welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : قواعد العقائد*
نویسنده :الإلهي المحقّق والمتكلم البارع نصير الدين الطوسي*

قواعد العقائد

(1)

قواعد العقائد

تأليف

الإلهي المحقّق والمتكلم البارع
نصير الدين الطوسي

(597 ـ 672 هـ )

تحقيق

الشيخ
علي الرباني الگلپايگاني


(2)

هوية الكتاب

اسم الكتاب:    …قواعد العقائد

الموضوع:    علم الكلام

تأليف:    نصير الدين الطوسي

تحقيق:    … علي الرباني الگلپايگاني

المطبعة:    …امير ـ قم

التاريخ:    …عام 1416 هـ

الكمية :   …2000 نسخة

الناشر:    …لجنة إدارة الحوزة العلمية بقم

الصفّ والإخراج باللاينوترون:    …مؤسسة الإمام الصادق 7 قم


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّه وأفضل خليقته محمد وعترته الطاهرين.

أمّا بعد فقد قررت اللجنة العلميّة المشرفة على الدراسات الكلامية والفلسفية في معهد الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ فى جلسات آخرها يوم 26 من شهر رمضان المبارك عام / 1415 ـ تدريس «كتاب قواعد المرام في علم الكلام» تأليف المتكلم البارع والمحقق الكبير ميثم بن علي بن ميثم البحراني (626 ـ 699 هـ) لطلاب السنة الأولى في هذا المعهد نظراً إلى أنّ هذا الكتاب مع اختصاره يمتاز بالشمول لعامة مباحث أُصول الدين وما يلحق بها من المسائل الاعتقادية بالأضافة إلى وضوحه وقوة تعبيره وإشراق أسلوبه وخلوّه عن التعقيد.

كما قررت كتاب «قواعد العقائد» للإلهي المحقّق والمتكلم البارع نصير الدين الطوسي (597 ـ 672 هـ) أن يكون كتاباً جانبياً للمطالعة والمراجعة ويمتاز الكتاب بوجازة الألفاظ والتعميق والتدقيق ونقل الآراء برحابة صدر.


(6)

وبذلك يكون الطالب محيطاً بالآراء المطروحة في موضوعات الكلامية.

وقد علق الفاضل المحقّق الشيخ علي الرباني الگلپايگاني تعليقات نافعة أوضح بها معضلات الكتاب .

واللجنة العلمية إذ تقدم الكتابين لغرضين مختلفين ترجو من الله سبحانه أن يوفق الأستاذ للتعليم والطالب للتعلم وهو وليّ التوفيق .

اللجنة العلمية

في معهد الإمام الصادق ـ ـ عليه السّلام ـ ـ

للدراسات الكلاميّة والفلسفيّة

التابعة للحوزة العلمية

تحريراً في غرة ربيع الأوّل عام 1416


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

مع المحقق الطوسي في قواعد العقائد

يُعدُّ محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي الشهير بـ«نصير الدين» ،من نوادر العلم ومفاخر البشر، كان أُستاذاً كبيراً في المعقول والمنقول، كما كان أُسوة حسنة في الأخلاق وقُدوة في السياسة والتدبير، فتجسَّدت فيه الفضائل الخُلقية والكمالات العلمية، ولد بطوس عام 597 هـ، ونشأ بها، وتوفّي ببغداد عام 672 هـ.

أصناف تأليفاته في علم الكلام:

ومن العلوم التي اهتمّ بها كثيراً هو علم الكلام، فقال في مقدمته على تلخيص المحصّل: «إنّ علم أُصول الدين هو أساس العلوم الدينية، ولايتمّ بدونه الخوض في سائرها كأُصول الفقه وفروعه، فإنّ الشروع في جميعها محتاج إلى تقديم شروعه حتى لايكون الخائض فيها كبان على غير أساس».

وقد قام بتأليف كتب ومقالات ورسائل مختلفة في هذا المجال، وهي على أربعة أصناف:


(8)

1ـ ما جمـع فيه الإلهيات والفلسفـة الأُولى، وجعل الثاني تمهيداً للأوّل، وهذا كتجريد الاعتقاد، الذي يُعدّ من أحسن التأليفات في بابه.

2ـ ما أتى فيه بأُمّهـات مسائـل الإلهيات، وذكر أقوال الفرق والمذاهب، مع إشارات إلى بعض المباحث الفلسفية مقدّمة لمباحث الإلهيات، وهذا كقواعد العقائد.

3ـ ما أوجز فيه الكلام حول أُصول الدين على قواعد الإمامية ، وذلك كرسالة المقنعة في أوّل الواجبات.

4ـ ما أفرده للبحث حول موضوع خـاص من مواضيع الإلهيات، كرسالة الإمامة، والبحث حول أفعال العباد من حيث الجبر والاختيار.

شروح قواعد العقائد:

وقد قام على شرح كتاب «قواعد العقائد» عدّة من الأعلام منهم:

1ـ العلاّمة الحلّي، ألَّف «كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد» وهو من أشهر شروحه، وطبع أخيراً بتحقيق وتعليق فضيلة الشيخ حسن مكّي العاملي في لبنان، دار الصّفوة.

2ـ محمود بن علي بن الحمصي الرازي، اسم شرحه «كشف المعاقد» ذكره جرجي زيدان في كتابه «آداب اللّغة العربية».

3ـ «شرح القواعد» تأليف السيّد ركن الدين أبي محمد الحسن بن شرفشاه المتوفّى 717 هـ. ق.

4ـ «تحرير القواعد الكلامية» لعبد الرزاق بن ملاّ مير الجيلاني، فرغ عنه يوم الغدير من ذي الحجة الحرام سنة 1077 هـ.ق (1).


1 ـ راجع كتاب «سرگذشت وعقايد فلسفى خواجه نصير الدين طوسى» (فارسي) ص 178 .

(9)

نظرة عابرة إلى أبحاث الكتاب:

هذا الكتاب ـ كما أشرنا إليه ـ يبحث حول مهمّات المسائل الكلامية، من المبدأ إلى المعاد، لكنّه يركِّز على نقل الأقوال والآراء، وليس بصدد المناقشة فيها والنقد عليها، إلاّ في قليل من الموارد، ومن هنا يمكن عدّه من كتب الملل والنحل أيضاً، فذكر مواضيع الخلاف بين الحكماء والمتكلّمين، وموارد الخلاف بين المعتزلة وأهل السنّة والشيعة، وبين علماء تلك المذاهب أنفسهم.

ثمّ إنّه لم يذكر عقائد الشيعة الإمامية في مبحثي الصفات والعدل، وإنّما تعرّض لها في مسألة الإمامة، والإيمان، والعصمة، ولعلّ ذلك لاتّفاقهم مع المعتزلة في كثير منهذه المسائل، وقد صرّح بهذا في مبحث الإمامة وقال: «وهم في أكثر أُصول مذهبهميوافقون المعتزلة»، ومع ذلك فكان الأولى التصريح بهم وعقائدهم حتى في الاتّفاقيات.

فنذكر في هذه المقدمة موارد الخلاف بين الحكماء والمتكلّمين أوّلاً، ومواضيع الخلاف بين المذاهب الكلامية ثانياً ـ كلّ ذلك حسب ما ذكره المصنّف ـ ثمّ نختم البحث بذكر متفردات تلك المذاهب، فهنا ثلاثة فصول:

الفصل الأوّل: موارد الخلاف بين الحكماء والمتكلّمين

1ـ الموضـــــوع: التقدّم في نفس الزمان

رأي الحكمـاء: هو من قسم التقدّم الزماني

رأي المتكلّمين: هو قسم آخر ويسمّى تقدّماً بالرتبة


(10)

2ـ الموضــــــوع: الحالّ والعرض

رأي الحكمـاء: الحالّ إن كان سبباً لقوام محلِّه كالإنسانية لبدن الإنسان كان صورة، ومحلُّه مادّة، وإن لم يكن كذلك كالبياض في الجسم كان عرضاً ومحلّه موضوعه.

رأي المتكلّمين: العرض هو الّذي يوجد قائماً بغيره كالحركة ويسمّى حالاّ ً، وذلك الغير محلاّ ً.

3ـ الموضـــــوع: الجوهر

رأي الحكمـاء: كل ما لا يكون في موضوع سواء كان صورة ،أو مادّة ، أو مركّباً منهما، وهو الجسم عندهم، أو غير ذلك.والجوهر الفرد ممتنع عندهم.

رأي المتكلّمين: الجسم مؤلّف من أجزاء لاتتجزّى يسمّون كلَّ جزء منها بالجوهر الفرد.

4ـ الموضـــــوع: أقسام العرض

رأي الحكمـاء: أجناس الأعراض تسعة: الكم، والكيف، والمضاف، والوضع، والأين، ومتى، والملك، والفعل، والانفعال.

رأي المتكلّمين: عند أكثر المتكلّمين أحد وعشرون نوعاً، وعند بعضهم ثلاثة وعشرون نوعاً، عشرة منها تختص بالأحياء وهي: الحياة ، والشهوة، والنفرة، والقدرة، والإرادة، والكراهة، والاعتقاد، والظنّ، والنظر، والألم، وأحد عشر منها تكون للأحياء وغير الأحياء، وهي: الكون، والتأليف، والاعتماد، والحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة، واللّون، والصوت، والرائحة، والطعم.

والاثنان اللّذان زاد بعضهم هما الفناء والموت.


(11)

5ـ الموضـــــوع: المتضادّات

رأي الحكمـاء: هي الأعراض التي تكون من جنس واحد، لايمكن أن تجتمع في محل واحد في وقت واحد ويكون بينها غاية البعد، فليس لعرض واحد إلاّ ضدّ واحد.

رأي المتكلّمين: هي الأعراض التي تكون من جنس واحد، لايمكن أن تجتمع في محلّ واحد في وقت واحد، ولايشرط غاية البعد بينها، فيجوز أن يكون لعرض واحد أضداد كثيرة.

6ـ الموضـــــوع: التسلسل

رأي الحكمـاء: كل عدد تكون آحاده موجودة دفعة، وله ترتيب فهو متناه، ويستحيل أن يكون غير متناه، وأمّا ما لا تكون آحاده موجودة دفعة، أو لايكون له ترتيب فيجوز أن يكون غير متناه.

رأي المتكلّمين: التسلسل عند المتكلّمين محال مطلقاً، وكل عدد يفرض فهو متناه، لأنّ كلّ عدد يفرض فهو قابل للقلّة والكثرة، وكلّ قابل للقلّة والكثرة فهو متناه.

7ـ الموضـــــوع: القديم الزماني

رأي الحكمـاء: تقدّم العدم الزماني لايمكن وقوعه إلاّ في الأشياء الواقعة في الزمان، فتقدّم العدم (الزماني) على كلِّ ما سوى الواجب محال، فبعض الممكنات قديم، لكن يتقدّم عليها العدم تقدّماً بالطبع.

رأي المتكلّمين: إنّما يتقدّم عدم الممكن على وجوده تقدّماً لايمكن أن يكون المتقدّم مع المتأخّر دفعة، ولايجب أن يكون بحسب زمان مباين لهما، فإنّ تقدّم بعض أجزاء الزمان على بعض لايكون بزمان آخر،


(12)

وهذا التقدّم مثله، ثمّ إن كان ولابدّ، فيكفي فيه تقدير زمان، ولايحتاج فيه إلى وجوده المغاير للممكنات المحدثة.

8 ـ الموضـــــوع: مناط كون الفاعل مختاراً

رأي الحكمـاء: كل فاعل فَعَلَ بإرادته مختار، سواء قارنه الفعل في زمانه أو تأخّر عنه.

رأي المتكلّمين: إنّ الباري تعالى قادر، إذ كان فعله حادثاً غير صادر عنه في الأزل، ويلزم القائلين بالقدم كون فاعله موجَباً.

9ـ الموضـــــوع: موضع الخلاف في الداعي

رأي الحكمـاء: الحكماء ينكرون ما يقوله المتكلّمون في الداعي.

رأي المتكلّمين: لا يدعـو الداعي إلاّ إلى معدوم ليصدر عن الفاعل وجوده بعدوجود الداعي بالزمان أو تقدير الزمان، وهذا الحكم ضروري.

10ـ الموضـــــوع: مقدوراته تعالى ومعلوماته

رأي الحكمـاء: مقدوره تعالى عند الحكماء شيء واحد والباقي بتوسط، ومعلومه كلُّ ما لا يتغيّر، أمّا المتغيّرات فلا تكون من حيث التغيّر معلومة له لوجوب تغيّر العلم بتغيّر المعلوم و امتناع تغيّر علمه تعالى.

رأي المتكلّمين: إنّه تعالى قادر على جميع ما يصح أن يقدر عليه، عالم بجميع مايصح أن يعلم، كلّياً كان أو جزئياً، وتكون المعلومات أكثرمنالمقدورات، لأنّ الواجب والممتنع يُعلمان ولا يُقدر عليهما.


(13)

11ـ الموضــــوع: صفة اللّذة له تعالى

رأي الحكمـاء: اللّذة هو إدراك الملائم، وهو تعالى عالم لذاته بذاته، وأشدّ الملائمات بالقياس إليه هو ذاته، فلذّته أعظم اللّذّات.

رأي المتكلّمين: لايجوز أن يكون له لذّة، لأنّ اللّذّة إدراك وانفعال وتأثّر من الغير ملائم للمزاج أو الطبيعة.

12ـ الموضــــوع: حسن الأفعال وقبحها

رأي الحكمـاء: العقل الفطري الذي يحكم بالبديهيات ككون الكلّ أعظم من جزئه لا يحكم بحسن شيء من الأفعال ولا بقبحه، إنّما يحكم بذلك العقل العملي الذي يدبِّر مصالح النوع والأشخاص....

رأي المتكلّمين: عند أهل السنّة ليس شيء من الأفعال عند العقل بحسن ولاقبيح، وإنّما يكون حسناً أو قبيحاً بحكم الشرع فقط.

وعند المعتزلة أنّ بديهة العقل يحكم بحسن بعض الأفعال وقبح بعضها.كالعدل والظلم، والصدق النافع والكذب الضّارّ، والشرع أيضاً يحكم بهما في بعض الأفعال.

13ـ الموضــــوع: الغرض من أفعاله تعالى

رأي الحكمـاء: إنّ علمه بما فيه المصلحة سبب لصدور ذلك عنه، وهو بوجه قدرته، وبوجه علمه، وبوجه إرادته من غير تعدّد فيه، إلاّ باعتبار القياس العقلي، ويسمّون تلك الإرادة بالعناية.

رأي المتكلّمين: عند أهل السنّة لايفعل شيئاً لغرض البّتة، فإنّ الفاعل لغرض، مستكمل بالغرض.


(14)

والمعتزلة قالوا: إنّه تعالى يفعل لغرض يستكمل به غيره، وإلاّ كان فعله عبثاً، والعبث منه تعالى قبيح.

14ـ الموضــــوع: قاعدة الواحد وكيفية صدور الموجودات عنه تعالى

رأي الحكمـاء: الواحد لايصدر عنه من حيث هو واحد إلاّ شيء واحد، وذلك لأنّه إذا صدر عنه شيئان، فمن حيث صدر عنه أحدهما لم يصدر عنه الآخر، وبالعكس، فإذن صدرا عنه من حيثيتين، والمبدأ الأوّل تعالى واحد من كل الوجوه فأوّل ما يصدر عنه لايكون إلاّ واحداً.

ثمّ إنّ الواحد يلزمه أشياء، إذ له اعتبار من حيث ذاته، واعتبار بقياسه إلى مبدئه، واعتبار للمبدأ بالقياس إليه، وإذا تركّبت الاعتبارات حصلت اعتبارات كثيرة، وحينئذ يمكن أن يصدر عن المبدأ الأوّل بكلّ اعتبار شيء، وعلى هذا الوجه تكثّر الموجودات الصادرة عنه تعالى.

رأي المتكلّمين: قال بعض المتكلّمين:إنّ هذا إنّما يصحّ أن يقال في العلل والمعلولات، أمّا في القادر، أعني الفاعل المختار، فيجوز أن يفعل شيئاً من غير تكثير بالاعتبارات ومن غير ترجيح بعضها على بعض.

وبعضهم ينكرون وجود العلل والمعلولات أصلاً فيقولون بأنّه لامؤثّر إلاّ اللّه، واللّه تعالى إذا فعل شيئاً، كالإحراق مقارناً بالشيء كالنار، على سبيل العادة، ظنّ الخلق أنّ النّار علّة والإحراق أثره ومعلوله، وذلك الظنّ باطل.


(15)

الفصل الثاني: مواضيع الاختلاف بين المتكلّمين

1ـ لزوم الداعي ووجوب الفعل عنده

إذا حصل الداعي للقادر فهل يجب وجوب الفعل أم لا؟فيه خلاف بين المتكلّمين. والمحققون منهم يقولون بوجوبه ويقولون: إنّ هذا الوجوب لايقتضي إيجاب فاعله، إذ كان فعله تبعاً لداعيه، وليس للاختيار معنى غير ذلك.

وبعض القدماء أنكروه مخافة التزام الإيجاب.

وقال بعضهم: عند الداعي يصير وجود الفعل أولى من لاوجوده.

وقال الآخرون:للقادر أن يختار أحد طرفي الفعل والترك من غير رجحان لذلكالطرف، ويتمثّلون بالهارب الواصل إلى طريقين متساويين يضطرّ إلى المشي في أحدهما.

2ـ التكلّم(=كلامه تعالى)

الكلام عند أهل السنّة معنى في ذات المتكلّم به، يخبر بإيجاد الحروف والأصوات التي يتألّف منها الكلام عمّا يريد الإخبار عنه، ومن لايكون له ذلك المعنى ويسمع منه الحروف و الأصوات المؤلّفة تأليف الكلام لايكون متكلّماً، كالببغاء.

والمعتزلة يقولون: كل من يوجد حروفاً وأصواتاً منظّمة دالّة على معنى يريد الإخبار بها منها فهو متكلّم، ولايعتبرون المعنى الذي في نفس المتكلّم.


(16)

3ـ عينية الصفات للذّات وزيادتها عليها

المتأخّرون من المعتزلة كأبي الحسين البصري ومن تبعه يقولون: إنّ صفاته تعالى ليست بزائدة على ذاته، فهو قادر بالذات، عالم بالذات، حيّ بالذات وباقي الصفات راجعة إليها ، فإنّ الإدراك هو علمه بالمدركات، والسمع والبصر علمه بالمسموعات والمبصرات، والإرادة علمه بالمصالح المقتضية لإيجاد الموجودات، والكلام راجع إلى القدرة، والوجود غير زائد على الذّات.

وأهل السنّة يقولون: إنّه تعالى قادر بقدرة قديمة، وكذلك عالم بعلم قديم، ومريد بإرادة ،وحيّ بحياة، وسميعٌ بسمع، وبصير ببصر، ومتكلّم بكلام، وباق ببقاء، وكلّ ذلك قديم.

ويقول أبو الحسن الأشعري:إنّ الصفات ليست هي ذاته ولاغير ذاته، فإنّ الغيرين هما ذاتان ليست إحداهما هي الأُخرى، والصفات وإن كانت زائدة على الذات فلاتكون مغايرة لها بهذا المعنى.

4ـ رؤية اللّه تعالى

عند أهل السنّة أنّ اللّه تعالى يصحّ أن يُرى مع امتناع كونه في جهة من الجهات ، واحتجّوا لها بالقياس على الموجودات المرئية وبنصوص القرآن والحديث.

والمشبِّهة قالوا: إنّ اللّه تعالى جسم في جهة الفوق ويمكن أن يُرى كما ترى الأجسام، وبعضهم قالوا: إنّ اللّه تعالى جسم لا كالأجسام وقالوا: إنّه تعالى خلق آدم على صورته.

والمعتزلة قالوا: إنّه تعالى ليس في جهة ولذلك لا يمكن أن يُرى.


(17)

5ـ الأفعال الاختيارية

قال بعض أهل السنّة :لايمكن اجتماع قادرين على مقدور واحد.

وقال أبو الحسن الأشعري: هذا إنّما يلزم عند تقدير كونهما مؤثّرين، ولذلك جوَّز أن يكون للعبد قدرة ولكن قدرة اللّه قديمة، وقدرة العبد تكون مع الفعل ولاتكون قبل الفعل،ولاتأثير له في الفعل إلاّ أنّ العبد الذي يخلق فيه قدرة مع فعل لا يكون كما يخلق فيه فعل من غير قدرة، والفعل يسمّى كسباً للأوّل ولايسمّى بذلك للثاني.

وقال القاضي الباقلاني ـ من أهل السنّـة ـ: إنّ ذات الفعل من اللّه إلاّ أنّه بالقياس إلى العبد يصير طاعة أو معصية، وهذا قريب في المعنى من قول أبي الحسن.

وذهب أبو إسحاق إلى أنّ القدرتين مؤثّرتان فيه.

وذهب[جمع من] المعتزلة وإمام الحرمين من أهل السنّة إلى أنّ العبد له قدرة قبل الفعل، وله إرادة بها تتمّ مؤثّريّته، فيصدر عنه الفعل ويكون العبد مختاراً، إذا كان فعله بقدرته الصالحة للفعل والترك وتبعاً لداعيه الذي هو إرادته، والفعل يكون بالقياس إلى القدرة وحدها ممكناً، وبالقياس إليها مع الإرادة يصير واجباً.

وقال محمود الملاحمي (= الزمخشري) وغيره من المعتزلة:إنّ الفعل عند وجود القدرة والإرادة يصير أولى بالوجود حذراً من أن يلزمهم القول بالجبر إن قالوا بالوجوب.

6ـ عموميّة إرادته تعالى

الذين قالوا بمؤثّريّة اللّه وحده [وهم الأشعريّة] صرّحوا بأنّه تعالى مريد لكلّ


(18)

الكائنات.

والمعتزلة قالوا: إنّه يريد ما يفعله، وأمّا ما يفعله العبد فهو يريد طاعته ولايريد معصيته، وهذه الإرادة غير الإرادة الأُولى في المعنى.

7ـ الحسن والقبح

عند أهل السنّة ليس شيء من الأفعال عند العقل بحسن ولاقبيح، وإنّما يكون حسناً أو قبيحاً بحكم الشرع فقط.

وعند المعتزلة أنّ بديهة العقل تحكم بحسن بعض الأفعال كالصدق النافع والعدل، وقبح بعضها، كالظلم والكذب الضار.

8 ـ الوجوب على اللّه تعالى

المعتزلة يقولون: إنّ اللّه لايخلُّ بالواجب العقلي، ولايفعل القبيح العقلي البتّة، وإنّما يخلّ بالواجب ويرتكب القبيح بالاختيار جاهل أو محتاج، واتّفقوا على أنّ التكليف من اللّه تعالى حسن، واللطف والثواب على الطاعة، والعوض على الآلام واجب.

واختلفوا في وجوب العقاب لمن يستحقّه، فقال أكثر المعتزلة بوجوبه، وذلك لأنّ اللّه تعالى أوعدهم والوفاء بما أوعد واجب عقلاً لئلاّ يصير الوعيد كذباً.

وقال غيرهم من القائلين بالحسن والقبح والوجوب العقلي: الوفاء بالوعيد غير واجب لأنّه حقّ اللّه تعالى ولايجب أن يأخذ حقّ نفسه وإنّما ذلك إليه، يعفو عمّن يشاء ويعاقب من يشاء.


(19)

والبغداديّون من المعتزلة قالوا: الأصلح واجب عليه تعالى، لأنّ الأصلح وغير الأصلح متساويان بالقياس إلى قدرته، والقادر المحسن إلى غيره إذا تساوى شيئان بالقياس إليه وكان في أحدهما زيادة إحسان إلى غيره اختاره فيهما البتّة.

وعند أهل السنّة: لا واجب على اللّه تعالى ولايقبح منه شيء.

9ـ الغرض في أفعاله تعالى

عند أهل السنّة أنّه تعالى لايفعل شيئاً لغرض البتّة، فإنّ الفاعل لغرض مستكمل بالغرض، ولايجوز عليه تعالى الاستكمال.

والمعتزلة قالوا: إنّه تعالى يفعل لغرض يستكمل به غيره، وإلاّ لكان فعله عبثاً، والعبث منه تعالى قبيح.

10ـ عصمة الأنبياء

قال بعضهم: هو [أي المعصوم] من لايصدر عنه معصية لاكبيرة ولاصغيرة، لابالعمد ولا بالسهو من أوّل عمره إلى آخره [هذا رأي الإمامية].

وقال بعضهم: السهو لاينافي العصمة.

وقال بعضهم: الصغيرة لاتخلّ بالعصمة.

وقال بعضهم: الشرط في عصمة الأنبياء اختصاصها بزمان دعوتهم لاقبل ذلك.

وقال بعضهم: اخصاصها في أدائها الرسالة فقط، أمّا في سائر الأحوال فيجوز عليه جميع ذلك.


(20)

11ـ وجه إعجاز القرآن

اختلفوا في وجه إعجاز القرآن فقال قوم: إنّ فصاحته إعجازه.

وقال قوم: إنّ صرف عقول القادرين على إيراد معارضته عنه ، وظهور عجزهم عند التحدّي مع القدرة عليه، هو إعجازه.

12ـ وجوب نصب الإمام

اختلف الناس في نصب الإمام:

فقال بعضهم بوجوبه عقلاً، وبعضهم بوجوبه سمعاً، وبعضهم بلا وجوبه.

والّذين يوجبونه عقلاً اختلفوا، فقال بعضهم بوجوبه من اللّه، وبعضهم بوجوبه على اللّه تعالى، وبعضهم بوجوبه على الخلق.

أمّا القائلون بوجوبه من اللّه فهم الغلاة والإسماعيلية.

وأمّا القائلون بوجوبه على اللّه فهم الشيعة.

وأمّا القائلون بوجوبه على الخلق عقلاً فهم أصحاب الجاحظ وأبي القاسم البلخي وأبي الحسين البصري من المعتزلة.

وأمّا القائلون بوجوبه سمعاً فهم أهل السنّة.

وأمّا القائلون بلا وجوبه فهم الخوارج، والأصمّ من المعتزلة فهذه هي المذاهب في الإمامة.


(21)

13ـ طريق معرفة الإمام

اتّفقت الشيعة على أنّ طريق معرفة الإمام هو النّصّ من اللّه تعالى، لكن اختلفوا في النّصّ الجليّ والخفيّ، فقالت الإمامية الاثني عشرية والكيسانية:إنّه إنّما يحصل بالنّصّ الجليّ لاغير.

وقالت الزيديّة:إنّه يحصل بالنّصّ أيضاً، وذلك أنّ شرائط الإمامة عندهم كون الإمام عالماً بشريعة الإسلام، وزاهداً وشجاعاً وكونه من أولاد فاطمة ـ عليها السلام ـ ، أعني من أولاد الحسن والحسين ـ عليهماالسلام ـ، وكونه داعياً إلى اللّه تعالى وإلى دين الحقّ ظاهراً، يشهر بسيفه في نصرة دينه، وقد نصّ النبيّ والأئمة بعده، على أنّ كل من استجمع هذه الشرائط الخمسة فهوإمام مفترض الطاعة، وذلك هو النّصّ الخفيّ.

وذهب أهل السنّة إلى أنّ الإمام يعرف إمّا بنصّ من يجب أن يقبل قوله، كنبيّ، أو بإجماع المسلمين .

14ـ حقيقة الإيمان

اختلفوا في معنى الإيمان:

فقال بعض السلف: الإيمان إقرار باللّسان، وتصديق بالقلب، وعمل صالح بالجوارح.

وقالت المعتزلة :أُصول الإيمان خسمة:التوحيد، والعدل، والإقرار بالنبوة، والوعد والوعيد، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقالت الشيعة:أُصول الإيمان ثلاثة: التصديق بوحدانية اللّه تعالى في ذاته،


(22)

والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوّة الأنبياء والتصديق بإمامة الأئمّة المعصومين ـعليهم السلام ـ (1) من بعد الأنبياء.

وقال أهل السنّة: هو التصديق باللّه وبكون النبيّ صادقاً، والتصديق بالأحكام التي يعلم يقيناً أنّه ـ عليه السّلام ـ حكم بها دون ما فيه الخلاف والاشتباه.

15ـ حكم صاحب الكبيرة

صاحب الكبيرة عند الخوارج كافر، لأنّهم جعلوا العمل الصالح جزءاً من الإيمان، وعند غيرهم فاسق.

والمؤمن عند المعتزلة والوعيدية لايكون فاسقاً، وجعلوا للفاسق الذي لايكون كافراً منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر وهو يكون في النار خالداً.

وعند غيرهم المؤمن قد يكون فاسقاً وقد لايكون، ويكون عاقبة أمره على التقديرين الخلود في الجنة.


1 ـ هذا معنى الإيمان باعتبار آثاره الأُخرويّة، أمّا الإيمان بأدون مراتبه وباعتبار آثاره الدنيويّة فليس التصديق بإمامة الأئمة المعصومين ـ عليهم السلام ـ من شرائطه، كما فصّلناه في التعليقة على المسألة الخامسة من الباب الخامس فراجع .

(23)

الفصل الثالث: متفرّدات المذاهب

الف: متفرّدات المعتزلة:

هذه المتفردات على قسمين: قسم منها يعمّ المعتزلة، وقسم آخر يختصّ ببعضهم وهي:

1ـ الواسطة بين الوجود والعدم: مشايخ المعتزلة يقسّمون الثابت إلى موجود ومعدوم وواسطة بينهما تسمّى بالحال،ويجعلون المنفي ما عدا هذه الثلاثة.

2ـ إنّه تعالى لايقدر على القبائح: عند بعض المعتزلة أنّه تعالى لايقدر على القبائح، لامتناع وقوعها، عن العالم بها الغني عنها.

3ـ أحوال أبي هاشم وأتباعه: أبوهاشم من المعتزلة يقول بصفة زائدة على هذه الصفات(القدرة والعلم، والحياة و...) بها يمتاز الصانع عمّا يشاركه في مفهوم الذات، وهذه الصفة يسمّيها الصفة الإلهية ويقول هو وأصحابه: إنّ هذه الصفات جميعاً أحوال لا موجودة ولا معدومة، بل وسائط بين الوجود والعدم.

4ـ وجوب العمل بالوعيد: قال أكثر المعتزلة ، بوجوب العقاب لمن يستحقّه وذلك لأنّ اللّه تعالى وعدهم وأوعدهم، والوفاء بما وعد وأوعد واجب عقلاً.

5ـ الفسق منزلة بين الإيمان والكفر: المؤمن عند المعتزلة، لايكون فاسقاً، وجعلوا للفاسق الذي لايكون كافراً منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر.


(24)

6ـ خلود أهل الكبائر في النّار: قالت الوعيدية من المعتزلة: إنّ صاحب الكبيرة إن لم يتب كان في النّار خالداً.

7ـ الإحباط والموازنة: ثمّ اختلفوا فقال أبو علي الجبّائي بالإحباط، وهو أنّه إذا أقدم على كبيرة أحبطت الكبيرة جميع أعماله الصالحة ويكون معاقباً على ذلك الذنب أبداً، وقال ابنه أبوهاشم بالموازنة، وهو أن يوازن بأعماله الصالحة وذنوبه الكبائر، ويكون الحكم للأغلب.

ب: متفرّدات أهل السنّة:

1ـ الكلام النفسي: الكلام عند أهل السنّة معنى في ذات المتكلّم به.

2ـ الصفات القديمة: أهل السنّة يقولون: إنّه تعالى قادر بقدرة قديمة، وكذلك عالم بعلم قديم، ومريد بإرادة قديمة.

3ـ الصفات ليسـت عين ذاتـه تعـالى ولاغير ذاتـه: يقول أبـو الحـسن الأشعري: إنّ الصفات ليست هي ذاته ولاغير ذاته، فإنّ الغيرين هما ذاتان ليست إحداهما هي الأُخرى.

4ـ صفة التكوين والخالقية: فقهاء ماوراء النهر [الحنفيّة والماتريديّة ]يقولون: التكوين والخالقيّة صفة غير القدرة، فإنّ القدرة متساوية بالنسبة إلى جميع الممكنات، والتكوين والخالقية مختصّ بالمخلوقات.

5ـ رؤية اللّه تعالى: عند أهل السنّة أنّ اللّه تعالى يصحّ أن يُرى مع امتناع كونه في جهة من الجهات.

6ـ عدم تأثير قدرة العبد في فعله: قدرة العبد تكون مع الفعل ولاتكون قبله، ولاتأثير لها في الفعل.


(25)

7ـ إنكار الحسن والقبح العقليين: عند أهل السنّة ليس شيء من الأفعال عند العقل بحسن ولا قبيح.

8 ـ لاواجب على اللّه تعالى:

9ـ ولايقبح منه شيء:

10ـ ولايفعل لغرض:عند أهل السنّة، أنّه لا واجب على اللّه تعالى ، ولايقبح منه شيء، ولايفعل شيئاً لغرض.

ج: متفرّدات الشيعة:

نقصد بالشيعة الاثناعشرية، فمن متفرّداتهم حسب ما ذكره المصنّف الطوسي:

1ـ العصمة المطلقة: قال بعضهم:هو من لايصدر عنه معصية لاكبيرة ولاصغيرة، لابالعمد ولابالسهو من أوّل عمره إلى آخره.

2ـ وجوب نصب الإمام على اللّه تعالى : أمّا القائلون بوجوبه على اللّه تعالى فهم الشيعة القائلون بإمامة عليّ بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

3ـ طريق معرفة الإمام ليس إلاّ النصّ الجليّ.

4ـ وجوب عصمة الإمام: أمّا الإمامية فقالوا: إنّ نصب الإمام لطف، وهو واجب على اللّه تعالى فيجب أن يكون الإمام معصوماً لئلاّ يضلّ الخلق، ويؤكِّد ذلك قوله تعالى:(لايَنالُ عَهْدِي الظّالِمينَ) .

5ـ الإمامة منحصرة في اثني عشر، وهم عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ وأحد عشر من أولاده المعروفون عند الجميع.

***


(26)

حافزنا على التعليقة:

عُيِّن الكتاب للدراسة لطلاّب القسم التّخصّص في علم الكلام في مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ بقم المقدّسة، فقمت بتدريسه حسب ما فوِّضت إليَّ هذه المسؤوليّة، وصار ذلك باعثاً للرجوع إلى المصادر المختلفة لتبيين مقاصده وتوضيح مشكلاته، وأنتج ذلك هذه التعليقات التي أمام القرّاء المحقّقين الكرام، ولاتوفيق إلاّ باللّه العليّ العظيم.

علي الربّاني الگلپايگاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السّلام ـ

رمضان المبارك عام 1415 هـ. ق اسفند 1373 هـ.ش


(27)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه المُنقِذِ من الحيرة والضّلالة. والصّلاةُ على محمّد المخصوصِ بالرّسالة، وآله الموصوفين بالعدالة. يقولُ صاحبُ هذه المقالة: إنّي أوردتُ فيها قواعد العقائد من العلم المنسوب إلى الأصالة، واحترزتُ في تقريرها عن الإطناب والإطالة، مخافة أن يؤدّي إلى السّ آمة والملالة.

وأُقدّمُ ذكر أُصول يجب الوقوف عليها في كلّ حالة، وهي هذه:

أُصول عامّة
أصل [1]
[لافرق بين الموجود والثابت، ولابين المعدوم والمنفي]

كلّ ما يمكن أن يعبّر عنه، فإمّا أن يكون موجوداً، وإمّا أن لايكون موجوداً. وما لا يكون موجوداً معدومٌ. ولافرقَ بين الموجود والثابت، ولابين المعدوم والمنفيّ عند المحققين.


(28)

ومشايخ المعتزلة(1) يقسّمون الثابت إلى موجود ومعدوم وواسطة بينهما تُسمّى بالحال، ويجعلون المنفيّ ما عدا هذه الثلاثة.

والحكماء يقولون: الموجود (2) يكون خارجيّاً، ويكون ذهنيّاً، ويكون


(1) إنّ هاهنا مسألتين: إحداهما: هل الوجود يساوق الثبوت، والعدم يساوق النفي، أو الثبوت أعمّ من الوجود، والنفي أعم من العدم؟فالأكثرون قائلون بالأوّل، والمعتزلة قائلون بالثاني، فعندهم المعدوم على قسمين: معدوم ممكن وهو مصداق للثابت، ومعدوم ممتنع وهو مصداق للمنفي. فهؤلاء لايقولون بالواسطة بين الوجود والعدم. بل الشيء عندهم إمّا موجود وإمّا معدوم، ولكن المعدوم عندهم على قسمين كما تقدّم.

وكان الداعي لهم في هذا القول هو تصحيح علم اللّه الأزلي بالأشياء قبل وجودها، مع أنّ العلم لابدّ له من معلوم، وإذ ليس بموجود، فهو ثابت، فبعض المعدوم ثابت.

وفيه: أنّ إنكار مساوقة الوجود والثبوت والعدم والنفي مكابرة محضة، وتصحيح علمه سبحانه بالأشياء قبل وجودها لايتوقف على هذا الفرض الباطل، بل هناك طريق آخر بيّن في محلّه.

وثانيتهما: هل الوجود والعدم متناقضان، فيستحيل اجتماعهما وارتفاعهما عند توفّر شروط التناقض، أو لا تناقض بينهما، فهناك أمر ليس بموجود ولا معدوم؟ ذهب الحكماء والمتكلّمون إلى الأوّل، وخالفهم من المعتزلة أبو هاشم الجبّائي ومن تبعه، ومن الأشاعرة الباقلاني والجويني، وهؤلاء سمّوا الواسطة بين الوجود والعدم بالحال، وكان داعيهم في ذلك اقتراح مذهب متوسّط بين المعتزلة النافين للصفات الزائدة على الذات الأزلية، وبين الأشاعرة المثبتين لها. وللشيخ المفيد انتقادات ونقوض على نظرية الحال.(1)

فظهر ممّا ذكرنا أنّ إسناد كلا القولين إلى مشايخ المعتزلة كما في عبارة المصنّف، غير وجيه.

(2) إنّ الموجود بالنسبة إلى الذهن والخارج على ثلاثة أقسام: الأوّل أن يكون موجوداً في الخارج فقط، كالأُمور الخارجية إذا لم نتصوّرها، والثاني أن يكون موجوداً في الذهن فقط، كالأشياء المتصوّرة في الذهن غير الموجودة في الخارج، كجبل من ياقوت وبحر من زئبق، والإنسان الكلّي ونحو ذلك، والثالث أن يكون موجوداً فيهما كالأُمور الخارجية عند تصوّرنا إيّاها.

وبوجه آخر: المفاهيم باعتبار وجودها على ثلاثة أقسام: الأوّل: ما يكون حيثيّة مصداقها عين الخارجية فيمتنع حصوله في الذهن، كالوجود والوحدة وغيرهما من المعقولات الثانية الفلسفية، والثاني: ما يكون على خلاف الأوّل، كالمعقولات الثانية المنطقية، والثالث: ما يمكن تحقّقها في الذهن والخارج كالمعقولات الأوّلية، والمفاهيم الماهوية.


1 ـ لاحظ الحكايات: 10/45ـ 56 من مصنفات الشيخ المفيد.

(29)

كليهما; وكذلك المعدوم (1).

أصل آخر
(الواجب والممكن والممتنع)

كلّ مايمكن أن يعبّر عنه فإمّا أن يجب وجوده، أو يجب عدمه، أو لا يجب أحدهما. والأوّل هو الواجب، والثاني هو الممتنع أو المحال أو المستحيل، والثالث هو الممكن أو الجائز.

أمّا الواجب: فإمّا أن يكون وجوبه لاعن غيره فهذا الواجب لذاته، وإمّا أن يكون وجوبه عن غيره فيكون واجباً عن غيره ممكناً لذاته. وكذلك الممتنع.

وما يُفيدُ وجودَ غيره يُسمّونه موجداً أو علّة. وذلك الغير يكون موجَداً أو معلولاً.

والممكن لذاته متساوي النسبة إلى طرفي وجوده وعدمه. فإن كان له


(1) المعدوم إمّا معدوم في الذهن والخارج، كشريك الباري إذا لم نتصوّره، أو معدوم في الذهن خاصة كالأشياء الخارجية إذا لم نتصورها، أو معدوم في الخارج فقط، كالصور الذهنية غير الموجودة في الخارج. (1)


1 ـ لاحظ كشف الفوائد للعلاّمة الحلّـي: ص48 و إرشاد الطالبين للفاضل المقداد: ص21.

(30)

موجدٌ كان موجوداً، وإن لم يكن له موجدٌ بقي على حالة العدم، ويكون عدم مُوجده كالعلّة لعدمه.

أصل آخر [3]
[الذات والصفة]

كلّ ما يمكن أن يتصوّر فإن أمكن (1) تصوّره لا مع غيره فهو ذات، وإلاّ فهو صفة.مثلاً إذا قلنا: «موصوف» عنينا به شيئاً له صفة. فالشيء هي الذات، قولنا: «له صفة» فهو صفته.


(1) إن قلت: هذا الحدّ يختص بالوجود في غيره كوجود النسب في القضايا، مع أنّ وجود الصفة وجود في نفسه وإن كان لغيره.

قلت: معنى الصفة في اصطلاح المتكلّمين يغايره في اصطلاح الحكماء.فإنّ المراد من الصفة في اصطلاح الحكماء، هو مبادئ المشتقات كالعلم، والقدرة والحياة التي هي من سنخ العرض في مقابل الجوهر، والمتكلّمون يسمّونها معاني.والمراد منها في اصطلاح المتكلّمين هوالمفاهيم المشتقّة، كالعالم والقادر والحيّ، وهي عند الفلاسفة تعرف بالأسماء، قال الشيخ المفيد: «إنّ الصفة في الحقيقة ما أنبأت عن معنى مستفاد يخص الموصوف وما شاركه، ولايكون كذلك حتى يكون قولاً أو كتابة يدل على ما يدل النطق عليه وينوب منابه...». (1)

وأوضح منه عبارة المحقّق الجرجاني حيث قال: «الصفة هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، وذلك نحو طويل، وقصير، وعاقل، وأحمق وغيرها». (2)

ومن الواضح أنّ تصوّر مفهوم الطويل والقصير والعاقل ونحوها لايمكن إلاّ عند تصوّر ذات تتّصف بها، وبعبارة أُخرى هذه المفاهيم ليست بأعراض في مقابل الجوهر، بل عرضيات تتقوم بالمعروضات تصوّراً وعيناً وذهناً وخارجاً.

ثمّ إنّ قوله: «وله صفة» صفته، لا يخلو من مسامحة في التعبير فإنّ الوصف في الحقيقة هو«الموصوفية» كما أنّ قولنا: «عالم» ينحل إلى ذات وصفة وهي العالمية، لا له علم.


1 ـ أوائل المقالات، الطبعة الثانية: ص61.
2 ـ التعريفات، باب الصاد.