welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أُصول الفلسفة*
نویسنده :الفيلسوف الإسلامي الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي*

أُصول الفلسفة

أُصول الفلسفة

تأليف

الفيلسوف الإسلامي الكبير
السيد محمد حسين الطباطبائي

نقله للعربية

العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني


(2)

(3)

كلمة الفيلسوف الإسلامي الكبير في حقّ الترجمة و المترجم:

بسم اللّه وله الحمد

مقالات فلسفية تسير بقارئها حتى توقفه على أُفق عال من النظر ويشرف منه على خلاصة النظريات التي حصّلتها الأبحاث الموروثة من قدماء الفلاسفة من كلدة ومصر وإيران واليونان وغيرهم ثم تحملها فلاسفة الإسلام، ويطّلع على الأبحاث والآراء التي أضافتها إليها الفلسفة الغربية الحديثة، ثمّ يقف على القضاء الحرّ والرأي الحقّ الذي لا مناص عنه للنظر المصيب.

قد كنت سردتها قبل بضع سنين أيّام ألقيتها للدراسة بالفارسية فطبعت وانتشرت على الوصف ثمّ لاح لي أن أكسوها بحلية العربية، والوقت لا يسمح والسعي لا ينجح فاستدعيت شيخنا المحقّق صاحب الفضيلة الشيخ جعفر السبحاني ـ سلّمه اللّه تعالى ـ أن يتصدّى ذلك وهو ممّن جال مضمارها، وشقّ غبارها، وقد حضر دراستها مرّة بعد مرّة فأجابني بهذا الذي نقدّمه إلى القراء الكرام ولا أراه سلّمه اللّه إلاّ أتى بأجمل ممّا كنت أقدّره، وجاء بأغزر ممّا كنت أؤملّه. أشكره على ما استفرغ في تقرير مقاصده من الوسع وقام بأمانة النقل وإيضاح أغراض الفن أحسن القيام، شكر اللّه سبحانه جميل مسعاه.

محمّد حسين الطباطبائي

9 ذي القعدة 1378 هـ

17 مايس 1959 م


(4)

كلمة للشيخ مرتضى آل ياسين
من أعلام النجف الأشرف

بسم اللّه وله الحمد

وصلّـى اللّه على محمّد وآل محمد

وبعد; فإنّ الكلمة في مثل هذا الكتاب ليست لمثلي وإنّما هي للفطاحل من فلاسفة الإسلام الذين ساقهم حسن التوفيق إلى الإضطلاع بهذه البحوث فعالجوها بعقولهم النيّـرة ومواهبهم الخيّـرة فاحسنوا علاجها وفتحوا وقاحها وتوغلوا في مناهجها ومعارجها حتى تبوّؤا الصدارة بين العلماء والمتألهين والعرفاء الربانيين.

هؤلاء العلماء هم الذين يجب أن يقولوا كلمتهم في مثل هذا الكتاب الفذ يستوحونها من خبراتهم الواسعة التي أفادوها من دراسات هذا الفن بما فيه من عمق ودقة لكي تكون كلمة مُواتية لما يستحقه الكتاب من تثمين وتقييم وما يستحقه مؤلّفه السيد الجليل من تقدير وتبجيل.

بيد أنّ ذلك مهما كان حقَّا لا يعني منع الآخرين من ابداء شعورهم تجاه الكتاب أو تجاه مؤلّفه فيما إذا أرادوا أن يدُلوا ب آرائهم إلى جنب غيرها من الآراء.

ولأجل ذلك جاز لنا أن نقول أنّ كتاب (أُصول الفلسفة) الذي يجده القارئ الكريم بين يديه قد حفل بمزايا وخصائص امتاز بها امتيازاً ظاهراً ونجح بها


(5)

نجاحاً باهراً.

ومن خصائصه البارزة جمعه بين الفلسفتين القديمة والحديثة ثم تيسره للمسائل العويصة المعضلة تيسيراً يجعلها في متناول أكثر الأفهام وربّما حلل بعضها تحليلاً وجدانياً يغني القارئ عن التماس البرهان والدليل وبهذا استطاع أن يوجّه للفسلفة المادية ضربة قاضية وأن يثبت لأولئك الأغوار الذين فتنتهم تلك الفلسفة بأنّ الفلسفة الإلهية كانت ولا تزال أرسخ قدماً من أن تزلزلها مزاعم الماديين الزائفة مهما طبّلوا لها وزّمروا وإنّ كتاباً له مثل هذه الخصائص القيمة لجدير بأن يصبح في حيازة كل انسان من شبابنا المثقف لئلا يحرم من فوائده الجمة وعوائده المهمة التي دبجتها يراعة الفيلسوف الإسلامي الكبير العلامة الحجة السيد محمد حسين الطباطبائي ـ دام تأييده ـ.

وأنّي لأدعو هواة الفلسفة من الشباب العربي إلى اقتناء هذا السفر الجليل ليستنيروا ب آرائه الصائبة ويستمدّوا من براهينه الدامغة ما يجعلهم أشدّ إيماناً وأقوى يقيناً، ومن الحق على قراء اللغة العربية أن يتقدموا بجزيل الشكر إلى فضيلة العلامة المجاهد الشيخ جعفر السبحاني الذي أخرج هذا الكتاب من لغته الفارسية إلى لغة القرآن وقدّمه إلى قرائها بهذا اللسان العربي المبين فجزاه اللّه عن الحق خير جزاء المحسنين والحمد للّه أوّلاً وآخراً وصلّـى اللّه على محمد وآله الطاهرين.

مرتضى آل ياسين


(6)

مقدمة الطبعة الثانية للمترجم:

بسم الله الرحمن الرحيم

أُصول الفلسفة

دراسات ومحاضرات ألقاها الأُستاذ الأكبر حكيم الإسلام وفيلسوف الشرق السيد محمد حسين الطباطبائي ـ تغمده اللّه برحمته الواسعة ـ. ألقاها يوم كان للمادية صولة في مجالي السياسة والاقتصاد. وكانت الفكرة المادية خداعة للشباب تغري كثيراً من المثقفين الجامعيين. بفروضها الجديدة واصطلاحاتها الثورية وقد أثرت في أبناء وطننا الإسلامي وهزت العقائد في بعض النفوس.

استشعر الأُستاذ المغفور له بواجبه فألَّف تلك الموسوعة لغاية التقريب بين فلسفتي الشرق والغرب تقريباً موضوعياً و الفصل بينهما وقد نقد خلال ذلك الأفكار المادية الموروثة من ماركس وانجلز التي نشرتها الشيوعية السوفياتية بألوان مختلفة وقد كان للموسوعة أثرها الخاص يوم ظهورها وانتشارها بين العلماء والمثقفين.


(7)

وقد أمرني الأُستاذ ـ يوم ذاك ـ بتعريبها استشعاراً منه بوجود المؤهلات في تلميذه الصغير وقد أديت بعض الواجب بنقل بعض أجزائه إلى العربية وقد انتشرت قبل نحو أربعين سنة.

وها هي يُجدد طبعها الآن وتنشر بصورة جميلة باهرة.

ولقائل أن يقول أنّ الشيوعية والماركسية والأفكار المادية قد قضي عليها في هذه الآونة الأخيرة عن طريق التجزئة السياسية للاتحاد السوفياتي فلم يبق للمادية عمود يركن إليه، وقد تبددت اشلاؤها وتفككّت انحاؤها ولكن الكاتب يوافق ذلك القائل بعض الموافقة فانّ الماركسية وإن كانت حسب الوصف المذكور ولكنها انحلّت سياسياً واقتصادياً لا فكرياً ومنهجياً، فلا يعد معسكراً شرقياً مقابل المعسكر الغربي ولكن الفكر المادي وأصوله الهدامة بعد موجودة في بعض الأدمغة وَتدَّرس في الجامعات، وأساتذتها بعد في محاولة للتجديد فعلى ذلك ليس من صحيح الرأي تصغير العدو وهو بعد بصدد جمع العدة للهجوم على المثل الدينية.

وهذا ما دعا الكاتب أن يدفع الكتاب إلى الناشر لنشره بثوب جديد مع تغييرات يسيرة في التعبير واصلاح قليل في المضمون والمحتوى.

أسأله سبحانه أن يوحد صفوف الإلهيين ضد الماديين وينشر كلمة التوحيد ويببدد صفوف المشركين والمنافقين.

قم

الجامعة العلمية

جعفر السبحاني

1 ذي الحجة الحرام 1414


(8)

مقدمة الطبعة الأُولى للمترجم:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين وصلّـى اللّه على محمد وآله الطاهرين

أمّا بعد: فهذه محاضرات فلسفية ومقالات ممتعة حول الفلسفة الإسلامية، والفلسفة الدارجة في الجوامع الفلسفية الغربية، ألقاها سيّدنا الأُستاذ الحكيم العلاّمة الحجة السيد محمد حسين الطباطبائي ـ دام ظله ـ، وهو من كبار أساطين العلم والفلسفة في الهيئة العلمية ـ، على تلاميذه في حلقة تدريسه من رواد العلم، وطلاّب الفضيلة.

غير أنّه لما كان ما حرّره بقلمه الشريف باللغة الفارسية أمرني ـ دام ظله ـ أن أنقلها إلى لغة الضاد، لغة القرآن الكريم ولغة النبي الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لحسن ظنّه بنقلي وترجمتي، فقد حضرت أبحاثه الفلسفية دورة بعد أُخرى وحرّرت من آرائه وأفكاره الشيء الكثير فجاءت الترجمة على هذه الصورة التي تمثّلت بين يدي القارئ.

ولست أدّعي بأنّـي قمت بترجمة عبائره حرفياً بل كلما أدّعيه أنّني قد استوفيت مقاصد الكتاب بأوضح العبارات وأيسرها جهد الإمكان.

وأمّا التعاليق التي علّقها على الكتاب زميلنا العلاّمة المطهري، فقد قمنا بترجمة خصوص ما كان يرجع إلى مقاصد الكتاب، من تحقيقه وتوضيحه وتركنا غيره لئلاّ يزيد الفرع على الأصل.

ومنه تعالى نستمد العون وعليه التكلان.

جعفر السبحاني


(9)

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

مرّت على البشر قرون وأدوار، وهو يعرج في خلالها من حضيض الوحشية إلى مدارج المدنية ويخطو خطوات واسعة في سبيل ثقافته، يضحّي للحصول عليها بالنفوس والأموال.

وربّما يحسب أنّ غرضه الأكبر من هذا الجهد المستمر، هو تأمين الحياة وتمهيد طرقها، أو شعوره بأنّ العلوم كحصون منيعة، وقلاع مستحكمة، تقيه شرّ الحوادث ومحن الكوارث.

لكنّه حسبان باطل، إذ في تاريخ سير العلوم، وغضون المعاجم، وكتب التراجم، ما يكذب هذه المزعمة فإنّ طلب العلم ما برح مقروناً بالتعب والوصب، ولم يزل روّاده وحماته محرومين من لذائذ الحياة، مكتفين بما يمد عيشهم، مواصلين ليلهم بنهارهم، معتكفين في الزوايا، معرضين عن ملاذ الحياة، وما يتنافس فيه الناس، سائرين مع الرجرجة الدهما سيراً سجحاً مواجهين الشدائد والنوازل، إلى غير ذلك من ملمّـات وحوادث.


(10)

ولو كان الهدف لحماة العلم في جهودهم الجبّارة التي تحمّلوها في سبيله وكشف كنوزه، هو التمتع بزهرة الحياة والتوصل به إلى لذاتها المادية، وشهواتها الطبيعية، لكان الخسران قريناً لهم، ولو كان المحرّك لهم إلى تلك المصاعب والأتعاب، ما يهمّ القوى الشهوية والغايات البهيمية، فالاضطهاد في طريقه لماذا، والحرمان عن لذائذ الحياة لأيّ جهة؟

والذي يقضي به الوجدان السليم، ويؤيّده السير في سير العلوم، والامعان فيما جرى على علمائها، هو أنّ الانسان مفطور على حبّ العلم، والولع بفنونه، وأنّ العلّة المحرّكة له نحوه لا تشبه العلل المادية، والرابطة التي تربطه بعلومه لا تسانخ الروابط الجسمانية، بل هي علّة فوق مستوى الطبيعة، ورابطة أعلى من أن يحدّها البيان ـ ولأجلها ـ نجد الإنسان العالم صابراً على المكاره، ومتثبّتاً في طريق تحصيله وان اقترن بالمكاره.

الكون ومشاكله:

لا شك أنّ العلم كلما كان أشد طرداً للريب والجهالة ونازلاً حريم اليقين، وكان كلّـي القواعد، واسع النطاق خارقاً للحجب الضخام، كان أوقع في النفوس بحيث ترتاح إليه القلوب، وتشد إليه المواكب، وتناخ دونه الرواحل.

ولا شك أنّ الإنسان بطبعه وفطرته، يريد أن يعلم ما يجد نفسه جاهلة به، ويحاول أن يهتك حجاب الجهل عن وجوه ما خفي عليه، غير أنّه يجد في نفسه عناية شديدة بتحليل مشاكل الكون، وما يجري في نظام الخلقة من قوانين كلّية، وما تحيطه من الأسرار والرموز. ويجد في نفسه رغبة أوفر وأوفى،


(11)

لأن يحوم حول مسائل كلّية، ومعاني مرسلة أعني ما لا تختص بمكان دون مكان، وبعلم دون علم، مثل الوحدة والكثرة والمتناهي وغير المتناهي والعلّة والمعلول، والواجب والممكن إلى غير ذلك من الأُمور العامة الكلّية الجارية في نظام الوجود، ومدارج الكون التي يبحث عنها وعمّـا يسانخها في الفن الأعلى من الفلسفة.

وهذا الشوق الوافر، يحث البشر على الإمعان في رموز الكون وقوانينه حتى يتمثّل في ذهنه ما في الوجود من النظام ويصير شخصاً مفكّراً، قاضياً ومبرماً فيما يلوح في فكره، حسب الأُصول والقواعد الصحيحة.

ما هي الفلسفة وماهي أهدافها؟

إفاضة الكلام في تحديد الفلسفة وتوضيح أهدافها ومقدار تأثيرها في التفكير الإنساني، تحتاج إلى مقال مستقل لا يسعه نطاق مقالنا، غير أنّا نأتي في المقام صورة إجمالية من هذا البحث الضافي قائلين بأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور فنقول:

الفلسفة: هي البحث عن نظام الوجود، والقوانين العامة السارية فيه، وجعل الوجود بشراشره هدفاً للبحث والنظر.

فيلزم على الإنسان المتفكّر، أن يتّخذها دليلاً يهديه في ظلمات البحث، أو سلّماً يعرج عليه في سماء التفكير، ويرتقي به إلى ما يحاول الوصول إليه، فإنّ الفلسفة والفكرة الصحيحة توأمان، لا تفترق إحداهما عن الأُخرى قدر شعرة.

فلو كانت الفكرة الصحيحة دارجة في القرون الغابرة بين الأُمم


(12)

الماضية، فقد كانت الفلسفة أساساً لها، لضرورة التلازم بين الفكرة الصحيحة والفلسفة التي هي الوقوف على القوانين العامّة التي لا تختصّ بموجود دون آخر.

ومن ذلك يقف القارئ الكريم على أنّ الفلسفة بما أوعزنا إليه من المعنى الصحيح، لا تختصّ بدورة أو دار ولا بنقطة دون غيرها، حتى نعد تلك الدورة مبدأ لحدوثها بين أصّحابها، ففي أيّ دور أو كورة وجد التفكير الصحيح فقد وجد فيها الفلسفة، فإنّ الاستنتاج الصحيح لا يستقيم أمره إلاّ بها، ولا تستقال عثراته إلاّ بالتمسّك بأذيالها، فلا يعقل تقدّمه على الفلسفة.

والبشر المتفكّر، منذ تمكّن من التفكير وإعطاء النظر، ومنذ استطاع أن يجيل نظره في نظام الكون ويقف على ما يجري في الوجود من القوانين الكلية، مارس التفكير الفلسفي بصورة من صوره.

مراكز الفلسفة:

يرشدنا التاريخ إلى أنّ بيئات مصر وإيران والهند والصين واليونان كانت في يوم ما، تزدهر بمصابيح الفلسفة وتزدحم في معاهدها أساتذتها وطلاّبها، وتشهد على علوّ كعبهم وسمو فكرهم آثارهم الباقية إلى هذه العصور مما أفلت من أيدي حوادث الدهر المدمرة.

هذه الآثار تعرّفنا مكانتهم من العلم والعرفان، وتبرهن على قوة استعدادهم ومثابرتهم على الجهود الجبارة في اكتساح الجهل والأُمية، وتأسيس معاهد علمية وفلسفية وعقد حلقات التدريس في شتى العلوم.


(13)

فقد كانت اليونان وضواحي آسيا الصغرى يوماً ما مركزاً للمعارف العقلية والمسائل الفلسفية، وأُسست بيد رجالها في تلك البلاد، حوزات علمية ومعاهد فكرية، وقد بقيت تلك المعاهد تزدهر في سنوات متطاولة بمئات من المتخرّجين وعشرات من الأساتذة.

ثم بعد لأي من الدهر غادرها الفضلاء، والأساتذة وقفلوا إلى الاسكندرية، وما زالت مدارسها معمورة ومعاهدها مزدهرة إلى أن استولى عليها امبراطور الروم الشرقي حوالي سنة 529 الميلادي، فقضى على محافلها العلمية، وهدم معاهدها العالية وأزعج الأساتذة والجهابذة.

وبينما هو يحكم في تلك البلاد بالعسف والطغيان، ومناوأة العلم والعرفان، إذ أزهر كوكب الإسلام الدرّي وأشرقت الأرض والسماء بنور نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخذت تلك الظلمات تنحسر أمام نوره الوهّاج، وأخذ هو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يصدع بكلام اللّه ويخاطب المجتمع البشري بقوله: هَلْ يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعلَمُونَ) (1).

قام نبي الإسلام داعياً إلى العلم، حامياً عن أهله بكتابه المبين وسنّته النيّـرة، هكذا كان رأيه ودأب من بعده من المقتفين أثره، فقد خطى المسلمون بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خطوات واسعة متواصلة حتى تأسّست بيد رجالات الدين كلّيات ومعاهد ومجامع علمية لا يستهان بها، فأشرق بنور العلم مدنها وعواصمها.

كانت نتائج هذه الجهود، أن حدثت مدنية تعد من أرقى المدنيات التي حفظها التاريخ، إذ صارت العلوم الداثرة دارجة، والمتفرّقات مجتمعة،


1-سورة الزمر : 9.


(14)

فأعاد المسلمون تلك المآثر والآثار التي هدّمتها يد الجور والطغيان، وجمعوا شتات العلوم من الكتب الواصلة إليهم، التي كاد الدهر أن يقضي عليها، فقد شدّوا الرحال إلى تحصيل المعارف وجابوا البلاد لاستحصال هذه النفائس، ولاقوا من التعب والوصب ما لا يستهان به، وقد بلغت الأُمّة الإسلامية في مدة قليلة شأواً عظيماً في العلم، بحيث صارت العواصم الإسلامية معاهد للعلوم ومراكز للفضائل يقصدها الشرقي والغربي ويطوف عليها رواد الفضيلة، وهذا التاريخ يحدّثنا حديثاً قطعياً، بأنّه كانت الرحال تشد من الغرب إلى العواصم الإسلامية التي كانت من النقاط الخصبة بالعلوم والمعارف، كان الأمر على هذا المنوال إلى أن أفاق الغرب من سباته، فأحدث مدنية أُُخرى قوية جداً، وأحدث وسائل جديدة إلى ما يحاول العلمبه.

والحق أنّ العهد الإسلامي من أشرف الأدوار التي مضت على البشر ومعارفه الكلية وعلومه العقلية، فقد وضع في ذلك العهد حدوداً للنظر، وأُصولاً للمعقولات ورسم دوائر يستفاد منها حال ما يمكن وجوده وما يستحيل، إلى غير ذلك من القواعد.

أجل إنّ الإسلام والمسلمين المنتشرين في الشرق وإن أخذوا أساس تلك الثروة الطائلة والكنوز العالية من اليونان، غير أنّها كانت بضاعة لهم في القرون الغابرة قبل أن تظهر طلائع المدنية في اليونان، فردّت اليونان إلى الشرق والمسلمين بضاعتهم التي كانوا أخذوها منهم، فقد كان اليونانيون متطفّلين على موائد الشرقيين من كهنة مصر وغيرها في العلوم الطبيعية والفلسفية.


(15)

الشرق وأدوارها الثلاثة:

مضت على الشرق أدوار ثلاثة مختلفة: دور العلم والتفكير، وذلك قبل أن يطلع في اليونان كوكب العلم، ودور التباعد عن العلوم والمعارف بعد ما كان مبتكرها، وكانت الأحوال على هذه حتى ظهرت طلائع التمدّن الإسلامي بظهور نور الإسلام وأعاد ذلك النور في عواصم المسلمين وبلدانهم بقوّة حججه، وصلابة منطقه، فعمرت المكتبات الإسلامية بألوف من الكتب وغصّت دور العلماء وحلقات التدريس بطلاّب الفضيلة وروّاد العلم.

هذه دراسات تاريخية توقفك (إذا تحرّيت الصدق في المقال والعدالة في القضاء) على عظمة الشرق وعظمة معارفه في الدورتين، وانّ المعارف والعلوم والفلسفة التي كانت دارجة بين الشرقيين قبل عصور الأغارقة في اليونان، قد لعبت دوراً عظيماً في المدنية اليونانية وعلومها وأفكارها.

والتاريخ يحدّثنا ويقرأ علينا فصلاً مبسوطاً عن الأُمّة الإسلامية فيما تحمّلوها من الأتعاب في تكميل ما حصلوا عليه من التراث اليوناني وأخذوه من تلك الأُمّة البائدة وتهذيب ما وصل إليهم منهم، من زوائد الكلام وفضول المقال وبذلك صار الشرقيون عمداً للعلم في كلتا الدورتين: الأُولى والثالثة.

وقد استمرّ البحث والتنقيب حول المسائل الفلسفية الكلية، والعلوم الطبيعية إلى أجيال تربوا إلى عشرات القرون.

هذه نواحي فنية من تاريخ الفلسفة، أشرنا إليها لتكون كنموذج يعرف القارئ الكريم به الحقيقة في تلك العصور الماضية، غير أنّ بسط المقال فيها يحتاج إلى تأليف كتاب مفرد خارج عمّـا يهمّنا فعلاً.


(16)

التطوّر النهائي في الفلسفة:

ظهر هذا التطوّر في العصور الأخيرة الإسلامية أي بعد القرن العاشر الإسلامي، فهو بلا شك أدهش العقول وحيّـر أصحاب الفكر. أحدثه رجل العلم والفضيلة، البطل المقدام في ميادين العلم والمعرفة، سيّد نوابغ العالم، أسوة الحكماء والمتألهين: محمد بن إبراهيم الشيرازي المشتهر بصدر الدين، وصدر المتألهين (971ـ1050) أسّس أساساً حديثاً، ورسم قواعد ودوائر لم يسبق إليها أحد، وأتى بأفكار أبكار، وآراء ناضجة، لم يقف على مغزاها إلاّ ثلّة قليلة من بغاة العلم والفلسفة.

ولو تتبّعت موارد أنظاره وكتبه ورسائله، لعلمت أنّه المؤسّس في المسائل الفلسفية، وأنّه المبتكر الوحيد في إبداع أُصول لم تعهد، وتفريع فروع لم تسمع، وإحداث طريق للبحث والتحليل لم يشاهد.

كان من الفرض اللازم، قيام أُمّة كبيرة من أصحاب الفضيلة بأعباء ترجمة آرائه ومسائله وأجوبته وما أسّسه من أساس وطيد، حتى يقف العالم الغربي على علوّ كعبه ومدى فلسفته، وسمو معناها، ويقف على أنّ الشرق قد أنشأ رجالاً يليق أن تفتخر بها المجتمعات البشرية يوم كان الغرب مغموراً في ظلمات، ومما يؤسف له أنّ هذه الأُمنية قد بقيت في بوتقة الإجمال والإهمال، ولأجل هذا التسامح والتساهل ترى شباب العصر متطفّلين على موائد الغربيين حتى في تراثنا الفلسفي الذي نقله الغربيون من الشرق، ولعمر اللّه تلك خسارة يعسر جبرانها، وخلأ فكري أحدثتها يد أثيمة بين أبنائنا في تلك البلاد.

هذا هو سيّدنا المؤسّس الشيرازي، وهذا تراثه الفكري، وكتبه القيّمة، ورسائله، إلاّ أنّ شبابنا في العواصم الشرقية، لا يعرفون من تلك الأفكار الغالية شيئاً غير ما كتبه الأجانب في هذا الباب.


(17)

حول الفلسفة الإسلامية

في القرن الحادي عشر

أسّس سيّدنا الصدر الشيرازي هذه الفلسفة الإسلامية وأسماها بالحكمة المتعالية، فصارت محوراً للدراسات الفلسفية في الجوامع العلمية في بلادنا وما يقارنها فعكف عليها روّاد العلم وعشّاق الحقيقة، منذ وضع المؤسّس حجرها الأساسي وشاد بنيانها ورفع قواعدها.

وجّه سيّدنا المؤسّس فكرته إلى تحليل المباحث الهامة وشرحها تحت مشراطه العلمي وعطف نظره إلى القواعد العامّة الجارية في نظام الوجود من غير أن يختصّ بموجود دون آخر، فدقّق النظر فيها في بابها الخاص أعني الفن الأعلى، كما أنّه بحث بحثاً وافياً عن الإلهيات وأتقنها أيّ إتقان.

وقد استعان ـ رحمه اللّه ـ فيما أحدث من المدرسة الجديدة للفلسفة وفيما جاء من المنهج الجديد والتفكير الحديث، بما وصل إليه من الأغارقة الأقدمين ولا سيما أفلاطون وأرسطو ونظرائهما، وضمّ إلى تلك الأنظار الجليلة ما استفاده من أساتذة الشرق وفلاسفتهم ممّا سمحت بها أذهانهم ونشرتها أقلامهم، منذ حدث التمدّن الإسلامي إلى عصره ـ أعني منتصف القرن الحادي عشر الإسلاميـ.

ولا شك أنّه لاحظ وتأمّل ما كتبه فطاحل المشائيين وأساتذة


(18)

الاشراقيين، والعرفاء الشامخين، فجاء مؤسّساً بما اخترعه من المنهج الجديد، وهذا المسلك الحديث مع ما فيه من التجديد والابتكار رهين تلك الجهود التي تحمّلها روّاد الفلسفة الإسلامية وأساتذتها، ومن تقدّمهم من فلاسفة الاغريق، وأعانه في تأسيسه ذوقه المستقيم، وعارضته القوية.

ومن أياديه على أبناء الفلسفة أنّه أتى بنظام بديع في المسائل الفلسفية، فقدّم ما حقّه التقديم وأخّر ما حقّه التأخير فأصبحت المسائل الفلسفية، كالمسائل الرياضية يستمد الثاني من ماضيه.

نهض بهذا العبء الثقيل ولا نصير له سوى براعته وهمّته القعساء، وعقل كبير، وقلب بصير، جاء مهبطاً للعلوم والمعارف وصار بذلك بطلاً مقداماً في تلك الميادين.

ولقد توفّق ـ رحمه اللّه ـ كل التوفيق في الجمع بين الآراء الباقية من أفلاطون (مؤسّس مدرسة الاشراق) وتلميذه الجليل أرسطو (مبتكر منهج المشاء) وكان الأوّل من المعلمين داعياً إلى تهذيب النفس وتصفية الباطن، قائلاً بأنّ الطريق الوحيد إلى اقتناص شوارد الحقائق واكتشاف دقائق الكون هو هذا المنهج ليس غير، وكان الثاني منهما مخالفاً له في أساس منهجه، قائلاً بأنّ الدليل للوصول إلى الحقائق المكنونة، والدقائق المجهولة، هو التفكير والاستدلال والبرهنة الصحيحة، فكان يخطو على ضوء البرهان العقلي من مقدمة إلى أُخرى، إلى أن يصل إلى الحقيقة التي يتوخّاها بسيره النظري.

ولم يزل التشاجر قائماً على ساقيه بين العلمين وأتباعهما في اليونان والاسكندرية وأوربا في القرون الوسطى، إلى أن سرى هذا الاختلاف إلى الفلاسفة الإسلاميين وهم بين مشائي لا يقيم للاشراق وزناً، واشراقي لا يجنح إلى فلسفة المشاء.


(19)

وقد قضى مؤسّسنا الشيرازي على هذا التشاجر والنقاش الذي أشغل أعمار الفلاسفة من الأغارقة والمسلمين طول هذه القرون والأجيال البالغة إلى ألفي سنة فختم بأفكاره وأسلوبه، ونهجه، على هذه المناظرات، ومن كان له المام بأساسه الرصين يعرف كيف رفع هذا المبتكر الفذّ تلك المشاجرات، وكيف ألغى بالأُصول المحرّرة تقابل المسلكين، وتضاربهما، بحيث لا يكاد يصحّ بعد هذه الأُصول أن يعد أحدهما مقابلاً للآخر.

وقصارى القول: إنّه قد حاز قصب السبق في ميدان الابتكار على فلاسفة الأغارقة من اليونانيين، وأُمّة كبيرة من المسلمين، فجاء بأفكار عالية جديدة على عهده لا توجد في زبر الأوّلين ولا في خواطر الآخرين، وضمّ إلى تلك الأنظار نتائج جهود أُمّة كبيرة من الأُمّة الإسلامية وخلاصة دروسهم العالية ومحاضراتهم القيّمة، ولباب مجاهداتهم طوال القرون الثمانية منذ ظهور الفلسفة في البيئات الإسلامية إلى عصر المؤسّس.

وكان على عاتق الأجيال اللاحقة، بث تلك الثروة الطائلة والكنوز الدفينة حتى يقف عليها الغربي، والشرقي، ويقتصها القاصي والداني.

كان على عاتقهم نقلها إلى اللغات الحيّة العالمية لكنّه مع الأسف قد وقعت تلك الأُمنية في هوة الإهمال وقد مضت على تأسيسها أربعة قرون وما زالت هي كالكنوز الدفينة في طبقات الثرى.

نعم جاء البروفسور ادوارد براون (1) (ذلك المستشرق الأجنبي) معرّفاً لتلك الشخصية الفذة فقال في الجزء الرابع من تاريخ آدابه:

«إنّ الفلسفة الإسلامية التي أسّسها صدر الدين الشيرازي، كسبت في إيران شهرة عظيمة، وصارت محور الدروس الفلسفية في بلادها ولم أجد لها


1-1- ADWARD. BR

(20)

ترجمة صحيحة وافية، باللغات الأوربية، نعم قد كتب المستشرق «كنت كوبينو» في توضيحها عدة صحائف ولكنّها لا تسمن ولا تغني بل يكشف عن قصور باعه وقلّة اطّلاعه ـ إلى أن قال:ـ استخبر مدى اطّلاعه عن تحليل منهج المؤسّس الشيرازي حيث قال في حقّه يمشي مشي المشائيين ويستضئ من أنوارهم فهو عديل الشيخ أبي علي في عصره، مع أنّ مؤلّف الروضات نسبه إلى الاشراق وأنّه كان يجنح إليه شديداً وأنّه كان منقّحاً أساسه بما لا مزيد عليه».

«نعم كتب الأُستاذ محمد اقبال الباكستاني رسالةً باللغة الانجليزية يوم كان من طلاب كلية «كمبريج» وأسماه: «تطور الحكم في الإسلام»، شرح فيها مكانة الفلسفة الإسلامية وعرّف قوة برهانه، وحسن منهجه، ولعل تلك الرسالة اتقن ما في هذا الباب، ثم قال البروفسور: إنّ لصدر المتألّهين مصنّفات أشهرها الأسفار الأربعة والشواهد الربوبية، وقد توهّم الكاتب «كنت كوبينو» وتخيّل أنّ الأسفار جمع السفر ـبالفتحـ مع أنّ جمع السفر ـبالسكونـ بمعنى الكتاب».

ولا شك أنّ الكاتب (ادوارد براون) من أهل الفضل والتتبّع، وقد أثنى عليه العلاّمة القزويني في مقال نشره عام 1344هـ الذي توفّـي فيه البروفسور.

وممّا جاء في هذا المقال: انّه أحد كبار المستشرقين، ممّن تحمّل جهوداً كبيرة في الإحاطة بعلوم الشرق ولغاته، بحيث أحاط ب آداب اللغة الفارسية وأتقنها غاية الإتقان، ولم يسبقه أحد في هذا الباب، وكان يحب بلادنا من صميم قلبه.

وقد أثنى الأُستاذ القزويني على قرين البروفسور وزميله، أعني: «كنت


(21)

كوبينو» وقال: كان من حملة الأقلام وانّ له كتاباً في التاريخ والمذاهب والعلوم الفلسفية والاجتماعية، غادر موطنه قاصداً إيران وأقام في عاصمتها «طهران»، من سنة 1278هـ إلى 1280هـ، حاملاً سمة الوزارة من دولة فرنسا».

ومع هذا الإطراء والثناء، يجد لهم القارئ الخبير في كلامهما زلاّت لا تستقال، وعثرات في ضبط تاريخ الشرق وآدابه وفلسفته، وقد وافاك انّ «كنت كوبينو» عرّف شيخنا المؤسس الشيرازي بأنّه من المشائيين، وجاء بعده البروفسور «ادوارد» ناقماً عليه بأنّه من الإشراقيين مستشهداً بما نقله عن الروضات.

وقد خفى على الرجلين، أنّ الحكيم الإسلامي، صدر المتألّهين، ليس بمشائي ولا إشراقي، بل له نهج جديد وأساس حديث، لا يعرج في أبحاثه على أحد من المسلكين ولا يعتمد في أنظاره على واحد من المنهجين، بل يستنتج على ضوء البرهان سواء وافق رأي المشائيين أم الإشراقيين أم خالفهما.

وتشاجرهما في معنى «الأسفار» أهو بمعنى السفر بالفتح أو بالسكون أوضح دليل على عدم إلمامهما بحقيقة تلك الحكمة المتعالية، وانّ الرادّ والمردود عليه، لم يلاحظا أوائل تلك الصحيفة المكرمة فإنّ شيخنا المؤسس الشيرازي صرّح في كتابه بأنّ الأسفار ليس بمعنى السفر ولا الكتاب.

ولا غرو فإنّ الكاتب «كنت كوبينو» تلقّى ما تلقّاه من الفلسفة الإسلامية عن يهودي يدعى بـ «ملاّ لاله زار» وكان قاصراً في كل شيء حتى في فنّه اللصيق به.

وإن تعجب فعجب قول ذلك المستشرق بأنّ السيّد الداماد (ذلك


(22)

المحقّق الحكيم المتضلّع) كان رجلاً جدلياً وأنّ صدر الدين (ذلك الحكيم المؤسّس) تتلمذ عليه ولم يزل يختلف على أندية دروسه حتى طار صيته بالفصاحة والبلاغة.

وهو حقاً أمر مضحك، فأيّة رابطة ومناسبة بين تتلمذ شيخنا المؤسّس على أُستاذه الحكيم الداماد في العلوم الفلسفية، واشتهاره بالفصاحة والبلاغة وأيّ تلازم بين مقدمته ونتيجته، وأنت إذا حاولت أن تستقصي ما للمستشرقين من الزلاّت لزم عليك تأليف مجلّدات ضخمة، وليست هذه الزلاّت غريبة منهم، فإنّهم بعيدون عن الشرق والشرقي وسجاياه وخباياه وزواياه.

ولا يترقّب ذو مسكة من أجنبي لم يتفيّأ ظل البيئة الإسلامية ولم يألف سمعه جرس هذه العلوم ونغمتها، أن يقضي قضاءً صحيحاً في العلوم الشرقية ويأتي بصورة صحيحة من تراجم مفاخر الشرق وأكابره.

ولعمر الحق أنّ الأُمّة الحية تسعى بكل وسيلة في تعريف نفسها ولا تجعل عبء اشتهارها على عاتق غيرها حتى يختلط الحابل بالنابل (1) وتسعى بكل قدرتها لاسماع أُذن الدنيا صوت حضارتها وحسن نضارتها.

إنّ من الواجبات الاجتماعية على أيّة أُمّة استيقظت بعد طول سبات، وتقدّمت في معترك الحياة، أن تتحمّل الأعباء الباهضة في عرض علومها وآدابها على من سواها من دون أن تترقّب من أجنبي ذلك، فإنّه: ما حكّ ظهري مثل ظفري (2)، والأجانب بعد أجانب، غرباء عن علومنا وآدابنا وأخلاقنا لم يتفيأوا في بلادنا ولم يمارسوا علومنا ودروسنا ولم يحفظوا إلاّ


1-مثل يضرب.
2-مثل سائر.


(23)

ألفاظاً عابرة.

ولو جرّد المستشرق نفسه من النزعات القومية والأهواء النفسية، لما توفق إلاّ ما قل للقضاء الصحيح والحكم العادل، ولما نجا من الأغلاط والاشتباهات في أوضح الأُمور حتى في بيان الأُمور العادية والمراسم الدارجة فضلاً عمّـا يحتاج إلى التخصّص الفني والتدرب الكامل كالفلسفة والأخلاق.

ولا تجعل ذلك تعييراً منّا في أفهامهم وادراكاتهم فإنّ لهم الفضل الأوفر والسهم الأكبر فيما يرجع إلى معارفهم، غير أنّ زلتهم في ترجمة علومنا إنّما هي لأجل بعدهم عن بيئات الشرق ولغاته وتراكيبه، وعدم تألفهم بالاصطلاحات الخاصة بالفنون الرائجة فيها، أضف إليه ما فيها من العبارات الوجيزة تشاربها إلى المقاصد الدقيقة والمغازي العميقة، وما فيها من كنايات ترمى بها إلى مقاصد خفية، وههنا شواهد على غفلاتهم في بيانبعض الكنايات الدارجة في الألسن الشرقية، طوينا عن ذكرها كشحاً.

حول القرنين:

أصبح القرن الحادي عشر الهجري والسادس عشر الميلادي عصراً ذهبياً وأصبحت الإنسانية تسير فيه سيراً حثيثاً إلى معرفة الحقائق وتمييزها عن الأوهام، ولا أحسب أن يعد من المغالات في القول إذا قلنا: إنّه عصر النور والشعور، تجلّت فيه الحقائق وظهرت البواطن وقام في زوايا الآفاق رجال الفحص والتنقيب.


(24)

وفي الوقت الذي قام سيدنا صدر المتألّهين بأعباء الحكمة النظرية طلعت طلائع المدنية الحديثة الغربية، بسعي رجل العلم والتفكير العلاّمة الشهير «ديكارت» الفرنسي حيث هجر التقليد وأخذ بالتحقيق والبرهنة على أوضح الأُمور إلى أخفاها، فجاء بنغمة جديدة في تحليل المسائل وحل المجهولات، ووقف قلمه وتفكيره على تحقيق المسائل العلمية والفلسفية منعزلاً عن ملاذ الحياة والشهوات.

وقد كانت مقدمات هذه النهضة متهيّأة قبل قرون فجاء العلاّمة «ديكارت» وبنى أفكاره على تلك الأُسس، وصارت أفكاره كالحجر الأساسي للتمدّن الحديث الغربي، والمخترعات البديعة، والفنون الدقيقة، وعلى اثر ذلك صارت العلوم مشتملة على قواعد وطيدة وأُصول جديدة، وأوجد ذلك الباحث الكبير ضجة كبرى في كيفية البحث والبرهنة، وقد اقتفى أثره جهابذة عصره، ومن جاء بعده حذا حذوه.

والحق أنّ هذا القرن من القرون الميمونة الذي فتح أمام البشر أبواب العلوم والصنائع والفنون، وأحدث خططاً جديدة علمية وفلسفية في الشرق.

كان زعيم هذه النهضة في الشرق سيدنا الصدر الشيرازي فأحدث منهجاً خاصاً وبحث عن مسائل منسية أو غير معنونة، وكان قائدها في الغرب هو العلاّمة «ديكارت» فقام بتكميل الفلسفة الدارجة في الغرب طول القرون الوسطى، وتهذيبها بحيث صارت الفلسفة الغربية بعده ذات خطة خاصة، فأدخل فيها مسائل أصلية غير معروفة في الفلسفة الاغريقية، نعمإنّه حذف بعض ما كان له المكانة الكبرى في الفلسفة الإسلامية واليونانية.


(25)

نتائج النهضة الجديدة في الغرب:

صارت تلك النهضة العلمية في الغرب مبدأ لظهور مذاهب فلسفية جديدة يختلف بعضها عن بعض اختلافاً كبيراً، ومال الأساتذة إلى اليمين واليسار فمن متمسّك بالفلسفة التعقّلية البحتة، قائلاً بأنّ المسائل الفلسفية لا تحل إلاّ بالبراهين العقلية، إلى قائل بكون الأساس في الوصول إلى الحقائق هو التجربة في المسائل العلمية والفلسفية، وأنّ مسائلهما لا يحل عقدها إلاّ من ذلك الطريق، إلى ثالث مفرط في البحث عن الأُمور العامة الدارجة في الفلسفة، وعن المسائل الإلهية نابذاً غيرهما وراءه ظهرياً، مدّعياً بأنّه لا ينبغي للفيلسوف الغور في ما عداهما، إلى رابع خلص نفسه عن جهد البحث وكدّ الطلب فآثر طريقة السوفسطائيين الذين قضى الدهر وحوادث الزمان عليهم وعلى آرائهم حتى صاروا من الفرق البالية، وإنّما كان يذكرهم بعض المؤرّخين لاستيعاب الحديث عن فرق مدّعي الفلسفة فصارت تلك الطريقة البائدة دارجة في هذه العصور وعادت تلك النغمات مرة جديدة إلى حياة الإنسان.

ثمّ إنّ متخرّجي هذه المسالك الأربعة بين إلهي في عقائده يرى انتهاء سلسلة الموجودات إلى مبدأ واجب مختار، ومادي لا يرى مبدأ لسلسلة النظام إلاّ نفس المادة ولا يرى لغيرها وزناً ولا قيمة.

مشكلة التقريب بين تلك المسالك:

كانت بعض الفرص تدفع أحياناً بعض المفكّرين إلى محاولة التقريب بين هذه المسالك المختلفة الحديثة والفلسفة الإسلامية المنتشرة في الشرق، ولكن هذه ـ أي أُمنية التوحيد وتقريب المسافة بين الاتجاهين وتضييق دائرة


(26)

الخلاف ـ كانت تعد من الأُمور الغامضة.

لأنّ الفلسفة الدارجة في هذه العصور في أوربا ونواحيها قد أسقطت المسائل الأساسية المعنونة في الفن الأعلى «الأُمور العامّة» فأصبحت منحرفة عن محورها الأصلي بعدما كانت مبنية عليها في عصور الأغارقة وبرهة من القرون الوسطى.

وهذه المسائل المغفولة عنها في الفلسفة الغربية، المعنونة في الفلسفة الإسلامية هي من النقاط الحساسة التي بها يحصل الفصل والقضاء البات بين المسالك وتعدّ مبادئ البرهان لغيرها، ولأجل ذلك صارت أُمنية التقريب أُمنية بعيدة، لإهمال فلاسفة الغرب المباحث المهمة التي منها تستخرج جذور المسائل الفرعية، ولذلك يصعب على المفكر جمعها في نقطة واحدة.

نعم لو كانت الفلسفة الغربية باحثة عن المسائل المهمة لتسنّى لأصحاب البحث ومحبّي التقريب لمّ هذا الشعث وجمع هذا الشمل المتفرق.

فإنّ المحور الذي يدور عليه حل أكثر المسائل الفلسفية إنّما هو البحث عن الأُمور العامّة وشرحها على ضوء التفكير الصحيح، ولكن مع الأسف كلّه انّ الفلسفة الحديثة الغربية تركت البحث عن هذه النقاط الحسّاسة والمواضع المهمة.

ونحن على يقين من أنّ الباحث المفكّر إذا بحث عن هذه الأُمور والقواعد وأتقن البحث فيها وأقام دعائمها ورفع قواعدها، لتخلّص من التلوّن في القول والتشكيك في الرأي، ولو غفل عن تحليلها باتقان أو أسدل عليها حجاب النسيان لآل إلى السفسطة في إنتاجاته وإلى التناقض في القول.

فالواجب على محبّي الفضيلة وطلاب الفلسفة وفي طليعتهم الزمرة


(27)

الباحثة عن الفلسفتين، الذين يعملون لتوحيد الاتجاهات الفكرية فيها، البحث عن الأُمور العامّة والقواعد الجارية في مراتب الوجود عامّة، ونظام الكون كلياً.

وأظن أنّ السبب الرئيسي في تكثّر المسالك الفلسفية في الغرب هو انحرافهم عمّـا هو المحور الأصلي لتحليل المسائل الفلسفية، فإنّ إتقان البحث في هذه الأُمور الكلية يسهّل البحث في غيرها ويكون ميزاناً صحيحاً لمعرفة المسائل الأُخرى.

وهنا زلّة أُخرى أو آفة ثانية للفلسفة الغربية الحديثة، فإنّ القوم أدخلوا فيها ما لا يرتبط بها إقحاماً، فترى أنّ كتب الفلسفة صارت تبحث عن المسائل الرياضية والطبيعية، وبذلك خرجت الفلسفة عن مستواها وأصبحت بين طلابها لُغزاً ليس لها عندهم مفهوم واضح.

ولعمر الحق: أنّ للفلسفة الإسلامية في هذه المقامات خطوات كبيرة، وهذه الخطوات فضيلة لا يصح الإغضاء عنها فضلاً عن إنكارها، كيف وقد أخرج المسلمون الفلسفة الإغريقية من مراحل النقص إلى الكمال، وأضافوا إليها أضعافاً مضاعفة، فإنّ ما وصل إلى المسلمين يوم تُرجمت الفلسفة الإغريقية لم يكن أزيد من مائتي مسألة وأصبحت اليوم بين أيديهم تناهز السبعمائة مسألة.

على أنّ لهم أياد بيضاء في إصلاح أُصولها وتوضيح مسائلها وتحليل رموزها وتعليم البرهنة على إثباتها، كل ذلك نتيجة جهود وأتعاب متواصلة، حتى أصبحت المسائل الفلسفية في أيديهم كالمسائل الرياضية، تستنتج ثانيتها من أولاها وثالثتها ممّا تقدمها، وسيتضح لك حقيقة الأمر ومدى تلك الجهود إذا وقفت على أجزاء هذا الكتاب بأجمعها.


(28)

مساهمة الشرق والغرب:

إنّ تيسير المواصلات وسرعة وسائل النقل الأرضية والجوية قد رفعت كثيراً من الموانع والعوائق التي كانت حاجزة بين روّاد العلم وآمالهم، فقد أصبح العالم كلّه مرتبطاً ببعض، وصارت العلوم لأجل ذلك التيسير تنتقل إلى عامّة نقاطه مع ما بين النقاط من البعد، فالشرقي يمد يده إلى الغرب فيتناول ما احتضنه من العلوم وكذلك العكس.

وقد قام غير واحد في عصرنا ممّن لهم العناية بالعلوم والمعارف، بترجمة الرسائل الفلسفية المؤلّفة بيد أفاضل الغرب المثقّفين.

ولعل الكاتب المستشرق «كنت كوبينو» أوّل من فتح الباب على الأُمّة الإيرانية بمصراعيه وقام بأعباء ترجمة رسالة ألّفها العلاّمة «ديكارت» قبل قرون وأعانه في الترجمة أحد أساتذته في عاصمة إيران «طهران».

وقد صار من المحسوسات التي لا شك فيها: أنّه كلّما خطى الأوربيون خطوات في نشر الثقافة وكشف المجاهيل امتدت أعناق الشرقيين إلى علومهم، لسد هذا الفراغ والمساهمة مع الغربيين، قام فضلاء في الشرق بترجمة ما يطبع وينشر في الغرب حول العلوم وشتّى البحوث.

والحق أنّ الجرائد والمجلاّت العربية قد أعانت على نشر الثقافة الغربية الفلسفية بين أبناء الشرق، فهذه الصحف المنشورة بلغة الضاد، كانت أحسن وسيلة لنشر المعارف الدارجة في الغرب، في أقطار الشرق ومعاهده.

وهنا سانحة أُخرى ما زالت عالقة بها ضمائر كثير ممّن يعتنون بالمباحث الحديثة والقديمة المعنونة في الفلسفتين، ألا وهي أُمنية التوفيق بين الآراء الحديثة والقديمة في الفلسفة بانتخاب الأصح ونبذ الفاسد، حديثاً


(29)

كان أو غيره.

ومن المؤسف أنّ تلك الخواطر الطيبة والأُمنية الكبرى لم تزل خاملة في زوايا الخواطر ومكنونة في الصدور مع سائر الأماني، فلم أجد فيما بأيدينا من الكتب والرسائل الفلسفية، ما يسدّ هذا الفراغ أو يشير إلى هذه المحاولة أو يبشّـر بميلادها، بل لم نزل نجد كل ما يتألّف في هذه العصور بين شارح للآراء المتقدّمة الواصلة إلينا من الأغارقة، شرحاً يحاول أن يوفيه بحق البيان في عامّة أبوابها حتى في طبيعيّها وفلكيّها التي أصبحت قواعدها في العصر الحاضر كحديث أمس الدابر، وقد شطب قلم العلم عليها، وصار التحدّث عنها أشبه شيء بقصص القصّاصين، وبين ناقل آراء علماء الغرب في الأبحاث الفلسفية بلا تصرّف في شيء منها. غير أنّك لا تجد الباحثين عن الحقائق العقلية والمعارف التكوينية على وتيرة واحدة، بل تجدهم على نزعات مختلفة، فهم بين عاكف على الفلسفة الإغريقية مقدّساً آراءها عن النقص والشين، نافياً كلّ ما يحدث في العالم من عجائب الأنظار وغرائب الأفكار، وبين غال في المناهج الحديثة في الفلسفة والمعارف.

وهنا ثلّة قليلة هم طلاّب الحق وعشّاق الفضيلة، أينما وجدوها، لا يرون الحداثة فضيلة، ولا يعدّون القدمة عيباً، ولذلك ما زالت ضمائرهم عالقة على تحقيق تلك الأُمنية، أي أُمنية تأسيس قواعد جديدة تبتنى عليها ثقافة إسلامية، وتشير إلى الآراء الفلسفية الصحيحة الإسلامية وما ركن عليه فلاسفة الغرب، حتى تكون تلك الخطة صلة بين القديم والجديد.

ولا شك أنّ أمام هذه الأُمنية عقبات، ولا يتوصّل إليها بوقت يسير وجهود قليلة، وانّ تحقّق هذه الأُمنية يحتاج إلى جهود متواصلة، فإنّ الفصل بين المنهجين في تحليل المسائل وإقامة البرهان كثير جداً، فإنّ الفلسفة


(30)

الإسلامية تعتمد في أبحاثها على البراهين العقلية البحتة وتلك تعتمد على التجاريب العملية والقضايا الحسية.

أضف إلى ذلك أنّ بعض المسائل كان لها دور كبير في الفلسفة الإسلامية وصارت أساساً لتفريعات كثيرة، كما أنّه وجدت في الفلسفة الحديثة مسائل مهمة كان لها الأثر الكبير في قوة التفكير وحلّ المجاهيل. وعلى أيّ حال فكلّما أمعنت النظر في العقبات التي تجابه هذه المحاولة في الطريق تجد بينك وبين أُمنيتك عراقيل.

ولعلّ هذا الكتاب الذي تمرّ عليك فصوله وأبوابه قد سدّ هذا الفراغ، وهو فاتحة خير، قام بها مؤلفه للوصول إلى تلك الأُمنية، فلا غرو إذا قلنا: إنّه ابتدع وابتكر وسبق غيره، وكتب في موضوع لم يسبقه إليه سابق وما جرى فيه يراع كاتب، فحاز فضيلة السبق والابتكار وأسدى ما في مقدرته من النوال، وسوف يقف الباحث المثقّف على مدى الجهود التي بذلها في سد هذا الفراغ حتى أوقفنا على صورة صحيحة من الفلسفتين.

شرح المؤلف معظم المسائل الفلسفية بطريقته العلمية وحلّلها وأتقنها بما لا مزيد عليه، وراعى جانب السهولة في التعبير، واجتنب عن مزج الكلام باصطلاحات العلوم والفنون ليسهل الأمر على كل من له ذوق فلسفي، معرضاً عن الإطناب، مقتصراً على أسهل البراهين وأبسطها، جامعاً بين الآراء القديمة والحديثة.

أعطى الكتاب قسطاً وافراً للمسائل التي لعبت دوراً هاماً في الفلسفة الإسلامية، وأصبحت ذات أهمية كبرى في حل المشاكل بل حاول البحث عن مسائل لم تسمعها أُذن الدهر ولا تجد لها أثراً في الفلسفتين.

ولو سبرت المقالة الخامسة والسادسة لتمثّلت لك حقيقة الأمر،


(31)

وأيقنت أنّ المؤلف ابتكر مسائل وأسس قواعد لا تجد لها مثالاً في زبر الأوّلين ولا في رسائل الآخرين، بل لو سبرت المقالة السادسة فقط لحكمت أنّ كلّما تكلّمنا به عن الكتاب لما بلغنا مداه، إذ حاول المؤلف في تلك المقالة شرح الإدراكات العقلائية شرحاً يعجز عنه التقرير وأدّى حق المقال حول الإدراكات الحقيقية والاعتبارية وعيّـن قيمة كلا الإدراكين، ونبّه على أغلاط دائرة منذ قرون دخلت في العلوم والفلسفة حتى أوصله البحث إلى الاعتقاد بأنّ المنشأ الوحيد لتطرّق الأغلاط إنّما هو الخلط بين العلوم الحقيقية والاعتبارية.

وإذا وقفت على أفكاره وآرائه عرفت خطته التي لابد أن تتمسك بأهدابها ولا تتخلف عنها لئلاّ تزل.

على أنّ الكتاب قد حوى مزية أُخرى إذ أنّه لم يمزج الأبحاث الفلسفية بمسائل العلوم، بل جاءت مواد المباحث متصورة بأحسن الصور الفلسفية مع التحفّظ التام على الرابطة الموجودة بين الفلسفة والعلوم، ولو احتاج في استنباط مسألة فلسفية إلى المسائل الطبيعية والفلكية لاعتمد على الآراء المسلّمة في العصر الحاضر.

عبقرية المؤلّف:

لا عتب على اليراع إن وقف عن الإفاضة في تحديد شخصية تعد من زمرة النوابغ القلائل الذين يضن بهم الزمن إلاّ في فترات متقطعة، فإنّ مؤلف هذا الكتاب وعاقد سمطه وناظم درره، من تلك الطبقة العليا، ومن أعاظم الفلاسفة وأكابر المحقّقين في الفلسفة الإسلامية وشتّى علومها.


(32)

صرف برهة من عمره في تحصيل الفلسفة وتدريسها حتى استبطن دقائقها وأحصى مسائلها، وأحاط على وجه التحقيق على آراء أساتذتها الأكابر الذين يعدّون من النوابغ الذين تبزغ شمسهم في الفينة بعد الفينة أمثال: الفارابي وأبي علي وشيخ الإشراق وصدر المتألّهين.

ولكنّه ـ دام ظله ـ لم يكتف بما استحصله طول هذه السنين من الآراء القديمة، بل دأب يفحص عن الآراء الحديثة في المسائل الفلسفية التي أطلّ بها الغرب على المعاهد العلمية، وطفق يحلّلها بذوقه وفطرته السليمة ونبوغه الممتاز.

نعم، ليس كل من رمى أصاب الغرض، وليست الحقائق رمية للنبال وإنّما يصل إليها الأمثل فالأمثل، وأنت إذا دقّقت النظر في آثار سيدنا الأُستاذ ومآثره العلمية وتآليفه القيّمة في مختلف العلوم الإسلامية، لعرفت أنّه البطل العظيم الذي يضن بمثله الدهر إلاّ في فترات متباعدة، وآثاره الخالدة هي الحجة البالغة على تضلّعه في العلوم والفلسفة الإسلامية، إذ هو المؤسّس في أكثر مسائلها، وكفانا صيته الطائر في الجامعات العلمية وحوزاتها عن مؤنة الإطراء والتوصيف.

على أنّه لم يوجّه فكرته إلى ناحية خاصة، بل أصبح نبوغه الوهّاج ميّالاً إلى كلّ علم وفضيلة، مشاركاً في الفنون والفضائل، ومتخصّصاً في بعض النواحي فضرب في كل علم بسهم وافر، حتى أتقن كل ما تصبو إليه نفسه من الفنون والمعارف، فأصبح من أعاظم المتخصّصين في الفقه وأُصوله، وعلوم القرآن وتفسيره، ومن المتضلّعين في الحكمة الإلهية، وقد حضرنا دروسه العالية في الفلسفة.


(33)

الغرض من تأليف هذا الكتاب:

كانت فكرة التقريب تجول في خاطره مدة أعوام وكان على شوق حافز إلى سدّ هذا الفراغ، بتأليف كتاب يجمع في غضونه نتيجة ما حقّقه الأكابر من أساطين الفلسفة الإسلامية طوال عشرة قرون، وما جاد به فلاسفة الغرب من الآراء الحديثة في الفلسفة، حتى تقارن هذه بهذه ويؤلف بينهما.

إذ الفلسفتان (الحديثة والقديمة) أصبحتا على وجه يتخيّل في بادئ الأمر أنّهما أمران مختلفان لا تشابه بينهما وأنّ كل واحدة منهما فن على حدة.

على أنّه ـ دام ظله ـ رام في تأليفه هذا هدفاً آخر لا يكاد يخفى على القارئ الكريم، حيث أثبت بتأليفه هذا قوة الفلسفة الآلهية وأنّها محكمة ببراهينها الواضحة وأنّها كجبل لا تحرّكه العواصف ولا تزحزحه الهواجس المادية مهما يقول الماديون، ومهما يعتقدون من انهيار الفلسفة الإلهية وتلاشي أُصولها. فأوضح ـ دام ظلهـ كذب هذه المزاعم وأثبت أنّ المعاول الهدامة العلمية قد قضت على أُصول المادية وأنّها بعد كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماءً.

شاهد ـ دام ظله ـ وجود النهضة الفلسفية في المعاهد العلمية بإيران وانكياب الشباب المثقّفين على الفلسفة الأوربية، حتى ما زالت المطابع في إيران تخرج إلى الأسواق كل يوم ترجمة أو تأليفاً أو رسالة في ذلك الفن، ولم يسجل تاريخ العلم عصراً يتسابق الطلاب فيه إلى الفلسفة مثل هذا العصر، وهذا التنافس يحكي عن حركة علمية وفلسفية جديدة في هذا العصر.

شاهد ـ دام ظله ـ الدعايات المادية، ونفوذها في المثقّفين بلطف مداخلها ووضوح تفسيراتها بحيث صاروا كأنّهم يديفون السم بالعسل،


(34)

وأعانهم على ذلك الزعماء الشيوعيون أيضاً، فلعبوا دوراً عظيماً في نشرها وبذلوا أموالاً طائلة في سبيلها حتى يتسنّى لهم اصطياد أولئك الشباب والبسطاء من الأُمّة الإيرانية.

رأى ـ حفظه اللّه ـ أنّ المادّي في البلاد الإسلامية يقول :لا وجود للعالم غير ما نراه ولا فاعل فوق النواميس الطبيعية وينشر من سموم الغرور العلمي! ما لفظته بُنية العالم الغربي.

هذه الوجوه وغيرها أكّدت عزمه على القيام بأمر واجب حتى يدافع عن شرف ملّته وكيان نحلته، ويذبّ عن الفلسفة الإلهية ويجابه هذه الكوارث والمحن بنكات بالغة وحكم نافعة.

وكان ـ سلّمه اللّه ـ موفّقاً كل التوفيق فيما كان يرومه، حتى أُتيح له في هذه الظروف تأسيس لجنة علمية فلسفية من أكابر الفضلاء في جامعة قم، وكان يلقي عليهم كلّ ما كان يحرّره من آرائه وأفكاره مكتفياً في كل أسبوع بليلتين.

ولأجل التمحيص عن وجه الحقيقة كان باب النقد والرد مفتوحاً لمن يستمع إلى تلك المحاضرات القيّمة، وكنت أحد أعضاء هذا المجمع العلمي، وهو بعد باق على حاله، وقد أصبح له شهرة عظيمة في الحوزة العلمية وخارجها، ومن نتائجه هذه المقالات العلمية التي ستمر عليك.

ولعمر الحق أنّ ما اتّخذه الأُستاذ ـ دام ظله ـ يعد من أحسن المسالك وأتقنها، وهو نهج جديد فتحه الأُستاذ على روّاد العلم وأسدى إليهم به أيادي تشكر، وقد صارت الفلسفة القديمة والجديدة دارجة بين الأفاضل في الحوزة العلمية، وأضحوا متمكّنين من الدفاع عن الحق بفروض جديدة واستعدّوا لخوض معركة البحث والنقد، وأصبح من الواضح: أنّ الفروض


(35)

العلمية لا تُزَحزِح أركان المذهب ولا تُضعضِع أُصول الفلسفة الإلهية، وانّ للحق دولة وللباطل جولة.

كانت تلك المقالات المحرّرة طول تأسيس تلك اللجنة تدور بين المحافل العلمية ويُستكتب منها عدّة نسخ، حتى اشتد إلحاح الملحّين من أهل العلم والمعرفة بطبعها ونشرها مقترحين عليه ـ دام ظله ـ أن يعلّق عليها بعض التعليقات حتى يتسنّى الاستفادة منها لكل من له إلمام بهذه الأبحاث، فكان ـ دام ظله ـ يتربّص الفرص.

وبينما كان الأمر كذلك حداني التقدير إلى مغادرة جامعة قم، بعدما أقمت فيها خمسة عشر عاماً، فغادرتها إلى طهران.

ومن جرّاء المشاغل الكثيرة التي حاقت بالأُستاذ لم يستطع أن يقوم بما اقترحوه، فأمرني ـ دام ظله ـ أن أُعلّق عليها بعض التعاليق، فجاء ما أمتثل به أمره بصورة مقدّمة وعدّة فصول وتعليقات تتراوح بين الشرح والتفسير، والتحقيق والإمعان، والمسؤول في هذه المواضع إنّما هو ذمّة كاتبها.

وهذا الجزء الذي يزفّه الطبع إلى القرّاء يحتوي على أربع مقالات مع تعاليقها وسنواصل التعليق إلى آخر المقالات بفضل وتوفيق منه تعالى حتى نؤدي بذلك بعض حقوقه، وإليك فهرس المقالات:

المقالة الأُولى : في تحديد الفلسفة وتفسيرها.

المقالة الثانيـة: في الصراع بين الفلسفة والسفسطة.

المقالة الثالثـة: في العلم والإدراك.

المقالة الرابعـة: في قيمة علومنا ومقدار اعتبارها.

المقالة الخامسة: في حدوث الكثرة في العلم.


(36)

المقالة السادسة: في الإدراكات الاعتبارية.

المقالة السابعـة: في البحث عن الوجود وأحكامه.

المقالة الثامنــة: في الإمكان والوجوب والجبر والاختيار.

المقالة التاسعـة: في العلّة والمعلول.

المقالة العـاشرة: في القوة والفعل والحركة والزمان.

المقالة الحادية عشرة: في الحدوث والقدم.

المقالة الثانيـة عشرة: في الوحدة والكثرة.

المقالة الثالثـة عشرة: في الجواهر والأعراض وأحكام الماهيات.

المقالة الرابعة عشرة: في إله العالم وصفاته.

وقد تضمّنت هذه المقالات الآراء الحديثة لأصحابها من غير فرق بين الإلهي والمادّي مع النقد العلمي. نعم قد استقصى الأُستاذ ـ دام ظله ـ في مقالاته كلّ ما اعتمد عليه فلاسفة المادّيين المعاصرين وأكابرهم الذين يقتفون أثر الفلسفة المادية الجدلية (1) والذين لم يزالوا يغرون بأصولهم عقول البسطاء بحيث اتّخذوها حقائق راهنة.

وقد قضى في الكتاب بأُصوله وطرقه على أُصولهم المادّية وأبطلها وأزاح عنها ستار الخداع، وأبعد الشباب عن تلك الدعاوى الفارغة. وستوقفك تلك الصحائف على صدق مقالنا إذا أمعنت النظر فيها متجرّداً عن كل رأي سابق لا دليل عليه وعن النزعات والتعصبات.


1-1- Materialisme. Dialecti

(37)

تاريخ المذهب المادي:

هل لمسلك الإلحاد والماية أصالة؟

يرجع الماديون بأصل مذهبهم إلى نحو القرن السادس قبل ميلاد المسيح، ويدّعون أنّ المذهب المادي تكوّن من عهد الفيلسوف كاليس المولود عام 638 أو 639 ق م. ويعتبرون كل من أتى بعده من تلاميذه إلى نحو 150 سنة قبل الميلاد، أسلافاً لأنفسهم يمتّون إليهم بأواصر وثيقة من القرابة المذهبية.

ولكن ليس لهذه المزعمة مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، بل كلها دعايات ودعاوي فارغة !!

نعم، إذا سبرنا الكتب المؤلّفة في الفلسفة في عصور الأغارقة والعصور الإسلامية نجد في غضون تلك الكتب أقوالاً لهذه الطائفة، فراجع الأبواب التالية:

1ـ حاجة النواميس الطبيعية إلى علّة فوقها.

2ـ لكل شيء علّة غائية.

3ـ الروح الإنسانية مجرّدة عن المادة.

فتجد في ذيل تلك العناوين أقوالاً للماديين في نفي العلّة الأُولى والعلة الغائية أو تجرّدها عن المادة ، وغير ذلك من الكلمات التي تدور عليها رحى الإلحاد والمادية.

غير أنّ مثل تلك الأقوال من الماديين لا يدل على وجود نظام فلسفي لهم في عامّة المباحث الفلسفية، وإنّ الماديّة كانت إحدى المسالك الفلسفية


(38)

في القرون الماضية وإن كان الماديون يدّعونه اليوم، بل الغاية من سرد تلك الأقوال هي استيفاء الاحتمالات والكلمات الصادرة.

نعم، المادي يصر على أصالة الفلسفة الإلحادية وقدمها ورواجها بين المفكّرين، ويدّعي أنّ الفلسفة المادية رسمت في بدء نشوئها طوال القرون المتمادية دوائر للممكنات والمستحيلات، وأنّ لها أُصولاً وقواعد ما زالت رائجة ودارجة ... الخ. لكنّها أساطير لفّقها المادّيون، وتعلم موقفهم من الصدق وأمانتهم في النقل إذا سبرت تاريخ الفلسفة.

نعم، منذ تكوّنت الفلسفة وراجت بين أبنائها كان البحث عن النواميس الطبيعية وغيرها قائماً على قدم وساق، ثم تدرّج هذا البحث في مدارج التطوّر والتكامل حسب تكامل الإنسان وعلومه.

والتاريخ يحدّثنا أنّ أوّل من أحدث مسلكاً فلسفياً ورسم نظاماً خاصاً هو الحكيم المشهور «هرمس»، ثمّ اقتفى تلاميذه أثره وأشاعوا مذهبه واشتهروا بالهرامسة لأجل تهالكهم في تحكيم ما تلقّوه من أُستاذهم، وتلك الطائفة كانت مؤمنة بالعوالم غير الطبيعية، وكانت الفلسفة يومذاك تطلق على البحث عن علل الأشياء، فراجع كتاب (العلل) المنسوب إلى «بليناس».

ثم جاء بعدهم الفلاسفة المالطيين وظهرت في المسائل الفلسفية آراء وعقائد، وتطوّرت الفلسفة تطوّراً بارزاً فوق تكامها في عصور الهرامسة، ولم تختلف هذه الدورة عمّـا قبلها، فقد كان البحث عن العوالم الغيبية قائماً على قدم وساق، يشهد بذلك الآراء والعقائد المنقولة عنهم في الكتب الفلسفية والتاريخ الصحيح.

وأمّا اليونانيون فقد قام منهم نوابغ يعدّون من أكابر الأساتذة في


(39)

الفلسفة، تابعوا هذه المباحث الواصلة إليهم، على أنّ جماعة منهم عاصروا المالطيين وبقوا برهة بعد انقراضهم، وقد عرفت أنّ البحث عمّـا وراء الطبيعة كانت دارجة عندهم.

والهنود والصينيون لهم في تحكيم الفلسفة وعطف الأنظار إلى العلل غير الطبيعية خطوات واسعة، فقد برز منهم فلاسفة قبل ظهور المالطيين وعاشوا مدة بعد اشتهارهم.

والحاصل: أنّك لا ترى مسلكاً فلسفياً طوال هذه القرون وما قبلها وما بعدها إلاّ وقد خاض في البحث عن الإله وصفاته وشؤونه ومجرداته، وهذه كلّها شواهد بيّنة على أنّه لم يكن طوال هذه السنين نظام فلسفي مادي متميّز عمّـا سواه حتى يلوذ به اللائذون، ولم يكن الإلحاد مذهباً فلسفياً تجاه سائر المذاهب الفلسفية.

وأمّا الدهريون فهم الشاكّون في تلك العوالم الغيبية، وهم يزعمون أنّ البراهين الواصلة إليهم من الإلهيين ليست مقنعة، لكن الشاك غير المنكر، والمادي يدّعي أصالة الإنكار وقدمه، والتاريخ لا ينبئ عن وجود تلك الطائفة.

نعم، تهيّأت البيئة الفكرية للرأي المادي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر بصورة قوية وقد أعلن الماديون في هذه الفترة الحرب على الفلسفة الإلهية، وتمخّض الصراع بين الفلسفتين في هذه الفترة عن اتجاه مسلكي ونظام خاص للاتجاه المادي، تجاه سائر المسالك الفلسفية، كل ذلك لعلل ستقف عليها فيما بعد.

وفي هذين القرنين بلغ غرور الماديين إلى حد عجيب، حسبوا أنّ الحقائق المطلقة التي يخضع لها الناس، هي الأحكام التي تصدرها دور


(40)

التشريح ومراصد الكواكب ومعامل الطبيعة والمختبرات العلمية، وأنّه ليس في الدار غير المادة وآثارها ديار.

لكن الفلسفة المادية أفاقت من غرورها في طلائع القرن العشرين، وجاءت المعاول العلمية من النقد الصحيح على ما بنوه في القرنين فهدمت ما أشادوه وفرقت ما جمعوه وحسبوه حقائق، وعرفوا أنّ ما نسجوه من الأوهام أقرب وإلى الوهم والخيال منه إلى الحقائق.

فلا تجد إذن للمذهب المادّي أصالة وقدمة، وإنّما انعقدت نطفة نظامه الفلسفي في أوّليات القرن الثامن عشر، ثم لم يمكث حتى تزعزع صرحه العلمي الفلسفي فجأة بشدة وظهر عليها التناقص والتهافت بصورة واضحة.

نعم، تدّعي الماديّة حتى اليوم بالقدمة والأصالة، حتى أصبحت تدّعي أنّ المخترعين والمستكشفين ومؤسسي العلوم مادّيون، حتى تستغوي بذلك السواد الأعظم، وغدا يعرف أرسطو (ذلك الحكيم الإلهي) ممّن يتراوح بين المادية والسفسطة والشيخ الأعظم أبا علي رجلاً مادياً ـ إقرأ واضحك ـ.

وهذه رسائل المادّيين ومنشوراتهم الشهرية والاسبوعية تراها مليئة بالغلو في الأصالة والقدمة، حتى زعموا أنّ اليونايين من المالطيين من أوّلهم إلى سقراط كلّهم من أتباع المذهب المادّي.

وقد عرّف «بوخنر» الألماني ـ من أعلام المادّنيين في القرن التاسع عشرـ جماعة كبيرة من العلماء الذين صرفوا برهة من أعمارهم في العلوم الطبيعية، مادّيين وأسلافاً للمسلك المادّي، غافلاً عن أنّ كون الرجل عالماً طبيعياً غير كونه مادّياً غير مؤمن بالعالم الروحاني، فإنّ كون الرجل طبيعياً يرجع إلى أنّه كان باحثاً عن العلوم الطبيعية تجاه الرياضي الذي يبحث عن خواص


(41)

الأعداد، والسوفسطائي الذي ينكر الحقائق الخارجية الطبيعية، أو يرجع معناه إلى أنّ الرجل كان من المتخصّصين في العلوم الطبيعية ومتوغّلاً فيها يوم كان علم الطبيعة في دور السذاجة والبداءة.

وإليك أسماء بعض من ذكرهم الكاتب الألماني أسلافاً لمنهجه مع ذكر بعض آرائهم:

1ـ كاليس: زعم أنّ المادّة الأوّلية هي الماء، فبتكاثفه وجدت الأرض، وبتمدده تولد الهواء والنار.

2ـ انكـزيماندر (انكسمند روس): يرى أنّ مـادّة المـواد هي الهيولى المبهمة واللانهاية المطلقة، أي الحالة غير المحدودة التي يخرج ويعود إليها كل كائن.

3ـ انكزيمين (انكسمين): يعتقد أنّ المادّة الأُولى هي الهواء.

4ـ هراكليت (هرقليطوس): يعتقد أنّ النار هي المادّة الأُولى.

5ـ امبيدو كل (أبناذقلس): يذهب إلى أنّ أصـل المادّة الماء والتراب والهواء والنار مجتمعة.

6ـ ديمو كريت (ذيمقراطيس) (1): يرى أنّ المادّة تتألّف من ذوات صغيرة جدّاً.

إنّ هؤلاء ومن لفّ لفّهم من المتوغّلين في البحث عن مظاهر الطبيعة، وهم الذين يعتبرهم المادي أسلافاً لنفسه، اغتراراً بتعليلهم الحوادث الطبيعية بعللها ومظاهرها بحقائقها، وتوغلّهم في كشف الروابط الموجودة في النظام الطبيعي، لكنّه فاته أنّ الإيمان بالنواميس والعلل المادية لا يلازم


1-ما بين القوسين إشارة إلى اشتهارهم بهذه الأسماء في الكتب الفلسفية الإسلامية.


(42)

الإلحاد والإنكار، وإلاّ يلزم أن يكون كلّ الإلهيين من الأغارقة والإسلاميين من الملاحدة بل الأنبياء العظام والصلحاء من أوليائهم كلّهم من الملاحدة.

وما زعمه المادّي دليلاً لإلحادهم فهو من أفحش الأغلاط، إذ الأكابر من الإلهيين وأصاغرهم لا يختلفون قط في أنّ هنا مادة واحدة تنحل إليها البواقي، وأنّ لمظاهر الحياة عللاً طبيعية، وأنّ الحوادث والسوانح تنتهي إلى عوامل مادّية.

ضع يدك على المئات المؤلّفة من كتبهم تجدها مليئة بالبحث عن المادة الأُولى والعلل الطبيعية، ولكن ذلك لم يصدّهم من التألّه والإيمان بما ورائها.

على أنّ آراء تلك الطبقة التي عدّهم المادّي أسلافاً لنفسه في المباحث الإلهية ترد تلك المزاعم، فإنّ لـ«كاليس» و«انكسيمانوس» رأياً خاصاً في علم الباري ـ عزّ شأنه ـ خصّه أصحاب الفلسفة الإلهية بالبحث والتنقيح.

نعم، ناقض «بوخنر» قوله بما نقله عن «هراكليت» في نفس الإنسان من أنّها شعلة وهاجة تأججت من الأزلية الإلهية.

بلى، ناقض قوله في مكان آخر أيضاً حيث نقل عن «ابناذقلس» أنّه كان يرى الخلود لنفس الإنسان، بعد موت الإنسان حتى تصل إلى غاية معينة من الراحة والشوق والحب.

أجل، أبطل مدّعاه بما رواه عن «هراكليت» أنّه قال: إنّا نرى الأشياء ثابتة ولكنّها في الحقيقة في حالة الزوال والتجدّد ولا ثبات لها أصلاً، وأنّ العالم كالنار الشحناء تتأجج تارة وتنطفي أُخرى، وهي لعبة بعض الآلهة (1).


1-راجع في جميع هذه النقول إلى ما ألّفه «بوخنر» حول نظرية «دارون» ونقله إلى العربية شبلي شمّيل اللبناني.


(43)

وليس يخفى على النابه أنّ تلك الكلمات رموز لحقائق لم تقصد ظواهرها، بل لهم في غايات، وقد نقل صدر المتألّهين في أواخر السفر الثالث كلمات من هؤلاء الأعلام ثم قال: إنّ كلماتهم كانت مشحونة بالألغاز والرموز، وأنّ النقلة قد نقلوها من غير تدبّر وتعمّق، وقد أرجع تلك الكلمات إلى القول بحدوث العالم وكونه متحرّكاً ومتغيّـراً بحركة جوهرية، وليس هنا أيّ دليل على كونهم مادّيين سوى وجوه أوعزنا إليها وقلنا: إنّ المادّي والإلهي في هاتيك الوجوه سواسية، لأنّ الاعتقاد بمادة المواد، أو تعليل الحوادث بعلل طبيعية، أو الاعتقاد بأن نظام الوجود نظام وجوب وضرورة، أو الإذعان بأنّ الموجود الطبيعي ليس يوجد من كتم العدم، أو العناية بالتجارب والتدريب في تحقيق المسائل الطبيعية ... كل ذلك لا يختص بالمادّي بل هو عند المادّي والإلهي سواء.

والمادّي ـ لأجل بُعده عن المسائل الإلهية ونظامها الخاص ـ زعم أنّ تلك العقائد تنافي القول بالعوالم الروحانية، ومن جراء ذلك رمى كل من تفوّه بهذه المبادئ العلمية الطبيعية بالمادّية والإلحاد، وإن كان يصرّح بالإيمان بمبدأ غيبي وراء الأُفق المادّي.

وقد صار ذلك منشأ لأغلاط واشتباهات، حتى عمّت وسرت إلى كُتّاب تاريخ الفلسفة. وسنوقفك على حقيقة الحال ومبلغ علمهم وقيمة قضائهم عند البحث عن العلّة والمعلول والحدوث والقدم، فتربّص حتى حين.

نعم، قد صح عن «ذيمقراطيس» (ديمو كريت) و «ابيكور» وأتباعهما، إنكار تجرّد النفس وخلودها بعد الموت.


(44)

سلطان المادية على العقول:

هلّ القرن السادس عشر وظهرت بعض الآراء العلمية في الفلكيات والعلوم الطبيعية، وكان ذلك سبباً لإيقاظ الشكوك الكامنة في النفوس وتوليد الشبهات، وكان أوّل من اجترأ على إحياء المذهب المادّي الفيلسوف الإيطالي «بطرس بومباتيوس» فنشر عام 1516م كتاباً ثار فيه على نظرية «أرسطو» في خلود النفس، ولكن مع ذلك فقد نقل «بوخنر» في مقالته السادسة أنّ «بطرس بومباتيوس» كان من حماة الدين وحماة تعاليم المسيح، غير أنّه أضاف جملة أُخرى: أنّ التظاهر بالديانة كان أمراً دارجاً بين العلماء الطبيعيين، لسلطان رجال الكنيسة أو لرسوخ الإيمان الوراثي في قلوبهم.

وفي عام 1770 م نشر «البارون هولباخ» الألماني كتابه الذي أسماه (نظام الطبيعة) وممّا جاء فيه: أنّ كل شيء محصور في الطبيعة وانّ كل ما يتخيّل وراءها وهم في وهم.

وقد أخرج أوّل دائرة معارف بالفرنسية في القرن الثامن عشر، وكان من أعضاء لجنتها «ديدرو» و «هولباخ» و «دلامبرت» وكان الأوّل مادّياً محضاً، وقد صرّح في رسالته التي أسماها (المادّة والحركة) بأنّ ما نراه من خروج كائن حي من البيضة بواسطة الحرارة وحدها ينقض تعاليم اللاهوتيين.

نقل «بوخنر» أنّ «دلامبرت» كان من المتوقّفين في العوالم الروحانية.

جاء القرن التاسع عشر، وقد قطعت العلوم الفرعية شوطاً بعيداً من التقدّم وأثمرت ثمراتها اليانعة في الصناعة والزراعة واستخدام القوى الطبيعية، وصارت البيئة الغربية بيئة مادّية صرفة لم يبق فيها من العقائد الدينية إلاّ شيء لا يعتد به.


(45)

وبينما الناس على هذا الوضع يكاد ينهار صرح عقائدهم فإذا بحادث جلل حدث في العلوم الطبيعية عام 1859م، فقضى على البقية الباقية، ألا وهو مذهب «دارون» الذي جاء بنظرية حديثة في تحليل وجود الأنواع الحيّة وفسّـره بناموس الانتخاب الطبيعي، فكان لظهوره أثراً عميقاً في تزعزع المذهب الإلهي وبحدوثه قطعت الرابطة القديمة بين المادّيين والإلهيين، فتفرّدت المادّية بالسلطان وبلغ الغرور العلمي أقصى ما يمكن أن يبلغه.

أجل لم يكن «دارون» مادّياً في عقائده وإن استفاد منه المادّيون لتحكيم مبادئهم. قال الدكتور شبلي شميل في مقدمة كتابه (فلسفة النشوء والارتقاء): إنّ نظرية التطوّر في الحيوانات الحيّة ليست إلاّ تحليلاً علمياً عند «دارون» لا فلسفياً، ولم يكن الغرض منه إلاّ تحليل تلك التطوّرات من طريق العلم دون الفلسفة وإن جعلها بعض أصحاب الفلسفة المادّية أساساً لبنائها وسنداً لصحّتها، ولكن «دارون» مع أنّه المؤسس لمذهب التطوّر لم يتوفّق لاستنتاج عامّة ما يترتّب عليه من النتائج.

وينقل عن «دارون» هذه الجملة: إنّ الموجودات الحيّة كلّها منقادة بنظام خاص ونواميس ميكانيكية، وانّ الأنواع كلّها مشتقّة من أصل واحد، وهذا الأصل أوّل موجود حيّ هبط إلى دار الوجود وقد نفخ فيه الخالق روح الحياة.

وهذا تصريح من الرجل باعتقاده بالمبدأ الحي الذي منه يستمد الموجودات، وأنّ ظهور الحياة في النوع الأوّل كان مستنداً إلى خالق أوجدها ثم تنوّعت الحياة والأنواع حسب الانتخاب الطبيعي.

وفي أواسط هذا القرن (التاسع عشر) بلغ الغرور العلمي للمادّيين إلى حدّ تخيّلوا أنّهم قد حلّوا طلاسم الطبيعة وفكّوا معميات الحقيقة، وكشفوا


(46)

غوامض القوى الكونية وانّ أحكامهم لا تتحمل نقداً ولا ردّاً، وقد أعانتهم في تدعيم طريقهم الأُصول الدارونية حتى استولت المادّية على السواد الأعظم، ولم يسجّل تاريخ العلم مذهباً كان له مثل تأثير المادّية على النفوس في عصر من العصور، وما زالت سماسرة الأهواء يبثّون الإلحاد بين الناشئة الجديدة حتى حسبوها حقائق راهنة.

أظهرت المادّية سلطانها حينما ظهر هذا الحادث الجلل وبلغت إلى أوجها، حتى جاءت الأقوال البالية تباع وتشترى بصورة خاصة غير مسبوقة، ولبست المادّية لبوس الفلسفة، وجاءت في تطوّرها النهائي بصورة الفلسفة المادّية الجدلية (1) ووضع حجرها الأساس «كارل ماركس» 1818ـ1883م، ووازره في ذلك قرينه «فردريك انجلس» 1820ـ1895م وعند ذلك خلعت المادّية لباس الجمود ورفضت التمسّك بأُصول ثابتة دائمة.

أخذ مبتكر المذهب المادّي في هذا القرن الأُصول الفلسفة الجدلية الديالكتيكية عن أُستاذه «هيجل» لكن الأُستاذ لم يكن مادّياً وإن استحسن تلميذه جل ما أخذه عنه في الفلسفة الإلحادية.

الغاية للقالة عند المادّيين:

ليست الغاية لقالتهم البحث عن المسائل المعضلة المعنونة في الفلسفة، وتحقيق ما هو الحق حسب الموازين العقلية على ما هو دأب عامة الفلاسفة على اختلاف مشاربهم ومسالكهم، بل الغاية تحليل المسائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من طريق الفلسفة المادّية التحوّلية، وجعلها على ذلك الأساس كما هو غير خفي على من مارس كتبهم.


1-1- Materialisme. Dialecti

(47)

وهؤلاء قد تخلّفوا عن صفوف الفلاسفة بترك التعمّق في المسائل المعضلة، وعدم التفكّر فيما عسر حلّه على العلم. وأوّل شيء شغل بالهم هو التحزّب والتكتيكات السياسية.

هذه مجلة «انترناسيوناليست» التي كانت تنشر في عاصمة إيران (طهران) عام 1945م قد نشرت صورة كاملة عن حياة «كارل ماركس» وهذه الصورة ـ مع ما فيها من علائم الإغراق والغلوـ توقفنا على مكانته في العلوم والمعارف العقلية وعلى مقدار جهوده في تحصيلها، فالدقّة في نواحي حياته توقفنا على أنّه لم يكن مرتاضاً في العلوم بحيث يواصل ليله بنهاره بالتفكّر والتدبّر في زوايا المكتبات والمعاهد العلمية على ما هو دأب عامة النوابغ والمؤسّسين، بل كان رجلاً سياسياً غارقاً في بحارها، وإليك نبذة ممّا جاء فيها:

نال «كارل ماركس» درجة الدكتوراه وحاز على الشهادة العلمية وهو في العقد الثالث من عمره، ثمّ تحزّب بعده بأيام قليلة وخاض في ميادين السياسة، ومن جرّاء القلاقل نفي من باريس إلى لندن، وما زال يعيش في منفاه مكافحاً مخالفيه حتى أُطلق سراحه، وألقى رحله مدة في «ألمانيا» ومرة أُخرى في «باريس» وثالثة في «بروكسل»، وقد شغلت باله نزعاته السياسية، وميوله الحزبية، وقد قام في أيام إقامته في «بروكسل» بتحرّر برنامج تام للحزب «البلشفي»، فألّف كتاباً أسماه «مانيفست» وعدّه «لينين» مظهراً تاماً للآراء المادية من وجهة التاريخ والفلسفة، وجعل فروضه من أحسن الفروض لرفع اختلاف الطبقات ونشر التعاليم الاجتماعية وسرد الأُصول الاقتصادية.

ثمّ غادر «بروكسل»، عام 1851 م وقفل إلى «لندن» إلى أن مات فيها،


(48)

وفي خلال إقامته في لندن كتب كتابه الشهير بـ «كابيتال» وهو يحتوي على آرائه في طريق الاقتصاد وفروضه الاجتماعية والسياسية.

وقد اقتفى أثره في حياته ومبارزاته وتحزّبه وجملة شؤونه قرينه «انجلس» فإنّه ترك الجامعات العلمية وهو ابن ثمان عشرة سنة وغادر وطنه متوجهاً إلى «برلين» قاصداً دائرة الجيش، وهو بينما يشتغل بالأُمور الجندية والوظائف العسكرية، لم يزل يحضر المؤتمرات المنعقدة في «برلين»، وبالأخص في الحفلات التي كانت تعقد من قبل ذوي الآراء الاشتراكية، إلى أن غادر «برلين» وقفل إلى «باريس»، واجتمع هناك صدفة بعديله «كارل ماركس» وحصل بينهما تآلف في العقيدة، وتحالفا على نشر المبادئ الاشتراكية، وهذا الاجتماع صار مبدأ لنهضة الشعب البلشفي في البلاد التي جالا فيها.

هذا نموذج من حياة «انجلس» يوقفك على شيء من أحواله وأنّه ترك مراكز العلم والثقافة وهو لم يزل ابن ثمان عشرة سنة، ودخل في المجامع السياسية وخاض غمارها وهو في ريعان شبابه ومقتبل حياته.

وبعد ذلك صارت الفلسفة المادّية في خدمة المبادئ الاشتراكية، وصارت تنفذ في القلوب بنفوذها، والحق أنّ الشعب الاشتراكي قد بذل جهوداً كثيرة في نشرها وجلب القلوب إليها، بحيث صارت الفلسفة المادّية لعبة السياسة في البلاد البلشفية، تترفّع برفعتها وتتدهور بتدهورها.

أُنظر ماذا ترى في البلاد الإسلامية، ترى أنّ المجلات والرسائل التي تتبنّى نشر العقائد المادّية تدار في شوارعها وأسواقها ومكتباتها، طلباً لسيطرة المبادئ الاشتراكية الهدّامة لكل فضيلة عالية، وليس هذا إلاّ مما جنته أيدي أولئك الساسة الذين يلعبون ليلاً ونهاراً بالمقدّرات من وراء الستار.

والدول الإسلامية مع أنّها تناضل وتكافح ليلاً ونهاراً لقطع تلك


(49)

الجراثيم عن أديم الأرض لكن ترى ما ترى ...

ثمّ إنّ من المبادئ الأوّلية للأحزاب البلشفية كون الغاية تبرر الوسيلة والوصول إلى الهدف يبيح كل جناية، وعلى ذلك يستباح لتقريب الأهداف ونيل الأغراض الافتراء على المذاهب الإلهية ورميهم بكل فرية شائنة والكذب عليهم وسرد الحقائق على غير ما هي عليها والانتقاد على غير وجه الحق، فإذا كان الوصول إلى الهدف قائماً على إبطال الحق وإحياء الباطل فلابأسبه.

نعم، يجتنبون بعض الاجتناب عن الفرية في الرسائل المنشورة لنشر الفلسفة المادّية المجرّدة عن السياسة.

هل الفلسفة المادّية تسير بسير العلوم؟

اعتقد كثير من الماديين أنّ المباحث الطبيعية وسير العلوم تكون نصيرة الفلسفة المادية على الفلسفة الإلهية، ولذلك شاع الإلحاد في أكثر الطبقات بعد طلوع نيرّ العلم في هذه القرون، وأغرق بعضهم فقال: إنّ الفلسفة المادية ما زالت تسير بسير العلوم وتتوسّع بتوسّعها، وانّـها من نتائجها المستقيمة التي تستنبط منها استنباطاً صحيحاً مستقيماً ـ إلى أن قال:ـ وممّا يقضي منه العجب أنّ بعض المؤسّسين والمخترعين كانوا في زمرة المؤمنين بما وراء العلوم، مع أنّ العلوم تصرّح على رؤوس الأشهاد بأنّـها تقدر أن تحل جميع معضلات الكون من غير أن يلجأ إلى فرض يتعالى عن فرضه ويترفّع عن تمحيصه.

أُنظر إلى الغرور الباطل والجهل المطبق، أُنظر إلى سراية هذا الغرور من


(50)

كبارهم إلى صغارهم ومقلّديهم من المنتمين إليهم، فخيّل أنّهم باطّلاعهم على آثار زعمائهم أعرف بالكون وجوانبه، وبالعوامل التي تعمل فيه، من صاحب الدكان بمحتويات دكّانه ومن المستبضع بما تحت أردانه.

أعد النظر إلى ما تلوكه أشداقهم من الحشو الرثّ والدعاوي الباطلة والمزاعم العاطلة حيث يقولون: إنّ للإنسان المفكّر الذي يريد أن يحل مشاكل القضايا طريقين: إمّا أن يقتفي أثر الفلسفة الإلهية ويمشي على أُصولها ويعتقد وجوداً يمتنع إدراكه وفهمه، ولا مفرّ له بعد هذا من إنكار العلوم والصنائع المستحدثة والفنون المستكشفة. وإمّا أن يقتفي أثر العلوم والصنائع ثم ينكر الإله وشؤونه.

وأقل فائدة تعود للقارئ الكريم من قراءة هذا الكتاب، هو وقوفه على هذه الأساطير وما فيها، وانّ الفلسفة المادّية التحوّلية على رغم حماتها مقطوعة عن العلوم ونتائجها، وما ادّعاه من أنّ الفلسفة المادّية من نتائج العلوم ومواليدها خيال في خيال، وما مهّدوا من الأُصول زاعمين أنّها من نتائج العلوم كلّها تحريفات نسجوها على حسب ميولهم واستنباطات شخصية لا ترتبط بالعلم والكشف.

وأقوى دليل لهم في هذا المضمار أنّ الفلسفة المادّية قد استولت على العالم وظهر سلطانها يوم بلغت العلوم الفرعية شأواً بعيداً من التقدّم وأثمرت ثمراتها اليانعة، ولكن هذا التقارن غير كاف في إثبات مزاعمهم، إذ لو كان التقارن دليلاً على كونها من نتائج العلوم فلتكن السفسطة من نتائجها، فإنّ الآراء السفسطية قد ظهرت في أوربا في القرون الأخيرة يوم ظهر سلطان العلوم، فقد ظهر أُناس عمدوا إلى تشكيك الناس في الأُصول الأوّلية وعلومها الضرورية.


(51)

أجل إنّ الفلسفة المادّية ظهر سلطانها يوم ظهور بعض الحقائق الطبيعية، غير أنّ هذا التقارن ليس لأجل كونها من نتائج العلوم، بل الوجه هو ما يلي:

إنّ القرن السادس عشر وما بعده من القرون كان زمن ظهور باكورة الآراء في العلوم الطبيعية والفلكية، فقد أبطل بعض المسلّمات في القرون الماضية، وقدّم العلماء فروضاً علمية أُخرى، من كروية الأرض وكونها كوكباً يدور حول مركزه، وغير ذلك ممّا يبطل أساس العلوم الطبيعية والفلكية الموروثة من اليونان.

تلك المكتشفات التي كانت لا تقف عند حد، قد كشفت اللثام عن الظنّيات التي كان الناس يتنافسون على تعلّمها، وأصبح الناس يرون الأُصول التي كانت ذات قاعدة، قد قامت مقامها قواعد أُخرى تناقضها وتضادها، فتخيّلوا بعد هذا التحوّل أنّ العلم والفلسفة كانا في القرون الخالية في دور من الفوضى.

والتطور العلمي ـ مع أنّه كان في حريم العلوم الطبيعية ـ ولكن أودع في القلوب شكوكاً في عامة المسائل حتى فيما لا يمس بالعلوم كالأُصول الاعتقادية، فتخيّلوا أنّهم كانوا مخدوعين، وطفقوا يتساءلون فيقول بعضهم لبعض: إنّه إذا كانت الأُصول المكونة في المعارف الطبيعية فروضاً أدبية تحجب تحت غشائها الجهل، فما الدليل على أنّ العقائد الدينية والعوالم الروحانية التي يخدمها البشر ألوف السنوات ليست كذلك؟

وبالجملة: أورث سير العلم والتحول في العلوم شكوكاً وأغرس شبهاً مازالت تخطر في القلوب وأوجب تشتتاً في الأفكار، وصار الإنسان يشك في كل شيء حتى في عقائده الواضحة وأُصول دينه التي لا مساس لها بالمادة.


(52)

وقد أثار هذا الشك الخاطئ التشتت في الرأي في البلاد الغربية، حتى ظهرت مسالك متناقضة في الفلسفة: طائفة يعتقدون بأُصول، وطائفة ينفونها حرفاً بحرف ... إلى عشرات من العقائد والأُصول.

وههنا علّة أُخرى لظهور تلك الآراء المتبددة، وهي فقر الغرب وعدم تجهّزه بالفلسفة الإلهية، إذ لم يكن يوم أظهرت المادّية سلطانها فلسفة إلهية دارجة في هذه النواحي تسير مع سير العلوم وتلتئم معها في عامّة المدارج، لأنّ الفلسفة الإسلامية لا تتخلف عن العلوم قدر أنملة، كيف وهي تنادي بأعلى صوتها باعتبارها وتعترف بالعلل المادّية، وتحلّل الحوادث الكونية بالعوامل الطبيعية، وتجمع شتاتها بأُصولها وترجع فروعها إلى مبادئها، فهي لا تنكر المادة ولا آثارها ولا الأعمال الكيمياوية ولا خواص الأجسام وآثار مركّباتها إلى غير ذلك ممّا أثبتته العلوم.

وأمّا الفلسفة الإلهية الدارجة في تلك الأيام في الغرب فحدّث عنها ولا حرج، فإنّها ضمّت الدرة إلى الذرة، والغث بالسمين، والصحيح بالزائف، فجاء علبة السفاسف والمخازي والدعاوى الفارغة، ولولا تلك الأساطير الباطلة لما تحامل المادّي بالسباب والشتم والنيل منه، لأنّه لا يرى للإلهي الغربي ملجأً علمياً يلتجئ إليه، ولم يفكّر في أنّ الفلسفة الإلهية الواقعية منزّهة عن لوث الشرك وحبائل الأغلاط وأنّ ما بأيدي هؤلاء المتألّهة صورة ناقصة مملوءة بالخرافات والسفاسف.

قال العلاّمة الفلكي «كاميل فلامريون» في تأليفه «اللّه في الطبيعة»: إنّا نجد الإنسان المتمدّن يميل في البيئات الفكرية إلى ميلين مختلفين: نرى طائفة من المتمدّنين فرضوا على أنفسهم أن لا يسلّموا وجود شيء أو عدمه إلاّ بدليل محسوس، ووضعوا جميع المسلّمات القديمة على ميزان التحليل،


(53)

وسلّطوا عليها أدق أساليب التمحيص، ولأجل ذلك يعتقدون بما أقرّت به الأُصول الكيماوية، فإذا شاهدوا الفعل والانفعال بالحسّ والتجربة وبالآلات والمجهرات يعترفون بخواص الأجسام والتراكيب الجوهرية، فكل ما ترشد إليه العلوم الحسّية يتلقّونه بالقبول.

ولكن هذا المنهج في تحليل الحقائق جرّهم إلى الإلحاد ونفي الصانع، لأنّهم لم يشاهدوه بالحسّ والتجربة.

ونرى طائفة أُخرى يكيل لهم السواد بصاع كبير قد أحاطت بهم كتب مطبوعة ومخطوطة، وحاق بهم غبارها وهم يمارسونها بأشد الشوق وغاية الولع، بين مستنسخ إلى مترجم إلى باحث محقّق، يتخيّلون أنّـهم حملة المعارف السماوية وخزانة الأسرار العلوية وأُولوا الحل والعقد في الحظيرة القدسية، وقرناء الملائكة وأعدال المنزّهين، ويبحثون عن الآيات والأحاديث المختلفة، وقد أوصلتهم تلك الجهود إلى رفع الحجاب عن أحد المخفيات الدينية فعيّنوا الفاصلة الموجودة بين حدقتي الأب السرمدي.

وأوضح دليل على تدهور الفلسفة الإلهية في أوربا عند ظهور طلائع المدنية الحديثة ما نقرأه في «المجموعة الإلهية» تأليف القدّيس «توماس اكويني» فقد خصّص فصلاً مستقلاّ ً بمسألة خرافية وهي: هل يستطيع أن يستقر عدّة من الملائكة في رأس الإبرة؟

هذا مبلغ علمه ومدى تفكيره وقيمة أبحاثه، والرجل بعد يعد من أعاظم الفلاسفة في الغرب في القرون الوسطى.

قال الدكتور شبلي شميل (1): «إنّ الفلسفة الإلهية بلغت بين المسلمين


1-قاله في مقال له حول القرآن والعمران، ونشر مقاله في الجزء الثامن من كتابه (النشوء والارتقاء).


(54)

شأواً بعيداً، ولكن البيئات النصرانية لم تستطع أن تتحفّظ بها، وصارت بعد الانتشار بينهم محكومة بالفناء والاندثار، حتى قام رجال الكنائس يكافحونها بكل قوّة غير ما يرجع إلى لاهوتية المسيح».

نعم قد نهض في العصور المتأخّرة رجال كبار من أصحاب التفكير، فأذاعوا الفلسفة الإلهية ورفضوا الإلحاد نظراء «ديكارت» ومن لفّ لفّه، ولكن مع الأسف لم يستطع أحد منهم أن ينقّح مسائلها ويوضح أُصولها ويرد فروعها إلى مبادئها حتى يلتجئ إليه كل لائذ، بل قصُـرَ وتقاصر شأوهم عن تشييد ذلك مع الاعتراف لهم بكل فضل وفضيلة.

وقد عرفت أنّ الفلسفة الإلهية قد بلغت في عصور المسلمين شأواً بعيداً، ولو كانت تلك الفلسفة (المشيّدة القواعد المحرّرة المسائل) منتشرة بين أبناء الغرب لما ظهر ما ظهر من المسالك المتناقضة والمذاهب المتبدّدة التي يقضي الوجدان السليم ببطلانها، ولو كانت الفلسفة الإسلامية دارجة ليرجع إليها المادي في شبهاته وشكوكه والإلهي في تقويم عقائده وتحكيم مبانيه، لما ظهر سلطان المادي في البيئات العلمية، ولما تسنّى للسوفسطائي أن يبث تلك الدعاوي الفارغة والأساطير المكذوبة حينما قضى الدهر على أسلافهم بالفناء والهلاك، فجاء أخلافهم بعد لأي من الدهر يقتفون آثار آبائهم وأجدادهم البالية، ولما تمكّن المادي من أن يرفع عقيرته عاقصاً قرنيه مملوءاً بالكبر والنخوة يرمي الإلهيين بالجهل والخرافة.

لقد استقصى هذا الكتاب الذي بين يديك النقاط الحسّاسة في الفلسفة المادية ونقدها بأحسن أسلوب وفنّدها بأدق وجه، ولعلّ القارئ الكريم ربّما يعترض على هذا التبسّط الذي صار الشغل الشاغل فيه مع أنّه لا يحتاج إلى هذا التفصيل، غير أنّ ذكر معظم نقاط الفلسفة المادّية ليس


(55)

اعترافاً منّا ببلوغها إلى منهج فلسفي لها وزن كبير، بل كل ذلك لحسم مادة الفساد وقلع جذوره، إذ السياسة الشيوعية ما زالت تخدع في بلادنا عقول ناشئتها الجديدة، وأصبح قلوب الشباب منبتاً لأفكارهم السيّئة، ويساعد هذه السياسة تيار الدعايات الكاذبة التي تأتي من وراء الستار الحديدي كل يوم وليلة حول آراء المادّيين وأفكارهم.

حدى شوق الشباب إلى تمحيص الفلسفة المادّية، وأوجد هذا التمحيص حركرة قوية أثارت الصحافة في إيران إثارة عنيفة، فلم نزل نرى كل يوم رسالة أو تأليفاً أو ترجمة حول عقائدهم.

جاء تيار الإلحاد فذاع في رجال العلم وجاء المادّي يلوك في أشداقه قوله: إنّ الطريق الذي يسير فيه العلم هو الطريق الصحيح، وانّ الفلسفة التي تعد من نتائج العلم ـ ولا يجادل فيها أي شخصـ هي الفلسفة المادّية التي ظهرت في عصرنا الذهبي وأيقظت كل الأحلام الذهبية وأعلنت بذهاب دولة الدين وعبدة العوالم الروحانية.

وأنت أيّـها القارئ إذا قرأت فصول هذا الكتاب تقف على كذب هذا الزعم، وتعرف أنّ الأدلّة العقلية قد قضت على أُصولهم، فصارت كحديث أمس الدابر لا خبر عنها في هذا العهد الذهبي إلاّ رسوم وأطلال.

وبما أنّ أشهر المتحمّسين للمذهب المادّي بين أبناء بلادنا هو الدكتور «تقي» الاراني التبريزي فأوجبنا على أنفسنا أن نعلّق على نظرياته كلّما رأينا الاحتياج إلى التعليق، ولذلك اتخذنا رسائله سنداً في تعاليقنا، وهو الذي يكبّـره المادّيون المعاصرون ويزعمون فيه الفضل وسعة الإطلاع والإحاطة على العلوم.

نعم تحمّل الرجل حقّاً جهوداً جبّارة في نشر الإلحاد وتوضيحه وتفسيره


(56)

إلى أن اختطفته يد المنيّة عام 1938م، فأصبح أتباعه يهتمّون بطبع كل ما حرّره ونشره في مجلات الدنيا بصورة رسائل صغيرة، وطبع منه حتى الآن عدة رسائل: 1ـ المادّية الديالكتيكية. 2ـ العرفان والأُصول المادّية. 3ـ الجبر والاختيار. 4ـ روح الانسان من مظاهر المادّة واثارها ... إلى غير ذلك.

وقد مضى من حين وفاته مدة طويلة، ولكن لم يتسنّ لواحد من أتباعه ما تسنّى له من تفسير المذهب المادّي بأحسن الصور، فجاءت تآليفه أحسن التآليف المنتشرة في بلادنا، وكان للرجل في الأدب العربي والفارسي يد غير قصيرة غير ما كان يعرفه من اللغات الأجنبية. ولا مغالاة إذا قلنا إنّه من المتضلّعين في المذهب المادّي ومن مؤسّسيه، وقد صبّ كل ما ورثه من «ماركس» و «انجلس» و «لينين» في قوالب علمية وصوّره بأحسن الصور.

         1952م                
طهران                
         1372 هـ              
مرتضى مطهّري        

«اُفول شمس العلم والفضيلة»

هذاالبحث القيّم ـ الّذي وُفقنا لترجمته ـ هو من عطاءات العلاّمة الحجة الفيلسوف القدير والمتألّه الكبير شهيد الفكر الأصيل الشيخ مرتضى المطهري، وقد كتبه قبل 43 عاماً.

وكان هذا البحث باكورة جهد عظيم، وعمل طويل قام به الشيخ الشهيد في صعيد الأبحاث المعرفيّة والدراسات الفلسفية.

فقد ألّف سماحته ـ قُدّست نفسه الزكيّة ـ كتباً ودراسات معمّقة طُبِعَت ونُشِرَت بصورة واسعة وبلغات متعدّدة.

هذا إلى جانب أنّه ربى جيلاً من العارفين بالمسائل الفلسفية والمعارف الإلهية.

وقد بقي ـ رضوان الله عليه ـ يواصل سعيه الحثيث في هذين المجالين (الكتابة والتربية) إلى جانب مكافحة الأفكار والاتجاهات المنحرفة حتّى امتدت إليه يد الجهل والانحراف وأصابت رأسه برصاصة قاتلة أردته قتيلاً مضرّجاً بدمه، خاتمةً حياته الفكرية بشرف الشهادة.

فسلامٌ عليه يوم وُلِدَ، ويوم استُشهِدَ ويوم يُبعث حياً.


(57)

المقالة الا ُولى
ما هي الفلسفة وما حدّها؟


(58)

(59)

ما هي الفلسفة وما حدّها؟

إنّ الانسان بما له من الرقيّ الفكري إذا أطلّ بنظره إلى الكون ربّما يتصوّر الشيء موجوداً (وليس بموجود) وأحياناً يتخيّله معدوماً غير موجود ويكون في نفس الأمر من الواقعيات الخارجية، فما زال الإنسان يسير في هذا السير صائباً في زمان، خاطئاً في آخر.

وهذا الاختلال يوجب علينا أن نميّز الواقعيّات العينيّة عن الوهميّات(1) التي ليست بهذه المثابة حتى تمتاز الحقائق التي هي الواقعيّات


1- سوف يوافيك أنّ الفلسفة تقابل السفسطة، والفيلسوف يقابل السوفسطائي فمن أثبت أنّ وراء عالم التصوّر، واقعية عينيّة فهو فيلسوف، ومن أنكره فهو سوفسطائي.
والفلاسفة قسموا المفاهيم الذهنية إلى أقسام:
1ـ «الحقائق» وهي المفاهيـم التي لها مصــاديق في خـارج الذهن مثـل الانسـان والفرسو...
2ـ «الاعتباريات» وهي ما ليس لها مصاديق في نفس الأمر، غير أنّ القوى الانسانية المدركة ربّما تتخيل ما ليس موجود، موجوداً لأجل أغراض فردية أو اجتماعية، فالفوج الواحد من العسكر يتألّف من الأفراد والآحاد، فللفرد حكم وللفوج حكم آخر، والأوّل جزء والثاني كلّ في اعتبارنا، وإدراك الفرد إدراك أمر حقيقي إذ له مصداق في الخارج، وإدراك الفوج إدراك أمر غير حقيقي بل اعتباري إذ ليس للفوج مصداق حقيقي وراء وجود كل فرد فرد.
3ـ «الوهميّات» وهي ما ليس لها مصاديق حقيقية ولا اعتبارية صحيحة كالغول وأنيابه والحظ والصدفة. =

(60)

في مصطلح الفلسفة، عن الاعتباريّات التي تقابلها في ذلك الفن.

يجد كل إنسان في ذاته شوقاً حافزاً، وميلاً فطرياً إلى البحث والتنقيب، إلى الاستعلام والتفتيش، ويعدّ هذا غريزة من غرائزه.

فهذه الغريزة من أكبر الدواعي إلى البحث والفحص والطلب عن علل الأشياء ومبادئها وأنّه هل لها واقعيّات خارجية أو أنّها لا تخرج عن حيطة الذهن، غير أنّ تلك الغريزة، أي غريزة البحث عن وجود الأشياء وعللها ومبادئها، لا تفيده شيئاً ولا ترشده إلى ضالّته المنشودة، ما لم يقف على الحد الفاصل بين الحقائق المتأصّلة في الخارج، والاعتباريّات التي ليست بهذه المثابة، بل هي مفاهيم ذهنية وصور عقلية اخترعتها ا لنفس واعتبرها الانسان لحاجة علمية أو اجتماعية أفضت إلى اعتبارها.

فهذه هي الفلسفة وذاك هو حدّها وتعريفها، فليست الفلسفة إلاّ البحث عن وجود الشيء، والوقوف على علله ومبادئه، ومرتبته من الوجود وإلى ذلك يؤول ما يدور في ألسن الفلاسفة العظام من التعاريف المختلفة.


= وسوف تقف على أنّ للفلسفة الإسلامية عناية خاصة لتمييز الحقائق عن قسيميها وقد وضعوا لذاك التشخيص دوائر وموازين. وقد شاركهم في ذلك ثلّة جليلة من فلاسفة الغرب وحاولوا أن يساهموا مع فلاسفة الإسلام في هذا الباب، إلاّ أنّ المساهمة لم تكن ناجحة ووقعوا في لُبس واشتباه.
فترى بعضهم يسلك مسلك السفسطة (1) حيث يرى المفاهيم عامّة من مصنوعات الذهن، وآخر منهم يسلك مسلك الشكّاكين (2) لا يدري ماذا يقول، يشك في وجوده وذهنه وعامّة ما يقوله، وستعرف حقيقة الحال في هذه المقامات في المقالة الخامسة.

1-ldealisme
2-Septisisme

(61)

حاجة العلوم الطبيعية والرياضية إلى الفلسفة:

ههنا باعث ومحرّك (1) آخر (وراء الغريزة التي تقدّم ذكرها) إلى السعي في تحقيق الأشياء بالبحث عن وجودها وعللها وهي حاجة العلوم الطبيعية والرياضية وما ضاهاها، إلى العلم بأنّ لموضوعاتها وجوداً وتحقّقاً خارجياً،قبل البحث عن العوارض التي تعرض تلك الموضوعات، ولا يتأتّى للباحث إثبات الوجود لتلك الموضوعات إلاّ في فن آخر غير تلك العلوم.

توضيحه: أنّ العلوم المادّية التي يعدّها الإنسان دعائم حياته إنّما تبحث عن عوارض وأحكام تعرض لموضوعات خاصة، فالطبيعي مثلاً يبحث عن أحكام الجسم الطبيعي، والرياضي يبحث عن أحكام المقدار وقس على ذلك سائر العلوم.

والذي يهم الباحث في أبحاثه واتجاهاته العلمية في هذه العلوم هو الحكم ببركة البرهان أو التجربة بأنّ هذه الموضوعات تعرضها هذه الأحكام


1-مختصر القول: إنّ الإنسان يحتاج إلى البحث عن الفلسفة لأمرين:
(الأوّل): إثارة الغريزة العلمية فكرة الإنسان إلى معرفة الحقائق وتمييز ما لا واقعية له عمّـا له واقعية، ولا يحصل ذلك إلاّ بالأُصول الفلسفية.
(الثاني): توقّف البحث عن عوارض الشيء على ثبوت نفس الشيء، فإنّ العلوم تبحث عن عوارض موضوع على فرض ثبوت وجوده، والمتكفّل لإثبات وجود الموضوع الذي فرض وجوده عند البحث عن عوارضه إنّما هو الفلسفة، وعلى هذا فالعلوم كلّها محتاجة إليها في إثبات وجود موضوعاتها.


(62)

وأنّها تتصف بهذه المحمولات أم لا، وأمّا أنّ هذه الموضوعات التي تعرضها تلك الأحكام، وتحمل عليها هذه المحمولات، هل لها وجود حقيقي أو هي أُمور فرضية وهمية؟ فلا تتمكّن هذه العلوم من حلّ تلك العقدة، بل هو خارج عن نطاقها ولابدّ أن يلتمس من فن آخر.

والعالم الطبيعي يبحث عن خواص الأجسام التي فرض وجودها أو قام الدليل على وجودها وتحقّقها في فن آخر، ومثله الرياضي يبحث عن أحكام المقدار المفروض الوجود، أو الثابت وجوده في فن غيره، والموضع المعدّ للبرهنة على أنّ هذه الموضوعات من الحقائق الخارجية، وأنّ الجسم الطبيعي موجود، والمقدار المتصل والمنفصل أمر حقيقي واقعي، هي الفلسفة التي نحن بصدد تعريفها وتوصيفها.

فتبيّـن: أنّ هنا عاملين يدعو كل واحد بحياله إلى الغور والتحقيق عن وجود الأشياء وعدمها، والبحث عن عللها ومرتبة وجودها.

أحدهما: الغريزة الإنسانية التي تجرّه إلى الاستعلام عن حقائق الأشياءوكيفية وجودها وما لها من علل ومبادئ، وأنّها في أي رتبة من الوجود.

ثانيهما : توقّف الاستنتاج من العلوم الدارجة على العلم بوجود موضوعاتها، والفن الذي يُرضى صاحب تلك الغريزة ويسدّ هذا الفراغ هو الفلسفة التي تبحث عن تحقّق الأشياء وتبرهن على وجودها وتعيّـن مرتبتها من الوجود، على طريق خاص من غير أن تختصّ أبحاثها بشيء دون شيء، أو بموضوع دون موضوع.


(63)

الفرق بين العلوم والفلسفة:

هذا البيان يوقف الباحث على المائز بين الفلسفة والعلوم، ويميّز البحث العلمي عن الفلسفي، إذ لو كان الغرض من البحث العلم بوجود الشيء، وأنّه هل هو متحقّق أو لا، وأنّه في أي مرتبة من الوجود أهو مادّي أو مجرّد؟ جوهر أو عرض وهكذا ... أو العلم بعلله ومبادئه، كان البحث فلسفياً، ولو كان الغرض من البحث، العلم بعوارض الشيء التي عرضت عليه بعد فرض وجوده، كان البحث علمياً غير فلسفي (1).

ولذلك قال الفلاسفة: إنّ للفلسفة الرئاسة التامّة على عامّة العلوم، لأنّ البحث عن خواص الشيء جزماً والاستنتاج منه على وجه القطع والبت فرع الوقوف على أنّ له وجوداً وتحقّقاً.


1- الغرض التفرقة بين مسائل العلوم ومسائل الفلسفة وتحديدهما، فإنّ الفلسفة تطلق عند بعض الغربيين وأتباعهم في الشرق على معان غير معروفة ولا دارجة، بحيث صارت تلك الكلمة مبهمة المعنى، فمن قائل بأنّها التفكير في نظام الوجود على نحو لا يصل إلى حد، ولا يخرج عن التحيّـر، إلى آخر بأنّها عبارة عن الآراء المتشتتة، إلى ثالث بأنّها ارتكاب التناقض في الرأي، والتقوّل ب آراء متضادّة، إلى رابع خبط خبطة عشواء لم يفرّق بين الفلسفة والعلوم، وزعم أنّ مسائل كلّ منهما تنحل من طريق الآخر، إلى خامس خلط التفكير العقلي والاسلوب القياسي الذي يستعمل في المسائل الفلسفية، بالتجاريب الحسّية التي تختص بمسائل العلوم، حتى تخيّل أنّ أدقّ المسائل الفلسفية ـ كتجرّد الروح ـ لابد أن ينحلّ من طريق المسائل الطبيعية وتشاهد بالمجهر، وهذه آراء تافهة لا قيمة لها ولا مناص للباحث إلاّ الاحتراز عنها.
وأمّا الفلسفة فهي كلمة يونانية كانت مرادفة للفظ العلم، إلى أن استقر الاصطلاح على التفريق بين اللفظين وكان ذلك في الأدوار الأخيرة التي قام الأسلوب التجريبي مقام الأقيسة العقلية في العلوم، فأوجد الاختلاف في كيفية الاستدلال على المسائل في =


(64)

ونوضح المقال بضرب مثالين:

الأوّل : ربّما نحكم بأنّ للمركّب الفلاني هذا الطعم المخصوص، وليس له ذلك الطعم، وربّما نصيب في قضائنا كما أنّه ربّما نخطأ فيه، فهذه قضية لها مكانتها في العلوم، فهذا النحو من البحث يفترق عن البحث عن وجود الروح وعدمه، وإمكان الحظ والصدفة وعدمه وما أشبههما افتراقاً جوهرياً، فترى أنّ ذينك البحثين مختلفان سنخاً وأنّ بينهما بوناً شاسعاً، لا يكاد يختلف أو يشتبه أحدهما بالآخر، وأنّ الخطأ والصواب في الحكمين ليسا على نسق واحد، فإنّ البحث في المثال الأوّل عن خواص الشيء الموجود الذي فرغنا عن أصل وجوده، ويتوجّه الخطأ والصواب إلى وجدانه لهذه الخاصّة. غير أنّ البحث في الأخيرين عن وجود ما فرضناه موضوعاً، لا عن


= العلوم وفي الفلسفة، فرقاً بين مفهومي لفظي العلم والفلسفة.
ومع ذلك كلّه لم يستقر اصطلاحهم على أمر واحد، بل يختلف حسب اختلافهم فيما هو المعتبر من الطرق والأدلة: فمن قال بحجية الأقيسة العقلية والتجاريب الحسّية معاً، يخصّ لفظ الفلسفة بما يستدل عليه من طريق العقل البحت، ولفظ العلم بما يتوسّل به في إثباته بالتجربة والحسّ.
ولما كانت الأُمور العامة من بين المسائل العقلية عقلية بحتة صارت مسائلها مباحث فلسفية حقيقة بل عدّت من أُمهّات مسائلها، ولذلك نجد أنّ أكابر الفلسفة يسمّونها العلم الكلّـي، لأنّها تبحث عن أعم المسائل وأشملها. وبما أنّه يبحث فيها عن الواجب والممكن والعلّة والمعلول، يسمّى عند المحقّقين من الفلاسفة الإسلاميين بالإلهيات بالمعنى الأعم (1) في مقابل الإلهيات بالمعنى الأخص الذي لا يبحث فيه إلاّ عن المبدأ الأوّل وأسمائه وصفاته.
والحاصل: أنّ من يعتبر كلا الطريقين (الإدراكات العقلية والتجاريب الحسّية) يخصّ الفلسفة بالمسائل التي لا يقضى فيها إلاّ بالعقل، ويخصّ العلوم بما يتطرّق إليها=

1- Metaphysiqur

(65)

خواصّه وعوارضه، ولذلك يقعان في عداد المسائل الفلسفية، كما يقع الأوّل في عداد المسائل العلمية.


= بالحسّ والتجربة.
ولكن بعدما تقدّمت المدنية الحديثة وتحوّلت الأوضاع الاجتماعية في أوربا، وصارت التجربة والحسّ أساس البحث في عامّة المسائل والعلوم حتى العقائد الدينية والأصول العقلية، ظهر مسلك غريب في القرن السابع عشر.
وملخّصه: إلغاء المسائل العقلية التي لا تصل عند التحليل إلى أساس التجربة والحس والأخذ بما يعتمد عليهما أو ينتهي إليهما، والحسّ إنّما يصل إلى ظواهر الطبيعة ولا يستطيع أن يفسّـر بواطنها وحقائقها.
وعلى هذا: فالمسائل الفلسفية تعتمد على التجربة والحسّ، غير أنّها لا تختصّ بعلم دون علم ويستفاد منها في العلوم غالباً، والعلم عبارة عن المسائل المختصّة بموضوع واحد، ولا تقع أساساً للعلوم.
مثلاً البحث عن الروابط الموجودة بين العلوم ونسبة بعضها مع بعض، أو البحث عن المسائل العامّة التي تعد أساساً لبعض العلوم أو لكثير منها بحوث فلسفية، وغيرهما ـ أعني ما ليس بتلك المنزلة ـ بحث علمي.
وفي طليعة هؤلاء «اغوس كنت» (1) فهو المؤسّس للفلسفة الحسّية المعتمدة على العلوم الباحثة عن المسائل العامّة، وعن الروابط الموجودة بين العلوم وبيان نسبها، وهو من المنكرين للفلسفة النظرية العقلية البحتة. غير أنّك سوف تقف على قيمة هذه الفلسفة الحسّية، وأنّها لا تفيد فائدة تامة ولا يحصل منها الغرض المتوخّى، وأنّها لا تتمكّن إلاّ من تفسير ظواهر الطبيعة ومظاهرها، وأنّها محدودة كمحدودية العلوم. فتلخّص أنّ الفلسفة تقابل العلوم وأنّها تطلق ويراد منها تارة: النظريات والمسائل العقلية الخالصة عند من يرى قيمة لهذه المباحث، و أُخرى: المسائل العامّة التي يستفاد منها في بعض العلوم وتعتمد على الحسّ والتجربة عند من أسقط المباحث النظرية العقلية البحتة عن حيز البحث ولم يقم لها وزناً.
1- Augvuste. Conte

(66)

هل يمكن انتزاع مسألة فلسفية (1) من المسائل العلمية:

كثيراً ما نقف بعد الفحص وإمعان النظر في العلوم على أنّ لهذا الشيء أو ذاك خاصّية معيّنة، فربّمـا يجعل هذا مقدّمة لانتزاع بحث فلسفي من بحث علمي طبيعي، مثلاً: إذا ثبت في الفيزياء أنّ نواة الذرة (البروتون) تتحرّك حول نفسها حركة سريعة، فإذا لاحظ الفيلسوف الباحث ذلك


1- لمّا أوضح الفرق بين الفلسفة والعلوم وبيّـن حاجة العلوم إليها لأجل الوقوف على وجود موضوعاتها، أراد أن يبيّـن أنّ الفلسفة ربّما تستمد من العلوم لا بمعنى أنّ بعض مسائل العلوم يتّسع في عداد المسائل الفلسفية، ولا أنّ المسائل الفلسفية تستنبط من العلوم، بل المراد أنّ الفيلسوف ينتزع من مسائل العلوم مسألة فلسفية، فيجعلها من المباحث الفلسفية.
وإن شئت قلت: إنّ لبعض المسائل وجهتين: وجهة علمية ولأجلها عدّ من مسائل بعض العلوم، ووجهة فلسفية عقلية. فإذا قام البرهان الطبيعي على صحّة مسألة من مسائله، ربّما يستطيع الذهن من انتزاع مسألة فلسفية منها كما في المثال المفروض في المتن، ولا بأس بأن نشير إلى الفرق الموجود بين الاستنتاج والانتزاع:
أمّا الأوّل فهو استنباط حكم جزئي من حكم كلّـي، بأن يتولّد العلم بالجزئي من العلم بالكلّـي ويعدّ من نتائجه، فإذا ثبت «انّ كل موجود طبيعي هالك وفان» فإنّه يتولّد من هذا العلم علم آخر بأنّ الشجرة والإنسان أيضاً هالكان، وإذا أردنا تأليف قياس منه نقول: الشجر موجود طبيعي وكل موجود طبيعي فان فالشجر فان.
وعلى هذا: لا يعقل أن تستنتج مسألة فلسفية من العلوم لأنّ المنتج ـبالكسرـ لابد أن يكون أوسع من منتجه، مع أنّ المسائل الفلسفية أوسع المسائل وأعمّها إذ هي تبحث عن عوارض الموجود المطلق والعلوم تبحث عن عوارض موجود خاص.
وأمّا الانتزاع فهو عمل خاص للذهن يسمّى بالتجربية، وحاصله هو أنّ الذهن إذا وقف على أُمور متشابهة وقاس بعضها ببعض، يتوجّه ذهنه إلى أنّ هنا أُموراً مشتركة وجهات مميّزة ومخصّصة فيقوم بانتزاع أمر مشترك، صادق عليها بلا استثناء، فلو =


(67)

التسالم الذي اتّفق عليه العلماء ينتقل منه إلى مسألة فلسفية، وان شئت قلت: ينتزع منها مسألة فلسفية يبحث فيها عن وجود الشيء وعدمه ويقول: إذا ثبت في الفيزياء أنّ نواة الذرة تدور حول نفسها، فالحركة الوضعية التي هي حركة الشيء حول نفسه موجودة في الخارج.

فهنا مسألتان: إحداهما: أنّ نواة الذرة تدور حول نفسها، والمستند فيها البرهان الطبيعي والتجربة العلمية.

ثانيتهما: أنّ الحركة الوضعية موجودة في الخارج والسند لها هي القضية الأُولى دون البرهان والتجربة إلاّ بالواسطة، فنحن نحكم بوجود الحركة الوضعية.

والحاصل: أنّ لتلك المسألة (حركة نواة الذرة حول نفسها) وجهتين: وجهة علمية وهي حركة النواة حول نفسها، ووجهة فلسفية وهي أنّ الحركة الوضعية موجودة فتقع بما لها من الوجهة الفلسفية في عداد المسائل


= شاهد الإنسان زيداً وعمراً وبكراً و... ولاحظها، حكم بأنّ أُولئك الأفراد مشتركون في الجسمية والحيوانية والإنسانية، وينتزع تلك العناوين من هذه الأفراد كما ينتزع لكل فرد مميّزات ومخصصات.
وأمّا المقام فإذا شاهد الفيلسوف انّ أبطال العلم متّفقون على مسألة من العلوم الطبيعية، قام يستدل من تسلّمهم لتلك المسألة على وجود مسألة فلسفية أُخرى بترتيب صغرى وكبرى على ما في المتن.
فبان انّ اعتماد الفلسفة على العلوم ليس بجعل مسائل العلوم كبرى، بل بجعلها صغرى لقياسه الفلسفي واستنتاج حكم فلسفي منه.
وسيوافيك انّ حاجة العلوم إلى الأبحاث الفلسفية لا تنحصر في ذلك الوجه (تكفل الفلسفة لإثبات وجود موضوعاتها) بل القطع بصحّة عامّة مسائل العلوم يتوقّف على أُصول كلّية لا تبحث عنها إلاّ في الفلسفة.


(68)

الفلسفية، وهذا هو الذي جعلناه عنوان البحث وانّ الفيلسوف ينتزع من المسألة العلمية مسألة فلسفية.

فظهر أنّ العلوم تحتاج إلى الفلسفة في تقويم أبحاثها وصحة الاستنتاج منها، كما أنّ الفلسفة ترتبط بالعلوم في إمكان انتزاع بعض مسائلها عن المسائل العلمية، بل يتوقّف عليها فيستنبط من ثمراتها بعض مسائلها، ولنختم المقال بذكر نكات سبقت الإشارة إلى بعضها:

النكتة الأُولى:

أوقفك هذا البيان الضافي على أنّ المسائل الفلسفية تغاير مسائل العلوم جوهراً وذاتاً، وأنّ البحث الفلسفي يفارق البحث العلمي تفارقاً سنخياً لا يجمعهما جامع.

ولا يصح أن تقع مسألة علمية من العلوم في عداد المسائل الفلسفية بحيث تعد مسألة واحدة بشكلها وخصوصيّتها الواحدة من مسائل العلوم والفلسفة جميعاً.

والفيلسوف مادّياً كان أو إلهياً يقع على هامش العلوم الحقيقية (1) لا يسمح له أن يخرج عن طريقته في أبحاثه فهو يبحث دائماً عن وجود الشيء وتحقّقه وانّه في أيّ درجة من العلوم، والعالم الطبيعي أو الرياضي أو غيرهما يبحث عن خواص ما ثبت وجوده في الخارج في فن آخر، فهذا القسم من البحث غير الآخر.

نعم لأصحاب الفلسفة المادّية الجدلية (المادّية الديالكتيكية) هنا


1-العلوم الحقيقية، تباين العلوم الاعتبارية، والمراد من القسم الاعتباري هو ما كان يسمّيه القدماء بالعلوم العملية كالأخلاق وغيره.


(69)

مقال ينبغي أن تقف عليه وعلى ما فيه.

قالوا: إنّ الفلسفة الإلهية تعتمد غالباً في مسائلها وتحليلاتها على مقدّمات وهمية لا حقيقة لها إلاّ في عالم الأوهام وأحياناً على مقدّمات عقلية بعيدة لا مساس لها بالحس والتجربة.

ولكن الفلسفة المادّية في عامّة أبحاثها تتّصل بالعلوم وتستند عليها ولا تعتمد إلاّ على الحس أو التجربة أو ما يمكن أن يقع في صراطها.

والأساس لعامّة أبحاث الفيلسوف المادّي هو القول بأصالة المادّة وأنّ الوجود مساو للمادّة وهي تساويه، إذ المادّي مع ما استفرغ من الوسع في تحصيل المعارف وحل المجاهيل وتحليل المسائل الكلّية، لم يقف على موجود غير مادّي ولا محسوس.

وما اعترف به الفيلسوف الإلهي من العوالم الروحية والموجودات غير المادّية، ممّا لم يهتد إليه مع ما بذلوا من الجهود الجبّارة في هذا الطريق.

قالوا: إنّ الطريق الذي يسلكه المفكّر الإلهي في تحليلاته، لا يوصله إلى ضالّته المنشودة، ولا يورث إذعاناً لما استنتج، إذ لم يعتمد في أبحاثه على ما هو بين الثبوت وسهل الانتاج من الحس والتجربة، بل يعتمد على مقدّمات عقلية بحتة بعيدة عن مستوى العقول، والفلسفة المادّية القائلة بأصالة المادّة تستند على العلوم وتسير بسيرها وتتجدّد بتجدّدها (1).

ذلك مقالة المادّيين ونحن لو تنزّّلنا لهم ولم نتّهمهم بالتقوّل بالزور


1- سيوافيك في المستقبل الآتي انّ ما اعتمد عليه المادّي من الأُصول الفلسفية كلّها استنباطات من النظريات العلمية وفرضيّاتها، وليس ما حرّروه من الأُصول نتائج العلوم بلا واسطة بل هي استنباطات شخصية قائمة بنفس مستنبطيها لا تحتّمها العلوم ولا تضمن صحّتها.


(70)

وتلبيس الحق على روّاده، فلا أقل من أن يسوغ لنا أن نقول: إنّ أساس هذه الآراء هو الجهل بالفرق الواضح بين العلوم والآراء الفلسفية حتى جعلوا الآراء الفلسفية كلّها مستنبطة عمّـا أثبتته العلوم وأيّدته التجربة مع ما وقفت عليه من تقويم الفلسفة للعلوم واحتياجها إليها في معرفة موضوعاتها والحكم بكونها من الحقائق الخارجية.

والحق أنّ الفلسفة في حاشية العلوم لا يوجب تطوّرها وتجدّدها تجدّداً وتطوّراً في مسائلها الكلّية أو تكاملاً في أنظارها العامّة (1).

ويشهد على ما ذكرناه، أنّ ما جاء به المادّي في شأن الفلسفة المادّية وقضى بأنّها تعتمد على كذا ولا تعتمد على كذا، وأنّها تتطوّر و تتكامل بتكامل العلوم، نظرية فلسفية لا تعتمد على مسائل العلوم الطبيعية والرياضية ولا تجد تلك النظرية في شيء من الكتب المدوّنة فيها المسائل العلمية.

وأمّا ما جاء به من النقد على أساليب الفلسفة الإلهية بأنّ مسائلها وأنظارها ثابتة منذ قرون، لا تتبدّل بتبدّل العلوم ولا تسير بسيرها، فليس شيئاً قادحاً، ولا أمراً باطلاً، إذ الأنظار الفلسفية تعتمد على المقدّمات الواضحة أو القريبة من البداهة ولأجله تستنبط منها أنظار ثابتة قيّمة ولا يستنبط من البديهي الثابت إلاّ الحكم الثابت الدائم، ولا معنى لأن نترصّد تغيير الآراء الفلسفية، أو نترقّب تحوّلها بتحوّل المسائل العلمية والفروض الدارجة في


1-فإنّ أكثر ما يبحث عنه في الفن الأعلى كلّه أُصول فلسفية ثابتة لا تتغيّـر بتغيّـر العلوم وتكامله، فقولنا: «كلّ ممكن يحتاج إلى علّة» حكم أبدي غير متغيّـر لا يغيّـره تطوّر العلوم وتغيّـرها. (المترجم)


(71)

العلوم، إذ هي لا تعتمد في مسائلها العامّة على الفروض العلمية المتزلزلة حتى تنهدم بانهدامها أو تستكمل باستكمالها، بل على مقدّمات بديهية أو قريبة منها، وتلك المقدّمات أُمور وحقائق ثابتة دائمية. والشاهد على ما قلنا:أنّ الفلسفة لو اعتمدت في بحث من أبحاثها (على وجه الندرة) على نظرية علمية، لتغيّـرت بتغيّـرها، وهكذا إلى أن يظهر فرض ثان وثالث، وممّا يثير العجب قولهم: إنّ الفلسفة المادّية تتحوّل بتحوّل العلوم وتسير بسيرها، لا تكاد تقف في تفكيرها و ... فإنّ مفاد هذه الجملة نظرية ثابتة دائمية، أو هي تفكير ثابت لا يتبدّل ولا يتغيّـر، جاء به المادّي الذي لا يقرّ بالنظريات الثابتة ويدّعي التحوّل والتغيّـر في عامّة تفكيراته، فترى تلك النظرية التي يمدح بها هذه الفلسفة ويعرف بها أساليب أبحاثه، لا يختص صدقها بزمان دون زمان، بل هي صادقة دائماً وأبداً.

النكتة الثانية:

يُتلخصّ من هذا البيان الدائر حول الفلسفة والعلوم، ما يلي:

1ـ إنّ العلوم كلّها بلا استثناء تحتاج في إثبات وجود موضوعاتها إلى الفلسفة الباحثة عن أحوال الموجود بما هو موجود.

2ـ الأنظار الفلسفية تختلف عن الأنظار العلمية اختلاف الإطلاق والتقييد (1) والعموم والخصوص.

توضيحه: أنّ العلوم الباحثة عن أحوال المادّة وخواصّها لا يستنبط


1-قد تقدّم انّ كلّ علم يبحث عن عوارض موضوع خاص ولا يتجاوز في بحثه عن حدوده، غير أنّ الفلسفة تبحث عن عوارض الموجود المطلق.
وعلى ذلك، فكل ما نفاه العلم أو أثبته فإنّما ينفيه في محيطه أو يثبته في حدّه، فليس =


(72)

منها سوى الأحكام التي تعرض المادّة وتختصّ بها، فلو حاول العالم الطبيعي الحكم حول أمر غير مادّي بالنفي والإثبات بالأداة التي استخدمها في العلوم المادّية لخرج عن محور بحثه، إذ الموضوع الذي نصبه أمام عينه ويسوغ له البحث عن أحكامه وأعراضه بالسلب والإيجاب إنّما هو المادّة التي لا تنفك عن الزمان والمكان، ومعه كيف يسوغ البحث عن أمر مجرّد عن الزمان والمكان، مجرّد عن المادّة وآثارها أو القضاء فيه بالنفي والإثبات بالبراهين والتجاريب التي تناسب العلوم المادّية دون المجرّدة.

والحاصل: أنّ المادّي لا بد أن يتكلّم فيما يخصّ بموضوعه، أعني: المادّة، ويعرف شؤونها وعوارضها وأحكامها بالسنن العلمية التي تناسب العلوم المادّية، وأمّا البحث والقضاء حول أمر غير مادّي فممّـا تقصـر عنه أبحاثه، نعم للفلسفة بمعناها الحقيقي ذلك المجال الوسيع، لأنّ الموضوع الذي جعله الفيلسوف نصب عينيه، إنّما هو الموجود بما هو موجود، من غير تقييد بالقيود المادّية والطبيعية، فله المجال الفسيح في هذه الميادين والمعارك،


= له النفي المطلق والإثبات المطلق.
مثلاً: الطبيب الذي قرأ فصولاً من التشريح وأخذ يبحث ويفحص عن جسم الإنسان بأجهزته، لو لم يتوفّق لمشاهدة الروح بأجهزته العلمية ولم تهد أُصوله إلى الإيمان بوجودها فليس له نفي وجود الروح من أديم الوجود، بل له حق النفي حسب ظروفه وحدود علمه.
وإن شئت قلت: ليس له إلاّ ادّعاء عدم الوجدان، وانّ آلاته وأدواته العلمية لم ترشده إلى وجود روح مجرّدة، وأما ادّعاء انّه ليس عن الروح عين ولا أثر في عالم الوجود، فليس له ذلك التقوّل.
ولكن الفلسفة لها القضاء المطلق في نفي شيء على إطلاقه وإثباته كذلك. فإنّها تبحث عن الوجود المطلق، وليس لبحثه حد حتى يضيق المجال لأحد، وليس ما اتّخذ من الأُصول والقواعد مقصوراً على موجود دون آخر، فإذا نفى وجود شيء فمآله إلى عدم الوجود في عامّة الظروف والأمكنة.


(73)

والقضاء البات بالنفي والإثبات فيها حسب ما يرشده إليه الاعتبار الصحيح والبرهان المتقن.

ولذلك ربّما يخالف الفيلسوف ما أذعن به العلماء في المباحث الطبيعية لقيام البرهان القاطع عنده على خلاف ما ذهبوا إليه، ولا بأس بذكر مثالين:

الأوّل: أثبت علماء التشريح وغيرهم بالتجاريب الوافرة أنّ المدرك الحقيقي هو الدماغ، وأنّ الكيفيّات الحاصلة فيه حين ما يفكرّ الإنسان هي الإدراك حقيقة، وانّه لا حقيقة للتفكير والعلم سوى هذه الخصوصيات الطارئة على الدماغ في أوان الفكر. ولأجل ذلك تجد المادّي منهم ينفي جهازاً علمياً إدراكياً غير مادّي يقوم به الإدراك حقيقة، أعني: النفس أو الروح المجرّدين، كما ينكر أن يكون لعلومنا وراء هذه الكيفيّات المادّية حقائق نفسية مجرّدة عن المادّة وآثارها، إذ لم تثبت العلوم وراء هذه العوارض المادّية الطارئة على الدماغ شيئاً من النفس المجرّدة والصور العلمية غير المادّية.

غير أنّ الفيلسوف يعترف بما استنبطه المادّي من العلوم الطبيعية ممّا يرجع إلى فنّه وموضوعه من مدخليّة الدماغ في التفكير، وأنّه يلازم هذه العوارض الدماغية، ولكنّه يردّه في سلبه ونفيه أي ادّعاء انّه ليس وراء ستار المادّة جهازاً مجرّداً من النفس وصورها العلمية المجرّدة، إذ هو قد خرج بسلبه هذا عن زيّه وفنّه وتطّلع إلى أمر هو أقصر منه، فقضى في أمر ليس له شأن القضاء واستنتج من أساليبه الطبيعية التي لا تصلح إلاّ لنفي موجود مادّي أو إثباته، استنتاجاً فلسفياً سلبياً، نافياً وجود مدرك مجرّد، أو صوراً مدركة مجرّدة.

وإن شئت قلت: إنّ أقصى ما أثبتته التجربة ملازمة التفكير في الإنسان مع هذه العوارض الدماغية، بمعنى أنّ التفكير يلازم ويقارن هذه


(74)

الكيفية، وأمّا أنّ هذه الخصيصة والكيفية البارزة حين التفكير عين الإدراك والعلم وانّها هي الصور العلمية التي نجدها في ذاتنا بالضرورة فممّـا لا تثبته التجربة، بل يبقى مجال الاحتمال بأنّ للإدراك حقيقة وراء هذه العوارض، التي لم يبلغها المادّي بأسبابه المعدّة لتنقيح الأُمور المادّية والعالم الطبيعي لا يكاد يصل إلى مسحة من هذه الحقيقة بأجهزته، لأنّ النتيجة لا تكون أعم من مقدّماتها، إذ المفروض انّ العالم الطبيعي وقف نفسه على عرفان المادة وشؤونها، وتجهّز بأسباب لا تناسب سواها، ومعه كيف يصل بهذه الأجهزة المضيّقة المختصة بها إلى أمر مجرّد عن المادّة وشؤونها.

فالعالم الطبيعي يتساوى عنده الوجود والمادّة ويقول الوجود هو المادّة، فلو تفوّه بأنّ للشيء الفلاني وجوداً معناه أنّ له وجوداً مادّياً، ولو سلب الوجود عن شيء على وجه الإطلاق فمآله إلى نفي وجود مادّي.

مثال آخر:

يقول الرياضي: إذا اشتمل طرفا معادلة جبرية على أرقام إيجابية وسلبية، يمكن تبديل الرقم الإيجابي برقم سلبي بنقله إلى الطرف الآخر وبالعكس، وذلك من القضايا المسلّمة عند الرياضيين، لكن الأُصول الفلسفية لا تقبلها بهذه الصورة بمعنى انقلاب الوجود إلى العدم أو العدم إلى الوجود، نعم تقبلها بمعنى آخر وهو صحّة نتيجتها وانتاجها، غير أنّ صحتها لا تدلّ على صحة ما فرض مقدّمة وعلّة لها.

تمثيل:

ولا بأس أن نذكر هنا مثالاً يوضح مكانة العلوم في دائرة نفيها وإثباتها وانّها في كلتا الحالتين ـ أي في نفيها وإثباتها ـ تحوم حول المادّة.


(75)

افرض حاطباً يريد أن يصعد إلى الجبل ليجمع ما هناك من حطب وحشيش، غير انّه في هذه الحال إذ يواجه من ينزل من الجبل مخاطباً إيّاه بأنّه لا شيء فيه، فإنّ المخاطب الذي يريد أن يصعده لا يفهم من هذا النفي العام سوى الحطب والحشيش وانّ الجبل خال عمّـا يريده والشيء والحطب عنده متساويان صدقاً.

ولو ألقى هذا الخطاب إلى الصياد، لا يفهم منه سوى أنّه ليس هناك حيوان قابل للاصطياد، إذ الشيء عنده حسب غرضه هو الصيد، ولو خوطب به من له ذهن واسع غير مشوب بهذه الامارات والقرائن يتلقّاه خبراً عاماً وانّه ليس فيه شيء أصلاً من حجر وشجر وإنسان وصيدو...

والحاصل: أنّ القواعد الفلسفية بمالها من الإتقان وسعة النطاق، تقضي على عامّة الآراء التي تعارضها وان أيّدتها العلوم وأثبتتها التجربة فإنّ التجربة لا تدلّ إلاّ على صحّة النتيجة لا على صحة ما أُخذ أُصولاً ومبادئ لها.

تتميم:

إفاضة القول في تفصيل المدارس الفلسفية، والعلل التي أوجدتها تحتاج إلى بسط في المقال أو تأليف كتاب حافل، وكل ذلك خارج عن أهداف الرسالة، غير أنّ هنا تقسيماً دارجاً نشير إليه:

انّ الهدف الأقصى للأُصول الفلسفية تمييز الحقائق الخارجية عن المفاهيم الذهنية، وانّه هل للشيء الفلاني واقعية أو لا، وانّه في أي رتبة من الواقعية، وهل له وراء الذهن تحقّق خارجي أو لا.

فلو كان الباحث عن هذه المسائل مؤمناً بالواقعية العينية، فهو فيلسوف مؤمن بالخارج ويصطلح عليه في الفلسفة الغربية بـ «ره اليست»


(76)

ولو كان شاكّاً في الواقعية غير مؤمن بشيء من الموجودات الخارجية وراء التصوّر فهو سوفسطائي اصطلحوا على تسميته بـ «ايده اليست».

والبحث عن وجود الأشياء أمّا على أساس الفلسفة والإذعان بالحقائق (رئاليسم) أو على طريق السفسطة (ايده اليسم) والفيلسوف لأجل إيمانه بعالم وراء المادة فيلسوف إلهي ولأجل إنكاره ونفيه كل أمر غيبي فيلسوف مادّي، ولأجل ذلك تجد بوناً شاسعاً بين المدرستين فالفيلسوف الإلهي يعتمد على الفلسفة الإلهية (متافيزيقا) (1) والآخر على الفلسفة المادّية (ماترياليسم).


1- نقل كتاب تاريخ الفلسفة انّ المعلم الأوّل جمع شتات العلوم الدارجة في تلك الأزمنة، في كتاب واحد وصار دائرة معارف لعصره غير انّه أفرز الرياضيات عن سائر العلوم، وكان ذلك الكتاب مشتملاً على المباحث والعناوين التالية:
القسم الأوّل: البحث عن الطبيعيّات، بفنونها وصورها المختلفة، وقد أورد في ذيل ذلك البحث، ما يرجع إلى الفن الأعلى، أعني: البحث عن الأُمور العامة، وهو البحث عن عوارض الموجود المطلق بما هو موجود مطلق.
القسم الثاني: ما يرجع إلى الأخلاق وتدبير المنزل وسياسة المدن.
القسم الثالث: العلوم الإبداعية من الشعر والخطابة والجدل ولمّا كان تعقيب البحث عن الأُمور الطبيعية بالبحث عن الأُمور العامة غير معنون بعنوان خاص من ناحية مؤلّفه أطلقوا عليه لفظ متافيزيقا (1) الذي هو بمعنى ما بعد الطبيعة، أي المباحث الموضوعة حسب وضع الكتاب بعد المباحث الطبيعية، غير انّه حدث بعد ذلك العصر تطوّر في تلك الكلمة فاستعملوا تلك اللفظة في البحث عن الأُمور المجرّدة وكلّ أمر يكون وراء الطبيعة، وربّما أُطلقت لفظة «ميتافيزيين» على العلماء الإلهيّين المؤمنين بما وراء الطبيعة.
وهذا الغلط اللفظي صار مبدأً لأغلاط وجرّت الويلات وألصق تهمات على الفلاسفة الإلهيّين. ترى المادّي يفسّـر لفظة «ميتافيزيقا» بأنّه العلم الباحث عن الخالق والروح =

1- METAPHYSIQUR.

(77)

ولو اعتمد الفيلسوف المادّي على الأُصول الثابتة الدارجة في القرون الغابرة، وان شئت قلت: على المنطق الجامد والآراء غير الثابتة فهو مادّي باحث على طريقة الفلسفة الإلهية ويعبّـر عن هذه المدرسة (المادّية الميتافيزيقية) وان اعتمد على المقدّمات المتحوّلة والأُصول المتغيّـرة فهو باحث مادّي على الأُصول المادّية المتحوّلة، ويعبّـر عن مدرسته وأُسلوبه بـ (المادّية الجدلية).


= مع أنّ الموضوع في ذلك المجال لا ينحصر فيما ذكر، بل الموضوع هو الموجود المطلق، بل لا ملازمة بين البحث عن عوارض الموجود المطلق، وكون الباحث مؤمناً بالعوالم الروحانية، بل يمكن أن يكون مادّياً غير مؤمن بها.
غير انّا آثرنا القوم في استعمال هذه اللفظة في هذه الفصول والأبواب، فأطلقنا لفظ «ميتافيزيين» على القائلين باللّه والأرواح المجرّدة.
وأمّا لفظة «ديالكتيك» (1) فهي كلمة يوناينة مشتقة من «ديالكو» بمعنى الجدل والمناظرة. وقد نقل عن «سقراط» انّه كان يناظر مع خصمائه، وكان يبتدئ بالبحث من أبسط المبادئ، ويأخذ اعتراف خصمه بما يقرّره واحداً بعد واحد، فلم يزل الخصم يعترف شيئاً فشيئاً، وفي الوقت نفسه يرى انّه اعترف بمقالته من غير شعور واستشعار، وكانوا يسمّون ذلك المنهج بـ «المنهج الديالكتيكي».
وجاء بعده تلميذه البارع «افلاطون» واستعمله في طريقه الخاص به إلى أن ولد الزمان الفيلسوف الألماني «هيگل» (2) في أوائل القرن التاسع عشر، فاستعمله في منهجه الخاص به، وسوف يوافيك توضيح منهجه في المستقبل الآتي ولكن الرجل لم يكن مادّياً، غير انّه تربّى في حجره أساطين المادّية في ذلك القرن ولقد تخرّج عليه «كارل ماركس» وصديقه «انجلس» اللذان يعدّان من المؤسّسين للإلحاد في ذلك العصر، فأشاعا المنطق الديالكتيكي، وبما انّ الرجلين كانا من الملحدين والمنكرين لغير المادّة، بنو آراءهم المادّية على المنطق الديالكتيكي، فحدث ذلك المنهج الحديث واشتهر بـ (المادّية =

1 - DIALECTIQUE.
2 - HEGEL .

(78)

ثمّ إنّ البحث عن هذه المدارس وما لها من الخصوصيات والاختلاف لا يفيد إلاّ لمن أراد الاستطلاع على الفلسفة من وجهة تاريخها، وأمّا من يريد البحث عن الحقيقة ومطلقاً من كل قيد وكل رأي سابق لا دليل عليه فلا ينفعه.


= الديالكتيكية) أو المادّية الجدلية.
وان أحفيت الحقيقة في ناحية ذلك المنهج، فالحق إنّ المادّية الديالكتيكية منهج ملفّق، من الآراء الدارجة بين المادّيين في القرن الثامن عشر، ومن المنطق الموروث من «هيگل».
ثمّ إنّ الحركة من الأُصول المسلّمة في منطق «الديالكتيك» وقد أوجب أصحابها أن يطالعوا الموجودات في حال الحركة ـ لأجل ذلكـ تشعّبت المادّية إلى فرقتين:
الأُولى: الأُصول التي تعتمد على مطالعة الموجودات حال ثبات الأشياء، وجمودها يضاهي في استدلالاته المنهج الميتافيزيقي، فهذه هي المادّية الجامدة غير المتحوّلة، وكانت رائجة في القرن الثامن عشر.
الثانية: التي تعتمد على الحركة العامّة في الموجودات عامّة بلا استثناء القوى العاقلة والتفكير ويجتنب عن الأُصول الجامدة، والقواعد الثابتة المسلّمة عند العلماء «الميتافيزيين» فهذه هي المادّية الحركية المسمّـاة عندهم بـ «المادّية الديالكتيكية» كما أنّ الأُولى تسمّى عندهم بـ «المادّية الميتافيزيقية».
فانظر إلى التطوّر الحادث في لفظ «ديالكتيك».

(79)

المقالة الثانية
في الفلسفة والسفسطة


(80)

(81)

الفلسفة والسفسطة (1)

منذ أطلّ الانسان على العالم بنظره، ورأى الأشياء، علم بعلم فطري أنّ في الكون دياراً سواه، وأنّ في صحيفة الوجود موجوداً غيره، وأنّ وراء نفسه وتصوّراته، حقائق ثابتة، وأنّ الجو مملوء بالموجودات العظيمة والأرض تحتوي على كائنات لا تحصى ... علم هذا بعلم بسيط ضروري بحيث لا يعتريه


1- السوفسطائية: طائفة من الأغارقة جاسوا خلال الديار، وجاءوا ب آراء واهية في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح ـ عليه السَّلام ـ ونحن نقرأ فصلاً مشبعاً في تاريخ الفلسفة حول حياتهم وأفكارهم، والذي دعاهم إلى تأسيس ذلك المسلك أمران:
الأوّل: ظهور الآراء المتشتّتة بين الفطاحل الأعلام في الأبحاث الفلسفية فيما يتعلّق ببدء العالم ونهايته، وموجده وغرضه، وهذه الطائفة بما كان لهم من البساطة في الفهم لمّا وقفوا على الآراء المختلفة في الأبحاث العلمية والفلسفية ورأوا أنّ كل طائفة تخطِّئ أُخرى وترد براهينها وشاهدوا انّ التشاجر والتنازع لم يزل قائماً على ساقيه لا يقف على حد فلا ينقطع البحث ولا يصل إلى غاية، بل كلّما اتسع نطاق البحث والجدال، اتسعت دائرة الخلاف.
وهذا التبسّط والتكثير في الآراء من جانب وبساطة إفهام القوم في تمييز الصحيح منها عن الزائف من جانب آخر، جعل أفهامهم حيارى والعقول صرعى فأحدثوا مسلكاً خاصّاً في تحليل الحقائق وهو مسلك السفسطة على أقسامها وأصنافها التي تعرف في المتن تفصيلها.
الثاني: ظهور فن الخطابة في هذه الأدوار، وبما انّ الخطابة لا تبتني على أساس =


(82)

شك ولا يشوبه ريب.

بل كل واحد منّا إذا رجع القهقرى إلى أوّليات حياته، يعلم أنّه لا يعرف شيئاً، إلاّ أدرك قبل عرفانه هذا، أنّ وراء وجوده وتصوّره عالماً بل عوالم مشحونة بالموجودات، وذاك الانسان في هذه العوالم، مبدأ لأفعال يصدر عنه باختيار: يأكل إذا جاع، يشرب إذا ظمئ، يكتسي إذا عرى، ويستريح إذا تعب وهكذا ...

والاعتراف الإجمالي بأنّ هنا حقائق ووقائع وراء ذاته، لا يلازم تصويب


= رصين، أو قاعدة علمية أو على حس وتجربة، وإنّما هي ذوقيات وتحليلات، تستحسنه البسطاء حيث تجدها ملائمة لبعض قواها كان لها أشد التأثير في عامّة الأدوار، وكان له الدور العظيم في تلك الأعصار وبلغت الدرجة القصوى حيث كانوا يستعملون الخطابة من وعظهم وإرشادهم، ويستعملها رجال السياسة لأجل دفع الغائلات، أو إقامة الثورات، ويستمد منها الوكلاء في المحاكم القضائية للدفاع عن موكّليهم، فلأجل ذلك دوّّنوا لها أُصولاً وقواعد عكفوا على دراستها في المعاهد العلمية إلى أن صارت فنّاً مستقلاً، له معهد خاص وأساتذة خاصّين.
غير انّ الذي أعان كثيراً على ظهور السفسطة في الجوامع العلمية هو القسم الخاص من الخطابة، أعني: ما كان يلقيه المحامون في المحاكم للدفاع عن موكّليهم فقد كان المحامون يتشبّثون بكل شيء ليدافعوا عن موكّليهم حقاً كان أو باطلاً، بل ربّما كانوا يدافعون عن المتخاصمين جميعاً.
هذا وذاك صارا أساساً لتشكيك القوم في ثبوت واقعية وراء التفكير الإنساني، حيث إنّهم رأوا انّ الحقائق ملعبة التفكير، وانّ الواقعيّات أهداف لكل مقال وخطاب يصيبها كل من أهدف ورمى، بلا فرق بين شخص دون آخر.
جرّهم هذان الأمران إلى الاعتقاد بصحة العقائد عامّة وانّ الحق والصواب لا يقفان عند حدّ ولا يدور على شيء غير التفكير الإنساني، جرّهم إلى القول بأنّه ليس لنا حق =


(83)

عامّة آرائه وأفكاره في تفسير الوقائع وتحليل الحقائق على وجه الإطلاق في عامّة الموارد، بل يمكن أن يكون مصيباً في بعض وخاطئاً في بعض آخر حسب ما برهن عليه العلم وأيّدته التجربة.

وبعد ذلك العلم الفطري الذي فطر عليه الإنسان لوسمعذاكالإنسان البسيط، أنّ في الكون شرذمة يعدّ بعضهم من


= ولا باطل ولا صحيح ولا خطأ، ولا صدق ولا كذب، بل الآراء كلّها صحيحة صادقة وإن كانت متناقضة في أنفسها لأنّ الحق ما رآه الانسان حقاً، والباطل ما رآه باطلاً إلى أن اجترأوا وقالوا بأنّ الحقائق تابعة للشعور الإنساني، حتى لو حكم الرجلان بحكمين مختلفين، فكلاهما صحيحان.
وبما أنّ القوم كانوا مهرة قومهم في فنون العصر سمّوا كل من برع في الفنون بـ«سوفيست» بمعنى العالم البارع، ولعل لفظة السوفسطائي معرّب تلك الكلمة غير ان تلك الكلمة تطلق اليوم على كلّ من لا يعتقد بأصل ثابت علمي ويقال إنّه على مسلك «سوفيسم».
ومن مشاهير تلك الطائفة «بروتاكوراس» (1) كان يقول: إنّ مقياس الحق والباطل هو الإنسان نفسه، وكل من يحكم بشيء على طبق فهمه وإدراكه، يتّصف بالحق والصحة، لأنّ الحقيقة ليست أمراً وراء ما يفهمه الإنسان حتى لو اختلف الانسانان في قضائهما وشك ثالث في ترجيح أحد الحكمين فهو صادق وكاذب، صحيح وباطل أي موصوف بهذه الأوصاف وحده، لأنّه ليس لنا معيار وراء الأفهام والأذهان.
ومن مشاهيرهم أيضاً «كوركياس» (2) غير انّه تفرّد برأي نقله عنه أصحاب التواريخ، وهو انّه يستحيل أن يوجد شيء في العالم ولو وجد لا يمكن معرفته، ولو عرف لا يمكن توصيفه وأقام البرهان على دعاويه. =

1 - PROTOGORAS.
2 - Gorgias.

(84)

الطبقة العليافي المجتمع البشري، ينكرون المحسوسات والبديهيّات، ويعدّونصحيفة الوجود خيالاً في خيال، لقضى منهم عجباً،


= نعم كان القوم تائهين في غلوائهم، يسوقون العامّة إلى حضيض الجهل والظلمة إلى أنّ بدّد اللّه شملهم بمكافحة الفطاحل من الأغارقة الأقدمين كسقراط وافلاطون وأرسطو، فقاموا على طردهم ورد شبهاتهم حتى أوضحوا خططاً علمية ورسموا دوائر وأوضحوا بها انّ للأشياء واقعية وكيفية معيّنة لا تتجاوز عنها قدر شعرة، وان اختلفت الآراء والأفكار في إدراكها وانّ الفلسفة هي العلم بأحوال الأعيان الخارجية على ما هي عليها، ولو انّ الإنسان مشى في تحصيل ضالّته على نسق صحيح، لظفر به.
وقام المعلّم الأوّل بتدوين المنطق وتبويبه وإصلاحه حتى يعتصم به عن الأخطاء حتى استطاع أن يقضي على شبهات القوم بإقامة الدلائل وتوضيح المسالك غير انّ السفسطة في أُخريات أيامها أثارت فتنة أُخرى وأوجدت ضجة كبرى وهي ظهور مذهب «سپتي سيسم»( 1) أي مسلك الشك والترديد وقد مشى عليه عدّة من اليونانيّين قائلين بأنّه الطريقة الوسطى بين السفسطة التي تريد أن تضرب على الحقائق بقلم عريض وعلى كل ما في الكون من وجود وثبوت سوى الإنسان وذهنه وتفكيره، والفلسفة التي مشى عليها «سقراط» وأساتذته وتلامذته واعتقدوا بإمكان الوصول إلى حقائق الأشياء.
قالوا: إنّ الطرق التي اتّخذها الإنسان لنفسه لأن يصل إلى واقعيّات الأشياء وما في الكون من حقائق ودقائق لا تعطيه يقيناً ولا اطمئناناً، إذ الحس والعقل خاطئان في إدراكهما بلا شك في موارد شتّى، وما رسمه أرسطوا من دوائر منطقية لعصمة التفكير الإنساني عن الخطأ لا تعطيه العصمة أصلاً، فالأُولى تحفظاً على كرامة الواقع هو التوقّف في الرأي والسكوت دون الواقع، من غير فرق بين المسائل طبيعياً كان أو غيره.
فكان هذا مختار جماعة من الفلاسفة الذين نشأوا بعد الميلاد في اليونان والاسكندرية إلى أن ختم أمرهم وصاروا كحديث أمس الدابر، نعم أحياه بعض فلاسفة الغرب في القرن الغابر وزاد عليه ما سكت عنه الأوائل.

1 - Scepticisme.

(85)

لا سيما إذا وقف على مواقفهم في الحياة وأنّهم ممّن صرفوا أعماراً في إزاحة المعضلات وحل المجاهيل، نظير «بركلاي»(1)


1- جورج بر كلاي (1) كان اسقفاً انجليزياً عاش بين أعوام 1685 و 1753 بنى آراءه على أصالة الحس والتجربة، واعتقد انّ ما لا يبتنى على أحد الأمرين لا يقام له وزن كالعلوم العقلية والفطرية، وتبع في رأيه علاّمة عصره «ثران لاك» (2) غير انّه لا يعتقد بأنّ للمحسوسات وجوداً خارجياً، ولا يرى للإحساس مؤثراً خارجياً، كما لا يرى الإحساس دليلاً على وجود المحسوسات، مستدلاّ ً في عقائده هذه بالأخطاء الصادرة عن الحواس.
نعم يرى للمدركات الذهنية حقيقة وأصالة، واستدل بوجود الإدراك على وجود المدرك، غير انّه لمّا وقف على أنّ مقاله هذا يجرّه إلى القول بالسفسطة، ويخرجه عن صفوف المؤمنين بالحقائق، التجأ إلى تأسيس أصل آخر لكي يستر به عيوبه، ويصحّح به مقاله، ويعرف نفسه انّه من المؤمنين بالواقعية الخارجية فقال:
انّ معنى قولنا: الشمس موجودة أو انّ السماء موجودة، هو انّ المتكلّم أدرك وجودهما في مداركه العقلية، فليس معنى وجود الشيء إلاّ كونه محكوماً بالوجود في ذهن المفكّر، وهو يريد بهذا أن يصحّح مقاله، ويخرج عن عداد السوفسطائيين غافلاً عن أنّه هو السفسطة بتعبير آخر(3) وأي سفسطة أوضح من قوله: إنّ مبادئ العلوم وإن كانت الحس والتجربة، إلاّ أنّ إحساس القوى الإنسانية لا يدل على أنّ للمحسوس وجوداً خارجياً ومنشأً حقيقياً.
واستدل القائل على وجود الصانع بتوارد الصور الذهنية على النفس على نظام خاص، فهي حين تدرك أو تحس أمراً لا يمكن له إحساس نقيضه وضدّه، وهذا النظام الموجود في صور المحسوسات بصريّها وسمعيّها، الواردة على النفس يدل على أنّ هنا علّة أُخرى هي الباعث على انتظام تلك الصور العلمية وهي المنظّم على التحقيق.

1 - Berkeloy.
2 - OG. Lock.
3. غير انّه خلط الغث بالسمين، لم يفرّق بين طريقي العلم وموضوعيه وانّ العلم في هاتيك المقامات طريق محض إلى الواقع وكاشف عمّا ورائه من الواقع، فمآل وجود الشيء في إدراك المدرك إلى وجوده في الخارج حسب طريقية علمه.
(المترجم)


(86)

و«شوبنهور»(1).

ولكنّا ـ إذا سبرنا تاريخ حياتهم ـ علمنا بأنّهم لم يخرجوا إلى الدنيا سوفسطائيين، ولم تضعهم أُمّهاتهم منكرين أو شكّاكين، بل ترعرعوا وشبّوا على ما يقتضيه العلم الفطري.

يرشدك إلى هذا أنّه لم يشاهد منهم الضحك في مقام البكاء قط، ولا النوم عند الجوع، ولا السكوت في موضع التكلّم، بل نجدهم عاشوا كسائر الناس على نظام خاص في الحياة، لم يتخلّفوا عمّن سواهم قدر أنملة أصلاً.

إذ هم واقفون بالفطرة بأنّه لا يسد جوع الانسان خيال الأكل وتصورّه إذا جاع، و لا يرويه تصوّر الماء إذا ظمئ، ولا يكسوه خيال الثوب إذا عرى


1- الفيلسوف الشهير الألماني ولد عام 1877م وتوفي عام 1960م ولم يزل معتزلاً عن الناس، مغموماً مهموماً سيّء الظن بالكون وما فيه، ولم يتزوّج قط، وهو لا يفترق عن زميله (بر كلاي) في آرائه غير انّه زاد في الطنبور نغمة أُخرى، فانّ الأسقف «بر كلاي» يرى أنّ للنفس وإدراكه حقيقة، ولكنّه ينكر ذلك كلّه، نعم كان يعتقد بأنّ للإرادة واقعية، بل كان يقول بأنّ حقيقة الكون وما فيه هي الإرادة وحقيقة الإنسان هي إرادته، وهو يقف على حقيقتها (الإرادة) بلا وساطة الحس والعقل.
كان يقول: إنّ الإرادة حسب ذاتها، حقيقة مطلقة، مستقلة بالذات لا يحيط بها مكان ولا زمان، وانّ العالم بشراشره مراتب الإرادة ودرجاتها.
وبما أوضحنا يعلم، أنّه لماذا عدّ الرجل في السن العلماء من السوفسطائيين لما عرفت أنّه ينكر كل شيء وراء الإرادة ويعتقد بحقيقة واحدة مستقلّة فهو باستثناء هذا يعدّ من الفلاسفة المؤمنين بالحقائق.
وله في تشكيل الاسرة ونظام العائلة، وتفسير الحب، آراء تختص به.
كان يرى السعادة في ظل العزلة والعزوبة وترك تشكيل الاسرة، وانّ النفس لا تجد لذّة العيش حتى يستريح من تعب التأهّل، ويعيش متجرّداً حتى ينقطع نفسه إلى غير ذلك من أفكار وآراء تافهة، تحكي عن انحراف الرجل.


(87)

ولا يريحه تفكير الراحة إذا تعب.

كل ذلك براهين تدفعهم إلى الاعتراف بما سمعت منّا بدء البحث: (إنّ وراء ذات الإنسان عالماً في موجودات وأنّ وجوده فيه مبدأ الأفعال) (1) والاعتراف بتلك الجمل، يستلزم الاعتراف بكثير من الحقائق التي تحتويها تلك الجمل، والتصديق على المركّب فرع التصديق بمفرداته، فلو اعترف واحد منّا بما سبق فقد اعترف بأُمور وهي أنّ هنا عالماً، انساناً، أشياء، أفعالاً، إرادة، إداراكاً و ...

لكن القوم إذا جلسوا على منصّة البحث والجدل، تفوّهوا بخلاف ما جروا عليه طيلة حياتهم، وفرّقوا صفوف المجتمع البشري بإنكار الحقائق والتشكيك في المحسوسات والبديهيّات.

والقوم على علاّتهم شعوب وقبائل:

1ـ منهم من أنكر الواقعية بقول مطلق، ولم يعترف بواقعية شيء من الأشياء.

2ـ ومنهم من وقف على أنّ إنكار الواقعيّات بإطلاقها يتضمّن اعترافات بعدّة حقائق من حيث لا يشعر، ولأجله صاروا بصدد تصحيح مقالهم وجاءوا بتعبير آخر حيث قالوا: «لا علم لنا بأي واقع من الوقائع أو أيّة حقيقة من الحقائق» لكنّه عزب انّ هذه الجملة بالذات تنطوي أيضاً على الاعتراف بجملة من الحقائق فقد اعترف في جملته هذه بواقعية نفسه وذاته،


1-إذا اعترف القائل بالجملة المذكورة في المتن، فقد اعترف بحقائق كثيرة لا يستهان بها، فإنّ التصديق بالجملة أو الجملتين، عين التصديق بمفرداتها التي تسمّى في باب التحليل والتجزئة من المنطق بالمبادئ التصوّرية والتصديقية، وفي باب البرهان منه بالضروريّات والبديهيّات.


(88)

وانّ له علماً وتفكيراً.

3ـ وهناك طائفة ثالثة، وقفوا على ما أوعزنا إليه فجاءوا بعبارة أُخرى تحدّد دائرة تشكيك الحقائق وقالوا: ليس لنا علم بشيء عدا ذاتنا وتفكيرنا معترفين بواقعيّتين: واقعيّة ذات الإنسان، وعلمه.

4ـ نعم المتعصّب منهم ربّما بالغ في قوله فبدّل التشكيك بالإنكار وعدمَ العلم، بالعلم بالعدم، فجاء نافياً لكل شيء عدا ذاته وتفكيره.

5ـ وجازف عدّة من قرنائه فأنكروا مطلق الواقعية وأبطلوا كل شيء حتى وجودهم وتفكيرهم وجعلوا العالم خداعاً وخيالاً.

ومرجع هذه السفسطات إلى إنكار العلم الكاشف عن الواقع أو إلى التشكيك في الإدراك المطابق للواقع كما ترشد إليه جملة من أدلّتهم، فانّها تحوم حول ما ذكرنا كما سيوافيك بيانها.

نعم الأساس الوحيد لهذه المناهج السفسطية، إنّما هو إنكار ما هو أُم القضايا عند أهل الاستدلال المعترفين بالحقائق والوقائع ـ أعني: امتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما ـ فإنّ تسلّم هذين الامتناعين أساس البرهنة فلا يمكن لأي باحث إثبات حقيقة أو نفيها إلاّ بعد تسليمهما، كما أنّ نفي الامتناعين أُس السفسطة، فإنّ القول بصحة الآراء كافّة نفياً وإثباتاً على ما يرجع إليه نفي الحقيقة والواقعية لآرائنا وتفكيراتنا، عين القول باجتماع النقيضين، كما أنّ القول بكذبهما جميعاً نفياً وإثباتاً عين القول بعدم امتناع ارتفاعهما.

فلو صحّ قولنا: السماء موجودة، وصح في الوقت نفسه السماء غير موجودة، فهذا عين التصديق باجتماع النقيضين، فلو لم يصدق قولنا: السماء ممطرة، وكذب في الوقت نفسه، السماء غير ممطرة، فهذا عين القول بعدم


(89)

امتناع ارتفاعهما (1).

نقد إجمالي:

لو أمعنت النظر فيما تقدم بدء البحث يسهل عليك دحض دعاويهم وإبطال مذاهبهم (ان صحّ إطلاق المذهب على ما لفّقوه من الأوهام) فانّ القائل بأنّ العالم كلّه خيال في خيال، إذا شرع في البحث والجدل وأراد إثبات مقالته للآخرين، أبطل بعمله هذا مطلبه واعترف من حيث لا يشعر بخلاف ما ادّعاه، لأنّ نفس التخاطب أوضح دليل على أنّ هنا حقائق لا تنكر، من متكلّم ومخاطب وكلام ودلالة وإيراد ... وانّ هنا علّة ومعلولاً،


1- سيوافيك انّ امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما تبتني عليهما صحة البراهين عامّة، فلا يمكن إثبات أي حقيقة مع انكاره وما زعمه المادّي من صحّة اجتماع الضدّين، بذكر موارد، وأمثلة جزئية لا يرجع إلى شيء، فإنّ ما ذكره من الأمثلة، مردود بفقدان شرائط امتناع اجتماع الضدّين أو النقيضين فيها (1).
وممّا يليق أن يذكر في المقام ما أثر عن العلاّمة الشهير «ديكارت» الفرنسي، فقد جدّد النظر في بادئ أمره في عامّة ما كان يعتقده من المحسوسات والمعقولات بإلقاء الشك فيها وقال في نفسه: إنّ من المحتمل أن تكون الصور المحسوسة والمعقولة كالصور الخيالية التي يراها الانسان في منامه وأي دليل على أنّ الصور الحسية ليست مثل مخيّلاته، وأي برهنة دلّت على صحة مبصراتنا ومسموعاتنا وانّ لها مسحة من الحق أو لمسة من الصدق؟ وماذا دلّ على امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما؟!
وفي هذه الحال طرح كل ما أخذه من حقائق علمية راهنة أو أُموراً ظنّية، وجعل الجميع في صف واحد من غير فرق بين نظريّها أو بديهيّها فلم يُبق لنفسه دعامة حتى أصل امتناع التناقض. =

1. وإليك مثالاً يوضح المقصود: إذا أثبتت البراهين الهندسية انّ زوايا المثلث مساوية لقائمتين، أو إذا أثبتنا بالآلات العلمية والتجارب الفيزياوية انّ الذرة مؤلفة من جزئين (الكترون وبروتون) فالجزم بصحة تلك القضايا يتفرّع على القول بامتناع نقائضها، أعني: عدم تساويها لقائمتين أو عدم انقسامها إلى جزئين فلو صحت النقائض لما صحّ الجزم بالاثبات .   (المترجم)


(90)

وتأثّيراً وتأثّراً ـ كل ذلك أقوى شاهد على بطلان قصده من التشكيك في الحقائق أو إنكارها، فهم جحدوا بها لساناً واستيقنتها أنفسهم.


= ثمّ أصلح حاله وقال: إنّي مهما كنت شاكّاً في محسوسات الأُمور ومعقولاتها، فلا أشك في وجود تفكيري وانّ لي صوراً ذهنية، إذ كلّما شككت في أمر فمآل الشك إلى احتمال كون المشكوك أمراً خيالياً أو ذهنياً، وفي هذا الظرف لا يعقل أن يكون الشك والتفكير، والتخيّل أُموراً باطلة خارجة عن مستوى الحقائق، فالتفكّر ليس أمراً موهوماً ولا مشكوكاً على كل التقادير سواء أصحت معلوماتي أو محسوساتي أم لم تصح.
ثمّ جعل التصوّر والتفكير دليلاً على وجود متصوّره، وبذلك أذعن على أنّ له ذاتاً وأنّ لذاته حقيقة وواقعية وقد أثر منه هذه الجملة: أنا أفكر فأنا موجود، ثمّ جعل ما أسّسه، مبدأ لسائر براهينه.
وقد جاء الفلاسفة بنقض دليله بأُمور يطول المقام بذكرها غير انّا ننّوه بما يناسب المقام.
فانّه لو حاول ببيانه هذا وترديده في عامّة الأُمور طرح عامة معارفه بديهيّها ونظريّها بحيث لا يسلم آنذاك أي أصل من الأُصول حتى امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، وأي دعامة من دعائم العلوم، فلا يقدر ان يعتمد بعد ذاك على أي دعامة، ولا أي أصل من الأُصول بل يصير دليلاً عقيماً. توضيحه: أنّه حينما استدل بوجود التفكّر على وجود المفكّر لم يكن قائلاً ولا مسلّماً امتناع التناقضوعند ذاك لا يصح له أن يستدلّ بتصوّره على وجود المتصوّر، لأنّه حينما يفرض نفسه مفكّراً، لا يمتنع في فرضه أن يفرض نفسه غير مفكّر إذ المفروض عدم بقاء أي أصل من الأُصول عنده حتى أصل التناقض، فينهدم استدلاله، إذ هو في الظرف الذي يصور نفسه مفكّراً، يجوز له أن يسلب عن نفسه التفكّر، ومعه كيف يستدل على وجود نفسه إذ يصح عنده النفي في ظرف الإثبات وبالعكس.
وبعبارة أخصر: انّ العلاّمة «ديكارت» استدل بوجود الأثر على مؤثّره، فلابدّ في ظرف الاستدلال أن يكون الأثر مفروض الوجود فلو صح في الوقت نفسه فرض عدم الأثر وجاز سلب الوجود عنه، لامتنع الاستدلال من عدم الأثر على وجود مؤثّره.
فاتضح أن تقبل الأصل المزبور، أساس كل البراهين من أي طريق أُقيمت وبأي صورة ركبت، فلو طرحه المستدل وجعله في بوتقة الشك والترديد كسائر القضايا لما استقرّ حجر على حجر، وصارت القضايا كلّها عقيمة.

(91)

ولنذكر بعض شبهاتهم:

الشبهة الأُولى:

إنّ مرجع العلم بالشيء ليس هو الوصول إلى وجود المعلوم وحقيقته العينية، بل غايته حصول صورة منه عند الإدراك في الذهن والإنسان المفكّر مهما تصعّد حتى يصل إلى الغاية المتوخّاة، أعني: الواقع نفسه، لا يصل إلاّ إلى صورته العلمية المعبّـرة عنها بالصورة العلمية والفكرية ولذلك لا يصح لنا الإذعان بوجود حقائق خارجية، إذ الحاصل عندنا هو العلم لا المعلوم، نعم يصح لنا التصديق بخارجية ذاتنا ووجود أفكارنا.

وبعبارة أُخرى: مرجع إدراكنا كون شيء موجوداً أو ذات صفة خاصة، إلى حدوث صورة فكرية ذهنية في مداركنا العقلية، وكلّما ازدادت الفكرة انضمّت صورة فكرية إلى صورة من غير تجاوز عن محيط الذهن وجوّ الفكر، ومعه كيف يصح الإذعان بأنّ وراء ذاتنا وإدراكنا حقائق، بل هذه الجملة بصورتها العلمية فكر وخيال ولا يتعدّى عن مرتبة التخيّل (1).


1-وإن شئت قلت: إنّ الوسائل التي اتّخذها الإنسان لغاية الوصول إلى الواقع، لا توصله إلى الغاية المتوخاة بل أقصى ما تنتجه تلك الأدوات، هو الوصول إلى الصور العلمية والإدراكات الذهنية القائمة بمدركها.
والإنسان عندما يريد أن يقف مستطلعاً للجو وما فيه من عظائم الخلائق، عندما يحاول أن يقف على النواميس التي تحكم في الطبيعة ويستحصلها عن طرق التجربة، أو التفكّر والتعقّل، عندما أطلّ بنظره على المجاهر والتلسكوبات، لا يستحصل رغم ما تحمّل من الجهود إلاّ على عدّة صور علمية، وهذه الوسائل الحسّية والعقلية لا تداوي علّته ولا تروي غلّته، ولا توصله إلى نفس الواقعيّات بل أقصى ما ينال بها هو الوقوف على معان وصور نفسية، وهو غير المطلوب.


(92)

حل الشبهة:

عزب عن القائل بأنّ الاعتراف بوجود حقائق خارجية قد يتعلّق بها العلم والإدراك، لا يستلزم حضور الحقائق بواقعيّاتها الخارجية عند تعلّق علمنا بها، حتى يصير مآل العلم بها، وصول العالم إلى نفس واقعية الأشياء بما لها من الآثار، بل يكفي في الانكشاف وتعلّق العلم كونها حاضرة عند المدرِك بصورتها الذهنية التي تحكي عنها.

وإن شئت قلت: إنّ الحاضر بذاته عند المدرك وإن كان هو الصورة العلمية دون الهوية الخارجية، ولكن الصورة العلمية تحمل وصفاً ذاتياً وهو وصف الكشف عن واقع سواها، ورفع الستر عن معلومه التي يحمل عليه.

غير أنّ القائل نظر إلى العلم بما هو هو، أي بالنظر الموضوعي والاستقلالي، لا بالنظر الآلي والطريقي فألغى جهة كشفه وطريقيّته ورتّب عليه ما رتّب وقال: إنّ الحاصل عندنا هو العلم والإدراك لا المعلوم الخارجي واستنتج منه: انّه لا يصح لنا الإذعان بشيء غير العلم، ولكنّه غفل عن أنّ العلم والكشف عن معلوم سواه، متلازمان لا يتفارقان وانّ العلم بالشيء عين الكشف عنه فلا يصح لنا الاعتراف بالعلم من دون معلومه، ولا بالصورة الإدراكية من دون مكشوفها (1).


1-هذه حلقات بلاء حاقت بهم، وسلسلة شبهات تجاه البديهة لا يذعن بها من سلم مزاجه، فلذا اكتفى الاعلام في دحضها بكونها شبهات تجاه البداهة، وأمّا تحليلها حسب الأُصول الفلسفية فيتوقّف على الوقوف على حقيقة العلم ومقدار كشفه، وسيوافيك تفصيل القول في المسألتين في ثالث المقالات ورابعها، كما سيتّضح في مختتم هذه المقالات انّ ما اختاره المادّي في حقيقة العلم، لا يفترق عمّـا يقول به السوفسطائي، وإن كان هو يفرّ عن السفسطة.
وخلاصة ما ذكره ـ دام ظله ـ في دحض الشبهة هو انّ العلم بالشيء عين الكشف عن خارجه، ولا يعقل تحقّق العلم بلا وصف كشفه، كما لا يعقل تحقّق الكشف بلا =


(93)

والفيلسوف المؤمن بحقائق وراء ذاته وفكره لا يروم من الوصول إليها أزيد من هذا ولا تجدنّ أحداً ممّن يعترف له بفضل يتفوّه بغير ذلك أو يدّعي بأنّ حقيقة العلم بالشيء هي الوقوف على واقعيّته الخارجية، وحضوره بنفسه بلا واسطة الصورة الذهنية عند المدرك.

بل كل من اعترف بعالم وراء ذهنه (يصل إليه بفكره ويعرفه بعلمه) لا يريد منه سوى الوصول إليه من طريق العلم الكاشف عنه فالحقائق معلومة لنا من ناحية صورها الحاضرة لدى مداركنا وكشفها عن أعيانها الخارجية.

الشبهة الثانية:

إنّ حواسّنا الظاهرية أقوى وسيلة لاتّصالنا بالحقائق الخارجية ووصولنا إلى مراتب الواقع، مع أنّها لا تخلو عن خطأ واشتباه (1) بل غير


= مكشوفه، فلو فرضنا عدم المكشوف يلزم نفي الكشف عنه ولكان هو عين القول بانتفاء العلم مع أنّ المفروض هو تسلّم وجود العلم على رأي الخصم في هاتيك الموارد.
1-دونك نماذج من تلك الأخطاء وسيوافيك توضيحها ودحضها في رابع المقالات:
أـ انّ لكل جسم حجماً واقعياً لا يتخلّف عنه، ولكن الباصرة لا تهتدي إلى الحجم الواقعي منه، فلو وقع الجسم في مكان بعيد يختلف حجمه عند الباصرة عمّـا إذا وقع في مكان قريب منها.
بـ القطرة النازلة من السماء يترائي كأنّها خط ممتد.
جـ الشعلة الجوّالة تبدو كأنّها دائرة تدور على مركزها.
دـ لو وقعت إحدى يديك في ماء حار، والأُخرى في ماء بارد ثم أدخلتهما في ماء ثالث يختلف معهما حرارة وبرودة لوجدت كلاّ ً من اليدين يحس بإحساس يختلف عن إحساس الآخر، فهذا يحس انّه حار وذاك يحس انّه ماء بارد.
هذه نماذج من أخطاء الحواس، ولها أنواع، تكلّم فيها الفطاحل في كتبهم الفلسفية والعلمية وربّما يزيد أنواعها على ثمانمائة.


(94)

الحواس من الطرق العلمية البرهانية لا تقصر عنها في الخبط والخلط، ألا ترى أنّ عشّاق البراهين الفلسفية مع ما تجهّزوا بالفنون الصائنة عن الخطأ ـعلى زعمهم ـ قد أحاطت بهم الأوهام وحاقت بهم الأغلاط في العلوم والمسائل الفلسفية وما زال الجدال قائماً على ساقيه، فالمتأخّر منهم يناقش برهنة المتقدّم منهم ويؤاخذه ويورد عليه، ولو تدبّر الإنسان الحر في هذا الوضع السائد، لوقف على أنّ ما يسمّيه القوم علوماً وأدلّة، خيالات وتسويلات وأنّ الإنسان بعد شهود هذا الخلاف لا يطمئن على ما ربّما يقف عليه من الطرق العلمية ولا تثق نفسه بأنّ ما أدركه عين الحقيقة أو قريب منها.

الإجابة على الشبهة:

ما ذكره بصورة البرهان لا يدعم ما رامه، إذ لم يدّع إنسان انّه خلق مصوناً من الخطأ والسهو والنسيان وانّ الأذهان لا تحيد عن الحقيقة (1) بل كل ذي لب يعترف بأنّ له أخطاء جمّة يرتكبها وهو غافل عنها، بل ربّما يقضي حياته على غفلات واشتباهات.


1-وقوع الخطأ في بعض الموارد والاهتداء إليه أحياناً لا يسوّغ رفع اليد عن العلوم الفطرية والحقائق المسلّمة وضرب الكلّ على الجدار، ونفي العلم بالحقائق على وجه الإطلاق.
بل نفس الاهتداء إلى هذه الأخطاء أوضح دليل على أنّ هنا حقائق مسلّمة لا يشوبها رين الشك وقد اهتدينا ببركتها إلى وجود بعض الأخطاء، فلو لم يكن بين إدراكاتنا، ما يتّصف بالصحة والسلامة، على وجه الجزم بحيث يكون مقياس الصحّة والفساد في سائر الموارد، لما اهتدينا إلى وجود هذه الأغلاط والأخطاء فانّ الخطأ أمر نسبي أو قياسي فلا يمكن الحكم بكون النسبة غلطاً إلاّ بقياسه على أمر آخر يكون الحكم فيه مسلّماً حتى يحكم بصحّته عند تطابقهما، وبالخطأ عند تخالفهما، ولو لم يكن بين علومنا ما هو صحيح =


(95)

بل غرض المعترفين بالحقائق الخارجية هو أنّ وراء ذاتنا وتفكيرنا واقعيّات وحقائق وربّما يصل الإنسان إليها بقواه العلمية، ترشدنا إليه نفس أفعالنا في الضروريات اليومية، التي تصدر منّا على نظام واحد فانّ أبناء البشر، يأكلون إذا جاعوا ويشربون إذا ضمأوا، ويفرّون من المكاره إذا شاهدوها ـ بلا استثناء ـ ولو كان كلّ ذلك من مواليد أوهامهم فما معنى هذا النظام، ولماذا لا يصدر عنهم الأكل عند الضمأ ولا الفرار عند الجوع.

ولو كان أساس تلك الأفعال، هو الوهم والخيال فهل نستطيع توهّم كل الصور في عامّة الأحوال وكل الظروف، فما الوجه في قيامه إلى عمل دون عمل، ولماذا لا يقصد عند جوعه إلاّ الأكل، لا الشرب؟ ولو كان كل ذلك توهّماً، فليتوهّم في حين من الأحيان خلاف ذلك.

كل ذلك يرشدنا إلى التفريق بين التفكير الذي لا يخرج عن طور الوهم والتفكير الذي وراؤه واقعية.

فالنظام السائر بين أفعالنا، يرشدنا إلى أنّ هنا مبدأً حقيقياً لأفعالنا وانّ لجوعنا وأكلنا وخوفنا وفرارنا حقيقة وراء خيالنا البحت، وما يرومه السوفسطائي من إثبات الخطأ في بعض الإدراكات لا ينافي ما يرومه المؤمن


= على وجه القطع لما صحّ لنا تسمية بعض منها خطأ وغلطاً، فإنّ الغلط لا يستنتج من الغلط، ولا يجوز الحكم ببطلان أمر إذا قيس بباطل آخر.
ثمّ إنّا نسأل القوم ومن آثرهم من الغربيّين فانّهم مع ما يرون الكون كلّه خيالاً في خيال، لا يختلفون عمّن سواهم قدر شعرة، لا في الآداب ولا في الأعراف فلا ترى واحداً منهم يغض بصره في قطع الطريق أو يكون البئر والطريق في نظره سيّان بأن يتلقّاهما من الأُمور الوهمية ويحسبهما كليهما من الخيال، بل تراهم يستدلون بالبراهين العقلية والعلوم الدارجة، بل نفس هذه الشبهات قد جاءت بصورة الاستدلال، فلو كانت البرهنة العقلية عاطلة لكانت الشبهات أولى بالبطلان.


(96)

بالحقائق الذي يقول: إنّ وراء علومنا معلومات يصل إليها الإنسان بقواه في الجملة.

الشبهة الثالثة:

لو كان العلم كاشفاً عن معلوم سواه، ومكشوف وراءه كان هذا الكشف خصيصة لازمة له وكان العلم على نحو الإطلاق كاشفاً عن وجود معلومه من غير تخلّف مع أنّه باطل بضرورة العيان، لوجود الأغلاط في العلوم والأفكار، والتناقضات الكثيرة في مختلف العلوم بين الأساطين.

ولا يسع أي فيلسوف مؤمن بالحقائق أن ينكر أنّ هنا أفكاراً وهمية، وآراء غير صحيحة، يعتقد أصحابها أنّها علوم كاشفة عن واقع سواها، مع أنّها لا تخرج عن حدّ الوهم والخيال، ولا يسع أي باحث يرتاد الحقيقة أن يدّعي تسالم العلم والعلماء في مختلف المسائل وانّه ليس بينهم تناقض وتهافت.

والتشاجر القائم بينهم في مسائل العلوم يدحض ما تدّعيه الفلسفة من أنّ الصور العلمية تكشف عن معلوم خارجي سواه وانّ الكشف عن عالم ورائها من خصائص العلم لا يفترق عنه.

وان شئت قلت: إنّ الإنسان يخوض من دون شك في تناقضات كثيرة فأمّا أن يلتزم بمطابقة الآراء كلّها، وانّ لعامّتها واقعية وحقيقة، فهو محال تكذّبه الضرورة، ويستلزم وجود الغلط أو الخطأ والتناقض في الواقع الخارج ونفس الأمر، وامتناعه أبين من أن يبين، أو يلتزم بأنّ ما نحسبه تناقضاً في التفكير، واختلافاً في الآراء ونعتقده تهافتاً وتناقضاً ليس من التناقض في شيء فهو أيضاً مثل سابقه في البطلان، لأنّ التباعد بين أفكارنا والاختلاف فيها


(97)

أمر لا سترة عليه، أو يلتزم بأنّ العلم بالشيء لا يلازم الكشف عن معلوم سواه، وانّ كاشفية العلم من الأوهام فهو المطلوب.

جوابنا عن الشبهة:

يقصد المستدل من سوق الشبهة إنكار العلم بالحقائق والوقائع الخارجية، لأنّ الكشف عنده ليس من عوارض العلم ولوازمه وإلاّ لزم صدق المتناقضات في نفس الأمر، ولكن ذلك لا يثبت ما رامه ولا ينتج السفسطة ـأي نفي الحقائق الخارجيةـ.

بل الالتزام بأنّ الكشف من لوازم العلم، وانّ الصورة العلمية تكشف عن معلوم سواها، يوجب توجّه سؤال آخر، وهو ما يلي:

إذا كان العلم بالشيء ملازماً للكشف عن معلوم سواه فيلزم عدم صدور الخطأ عن أي إنسان قط، ويلزم أن يكون عامّة المتفكّرين من أبناء البشر مصيبين في علومهم وأفكارهم مع اختلافهم إلى حد النفي والإثبات والضرورة تشهد بخلافه.

وإن شئت قلت: إنّ الالتزام بكون الكشف من خواص العلم يستلزم تصديق رأي كل ذي رأي، وفكر كل ذي فكر، سواء أتوافقت الآراء أم تخالفت، إذ كلّ واحد علم بحياله، ولازم العلم كشفه عن واقع محفوظ فينتج المقدّمات تصويب كل ذي تفكير، وعدم جواز تخطئته، وهو باطل بالبداهة.

وخلاصة هذا السؤال: إذا كان هذا (الكشف عن واقع سواه) منزلة العلم، فما علّة تطرّق الخطأ على الأفكار، وما موجباته وبواعثه، وما أسبابها؟ ويصير مرجع السؤال إلى الفحص عن علل الخطأ وأسبابها، والبحث عن كيفية تسلّل الأوهام والأغلاط إلى الفكر، وسيوافيك دفع هذا السؤال


(98)

بتوضيح واف، كما يوافيك بيان العلل الموجبة لحدوث الخطأ في الفكر على نحو لا يمس كاشفية العلم في المقالة الرابعة فتربّص حتى حين.

فبان الفرق، بين ما استنتّجه السوفسطائي من الشبهة من إنكار الحقائق الخارجية، مع كونها عقيمة عن الانتاج وما يثيره في نفس الأمر السؤال المتقدم، فالالتزام بكون العلم كاشفاً مطلقاً عن واقع سواه، إذا ضم إلى أمرين: اختلاف أبناء الإنسان في قضائهم وعلومهم وامتناع تصديق كل الآراء، يبعث الباحث على حل مشكل آخر، وهو كيفية تطرّق الخطأ، وتعيين مصب الغلط، مع التحفّظ على كاشفية العلم، ولا يوجب ذلك إنكار الحقائق والوقائع من رأس كما هو غرض السوفسطائي وشتّان بينهما.

تنبيه:

لقد أوضحنا الشبهات الدارجة بين السوفسطائيّين وعرفت مغزاها ووقفت على أجوبتها وقوف المستشف للحقيقة. ولكن تلك الشبهات وان سيقت بظاهرها لإنكار الحقائق والواقعيّات، إلاّ أنّ الغرض في الحقيقة إنكار العلم بها بمعناه المعروف : (الاعتقاد الجازم المطابق للواقع)، فهم لا ينكرون نفس الحقائق، بل ينكرون العلم ويجعلون العلوم والتصديقات كلّها شكوكاً وخيالاً وأخصر كلمة يمكن بها الترجمة عمّـا في ضمائرهم هو ما يدور في بعض كلماتهم: لا علم لنا بوجود شيء وراء التفكير والتصوّر، وأنّا لعلى شك وريب في صدق هذه الآراء.

وان أبيت إلاّ ما يفيده ظاهر كلماتهم في سرد الشبهات من إنكار الحقائق الخارجية والمحسوسات الواضحة وادّعاء العلم على هذا الإنكار والنفي، فيلزمهم عند ذاك الاعتراف بحقيقة واحدة والإقرار بعلم واحد


(99)

مطابق للواقع وهو علمهم وقطعهم بأنّه لا خبر عن الحقائق وانّ ما يقال في حق الكون بغير ذاتنا وفكرنا، خيال وخيال.

بل هذا الاعتراف (وإن كان بصورة النفي) يستتبع الاعتراف بحقائق كثيرة، إذ هو يدّعي العلم ويتصوّر نفسه عالماً بأنّه لا خبر في الكون، ويرى في المقام أنّ له ذاتاً وعلماً، وان علمه هذا مطابق للواقع وكاشف عن أمر سواه، فهو أثبت بجملته هذه حقائق ثلاث: ذاته، وعلمه، وكون علمه واجداً لوصف الكشف عن واقع سواه.

وعزب عن السوفسطائي انّ الاعتراف بكاشفية علمه هذا (علمه بعدم الحقائق) يصدّه عن رد سائر العلوم، بل يجرّه إلى القول باتّصاف غيره من العلوم بوصف الكشف عن واقع سواه، إذ أىّّ فرق بين علمهم هذا وسائر العلوم مع كون الكلّ من أفراد العلم ومصاديقه !

وهذا البحث الضافي يوقفك على عدّة نكات:

النكتة الأُولى:

قد وقفت على مقاصد السوفسطائيين وأغراضهم وإنكارهم للعلم بالحقائق الخارجية عن ذات المتصوّر وأفكاره، وعلى ذلك فهذا هو المقياس الصحيح لتمييز السوفسطائي عن غيره، فمن اعترف بواقعية من الواقعيّات، التي تنكرها تلك الفئة فهو خارج من صفوف السوفسطائيين والمثالين.

فيجب على كل من يدوّن تاريخ الفلسفة ويشرح مسالكها أن يعدّ ذلك المعترف ولو بواقعية واحدة، من الفلاسفة المعترفين بالحقائق وأصالتها، المكافحين للنّافين للحقائق والمثاليّين.

إذ المثاليّون لا يؤمنون بأية حقيقة تفرض، بأيّة واقعية خارجة عن ذاته


(100)

وفكره، فهم أصحاب التصوّر الذين يتمسكون بأهداب الفكر والصور الذهنية، وينكرون كل الحقائق بقول مطلق ـ وعلى ذلكـ فلو وجدنا بعض المسالك الفلسفية الذي يعترف ببعض الحقائق دون بعض لما جاز طردهم عن صفوف الفلاسفة المؤمنين بالحقائق واعتبارهم من المثاليّين، ودونك نماذج منها:

1ـ ما ابتدعه الفيلسوف الشهير «ديكارت» وتبعه جمع غفير: بأنّ للأجسام خواصّاً هندسية وانّ لتلك الخواص حقيقة لا تنكر وأمّا الخواص الثانوية (على اصطلاحه) كاللون والطعم وغيرهما فقد صنعها الخيال ونسجتها القوة الوهمية.

وهذا القائل وان أنكر واقعية الخواص الثانوية واعتقد انه ليست لها مسحة من الصدق أو لمسة من الحق غير أنّه اعتقد بواقعية الخواص الهندسية ولأجل هذا لا يسوغ عدّه من المثاليّين لأنّه يعتقد بواقعيّات لا يعترف بها المثاليّون وقس عليه كلّما شابهه من المسالك الفلسفية.

2ـ ما أحدثه بعض المفرطين، حيث خصّوا الواقعية بالعقول والنفوس المجرّدة عن المادّة وخواصّها، وأنكروا غيرها من المادّة وآثارها.

3ـ ما يظهر من بعضهم، حيث اعترف بواقعيـة عالمي التجـرّد والمادّة غير انّه أنكر وجود الزمان وجعله من الموهومات.

4ـ ما سار عليه بعض من الاعتراف بعامّة الواقعيّات من مادّيها ومجرّدها غير المكان، فعدّه من الموهومات.

5ـ ما سلكه بعض فأخذ نتيجة المسلكين (الثالث والرابع) فاعترف بعامّة الواقعيّات غير الزمان والمكان.

وهذه الآراء الشاذّة، وان كانت مردودة بالبراهين الدامغة، والأبحاث


(101)

الفلسفية قد كشفت الستار في أدوارها الأخيرة عن هذه المباحث بوضوح بحيث صار حجج القوم وبراهينهم أو ما لفّقوه وجاءوا به بصورة برهان كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، غير أنّ اعترافهم ببعض الواقعيّات يصدّنا ويصدّ كل باحث منصف عن عدّهم من أصحاب السفسطة وزمرة المثاليّين.

وبذلك تبيّـن الحال في العرفاء الربّانيين، الذين جعلوا طريق الوصول إلى المعارف، المجاهدات الحقّة النفسانية، والرياضات البدنية، كما يتّضح الحال في المتمسّكين بالشرائع وأتباع الأديان حيث قصروا العلم الصحيح في المعارف بالمأخوذ من طريق الوحي السماوي النازل على قلوب الرسل والأنبياء.

والعارف والمتشرّع مع اختلافهما في طريق الوصول إلى الحقائق يجمعهما الاعتراف بواقعية أو واقعيّات، وراء النفس وتفكيرها، ووراء الذات ورأيه، يكابد كل واحد في طريقه لأن يصل إلى مرماه، فهذا يجاهد بنفسه ويكابد، ويرتاض بقواه الجسمانية وذاك يتمسّك بأذيال الوحي، والسماع من صادق مصدق، وعلى أي تقدير فالقوم على اختلاف نهجهم ومشاربهم، من المؤمنين بالحقائق الخارجة عن الفكرة وصاحبها.

وما حرّرناه يوضح حال جماعة أُخرى من الهرامسة (1) ومن جاء بعدهم


1- للهرامسة ذكر في غضون التاريخ، كانوا من حملة العلوم والمعارف قبل الأغارقة بكثير، لهم آراء وأفكار وتآليف وتصانيف حول الفلسفة الإلهية والنجوم، يقف على نظرياتهم كل من تفحّص كتب الأغريق، فانّهم تطفّلوا على علوم الهرامسة وأنظارهم.
نعم لم يحتفظ التاريخ ترجمة صحيحة عنهم، لطول عهدهم وتباعد قرونهم، قال القفطي: هرمس الهرامسة هو المعروف عند العبرانيين بـ «خنوخ» وعند اليونانيين بـ«ارميس» وعند العرب بـ «إدريس» أعطاه اللّه الملك والحكمة والنبوة عاش في بلاد =


(102)

نظراء: فيثاغورس، افلاطون وافلوطين و ... حيث أقاموا البرهان على تركب كل ما في الكون من جزئين، مادّي ومجرّد، وأنّ كمال الموجود المادّي، تجرّده عن المادّة وآثارها وتطوّره بطور آخر، وارتقائه إلى عالم آخر، خال عن شوائب المادّة، وإلى هذا المعنى أشاروا في الحكمة العملية، بالارتقاء والفناء والانجذاب.


= الفراعنة قبل الطوفان.
حكى الاشكوري في «محبوب القلوب» عن ابن الجوزي: أنّ أوّل من نشر الحكمة والنجوم بين الناس بتعليم إلهي هو هرمس الهرامسة. وقال أبو معشر البلخي: إنّ الهرامسة عدّة من الحكماء العظام اشتهروا بالفضل والكمال وقد سكنوا الديار المصرية وبنوا الأهرام...
وإليك ترجمة من ذكر باسمه من غير الهرامسة في المتن على وجه الاختصار:
(بليناس): أحد الحكماء الأقدمين، نسب إليه كتاب «علل بليناس»، نقله إلى العربية «القسّيس ساخنوس» جاء في مقدمة الكتاب بقصة غريبة من أراد فليرجع إليه.
(فيثاغورس): أحد الفطاحل من الرياضيين، عاش في القرن السادس قبل الميلاد، وله آراء رمزية في باب الأعداد حيث قال بأصالة العدد في الوجود وكلّما يوجد في الكون فانّما هو من ناحيته، إذا حصل منه تركيب عددي وقد طرحه الشيخ الرئيس في الشفاء وفنّده بأحسن بيان.
ومن نظرياته: انّ الأرض كروية متحركة، وانّ الأرض وسائر السيارات التي منها الشمس تدور على مركز ناري غير مرئي.
هبط الرجل ردحاً من الزمن بلاد الشرق وتتلمذ على علمائها آخذاً منهم آراءهم الفلسفية والسياسية، ثم غادرها وآب إلى موطنه (ايطاليا) وقد اتّخذ لنفسه خططاً سياسية وآراء اجتماعية وعقائد في حقيقة المذهب ولم يزل يترقّب الفرص إلى أن اجتمعت حوله فئة كثيرة من الرجال والنساء وأكبّوا على أفكاره السياسية والاجتماعية، غير انّه لم يطل به الموقف إلى أن ثارت الثورة وقامت الفتن، وقتل الأُستاذ خلال ذلك، نعم ورثه الحكيم «افلاطون» في عقائده وآرائه الاشتراكية وأخذ ينشره بين الملاء في بلاده.
(افلاطون): أحد الأساتذة الفطاحل من الفلاسفة، نشأ في اليونان وتربّى بها إلى أن قضى نحبه عام 346 قبل الميلاد وينتمي من جانب الأب إلى بعض الملوك والساسة، =


(103)

فقد أوصلهم البحث والتنقيب إلى الاعتقاد بتركّب العالم من سنخين مختلفين، مادّي ومجرّد، وجرّتهم الأبحاث العلمية إلى الدعوة بتركّب المادّة وعالمها، والقاء الرحل في العالم العقلي الباقي.

فالقوم لم يفتهم الاعتقاد بواقعية أو واقعيّات كسائر المسالك الفلسفية ولأجل ذلك لا يسوغ إدراج القوم في صفوف السوفسطائيين أو عدّهم من قرنائهم.


= وينتهي نسبه من ناحية أُمّه إلى الحكيم المقنن الطائر الصيت «صولون» قرأ الآليات والرياضيات وفصولاً من الفلسفة، على فيلسوف عصره «سقراط» ولم يزل يخدمه ملحّاً على الدراسة والتعلّم منه إلى أن قضى نحبه.
ولافلاطون آراء وأنظار في الفلسفة الإلهية يتبيّـن أكثره على ما ابتدعه من العقول العرضية والمثل النورية.
جال الحكيم أكثر البلاد الخصبة بالعلم يوم ذاك وهبط ردحاً من الزمان الديار المصرية، و «قيروان» وألقى رحله في «ايطاليا» مدة لا يستهان بها حتى برع أقرانه ووقف ب آراء استاذه «فيثاغورس» طيلة إقامته فيها.
برع الرجل حق البراعة في فن الكتابة وأوضح بقلمه السيال آراءه في سياسة المدن وإدارة الاجتماع، وندب الأُمّة وفي طليعتهم الحكماء والعلماء إلى تشكيل المدينة الفاضلة وتحمل في طريق أُمنيته هذه جهوداً جبّارة لا يتحمّلها إلاّ أصحاب الأهداف العالية، فترك الأوطان متوجهاً إلى جزيرة «سيسل» عسى أن يجد فيها من ينتدب له غير انّه لم يصب هدفه بل قهر واسترق إلى أن اشتراه بعض أصدقائه فأعتقه غير انّ تلك العراقيل لم يصرفه عمّـا كان يرومه، فغادر وطنه مرة ثانية لنشر عقائده وبث آرائه ولكن عرقلت خطاه عراقيل فلم يصل إلى ما يتمنّاه إلى أن قضى نحبه.
كان الرجل اشتراكياً بادئ الأمر، وكانت أحب المسالك لديه في تدبير المجتمع البشري، نعم عدل عنها وأبطلها بعد حين.
(افلوطين): أحد الأكابر من حكماء الافلاطونية الجديدة ورئيسهم، كان الرجل عارفاً مرتاضاً ولد عام 205 بعد الميلاد، إلى أن أدركته المنية عام 270، لم يزل يضرب في البلاد، من غربيها وشرقيها إلى أن هطب إيران والهند وتلّقى فيها الآراء العرفانية وله أثره الخالد «اثولوجيا» وإن كان ربّما ينسب إلى أرسطو.


(104)

عثرة لا تقال:

كتب بعض المادّيين حول بحثه عن المسالك الفلسفية فصلاً طويلاً فخلط الغث بالسمين والصحيح بالزائف وأخذ يعرف أصحاب تلك المسالك الذين هم أئمّة العلوم وقادة المعارف، بالسفسطة والمثالية إلى أن ختم بالوقيعة فيهم.

وهذا فيما يبدو ذنب لا يغفر، ارتكبه الكاتب، وعثرة لا تقال في ميزان العدل والإنصاف، عزب عن القائل إنّ كتابه هذا دليل على انقطاعه عن العلم وأهله، وجهله بسمو مقامهم وعلوّ مكانهم في المعارف.

كيف رضى أن يعدّ أئمّة العلم من زمرة السوفسطائيين ويعرفهم بأنّهم أصحاب الخيال، حاولوا تأسيس مسلك فلسفي خيالي، مع أنّ تراثهم العلمي يشهد بأنّهم من عشّاق الحقيقة ومعتنقيها، ولم يكن لهم غرض في تحمّل الجهود الجبّارة إلاّ إماطة الستر عن وجوه الحقائق وترسيم قواعدهاوتسوية طريقي العلم والعمل، حتى يرفعوا بذلك لأبناء نوعهمشأناًويشيّدوا لرفعتهم بنياناً، فلم يألوا في ذلك جهداً حتى بلغوا ما أملوا.

إنّ من الظلم الفاحش أن ينال من كرامتهم، ويقع فيهم الجاهل الغر، فلا يعبأ بما استفاد منهم، وما أشبه عمله بعمل صبي نشأ في حجر أبيه، وتربّى في حضن أُمّه حتى إذا بلغ مبلغ النطق، أخذ يشتمهما بوقاحة وجلفية.


(105)

النكتة الثانية: ماذا يقول المادّي في حقيقة العلم؟!

يذهب المادّيون إلى أنّ العلم والتفكير وحضور الأشياء بصورها الذهنية، أُمور مادّية ليست لها حقيقة وراء المادّة، وتفنّنوا في توضيح ما راموه بتعابير لا تختلف جوهراً وتتّحد مآلاً قالوا:

1ـ التفكير عبارة عن الأثر الحاصل من تقابل المادّة الخارجية مع المادّة الدماغية، وما يحصل من تفاعلهما وانفعالهما هو العلم والتفكير.

2ـ التفكير مصنوع الذهن في شرائط مخصوصة.

3ـ التفكير الأثر المتولّد من تأثير الخارج في الأعصاب أو الدماغ.

4ـ التفكير هو الترشّح الدماغي.

5ـ التفكير من تحوّل الكم إلى الكيف.

6ـ التفكير ترسيم الدماغ عن خارجه.

وقد اكتسب هذا الرأي في العصر الحاضر شهرة طائلة بين المادّيين، ولكن ليس رأياً حادثاً في هذا العصر، وقد سبق المادّيين في رأيهم هذا بعض الفلاسفة الأقدمين حيث اختاروا في حقيقة العلم القول بالأشباح وهذا الرأي معنون في الكتب الفلسفية قديمها وحديثها، يعرفه كل من له إلمام بهذه المباحث، ولا غرو إذا اتّّخذ المادّيون هذا المذهب فإنّ الاتجاه المادّي في التفكير يلجئهم إلى هذا الرأي، ودونك بيان هذه الأُصول المادّية على نحو الاختصار حتى يظهر وجه الاستنتاج:

1ـ لا شيء في الوجود غير المادّة وقواها والوجود هو المادّة وهي عين


(106)

الوجود على نحو التساوي (الوجود = المادّة).

2ـ التكامل والتحوّل ذاتيان للمادّة لا ينفكّان عنها.

3ـ المادّة الخارجية لا تسكن عن الفعل والانفعال، يؤثّر بعضها في بعض، ويتأثّر كذلك ولا تسكن عن التفاعل آناً ما.

وقد استنتج المادّيون من هذه الأُصول أنّ التفكير أمر مادّي لا يخرج عن حيطة المادّة وشؤونها (وجه الاستنتاج) أنّ الباحث المادّي إذا قصر دائرة الوجود على المادّة نافياً غيرها، فلا باعث لأن يتطلّب وجوداً غير مادّي في باب الإدراك، وإذا انضم هذا إلى أصل آخر قبله المادّي والإلهي، من أنّ عالم المادّة لا مفارقة بين أجزائه، يتفاعل بعضها مع بعض بلا انقطاع، أنتج الأصلان النتيجة التالية: الصورة العلمية والمفاهيم الذهنية عين الآثار الواردة إلى الأعصاب المدركة لأجل تأثّرها عن خارجها وسيوافيك تحقيق الحال في الأصلين إن شاء اللّه.

المادّي ينفي ثبات المفاهيم وكلّيتها ودوامها:

يعتقد المادّيون امتناع اتصاف مفهوم تصوّري، بالكلّية والثبات والإطلاق كما أنّ القضايا التصديقية عندهم كذلك، لا تتّصف بالكلية والإطلاق والدوام (1)فالمفاهيم المفردة عامّة، والقضايا التصديقية جميعاً كلّها


1- من التقسيمات الدارجة في فن المنطق، تقسيم القضية باعتبار جهتها ـ أعني: كيفية ثبوت المحمول لموضوعه ـ إلى الضرورية والممكنة، والدائمة واللادائمة إلى غيرها ممّا حرّر في محلّه.
ومعنى كون النسبة دائمية انّ موضوعها متّصف بمحمولها في جميع الأزمان غير مفترق عنها في حال، كالحركة الدورية للفلك عند الأغارقة، وكون العالم متحركاً بالحركة الجوهرية عند صدر المتألهين، فانّ العالم عنده فلكيها وأثيرها كلّها متغيرة جوهراً وذاتاً على وجه الدوام.=

(107)

متغيّـرات لا ثابتات، جزئيّات لا كلّيات، نسبيّات لا مطلقات، وقد قالوا في توضيحه: العلّية والمعلولية من النواميس المطردة العامة تجري في الحوادث كلّها، ذهنياً كان أو خارجياً، وبما أنّ التفكير، أحد الحوادث المادّية البارزة في


= نحن لا نصافق القوم فيما مثّلوا به فعلاً، غير انّا نقول: إنّ التقسيم الدارج فيما بينهم، تقسيم صحيح منطبق على الحقائق الخارجية وإن زعم المادّيون إنّ العلم قد قضى نهائياً على مثل هذه الكليّات في الأحكام فقالوا:
إنّ تقسيم القضايا إلى الدائمية أو الضرورية، لا يبتنى على أساس رصين فإنّ المفاهيم الذهنية لا تشذ حكماً وموضوعاً عن المادّة وأحكامها والصور العلمية الذهنية، أُمور مادّية متكوّنة في الأذهان البشرية، وتأثّر المادّة بعضها عن بعض حكم ضروري لها ما دامت المادّة مادّة، والتأثير والتأثّر يستتبعان التغيّـر والانفعال، وعلى ذلك لا يبقى مفهوم من المفاهيم الذهنية على حالته الأُولى، بل يتغير حسب تغير المادّة الذي لا مناص عنه.
قالوا: القضايا الذهنية إنّما هي تصاوير المادّة الخارجية، فهي لم تزل متغيرة متبدّلة فلا منتدح عن كونها كذلك، إذ الصور الثابتة لا يعقل أن تكون حاكية عن الأُمور المتبدّلة والروابط الخارجية المتصرّمة، فالاعتقاد بدوام القضايا وثباتها من زلاّت المنطق الموروث من أرسطو.
قلت: سيوافيك القول بأنّ ما ذكره المادّيون من تجدّد المادّة وتصرّمها وتغيّـرها وتبدّلها، أمر لا سترة عليه، وقد حقّقه الفلاسفة الإسلاميون قبل قرون غير انّه لا يستلزم تغيّـر الصور الذاتية وتبدّلها بتبدّلها، لما سيوافيك انّ القوى المدركة وصورها العلمية أُمور مجرّدة غير حالة في المادّة كل ذلك بالبراهين الواضحة.
غير انّا نلفت نظر القارئ إلى التناقض الواضح في كلام المادّيين فهم حينما ينكرون دوام القضايا وامتناعه يعترفون بدوام قضية واحدة وهي: انّ المادة متغيّـرة متحركة دائماً فهذا اعتراف منه على خلاف ما يرتئيه.
قال الدكتور «اراني» في رسالته «المادّية الديالكتيكية» (1) : «إنّ الثبات والجمود من الأُمور النسبية والحركة والتغيّـر في المادّة أمر دائمي غير محدود» وهكذا تراه ينادي بدوام الحركة للمادّة وعندئذ لا فرق بينه وبين الإلهي المعتقد بدوام القضايا وثباتها غير انّ =

1- MATERIALSME DIALECTIQUE.

(108)

الدماغ فيعلّل وجوده بتأثّر الأعصاب من خارجها وتأثيره فيها، ولا عتب علينا إذا مثلنا عمل الأعصاب والعوامل الخارجية، بعمل الآباء والأُمّهات، والمؤثّرات الخارجية والأعصاب بمنزلة الآباء والأُمّهات، والأثر الحاصل من تقابلهما كالأولاد، أمر ثالث مغاير لهما وجوداً.


= المادي مثل للقضية الدائمية بالحركة المطلقة، والإلهي بالحركة الفلكية.
هلمّ معي نحاسب الأُصول التي اعتمد عليها المادّي في فلسفته المادّية المتحوّلة التي منها: تبدّل المادة وتغيّـرها، واجتماع الضدّين في الموجودات المادّية، وتأثير المادّة بعضها في بعض، ونحن نسأل القوم هل هذه الأُصول صحيحة على وجه الدوام أو لا؟ فإن قالوا بالأُولى، فقد أثبتوا ما يرتئيه الحكيم الإسلامي، حينما هو بصدد ردّه، وان اختار الثانية فهذه الأُصول مؤقتة الصحة، محدودة الصدق لا تليق أن تتخذ أُصولاً أوّلية لتفسير حوادث الكون وكشف نواميسه (1).
ثمّ إنّ المادّي استدلّ على بطلان الدوام في القضايا بوجهين:
الأوّل: ما أوضحناه آنفاً، وحاصله: أنّ القضايا الذهنية انّما هي صور عن الطبيعة والمادّة الخارجية بما فيها من الروابط، وبما انّ تلك الروابط زائلة غير ثابتة دائماً، فصورها العلمية تتبع واقعها الخارجي وقد وافاك انّ تلك البرهنة تبطل نفسها، فإنّ المادّي قد أثبت في بيانه هذا انّ في عالم المادّة، قضايا دائمية: منها كون تلك المفاهيم الذهنية تصاوير الأُمور دائماً، ومنها كون المادّة متغيّـرة الذوات، متبدّلة الروابط دائماً إلى غير ذلك.
الثاني: انّ المفاهيم الذهنية، أجزاء من الطبيعة محكومة بحكمها فالصورة الذهنية من القضية الخارجية ليست لها واقعية غير انّه جزء من البدن الإنساني وقطعة من الدماغ، وهذا الجزء مع ماله من نعت الكشف عن الروابط الخارجية، لا يشذ موضوعاً وحكماً عن المادة فعالم الطبيعة بشراشره متبدّل ومتغيّـر غير ثابت، ومعه كيف يمكن الإذعان بثبات قضية، أو جمودها فإنّ المفهوم الذهني قد أحاطت به أحكام المادّة من التغيّـر والتحوّل.=

1. وإن شئت قلت: إنها أُصول ابتدعها الجو الاقتصادي في القرن العشرين، وسوف تتبدّل بأُصول أُخرى، حسب تبدّل الجو الاقتصادي، فانّ المادّي لم يزل ينادي بأنّ التفكير الإنساني وليد جوّه الاقتصادي، فعلى ذلك لو تبدّل الوضع الانتاجي إلى صورة أُخرى لتبدّل التفكير الإنساني غير هذه الصورة.
فانظر ماذا ترى، كيف أسقط عامة أُصوله عن الاعتبار .   (المترجم)


(109)

قالوا: تحوّل المادّة وحركتها من النواميس الطبيعية، فإنّها ما زالت متحرّكة، متحوّلة، متكاملة على أن لا تقف على حد.


= هذا هو الحجر الأساسي لإنكارهم العوالم الروحانية والأرواح المجرّدة من المادّة وآثارها.
وهلمّ معنا نوقفك على حقيقة الحال: لو كانت المفاهيم الذهنية الواردة على القوى الإدراكية من ناحية الطبيعة الخارجية المتغيّـرة، متغيّـرة في الذهن مثلها، ومتبدّلة آناً بعد آن، لزم عدم ثبات مفهوم واحد من القضايا بحالته الأُولى، ويكون المدرك في الآن الثاني، غيره في الآن الأوّل، وهو مخالف للوجدان.
فالصور الحاصلة من قيام زيد في أذهاننا ومراكز تفكيرنا لو تغيّـرت غبّ آن دركها وتحوّلت بعد أخذ الذهن، لزم امتناع بقاء العلم بواقعة خاصة بعد مضي آن الإدراك هذا.من غير فرق بين أن تتحوّل إلى صورة مثلها أو إلى ضدّها وإن كان الفساد في الثاني أكثر.
وإن شئت قلت: إنّ الروابط الحاكمة على الطبيعة الخارجية لم تزل تتبدّل إلى حالة أُخرى حسب ما برهنت عليه العلوم فلو عطف المادّي كل المفاهيم الذهنية عليها، لزم تبدّلها بتبدّل آن بعد آن، مع أنّا نجد خلافه وجداناً، فلنمثّل بأوضح الواضحات، كل إنسان منّا يجد في أوّليات حياته انّ اليوم متأخر عن أمسه، وهو متقدّم على غده، يجد صدق ذلك على وجه الدوام مدى الدهور والأيام.
فلو تبدّلت تلك الصورة العلمية إلى صورة تعدّ ضداً لسابقتها، بأن يتبدّل قولنا: اليوم متأخّر عن أمسه، إلى نقيضه وإنّه متقدّم عليه، لزم عدم صدق واحد من الآراء في غير الآن الذي أدركه وفهمه، وان تبدّل إلى صورة تعد مثيلة لها على نحو تجدّد الأمثال، فهو خلاف الوجدان وسيوافيك تفصيله في المقالة الرابعة.
(بقي الكلام في معنى الإطلاق) والمراد منه ضد النسبية وسيوضح المراد منه في رابع المقالات عند البحث عن قيمة علومنا وإدراكاتنا، وسنبرهن فيها انّ القضية المدركة لا تفارق خارجها من حيث الماهية، وبما له من الحدود والقيود، وانّ هنا أمراً واحداً، ربّما يتمثل بوجوده الخارجي وآخر بوجوده الذهني، هذا هو معنى الإطلاق.
وأمّا النسبية فهي تضاد الإطلاق، ومجملها: انّ الحقائق لا ينالها الإنسان بما لها من الصرافة والإطلاق، فانّه لا ينال حقيقة من الحقائق، إلاّ بجهازات بدنية، من سمعه وبصره وعصبه، ولكلّ من هذه الآلات تأثير خاص فيما يرد إليه من المسموعات والمبصرات، =


(110)

وعلى الناموسين، ترجع حقيقة المفاهيم المفردة والقضايا التصديقية إلى الآثار البارزة في الأعصاب الدماغية، وليست للتفكير حقيقة سوى هذا، وتصير تلك الآثار غير ثابتة بل متحوّلة حسب الناموس المطرد في مطلق المادّة.

وإذا ثبت تحوّله وعدم اثباته، تثبت جزئية الفكر ونسبيته (1) وبذلك


= وكذا الأعصاب الإدراكية بل ليس حقيقة الإدراك إلاّ تأثّر القوى الإدراكية من المادّة الخارجية، فعندئذ فما يصل إلينا، ليس نفس الخارج بلا تصرّف فيه، بل الخارج المتلوّن بلون آلة الإدراك، فالحقائق الذهنية وليدة هذه الآلات والأجهزة، تتبع في كيفيتها، كيفية أعصاب المدرك وأجهزته الظاهرة.
فمعنى كون إدراكنا حقيقة، انّه حقيقية بالنسبة إلى هذه الشرائط الزمانية والمكانية وكيفية أجهزة الإدراك لا انّه حقيقة مطلقاً، سواء لوحظت هذه الشرائط أم لم تلحظ، ولأجل ذلك تتجلّـى تلك الحقيقة في مورد آخر بصورة أُخرى، لاختلاف شرائطها.
هذه صورة مجملة من النسبية، وسنرجع إليها في رابع المقالات.
وأمّا الضرورة والإمكان فاطلب الغاية منهما من الكتب المنطقية.
1-قال الأُستاذ في مجلس درسه الشريف في توضيح مقالة النسبيين ما هذا مثاله:
إنّ الأثر الوارد من الطبيعة على الأعصاب الدماغية لا يبقي على سذاجته بل الأعصاب تتصرّف فيه نحو تصرّف وليست للإدراك حقيقة وراء هذا التصرّف، وعلى ذلك فما يحصل من تفاعلهما وانفعالهما وإن كان علماً حاكياً عن الخارج ومنطبقاً عليه، غير انّه لأجل تصرّف الأعصاب فيه، لا يبقى على صرافته حتى يصير عين الخارج المحكي، بل يخالفه نحو تخالف.
فظهر انّ الصور العلمية والتفكيرات الذهنية، بما انّها وليدة تفاعل الأعصاب والأجهزة الإدراكية عن الخارج لا تنطبق على خارجها انطباقاً إطلاقياً أي بلا حصول تصرّف فيها، بل تنطبق انطباقاً حقيقياً نسبياً، أي انّه صحيح وحقيقة بالنسبة إلى الشرائط الحافة بها.
والوجه في جزئيّتها وعدم كونها كلّيّة، هو تشخّصها وتكوّنها في الأجهزة الإدراكية تكوّن أمر مادّي في مادّي فهي محكومة بأحكام المادة محفوفة بشرائطها الزمانية والمكانية.    (المترجم)


(111)

ينهدم بناء المنطق الجامد حيث يدور رحاه على تسلّم الإطلاق والكلّية والثبات والدوام في المفاهيم والقضايا، فالمنطق الدائر بين الإلهيين يصرّح بهذه الأوصاف ويحلّل القضايا على أساس ثبات التفكير ودوامه.

عود إلى بدء:

هذه الأُصول الماضية المرضية عند المادّيين ألجأهم إلى إبداع قول في حقيقة الإدراك، لا يقصر عن قول المثاليّين بل يتحد معه مآلاً، وإن كان المادّيون يصرّحون بالاختلاف عن الاتجاه المثالي والتنفّر عن آرائهم، وما زالت تنتشر دعاياتهم اليومية حول إحراز الحقائق ورفع الستار عنها، ولكنّهم في غفلة ممّا يترتّب على هذه الأُصول التي أخذها حقائق راهنة من المفاسد والأغلاط، ودونك بيانها:

يقول المادّي في حقيقة الادراك، إنّه أثر مادّي يتولّد في مركز الإدراك، من تفاعل المادّة الخارجية والمادّة الدماغية، فعند ذاك الإدراك الذي هو الأثر الحاصل من التفاعل، أمر ثالث لا يعادل المادّة الخارجية ولا المادّة الدماغية، بل هو وليدة المادّتين ولا يعادل ولا يساوي الولد كل واحد من الوالدين، فلو لاحظت المادّة الخارجية، فالمعلوم لنا غيرها ولو لاحظت الأعصاب والمدارك الفكرية، فالحاصل عندنا أمر مغائر لها فالذي يسمّيه المادّي بالعلم والتفكّر، أمر ثالث مبائن، يحصل من تفاعل المادّتين وانفعالهما.

هب أنّ كل ما ذكره المادّي وما شاد من البنيان وفرَّع عليه من الفروع أمر صحيح لا غموض فيه، غير أنّا نتكلّم في هذه الجملة الدارجة في ألسنتهم ورسائلهم، من أنّ حقيقة العلم، وواقعية التفكير، هي الأثر المادّي الحاصل في الأعصاب من تفاعل المادّتين وانفعالهما، وهو في الحقيقة غير


(112)

المادّة الخارجية، وغير المادّة الدماغية ولا يساوي هذه ولا تلك.

أمعن أيها القارئ الكريم في هذه النظرية البالية المأثورة عن بعض الفلاسفة اليونانيين من الأغارقة الأقدمين، وان اكتسى اليوم عند المادّيين ثوباً قشيباً وتجلّـى لهم، كأنّها نظرية جديدة في البحوث الفلسفية.

أرجع البصر كرّتين، وقلب ظهرها وبطنها مرة بعد أُخرى ترى أنّها تنادي بأعلى صوتها، أنّ المعلوم الخارجي بما له من الحدود والجهات لا يقع في أُفق النفس، وانّ الواقعية العينيّة لا تصل إلينا بذاتها وجوهرها، وأنّ المعلوم لنا والحاصل عندنا لا يساوي المادّتين بوجه من الوجوه، وان كان وليدهما ومتكوّناً منهما، وإذا أمعنت ترى أنّ هذا هو القول بالأشباح المأثور عن بعض الأقدمين، وهذا البعض كان يقول بأنّ الحاصل لدى ذاتنا، والمعلوم لنا ليس إلاّ شبح الخارج وشبهه، لا نفس الواقعية الخارجية، وإنّ الصورة العلمية تشبه الموجود الخارجي من جهة لكنّه يغايره في الحدود والماهية.

وغير خفي على الخبير النابه، أنّ هذا لا يكاد يفترق عن رأي المثاليّين في باب الإدراكات حيث قالوا: إنّ كل ما يناله الإنسان من الصور، أمر اخترعه الذهن في محيطها، ولا يحكي عن واقعية سواه ولا ينطبق على أمر وراء نفسه.

وان شئت قلت: إنّ العلم بالشيء عند أهل التحقيق، هو انكشاف الخارج على ما هو عليه بحيث لو برزت الصورة العلمية، لانطبقت عليه انطباقاً حقيقياً فهي تساويه وتعادله لا تنقص عنه قدر شعرة، وعندئذ لو قلنا بمقالة المادّيين من أنّ كل ما يدركه البشر، ويسمّيه علماً وفكراً فهو وليد تفاعل المادّتين ومتكوّن من تأثّرهما وتأثيرهما، تصير الصور العلمية والمفاهيم الذهنية، والمدركات العقلية غير منطبقة على شيء من الموادّ الخارجية، ولا


(113)

على المادّة الدماغية، فالحاصل لدى العالم بالشيء، شيء وراء الخارج، وراء القوّة الفكرية، وان كان متكوّناً منهما ومبنياً عليهما كالثمرة من الشجرة والوليد من الوالدين، لكن الفرع غير الأصل، والأساس غير البناء (1).


1- ولنقدّم كلاماً في توضيح المقصد: إنّ العلم إمّا حضوري وإمّا حصولي فلو حضر المعلوم بما له من الواقعية أي بوجوده وماهيته عند المدرك، فهو علم حضوري لحضور المعلوم بوجوده الخارجي عند النفس بذاته كإدراك الجوع والعطش، فانّهما حاضران لدى النفس بما لهما من الوجود العيني لا بصورتهما وماهيتهما، ولو كان الحاضر لدى القوى الإدراكية ماهية المعلوم لا وجوده، أو صورته لا عينه، فهو علم حصولي، لانتزاع صورة من الخارج، أو إنشاء صورة ذهنية في النفس مثل الصورة الخارجية كالعلم بكون زيد قائماً، والسماء موجودةً وهكذا.
وبذلك تقف على أنّ العلم في القسم الحضوري، ليس أمراً وراء وجود المعلوم وشخصيته، بل المعلوم بهويّته الخارجية العينية حضر لدى مدركه، ولأجل ذلك يسمّى علماً حضورياً لحضور المعلوم بما له من الواقعية الخارجية بلا انتزاع صورة ذهنية من معلومه.
نعم الصورة العلمية في العلم الحصولي، تباين وجود المعلوم في الخارج إذ الصورة العلمية من كوكبنا (الأرض) غير الكرة العنصرية الخارجية.
والحاصل: أنّ واقعية العلم (وجوده) غير واقعية المعلوم، وانّما احتالت النفس أو القوى المدركة لغاية الوصول إليه بانتزاع صورة منه كانتزاع الآلة المصورة (الكاميرا) صورة الأشياء ـ مع البون الشاسع بينهماـ.
وبما انّ لهذه الصورة العلمية خصيصة الحكاية عن خارجها ربما يتخيّل المدرك في بادىء الأمر انّه نال نفس الخارج بلا واسطة غير انّه سوف يدرك انّ ما أدركه انّما هو صور موجودات عينية غير انّه بعد ما عرج مدارج الكمال، يتطلّب عن العلل الموجدة لهذهالصور في المدارك العقلية، ويقف على أنّ للوجودات العينية، تأثير في إبداع هذه الصور.
والحاصل: أنّ المدرك يعتقد في المرحلة الأُولى، انّه نال نفس الخارج غير انّه يدرك في المرحلة الثانية انّ ما أدركه هو صور الأشياء لا نفسها، كما انّه يقف في الثالثة منها، انّ للأعيان الخارجية تأثيراً في حصولها، نعم يجب على الفيلسوف إعطاء النظر في أمر =


(114)

أضف إلى ذلك: لو كان المعلوم والمكشوف لنا في ظرف التصوّر والتفكير، هو الأثر المادّي الذي لا يعادل المادّة الخارجية، ولا يكشف عنها كشفاً تامّاً، فمن أين علمنا أنّ وراء ذاتنا وإدراكنا، عالماً آخر، وأشياء ذات آثار وخواص؟ من أين علمنا أنّ الصورة الذهنية أثر من آثاره؟ من أين علمنا أنّ الصورة العلمية وليدة المادّة الخارجية والقوّة الدماغية؟ إذ كلّما نفرضه خارجاً وواقعاً فهو بلا شك ليس بخارج بل فكر وخيال حادثفي المفكرة، لا يحكي عن شيء، ولا ينطبق على شيء ولا خبر عنده عن شيء.


= آخر، قبل أن يصل دور التحقيق لثالث المراحل وهو التعمّق في الرابطة الموجودة بين المفاهيم الذهنية، ومصاديقها الخارجية حتى يقف على حقيقة تلك الرابطة ويكشف مغزاها، إذ عليها يتفرغ البحث في المراحل الثلاث.
ولولا هذه الرابطة المرموزة لما يتخيل انّه نال نفس الخارج، ولما وقف في المرحلة الأُخرى على أنّ لما وجد مصاديق عينية، وتشريح تلك الخصيصة على عاتق الفلسفة وعلى ذلك ينتزع البحث المعروف حول قيمة الإدراكات، التي سنبحث عنها في رابع المقالات.
إذا عرفت هذا فنقول: إنّ السوفسطائيين قد ضربوا على كاشفية العلم قلماً عريضاً وأنكروا العلم والعلوم حسب ما وقفت على آرائهم غير انّهم ينكرونه بلسان مقالهم، لا حسب فطرتهم.
وأمّا المادّيون ـ أصحاب الفلسفة المادّية الجدليةـ تراهم ينكرون السفسطة والفلسفة المثالية وينقمون منهم ما ينتمى إليهم ويعرّفون مسلك المادّي الحديث بالمسلك التحقيقي، غير انّهم جاءوا برأي في حقيقة العلم، لا يقصر عن آراء قرنائهم.
قالوا: إنّ الصور العلمية، والآراء الإنسانية وكلّما يحصله الإنسان من تفكير، لا حقيقة لها سوى كونه أمراً مادّياً وليد المادّة، وسبيلها سبيل سائر الأُمور المادّية، فكما انّ جميع ما يتراءى في عالم الطبيعة يرجع إلى العوامل الطبيعية، وهو نتيجة سلسلة من العلل المادّية، يحصل من تفاعل المادّة بعضها في بعض، فهكذا الصور العلمية، فهي آثار دماغية تحصل من تأثير العوامل الخارجية على الأدمغة، ولا يوجد أي رابطة بينها وبين أعيانها سوى =


(115)

زعم المادّي: أنّه أسّس بنياناً رصيناً، وتوفّق لحل المشاكل والمجاهيل ووقف على أغلاط الباقين وأماط الستر عمّـا خفى على غيره.

عزب عنه أنّه سلك مسلكاً لا يوصله إلاّ إلى آراء السوفسطائيين، وجدّد رأياً كان من الآراء البالية في القرون الغابرة.

عزب عنه ـ مع حرصه الأكيد على أن يعرف لأبناء القرن الحاضر مسلكاً حديثاً لم يكن عنه خبر في المسالك الماضية حتى يعد من الأحداث الفلسفية الكبريـ أنّ ما استنتجه من أُصوله وعدّه نظراً عالياً في تحليل ماهية التفكير، يحدث مشاكل أمامه، يصد طريق العلم بالحقائق، يجرّه إلى الاعتراف بنفي العلم بالخارج مطلقاً وعدم الوصول إلى الواقعيات النفس الأمرية، الذي هو الغاية المتوخّاة للسوفسطائيين.


= الانتاج والتوليد.
ونحن نسأل المادّي: انّه إذا أنكر المادّي عامة الروابط بين العلم وخارجه ومصداقه، من طريقيته وكاشفيته ولم يعترف إلاّ برابطة التوليد والانتاج فما معنى كاشفية العلم عن واقعه، ومن أين علمنا انّ لصورنا الذهنية والمفاهيم العلمية، مصاديق في الخارج، إذ الاعتراف برابطة واحدة وهي رابطة التوليد والانتاج لا يثمر أزيد من أن لحصول العلم منشأ وعلّة خارجياً، توجب حصول هذه الحالة (التفكير) في مداركنا، وأمّا أنّ لما نتصوره مصداقاً وراء صورته فلا تنتجه الأُصول المادّية.
وإن شئت قلت: إنّ ما جنح إليه المادّي من أنّ الفكر والعلم على حذو سائر الأُمور، له علله وأسبابه المادّية بحيث لم يعترف وراء ذلك بأي صفة له من طريقيته وكاشفيته، فإنّ ذلك يجرّه إلى السفسطة إذ من أين وقف على العالم الخارج وانّه علّة لوجود تلك الحالة، والمفروض انّه ليس لنا طريق لكشف أية حقيقة من الحقائق سوى هذه الصور العلمية فلو سلبت منها الحكاية من رأس ولم يعترف إلاّ بقانون العلّية، ورابطة التوالد فمن أين وقف المادّي على تأثير الخارج في مخّه ودماغه وأجهزته الإدراكية.


(116)

أصحاب الفلسفة المادّية الجدليّة يدافعون عن أنظارهم:

وقف أصحاب الفلسفة المادّية الجدليّة (المتحولة) على أنّ رأيهم التوليدي في باب الإدراكات، يجرّهم إلى السفسطة وسلب العلم بالأشياء، ونفي الوصول إلى الواقع، فجاءوا بالجواب التالي بتوضيح منّا:

إنّ انكشاف الواقع لدى العالم يتصوّر على وجهين: الأوّل: انكشاف الخارج على وجه الإطلاق، بأن تحضر صور الواقعيّات بما لها من الحدود والخصوصيات، من دون أن تمس القوى الإدراكية الواقع في شيء ومن دون أن تتصرّف في الصورة المتّخذة عن الخارج أي تصرّف، وهذا هو العلم المطلق والتفكير المطلق، وهذا النحو من العلم غير صحيح لدى المادّي المؤمن بالفلسفة المادّية الجدلية.

الثاني: انكشاف الخارج انكشافاً نسبياً، وغير مطلق، بأن لا يكون الحاضر لدى العالم بالخارج، عينه، ولكنّه يحكى عنه حكاية نسبية إذ الإدراك لا يحصل إلاّ بعد تصرّف من الحواس والأعصاب، وهذا التصرّف يسلب الإطلاق عمّـا يصل إلينا من الواقعية، ولا يصحّ أن يقال: إنّه عين الواقع بلا تفاوت.

وإن شئت قلت: ما حصل لدى ذاتنا من طريق الابصار أو غيره، فإنّما هو بعد تصرّفات من الأعضاء، وأعمال ميكانيكية، فلكل من العضو والعصب تأثير في الصورة الواردة إليها ولها تأثّر منهما، ولذلك يسلب عنها الإطلاق والكلّية.

وما قيل في النقد على رأي المادّي في حقيقة الإدراك من أنّ الأثر المتولّد


(117)

من المادّتين، غير الواقعية الخارجية قول صحيح، إن أُريد منه نفي العلم المطلق، بالخارج المطلق أي نفي العلم الذي لم يتطرّق إليه التصرّف وما مسّ بكرامته، ولكنّه لا يضر بالمادّي القائل بالفلسفة المادّية التحولية فإنّ المادة دماغياً أو غيره لا تقف على حال، لا تبقى على إطلاقه فهي في كل آن متحوّلة، متغيّـرة متصرف فيها فكون العلم مغايراً لمعلومه بهذا المعنى، أساس نظره، وغاية قوله وإن أُريد نفي العلم النسبي بالمعنى الآنف ذكره فالأُصول المادّية ولا سيما النظرية الحديثة تثبته إثباتاً باتاً.

جولتنا في جوابهم:

أظن أنّ المادّي مع ذكائه تطلّع إلى أمر هو أقصر منه فانّ الالتجاء في مشكلة العلم والإدراك إلى النسبية كالالتجاء من المطر إلى الميزاب، أو من الرمضاء إلى النار، فانظر ماذا ترى في المقام، فانّ في ما حرّره مواقع للاشكال:

(أمّا أوّلاً): فقد أقرّ المادّي بالعلم المطلق، والفكر المطلق في مطاوي كلماته، مع أنّه بصدد قلعه من رأس، ترى ذلك الاعتراف في موقف النفي منه، حيث إنّه نفى العلم المطلق، نفياً مطلقاً، لا نفياً نسبياً فهذا النفي على وجه الإطلاق رأى فلسفي صادق عنده في عامّة الأحوال، على وجه الإطلاق، والمادّي اتخذه أصلاً أساسياً في سيره العلمي.

ونزيدك توضيحاً: أنّ الفلسفة الإلهية لما ذهبت إلى وجود العلوم المطلقة، والتصوّرات والإدراكات غير النسبية، حاولت الفلسفة المادّية أن تهدم هذا الأساس وتثبت: انّ كلّما يحصل لدى المدارك العقلية، وترتسم صورته عند القوى علوم نسبية، وانّ العلم على وجه الإطلاق غير موجود بين


(118)

إدراكاتنا.

فعندئذ، نحن نسأل هؤلاء: انّ هذا النفي والسلب (أي نفي العلم المطلق) هل هو نفي مطلق أو نفي نسبي؟ فان اعترف بإطلاق النفي فقد اعترف حينما يحاول نفي العلم المطلق بعلم مطلق ولو في مورد واحد، وان قال بأنّه أيضاً نفي نسبي، فلم يخالف الإلهي في نفيه هذا ولم يبطل مقاله، إذ نفي العلم المطلق بالنفي النسبي لا ينافي ثبوت ذلك العلم وإمكانه.

(وثانياً): أنّ الاعتراف بوجود التعقّل النسبي يستلزم الاعتراف بوجود المطلق من التعقّل، وقس عليه الواقع فالإقرار بالواقع النسبي، يستلزم الاعتراف بالمطلق منه فانّ اتّصاف الفكر بالنسبية، مآله إلى أنّه نسبي بالنسبة إلى فكر آخر وانّه نسبي ذلك الفكر، فاتصاف الفكر أو الموجود الخارجي بالنسبية، معناه انّه نسبي إذا قيس إلى ذلك التفكير أو ذاك الخارج، فيستلزم تعقّل النسبية تعقّلَ المطلق من الموجود الذهني أو الموجود الخارجي.

وبتعبير آخر: إنّّ قول القائل: كلّما نتعقّل فهو تفكير ذهني اعتراف بأمرين: الاعتراف بالموصوف وهو انّه تفكّير، والاعتراف بوصفه، والاقرار بالوصف، غير الاعتراف بموصوفه وهما ليس شيئاً واحداً، بل أمران مختلفان ففي الوقت الذي يعترف بالموصوف لا يعترف فيه بصفته، فهذا اعتراف منّا ومن القائل بأنّه يمكن تصوّر التفكّر بلا صفته أي النسبية.

وببيان آخر: أنّ التصوّر النسبي، هو التصوّر الذي صار نسبياً واتّصف بكونه نسبياً، فلابد من وجود الموصوف (ذات التصوّر) في ظرف من الظروف حتى يتّصف بالنسبية، ومثل ذلك، الأُمور الخارجية المتّصفة عند القائل بالنسبية، وعلى ذلك يصحّ لنا أن نقول: إنّ الأُمور النسبية لا تتصوّر بدون مطلقاتها، إذ النسبيات حسب الوجود هي المطلقات، لكن مع عروض


(119)

وصف لها، فلو كان الأمر النسبي متصوّراً، فالأمر المطلق مدرك في ضمنه، بل قبله بمرتبة، ولو فرض وجود المقيّد، فالمطلق موجود قبله أو في ضمنه لا محالة.

(وثالثاً): أنّ تلك النظرية تؤول إلى السفسطة فانّ السفسطة التي تتبرّأ منها الفلسفة المادّية لا تذهب إلى أكثر من: فإنّ السوفسطائي (الذي يقول في حقّه المادّي بأنّه من نفاة العلم بالواقعيّات يصرّح بأنّ ما يتصوّره في ذهنه فهو تفكير انبثق في ذهنه وليس نفس الخارج، وبعد هذا التقارب أو العينية في المسلك لا نرى وجهاً معقولاً في اختلاف الفلسفة المادّية من المثالية والسفسطة.

جواب المادّيين في حل مشكلة نسبية العلوم:

يظهر من خلال كلمات المادّيين، ما يمكن أن يقع جواباً لما أوضحناه في البحث المتقدّم: من أنّ الإدراك النسبي يستلزم المطلق منه، وملخّص كلامهم ما يلي:

أثبتت العلوم، أنّ الواقعية الخارجية (المادّة) متحولة ومتغيرة دائماً، لا تقف على حالة واحدة، ولا يعد التغيّـر والتحوّل من عوارض المادّة وأوصافها حتى تكون نفس الواقعية الخارجية محفوظة ثابتة، بل المادّة متغيّـرة بجوهرها، متبدّلة بذاتها، فالموصوف وصفته (المادّة والتغيّـر) موجودان بوجود واحد، فالمادّة بواقعيتها المادّية متغيّـرة متحوّلة بكل وجودها وشؤونها.

نعم يعبّـر في عالم التصوّر عن الموصوف ووصفه بلفظين متغايرين يحكي أحدهما عن الموصوف والآخر عن وصفه وعارضه، وعلى هذا ينهدم ما


(120)

تقدّم: من أنّ الإدراك النسبي، إدراك نسبي، أي إدراك عرضته النسبية فالمطلق مأخوذ في مقيّده.

والحاصل: أنّ الواقعيّات الخارجية، لمّا كانت متغيرة الذوات، دائمة التحوّل كان التغيّـر ذاتياً لها لا وصفاً طارئاً.

فإذن الواقعية المقيدة ليس إلاّ أمر واحد غير متجزئ، بحيث صار وصفه عين موصوفه وبالعكس، وإن كان يعبّـر عنه حسب اللفظ، بلفظين (الواقعية المقيدة) ويتلقّاه الفيلسوف مفهومين مطلقين (مفهوم الموصوف مطلقاً، ومفهوم وصفه مطلقاً).

جولتنا في جوابهم:

عامّة ما ذكره المادّيون من أنّ التغيّـر والتحوّل في حاق الواقعية لا في صورها وأوصافها، ممّا لا ننكره، بل نقول به على وجه يأتي بيانه وبرهانه في المقالة العاشرة.

غير أنّ هذه الخصيصة لا تجري في الصور الذهنية، والدليل عليه قول القائل: إنّ الفيلسوف يتلقّى ما يسمع منّا على نعت الإطلاق، وهذا اعتراف من القائل بوجود التصوّر المطلق في أذهان بعض الفلاسفة ومعه كيف يدّعي المادّيون أنّ الموجود في الأذهان، والمدارك العقلية إنّما هو الموجود المقيد دون المطلق، فرمي المادّي الفيلسوفَ الإلهي، بأنّه يتلقى كلام المادّي على وجه الإطلاق والثبات أوضح برهان على وجود التفكير المطلق والفكر الثابت في ظرف من الظروف.


(121)

النكتة الثالثة:

قد أوضحنا عقائد الشكّاكين في الواقعية الخارجية، والنافين لها حسب ما يناسب وضع رسالتنا، وبان من خلال البحث أنّ المثاليّين (1) هم أُولئك الذين ينفون الواقعيّات على أنحائها، بحيث يرجع نفيه أو شكّه إلى النفي المطلق أو الشك المطلق، بأن لا يعترف بشيء حتى بذاته وتصوّره وشكّه وتشكيكه، وقد ضبط التاريخ نزراً من أحوالهم، ولعلك لا تجد منهم أثراً في أعصارنا.

لكن من المستبعد جداً (على رغم ما نقرأه في التاريخ) أن يوجد في المستوى البسيط، إنسان لا يشذ حسب الخلقة والقوى الإدراكية عمّن سواه، ولا يفترق فعله عن فعل غيره فيما يمد به حياته، ويديم به عيشه، ومع ذلك لا يوجد فيه ما نجده ونشاهده في سائر الأفراد من الإدراك والعلم.

وإن كنت في ريب ممّا تلوناه عليك فجرّب نفسك تجد ذاتك مبدأً لآلاف من الأفعال الإرادية، تصدر منك بمبادئها العلمية والإرادية تجد ذاتك في تلك الميادين، أنّه فاعل علمي، لا فاعل خيالي وأنّك تريد إيجاد أمر خارجي، تتوخّى منه أثره وعوارضه.

أمعن نظرك في كل واحد من أفعالك حتى يتّضح لك أنّه فعل إرادي صدر منك بالإرادة والاختيار وانّ إرادتك نشأت وتكوّنت من العلم بالشيء وآثاره.

فارجع البصر كرتين هل ترى من تفاوت بينك وبين ملايين من


1- idealiste.

(122)

الناس، بل ترى كلّهم على وتيرة واحدة في الفعل والعمل، والإرادة والاختيار يطلب كل فرد بفعله شيئاً خارجاً من ذاته وتفكيره لما فيه من الأغراض والآثار.

نعم لا ينافي ذلك مع ما سيوافيك من البون الشاسع بين علوم الأفراد وإدراكاتهم، وأنّها لا توزن بزنة واحدة، ولا تكال بكيل واحد.

وعلى هذا، لو وقفنا على حال أحد من المعاصرين ووجدناه يحذو حذو المنكرين والنافين، فهو إمّا رجل مشتبه، آخذ بالمتشابهات، لفّق بعضها بعضاً ولم يحلّل عقائده على ضوء العقل والعلم، بل لم يعرض ما يعتقده على العلوم المحكمة الضرورية وطرح المحكمات وراءه ظهرياً، أو مكابر، يكابر عقله ووجدانه ويكافح ما تحكم به فطرته السليمة، لعلّة هو أدرى بها وإن كان لا يفوتنا عرفانها.

ولنذكر دواء كل واحد من الفرقتين حتى يعالَجوا به، فالمشتبه من تلك الفرقة، لم يندفع إلى الرأي البالي لأهداف فاسدة، بل نظر إلى العلوم العقلية، والأفكار الدائرة في العلوم، ورأى أكابر القوم وخريجي العلوم مع الحرص الأكيد على تفهّم الحقائق، وكشف الوقائع، منذ هبطوا إلى مهد الوجود، قد حاق بهم التناقض في الآراء، والتهافت في التفكير ولم يزدهم البحث والتنقيب إلاّ عُقَداً غير مفكّكة.

راح المشتبه ينظر إلى بعض الأخطاء الواضحة التي ربّما تصدر عن الحواس صدفة ويعتقدها حقائق راهنة ثم يتبيّـن بالضرورة والعيان، أو بالعلم والبرهان خلافه، فاستنتج من مجموع ما وقف عليه من التناقض في الآراء بين الفطاحل ووجود الخطأ في أوضح الأُمور بين الحواس: انّ الانسان بمراحل عن إدراك الواقعيّات والوصول إليها، وانّ بينه وبين مراده بوناً


(123)

شاسعاً، فهو وان كان يتطلّب العلم دائماً غير انّه لا تمهله العراقيل، فتصدّه عن الحق وهو يريد أن يندفع إلى ساحل النجاة، غير أنّه يندفع إلى اللجج الغامرة من الجهل.

هذا منشأ رأيه، ودونك تذكاراً قبل بيان دوائه: عزب عن هذا المشتبه الشاك، أنّ له وراء ذلك علوماً ضرورية وفطريات واضحة لا يرضى برفضها وجداناً، مهما تنكَّب عن طريق المفكّرين، ورفض دعوتهم فإنّه مع هذا الشك والترديد، يأكل بضرورة إذا جاع، ويشرب إذا ظمأ، لا يشبعه خياله ولا يرويه تخيّله.

فهذا الشاك المشتبه، لو تجرّد عن كلّ النزعات والتعصّبات، يجد في نفسه علوماً واضحة، وتفكيرات صحيحة لا يشك فيها طول حياته غير أنّه لأجل ما أوضحنا داءه أضرب عن الجميع وأوغل في الخيال ، هذا حال المشتبه.

هلمّ معي نحاسب المكابر ونحلّل داءه على ضوء الإنصاف والخلو عن النزعات ونضرب ما يتوخّاه على منصة التحقيق، فهذا الرجل بلا شك رأى أنّ الاعتراف بالحقائق يصدّه عن الفوضى في ميادين الحياة، بل يقيّده بأُصول أخلاقية واجتماعية، فراح يدسّ السم في الدسم، يشطب على الحقائق والعلوم قلم البطلان لغاية الوصول إلى الهرج والمرج، فإنّ الاعتراف بأصل واحد، يصدّه عن العيش بلا شرط، والتحرّر بلا قيد فاختار الإنكار والمكابرة حتى يتحرّر عن الأُصول والقيود، ويوجد الفوضى في المجتمع البشري.

هذا داؤه، وأمّا دواء الطائفتين، فهو يختلف حسب اختلاف الداء وتنوّعه، بل النوع الواحد يختلف دواؤه حسب رسوخ الداء وعدمه فالمشتبه الذي لا يكابر تجاه فهمه وعلمه، ويعترف بالحق إذا عرفه تختلف كيفية


(124)

معالجته مع من ليس على هذا الحد.

فالمشتبه سوف يرجع إلى زمرة المؤمنين بالحقائق إذا أوقظ بحسن الخطاب عن رقدته، وأوقف على ميزان النصفة، وألقى إليه ما يعتقده ويذعن به حسب فطرته وارتكازه، خصوصاً إذا انضم إليه توضيح هدف دعاة العلم ويماط الستر عن وجه مرادهم ويقف المسكين المشتبه على مغزى مرادهم، ودونك بيانه بإجماله.

لم يدّع أحد بحال من الأحوال انّ الإنسان خلق مصوناً من الخطأ ومنزهاً من الاشتباه، بل أقصى ما يدّعون ويعتقدون، هو أنّ طريق العلم مفتوح بعدُ غير مسدود في الجملة.

كل واحد منّا ينال الحقائق، ويصل إلى ضالّته حسب استعداده وقدرته، حسب ما وهب له من القريحة والتفكير الصحيح وان كان يخطئ أحياناً.

وإذا ضم إلى هذا البيان، بيان الإدراكات الصحيحة من وجدانيّاته ومرتكزاته، فإنّه يجد من نفسه فرقاً واضحاً بينها وبين ما سوّلت له نفسه فإذا طلب منه القضاء بينهما تجد انّه يفرّق بينهما ويحلل آراءه ويجعلها أصنافاً وأقساماً.

فإذا أردت أن تلفته إلى إدراكاته الصحيحة فارشده بالبيان التالي:

1ـ يجد كل انسان من نفسه إلزاماً إلى الأكل إذا أحسّ بالجوع.

2ـ إنّا نتصوّر كثيراً ما مفهوم الأكل ونستحضره في مداركنا العلمية بصورته العلمية ولكن لا نجد رغبة في أنفسنا إليه.

3ـ انّ الجائع يصدّه جوعه عن كل فعل، ولا يشبعه تصوّر الأكل وتخيّله ولا يغنيه توهّمه.


(125)

فاعرض عليه عدّة من القضايا الصحيحة الخارجية والقضايا الوهمية ولتجتهد في لطافة البيان وحسن التعليل حتى ينحدر ذهن المشتبه إلى ما يصح وما لا يصح، حتى يقف على أنّ علومه وتصوراته ليست على نسق واحد وانّ له طيلة حياته، علوماً حقيقية ليست من ولائد ذهنه كما أنّ له إدراكات مسوّلة نسجتها يد الخيال في مستوى التعقّل.

هكذا الق إليه الخطاب واشرح له المراد، واكشف الستر عن الحقائق بالمشراط العلمي، بشدّة وحدّة أو بخفة ولطافة حسب اختلاف المقامات.

وأمّا المكابر هو ومن يحذو حذوه من سماسرة الشهوات والأهواء ودعاة العيث والفساد الذين يحملون نزعات وبيلة، ينكرون كل فضيلة رابية، فلا سبيل إلى مداراته بالأُصول العلمية والتجارب الفكرية، إذ لا يصغى لقول أيّ قائل وإن تسنّم عرش العلم والعرفان، ولا برهنة أيّ مبرهن وإن فاق وبرع في فنون العلم، إذ المكابر يجتنب عن معترك البحث والبرهنة، فلا يُتداوى عليل لا يصغي لدستور طبيبه.

نعم هنا طريق آخر لحسم فسادهم وهو أن يعامل معهم حسب كلامهم، ومقتضى عقائدهم، فهم ينكرون الحياة والعذاب، وينفون العلم والإدراك، ولا يعترفون بإحساس وإشعار، فعلى هذا لا عتب علينا أن نتعامل معهم معاملة الجمادات، والموجودات غير ذات الشعور والحياة، إذ هم والجماد حسب اعترافهم سواسية، لا يفترقان أصلاً فلا عتب علينا إذا ضربناهم أو أحرقناهم أو عذّبناهم بأنواع العذاب، فيجب على من يحمل بين جنبيه عاطفة بشرية ويريد أن يحرس الإنسانية من افتراس تلك السباع الضواري، أن يقطع أُصولهم، من أديم الأرض، بتبديد شملهم وتمزيق جمعهم، حتى لا يسوقوا الملأ الإنساني إلى الجهل، فهم رجال العيث والفساد


(126)

يطلبون قبل كل شيء إلغاء القيود ورفض الحدود وإيجاد الهرج والفوضى، فأُولئك أشد خطراً من السباع الضواري في الصحاري والغابات وأضر أثراً من العقارب والحيات، يؤججون نار الشحناء في المجتمع البشري بنزعاتهم الشهوية، ولا نستبعد (إذا كانوا مطلقي العنان) أن تسري سقسطات ضرامهم إلى الجوامع العلمية فتصبح رماداً تذروه الرياح إلى كل صوب.

فلا منتدح من تأديبهم بعاجل العذاب وسوط العقاب، فإنّ العذاب وعدمه، والبرودة والحرارة عندهم سواسية، بل أُمور وهمية لا حقيقة لها.


(127)

المقالة الثالثة
في العلم، وحقيقته وتجرّده


(128)

(129)

حقيقة العلم والإدراك

كان الأُولى تأخير هذا البحث عن كثير من الفصول الآتية لأنّ تحليل العلم وتوضيح ماهيته وبيان سنخ وجوده (1) يتوقف على كثير من الأُصول


1- الغاية المتوخّاة من هذه المقالة، دحض ما يرتئيه المادّيون من أنّ الروح والروحيات والعلم والإدراك كلّها أُمور مادّية ليست خارجة عن إطارها.
وسيبرهن فيها أنّ الروح والروحيات والعلوم والإدراكات سواء كانت حسية أو خيالية أو عقلية، كلّها مجرّدة عن المادّة، لانتفاء ما يعدّ من الأحكام العامّة للمادّة فيها.
ولنشر إلى أقسام الإدراك فنقول: قد قسّم الأساطين الإدراك إلى أقسام:
الأوّل: الإدراك الحسّـي: وهو الصورة الحاصلة من المبصرات أو المسموعات في الذهن باعمال الحواس، فإنّ إعمال الباصرة يوجب انعكاس صورة الشيء الذي أطلّ عليه بنظره، في ذهنه، ولا يقصر منها سائر الحواس الظاهرة عند إعمالها، فالصورة الواردة إلى الذهن لأجل إعمال الباصرة والسامعة، تسمى إدراكاً حسياً مادياً ما دامت القوى الظاهرية، فعّالة ولم تقف عن العمل، فالصوت الوارد إلى مجال الإدراك حين استماعه يسمّى إدراكاً حسياً وهكذا.
الثاني: الإدراك الخيالي: وهو الأثر الباقي من الصورة المحسوسة بعد فنائها، وهذا هو الذي يعبّـر عنه القدماء: بأنّها الصورة الحادثة في الخيال بعد حدوث الصورة الحسية، يستحضرها الإنسان بعد فناء الحسية كلّما شاء وفي أيّ وقت أراد، وهذا أمر واضح لكل من جرّب ودرّب، مثلاً ربما تشاهد منظراً بديعاً في سفح الجبل، أو قاعة من قاعات الكلية تجدها غاصّة بالأساتذة والطلاب، فما تمضي ساعة من تلك المشاهدات إلاّ وأنت تغادرها وتغفل عنها مدّة لا يستهان بها، لكن ربّما تمس الحاجة باتجاه الإنسان إلى ما شاهده =


(130)

التي سيوافيك بيانها في المقالات الآتية، فهذا البحث حسب البرهان يستمد من الأُصول التي سوف نشرحها، غير أنّا خالفنا الترتيب لأجل التحفّظ على التناسب الموجود بين المقالتين (الثانية والثالثة) لأنّ البحث عن الفلسفة والسفسطة يستحسن معه البحث عن حقيقة العلم وسنخ وجوده ومقدار كشفه عن معلومه، ويستتبع البحث عن العلل الموجبة لحدوث الخطأ في علومنا، ولحصول التكثر في إدراكاتنا، وغيرها من المباحث المهمة التي سيقت هذه المقالة وتاليتها لرفع الستار عنها.

على أنّ تلك المقالة تتضمن النقد العلمي لآراء الماديين في تلك المعارك الخطيرة، فإنّهم قد خاضوا فيها وغمرهم تيارها وجاءوا بغرائب الأفكار وعجائب الآراء.


= من قبل، فيرجع إلى خزانة الصورة فيسترجعها في الوقت الذي يريده، وهذه الصورة هي الصورة الخيالية، والاتجاه في هذا الوقت، اتجاه وإدراك خيالي، والمحفظة التي احتفظت تلك الصور الخيالية، تسمّى خزانة الخيال.
والفرق بين الصورتين من وجوه:
أـ انّ الحسية أوضح عند المدرك من الخيالية.
بـ الصورة المحسوسة لا تدرك إلاّ غب شرائط مخصوصة كوقوع الجسم في وضع خاص، وفي جهة خاصة، ككون الجسم واقعاً في يمين الجسم أو يساره أو أمامه أو وراءه وفي مكان خاص، ولكن الخيالية التي يحضرها الإنسان بعد لأيّ من الدهر، يمكن إدراكها مجرّدة عن هذه الشرائط، فالجسم الذي رآه الإنسان في أوضاع وجهات مختلفة، يمكن أن يُحضرها الإنسان في نظره وذهنه من دون أن يقترن به أحد هذه الأُمور.
جـ انّ الصورة المحسوسة، لا تقع في أفق الإدراك إلاّ باعمال القوى الظاهرية، ويدور وجودها وعدمها مدار اعمالها وتعطيلها عن العمل، ولأجل ذلك يكون وجود الصورة المحسوسة ضروري التحقّق عند اجتماع الشرائط، كما يكون عدمها ضرورياً إذا فقد أحد هذه العوامل. وتكون خارجة عن القدرة والاختيار بعد اعمال القوى الظاهرية، وأمّا =


(131)

ولنقدم لتحليل العلم مثالاً:

تمثيل:

افترض أنّك تحمل بيدك صورة شمسية بطول 12 سانتيمتراً وبعرض 8 سانتمترات، وقد استعرضته لتشاهد ما فيه من منظر وما بأزائه من منتزه عائلة، قد تمركزت بجنب ذلك المنظر بحيرة تحسب ماءها الشفاف كالفضة المذابة، وتعطيك أمواجها الملتوية التواءً خفيفاً، صورة اهتزاز النسيم الرقيق، وعلى حاشية تلك البحيرة روض عبق بأزاهيره ووروده، وهو يختال بما منحته القدرة الفياضة من ألبسة موشاة بأنواع التوشية، اختيال المترف المنعم بشبابه وثيابه.


= الصورة الخيالية فيمكن استحضارها بلا معونة القوى الحسية، بل الملاك في وجودها هو تعطيل الحواس عن العمل، والاعتماد على الارادة والتخيّل، ولهذا يمكن إحضار صورة الغائب أو صوته الخياليين بإمداد من القوة الخيالية، وأمّا الحسية منهما فيتوقّف على حضوره وتكلّمه والنظر إلى وجهه والاستماع إلى صوته.
الثالث: الصورة العقلية وهي الصورة الكلّية المنتزعة من إدراك عدّة صور خارجية متشابهة، فإذا وقفنا على أنّ هذا الفرد من الإنسان ناطق وذاك أيضاً ناطق، وذلك أيضاً مثلهما، يقتدر الذهن عندئذ على انتزاع مفهوم كلّـي منطبق عليهم وعلى كل من اتّصف بهذا الوصف، وتمتاز الصورة العقلية عن سواها بكونها كلّيات مجرّدة عن عامّة القيود والخصوصيات المانعة عن الانطباق على كثيرين، وأمّا الخيالية فهي وإن كانت مجرّدة عن الزمان والمكان والجهة، غير أنّها جزئية لا تنطبق إلاّ على فرد واحد.
وهذه الإدراكات على أصنافها وجدانية لكلّ من عرف يمينه عن يساره غير أنّ اليونانيين قالوا بتجرّد القوة العاقلة فقط. كما هو واضح عند التدبّر حول البراهين القائمة على تجرّد النفس.
نعم قد أثبت صدر المتألّهين مؤسّس الحكمة المتعالية في القرن الحادي عشر، تجرّد عامّة القوى الباطنية لانتفاء آثار المادّة وخواصها العامّة فيها، كما أوضح في المتن.


(132)

ينتهي هذا المنظر البديع الذي لا تزيد مساحته على خمسة عشر كيلو متراً بحلقات جبال مترافدة تحسب تلالها المصطفة واحدة بعد واحدة كأسنان المشط.

وفي زاوية من هذا الخميل الرائع ترى منتزهاً معداً، ورجلاً يعطي سيماه أنّه لا يزيد عمره على الأربعين سنة وحواليه عدة أطفال تشعر روابط التشابه بينهم وبينه أنّه أبوهم وهم أولاده موزعين جلوساً على ذلك المنتزه، وأمامهم طبق تفاح يتفاوح طيباً وعطراً.

في هذه الحلقة التنزهية المتشكلة، تجد بعضهم مشغولاً بأكل تفاحته التي بيده، والآخر مشغولاً بشمها، والثالث مع أنّ يده لا تعدم التفاحة التي أعطيها، منطوياً تحت جناح أبيه كالزهرة في حضن الوردة المتفتحة، يريد زائداً على قسمته، والرابع مع أنّه كسائر إخوته لم يعدم نصيبه من التفاح ملقياً بنفسه على الطبق، يريد أن يستأثر على جماعته الباقين.

هذا منظر يطفح بعينيك في أوّل نظرتك.

وتعاود نظراً آخر إلى هذا التمثال، فترى صفحة بيضاء من الكارتون قد تنقّطت بنقط سوداء موزعة على سطحها المتسع، قد تخالفت أشكالاً بالكبر والصغر، والقرب والبعد عن آخر، حسب تمركز النظر من حاشية الصفحة إلى آخر حدودها، وهذا نظر ثانوي غير النظر الأوّلي.

الآن إذا سألك سائل: هل ما ذكرت وصفه من البحيرة والخمائل والأزهار بحدودها الكيلو مترية، وذلك المنتزه الرائع الذي أعدّه الأب وأولاده لترويح أنفسهم في زاوية من ذلك الروض الوسيع، هل له وجود واقعي في التمثال الذي حملته بيدك واستعرضته وهي في يمينك بحدثة بصرك؟ ـ حتماً ـ تجيب: لا.


(133)

فانّه من المستحيل أن يتمركز منظر يحدد بخمسة عشر كيلومتراً مع تلك المناظر التي أشرنا إليها آنفاً في صفحة لا يزيد طولها على 12 سانتيمتراً وعرضها 8 سانتيمترات.

نعم، ذلك التمثال يعطي روعة ذلك المنظر وسيماءه، وعند التحقيق ليس على الصفحة الكارتونية المارة الذكر، سوى نقط سوداء موزعة على طول سطحها، سجلتها عدسة التصوير (الكاميرة) عندما أطلت على المنظر لتصويرها في لوحتها، فدقق النظر تجد أنّ الاختلاف بين النظرتين (الأُولى والثانية) من أين وإلى أين؟

عود إلى بدء:

ماذا يقول العلم والفلسفة في حقيقة الإدراك؟!

أثبتت التجارب والمشاهدات العلمية (1) أنّ المادة الخارجية تؤثّر في الأعصاب عن طرق الحواس، وأنّ هذا التأثير يستتبع أثراً مادياً في مواضع الإدراك.


1- قد جمع المادّيون مطالب من مختلف العلوم (الفيزياء، وعلم النفس ووظائف الأعضاء) والغاية المتوخّاة لهم من هذا الجمع هو إرعاب الإلهيين الذين يعتقدون بتجرّد الروح والروحيات، وهم يحسبون أنّ ما لفّقوه براهين دامغة على ما يدّعون مع أنّها لا تمس بدعواهم أصلاً، وإليك بيان أُمور:
أـ انّ الإنسان بصير على نفسه ومدركاته، خبير على أنّ له علوماً وإدراكات، وهي بمثابة من الوضوح والوجود لا يشك فيها إلاّ من شك في وجود عالم الكون والشهادة كالسوفسطائي، فانّه إن شك في كل شيء، لا يشك في أنّ له علوماً وإدراكات، ولو شك فيها أيضاً، فانّما يشك في مطابقتها لنفس الأمر، وكاشفيتها عن واقع سواها لا في نفس وجودها. =

(134)

والناموس المطّرد في هذا الباب هو أنّ الإنسان إذا استعمل إحدى حواسهـ بأن أطلّ بنظره على مشاهدة الموجودات أو لمس بيديه شيئاً أو استمع مقال قائل وهكذاـ يحدث الأثر المادّي في مواضع الإدراك (الخلايا الدماغية) من جانب تأثير المادّة الخارجية، وهذا الأثر المادّي يدور وجوده وعدمه مدار إعمال الحواس وعدمه، فإذا حبسها عن الاستعمال، انعدم الأثر، ولو استعملها يتجلّـى الأثر البارز في الدماغ ومواضع الإدراك.

غير أنّ حدوث ذاك الأثر المادّي مقارن لحصول حالة الإدراك والعلم في الذهن الإنساني، وعندئذ يجب إمعان النظر في حقيقة العلم والإدراك،


= ب ـ أطبق العلماء المحدّثون والقدامى على أنّ الإداراكات الذهنية رهينة عوامل مادّية خارجة عن جو الذهن لا تحصل إلاّ بها، ولم تزل العلوم الطبيعية مطارح الأنظار طوال القرون الإسلامية وقبلها بين الأغارقة، متسلّمين كل ما أثبتته التجارب والقواعد الطبيعية، واقفين على أنّ للإدراك شرائط خاصة لا تحصل إلاّ في ظروف معينة، ضع يدك على أي تأليف منهم في العلوم الطبيعية، تجد أسفارهم مملوءة بالبحث عن الإبصار وعلله وما انطوى في الباصرة من نظام بديع، تدهش دونه العقول، وما فيه من مياه وأغشية.
ثم اعطف نـظرك إلى مختلف المباحث المعنونة في الفيزياء في أعصارنا حول النور والصوت والأمواج الأثيرية، وانّها كيف ترد الجليدية وتؤثر فيها، ومثلها الأمواج الصوتية وانّها كيف تؤثر في الصماخ، إلى غير ذلك من الشرائط فقد قبلها الأقطاب وغيرهم من المؤمنين بالواقعية الخارجية، النافين عن أنفسهم السفسطة.
هذا هو علم وظائف الأعضاء قد شرح الخبراء تحت المشراط العلمي أنّ للأعصاب في الحيوان والإنسان وظائف خاصة وأنّها تتأثر بالعوامل الخارجية وتظهر فيها آثار تلك العلل، وقد تكفّل بيان هذه المباحث ذلك العلم الذي لم يزل يتسع نطاقه.
هذا وما قبله قد آمن بهما كل من نفى السفسطة عن نفسه وعُدّ من المؤمنين بالوقائع الخارجية، سواء في ذلك الفلاسفة الإسلاميون وغيرهم. نعم ليس لهم علم حضوري بكل ما ذكر بل أذعنوا لها من طريق العلم وناحية التجربة. =

(135)

فهل حقيقته، ذاك الأثر المادّي البارز في الأدمغة عند حصول تلك الحالة العلمية كما يرتئيه المادّي، أو أنّ العلم وحقيقته أمر وراء ذلك، وتكوّن أمر مادّي مقارناً لحصول الحالة الإدراكية، لا يدل على أنّه هو بعينه، بل يمكن أن يكون من مقدماته.

يجب عليك في تمحيص الحق، التدبّر فيما سنتلوه عليك حتى تقف على حق المقال.

البرهان على تجرّد العلم من آثارها:

يتّفق الإلهيون والمادّيون على أنّ للمادة آثاراً وخواص لا تنفك عنهما، غير أنّ الأوّل يقول: إنّ ما نسمّيه علماً وصورة إدراكية، فاقدة لتلك الآثار


= ج ـ انّ الوجدانيّات والنفسانيّات والأُمور الروحية ليست معلولات بلا علل بل الجميع يتبع نظام العلّية والمعلولية لا نظام الفوضى ورفض تلك النظام.
والروحيّون وفي طليعتهم الفلاسفة الكبار معترفون بأنّ الروح والروحيات تابعة في وجودها وحصولها وتكوّنها لنظام العلّية ولا توجد إلاّ تحت شرائط خاصة وظروف معينة.
نعم، النقطة الحسّاسة التي فرّقت المادّي والروحي إلى فرقتين هي أنّ الفلاسفة والروحيّين لا يعترفون بأنّ للروح وعوارضها آثاراً مادية وقالوا: إنّ القوانين المادية لها الحكومة المطلقة في جو المادة ومظاهرها وأمّا الروح وعوارضها، فهي خارجة عن سلطة المادّة وقوانينها.
وبالجملة فرق واضح: بين أن نقول: إنّ الروح لا تدخل تحت أيّ أصل وقانون وانّها مطلقة العنان، ومهبط الهرج والمرج، وأن نقول: إنّ لها نظاماً خاصّاً وأُصولاً معيّنة غير ما تراه في الأُمور المادية، وهم لا يقولون بأوّل القولين وحاشاهم عن ذلك القول الموهون.
وبذلك يظهر ما في كتب المادّيين ورسائلهم من الأكاذيب المبهرجة والمفتريات الشائنة، التي لم يتفوّه بها أحد من الفلاسفة الأغارقة والإسلاميين فراجع للوقوف على هذه الأكاذيب إلى ما كتبه زعيم المادّيين في بلادنا الدكتور «اراني» في رسائله فلا نطيل بذكر ما كتب.


(136)

والخواص، فيستدل من عدمها على عدم مادّية العلم والإدراك.

فمن تلك الآثار: استحالة انطباق الكبير على ما هو أصغر منه، إذ لا شك أنّ كل واحد منّا يدرك صور الموجودات العظام، ويتصوّرها بما لها من الحجم والمقدار، ولا يسع لأي باحث أن يعتقد أو يتفوّه أنّ هذا العالم الكبير البديع بسمائه وكواكبه، وشموسه وأقماره، وأرضه وما فيها من قلل وجبال وبحار ومياه وقصور ومناظر وأشجار، قد تمركزت في صفحة الدماغ، ومحالّ الإدراك التي لا تزيد على عدة سنتيمترات .

نحن نجد تلك الموجودات وندركها بما لها من الأوصاف وبما لها من حجم ومقدار، ويستحيل أن ينطبق ما هو أكبر على محل أصغر منه بكثير ولا يعد من المغالاة في القول لو شبهنا الحال والمحل وقلنا إنّ نسبة المحل إلى صوره كنسبة الذرة إلى أعظم الجبال.

ومن خواص المادة: انقسامها وانفصالها وتجزّيها وهو من أظهر خواصها حيث إنّ المادة والانقسام توأمان.

غير أنّ الأجسام وما فيها من الأشكال والخطوط تدرك على صفة الاتصال، فأين هذه الصورة العلمية المنتزعة من الأجسام وعوارضها، المدركة على وجه الاتصال؟ فلو كانت حالة في المادّة وعارضة عليها لزم تطوّرها بتطور موضوعها، إذ المحال منفصلة غير متصلة، فليكن الحال فيها كذلك، مع أنّ المدرك لنا، أمر أو أُمور متصلة متسقة، لا تجزّؤ فيها ولا انفصال.

وإن شئت قلت: إنّ المدرك أمر واحد متصل، لا انفصال بين أجزائه ونسمّيه خطّاً أو سطحاً أو جسماً، فليس المدرك لنا في ظرف إدراكنا إلاّ شيئاً واحداً متصلاً، لا مؤلفاً من أجزاء، ومثله الخط فما هو المدرك لنا خط واحد


(137)

متصل لا انفصال في ذاته وهكذا الجسم.

فلو كانت الصور الإدراكية مخزونة في الدماغ، أو منعكسة في الأعصاب، فلا منتدح عن اتصافها بصفة محالها، فلا يقع الجسم والسطح والخط، عندئذ، في أُفق الإدراك إلاّ على النحو الذي ثبت لمراكزها، وأمّا بناءً على ما يميل إليه المادّيون ويصرّون عليه من حصر العلم والإدراك على الأثر البارز في الدماغ أو المنبسط عليه. يمتنع إدراك أمر واحد متصل.

وهذا البيان وما تقدّمه يبطل نظر المادّيين في ماهية العلم، ويؤيّد ويحقّق نظر الإلهيين من تجرّد الصور العلمية عن المادّة وأنّ للإدراك وجوداً غير مادّي، وإلاّ لزم انطباع الكبير في الصغير كما أوضحناه أو يلزم كون المدرك على وجه الاتصال، مدركاً على صفة الانفصال كما يعطيه البيان الثاني.

ومجمل البيانين: أنّ حضور صور العوالم الكبيرة بكثير من الدماغ وما يحتويه، لدينا يدل على عدم انطباع الصور العلمية في المادّة، وتجلّـي الخطوط والأشكال والأجسام في ظرف الإدراك على صفة الاتصال يبطل انطباع الصور في المادّة، إذ الحال موجود عندنا بصفة الاتصال، والمحال المنطبقة فيها تلك الصور (على زعم المادّي) ذات أجزاء وانقسامات واختلافهما في الاتصال والانفصال يدل على عدم الانطباع.

إشكال:

ربما اعترض معترض قائلاً: إنّ الصورة المدركة بالإدراك البصري ليست إلاّ خاصة مادية حاصلة من تفاعل المادة الخارجية وعضو الابصار وأمّا حديث الصغر والكبر والقرب والبعد، فقد حلت مشكلتها الأبحاث


(138)

العلمية الحديثة.

فإنّ الأبحاث العلمية تقضي بأنّ النظام المؤدي إلى تحقق الإدراك البصري هو النظام الجاري في آلة التصوير (الكاميرة): تنبعث الأشعة من نقاط الجسم المرئي على اختلافها في أوضاعها فتجتمع في العين فتقع على عدسة العين (1) ثم تخرج من جانبها الآخر طبق الموازين المضبوطة في


1- للقدماء من الطبيعيّين في باب كيف يتحقّق الابصار آراء، غير أنّ المعروف بينهم رأيان. الأوّل: القول بالانطباع، والثاني: خروج الشعاع.
أمّا الأوّل فقد اختاره المعلم الأوّل من الأغارقة، ومحمد بن زكريا والرازي والشيخ الرئيس من الإسلاميين وخلاصة نظرهم ما يلي:
انّ الجليدية جسم شفّاف صيقلي كالمرآة ينطبع فيه كل ما في مقابلها وينعكس فيها كل ما يقع في حذائه ولأجل ذلك يتحقّق الإبصار.
وأمّا الثاني فهو مختار أفلاطون وجالينوس من الأقدمين والعلاّمة نصير الدين من الإسلاميين، فهم قد شبّهوا العدسة بالأجسام النورية كالشمس والنار حيث ينبعث النور من هذه المراكز، والعدسة عندهم جسم نوراني منبع للنور، منبعث منه النور ويصل إلى الجسم المرئي.
ثم اختلفوا في كيفية الشعاع الخارج فزعم بعضهم انّه مخروطي، رأسه في العين وتقع قاعدته في الجسم المرئي، وآخرون بأنّه كاسطوانة غير أنّ الطرف الواقع على الجسم مضطرب ليس بساكن.
استدل هؤلاء بأنّ الأجسام المرئية أكبر من العدسة بكثير، فلو كان الإبصار بالانطباع، لزم انطباع الكبير في الصغير، وأجاب الأوّلون عن هذا الدليل بما هو مذكور في المتن، وارتضاه جمّ غفير وستعرف مدى صحته إذا أمعنت النظر بما في المتن.
نعم، لصدر المتألّهين (مؤسّس الفلسفة الإسلامية) رأي قد أوضح به حقيقة الإبصار وأماط الستر عن وجهه وخلاصة ما أفاد: إنّ كلاّ ً من الانطباع وخروج الشعاع على فرض صحّتهما، عمل طبيعي، وأمر اعدادي لتحقّق الإبصار، وليس نفس حقيقة الإبصار وأمّا حقيقته فانّما ترجع إلى خلاّقية النفس صورة مماثلة للشيء المبصر في صقعها على نحو الإبداع، أي خلقاً بلا مادة وانّما تستعد لهذا، بعد مقدمات وإعدادات مادّية، وأعمال =


(139)

العدسيات فتقع على نقطة من الشبكية أعني النقطة الصفراء (1) فما يقع على تلك النقطة هي الصورة المبصرة المؤلفة من أشعة مختلفة متفرقة في خارج


= طبيعية التي زعمها كل من أصحاب القول بالانطباع، أو خروج الشعاع انّها نفس الابصار، وقد أقام برهان مقاله وشيّد أركان كلامه في باب اتحاد العاقل والمعقول ودونك نماذج من كلامه:
قال في رد مقالة أصحاب القول بالانطباع: هذا بعد تماميته انّما يدل على انطباع الشبح فيه لا كون الإبصار به. ثم عاد إلى نقد مقالة القائلين بخروج الشعاع: نحن لا ننكر أيضاً تحقّق الشعاع من البصر إلى المرئى صورته لكن نقول لابدّ في الرؤية من حصول صورة المرئي للنفس.
أقول: إنّ كلاّ ً من الانطباع وخروج الشعاع غير صحيح عند جهابذة الفن، وانّ نظام العين عندهم كعدسة المصورة، حسب ما حرّروه في محاله (وسيوافيك بيانه في التعليقة التالية).
وممّا يجب أن نلفت إليه نظر القارى: أانّ ما أثبته الجهابذة في تحقيق حقيقة الإبصار وتشريح نظام الباصرة وما فيها من طبقات وأغشية ومياه: وأنّ عمله كعمل المصورة، تسجّل كما تسجّل عدستها، انّما يبطل القولين الموروثين من الأقدمين، أعني: القول بالانطباع أو خروج الشعاع، وأمّا من جعل كل ما يتحقّق في ذلك النظام أُموراً إعدادية ومقدّمات لاستعداد النفس، لخلق الصورة في عالم الإبداع كصدر المتألّهين، فلا يبطل نظره بهذه الآراء القطعية في باب الإبصار، إذ هو يرى انّ الإبصار في عالم وراء المادّة، وما يقع فيه، فانّما هي أُمور إعدادية لتحقّق الإبصار في ذلك العالم فعنده القول بالانطباع، أو خروج الشعاع أو ما اختاره الجهابذة في هذه الأعصار من انبعاث الأشعة، كلّها سواسية سواء أصح واحد من هذه الأقوال أم لم يصح، فاحتمال كون الإبصار عملاً فوق هذه الأعمال بعدُ باق.
1- تعتبر العين بحق من أهم أجهزة الإبصار، ويسهل فهم عملها بعد التدبّر في فعل العدسيّات في تكوين الصور حسب ما حرّره علماء الفيزياء ودونك بيان أهم أجزائها:
في القسم الأمامي جزء شفاف يسمّى «القرنية» وهو يشبه زجاج ساعة ذات تحدّب كبير، وخلفه قرص مستدير يسمّى القزحية، يكون عادة ملوّناً بألوان تختلف ما بين =


(140)

العين، مجتمعة فيها على النقطة، والنسب الموجودة في خارج العين بين أجزاء المرئي، محفوظة في تلك الصورة الموجودة في النقطة الصفراء أيضاً، كما أنّ


= الأسود والأزرق والعسلي، وفي وسط ذلك القرص فتحة مستديرة تسمّى انسان العين، وراءها عدسة محدّبة الوجهين تسمّى البلّورية، تحدّبها من الخلف أكبر منه من الأمام، وتتكوّن من مادة شفّافة ليّنة محاطة بغشاء رقيق شفّاف وتبقى في موضعها بتأثير عضلات تسمّى «العضلات الهدبية» متّصلة بها حول محيطها، وهنا تجويف بين القرنية والبلّورية يسمى «الخزانة الأمامية» وهو مملوء بسائل شفّاف يسمى «السائل المائي» كما يوجد خلف البلّورية تجويف آخر يسمى «الخزانة الخلفية» ممتلئ بسائل شف، قوامه في قوام الهلام، ويسمى «السائل الزجاجي»، ويبطن جدار الخزانة الخلفية من الداخل غشاء شديد الحس بالضوء ويسمّى هذا الغشاء باسم الشبكية، فعندما تصل إليه أشعة ضوئية يحدث الضوء في الشبكية تأثيراً تنقله إلى المخ بواسطة مجموعة من الأعصاب تسمّى الأعصاب البصرية ويترجمه المخ بما يعرف بالإبصار.
وفي وسط الشبكية بقعة مستديرة صفراء تسمى «النقطة الصفراء» وتكون رؤية العين للمرئي أوضح ما يمكن إذا وقعت صورته على تلك النقطة.
وعلى بعد صغير من تلك النقطة إلى الداخل توجد بقعة أُخرى تسمى «النقطة العمياء» وعندها تتشمّع خيوط العصب البصري لتكوين الشبكة،. وقد سمّيت هذه البقعة بهذا الاسم لأنّها لا تحس بالضوء ولا تتأثّر به فإذا حدثت صورة فوقها فإنّ العين لا تدركها.
وللمخ دور كبير هام في عملية الإبصار، فنقصر كلامنا على شرح الفعل الضوئي في تلك العملية، والواقع انّ العين العادية تعمل كما لو كانت عدسة محدّبة بعدها البؤري نحو (6/14) من المليمترات.
فإذا سقطت أشعة ضوئية على العين فإنّها تعاني انكسارات متتالية تبدأ عند سطح القرنية ثم تستمر في طبقات العدسية البلورية.
(والبلورية مكونة من طبقات، كثافة كل منها أكبر من كثافة التي فوقها)، فينشأ عن هذا أن تتجمّع الأشعة مكوّنة لصورة حقيقية مقلوبة للجسم الذي تنبعث منه الأشعة، فإذا وقعت الصورة على الشبكية بصرت العين ذلك الجسم وبالرغم من أنّ الصورة تكون مقلوبة، فإنّ العين تراه معتدلاً لأنّ المخ يقلب الصورة بطريقة عصبية. (المترجم)


(141)

فيها نماذج من الأظلال والألوان والأشكال الخارجية وهذه هي التي تدركه الباصرة بانعكاس الصورة في محال الإدراك.

وأمّا الصغر والكبر ونحو ذلك فانّما هو من الأحكام العقلية التي يصل إليها الإنسان بعد المقايسة والتجربة.

توضيحه: أنّ الإنسان إذا قاس أجزاء هذه الصورة الذهنية بعضها مع بعض تحصل بملاحظة بعضها مع بعض، النسبُ المعبّـر عنها بالصغر والكبر، والاتصال والانفصال، فإذا وقف على النسب الموجودة في الصورة الذهنية يحكم عليها بأحكام من الصغر والكبر، والفصل والوصل وهذا حكم فكري بين أجزاء الصورة العلمية، لا إدراك بصري.

ثمّ إنّه بعد ما استعمل الحاسة يقف في التالي على أنّ لهذه الصورة مصداقاً خارجياً وراء ما يجده في الحاسة ويأخذ في تطبيق الصورة العلمية على المصداق الخارجي ويجعل المقياس في ذلك بدن نفسه.

وبما أنّ أحكام الصورة الذهنية معلومة من قبل، مثلاً قد أُحرزت القوى العلمية أنّ نسبة بعض أجزاء الصورة الذهنية كالعين يعادل بكذا وكذا من تلك الصورة وعليه يحكم بتلك النسبة الموجودة بين أجزاء الصورة على خارجها. فإذا تمت النسب في تشخيص مقادير البدن، فيقيس العالم الخارج ببدن نفسه، وبذلك يتمكّن من إحراز ما لا تقف عليه القوة الباصرة ويحرز أنّ العالم الخارجي الواقع عليه بصره على أيّ مقدار من العظم، وعلى أيّ خصوصية من الشكل والهيئة.

وهذا البيان يعطي: أنّ الذي نجده من العظمة والسعة من الموجودات الخارجية، ليست منعكسة في محالّ الابصار حتى يقال انّه يمتنع انطباع الكبير في الصغير، بل حديثا الكبر والصغر، من ولائد الوهم والتفكير بمعونة


(142)

القياس وأنّ الذي ينعكس في النقطعة الصفراء من أجهزة الابصار أصغر من مصاديقها بمراتب، وأنّ المقايسة هي العامل للوقوف على كبر الأجزاء والأشياء وصغرها.

وأنّ هذه المقايسات وملاحظة النسب بعد ما صارت ملكة للإنسان بالتدرّب، تحصل في أقل جزء من الزمان، فإذا انعكست الصورة في الشبكية، تأخذ القوى المدركة بسرعة واستعجال في تحصيل حجمها الخارجي على النحو الذي عرفته.

ولأجل ذلك نتخيل أنّا شاهدنا العوالم الخارجية بسعتها وعوالمها الخارجية مع أنّا عند التحقيق لم نصل بأجهزة الابصار إلاّ إلى الصورة الصغيرة، ولكن ضاعفتها القوى على حذو ما مر.

جوابنا على استدلالهم:

ما تقدم من البرهان (امتناع انطباع الكبير في الصغير) على أنّ العلم والإدراك والصور العلمية مجرّدة من المادة، لا يبتني على إنكار هذه الحقائق العلمية ولا ينافي ما أقرّ به العلم، وجاء به الفطاحل، من تشبيه العين بالمصورة وانّ هنا مقايسات. فإنّ تلك الآراء مبرمة لا انفصام لها غير أنّ النقطة الحساسة (التي لابدّ أن نلفت نظر القارئ الكريم إليها، حتى يقف على أنّ الأُصول الطبيعية لا تقدر على تفسير وتوجيه تلك المشكلة أي مشكلة انطباع الكبير في الصغير) هي عود السؤال ثانياً، لأنّا نجد بعد هذه المقايسات صورة علمية كبيرة يمتنع انطباعها في النقطة الصغيرة، ونحكم أنّ هذه الصورة الذهنية بمرحلة لو برزت إلى خارج الذهن لكانت عينه، ولا يضرّنا القول بأنّ هذه الصورة بهذه الكيفية، صورة خيالية لا واقع لها، فإنّ


(143)

الصور الخيالية، صور خيالية إذا قيست إلى خارجها، ولكن لها واقعية في ظرفها لا يصح سلب الواقعية بجميع مراتبها عنها، فمعنى كون الشيء خيالاً أنّه لا يترتب عليه أثر الموجود الحقيقي الخارجي، وأمّا هو في ظرفه الخيالي فله حقيقة بالنسبة إلى ظرفه، ولهذه الصور الكبار مرحلة من الحقيقة لا يمكن إنكارها ولذلك يعود السؤال ثانياً، بأنّ هذه الصور الخيالية المتحققة في ظرفها كيف انطبعت في محل صغير جداً؟

برهان ثان على تجرّد العلم والفكر عن المادة:

وممّا يدل على تجرّد الصور العلمية والتفكيرات الذهنية هو الروابط التصديقية التي تدور عليها رحى الاذعان فإنّ تلك الروابط غير قابلة للانقسام، واستوضح ذلك من المثال التالي: هذا الجسم أبيض.

فالموضوع أعني الجسم كمحموله ذو أجزاء وأبعاض، إلاّ أنّ الحكم بالهوهوية وإنّ هذا ذاك الذي هو حقيقة التصديق مما لا يقبل الانقسام أصلاً مع أنّ الانقسام من لوازم المادة، فلا منتدح عن القول بأنّ هذا القسم من الإدراك أمر غير مادي، إذ لو كان مادياً وقائماً بها لما تخلص من آثارها وخواصها، وأنت لا تجد نفسك الحرة خاضعة على أن تعتقد بأنّ هذا المعنى البسيط (الحكم بأنّ هذا ذاك) مما ينحل وينقسم، والإنسان مهما تصوّب أو تصعّد لا يجد أنّ للقضاء والحكم جزءاً وانحلالاً.

وإذا وقف المادي على هذه المشاكل حاول تفسيرها بالأشعة المجهولة والأمواج غير المرئية، لكنّه عزب عنه أنّه لو أحاله إلى أيّ مرجع مادي لا تحل به العقدة، فإنّها بعد أُمور مادية إذ الوجود عندهم مساوق للمادة، فعند ذلك يعود السؤال ثانياً.


(144)

كلمات من الماديين:

قد أوضحنا في البيان السابق أنّا نجد الأجسام والسطوح متصلات غير منفصلات، فقد حضرت عندنا صورة متصلة غير ذات فواصل عندما أدركنا الأجسام والسطوح والخطوط، وإدراك شيء متصل يهدم الأُصول المادية، إذ يمتنع أن تقع تلك الصورة المتصلة على أمر مادي (العصب الدماغي) منفصل الأجزاء، فإنّ الجسم بقول مطلق حتى العصب الدماغي ونحوه ذو أجزاء وفواصل، فيه فرج وثقوب حسب ما برهن عليه في العلوم، وأيدته المشاهدات، ومعه كيف يمكن أن يقال: إنّ العصب الدماغي أو ما يضاهيه قد طبعت عليه صورة الخط المتصل أو الجسم المتصل، ويستحيل انطباع المتصل في محل لا اتصال فيه.

غير أنّ المادي حاول نقد هذا البيان فقال: إنّ من الكلمات الواضحة المشهورة: انّ عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، ونحن لا نجد خواص المادة وشؤونها فيما ندركه من الصور العلمية للأجسام والسطوح والخطوط، غير أنّه لا يدل على عدم اتّصافها بتلك الآثار.

وبعبارة واضحة: نحن نجد الصور العلمية للجسم مثلاً متصلة في ظرف الإدراك ولا نجد فيها أيّ فصل ولا ثقب، لا أنّا نرى أنّ الفواصل والثقوب بين أجزائها غير موجودة وأنّ الخلاء غير موجود وكم فرق بين الأمرين، وإن شئت فقس الصورة العلمية من الأجسام لنفس المصاديق الخارجية، فكما أنّ الباصرة لمكان ضعفها، لا تقدر على تميز الثقوب والفواصل وترى الأجسام والسطوح والخطوط متصلات، وهكذا الصور العلمية المنعكسة على الدماغ فهي أُمور منفصلة تتخيلها على غير واقعها.


(145)

جوابنا عن اعتراضهم:

ما أصرّ عليه المجيب، لا يضرّ، بل يؤكد تجرّد الفكر ويحكم دعائمه، فإنّ القول بأنّ إدراك الجسم على صفة الاتّصال، إدراك تخيّلي ليست فيه مسحة من الحق ولا لمسة من الصدق يؤكد ما نحن نرتئيه فإنّ صور الأجسام في حدّ الخيال مسلوب عنها أثر المادة، فالصور الجسمية في حدّ الخيال صور متصلة. فوجدت في ذلك الظرف، صورة جسم بلا فاصل وسطح بلاخلأ(1).


1- عرّفوا الكم المتّصل بأنّه أمر قارّ الذات، متصل الأجزاء وليس المراد من اتصال أجزائه أنّ له أجزاء بالفعل وانّها متّصلة، بل المراد انّه لو فرض بين الأجزاء حد مشترك لا تجد بين أجزائها حداً فاصلاً، وهذا بخلاف المنفصلات من الكم إذ لها أجزاء بالفعل كالأعداد.
ولننبّه في المقام على أمرين:
الأوّل: من أين نشأ هذا النوع من الإدراكات، والتصوّرات، والمفاهيم؟ فقد اختار عدّة من فلاسفة الغرب (الذين يطلق عليهم «العقليون» لأنّهم لم يقصروا منابع العلم الإنساني على الحواس الظاهرة واعتقدوا انّ الفطرة ربّما تدرك معاني لا تدركها الحواس) انّ المنشأ لها هو العقل لا الحس إذ هو انّما يدرك ما له مصداق في الخارج وأمّا ما ليس له بعد، كالنقطة أو له بعد واحد أو بعدان كالخطوط والسطوح، فليست موجودة في الخارج، حتى يدركها الحس، بل الموجود في الخارج أجسام صغار لها أبعاد ثلاثة فانحصر طريق إدراكها بالعقل، وانّها إدراكات عقلية، أو علوم فطرية غير منتهية إلى الحس.
وقال الحسّيون منهم وأعني بهم الذين حصروا منابع الإدراك بالحس انّ هذه التصوّرات الرياضية، وإن لم تكن لها مصاديق حقيقة في الخارج حتى ينالها الحس، إلاّ أنّ لها مناشئ ومنابع يوجب انتقال الذهن إليها وإن شئت قلت: إنّ لها صوراً ناقصة في الخارج، وانّ منها نماذج غير كاملة فيه، ربّما تصير ذريعة لتصوّر هذه المعاني على الوجه الذي نتصوّره الآن في الذهن.
مثلاً: انّ الذهن يشاهد رأس الابرة بلا أبعاد لضعف الباصرة وصغر المرئي، فعندئذ يستعد الذهن لخلق مفهوم ذهني لا مصداق له في الخارج كالنقطة، كما انّ مشاهدة =


(146)

وإن شئت فعبّـر بما يستحسنه المادي وقل: إنّا نتخيّل في تلك الموارد أُموراً فاقدة لخواص المادة، فقد وجد في ظرف التخيل أُمور غير مادية، ولو قال المادي: إنّ ذلك من زلاّت الخيال وهفواته لما أضرّنا، لأنّه في ذلك الوقت اعترف بوجود الأُمور المتصلة في ظرف الخيال، وأيّ دليل أوضح من اعتراف الخصم على خلو ما وقع في ظرف الخيال من آثار المادة.

وما لهج به المادي من أنّه ليست للخيال مسحة من الحق، خلط وخبط، فإنّ الخيال أو الخيالي، أمر خيالي إذا قيسا إلى الخارج وأمّا إذا لوحضا بأنفسهما وغضّ البصر عن القياس فالظرف ومظروفه من مراتب الوجود ودرج الحقيقة.


= الخيط الرقيق، أو القمر في الليلة الرابعة عشرة، يعطي استعداداً للنفس، لأن يخترع عن جانبه مفهوم الخط والدائرة فهذه المفاهيم وان لم تكن لها مصاديق خارجية، إلاّ أنّه يوجد في الخارج ما يعد وسيلة لانتقال الذهن إليها.
قلت: ما أفاده العقليون من أنّ هذه المفاهيم الهندسية، ممّا كشفت عنه النفس، ولا مساس لها بالخارج بوجه من الوجوه غير صحيح، نعم لا يمكن اعفاء الذهن في تصوّرها وانتزاعها وقد اتفق عليه العلماء حتى الحسّيون منهم على ما عرفت آنفاً.
الثاني: إنّ هذه المفاهيم، سواء كان المبدأ لإدراكها هو العقل أو الحس غير موجودة في الخارج، على النحو الذي ندركه، لا لما ذكره العقليون من أنّ الموجودات في الخارج ذات أبعاد ثلاثة وهذه المفاهيم بين ما لا بعد له، أو له بعد أقل من أبعاد، بل لأنّ الموجود المادّي سواء كان خارجياً أو ذهنياً، أمر غير متصل ذو انقسام وفواصل حسب ما أثبتته التجاريب مع أنّا نراها أو نتصوّرها وندركها في الذهن بلا هذه الأوصاف، مثلاً: الصورة الذهنية الموجودة من الخط، كالحد الفاصل بين سطحي المكّعب أو من السطح كالحد الفاصل للجسم عن الخارج أو الدائرة، أعني: الحاصل من تحريك أحد طرفي الفرجال، موجودة عندنا على نحو الاتصال، كأنّها قطعة واحدة متصلة، مع أنّ الموجود المادّي مطلقاً، ليس فيه أي اتصال.
وإن شئت قلت: إنّ الصور الحاضرة لدينا من هذه المفاهيم الهندسية عارية من خواص المادة وأوصافها، أعني: الانفصال والانقسام بالفعل، فلابد من القول بوجودها في أذهاننا لا بوجود مادّي، بل بوجود تجرّدي.


(147)

برهان ثالث على تجرّد الفكر، عدم الانقسام في الوجدانيات:

كل واحد منّا محفوف بوجدانياته الكثيرة، بها تدبير حياته وإدامة عيشه، وأوضح مصاديقها الحب والبغض والإرادة والكراهة والتصديق والإذعان وما ضاهاها، وهذه الحالات النفسية تظهر فينا بسلطانها في شرائط خاصة، ولا يهمّنا في هذه الرسالة بيان حقائقها وكيفية حدوثها وما تستودع فينا من آثار وخواص، غير أنّا نقول: إنّ هذه الأُمور الروحية لا يتطرق إليها الانقسام الذي هو من أظهر خواص المادة ولا يتصور فيها التجزّي والانقسام.

أعطف نظرك إلى حبك وبغضك ولك الحرية التامة في تفسير وجدانياتك فهل تجد فيها تركّباً وانقساماً، أو تتصوّر أنّ حبك هذا وبغضك ممّا يقبل أن يقسم إلى أجزاء، كلاّ لا تجد ولا تتصوّر ولا يشذّ عنهما في هذا الحكم سائر ما ذكرناه، فإنّ الحالات النفسانية جميعاً، وأخص بالذكر الإذعان والتصديق يحصلان في النفس في شرائط، بعد مبادئ داخلية وخارجية غير أنّهما لا يتحلّلان إلى شيء وشيء.

كل ذلك برهان على أنّ الهواجس والخواطر، متميّزة عن المادّة وآثارها وإلاّ لما افترقت عن أوصافها وشؤونها ولوازمها.

إدراك الكلّـي إدراك غير مادّي:

وإن شئت فاجعله رابع البراهين.


(148)

ومحصله: أنّه يقع في أُفق الفكر بعض المفاهيم العامّة التي لا تأبى من الصدق على كثير، وهو يقبل الانطباق على غير واحد من أفراده كالإنسان والشجر وقد تداولت تسمية ذلك في الفلسفة الإلهية بالكلّـي.

والصورة العلمية من ذلك الكلّـي بوصف الكلّية وعدم الامتناع عن الصدق على كثير، يمتنع أن يتحقّق في المادّة والحال أنّه يصدق على مصاديق كثيرة، فإنّ الموجود المادّي موجود شخصي وله من الشرائط (كالزمان والمكان) حظّه الوافر، والمقيّد بقيود الزمان والمكان، يستحيل أن يصدق على مصاديق مختلفة من حيث القيود كما هو شأن الأفراد.

ونحن مع الاعتراف الصريح بأنّ الكلّـي له نحو ارتباط بأفراده ومصاديقه لأجل انطباقه عليها، غير أنّ ذلك لا يصدّنا عن القول بأنّ وجوده غير مشوب بالمادة وآثارها، يرشدنا إلى ذلك أنّ الكلية وجواز الصدق على كثير، القائم بالمفهوم الكلّـي، ممّا لا يعقل أنّ يتحقّق في المادّة إذ المادّة والمادّي متعيّنان بالزمان والمكان، والتعيّـن بواحد منهما أو كليهما لا يجتمع مع الكلّية، فإنّ الكلّـي يصدق على مصاديق مختلفة من حيث الزمان والمكان.

وعلى ذلك يحق لنا أن نقول: إنّ المدرك الكلّـي كالإنسان موجود في المدارك العقلية، عار عن شائبة المادّية، فهو بما أنّه يصدق على كثير، كلّـي. وبما أنّه لا تناله يد التغير، ثابت. وبما أنّه مرسل من كلّ قيد، مطلق. وهذه الصفات والخواص، تهدي الباحث المفكّر إلى القول بتجرّد الفكر وما فيه من المادّة وشؤونها.


(149)

برهان خامس على تجرّد الفكر والعلم عن المادّة:

نعقب البراهين الماضية بهذا البرهان لما فيه تحقيق للحق ولا يستفيد منه إلاّ ذوو الأفئدة القوية، والعقول الطامحة، ويصعب تصوّره على من حبس نفسه في سجون الطبيعة وأقفاص الأُمور الحسية.

وللمادّي ومن والاه في هذا الباب عذر واسع إذا كلّ عقله لدى تحليله، أو وقف فهمه تجاه هذا البرهان، لأنّه لم يأنس بدراسة هذه المعارف العقلية والبراهين العالية، بل ظلّ يتفحّص في المادّة وشؤونها، كأنّه ليس في الدار غيرها ديار.

ودونك هذا البرهان على نحو الإجمال:

التغيّـر وعدم الثبات يعد من أظهر خواص المادة عند الأعلام، فلا تجد لموجود مادي ثباتاً وركوداً ولا بقاءً ولا صموداً فالمادة والتبدّل متلازمان، وسيوافيك بيان هذا الأمر في المقالة العاشرة عند البحث عن القوة والفعل والحركة والزمان.

ولكن الإدراك والتصوّر والوقوف على الشيء لا تجتمع مع التغيّـر والسيلان، لأنّ أسهل التعابير عن حقيقة العلم هو الوقوف على الشيء بإدراك صورة منه، وإن شئت قلت: انتزاع صورة من الموجود الخارجي بالأجهزة المناسبة أو كون المدرك واجداً لصورته في لوح النفس، أو غير ذلك من التعابير. وعلى أيّ تقدير وتعبير، فحقيقة الإدراك بأيّ معنى فسّـر يمتنع أن يكون مادّياً سيّالاً متغيراً، فإنّ الوقوف على الشيء يستدعي نحو ثبات للمعلوم ونحو قرار وتقرر وثبوت له، فلا يجتمع السيلان مع الوجدان، ولا


(150)

الوقوف مع التبدّل والتغيّـر، ولا يستقران في موقف واحد.

ويمكن سبك البرهان في قالب الاصطلاح فنقول:

حيثية العلم غير حيثية التغيّـر والسيلان، ويترتب عليه تباين سنخ وجود العلم مع وجود المادة.

وإن استصعبت ما مر من البيان فاعطف نظرك إلى بعض أطوار العلم كالتذكّر ، فلا ضير علينا إذا أملينا منه عليك شيئاً طفيفاً، لعلّه يكفي في إثبات الغاية من المقالة :

لا شك أنّ الإنسان محل النسيان، ربّما ينسى ما عرفه أو لا ويغيب عنه ما أدركه من قبل، غير أنّه يستطيع أحياناً أن يسترجع ما نسيه ويستعيد ما غاب عنه، فيتذكر عين ما كان واقفاً عليه في سالف الزمان بحيث لا يجد فرقاً بين المدركين.

وهذا أوضح دليل على أنّ للصور العلمية ثباتاً وبقاءً ربّما يتوجه الإنسان إليه ويستعيد عين ما كان وعاه ويسترجع الأمر الذي كان نسيه.

وهذا أوضح شاهد على أنّ الصور العلمية مجرّدة عن المادّة وشوائبها ولها وجود غير مادّي قائم بنفسه أو مع القوى الإدراكية.

ولو كانت حقيقة العلوم نفس الآثار المادّية البارزة في الأذهان، لما كان للتذكّر مفهوم صحيح خصوصاً إذا طالت المدة بين الإدراكين، فإنّ الدماغ وما فيه يتبدّل ويتحلّل بمرور الزمان ومضيّ بعض سنين، مثل تبدّل سائر الأعضاء بحيث لا يبقى منها بعد أعوام عديدة عين ولا أثر.

ولو كانت إدراكات الإنسان وعلومه متمركزة في هاتيك الأعصاب بوجود مادّي، لما كان للتذكّر والاسترجاع مصداق حقيقي بعد فنائها وقيام


(151)

غيرها مقامها، بعد حقب وأعوام لا تتجاوز العشرة ويصير موقف التذكر موقف العلم الجديد الذي لم يقف عليه الإنسان حتى الآن (1).

وهذه المشاكل لا يحلّها البحث المادّي، إلاّ إذا لاذ إلى القول بتجرّد العلم عن المادّة، وانّ للعلم والإدراك وجوداً غير مادّي ولا قائم بالدماغ وأعصابه، باق على كلّ الحالات غير زائل مع زواله وتغيّـره، فيسترجعه الإنسان متى أراد من غير فرق بين أن تتطرّق عليه الغفلة والنسيان، أو لا.

ولو بحث المادّي عن هاتين الحالتين من أطوار العلم بلا تعصّب لبلغ إلى ما بلغه غيره، ووقف على وجود رابط بين الإدراكين، وأنّ هنا أمراً حافظاً للوحدة ـ أي اتحاد الحالتين ووحدة العلمين ـ ومؤكداً للعينية.


1- البحث عن (الذاكرة) وما لها من شؤون يعدّ من أدق المسائل الروحية وهي ذات أسرار ورموز، قلّما يتّفق لبشر أن يكشف مغزاها، والسر كل السر في قدرة تلك القوة، كيف تحتفظ بالصورة العلمية والمعاني الدقيقة، ثم تذكرها بعد مدة من الدهر وتقضي انّ ما أدركته فعلاً عين ما أدركته أوّلاً وليس هو بعلم جديد.
التدقيق في هذا البحث يرشد الفيلسوف إلى أنّ الروح ومراكز الإدراك فوق نظام الأعصاب، وفوق ما فيها من تفاعل أو فعل وانفعال وإن حسب المادّي خلافه، إذ لم يتجاوز في تحليل تلك المسائل عن المخ وما فيه من نظام مادّي وانفعال طبيعي.
فلنشرح الموضوع مقدّمة للاستدلال حسب ما يجده كل واحد منّا وجداناً حضوراً، ثم نعقبه بذكر بعض الفروض العلمية والفلسفية:
لا شك أنّ كل واحد منّا يقدر على استحضار ما أحسّه أوّلاً، من دون أن يتوقّف ذلك على إحساس حديث، فلو رأيت صديقك يوماً في إحدى المقاهي أو قاعة المكتبة ودار البحث بينكما في ذلك المحفل، حول موضوع، فإذا أردت أن تستحضر تلك الواقعة، وما دار فيها، فأنت بلا شك تعيد تلك المحادثة، بعينها، من دون أن تعدّ الحالة الثانية صورة خيالية أو احساساً جديداً، بل تجدها إعادة لتلك الخواطر الماضية التي قضى الدهر عليها. =

(152)

وحاصل البرهان: أنّ الحكم باتحاد الصورة العلمية في الحالتين، سواء أتخلل بينهما ذهول أم لا، لا يجتمع مع سيلان المادّة وعدم ثباتها آناً ما، ولا مع ما أثبتته الأقطاب بتجارب كثيرة من تبدّل الأبدان في سنين لا تتجاوز العشرة، مع أنّ الإنسان ربّما يتذكّر ما وقف عليه قبل خمسين سنة أو أكثر.

رأي المادّي في التذكّر:

قالوا: التبدّلات الطارئة على ظاهر البدن والدماغ صحيحة محقّقة إلاّ أنّها تعرض محالّ الإدراك بحد من السرعة لا تقدر القوى المدركة على ضبطها وتمييز ما يقارنها، فهي أشبه شيء بالصورة الموجودة في الماء الجاري التي يتخيّلها الإنسان صورة ثابتة، وهي في الحقيقة صور سيالة، تحدث واحدة


= إنّ علماء معرفة الروح جعلوا المراحل من التذكّر، وما قبل من الإدراك البدني، أربعة:
أ ـ الإدراك البدئي: أي إدراك شيء بإحدى القوى الظاهرية في بادئ الأمر، وهذا يعد حجراً أساسياً لباقي المراحل.
ب ـ التحفّظ: وهو الأثر المورث من الإدراك البدئي، إذ لو لم يحتفظ الذهن بنفس الشيء أو الأثر المورث من الإدراك البدئي، لما أمكن أن يتوجه إلى شيء، ويتذكّره من دون أن يتوسّل بالقوى الظاهرية كما هو المفروض.
ج ـ التذكّر: وهو انعطاف الذهن إلى ما أدركه سالفاً.
د ـ التشخيص: وهو القضاء بأنّ هذا هو عين ما أدركه أوّلاً وليس بأمر موهوم وإدراك جديد.
والنقطة الحسّاسة التي حار في تفسيرها المفكّرون هي المرحلة الثانية وانّ الصورة المدركة كيف تحتفظ في الذهن برهة من الزمان مع كونها مغفولاً عنها، إلى زمان التذكّر الذي هو ثالث المراحل.
ودونك بعض الفروض المنقولة عن علماء النفس:
(1) قال بعض الأغارقة: إنّ الصورة المعلومة تنقش في الذهن وتبقى صورة الشيء =


(153)

بعد أُخرى حسب جريان الماء وسرعة جريه.

والأجزاء القائمة مقام المتحلّلة تحمل خواص المتحلّل منها، لا بمعنى أنّ خواصها تنتقل إليها بعينها، بل المراد أنّ الأجزاء الطارئة تحتمل آثاراً وخواصاً تشاكل وتسانخ آثار الأجزاء المتحلّلة، وبما أنّ التبدّلات تحدث في مظانّـها بسرعة خاصة بحيث لا يقدر الإنسان على تشخيص الزائل والنائب، ويتخيل الإنسان إذا تذكّر أمراً أنّه عين ما كان يعرفه سابقاً، مع أنّه مضى على ذلك الإنسان، وعلى دماغه ومخه ما لا يستهان من السنين وطرأ على بدنه ما لا يحصى من التبدّل والتغيّـر، ولهذا جاء يسمّي مُشاكل الآثار عينها، ومُسانخها نفسها.


= المعلوم في الدماغ بعينها، وتحتفظ من ذلك الطريق، وهذا رأي مردود أطبقوا اليوم على بطلانه.
(2) يقول ديكارت: إنّ الإحساس البدئي يودع آثاراً وخطوطاً في الدماغ، كلّما توجّه إليها النفس، وحصل اتجاه من الروح والذهن إليها، يؤثر تأثيراً مشابهاً، وترتكز في الذهن صوراً وهيئات وأصوات تمثل الإحساس البدني كأنّها هو.
وهذا مبني على استقلال الروح عن البدن وانّ الأثر الباقي عن الإدراك البدني أمر مادّي في الدماغ، وقد أطبق الإلهيون والمادّيون على بطلانه.
(3) ما حقّقه المحقّق الإلهي صدر المتألّهين، وهو مبني على أُصول أقام برهانها في أسفاره، ومجمله: انّ النفس جوهر مجرّد،وهي في مقام الفعل، فاعل إلهي، وكلّما يدركه من الصور والهيئات والمفاهيم والمعاني إنّما توجدها في صقعها بإرادة واختيار وهي مخلوقة لها، حادثة من جانبها قائمة بها قيام صدور لا قيام حلول فكما انّ النفس جوهر مجرّد، لا يقبل الفناء والزوال فهكذا صورها العلمية، مجرّدات مسلوبات عن المادّة، وعلى هذا فما أدركت من الصور ووقفت عليها، مخزونة في صقعها لا يتطرق إليها الفناء والفساد، ولا معنى للتذكّر إلاّ اتجاه النفس إلى تلك الصور والمعاني المخزونة في صقعها. =

(154)

الجواب عن مقالهم:

نحن لا ننكر كل ما أثبته العلم وأقرّ به الأقطاب، غير أنّا نقول: إنّ ما تمسّك به المادّي لا يستطيع أن يحلّ مشكلة التذكّر لو اعتقد المادي بكون العلم والإدراك من الأُمور المادّية، إذ أقصى ما جاء به المادّيون: أنّ عامة التذكّرات علوم حديثة، يتخيّل الإنسان أنّها عين ما كان يعرفه وعين ما مضت عليه أعوام وحقب، وهذا يؤكّد تجرّد العلم والفكر، إذ هو يقول: إنّ الحديث والقديم، والسابق واللاحق في ظرف الخيال واحد وإن كانا بالنظر إلى الواقع متغايرين. ونحن نسأل المادّي عن هذه الوحدة الخيالية ونقول: إنّ العينية في ذلك الظرف لا تجتمع قط مع القول بكون الإدراك مطلقاً مادّياً، ولو قال المادّي: أنا لا أُقيم للإدراك الخيالي وزناً، لصافقناه في رأيه إلاّ أنّ ذلك لا يسقط الخيال عن كونه من درجات الإدراك، بل إذا لوحظ في نفسه فهو إدراك حقيقي صائب في ظرفه، وإن كان خطأ إذا قيس إلى خارجه.


= وأمّا ما يتحقّق في الدماغ من فعل وانفعال، فكلها أُمور إعدادية لتحقّق الإدراك وليست حقيقة الإدراك.
(4) بالرغم ممّا أصرّ عليه الروحيّون من القول بتجرّد الصور الذهنية واحتفاظها بعينها، زعم المادّيون خلاف مقالهم، وحاصل ما قالوا:
إنّ حقيقة الإدراك ليست إلاّ وقوع التأثير والتأثّر في أعصاب الدماغ وانّ واقع الإدراك قائم بانفعال الأعصاب عن خارج سواها، فاحتفاظ الصورة العلمية في خزانة الإدراك يقوم بدوام تأثّرها عن الخارج واتجاهها على وجه الدوام إلى الشيء المعلوم، لكن المفروض عدمه، لأنّ الأعصاب الدماغية إنّما تتوجّه في كل لحظة إلى شيء خاص، فلو فرضنا انقطاع التوجّه عن الموجود الخارجي كما هو المفروض لفرض الغفلة بين الإحساس البدئي والتذكار، يلزم عدم انفعال الأعصاب من ناحية ذلك الشيء وهو يلازم فقدان =


(155)

الأُصول المادية تعطي امتناع التصديق:

الأُصول التي اتخذها المادّي حقائق راهنة وزعم أنّه يستطيع أن يفسّـر بها عويصة المسائل، تجرّه إلى امتناع التصديق من أيّ مصداق بأيّة قضية، إذ التصديق هو الإذعان بأنّ هذا ذاك، وأنّ الموضوع متّصف بمحموله، والإذعان على هذا الأمر يتوقّف على تصوّر مفرداتها حتى يتعلّق الإذعان على النسبة، غير أنّه يمتنع على أُصوله استحضار هذه الأُمور دفعة واحدة،فإنّ الصور المادّية في الدماغ وما يحتويه كلما نتصوّر تتبدل إلى أمر آخر أو إلى أمر يشاكلها، فإذا تصوّرنا موضوع القضية و اتّجه الذهن إلى تصوّر محمولها، ثم عاد إلى موضوعها ليحمل المحمول عليه، يجده متحوّلاً إلى شيء آخر قبل أن يتّصف بشيء، أو يحمل عليه المحمول.


= الإدراك بين الإدراكين، ومعه كيف يحتفظ بالصورة مع انتفاء عامّة ما يتوقّف عليه الاحتفاظ، فانّ الاحتفاظ عبارة أُخرى عن دوام الإدراك فإذا فرض عدم دوامه، فيلزم عدم محفوظيته في الفصل الموجود بين الزمانين.
وأمّا التذكّر وعلّته وباعثه مع انعدام الصورة العلمية، فهو أنّ الاحساس البدئي يورث أثراً مخصوصاً في نقطة خاصة من الدماغ بعد زواله، بحيث كلّما أراد الانسان تذكار الحوادث السالفة تتأثر تلك النقطة لأجل عوامل خارجية وداخلية كالإرادة وغيرها وعندئذيحصل تهييج في الأعصاب وتتوّلد صورة علمية جديدة تشابه السالفة من عامّة الجهات.
وإن شئت فقس المقام بالمسجلات، فإنّ الأمواج الصوتية لا تضبط على الشريط بعينها وخصوصياتها، بل هي تبدّل إلى أمواج مغناطيسية وتحتفظ تلك الأمواج فيها على وجه لو أُديرت الشريط بالمسجلة تتبدّل إلى أصوات تشابه السابقة، وإلى كلمات تشابه السالفة. =

(156)

وعلى هذه الأُصول، لا يرتبط أيّ محمول بأيّ موضوع ولا أيّ جواب بأيّ سؤال، كما لا يرتبط أيّ نفي بأيّ إثبات، ولا أيّ صدر بأيّ ذيل، لأنّ عامّة ما ندركه أُمور مادّية، لها من الأحكام ما يغيّـرها، فما زالت تتحوّل في عامّة الأحوال والآنات إلى أُمور غيرها.

والضمير الحر لا يستطيع أن يذعن بهذه التشكيكات التي أسقطت المادّيين إلى حضيض السفسطة.

ما يتوهّم جواباً لما سبق:

قالوا: إنّ القوى الإدراكية، مع مدركاتها ـ أي الصور العلمية ـ قائمتان بالمادّة وهي حاملة لهما والتغيّـر والتبدّل والحركة من خصائص المادة فالذهن والإدراكات كلّها في مسير التغيّـر والحركة، ولمّا كانت المادّة المتحرّكة التي تحمل القوى المدركة والصور العلمية واحدة، وهي تجري وتسير وتتحوّل


= هذا خلاصة مقالهم ... وعلى هذا فلابد للمادّي أن يخصّ كل حفرة أو جزء من الدماغ على واحد من الأُمور الذهنية والصور المخزونة.
ولكن الأُصول الفلسفية قد قضت على تلك الفروض بمعاول هدّامة ودونك نماذج من وجوه النقد فيه:
أ ـ إنّ التذكار فعل دماغي كسائر أفعاله من الرؤية والسمع، فكما أنّ العمل والفعل والانفعال يعم جميع أجزاء العين والسمع عند تحقّق الرؤية والاستماع، ولا يختص الاستعمال بأجزاء خاصة من تينك العضوين فليكن التذكار كذلك، فلم يخصُّ المادّي كل جزء من الدماغ بصورة خاصة؟
ولو سلمنا صحته، فالصور العلمية والمفاهيم الذهنية أكثر بكثير من الأجزاء الدماغية، وإن بلغت ما بلغ، فكيف تحتفظ تلك الصور والمعاني ب آثارها في حفر الدماغ وأجزائه، مع أنّه لا يبلغ شأوها في العدد والكثرة.
وهذا هو الذي جرّ زعيم المادّيين «اراني» في بلادنا، إلى التردّد في هذا المقال وجاء =


(157)

وتتبدّل آناً بعد آن فلا مناص عن اتحاد المحمولين (القوى الإدراكية والصور) في الحركة والسرعة، وهذا الاتحاد، أي تساوي الذهن والصور العلمية في الحركة وسرعتها، ربّما يوجب أن يتخيّل الذهن (القوى الإدراكية) ثبات رديفه وقرينه، أي بقاء الصور العلمية، كما في السيارتين المتعادلتين في السرعة، فإنّ ركّاب كلّ واحدة ربّما يتخيل ثبات السيارة الأُخرى، ثمّ الذهن وما فيه تحملهما المادّة الدماغية، والحكم الطبيعي في الجميع واحد.

وعند ذلك يسهل لك إمكان التصديق بكل نسبة متحوّلة، ويتعلّق كل نفي بكل إثبات، وهكذا، فإنّ الموضوع وإن تحوّل إلى آخر، غير أنّ الذهن بما هو رديف الصورة العلمية وقرين ذلك التصوّر (تصوّر الموضوع) يتخيّل الموضوع ثابتاً وقاراً، فيحمل ما شاء من المحمولات إلى موضوعها المتبدل واقعاً، والثابت تخيّلاً.


= بكلام طويل، عرفت لبّه آنفاً.
ب ـ كل واحد منّا إذا رجع إلى ذهنه ليلاحظ سوانحه وخواطره يجد أكثرها متمثلة عنده، يجدها موجودة بعينها وجداناً وضرورة.
وما أفاده المادّي من كون الحافظة أمراً مادياً وانّ الصور العلمية تصير معدومة بعد تعطيل الأعصاب عن التوجه إلى المعلوم، يوجب أن يلتزم بأحد أمرين، إمّا أن يقول إنّالصور والمعاني في حالة التذكار، أُمور وهمية لا حقيقة لها، وهو مما لا يرضى به أحد، وإمّاأن يقول بأنّها علوم وصور جديدة ومفاهيم حديثة تشابه سوابقها وهو خلاف الوجدان.
وما جاء به من التمثيل بالمسجلة، لا يثبت ما رامه، إذ كل واحد يقضي عندما يستمع للمسجلة، بأنّه كلام حديث، يشابه الكلام السالف، مع أنّه يقضي عند التذكار أنّه عين ما أدركه سابقاً فشتّان ما بينهما.
ج ـ إنّ الدماغ وما فيه يتبدّل ويتحلّل في مدة قصيرة (إلى آخر ما تعرفه من المتن).
حجة المادّي على كون الحافظة مادّية: =

(159)

على أنّ لهذا السكون النسبي في الحركة المشابهة الموجودة في السيارتين حقيقة واقعية، ولو لم يعترف المادي بواقعية هذا السكون لما يفيده التمثيل أصلاً، ولو سلم واعترف انّ لهذا السكون في هاتيك الموارد حقيقة وواقعية، لنقض ما بنى عليه من القواعد وثبت أنّ في دار الوجود موجوداً ثابتاً لا تناله يد التغيير وهو باق على إطلاقه وثباته.


= استدل على مقالة بوجهين:
الأوّل: أنّ الإنسان في معرض النسيان وهي كالطبيعة الثانية له، وقلّما يتفق لبشر أن يستحضر عامة خواطره وحوادثه التي واجهها طيلة حياته، فلو كانت الروح والروحيات مجرّدات عن المادّة، والصور العلمية مخلوقة منها فالنسيان لماذا؟! إذ المفروض أنّ الروح علّة لعامة علومه، وهي صادرة عنها قائمة بها قيام صدور لا حلول فيلزم تخلّف المعلول عن علّته التامة الموجودة.
وأمّا المادي فهو لفي فسحة من هذا الاعضال، إذ هو يقول: إنّ مراكز الإدراك عامّة والحافظة خاصة لا تتجاوز عن الدماغ وما فيه من الأجهزة المادّية، وأمّا النسيان فهو نتيجة بعض التغيّـرات الطارئة على المخ.
قال الدكتور «اراني»: إنّ قوة الحافظة وضعفها تابعة لقدرة المادة الدماغية وكفاحها تجاه الحوادث، وصمودها وثباتها. =

(158)

نظرنا في هذا البيان:

قد طفحت رسائل المادّيين المنتشرة في هذه الآونة بهذه الكلمات، غير أنّها لا تنفع ولا تسمن، فإنّ جوابنا عن هذا عين ما سبق منّا في رفع بعض أجوبتهم.

فإنّا نلفت نظر القارئ إلى ما ادّعوه: انّا نتخيّل المتحرّك ثابتاً فإنّ هذا اعتراف من المادّي أنّ المتحرّك في ظرف الخيال ثابت وقارّ، وعند ذاك نسأله هل للإدراك الخيالي وجود مستقل وراء المادّة، أو هو حال في المادّة، فلو قال بالأوّل يثبت المطلوب، ومعناه انّ للعلم فرداً مجرّداً من المادّة وإن كان علماً خيالياً، والعلم الخيالي خيالي بالنسبة إلى ظرف آخر وأمّا إذا قيس إلى ظرفه فهو علم حقيقي، ولو قال الثاني لناقض أُصوله من عمومية الحركة والتحوّل لعامّة المادّيات، وانّ التبدّل من الأُمور العامة بالنسبة إليها.


= الثاني: دلّت التجارب على أنّ المصاب من ناحية مخّه ربّما يصاب من ناحية حافظته، وربّما يتفق انّه ينسى كل ما عرفه قبل إصابته، هذا وقد جرّبوا ذلك في المصدومين من الحرب العالمية من جانب المخ فوجدوا بعضهم بعد اندمال الجرح أنّه نسي البلد الذي تولّد فيه، أو لم يتذكر اسم والده ووالدته حتى نسي اسم نفسه، وهذا أوضح دليل على كون الحافظة أمراً مادّياً حسبما شرحنا، وانّ محال الإدراك ومرتكز لوائه، انّما هو المخ وأعصابه بحيث تصاب بإصابته.
جولتنا في آرائهم:
إنّ الروحيين وفي طليعتهم الفلاسفة وإن قالوا بتجرّد الروح (النفس) وتجرّد الصور العلمية الموجودة وراء أستار المادّة، إلاّ أنّهم قالوا: إنّ النفس مجرّدة ذاتاً، إلاّ أنّها مادّية فعلاً بمعنى أنّها تحتاج في عامّة أفعالها إلى المادّة، فهي تبصر بالعين وتسمع بجهاز السمع وتستشم وتلمس بالأجهزة المادّية، والتذكّر فعل من أفعالها، تحتاج في عملها إلى المادّة واستخدامها وعلى هذا فالصورة العلمية المنسية لأجل طول الزمان أو لوقوع بعض الحوادث المؤلمة التي أوجبت اختلالاً في المخ، لم تصر معدومة رأساً بل هي باقية على النحو الذي كانت عليه، إلاّ أنّ النفس لا تقدر على إحضار تلك الخواطر، لأنّها فقدت آلة الإحضار، أو أصابها الضعف والاختلال.
والدليل عليه ما أثبتته التجاريب الروحية: انّ الانسان ربّما يستحضر عامة السوانح التي مرّت عليها الحقب والأعوام، في بعض الأحيان غير الاعتيادية والأوضاع غير الطبيعية، مع أنّه لا يقدر على إحضار معشارها بباله إذا كان الوضع اعتيادياً.


(160)

ماذا يقول الماديون في حقيقة الإدراك:

قالوا: قد ثبت بالقواعد العلمية، والتجاريب الطبيعية، أنّ التأثير والتأثّر، والتوليد والتولّد ناموس عام في المادة وأنّ كل وجود في هذا الكون رهين تفاعلات وانفعالات.

ولا يشذ عن ذلك الناموس الكلّـي، مسألة الإدراك والتفكير، فإنّ التفكير عبارة عن الأثر الحادث في الدماغ لتقابل المادة الدماغية مع الخارجية منها وتأثّرها منها، فلا يتصور تأثير المادة الخارجية في الدماغ بلا حدوث أثر ثالث كما لا يمكن تأثرها بلا حدوث أثر فيه مستند إلى خارجه، وإن شئت قلت: كل مؤثر لا ينفك عن متأثر وبالعكس أي كل متأثّر يلازم مؤثّراً، كما أنّ كليهما لا ينفكّان عن أثر ثالث مع تسلّم التأثير والتأثّر، كل ذلك لنواميس مطردة، فيستنتج من ذلك البيان أنّ الفكر أثر مادّي يتبرّز في محال الإدراك بعد تقابل المادتين.

وبما أنّ لمراكز الإدراك (المخ والأعصاب) قوة التوليد وتجديد المثل، فلا محالة تتأثر محال الإدراك من الأثر الحادث من تقابل المادتين مرة ثانية، غير أنّ تأثّر الدماغ عن الأثر الحادث فيه (الفكر) لا يقف عند حد، بل يستتبع تأثّرات وأفكاراً وعلوماً، وتتولّد آراء وأنظار، ليست لها مصاديق خارجية وليس في وسع الدماغ البشري أخذها من المادة الخارجية وانتزاعها منها، إذ ليس في الخارج منها عين ولا أثر.

وبذلك تنحل مشاكل ربّما تلتوي بالأُصول المادية، منها مشكلة العلم بالعلم، فإنّ العلم الثاني ليس له مصداق في الخارج، وليست له علة مثل العلم الأوّل من تأثّر الدماغ عن الخارج، بلّ العلة لبروزه ووجوده، إنّما هي


(161)

تأثر الدماغ عن العلم الأوّل الذي هو مصنوع المادتين، ومثله مشكلة استخراج القوانين الكلّية الجارية في نظام الطبيعة، فإنّ الحكم الكلي إنّما هو مصنوع ذهني ليس له مصداق خارجي، وما هو الموجود خارجاً إنّما هو الحكم الجزئي، غير أنّ الذهن يصنعه بمثل ما تقدم في العلم بالعلم، ومنها تبدّل العلوم الحسية إلى غيرها كتبدل الصوت الحسن بعد استماعه إلى الوجد والفرح، فإنّ الوجد والفرح ليس لهما مصداق خارجي حتى يأخذه الذهن من نفس الخارج بالتأثير والتأثّر، بل هو مولود ذهني يتولّد من تأثّر الذهن من الأثر الثالث البارز فيه، أعني الصوت الحسن.

والذي يجمع شتات هذه الأُمور، هو كون هذه الإدراكات أُموراً مادية حادثة فينا، والعلّة لحدوثها هو ما مر من تأثّر الدماغ عن الأثر المادي.

جولة حول هذا المقال:

نحن لا ننكر من هذا البيان ـ الذي يرجع محصّله إلى أنّه لا ينفك الادراك عن أعمال فيزياوية في الدماغ ـ جملة واحدة لا بل كلمة واحدة، غير أنّا نعطف نظر المادي إلى المثال الذي أوردناه في صدر المثالة، وانّ هذا البيان يؤيد أيّاً من النظرين اللذين أوضحناهما في ذيل التمثيل.

قد تقدم أنّ التمثال الشمسي الذي احتوى منظراً بديعاً يقع مورداً للبحث من وجهين:

(الأوّل): أن تأخذ بيدك تلك الصفحة الكارتونية وأنت لا ترى فيها إلاّ بحيرة وجبالاً مصطفة وتلالاً ومنتزه عائلة ... فتلك المناظر الطبيعية تجلب نظرك لئلا تغفل عن أنّ تلك الورقة، صورة عن تلك المناظر، كما أنّ


(162)

الحال كذلك إذا نظرنا إلى المرآة لنطّلع على ما في الوجه والرأس من أوضاع وأحوال غافلين عن أنّها زجاجة صيقلية، بل لا ترى في ذلك النظر إلاّ عارضك و...

(الثاني): أن تطل عليها بنظرك من دون أن تجعلها حاكية عن شيء وراءه فلا ترى حين ذاك إلاّ صفحة كارتونية قد تنقطت بنقط سوداء قد توزعت على طول سطحها.

لكن حقيقة الإدراك والعلم لا تنطبق على النظر الثاني قط، لأنّ جوهر العلم هو الكشف والإظهار عن الشيء بحيث لا يلاحظ عند العالم إلاّ أمراً آلياً، ولا يقع بنفسه مجالاً للنظر، وهذه الأحكام مسلوبة عن الوجه الثاني، إذ على هذا الوجه لا ترى فيها بحيرة ولا تلالاً، بل تنظر إليها بما هي هي، فلا ترى فيها سوى النقط السوداء، ولا تلاحظ الصحيفة إلاّ بالنظر الاستقلالي.

وأمّا الوجه الأوّل فهو يمثل حقيقة العلم لمن أراد أن يستطلع الحقائق من طرق الأمثال، وإن اشتهر أنّ المثال يقرب من وجه ويبعد من ألف.

هلم معي نحاسب مدى البيان الذي تلوناه عليك من الماديين حتى تقف على مغزاه، وتعرف بوضوح أنّ ما أصّر عليه في توجيه حقيقة العلم لا ينطبق إلاّ على الأمر الثاني، الذي هو بمراحل عن واقعية الإدراك بل لا مساس لها بحقيقة العلم، وأنّ بين الأمرين بوناً شاسعاً لا يقصر عن بعد السماء من الأرض !!!

وإن شئت فلاحظ البيان الماضي مرة أُخرى فإنّ الاكتفاء في تفسير حقيقة العلم بالآثار المادية البارزة في مراكز الإدراك، وقصر النظر بها، كالنظر إلى النقط السوداء التي احتوتها الصفحة الكارتونية، وملاحظتها بما أنّها آثار حدثت في سطح الصحيفة.


(163)

والحاصل: أنّ النظرة الأُولى تنطبق على حقيقة العلم ولا تنطبق على هذا البيان الصادر عن المادي، والنظرة الثانية وإن كانت منطبقة عليه غير أنّه بمراحل عن حقيقة العلم، وأظن أنّ المادي قد ذهل عن محل النزاع، وهو أشبه شيء بالذهول العمدي.

حسب المادي أنّ من قال بتجرّد الصور العلمية، ينكر كلّما ساقه من العوارض والحالات والأعمال الفيزياوية في مراكز الإدراك! وانّه يعتقد أنّ الإدراك لا يتوقف على أُمور مادية من استعمال العصب وأتعاب البدن كلاّ ... كلّ ذلك كذب وفرية، فإنّ الإلهي لا يدفع أصلاً من الأُصول، ولا قاعدة من القواعد التي أثبتتها العلوم وأيدتها التجاريب، بل له في باب الإدراك أشواطاً غير تلك المظاهر المادية وهو يتلقى كل ذلك من الأعصاب والأدمغة، وما يتجلى فيها من فعل وانفعال اعداداً للإدراك ومقدمة للعلوم، وليست هي عين العلم والإدراك.

وإن كنت في ريب مما أسندناه إليهم، فضع يدك على أي تأليف لهم أُلّف في هذا المضوع، فإنّها طافحة بالإيمان بكلّ أصل علمي وعمل مادي أطبق على وجودها العلم.

وهذا الاعتراف منهم، أي الاعتراف بأنّ الإدراك يتوقف في هذه النشأة المادية على اعداد ومقدمة من عمل الأعصاب ونحوه، لا ينافي مع ما تسلّموه عند البحث عن النفوس من بقائها بعد مفارقتها، وبقاء إدراكاتها عند انفصالها عن تلك الأبدان، وسيوافيك بيانه في المستقبل إن شاء اللّه.

ومجمل القول: أنّا لو أغمضنا عن كل شيء، لا يسمح لنا الإغماض عمّـا ساقنا إليه البرهان، من أنّ العلوم والإدراكات تفقد ما يعد من الأحكام العامة للمادة، كيف وقد عرفت أنّ الانقسام والتغيير، والتشخّص، وكون


(164)

الموجود ذات أجزاء من خصائص المادة حسب ما عرفت بيانه، ولا أظن المادّي المخبت إلى الحقائق والخاضع للعرفان الصحيح، أن يستقر على رأيه إذا وقف على ما أسلفناه.

هب أنّ حقيقة العلم هي الآثار المادّية البارزة عند تقابل المادّتين وتفاعلهما، ككون البحيرة عين هذه النقط السوداء في الصفحة الكارتونية والأشجار عين تلك ...

غير أنّ مشكلة الانتقال من هذه النقط السوداء إلى مصاديقها وذواتها المحكية بعد باقية، إذ كيف يجوز للمدرك أن ينتقل من هذه الآثار الدماغية إلى مصاديقها، ويقول: إنّ هذا مثال ما برز في الدماغ، مع أنّهما ليسا من سنخ واحد.

وربّما يُتمحّل المادّي في حل الإعضال وتصحيح الانتقال من وليد المادّتين إلى المادّة الخارجية، بتشبيه المقام بالتمثال الشمسي، «بإنّ الناظر يهتدي (إذا أطلّ بنظره إلى النقاط السوداء التي سجلتها عدسة المصوّر في الصفحة الكارتونية) إلى الذوات المحكية عنها بها» غير أنّ ذلك قياس مع الفارق، إذ الذوات المحكية عنها مثل البحيرة والعائلة المنتزهة حول الروض العبق، والتلال المصفوفة مشهودة معلومة لنا قبل أن نطل بنظرنا إلى التمثال، ولأجل تلك المشاهدة والعرفان يصح لنا أن نحكم على النقط السوداء بأحكام مختلفة ونقول: إنّها تحكي عن بحيرة، وتلك عن الأشجار وهكذا (1).


1-قد تقدّم توضيح مقالة المادّي حول حقيقة الإدراك والعلم والمعلوم في خاتمة المقالة الثانية وحاصله: أنّ العلم والمعلوم (الشيء الخارجي) متباينان وجوداً وماهية، ولا تجد بينهما أي رابط غير التوليد، وقد أوضحنا هناك أنّ ما ادّعاه المادّي تجرّه إلى السفسطة، إذ لو كان العلم غير المعلوم وجوداً وماهية، لزم سلب صفة الكاشفية عن العلوم والإدراكات كلّها وما تمسّك به المادّي من أنّ الاعتقاد بكون العلم وليد المعلوم الخارجي يكفي في الاهتداء إلى الخارج ضعيف جداً، لأنّ القول بأنّ لهذه الصورة الذهنية مصداقاً في الخارج فرع تصوّر الخارج والاهتداء إليه قبل ملاحظتها، ولو فرضنا أنّ كلّما في الذهن غير الخارج من جميع الجهات فمن أين علمنا بالخارج، ومن أين وقعنا على أنّ تصوّراتنا هذه مصداقاً حقيقياً، فعندئذ يعد التطرّق إلى الخارج من الخواطر المستحيلة.


(165)

ولو فرضنا أنّ إنساناً لم ير طيلة عمره بحيرة ولا ماءً ولا تلالاً ولا أشجاراً، لما فهم إذا أطلّ بنظره إلى تلك الصفحة شيئاً ممّا عدّدناه، بل لا يرى إلاّ عدّة نقاط بيضاء وسوداء من دون أن ينتقل إلى محكياتها.

ولو صحّ تنزيل المادّي وتشبيهه، حيث جعل الاهتداء من الصور العلمية إلى محكياتها، كالاهتداء من التصاوير إلى ذويها، لسد باب الاهتداء إلى الخارج، وليس قوله في هذا الباب هتافاً جديداً قرع أسماعنا، فقد سبق المادّي بعض الأغارقة واشتهر ذلك بالقول بالأشباح عند البحث عن حقيقة الوجود الذهني.

ما تمسّك به المادي:

استدلّ المادّي على ما ادّعاه من مغايرة الصور العلمية مع الواقعية الخارجية بقانون علمي زعم أنّه جُنّة وحصن رفيع، يدفع عنه شرَّ الاعتراض.

قال: نفرض المعلوم الخارجي (أ) ومراكز الإدراك التي تتأثّر من الخارج (ب) وعند ذاك لا مناص لنا أن نقول: إنّ الأثر المتولّد من تفاعل المادّتين لا يعادل إلاّ مجموع المؤثّر والمتأثّر، فالأثر البارز لا يعادل (أ) ولا يعادل (ب) بل يعادل محصول الأمرين، والفكر بما أنّه وليد ذينك الأمرين، فلا يساوي المادّة الخارجية أعني(أ) ولا المادّة الدماغية أعني (ب) بل هو نتيجة (أ+ب) فهو


(166)

وليد الأمرين لا واحد منهما:

هذا القانون العلمي جرّ الأساتذة إلى القول بمغايرة الصور العلمية مع مصاديقها، لأنّ وليد الإثنين لا يساوي واحداً بل يعادل المجموع.

قصور هذا القانون عما يرتئيه المادي:

غير خفي على النابه الخبير أنّ المستدل خلط الحابل بالنابل (1) وأخذ القضية المشكوكة مكان المسلّمة واستنتج ما لاحظت.

توضيحه: أنّه لا شك أنّ في المقام مؤثّراً ومتأثّراً وأثراً ثالثاً، يعد وليد الأمرين، غير أنّ الشك كلّه في أنّ هذا الأثر الثالث هل هو نفس العلم والإدراك أو أمر اعدادي يعد مقدّمة لتحقّق الإدراك، وهذا الأمر بعد في بوتقة الإجمال لم يبرهن عليه المادّي أصلاً، بل تسلّم من عند نفسه أنّ الأثر الثالث الذي هو وليد المادّتين، هو نفس العلم والفكر، بلا ريب وأنّه ليس وراء الأمرين شيء آخر فبنى عليه ما بنى.

وإن شئت قلت: إنّ أقصى ما يعطيه البرهان المتقدم: أنّ الأثر الحادث الثالث، لا يساوي المادّة الخارجية ولا المادّة الدماغية لكونه وليدهما، وأمّا أنّ الإدراك والانكشاف هل هو نفس ذاك الأثر المادّي حتى يتّحد حكمه مع حكم هذا الأثر، فلا تكون الصورة العلمية نفس المادّة الخارجية، ولا المادّة الدماغية، فهو بعد باق تحت ستار الشك.

والحاصل: أنّ هنا مادّة خارجية نفرضها (أ) ومادّة دماغية نفرضها (ب) ونفرض الأثر الحاصل من تفاعل المادّتين (ج) والصورة الإدراكية (د)


1-مثل يضرب لمن خلط الأُمور خلطاً عشوائياً.


(167)

وما تمسّك به من أنّ وليد الإثنين يغاير كل واحد من الأصلين لا يثبت ما رامه من مغايرة الصورة العلمية مع الواقعية الخارجية إلاّ إذا ثبتت مساواة (ج) مع (د)، أي مساواة الأثر الحاصل من تفاعل المادّتين مع الصورة العلمية، فلو أثبت المادّي تلك المقدّمة المطوية، لنال ما رام ويصير المآل إلى مغايرة الصور الإدراكية (لأجل اتحادها مع الأثر البارز في محال الإدراك)، مع الحقيقة الخارجية، ولكن أنّى له من إثباتها وقد عرفت أقصى ما يعطيه برهانه الرياضي، فهو ينتج تخالف الأثر الفيزيائي في الدماغ مع المادّة الخارجية، لا مغايرة الصورة الإدراكية مع الواقعية الخارجية. وشتان ما بينهما.

نظر الإلهي في مسألة الإدراك:

لا بأس علينا بعد ما جرّدنا أنفسنا عن كل نزعة وتعصّب في تحرّي الحقيقة، أن نعبّـر عن مرام الفلاسفة الإلهيين ببعض الاصطلاحات الدارجة في الفن الأعلى ونقول: إنّ الصورة العلمية تتّحد مع الصورة الخارجية اتحاداً في الماهية لا في الوجود، فالصورة الذهنية عين الحقيقة الخارجية في الماهية والحدود، وغيرها في سنخ الوجود، فما تلبّس بالوجود في النشأتين أمر واحد من حيث الماهية، غير أنّها تحقّق في النشأة الخارجية بوجود عيني، وفي النشأة الذهنية بالوجود الذهني،ولأجل ذلك لا يترتّب على كل من الوجودين ما يترتّب على قرينه وعديله.

وما قرع سمعك من أنّه يمتنع اتّحاد موجودين، ليس على بساطته فإنّ ما هو الممتنع، هو اتحادموجودين مستقلين، في الوجود، لا اتحاد الشيئين في الماهية واختلافهما في الوجود.


(168)

ما جاء به بعض علماء النفس:

من عجيب القول ما أتى به بعض علماء النفس حيث زعم تجرّد الصور العلمية وعامّة التفكيرات والإدراكات عن خواص المادّة سوى الزمان واعتقد أنّ الزمان يلازمها، والعلوم والمعارف كلّها زمانية مقيدة بسلاسله.

ولكن هذا الباحث لو كان واقفاً على ما حقّقه الفلاسفة الإسلاميين في حقيقة الزمان، لما اختار هذا الرأي، ولو كان باحثاً عن واقعية الزمان وسنخ وجوده ومبدأ حصوله، لعرف أنّ نفي سائر الآثار المادية عن الإدراكات مثل التغيّـر والحركة والانقسام يستلزم نفي ذلك الأثر (الزمان) ولو صحّ كونها زمانية استدعى ذلك كونها متحرّكة متغيّـرة (1).


1- ما نقله عن بعض علماء النفس هو الذي ملأ كتبهم ورسائلهم من أنّ الروحيات ومنها الصور العلمية، زمانية لا مكانية، إذ لا يمكن أن يقال: إنّ تلك الخاطرة، أو هذه القصيدة مخزونة في نقطة كذا من المخ. نعم هي زمانية، لأن حدوثها وانعدامها لا ينفكّان عن الزمان، لأنّها تحدث في زمان خاص، وتنعدم كذلك.
ولكنّه مبنى على تسامح من قائليه، ومن كان له أدنى إلمام بالفلسفة المتعالية، التي أسّسها صدر المتألّهين وبما حقّقه الفطاحل من علماء الغرب حول حقيقة الزمان والتغيّـر، يقف على قيمة هذا الرأي في الجوامع العلمية وانّه ساقط جدّاً، وقد حقّق شيخنا المؤسس (صدر المتألهين) أنّ المادّة والمادّي جواهر سيالة متغيّـرة وأنّ التغيّـر والزمان توأمان يرتضعان من ثدي واحد، وأنّ كون الشيء مادّياً يلازم كونه متغيراً زمانياً، فكون الشيء مادّياً غير زماني، أو غير متغير أمر غير معقول عنده، كما أنّ كون شيء زمانياً بلا تغيّـر في ذاته كذلك.
وإن شئت قلت: إنّ التغيّـر (الحركة) والزمان داخلان في جواهر الشيء المادّي ولسان من عوارضه وانّ الزمان من مشخّصات الجوهر المادّي كما أنّ التغيّـر الذي يعتريه كذلك.
وقد وافقه في هذا النظر جماهير من مشاهير الغرب، إلى أن عدّوا الزمان بعداً رابعاً للوجود المادّي، فعندئذ فلو كانت الأُمور الذهنية غير متغيّـرات حسب الفرض، فيلزم عدم كونها زمانية، للتلازم بينهما وجوداً وعدماً.


(169)

ومجمل القول: أنّ الزمان حسب ما ساقنا إليه البرهان مقدار الحركة ولا حقيقة له غير ذلك، واستوضح هذه الكلمة من المثال التالي.

إذا أطلّ الناظر على جسم متحرك من مبدأ إلى نقطة يجد أنّ السير ليس أمراً دفعياً آنياً بل يتحقق جزءاً فجزءاً وأنّ الجسم يقطع الأين بسيلان وحركة وتدرّج إلى أن يصل غايته.

وعندئذ ينتقل الناظر المتدبر إلى أنّ هذا الجسم المتحرك يشتمل على جهتين وحيثيتين:

(الأُولى) حيثية السيلان والتدرّك، كون الجسم في حالة اللااستقرارية وهذه هي حيثية الحركة.

(الثانية) وقوع هذه الحالة أي السيلان من مبدأ إلى نقطة في مقدار خاص لا تتم إلاّ به، وهذا ما نسميه بالزمان، ولذا قالوا في تعريفه: الزمان مقدار الحركة.

وعلى هذا فالحركة بما أنّها أمر سيلاني وتدريجي لا يتحقق إلاّ بالزمان الذي هو نفس هذه الحركة مقيّدة بحد خاص من السرعة، وسيوافيك فيما يأتي من المقالات أنّ لكل حركة زماناً خاصاً بها، وأنّ الزمان يتعدد حسب تعدد الحركة وغير ذلك من المباحث الهامة.

نعم، ربّما تؤخذ حركة واحدة، مقياساً لسائر الحركات كحركة الشمس عند العامة وسير القمر، وحركة الأرض عند أهل الفن، ولأجل تلك العمومية ينقسم عندهم الزمان إلى يوم وليلة، وأسبوع وشهر وسنة، وتنقسم الليالي والأيام إلى ساعات، وكل ساعة إلى دقائق وهكذا.

وعلى هذه المباني والأُسس لا مناص عن نفي الزمان عن الإدراك كنفي


(170)

سائر الخواص عنه، إذ قد بان أنّ الزمان مقدار الحركة وأنّ كل حركة تستتبع زماناً، فالزمان والحركة توأمان والحركة تحتاج إلى مادة متحركة وهي تلازم عامة الآثار المادية.

وإن شئت قلت: إنّ هذه الآثار كسلسلة يجر كل حلقة منها ما بعدها، فلو قلنا بزمانية الصور الذهنية لاستلزم وجود الحركة فيها، وهي لا تنفك عن المادة المتحركة وهي تلازم عامة الآثار بلا استثناء.

وأظن أنّ القائل قد خلط، فزعم أنّ الأثر المادي البارز في الدماغ بالتفاعل الطبيعي، هو نفس الإدراك غافلاً عن أنّ العمل الفيزيائي إنّما هو إعداد لتحقق الإدراك لا هو نفسه وما هو الزماني إنّما هو ذاك الأثر لا نفس الإدراك، وهذا الخلط دائر بين الماديين وإن شئت فتدبّـر فيما نتلو عليك في هذا البيان التالي:

إذا وقف الإنسان من طرق الحواس على صورة علمية لها وجود ومصداق خارجي، فذاك الإدراك لا ينفك عن تفاعل وانفعال مادي بارز في مراكز من الدماغ وهو أمر زماني محفوف بالزمان، فإذا أردت أن تقف على حقيقة ذلك الأمر المادي، فلا مناص من أن تجعل الزمان من أجزاء حدّه وتقول: إنّه عمل حادث في الأعصاب غب تفاعل وانفعال في زمان خاص لا قبله ولا بعده.

وأمّا الصورة العلمية الكاشفة عمّـا وراءها التي هي حقيقة الإدراك، فهي وإن كانت حادثة في الزمان، إذ الانكشاف والإدراك قد حصلا في زمان لم يكن قبله أثر منهما، إلاّ أنّ الزمان لا يعد من مقوماتهما.

والشاهد عليه: أنّك إذا أحضرت ما أطلّ به نظرك بعدما غاب عنك مدة مديدة، تجد ما أدركته في الزمان الغابر من الصورة العلمية موجود في


(171)

الزمان الثاني بعينه بلا تفاوت أصلاً، فلو كان وجودها متقوماً بالزمان ومحدوداً به وجب أن تختلف حقيقة الإدراكين والمدركين، فإنّ الموجود الزماني الذي يحدده الزمان ويقوّم وجوده لا يبقى على نسق واحد في زمانين.

وهذا هو المراد من أنّ النفس والصور العلمية وسائر المجرّدات غير زمانية، مع أنّ وجوداتها مقرونة بالزمان، وسيوافيك توضيحه في مجاله إن شاء اللّه.

تتميم لما سبق من القصد:

ما مر من البراهين على تجرد الإدراكات وتنزّهها عن المادة وآثارها، لا يختص بالصور الذهنية، بل يجري في مورد آخر وهو علم ذاتنا بذاتنا وحضور ذاتنا لدى أنفسنا، وقد دلّت التجاريب الوافرة على وجود هذا الإدراك في الأحياء وفي طليعتها الإنسان (1).


1- إلى هنا تمّ البحث عن عوارض الروح وحالاتها وأفعالها وأعمالها وتبيّـن أنّها ليست مادّية لانتفاء ما هو الأثر العام للمادّة ولكن الأولى تتميم هذا البحث الضافي بالبحث عن نفس الروح أهي مادّية أو مجرّدة؟ وهذا هو الذي انعقد لأجله هذا البحث.
إنّ الفلاسفة الإلهيين قد أقاموا براهين كثيرة على تجرّدها يخضع عند كثيرها كل حكيم منطيق، غير أنّ المؤلف ـ دام ظلهـ أورد في المتن أبسط البراهين وأوضحها، حتى يقف عليه كل من له أدنى إلمام بالمباحث الفلسفية، وأوّل من أوضحه وفصله، هو الشيخ أبو علي، ونحن نكتفي بتوضيح استدلاله:
لا يختلف المادّي والروحي في أنّ كل إنسان يجد في نفسه انّه عالم بذاته وأنّ ذاته حاضرة لديه بلا ستار وحجاب، وإن شئت قلت: كل واحد منّا شاعر بذاته، مطّلع عليها، عاقل نفسه، ومميّز ذاته عن غيره وانّ من الواضحات عنده انّه موجود (أنا موجود).
نعم، هذه الجملة مع كونها من أوضح الواضحات، فيها نقطة ظلماء وهي ما =


(172)

فهذه الحالة العلمية (حضور ذاتنا لدى ذاتنا) لا تنطبق على عضو معيّـن، أو عصب خاص حتى يقال: إنّ حاملها ذلك الموضع الخاص، لما نرى أنّ هذه الحالة العلمية لا تنعدم بانعدام أيّ عضو من أعضائنا، ولا تختلف بزيادة عضو أو نقصانه، ولا بتحليل القوى البدنية وتكاملها ولا بتطاول العمر ومرور زمانه، بل تشتد وتأتي بصورة كاملة بامتداد الحياة وتطاولها، وربما يغفل الإنسان عن جميع أعضائه، لكن يجد ذاته حاضرة لدى ذاته.

وإذا استرجع الإنسان ما مضى له من الأيام والأعوام والحقب، يجد في حال الاسترجاع، أنّ هنا ذاتاً ثابتة غير متحولة تقارن تلك الظروف والأحوال.

ذلك التذكّر يوقفه على ذات باقية في تلك الظروف غير متبدلة ولا متحولة، وإن قارنتها أحوال زمانية وأوضاع متغيّـرة، لكن التغيّـر في مقارنها


= حقيقة هذا المبتدأ (أنا) وما كنهه أهو مادي أو مجرد، أهو مستقل عن المادة أو لا؟ وهذا هو الذي نجعله مطرحاً للأنظار.
ومن هنا يعلم أنّ الجملة المأثورة عن الحكيم «ديكارت» التي طبق الخافقين ذكرها حيث استدل على وجوده بفكره وقال: (حيث إنّـي أُفكر فأنا موجود)، غير سديد فإنّ كونه موجوداً أوضح من كونه متفكراً فهو أشبه شيء بالاستدلال بالأخفى على الخفي أو بالواضح على الأوضح، والحاصل: قوله (أُفكر) يشتمل على فعل وفاعله والاطّلاع على فعل نفسه فرع الاطّلاع على فاعله وذاته.
وليعلم: انّ الروح عند الروحيّين، موجود مجّرد يتكوّن من تكامل المادّة من طريق الحركة الجوهرية وهو في عين تعلّقه بالبدن، جوهر مستقل وأمّا الروح عند المادّي فلا تتجاوز حقيقتها عندهم عن تشكّل أجزاء البدن وارتباطها واجتماعها، والخواص التي تترتّب على تلك الأجزاء المتشكّلة عندهم عوارض روحية وخواص نفسانية.
فلنرجع إلى الأصل الذي انعقد لأجله هذا البحث وهو ما حقيقة ذاتنا التي نعبر عنها بـ (أنا) ولننقل بعض الآراء: =

(173)

لا فيها، وإن شئت قلت: هو مبدأ لأفعال وحوادث زمانية من أكل وشرب ومشي وشرب، ولكن نفس الذات مجردة عن الزمان ولا ينطبق الزمان عليها كانطباقه على أفعالها.

وهذه المشاهدات الروحية تحتاج إلى تدبّر ورياضة ولا يقف على مغزاها إلاّ المرتاض في الفنون العلمية والمآثر الروحية.

والمتفحص عن وجدانياته لم يزل يشاهد أمراً واحداً مستقراً غير منطبق على الزمان وإن كان مقروناً به !!

يشاهد ذاتاً وحقيقة لا تقبل الانقسام والكثرة، ولو قوى نظره وبلغ إلى حد تشقيق الشعر، لما يجد ذاته قابلاً للتشقيق والانقسام.


= ماذا يقول الحسّيون؟
بما أنّهم قد جعلوا الحجر الأساسي للمعرفة الصحيحة هو الحس والتجربة، فلم يقبلوا سوى ما أثبتته التجربة وأيّده الحس وأمّا ما سوى ذلك فقد جعلوه في بوتقة الإجمال لا معترفين بثبوته ولا منكرين وجوده، وبما أنّ الحس لا ينال سوى العوارض والحالات، والأعمال والأفعال، قالوا: كل واحد منّا لا يشير بقول «أنا» إلاّ إلى عدة من الإدراكات والعلوم المتراكمة بعضها فوق بعض التي نال بها من طريق الحس والتخيّل، وهل الذات إلاّ هذه الإدراكات؟ وأمّا الذات بمعنى الجوهر المستقل سواء كان مجرّداً أو مادّياً فلم يدل على وجوده دليل من الحس والتجربة، إذ الحس لا ينال سوى العوارض والحالات، والجوهر المستقل المنفصل عن حالاته لا يناله الإنسان بهذه الأجهزة التي أخذها الإنسان وسيلة لكشف الحقائق.
والعجب من المادّيين حيث جعلوا الأصيل في الخارج هي المادّة مع أنّهم تبعوا الحسّيين في مقامين:
أـ جعلوا الحجر الأساس للمعرفة الكاملة: الحس والتجربة، مع أنّ الحس لا ينال به المادّة الخارجية، أي الجوهر المصدر لعوارض وحالات للمادّة.
بـ عرّفوا الذات الإنسان بمثل ما عرفه الحسّيون من أنّه عبارة عن عدّة إدراكات =


(174)

يشاهد حقيقة صرفة لا يرى فيها خليطاً من غيرها.

يدرك أنّ ذاته حاضرة لديه غير غائبة عنها !

يقف على أنّه ليس بينه وبين ذاته أيّ حائل ومانع.

ماذا يستنتج من تلك المشاهدات:

1ـ يصل بقوة التدبر والتجربة، إلى أنّ علم النفس بذاتها ليس مادياً متمركزاً في عضو خاص وعصب معيّـن ولا يجد فيه أثراً من آثار المادة من الانقسام والكثرة، والوجود المادي يغيب بعض أجزائه عن بعض، والحال ذاتنا حاضرة لدى ذاتنا بكلها، بلا غيبوبة بعضها عن بعضها.


= وعلوم تتوارد عليه من طرف الحس، فراجع في تفصيله إلى ما كتبه الدكتور «اراني» في «بسيكولوجي».
مقالة الروحيّين:
إنّ المشار إليه بـ «أنا» ذات وحداني، غير مركّب من إدراكات متوالية، وإنّما الإدراكات عوارضه وحالاته، والدليل عليه أُمور:
أـ كل واحد منّا ينسب إلى نفسه عامّة إدراكاته وأعماله ويقول: أُفكّر (أنا) أسمع (أنا) أضرب (أنا)، ولا ريب أنّ المنسوب غير المنسوب إليه، فلو كانت الذات عبارة عن نفس هذه الإدراكات لاتحدّ المنسوب والمنسوب إليه، والعلم بصحة هذا الاسناد لا يقصر عن العلم بكونه موجوداً.
بـ كل واحد منّا إذا بلغ الأربعين يعلم بأنّ ذاتاً واحدة مرّت عليه الحقب والأعوام وأنّه هو الذي كان رضيعاً، صبياً، غلاماً يافعاً، شاباً، وكهلاً و... ، ويجد في وجدانه أنّ هنا ذاتاً واحدة طرأت عليها هذه الأحوال والعوارض.
فلو كانت حقيقة الذات نفس الإدراكات الواردة على نحو التدرّج طيلة سنين، لامتنع ادّعاء العينية، فعندئذ يكون الذات أشبه شيء بالسلسلة التي لها حلقات منتظمة، فإنّ =


(175)

2ـ يستنتج منها أنّ علم النفس بذاتها ليس أمراً وراء ذاتها، بل هو عين وجودها ونفس حقيقتها، فالعلم والمعلوم فيها واحد بالذات، مختلف بالاعتبار.

وعلى هذه التجاريب العلمية قسم الأساطين عامة الإدراكات إلى حضوري وحصولي، ومحصّل مرماهم من هذا التقسيم هو إيقاف القارئ على حد كل واحد وتمييزه عن الآخر.

فالعلم الحصولي هو حضور الشيء، لا بوجوده الواقعي وبهويته الحقيقي، بل بصورته وماهيته، كالصور الواردة إلى النفس من طرق الحواس.


= مثل الأفكار المتدرجة، كالحلقات المتسلسلة غير أنّ التقدّم والتأخّر في السلسلة مكاني وفي الأفكار زماني، فكما لا يمكن القول بأنّ آخر السلسلة عين أوّلها، فهكذا المقام، لا يمكن القول بأنّ البالغ عين الرضيع الذي كان نائماً في مهده.
أضف إلى ذلك: أنّ الحكم بالعينية لا يحتاج إلى إعادة خاطرة من الخواطر وما تواردت عليه من الأفكار، فلو صح ما يقول النسبيون: إنّ حقيقة الذات لا تتجاوز عن كونها أفكاراً متسلسلة في عمود الزمان، لاحتاج الحكم بها إلى إعادة خاطرة من الخواطر حتى يتصوّر به الذات ويحكم بأنّه في ذلك الزمان عين الذات الفعلي ...
جـ انّ الإدراك عند المادّيين لا يتجاوز عن انفعال الأجزاء الدماغية مع الدماغ وما فيه، ثم لم يزل يتبدّل ويتغيّـر، ويفنى ويقوم مقامه غيره، فلو كانت حقيقة الذات قائمة بنفس الإدراكات أو الأجزاء الدماغية، لامتنع الحكم بالعينية، وانّه هو الصبي الذي كان يوماً ما يمشي ويلعب بلا زيادة ونقصان، بلا تبدّل وتغيّـر، مع أنّ كل واحد يحكم بوجدانه أنّه هو وأنّه لم يتغيّـر ولم يتبدّل، لم ينقص ولم يزد.
وما ذكرنا من الوجوه كلّها يرجع إلى برهان واحد، وهو العلم بالذات غير أنّا قرّرناه من طرق مختلفة، تارة من طريق الاتحاد وأُخرى من جانب العينية وثالثة من ناحية الثبات وانّه لم يطرأ عليه التغيّـر.


(176)

والحضوري هو عبارة عن حضور المعلوم بوجوده الخارجي عند المدرك بلا انتزاع صورة علمية منه، نحو حضور ذاتنا لدى ذاتنا.

والمادي المخبت إلى الحقائق إذا وقف على تيك العلوم والمشاهدات، ينكشف وجه الحقيقة أمامه ويقف على ما في أُصوله من مشاكل وعيوب.

ماذا يقول المادّيون في الروحيات:

اكتفى الماديون في تفسير الروحيات، بأُمور طبيعية مما يرجع إلى بعض العلوم وقالوا: إنّ ذلك كلّه من قبيل تبديل الأجزاء المادية إلى أمر روحي في شرائط خاصة، كتبدل الصوت الحسن إلى السرور والحبور، وهذا ما يعبّـر عنه بتبدل الكمية إلى الكيفية، فإذا صارت الأجزاء المادية ذات أثر وخاصة واحدة، قالوا: إنّ ذلك من قبيل تبدل ما هو من مقولة الكم إلى الكيف.

لم يزل الإنسان تتوارد عليه انفعالات روحية كالسرور والآلام وغيرهما، وهي ترد عليه من طريق الأعصاب إلى الدماغ في شرائط مخصوصة فإذا صارت الأجزاء المادية ذات خاصة واحدة، يتحقق في المقام ذلك التبدل المخصوص.

وليس للروح والروحيات واقع وراء ذلك التبدل، ولأجل ذلك تنعدمان بفناء الأعصاب والدماغ أو بتعطلهما عن العمل في شرائط مخصوصة، وكلما نطق المادي أو تفوه بالروح أو الروحيات فلا يعني منهما أمراً وراء تلك الأُمور المادية، فلا يعتقد لها حقيقة أو علّة وراء التبدل المذكور.

جوابنا عن مقالهم:

هذا مبلغ علمهم في تفسير الحياة، وليست حياة البدن وشعور الإنسان


(177)

الحي وعقلياته ومدركاته، وما كسب من علوم وإدراكات، أو ما اتّصف بمساوئ الأخلاق ومحاسنها، إلاّ تلك التفاعلات والانفعالات فالروح والروحيات أعمال فيزيائية وأُمور ميكانيكية، فالإنسان و روحه عند المادي معامل، كمعامل الأقمشة تعمل فيها تلك الأُمور الروحية وأنّ لها أسباباً وأدوات لها مدة من الحياة.

والإنصاف أنّ القوم قصروا في تفسير الحياة وعلوم الإنسان فاقتصروا في بيان حقائقها، بمبادئها المادية، ومقدماتها الطبيعية، ولا ينكرها أي حكيم نابه أو فيلسوف متضلّع.

والكلام كلّه في أنّ ما يشاهده كل الناس عند العلم بالذات (أنا) هل ينطبق على تلك الخاصة الدماغية أو هو أمر آخر وراء تلك المقدمات؟ وقد عرفت تضافر البرهان على الثاني، فإنّ مشهودنا عند العلم بالذات (أنا) لا يقبل الانقسام والكثرة، لا يقبل الغفلة والغيبة في طول الحياة.

وما قالوا من زوال الشعور بذاتنا عند تعطيل الحواس لأجل عوارض من الاغماء ونحوه، خال عن البرهنة، مخالف للتجربة، والتجاريب العلمية قائمة على خلافه، إذ المغمى عليه في تلك الأحوال المدهشة لا يغفل عن ذاته و ينساه، وأقصى ما تستتبعه هذه الأحوال أنّه لا يذكر مشاهدة ذاته في هذه الأحوال، لا أنّه يشاهد عدم ذاته أو غفلته عن ذاته وكم فرق بينهما.

ظهر ممّا مر في تلك المقالة أمران:

1ـ العلم والإدراك مجرّدان لا ماديان.

2ـ العلم إمّا حضوري أو حصولي.


(178)

(179)

المقالة الرابعة

في كشف العلم عن معلومه
و قيمته


(180)

(181)

العلم ومعلومه
وانّه كيف يكشف عن معلوم سواه
وما للعلم من الزنة والقيمة

مسألة العلم والمعلوم، والبحث عن مقدار كشفه عن معلومه، تعد من الرعيل الأوّل في الفلسفة بالنسبة إلى سائر المسائل الفلسفية، وفيها أبحاث مهمة جداً ولها منزلة عظيمة، لأنّ الإنسان ما زال ممارساً بعلمه ومزاولاً بإدراكه لا بمعلومه الخارجي.

وليس هذا اعترافاً منّا بمبادئ السفسطة الهدّامة لكلّ فضيلة رابية، إذ فرق بين مقالنا ومزعمتهم، فإنّ السوفسطائي لا يتطلّب في تقلّبه وبحثه سوى العلم ولا يحاول إلاّ إيّاه، ونحن نطلب المعلوم الخارجي ولكن لا نصل إلاّ إلى العلم (الصورة الحاكية عن واقع سواه) وكم فرق بين الرأيين.

وقد علم كل من له أدنى إلمام بالفلسفة، أنّ العلم يتّحد مع معلومه الخارجي من حيث الماهية، ويفترق عنه من حيث الوجود، فالصورة الذهنية من النار، نار، والخارجية أيضاً نار، فهما من حيث الحد الماهوي ليستا إلاّ شيئاً واحداً (مفهوم النار) لكنّهما حسب الوجود مختلفان، فالصورة الذهنية من النار لا يترتب عليها ما يترتب على النار الخارجية من الإضاءة والإحراق.


(182)

ولا يختلف الإلهي والمادّي في ذاك الأمر، فإنّ المادّي الذي أذعن وآمن بتأصّل المادّة ونفي التحقّق عن غيرها، لو وقف في موقف الجواب وسئل عن حقيقة العلم، تراه يعترف بأنّ مرتبة المعلوم، مرتبة ترتّب الأثر ومقام العلم، مقام عدمه، وإلى هذا ترجع الكلمة الدارجة بين الأساتذة: من أنّ العلم والمعلوم يتّحدان ماهية ويختلفان وجوداً.

ولأجل هذا، اتّفق أصحاب المسالك الفلسفية من مادّيها وإلهيها على لزوم وجود الرابطة بين العلم ومعلومه، ولزوم انطباقه على معلومه بحيث تعد الرابطة والانطباق من الأحكام الواضحة للعلم ومعلومه.

وإن شئت قلت: ليست للعلم واقعية سوى كونه كاشفاً عن واقع سواه، وفرض علم بلا كاشف، فرض أمر محال كفرض علم كاشف بالفعل، من دون مكشوف وراءه، فإنّ الكشف من لوازم العلم، ولا يعقل تحقّق الملزوم (العلم) بلا تحقّق لازمه (الكشف) والكاشف والمكشوف متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر.

سؤال وجواب:

ولعل الاعتراف بالأصل المتقدم: لا واقعية للعلم سوى الكشف عن معلوم سواه، يقتضي طرح السؤال التالي: وهو أنّ تسلّم الأصل المتقدّم يوجب تصويب آراء الإنسان وإدراكاته، فانّها علوم، وحقيقة العلم والإدراك عين الكشف عن الواقع مع أنّ التخلّف فيها أكثر من أن يحصى ويعد (1).


1- للسوفسطائيين استدلالات واهية، منها تطرّق الخطأ إلى الحسّ الذي هو الطريق الوحيد لاطلاع النفس على ما في خارجها.=


(183)

أمّا الجواب فيتوقّف توضيح معنى الخطأ وكيفية تطرّقه على إدراكات الإنسان وبيان ما هو المنشأ، على توضيح أُمور:

(الأوّل) من التقسيمات الدارجة: تقسيم العلم إلى التصوّر والتصديق، فالإدراك البسيط (كتصوّر الإنسان وحده، أو إدراك الشجر، بلا حكم معه) تصوّر، والحكم بأنّ هذا متّصف بذاك كقولنا: الكل أكبر من جزئه، والإنسان موجود، تصديق.

وغير خفي على النابه، أنّ التصديق ـ أي التصديق بثبوت النسبة الموجودة بين الطرفين ـ يتوقّف على عدّة تصوّرات، فما لم يتصوّر كل واحد من المفردات بحياله يمتنع التصديق الوجداني والإذعان القلبي، فلا مناص من تصوّر الموضوع ومحموله ونسبتهما قبل الإذعان، ثمّ الحكم والإذعان بالعينية والاتّحاد، كقولنا: زيد قائم، أو بثبوت النسبة كقولنا: زيد في الدار.


= قالوا: إنّ الانسان لم تضعه أُمّه عالماً بشيء من الأشياء وإنّما يتطلّع من الخارج بحواسّه التي جهز بها، والمفروض أنّها ليست مصونة عن الخطأ فمن أين يعتمد على علومه وإدراكاته التي تنتهي إلى الحواس الخاطئة؟
غير أنّك واقف بقيمة هذه المغالطة في سوق العلم، ولو فرض أنّ الفيلسوف المعتمد على علومه، المؤمن بوجود الحقائق الخارجية، لم يقدر على مكافحة الشبهة بالبرهان فلا شك أنّها مردودة عنده بالوجدان وقضاء الضرورة على خلافها.
لكن الفطاحل من الفلاسفة صاروا بدفع الشيهة ودحضها بوجوه نشير إليها:
(الأوّل): انّ الحاسّة وإن خطئت في تشخيص درجة الحرارة في مثال الماء وفي الوقوف على كيفيّة المحسوس كما في الشعلة الجوالة ونظائرها، لكنّها ليست خاطئة في الدلالة على أنّ للمحسوس وجوداً خارجياً في الجملة ولو سلم الخطأ فإنّما في إرائة كيفية المحسوس أو ماهيته لا في الدلالة على أنّ للمحسوس وجوداً في الجملة، ولم نجد إلى الآن مورداً أخطأت فيه الحاسّة في كشفها عن وجود المحسوس حتى في السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً، فما يرتئيه السوفسطائي من بيانه هذا من إنكار العوالم الخارجية والحقائق الخارجة عن =


(184)

وما لهج به بعض علماء النفس من إمكان التصديق بلا وجود تصوّر مستدلاّ ً ببعض الأمثلة التي سبق التصوّر الإجمالي فيها على التصديق، خال عن الصحة، فانّ التصديق لا يتوقّف على تصوّر واحد كل من الأطراف والنسبة تفصيلاً، بل يكفي الأعمّ منه والاجمالي.

(الثاني): من التقسيمات الدارجة أيضاً تقسيم العلم إلى الجزئي والكلّـي، بيانه: أنّ الصورة العلمية إمّا أن لا تقبل الانطباق على أزيد من واحد، كالصورة المنتقشة في أذهاننا من النار الموجودة بين أيدينا، أو من الشخص الخارجي، أو تقبل كتصوّر الإنسان والشجر والفرس فإنّ مفاهيمها لا تأبى عن الصدق على أزيد من واحد، فالأوّل هو العلم الجزئي والثاني هو


= ذاته وتفكيره لا يثبت بهذا البيان.
(الثاني): انّ الخطأ ليس في الإحساس المجرّد، ولا في نفس الحاسة وإنّما الخطأ إنّما هو في مقام الحكم بأنّ هذا ذاك، وأمّا نفس الإحساس الذي هو المصدر الوحيد لعلوم النفس، فلا يتّصف بالخطأ أصلاً.
(الثالث): انّ الخطأ ليس في الحسّ والإحساس، ولا في مقام الحكم والقضاء النفساني بأنّ هذا ذاك، إذ كل قوّة من القوى تفي بما في ذمّتها من العمل والإدراك فكيف يليق أن ينسب الخطأ إلى القوى، وأمّا الأخطاء التي طبقت الخافقين وملأت الأسماع فإنّما هي في تطبيق حكم إحدى القوّتين على الأُخرى، وهذا ما يسمّيه المنطقيون بالخطأ بالعرض لا بالذات، وهذا ما اختاره الماتن وأوضحه بالمثال فانتظره.
(الرابع): ما التجأ إليه المادّيون ومن انتحل نسبية العلوم والإدراكات، وحاصله: أنّ الخطأ ليس في الحس ولا في الحكم بل كل ما أدركته الحاسّة في عامّة الموارد صواب وحقيقة، غير أنّ للصدق والصواب والحقيقة عرضاً عريضاً، وهو الصدق النسبي، والحقيقة النسبية، وأنّ الخطأ إنّما في وضع الحقيقة النسبية مكان الحقيقة المطلقة، ولو توجّه الحاكم بالخطأ إلى أنّ تلك الحقيقة نسبية لا مطلقة لرجع عن قضائه وحكمه بأنّ ما أدركه خطأ، وهذا عرض إجمالي للأجوبة.


(185)

العلم الكلّـي.

(الثالث): إنّ الدليل على وجود الرابطة بين الكلّـي وفرده واضح بعد الاذعان بقاعدة أُخرى، وهي أنّ التصوّر الكلّـي وانتزاعه يتوقّف على تصوّر فرد منه أو أفراد قبل تصوّر المفهوم الكلي، (وجه التوقّف) أنّ القوى المدركة لا تنال المفاهيم الكلّية ولا تدركها إلاّ بعد إدراك مصداق أو مصاديق منها حتى ينتقل من مشاهدة فرده إلى كلّيه وينتزع من تصوّره مفهوماً جامعاً يجتمع الكلّ تحته.

وإن شئت قلت: لو صحّ لنا أن نتصوّر المفهوم الكلّـي قبل الوقوف على فرده، لزم أن تكون نسبة الكلّـي إلى ما هو مصداق له، وما ليس مصداقاً له متساوية، ويلزم من ذلك أيضاً، صحة صدقه على كل شيء أو عدم صحّة صدقه على شيء أصلاً، مع أنّ الكلي عندنا منطبق على مصداقه فقط، ولا ينطبق على غيره بالضرورة، وهذا (أي توقّف تصوّره على تصوّر فرد منه، ولزوم انطباق الكلّـي على مصداقه، وعدم انطباقه على ما ليس مصداقاً له) كاشف عن وجود نحو رابط بين المفهوم العام ومصداقه .

تتميم:

وجود الرابطة بين الصورة المتخيّلة والمحسوسة (1).

بمثل البيان المتقدّم نحكم على وجود الرابطة بين الصورة المتخيّلة (الصورة الباقية في خزانة الخيال بعد انقطاع الحواس وتعطيلها عن


1-قد تقدم الفرق بين الصورة المحسوسة والمتخيّلة والمعقولة فراجع إلى ما علّقناه على أوائل المقالة الثالثة ص 126ـ 127.


(186)

الاستعمال) والصورة المحسوسة، إذ لو لا الرابطة الواقعية لزم صدق الصورة المتخيّلة على جميع الصور المحسوسة الموجودة في الخارج، أو عدم إمكان صدقها على واحدة منها، مع أنّ عدم انطباقها إلاّ على محسوسها دون غيره، لا يحتاج إلى بيان.

كل ذلك برهان على وجود الرابطة بين الصورتين ولأجلها تندفع المتخيّلة إلى محسوستها وبالعكس.

بيان آخر:

لاثبات وجود الرابطة بين الصور الثلاث: المحسوسة، المتخيّلة، المعقولة.

المراد من الصورة العقلية، هو المفهوم العام الذي يجده وينتزعه من الصور المتخيّلة، بتجريد عوارضها وحذف مشخّصاتها الفردية، فإنّ الصورة الذهنية من الشخص الخارجي لها عوارض ومشخّصات، فإذا استطاعت القوة المدركة وقامت بتجريدها عن كافة العوارض المخصوصة بهذا الفرد، والمشخّصات التي لصقت بذاك الفرد، بحيث لم يبق من تلك الصورة شيئاً غير كونه إنساناً، تصير نتيجة التجريد، المفهوم العام الصادق على ذاك الفرد وغيره، ويقال: إنّه الصورة العقلية لهذا الفرد المحسوس.

إذا عرفت المراد من الصورة العقلية، فدونك البيان الجديد الذي وعدناك به انّ اندفاع الذهن إلى هذا المفهوم العام العقلاني، إمّا لأجل الانتقال من الصورة المحسوسة إليه على نحو التجريد والتقشير أو لا، بأن يناله الذهن من عند نفسه من دون أن يستمد عن مشاهدة الجزئيات وإحساسها، فلو قلنا بالأوّل لثبت المطلوب بوجه واضح، إذ يكشف ذاك


(187)

التوقّف عن وجود الرابطة بين الصورتين (المحسوسة والمعقولة)، إذ على هذا لا يكاد يتوفّق الذهن إلى التجريد والتقشير قبل لحاظ الصورة المحسوسة.

ولو كان الثاني، بأن لا تكون الصورة المحسوسة مبدأً لإدراك المفاهيم الكلّية فهو وإن كان ينفي المطلوب، إلاّ أنّه يستلزم أن لا تكون الصور الكلية صوراً علمية حاكية عن معلوم سواها، مع أنّ الصور جميعاً جزئيها وكلّيها صور علمية بالفرض.

بيانه: انّ الصورة الذهنية إنّما تتصف بالعلمية إذا اقترنت بالقياس بأن تقاس إلى معلومها، وتنحدر إليه عند المقايسة، فلو كان المفهوم العام الكلّـي (الإنسان) مما صنعه الذهن من عند نفسه من دون قياسه إلى فرده وانتزاعه منه، لصارت الصورة إحدى الواقعيّات غير العلمية في عرض الصورة المحسوسة لا في طولها، ولا يصح أن يقال : إنّ كل واحد منها عين الأُخرى غير أنّهما يفترقان في ترتّب الأثر وعدمه.

وبعبارة واحضة: أنّ المفهوم العام (الإنسان الكلّـي) إذا صنعه الذهن من عند نفسه من دون أن يجعل الفرد وجهة ومقيساً عليه، يسلب عنه وصف الكشف والإرادة، ولا يصح أن تقول: إنّ المفهوم الكلّـي إنسان مسلوب عنه أثر الشخصية، إذ أيّ ربط بينهما بعد حذف المقايسة حتى يوصف واحد منهما بالأثر والآخر بعدمه.

وإن شئت قلت: لو فرض استقلال القوى المدركة في تصوّر الكلّـي بلا استمداد من الجزئيات، يصير المفهوم الكلّـي أمراً واقعياً كإحدى الواقعيات، وينخرط في صفوف الموجودات الحقيقية ولا يكون حاكياً ولا محكياً.

نعم، يمكن إطلاق الصورة العلمية عندئذ عليها مع كونها لا حاكية


(188)

ولا محكية، لكن بلحاظ آخر أعني باعتبار كونها حاضرة لدى ذاتنا، ومعلومة بالذات للقوى التي أدركتها، فلا محالة تصير بنفسها معلومة للنفس، علماً حضورياً، لكن البحث في العلم الحصولي أعني النظر إلى الشيء بما هو مفهوم ذهني، حاك عن أمر وراءه لا في العلم الحضوري وهو النظر إلى الشيء بما هو موجود واقعي حاضر لدى ذاته كالنفس أو لدى موضوعه كحضور الصور بالنسبة إلى النفس.

ولك أن تستمد من هذا البيان في إثبات وجود الرابطة بين الصورة العقلية والخيالية ولا نطيل المقام بتكرار البيان.

فاتّضح أنّ الذهن ينحدر بالأجهزة الحسية إلى الصورة الحسية، إلى الخيالية، إلى العقلية كلّها بتجريد وتقشير من القوى الإدراكية.

وقد أثر عن أساطين العلم «أنّه من فقد حساً فقد فقد علماً» وعلى هذا لا يدرك الأعمى والأصم، الصورة الخيالية من المبصرات والمسموعات، وما لهما من الأنواع والأصناف لحرمانهما عن الصورة المحسوسة التي هي مبدأ لتاليتيها.

ويستنتج من هذا البيان أُمور:

الأوّل: أنّ بين الصور الثلاث (المحسوسة والمتخيلة والمعقولة) نسبة ثابتة لا تتغيّـر ولا تتبدّل.

الثاني: أنّ المفهوم الكلّـي (الصورة المعقولة) تؤخذ من الخيالية بتجريدها من العوارض والمشخصات الفردية، والخيالية عن المحسوسة، وهي موجودة في خزانة الخيال وإن زالت المحسوسة بتعطيل الحواس عن العمل.


(189)

الثالث: أنّ المفاهيم التصورية عامتها من ولائد الحس، وهي إمّا أن تؤخذ من الواقعية الخارجية، بواسطة الحواس كالصور الجزئية، أو تنتهي إليها أخيراً كالمفهوم العام (الإنسان) فإنّ الحس وإن كان لا ينال الكلّـي من الخارج بنعت الكلّية، إلاّ أنّه يناله منه بالوسائط، فإنّ الصورة المحسوسة الواردة إلى الذهن من الخارج، تستعقب حدوث صورة خيالية وعند ذاك يستطيع الذهن أن ينتزع مفهوماً عاماً كلياً منها بتجريد وتقشير، ولأجل ذلك ينتهي إدراك الكلّـي إلى الحس أيضاً.

وإن شئت فاستوضح المقال من المثال التالي:

إنّ القوة اللامسة المبثوثة في الأعضاء تحس حرارة جزئية متشخصة بالزمان والمكان باقية في العضو مدة معينة زائلة عنه بعد مضيها، وهذه هي الصورة المحسوسة، وتورث تلك صورة خيالية منها، تشارك المحسوسة في كونهما من ماهية واحدة، ولكل منهما صورة جزئية متشخصة، وتفارقهما في أنّ للخيالية ثباتاً بل تجرداً خيالياً، ولذلك يستطيع الإنسان بإحضار ما أحسّه من الحرارة فيما مضى بعد لأي من الدهر وحين من الزمن.

ثمّ إنّ القوة العقلائية التي لها قوة التجريد والتقشير، تستطيع وتقدر على أن تُجرّد الخيالية من كافة العوارض واللواحق، بحيث لا يبقى بعد التجريد شيء غير كونه مفهوم الحرارة التي هي عنوان عام يصدق على الكثير وهي مفهوم عام أو صورة عقلية لها، قابلة للصدق على كثير لما أنّها عنوان عام لكافة مصاديقها، منزّهة عن وصمة التغيّـر والتبدّل، فاقدة كل ما يعد عوارض وتشخصات.


(190)

الرابع: أنّ الإنسان يصل بالأجهزة الحسية إلى واقع المحسوس وحالها من الحدود والماهيات، وهذا رابع النتائج، وإذا ضممت ما أوضحناه في ثالث النتائج من تلك المقالة، إلى ما مر بيانه في المقالة الثانية من أنّ الإنسان منذ هبط إلى مهد الوجود، وقف على أنّ وراء ذاته وأفكاره، عالماً سواه وأنّ عالمه مشحون بغرائب الموجودات، لظهرت صحة النتيجة الرابعة بأجلى مظاهرها وهي تعد من السهل الممتنع، خفيّة في وضوحها، بعيدة عن مستوى الأفهام الساذجة في عين قربها وابتذالها، ولذلك نجد في المقام زلات وعثرات لا تقال من بعض العاكفين على باب الفلسفة المادية.

سؤال وجواب:

ولعل الوقوف على ما ذكرنا يثير في المقام سؤالاً آخر يتعلق برابع النتائج، ودونك السؤال بتوضيح منّا:

لو صح ما نَوه به من أنّ الإنسان يصل بحواسه إلى ماهيات المحسوسات ويهتدي بها إلى واقعها، فلماذا يتخلف علمه، ويحيق به الخطأ في موراد شتى؟ ودونك نماذج كثيرة من أخطائها ولا سيما الباصرة:

1ـ اتفق العلماء على أنّ لكل جسم حجماً خاصاً واقعياً لا ينقص ولا يزيد، ولكنّا نراه من القريب على نحو، غير ما نراه من البعيد، فواحد من النظرين خطأ جداً.

2ـ افرض قاعة مسطحة رفيعة وأنت واقف في ابتدائها أو انتهائها، فترى النقطة البعيدة من مكان وقوفك مرتفعة، وكلّما ازداد محل نظرك بعداً من محل وقوفك، ازداد ارتفاعاً، ولو نظرت إلى سطحها، تجد النقطعة البعيدة


(191)

من قمة الرأس تميل إلى السِفْل وتزيد انخفاضاً إذا ازداد بعداً.

3ـ إذا وقف الإنسان بين الخطين المتوازيين الممتدين (كالسكك الحديدية مثلاً) يراهما متمايلين وربما يرى المتمايلين في بعض الأحوال، متوازيين.

4ـ إذا تحركت السيارتان المتعادلتان في البطء والسرعة إلى جهة يُخَيّل إلى رُكّاب كل واحد سكون السيارتين ووقوفهما، كما أنّه لو اختلفتا في الجهة أو السرعة والبطء، يشتبه على ركابها مقدار السرعة، ولا يمكن الوقوف لأجل هذه الأحوال على السرعة الواقعية في الحركة.

5ـ القطرة النازلة من السماء يخيل كأنّها خط ممتد.

6ـ الشعلة الجوالة تعطي كأنّها دائرة تدار على مركزها.

7ـ الأجسام المتشكلة بشكل خاص، كالكرة والاسطوانة والمكعب والمخروط والمنشور ربّما يخيل على غير ماهي عليه من الشكل.

8ـ يختلف لون الأجسام بقربها وبعدها عن الباصرة، بل يختلف في نظر الناظر بقلة الظلمة وكثرة النور.

9ـ الظمآن وغيره يحسبان السراب ماءً.

10ـ إذا تطل بنظرك إلى المرآة، يخيل إليك أنّ لها بطناً وظهراً وأنّ صورتك في جوفها.

ولا تقصر اللامسة في تلبيس الحق على رائده عن القوة الباصرة ففيها أخطاء واشتباهات ودونك نماذج منها:

11ـ لو أدخلت إحدى يديك في ماء حار، والأُخرى في ماء بارد ثم


(192)

أدخلتهما كلتيهما في ماء ثالث فاتر، وجدت أنّ العضو اللامس يخبرك بخبرين متضادين، فتخبرك إحداهما أنّ الماء الثالث بارد، والأُخرى أنّه حار. ولو أردنا أن نحصي الأغلاط ونضربها على طاولة الحساب وجدت من هنا وهناك مئات من الأمثلة وعرفت أنّ في الزوايا خبايا، وإنّما الغرض من سرد تلك الأمثلة إيقاف القارئ الكريم على نزر يسير منها.

وأمّا الإدراكات الخيالية والعقلية، فالغلط والخطأ فيها أظهر وأكثر، ضع يدك على أيّ باب من العلوم العقلية تجد فيه شواهد.

وقد تقدم أنّ عامة الإدراكات تنتهي إلى الحس وتناخ ركائبها عنده، وعلى ذلك فالمسؤول عن هذه الأخطاء هو الحس، وهو يحمل أوزار هذه الأخطاء في مختلف المطالب.

حل معضلة وجود الخطأ في الحواس:

إنّ السؤال أو الاعتراض لا يختص بواحد من المسالك الفلسفية، بل الصفوف المتشكلة أمام السوفسطائيين في المقام سواسية من غير فرق بين الإلهي والمادي، فيجب عل كل واحد منهما حلّ هذه المعضلة.

نعم، إنّ الإلهي والمادي وإن كانا يكافحون السفسطة وينافحون تلك المبادئ التعيسة، غير أنّ الأوّل يدّعي إمكان انكشاف حقائق الموجودات في الجملة، وأنّ الإنسان يستطيع أن يتصل بالواقعيات ويدرك ماهيات الأشياء على ما هي، والمادي وإن آمن بوجود عوالم وراء تفكيره، غير أنّه لا يسلم الأصل الذي قبله الإلهي، وعلى ذلك تصير وجهة الاشكال على الإلهي أشد ولنذكر جواب كل من الفريقين:


(193)

جواب الماديين عن الأخطاء الحسية (1) :

قالوا: مشكلة الخطأ في الحس والفكر تنحل بطريق واحد، فإذا اتّضح طريق طرؤ الخطأ على الحس، يعلم منه حال طرّؤه على التفكّر حذو النعل بالنعل.

ليس الإدراك إلاّ ورود الأثر الخارجي إلى العضو الحاس وتأثّره منه في شرائط خاصة، إذ العضو الحاس بمقتضى مقابلته مع الخارج ينفعل منه انفعال المنفي من الموجَب، ويصير نتيجة ذلك الفعل والانفعال الأثر المادّي الذي هو المحسوس لنا بالحقيقة.


1- النسبية: نظرية حديثة ولأصحابها مؤلّفات حولها غير أنّ مادّي القرن العشرين قد استخدم تلك النظرية وأوضحها حسب أُصوله المادّية المتحوّلة (ماترياليزم ديالكتيك)(1) ودونك إجمالاً من تلك النظرية:
الأوّل: تقرير النسبية على الأُصول المادية.
قالوا: الإحساس عبارة عن الأثر البارز في الدماغ من انفعال العصب المخي عن الواقع الخارجي، والعصب الإنساني أو الحيواني لها خاصّة التوليد غبّ تأثير المادة الخارجية، وهو نتيجة الإحساس.
إنّ الأُصول المادية قد أثبتت: أنّ تأثير الطبيعة الخارجية ليس على نسق واحد بل يختلف حسب اختلاف البيئات والجو الذي احتضن فيه هذا الموجود المادّي، فالمادّة لم تزل مختلفة البيئة، متغيّـرة الجو، واختلافهما يوجب اختلافاً في التأثير، والأثر الحاصل منه من غير فرق بين المادة الخارجية والأعصاب الدماغية.
ولما كانت الحقيقة عبارة عن الأثر البارز في الدماغ غبّ تأثّرها عن المادّة الخارجية، لا يتّصف أيّ إحساس منّا بالخطأ، إذ لا يترقّب من هذه المقدمات غير ذاك ولا يترتّب
1- MATERIALISME DIALECTIQUE.


(194)

ثمّ المادّة الخارجية، ليست متقّطعة الأجزاء، منفصلة الأعضاء حتى يستقل كل جزء منها بالتأثير ، بل العلقة والارتباط موجودة بين أجزائها دائماً من غير فرق بين الإنسان وغيره.

إذا وقفت على هذين الأمرين (الإدراك عبارة عن الأثر البارز في الدماغ، وانّ المادّة على نحو الإطلاق يؤثّر بعضها في بعض) يتجلّـى لك حقيقة القول بنفي العلم بالواقع المطلق، إذ يمتنع أن يتصل الإنسان بنفس الحقيقة المطلقة من دون أن يمس بكرامة الواقع، إذ المدرك والمحسوس لنا ليس نفس المادّة الخارجية الفاعلة، ولا الأجزاء العصبية المدركة المنفعلة، بل الأثر البارز في الأعصاب الذي هو وليد المادّتين.

قالوا: وعلى هذا الأصل (امتناع حضور الواقع لدينا بإطلاقه وسذاجته) يترتّب نفي وجود العلم المطلق والصواب المطلق والخطأ المطلق، بل الصواب والخطأ أمران نسبيّان.


على العصب المتأثّر عن المادّة الخارجية المحتفّة بهذه الشرائط، إلاّ ذاك الإدراك، ولو فرضنا الوضع والشرائط على غير هذا النحو، أو كان الإحساس في جو آخر لاختلف الإدراك والإحساس.
وهذا هو الحل الأساسي لحل معضلة أُخرى، وهي أنّه لماذا يختلف الناس في قضائهم وإدراكاتهم، وإحساساتهم، بل يختلف الرجل الواحد في قضائه باختلاف زمانه، وما هذا إلاّ لاختلاف الظروف والبيئات التي لها مدخلية تامة في الإدراك، بل يمكن أن يكون مستنداً لاختلاف الأعصاب ومحال الإدراك، وأن يكون النظام العصبي في كل واحد مختلفاً حسب الخلقة الأصلية.
فإذا كان الإدراك نتيجة علله وشرائطه الخاصّة به فلا معنى لرمي أيّ إدراك منّا بالخطأ، بل كل تفكير منّا صحيح صواب إذا قيس إلى العوامل التي أوجدته وعلله التي أحدثته، كما أنّ ضده ونقيضه أيضاً متصف بالحق والصدق، بالنسبة إلى البيئة التي يعد


(195)

توضيحه: أنّ وجود كل شيء رهين شرائط زمانية ومكانية، ولا يشذ عنه الإدراك، فلوجوده شرائط مثل ما لغيره، فيتوقّف وجوده على مقدّمات ومعدّات لا يوجد بدونها، وعلى ذلك فكلّ ما أدركه الإنسان أو أحسّه فهو صحيح نسبي، أي صحيح بالنسبة إلى المقدّمات والعلل التي أوجبت إدراك ذلك الشيء، وبالقياس إلى الشرائط التي حفّت به.

وإن شئت قلت: كلّما يرد إلى الذهن من تفكير وإدراك وإحساس فهو صحيح بالنسبة إلى علله وشرائطه الحافّة به، بمعنى أنّ هذه العلل والشرائط، لا تنتج غير هذا الفكر والإحساس، ولا يتفرّع عليها غير هذا الفرع، ولو تغيرت شرائطه لصارت النتيجة غيرها.

مثلاً: أنّا نرى الجسم في ظروف خاصة، ذا حجم كبير، ونراه في شرائط أُخر ذا حجم صغير، وكل من الإدراكين صواب بالنظر إلى علله وشرائطه التي تختلف نتيجتها باختلاف شرائطها لا بالنظر إلى غيرها.


وليدهما، وإلى شرائطه وموجباته.
مثلاً: المداد والقلم، يُرى في الماء منكسراً وفي الهواء مستقيماً، وليس هذا خطأ في الإدراك ولا قصوراً في العلم، بل القصور إنّما هو في التجربة، فإنّ تأثير الجسم يختلف باختلاف محيطه وجوِّه، وله في كل جو أثر خاص. ولا يصحّ أن تكون التجربة مبدءاً لتسمية أحد الإدراكين بالحقيقي والآخر بالمجازي، بل التجربة تقضي على خلافه وأنّ كل واحد منهما إحساس حقيقي واقعي.
هذا البيان الضافي الذي أورده المادّي وحاول به أن يتفصى عن معضلة الخطأ، لا يسمن ولا يغني، فإنّ تطور الجو يورث اختلافاً في الإدراك حتى لا سترة فيه، غير أنّ ذلك لا تُحل به مشكلة الخطأ فانّه ماذا يريد من قوله التفكيرات الإنسانية مهما بلغت إلى قمّة الاختلاف، كلّها حقائق وليس واحد منها بكاذب؟ فلو كان يحاول جعل اصطلاح في تعريف الحقيقة، وانّها عبارة عن الأثر البارز في سطوح الدماغ وحفرِهِ من مواجهة


(196)

قالوا: وعلى هذا الأساس لا يسمح لك أن تحكم على إدراك بأنّه صواب مطلق، أي أنّه عين الواقع حقيقة بلا زيادة ونقصان، لأنّك لا تناله إلاّ بعد تغيرات وتصرّفات، ولا أن تحكم بأنّه خطأ مطلق، لأنّ كل مدرك بالنظر إلى علله وشرائطه التي أوجبته صحيح وصواب، بمعنى أنّ هذه الشرائط والعلل لا تنتج غيره ولا تحدث إلاّ إياه.

وعلى ذلك: فيؤول كون الإدراك صحيحاً أو غير صحيح، إلى النسبية. ومثل التفكير الإحساس العضوي، فلو واجه العضو الحاس أجزاء كثيرة من المادة محفوفة بشرائط الزمان والمكان، فهو أشد صواباً وأكثر مطابقة من خلافه.

وإن شئت فاستوضح المقال بمثالين:

لكلّ جسم حجم واقعي مع قطع النظر عن إدراكنا وإحساسنا لكنّه متحوّل متبدّل غير واقف على حدّ، وبما إنّ المادّة الخارجية مرتبطة الأجزاء،


الحاسّة بالمادّة الخارجية، فلا نكافحه بالرد والنقد، إذ لا مشاحّة في الاصطلاح وإن أراد من الحقيقة ما هو المعروف بين الفلاسفة العظام بأنّها الإدراك المطابق للواقع، فلا ينتج ما رامه، فإنّ لكل شيء واقعية محفوظة معينة والمثال الذي ذكره أوضح دليل عليه فإنّ للمداد مع قطع النظر عن أنّه في الهواء أو في الماء شكلاً مخصوصاً وهو إمّا منكسر أو مستقيم، فأحد الإدراكين خطأ وغلط.
نعم، الأمواج المنبعثة من الجسم المرئي الواردة إلى العضو الحاس، وإن كانت تختلف مواضعها، فإنّ النور ينكسر في الماء دون الهواء ولأجله يرى الجسم في الماء منكسراً بخلافه إلاّ انّ ذاك الاختلاف لا يترتّب عليه ما رتّب عليه المادّي من النظرية الفلسفية، أعني: ادّعاء كون الإدراكات كلّها حقيقة وصواباً، إذ البحث ليس في أنّ لكل معلول علّة، ولكل إدراك سبباً، ولا في أنّ قوَّة الأعصاب ليس في جميع الأفراد على نسق واحد، وانّ اختلاف الجو يورث اختلافاً في الإدراك، بل البحوث في أنّ أيّ واحد من الإدراكين يطابق


(197)

فلا يمكن الوقوف على الحجم الواقعي إلاّ بعد الوقوف على العالم كلّه، والموجودات عامّتها، والشرائط الزمانية والمكانية كافّتها. وبالجملة: الوقوف على كل ما له مدخلية بالفعل أو كان له مدخلية في تكوّنه، وقد استقام في محلّه أنّ المادّة الخارجية مرتبطة الأجزاء، متلاصقة الأبعاض، يؤثّر بعضها في بعض ولا تجد موجوداً مادّياً إلاّ وهو مرتبط بعامّة الموجودات الحاضرة والغابرة، وهذا معنى قولنا: إنّ أجزاء المادّة يؤثّر بعضها في بعض، وأنّ الطبيعة الخارجية يحكم عليها التأثير والتأثّر، تأثير الكل في الكل وارتباط الكل بالكل، فلا يستقر أمر الجسم الخارجي بإفراز وجوده، وعزله من قرنائهوأعداله، ما لم يقع في صفوف سائر الموجودات حتى يحاسب بحسابه.

وعلى الجملة: الميزان في الوقوف على الحد الواقعي للجسم، هو سرد عامّة الحوادث والموجودات، لمدخليتها في وجوده ونشوئه، ولا يتحصّل تحليل


الواقع، فإنّ المداد في حدّ ذاته إمّا مستقيم أو منكسر، وليس خارجاً منهما ولا جامعاً لكلا الأمرين، فأحد الإدراكين خطأ محض.
المادّي شكّاك في علومه وإدراكاته:
إنّ المادّيين اليوم ـ أعني أتباع الفلسفة المادّية المتحولة ـ يفرّون من السفسطة والتشكيك، فرار المزكوم من المسك، ويعرّفون مسلكهم بمسلك الجزم واليقين، حتى صاروا بتصحيح الفروض التي أبطلها العلم والتجربة بطريق سيوافيك بيانه، وهو الاعتقاد بكامل الحقيقة، وانّ لها مدارج ومراتب.
غير أنّ المقياس لتشخيص الشكّاك عن غيره، ليس التقوّل بهذه الكلمات الفارغة، بل الميزان هو الخطة التي اتخذها عند البحث عن قيمة العلوم والإدراكات، وإلاّ فالسوفسطائي والشكّاك كلّهم هاربون عن رميهم بالشك والسفسطة.


(198)

حجم الجسم وتفصيله إلاّ بالوقوف على تاريخ وجوده، وما مضى عليه من تحوّلات، وما كان دخيلاً في وجوده وتكوّنه.

وبما أنّ عامّة الموجودات وكافّة الحوادث في صف واحد في مبدئيّتها لوجوده، فالوقوف على الحد الواقعي منه لا يحصل إلاّ بالوقوف عليها كافّة، ولكن تلك الكائنات والشرائط زمانيّها ومكانيّها غير المحدودة حتى العضو الحاس، لا يمكن أن تحل في العضو الحاس، فلا جرم وجب أن يعد الوقوف على الحد الواقعي أمراً محالاً.

نعم ما يمكن الإدراك هو الوقوف النسبي والصواب النسبي على ما عرفت تفصيله.

مثال آخر:

إذا سمعنا أنّ واحداً من ذوي الشخصيات انتخب لكرسي الوزارة، فربّما يستقبل الشعب النبأ ويحتفل به، ويذيعه المذياع بما أنّه أهم الأنباء


وكل يدّعي وصلاً بليلى * وليلى لا تقرّ لهم بذاكا

فإنّ «بر كلاي» (1) و «كانت» (2) ونظراءهما الذين لا يعترفون بشيءولا يرون أنّ في الدار دياراً غيرهم وقد أسّسوا مقالاتهم وتجادلهم في البلاد، أساس السفسطة، بدعوى الجزم واليقين.
غير أنّي أظن ـ وظن الألمعي صواب ـ إنّ المادّي أيضاً قد غرق في هذا البحر اللجّي، ولم يتخلّص من مخالب الشك، وإدراكه العباب من طريق آخر، فمن جانب حصر حقيقة التفكير والإدراك على الأثر المادّي البارز في محال الإدراك، الحاصل من تفاعل المادّتين أو انفعال واحدة منهما عن الأُخرى وقوله: إنّه ليس وراء هذا الأثر أمر آخر، ومن جانب

1- Berkloy.
2- Kant.


(199)

وتنشره المجلات والجرائد، لكن هذه الوسائل وإن أُعطيت لها من القدرة والقوة لتحليل عللها، لا تقدر على تفسير موجباتها وعواملها التي أحدثتها، إذ هذه الحادثة رهينة شرائط غير متناهية، وهي لا تنقطع حتى تتصل بالحوادث الواقعة في الأيام الخالية، وهذه السلاسل من الحوادث التي لا تكاد تقف على حد تعد حدوداً ورسوماً ومعرفات لهذه الحادثة، لا يمكن تحليلها إلاّ بسردها والتدبّر فيها.

إذا عرفت هذين المثالين فهلمّ معي نحاسب الحد الذي يمكن لنا أن ندرك من الحقيقة وما معنى قولنا: هذا صحيح وهذا خطأ، فنقول: إذا واجه العضو الحاس أجزاء كثيرة من المادّة الخارجية، ووقف الإنسان على شرائط كثيرة لهذه الحادثة (على ما عرفت في المثالين)، فالإحساس والإدراك صحيح، صحّة نسبية، بمعنى كثير المطابقة، وقليل المغايرة. ولو واجه العضو الحاس أجزاء قليلة (كما في مشاهدة الجسم) أو وقف على شرائطه لكن على نحو أقل من السابق، فالإدراك والإحساس خطأ نسبي، بمعنى كثير المغايرة،


آخر أمضى مقالة النسبيين وفسّـر تطوّر الإدراك واختلافه، باختلاف الأعصاب ومحالّ الإدراك، وعلّل اختلاف الباحثين في قضائهم وأفكارهم باختلاف مراكز إدراكاتهم، هذه المقالات قد جرّت المادّي إلى شفير السفسطة ودونك خلاصة أنظاره في المقام.
حقيقة الإدراك عند المادّي، عبارة عمّـا تكرر منّا بيانه، وهو: أنّ الفكر خصيصة من خصائص الأعصاب الدماغية المتشكّلة على نظام خاص، غير أنّ هذه الخصيصة انّما يظهر سلطانها إذا تأثّرت الأعصاب من المادّة الخارجية كتأثّرها من الأمواج المنبعثة من الخارج الواصلة إليها من طريقي السمع والبصر .
وإذ حمل العصب الدماغي، أثاراً مادّية من طرق الحواس، يستعد للتفكير والتفكّر، والاستدلال وإقامة البرهنة ويستطيع على حل المسائل الرياضية، وكشف القوانين الكلّية، وإدراك المسائل الكلّية الفلسفية، ولا يجوز عدّ التفكير عملاً خارقاً للقوانين العادية الطبيعية، إذ ليس التفكير، إلاّ التفاعل الكيماوي الطارئ في المخ غبّ تقابل المادتين.

(200)

وقليل المطابقة وقس على ذلك كافة الإحساسات والإدراكات، وخذ ذلك مقياساً عند القضاء بالصحة والخطأ فليس لنا إدراك صحيح مطلق بأن يماس العضو الحاس متن الواقع بعينه ولا يكون أدنى اختلاف بين المدرك والواقع ولا تصرف من القوى، ولا خطأ مطلق بأن لا يماسه أصلاً على ما تقدم توضيحه.

إذا وقفت على ما ذكرنا (مدخلية العضو الحاس والشرائط الحافّة به في كيفية الإدراك وتلوّنه باختلافها) لا نستبعد أن يفارق الإنسان سائر الموجودات التي لها قوّة الإحساس والإدراك في كيفيّتهما، وأن تتجلّـى المناظر والقلاع، والجبال الشاهقة والهياكل العظيمة والصغيرة لغير الإنسان لا على النحو الذي تتجلّـى له، ولعلّ الكراسي المربعة والمناضد التي بمرأى ومسمع منّا بشكل خاص ولون معيّـن، يدركها غيره لا على النحو الذي ندركه، وقد أيّدته التجارب وإن لم يصل إلى حد اليقين.

ومن المحتمل جداً أن تتغير علوم الإنسان، بديهيّها ونظريّـها إذا خرج


ثمّ إنّه لا دليل على أنّ الأعصاب ومحال الإدراك في الجميع على نحو واحد، وسنخ فارد، بل من المحتمل جداً اختلافهم فيها حسب الخلقة ويورث هذا اختلافاً في الإحساسات وتطوّراً في الإدراكات، خصوصاً إذا أُضيف إليه، اختلافهم في البيئة، وجوّ الحياة، فإنّ لتطوّره حظّاً وافراً في تلوّن التفكير الإنساني إحساساً وإدراكاً، ولذلك لا يجوز لنا ن نترقّب ممّن نشأ وشبّ وترعرع في غير كوكبنا هذا، أن يتحد معنا في الإدراك والإحساس بل لعله يختلف معنا حتى في أبسط القضايا وأوضحها فلعلّ 2*2 يساوي عنده 3، بل لعلّ هذه القوانين الفيزيائية والكيميائية والرياضية تتمثّل عنده بغير الوجه الذي نعتقده، وليس واحد من التفكيرين خطأ، بل الكل صحيح،إذ ليس التفكير سوى كونه وليد العوامل المختلفة والشرائط التي أحاطت المدارك الفكرية وهو موجود في الرأيين المتضادّين.
هذه خلاصة أنظارهم، وقد فصل هذه النظرية، شيخ المادّيين في كتابه ماتريالسيم ديالكتيك، تجدها مشروحة طي صفحات (34ـ 39).

(201)

عن هذا الجوّ وتجرّد عن هذه الشرائط وعرج إلى جوّ وكرة أُخرى.

فهو منذ هبط إلى مهد الوجود في هذا الكوكب يرى 2 × 2 مساوياً للأربعة، ولو غيّـر مهد نشوئه ونموه، لعلّه يراهما مساوياً للثلاثة.

استنتاج:

استنتج المادّي من هذا البحث أيضاً عدة أُمور:

1ـ أنّ الحقيقة تغاير الواقع، إذ الوارد إلى الحاسة حقيقة وليست بواقعية وأنّ الثانية لا ينالها الإنسان على ما هي عليها.

2ـ الصحّة والخطأ من الأُمور النسبية، والإدراك الصحيح و الغلط على وجه الإطلاق ليسا موجودين.

3ـ الإدراكات العلمية (الحقائق) فروض علمية تتكامل من صورة إلى أُخرى، من مرتبة ناقصة إلى مرتبة كاملة، وللتكامل والتحوّل سيطرة عامّة


وقد تقدّم منّا مقال في إبطالها في المقالة الثالثة، وسيوافيك بعض القول في إبطالها في المقالة الخامسة، حيث تعرف هناك إنّ لنا قضايا ثابتة وعلوماً غير متغيرة، صادقة في كل جيل وفي عامّة الأدوار والأكوار، وقد اعترف المادّي ببعض العلوم الثابتة من حيث لا يشعر.
عزب عن المادّي انّ تلك النظرية ـ أي نظرية مادّية التفكير وانّ الإدراك وليد عوامل مادّية، وانّ للعصب الدماغي وتشكّله ونظامه مدخلية في الإدراكات والإحساسات، وانّ كل تفكير تابع للنظام الموجود، في الدماغ ـ يجر الويل بل الويلات على المادّي إذ مآل سلب الاعتماد على العلوم سلب الطريقية عنها، وإبطال كل مسلك فلسفي، حتى المسلك الذي شاد المادّي بنيانه، يوجب ذلك أن تكون القوانين الطبيعية، كلّها متلقاة بالشك والترديد فإنّ الانسان لا ينال الواقعية، المحفوظة ولا يتصل بها، وما يجده من الإدراك ليس إلاّ نتيجة النظام الموجود في محال إدراكه، ومعاقد تفكيره، وهذا عين

(202)

على الأفكار كلّها، فلا تقف فكرة عند حد، ولا تنقطع في مرتبة خاصة، والتحوّل من القوانين العامّة الجارية في مراتب المادّة بشراشرها خارجية كانت أو ذهنية.

ولذلك ضربت الفلسفة المادّية على البديهيّات الدارجة في المنطق الدائر بين الإلهيين الذي تدور عليه رحى الأفكار الجامدة بقلم عريض، فإنّ هذا المنطق العقلي يبتني على ثبات الأفكار وجمودها، وقد قضت العلوم المادّية الراقية اليوم على الصمود والجمود.


القول بالسفسطة قد جاء بها قوم أبادهم الدهر وأهلكهم سير العلوم، غير انّ المادّي قد أحياها بعد اندراس.
لفت نظر:
عدّ المادّيون الفيلسوف الغربي الطائر الصيت «كانت» من الشكّاكين ودونك خلاصة نظره:
يعتقد «كانت» انّ الذهن الانساني، يخلق ويخترع من عند نفسه ما لا وجود له في الخارج، كالزمان والمكان، ويورث ذلك اتصاف كل إدراك ذهني بوصفي الزمان والمكان، وان كان المدرك في الخارج عارياً عن الوصفين، غير انّ هذا اللون جاء من ناحية الذهن.
ورتّب على ذلك انّ بين المفاهيم الذهنية، والمصاديق الخارجية بينونة واضحة، فإنّ الموجود الخارجي عار عنده عن الوصفين المخترعين وان كان متّصفاً بهما في الذهن ولأجل هذا فرّق «كانت» بين الواقعية الخارجية والصور العلمية القائمة بأذهاننا.
جاء المادّيون بعده فرموه بالتشكيك، والسفسطة مع انّه لا فرق بين المقالتين.
فانّ «كانت» حكم بمغايرة الصورة الحاضرة لدى الأذهان والمصاديق الخارجية، لانصباغ الصور العلمية بالمعاني المخترعة من ناحية الذهن فتنسلخ السذاجة والبساطة عن الصور العلمية.
وهذا عين مقالة المادّي، إذ هو يقول: إنّ الصور العلمية والتفكيرات والإحساسات متلوّنة بلون العصب والمحيط غير انّه أتى بشيء زائد وهو أنّ لكل ذهن جوّاً خاصّاً


(203)

جولتنا في جواب المادّيين:

هذا البيان الضافي من المادّيين لا يرجع إلى شيء والفيلسوف مهما أسفّ عن أوج عظمته، لا يليق له أن يتفوّه بشيء لا يدعم بالعقل الصحيح والارتكاز الواضح، وقد مر نزر يسير من هذا البيان في بعض المقالات وعرّفناك قيمة هذه النظرية في سوق العقل والاعتبار الصحيح، وأنّها بعينها مختار السوفسطائيين، والمآل ـ بعد حذف المقدّمات ـ واحد.


وصبغة مغايرة مع الذهن الآخر، وإنّ لكل عين منظاراً يختصّ به، فههنا اختلافان، اختلاف المعاني الذهنية مع واقعيّاتها الخارجية، واختلاف نفس الصور باختلاف الأذهان وتعدد الجوّ واختلاف الأعصاب من حيث الخلقة. وانّ الحقائق تتجلّـى عند كل واحد منّا بصورة خاصة لاختلاف في الآلات والأدوات الإدراكية.
فرق آخر بين المقالتين:
إنّ المادّيين و «كانت» وإن جاءوا بمقالة واحدة وهو أنّ الصور العلمية لا تتحد مع واقعيّاتها من حيث الماهية غير أنّ «كانت» قد قصر نطاق بحثه على عوارض الأشياء وخصائصها الظاهرية واعتقد أنّ الناس ينظرون إليها، بمنظار خاص تتلوّن بلونه.
وأمّا المادّيون فقد عمّموا البحث على العوارض والذاتيات، على الخصائص الظاهرية والجواهر، وقالوا إنّ كل فرد ينظر إليه بمنظاره الخاص، فلا العوارض حاضرة لدينا على ماهي عليها ولا الجواهر والذاتيات.
ومع هذه القرابة بين النظريتين جاء المادّي لا تروقه نظرية «كانت» يرميه بالسفسطة، غافلاً عمّـا في مقاله من السفسطة بوجه أشدّ.
ماذا يعني المادّي من تكامل المفاهيم ويسمّيه بتكامل الحقيقة:
جاء المادّي في القرن العشرين بخطة خاصّة وقام بحذف الجمود والثبات في العلوم


(204)

إذ القول بأنّ الحاضر لدينا عند الإحساس لا يساوي الخارج، بل الحاضر لدى قوانا هو الأثر المتولّد من تأثّر ، الحاسّة عن المادّة الخارجية، مستدلاّ ً بأن الفرع غير الأصل، والثمرة غير الشجرة، لا ينتج إلاّ نفي العلم بالخارج (السفسطة) فإنّ الصورة العلمية إذا لم ينطبق على مصداقها، فمن أين علمنا أنّ وراء علمنا خارجاً، والمفروض أنّ الصورة العلمية لا تكشف عن معلومها الواقعي وقد مرّ توضيحه.

أضف إليه ما أوضحنا برهانه وهو أنّ الإدراك ليس أمراً مادّياً وإن كان يتوقّف على مقدّمات مادّية وأعمال فيزيائية، إلاّ أنّ نفس الكشف والانكشاف (العلم) لا تنطبق عليه خواص المادّة العامّة، ولا نجد فيه ما يعد خواصاً للمادّة.

هلمّ معي نسألهم عن التهلكة التي وقعوا فيها من حيث لا يعلمون وخربوا ديارهم بأيديهم، إذ هذه النتائج التي استنبطوها من هذا البيان،


والقضايا والتفكير، معتقداً بأنّ الحقائق والمفاهيم تتكامل يوماً بعد يوم، وقد برهنوا على مقالهم بعدّة وجوه خلطوا الحق بالباطل، غير أنّ المقصود من تكامل الحقيقة ليس ما اتفقعليه الفلاسفة العظام، من أنّ العلوم البشرية تتكامل يوماً بعد يوم، وفي جيل بعدجيل، وأنّ الفروض العلمية، تتبدّل وتخلف عنها فروض أُخرى، ودونك بيان هذه الوجوه:
1ـ انّ التفيكر خصيصة مادّية، وليس هو إلاّ الأثر البارز في الدماغ وهو جزء من البدن الإنساني الذي لا يشذ عن سائر أجزاء الطبيعة من حيث التحوّل والتغيّـر ولا يفترّ عن الحركة والتبدّل آناً واحداً، وعليه فالدماغ وما فيه متغيّـر متبدّل متحرّك من صورة إلى صورة، متكامل من النقص إلى الكمال، والمفاهيم الذهنية والصور العلمية، مخزونة في الدماغ بوجودها المادّي فلا محالة يعرض لهما التبدّل والتكامل.

(205)

وزعموا أنّها دعائم فلسفية، ليست بثابتة ولا مبرهنة، فإنّ قولهم في النتيجة الثانية ليس عندنا صحيح مطلق ولا غلط مطلق، يبطل أساس قولهم، ويصادم نفس بيانهم، لأنّ قولهم هذا ليس عندنا صحيح مطلق ولا ... قد أُلقي إلينا بصورة أنّه صحيح مطلق، وأنّه صادق على وجه الإطلاق، ولو قال القائل: إنّه قد أُلقي على الوجه الصحيح النسبي، وأنّه نفي نسبي، يصير الفساد والتناقض أفحش لأنّه تستلزم أن يكون عامّة الإدراكات غير هذا النفي، صحيحة مطلقة، إذ المفروض أنّ سلب الإطلاق عن الباقي سلب نسبي لا مطلق، ولازم ذلك اتّصاف الباقي بالإطلاق.

والحاصل: أنّ الأمر دائر بين أخذ النتيجة الثانية (ليس عندنا صحيح مطلق إلخ) من قبيل الصحيح المطلق، فيلزم أن يناقض الفرع أصله وتحترق بالثمرة نفس الشجرة وعرقها، وتصادم النتيجة أصل البرهان، فإنّ المادّي اعترف في ضمن نفي الصحة الإطلاقية عن الباقي، بوجود تفكير صحيح


جوابنا عن استدلالهم:
قد أوضحنا فيما تقدم أنّ الصور الذهنية والمفاهيم العلمية أُمور مجرّدة عن المادّة لعدم احتفافها بأحكامها العامّة، إذ نجد العلوم والمعارف ثابتة بعد مضيّ حقب كثيرة، مع أنّ الدماغ وما فيه قد تبدّل إلى غيره واستخلف عن أجزائه أشياء أُخر، ولو كانت الأُمور العلمية عين تلك الأجزاء، لزم انعدامها وتغيّـرها غبّ تغيّـر الدماغ وأجزائه.
أضف إلى ذلك: أنّه لو سلّمنا كون الفكر أمراً مادّياً وأنّه لا وجود له وللمفاهيم الذهنية سوى كونه نفس أجزاء المادّة الدماغية، لكن نقول إنّ تحوّل الطبيعة وتكامل المادة ناموس عام وضروري للطبيعة بأقسامها، وعليه فالتكامل لا يختصّ بتفكير دون آخر، بدماغ دون دماغ، فالانسان بأفراده والذهن بأقسامه، والمفاهيم بشراشرها، متحوّلة متكاملة، متغيّـرة من غير فرق بين دماغ المادّي وتفكيره، والإلهي وتصوّراته، إذ المفروض كون التكامل قانوناً عامّاً وناموساً مطرداً، على نحو الجبر والضرورة في ذات الطبيعة، وليس أمراً اختيارياً


(206)

مطلق وبين أخذها صحيحاً نسبياً حتى يستريح من هذه المناقضة، ويلزم عندئذ انحصار الصحيح النسبي في قضية واحدة وهي تلك النتيجة، وأمّا الباقي فهو متصف بالصحة المطلقة، إذ المفروض أنّ سلب الإطلاق عنه لم يكن بالسلب المطلق بل على وجه السلب النسبي ولازمه بقاء الباقي على صحته الإطلاقي.

قف أيّها المستشف للحقيقة، والمضطهد دونها واسألهم عن النتيجة الثالثة (ليس لنا علم ثابت) فإنّ المادي زعم أنّ العلوم الراقية قضت على الأُصول والعلوم الثابتة ، واسألهم عن هذه الجملة (ليس لنا علم ثابت) هل هو نظر ثابت وتفكير باق مدى الدهور والأيام وإدراك غير متغيّـر، أو هو كسائر علومنا، متغيّـر، غير ثابت؟

فلو قال بالأوّل، فقد جاء من بين آلاف العلوم، بعلم ثابت، وإدراك غير متغيّـر ونقض قاعدته.


حتى يُكبّ إليه المادّي ويُمنع عنه الإلهي، ويترتّب على ذلك، أنّ أُسلوب التحوّل والتكامل، ليس منطقاً مخصوصاً للمادّي دون قرينه، إذ على كون الحركة ناموساً عامّاً ضرورياً لا يوجد في الكون ديار يخالف ذاك الناموس بأن يختصّ بأُسلوب الصمود والجمود، والثبات في التفكير، والدوام، وإلاّ يلزم أن لا تكون الحركة قانوناً عامّاً جبريّاً.
نعم فرق بين المادّي وخصمه، أنّ المادي متوجّه بأُسلوب تفكيره والإلهي مع أنّه لا يشذ عن قرينه في الأُسلوب حسب الواقع يحسب فكره ثابتاً غير متحوّل، ولكنّه مخطئ في مزعمته هذه، إذ المادّة في الجميع واحدة والحكم سار جار من غير تفريق، فما اتّخذه المادّي خطة لنفسه لا يختصّ به في نفس الأمر، بل يعمّ الجميع.
2ـ وهذا الوجه مبني على أصلين:
(الأوّل): إنّ التغيّـر والحركة من النواميس العامّة لأجزاء الطبيعة ولا يشذ عن ذلك الحكم أي جزء منها، وهذا ما يعبّـر عنها بأصالة التغيّـر والحركة.
(الثاني): إنّ الموجودات الخارجية والطبيعية المتغيّـرة المتحوّلة بجملتها كموجود


(207)

وإن قال بالثاني، يلزم ثبات سائر العلوم والإدراكات، إذ المفروض أنّ قولنا: ليس لنا علم ثابت، ليس نفياً ثابتاً في جميع الأدوار والأحوال حتى ينتج تغيّـر عامّة العلوم وتبدّلها في هذه الأدوار.

وعلى الجملة: انّ هذه النتيجة، كسائر النتائج التي استنتجها المادّي وليدة ظروفها، ومحصولة جوّها، فلو تغيّـرت الشرائط، وانقلب الجوّ الاقتصادي، أو العلمي مثلاً إلى جوّ آخر، لانقلب هذا إلى تفكير آخر، وربّما يتبدّل النفي بالإثبات، وعلى هذا لا يقام لآراء المادّي وأُصوله واستنتاجاته، وزن ولا قيمة على وجه الدوام والثبات، إذ هو يرى التفكيرات الإنسانية ولائد جوّه، ونتائج محيطه، فكلّما اعتمد عليه المادّي، وليد جوّه، ومولود محيطه، لو انقلب المحيط، وتبدّل الجوّ إلى آخر لذهبت أُصول فلسفتها وفروعها، بنيانها وأساسها عامّة، بلا استثناء.


واحد، يتّصل بعضه ببعض يؤثّر بعضه في بعض، وهذا ما يعبّـر عنه بالتأثّر التقابلي أو الارتباط العامّ.
فالموجود المادّي يمكن تحليله على وجهين، فتارة يلاحظ ويطالع في حال السكون والثبات، والانقطاع عمّـا سواه، وأُخرى في حال التحرّك والتغيّـر، والارتباط بما ورائه، والتفكير الصحيح هو أن تطل بنظرك عليه بما له نعوت وأوصاف من التغيّـر والحركة والارتباط، وهذا ما يسمّيه المادّي بالمنطق التحوّلي (الديالكتيكي) والمفاهيم الذهنية إنّما تعدّ حدوداً واقعية وتسمّى بالحقائق الذهنية إذا صارت نظير الموجودات الخارجية وانطبقت عليها غاية الانطباق، واتصفت بأوصافها وصارت متغيّـرة متكاملة، مرتبطة الأجزاء، مؤثّرة بعضها في بعض وإلاّ لما سمح لنا أن نسمّيها حقائق ذهنية.
وما اعمتد عليه المادّي يضاد منطق الإلهيين ومذهبهم في تحليل الأشياء إذ هم لا يزالون ينظرون إلى الحوادث والوقائع بعين الصمود زاعمين جمودها وسكونها، وانقطاعها عن غيرها.


(208)

جولتنا في الموضوع:

حل مشكلة الخطأ في الحواس.

الأُصول المسلّمة في الفلسفة الإلهية، تشرح هذه المعضلة تحت مشراطها العلمي شرحاً واضحاً ودونك البيان:

إذا قيس موجود بموجود آخر فإمّا أن ينطبق أحدهما على الآخر، كالذراع والمتر، فانّ هذا المقياس إذا طبّق على طول آخر مثله يتراءى بينهما التوافق والانطباق، حالة التناسب والتآلف، ولكن إذا لوحظ هذا مع النقطة الهندسية (آخر الخط) تنعكس النسبة، تجد بينهما حالة التباين والتخالف، حالة عدم الارتباط والانطباق. كل ذلك ضروري.

وهذه الحالة لا تختص بالأُمور الخارجية بل توجد في الإدراكات الذهنية، إذ لا نشك في أنّ قولنا: الأربعة أكثر من الثلاثة، قضية تنطبق على


جوابنا عن هذا الوجه:
ما أُسّس من الأصلين لا يختصّ بالمادّي وإنّما تطفّل المادّي فيه على غيره من الفلاسفة العظام والأعلام من العلماء الطبيعيين.
فإنّ كون الحركة والتغيّـر من النواميس العامّة للطبيعة ما أثبته الحكيم الطائر الصيت «هرقليطوس» وكان يعيش في سادس القرون قبل ميلاد سيّدنا المسيح ـ عليه السَّلام ـ . وأمّا الأصل الثاني أعني: كون المادّة والطبيعة الخارجية بمنزلة موجود واحد، مرتبطة الأجزاء، يؤثر بعضها في بعض، فقد سبق المادّي العلمان الجليلان الأُستاذان «افلاطون» و «ارسطو».
أضف إلى ذلك: أنّ صدر المتألّهين مؤسّس الفلسفة الإسلامية في القرن الحادي عشر الإسلامي، قد أقام برهان الأصلين وشيّد أركانها، فأثبت ببراهينه أنّ المادّة الخارجية متحرّكة بجواهرها وأعراضها لا تفتر ولا تسكن، وانّ ما ترى من الأنواع والأصناف نتيجة تلك


(209)

واقعها، ونجد حالة الانطباق بينها وبين المادّة الخارجية، كما نجد حالة التباين بين قولنا: الثلاثة أكثر من الأربعة، وواقعها.

التدبّر في هاتين الحالتين أوجب تقسيم الإدراكات إلى الصواب والخطأ، فيقال: قضية صادقة أو كاذبة. وعليه لا يتحقّق الصواب والخطأ إلاّ بعد تحقق أُمور:

1ـ مقايسة النسبة الذهنية مع خارجها.

2ـ تحقّق الوحدة بين المقيس والمقيس عليه. وسيوافيك توضيحه.

3ـ الحكم بأنّ هذا ذاك، أو أنّ هذا ليس بذاك.

وعلى شرطية المقايسة، لا يتعقّل الصواب والخطأ في المعاني المفردة والمفاهيم التصوّرية، لأنّ المقايسة أمر لا يتحقّق إلاّ بعد تحقّق أمرين، والمفهوم المجرّد عن المحمول والنسبة مثل «زيد» لا يقاس إلى شيء آخر.

وبالنظر إلى الشرط الثاني، لا مناص عن ثبوت التجانس بين القضية


الحركة الجوهرية ورتّب عليه أنّ لكل شيء في كل آن حدّاً يختصّ به، فالحدّ الذي كان يصدق على الموجود الخارجي في ظرف خاص لا يصدق في غير هذا الظرف، فللشيء الواحد في آنين حدّان مختلفان.
وقد وافقهم أساطين الغرب، إذ فرضت عليهم الأبحاث العلمية والتجارب الطبيعية القولَ بكون الحركة والتغيّـر والتكامل والتصاعد من النواميس المطردة في الأحياء وجاءوا في ذلك بفروض «لامارك» و «دارون» وغيرهما، فاتّفقوا على اختلاف مسالكهم ومشاربهم على أنّ الطبيعة الخارجية كنهر سيّال لا يقف، وأنّ العالم بأرضه وسمائه، وكواكبه وما فيه متغيّـر، من حالة إلى أُخرى، متكامل من جانب إلى جانب، وما يرد إلى أذهاننا، من صور الحوادث وحدود الموجودات لا يصدق إلاّ في ظرف خاص، وهو الظرف الذي اتخذت المادّة فيه خطة خاصّة بعين ما أدركناه، وقد انقلبت إلى حدّ آخر واتخذت في التالي صورة أُخرى.


(210)

والواقع المقيس عليه، فلو لم يكن هناك أي تناسب وتجانس، لما تحقّق الصواب والخطأ لخروج المحل عن قابلية الاتصاف بأحدهما، فلو لاحظت القضية المتقدمة (الأربعة أكثر من الثلاثة) مع قضية أُخرى غير مجانسة، كقولنا: الألماس يقطع الزجاج، لم يتحقّق بينهما الصواب والخطأ.

وبالنظر إلى ثالث الشرائط: يظهر أنّ التطابق الواقعي وعدمه لا يكفيان في تحقّق الصواب والخطأ، بل يتوقّف تحقّقهما إلى الحكم بالاتصاف أو بسلبه وانّ هذا ذاك، أو هذا مسلوب عن ذاك.

المراحل التي لا تتّصف بالصواب والخطأ:

ستمرّ عليك هذه المراحل، والوجه في عدم اتصافها بأحدهما كون هذه المراحل متقدمة على حدوث وصفي الصواب والخطأ، ولا يعقل اتصاف الشيء المتقدّم بشيء لم يحدث بعد ودونك بيانها:


فليس من المغالاة في القول إذا قلنا إنّ القوى المنكرة كعدسة المصوّرة بالنسبة إلى الطفل الذي لم يزل ينمو ويتكامل ويتغيّـر من حال إلى آخر ومن مرتبة إلى أُخرى، فهذا المصوّر في كل آن تسجل صورة مغايرة للصورة التي سجلتها سابقاً، أو سوف تسجلها، فما سجلتها من الصورة في أوّليات حالاته لا تصدق إلاّ بالنسبة إلى تلك الحالة، ولو حاول واحد منّا أن يمرّ على واحد بعد آخر من أوضاعه وأطواره وأحواله وما توارد عليه من الصور والأشكال، يلزم عليه أن يمرّ على عامّة الصور التي سجلتها المصوّرة في صفحاتها الكارتونية حتى يصل إلى التصوير الذي اخترم فيه ذو العكس وقضى نحبه.
فالعوالم الخارجية من جبالها وبحارها وكواكبها وأقمارها متبدّلة الذوات، متغيّـرة الأوصاف لم تزل تسير من مدرج إلى آخر، إلى أن تصل إلى قمّة التكامل، فلا مناص لمن يرتاد الحقيقة ويبتغيها عن أن يطل عليها بنظره، ويطالعها بما لها من الأوصاف، ولا يتّخذ ما أدركه من أوّليات أنظاره حدّاً واقفاً وعنواناً ثابتاً، وهي لم تزل تتقلّب من حال إلى آخر، ومن صورة إلى أُخرى.


(211)

أُولاهما: انفعال الحاسة من الأثر الوارد إليها من الخارج من غير فرق بين الحواس، مثلاً الإدراك البصري يتوقف على مقدّمات، التي منها تحقّق عمل فيزيائي في الحاسة، وهذا لا يتّصف بالصواب والخطأ.

وبالجملة: العضو الحاس من الموجود الحي إذا تمهدت شرائط إحساسه يتأثّر العضو الحاس من المادّة الخارجية وترد إلى العضو الحاس، واقعية من خواص الجسم، ولكن الواقعية الواردة لا تبقى على صرافتها، بل يؤثر فيها العضو الحاس بما له من الخاصة الطبيعية، ويتولّد عند ذاك (إذا وردت واقعية من خواص الجسم إلى الحاسة، وتلون الوارد بلون العضو بتأثيره فيه) أثر مادّي آخر كأنّه عصارة الأمرين ففيه خاصة الجسم الخارجي (وهذا ما تقدّم من أنّ الحواس تصل إلى ماهيات الخواص القائمة بمحالها) وخاصة العضو الحاس لتأثره منه.

وفي هذه المرحلة، لا يتحقّق الصواب والخطأ لعدم الحكم. مثلاً الأنوار


إلى هنا اتّفق المادّي والإلهي، هلمّ معي نحاكم النتيجة التي رتّبها على الأصلين حيث قال: إنّ المفاهيم الذهنية انّما تعد حدوداً واقعية ومفاهيم حقيقة، إذا اتّصفت بنعوت محكياتها وأوصاف مصاديقها بأن يكون المفهوم الواحد الذي يحكي عن حالة خاصة موجودة في الطبيعة، متغير الذات مؤثراً بعضه في بعض، وهذا ما اختص به المادّي ولم أجد أحداً تفوّه به سوى «هيجل» (1) (أحد الفلاسفة في القرن الثامن عشر) وأما من الإسلاميين فلا تجد في كلامهم مقالاً يشعر به، إلاّ ما حكى عن المحقّق الدواني من نظريته الخاصة به في تفسيـر معضلة الوجود الذهني إذ يمكن استظهاره من بعض مقاله.
غير انّا نقول: إنّ تلك النظرية، مزعمة باطلة أبدعها المادّيون في هذه الأيام وتلقّاها البسطاء بالقبول وزعموا أنّها حقيقة راهنة.

1- HEGEL.


(212)

المنبعثة من المرئي إلى النقطة المتمركزة فيها الأشعة، المختلطة مع خواص العين، الهندسية والفيزيائية، لا تعد محالا للصواب والخطأ، كما هو واضح لمن تدبّر في شروطهما.

ثانيتهما: انّ القوة الموجودة في العضو الحاس تدرك هذا الأثر الوارد إليها، فالأنوار المتمركزة في النقطة الصفراء، تدرك على ما استقرت فيها مع ما لها من الأشكال الهندسية، والآثار الفيزيائية تدرك على ما فيها من النسب والأحكام من الصغر والكبر، والجهة والحركة، واللون والشكل والقرب والبعد وهلمّ جراً.

وعند ذاك تحكم القوة بأنّ هذا الجزء أكبر من ذاك، تقضي بأنّ ذاك الطرف أبيض، وتدرك أنّ تلك المناضد الفخمة الحمراء بعيدة من تلك النقطة وتقول بأنّ المجموع متحرّك إلى صوب معين، وقس عليه سائر الحواس.


عزب عن القائل: إنّ اتصاف مفهوم، يكونه مفهوماً حقيقياً مطابقاً للواقع، لا يتوقّف على أن يكون المفهوم الذهني مثل مصداقه، متكاملاً متغيّـراً مؤثّراً بعضه في بعض، إذ لو ترتّب على المفهوم ما يترتّب على مصداقه، فلماذا جعل أحدهما حاكياً والآخر محكيّاً إذ عند ذاك يعدّ الحاكي والمحكي من الموجودات الخارجية في عرض واحد، من دون أن يجعل أحدهما علماً وفرعاً والآخر معلوماً وأصلاً.
وأظن أنّ ما ذكروه وما سوّلته أوهامهم نشأ من شبهة دارجة في الوجود الذهني بحثها الفلاسفة الإسلاميون وأجابوا عنها بما لا منتدح للتقوّل فيه لأي مجادل، ولكن المادّي لمّا وقف عليها ولم يستطع إزالتها جاء بنظرية لا تقصر عن تلك الشبهة بل هي نتيجة من نتائجها، ودونك بيان الشبهة حتى تقف على الصلة الموجودة بينها وبين تلك النظرية:
قال القائل: اتّفق الفلاسفة العظام على أنّ الصورة الذهنية والمفاهيم العلمية عين ما في خارجها حدوداً وماهية، ولا يفترق العلم عن معلومه سوى اختلافهما في الموطن،


(213)

وعامّة تلك الأقضية تدور حول الأثر المادّي الموجود في العضو الحاس قبل أن نجعله طريقاً إلى واقع سواه قبل أن نستكشف به عن مرئي يحكى عنه، وهذا المقدار لا يكفي في الاتصاف بالصدق والكذب وإن بلغ ما بلغ ما لم ينضم إليه حديث التطبيق والمقايسة التي هي ثالثة المراحل.

ثالثتها: بعد ما وقفت على المرحلتين وعرفت أنّه ليس من الصدق والكذب فيهما عين ولا أثر هلمّ معي نحاسب المرحلة الثالثة.

إنّ القوة الحاكمة تجد الاختلاف البارز بين الصور العلمية، تجد أنّ بعضها على نظام خاص، لا يوجد إلاّ في ظروف خاصة، ولا يكفي في وجوده اقتراح التفكير الإنساني، وتخيّله، بل يتوقّف على مقدّمات وأُمور وراء اقتراحه. وانّ بعضها منها، لا يتوقّف إلاّ على الاقتراح وإرادة الإنشاء والإيجاد.

فهذا التطور والانقسام، يوقفه على أنّ بعض المدركات الذهنية تلقى إليه من جو آخر، وراء القوى الإدراكية وانّ قسماً آخر، لا يناله الإنسان إلاّ


وعلى ذلك يلزم أن تكون الصورة الذهنية من الجوهر جوهراً، ومن الكمّ كمّـاً، وهكذا، وعلى هذا يلزم أن تترتّب عليها عامّة ما يترتّب على مصاديقها الخارجية وتتّصف الصورة الذهنية بألوان من الأوصاف، وأقسام من الأحكام، أي بأحكام الكمّ والكيف والجوهر مع أنّها ليست إلاّ كيفيّات نفسانية، وليس لها من الآثار غير آثار الكيف النفساني فقط.
وقد أجاب الفطاحل من الفلاسفة عن تلك الشبهة بأجوبة، أوضحها وأحسنها وأتقنها ما حرّره صدر المتألّهين، ونحن نذكر لبّ جوابه بعد حذف مقدماته:
قال: إنّ الجواهر الذهنية ليست جوهراً بالحمل الشائع حتى يترتّب عليها ما يترتّب على الجوهر الذي يعدّ جوهراً بالحمل الشائع، بل هو جوهر بالحمل الأوّلي فلا حظّ لها من الجوهرية سوى كونها مفهوم الجوهر وانّ حد الجوهر وماهيّته يصدقان عليها كما يصدق على المصداق الخارجي ومثلها، الكم والكيف الذهنيّان، فالكم الذهني كم بالحمل الأوّلي لا غير. ولا تترتّب الآثار المترقّبة إلاّ على ما يعد كيفاً أو كماً بالحمل الشائع.


(214)

بالتخيّل، ويوضح المقال هذا المثال التالي:

افرض الصورة النارية، فإنّ القوى المدركة تقف عليها تارة من طريق القوة اللامسة أو الباصرة فتجد النفس عقيبها حرارة خاصة لا تنفك عن الإدراك، فهذا النحو من الصورة العلمية يتوقف على نظام آخر وراء الإدراك النفساني، وأُخرى لا من طريق القوة الظاهرية بل بتخييل من القوة الخيالية ولا يتوقّف على شيء وراء الإنشاء النفساني، وعندئذ تجد اختلافاً واضحاً بين المدركين، فالصورة الثانية صورة نارية لكن ليست بحارّة، منفكّة عن لوازمها وآثارها، وقس عليه عامّة ما ترد إلى القوى المدركة فإنّها لا تخلو عن حالتين:

وهذا التطوّر يدفع القوة الحاكمة إلى الوقوف بواقعية أُخرى وراء النفس الإنسانية، وإنّ لها مدخلية تامة في حصول بعض العلوم والإدراكات ويصير هذا أساساً لحديث التطبيق، أي تطبيق كل علم على معلومه وما في الذهن على خارجه.

فاتضح من هذا البيان أُمور:

1ـ انّ العمل الطبيعي الذي يتوقّف عليه الإدراك، ليس مصب الخطأ


هذا غيض من فيض، أو جرعة من غدير لا يقف على مغزاه إلاّ من عكف على دراسة الأُصول التي بنوا عليها أجوبتهم.
3ـ إنّ الطريق الوحيد إلى معرفة الأشياء، هو البحث عن الروابط الموجودة بينها وبين سائر الموجودات السالفة والحاضرة، والعرفان الحقيقي هو الوقوف على تلك الروابط البالغة إلى حد لا يمكن احصاؤها وان زعم الإلهي انّ العرفان الحقيقي هو التعريف بالحد والرسم، لكنّه اعتمد في رأيه هذا على المنطق الجامد الذي يرى الأشياء ثابتة غير متغيّـرة ولا متكاملة يراها منفصلة عن غيرها.
مثلاً: لو حاول المؤرّخ تحليل مسألة تاريخية، أو حاول الطبيعي تشريح نبات موضوع فوق منضدته، فلا مناص لهما عن الغور في الحوادث التي أوجدت تلك الأحدوثة،


(215)

أو الصواب.

2ـ انّ الأثر البارز في مدارك الإدراك يدرك على ما هو عليه ولكن لا يتّصف ذلك الإدراك بالخطأ والصواب أيضاً.

3ـ انّ القوى الحاكمة، تحكم في الأثر المادّي البارز في مراكز الإدراك بأحكام من الصغر والكبر، و ... ولا يتصف واحد من هذه الأحكام بالصواب والخطأ قبل أن نجعل الصورة العلمية طريقاً إلى واقع سواها، فالخطأ والصواب في مرحلة متأخرة عن هذه المراحل.

هل الحكم يتّصف بالخطأ والصواب:

قد تقدّم تقسيم العلم إلى التصوّر والتصديق، وعرفنا التصديق بأنّه الحكم بأنّ هذا ذاك. والحكم بالاتصاف ليس من مقولة التصوّر، بل هو فعل إبداعي للقوى المدركة، ليس له في الأعيان صورة تكوينية، حتى نجعل الصورة الذهنية وزان صورة علمية لخارجه، بل ليس له إلاّ وجود واحد يعد


والبحث عن الأطوار التي مضت على ذلك النبات إلى أن وصل إلى هذا الحد إلى أن عدّ ورداً زاهراً.
وبما أنّ الروابط الموجودة بين الشيء الذي نحاول عرفانه وسائر الأشياء أعم من السالفة أو الحاضرة فلا تبلغ إلى حد يسهل البلوغ إليه فلا محالة لا يتحقّق العرفان الحقيقي بها دفعة واحدة بل البحث والتنقيب يوقفانه على الروابط والصلات، على نحو التدريج، وكلّما وقف على رابط آخر وكشف عمّـا كان مخفياً عليه في سالف زمانه يتكامل العرفان الحقيقي، أو تتكامل نفس الحقيقة الذهنية وعلى ذلك فما وقف عليه من الروابط وكشف عنها، حقيقة بالنسبة إلى المراحل التي قطعها، لكنها خطأ بالنسبة إلى ما لم يقطعها ولم يقف عليها بعد ولم يتوفّق على كشفها وشرحها بمشراطها العلمي.


(216)

بوجوده الشخصي فعلاً للقوى المدركة وعلماً حضورياً له، وان شئت قلت: هو فعل إبداعي للنفس توجده في ظروف خاصّة من دون أن تنتزعه من الخارج، من دون أن يكون له مصداق فيه، حتى ينطبق عليه انطباق الإنسان على مصداقه والكلّـي على فرده إذ هذا شأن المفاهيم التصوّرية التي لها مصاديق أو مناشىء خارجية.

ولذلك صرّح الفلاسفة بأنّ الحكم والإذعان والتصديق أو ما شئت فسمّه معلوم لنا بعلم حضوري أي حاضر لدينا بوجوده لا بماهيّته ومفهومه وقد أوضحنا الفرق بين العلمين فيما تقدّم.

ثمّ إنّ الحكم يلاحظ على أنحاء:

(الأوّل): أن يلاحظ بمفهومه التصوّري ويضاف إلى القضية ويجعل جزءاً منها، وعندئذ يسلب منها التمامية، ولا يحصل السكوت بسماعها بل لابدّ من انضمام أُخرى إليها حتى يصح السكوت وتفيد الفائدة المطلوبة،


وبذلك يظهر انّ المعيار في الصواب والخطأ، هو أن تكون الصورة الذهنية، من الروابط المستكشفة كثير المطابقة أو كثير المغايرة.
جوابنا عن ذلك المنهج:
غير خفي على القارئ الكريم أنّ المادّي خلط بين الغث والسمين إذ نحن نسلّم إنّ الروابط الموجودة بين الشيء وسائر الأشياء لا تنتهي إلى حد، لكن إذا وقف الإنسان في سيره العلمي على واحدة من تلك الروابط فهو حقيقة وقف عليه الانسان في بحثه ولو كشف بعد برهة من الزمن عن رابطة أُخرى، لا يوجب ذلك تكاملاً في ذات الرابطة التي وقف عليها ولا في عرفانها الذي اكتسبه قبل هذا الزمان، بل هو باق على ما كان عليه، غاية الأمر كشف الإنسان عن صلة أُخرى وصعد من مدرج إلى مدرج آخر إذ الانسان لا يحيط بالروابط في آن واحد، بل يقف عليه تدريجياً وأين هو ممّا يدّعيه المادّي من تكامل


(217)

وهذا كما في القضايا الشرطية، فإنّ مقدمها قضية حملية نحو قولك ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، فقد جعل المتكلّم مقدّم الشرطية قضية حملية فضمّ إليها الحكم بمعناه التصوّري، لكنه خرجت بذلك عن الاستقلال والتمام بعد ما كان كذلك.

(الثاني): أن يلاحظ الحكم بمعناه الاسميّ ويجعل موضوعاً أو محمولاً للقضية، نحو قولنا: هذا الحكم صحيح، أو هذا الحكم خطأ، وعندئذ يخرج أيضاً عن الاستقلال والتمامية.

(الثالث): أن يلاحظ بمعناه الحرفي الاندكاكي كما إذا شاهد الإنسان اتّصاف شيء بشيء، فعند ذلك يجد نفسه منحدراً إلى الحكم والتصديق عند الاخبار، ويعدّ ذلك فعلاً خارجياً للنفس.

والحاصل: أنّ الواقعية الخارجية (اتّصاف شيء بشيء) تناله القوى المدركة بلا حكم وإذعان، ثم يتعقّبه الحكم من جانب نفسه بعد ذاك.


الحقيقة الذهنية وتبدّل العرفان البدئي إلى عرفان آخر يعد مرتبة كاملة له.
4ـ وخلاصة هذا الوجه هو التمسّك في إثبات ما يرتئيه المادّي من تكامل الحقائق الذهنية، بتكامل العلوم جيلاً بعد جيل، فانظر إلى طبيعي العلوم ورياضيّها، كيف تحوّلت وتبدّلت وتكاملت وترى كل يوم إنّ الفروض العلمية تتبدّل إلى غيرها، والقوانين التي يعتمد عليها البشر اليوم غير ما كان يعتمد عليه في القرون الغابرة وما يدرس في المعاهد العلمية في قرننا هذا، من الفلسفة والمنطق، يختلف جداً مع ما كانت دارجة قبل ألف سنة.
والذي يسهل الخطب هو انّ كلّ هذه الفروض والقوانين العلمية والأنظار الفلسفية والآراء الجديدة والقديمة، لها مسحة من الحقيقة ولمسة من الصدق غير انّ الدارجة منها في أعصارنا أقرب إلى الحقيقة، فانّها الصورة المتكاملة من هذه الآراء التي مضت عليها حقب وأعوام، وبذلك يتّضح تكامل الحقائق الذهنية والصور العلمية.


(218)

ولأجل ذلك يعدّ الخارج والواقعية النفس الأمرية (اتّصاف الشيء بالشيء خارجاً) مصداقاً ومطابقاً حقيقيّاً للقضية، ومصداقاً مجازياً للحكم بضرب من التأويل بمعنى أنّ الاتصاف الخارجي صار مبدأً لوجود التصديق وظهوره في لوح النفس بحيث لولاه لما كان عن الحكم والإذعان عين ولا أثر.

فبان ممّا ذكرنا انّ الحكم بمعنى التصديق والإذعان فعل إبداعي للقوى الحاكمة، تستعد لخلقه وانشائه عند الوقوف على اتصاف شيء بشيء، وانّ القوى عالمة به علماً حضورياً لا حصولياً.


جوابنا على ذلك الوجه:
ما ذكره لا يثبت أكثر ممّا أصفق على صحته المادّي والإلهي من أنّ الإنسان يتوفّق في سيره العلمي على كشف الرموز والأسرار التي لم يتوفّق لرفع الستر عنها، في سالف الزمان، وأين هذا ممّا يدّعيه المادّي من أنّ العلوم والحقائق أي علم كان وأيّة حقيقة كانت، لم تزل متغيّـرة ومتبدّلة ومتكاملة ودونك منّا كثيراً من العلوم التي، أصفق المادّي والإلهي على ثباته وبقائه على حد واحد ووزان فارد لم يطرأ عليه أي تبدّل.
أـ فقد أثبت العلم في سالف الزمان أنّ الفلزات لها نحو انبساط في الجو الذي بلغت الحرارة فيه إلى حد كذا.
بـ ينقل إلينا التاريخ، إنّ ارسطوا أخذ كثيراً من علومه عن افلاطون في زمن كذا.
جـ أثبتت البراهين الهندسية أنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين.
دـ قد أوضحت براهين كثيرة أنّ الدور والتسلسل من الأُمور المستحيلة.
فقد مضت على هذه الآراء والنظريات مئات من السنين فهل تسمح نفسك أن تتفوّه أنّ تلك الأنظار بذواتها وصورتها الذهنية قد انقلبت إلى صورة أُخرى، أو تكاملت. نعم كل واحد من تلك العلوم والأمثلة ينحل إلى قضايا كثيرة، بحيث يتوقف الوقوف على واحد منها على العلم بكل من هذه القضايا وربّما لا يحصل العلم بها دفعة واحدة، بل يصل إليه الإنسان على نحو التدريج بحيث لا يتم العلم بمبادئ ومقدّمات واحد من هذه العلوم إلاّ بعد مضي زمن لا يستهان به لكنّه ليس دليلاً على تكامل الحقيقة بالمعنى الفلسفي،


(219)

وليعلم انّ امتناع اجتماع النقيضين كامتناع ارتفاعهما عن القضايا العامّة لا يخلو ولا يشذ عنهما أي قضية، فلو لم يصدق على مورد أحد النقيضين فلابد أن يصدق عليه النقيض الآخر بلا استثناء.

وعلى هذا فلا خطأ إلاّ ومعه صواب، فلو فرضنا انّ القضية الإيجابية خطأ، فلابدّ أن تكون السلبية منها صواباً وان لم تصدق قضية على مورد،فيصدق نقيضها عليه لا محالة، فلكلّ خطأ صواب ولكلّ صواب خطأ.


بأن تكون الحقيقة (مثلاً واحد من هذه الأمثلة) موجوداً عندنا بصورة ناقصة عندما وقفنا على واحد من مقدماته ثم تكاملت الحقيقة الذهنية حسب الوقوف على مقدّماته، بل الوقوف على كل واحد من تلك المبادئ، وقوف على حقيقة مستقلّة صادقة وكلما توسّع الإنسان في سيرة كشفه توسّع في إدراكاته، وعلومه فكم فرق بين تكامل حقيقة واحدة من يومها الذي وقف الإنسان على إحدى مبادئها إلى يومنا الذي وقف على كثير من مبادئها، واجتماع حقائق وتوارد علوم ومعارف بعضها على بعض.
ولنأت بمثال:
إنّ قولنا: قرأ ارسطو فصولاً من الفلسفة على افلاطون في جامعة كذا، تتضمن حقائق كثيرة فانّه يصح أن نقول هنا ارسطو، افلاطون قراءته، وجامعة و ... غير انّ الانسان ربما لم يكن يقف على جميعها دفعة واحدة، بل من الممكن أن تكون الصورة البدئية من تلك القضية على هذا النحو: انّ ارسطو وافلاطون كانا يعيشان في رابع القرون قبل ميلاد المسيح ولكن أوقفه البحث بعد برهة من الزمن على مقدّمات ومبادئ صار حاصلها: أنّ ارسطوا قرأ على افلاطون في «اكادميا» فصولاً من الفلسفة غير انّ كل واحد من هذه العلوم المفردة لا يعد تكاملاً لما وقف عليه بادئ الأمر، بل هنا علوم وإدراكات بحيالها، لكل واحد كاشفية عمّـا سواه وأين هذا ممّا يدّعيه المادّي من تكامل الحقيقة وتطور نفس المفاهيم الذهنية إلى طور آخر، مع أنّ كل قضية باقية على ما هي عليها.


(220)

ما هو مركز الصواب والخطأ:

لا حاجة إلى تحليل مركز الصواب، والمهم تحليل مركز الخطأ ومصبّه، فنقول: إنّ الخطأ إمّا هو في موضوع القضية أو في محمولها، أو في الحكم الصادر منّا ولا رابع حتى نحتمله ولابدّ من البحث حول هذه الأُمور ونقول:

إنّ المفاهيم المفردة كموضوع القضية ومحمولها لا تتّصف بالصواب والخطأ، وهذا أمر بديهي لا يعرضه الشك والحكم عمل خارجي تكويني للنفس، والأمر الخارجي يمتنع اتّصافه بالخطأ فأين مصب الخطأ؟!

وعلى الجملة انّ قولنا: زيد عالم، على وجه الجزم والحكم يشتمل على أُمور ثلاثة، موضوعه ومحموله والحكم الصادر منّا بالاتصاف، وهي بين مفهوم مفرد تصوّري لا يقبل الخطأ والصواب، وفعل خارجي محقّق بإنشاء النفس، لا يعقل في وجوده الصواب وقرينه، وليس هنا أمر آخر يتحمّل


كون الشيء صحيحاً في حين كونه خطأ:
قد وقفت على مقالة السوفسطائيين، وانّهم ينكرون العوالم ويقولون: إنّ ما وقف عليه الإنسان وحاز من العلوم والمعارف، كلّه خيال في خيال.
جاء مادّي القرن العشرين بنغمة أُخرى لا تقصر عمّـا عليه السوفسطائيون فأنكر امتناع اجتماع الضدّين والنقيضين، وصحّح كون قضية واحدة حقيقة وصواباً، وخيالاً وخطأ.
انّ امتناع اجتماع النقيضين تعدّ من أوضح البديهيات الذي لا يشك فيه أي ذي مسكة حتى المادّي في بعض الحالات، وسيوافيك إنّ ما جاء به من المثال لإثبات مرماه لا يفي بمقصوده، حيث إنّ لامتناع اجتماعهما شرائط من ناحية الموضوع والمحمول وغيرهما من الزمان والمكان وهو لم يراع تلك الشروط التي ذكرها علماء المنطق.
ترى «جورج بوليستر» يمثل في كتابه: (الأُصول) المقدمية للفلسفة، باجتماع


(221)

الخطأ، وعند ذلك يتحيّـر الإنسان في تحليل مصبّه، وانّ الخطأ فيم وعلام، وإليك دفع الإشكال:

إنّ كلاّ ً من موضوع القضية ومحمولها المذكورين في القضية، ينحل إلى قضية غير مذكورة، من دون فرق بين أي موضوع ومحمول، وموضوعها ومحمولها وان كانا من المفاهيم المفردة التصوّرية، لكن التحليل الذهني يحلّل كلّ واحد منها إلى قضية مستقلة.

وعلى ذلك، فمصب الخطأ والصواب هو الموضوع والمحمول لا أمر آخر بمعنى أنّه إذا خالف الحكم أو الإذعان الموجود في القضية المذكورة مع الحكم الموجود في التحليلية أو طابق يتّصف الكلام عندئذ بالكذب والصدق.

وهذا هو الطريق الوحيد لحل هذه العويصة وقد تحقّق فيه ما تقدّم من الشرائط المتقدّمة، لصحّة اتّصاف القضية بالصواب والخطأ.


الضدّين ويقول ربما يخيّـر الإنسان بنزول المطر من السماء غير انّه ربما يتّفق، وقوف السماء عن التمطير قبل أن يختتم كلامه، فهذا الكلام (تمطير السماء) كان متّصفاً بالصحة والصواب بدء تكلّمه به ولكنّه صار كاذباً عند اختتامه، ويقول أيضاً: إنّ القوانين الطبيعية التي كشف عنها العلماء في غابر القرون كانت متّصفة بالصواب وتعدّ من الحقائق الراهنة، لكنّها تعدّ اليوم من الأغلاط، لأجل سير العلم، وكشفه عن خطئها.
إلاّ أنّه لم يقف على ما دبجته يراعة العلم والفلسفة عند البحث عن التناقض، حيث إنّهم شرطوا للامتناع شروطاً بمعنى أنّه لولا هذه الشروط لايعد من التناقض فانّ القضيتين انّما تعدّان نقيضتين إذا اتحدّتا من حيث الزمان فلو قلنا: إنّ زيداً ضاحك يوم السبت وباك يوم الأحد لا يعد من التناقض وبذلك يظهر ما جاء من حديث تمطير السماء ليس من التناقض إذ لا مانع من أن تمطر السماء في آن الابتداء بالتكلّم وتقف عن الامطار آن اختتامه، وانّما يمتنع أن تمطر ولا تمطر في زمان واحد، ومثله القوانين التي كانت


(222)

وقد تطفّلنا في هذا التحقيق على قواعد المنطق، واقتبسنا من أنوار قوانينه فإنّ أقطاب العلم وفطاحل الفن قد بيّنوا في كتاب المغالطة أسباب الخطأ وعلله.

قالوا: إنّ الاشتباه والغلط يحصل لأجل وضع ما بالعرض مكان ما بالذات دائماً. ولو أردنا الاستنتاج منه في المقام فلابدّ أنّ نقول: إنّ الغلط والخطأ ينشأ من وضع ما ليس موضوعاً مكان الموضوع الحقيقي وما ليس محمولاً بالذات مكان المحمول الواقعي.

وليس من المغالاة في القول إذا قلنا: إنّ ما شيّدنا أركانه وأوضحنا برهانه يفي بحذف الإشكال بحذافيره، وانّ حديث التطبيق (تطبيق الحكم الموجود في القضية المفروضة على الحكم الموجود في القضية المنحلّة) يجعل مصب الخطأ والصواب أمراً تصديقياً قابلاً للاتّصاف بأحدهما، ويصحح أن يكون الأمر التصديقي قابلاً للاتّصاف بأحدهما.


تحسب حقائق إلى أن أماط العلم الأستار عنها فإنّها كانت متّصفة عندهم بالحقيقة في غابر الزمان ولكنّها متّصفة بالخطأ والبطلان في عصورنا هذه.
وجاء الدكتور «اراني» بأمثلة أُخرى لتصحيح أُصوله وقال: إنّ الفروض العلمية ربّما تتركّب من أجزاء، منها صحيح ومنها خطأ، فالفرض العلمي الواحد، متّصف في آن بالصحة والخطأ غير انّه عزب عنه انّه لم يراع في تمثيله هذا شروط الامتناع فإنّ ما هو المتّصف بالخطأ غير ما هو المتّصف بالصحة وأين هو من التناقض.
لماذا جاء المادّي بهذه السفاسف؟
ولعلّ القارئ الكريم يناجي نفسه ويقول ما الذي جرّ المادّي إلى هذه الأنظار البائدة التي تتّحد مآلاً مع السفسطة؟ هلمّ معي لنتفحص عن العلل التي جرّته إلى اختيار هذه الأُصول فإنّ المادّي سلك مسلكاً لا يوصله إلاّ إلى التقوّل بتكامل المفاهيم واجتماع الضدّين،


(223)

وربّما يتمسّك في حلّ العويصة بتحليل الموضوع إلى موضوع وموضوعات، والمحمول إلى محمول ومحمولات، والحكم إلى حكم وأحكام، ولكنّه لا يسمن ولا يغني من جوع، إذ الحاصل بعد التحليل إمّا أمر تصوّري (كموضوعات القضية أو محمولاتها) ولا يتّصف بواحد من الأمرين أو أمر تكويني يدور أمره بن الوجود والعدم كالحكم والإذعان.

وأظن انّي لو جئت بمثال يتكفّل توضيح المقام لظهر الحق بأجلى مظاهره، ودونك المثال:

أفرض ليلة هائلة، وأنت تريد أن تنام على فراشك فإذا خطر ببالك لأجل مشاهدة بعض العلائم انّ سارقاً دخل الدار، ويريد أن يحوز كل ما تصل إليه يداه وأنت لا تجد في هذه الأحوال بدّاً من أن توقظ صديقك الذي نام في جنبك، أو جيرانك الذين احتفوا بدارك فتقول لصديقك موقظاً إيّاه قم يا فلان إنّ في البيت سارقاً، قم حتى نكافحه و ....


ودونك بيانه بتوضيح ما يعدّ أساساً لهذين الأصلين (تكامل المفاهيم، واجتماع الضدّين).
أـ تجرّأ المادّي وقال بأصالة المادّة نافياً ما خرج عن حريمها وقال: ليس في الدار غيرها ديار وإنّ ما وراءها أوهام وخيالات وهواجس ووساوس.
بـ حاول المادّي أن يعرّف مسلكه بأنّه مسلك جزمي يقيني واقتفى في هذا أثر الفلسفة العقلية التي تعتمد على البديهيات وتستخرج منها أنظاراً قطعية وخالف في أصله هذا مسلك الحسّيين، فإنّك لا ترى من الجزم واليقين في كلامهم عيناً ولا أثراً حتى أنّ المسائل التي أيّدها الحس وأثبتتها التجربة لا تعد من المسائل القطعية التي لا يحتمل خلافه، ولا تتجاوز عن كونها أُموراً وأحكاماً ظنية.
جـ بنى المادّي آراءه الفلسفية على القواعد العلمية التي أحكمتها التجربة وهذا هو المراد من أصالة التجربة، وقد اقتفى في هذا الباب أثر الحسّيين، وترك ما هو الركن


(224)

أفرض هذه الجملة الجارية على لسانك، جملة كاذبة صنعتها يد الخيال فلابد أن نتحرّى في مصب الخطأ وانّه في أين؟!

فإن قلت: إنّ مصبّه الحكم والتصديق، قلنا إنّه عمل تكويني نفساني موجود في الخارج، لا يقبل الكذب والخطأ، وإن قلت: إنّه راجع إلى موضوعه أو محموله قلنا: إنّ كل واحد أمر تصوّري لا يتّصف بالخطأ والصواب وان التزمنا بتحليل الموضوع والمحمول إلى موضوعات ومحمولات.

وإن قلت: إنّ الخطأ أمّا في موضوعية الموضوع بمعنى أنّ الداخل لم يكن سارقاً، بل كان رجلاً من إخوانه، أو في محمولية المحمول بمعنى أنّ السارق اجتاز عن باب داره أو قرب جدارها، ولم يدخل داره أو في كليهما، أي ما كان هنا سارق ولا داخل قلنا صدقت ونعم ما أوضحت.

نعم إقامة الموضوع المجازي ومثله المحمول المجازي مكان الحقيقي منهما تتوقّف على وجود تناسب الموضوعين أو المحمولين حتى يكون


الركين عند الفلاسفة النظام من التفكير التعقّلي، بانهاء كل أمر نظري إلى أحد الأُصول البديهية.
وليت المادّي يقتفي أثر الحسّيين ولم يتجاوز عنه، فإنّ التجربة عندهم دليل الوجود والثبوت وليست دليل العدم والنفي، بمعنى أنّهم إذا حاولوا الاستطلاع عن تحقّق شيء، في الخارج، التجأوا إلى التجربة، فإذا ثبت وجوده من طريقها، يعدّونه من الحقائق ويصير وزانه وزان سائر الحقائق التي أيّدتها التجربة، وإذا لم يعثروا بوجوده في المختبرات، ولم تتوفّق التجربة إلى اثباته، لا يعدّون وجوده من الموهومات بل يجعلونه في بوتقة الإجمال غير متقوّل فيه برأي من النفي والإثبات ولذلك تجدهم شاكّين في الأرواح والعوالم الغيبية ساكتين عنها، وأمّا المادّي الذي أخذ سلاحه من الحس، فقد أعملها في جانبي النفي والإثبات، وجاء يقول بملأ فمه: إنّ ما لم يُدْعَم وجودُه بالتجربة، ولم يخبر عنه الحس فهو عاطل وباطل.

(225)

مصحّحاً للإقامة، وموجباً لتخيّلهما أمراً واحداً، ودونك بيان التناسب الموجود بين الموضوعين أو المحمولين في المثال المزبور:

الظاهر انّ الأوصاف المشتركة بين الأخ والسارق هي الرابط المصحح حتى أوجب انحدار الخيال من رؤية الأوصاف المشتركة إلى فرد خاص (السارق) مع اشتراكها بين الأخ والسارق.

فصاحب البيت، قد شاهد الداخل إلى بيته بأوصاف كغزارة الشعر وطول القامة وسواد لونه ولون ثيابه إلى غير ذلك من الأوصاف المشتركة بين الأخ والسارق فانتقل من مشاهدتها إلى الفرد الخاص (السارق) مع عموميّتها بين الرجلين، وبما أنّ الداخل دخل بعدما أرخى الليل سواده وفتح الباب بهدوء، أوجب ذلك انحدار الخيال من الأوصاف المشتركة إلى الفرد الخاص لاقتران الدخول بعلائم تورث الاطمئنان بكون الداخل سارقاً.

مع أنّ الذي شاهده بوضوح ليس إلاّ الأوصاف المشتركة حيث رأى:


وحيث تقبل هذه الأُصول الثلاثة (أصالة المادة ـ أصالة الجزمـ أصالة التجربة) وقع في موقف عصيب ولم يجد مخلصاً إلاّ بتأسيس مسلك آخر يباين مسلك الفلاسفة الإلهيّين والحسّيين بعدما رأى أنّ عامّة الطرق مسدودة عليه.
إذ لو اقتفى أثر العقليّين والفلاسفة الإلهيّين حيث يعتمدون في آرائهم وأفكارهم على الأُصول البديهية بإنهاء كل أمر نظري إلى أمر بديهي لزم هدم ما بناه من الأصل الثالث (أصالة الحس)، على أنّه ربّما ينقلب إلى مسلك آخر، إذ يصير عند ذاك فيلسوفاً معتقداً بالأرواح والعوالم الغيبية ولا يستطيع على رد مقالة الإلهيين في المجرّدات، بالأعذار الباردة ولا يسمح له أن يقول بأنّ الحس والتجربة لم يقف على وجود روح غير مادّي، إذ يقال له، بأنّ الحس وإن كان لم يتوفّق على إدراكها، غير انّ البراهين العقلية المنتهية إلى البديهيات قد أثبتتها وأحكمتها.
ولو اقتفى أثر الحسّيين، من تحكيم ما أثبتته التجربة والسكوت عمّـا لم تثبتها، لزم


(226)

انّ رجلاً طويل القامة، غزير الشعر، أسود اللون ورد بيته، فهذا هو المعلوم بالذات، والموضوع، على التحقيق، وأمّا قوله: إنّ سارقاً دخل البيت، فممّـا لم يشاهده وإنّما انتقل إليه بإعانة أُمور وهمية أعانت الخيال على الانتقال إليه.

وههنا أحكام ونسب حكمية، ليست على نسق واحد بل تختلف بالصواب والخطأ ودونك بيانها:

1ـ الحكم بأنّ رجلاً دخل البيت بما له من الأوصاف وهذا صحيح.

2ـ السارق والأخ مشتركان في الأوصاف المذكورة وهذا أيضاً صحيح.

3ـ الحكم بأنّ سارقاً دخل البيت، وهذا أيضاً صحيح لكن في ظرف الخيال، أي في الظرف الذي تخيّل القوى الإدراكية انّ السارق والأخ لأجل اشتراكهما في الأوصاف شخص واحد، وانّ الموضوعين موضوع فارد، فهذا الحكم في الجو الذي ليس فيه أثر عن المقايسة إلى الخارج صحيح.

4ـ الحكم بأنّ سارقاً دخل الدار إذا قيس إلى الخارج الذي ليس


إبطال الأصل الثاني (أصالة الجزم) إذ عند ذاك لا يستطيع أن يفرغ آراءه في قالب الجزم واليقين، ولا يجوز له أن يقول: إنّ الوجود يساوق المادّة ويساويها.
ولو بنى على أنّ الفروض والمسائل الحسّية كلّها قطعية كما يقول بها الفلاسفة العقليّون في البديهيّات، فماذا يصنع بهذه الفروض والمسائل التي تكتسي كل يوم ثوباً آخر، وتفرغ في قالب آخر، وتتبدّل بأصلها وفرعها.
هذا هو الموقف العصيب الذي واجهه المادّي وحار فيه فكره ولم ير مخلصاً إلاّ الالتجاء إلى الشق الأخير، غير انّه صحّح قطعية الفروض العلمية وثباتها، بالتمسك بتكامل المفاهيم وانّه لا مانع من اجتماع الضدّين والصحّة والخطأ وقال:
إنّ الآراء الموروثة من الأقدمين والدارجة في أعصارنا كلّها حقائق وإن كان يناقض بعضها بعضاً، فالرأي الدارج في القرن التاسع عشر من انّ الذرة أبسط الأشياء غير مركّبة من شيء صحيح كما انّ الرأي الدارج في القرن العشرين من تركّبها من نواة الذرة


(227)

السارق فيه عين الأخ، خطأ وباطل.

وهذا التحليل يوقفك على منشأ الخطأ ومصبّه وان منشأه هو جعل ما ليس بموضوع موضوعاً، وانّ علّة الخطأ هو عدم تطابق الحكمين في القضيّتين: التحليلية والمفروضة.

وما ذكرنا من التحليل يجري في جانب المحمول، إذا وضع ما ليس بمحمول، مكان المحمول الواقعي، فإذا فرضنا أنّ ما شاهده كان سارقاً، ولكنّه اجتاز عن السدة وما حولها من الرواق، أو من الفناء قريباً من باب الدار، وصار ذلك مبدأ لتخيّل انّه دخل عقر الدار، فعندئذ فما هو المشاهد لنا هو القدر المشترك بين الدخول والاجتياز عن فناء الدار إلاّ أنّ القوة الخيالية قد حملت القدر المشترك، على فرد خاص وطبقته عليه، فهنا أحكام تدور بين صحيح وغير صحيح.

1ـ الحكم بأنّ السارق قد جال في طريق الدار حتى وصل إلى قريب


والأقمار التي تحوم حولها، صحيح أيضاً ولا يرى لقوله بصحة الرأيين مزاحماً فانّ الكلّ من قبيل تكامل المفاهيم والحقائق، فانّ للحقيقة درجات.
وقد التجأ إليه المادّي لأجل الموقف العصيب الذي عرفته وهناك جهات أُخر، جرّت المادّي إلى اختيار هذه الآراء التي لا قيمة لها في سوق العلم والفلسفة.
لفت نظر:
إنّ الفلسفة المادّية قبل أن يتصرف فيه نظراء «انجلس» و «ماركس» كانت ذات قواعد وأُصول ولم تكن خارجة عن زيّها، ولا سالكة غير سبيلها، إلاّ أنّه لما اتّصل بها أبناء الاشتراكية وجعلوها عرضة لارائهم السياسية، أصبحت لا تعرف مسلكها ولا أهدافها، فقد أفرغوها في قالب التحوّلّ والتبدل وقالوا (ماترياليزم ديالكتيك (1) ) فجاء ذلك
1- MATERIALISME DIALECTIQUE.


(228)

من باب الدار وهو صحيح.

2ـ الحكم بأنّ الوصول إلى فناء الدار مع أنّه مشترك بين الاجتياز والدخول فيه، عين الدخول في البيت لاحتفاف القضية بامارات تحرّك القوة الخيالية إلى تطبيق الأمر المشترك على الفرد الخاص وهذا الحكم بما انّه ليس فيه أثر عن المقايسة إلى الخارج، صحيح في ظروفه وجوه.

3ـ بعد ما صار الاجتياز عن فناء الدار عين الدخول بالبيت في الحكم الثاني، يضع المتكلّم، لفظ الدخول مكان المرور والاجتياز عن قرب داره، وهو أيضاً في جوّ الخيال صحيح، إذ الحاكم والمحكوم في جوّ الخيال، الذي يصح أن يكون فيه الدخول والاجتياز عن أطراف الدار شيئاً واحداً حقيقة بلا مجاز، إذ المجاز والخطأ إنّما يتحقّقان إذا ما قيسا ما في الخيال إلى خارجه، لا ما إذا لوحظ بنفسه بلا مقايسة.

4ـ الحكم بأنّ هذا الحكم الخيالي عين ما في الخارج، وانّ الوصول إلى قرب الدار الذي جعلناه عين الدخول بالبيت في جوّ الخيال عين ما نحكم


أساساً لإنكار كل حقيقة راهنة وآراء مسلّمة، وتصحيحاً لكل مناقض صريح، أو خطأ واضح، كل ذلك للتحوّل والتبدّل الذي جاء به انجلس وزميله.
تجد المادّي مذبذباً في تفكيره، متردّداً في مسلكه، فهو في حين حسّـي، إذ لا يعتمد إلاّ على التجربة والحس، وفي وقت آخر فيلسوف تعقّلي، ينفي ويثبت ويأتي بدوائر وقواعد، يبرم وينقض كأحد الفلاسفة العقليّين ويقول هذا موجود وذاك ممتنع ... وفي موقف ثالث يجنح إلى النسبية كل ذلك لأجل أنّه زاد في طنبوره في أعصارنا هذه، نغمة أُخرى وحاول تأسيس فلسفة مادّية تحوّلية.
قال المترجم: قد لاح بدر تمامه في مدينة قم وحوزتها العلميّة حاضرة العلم والدين.
حامداً شاكراً للّه تعالى.


(229)

به بحواسّنا، وهذا خطأ محض فانّ الاجتياز عين الدخول في ظرف الخيال لا في الخارج.

مثال آخر:

يقول المادّي: إنّ المعاول العلمية قد قضت على العالم الروحاني الذي عبده البشر أُلوف السنين، وعمّروه بالمساجد والكنائس، وانّ ما يعتقده الإلهيون من وجود صانع خالق مدبر، أمر خيالي ليس بموجود.

والفيلسوف الإلهي يرى تلك الجملة قضية كاذبة، غير انّه يصدق المادّي فيما أراده منها في صميم قلبه، بمعنى أنّ الإلهي يعتقد أنّ النفي والإثبات من الجانبين لا يتواردان على محل واحد، وانّ المادّي قد أراد من الموضوع أو المحمول أمراً لا يقصده الإلهي.

وباختصار: المادّي لم يصل إلى مغزى ما يقصده الإلهي من الاعتقاد بوجود الصانع المدبر وتوهّم انّ الإلهيين يريدون من الخالق (اللّه) العلّة القائمة مكان العلل المادّية المجهولة وانّ كل حادثة مادّية إذا لم يصل العلم إلى كشف عللها المادّية، فهو مصنوع ذلك الصانع عند الإلهيين ومعلوله وبما أنّ العلم قد كشف الأستار عن وجوه العلل المادّية، فصار الاعتقاد بوجود الصانع المدبر عنده أمراً باطلاً.

ونحن نصافق المادّي في إنكار الصانع بهذا المعنى الذي نسبه إلى الإلهيين، لكنّهم لا يريدون من الصانع، العلّة القائمة مكان العلل المجهولة المادّية بل يعترفون بالعلل الطبيعية، والأسباب المادّية وإنّ اللّه قد خلق لكلّ شيء سبباً، لا مناص في جوده عن وجوده وإنّما جرّهم إلى الاعتقاد بوجود الصانع، مشاهدة النظام البديع والصنع الغريب، في جوّ المادّة ومحيطها،


(230)

وعالم الطبيعة وما فيها، فاعترفوا واعتقدوا بقضاء عقولهم وفطرتهم بأنّ هذا النظام البديع الذي فيه ملايين من العلل والمعلولات المادّية لا يوجد صدفة ولا يحدث بلا سبب، وانّ الذي أحدث هذا النظام وخلق هذه الأسباب والمسببات، هو اللّه الواحد القهار.

وعلى ذلك، فالنفي والإثبات لا يتواردان على محل واحد، فالمادّي صادق في مقاله، لأنّه فسّـر الصانع بالمعنى الذي يصافقه الإلهي في نفيه أيضاً والإلهي أيضاً صادق في إثباته الصانع القادر المدبر المبدع وقد برهنه بما لا مزيد عليه.

غير أنّ لتوهّم المادّي منشأ آخر لأنّه زعم أنّ الوجود يساوق المادّة، فلو قلنا: إنّه موجود، معناه أنّه موجود مادّي وبما أنّ الأجهزة الطبيعية، والمجهرات الكبيرة والآلات المادّية، لم تتوفّق لاراءة الصانع في المختبرات، والفلكي مهما أطل بنظره في الجو ودقّق النظر وأجال البصر في مجالي نظره لم ير من الصانع أثراً في مجاليه، صار كل ذلك مبدأً لنفي هذا الصانع الذي يثبته الإلهي.

غير انّه عزب عن المسكين، انّ الخالق المادّي والصانع الطبيعي الذي يمكن أن يرى تحت المجاهر أو يُشاهَد فوق التلسكوبات، ممّا يصافقه الإلهي في نفيه فالذي يعتقده انّما هو الإله الخالق البارئ المبدع المجرّد عن المادّة والمدّة وشرائطها، لا تدركه العيون، ولا تمسّه الحواس، يُستدل ب آثاره على وجوده وبنظامه البديع على تحقّقه، وعندئذ لا يتوارد النفي والإثبات على محل واحد.

فقد بان ممّا ذكرنا أنّ ما يعتقده المادّي في نفي الإله بالمعنى الذي فسّـره (العلّة القائمة مكان العلل الطبيعية المجهولة) صحيح جداً لكن قبل أن


(231)

يقايس إلى ما يقوله الإلهي في تفسير الإله، فإذا جاء حديث المقايسة المتّصف بالخطأ والبطلان، فمصب الخطأ إنّما هو في تطبيق المعنى الخيالي للإله، الذي اخترعته الفلسفة المادّية له، على المعنى الذي يعتقده الإلهي.

كما ظهر منه أيضاً: انّ الخطأ وعدم الانطباق أمر نسبي قياسي وانّ الآراء الخاطئة ليست آراءً كاذبة في عامّة مراحلها، وبالنسبة إلى جميع القوى.

ومن الواجب على الفيلسوف النابه الذي يريد أن يضع بنان الاعتراض على الأحكام الخاطئة، أن يتحرّى في الوقوف على علّة الخطأ حتى يقف على منشئه وانّه كيف وضع ما بالعرض مكان ما بالذات وانّ الخطأ في تطبيق ما هو الصائب عند الخيال على ما هو الصائب عند قوة أُخرى.

وبذلك تقف على أنّه ليس للخطأ وجود حقيقي وانّه لا يوجد في دار الوجود ما يكون باطلاً حسب الحقيقة أو خطأ بالذات ولنعم ما قيل بالفارسية:

بر حرف هيچكس منه انگشت اعتراض * آن نيست كلك صنع كه خط خطا كشد

أي لا تضع بنان الاعتراض على كلام أحد، فإنّ قلم الصنع لا يخط خطوطاً خاطئة.

استنتاج:

1ـ ليس للخطأ مصداق في الخارج أو وجود بالذات وانّ كلّ موضع ينحرف فيه التفكير الإنساني فمآله إلى إعطاء حكم إحدى القوّتين (الخيالية) القوةَ الأُخرى (الحس والعقل) وليس معنى الخطأ، انحراف أيّة قوّة عن


(232)

مجاريها وإدراك ما يختص بها على غير واقعها، بل كلّما أدركته القوى صواب في جوّها وانّما الخطأ في إعطاء الحكم الصادر من الخيالية على غيرها وليس الخيال مقصراً ولا متجاوزاً في اعطائه هذا، بل هذا هو الغاية المطلوبة والضالّة المنشودة من تلك القوة وإلى ذلك يرجع ما حقّقه أساطين العلم حيث قالوا: إنّ الخطأ في الأحكام العقليّة يحصل من تدخّل الخيال في مصب الحكم العقلي ومورده.

ولو فرض انّ إنساناً قد بلغ بجهده وقوته ونبوغه إلى حد أحاط على عامّة إدراكاته الحقيقية والمجازية وميّز الأُمور الذاتية والعرضية وعرف خواص كلّ منهما لصار عاصماً عن الخطأ والغلط، إذ لا يواجه أمراً إلاّ قد أحصى صغيره وكبيره، صوابه وخطأه.

2ـ لا ينفك الخطأ عن الصواب وانّ كلّ حكم باطل يشتمل على حكم صحيح.

ما ثبت من الأُصول الفلسفية في هذه المقالة:

1ـ التصديق والإذعان لا يتحقّق إلاّ بتحقّق التصوّر قبله.

2ـ إنّ بين الصور العلمية حسّيها، خياليّها، عقليّها، نسبة ورابطة محفوظة.

3ـ الصورة العقلية متأخّرة عن الخيالية وهي عن الحسّية.

4ـ العلوم التصوّرية التي تقبل الانطباق على الخارج تنتهي إلى الحس وانّ الذهن يتلقّاها عن الحواس، وسنشرح هذا في المقالة الخامسة.

5ـ إنّ الانسان يقف على حقائق الأشياء في الجملة.

6ـ العضو المعد لإدراك المحسوسات لا يتحقّق فيه الخطأ.


(233)

7ـ لا يتحقّق الخطأ في إدراك الصورة المتمركزة في الحس.

8ـ الحكم الموجود في مرتبة الحس لا يتّصف بالخطأ.

9ـ انّما الخطأ في رتبة الإدراك والحكم والمقايسة إلى الخارج.

10ـ ليس للخطأ مصداق في الخارج إلاّ بالعرض.

11ـ كلّما تحقّق الخطأ في الإدراك، فقد كان معه إدراك صحيح، وقد قيل: إنّ لكل كذب صدقاً.

12ـ إنّ العلم الحضوري لا يتّصف بالخطأ، وانّما الخطأ في الحصولي منه.

تمت المقالة الرابعة

قال المترجم: انتهينا (والحمد للّه) من تعريب الجزء الأوّل وسنبدأ بترجمة الجزء الثاني إن شاء اللّه تعالى ونوالي الترجمة حتى تتم عامّة أجزاء الكتاب، ويحكم ضميرك الحر إذا وقفت على غضون أجزائه على أنّ هذه الأُصول من الأحداث الفلسفية الكبرى التي لن يقف تأثيرها عند حد.

قم: حاضرة العلم والدين

1375 هـ . ق

جعفر السبحاني

Website Security Test