welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : قواعد العقائد*
نویسنده :الإلهي المحقّق والمتكلم البارع نصير الدين الطوسي*

قواعد العقائد

(1)

قواعد العقائد

تأليف

الإلهي المحقّق والمتكلم البارع
نصير الدين الطوسي

(597 ـ 672 هـ )

تحقيق

الشيخ
علي الرباني الگلپايگاني


(2)

هوية الكتاب

اسم الكتاب:    …قواعد العقائد

الموضوع:    علم الكلام

تأليف:    نصير الدين الطوسي

تحقيق:    … علي الرباني الگلپايگاني

المطبعة:    …امير ـ قم

التاريخ:    …عام 1416 هـ

الكمية :   …2000 نسخة

الناشر:    …لجنة إدارة الحوزة العلمية بقم

الصفّ والإخراج باللاينوترون:    …مؤسسة الإمام الصادق 7 قم


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّه وأفضل خليقته محمد وعترته الطاهرين.

أمّا بعد فقد قررت اللجنة العلميّة المشرفة على الدراسات الكلامية والفلسفية في معهد الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ فى جلسات آخرها يوم 26 من شهر رمضان المبارك عام / 1415 ـ تدريس «كتاب قواعد المرام في علم الكلام» تأليف المتكلم البارع والمحقق الكبير ميثم بن علي بن ميثم البحراني (626 ـ 699 هـ) لطلاب السنة الأولى في هذا المعهد نظراً إلى أنّ هذا الكتاب مع اختصاره يمتاز بالشمول لعامة مباحث أُصول الدين وما يلحق بها من المسائل الاعتقادية بالأضافة إلى وضوحه وقوة تعبيره وإشراق أسلوبه وخلوّه عن التعقيد.

كما قررت كتاب «قواعد العقائد» للإلهي المحقّق والمتكلم البارع نصير الدين الطوسي (597 ـ 672 هـ) أن يكون كتاباً جانبياً للمطالعة والمراجعة ويمتاز الكتاب بوجازة الألفاظ والتعميق والتدقيق ونقل الآراء برحابة صدر.


(6)

وبذلك يكون الطالب محيطاً بالآراء المطروحة في موضوعات الكلامية.

وقد علق الفاضل المحقّق الشيخ علي الرباني الگلپايگاني تعليقات نافعة أوضح بها معضلات الكتاب .

واللجنة العلمية إذ تقدم الكتابين لغرضين مختلفين ترجو من الله سبحانه أن يوفق الأستاذ للتعليم والطالب للتعلم وهو وليّ التوفيق .

اللجنة العلمية

في معهد الإمام الصادق ـ ـ عليه السّلام ـ ـ

للدراسات الكلاميّة والفلسفيّة

التابعة للحوزة العلمية

تحريراً في غرة ربيع الأوّل عام 1416


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

مع المحقق الطوسي في قواعد العقائد

يُعدُّ محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي الشهير بـ«نصير الدين» ،من نوادر العلم ومفاخر البشر، كان أُستاذاً كبيراً في المعقول والمنقول، كما كان أُسوة حسنة في الأخلاق وقُدوة في السياسة والتدبير، فتجسَّدت فيه الفضائل الخُلقية والكمالات العلمية، ولد بطوس عام 597 هـ، ونشأ بها، وتوفّي ببغداد عام 672 هـ.

أصناف تأليفاته في علم الكلام:

ومن العلوم التي اهتمّ بها كثيراً هو علم الكلام، فقال في مقدمته على تلخيص المحصّل: «إنّ علم أُصول الدين هو أساس العلوم الدينية، ولايتمّ بدونه الخوض في سائرها كأُصول الفقه وفروعه، فإنّ الشروع في جميعها محتاج إلى تقديم شروعه حتى لايكون الخائض فيها كبان على غير أساس».

وقد قام بتأليف كتب ومقالات ورسائل مختلفة في هذا المجال، وهي على أربعة أصناف:


(8)

1ـ ما جمـع فيه الإلهيات والفلسفـة الأُولى، وجعل الثاني تمهيداً للأوّل، وهذا كتجريد الاعتقاد، الذي يُعدّ من أحسن التأليفات في بابه.

2ـ ما أتى فيه بأُمّهـات مسائـل الإلهيات، وذكر أقوال الفرق والمذاهب، مع إشارات إلى بعض المباحث الفلسفية مقدّمة لمباحث الإلهيات، وهذا كقواعد العقائد.

3ـ ما أوجز فيه الكلام حول أُصول الدين على قواعد الإمامية ، وذلك كرسالة المقنعة في أوّل الواجبات.

4ـ ما أفرده للبحث حول موضوع خـاص من مواضيع الإلهيات، كرسالة الإمامة، والبحث حول أفعال العباد من حيث الجبر والاختيار.

شروح قواعد العقائد:

وقد قام على شرح كتاب «قواعد العقائد» عدّة من الأعلام منهم:

1ـ العلاّمة الحلّي، ألَّف «كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد» وهو من أشهر شروحه، وطبع أخيراً بتحقيق وتعليق فضيلة الشيخ حسن مكّي العاملي في لبنان، دار الصّفوة.

2ـ محمود بن علي بن الحمصي الرازي، اسم شرحه «كشف المعاقد» ذكره جرجي زيدان في كتابه «آداب اللّغة العربية».

3ـ «شرح القواعد» تأليف السيّد ركن الدين أبي محمد الحسن بن شرفشاه المتوفّى 717 هـ. ق.

4ـ «تحرير القواعد الكلامية» لعبد الرزاق بن ملاّ مير الجيلاني، فرغ عنه يوم الغدير من ذي الحجة الحرام سنة 1077 هـ.ق (1).


1 ـ راجع كتاب «سرگذشت وعقايد فلسفى خواجه نصير الدين طوسى» (فارسي) ص 178 .

(9)

نظرة عابرة إلى أبحاث الكتاب:

هذا الكتاب ـ كما أشرنا إليه ـ يبحث حول مهمّات المسائل الكلامية، من المبدأ إلى المعاد، لكنّه يركِّز على نقل الأقوال والآراء، وليس بصدد المناقشة فيها والنقد عليها، إلاّ في قليل من الموارد، ومن هنا يمكن عدّه من كتب الملل والنحل أيضاً، فذكر مواضيع الخلاف بين الحكماء والمتكلّمين، وموارد الخلاف بين المعتزلة وأهل السنّة والشيعة، وبين علماء تلك المذاهب أنفسهم.

ثمّ إنّه لم يذكر عقائد الشيعة الإمامية في مبحثي الصفات والعدل، وإنّما تعرّض لها في مسألة الإمامة، والإيمان، والعصمة، ولعلّ ذلك لاتّفاقهم مع المعتزلة في كثير منهذه المسائل، وقد صرّح بهذا في مبحث الإمامة وقال: «وهم في أكثر أُصول مذهبهميوافقون المعتزلة»، ومع ذلك فكان الأولى التصريح بهم وعقائدهم حتى في الاتّفاقيات.

فنذكر في هذه المقدمة موارد الخلاف بين الحكماء والمتكلّمين أوّلاً، ومواضيع الخلاف بين المذاهب الكلامية ثانياً ـ كلّ ذلك حسب ما ذكره المصنّف ـ ثمّ نختم البحث بذكر متفردات تلك المذاهب، فهنا ثلاثة فصول:

الفصل الأوّل: موارد الخلاف بين الحكماء والمتكلّمين

1ـ الموضـــــوع: التقدّم في نفس الزمان

رأي الحكمـاء: هو من قسم التقدّم الزماني

رأي المتكلّمين: هو قسم آخر ويسمّى تقدّماً بالرتبة


(10)

2ـ الموضــــــوع: الحالّ والعرض

رأي الحكمـاء: الحالّ إن كان سبباً لقوام محلِّه كالإنسانية لبدن الإنسان كان صورة، ومحلُّه مادّة، وإن لم يكن كذلك كالبياض في الجسم كان عرضاً ومحلّه موضوعه.

رأي المتكلّمين: العرض هو الّذي يوجد قائماً بغيره كالحركة ويسمّى حالاّ ً، وذلك الغير محلاّ ً.

3ـ الموضـــــوع: الجوهر

رأي الحكمـاء: كل ما لا يكون في موضوع سواء كان صورة ،أو مادّة ، أو مركّباً منهما، وهو الجسم عندهم، أو غير ذلك.والجوهر الفرد ممتنع عندهم.

رأي المتكلّمين: الجسم مؤلّف من أجزاء لاتتجزّى يسمّون كلَّ جزء منها بالجوهر الفرد.

4ـ الموضـــــوع: أقسام العرض

رأي الحكمـاء: أجناس الأعراض تسعة: الكم، والكيف، والمضاف، والوضع، والأين، ومتى، والملك، والفعل، والانفعال.

رأي المتكلّمين: عند أكثر المتكلّمين أحد وعشرون نوعاً، وعند بعضهم ثلاثة وعشرون نوعاً، عشرة منها تختص بالأحياء وهي: الحياة ، والشهوة، والنفرة، والقدرة، والإرادة، والكراهة، والاعتقاد، والظنّ، والنظر، والألم، وأحد عشر منها تكون للأحياء وغير الأحياء، وهي: الكون، والتأليف، والاعتماد، والحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة، واللّون، والصوت، والرائحة، والطعم.

والاثنان اللّذان زاد بعضهم هما الفناء والموت.


(11)

5ـ الموضـــــوع: المتضادّات

رأي الحكمـاء: هي الأعراض التي تكون من جنس واحد، لايمكن أن تجتمع في محل واحد في وقت واحد ويكون بينها غاية البعد، فليس لعرض واحد إلاّ ضدّ واحد.

رأي المتكلّمين: هي الأعراض التي تكون من جنس واحد، لايمكن أن تجتمع في محلّ واحد في وقت واحد، ولايشرط غاية البعد بينها، فيجوز أن يكون لعرض واحد أضداد كثيرة.

6ـ الموضـــــوع: التسلسل

رأي الحكمـاء: كل عدد تكون آحاده موجودة دفعة، وله ترتيب فهو متناه، ويستحيل أن يكون غير متناه، وأمّا ما لا تكون آحاده موجودة دفعة، أو لايكون له ترتيب فيجوز أن يكون غير متناه.

رأي المتكلّمين: التسلسل عند المتكلّمين محال مطلقاً، وكل عدد يفرض فهو متناه، لأنّ كلّ عدد يفرض فهو قابل للقلّة والكثرة، وكلّ قابل للقلّة والكثرة فهو متناه.

7ـ الموضـــــوع: القديم الزماني

رأي الحكمـاء: تقدّم العدم الزماني لايمكن وقوعه إلاّ في الأشياء الواقعة في الزمان، فتقدّم العدم (الزماني) على كلِّ ما سوى الواجب محال، فبعض الممكنات قديم، لكن يتقدّم عليها العدم تقدّماً بالطبع.

رأي المتكلّمين: إنّما يتقدّم عدم الممكن على وجوده تقدّماً لايمكن أن يكون المتقدّم مع المتأخّر دفعة، ولايجب أن يكون بحسب زمان مباين لهما، فإنّ تقدّم بعض أجزاء الزمان على بعض لايكون بزمان آخر،


(12)

وهذا التقدّم مثله، ثمّ إن كان ولابدّ، فيكفي فيه تقدير زمان، ولايحتاج فيه إلى وجوده المغاير للممكنات المحدثة.

8 ـ الموضـــــوع: مناط كون الفاعل مختاراً

رأي الحكمـاء: كل فاعل فَعَلَ بإرادته مختار، سواء قارنه الفعل في زمانه أو تأخّر عنه.

رأي المتكلّمين: إنّ الباري تعالى قادر، إذ كان فعله حادثاً غير صادر عنه في الأزل، ويلزم القائلين بالقدم كون فاعله موجَباً.

9ـ الموضـــــوع: موضع الخلاف في الداعي

رأي الحكمـاء: الحكماء ينكرون ما يقوله المتكلّمون في الداعي.

رأي المتكلّمين: لا يدعـو الداعي إلاّ إلى معدوم ليصدر عن الفاعل وجوده بعدوجود الداعي بالزمان أو تقدير الزمان، وهذا الحكم ضروري.

10ـ الموضـــــوع: مقدوراته تعالى ومعلوماته

رأي الحكمـاء: مقدوره تعالى عند الحكماء شيء واحد والباقي بتوسط، ومعلومه كلُّ ما لا يتغيّر، أمّا المتغيّرات فلا تكون من حيث التغيّر معلومة له لوجوب تغيّر العلم بتغيّر المعلوم و امتناع تغيّر علمه تعالى.

رأي المتكلّمين: إنّه تعالى قادر على جميع ما يصح أن يقدر عليه، عالم بجميع مايصح أن يعلم، كلّياً كان أو جزئياً، وتكون المعلومات أكثرمنالمقدورات، لأنّ الواجب والممتنع يُعلمان ولا يُقدر عليهما.


(13)

11ـ الموضــــوع: صفة اللّذة له تعالى

رأي الحكمـاء: اللّذة هو إدراك الملائم، وهو تعالى عالم لذاته بذاته، وأشدّ الملائمات بالقياس إليه هو ذاته، فلذّته أعظم اللّذّات.

رأي المتكلّمين: لايجوز أن يكون له لذّة، لأنّ اللّذّة إدراك وانفعال وتأثّر من الغير ملائم للمزاج أو الطبيعة.

12ـ الموضــــوع: حسن الأفعال وقبحها

رأي الحكمـاء: العقل الفطري الذي يحكم بالبديهيات ككون الكلّ أعظم من جزئه لا يحكم بحسن شيء من الأفعال ولا بقبحه، إنّما يحكم بذلك العقل العملي الذي يدبِّر مصالح النوع والأشخاص....

رأي المتكلّمين: عند أهل السنّة ليس شيء من الأفعال عند العقل بحسن ولاقبيح، وإنّما يكون حسناً أو قبيحاً بحكم الشرع فقط.

وعند المعتزلة أنّ بديهة العقل يحكم بحسن بعض الأفعال وقبح بعضها.كالعدل والظلم، والصدق النافع والكذب الضّارّ، والشرع أيضاً يحكم بهما في بعض الأفعال.

13ـ الموضــــوع: الغرض من أفعاله تعالى

رأي الحكمـاء: إنّ علمه بما فيه المصلحة سبب لصدور ذلك عنه، وهو بوجه قدرته، وبوجه علمه، وبوجه إرادته من غير تعدّد فيه، إلاّ باعتبار القياس العقلي، ويسمّون تلك الإرادة بالعناية.

رأي المتكلّمين: عند أهل السنّة لايفعل شيئاً لغرض البّتة، فإنّ الفاعل لغرض، مستكمل بالغرض.


(14)

والمعتزلة قالوا: إنّه تعالى يفعل لغرض يستكمل به غيره، وإلاّ كان فعله عبثاً، والعبث منه تعالى قبيح.

14ـ الموضــــوع: قاعدة الواحد وكيفية صدور الموجودات عنه تعالى

رأي الحكمـاء: الواحد لايصدر عنه من حيث هو واحد إلاّ شيء واحد، وذلك لأنّه إذا صدر عنه شيئان، فمن حيث صدر عنه أحدهما لم يصدر عنه الآخر، وبالعكس، فإذن صدرا عنه من حيثيتين، والمبدأ الأوّل تعالى واحد من كل الوجوه فأوّل ما يصدر عنه لايكون إلاّ واحداً.

ثمّ إنّ الواحد يلزمه أشياء، إذ له اعتبار من حيث ذاته، واعتبار بقياسه إلى مبدئه، واعتبار للمبدأ بالقياس إليه، وإذا تركّبت الاعتبارات حصلت اعتبارات كثيرة، وحينئذ يمكن أن يصدر عن المبدأ الأوّل بكلّ اعتبار شيء، وعلى هذا الوجه تكثّر الموجودات الصادرة عنه تعالى.

رأي المتكلّمين: قال بعض المتكلّمين:إنّ هذا إنّما يصحّ أن يقال في العلل والمعلولات، أمّا في القادر، أعني الفاعل المختار، فيجوز أن يفعل شيئاً من غير تكثير بالاعتبارات ومن غير ترجيح بعضها على بعض.

وبعضهم ينكرون وجود العلل والمعلولات أصلاً فيقولون بأنّه لامؤثّر إلاّ اللّه، واللّه تعالى إذا فعل شيئاً، كالإحراق مقارناً بالشيء كالنار، على سبيل العادة، ظنّ الخلق أنّ النّار علّة والإحراق أثره ومعلوله، وذلك الظنّ باطل.


(15)

الفصل الثاني: مواضيع الاختلاف بين المتكلّمين

1ـ لزوم الداعي ووجوب الفعل عنده

إذا حصل الداعي للقادر فهل يجب وجوب الفعل أم لا؟فيه خلاف بين المتكلّمين. والمحققون منهم يقولون بوجوبه ويقولون: إنّ هذا الوجوب لايقتضي إيجاب فاعله، إذ كان فعله تبعاً لداعيه، وليس للاختيار معنى غير ذلك.

وبعض القدماء أنكروه مخافة التزام الإيجاب.

وقال بعضهم: عند الداعي يصير وجود الفعل أولى من لاوجوده.

وقال الآخرون:للقادر أن يختار أحد طرفي الفعل والترك من غير رجحان لذلكالطرف، ويتمثّلون بالهارب الواصل إلى طريقين متساويين يضطرّ إلى المشي في أحدهما.

2ـ التكلّم(=كلامه تعالى)

الكلام عند أهل السنّة معنى في ذات المتكلّم به، يخبر بإيجاد الحروف والأصوات التي يتألّف منها الكلام عمّا يريد الإخبار عنه، ومن لايكون له ذلك المعنى ويسمع منه الحروف و الأصوات المؤلّفة تأليف الكلام لايكون متكلّماً، كالببغاء.

والمعتزلة يقولون: كل من يوجد حروفاً وأصواتاً منظّمة دالّة على معنى يريد الإخبار بها منها فهو متكلّم، ولايعتبرون المعنى الذي في نفس المتكلّم.


(16)

3ـ عينية الصفات للذّات وزيادتها عليها

المتأخّرون من المعتزلة كأبي الحسين البصري ومن تبعه يقولون: إنّ صفاته تعالى ليست بزائدة على ذاته، فهو قادر بالذات، عالم بالذات، حيّ بالذات وباقي الصفات راجعة إليها ، فإنّ الإدراك هو علمه بالمدركات، والسمع والبصر علمه بالمسموعات والمبصرات، والإرادة علمه بالمصالح المقتضية لإيجاد الموجودات، والكلام راجع إلى القدرة، والوجود غير زائد على الذّات.

وأهل السنّة يقولون: إنّه تعالى قادر بقدرة قديمة، وكذلك عالم بعلم قديم، ومريد بإرادة ،وحيّ بحياة، وسميعٌ بسمع، وبصير ببصر، ومتكلّم بكلام، وباق ببقاء، وكلّ ذلك قديم.

ويقول أبو الحسن الأشعري:إنّ الصفات ليست هي ذاته ولاغير ذاته، فإنّ الغيرين هما ذاتان ليست إحداهما هي الأُخرى، والصفات وإن كانت زائدة على الذات فلاتكون مغايرة لها بهذا المعنى.

4ـ رؤية اللّه تعالى

عند أهل السنّة أنّ اللّه تعالى يصحّ أن يُرى مع امتناع كونه في جهة من الجهات ، واحتجّوا لها بالقياس على الموجودات المرئية وبنصوص القرآن والحديث.

والمشبِّهة قالوا: إنّ اللّه تعالى جسم في جهة الفوق ويمكن أن يُرى كما ترى الأجسام، وبعضهم قالوا: إنّ اللّه تعالى جسم لا كالأجسام وقالوا: إنّه تعالى خلق آدم على صورته.

والمعتزلة قالوا: إنّه تعالى ليس في جهة ولذلك لا يمكن أن يُرى.


(17)

5ـ الأفعال الاختيارية

قال بعض أهل السنّة :لايمكن اجتماع قادرين على مقدور واحد.

وقال أبو الحسن الأشعري: هذا إنّما يلزم عند تقدير كونهما مؤثّرين، ولذلك جوَّز أن يكون للعبد قدرة ولكن قدرة اللّه قديمة، وقدرة العبد تكون مع الفعل ولاتكون قبل الفعل،ولاتأثير له في الفعل إلاّ أنّ العبد الذي يخلق فيه قدرة مع فعل لا يكون كما يخلق فيه فعل من غير قدرة، والفعل يسمّى كسباً للأوّل ولايسمّى بذلك للثاني.

وقال القاضي الباقلاني ـ من أهل السنّـة ـ: إنّ ذات الفعل من اللّه إلاّ أنّه بالقياس إلى العبد يصير طاعة أو معصية، وهذا قريب في المعنى من قول أبي الحسن.

وذهب أبو إسحاق إلى أنّ القدرتين مؤثّرتان فيه.

وذهب[جمع من] المعتزلة وإمام الحرمين من أهل السنّة إلى أنّ العبد له قدرة قبل الفعل، وله إرادة بها تتمّ مؤثّريّته، فيصدر عنه الفعل ويكون العبد مختاراً، إذا كان فعله بقدرته الصالحة للفعل والترك وتبعاً لداعيه الذي هو إرادته، والفعل يكون بالقياس إلى القدرة وحدها ممكناً، وبالقياس إليها مع الإرادة يصير واجباً.

وقال محمود الملاحمي (= الزمخشري) وغيره من المعتزلة:إنّ الفعل عند وجود القدرة والإرادة يصير أولى بالوجود حذراً من أن يلزمهم القول بالجبر إن قالوا بالوجوب.

6ـ عموميّة إرادته تعالى

الذين قالوا بمؤثّريّة اللّه وحده [وهم الأشعريّة] صرّحوا بأنّه تعالى مريد لكلّ


(18)

الكائنات.

والمعتزلة قالوا: إنّه يريد ما يفعله، وأمّا ما يفعله العبد فهو يريد طاعته ولايريد معصيته، وهذه الإرادة غير الإرادة الأُولى في المعنى.

7ـ الحسن والقبح

عند أهل السنّة ليس شيء من الأفعال عند العقل بحسن ولاقبيح، وإنّما يكون حسناً أو قبيحاً بحكم الشرع فقط.

وعند المعتزلة أنّ بديهة العقل تحكم بحسن بعض الأفعال كالصدق النافع والعدل، وقبح بعضها، كالظلم والكذب الضار.

8 ـ الوجوب على اللّه تعالى

المعتزلة يقولون: إنّ اللّه لايخلُّ بالواجب العقلي، ولايفعل القبيح العقلي البتّة، وإنّما يخلّ بالواجب ويرتكب القبيح بالاختيار جاهل أو محتاج، واتّفقوا على أنّ التكليف من اللّه تعالى حسن، واللطف والثواب على الطاعة، والعوض على الآلام واجب.

واختلفوا في وجوب العقاب لمن يستحقّه، فقال أكثر المعتزلة بوجوبه، وذلك لأنّ اللّه تعالى أوعدهم والوفاء بما أوعد واجب عقلاً لئلاّ يصير الوعيد كذباً.

وقال غيرهم من القائلين بالحسن والقبح والوجوب العقلي: الوفاء بالوعيد غير واجب لأنّه حقّ اللّه تعالى ولايجب أن يأخذ حقّ نفسه وإنّما ذلك إليه، يعفو عمّن يشاء ويعاقب من يشاء.


(19)

والبغداديّون من المعتزلة قالوا: الأصلح واجب عليه تعالى، لأنّ الأصلح وغير الأصلح متساويان بالقياس إلى قدرته، والقادر المحسن إلى غيره إذا تساوى شيئان بالقياس إليه وكان في أحدهما زيادة إحسان إلى غيره اختاره فيهما البتّة.

وعند أهل السنّة: لا واجب على اللّه تعالى ولايقبح منه شيء.

9ـ الغرض في أفعاله تعالى

عند أهل السنّة أنّه تعالى لايفعل شيئاً لغرض البتّة، فإنّ الفاعل لغرض مستكمل بالغرض، ولايجوز عليه تعالى الاستكمال.

والمعتزلة قالوا: إنّه تعالى يفعل لغرض يستكمل به غيره، وإلاّ لكان فعله عبثاً، والعبث منه تعالى قبيح.

10ـ عصمة الأنبياء

قال بعضهم: هو [أي المعصوم] من لايصدر عنه معصية لاكبيرة ولاصغيرة، لابالعمد ولا بالسهو من أوّل عمره إلى آخره [هذا رأي الإمامية].

وقال بعضهم: السهو لاينافي العصمة.

وقال بعضهم: الصغيرة لاتخلّ بالعصمة.

وقال بعضهم: الشرط في عصمة الأنبياء اختصاصها بزمان دعوتهم لاقبل ذلك.

وقال بعضهم: اخصاصها في أدائها الرسالة فقط، أمّا في سائر الأحوال فيجوز عليه جميع ذلك.


(20)

11ـ وجه إعجاز القرآن

اختلفوا في وجه إعجاز القرآن فقال قوم: إنّ فصاحته إعجازه.

وقال قوم: إنّ صرف عقول القادرين على إيراد معارضته عنه ، وظهور عجزهم عند التحدّي مع القدرة عليه، هو إعجازه.

12ـ وجوب نصب الإمام

اختلف الناس في نصب الإمام:

فقال بعضهم بوجوبه عقلاً، وبعضهم بوجوبه سمعاً، وبعضهم بلا وجوبه.

والّذين يوجبونه عقلاً اختلفوا، فقال بعضهم بوجوبه من اللّه، وبعضهم بوجوبه على اللّه تعالى، وبعضهم بوجوبه على الخلق.

أمّا القائلون بوجوبه من اللّه فهم الغلاة والإسماعيلية.

وأمّا القائلون بوجوبه على اللّه فهم الشيعة.

وأمّا القائلون بوجوبه على الخلق عقلاً فهم أصحاب الجاحظ وأبي القاسم البلخي وأبي الحسين البصري من المعتزلة.

وأمّا القائلون بوجوبه سمعاً فهم أهل السنّة.

وأمّا القائلون بلا وجوبه فهم الخوارج، والأصمّ من المعتزلة فهذه هي المذاهب في الإمامة.


(21)

13ـ طريق معرفة الإمام

اتّفقت الشيعة على أنّ طريق معرفة الإمام هو النّصّ من اللّه تعالى، لكن اختلفوا في النّصّ الجليّ والخفيّ، فقالت الإمامية الاثني عشرية والكيسانية:إنّه إنّما يحصل بالنّصّ الجليّ لاغير.

وقالت الزيديّة:إنّه يحصل بالنّصّ أيضاً، وذلك أنّ شرائط الإمامة عندهم كون الإمام عالماً بشريعة الإسلام، وزاهداً وشجاعاً وكونه من أولاد فاطمة ـ عليها السلام ـ ، أعني من أولاد الحسن والحسين ـ عليهماالسلام ـ، وكونه داعياً إلى اللّه تعالى وإلى دين الحقّ ظاهراً، يشهر بسيفه في نصرة دينه، وقد نصّ النبيّ والأئمة بعده، على أنّ كل من استجمع هذه الشرائط الخمسة فهوإمام مفترض الطاعة، وذلك هو النّصّ الخفيّ.

وذهب أهل السنّة إلى أنّ الإمام يعرف إمّا بنصّ من يجب أن يقبل قوله، كنبيّ، أو بإجماع المسلمين .

14ـ حقيقة الإيمان

اختلفوا في معنى الإيمان:

فقال بعض السلف: الإيمان إقرار باللّسان، وتصديق بالقلب، وعمل صالح بالجوارح.

وقالت المعتزلة :أُصول الإيمان خسمة:التوحيد، والعدل، والإقرار بالنبوة، والوعد والوعيد، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقالت الشيعة:أُصول الإيمان ثلاثة: التصديق بوحدانية اللّه تعالى في ذاته،


(22)

والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوّة الأنبياء والتصديق بإمامة الأئمّة المعصومين ـعليهم السلام ـ (1) من بعد الأنبياء.

وقال أهل السنّة: هو التصديق باللّه وبكون النبيّ صادقاً، والتصديق بالأحكام التي يعلم يقيناً أنّه ـ عليه السّلام ـ حكم بها دون ما فيه الخلاف والاشتباه.

15ـ حكم صاحب الكبيرة

صاحب الكبيرة عند الخوارج كافر، لأنّهم جعلوا العمل الصالح جزءاً من الإيمان، وعند غيرهم فاسق.

والمؤمن عند المعتزلة والوعيدية لايكون فاسقاً، وجعلوا للفاسق الذي لايكون كافراً منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر وهو يكون في النار خالداً.

وعند غيرهم المؤمن قد يكون فاسقاً وقد لايكون، ويكون عاقبة أمره على التقديرين الخلود في الجنة.


1 ـ هذا معنى الإيمان باعتبار آثاره الأُخرويّة، أمّا الإيمان بأدون مراتبه وباعتبار آثاره الدنيويّة فليس التصديق بإمامة الأئمة المعصومين ـ عليهم السلام ـ من شرائطه، كما فصّلناه في التعليقة على المسألة الخامسة من الباب الخامس فراجع .

(23)

الفصل الثالث: متفرّدات المذاهب

الف: متفرّدات المعتزلة:

هذه المتفردات على قسمين: قسم منها يعمّ المعتزلة، وقسم آخر يختصّ ببعضهم وهي:

1ـ الواسطة بين الوجود والعدم: مشايخ المعتزلة يقسّمون الثابت إلى موجود ومعدوم وواسطة بينهما تسمّى بالحال،ويجعلون المنفي ما عدا هذه الثلاثة.

2ـ إنّه تعالى لايقدر على القبائح: عند بعض المعتزلة أنّه تعالى لايقدر على القبائح، لامتناع وقوعها، عن العالم بها الغني عنها.

3ـ أحوال أبي هاشم وأتباعه: أبوهاشم من المعتزلة يقول بصفة زائدة على هذه الصفات(القدرة والعلم، والحياة و...) بها يمتاز الصانع عمّا يشاركه في مفهوم الذات، وهذه الصفة يسمّيها الصفة الإلهية ويقول هو وأصحابه: إنّ هذه الصفات جميعاً أحوال لا موجودة ولا معدومة، بل وسائط بين الوجود والعدم.

4ـ وجوب العمل بالوعيد: قال أكثر المعتزلة ، بوجوب العقاب لمن يستحقّه وذلك لأنّ اللّه تعالى وعدهم وأوعدهم، والوفاء بما وعد وأوعد واجب عقلاً.

5ـ الفسق منزلة بين الإيمان والكفر: المؤمن عند المعتزلة، لايكون فاسقاً، وجعلوا للفاسق الذي لايكون كافراً منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر.


(24)

6ـ خلود أهل الكبائر في النّار: قالت الوعيدية من المعتزلة: إنّ صاحب الكبيرة إن لم يتب كان في النّار خالداً.

7ـ الإحباط والموازنة: ثمّ اختلفوا فقال أبو علي الجبّائي بالإحباط، وهو أنّه إذا أقدم على كبيرة أحبطت الكبيرة جميع أعماله الصالحة ويكون معاقباً على ذلك الذنب أبداً، وقال ابنه أبوهاشم بالموازنة، وهو أن يوازن بأعماله الصالحة وذنوبه الكبائر، ويكون الحكم للأغلب.

ب: متفرّدات أهل السنّة:

1ـ الكلام النفسي: الكلام عند أهل السنّة معنى في ذات المتكلّم به.

2ـ الصفات القديمة: أهل السنّة يقولون: إنّه تعالى قادر بقدرة قديمة، وكذلك عالم بعلم قديم، ومريد بإرادة قديمة.

3ـ الصفات ليسـت عين ذاتـه تعـالى ولاغير ذاتـه: يقول أبـو الحـسن الأشعري: إنّ الصفات ليست هي ذاته ولاغير ذاته، فإنّ الغيرين هما ذاتان ليست إحداهما هي الأُخرى.

4ـ صفة التكوين والخالقية: فقهاء ماوراء النهر [الحنفيّة والماتريديّة ]يقولون: التكوين والخالقيّة صفة غير القدرة، فإنّ القدرة متساوية بالنسبة إلى جميع الممكنات، والتكوين والخالقية مختصّ بالمخلوقات.

5ـ رؤية اللّه تعالى: عند أهل السنّة أنّ اللّه تعالى يصحّ أن يُرى مع امتناع كونه في جهة من الجهات.

6ـ عدم تأثير قدرة العبد في فعله: قدرة العبد تكون مع الفعل ولاتكون قبله، ولاتأثير لها في الفعل.


(25)

7ـ إنكار الحسن والقبح العقليين: عند أهل السنّة ليس شيء من الأفعال عند العقل بحسن ولا قبيح.

8 ـ لاواجب على اللّه تعالى:

9ـ ولايقبح منه شيء:

10ـ ولايفعل لغرض:عند أهل السنّة، أنّه لا واجب على اللّه تعالى ، ولايقبح منه شيء، ولايفعل شيئاً لغرض.

ج: متفرّدات الشيعة:

نقصد بالشيعة الاثناعشرية، فمن متفرّداتهم حسب ما ذكره المصنّف الطوسي:

1ـ العصمة المطلقة: قال بعضهم:هو من لايصدر عنه معصية لاكبيرة ولاصغيرة، لابالعمد ولابالسهو من أوّل عمره إلى آخره.

2ـ وجوب نصب الإمام على اللّه تعالى : أمّا القائلون بوجوبه على اللّه تعالى فهم الشيعة القائلون بإمامة عليّ بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

3ـ طريق معرفة الإمام ليس إلاّ النصّ الجليّ.

4ـ وجوب عصمة الإمام: أمّا الإمامية فقالوا: إنّ نصب الإمام لطف، وهو واجب على اللّه تعالى فيجب أن يكون الإمام معصوماً لئلاّ يضلّ الخلق، ويؤكِّد ذلك قوله تعالى:(لايَنالُ عَهْدِي الظّالِمينَ) .

5ـ الإمامة منحصرة في اثني عشر، وهم عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ وأحد عشر من أولاده المعروفون عند الجميع.

***


(26)

حافزنا على التعليقة:

عُيِّن الكتاب للدراسة لطلاّب القسم التّخصّص في علم الكلام في مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ بقم المقدّسة، فقمت بتدريسه حسب ما فوِّضت إليَّ هذه المسؤوليّة، وصار ذلك باعثاً للرجوع إلى المصادر المختلفة لتبيين مقاصده وتوضيح مشكلاته، وأنتج ذلك هذه التعليقات التي أمام القرّاء المحقّقين الكرام، ولاتوفيق إلاّ باللّه العليّ العظيم.

علي الربّاني الگلپايگاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ

رمضان المبارك عام 1415 هـ. ق اسفند 1373 هـ.ش


(27)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه المُنقِذِ من الحيرة والضّلالة. والصّلاةُ على محمّد المخصوصِ بالرّسالة، وآله الموصوفين بالعدالة. يقولُ صاحبُ هذه المقالة: إنّي أوردتُ فيها قواعد العقائد من العلم المنسوب إلى الأصالة، واحترزتُ في تقريرها عن الإطناب والإطالة، مخافة أن يؤدّي إلى السّ آمة والملالة.

وأُقدّمُ ذكر أُصول يجب الوقوف عليها في كلّ حالة، وهي هذه:

أُصول عامّة
أصل [1]
[لافرق بين الموجود والثابت، ولابين المعدوم والمنفي]

كلّ ما يمكن أن يعبّر عنه، فإمّا أن يكون موجوداً، وإمّا أن لايكون موجوداً. وما لا يكون موجوداً معدومٌ. ولافرقَ بين الموجود والثابت، ولابين المعدوم والمنفيّ عند المحققين.


(28)

ومشايخ المعتزلة(1) يقسّمون الثابت إلى موجود ومعدوم وواسطة بينهما تُسمّى بالحال، ويجعلون المنفيّ ما عدا هذه الثلاثة.

والحكماء يقولون: الموجود (2) يكون خارجيّاً، ويكون ذهنيّاً، ويكون


(1) إنّ هاهنا مسألتين: إحداهما: هل الوجود يساوق الثبوت، والعدم يساوق النفي، أو الثبوت أعمّ من الوجود، والنفي أعم من العدم؟فالأكثرون قائلون بالأوّل، والمعتزلة قائلون بالثاني، فعندهم المعدوم على قسمين: معدوم ممكن وهو مصداق للثابت، ومعدوم ممتنع وهو مصداق للمنفي. فهؤلاء لايقولون بالواسطة بين الوجود والعدم. بل الشيء عندهم إمّا موجود وإمّا معدوم، ولكن المعدوم عندهم على قسمين كما تقدّم.

وكان الداعي لهم في هذا القول هو تصحيح علم اللّه الأزلي بالأشياء قبل وجودها، مع أنّ العلم لابدّ له من معلوم، وإذ ليس بموجود، فهو ثابت، فبعض المعدوم ثابت.

وفيه: أنّ إنكار مساوقة الوجود والثبوت والعدم والنفي مكابرة محضة، وتصحيح علمه سبحانه بالأشياء قبل وجودها لايتوقف على هذا الفرض الباطل، بل هناك طريق آخر بيّن في محلّه.

وثانيتهما: هل الوجود والعدم متناقضان، فيستحيل اجتماعهما وارتفاعهما عند توفّر شروط التناقض، أو لا تناقض بينهما، فهناك أمر ليس بموجود ولا معدوم؟ ذهب الحكماء والمتكلّمون إلى الأوّل، وخالفهم من المعتزلة أبو هاشم الجبّائي ومن تبعه، ومن الأشاعرة الباقلاني والجويني، وهؤلاء سمّوا الواسطة بين الوجود والعدم بالحال، وكان داعيهم في ذلك اقتراح مذهب متوسّط بين المعتزلة النافين للصفات الزائدة على الذات الأزلية، وبين الأشاعرة المثبتين لها. وللشيخ المفيد انتقادات ونقوض على نظرية الحال.(1)

فظهر ممّا ذكرنا أنّ إسناد كلا القولين إلى مشايخ المعتزلة كما في عبارة المصنّف، غير وجيه.

(2) إنّ الموجود بالنسبة إلى الذهن والخارج على ثلاثة أقسام: الأوّل أن يكون موجوداً في الخارج فقط، كالأُمور الخارجية إذا لم نتصوّرها، والثاني أن يكون موجوداً في الذهن فقط، كالأشياء المتصوّرة في الذهن غير الموجودة في الخارج، كجبل من ياقوت وبحر من زئبق، والإنسان الكلّي ونحو ذلك، والثالث أن يكون موجوداً فيهما كالأُمور الخارجية عند تصوّرنا إيّاها.

وبوجه آخر: المفاهيم باعتبار وجودها على ثلاثة أقسام: الأوّل: ما يكون حيثيّة مصداقها عين الخارجية فيمتنع حصوله في الذهن، كالوجود والوحدة وغيرهما من المعقولات الثانية الفلسفية، والثاني: ما يكون على خلاف الأوّل، كالمعقولات الثانية المنطقية، والثالث: ما يمكن تحقّقها في الذهن والخارج كالمعقولات الأوّلية، والمفاهيم الماهوية.


1 ـ لاحظ الحكايات: 10/45ـ 56 من مصنفات الشيخ المفيد.

(29)

كليهما; وكذلك المعدوم (1).

أصل آخر
(الواجب والممكن والممتنع)

كلّ مايمكن أن يعبّر عنه فإمّا أن يجب وجوده، أو يجب عدمه، أو لا يجب أحدهما. والأوّل هو الواجب، والثاني هو الممتنع أو المحال أو المستحيل، والثالث هو الممكن أو الجائز.

أمّا الواجب: فإمّا أن يكون وجوبه لاعن غيره فهذا الواجب لذاته، وإمّا أن يكون وجوبه عن غيره فيكون واجباً عن غيره ممكناً لذاته. وكذلك الممتنع.

وما يُفيدُ وجودَ غيره يُسمّونه موجداً أو علّة. وذلك الغير يكون موجَداً أو معلولاً.

والممكن لذاته متساوي النسبة إلى طرفي وجوده وعدمه. فإن كان له


(1) المعدوم إمّا معدوم في الذهن والخارج، كشريك الباري إذا لم نتصوّره، أو معدوم في الذهن خاصة كالأشياء الخارجية إذا لم نتصورها، أو معدوم في الخارج فقط، كالصور الذهنية غير الموجودة في الخارج. (1)


1 ـ لاحظ كشف الفوائد للعلاّمة الحلّـي: ص48 و إرشاد الطالبين للفاضل المقداد: ص21.

(30)

موجدٌ كان موجوداً، وإن لم يكن له موجدٌ بقي على حالة العدم، ويكون عدم مُوجده كالعلّة لعدمه.

أصل آخر [3]
[الذات والصفة]

كلّ ما يمكن أن يتصوّر فإن أمكن (1) تصوّره لا مع غيره فهو ذات، وإلاّ فهو صفة.مثلاً إذا قلنا: «موصوف» عنينا به شيئاً له صفة. فالشيء هي الذات، قولنا: «له صفة» فهو صفته.


(1) إن قلت: هذا الحدّ يختص بالوجود في غيره كوجود النسب في القضايا، مع أنّ وجود الصفة وجود في نفسه وإن كان لغيره.

قلت: معنى الصفة في اصطلاح المتكلّمين يغايره في اصطلاح الحكماء.فإنّ المراد من الصفة في اصطلاح الحكماء، هو مبادئ المشتقات كالعلم، والقدرة والحياة التي هي من سنخ العرض في مقابل الجوهر، والمتكلّمون يسمّونها معاني.والمراد منها في اصطلاح المتكلّمين هوالمفاهيم المشتقّة، كالعالم والقادر والحيّ، وهي عند الفلاسفة تعرف بالأسماء، قال الشيخ المفيد: «إنّ الصفة في الحقيقة ما أنبأت عن معنى مستفاد يخص الموصوف وما شاركه، ولايكون كذلك حتى يكون قولاً أو كتابة يدل على ما يدل النطق عليه وينوب منابه...». (1)

وأوضح منه عبارة المحقّق الجرجاني حيث قال: «الصفة هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، وذلك نحو طويل، وقصير، وعاقل، وأحمق وغيرها». (2)

ومن الواضح أنّ تصوّر مفهوم الطويل والقصير والعاقل ونحوها لايمكن إلاّ عند تصوّر ذات تتّصف بها، وبعبارة أُخرى هذه المفاهيم ليست بأعراض في مقابل الجوهر، بل عرضيات تتقوم بالمعروضات تصوّراً وعيناً وذهناً وخارجاً.

ثمّ إنّ قوله: «وله صفة» صفته، لا يخلو من مسامحة في التعبير فإنّ الوصف في الحقيقة هو«الموصوفية» كما أنّ قولنا: «عالم» ينحل إلى ذات وصفة وهي العالمية، لا له علم.


1 ـ أوائل المقالات، الطبعة الثانية: ص61.
2 ـ التعريفات، باب الصاد.


(31)

أصل آخر [4]
[القديم والمحدث وأقسام التقدم]

كلّ (1) موجود فإمّا أن يكون لوجوده أوّل، ولا محالة يكون لاوجوده متقدّماً على وجوده، ويسمّى محدَثاً; وإمّا أن لايكون لوجوده أوّل، ويسمّى قديماً وأزليّاً.

والتقدّم: يكون بالذات (2) ، كتقدّم المُوجِد على ما يُوجده; أو بالطبع، كتقدّم الواحد على الاثنين; أو بالزمان، كتقدّم الماضي على الحاضر; أو


(1) سواء كان له أوّل بلحاظ الزمان وهو الحادث الزماني، أو أوّل بلحاظ الذات، وهوالحادث الذاتي.

ثمّ إنّ هناك فرقاً بين قولنا: «لوجوده أوّل» وبين قولنا: «وجوده أوّل» فاللّه سبحانه ليس لوجوده أوّل مطلقاً، ولكن وجوده أوّل، وكذلك الكلام في صفة الآخر، فاللّه سبحانه أوّل الأشياء وآخرها، وليس لوجوده أوّل ولا آخر، يقول سبحانه: (هُوَ الأَوّلُ وَ الآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطنُ). (الحديد: 3)

وتقدم لا وجود شيء على وجوده في الحادث الزماني واضح، وأمّا في الحادث الذاتي فتصويره أنّ الممكن باعتبار ذاته لا يستحق الوجود، فإن استحقّ الوجود فمن غيره، وما بالذات أسبق مما بالغير، فعدم استحقاق الوجود سابق على استحقاق الوجود، فكلّ ممكن محدث. (1)

(2) يطلق التقدم بالذات على ثلاثة أقسام من التقدّم هي:

1ـ التقدّم بالعلّية وهو تقدّم العلّة التامة على معلولها، وهذا هو الذي وصفه المصنّف بالذات.

2ـ التقدّم بالطبع، وهو تقدّم العلّة الناقصة، على معلولها.

3ـ التقدّم بالماهية والتجوهر، وهو تقدّم أجزاء الماهية عليها.(2)


1 ـ كشف الفوائد: ص68.
2 ـ بداية الحكمة، المرحلة التاسعة، الفصل الأوّل.


(32)

بالشرف، كتقدّم المعلّم على متعلّمه; أو بالوضع (1) ، كتقدّم الأقرب على الأبعد. والمتكلّمون يزيدون على ذلك التقدّم بالرتبة (2)، كتقدّم الأمس على اليوم.

أصل آخر [5]
[الجواهر والأعراض]

كلّ ما يوجد من الممكنات فإمّا أن يوجد قائماً بذاته، كالإنسان، وهو الجوهر; أو يوجد قائماً بغيره كالحركة، وهو العرض.ويسمّى العرضُ حالاّ ً وذلك الغير محلاّ ً.

والحكماء يقولون: الحالّ إن كان سبباً لقوام محلّه، كالإنسانيّة لبدن الإنسان، كان صورة، ومحلّه مادّة; وإن لم يكن كذلك، كالبياض في الجسم، كان عرضاً، ومحلّه موضوعه.


(1) يسمّى هذا القسم من التقدم عند الفلاسفة بالتقدّم بالرتبة أو المرتبة، وهو ما إذا كانت الأُمور مترتباً بعضها على بعض، سواء أكان الترتيب بحسب الطبع كترتيب الأجناس والأنواع، أو كان بحسب الوضع وهو الذي يوجد في الأحياز والأمكنة، كترتيب الإمام والمأموم مثلاً، ويصحّ في التقدّم بالرتبة أن ينقلب المتقدّم متأخراً وبالعكس. (1)

(2) إنّ المتكلّمين فصّلوا بين تقدّم بعض أجزاء الزمان على البعض، وبين تقدّم الموجودات الزمانية بعضها على بعض، فسمّوا القسم الأخير بالتقدّم الزماني، والأوّل باسم الذاتي، قال المصنف في تجريد العقائد: «والسبق ومقابلاه إمّا بالعلّيّة، أو بالطبع، أو بالزمان، أو بالرتبة الحسّية أو العقلية، أو بالشرف، أو بالذات، والحصر استقرائي».

وقال الشارح العلاّمة: «ثمّ المتكلّمون زادوا قسماً آخر للتقدّم وسمّوه التقدّم الذاتي، وتمثّلوا فيه بتقدّم الأمس على اليوم».(2)


1 ـ الأسفار: 3/255.
2 ـ كشف المراد، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، المسألة 33.


(33)

[الجوهر عند المتكلّم والحكيم]

والجوهر عندهم كلّ ما لايكون في موضوع، سواء كان صورة، أو مادّة، أو مركّباً منهما، وهو الجسم عندهم، أو غير ذلك.

وأمّا عند المتكلّمين فالجسم مؤلّف من أجزاء لاتتجزّى، يسمّون كلّ جزء منها بالجوهر الفرد; وتأليفه عند الأشعريّة (1) من جوهرين فصاعداً. وعند المعتزلة (2) إمّا من أربعة جواهر، وإمّا من ثمانية جواهر فصاعداً، لكون الجسم عندهم هو الطويل العريض العميق، والجوهر الفرد عند الحكيم ممتنع الوجود.


(1) إنّ الأشعري فسّر الجسم بالمؤلَّف، وأقلّ ما يحصل التأليف من جوهرين، فعنده كلّ مؤلَّف ومنقسم جسم ولو كان من جوهرين.

(2) إعلم أنّه إذا تألّف جوهران فما زاد في جهة واحدة ـ أي الطول ـ فذلك خط، وإذا تألّف خطان فما زاد في جهتين ـ أي الطول والعرض ـ فذلك سطح، وإذا تألف سطحان في جهتين، بأن يكون أحدهما منطبقاً على الآخر حتى يحصل العمق فذلك جسم، وعلى هذا أقلّ ما يحصل منه الجسم ثمانية جواهر.

هذا هو رأي أكثر المحقّقين من المتكلّمين، وقال بعضهم: أقلّ ما يحصل منه الجسم ستة، لأنّه يحصل من ثلاثة جواهر على هيئة شكل مثلّث، سطح، وثلاثة أُخرى كذلك سطح آخر، وبانطباق أحدهما على الآخر يحصل الجسم.

وقال الكعبي (م/317هـ) : إنّ الجسم يحصل من أربعة جواهر: ثلاثة كشكل مثلث، ثمّ يوضع رابع فوقها على هيئة شكل مخروط فيحصل له العمق. (1)


1 ـ تلخيص المحصل: ص142، إرشاد الطالبين: ص30ـ 31.

(34)

[الأعراض عند المتكلّمين والحكماء]

والأعراض عند أكثر المتكلّمين أحدٌ وعشرون نوعاً، وعند بعضهم ثلاثة وعشرون نوعاً. عشرة منها تختص بالأحياء; وهي الحياة، والشهوة، والنفرة، والقدرة، والإرادة، والكراهة، والاعتقاد، والظنّ، والنظر، والألم. وأحدَ عشر منها تكون للأحياء وغير الأحياء. وهي الكون (1) ; وهو يشتمل أربعة أشياء: الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق; والتأليف (2) ، والاعتماد(3) ; كالثقلِ والخفّة; والحرارة والبرودة، واليبوسة والرطوبة، واللون و الصوتُ، والرائحة والطعم. والاثنان اللذان زاد بعضهم هما: الفناء، والموت. (4)


(1) الكون في اصطلاح المتكلّمين عبارة عن حصول الشيء في الحيّز والمكان، ويندرج تحته أربعة أنواع: الحركة، وهي الحصول الأوّل في المكان الثاني، والسكون وهو الحصول في مكان واحد أكثر من زمان واحد، والاجتماع وهو حصول الجوهرين بحيث لا يتخلّلهما ثالث، والافتراق وهو حصولهما بحيث يتخلّلهما ثالث.

(2) وهو عرض يقتضي صعوبة تفكيك الأجزاء كالحديد مثلاً ، أو سهولته كالماء والدُّهن.

(3) وهو كيفية تقتضي حصول الجسم في جهة من الجهات، ويسمّيه الحكيم «ميلاً» وينقسم إلى لازم وهو ماكان طبيعياً كالثقل الذي في الحجر المدافع إلى تحت، وكالخفّة التي في الزقّ المنفوخ تحت الماء المدافع إلى فوق، وإلى غير لازم (مجتلب) وهو ما كان قسرياً أو إرادياً.

(4) القائل بأنّ الفناء أمر وجوديّ وأنّه عرض يضاد الجوهر هما الجبّائيان، واستدلاّ عليه بوجه غير تام كما بيّن في محلّه. (1)

والقائل بأنّ الموت أمر وجوديّ يضادّ الحياة هما: أبوعلي الجبّائي، وأبو القاسم الكعبي، واستدلاّ عليه بقوله تعالى: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ) . (الملك/2) ، ولكن المحقّقين قالوا: إنّ التقابل بين الموت والحياة تقابل العدم والملكة، وفسّروا الموت بأنّه عدم الحياة عن محلّ


1 ـ لاحظ كشف الفوائد: ص102.

(35)

والحكماء قالوا: أجناس الأعراض تسعة: الكم، والكيف، والمضاف، والوضع، والأين، ومتى، والملك، والفعل، والانفعال، وتسمّى هي مع الجوهر بالمقولات العشر الشاملة لجميع الممكنات.

أصل آخر [6]
[نِسَب التماثل والتضاد والتخالف بين الموجودات]

الموجودات إمّا متماثلة، وإمّا متضادّة، وإمّا متخالفة. (1) أمّا المتماثلة فكالبياضين المتساويين في البياضيّة. وأمّا المتضادّة فهي الأعراض التي تكون من جنس واحد، لايمكن أن تجتمع في محلّ واحد في وقت واحد، ويمكن


اتّصف بها أو عمّا من شأنه أن يكون حيّاً، وأجابوا عن الاستدلال بالآية بأنّ الخلق لغة بمعنى التقدير ولايجب كون المقدور وجودياً. (1)

(1) الأصح أن يقال: الموجودات إمّا متماثلة وإمّا متقابلة وإمّا متخالفة، فإنّ من الموجودات ما تكون النسبة بينها نسبة التضايف، قال العلاّمة الحلّي: كل معقولين إن تساويا في تمام الماهية فهما مثلان، وإلاّ فمختلفان، والمختلفان إن لم يمكن اجتماعهما فمتقابلان وإلاّ فمتلاقيان».

ثمّ إنّ المخالف قد يعنى به المتلاقيان فقط كالسواد والحلاوة، وقد يعنى به ما يشمل التقابل أيضاً كما في عبارة العلاّمة.

ولايخفى أنّ التماثل والتخالف من أقسام التغاير، والمتغايران هما اللّذان يمكن أن يفارق أحدهماالآخر، وهما إمّا متماثلان، وإمّا متخالفان وإمّا متقابلان.


1 ـ تلخيص المحصل: ص153 ـ 154، إرشاد الطالبين: 94.

(36)

حلولها فيه على التعاقب وخلوّه منها جميعاً، كالألوان.

والحكماء زادوا في قيودها أن يكون بينهما غاية البعد. فإذن يجوز أن يكون لعرض واحد أضداد كثيرة، على الرأي الأوّل; ولايجوز أن يكون له إلاّ ضدٌّ واحد على الرأي الثاني; وما عدا المتماثلة والمتضادّة فمختلفة.

واعلم أنّ التقابل الذي يشمل المتضادّة وغيرها على أربعة أوجه: أحدها: التقابل بالتضادّ، والثاني: التقابل بالنفي والإثبات، والثالث التقابل بالملكة والعدم، كالبصر والعمى، والرابعُ: التقابل بالتضايف، كالأُبوّة والبُنوّة.

أصل آخر [7]
[استحالة الدور والتسلسل]

الدور [محال] وهو أن يكون المعلول علّة لعلّته بواسطة أو غير واسطة، والمتأخّر من حيث هو متأخّر متقدّماً على متقدّمه من تلك الحيثيّة.

والتسلسل عند المتكلمين محال مطلقاً. وبالجملة كلّ عدد يُفرض فهو متناه، لأنّ كلّ عدد يفرض فهو قابل للقلّة، بأن ينقص منه شيء، والكثرة بأن يزاد عليه شيء، وكلُّ قابل للقلّة والكثرة فهو متناه. وأمّا العدد الذي يكون له أوّل ولايكون له آخر، بل إنّما يوجد منه شيء بعد شيء لا إلى نهاية فليس بمحال عند أكثرهم لكون كلّ ما يوجد منه حصر في أيّ وقت يفرض متناهياً.


(37)

وأمّا عند الحكماء (1) فكلّ عدد يكون آحاده موجودةً دفعة وله ترتيب فهو متناه، ويستحيل أن يكون غير متناه.وأمّا ما لايكون آحاده موجودة دفعة، أو لايكون له ترتيب، فيجوز أن يكون غير متناه.


(1) التسلسل إنّما يكون مستحيلاً إذا اجتمع هناك ثلاثة شروط:

الأوّل: أن تكون أجزاء السلسلة موجودة بالفعل، فلو كان بعض الأجزاء موجودة بالقوة كبعض مراتب العدد فليس بمستحيل لأنّ الموجود منه متناه دائماً.

الثاني: أن تكون الأجزاء مجتمعة في الوجود فلو كانت موجودة بالفعل لكنّها غير مجتمعة في الوجود كالحوادث الزمانية بعضها معدومة عند وجود بعض لااستحالة لها، لتناهي ما هو الموجود منها دائماً.

الثالث: أن تكون الأجزاء مترتبة بعضها على بعض، فلو كانت موجودة بالفعل مجتمعة في الوجود لكن لاترتب بينها كعدد غير متناهي من موجودات لا علّية ولا معلولية بينها، ليست بمستحيل.

والوجه في ذلك أنّه ليس هناك مع فقد شيء من الشرائط الثلاث سلسلة واحدة موجودة غير متناهية حتى يجري فيها براهين الاستحالة. (1)

فالمتكلّمون والحكماء متّفقون في جواز التسلسل في باب الأعداد، وأمّا في الحوادث غير المجتمعة في الوجود، والمجتمعة غير المترتبة فاختلفوا، فالحكماء على الجواز والمتكلّمون على الامتناع.

ثمّ إنّ المصنّف لم يتعرض لأدلّة امتناع التسلسل، وقد أقاموا على امتناعه براهين كثيرة مذكورة في كتب الحكمة والكلام، وللمصنّف برهان قويم ذكره في التجريد حيث قال: «ولايتراقى معروضاهما في سلسلة واحدة إلى غير النهاية، لأنّ كلّ واحد منها ممتنع الحصولبدون علة واجبة، لكنّ الواجب بالغير ممتنع أيضاً، فيجب وجود علّة لذاتها هي طرف».(2)


1 ـ نهاية الحكمة، المرحلة الثامنة، الفصل الخامس.
2 ـ كشف المراد، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، المسألة الرابعة.


(38)

فهذه هي الأُصول التي أردنا تقديمها. وبيان ما يحتاج إلى البيان منها فيجيء في مواضعها. وقد أوردنا ما أردنا إيراده في خمسة أبواب.


توضيحه: أنّ معنى عدم انتهاء السلسلة إلى نهاية هو عدم انتهائها إلى واجب بالذات، وهو ممتنع، وذلك لأنّ كلاً منها يكون ممكناً بالذات، فوجوده مع فرض عدم علّة توجب وجوده ممتنع، فوجود كلّ واحد من السلسلة متوقف على وجوبه، وهو متوقف على إيجاب العلّة إيّاه، والمفروض أنّ الجميع ممكن بالذات، فلو لم يكن هناك واجب بالذات يوجب وجود تلك الممكنات لم تحصل لها وجوب بالغير فلا يحصل لها وجود، هذا خلف.

فوجود الممكنات كاشف عن وجوبها، ووجوبها حيث كان بالغير كاشف عن وجود واجب بالذات أعطاها الوجوب والوجود وهذا هو المطلوب.


(39)

الباب الأوّل
في إثبات موجد العالم

العالَم عبارة عمّا سوى اللّه تعالى، وما سوى اللّه تعالى إمّا جواهر وإمّا أعراض. وإذا ثبت احتياج الجواهر إلى مُوجد ثبت احتياج الأعراض إليه لاحتياجها إلى ما تحتاج إليه. والمتكلّمون ينكرون وجود جواهر غير جسمانيّة كما سيجيء بيانه، ويثبتون أوّلاً حدوث الأجسام والجواهر، ويستدلّون بذلك على إثباتِ مُحدِثها القديم.

[طرق إثبات حدوث العالم عند المتكلّمين]

ولهم في إثبات حدوث الأجسام طرق:

[الطريق الأوّل]

أحدها قولهم: كلّ جسم لا يخلو من الحوادث، وكلّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فكلّ جسم حادث. وهذه الحجّة مبنيّة على إثبات أربع دعاو: إحداها : إثبات وجود الحوادث. والثانية: بيان أنّ كلّ جسم لايخلو منها. والثالثة: بيان حدوثها جميعاً. والرابعة: بيان أنّ كلّ ما لا يخلو من الحوادث حادث.


(40)

[المقدمة الأُولى]

أمّا الأوّل فظاهر، فإنّ الأكوان، أعني الحركات والسكونات والاجتماعات والافتراقات، أُمور ثبوتيّة هي غير الأجسام. وذلك لأنّ الحركة هي كون الجسم في حيّز بعد كونه في حيّز آخر، والسكون هو كونه في حيّز بعد كونه في ذلك الحيّز; والاجتماع هو كون الجسمين في حيّزين على وجه لايمكن أن يتخلّل بينهما جوهر; والافتراق هو كونهما في حيّزين على وجه يمكن أن يتخلل بينهما جوهر.

والأكوان (1) تتبدّل وتتغيّر مع ثبوت الأجسام فهي أُمور موجودة غير الأجسام ولايمكن وجودها إلاّ في الأجسام.

[المقدمة الثانية]

وأمّا بيان أنّ الأجسام لاتخلو عنها، فهو أنّ كلّ جسم يستحيل أن يكون لا في حيّز، فكونه في حيّز ينحصر في الحركة والسّكون، وإذا كان جسمان في حيّزهما انحصر كونهما في الاجتماع والافتراق.


(1) هذا بناءً على إنكار الحركة الجوهرية، وأمّا مع إثباتها ـ كما هوالحق ـ فلا ثبات للأجسام حقيقة، نعم يتصوّر لها ثبوت نسبي، وذلك في الحركات الثانوية باعتبار المقولات الأربع: الكم، والكيف، والوضع، والأين. (1)


1 ـ لاحظ نهاية الحكمة، المرحلة التاسعة، الفصل الثالث عشر.

(41)

[المقدمة الثالثة]

وأمّاأنّها حادثة فلأنّها تزول وتتبدّل بعضها ببعض، فإذن هي محتاجة في وجودها إلى غيرها فهي ممكنة. وسنقيم الدلالة على أنّ كلّ ممكن حادث، ولايجوز (1) أن يكون قبل كلّ حادث حادث إلى غير النهاية.


(1) يريد بذلك إثبات تناهي الحوادث بعد إثبات حدوثها، فإنّ إثبات حدوثها فقط لايكفي لإثبات حدوث الأجسام.

قال في التجريد: «والأجسام كلّها حادثة لعدم انفكاكها من جزئيّات متناهية حادثة، فإنّـها لا تخلو من الحركة والسكون، وكلّ منهما حادث وهو ظاهر، وأمّا تناهي جزئيّاتهما فلأنّ وجود ما لايتناهي محال للتطبيق على ما مرّ...».

وقال الشارح العلاّمة: «لمّا بيّن حدوث الحركة والسكون، شرع في بيان تناهيهما، لأنّ بيان حدوثهما غير كاف في الدلالة». (1)

ثمّ إنّ قوله: «وإذا فرض للناقص وغير الناقص تطابق» ناظر إلى برهان التطبيق وتقريره على ما ذكره العلاّمة في كشف المراد ـ أن يقال: نأخذ جملة الحركات من الآن إلى الأزل جملة، ومن زمان الطوفان إلى الأزل جملة أُخرى، ثمّ نطبّق إحدى الجملتين بالأُخرى، فإن استمرّا إلى ما لايتناهي كان الزائد مثل الناقص هذا خلف، وإن انقطع الناقص تناهى، وتناهى الزائد، لأنّه إنّما زاد بمقدار متناه، والزائد على المتناهي بمقدار متناه يكون متناهياً». (2)

يلاحظ عليه: أنّ زيادة الزائد على المتناهى بمقدار متناه إنّما يدل على تناهي الزائد لو كانت زيادته منحصرة في ذلك ا لمقدار، وأمّا إن كانت له جهة أُخرى غير متناهية يزيد على الناقص بتلك الجهة أيضاً، فلايدل على ذلك، والمقام من هذا القبيل، فإنّ المفروض أنّ الزائد غير متناه في جانب الماضي، فهو يزيد على الناقص بوجهين:

أحدهما: ما نقص عنه من المقدار المتناهى وهوالحوادث الواقعة بين زمان الطوفان وزماننا.


1 ـ لاحظ كشف المراد، المقصد الثاني، الفصل الثالث، المسألة 6.
2 ـ المصدر نفسه.


(42)

أمّا أوّلاً، فلأنّ الحوادث الماضية يتطرّق إليها الزيادة والنقصان، ويستحيل أن يتطرّق إلى غير المتناهى الزيادة والنقصان; وذلك لأنّ الناقص منها بعدد متناه يستحيل أن يكون مساوياً لها، وإذا فرض للناقص وغير الناقص تطابق من مبدأ واحد وجب أن ينتهي الناقص ويمتدّ بعد انتهائه غير الناقص، فيكون الناقص متناهياً; وغير الناقص لايزيد عليه إلاّ بعدد متناه، فيكون الكلّ متناهياً وبطل كونه غير متناه; فيكون جميع الحوادث الماضية مسبوقة بالعدم.

وأمّا ثانياً، فلأنّ كلّ واحد من الحوادث على تقدير كونه مسبوقاً بما لانهاية له يستحيل أن يوجد إلاّ بعد انقضاء ما لانهاية له من الحوادث حتّى يصل النّوبة إليه، وانقضاء ما لا نهاية له محال. ويلزم منه أن يكون وجود كلّ حادث يسبقه ما لانهاية له من الحوادث، فيكون وجوده محالاً، ولكنّ الحوادث موجودة، فإذن كونها مسبوقة بما لانهاية له باطل.

وأمّا ثالثاً، فلأنّ كلّ حادث مسبوق(1) بعدم أزليّ، فلو كان في الأزل


وثانيهما: المقدار غير المتناهى في جانب الماضي.

فإثبات أنّ الزائد على المتناهى زائد عليه بمقدار متناه فقط موقوف على إثبات تناهي الزائد في جانب الماضي، وإثبات تناهيه من هذه الجهة موقوف على إثبات أنّه زائد على المتناهى بمقدار متناه فقط، وهو دور محال.

(1) كون كل حادث مسبوقاً بعدم أزلي، يختص بالحادث الزماني، وهذا هو الذي نريد إثباته فأخذه في مقدمة الدليل مصادرة على المطلوب.هذا إذا كان المراد بالعدم الأزلي، العدم الزماني المختص بالموجودات الزمانية، وإن أُريد به العدم الذاتي فصحّ أنّ كل حادث مسبوق به ولكن لاينافيه فرض وجوده في الأزل بلحاظ الزمان، لاختلاف الجهتين أعني: الذات والزمان، فيكون ذلك الموجود المفروض قديماً وحادثاً باعتبارين: قديماً باعتبار الزمان، حادثاً باعتبار الذات.


(43)

حادث موجود لاجتمع وجوده مع عدمه، وذلك محال، فإذن يكون في الأزل جميع الحوادث معدومة.

[المقدمة الرابعة]

وأمّا بيان أنّ كلّ ما لايخلو من الحوادث حادث; فظاهر، لأنّ جميع الحوادث معدومة في الأزل. فالشيء الذي لايخلو منها لو كان موجوداً في الأزل لكان خالياً عنها، وهو محال. فإذن ثبت أنّ الأجسام حادثة، وكذلك الجواهر والأعراض.

طريق آخر [الطريق الثاني]

لايجوز أن يكون جسم من الأجسام أزليّاً، لأنّه في الأزل إمّا أن يكون متحركاً أو ساكناً، وكلاهما محال.أمّا كونه متحركاً فلأنّ الأزل عبارة عن نفي المسبوقية بالغير، والحركة عبارة عن ثبوت المسبوقيّة بالغير، وهما لايجتمعان. وأمّا كونه ساكناً فمحال، لأنّ السكون (1) مع أنّه يقتضي أيضاً المسبوقية


(1) ليس السكون مطلقاً مسبوقاً بسكون مثله، لأنّ السكون ـ كما تقدّم ـ عبارة عن كون الجسم في حيّز زمانين، فلايصدق على كونه في حيّز في الزمان الأوّل، ولعلّ العبارة كانت «بكون قبله» فحرّفت بيد الناسخ أو الطابع.

ثمّ إنّ أوّل حصول للجسم في حيّز لايسمّى إلاّكوناً، فالسكون والحركة من أقسام الحصول الثاني للجسم في حيّز واحد أو في حيزين. (1)

تكملة

قد تبيّن ممّا تقدّم أنّ ما ذكره المتكلّمون لإثبات صغرى برهان الحدوث على إثبات


1 ـ لاحظ قواعد المرام: ص41.

(44)

بسكون مثله [بكون مثله ]ليس بواجب الوجود. فإذا كان ممكناً كان مسبوقاً بالعدم، على ما سيجيء بيانه.


موجد العالم غير ناهض بذلك، وهناك طريقان آخران لإثبات ذلك:

الأوّل: الطريق العلمي التجربي، وحاصله: أنّه قد ثبت في علم الفيزياء أنّ هناك انتقالاً حرارياً مستمراً من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة ولاتتحقق في عالم الطبيعة عملية طبيعية متعاكساً لذلك، ومعنى ذلك أنّ الكون يتّجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الأجسام، وعند ذلك لن تتحقق عمليات كيميائية أو طبيعية.

والعقل السليم لايتأمّل في استنتاج حدوث الحياة في عالم المادة من هذا القانون العلمي، فظاهرة الحياة في عالم الطبيعة حدثت في مبدأ زماني محدود.

لأنّها لو لم تكن كذلك بل كانت حاصلة في أزمنة غير متناهية لانتفت الحياة وتوقفت المادة عن الحركة منذ زمن بعيد، ولما وجدت الآن أيّة ظاهرة طبيعية وعملية حيويّة في عالمنا هذا، وإلى ما ذكرنا أشار «فرانك آلن» أُستاذ علم الفيزيا، بقوله: «الأصل الثاني من قانون ترموديناميا، أثبت أنّ العالم لايزال يتجه إلى نقطة تتساوى فيها درجة حرارة جميع الأجسام، ولاتوجد هناك طاقة مؤثّرة لعملية الحياة، فلو لم يكن للعالم بداية وكان موجوداً من الأزل لزم أن يقضى للحياة أجلها منذ أمد بعيد، فالشمس المشرقة والنجوم، والأرض المليئة بالظواهر الحيوية وعملياتها، أصدق شاهد على أنّ العالم حدث في زمان معيّـن، فليس العالم إلاّ مخلوقاً حادثاً». (1)

ولقد اعترف بهذا الإنتاج الفيلسوف المادّي «برتراند رسل»، لكنّه ناقش في كبرى الاستدلال وزعم أنّ القول بأنّ هناك إرادة قاهرة ماوراء عالم المادة هي التي أوجدتها، ليس بأولى من القول بحدوثها صدفة وبلا علّة موجودة، فإنّ القولين كليهما ناقضان للقوانين العلمية المشهودة لنا.(2)

ولكنّه زعم باطل نشأ من رأيه الباطل في مجال نظريّة المعرفة، وهو أنّ طريق


1 ـ «إثبات وجود خدا» (فارسي) يحتوي الكتاب على مقالات من أربعين من المتمهرين في العلوم المختلفة، جمعها العالم المسيحي «جان كلور مونسما».
2 ـ «جهان بينى علمى» (فارسي) : ص114.


(45)

طريق آخر [الطريق الثالث]

وهو أعمّ من الأوّلين، وذلك أن يقال: كلّ ما سوى الواجب ممكن، وكلّ ممكن مُحدث، فكلّ ما سوى الواجب مُحدث، سواء كان جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو غير ذلك.

أمّا المقدّمة الأُولى، فظاهرة.

وأمّا المقدمة الثانية، فلأنّ الممكن يحتاج في وجوده إلى موجد، والممكن لايمكن أن يوجد حال وجوده، فانّ إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل محال، فيلزم منه أن يوجد حال لا وجوده، فيكون وجوده مسبوقاً بلا وجوده، وذلك حدوثه.


التعرّف على الحقائق منحصر في الاستقراء والتجربة ولاقيمة للطريق المبتنى على البرهان العقلي المحض.وقد بيّـن وهن هذه النظرية في محلّه، فالحاكم بالفرق بين الفرضين ليس إلاّ العقل السليم، وهو جازم ببطلان فرض الصّدفة جزماً باتاً ويحكم بلا تأمل بوجود مبدئ قادر شاعر مريد أعطى للمادّة وجودها ونظامها السائد عليها.

الثاني: والطريق الثاني لإثبات حدوث عالم الماّدة بجميع أجزائها هو الاستناد إلى ما أبدعه الفيلسوف الإسلامي الكبير صدر المتألهين وبرهن عليه من الحركة الجوهرية المادّية، وهو ـقدّس سرّه ـ قد افتخر بذلك وقال في رسالة الحدوث بعد إثبات الحركة الجوهرية: «قد علّمناك وهديناك طريقاً عرشياً لم يسبقنا أحد من المشهورين بهذه الصناعة النظرية في إثبات حدوث العالم الجسماني بجميع ما فيه من السّماوات والأرضين وما بينهما حدوثاً زمانياً تجدّدياً...». (1)


1 ـ الرسائل: ص48.

(46)

[تقرير برهان الحدوث]

وإذا ثبت كون ما سوى الواجب مُحدَثاً وكان احتياج كلّ محدَث إلى مُحدِث يوجده ضرورياً، ثبت أنّ لجميع العالم من الأجسام والأعراض وما سواهما من الممكنات مُحدِث، وهو المطلوب.فهذه طرق المتكلّمين في إثبات الصانع.

[طريق الحكماء لإثبات الصانع]

وأمّا الحكماء فقالوا: إنّ الموجودات تنقسم إلى واجب وممكن، والممكن محتاج في وجوده إلى مؤثّر موجد; فإن كان موجده واجباً فقد ثبت أنّ في الوجود واجب الوجود لذاته، وإن كان ممكناً كان محتاجاً إلى مؤثّر آخر، والكلام فيه كالكلام في مؤثّره، والدور مُحال والتسلسل كذلك، كما مرّ.

وعلى تقدير ثبوته نأخذ جميع (1) الممكنات الموجودة، فيكون ممكناً، لأنّه لايتحصّل بدون أفراده، وأفراده غيره.

ثمّ المؤثّر فيه لايجوز أن يكون نفسه، ولايجوز أن يكون داخلاً فيه، لأنّ الداخل لايكون مؤثراً في نفسه ولا في علله، فلايكون مؤثراً في المجموع.

فلم يبق إلاّ أن يكون للجميع مؤثّر خارج، والخارج عن جميع الممكنات لايكون ممكناً فيكون واجباً.فإذن وجود واجب الوجود لذاته


(1) هذا أحد البراهين على امتناع التسلسل في باب العلل، ذكره في التجريد بقوله: «ولأنّ المؤثّر في المجموع إن كان بعض أجزائه كان الشيء مؤثّراً في نفسه وعلله، ولأنّ المجموع له علّة تامة، وكل جزء ليس علّة تامة، إذ الجملة لاتجب به وكيف تجب الجملة بشيء هو محتاج إلى ما لايتناهى من تلك الجملة». (1)


1 ـ كشف المراد، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، المسألة الرابعة.

(47)

ضروري، وهو المؤثّر الموجد للممكنات كلّها، وهو المطلوب.

فهذا ما قاله المتكلّمون والحكماء في هذا المقام.

وقد يُورد على كلّ موضع منه اعتراضات، ويُجاب عنها بأجوبة لانذكرها، لأنّـها بالكتب المطوّلة أليق.

[موضع الخلاف بين الحكماء والمتكلّمين في حدوث العالم]

لكنّا نورد ما هو موضع معظم الخلاف بين المتكلّمين والحكماء في هذا الموضع، وهو أنّ المتكلّمين قالوا: إنّما يتقدّم عدم الممكن على وجوده تقدّماً لايمكن أن يكون المتقدّم مع المتأخّر دفعة.

والحكماء قالوا: إنّ مثلَ هذا التقدّم لايمكن وقوعه إلاّ في الأشياء الواقعة في الزمان، لكن بحيث يقع المتقدّم في زمان والمتأخّر في زمان غيره، والزمان ليس بواجب الوجود، فتقدّم العدم على كلّ ما سوى الواجب بهذا المعنى محال. وهذا هو قولهم بقدم بعض الممكنات، قالوا: بل إنّما يكون هذا التقدّم من جملة التقدّم بالطبع (1) الذي ذكرناه.

وأجاب المتكلّمون بأنّ التقدّم الذي لايمكن اجتماع المتقدّم والمتأخر معاً لايجب أن يكون بحسب زمان مُباين لهما، فانّ تقدّم بعض أجزاء الزمان


(1) التقدّم بالطبع هو تقدّم العلّة الناقصة على المعلول، وليس عدم الشيء علّة ناقصة على وجوده ولا رفع ذلك العدم من معدّات وجوده في ما ليس بحادث زماني، فالصحيح أن يقال: تقدم العدم على الوجود في مفروض الكلام تقدّم بالذات، لأنّ العدم وإن لم يكن ذاتياً للممكن، لكن يصدق على الممكن باعتبار ذاته عدم استحقاقه الوجود، وباعتبار غيره ـ أي العلّـة ـ استحقاقه الوجود، وما بلحاظ الذات متقدّم على ما بلحاظ الغير، فهذا معنى تقدّم العدم على الوجود والحدوث الذاتي. (1)


1 ـ كشف المراد، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المسألة 34.

(48)

على بعض لايكون بزمان آخر (1) ، وهذا التقدم مثله. ثمّ إن كان ولابدّ فيكفي فيه تقدير زمان، ولايحتاج فيه إلى وجوده المغاير للممكنات المحدثة.

فهذا موضع معظم الخلاف بين الفريقين في هذه المسألة مع اتّفاقهما على احتياج جميع الممكنات إلى مُوجِدها.


(1) قياس الحدوث الزماني في مجموع الزمان بحدوث أجزائه مع الفارق، فيصح في كلّ جزء من الزمان أن نقول: إنّ عدمه متقدم على وجوده بالزمان لعدم كونه موجوداً في زمان سابق عليه، ولايصدق ذلك في مجموع الزمان، لأنّ المفروض أنّه ليس هناك زمان يتقدّم عدم الزمان على وجوده في ذلك الزمان.

وأمّا الزمان المقدّر الذي لم ينتزع من الموجود الخارجي بوجه فلا يصحّ معياراً لتوصيف الشيء بالحدوث أو القدم الزماني، فانّ الحدوث والقدم وصفان حقيقيان للموجود الخارجي، لا من المفاهيم الذهنية البحتة.

تنبيه

هيهنا يطرح سؤال، وهو أنّه ما هو الداعي للمتكلّّمين في إصرارهم على إثبات الحدوث الزماني لجميع ما سوى اللّه، مع أنّ بعضهم أنكر كون الحدوث علّة لاحتياج الممكن إلى العلّة، واعتقد أنّ علّة الحاجة هي الإمكان، وعلى هذا كان الإمكان الذاتي الذي يلزمه الحدوث الذاتي كافياً في إثبات الصانع سواء كان الممكن حادثاً زمانياً أو لا؟

قلت: من دواعيهم إلى ذلك إثبات صفة القدرة والاختيار للّه تعالى، فانّ من شرائط كون الفاعل مختاراً عندهم انفكاك الفعل عن الفاعل في زمان وكونه معدوماً في ذلك الزمان.كما سيجئ البحث عنه في الباب الثاني عند البحث عن قدرته تعالى، قال المصنف: «المتكلّمون يقولون: إنّ البارئ تعالى قادر، إذ كان فعله حادثاً غير صادر عنه في الأزل، ويلزم القائلين بالقدم كون فاعله موجَباً».وقال في التجريد: «جاز استناد القديم الممكن إلى المؤثّر الموجب ولايمكن استناده إلى المختار». (1)

وقد استدل على إثبات قدرته واختياره تعالى بقوله: «وجود العالم بعد عدمه ينفي الإيجاب».(2)


1 ـ كشف المراد، المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، المسألة 44.
2 ـ نفس المصدر، المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الأُولى.


(49)

الباب الثاني

في ذكر صفات اللّه تعالى

وهي تنقسم إلى ثبوتية وغير ثبوتية

أمّا [الصفات] الثبوتية

[قدرته تعالى]

فمنهاأنّه تعالى قادر. والقادر هو الذي يصحّ عنه أن يفعل، ولايجب; وإذا فعل فعل باختيار وإرادة، لداع يدعوه إلى أن يفعل. ويقابله الموجَب، وهو الذي يجب أن يصدر عنه الفعل، ويجب أن يقارنه فعله، لأنّه لو تأخّر الفعل عنه لما كان صدور الفعل عنه واجباً، إذ لم يصدر عنه في الحال المتقدّم على الصدور.

والمتكلّمون يقولون: إنّ الباري تعالى قادر، إذ كان فعله حادثاً غير صادر عنه في الأزل، ويلزم القائلين بالقدم كون فاعله موجباً.

والحكماء يقولون: كلّ فاعل فَعَلَ بإرادته مُختار، سواء قارنه الفعل في زمانه أو تأخّر عنه.


(50)

[موضع الخلاف بين الحكماء والمتكلّمين في الاختيار]

وموضع الخلاف في الداعي (1) ، فانّ المتكلّمين يقولون: إنّه لايدعو الداعي إلاّ إلى معدوم، ليصدر عن الفاعل وجوده بعد وجود الداعي بالزمان أو تقدير الزمان، ويقولون: إنّ هذا الحكم ضروري والحكماء ينكرونه.


(1) يريد بذلك الإيذان على أنّ ما اشتهر بين المتكلّمين من أنّ الفلاسفة قائلون بأنّ القديم تعالى فاعل موجَب ليس في محلِّه، وهذه كتبهم مليئة بالتصريح والتأكيد على إثبات الإرادة والاختيار للّه سبحانه.

فالنزاع يرجع إلى تفسير الاختيار، لاإلى إثباته وإنكاره، قال الفاضل المقداد: «إعلم أنّه قد اشتهر بين المتكلّمين أنّ الفلاسفة قائلون بإيجاب اللّه تعالى، والمحقّقون ينفون صحّة هذا النقل عنهم، ويقولون بأنّهم يقولون باختياره تعالى، وقد حقق المحقّق الطوسي ـ قدّس اللّه نفسهـ موضع الخلاف بين الفريقين في تصانيفه» ثمّ نقل كلام المصنف الطوسي في قواعد العقائد.(1)

فالقول بقدم بعض الممكنات من حيث الزمان، أو إنكار حدوثها الزماني كما لاينافي حاجة العالم إلى الصانع، كذلك لاينافي اختياره تعالى عند الحكماء، وليس هناك نصّ أو ظاهر معتبر يدل على أنّ المراد من حدوث الممكنات هو الحدوث الزماني، بل المستفاد منها ليس إلاّ الحدوث بالمعنى الذي يدل على حاجة العالم إلى الموجد، ومع ذلك لا مبرِّر لتكفير من يعتقد أنّ هناك ممكنات ليست بحادثات زماناً وإن كانت محدثات ذاتاً كما صنع الغزالي في تهافته ومن حذا حذوه.(2)

وللمحقّق البحراني تحقيق في تعريف الداعي والإرادة نأتي بملخّصه، وهو: «أنّ الإنسان إذا علم أو ظنّ أو توهّم مصلحة له في بعض الأفعال فإنّه يجد من نفسه شوقاً ينبعث له


1 ـ إرشاد الطالبين: ص183.
2 ـ للوقوف على تفصيل الكلام في المقام. راجع إيضاح الحكمة: 3/32ـ 35 والكتاب شرح فارسي لبداية الحكمة، بقلم المؤلّف.


(51)

[اختلاف المتكلّمين في وجوب الفعل بالداعي]

وإذا حصل الداعي للقادر فهل يجب وجود الفعل أم لا؟ فيه خلاف بين المتكلّمين. والمحقّقون منهم يقولون بوجوبه، ويقولون: إنّ هذا الوجوب لايقتضي إيجاب فاعله، إذ كان فعله تبعاً لداعيه، وليس للاختيار معنى غير ذلك.

وبعض القدماء أنكروه مخافة التزام الإيجاب، وقال بعضهم: عند الداعي يصير وجود الفعل أولى من لا وجوده.

وقيل لهم: هل يمكن مع هذه الأولويّة لا وقوع الفعل أم لا؟ فإن أمكن فلا يكون للأولويّة أثر، وإن لم يمكن كانت الأولويّة هي الوجوب، ولايتغيّر الحكم بتغيير الألفاظ.


إلى تحصيله، فذلك العلم أو الظن بالمصلحة هو مرادنا بالداعي، وذلك الشوق والميل الحاصل عنه هو المسمّى بالإرادة.

وكذلك إن علم أو ظنّ فيه مفسدة فإنّه يجد من نفسه انصرافاً وانقباضاً عنه، فذلك العلم أو الظن بالمفسدة مرادنا بالصارف، والنفرة الحاصلة عنه هي المسمّى بالكراهة.

وأمّا في حقّ الباري تعالى فلمّا امتنع عليه الظن والوهم لم يكن دواعيه وصوارفه إلاّ علوماً، ولما كان الشوق والنفرة من توابع القوى الحيوانية لم تصدق الإرادة والكراهة بالمعنى المذكور في حقّه تعالى، فمعنى كونه مريداً هو علمه باشتمال الفعل على المصلحة الداعية إلى إيحاده، ومعنى كونه كارهاً هو علمه باشتماله على المفسدة الصارفة عن إيجاده، وهذان العلمان أخصّ من مطلق العلم».(1)


1 ـ قواعد المرام: ص88 ـ 89.

(52)

وقال الآخرون: للقادر أن يختار أحدَ طرفي الفعل والترك، من غير رجحان لذلك الطرف; ويتمثلون بالهارب الواصل إلى طريقين متساويين يضطرّ إلى المشي في أحدهما، والعطشان إذا حضره وعاءان متساويان، فإنّـهما يختاران أحد الطريقين والوعائين من غير مرجّح لأحدهما على الآخر.

ومع التزام هذا يلزم المحالات (1) ويتعذّر إثبات الإرادة للّه تعالى.

[علمه تعالى]

ومنها أنّه تعالى عالم، والعالم لايحتاج إلى تفسير، والدليل عليه أنّ أفعاله مُحكمة متقنة، ويتبيّن ذلك لمن يعرف حكمته تعالى في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، وخلق الحيوانات، ومنافع أعضائها، وسائر الموجودات; وكون كلّ من يصدر عنه أفعال منتظمة محكمة عالماً، فضروريّ.

[عمومية العلم والقدرة]

ولكونه تعالى واجباً لذاته، وغيره ممكناً لذاته، كان ما سواه متساوي النسبة إليه، ولم يكن بعضه أولى بأن يكون مقدوراً له دون بعض، أو معلوماً


(1) أمّا لزوم المحالات فلجواز الإرادة الجزافية ـ على هذا القول ـ للصانع تعالى، وكونه عابثاً لاغياً في أفعاله، وهذا يستلزم انسداد باب إثبات النبوّة ولغوية التشريع رأساً.

وأمّا تعذّر إثبات الإرادة للّه تعالى، فلأنّ لازم تجويز وقوع الفعل من غير مرجِّح عدم كونه ذا مصلحة أو عدم كون الفاعل عالماً بذلك، فيختار الفعل من غير حصول داع وارادة له.


1 ـ أمّا لزوم المحالات فلجواز الإرادة الجزافية ـ على هذا القول ـ للصانع تعالى، وكونه عابثاً لاغياً في أفعاله، وهذا يستلزم انسداد باب إثبات النبوّة ولغوية التشريع رأساً.
وأمّا تعذّر إثبات الإرادة للّه تعالى، فلأنّ لازم تجويز وقوع الفعل من غير مرجِّح عدم كونه ذا مصلحة أو عدم كون الفاعل عالماً بذلك، فيختار الفعل من غير حصول داع وارادة له.


(53)

له دون بعض، فهو قادر على جميع ما يصحّ (1) أن يقدر عليه، عالم بجميع ما يصحّ أن يعلم، كلّياً كان أو(2) جزئيّاً.

ويكون المعلومات أكثر من المقدورات، لأنّ الواجب والممتنع يعلمان ولايقدر عليهما.


(1) أي قادر على جميع ما لايمتنع وجوده امتناعاً ذاتياً كاجتماع النقيضين وشريك الباري ونحوهما، أو امتناعاً غيرياً أي ما يستلزم وقوعه محالاً، كصدور الكثير من حيث هو كثير عن الواحد البسيط، لاستلزمه الكثرة في ما فرض واحداً بسيطاً، وهو تناقض.

ومن الممتنع جعل شيء كبير في وعاء صغير بحيث لا يتّسع الوعاء ولا يجعل الكبير صغيراً، سئل الإمام عليّ ـ عليه السّلام ـ

: هل يقدر ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغّر الدنيا أو يكبّر البيضة؟

فأجاب ـ عليه السّلام ـ

: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لاينسب إلى العجز، والذي سألتني لايكون»(1) يعني أنّ مورد

السؤال محال ولاتتعلّق القدرة بالمحال، لا لتحديد في القدرة، بل لعدم قابلية المحل، وإنّما يسأل عن قدرة الفاعل وعجزه فيما إذا كان الشيء ممكناً في ذاته.

(2) يخرج بقوله: «ما يصح أن يعلم» ما يمتنع أن يكون معلوماً من الجزئيات المتغيرة، إمّا لأنّ تغيّرها يستلزم تغيّر علمه تعالى المستلزم لتغيّر ذاته، وإمّا لأنّ المادية تنافي الحضور الذي هو ملاك العلم والانكشاف، ولكنّهما غير مرضيين عند المتكلّمين ولا جميع الحكماء، قال صدر المتألهين: «إنّ علمه تعالى عند المصنف (أثير الدين الابهري) بالصور القائمة بذاته تعالى كما هو مذهب طائفة من الحكماء كالمعلّم الثاني والشيخ الرئيس وأتباعهما، وقد علمت أنّ كلّ صورة عقلية ولو تخصصت بألف تخصيص لا يمتنع لذاتها الشركة فيها، لأنّ مناط الجزئية كما حقق، إمّا الإحساس أو العلم الحضوري، وقد عرفت مراراً من مسفوراتنا أنّ جزئية الشيء بنحو وجوده، والوجود لايدرك إلاّ بالمشاهدة، فيلزم عليهم أن لا يعلم الواجب تعالى الجزئيات بجزئيتها لا الكائنات الفاسدة ولا الإبداعيات إلاّ بصورها الذهنيّة، ولاينكشف ذواتها عنده تعالى باعتبار وجوداتها العينية. ونفي هذا الشهود في غاية السخافة، فإنّ جميع الموجودات الكلية والجزئية فايضة عنه تعالى، وهو مبدأ لكل وجود عقلياً كان أو حسيّاً، ذهنياً كان أو


1 ـ التوحيد للصدوق، الباب التاسع، الحديث 9.

(54)

ويكون مقدوره عند الحكماء بلا توسّط شيئاً واحداً، والباقي بتوسّط. ومعلومه كلّ ما لايتغيّر، وأمّا المتغيّرات فلا تكون من حيث التغيّر معلومة له، لوجوب تغيّر العلم بتغيّر المعلوم وامتناع تغيّر علمه تعالى، وسيجيء القول في هذا البحث.


عينياً، وفيضانها عنه تعالى لاينفك عن انكشافها لديه.»

فمن قال: إنّ الواجب تعالى لايعلم الجزئيات إلاّ على وجه كلّي فقد بعد عن الحقّ بعداً كثيراً، وإن لم يلزم تكفيره كما زعمه بعضهم، فإنّه ما نفي عنه تعالى العلم بأمر من الأُمور مطلقاً، بل إنّما نفى نحواً من أنحاء العلم الذي هو العلم الحضوري والمشاهدة، وليس هذا من ضروريات الدين المعلومة من الشرع ضرورة، ووصفه تعالى بالسميع والبصير وإن كان من ضروريات الدين لكن يمكن تأويله بالعلم بالمبصرات والمسموعات كما فعله جمع من أهل الكلام.

فإن قيل: فعلى ما ذكرت يلزم أن يكون للواجب علم لايتغير وهو علمه بالأُمور المتقدّمة على الزمان، وعلم متغيّر وهو علمه بالأُمور الكائنة الفاسدة، والتغيّر في علمه تعالى مطلقاً غير صحيح.

قلنا: هذه الأشياء وإن كانت في ذواتها وبقياس بعضها إلى بعض متغيرة لكنّها بالنسبة إلى العوالي والشوامخ العقلية وإلى ما هو أعلى وأرفع منها، في درجة واحدة في الحضور.

ومنهم من ارتكب هذا التغير في حضور الأشياء الكائنة الفاسدة وشهودها عند الواجب تعالى، معتذراً بأنّ هذا التغيّر لايوجب تغيّراً في الذات ولا في العلم الكمالي الذاتي، بل التغيّر إنّما يكون في النسب والإضافات الاعتبارية.ومثل ذلك مثل من اطلّع على ما في كتاب دفعة، ثمّ التفت إليه صفحة بعد صفحة وسطراً بعد سطر، فانّ العلم بما في الكتاب لايتغيّر بحدوث تلك الالتفاتات، هذا، والعمدة ما ذكرناه أوّلاً.(1)

قال المحقّق الجرجاني: «إنّه إذا لم يكن زمانياً لم يكن بالقياس إليه ماض وحال ومستقبل فلا يلزم من علمه بالتغييرات تغيير في علمه، إنّما يلزم ذلك إذا دخل فيه الزمان.(2)


1 ـ شرح الهداية الأثيرية: ص324ـ 331، ولاحظ أيضاً كلام الحكيم السبزواري في تبيين علمه تعالى بالجزئيات المادية، الأسفار: 6/165.
2 ـ شرح المواقف: 8/28.


(55)

وأيضاً عند بعض (1) المعتزلة أنّه تعالى لايقدر على القبائح، لامتناع وقوعها عن العالم بها الغنيّ عنها.

[حياته تعالى]

ومنها أنّه تعالى حيّ. لامتناع (2) كون من يمكن أن يوصف بأنّه قادر عالم، غير حيّ. ويفسّرون الحياة بما من شأنه أن يوصف الموصوف به بالقدرة والعلم.

[إرادته تعالى]

ومنها أنّه تعالى مريد.وذلك لأنّ صدور بعض الممكنات عنه دون بعض وصدور ما يصدر عنه في وقت دون وقت يحتاج إلى مخصّص،


(1) هذا القول منسوب إلى النظّام (م/231هـ) واستدل عليه بقوله: «بأنّ فعل القبيح محال والمحال غير مقدور، أمّا أنّه محال فلأنّه يدل على الجهل أو الحاجة وهما محالان، والمؤدّي إلى المحال محال، أمّا أنّ المحال غير مقدور فلأنّ المقدور هو الذي يصح إيجاده وذلك يستدعي صحّة الوجود، والممتنع ليس له صحّة الوجود».

وأجاب عنه المصنف في «نقد المحصل» بقوله: إنّ المحال لذاته غير مقدور، أمّا المحال لغيره فهو ممكن لذاته، فكونه مقدوراً لا ينافي كونه محالاً لغيره. (1)

(2) ذكر المصنف لحياته تعالى تفسيرين: الأوّل: تفسير سلبي، وهو سلب امتناع كونه تعالى عالماً قادراً، ونسب هذا إلى أبي الحسين البصري ومن تبعه من متأخّري المعتزلة.

والثاني: للفلاسفة وحاصله: أنّ الحياة عبارة عن خصوصية وجودية يلازمها العلم والقدرة، وإن شئت قلت: تكون مبدأً لصدر الفعل عن إدراك وعلم، فالحيّ هو الدرّاك الفعّال.


1 ـ نقد المحصل، ط دار الأضواء: ص301.

(56)

والمخصّص هو الإرادة، وهو الداعي الذي مرّ ذكره.

وبعض المعتزلة يقولون (1) بحدوث الإرادة المتعلّقة بالمتجدّدات،


(1) اختلفوا في حقيقة إرادته تعالى على أقوال:

1ـ إنّ إرادته تعالى لأفعال نفسه هي نفس أفعاله، وإرادته لأفعال خلقه أمره بالأفعال، وهذا ما اختاره الشيخ المفيد في أوائل المقالات (1)، وعلى هذا تكون إرادته التكوينية من صفات فعله تعالى، وهذا ما دلّت عليه الروايات من أئمّة أهل

البيت ـعليهم السلامـ . (2)

وهذا القول هو مختار العلاّمة الطباطبائي حيث قال: «والإرادة المنسوبة إليه تعالى منتزعة من مقام الفعل، إمّا من نفس الفعل الذي يوجد في الخارج، فهو إرادة، ثمّ إيجاب، ثمّ وجوب، ثمّ إيجاد، ثمّ وجود، وإمّا من حضور العلة التامة للفعل كما يقال عند مشاهدة جمع الفاعل أسباب الفعل ليفعل أنّه يريد كذا فعلاً. (3)

2ـ إنّ إرادة اللّه تعالى التكوينيّة هي علمه سبحانه بأنّ الفعل على النظام الخير والأحسن، وهذا هو المشهور عند الفلاسفة، وإليه أشار الحكيم السبزواري بقوله:

وفيه عين الداع عين علمه * نظام خير هو عين ذاته (4)

يعني أنّ الإرادة فيه سبحانه عين داعيه الذي هو عين علمه بالنظام الخير وذلك العلم عين ذاته، وهذا بخلاف الإرادة فينا فإنّها صفة زائدة على الداعي والعلم، وإلى هذا أشار بقوله:

عقيب داع دركنا الملايما * شوقاً مؤكّداً إرادة سِما

يعني أنّ الإرادة لنا هي الشوق المؤكّد الحاصل بعد الداعي الذي هو علمنا بأنّ الفعل ملائم لنا، أي يوافق مصلحتنا.


1 ـ أوائل المقالات: ص58، الطبع الثاني، ط تبريز .
2 ـ لاحظ الكافي، ج1، باب الإرادة أنّها من صفات الفعل.
3 ـ نهاية الحكمة، المرحلة الثانية عشرة، الفصل الثالث عشر.
4 ـ غرر الفرائد، المقصد الثالث، الفريدة الثانية، غرر في الإرادة.،


(57)

لوجوب (1) وقوعها عند اجتماع القدرة والإرادة، ويقولون: إنّها عرض لا في محلّ.وبذلك ينتقض حدّ الجوهر والعرض اللذين مرّ ذكرهما.


3ـ إنّ إرادته تعالى هي نفس داعيه كما في القول السابق، لكن داعيه عبارة عن علمه بأنّ فعله ذا مصلحة وإن كانت عائدة إلى غيره، وهذا هو مختار أبي الحسين البصري المعتزلي وجماعة من مشايخ المعتزلة كالنظام والجاحظ والعلاف وأبي القاسم البلخي، كما هو المشهور عند متكلّمي الإمامية.

قال مؤلّف الياقوت: «وهو يريد أي يعلم المصلحة في فعل فيدعوه علمه إلى إيجاده، ولا زيادة على ذلك إلاّ من الشاهد وهو غير ثابت غائباً...». (1)

واختاره الشيخ المفيد في النكت الاعتقادية، حيث قال: «فالإرادة لأفعال نفسه عبارة عن علمه الموجب لوجود الفعل في وقت دون وقت بسبب اشتماله على مصلحة داعية للإيجاد في ذلك الوقت دون غيره ». (2)

4ـ إنّ إرادته تعالى من صفات ذاته وهي صفة خاصة وراء العلم وغيره من الصفات، ولكنّها حادثة لا في محلّ وهذا مذهب الجبّائيين.

5ـ هي من صفات ذاته كما في القول السابق إلاّ أنّها حادثة في ذاته تعالى وهذا منسوب إلى الكرّامية.

6ـ إرادته سبحانه صفة خاصة من صفات ذاته وهي قديمة، وهذا مذهب جمهور الأشاعرة. (3)

(1) أشار بذلك إلى ما استدلّ به القائل بأنّ إرادته تعالى ليست قديمة، وحاصله: أنّ قدم الإرادة يستلزم قدم الحوادث المتجددة وهو محال، بيان الملازمة: أنّ المفروض أنّه تعالى قادر على كلّ مقدور فإذا انضمّت الإرادة إليها يجب تحقّق المعلول، فلو كانت الإرادة قديمة كان المعلول أيضاً قديماً.

والجواب عنه: أنّ إرادته تعالى تعلّقت بإيجاد كل موجود في رتبته ووعائه الخاص به، إذ لايتم له القابلية للوجود إلاّ في ذلك الوعاء، فالإرادة قديمة وإن كان المراد حادثاً.


1 ـ أنوار الملكوت: ص67.
2 ـ النكت الاعتقادية: ص35، ط المجمع العالمي لأهل البيت.
3 ـ لاحظ كشف المراد، المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة الرابعة، شرح المواقف: 8/81ـ 87.


(58)

والإرادة المتعلّقة ببعض الممكنات دون بعض يقتضي وجوب كون المريد عالماً مميّزاً.

ولكونه تعالى واجب الوجود لذاته يجب أن يكون دائم الوجود باقياً في ما لم يزل ولايزال.

والأشعريّة (1) يقولون بأنّ البقاء صفة مغايرة لغيرها من الصفات.

[سمعه وبصره تعالى]

ومنها أنّه تعالى سميع بصير. ويدلّ عليه إحاطته بما يصحّ أن يسمع ويبصر، فلهذا المعنى وللاذن الشرعي بإطلاق هاتين الصفتين عليه تعالى يوصف بهما.


وبعبارة أُخرى، بناءً على القول بأنّ الإرادة من صفات ذاته تعالى وهي عين علمه بالنظام الخير فمعناها أنّ له تعالى علماً أزلياً بأنّ وجود كلّ موجود في وعائه المختص به هو الذي يقتضيه النظام الخير، وإلى هذا أشار صدر المتألّهين بقوله: «الإرادة صفة واحدة تتعلّق بالأشياء على ترتيب سببي ومسببي».

ثمّ إنّه ـ قدّس سرّه ـ نبّه على أنّ هذه المسألة هي بعينها مسألة ربط الكثير بالواحد، والقديم بالحادث، حيث قال: «وكلّ ما يصحِّح صدور المقدورات الكثيرة المختلفة بحسب الحقائق وبحسب الأعداد والأوقات عن فاعل واحد إحدىّ الذات، إحدىّ الصفة فهو يصحح صدور المرادات الكثيرة المتخالفة ذاتاً وعدداً ووقتاً عن إرادة واحدة بسيطة وقد بيّن كيفية ذلك الصدور في موضعه». (1)

(1) هذا مذهب الشيخ الأشعري وجمهور الأشاعرة وخالفهم في ذلك القاضي أبوبكر الباقلاني، وإمام الحرمين، والرازي، ثمّ إنّ جمهور معتزلة بغداد أيضاً قائلون بأنّ البقاء صفة ثبوتية زائدة على وجوده تعالى، وجمهور معتزلة البصرة منكرون لذلك.(2)


1 ـ الأسفار الأربعة: 6/345 ـ346.
2 ـ لاحظ تلخيص المحصل: ص292، شرح المواقف: 8/106.


(59)

[تكلّمه تعالى]

وكذلك يطلق عليه أنّه متكلّم.والكلام عند أهل السنّة (1) معنى في ذات المتكلّم به، يُخبر بإيجاد الحروف والأصوات التي يتألف منها الكلام عمّا يُريد الإخبار عنه. ومن لايكون له ذلك المعنى ويسمع منه الحروف والأصوات المؤلّفة تأليف الكلام لايكون متكلّماً، كالببغاء.


(1) محصّل الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في حقيقة كلامه تعالى واتصافه بصفة التكلّم هو أنّ الكلام عند المعتزلة عبارة عن الحروف المنتظمة المسموعة الدالة على المعاني المقصودة، وليس هذا عند الأشاعرة كلاماً حقيقياً وإنّما الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بذات المتكلّم وراء العلم يعبّر عنه بالحروف المنتظمة المذكورة، فهناك كلام حقيقي وهو معنى عارض لذات المتكلّم قائم به، وكلام غير حقيقي وهو الكلام اللفظي.

ثمّ إنّ المتكلّم عند المعتزلة، من يوجد الكلام اللفظي في شيء آخر، وعند الأشاعرة من يتصف بالمعنى المذكور، فوزان المتكلّم عند المعتزلة وزان المُنعم، فيكون من صفات فعله تعالى، ووزانه عند الأشاعرة وزان العالم، فيكون من صفات ذاته سبحانه.

قال مؤلّف المواقف وشارحه: «وقالت المعتزلة: كلامه تعالى أصوات وحروف يخلقها اللّه في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي وهو حادث، وهذا لاننكره، لكنّا نثبت أمراً وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ ونقول: هو الكلام حقيقة وهو قديم قائم بذاته تعالى... وأنّه غير العلم». (1)

وقال الشهرستاني: «الكلام عند الأشعري معنى قائم بالنفس سوى العبارة، والعبارة دلالة عليه من الإنسان، فالمتكلّم عنده من قام به الكلام، وعند المعتزلة من فعل الكلام، غير أنّ العبارة تسمّى كلاماً إمّا بالمجاز وإمّا باشتراك اللفظ».(2)


1 ـ شرح المواقف: 8/92ـ 94، وراجع أيضاً شرح المقاصد: 4/144، وشرح التجريد للقوشجي: ص 316، وأنوار الملكوت: ص69.
2 ـ الملل والنحل: 1/66.


(60)

والمعتزلة يقولون: كلُّ من يوجد حروفاً وأصواتاً منتظمة دالّة على معنى يريد الإخبار بها عنها فهو متكلّم، ولايعتبرون المعنى الذي في نفس المتكلّم.

وبعض المعتزلة يقولون: إنّه تعالى مُدرِك، (1) ويقولون: إنّ الإدراك صفة له غير العلم، بها يُدرِك الموجودات خاصّة من جملة المعلومات. وهي غير السمع والبصر والحياة.

[وحدانيته تعالى]

ومنها أنّه تعالى واحد. أمّا دليل المتكلّمين عليه: أنّ الإله عبارة عن ذات موصوفة بهذه الصفات، وذلك لايمكن أن يكون إلاّ واحداً، فانّ على تقدير أن يكون الآلهة كثيرين، واختلافِ دواعيهم في إيجاد مقدور واحد بعينه في وقت واحد على صفة واحدة وعدم إيجاده أو إيجاده في غير ذلك الوقت أو على غير تلك الصفة ممكن، وعند وقوع ذلك الاختلاف يستحيل أن يحصل مرادهم جميعاً، لاستحالة حصول الأُمور المتقابلة المتناقضة معاً، ويلزم (2) من ذلك أن لايكون جميعهم آلهة. فإذن يستحيل كونهم كثيرين، وهذه الحجة


(1) اتّفق المسلمون على وصفه تعالى بالإدراك، لورود ذلك في القرآن العزيز، واختلفوا في تفسيره فقال أبو الحسين البصري والكعبي: معناه علمه بالمدركات، وقالت الأشاعرة وأكثر المعتزلة: إنّه زائد على العلم. (1)

(2) وذلك لأنّ من صفات الإلهية هي القدرة على كلّ ممكن كما تقدّم، والمفروض أنّ الذي تعلّقت به إرادة الإلهين ممكن في حدّذاته، فعدم تحقّق مراد كلّ منهما ينافي قدرته المطلقة التي هي من شؤون الإلهية.


1 ـ إرشاد الطالبين: ص206.

(61)

تعرف بالتّمانع. وإنّما أخّرنا ذكر هذه الصفة عن ذكر سائر الصفات، لكون حجّة الوحدة مبنيّة على إثباتِ الصّفات الإلهيّة.


وقرّره صاحب المواقف هكذا:

إذا أراد أحدهما شيئاً، فإمّا أن يمكن من الآخر إرادة ضدّه أو يمتنع وكلاهما محال، أمّا الأوّل فلأنّا نفرض وقوع إرادته له لأنّ الممكن لايلزم من فرض وقوعه محال (1)، فيلزم إمّا وقوعهما معاً، فيلزم اجتماع الضدين، وإمّا لا وقوعهما

فيلزم ارتفاعهما، فيلزم عجزهما، وأيضاً فإذا فرض في ضدين لايرتفعان كحركة جسم وسكونه لزم المحال.

وأمّا الثاني: فلأنّ ذلك الشيء لذاته يمكن تعلّق قدرة كلّ من الإلهين وإرادته به، فالذي امتنع تعلّق قدرته به فالمانع عنه هو تعلّق قدرة الآخر فيكون هذا عاجزاً، هذا خلف. (2)

واعترض عليه تارة بأنّ المحال لزم من فرض إلهين مع اختلاف إرادتهما ولايلزم من استحالة إلهين بهذه الصفة استحالة إلهين مطلقاً الذي هو المطلوب، وهذا من باب جعل ما ليس بعلّة علّة. (3)

وبعبارة أُخرى: أنّا لانسلّم أنّه يمكن تعلّق إرادة أحدهما بخلاف ما تعلّق به إرادة الآخر، لأنّهما حكيمان فيمتنع عليهما المخالفة. (4)

وأُخرى بأنّ هذا الدليل إنّما يدل على امتناع كون إلهين متساويين من كل الوجوه، ولايدل على امتناع كون آلهة مترتبة يقدر العالي منها منع السافل ممّا يريده من غير عكس، ومذهب أكثر المشركين هو هذا. (5)

ويمكن تقرير البرهان بوجه آخر لايختص بصورة تزاحم إرادة الآلهة، بل يتم فيما إذا كانت إرادتها متوافقة أيضاً وهو مبني على مقدّمات ثلاث:

الأُولى: إنّ واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات، فليس فيه جهة


1 ـ والأولى أن يقال: الإمكان هذا لا يكون إلاّ إمكاناً عاماً أي ما ليس بممتنع، وكل ما هو ممكن للواجب لذاته فهو واقع له بالضرورة.
2 ـ شرح المواقف: 8/42.
3 ـ شرح حكمة الاشراق: لقطب الدين الشيرازي: ص151، انتشارات بيدار ، ط قم.
4 ـ إرشاد الطالبين: ص151.
5 ـ نقد المحصل: ص323.


(62)

وأمّا الحكماء فقالوا: إنّ الواجب لذاته يمتنع أن يكون أكثر من واحد; لأنّ الاتّصاف بهذا المعنى ليس بمختلف، ولو كان المتّصف به أكثر من واحد، وجب أن يكون امتياز كلّ واحد منهم عن غيره بغير هذا المعنى


إمكانية، بل كل ما يمكن له بالإمكان العام فهو واجب له، وعلى هذا فكل شيء تمّت قابليته لإفاضة الوجود عليه يستحيل أن لا يفاض عليه الوجود من جانب الواجب لذاته، لأنّه تامّ الفاعلية والإفاضة.

الثانية: إنّ وجود المعلول عين الانتساب والربط إلى علّته، فليست حيثية وجوده مغايرة لحيثية انتسابه وربطه إلى علّته، ولازم ذلك أنّ تعدد الانتساب إلى العلّة يستلزم تعدد وجود المعلول، لا أنّ الوجود واحد وله انتسابان إلى علّتين تامّتين.

الثالثة: إنّ الترجّح من غير مرجح محال، كما أنّ الترجيح بلا مرجّح قبيح عقلاً، وبلحاظ حكمة الفاعل يكون ممتنعاً.

وعلى هذا نقول: لو كان هناك واجبا وجود بالذات أو أكثر، وكان شيء ممكناً في ذاته تامّ القابلية للوجود، يجب إفاضة ذلك عليـه من كلّ الآلهة ـ بمقتضى المقدمـة الأُولى ـ وذلك يستلزم تعدّد وجود الممكن قضاءً للمقدمة الثانية، والمفروض أنّه شيء واحد، هذا خلف، وأمّا انتسابه إلى أحد الآلهة دون غيره، فهو أيضاً مستحيل لأنّ المفروض تساوي نسبة المعلول إلى جميع الآلهة المفروضة، فلازمه الترجح أو الترجيح من غير مرجّح وهو محال. فلازم تعدّد الواجب لذاته امتناع تحقّق أيّ موجود إمكاني وهو بطلان العالم الإمكاني وانعدامه رأساً.وإليه أشار الوحي الإلهي بقوله: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّه لَفَسَدَتا) . (الأنبياء/22) . (1)

ثمّ إنّ السيّد العلاّمة الطباطبائي خالف جمهور المفسّرين في تقريرهم الآية المتقدّمة وتطبيقها على برهان التمانع بالنسبة إلى إثبات التوحيد الذاتي، ونفي تعدد الواجب الوجود بالذات، محتجّاً بأنّ المشركين ما كانوا منكرين لهذا القسم من التوحيد، كما أنّهم كانوا معترفين بالتوحيد في الخالقية، وإنّما كان انحرافهم في التوحيد الربوبي والتوحيد في العبادة، فالآية ناظرة إلى إبطال الشرك في مجال الربوبية.(2)


1 ـ راجع تعاليق المفكر الإسلامي الشهيد المطهري على أُصول الفلسفة: 5/114ـ 117.
2 ـ لاحظ الميزان: 24/266ـ 268.


(63)

المشترك فيه; والمجتمع من هذا المعنى وغيره لايكون واجباً لذاته مطلقاً، فيلزم من ذلك أن يكون كلّ واحد من المتّصفين به غير متّصف به، وذلك محال. وهذه(1) الحجّة غير محتاجة إلى اعتبار شيء خارج عن مفهوم الواجب لذاته.

[عينية الصفات للذات]

والصفات ليست زائدة على ذات الواجب لذاته، بهذه الحجّة بعينها، بل حقيقته (2) هو الوجود وحده، لا الوجود المشترك بينه وبين غيره; وقدرتُه وعلمه وإرادته ليس غير اعتبار ذلك الوجود بالنسبة إلى مقدوراته


(1) هذا البرهان يتشكل من الأُمور التالية:

1ـ الواجب بالذات ليس بمختلف، أي ليس من المفاهيم الكلية المشككة التي يكون لها مصاديق، وما به الامتياز فيها عين ما به الاشتراك، فلو كان له مصداقان لزم أن يكون لكل منهما خصوصية يمتاز بها عن غيره.

2ـ واجب الوجود بالذات ليس له جهة إمكانية، لأنّ الإمكان يستلزم الحاجة وهي تنافي الوجوب الذاتي المساوق للغناء المطلق.

3ـ تعدد الواجب فرع تمايز كلّ واجب عن غيره بشيء آخر وراء الوجوب بالذات الذي هو جهة الاشتراك وهذا باطل لوجهين:

الف: أنّه يستلزم تركّب كلّ واجب عن جهتي الوجوب والإمكان، والمركّب من الواجب والممكن ليس بواجب بالذات مطلقاً. هذا خلف.

ب: كلّ مركّب يحتاج في تقوّمه إلى إجزائه، والحاجة منافية للوجوب الذاتي المساوق للغناء المطلق.

(2) يعني أنّ حقيقته تعالى ليست مركّبة من الوجود والماهية، بل هي الوجود فقط، ولا ماهية له وراء وجوده الخاص به، وعلى هذا فوجوده المختص به وهو الوجود القائم بذاته ليس مشتركاً بينه وبين غيره.


(64)

ومعلوماته ومراداته، وقدرتُه عين صدور الكلّ عنه، وعلمه حصول الكلّ له، وإرادته عنايته بالكلّ فقط، من غير أن يتوهّم تكثّر في ذاته تعالى أصلاً.

[أقوال المعتزلة في الصفات]

وبعض مشايخ المعتزلة يقيمون الحجّة بعد إثبات هذه الصفات على أنّه تعالى موجود، وذلك لأنّ المعدومات عندهم ثابتة، (1) ولايستحيل اتّصاف ذواتها بصفات لايعتبر فيها الوجود.

وأبوهاشم(1) من المعتزلة يقول بصفة زائدة على هذه الصفات بها يمتاز الصانع عمّا يشاركه في مفهوم الذات، وهذه الصفة يسمّيها الصفة الإلهيّة. ويقول هو وأصحابه: إنّ هذه الصفات جميعاً أحوال لاموجودة ولامعدومة، بل وسائط بين الوجود والعدم. أمّا الإرادة فانّها موجودة ومُحدثة، وهي عرض لا في محلّ، يحدثها اللّه تعالى، وبحدوثها يحدث الموجودات.


(1) فهناك وراء الواجب بالذات ثابتات أزلية وهي المعدومات الممكنة قبل إيجادها، فتكون مشتركة مع الواجب تعالى في كونها ذواتاً ثابتة أزلية فلابدّ من إثبات ما به يمتاز الواجب عنها وهو الوجود.

قال المصنف في نقد المحصل: «أكثر المعتزلة ذهبوا إلى أنّ جميع الذوات متساوية في الذاتية، لأنّ المفهوم من الذات عندهم هو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه».(2)

وتفرّد أبوهاشم ومن تبعه بأن جعل للّه تعالى حالاً تسمّى «الإلهيّة» بها تمتاز ذاته تعالى عن باقي الذوات، وتلك الحالة توجب له أحوالاً أربعة: هي الموجودية والقادرية والعالمية والحيّية.(3)


1 ـ هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب بن أبي علي الجبّائي، من مشايخ المعتزلة في أوائل القرن الرابع الهجري، وإليه تنسب طائفة البهشمية، توفي عام 321 هـ. ق .
2 ـ نقد المحصل: ص255.
3 ـ إرشاد الطالبين: ص224.


(65)

ومتأخروهم كأبي الحسين البصريّ (1) ومن تبعه يقولون: إنّ صفاته تعالى ليست بزائدة على ذاته، فهو قادر بالذات، عالم بالذات، حيّ بالذات; وباقي الصفات راجعة إليها، فانّ الإدراك هو علمه بالمدركات، والسمع والبصر علمه بالمسموعات والمبصرات، والإرادة علمه بالمصالح المقتضية لإيجاد الموجودات; والكلام راجع إلى القدرة; والوجود غير زائد على الذات، وليس الموجود بمشترك بينه وبين غيره، وإنّما يكون العلم إضافة إلى المعلومات، يتغير تلك الإضافة بتغيّر المعلومات، ولايتغيّر الذات بتغيّرها.

[أقوال أهل السنّة في الصفات]

وأهل السنّة يقولون: إنّه تعالى قادر بقدرة قديمة، وكذلك عالم بعلم قديم، ومريد بإرادة، وحيّ بحياة، وسميع بسمع، وبصير ببصر، ومتكلّم بكلام، وباق ببقاء وكلّ ذلك قديم.

ويقول أبو الحسن الأشعريّ (2) بغير ذلك من الصفات (1)، ويقول:


(1) وهي ما ورد به ظاهر الشرع ويعبّر عنها بالصفات الخبرية كالاستواء واليد والوجه والعين ونحو ذلك، فذهب الشيخ في أحد قوليه إلى أنّها صفات زائدة على غيرها من الصفات الكمالية، ولكن عند جمهور الأشاعرة ـ وهو أحد قولي الشيخ ـ: إنّها مجازات، فالاستواء مجاز عن الاستيلاء أو تمثيل وتصوير لعظمة اللّه تعالى وإليه مجاز عن القدرة، والوجه عن الوجود، والعين عن البصر. (3)


1 ـ أبو الحسين محمد بن علي الطيب البصري من مشايخ المعتزلة في القرن الخامس، يعتنى بآرائه كثيراً في كتب الكلام، توفي عام 436 هـ. ق .
2 ـ أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن موسى الأشعري، مؤسس مذهب الأشعرية، توفي عام 324 أو 330 هـ. ق .
3 ـ راجع شرح المواقف: 8/110ـ 112، شرح المقاصد: 4/174.


(66)

إنّ الصفات ليست هي ذاته ولاغير ذاته، فانّ الغيرين هما ذاتان ليست إحداهما هي الأُخرى، والصّفات وإن كانت زائدة على الذات فلا تكون مغايرة لها بهذا المعنى.

وفقهاء ماوراء النهر (1) يقولون: التكوين والخالقيّة صفة غير القدرة، فانّ القدرة متساوية بالنسبة إلى جميع الممكنات، والتكوين والخالقيّة مختص بالمخلوقات.

[رؤيته تعالى بين النفي والإثبات]

وعند أهل السنّة أنّ اللّه تعالى يصحّ أن يُرى مع امتناع كونه في جهة من الجهات، واحتجّوا لها بالقياس على الموجودات المرئيّة، وبنصوص القرآن والحديث.

والمشبّهة قالوا: إنّ اللّه تعالى جسم في جهة الفوق، ويمكن أن يُرى كما تُرى الأجسام. وبعضهم قالوا: إنّ اللّه تعالى جسم لا كالأجسام، وقالوا: إنّه تعالى خلق آدم على صورته.

والمعتزلة قالوا: إنّه تعالى ليس في جهة، ولذلك لايمكن أن يرى.


(1) هم الحنفيّة والماتريديّة أتباع الشيخ أبي منصور الماتريدي ونسبوه إلى قدمائهم الذين كانوا قبل الشيخ أبي الحسن الأشعري، فأثبتوا التكوين صفة زائدة على السبع المشهورة أخذاً من قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُون) فقد جعل: (كُنْ) متقدّماً على كون الحادثات أعني: وجودها والمراد به التكوين والإيجاد والتخليق.

وردّ بأنّ هذه الصفات راجعة إلى القدرة المؤثّرة، أي القدرة المقرونة بالإرادة فلاوجه لجعلها صفات مستقلة. (1)


1 ـ لاحظ نفس المصدرين: 113ـ 114 و169.

(67)

والحكماء قالوا: إنّه تعالى وغيره من المفارقات، كالعقول والنفوس، لايمكن أن يرى، لكون جميع ذلك مفارقة للأجسام، والأجسام المشفّة(1) لاتُرى مع كونها في جهة، وأكثر الأعراض لاترى، والمرئيّ عندهم ليس غير الألوان والأضواء، وإنّما ترى محالّها بتوسّطها، وغير ذلك لايمكن أن يرى، فهذا هو الكلام في الصفات الثبوتيّة.


(1) فإن قلت: من الصفات التي تقدّم الكلام فيها، وحدانيته تعالى وهي في الحقيقة صفة سلبية لأنّ معناها نفي الشريك والمثيل له تعالى، ومنها رؤيته تعالى وهي أيضاً صفة سلبية عند العدلية.

قلت: صفة الوحدة كما يمكن اعتبارها صفة سلبية تنزيهية، بإرجاعها إلى نفي التركيب أوالشريك والمثل له تعالى ـ وبهذا الاعتبار ذكرها المصنّف في الصفات السلبية ـ كذلك يمكن اعتبارها صفة ثبوتية، لأنّ الوحدة مساوقة للوجود مصداقاً وإن كانت مغايرة لها مفهوماً، فنفي التركيب والشريك ناشئان من كمال وجود الواجب بالذات وقوّة وجوده كما لايخفى.

وأمّا الرؤية فهي وإن كانت صفة سلبية عند العدلية لكنّها صفة ثبوتية لدى الأشاعرة والمشبّهة، وحيث إنّ المصنف لم يكن إلاّ بصدد نقل المذاهب والآراء، وبدأ بنقل مذهب المثبتين للرؤية، عدّها من الصفات الثبوتية.

وهناك وجه آخر، وهو احتمال كون نظر المصنف إلى أكثر الصفات المتقدّمة وهي صفات ثبوتية.


(68)

الصفات السلبية]
وأمّا غير الثبوتية من الصفات

[لاتركيب فيه ولاقسمة]

فمنها أنّه تعالى لايمكن أن يكون فيه تركيب (1)، أو اثنينيّة، أو احتمال قسمته بوجه من الوجوه. وذلك لاحتياج ما يكون كذلك إلى كلّ واحد من أجزائه وأقسامه; وذلك يناقض كونه واجباً لذاته، وكونه مبدءاً لكلّ ما عداه.


(1)التركيب على أقسام:

1ـ التركيـب من الأجزاء الخارجية وهي المادّة والصّورة في مصطلح الحكماء القائلين بتركّب الجسم من المادّة والصّورة، والأجزاء العنصرية والذرّية وغيرها عند علماء الطبيعة والفيزياء.

2ـ التركيب من الأجزاء العقلية وهي الأجناس والفصول، ويلحق بذلك التركيب من الوجود والماهية.

3ـ التركيب من الجهات والحيثيات، كحيثية الذات والصفة وهذا يأتي فيما يكون صفاته زائدة على ذاته.

4ـ التركيب من الأجزاء الوهمية كأجزاء الخطّ والسطح و الجسم التعليمي.

فلو قال المصنف: إنّه تعالى لايمكن أن يكون فيه تركيب مطلقاً، كان وافياً بالمقصود، لكنّه عطف على التركيب الاثنينية واحتمال القسمة، والظاهر أنّه أراد بالتركيب القسم الأوّل والثاني، وبالاثنينية، القسم الثالث، وأراد بقوله: «أو احتمال قسمته بوجه من الوجوه»، ما يعمّ الأقسام المتقدمة والقسم الرابع.


(69)

[ليس في حيِّز ولا جهة ولا محلّ]

ومنها أنّه تعالى لايمكن أن يكون في حيّز (1)، أو جهة، أو محلّ، لاحتياج مايكون كذلك إلى الحيّز والمحلّ في وجوده، ولذلك لايمكن أن يشار إليه إشارة حسّية.

وخالفت المشبّهة والمجسّمة في ذلك; إذ قالوا: إنّه تعالى في جهة، أو جسم، لا كغيره من الأجسام.

وذهب بعض الصوفيّة إلى جواز حلوله في قلوب أوليائه; ولعلّ مرادَهم غير ما نعني به من حلول الأعراض في محالّـها.


(1) المراد من الحيّز عند الاشراقيين هو المكان، وعند المشائين أنّه عبارة عن وضع خاص للجسم بالنسبة إلى غيره، وهذا الاختلاف ناشئ عن اختلافهم في حقيقة المكان، فعند المشائين أنّه عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي، وعند الاشراقيين أنّه عبارة عن البعد المجرّد عن المادة الذي ينفذ فيه بعد الجسم، فإنّ من البعد ما هو مادّي يحلّ في الجسم ويمانع ما يماثله، وهذا هو الجسم التعلمي، ومنه ما هو مفارق يحلّ فيه بُعد الجسم ويلاقيه بجملته بحيث ينطبق على بعد الجسم ويتّحد به، وهذا هو مختار المتكلّمين، إلاّ أنّه عندهم عدم محض ونفي صرف يمكن أن لايشغله مشاغل ويسمّى بالفراغ المتوهم.(1)

والجهة عندهم هي طرف الامتداد الحاصل في مأخذ الإشارة، والمراد من الامتداد: ما يتوهم من الامتداد بين المشير والمشار إليه.(2)

والمحلّ هو المادّة المحتاجة في وجودها إلى الحال فيها أعني: الصّورة، فالمادّة محلّ للصورة كما أنّ الجوهر موضوع للعرض، وقد يطلق المادّة بالمعنى الأعم منهما ومن البدن بالنسبة إلى النفس.


1 ـ لاحظ شرح المقاصد: 2/198، كشف المراد، المقصد الثاني، الفصل الأوّل، المسألة9.
2 ـ لاحظ كشف المراد، المقصد الثاني، الفصل الأوّل، المسألة 11.


(70)

[ليست فاعليته زائدة على ذاته]

ولايجوز أن يكون فاعليّته تعالى زائدة على ذاته، لأنّه تعالى فاعل لما سواه، ولو كانت فاعليّته زائدة على ذاته لكانت مغايرة لذاته، وحينئذ يكون الذّات فاعلة لتلك الفاعليّة، فيكون فاعليّته قبل فاعليّته، وهذا مُحال.وذلك مخالف لما ذهب إليه القائلون بالتكوين والفاعليّة والخالقيّة.

[ليس بقابل للأعراض والصور]

ولايجوز أن يكون قابلاً لشيء من الأعراض والصور، أو لتأثير غيره فيه، لأنّ اجتماع الفاعليّة والقابليّة فيه تقتضي التركيب.

[ليس له ألم ولا لذّة]

ولا يجوز أن يكون له ألم، لأنّ الألم هو إنّما يحدث من إدراك المنافي، ولامنافى له، فانّ ما عداه إنّما يصدر عنه.

وعند المتكلّمين أيضاً لايجوز أن يكون له لذّة، لأنّ اللّذة إدراك وانفعال وتأثّر من الغير ملائم للمزاج أو للطبيعة. والحكماء قالوا: اللذّة هو إدراك الملائم، وهو تعالى عالم لذاته بذاته، وأشدُّ الملائمات بالقياس إليه هو ذاته، فلذّته أعظم اللّذات.


(71)

[لايجوز عليه الاتّحاد]

ولايجوز عليه الاتّحاد (1). وهو صيرورة شيئين شيئاً واحداً، بأن ينتفي أحدهما ويبقى الآخر أو ينتفيا معاً ويحدث شيء ثالث، فانّ ذلك محال قطعاً.

وقوم (2) من القدماء قالوا: كلّ من تعقّل تعقّلاً تامّاً اتّحد بمعقوله ذلك.


(1) الاتّحاد يطلق على صيرورة شيء شيئاً آخر، بأن يعدم من الأوّل شيء ويحدث فيه الآخر، كما يقال: صار الماء هواء، فانّ الصورة المائية زالت واتّصفت بالصورة الهوائية.

أو بأن يمزج شيئان ويحدث صورة ثالثة مغايرة للأُولى، كما يقال: صار الخشب سريراً.

وهذان ممكنان، لكن إطلاق الاتّحاد عليهما بنوع من المجاز، وهذا المعنى وإن كان ممكناً في حقّ غيره تعالى إلاّ أنّه يستحيل في حقّه تعالى، لاستحالة انفعاله عن الغير وصيرورته جزءاً من غيره.

وأمّا الاتحاد الحقيقي وهو صيرورة الشيئين شيئاً واحداً لا بأحد المعنيين، بل بأن ينتفي الذاتان ويتحد احداهما بالأُخرى، فهذا ضروري البطلان، فانّ الشيئين إن بقيا بعد الاتحاد بحالهما فهما اثنان، وإن عدم أحدهما فلا اتحاد، لاستحالة اتحاد المعدوم بالموجود، وإن عدما معاً، وجد ثالث، فلا اتحاد بل إعدام شيء وإيجاد آخر.(1)

(2) هذا القول منسوب إلى فرفوريوس الذي كان من أعاظم المشائين من فلاسفة اليونان وقد كتب في ذلك كتاباً يثني عليه المشاؤون، وخالفه في ذلك بعض أهل زمانه، وعمل كتاباً في ردّه وأجاب عنه فرفوريوس.

واختلف الحكماء المسلمون في هذا المجال، فأنكره الشيخ الرئيس (2) أشدّ الإنكار


1 ـ كشف الفوائد: ص224.
2 ـ راجع شرح الإشارات: 3/292ـ 295.


(72)

وإليه ذهب جمع من الصوفية. وذلك بالمعنى الذي ذكرناه غير معقول. فهذا ما ذكره مثبتو الصفات ونفاتها.


ووافقه في ذلك جمع من الفلاسفة وأثبته صدر المتألهين (1) وبالغ في ذلك، والمسألة بعد مطروحة عند

المحقّقين إنكاراً وإثباتاً، ونقداً وإيضاحاً وقد أُلّفت في هذا المجال عشرات وأكثر من الكتب والرسائل.

وعلى كلّ تقدير فلا ريب في امتناع الاتحاد بمعنى صيرورة شيئين متحصلين شيئاً واحداً بحيث كان هناك وجود واحد وهوية فاردة تتقوم به حقيقتان متغايرتان ماهية وتحصّلاً، فانّ لازمه وحدة الكثير وكثرة الواحد، فيجب التأمّل في دعوى القائلين باتحاد العاقل والمعقول في أنّها هل تستلزم ذلك المحذور، أو لا؟(2)


1 ـ لاحظ الأسفار الأربعة: 3/312 ـ335.
2 ـ لاحظ إيضاح الحكمة للمؤلف: 3/ 247 ـ 259.


(73)

الباب الثالث
في ذكر ما ينسب إليه تعالى من الأفعال
(أفعال الإنسان بين القدرة القديمة والحادثة)

قال بعض أهل السنّة: لايمكن اجتماع قادرين على مقدور واحد (1)، لأنّ ذلك المقدور إن حصل، فإن كان المؤثّر فيه واحداً لم يكن كلّ واحد منهما مؤثراً، وإن كان مجموعهما لم يكن كلّ واحد قادراً، وقد فُرض قادراً. هذا خلف. وإن لم يكن أحدهما أو كلّ واحد منهما ثبت المطلوب.


(1) أي لايمكن أن يقع مقدور واحد بالشخص بقادرين، كلّ واحد منهما مستقل بالقادرية، وهذا في الحقيقة راجع إلى ما تقرر في مبحث العلّية من امتناع اجتماع علّتين مستقلّتين على معلول واحد شخصي.

ثمّ إنّ الفروض التي ذكرها المصنّف في الاستدلال على المطلوب عبارة عمّا يلي:

1ـ أن يكون المؤثّر أحدهما معيّناً.

2ـ أن يكون المؤثّر هو القادرين معاً.

3ـ أن يكون المؤثّر هو أحدهما لابعينه، وهذا الأخير يستفاد من قوله: «أو كلّواحد منهما»، وقوله: «وإن لم يكن أحدهما» ناظر إلى الفرض الأوّل.

ومفاد جميع الفروض الثلاثة هو عدم اجتماع القادرين المستقلين على مقدور واحد وهو المطلوب.


(74)

وقال أبو الحسن الأشعري: هذا إنّما يلزم عند تقدير كونهما مؤثّرين، ولذلك جوّز أن يكون للعبد قدرة، ولكنّ قدرة اللّه قديمة، وقدرة العبد تكون مع الفعل ولاتكون قبل الفعل، ولا تأثير له في الفعل، إلاّ أنّ العبد الذي يخلق فيه قدرة مع فعل لايكون كما يخلق فيه فعل من غير قدرة. والفعل يُسمّى كسباً للأوّل ولا يُسمّى بذلك للثاني. ومذهبه(1) أن لا مؤثّر في الوجود إلاّ اللّه تعالى.

وقال القاضي الباقلاني(1) من أهل السنّة: إنّ ذات الفعل من اللّه، إلاّ أنّه بالقياس إلى العبد يصير طاعة أو معصية، هذا (2) قريب في المعنى من قول أبي الحسن.


(1) أي لا مؤثر سواه تعالى لا على سبيل الاستقلال ـ كما هوا لحقّ ـ ولا على سبيل التبعية وبإذنه تعالى، فعنده لا سببيّة في عالم الوجود، فاللّه تعالى فاعل الموجودات والظواهر الكونية بالمباشرة، وإنّما جرت عادته بإيجاد بعض الحوادث مقارناً لبعض آخر، فيتوهم أنّ تلك المقارنة سببية وجودية بين الأشياء والحوادث، فليس هناك إلاّ مقارنة وجودية، لا ملازمة وعلاقة وجودية باسم العلّية والسببية، وهذا الاعتقاد من الأشاعرة يقرب ممّا تصوّره هيوم الإنكليزي في تفسير العلّية، حيث إنّه فسّرها بما يتداعى عند الذهن من مشاهدة مكرّرة لتعاقب الحوادث الخارجية، فيظن أنّ هناك رابطة وجودية حتميّة بين الحوادث، وليس كذلك، فإنّما هي تقارن وتوالي وجودي، فلا حقيقة للعلّية وراء الذهن، وليست هي من صفات الأشياء باعتبار وجوداتها الخارجية.

(2) وذلك لأنّ عنوان الطاعة والمعصية من العناوين المنتزعة عن الفعل بعد تحقّقه، فالفعل إذا كان مطابقاً لأمره تعالى سمّي طاعة وإلاّ معصية، فهذان العنوانان الانتزاعيان ليس لهما دور في واقعية الفعل، ومع ذلك كيف يصحّ أن يقال: إنّ القدرة الحادثة أثّرت في الفعل باعتبار كونه طاعة أو عصياناً، فإنّ مثل هذه القدرة متساوية وجوداً وعدماً، فلا تأثير للقدرة الحادثة في الفعل وهذا هو قول الأشعري.


1 ـ القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني البصري من قدماء الأشاعرة، له دور بالغ في ترويج مذهب الأشعري وتأييده، توفي عام 403 هـ. ق، من آثاره: إعجاز القرآن، الانتصار، هداية المسترشدين، الإنصاف فيما يجب اعتقاده .

(75)

وذهب أبو إسحاق إلى أنّ القدرتين مؤثّرتان فيه. وهذا ليس بحقّ، لما مرّ بيانه.

وذهب [مشايخ] المعتزلة وأبو الحسين البصريّ وإمام الحرمين(1) من أهل السنّة إلى أنّ العبد له قدرة قبل الفعل، وله إرادة بها تتمّ مؤثّريّته، فيصدر عنه الفعل ويكون العبد مختاراً، إذ كان فعله بقدرته الصالحة للفعل والترك وتبعاً لداعيه الذي هو إرادته; والفعل يكون بالقياس إلى القدرة وحدها ممكناً، وبالقياس إليها مع الإرادة يصير واجباً.

وقال محمود الملاحمي(2) وغيره من المعتزلة: إنّ الفعل عند وجود القدرة والإرادة يصير أولى بالوجود، حذراً من أن يلزمهم القول بالجبر إن قالوا بالوجوب.

وليس ذلك بحقّ، لأنّ مع حصول الأولويّة إن جاز حصول الطرف الآخر لما كانت الأولويّة أولويّة، وإن لم يجز فهو الوجوب، وإنّما غيّروا اللفظ دون المعنى.

والحكماء أيضاً قالوا بمثل ذلك، أعني: بوجوب حصول الفعل مع القدرة والإرادة. والذين قالوا بمؤثريّة اللّه وحده صرّحوا بأنّه تعالى مريد لكلّ الكائنات.

والمعتزلة قالوا: إنّه يريد ما يفعله، وأمّا ما يفعله العبد فهو يريد طاعته


* عبد الملك بن عبد الله، أبو المعالي الجويني، لقّب بإمام الحرمين لإقامته بمكة والمدينة أربع سنوات، يدرس ويفتي ويجمع طرق المذاهب، توفي عام 478 هـ. ق، من آثاره: الإرشاد في أُصول الدين، من مصادر الكلام الأشعري .
* أبو القاسم محمود بن عمر بن محمّد بن عمر الخوارزمي الزمخشري، صاحب الكشاف في تفسير القرآن، سافر إلى مكة وجاور بها زماناً ومن هنا لقب بـ «جار الله» لم يذكر له تأليف في علم الكلام، لكن يوجد آراؤه في هذا المجال في تفسيره. توفي عام 528 هـ. ق .


(76)

ولايريد معصيته. وهذه الإرادة (1) غير الإرادة الأُولى في المعنى.


(1) هذه الإرادة هي الإرادة التشريعية، والإرادة الأُولى هي الإرادة التكوينية، فباعتبار الإرادة التكوينية لا فرق بين الطاعة والمعصية، فإنّ ذات الفعل وحقيقته العينية من الأُمور الممكنة في ذاتها وينتهي لا محالة إلى إرادة اللّه التكوينية كغيره من الحوادث الإمكانية، ولكنّه سبحانه يرضى لعباده الطاعة ولايرضى لهم المعصية، والكاشف عن هذا الرضا وعدمه هو الأوامر والنواهي الشرعية.

روى الصدوق ـ ره ـ بسنده عن الرضا ـ عليه السّلام ـ

عن آبائه ـ عليهم السلام ـ

عن علي ـ عليه السّلام ـ

أنّه قال: «الأعمال على ثلاثة أحوال: فرائض وفضائل ومعاصي، وأمّا الفرائض فبأمر اللّه عزّ وجلّ وبرضاء اللّه وقضاء اللّه، وتقديره ومشيّته وعلمه، وأمّا الفضائل فليست بأمر اللّه [أي الوجوبي] ولكن برضاء اللّه وبقضاء اللّه وبقدر اللّه وبمشيّته وبعلمه، وأمّا المعاصي فليست بأمر اللّه [ولا برضاء اللّه]ولكن بقضاء اللّه وبقدر اللّه وبمشيّته وبعلمه، ثمّ يعاقب عليها». (1)

ولكن المتكلّمين غالباً لم يفصلوا بين الإرادتين، فأوجب ذلك نزاعاً حادّاً بين العدلية والأشاعرة فذهبت العدلية إلى أنّ إرادة اللّه تعالى لاتتعلّق بالمعاصي، وذهبت الأشاعرة إلى عموميتها للطاعات والمعاصي.

والقول الفصل في المسألة هو عمومية إرادة اللّه تعالى التكوينية للطاعات والمعاصي ـ أي ذات الأفعال وواقعيتها ـ واختصاص إرادته التشريعية بالطاعات، وهذا هو مقتضى العقل والنقل.

أمّا العقل فلما تقدّم آنفاً من أنّ الفعل في واقعيته من الأُمور الإمكانية المحتاجة في وجودها إلى إرادة اللّه تعالى التكوينية وليست عناوين الطاعة والعصيان من جهات الفعل وصفاته الخارجية.

وأمّا النقل فيدل على ذلك القرآن والسنّة، فمن السنّة ما عرفت آنفاً، ومن القرآن قوله سبحانه، يصف فعل السحرة في عهد سليمان النبي ـ على نبيّنا وآله و عليه السلام ـ

فيما كانوا يعملونه من إيجاد التفرقة بين المرء وزوجه ـ وهو عمل قبيحـ: (وَما هُمْ بِضارّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ). (البقرة/102) والمراد من الإذن في الآية هو الإذن التكويني لا التشريعي، بقرينة أنّ الآية في مقام الذّمّ واللوم لذلك العمل.


1 ـ التوحيد، باب القضاء والقدر، الحديث 9.

(77)

فصل
الحسن والقبح العقليّان]

[ما هو موضوع البحث؟]

الأفعال تنقسم إلى حسن وقبيح، وللحُسن والقبح معان مختلفة:

منها أن يوصف الفعل الملائم أو الشيء الملائم بالحسن وغير الملائم بالقبح.

ومنها أن يوصف الفعل أو الشيء الكامل بالحسن والناقص بالقبح.

وليس المراد هيهنا هذين المعنيين، بل المراد بالحسن (1) في الأفعال ما لايستحقّ فاعله ذمّاً أو عقاباً، وبالقبح ما يستحقّهما بسببه.


(1) قالوا: إنّ الفعل الحادث إمّا أن لا يوصف بأمر زائد على حدوثه، وإمّا أن يوصف به، والأوّل مثل حركة السّاهي والنائم، وهذا لا يوصف بحسن ولا قبح، والثاني إمّا أن لايتعلّق بفعله ذمّ وهو الحسن، وإمّا أن يتعلّق بفعله ذمّ وهو القبيح.

والحسن إمّا أن لا يكون له وصف زائد على حسنه وهو المباح، ويرسم بأنّه لا مدح فيه على الفعل والترك، وإمّا أن يكون له وصف زائد على حسنه وهو الواجب والمندوب والمكروه.

فالواجب ما يستحقّ المدح بفعله والذم بتركه، والمندوب ما يستحقّ المدح بفعله ولايستحقّ الذم بتركه، والمكروه ما يستحق المدح بتركه ولايستحقّ الذم بفعله. وعلى هذا،


(78)

[موقف المعتزلة وأهل السنّة في الحسن والقبح]

وعند أهل السنّة ليس شيء من الأفعال عند العقل بحسن ولاقبيح; وإنّما يكون حسناً أو قبيحاً بحكم الشرع فقط.

وعند المعتزلة أنّ بديهة العقل يحكم بحسن بعض الأفعال، كالصدق النافع، والعدل; وقبح بعضها، كالظلم، والكذب الضارّ. والشرع أيضاً يحكم بهما في بعض الأفعال.

والحسن العقلي ما لايستحقّ فاعل الفعل الموصوف به الذّمّ. والقبح العقلي ما يستحقّ به الذّمّ.

والحسن الشرعيّ مالايستحقّ به العقاب. والقبح ما يتسحقّ به.


فالقبيح منحصر في الحرام، وهو الذي يستحقّ الذم بفعله والمدح بتركه على خلاف الواجب.

وقد وقع الخلاف بين العدلية والأشاعرة في أنّ الحاكم باستحقاق المدح والذم أو الثواب والعقاب هل هو الشرع فقط، أو للعقل أيضاً دور في هذا المجال بالنسبة إلى بعض الأفعال، كالعدل والظلم والصدق والكذب؟ فالأشاعرة على الأوّل، والعدلية على الثاني.

ثمّ إنّ حكم العقل باستحقاق المدح أو الذم ليس حكماً جزافياً بلا ملاك ومناط، بل مناطه في ذلك هو إدراكه أنّ الفعل هل هو من لوازم كمال الفاعل أو نقصانه؟ فعلى الأوّل يحكم باستحقاق الفاعل للمدح، وعلى الثاني لاستحقاقه الذم، فالمعنى الثاني من المعاني الثلاثة المذكورة للحسن و القبح يكون في الحقيقة مصدراً وملاكاً للمعنى الثالث.فالأشاعرة إن كانوا مذعنين بالمعنى الثاني يلزمهم الإذعان بالمعنى الثالث أيضاً، لأنّ التفكيك بينهما، تفكيك بين العلّة والمعلول وهو محال.


(79)

وبازاء القبح الوجوب، وهو ما يستحقّ تارك الفعل الموصوف به الذّمّ أو العقاب.

ويقولون بأنّ اللّه لا يخلّ بالواجبِ العقليّ، ولايفعل القبيح العقليّ البتّة; وإنّما يخلّ(1)بالواجب ويرتكب القبيح بالاختيار جاهل أو محتاج.

واحتج عليهم أهل السنّة بأنّ الفعل القبيح (2) ، كالكذب مثلاً، قد يزول قبحه عند اشتماله على مصلحة كلّية عامّة، والأحكام البديهيّة، ككون الكلّ أعظم من جزئه، لايمكن أن تزول بسبب أصلاً.


(1) سأل يهودي النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وقال: أخبرني عن ربك هل يفعل الظلم؟ قال: «لا» قال: ولم؟ قالصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لعلمه بقبحه واستغنائه عنه» (1) فما استدلّت به العدلية على امتناع صدور القبيح عنه

سبحانه من دليل العقل عين ما استدل به النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على ذلك.

وهـذا يدل أوّلاً: على بطلان ما زعمتـه جماعـة الظاهريين من عدم جواز اللجوء إلى الدلائل العقلية في الأبحاث الكلامية، وثانياً: على بطلان ما توهّمه بعض أهل النظر من أنّ المباحث العقلية إنّما ظهرت في علم الكلام بعد ما ترجمت الكتب المنطقية والفلسفية إلى العربية.

(2) وأُجيب عنه بأنّ الكذب لايزول قبحه مطلقاً، لكنّه ربما يعارضه قبح أشد، كما إذا اشتمل على مصلحة كليّة عامّة، فإنّ تركها أقبح من فعل الكذب، وعند ذلك يحكم العقل بجواز ارتكاب الكذب القبيح حذراً لما هو أقبح منه.

قال المحقّق البحراني: «إنّ عندنا إذا تعارض قبيحان حكم العقل بوجوب العمل بأضعفهما قبحاً مع الشعور بقبح الأقوى، فجاز القبيح للخلاص ممّا هو أقبح منه». (2)


1 ـ التوحيد للصدوق: ص398.
2 ـ قواعد المرام: ص107.


(80)

[الحسن والقبح عند الحكماء]

وأمّا الحكماء فقالوا: العقل الفطريّ الذي يحكم بالبديهيّات، ككون الكلّ أعظم من جزئه، لايحكم بحسن شيء من الأفعال ولابقبحه، إنّما يحكم بذلك العقل العمليّ الذي يدبّر مصالح النوع والأشخاص، ولذلك ربّما يحكم بحسن فعل وقبحه بحسب مصلحتين، ويسمّون ما يقتضيه العقلالعمليّ ولايكون مذكوراً في شريعة من الشرائع بأحكام الشارع غير المكتوبة، ويسمّون ما ينطق به شريعة من الشرائع بأحكام الشارع المكتوبة.

[فروع الحسن والقبح العقليين]

والقائلون بالحسن والقبح والوجوب العقليّ اختلفوا، فقال أكثر المعتزلة بوجوب العوض والثّواب واللّطف على اللّه تعالى، وهكذا العقاب لمن يستحقّه; وذلك لأنّ اللّه تعالى وعدهم وأوعدهم، والوفاء بما وعد وأوعد واجب عقلاً.

وقال غير المعتزلة من القائلين بالحسن و القبح والوجوب العقلي: الوفاء بالوعد واجب، وأمّا بالوعيد فغير واجب، لأنّه حقّ اللّه تعالى، ولايجب عليه أن يأخذ حقّ نفسه، وإنّما ذلك إليه، يعفو عمّن يشاء، ويعاقب من يشاء.


(81)

والبغداديون (1) من المعتزلة قالوا:


(1) تنقسم المعتزلة إلى طائفتين:

أحداهما: معتزلة البصرة، فقد ظهرت المعتزلة في البصرة ومؤسّسها هو واصل بن عطاء الغزال (80ـ 131 هـ) الذي كان من أعاظم تلامذة الحسن البصري (م110هـ) وعمرو بن عبيد (م143هـ) وهو أيضاً كان من معاريف تلامذة الحسن البصري وكان ابن أُخت واصل، ومن مشاهير معتزلة البصرة أبو الهذيل العلاّف (م245هـ) ، إبراهيم بن سيّار النظّام (م231هـ) ، عمرو بن بحر الجاحظ (م256هـ) ، أبو علي الجبّائي (م303هـ) ، أبوهاشم الجبّائي (م321هـ)أبوالحسين البصري (م436هـ) والقاضي عبد الجبار الهمداني (م415هـ).

وثانيتهما: معتزلة بغداد: ومؤسسها هو بشر بن معتمر (م210هـ) وهو أحد خرّيجي مدرسة الاعتزال في البصرة، هاجر إلى بغداد في أواخر القرن الثاني وأسّس مدرسة بغداد، فظهر هناك رجال مفكّرون على منهج الاعتزال من مشاهيرهم: ثمامة بن الأشرس (م234هـ) ، جعفر بن المبشّـر (234هـ) ، جعفر بن حرب (م236هـ) ، أحمد بن أبي دؤاد (م240هـ) ، أبو الحسين الخيّاط (م311هـ) ، أبو القاسم البلخي الكعبي (م317 هـ) .

وقد ذكروا للمدرستين فروقاً نشير إلى بعضها:

1ـ إنّ الاعتزال في البصرة كان مذهبـاً نظريـاً، والاعتـزال في بغداد كان عملياً متأثراً بالدولة، قريباًمن السلطان.

2ـ إنّ تأثّر الاعتزال بالفلسفة اليونانية كان أظهر في مدرسة بغداد منه في مدرسة البصرة، لقوّة حركة الترجمة في بغداد، ولأنّ بلاط الخلفاء كان ملتقى رؤساء المسلمين برؤساء المفكّرين من أهل الديانات الأُخرى. (1)

3ـ مذهب البغداديّين موافقة غالباً مع أُصول الشيعة الإمامية، وقد أشار إلى جملة منها الشيخ المفيد في كتاب أوائل المقالات، كما صنّف رسالة باسم «المقنعة» في وفاق البغداديّين من المعتزلة لما روي عن الأئمّة ـ عليهم السلام ـ وفي كتب الكلام كثير من المسائل الخلافية بين البصريين والبغداديّين، ولبعض المعتزلة مصنّفات مخصوصة في بيانها.(2)


1 ـ راجع ضحى الإسلام، لأحمد أمين المصري: 3/159ـ 160.
2 ـ لاحظ تعليقة أوائل المقالات، لشيخ الإسلام الزنجاني: ص64، الطبعة الثانية، وبحوث في الملل والنحل، لشيخنا الأُستاذ السبحاني: 3/250.


(82)

الأصلح (1) واجب عليه تعالى، لأنّ الأصلح وغير الأصلح متساويان بالقياس إلى قدرته، والقادر المحسن إلى غيره إذا تساوى شيئان بالقياس إليه وكان في أحدهما زيادة إحسان إلى غيره اختاره فيهما البتّة.

واتّفقوا على أنّ التكليف منه حسن، إذ فيه تعريض العباد لاستحقاق التعظيم والإجلال الذي لايحصل لهم بدونه.

واللّطف واجب، وهو ما يقرّب العبد من الطاعة ويُبعّده عن المعصية.

والثواب على الطاعة واجب، وهو يشتمل على عوض المشقّة التي يشتمل عليها القيام بالطاعة مع التعظيم والإجلال.

والعوض (2) واجب على الآلام الّتي تصل إلى غير المكلّفين، كالأطفال والبهائم. فهذه جملة ما قالوا في هذا الباب.


(1) إعلم أنّ المصالح تنقسم إلى ما يكون مصلحة في الدين، وإلى ما يكون مصلحة في الدنيا، فمصالح الدين هي الألطاف، ومصالح الدنيا هي الأُمور التي ينتفع بها الحيّ ولايستضرّ بها حيّ آخر من الأحياء ولايكون فيها وجه قبح.

أمّا الألطاف فجمهور العدلية وقاطبة المعتزلة على القول بوجوبها على اللّه تعالى قضاءً لحكمته سبحانه، وأمّا الأصلح فذهب أبو القاسم البلخي وسائر البغداديّين وصاحب الياقوت وغيره من علماء الشيعة إلى وجوبه، وقال البصريون وجمهور علماء الإمامية إلى عدم وجوبه.(1)

(2) عرّفوا العوض بأنّه النفع المستحق الخالي عن تعظيم وإجلال، فبقيد الخالي عن التعظيم والإجلال خرج الثواب، فإنّه نفع مستحق يقارنه تعظيم وإجلال.

وقد قسّموا الإيلام إلى حسن وقبيح، والثاني لاينسب إلى اللّه تعالى، والأوّل إمّا من فعل الإنسان وإمّا من فعل اللّه سبحانه، وهذا على قسمين: ما يكون على جهة الاستحقاق


1 ـ لاحظ المنقذ من التقليد، للشيخ سديد الدين الحمصي: 1/298 وبعدها، وراجع كتاب «سرمايه إيمان» (فارسي) للمحقّق اللاهيجي فقد استوفى الكلام في المسألة.

(83)

وعند أهل السنّة أنّه لا واجب على اللّه تعالى ولايقبح منه شيء ولايفعل


كالعقاب، أو الابتداء مثل ما يصل في الدنيا إلى من لايستحقه، ووجه حسنه أمران:

أحدهما: كونه مقابلاً بعوض يزيد عليه أضعافاً، بحيث لو مُثِّل العوض والألم للمؤلَم وخيّر بين الألم مع عوضه أو العافية، لاختار الأوّل.

ثانيهما: أن يكون فيه مصلحة لاتحصل بدونه، وهي اللطف إمّا للمؤلَم أو لغيره.

أمّا الأوّل، فلأنّ الإيلام بدون العوض ظلم، وأمّا الثاني فلأنّ الإيلام مع العوض من دون غرض عبث، وهما محالان على اللّه تعالى.(1)

هذا كلّه في الآلام الواصلة إلى ذوي العقول من المكلّفين، وأمّا الآلام التي تصل إلى غير المكلّفين كالأطفال والبهائم فقال مشايخ أهل العدل: إنّها إنّما حسنت للنفع الموفى عليها، على تفصيل اختلفوا فيه لايسع المقام ذكره. (2)

ونكتفي بنقل كلام علمين من أعلام الإمامية هنا:

1ـ قال الشيخ المفيد (م413هـ) : أقول: إنّه واجب في جود اللّه تعالى وكرمه تعويض البهائم على ما أصابها من الآلام في دار الدنيا، سواء كان ذلك الألم من فعله جلّ اسمه أو من فعل غيره، لأنّه إنّما خلقها لمنفعتنا، فلو حرمها العوض على ألَمِها لكان قد خلقها لمضرّتها واللّه يجلّ عن خلق شيء لمضرّته وإيلامه لغير نفع يوصله إليه، لأنّ ذلك لايقع إلاّ من سفيه ظالم، واللّه سبحانه عدل كريم حكيم عالم...وهذا مذهب كثير من أهل العدل وخالف فيه بعضهم وجماعة ممن سواهم». (3)

2ـ قال أبو الصلاح الحلبي (م447هـ) : «والوجه في حسن إيلام الأطفال كونه لطفاً للعقلاء، وفي البهائم كونه كذلك وللانتفاع به في الدنيا فيخرج ذلك عن حدّالعبث، وعليه عوض يخرجه عن كونه ظلماً». (4)

وقد روي عن علي ـ عليه السّلام ـ

في المرض الذي يصيب الطفل، أنّه كفّارة لوالديه.(5)


1 ـ قواعد المرام: ص119، المنقذ من التقليد: 1/330.
2 ـ راجع المنقذ من التقليد: 1/310 وبعدها.
3 ـ أوائل المقالات: ص130، الطبع الثاني.
4 ـ تقريب المعارف: ص90.
5 ـ التوحيد للصدوق، الباب 61، الحديث 9.


(84)

شيئاً لغرض البتة، فانّ الفاعل (1) لغرض مستكمل بالغرض، ولايجوز عليه تعالى الاستكمال.

والمعتزلة قالوا: إنّه تعالى يفعل لغرض يستكمل به غيره، وإلاّ لكان فعله عبثاً، والعبث منه تعالى قبيح.

والحكماء قالوا: إنّ علمه بما فيه المصلحة سبب لصدور ذلك عنه، وهو بوجه قدرته، وبوجه علمه، وبوجه إرادته، من غير تعدّد فيه، إلاّ باعتبار القياس العقلي.ويسمّون تلك الإرادة بالعناية.


(1) هذا ليس حكماً شاملاً لكل فاعل، بل يختص بالفاعل الناقص في بعض الكمالات كالإنسان ونحوه، وأمّا الفاعل المستكمل بالذات، وهو اللّه عزّ اسمه فلا يهدف في فعله غرضاً يستكمل به، وهذا لايستلزم خلوّ فعله عن كل غرض وغاية، فانّ الفعل الخالي عن الغاية عبث وهو محال على الحكيم تعالى.

فالأشاعرة خلطوا بين غاية الفعل وغاية الفاعل، ومقتضى الجمع بين كونه سبحانه غنياً في ذاته وكونه حكيماً منزّهاً عن فعل ما لاينبغي، هو القول بأنّ في أفعاله التكوينية والتشريعية أغراض وغايات راجعة إلى غيره سبحانه من عباده، والقرآن الكريم مليئ بالآيات الناصّة على أنّ لأفعاله تعالى ـ تكوينياً وتشريعياً ـ غايات وأغراض ترجع إلى مصالح العباد في حياتهم الدنيوية والأُخروية.


1 ـ هذا ليس حكماً شاملاً لكل فاعل، بل يختص بالفاعل الناقص في بعض الكمالات كالإنسان ونحوه، وأمّا الفاعل المستكمل بالذات، وهو اللّه عزّ اسمه فلا يهدف في فعله غرضاً يستكمل به، وهذا لايستلزم خلوّ فعله عن كل غرض وغاية، فانّ الفعل الخالي عن الغاية عبث وهو محال على الحكيم تعالى.
فالأشاعرة خلطوا بين غاية الفعل وغاية الفاعل، ومقتضى الجمع بين كونه سبحانه غنياً في ذاته وكونه حكيماً منزّهاً عن فعل ما لاينبغي، هو القول بأنّ في أفعاله التكوينية والتشريعية أغراض وغايات راجعة إلى غيره سبحانه من عباده، والقرآن الكريم مليئ بالآيات الناصّة على أنّ لأفعاله تعالى ـ تكوينياً وتشريعياً ـ غايات وأغراض ترجع إلى مصالح العباد في حياتهم الدنيوية والأُخروية.


(85)

فصل
مذهب الحكماء والمتكلّمين
(في كيفية صدور الممكنات عن الباري تعالى شأنه)

قالت الحكماء: الواحد لا يصدر عنه من حيث هو واحد إلاّ شيء واحد (1). وذلك لأنّه إن صدر عنه شيئان، فمن حيث صدر عنه أحدهما لم يصدر عنه الآخر وبالعكس، فإذن صدرا عنه من حيثيّتين.والمبدأ الأوّل تعالى واحد من كلّ الوجوه، فأوّل ما يصدر عنه لايكون إلاّ واحداً.

ثمّ إنّ الواحد يلزمه أشياء، إذ له اعتبار من حيث ذاته، واعتبار بقياسه إلى مبدئه، واعتبار للمبدأ بالقياس إليه. وإذا تركّبت الاعتبارات حصلت اعتبارات كثيرة; وحينئذ يمكن أن يصدر عن المبدأ الأوّل بكلّ اعتبار شيء. وعلى هذا الوجه تكثر الموجودات الصادرة عنه تعالى.

وأمّا المتكلّمون فبعضهم يقولون: إنّ هذا إنّما يصحّ أن يقال في العلل والمعلولات(2) ; أمّا في القادر، أعني: الفاعل المختار، فيجوز أن يفعل شيئاً


(1) وهذا هو مختار المصنف ـ ره ـ في تجريد العقائد حيث قال: «ومع وحدته يتّحد المعلول، ثمّ تعرض الكثرة باعتبار كثرة الإضافات».

(2) إنّ جماعة من المتكلّمين فرّقوا بين الفاعل المختار وغير المختار، أعني: الفاعل الطبيعي، فالتزموا بقاعدة الواحد في الأوّل وأنكروها في الثاني، قال العلاّمة الحلّي: «المؤثّر


(86)

من غير تكثير بالاعتبارات، ومن غير ترجيح بعضها على بعض.

وبعضهم ينكرون (1) وجود العلل والمعلولات أصلاً، فيقولون بأنّه لامؤثّر إلاّ اللّه.واللّه تعالى إذا فعل شيئاً، كالإحراق، مقارناً بالشيء كالنار، على سبيل العادة، ظنّ الخلق أنّ النار علّة، والإحراق أثره ومعلوله، وذلك الظنّ باطل، على ما مرّ بيانه.


إن كان مختاراً جاز أن يتكثّر أثره مع وحدته، وإن كان موجَباً فذهب الأكثر إلى استحالة تكثّر معلوله باعتبار واحد».(1)

وقال المحقّق الجرجاني: «قد يتوهّم أنّ الفاعل الحقيقي إن كان موجَباً لم يجز أن يصدر عنه ما فوق أثر واحد اتّفاقاً، وإن كان مختاراً جاز أن يصدر عنه آثار اتّفاقاً، فالنزاع إذاً في كون المبدأ موجَباً أو مختاراً لا في هذه القاعدة».(2)

وقوله: «من غير ترجيح بعضها على بعض» أي يجوز أن يفعل الفاعل المختار أفعالاً كثيرة من غير حاجة إلى أن يرجّح وجود بعضها على بعض ويقدّم إيجاده عليه، كما هو رأي الحكماء من صدور الممكنات عن المبدأ الأوّل تعالى على ترتيب خاصّ.

(1) وهم طائفة الأشاعرة، قال صاحب المواقف: «يجوز عندنا استناد آثار متعددة إلى مؤثّر واحد بسيط، كيف لا، ونحن نقول بأنّ جميع الممكنات مستندة ـ بلا واسطة ـ إلى اللّه تعالى».(3)

والمقصود بضمير المتكلّم في قوله: «عندنا» هم الأشاعرة، كما فسّره بذلك شارح المواقف، وقال الچلبي في توضيحه: «وجه التفسير بالأشاعرة مع أنّ المعتزلة أيضاً قائلون بما ذكر (عدم امتناع صدور الكثير عن الواحد الحقيقي) هو قول المصنّف: «ونحن نقول بأنّ جميع الممكنات مستندة إلى اللّه تعالى» فانّ المراد هو الاستناد بلا واسطة، إذ الفلاسفة قائلون بالأعم من ذلك، وهذا لا يثبت على أصل المعتزلة لأنّهم قد يعلّلون بعض الممكنات ببعض آخر منها، وأمّا الماتريديّة فليس الخلاف بينهم وبين الأشاعرة إلاّ في مسائل عديدة، ولهذا لا يفردون بالذكر ويدرجون في عداد الأشاعرة في أكثر المواضع».(4)


1 ـ كشف المراد، المقصد الأوّل، الفصل الثالث، المسألة الثالثة.
2 ـ شرح المواقف: 4/125.
3 ـ نفس المصدر، ص123.
4 ـ نفس المصدر.


(87)

الباب الرابع
في النّبوّة وما يتبعها من الإمامة وغيرها

ويشتمل على قسمين:

القسم] الأوّل
في النّبوّة ومايتعلّق بها

[تعريف النبي وطريق معرفته]

النبيّ إنسان مبعوث من اللّه تعالى إلى عباده، ليكملهم (1) بأن يعرّفهم ما يحتاجون إليه في طاعته وفي الاحتراز عن معصيته.وتعرف نبوّته بثلاثة أشياء: أوّلها أن لا يقرّر ما يخالف ظاهر العقل، كالقول بأنّ الباري تعالى أكثر


(1) العبارة تهدف تعريف النبي اصطلاحاً، فهو إنسان مبعوث من اللّه تعالى إلى عباده، والغرض من بعثته تكميل العباد، بأن يعرّفهم ما يحتاجون إليه في طاعته، والاحتراز عن معصيته، وهذه الغاية بإجمالها شاملة لجميع الغايات المقصودة لبعث الأنبياء والرسل، وهي ـ على ما أُشير إليها في الوحي الإلهي ـ عبارة عمّا يلي:

1ـ الـدعـوة إلى التوحيد، خصوصاً التوحيد في الربوبية والعبادة، إذ هما مزلقتان عظيمتان للبشر في سبيل العقيدة، قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ


(88)

من واحد.والثاني أن يكون دعوته للخلق إلى طاعة اللّه والاحتراز عن معاصيه، والثالث أن يظهر منه عقيب دعوة النبوّة معجزة مقرونة بالتحدّي مطابقة لدعواه.


وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ) . (النحل/36) .

وقال عليّ ـ عليه السّلام ـ

وهو يبيّن أهداف البعثة: «وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيته بعد ما أنكروا، ويوحّدوه بالإلوهيّة بعد ما عندوا».(1)

2ـ الحكومة بين الناس فيما يختلفون فيه، قال تعالى: (كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ...)(البقرة/213) .

3ـ قيام الناس بالقسط: قال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَ المِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ...)(الحديد/25) .

4ـ تعليم الناس وتزكيتهم: قال تعالى: (هُوَ الّذي بعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَ الحِكْمَةَ...)(الجمعة/2) .

5ـ إتمام الحجة على العباد، قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّـرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)(النساء/165) .

وقد سأل زنديق، الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ

وقال: من أين أثبتّ أنبياءً ورسلاً؟

فأجابه ـ عليه السّلام ـ

بقوله: «إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً ولم يجز أن يشاهده خلقه ولا أن يلامسوه، ولا أن يباشرهم ويباشروه، ويحاجّهم ويحاجّوه، ثبت أنّ له سفراء في خلقه وعباده، يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه...».(2)


1 ـ نهج البلاغة، الخطبة 143.
2 ـ الاحتجاج: ص337، ط نشر المرتضى.


(89)

[الإعجاز والكرامة]

والمعجز هو فعل خارق للعادة يعجز عن أمثاله البشر.والتحدّي هو أن يقول لأُمّته: إن لم تقبلوا قولي فافعلوا مثل هذا الفعل.والفعل الذي يظهر على أحد من غير تحدّ يسمّى بالكرامة، ويختصّ بالأولياء (1) عند من يعترف به.


(1) اختلف المتكلّمون في إظهار المعجزة على غير الأنبياء من الأولياء والصالحين، فالأكثرون على الجواز، وجمهور المعتزلة وأبو إسحاق من الأشاعرة على المنع، قال الرازي: «الكرامات جائزة عندنا خلافاً للمعتزلة والأُستاذ أبي إسحاق منّا، لنا التمسّك بقصة مريم وآصف، ثمّ تتميّز الكرامات عن المعجز بتحدّي النبوة».(1)

وقال الشيخ سديد الدين الحمصي: ذهب أبوعلي وأبوهاشم وأصحابهما إلى أنّ ظهور المعجز على غير النبي، كائناً من كان غير جائز، وكذا لم يجوّزوا ظهوره على من سيبعث على سبيل الإرهاص لنبوته، ولم يجوّزوا أيضاً ظهور الخوارق للعادة على الكذّاب، وإن لم يطابق دعواه بل كان على العكس.

وحكى الشيخ أبو الحسين البصري عن ابن الاخشاد [الاخشيد]

تجويز ظهور المعجز على الصالح، غير أنّه قال: السمع منع عنه.

وذكر أبو الحسين في الرسالة التي أملاها في هذه المسألة جواز ظهور المعجز على الصالحين، وبيَّن أنّ السمع لم يمنع منه، وهذا هو مذهب الصوفية والأشعرية وأصحاب الظاهر، غير أنّهم لايسمّون ما يظهر عليهم معجزاً، بل يسمّونه كرامة.

والصحيح الذي نحن نذهب إليه هو جواز ظهور المعجزات على غير الأنبياء من الأئمّة والصلحاء الذي لهم منزلة وجاه عند اللّه تعالى.

ثمّ إنّه ـ ره ـ فصل الكلام في إقامة الدليل على جوازه ونقد أدلّة المخالفين فراجع.(2) وللسيد المرتضى ـ ره ـ

أيضاً كلام مشبع في هذا المقام فلاحظه.(3)


1 ـ تلخيص المحصل: ص373.
2 ـ المنقذ من التقليد: 1/401ـ 415.
3 ـ الذخيرة في علم الكلام، ص328ـ 337.


(90)

[الأقوال في عصمة الأنبياء]

واختلفوا (1) في عصمة الأنبياء.


(1) اتّفقوا على وجوب عصمة الأنبياء عن الكذب فيما دلّ المعجز على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلّغونه عن اللّه إلى الخلائق، إذ لو جاز عليهم التقوّل والافتراء في ذلك عقلاً لأدّى إلى إبطال دلالة المعجزة وهو محال، وربما يحكى عن القاضي الباقلاني تجويزه سهواً لزعمه أنّ هذا لا يخلّ بوجوب تصديق النبي فيما دلّت المعجزة على وجوب تصديقه فيه.

وما سوى الكذب في التبليغ من الذنوب فهي إمّا ترجع إلى العقيدة أو إلى العمل، والأوّل وهو الكفر والشرك، ممّا أجمعوا أيضاً على عصمة الأنبياء منه سواء في ذلك قبل البعثة وبعدها.

والثاني أعني العصيان في العمل بترك واجب أو فعل محرّم، فينقسم إلى كبيرة وصغيرة، وكلّ منهما إمّا يصدر عمداً وإمّا يصدر سهواً فالأقسام أربعة:

الأوّل: العصمة من الكبائر عمداً، لامخالف فيه إلاّ الحشوية، لكن وجوبها عند الأشاعرة سمعاً وعند العدلية عقلاً.

وقال الجرجاني: «المختار خلافه» وقال التفتازاني: «المذهب عندنا منع الكبائر بعد البعثة مطلقاً».

الثاني: العصمة من الكبائر سهواً، وقد وافق الإمامية على القول بها المعتزلة، قال الفاضل المقداد: «وقالت المعتزلة بامتناع الكبائر مطلقاً». (1) ، وهو مختار المحقّقين من الأشاعرة، قال التفتازاني: «المذهب عندنا منع الكبائر بعد البعثة مطلقاً»(2) ، والظاهر من عبارة المواقف أنّ أكثرهم قائلون بالجواز، حيث قال: «وأمّا سهواً فجوّزه الأكثرون» وذيَّله شارح المواقف بقوله: «والمخت(3)ار خلافه».


1 ـ إرشاد الطالبين، ص305.
2 ـ شرح المقاصد: 5/51.
3 ـ شرح المواقف: 8/265.


(91)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . .


الثالث: العصمة من الصغائر عمداً، وهذا هو مختار الإمامية ووافقهم عليه أكثر المعتزلة والأشاعرة، قال الفاضل القوشجي: «والمذهب عند محققي الأشاعرة منع الكبائر والصغائر الخسيسة بعد البعثة مطلقاً، والصغائر غير الخسيسة عمداً لا سهواً، وذهب إمام الحرمين من الأشاعرة وأبوهاشم من المعتزلة إلى تجويز الصغائر عمداً».(1)

الرابع: العصمة من الصغائر سهواً، اختاره الإمامية، وأكثر الأشاعرة والمعتزلة لا يوافقونهم على ذلك، بل يجوّزون صدور الصغائر سهواً في غير الصغائر الخسيسة كسرقة حبّة أو لقمة.(2)

عصمة الأنبياء قبل البعثة:

المشهور من مذهب الإمامية هو لزوم عصمة الأنبياء قبل البعثة عن المعاصي كبيرة كانت أو صغيرة عمداً أو سهواً، قال السيد المرتضى: «قالت الشيعة الإمامية: لايجوز عليهم شيء من المعاصي والذنوب كبيراً كان أو صغيراً، لا قبل النبوة ولا بعدها».(3)

وقال المحقّق البحراني: «عندنا أنّ النبي معصوم عن الكبائر والصغائر عمداً وسهواً من حين الطفولية إلى آخر العمر».(4)

وقال العلاّمة الحلّي: «ذهبت الإمامية إلى أنّ الأنبياء معصومون قبل البعثة وبعدها عن الصغائر عمداً وسهواً، وعن الكبائر كذلك».(5)

ولكن المصرّح به في كلام الشيخ المفيد في أوائل المقالات هو جواز صدور الصغائر غير الخسيسة سهواً قبل البعثة، حيث قال: «وأمّا ما كان من صغير لا يستخفّ فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوّة وعلى غير تعمّد، وممتنع منهم بعدها على كلّ حال».(6)


1 ـ شرح التجريد: 359، شرح المقاصد: 5/51.
2 ـ شرح المواقف: 8/365. أنوار الملكوت: ص196.
3 ـ تنزيه الأنبياء: ص2.
4 ـ قواعد المرام: ص125.
5 ـ أنوار الملكوت: ص196.
6 ـ أوائل المقالات، المجلّد الرابع من مصنفات الشيخ المفيد: ص62.


(92)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . .

ولم يوافق الإمامية على القول بلزوم عصمة الأنبياء قبل البعثة إلاّ جماعة من المعتزلة لا مطلقاً بل في الكبائر وفي الصغائر الخسيسة، قال الإيجي: «وأمّا قبله فقال الجمهور: لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة، وقال أكثر المعتزلة: تمتنع الكبيرة وإن تاب منها لأنّه يوجب النفرة، ومنهم من منع عمّا ينفر مطلقاً كعهر الأُمّهات والفجور في الآباء، والصغائر الخسيسة دون غيرها من الصغائر».(1)

البرهان على وجوب عصمة الأنبياء:

قد ذكروا لإثبات لزوم عصمة الأنبياء براهين، أوضحها: أنّ ذلك مقتضى حكمته تعالى في بعث الأنبياء وأنّ عدم العصمة ينافي الغاية من بعثتهم، قال الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي: «إنّ تجويز ذلك ينفر عن قبول قوله، ولا يحسن أن يبعث اللّه نبيّاً إلى الخلق ويوجب عليهم اتّباعه وطاعته وهو على صفة تنفر عنه، ولوجوب تنزيه النبي وتجنيبه عمّا ينفِّر عنه جنّب اللّه تعالى أنبياءه الخُلق المشينة، والأمراض المنفّرة والفظاظة والغلظة، قال سبحانه: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَظُّوا مِنْ حَوْلِكَ). (آل عمران/59)

فإن قيل: كيف تقولون: إنّ ما ذكرتموه منفر وقد وقع القبول ممّن جوّز ذلك عليهم؟

قلنا: لسنا نريد بالتنفير أن لا يقع القبول جملة، بل نريد بالتنفير ما يكون معه أبعد من القبول، فليس كل صارف عن الفعل يرتفع معه الفعل، كما أنّه ليس كل داع إليه يقع الفعل، وقد يقبل الناس قول الماجن السخيف ولا يقبل قول الواعظ الزاهد الناسك، ولا يبطل بذلك كون المجون والسخف صارفاً منفراً، وكون الزهد والعفة والنسك داعياً مقرِّباً.

ومااعتمدناه من دلالة التنفير ينفي عن النبيّ جميع القبائح والإخلال بالواجبات وببعضها في حال النبوّة وقبلها وكبائر الذنوب وصغائرها، لأنّ النفوس أميل وأسكن إلى من لا يعهد منه قطّ في حال من الأحوال، لا صغير ولا كبير، ولا إخلال بواجب ولا جوّزت عليه شيء من ذلك منها إلى من كان بخلاف ذلك، فوجب نفي الجميع عن النبيّ في كل حال، لما ذكرناه».(2)


1 ـ شرح المواقف: 8/265.
2 ـ المنقذ من التقليد: 1/425 ـ 426.


(93)

والعصمة (1) هي كون المكلّف بحيث لايمكن أن يصدر عنه المعاصي من غير إجبار له على ذلك.


(1) قال المصنّف في نقد المحصل: «الأجود أن يقال: إنّ للّه تعالى في حقّ صاحبها لطفاً لايكون له مع ذلك داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك، هذا على رأي المعتزلة، أو يقال: إنّها ملكة لايصدر عن صاحبها معها المعاصي، وهذا على رأي الحكماء».

وقال الرازي: القائلون بالعصمة، منهم من زعم أنّ المعصوم هو الذي لا يمكنه الإتيان بالمعاصي، ومنهم من زعم أنّه يكون متمكّناً منه.

والأوّلون: منهم من زعم أنّه يكون مختصاً في بدنه أو في نفسه بخاصية تقتضي امتناع إقدامه على المعاصي، ومنهم من ساعد على كونه مساوياً لغيره في الخواص البدنية، لكن فسّر العصمة بالقدرة على الطاعة وبعدم القدرة على المعصية وهو قول أبي الحسن الأشعري.

والذين لم يسلبوا الاختيار فسّروها بأنّه الأمر الذي يفعله اللّه تعالى بالعبد، وعلم أنّه لا يقدم مع ذلك الأمر على المعصية بشرط أن لاينتهي فعل ذلك الأمر إلى حدّ الإلجاء.(1)

العصمة والاختيار:

ثمّ إنّه ربما يستشكل على الجمع بين عدم إمكان صدور المعصية وبين كون المعصوم مختاراً في ترك المعصية، بأنّ المفروض أنّ العصمة صفة نفسانية للمعصوم أُعطيت إليه من جانبه تعالى ويلزمها استحالة صدور المعصية، ولا اختيار في ما هو كذلك.

والجواب عنه: أنّ لصدور المعصية من المعصوم اعتبارين: اعتبار بلحاظ نفسه من حيث إنّه بشر، فلا يمتنع صدور المعصية عنه بهذا اللحاظ، واعتبار آخر بلحاظ صفة العصمة، فيكون صدور المعصية عنه ممتنعاً، كمايقال: إنّه تعالى قادر على فعل القبيح، ويقال أيضاً: يمتنع صدور القبيح عنه سبحانه، فالأوّل باعتبار ذاته، والثاني باعتبار حكمته.

وبعبارة أُخرى: أنّوقوع المعصية من المعصوم ممكن بالنظر إلى قدرته وممتنع بالنظر إلى عدم إرادته، وعدم إرادته لها نتيجة ما حصل له من اللطف الإلهي، وماأعطاه اللّه سبحانه من العلم الخاص الرادع عن معصيته تعالى.

قال العلاّمة الطباطبائـي ـ ره ـ: «إنّ هذا العلم، أعني: ملكة العصمة، لايغيّر الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعالها الإرادية ولا يخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار، كيف؟


1 ـ تلخيص المحصّل: ص368.

(94)

وقال بعضهم: هو من لايصدر عنه معصية لاكبيرة ولاصغيرة، لابالعمد ولابالسهو من أوّل عمره إلى آخره.


والعلم من مبادئ الاختيار، ومجرّد قوّة العلم لايوجب قوّة الإرادة، كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سمّاً قاتلاً من حينه، فانّه يمتنع باختياره من شربه قطعاً، وإنّما يضطر الفاعل ويجبـر إذا أخرج من يجبره أحد طرفي الفعل والترك من الإمكان إلى الامتناع.

ويشهد على ذلك قوله: (وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِـراط مُسْتَقِيم* ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) . (الأنعام/87 ـ88)

تفيد الآية أنّهم في إمكانهم أن يشركوا باللّه وإن كان الاجتباء والهدى الإلهي مانعاً من ذلك.

وقوله: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) . (المائدة/67) إلى غير ذلك من الآيات.

فالإنسان المعصوم إنّما ينصرف عن المعصية بنفسه وعن اختياره وإرادته، ونسبة الصرف إلى عصمته تعالى كنسبة انصراف غير المعصوم عن المعصية إلى توفيقه تعالى.(1)

ماهي أسباب العصمة؟

القائلون بأنّ العصمة غير منافية للاختيار ذكروا لها أسباباً وهي أربعة:

أحدها: أن تكون لنفسه أو بدنه خاصية تقتضي ملكة مانعة من الفجور والفسوق.

ثانيها: أن يحصل له العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات.

ثالثها: تأكيد تلك العلوم بتتابع الوحي والبيان من اللّه تعالى.

رابعها: أنّه متى صدر عنه أمر من الأُمور من باب ترك الأولى أو النسيان لم يترك مهملاً، بل يعاقب وينبّه عليه ويضيق الأمر فيه عليه.

فإذا اجتمعت هذه الأُمور الأربعة كان الشخص معصوماً عن المعاصي لا محالة، لأنّ ملكة العفّة إذا حصلت في جوهر النفس، ثمّ انضمّ إليها العلم التام بما في الطاعة من السعادة، وفي المعصية من الشقاوة صار ذلك العلم معيناً له على مقتضى الملكة النفسانية، ثمّ الوحي يصير متمّماً لذلك، ثمّ خوف المؤاخذة على القدر القليل يكون مؤكداً لذلك


1 ـ الميزان: 11/163.

(95)

وقال بعضهم: السهو لا ينافي العصمة.وقال بعضهم: الصغيرة لاتخلُّ بالعصمة.


الاحتراز، فيحصل من اجتماع هذه الأُمور تأكيد حقيقة العصمة.(1)

وأورد على السبب الثاني، بأنّ ذلك يقتضي أن لاتكون العصمة مقتضى طبع صاحبها، بل تكون بالتكلّف، هذا مع أنّ العصمة موهبة ذاتية لا اكتسابية.

وعلى السبب الثالث، بأنّ كثيراً من الأُمّة يقولون بعصمة الملائكة والأئمّة، وبعصمة حواء ومريم وفاطمة، ولم يقولوا بالوحي إليهم.

وعلى السبب الأوّل، بأنّه هو نفس العصمة وحقيقتها، لا سببها.(2)

تحقيق للعلاّمة الطباطبائي في المقام:

ثمّ إنّ للعلاّمة الطباطبائي ـ ره ـ بحثاً وتحقيقاً حول حقيقة العصمة وسببها، حاصله:

إنّ العصمة للمعصومين المتَّسمين بالمخلَصين ـ بفتح اللام ـ في اصطلاح القرآن الكريم، موهبة إلهيّة أُعطيت لهم من غير اكتساب وتكلّف، بل خلقهم اللّه تعالى على استقامة الفطرة واعتدال الخلقة، فنشأوا من بادئ الأمر بأذهان وقّادة وإدراكات صحيحة ونفوس طاهرة وقلوب سليمة، فنالوا بمجرّد صفاء الفطرة وسلامة النفس من نعمة الإخلاص ما ناله غيرهم بالاجتهاد والكسب، بل أعلى وأرقى، لطهارة داخلهم من التلوث بألواث الموانع والمزاحمات.

فآتاهم اللّه سبحانه من العلم ما هو ملكة تعصمهم من اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وتمنع معه صدور شيء منها عنهم صغيرة أو كبيرة، وبهذا يمتاز العصمة من العدالة، فانّهما معاً تمنعان من صدور المعصية، لكن العصمة يمتنع معها الصدور بخلاف العدالة.

وهذا العلم يخالف سائر العلوم في أنّ أثره العملي، وهو صرف الإنسان عمّا لاينبغي إلى ما ينبغي قطعي غير متخلّف دائماً، بخلاف سائر العلوم، فانّ الصرف فيها أكثري غير دائم، قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) . (النمل/14) وقال: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللّهُ عَلى عِلْم)(الجاثية/23). وقال: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ


1 ـ ما ذكرناه كلام الرازي في المحصل بعينه، راجع نقد المحصل: ص369.
2 ـ نفس المصدر، وإرشاد الطالبين: ص301.


(96)

وقال بعضهم: الشرط في عصمة الأنبياء اختصاصها بزمان دعوتهم، لاقبل ذلك.


العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ) (الجاثية/17) .

والوجه في ذلك أنّ هذا العلم معرفة خاصة باللّه تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأصحاب هذا العلم يعلمون أنّ اللّه هو ربّهم الذي يملكهم وإرادتهم ورضاهم وكل شيء غيرهم، ويدبّر الأمر وحده وليسوا إلاّ عباداًللّه فحسب، وليس للعبد إلاّ أن يعبد ربّه ويقدّم مرضاته وإرادته على مرضاته وإرادته، فهم يعبدون اللّه ولايريدون في شيء من أعمالهم فعلاً أو تركاً إلاّ وجهه، ولا يلتفتون فيها إلى عقاب يخوفهم، ولا إلى ثواب يرجيهم، وإن خافوا عذابه ورجوا رحمته، وإلى هذا يشير قوله ـ عليه السّلام ـ

: «ما عبدتك خوفاً من نارك ولا رغبة في جنّتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».

فهؤلاء يسلكون في معرفة الأشياء من طريق هداهم إليه ربهم وعرّفها لهم، وهو أنّها آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله، وليس لها من النفسية والأصالة والاستقلال إلاّ أنّها كمرائي تجلّى بحسنها ماوراءها من الحسن غير المتناهي، وبفقرها ما أحاط بها من الغنى المطلق، وبذلّتها واستكانتها ما فوقها من العزّة والكبرياء.

ولايلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة دون أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزّة والعظمة ويغشى قلبه من المحبّة الإلهية ما ينسيه نفسه وكلّ شيء، ويمحو رسم الأهواء والأميال النفسانية عن باطنه، ويبدّل فؤاده قلباً سليماً ليس فيه إلاّ اللّه عزّاسمه، قال تعالى: (وَ الّذينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للّهِ)(البقرة/165) .

ومن الدليل على أنّ العصمة من قبيل العلم ـ أي العلم الخاص باللّه تعالى ـ قوله تعالى خطاباً لنبيّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: (وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء وَ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)(النساء/113) .

وقوله تعالى حكاية عن يوسف ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ: (قالَ رَبِّ السِّجنُ أَحَبُّ إِليَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاّ تَصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الجاهِلينَ)(يوسف/33).(1)


1 ـ تفسير الميزان: 11/ 158 ـ162 بتلخيص وتصرّف.

(97)

وقال بعضهم: اختصاصها في أدائها الرسالة فقط.أعني: أنّه يؤدّي ذلك ويصدق فيه ولايكذب لابالعمد ولابالسهو.وأمّا في سائر الأحوال فيجوز عليه جميع ذلك.

والبراهمة (1) من الهند أنكروا النبوّة، وقالوا: كلّ ما يعرف بالعقل


(1) البراهمة: من أسمى الطوائف عند الهندوس، يزعم البعض أنّ أصلهم إلهي، ولهذا احتلّوا المركز الأوّل في نظام الطبقات الدينية، ويقول الآخرون: إنّ هذا النظام يعتمد على المهنة وانّ طبقة الكهنة الذي كرّسوا أنفسهم للفكر والعلم تطورت إلى الطائفة البرهمية.

ويطلق الاسم أيضاً على الكاهن والمعلّم الديني عند الهندوس، وأمّا «برهما» فهو ربالكون وخالقه في معتقد الهندوس، يشرك مع «فشنو» و «سيفا»، في تأليف الثالثوث الهندوسي.(1)

والجواب عن شبهة البراهمة: أمّا أوّلاً: فلأنّ الغاية من بعثهم ليست هي التعليم فحسب، بل من أهداف نبوّتهم تزكية الأنفس والضمائر وتعديل الغرائز في وجود الإنسان من طريق إنذار الناس وتبشيرهم وهدايتهم قولاً وعملاً، قال الإمام عليّ ـ عليه السّلام ـ

وهو يبيّن الغاية من بعثة الأنبياء: «ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسيّ نعمته».(2)

فالأنبياء ـ عليهم السلام ـ هم أُسى وقُدوات حسنات في جميع المجالات تقتدي بهم طلاّب الكمال والسعادة، قال سبحانه: (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْراهيمَ)(الممتحنة/4) . وقال تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّهَ وَ الْيَوْمَ الآخِرَ)(الممتحنة/6)، فلا غنى للناس عن وجود هداة إلهيّة مصونة عن الزّلل في مجال الفكر والعمل بما أعطاهم اللّهسبحانه من موهبة العصمة، فيجعل قولهم وعملهم أُسوة وقدوة للحياة الطيّبة السعيدة.

وأمّا ثانياً: فلأنّ ما لايكون للعقل سبيل إلى معرفته ـ وهي كثيرة جدّاً ـ ليس معناه أنّ


1 ـ لاحظ المنجد في الأعلام: ص128.
2 ـ نهج البلاغة، الخطبة الأُولى.


(98)

فلا يحتاج فيه إلى نبيّ، وكلّ ما لايكون للعقل إليه سبيل فهو غير مقبول عند العقلاء.فإذن، دعوى النبوّة غير مقبول أصلاً.


الإنسان لايقدر على تمييز الحق إذا أُلقي إليه من جانب أنبياء اللّه تعالى، فإنّ ما يأتون به ليس في الحقيقة إلاّ جزئيات ومصاديق للأحكام الكلية والأُصول العامة المعلومة لدى العقل والفطرة، فهم لايأتون بما يعارض العقل ويناقض الفطرة حتى يجب ردّها عقلاً، بل يبيّنون الحقائق التي تكون جذورها مغروسة في العقل والفطرة، فالإنسان يجد تعاليم الأنبياء وأحكامهم حقّاً في ظلّ ما عنده من الأُصول الفطرية والكليات العقلية، فشأن الأنبياء في هذا المجال شأن المعلّم يلقي معارف نظريّة على المتعلّمين ويستدل عليها بما عندهم من البديهيات والمسلّمات، فهل يصحّ أن يقال: المتعلّم لايحتاج إلى المعلّم، فإنّه إمّا يأتي بما يعرفه المتعلّم وهذا تحصيل للحاصل، وإمّا يأتي بما لا يعلمه فلا سبيل له إلى تصديقه فيصبح تعليمه إيّاه لغواً؟!


(99)

فصل

نبوّة محمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم]

محمّد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، لأنّه ادّعى النبوّة وظهر عليه المعجزة; وكلّ من كان كذلك كان رسولاً من اللّه حقّاً، إذ لايمكن لغير اللّه تعالى إظهار المعجز عقيب دعوى إنسان مطابقاً لقوله.وأمّا دعواه فمعلومة بالتواتر.

وأمّا ظهور المعجزة عليه وإن كانت رواياته مختلفة، لكنّها أكثر ممّا يمكن أن ينكر.والقرآن ممّا لايمكن أن ينكر، والتحدّي منه عليه ظاهر.

واختلفوا (1) في وجه إعجازه فقال قوم: إنّ فصاحته إعجازه. وقال قوم:


(1) ذهب النّظام المعتزلي إلى أنّ جهة إعجاز القرآن هي الصَّـرفة(1) وتبعه أبو إسحاق النصيبي، وعبّاد بن

سليمان الصيمري وهشام بن عمرو الفوطي وغيرهم.

واختاره من الإمامية الشيخ المفيد في أوائل المقالات وإن حكي عنه غير ذلك، وهو مختار السيد المرتضى، قال: اختلف الناس في ذلك، فقال قوم: إنّ وجه دلالة القرآن على النبوة أنّ اللّه تعالى صَرَف العرب عن معارضته وسلبهم العلم الذي به يتمكّون من مماثلة في نظمه وفصاحته، ولولا هذا الصرف لعارضوا، وإلى هذا الوجه أذهب وله نصرت في كتابي المعروف بالموضح عن جهة إعجاز القرآن، وقد حكى عن أبي إسحاق النظام القول بالصرفة من غير تحقيق لكيفيّتها وكلام في نصرتها».(2)


1 ـ التاء في الصرفة، تاء المصدرية التي تلحق كثيراً من المصادر مثل الرحمة، والرأفة.
2 ـ الذخيرة في علم الكلام: ص378.


(100)

إنّ صرف عقول القادرين على إيراد معارضته عنه، وظهور عجزهم عند التحدّي مع القدرة عليه هو إعجازه.

وأمّا كون كلّ مدّعي نبوّة ذي معجز مطابق لدعواه فهو نبيّ;معلوم عقلاً، لأنّ المعجز لايكون من غير اللّه تعالى، وظهوره مع دعواه يدلّ على تصديق اللّه تعالى إيّاه.ومن ادّعى النبوّة وصدّقه اللّه فهو نبيّ بالضرورة.


ويظهر من الشيخ سديد الدين ارتضاؤه بهذا القول فإنّه بسط الكلام في نقله وتبيينه ولم يناقشه بشيء، وناقش سائر الوجوه المذكورة في وجه إعجاز القرآن.(1)

ومع ذلك فإنّ هذا القول مهجور عند المسلمين وهناك كتب ورسائل عملت على نقده، ولشيخنـا الأُستاذ السبحاني بحث مبسّط في هذا المجال فليراجع، (2) وقد ناقشه أيضاً السيد العلاّمة الطباطبائي في« الميزان » بأنّه مخالف

لما يظهر من آيات التحدّي، فإنّ الظاهر منها هو أنّ القرآن بما أنّه كلام نازل من عند اللّه تعالى وبما أنّ له تأويلاً لايحيط به علم البشر، خارج عن قدرتهم وهم عاجزون عن الإتيان بمثله، لا أنّهم يقدرون على ذلك ولكن اللّه سبحانه يصرفهم عنه ويسلب عنهم علمهم ومكنتهم. قال سبحانه:

(قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَريات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ *فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فاعْلَمُوا أنّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللّهِ ...)(هود/13ـ 14) .

وقال سبحانه:

(قُلْ فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ* بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ...)(يونس/ 38 ـ 39) .(3)

ثمّ إنّ المخالفين لنظرية الصرفة اختلفوا في جهة إعجاز القرآن على أقوال:

1ـ جهة إعجاز القرآن هي الفصاحة المفرطة.

2ـ هي الفصاحة مع النظم والأُسلوب.


1 ـ راجع المنقذ من التقليد: 1/459 ـ471.
2 ـ لاحظ الإلهيات: 2/320ـ 333، الطبعة الثانية.
3 ـ راجع الميزان: 1/69ـ 70.


(101)

وكلّ من أخبر محمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن نبوّته، من الأنبياء الماضين قبله، فهم أنبياء معصومون، لوجوب صدقه اللازم لنبوّته صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.


وهذان القولان محكيان عن الجبّائيين وأصحابهما.

3ـ النظم والأُسلـوب المختصان بالقرآن دون الفصاحة، واختاره القاضي الباقلاني ونسب إلى أبي القاسم الكعبي أنّه قال: «إنّ نظم القرآن وتأليفه مستحيلان من العباد كخلق الجواهر والألوان».

4ـ إنّ جهة إعجاز القرآن ما تضمّنه من الاخبار عن الغيوب.

5ـ جهة إعجازه ارتفاع التناقض والاختلاف عنه على وجه مخالف للعادة.(1)

ويرد القول الرابع أنّه خارج عن محل البحث، فإنّ موضوع البحث هنا هو الإعجاز البياني للقرآن الكريم الشامل لجميع الآيات والسور، وأمّا الإعجاز من جهة الإخبار عن المغيبات فهو يختص بطائفة منها كما لايخفى.

والأصحّ من سائر الأقوال المتقدمة هو القول الثاني، فالوجه في إعجاز القرآن البياني هو فصاحته مع ما له من النظم والأُسلوب البديع الممتاز عمّا كان معهوداً للعرب من الأساليب الكلامية نثراً ونظماً، وهذا هو مختار العلاّمة الحلّي، كما في كشف المراد.

ثمّ إنّ المصنّف ذكر في التجريد ثلاثة أقوال في وجه إعجاز القرآن، هي: الصرفة والقولان الأوّلان من سائر الأقوال، ولم يرجح واحداً منها. حيث قال: «وإعجاز القرآن قيل لفصاحته، وقيل لأُسلوبه وفصاحته معاً، وقيل للصرفة والكل محتمل».


1 ـ لاحظ المنقذ من التقليد: 1/459ـ 460.والإتقان للسيوطي: 4/7ـ 20، ط منشورات الرضي، قم.

(102)

فصل
طريقة الحكماء في إثبات النبوة]

للحكماء (1) في إثبات النبوّة طريق آخر، وهو أنّ الإنسان مدنيّ بالطبع، أي لايمكن تعيّشه إلاّ باجتماعه مع أبناء نوعه، ليقوم كلّ واحد بشيء ممّا


(1) برهان الحكماء على لزوم بعثة الأنبياء يتشكّل من المقدمات التالية:

الف: الإنسان مدني بالطبع، ويفسر بوجوه:

الأوّل: أنّ الإنسان مجبول على الالفة والأُنس بغيره من أبناء نوعه، فيرى الاجتماع ملائماً لطبيعته والانفراد منافراً لها.

الثاني: أنّ الإنسان مخمورٌ طينة وذاتاً على أن يستخدم غيره من الأشياء الطبيعية وأنواع النبات والحيوان، فهو يميل بسائقة ذاتية إلى غيره من أفراد الإنسان ليستولي عليه ويستخدمه لأجل الوصول إلى غاياته، وهذا ما يسوقه إلى الحياة الاجتماعية.

الثالث: أنّه يطلب الحياة الاجتماعية لا استجابة لنداء فطرته إلى الأُنس بغيره، ولا قضاءً لحكم طبيعته في استخدام الغير للوصول إلى منافعه وغاياته، بل العامل الوحيد في ذلك هو عجزه عن الحصول على م آربه وحده، فحاجته إلى غيره من أبناء جلدته هي التي تضطرّه إلى الحياة الاجتماعية.

وهذا هو المستفاد من عبارة المصنّف حيث فسّر قضية «إنّ الإنسان مدني بالطبع» بقوله: «أي لايمكن تعيّشه إلاّ باجتماعه مع أبناء نوعه إلخ».

ب: الإنسان وغريزة الشهوة والغضب: إنّ الإنسان مجبول على قوّتي الشهوة والغضب وهما داعيتان قويّتان إلى التعدّي والطغيان، وذلك يؤدّي إلى التنازع والتشاجر في المنافع


(103)

يحتاجون إليه في معايشهم من الأغذية والملبوسات والأبنية وغير ذلك، فيتعاونون في ذلك.إذ يمتنع أن يقدر واحد على جميع ما يحتاج إليه من غير معاونة غيره فيه.

وإذا كان كلّ إنسان مجبولاً على شهوة وغضب، فمن الممكن أن يستعين من أبناء نوعه من غير أن يعينهم، فلا يستقيم أمرهم إلاّ بعدل. ولايجوز أن يكون مقرّر ذلك العدل أحداً منهم من غير مزيّة، إذ لو كان كذلك لما استقام أمرهم.

والمعجز هو الذي به يمتاز مقرّر العدل عن غيره، ولو لم يكن ذلك من عند اللّه لم يكن مقبولاً عند الجمور; ولو لم يعرفوا اللّه تعالى لما عرفوا كون ذلك من عنده.


والمقاصد ويفوت بذلك الغرض المطلوب من الحياة، أعني الأمنيّة والعيش المهنّأ، فيحتاج إلى قانون عدل يقرر لكلّ إنسان ما عليه من الوظيفة، وما له من الحقّ حتى يقوم الاجتماع على مستوى العدل ويحصل بذلك الغرض المطلوب من الحياة.

ج: يجب أن يكون لواضع ذلك القانون ومقرِّره امتياز على غيره حتى يخضعوا لديه ويستجيبوا له.

د: يجب أن يكون المقنّن عارفاً بجميع ما يكون فيه صلاح الإنسان وله دور في استقرار العدل بين أفراد المجتمع، وأن يكون خارجاًعن سلطان النفس ومطيعاً للّه تعالى فلا ينطق عن الهوى، ولا يأخذه في طريق إقامة العدل لومة لائم.

هـ: ومن المعلوم أنّ التعرّف على توفّر هذه الخصائص في وجود إنسان يتوقف على العلم بأنّه إنسان إلهي مسدّد بعنايات خاصّة إلهية، ومرضيّ لديه سبحانه قولاً وعملاً، ولا يحصل ذلك إلاّ بالعلم بأنّه مبعوث من جانب اللّه تعالى، وطريق إثباته هو كونه صاحب المعجز مقروناً بدعوى النبوّة والتحدّي في ذلك ـ كما تقدم ـ.


(104)

فإذن لايمكن استقامة أُمور نوع الإنسان إلاّ بنبيّ ذي معجز، يخبرهم عن ربهم بما لايمتنع في عقولهم، ويظهر العدل، ويدعوهم إلى الخير،(1) ويعدهم بما يرغبون فيه إن استقاموا، ويوعدهم بما يكرهونه إن لم يستقيموا; ويمهّد لهم قوانين في عبادة بارئهم القادر على كلّ ما يشاء المطّلع على الضمائر، الغنيّ عن غيره، لكيلا ينسوه ويقبلوا شريعته ظاهراً وباطناً; وقواعد يقتضي العدل في الأُمور المتعلّقة بالأشخاص وبالنوع والسياسة لمن لايقبل تلك القوانين أو يعمل بخلافها، ليستمرّ الناس على ما ينفعهم في دنياهم وأُخراهم، فإنّ من الممتنع ممّن يجعل في بنية كلّ حيوان ما ذكر في علمي التشريح ومنافع الأعضاء أن يهمل ما يقتضي مصلحتهم في معاشهم ومعادهم.فهذا ما ذكره الحكماء في هذا الباب.


(1) القوانين التي جاءت بها الأنبياء ناظرة إلى ثلاثة مجالات كلية:

الف: عبادة اللّه سبحانه من الصلاة والصوم والحجّوغير ذلك وإليه أشار بقوله: «ويمهّد لهم قوانين في عبادة بارئهم...».

ب: حياة الإنسان الفردية وما له من المسؤولية تجاه بدنه ونفسه وأبعاده الوجودية، وهذا هو مراد المصنّف بقوله: «وقواعد يقتضي العدل في الأُمور المتعلّقة بالأشخاص».

ج: حياة الإنسان الاجتماعية، وهذا معنى قوله: «وبالنوع».

وبما أنّ الإنسان قد يطغى ولا يراعي ما وضع له من الحدود والقوانين الشرعية، فلابدّ من قوانين جزائية ومقرّرات تأديبيّة لإجراء العدل وتنفيذ القوانين في المجتمع، وإليه أشار بقوله: «والسياسة لمن لا يقبل تلك القوانين أو يعمل بخلافها».

قال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الحَديدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ...)(الحديد/25) .


(105)

فصل

النسخ جائز]

النسخ (1) جائز، وهو تغيير الأحكام الشرعيّة في الأوقات المختلفة من اللّه تعالى. واليهود لا يجوّزونه ويقولون: النسخ بداء، وهو لايجوز على اللّه


(1) النسخ في اللغـة بمعنى الإزالة والرفع، كما يقال: نسخت الشمس الظل، وفي اصطلاح الشرع«هو رفع مثل الحكم الشرعي في وقت آخر بدليل شرعي آخر على وجه لولاه لكان ثابتاً بالدليل الأوّل مع تراخيه عنه».

خرج بقولنا: «بدليل شرعي آخر» رفع الحكم بدليل عقلي، كما لو صار المكلّف عاجزاً عن الامتثال، وخرج بقولنا: «مع تراخيه عنه»ما كان الدليل الرافع مقترناً بالدليل المثبت مثل قوله سبحانه: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ)(البقرة/187) .

والذي يدلّ على جواز النسخ من العقل هو الذي لأجله حَسُن التعبّد بالشرائع وبعثة الأنبياء بها من المصالح المتعلّقة ببعض أفعالنا والمفاسد المتعلّقة ببعض آخر منها، وذلك لجواز أن يتغيّر الحال فيها بأن يصير ما هو مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر، كما علم من حال الحائض والطاهر، والمقيم والمسافر، وكذا يجوز أن يكون ما هو مصلحة لقوم، مفسدة لغيرهم وبالعكس، واللّه سبحانه عالم بذلك أزلاً، فمقتضى حكمته تعالى هو تغيّر الحكم تبعاً لتغيّر المصلحة، والحكم في نفس الأمر كان مؤقتاً ولكنّه لم يذكر مقيداً، بل أطلق ظاهراً لما كان فيه من المصالح المقتضيه له في علمه تعالى وحكمته.

فأيّ فرق بين أن يدل على ذلك بذكر غاية متّصلة بالدليل الأوّل، وبين أن يطلق الدليل الأوّل، ثمّ يدلّ على غاية الحكم وأمده بدليل آخر بعد انتهاء أمد الحكم الأوّل؟


(106)

تعالى.وذلك ليس بصحيح، فانّ البداء لايتحقّق إلاّ بكون المحكوم عليه والوقت غير مختلفين.وتمسّكوا بقول موسى ـ على نبيّنا وآله و عليه السّلام ـ: «تمسّكوا


وليس هذا من البداء المحال على اللّه تعالى، بل هو إبداء وإظهار للمكلّفين الجاهلين بغاية الحكم وحده.

روى الطبرسي في الاحتجاج عن أبي محمّد العسكري ـ عليه السّلام ـ

أنّه جاء قوم من اليهود إلى رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فقالوا: يا محمّد! هذه القبلة بيت المقدس قد صلّيت إليها أربع عشرة سنة ثمّ تركتها الآن، أفحقّاً كان ما كنت عليه فقد تركته إلى باطل؟ أو باطلاً كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدّة، فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟

فقال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «بل ذلك كان حقّاً وهذا حق، يقول اللّه: (قُلْ للّهِ المَشْرقُ وَ الْمَغْربُ يَهدي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقيم) (البقرة / 142) .

فقالوا له: يا محمّد! أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حتى نقلك إلى الكعبة؟

فقال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «ما بدا له عن ذلك، فإنّه العالم بالعواقب والقادر على المصالح، لايستدرك على نفسه غلطاً ولايستحدث رأياً بخلاف المتقدّم جلّ عن ذلك».

ثمّ قال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «يا عباد اللّه !أنتم كالمرضى واللّه ربّ العالمين كالطبيب، فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبِّره به، لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه».(1)

فاتّضح بطلان ما زعمه اليهود من استحالة القول بالنسخ عقلاً.

وأمّا الاستدلال بما نقلوه عن موسى ـ عليه السّلام ـ

: «تمسكوا بالسبب أبداً» فمردود سنداً ودلالة، لعدم ثبوت ذلك النقل عنه بالتواتر المفيد لليقين، لأنّ نقل التوراة التي في أيديهم ونقل أخبارهم غير متّصل، بل منقطع بما فعل بهم «بخت نصّر»، لأنّهم كانوا مجتمعين في الشام إلى أن قتل «بخت نصّر» أكثرهم ولم يبق منهم إلاّ عدد يسير دون عدد التواتر، ولو كانوا بحيث يعتبر التواتر بعددهم لما صارت التوراة ثلاث نسخ مختلفة، إحداها التي في أيدي القرابين والربانيين، والثانية التي في أيدي السامرة، والثالثة النسخة المعروفة بتوراة السبعين التي اتّفق عليها سبعون حبراً من أحبارهم، وهي في أيدي النصارى والاختلاف الذي بين هذه النسخ في التواريخ والشرعيات مشهور.


1 ـ لاحظ الاحتجاج: ص41ـ 42، ط نشر المرتضى.

(107)

بالسبت أبداً».وهو ليس بدليل قطعيّ، فانّ التأبيد قد يستعمل في المدّة الطويلة.والدليل على جواز النسخ ثبوت حقّية الشرائع التي جاءت بعد موسى ـ على نبيّنا وآله و عليه السّلام ـ .


وإذا لم يبق لهم نقل التوراة التي عليها أساس دينهم بالتواتر، فكيف يعتمد على تواتر نقلهم عن موسى بأنّ شرعه يبقى إلى يوم القيامة؟(1)

هذا هو الوجه في عدم تمامية النقل سنداً، وأمّا دلالةً فلما أشار إليه المصنّف من أنّ لفظة التأبيد شاع استعمالها في التوراة في مدّة كثيرة، ففي السفر الثاني (2) من التوراة «قرِّبوا إليَّ كلّ يوم خروفين، خروف غدوة، وخروف عشيّة بين

المغارب، قربان دائم لأحقابكم» ثمّ انقطع ذلك الدوام عند علمائهم.

وقال في العبد «إنّه يستخدم ست سنين ثمّ يعتق في السابعة، فإن أبى فليثقب أُذنه ويستخدم أبداً» وقال في موضع آخر: «يستخدم خمسين سنة».(3)

ثمّ إنّ الشيخ سديد الدين ألزم القائلين بامتناع النسخ عقلاً بوجه آخر، وحاصله أن يسأل عنهم هل كان قبل نزول التوراة شرع أو لا؟ لاسبيل لهم إلى الثاني، فإنّه ينافي ما صرّح في توراتهم بأنّ اللّه تعالى شرع على نوح ـ عليه السّلام ـ

القصاص في القتل، كما في الجزء الثاني من السفر الأوّل، وشرع على إبراهيم ـ عليه السّلام ـ

ختانه المولود في اليوم الثامن من ميلاده، كما في الجزء الثالث من السفر الأوّل.

فإذا أقرّوا بأنّه قد كان شرع قبل نزول التوراة، يقال لهم: هل أتت التوراة بزيادة أم لا؟ والثاني يستلزم كون نزول التوراة عبثاً، ويمتنع صدور العبث من اللّه سبحانه، ولازمه عدم كون التوراة نازلاً من عند اللّه تعالى.

وعلى الأوّل فهل في تلك الزيادة تحريم ما كان مباحاً أم لا؟ والثاني ينافي قولهم: إنّ التوراة حرّمت الأعمال الصناعية في يوم السبت بعد أن كان مباحاً، وهذا هو النسخ في المعنى.(4)


1 ـ لاحظ المنقذ من التقليد: 1/435، وتلخيص المحصل: ص366.
2 ـ سفر الخروج، الباب 29.
3 ـ لاحظ المنقذ من التقليد: ص435، وتلخيص المحصّل، ص365، وراجع أيضاً كتاب الهدى إلى دين المصطفى للعلاّمة البلاغي ـ ره ـ، ص248ـ 332 المقدّمة الثانية عشرة، الفصل الثاني . ط دار الكتب الإسلامية .
4 ـ راجع المنقذ من التقليد: 1/434 ـ435.


(108)

القسم الثاني من الباب الرابع
في الإمامة وما يتبعها

[تعريف الإمامة]

الإمامة رئاسة عامّة (1) دينيّة مشتملة على ترغيب عموم الناس في حفظ


(1) إعلم أنّ مسألة الإمامة لدى أهل السنّة ليست من المسائل العقائدية، بل تعدّ من الفروع الفقهية، قال الإيجي: «هي عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسِّياً بمن قبلنا».(1)

وقال التفتازاني: «وأحكامه في الفروع، إلاّ أنّه لما شاعت من أهل البدع اعتقادات فاسدة مخلَّة بكثير من القواعد أُدرجت مباحثها في الكلام».(2)

ولكنّها عند الإمامية من المسائل الاعتقادية تلحق بالرسالة، لأنّها استمرار لوظائف الرسول، وليست نفس الرسالة أو النبوّة، فإنّهما مختومتان بالتحاق النبيّ الأكرم بالرفيق الأعلى، على ما نصّ عليه القرآن الكريم.

ثمّ إنّهم عرّفوها بتعاريف مختلفة:


1 ـ شرح المواقف: 8/344.
2 ـ شرح المقاصد: 5/232.


(109)

مصالحهم الدينيّة والدنياويّة، وزجرهم عمّا يضرّهم بحسبها.


1ـ الإمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا بالأصالة في دار التكليف، ذكره المصنف في «رسالة الإمامة».

2ـ هي رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا بالأصالة، ذكره المحقّق البحراني في قواعد المرام.

3ـ هي خلافة الرسول في إقامة الدين بحيث يجب اتّباعه على كافة الأُمّة، ذكره الإيجي في المواقف.

4ـ هي رئاسة عامّة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم. ذكره التفتازاني في شرح المقاصد.

5ـ رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا، تعريف مشهور عند المعتزلة وغيرهم.

6ـ رئاسة عامة في أُمور الدين بالأصالة في دار التكليف، اختاره الحمصي في «المنقذ من التقليد» ولكنّه أراد بأُمور الدنيا العلوم والصناعات العلمية، وقال: ليس الإمام رئيساً على أهل الصناعات في صناعتهم، فليس رئيساً على الخطاطين في خطهم، ولا على النقاشين في النقش وهكذا، وأمّا ما يترتّب على تدبيره وسياسته من المنافع المعجلة والأغراض الدنيوية فقال: هذه تابعة لما هو الغرض الأصلي في انتصابه، وهو ارتفاع الظلم والتباغي أو تقليل هذه القبائح، وكل ذلك من أُمور الدين.

فحصول المنافع الدنيوية عند الخوف من تأديب الإمام وسياسته يكون تبعاً للمصالح الدينية المنوطة بالرئاسة.(1)

فاتّضح أنّ تعريفه يوافق ما هو المشهور من أنّ الإمامة رئاسة إلهيّة في أُمور الدين والدنيا.

وتبيّن أنّ تعريف المصنّف هنا من أحسن التعاريف للإمامة وأتمّها، فإنّه قيّد الرئاسة بالدينية، وهذا يدل على أنّ الإمامة منصب إلهي كما هو الحقّ عند الإمامية، وجعل الغرض من الإمامة ترغيب الناس إلى مصالحهم الدينية والدنيوية وزجرهم عمّا يخالف ذلك.


1 ـ لاحظ المنقذ من التقليد: 2/236ـ 238.

(110)

[أقوال المتكلّمين في نصب الإمام]

واختلف الناس في نصب الإمام، فقال بعضهم بوجوبه عقلاً، وبعضهم بوجوبه سمعاً، وبعضهم بلاوجوبه.

والذين يوجبونه عقلاً اختلفوا، فقال بعضهم بوجوبه من اللّه تعالى، وبعضهم بوجوبه على اللّه تعالى، وبعضهم بوجوبه على الخلق.

أمّا القائلون بوجوبه من اللّه تعالى فهم الغلاة والإسماعيليّة.

وأمّا القائلون بوجوبه على اللّه تعالى فهم الشيعة القائلون بإمامة عليّ بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم. واختلفوا في طريق معرفة الإمام بعد أن اتّفقوا على أنّه هو النصّ من اللّه، وهو منصوص من قبل اللّه تعالى، لا غير.

فقالت الإماميّة الاثنى عشريّة والكيسانيّة: إنّه إنّما يحصل بالنص الجليّ لا غير.

وقالت الزيديّة: (1) إنّه يحصل بالنصّ الخفيّ أيضاً.

وأمّا القائلون بوجوبه على الخلق عقلاً فهم أصحاب الجاحظ، وأبي القاسم البلخي، وأبي الحسين البصريّ من المعتزلة.

وأمّا القائلون بوجوبه سمعاً فهم أهل السنّة.

وهذان الفريقان أجمعوا على أنّ الأئمّة بعد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم هم الخلفاء.


(1) أوضح المصنّف مقالتهم بعد صفحات عند قوله: «وأمّا الزيدية» فراجع.


(111)

وأمّا القائلون بلا وجوبه (1) فهم الخوارج، والأصمّ من المعتزلة فهذه هي المذاهب في الإمامة.

[الغلاة والإمامة]

وأمّا الغلاة فبعضهم قالوا: إنّ اللّه تعالى يظهر في بعض الأوقات في صورة إنسان، يسمّونه نبيّاً أو إماماً، ويدعو الناس إلى الدين القويم والصراط المستقيم.ولولا ذلك لضلّ الخلق. وبعضهم قالوا بالحلول أو الاتّحاد، كما يقول به بعض المتصوّفة.

فمن القائلين بإلاهيّة عليّـ عليه السّلام ـ: السبائيّة، وهم أصحاب عبد اللّه


(1) قال صاحب المواقف وشارحه: «قالت الخوارج: لايجب (نصب الإمام) أصلاً، ومنهم (المتكلمين) من فصل فقال بعضهم (كهشام الفوطي م226هـ وأتباعه) : يجب عند الأمن من الفتنة، وقال قوم (كأبي بكر الأصم، م225هـ وتابعيه) بالعكس، أي يجب عند الفتنة دون الأمن».(1)

والظاهر أنّ القول بعدم الوجوب مطلقاً لم يكن مختار جميع فرق الخوارج، قال التفتازاني: «وقالت النَّجَدات (قوم من الخوارج أصحاب نَجْدة بن عويمر) : انّه ليس بواجب أصلاً».

ثمّ قال: وقال أبوبكر الأصم من المعتزلة: لا يجب عند ظهور العدل والإنصاف لعدم الاحتياج، ويجب عند ظهور الظلم، وقال هشام الفوطي منهم بالعكس، أي يجب عند ظهور العدل لإظهار شرائع الشرع، لا عند ظهور الظلم، لأنّ الظلمة ربّما لم يطيعوه، وصار سبباً لزيادة الفتن».(2)


1 ـ شرح المواقف: 8/345.
2 ـ شرح المقاصد: 5/236.


(112)

بن سبأ (1) . ومنهم النُّصيريّة (2) .ومنهم الإسحاقية.ومنهم فِرَقٌ أُخرى.وليس في تفصيل مذاهبهم زيادة فائدة.


(1) قالوا: إنّه كان رجلاً يهودياً فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصيّ موسى مثل ما قال في عليّ ـ عليه السّلام ـ

، زعم أنّه كان نبيّاً، ثمّ غلا فيه حتى زعم أنّه إله، ودعا إلى ذلك قوماً من غواة الكوفة فنفاه عليّ ـ عليه السّلام ـ

، إلى ساباط المدائن، فلمّـا قتل ـ عليه السّلام ـ

زعم ابن سبأ أنّ المقتول لم يكن علياً، وأنّه صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم ـ عليه السّلام ـ

، وأنّه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه.(1)

وذهب بعض المحققين إلى أنّ عبد اللّه بن سبأ من الأساطير التي صنعتها أيدي القصّاصين، قال الشيخ العلاّمة محمد حسين آل كاشف الغطاء: «إنّ عبد اللّه بن سبأ ومجنون بني عامر وأبي هلال وأمثال هؤلاء الرجال أو الأبطال، كلّهاأحاديث خرافة وضعها القصاصون وأرباب السمر والمجون، فإنّ الترف والنعيم قد بلغ أقصاه في أواسط الدولتين الأموية والعباسية، وكلّما اتّسع العيش وتوفّرت دواعي اللهو، اتّسع المجال للوضع وراج سوق الخيال وجعل القصص والأمثال كي يأنس بها ربات الحجال، وأبناء الترف والنعمة والمتغمِّرين في بلهنية العيش». (2)

(2) يطلق النصيرية على طائفتين من الغلاة، الأُولى: شعبة من السبائية، أتباع شخص باسم نصير ومقالتهم أنّ علياً ـ عليه السّلام ـ

باق وجوده في الطبيعة ومخلَّد وهو وإن كان في الظاهر إماماً ولكنّه في الحقيقة إله. وهم يسمّون الذين لا يقولون بإلوهية عليّ مقصِّرة.

والثانية: وهم يسمّون الأنصارية والعلوية أيضاً، طائفة انشعبت من الشيعة الإمامية في القرن الخامس الهجري وسكنوا بعد ذلك في الشمال الغربي من سوريا، وتعاليمهم مختلط من عقائد الشيعة والمسيحية وغيرهما، فيعتقدون أنّ ذاته سبحانه مركّب من ثلاثة أجزاء لاتتجزى هي: المعنى، والاسم والباب، وهذا التثليث يتجسّد ويتجلّى في الأنبياء، وقارن آخر تجسّد لها لظهور الإسلام وتحقّق في وجود محمّد، وعلي، وسلمان، ومن هنا يرمز لهذا التثليث بـ «عمس».

وهم يعتقدون أيضاً بالتناسخ، ويقسَّمون إلى طائفتين: عامة وخاصة، وللخاصة كتب يؤوّلونها ولايكشفون حقائقها للعامة، ويفرطون في تعظيم المسيح ـ عليه السّلام ـ

كما يعظمون الحواريين كثيراً، ويعتنون أيضاً بالتعميد وأعياد المسيحيين.(3)


1 ـ الفرق بين الفرق: ص333، ط دار المعرفة، ; الملل والنحل: 1/174.
2 ـ أصل الشيعة وأُصولها، ص106، ط القاهرة.
3 ـ «تاريخ الشيعة وفرق الإسلام» (فارسي) ، تأليف الدكتور محمد جواد مشكور، ص 185 ـ 186.


(113)

[الإمامة عند الإسماعيليّة]

وأمّا الإسماعيليّة ويسمّون بالباطنيّة، وربّما يلقّبون بالملاحدة.وإنّما سمّوا بالإسماعيليّة، لانتسابهم (1) إلى إسماعيل بن جعفر الصادق ـ عليه السّلام ـ; والباطنيّة، لقولهم: كلّ ظاهر فله باطن، يكون ذلك الباطن مصدراً، وذلك الظاهر مظهراً له، ولايكون ظاهر لاباطن له، إلاّ ما هو مثل السراب، ولاباطن لاظاهر له إلاّ خيال لاأصل له; ولقّبوا بالملاحدة، لعدولهم من ظواهر الشريعة إلى بواطنها في بعض الأحوال.


(1) تفرّقت الإمامية بعد وفاة الإمام أبي عبد اللّه الصادق ـ عليه السّلام ـ

إلى خمس فرق:

الأُولى: المفضَّلية، وهم القائلون بإمامة موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ

وكان فيهم من وجوه أصحاب أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ

مثل هشام بن سالم، وعبد اللّه بن أبي يعفور، وعمر بن يزيد بياع السابري، ومحمد بن النعمان أبي جعفر الأحول مؤمن الطاق، وعبد اللّه بن زرارة، وجميل بن دراج، وأبان بن تغلب، وهشام بن الحكم وغيرهم من وجوه الشيعة وأهل العلوم منهم والنظر والفقه، وثبتوا على إمامة موسى بن جعفر حتى رجع إلى مقالتهم عامة من كان قال بإمامة عبد اللّه بن جعفر، فاجتمعوا جميعاً على إمامة موسى بن جعفر سوى نفر منهم، فإنّهم ثبتوا على إمامة عبد اللّه ثم إمامة موسى بعده، فأجازوه في أخوين بعد أن لم يجز ذلك عندهم، منهم عبد اللّه بن بكير بن أعين، وعمّار بن موسى الساباطي وجماعة معهما.

الثانية: الفطحيّة، وهم القائلون بإمامة عبد اللّه بن جعفر الأفطح، سمّوا بذلك لأنّ عبد اللّه كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين، وقال بعض الرواة: نسبوا إلى رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له: عبد اللّه بن أفطح.

كان عبد اللّه أكبر إخوته بعد إسماعيل، ويقال: إنّه كان يخالط الحشوية ويميل إلى مذهب المرجئة وعاش بعد موت أبيه سبعين يوماً أو نحوها، ولم يخلف ذكراً فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته إلى القول بإمامة موسى ـ عليه السّلام ـ

سوى قليل منهم، وقد كان رجع جماعة منهم في حياة عبد اللّه إلى إمامة موسى ـ عليه السّلام ـ

كما تقدّم.


(114)

[فلسفة الإسماعيلية]

ومذهبهم أنّ اللّه تعالى أبدع بتوسّط معنى يعبّر عنه بكلمة «كن» أو غيرها عالمين:


الثالثة: السمطيّة أو الشمطية، وهم القائلون بإمامة محمد بن جعفر، توفّي بجرجان سنة 203هـ وقبره بها، وكان يلقّب بالديباج أو الديباجة لحسن وجهه، ويلقّب أيضاً بالمأمون، وقال الشيخ في الإرشاد: كان محمّد بن جعفر شيخاً شجاعاً وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ويرى رأي الزيدية في الخروج بالسيف، وخرج على المأمون في سنة 199هـ بمكة واتّبعته الزيدية الجارودية، فخرج لقتاله عيسى الجلودي ففرق جمعه وأخذه إلى المأمون فلمّا وصل إليه أكرمه وأدنى مجلسه منه ووصله وأحسن جائزته فكان مقيماً معه بخراسان.

وإنّما سمّي هؤلاء بهذا الإسم لأنّ رئيسهم كان رجل يقال له يحيى بن أبي السميط أو أبي الشمط.

الرابعة: الناووسية، وهم القائلون بأنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ

حيّ لم يمت ولا يموت حتى يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً لأنّه القائم المهدي، وتسمّى ناووسية لأنّ رئيسهم رجل من أهل البصرة يقال له عبد اللّه بنناووس.

الخامسة: الإسماعيلية وهم ثلاث طوائف:

الأُولى: الإسماعيلية الخالصة، وهم الذين أنكروا موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على وجه التلبيس من أبيه على الناس لأنّه خاف فغيّبه عنهم، وزعموا أنّ إسماعيل لايموت حتى يملك الأرض وأنّه هو القائم.

وكان إسماعيل رجلاً صالحاً وكان أكبر إخوته وكان أبوه الصادق ـ عليه السّلام ـ

شديد المحبّة له والبرّ به. مات سنة 133هـ فحزن عليه أبوه حزناً شديداً وتقدّم إلى سريره بغير حذاء ولا رداء، فأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مراراً كثيرة وكان يكشف عن وجهه وينظر إليه، يريد بذلك تحقيق أمر وفاته عند الظّانّين خلافته له من بعده وإزالة الشبهة عنهم في حياته.


(115)

عالم الباطن، وهو عالم الأمر وعالم الغيب، ويشتمل على العقول والنفوس والأرواح والحقائق كلّها، وأقرب ما فيها إلى اللّه تعالى هو العقل الأوّل، ثمّ ما بعده على الترتيب.


الثانية: المباركيّة، وهم الذين أقرّوا بموت إسماعيل وزعموا أنّ الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه محمّد، قالوا: إنّ الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه، فلمّا توفّي قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمر لمحمد بن إسماعيل، وكان الحقّ له ولايجوز غير ذلك، لأنّها لاتنتقل من أخ إلى أخ بعد الحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ ولاتكون إلاّ في الأعقاب، ويسمّون المباركية برئيس لهم كان يسمّى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر.

ومنهم من زعم أنّ الذي نصّ على إمامة محمّد هو أبوه إسماعيل لا جدّه جعفر الصادق ـ عليه السّلام ـ

.

ثمّ إنّ محمد بن إسماعيل هذا هو الذي دسّ على عمّه الإمام موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ

عند هارون الرشيد وقال: يا أمير المؤمنين خليفتان في الأرض، موسى بن جعفر بالمدينة يجئ له الخراج، وأنت بالعراق يجئ لك الخراج، فأمر الخليفة له بمائة ألف درهم فلمّا قبضها وحملت إلى منزله أخذته الريح في جوف ليلة فمات وحوّل من الغد المال الذي حمل إليه.

الثالثة: القرامطة، سمّيت بذلك برئيس لهم من أهل السواد من الأنباط كان يلقّب قَرمطْوَيه، كانوا في الأصل على مقالة المباركية ثمّ خالفوهم فقالوا: لايكون بعد محمد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلاّ سبعة أئمّة هم: علي بن أبي طالب وهو إمام رسول لأنّ قوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «مَنْ كُنْتُ مَولاهُ فَعَليٌّ مَولاهُ» خروج من الرسالة والنبوة وتسليم منه في ذلك لعليّ ـ عليه السّلام ـ

بأمر اللّه عزّ وجلّ، فكان النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعد ذلك مأموناً لعليّ محجوجاً به، فلمّا مضى عليّ ـ عليه السّلام ـ

صارت الإمامة في الحسن، ثمّ صارت في الحسين، ثمّ في عليّ بن الحسين، ثمّ في محمّد بن علي، ثمّ في جعفر بن محمد، ثمّ انقطعت عن جعفر في حياته فصارت في إسماعيل بن جعفر، كما انقطعت الرسالة عن محمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في حياته، ثمّ إنّ اللّه عزّ و جلّ بدا له في إمامة جعفر وإسماعيل فصيّرها في محمّد بن إسماعيل.

واعتلّوا في ذلك بخبر رووه عن جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ

أنّه قال: «ما رأيت بدا للّه عزّ وجلّ في شيء كما بدا له في إسماعيل».

قال الشيخ المفيد: «إنّها على غير ما توهّموه من البداء في الإمامة، وإنّما معناها ما روي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ

أنّه قال: إنّ اللّه تعالى كتب القتل على ابني إسماعيل


(116)

وعالم الظاهر، وهو عالم الخلق وعالم الشهادة، ويشتمل على الأجرام العلويّة والسفلية والأجسام الفلكيّة والعنصريّة وأعظمها العرش ثمّ الكرسي، ثمّ سائر الأجسام على الترتيب.

والعالمان ينزلان من الكمال إلى النقصان، ويعودان من النقصان إلى الكمال، حتّى ينتهي إلى الأمر، وهو المعنى المعبّر عنه بـ«كن» وينتظم بذلك سلسلة الوجود الذي مبدأه من اللّه ومعاده إليه.

[مرتبة الإمام والنّبيّ]

ثمّ يقولون: الإمام هو مظهر الأمر، وحجّته مظهر العقل الذي يقال له العقل الأوّل والعقل الكلّـي; والنبيّ مظهر النفس التي يقال لها نفس الكلّ وهو الإمام، وهو الحاكم في عالم الباطن، ولايصير غيره عالماً باللّه إلاّ بتعليمه إيّاه، ولذلك يسمّونهم بالتعليميّين.

والنبيّ هوالحاكم في عالم الظاهر، ولايتمّ الشريعة التي يحتاج إليها إلاّ به، ولشريعته تنزيل وتأويل ظاهره التنزيل وباطنه التأويل.

والزمان لايخلو إمّا عن نبيّ وإمّا عن شريعته.وأيضاً لايخلو عن إمام


مرّتين، فسألته فيه فعفا عن ذلك فما بدا له في شيء كما بدا له في إسماعيل، يعني به ما ذكره من القتل الذي كان مكتوباً فصرفه عنه بمسألة أبي عبد اللّه ـ عليه السّلام ـ

.

وأمّا الإمامة فإنّه لايوصف اللّه فيه بالبداء، وعلى ذلك إجماع فقهاء الإمامية ومعهم فيه أثر عنهم ـ عليهم السّلام ـ

أنّهم قالوا: مهما بدا للّه في شيء فلايبدوا له في نقل نبيّ عن نبوّته، ولا إمام عن إمامته، ولا مؤمن قد أخذ عهده بالإيمان عن إيمانه.(1)


1 ـ راجع في جميع ما ذكرناه حول تلكم الفرق، «فرق الشيعة للنوبختي» وهو من أعلام الشيعة في القرن الثالث للهجرة بتعاليق العلاّمة السيد محمد صادق بحر العلوم، والفصول المختارة للسيّد المرتضى، والإرشاد للشيخ المفيد أيضاً.

(117)

ودعوته، وهي ربّما تكون خفيّة مع ظهوره، إلاّ أنّها تكون ظاهرة مع خفائه البتة، لئلاّ يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرّسل.

وكما يُعرف النبيّ بالمعجز القوليّ أو الفعليّ كذلك يعرفُ الإمام بدعوته إلى اللّه وبدعواه، إنّ المعرفة باللّه تعالى لاتحصل إلاّ به، والأئمّة من ذرّيته، بعضها من بعض، فلايكون إماماً إلاّ وهو ابن امام.ويجوز أن يكون للإمام أبناء ليسوا بأئمّة. فلا يخلو الزمان عن إمام إمّا ظاهر أو مستور، كما لايخلو من نور نهار أو ظلمة ليل، لم يزل العالم هكذا ولايزال.

وطريقتهم التأليف بين أقوال الحكماء وأقوال أهل الشرائع فيمايمكن أن يؤلّف منها.

[أئمّة الإسماعيلية]

وأمّا في تعيين أئمّة الإسلام فقالوا: الإمام في عهد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، كان عليّاً ـ عليه السّلام ـ، وبعده كان ابنه الحسن إماماً مستودعاً، وبعده الحسين إماماً مستقرّاً، ولذلك لم تذهب الإمامة في ذرّية الحسنـ عليه السّلام ـ. ثمّ نزلتِ الإمامة في ذرّية الحسين وانتهت بعده إلى عليّ ابنه، ثمّ إلى محمّد ابنه، ثمّ إلى جعفر ابنه، ثمّ إلى إسماعيل ابنه، وهو السابع.(1)


(1) قد يقال: إنّ الإمام السابع عندهم هو محمّد بن إسماعيل، قال الشهرستاني: «قالوا: وبعد إسماعيل، محمّد بن إسماعيل السابع التام، وإنّما تمّ دور السبعة به ثمّ ابتدئ منه بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سرّاً ويظهرون الدعاة جهراً». (1)

وهذا هو مختار المصنّف في نقد المحصّل حيث قال: «وسمّوّهم بالسبعية لأنّ


1 ـ الملل والنحل: 1/192، ط دار المعرفة، بيروت.

(118)

وقالوا: إنّ الأئمّة في عهد ابن إسماعيل محمّد صاروا مستورين ولذلك سمّوهم أيضاً بالسبعيّة، لوقو فهم على السبعة الظاهرة، ودخل في عهد محمّد زمان استتار الأئمّة وظهور دعاتهم.

ثمّ ظهر المهديّ (1) ببلاد المغرب وادّعى أنّه من أولاد إسماعيل، واتّصل أولاده، ابن بعد ابن، إلى المستنصر.


متقدّميهم قالوا: الأئمّة تكون سبعة وعند السابع وهو محمّد بن إسماعيل توقّف بعضهم عليه، وجاوزه بعضهم وقالوا: الأئمّة يدورون على سبعة سبعة كأيّام الأُسبوع».(1)

وقال العلاّمة الطباطبائي: «عقيدتهم في باب الحجّة أنّها تدور على مدارات سبع فيبعث نبيّ، له شريعة مع مقام الولاية، وله سبعة أوصياء لسابعهم مقام النبوة أيضاً فهو صاحب مقامات ثلاثة: النبوة، الولاية، الوصاية.

وعلى هذا قالوا: إنّ آدم كان نبيّاًووليّاً ووصيّه السابع هو نوح، وكان إبراهيم سابع أوصياء نوح، وموسى وصيّاً سابعاً لإبراهيم، وعيسى لموسى، ومحمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لعيسى، وله سبعة أوصياء، هم: عليّ بن أبي طالب، الحسين بن علي، علي بن الحسين، محمد بن علي، جعفر بن محمّد، إسماعيل بن جعفر، ومحمّد بن إسماعيل، ولايقولون بإمامة الحسن بن علي ـ عليه السّلام ـ

. (2)

(1) عبيد اللّه المهدي غلب على بلاد المغرب سنة 296 هـ ومات سنة 322 هـ وقـام بالأمر بعده، ابنه أبو القاسم محمّد الملقّب بالقائم بأمر اللّه، وهو مات سنة333 هـ، وتولّى بعده ابنه إسماعيل الملقّب بالمنصور مات سنة 341 هـ، وآلت الخلافة إلى ولده المعزّ لدين اللّه، مات سنة 365هـ، قال ابن الأثير: «كان المعز عالماً فاضلاً، جواداً شجاعاً، جارياً على منهاج أبيه من حسن السيرة وإنصاف الرعية، وخلف المعزّ ولده أبو منصور نزار الملقّب بالعزيزباللّه.

وعنى العزيز كأبيه المعزّ بنشر المذهب الشيعي، وحتم على القضاة أن يصدروا أحكامهم وفق هذا المذهب، كما قصر المناصب الهامة على الشيعيين، وأصبح لزاماً على


1 ـ نقد المحصل: ص407.
2 ـ الشيعة في الإسلام.


(119)

واختلفوا بعده، فقال بعضهم بإمامة نزار ابنه، وبعضهم بإمامة المستعلى ابنه الآخر.وبعد نزار استتر أئمّة النزاريّين.واتّصلت إمامة المستعليّين إلى أن انقطع في العاضد[المتوفى: 567هـ].


الموظفين السنيين الذي تقلدوا بعض المناصب، أن يسيروا طبقاً لأحكام المذهب الإسماعيلي، توفّي العزيز سنة 386 هـ، وخلفه ولده أبو علي منصور ولقّب بالحاكم بأمر اللّه، وكان له من العمر حين بويع بالخلافة له 11 سنة وقتل سنة 411هـ.

وتولّى بعده الخلافة ابنه أبو هاشم الملقّب بالظاهر وكان له 16 سنة، ومات بمرض الاستسقاء سنة 427هـ وقام بعده ابنه أبو تميم الذي تلقّب بالمستنصر وكان عمره سبع سنين وبقي من الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر، وهو الذي خطب له بإمرة المؤمنين على منابر العراق سنة 451هـ.

وخرجت بعض البلاد عن سلطان الفاطميين في عهده، فقد زالت سلطتهم من بلاد المغرب الأقصى سنة 475هـ، وخلع أمير مكة والمدينة طاعتهم سنة 462هـ.ومات المستنصر سنة 487هـ وقام بعده ابنه أحمد المستعلى باللّه، ولكن نازعه أخوه نزار على الملك ودارت بينهما حروب وفتن، وتوفّي المستعلى سنة 495هـ وقام بعده ابنه الآمر بأحكام اللّه وله من العمر خمس سنين، وقتل سنة 524 هـ ولم يترك ولداً ذكراً.

فقام بعده ابن عمه الحافظ لدين اللّه، وكان كثير المرض بعلّة القولنج ومات سنة 544هـ وخلفه ولده إسماعيل الملقّب بالظافر باللّه وكان له سبع عشرة سنة وكانت أيّامه مضطربة لحداثة سنّه، واشتغاله باللّهو، قتل سنة 549هـ، وبويع لابنه الفائز بنصر اللّه وكان له خمس سنين، ومات الفائز سنة 555هـ وهو ابن عشر سنين أو نحوها، وقام بعده العاضد لدين اللّه وكان ابن 11 سنة وخلعه صلاح الدين الأيوبي سنة 567هـ وخطب للخليفة العباسي ببغداد.

وبالعاضد زالت الدولة الفاطمية التي استمرّت من سنة 296هـ إلى سنة 567هـ، وقد استعمل الأيوبي سياسة الفناء والاستئصال مع الفاطميين.(1)


1 ـ راجع الشيعة والتشيّع لمحمّد جواد مغنية: ص162ـ 172.

(120)

وكان الحسن (1) بن عليّ بن محمّد الصبّاح المستولي على قلعة «الموت» من دعاة النزاريّين، ثمّ ادّعوا بعده أنّ الحسن الملقّب بذكره السلام كان إماماً ظاهراً من أولاد نزار، واتّصل أولاده.إلى أن انقرضوا في زماننا هذا.

[مذهب الإمامية في الإمامة]

وأمّا الإمامية (2) فقالوا: إنّ نصب الإمام لطف، وهو واجب على اللّه


(1) قد عرفت أنّ نزار نازع المستعلى في أمر الحكومة فوقعت بينهما مقاتلة شديدة وغلب المستعلى وحبس أخاه نزار حتى مات، وكان الحسن الصبّاح من مقرّبي المستنصر، وأخذ جانب نزار، فأُخرج بأمر المستعلى عن مصر، فجاء إلى إيران، واستولى على قلعة الموت من توابع مدينة قزوين مع عدّة قلاع أُخرى، وأُسّست الحكومة باسم نزار، إلى أن مات سنة 518هـ.فقام بالحكومة «بزرگ أُميد رودباري» وبعده ابنه «كيا محمّد» وبعده ولده «حسن على ذكره السلام» فخالف طريقة الحسن الصبّاح في الدعوة إلى نزار ومال إلى الباطنية.

وبعد هجوم المغول على إيران قتل هلاكو جميع الإسماعيليين، ثمّ في سنة 1255 هـ قام آقا خان المحـلاّتي ـ وهـو من النزاريين ـ على محمّد شاه القجر، وغُلِب فذهب إلى «بَمْبَئى» ودعى إلى النزارية فاشتهر النزارية بـ «آقا خانية» وهي باقية إلى الآن. (1)

ومن فرق الإسماعيلية الموجودة«البُهَرة» القاطنون في الهند الغربي، وهم بقايا الفرقة المستعلوية ويسمّونهم مخالفوهم من النزارية وآغا خانية« خُوجه» والبُهره في لغتهم بمعنى التاجر والبائع.(2)

ومن فرقهم الدرزية الساكنون في لبنان وسوريا وهم يعتقدون بأنّ الحاكم بأمر اللّه (من الخلفاء الفاطميين الذي قتل سنة 411هـ) لم يقتل، بل غاب عن الناس وصعد إلى السماء وسيرجع إلى الناس. (3)

(2) قال الشيخ المفيد: «الإمامية هم القائلون بوجوب الإمامة [أي وجوبه على اللّه]والعصمة ووجوب النصّ، وإنّما حصل لها هذا الإسم في الأصل لجمعها في المقالة هذه


1 ـ لاحظ الشيعة في الإسلام، للعلاّمة الطباطبائي.
2 ـ تاريخ الشيعة وفرق الإسلام (فارسي) ص232.
3 ـ الشيعة في الإسلام.


(121)

تعالى، فيجب أن يكون الإمام معصوماً لئلاّ يضلّ الخلق.ويؤكّد ذلك قوله: (لايَنالُ عَهْدِي الظالِمينَ) (البقرة/124)(1) .


الأُصول، فكلّ من جمعها فهو إمامي وإن ضمّ إليها حقّاً في المذهب كان أم باطلاً، ثمّ إنّ من شمله هذا الاسم واستحقّه لمعناه قد افترقت كلمتهم في أعيان الأئمّة ـ عليهم السلام ـ وفي فروع ترجع إلى هذه الأُصول وغير ذلك».(1)

(1) استدلّ أصحابنا الإمامية بهذه الآية على أنّ الإمام لايكون إلاّ معصوماً عن القبائح، لأنّ اللّه سبحانه نفى أن ينال عهده ـ الذي هو الإمامة ـ ظالم، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالماً إمّا لنفسه وإمّا لغيره.

فإن قيل: إنّما نفى أن يناله ظالم في حال ظلمه، فإذا تاب لايسمّى ظالماً فيصح أن يناله.

فالجواب: أنّ الظالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالماً، فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنّه لاينالها، والآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلّها فلاينالها الظالم وإن تاب فيما بعد.(2)

وهناك تقريب آخر لدلالة الآية على عصمة الإمام نقله العلاّمة الطباطبائي عن بعض أساتذته، وهو أنّ الناس بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام:

1ـ من كان ظالماً في جميع عمره.

2ـ من لم يكن ظالماً في جميع عمره.

3ـ من هو ظالم في أوّل عمره دون آخره.

4ـ عكس الثالث.

وإبراهيم ـ عليه السّلام ـ

أجلّ شأناً من أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل والرابع من ذريته، فبقي قسمان وقد نفى اللّه أحدهما، وهو الذي يكون ظالماً في أوّل عمره دون آخره، فبقي الآخر، وهو الذي يكون غير ظالم في جميع عمره.(3)


1 ـ الفصول المختارة من العيون والمجالس: ص297، تأليف السيد المرتضى، المجلد الثاني من مصنّفات الشيخ المفيد.
2 ـ مجمع البيان: 10/202.
3 ـ الميزان: 1/274.


(122)

واتّفقوا على إمامة عليّـ عليه السّلام ـبعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، إذ لم يكن غيره معصوماً ثمّ ساقوا الإمامة بعده إلى الحسن المجتبى ابنه; ثمّ إلى أخيه الحسين الشهيد بكربلاء; ثمّ إلى ابنه زين العابدين; ثمّ إلى ابنه محمّد الباقر; ثمّ إلى ابنه جعفر الصادق; ثمّ إلى ابنه موسى الكاظم; ثمّ إلى ابنه عليّ الرّضا; ثمّ إلى ابنه محمّد التقي; ثمّ إلى ابنه عليّ النقي; ثمّ إلى ابنه الحسن الزّكّي العسكريّ; ثمّ إلى ابنه محمّد المهديّ المنتظر خروجه ـ عليهم السلام أجمعين ـ. وقالوا: إنّه باق وسيظهر، ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً.وهو الثاني عشر من أئمّتهم.ولأجل ذلك لقّبوا بالاثني عشريّة.

وهم في أكثر أُصول مذهبهم يوافقون المعتزلة.ولهم في الفروع فقه منسوب إلى أهل البيت.وكان لهم في سياق الإمامة اختلافات كثيرة لافائدة في إيرادها.وجمهورهم الباقون إلى هذا الزمان على هذا المذهب الذي ذكرناه.

[الإمامة عند الكيسانية]

وأمّا الكيسانية (1) فقالوا بإمامة عليّ ـ عليه السّلام ـ; وبعده الحسن; ثمّ


(1) قال الشيخ المفيد: أوّل من شذّ عن الحقّ من فرق الإمامية «الكيسانية» وهم أصحاب المختار، وإنّما سمّيت بهذا الاسم لأنّ المختار كان اسمه أوّلاً «كيسان»، وقيل: إنّما سمّي بهذا الاسم لأنّ أباه حمله وهو صغير فوضعه بين يدي أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ

قالوا: فمسح يده على رأسه، قال: كيس كيس (1) فلزمه هذا الاسم.


1 ـ «الكَيس» بمعنى العقل والفطنة، والجود، وحسن التأنّي في الأُمور، وعلى هذا كيسان تثنية كيس باعتبار قوله ـ عليه السّلام ـ : «كيس» مرّتين.

(123)

الحسين; ثمّ محمّد بن الحنفيّة; وقالوا: إنّه الإمام المنتظر، أعني المهديّ الذي يملأ الدنيا عدلاً، وهو الآن مستتر في جبل رضوى بقرب المدينة.وبعضهم


وزعمت فرقة منهم أنّ محمد بن عليّ استعمل المختار على العراقين بعد قتل الحسين ـ عليه السّلام ـ

وأمره بالطلب بثأره، وسمّاه كيسان (1) لما عرف من قيامه ومذهبه، وهذه الحكايات في معنى اسمه عن الكيسانية خاصة، فأمّا

نحن فلانعرف إلاّ أنّه سمّي بهذا الاسم ولانتحقق معناه ـ إلى أن قال: ـ لابقية للكيسانية جملة وقد انقرضوا حتى لايعرف منهم في هذا الزمان أحد إلاّ ما يحكى، ولايعرف صحّته.

ثمّ قال: وكان من الكيسانية أبوهاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر ـ رحمه اللّه ـ وله في مذهبهم أشعار كثيرة، ثمّ رجع عن القول بالكيسانية وبرئ منه ودان بالحق، لأنّ أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد ـ عليهما السلام ـ دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته، فاستجاب له فقال بنظام الإمامة وفارق ما كان عليه من الضلالة وله في ذلك أيضاً شعر معروف وهو:

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر * وأيقنت أنّ اللّه يعفو ويغفر

ودنت بدين غير ما كنت داينا * به ونهاني سيّد الناس جعفر

فقلت: هب أنّي قد تهوّدت برهة * وإلاّ فديني دين من يتنصَّـر

فلست بغال ما حييت وراجع * إلى ما عليه كنت أُخفي و أُضمر

ولا قائل قولاً لكيسان بعدها * وإن عاب جُهّال مقالي وأكثروا

ولكنّه من قد مضى لسبيله * على أحسن الحالات يقضي ويؤثر

ثمّ إنّه ـ ره ـ بسط الكلام في الرد على مقالة الكيسانية فراجع.(2)

وقد ذكروا للكيسانية فرقاً أهمّها ثلاث هي:

1ـ الكيسانية الخالصة، ويسمّون المختارية أيضاً، وهم الذين قالوا: إنّ أبا القاسم


1 ـ كيسان اسم للغَدِر.
2 ـ الفصول المختارة: ص296 ـ304.


(124)

قدّموه على الحسن والحسين. وبعضهم ساقوا الإمامة إلى ابنه هاشم، ثمّ إلى غيره، وهم فرق متعددة.وقد انقطعت الكيسانية ولم يبق منها أحد.


محمد الحنفية أوصى إلى ابنه عبد اللّه بن محمّد المكنّى بأبي هاشم، وهو أوصى إلى أخيه علي بن محمّد، وهو أوصى إلى ابنه الحسن، وهو أوصى إلى ابنه عليّ بن الحسين، وهو أوصى إلى ابنه الحسن بن علي، والوصية عندهم في ولد محمّد بن الحنفية لاتخرج إلى غيرهم، ومنهم يكون القائم المهدي، إلاّ أنّه خرجت منهم فرقة فقطعوا الإمامة بعد ذلك من عقبه وزعموا أنّ الحسن مات ولم يوص إلى أحد ولا وصيّ بعده ولا إمام حتى يرجع محمد بن الحنفية، فيكون هو القائم المهدي.

2ـ الحارثية، وهم الذين قالوا: «أوصى أبوهاشم عبد اللّه بن محمّد بن الحنفية إلى عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفربن أبي طالب، وكان من شجعان الطالبيّين ورؤسائهم وشعرائهم ظهر سنة 127هـ بالكوفة خالعاً طاعة بني مروان وداعياً إلى نفسه، فبايع له أهل الكوفة وأتته بيعة المدائن، ثمّ قاتله عبد اللّه بن عمر والي الكوفة، فتفرّق عنه أصحابه فخرج إلى المدائن، ثمّ قتل سنة 129هـ بأمر أبي مسلم الخراساني، قتله عامل هراة.

وهؤلاء أصحاب عبد اللّه بن الحارث من أهل المدائن ومن هنا يسمّون «الحارثية».وهم غلوا في عبد اللّه بن معاوية وقالوا: إنّ اللّه عزّوجلّ نور، وهو في عبد اللّه بن معاوية.

3ـ العباسية، وهم الذين قالوا: أوصى عبد اللّه بن محمّد إلى محمّد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، وهؤلاء غلاة الروندية أصحاب عبد اللّه بن الخرب الكندي الكوفي الروندي العالم المشهور المتوفّى سنة 298 أو 301هـ، غلوا في محمّد بن علي بن عبد اللّه، وادّعوا له الإلوهيّة.

واختصم أصحاب عبد اللّه بن معاوية وأصحاب محمّد بن علي في وصية أبي هاشم فرضوا برجل منهم يكنّى أبا رياح، وكان من رؤوسهم وعلمائهم فشهد أنّ أبا هاشم أوصى إلى محمّد بن علي بن العباس، فرجع جُلّ أصحاب عبد اللّه بن معاوية إلى القول بإمامة محمّد بن علي وقويت الروندية بهم.(1)


1 ـ فرق الشيعة: ص48 ـ 52، انتشارات مكتبة الفقيه، قم.

(125)

[مذهب الزيدية في الإمامة]

وأمّا الزيدية (1) فقالوا بإمامة عليّ والحسن والحسين. وأثبتوها بالنصّ الجليّ وأثبتوا باقي أئمتهم بعدهم بالنص الخفىّ (2) . وذلك أنّ شرائط الإمامة


(1) هم القائلون بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليهم السلام ـ خرج زيد بالكوفة على بني أُمية في عهد حكومة هشام بن عبد الملك، وبايعه جمع من الناس، ولكن تركوه عند المكافحة مع جيش يوسف بن عمرو الثقفي أمير العراق واستشهد زيد سنة 121 أو 122هـ.

وبايعيت الزيدية بعده لابنه يحيى وكان من الأبطال الأشدّاء، فلمّا قتل أبوه انصرف إلى بلخ فأقام بها مطمئنّاً، فطلبه أمير العراق يوسف بن عمرو، فقبض عليه نصر بن سيّار، ثمّ خلّى عنه بأمر الوليد، ثمّ ثار فبعث نصر بن سيّار سالم بن أحوز في طلبه فلحقه بجوزجان، فقاتله فرمى يحيى بسهم أصاب جبهته فسقط قتيلاً سنة 125 هـ.

وقد فوض الأمر بعده إلى محمّد وإبراهيم الإمامين ابني عبد اللّه بن الحسن المثنّى، خرجا بالمدينة ومضى إبراهيم إلى البصرة واجتمع الناس عليهما، وقتلا بأمر المنصور العباسي، قتل إبراهيم بالبصرة ومحمّد بالمدينة سنة 145 هـ.

ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان صاحبهم ناصر الأطروش فطلب مكانه ليقتل فاختفى واعتزل الأمر، وصار إلى بلاد الديلم والجبل ولم ينتحلوا بدين الإسلام بعد، فدعا الناس دعوة إلى الإسلام على مذهب الزيدية، فدانوا بذلك ونشأوا عليه وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين. وقتل سنة 304 هـ، فقام بالحكومة صهره الحسن بن القاسم العلوي وقتل سنة 316 هـ وبقتله قضي على حكومتهم في بلاد الديلم. (1)

(2) قال الرازي: «الذي يجمعهم أنّ الإمام بعد الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم علي بن أبي طالب بالنص الخفي، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ كلّ فاطمي مستحق لشرائط الإمامة، الخلق إلى نفسه، شاهراً سيفه على الظلمة».

وقال المصنف في «نقد المحصل» : «كان الإمام علياً بالنص الخفي، ثمّ الحسن


1 ـ راجع: الملل والنحل للشهرستاني: 1/154 ـ157، الشيعة والتشيّع، ص146 ـ147، الشيعة في الإسلام، ص34، تاريخ الشيعة و الفرق الإسلامية (فارسي) ، ص59ـ 60.

(126)

عندهم:

كون الإمام عالماً بشريعة الإسلام ليهدي الناس إليها ولا يُضلّهم.

وزاهداً لكيلا يطمع في أموال المسلمين.

وشجاعاً لئلا يفرّ في الجهاد مع المخالفين فيظفروا على أهل الحقّ.

وكونه من أولاد فاطمة، أعني: من أولاد الحسن والحسين، لقوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «المهديّ من ولد فاطمة».

وكونه داعياً إلى اللّه تعالى وإلى دين الحقّ ظاهراً، يشهر سيفه في نصرة دينه.

وقالوا: وقد نصّ النبيّ والأئمّة بعده: أنّ كلّ من استجمع هذه الشرائط الخمسة فهو إمام مفترض الطاعة.وذلك هو النصّ الخفيّ.

ولم يوجبوا في الحسن والحسين الدعوة بالسيف، لقوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «هما إمامان، قاما أو قعدا».

ويجوّزون خلوّ الزمان عن الإمام، وقيام إمامين في بقعتين متباعدتين، إذا استجمعا هذه الشرائط، ولذلك لم يقولوا بإمامة زين العابدين، لأنّه لم يشهر سيفه في الدعوة إلى اللّه تعالى. وقالوا بإمامة زيد ابنه، لاستجماع الشرائط فيه، وإليه نسبوا، إذ فارقوا سائر الشيعة بقولهم بإمامته.ولقّبوا باقي


والحسين، لقوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «الحسن والحسين إمامان، قاما أو قعدا»، ولم يكن زين العابدين إماماً لأنّه ما خرج».(1)

وعلى هذا، كانت عقيدتهم في الإمامة أنّها بالنص الخفي مطلقاً.


1 ـ نقد المحصل، ص416 ـ417.

(127)

الشيعة بالرافضة، (1) إذ رفضوا زيداً.


(1) هذا هو المشهور بين أرباب الملل والنحل في وجه تسمية الشيعة الإمامية بالرافضة، ومصدر ذلك ما ذكره الأصمعي، من أنّهم كانوا قد بايعوا زيد بن علي بن الحسين، ثمّ قالوا له: ابرأ من الشيخين نقاتل معك، فأبى وقال: كانا وزيري جدّي فلا أبرأ منهما فرفضوه وارفضوا عنه، فسمّوا رافضة.

ولكن السابر في التاريخ لايرى لهذا الوجه قيمة، بل يراه من المجعولات الناشئة من الأغراض السياسية والمذهبية، وكان الأصمعي ناصبياً ومع ذلك كيف يمكن الاعتماد على قوله خصوصاً إذا تضمّن تنقيصاً و ازدراءً بعليّ ـ عليه السّلام ـ

وشيعته.

ولم يكن اصطلاح الرافضة موهوباً من زيد بن عليّ لشيعة جدّه، كيف وقد ورد ذلك المصطلح على لسان أخيه محمّد الباقر ـ عليه السّلام ـ

الذي توفّي قبل ثورة زيد بست سنوات أو أكثر.

روى أبو الجارود عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ

أنّ رجلاً يقول: إنّ فلاناً سمّانا باسم، قال: وما ذاك الاسم؟ قال: سمّانا الرافضة، فقال أبو جعفر ـ مشيراً بيده إلى صدره ـ وأنا من الرافضة وهو منّي، قالها ثلاثاً.(1)

والحقّ أنّ الرافضة كلمة سياسية كانت تستعمل قبل أن يولد زيد بن علي ومن بايعه من أهل الكوفة، فالكلمة تطلق على كلّ جماعة لم تقبل الحكومة القائمة ـ سواء أكانت حقّاً أم باطلاً ـ وهذا معاوية بن أبي سفيان يصف من جاءه مع مروان بن الحكم بالرافضة، وهم كانوا أعداء عليّ ـ عليه السّلام ـ

ومخالفيه، وما هذا إلاّ لأنّ هؤلاء كانوا غير خاضعين للحكومة القائمة آنذاك.

وبما أنّ الشيعة منذ تكوّنها لم تخضع للحكومات القائمة بعد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فكانت رافضة حسب الاصطلاح الذي عرفت.(2)


1 ـ بحار الأنوار: 65/97 نقلاً عن المحاسن (للبرقي المتوفى 274 ) ج1، ص119ـ 122.
2 ـ راجع بحوث في الملل والنحل، لشيخنا الأُستاذ السبحاني ـ مدّظله ـ الطبعة الثانية.


(128)

[فرق الزيدية]

والزيديّة فرق (1) كثيرة.منهم الصالحيّة، وهم لاينكرون خلافة الخلفاء الذين كانوا قبل عليّ، لرضا عليّ بخلافتهم. ومنهم الجاروديّة. ومنهم السليمانيّة. وقيل: لهم فرق غيرها. وأكثرهم في الفروع متابعون لأبي حنيفة، إلاّ في مسائل قليلة خالف أئمّتهم فيها.


(1) قال الشهرستاني: «هم أصناف ثلاثة: جارودية، وسليمانية، وبترية، والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد».

1ـ الجارودية: (1) أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي زياد، زعموا أنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم نصّ على

عليّ بالوصف دون التسمية، وهو الإمام بعده، والناس قصروا حيث لم يتعرّفوا الوصف ولم يطلبوا الموصوف، وإنّما نصبوا أبابكر باختيارهم فكفروا بذلك، وقد خالف أبو الجارود في هذه المقالة إمامة زيد بن علي، فإنّه لم يعتقد هذا الاعتقاد.

2ـ السليمانية: أصحاب سليمان بن جرير، كان يقول: إنّ الإمامة شورى فيما بين الخلق، ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنّها تصح في المفضول مع وجود الأفضل، وأثبت إمامة أبي بكر وعمر حقاً باختيار الأُمّة حقّاً اجتهادياً، وربما كان يقول: إنّ الأُمّة أخطأت في البيعة لهما مع وجود عليّ، خطأ لايبلغ درجة الفسق، وذلك الخطأ خطأ اجتهادي، غير أنّه طعن في عثمان للأحداث التي أحدثها وأكفره بذلك، وأكفر عائشة وطلحة والزبير بإقدامهم على قتال عليّ.

3ـ الصالحية والبترية، الصالحية أصحاب الحسن بن صالح بن حي (2) والبترية أصحاب كثير النوى الأبتر (3)

وهما متفقان في المذهب، وقولهم في الإمامة كقول السليمانية، إلاّ أنّهم توقّفوا في أمر عثمان أهو مؤمن أم كا(4)فر؟


1 ـ مات أبو الجارود بعد سنة 150 هـ.
2 ـ مات سنة 169 هـ.
3 ـ مات في حدود سنة 169 هـ.
4 ـ الملل والنحل: 1/157ـ 161.


(129)

[القائلون بوجوب نصب الإمام على الخلق عقلاً]

وأمّا القائلون بوجوب نصب الإمام على الخلق عقلاً فقالوا: الضرر مع عدم الإمام متوقّع من الظلم على الضعفاء، ودفع الضرر المظنون واجب عقلاً. وذلك إنّما يندفع بنصب الإمام يقوم بأحكام الشرع.وهم موافقون لأهل السنّة في تعيين الأئمّة.

[مذهب أهل السنّة في الإمامة]

وأمّا أهل السنّة (1) فيقولون بوجوب نصب الإمام على من يقدر على


(1) استدلوا على وجوب نصب الإمام على الناس بوجهين:

الأوّل: أنّ نصب الإمام يتضمن دفع الضرر عن النفس فيكون واجباً، أمّا الأوّل فلأنّا نعلم أنّ الخلق إذا كان لهم رئيس قاهر يخافون بطشه ويرجون ثوابه كان حالهم في الاحتراز عن المفاسد أتمّ ممّا إذا لم يكن لهم هذا الرئيس، وأمّا أنّ دفع الضرر عن النفس واجب فبالإجماع عند من لايقول بالوجوب العقلي، وبضرورة العقل عند من يقول به».

وناقش فيه المحقّق الطوسي بأنّ صغرى الدليل عقلي من باب الحسن والقبح، وهو ليس من مذهبهم، وكبراه أوضح عقلاً من الصغرى، ثم قال:

والأولى أن يعتمد فيه على قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(النساء / 59) وعلى قوله ـ عليه السّلام ـ

: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» وعلى أمثال ذلك.(1)

الثاني: أنّه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأوّل بعد وفاة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على امتناع خلو الوقت عن خليفة وإمام، فهم وإن اختلفوا في وجود النص وعدمه، ولكنّهم اتّفقوا على وجوب طاعة إمام بعده، ولو لم يكن نصب إمام واجباً لخالفهم من الأُمة أحد في ذلك. (2)


1 ـ نقد المحصل: ص407.
2 ـ نفس المصدر، ولاحظ أيضاً، شرح المواقف: 8/346.


(130)

ذلك لإجماع السلف عليه.وذهبوا إلى أنّ الإمام يعرف إمّا بنصّ من يجب أن يقبل قوله، كنبيّ أو بإجماع المسلمين عليه.

وكان الإمام بعد رسول اللّه بالإجماع أبابكر، ثمّ عمر بنصّ أبي بكر، ثمّ عثمان بنصّ عمر على جماعة أجمعوا على إمامته، ثمّ عليّ المرتضى ـ عليه السّلام ـ بإجماع المعتبرين من الصحابة، وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون.

ثمّ وقعتِ المخالفة بين الحسن وبين معاوية وصالحه الحسن.واستقرّت الخلافة عليه ثمّ على من بعده من بني أُميّة وبني مروان حتّى انتقلت الخلافة إلى بني العباس.واجتمع أكثر أهل الحلّ والعقد عليهم.وانساقت الخلافة منهم إلى عهدنا الذي جرى فيه ما جرى.

[المنكرون لوجوب نصب الإمام مطلقاً]

وأمّا الذين لايقولون بوجوب نصبِ الإمام فيقولون: يقع في نصب الأئمّة فتن، وقتل بعض الناس بعضاً، كما جرى في إمامة (أيّام) عليّ ومعاوية ومن بعدهما في أكثر الأوقات. والاحتراز عمّا يُوقع الفتنة والمحاربة أولى بالاتّفاق. والشريعة كافية لمن أراد أن يكون على الحق ويتقرّب إلى اللّه بطاعته. فهذه هي مذاهب الناس في الإمامة.


(131)

الباب الخامس
في الوعد والوعيد وما يتبعهما

[تمهيد: ]

قد مرّ أنّ القائلين بالحسن والقبح والوجوب في العقل أوجبوا الوعد بالثواب للمكلّفين لكونه لطفاً.وقالوا بحسن الوعيد لكونه أصلح (1)، أو بوجوبه لكونه لطفاً أيضاً.ثمّ أوجبوا الوفاء بالوعد.

واختلفوا في الوفاء بالوعيد، فقالت التفضيليّة: ليس ذلك بواجب، لأنّه حقّ اللّه تعالى. وقالت الوعيديّة بوجوبه لئلاّ يصير الوعيد (2) كذباً.

وأمّا الّذين لايقولون بالحسن والقبح والوجوب عقلاً قالوا: إنّ الثواب


(1) الأصلح في مورد الوعيد ليس إلاّ الأصلح في الدين، وحينئذ لافرق بينه وبين اللطف عند المتكلّمين، قال السيد المرتضى ـ ره ـ: «وقد يوصف ـ يعني اللطف ـ بأنّه صلاح في الدين وأصلح». (1)

(2) الصدق والكذب من أحكام الأخبار، والوعيد من الانشائيات فحقيقة الوعد جعل حقّ للغير، وحقيقة الوعيد جعل حق على الغير، وكما أنّ العقل مستقل بوجوب إعطاء حقّ الغير إليه، كذلك مستقل بجواز إسقاط الحقّ على الغير.

نعم هناك آيات كثيرة مفادها الاخبار عن الحوادث الواقعة في القيامة، نحكم بوقوعها قطعاً لئلاّ يلزم الكذب في اخباره تعالى، ولاصلة لها بآيات الوعيد، فإنّ الوعيد ـ كما تقدّم ـ من باب الانشاء دون الاخبار.


1 ـ الذخيرة في علم الكلام: ص186.

(132)

والعقاب يتعلّقان بمشيّة اللّه تعالى فقط ولايقبح منه شيء ولايجب عليه شيء أصلاً.

والحكماء القائلون بثبوتها (1) في العقل العمليّ دون العقل النظريّ قالوا: تكون السعادة والشقاوة لازمتين للأفعال الملائمة وغير الملائمة، كالصحّة لاعتدال المزاج، والمرض لانحرافه.واعلم أنّ هذه الأقوال مبنيّة على كون الإنسان مدركاً بعد موته. فالأهمّ في هذا الباب النظر في ذلك، وهو مبنيّ على ستّ مسائل:


(1) الضمير المؤنث في قوله: «بثبوتها» عائد إلى الحسن والقبح و الوجوب، وقد تقدّم في الباب الثالث، عند البحث عن الحسن والقبح أنّ الحكماء قائلون بأنّ الحسن والقبح ممّا يحكم به العقل العملي دون العقل النظري، فهؤلاء يفسِّرون الثواب والعقاب بالسعادة والشقاوة، ويجعلونهما من لوازم الأفعال الملائمة وغيرها.

فسعادة النفوس عندهم بكمالها في قُوَّتيها النظرية والعملية، وكمال القوة النظرية بالعلوم، وأهمّها في تحصيل السعادة الباقية معرفة اللّه تعالى، لأنّ اللّذة هي إدراك الملائم، ولا مدرك أكمل منه تعالى فإدراكه أتمّ اللّذات، وكلّما كان استغراق الإنسان في معرفته أتم وأوفى، كانت سعادته بعد الموت أكمل وأعلى، وذلك أمر يحققه العارفون به.

وأمّا كمال القوة العملية فحصول الملكات الخلقية الفاضلة، وليست من أسباب السعادة الباقية بالذات، بل غرضها أن تصير النفس أميل إلى التعلّق بالبدن، فيشتد تعلّقها به فيحصل بذلك العذاب فكانت مستلزمة لنفي التعذيب عن النفس، وذلك من الأُمور العرضية في تحصيل السعادة.

فشقاوة النفوس الجاهلة لأجل كونها عادمة للكمالات، فإذا انقطعت عن تعلّق الأبدان بقيت على ذلك الجهل دائماً، وأدركت فوات كمالاتها الّتي كانت الشواغل البدنية عائقة عنها، فصارت معذّبة بتلك الحسرة كما قال تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْـرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ ـ إلى قوله ـ فَأَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ) (الزمر/56ـ 58) ونحوه. وأمّا لأجل كونها عادمة للكمالات الثانية الحاصلة على إحدى رذيلتي التفريط والإفراط، فربما تزول فيزول عذابها بها.(1)


1 ـ قواعد المرام: ص 155ـ 156، ولاحظ الأسفار: 9/121 ـ 136.

(133)

المسألة الأُولى: في إعادة المعدوم:

وهي جائزة عند مثبتي المعتزلة، لأنّ الذات باقية عندهم حال تعقّب الوجود والعدم عليها;وكذلك عند بعض أهل السنّة فانّهم قالوا: الممكن(1) لايصير بانعدامه ممتنعاً; ومحالٌ عند غيرهم ، لاستحالة تخلّل العدم بين شيء واحد بعينه، فاذن لايكون المُعاد عين المبدأ [المبتدأ]، بل إن كان ولابدّ فهو مثله (2).

وقال سديد الدين محمود الحمصي(1): إنّ ذلك ينتقض بالتذكّر، فانّ


(1) وجوّزه من الإمامية مؤلّف الياقوت أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت حيث قال: «وإعادة المعدوم جائزة وإلاّ لم يصح جمع الأجزاء بعد التفرّق لعدم الاعراض الأوّلي».

بيانه: أنّ الإعادة يقال بمعنيين: أحدهما جمع الأجزاء وتأليفها بعد تفريقها وانفصالها، والثاني: إيجادها بعد إعدامها، فاستدلّ الشيخ بإمكان الإعادة بالمعنى الأوّل الذي هو المتفق عليه عند المتكلّمين على إمكان الثاني، وذلك لأنّ إعادة بدن الإنسان بعينه يستلزم إعادة ما له من الأعراض، وهي صارت معدومة بعد الموت.

وأورد عليه شارح كلامه العلاّمة الحلّي ـ ره ـ بقوله: «وهيهنا إشكال على الشيخ ـ ره ـ وهو أنّه قد ذهب إلى أنّ الأعراض باقية، وأنّ الإنسان باق، فنقول: إن كفى في الشخص المعيّن العرض المطلق بطل الاستلزام، وإلاّ لزم فناء الإنسان عند فناء كلّ عرض وهو باطل بالضرورة».(2)

(2) قال التفتازاني: «ربّما يميل كلامه ـ أي الغزالي ـ وكلام كثير من القائلين بالمعادين إلى أنّ معنى ذلك أن يخلق اللّه تعالى من الأجزاء المتفرقة لذلك البدن بدناً، فيعيد إليه نفسه المجردة الباقية بعد خراب البدن» ولايضرّنا كونه غير البدن الأوّل بحسب الشخص،


1 ـ نسبة إلى حِمْص مدينة بالشام، وكان مولده بها، وأقام بالريّ فلقب بالرازي نسبة إليها، كان من أعلام الإمامية في النصف الأخير من القرن السادس الهجري. من آثاره في الكلام: «المنقذ من التقليد» طبع في مجلدين .
2 ـ أنوار الملكوت، : ص191ـ 192.


(134)

الحاصل في الذكر بعد النسيان هو ما أدركه أوّلاً بعينه، وهو عوده.وليس ذلك بصحيح.لأنّ التعدّد ينافي الوحدة، وتماثل المعاد والمبتدأ لايقتضي اتّحادهما.


لامتناع إعادة المعدوم بعينه.

وما شهد به النصوص من كون أهل الجنة جُرداً مُردا، وكون ضَرس الكافر مثل جبل أُحد، يعضد ذلك، وكذا قوله تعالى: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلوداً غَيْرَها) (النساء/56) .

ولايبعد أن يكون قوله تعالى: (أَوَ لَيْسَ الّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)(يس/81) . إشارة إلى هذا». (1)

أقول: الصحيح أن يقال: إنّ المُعاد في القيامة هو عين الإنسان الدنيوية باعتبار نفسه، وليس عيناً له باعتبار بدنه وحالاته البدنية وهذا واضح، قال العلاّمة الطباطبائي ـ ره ـ بعد نقل ما ذكره المفسّرون في بيان المراد من قوله: (مثلهم)والمناقشة عليها:

«فالحقّ أن يقال: إنّ المراد بخلق مثلهم إعادتهم للجزاء بعد الموت، كمايستفاد من كلام الطبرسي ـ رحمه اللّه ـ في مجمع البيان.

بيانه: أنّ الإنسان مركّب من نفس وبدن، والبدن في هذه النشأة في معرض التحلُّل والتبدّل دائماً، فهو لايزال يتغيّر أجزاؤه، والمركّب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، فهو في كلّ آن غيره في الآن السابق بشخصه، وشخصية الإنسان محفوظة بنفسه ـ روحه ـ المجرّدة المنزّهة عن المادة والتغييرات الطارئة من قبلها المأمونة من الموت والفساد.

والمتحصّل من كلامه تعالى: أنّ النفس لاتموت بموت البدن وأنّها محفوظة حتى ترجع إلى اللّه سبحانه، كما تقدّم استفادته من قوله تعالى: (وَ قالُوا ءَ إِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ أَءِنّا لَفِي خَلق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرونَ*قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(الم السجدة/11) .

فالبدن اللاحق من الإنسان إذا اعتبر بالقياس إلى البدن السابق منه كان مثله لاعينه، لكن الإنسان ذا البدن اللاحق إذا قيس إلى الإنسان ذي البدن السابق كان عينه لا مثله، لأنّ الشخصية بالنفس وهي واحدة بعينها».(2)


1 ـ شرح المقاصد: 5/ 90ـ 91.
2 ـ الميزان: 17/113ـ 114.


(135)

المسألة الثانية:

في أقوال الناس في حقيقة الإنسان وأنّـها أيّ شيء هي ؟

اختلفوا في حقيقة (1) الإنسان.فبعضهم قالوا: إنّ الإنسان هو هيكله المحسوس وبعضهم قالوا: هو أجزاء أصليّة داخلة في تركيب الإنسان لاتزيد بالنمو ولاتنقص بالذبول.


(1) حاصل اختلافهم يرجع إلى وجوه ثلاثة:

الأوّل: أنّه جسم وتندرج تحته الأقوال التالية:

1ـ أنّه هو الهيكل المحسوس، حكي عن الجبائيين، وبه قال صاحب الياقوت والسيد المرتضى.

2ـ هو جسم لطيف في داخل البدن، وهو مذهب النظام.

3ـ هو الأجزاء الأصلية في البدن الباقية من أوّل العمر إلى آخره، وهو مذهب أبي الحسين المعتزلي، واختاره ابن ميثم البحراني في قواعد المرام.

4ـ هو جزء لايتجزّى في القلب وهو قول ابن الراوندي.

5ـ هو الدم.

6ـ هو الأخلاط الأربعة.

7ـ هو الروح البخاري.

الثاني: أنّه عرض وتندرج تحته الأقوال التالية:

1ـ هو المزاج المعتدل الإنساني.

2ـ هو تخاطيط الأعضاء وتشكّل الإنسان الخ.

3ـ أنّه الحياة.

الثالث: أنّه ليس بجسم ولاجسماني، بل جوهر مجرّد عن المادة، وهو مذهب


(136)

وقال النظام(1): هو جسم لطيف داخل في البدن سار في أعضائه.وإذا قطع منه عضو تقلّص ما فيه إلى باقي ذلك الجسم.وإذا قطع بحيث انقطع ذلك الجسم مات الإنسان.

وقال ابن الراوندي(2): هو جزء لايتجزّى في القلب.وبعضهم قالوا: هو الدّم.وبعضهم قالوا: هوالأخلاط الأربعة.وبعضهم قالوا: هو الروح، وهو جوهر مركّب من بخاريّة الأخلاط ولطيفها.مسكنه الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والدماغ والكبد، ومنها تنفذ في العروق والأعصاب إلى سائر الأعضاء.وجميع ذلك جواهر جسمانيّة.

وبعضهم قالوا: هوالمزاج المعتدل الإنسانيّ.وبعضهم قالوا: هو تخاطيط الأعصاب وتشكّل الإنسان الذي لايتغيّر من أوّل عمره إلى آخره.وبعضهم قالوا: هوالعرض المسمّى بالحياة.وجميع ذلك أعراض.والحكماء وجمع من المحقّقين من غيرهم قالوا: إنّه جوهر غير جسمانيّ لايمكن أن يشار إليه إشارةً حسّية.فهذه هي المذاهب، وبعضها ظاهر الفساد.


الحكماء، واختاره من المتكلّمين أبو القاسم الراغب ومعمر بن عباد السلمي من المعتزلة، والغزالي من الأشاعرة، وأبوسهل ابن نوبخت والمفيد والمحقّق الطوسي من الإمامية.

والمشهور من هذه المذاهب، هو هذا المذهب، ومذهب الأجزاء الأصلية، وأمّا غيرهما فمنها ما هو غير مشهور، ومنها ما هو ظاهر البطلان. (3)


1 ـ إبراهيم بن سيار بن هاني النظّام، كان من مشايخ المعتزلة وأساتذتهم المبرزين، مال إلى مذهب الإمامية في مسألة الإمامة، توفي عام 231 هـ. ق .
2 ـ أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق، من أثاره كتاب سماه «فضيحة المعتزلة» وهو منسوب إلى راوند قرية من قرى قاسان توفي عام 245 هـ. ق، وقد صنف أبو الحسين الخياط المعتزلي كتاب «الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد» ليرد به كتاب «فضيحة المعتزلة».
3 ـ لاحظ إرشاد الطالبين: ص387ـ 389.


(137)

المسألة الثالثة: في المعاد:

اختلف الناس (1) فيه. فالدهريّة(1) أنكروه، وقالوا: الإنسان ينعدم بموته ولايكون له عود إلى الوجود.والقائلون بأنّ المعدوم شيء قالوا: بأنّه ينعدم بموته، ثمّ يعود إلى الوجود، وحينئذ يثاب أو يعاقب.أمّا انعدامه فلقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فان)(الرحمن/26) و (كُلُّ شَيْء هالِكٌ إِلاّ وَجْههُ)(القصص/88) . وأمّا عوده فلوجوب كونه مثاباً أو معاقباً في الآخرة.


(1) قال صدر المتألّهين: «إنّ من الأوهام العامية، وهم من يذهب إلى استحالة حشر النفوس والأجساد وامتناع أن يتحقق في شيء منهما المعاد، وهم الملاحدة والدهرية وجماعة من الطبيعيين والأطباء الذي لااعتماد عليهم في الملّة والشريعة، ولا اعتداد بهم في العقل والحكمة، زعماً منهم أنّ الإنسان ليس إلاّ هذا الهيكل المحسوس حامل الكيفية المزاجية وما يتبعها من القوى والأعراض، وأنّ جميعها يفنى بالموت وينعدم بزوال الحياة ولايبقى إلاّ المواد العنصري المتفرقة، فالإنسان كسائر الحيوان والنبات إذا مات فات، وسعادته وشقاوته منحصرة فيما له بحسب اللذّات والآلام الحسّية الدنياوية، وفي هذا تكذيب للعقل على ما يراه المحقّقون من أهل الملّة النبوية.

والمنقول من جالينوس في أمر المعاد هو التوقّف بناءً على تردّده في أمر النفس أنّـها هل هي المزاج فيفنى بالموت فلا يعاد، أم هي جوهر مجرّدة باق بعد الموت ليكون لها المعاد؟

واتّفق المحقّقون من الفلاسفة والملّيين على حقّيّة المعاد، لكنّهم اختلفوا في كيفيّته فذهب جمهور المتكلّمين وعامة الفقهاء وأهل الحديث إلى أنّه جسماني، فقط بناءً على أنّ


1 ـ تطلق الدهرية على طائفتين :
الأُولى: المنكرون للمبدأ والمعاد جميعاً، الناسبون للحوادث وجوداً وعدماً إلى الدهر.
الثانية: المثبتون للمبدأ، المنكرون للمعاد، وهم الذين أُشير إليهم في قوله تعالى: (وَقالُوا ما هِيَ إلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاّ الدَّهْر) (الجاثية / 28)، فانّ الآية على ما يعطيه السياق ـ سياق الاحتجاج على الوثنيين المثبتين للصانع المنكرين للمعاد ـ حكاية قول المشركين فى إنكار المعاد، لا كلام الدهريين المنكرين للمبدأ والمعاد جميعاً، إذ لم يسبق لهم ذكر في الآيات السابقة. (الميزان، ج 18، ص 174).


(138)

والنفاة (1) القائلون بكونه جسماً قالوا: فناؤه وهلاكه عبارة عن تلاشي أجزائه واضمحلال أعضائه في التركيب وغيره.وإعادته جمع أجزائه وإحداث أعراض فيه مثل ما كانت قبل موته، وهي (2) عند أكثرهم يستحيل أن يكون عرضاً، لأنّ المعدوم لايعاد.


الروح عندهم جسم سار في البدن، سريان النار في الفحم، والماء في الورد، والزيت في الزيتونة.

وذهب جمهور الفلاسفة وأتباع المشائين إلى أنّه روحاني فقط، لأنّ البدن ينعدم بصورته وأعراضه، فلا يعاد، والنفس جوهر باق لا سبيل إليه للفناء، فيعود إلى عالم المجردات لقطع التعلّقات بالموت الطبيعي.

وذهب كثير من أكابر الحكماء ومشائخ العرفاء، وجماعة من المتكلّمين كحجة الإسلام الغزالي، والكعبي والحليمي، والراغب الإصفهاني، والقاضي أبو يزيد الدبوسي، وكثير من علماء الإمامية وأشياخنا الاثني عشرية كالشيخين المفيد وأبي جعفر والسيد المرتضى (1) ، والعلاّمة الطوسي وغيرهم ـ رضوان اللّه عليهم أجمعين ـ إلى القول بالمعادين

الجسماني والروحاني جميعاً، ذهاباً إلى أنّ النفس مجردة يعود إلى البدن.

وبه يقول جمهور النصارى والتناسخية، إلاّ أنّ الفرق أنّ محقّقي المسلمين ومن يحذو حذوهم يقولون بحدوث الأرواح وردّها إلى البدن لا في هذا العالم بل في الآخرة، والتناسخية بقدمها وردّها إليه في هذا العالم. وينكرون الآخرة والجنة والنار الجسمانيين».(2)

(1) يعني الذين نفوا القول بأنّ المعدوم شيء، وقالوا: إنّ الشيئية مساوقة للوجود، ففناء الإنسان وهلاكه بالموت بمعنى تفرّق أجزائه وخروجه عن حدّ الانتفاع، لا فناؤه بالكلية، وهو مذهب أبي الحسين البصري ومحمود الخوارزمي من المعتزلة واختاره ابن ميثم البحراني من الإمامية.(3)

(2) الظاهر أنّ المراد من الضمير المؤنث، هو النفس، يعني أنّ النفس عند أكثر المتكلّمين يستحيل أن يكون عرضاً، فإنّ العرض ينعدم، وإعادة المعدوم بعينه محال.


1 ـ هذا يخالف من نسب إلى السيد المرتضى من أنّ حقيقة الإنسان هو الهيكل المحسوس كما تقدّم.
2 ـ المبدأ والمعاد: ص272 ـ273.
3 ـ قواعد المرام: ص147.


(139)

والحكماء (1) قالوا: إنّه محلّ للعلم بما لاينقسم وبما لايمكن أن يشار إليه إشارة حسيّة.ويستحيل أن يكون محلّ ما لاينقسم أو لا يقبل الإشارة جسماً،


(1) أراد إثبات تجرّد النفس، وكان الأولى ذكر كلامهم هذا في ذيل البحث السابق،عند نقل كلام الحكماء في أنّ النفس جوهر غير جسماني لايمكن أن يشار إليه إشارة حسّية.

وحاصل البرهان: أنّ من تصوراتنا، تصوّر مالا ينقسم كالوحدة، وتصوّر مالايمكن أن يشار إليه إشارة حسية كالمعاني الكلية، والصورة العلمية عارضة للنفس حالّة فيها، فلو كانت النفس جسماً كان قابلاً للقسمة وقابلاً للإشارة الحسّية، ولازمه كون الصور العلمية أيضاً قابلاً للقسمة وللإشارة الحسّية، لأنّ العرض تابع لموضوعه والحال تابع لمحلّه، هذا خلف.

وهذا البرهان من أقوى البراهين عندهم على تجرّد النفوس المدركة للمعاني الكلية وللحقائق البسيطة، وناقش فيه صدر المتألّهين ـ ره ـ بأنّه لايثبت تجرّد جميع النفوس الإنسانية، حيث قال: «إنّ هذا البرهان غير جار في كلّ نفس، بل إنّما يدلّ على تجرّد العاقلة للصورة التي هي معقولة بالفعل في نفس الأمر، وتلك النفس هي التي خرجت من حدّ العقل بالقوة والعقل الاستعدادي إلى حدّ العقل بالفعل والمعقول بالفعل، وهذا العقل يوجد في بعض أفراد الناس دون الجميع، وذلك لأنّ الذي يدركه أكثر الناس من الطبائع الكلية وجودها في أذهانهم، يجري مجرى وجود الكليات الطبيعية في الخارج في جزئياتها المادية، وكذلك إذا وجدت ماهية في ذهن أكثر الناس فإنّها توجد بعين وجود صورة متخيّلة، لكن للذهن أن يعتبرها بما هي مشتركة بين كثيرين فتكون معقولة مجرّدة، ونحن لا نسلّم أنّ كلّ واحد من أفراد الناس يمكنه ملاحظة هذا الاعتبار، ولانسلّم أيضاً أنّ كلّ واحدة من النفوس البشرية أمكنها أن تتصورحقيقة البسائط، وأكثر الناس إنّما يرتسم في أذهانهم إذا حاولوا إدراك البسائط أشباح خيالية.فهذه النفوس مجردة عن الأجسام الطبيعية لا عن الصور الخيالية. (1)


1 ـ الأسفار: 8/264 ـ 268 بتلخيص وتصرّف قليل، ثمّ إنّ هناك حجج كثيرة على تجرّد النفس، فقد ذكر صدر المتألّهين، إحدى عشرة حجّة منها، راجع نفس المصدر، ص260ـ 303.

(140)

لوجوب انقسامه وقبوله الإشارة ووجوب انقسام ما فيه وقبول مافيه الإشارة بالتبعيّة.فإذن هو جوهر مفارق للأجسام.

ثمّ اختلفوا (1) ، فقال القدماء منهم: إنّ ذلك الجوهر قديم، وإنّما يكون تعلّقه بالبدن محدثاً. قال أرسطاطاليس وأتباعه: إنّه حادث مع البدن.وحدوث المزاج الإنساني الحاصل من العناصر والأخلاط شرط في إفاضته الحادثة من مفيض وجوده، وليس بشرط في بقائه.

ولذلك قالوا باستحالة التناسخ فانّه عندهم يقتضي أن يكون لبدن واحد نفسان: إحداهما حادثة مع حدوث المزاج، والثانية قديمة يتعلّق به على سبيل التناسخ. وذلك محال.

واتّفقوا على امتناع فنائه قالوا: لأنّ إمكان فنائه يستدعي محلاّ ً يبقى مع الفناء ولانعني بالنفس غير ذلك الباقي. فإذن (2) الفاني على ذلك التقدير


(1) ذهب الأفلاطون الإلهي إلى أنّ النفس جوهر مجردة موجودة قبل خلق البدن، والقائلون بحدوثه من الحكماء اختلفوا، فالمشاؤون قالوا بأنّ النفس روحانية حدوثاً وبقاءً، فهي تحدث في الجنين في الشهر الرابع متعلّقة به لا منطبعة فيه، وذهب صدر المتألهين وتلامذة مدرسته إلى أنّـها جسمانية حدوثاً، روحانية بقاءً، وهو مذهب كثير من العرفاء، وإليه أشار العارف الشيخ فريد الدين العطار بقوله:

تن زجان نبود جدا عضوى از اوست جان ز كل نبود جدا جزوى از اوست

والمراد بالجزء التناهي الشدّي بالنسبة إلى النور غير المتناهي شِدّة ومُدّة وعدّة.(1)

(2) حاصل البرهان على امتناع فناء النفس: أنّه لو صار فانياً لزم أن يكون النفس عرضاً والتالي باطل، فكذلك المقدّم.


1 ـ غرر الفرائد للحكيم السبزواري، الطبيعيات الفريدة الخامسة غرر في النفس الناطقة، التعليقة.

(141)

إنّما كان عرضاً زال عن محلّه.والنفس ليس بعرض.


بيان الملازمة: أنّ الفناء صفة تحتاج في عروضها للنفس من إمكانه في النفس، والإمكان يحتاج إلى محل، وذلك المحل يكون باقياً بعد عروض الفناء وتحققه، فإنّ ذلك المحلقابل والفناء مقبول، والقابل يجب وجوده عند وجود المقبول، فهناك محل يكون موجوداً قبل فناء النفس وبعده، وهذا هو شأن العرض وخصوصيته، مع أنّ النفس جوهر ليس بعرض.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر من لزوم وجود المحل قبل الفناء وبعده، لايختصّ بالعرض، بل شامل للصور الطبيعية الحالّة في المادّة أيضاً.

فالأولى أن يستدلّ على استحالة فنائه باستلزامه الإمكان ـ أي الاستعدادي ـ المستلزم لمحلّ مادي وهو ينافي تجرّد النفس المستغني عن المحل.(1)

واستشكل عليه، بأنّ ليس معنى قبول الشيء للعدم والفساد أنّ ذلك الشيء يبقى متحقّقاً ويحلّ فيه الفساد على قياس قبول الجسم الأعراض الحالّة فيه، بل معناه أنّ ذلك الشيء ينعدم في الخارج، وإذا حصل ذلك الشيء في العقل وتصوّر معه العدم حكم العقل عليه بالعدم ووصفه به في حدّ نفسه في العقل لا في الخارج، إذ ليس في الخارج شيء وقبول عدم قائم بذلك الشيء.

وأجاب عنه صدر المتألّهين ـ ره ـ: بأنّ البرهان قام على أنّ كل حادث زماني محتاج إلى مادّة حاملة لامكانه، ولافرق في ذلك بين جانبي الوجود والعدم، لأنّ البرهان إذا تمّ في جانب الوجود، تمّ في جانب العدم بلا تفاوت أصلاً، نعم كل معدوم صرف لم يدخل في عالم الوجود لايحتاج في عدمه إلى سبق حامل له، بل ذاته حاملة لعدمه بالمعنى الذي ذكر، وأمّا الأشياء التي طرأ عليها العدم بمعنى رفع الوجود الذي كان ثابتاً لها في الخارج، فلابدّ لها من حامل لقوة عدمها....(2)


1 ـ لاحظ قواعد المرام: ص154.
2 ـ شرح الهداية الأثيرية، ص384 ـ385.


(142)

المسألة الرابعة: في الثواب والعقاب:

هما إمّابدنيّان، كاللذّات الجسميّة والآلام الحسّية.وإمّا نفسانيّان، كالتعظيم والإجلال، وكالخزي والهوان.وتفصيلهما لايعلم إلاّ بالسمع، واللذّة (1) إدراك الملائم من حيث هو ملائم. والألم إدراك مناف من حيث هو مناف.فإن كان إدراكهما بالحواس فهما حسّيان.وشرط الإحساس بهما أن لايكونا مستمرّين، فإنّ الانفعال المستمر ممّا يبطل الإحساس.وإن كان إدراكهما بالعقل فهما عقليّان.والعقليّ أثبت، لكونه أبعد عن الانفعال المؤدّي إلى الزوال، وأوفر لاستغنائه عن توسّط الآلة، وأكمل لكون الموانع فيه أقلّ.

المسألة الخامسة: فيما به يحصل استحقاق الثواب والعقاب

قالوا: الإسلام أعمّ في الحكم من الإيمان وهما في الحقيقة واحد (2) ، وأمّا


(1) إنّما قيّد بالحيثية، لأنّ الشيء قد يلائم من وجه دون وجه آخر، فالالتذاذ يختصّ بالجهة التي هو من تلك الجهة ملائم، والتألّم يختصّ بالجهة التي هو من تلك الجهة منافي.

(2) الإسلام أصله السَّلم، معناه دخل في السَّلم، وأصل السّلم السَّلامة، لأنّها انقياد على السَّلامة، ويصلح أن يكون أصله التسليم، لأنّه تسليم لأمر اللّه.(1)

والإسلام والتسليم والاستسلام بمعنى واحد، من السلم، وأحد الشيئين إذا كان بالنسبة إلى الآخر بحال لا يعصيه ولا يدفعه فقد أسلم وسلَّم واستسلم له، قال تعالى: (بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ)(البقرة/112) .(2)

ومعنى قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلامِ) (آل عمران/19) بقرينة ما يذكره


1 ـ مجمع البيان: 1/420.
2 ـ الميزان: 1/301.


(143)

كونه أعمّ، فلأنّ من أقرّ بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين، لقوله تعالى: (قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) . وأمّا كون الإسلام في الحقيقة هو الإيمان، فلقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلام) .


من اختلاف أهل الكتاب بعد العلم بغياً بينهم، أنّ الدّين عند اللّه سبحانه واحد لا اختلاف فيه، ولم يأمر عباده إلاّ به ولم يبيِّن لهم فيما أنزله من الكتاب على أنبيائه إلاّ إيّاه، ولم ينصب الآيات الدالّة إلاّ له، وهو الإسلام الذي هو التسليم للحقّ الذي هو حقّ الاعتقاد وحق العمل، واختلاف الشرائع إنّما هو بالكمال والنقص دون التضاد والتنافي، ويجمع الجميع أنّها تسليم وإطاعة للّه سبحانه، فيما يريده من عباده على لسان رسله.(1)

فحقيقة الإسلام هي الانقياد والتسليم، وأمّا الإيمان فهو مشتقّ من الأمن، وإذا استعمل متعدّياً كان بمعنى التصديق الّذي يلازمه أمن.قال الراغب: الإيمان التصديق الّذي معه أمن واختلفوا في حقيقة تلك الأمنيّة، فقال الزمخشري: «حقيقته أمنه التكذيب والمخالفة».(2)

وقال الشهيد الثاني: «حقيقة آمن به، سكنت نفسه واطمأنّت بسبب قبول قوله وامتثال أمره».(3)

وقال العلاّمة الطباطبائي: «الإيمان تمكّن الاعتقاد في القلب مأخوذ من الأمن، كأنّ المؤمن يؤتى لما أمن به، الأمن من الريب والشك، وهو آفة الاعتقاد».(4)

فاتّضح ممّا تقدّم أنّ الإسلام والإيمان متغايران لغة، وأمّا باعتبار المصداق فالنسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، وذلك لأنّ كلاً منهما يعتبر إمّا بلحاظ اللفظ، وإمّا بلحاظ العقد القلبي، فباعتبار اللفظ متّحدان، فإنّ التسليم والتصديق متّحدان لفظاً، وكذلك باعتبار العقد القلبي، فالتصديق القلبي يلازم التصديق كذلك، وأمّا إذا اعتبر أحدهما لفظاً والآخر قلباً كانا مختلفين، فمن المؤمن لفظاً من ليس بمسلم قلباً وبالعكس.


1 ـ المصدر السابق: 3/120ـ 121.
2 ـ الكشاف: 1/38.
3 ـ حقائق الإيمان: ص50، ط منشورات مكتبة المرعشي بقم.
4 ـ الميزان: 1/45.


(144)

[الآراء في حقيقة الإيمان]

واختلفوا(1) في معناه، فقال بعض السلف: «الإيمان إقرارٌ باللسان، وتصديقٌ بالقلب، وعملٌ صالحٌ بالجوارح».


وممّا ذكرنا يظهر الوجه في ذكر الإيمان والإسلام متلازمين في طائفة من الآيات، ومختلفين في طائفة أُخرى منها، فمن الأُولى:

قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْت مِنَ المُسْلِمِينَ)(الذاريات/36) .

وقوله تعالى: (إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِ آياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) (الروم/53) .

ومن الثانية:

قوله تعالى: (قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمّا يَدْخُلِ الإِيمانُ في قُلُوبِكُمْ)(الحجرات/14) .

وقوله تعالى: (إِنَّ المُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَالْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤمِنات) (الأحزاب/35) .

ثمّ إنّ هاهنا نكتة لاينبغي الغفلة عنها، وهي أنّ لكل من الإيمان والإسلام القلبيين درجات ومراتب متفاوتة، فالمرتبة الدانية من الإيمان مثلاً مغايرة للمرتبة العالية من الإسلام وبالعكس، كما أنّ بعض مراتبهما متلازمة، فيحتمل أن يكون التلازم والاختلاف المترائي بين الإسلام والإيمان في آيات الذكر الحكيم، ناظراً إلى هذا الوجه أيضاً، كما في قوله تعالى: (وَ لَمّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلاّ إيماناً وَتَسْلِيماً)(الأحزاب/22) وقوله تعالى: (فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤمِنينَ)(الذاريات/36) .

وللبحث حول مراتب الإسلام والإيمان طور آخر لايسعه هذا المجال.(1)

(1) البحث حول الإيمان والكفر تارة يكون باعتبار ما يترتب عليهما من الأحكام الظاهرية كحلّية الذبيحة، وجواز المناكحة وحقّ التوارث، وأُخرى باعتبار ما يترتب عليها من قبول الأعمال وعدمه والثواب والعقاب في عالمي البرزخ والقيامة، والظاهر من المصنّف في قوله: «واختلفوا في معناه» أنّه أراد الوجه الأخير، ويؤيد ذلك ما ذكره في بيان عقيدة الشيعة من أنّ التصديق بإمامة الأئمّة المعصومين من أركان الإيمان فإنّه ناظر إلى أحكام الإيمان وآثاره


1 ـ لاحظ بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي: 69/126 ـ128، والميزان للعلاّمة الطباطبائي: 1/301ـ 308.

(145)

وقالت المعتزلة: أُصول الإيمان خمسة: التوحيد، والعدل، والإقرار بالنبوّة، والوعد، والوعيد، والقيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وقالت الشيعة: أُصول الإيمان ثلاثة: التصديق بوحدانية اللّه تعالى في ذاته، والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوّة الأنبياء والتصديق بإمامة الأئمّة المعصومين من بعد الأنبياء.

وقال أهل السنّة: هوالتصديق باللّه وبكون النبيّ صادقاً، والتصديق بالأحكام التي يعلم يقيناً أنّه ـ عليه السّلام ـ حكم بها، دون ما فيه الخلاف والاشتباه. والكفر يقابل الإيمان.


في عالم الآخرة، وأمّا بالنسبة إلى الأحكام الدنيوية فقد صرّحوا بأنّ ذلك يترتّب على الاعتقاد والإقرار بالشهادتين، قال العلاّمة المجلسي: «الإسلام هو الإذعان الظاهر باللّه وبرسوله وعدم إنكار ما علم ضرورة من دين الإسلام، فلايشترط فيه ولاية الأئمّة ـعليهم السلامـ ».(1)

ثمّ إنّ أشهر الأقوال في تفسير الإيمان ستة وهي:

1ـ الإيمان هو التصديق بالجنان، والقول باللسان مظهر له، والعمل بالأركان من ثمراته، وهذا مختار جمهور الأشاعرة وطائفة من الإمامية كالسيّد المرتضى، والمحقّق البحراني، والمصنّف في فصول نصيرية، والفاضل المقداد، نكتفي هنا بذكر كلام صاحب المواقف والمحقّق البحراني.

قال الأوّل: «هو عندنا وعليه أكثر الأئمّة كالقاضي والأُستاذ التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً».(2)

وقال الثاني: «إنّ الإيمان عبارة عن التصديق القلبي باللّه تعالى وبما جاء به رسوله من قول أو فعل، والقول اللساني سبب ظهوره، وسائر الطاعات ثمرات مؤكِّدة له».(3)

واستدلّ هؤلاء على مدعاهم بالآيات الّتي عدّت الإيمان من أفعال القلب أو جعلت القلب محلاً له، قال سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ


1 ـ بحار الأنوار: 68/244.
2 ـ المواقف في علم الكلام، ص384.
3 ـ قواعد المرام: ص 170.


(146)

[أقسام الذنوب وحكم مرتكب الكبيرة]

والذنب يقابل العمل الصالح، وينقسم إلى كبائر وصغائر.ويستحقّ المؤمن بالإجماع الخلود في الجنّة ويستحقّ الكافر الخلود في النّار.


بِالإِيمانِ) (النحل/106) وقال تعالى: (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمانَ) (المجادلة/22) وقال: (وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمانُ في قُلُوبِكُمْ)(الحجرات/14) وقال: (مِنَ الّذينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)(المائدة/41) .

2ـ الإيمان من مقولة العلم والمعرفة: فسّر بعضهم الإيمان بالمعرفة باللّه وبرسوله وبما جاء به من المعارف والأحكام الإلهيّة، وقد نسب إلى جهم بن صفوان (م128هـ) وأبي الحسن الأشعري (1)، ونسبه شارح المواقف إلى بعض الفقهاء (2)

، ويظهر من صاحب مجمع البيان ارتضاؤه به حيث قال: «أصل الإيمان هو المعرفة باللّه وبرسوله وبجميع ما جاءت به

رسله، وكلّ عارف بشيء فهو مصدق به». (3)

واستدلوا عليه ببعض الأحاديث نحو قوله ـ عليه السّلام ـ

: «أوّل الدين معرفته».

وردّ بأنّ المقصود من الحديث هو أنّ الإيمان وهو الإقرار والإذعان متوقّف على معرفة مّا، إمّا إجمالاً وإمّا تفصيلاً، هذا، مع أنّ هناك طائفة من الآيات جمعت فيها بين المعرفة والكفر والضلالة، فكيف تكون المعرفة إيماناً؟ قال سبحانه: (الَّذينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ)(البقرة/146) ، وقال: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً)(النمل/14). وقال: (إِنَّ الّذينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى)(محمد/25).

3ـ الإيمان إقرار باللسان فقط: ونسب هذا القول إلى الكرّاميّة، أصحاب أبي عبد اللّه محمّد بن كرّام السجستاني (م255هـ) ، واستدلّوا بقوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه».(4)

وأُجيب عنه بأنّ الحديث ناظر إلى الإسلام ـ أي ما يترتب على الإيمان في الظاهر وقد عبّر عنه بالإسلام، يؤيّد ذلك قوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في ذيل الحديث ـ: فإذا قالوا ذلك حقنوا منّي


1 ـ شرح المقاصد: 5/176ــ 177. إرشاد الطالبين: ص439.
2 ـ شرح المواقف: 8/323.
3 ـ مجمع البيان: 1/89.
4 ـ صحيح مسلم: 1/53.


(147)

وصاحب الكبيرة عند الخوارج كافر، لأنّهم جعلوا العمل الصالح جزءاً من الإيمان، وعند غيرهم فاسق، والمؤمن عند المعتزلة والوعيديّة لايكون فاسقاً. وجعلوا للفاسق الذي لايكون كافراً منزلةً بين منزلتي الإيمان والكفر،


دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه».(1)

أضف إلى ذلك أنّ الإيمان بمعنى الإذعان القلبي يحتاج في إثباته وترتّب آثاره في الظاهر إلى مظهر وهو الإقرار باللسان في الغالب.

4ـ الإيمـان هو فعل الطاعات وترك المحرّمات، فمن ترك واجباً أو ارتكب محرّماً لايستحق اسم الإيمان، وهذا هو مذهب المعتزلة والخوارج، والفرق بينهما أنّ الخوارج قالوا: من ترك واجباً أو ارتكب محرّماً صار مشركاً، والمعتزلة لم يقولوا بهذا، بل قالوا: هو فاسق، والفسق منزلة بين المنزلتين، وممّا استدلّوا به قوله تعالى: (وَما كانَ اللّهُ لِيُضيعَ إِيمانَكُمْ)(البقرة/143) . إذ المراد من الإيمان في الآية هو صلاتهم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة منها إلى الكعبة المشرَّفة.

وردّ بأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، ولاشكّ أنّ العمل أثر الإيمان، وإطلاق اسم الأثر على السبب شائع.والقرينة عليه ما تقدّم من الآيات الدالة على أنّ محلّ الإيمان هو القلب، وأنّ العمل متفرّع عليه.

5ـ الإيمان مركّب من التصديق القلبي والإقرار اللساني، وهذا مختار المصنّف في تجريد العقائد والعلاّمة الحلّي في نهج المسترشدين، ونسبه التفتازاني إلى كثير من المحقّقين وحكاه عن أبي حنيفة واستدلّ عليه بقوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوّاً)(النمل/14) .حيث جمع في الآية بين الجحود ـ الكفر ـواليقين، ولو كان الإيمان إذعاناً قلبياً ـاليقين ـ ما صح ذلك.

وردّ بأنّ مفاد الآية أنّهم كانوا مع علمهم بالحق وإيقانهم به جاحدين له ظلماً وعلوّاً، وهذا نظير قوله تعالى: (فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)(البقرة/89) .

فمفاد هذه الآيات أنّ المعرفة بالحق وحدها ليست هي الإيمان المطلوب في الشريعة، بل يحتاج إلى إذعان بالقلب، ومن المعلوم أنّ الجحود باللسان ونحوه كاشف عن عدم تحقّق ذلك الإذعان، فلا دلالة للآية على نفي كون الإيمان هو الإذعان القلبي.

6ـ الإيمان مركّب من ثلاثـة أُمور، هي: التصديـق بالقلب والإقرار باللسان،


1 ـ إرشاد الطالبين: ص438.

(148)

وهو يكون في النار خالداً; وعند غيرهم المؤمن قد يكون فاسقاً وقد لايكون.ويكون عاقبة أمره على التقديرين الخلود في الجنّة.


والعمل بالجوارح، وهذا هو مختار أهل الحديث والحنابلة من أهل السنّة، وجماعة من علماء الشيعة، كالصدوق وغيره، ونسب أيضاً إلى مالك والشافعي والأوزاعي، ومستند هذا القول طائفة من الأحاديث فُسّر الإيمان فيها بالأُمور الثلاثة، فروى أبو الصلت الهروي عن الرضا ـ عليه السّلام ـ

عن آبائه ـ عليهم السلام ـ عن عليّ ـ عليه السّلام ـ

عن الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان».(1)

وبالتأمّل في الروايات يتّضح أنّها ليست بصدد تفسير الإيمان الذي هو موضوع للأحكام الظاهرية وهو الذي يعبّر عنه بـ«الإسلام» في غالب الروايات، بل هي ناظرة إلى إحدى الجهات التالية:

1ـ أنّ ترتب آثار الإيمان في الظاهر يتوقف على الإقرار اللساني أو ما في حكمه، كما أنّ ترتب آثار الإيمان في الواقع يتوقّف على العمل بمقتضاه.

2ـ عُدّ العمل بالأركان من أجزاء الإيمان، باعتبار أنّ الإيمان بمنزلة الشجرة والأعمال ثمرتها، فالإيمان بلا عمل كالشجر بلا ثمر، وبهذا الاعتبار يصحّ أن يقال: الإيمان يتقوّم بالعمل.

3ـ المعصية وإن كانت غير منافية للإيمان الظاهري، لكنّها مناقضة للإيمان الباطني الذي هو الإذعان القلبي بأحكام اللّه تعالى، ومن هنا روي عنه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «لايزني الزاني وهو مؤمن، ولايسرق السارق وهو مؤمن».(2)

4ـ قد ظهرت في النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري عقيدة باطلة باسم «الإرجاء» وكانت تهدف إلى أنّ المعصية لاتضرّ بالإيمان، ويكفي لنجاة الإنسان أن يكون مؤمناً باللّه ورسوله فحسب، وإن لم يعمل بالفرائض أو ارتكب المعاصي، وصارت خير وسيلة للظلمة الطغاة الأُمويين لتبرير أعمالهم الإجرامية، وخصوصاً ما كانوا يفعلونه بالرجال الأحرار من العلويين وغيرهم.

وعلى هذا، فقسم من الروايات المؤكّدة على أنّ العمل من أجزاء الإيمان ناظرة إلى بطلان عقيدة المرجئة.


1 ـ سنن ابن ماجة، ج1، باب الإيمان، الرواية 65، خصال الشيخ الصدوق، باب الثلاثة، الحديث 207 وراجع أيضاً نهج البلاغة، الحكم، الرقم 227، وبحار الأنوار، ج69، الباب 30.
2 ـ الكافي: ج2، باب الكبائر، الرواية 21.


(149)

المسألة السادسة: في تمام القول في الوعد والوعيد:

[المخلّدون في النار]

اتّفقوا على أنّ المؤمن الذي عمل عملاً صالحاً يدخل الجنّة ويكون خالداً فيها، وعلى أنّ الكافر يدخل جهنّم ويكون خالداً فيها. وأمّا الذي خلط عملاً صالحاً بعمل غير صالح، فاختلفوا فيه:

فقالت التفضيليّة من أهل السنّة وغيرهم: عسى اللّه أن يعفو عنهم برحمته أو بشفاعة نبيّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، وإلاّ فيدخله جهنّم، ويعذّبه عذاباً منقطعاً، ثمّ يردّه إلى الجنّة ويخلّد فيها لكونه مؤمناً.

وقالت الوعيديّة من المعتزلة: إنّ صاحب الكبيرة إن لم يتب كان في النار خالداً.ثمّ اختلفوا.

[الإحباط والموازنة]

فقال أبو علي الجُبّائي بالإحباط، وهو أنّه إذا أقدم على كبيرة أحبطت الكبيرة جميع أعماله الصالحة ويكون معاقباً على ذلك الذنب أبداً. وقال ابنه أبوهاشم بالموازنة، وهو أن يوازن بأعماله الصالحة وذنوبه الكبائر ويكون الحكم للأغلب.

قيل لهم (1) : إن غلب أحدهما لم يكن له تأثير فيما غلب عليه.


(1) هذا إشكال على أبي هاشم، إذ حقيقة الموازنة هي أن يؤثّر كل من الطاعة والمعصية في الآخر وهو مستحيل، لأنّ أحدهما إذا أثر في الآخر وغلب عليه صار الآخر منتفياً ومعدوماً، فكيف يؤثّر في الغالب المؤثّر وهو معدوم؟

وأُجيب بأنّ الغالب في كلّ منهما يغاير المغلوب فيه، فالغالب هو ذات كلّ من الطاعة والمعصية، والمغلوب هو استحقاق الثواب والعقاب، فلايلزم تأثير المنفي المغلوب في المؤثّر الغالب.


(150)

قالوا في جوابه: للعمل الصالح استحقاق ثواب يلزمه، وللكبيرة استحقاق عقاب يلزمه.فيؤثّر كلّ واحد من العملين في استحقاق الآخر بأن ينقصه حتّى يبقى في الآخر بقيّة من إحدى الاستحقاقين بحسب رجحانه فيحكم بذلك; وهو مأخوذ من قول الحكماء في المزاج، فانّهم قالوا بكسر سورة كلّ عنصر سورة كيفيّة العنصر الّذي يقابله ويخالطه حتّى يستقرّ العنصران على كيفيّة واحدة متشابهة في العنصرين.وهو المزاج.

وصاحب الصغيرة عندهم معفوّ عنه، إذ لاتأثير لذلك في العمل الصالح.وأطفال الكفّار (1) ملحقة بهم عند أهل السنّة وتحشر في النعيم بلاثواب، كالحيوانات عند غيرهم. فهذا ما قالوه في هذا الباب.

[الثواب والعقاب النفسانيان]

وأمّا القائلون بالثواب والعقاب النفسانيّين فقالوا: النفوس باقية أبداً.

فإن كانت مدركة لذاتها والذوات الباقية، معتقدة لما يجب عليها أن تعتقده، متحلّية بالأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، منقطعة العلائق عن الأشياء الفانية، وكان جميع ذلك ملكة راسخة فيها كانت من أهل الثواب الدائم.


(1) قال التفتازاني: «وأمّا الكفّار حكماً كأطفال المشركين، فكذلك (أي مخلّدون في النار) عند الأكثرين لدخولهم في العمومات... وقالت المعتزلة ومن تبعهم: لايعذّبون، بل هم خدم أهل الجنّة على ما ورد في الحديث، لأنّ تعذيب من لاجرم له ظلم، ولقوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(فاطر/18) و (لا تُجْزَونَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(يس/54).

وقيل: من علم اللّه تعالى منه الإيمان والطاعة على تقدير البلوغ ففي الجنّة، ومن علم منه الكفر والعصيان ففي النار. (1)


1 ـ شرح المقاصد: 5/134ـ 135.

(151)

وإن كانت عديمة الإدراك للذوات الباقية، معتقدة لما لايكون مطابقاً لنفس الأمر، مائلة إلى اللذّات البدنيّة، منغمسة في الأُمور الدنياويّة الفانية، متخلّقة بالأخلاق الرذيلة الفاسدة، وكان ذلك ملكة راسخة فيها كانت من أهل العقاب الدائم، لفقدان ما ينبغي لها، ووجود ما لاينبغي لها معها دائماً.

وبين المرتبتين مراتب لانهاية لها، بعضها أميل إلى السعادة وبعضها إلى الشقاوة.

وإن كانت الخيرات والشرور غير متمكّنة فيها تمكّن الملكات، بل كانت معرضة للزوال والفوت زالت سعادتها وشقاوتها بزوالها.

والنفوس الخالية عن الطرفين، كنفوس الصبيان والبله، تبقى غير متألّمة، ويكون لها لذّات ضعيفة، بحسب إدراكها لذاتها ولما لابدّ لها منه.

فرغت من التعليقة يوم الإثنين آخر شهر جمادي الأُولى

عام ألف وأربعمائة وأربعة عشر بعد الهجرة النبوية

على هاجرها وآله صلوات اللّه تعالى وسلامه

وله الحمد في الآخرة والأُولى

العبد: علي الرباني الگلپايگاني

ـ عفى عنه ـ

قم المقدسة

مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ

آخر جمادي الأُولى /1414هـ. ق

Website Security Test