل بفضله سبحانه، وقد أشار يوسف في قوله (وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لاََمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي)(2) إلى كلا الأمرين:

فإلى الأوّل: أي انّ الإنسان حسب ذاته لا يملك كمالاً ولا عصمة أشار إليه بقوله: (إِنَّ النَّفْسَ لاََمَّارَةٌ بِالسُّوء) .

وإلى الثاني: أي إنّ العصمة لطف من الله سبحانه أشار إليه بقوله: (إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي).

ومن عجيب الأمر انّ الإمام في كلامه السابق يشير إلى كلا الأمرين أيضاً:

الأوّل: انّه حسب الذات ليس مصوناً عن الخطأ.


1 . العصر: 2 .
2 . يوسف: 53 .


(150)

الثاني: انّه سبحانه إذا كفاه يكون مصوناً عن الخطأ.

فيشير إلى الأوّل بقوله: «فإنّي لست في نفسي بفوق ان أُخطِئ».

وإلى الثاني بقوله: «إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به منّي».

وكان على الشيخ أن يجتني من الشجرة الطيبة (خطبة الإمام) الثمرة الطيبة (عصمة الإمام عن الخطأ) ولكنه مع الأسف لأجل اعتقاده المسبق أفسد الثمرة ولم يستسغها .

وليس هذا (كلّ إنسان خاطئ بالذات مصون عنه باعتصام الله) منطق الإمام وحده، بل منطق الأنبياء كلّهم، حيث يأمر سبحانه نبيه أن يقول: (قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ)(1).


1 . الأعراف: 88 .


(151)

وأما الخطبة الثالثة ـ أعني: خطاب الإمام لنجله الحسن ـ عليه السَّلام ـ ـ : «فإن أشكل عليك في ذلك فاحمله على جهالتك به، فإنّك أوّل ما خُلِقْت جاهلاً ثم علمتَ، وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحيّر فيه رأيك ويضلّ فيه بصُرك ثم تُبصره بعد ذلك» (1).

فقد استدلّ به الشيخ على أن الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ لم يكن مصوناً عن الخطأ، ولكنّ الاستنتاج بعيد عن الصواب، ونابع عن عدم الدقة في معرفة هدف الرسالة، وذلك :

إنّ الرسالة وإن كانت موجّهة إلى الحسن ـ عليه السَّلام ـ ، وهو فيها محور توجيهات أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، إلاّ أنّ الغاية القصوى منها ـ كما هو الشأن في رسائل المصلحين ـ هي الإرشاد والنصح لعامّة الآباء والأبناء.

ويؤيّد ذلك أنّ الإمام يخاطبه بقوله: «إنّما قلب


1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل: 31، شرح محمد عبده .


(152)

الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قَبِلَتْه، فبادرتُكَ بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبُّك».

يخاطبه الإمام بهذا القول مع أنّ الحسن ـ عليه السَّلام ـ كان يومذاك من أبناء الخمسة والثلاثين حيث إنّ الإمام كتبها عند منصرفه من صفين في منطقة «حاضرين» وعندئذ فما معنى قوله «فبادرتك بالأدب» وقد انقضى شبابه والتحق بالكهول (1).

وقد قلنا: إنّ ما سلكه الإمام من الخطاب لولده العزيز والغاية هي عامّة أولاد المسلمين، هو مسلك المصلحين حيث يخاطبون أبناءهم ومَن يتعلّق بهم ويوبّخونهم، لغاية إسماع الغير، وقد ورد في المثل: «إيّاك أُعني واسمعي يا جارة» .

على أنّ المراد من الجهل في العبارة هو الجهل بأسرار القدر وخفاء وجه الحكمة في بعض الأُمور، فلم


1 . الكهل من كان بين الثلاثين والخمسين في العمر .


(153)

يدلّ دليل على أنّ السبط الحسن ـ عليه السَّلام ـ يعلم عامّة أسرار الخلقة، ولعلّ هناك علوماً استأثر الله بها لنفسه .

وأمّا الخطبة الرابعة ـ أعني قوله ـ : «اللّهم اغفر لي ما أنت أعلم به منّي فإن عُدْتُ فُعد عليَّ بالمغفرة...».

فالعارف بأدعية الإمام وأهل بيته الواردة في الصحيفة العلوية أو الصحيفة السجادية يعرف أنّ هذه الأدعية لغاية تأديب الناس وتعليمهم كيفيةَ الاستغفار من الذنوب، فاقرأ يا فضيلة الشيخ دعاء «كميل» تجد فيه حلاوة المناجاة، وانّ أكثر ما ذكره الإمام واستغفر منه لا يُحتمل في حقّه، بل لا يحتمل في حقّ من دونه، وإنّما ذكرها تأدّباً وتعليماً.

وهناك بيان آخر ذكره الكاتب الكبير أبو الفتح الإربلي (المتوفّى 693 هـ) في كتاب «كشف الغمة في معرفة الأئمة» فقال: إنّ الأنبياء والأئمة ـ عليهم السَّلام ـ تكون أوقاتهم مشغولة بالله تعالى، وقلوبهم مملوءة به، وخواطرهم


(154)

متعلّقة بالملأ الأعلى، وهم أبداً في المراقبة، كما قال ـ عليه السَّلام ـ : «أعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تراه فانّه يراك»، فهم أبداً متوجهون إليه ومقبلون بكلّهم عليه .

فمتى انحطّوا عن تلك الرتبة العالية، والمنزلة الرفيعة، إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب، والتفرغ إلى النكاح وغيره من المباحات، عدّوه ذنباً واعتقدوه خطيئة واستغفروا منه(1).

وحاصل كلامه عبارة عمّا ورد في بعض الآثار من أن «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين» وعلى هذا يحمل ما روي عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «إنّه ليُران على قلبي وإنّي لأستغفر الله بالنهار سبعين مرّة ».


1 . كشف الغمة: 3 / 47 .


(155)

13
ليس لدفع الموت سبيل

يقول الشيخ :

جاء في نهج البلاغة عن عليّ أنّه قال: «أُوصيكم بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش وأسبغ عليكم المعاش، ولو أن أحداً يجد إلى البقاء سُلّماً أو لدفع الموت سبيلاً لكان ذلك سليمان بن داود ـ عليه السَّلام ـ »(1).

ويضيف الشيخ بأنّ كلام الإمام ينقض ما نقله الكليني في «الكافي» بأنّ الأئمة يعلمون متى يموتون،


1 . نهج البلاغة: الخطبة 177، شرح محمد عبده ; شرح ابن أبي الحديد: 10 / 92 .


(156)

وانّهم لا يموتون إلاّ باختيار منهم، كيف؟ وعليّ يقول: أو لدفع الموت سبيلاً .

المناقشة:

لا شك في أنّه لم يكتب لأحد البقاءُ إلاّ لِذات الله سبحانه ووجهه، قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ )(1). وهو من أوضح المعارف القرآنية .

والإمام في خطابه بصدد إيقاظ الغافل، غير المكترث بفرائض الله سبحانه وعزائمه، المعتمد على قوته ومنعته، غافلاً عن أنّ المنعة والقدرة غير مانعة عن قضاء الله سبحانه، ولو كانت مانعة لكان سليمان النبي أولى بذلك، حيث كانت الريح العاصفة تجري بأمره، والشياطين يعملون له و...(2) ومع ذلك ما أغنته عندما


1 . الرحمن: 27 ـ 28 .
2 . الأنبياء: 81 ـ 82 .


(157)

قُضي عليه الموت وأدركه الأجل (1).

والآن نرجع إلى ما نقله عن «الكافي»، فقد نقل عنه أمرين :

1 ـ إنّ الأئمة يعلمون متى يموتون .


1 . سبأ: 14 .


(158)

2 ـ إنّ الأئمة يموتون باختيارهم.

وزعم أنّ بين هذين الأمرين وما ذكره الإمام في خطبته تعارضاً .

أقول: أيّة معارضة، بين ما جاء في خطاب الإمام من فناء كل إنسان وبين ما روي أنّ فريقاً من الناس يعلمون متى يموتون، وهل علم الإنسان بوقت الموت عين بقائه في الدنيا ؟

وإن كنت في ريب فلاحظ القضيتين التاليتين :

1 ـ كل من عليها فان .

2 ـ بعض الناس يعلم متى يموت .

فهل ترى بين القضيتين تعارضاً مع أنّه يشترط في التناقض وحدة المحمول، فهل المحمول فيهما واحد؟

وأمّا الأمر التالي وهو أنّهم لا يموتون إلاّ باختيارهم فليس معناه أنّهم لو اختاروا البقاء في الدنيا، لما ماتوا، كيف وقد ورد الوحي في بيوتهم: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان)(1) و (كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (2) بل معناه انّه سبحانه كتب لهم آجالاً مختلفة فخيّرهم بينها.

أضف إلى ذلك انّ كتاب «الكافي»، كتاب حديث خاضع للنقاش في السند والدلالة، وليس عندنا كتاب صحيح غير خاضع للمناقشة إلاّ كتاب الله سبحانه، حتّى ولو صحّ السند وتمت الدلالة فلا يكون أيضاً دليلاً على العقيدة، لأنّه لا يحتج بخبر الآحاد على المسائل الاعتقادية التي يكون المطلوب فيها الإذعان، إذ لا يحصل اليقين بالخبر الواحد. هذا وللبحث صلة لا يسعها المقام.


1 . الرحمن: 26 .
2 . آل عمران: 185 .


(159)

14
هل الأئمة يوحى إليهم
أو
أنهم محدَّثون

يقول الشيخ :

جاء في نهج البلاغة عن علي ـ رضى الله عنه ـ انّه قال في حق رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ : «أرسله على حين فترة من الرسل... فقفّى به الرسلَ وختم به الوحي» .(1)

فأين هذاالقول مما في الكافي(2) «في الفرق بين الرسول والنبي والإمام ان الرسول ينزل عليه جبرائيل فيراه


1 . نهج البلاغة: الخطبة 133، شرح محمد عبده ; وشرح النهج .
2 . الكافي: 1 / 176 .


(160)

ويسمع كلامه، والإمام هو الّذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص» (1).

المناقشة:

لا شك ان سيدنا محمداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ رسول الله وخاتم الرسل وبه خُتم الوحي والرسالة، ويعدّ ذلك من ضروريات الدين، فمن أنكر الخاتمية فقد أنكر أصلا ضروريّاً من أُصول الإسلام، وإنكاره يلازم إنكار رسالتة ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وقد أشبعنا البحث في ذلك في كتابنا «الخاتمية في الكتاب والسنّة» وذكرنا الآيات الكريمة والروايات المتضافرة عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ وأئمة أهل بيته ـ عليهم السَّلام ـ الدالة على الخاتمية.

وقد أشار الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ إلى خاتمية الرسول في غير واحدة من خطبه ومنها في الخطبة الأُولى من قوله: «إلى أن بعث الله سبحانه محمداً رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ لإنجاز


1 . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 29 .


(161)

عِدَته وتمامِ نبوته، مأخوذاً على النبيّين ميثاقُه، مشهورة سماتُه» .

غير أن فضيلة الشيخ خلط بين النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ والمحدَّث وزعم أن كل من أُلهِم فهو نبيّ، وأنّ الوحي والإلهام أمر واحد. وهذا وهْم، كيف وقد أصفقت الأمّة الإسلامية على أن في الأُمّة لدة ما في الأمم السابقة أناس محدَّثون، وقد أقرّ بذلك النبي الأعظم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كما ورد في الصحاح والمسانيد من طرق الفريقين العامّة والخاصّة ـ كما سيوافيك ـ .

والمحدَّث من تُكلِّمه الملائكة بلا نبوة ولا رؤية صورة، أو يُلهم ويُلقى في روعه شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى، أو يُنكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره، أو غير ذلك من المعاني الّتي يمكن أن يراد منه، فوجود مَنْ هذا شأنه من رجالات هذه الأمّة مُتَّفَق عليه بين فرق الإسلام، بيد أن الخلاف في


(162)

تشخيصه، فالشيعة ترى انّ عليّاً أمير المؤمنين وأولاده الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ من المحدَّثين، وأهل السنّة يروْن أن منهم عمر بن الخطاب :

1 ـ أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب عن أبي هريرة، قال: قال النبي  ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحدٌ فعمر (1).

2 ـ أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله انّه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدَّثون إنْ كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب.(2)

3 ـ أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر


1 . صحيح البخاري: ج 2 باب مناقب عمر بن الخطاب. والحديثان تحت رقم 3689 .
2 . المصدر السابق .


(163)

عن عائشة عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون فان يكن في أمتي منهم أحد فان عمر بن الخطاب منهم(1).

وقد فسِّر المحدَّث بالملْهَم .

قال أبو جعفر الطحاوي: معنى قوله «محدَّثون» أي مُلْهمون، وكان عمر ـ رضى الله عنه ـ ينطق بما كان ينطق ملهماً (2).

وقال النووي في شرح مسلم اختلف تفسير العلماء في المراد بمحدثون، فقال ابن وهب: «ملْهمون» وقيل «مصيبون إذا ظنوا» فكأنما حُدِّثُوا بشيء فظنوه، وقيل «تكلمهم الملائكة» وجاء في رواية «مكلّمون» وقال البخاري «يجري الصواب على ألسنتهم وفيه إثبات كرامات الأولياء»(3).


1 . صحيح مسلم بشرح النووي: 15 برقم الحديث 6154 .
2 . مشكل الآثار: 2 / 178 رقم الحديث 1787 .
3 . شرح صحيح مسلم للنووي: ذيل الحديث 6154 .


(164)

قال ابن الأثير: انهم الملهمون والملهم هو الذي يُلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدساً وفراسة. وهو نوع يختص به الله عزوجل من يشاء من عباده الذين اصطفى مثل عمر، كأنهم حُدِّثوا بشيء فقالوه (1).

وقال القرطبي: انهم تكلّموا بأمور عالية من أنباء الغيب، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصابوا فيما تكلّموا وعُصِموا فيما نطقوا (2).

ولأعلام القوم حول المحدَّث والروايات الواردة في حقه كلمات وافية تعرب ـ بوضوح ـ عن وجود الفرق بين المحدَّث والنبي وانّه ليس كل من يُنَكت في أذنه أو يلقى في قلبه نبياً، واختلاف الشيعة مع السنّة إنّما هو في المصاديق فالشيعة ـ كما قلنا ـ يرون أن عليّاً أمير المؤمنين وأولاده الأئمة من المحدثين وأهل السنّة يرون أن منهم عمر بن الخطاب.


1 . النهاية: مادة حدّث .
2 . تفسير القرطبي: 12 / 79 .


(165)

فما هذه الهمهمة والدمدمة مع الاتفاق في الكبرى والاختلاف في الصغرى، وبذلك تستطيع على تفسير كل ما ورد حول علم الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ  ، مما أشار إليه فضيلة الشيخ، فخلط بين النبي والمحدَّث .

أن الله سبحانه ينسب إلى بعض عباده علما لدنّياً ويقول: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)(1).

وقد بلغ من العلم شأواً أنْ صار معلّماً لنبي زمانه ورسول عصره وقد جاءت قصته في سورة الكهف على نحو مفصَّل. إن صاحب موسى في السفينة وغيرها لم يكن نبيّاً، ولكنه أوتي من العلم مالم يؤت موسى الكليم، ولذلك قال له موسى: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)(2).

وهذه القصة توقفنا على عدم الملازمة بين كون


1 . الكهف: 65 .
2 . الكهف: 66 .


(166)

الإنسان محدَّثاً من جانب الغيب، ومعلماً من لدنه وكونه نبياً .

وكان المتوقع من الشيخ الفاضل أن يحيط علماً بما في الصحيحين وشروحهما ولا يتّهم كل من يقول بالإلهام والتحدث بالغيب بالقول بالنبوة. هذا ما كنا نتمناه ولكن (ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه) ولو كان فضيلة الشيخ عارفاً بمنطق الشيعة وعقائدهم لعرف أن جميع ما في الكافي ممّا يتعلّق بهذا الموضوع يرجع إلى أنهم محدَّثون مُلهَمون من دون أن يكونوا أنبياء.

ولأجل إيقافه على جليّة الحال، نذكر حديثاً واحداً في المقام ليعلم ما هو المراد من تكلم الملائكة معهم .

أخرج الكليني عن حُمران بن أَعيَن قال: قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ عليّاً كان مُحدَّثاً» فخرجتُ إلى أصحابي فقلتُ: جئتكم بعجيبة. فقالوا: وما هي؟ فقلت: سمعت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ يقول: كان عليٌّ مُحدَّثاً، فقالوا: ما صنعت شيئاً ألا


(167)

سألته من كان يحدِّثه؟ فرجعت إليه فقلت: إني حدّثت أصحابي بما حدّثتني فقالوا: ما صنعت شيئاً ألا سألته من كان يحدّثه؟ فقال لي: «يحدِّثه ملَك». قلت: تقول إنّه نبيٌّ؟ قال: فحرّك يده هكذا، «أو كصاحب سليمان(1)، أو كصاحب موسى(2)، أو كذي القرنين(3)، أوَما بلغكم أنّه قال: وفيكم مثله».(4)

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ

أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ)(5)


1 . يشير إلى قوله سبحانه: (قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ). النمل: 40 .
2 . يشير إلى قوله سبحانه: (... وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) الكهف: 65 .
3 . يشير إلى قوله سبحانه: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَ آتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْء سَبَباً) الكهف: 84 .
4 . الكافي: 1 / 270 باب ان الأئمة محدَّثون .
5 . ق: 37 .


(168)

الآنَ حَصْحَص الحق

هنا خاتمة المطاف، ونهاية الحوار، وقد درسنا جلَّ ما طرحه الشيخ حول النهج من تأمّلات وإشكالات، فحصحص الحق، وبانت الحقيقة بأجلى مظاهرها وتبيّن أنّ أكثر ما تبّناه، انتزاعات شخصية من كلام الإمام جرّته إليها عقيدته المسبقة، ولا صلة لها بكلام الإمام.

ثم ان فضيلة الشيخ ـ حفظه الله ـ ، وعد في آخر الرسالة ان له مع القراّء لقاءات أُخرى تدور حول منزلة آل البيت في كتب السنّة، وهو موضوع كلامه في اللقاء القادم.

ونحن بدورنا نقترح عليه أمراً ـ فيه صلاح الأُمّة الإسلامية وصيانة وحدتها وسعادتها ورقيّها ـ وهو السعي في عقد مؤتمر حرّ يضمّ إلى جانبه لفيفاً من علماء الفريقين لمناقشة الموضوعات التي هو بصدد طرحها في


(169)

الأعداد القادمة، والأخذ بنتائج المؤتمر ونشرها بين الملأ الإسلامي، فإنّ يد الله مع الجماعة، وفيه ضمان لتوحيد الكلمة وحفظ الوئام والسلام والدفاع عن شرف النحلة وكيان الملّة والشريعة، والاعتصام بحبل الله المتين الذي لا ينفصم.

إن فضيلة الشيخ صالح الدرويش قاض بالمحكمة الكبرى بالقطيف فالمتوقع من فضيلته التواصل مع علماء الشيعة ومفكريهم في نفس منطقة عمله «القطيف» والّتي احتضنت التشيع منذ بداية العهد الإسلامي، ولا يزال أهلها متمسكين بمذهب أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، وفيها علماء فضلاء، فلو كان فضيلته على إتصال وتواصل معهم، لأمكنه الاطلاع على وجهات نظر الشيعة من مصادرهم المعتمدة، والحوار والتباحث حول مختلف القضايا المطروحة.

كما أن ذات التواصل بين علماء الأُمّة وإن اختلفت مذاهبهم أمر مطلوب ومفيد، يساعد على تجنب التفرقة


(170)

والخصام، ويعين على تحقيق الوحدة والوئام، ويوّفر الاجواء المناسبة للبحث والحوار، ويتيح المجال لكل طرف أن يعرف الآخر على حقيقته، بعيداً عن التوهمات والاشاعات المغرضة.

نسأل الله تعالى أن يجمع شمل المسلمين ويوحد كلمتهم ويكفيهم شر الاعداء إنّه سميع مجيب.

هذا هو اقتراحنا على صاحب الفضيلة، ولعلّه يقع منه موقع القبول ، وإن أبى واستمرّ في طرح هذه المواضيع فنحن أيضاً على أهبة الاستعداد لمناقشتها بالحجج والبراهين، وقد اشتهر «إن الحقيقة بنت البحث».

والله من وراء القصد

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

20 جمادى الأُولى / 1423 هـ


(171)

فهرس المصادر

1 . إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: مقداد بن عبدالله السيوري الحلي، منشورات مكتبة آية الله المرعشي، قم ـ 1405 هـ .

2 . إرشاد المؤمنين إلى معرفة نهج البلاغة المبين: يحيى بن إبراهيم الجحّاف من أعلام الزيدية (المتوفّى 1102 هـ) منشورات دليل ما، قم ـ 1422 هـ .

3 . استناد نهج البلاغة: امتياز علي خان العرشي الحنفي، منشورات مكتبة الثقلين، قم ـ 1399 هـ .

4 . أُسد الغابة: ابن الأثير علي بن أبي الكرم (المتوفّى 630 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت .

5 . الإصابة: ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني (773 ـ 852 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت .


(172)

6 . إمتاع الأسماع: أحمد بن علي المقريزي (المتوفّى 845 هـ) طبع مصر.

7 . تاريخ الطبري (تاريخ الأُمم والملوك): محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت.

8 . تاريخ المدينة المنورة: أبو زيد عمر بن شبّه النميري البصري (173 ـ 262 هـ) منشورات دار الفكر، قم ـ 1410 هـ .

9 . تحرير الوسيلة: الإمام الخميني (1320 ـ 1409 هـ) مطبعة الآداب، النجف الأشرف .

10 . تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (المتوفّى 671 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1405 هـ .

11 . تهذيب الكمال في أسماء الرجال: جمال الدين المزي أبو الحجاج يوسف (654 ـ 742 هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت ـ 1406 هـ .

12 . جامع الأُصول: ابن الأثير الجزري المبارك بن محمد (544 ـ 606 هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1403 هـ .


(173)

13 . حقائق التأويل: الشريف الرضي (المتوفّى 406 هـ) مؤسسة البعثة، طهران ـ 1406 هـ .

14 . ديوان الرضي: الشريف الرضي محمد بن الحسين (359 ـ 406 هـ) منشورات وزارة الإرشاد، طهران ـ 1406 هـ .

15 . ربيع الأبرار: محمود بن عمر الزمخشري (467 ـ 538 هـ) منشورات الشريف الرضي، قم ـ 1410 هـ .

16 . الرجال: النجاشي أحمد بن علي (372 ـ 450 هـ) بيروت ـ 1409 هـ .

17 . السنن: ابن ماجة: محمد بن يزيد القزويني (207 ـ 275 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

18 . السنن: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (202 ـ 275 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت .

19 . سنن البيهقي: أحمد بن الحسين (المتوفّى 458 هـ) دار المعرفة، بيروت ـ 1406 هـ .

20 . سنن الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة (209 ـ 279 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.


(174)

21 . السنّة: عبد الله بن أحمد بن حنبل (المتوفّى 290 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1405 هـ .

22 . سير أعلام النبلاء: محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 848 هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت ـ 1409 هـ .

23 . السيرة الحلبية: علي بن برهان الدين الحلبي (975 ـ 1044 هـ) دار المعرفة، بيروت .

24 . شرح صحيح مسلم للنووي: أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (631 ـ 676 هـ) دار القلم، بيروت ـ 1407 هـ .

25 . شرح العقائد النسفية: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفّى 792 هـ) مكتبة المثنى، بغداد.

26 . شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي (المتوفّى 655 هـ) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة ـ 1378 هـ .

27 . شرح القصيدة النونية: ابن قيم الجوزية (691 ـ 751 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1415 هـ .

28 . الصحيح: البخاري محمد بن إسماعيل (المتوفّى 256 هـ) مكتبة عبد الحميد أحمد حنفي، مصر ـ 1314 هـ .


(175)

29 . الصحيح: مسلم بن الحجاج القشيري (المتوفّى 261 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

30 . الصحيفة السجادية الجامعة لأدعية الإمام علي بن الحسين زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ ، نشر مؤسسة الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه الشريف ـ قم ـ 1411 هـ .

31 . طبقات الحنابلة: القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى، دار المعرفة، بيروت.

32 . العروة الوثقى: السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (المتوفّى 1337 هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1388 هـ .

33 . الفهرست: ابن النديم محمد بن إسحاق (296 ـ 385 هـ) القاهرة ـ 1348 هـ .

34 . الفهرست: الطوسي محمد بن الحسن (385 ـ 460 هـ) مؤسسة نشر الفقاهة، قم ـ 1417 هـ .

35 . فوات الوفيات: محمد بن شاكر الكتبي (المتوفّى 764 هـ) دار صادر، بيروت .

36 . قواعد المرام: كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم


(176)

البحراني (636 ـ 699 هـ) قم، ط 1 ـ 1398 هـ .

37 . الكافي: محمد بن يعقوب الكليني (المتوفّى 329 هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1397 هـ .

38 . كشف الغمة: علي بن عيسى الإربلي (المتوفّى 693 هـ) دار الأضواء، بيروت ـ 1405 هـ .

39 . المجازات النبوية: الشريف الرضي محمد بن الحسين (359 ـ 406 هـ) تحقيق مروان العطية والدكتور محمد رضوان الداية، دمشق ـ 1408 هـ .

40 . مجمع الزوائد: علي بن أبي بكر الهيتمي (735 ـ 807 هـ) دار الكتاب العربي، بيروت ـ 1402 هـ .

41 . مختصر تاريخ دمشق: ابن منظور محمد بن مكرم (630 ـ 711 هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1404 هـ .

42 . مختصر التحفة الاثني عشرية للشاه عبد العزيز الإمام الدهلوي: محمود شكري الآلوسي (1273 ـ 1342 هـ) نشر الرئاسة العامّة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض ـ 1404 هـ .

43 . مروج الذهب ومعادن الجوهر: علي بن الحسين


(177)

المسعودي (المتوفّى 345 هـ) منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت ـ 1965 م .

44 . المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله (المتوفّى 405 هـ) دار المعرفة، بيروت.

45 . مستدرك نهج البلاغة: الهادي كاشف الغطاء مكتبة الأندلس، بيروت .

46 . المسند: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 هـ) دار الفكر، بيروت .

47 . مشكل الآثار: أبو جعفر الطحاوي: أحمد بن محمد الأزدي (239 ـ 321 هـ) 7 مجلدات من محفوظات مكتبة فيض الله شيخ الإسلام، استنبول، وقد طبع 4 أجزاء منه في حيدر آباد.

48 . مصادر نهج البلاغة: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب (1339 ـ 1414 هـ) ، دار الأضواء، بيروت ـ 1405 هـ .

49 . المنتظم: عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (510 ـ 597 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1412 هـ .

50 . الموضوعات: عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (510 ـ 597 هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1386 هـ .

51 . نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي (359 ـ 406 هـ) شرح محمد عبده، مؤسسة الأعلمي، بيروت .

52 . وفيات الأعيان: ابن خلّكان أحمد بن أحمد (608 ـ 681 هـ) منشورات الشريف الرضي، قم ـ 1364 هـ .

53 . وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري (المتوفّى 212 هـ) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة ـ 1365 هـ .

Website Security Test