welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : صيانة الآثار الإسلاميّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

صيانة الآثار الإسلاميّة

(1)

صيانة الآثار
الإسلاميّة

تأليف

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

(3)

تمهيد

الآثار الإسلاميّة ونتائجها الإيجابيّة

الأُمم الحيّة المهتمَّة بتاريخها تسعى إلى صيانة كلّ أثر تاريخيّ له صلة بماضيها; ليكون آيةً على أصالتها وعَراقتها في العلوم والفنون ، وأنّها ليست نبتة بلا جذور أو فرعاً بلا أُصول .

والأُمّة اليقظة تحتفظ بآثارها وتراثها الثقافيّ والصناعيّ والمعماريّ ، وما له علاقة بماضيها ممّا ورثته عن أسلافها ، صيانةً لكيانها وبَرهنةً على عزّها الغابر .

وقد دعت تلك الغايةُ السامية الشعوبَ الحيّة لإيجاد دائرة خاصّة في كلّ قطر لحفظ التراث والآثار : من ورقة مخطوطة ، أو أثر منقوش على الحجر ، أو إناء ، أو منار ، أو أبنية ، أو قِلاع وحصون ، أو مقابر ومشاهد لأبطالهم وشخصيّاتهم الّذين كان لهم دور في بناء الأُمّة وإدارة البلد وتربية الجيل ، إلى حدّ يُنفقون في سبيلها أموالا طائلة ، ويستخدمون عمّالا وخُبراء يبذلون سعيهم في حفظها وترميمها وصيانتها عن الحوادث .


(4)

إنّ التراث بإطلاقه آية رُقيّ الأُمّة ومقياس شعورها ودليل تقدّمها في معترك الحياة . ولذلك نرى أنّ الشخصية البارزة إذا زارت بلداً وحلّت فيه ضيفاً ، يجعل في برنامجها زيارة المناطق الأثرية والمشاهد والمقابر العامرة الّتي ضمَّت جثمانَ الشخصيّات الّتي تنبضُ بالحياة الحاضرة بتضحياتهم ومجاهدتهم من غير فرق بين دولة إلهيّة أو علمانيّة .

هذا هو موجز الكلام في مطلق الآثار ، وهَلُمَّ معي ندرس أهميّة صيانة الآثار الإسلامية الّتي تركها المسلمون من عصر الرسول إلى عصرنا هذا في مناطق مختلفة .

لا شكّ أنّ كلّ أثر يمتّ للإسلام والمسلمين بوجه من الوجوه بصلة ، له تأثيره الخاصّ في التدليل على أنّ للشريعة الإسلامية وصاحبها حقيقة ، وليست هي ممّا نسجَتْها يدُ الخيال أو صنعتها الأوهام .

وبعبارة واضحة : أنّ الآثار المتبقيّة من المسلمين إلى يومنا هذا تدلُّ على أنّ للدعوة الإسلامية وداعيها واقعيّة لا تُنكر ، وأنّه بُعِثَ في زمن خاصّ بشريعة عالميّة ، وبكتاب معجز تحدّى به الأُمم ، وآمن به لفيف من الناس .

ثمّ إنّه هاجر من موطنه إلى يثرب ، ونشر شريعته في الجزيرة العربيّة ، ثمّ اتّسعت بفضل سعي أبطالها ومعتنقيها إلى سائر المناطق ، وقد قدّم في سبيلِها تضحيات ، وتربّى في أحضانها علماء وفقهاء وغير ذلك . فهذه آثارهم ومشاهدهم وقبورهم تشهد بذلك .

فصيانةُ هذه الآثار على وجه الإطلاق تُضفي على الشريعة في نظر غير معتنقيها واقعية وحقيقة ، وتزيل عن وجهها أيّ ريب أو شك في صحّة البعثة والدعوة ، وجهاد الأُمّة ونضال المؤمنين .


(5)

فإذا كانت هذه نتيجةُ صيانتها; فإنّ نتيجة تدميرها وتخريبها أو عدم الاعتناء بها مسلَّماً عكس ذلك .

وممّا يؤسف له أنّنا نرى الأُمّة الإسلامية ابتُليت في هذا الأوان بأُناس جعلوا تدميرَ الآثار وهدمها جزءاً من الدين ، والاحتفاظ بها ابتعاداً عنه; فهذه عقليّتهم وهذا مبلغ إدراكهم الّذي لا يقلّ عن عقلية وإدراك الصبيان ، الّذين لا يعرفون قيمة التراث الواصل إليهم عن الآباء ، فيلعبون به بين الخرق والهدم وغير ذلك .

لا شكّ أنّ لهدم الآثار والمعالم التاريخية الإسلامية وخاصّة في مهد الإسلام; مكّة ، ومهجر النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  ، المدينة المنوّرة ، نتائج وآثاراً سيّئة على الأجيال اللاّحقة الّتي سوف لا تجد أثراً لوقائعها وحوادثها وأبطالها ومفكّريها ، وربّما يؤول بها الأمر إلى الاعتقاد بأنّ الإسلام قضيّة مفتعلة ، وفكرة مبتدعة ليس لها أيّ أساس واقعي تماماً .

فالمطلوب من المسلمين أن يُكوِّنوا لجنة من العلماء من ذوي الاختصاص; للمحافظة على الآثار الإسلامية وخاصّة آثار النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  ، وآثار أهل بيته ، والعناية بها وصيانتها من الاندثار ، أو من عمليات الإزالة والمحو ، لما في هذه العناية والصيانة من تكريم لأمجاد الإسلام وحفظ لذكريات الإسلام في القلوب والعقول ، وإثبات لأصالة هذا الدين ، إلى جانب ما في أيدي المسلمين من تراث ثقافيّ وفكريّ عظيم ، وليس في هذا العمل أيُّ محذور شرعي ، بل هو أمر محبَّذ ، اتّفقت عليه كلمة المسلمين الأوائل كما سيوافيك ، فالسلف الصالح وقفوا ـ بعد فتح الشام ـ على قبور الأنبياء ذات البناء الشامخ . . فتركوها على حالها من دون أن يخطر ببال أحدهم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب بأنّ البناء على القبور أمر محرّم يجب أنْ يُهدم ، وهكذا الحال في سائر القبور المشيّدة بالأبنية في أطراف العالم . وإنْ كنت في ريب من هذا فاقرأ تواريخَهم ، وعلى سبيل المثال إليك نصّ ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية :

إنّ المسلمين عند فتحهم فلسطين وجدوا جماعة من قبيلة «لخم» النصرانيّة يقومون على حرم إبراهيم بـ «حِبْرون»(1) ولعلّهم استغلّوا ذلك ففرضوا أتاوة على حجّاج هذا الحرم . . . وربّما يكون لقب تميم الداري نسبة إلى الدار أي الحرم ، وربّما كان دخول هؤلاء اللخميين في الإسلام; لأنّه قد مكّنهم من القيام على حرم إبراهيم الّذي قدّسه المسلمون تقديسَ اليهود والنصارى من قبلهم(2) .


(1) كلمة عبرية تعني : مدينة الخليل .
(2) دائرة المعارف الإسلامية 5  : 484 مادة تميم الداري .


(6)

وجاء أيضاً في مادة «الخليل» : يقول المقدسي ـ وهو أوّل من أسهب في وصف الخليل ـ  : إنّ قبر ابراهيم كانت تعلوه قُبّة بُنيت في العهد الإسلامي . ويقول مجير الدين : إنّها شُيّدت في عهد الأُمويين ، وكان قبر إسحاق مغطّى بعضُه ، وقبر يعقوب قباله ، وكان المقدسي أوّل من أشار إلى تلك الهِبات الثمينة الّتي قدّمها الأُمراء الوَرِعون من أقاصي البلاد إلى هذا الضريح ، إضافةً إلى الاستقبال الكريم الّذي كان يلقاه الحجّاج من جانب التميميين(1) .

ولو قام باحث بوصف الأبنية الشاهقة الّتي كانت مشيّدة على قبور الأنبياء والصالحين قبل ظهور الإسلام وما بناه المسلمون في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا في مختلف البلدان لجاء بكتاب فخم ضخم ، وهو يَكشف عن أنّ السيرة الرائجة في تلك الأعصار قبل الإسلام وبعده من عصر الرسول والصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا كانت هي العناية بحفظ آثار رجال الدين ، الكاشفة عن مشروعية البناء على القبور ، وإنّه لم ينبس أيّ شخص في رفض ذلك ببنت شفة ولم يعترض عليها أحد ، بل تلقّاها الجميع بالقبول والرضا ، إظهاراً للمحبّة والودّ لأصحاب الرسالات والنبوّات وأصحاب العلم والفضل ، ومن خالف تلك السنّة وعدّها شركاً أو أمراً محرّماً فقد اتّبع غير سبيل المؤمنين ، قال سبحانه : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً)(2) .

واليوم وبعد مضيّ عشرين قرناً على ميلاد السيد المسيح  ـ عليه السلام ـ تحوّل المسيح وأُمّه العذراء وكتابه الإنجيل وكذلك الحواريون ، تحوّلوا ـ في عالم الغرب ـ إلى أُسطورة تاريخية ، وصار بعض المستشرقين يشكِّكون ـ مبدئياً ـ في وجود رجل اسمه المسيح وأُمّه مريم وكتابه الإنجيل ، ويعتبرونه أُسطورة خيالية تشبه أُسطورة «مجنون ليلى» .


(1) دائرة المعارف الإسلامية 8  : 431 .
(2) النساء : 115 .


(7)

لماذا؟

لأنّه لا يوجد أيّ أثر حقيقيّ وملموس للمسيح ، فمثلا لا يُدرى ـ بالضبط ـ أين وُلِد؟ وأين داره الّتي كان يسكنها؟ وأين دفنوه بعد وفاته ـ على زعم النصارى أنّه قتل ـ ؟

أمّا كتابه السماوي فقد امتدّت إليه يد التحريف والتغيير والتزوير ، وهذه الأناجيل الأربعة لا تمتّ إليه بصلة وليست له ، بل هي لـ «متّى» و «يوحنّا» و «مرقس» و «لوقا» ، ولهذا ترى في خاتمتها قصّة قتله المزعوم ودفنه ، ومن الواضح  ـ كالشمس في رائعة النهار ـ أنّها كتبت بعد غيابه .

وعلى هذا الأساس يعتقد الكثير من الباحثين والمحقّقين أنّ هذه الأناجيل الأربعة إنّما هي من الكتب الأدبيّة الّتي يعود تاريخها إلى القرن الثاني من الميلاد ، فلو كانت الآثار الخاصّة بعيسى محفوظة ، لكان ذلك دليلا على حقيقة وجوده وأصالة حياته وزعامته ، وما كان هناك مجال لإثارة الشكوك والتساؤلات من قِبَل المستشرقين ذوي الخيالات الواهية .

أمّا المسلمون ، فهم يواجهون العالَم مرفوعي الرأس ، ويقولون : يا أيّها الناس لقد بُعثَ رجلٌ من أرض الحجاز ، قبل ألف وأربعمائة سنة لقيادة المجتمع البشري ، وقد حقّق نجاحاً باهراً في مهمّته ، وهذه آثار حياته ، محفوظة تماماً في مكّة والمدينة; فهذه الدار الّتي وُلد فيها ، وهذا غار حراء حيث هبط إليه الوحي والتنزيل فيها ، وهذا هو مسجده الّذي كان يُقيم الصلاة فيه ، وهذا هو البيت الّذي دُفن فيه ، وهذه بيوت أولاده وزوجاته وأقربائه ، وهذه قبور ذريّته وأوصيائه ـ عليهم السلام ـ  .

والآن ، إذا قَضينا على هذه الآثار فقد قضينا على معالم وجوده  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ودلائل أصالته وحقيقته ، ومهّدنا السبيلَ لأعداءِ الإسلام ليقولوا ما يريدون .


(8)

إنّ هدم آثار النبوّة وآثار أهل بيت العصمة والطهارة ليس فقط إساءة إليهم ـ عليهم السلام ـ وهتكاً لحرمتهم ، بل هو عداء سافر مع أصالة نبوّة خاتم الأنبياء ومعالم دينه القويم . إنّ رسالة الإسلام رسالة خالدة أبديّة ، وسوف يبقى الإسلام ديناً للبشرية جمعاء إلى يوم القيامة ، ولابدّ للأجيال القادمة ـ على طول الزمن ـ أنْ تعترف بأصالتها وتؤمن بقداستها . ولأجلِ تحقيق هذا الهدف يجب أن نحافظ ـ أبداً ـ على آثار صاحب الرسالة المحمّدية ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لكي نكون قد خَطَوْنا خطوة في سبيل استمرارية هذا الدين وبقائه على مدى العصور القادمة ، حتّى لا يشكّك أحد في وجود نبيّ الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما شكّكوا في وجود النبيّ عيسى ـ عليه السلام ـ  .


(9)

لقد اهتمَّ المسلمون اهتماماً كبيراً بشأن آثار النبيّ محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وسيرته وسلوكه ، حتّى أنّهم سجّلوا دقائق أُموره وخصائص حياته ومميّزات شخصيّته ، وكلّ ما يرتبط به كخاتمه ، وحذائه ، وسواكه ، وسيفه ، ودرعه ، ورمحه ، وجواده ، وإبله ، وغلامه ، وحتّى الآبار الّتي شرب منها الماء ، والأراضي الّتي أوقفها لوجه الله سبحانه ، والطعام المفضّل لديه ، بل وكيفية مشيته وأكله وشربه ، وما يرتبط بلحيته المقدّسة وخضابه لها ، وغير ذلك ، ولا زالت آثار البعض منها باقية إلى يومنا  هذا(1) .

هذه كلمة موجزة عن هذا الموضوع وموقف العقلاء عامّة والمسلمين خاصّة منه ، فهلمّ معي ندرس المسألة في ضوء الكتاب والسنّة حتّى تتجلّى الحقيقة بأعلى مظاهرها ، ونثبت أنّ صيانة قبور الأنبياء والأولياء والشهداء وتعميرها وتشييدها بقباب ، هي ممّا دعا إليها الكتاب والسنّة النبويّة وسيرة المسلمين إلى أوائل القرن الثامن ، عصر إثارة الشكوك حول هذا الموضوع وغيره ، عصر ابن تيمية (661-728 هـ ) الّذي أثار تلك الفكرة لتفريق كلمة الأُمّة ، وتلقّى ذلك بالقبول وارث منهجه محمد بن عبد الوهاب النجدي (1115-1206 هـ ) ، إلى أن أحيا منهج شيخه بعد الاندراس بفضل سيف آل سعود ، وحمايتهم له لغاية في نفوسهم لا تُنكَر .

وسندرس الموضوع من خلال مباحث ولنقدِّم ما تدلّ عليه من الآيات .


(1) راجع الطبقات الكبرى لابن سعد 1  : 360-503 حول هذا الموضوع .


(10)

المبحث الأوّل :

صيانة الآثار من منظار القرآن الكريم
الآية الأُولى : الإذن برفعِ بيوت خاصة

إذا كان لصيانة الآثار الإسلاميّة ذلك التأثير الكبير الّذي اتّضح للقارئ فيما مرّ من التمهيد ، فعلينا استنطاق كتاب الله حولَ هذا الموضوع حتّى نقف على حكم الله فيه .

وسنشير هنا إلى الآيات ذات الصلة الواضحة بالموضوع ، والّتي لا تتجاوز أربع آيات :

قال سبحانه : (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالاَْبْصَارُ)(1) .

وللمفسّرين حول هذه الآية بحوث ، منها : تعيين متعلّق الظرف ، أعني قوله : (فِي بُيُوت) ، فهل هو متعلّق بما قبله ، أي قوله سبحانه في الآية المتقدّمة عليها (كَمِشكاة) أي المشكاة في بيوت ، أو هو متعلّق بفعل مقدّر يدلّ عليه لفظ
(يُسَبِّحُ) في الآية ، ولا مانع من التكرار ، أو متعلّق بشيء آخر مثل قوله : سبّحوا في بيوت؟

والمهم بيان أمرين :

الأوّل : ما هو المراد من هذه البيوت الّتي أذن الله أن ترفع؟

الثاني : ما هو المراد من الرفع فيها؟

أمّا الأوّل ، فالمفسّرون فيه على أقوال :

1 ـ المراد المساجد الأربعة .

2 ـ مطلق المساجد .


(1) النور : 36 ـ 37 .


(11)

3 ـ بيوت النبيّ .

4 ـ المساجد وبيوت النبيّ .

واستفدنا هذه الأقوال من المصادر(1) ، والمهم تعيين المراد منها وفق الموازين الصحيحة في تفسير الآية .

1 ـ أنّ القولين : الأوّل والثاني مبنيان على صحّة إطلاق البيت على المسجد ، ولو صحّ ذلك لغة ـ ولن يصحّ كما سيوافيك ـ إلاّ أنّه إطلاق شاذ ، ولا يصحّ تفسير القرآن بالاستعمال الشاذ ، وذلك لأنّ البيت في القرآن غير المسجد ، فالمسجد الحرام غير بيت الله الحرام الّذي جعله الله قياماً للناس(2) .

2 ـ أنّ البيت لا ينفكّ عن السّقف لقوله تعالى : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة)(3) ، وقال سبحانه : (وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةًلَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّة وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ)(4) ، وقال سبحانه : (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا)(5) .

فهذه الآيات تدلّ على أنّ البيت لا ينفكُّ عن السقف ، بخلاف المساجد فإنّها ربما تكون مكشوفة بلا سقف ، وهذا هو المسجد الحرام تراه مكشوفاً بلا سقف ، ومعه كيف يمكن تفسير البيوت بالمساجد؟

3 ـ أنّ سورة النور الّتي وردت فيها هذه الآية تعتني بشأن البيوت عامّة ، ويقول سبحانه : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا


(1) الطبري ، التفسير ، 18  : 111-112; الدُّر المنثور 6  : 203; الكشاف 2  : 390; الرازي ، التفسير24 : 3; الجامع لأحكام القرآن 12  : 266; ابن كثير ، التفسير 3  : 292; روح البيان 2  : 158; محاسن التأويل 7 : 213; فتح البيان 6 : 372; البحر المحيط 6 : 458 .
(2) المائدة  : 97 .
(3) الأحزاب : 33 .
(4) الزخرف : 33 .
(5) النمل : 52 .

(12)

ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَة فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)(1) فقد تكرّر في هذه الآيات ذكر البيوت ظاهراً ومستتراً سبع مرّات .

ثمّ إنّه سبحانه يسترسل في ذكر البيوت في الآية (61) ويقول : (لَيْسَ عَلَى الاَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إخوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحَيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الاْيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(2) فقد ذكر فيها البيوت عشر مرّات .

فالآيةُ قيدَ البحث وقعت بين هاتين الطائفتين من الآيات ، أفيصحُّ لنا أن نفسّر قوله (فِي بُيُوت) بالمساجد مع هذه الآيات الكثيرة الّتي تضمّنت استعمال البيت قبال المسجد؟

4 ـ إنّ من يُفسّر البيوت بالمساجد يعتمد على رواية موقوفة لابن عباس ومجاهد ، لكنّها لا تقاوم ما ورد مسنداً عن النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  :

روى الحافظ السيوطي قال : أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة : أنّ رسول الله قرأ هذه الآية : (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ) فقام إليه رجل قال : أيُّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال : «بيوت الأنبياء» ، فقام إليه أبو بكر وقال : يا رسول الله وهذا البيت منها ـ مشيراً إلى بيت علي وفاطمة ـ فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «نعم ومن أفاضلها»(3) .

ولأجل رجحان الحديث المسند على الموقوف ، قال الآلوسي في تفسيره بعد نقل الحديث :


(1) النور : 27 ـ 29 .
(2) النور : 61 .
(3) الدرّ المنثور 6  : 203 .


(13)

وهذا إن صحّ لا ينبغي العدول عنه(1) .

ولأجل بعض ما ذكرنا قال أبو حيان : الظاهر أنّ البيوت مطلق يصدق على المساجد والبيوت الّتي تقع الصلاة فيها وهي بيوت الأنبياء(2) .

وقد روي عن الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين ـ عليه السلام ـ  : أنّ المقصود بيوت الأنبياء وبيوت عليّ ـ عليهم السلام ـ (3) .

5 ـ إنّ القرآن الكريم يعتني ببيوت النبيّ وأهلها ، يقول سبحانه : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)(4) ويعتني بأهلها ويقول : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(5) .

6 ـ وإذا راجعنا اللغة ، نرى أنّ أصحاب المعاجم يفسّرونه على وجه لا ينطبق على المسجد ، يقول الراغب : أصل البيت مأوى الإنسان بالليل ، لأنّه يقال : بات : أقام بالليل ، كما يقال : ظلّ بالنهار ، ثمّ قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه ، وجمعه أبيات وبيوت ، لكن البيوت للمسكن أخصّ ، والأبيات بالشعر(6) .

وقال ابن منظور في اللسان : البيت معروف ، وبيت الرجل داره ، وبيته قصره ، ومنه قول جبرئيل ـ عليه السلام ـ  : «بشّر خديجةَ ببيت من قصب» أراد : بشّرها بقصر من لؤلؤة مجوّفة أو بقصر من زمردة(7) .

فهذه القرائن لو تدبّر فيها المفسّر لأذعن أنّ المراد من (بُيُوت) غير المساجد ، سواء أُريد منه


(1) روح المعاني 18  : 174 .
(2) البحر المحيط 6  : 458 .
(3) البرهان في تفسير القرآن 3  : 137 .
(4) الأحزاب : 53 .
(5) الأحزاب : 33 .
(6) المفردات  : 64 مادة بيت .
(7) اللسان 2  : 14 مادة بيت .


(14)

المسجد الحرام ومسجد النبي والمسجد الأقصى ومسجد قبا ، أو أُريد مطلق المساجد .

7 ـ أضف إلى ذلك أنّ تفسير البيوت بالمساجد مرويّ عن كعب الأحبار ، ذلك الحبر اليهودي الّذي أدخل الإسرائيليّات في السنن والأحاديث ، روى ابن كثير قال : قال كعب الأحبار : مكتوب في التوراة : «أنّ بيوتي في الأرض المساجد»(1) ، ولو صحّ أنّ ابن عباس أخذه عن كعب الأحبار كما يدّعيه علماء الرجال في ترجمة كعب الأحبار فلعلّه أخذ منه ، ومرويّات كعب إسرائيليّات لا يصحّ الاحتجاج بها .

غير أنّ ما تضافر عن النبيّ الأكرم خلاف ذلك ، حيث قال : «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(2) ، فإذا كان جميع الأرض مسجداً لله تبارك وتعالى فيكون جميعها معبداً ومسجداً .

8 ـ وربّما يتصوّر أنّ ذيل الآية الّذي جاء فيه قوله : (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ)قرينة على أنّ المراد من البيوت هي المساجد ، ولكنّه غَفِلَ عن أنّ شأن بيوت الأنبياء والأولياء والصالحين ، شأن المساجد ، فهم فيها بين قائم وراكع وساجد وذاكر .

وقد اعتنى النبيّ الأكرم بشأن البيوت; فقد عقد مسلم باباً في صحيحه لاستحباب إقامة صلاة النافلة في البيت وروى فيه الروايات التالية :

أ ـ عن ابن عمر عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتّخذوها قبوراً» .

ب ـ عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «صلّوا في بيوتكم ولا تتّخذوها قبوراً» .

ج ـ عن جابر قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته فإنّ الله جاعل في بيته من صلاته خيراً» .

د ـ عن أبي موسى عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «مثل البيت الّذي يذكر الله فيه


(1) ابن كثير ، التفسير 3  : 292 .
(2) البخاري ، الصحيح 1  : 91 كتاب التيمم / ح2; البيهقي ، السنن  : 433 باب أينما أدركتك الصلاة فصلّ فهو مسجد .

(15)

والبيت الّذي لا يذكر الله فيه مثل الحيّ والميّت» .

هـ ـ وعن زيد بن ثابت في حديث : «فعليكم بالصلاة في بيوتكم; فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة»(1) .

و ـ روى أحمد أنّ عبد الله بن سعد سألَ رسول الله وقال : أيّما أفضل : الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ فقال : «فقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد ، ولئن أُصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أُصلّي في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة»(2) .

فهذه القرائن المؤكّدة ترفع الستار عن وجه المعنى; فإنّ المراد من الآية هو بيوت الأنبياء وبيوت النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبيت عليّ ـ عليه السلام ـ وما ضاهاها ، فهذه البيوت لها شأنها الخاصّ; لأنّها تخصُّ رجالا يُسبّحونه سبحانه ليلا ونهاراً ، غُدُوّاً وآصالا ، تعيش فيها رجال لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة وقلوبهم مليئة بالخوف من يوم تتقلّب فيه القلوب والأبصار .

ما هو المراد من الرفع؟

قد تعرّفت على المقصود من البيوت ، فهلمّ معي ندرس معنى الرفع ، ومن حسن الحظّ أنّ المفسّرين لم يختلفوا فيه اختلافاً موجباً لغموض المعنى; فقد ذكروا فيه المعنيين التاليين :

الأوّل : أنّ المراد من الرفع هو البناء ، بشهادة قوله سبحانه : (ءَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا)(3) ، وقوله سبحانه : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ . . .)(4) .

الثاني : أنّ المراد هو تعظيمها والرفع من قدرها ، قال الزمخشري : رَفْعُها : إمّا بناؤها; لقوله


(1) مسلم ، الصحيح 2  : 187-188 باب استئجار صلاة النافلة في البيت .
(2) أحمد ، المسند 4  : 342 .
(3) النازعات 27 ـ 28 .
(4) البقرة : 127 .


(16)

تعالى : (رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) و (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ . . .)
أمر الله أن تُبنى ، وإمّا تعظيمها والرفع من قدرها(1) .

وقال القرطبي : ترفع : تُبْنى وتعْلى(2) .

وقال إسماعيل حقي البروسوي : أن ترفع : بالبناء ، والتعظيم ورفع القدر(3) .

وقال حسن صدّيق خان : المراد من الرفع ، بناؤها (أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) ورفع ابراهيم القواعد من البيت ، وترفع أي تعظّم وتطهر من الأنجاس عن اللغو ولها مجموع الأمرين(4) ، إلى غير ذلك من الكلمات المتشابهة ، ولا حاجة إلى ذكرها ، إنّما المهم بيان دلالة الآية وتحقيقها .

قد عرفت أنّ المراد من البيوت هو بيوت الأنبياء والعترة والصالحين من صحابة النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  ، فالآية تأذن أن تُبنى هذه البيوت بناءً حسّياً وترفع من قدرها رفعاً معنوياً ، فهنا نستنتج من الآية أمرين :

1 ـ أنّ المراد من رفع البيوت ليس إنشاؤها; لأنّ المفروض أنّها بيوت مبنيّة ، بل المراد هو صيانتها عن الاندثار ، وذلك كرامة منه سبحانه لأصحاب هذه البيوت ، فقد ترك المسلمون الأوائل بيوتاً للرسول الأكرم والعترة الطاهرة وللصالحين من صحابته ، وحرستها الدول الإسلامية طيلة أربعة عشر قرناً ، فعلى المسلمين قاطبة والدول الإسلاميّة عامّة بذل السعي في صيانتها عملا بالآية المباركة ، والحيلولة دون تهديمها بحجّة توسعة المسجد النبوي أو المسجد الحرام .

ولكن من سوء الحظّ ، أو من تسامح الدول في ذلك المجال أن هُدّمت هذه البيوت ودمّرت بمعاول الوهابيين ، ومن هذه البيوت بيت الحسنين والصادقين ـ عليهم السلام ـ في محلّة بني هاشم ، فلا ترى لها أثراً ، كما لا ترى من بيت أبي أيوب الأنصاري مُضيِّف النبيّ الأكرم أثراً ، ومثلها مولد النبيّ في مكّة المكرّمة وغيرها .


(1) الكشاف 2  : 390 بتصرّف يسير بإضافة كلمة «أما» .
(2) جوامع الأحكام 12  : 266 .
(3) روح البيان 6  : 158 .
(4) فتح البيان 6  : 372 .


(17)

فعلى المسلمين مسؤولية إعادة هذه الأبنية في أماكنها عملا بالآية ورفع قدرها مهما أمكن ، ولئن صارت الإعادة أُمنية لا تُدرَك ، مادام السيف على هامة المسلمين في أرض الوحي والتوحيد ، لكن صيانةُ ما بقي منها في مختلف الأقطار أمرٌ ممكن .

2 ـ أنّ قسماً من البيوت في المدينة المنوّرة مقابر ومشاهد لهؤلاء ، فقد دُفن النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في بيته .

كما أنّ بيت العسكريين يعني الإمام علياً الهادي والحسن العسكري في سامرّاء بمنزلة مقابرهما ومشاهدهما ، فليس لأحد قلعها بمعاول الجور باسم التوحيد ، وأيّ توحيد أعلى وأجل ممّا دعا إليه الذكر الحكيم الّذي يأمر بصيانة بيوت هؤلاء مطلقاً ، سواء كانت مقابرهم أمْ لا .

بالله عليك أيّها القارئ الكريم هل زرتَ بقيع الغرقد مراقدَ الأئمة والصحابة وزوجات النبيّ والشخصيّات الإسلاميّة الكبيرة ، وهل شاهدت قيام الحكومة بواجبها من رفع قدره وتنظيف أرضه ، أم شاهدت نقيض ذلك؟! وقد كانت بعض هذه القبور بيوت الصحابة، ولعمري أنّ القلب ليحترق إذا رأى أنّ الوهابيين يتعاملون مع قبور أفلاذ كبد النبيّ وخيار أصحابه معاملة العدوّ مع العدوّ ، ونعم من قال :

لعمري أنّ فاجعة البقيع * يشيب لهولها فُود الرّضيعِ

لقد خرجنا من دراسة هذه الآية بنتيجة خاصّة ، وهي أنّ صيانة بيوت الأنبياء والأولياء أمر ندب الله سبحانه المسلمين إليه ، سواء كان فيها قبر أم لا ، وأنّ رفعها بالبناء ، وصيانتها عن الانطماس ، وتنظيفها عن الرجس واللغو عمل بالشريعة المقدّسة; حيثُ نزل به الوحي وسار عليه المسلمون في جميع القرون .


(18)

الآية الثانية :

اتّخاذ المساجد على قبور المضطهدين في سبيل التوحيد

يذكر سبحانه قصة أصحاب الكهف ، وأنّهم اعتزلوا قومَهم للحفاظ على عقيدتهم ودينهم ، حتّى وافاهم الأجل وهم في الكهف ، وقد أعثر الله عليهم قوماً بعد ثلاثة قرون وأطلعهم عليهم ، يقول سبحانه : (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)(1) .

ومعنى الآية أنّا أعثرنا على أصحاب الكهف أهلَ تلك المدينة ليعلموا أنّ وعد الله بالبعث حقّ ، فإنّ بَعْثَ هؤلاء بعد لَبْثهم في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً دليل على إمكان الحياة الثانوية ، ليعلموا أنّ الساعة لا ريب فيها .

ثمّ إنّ القوم الذين أعثرهم الله على أجسادهم اتّفقوا على تكريمهم ، ولكن اختلفوا في طريقة التكريم ، كما يقول سبحانه : (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) ، فظاهرُ المنازعة هو ما جاء بعد هذه الجملة بضميمة لفظة الفاء ، فقال جماعة : (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً) ، أي اجعلوا عليهم بنياناً كبيراً ، ويدلّ على الوصف تنكير (بُنْيَاناً) ، وقد صرّح الجوهري وابن منظور بأنّ البنيان بمعنى الحائط(2) ، ولذلك
فسّره القاسمي بقوله : أي باب كهفهم بنياناً عظيماً كالخانقاهات(3) والمشاهد والمزارات المبنيّة على الأنبياء وأتباعهم(4) ، تسترأجسادهم وتعظّم أبدانهم ، ربهم أعلم بهم .

ولكن قال آخرون وهم الذين غلبوا على أمر القائلين بالقول الأوّل وصار البلد تحت سلطتهم


(1) الكهف : 21 .
(2) الصحاح 6  : 228 مادة بناء; لسان العرب 1  : 510 تلك المادة .
(3) الخانقات كلمة فارسية مفردها : خانقاه وتعني محلّ اجتماع الصوفيّين والدراويش . (لغت نامه 20 : 169 بالفارسية) .
(4) محاسن التأويل 7  : 21 .


(19)

(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) ومعبداً وموضعاً للعبادة والسجود يتعبّد الناس فيه ببركاتهم .

هذا هو الظاهر المستفاد من الآية .

قال الرازي : (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم) قيل : المراد به الملك المسلم وأولياء أصحاب الكهف ، وقيل : رؤساء البلد ، (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) نعبد الله ، وستبقى آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد(1) .

وقال أبوحيان الأندلسي (654 ـ 754هـ ): روي أنّ الّتي دَعت إلى البنيان كانت ، كافرة; أرادت بناءبيعة أو مصنع لكفرهم ، فمانعهم المؤمنون وبنوا عليهم مسجداً(2).

وقال أبو السعود (ت 951 هـ) : (وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم) وهم الملك والمسلمون (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)(3) .

وقال الزمخشري في الكشّاف : (وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم) من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم : ليتّخذ على باب الكهف مسجداً يصلّي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم(4) .

إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في تفسير الآية ، وكأنَّ الاتفاق موجود على أنّ القول بإيجاد البنيان على باب الكهف كان لغير المسلمين ، والقول ببناء المسجد على بابه قول المسلمين ، والّذي يدلّ على ذلك أمران :

الأوّل : أنّ اتّخاذ المسجد دليل على أنّ القائل كان موحّداً مسلماً غير مشرك; فأيّ صلة للمشرك ببناء مسجد على باب الكهف ، وإذا كان المشركون يهتمّون بعمارة المسجد الحرام فلأجل أنّه أُنيطَ بالبيت كيانهم وعظمتهم في الأوساط العربيّة ، بحيث كان التخلّي عنها مساوقاً لسقوطهم عن أعين العرب في الجزيرة كتكريمهم البيت الحرام .


(1) مفاتيح الغيب 21  : 105.
(2) البحر المحيط 6 : 109 ط . دار الكتب العلمية .
(3) أبو السعود محمد بن محمد العمادي ، التفسير 5  : 215 .
(4) الكشاف 2  : 245 .


(20)

أفبعدَ اتّفاق أكابر المفسّرين هل يصحّ لباحث أن يشكّ في أنّ القائلين ببناء المسجد على قبورهم كانوا هم المسلمين الموحّدين؟!

الثاني : ما رواه الطبري في تفسير قوله : (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ)(1) قال : إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين سوقها فيسمع أُناساً كثيراً يحلفون باسم عيسى بن مريم ، فزاده فزعاً ورأى أنّه حيران ، فقام مسنِداً ظهرَه إلى جدار من جُدران المدينة ويقول في نفسه : أمّا عشيّة أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلاّ قُتل ، أمّا الغداة فأسمعهم وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف!! ثمّ قال في نفسه : لعلّ هذه ليست بالمدينة الّتي أعرف(2) .

وهذا يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت موحّدة مؤمنة متديّنة بشريعة المسيح ، رغم كونهم على ضدّه قبل ثلاثمائة سنة .

وقال في تفسير قوله تعالى : (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً)(3) فقال الّذين أعثرناهم على أصحاب الكهف : (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) يقول : ربّ الفتية أعلم بشأنهم ، وقوله : (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) يقول جلّ ثناؤه : قال القوم الّذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف : (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) .

وقد نُقل عن عبد الله بن عبيد بن عمير : فقال المشركون : نبني عليهم بنياناً; فإنّهم أبناءُ آبائنا ونعبد الله فيها ، وقال المسلمون : نحن أحقّ بهم ، هم منّا ، نبني عليهم مسجداً نصلّي ونعبد الله فيه(4) .

الرأي المسبق يضرب عرض الجدار

إنّ الشيخ الألباني ربيب الوهابيّة ومروّجها ، لمّا رأى دلالة الآية على أنّ المسلمين حاولوا أنْ يبنوا مسجداً على قبورهم ، وكان ذلك على طرف الخلاف من عقيدته ، حاول تحريف الكلم وقال :


(1) الكهف : 19 .
(2) الطبري ، التفسير 15  : 219 في تفسير سورة الكهف ، الآية 19 ط . مصطفى الحلبي، مصر .
(3) الكهف : 21 .
(4) الطبري ، التفسير 15  : 225 وفي ط أُخرى : ص149; ولاحظ تفسير القرطبي والكشاف للزمخشري وغرائب القرآن للنيسابوري في ذيل هذه الآية .


(21)

إنّ المراد من الغالبين هم أهل السلطة ، ولا دليل على حجيّة فعلهم! ولكنّه عزب عن رأيه أنّ البيئة قد انقلبت عن الشرك إلى التوحيد ومن الكفر إلى الإسلام حسبما نقله الطبري ، وليس القائل ببناء المسجد على بابهم الملك ، وإنّما القائل هم الّذين توافدوا على باب الكهف عندما أعثرهم سبحانه على أحوالهم ، وطبع الحال يقتضي توافد الأكثرية الساحقة القاطنين في المدينة على باب الكهف لا خصوص الملك ، ولا وزراؤه ، بل الموحّدون بأجمعهم ، وهوفي هذه النسبة عيال على ابن كثير حيث قال : والظاهر أنّهم أصحاب النفوذ(1).

نحن نفترض أنّهم أصحاب النفوذ ، إلاّ أنّهم نظروا إلى الموضوع من خلال منظار دينهم ومقتضى مذهبهم لا مقتضى سلطتهم .

تقرير القرآن على صحّة كلا الاقتراحين

إنّ الذكر الحكيم يذكر كلا الاقتراحين من دون أيّ نقد ورد ، وليس صحيحاً قطعاً أن يذكر الله سبحانه عن هؤلاء الموجودين على باب الكهف أمراً باطلا من دون أيّة إشارة إلى بطلانه; إذ لو كان كذلك كأن يكون أمراً محرّماً أو مقدّمة للشرك والانحراف عن التوحيد ، لكان عليه أن لا يمرّ عليها بلا إشارة إلى ضلالهم وانحرافهم ، خصوصاً أنّ سياق الآية بصدد المدح ، وأنّ أهل البلد اتّفقوا على تكريم هؤلاء الّذين هجروا أوطانهم لأجل صيانة عقيدتهم ، غاية الأمر اختلفوا في كيفيّته ، فمن قائل ببناء البنيان إلى آخر قائل ببناء المسجد .

إنّ القرآن كتاب نزل لهداية الإنسان وتربية الأجيال ، والهدف من عرض حياة الأُمم ووقائعهم هو الاعتبار ، فلا ينقل شيئاً إلاّ فيه عبرة ، فلو كان الاقتراحان يمسّان كرامة التوحيد ، لِمَ سكت عنه؟!

وهذا ظاهر فيمن تدبّر في القرآن الكريم ، وسيوافيك بقيّة الكلام عند بيان النتيجة .


(1) ابن كثير ، التفسير 5  : 375 .


(22)

ولكن تعال معي لنقف على بعض ما قاله جمال الدين القاسمي الدمشقي (1283-1332 هـ ) الذي كان يصوّر نفسه مصلحاً إسلاميّاً يسعى إلى توحيد كلمة المسلمين ولَمِّ شَعْثِهم ، ومن شروط من يتبنّى لنفسه ذلك المقام الرفيع أن ينظر إلى المسائل من منظار وسيع ، ويستقبل الخلاف بين المسلمين بسعة صدر ، ولكنّه ـ عفا الله عنه ـ يريد توحيد الكلمة في ظلّ الأُصول الّتي ورثها عن ابن تيمية ، فزاد في الطين بلّة ، ويشهد لذلك ما علّقه على عبارة ابن كثير .

قال ابن كثير بعد تفسير الآية : هل هم كانوا محمودين أم لا؟ فيه نظر; لأنّ النبيّ قال : «لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» يحذّر ما فعلوا .

وقال جمال الدين : وعجيب من تردّده في كونهم غير محمودين ، مع إيراده الحديث الصحيح بعده المسجّل بلعن فاعل ذلك ، والسبب في ذلك أنّ البناء على قبر النبيّ مَدعاة للإقبال عليه والتضرّع إليه ، ففيه فتح لباب الشرك ، وتوسّل إليه بأقرب وسيلة . . .(1) .

يلاحظ عليه : أنّ القرآن هو الحجّة الكبرى للمسلمين ، وفيه تبيان لكلّ شيء ، وهو المهيمن على الكتب ، فإذا دلّ القرآن على جوازه فما قيمة الخبر الواحد الّذي روي في هذا المجال إذا كان مضادّاً للوحي ، ومخالفاً لصريح الكتاب ، وإن كانت السنّة المحمديّة الواقعية لا تختلف عنه قيد شعرة ، إنّما الكلام في الرواية الّتي رواها زيد عن عمرو حتّى ينتهي إلى النبيّ ، فإنّ مثله خاضع للنقاش ، ومرفوض إذا خالف الكتاب ، لكن ما ذكره يعرب عن أنّ الأساس عنده هو الحديث لا الذكر الحكيم .

وكان عليه بعد تسليم دلالة القرآن أن يبحث في سند الحديث ودلالته ، وأنّ الحديث على فرض الصحّة ناظر إلى ما كان القبر مسجوداً له ، أو مسجوداً عليه أو قِبلة ، ومن المعلوم أنّ المسلمين لا يسجدون إلاّ لله ، ولا يسجدون إلاّ على ما صحّ السجود عليه ، ولا يستقبلون إلاّ القِبلة ، وسيتّضح نصّ محقّقي الحديث ، على أنّ المراد هو ذلك ، فانتظر .

وأعجب منه ما في ذيل كلامه : من أنّه رأى التوسّل بالنبيّ شركاً ، مع أنّ النصوص الصحيحة في الصحاح تدلّ على جوازه ، فقد توسّل الصحابي الضرير بالنبيّ الأكرم حسب تعليمه وقال : اللّهمّ إنّي


(1) محاسن التأويل 7  : 30-31 .


(23)

أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى(1) .

وقد اتّفقوا على صحّة الحديث ، حتّى أنّ ابن تيمية ـ مُثيرَ هذه الشكوك ـ
اعترف بصحّته وقال : وقد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبيّ أنّه علّم رجلا يدعو فيقول : . . . ، وقد أوردنا نصوص القوم في بحث «التوسّل»(2) .

ومن زعم أنّ هذه التوسّلات أساس الشرك ، فلينظر إلى المسلمين طيلة أربعة عشر قرناً; فإنّهم ما برحوا يتوسّلون بالنبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  ، وما عدلوا عن سبيل التوحيد قيد شعرة .

إنّ إنشاء البناء على قبر نبيّ التوحيد تأكيدٌ على مبدأ التوحيد ورسالته العالمية الّتي يشكّل أصلها الأوّل قوله سبحانه : (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(3) .

وقد خرجنا عن هذه الدراسة بالنتيجتين التاليتين :

1 ـ جواز البناء على قبور الأولياء والصالحين ودعاة التوحيد فضلا عن النبيّ ، وما ذلك إلاّ أنّ القرآن ذكر ذلك من دون أن يغمض فيه ، وليس القرآن كتاباً قصصيّاً ولا مسرحيّاً للتمثيل ، بل هو كتاب هداية ونور ، فإن نقل شيئاً ولم يغمض عليه فهو دليل على أنّه محمود عنده .

نرى أنّه سبحانه يحكي كيفيّة غرق فرعون ويقول : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(4) .

ولمّا كانت تلك الفكرة باطلة عنده سبحانه ، أراد إيقاف المؤمنين على أنّ الإيمان في هذا الظرف غير مفيد ، فلأجل ذلك عقّب عليه بقوله : (ءالاْنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(5) .


(1) الترمذي ، الصحيح 5  : كتاب الدعوات ، الباب 119 / ح 2578; ابن ماجة ، السنن 1  : 441 / ح1385; الإمام أحمد ، المسند 4  : 138 ، إلى غير ذلك من المصادر .
(2) راجع ص 611 من هذا الكتاب .
(3) النحل : 36 .
(4) يونس : 90 .
(5) يونس : 91 .


(24)

فالإنسان العارف بالكتاب يقف على أنّه لم يترك على صعيد العقائد أُموراً إلاّ وذكر أوضحها وبيّنها بطرق مختلفة ، ومن تلك الطرق القصص الواردة في الكتاب العزيز; فكلّ ما وقع في الأُمم السالفة وصار القرآن بصدد ذكره فهو على أقسام ثلاثة : كونه بيّن الصحة ، أو بيّن البطلان ، أو المردّد بين الأمرين .

فقد يترك البيان في الأوّلين لعدم الحاجة ، وأمّا الثالث فلا يتركه إلاّ إذا كان مقبولا لديه .

2 ـ جواز بناء المسجد على قبور الصالحين فضلا عن الأنبياء وجواز الصلاة فيها والتبرّك بتربته ، فلو كانت الصلاة في المقابر مكروهة فالأدلّة المرغّبة إلى الصلاة في جِوار الصالحين والأنبياء تخصّص تلك العمومات; وذلك لأنّ للصلاة في مشاهدهم مصلحة تغلب على المضاضة الموجودة في الصلاة في المقابر المطلقة .


(25)

الآية الثالثة : صيانة الآثار وتعظيم الشعائر

قال سبحانه : (ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)(1) .

والاستدلال بالآية يتوقّف على ثبوت صغرى وكبرى :

فالصغرى عبارة عن كون الأنبياء وأوصيائهم ومن يرتبط بهم أحياءً وأمواتاً من شعائر الله، والكبرى عبارة عن كون البناء وصيانة الآثار والمقابر تعظيماً لشعائر الله .

ولا أظنّ أنّ الكبرى تحتاج إلى مزيد بيان ، إنّما المهم بيان الصغرى ، وأنّ الأنبياء والأوصياء وما يرتبط بهم من شعائر الله ، وبيان ذلك يحتاج إلى نقل ما ورد حول شعائر الله من الآيات :

1 ـ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ)(2) .

2 ـ (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامِ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً)(3) .

3 ـ (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ)(4) .

وفي آية أُخرى جعل مكان شعائر الله حرمات الله وقال :

(ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَاُحِلَّتْ لَكُمُ الاَْنْعَامُ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَْوْثَانِ . . .)(5) .

ما هو المقصود من شعائر الله؟

هنا احتمالات :


(1) الحجّ : 32 .
(2) البقرة : 158 .
(3) المائدة : 2 .
(4) الحجّ : 36 .
(5) الحج : 30 .


(26)

1 ـ تعظيم آيات وجوده سبحانه .

2 ـ معالم عبادته وأعلام طاعته .

3 ـ معالم دينه وشريعته ، وكلّ ما يمت إليهما بصلة .

أمّا الأوّل ، فلم يقل به أحد; إذ كل ما في الكون آيات وجوده ، ولا يصحّ تعظيم كلّ موجود بحجّة أنّه دليل على الصانع .

وأمّا الثاني; فهو داخل في الآية قطعاً ، وقد عدّ الصَّفا والمروةَ والبُدْن من شعائر الله ، فهي من معالم عبادته وأعلام طاعته ، إنّما الكلام في اختصاص الآية بمعالم العبادة وأعلام الطاعة ، ولا دليل عليه ، بل المتبادر هو الثالث ، أي معالم دينه سبحانه ، سواء كانت أعلاماً لعبادته وطاعته أم لا; فالأنبياء والأوصياء والشهداء والصحف والقرآن الكريم والأحاديث النبويّة كلّها من شعائر دين الله وأعلام شريعته ، فمن عظّمها فقد عظّم شعائر الدين .

قال القرطبي : فشعائر الله ، أعلام دينه ، لا سيما ما يتعلّق بالمناسك(1) .

ولقد أحسن حيث عمّم أوّلا ، ثمّ ذكر مورد الآية ثانياً ، وممّا يعرب عن ذلك أنّ إيجاب التعظيم تعلّق بـ «حرمات الله» في آية أُخرى .

قال سبحانه : (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)(2) ، والحرمات ما لا يحلّ انتهاكه ، فأحكامه سبحانه حرمات الله; إذ لا يحلّ انتهاكها ، وأعلام طاعته وعبادته حرمات الله; إذ يحرم هتكها ، وأنبياؤه وأوصياؤهم وشهداء دينه وكتبه وصحفه من حرمات الله ، يحرم هتكهم ، فلو عظّمهم المؤمن أحياءً وأمواتاً فقد عمل بالآيتين : (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ) ، (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ) .


(1) القرطبي ، التفسير 12  : 56 طبع دار إحياء التراث .
(2) الحجّ : 30.


(27)

الآية الرابعة : صيانة الآثار ومودّة ذوي القربى

إنّ القرآن الكريم يأمرنا ـ بكلّ صراحة ـ بحبّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأقربائه ، ومودّتهم ومحبّتهم فيقول :

(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)(1) و (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(2) .

ومن الواضح لدى كلّ من يخاطبه الله بهذه الآية أنّ البناء على مراقد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته ـ عليهم السلام ـ  ، هو نوع من إظهار الحبّ والمودّة لهم ، وبذلك يخرج عن كونه بدعة ، لوجود أصل له في الكتاب والسنّة ، ولو بصورة كليّة .

وهذه العادة متّبعة عند كافة الشعوب والأُمم في العالم ، فالجميع يعتبرون ذلك نوعاً من المودّة لصاحب ذلك القبر ، ولذلك تراهم يدفنون كبار الشخصيات السياسية والعلمية في كنائس ومقابر مشهورة ويزرعون أنواع الزهور والأشجار حولها .


(1) المائدة : 56 .
(2) الشورى : 23 .


(28)

المبحث الثاني :
صيانة الآثار من منظار القواعد الفقهيّة
الأصل في الأشياء الإباحة والحلّية

إنّ الأصل في الأشياء هو الإباحة ما لم يرد فيها نهي في الشريعة ،
وهذه هي القاعدة المحكمة الّتي اعتمد عليها الفقهاء عبر القرون إلاّ المتزمّتين
غير الواعين .

حتّى أنّ الذكر الحكيم يصرّح بأنّ وظيفة النبيّ الأكرم هو بيان المحرّمات دون المحلّلات ، وأنّ الأصل هو حلّية كلّ عمل وفعل ، إلاّ أن يجد النبيّ حرمته في شريعته ، وأنّ وظيفة الأُمّة هو استفراغ الوسع في استنباط الحكم من أدلّته ، فإذا لم تجد دليلا على الحرمة تحكم عليه بالجواز .

ونكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى مجموعة من الآيات ، وإن كان في السنّة الغرّاء أيضاً كفاية :

1 ـ قال سبحانه : (وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)(1) .

فإنّ هذه الآية تكشف عن أنّ الّذي يحتاج إلى البيان إنّما هو المحرّمات لا المباحات ، ولأجل ذلك لا وجه للتوقّف في العمل ، بعدما لم يكن مبيّناً في جدول المحرّمات .

وبعبارة أُخرى : أنّ المسلم إذا لم يجد شيئاً في جدول المحرّمات لم يكن له تبرير لتوقّفه وعدم الحكم عليه بالإباحة والجواز والحلّية .

2 ـ قال سبحانه : (قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ


(1) الأنعام : 119 .


(29)

بِهِ)(1) .

إنّها تكشف عن أنّ ما يلزم بيانه إنّما هو المحرّمات لا المباحات ، ولذلك يستدلّ مبلغ الوحي ـ ونعني به النبيّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ بأنّه لا يجد فيما أُوحي إليه محرّماً على طاعم يطعمه سوى الأُمور المذكورة ، فإذا لم يكن هناك منها شيء فهو محكوم بالحلّية والإباحة .

3 ـ قال سبحانه : (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا)(2) .

4 ـ قال سبحانه أيضاً : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)(3) .

إنّ دلالة هاتين الآيتين على المقام واضحة ، فإنّ جملة «وما كان» تارة تستعمل في نفي الشأن والصلاحية ، وأُخرى في نفي كون الشيء أمراً ممكناً .

أمّا الأوّل ، فمثل قوله : (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ
رَحِيمٌ)
(4) وغيرها كسورة آل عمران(5) ، أي ليس من شأن الله سبحانه وهو العادل الرؤوف أن يضيع إيمانكم .

وأمّا الثاني ، فمثل قوله : (مَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُؤَجَّلا)(6) ، أي لا يمكن لنفس أن تموت بدون إذنه سبحانه .

فيكون معنى الآيتين بناءً على الاستعمال الأوّل : هو ليس من شأن الله تعالى أن يعذّب الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث إليهم رسولا .


(1) الأنعام : 145 .
(2) الإسراء : 15 .
(3) القصص : 59 .
(4) البقرة : 143 .
(5) الآيات 79 و 161 .
(6) آل عمران : 145 .


(30)

وعلى الاستعمال الثاني : هو ليس من الممكن أن يعذّب الله الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث إليهم رسولا .

وعلى كلّ تقدير ، فدلالة الآيتين على الإباحة واضحة; إذ ليست لبعث الرسل خصوصية وموضوعية ، ولو أُنيط جواز العذاب ببعثهم فإنّما هو لأجل كونهم وسائط للبيان والإبلاغ ، والملاك هو عدم جواز التعذيب بلا بيان وإبلاغ ، وأنّ التعذيب بلا بيان وإبلاغ ليس من شأنه سبحانه ، أو أنّه ليس أمراً ممكناً حسب حكمته .

5 ـ قال سبحانه : (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ وَلَهَا مُنْذِرُونَ)(1) .

فإنّ هذه الآية مشعرة بأنّ الهلاك كان بعد الإنذار والتخويف ، وأنّ اشتراط الإنذار كناية عن البيان وإتمام الحجّة .

6 ـ قوله سبحانه : (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)(2) .

فإنّ هذه الآية تدلّ على أنّ التعذيب قبل بعث الرسول مردود بحجّة المعذّبين وهي قولهم : (لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) ، فلا يصحّ التعذيب إلاّ بعد إتمام الحجّة عليهم ببعث الرسل .

وهذا يعني أنّ الأشياء مباحة جائزة الارتكاب خالية عن العقوبة أصلا ، إلاّ إذا ردع عنها الشارع بشكل من الأشكال الّتي منها إرسال الأنبياء .

7 ـ قوله سبحانه : (يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِير وَلاَ نَذِير فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِير)(3) .

فإنّ ظاهر قوله : (مَا جاءَنَا مِنْ بَشِير وَلاَ نَذِير) أنّه حجّة تامّة صحيحة ، ويحتجّ به على


(1) الشعراء : 208 
(2) طه : 134 .
(3) المائدة : 19 .f

(31)

كلّ من عذّب قبل البيان ، ولأجل ذلك قام سبحانه بإرسال الرسل حتّى لا يُحتج عليه ، بل تكون الحجة لله سبحانه .

وهذا يدلّ على أنّه لا يحكم على حرمة شيء ، ولا يجوز التعذيب على ارتكابه قبل بيان حكمه; وذلك لأنّ بعث البشير والنذير كناية عن بيان الأحكام .


(32)

المبحث الثالث :

المشاهد والمقابر من خلال سيرة المسلمين في خير القرون

قد تعرّفت على قضاء الكتاب في تكريم الأنبياء والأولياء ، وأنّ البناء على قبورهم أو بناء المساجد حول مراقدهم أمر محبّذ; ندبت إليه الشريعة الإلهيّة ، ولم ترَ أيّ أثر فيها للتحريم ، وعلى ذلك درج السلف الصالح عبر القرون ، ولم يزل الإلهيّون من أهل الكتاب والمسلمين على مدى العصور يهتمّون بمقابر الأنبياء والأولياء بالبناء والتعمير ثمّ التطهير والتنظيف لها ، حتّى أنّ كثيراً من المتمكّنين يُخصّصُون شيئاً من أموالهم لهذه الغاية .

فهذه القباب الشاهقة والمنائر الرفيعة والساحات الوسيعة حول مراقد الأنبياء والأولياء وحول مراقد صحابتهم في مختلف الديار شرقها وغربها ، لهي دليل قاطع على أنّ هذه السيرة سيرة مشروعة ، وإلاّ كان على الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان رفضها وردّها بالبيان والبنان والسلطة والقوّة ، وإلاّ فالسكوت عليها إلى عصر إثارة هذه الشكوك ، عصر ابن تيمية ، أدلّ دليل على كونها سيرة مشروعة .

وعندما قام ابن تيمية بوجه هذه السيرة أثار ثائرة المسلمين ضدّه شرقاً وغرباً ، وقد بيّنوا ضلالة تلك الفكرة وانحرافها عن الشرع .

وقد وقف السلف الصالح ـ بعد فتح الشام ـ على قبور الأنبياء ذوات البناء الشامخ ، فتركوها على حالها من دون أن يخطر ببال أحدهم ـ وعلى رأسهم عمر بن الخطاب ـ بأنّ البناء على القبور أمر محرّم يجب هدمه .

وهكذا الحال في سائر القبور المشيّدة عليها الأبنية في أطراف العالم ، وإن كنت في ريب فاقرأ تواريخهم .

ولو قام باحث بوصف الأبنية الشاهقة الّتي كانت مشيّدة على قبور الأنبياء والصالحين قبل ظهور الإسلام ، وما بناه المسلمون في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا في مختلف


(33)

البلدان ، لجاء بكتاب فخم ضخم ، يعرب عن أنّ السنّة الرائجة في تلك الأعصار قبل الإسلام وبعده ، من عصر الرسول والصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا ، هي مشروعيّة البناء على القبور والعناية بحفظ آثار علماء الدين ، ولم ينبس أي ابن أُنثى حول ذلك ببنت شفة ، وما اعتُرض عليها ، بل تلقّوها إظهاراً للمحبّة والودّ لأصحاب الرسالات والنبوّات وأصحاب العلم والفضل ، ومن خالف تلك السنّة وعدّها شركاً أو أمراً محرّماً فقد اتّبع غير سبيل المؤمنين ، قال سبحانه :

(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً)(1) .

وقد وارى المسلمون جسد النبيّ الأكرم في بيته المسقّف ، ولم يزل المسلمون منذ واروا جثمانه ، على العناية بحجرته الشريفة بشتّى الأساليب .

وقد بنى عمر بن الخطاب حول حجرته جداراً ، حيث جاء تفصيل كلّ ذلك مع ذكر وصف الأبنية الّتي توالت عليها عبر القرون في الكتب المتعلّقة بتاريخ المدينة ، لا سيّما وفاء الوفا للإمام السمهودي المتوفّى عام 911 هـ(2) ، والبناء الأخير
الّذي شيّد عام 1270هـ قائم لم يمسّه سوء ، وسوف يبقى بفضل الله تبارك وتعالى محفوظاً عن الاجتراء .

وأمّا المشاهد والقباب المبنيّة في المدينة منذ العصور الأُولى فحدّث عنها ولا حرج ، لا سيّما في بقيع الغرقد ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب التاريخ وأخبار المدينة .

وقد ذكر كثير من المؤرّخين والسيّاح شيئاً كثيراً من أبنية شاهقة على قبور الأنبياء والصالحين في خير القرون .

وبدورنا نذكر شيئاً يسيراً ممّا جاء في كتبهم ، ونكتفي بذكر كلمات ثلاثة من المؤرّخين

المعروفين بالتثبّت والضبط ، ثمّ نذكر ما ذكره الرحّالة المعروف ابن جبير في رحلته على وجه التفصيل :


(1) النساء : 115 .
2) وفاء الوفا 2  : 458 الفصل التاسع .

Website Security Test