welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الوهّابيّة في الميزان*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الوهّابيّة في الميزان

الوهّابيّة
في الميزان

دراسة موضوعية لعقائد الوهابيين
على ضوء الكتاب والسنّة

تأليف

آية الله جعفر السبحاني


(5)

كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التوحيد و توحيد الكلمة
دعامتا الإسلام الأساسيتان

بُني الإسلامُ على كلمتين هما دعامتاه الأساسيتان: كلمة التوحيد، و توحيد الكلمة. أمّا الأُولى، فقد كانت دعامة أساسيّة لجميع الشرائعِ السماوية و بخاصّة الإسلام، قال سبحانه: (وَ لَقَدْ بَعَثْنا في كلِّ اُمَّة رَسولا أنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ).(1)

و أمّا الثانية، فهي الدعامة القوية التي يقوم عليها صرح الإسلام خاصّة، بل هي الركن الوثيق لنشر تعاليمه، و العامل القوي لبقاء كيانه.

و قد قام رسول الإسلام العظيم محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بإرساء تينك الدعامتين، فاهتمّ


1. النحل: آية 36 .

(6)

في الفترة المكّية بمكافحة الكفر و الإلحاد و الشرك و الوثنية، و زرع بذور التوحيد في العقول، و غرس روح الوحدانية في النفوس.

و افتتح الفترة المدنيّة بتطبيق الثانية (و هي توحيد الكلمة) حيث آخى بين المسلمين مهاجرين و أنصاراً، جُدُداً و قدامى، و ظلّ طوال حياته الشريفة يدعم بكل الوسائل هاتين الدعامتين حتى كوّنَ من المؤمنين برسالته و السائرين تحت رايته، أُمّةً واحدةً قوية جسَّدت ما قاله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «مثل المؤمنين في توادّهم و تعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد (الواحد) إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمّى».(1)

و بفضل هاتين الدعامتين اللّتين كانتا منشأً للوحدة الفكرية و الوحدة الاجتماعية استطاع المسلمون أن يتغلّبوا على خصوم الرسالة الإسلامية و أعدائها، و يزيحوا جميع الموانع و العراقيل من طريقها، و يضمنوا انتشارها، بل و بقاءها، رغم كيد الكائدين، و مؤامرات المعارضين.

و بقيت الأُمّة على وحدتها وتماسكها قروناً عديدة حتى أطلّ القرن السادس و تلاه السابع، كانت البلاد الإسلامية تعاني من هجومين شرسين مدمّرين عليها، على أيدي عبّاد الصنم (التتر) من ناحية الشرق، و أتباع الصليب (المسيحيين) من ناحية الغرب، ذينك الهجومين الّلذين دمّرا الكثير من أُسس الحضارة الإسلامية و مظاهرها و معالمها من جانب آخر.

فيما كانت هذه هي حالة الأُمّة الإسلامية و حال بلادها طلع من «حرَّان»


1. مسند الإمام أحمد: 4/270 .

(7)

دمشق، رجل على الأُمّة الإسلامية بعقائد منحرفة و آراء شاذة بلبلت أذهان المسلمين، و مزّقت وحدتهم، و فرّقت جماعتهم و أوقدت نيران الفتنة في مجتمعهم، ذلك في الوقت الَّذي كانت الأُمّة الإسلامية أحوج ما تكون فيه إلى توحيد الكلمة، و رصّ الصفوف لمواجهة الخطرين اللّذين كانا يهدّدان كيانهم من الأساس.

غير أنّ الغيارى و الواعين من العلماء من مختلف المذاهب و الطوائف الإسلامية، تصدّوا بحزم للرجل (و هو ابن تيمية الحراني الدمشقي) و شجبوا عقائدهُ الشاذة و آراءه التي خالف بها جميع المذاهب، فهدأت الضجّة، و خمدت نيران الفتنة، و وقى الله المسلمين ما كان أعظم.

ولكن لم تَمرّ أربعة قرون إلاّ و ظهر رجلٌ آخر (هو محمد بن عبدالوهاب النجدي) من أرض الحجاز أحيا تلك العقائد و الآراء الميّتة و نادى بها من جديد، مع إضافات أشدّ شذوذاً وغرابة عمّا كان عليه المسلمون عقيدةً و عملا طيلة قرون منذ وفاة الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، مستغلا جهل طائفة من أعراب البادية الجفاة، و مستعيناً بزمرة من ذوي الأطماع في الملك و السلطان، فأوقد مرة أُخرى نيران الفتنة الخامدة من جديد، و مضت هذه الجماعة تُكفّر المسلمين و تفسّقهم، و ترميهم بالشرك، و عبادة غير الله تعالى و هم أهل الصلاة و القبلة.

و زاد الطين بلة أن أخذت حكومة آل سعود على عاتقها، و بما أُوتيت من ثروة عظيمة نفطية وغير نفطية، ترويج هذه العقائد التي خالف بها مؤسّسها و مروّجها إجماع المسلمين و لم يقل بها أحد قبلهما إلى القرن السابع، و بذلك أشغلت بال أبناء الأُمّة الإسلامية بأُمور تافهة، وصرفتهم عن التفكير في جوهر الدين، و العمل في مجال القضايا المصيرية.


(8)

فانّ الَّذي يلاحظ ما يسمّى اليوم بالمذهب الوهابي، و المتقمّص رداءَ السلفية لا يرى سوى فقاعات و قشور، و كأنَّ الإسلام العظيم ليس إلاّ إطالة اللحى و تقصير الثياب، و حرمة تقبيل أضرحة الأنبياء و الصالحين، و حرمة التوسل بعباد الله المقرّبين!!

إنّ هؤلاء لا يهمّهم ـ و للأسف ـ وحدة المسلمين و تماسك كيانهم، و اجتماع كلمتهم، و لهذا نجدهم ينفقون أموالا طائلة على دعوة لم تجر على المسلمين سوى الفرقة، و التشتت، و التعادي والتخاصم.

ابن تيميّة في منظار علماء عصره و غيرهم

ولكي يعرف القارئ مدى ما تركه ابن تيمية من أثر سىّء على وحدة الأُمّة الإسلامية، والاختلاف الَّذي أوجدته أفكاره يومها في صفوف المسلمين و لكي يعرّف القراء الكرام دعاة الفرقة وعوامل الفتنة ندرج هنا ـ في هذه المقدّمة ـ بعض ما قاله علماء المذاهب الأربعة في حقّه، تاركين التعريف بمجدّد هذه العقائد الشاذّة و محييها محمد بن عبدالوهاب إلى الفصل الأوّل من هذا الكتاب.

1ـ الشيخ صفىّ الدين الهِندي الأرموي (المتوفّى 710 هـ ) و هو متكلّم أشعريٌّ مَدَحَه السبكي; باحَثَ ابن تيمية، و لمّا ناظره و وَجَدَه يخرج من شيء إلى شيء قال له: ما أراك يابن تيميّة إلاّ كالعُصفور حيث أردتُ أن أقبضه من مكان فَرّ إلى مكان آخر.(1)

2ـ الحافظ شمس الدين الذهبىّ (المتوفّى 748 هـ ) كتب له رسالة ينصحه


1. طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: 9/162 .

(9)

فيها بقسوة، فيها: إلى كم ترى القذاةَ في عين أخيك و تنسى الجذعَ في عينك؟ إلى كم تمدَح نفسك و شقاشِقك و عباراتكَ، و تذم العُلَماءَ و تتّبع عوراتِ الناس؟

فهل معظم أتباعِك إلاّ قعيدٌ مربوطٌ خفيفُ العَقل، أو عاميٌ كذابٌ بليدُ الذهن... أما آنَ لَكَ أن تَرعوي، أما حانَ لكَ أنْ تتوبَ و تنيب؟(1)

3ـ الحافظ عليّ بن عبد الكافي السبكي (المتوفّى 756 هـ ) ردّ على ابن تيمية فيمن ردَّ عليه، و ألّفَ فيه كتاباً أسماه: «شفاء السقام في زيارة خير الأنام». و قد كتب في مقدّمة كتاب له اسمه: «الدرة المضيئة في الردّ على ابن تيمية» ما هذا لفظُه: أمّا بعد، لمّا أحْدَث ابن تيمية ما أحْدَث في أصولِ العَقائد، و نَقَضَ دعائم الإسلام بعد أن كان مُستتِراً بتبعيّة الكتابِ و السنّة مُظهِراً أنّه داع إلى الحق هاد إلى الجنة، فَخَرَجَ عَن الاتّباع إلى الابتداع، و شذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفةِ الإجماع، و قال بما يقتضي الجِسمية و التركيب في الذات المقدّسة... .(2)

4ـ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 هـ ) قال في كتابه: «الدُّرر الكامِنة في أعيان المائة الثامنة»: قام عليه جماعة من الفُقَهاء بِسَبَبِ الفتوى الحمويّة و بَحَثوا مَعَه، و مُنِعَ مِن الكلام.

ثم ذكر سجونَه، و ما أصدَرَه العُلماء عليه من أحكام.(3)

5ـ شهاب الدين ابن حجر الهيتمي (المتوفّى 973 هـ ) قال في ترجمة ابن


1. تكملة السيف الصقيل تأليف الشيخ محمد الكوثري وكيل الأزهر ص 190، نقله من خط ابن قاضي شهبة .
2. الدرّة المضيئة: 6 .
3. الدرر الكامنة: 1/154.


(10)

تيمية: ابن تيمية عبدٌ خَذَله اللّهُ، و أضلَّه و أعماه و أصمّه و أذلّه. و بذلك صرّح الأئمةُ الذين بيّنوا فسادَ أحوالِه و كذبَ أقواله... والحاصل أنّه لا يُقامُ لكلامه بل يرمي في كل و عروحَزْن، و يُعتَقَد فيه أنه مبتدع ضالٌّ مضلٌّ غالٌ عامَلَه الله بَعدلِهِ، و أجارَنا من مِثل طريقته، و عقيدتِهِ، و فعله(1) .

و له كتاب حول زيارة القبر النبوي، ردَّ فيه على ابن تيمية.

6ـ النبهاني (المتوفّى 1350 هـ ) قالَ في كتابه «شواهد الحق»: قد ثبت وتحقّق و ظَهَر ظهورَ الشمس في رائعة النهار أنّ عُلماء المذاهب الأربعة قد اتّفقوا على ردّ بدع ابنِ تيمية، و منهم مَن طَعَنوا بصحّة نَقله، كما طَعَنوا بكمالِ عقلِهِ.(2)

هذه طائفة من كَلِمات العلماءِ في ابن تيمية و أحوالِهِ و أقوالِهِ تكفي على قلّتِها لإلقاءِ الضوءِ على شخصيّته و طبيعة أفكاره.

و المشكلة هي أنّ ابن تيمية بما كان له من طلاقة في لِسانِهِ، و سيولِة في قلِمِه، و أُسلوبُه في نسبة ما يقول إلى الكتاب و السنَّة و السَّلَف بقاطعيّة و جزم، كذباً و اْفتراء كان يَستحوِذ على عقول العوام و البسطاءِ ممّا كان سبباً في نصرته مِن قِبَلِهمْ دونَ العلماء الواعين.

إنّ المسلمين اليوم بأمسّ الحاجة ـ و هم يتعرّضون للغزو الصليبي و الصهيوني و العلماني الغربي ـ إلى الوحدة الفكرية و الاجتماعية و السياسية و إلى رصّ الصفوف، و نبذ الخلافات وحلّ الفوارق الاجتهادية من خلال البحث


1. الفتاوى الحديثية: 86.
2. شواهد الحق ص 791 . ألّفه عام 1323 هـ ، و قد أدّى حق الكلام فيه في الرّد على بدع ابن تيمية.


(11)

العلمي و المناقشة الموضوعية بعيداً عن التراشق بسهام الاتّهام و العدوان.

وما هذا الكتاب ـ كما قلنا ـ إلاّ لفضح مفرّقي الصفوف و دعاة الفتنة قديماً و حديثاً و مواقفهم المفرّقة و أفكارهم الشاذة بغية أن يتجنّبها المسلمون و يتصدّى لهم و لها المفكّرون الذين يهمّهم أمر هذه الأُمّة المرحومة، و تؤلمهم محنتها القاسية، و الله من وراء القصد.

استعرضنا في هذا الكتاب عقائد الوهابيين الموروثة عن ابن تيمية على ضوء الكتاب والسنّة. وإذا ما قرأه القارئ مجرّداً عن أي تحيّز، لعرف أن هذا المذهب لا يُبتنى على أسس رصينة، وأن ما يتبناه المذهب، ليس سوى مغالطات أو انعكاسات سوء فهم للكتاب والسنة ويتبين كل ذلك في ضمن فصول .

قم المشرفة مؤسسة الإمام الصّادق ـ عليه السلام ـ

جعفر السبحاني

شعبان المعظم ـ 1415 هـ


(12)


(13)

الفصل الأوّل

لَمحات عن حياة مؤسّس الوهّابيّة

تُنسب الطريقة الوهّابيّة الى الشيخ محمّد بن عبدالوهّاب النجدي، و تُسمّى طريقته باسم أبيه «عبدالوهّاب» . أمّا السبب في عدم تسميتها بـ «المحمّدية» نسبة الى مؤسّسها محمّد، فهو ـ كما يقول البعض ـ للحذر من وقوع التشابه بينها و بين المسلمين أتباع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و الحيلولة دون استغلاله. (1)

وُلد الشيخ محمّد عام 1115 هـ في قرية «عُيينة» إحدى القرى التابعة لـ «نجد» و كان والده قاضياً فيها.

كان محمّد بن عبدالوهّاب ـ منذ طفولته ـ ذا علاقة شديدة بمطالعة كتب التفسير و الحديث والعقائد، و قد درس الفقه الحنبلي عند أبيه الَّذي كان من علماء الحنابلة. و كان ـ منذ شبابه ـ يستقبح كثيراً من الشعائر الدينية التي كان يمارسها أهالي نجد. و لم يقتصر ذلك على «نجد» بل تعدّا إلى المدينة المنوَّرة بعد ما انصرف من مناسك الحج، فقد كان يستنكر على الذين يتوسّلون برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند مرقده المقدّس.


1. دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي: 10/871 ، نقلا عن مجلة المقتطف: 27/893 .

(14)

ثم عاد إلى نجد و بعدها ارتحل إلى البصرة ـ و هو في طريقه إلى الشام ـ و هناك في البصرة طفق يستنكر على الناس شعائرهم الدينية و ينهاهم عنها، فثار عليه أبناء البصرة الغيارى وأخرجوه مدحوراً من ديارهم، فتوجَّه إلى مدينة الزبير.

و في الطريق ـ بين البصرة و الزبير ـ تعب من المشيو نال منه الحرُّ و العطش نيلا شديداً بحيث كاد أن يهلك فأدركه رجل من الزبير فعطف عليه عندمارآه مرتدياً زىَّ رجال الدين، و سقاه الماء و أركبه و أوصله إلى المدينة.

كان محمّد بن عبدالوهّاب عازماً على السفر إلى الشام، لكنّه لم يكن يملك ما يكفيه من المال و الزاد، فسافر إلى الأحساء و منها إلى حريملة التابعة لـ «نجد».

في تلك السنة ـ و كانت سنة 1139 هـ ـ انتقل والده عبدالوهّاب من عُيينة الى حريملة فلازَم الولد والده و تتلمذ على يده، و واصل حملاته المسعورة ضدّ الشعائر الدينية في نجد، ممّا أدّى إلى نشوب النزاع و الخلاف بينه و بين أبيه من جهة، و بينه و بين أهالي نجد من جهة أُخرى، و استمرّت الحالة على هذه حتى عام 1153هـ حيث توفّي والده.(1)

عند ذلك خلا الجوّ لمحمّد بن عبدالوهّاب، فراح يُعلن عن عقائده الشاذّة، و يستنكر على الناس ما يمارسونه من الشعائر الدينية، و يدعوهم إلى الانخراط في حزبه و تحت لوائه، فانخدع بعضٌ ورَفض آخرون، و اشتهر أمره في المدينة.

عندها قَفل راجعاً إلى «عُيينة» و كان يحكم عليها عثمان بن حمد، فاستقبله و أكرمه، و وقع القرار بينهما على أن يُدافع كلٌّ عن صاحبه، باعتبار أنّ لأحدهما


1. اقتطفناه من تاريخ نجد للآلوسي: 111 ـ 113.

(15)

السلطة التشريعية و للآخر السلطة التنفيذية، فحاكم عيينة يمدّه بالقوّة و محمّد بن عبدالوهّاب يدعو الناس إلى طاعة الحاكم و اتّباعه.

و وصل الخبر إلى حاكم الأحساء بأنّ محمّد بن عبدالوهّاب يدعو إلى آرائه و مبتدعاته، و يعضده حاكم عُيينة فأرسل حاكم الأحساء رسالة تحذيرية الى حاكم عُيينة، فاستدعى الحاكم محمّد بن عبدالوهّاب و اعتذر من تأييده، فقال له ابن عبدالوهّاب: لو ساعدتني في هذه الدعوة لملكت نجد كلَّها، فرفضه الحاكم و أمره بمغادرة عُيينة مذموماً مدحوراً.

كان ذلك في عام 1160 هـ عند ما خرج ابن عبدالوهّاب من عيينة و توجَّه إلى الدرعية التي كانت من أشهر المدن التابعة لنجد، و كان حاكمها ـ يومذاك ـ محمّد بن سعود ـ الجدّ الأعلى لآل سعود ـ فزاره الحاكم و أكرمه و وعده بالخير.

و بالمقابل بشَّره ابن عبدالوهّاب بالهيمنة على بلاد نجد كلّها، و هكذا وقع الاتّفاق المشؤوم.(1)

و الجدير بالذكر: أنّ أهالي الدرعية كانوا يعانون من فقر مُدقع و حرمان فظيع، حتى وصول ابن عبدالوهّاب و عقد الاتفاقية بينه و بين محمّد بن سعود.

يقول ابن بشر النجدي ـ فيما يرويه عنه الآلوسي ـ :

... و كان أهل الدرعيّة ـ يومئذ ـ في غاية الضيق و الحاجة، و كانوا يحترفون لأجل معاشهم...


1. لقد ذكر أحد المؤلّفين العثمانيين ـ في كتابه تاريخ بغداد ص 152 ـ بداية العلاقة بين محمّد بن عبدالوهّاب و آل سعود بصورة أُخرى، و لكن الظاهر صحة القول الَّذي ذكرناه في المتن .

(16)

ولقد شاهدتُ ضيقهم في أول الأمر، ثم رأيتُ الدرعيّة بعد ذلك ـ في زمن سعود ـ و ما عند أهلها من الأموال الكثيرة و الأسلحة المحلاّة بالذهب و الفضَّة و الخيل الجياد و النجائب العُمانيات والملابس الفاخرة، و غير ذلك من أسباب الثروة التامَّة، بحيث يعجز عن عدّه اللسان و يكلُّ عن تفصيله البيان.

و نظرتُ إلى موسمها يوماً ـ في الموضع المعروف بالباطن ـ فرأيتُ موسم الرجال في جانب، و موسم النساء في جانب آخر، فرأيت من الذهب و الفضّة والأسلحة و الإبل و الغنم و الخيل والألبسة الفاخرة و سائر المآكل ما لا يمكن وصفه، و الموسم ممتدٌّ مَدَّ البصَر، و كنت أسمع أصوات البائعين و المشترين و قولهم: بعت و اشتريت كدوىِّ النحل... .(1)

ولكن من أين كلّ هذه الثروات الهائلة؟!

إنّ «ابن بشر النجدي» لم يتعرّض لذكر مصدر هذه الثروات الهائلة، لكن المستفاد من التاريخ هو أنّ ابن عبدالوهّاب كان يحصل عليها من خلال الهجمات التي كان يشنّها ـ مع أتباعه ـ على القبائل و المدن التي ترفض الانجراف إليه، و كان يسلب أموالها و ينهب ثرواتها و يوزّعها على أهل الدرعيَّة.

و كان محمّد بن عبدالوهّاب ينتهج اُسلوباً خاصّاً في تقسيم الغنائم ـ المسلوبة من المسلمين الرافضين للانحراف ـ فقد كان يتصرّف فيها حسب رغبته الشخصيَّة، فمرَّة كان يُقسّمها ـ رغم كثرتها ـ بين اثنين أو ثلاثة من أتباعه، و كان أمير نجد يأخذ نصيبه من الغنائم، بموافقة ابن عبدالوهّاب نفسه.

و من أهمّ نقاط الانحراف في ابن عبدالوهّاب هو هذه المعاملة السيّئة مع


1. تاريخ نجد: 117ـ118 .

(17)

المسلمين الذين ما كانوا يخضعون لأهوائه و آرائه، فقد كان يُعاملهم معاملة الكافر المحارب، يُبيح أموالهم وأعراضهم.

و خلاصة القول: إنّ محمّد بن عبدالوهّاب كان يدعو إلى التوحيد، ولكن لتوحيد خاطئ من صُنع نفسه، لا التوحيد الَّذي يُنادي به القرآن الكريم، فَمن خضع له و لـ «توحيده» سلمتْ نفسه وأمواله، و من أبى فهو كافر حربي، و دمه و ماله هَدَر!!

و على هذا الأساس كان الوهّابيّون يشنَّون المعارك في نجد و خارجها ـ كاليمن و الحجاز ونواحي سوريا و العراق ـ و كانوا يبيحون التصرّف بالمُدن ـ التي يسيطرون عليها ـ كيفما يشاءُون، فإن أمكنهم ضَمّ تلك الأراضي إلى ممتلكاتهم و عقاراتهم فعلوا ذلك، و إلاّ اكتفوا بنهب الغنائم منها.(1)

و كان قد أمر كلّ من ينخدع بدعوته أن يتقدَّم إليه بالبيعة، و مَن رفض البيعة وجب قتله وتوزيع أمواله!!

و لهذا عند ما رفض أهالي قرية الفصول ـ من ضواحي الأحساء ـ بيعةَ هذا الرجل الشاذ هَجم عليهم و قتل ثلاثمائة رجل و نَهب أموالهم و ثرواتهم!(2)

و أخيراً... مات محمّد بن عبدالوهّاب عام 1206 هـ ،(3) ولكنّ أتباعه واصلوا طريقه و أحيوا بدعه و ضلاله.

ففي عام 1216 هـ أعدَّ الأمير سعود ـ الوهّابي ـ جيشاً ضخماً يتألّف من عشرين ألفاً و شنّوا هجوماً عنيفاً على مدينة كربلاء المقدّسة بالعراق. و كانت كربلاء


1. جزيرة العرب في القرن العشرين: 341.
2. تاريخ المملكة العربية السعودية: 1/51.
3. الأقوال متعدّدة في سنة ولادة محمّد بن عبدالوهّاب و مماته.


(18)

ـ و لا زالت ـ مدينة مقدّسة، تتمتّع بشهرة بالغة و محبَّة في قلوب المؤمنين و يقصدها الزوّارـ بمختلف جنسيّاتهم من إيرانيين وأتراك و عرب و غيرهم ـ فحاصر الجيش الوهّابي هذه المدينة المقدّسة ثم اقتحمها و دخلها و أكثر فيها القتل و النهب و الخراب و الفساد.

و قد ارتكب الوهّابيّون - في مدينة كربلاء المقدّسة ـ جرائم و فجائع لا يمكن و صفها، فقد قتلوا خمسة آلاف مسلم أو أكثر.

و عند ما انتهى الأمير سعود من العمليات الحربية هناك، عَمد إلى خزانة حرم الإمام الحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ و التي كانت مليئة بالذخائر النفيسة و الهدايا القيّمة التي أهداها الملوك و الأُمراء وغيرهم إلى الروضة المقدّسة فابتزَّها نهباً.

و بعد هذه الفاجعة الأليمة اتّخذت مدينة كربلاء لنفسها طابع الحزن و الكآبة، حتى نظم الشعراء قصائد في رثائها.(1)

و كان الوهّابيّون يشنّون بين فترة و أُخرى ـ و خلال مدّة تتراوح بين اثني عشر عاماً ـ هجماتهم و غاراتهم الحاقدة على كربلاء المقدّسة و ضواحيها، و على مدينة النجف الأشرف، ويعودون ناهبين سارقين، و كانت البداية هي الهجوم على مدينة كربلاء عام 1216 هـ ، كما سبقت الإشارة إليه.

و قد اتفقت كلمات المؤلّفين من الشيعة على أن ذلك الهجوم كان في يوم عيد الغدير المجيد، ذكرى تعيين النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الإمامَ علي بن أبي طالب خليفة له من بعده.(2)


1. تاريخ كربلاء للدكتور عبدالجواد الكليدار.
2. لمزيد من المعلومات عن عيد الغدير المجيد راجع الجزء الأوّل من الغدير للشيخ الأميني.


(19)

يقول العلاّمة المرحوم السيد محمّد جواد العاملي(1):

«و قد منَّ الله سبحانه بفضله و إحسانه و ببركة محمّد و آله ـ صلَّى اللّهُ عليهم أجمعين ـ لإتمام هذا الجزء من كتاب «مفتاح الكرامة»، بعد انتصاف الليل من الليلة التاسعة من شهر رمضان المبارك سنة 1225 هـ على يد مصنّفه...و كان مع تشويش البال و اختلال الحال و قد أحاطت الأعراب ـ من عُنيزة القائلين بمقالة الوهّابيّ الخارجي ـ بالنجف الأشرف و مشهد الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ و قد قطعوا الطّرق و نَهبوا زوّار الحسين ـ عليه السلام ـ بعد منصرفهم من زيارة نصف شعبان، و قتلوا منهم جماعة غفيرة، و أكثر القتلى من العجم، و ربّما قيل بأنهم مائة و خمسون، و قيل أقل...».

نعم، إنّ التوحيد الَّذي كان يدعو إليه محمّد بن عبدالوهّاب و جماعته ـ و كانوا يبيحون دماء وأموال مَن يرفض دعوتهم ـ هو القول بأنّ الله على العرش، يقول في الرسالة الحموية: إنّ الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء، وعلى كل شيء، وإنّه فوق السماء .

ثم يستدل على أنّه فوق السماء بقصة معراج الرسول إلى ربه ونزول الملائكة من عند الله وصعودهم إليه، إلى غير ذلك من الروايات.

ويستشهد بشعر عبد الله بن رواحة الّذي أنشده للنبي ـ حسب زعمه ـ:

شهدت بأنّ وعد الله حق * وانّ النار مثوى الكافرينا
وانّ العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب العالمينا


1. في كتابه الفقهي القيّم مفتاح الكرامة: 7/653.

(20)

إلى أمثال هذه الروايات الّتي استنتج منها أنّه سبحانه على العرش وله جهة.(1)

ونحن نقتصر على ذلك فمن حاول أن يقف على التوحيد الّذي دعا إليه فليرجع إلى كتاب «بحوث في الملل والنحل» الجزء الرابع، ولكن نقتصر في المقام بما ذكره ابن بطوطة في رحلته، يقول: حضرت يوم الجمعة بدمشق المسجد الّذي يخطب فيه على منبر الجامع أحمد بن تيمية، فكان من جملة كلامه: انّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه، وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً .(2)

و يظهر من كتاب «الردّ على الأخنائي» لابن تيمية أنّه كان يعتبر الأحاديث المرويَّة في فضل زيارة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، أحاديث موضوعة، و يصرّح بأنّ من يعتقد بحياة رسول الله بعد وفاته، كحياته زمن حياته فقد ارتكب خطأً كبيراً.

و هذا ما يعتقده محمّد بن عبدالوهّاب و أتباعه، و قد زادوا على ابن تيمية في الانحراف والباطل.

لقد أدَّت معتقدات الوهّابيّين الباطلة إلى أن يعتبر بعض الباحثين حول الإسلام ـ ممّن نظروا في كُتبهم و تعرَّفوا على الإسلام من مطبوعاتهم ـ أَنْ يعتبروا الإسلام ديناً جامداً محدوداً لا يُنتفع به في كلّ العصُور و الأزمان.


1. الرسالة الحموية الكبرى: الرسالة 11 من مجموع الرسائل الكبرى لابن تيمية: 429 ـ 432 .
2. ابن بطوطة، الرحلة: 95 ـ 96، طبع دار صادر .


(21)

يقول «لو تروب ستو دارد» الأمر يكي:

«... و قام على أثر ذلك عدد من النَّقَدة، اتّخذوا الوهّابية دليلا لكلامهم و قالوا: إنّ الإسلام ـ بجوهره و طبائعه ـ غير قابل للتكيّف على حسَب مقتضيات العصور و مُماشاة أحوال الترقّي و التبدّل، و ليس إلفاً لتطوّرات الأزمنة و تغيّرات الأيام...».(1)

و من الجدير بالذكر أنّ علماء المذهب الحنبلي ثاروا ضدّ محمّد بن عبدالوهّاب و حكموا بانحرافه و بطلان عقائده منذ البداية.

و أوّل من تصدّى له و أعلن الحرب عليه هو أبوه الشيخ عبدالوهّاب، ثم أخوه الشيخ سليمان و كلاهما من علماء الحنابلة.

و قد كتب الشيخ سليمان كتاباً بعنوان: «الصواعق الإلهية في الردّ على الوهّابيّة» ردَّ فيه على أباطيل أخيه و خزعبلاته.

يقول زيني دحلان ـ ما معناه ـ :

«...و كان عبدالوهّاب ـ والد الشيخ محمّد ـ رجلا صالحاً من أهل العلم، و كان الشيخ سليمان ـ أخو محمّد ـ من أهل العلم أيضاً، و بما أنّ الشيخ عبدالوهّاب و الشيخ سليمان كانا من بداية الأمر ـ أي من يوم كان محمّد يواصل دراسته في المدينة المنوّرة ـ على علم بأفكار محمّد الشاذّة، لذلك كانا يلومانه على أقواله و يُحذّران الناس منه...»(2).


1. حاضِر العالَم الإسلامي: 1/264.
2. الفتوحات الإسلامية: 2/357.


(22)

و يقول عبّاس محمود العقّاد المصري: «... و أكبر مَن خالف الشيخ في ذلك أخوه الشيخ سليمان ـ صاحب كتاب الصواعق الإلهية ـ و هو لا يُسلّم لأخيه بمنزلة الاجتهاد و الاستقلال بفهم الكتاب و السنّة...»(1).

و يرى الشيخ سليمان أنّ البدَع التي يمرّ بها الأئمة ـ جيلا بعد جيل ـ و لا يُكفّرون أصحابها، لا يكون الكفر فيها من اللزوم الَّذي يوجب القطع به و يُستباح من أجله القتال، و يقول الشيخ سليمان في ذلك: إنّ هذه الأُمور حدثت من قبل زمن الإمام أحمد بن حنبل في زمان أئمة الإسلام و أنكرها من أنكرها منهم، و لا زالت حتى ملأت بلاد الإسلام كلّها، و فُعلتْ هذه الأفاعيل كلّها التي تُكفِّرون بها، ولم يُروَ عن أحد من أئمة المسلمين أنّهم كفَّروا بذلك، و لا قالوا هؤلاء مرتدُّون، و لا أمروا بجهادهم، ولا سمُّوا بلاد المسلمين بلاد شرك و حرب كما قلتم أنتم، بل كفَّرتم من لم يُكفّر بهذه الأفاعيل و إن لم يفعلها...».(2)

هذا...و قد سبق أنّ محمّد بن عبدالوهّاب ليس أوّل مبتدع في آرائه و أفكاره، بل سبقه إلى ذلك ـ بقرون عديدة ـ ابن تيميّة الحرّاني و تلميذه ابن القيّم الجوزيّة و أمثالهما، إلاّ أنّ أفكارهم لم تتّخذ لنفسها طابع المذهب كما أحدث ذلك ابن عبدالوهّاب.


1. هذه الجملة تستدعي التوقّف و التأمّل، فمحمّد بن عبدالوهّاب كان يدّعي بلوغه درجة الاجتهاد و الاستقلال بفهم الكتاب و السنّة، و لكن أخاهُ الشيخ سليمان كان يردّ عليه هذا الادّعاء و يعتبره دون منزلة الاجتهاد و الاستقلال بالرأي - و أهل البيت أدرى بما فيه ـ إذن: آراء محمّد بن عبدالوهّاب و أفكاره كلّها باطلة و خاطئة ـ بشهادة أخيه الشيخ ـ لأنّها نابعة من علم ناقص و فكر هابط.
2. الإسلام في القرن العشرين حاضره ومستقبله: 72 ـ 73، ط نهضة مصر .


(23)

الردود على قائد الوهابيين

و نظراً لمّا كان لابن تيمّية ـ باذر بذور النفاق ـ من آراء سقيمة وأفكار باطلة فقد تصدى علماء عصره. لنقد آرائه و الحكم بانحرافه و خاصّة بعد ما كتب عقائده الباطلة و نشَرها بين الناس.

و قد تلخّصت الحرب الدينية ضدّ ابن تيميّة في نقطتين:

الأُولى: تأليف الكتب و كتابة الردود على أفكاره الباطلة، و تزييفها على ضوء القرآن و السنَّة الشريفة.

و كنموذج من ذلك نُشير إلى بعض ما صدر ضدّه من الكتب:

1ـ شفاء السقام في زيارة قبر الإمام: بقلم تقىّ الدين السبكي.

2ـ الدرّة المضيئة في الردّ على ابن تيميّة: بقلم المؤلّف السابق.

3ـ المقالة المرضيّة: تأليف قاضي قضاة المالكيّة تقىّ الدين أبي عبدالله الأخنائي.

4ـ نجم المهتدي و رجم المقتدي: بقلم فخر بن محمّد القرشي.

5ـ دفع الشبهة: بقلم تقىّ الدين الحصني.

6ـ التحفة المختارة في الردّ على منكر الزيارة: بقلم تاج الدين.

هذه بعض الردود التي كُتبت ضدّ عقائد ابن تيميّة و آرائه السقيمة، و كشفتْ عن سفاهتها وقشريَّتها.

الثانية: هجوم العلماء و الفقهاء عليه، و إصدار الحكم و الفتوى بفسقه تارةً


(24)

و بكفره تارةً أُخرى، و التحذير من البدَع التي أحدثها في الدين الحنيف.

و منهم قاضي القضاة في مصر «البدر بن جماعة» فقد كتبوا إليه رأي ابن تيميّة في زيارة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فكتب قاضي القضاة:

«إنّ زيارة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سُنَّة مستحبة، و قد اتّفق العلماء على ذلك، و كلّ من يرى حرمة زيارته فيجب على العلماء زجره و نهيه عن مثل هذه الآراء، فإن لم يردعه ذلك لزم حبسُه و فضحه بين الناس حتى لا يقتدوا به».

و ليس هذا القاضي الشافعي في مصر وحيداً في فتواه هذه، بل أصدر قضاة المالكية والحنبلية فتاوى مماثلة في تفسيق ابن تيميّة والحكم بضلاله وانحرافه.(1)

وبالإضافة إلى ذلك كلّه، فقد كتب الذهبي الَّذي يُعتبر من علماء القرن الثامن الهجري، و له تأليفات قيّمة في الحديث و الرجال ـ و كان مُعاصراً لابن تيميّة ـ كتب رسالة ودّية إليه ينهاه فيها عن منكراته، و شبَّهه فيها بالحجّاج الثقفي في ضلاله و فساده.(2)

إلى أن أهْلك الله ابنَ تيميّة في عام 728 هـ في سجن الشام، فحاول تلميذه ابن القيّم أن يواصل نهج أُستاذه، لكنّه لم يفلح في ذلك، فماتت أفكار ابن تيميّة بموته، و فنيتْ بفنائه، و زالت بزواله، واستراح المؤمنون من بدعه و ضلالاته.

إلى أن ألقى الشيطان حبائله من جديد، فجاء محمّد بن عبدالوهّاب حاملا


1. للتفصيل راجع كتاب «دفع الشبهة» تأليف تقي الدين الحصني.
2. و قد نُشرت هذه الرسالة في كتاب تكملة السيف الصقيل ص 190، كما نَشر نَصّها الشيخ الأميني في كتاب الغدير: 5/87 ـ 89 فراجع.


(25)

أفكار ابن تيميّة البائدة و اتفق مع آل سعود ليقوم كلّ منهما بتأييد الآخر، هذا في الحكم و ذاك في التشريع، فعاد الضلال يَنشر خيوطه في «نجد» و انتشرت الوهّابيّة في بلاد نجد انتشار السرطان الأثيم في الجسم، فانخدع جمعٌ من الناس، و تحزَّبوا ـ و مع كلّ أسف ـ باسم التوحيد للقضاء على أهل التوحيد، و أراقوا دماء المسلمين باسم الجهاد مع المشركين، و راح الأُلوف من الناس ـ رجالا ونساءً و صغاراً و كباراً ـ ضحيَّة لهذه البِدَع و الأباطيل، و توسَّعت شُقّة الخلاف بين المسلمين، و أُضيف على مذاهبهم المتعدّدة، مذهب جديد.

و قد بلغت المصيبةُ ذروتَها عند ما سقط الحَرَمان الشريفان ـ مكّة و المدينة ـ في قبضة هذه الزمرة المنحرفة، و عَمد النجديّون الوهّابيّون ـ و بالتعاون مع بريطانيا الحاقدة التي كانت تهدف تقسيم الدولة الإسلامية إلى دويلات صغيرة تحدُّها الحدود الجغرافية ـ عمدوا إلى محو الآثار الإسلامية في مكّة و المدينة، و هدْم قبور أولياء الله و هتك حرمة آل رسول الله، و غير ذلك من الجرائم و المنكرات التي يهتزّ لها ضمير المسلم.

يقول بعض المؤرّخين:

«بادر الوهّابيّون ـ لمّا استولوا على مكّة ـ بالمساحي فهدموا ـ أوّلا ـ ما في «المعلّى» مقابر قريش ـ من الِقباب، و هي كثيرة، منها قُبَّة سيّدنا عبدالمطّلب جدّ النّبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و قُبَّة سيّدنا أبي طالب ـ رضوان الله عليه ـ و قبَّة السيدة خديجة ـ رضوان الله عليها ـ كما هدموا قبَّة مولد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و مولد أبي بكر، و مولد الإمام علي ـ عليه السلام ـ و هدموا قبَّة زمزم و القباب التي حول الكعبة، و تتبّعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين فهدموها، و كانوا ـ عند الهدم ـ يرتجزون و يضربون بالطبول ويُغنُّون


(26)

ويُبالغُون في شتم القبور... حتى قيل إنّ بعضهم بال على قبر السيّد المحجوب!!...»(1)

قال العلاّمة السيد صدر الدين الصدر ـ المغفور له ـ :

لعمري إنّ فاجِعةَ البقيع * يُشيبُ لهولها فؤود الرضيع
و سوف تكون فاتحة الرزايا * إذا لم يُصحَ من هذا الهجوع
أما مِن مسلم للّه يرعي * حقوق نبيِّه الهادي الشفيع

و قال آخر:

تبّاً لأحفاد اليهود بما جَنَوا * لم يكسبوا من ذاك إلاّ العارا
هتكوا حريم محمّد في آلِه * ياويلهم قد خالفوا الجبّارا
هَدموا قبور الصالحين بحقدهم * بُعداً لهم قد أغضبوا المختارا

و انطلاقاً من قول النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ :

«إذا ظهرت البِدَع فعلى العالِم أن يُظهر عِلمه، و إلاّ فعليه لعنة الله».

فقد تصدّى علماء الشيعة ـ و علماء السنّة أيضاً كما ذكرنا ـ لهذا الغزو الوهّابي الحاقد، وكتبوا الكتب و نشروا المنشورات، في فضح هذا الرجل ـ الَّذي جاء يُحقق أهداف بريطانيا في ثوب جديد ـ و كشف القناع عن حقيقته و الردّ على آرائه الشاذّة.

و أوّل كتاب صدر في الردّ على ابن عبدالوهّاب هو كتاب «الصواعق الإلهية في الردّ على الوهّابيّة» بقلم أخيه الشيخ سليمان.


1. كشف الارتياب: 22 نقلا عن تاريخ الجبرتي.

(27)

كما أنّ أوّل كتاب صدر ضدَّه من علماء الشيعة هو كتاب «منهج الرشاد» للشيخ الكبير المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى سنة 1228 هـ ) و قد كتب كتابه هذا جواباً على رسالة بعثها إليه الأمير عبدالعزيز بن سعود ـ أحد الأُمراء السعوديّين في وقته ـ و قد زيَّف في كتابه أفكار محمّد بن عبدالوهّاب و أثبت بطلانها على ضوء القرآن و السنّة. و قد طبع الكتاب في عام 1343 هـ في النجف الأشرف في العراق.

ثم تتابَع الردّ و النقد في ظروف مختلفة، و صدرت الكُتب تترى واحدة تلو الأُخرى، حتى زماننا هذا.

و في عصرنا الحاضر صعَّد الوهّابيّون حَملاتهم المسعورة ضدّ مخالفيهم من المسلمين، بفضل الثروة الطائلة التي يجنيها آل سعود من أرباح البترول العائدة إليهم فقط.

لقد خصّصت السلطة السعودية جزءاً كبيراً من أرباح البترول لترويج هذا المذهب المفرِّق و نشره بين المسلمين، ولولا هذه الأموال الطائلة لما عاش هذا المذهب الواهي إلى هذا الوقت.

لقد وَجد الاستعمار ضالَّته في هذا المذهب، و اتّخذه خير وسيلة لإلقاء التفرقة بين المسلمين وتشتيت صفوفهم، و ضرْب بعضهم البعض.

و قد حقّق هذا المذهب أهداف الاستعمار الغاشم الأثيم، فتراه قد أوجد الفتنة بين المسلمين، هذا يُفسّق ذاك و ذاك يُكفّر هذا... و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلىّ العظيم.

أيّها القارئ الكريم: لقد قرَّرنا ـ فى هذا الكتاب ـ أن نطرح عقائد الوهّابيّين


(28)

على بساط البحث والتحقيق، و نرفع الستار عن حقيقتها، حتى يثبت لك أنّ عقائد المسلمين مستندة إلى القرآن و السُّنّة المطهّرة، و أنّ عقائد الوهّابيّين مخالفة للقرآن و سُنَّة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، و قد انتهجنا اُسلوب الإيجاز و الاختصار.


(29)

الفصل الثاني

الوهّابيّون و بناء قبور الأولياء

تُعتبر مسألة بناء القبور و تشييد مراقد الأنبياء و أولياء الله الصالحين من المسائل الحسّاسة عند الوهّابيّين، و قد كان ابن تيميّة ـ و تلميذه ابن القيّم ـ أوّل من أفتى بحرمة بنائها و وجوب هدمها.

يقول ابن القيّم:

يجب هدم المشاهد الّتي بُنيتْ على القبور، و لا يجوز إبقاؤها ـ بعد القدرة على هدمها و إبطالها ـ يوماً واحداً.(1)

و في عام (1344 هـ ) بعد ما استولى آل سعود على مكّة المكرمة و المدينة المنوّرة و ضواحيهما، بدأوا يبحثون عن دليل يبرّر لهم هدم المراقد المقدَّسة في البقيع و محو آثار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ و الصحابة، فلجأوا إلى الاستفتاء من علماء المدينة المنوّرة حول حرمة البناء على القبور، محاولة منهم لتبرير موقفهم أمام الرأي العامّ الإسلامي ـ و خاصَّة في الحجاز ـ لأنّهم كانوا يُدركون جيّداً أن المسلمين في الحجاز هم كالمسلمين في كلّ مكان، يعتقدون بكرامة أولياء الله وقدسيَّتهم و جواز البناء على قبورهم، فحاول الوهّابيّون أن يُلبسوا جريمتهم هذه بلباس الإسلام، دفعاً لنقمة المسلمين! سبحان الله!!


1. زاد المعاد في هدي خير العباد: 661.

(30)

أرسلت السلطات السعودية قاضي القضاة في نجد ـ واسمه: سليمان بن بليهد ـ إلى المدينة المنوَّرة للاستفتاء من علمائها حول بناء مراقد أولياء الله، و لكن الجدير بالذكر هو أنّ الأسئلة التي طرحها ابن بليهد كانت تحمل في ثناياها الأجوبة المطابقة لآراء الوهّابييّن أنفسهم، و ما كان من العلماء إلاّ الإجابة بمثل ما هو مذكور في الاستفتاء نفسه، و كانوا يعرفون ـ مسبقاً ـ أنّ الإفتاء على خلاف آرائهم يُعرِّضهم للتهمة بالكفر والشرك، و من ثم يحكمون عليهم بالقتل إن رفضوا التوبة!!

و قد نشرت جريدة «أُمّ القرى» الصادرة في مكّة ـ في شوال 1344 هـ ـ تلك الأسئلة و الأجوبة، و قد أثارت ضجّة كبرى بين المسلمين ـ الشيعة و السنّة معاً ـ لأنّهم كانوا يعلمون أنّ وراء هذا الاستفتاء ـ الَّذي قد صدر تحت وطأة التهديد والترهيب ـ هو البدء بهدم القباب و البناء المشيَّد على قبور قادة الإسلام و عظماء المسلمين.

و هذا ما حصل بالفعل، فبعد ما صدرت تلك الفتوى من خمسة عشر عالماً من علماء المدينة، و انتشرت في الحجاز، بدأت السُّلطة الوهابية الحاقدة بهدم قبور آل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الثامن من شوال من ذلك العام، و قضت على آثار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ و الصحابة، و نهبت كلّ ما كان في ذلك الحرم المقدّس من فُرش و هدايا ثمينة و غيرها، و حوَّلت تلك الزمرة الوحشيّة البقيع المقدّس إلى أرض قفراء موحشة.(1)


1. يقول المؤرّخ الجليل الشيخ آغا بزرگ الطهراني في كتاب الذريعة: 8/261 ـ: لقد سيطر الوهّابيّون على الحجاز في سنة 1343 هـ ، و في الثامن من شهر شوال من نفس العام هدموا قبور الائمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ و الصحابة في البقيع. انتهى كلامه.
أقول: إنّ جريدة «أُمّ القرى» نشرت نصّ الاستفتاء و جوابه في تاريخ 17 شوال سنة 1344 هـ و حدّدتْ تاريخ صدور الفتوى من علماء المدينة بـ 25 رمضان، لهذا ينبغي القول انّ احتلال المدينة و هدم قبور أولياء الله حَدثا معاً في سنة 1344 هـ و يعتقد المرحوم السيد محسن الأمين أنّ الاحتلال الكامل و الهدم قد وقعا في عام 1344 هـ . راجع كتاب كشف الارتياب: 56ـ60.


(31)

و فيما يلي نذكر جانباً من الاستفتاء، لتعرف كيف ضمَّن السائلُ الجوابَ في سؤاله، و أنّ الهدف لم يكن السؤال و الاستفتاء، بل كان للحصول على مستمسك لتضليل الرأي العام و تدمير آثار النبوَّة و الرسالة. و لو كان الهدف هو الاستفتاء الحقيقي و معرفة رأي الإسلام في ذلك، فما معنى إدخال الجواب في مضمون الاستفتاء؟!

بل إنّنا نظن أنّ الاستفتاء و الجواب كانا قد أُعدّا مسبقاً في ورقة خاصّة، ثم أُرسلتْ تلك الورقة إلى علماء المدينة للتوقيع عليها فقط، و إلاّ فليس من المعقول أن يُغيّر علماء المدينة وجهة نظرهم فجأة، و يُصدروا الفتوى بتحريم البناء على القبور و وجوب هدمها، مع العلم أنّهم كانوا و آباؤهم ـ طوال سنوات عديدة ـ من الدّاعين إلى حفظ الآثار النبويَّة، و كانوا يزورون تلك المشاهد المقدّسة.

يقول ابن بليهد في سؤاله:

«ما قول علماء المدينة المنوَّرة ـ زادهم اللّه فهماً و علماً ـ في البناء على القبور و اتّخاذها مساجد، هل هو جائز أم لا؟

و إذ كان غير جائز بل ممنوع منهيٌّ عنه نهياً شديداً، فهل يجب هدمها و منع الصلاة عندها أم لا؟

و إذا كان البناء في مَسبلة(1) كالبقيع و هو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليه، فهل هو غصب يجب رفعه، لما فيه من ظلم المستحقين و منعهم استحقاقهم أم لا؟».


1. مَسْبلة: موقوفة في سبيل اللّه تعالى.

(32)

و تحت التهديد و التخويف، يجيب علماء المدينة على سؤال «الشيخ» بمايلي:

«أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً، لصحة الأحاديث الواردة في منعه، و لهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه، مستندين بحديث علي ـ رضي اللّه عنه ـ أنه قال لأبي الهيّاج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه، أن لا تَدع تمثالا إلاّ طمَسته، و لا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيتَه».

و يقول الشيخ النجدي في مقال نشرتْه جريدة «أُمّ القرى» في عددها الصادر في شهر جمادى الثّانية سنة 1345 هـ :

«إنّ بناء القباب على مراقد الأولياء صار متداولا منذ القرن الخامس الهجري».

نعم، هذه نماذج من أقوال الوهّابيّين حول بناء القبور، و ترى أنّ عمدة استدلالهم ـ في كتبهم و مؤلّفاتهم ـ على الحرمة تعتمد على أمرين:

1ـ إجماع علماء الإسلام على التحريم.

2ـ حديث أبي الهيّاج عن الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ و ما شابه ذلك.

نحن الآن نتحدّث فقط عن مسألة البناء على القبور و إقامة الظلال و السُّقف و الأبنية عليها.

أما مسألة زيارة القبور فهو موضوع مستقلّ سوف نتحدّث عنه في فصل خاصّ إن شاء اللّه تعالى.

بالنسبة إلى المسألة الأُولى فالحديث عنها في ثلاث نقاط:


(33)

1ـ ما رأي القرآن الكريم تجاه البناء على القبور، و هل نجد في القرآن بياناً لهذه المسألة؟

2ـ هل صحيح أنّ الأُمّة الإسلامية متَّفقة على حرمة البناء على القبور؟ أم أنّ البناء كان متداولا في كلّ العهود الإسلامية ، بدءاً بزمن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و الصحابة؟

3ـ ماذا يعني حديث أبي الهيّاج و حديث جابر و أُمّ سلمة و ناعم ممّا يستغلّه الوهّابيّون للاستدلال على باطلهم؟

أـ رأي القرآن الكريم في البناء على القبور

لَمْ يتطرَّق القرآن الكريم إلى حكم البناء على القبور بصورة خاصّة، إلاّ أنّه يمكن استنباط حكمه من خلال بعض الآيات الكريمة العامّة، و إليك التفصيل:

1ـ البناء على قبور الأولياء تعظيمٌ للشعائر الإلهية

إنّ القرآن الحكيم يعتبر تعظيم شعائر اللّه سبحانه دليلا على تقوى القلوب، فيقول عزّوجل:

(و مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوى القُلُوب).(1)

و نتساءل: ما معنى تعظيم شعائر اللّه؟

الجواب: إنّ «شعائر» كلمةُ جمع، و مفردها: «شعيرة» و هي بمعنى الدليل والعلامة.

و ليس المقصود من «شعائر» ـ في هذه الآية ـ العلائم الّتي تُثبت وجود


1. الحج: 32.

(34)

اللّه تعالى، ذلك لأنّ الكون كلَّه دليل على وجوده سبحانه. يقول الشاعر:

و في كلّ شيء له آيةٌ تَدلُّ على أنّه واحدُ

كما أنّه ليس هناك من يقول: إنّ تعظيم كلّ ما هو موجود في الكون دليل على التقوى، و إنّما المقصود هو تعظيم شعائر دين اللّه، و لهذا يقول المفسّرون ـ في هذه الآية ـ : إنّ كلمة «شعائر اللّه» معناها معالم دين اللّه.(1)

و إذا كان «الصفا و المروة» و كذلك البعير الّذي يُساق إلى منى للنحر من شعائر اللّه(2) فإنّما هو بسبب كونها من معالم الدين الحنيف، و إذا كانت «المزدلفة» تُسمّى بـ «المشعر» فإنّما هو بسبب كونها من علامات دين اللّه تعالى، و أنّ الوقوف في المشعر دليل على طاعة اللّه سبحانه.

و إذا كانت «مناسك الحج» تسمّى بالشعائر فإنّما هي لكونها علامات للتوحيد و الدين الحنيف.

و خلاصة القول: إنّ كلّ ما هو شعيرة لدين اللّه فإنّ تعظيمه ممّا يُقرّب إلى اللّه تعالى.

و ممّا لا شكّ فيه أنّ الأنبياء و أولياء اللّه تعالى هم من أكبر و أبرز علامات دين اللّه، إذ أنّهم كانوا خير وسيلة لإبلاغ رسالة اللّه و نشره بين الناس.

إنّ من الثابت لدى كلّ منصف أنّ وجود النبي و الأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ هو


1. تفسير مجمع البيان: 4/83 ، طبعة صيدا، و غيره.
2. ألف/ قوله تعالى: (إنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ)البقرة: 158.
ـ ب/ قوله تعالى:(و البُدْنَ جعلناها لكم من شعائر اللّه) الحج: 36.


(35)

من علامات الإسلام و شعائر هذا الدين المقدَّس، فتعظيمهم تعظيم للّه و علامة على تقوى القلوب.

و لا شكّ أنّ صيانة آثارهم و المحافظة على قبورهم من المحو و الزوال إنّما هي نوع من تعظيم شعائر دين اللّه سبحانه.

و بعبارة أُخرى: نستطيع أن نُدرك ضرورة تعظيم قبور أولياء اللّه من خلال هاتين النقطتين:

الف: إنّ أولياء اللّه ـ و خاصّة أُولئك الذين ضحّوا من أجل الدين و نشره ـ هم من شعائر اللّه وعلائم دينه.

ب: إنّ بناء قبورهم ـ بالإضافة إلى تخليد ذكرياتهم و السير على نهجهم السديد ـ هو نوع من تعظيمهم و احترامهم.

و على هذا الأساس فإننا نرى كافّة الشعوب و الأُمم في العالَم تُخصّص مناطق خاصّة لمثوى شخصيّاتهم السياسية و الدينية، كي تبقى رمزاً خالداً لأتباعهم إلى الأبد، فكأنَّ حفظ مراقدهم من المحو و الاندراس يؤدّي إلى خلود ذكراهم و إحياء أفكارهم و مناهجهم.

و لكي نعرف هذه الحقيقة جيّداً، لابدّ من أن نتأمّل الآية السادسة و الثلاثين من سورة الحج:

(و البُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ).

إنّ بعض حجّاج بيت اللّه الحرام كانوا يسوقون معهم بعيراً من بلادهم (هَدْياً بالغَ الكعبة)كي يُنحر بجوار بيت اللّه، و كانوا يتركون على عنقه قلادة ـ أو غيرها ـ


(36)

كناية عن أنّه يُساق للنحر في مكّة، فهو للّه تعالى لا يُباع و لا يُشترى، فكان يتميَّز بهذه القلادة عن بقية الإبل.

لهذا السبب اعتبره اللّه تعالى «من شعائر اللّه» و لهذا حكم الإسلام باحترام هذا الهَدي، فلا يجوز ركوبه ـ مثلا ـ و يجب توفير المأكل و المشرب له حتى ساعة الذبح بجوار الكعبة.

فإذا كان هذا البعير يكتسب هذا الاحترام و الإكرام، فقط لكونه صار من شعائر اللّه تعالى، فما تقول في الأنبياء و الأئمة الطاهرين؟!

ألا يُعتبر الأنبياء و الأئمة الطاهرون ـ عليهم السلام ـ و العلماء و الشهداء ـ الذين ألبسوا أنفسهم قلادة العبودية للّه منذ البداية و نذروا أنفسهم لخدمة دين اللّه و قاموا بدَور الوسيط بين اللّه و خلقه في هدايتهم و إرشادهم ـ ألا يُعتبرون من شعائر اللّه؟!

ألا يجب تعظيمهم و احترامهم، في حياتهم و بعد مماتهم، التعظيم اللائق بهم؟!

إذا كانت الكعبة و الصفا و المروة و منى و عرفات ـ و ما هي إلاّ جمادات مركّبة من التراب والحجر ـ تُعتبر من شعائر اللّه و تستحقّ الاحترام و التعظيم المناسب لها بسبب ارتباطها باللّه سبحانه، فلماذا لا يكون أولياء اللّه ـ الذين هم حُماة دين اللّه و ناشروا أحكامه ـ و ما يرتبط بهم، لماذا لا يكونوا جميعاً من شعائر اللّه؟!

إنّنا ندعو الوهّابيّين إلى تحكيم وجدانهم ـ في هذا المجال ـ و نطرح عليهم هذا السؤال: هل تشكّون و تتردّدون في أنّ الأنبياء و الرسل هم من شعائر اللّه؟!


(37)

ألا يحكم الوجدان بضرورة تعظيمهم و تخليدهم و التمسُّك بمناهجهم؟!

هل أنّ البناء على قبورهم و تنظيف الساحة الّتي تضمّ مراقدهم تعظيمٌ و احترامٌ لهم، أم هدْم قبورهم و إهمال الساحة المحتضنة لمراقدهم و تحويلها إلى خربة مهجورة موحشة يُعْتَبَر تعظيماً لهم؟!

2ـ حبّ النبيّ والمودَّة في القربى

إنّ صيانة القبور والآثار الباقية من بيت الوحي والعصمة ـ عليهم السلام ـ من مظاهر حب النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» وتكريمه، وقد أُمر المسلمون في الكتاب والسنّة بحبه وتكريمه و تبجيله، قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشيرتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَونَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولهِوَجِهاد في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِي اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدي الْقَومَ الْفاسِقينَ) .(1)

وقال سبحانه في وصف المؤمنين:(فَالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّروهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفلِحُونَ).(2)

فالآية الكريمة تأمر بأُمور أربعة:

1. الإيمان به.

2. تعزيره.

3. نصرته.

4. اتّباع كتابه وهو النور الذي أُنزل معه.


1. التوبة: 24.
2. الأعراف: 157.


(38)

وليس المراد من تعزيره هو نصرته، لأنّه قد ذكره بقوله: «نصروه» وإنّما المراد توقيره، وتكريمه وتعظيمه بما انّه نبيُّ الرحمة والعظمة ، ولا يختص تعزيره وتوقيره بحال حياته ، كما أنّ الإيمان به والتبعية لكتابه لا يختصان بحال حياته الشريفة.

وعلى هذا فحب النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» ومن يمت إليه بصلة أصل إسلامي يجب أن يهتم به المسلمون ويطبقونه في حياتهم.

ولأجل كرامة رسول اللّه«صلى الله عليه وآله وسلم» ومنزلته يدعو الذكر الحكيم إلى تعظيمه في المجالس وحفظ كرامته ويقول:

(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصواتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبىِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون).(1)

وقال أيضاً: (إِنَّ الَّذينَ يَغُضُّونَ أَصواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبُهُمْ لِلتَّقوى) .(2)

وقال: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِبَعْضِكُمْ بَعضاً).(3)

فأي إجلال أبلغ من هذا، وأي تقدير أروع من هذا التقدير.

وليس الذكر الحكيم وحده هوالداعي والآمر بحب الرسول(صلى الله عليه وآله)، بل السنّة النبوية تضافرت على لزوم حبّه.


1. الحجرات: 2 .
2. الحجرات: 3.
3. النور: 63.


(39)

قال رسول اللّه: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين».(1)

وقد تواتر مضمون هذه الرواية عن النبي(صلى الله عليه وآله)، فمن أراد فليرجع إلى الكتب المعدّة لهذا الغرض.(2)

مظاهر الحب

إنّ لهذا الحب مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرفاته، بل من خصائصه أن يظهر أثره على سلوك الإنسان وملامحه.

1. حب اللّه ورسوله لا ينفك عن اتّباع دينه والاستنان بسنّته والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محباً لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه ولا يرضيه . و الاتّباع أحد مظاهر الحبّ قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)(3). فمن ادّعى الحب في النفس وخالف في العمل، فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادين.

وقد نسب إلى الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ انّه أنشد البيتين التاليين:

تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه هذا لعمري في الفعال بديع


1. صحيح البخاري:1/8 ، باب حب الرسول من الإيمان من كتاب الإيمان.
2. كنز العمال:2/126.
3. آل عمران: 31.


(40)

لو كان حبك صادقاً لأطعته * انّ المحب لمن يحب مطيع(1)

2. ومن مظاهر هذا الحب، صيانة آثارهم وحفظ معالمهم والعناية بكلّ ما يتصل بهم حتى الاحتفاظ بما صلوا فيه من ألبسة أوشربوا منه الماء من أوان أو استخدموه من أشياء، وتشييد مراقدهم، وتعمير قبورهم ... كلّ ذلك انعكاس طبيعي لهذا الحب الكامن في النفوس والود المتمكن في القلوب.

وليس هذا أمراً مختصاً بالمسلمين، بل الأُمم المتحضّرة المعتزّة بماضيها وتاريخها، تسعى إلى صيانة كلّ أثر تاريخي باق من الماضي وصيانة مراقد شخصياتهم العلمية .

إنّ القرآن الكريم يأمرنا ـ بكلّ صراحة ـ بالحبّ و المعاملة الحسنة مع النبىّ  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأقربائه فيقول:

(قُل لا أسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).(2)

و من الواضح لدى كلّ من يُخاطبه اللّه بهذه الآية أنّ البناء على مراقد أهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو نوع من أنواع إظهار الحبّ و المودَّة لهم.

و هذه العادة مُتَّبعة عند كافّة الشعوب و الأُمم في العالَم، و الجميع يعتبرون ذلك نوعاً من المودَّة لصاحب ذلك القبر، و لذلك تراهم يدفنون كبار الشخصيات السياسية و العلمية في كنائس ومقابر مشهورة، و يزرعون أنواع الأزهار و الأشجار حولها.


1. سفينة البحار، مادة حب.
2. الشورى: 23.


(41)

3ـ البناء على القبور في الأُمم السابقة

يستفاد من بعض الآيات الكريمة ـ في القرآن ـ أنّ تعظيم قبور المؤمنين كان أمراً شائعاً بين الأُمم الّتي سبقت ظهور الإسلام، فبالنسبة إلى أصحاب الكهف ـ بعد ما انتشر خبرهم بين الناس و هرعوا إلى الكهف لمشاهدتهم ـ وقع الخلاف و النزاع حول مدفنهم و انقسموا قسمين، فقال أحدهما:

(ابنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً).

و قال الآخر:

(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).

هنا نلاحظ أنّ القرآن الكريم يذكر لنا هذين الرأيين، من دون أن ينتقدهما، و على هذا يمكن القول بأنّه لو كان الرأيان باطلين لانتقدهما، أو قصَّ، قصّتهما باسلوب رافض مستنكر.

و يقول المفسّرون: إنّ النزاع ـ حول مدفن أصحاب الكهف ـ إنما وقع بين المؤمنين و الكافرين، أمّا الكافرون فقالوا:

(ابنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً).

و المؤمنون قالوا:

(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).(1)

و كانت الغلبة مع المؤمنين حيث قال سبحانه:

(قالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).


1. الكهف: 21.

(42)

و بُني المسجد و صارت قبور أصحاب الكهف مركزاً للتعظيم و الاحترام.

و هكذا يظهر لنا أنّ الهدف من البناء على قبور أصحاب الكهف إنّما كان نوعاً من التعظيم لأولياء اللّه الصالحين.

أيّها القارئ الكريم: بعد ما مرَّ عليك من الآيات الكريمة الثلاث، لا يمكن القول بحرمة البناء على قبور أولياء اللّه و لا بكراهته بأىّ وجه، بل يمكن اعتباره نوعاً من تعظيم شعائر اللّه و مظهراً من مظاهر المودَّة للقربى.

4ـ الإذن في ترفيع بيوت خاصّة

لقد أذن اللّه تعالى في ترفيع البيوت الّتي يُذكر فيها اسمه عزّوجلّ، فقال عزَّ من قائل: (في بُيُوت أذِنَ اللّهُ اَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَ الآصالِ* رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ...)(1).

و الاستدلال بهذه الآية ـ على جواز البناء على القبور ـ يتمّ ببيان أمرين:

الأوّل: ما هو المقصود من البيوت؟

الثاني: ما هو المقصود من الرفع؟

بالنسبة إلى الأمر الأوّل: ليس المراد من البيوت هو المساجد فقط، بل المراد منها ما هو الأعمّ من المساجد و الأماكن الّتي يُذكر فيها اسم اللّه تعالى، سواء كانت مساجد أو غير مساجد، كبيوت الأنبياء و الأئمة ـ عليهم السلام ـ و الصالحين الذين لا تُلهيهم تجارة و لا بيع عن ذِكر اللّه، فهذه البيوت تُعتبر من المصاديق البارزة للآية الكريمة.


1. النور: 36ـ37.

(43)

بل يمكن أن يقال: إنّ المراد من البيوت هو غير المساجد، لأنّ البيت هو البناء الّذي يتشكَّل من جدران أربعة و عليها سقف قائم، و إذا كانت الكعبة يُقال لها: بيت اللّه فإنّما هو بسبب كونها مُسقَّفة، و القرآن الحكيم يعتبر البيت هو المكان المسقَّف فيقول سبحانه:

(وَلَوْلا أنْ يُكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّة...).(1)

إنّ المستفاد من هذه الآية الكريمة هو أنّ البيت لا ينفكّ عن السقف، مع العلم أنّه يستحبّ شرعاً أن تكون المساجد غير مُسقَّفة. هذا هو المسجد الحرام تراه مكشوفاً تحت السماء من دون سقف يُظلّله.

و على كل تقدير... فالمقصود من البيوت إمّا هو الأعم من المساجد، أو غير المساجد...

هذا بالنسبة إلى الأمر الأوّل.

و أمّا الأمر الثاني ـ و هو معنى الرفع ـ فيحتمل أمرين:

أن يكون المراد منه هو الرفع المادّي الظاهري، الّذي يتحقّق بإرساء القواعد و إقامة الجدار والبناء، كما قال سبحانه:

(وَ إِذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعيلُ...)(2).

أو يكون المراد منه هو الرفع المعنوي، كما قال: عزَّوجلّ:


1. الزخرف: 33.
2. البقرة: 127.


(44)

(وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيَّاً).(1)

أي: منحناه مكانةً عالية.

فإن كان المراد هو المعنى الأوّل، فهو يدلّ ـ بكلّ وضوح ـ على جواز تشييد بيوت الأنبياء والأولياء و تعميرها، في حياتهم و بعد وفاتهم، و من المعلوم أنّ مدفن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و مدفن عدّة من الأئمة الطاهرين و الأولياء الصالحين إنّما هو في بيوتهم، فتشييد هذه البيوت و صيانتها من الخراب و الاندثار عملٌ جائز بنصّ الآية الكريمة، بل هو محبوب و مرغوب فيه.

و إن كان المراد منه هو الرفع المعنوي و العظمة المعنوية، كانت النتيجة من الإذن برفعها هو الإذن بتكريمها و تبجيلها و صيانتها و تطهيرها ممّا لا يليق بشأنها.

و على كلّ حال، فالإذن في الرفع ـ سواء أكان ماديّاً أم معنوياً ـ إنّما جاء بسبب وجود الرجال الصالحين الذين يذكرون اللّه سبحانه فيه بالغدوّ و الآصال.

بعد هذه الآية و آيات أُخرى مما ثلة كيف يجوز للوهّابيّين أن يهدموا بيوت آل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّتي كانت مهبطاً لملائكة اللّه و مركزاً لذكر اللّه و نشر دينه و أحكامه؟!!

كيف يجوز لهم أن يهدموا هذه المراقد المقدّسة الّتي هي مهوى أفئدة ملايين المؤمنين، وكانوا يزورونها ـ رجالا و نساءً، صباحاً و مساءً ـ و يذكرون اللّه فيها بالصلاة و الدعاء و التسبيح؟!

لماذا أقدم الوهّابيّون على تحقير هذه البيوت المقدّسة و إذلالها و إهمالها،


1. مريم: 57.

(45)

وحوَّلوها إلى قفار موحشة مهجورة، يُرثى لها و يحنّ قلب كلّ مؤمن لوضعها المأساوي؟!

لماذا؟ و لماذا؟

و قد روى الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك و بريدة: أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قرأ قوله تعالى: (في بيوت أذن اللّه أن تُرفع...) فقام إليه رجل و قال: أىّ بيوت هذه يا رسول اللّه؟

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : بيوت الأنبياء.

فقام إليه أبوبكر و قال: يا رسول اللّه و هذا البيت منها؟ ـ و أشار إلى بيت علىّ و فاطمة ـ عليهما السلام ـ ـ فقال النبي: نعم، مِن أفاضِلها.(1)

إلى هنا تم بيان ما هو رأي القرآن الحكيم في البناء على القبور واليك دراسة رأي الامة الإسلامية حوله .

ب ـ الأُمَّة الإسلامية و البناء على القبور

عند ما انتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية، و عمَّ نوره منطقة واسعة من الشرق الأوسط، كانت لقبور الأنبياء ـ الّتي كانت معروفة يومذاك ـ بناء و سقف وظلال، و كانت لبعضها قباب مشيَّدة و ضرائح منضَّدة، لا زال البعض منها موجوداً حتّى الآن.

و في مكّة نفسها ترى قبر النبىّ إسماعيل و أُمّه هاجر ـ عليهما السلام ـ يستقرّان في الحِجر


1. تفسير الدرّ المنثور: 5/50. و في سؤال أبي بكر عن بيت علىّ و فاطمة ـ عليهما السّلام ـ و جواب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مجال للتأمّل والتعليق، لما كان يعلمه النبىّ بما سيتعرض له هذا البيت المقدّس بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله و سلم.

(46)

المعروف بِحجر إسماعيل، كما أنّ قبر النبىّ دانيال يقع في مدينة شوش في ايران، و قبور الأنبياء هود و صالح و يونس و ذي الكفل ـ عليهم السلام ـ في العراق، و كذلك قبر النبىّ إبراهيم و أولاده إسحاق و يعقوب و يوسف تقع في القدس المحتلَّة، بعد أن كانت في مصر، فنقل النبىّ موسى ـ بأمر اللّه تعالى ـ أجسادهم الطاهرة إلى القدس، و لا زالت موجودة حتى الآن و لكلٍّ منها معالم و أبنية مشيَّدة. كما أنّ قبور لفيف من الأنبياء في الأردن وعليها بناء مشيدّ .

و قبر أمّ البشر السيدة حوّاء يقع في مدينة «جدّة» بالحجاز ـ على ما هو المشهور ـ و قد سُمّيت المدينة بـ «جدَّة» نظراً إلى مثوى السيّدة حواء فيها، و قد كان لقبرها آثارٌ مشهودة، و لمّا احتلّ الوهّابيّون الحجاز عمدوا إلى محو آثاره و طمس معالمه!

كلّ هذه المراقد و القبور كانت بمرأى من المسلمين يوم فتحوا تلك البلاد، و مع ذلك لم يصدر منهم أىّ ردّ فعل سلبي تجاهها، و لم يأمروا بهدمها و تخريبها، فلو كان البناء على القبور و دفن الموتى في مقابر مسقَّفة عملا محرَّماً في الإسلام، لكان المفروض على أُولئك المسلمين أن يقوموا ـ قبل كلّ شيء ـ بهدم تلك القبور الّتي لا زالت متواجدة، في مناطق متعدّدة من القدس و الأردن و العراق، و لكانوا يمنعون من تجديد بنائها أو إعادته على مرّ العصور و الأزمان، و لكنّنا نرى أنّهم لم يأمروا بهدمها فحسب، بل دأبوا على تعميرها و صيانتها طوال أربعة عشر قرناً.

لقد كانوا يدركون ـ بوحي من العقل ـ أنّ حماية آثار الأنبياء و صيانتها إنّما هي نوع من الاحترام لهم، و أنّ ذلك (تكريمهم ـ لا عبادتهم ـ) يُقرّبهم إلى اللّه عزّوجلّ و يُنيلهم الأجر و الثواب.


(47)

يقول ابن تيميّة ـ في كتابه الصراط المستقيم ـ :

«عندما تَمَّ فتح القدس كانت لقبور الأنبياء هناك أبنية ولكن أبوابها كانت مغلقة حتى القرن الرابع الهجري»(1).

فلوكان البناء على القبور حراماً لكان هدمه واجباً، و لم يكن هناك مبرّر لتركها على حالها مغلّقة الأبواب، بل كان الإسراع إلى هدمها واجباً ، على فرض صحة قول ابن تيميّة من إغلاق أبوابها إلى القرن الرابع .

و خلاصة القول: إنّ بقاء تلك الأبنية و القباب على القبور طوال هذه الفترة، وبمرأى علماء الإسلام و فقهائه دليل واضح على جوازها في الدين الإسلامي المقدَّس.

الآثار الإسلامية دليل على أصالة الدين

ممّا لا شكّ فيه أنّ المحافظة على آثار الأنبياء ـ و خاصّة آثار النبيّ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من قبره و قبور زوجاته و أولاده و أصحابه، و كذلك بيوتهم الّتي كانوا يسكنون فيها، و المساجد الّتي كانوا يقيمون الصلاة فيها ـ لا شكّ انّ فيها نتائج محمودة و فوائد كثيرة نذكر منها مايلي:

اليوم و بعد مضي عشرين قرناً على ميلاد السيّد المسيح ـ عليه السلام ـ تحوّل المسيح و أُمّه العذراءو كتابه الإنجيل و كذلك الحواريّون، تحوَّلوا ـ في عالم الغرب ـ إلى أُسطورة تاريخية، و صار بعض المستشرقين يُشكّكون ـ مبدئياً ـ في وجود رجل


1. كشف الارتياب: 384.

(48)

اسمه المسيح و أُمّه مريم و كتابه الإنجيل، و يعتبرونه أُسطورة خيالية تشبه أُسطورة «مجنون ليلى».

لماذا؟

لأنّه لا يوجد أي أثر حقيقي و ملموس للمسيح، فمثلا لا يُدرى ـ بالضبط ـ أين وُلد؟ و أين داره الّتي كان يسكنها؟ و أين دفنوه بعد وفاته ـ على زعم النصارى أنه قُتل ـ ؟

أمّا كتابه السماوي فقد امتدَّت إليه يد التحريف و التغيير و التزوير، و هذه الأناجيل الأربعة لا ترتبط إليه بصلة و ليست له، بل هي لـ «متّى» و «يوحنا» و «مرقس» و «لوقا» و لهذا ترى في خاتمتها قصّة قتله المزعوم و دفنه، و من الواضح ـ كالشمس في رائعة النهار ـ أنّها قد كُتبت بعد غيابه.

و على هذا الأساس يعتقد الكثير من الباحثين و المحقّقين أنّ هذه الأناجيل الأربعة إنما هي من الكتب الأدبية الّتي يعود تاريخها إلى القرن الثاني من الميلاد.

فلو كانت الميزات الخاصّة بعيسى محفوظة، لكان ذلك دليلا على حقيقة وجوده و أصالة حياته و زعامته، و ما كان هناك مجال لإثارة الشكوك و الاستفهامات من قبل المستشرقين ذوي الخيالات الواهية.

أمّا المسلمون فهم يواجهون العالم مرفوعي الرأس، و يقولون: يا أيّها الناس لقد بُعث رجل من أرض الحجاز، قبل ألف و أربعمائة سنة لقيادة المجتمع البشري، و قد حقّق نجاحاً باهراً في مهمّته و هذه آثار حياته محفوظة تماماً في مكّة و المدينة، فهذه الدار الّتي وُلد فيها، و هذا غار حراء مهبط الوحي و النازل عليه، و هذا هو مسجده الّذي كان يُقيم الصلاةَ فيه، و هذا هو البيت الّذي


(49)

دُفن فيه، و هذه بيوت أولاده و زوجاته و أقربائه، و هذه قبور ذرّيته و أوصيائه ـ عليهم السلام ـ .

و الآن، إذا قضينا على هذه الآثار فقد قضينا على معالم وجوده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و دلائل أصالته وحقيقته، و مهَّدنا السبيل لأعداء الإسلام ليقولوا ما يريدون.

إنّ هدم آثار النبوّة و آثار أهل بيت العصمة و الطهارة ليس فقط إساءة إليهم ـ عليهم السلام ـ و هتكاً لحرمتهم، بل هو عداء سافر مع أصالة نبوَّة خاتم الأنبياء و معالم دينه القويم.

إنّ رسالة الإسلام رسالة خالدة أبديَّة، و سوف يبقى الإسلام ديناً للبشرية جمعاء حتى يوم القيامة، و لابدّ للأجيال القادمة ـ على طول الزمن ـ أن تعترف بأصالته و تؤمن بقداسته، و لأجل تحقيق هذا الهدف يجب أن نحافظ ـ أبداً ـ على آثار صاحب الرسالة المحمّدية ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لكي نكون قد خطونا خطوة في سبيل استمرارية هذا الدين و بقائه على مدى العصور القادمة، حتى لا يُشكّك أحدٌ في وجود نبي الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما شكّكوا في وجود النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ .

لقد اهتمّ المسلمون اهتماماً كبيراً بشأن آثار النبي محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سيَره و سلوكه حتى أنّهم سجَّلوا دقائق أُموره و خصائص حياته و مميّزات شخصيته، حتى أنّهم سجّلوا ما يرتبط بخاتمه و حذائه و سواكه و سيفه و درعه و رمحه و جواده وإبله و غلامه، و حتّى الآبار الّتي شرب منها الماء، و الأراضي الّتي أوقفها لوجه اللّه سبحانه، و الطعام المفضّل لديه، بل و كيفيّة مشيته و أكله و شربه، و ما يرتبط بلحيته المقدّسة و خضابه لها، و غير ذلك، و لا زالت آثار البعض منها باقية إلى يومنا هذا.(1)


1. راجع طبقات الصحابة لابن سعد: 1/360ـ503 حول هذا الموضوع.

(50)

و من خلال مراجعة تاريخ المسلمين و تفقّد البلاد الإسلامية الواسعة و استطلاع معالمها وآثارها يظهر لنا ـ بوضوح ـ أنّ البناء على القبور و صيانتها من الزوال و الفناء كان شيئاً متداولا عند كافّة المسلمين في أنحاء الوطن الإسلامي الكبير، و لا زالت هناك الضرائح المشيَّدة على قبور الأنبياء و الأولياء و الرجال الصالحين، و يقصدها المسلمون بالزيارة و الدعاء، و تُعتبر تلك الضرائح من الآثار التاريخية الإسلامية، و هناك الموقوفات الكثيرة الّتي تُصرف عائداتها لحفظ هذه الآثار و صيانتها و نظافة الساحات المحيطة بها، و غير ذلك.

و لقد كانت قبور أولياء اللّه عامرة و مشيَّدة حتى في الحجاز نفسها ـ كانت حتى قبل فتنة الوهّابيّة و احتلالها للحرمين الشريفين و ضواحيهما ـ كانت قبور أولياء اللّه في كافّة أرجاء الحجاز عامرة ومشيّدة، تحظى باهتمام المسلمين كافّة، و لم يكن هناك أىّ عالم ديني يستنكر بقاءها أو يعترض على بنائها و تعميرها.

و ليست ايران هي البلد الوحيد الّذي تتواجد فيها الضرائح المشيَّدة على قبور أولياء اللّه تعالى، بل إنّ ذلك موجود في البلدان الإسلامية، و خاصّة في مصر و سوريا و العراق و المغرب وتونس و الأردن، فهناك المقابر المعمورة للعلماء و كبار المسلمين، و يقوم المسلمون بزيارتها أفواجاً أفواجاً، و يبتهلون إلى اللّه تعالى بتلاوة القرآن ـ و خاصّة سورة الفاتحة ـ و إهداء ثوابها إلى روح صاحب القبر الّذي جاءوا لزيارته.

كما أنّ لكلّ من هذه المراقد المشيَّدة موظّفين يقومون بالخدمة و الحراسة والنظافة والصيانة و غيرها.

مع كلّ ما سبق... كيف يمكن اعتبار تعمير القبور حراماً، مع أنّ العادة المتَّبعة


(51)

عند المسلمين منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا كانت و لا زالت جارية على ذلك، و هذا ما يُسمّيه الفقهاء و العلماء بـ «سيرة المسلمين» و هي الّتي تمتدّ جذورها إلى زمن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو زمن أحد من الأئمة الطاهرين من أهل البيت ـ عليهم السلام ـ .

إنّ هذه السيرة الحسنة تمنح المسلمين الجوازللبناء على قبور أولياء اللّه، و بالأحرى ترغّبهم و تشجّعهم على ذلك و لم تتعرّض هذه السيرة ـ طوال وجودها ـ لأىّ نقد أو اعتراض، وهذا يكشف عن أصالتها و صحتها عند المسلمين طوال التاريخ ـ و أنّها كانت من السُّنن المتَّبعة عندهم.

و قد اعترف بهذه الأصالة أحد الكتّاب الوهّابيّين فكتب يقول:

هذا أمرٌ عمَّ البلاد و طبق الأرض شرقاً و غرباً، بحيث لا بلدة من بلاد الإسلام إلاّ وفيها قبور ومشاهد، بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلو عن قبر أو مشهد، و لا يسَع عقلُ عاقل أنّ هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة و يسكت عليه علماء الإسلام .(1)

و بالرغم من اعتراف هذا الوهّابي بأنّ سيرة المسلمين قائمة على إعمار قبور أولياء اللّه وتكريمها، فإنه لا يكفّ عن عناده وسوء سريرته، فتراه يعتبر ذلك منكراً و يستنكر سكوت العلماء عليه، و أنّ سكوت أُولئك ـ في تلك الفترة الطويلة ـ لا يمنع من نهي العلماء عنه في هذه الفترة.

ولكن الردّ عليه واضح: فكيف سكت العلماء سبعة قرون و لم ينطقوا ببنت شفة؟!


1. تطهير الاعتقاد: 17 بتلخيص، طبعة مصر.

(52)

فهل كان هؤلاء جميعاً ـ طوال هذه القرون ـ يسكتون على المنكر و يتحفّظون عن النهي عنه ـ على ما زعم ـ؟!

و عند ما فتح المسلمون بيت المقدس ـ في عهد عمر بن الخطاب ـ لماذا لم يأمر عمر بهدم قبور الأنبياء هناك؟! فهل تعتبرونه مسالماً للمشركين؟!

عود إلى جواب علماء المدينة

و أغرب ما في المقام هو الجواب المنسوب إلى علماء المدينة... حيث قالوا:

«أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً، لصحة الأحاديث الواردة في منعه، و لهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه».

كيف يصحّ دعوى الإجماع على تحريم البناء على القبور في حين أنّ المسلمين قد دفنوا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في البيت الّذي كانت تسكنه عائشة؟ ثم دفنوا ـ من بعده ـ أبابكر و عمر إلى جواره للتبرّك، و بعدها أقاموا جداراً في وسط البيت، ليصبح نصفها منزلا للسيّدة عائشة و النصف الآخر مقبرة لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و أبي بكر و عمر، و بما أنّ ارتفاع الجدار كان قليلا فقد زيد في ارتفاعه في زمن عبداللّه بن الزبير، ثم كان هذا البيت ـ المقبرة ـ يتجدّد أو يُعاد بناؤه بين حين و آخر على مرّ العصور و الأزمان، وفقاً للفنّ المعماريّ الخاصّ بكلّ عصر، و في عهد الأُمويّين و العبّاسيّين كان البناء على القبر يحظى باهتمام بالغ، و كان يتجدّد كما يقتضيه الفنّ المعماريّ الخاصّ بكل عصر.

و آخر بناء أُقيم على القبر الشريف ـ و الّذي لازال حتى الآن ـ كان في عهد


(53)

السلطان عبدالحميد في عام 1270 هـ و استغرق أربع سنوات، و بإمكانك ـ أيّها القارئـ مراجعة كتاب «وفاء الوفا» للسمهودي ـ من صفحة 383 إلى صفحة 390 ـ للحصول على تفاصيل أُخرى حول ما مرَّ على مرقد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من بناء و تجديد و تعمير، طوال التاريخ الإسلامي، و حتى عصر السمهودي، و من بعده في الكتب الخاصّة بتاريخ المدينة المنوّرة.

ج ـ حديث أبي الهيّاج

و الآن قد حان الوقت في أن نبحث في الحديث الّذي يتمسّك به الوهّابيّون في حرمة البناء على القبور.

قبل كلّ شيء نذكر نَصّ الحديث بالسَّند الّذي رواه مسلم في صحيحه:

«حدَّثَنا يَحْيى بنْ يَحْيى وَ أبُوبَكْر بن أبي شَيْبَةَ وَ زُهَيْر بن حَرْب، قال يَحْيى: أخْبَرَنا ـ وَ قال الآخران: حدَّثنا ـ وَ كيعٌ عَنٌ سُفْيانَ عَن حَبيب بن أبي ثابِت، عَنْ أبي وائِل، عَنْ أبي الهَيّاج الأسدي قالَ: قالَ لي عَلىُّ بن أبي طالِب: ألا أبعَثُكَ عَلى ما بَعَثَني عَلَيْهِ رَسُولُ اللّه أنْ لا تَدَعَ تِمْثالا إلاّ طَمَسْتَه وَ لا قَبْراً مُشْرِفاً إلاّ سَوَّيْتَهُ»(1).

لقد اتّخذ الوهّابيّون هذا الحديث دليلا على حرمة البناء على القبور، من دون أىّ تحقيق في رجاله و سَنده ولا في متنه ودلالته.


1. صحيح مسلم: 3/61، كتاب الجنائز; السُّنن للترمذي: 2 / 256، باب ما جاء في تسوية القبر; السنن للنسائي: 4/88 ، باب تسوية القبر .

(54)

مُناقشة الحديث

بصورة عامّة إذا أردنا الاستدلال بحديث من الأحاديث على حكم من أحكام اللّه تعالى، فلابدَّ أن يتوفَّر في ذلك الحديث هذان الشرطان:

1ـ صحة السند: بأن يكون رواة الحديث و رجاله ـ في جميع المراحل و الطبقات ـ رجالا ثقاتاً يمكن الاعتماد عليهم و على أقوالهم.

2ـ دلالة الحديث: بأن تكون في ألفاظ الحديث و عباراته دلالة كاملة على مقصودنا منه، بحيث يفهمه غيرنا ـ ممّن يُحسن لغة ذلك الحديث و يعرف قواعدها ـ بمثل ما نفهمه نحن و يستنتج ما نستنتجه.

و من حُسن الحظ أنّ حديث أبي الهيّاج فاقد لهذين الشرطين، و خاصّة للشرط الثاني، فلا علاقة له بالبناء على القبور إطلاقاً.

توضيح ذلك:

أمّا بالنسبة إلى السند، ففيه رواة لم تتّفق كلمة علماء الرجال على وثاقتهم، و فيما يلي نذكر أسماء الرواة ـ في هذا الحديث ـ الذين رفض علماء الرجال أحاديثهم:

1ـ وكيع.

2ـ سفيان الثوري.

3ـ حبيب بن أبي ثابت.

4ـ أبو وائل الأسدي.

هؤلاء الرواة الأربعة انتقدهم الحافظ ابن حجر العسقلاني ـ في كتابه تهذيب التهذيب ـ وذكرهم بما يسلب الثقة من حديثهم هذا و أحاديثهم الأُخرى.


(55)

1ـ فبالنسبة إلى «وكيع»، يروي الحافظ العسقلاني عن أحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ـ أنّه قال فيه:

«إنّه أخطأ في خمسمائة حديث».(1)

و يقول أيضاً نقلا عن محمّد بن نصر المروزي:

«كان وكيع[ يحدّث] بالمعنى و لم يكن من أهل اللسان».(2)

2ـ و بالنسبة إلى «سفيان الثوري» يقول العسقلاني عن ابن مبارك:

«حدَّث سفيان بحديث، فجئتُه و هو يُدلّسه، فلّما رآني استحيا».(3)

إنّ التدليس ـ بأىّ معنى كان ـ في الحديث يدلّ على أنّ الراوي المدلّس كان فاقداً لملكة العدالة و الصدق، و لذلك كان يُصوِّر غير الواقع واقعاً، كما هو معنى التدليس في اللغة .

و عند ترجمة حياة يحيى القطّان، يقول الحافظ العسقلاني: إنّ يحيى القّطان قال:

«جَهد سفيان الثوري أن يُدلّس علىَّ رجلا ضعيفاً فما أمكنه».(4)

3ـ و بالنسبة إلى «حبيب بن أبي ثابت»، كتب العسقلاني نقلا عن ابن حبان إنّه :

«كان مُدلّساً».(5)


1. تهذيب التهذيب للعسقلاني: 11/125.
2. المصدر السابق: 11/130.
3. المصدر السابق: 4/115.
4. المصدر السابق: 11/218.
5. تهذيب التهذيب، 2/179.


(56)

و كتب نقلا عن قطّان: إنّ حبيباً:

«لا يتابَع عليه، و ليست بمحفوظة».(1)

4ـ و أمّا بالنسبة إلى «أبي وائل» فقد كان من المنحرفين عن الإمام علي أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ وممّن نَصب العداء و البغضاء له ـ عليه السلام ـ (2) فكيف يُعتمد عليه و قد قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«يا عَلىُّ لا يُحِبُّكَ إلاّ مُؤمِنٌ، وَ لا يُبْغِضُكَ إلاّ مُنافِقٌ».(3)

و الجدير بالذكر: أنّ راوي الحديث (أبو الهيّاج) ليس له حديث في كلّ الصحاح الستة ـ من أوّلها إلى آخرها ـ إلاّ هذا الحديث فقط، فماذا تقول في رجل ليست له إلاّ رواية واحدة؟!

إنّ هذا يدلّ على أنّ الرجل ليس من رجال حلبة الحديث، و على هذا الأساس فالاعتماد على حديثه لا يخلو من إشكال.

أيّها القارئ الكريم: هذا سَند حديث أبي الهيّاج، و قد عرفت ضعف رواته و عدم اتفاق علماء الرجال عليهم، فإذا كان الحديث محفوفاً بهذه الإشكالات المتعدّدة، فلا يمكن لأىّ فقيه أن يستند عليه في استنباط الحكم و إصدار الفتوى.

و أمّا دلالة الحديث فلا تقلّ إشكالا عن السند ذاته، إذ أنّ النقطة المهمّة الّتي يستشهدون بها ـ في هذا الحديث ـ هو قوله:


1. نفس المصدر السابق.
2. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/99.
3. مجمع الزوائد للهيثمي: 9/133، روى قريباً منه الترمذي في صحيحه: 2/301، مسلم في صحيحه: كتاب الايمان و غيرهم.


(57)

«وَ لا قَبْراً مُشْرِفاً إلاّ سوَّيْتَهُ».

و هنا لابدّ من وقفة تأمّل و تحقيق عند كلمتي:

1ـ مشرفاً.

2ـ سوّيته.

1ـ إنّ لفظة «المشرف» معناه: العالي و المرتفع. قال في المنجد:

«المشرف من الأماكن: العالي و المطلّ على غيره».

و قال صاحب القاموس ـ و هو أكثر أصالة في ترتيب معاني الألفاظ ـ:

«الشَّرَف ـ محرّكة ـ: العلو، و من البعير: سنامه».

إذن: معنى «مشرف» هو الارتفاع المطلق، و خاصّة الارتفاع الّذي على شكل سنام البعير.

فيجب هنا ـ مع الانتباه و الالتفات إلى القرائن ـ أن نبحث عن المعنى المراد من «المشرف» في الحديث.

2ـ لفظة «سوّيته» معناها: جعْل الشيء متساوياً، و تقويم المعوج .

سوّى الشيء: جعَله سويّاً، يقال: سوّيتُ المعوجَّ فاستوى: صنعتُه مستوياً.

و جاء في القرآن الكريم:

(الَّذي خَلَقَ فَسَوَّى)(1).

بعد الاطّلاع على معاني المفردات، يجب أن نعلم، ما هو المقصود من هذا الحديث؟


1. الأعلى: 2.

(58)

الواقع: لهذا الحديث في بدء النظر احتمالان، و لابدّ من تعيين أحدهما على ضوء معاني المفردات و الدلائل الأُخرى.

الاحتمال الأوّل: أن يكون الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ قد أمر أبا الهيّاج بهدم القبور المرتفعة، و تسويتها مع الأرض تماماً.

ولكن هذا الاحتمال ـ الذي يتمسّك به الوهّابيّون ـ مردود و مرفوض لعدَّة أسباب ـ:

أوّلا: لأنّ لفظة «التسوية» لم تأت ـ في اللغة ـ بمعنى الهدم و التدمير ، و لو كان المقصود به هنا هو ذلك لكان المفروض أن يقال: « و لا قبراً إلاّ سوّيته بالأرض» و الحديث يخلو من ذلك.

ثانياً: لو كان المقصود منه هو الهدم، فلماذا لم يُصدر أحدٌ من علماء الإسلام الفتوى بذلك؟!

بالإضافة إلى أنّ تسوية القبر بالأرض هي خلاف للسنَّة الإسلامية والاستحباب الشرعي، إذ أنّه يُستحب شرعاً أن يكون القبر مرتفعاً عن الأرض ، و قد أفتى جميع فقهاء الإسلام باستحباب ارتفاع القبر عن الأرض شبراً واحداً.

جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ـ الذي يُطابق فتاوى أئمة المذاهب الأربعة ـ ما يلي:

«و يندب ارتفاع التراب فوق القبر بقدر شبر»(1).

فإذا كان هذا الاحتمال الأوّل مردوداً، وجب أن نُفسّر الحديث بالاحتمال الآتي.


1. الفقه على المذاهب الأربعة: 1/420.

(59)

الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود من تسوية القبر هو جعل سطحه مستوياً و مسطّحاً، بعكس القبور التي تُبنى على شكل ظَهر السَّمك و سنام البعير، و على هذا الأساس فإنّ الحديث يعني أن يكون سقف القبر مسطّحاً و مستوياً، و لا يجوز أن يكون كظهر السَّمك أو مُسنَّماً، كما هي العادة عند بعض أهل السَّنة، و قد أفتى أئمة المذاهب الأربعة ـ باستثناء الشافعي ـ باستحباب تسنيم القبر.(1)

و بذلك فإنّ هذا الحديث يؤيّد فتوى علماء الشيعة الذين يقولون بأنّ القبر ينبغي أن يكون مسطّحاً و مستوياً في نفس الوقت الذي يكون مرتفعاً عن الأرض.

و تجدر الإشارة إلى أنّ مسلماً أورد في صحيحه حديث أبي الهيّاج و حديثاً آخر ـ سنذكره ـ تحت عنوان: باب الأمر بتسوية القبر، و كذلك ذكره الترمذي و النسائي في سُننهما تحت نفس العنوان، و المقصود من هذا العنوان هو أن يكون القبر مسطّحاً و مستوياً، ولو كان المقصود منه تسوية القبر بالأرض لكان المفروض تسمية الباب المذكور بـ «باب الأمر بتخريب القبور و هدمها».

و إليك الحديث الآخر الّذي ذكره مسلم في صحيحه ـ و الّذي يحتوي نفس المضمون الّذي اخترناه ـ:

«كُنّا مَعَ فَضالَة بن عُبَيْد بِأرْضِ الرُّوم بِـ «رَوْدَس» فَتُوُفِّيَ صاحِبٌ لَنا، فَأمَر فَضالة بن عُبَيْد بقبره فَسُوِّي ثُمَّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه يَأمُرُ بِتَسْويَتها».(2)


1. نفس المصدر السابق. و فيه: و يُجعل كسنام البعير، و قال الشافعي: جعل التراب مستوياً مسطّحاً أفضل من تسنيمه.
أقول: فعلى هذا فإنّ حديث أبي الهيّاج لا يُعمل به إلاّ في المذهب الشافعي و المذهب الشيعي.
2. صحيح مسلم، ج 3 كتاب الجنائز ص 61.


(60)

و الخلاصة: إنّ مفتاح معرفة هذا الحديث يكمن في لفظ «سوّيته» و فيه احتمالان، و مع الانتباه إلى الدلائل و القرائن لابدّ من انتخاب احتمال واحد.

و الاحتمالان بهما:

1ـ أن يكون المعنى هو تسوية القبر مع الأرض.

و هذا الاحتمال مردود ، ـ مضافاً إلى أنّ السنَّة القطعيّة تقتضي إرتفاع القبر عن الأرض شبراً واحداًـ لأنّه لو أُريد ذلك يجب أن يقال: سويته بالأرض مثل قوله سبحانه (إذ نسوّيكم برب العالمين)(1) فإذا حاول أن يصف مساواة شيء وبشيء، يقول سويت هذا بهذا، ولايقول: سويت هذا، من دون ذكر للمفعول الثاني كما جاء في الحديث (سويته).

2ـ أن يكون المعنى هو تسطيح القبر، و تعديل ما فيه من اعوجاج، و الحيلولة دون تسنيمه كظهر السمك و سنام البعير.

و هذا هو المتعيَّن، و على هذا فلا علاقة له بمقصود الوهّابي الّذي استدلّ به.

و هلم معي إلى ماذكره العلاّمة النووي ـ شارح صحيح مسلم ـ لنرى كيف يشرح الحديث و يقول:

«إنّ السنَّة أنّ القبر لا يُرفع عن الأرض رفعاً كثيراً، و لا يُسنَّم، بل يُرفع نحو شِبر و يُسطّح».(2)

يظهر من هذه العبارة أنّ شارح صحيح مسلم قد استنبط نفس المعنى الّذي استنبطناه من هذا الحديث، بأنّ الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أوصى أبا الهيّاج بتبديل


1. الشعراء: 98.
2. شرح صحيح مسلم للنووي: 7 / 36 .


(61)

القبور المسنَّمة ـ أو الّتي على شكل ظهر السمك ـ إلى قبور مسطّحة، و لم يأمر بتسوية القبور بالأرض.

و لم ننفرد نحن ولا «النوويّ» في استنباط هذا المعنى من هذا الحديث، بل قال به الحافظ القسطلاني في كتاب «إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري»، فبعد ما يذكر أنّ السنّة في القبر تسطيحه و أنّه لا يجوز ترك هذه السنّة، لمجرّد أنّها صارت شعاراً «للروافض» و أنه لا منافاة بين التسطيح و حديث أبي الهيّاج... يقول:

«... لأنه لم يُرد تسويته بالأرض و إنما أراد تسطيحه، جمعاً بين الأخبار».(1)

بعد هذا كلّه، لو كان المعنى، في وصيّة الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ لأبي الهيّاج ـ هو هدم القباب و البناء المشيَّد على القبور، فلماذا لم يأمر ـ عليه السلام ـ بهدم القباب الّتي كانت على قبور الأنبياء في زمانه؟!

مع العلم أنّه ـ عليه السلام ـ كان يومذاك الحاكم المطلق على البلاد الإسلامية كلّها، و كان يعلم بالقباب المشيَّدة على قبور الأنبياء في كلّ من فلسطين و سوريا و العراق و مصر و إيران و اليمن.

و مع غضّ النظرعن ذلك كلّه، و لو فرضنا أنّ الإمام ـ عليه السلام ـ أمر أبا الهيّاج بهدم القبور المرتفعة و تسويتها مع الأرض تماماً، فليس في الحديث ما يدلّ على وجوب هدم البناء المشيَّد على القبور، ذلك لأنّ الامام ـ عليه السلام ـ قال لأبي الهيّاج ـ على فرض صحة الحديث ـ :

«و لا قبراً إلاّ سوّيته».


1. إرشاد الساري: 2/468.

(62)

و لم يقل: «و لا بناءً و لا قبَّة إلاّ سوّيتهما» مع العلم أنّ البحث ليس عن القبر نفسه و إنّما عن الأبنية المقامة عليه، هذه الأبنية الّتي يستظلّ المؤمنون بظلالها، لتلاوة القرآن و الدعاء و إقام الصلاة، فهل في هذه العبارة ما يدلّ على هدم هذه الأبنية و الآثار الّتي تُساعد الزوّار على العبادة وتصونهم عن الحرّ و البرد؟!

احتمالان... في النهاية

و في النهاية و ختام البحث هناك احتمالان آخران، لا مناصّ من ذكرهما إتماماً للموضوع.

الاحتمال الأوّل: أن يكون هذا الحديث ـ و ما يشابهه ـ إشارة إلى ما كان متعارفاً عند بعض الأُمم السابقة، من اتّخاذ قبور الصالحين قبلة لعباداتهم يتوجّهون إليها عند العبادة، و كانوا ينصبون صورةً إلى جانب القبر، و بذلك يتركون التوجّه إلى القبلة الّتي أمرهم اللّه تعالى بالتوجّه إليها حال العبادة.

و على هذا الاحتمال فلا يمكن أن تكون لهذا الحديث أيّة صلة بقبور المسلمين، و لم يُعهد من أىّ مسلم أن يتوجَّه إليها في الصلاة أو يسجد عليها، بل جرت سيرة المسلمين على الصلاة بجوار القبور، من دون أن تكون قبلة لهم، بل وجوهُهم نحو الكعبة، يقيمون الصلاة و يتلون كتاب اللّه و هم بجوار القبور.

و إذا كان المسلمون يتسارعون إلى زيارة قبور أولياء اللّه الصالحين، و يقضون هناك ساعات في عبادة اللّه تعالى بجوار تلك المراقد المقدَّسة، فإنما هو بسبب ما اكتسبته تلك الأرض من الشرف و القدسيّة بسبب احتضانها لذلك الجسد الطاهر.

و لهذا البحث تفصيل قادم.


(63)

الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود من قوله ـ عليه السلام ـ لأبي الهيّاج: «أنْ لا تَدَع تمثالا إلاّ طمستَه و لا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيتَه» أن يكون المقصود من «التمثال» تصاوير الأصنام، و من «القبر» قبور المشركين الّتي كانت مشمولة بالعطف و العناية من ذويهم.

و الخلاصة: أنّ حديث أبي الهيّاج لا علاقة له بالبناء على قبور الاولياء أصلا، بل هو بشأن القبور المسنَّمة، أو بشأن قبور المشركين و تماثيل الأصنام.

و فيما يلي نذكر فتوى أئمة المذاهب الأربعة حول البناء على القبور:

«يكره أن يُبنى القبر ببيت أو قبّة أو مدرسة أو مسجد».(1)

فما دام أئمة المذاهب الأربعة متّفقين على كراهية البناء على القبور... فكيف يتجرّأ قاضي نجد على الفتوى بحرمة البناء؟!!

(إنْ هذا إلاّ اختلاق).(2)

مع العلم أنّ الحكم بالكراهة لا دليل صحيح عليه، مع قيام السيرة بين المسلمين على خلافها و خاصّة إذا كان البناء مساعداً للزائر لإقامة الفرائض الدينية و تلاوة القرآن الحكيم عند القبر الّذي يُقام عليه البناء.


1. الفقه على المذاهب الأربعة: 1/421.
2. ص: 7.


(64)

حديث جابر
أو
مستمسك آخر للوهابيين

يُعتبر حديث جابر من جملة الأدلَّة الّتي يتمسّك بها الوهّابيّون على حرمة البناء على القبور، وقد روي هذا الحديث في الصحاح و السنن بألفاظ مختلفة، و يوجد في جميع أسنادها و رواتها رجلان:

1ـ ابن جُريج.

2ـ أبو الزبير.

و التحقيق في صحة هذا الحديث يتوقَّف على معرفة أحوال رواته و رجال سَنده، و فيما يلي نذكر الحديث بألفاظه المتعدّدة المختلفة:

جاء في صحيح مسلم ـ باب النهي عن تجصيص القبر و البناء عليه ـ حديث جابر مرويّاً بثلاثة طُرق و في صورتين:

1ـ حَدَّثَنا أبوبكر بن أبي شَيْبَة، حَدَّثنا حَفْصُ بن غِياث، عَنْ ابن جُرَيج، عَن أبي الزبير، عَنْ جابر قالَ: نَهى رَسُول اللّه أنْ يُجصَّصَ الْقَبْرُ وَ أنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَ أنْ يُبْنى عَلَيْهِ.

2ـ حَدَّثني هارُون بن عَبدِ اللّه، حَدَّثنا حَجّاجُ بن مُحمّد، وَ حَدَّثني مُحَمّد بن رافِع، حَدَّثنا عَبْد الرَّزاق، جَميعاً عَنْ ابن جُرَيج قالَ: أخْبَرَني أبو الزبير أَنَّه سَمِعَ جابِر بن عَبْد اللّه يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيَّ بِمِثْلِهِ.

3ـ حَدَّثنا يَحْيى بن يحْيى، أخْبَرنا إسْماعيلُ بن عُلَيَّة، عَن أيُّوب، عَنْ أبي الزُّبَيْر، عَنْ جابر قال: نُهِيَ عن تقصيص الْقُبُور».(1)


1. صحيح مسلم: 3/62 كتاب الجنائز.

(65)

و جاء في صحيح الترمذي ـ باب كراهة تجصيص القبور و الكتابة عليها ـ حديث واحد عن طريق واحد هو:

4ـ حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمن بن الأسْوَد، أخْبَرَنَا مُحَمَّد بن رَبيعة، عَنْ ابن جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: نهى النبي صلّى اللّه عليه و سلم أن تجصّص الْقُبور و أن يكتب عليها و أن يُبْنى عَلَيْها وَ أنْ تُوطأَ.

ثم يذكر الترمذي عن الحسن البصري و الشافعي أنهما أفتيا بجواز تجصيص القبور.(1)

و جاء في صحيح ابن ماجة ـ باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور و تجصيصها والكتابة عليها ـ هذا الحديث بطريقين و صورتين هما:

5ـ حَدَّثنا أزهَر بْن مَرْوانَ، وَ مُحَمّد بن زياد قالَ: حَدَّثنا عَبْدُ الوارث، عَنْ أيُّوب، عَنْ أبي الزُّبَيْر، عَنْ جابِر قالَ: نَهى رَسُولُ اللّهَ عَنْ تَجْصيص القُبُور.

6ـ حَدَّثنا عَبْداللّه بن سعيد، حَدَّثنا حَفْصُ، عَنْ ابن جُريج، عَن سُلَيمان بن مُوسى، عَنْ جابِر قالَ: نَهى رَسُولُ اللّه أنْ يُكْتَبَ على القَبرِ شَىْء.(2)

و بعد ذكر هذا الحديث يقول السندي ـ شارح الحديث ـ نقلا عن الحاكم النيسابوري: إنّ الحديث صحيح و لكنّه غير معمول به، لأنّ قادة الإسلام ـ في شرق الأرض و غربها ـ جرت سيرتهم على الكتابة على القبر، خَلَفاً عن سَلَف.


1. السنن للترمذي: 2/208 ، تحقيق عبدالرحمن محمّد عثمان ، طبعة المكتبة السلفية.
2. صحيح ابن ماجة: 1/473، كتاب الجنائز .


(66)

و جاء في صحيح النسائي ـ باب البناء على القبر ـ هذا الحديث بطريقين و صورتين هما:

7ـ أخْبَرنا يُوسُفُ بن سَعيد قالَ: حَدَّثنا حَجّاج عِنْ ابن جُريج قالَ: أخْبَرَني أبو الزُّبَيْر أنّه سَمِعَ جابِراً يقول: نَهى رَسُولُ اللّه عَنْ تَجْصيصِ الْقُبُورِ أوْ يُبْنى عليها أوْ يَجْلِسَ عَلَيْها أحَد.

8 ـ أخْبَرنا عِمْرانُ بن مُوسى قالَ: حَدَّثنا عَبْدُ الوارِث قالَ: حَدَّثنا أيُّوب، عَنْ أبي الزُّبير، عن جابر قال: نهى رَسولُ اللّه(صلى الله عليه وآله) عن تقصيص القُبُور.(1)

و جاء في سنن أبي داود ج 3 ص 216 ـ باب البناء على القبر ـ حديث جابر بطريقين وصورتين هما:

9ـ حَدَّثنا أحْمَد بن حَنْبل، حَدَّثنا عَبْدُ الرزّاق، حَدَّثَنا ابن جُريج، أخْبرني أبو الزُّبَيْر، أنّهُ سَمِعَ جابراً يَقُول: سَمِعْتُ النَبِىّ نَهى أنْ يُقْعَدَ عَلى القَبْرِ وَ أنْ يُجصَّصَ وَ يُبْنى عَلَيْهِ.

10ـ حَدَّثنا مُسَدَّد، وَ عُثْمانُ بن أبي شَيْبَة قالا: حَدَّثنا حَفْصُ بن غياث، عَنْ ابن جُرْيج، عَنْ سُلَيْمان بن مُوسى، وَ عَنْ أَبي الْزُّبَيْر، عَن جابِر بهذا الحَديث.

قالَ أبو داود: قالَ عثمان: «أوْ يُزادُ عَلَيه» و زادَ سُلَيمان بن مُوسى: «أوْ أنْ يُكْتَب عَلَيْه».

أمّا أحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ـ فقد روى الحديث في مسنده على الشكل التالي:


1. صحيح النسائي: 4/87 ـ 88 المطبوع مع شرح الحافظ السيوطي.

(67)

11ـ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاق عَنْ ابن جُرَيْج: أخْبَرَني أبو الزُّبَيْر أنّه سَمِعَ جابِر بن عَبْد اللّه يَقُول: سَمِعْتُ النَبىّ يَنْهى أن يَقْعُدَ الرَّجُلُ عَلَى القَبْرِ وَ أنْ يُجَصَّصَ وَ أنْ يُبْنى عَلَيْهِ.(1)

هذا ما روي عن جابر في هذا الموضوع، ذكرناه بألفاظه المختلفة و أسناده المتعدّدة و الآن يأتي دور البحث و التحقيق فيها، لنرى هل يصلح للاستدلال أم لا؟

نقاط الضعف في الحديث

حديث جابر هذا، فيه مجموعة كبيرة من نقاط الضعف، بحيث تسقطه عن الحجّية و الاعتبار، و لايمكن الاستدلال به بأىّ وجه. و نذكر فيما يلي نقاط الضعف فيه:

أوّلا: لقد جاء في جميع أسناده اسم ابن جُريج(2) و أبو الزبير(3) كلاهما معاً، أو بصورة منفردة، فإذا عرفنا هويَّة هذين الراويين و أحوالهما، فلا حاجة إلى معرفة حال الرواة الآخرين فيه، بالرغم من وجود مجهولين أو ضعاف الحديث فيه.

في كتاب «تهذيب التهذيب» لابن حجر العسقلاني تقرأ رأي علماء الرجال في ابن جُريج فيما يلي:

سُئل يحيى بن سعيد عن حديث ابن جُريج فقال: ضعيف. فقيل له: إنّه يقول: أخبرني، قال: لا شيء... كلُّه ضعيف.(4)


1. مسند أحمد: 3/295، 332، رواه أيضاً مُرسَلا عن جابر في ص 399.
2. هو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جُريج الأُموي.
3. هو محمّد بن مسلم الأسدي.
4. تهذيب التهذيب: 6/406.


(68)

و قال أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جُريج: قال فلان و قال فلان، و أُخبرتُ، جاء بمناكير.(1)

أي: أحاديثه منكرة و مجهولة، أو أنّها منكرات.

و قال مالك بن أنس: كان ابن جُريج حاطبَ ليل.(2)

و قال الدار قطني: تجنَّب تدليس ابن جُريج، فإنّه قبيح التدليس، لا يُدلِّس إلاّ فيما سمعه من مجروح.

و قال ابن حبان: كان ابن جُريج يُدلّس في الحديث.(3)

باللّه عليك ـ أيّها القارئ ـ هل يجوز الأخذ برواية هذا الرجل مع ما ورد فيه من الذمّ و القدح والتضعيف من علماء الرجال؟!!

و هل يجوز أن نُعرض عن سيرة المسلمين ـ القائمة على البناء على قبور أولياء اللّه و احترامها ـ استناداً إلى حديث هذا الراوي المدلِّس؟!!

و هل يجوز أن نرمي المسلمين بالشرك و الكفر و الزندقة، لأنّهم يُحيون السنَّة الإسلامية وينتهجون سيرة السلف الصالح في البناء على القبور و زيارتها واحترامها؟!

هذا بعض ما يتعلّق بابن جُريج.

و أمّا أبو الزبير، فهذا ابن حجر يذكر أقوال علماء الرجال فيه فيما يلي:


1. المصدر السابق.
2. تهذيب التهذيب: 6/404. (حاطب ليل)، ـ في أصل معناه ـ: جامع الحطب في الليل، حيث لا يرى ما يجمع، و يُضرب به المَثل ان يجمع كلّ شيء لا يُميِّز الجيّد من الرديء.
3. تهذيب التهذيب: 6/402، 506 طبعة دار المعارف النظامية.


(69)

عن عبداللّه بن أحمد بن حنبل، عن أبيه إمام الحنابلة، عن أيّوب أنّه كان يعتبر أبا الزبير ضعيفَ الرواية.

و عن شُعبة: أنّ أبا الزبير ما كان يُحسن الصلاة.

و عن شعبة أيضاً أنه قال:

لم يكن في الدنيا أحبّ إلىّ من رجل يقدم فأسأله عن أبي الزبير، فقدِمتُ مكّة فسمعتُ منه، فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة، فردَّ عليه فافترى عليه.

فقلت: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟!

قال: إنّه أغضبني.

قلت: وَ من يُغضبك تفتري عليه؟! لا رويتُ عنك شيئاً.

و عن ورقاء قال:

قلت لشعبة: مالك تركت حديث أبي الزبير؟

قال: رأيته يَزِنْ و يسترجع في الميزان.

و قال ابن أبي حاتم:

سألتُ أبي عن أبي الزبير؟

فقال: يُكتب حديثه و لا يُحتجُ به.

قال: و سألت أبا زرعة عن أبي الزبير؟

فقال: يروي عنه الناس.

قلت: يُحتجُّ بحديثه؟


(70)

قال: إنما يُحتَجُّ بحديث الثقات.(1) «كناية عن أنّه ليس بثقة».

نعم يا أخي... هذا حال ابن جُريج و أبي الزبير، و هما من رواة حديث جابر في جميع أسناده، فهل يمكن الاستدلال بحديث فيه هذان الراويان؟!

و قد سبقت الإشارة إلى أنّ في سند هذا الحديث رواة ضعافاً غير ابن جُريج و أبي الزبير، كعبد الرحمن ابن أسود المتَّهم بالكذب و الوضع.

فهل يجوز هدم آثار أهل بيت النبوّة و الرسالة ـ عليهم الصلاة و السّلام ـ و هدم آثار الصحابة، و نسبة الخطأ و الانحراف إلى المسلمين طوال أربعة عشر قرناً، كلّ ذلك اعتماداً على هذا الحديث الضعيف المردود المرفوض الساقط؟!

ثانياً: إنّ حديث جابر مضطرب جداً من حيث النصّ و الألفاظ، و هذا الاضطراب يدلّ على أنّ رواة هذا الحديث كانوا فاقدين للضبط و التدقيق في الرواية، مع العلم أنّ الضبط شرطٌ في الراوي، وهذا الاضطراب يمنع الاطمئنان بهذا الحديث و يسلب الثقة و الاعتماد عليه.

و إليك تفصيل البحث:

لقد روي حديث جابر بخمس صوَر، مع العلم أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نطق به بصورة واحدة، و إليك توضيح الصّور الخمس:

1ـ النهي عن التجصيص والكتابة والبناء والمشي عليه، رقم 4.

2ـ النهي عن القعود على القبر والتجصيص والبناء عليه والكتابة، ذيل رقم 10 والفرق هو ان الحرام على الأوّل هو المشي وعلى الثاني، هو القعود.


1. تهذيب التهذيب: 9/440 برقم 727، في ترجمة أبي الزبير محمد بن مسلم الأسدي .

(71)

3ـ النهي عن تجصيص القبر والقعود والبناء عليه. رقم 1، 2، 7، 9، 10، 11 .

4ـ النهي عن خصوص التجصيص، رقم 3، 5، 8 .

5ـ النهي عن خصوص الكتابة رقم 6 .

و بعد هذا كلّه انظر إلى الاختلاف و التباين في متون الحديث و عباراته .

فمع هذا الاضطراب و الاختلاف ـ في الحديث ـ لا يمكن ـ لأىِّ فقيه ـ أن يثق به و يعتمد عليه.

ثالثاً: إنّ هذا الحديث ـ على فرض صحته و الغضّ عن اضطرابه ـ لا يدلّ على أكثر من نهي النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن البناء على القبور، و لكن النهي لا يدلّ على الحرمة، لأنّه قسمان: نهي تحريم و نهي كراهة، و القسم الثاني كثير جداً في أحاديث النبي و الأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ .

صحيح أنّ الأصل في النهي التحريم، و أنّه حقيقةٌ فيه حتّى يثبت دليل يصرفه عن التحريم إلى الكراهة، ولكن العلماء و الفقهاء لم يستنبطوا من ذلك إلاّ الكراهة فقط، فترى ـ مثلا ـ الترمذي يذكر هذا الحديث في صحيحه تحت عنوان: كراهية تجصيص القبور و... و أوضح شاهد على الكراهة هو أنّ السندي ـ شارح صحيح ابن ماجة ـ يذكر عن الحاكم النيسابوري أنّه قال: لم يعمل بهذا النهي أحد من المسلمين، فهو لم يعتبر النهي تحريمياً، بدليل أنّ سيرة المسلمين قائمة على الكتابة على القبور.

و ممّا يشهد أيضاً على أنّ النهي نهي كراهة هو اتفاق المذاهب الإسلامية على جواز البناء على القبر إلاّ إذا كانت الأرض موقوفة شرعاً.


(72)

يقول شارح صحيح مسلم ـ في شرح هذا الحديث ـ :

«أمّا البناء فإن كان في ملك الباني فمكروه، و إن كان في مقبرة مُسْبَلة (1) فحرام، نصَّ عليه الشافعي و الأصحاب».(2)

و ممّا لا يحتاج إلى بيان هو أنّ الشيء المكروه قد ترتفع كراهيّته بالنظر إلى بعض الأُمور الأُخرى، فمثلا: إذا صار البناء على القبر سبباً لحفظ أصالة الإسلام و إظهار المودَّة لصاحب ذلك القبر الّذي فَرَض اللّه تعالى محبّته و مودّته أو يكون سبباً لصيانة الشعائر الإسلامية أو يؤدّي إلى تجمّع الزوّار ـ تحت البناء ـ لتلاوة القرآن و الدعاء، فبالقطع و اليقين أنّ الكراهة لا ترتفع فحسب، بل يكون ذلك أمراً مستحبّاً محبوباً مطلوباً مرغوباً فيه.

إنّ ممّا لا شكّ فيه: أنّ الحكم المكروه أو المستحب قد يتغيَّر بسبب عناوين وعوامل أُخرى، فكم من المكروهات الّتي ينتقل حكمها إلى الاستحباب لعوامل خاصّة، و كم من المستحبّات الّتي تنقلب مرجوحة لنفس السبب، ذلك لأنّ استحباب الشيء و كراهيَّته ليس معناه إلاّ المقتضي للمحبوبيّة أو المرجوحيَّة، و هذه المقتضيات تكون نافذة مع عدم المانع من الاقتضاء والتأثير، فمثلا: النار تقتضي الإحراق بشرط أن لا يكون الحطب رطباً، و الدواء يقتضي برء المريض بشرط عدم المانع، و هذه بحوث واضحة لمن له إلمام بالفقه الإسلامي.


1. مُسْبَلة: موقوفة في سبيل اللّه تعالى.
2. هامش صحيح مسلم: 3/62، طبعة مصر.


(73)

الاستدلال بحديثين آخرين

إتماماً للبحث نذكر حديثين آخرين تمسّك بهما الوهّابيّون في هذا المقام وهما:

روى ابن ماجة في صحيحه ما يلي:

1ـ حَدَّثَنا مُحَمَّد بن يَحْيى، حَدَّثنا مُحَمَّد بن عَبْد اللّه الرِّقاشي، حَدَّثنا وَهَب، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمن بن يَزيد بن جابِر، عَنِ القاسِمِ بن مُخَيْمَرة، عَنْ أبي سعيد: إنَّ النَّبىّ نَهى أنْ يُبْنى عَلَى القَبْر.(1)

و يذكر أحمد بن حنبل حديثاً آخر بسَندين هما:

2ـ حَدَّثنا حَسَن، حَدَّثنا ابن لَهيعَة، حَدَّثَنا بُريد بن أبي حبيب، عَنِ ناعِم مَوْلى أُمّ سَلَمة، عَنْ أُمّ سَلَمة قالَتْ: نَهى رَسُولُ اللّه أنْ يُبْنى عَلَى الْقَبْر أو يُجَصَّص.

3ـ عَلىُّ بن إسْحاق، حدَّثَنا عَبْدُ اللّه بن لَهْيِعَة، حَدَّثني بريد بن أبي حَبيب، عَنْ ناعِم مَوْلى أُمَّ سَلَمة أنَّ النّبي نَهى أنْ يُجَصَّصَ قَبْرٌ أوْ يُبْنى عَلَيْهِ أوْ يُجْلَسَ.(2)

بالنسبة إلى الحديث الأوّل فيكفي في ضعفه أنّ من رواته رجل اسمه «وهب» و ليس معلوماً حاله، لأنّ هناك 17 رجلا كلّ واحد منهم اسمه «وهب» من دون تمييز أو تشخيص، و فيهم الوضّاعون و الكذّابون(3) و ليس واضحاً أنّ وهب ـ في هذا الحديث ـ مَن هو؟! فالرواية ساقطة.

و أمّا الحديث الثاني و الثالث فهما ساقطان أيضاً، لوجود عبداللّه بن لهيعة في سَنده.


1. صحيح ابن ماجة: 1/474.
2. مسند أحمد: 6/299.
3. ميزان الاعتدال: 3/350ـ355.


(74)

و فيه يقول الذهبي:

قال ابن معين: ضعيف لا يُحتَجّ به.

قال الحميدي، عن يحيى بن سعيد: إنّه كان لا يراه شيئاً.(1)

نحن لا نناقش سَند هذين الحديثين، و نكتفي بالإشارة إلى نقطة هامّة و هي أنّ جميع المؤرّخين و المحدّثين و أهل السِّيَر ذكروا بأنّ جسد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد دفن في بيت عائشة، بموافقة الصحابة، و قد تمَّ انتخاب بيتها للدفن استناداً إلى ما روي عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّ كلّ نبي يُدفن في المكان الّذي يموت فيه.(2)

و الآن... يأتي هذا السؤال: إذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد نهى عن البناء على القبر، فكيف دفنوا جسده الطيّب الطاهر في بيت مسقَّف، ثم أقاموا جداراً في وسط البيت، فصار للقبر الشريف بناء يقصده المؤمنون و يزوره المسلمون؟!

و من المضحك ـ في هذا المجال ـ هو قول أحد الكتّاب الوهّابيّين:

إنّ الحرام هو البناء على القبر لا الدفن تحت البناء، و قد دفنوا النبي تحت البناء و لم يبنوا على قبره شيئاً.(3)

إنّ هذا الكاتب اضطرّ إلى هذا القول، لكونه يرى قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مُشيداً بالبناء و القبَّة، ولولا ذلك لَحكم بحرمة الدفن في البيت أيضاً.


1. ميزان الاعتدال: 2/476 تحت عنوان: عبداللّه بن لهيعة; تهذيب التهذيب: 1/444.
2. مسند أحمد: 1/7; صحيح الترمذي: 2/139; طبقات ابن سعد: 2/71 و غيرها.
3. كتاب رياض الجنة: بقلم مقبل بن الهادي الوادي، طبعة الكويت.


(75)

فانظر كيف يُفتي من تلقاء نفسه بغير ما أنزل اللّه، إرضاءً لهواه و تجاوباً مع اتّجاهه المنحرف!!!

و نحن نسأل هذا الوهّابي: هل أنّ الحرام هو البناء على القبر فقط، لكن إبقاء البناء ليس حراماً؟!

أم أنّ البناء ـ إيجاداً و إبقاءً ـ حرام؟!

إذا كان الحرام هو البناء فقط فنحن نسأل: لماذا أقدمت الحكومة السعودية ـ ظلماً وزوراً ـ على هدم آثار النبوَّة و مراقد الأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ و قبور الصحابة و أبناء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع العلم أنّ الحرام ـ عندكم ـ هو إقامة البناء فقط لا الإبقاء على البناء؟!!

و بالإضافة إلى ذلك... إنّ هذا الحكم هو خلاف ما أفتى به أسلافكم ـ كابن القيّم و ابن تيميّة ـ حيث يقول الأوّل:

يجب هدم المشاهد الّتي بُنيت على القبور و لا يجوز إبقاؤها ـ بعد القدرة على هدمها و إبطالها ـ يوماً واحداً.

فعلى هذا الأساس لا يستطيع هذا الوهّابيّ أن يقول بحرمة البناء فقط، كي لا يُخالف من سبقوه إلى النار، و لا مناصّ له من الحكم بحرمة البناء إيجاداً و إبقاءً.

هنا يأتي هذا السؤال: لماذا دفن المسلمون جسد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تحت البناء؟

صحيح أنهم لم يقيموا على قبره البناء، إلاّ أنّ الدفن هناك أدّى إلى أن يكون للقبر بناءٌ و سقف .

و ترى هذا الوهّابي المعاند يحاول الفرار و التخلّص من هذا السؤال فيفتي من


(76)

نفسه بغير ما أنزل اللّه ـ كما هو عادتهم ـ و يقول: ما معناه ـ إنّ الإبقاء الحرام هو للبناء الّذي بُني على القبر، أمّا إذا كان البناء سابقاً على الدفن فليس الإبقاء عليه حراماً.

فانظر كيف يُفرّق في الحكم و يفتي من تلقاء نفسه، تبريراً لما قام به المسلمون يومذاك، ومحاولا التملّص من الحقّ الّذي يُلاحقه و يصدمه.

التناقض بين الوهّابية و سيرة المسلمين

هذه النقطة ـ الّتي سبق الحديث عنها ـ ليست هي النقطة الوحيدة الّتي يتجلّى فيها التناقض بين الوهّابيّة و سيرة المسلمين طوال أربعة عشر قرناً.

بل أنّ التناقض في موارد أُخرى كثير جداً، فمثلا: يعتبر الوهّابيّون التبرّك بآثار النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حراماً، و ينهون عنه بشدّة و يقولون ـ دائماً ـ إنّ الحجر و الطين لا ينفعان شيئاً، و لكنّك ترى المسلمين يتزاحمون على الحجر الأسود لتقبيله و لمسه والتبرّك به، و يتهافتون على كسوة الكعبة للتمسّح بها و بالكعبة و تقبيلهما و وضع الخدّ عليهما، فالمسلمون يقبّلون الحجر و الطين و يخالفون الوهّابيّة الّتي تقول بأنّ الحجر و الطين لا ينفعان.

و كذلك يحرّم الوهّابيّون بناء المساجد بجوار مراقد الأولياء، في حين أنّه توجد في كلّ البلاد الإسلامية مساجد مشيَّدة بجوار المشاهد، حتّى في أرض «أُحُد» كان مسجد بجوار قبر سيّدنا حمزة ـ رضوان اللّه عليه ـ و لمّا احتلّ الوهّابيّون تلك البقاع المقدّسة عمدوا إلى هدم المسجد و طمس آثاره!!!

و الآن ترى المرقد الطاهر لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واقعاً في وسط المسجد،


(77)

والمسلمون يقيمون الصلاة للّه من أطرافه و جوانبه الأربعة. و كم لهذه القضايا من نظير و مثيل، فانظر إلى البون الشاسع بين الوهّابيّة و سيرة المسلمين، ممّا يدلّ على انفصال الوهّابيّة عن الإسلام، و انفصال الوهّابيّين عن المسلمين.

اختلاق الأدلّة الواهية تبريراً لجريمة هدم مراقد الأئمة عليهم السلام

لقد لجأ الوهّابيّون إلى اختلاق الأدلّة الواهية الّتي تبرّر لهم هدم المراقد الطاهرة و القباب الشريفة للأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ في البقيع، و ممّا قالوا ـ في هذا المجال ـ : إنّ البقيع أرض موقوفة، و يجب أن يُستفاد منها لنفس الغرض الّذي وقفها صاحبها، و يجب القضاء على كلّ ما يوجب الحدّ من الاستفادة عن الغرض المقصود، و البناء و نصب الأعمدة و الجدران في هذه الأرض يوجب الحدّ من الاستفادة من جزء منها، فأرض البقيع موقوفة لدفن الموتى، و من الواضح أنّ نصب الأعمدة و الجدران ـ للبناء ـ يحتلّ جزءاً من الأرض، إذ لا يمكن الدفن تحت الأعمدة و الجدران، و هذا يؤدّي إلى الحدّ من الاستفادة للغرض المقصود، و لهذا تجب إزالة ما على هذه الأرض من بناء كي يمكن الدفن في كلّ بقعة فيها.

الجواب و الردّ

لا شكّ أنّ هذا النوع من الاستدلال ليس إلاّ تسرّعاً في الحكم و ابتعاداً عن الحق، يريد به القاضي الوهّابي القضاء على آثار أهل البيت ـ عليهم السلام ـ بأىّ وجه كان، و حتّى لو أفلَس من الأدلّة فإنّه يأمرُ بالهدم بحكم القوة و العنف و الزور، و ما هذا الدليل إلاّ للتمويه على عوام المسلمين و بسطائهم بأنّه يفتي بما أنزل اللّه، و لهذا تراه يعتبر البقيع أرضاً موقوفة للدفن.


(78)

و لكن هذا الدليل ـ كسائر أدلّتهم ـ باطل من عدّة وجوه:

الأوّل: لم يَرد في أىّ كتاب ـ من كتب التاريخ و الحديث ـ ما يشير إلى أنّ أرض البقيع موقوفة، و لم يصرّح به أحد من المؤرّخين و المحدّثين. هذه كُتب التاريخ بين يديك، لا ترى فيها أثراً لهذا القول، بل أنه يُحتمل قويّاً أنّ البقيع كانت أرضاً مواتاً متروكةً كسائر الأراضي الموات، و كان أهل المدينة يدفنون موتاهم فيها، و على هذا فأرض البقيع كانت من «المباحات الأوَّلية» الّتي يجوزالتصرّف فيها مطلقاً، بأىّ شكل كان.

لقد كان الناس ـ في العهود السابقة ـ غير حريصين على تملّك الأراضي البائرة الموات، إذ لم تكن الإمكانيّات متوفّره لديهم للقيام بالبناء و العمران إلاّ قليلا، كما لم تبدأ ـ يومذاك ـ هجرة أهل القرى إلى المُدن، و لم تكن هناك مشكلة باسم مشكلة «الأرض» و أفراد باسم «محتكري الأرض» ومؤسّسات عقاريّة باسم «بورصة الأراضي» و لهذا فإنّ أراضي واسعة كانت متروكة بلا مالك، وهي ما يُعبَّر عنها في الشريعة الإسلامية بـ «المباحات» و «الأراضي الموات ».

و قد جرت العادة ـ في المدن و القرى ـ بأن يُخصِّص الناس قطعة من الأرض لدفن الموتى فيها، أو كان واحد منهم يَدفن فقيده في أرض، و يتبعه الآخرون في ذلك، من دون التفات إلى الوقف أصلا.

و أرض البقيع ليست مستثناة من هذه القاعدة، فلم تكن الأرض ـ في الحجاز و المدينة ـ ذات قيمة، و مع وجود هذه الأراضي الموات المحيطة بالمدينة لم يكن يُقدم إنسان على وقف أرض زراعية ـ مثلا ـ لدفن الموتى، لأنّ الأراضي الزراعية كانت قليلة، بعكس الأراضي الموات فإنها كانت كثيرة و من المباحات الأوّلية.


(79)

و الجدير بالذكر أنّ التاريخ أيضاً يؤكّد هذه الحقيقة. يقول السمهودي في كتاب «وفاء الوفا»:

«أوّل من دَفن رسول اللّه بالبقيع: عثمان بن مظعون... و لمّا توفّي إبراهيم بن رسول اللّه أمر أن يُدفن عند عثمان بن مظعون، فرغب الناس في البقيع و قطعوا الشجر، فاختارت كلّ قبيلة ناحية، فمن هنالك عَرفت كلُّ قبيلة مقابرها...

كان البقيع غرقداً(1) فلمّا هلك عثمان بن مظعون و دُفن في البقيع قُطع الغرقد عنه».(2)

لقد ظهر من كلام السمهودي ـ أنّ أرض البقيع كانت مواتاً، و تمَّ تقسيمها إلى عدَّة قِطع بعد ما دُفن أحد الصحابة فيها، و خُصّصت كلّ قطعة منها لقبيلة من القبائل و بيت من البيوتات، أمّا أن تكون موقوفة فلاترى لها أثراً في التاريخ، بل يُستفاد من التاريخ أنّ البقعة الّتي تحتضن أجساد الأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ في البقيع كانت داراً لعقيل بن أبي طالب، و أنّ تلك الأجساد الطاهرة إنّما دُفنت في دار تعود إلى بني هاشم.

يقول السمهودي:

دُفن العباس بن عبدالمطّلب عند قبر فاطمة بنت أسد ابن هاشم في أوّل مقابر بني هاشم الّتي في دار عقيل.

و يقول أيضاً:


1. الغرقد: شجر مخصوص و هو يتواجد كثيراً في صحاري المدينة المنوَّرة و أطرافها.
2. وفاء الوفا: 2/84.


(80)

عن سعيد بن محمّد بن جبير أنّه رأى قبر إبراهيم ابن رسول اللّه عند الزوراء... و هي الدار الّتي صارت لمحمّد بن زيد بن علي...

و أنّ سعد بن معاذ دفنه رسول اللّه في طرف الزقاق الّذي يلزق دار المقداد بن الأسود... و هي الدار الّتي يقال لها: دار ابن أفلح، في أقصى البقيع، عليها جُنبذة(1).(2)

هذه العبارات بمجموعها تؤكّد على أنّ أرض البقيع لم تكن وقفاً، و أنّ أجساد الأئمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ إنما دُفنت في بيوتهم المملوكة.

بعد كلّ ما سَبق، هل يصحّ هدم آثار آل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و تسويتها مع الأرض بحجّة أنها لا تنسجم مع الوقف؟!

و لو فرضت ـ جَدَلا ـ أنّ أرض البقيع موقوفة، فهل هناك ما يُثبت كيفية وقفها؟! و لعلّ مالك الأرض قد سمح بإقامة البناء و القباب على قبور الشخصيّات المرموقة الّتي تُدفن فيها؟!

نحن لا نعلم تفصيل الموضوع، والشيء الّذي نعلمه هو أنّ المسلمين أقاموا البناء و القباب على تلك القبور، و يجب حمل فعل المسلم على الصحة و الابتعاد عن اتّهامه و نسبة المعصية إليه.

و على هذا الأساس فإنّ هدم تلك القباب المقدّسة و الأبنية المحترمة يُعتبر حراماً بيِّناً ومخالفةً قطعيّة للأحكام الشرعيّة.

و كان القاضي ابن بليهد و أتباعه يعلمون جيّداً أنّ فكرة وقفيّة البقيع ليست


1. الجنبذة: القبّة.
2. وفاء الوفا: 2/96.


(81)

إلاّ استدلالا مصطنعاً، و حتّى لو لم يرسم لهم الشيطان هذا الدليل الواهي، لكانوا يهدمون آثار آل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بلا تردّد، ذلك لأنّ هذه المرَّة ليست هي المرَّة الأُولى الّتي تقوم فيها الوهّابيّة بهدم آثار الرسالة و الإسلام، بل إنّ المرة الأُولى كانت في سنة 1221 هـ عند ما سيطروا ـ لأوّل مرة ـ على المدينة المنوَّرة وهدموا تلك الأبنية و الآثار، ثم أُعيد بناؤها بعد دحر الوهّابيّين و طردهم من المدينة على يد القوات العثمانية.


(82)


(83)

الفصل الثالث

بناء المسجد بجوار المراقد المشرَّفة

هل بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها جائز أو لا؟

و إذا كان جائزاً فما معنى ما روي «أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لَعن اليهود و النصارى اتخذوا قبور انبيائهم مسجداً» ألا يُعتبر بناء المسجد بجوار قبور الأولياء ملازماً لما قد ورد في هذا الحديث؟!

الجواب: إنّ بناء المساجد بجوار قبور الصالحين لا مانع فيه أبداً، لأنّه يندرج تحت الأُصول الإسلامية العامّة المجوّزة ذلك، لأنّ الهدف من بناء المسجد هناك إنّما هو عبادة اللّه تعالى بجوار مثوى أحد أحبّائه و أوليائه الصالحين الّذي منَح البركة و الشرف لتلك الأرض الّتي دُفن فيها.

و بعبارة أُخرى: إنّ الهدف من تشييد المساجد هناك هو التشجيع على أداء الفرائض الشرعية و العبادات، قبل زيارة ذلك القبر أو بعده.

و على أساس أنّ زيارة القبور ليست محرَّمة ـ حتّى عند الوهّابيّين ـ و كذلك


(84)

إقامة الصلاة قبل الزيارة أو بعدها، فلا معنى للقول بحرمة بناء المسجد ـ بجوار قبور الصالحين ـ لعبادة اللّه و أداء فرائضه الشرعية.

إنّ التأمّل في قصة أصحاب الكهف يكشف لنا عن أنّ بناء المسجد بجوار القبر كان سُنَّة متَّبَعة عند الأُمم والشرائع السابقة، و القرآن الكريم يشير إلى تلك السنَّة من دون أي ردّ أو نقد.

و قد سبقت الإشارة إلى أنّ أصحاب الكهف عند ما انكشف خبرهم ـ بعد ثلاثمائة و تسع سنين ـ اختلف الناس في نوعيّة احترامهم و تكريمهم و انقسموا إلى قسمين:

1ـ قسم قالوا: (ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنياناً).

و ذلك لكي يكون تخليداً لذكراهم.

2ـ و القسم الثاني ـ الّذي كسب الموقف في النهاية ـ دعا إلى بناء المسجد على الكهف كي يكون مركزاً لعبادة اللّه تعالى، بجوار قبور أُولئك الذين رفضوا عبادة غير اللّه و خرجوا من ديارهم هاربين من الكفر، ولاجئين إلى توحيد اللّه و طاعته.

و قد أجمع المفسّرون على أنّ الاقتراح الأوّل كان من المشركين، بينما الاقتراح الثاني كان من المؤمنين الموحّدين(1) و لهذا يقول القرآن الكريم:

(... قالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)(2)

و جاء في التاريخ أنّ العثور على أصحاب الكهف و انكشاف أمرهم كان في


1. راجع تفسير الكشاف: للزمخشري، و غرائب القرآن: للنيشابوري و غيرهما.
2. الكهف: 21.


(85)

عصر انتصار التوحيد على الشرك، و كان قادة المشركين ـ الداعين إلى عبادة الأصنام ـ مندحرين مغلوبين، فاقتراح بناء المسجد جاء من المؤمنين باللّه الموحّدين له سبحانه. فإذا كان بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها علامة على الشرك، فلماذا صَدر هذا الاقتراح من المؤمنين؟!

و لماذا ذَكر القرآن اقتراحهم من دون أيّ نقد أو ردّ؟!

أليس ذلك دليلا على الجواز؟

و ليس صحيحاً ـ قطعاً ـ أن يذكر اللّه تعالى كلاماً للمشركين و يمرّ عليه بدون نقد إجمالي أو تفصيلي أو يذكر اقتراحا للمؤمنين فيه رائحة الشرك من دون ايعاز إلى ردّه .

إنّ هذا «تقرير» من القرآن على صحة اقتراح أُولئك المؤمنين، و هذا يدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على هذا الأمر، و كان يُعتبر عندهم نوعاً من الاحترام لصاحب القبر و تبرّكاً به.

لقد كان الأوْلى للوهّابيّين أن يعرضوا المسألة على القرآن أوّلا، ثمّ يبحثوا هنا و هناك عن حديث من الأحاديث الشريفة.

و فيما يلي نذكر ما تمسّكوا به في هذا المجال، لتقف على ضَعفه و بطلانه:

أدلّة الوهّابيّين على حرمة بناء المساجد بجوار قبور الصالحين

لقد تمسّك الوهّابيّون بمجموعة من الأحاديث على حرمة بناء المسجد عند قبور الصالحين، و فيما يلي نذكر تلك الأحاديث مع المناقشة و التحقيق:


(86)

ذكر البخاري في صحيحه ـ باب كراهة اتخاذ المساجد على القبور ـ هذين الحديثين:

1ـ لَمّا ماتَ الْحَسن بن الْحَسن بن عَلىّ، ضَربَتْ امْرأتُه القُبَّةَ عَلى قَبْره سَنَة، ثُمَّ رَفَعَتْ، فَسْمِعُوا صائحاً يَقُول: ألا هَلْ وَجَدُوا ما فَقَدوا؟ فَأجابَهُ الآخَر: بَلْ يئسُوا فَانْقَلَبُوا.

2ـ لَعَنَ اللّهُ اليَهُودَ وَ النَّصارى اتَّخذوا قُبور أنبيائِهِمْ مَسْجِداً.

قالَتْ: عائِشَة: وَلَوْلا ذلِكَ لأَبْرزُوا قَبْرَه، غَيْرَ أنّي أخْشى أنْ يُتَّخَذ مَسْجِداً.(1)

و قد ذكر مسلم في صحيحه هذا الحديث الثاني مع اختلاف يسير، و ذكر أيضاً:

3ـ... ألا وَ إنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبورَ أَنْبِيائِهِمْ وَ صالحِيهِمْ مَساجِدَ، ألا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَساجِدَ، إنّي أنهاكُمْ عَنْ ذلِكَ.(2)

4ـ إنَّ أُمَّ حَبيبَةَ وَ أُمَّ سَلَمَة ذَكَرَتا كَنيسَةً رَأَيْنَها في الحَبَشَة، فيها تَصاوير، لِرَسُولِ اللّه. فَقالَ رَسُولُ اللّه: إنَّ أُولئِكَ إذا كانَ فيهمُ الرَّجُل الصّالحَ فَماتَ، بَنُوا عَلى قَبْرِهِ مَسْجداً وَ صَوَّرُوا فيهِ تِلْكَ الصُّورَ، أُولئِكَ شِرارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللّه يَوْمَ الْقِيامَة.(3)

و يروي النسائي ـ في سُننه باب التغليظ في اتخاذ السُّرج على القبور ـ عن ابن عبّاس:


1. صحيح البخاري: 2/111; كتاب الجنائز السُّننْ للنسائي: 2/871، كتاب الجنائز.
2. صحيح مسلم: 2/68.
3. صحيح مسلم: 2/66 كتاب المساجد .


(87)

5ـ لَعَنَ رَسُولُ اللّه ـ صلّى اللّه عليه و سلم ـ زائراتِ القُبُورِ وَ المُتَّخِذينَ عَلَيْها الْمَساجِدَ والسُّرج.(1)

وترى ابن تيميّة ـ الّذي يعتبر المؤسّس لهذه العقائد الباطلة، و تلميذه محمّد بن عبدالوهّاب ـ يستند إلى هذه الأحاديث في حرمة بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها، فيقول:

«قال علماؤنا: لا يجوز بناء المسجد على القبور».(2)

تحقيق في معنى الأحاديث

و الآن يجب التحقيق و التأمّل في نصوص هذه الأحاديث، لنقف على مدلولها الصحيح.

قبل كُلّ شيء، يجب أن نعلم ـ كأصل عام ـ أنّه كما تكون آية قرآنية مفسِّرة لآية أُخرى، كذلك الأحاديث يكون أحدها مفسِّراً للآخر و موضّحاً و كاشفاً عن غموضه.

لقد تمسّك الوهّابيّون بظاهر حديث واحد، واستنتجوا منه حرمة بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها، في حين أنّهم لو كانوا يصهرون الأحاديث كلَّها في بوتقة واحدة، لكانوا يفهمون ما عناه الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

هؤلاء أغلقوا على أنفسهم باب الاجتهاد، ممّا أدّى بهم إلى تفسير كثير من الأحاديث تفسيراً خاطئاً.


1. السُّنن للنسائي: 4/77، طبعة مصطفى الحلبي.
2. زيارة القبور: 106.


(88)

أقول: إنّ ما تمسّك الوهّابيّون به ـ على حرمة بناء المسجد عند القبر ـ من أحاديث إنّما يكون مقبولا إذا كانت أسناده صحيحة و رواتها ثقاتاً، و إلاّ فلا تصلح تلك الأحاديث للاستدلال أبداً.

و بما أنّ التحدّث عن أسناد كلّ هذه الأحاديث يؤدّي إلى إطالة الكلام، لهذا نختصر الحديث عمّا تضمّنته تلك الأحاديث فنقول:

أمّا الحديث الأوّل و هو: «لمّا مات الحسن بن الحسن ضَربتْ امرأته القبَّة على قبره...» إلى آخره، فهو نقيضٌ لمذهب الوهّابيّين، إذ أنّه دليل على جواز نصب المظلَّة و القبَّة على القبر، والوهّابيّون يُحرّمون مطلق الظِّلال، سواء كان مظلّة أو قُبَّة و بناء.

فهذا الحديث يدلّ على جواز نصب المظلَّة و إقامة القبَّة على القبر، ولو كان ذلك حراماً لما صدر من امرأة الحسن بن الحسن، لأنه كان بمرأى و مسمع من التابعين و فقهاء المدينة.

و لعلَّها نَصَبت تلك القبَّة لأجل زيارة القبر وتلاوة القرآن عنده، وقاية من الحرّ و البرد و غيرهما.

و أمّا قول الراوي: «فسمعوا صائحاً يقول...» فهو أشبه بقول صائح غير صالح، لأنّه نوع من الشماتة ـ و الشماتة ليست من أخلاق الصالحين ـ و مثله في ذلك ما أجابه الصائح المزعوم الآخر.

إنّ إقامة تلك المرأة على قبر زوجها الفقيد لم يكن على أمل عودته إلى الحياة، حتّى يقال: إنّها يئست، بل كان لتلاوة القرآن و غيره.

و الخلاصة: إنّ قول ذلك الصائح المزعوم و جواب الآخر ليس حجّة شرعية، إذ ليس من كتاب اللّه ولا من السنَّة الشريفة و لا هو كلامُ معصوم.

و أمّا بالنسبة إلى الأحاديث الّتي تلعن اليهود و النصارى و تُحذّر المسلمين من التشبّه بهم، فنقول:

إنّ التعرّف على مغزى هذه الأحاديث يتوقّف على معرفة ما كان يقوم به اليهود و النصارى عند قبور أنبيائهم، ذلك لأنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إنّما نهى عن القيام بما كان يقوم به اليهود و النصارى، فاذا عرفنا عمَلهم، عرفنا ـ بالتَّبع ـ الحرام المنهيّ عنه.


(89)

اقول إن هنا قرائن شاهدة على أنّ اليهود و النصارى كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم قبلةً لهم تَصْرفهم عن التوجّه إلى القبلة الواجبة، و أكثر من ذلك... كانوا يعبدون أنبياءهم بجوار قبورهم بدَل أن يعبدوا اللّه الواحد القهار، أو كانوا يجعلون أنبياءهم شركاء مع اللّه سبحانه في العبادة.

فإذا كان المعنى ـ في تلك الأحاديث ـ أن لا تتخذوا قبور الصالحين قبلة لكم، أو: لا تجعلوهم شركاء مع اللّه تعالى في العبادة، فلا يمكن الاستدلال ـ بأىّ وجه ـ على حرمة البناء على قبورهم أو عندها، لأنّ الزائرين لا يتّخذون تلك القبور قبلة لهم و لا يعبدونهم ولا يجعلونهم شركاء في العبادة، بل كلّهم مؤمنون باللّه موحّدون له، و يتوجّهون ـ في صلواتهم ـ إلى الكعبة المقدَّسة، و الهدف من بناء المسجد عند تلك القبور هو التبرّك بالأرض الّتي احتضنت أجسادهم الطاهرة.

فالمهم هو أن يثبت لنا أنّ هدف هذه الأحاديث من عدم اتخاذ القبور مساجد هو ما ذكرناه، وإليك القرائن الدالَّة على ذلك:

1ـ الحديث المذكور في صحيح مسلم ـ و هو الحديث رقم 4 ـ يُوضّح الأحاديث الأُخرى، فحينما قالت أُمّ حبيبة و أُمّ سلمة ـ زوجتا النبىَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّهما رأتا تصاوير النبي في إحدى كنائس الحبشة، قال النبي:

«إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنُوا على قبره مسجداً وصوَّروا فيه تلك التصاوير...».

فالهدف من وضع صوَر الصالحين بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها و على القبر، بحيث يكون القبر و الصورة قبلة لهم، أو كانتا كالصنم المنصوب يُعبدان و يُسجدان لهما.

إنّ هذا الاحتمال ـ اللائح من هذا الحديث ـ ينطبق مع ما عليه المسيحيّون من عبادة المسيح ووضْع التصاوير و التماثيل المجسّمة له و للسيّدة مريم ـ عليهما السلام ـ .

و مع هذا المعنى فلا يمكن الاستدلال بهذهِ الأحاديث على حرمة بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها من دون أن يكون في ذلك أىّ شيء يوحي بالعبودية، كما عليه المسيحيّون.

2ـ يروي أحمد بن حنبل في مسنده و مالك بن أنس في «الموطّأ» تتمّة لهذا الحديث، و هو أنّ


(90)

النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال ـ بعد النهي عن اتخاذ القبور مساجد ـ :

«اللَّهُمَ لا تَجْعَلْ قَبْري و ثَناً يُعْبَد».(1)

إنّ هذا يدلّ على أنّ أولئك كانوا يتّخذون القبر و الصورة الّتي عليها قبلة يتوجّهون إليها، بل صنماً يعبدونه من دون اللّه سبحانه.


1. مسند أحمد: 3/248.

(91)

3ـ إنّ التأمّل في حديث عائشة ـ الحديث الثاني ـ يزيد في توضيح هذه الحقيقة، حيث إنّها بعد الرواية عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تقول:

«لو لا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يُتَّخذ مَسجَداً».

و نتساءل: إقامة الجدار حول القبر يمنع عن أىّ شيء؟

من الثابت أنّ الجدار يمنع من الصلاة على القبر نفسه و أن يتّخذ وَثناً يُعبد، و على الأقل لا يكون قبلة يُتوجَّه إليها.

أمّا الصلاة بجوار القبر ـ من دون عبادة القبر أو جعْله قبلة للعبادة ـ فلا يمنع منها، سواء أكان هناك حاجز يحجز القبر عن الرؤية أم لا، و سواء أكان القبر بارزاً أم لا، و ذلك لأنّ المسلمين ـ منذ أربعة عشر قرناً ـ يُصلّون بجوار قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حين أنّهم يتوجّهون إلى الكعبة و يعبدون اللّه تعالى، فوجود الحاجز لم يمنع من هذا كلّه.

و الخلاصة: أنّ تتمّة الحديث الثاني ـ الّتي هي من كلام عائشة ـ تُوضّح معنى الحديث، لأنّها تذكر السبب الّذي منع من إبراز قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّه للحيلولة دون اتّخاذه مسجداً، و لهذا أُقيم الجدار الحاجز حول القبر الشريف.

فالحاجز يمنع من شيئين:

1ـ من أن يتحوَّل القبر إلى وثن يقف الناس بين يديه يعبدونه، فمع وجود الحاجز لا يمكن رؤية القبر فلا يمكن اتّخاذه وثناً للعبادة.

2ـ من أن يُتَّخذ قبلة، ذلك لأنّ اتّخاذه قبلة فرع رؤيته.

فإن قال قائل: إنّ الكعبة قبلة للمسلمين في حين أنّ أكثر المسلمين لا يرونها وقت العبادة.


(92)

فالجواب: لا تصحّ المقارنة و المقايسة بين الكعبة و القبر، لأنّ الكعبة قبلة عامّة و عالمية لجميع المسلمين في كافّة أرجاء الكرة الأرضية، و ليست قبلة للعبادة فقط، بل للعبادة وغيرها كالذبيحة و الدفن و ما شابه، فهي قبلة في جميع الأحوال، و لا علاقة للرؤية فيها بأىّ وجه.

أمّا اتّخاذ قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبلة، فإنّما يمكن للذين يتواجدون في مسجده و يقيمون الصلاة عنده، فإبراز القبر الشريف يمهّد لهذا الاحتمال ـ على رأي عائشة طبعاً ـ بينما يكون الستر مانعا عن ذلك .

4ـ و من القرائن الدالّة على أنّ نهي النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إنما هو عن عبادة القبور، هو أنّ الكثير من شارحي صحيح البخاري و مسلم فسَّروا الحديث بمثل ما فسّرناه، و فهموا منه مثل ما فهمناه... فمثلا:

يقول القسطلاني ـ في كتاب إرشاد الساري ـ :

إنما صوَّر أوائلُهم الصُّورَ ليستأنسوا بها و يتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم و يعبدو اللّه عند قبورهم، ثم خَلَفهم قوم جهلوا مرادهم، و وسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصوَر و يُعظّمونها، فحذَّر النبي عن مثل ذلك.

إلى أن يقول:

قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود و النصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها و اتّخذوها أوثاناً، مُنع المسلمون في مثل ذلك، فأمّا من اتّخذَ مسجداً في جوار صالح و قَصَد التبرُّك


(93)

بالقرب منه ـ لا للتعظيم و لا للتوجّه إليه ـ فلا يدخل في الوعيد المذكور.(1)

و ليس القسطلاني منفرداً في هذا الشرح، بل يقول به السندي ـ شارح السُّنن للنسائي ـ حيث يقول:

«اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» أي: قبلة للصلاة و يُصلّون إليها، أو بنَوا مساجد عليها يُصلّون فيها. و لعلّ وجه الكراهة أنّه قد يُفضي إلى عبادة نفس القبر.(2)

و يقول أيضاً:

يُحذّر (النبي) أُمَّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود و النصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذهم تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجّهون في الصلاة إليها.(3)

و يقول النَووي ـ في شرح صحيح مسلم ـ :

قال العلماء: إنّما نهى النبي عن اتّخاذ قبره و قبر غيره مسجداً، خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخالية، و لمّا احتاجت الصحابة والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين كثر المسلمون و امتدَّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، و منها حجرة عائشة، مدفن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و صاحبيه بَنوا على القبر


1. إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري. و قد مال إلى هذا المعنى ابن حجر ـ في فتح الباري: 3 / 208 حيث قال: إنّ النهي إنما هو عمّا يؤدّي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.
2. السُنن للنسائي: 2/21 مطبعة الأزهر.
3. نفس المصدر السابق.


(94)

حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله، لئلاّ يظهر في المسجد فيصلّي إليه العوام...

و لهذا قالت «عائشة» في الحديث: و لو لا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّه خُشي أن يُتَّخذ مسجداً.(1)

و يقول شارح آخر:

إنّ حديث عائشة يرتبط بالمسجد النبوي قبل الزيادة فيه، أمّا بعد الزيادة و إدخال حجرتها فيه، فقد بَنوا الحجرة بشكل مثلَّث كي لا يتمكن أحد من الصلاة على القبر...

إنّ اليهود و النصارى كانوا يعبدون أنبياءهم بجوار قبورهم أو يجعلونهم شركاء في العبادة.

أقول: مع هذه القرائن و مع ما فهمه شُرّاح الحديث لابدّ من القول به، و لا يمكن استنتاج غير ذلك أو الفتوى بغيره.

و مع غضّ النظر عن هذه القرائن، فإننا نعالج المسألة بما يلي:

1 ـ إنّ مورد الحديث هو ما إذا كان المسجد مبنيّاً فوق القبر، فلا علاقة له بالمشاهد المشرَّفة، لأنّ المسجد ـ في كلّ المشاهد ما عدا مسجد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ إنّما هو بجوارها لا عليها، بشكل ينفصل أحدهما عن الآخر.

و بعبارة أُخرى: هناك حرم و هناك مسجد، فالحرم خاصٌّ للزيارة و التوسّل إلى اللّه تعالى بذلك الولىّ الصالح، و المسجد ـ بجواره ـ للصلاة و العبادة، فالمشاهد المشرَّفة ـ في هذه الحالة ـ خارجة عن مفاد الحديث و معناه ـ على فرض أن يكون مفاده ما يدَّعيه الوهّابيّون ـ .


1. شرح صحيح مسلم للنووىّ: 5/13 ـ 14 .

(95)

و بعد هذا كلّه... كيف يمكن القول بحرمة بناء المسجد بجوار القبر أو كراهته في حين أننا نرى بأعيننا أنّ مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقع بجوار قبره الشريف؟!

إذا كانت الصحابة كالنجوم و يجب الاقتداء بهم، فلماذا لا يُقتدى بهم في هذا المجال؟! إنّ أُولئك زادوا في المسجد زيادات كثيرة بحيث استقرَّ قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في وسط المسجد، بعد أن كان المسجد في الجانب الشرقي من القبر الشريف و بسبب الزيادات الكثيرة دخل الجانب الغربي من القبر أيضاً في المسجد.

فاذا كان بناء المسجد بجوار قبور الصالحين حراماً فلماذا أحدث المسلمون هذه الزيادات فيه من جميع أطرافه؟!

فهل معنى الاقتداء بـ «السَّلف» و «السَّلفية» ـ الّتي ينادي بها الوهّابيّون ـ هو الاقتداء بهم في موضوع واحد و ترك الموارد الأُخرى؟!

و من هنا نعرف أنّ ما قاله ابن القيّم من «أنّ القبر و المسجد لا يجتمعان معاً» مخالف لسيرة المسلمين السَّلَف و لا أساس لكلامه من الصحة أبداً.

2 - وفي خاتمة المطاف نذكر أمرين:

الأوّل: إنّ كلّ ما يستفاد من هذه الأحاديث ـ على فرض صحَّتها ـ هو أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها، ولكن لا يوجد دليل قطعي يثبت أنّ هذا النهي هو نهيٌ تحريمي، بل يحتمل أن يكون نهياً تنزيهيّاً ـ و بالاصطلاح ـ كراهيّاً، و هذا بالضبط ما استنبطه البخاري في صحيحه حيث ذكر هذه الأحاديث تحت عنوان: «باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور».(1)

و يشهد لذلك أيضاً أنّ النهي مقرون بلعن «زائرات القبور».(2)


1. صحيح البخاري: 2/111.
2. السُّنن للنسائي: 3/77، طبعة مصر.


(96)

و من الثابت أنّ زيارة القبر للمرأة مكروه ـ بسبب بعض الأُمور ـ لاحرام. كيف وقد كانت فاطمة سيدة نساء العالمين تزور قبر عمّها حمزة فى كل اسبوع.(1)

وقد زارت السيدة عائشة قبر أخيها عندما وردت مكة المكرمة(2) إلى غير ذلك من الدلائل القاطعة على أنّه تجوز للمرأه زيارة القبور.

فإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يلعن زائرات القبور، فلا يدلّ اللعن على الحرمة، لأنّ كثيراً من المكروهات ورَد اللعن على مرتكبها ـ في الأحاديث ـ و الهدف من اللعن هو شدّة الكراهية و البُعد عن رحمة اللّه تعالى، فمثلا جاء في الحديث:

«لَعن اللّه ثلاثة: آكل زاده وحده، و النائم في بيت وحده، و راكب الفلاة وحده».(3)

مع العلم أنّ هذه الثلاثة ليست محرَّمة.

و في ختام هذا الفصل نؤكّد على أنّ بناء المساجد على قبور الصالحين كانت سُنَّة مشهورة في صدر الإسلام.

يقول السمهودي في حديث ذكر فيه وفاة السيّدة فاطمة بنت أسد أُمّ الإمام أميرالمؤمنين علي ـ عليه السلام ـ :

«فلمّا توفيتْ خرج رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأمر بقبرها فحُفر في موضع المسجد الّذي يُقال له اليوم: قبر فاطمة». (4)

و يقصد السمهودي أنّ موضع قبر فاطمة بنت أسد تحوَّل بعد ذلك إلى مسجد. و يقول أيضاً:


1. سيوا فيك مصدره.
2. سيوا فيك مصدر.
3. من لا يحضره الفقيه: 4 / 364; كنز العمال: 16/402; مسند أحمد: 2 / 287 .
4. وفاء الوفا: 3/897، تحقيق محمّد محيي الدين.


(97)

«إنّ مصعب بن عمير و عبداللّه بن جحش دُفنا تحت المسجد الّذي بُني على قبر حمزة».(1)

و قد كان ذلك المسجد موجوداً حتّى احتلال الوهّابيّين لهذه البقاع المقدّسة، حيث عمدوا إلى هذا المسجد ـ و مساجد و آثار كثيرة ـ فهدموها بمعاول الاستعمار البريطاني الأثيم.

الثاني: ان تاريخ اليهود لا يتفق مع مضامين تلك الروايات، لأنّ سيرتهم قد قامت على قتل الأنبياء وتشريدهم وإيذائهم إلى غير ذلك من أنواع البلايا التي كانوا يصبّونها على أنبيائهم.

ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَولَ الَّذينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَريق).(2)

وقوله سبحانه: (قُلْ قَدْجاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلي بِالْبَيِّناتِ وَبِالّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ) .(3)

وقال سبحانه: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقّ...).(4)

أفتزعم انّ أُمّة قتلت أنبياءها في مواطن مختلفة تتحول إلى أُمّة تشيد المساجد على قبور أنبيائها تكريماً وتبجيلاً لهم.


1. وفاء الوفا: 3 / 923 و 936.
2. آل عمران:181.
3. آل عمران:183.
4. النساء:155.


(98)


(99)

الفصل الرابع

زيارة القبور

على ضوء الكتاب و السُّنَّة

لقد أفتى علماء الإسلام و فقهاء الشريعة بجواز زيارة القبور ـ و خاصّة قبور الأنبياء والصالحين ـ استناداً إلى مجموعة من الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة، و بالإضافة إلى الجواز فإنّهم أفتوا باستحبابها و فضيلتها.

أمّا الوهّابيّون فإنهم ـ كما يبدو ـ لا يحرّمون أصل الزيارة، بل يحرّمون السفر و شدَّ الرحال إلى زيارة قبور الصالحين. فالبحث هنا في مرحلتين:

1ـ الزيارة.

2ـ السفر للزيارة.

زيارة القبور

ممّا لا شكّ فيه أنّ زيارة القبور تنطوي على آثار أخلاقية و تربوية هامَّة، نشير إليها ـ مختصراً ـ فيمايلي:

إنّ مشاهدة هذا الوادي الهادئ الّذي يضمّ في أعماقه مجموعة كبيرة من


(100)

الذين عاشوا في هذه الحياة الدنياثم انتقلوا إلى الآخرة، و هم سواء... الغني و الفقير، القوي و الضعيف، و لم يصحبوا معهم سوى ثلاث قِطَع من القماش فقط.

إنّ مشاهدة هذا المنظر يهزّ الإنسان قلباً و روحاً، و يخفّف فيه روح الطمع و الحرص على الدنيا و زخارفها و شهواتها، و لو نظر الإنسان إليها بعين الاعتبار لغيَّر سلوكه في هذه الحياة، و اعتبر لآخرته، و راح يخاطب نفسه: إنّ هذه الحياة المؤقتة لابدّ أن تزول، و إنّ الفترة الّتي أعيشها لابدّ أن تنتهي و يكون مصيري إلى حفرة عميقة، تتراكم عليّ تلال من التراب و هناك الحساب، إمّا ثواب و إمّا عذاب، فلا تستحقّ هذه الحياة المؤقّتة أن يجهد الإنسان نفسه من أجل المال و الجاه و المنصب، فيظلم هذا و يؤذي ذاك، و يرتكب الجرائم و المنكرات.

إنّ نظرة تأمّل إلى هذا الوادي الساكن تُرقّق القلب مهما كان قاسياً، و تُسمع الإنسان مهما كان صُماً، و تُفتح العيون مهما كانت حالكة، و كثيراً ما تدفع بالإنسان إلى إعادة النظر في سلوكه وحياته، و الشعور بالمسؤوليات الكبيرة أمام اللّه تعالى و امام الناس.

يقول الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

1ـ «زُورُوا الْقُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّركُمُ الآخِرَة».(1)

بالرغم من أنّ مسألة زيارة القبور ليست بحاجة إلى إقامة الدليل و البرهان على صحتها وضرورتها، و لكننا نضطر إلى التحدّث عنها لأُولئك الذين يتوقّفون فيها.


1. سنن ابن ماجة: 1/113، باب ما جاء في زيارة القبور.

(101)

القرآن و زيارة القبور

إنّ اللّه تعالى ينهى حبيبه محمّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن الصلاة على جنازة المنافق و القيام على قبره، فيقول سبحانه:

(وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِه إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ).(1)

فالآية تسعى لهدم شخصية المنافق، و هزّ العصا في وجوه حزبه و نظائره، و النهي عن هذين الأمرين بالنسبة للمنافق معناه و مفهومه: فضيلة هذين بالنسبة لغير المنافق.

و الآن يجب أن ننظر في قوله تعالى: (و لا تَقُمْ على قَبرِهِ) ما معناه؟

هل المعنى هو القيام وقت الدفن فقط حيث لا يجوز ذلك للمنافق و يستحبّ للمؤمن؟ أم المعنى أعمّ من وقت الدفن و غيره؟

الجواب: بعض المفسّرين نظروا إلى الآية نظرة ضيّقة فقالوا بالقول الأوّل، و لكنّ بعضاً آخرين ـ كالبيضاوي و غيره ـ نظروا إليها نظرة واسعة فقالوا: إنّ النهي في (لا تَقُمْ على قَبرِه) هو عن الدفن و الزيارة. و التدقيق و إمعان النظر في الآية الكريمة يسوقنا إلى هذا المعنى الأعم، و ذلك لأنّ الآية تتشكّل من جُملتين:

الأُولى: (لا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أبَداً).

إنّ لفظة «أَحَد» بحكم ورودها في سياق النفي تفيد العموم و الاستغراق


1. التوبة: 84.

(102)

لجميع الأفراد، و لفظة «أبَداً» تفيد الاستغراق الزمني، فيكون معناها: لا تُصلّ على أحد من المنافقين في أىّ وقت كان.

فمع الانتباه إلى هذين اللفظين نعرف ـ بوضوح ـ أنّ المراد من النهي عن الصلاة على الميّت المنافق ليس خصوص الصلاة على الميّت عند الدفن فقط لأنها ليست قابلة للتكرار في أزمنة متعدّدة، ولو أُريد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى لفظة «أبَداً» بل المراد من الصلاة في الآية مطلق الدعاء و الترحّم سواء أكان عند الدفن أم بعده.

فإن قال قائل: إنّ لفظة «أبَداً» تأكيد للاستغراق الأفرادي لا الزماني.

فالجواب بوجهين :

1ـ إنّ لفظة «أحد» أفادت الاستغراق و الشمول لجميع المنافقين.

2ـ إنّ لفظة «أبَداً» تُستعمل في اللغة العربية للاستغراق الزماني، كما في قوله تعالى:

(... وَ لا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً...).(1)

فالنتيجة: أنّ المقصود هو النهي عن الترحُّم على المنافق و عن الاستغفار له، سواء كان بالصلاة عليه أو بغيرها سواء كان حين الدفن أم بعده .

الثانية: «لا تقُم على قَبرِه».

إنّ مفهوم هذه الجملة ـ مع الانتباه إلى أنّها معطوفة على الجملة السابقة ـ هو: لا تقم على قبر أحد منهم أبداً، لأنّ كلّ ما ثبت للمعطوف عليه من القيد ـ أعني: «أبداً» ـ يثبت للمعطوف أيضاً، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بأنّ المقصود من


1. الأحزاب: 53.

(103)

القيام على القبر هو وقت الدفن، فقط، لأنّ المفروض عدم إمكان تكرار القيام على القبر وقت الدفن، و لفظة «أبَداً» المقدَّرة في هذه الجملة الثانية تفيد إمكانية تكرار هذا العمل، فهذا يدلّ على أنّ القيام على القبر لا يختصّ بوقت الدفن. بل يعمّه وغيره فهو حرام في حق المنافق و جائز في حق المؤمن .

فيكون معنى الآية الكريمة: إنّ اللّه تعالى ينهى نبيَّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن مطلق الاستغفار و الترحُّم على المنافق، سواء كان بالصلاة أو مطلق الدعاء، و ينهى عن مطلق القيام على القبر، سواء كان عند الدفن أو بعده.

و مفهوم ذلك هو أنّ هذين الأمرين يجوزان للمؤمن.

و بهذا ثبت جواز زيارة قبر المؤمن و جواز الصلاة والدعاء على روحه، حتّى بعد مئات السنين.

هذا بالنسبة إلى المرحلة الأُولى و هي أصل الزيارة من وجهة نظر القرآن، و أمّا بالنسبة إليها من ناحية الأحاديث فإليك بيانها:

الأحاديث الشريفة و زيارة القبور

يستفاد من الأحاديث الشريفة ـ الّتي رواها أصحاب الصحاح و السُّنن ـ أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن زيارة القبور نهياً مؤقَّتاً لأسباب خاصّة، ثم رَفع النهي و حبَّبَ إلى الزيارة.

و لعلَ علّة النهي المؤقّت هي أنّ الأموات كانوا مشركين و عَبَدة للأصنام، وقد قطع الإسلام كلّ العلاقات مع الشرك و أهله، فنهى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن زيارة الأموات.(1)


1. و يؤيّد هذا الاحتمال ما كان يقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند زيارته لأهل القبور: «دار قوم مؤمنين» كما سيأتي تفصيله.

(104)

و يحتمل أن تكون العلّة شيئاً آخر، و هو أنّ المسلمين كانوا حديثي العهد بالإسلام، فكانوا ينوحون على قبور موتاهم نياحة باطلة تُخرجهم عن نطاق الشريعة، و لمّا تمركز الإسلام في قلوبهم و أنِسُوا بالشريعة و الأحكام، ألغى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأمر اللّه تعالى النهي عن زيارة القبور، لما فيها من الآثار الحسنة و النتائج الطيّبة، و لهذا روى أصحاب الصحاح و السُّنن أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

1 ـ «كُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنْ زيارَة الْقُبُور، فَزُورُوها فَإنَّها تُزَهِّدُ في الدُّنْيا وَ تُذَكِّرُ الآخِرة».(1)

و على هذا الأساس كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يزور قبر أُمّه السيّدة آمنة بنت وهب ـ رضوان اللّه عليها ـ و كان يأمر الناس بزيارة القبور، لأنّ زيارتها تُذكّر الآخرة.

و قد روى مسلم في صحيحه:

2 ـ «زارَ النَّبِىُّ قَبْرَ أُمَّةِ، فَبَكى وَ أَبْكى مَنْ حَوْلَهُ... وَ قالَ: اسْتَأذنْتُ رَبِّي في أنْ أزُورَ قَبْرَها، فأَذِنَ لي، فَزُوروا الْقُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ».(2)


1. السُّنن لابن ماجة: 1/114، طبعة الهند باب ما جاء في زيارة القُبور ; سنن، الترمذي: 3 / 274، أبواب الجنائز المطبوع مع شرح ابن العربي المالكي.
يقول الترمذي ـ بعد نقل هذا الحديث عن بريدة ـ: «حديث بريدة صحيح و العمل على هذا عند أهل العلم، و لا يرون بزيارة القبور بأساً، و هو قول ابن المبارك و الشافعي و إسحاق».
و في هذا المجال يحسن مراجعة المصادر الآتية:
1ـ صحيح مسلم: 3/65 باب استئذان النبي ربَّه عزّوجل في زيارة قبر أُمّه .
2ـ سنن أبي داود: 2/195 كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
3ـ صحيح مسلم: 4/73 كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
2. سُنن أبي داود: 2/195 كتاب الجنائز طبعة مصر; صحيح مسلم: 3 / 65، باب استئذان النبي ربَّه عزّوجل في زيارة قبر أُمّه; سنن ابن ماجة: 1 / 114.
أقول: إنّ السبب الّذي يذكرونه لاستئذان النبىّ ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ـ زيارة قبر أُمّه هو ـ كما يزعمون ـ لأنّ أُمّه كانت مشركة، ولكن الثابت الذي لا ريب فيه هو أنّ أُمّ النبىّ ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ـ كانت كآبائه و أجداده من أهل الإيمان و التوحيد، من هنا فانّ هذا التوجيه و التفسير مخالف لأُصول العقيدة الإسلامية و يمكن أن يكون له تفسير آخر.


(105)

و قالت عائشة:

3 ـ «إنَّ رسول اللّه رَخَّصَ في زِيارَةِ الْقُبُورِ».(1)

و قالت: إنّ النبي قال:

4 ـ «فأَمَرَني رَبِّي أنْ آتي الْبَقيعَ فَأسْتَغْفِرْ لَهُمْ

قلت: كيْفَ أقُولُ يا رَسُولَ اللّه؟

قالَ: قُولي: السَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيارِ مِنَ الْمُؤمِنينَ وَ الْمُسْلِمينَ، يَرْحَمُ اللّه الْمُسْتَقْدِمينَ مِنّا وَالْمُسْتأخِرينَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ».(2)

و جاء في أحاديث أُخرى نصّ الكلمات الّتي كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقولها عند زيارة القبور، وهي:

5 ـ «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْم مُؤْمِنينَ، وَ إنّا وَ إيّاكُمْ مُتَواعِدُونَ غَداً وَ مُواكِلُونَ، وَ إنّا إن شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ اللّهُمَّ اغْفِر لأَهْلِ بَقيعِ الْغَرقَد».(3)

و جاء في حديث آخر نَصّ الكلمات بمايلي:

«السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلِ الدِّيارِ مِنَ الْمُؤمِنينَ وَ الْمُسْلِمينَ وَ إنّا إن شاء اللّه بِكُمْ


1. سنن ابن ماجة: 1/114.
2. صحيح مسلم: 3/64، باب ما يقال عند دخول القبور; السنن للنسائي: 3/76.
3. السنن للنسائي: 4/76ـ77.


(106)

لاحِقُونَ، أنْتُمْ لَنا فَرطٌ وَ نَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، أسْأَلُ اللّه الْعافِيَةَ لَنا وَ لَكُمْ».(1)

و في حديث ثالث:

«السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْم مُؤمِنينَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ».(2)

و يستفاد من حديث عائشة أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يخرج إلى البقيع في آخر الليل من كلّ ليلة، ويقول:

«السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْم مُؤمِنينَ، وَ أتاكُمْ ما تُوعَدونَ غَداً مؤجَّلُونَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِر لأهلِ بَقيع الْغَرْقَدِ».(3)

و يستفاد من حديث آخر أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يزور المقابر مع جماعة من أصحابه، و يُعلّمهم كيفية الزيارة:

«كانَ رَسُولُ اللّه يُعَلِّمُهُم ـ إذا خَرَجُوا إلى الْمَقابِرِ ـ فَكان قائِلُهُمْ يَقُولُ: السَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيارِ ـ أو ـ السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدَّيارِ مِنَ المؤمنينَ وَ الْمُسْلِمينَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه للاحِقُونَ، أسْألُ اللّه لَنا وَ لَكُمُ الْعافيَة».(4)

النساء و زيارة القبور

المسألة الأخيرة الّتي ينبغي التحدّث عنها هي: زيارة النساء للقبور، و قد روي في بعض الأحاديث أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن زيارة النساء للقبور:


1. نفس المصدر السابق.
2. السنن لأبي داود:2/196.
3. صحيح مسلم: 3/63، باب ما يقال عند دخول القبر.
4. صحيح مسلم: 3/65، باب ما يقال عند دخول القبر.


(107)

«لَعَنَ رَسُولُ اللّه زَوّارت الْقُبُور».(1)

ولكن يجب الانتباه إلى أنّ تحريم النساء من زيارة القبور ـ استدلالا بهذا الحديث ـ غير صحيح، و ذلك لعدّة أُمور:

أوّل: إنّ كثيراً من العلماء يعتبرون هذا النهي نهي تنزيه و كراهة، و قد جاءت الكراهة لأسباب خاصّة بذلك الزمان، يشير إليها صاحب كتاب «مفتاح الحاجة في شرح صحيح ابن ماجة» فيقول:

«اختلفوا في الكراهة هل هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ ذهب الأكثر إلى الجواز إذا أمِنَت الفتنة».(2)

ثانياً: لقد مرَّ عليك ـ في حديث عائشة ـ أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رخصَّ في زيارة القبور.(3)

فلو كان الترخيص خاصّاً بالرجال لكان اللازم أن تذكر عائشة ذلك، خاصّة وأنّها من النساء، و من الطبيعي أنّ النساء كنَّ يتواجدن في مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكان كلّ مخاطَب يعتبر نفسه مشمولا للحكم إلاّ إذا صرَّح بالاستثناء.

ثالثاً: و قد مرَّ عليك أيضاً أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ علَّم عائشة ما ينبغي قوله عند زيارة القبور فلو كانت الزيارة محرمة عليها فما معنى هذا التعليم؟!(4) كانت عائشة تزور القبور بعد رسول اللّه. يروي الترمذي أنه لمّا مات عبدالرحمان بن أبي بكر ـ شقيق عائشة ـ في «الجُنْتى» حملوا جثمانه إلى مكّة و دفنوه فيها، و لمّا جاءت عائشة إلى


1. سنن ابن ماجة: 1/478، كتاب الجنائز الطبعة الأُولى بمصر.
2. حواشي سنن ابن ماجة: 1/114، طبعة الهند.
3. راجع الحديث رقم 3.
4. راجع الحديث رقم 4.


(108)

مكّة ـ من المدينة ـ خرجت لزيارة قبر أخيها و أنشدت بيتين من الشعرِ في رثائه.(1)

يقول شارح صحيح الترمذي ـ الحافظ ابن العربي المولود سنة 435 هـ و المتوفّى سنة 543 هـ ـ :

«الصحيح أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سمح للرجال و النساء بزيارة القبور، و الّذي يقول بالكراهة فإنّما هو بسبب جزعهنّ عند القبر و قلَّة صَبْرهنّ، أو لعدم رعايتهنّ للحجاب».

رابعاً: يروي البخاري عن أنس أنّه قال:

«مرَّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: إتّقي اللّه و اصبري.

قالت: إليك عنّي فإنّك لم تُصبْ بمصيبتي، و لم تعرفه.

فقيل لها: إنّه النبي! فأتت باب النبي... فقالت: لم أعرفك!

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّما الصبر عند الصدمة الأُولى».(2)

فإذا كانت زيارة القبور محرَّمة لنهاها النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن الزيارة، و لكنّك ترى أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أوصاها بالتقوى و الصبر عند المصيبة، و لم ينهاها عن زيارة المقابر.

خامساً: إنّ السيّدة فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت تخرج إلى زيارة قبر عمّها حمزة ـ في كلّ جمعة أو أقلّ من ذلك ـ و كانت تصلّي عند قبره وتبكي.(3)


1. سنن الترمذي: 4/275 كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور
2. صحيح البخاري: 2/79، كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
3. مستدرك الصحيحين: 1/377، وفاء الوفا: 2/112.


(109)

سادساً: يقول القرطبي:

«لم يلعن النبىّ ـ صلّى اللّه عليه (و آله) و سلّم ـ كلّ امرأة تزور القبور، بل لَعن المرأة الّتي تزور القبور دوماً و الدليل على ذلك قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «زوّارت القبور» و كلمة «زوّار» هي صيغة المبالغة، و تدلّ على الكرَّة و التكرار».(1)

و لعلّ العلَّة في لعن «زوّارات القبور» هي أنّ الإكثار منها يؤدّي إلى ضياع حقّ الزوج و يجرُّها إلى التبرّج المنهيِّ عنه، و يكون مصحوباً بالبكاء بصوت عال، ولكن لوكانت الزيارة خالية عن كلّ محذور فلا إشكال فيها أبداً، لأنّ تذكّر الموت و الآخرة ممّا يحتاج إليه الرجل و المرأة على السواء.

سابعاً: إنّ زيارة القبور ـ في الوقت الّذي تؤدّي إلى الزهد في الدنيا و زخارفها ـ تعود بالنفع على الميّت الراقد تحت أكوام التراب، إذ أنّ الزيارة ـ عادة ـ تكون مقرونة بتلاوة سورة الفاتحة و إهدائها إلى روح ذلك الميّت، و هذه الهديّة هي أفضل ما يقدّمه الإنسان الحىّ إلى روح فقيده الغالي.

يروي ابن ماجة عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:

«إقْرأوا «يس» عَلى مَوْتاكُمْ».(2)

فما هو الفرق بين الرجل و المرأة ـ من هذه الجهة ـ حتّى تكون زيارة أحدهما جائزة و الأُخرى محرَّمة، لو لا المحذورات الخاصّة المذكورة؟!

و الآن... و بعد أن ثبت جواز زيارة القبور، جاء دور التحدّث عن الآثار الحسنة و النتائج الإيجابية لزيارة مراقد أولياء اللّه الصالحين، و ذلك في الفصل القادم.


1. جاء في سنن أبي داود: «زائرات» بَدل «زوّارات».
2. سنن ابن ماجة: حديث 1448.


(110)


(111)

الفصل الخامس

النتائج البنّاءة

لزيارة قبور الشخصيّات الدينيّة

إنّ القبور الّتي تحظى باهتمام و احترام المؤمنين باللّه في العالم ـ و خاصّة المسلمين ـ هي في الغالب قبور حَمَلة الرسالات الإصلاحية الذين أدّوا مهمَّتهم على الوجه المطلوب.

و هؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

1ـ الأنبياء و القادة الدينيّون الذين حملوا على عاتقهم رسالة السماء و ضحّوا ـ من أجلها ـ بالنفس و المال و الأحباب، و تحمّلوا أنواع المتاعب و المصاعب من أجل هداية الناس.

2ـ العلماء و المفكّرون الذين كانوا كالشمعة تُحرق نفسها لتُضيء للآخرين، وقد عاش هؤلاء حياةَ الزهد و الحرمان، و قدَّموا للعالم البحوث القيّمة و التحقيقات الرائعة في مجالات العلم و الفكر والطبيعة و علوم الكون والمخلوقات و غير ذلك.

3ـ المجاهدون الثائرون الذين ضاقوا ذرعاً ممّا يعيشه المجتمع من الظلم


(112)

وسحْق الحقوق والتمييز العنصري أو القومي، فثاروا ضدّ الظلم و الطغيان و طالبوا بحفظ كرامة الإنسان و أداء حقوقه، و أقاموا صرح العدالة بدمائهم الغالية.

إنّ أيَّة ثورة أو تغيير اجتماعي لا يقدَّر له النجاح إلاّ بدفع الثمن، و إنّ ثمن الثورة الّتي تستهدف تدمير قصور الظالمين و خنْق أنفاسهم هو الدماء الزكيّة الّتي يُضحّي بها المقاتلون الأبطال لإعادة الحقّ و الحرية إلى الوطن الإسلامي.

إنّ الناس يزورون قبور هؤلاء و يذرفون عندها الدموع، و يتذكّرون بطولاتهم وتضحياتهم، و يُسعدون أرواحهم بتلاوة آيات من القرآن الحكيم هدية إليهم، و يُنشدون قصائد في مدحهم وثنائهم وتقدير مواقفهم المشرِّفة.

إنّ زيارة مراقد هذه الشخصيّات هي نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم، و إعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحقّ و الهدى و الفضيلة و الدفاع عن المبدأ والعقيدة.

إنّ جزاءهم هو خلود الذكر، الذكر الحسن و الثناء الجميل، بالرغم من مرور الزمان على رحيلهم.

من هنا نعرف ضرورة إحياء ذكريات الشخصيّات الدينية، و على هذا الأساس ينبغي العمل على إبقاء ذكرياتهم حيَّة ساخنة، و المحافظة على آثارهم، و إقامة المهرجانات في ذكرى مواليدهم و الحداد و الحفلات التأبينية في ذكرى وفاتهم، و عقد المجالس و الاجتماعات الكبرى، و إلقاء الخطب المفيدة، و تعريف الناس على تلك الشخصيات الراقية و على معتقداتهم الّتي ضحّوا من أجلها، و احترام مراقدهم و تجنُّب كلَّ ما يمسّ بكرامتها، لأنّ احترام قبورهم احترامٌ لرسالاتهم وعقائدهم، كما أنّ أىّ نوع من الإهانة و التحقير تجاه مراقدهم هو في الحقيقة إهانة لرسالاتهم وتحقير لشخصيَّتهم.


(113)

في هذه الأيام عندما يدخل الإنسان مقبرة البقيع لزيارة قبور آل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقبور قادة الإسلام و حماة الدين و الصحابة، يرى تلك القبور في حالة يُرثى لها من الإهانة و التصغير، ممّا يهتزّ له الضمير و تأخذه الدهشة من قساوة قلوب الزمرة الوهّابيّة الّتي تدَّعي حماية الإسلام وصيانته، حيث إنّهم ـ من جانب ـ يذكرون الصحابة بالخير و التمجيد و يثنون عليهم على المنابر، ومن جانب آخر يتركون قبورهم عارية عن كلّ احترام و تكريم. و في حالة فظيعة من الإهانة والإهمال، و لا يُبالون حتّى لو أفسدت الحيوانات أطراف قبورهم!!!

أمّا لفظة «الشِّرك» و «المشرك» فهي الهديَّة الوحيدة الّتي يُقدّمها الوهّابيّون إلى الحجاج والزائرين، يرمونهم بهذه الكلمات، لأنّ المسلمين يُعظّمون قادة الدين و يُمجدّون أولياء اللّه الصالحين، فكأنّ الوهّابيّين يُضمِرون الحقد و البغضاء لأولياء اللّه و قادة دينه.

و الآن جاء دور التحدّث عن زيارة مرقد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على ضوء الأدلَّة الإسلامية:

زيارة قبر الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

فيما يلي نستعرض بعض الآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة الّتي تدعو إلى زيارة قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و نرجو من القارئ المزيد من التوجّه و الانتباه.


(114)

شهادة من القرآن

إنّ القرآن الكريم يأمر المذنبين بأن يحضروا عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يسألوه أن يستغفر اللّه لهم، لأنّ دعاء النبي يُستجاب فيهم، فيقول عزَّوجلَّ:

(... وَ لَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ و اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَحيماً )(1)

لو كانت هذه الآية هي الوحيدة في هذا المجال، لذهبنا إلى القول بأنّها خاصَّة بحياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و فترة تواجده بين الناس، و لكننا نستخلص حكماً عامّاً شاملا لا يحدّه بالحياة الدنيوية وذلك من خلال ما يلي:

أوّلا: إنّ القرآن الكريم يُصرّح بحياة الأنبياء و الأولياء ـ و جماعات أُخرى ـ في البرزخ(2)ويعتبرهم مُبصرين و سامعين في ذلك العالم، و سوف نشير إلى تلك الآيات عند التحدُّث عن التوسّل بالأرواح المقدَّسة.

ثانياً: إنَّ الأحاديث الشريفة تُصرّح بأنّ الملائكة تُبلّغ خاتم الأنبياء ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سلامَ مَن يُسلِّم عليه، فقد جاء في الصحاح:

«إنَّ رَسُولَ اللّه قالَ: ما مِنْ أحَد يُسَلِّمُ عَلىَّ إلاّ رَدَّ اللّهُ عَلىَّ رُوحي حتى أرُدَّ  ـ عليه السلام ـ  ».(3)

و قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«صَلُّوا عَلَىَّ فَإنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغني حَيْثُ كُنْتُمْ».(4)


1. النساء: 64.
2. البرزخ: الحياة بعد الموت إلى يوم القيامة.
3. سنن أبي داود: 1/470ـ471، كتاب الحج، باب زيارة القبور .
4. التاج الجامع للأُصول في أحاديث الرسول بقلم الشيخ منصور علي ناصف 2/189.


(115)

ثالثاً: إنّ المسلمين ـ منذ ذلك اليوم ـ فهموا من هذه الآية معنى مطلقاً لا ينتهي بموت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى أنّ بعض الأعراب ـ بوحي من أذهانهم الخالصة من كلّ شائبة ـ كانوا يقصدون قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يزورونه و يتلون آية:(ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءُوك....)عند قبره المقدَّس و يطلبون منه الاستغفار لهم.

و قد ذكر تقىّ الدين السبكي في كتاب «شفاء السقام» و السمهودي في كتاب «وفاء الوفا» نماذج من زيارة المسلمين لقبر رسول اللّه و تلاوة هذه الآية عند قبره الشريف، و فيما يلي نذكر بعض تلك النماذج:

روى سفيان بن عنبر عن العتبي ـ و كلاهما من مشايخ الشافعي و أساتذته ـ أنّه قال: كنتُ جالساً عند قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فجاء أعرابي فقال:

«السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسولَ اللّه، سَمِعْتُ اللّه يَقُولُ: (وَ لَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاستَغْفَرُوا اللّهَ و اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً) وَ قَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِراً مِنْ ذَنْبي، مُسْتَشْفِعاً بِكَ إلى رَبّي».

ثم بكى و أنشأ يقول:

يا خيرَ من دُفنت في القاع أعظمُهُ * فطاب مِن طيبهنّ القاع و الأكُمُ
نفسي الفداء لقبر أنتَ ساكنُه * فيه العفافُ و فيه الجودُ و الكَرمُ

ثم استغفر و انصرف. (1)


1. وفاء الوفا: 4/1361; الدرر السّنيّة; لأحمد دحلان ; 21.

(116)

و يروي أبو سعيد السمعاني عن الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ أنّ أعرابياً جاء بعد ثلاثة أيام من دفن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فرمى بنفسه على القبر الشريف و حثا من ترابه على رأسه و قال:«يا رسولَ اللّه قلتَ فسمعنا قولك، و وَعيتَ عن اللّه ما و عَينا عنك، و كان فيما أنزله عليك: (وَ لَو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم...) و قد ظلمتُ نفسي و جئتك تستغفرلي إلى ربي».(1)

إنّ كلَّ هذا يدلّ على أنّ المنزلة الرفيعة الّتي مَنحها اللّه تعالى لحبيبه المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما صرَّحت بها هذه الآية ليست خاصّة بحياته، بل تؤكّد على أنّها ثابتة له بعد وفاته أيضاً.

و بصورة عامّة... يَعتبر المسلمون كلّ الآيات النازلة في تعظيم رسول اللّه و احترامه، عامّة لحياته و بعد مماته، و ليس هناك مَن يُخصِّصها بحياته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

و قد جاء في التاريخ: لمّا استُشهد الإمام الحسن بن علي ـ عليه السلام ـ وجيء بجثمانه الطاهر إلى مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ظنّ بنو أُميَّة أنّ بني هاشم يريدون دفن الإمام بجوار قبر جدّه المصطفى، فأثاروا الفتنة و الضجَّة للحيلولة دون ذلك، فتلا الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ قوله تعالى:

(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبي...)(2).

و لم يردَّ عليه أحد ـ حتى من الأُموييّن ـ بأنّ هذهِ الآية خاصةً بحياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


1. الجوهر المنظَّم: لابن حجر، و ذكره السمهودي في وفاء الوفا: 2/612، و دحلان في الدرر السّنيّة: 21.
2. الحجرات: 2.


(117)

و اليوم ترى الوهّابيّين قد نَصبوها على الجدار المقابل لقبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، و هم يقصدون بذلك المنع من رفع الأصوات هناك.

من هذا المنطلق يمكننا أن نستنتج من هذه الآية معنى واسعاً عامّاً، و هو أنّ للمسلمين اليوم أن يَقِفوا أمام قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يسألوه أن يستغفر اللّه لهم.

و ليس لزيارة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معنىً سوى ما تضمّنته هذه الآية و أمثالها. إنّ هذه الآية تدلّ على موضوعين هما:

1ـ إنّ للإنسان أن يقف عند قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته و يسأله أن يستغفر اللّه له. وسندرس هذا الموضوع مفصّلا في فصل قادم حول «التوسّل بأولياء اللّه» إن شاء اللّه تعالى.

2ـ إنّ هذه الآية تشهد على جواز زيارة قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، لأنّ حقيقة الزيارة لا تعني سوى «حضور الزائر عند المزور» فإذا كان الوقوف عند قبر النبي وسؤاله أن يستغفر اللّه لنا جائزاً فقد تحقَّق أمران:

1ـ سألناه أن يستغفر اللّه لنا.

2ـ حضرنا عنده و تحدَّثنا إليه، و الزيارة ليست إلاّ هذا.

استدلالٌ آخر

إنّ إجماع المسلمين على حُكم من الأحكام الشرعية في العصور المختلفة يُعتبر أوضح دليل على صحة ذلك الحكم و ثباته، و زيارة قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هي من مصاديق هذه القاعدة، و تظهر لنا حقيقة الأمر لو راجعنا كتب الحديث و الفقه والأخلاق و التاريخ، و خاصّة «مناسك الحج» فيها.


(118)

و قد ذكر المرحوم العلاّمة الأميني استحباب زيارة قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من اثنين و أربعين مصدراً من المصادر العلمية الإسلامية، و قد أورد في كتابه الغدير ـ ج 5 ص 106 إلى 129 ـ النصوص و العبارات الخاصّة بهذا الموضوع بدقَّة متناهية، و من الكتب الّتي اعتمدنا عليها في هذا المجال هي كالآتي:

1ـ «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» بقلم تقىّ الدين السبكي الشافعي المتوفّى سنة 706 هـ ، و قد ذكر في كتابه هذا جملة من كلمات العلماء في استحباب الزيارة استحباباً مؤكّداً.

2ـ «وفاء الوفا» بقلم السمهودي ـ المتوفّى 911 هـ ، و قد ذكر فيه أيضاً كلمات العلماء في استحباب الزيارة.

3ـ «الفقه على المذاهب الأربعة» تأليف أربعة من علماء المذاهب الأربعة، و قد جمعوا فيه فتاوى أئمة المذاهب الأربعة المشهورة عند السنَّة يقول هؤلاء:

«زيارة قبر النبىّ أفضل المندوبات، و رَدَ فيها أحاديث».(1)

و الآن... حان الوقت لذكر بعض الأحاديث الّتي رواها المحدّثون حول زيارة قبر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

الأحاديث الشريفة حول زيارة قبر الرسول

إنّ الأحاديث الشريفة ـ الّتي رواها المحدّثون من أهل السنّة ـ حول زيارة الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على حدٍّ تُغنيناً عن التحقيق في سَندها و رُواتها، بسبب كثرتها


1. الفقه على المذاهب الأربعة: 1/590.

(119)

و تواترها، و قد سجّلها الحفّاظ ـ من جميع المذاهب الإسلامية ـ في كتبهم وصحاحهم، و هي بمجموعها تدلّ على أنّ زيارة قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت من المستحبّات الثابتة لديهم، و لو أردنا أن نذكر كلّ تلك الأحاديث لطال بنا المقام، و نكتفي بذكر بعضها فيما يلي:

1ـ عن عبداللّه بن عمر: أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

«مَنْ زارَ قَبْري وَجَبَتْ لَهُ شَفاعَتي».

جاء هذا الحديث في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 590، و قد أفتى علماء المذاهب الأربعة وفقاً لهذا الحديث، وللاطّلاع على مصادره راجع كتاب وفاء الوفا ج 4 ص 1336.

و ممّا لا شكّ فيه أنّ حديثاً يرويه الحفّاظ و العلماء منذ منتصف القرن الثاني الهجري حتّى هذا اليوم لا يمكن أن يكون مُزوَّراً لا أساس له.

و قد تناول الشيخ تقيّ الدين السبكي البحث عن هذا الحديث و أسناده و رواته في كتابه القيّم: شفاء السقام(1) و أثبت صحة هذا الحديث و صوابه.

2ـ قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَنْ جاءني زائِراً (لا تَحْمِلُهُ) إلاّ زيارَتي، كانَ حَقاً عَلَىَّ أنْ أكُونَ شَفيعاً لَهُ يَوْمَ الْقِيامَة».

و قد ذكر هذا الحديث ستة عشر حافظاً و مُحدِّثاً في كتبهم، و قد تحدَّث تقي


1. ص 3ـ11، و هذا الكتاب هو خير ما كُتب مِن أهل السُّنة ضدّ ابن تيميّة حول تحريمه السفر لزيارة قبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله.

(120)

الدين السبكي ـ في كتابه المشار إليه ـ حول أسناده و رواته، و كذلك ذكره السمهودي في كتابه وفاء الوفا ج 4 ص 1340.

3ـ قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَ لَمْ يَزرْني فَقَدْ جَفاني».

و قد روى هذا الحديث تسعة من كبار الشيوخ و حفّاظ الحديث، و ذكرهم بالتفصيل السمهودي في كتابه وفاء الوفا ج 4 ص 1342.

4ـ قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَن حَجَ فَزارَ قَبْري بَعْدَ وفاتي كانَ كَمَنْ زارَني في حَياتي».

و قد روى هذا الحديث خمسة وعشرون شخصاً من أشهر المحدّثين و الحفّاظ في كُتبهم ومؤلّفاتهم، و قد تحدّث تقىّ الدين السبكي في كتابه المذكور حول سَند هذا الحديث، كما ذكره السمهودي في كتابه ج 4 ص 1340.

5ـ قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«من زار قبري (أو: من زارني) كُنتُ له شفيعاً»

و قد روى هذا الحديث ثلاثة عشر من المحدثين و الحفّاظ، و ذكرهم السمهودي في كتابه ج 4 ص 1347 .

6- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَنْ زارَني بَعْدَ مَوْتي فَكَأَنَّما زارَني في حَياتي».

كانت هذه نماذج من الأحاديث الكثيرة الّتي رويت عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في دعوة الناس إلى زيارة قبره الشريف و التحريض عليها، و قد أحصى المرحوم الشيخ


(121)

الأميني ـ في كتاب الغدير ـ اثنين و عشرين حديثاً حول هذا الموضوع، و ذكر السمهودي ـ في كتابه ج 4 ص 1336 ـ سبعة عشر حديثاً و تحدَّث عن أسنادها و رواتها بما لا مزيد عليه.

فإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد دعا الناس إلى زيارة قبره الشريف، فإنّما هو لما فيها من النتائج والآثار و الفوائد المادّية و المعنويّة المقرونة بزيارته و زيارة سائر الشخصيات الدينية.

إنّالمسلمين بسبب زيارة قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتعرِّفون على مركز الإسلام و على الحوادث الّتي حدثت و تحدث فيه، و من هناك يكتسبون العلوم و المعارف الإسلامية و يحملونها معهم إلى أطراف الكرة الأرضية.

أدلَّة الوهّابيّين على حرمة السفر لزيارة القبور

إنّ الوهّابيّين ـ على ما يبدو ـ يُجوّزون أصل الزيارة، ولكنّهم يحرّمون السَّفر بهدف الزيارة.

يقول محمّد بن عبدالوهّاب ـ في الرسالة الثانية من رسائل الهديَّة السنيّة ـ :

«تُسنُّ زيارة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ أنّه لا يُشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد و الصلاة فيه».

و الدليل الّذي يتمسّكون به في تحريم الزيارة هو الحديث المروىّ عن أبي هريرة!! أنّه قال: قال رسول اللّه:

«لا تُشَدُّ الرحال إلاّ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مَسْجِدي هذا وَ مَسْجِدِ الْحَرامِ وَمَسْجِد الأقصى».

و روي هذا الحديث بصورة أُخرى، و هي:


(122)

«إنَّما يُسافَرُ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَ مَسْجدي وَ مَسْجِدِ إيلِيا».

و روي أيضاً بصورة ثالثة، و هي:

«تُشَدُّ الرِّحالُ إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ...».(1)

لا شك في وجود هذا الحديث في الصحاح، و لسنا الآن في مقام مناقشة الحديث، لكون أبي هريرة في طريقه، بل مقصودنا هو مفاد الحديث.

و لنفرض أنّ نصّ الحديث هو: «لا تُشَدُّ الرحال إلاّ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ...» فمن الثابت أنّ «إلاّ» هي أداة استثناء و لابدّ من وجود المستثنى منه، و يجب تحديده، و بما أنه مففقود في النصّ فلابدّ من تقديره في الكلام، و قبل الأشارة إلى القرائن الموجودة يمكن تقدير المستثنى منه في صورتين:

1ـ لا تُشَدُّ إلى مَسْجِد مِنَ الْمَساجِد إلاّ ثَلاثة مَساجِد...

2ـ لا تُشَدُّ إلى مَكان مِنَ الأمْكِنَة إلاّ ثَلاثَة مَساجد...

إنّ فهم الحديث و الوقوف على معناه يتوقّف على ثبوت أحد هذين التقديرين، فإن اخترنا التقدير الأول كان معنى الحديث عدم شدّ الرحال إلى أىّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، و لا يعني عدم جواز شدّ الرحال إلى أىّ مكان حتّى لو لم يكن مسجداً.

فلا يشمل النهي مَن يشدّ الرحال لزيارة قبور الأنبياء و الأئمة الطاهرين و الصالحين، لأنّ موضوع البحث هو شدّ الرحال إلى المساجد ـ باستثناء المساجد


1. أورد مسلم هذه الأحاديث الثلاثة في صحيحه: 4/126، كتاب الحج، باب لا تشدّ الرحال ; و ذكره أبو داود في سننه 1/469، كتاب الحج ; و كذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي: 2/37 ـ 38.

(123)

الثلاثة المذكورة ـ و أمّا شدّ الرحال إلى زيارة المشاهد المشرّفة فليس مشمولا للنهي و لا داخلا في موضوعه.

هذا على التقدير الأوّل.

و أمّا على التقدير الثاني فلازمُه أن تكون كافّة السفرات المعنويّة ـ ما عدا السفر إلى المناطق الثلاث المذكورة ـ محرَّمة، سواء أكان السفر من أجل زيارة المسجد أو زيارة مناطق أُخرى.

ولكن القرائن و الدلائل تُشير إلى أنّ التقدير الأوّل هو الصحيح، بناءً على صحة سَند الحديث و اعتباره.

أما القرائن على صحة التقدير الأوّل فهي كالآتي:

أوّلا: لأنّ المساجد الثلاثة هي المستثناة، و الاستثناء هنا متّصل ـ كما هو واضح ـ فلابدّ أن يكون المستثنى منه هو: المساجد لا المكان.(1)

ثانياً: لو كان الهدف هو منع كافَّة السفرات المعنويَّة لما صحَّ الحصر في هذا المقام، لأنّ الإنسان يشدّ الرحال في موسم الحجّ للسفر إلى «عرفات» و «المشعر» و «منى» فلو كانت السفرات الدينية ـ لغير المساجد الثلاثة ـ محرَّمة، فلماذا يُشدّ الرحال إلى هذه المناطق؟!

ثالثاً: لقد أشار القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة إلى بعض الأسفار الدينية، و جاء التحريض عليها و الترغيب فيها، كالسفر من أجل الجهاد في سبيل اللّه و طلب


1. لو قال قائل: ما جاء إلاّ زيد، فالمستثنى منه ـ في هذا الجملة ـ هو: الانسان أو القوم أو ما شابه ذلك، و ليس المستثنى منه كلمةُ عامّة كالشيء و الموجود، سواء كان إنساناً أو غيره.

(124)

العلم وصلة الرحم و زيارة الوالدين و ما شابه ذلك. فمن ذلك قوله تعالى:

(...فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ اِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).(1)

و لهذا فقد فسَّر كبار الباحثين و المحقّقين الحديث المذكور بما أشرنا إليه، فمثلا يقول الغزالي ـ في كتاب إحياء العلوم ـ :

«القسم الثاني و هو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجٍّ أو جهاد... و يدخل في جملته: زيارة قبور الأنبياء ـ عليهم السلام ـ و زيارة قبور الصحابة و التابعين و سائر العلماء و الأولياء، و كلّ من يُتبرَّك بمشاهدته في حياته يُتبرّك بزيارته بعد وفاته، و يجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، و لا يَمنع من هذا قولهُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا تُشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، و المسجد الحرام و المسجد الأقصى» لأنّ ذلك في المساجد، فانّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، و إلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء و الأولياء و العلماء في أصل الفضل، و إن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه».(2)

وعلى ضوء هذا فالمنهىَّ عنه ـ في هذا الحديث ـ هو شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، من المساجد الأُخرى، و لا علاقة له بالسفر للزيارة أو لأهداف معنويَّة أُخرى.

و في الختام لابدّ من الأشارة إلى أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما قال: «لا تُشدّ الرحال


1. التوبة: 122.
2. كتاب إحياء علوم الدين للغزالي: 2 / 247، كتاب آداب السفر، طبعة دار المعرفة بيروت; الفتاوى الكبرى: 2/24.


(125)

إلاّ إلى ثلاثة مساجد...» فإنّه لا يعني أنّ شدَّ الرحال إلى المساجد الأُخرى حرام، بل معناه أنّ المساجد الأُخرى لا تستحقّ شدّ الرحال إليها، و تحمّل مشاق السفر من أجل زيارتها، لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف ـ من حيث الفضيلة ـ مع الآخر اختلافاً كبيراً.(1) فالمسجد ـ سواء كان في المدينة أو في القرية أو في المنطقة ـ لا يختلف مع الآخر فثواب اقامة الصلاة في المسجد الجامع في أي بلد من البلاد واحد، فلا ملزم للسفر عندئذ لاقامة الصلاة في جامع مثله ، وعليه فلا داعي إلى أن يشدّ الإنسان الرحال إليه، أمّا إذا شدّ الرحال إليه فليس عمله هذا حراماً و لا مخالفاً للسُّنَّة الشريفة.

و يدلّ عليه ما رواه أصحاب الصحاح و السُّنن:

«كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يأتي مسجد قُبا راكباً وماشياً فيصلّي فيه ركعتين».(2)

ولنا أن نتساءل: كيف يمكن أن يكون شدّ الرحال و قطع المسافات من أجل إقامة الصلاة ـ مخلصاً للّه ـ في بيت من بيوته سبحانه حراماً و منهياً عنه؟!!


1. إلاّ مسجد الكوفة فقد ورد في فضله أحاديث كثيرة و لا يخفى أن المساجد الأُخرى تختلف في الفضيلة ـ كمسجد السوق و القبيلة لكن النهي انما هو السفر من مسجد الى مسجد مثله دون السفر من مسجد القبيلة الى جامع البلد.
2. صحيح مسلم: 4 / 127. و راجع في هذا المعنى صحيح البخاري: 2 / 76، السُّنن للنسائي المطبوع مع شرح السيوطي: 2 / 37.


(126)


(127)

الفصل السادس

إقامة الصلاة و الدعاء

عند قبور الأولياء

من المسائل الّتي يُثيرها الوهّابيّون كثيراً ـ في كتبهم و غيرها ـ هي إقامة الصلاة و الدعاء عند قبور أولياء اللّه الصالحين و إضاءة المصابيح عندها.

يقول مؤسّس الوهّابيّة في رسالة «زيارة القبور»:

لم يذكر أحدٌ من أئمة السَّلف أنّ الصلاة عند القبور و في مَشاهدها مستحبّة، و لا أنّ الصلاة و الدعاء هناك أفضل، بل اتفقوا كلّهم على أنّ الصلاة في المساجد و البيوت أفضل منها عند قبور الأولياء و الصالحين.(1)

و جاء في الجواب المنسوب إلى علماء المدينة:

«أمّا التوجّه إلى حجرة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند الدعاء فالأولى منعه، كما هو معروف من معتبرات كتب المذهب، و لأنّ أفضل الجهات جهة القبلة».

و قد تجاوزت هذه المسألة ـ على مرِّ الزمان ـ مرحلة المنع إلى مرحلة الشِّرك


1. زيارة القبور: 159ـ160.

(128)

حتّى أنّهم اليوم يعتبرون ذلك شركاً، و كلّ من يفعل ذلك مشركاً!!!

أقول: ممّا لا شكَّ فيه أنّ الصلاة لصاحب القبر و عبادته، أو جعله قبلة في الصلاة يُعتبر شركاً، و لكن ليس على وجه الأرض مسلم يفعل ذلك عند قبور الأنبياء و الأولياء، فليس هناك ـ في الحقيقة ـ من يعبد صاحب القبر أو يتوجَّه إليه في الصلاة، لهذا فإنّ فكرة الشرك هذه ليست سوى وهماً وخيالا يتخبَّط فيه الوهّابيّون.

إنّ هدف المسلمين من إقامة الصلاة و الدعاء عند قبور الأولياء هو التبرُّك بذلك المكان الّذي احتضن حبيباً من أحبّاء اللّه، فهم يعتقدون أنّ ذلك المكان يَتَمَتَّع بمنزلة سامية لكونه يضمّ جسدَ عزيز من أعزّاء اللّه، و لذلك فالصلاة و الدعاء هناك يعود بثواب أكثر على فاعله.

و السؤال الّذي تجب الأجابة عليه هو: هل دفن الأولياء في مكان ما، يمنح قدسيَّة خاصّة لذلك المكان أم لا؟

فإنْ ثبت ذلك ـ بدليل من القرآن أو الأحاديث ـ كانت إقامة الصلاة و الدعاء عند مراقد قادة الإسلام مستحبّة و مقرونة بثواب أكثر، و حتّى لو لم يثبت ذلك فلا يمكن القول بحرمة الصلاة والدعاء في ذلك المكان، بل يكون كسائر الأماكن الأُخرى الّتي يجوز فيها إقامة الصلاة و الدعاء حتّى لو لم تتمتع بأيّة فضيلة.

فحديثنا الآن يدور حول هذا الموضوع بالذات، هل أنّ لمشاهد الأولياء و مدفنهم شرفاً وفضيلة خاصّة؟

و هل هناك ما يدلّ عليه في القرآن أو الأحاديث؟

الجواب فيما يلي:


(129)

1ـ في قصّة أصحاب الكهف، سبق أن ذكرنا بأنّ المؤمنين الموحّدين قالوا ـ في شأن مدفنهم:

(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).

إنّ الهدف الّذي دعاهم إلى اتخاذ مدفنهم مسجداً إنّما كان من أجل أداء الفرائض الدينية فيه.(1)

إنّ هؤلاء كانوا يتفكّرون: إنّ هذا المكان صار ذا كرامة و شرف بسبب احتضانه لأجساد مجموعة من عباد اللّه الصالحين، و لذا لابدَّ من التبرّك به باتّخاذه مسجداً للصلاة و العبادة للّه سبحانه، لِنَيل الثواب الأكثر.

إنّ القرآن الكريم يذكر هذا الموضوع عن أُولئك الموحّدين من دون أىّ ردّ أو نقد، بل بسكوت تامّ، و لوكان عملهم هذا خلافاً للشريعة أو نوعاً من الشرك لما سكت القرآن عنهم، بل ردّ عليهم، كما هو شأنه في المعتقدات الباطلة.

2ـ إنّ القرآن الكريم يأمر حُجّاج بيت اللّه الحرام بأن يقيموا الصلاة عند مقام إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ و هي الصخرة الّتي وقف عليها إبراهيم لبناء الكعبة ـ فيقول سبحانه:

(... وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلّى...)(2).

إنّ كلَّ من يتلو هذه الآية يفهم منها ـ بوضوح ـ أنّ الصلاة هناك إنّما وجبت بسبب مقام النبىّ إبراهيم، و أنّ مقام إبراهيم هو الّذي منح الفضيلة و الكرامة لذلك


1. يقول الزمخشري ـ في تفسير الكشاف، في تفسير الآية ـ: يصلّي فيه المسلمون و يتبرَّكون بمكانهم. و يقول النيشابوري أيضاً: يصلّي فيه المسلمون و يتبرّكون بمكانهم.
2. البقرة: 125.


(130)

المكان، و ترى ملايين المسلمين يتَّخذون من مقام إبراهيم مكاناً للصلاة و الدعاء.

فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى مقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ ألا ينبغي أن يكون كذلك بالنسبة إلى مثوى رجال اللّه وقادة الإسلام؟!

ألا تكون الصلاة عند مراقدهم أفضل من الأماكن الأُخرى؟!

صحيح أنّ الآية قد نزلت بشأن مقام إبراهيم الخليل، ولكن: ألا يمكن أن نستنتج منها حُكماً عامّاً؟!

لقد سأل المنصور العبّاسي «الدوانيقي» مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ و هما في مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: يا أبا عبداللّه أستقبل القبلة و أَدعوا أم أستقبل رسول اللّه؟

فقال مالك: لِمَ تصرف وجهك عنه و هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة؟! بل استقبله و استشفِع به فيشفِّعك اللّه.(1)

يستفاد من هذا الحوار أنّ الدعاء عند قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان خالياً من أىّ إشكال، و كانت الغاية حسب السؤال عن الأرجحية و أنّ ايّة منها أرجح فأفتى مالك بن أنس بأنّ التوجّه إلى قبر الرسول كالتوجُّه إلى القبلة.

3ـ لو راجعنا أحاديث المعراج لانكشفت لنا هذه الحقيقة بصورة أكثر، حيث جاء فيها أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في رحلة المعراج نزل في «المدينة» و «طور سيناء» و «بيت لحم» و صلّى فيها، فقال له جبرئيل: يا رسول اللّه أتعلم أينَ صلَّيت؟ إنّك صلّيت في «طيبة» و إليها مُهاجرتك، و صلَّيت في «طور سيناء»


1. وفاء الوفا: 4 / 1376.

(131)

حيث كلَّم اللّه موسى تكليماً، و صلّيت في «بيت لحم» حيث وُلد عيسى.(1)

يستفاد من هذا الحديث أنّ الصلاة محبوبة في بقعة لامستْ جسد أحد الأنبياء، و أنّ تلك البقعة إنما اكتسبت القدسيّة و الشرف بسبب ذلك النبىّ.

4ـ لقد بلغت «هاجر» أُمّ إسماعيل بن الخليل مرتبة عالية عند اللّه تعالى بسبب صبرها و تحمّلها المتاعب في سبيله سبحانه، ممّا أدّى إلى أنْ جَعل اللّه موضع أقدامها محلاّ للعبادة و أوجب على حجّاج بيته الحرام أن يسعوا كما سعت هاجر بين جَبلَي الصفا و المروة. وهذا ما يعترف به ابن القيّم تلميذ ابن تيميّة.(2)

و نتساءل: إذا كان صبر «هاجر» على المكاره و تحمّلها المتاعب في سبيل اللّه تعالى قد مَنَحَ الكرامة لموضع أقدامها، و أوجب اللّه على المسلمين أن يعبدوه سبحانه في ذلك المكان بالسعي بين الصفاو المروة، فلماذا لا يكون قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مباركاً و مقدَّساً، في حين أنه تحمَّل أنواع المصاعب و المصائب و المكاره من أجل إصلاح المجتمع و إرشاده؟

5ـ إذا كانت الصلاة عند القبر محرَّمة في الشريعة الإسلامية، فلماذا قضت عائشة عُمرها وحياتها بالصلاة في البيت الخاصّ بها عند قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟!

إنّ معنى قول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على فرض صحة الحديث: «لعن اللّه اليهود و النصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(3) هو أنّهم كانوا يعبدون أنبياءهم


1. الخصائص الكبرى لعبد الرحمن السيوطي: 1/154.
2. كتاب جلاء الأفهام في الصلاة و السلام على خير الأنام: 228.
3. السُّنن للنسائي: 4 / 96، طبع بيروت.


(132)

و يسجدون على قبورهم، أو يجعلون قبورهم قبلة لهم. و كلا الأمرين مخالفان للشريعة المقدَّسة.

ولكنّ الوهّابيّين يستدلّون بهذا الحديث على حرمة الصلاة عند قبور أولياء اللّه سبحانه، وقد عرفت أنّ السيد عائشة ـ راوية هذا الحديث ـ قضت ما يقرب من خمسين عاماًمن عمرها بالصلاة و العبادة في البيت الّذي دُفن فيه الرسول؟!

6ـ لو لم تكن لقبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ القدسيَّة و الشرف، فلماذا أصرَّ أبوبكر و من بعده عُمر على أن يُدفنا بجوار قبره الشريف؟!

و لماذا أوصى الإمام الحسن بن علي ـ عليه السلام ـ بأن يُدفن عند قبر جدّه المصطفى فإن حال الأعداء دون ذلك فليدفن في البقيع؟!

و أيَّة علاقة بين هذا الحديث و سيرة المسلمين القائمة على الصلاة للّه باتجاه القبلة بجوار قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لدرْك المزيد من الثواب و الفضيلة؟!

7ـ إنّ السيّدة فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ الّتي رُوي عن النبي في أحاديث صحيحة أنَّ رضاها هو رضى اللّه و رسوله و أنَّ غضبها هو غضب اللّه و رسوله(1) ـ كانت تزور قبر عمّها حمزة في كلّ جمعة ـ أو في الاسبوع مرَّتين ـ و كانت تبكي و تصلّي عند قبره. يقول البيهقي:

«كانَتْ فاطِمَة ـ رضي اللّه عنها ـ تَزُور قَبْرَ عَمِّها حَمْزَة كُلَّ جُمْعَة، فَتُصَلّي وَ تَبْكي عِنْدَهُ».(2)


1. لاحظ صحيح البخاري: 5/21، باب مناقب قرابة رسول اللّه .
2. سُّنن البيهقي: 4 / 78، مستدرك الصحيحين للحاكم: 1 / 377.


(133)

أيّها القارئ الكريم: إنّ هذه الأدلّة ـ بمجموعها و بالإضافة إلى سيرة المسلمين الجارية على الصلاة و الدعاء في الأماكن الّتي دُفن فيها أولياء اللّه و أحبّاؤه ـ تؤكّد أنّ الصلاة و الدعاء عند هذه المراقد تمتاز بفضيلة أكثر و ثواب أكبر، و أنّ الهدف إنما هو التبرُّك بذلك المكان المبارك و أداء الفريضة فيها لرجاء القبول من اللّه سبحانه.

و لو فرضْنا عدم وجود دليل ـ من القرآن و الأحاديث ـ على شرافة هذه الأمكنة و فضيلة الصلاة و الدعاء فيها، فلماذا تكون الصلاة محرَّمة فيها؟!

و لماذا لا تدخل هذه الأماكن ضمن إطار القانون الإسلامي العام الّذي يعتبر الأرض كلّها محلاّ لعبادة اللّه، حيث يقول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«جُعلت لي الأرض مسجداً و طهورا»؟(1).

الإضاءة عند القبور

إنّ مسألة الإضاءة عند قبور أولياء اللّه ـ و الّتي يدّعي الوهّابيّون حرمتها ـ ليست ذات أهميّة كبرى، لأنّ الدليل الوحيد الّذي يستدلّون به هو ما ذكره النسائي عن ابن عبّاس أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لعن زائرات القبور و المتّخذين عليها المساجد والسُّرُج(2).

و هذا الحديث ـ و أمثاله ـ يختصّ بما إذا كانت الإضاءة تضييعاً و تبذيراً للمال أو تشبُّهاً ببعض الأُمم و الشعوب و الأديان الباطلة، كما أشار إليه العلاّمة السندي في شرحه على هذا الحديث ـ حيث قال:


1. صحيح البخارى: 1 / 91، مسند أحمد بن حنبل: 2 / 222 و غيرهما.
2. السُّنن للنسائي: 3 / 77.


(134)

«و النهيُ عنه لأنّه تضييعُ مال بلا نفع».(1)

و أمّا إذا كان الهدف من الإضاءة و الإنارة هو تلاوة القرآن و الدعاء و التضرُّع إلى اللّه و إقامة الصلاة و غيرها من المستحبّات و الواجبات و المنافع المشروعة فهذا ممّا لا إشكال فيه قطعاً، بل أنّ الإضاءة في هذه الأماكن و لهذه الأهداف مصداق لقوله تعالى:

(... وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى...)(2).

فكيف تكون حراماً؟!

بل لا شكّ أنّ الإضاءة عندئذ مستحبّة شرعاً و محبوبة عقلا.


1. السُّنن للنسائي: 3 / 77، طبعة مصر، و 4 / 95 طبعة بيروت; شرح الجامع الصغير: 2 / 198.
2. المائدة: 2.


(135)

الفصل السابع

التوسُّل بأولياء اللّه

يُعتبر التوسّل بأولياء اللّه و أحبّائه من المسائل المعروفة بين المسلمين في كافة أنحاء العالم، و قد وَرَدَت أحاديث كثيرة في جوازه و استحبابه، فهو ليس ظاهرة غريبة، بل هو أمرٌ ديني تَعارَفَ عليه المسلمون منذ فجر الإسلام حتّى هذا اليوم، و لا تجد مسلماً ينكره.

ولم ينكره أحد طوال أربعة عشر قرناً سوى ابن تيميّة و تلميذه ـ ابن القيم ـ في القرن الثامن الهجري، وجاء بعده محمّد بن عبدالوهّاب فاعتبر التوسل بأولياء اللّه بدعة ـ تارةً ـ و عبادة للأولياء ـ تارةً أُخرى ـ.

لا شكّ أنّ عبادة غير اللّه شركٌ و حرام، و ليس البحث الآن عن العبادة و معناها و حقيقتها، لأنّه بحثٌ هامّ و حسّاس، و سوف نتحدّث عنه بالتفصيل في فصل خاصّ، إنّما البحث في التوسّل بأولياء الله فنقول:

إعلم أنّ التوسّل بأولياء اللّه تعالى على صورتين:

1ـ التوسّل بالأولياء أنفسِهم، كأن نقول:


(136)

«اللّهُمَّ إنّي أتَوَسَّلُ إلَيْكَ بنبيّك مُحَمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنْ تَقْضِىَ حاجَتي».

2ـ التوسّل بمنزلة الأولياء و جاهِهم عند اللّه تعالى، كأن نقول:

«الّلهُمَّ إنّي أتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِجاهِ مُحَمّد وَ حُرْمَتِهِ وَ حَقِّهِ أنْ تَقْضِىَ حاجَتي».

أمّا الوهّابيّون فإنهم يُحرّمون الصورتين معاً، في حين أنّ الأحاديث الشريفة و سيرة المسلمين تشهدان بخلاف ما يدّعيه الوهّابيّون، و تؤكّدان جواز الصورتين معاً.

و الآن... نذكر بعض تلك الروايات، واحدة تلو الأُخرى ثم نتناول الحديث عن سيرة المسلمين، و عند ذلك تتضح قيمة قول القائل بحرمة التوسّل و أنّه بدعة .

الأحاديث الشريفة الدالّة على جوازه

إنّ الأحاديث الّتي تدلّ على جواز التوسّل بأولياء اللّه كثيرة جداً، و هي متواجدة في كتب التاريخ و الحديث، و فيما يلي نذكر نموذجاً منها:

الحديث الأوّل:

عن عثمان بن حنيف أنّه قال:

«إنَّ رَجُلا ضَريراً أَتى إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فَقالَ: ادْعُ اللّه أنْ يُعافيَني.

فَقالَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إنْ شِئْتَ دَعوتُ، وَ إنْ شِئْتَ صَبَرتَ وَ هُوَ خَيْرٌ؟

قالَ: فَادْعُهُ، فَأمَرهُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنْ يَتَوضَّأ فَيُحْسِنَ وُضُوءهُ وَ يُصَلّيَ ركْعَتيْنِ وَ يَدْعُو بِهذا الدُعاء: «الّلهُمَّ إنّي أسْألُكَ وَ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ نَبِىِّ الرَّحْمَة، يا مُحَمّد إنّي أتَوجَّهُ


(137)

بِكَ إلى رَبّي في حاجَتي لِتُقْضى. الّلهُمَّ شَفِّعْهُ فِىَّ».

قال ابن حنيف:

«فَوَ اللّه ما تَفَرَّقْنا وَ طالَ بِنَا الحديث حَتّى دَخَلَ عَلَيْنا كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُر».

كلمةٌ حول سَند الحديث

لا كلام في صحة سَنَد هذا الحديث، حتّى أنّ إمام الوهّابيّين ـ ابن تيميّة ـ اعتبر هذا الحديث صحيحاً و قال بأنّ المقصود من ـ «أبي جعفر» الموجود في سَند الحديث هو أبو جعفر الخطمي و هو ثقة.(1)

يقول الرفاعي ـ الكاتب الوهّابىّ المعاصر الّذي يسعى دوماً إلى تضعيف الأحاديث الخاصّة بالتوسّل ـ حول هذا الحديث:

«لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح و مشهور، و قد ثبت فيه ـ بلا شكّ و لا ريب ـ ارتداد بَصر الأعمى بدعاء رسول اللّه»(2) .

و يقول:

«لقد أورد هذا الحديث النسائي و البيهقي و الطبراني و الترمذي و الحاكم في مستدركه، ولكن الترمذي و الحاكم ذكرا جملة «اللّهمّ شفّعه فيه» بَدل جملة « شفّعه فىَّ».(3)

يقول زيني دحلان ـ مفتي مكّة ـ :


1. جاء في مسند أحمد: «أبو جعفر الخطمي» أمّا في سنن ابن ماجة ففيه «أبو جعفر» فقط.
2. التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 158.
3. المصدر السابق.


(138)

«ذكر هذا الحديث ـ مع أسانيد صحيحة ـ البخاري و ابن ماجة و الحاكم في مستدركه، و جلال الدين السيوطي في جامعه».

و نحن نذكر هذا الحديث من المصادر التالية:

1ـ سنن ابن ماجة، المجلّد الأوّل ص 441 رقم الحديث 1385، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي، نشر دار إحياء الكتب العربية.

و قد ذكر ابن ماجة عن أبي إسحاق أنّه قال:

«هذا حديثٌ صحيح».

ثم قال: «و قد رواه الترمذي في كتاب أبواب الأدعية و قال: هذا حديثٌ حقٌّ صحيحٌ غريب».

2ـ مسند أحمد بن حنبل، المجلّد الرابع ص 138، عن مسند عثمان بن حنيف، طبْع المكتب الإسلامي، مؤسّسة دار صادر / بيروت. و قد روى هذا الحديث عن ثلاثة طُرق.

3ـ مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري، المجلّد الأول ص 313 طبعة حيدر آباد / الهند. قال بعد ذكر الحديث:

«هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرجاه».

4 ـ الجامع الصغير للسيوطي، ص 59، عن الترمذي و الحاكم.

5 ـ تلخيص المستدرك للذهبي (المتوفّى 748 هـ )، المطبوع بهامش المستدرك.

6ـ التاج الجامع، المجلّد الأوّل ص 286، و هو كتاب جمع أحاديث الصحاح الخمسة باستثناء صحيح ابن ماجة.


(139)

بعد هذا كلّه... لا مجال للمناقشة في سَند الحديث أو الطعن فيه.

و أمّا دلالته، فلو قدَّمتَ هذا الحديث إلى من يُحسن اللُّغة العربية جيّداً و يتمتّع بصفاء فكر، بعيد عن مجادلات الوهّابيّين و شُبهاتهم حول مسألة التوسّل، ثم سألته: بماذا أمر النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك الأعمى عند ما علّمه ذلك الدعاء؟

فسيكون جوابه ـ فوراً ـ : لقد علَّمه النبي أن يتوسَّل إلى اللّه بنبيّه نبيِّ الرحمة، و يُشفِّعه فيه.

و هذا المعنى هو بالضبط ما يُفهم من كلمات الحديث المذكور، و فيما يلي نُقسِّم الحديث إلى جُمل لمزيد التوضيح:

أ: «اللّهُمَّ إنّي أسْألُكَ وَ أتَوَجَّهُ إلَيْكَ بِنَبِيِّكَ».

إنّ كلمة «نبيِّك» تتعلَّق بما قبلها، أي «أسألُك» و «أتوجَّه إليك»، و بعبارة أوضح: إنّه يسأل اللّه تعالى بواسطة النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كما أنه يتوجَّه إلى اللّه بجاه النبي و وسيلته أيضاً، و المقصود من «النبي» نفسه المقدّسة لا دعاؤه.

أمّا من يقدِّر كلمة «دعاء» ، في قوله: «أسألك بنبيِّك» اي بدعاء نبيّك .فهو يتحكّم بلا دليل و يدَّعي خلاف الظاهر، و السبب في هذا الادّعاء هو أنّه لا يعتقد بالتوسّل بنفس النبي، فيلجأ إلى تقدير «دعاء» ليقول: إنّ التوسّل بدعاء النبي لا إشكال فيه، و بهذا يُبرِّر باطلَه.

ب: «مُحَمّد نبىّ الرحمة».


(140)

لكي يتّضح أنّ المقصود هو سؤال اللّه بواسطة النبي و شخصيّته و حرمته فقد جاءت بعد كلمة «نبيّك» جملة «محمّد نبي الرحمة» لكي يتّضح الهدف أكثر.

ج: إنّ جملة: «يا محمّد إنّى أتوجَّه بك إلى ربي» تدلّ على أنّ الرجل اتّخذ النبيَّ نفسَه وسيلة لدعائه، لا دعاءه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أي: أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه.

د: إنّ قوله: «و شفِّعه فىَّ» معناه: يا ربّ اجعل النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ شفيعي وتقبَّل شفاعته في حقّي.

أيّها القارىء الكريم: لقد اتّضح لك أنّ النقطة المركزيَّة في الدعاء كلّه هو شخص رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و شخصيّته الكريمة، و لا ذِكر لدعائه أصلا.

و كلّ من يزعم أنّ ذلك الرجل الضرير قد توسّل بدعاء النبيّ لا بشخصه و شخصيّته، فإنّما تغافل عن نصوص الرواية و تجاهَلها.

و أنت لو تأمَّلتَ قوله: «اللَّهُمَّ إنِّى أسألك و أتوجَّه إليك بنبيّك نبىّ الرحمة» و قوله «يا محمّد إنّى أتوجّه بك إلى ربي» لظَهر لك ـ بكلّ وضوح ـ أنّ التركيز إنّما هو على شخص رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و لو كان الهدف هو دعاء النبي لكان الصحيح أن يقول: أسألك بدعاء النبي.

وعلى ما ذكرنا لا يبقى أىّ مجال للإشكالات الخمسة الّتي أوردها الكاتب الوهّابي في كتاب «التوصّل إلى حقيقة التوسّل»، و قد ذكرنا ـ بالتفصيل ـ تلك الإشكالات مع أجوبتها وردودها في كتابنا «التوسّل» من صحفة 147 إلى 153 فراجع.


(141)

الحديث الثاني: التوسّل بحقّ السائلين

روى عطّية العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

«مَنْ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ اِلى الصَّلاةِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنّي أسْألُكَ بِحَقِّ السّائِلينَ عَلَيْكَ، و َ أَسْأَلُكَ بِحَقَّ مَمْشاىَ هذا فَإنَّي لَمْ أخْرُجْ أشراً وَ لا بَطَراً وَ لا رياءً وَ لا سُمْعَةً، وَ خَرَجْتُ اتّقاء سَخَطِكَ وَ ابْتِغاء مَرْضاتِكَ، فَاَسْأَلُكَ أنْ تُعيذَني مِنَ النّارِ وَ أنْ تَغْفِرلي ذُنوبي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ أنْتَ، أقَبلَ اللّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَ اسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ ألْف مَلَك».(1)

إنّ هذا الحديث واضح جداً في معناه، و يدلّ على أنّ للإنسان أن يتوسَّل إلى اللّه بحرمة أوليائه الصالحين و منزلتهم و وجاهتهم عنده سبحانه، فيجعل أُولئك وُسَطاء و شفعاء لقضاء حاجته واستجابة دعائه، و دلالة الحديث على الموضوع الّذي نتحدّث عنه واضحة.

الحديث الثالث: التوسّل بحقّ النبيّ الكريم

إنّ النّبي آدم ـ عليه السلام ـ عندما صَدر منه ما كان الأَوْلى عدم صدوره، و تاب إلى اللّه تعالى ممّا صدر منه(2) تلقّى من ربّه كلمات، كما أشار القرآن الكريم:


1. سنن ابن ماجة: 1 / 256 حديث رقم 778.
2. لقد ثبت أنّ النهي الوارد في قوله تعالى: (لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَة) إنما هو نهىٌ إرشادي و تنزيهي، و ليس نهياً تحريمياً مَولويّاً، و النهي الإرشادي هو بمثابة النصيحة و الموعظة، و مخالفةُ هذا النهي لاتوجب عقاباً و لا مؤاخذة، و لا تنافي العصمة بأي وجه، و إنّما توجب تأثير العمل ذاته، فمثلا: لو نهى الطبيبُ المريضَ المصاب بالزكام عن تناول الحمضيّات، فخالفه المريض، فإنّ المخالفة تعكس الأثر الطبيعي لها ـ و هو اشتداد الزكام والمرض ـ و في القرآن الكريم آيات تدلّ على أنّ نهي آدم عن اقتراب الشجرة كان نهياً إرشادياً، و لا أثر لمخالفة هذا النهي سوى الخروج من الجنّة، كنتيجة طبيعيّة لتلك المخالفة. يُرجى مراجعة الآية 118ـ119 من سورة طه.


(142)

(فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيم )(1) .

إنّ المفسّرين و المحدّثين أعربوا عن آرائهم و وجهات نظرهم تجاه هذه الآية و معناها، و ذلك استناداً إلى بعض الأحاديث، و فيما يلي نذكر تلك الأحاديث لنرى النتيجة الّتي نحصل عليها بعد ذلك:

أخرج الطبراني في المعجم الصغير، و الحاكم في مستدركه، و أبو نعيم الاصفهاني في حلية الأولياء، و البيهقي في دلائل النبوّة، و ابن عساكر الدمشقي في تاريخه، و السيوطي في تفسير الدرّ المنثور، و الآلوسي في تفسير روح المعاني، عن عمر بن الخطاب، عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:

«لَمّا أذْنَبَ آدمُ الذنب الَّذي أذْنَبهُ، رَفَعَ رَأسَهُ إلى السَّماء فَقالَ: أسْأَلُكَ بِحَقّ مُحَمَّد إلاّ غَفَرْتَ لي. فَأوحى اللّه إلَيْهِ: وَ مَنْ مُحَمَّدٌ؟ فَقالَ: تَبارَكَ اسْمُكَ، لَمّا خُلقْتُ رَفَعْتُ رَأَسي إلى عَرْشِكَ فَإِذا فيهِ مَكْتُوبٌ: لا إله إلاّ اللّه و مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه، فَقُلْتُ: إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أعْظَمُ عِنْدَكَ قَدْراً مِمَّن جَعَلْتَ اسْمَهُ مَعَ اسْمِكَ، فَأوْحى إليه إنَّهُ آخِرُ النبِيّينَ مِنْ ذُرّيَّتِكَ، وَلَوْلا محمّد لَما خَلَقْتُكَ».(2)


1. البقرة: 37.
2. مستدرك الصحيحين: 2 / 615; روح المعاني: 1 / 217; الدرّ المنثور: 1 / 59 نقلا عن الطبراني و أبي نعيم و البيهقي. و المتن موافقٌ لما في الدّر المنثور.


(143)

رأيُنا حول هذا الحديث

1ـ لقد ورد في القرآن الكريم التعبير عن الأشخاص و الذوات بـ «الكلمات» بعكس ما هو متّبع لدينا، فَمثلا:

أ ـ قوله تعالى: (... أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بكلمة مِنَ اللّه...).(1)

ب ـ قوله سبحانه: (... يا مَرْيَمُ إنَّ اللّه يُبَشِّرُكِ بِكلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسيحُ عيسىَ ابنُ مَرْيَمَ...).(2)

ج ـ قوله عزّوجل: (... إنَّما الْمَسيحُ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَ كَلِمَتُهُ...).(3)

د ـ قوله جلّ جلاله: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ...).(4)

هـ ـ قوله عزَّ من قائل: (... وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ.).(5)

فمع الانتباه إلى هذه الآيات يمكن القول بأنّ المقصود من «كلمات» في قوله تعالى: (فتلقّى آدم من ربِّه كلمات) هي الشخصيّات المقدَّسة الوجيهة الّتي توسَّل بهم آدم إلى اللّه تعالى.

و في الحديث ـ الّذي مرَّ عليك ـ ترى اسم محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقط مذكوراً، أمّا في أحاديث «الشيعة» ترى الحديث مرويّاً بصورة تتطابق مع الآية الكريمة.

و الحديث مروىٌّ بصورتين، فتارة فُسّرت كلمة «كلمات» بأسماء الخمسة


1. آل عمران: 39.
2. آل عمران: 45.
3. النساء: 171.
4. الكهف: 109.
5. لقمان: 27.


(144)

الطيّبة ـ عليهم السلام ـ و فُسّرت بأشباحهم النورانية تارة أُخرى، و إليك الحديث فيما يلي:

«إنَّ آدَمَ رأى مَكتوباً عَلَى العَرشِ أسماءً مُعَظَّمةً مُكَرَّمة، فسألَ عنها؟ فَقيل لَهُ: هذه أسماء أجَلِّ الخلقِ مَنزِلَة عِندَ اللّه تعالى، و الأسماء: مُحمّدُ وَ عَلىُّ و فاطَمَةُ و الحسنُ و الحسينُ، فَتوسَّل آدم ـ عليه السلام ـ إلى ربِّه بِهِم في قَبُولِ تَوبَتِهِ وَ رفع مَنزلَتِهِ».(1)

و تدلّ بعض الأحاديث على أنّ آدم رأى الأشباح النورانيّة للخمسة الطيّبة، فتوسّل بهم بعد ذلك.(2)

2ـ و عند مراجعة كتب التاريخ و الحديث يظهر لنا أنّ قضيّة توسّل النبىّ آدم بالنبىّ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان معروفاً و مشهوراً بين الناس، و لهذا ترى مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ يقول للمنصور الدوانيقي ـ في مسجد رسول اللّه ـ :

«هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم».(3)

و قد أشار شعراء المسلمين إلى هذه الحقيقة في قصائدهم، فترى أحدهم يقول:

بِهِ قد أجاب اللّهُ آدمَ إذ دعا * و نُجيَ في بطن السفينةِ نُوحُ(4)


1. مجمع البيان: 1 / 89 طبعة لبنان; تفسير البرهان: 1 / 86ـ88 حديث رقم 2 و 5 و 11 و 12 و 14 و 27.
2. للتفصيل راجع تفسير البرهان: 1 / 87 حديث رقم 13 و 15 و 16.
3. ذكر أحمد زيني دحلان ـ في كتابه الدُرَر السنيَّة: ج 10 ـ أن القاضي عياض ذكر هذا الحوار بَسند صحيح. و كذلك ذكره السبكي في شفاء السقام، و السمهودي في وفاء الوفا، و القسطلاني في المواهب اللّدنيّة. قال ابن حجر ـ في الجوهر المنظّم ـ : قد روي هذا بسند صحيح. و قال العلاّمة الزرقاني ـ في شرح المواهب ـ : إنّ ابن فهد ذكر هذا بَسند حَسن، و ذكره القاضي عياض بسند صحيح.
4. كشف الارتياب: 307 نقله عن المواهب، و الشعر لابن جابر.


(145)

و يقول الآخر

قومٌ بهم غُفِرَتْ خَطيئةُ آدم * وَ هُمُ الوَسيلَةُ وَ النُّجومُ الطُلَّعُ(1)

الحديث الرابع: توسُّل النبيّ بحقّه و حقّ مَن سبقه من الأنبياء

«لَما ماتَتْ فاطِمَةُ بِنْت أسَد، دَخَلَ عَلَيْها رَسُولُ الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِها فَقال: رَحِمَكِ اللّه يا أُمّي بعد أُمّي ثُمَّ دَعا رَسولُ اللّه أُسامَةَ بن زَيْد و أبا أيُّوبَ الأنصاري وَ عُمَرَ بن الْخَطَابِ وَ غُلاماً أسْودَ يَحْفِرُونَ، فَحَفَرُوا قَبْرَها، فَلَمّا بَلَغُوا اللَّحْد حَفَرَهُ رَسُولُ اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ بِيَدِهِ وَ أَخْرَجَ تُرابَهُ، فَلَمّا فَرغَ دَخَلَ رَسُولُ اللّه فاضطَجَعَ فيهِ ثُمَّ قالَ: اللّهُ الَّذي يُحْيي وَ يُميتُ وَ هُوَ حَىٌّ لا يَمُوتُ، إِغْفِرْ لأُمّي فاطِمَةَ بِنْتِ أسَد، وَ وَسِّعْ عَلَيْها مَدْخَلَها، بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَ الأنبياء الَّذينَ مِنْ قَبْلي».

قال مؤلّف: «خلاصة الكلام»:

«رواه الطبراني في الكبير و الأوسط، و ابن حبّان و الحاكم و صحَّحوه».(2)

و كَتب السيّد أحمد زيني دحلان ـ في كتاب الدرر السّنيَّة في الردّ على الوهّابيّة ـ :

«روى ابن أبي شيبة عن جابر مثلَ ذلك. و كذا روى مثلَهُ ابنُ عبدالبَرِّ عن ابن عَبّاس، و رواه أبو نعيم في حلية الأولياء عن أنس، ذكر ذلك كلَّه الحافظ جلال الدين السيوطي في الجامع الكبير».(3)

أمّا نحن فقد ذكرنا هذا الحديث ـ المذكور ـ عن مصدَرين يشتمل أحدهما


1. المصدر نفسه: 308 و الشعر للواسطي.
2. كشف الارتياب: 312 نقلا عن خلاصة الكلام.
3. الدرر السَّنيّة: 8.


(146)

على الدعاء ـ الّذي هو موضوع البحث ـ و الآخر لا يشتمل عليه، و المصدران هما:

1ـ «حلية الأولياء» لأبي نعيم الاصفهاني ـ المجلّد الثالث ص 121.

2ـ «وفاء الوفا» للسمهودي ـ المجلّد الثالث ص 899.

الحديث الخامس: التوسّل بالنبىّ نفسه

روى جمعٌ من المحدّثين أنّ أعرابياً دخل على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و قال:

«لقد أتَيناك و ما لَنا بعيرٌ يئطّ(1) و لا صبىٌّ يغطّ(2)».

ثم أنشأ يقول:

أتيناكَ و العذراءُ تُدمى لِبانُها * و قد شُغِلتْ أُمّ الصبىّ عن الطفلِ

و لا شيء ممّا يأكلُ الناسُ عِندنا * سوى الحنظل العامي و العِلهز الفَسْلِ

و ليس لنا إلاّ إليكَ فِرارُنا * و أين فرارُ الناس إلاّ إلى الرُّسْلِ

فَقامَ رَسُولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يَجُرُّ رِداءَه، حَتّى صَعَدَ الْمِنْبَر فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَ قالَ: اللّهُمَّ اسْقِنا غَيْثاً مُغيثاً... فَما رَدَّ النَّبىُّ يَدَيه حَتّى ألقَتِ السَّماء... ثُمَّ قالَ: للّهِ دَرُّ أبي طالِب لَوْ كانَ حَيّاً لَقَرَّتْ عَيْناهُ. مَنْ يُنْشِدُنا قَوْلَهُ؟

فَقامَ عَلىُّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ وَ قالَ: كَأَنَّكَ تُريدُ ـ يا رَسُولَ اللّه ـ قَوْلَهُ:

و أبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهِه * ثِمالُ اليَتامى عِصمةٌ للأراملِ

يطوف به الهُلاّك مِن آلِ هاشم * فَهُم عِندَه في نِعمة و فواضل


1. يئط ـ مشتقّ من الأطيط ـ : و هو صوت البعير. لسان العرب: 7/256 مادة، «أطط».
2. يغط ـ مشتقّ من الغطيط ـ : و هو صوت النائم. لسان العرب: 7/362 مادة، «غطط».


(147)

فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أجل.

فَأنْشَدَ عَلىٌّ ـ عليه السلام ـ أبْياتاً مِنَ الْقَصيدةِ، وَ الرَّسُولُ يَسْتَغْفِرُ لأبي طالب عَلَى المنبرِ، ثُمَّ قامَ رَجُلٌ مِنْ كَنانَة وَ أنْشَدَ يَقُولُ:

لَكَ الحمدُ و الحمد ممَّن شكر * سُقينا بوجه النبىّ المَطَر

أقول: إنّ المصادر الّتي تذكر هذه القضية كثيرة جداً، و نحن قد ذكرناها من المصادر التالية:

أ ـ عمدة القاري في شرح صحيح البخاري: المجلّد السابع ص 31 تأليف بدر الدين محمود بن أحمد العين (المتوفّى عام 855 هـ ) طبعة إدارة الطباعة المنيرية.

ب ـ شرح نهج البلاغة: لابن أبي الحديد ج 14 ص 80.

ج ـ السيرة الحلبيّة: تأليف علي بن برهان الدين الحلبي، المجلّد الثالث ص 263.

د ـ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: تأليف شمس الدين أبي علي فخار بن معد، (المتوفّى عام 630 هـ ) طبعة النجف مطبعة العلوي ص 79.

هـ ـ سيرة زيني دحلان: المطبوعة بهامش السيرة الحلبيّة، المجلّد الأوّل ص 81.

الحديث السادس: التوسّل بالنبىّ أيضاً

روي أنّ سواد بن قارب أنشدَ لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قصيدته الّتي يتوسّل فيها بالنبىّ.


(148)

و فيها يقول:

و أشهد أنَّ اللّهَ لا ربَّ غيرُهُ * و أنّك مأمونٌ على كلِّ غائبِ

و أنّك أدنى المرسَلين وسيلة * إلى اللّه يابنَ الأكرمينَ الأطائب

فمُرنا بما يأتيكَ يا خيرَ مُرسَل * و إنْ كان فيما فيهِ شَيبُ الذَّوائبِ

وَ كنْ لي شَفيعاً يَوم لا ذو شَفاعة * بِمُغْنِ فتيلا عن سواد بن قاربِ(1)

أيّها القارئ الكريم: لقد ذكرنا ـ حتّى الآن ـ مجموعة من الأحاديث المرويَّة في التوسّل، اعتماداً على كتب التاريخ و الحديث المعتبرة عند أهل السُّنَّة.

أمّا التوسّل بأولياء اللّه ـ فيما روي عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في كتب الشيعة ـ فهو على حدٍّ من الوضوح و الثبوت بحيث جاءت الإشارة إليه في الأدعية أيضاً.

و لنا أن نتساءل: هل يجب أن نأخذ المعارف الإسلامية و الأحكام الشرعية من «ابن تيميّة» و«محمّد بن عبدالوهّاب» و نظرائهما أم من عترة رسول اللّه الّتي نصّ النبي ـ في حديث الثقَليْن ـ على أنّها الثقل الأصغر و عدل القرآن؟!!

إنّ كلّ مسلم ـ يملك ذرَّة من الوعي و الإنصاف ـ يحكم بضرورة الأخذ من العترة الطاهرة الّتي أذهب اللّه عنهم الرجس و طهَّرهم تطهيراً.


1. الدُرر السَّنيّة: 27، التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 300.

(149)

نماذج من أدعية التوسُّل

أمّا الأدعية الّتي ورد فيها التوسّل بأولياء اللّه تعالى فهي كثيرة و موزَّعة في الصحيفة العلويّة(1)و دعاء عرفة(2) و الصحيفة السجّادية(3) و غيرها من كتب الدعاء.

و فيما يلي نذكر نماذج من تلك الأدعية.

1ـ يقول الإمام علىّ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ في دعاء له:

«... بِحَقِّ مُحَمَّد وَ آلِ مُحَمَّد عَلَيْكَ، وَ بِحَقِّكَ الْعَظيمِ عَلَيْهِمْ أنْ تُصَلِّىَ عَلَيْهِمْ كَما أنْتَ أهْلُهُ وَ أنْ تُعْطِيَني أفْضَل ما أعْطَيْتَ السّائلين مِنْ عِبادِكَ الْماضين مِنَ المؤْمنينَ، و أفْضَل ما تُعْطي الباقينَ مِنَ الْمُؤمِنينَ...»(4)

2ـ و يقول الإمام سيّد الشهداء الحسين ـ عليه السلام ـ في دعاء عرفة:

«... اللّهُمَّ إنّا نَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ ـ فِي هذِهِ الْعَشِيَّةِ الَّتي فَرضْتَها وَ عظَّمْتَها ـ بِمُحَمَّد نَبِيِّكَ وَ رَسُولِكَ وَ خِيرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ».

3ـ و يقول الإمام زين العابدين ـ عليه السلام ـ في دعائه بمناسبة حلول شهر رمضان:

«... اللّهُمَّ إنّي أسْألُكَ بِحَقِّ هذا الشْهِرِ وَ بِحَقِّ مَنْ تَعَبَّدَ فيهِ ـ من ابتدائِه إلى وقت فنائه ـ مِنْ مَلَك قَرَّبْتَهُ أو نبىٍّ أرسلتَهُ أو عبد صالح اختَصَصْتَهُ...».(5)


1. و هي المجموعة التي تضمّ بعض أدعية الإمام عليّ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ جَمَعها الشيخ عبداللّه السماهيجي.
2. و هو دعاء الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ في عرفات يوم عرفة.
3. و هو بعض أدعية الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ.
4. الصحيفة العلوية: 51.
5. الصحيفة السجّادية: دعاء رقم 44.


(150)

سيرة المسلمين في التوسّل

لقد جرت سيرة المسلمين ـ في حياة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و بعد وفاته ـ على التوسّل بأولياء اللّه والاستشفاع بمنزلتهم و جاههم عند اللّه تعالى.

و إليك نماذج من تلك السيرة.

1ـ كتب المؤرّخ الشهير: ابن الأثير (المتوفّى عام 630 هـ ):

«و اسْتسقى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ بِالْعَبّاسِ، عامَ الرَّمادة، لَمّا اشْتَدَّ الْقَحطُ، فَسَقاهُمُ اللّهُ تَعالى بِهِ وَ أخْصَبَتِ الأرْضُ، فَقالَ عُمرُ: هذا ـ واللّه ـ الْوَسيلَةُ إلى اللّه و الْمكانُ مِنْهُ.

و قال حسّان:

سأل الإمامُ و قد تتابعَ جَدْبُنا * فسقى الغمام بغُرّة العَبّاسِ

عَمِّ النبىّ و صنوِ والدِهِ الذي * وَرثَ النبىَّ بذاك دون الناسِ

أحيا الإلهُ به البلادَ فأصبحتْ * مُخضرَّةَ الأجنابِ بعد الياسِ

وَ لمّا سُقي النّاسُ طَفِقُوا يَتَمسَّحُونَ بِالْعَباسِ وَ يَقُولُونَ: هَنيئاً لَكَ ساقي الْحَرَمَيْنِ».(1)

إنّ التأمّل في هذه القضية التاريخية ـ و الّتي ذكر بعضاً منها البخاري في صحيحه ـ يؤكّد على أنّ من مصاديق «الوسيلة» هو التوسّل بأصحاب الجاه و المنزلة عند الله، حيث ينتج منه التقرّب إلى اللّه وتكريم الداعي و المتوسِّل.


1. أسد الغابة في معرفة الصحابة: 3 / 111، طبعة مصر.

(151)

و أىّ تعبير أوضح من قوله:

«هذا ـ وَ اللّه ـ الْوَسيلَةُ إلىَ اللّه وَ الْمكانُ مِنْهُ»؟!

2ـ يقول القسطلاني(1) (المتوفّى عام 923 هـ ):

«إنَّ عُمَرَ ـ لَمّا اسْتَسْقى بِالْعَبّاسِ ـ قالَ: «أَيُّهَا النّاسُ إنَّ رَسُولَ اللّه كانَ يرى لِلْعَبّاسِ ما يَرى الْوَلَدُ لِلْوالِد، فَاقْتَدُوا بِهِ في عَمِّهِ وَ اتَّخِذُوهُ وَسيلَةً إلَى اللّه تَعالى». ففيهِ التصريح بالتوسّل، و بهذا يبطل قول من مَنع التوسّل، مطلقاً، بالأحياء و الأموات، و قولُ من منع ذلك بغير النبي».

3ـ سبق أن ذكرنا بأنّ المنصور العبّاسي «الدوانيقي» سأل مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ عن كيفية زيارة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و التوسّل به... فقال لمالك:

«يا أبَا عَبْدِاللّه أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَ أَدْعُوا، أم أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللّه؟ فَقالَ مالِك في جوابه: لِمَ تَصْرِفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَ هُوَ وَسيلَتُكَ وَ وَسيلَةُ أبيكَ آدَمُ إلى اللّه يَوْمَ الْقِيامَة؟! بَلِ اسْتَقْبِلْهُ وَ اسْتَشْفِعْ بِهِ فَيَشْفِّعُكُ اللّه، قالَ اللّه تَعالى: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ...).(2)

4ـ ذكر ابن حجر الهيتمي هذين البيتين من الشِّعر للشافعي ـ إمام الشافعية ـ:

آل النبي ذريعتي * وهمُ إليه وسيلتي
أرجوبهم اُعطى غداً * بيدي اليمين صحيفتي(3)


1. في كتاب المواهب اللدنيّة: طبعة مصر.
2. وفاء الوفا: 2 / 1376.
3. الصواعق المحرقه لابن حجر: 178، و الكتاب مليء بالانحراف و الافتراء، و قد ردَّ عليه جمع من العلماء و المحقّقين، منهم: الشهيد السعيد القاضي نور اللّه التستري في كتابه: الصوارم المهرقة.


(152)

بعد كلّ ما سَبق من الأدلّة و البراهين و الشواهد، يمكن القول بأنّ الأنبياء و الشخصيات الدينية السامية هم من الوسائل الّتي عناها اللّه تعالى بقوله:

(يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسيلَةَ...).(1)

و قد أمر تعالى باتخاذهم وسيلة إليه سبحانه.

و لا شكّ أنّ الوسيلة غير منحصرة في أداء الفرائض و اجتناب المحرَّمات فقط، بل تشمل المستحبّات ـ الّتي من ضمنها التوسّل بالأولياء ـ أيضاً.

فهل يمكن القول بأنّ العلماء و المحقّقين قد أخطأوا في فهم معنى «الوسيلة»؟!

مع العلم أنّهم مصادرٌ للحكم و حفّاظٌ للحديث و من علماء الإسلام الذين يُشار إليهم بالبنان؟!

إنّ الذين يُعرضون صفحاً عن هذه التصريحات و الأدلّة، و يبحثون هنا و هناك عن توجيهو تاويل لكلّ حديث و دليل، هم أشبه بالقاضي الّذي يتسرَّع في إصدار الحكم من دون الاعتماد على القرائن و الشهود.

5ـ يروي البخاري في صحيحه:

«إنَّ عُمَرَ بن الخَطّاب كانَ إذا قُحِطُوا اسْتَسقى بِالْعَبّاسِ بن عَبْدِالْمُطَلِبِ ـ رضي اللّه عنه ـ وَ قالَ: اللّهُمَّ كُنّا نَتَوَسَّلُ إلَيكَ بِنَبِيِّنا فَتُسْقينا، وَ إنّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فاسِقنا.

قالَ: فَيُسْقَونَ».(2)


1. المائدة: 35.
2. 2 / 32 صحيح البخاري: باب صلاة الاستسقاء.


(153)

لا كلام في صحة هذا الحديث، حتى أنّ الرفاعي ـ الكاتب الوهّابي الّذي يردّ أحاديث التوسّل المتواترة مهما أمكنه ـ قد اعترف بصحة هذا الحديث و قال:

«إنّ هذا الحديث صحيح(1) فإن صحَّ هذا الجواز شرعاً فنحن من أسبق الناس إلى الأخذ به والعمل بمقتضاه».

فمع الانتباه إلى ما ذكروه عن عمر بن الخطّاب بشأن التوسّل بالعبّاس، و أنّه أقسمَ باللّه بأنّ «هذا و اللّه الْوَسيلَة إلىَ اللّه وَ الْمَكانُ مِنْهُ» يتّضح بأنّ حقيقة التوسّل ـ في هذا المجال ـ هي التوسّل بذات العبّاس و نفسِه، أو بشخصيّته و وجاهته عند اللّه تعالى، لا بدعاء العبّاس.

هذا... و قد روى محمّد بن النعمان المالكي ـ المتوفّى سنة 683 هـ ـ في كتابه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام» كيفيّة توسّل عُمر بالعبّاس و أنّه قال:

«اللّهُمَّ إنّا نَسْتَقيكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ وَ نَسْتَشْفِعُ إلَيْكَ بِشَيْبَتِهِ، فَسُقُوا» وَ في ذلِكَ يَقُولُ الْعَبّاسُ ابْن عُتْبَة بن أبي لَهَب:

بعمِّي سقى اللّه الحجاز و أهلَه * عَشِيَّة يَستَسقي بشِيْبَتِهِ عُمَرُ(2)

و كذلك أنشد حسّان قوله


1. كان الصحيح أن يقول: «إنّ هذا التاريخ صحيح» لأنّ الحديث ـ في الاصطلاح ـ هو كلام النبي ـ صلّى اللّه عليه و آله وسلّم ـ و كلامنا الآن عن الأحداث التاريخية، و قد سبق ذكر الأحاديث الشريفة.
2. وفاء الوفا: 3 / 375، نقلا عن مصباح الظلام.


(154)

«فَسَقَى الغَمامُ بُغرَّة العبّاس».

و قال ابن حجر العسقلاني(1) :

«إنَّ العَبّاسَ دَعا إلَى اللّه تَعالى بقوله:... وَ قَدْ تَوَجَّه الْقَوْمُ بي إلَيْكَ لِمَكاني مِنْ نَبِيِّكَ».

أيّها القارئ الكريم: لقد ظهر لك ـ بكلّ وضوح ـ أنّ التوسّل إنما كان بشخصية العبّاس وجاهه، و قد قال علماء البلاغة و الأدب:

«تعليقُ الحُكم بالوصفِ مُشعِرٌ بالعِلِّيَة».

يعني ترتُّب الحُكم على الوصف يدلّ على أنّ العلّة في ذلك الحُكم هو الوصف، فمثلا يقول القرآن الحكيم:

(وَ عَلى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ).

يعني: أنّ المرأة الّتي أنجبت مولوداً للزوج، فعلى الزوج أن يتكفّل نفقتها، فالحُكم هو وجوب الإنفاق، و الوصف هو المولود الّذي أنجبته المرأة.

و إليك مثالا آخر:

لو قال الوالد لولده «إحترِم العالِم» فإنما هو لعلَّة العلم و الفضيلة الّتي فيه.

بناءً على هذا... فإنّ قول عمر: «إنّا نَتَوسَّلُ إلَيْكَ بِعَمّ نَبِيِّكَ» فيه بيان علّة التوسّل بالعبّاس دون غيره من الناس، و أنها لكونه عمّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و قد ذكر العبّاسُ نفسُه ذلك فقال: «لمكاني مِنْ نَبِيِّكَ».


1. فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 2 / 413.

(155)

و الخلاصة: بعد كلّ ما سبق... يمكن القول ـ بالقطع و اليقين ـ إنّ المسلمين في صدر الإسلام كانوا يتوسَّلون بالأشخاص الصالحين الأزكياء.

6ـ شِعر صفيَّة في رثاء النبي

أنشدت صفيَّة بنت عبدالمطَّلِب ـ عمَّة النبىّ ـ قصيدة بعد وفاة النبي في رثائه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و منها:

ألا يا رسولَ اللّه أنت رجاؤنا * و كنتَ بِنا بَرَّاً و لمْ تَكُ جافيا
و كُنتَ بنا بَرّاً رؤوفاً نَبيّنا * لِيَبْكِ عليكَ اليوم مَن كانَ باكيا(1)

إنّنا نستنتج من هذه المقطوعة الشعرية ـ الّتي أُنشدت على مسمع من الصحابة و سجَّلها المؤرّخون و أصحاب السِّيَر ـ أمرين:

الأول: إنّ مخاطبة الأرواح ـ و بالخصوص مخاطبة رسول اللّه بعد وفاته ـ كان أمراً جائزاً وجارياً، و قولها: «ألا يا رسولَ اللّه» لم يكن لغواً و لا شركاً كما تدّعي الوهّابيّة الضالَّة.

الثاني: إنّ قولها: «أنت رجاؤنا» يدلّ على أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو أمل المجتمع الاسلامي في كلّ العصور و الأحوال، و لم تنقطع الروابط و العلاقات معه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتى بعد وفاته.


1. ذخائر العقبى للحافظ محبّ الدين الطبري: 252; مجمع الزوائد: 9 / 36 ونشير إلى أنّ جملة «أنت رجاؤنا» في الشطر الأول جاءت في هذا المصدر هكذا: «كنت رجاءنا».

(156)

بعض ما كُتب في التوسّل

من المناسب أن نُشير إلى بعض الكتب القيّمة الّتي كتبها علماء أهل السُّنَّة حول التوسّل بالنبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و إنّ مطالعة هذه الكتب تكشف عن رأي علماء الإسلام في التوسّل بالأنبياء والأولياء، و تؤكّد على أنّ التوسّل ـ على خلاف ما تدَّعيه الزمرة الوهّابية ـ كان أمراً متداولا و سُنَّة متَّبعة عند المسلمين طوال التاريخ:

1ـ كتاب الوفا بأحوال المصطفى: لابن الجوزي المتوفّى سنة 597 هـ ، و قد أفرد باباً حول التوسّل بالنبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و باباً حول الاستشفاء بقبره الشريف.

2ـ مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام: تأليف محمد بن نعمان المالكي (المتوفّى سنة 173 هـ )، و قد نقل السمهودي ـ في كتاب وفاء الوفا، باب التوسّل بالنبىّ ـ عن هذا الكتاب نقلا كثيراً.

3ـ البيان و الاختصار: لابن داود المالكي الشاذلي، و قد ذكر فيه توسّل العلماء و الصلحاء بالرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في المحن و الأزمات.

4ـ شفاء السقام: لتقىّ الدين السبكي (المتوفّى عام 756 هـ ) و قد تحدَّث عن التوسل بالنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بشكل تحليليٍّ رائع من ص 120 الى 133.

5ـ وفاء الوفا لأخبار دار المصطفى: للسيّد نور الدين السمهودي (المتوفّى سنة 911 هـ ) و قد بحث عن التوسّل بحثاً واسعاً في الجزء الثاني من صفحة 413 إلى 419.

6ـ المواهب اللدنيّة: لأبي العبّاس القسطلاني (المتوفّى سنة 932 هـ ) .


(157)

7ـ شرح المواهب اللدنيّة: للزرقاني المالكي المصري (المتوفّى سنة 1122 هـ ) في الجزء الثامن ص 317.

8ـ صلح الاخوان: للخالدي البغدادي (المتوفّى سنة 1299 هـ ) و له أيضاًرسالة خاصّة في الردّ على الآلوسي حول موضوع التوسّل بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و قد طُبعت الرسالة في سنة 1306 هـ .

9ـ كنز المطالب: للعدوي الحمزاوي (المتوفّى سنة 1303 هـ ) .

10ـ فرقان القرآن: للعزامي الشافعي القضاعي، و قد طُبع هذا الكتاب مع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي في 140 صفحة.

أيّها القارئ الكريم: إنّ مطالعة هذه الكتب ـ و خاصّة تلك التي تحدَّثت بالتفصيل عن التوسّل، و يأتي كتاب صُلح الاخوان و فرقان القرآن في طليعتها ـ إنّ مطالعة هذه الكتب يُثبت سيرة المسلمين ـ في كلّ عصر و مصر ـ في التوسّل بالنبىّ  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يكشف عن ضلال ابن تيميّة و تلامذته و انحراف رأيهم و فساد عقيدتهم.

و في الختام

في ختام هذا الفصل نقول ـ عوداً على بدء ـ : إنّ القرآن الكريم يصرّح بجواز التوسّل بأولياء اللّه تعالى، بل يدعوا إلى ذلك بقوله:

(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسيلَةَ وَ جاهِدُوا في سَبيلِهِ لَعَلَّكُم تُفْلِحُونَ)(1).


1. المائدة: 35.

(158)

إنّ هذه الآية تدعو إلى اتّخاذ «الوسيلة» في كلّ المجالات بصورة عامّة.

و السؤال: ماهي «الوسيلة»؟

الجواب: لم تذكرها الآية الكريمة، و لا شك أنّ أداء الفرائض الدينية هي من وسائل الفلاح والنجاة، و لكن لا شكّ أيضاً أنّ «الوسيلة» غير منحصرة في ذلك، بل ـ و بالاعتماد على سيرة المسلمين طوال التاريخ ـ إنّ من «الوسيلة» التوسّل بأولياء اللّه الصالحين، و أنّه من وسائل الفوز والفلاح و قضاء الحوائج و تحقيق الآمال، و يتجلّى هذا ـ بوضوح فيما ذكرنا من كلام إمام المالكية مع المنصور العبّاسي، و توسّل عمر بن الخطّاب بالعبّاس للاستسقاء و غير ذلك.

(إنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنٌ شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبيلا ).


(159)

الفصل الثامن

النذر لأهل القبور

قبل كلّ شيء نذكر تعريفاً للنذر فنقول:

«النذر»: إلزام الإنسان نفسه بأداء شيء معيَّن إذا تحقّق هدفه و قُضِيَتْ حاجته، فيقول: للّه عَلَىَّ أن... (و يذكر نذره) إذا كان.... و يذكر حاجته.

مثلا يقول: للّه عَلَىَّ أَنْ أَخْتِم الْقُرآنَ إذا نَجَحْتُ في الاْمْتِحاناتِ الدِّراسِيَّة.

هذا هو النذر الشرعي، و يجب أن يكون للّه فقط، فإذا قال الناذر: نذرتُ لفلان، ففي قوله مَجازٌ، و المعنى: نذرتُ للّه على أنْ يكون ثوابه لفلان. و ثواب النذر يقع على ثلاثة أقسام:

1ـ أن يكون الثواب لنفس الإنسان الناذر.

2ـ أن يكون لشخص حىّ.

3ـ أن يكون لشخص ميّت.

فقد يُخصِّص الإنسان الناذر ثواب نَذره لنفسه، أو لشخص حىّ ـ واحداً كان أو أكثر ـ أو لشخص ميّت ـ واحداً كان أو أكثر ـ .


(160)

و هذه الأقسام الثلاثة كلّها جائزة،و يجب على الناذر الوفاء بنذره إذا قُضِيَتْ حاجته.

و قد مَدح اللّه تعالى الإمامَ عليّاً و فاطمة و الحسن و الحسين ـ صلوات اللّه عليهم ـ و قال:

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ...)(1).

أيّها القارئ الكريم: إنّ النذر سُنَّة معروفة بين كافّة المسلمين في العالَم كلّه، و خاصّة في البلاد الّتي تحتضن قبور أولياء اللّه و عباده الصالحين.

و قد تعارف بين المسلمين النذر للّه و إهداء ثوابه لأحد أولياء اللّه و عباده الصالحين.

حتى جاء «ابن تيميّة» فزعم حرمة ذلك و شنَّ الهجوم على المسلمين ـ وقال:

«مَن نَذر شيئاً للنبي أو غيره من النبيّين و الأولياء من أهل القبور، أو ذَبَح ذبيحة، كان كالمشركين الذين يذبحون لأوثانهم و ينذرون لها، فهو عابدٌ لغير اللّه، فيكون بذلك كافراً».(2)

ثم جاء محمّد بن عبدالوهّاب ـ بعد اربعة قرون تقريباً ـ فجعل يتكلم بكلام سَلَفه، و يُحيي بِدَعه و مفترياته.

لقد جهلا ـ أو تجاهَلا ـ أنّ المقياس العامٌ هو القصد و النيَّة القلبيّة ـ فـ «الأعمال بالنيّات».


1. الإنسان: 7.
2. فرقان القرآن: 132، نقلا عن ابن تيميّة.


(161)

إذا كان مجرَّد العمل الظاهري دليلا على النيَّة، فإنّ كثيراً من مناسك الحجّ و فرائضه تُشْبِه ـ في ظاهرها ـ أعمال عَبَدة الأصنام، فقد كانوا يطوفون حول أصنامهم و يُقبّلونها، و نحن نطوف حول الكعبة المشرّفة و نُقبّل الحجَر الأسود، و نذبح الذبائح و نُقرّب القرابين في منى يوم عيد الأضحى، فهل كفرنا و أشركنا باللّه بأداء هذه المناسك؟!!

إنّ المقياس هو النيَّة القلبيّة، و لا يصحّ التسرُّع في الحُكم و إصدار الفتوى لمجرَّد عمل ظاهري.

إنّ كلَّ مَن ينذر لأحدِ أولياء اللّه، إنما يقصد ـ في قلبه ـ النذر للّه و إهداء الثواب لذلك الوليّ الصالح، ليس إلاّ.

و من حُسن الحظّ أنّ العلماء و المفكّرين ـ من الشيعة و السُّنّة ـ قد تَصدَّوا لأباطيل ابن تيميّة ونظائره.

فهذا الخالدي يردّ على ابن تيميّة و يقول:

«إنّ المسألة تدور مدار نيّات الناذرين، و إنّما الأعمال بالنيّات، فإنْ كان قصد الناذر الميّت نفسه و التقرّب إليه بذلك لم يجز، قولا واحداً، و إنْ كان قصده وجهَ اللّه تعالى و انتفاع الأحياء ـ بوجه من الوجوه ـ به وهداء ثوابه للمنذور له ـ سواء عيّن وجهاً من وجوه الانتفاع، أو أطلق القول فيه و كان هناك ما يطّرد الصرف فيه في عُرف الناس، أو أقرباء الميّت، أو نحو ذلك ـ ففي هذه الصورة يجب الوفاء بالنذور»(1).


1. صلح الاخوان: 102 و ما بعده.

(162)

ثم ذكر ما صرَّح به علماء عصره و من قارَب عصره حول هذه المسألة.

و قال العزامي ـ في كتاب فرقان القرآن ـ :

«... و مَن استخبر حال من يفعل ذلك من المسلمين، وَجَدهم لا يقصدون بذبائحهم و نذورهم للأموات ـ من الأنبياء و الأولياء ـ إلاّ الصدقة عنهم و جعْل ثوابها إليهم، و قد علموا أنّ إجماع أهل السُّنَّة منعقد على أنَّ صدقة الأحياء نافعة للأموات، واصلة إليهم، و الأحاديث في ذلك صحيحة مشهورة.

فمنها: ما صحَّ عن سعد أنّه سأل النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ «قال: يا نبىّ اللّه إنّ أُمّي قد افتلتت(1)و أعلم أنّها لو عاشت لتَصَدَّقتْ، أفإن تصدَّقتُ عنها أينفعها ذلك؟

قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : نعم.

فسأل النبيَّ: أي الصدقة أنفع يا رسول اللّه؟

قال: الماء.

فحفَر بئراً و قال: هذه لأُمّ سعد».(2)

لقد أخطأ محمّد بن عبدالوهّاب فادّعى أنّ المسلم إذا قال: هذه الصدقة للنبىّ أو للولىّ، فاللام بنفسها هي اللام الموجودة في قولنا: «نذرتُ للّه» يُراد منها الغاية، فالعمل للّه، بينما لو قال: للنبي، يريد بها الجهة الّتي يُصرف فيها الصَدقة من مصالح النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حياته و مماته.

و في هذا الصَّدد يقول العزامي ـ بعد ذكر قصة سعد ـ :

«اللام في «هذه لأُمّ سعد» هي اللام الداخلة على الجهة الّتي وُجّهتْ إليها


1. أي ماتت.
2. فرقان القرآن: 133.


(163)

الصَّدقة، لا على المعبود المتقرَّب إليه، و هي كذلك في كلام المسلمين، فهم سَعْديُّون لا وثَنيُّون!

و هي كاللام في قوله تعالى: «إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراء» لا كاللام في قوله سبحانه: (رَبِّ إنّي نَذَرتُ لَكَ ما في بَطْني مُحرَّراً...)(1) أو في قول القائل: صَلّيْتُ للّه وَ نَذَرْتُ للّه، فإذا ذَبح للنبىّ أو الولىّ أو نَذرَ الشيء له فهو لا يقصد إلاّ أن يتصدَّق بذلك عنه، و يجعل ثوابه إليه، فيكون من هدايا الأحياء للأموات المشروعة المثاب على إهدائها، و المسألة... مبسوطة في كُتب الفقه و في كُتب الردّ على الرجل و مَن شايعه».(2)

و هكذا ظَهر لك ـ أيّها القارئ ـ جواز النذر للأنبياء و الأولياء، من دون أن يكون فيه شائبة شِرك، فيُثاب به الناذر إن كان للّه و ذبح المنذور باسم اللّه، فقول القائل «ذبحتُ للنبي» لا يريد أنه ذَبحه للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بل يريد أنّ الثواب له، كقول القائل: ذَبحتُ للضيف، بمعنى أنّ النفع و الفائدة له، فهو السبب في حصول الذبح.

و يوضّح ذلك ما روي عن ثابت بن الضحّاك قال:

«نَذر رجلٌ على عهد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن ينحر إبلا بـ «بوانة» فأتى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأخبره، فقال [النبىّ ]:

هل كان فيها وَثَنٌ يُعبَدُ من أوثان الجاهلية؟

قالوا: لا.

قال: فهل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟

قالوا: لا.


1. آل عمران: 35.
2. فرقان القرآن: 133.


(164)

قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ للسائل: أوْفِ بِنذْرِكَ، فَإنَّهُ لا وَفاء لِنَذْر في مَعْصِيَة اللّه، وَ لا فيما لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ».(1)

و روي أيضاً:

«إنّ امرأة أتت النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقالت: يا رسول اللّه... إنىّ نذرتُ أن أذبح بمكان كذا و كذا ـ مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية.

فقال النبي: ألصنم؟

قالت: لا.

قال: ألوَثَن؟

قالت: لا.

قال: في بِنَذْرِكِ»(2).

و عن ميمونة بنت كردم أنّ أباها قال لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«يا رسول اللّه إنّي نذرتُ إنْ وُلْدِ لي ذَكَر أنْ أنحر على رأس «بُوانة» ـ في عَقَبة من الثنايا ـ عدَّة من الغنم.

قال «الراوي عنها»: لا أعلم إلاّ أنّها قالت: خمسين.

فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : هل مِن الأوثان شيء؟

قال: لا.

قال: فأوفِ بما نذرتَ به للّه...»(3).


1. سنن أبي داود: 2 / 80.
2. سنن أبي داود: 2 / 81.
3. سنن أبي داود: 2 / 81.


(165)

أرأيت ـ أيّها القارئ ـ كيف يُكرّر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ السؤال عن وجود الأصنام في المكان الّذي تُذبح فيه الذبائح؟!

إنّ هذا دليل على أنّ النذر الحرام هو النذر للأصنام، حيث كان ذلك عادة أهل الجاهلية، كما قال تعالى:

(...وَ ما ذُبِح عَلَى النُّصُبِ... ذلِكُمْ فِسْقٌ)(1).

و كلّ من اطّلع على أحوال الزائرين للعَتبات المقدَّسة و مراقد أولياء اللّه الصالحين يعلم جيّداً أنهم ينذرون للّه تعالى و لرضاه، و يذبحون الذبائح باسمه عزَّوجلَّ، بهدف انتفاع صاحب القبر بثوابها، و انتفاع الفقراء بلحومها.

و ختاماً لهذا الفصل نذكر كلمة للخالدي ـ بعد أن ذكر ما رواه أبو داود في سُننه ـ قال:

«و أمّا استدلال الخوارج بهذا الحديث على عدم جواز النذر في أماكن الأنبياء و الصالحين، زاعمين أنّ الأنبياء و الصالحين أوثان ـ و العياذ باللّه ـ و أعياد مِن أعياد الجاهلية، فهو من ضَلالاتهم و خرافاتهم و تجاسُرهم على أنبياء اللّه و أوليائه، حتّى سمَّوهم أوثانا، و هنا غاية التحقير لهم، خصوصاً الأنبياء، فإنّ مَن انتقصَهم ـ ولو بالكناية ـ يَكفُر و لا تُقبل توبتُه ـ في بعض الأقوال ـ وهؤلاء المخذلون بجهلهم يُسمّون التوسُّل بهم عبادة و يُسمُّونهم أوثاناً، فلا عبرة بجهالة هؤلاء و ضلالاتهم، و اللّه أعلم» (2).


1. المائدة: 3.
2. صلح الاخوان: 109.


(166)


(167)

الفصل التاسع

تكريم مواليد أولياء اللّه و وَفيّاتهم

هل تكريم مواليد أولياء اللّه و وفيّاتهم بدعة؟!

إنّ الزمرة الوهّابيّة تدَّعي حرمة ذلك... فكأنّها تُضمر الحقد الدفين و العداء البغيض لأولياء اللّه و قادة الإسلام، حيث إنّها تمنع من إقامة الاجتماعات في مواليدهم و وفيّاتهم.

يقول الوهّابي «محمّد حامد الفقي» رئيس جماعة «أنصار السُّنّة المحمّدية» ـ في حواشيه على كتاب الفتح المجيد ـ :

«الذكريات الّتي ملأت البلاد باسم الأولياء هي نوعٌ من العبادة لهم وتعظيمهم».(1)


1. الفتح المجيد: 154، في هذه الأيام الّتي أَنشغل فيها بتأليف هذا الكتاب، يحتفل المسلمون ـ في كافة البلاد الإسلامية ـ بميلاد خاتم الأنبياء و منقذ البشرية النبىّ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و قد أفتى مُفتي آل سعود «ابن باز» بحرمة الاحتفال بهذه المناسبة الكريمة و اعتبرها بدعة، ولكن هذا المفتي نفسه خاطب الملك فيصل ـ في فترة حكومته ـ بـ «أميرالمؤمنين» ممّا أثار السخط و الاشمئزاز في الأوساط كلّها، حتى أنّ الملك نفسَه أعرب عن عدم استحقاقه لهذا اللقب.

(168)

إنّ العلَّة الأساسية في كلّ هذه الانحرافات هي أنّ الوهّابيّين لم يُحدِّدوا معنى «التوحيد» و«الشِّرك» و «العبادة» حتّى الآن ،و لهذا فهم يعتبرون كلّ تكريم لأولياء اللّه عبادة لهم و شركاً باللّه، وقد قرأت أنّ المؤلّف الوهّابىّ خَبَط خبطة عشواء فَقَرن بين كلمتي «العبادة» و «التعظيم» و ذكرهما بأزاء الآخر، ظنّاً منه أنّ المعنى فيهما واحد.

و إنّنا سوف نتحدّث عن العبادة و مفهومها ـ في فصل خاصّ(1) ـ و سنبرهن على أنّ كلّ تكريم و تعظيم لأولياء اللّه ليس عبادة لهم أبداً. و الحديث الآن حول جواز تكريم مواليد الأولياء و وفيّاتهم، على ضوء القرآن الكريم.

ممّا لا شكّ فيه أنّ القرآن الحكيم ذكر جمعاً من الأنبياء و الأولياء بكلمات المدح و الثناء والتجليل و الاحترام فمثلا:

1ـ يقول بالنسبة إلى النبىّ زكريا و يحيى و غيرهما:

(... إنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً وَ كانُوا لَنا خاشِعينَ)(2).

فإذا أُقيم حفل تكريمي لهؤلاء الأنبياء و وقف خطيب يتحدّث عنهم بمثل ما جاء في القرآن الكريم من كلمات المدح و الثناء لهم، و ذَكرهم بالتجليل و الاحترام،... فهل ارتكب خطيئة بذلك، سوى أنّه اقتدى بالقرآن الكريم؟!

2ـ و يقول بالنسبة إلى أهل البيت ـ عليهم السلام ـ :

(وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكيناً وَ يَتيماً وَ أَسيراً)(3).


1. انظر الفصل الحادي عشر من فصول هذا الكتاب .
2. الأنبياء: 90.
3. الإنسان: 8.


(169)

فإذا اجتمع شيعة الإمام علىّ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ في يوم ميلاده الشريف، و قال خطيبهم: إنَّ هذا الإمام هومن أُولئك الذين قدَّموا طعامهم للمسكين و اليتيم و الأسير، فهل هذا يعني أنّهم عَبدوه؟!

و هكذا الحال بالنسبة إلى ميلاد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فإذا أقمنا احتفالا عظيماً يوم ميلاده السعيد و تحدَّثنا فيه عن الآيات القرآنية الّتي امتدحت النبي أو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ترجمناها من اللغة العربية إلى غيرها ـ حسب ما يقتضيه ذلك الحفل ـ أو ذكرنا معنى تلك الآيات في قوالب شِعريَّة، أو ما شابه ذلك، فلماذا نكون عاصين بهذا العمل؟!!

إنّ الوهّابيّين هم أعداء تكريم الأنبياء و الأولياء، و يُلبسون عداءهم هذا بلباس الدين فيقولون: إنّ التكريم بدعة، منعاً من إقامته بين المسلمين.

أنّ الاحتفال بذكرى الأولياء ـ بما أنه يُقام باسم الإسلام ـ يجب أن يُقرّه الإسلام بنصٍّ خاصّ أو عامّ، و إلاّ فهو بدعة و حرام.

و الجواب انه لم يرد في الموضوع نصّ بالخصوص ولكن يكفي في الخروج عن البدعة، الدليل العام الداعي إلى لزوم أواستحباب تكريم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومن المعلوم أنّ هذه الاحتفالات و المراسيم لا تقام إلاّ «تكريماً» للأنبياء و الأولياء فقط.

فالهدف من هذه المراسيم و الاحتفالات ـ الّتي تُزاولها كافّة الشعوب في العالَم ـ ليس إلاّ التكريم و التقدير للشخصيّات البارزة، و أنّ هذه الاحتفالات متداولة لدى كافّة الشعوب الإسلامية، باستثناء الشرذمة «النّجدية» المعقّدة فقط، فلو كان هذا العمل بدعة و ظاهرة جديدة و مخالفاً للشريعة الإسلامية لما كان علماء الإسلام ـ


(170)

في الأقطار الإسلامية كلّها ـ يقيمون بأنفسهم هذه الاحتفالات و يشاركون فيها بإلقاء الكلمات و القصائد، ممّا يزيد الاحتفال بهجة و حيويَّة و فرحاً.

القرآن و تكريم الأنبياء و الأولياء

و الآن نذكر بعض الأدلّة من القرآن الكريم على جواز تكريم الأنبياء و الأولياء فيما يلي:

الآية الأُولى:

إنّ القرآن الكريم يُشيد بجماعة كرَّمت النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيقول:

(... فالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنْزِل مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1).

إنّ الكلمات الّتي وردت في هذه الآية هي:

1ـ «آمَنُوا به».

2ـ «عَزَّرُوهُ».

3ـ «نَصَرُوهُ».

4ـ «اتَّبَعُوا النُّورَ».

هل يحتمل أحد أن تكون هذه الكلمات و الأوصاف خاصّة بزمن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟!!


1. الأعراف: 157.

(171)

بالتأكيد: لا.

و مع انتفاء هذا الاحتمال قطعاً، تكون كلمة «عزَّروه» ـ الّتي هي بمعنى التكريم و التعظيم(1) ـ عامّة لحياة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و بعد وفاته، فاللّه تعالى يريد أن يكون حبيبه المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معظَّماً مكرَّماً حتّى الأبد.

و نتساءل: أليست إقامة الاحتفالات في يوم ميلاد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و بعثته، وإلقاء الخُطَب و القصائد، مصداقاً واضحاً لقوله تعالى: «عزَّروه»؟!

يا للعجب!! إنّ الوهّابيّين يُعظّمون شخصيّاتهم و أُمراءهم أكبر تعظيم، لكن يَعتبرون تعظيم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو منبره ومحرابه بدعة وشركاً !!

إنّ الوهّابيّة ـ بهذه العقائد الجافّة ـ تُشوّه سمعة الإسلام أمام الرأي العامّ العالمي، و تُعرِّفه ديناً عارياً عن كلّ عاطفة، و فاقداً للمشاعر الإنسانية، و ناقصاً عن كلّ تكريم و احترام، و رافضاً لتكريم عظمائه و قادته، و بهذا تُنفِّر الناسَ من الإسلام و تتركهم في رفض و اشمئزاز منه.

تماماً... بعكس الإسلام الّذي جعله اللّه ديناً سهلا سمحاً يتجاوب مع الفطرة البشرية ويتماشى مع العاطفة الإنسانية، و يجذب ـ بجماله و روعته ـ الشعوب والأُمم إلى اعتناقه.

الآية الثانية:

إنّ الزمرة الوهّابيّة ـ الّتي تُعارض كلّ نوع من أنواع العزاء و البكاء على الشهداء


1. راجع كتاب مفردات القرآن: للراغب، مادَّة: عزر.

(172)

الذين قُتلوا في سبيل اللّه ـ ماذا تقول بشأن ما حصل للنبيّ يعقوب ـ عليه السلام ـ ؟!

إذا كان النبىّ الكريم (يعقوب) اليوم حيّاً يعيش بين أهالي «نجد» و أتباع محمّد بن عبدالوهّاب، كيف كانوا يحكمون عليه؟!

لقد كان يعقوب ـ عليه السلام ـ يبكي على فراق ولده يوسف ليلا و نهاراً، و يستفسر عنه ويترنَّم باسمه حتى: (... ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظيمٌ)(1).

و بالرغم من كلّ ما كان يعاني منه يعقوب من ابيضاض العين و حُزن القلب و ألم الفراق، فإنّه لم ينسَ ابنه يوسف، بل كان يزداد شوقاً إليه كلَّما قرب الوصال و اللقاء به، حتى أنه شمَّ ريح يوسف من مسافة بعيدة.

قال تعالى عن لسانه:

(إنّي لاََجِدُ ريحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ)(2).

فكيف تكون هذه المحبّة و المودَّة و التعبير عن العلاقة الشديدة بالمحبوب «يوسف» في حياته عملا صحيحاً و متّفقاً مع توحيد اللّه تعالى، ولكنها تنقلب بدعة و حراماً بعد وفاته؟!!

مع العلم أنّ فراق العزيز و موته يترك في القلب نيران الأسى و الحزن و الألم بصورة أكثر من فراقه في حياته.

و اليوم... إذا اجتمع المؤمنون ـ الذين يشبهون يعقوب في حُزنه ـ في عزاء ولىّ من أولياء اللّه ـ كالأئمة الطاهرين الذين يُشبهون يوسف في مصابه، بل مصابهم أشدّ منه كثيراً ـ و أحيُوا ذِكر ذلك الوليّ الصالح، بالكلمات و الخُطَب و


1. يوسف: 84.
2. يوسف: 94.


(173)

القصائد، وَرَدَّدوا سيرته و خُلُقه الكريم وخصاله الحميدة و سلوكه الطيّب، ثم ذرفوا دموع العاطفة و الحنان عليه... فهل معنى هذا كلّه أنّهم عبدوا ذلك الولي؟!

قليلا من التفكّر و الموضوعية!

قليلا من الفهم و المعرفة!

الآية الثالثة:

قال تعالى:

(... قُلْ لا أَسْئَلُكُم عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ في القُرْبى...)(1).

ممّا لا شكّ فيه أنّ مودَّة ذي القربى هي إحدى الفرائض الدينية الّتي نصَّ عليها القرآن بكلّ صراحة(2) فلو أراد شخص أن يؤدّي هذا الواجب الديني ـ بعد أربعة عشر قرناً ـ فماذا يجب أن يفعل و الحال هذه؟!

أليس المطلوب أن «يفرح لفرحهم و يحزن لحزنهم»؟!

فلو أقام مراسم خاصّة أشاد فيها بشخصية ذلك العظيم و حياته المتلألأة وفضائله الكريمة و تضحياته السامية، واستعرض جانباً من آلامه و ما جرى عليه من المصاعب و المصائب... فهل ارتكب حراماً بعمله هذا؟ أم أنّه أحيا ذِكر ذلك العظيم و أدّى «المودَّة» تجاهه؟!!

ولو أنّ الإنسان ـ لمزيد المودَّة في القربى ـ تفقَّد مَن ينتسب إلى ذوي القربى،


1. الشورى: 23.
2. لقد وردت عشرات الأحاديث عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في أن «القربى» في الآية هم أهل البيت ـ عليهم السّلام ـ .


(174)

و قام بزيارة قبور ذي القربى و أقام تلك المجالس عند مراقدهم... أَلا يحكم العقلاء و أهل البصيرة و الدين بأنّه يؤدّي فريضة «المودَّة في القربى»؟!

إلاّ أنْ يقول الوهّابيّون: إنّ الواجب هو كتمان المودَّة في النفوس و عدم إبرازها بأىّ وجه ممّا هو ثابت البطلان!!

لقد شهد عصر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ما بعده من العصور الّتي عاشت تغييراً في العقائد و تحوّلا في الأفكار ـ شهد إقبالا عظيماً من الشعوب و الأُمم المختلفة تجاه الإسلام، حتى قال تعالى:

(... وَ رَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فى دينِ اللّهِ أفْواجاً)(1).

و كان الإسلام يحتضنهم و يكتفي منهم ـ في البداية ـ بالشهادتين، مع محافظتهم على ثقافتهم و آدابهم و تقاليدهم، و لم يعمل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و من جاء من بعده، على فرض الرقابة على عادات الشعوب و تقاليدها، و صَهْرها في بوتقة واحدة.

إنّ احترام كبار الشخصيّات و إقامة مجالس العزاء في ذكريات وفاتهم، و الاجتماع عند مراقدهم، و إظهار الحبِّ و المودَّة لهم... كلّ ذلك كان و لا يزال أمراً متداولا لدى كافة الشعوب في العالَم كلّه.

و في عصرنا الحاضر... ترى الشعوب الشرقية و الغربية تقف ساعات طويلة في الانتظار لزيارة الأجساد المحنَّطة لزعمائها و قبور قادتها القدامى، و يذرفون دموع الشوق بجوارها، و يعتبرون ذلك نوعاً من الاحترام و التقدير.

و لم يُعهد من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يجري تحقيقاً عن عقائد الناس و آدابهم


1. النصر: 2.

(175)

المعروفة أوّلا ثم يوافق على دخولهم في الاسلام، بل كان يكفي تشهّدهم للشهادتين، ولو كانت هذه العادات محرَّمة و عبادة لتلك الشخصيّات لاشترط عليهم البراءة و التخلّي من كلّ ما لديهم من عادات و تقاليد، ثم الدخول في الإسلام، و لم يكن الأمر كذلك.

الآية الرابعة:

إنّ النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ سأل ربّه أن يُنزل عليه مائدة من السماء، و يَعتبر يوم نزولها عيداً له و لأصحابه.

يقول القرآن الكريم ـ عن لسان عيسى ـ :

(... رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عيداً لاَِوَّلِنا و آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أنْتَ خَيْرُ الرّازِقينَ)(1).

فهل ـ يا ترى ـ أنّ شخصيّة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أقلّ شأناً من تلك المائدة الّتي اتخذ المسيح يوم نزولها عيداً؟!!

إذا كان اتخاذ ذلك اليوم عيداً لكون المائدة آية إلهية و معجزة سماوية... أليس نبىّ الإسلام أكبر آية إلْهية و معجزة القرون و العصور؟!

تَبّاً و بُعداً لقوم يوافقون على اتخاذ يوم نزول المائدة السماوية ـ الّتي لم يكن لها شأن سوى إشباع البطون الجائعة ـ عيداً، و لكنّهم يُهملون يوم نزول القرآن على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يوم مبعثه الشريف، بل و يعتبرون الاحتفال به بدعة و حراماً!!


1. المائدة: 114.

(176)

الآية الخامسة:

قال سبحانه: (وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)(1).

إنّ إقامة المجالس و الاحتفالات هي نوع من رفْع الذِّكر، و المسلمون لا يهدفون من الاحتفال بميلاد النبىّ و مبعثه و غير ذلك من المناسبات الدينية سوى رفع ذِكره و ذِكر أهل بيته الأطهار ـ عليهم السلام ـ .

فلماذا لا نقتدي بالقرآن؟!

أليس القرآن قدوة و أُسوة لنا؟!

هذا... و ليس لأحد أنّ يقول: «إنّ رفع ذِكره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خاصّ باللّه سبحانه و لا يشمل غيره» لأنّ ذلك يشبه أنّ يقول: إنّ نصْر النبىّ خاصّ باللّه سبحانه و لا يجوز لأحد من المسلمين أن ينصره و قد قال تعالى:

(وَ يَنْصُرَكَ اللّهُ نَصْراً عَزيزاً)(2).

و لعلّ الهدف من هذه الآيات هو دعوة المسلمين إلى نصر النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و تخليد ذكراه و إحياء اسمه و رسمه .

التناقض بين قول الوهّابيّة و عملها

و العجب من هؤلاء الوهّابيّين... كيف يُحرّمون الاحتفال بمولد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك النبىّ الّذي أسدى إلى البشرية عامّة أعظم العطاء الزاخر الدائم، و يعدُّون الاحتفاء به و الاحتفال بميلاده شركاً، ولكنهم يقيمون الاحتفالات الضخمة تشييداً


1. الانشراح: 4.
2. الفتح: 3.


(177)

لرجالهم و أُمرائهم، و يُنفقون ـ في هذا السبيل ـ ملايين الريالات، تقديراً لخدماتهم كما يزعمون.

انظر إلى العدد 102 من مجلة الفيصل ـ الّتي تصدر في طباعة أنيقة جداً في السعودية ـ فهو يحتوي على تقرير مفصَّل عن الاحتفالات الكبرى الّتي أقامتها السلطات السعودية بمناسبة عودة «الأمير سلطان» من الرحلة الفضائية في مركبة «ديسكفري».

و يحتوي هذا العدد على صُوَر كثيرة تُنبئ عن حجم المبالغ الطائلة الّتي صُرفت في تلك الاحتفالات، و قد نُشرت الكلمات و القصائد الّتي أُلقيت في تلك الاحتفالات، و تقرأ فيها المدح المفرط و الثناء المسرف لآل سعود عامّة و للأمير خاصّة!!

باللّه عليك ـ أيها القارئ ـ هل يستحقّ أمير ـ لم يفعل شيئاً سوى أنّه رافقَ مجموعة من الأجانب الغربيّين في رحلة فضائية أعدّها الأمريكيّون ـ هل يستحقّ هذا الاحتفاء و التكريم و صرف الأموال الطائلة، و هدر الطاقات و النشاط فيما لا فائدة فيه... و لا يستحقّ رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، و حلَّق بهم في سماء الكمالات المعنوية والفضائل النفسية و الصفات العالية و أنقذهم من كلّ سوء و انحطاط و ضلال و ضياع و انحراف.

أَلا يستحقّ رسولُ الإسلام أن تُخلَّد ذكرى مولده الشريف، تُشرَح مناقبه و فضائله و إنجازاته العظيمة و عطاؤه الزاخر و خدماته الجليلة و جهاده و جهوده و غير ذلك.

حتى تعرف الأجيال ـ على امتدادها ـ ما أسداه هذا النبىّ العظيم من خدمة،


(178)

وما قدَّمه من عطاء و ما تحمّل من عناء و عذاب في سبيل هداية البشرية؟!

و هل التكريم إلاّ الاحتفاء و الاحتفال به و نشر قِيَمِهِ الفاضلة و الحثّ على الاقتداء به و الأخذ بهديه و المحافظة على آثاره؟!

و كيف لا يجوز مدح النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و إلقاء القصائد في فضله وعظمته، ويجوز مدح آل سعود و أُمرائهم.

ما هذا التناقض بين القول و العمل الّذي يقع فيه الوهّابيّون دائماً؟!

لماذا يمنعون إقامة الاحتفالات بمولد النبىّ الأكرم، بحجة أنّه لم يَرِد في الشرع الإسلامي، ولكنهم يقيمون أعظم الاحتفالات و المهرجانات لرجالهم السياسيّين؟!

قال تعالى:

(وَ إذا لَقُوا الَّذينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَ إِذا خَلَوْا إلى شَياطينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إنَّما نَحْنُ مُسْتَهزِءُونَ* اللّهُ يَسْتَهزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهِم يَعْمَهُونَ)(1).

إنّ المسلمين درجوا من قديم الأيّام على الاحتفال بميلاد النبي، يقول «الدياربكري».

«... و لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ـ عليه السلام ـ و يعملون الولائم، و يتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات و يظهرون السرور، و يزيدون في المبرّات و يعتنون بقراءة مولده الكريم و يظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عميم»(2).


1. البقرة: 14ـ15.
2. تاريخ الخميس: 1 / 223.


(179)

الفصل العاشر

التبرُّك و الاستشفاء بآثار أولياء اللّه

تعتقد الوهّابيّة بأنّ التبرّك بآثار أولياء اللّه شِركٌ باللّه، و تعتبر الّذي يُقبّل محراب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و منبره مشركاً و إن لم يأتِ بذلك بنيّة العبادة، بل كانت المحبّة و المودَّة تجاه النبىّ الكريم هي الدافع له إلى تقبيل آثاره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

إنّ المنع من التبرّك بآثار الرسول الأكرم و تقبيل ضريحه المقدّس و منبره الشريف هو من أشّد الإجراءات الّتي يتّخذها الوهّابيّون ضدّ المسلمين، و قد استخدموا مجموعة من الشرطة باسم «الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر!!» وزَّعوهم في مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ للحيلولة دون تقبيل ضريحه المقدّس و منبره الشريف و محراب مسجده المبارك، و هؤلاء الوهّابيّون يواجهون المسلمين الحُجّاج بكلّ خشونة و صلافة و يمنعونهم عن التبرّك و التقبيل، وطالما أمسكوا بأيديهم العصا أو الأسلاك الغليظة، و طالما أراقوا ـ في هذا السبيل ـ دماء الأبرياء وهتكوا الأعراض و النواميس في حرم النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ زعماً منهم أن التبرّك و التقبيل عبادة لصاحب القبر.


(180)

إنّ هؤلاء الغرباء عن الإسلام أخطأوا في فهم معنى العبادة و مفهومها، و لهذا تاهوا في متاهات الضلال و الباطل، فاعتبروا كلّ احترام للميّت عبادة له، مع العلم أنّ تقبيل الضريح المقدّس و التبرّك بالآثار النبوية إنّما هو في سبيل اللّه سبحانه، لأنّ المسلمين لا يكرّمون النبىّ الأكرم و لا يتبرّكون به و بآثاره إلاّ لأنّه رسولُ اللّه و نبيُّه الحبيب المصطفى، الّذي شرَّفه اللّه على كلّ الأنبياء و المرسلين و فضَّله على الخلق أجمعين، فكلّ تكريم و تعظيم لأولياء اللّه إنّما هو تعظيم للّه سبحانه، وليست حقيقة التوحيد إلاّ أن يكون كلّ شيء للّه و من أجله و في سبيله، و عند ذلك يكون اللّه هو المبدأ كما يكون هو المنتهى.

و سوف نتحدّث ـ في الفصل القادم ـ عن العبادة و مفهومها بالضبط والتحقيق.

أمّا الآن فالبحث عن التبرّك بآثار الأولياء، فيجب أن نَعرض المسألة على كتاب اللّه و سُنَّة رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كي يتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره.

القرآن و التبرُّك

نكتفي من القرآن الكريم بآية واحدة، و هي عن لسان النبىّ يوسف ـ عليه السلام ـ :

(اذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأتِ بَصيراً...)(1).

إنّ النبىّ يوسف أرسل قميصه إلى أبيه، و قال لإخوانه: اذهبوا بقميصي هذا وألقوه على وجهه حتى يعود إليه بَصَره.

يقول تعالى:


1. يوسف: 93.

(181)

(فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ ألْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَاْرتَدَّ بَصيرَاً...)(1).

فهذه الآية صريحة بجواز التبرّك بآثار الأنبياء و الأولياء حتى لنبىٍّ آخر، فهذا النبىّ يعقوب يتبرّك بقميص النبىّ يوسف ـ عليه السلام ـ و من الواضح أنّ الشفاء من اللّه سبحانه، فهو المؤثّر في الأشياء، إلاّ أنّ التبرّك بالقميص صار وسيلة للشفاء كما يكون الدواء كذلك بإذن اللّه تعالى.

يا تُرى... إذا كان تبرّك النبىّ يعقوب بقميص ابنه يوسف يقع أَمام النجديّين و أتباع محمّد بن عبدالوهّاب ماذا كان يحكمون عليه؟ بالكفر؟ بالشرك؟ بالذنب؟ و هوالنبىّ المعصوم عن الخطأ والاشتباه!

إنّ تبرّك المسلمين بضريح رسول اللّه و آله الطاهرين و بآثارهم ـ صلّى اللّه عليه و آله وعليهم أجمعين ـ لا يختلف عن تبرّك النبيّ يعقوب بقميص ابنه يوسف ـ عليهما السّلام ـ .

التبرُّك و سيرة المسلمين

إنّ نظرة خاطفة في سيرة المسلمين ـ بدءاً من الصحابة و إلى هذا اليوم ـ تكشف لنا عن السُّنَّة المتَّبعة لديهم تجاه التبرّك بالنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و آثاره الشريفة طوال التاريخ، و فيما يلي نذكر نماذج من ذلك، مع مراعاة الاختصار:

1ـ إنّ فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين بنت رسول اللّه حضرت عند قبر أبيها ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه و تبكي و تقول:


1. يوسف: 96.

(182)

ماذا على من شمَّ تربةَ أحمد * ألاّ يشمَّ مدى الزمان غَواليا
صُبَّتْ علىَّ مصائب لو أنّها * صُبَّت على الأيام صِرنَ لياليا(1)

إنّ عمل السيدة الزهراء المعصومة هذا لا يدلّ إلاّ على جواز التبرّك بقبر رسول اللّه و تربته الطاهرة.

2ـ إنّ بلال ـ مؤذّن رسول اللّه ـ أقام في الشام في عهد عمر بن الخطّاب فرأى في منامه النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو يقول له:

«ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟»

فانتبه حزيناً وجلا خائفاً، فركب راحلته و قصد المدينة فأتى قبر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فجعل يبكي عنده و يُمرِّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن و الحسين ـ عليهما السلام ـ فجعل يضمهّما و يقبّلهما... إلى آخر الخبر.(2)

3ـ قال ابن حجر:

«كلّ مولود وُلد في حياة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يُحكم بأنّه رآه، و ذلك لتوفّر دواعي إحضار الأنصار أولادهم عند النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ للتحنيك و التبرّك، حتّى قيل: لمّا افتُتحت مكّة جعل أهل مكّة يأتون إلى النبىّ بصبيانهم ليمسح على رؤوسهم و يدعو لهم بالبركة»(3).

و في ذلك يقول مؤلّف كتاب «تبرّك الصحابة»:


1. لقد ذكر هذه القضية جمع كثير من المؤرّخين، منهم السمهودي في وفاء الوفا: ج 2 ص 444، و الخالدي في صلح الاخوان: ص 57 و غيرهما.
2. أُسد الغابة: 1 / 28.
3. الإصابة: 3 / 631.


(183)

«لا شكّ أنّ آثار رسول اللّه ـ صفوة خلق اللّه و أفضل النبيّين ـ أثبتُ وجوداً و أشهر ذِكراً، فهي أولى بذلك «التبرّك» و أحرى، و قد شهده الجمّ الغفير من الصحابة و أجمعوا على التبرّك بها، والاهتمام بجمعها، و هم الهداة المهديّون و القدوة الصالحون، فتبرّكوا بشَعراته و بفضل وضوئه، و بعَرَقه، و بثيابه، و بمسّ جسده الشريف، و بغير ذلك ممّا عُرف من آثاره الشريفة الّتي صحَّت به الأخبار عن الأخيار»(1).

و يكفي في ذلك ما رواه الامام أحمد في مسنده:

«إنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يؤتى إليه بالصبيان فيُبرّك عليهم و يُحنّكهم»(2).

4ـ و قد كان الصحابة يتبرّكون بفضل وضوئه و غسله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقد روى البخاري:

«خرج علينا رسول اللّه بالهاجرة، فأُتي بوضوء فتوضّأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه و يتمسّحون به»(3).

و قد وردت في ذلك روايات مَلأت الصحاح و المسانيد.

5ـ و كان الصحابة يتبرّكون بشَعره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقد روى أنس:

«أنّ رسول اللّه لمّا حَلق رأسه كان أبو طلحة أوّل من أخذ شَعره»(4).

إنّ قوله: «كان أبو طلحة أوّل من أخذ شَعره» يدلّ على أنّ الصحابة تسابقوا


1. تبرّك الصحابة: 5.
2. مسند أحمد: 6 / 212.
3. صحيح البخاري: 1 / 59; فتح الباري: 1 / 256.
4. صحيح البخاري: 1 / 54.


(184)

إلى التبرّك بشَعره المبارك، و كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

و روي أيضاً: «أنّ رسول اللّه أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ثم قال للحلاّق: خُذ، و أشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يُعطيه الناس»(1).

6ـ كما كانوا يتبرّكون بالإناء الّذي شرب منه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«قال أبو بردة: قال لي عبداللّه بن سلام: أَلا أسقيك في قَدَح شرب النبىّ فيه؟»(2).

و يُفهم من الرواية أنّ عبداللّه بن سلام كان يحتفظ بذلك القَدَح، لكونه اكتسب البركة بشُرب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيه.

7ـ و كانوا يتبرّكون بيديه الشريفتين:

«عن أبي جحيفة قال: خرج رسول اللّه بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضّأ ثم صلّى الظهر ركعتين و العصر ركعتين...

إلى أن قال: و قام الناس فجعلوا يأخذون يديه، فيمسحون بها وجوهَهم.

قال: فأخذتُ بيده فوضعتُها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج و أطيب رائحة من المسك»(3).

8ـ و كانوا يتبرّكون بمنبره الشريف:


1. صحيح مسلم: 3 / 947.
2. صحيح البخاري: 7 / 147; فتح الباري: 10 / 85.
3. صحيح البخاري: 4 / 188.


(185)

«عن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبدالقارئ أنّه نظر إلى ابن عمر و قد وضع يده على مقعد المنبر حيث كان النبىّ يجلس عليه، ثم وضعها على وجهه»(1).

9ـ كما كانوا يستشفون بقبره الشريف:

«روي عن أميرالمؤمنين علىّ [ ـ عليه السلام ـ ] أنّه قال: إنّ أعرابياً قَدِم علينا بعد ما دفنّا رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ و آله ] و سلّم ـ بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر النبىّ، وحثا من ترابه على رأسه و قال: يا رسول اللّه قلتَ فسمِعنا قولك، و وَعيتَ عن اللّه سبحانه فوَعينا عنك، و كان فيما أنزل اللّه عليك: (و لَوْ أنَّهم إِذْ ظَلَموا أنفُسَهُمْ جاءُوكَ...) و قد ظلمتُ وجئتك تستغفرلي. فنودي من القبر: قد غُفرلك»(2).

و الخلاصة: أنّ من يراجع كتب الصحاح و السنن و المسانيد و التواريخ، يرى أنّ الصحابة و التابعين كانوا يتبرّكون بكلّ ما يرتبط بالنبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يستشفعون بقبره، وبوضع الخدِّ عليه، و شمّ ترتبه، والبكاء عنده، بل و التبرّك بعصاه و ملابسه، و الصلاة في الأماكن الّتي صلّى فيها النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو مشى فيها.

و هذه الروايات على حدٍّ من الكثرة و التواتر بحيث يستحيل عند العقل أن تكون موضوعة ومجعولة، و كيف تكون كذلك و قد رواها الشيخان: البخاري و مسلم، و غيرهما من أعلام الحديث.؟!!

و قد قام بجمع هذه الروايات و توضيحها مع ذكر مصادرها الفاضلان المحقّقان:

الأُستاذ الشيخ محمّد طاهر مكّي في كتابه «تبرّك الصحابة بآثار رسول اللّه».


1. الطبقات الكبرى: 1/13 القسم الثاني .
2. كنز العمال: 2 / 248; وفاء الوفا: 4 / 1361.


(186)

و الأُستاذ الفذّ الشيخ علي الأحمدي في كتابه القيّم «التبرُّك»» و قد استقصى فيه المؤلّف كلَّ ما ورد حول التبرُّك، و الكتاب يُعتبر من حسنات العصر.

فماذا تقول الوهّابيّة تجاه هذه الأحاديث المتواترة لفظاً و معنىً؟!

و ما هو موقفهم من هذه الحقيقة الساطعة؟!

و لماذا هذه الضجّة العمياء الّتي تثيرها حول التبرّك بضريح رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و الّذي جرت عليه سيرة السلّف من الصحابة و التابعين، دون أن يَرَوا أىّ استنكار أو استقباح أو منع أو تحريم من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو مَن حوله من الصحابة؟!

ولماذا لا يتركون المسلمين ليُقبّلوا ضريح رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يتبرّكوا به، و يُعبّروا عن مشاعرهم وعواطفهم تجاه نبىّ اللّه؟!

أفلا يعلمون أنّ النهي عن التبرّك بالضريح النبوىّ الطاهر و آثار رسول اللّه كان من دأب الأُمويّين لا سيّما مروان الّذي لعنه رسولُ اللّه؟!

10ـ هلم معي نقرأ ما يرويه الحاكم في المستدرك عن داود بن صالح، قال:

«أقبل مروان يوماً فوجد رجلا واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته ثم قال: هل تدري ما تصنع؟

فأقبل عليه فاذا هو أبو أيّوب الأنصاري فقال: نَعم إنّي لم آت الحَجَر، إنما جئتُ رسولَ اللّه و لم آت الحَجَر، سمعتُ رسولَ اللّه يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليَه أهلُه، ولكن ابكوا على الدين إذا وَليَه غيرُ أهله»(1).


1. مستدرك الصحيحين: 4/515.

(187)

قال المرحوم الشيخ الأميني:

«إنّ هذا الحديث يُعطينا خُبراً بأنّ المنع عن التوسّل بالقبور الطاهرة إنما هو من بَدعِ الأُمويّين و ضلالاتهم، منذ عهد الصحابة، و لم تسمع اُذُن الدنيا قطّ صحابيّاً يُنكر ذلك، غيرَ ـ وليدُ بيت أُميّة ـ مروان الغاشم!!

نعم... لِبني أُميّة ـ عامّة ـ و لمروان ـ خاصّة ـ ضغينة ـ على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منذ يوم لم يُبقِ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ للأُسرة الأُمويَّة حرمة إلاّ هتكها، و لا ناموساً إلاّ مزَّقه، و لا ركناً إلاّ أباده، و ذلك بوقيعته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيهم وهو لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحى علَّمه شديدُ القوى، فقد صحَّ عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قوله: «إذا بلغتْ بنو أُميَّة أربعين، اتَّخذوا عبادَ اللّه خولا، و مالَ اللّه نحلا، و كتاب اللّه دَغَلا»(1).

و ترى أنّ أبا أيّوب الأنصاري يردّ على مروان ـ لمّا قال له: هل تدري ما تصنع؟ ـ بقوله: نعم إنّي لم آتِ الحجَر، إنّما جئت رسول اللّه و لم آتِ الحجَر...

أىّ أنّ الهدف من التوسّل و التبرّك هو رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي نعتقد بعدم الفرق بين حياته ومماته ـ من هذه الجهة ـ و إلاّ فالتراب و الحجَر لا قيمة لهما، إلاّ أنّ الحجر و التراب حولَ قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد اكتسبا القيمة والشرف بذلك.

أيّها القارئ الكريم: إنّ البخاري قد عقد في صحيحه ـ الّذي يُعتبر أصحّ الكتب عند أهل السُّنّة ـ باباً سمّاهُ: باب ما ذُكر من درع النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و عصاه و سيفه و قَدَحه و خاتمه و ما استعمل الخلفاء بعده من ذلك ـ ممّا لم يُذكر قِسْمَتُه ـ و من شَعره


1. الغدير: 5 / 129ـ130.

(188)

و نعله و آنيته ممّا يتبرّك أصحابه و غيرهم بعد وفاته.(1)

فاذا وقف الوهّابيّ على هذه الأحاديث الهائلة ـ الّتي تجاوزت المائة ـ فلا مناص له من قبول الحقّ و الاعتراف به إن كان ممّن يستمع القول فيتّبع أحسنه، و إلاّ فإنّ يوم الفصل كان ميقاتاً.


1. صحيح البخاري: 4 / 82 المطبوع سنة 1314 هـ .

(189)

الفصل الحادي عشر

التوحيد في العبادة

لقد كانت عبادة اللّه وحده ـ لا عبادة غيره منفرداً أو مشتركاً ـ أساس دعوة الأنبياء ـ عليهم السلام ـ و كان توحيد اللّه و كسر قيود الشرك أساس الأحكام السماوية و في طليعة رسالات الأنبياء جميعاً، فكأنّ الهدف من بعثة الأنبياء هو الدعوة إلى عبادة اللّه وحده ومكافحة الشرك بصورة عامّة و في العبادة بصورة خاصّة.

و القرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة بصراحة فيقول:

(وَ لَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّة رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ...)(1).

(وَ ما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إلاّ نُوحي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلْهَ إلاّ أَنا فَاعْبُدُونِ)(2).

و قد اعتبر القرآن الكريم عبادة اللّه جامعاً مشتركاً بين كافّة الشرائع السماوية فقال:


1. النحل: 36.
2. الأنبياء: 25.


(190)

(قُلْ يا أَهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَ بَينَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إلاّ اللّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً)(1).

إنّ التوحيد في العبادة هو أصلٌ ثابت لدى المسلمين كافّة، و لا يعارضه أحد و لا تختلف فيه أيَّة فرقة من الفرق الإسلامية.

و إذا كانت المعتزلة تختلف وجهة نظرها حول «توحيد الأفعال» و كذلك الأشاعرة تختلف حول «توحيد الصفات» فإنّ جميع المذاهب و الطوائف الإسلامية تتفق حول «توحيد العبادة» و لا مجال لإنكاره، و إن كان هناك اختلافٌ فإنّما هو في المصاديق لا في الأصل، أي أنّ البعض كالوهّابيّين يعتبرون بعض الأفعال (كالتبرّكُ) عبادة، في حين يعتبره سائر المسلمين تكريماً و تعظيماً لا غير.

و بالاصطلاح المنطقي: إنّ الاختلاف إنما هو في «الصغرى» ـ و هو: هل أنّ هذا الفعل عبادة أو لا؟ ـ و لا اختلاف في «الكبرى» ـ و هو: لاتجوز عبادة غير اللّه قطُّ؟ فهذا متَّفق على عدم جوازه ـ .

و بعبارة أُخرى: إنّ الاختلافات إنّما هو في سلسلة أعمال يعتبرها الوهّابيّون عبادة، و لكن غيرهم من المسلمين ـ في العالم كلّه ـ لا يعتبرونها عبادة أصلا.

فالمفروض أن نوضّح معنى «العبادة» على ضوء القرآن الكريم أيضاً، و عند ذلك ستتّضح المصاديق ـ المختلف فيها ـ بنفسها تلقائياً، و يظهر لنا ـ بالتحديد و التحقيق ـ معنى «العبادة».


1. آل عمران: 64.

(191)

تحديد معنى العبادة و التعريف الكامل لها

إنّ «العبادة» معناها و مفهومها واضح في اللغة العربية، و لو لم نتمكّن من تعريفها تعريفاً منطقياً بكلمة واحدة، فهي كالأرض و السماء اللَّتين لهما معنيان واضحان، بالرغم من أنّ الكثير منّا لا يستطيع تحديدهما بكلمة واحدة تحديداً كاملا، ولكن ذلك لا يمنع من تجسّم معنى الأرض والسماء في أذهاننا عند سماع لفظيهما.

فــ «العبادة» و «التعظيم» و «الاحترام» و «التكريم» كالسماء و الأرض و غيرهما مفاهيم واضحة و إن لم نقدر على تحديدهما تحديداً بالجنس و الفصل شأن أكثر المفاهيم الدارجة في الألسن.

إنّ الّذي يعشق أحداً و يُغرم بحبّه، تراه يُقبّل جدران بيت معشوقه و يشمّ ملابسه و يلصقها على صدره، و بعد وفاته يُقبّل قبره و يشمّ تربته... و مع ذلك كلّه لا يَعتبر أحدٌ عملَ هذا العاشق عبادة للمعشوق.

كما أنّ مسارعة الناس إلى مشاهدة الأجساد المحنَّطة للزعماء في العالَم، أو مشاهدة آثارهم و منازلهم الّتي كانوا يعيشون فيها، و الوقوف دقائق حداداً على أرواحهم ،كلّ هذا لا يُعتبر عبادة عند أىّ شعب من شعوب العالَم، حتى لو كان حبّهم و خشوعهم لأُولئك على مستوى خشوع المؤمنين للّه سبحانه، فإنّ أهل المعرفة و التحقيق هم الذين يستطيعون الفصل بين الاحترام و بين العبادة.

أيّها القارئ الكريم: و إذا حاولنا أن نُقدّم تعريفاً منطقياً لــ «العبادة» فإنّ لها ثلاثة تعاريف، وكلها تهدف إلى معنىً واحد.


(192)

و قد اختار الوهّابيّون تعريفين آخَرين و اعتمدوا عليهما، و لكنّهما ناقصان غير كاملين، ولنقدم الكلام في ذينك التعريفين :

تعريفان ناقصان للعبادة

أ ـ العبادة خضوع و تذلُّل.

لقد ورد في كتب اللغة تعريف «العبادة» بــ : الخضوع و التذلُّل(1) ولكن هذا التعريف لا يعكس معنى العبادة بصورة دقيقة، و ذلك لما يلي:

1ـ إذا كانت «العبادة» مرادفة ـ في المعنى للخضوع و التذلُّل، فلا يمكن أن نعتبر أىَّ إنسان موحِّداً للّه، لأنّ البشر ـ بفطرته ـ يخضع لمن يتفوَّق عليه، معنوياً أو ماديّاً، كالتلميذ يخضع لأُستاذه، و الولد يخضع لوالديه، و كلّ محبِّ لحبيبه.

2ـ إنّ القرآن الكريم يأمر الإنسان بأن يتذلَّل لوالديه فيقول:

(وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّياني صَغيراً)(2).

فإذا كان الخضوع و التذلُّل معناه عبادة مَن تذلَّلتَ له، فهذا يستلزم الحكم بكفر مَن يبرّ والديه، كما أنّه يستلزم الحكم بتوحيد مَن يعقّ والديه.

ب ـ العبادة: نهاية الخضوع.

ولمّا أدركوا نقصان تعريف اللغويّين للعبادة ـ حاولوا ترميم هذا النقص و إصلاحه، فقالوا في تعريفها:


1. و قد جاء هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله سبحانه: (وَ تِلكَ نِعمَةٌ تَمُنُّها عَلَىَّ أَنْ عَبَّدْتَ بني إسرائيلَ)الشعراء ـ 22.
2. الإسراء: 24.


(193)

العبادة: نهاية الخضوع بين يدي مَن تُدرك عظمته و كماله.

و هذا التعريف يشترك مع التعريف الأوّل في النقص و الإشكال و ذلك:

1ـ لأنّ اللّه تعالى يأمر الملائكة بالسجود لآدم فيقول:

(وَ إذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْليسَ...)(1).

إنّ السجود هو نهاية التذلُّل و الخضوع لمن سجدت له، فإذا كان معنى العبادة هو نهاية الخضوع فإنّه يستلزم القول بكفر الملائكة الممتثلين لأمر اللّه بالسجود، وإيمان الشيطان المخالف لأمر اللّه بعدم السجود.

2ـ إنّ إخوة النبىّ يوسف و والديه سجدوا جميعاً ليوسف، كما يقول تعالى:

(...وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأويلُ رُؤياىَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبّي حَقّاً...)(2).

و الرؤيا الّتي أشار إليها يوسف ـ في الآية ـ هي في قوله تعالى:

(إذْ قالَ يُوسُفُ لأَبيهِ يا أبَتِ إنّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لي ساجِدينَ)(3).

3ـ إنّ كلّ المسلمين اقتداءً برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يُقبّلون الحَجر الأسود المستقرّ في زاوية الكعبة المشرَّفة و يتبرّكون به، و نفس هذا العمل يقوم به عُبّاد الأصنام تجاه أصنامهم، مع العلم أنّ عملهم ذلك شرك قطعاً و عملَ المسلمين توحيد قطعاً.


1. البقرة: 34.
2. يوسف: 100.
3. يوسف: 4.


(194)

إذن: ليس معنى «العبادة» نهاية الخضوع و التذلُّل، و إن كانت في الحقيقة من أركان العبادة إلاّ أنّها ليست الركن الوحيد لها، فلابدَّ من القول بأنّ «العبادة» معناها الخضوع و التذلّل المقرون بــ «الاعتقاد الخاص» فالعبادة تتكوَّن من عنصرين:

1ـ الخضوع و التذلُّل.

2ـ الاعتقاد الخاص.

و هذا «الاعتقاد الخاص» هو الّذي يحسم الموقف و يفصل القضية... فالخضوع ـ حتى لو لم يكن كثيراً ـ إذا كان مقروناً «بالاعتقاد الخاص» فهو عبادة.

و فى الحقيقة أنّ «الاعتقاد الخاص» هو الّذي يصبغ العمل بصبغة العبادة، و بدون «الاعتقاد الخاص» لا تتحقّق العبادة حتى لو كانت بمظهرها.

و الآن... و بعد أن أثبتنا بطلان التعريفين اللّذين اعتمد عليهما الوهّابيّون، و ظهر ضعفهما ونقصهما، يأتي دور التحدّث عن التعريفات الثلاثة للعبادة.

و السؤال الآن: ماهو «الاعتقاد الخاص» الّذي يُفرز العبادة عن غيرها؟

الجواب: إن هذا ـ بالضبط ـ ما يتناوله البحث و التحقيق الآن، و سوف يظهر من خلال التعاريف الثلاثة الآتية:

التعريف الأول:

«العبادة» خضوع عملي أو لفظي ينبع من عقيدة الإنسان بــ «الوهيَّة المخضوع له».

ما معنى «الإلوهيَّة»؟ هذه نقطة حسّاسة يجب تحديدها.


(195)

ان الإلوهيّة مأخوذة من لفظة «إله» والمفهوم منه نفس ما هو المفهوم من لفظ الجلالة (الله)، غير انّ الثاني علم، والأوّل كلي، وقد دلّت الأدلّة على انحصاره في فرد واحد وهو الخالق المدبر الجامع لصفات الجمال والجلال.

وأمّا تفسير «الإله» في بعض التفاسير بالمعبود فإنّما هو تفسير باللازم وليس نفس الموضوع له.

ثمّ إنّ اللإلوهية درجات، ومراتب أعلاها، كونه خالقاً للكون بعامة أجزائه وهو من شؤون الله سبحانه، وأدناها كون الموجود مالكاً مقام الشفاعة والمغفرة، فالأصنام عند المشركين ألهة بالمعنى الثاني، لا بالمعنى الأوّل .

فكلّ خضوع نابع عن الاعتقاد بإلوهية المخضوع له بمراتبها فهو عبادة سواء كان الاعتقاد بالإلوهية حقاً أم باطلاً.

و الدليل الواضح على هذا التعريف، هو الآيات الّتي وردت في هذا المجال، فمن خلال التأمّل في تلك الآيات يظهر لنا أنّ «العبادة» هي الأعمال و الأقوال النابعة من الاعتقاد بالإلوهيَّة ـ بمراتبها المختلفة ـ ومع عدمه لا تتحقّق العبادة، و لهذا ترى القرآن الكريم ـ عند ما يأمر بعبادة اللّه ـ يستدلّ فوراً بأنّه لا إله غيره، فَمثلا يقول:

(... يا قَوُمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إله غَيْرُهُ...)(1).

و قد ورد مضمون هذه الآية في تسعة مواضع من القرآن أو أكثر، و يمكنك ـ أيّها القارئ ـ مراجعة هذه الآيات في سورة الأعراف آية 65 و 73 و 58، و سورة هود آية 5 و 61 و 84، و سورة الأنبياء آية 25، و سورة المؤمنون آية 23 و 32، و سورة طه آية 14.


1. الأعراف: 59.

(196)

إنّ هذه العبارات تدلّ على أنّ العبادة هي الخضوع و التذلّل النابع من الاعتقاد بالإلوهيّة، مع عدمه لا يُسمّى العمل عبادة.

و إليك المزيد من الآيات الدالَّة على هذا المقصود:

يقول تعالى:

(إنَّهُمْ كانُوا إذا قيلَ لَهُمْ لا إله إلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)(1).

لماذا يستكبرون؟ ولا يعبدون الله

لأنّهم يعتقدون بإلوهية غير اللّه أيضاً، و يعبدونها فيفرون من التوحيد.

و يقول سبحانه:

(أَمْ لَهُمْ إلهٌ غَيرُ اللّهِ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ)(2).

إنّ القرآن يعتبر هؤلاء مشركين، لأنّهم يعتقدون بإلوهيَّة غير اللّه سبحانه.

و يقول عزَّوجل:

(الَّذينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(3).

(وَ الَّذينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ اِلهاً آخَرَ...)(4).

و ممّا يدلّ على أنّ دعوة المشركين كانت مقرونة بالاعتقاد بإلوهيّة أصنامهم هي هذه الآيات:

(...وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً)(5).


1. الصافّات: 35.
2. الطور: 43.
3. الحجر: 96.
4. الفرقان: 68.
5. مريم: 81.


(197)

(... أئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرى...)(1).

(وَ إذْ قالَ إبْراهيمُ لأَبيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أصْناماً آلِهَةً...)(2).

إنّ التأمّل في الآيات الّتي تتحدّث عن شرك عَبدة الأصنام يكشف لنا عن هذه الحقيقة و هي أنّ شِرك هؤلاء إنّما كان بسبب اعتقادهم بإلوهيّة أصنامهم المعبودة، و أنّ تلك الأصنام هي آلهة صغيرة قد خَوَّل الإله الأكبر بعض صلاحياته إليهم، وإن كانت مخلوقة و معبودة في وقت واحد، و لهذا كانوا يرفضون دعوة التوحيد.

يقول القرآن الكريم:

(ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِىَ اللّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكمُ لِلّهِ الْعَلىِّ الْكَبيرِ)(3).

هذا و للمفسّر القدير المرحوم آية اللّه الشيخ محمد جواد البلاغي تعريفاً رائعاً للعبادة ـ في تفسيره القيّم «آلاء الرحمن» ـ يقول:

العبادة: ما يرونه مستشعراً بالخضوع لمن يتَّخذه الخاضع إلهاً، ليوفّيه بذلك ما يراه له من حقّ الامتياز بالإلهيّة(4).

إنّ المرحوم البلاغي قد صبَّ نظريته العلميّة ـ بإيحاء من الفطرة ـ لكلمة «العبادة» في قالب اللفظ فجاء هذا التعريف الرائع الّذي ينسجم ـ بالكامل ـ مع الآيات القرآنية.


1. الأنعام: 19.
2. الأنعام: 74.
3. المؤمن: 12.
4. تفسير آلاء الرحمن: 1 / 57.


(198)

التعريف الثاني للعبادة

إنّ العبادة هي الخضوع بين يَدي مَن يعتبره «رَبّاً».

و يمكننا أنّ نُعرّفها كالتالي: العبادة هي الخضوع العملي أو القولي لمن يُعتقد بربوبيَّته، فالعبوديّة تلازم الربوبيَّة، فإذا اعتبر إنسان نفسه عبداً، لمن يعتقده ربّاً تكوينياً ـ سواء كان ذلك ربّاً واقعاً أو لا ـ و خضَع له مع هذا الاعتقاد فقد عَبَده.

و في القرآن الكريم آيات يُستفاد منها أنّ العبادة هي من شؤون الربوبيّة، و إليك بعضها:

(...وَ قالَ الْمَسيحُ يا بَني إسْرائيلَ اعبُدُوا اللّهَ رَبّي وَ رَبَّكُمْ...)(1).

(إنَّ اللّه رَبّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ)(2).

و غيرها من الآيات.

و هناك آيات تَعتبر العبادة من شؤون الخالق، كما في قوله تعالى:

(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إله إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ فَاعْبُدُوهُ...)(3).

ما معنى كلمة «الربّ»؟

تُطلق كلمة «ربّ» ـ في اللغة العربية ـ على من أُسند إليه تدبير شيء ما، و ترك مصير ذلك الشيء بيده، فإذا أُطلقت هذه الكلمة على مالك الدار و مالك الإبل و مرضعة الطفل و الفلاّح ـ و غيرهم ـ فإنّما هو بسبب امتلاكهم لإدارة ذلك الشيء و تكفّلهم لمسؤوليته.


1. المائدة: 72.
2. آل عمران: 51.
3. الأنعام: 102.


(199)

و نحن إذ نعتبر اللّه تعالى «ربّاً» فإنّما هو بسبب أنّ شؤوننا و أُمورنا و مصيرنا ـ كالموت والحياة و الرزق و الصحة و التقنين و التشريع و المغفرة و العفو و غير ذلك ـ بيد اللّه تعالى.

و الآن... لو اعتقد إنسان أنّ أحد هذه الشؤون ـ أو كلّها ـ قد خوَّلها اللّه تعالى إلى شخص ما، فإنّ هذا الاعتقاد يعني اعتبار ذلك الشخص «ربّاً» و الإيمان بهذا الربّ و الخضوع له عبادة له.

و بعبارة أُخرى: إنّ العبادة تنبع من شعور الإنسان بكونه عبداً، مملوكاً و الأعلى منه مالكاً للوجود و الموت و الحياة و الرزق... أو ـ على الأقل ـ مالكاً لصلاحية المغفرة(1) و الشفاعة(2) فيكون بذلك قد جعل المالك «ربّاً» له، و كلُّ من يُجسّد هذا الشعور في نفسه و يترجمه إلى قول أو فعل، فلا شك أنّه يَعْبُد المالك الّذي اعتبره ربّاً.

التعريف الثالث للعبادة

هنا يمكن أن نقدّم للعبادة تعريفاً ثالثاً مستخلَصاً من الوجدان و الفطرة فنقول:

«العبادة: خضوع أمام من نعتبره إلهاً أو مَصدراً للأعمال الإلهيّة».

لا شكّ أنّ الأعمال المتعلّقة بالكون و الوجود ـ كتدبير شؤون العالَم و الإحياء و الإماتة و بسط الرزق بين الموجودات و غفران الذنوب ـ هي خاصّة باللّه تعالى.


1. يقول تعالى: (و من يغفر الذنوب إلاّ اللّه) آل عمران: 135.
2. يقول تعالى: (قل للّهِ الشفاعة جميعاً) الزمر: 44.


(200)

و أنت لو تأمَّلتَ الآيات القرآنية ـ الّتي تتحدّث عمّا سَبق ذِكره(1) لرأيتَ أنّ القرآن يؤكّد تأكيداً شديداً على أنّ هذه الأعمال خاصّة باللّه تعالى و لا ترتبط بغيره سبحانه.

هذا من جهة، و من جهة أُخرى: نحن نعلم أنّ عالَم الخلق و الإيجاد هو عالَم منظَّم و لايحدث أىّ شيء في هذا العالم إلاّ بأسباب تعود إلى اللّه تعالى، و القرآن الكريم يشير إلى هذا الموضوع فيقول سبحانه:

(وَ هُوَ الَّذي يُحْيي وَ يُميتُ وَ لَهُ اختِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ...)(2).

و يقول سبحانه ـ في موضع آخر ـ إنّ من الملائكة مَن تتولّى قبْض الأرواح، و هو قوله:

(... حَتّى اِذا جاءَ أحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا...)(3).

بناءً على هذا... يمكن الجمع بين هاتين الآيتين فنقول: إنّ الفاعليَّة و السببيَّة لهذه العلل والعوامل الطبيعية ـ مادّية كانت أم معنوية كالملائكة ـ إنما تتحقّق بإذن اللّه سبحانه، و الفاعل هو اللّه تعالى.

و بعبارة أُخرى: إنّ فعل كلّ من هذين الفاعلَين يقع في طول الآخر لا في مقابله وعَرضه، فالفاعل الأوّل مستقلّ و الثاني تابع للأوّل، و هذا من المعارف العالية في القرآن والّتي تُستفاد من مراجعة الآيات الكريمة الّتي تتحدّث عن أفعال اللّه تعالى.


1. كالآية 72ـ 73 من سورة القصص، و الآية 60 ـ 64 من سورة النمل، و الآية 5 ـ 6 من سورة الزمر.
2. المؤمنون: 80.
3. الأنعام: 61.


(201)

و الآن... لو أنّ إنساناً اعتقد بأنّ اللّه سبحانه قد فوَّض أفعاله ـ من الإرزاق و الإحياء و غيرهما ـ إلى بعض مخلوقاته ـ كالملائكة و الأولياء ـ و أنّهم الذين يُديرون شؤون الكون و يدبّرون أُموره، و لا علاقة للّه سبحانه بذلك، و دَفَعه هذا الاعتقاد إلى الخضوع لهم، فلا شكٍّ أنّ خضوعه هذا عبادة، و أنّ عمله هذا شِرك باللّه سبحانه.

و بتعبير آخر: لو اعتقد بأنّ اللّه قد فوَّض صلاحيَّة تنفيذ هذه الأفعال إلى الملائكة و الأولياء وبقي سبحانه مجرَّداً من كلّ صلاحية، و الملائكة و الأولياء ينفّذون تلك الأفعال بالاستقلال و من دون إذنه سبحانه، فيكون هذا الإنسان ـ المعتقد هذا الاعتقاد ـ قد جعل للّه مِثلا و ندّاً، و لا شكّ أنّ هذا الاعتقاد هو الشِّرك بذاته، و أنّ التوسّل و الخضوع ـ النابعين من هذا الاعتقاد ـ هو عبادة، كما جاء في القرآن الكريم:

(وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أنداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ...)(1).

إنّ أىَّ كائن و موجود لا يستطيع أن يكون مِثلا للّه و ندّاً، إلاّ إذا صار يتصرَّف في الكون بإرادته الشخصية و من دون إرادة اللّه تعالى، و ليس أحدٌ كذلك، بل إنّ كلّ كائن خاضعٌ لإرادة اللّه سبحانه ـ شاء أو أبى ـ و عليه فلا يكون ندّاً للّه فحسب بل يكون مطيعاً له يَتصرّف وفق إرادته سبحانه.

و الجدير بالذكر أنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ أصنامهم المعبودة مستقلَّة في التصرُّف في هذا الكون و الشؤون الإلهية، و قد كان أضعف درجات الشرك ـ في


1. البقرة: 165.

(202)

العهد الجاهلي ـ هو الاعتقاد بتفويض التقنين و التشريع إلى الأحبار و الرهبان، كما قال تعالى:

(اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ...)(1).

و كذلك كانوا يعتقدون بأنّ صلاحية الشفاعة و المغفرة ـ الّتي هي خاصّة باللّه وحده ـ قد فُوِّضتْ إلى أصنامهم المعبودة، فهي تتصرَّف بالاستقلال الكامل في تلك الصلاحيّات، ولهذا ترى الآيات القرآنية ـ الّتي تتحدّث عن الشفاعة ـ تؤكّد بأنّ الشفاعة لاتتحقّق إلاّ بإذن اللّه تعالى، كما في قوله سبحانه:

(...مَنْ ذَا الَّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإِذْنِهِ...)(2).

و لو كان المشركون يعتقدون بأنّ أصنامهم المعبودة تملك الشفاعة بإذن اللّه سبحانه، لما كنت ترى هذا النفي القرآني القاطع للشفاعة بدون إذن اللّه تعالى.

إنّ بعض حكماء اليونان كانوا قد نحتوا ـ في أفكارهم ـ آلهة متعدّدة لكلّ شأن من شؤون العالَم، فالمطر له إله و الزرع له إله والإنسان له إله و هكذا، و كانوا يزعمون أنّ التصرّف في شؤون الكون ـ الّذي هو خاصّ باللّه سبحانه ـ قد فُوِّض إلى هذه الآلهة.

و في العهد الجاهلي كان بعض العرب يعبدون الملائكة و النجوم الثابتة والمتحرّكة، ظنّاً منهم أنّ تدبير شؤون الكون و الإنسان قد فُوّض إليها، فهي تتصرّف بالاستقلال و الاختيار الكامل، و أنّ اللّه تعالى يعيش معزولا


1. التوبة: 31. لاحظ في تفسير الآية مجمع البيان : 5 _ 6 / 37 ، دار المعرفة ، بيروت .
2. البقرة: 255.


(203)

مجرَّداً عن كلّ هذه الصلاحيّات بصورة كاملة، تَعالى اللّه عَنْ هذا عُلُوّاً كَبيراً(1).

و لهذا فإنّ كل نوع من الخضوع للملائكة و النجوم يُعتبر عبادة، لكونه نابعاً من هذا الاعتقاد الخاطئ.

و البعض الآخر من عرب الجاهلية لم يعتبروا الأصنام الخشبية و المعدنية آلهة و خالقة لهم و لا مدبّرة لشؤون الكون و الإنسان، بل كانوا يعتبرونها أو ما يحكي صور هذه الأصنام عنه مالكة للشفاعة، و كانوا يقولون: هؤلاء ـ أي الأصنام ـ شفعاؤنا عند اللّه (2).

و على أساس هذا التصوّر الباطل كانوا يعبدون هذه الأصنام، تقرُّباً إلى اللّه تعالى و كانوا يقولون:

(... ما نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبُونا إلَى اللّهِ زُلْفى...)(3).

و خلاصة القول: إنّ أىَّ عمل ينبثق من هذا الاعتقاد و يدلّ على الانقياد و الخشوع، فهو عبادة، و في المقابل: إنّ أىَّ تصرُّف لا يستند إلى اعتقاد كهذا، لا يُعتبر عبادة و لا شركاً، فلو خضع إنسان أمام موجود و كرَّمه و عظَّمه، دون أن يعتقد بهذا الاعتقاد، فلا يُعتبر عمله شركاً و لا عبادة، حتى لو فُرض عمله ذلك حراماً.

مثلا: لا يُعتبر سجود العاشق لمعشوقه، و المأمور لآمره، و المرأة لزوجها... عبادة، بالرغم من أنّه حرام شرعاً، لأنّ السجود خاصّ باللّه تعالى، و لا يجوز لأحد أن يأتي به ـ حتى بصورته الظاهرية المجرَّدة عن العقيدة ـ إلاّ بأمره سبحانه.


1. راجع المِلل و النِحل للشهرستاني: 2/244 ـ 247، طبعة مصر.
2. قال تعالى: (وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللّه ما لا يضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤلاء شُفَعاؤنا عِنْدَ اللّه) يونس ـ 18.
3. الزمر: 3.


(204)

نتيجة البحث

إلى هنا استطعنا ـ نوعاً مّا ـ أن نوضّح حقيقة «العبادة» و الآن يجب أن نستخلص النتيجة من هذا البحث... فنقول: لو أنّ إنساناً خضَع و تواضَع لآخرين، دون أن يعتبر أحدهم «إلهاً» أو «ربّاً» أو «مصدراً» مستقلاّ لأفعال اللّه تعالى، بل يحترمهم لأنّهم:

(...عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(1).

فإنَّ عمله هذا ليس إلاّ تعظيماً و تكريماً لهم، و لا علاقة له بالعبادة أبداً.

إنّ اللّه تعالى قد ذكر بعض عباده ذِكراً حَسَناً و وصَفهم بشكل يثير رغبة كلّ إنسان في تعظيمهم و تكريمهم... فمِن ذلك قوله سبحانه:

(إنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إبْراهيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلىَ الْعالَمينَ)(2).

كما يُصرِّح القرآن الكريم بأنّ اللّه تعالى قد اصطفى إبراهيم للإمامة فيقول:

(... قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إماماً...)(3).

و قد ذكر اللّه سبحانه في القرآن كلاّمن النبىّ نوح و إبراهيم و داود و سليمان و موسى وعيسى و محمّد ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ ذَكرهم أحسن الذِّكر، و وصَفهم بأسمى الصفات، بحيث إنّ كلّ صفة ـ بوحْدها ـ تكفي لجذب القلوب و اكتساب المحبّة في النفوس.

و ترى القرآن الكريم يهتف بفضل آل محمّد في آيات عديدة منه فيقول:


1. الأنبياء: 26 ـ 27.
2. آل عمران: 33.
3. البقرة: 124.


(205)

(... إنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً)(1).

و يقول فيهم:

(... قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى...)(2).

و يقول فيهم:

(...وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكيناً وَ يَتيماً وَ أَسيراً* إنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُريدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً* إنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَومْاً عَبُوساً قَمْطَريراً* فَوَقاهُمُ اللّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً* وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَريراً... )(3).إلى آخر السورة و غيرها من الآيات.

فلو قام الناسُ ـ تجاه هؤلاء الأولياء المقرَّبين ـ بما ينبغي من التعظيم و التجليل و التكريم والاحترام ـ سواء في حياتهم أو بعد وفاتهم ـ دون أن يعتبروهم آلهة أو اربابا أو مَصدراً مستقلا لأفعال اللّه، فليس هناك من يعتبر هذا العمل عبادة، و لا القائم به مشركاً، بل بالعكس يعتبرهم ذوي حضارة تقدميّة يقدّرون أولياء اللّه و يخلّدون ذكرياتهم و يتّخذونهم قدوة و أُسوة لهم.

إنّ تعظيم أولياء اللّه تعظيمٌ لشعائر اللّه ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ و إنّ الإسلام يزخر بالشعائر الإلهية.

لقد كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقف عند الحَجر الأسود و يستلمه و يُقبّله، مع العلم أنّه ليس إلاّ حَجراً.

و نحن كذلك نقتدي بهذا النبىّ العظيم فنقبّل الحَجر الأسود، و نطوف حول


1. الأحزاب: 33.
2. الشورى: 23.
3. سورة إلانسان.


(206)

بيت اللّه ـ الّذي ليس إلاّ مجموعة من الطين و الحَجر ـ و نسعى بين الصفا و المروة ـ و ليسا إلاّ جَبَلين ـ أي أنّنا نفعل نفس ما كان يفعله عَبَدة الأصنام تجاه أصنامهم، ولكن لم يخطر ببال أحد _ حتّى الآن_ بأنّنا نعبد الطين و الأحجار... لماذا؟ لأنّ الأحجار لا تضرّ و لا تنفع، أمّا لو أدَّينا هذه المناسك مع الاعتقاد بأنّ هذه الأحجار و الجبال هي الإله و مصدر آثاره، لأصبحنا ـ عند ذلك ـ في عِداد عَبَدة الأصنام.

و على هذا الأساس: فإنّ تقبيل يد النبي أو الإمام أو المعلّم أو الوالدين، و كذلك تقبيل القرآن الكريم و الكتب الدينية و تقبيل الضريح و كلّ ما يتعلَّق بعباد اللّه الأزكياء ليس إلاّ تعظيماً و تكريماً لهم لا غير، و تعظيمهم ليس إلاّ تعظيماً للّه سبحانه.

لقد ورد في القرآن الكريم سجود الملائكة لآدم ـ عليه السلام ـ و سجود إخوة يوسف ليوسف ـ عليه السلام ـ و لم يخطر ببال أحد بأنّ هذا السجود كان عبادة لآدم أو ليوسف، و السبب في ذلك هو أنّ الذين سجدوا لآدم و ليوسف لم يعتقدوا لهما بالإلوهيَّة و الربوبيَّة، و لم يعتبروهما مصدراً لأفعال اللّه تعالى، بل كان ذلك من باب التعظيم و التكريم لا العبادة، كما هو واضح.

إنّ الوهّابيّين عند ما يواجهون هذه الآيات القرآنية لا يُقرّون و لايخضعون لها، بل تراهم يبحثون ـ هنا و هناك ـ عن تبرير و ذريعة لها، فيقولون: إنّ سجود أُولئك لا يُعتبر عبادة، لأنّه كان بأمر اللّه تعالى.

و الجواب: صحيح أنّ كلّ ذلك ـ حتى سجود إخوة يوسف ـ كان بأمر اللّه أو رضاه، ولكن الشيء الّذي يتغافل عنه الوهّابيّون و يتجاهلونه هو أنّ حقيقة العمل


(207)

أيضاً لم تكن عبادة، و لهذا أمر اللّه به، و لو كان سجودهم عبادة للمسجود له لما أمر اللّه بذلك أبداً، لأنّ الأمر لا يُخرج العبادة عن حقيقتها و لا يجعل الشرك توحيداً. قال تعالى:

(... قُلْ إنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)(1).

و الخلاصة: أنّ حقيقة العمل يجب أن تكون غير عباديّة قبل صدور الأمر بها من اللّه تعالى، حتى يتعلَّق الأمر بها، و لا يُتصوَّر ـ بأىّ وجه ـ أن يكون العمل عبادة فيتعلّق الأمر فيحرج عن العباديّة.

إنَّ هذا التبرير الّذي يلجأ إليه الوهّابيّون ـ و الّذي طالما سمعناه من مشايخهم في مكّة والمدينة ـ إنّما يدلّ على الجمود الّذي يعيشونه تجاه المعارف القرآنية، و عدم معرفتهم بأنّ العبادة لها حقيقة مستقلَّة، يطرأ عليها الأمر تارةً، و النهي تارةً أُخرى، أي أنّ الشيء ـ بذاته ـ عبادة، فيأمر اللّه تعالى به أو ينهى عنه، كالصلاة و الصوم، حيث أمر اللّه المكلَّفين بأدائهما، و نهى المرأة الحائض عنهما، أو كصوم عيد الفطر و الأضحى حيث نهى اللّه عنه فيهما جميع الناس.

فإذا كان سجود الملائكة لآدم و سجود إخوة يوسف و والديه له عبادة لهما، فإنّ الأمر به لا يُخرجه عن حقيقة العبادة، فلابدَّ من القول بأنّ سجود هؤلاء لم يكن عبادة قبل امره سبحانه وذلك لان الاعتقاد بالإلوهيَّة أو الربوبيَّة هو الّذي يجعل الفعل عبادة، أو الاعتقاد بكون المخضوع له مصدراً لأفعاله سبحانه يصيّر الخضوع عبادة ولم تكن ببال هؤلاء الساجدين، تلك العقيدة .


1. الأعراف: 28.

(208)

كيف نَحسم الموقف؟

أيّها القارئ الكريم: يجب أن تعلم بأنّ إزالة الخلافات ـ الموجودة بين المسلمين و الوهّابيّين في كثير من المسائل ـ تتوقّف على تحليل مفهوم «العبادة». و مع عدم الوقوف على تعريف منطقي للعبادة و عدم التفاهم و الإنصاف بين الطَّرفين، لا فائدة في البحث و المناقشة.

من هنا... فلابدَّ للإنسان المحقّق أن يقوم بجولة تحقيقية في عمق هذا الموضوع، و أن لا ينخدع بالتعريفات اللُّغويَّة المجملةـ الناقصة عن التحليل و التوضيح ـ و خيرُ مصدر يُرجع إليه هي الآيات القرآنية، فهي الدليل المرشد في هذا المجال ـ و كلّ مجال ـ .

و من المؤسف أنّ كلّ الكُتّاب و المؤلّفين الوهّابيّين ـ و كذلك الذين كتبوا الردود على معتقداتهم ـ قد أطالوا البحث و التحقيق في نقاط أُخرى، و لم يُركّزوا على هذه النقطة المهمّة بالشرح و التحقيق.

فالوهّابيّون يقولون: إنّ كثيراً من الأعمال الّتي تقومون بها ـ أيّها المسلمون ـ تجاه النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و الأئمة من أهل بيته ـ عليهم السلام ـ هي عبادة لهم، و ذلك يستلزم الشرك في عبادة اللّه تعالى.

فيجب على المسلمين أن يُقدّموا توضيحاً و شرحاً دقيقاً للعبادة حتى يُجرّدوا الوهّابيّين من هذا السيف الموهوم.

إنّ الوهّابيّة تَعتبر كثيراً ممّا يقوم به المسلمون تجاه الميّت عبادة له، مثلا:

1ـ الاستشفاع بالنبىّ و الصالحين.

2ـ الاستشفاء بأولياء اللّه.


(209)

3ـ طلب قضاء الحوائج من قادة الدين.

4ـ تكريم صاحب القبر و تعظيمه.

5ـ الاستعانة بالنبىّ الأكرم، و غيره.

فهم يقولون: إنّ الشفاعة من أفعال اللّه، و كذلك الشفاء منه سبحانه، فطلب أحدهما من غيره يؤدّي إلى عبادته.

ما هي «أفعال اللّه تعالى»؟

نحن ـ في نظرة سريعة ـ نُقدّم بحثاً موجزاً عن أفعال اللّه و معناها، كي يتّضح الموضوع... فنقول: إذا كان الّذي يقوم بالشفاعة و الشفاء يقوم بهما بقدرته الشخصيّة و بإرادته المستقلّة، من دون أن يكون قد اكتسب حقَّ الشفاعة من أحد، و من دون اعتماد على قدرة تتفوَّق عليه، فهذا من أفعال اللّه الخاصّة به سبحانه، و الاستشفاع بأحد بهذا ـ الاعتقاد ـ معناه الإيمان بربوبيّته وإلوهيَّته.

أمّا لو كان الاستشفاع و الاستشفاء مجرداً و خالياً من هذا الاعتقاد، بأن يستشفع الإنسان بمن يعتقد بعبوديَّته للّه، و أنه يتصرَّف بالاستعانة بقدرة اللّه تعالى و إذن منه سبحانه، فهذا الاستشفاع و الاستشفاء لا يلازم الاعتقاد بالإلوهيَّة والربوبيَّة، و لا هو طلبُ فعل اللّه من غير اللّه.

يقول القرآن الكريم عن لسان النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ :

(...وَ أُبْرِئُ الأكمه و الاَْبْرَصَ وَ أُحيِى الْموْتى بِإِذْنِ اللّهِ...)(1).

و نفس هذا التوضيح يأتي بالنسبة إلى طلب قضاء الحاجة من أحد أولياء اللّه أوالاستعانة به، فطلب قضاء الحاجة له صورتان:


1. آل عمران: 49.

(210)

1ـ الطلب من العبد ـ مع الاعتقاد بقدرته المستقلَّة ـ فهذا عبادة.

2ـ الطلب من العبد ـ مع الاعتقاد بعبوديَّته للّه و استمداده منه سبحانه ـ فهذا لا يرتبط بالعبادة أبداً.

إنّ هذا التوضيح ليس فقط الحدّ الفاصل بين العبادة و غيرها، بالنسبة إلى هذه الأفعال، بل هو قاعدة عامّة تفصل بين التوحيد و الشرك في كلّ المؤثّرات و الأسباب.

إنّ الاعتقاد بتأثير «الاسپرين» ـ مثلا ـ في تسكين الآلام، إذا كان نابعاً من قدرته المستقلة في ذلك، و أنه لا يرتبط بقدرة أعلى ـ و هي اللّه تعالى ـ فهذا معناه الاعتقاد بإلوهيَّته، أمّا الاعتقاد بأنّ اللّه تعالى هو الّذي جعل هذا الأَثر في الاسپرين، و أنَّ هذا الدواء ليس إلاّ سبباً لتسكين الآلام، و أنه لا يُسكّن الألم إلاّ بإذن اللّه، فإنّ هذا الاعتقاد نابع من التوحيد ذاته، لأنّه «لا مؤثِّر في الوجود إلاّ هو».

و لهذا قلنا: إنَّ حسْم الخلافات يتوقّف على تحديد معنى «العبادة» و فرز التوحيد من الشرك، و أفعالِ اللّه من غيرها، و الإلوهيَّة من العبوديّة.

و قد سبقت الإشارة إلى أنّ عرب الجاهليّة كانوا يعتقدون ذلك الاعتقاد الخاطئ، بأنّ الأصنام هي الّتي تدير بعض شؤون الكون إدارة مستقلَّة و تملك الشفاعة و غيرها، و هذا هو الّذي صيَّرهم مشركين.

هذا... و لزيادة في التفصيل راجع الكتب التالية:

1ـ معالم التوحيد في القرآن الكريم.

2ـ التوحيد و الشرك في القرآن الكريم.


(211)

3ـ بحوث قرآنية في التوحيد و الشرك.

4ـ في ظلِّ أُصول الإسلام .

كلامٌ للعلاّمة القضاعىّ المصرىّ

ثمّ إنّي لمّا حرّرت ذلك و بيّنت حدود العبادة، وقفت على كلام لأحد المحقّقين من علماء الأزهر الشريف، أعني به: الأُستاذ الشيخ سلامة القضاعىّ العزامىّ الشافعىّ مؤلّف «فرقان القرآن بين صفات الخالق و صفات الأكوان»(1) قال أنار اللّه برهانه:

«فلننتقل بك إلى معنى العبادة شرعاً، وأرجو أن تعطي هذا المقام فضل تنبّه فإنّ الغلط فيه هو المزلقة الكبرى والمزلّة العظمى، الّتي استحلّت بها دماء لا تحصى، وانتهكت بها أعراض لا تعدّ، وتقاطعت فيها أرحام أمر الله بها أن توصل، عياذاً بالله من المزالق والفتن، ولا سيّما فتن الشبهات».

فاعلم أنّهم فسّروا العبادة بالإتيان بأقصى غاية الخضوع، وأرادوا بذلك المعنى اللغوي، أمّا معناها الشرعي فهو أخصّ من هذا كما يظهر للمحقّق الصبّار على البحث


1. من أنفس الكتب الكلامية المؤلّفة في العصور الأخيرة، و المؤلّف و زميله الأُستاذ المحدّث المحقّق محمد زاهد الكوثرىّ المصري من الذين قاموا في وجه البدع اليهودية من القول بالتشبيه و التجسيم و الجهة و المكان في حقِّ اللّه سبحانه. فقد أخذت هذه البدع تنتعش من أوائل القرن الثامن بيد شيخ البدع و الضلال: أحمد بن عبدالحليم بن تيميّة الحرّاني، و بعده بيد تلميذه ابن القيم، و بعدهما بيد: الشيخ محمّد بن عبدالوهّاب. فقام القضاعىّ بتأليف كتابه «فرقان القرآن» فردّ فيه على هذه البدع و غيرها، من منع التوسّل و الاستغاثة و طلب الشفاعة عمّن جعله اللّه وسيلة و مغيثاً بإذنه و شافعاً بأمره. كما قام الكوثري بنشر كتاب «الأسماء و الصفات» للحافظ أبي بكر البيهقي مع تحقيقه و التعليق عليه و تقديم مقدّمة نافعة عليه، و طبع الكتابان في مصر عام 1358 هـ في مجلّد واحد. شكر اللّه سعيهما و سعي ناشري كتب الحقّ و رافعي ألوية الهدى ـ آمين ـ.

(212)

من استقراء مواردها في الشرع فإنّه الإتيان بأقصى غاية الخضوع قلباً باعتقاد ربوبية المخضوع له، أو قالباً (1) مع ذلك الاعتقاد ـ و «أو» فيه للتقسيم ـ فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعاً في كثير ولا قليل مهما كان المأتيّ به ولو سجوداً. ومثل اعتقاد الربوبية اعتقاد خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع والضرّ، وكنفوذ المشيئة لا محالة ولو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ الّذي هو أكبر من هذا المعبود. وإنّما كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم ودعائهم إيّاهم وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو خاصّة من خواصّها كما سيأتيك تفصيله. ولا يصحّ أن يكون السجود لغير الله فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد عبادة شرعاً، فانّه حينئذ يكون كفراً، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر الله عزّوجلّ به (... قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأمُرُ بِالْفَحْشاءِ...)(2)

(... وَلا يَرْضَى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ...)(3) وذلك ظاهر إن شاء الله.

وها أنت ذا تسمع الله تعالى قد قال للملائكة: (... أُسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبليسَ أَبى وَ اسْتَكبَرَ...)(4) وقال: (... أَنَا خَيرٌ مِنْهُ...)(5). وقال: (... أَأَسْجُدُ لِمَن خَلَقتَ طيناً...)(6). والقول بأنّ آدم كان قبلة قول لا يرضاه التحقيق ويرفضه التدقيق في فهم الآيات كما ينبغي أن تفهم. فإن قصر فهمك عن هذا فهذا نبىّ اللّه يعقوب و امرأته و أولاده الأحد عشر قال اللّه فيهم: (...وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً...)(7) أي


1. أي ظاهراً .
2. الأعراف: 28 .
3. الزمر: 7 .
4. البقرة: 34.
5. الأعراف: 12 .
6. الإسراء: 61 .
7. يوسف: 100.


(213)

ليوسف ـ عليه السلام ـ . قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: «أي سجد له أبواه و إخوته الباقون و كانوا أحد عشر رجلا، و قد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلّموا على الكبير يسجدون له، و لم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى  ـ عليه السلام ـ ، فحرّم هذا في هذه الملّة، و جعل السجود مختصّاً بجناب الربّ تعالى. هذا مضمون قول قتادة و غيره. و في الحديث «أنّ معاذاً قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم فلمّا رجع سجد لرسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ و آله ] و سلّم ـ، فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال: إنّي رأيتهم يسجدون لأساقفتهم و أنت أحقّ أن يسجد لك، قال: لو كنت آمراً أحداً أنّ يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقّه عليها».

و في حديث آخر: «أنّ سلمان لقي النبي صلّى اللّه عليه [وآله] و سلّم في بعض طرق المدينة ـ و كان سلمان حديث عهد بالإسلام ـ فسجد للنبىّ صلّى اللّه عليه [و آله ]و سلّم فقال: لا تسجد لي يا سلمان و اسجد للحيِّ الّذي لا يموت» و الغرض أنّ هذا كان جائزاً في شريعتهم» انتهى. و قال الإمام أبو جعفر في تفسيرها نحواً من هذا.

و قد علمت أنّ ما هو كفر لا يختلف باختلاف الشرائع و لا يأمر اللّه به في حين من الأحيان، فلم يكن سجود الملائكة لآدم و لا السجود ليوسف ـ عليهما الصلاة و السلام ـ مع خلوّ الساجدين من اعتقاد خصيصة من خصائص الربوبيّة، بمن سجدوا له، كفراً بل هو من الملائكة عبادة للّه الّذي أمرهم سبحانه، و ممّن سجد ليوسف تحية جائزة، و نسخ الجواز في شريعتنا، و إنّما حكم العلماء بالكفر على من سجد لشمس أو قمر أو وثن من أجل أنه أمارة على الكفر الّذي هو إنكار ما علم من الدين بالضرورة، كما حكموا بالإيمان ـ و هو معنى قلبي كما علمت ـ لمن


(214)

نطق بالشهادتين من أجل أنّه دليل عليه، لا لأنّ الأوّل بمجرده كفر و الثاني بمجرده إيمان.

فإن تعسّر عليك فهم هذا و هو ليس بعسير إن شاء اللّه تعالى، فانظر إلى نفسك فإنه قد يقضي عليك أدبك مع أبيك و احترامك له أن لا تسمح بالجلوس أو الاضطجاع بين يديه، فتقف أو تقعد ساعة أو فوقها، و لا يكون ذلك منك عبادة له، لماذا؟ لأنّه لم يقارن هذا الفعل منك اعتقاد شيء من خصائص الربوبية فيه. و تقف في الصلاة قدر الفاتحة و تجلس فيها قدر التشهد و هو قدر دقيقة أو دقيقتين فيكون ذلك منك عبادة لمن صلّيت له، و سرّ ذلك هو أنّ هذا الخضوع الممثّل في قيامك و قعودك يقارنه اعتقادك الربوبية لمن خضعت له عزّوجلّ. و تدعو رئيسك في عمل من الأعمال أو أميرك أن ينصرك على باغ عليك، أو يغيثك من أزمة نزلت بك و أنت معتقد فيه أنه لا يستقلّ بجلب نفع أو دفع ضرّ، ولكن اللّه جعله سبباً في مجرى العادة يقضي على يديه من ذلك ما يشاء فضلا منه سبحانه، فلا يكون ذلك منك عبادة لهذا المدعو و أنت على ما وصفنا.

فإن دعوته و أنت تعتقد فيه أنه مستقلّ بالنفع أو الضرّ أو نافذ المشيئة مع اللّه، لا محالة كنت له بذلك الدعاء عابداً، و بهذه العبادة أشركته مع اللّه عزّوجل، لأنّك قد اعتقدت فيه خصيصة من خصائص الربوبية، فإنّ الاستقلال بالجلب أو الدفع و نفوذ المشيئة لا محالة هو من خصائص الربوبية، و المشركون إنّما كفروا بسجودهم لأصنامهم و نحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع أو الضرّ و نفوذ مشيئتهم لا محالة مع اللّه تعالى، و لو على سبيل الشفاعة عنده، فإنّهم يعتبرونه الربّ الأكبر و لمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيّته، و بمقتضى ما لهم من الربوبية وجب لهم نفوذ المشيئة معه لا محالة.


(215)

و يدلّ على ما قلنا آيات كثيرة كقوله تعالى: (أَمَّنْ هذَا الَّذي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُم مِن دُونِ الرَّحَمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إلاّ في غُرور)(1).

و قوله (أمْ لَهُم آلِهَةٌ تَمنَعُهُم مِن دُونِنا لا يَستَطيعُونَ نَصرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنّا يُصحَبُونَ)(2).

و الاستفهام في الآيتين إنكاري على سبيل التوبيخ لهم على ما اعتقدوه. وحكى اللّه عن قوم هود قولهم له ـ عليه السلام ـ (إن نَقُولُ إلاّ اعتَراكَ بَعضُ آلِهَتِنا بِسُوء...)(3) و قوله لهم(...فَكِيدُوني جَميعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونَ * إنّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبّي وَ ربِّكُمْ...) الآية(4).

و كقوله تعالى موبّخاً لهم يوم القيامة ما اعتقدوه لها من الاستقلال بالنفع و وجوب نفوذ مشيئتها: (...أَينَ ما كُنتُمْ تَعبُدُونَ * مِن دُونِ اللّهِ هَل يَنصُرُونَكُمْ أو يَنتَصِرُونَ)(5).

و قولهم و هم في النار يختصمون يخاطبون من اعتقدوا فيهم الربوبية و خصائصها: (تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفي ضَلال مُبين * إذ نُسَوّيكُم بِرَبِّ العَالَمينَ)(6).

فانظر إلى هذه التّسوية الّتي اعترفوا بها حيث يصدق الكذوب، و يندم المجرم حين لا ينفعه ندم.

فإنّ التسوية المذكورة إن كانت في إثبات شيء من صفات الربوبية فهو المطلوب. و من هذه الحيثية شركهم و كفرهم، لأنّ صفاته تعالى تجب لها


1. الملك: 20.
2. الأنبياء: 43.
3. هود: 54.
4. هود: 55 ـ 56.
5. الشعراء: 92 ـ 93.
6. الشعراء: 97 ـ 98.


(216)

الوحدانية بمعنى عدم وجود نظير لها في سواه عزّوجلّ، كما مرّ مفصّلا في المقصد.

و إن كانت التسوية في استحقاقها للعبادة فهو يستلزم اعتقاد الاشتراك فيما به الاستحقاق، و هو صفات الإلوهية أو بعضها، و إن كانت في العبادة نفسها فهي لا تكون من العاقل إلاّ لمن يعتقد استحقاقه لها كربّ العالمين، تعالى اللّه عمّا يشركون.

و كيف يُنفى عنهم اعتقاد الربوبية بآلهتهم و قد اتّخذوها أنداداً و أحبّوها كحبّ اللّه كما قال تعالى فيهم: (وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَنداداً يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللّهِ...)(1). و الأنداد جمع ندٍّ و هوعلى ما قاله أهل التفسير و اللغة المثل المناوي، فهذا ينادى عليهم أنّهم اعتقدوا فيها ضرباً من المقاومة للحقّ، تعالى عمّا يقولون.

أمّا قوله تعالى فيهم: (وَ لَئن سَأَلتَهُمْ مَن خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللّهُ...)(2) و نحوه، فليس معناه أنهم لا يثبتون لآلهتهم ربوبية و لا خاصّة من خواصّها، بل معناه أنّهم إذا نوقشوا اعترفوا بالحقّ الّذي فطر اللّه عليه النفوس، و دلّت عليه الكائنات، ثم ما أسرع ما يرجعون إلى اعتقاد الربوبية الباطلة في آلهتهم، فينتكسون و يرتكسون كما قال عنهم في آية أُخرى: (يَعرِفُونَ نِعمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَها وَ أَكثرُهُمُ الكافِرُونَ)(3) وكقوله تعالى في طائفة منهم: (...كُلَّ ما رُدُّوا إلَى الْفِتنَةِ أُركِسُوا فيها...)(4) و ليس ذلك بعجيب ممّن اتخذ إلهه هواه، و إنك لتشاهد بين أهل الأهواء من تناقشه في بدعته و يصغي إليك فيقتنع بالحجّة وقت المناقشة و يعترف بمخالفته للحقّ و تظهر فيه مخايل الإنصاف، فإذا انقضى المجلس عاد إلى ما ألِف من الهوى، و ارتكس في


1. البقرة: 165.
2. الزخرف: 87.
3. النحل: 83.
4. النساء: 91.


(217)

بدعته كأن لم يكن بينك و بينه نقاش ـ إلاّ من رحم اللّه ـ و قد رأينا ذلك كثيراً في كثير ممّن لقينا من أهل الأهواء ـ نسأل اللّه العافية بفضله ـ .

على أنّه لو سلّم أنّهم لم يعتقدوا لآلهتهم خلقاً و لا رزقاً و لا تدبيراً للأمر، فهم يعتقدون فيها غير ذلك من خصائص الإلوهية و هو وجوب نفوذ مشيئتها، فإنّهم يرون أنّ شفاعتها مقبولة لا تردّ و ليست متوقّفة على إذنه، تعالى عمّا يقول الجاهلون به علوّاً كبيراً. و لذلك قال اللّه تعالى في القرآن ردّاً على هذا الزعم: (...مَنْ ذَا الَّذي يَشفَعُ عِندَهُ إلاّ بِإذْنِهِ...)(1) .

قال القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيرها: «بيان لكبرياء شأنه، و لأنّه لا أحد يساويه أو يدانيه يستقلّ بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا أن يعارضه عناداً و مناصبة»، فانظر إلى قوله «يستقلّ بأن يدفع ما يريده شفاعة» تجده صريحاً في اعتقاد وجوب مشيئتها معه عزّوجلّ، و وجوب نفوذ المشيئة من خصائص الربوبية كما لا يخفى. و هذا النوع من الشفاعة هو الشفاعة الشركية و هي الّتي أبطلها القرآن، فإنّ اعتقادها كفر، كما قال تعالى: (أَمِ اتَّخَذوا مِن دُونِ اللّهِ شُفَعاءَ...)الآيتين.(2)فانظر إلى قوله «من دون اللّه» و كما قال اللّه تعالى (قُلْ مَنْ ذَا الَّذي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً...)(3).

أمّا الشفاعة الّتي يعتقدها أهل التوحيد و جاء بها الكتاب و السنّة فهي بعيدة من هذا بُعد الإيمان عن الكفر و النور عن الظلمة، و هي دعاء الشافع للمشفوع فيه فيستجيب بفضله لمن شاء، وهو معنى الاستثناء في قوله تعالى (إلاّ بإذنه)


1. البقرة: 255.
2. الزمر: 43 .
3. الأحزاب: 17.


(218)

والمراد هنا بالإذن الرضا كما قال في الآية الأُخرى (...وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى...)(1)وكقوله:

(وَ كَمْ مِنْ مَلَك في السَّمواتِ لا تُغني شَفاعَتُهُمْ شَيئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَرْضى)(2).

و بهذا يتبيّن لك الفرق بين ما أثبته القرآن من الشفاعة و بين ما نفاه منها، و هو ما كان بغير إذنه و رضاه. جلّ أن يكون في ملكه إلاّ ما يشاء أمّا الشفاعة بإذنه و رضاه من عباده المصطفين الأخيار لعصاة الموحّدين فهي جائزة بل واقعة لثبوتها بالتواتر و ليس فيها محذور، و اعتقادها من الدين، فإنّها من باب الدعاء و هو تعالى يستجيب للذين آمنوا و عملوا الصالحات و يزيدهم من فضله.

و عسى أن يكون قد وضح لك إن شاء اللّه ما هو معنى العبادة شرعاً، و حينئذ تعلم أنّه ليس من عبادة غير اللّه في شيء أن يبتغي المسلم إلى اللّه الوسيلة(3).

هذا نصّ ما أفاده العلاّمة القضاعي، أتينا به لما فيه من فوائد جمّة، و قد أوضحنا حالها في كلامنا المتقدّم فلاحظ أيّها القارئ المنصف.


1. الأنبياء: 28.
2. النجم: 26.
3. فرقان القرآن: 111 ـ 115. و لا حظ بقية كلامه فإنّها نافعة.


(219)

الفصل الثاني عشر

الاستعانة بأولياء اللّه تعالى في حياتهم

إنَّ طلب شيء ما ـ من أولياء اللّه تعالى ـ يقع بأشكال مختلفة، نشير إليها فيمايلي:

1ـ أن نطلب من الإنسان الحىّ بأن يُعيننا في بناء دار أوسقي ماء.

2ـ أن نطلب من الإنسان الحي بأن يدعو اللّه و يستغفره لنا.

هاتان الصورتان تشتركان معاً في كون المطلوب أمراً طبيعياً، و المطلوب منه قادراً على إنجازه، و يفترقان في أنّ الطلب الأوّل يرتبط بالدنيا و الثاني بالآخرة.

3ـ أن نطلب من الإنسان الحي في الدنيا إنجاز عمل، بدون الاستعانة بالأسباب المادّية له، بأن نطلب منه ـ مثلا ـ شفاء المريض بدون دواء، أو استرداد الشيء المفقود بدون البحث عنه، أو أداء الدّين بدون العمل على تحصيل المال.

و بعبارة أُخرى: نطلب منه إنجاز العمل عن طريق المعجزة أو


(220)

الكرامة(1) من دون أن يستعين بالأسباب المادّية و الطبيعية.

4ـ أن نطلب من الإنسان الميّت أن يدعو اللّه لنا، و يكون الطلب منه نابعاً من الاعتقاد بأنّه حىٌّ يُرزَق في عالَم البرزخ.

5ـ أن نطلب من الإنسان بأن يستعين بقدرة اللّه ـ الّتي مَنحَها إيّاه ـ على شفاء مريضنا أو إعادة مفقودنا، أو غير ذلك.

و هاتان الصورتان هما كالصورة الثانية و الثالثة، لكن الفرق بينهما هو أنّ الطلب هناك كان من الإنسان الحي في عالَم المادَّة و الطبيعة، و هنا من الإنسان الميّت في الظاهر، و الحىّ في الواقع.

و على هذا فلا يمكن أن نطلب من الميّت بأن يُعيننا ـ في الشؤون الماديّة ـ بواسطة الأسباب والعوامل الماديّة، و ذلك لأنّ المفروض انقطاع الميّت عن عالَم المادّة بارتحاله من هذه الدنيا.

أيّها القارئ الكريم: هذه خمسة أقسام من الاستعانة، ثلاثة منها تختصّ بالإنسان الحي في عالَم المادّة، و إثنان تختصّ بالإنسان الحي في العالَم الآخَر.

نحن الآن نتحدّث عن الصور الثلاث الأُولى، و نؤجّل الحديث عن الاستعانة بأولياء اللّه ـ الأحياء في عالَم الآخرة ـ إلى الفصل القادم إن شاء اللّه.

و إليك البحث عن الأقسام الثلاثة:


1. «المعجزة» تُطلق على ما يصدر من المعصوم ـ كالنبىّ و الإمام ـ من خوارق العادة، لإثبات نبوّته أو إمامته.
و «الكرامة» تُطلق على ما يصدر من غيرهم من سائر أولياء اللّه الصالحين مثل ما ورد في حقّ السيّدة مريم ـ عليها السلام ـ في القرآن الكريم.


(221)

الصورة الأُولى:

إنّ الاستعانة بالأحياء للشؤون العاديَّة ـ الّتي لها أسباب طبيعيّة ـ تُشكِّل الحَجَر الأساس للحضارة البشريّة، حيث إنّ حياة البشر ـ في الكرة الأرضية كلّها ـ تقوم على أساس التعاون، و أنّ العقلاء في العالَم يتعاونون لأُمورهم الحيويِّة.

إنّ حكم هذه الصورة واضحٌ جداً، لدرجة أنّه لم يستنكره أحد، و لم يعترض عليه إنسان و بما أنّ بحثنا قائم على ضوء القرآن و الأحاديث، فإنّنا ندرس هذه المسألة وان كانت واضحة الحكم من الزاوية القرآنية أيضاً، و نكتفي بآية واحدة.

عند ما أراد «ذوالقَرنين» أن يبني سَدّاً يحول دون هجوم «يأجوج» و «مأجوج» التفت إلى سُكّان المنطقة و قال:

(فَأَعينُوني بِقُوَّة أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً)(1)

الصورة الثانية:

إنّ الاستعانة بالإنسان الحي ـ في هذا العالَم المادّي ـ للدعاء إلى اللّه تعالى بالخير و الاستغفار منه، هي من الضرورات الواضحة الّتي لا يختلف فيها اثنان، و القرآن الكريم يؤكّد على ذلك في موارد متعدّدة، و القيام بجولة خاطفة في رحاب الآيات الكريمة يُثبت لنا أنّ الأنبياء كانت عادتهم الدعاء لأُممهم بالخير و الهداية و الرشاد، أو أنّ الأُمم نفسها كانت تطلب من أنبيائها الدعاء لها بالمغفرة و الخير.

و الآيات كثيرة، و هي على أقسام، نذكرها على الأرقام التالية:

1ـ تارة يأمر اللّه تعالى نبيَّه المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يستغفر لأُمَّته، فيقول:


1. الكهف: 95.

(222)

(فَاْعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْلَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ في الاَْمْرِ)(1).

(...فَبايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ)(2).

(خُذ مِنْ أمْوالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللّهُ سَميعٌ عَليمٌ)(3).

و في هذه الآية الأخيرة يأمر اللّه تعالى نبيَّه محمّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالدعاء لهم، و أنّ دعاءه يبعث السكينة و الطمأنينة في قلوبهم.

2ـ وأخرى كان الأنبياء يَعِدون المذنبين و العاصين بالاستغفار لهم في الفرصة المناسبة، فمثلا يقول تعالى:

(...إلاّ قَوْلَ إبْراهيمَ لأَبيهِ لاََسْتَغْفِرَنَّ لَكَ...)(4).

(...سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبّي إِنَّهُ كانَ بي حَفِيّاً)(5).

(وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهيمَ لأَبيهِ إلاّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَها إيّاهُ...)(6).

إنّ هذه الآيات الكريمة تدلّ على أنّ الأنبياء كانوا يبشّرون المذنبين بالاستغفار، حتى أنّ النبىّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ وَعَدَ «آزر» بالاستغفار له، و لكنه لمّا رأى آزر مُصرّاً على عبادة الأصنام تركه ولم يستغفر له ، لأنّ من شروط استجابة الدعاء أن يكون المدعوّ له مؤمناً باللّه تعالى.

3ـ و ثالثة يامر سبحانه المؤمنين المذنبين بالحضور عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى يستغفر لهم الرسول، لأنّ اللّه يغفر لهم ببركة استغفار النبىّ لهم، يقول سبحانه:


1. آل عمران: 159.
2. الممتحنة: 12.
3. التوبة: 103.
4. الممتحنة: 4.
5. مريم: 47.
6. التوبة: 114.


(223)

(... وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم جاءُوكَ فاسْتَغْفروا اللهَ و استغفرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رحيماً)(1) فأيَّةُ آية أوضح من هذه الآية الّتي يأمر اللّه المذنبين ـ من هذه الأُمَّة ـ بالحضور عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و طلب الاستغفار منه لهم؟!

إنّ المجيء إلى رسول اللّه و طلب الاستغفار منه له فائدتان:

الأُولى: إنّه يبعث في الإنسان روح الطاعة و الانقياد لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ذلك بالانتباه و التوجّه إلى عظمة النبيّ و وجاهته عند اللّه، بحيث إنّ استغفاره له يوجب مغفرة اللّه له.

و بصورة عامّة... الحضور عند النبىّ و طلب الاستغفار منه يوجب الخضوع له، و يُهيّئ الإنسان نفسيّاً لامتثال قوله تعالى:

(... أطيعوا اللّهَ وَ أطيعُوا الرَّسُولَ...)(2).

الثانية: إنّ هذا يجسّد منزلة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لدى الأُمَّة، و يبيّن لهم أنّ الإفاضة المادّية كما أنّها متوقّفة على أسباب و عوامل طبيعية كذلك الإفاضة المعنوية ـ الّتي هي مغفرة اللّه لعباده ـ تأتي عبْر أسباب خاصّة، مثل دعاء النبي و أولياء اللّه للإنسان.

إذا كانت الشمس منبعاً للإضاءة و الطاقة و الحرارة، و كانت هذه الخيرات تنزل على عباد اللّه بسببها، فإنّ الفيوضات الإلهيّة و الخيرات الربّانيَّة تنزل على عباد اللّه بسبب شمس النبوّة الساطعة و تشملهم بالخير و الرحمة.

إنّ عالَم الوجود هو عالَم الأسباب و المسبّبات، و إنّ الخيرات المادّية و المعنوية تأتي عبر الأسباب المناسبة لها.


1. النساء: 64.
2. النساء: 59.


(224)

4ـ و يستفاد من بعض الآيات الكريمة أنّ المسلمين كانوا يحضرون عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دوماً و يسألونه الدعاء و الاستغفار لهم، و لمّا اقترح المسلمون على المنافقين بالحضور عند النبىّ الكريم و طلب الدعاء و الاستغفار منه، رفضوا ذلك كما يقول سبحانه:

(وَ إذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْلَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(1).

5ـ و تشهد بعض الآيات الكريمة أنّ الناس كانوا يدركون ـ بفطرتهم النزيهة ـ بأنّ لدعاء النبي لهم تأثيراً خاصّاً ، و أنّ اللّه تعالى يستجيب دعاءهم بلا تردّد، و لهذا كانوا يسألونه الدعاء والاستغفار لهم من اللّه سبحانه.

إنّ الناس كانوا يُستلهمون من فطرتهم السليمة أنّ الفيض الإلهي و الرحمة الربّانيَّة تُدَرّ عبْر دعاء الأنبياء، كما أنّ هداية الناس و إرشادهم يتمّ عبرهم، و لهذا كانوا يقصدونهم و يسألون منهم الاستغفار، كما جاء في القرآن الكريم ـ في قصّة إخوة يوسف بعد أن وقفوا على خطئهم و سوء تصرّفهم بالنسبة إلى أخيهم يوسف ـ قوله تعالى:

(قالُوا يا أبانَا اسْتَغْفِرْلَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئينَ* قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُلَكُمْ رَبّي إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ)(2).

6ـ هناك آيات كريمة يُحذّر فيها اللّه تعالى نبيَّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من الدعاء و الاستغفار للمنافقين الذين لا زالوا على عبادة الأصنام، و ذلك لأنّ عبادتهم لغير اللّه تمنع من مغفرة اللّه لهم، حتى لو استغفر لهم النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ممّا يدلّ على أنّ


1. المنافقون: 5.
2. يوسف: 97 ـ 98.


(225)

استغفار النبي نافذ و مؤثّر إلاّ لمن يعكف على عبادة الأصنام، لأنّ عبادة الأصنام مانعة من الاستجابة، فَمثَل استغفار النبىّ لهم كمَثَل الماء الزلال الّذي يهطل على الأرض الصلبة المانعة من نفوذ الماء فيها، يقول تعالى:

(... إنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللـهُ لَهُمْ)(1).

(سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ...)(2).

(وَ لَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَني إسْرائيلَ)(3).

إنّ المذنبين سألوا النبىّ موسى ـ عليه السلام ـ الدعاء لهم، و تدلُّ جملة (بما عَهِدَ عندَك)على أنّهم كانوا يعلمون بأنّ للّه تعالى عهداً مع موسى.

أمّا قوله تعالى: (ادعُ لنا ربَّك) ففيه احتمالان:

الأوّل: أن يكون الدعاء لكشف العذاب عنهم عن طريق المعجزة، و ذلك بإيمانهم بقدرة النبىّ موسى على ذلك ـ بالاستعانة بقدرة اللّه سبحانه ـ.

فلو صحّ هذا الاحتمال فالآية تدخل في البحث عن الصورة الثالثة ـ و هي الاستعانة بالإنسان الحي للقيام بعمل إعجازىّ خارق للأسباب المادّية ـ و سوف يأتي البحث عنها إن شاء اللّه تعالى.

الاحتمال الثاني: أن يكون طلب مجرَّد الدعاء لكشْف العذاب، لا المعجزة و خَرق العادة.


1. التوبة: 80.
2. المنافقون: 6.
3. الأعراف: 134.


(226)

و الظاهر هو الاحتمال الثاني: لأنّ المفهوم من جملة (ادعُ لنا ربَّك) هو مجرَّد الدعاء لكشف العذاب.

نعم... ليس في الآية إشارة إلى أنّ اللّه تعالى لا يستجيب دعاء موسى في حقّ المشركين وعَبَدة العجل، و إنّما الإشارة سبقت في آيات أُخرى.

7ـ يُستفاد من بعض الآيات القرآنية بأنّ بعض المؤمنين كان يستغفر للبعض الآخر، كما في قوله تعالى:

(وَ الَّذينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْلَنا وَ لإخْوانِنَا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ...)(1).

8ـ و بالإضافة إلى أُولئك المؤمنين المستغفرين فإنّ حَمَلة العرش يستغفرون للمؤمنين أيضاً، كما في قوله تعالى:

(الَّذينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعتَ كُلَّ شَيء رَحْمةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحيمِ)(2).

بناءً على هذا فما أحسنَ أن نتّبع هؤلاء في هذه السيرة المرضيَّة للّه تعالى، و نستغفر اللّه للمذنبين.

إلى هنا تمَّ البحث عن الصورة الأُولى و الثانية... و إليك البحث عن الصورة الثالثة.


1. الحشر: 10.
2. المؤمن: 7.


(227)

الصورة الثالثة:

و هي الاستعانة بالإنسان الحىّ ـ القادر على المعجزة و خَرق العادة ـ من أجل تنفيذ عمل ما، عن طريق الإعجاز، و دون اللجوء إلى الأسباب المادّية، كشفاء المريض و تفجير الماء من عين يابسة، و ما شابه ذلك.

إنّ بعض السادة الأعاظم يعتبرون هذه الصورة ـ من الاستعانة ـ داخلة في الصورة الثانية ويقولون: إنّ المقصود من المعجزة هو أن يسأل الإنسان ربَّه بأن يشفي مريضه أو يُسدِّد دُيونه وغير ذلك، لأنّ هذه الأفعال خاصّة باللّه تعالى، و ما دعاء النبىّ و الإمام إلاّ وسيلة إلى اللّه تعالى، و لهذا فإنّ نسبة هذه الأفعال إلى النبىّ و الإمام هي من باب المجاز لا الحقيقة.(1)

إلاّ أنّ في القرآن آيات تدلّ ـ بوضوح على أنّ طلب هذه الحوائج من الأنبياء و الأولياء أمرٌ حقيقي و ليس مَجازاً، فإنّنا إذ نطلب من المعصوم نفسه ـ القادر على المعجزة ـ بأن يشفي المريض ـ الّذي صعب علاجه ـ فإنّ ذلك يتحقّق بحول اللّه و قوَّته.

صحيح أنّ القرآن الكريم يعتبر الشفاء من اختصاص اللّه تعالى فيقول:

(وَ إِذامَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفينِ)(2).

إلاّ أنّه في الوقت نفسه ينسب الشفاء إلى القرآن و العسل أيضاً فيقول:

(وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ...)(3).

(...يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ...)(4).


1. كشف الارتياب: 274.
2. الشعراء: 80.
3. الإسراء: 82.
4. النحل: 69.


(228)

(...قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ...)(1).

و السؤال الآن: ما هو وجه الجمع و التوافق بين هذه الآيات؟

الجواب: إنّ النظر الصائب في الجمع بين هاتين المجموعتين من الآيات ـ الّتي تجعل الشفاء من اختصاص اللّه تعالى، و تثبته للعسل و القرآن و المواعظ الإلهية ـ هو أنّ اللّه سبحانه مُؤثِّرٌ في الأشياء بالاستقلال، و معتمدٌ على ذاته المقدَّسة في الأُمور كلّها، بينما العسل و القرآن و المواعظ الإلهية تترك تأثيرها في الأشياء بإذن اللّه و إرادته سبحانه.

إنّ النظرة الإسلامية ـ إلى الكون و الحياة ـ تَعتبر جميع العوامل و المؤثّرات تابعة لإرادة اللّه و قادرة على التأثير بإذنه سبحانه، و أنّ العلل و الأسباب لا تملك أدنى استقلال لها أبداً من دون فرق بين الأسباب الطبيعية و الروحية.

و على هذا الأساس فلا مانع ـ على ضوء القرآن و العقل ـ أن يمنح اللّه ـ الّذي جعل الشفاء في العسل و الأدوية النباتية و الكيمياوية ـ أن يمنح نفس تلك القدرة للأنبياء و الأئمة ـ عليهم السلام ـ .

انظر إلى المرتاضين(2) كيف يتمكَّنون من بعض التصرّفات الغريبة، فما المانع من أن يتفضَّل اللّه على الأنبياء و الأئمة ـ عليهم السلام ـ بقدرة الإشفاء، و يجعلهم قادرين على القيام بأعمال محيِّرة للعقول و خارقة للأسباب المادّية و الطبيعية؟!


1. يونس: 57.
2. المرتاض: هو الّذي يقوم بالرياضة الروحيَّة و التمارين الشاقَّة، ليمنح روحه شفّافيَّة خارقة، تمكِّنه من بعض التصرّفات الغريبة، طبعاً تلك الشفّافيَّة شيطانيّة و ليست رحمانيّة، و لهذا فهي تزول مع ترك تلك التمارين.


(229)

إنّ قدرة الأنبياء و الأئمة ـ عليهم السلام ـ على شفاء المريض و القيام بأعمال استثنائية لا تُنافي أن يكون اللّه هو السبب الحقيقي و العلَّة الأساسية لها، و ذلك بأن مَنَحهم القدرة على التصرُّف في الكون ـ بإذنه تعالى ـ عند الحاجة والمصلحة.

و الجدير بالذكر أنّ في القرآن الحكيم آيات تصرّح بأنّ الناس كانوا يراجعون الأنبياء ـ و غير الأنبياء أيضاً ـ كي يقوموا بأعمال استثنائية خارقة للعادة الطبيعيّة.

و إليك بعض تلك الآيات:

(...وَ أَوْحَيْنا اِلى مُوسى إِذِ اسْتَسقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ...)(1).

يدلّ ظاهر هذه الآية على أنّ بني إسرائيل طلبوا من النبىّ موسى ـ عليه السلام ـ في وقت الجفاف وعدم توفّر الماء أن يهيّئ لهم الماء بالطُّرق الغيبية و المعجزة، لا بالأسباب المادّية الطبيعية.

و ترى واضحاً ـ في الآية ـ أنّ بني إسرائيل لم يطلبوا من النبىّ موسى أن يدعو اللّه و يسأله توفير الماء بل طلبوا منه أن يوفّر لهم الماء فجأةً و من دون سبب مادّي، و لهذا أمره اللّه بأن يضرب بعصاه الحَجر كي ينفجر منه الماء، بطريقة إعجازيَّة، قال سبحانه:

(...فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً...)(2).

و أوضح من هذه الآية هي الآية الّتي تحكي قصّة النبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ عند


1. الأعراف: 160.
2. البقرة: 60.


(230)

ما طلب من الحاضرين عنده بإحضار عرش بلقيس، على الرغم من الحواجز والموانع الّتي كانت في طريقه(1) يقول تعالى ـ حاكياً قول سليمان لمن حولَه ـ :

(...أيُّكُمْ يَأْتيني بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأتُوني مُسْلِمين)(2).

لقد كان هدف سليمان ـ عليه السلام ـ إحضار عرش بلقيس بطريقة غير عادية، و لقد تحقّق ذلك فعلا بطريق خرق الطبيعة، كما قال سبحانه:

(قالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ...)(3).

إنّ روح الموضوع و بيت القصيد هو تصوّر البعض بأنّ الأعمال العادية هي من صلاحيات الإنسان، و أنّ الأعمال الاستثنائية ـ الّتي يعجز الناس عنها عادة ـ خاصّة باللّه سبحانه، و هذا هو الخطأ، لأنّ المقياس في تمييز أفعال اللّه عن غيره هو الاستقلال و عدم الاستقلال فيها.

إنّ الأعمال الإلهية هي الّتي ينفّذها الفاعل ـ و هو اللّه ـ دون تدخّل الغير فيها ودون الاستعانة بقدرة الآخرين.

و بعبارة أُخرى: إنّ الأعمال الإلهية هي الّتي يكون الفاعل مستقلاّ تماماً في تنفيذها، و لا يحتاج إلى الغير في إنجازها أبداً.

أمّا الأعمال غير الإلهية ـ سواء كانت بسيطة و عادية أو صعبة و غير عادية ـ


1. كان النبىّ سليمان في الأردن و كان عرش بلقيس في اليَمن، و بينهما مئات الفراسخ و الكيلومترات.
2. النمل: 38.
3. النمل: 40.


(231)

فهي الّتي لا يكون الفاعل مستقلاّ في تنفيذها، بل يتمّ التنفيذ تحت ظلّ قدرة مستقلَّة و بالاستمداد منها، و هي قدرة اللّه تعالى.

بناءً على هذا فليس هناك أىُّ مانع من أن يتفضَّل اللّه على أوليائه بالقدرة على إنجاز الأعمال الخارقة للعادة و الطبيعة، و الّتي يعجز البشر عادة عن القيام بها.

يقول اللّه تعالى للنبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ :

(...تُبْرِئُ الاَْكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ بِإِذْني وَ إذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْني...)(1).

فما أصرح من هذه الآية في الدلالة على الموضوع؟!

إنّ هذه المجموعة من الآيات تدلّ على أنّ أولياء اللّه كانوا يملكون هذه القدرة، و أنّ طلب الناس منهم القيام بالأعمال الاستثنائية و الإعجازية كان أمراً مُتداولا معروفاً.

أيّها القارئ الكريم: لقد تحدَّثنا ـ حتّى الآن ـ عن الصور الثلاث للاستعانة بأولياء اللّه في حياتهم، على ضوء القرآن الكريم، و قد عرفتَ بأنّ القرآن يُصرّح بصحة تلك الصوَر و يؤكّد عليها في آيات متعدّدة.

أمّا التحدُّث عن الصورتين الأخيرتين اللَّتين تتعلَّقان بالاستعانة بالأرواح المقدَّسة فسيأتيك في الفصل القادم إن شاء اللّه تعالى.


1. المائدة: 110.

(232)


(233)

الفصل الثالث عشر

الاستعانة باولياء اللّه بعد رحيلهم

إنّ مسألة الاستعانة بأولياء اللّه ـ بعد وفاتهم و غيابهم عن هذه الحياة المادّية ـ هي أهمّ مسألة في بحث الاستعانة بأولياء اللّه، و لا فرق بين أن تكون الاستعانة بصورة الدعاء أو طلب المعجزة.

أمّا السبب في أهميّة هذه المسألة ـ عن الّتي سبقَتها ـ فهو لأنّ المسلمين اليوم ليسوا في مَحضر نبىّ أو إمام كي يستعينوا به بصورة مباشرة(1) و لهذا فهم يستعينون بأرواحهم المقدَّسة.

من هنا كان هذا البحث أكثر أهميَّة من الّذي سَبَقه.

أيّها القارئ الكريم: إنّ البحث في هذا الموضوع يتوقَّف على التحدّث عن


1. إنّما عبَّرنا بــ «مَحضر» و لم نعبّر بــ «عصر» نظراً لأنّ الزمان لا يخلو من حجّة للّه تعالى، و نحن الآن في عصر الامام الثاني عشر المهدي المنتظر ـ عليه السّلام ـ و لكنه غائب عن الأبصار، و لهذا فلسنا في محضره الشريف، نسأل اللّه تعالى أن يعجّل في ظهوره ليملأ الأرض قسطاً و عدلا.

(234)

أربعة أُمور، ومن خلال التحدّث عنها و الاطّلاع عليها تعرف جيّداً صحة الاستعانة و الاستغاثة بالأرواح المقدّسة، والأُمور الأربعة هي :

1ـ بقاء الروح بعد الموت.

2ـ حقيقة الإنسان هي روحه.

3ـ الاتّصال بعالَم الأرواح ممكن.

4ـ الأحاديث الصحيحة الّتي رواها المحدِّثُون، و هي تنادي بصحة الاستعانة بأولياء اللّه، بعد رحيلهم وأنّ سيرة المسلمين كانت جارية على ذلك.

و إليك الآن تفصيل هذه الأُمور الأربعة:

1ـ موت الإنسان لا يعني فناءه

إنّ الآيات القرآنية تدلّ ـ بوضوح ـ على أنّ الموت ليس هو النهاية للحياة، بل هو محطَّة انتقال إلى حياة جديدة، و بالموت يدخل الإنسان في عالَم جديد أسمى من عالَم المادّة و الطبيعة.

إنّ كلّ من يعتقد بأنّ الموت فناءٌ و عَدَم، و أنّ الإنسان يفقد كلّ شيء بالموت و لا يبقى منه أثر، سوى جسد لا روح فيه، ثم يتحوّل ذلك الجسد ـ بعد فترة من الزمن ـ إلى التراب و العناصر الأُخرى: إنّ كلّ من يعتقد هذا الاعتقاد فهو ـ في الحقيقة ـ يُقلّد الفلسفة المادّية ـ القائمة على إنكار ما وراء المادّة ـ تقليداً لا شعوريّاً.

إنّ أصحاب هذه النظرية لا يعتبرون الحياة إلاّ نتيجة مادّية لسلسلة تفاعلات كيميائية و عمليات فيزيائية تحصل في المخّ و الأعصاب، وعندما يفقد الجسم


(235)

حرارته و تتوقّف الخلايا عن الحركة و الإنتاج، تتوقّف حياة الإنسان أيضاً و يتحوَّل إلى جسد جامد هامد.

و تذهب هذه النظرية إلى أنّ الروح ليس إلاّ انعكاساً للمادّة و آثارها و خواصّها، و مع فقدان هذه الآثار و الخواص تبطل الروح و تفنى تَبعاً للمادّة.

و لهذا فهؤلاء لا يعتقدون بوجود عالَم آخر باسم عالَم الأرواح.

إنّ نظرية كهذه تستلهم أفكارها من «الفلسفة المادّية» الّتي تعتبر الإنسان كماكنة مركَّبة من قِطَع و أجزاء مختلفة، وأنّ تأثير هذهِ الأجزاء على بعضها يولّد قدرة التفكير و الإدراك في المخ، فإذا تعطلت هذه الأجزاء عن الحركة انعدمت آثار التفكير و تفنى الحياة فناءً كاملا.

إنّ كبار الفلاسفة و العلماء الإلهيّين يُفنّدون تماماً نظريات المادّيين حول الروح و يقولون بأنّ للإنسان ـ بالإضافة إلى النظام المادّي الحاكم في جسمه، و التفاعلات المتبادلة و سلسلة الأعصاب ـ جوهراً أصيلا اسمه «الروح»، و هذا الجوهر يُلازم البَدن فترة من الزمان ثم ينفصل عنه و يُحلّق في عالَم آخر اسمه «البَرزخ» ليلتحق بجسم لطيف هناك.

إنّ التحدّث عن بقاء الروح بعد الموت يستدعي كتاباً مستقلاّ حولَه، و لا يمكن البحث عنه ـ بالتفصيل ـ في هذه الصفحات المحدودة، و ذلك لأنّ الآيات القرآنية و الأدلّة الفلسفية و تجارب الروحيّين الثابتة قد برهنت اليوم على بقاء الروح الإنسانية بعد الموت.

و هنا نكتفي فقط بذكر بعض الآيات الّتي تثبت بقاء الروح بعد الموت.


(236)

القرآن و بقاء الأرواح

إنّ الآيات القرآنية تدلّ ـ بوضوح كامل ـ على بقاء الروح بعد الجسد، و لمراعاة الاختصار نذكرها ذكراً عابراً، على أَمل أن نُقدّم تحليلا لها في فرصة أُخرى:

أ ـ (وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبيلِ اللّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌوَلِكنْ لا تَشْعُرُونَ)(1).

ب ـ (وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللّهِ أمْواتاً بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ...* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللّهِ وَ فَضْل...)(2).

ودلالة الآيتين على المقصود واضحة .

ج ـ (إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسمَعُونِ * قيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قال يا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لي رَبّي وَ جَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ)(3)

إنّ المقصود من الجنّة الّتي أُمر أن يدخل فيها هي الجنة البرزخيَّة لا الجنة الأُخروية بدليل قوله تعالى : (يا لَيْتَ قَومي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لي رَبّي وَ جَعَلَني مِنَ المُكْرَمينَ). إنّ تمنّي معرفة قومه على مكانه لا يتّفق مع عالَم الآخرة الّتي «تُبلى السرائر» فيها و تُرفعُ فيها الأستار أمام الأنظار، و لا تخفى ـ يومئذ ـ أحوال بعض الناس عن بعضهم، بل إنّه ينسجم مع الحياة الدنيا الّتي يعيش الناس فيها منقطعين عن البرزخ و قضاياها و ما يجري على الناس فيها، و هذا ما يشهد به القرآن الكريم.

بالإضافة إلى ذلك... إنّ الآية الأُخرى التالية ـ بعد الآية المذكورة ـ تدلّ بأنّ


1. البقرة: 154.
2. آل عمران: 169 ـ171.
3. يس: 25 ـ 27.


(237)

قوم ذلك الرجل فارقوا الحياة ـ بعد ذلك ـ إثر صيحة سماوية عنيفة، يقول تعالى:

د ـ (وَ ما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْد مَنَ السَّماءِ وَ ما كُنّا مُنْزِلينَ * إنْ كانَتْ إلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هُمْ خامِدُونَ)(1).

يُستفاد من هاتين الآيتين بأنّ قوم الرجل ـ الّذي دخل الجنّة ـ كانوا يعيشيون في هذه الحياة، ثم فاجأهم الموت بغتة، فهذه الجنّة ليست إلاّ جنّة البرزخ.

هـ (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوَّاً وَ عَشِيّاً وَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذابِ)(2).

إن هذه الآية تظهر لنا حياة آل فرعون في عالَم البرزخ، حيث إنّهم يُعرضون على النار غدّوا وعشيّا، إلى قيام الساعة، فإذا قامت القيامة أدخَلوهم في أشدّ العذاب الّذي هو عذاب جهنم.

ولولا قوله تعالى: (وَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ) لما ظهر المقصود من الآية، و هو دليل على أنّ ما قبلها يعود إلى عالَم البرزخ.

أضف إلى ذلك: أنّ موضوع الصباح و المساء يدلّ على أنّ المقصود ليس يوم القيامة، و ذلك لأنّه لا صباح و لا مساء في ذلك اليوم.

أيّها القارئ الكريم: كان هذا بحثاً موجزاً عن حياة الإنسان بعد الموت، و الآن جاء دور التحدُّث عن الأمر الثاني و هو:


1. يس: 28 ـ 29.
2. المؤمن: 46.


(238)

2ـ حقيقة الإنسان هي روحه

يبدو للإنسان ـ في الوهلة الأُولى ـ أنّه مركَّب من الروح و الجَسد معاً، ولكن حقيقة الإنسان هي روحه الّتي تلازم جسده.

نحن الآن لسنا في مقام التحدُّث عن هذا الموضوع من الوجهة الفلسفية، بل إنّ هدفنا هو دراسة الموضوع على ضوء كتاب اللّه الّذي لا ريب فيه.

إنّ التأمّل في الآيات الّتي تتحدّث عن الإنسان، يكشف لنا ـ بكلّ وضوح ـ أنّ حقيقة الإنسان هي روحه، إقرأ هذه الآية:

(قُلْ يَتَوفّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(1).

إنّ كلمة «توفّى» لا تعني الإماتة ـ كما هو معروف ـ بل تعني الأخذ و القبض، و لهذا فإنّ قوله تعالى: «يَتَوَفّاكُمْ» معناه: يأخذكم و يقبضكم، و إنّما يكون هذا التعبير صحيحاً إذا كانت الروح هي الوجود الحقيقي للإنسان، فهي الّتي «تُقبَض» و «تُؤخَذ»(2).

أمّا لو كانت الروح تُشكّل جزءاً من شخصية الإنسان و الجزء الثاني هو جسمه، فإنّ هذه العبارة تكون مَجازاً، لأنّ المفروض أنَّ مَلَك الموت يقبض أحد الجزءين ـ و هو الروح ـ و أمّا الجزء الثاني ـ و هو الجسد المادّي ـ فهو يتركه باقياً في الدنيا، ثم يودَع في القبر و لا علاقة لَمَلكِ الموت به.


1. السجدة: 11.
2. لقد أجرى المرحوم العلاّمة البلاغي بحثاً قيّماً حول كلمة «توفّى» في مقدمّة تفسير آلاء الرحمن: 34.


(239)

ان هذه الآية الّتي تدل على ان ملك الموت يأخذ الإنسان كله وهو محفوظ عند الله إلى يوم القيامة تكشف من ان الروح هي واقع الإنسان و مصدر تكامله النفسي و المعنوي، كما أنّ الجسد بمثابة الرداء الّذي يغطّي الروح و يكسوها.

و القرآن الكريم لا يعتبر الموت فناءً للإنسان و خاتمةً لحياته، بل إنّه يؤكّد ـ و خاصّة للشهداء و الصالحين، و المجرمين أيضاً ـ أنّ لهم حياة أُخرى تسبق يوم القيامة، و أنّ تلك الحياة مصحوبة بالفرح و البشرى أو بالعذاب الأليم.

فإذا كانت حقيقة الإنسان كامنة في جسده، فلا شكّ أنّ جسده سوف يتلاشى بعد أيام من موته و دفنه، و يتحوَّل إلى عناصر أُخرى، فأين الانسان الباقي بعد موته و تلاشي جسده الذي أخبر عنه الذكر الحكيم في الآيات السابقة .

3ـ الاتصال بعالَم الأرواح

هل يمكن الاتصال بعالَم الأرواح؟

إنّ إثبات بقاء الروح مجرَّداً عن المادّة، لا يكون كافياً في صحة الاستعانة و الاستغاثة بها إلاّ إذا ثبت إمكان الاتصال بذلك الروح من عالَم الدنيا.

إنّ في القرآن الكريم آيات متعدّدة تُثبت أنّ اتصال الإنسان بعالَم الأرواح أمرٌ ممكن، بل تحقّق ذلك فعلا، فمثلا:


(240)

أ ـ النبىّ صالح ـ عليه السلام ـ

تحدَّث إلى أرواح قومه

يقول تعالى:

(فعَقَرُوا النّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِم وَ قالُوا يا صالِحُ ائتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ)(1).

تأمَّل هذه الآيات:

الآية الأُولى: تشير إلى أنّهم ـ يوم كانوا على قيد الحياة ـ طلبوا منه العذاب الإلهي الموعود.

الآية الثانية: تُشير إلى نزول العذاب عليهم و موتهم جميعاً.

الآية الثالثة: تُشير إلى مقالة النبىّ صالح ـ عليه السلام ـ بعد موتهم و فنائهم، حيث تأسَّف على المصير الأسود الّذي اختاروه لأنفسهم و قال ـ مخاطباً لهم ـ : (يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحينَ). و الدليل على أنّ هذا الخطاب من النبىّ صالح كان بعد موتهم هو كالتالي:

1ـ تنظيم و تنسيق الآيات بالشكل الّذي سبقت الإشارة إليه.

2ـ حرف «الفاء» في كلمة «فَتَوَلّى» الّذي يدلّ على الترتيب، و قد جاءت بعد


1. الأعراف: 77 ـ 79. لقد ذُكر في بعض الآيات أن العذاب الّذي نزل عليهم كان صيحة سماوية ـ كما في سورة هود: آية 6، و في بعضها أنّ العذاب كان صاعقة ناريَّة ـ كما في سورة فُصّلتْ: آية 17 ـ و في بعضها أنه كان زلزلة و رجفة، و وجه الجمع بين هذه الآيات هو أنّ الصيحة السماوية و الصاعقة كانت مصحوبة بالزلزلة.


(241)

قوله تعالى: (فَأَصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثمين) ممّا يدلّ على أنّ خطاب النبىّ صالح لقومه كان بعد نزول العذاب عليهم.

و يُفهم من قوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحين) أنّ أُولئك كانوا على حدٍّ من العناد و الشقاء بحيث إنّ أرواحهم ـ حتى بعد مماتهم ـ كانت رافضة للموعظة والنصيحة.

ب ـ النبىّ شعيب ـ عليه السلام ـ

تحدَّث إلى أرواح قومه أيضاً

إقرأ هذه الآيات:

(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبِحُوا في دارِهِمْ جاثمينَ * الَّذينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فيها الَّذينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الخاسِرينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْم كافِرينَ)(1).

إنّ الاستدلال بهذه الآيات هو كالاستدلال السابق بالآيات المرتبطة بالنبىّ صالح و قومه.

ج ـ النبيّ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

يتّصل بالأنبياء

يقول تعالى:

(وَسْئَلْ مَنْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)(2).


1. الأعراف: 91 ـ 93.
2. الزخرف: 45.


(242)

إنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ بإمكان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي يعيش في هذه النشأة الطبيعية أن يتّصل بالأنبياء الذين يعيشون في النشأة الأُخرى، كي يثبت للمشركين أنّ جميع الأنبياء ـ و في كلّ العصور ـ كانوا يدعون إلى توحيد اللّه و عبادته.

د ـ سلام القرآن على الأنبياء

إنّ القرآن الكريم يُسلّم على الأنبياء، في مواضع متعدّدة، و لا شكّ أنّ هذا السلام ليس سلاماً سطحياً أجوف، بل هو سلام حقيقىّ و تحية جِدّية يوجّهها القرآن إلى أنبياء اللّه و رسُله.

و من غير الإنصاف أن يحاول أحدٌ تفسير آيات القرآن الكريم تفسيراً سطحياً سَخيفاً، يتحوَّل إلى مجموعة ألفاظ فارغة جوفاء.

نعم إنّ المادّيين ـ الذين لا يعتقدون بالروح و المعنويّات ـ يبعثون السلام و التحية إلى قادتهم وشخصيّاتهم، في عبارات جوفاء.

لكن لا يصحّ لنا أن نفسِّر المفاهيم القرآنية ـ النابعة من الحقيقة و الواقع ـ تفسيراً مادّياً، بأن نقول: إنّ كافّة التحيّات في القرآن ـ والتي نتلوها في آناء الليل و أطراف النهار ـ ليست إلاّ مُجاملات جوفاء و في مستوى تحيّات المادّيين.

انظر إلى القرآن كيف يُسلّم على الأنبياء:

(سَلامٌ عَلى نُوح في العالَمينَ).

(سَلامٌ عَلى إِبْراهيمَ).


(243)

(سَلامٌ عَلى مُوسى وَ هارُونَ).

(سَلامٌ عَلى آلِ ياسينَ).

(سَلامٌ عَلىَ الْمرْسَلينَ)(1).

إنها تحيات واقعية تصل إلى اصحابها باذن من الله سبحانه.

هـ ـ السلام على النبىّ عند ختام الصلاة

إنّ جميع المسلمين في العالم ـ بالرغم من الخلافات المذهبية بينهم في فروع الدين ـ يُسلِّمون على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الصلاة عند ختامها فيقولون:

(السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها النَّبىُّ وَ رَحْمَةُ اللّهِ وَ بَرَكاتُهُ).

و قد أفتى الشافعي و آخرون ـ بوجوب هذا السلام بعد التشهّد في التشهد الأخير خاصة و به قال أحمد في إحدى و الروايتين و إسحاق وأبومسعود الأنصاري وأفتى الآخرون باستحبابه، لكن الجميع متّفقون على أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ علَّمهم السّلام(2) و أنّ سُنَّة النبي ثابتة في حياته و بعد وفاته.

و السؤال الآن: إذا كانت صِلَتُنا و علاقتُنا بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد انقطعت بوفاته، فما معنى مخاطبته و السّلام عليه يوميّاً؟!

و قد روي عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:

«مَنْ صَلّى عَلَىَّ عِنْدَ قَبْري سَمِعْتُهُ، وَ مَنْ صَلّى عَلَىَّ مِنْ بُعْد أُبْلِغتُهُ»(3).


1. الصافات: آية 79، 109، 120، 130، 181.
2. راجع كتاب تذكرة الفقهاء: 3 / 232 وكتاب الخلاف للشيخ الطوسي: 1 / 47 لمعرفة أقوال المذاهب و الفقهاء في هذا المجال.
3. كتاب حقّ اليقين للسيد عبدالله شُبَّر: 2 / 73.


(244)

هذا و قد تحدَّثنا بالتفصيل عن موضوع الاتصال بالأرواح في العالم الآخر في كتاب مستقل، و ذكرنا هناك آيات متعدّدة حوله، و نكتفي هنا بهذه الآيات مراعاة للاختصار.

و ختاماً تجدر الإشارة إلى أنّنا أوردنا الاستدلال بالسلام عند التشهد في خلال البحث عن الآيات المذكورة، بسبب قطعيَّته و ثبوته الأكيد.

و إليك الآن نموذجين ـ من التاريخ ـ حول التحدّث مع الأرواح.

1ـ روي عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه وقف على قليب(1) «بَدْر» و خاطب المشركين ـ الذين قُتلوا و أُلقيت أجسادهم في القليب ـ :

«لَقَدْ كُنْتُم جيرانَ سُوء لِرَسُولِ اللّهِ، أخْرَجْتُمُوهُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَ طَرَدْتُمُوه، ثُمَّ اجْتَمَعْتُمْ عَليهِ فَحارَبْتُمُوهُ، فَقَدْ وَجَدْتُ ما وَعَدَني رَبّي حَقّاً».

فقال له رجُل: يا رَسُولَ اللّه ما خِطابُكَ لِهام قَدْ صُدِيَتْ؟(2)

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«وَ اللّهِ ما أنْتَ بِأَسْمعَ مِنْهُمْ، وَ ما بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ أَنْ تَأَخُذَهُم الْمَلائِكَةُ بِمَقامِعَ مِنْ حَديد إلاّ أنْ أُعْرِضَ بِوَجهي ـ هكذا ـ عَنْهُمْ»(3).

2ـ و روي أنّ الإمام أميرالمؤمنين علىّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ ركب دابَّته ـ بعد


1. القليب: البئر.
2. الهام ـ جمع هامة ـ : الرأس. صُديت: تفسَّخت، و المعنى: كيف تخاطب رؤوساً قد تفسَّخت.
3. صحيح البخاري: 5/ 76 ـ 77 باب قتل أبي جهل ; سيرة ابن هشام: 2 / 292; حقّ اليقين للسيّد عبداللّه شُبَّر: 2/73 .


(245)

انتهاء حرب الجَمل في البصرة ـ و صار يتخلّل القتلى، حتى مرَّ على كعب بن سور ـ و كان قاضي البصرة منذ أيام عمر و في أيام عثمان، و لمّا وقعت الفتنة بالبصرة خرج لحرب خليفة رسول اللّه و إمام زمانه، مع أهله و ولده فقُتلوا جميعاً ـ فوقف عليه أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ و هو صريع بين القتلى:

فقال ـ لمن حوله ـ :

«أَجْلِسُوا كَعْبَ بن سُور».

فأجلسوه بين شخصين يمسكانه، فقال ـ عليه السلام ـ :

«يا كَعْبَ بن سُور! قَدْ وَجَدْتُ ما وَعَدَني رَبّي حَقّاً، فَهَلْ وَجَدْتَ ما وَعَدَكَ رَبُّكَ حَقّاً»؟!

ثم قال: «أَضْجِعُوهُ».

و سار قليلا حتى مرَّ بطلحة بن عبداللّه صريعاً فقال:

«أَجلِسُوا طلحة».

فأَجلسوه، فقال ـ عليه السلام ـ :

«يا طَلْحَةَ! قَدْ وَ جَدْتُ ما وَعَدَني رَبّي حَقّاً، فَهَلْ وَجَدْتَ ما وَ عَدَكَ رَبُّكَ حَقّاً»؟!

ثم قال:

«أَضْجِعُوا طَلْحَةَ».

فقال له رجل:

يا أميرالمؤمنين ما كلامُك لقتيلين لا يسمعان منك؟!

فقال ـ عليه السلام ـ :

«يا رَجُل وَ اللّه لَقَدْ سَمِعا كَلامي، كَما سَمِعَ أهْلُ الْقَليبِ كَلامَ رَسُول اللّه»(1).


1. الشيخ المفيد: حرب الجمل: 195.

(246)

نتيجة البحث

بصورة خاطفة نستنتح ممّا سبق من البحث مايلي :

1ـ لقد أثبتنا ـ في الموضوع الأوّل ـ أنّ الموت ليس هو النهاية للحياة، و لا يعني فناء الإنسان، إنما هو معْبَر ينتقل الإنسان به إلى عالم آخر.

2ـ كما أثبتنا ـ في الموضوع الثاني أنّ حقيقة الإنسان هي روحه، و أنّ الجسد ليس إلاّ رداء يُغطّي الروح، و بقاء الروح يعني بقاء المعنويّات و الكمالات و الشخصية الإنسانية ـ باستثناء القدرات المادّية الّتي تزول بزوال الجسد ـ .

و على هذا الأساس... لو كانت لنفس الإنسان و روحه القدرة على الدعاء أو إنجاز أعمال إعجازية ـ عند ما كان على قيد الحياة ـ فلروحه أيضاً القدرة على إنجاز كلّ تلك الأعمال بعد موته بإذن اللّه تعالى.

3ـ و في الموضوع الثالث أثبتنا إمكان الاتّصال بالعالم الآخر، بل وقوعه و حدوثه و أنّ الأرواح قادرة على سماع كلامنا و خطابنا لها، و لا فرق بين أرواح الصالحين أو المجرمين، كما مرعليك ذلك في القصص القرآنية و التاريخية.

بعد الانتباه إلى هذه الأُمور الثلاثة، ثبت أنّ أولياء اللّه تعالى يسمعون كلامنا و خطابنا، و إذا أَذِنَ اللّه لهم فإنّهم يردّون علينا الجواب.

و السؤال الآن: هل يجوز لنا ـ شرعاً ـ مخاطبة أرواح أولياء اللّه و الاستعانة بها؟

الجواب يأتيك في الأمر الرابع إن شاء اللّه تعالى.

4ـ المسلمون و طلب الحاجة من الأرواح المقدّسة

لقد تسرَّع ابن تيميّة ـ و أتباعه ـ في الحكم، فأنكروا أن يكون الصحابة و التابعون قد طلبوا حاجة من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فهم يقولون:

«و لم يكن أحد من سَلف الأُمّة ـ في عصر الصحابة و لا التابعين و لا تابعي التابعين ـ يتخيَّرون


(247)

الصلاة و الدعاء عند قبور الأنبياء و يسألونهم، و لا يستغيثون بهم لا في مغيبهم و لا عند قبورهم»(1).

لعلّ الإنسان الجاهل بتاريخ الصحابة و التابعين ينخدع بهذا الكلام و يتصوَّر صدقَه وصحته، و لكن سرعان ما يَثبت له كذب هذا الادّعاء و بطلانه إذ نظر إلى التاريخ بنظرة خاطفة، و قرأ بعينه توسُّل الصحابة و غيرهم بالنبي، والاستغاثة به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

و إليك بعض النماذج من ذلك:

1ـ أصاب الناس قحطٌ في عهد عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبىّ ـ صلّى اللّه عليه [ و آله ]و سلّم ـ فقال: يا رسول اللّه استسق اللّه لأُمَّتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [و آله ]و سلّم ـ في المنام فقال: ائتِ عمر، فاقرأُه السلام و أخبرِه إنهم مُسْقَوْن»(2).

ثم يقول السمهودي ـ بعد ذِكر هذه القضية ـ :

«وَ محلُّ الاستشهاد طلب الاستسقاء منه ـ عليه السلام ـ و هو في البرزخ، و دعاؤه


1. رسالة الهدية السَّنيّة: 162 طبعة المنار في مصر.
2 . وفاء الوفا: 4 / 1371.


(248)

لربّه في هذه الحالة غير ممتنع، و عِلمه بسؤال مَن يسأله ، فلا مانع من سؤال الاستسقاء و غيره منه، كما كان في الدنيا»(1).

2ـ و يروي السمهودي أيضاً عن الحافظ أبي عبداللّه محمّد بن موسى بن النعمان، بِسَنَد ينتهي إلى الإمام علىّ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ :

«أنّ أعرابياً جاء إلى المدينة بعد ثلاثة أيام من دفن النبىّ ـ صلّى اللّه عليه [و آله ]و سلّم ـ فرمى بنفسه على قبر النبي وحثا من ترابه على رأسه و قال: «يا رسولَ اللّه قلتَ فسمعنا قولك، ووعيتَ عن اللّه سبحانه ما وَعينا عنك، و كان فيما أُنزل عليك: (...وَ لَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكُ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَلَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(2) و قد ظلمتُ نفسي وجئتك تستغفرلي»(3).

أيّها القارئ الكريم: إنّ السمهودي يذكر ـ في كتابه وفاء الوفا، الباب الثامن ـ قضايا و وقائع كثيرة و كلّها تدلّ على أنّ الاستغاثة برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت سيرة مستمرّة للمسلمين، حتى أنه يقول: إنّ الإمام محمّد بن نعمان كتب كتاباً حول هذا الموضوع بعنوان: مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام.

3ـ يقول محمّد بن المنكدر:

«أَودَع رجلٌ أبي ثمانين ديناراً، و خرج للجهاد و قال لأبي: إن احتجتَ أنفِقها إلى أن أعود، وأصاب الناس جُهدٌ من الغلاء، فأنفق أبي الدنانيرَ، فقدِم الرجل و طلب مالَه، فقال له أبي: عُد إلىَّ غداً. و بات في المسجد يلوذ بقبر النبىّ ـ صلّى اللّه عليه


1 . وفاء الوفا: 4 / 1371.
2. النساء: 64.
3. وفاء الوفا: 4 / 1361 و قد سَبق ذِكر هذا الحديث في فصل سابق.


(249)

[و آله ] و سلّم ـ مرَّة و بمنبره مرَّة، حتى كاد أن يُصبح، يستغيث بقبر النبي، فبينما هو كذلك و إذا بشخص ـ في الظلام ـ يقول: دونكها يا أبا محمّد، فمدَّ أبي يده فإذا هو بصُرَّة فيها ثمانون ديناراً، فلما أصبح جاء الرجل فدفعها إليه»(1).

4ـ يقول أبوبكر المقري:

«كنت أنا و الطبراني و أبو الشيخ في حرم رسول اللّه ـ ص ـ و كنّا على حالة و أثَّر فينا الجوع، و واصلنا ذلك اليوم، فلمّا كان وقت العشاء حضرتُ قبر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقلت: يا رسول اللّه: الجوع...

فحضَر بالباب عَلويٌّ فدقَّ ففتحنا له، فإذا معه غلامان مع كلّ واحد زنبيل فيه شيء كثير، فجلسنا، و أكلنا، و ظننّا أنّ الباقي يأخذه الغلام، فولّى و ترك عندنا الباقي، فلمّا فرغنا من الطعام قال العَلوي: يا قوم أشكوتم إلى رسول اللّه؟ فإني رأيت رسول اللّه في المنام فأمرني أن أحمل بشيء إليكم»(2).

5ـ يقول ابن الجلاّد:

«دخلتُ مدينة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و بي فاقة، فتقدَّمتُ إلى القبر و قلت: ضيفُك. فغَفَوْتُ فرأيت النبي فأعطاني رغيفاً، فأكلتُ نصفه، فانتبهتُ و بيدي النصف الآخر»(3).

نحن الآن لسنا في مقام مناقشة هذه القضايا المذكورة، و بيان صحيحها من


1. و فاء الوفا: 4 / 1380.
2. المصدر السابق.
3. وفاء الوفا: 4 / 1381.


(250)

سقيمها، و إنّما الكلام هو أنّ هذه الوقائع ـ بمجموعها ـ تشهد بأنّ الاستغاثة برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت سُنَّة جارية بين المسلمين، و لو كانت بدعة و محرَّمة، أو شركاً و كفراً، لما ذكرها حتى وُضّاع الحديث، خوفاً من تشويه سمعتهم بين الناس.

و الجدير بالذكر، أنّنا قد أفردنا كتاباً مستقلاّ بعنوان «أصالة الروح» و تحدَّثنا فيه ـ بالتفصيل ـ عن كلّ ما يرتبط بهذا الموضوع، و أوردنا أحاديث و روايات كثيرة فيه، و كلّها تدلّ على صحة طلب الدعاء و الحاجة من الأرواح المقدّسة و صحة طلب إنجاز عمل إعجازي خارق للطبيعة منهم.

و في ختام هذا الفصل نجلب الانتباه إلى الأُمور التالية:

1ـ إنّ طلب الحوائج من أولياء اللّه ليس عبادة لهم أبداً، و خاصّة بعد أن تحدّثنا ـ بالتفصيل ـ عن معنى العبادة و مواردها، و أنّ الاعتقاد بالإلوهيَّة و الربوبيَّة هو الّذي يصبغ العمل بصبغة العبادة، و من الواضح أنّ المتوسّل بأولياء اللّه لا يعتقد بإلوهيَّتهم و لا بربوبيَّتهم، و لا بتدبيرهم لشؤون الكون و لا بقيامهم بأفعال اللّه ـ بالاستقلال و الاختيار ـ بل يعتبرهم عباداً مكرمين، أطهاراً طيّبين، وُجَهاء عند اللّه، مطيعين له، غير مرتكبين لأدنى ذنب و معصية.

2ـ إنّ الأُمور الأربعة المذكورة أثبتت ـ بالدليل و البرهان ـ أنّ أولياء اللّه يملكون القدرة على قضاء حاجة المتوسّل، نظراً لحياتهم عند اللّه، و أنّ كلّ ما يصدر منهم إنّما هو بإذن اللّه تعالى، فهم من مصاديق قوله تعالى:

(و ما تشاءُون إلاّ أن يشاءَ اللّه).

فمثلا: كما أنّ النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ كان في حياته المادّية في الدنيا يسأل اللّه


(251)

تعالى الخير لمن يريد، أو يُبرئ الأكمه و الأبرص(1) بإذن اللّه كذلك يملك هذه القدرة بعد الانتقال إلى عالم الأرواح «البرزخ» لأنّ روحه ـ الّتي هي حقيقته ـ باقية.

3ـ إنّ التواضع و الخضوع أمام قبور أولياء اللّه هو ـ في الحقيقة - تواضعٌ للّه و خضوعٌ له، و إن كان في ظاهره تواضعاً لذلك الولىّ الصالح، إلاّ أنّه لو كشفنا الستار عن قلب ذلك المتواضع لرأينا أنّه يتواضع للّه من خلال تواضعه لوليّه الصالح، و أنّه يطلب حاجته من اللّه بواسطة هذا الولىّ الصالح و بسببه، فالتوسُّل بالأسباب هو عين التوسُّل بمسبِّب الأسباب ـ و هو اللّه سبحانه ـ و هذا واضح لأهل البصيرة و المعرفة.

و أنتَ لو سألتَ المتوسِّل بأولياء اللّه عن الّذي دعاه إلى التوسُّل به، لأجابك ـ فوراً ـ بأنّه «وسيلة» إلى اللّه سبحانه، كما قال تعالى:

(يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ وَ جاهِدُوا في سَبيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(2).

فكما أنّ الإنسان يتوسَّل إلى اللّه بالصلاة و الصوم و العبادات و الطاعات، كذلك يتوسَّل إليه سبحانه بأوليائه الصالحين المكرَّمين لديه.

و الخلاصة: أنّ المؤمن يعتقد ـ في قرارة نفسه ـ بأنّ توسُّله بالنبيّ و غيره من المعصومين والصالحين يدفع المتوسَّل به إلى السؤال من اللّه تعالى لقضاء حاجة من توسَّل به، سواء كانت الحاجة غفران ذنب، أو أداء دَين، أو شفاء مريض، أو رفاهيَّة عيش، أو غير ذلك.


1. الأكمه: الّذي وُلد أعمى. البرص ـ : مَرض جلدي يكون بظهور بُقَع بيضاء في الجسم.
2. المائدة: 35.


(252)


(253)

الفصل الرابع عشر

طلب الشفاعة من أولياء اللّه تعالى

إنّ «الشفاعة» كلمة معروفة بيننا جميعاً، و هي تتردّد على ألسنتنا في وقتها المناسب، فمثلا: إذا دار الحديث عن انسان ارتكب جريمة و حكمت عليه المحكمة بالاعدام أو السجن أو غيرهما، ثم تدخَّل إنسان آخر و توسَّط له و أنقذه ممّا حُكم عليه عندها نقول: إن فلاناً «تشفَّع» لفلان.

معنى الشفاعة

«الشفاعة» مشتقّة من مادة «الشفْع ـ بمعنى الزوج ـ و يُقابله: الوتر ـ بمعنى الفرد ـ و السبب في إطلاق «الشفاعة» على الوساطة و «الشفيع» على الوسيط هو أنّ جهود الوسيط و مساعيه تَزْدَوِج مع عوامل الإنقاذ و الجهود و المساعي الأُخرى الموجودة في المشفوع له، فتنقذ المذنب أو المتَّهم من ورطته.

إنّ شفاعة أولياء اللّه للمذنبين تأتي بسبب قُرب هؤلاء من اللّه تعالى، و مكانتهم وجاههم عنده سبحانه، فهم يشفعون ـ بإذن اللّه و ضمن شروط خاصّة ـ للمذنبين و المجرمين كي يغفر اللّه لهم أو يقضي حوائجهم.


(254)

و بعبارة أُخرى: إنّ الشفاعة إعانةٌ من أولياء اللّه ـ بإذن اللّه ـ لأشخاص لم يقطعوا روابطهم المعنوية مع اللّه و أوليائه، بالرغم من أنّهم مذنبون، هذا تعريف دقيق يجب الانتباه إليه دائماً.

و بتعبير ثالث: إنّ الشفاعة هي إعانة موجود عال لموجود دان، بشرط أن تكون في الداني القابلية و الاستعداد لشمول الشفاعة له، من حيث صلاحيّته للتكامل و الرقي إلى مرتبة عالية ودرجة سامية، و تُحوّله إلى إنسان صالح نزيه.

بعد هذه التعاريف المتعدّدة نقول: إنّ التاريخ الإسلامي يُثبت أنّ المسلمين منذ عهد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ما بعده كانوا يطلبون الشفاعة من أولياء اللّه الصالحين، سواء في حياتهم أو بعد وفاتهم، و لم يَعتبر أحدٌ من علماء الإسلام بأن هذه الشفاعة مُعارضة للمبادئ و الأُصول الاسلامية .

حتّى جاء ابن تيميّة ـ في القرن الثامن الهجري ـ بأفكار شاذّة و آراء سقيمة، فاستنكر كثيراً من سُنن المسلمين.

و بعده بثلاثة قرون جاء محمّد بن عبدالوهّاب النجدي، فرفع راية الخلاف مع المسلمين وأحدث الفتنة و الشقاق بينهم، و أحيا مبتدعات ابن تيميّة بأشدّ ممّا كان عليه.

إنّ الوهّابيّة تعتقد بالشفاعة ـ من حيث المبدأ ـ ولكن نقطة الخلاف بينها و بين المسلمين هي أنّها تُحرِّم الاستشفاع بأولياء اللّه في الدنيا، و قد عبَّر الوهّابيّون عن عقيدتهم هذه بعبارات قاسية متضمِّنة للإهانة و الاستخفاف بالأنبياء و الأولياء، و نحن نتورَّع حتى عن ذِكر تلك العبارات.

و ممّا يقولون في الشفاعة: إنّ نبىّ الاسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سائر الأنبياء و الأولياء


(255)

و الملائكة، لهم حقّ الشفاعة في الآخرة فقط، لكن طلب الشفاعة يجب أن يكون من اللّه لا منهم، بأن يُقال:

«اللّهُمَّ شَفِّعْ نَبِيِّنا مُحَمَّداً فينا يَوْمَ الْقِيامَة. أو: اللّهُمَّ شَفِّعْ فينا عِبادَكَ الصالِحينَ. أو مَلائِكَتِكَ أو نحو ذلك ممّا يُطْلَبُ مِنَ اللّه لا مِنْهُمْ، فَلا يُقالُ: يا رَسُولَ اللّه ـ أو ـ يا وَلىَّ اللّه أسْأَلُكَ الْشفاعَةَ أو غيرها ممّا لا يَقدر عليه إلاّ اللّه، فاذا طلبتَ ذلك في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك»(1).

و هكذا ترى الوهّابيّين يرمون المسلمين بالشرك، لأنّهم يسألون الشفاعة من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأولياء اللّه الصالحين في الدنيا و الآخرة.

نحن قبل أن نتطرَّق إلى مناقشة أدلّة الوهّابيّين نبدأ أوّلا بدارسة المسألة على ضوء القرآن الكريم و السُّنَّة الشريفة و سيرة المسلمين، ثم نتناول أدلّة الوهّابيّين بالبحث و المناقشة.

الأدلَّة على جواز طلب الشفاعة في الدنيا

إنّ دليلنا على جواز طلب الشفاعة في الدنيا يتركَّب من أمرين، و مع ثبوتهما يتَّضح الموضوع بالكامل، أمّا الأمران فهما:

1ـ إنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بالضبط.

2ـ إنّ طلب الدعاء من الصالحين أمرٌ مستحبٌّ في الاسلام.

و إليك البحث عن هذين الأمرين:


1. الهديّة السنيّة ـ الرسالة الثانية ـ : 42.

(256)

1ـ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بالضبط

إنّ شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سائر الشفعاء الصالحين ليست سوى الدعاء إلى اللّه تعالى، إذ أنّهم ـ لمنزلتهم الوجيهة عند اللّه و كرامتهم عليه ـ يبتهلون إليه سبحانه بالدعاء و طلب المغفرة للمذنبين، و اللّه تعالى يستجيب دعاءهم فيشمل عباده العاصين برحمته و مغفرته و يغسل ذنوبهم و يكفّر سيّئاتهم.

إنّ طلب الدعاء من الأخ المؤمن هو أمرٌ مُسْتَحسن و لم يتردَّد في حُسنه أحدٌ من علماء الإسلام و المذاهب المتعدّدة ـ حتّى الوهّابيّة ـ فكيف بدعاء النبىّ و الأولياء الصالحين؟!

طبعاً...لا يمكن القول بأن حقيقة الشفاعة لاتتجاوز الدعاء في مواقف يوم القيامة، و لكن يمكن القول بأنّ من المعاني الواضحة للشفاعة هو الدعاء، و أنّ مَن يُخاطب أحد أولياء اللّه و يقول: «يا وَجيهَاً عِنْدَ اللّه إشْفَع لَنا عِنْدَ اللّه» لا يقصُد إلاّ هذا المعنى.

يروي نظام الدين النيشابوري في تفسير قوله تعالى:

(...مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها)(1).

يروي عن مقاتل أنّه قال: «الشَّفاعَةُ إلَى اللّهِ إنَّما هىَ الدَّعْوَةُ لِمُسْلِم».

و قد روي عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلّما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكّل به آمين ولك بمثل.(2)

إنّ ابن تيميّة هومن الذين يعتبرون طلب الدعاء من الإنسان الحىّ صحيحاً، و على هذا الأساس فانّ طلب الشفاعة لا يختصّ بالنبىّ و أولياء اللّه، بل يجوز ذلك من كلّ مؤمن يحظى بالوجاهة و المنزلة عنده سبحانه.

و الفخر الرازي هو أحد الذين يُفسّرون «الشفاعة» بالدعاء و التوسُّل إلى اللّه تعالى، فقد قال ـ في تفسير قوله سبحانه:


1. النساء: 85.
2. صحيح مسلم : 8 / 86 دار الفكر بيروت ؛ سنن ابن ماجه 2 / 967 .


(257)

(وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَحْمَةً...)(1).

قال: هذه الآية تدلّ على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين(2)...

و إذا ثبتت هذه في حقّ الملائكة فكذلك في حقّ الأنبياء، لانعقاد الإجماع على أنّه لا فرقَ.

و قال أيضاً:

و أيضاً قال تعالى لمحمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤْمِناتِ)فأمَر محمّداً أن يذكر ـ أوّلا ـ الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره، و حكى عن نوح ـ عليه السلام ـ أنّه قال: (رَبِّ اغْفِرْلي وَ لِوالِدَىَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤمِناً وَ لِلْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤمِناتِ)(3).

إنّ هذا التوضيح من الفخر الرازي شاهدٌ على أنّه يرى معنى الشفاعة هو دعاء الشفيع للمذنب، و طلب الشفاعة هو طلب الدعاء منه.

و قد ورد في الأحاديث الشريفة أنّ دعاء المسلم لأخيه المسلم هو شفاعة له، فعن ابن عبّاس عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:


1. غافر: 7.
2. لأنّ في نهاية الآية قوله تعالى: (وَقِهِمْ عَذابَ الجَحيم).
3. تفسير الفخر الرازي: 7/33 ـ 34. أقول: لقد ثبت بالأدلَّة القطعية أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و غيره من الأنبياء معصومون عن كلّ خطأ و ذنب، مُطهَّرون من كلّ معصية، و لهذا فالمقصود من قوله تعالى: (لذنبك)ليس هو المعصية و المصطلحة، والتفصيل يطلب من مَحلِّه.


(258)

«ما مِنْ رَجُل مُسْلِم يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلى جَنازَتِهِ أرْبَعُونَ رَجُلا لا يُشْرِكُونَ بِاللّهِ شَيْئاً إلاّ شَفَّعَهُمُ اللّهُ فيهِ»(1).

لقد جاء في هذا الحديث ـ تعبير «شفَّعهم اللّه فيه» للذين يدعون لأخيهم المسلم.

و انطلاقاً من هذا الحديث فلو أنّ رجلا أوصى في حياته ـ إلى أربعين رجلا من أصدقائه الأوفياء بأن يقوموا على جنازته بعد وفاته و يدعوا له، فهو بذلك قد طلب الشفاعة منهم، و هيّأ أسباب شفاعة عباد اللّه لنفسه.

و قد أفرد البخاري ـ في صحيحه ـ باباً بعنوان «إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم، لم يردَّهم» و أفرد أيضاً باباً آخر بعنوان «إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط»(2).

و تدلّ الأحاديث الّتي ذكرها في هذين البابين أنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بذاته، و لا يجوز تفسير ذلك بمعنى آخر.

إلى هنا ننتهي من الاستدلال الأوّل، و قد ثبت أنّ طلب الشفاعة ليس إلاّ طلب الدعاء لا غير.


1. صحيح مسلم: 3 / 54.
2. صحيح البخاري: 2 / 37 ، باب الاستسقاء.


(259)

و الآن نبدأ البحث عن الموضوع الثاني و هو أنّ طلب الدعاء من المؤمن مستحب، فكيف من الأنبياء و أولياء اللّه تعالى؟!

2ـ القرآن و طلب الدعاء من الصالحين

إنّ الآيات القرآنية تشهد بأنّ طلب النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المغفرة من اللّه لبعض عباده مُفيدٌ و نافعٌ جدّاً... يقول تعالى:

(...وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤمِنينَ...)(1).

(...وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).(2)

فما دام دعاء النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يترك هذا الأثر الكبير و النتيجة الحسَنة لمن دعا له، فما المانع من أنّ يطلب الإنسان من أن يدعو له، مع العلم أنّ طلب الدعاء ليس إلاّ طلب الشفاعة منه، قال تعالى:

(... وَ لَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(3).

إنّ معنى قوله تعالى: «جاءُوكَ» أي: جاءُوا إلى النبي و طلبوا منه الدعاء و الاستغفار لهم، ولولا هذا لكان مجيئهم لغواً و باطلا.

إنّ تشرُّفهم بالحضور عند النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و طلبهم الدعاء و الاستغفار منه دليلٌ على حدوث ردِّ فعل في نفوسهم، و حصول تغيير يُمهِّدْ الأرضية المناسبة لاستجابة الدعاء.


1. محمّد: 19.
2. التوبة: 103.
3. النساء: 64.


(260)

4ـ يروي القرآن الكريم عن أولاد يعقوب ـ عليه السلام ـ أنّهم طلبوا من أبيهم أن يستغفر اللّه لهم، فلبّى النبىّ يعقوب طلبهم، و وفى بوعده، قال تعالى:

(قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْلَنا ذُنوبَنا إنّا كُنّا خاطِئينَ * قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي...)(1).

إنّ كلّ هذه الآيات تدلّ على أنّ طلب الدعاء من الأنبياء و الصالحين ـ الّذي هو طلب الشفاعة أيضاً ـ لا يتنافى مع الأحكام الشرعية و القواعد و الموازين الإسلامية.

أيّها القارئ الكريم: هناك أحاديث كثيرة بشأن طلب الدعاء من الأولياء الصالحين، و قد صَرفنا النظر عن ذكرها مراعاةً للاختصار.

3ـ الأحاديث النبوية و سيرة الصحابة

روى الترمذي ـ في صحيحه ـ عن أَنس أنه قال:

«سَأَلْتُ النَّبيَّ أنْ يَشْفَعَ لي يَوْمَ الْقيامَةَ فَقالَ: أَنا فاعِلٌ، قُلْتُ: فَأَينَ أطْلُبُكَ؟ قالَ: عَلى الصِّراط»(2).

و يأتي سواد بن قارب إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يطلب منه الشفاعة في أبيات أنشَدَهن... و منها:

فكن لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعة بمُغن فتيلا عن سواد بن قارِبِ(3)


1. يوسف: 97 ـ 98.
2. سنن الترمذي: 4 / 42، باب ما جاء في شأن الصراط.
3. الدرر السَّنيّة لزيني دحلان: 29.


(261)

و جاء في التاريخ: أنّ رجلا اسمه «تُبَّع» كان قبل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأكثر من ألف سنة، و كان قد بلغه أنّ نبىّ آخر الزمان سوف يظهر من مكّة، فكَتب كتاباً و دفعه إلى بعض أقربائه، كي يُسلّموه إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ذكر فيه إسلامه و إيمانه و أنّه من أُمّة رسول اللّه، و جاء فيه:

«فَاِنْ لَمْ أُدْرِكْكَ فَاشْفَعْ لي يَوْمَ القِيامَة وَ لا تَنْسني».

و مات الرجل و كان الكتاب ينتقل من واحد لآخر حتى بُعث النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلما وصَل الكتاب بيده قال ـ ثلاث مرّات ـ :

«مَرْحَباً بِالأَخِ الصّالِحِ»(1).

فإذا كان طلب الشفاعة شركاً باللّه، لما عبَّر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن تُبَّع بــ «الأخ الصالح» و لما قال ثلاثاً: «مرحباً».

هذه بعض الأحاديث الّتي تثبت جواز طلب الدعاء و الشفاعة من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حياته الكريمة.

4ـ طلب الشفاعة بعد الموت

و يُستفاد من مجموعة من الروايات أنّ الصحابة كانوا يطلبون الشفاعة من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته، و إليك بعض النماذج:

1ـ قال ابن عبّاس: لمّا فرغ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ من تغسيل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:


1. المناقب لابن شهرآشوب: 1 / 16; بحارالأنوار: 15 / 224.

(262)

«بأبي أنْتَ وَ أُمّي... طِبْتَ حَيّاً وَ طِبْتَ مَيّتاً... وَ اذْكُرْنا عِنْدَ رَبِّك»(1).

2ـ و يُروى أنّه لمّا توفّي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كشَفَ أبوبكر عن وجهه ثم أقبل عليه فقبَّلَه ثم قال:

«بِأبي أنْتَ وَ أُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد دُقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً»(2).

إنّ هاتين الروايتين ـ و أمثالهما ـ تدلّ على أنّه لا فرق بين طلب الشفاعة من الشفيع في حياته و بعد وفاته، و قد كان الصحابة يطلبون الدعاء من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته، فلو كان طلب الدعاء منه صحيحاً بعد وفاته فأنّ طلب الشفاعة ـ الّذي هو نوع من طلب الدعاء ـ سيكون صحيحاً أيضاً.(3)

و الخلاصة: بالاستناد إلى ما سبق من الآيات و الروايات و سيرة المسلمين ـ على مرِّ العصور و القرون ـ يُعتبر جواز طلب الشفاعة أمراً بديهيّاً لا يترك أىَّ مجال للشكّ فيه أبداً.


1. نهج البلاغة: رقم الخطبة 230.
2. السيرة النبوية: 2/655 ـ 656 .
3. لقد أفردنا كتاباً حول الشفاعة و ذكرنا فيه مائة حديث، أربعة و أربعين منها مِن كُتب أهل السنّة و الباقي منها مِن كُتب الشيعة، فراجِع لمزيد الاطّلاع.


(263)

الفصل الخامس عشر

أدلّة الوهّابيّين على حرمة طلب الشفاعة

لقد ذكرنا في الفصل السابق أدلَّة جواز طلب الشفاعة ـ من آيات و أحاديث ـ و الآن جاء دور ذِكر أدلَّة الوهّابيّين على حرمة ذلك، و مناقشتها مناقشة موضوعية (ليُحقَّ اللّه الحقَّ بكلماته).

لقد استدلّ الوهّابيّون على حرمة طلب الشفاعة بأُمور نذكرها فيما يلي:

1ـ طلب الشفاعة شرك باللّه

إنّ ما تعنيه الوهّابيّة من الشرك هو الشرك في العبادة، حيث إنّها تزعم أنّ طلب الشفاعة من الشفيع هو عبادته.

لقد تحدّثنا ـ في فصل سابق و بالتفصيل ـ عن العبادة و معناها، و ذكرنا بأنّ أىّ طلب من الإنسان ـ حتى طلب الشفاعة ـ إنّما يكون عبادة إذا كان مقروناً بالاعتقاد بأنه: «إلهٌ و رَبُّ» أو «مصدر لأفعال اللّه و مُدبِّر مستقلّ لشؤون الكون و قائم بما يرجع إليه سبحانه».


(264)

إنّ طالب الشفاعة من الشفعاء الصالحين ـ الذين أذِن اللّه لهم بالشفاعة ـ إنّما يعتبرهم عباداً للّه، مقرَّبين لديه، وُجَهاء و كُرماء عنده، و ليس هناك أىّ اعتقاد بإلوهيّتهم و رُبوبيّتهم أو كونهم مصدراً مستقلا لأفعال اللّه تعالى أو أنّ الشفاعة و المغفرة قد فُوِّضت إليهم تفويضاً مطلقاً لا يحتاج إلى إذن اللّه سبحانه.

كلاّ، إنّ الشفعاء الصالحين إنّما يشفعون في إِطار «إذن اللّه سبحانه» لمن يستحقّ الشفاعة ويليق بها، بأن تكون علاقاتهم المعنوية متّصلة باللّه، غير مقطوعة مع الشفعاء.

و من الواضح أنّ طلب الشفاعة من الميّت لو كان معناه عبادته، لكان الطلب من الشفيع الحي عبادة له أيضاً.

و قد ذكرنا ـ في فصل سابق ـ أنّ القرآن يدعو المسلمين إلى الحضور عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و طلب الاستغفار لهم من اللّه سبحانه، و ليس هذا الطلب سوى طلب الشفاعة من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حياته، و لا يمكن أن يكون هذا العمل شركاً في زمان، و توحيداً في زمان آخر.

كما ذكرنا أيضاً ـ في فصل الاستعانة بأولياء اللّه ـ أنّ الاستشفاع بالولىّ الصالح إذا لم يكن باعتقاد إلوهيَّته و ربوبيَّته فلا يُعتبر شركاً أبداً، فمثلا يقول تعالى:

(...وَ إِيّاكَ نَستَعينُ)(1).

فيحصر الاستعانة بذاته المقدَّسة، ثم يقول سبحانه أيضاً:

(وَ اسْتَعينُوا بالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ...)(2).


1. الفاتحة: 5.
2. البقرة: 45.


(265)

فهل يقول قائل: إنّ الاستعانة بالصبر شِركٌ باللّه؟!

طبعاً... لا، لأنّ الاستعانة المحرَّمة هي المقرونة بالإيمان بربوبيّة غير اللّه سبحانه، و هذا ما لا يؤمن به أحد من المسلمين.

2ـ المشركون و التشفّع بالأصنام

بعد إبطال الدليل الأوّل للوهّابيّة على حرمة طلب الشفاعة من الأولياء، يأتي دور إبطال الدليل الثاني و هو: أنّ اللّه تعالى إنما اعتبر عَبَدة الأصنام مشركين، لأنّهم كانوا يطلبون الشفاعة من أصنامهم، و كانوا يبكون أمامها و يطلبون الوساطة منها، كما قال تعالى:

(وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاءُونا عِنْدَ اللّهِ...)(1).

و على هذا الأساس فإنّ مطلق طلب الشفاعة من غير اللّه يُعتبر شركاً باللّه و عبادة للشفيع.

الجواب:

أوّلا: ليست في هذه الآية أيَّة دلالة على ما ترتئيه الوهّابيّة أبداً، لأنّ القرآن عند ما يَعتبر أُولئك مشركين فليس لأجل طلبهم الشفاعة من الأصنام، بل بسبب عبادتهم لها، عبادة تؤدّي بهم إلى الاستشفاع بها أيضاً.

و لو كان مُجرَّد طلب الشفاعة من الأصنام عبادة لها و موجباً للشرك، لما كانت


1. يونس: 18.

(266)

هناك حاجة إلى قوله تعالى: (وَ يَقُولُونَ هؤلاء شُفعَاؤُنا) بل كان قوله سبحانه: (وَ يَعْبُدُونَ)كافياً لنسبة الشرك إليهم، فعطف الجملة الثانية على الأُولى دليل على أنّهما شيئان مُستقلاّن، و أنّ موضوع عبادة الأصنام يفترق عن موضوع طلب الشفاعة منهم.

فعبادتهم الأصنام دليل على كونهم مشركين باللّه تعالى، واستشفاعهم بالحجَر و الخشَب دليل على جهلهم وحمقهم وعدم معرفتهم .

والحاصل انّ المشركين كانوا يقومون بعملين مستقلّين: 1ـ يعبدون ما لايضرهم ولا ينفعهم. 2ـ يطلبون الشفاعة منهم عند الله وليس في الآية دلالة على أنّ طلب الشفاعة من الأصنام كان عبادة لها، فكيف يمكن اعتبار الاستشفاع بأولياء اللّه دليلا على عبادتهم؟!!

فالآية لا ترتبط بالبحث إطلاقاً.

ثانياً: لنفرض ـ جَدَلا ـ أنّ علَّة الشرك في أُولئك هو استشفاعهم بالأصنام، ولكن بين استشفاع المشركين بالأصنام و استشفاع المسلمين بأولياء اللّه فرقٌ كبير و بُعدٌ واسع كما بين السماء و الأرض، لأنّ المشركين كانوا يعتبرون الأصنام مالكة للشفاعة و المغفرة، و مشيئتهم نافذة بلا ريب، فمن الواضح أنّ هذا النوع من الاستشفاع يعدّ عبادة للأصنام، لأنّه مقرون مع الاعتقاد بربُوبيّتها و إلوهيَّتها و مَصْدَريَّتها لأفعال اللّه و شؤون الكون.

هذا... في حين أنّ الإنسان المسلم يطلب الشفاعة و الدعاء من الشفيع باعتباره عبداً مقرَّباً إلى اللّه، و عبداً وجيهاً، مأذوناً من عند اللّه في الشفاعة إذا رضي وإذن.


(267)

باللّه عليك أيّها القارئ: أَلا يكون القول بعدم الفرق بين هذين مُخالفاً للعقل و مُنافياً للمنطق وبعيداً عن الإنصاف؟!!

أَلا تُدرك الفرق جيّداً بينهما كما تدرك الفرق بين ظلام الليل و نور النهار؟!!

3ـ دعاء غير الله عبادة له

بعد إبطال الدليل الثاني للوهّابيّة على حرمة الاستشفاع من أولياء اللّه تعالى، يأتي الدليل الثالث و هو انّ دعوة الغير و طلب الحاجة منه، عبادة له بنَصّ القرآن الكريم، قال تعالى:

(...فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أحَدَاً)(1). وليس للنهي وجه سوى كون دعاء الغير عبادة له.

و الدليل على أنّ دعاء غير اللّه عبادة للمدعوّ، هو قوله تعالى:

(...ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ)(2).

فلو تأمَّلنا في الآية لرأينا أنّها بُدئتْ بلفظ «الدعوة» و خُتمتْ بلفظ «العبادة» و هذا دليل على أنّ مفهوم الكلمتين واحد، و قد روي عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«الدُّعاء مُخُّ العِبادَة»(3).


1. الجن: 18.
2. غافر: 60.
3. سفينة البحار: مادة «الدعاء».


(268)

الجواب:

أوّلا: ليس المقصود من النهي عن دعوة غير اللّه ـ في قوله سبحانه: (فلا تدعوا)الدعوة المطلقة، بل المقصود هو الدعاء الخاص الذي يعادل العبادة، إذ من المعلوم أنّ مطلق دعاء الغير ليس عبادة له، فقولك: يا زيد اسقني، ليس عبادة للساقي، و الدليل على هذا هو بداية الآية حيث قال تعالى:

(وَ أَنَّ الْمَساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعوا...).

فالآية ـ بمجموعها ـ تدلّ على أنّ الدعوة المحرَّمة هي الدعوة النابعة عن الاعتقاد بإلوهيّة ذلك المدعوّ و ربوبيّته و تَصرُّفه في شؤون الخلق و الكون(1) و أين هذا من طلب الشفاعة من النبي النابع من الاعتقاد بأنّه عبد صالح عزيز عندالله؟!

ثانياً: إنّ ما تُحرّمه الآية و تنهى عنه أن ندعو مع اللّه أحداً، و نجعله مساوياً في الدعاء كما تدلّ على هذا جملة «مع اللّه» فإذا طلب إنسان من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يبتهل إلى اللّه بالدعاء و التوسّل لقضاء حاجته و غفران ذنوبه، فليس معناه أنّه دعا مع اللّه أحداً، بل إنّ هذا الدعاء ـ في الحقيقة ـ ليس إلاّ دعاء اللّه سبحانه.

و إذا كانت بعض الآيات تَعتبر طلب الحاجة من الأصنام شركاً فإنّما هو بسبب أنّهم كانوا يعتبرون الأصنام آلهة صغاراً تملك الاختيار الكامل لأفعال اللّه تعالى، كلّها أو بعضها، و لهذا ترى القرآن الكريم ينتقد هذه الأفكار الباطلة فيقول:

(وَ الَّذينَ تَدعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطيعُونَ نَصْرَكُمْ وَ لا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ)(2).


1. فقوله تعالى: (فَلا تدعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً) معناه فلا تعبدوا مع اللّه أحداً، كما يقول سبحانه في آية أُخرى: (وَ الَّذينَ لا يَدْعونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخر )سورة الفرقان: آية 68 : أي لا يعبدون مع اللّه إلهاً آخر.
2. الأعراف: 197.


(269)

و يقول أيضاً:

(إنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ...)(1).

و خلاصة القول: إنّ المشركين كانوا يعتبرون أصنامهم آلهة صغاراً، و أنّ أفعال اللّه تعالى مفوَّضة إليها بشكل مطلق، لكنّ طلب الشفاعة و الدعاء من إنسان منَحه اللّه الكرامة و المنزلة فاقد لهذه الخصائص و الشروط. فأين اعتقاد المشركين في حق أصنامهم من اعتقاد المسلمين في حق أوليائهم؟!!

قليلا من الإنصاف و الموضوعيّة!

«أفلا تعقلون»؟!

ثالثاً: إنّ كلمة «الدعوة» لها معنىً واسع، حتى أنّها تُستعمل ـ أحياناً و من باب المجاز ـ في العبادة أيضاً، كما استدلّوا به في الآية (2) و الحديث (3) مع العلم أنّ هذه الاستعمالات الجزئية المجازية لا تكفي، دليلا على أن نُفسّر «الدعوة» في جميع الموارد بمعنى العبادة دائماً، و أن نَعتبر طلب الحاجة والدعاء من أحد شركاً.

4ـ الشفاعة حقٌّ خاصٌّ باللّه سبحانه فقط

أيّها القارئ الكريم: بعد إبطال الدليل الثالث للوهّابيّة نذكر الدليل الرابع و هو قوله تعالى:


1. الاعراف: 194.
2. و هي (ادعوني أستجب لكم).
3. و هو: الدعاء مُخّ العبادة.


(270)

(أم اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لا يَعقِلُونَ * قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَميعاً...)(1).

و وجه الاستدلال بهذه الآية هو تصريحها باختصاص الشفاعة باللّه سبحانه.

إذن: ماذا يعني طلب الشفاعة من غير اللّه؟

الجواب:

ليس معنى قوله تعالى: (للّه الشفاعة جميعاً) أنّ الشفاعة خاصّة باللّه و لا يحقّ لغيره أن يشفع، لأنّه لا شكّ أنّ اللّه لا يشفع لأحد عند آخر، بل يعني أنّه تعالى مالكُ أصل الشفاعة لا الأصنام، و ذلك لأنّ الشفيع يجب أن يكون ذا عقل و شعور أوّلا و مالكاً للشفاعة ثانياً، في حين أنّ الأصنام تفقد هذين الوصفين، و لهذا قال سبحانه:

«قُلْ:   1 أوَلَو كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيئاً.

      2ـ وَ لا يَعْقِلُونَ».

إذن: تركيز الآية إنّما هو على أنّ الله تعالى هو مالك الشفاعة لا الأصنام، و أنّ اللّه يمنح هذه الصلاحية لمن تتوفَّر فيه اللياقة و الأهليَّة ليستشفع لعباده، لالمثل الاصنام والاوثان فلا علاقة لهذه الآية مع الموضوع الّذي نتحدّث عنه، لأنّ المسلمين يعتبرون اللّه وحده «مالك الشفاعة» و لا أولياؤه، و يعتقدون أنّ مَن أذِن اللّه له في الشفاعة قادرٌ على الاستشفاع دون غيره.


1. الزُمر: 43 ـ 44.

(271)

كما أنّ المسلمين يعتقدون ـ بالاستناد الى الآيات و الأحاديث ـ بأنّ اللّه تعالى قد أذِن للنبي و آله الأطهار ـ عليهم السلام ـ بالشفاعة، و لذلك فنحن نستشفع بهم.

و هكذا ظهر لك ـ أيّها القارئ ـ عدم العلاقة بين تلك الآية و هذا البحث، و عدم العلاقة أيضاً بين الحديث الذي ذكروه و هذا البحث.

5ـ لَغْويَّة الاستشفاع بالميّت

إنّ آخر دليل ذكره الوهّابيّون ـ على حرمة الاستشفاع بالأولياء ـ هو أنّ طلب الشفاعة من أولياء اللّه في هذه الحياة هو طلب الحاجة من الميّت الفاقد للسمع، و قد استدلّوا على ذلك بآيتين :

1 (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْموْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرينَ)(1).

و وجه الاستدلال بها: أنّ القرآن الكريم شبَّه المشركين بالأموات، و هي تُخاطب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّك لا تستطيع أن تُفهم هؤلاء، لأنّهم كالموتى لا يسمعون، فلو كان الموتى قادرين على التكلّم والسماع لما صحَّ تشبيه المشركين بالموتى.

(...إِنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَ ما أنْتَ بِمُسْمِع مَنْ في القُبُور)(2).

و الاستدلال بهذه الآية كالاستدلال بالآية السابقة، في عدم قدرة الموتى على السماع و التكلّم، و على هذا فطلب الشفاعة منهم كطلب الشفاعة من الجمادات.


1. الروم: 52.
2. فاطر: 22.


(272)

الجواب:

إنّ الشرذمة الوهّابيّة تلجأ دوماً إلى مسألة الشرك في ردّ الفِرق و المذاهب الإسلامية، و تتّهم المسلمين بالكفر تحت ستار الدفاع عن التوحيد و اختصاص العبادة به.

و لكنّها ـ في هذا الاستدلال ـ غيَّرتْ اسلوبها و تشبَّثتْ بالقول: إنّ الاستشفاع بالأولياء لغوٌ و لا فائدة فيه، لكونهم موتى.

ولكن هذه الشرذمة ـ الغريبة عن القرآن ـ تجاهلت و تغافلت عن الأدلّة العقلية و الشرعية الّتي تُثبت حياة الأولياء بعد الموت.

لقد أثبت فلاسفة الإسلام أنّ الروح ـ بعد ما تتجرَّد عن هذا الجسم المادّي و تستغني عنه ـ تَظلّ باقية إلى ما لا نهاية، و تتمتع بحياة و إدراك خاصّ، و قد ذكر الفلاسفة الإلهيّون عشرة أدلَّة عقلية على هذا الموضوع، ممّا لم يترك مجالا للشكّ و التردّد فيه، لأهل الإنصاف والوجدان.

و بالإضافة إلى الأدلّة العقلية... فهذا كتاب اللّه يُنادي ـ بأعلى صوته ـ بالحياة بعد الموت(1)وكذلك عشرات الأحاديث الشريفة المرويَّة في هذا المجال.

فما هذا الدليل العليل أيّها الوهّابيّون؟!

و تسأل: فما معنى تلك الآيتين؟


1. راجع آية 169 ـ 170 من سورة آل عمران، و آية 41 من سورة النساء، و آية 45 من سورة الأحزاب، و آية 100 من سورة المؤمنون، و آية 46 من سورة غافر، كلّها تدلّ على الحياة بعد الموت، و قد تحدَّثنا عن هذا الموضوع في فصل سابق.

(273)

الجواب:

أوّلاً: المراد ـ بملاحظة الآيات السابقة الدالّة على سماع الموتى بعد رحيلهم ـ هو نفي الاسماع المفيد، فإنّ سماع الموتى أو من في القبور لا يجدي نفعاً بعدما ماتوا كافرين، هكذا المشركون لا يفيد إسماعهم، فوجه الشبه في تشبيه أسماع المشكرين بأسماع الموتى هو عدم فائدة الإسماع لا عدم تحقّقه وإلاّ فهذا هو النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، يقول: «الميت يسمع قرع النعال» في حديث أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه حتى أنّه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيُقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمّد«صلى الله عليه وآله وسلم» فيقول: أشهد انّه عبد اللّه ورسوله إلى آخر ما نقل.(1)

وقد مرّ انّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يزور القبور، و يخرج آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون وانّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد.(2)

اتّفق المسلمون على تعذيب الميت في القبر، أخرج البخاري عن ابنة خالد بن سعيد بن العاص انّها سمعت النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» وهو يتعوّذ من عذاب القبر، وأخرج عن أبي هريرة كان رسول اللّه«صلى الله عليه وآله وسلم» يدعو: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر و من عذاب النار.(3)

كلّ ذلك يدلّ على أنّ المراد من نفي الإسماع هو الإسماع المفيد تحقيقاً


1. البخاري:الصحيح: 2/90، باب الميت يسمع خفق النعال.
2. صحيح مسلم:3/63، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز.
3. البخاري:الصحيح: 2/99، باب التعوذ من عذاب القبر من كتاب الصلاة.


(274)

لقوله سبحانه:(حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ قالَ رَبِّ ارجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِ يُبْعَثُون)(1) حيث إنّ الآية صريحة في ردّ دعوة الكفّار حيث طلبوا من اللّه سبحانه أن يُرجعهم إلى الدنيا حتى يعملوا صالحاً، فيأتيهم النداء«بكلا» فيكون تمنّيهم بلا جدوى ولا فائدة كما أنّ سماع الموتى كذلك، لا انّهم لا يسمعون أبداً، إذ هو مخالف لما مرّ من صريح الآيات والروايات.

إنّ الأجساد الراقدة تحت التراب غير قادرة على الفهم و الإدراك، و هذا طبيعي، إذ أنّ الجسد عند ما يتجرَّد عن الروح يبقى جماداً لا فهم له و لا إدراك.

ولكن النقطة المهمّة ـ هنا ـ هو أنّ الذين نُخاطبهم و نستشفع منهم ـ و كما يؤكّد القرآن الكريم ـ ليس هو الجسد المدفون تحت التراب، و إنّما هي الروح الطاهرة و الحيَّة التي تعيش في الجسد البرزخي في عالَم البرزخ.

فلو لم تتمكّن الأجساد المدفونة في الأرض من الإدراك و الفهم، فهذا لا يدلّ على أنّ أرواحها الطاهرة و نفوسها الطيّبة ـ التي هي حيَّة تُرزَق في العالَم الآخر ـ غير قادرة على الإدراك و الفهم.

و أنّ السلام و التحيّة و الزيارة هي لتلك الأرواح النورانيَّة الخالدة، و طلب الشفاعة منها أيضاً.


1. المؤمنون/99ـ 100.

(275)

و هكذا ظَهَرَ لك ـ أيّها القارئ الكريم ـ أنَّ الأدلَّة الّتي يستدلّ بها الوهّابيّون على حرمة الاستشفاع من أولياء اللّه أدلّة واهية ضعيفة، و أنّ الحقّ هو ما يقوم به المسلمون تَبعاً للقرآن و الأحاديث الشريفة.


(276)


(277)

الفصل السادس عشر

الاعتقاد بالقدرة الغيبيّة لأولياء اللّه تعالى

هل الاعتقاد بالقدرة الغيبية لأولياء اللّه شِركٌ باللّه؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ الإنسان لا يطلب حاجته من أحد إلاّ إذا تأكَّد من قدرته على قضاء حاجته و تلبية طَلبه.

و هذه القدرة على قسمين:

1 القدرة المادّية الظاهرية، بأن تطلب الماء من إنسان، فيملأ لك الإناء ماءً ويُناولك.

2ـ القدرة الغيبية المستقلَّة عن المادّة، و الخارجة عن المجاري الطبيعية، كأن يعتقد الإنسان ـ مثلا ـ بأنّ الإمام علىّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ قادر على قلع باب خيبر ـ الّذي يعجز الإنسان عن قلعه عادة ـ بقوّة غيبية تفوق قدرة البشر.

أو يعتقد بأنّ النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ قادر على شفاء المريض الذي يصعب علاجه، باذن الله سبحانه من دون استعمال دواء أو إجراء عملية جراحية.

إذا عرفت هذا... فاعلم أنّ الاعتقاد بهذه القدرة الغيبية ـ إذا كان مُستنداً إلى


(278)

قدرة اللّه و إذنه و إرادته ـ هو كالاعتقاد بالقدرة المادّية الطبيعية، و ليس شركاً باللّه سبحانه، لأنّ اللّه الّذي وهَب القدرة المادّية لشخص قادر على أن يهب القدرة الغيبية لشخص آخر، دون الاعتقاد بكون المخلوق خالقاً أو مُستغنياً عن اللّه تعالى.

الرأي الوهّابي

يعتقد الوهّابيّون بأنّه لو طلب إنسان حاجة من أحد أولياء اللّه ـ حيّاً كان أم ميّتاً ـ كأن يشفي مريضه أو يُعيد عليه مفقوده أو يقضي ديونه أو غير ذلك، فقد آمن بوجود قدرة غيبية عند مَن دعاه و سأله، بحيث يستطيع أن يخرق بها القوانين الطبيعية الحاكمة في هذا الكون، والاعتقاد بهذه القدرة لغير اللّه اعتقاد بإلوهيَّة ذلك الغير، و طلب الحاجة منه مع هذا الاعتقاد شركٌ باللّه سبحانه.

مثال ذلك: لو طلب الإنسان ـ العطشان في الصحراء ـ ماءً من خادمه، فإنّ طلبه هذا ليس طَلباً لخرق القوانين الطبيعية، فهو جائز و ليس شركاً.

أمّا لو طلب نفس هذا الطلب من نبىٍّ أو إمام يرقد تحت التراب، أو يعيش في بلدة أُخرى و مكان آخر، أو كان غائباً عن الأبصار، فقد أشرك باللّه تعالى، لأنّه يعتقد بأنّ ذلك النبىّ أو الإمام يستطيع أن يُهيّئ الماء، خارج نطاق القوانين و الأسباب الطبيعية، أي: بالقدرة الغيبية، و هذا اعتقاد بإلوهيّة ذلك المدعو: النبىّ أو الإمام.

و قد صرِّح بهذا الرأي الكاتب الوهابي «أبو الأعلى المودودي» حيث قال:

«إنّ التصوّر الّذي لأجله يدعو الإنسانُ الإله و يستغيثه و يتضرَّع إليه هو ـ لا جَرَم ـ تصوُّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة»(1).


1. المصطلحات الأربعة: 18.

(279)

رأينا حول هذا الكلام

إنّ الخطأ الّذي ارتكبه المودودي ـ و نظراؤه ـ تصوَّر، بأنّ الاعتقاد بالسلطة الغيبيّة لغير اللّه شرك به سبحانه مطلقاً، و لم يُفرِّق ـ أو لم يرد أن يُفرِّق ـ بين الاعتقاد بالقدرةِ الغيبية المستمدّة من اللّه و المعتَمد عليه، و بين القدرة المستقلَّة عنه سبحانه، حيث إنّ الشرك هو الاعتقاد الثاني لا الأوّل.

إنّ القرآن الكريم يذكر ـ بصراحة تامّة ـ أسماء أشخاص كانت لهم القدرة الغيبية، و كانت إرادتهم تتحكّم على قوانين الطبيعة و تُغيِّر مجراها.

و إليك أسماء بعض من أشار إليهم القرآن:

1ـ القدرة الغيبية للنبىّ يوسف ـ عليه السلام ـ

قال يوسف ـ عليه السلام ـ لإخوته :

(إذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجهِ أَبي يَأْتِ بَصيراً...).

(...فَلَمّا أنْ جاءَ الْبَشيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصيراً).(1)

إنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ النبىّ يعقوب ـ عليه السلام ـ استعاد بَصَره الكامل بالقدرة الغيبية الّتي استخدمها يوسف ـ عليه السلام ـ من أجل ذلك، و من الواضح أنّ استعادة يعقوب بَصَره لم يكن من اللّه بصورة مباشرة، بل تحقّقت بإذنه سبحانه، بواسطة النبىّ يوسف ـ عليه السلام ـ .

إنّ النبىّ يوسف كان السبب في عودة بَصَر أبيه كاملة، ولولا ذلك لما أَمر


1. يوسف: 93 و 96.

(280)

إخوانه بأن يذهبوا بقميصه و يلقوه على وجه أبيه، بل كان يكفي أن يدعو اللّه تعالى لذلك فقط.

إنّ هذا تصرُّفٌ غيبىّ صدَر من أحد أولياء اللّه ـ يوسف ـ و غيَّر المجرى الطبيعي بإذنه سبحانه، و لا يقدر على هذا التصرُّف إلاّ مَن مَنحَه اللّه السلطة الغيبية.

2ـ السلطة الغيبية للنبىّ موسى ـ عليه السلام ـ

لقد منح اللّه سبحانه القدرة الغيبية للنبىّ موسى ـ عليه السلام ـ فضَرب بعصاه الحجَر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، بعدد قبائل بني إسرائيل، كما قال سبحانه:

(...قُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً)(1).

و استخدم موسى ـ عليه السلام ـ قدرته الغيبية مرَّة أُخرى عندما ضرَب بعصاه البحر ليفتح ـ في عُمق البحر و على أرضه ـ اثني عشر طريقاً يابساً لبني إسرائيل، كي يمرّوا فيه و يعبروا البحر، فتراكمت المياه كالجبال على أطراف هذه الطُرق من دون أن تتدحْرج أوتسيل قطرةٌ منها في الطريق!

قال تعالى:

(فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْق كالطَّوْدِ الْعَظيمِ)(2).

في هذين الموقفين لا يمكن أن نتجاهل دور النبىّ موسى ـ عليه السلام ـ في تفجير العيون وفتح الطرق على أرض البحر، و أنه استفاد من قدرته الغيبية، فتحقّق كلّ ذلك بإذن اللّه و إرادته سبحانه.


1. البقرة: 60.
2. الشعراء: 63.


(281)

3ـ السلطة الغيبية للنبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ

لقد كان النبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ يتمتع بقدرات غيبية متعدّدة، و قد عبَّر عن تلك المواهب و المنح الإلهية العظيمة بقوله ـ كما في القرآن الكريم ـ :

(...وَ أُوتينا مِنْ كُلِّ شيء...)(1).

و قد جاء تفصيل الحديث عن تلك المواهب و القدرات الإلهية الممنوحة له، في كلٍّ من سورة النمل من آية 16 إلى 44، و سورة سبأ آية 12، و سورة الأنبياء آية 81، و سورة ص من آية 36 إلى 40.

إنّ التأمّل في هذه الآيات يكشف لنا عن جانب من المواهب العظيمة و القدرات الغيبية الّتي مَنَحها اللّه لعبده و نبيّه سليمان ـ عليه السلام ـ وها نحن نذكر لك الآن بعض تلك الآيات، كي تتجلّى لك عظمة تلك السُّلطة الغيبية و ترى بعينك أنّ القرآن الكريم يُثبت القدرة الغيبية لبعض عباد اللّه تعالى.

لقد كانت للنبي سليمان السُّلطة على الجنّ و الطيور، و كان يعرف منطق الطير و لغات الحشرات، يقول اللّه تعالى:

(وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ وَ قالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتينا مِنْ كُلِّ شَيء إنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين * وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّى إذا أَتَوْا عَلى وادِ الَّنمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا الَّنمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَ قالَ رَبِّ


1. النمل: 16.

(282)

أوزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتي أنْعَمْتَ عَلَىَّ وَ عَلى والِدَيَّ) إلى آخر الآيات(1).

أيّها القارئ الكريم: ولو قرأت ـ في القرآن الحكيم ـ قصّة «الهُدهُد» الذي أرسله سليمان ـ عليه السلام ـ مبعوثاً إلى ملكة سَبأ، حاملا رسالة منه إليها، لا ستولتْ عليك الدهشةُ و الحيرة من القدرة الغيبية التي كانت له، لهذا نرجو منك التأمّل في الآيات 20 إلى 44 من سورة النمل، كي تتأكّد أكثر من بُطلان مذهب الوهّابيّة و تناقضه مع القرآن.

هذا و قد كان للنبي سليمان ـ بتصريح القرآن الكريم ـ السلطة على الريح، تجري بأمره حيث يشاء قال تعالى :

(وَ لِسُلَيمانَ الرّيحَ عاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إلى الأَرْضِ الَّتي بارَكْنا فيها وَ كُنّا بِكُلِّ شَيء عالِمينَ)(2).

إنّ ما يُلفت الانتباه ـ في هذه الآية ـ هو قوله سبحانه: (تَجْري بِأَمْرِهِ) حيث يدلّ على سلطة سليمان الغيبية على الريح، و تحكُّمه في مسيرها و مجراها.

4ـ النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ

و القدرة الغيبية

يمكننا أن نتعرّف على جانب من القدرة الغيبية التي كانت للنبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ من خلال التأمّل في الآيات القرآنية التي تتحدّث عنه و عنها، و منها قوله تعالى ـ عن لسان عيسى ـ :

(...أَنّي أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإذْنِ اللّهِ


1. النمل: 16 ـ 19 و ما بعدها.
2. الأنبياء: 81.


(283)

وَأُبْرِئُ الاَْكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَ أُحيي الْموْتى بِإذْنِ اللّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأَكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ إنَّ في ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ)(1).

لقد تكرّر قولُه «بإذن اللّه» مرَّتين في هذه الآية، تأكيداً على أنّ التصرُّفات الغيبيَّة التي يقوم بها أولياء اللّه إنّما هي بالاستمداد من قدرة اللّه تعالى و إرادته، و لهذا ترى عيسى ـ عليه السلام ـ يعتبر تصرُّفاته كلّها رهينة بإذن اللّه تعالى، و هكذا غيره من الأنبياء و الأولياء قال تعالى:

(...وَ ما كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتي بِآيَة إلاّ بِإذْنِ اللّهِ...)(2).

و لكنّك ترى في الوقت نفسه أنّ النبىّ عيسى ينسب كلّ أعماله الغيبية إلى نفسه الشريفة فيقول: «أخلق» «أنفخ» «أُبرئ» «اُحيىِ» «أُنبِّئُكم» بصيغة المتكلّم وحده.

هذا و ليس النبىّ يوسف و موسى و عيسى و سليمان هم فقط الذين كانت لهم القدرات الغيبية، بل هناك مجموعة من الأنبياء الذين كانوا يملكون تلك القدرة، و هذا البحث يتطلب كتاباً مُستقلاّ، و قد تحدَّثنا حوله بالتفصيل في كتاب «القدرة المعنوية للأنبياء» و قد طُبع عدَّة مرات.

5ـ الملائكة و القدرة الغيبية

إنّ الملائكة يتمتَّعون بالسلطة الغيبية أيضاً، فهذا القرآن الكريم يَصِف جبرئيل بقوله:


1. آل عمران: 49.
2. الرعد: 38.


(284)

(...شَديدُ الْقُوى)(1).

وَ يصف بعضَ الملائكة بقوله:

(فَالْمُدبِّراتِ أَمْراً)(2).

و غيرهما من الآيات الّتي تُصرِّح ـ أو تُشير ـ بأنّ الملائكة تتولّى إدارة شؤون العالَم، مِن قبْض الأرواح و حراسة الناس و المحافظة عليهم و كتابة الأعمال «كراماً كاتبين» و مُبيدات الأُمم الطاغية، و غير ذلك من مسؤوليات هذا الكون.

إنّ كلّ مَن له إلمام بالقرآن الكريم ـ حتى لو كان قليلا ـ يعلم بأنَّ للملائكة قدرات غيبيَّة، و أنّها تقوم بتصرُّفات إعجازية بإذن اللّه و قوّته.

فلو كان الاعتقاد بالسلطة الغيبية يستلزم الاعتقاد بالإلوهية، لكان كلّ واحد من الأنبياء والملائكة إلهاً مستقلاّ من دون اللّه سبحانه، و هذا واضح البُطلان.

فما هو الحَلّ؟

ما هو الحلّ و القولُ الفصل؟

الجواب: لقد ذكرنا أنّ الحلّ و القول الفصل هو الفرق و التمييز بين القدرة المستقلَّة و القدرة المكتسَبة، فالاعتقاد بالقدرة المستقلَّة ـ لغير اللّه ـ يستلزم الشرك به سبحانه، بينما الاعتقاد بالقدرة المكتسَبة ـ في أىّ مجال ـ هو التوحيد بذاته.

إلى هنا تبيَّن لك ـ أيّها القارئ ـ أنّ الاعتقاد بالقدرة الغيبية لدى أولياء اللّه


1. النجم: 5.
2. النازعات: 5.


(285)

تعالى لن يُرافقه الشرك بل هو التوحيد بعينه، بشرط أن تَعتبر تلك القدرة مُسْنَدة إلى القدرة الأزلية للّه تعالى.

كما تبيَّن لك بأنّه ليس معنى التوحيد أن تُسنِد الأفعال الطبيعية إلى الإنسان، و تُسنِد الأفعال الغيبية إلى اللّه تعالى، بل إنّ حقيقة التوحيد هي أن تُسند كلّ الأفعال إليه تعالى، و تعتبر القوى والطاقات و القدرات نابعة منه و تابعة إليه جلَّ جلالُه.

و الآن... آن الأوان كي نتحدّث عن الركن الثاني في هذا الفصل ـ و هو جواز طلب الأعمال الإعجازية الغيبية من أولياء اللّه تعالى.

طَلب الأعمال الغيبية من الأولياء

هل يجوز أن تطلب مِن أحد أولياء اللّه عملا إعجازياً؟

و هل يُعتبر هذا الطلب شِركاً؟

في البداية نقول: ممّا لا يختلف فيه اثنان هو أنّ «لكلّ معلول علّة و لكل مُسبَّب سَبب» فكلّ شيء لا يمكن أن يكون له وجود إلاّ بسبب، فالحياة حياة الأسباب و المسبّبات، و بالتالي: لا توجد في العالَم ظاهرة دون أن يكون لها سبب.

كذلك معجزات الأنبياء و كرامات الأولياء لا تحدث بدون سبب، بَيدَ أنَّ السبب ليس سبباً مادّياً طبيعياً، بل هو غيبىّ ما ورائىّ فوق التصوّر.

فمثلا: إذا تحوَّلتْ عصا موسى إلى ثعبان، و أحيا عيسى الموتى، و انشقّ القمر لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سبَّحتْ حبّات الرمال في يده، و غير ذلك من معجزات الأنبياء... فإنّ كلّ هذه لم تحدث بلا سبب، و لكن السبب ـ كما قلنا ـ ليس مادّياً ملموساً نراه بأعيننا، لا أنّها حدثت بلا سبب أبداً.


(286)

بعد هذه الكلمة الخاطفة نتحدّث الآن عن الموضوع المطروح على بساط التحقيق و هو: طلب الأعمال الاستثنائية و الإعجازية من أولياء اللّه تعالى.

إنّ الوهّابيّة تدَّعي أنَّ طلب الأعمال الخارقة للطبيعية شِرك باللّه سبحانه، ولكنَّ طلب الأعمال المادّية الطبيعية ليس كذلك، فما هو رأي الإسلام حول هذا الادّعاء؟

الجواب: هذا القرآن الكريم خير دستور نتحاكم إليه، تَرى في مواضع متعدّدة منه التصريح بأنه قد طلب من الأنبياء ـ و غيرهم القيام بأعمال إعجازية خارجة عن إطار للقوانين الطبيعة المادّية.

فمثلا: طلب قوم موسى ـ عليه السلام ـ منه أن يوفّر لهم الماء و المطر و يُنقذهم من الجفاف الذي كانوا يُعانون منه، و صدر الأمر من اللّه تعالى بتلبية طلبهم، قال سبحانه:

(...وَ أَوْحَيْنا اِلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِب بِعَصاكَ الْحَجَرَ)(1).

فإن قال قائل: لا مانع من طلب المعجزة من الإنسان الحي، و البحث إنّما هو حول الطلب من الميّت.

فالجواب: أنّ الحياة بعد الموت لا يُغيّران حقيقة التوحيد و الشرك، بأن يكون الشيء توحيداً في حال الحياة و شِركاً في حال الممات، أو بالعكس، بل تبقى الحقيقة ثابتة على كلّ حال.

نعم... يمكن أن يكون للحياة و الموت أثر في فائدة الطلب أو عدمها، أمّا حقيقة التوحيد والشرك فلا تؤثّران فيهما.


1. الأعراف: 160.

(287)

النبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ يطلب عَرش بلقيس

يُحدّثنا القرآن الكريم أنّ النبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ طلب من الحاضرين عنده أن يُحضر أحدهم عرش بلقيس، بقدرة ماورائية غيبية و خارقة للطبيعة، فقال لهم ـ كما في القرآن الكريم ـ :

(...أَيُّكُمْ يَأتيني بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمينْ * قالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أنا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوىٌّ أمينٌ * قالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبّي...)(1).

فإذا صحَّ مذهب الوهّابيّين ـ في حرمة طلب الأعمال الخارقة من أحد إلاّ اللّه ـ لكان طلب النبىّ سليمان من الحاضرين ـ إحضارَ عرش بلقيس بقوَّة ماورائية ـ كفراً و شركاً!!.

و كان طلب المعجزة ممّن يدَّعي النبوَّة ـ في أىّ عصر و مصر ـ كفراً و شركاً، و قد كان الناس يُطالبون كلَّ من يدَّعي النبوّة ـ صادقاً كان أم كاذباً ـ بالمعجزة الخارقة للطبيعة، دليلا على صِدق دعواه و اتصاله بالعالم الأعلى، و لم يطلبوا ذلك من اللّه الّذي بَعَثه، بل كانوا يقولون:

(...إنْ كُنْتَ جِئتَ بِآيَة فَأْتِ بها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقينَ)(2).

و هذه عادة كلّ الشعوب و الأُمم في العالَم، حيث تريد التمييز بين النبىّ


1. سورة النمل: آية 38 ـ 40.
2. الأعراف: 106.


(288)

الصادق و المتنبّئ الكاذب، فتُطالبه بالمعجزة الدالّة على قدرته الغيبية، و كان الأنبياء ـ بدَورهم ـ يدعون الناس لمشاهدة معجزاتهم الدالَّة على صدقهم.

و قد سجَّل القرآن الكريم بعض ما دار بينهم و بين الأُمم من حوار حول هذا الموضوع، دون أن ينتقدهم على طلبهم المعجزة من الأنبياء، ممّا يدلّ على موافقته لهذا الطلب.

و لنذكر مثالا: لو أنَّ أُمَّة ـ تبحث عن الحق ـ جاءت إلى النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ و قالت له: «إن كنتَ صادقاً في دعوى النبوّة فأَبرئ هذا الأعمى و رُدَّ إليه بَصَره، و اشفِ هذا الأبرص» فإنّ هذه الأُمَّة لا تُعتبر مُشركة، بل تُعَدُّ من الأُمم الراقية التي تبحث عن الحقيقة، و تُمدَح على ذلك.

و الآن، لو فرضنا وفاة النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ (1) و طلبت أُمّتُه من روحه الطاهرة أن يُبرئ الأكمه و الأبرص، فلماذا تُعتبر مشركة، مع العلم أنّ موت النبىّ و حياته لا يؤثّران في التوحيد والشرك؟!(2).

خلاصة القول

و خلاصة القول: إنّ القرآن الكريم يُصرِّح بأسماء بعض الأولياء الذين اصطفاهم اللّه ووَهَبهم القدرة الغيبية لتنفيذ الأعمال الماورائية الخارقة للطبيعة،


1. بالرغم من أنه حىٌّ كما قال تعالى: (و ما قتلوه و ما صلبوه و لكنْ شُبِّه لهم... بل رَفَعه اللّه إليه...)و تقول الأحاديث الصحيحة إنّ النبىّ عيسى سوف يعود إلى الأرض عصر ظهور الإمام المهدىّ المنتظر ـ عجّل اللّه ظهورَه ـ ليكون ردءاً له و ظهيراً.
2. للاطّلاع على بعض معجزات النبىّ عيسى راجع آية 49 من سورة آل عمران و آية 100 ـ 101 من سورة المائدة.


(289)

وكان هؤلاء يستخدمون هذه القدرة في الأوقات المناسبة، كما كان هناك أشخاص يأتون إليهم و يطلبون منهم الاستفادة من هذه القدرة.

و هكذا ظَهر لك ـ أيّها القارئ الكريم ـ إنّ آيات القرآن الكريم صريحة في ردّ مذهب الوهّابيّة و إبطال آرائها الشاذَّة.

فلو قال الوهّابيّون: إنّ طلب المعجزة من أولياء اللّه شِرك.

قلنا: لماذا طلب سليمان ـ و غيره ـ ذلك؟!

فإن قالوا: إنّ طلب الحاجة من أولياء اللّه ـ بطريقة إعجازية ـ يستلزم الاعتقاد بسلطتهم الغيبية.

قلنا: إنّ الاعتقاد بالسُّلطة الغيبية على نوعين: أحدهما: توحيد بعَينه، و الثاني: يستلزم الشرك.

فإن قالوا: إنّ طلب الكرامات من أولياء اللّه في حياتهم ليس شركا، ولكن طلبها من الموتى شرك.

قلنا: إنّ الموت والحياة ليسا ملاكاً للتوحيد و الشرك، و لا يُغيِّران حقيقة أحدهما.

فإن قالوا: إنّ طلب الشفاء للمريض و تسديد الدَّين ـ بطريقة غير عادية ـ هو طلب فعل اللّه من غير اللّه.

قلنا: إنَّ شرط الشرك هو أن تعتقد إلوهيَّة مَن تَدعوه أو بكونه مصدراً لأفعال اللّه بالاستقلال، و أنّ طلب فعل غير عادي ليس معناه طلب فعل إلهي من غير اللّه، إذ ليس مقياس أفعال اللّه هو خروجه عن إطار القوانين الطبيعية، حتى يكون هذا


(290)

الطلب طلب فِعل الله مِن عبده، كلاّ... بل إنّ مقياس أفعال الله هو أن يكون فاعله مستقلاّ في إنجازه.

أمّا لو كان فاعله يُنجّز ذلك الفعل بالاعتماد على قدرة اللّه تعالى فإنّ الطلب منه ليس طلب فعل اللّه من غير اللّه.

و لا فرق بين أن يكون الفعل عادياً أو غيبياً.

و نفس هذا القول يأتي بالنسبة إلى الاستشفاء من أولياء اللّه، فإنّ البعض يُنكرون ذلك و يقولون: إنّ طلب الشفاء خاصّ باللّه سبحانه بدليل قوله تعالى:

(وَ اِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفينِ)(1).

فكيف يصحُّ أن يقال: يا رسول اللّه اشفني؟! و هكذا الأمر بالنسبة إلى كلّ عمل خارق للعادة.

و الجواب: أنّ الذين يعتقدون هذا الاعتقاد لم يميّزوا ـ و مع الأسف ـ بين الأفعال الإلهيَّة والأفعال البشريّة، و لهذا يتصوَّرون بأنّ أىّ فعل يخرج عن مجراه المادّي الطبيعي فهو من أفعال اللّه، و أىّ فعل يأخذ مجراه المادّي الطبيعي فهو من أفعال البشر.

إنّ هؤلاء لم يفهموا ـ أو تجاهلوا ـ المقياس المُمَيِّز لأفعال اللّه عن غيرها، و لو كان كلّ فعل يخرج عن مجراه الطبيعى يعتبر من أفعال اللّه لكانت أفعال المرتاضين ـ في الهند ـ أفعالا إلهيّة، و كانوا جميعاً «آلهة».


1. الشعراء: 80.

(291)

و قد ذكرنا أكثر من مرَّة أنّ المقياس ـ في الأفعال الإلهيَّة ـ هو الاستقلال في الفعل، و عدم الاعتماد على أيَّة قدرة أُخرى، و الفعل البشري هو عكس ذلك.

إنّ الإنسان يعتمد على اللّه و يستعين بقدرته في كلّ عمل ـ سواء كان مادّياً أو خارجاً عن حدود المادَّة ـ و الكثيرون يحصلون على قدرات اكتسابية و يستغلّونها للوصول إلى أهدافهم المنشودة، فهل أنّ طلب الفعل من هؤلاء شرك باللّه؟!

إنّ نقطة الانحراف عن التوحيد تكمن في الاعتقاد المقرون بالطلب، فإذا كان طالب الحاجة ـ من أحد أولياء اللّه ـ يعتقد باستقلال ذلك الولىّ فقد اعتبره مستغنياً بالذات، و معنى ذلك أنّه اعتبره مُستغنياً عن اللّه، وهذا هو الشرك، لأنّه لا مستغنىَ بالذات سوى اللّه الواحد الأحد سبحانه، و قد كان كثير من المشركين ـ في العهد الجاهلي و عند طلوع الإسلام ـ يعتقدون هذا الاعتقاد بالنسبة إلى الملائكة و النجوم و أنّ اللّه خلقها و فوَّض إليها إدارة الكون و تدبيره، تفويضاً مستقلاّ تماماً(1) أو ـ على الأقل ـ أنّها تملك الشفاعة و المغفرة، و تتصرَّف كما تشاء حيث تشاء.

المعتزلة و الشِّرك

أمّا فرقة المعتزلة(2) فهي تعتبر الإنسان ـ من حيث الوجود مخلوقاً للّه تعالى، و لكنّها ـ في الوقت نفسه ـ تعتبره مُستقلاّ من حيث التأثير في الأشياء و إنجاز


1. و لذلك عند ما سَأل عمرو بن لحي أهل الشام عن علَّة عبادتهم للأصنام؟ قالوا ـ في جوابه ـ : إننا نطلب المطر من هذا الأصنام فتسقينا، و نستعين بها فتُعيننا، و بهذا الاعتقاد اصطحب عمرو معه «هُبَل» و جاء به إلى مكّة. راجع سيرة ابن هشام: 1 / 77.
2. كما أنّ مذاهب السُّنَّة تنقسم ـ في فروع الأحكام ـ إلى المذاهب الأربعة كذلك تنقسم في الأُصول و المعارف إلى قسمين: الأشاعرة و المعتزلة.


(292)

الأفعال، ولو أنّ المعتزلة تأمَّلوا قليلا في قولهم هذا، لأدركوا بأنّ في هذه العقيدة نوعاً من الشرك الخفي، ولكنّهم في غفلة منه.

طبعاً هذا الشرك الخفي لا يصل إلى درجة شِرك المشركين، و الفرق بين الشِركيَن هو أن المشركين يدَّعون استقلال أصنامهم في إدارة شؤون الكون و أفعال اللّه تعالى، و هؤلاء يدَّعون استقلال الإنسان في أعماله.

و من حاول التفصيل في عقيدة المعتزلة فليرجع إلى كتاب «بحوث في الملل و النحل» الجزء الثالث.


(293)

الفصل السابع عشر

الحلف على اللّه تعالى بحقّ الأولياء

إنّ من نقاط الخلاف بين الوهّابيّين و سائر المسلمين هي أنّها تدَّعي حرمة:

1 الحلف على اللّه بحقّ الأولياء.

2ـ الحلف بغير اللّه.

و تَعتبر ـ أحياناً ـ هذين القَسَمين شركاً باللّه في العبادة.

و فيما يلي نضع هذا الموضوع على طاولة البحث و التشريح لاستخراج الحكم الشرعي الصحيح.

الحلف على اللّه تعالى بحقّ الأولياء

إنّ القرآن الكريم يَصِف بعضَ عباد اللّه بقوله:

(الصّابِرينَ وَ الصّادِقينَ وَ الْقانِتينَ وَ الْمُنفِقينَ وَ الْمُسْتَغْفِرينَ بِالاَْسْحارِ)(1).

فلو أنّ إنساناً قام في جوف الليل و صلّى لربّه ركعات، ثم تضرَّع إلى اللّه قائلا:


1. آل عمران: 17.

(294)

«اللّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ بِحَقِّ الْمُسْتَغْفِرينَ بِالأَسْحار إغْفِرْلي ذَنْبي».

فكيف يمكن أن نعتبر قوله هذا شركاً في العبادة؟!

إنّ الشرك في العبادة معناه عبادة غير اللّه، أو اعتبار غيره سبحانه إلهاً أو ربّاً أو ومصدراً للأفعال الإلهية.

أمّا في هذا المجال فإنّ المصلّي يتوجَّه إلى اللّه تعالى و لا يطلب شيئاً إلاّ منه سبحانه، فإذا كان هذا العمل حراماً فلابدَّ أن يكون له سبب آخر غير الشرك.

نحن هنا نجلب انتباه الوهّابيّين إلى أنّ القرآن الكريم قد ذكر مقياساً و مَحَكّاً للفصل و التمييز بين المشرك ـ في العبادة ـ و بين الموحِّد، و بهذا المقياس سدّ القرآن الطريق أمام كلّ تفسير بالرأي لمعنى المشرك، و هذا المقياس هو قوله تعالى:

(وَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَ إذا ذُكِرَ الَّذينَ مِنْ دُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)(1).

و في آية أُخرى يَصِف القرآن المجرمين ـ وهم المشركون ـ بقوله:

(إنَّهُمْ كانُوا إذا قيلَ لَهُمْ لا إلهَ إلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَ يَقُولونَ ءَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِر مَجْنُون)(2).

إذن: إنّ المشرك ـ وفقاً لهاتين الآيتين ـ هو ذاك الذي يشمئزُّ قلبه إذا ذُكر اللّه الواحد الأحَدُ، ويفرح إذا ذُكرت الآلهة الباطلة، أو يستكبر عن الاعتراف بوحدانيّة اللّه سبحانه.

بعد هذا المقياس القرآني نتساءل: هل الّذي يقوم في ظلام الليل و يقضي ساعات في العبادة والمناجاة و الدعاء، و يصلّي بين يدي اللّه بكلّ إخلاص و خضوع، و يُقْسم على اللّه بمنزلة أوليائه الصالحين و يسأله بعباده المتّقين... هل أنّ هذا الإنسان يكون مشركاً بعمله هذا؟!

و كيف تمرَّد على ذِكر اللّه و استكبر عن الاعتراف بوحدانيته سبحانه؟!


1. الزمر: 45.
2. الصافّات: 35 ـ 36.


(295)

لماذا ترى المؤلّفين الوهّابيّين يستندون إلى أُسس خيالية و أدلّة أوهن من بيت العنكبوت ويتّهمون المسلمين بالشرك و يعتبرون أنفسهم فقط «شَعبُ اللّه المختار»؟!!

و كيف يجوز أن يعتبروا تسعة و تسعين بالمائة من أهل القبلة مشركين، و يَعتبروا «النجديّين» هم الموحِّدون فقط، مع ما سَبق من المقياس القرآني؟!

و هل خَوَّل القرآن تفسير «الشِّرك» إلى الوهّابيّين حتى يُفسّروه كيفما يشاءون و يعتبروا جماعة مشركين و أُخرى موحِّدين؟!!

بل «طَبَعَ اللّه على قُلوبِهم فَهُم لا يَفْقَهُون».

أميرالمؤمنين و الحلف على اللّه سبحانه بحقِّ الأولياء

إنّنا نلاحظ القَسم على اللّه في أدعية أوليائه المقرَّبين، فمثلا: هذا إمام المتّقين أميرالمؤمنين علىّ ـ عليه السلام ـ تراه يقول في دعائه بعد صلاة الليل:

«الّلهُمَّ إنّي أسْأَلُكَ بِحُرْمَة مَنْ عاذَ بِكَ مِنْكَ، وَ لجأَ إلى عِزِّكَ، وَ اسْتَظَلَّ بِفيئكَ، وَ اعْتَصَمَ بِحَبْلِكَ وَ لَم يَثِقْ إلاّ بِكَ...»(1).

و يقول ـ عليه السلام ـ في دعاء علَّمه لأحدِ أصحابه:


1. الصحيفة العَلوية: 370.

(296)

«...وَ بِحَقّ السائِلينَ عَلَيْكَ، وَ الرّاغِبينَ إلَيْكَ وَ الْمُتَعوِّذينَ بِكَ، وَ الْمُتَضرِّعينَ إلَيْكَ، وَ بِحَقِّ كُلِّ عَبْد مُتَعَبِّد لَكَ في كُلِّ بَرٍّ أَوْ بَحْرِ أَوْ سَهْل أوْ جَبَل أدْعُوكَ دُعاء مَنِ اشْتَدَّتْ فاقَتُهُ...»(1).

فهل لهذه المناجاة المنشِّطة للروح و الباعثة على العبادة، و هذا التذلُّل أمام اللّه... هل لذلك كلّه نتيجة أُخرى سوى ترسيخ وحْدانيَّة اللّه و أنه لا معاذ إلاّ به، وإظهار المحبَّة و المودَّة لأولياء اللّه وأحبّائه الّذي هو توجُّهٌ إلى اللّه في الوقت ذاته ؟!!

مِن هذا المنطق... يجب الكفّ عن توجيه تهمة الكفر و الشرك ـ الرائجة في سوق الوهّابيّة أكثر من أىّ شيء ـ و ينبغي دراسة الموضوع من زاوية المنطق والبرهان.

لذلك ترى بعض الوهّابيّين ـ المعتدلين نوعاً ما ـ عالجوا مسألة ـ «القَسَم على اللّه بحقّ الأولياء» في إطار الحرمة أو الكراهة، بعكس «الصنعاني» ـ الوهّابىّ المتطرِّف ـ الذي بحث عن هذه المسألة في نطاق الشرك.

و الآن... و بعد ما تبيّن محور الحديث، يجب دراسة الموضوع في إطار الحرام و المكروه وبيان الدليل الواضح حول صحة هذا الموضوع و جوازه فنقول:

حقيقة هذا القَسَم في الإسلام و واقعيَّته

لقد ورد «القَسَم على اللّه بحقّ الأولياء» في أحاديث شريفة متواترة، بعضها مَرويَّة عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و بعضها عن أئمة أهل البيت المعصومين ـ عليهم


1. الصحيفة العَلوية: 51.

(297)

السلام ـ وبناءً على هذه الأحاديث لا يمكن القول بحُرمته و لا بكراهته.

و إليك نماذج من ذلك:

1 لقد سبقت الإشارة إلى أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ علَّم ذلك الأعمى الذي جاء يطلب منه أن يردّ اللّه عليه بَصره، علَّمه أن يقول:

«اللَّهُمَّ إنّي أسْأَلُكَ وَ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحمّد نَبىّ الرَّحْمَةِ»(1).

2ـ و روى أبو سعيد الخدري عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هذا الدعاء :

«اللَّهُمَّ إنّى أسْأَلُكَ بِحَقّ السّائِلينَ عَلَيْكَ، وَ أسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشايَ هذا...»(2).

3ـ و قد تاب النبىّ آدم ـ عليه السلام ـ إلى اللّه بقوله:

«أسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّد إلاّ غَفَرْتَ لي»(3).

4ـ و بعد ما دَفن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ السيّدة فاطمة بنت أسد والدة الإمام أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ دعا لها بقوله:

«إغْفِرْ لأُمّي فاطِمَةَ بِنْتِ أسَد، وَ وَسِّع عَلَيْها مَدْخَلَها، بِحَقِّ نَبِيِّكَ و الأَنبِياءِ الَّذينَ مِنْ قَبْلي»(4).

إنّ هذه الأدعية ـ و إنْ خَلَتْ من لفظ القَسَم بعَينه ـ إلاّ أنّ مضمونها هو ذلك، لوجود «باء» القَسَم فيها جميعاً، فعند ما يقول: «اللَّهُمَّ إنّي أسْأَلُكَ بِحقِّ السائلين عَلَيك».


1. سنن ابن ماجة: 1 / 441; مستدرك الصحيحين: 1 / 313; مسند أحمد: 4 / 138 و غيرها.
2. سنن ابن ماجة: 1 / 261، مسند أحمد: 3 / 21.
3. تفسير الدّر المنثور: 1 / 59، مستدرك الحاكم: 2 / 615; روح المعاني: 1 / 217. و قد مرَّت بعض هذه الأحاديث في فصل التوسّل بأولياء اللّه.
4. الفصول المهمّة: 31 لابن الصبّاغ المالكي ( المتوفّى سنة 855 هـ ) .


(298)

أي: أُقسِم عليك بحقّهم.

5ـ يقول سيّد الشهداء إلامام الحسين بن علىّ ـ عليه السلام ـ في دعاء له:

«اللَّهُمَّ إنّي أسْأَلُكَ بِكَلِماتِكَ وَ مَعاقِدِ عرشكَ وَ سُكّانِ سَماواتِكَ وَ أرْضِكَ، وَ أنْبِيائكَ وَ رُسُلِكَ، أنْ تَسْتَجيبَ لي فَقَدْ رَهَقني مِنْ أمْري عُسْرٌ، فَأَسْأَلُكَ أنْ تُصَلِّي عَلى مُحَمَّد وَ آلِ مُحَمَّد وَ أَنْ تَجْعَلَ مِنْ عسري يُسراً».(1)

و إذا ألقيتَ نظرة على الصحيفة السجّادية المرويَّة عن رابع أئمة أهل البيت: الإمام زين العابدين ـ عليه السلام ـ لرأيت القَسَم فيها كثيراً جدّاً، فهو خير دليل على صحة هذا النوع من التوسُّل... و إليك نموذجاً منه:

6ـ يقول ـ عليه السلام ـ في دعائه يوم عَرَفة، و هو يُناجي ربَّه الكريم:

«بِحَقِّ مَنِ انْتَخَبْتَ مِنْ خَلْقِكَ، وَ بِمَنِ اصْطَفَيْتَهُ لِنَفْسِكَ، بِحَقِّ مَنِ اخْتَرْتَ مِنْ برِيَّتِكَ، وَ مَنِ اجْتَبَيْتَ لِشَأَنِكَ، بِحَقِّ مَنْ وَصَلْتَ طاعَتَهُ بِطاعَتِكَ، وَ مَنْ يَنطْتَ(2) مُعاداتَهُ بِمُعاداتِكَ»(3).

7ـ و عند ما زار الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ مرقد جدّه الإمام أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ دعا في ختام الزيارة بقوله:

«اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ دُعائي وَ اقْبَلْ ثَنائي وَ اجْمَعْ بَيْني وَ بَيْنَ أوْلِيائي، بِحَقِّ مُحَمَّد وَ عَلَىٍّ وَ فاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَ الحُسَيْن»(4).

أيّها القارئ الكريم: لقد ورد هذا النوع من الأدعية ـ المتضمّنة للقَسَم على اللّه


1. بحار الأنورا: 36 / 205 ح 8.
2. ينطْت ـ مِن أناط ينيطه: الوصْل و الربْط.
3. الصحيفة السجادية: الدعاء 47.
4. زيارة أمين اللّه المعروفة.


(299)

بحقّ أوليائه ـ كثيراً جدّاً عن الأئمة المعصومين من أهل البيت ـ عليهم السلام ـ و لا يسع المجال لذِكر أكثر ممّا سَبق... و كلّ هذه الأدعية تدلّ على جواز القَسَم على اللّه بحقّ أوليائه الصالحين.

أدلّة الوهّابيّين على الحرمة

لقد ذكر الوهّابيون بعض الأدلَّة على حرمة القَسَم على اللّه بحقّ أوليائه، و هي أدلَّة واهية ضعيفة، لا تصلح للحُجِّيَّة و الاعتبار، و الآن نذكرها مع التحليل فيما يلي :

الدليل الأوّل:

قالوا: اتفق علماء الإسلام على أنّ القَسم على اللّه بالمخلوق ـ أو بحقّ المخلوق ـ حرام(1).

الجواب:

إنّ معنى الاجماع هو اتفاق علماء الإسلام ـ في عصر واحد، أو في كلّ العصور ـ على حكم من الأحكام الشرعية.

هذا هو الإجماع، و هو حُجّة شرعية عند السُّنَّة، نظراً لاتفاق العلماء على ذلك الحكم، و حجّة شرعية عند الشيعة لكونه يكشف عن موافقته لرأي الإمام المعصوم الذي يعيش بين الناس ـ غائباً كان عن أعينهم أم حاضراً ـ .

و الآن لنرى: هل قام إجماع العلماء على الحرمة في هذه المسألة أم لا؟ نحن


1. كشف الارتياب: 32 نقلا عن «الهدية السنيّة».

(300)

نصرف النظر ـ الآن ـ عن رأي علماء الشيعة و علماء السُّنَّة في هذا المسألة، ونكتفي بذكر فتاوى أئمة المذاهب الأربعة، و نتساءل: هل أفتى أئمة المذاهب الأربعة بالحرمة في هذه المسألة؟

و إذا كانوا قد أفتَوا بالحرمة، فنرجو أن تذكروا لنا نَصَّ الفتوى مع اسم الكتاب الّذي جاء فيه ورقم الصفحة الّتي تشتمل عليه.

إنّ كتب الفقه و الحديث عند علماء السُّنَّة لم تتعرَّض إطلاقاً لهذه المسألة، حتى نعرف نظرتهم الشخصية فيها.

إذن: أين ذلك الإجماع و الاتفاق الذي يدَّعيه مؤلّف كتاب «الهدية السَّنيَّه»؟!

إنّ الشخص الوحيد الّذي نقل المؤلّف التحريم عنه هو «العزّ بن عبدالسلام»، فهل انصهرتْ المؤلَّفات كلّها في كتاب الهدية السنيَّة و انصهر علماء الإسلام كلّهم في «العزّ بن عبدالسلام»؟!!

و الجدير بالذكر أنّ المؤلّف يروي في الكتاب نفسه أنّ أبا حنيفة و تلميذه أبا يوسف قد أفتيا بكراهة القَسَم بحقّ المخلوق، لا بحرمته.

ثم ما قيمة فتوى إنسان في مقابل الأحاديث الصحيحة المرويَّة عن رسول اللّه و آله الأئمة الأطهار ـ الذين اتفق علماء السُّنّة على أنّهم الثِّقل الأصغر بعد القرآن و أنّ أقوالهم حجّة شرعية؟!(1)


1. حديث الثقلين متواتر عن رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ـ و قد ذكره أصحاب الصحاح و السُّنن و المحدّثون و المؤرّخون، و لا ينكره إلاّ جاهل أو معاند، و الحديث هو : قال رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ـ : «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، و انّهما لن يفترقا حتى يردا علىَّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».

(301)

بالإضافة إلى أنّ ما ذكره عن أبي حنيفة غير ثابت.

و خلاصة القول: ليس هناك دليل باسم الإجماع في المسألة إطلاقاً.

الدليل الثاني:

بعد إبطال الدليل الأوّل للوهّابيّة و بيان عدم صحته نذكر الدليل الثاني و هو قول أحدهم:

«إنّ المسألة بحقّ المخلوقين لا تجوز، لأنّه لا حقّ للمخلوق على الخالق»(1).

الجواب:

إنّ هذا الاستدلال ليس إلاّ اجتهاداً في مقابل النَّصّ الصريح، إذ لو لم يكن للمخلوق حقٌّ في ذمَّة الخالق سبحانه، فلماذا أقسم النبىّ آدم ـ عليه السلام ـ و النبىّ مُحمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على اللّه بهذه الحقوق، و سألا من اللّه الحاجة بسببها ـ كما ورد في الأحاديث السابقة ـ ؟!

و بالإضافة إلى ذلك... ماذا يقول هؤلاء بشأن الآيات القرآنية التي تُثبت لعباد اللّه الصالحين حقوقاً في ذمّته سبحانه، و كذلك الأحاديث الشريفة؟!

إقرأ هذه الآيات:

(...وَ كانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤمِنينَ)(2).

(...وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً في التَّوراةِ وَ الاْنجيلِ...)(3).


1. كشف الارتياب: نقلا عن القدوري.
2. الروم: 47.
3. التوبة: 111.


(302)

(...كَذلِكَ حَقّاً عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤمِنينَ)(1).

(إِنَّما التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَة)(2).

و بالإضافة إلى ما سبق من الآيات الكريمة... هناك مجموعة كبرى من الأحاديث الشريفة في هذا المجال، و إليك نماذج منها:

1 «حَقٌّ عَلَى اللّهَ عَوْن مَنْ نَكَحَ الْتِماسَ العِفاف مِمّا حَرَّمَ اللّه»(3).

2ـ قالَ رَسُولُ اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ و آله ] و سلّم ـ : «ثَلاثَةٌ حَقُّ عَلَى اللّهِ عَوْنُهُمْ: الْغازي في سَبيلِ اللّه، وَ الْمُكاتَبُ الَّذي يُريدُ الأَداء، وَ الناكِحُ الَّذي يُريدُ التَعَفُّفَ»(4).

3ـ «أَتَدْري ما حَقُّ الْعِباد عَلَى اللّه...»(5).

نعم... من الواضح أنه ليس لأحد بذاته حقُّ على اللّه تعالى، حتى لو عبداللّه قروناً طويلة، خاشعاً خاضعاً للّه، لأنّ كلّ ما للعبد فهو من عند اللّه تعالى، فلم يبذل العبد شيئاً من نفسه في سبيل اللّه كي يستحقّ بذاته الثواب.

و نسأل: فما معنى «الحق»؟

الجواب: أنّ المقصود من الحق ـ في هذه العبارات ـ هو الجزاء و المنزلة الّتي


1. يونس: 103.
2. النساء: 17.
3. الجامع الصغير للسيوطي : 2 / 33.
4. سنن ابن ماجة: 2 / 841.
5. النهاية لابن الأثير: مادَّة «حق».


(303)

يمنحها اللّه لعباده مقابل طاعتهم و انقيادهم له سبحانه، فهو مَزيدٌ من التفضُّل و العناية منه تعالى، و يدلّ على ألطافه و عظمته.

فهذا «الحق» الّذي نُقِسم به على اللّه، حقٌّ جَعله اللّه، لا أنَّ العبدَ له حقٌّ على اللّه، و قد أُشير إلى هذا المعنى بالذات في بعض الأحاديث الشريفة.

و هذا مِثل القَرض الّذي يستقرضه اللّه من عباده في قوله سبحانه:

(مَنْ ذَا الَّذي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً...)(1).

إنّ هذه التعهّدات الإلهية ـ و مَنْح الحقّ لعباده ـ نابعة من ألطاف اللّه و عنايته الفائقة بعباده الصالحين حيث يَعتبر ذاته المقدّسة مديونة لعباده، و يعتبر عباده أصحاب الحق، و في هذا الأمر من الترغيب و التشجيع إلى طاعة اللّه ما لا يخفى.


1. البقرة: 245.

(304)


(305)

الفصل الثامن عشر

الحِلف بغير اللّه تعالى

إنّ الحلف و القَسَم بغير اللّه تعالى هو من المسائل الحسّاسة عند الوهّابيّين، و التي يُهرِّجون ضدّها في أبواقهم و أقلامهم المنحرفة.

فهذا «الصنعاني» ـ من مؤلّفي الوهّابيّة ـ يعتبر الحلف بغير اللّه شركاً!!(1).

كما يعتبره مؤلّف «الهدية السنية» شركاً صغيراً.(2)

نحن الآن نقوم ـ بحول اللّه و قوَّته ـ بدراسة المسألة ـ دراسة موضوعية بعيدة عن التعصُّب ـ متّخذين من كتاب اللّه و سُنَّة رسوله و الأئمة المعصومين ـ عليهم السلام ـ مصباحاً منيراً يُضيء لنا الدرب في هذا المجال ـ و كلّ مجال ـ .

الأدلّة على جواز الحِلف بغير اللّه

الدليل الأوّل:

إنّ القرآن الكريم هو الثِقل الأكبر و القائد الأعلى و المثَل الحىّ لكلّ مسلم،


1. تطهير الاعتقاد للصنعاني : 14.
2. الهدية السنية: 25.


(306)

وترى فيه الحلف بغير اللّه في عشرات المواضع منه، بحيث يؤدّي ذِكرها بالتفصيل إلى إطالة البحث.

فمثلا: أقسم اللّه تعالى ـ في سورة الشمس وحدها ـ بثمانية أشياء من مخلوقاته و هي : الشمس، ضُحى الشمس، القمر، النهار، الليل، السماء، الأرض، النفس الإنسانية(1).

كما أقسم سبحانه في سورة «النازعات» بثلاثة أشياء(2) و أقسم بشيئين في سورة «المرسَلات»(3) و كذلك ورَد الحلف بغير اللّه في سورة «الطارق» و «القلم» و«العصر» و «البَلد».

و إليك نماذج من آيات الحلف بغيره سبحانه، من سُوَر أُخرى:

(وَ التّينِ وَ الزَّيْتُونِ * وَ طُور سينينَ * وَ هذا الْبَلَدِ الأَمينِ)(4).

(وَ الَّيْلِ اِذا يَغْشى * وَ النَّهارِ اِذا تَجَلّى)(5).

(وَ الفَجْرِ * وَ لَيال عَشْر * وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ * وَ اللَّيْلِ اِذا يَسْرِ)(6).

(وَ الطُّورِ * وَ كِتاب مَسْطُور * في رَقٍّ مَنْشُور * وَ الْبَيتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ المَرْفُوعِ * و الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)(7).

(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)(8).


1. الشمس: 1 ـ 7.
2. النازعات: 1 ـ 3.
3. المرسلات: 1 و 3.
4. التين: 1 ـ 3.
5. الليل: 1 ـ 2.
6. الفجر: 1 ـ 4.
7. الطور: 1 ـ 6.
8. الحجر: 72.


(307)

فكيف يجوز الحكم بأنّ الحلف بغير اللّه شرك و حرام، مع هذه الآيات القرآنية الزاخرة بذلك؟!

فإن قال قائل: إنّ هذا القَسَم خاصٌّ باللّه سبحانه.

فالجواب كلاّ... إنّ القرآن كتابُ هداية للبشر، و الناس يتّخذونه قدوة و أُسوة، فلو كان هذا النوع من الحلف حراماً على عباد اللّه، لكان المفروض أن يُحذّر منه القرآن و يذكر بأنّ هذا القَسم هو من خصائص اللّه تعالى، و عدم ذِكر ذلك دليلٌ على عدم اختصاصه به سبحانه.

و قد قال بعض مَن لا ذَوق له ـ ممّن يجهل أهداف القرآن ـ بأنّه يمكن أن يكون ما يصدر من اللّه جميلا، و صدور نفس ذلك الشيء من غيره قبيحاً؟!

و الجواب على هذا واضح، لأنّ الحلف بغير اللّه لو كان شركاً و تشبيهاً لغير اللّه باللّه،

فلماذا صَدر هذا الشِّرك ـ الصغير أو المطلق ـ من اللّه تعالى؟!

أيصحّ أن يجعل اللّه لنفسه شريكاً، و يمنع غيره من ارتكاب مثل هذا الشِّرك؟!

الدليل الثاني:

لقد حَلف النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بغير اللّه في موارد عديدة منها :

1 روى مسلم في صحيحه:

«جاء رَجُلٌ إلَى النَّبىّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللّه أَىُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْراً؟ فَقال: أَما ـ


(308)

وَأَبيك ـ لَتُنَبَّئنَّهُ أن تَصَدَّقَ وَ أنْتَ صَحيحٌ شَحيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَ تَأمَلْ الْبَقاء»(1).

2ـ و روى مسلم أيضاً:

«جاء رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللّه ـ مِنْ نَجْد ـ يَسْألُ عَنِ الإسْلام، فَقالَ رَسُولُ اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ و آله ] و سلّم ـ : خَمْسُ صَلَوات فَي الَيوْمِ وَ اللَّيْلِ.

فَقالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرَهُنَّ؟

قالَ: لا... إلاّ أنْ تَطَّوَّعَ، وَ صِيامُ شَهْرِ رَمَضان.

فَقالَ: هَلْ عَلَىّ غَيْرُهُ؟

قالَ: لا... إلاّ أنْ تَطَّوَّعَ، وَ ذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللّه الزَّكاة.

فَقالَ الرَّجُلُ: هَلْ عَلىّ غَيْرُهُ؟

قالَ: لا... إلاّ أنْ تَطَّوَّعَ.

فَأَدْبَر الرَّجُلُ وَ هُو يَقُولُ: وَ اللّه لا أزيدُ عَلى هذا وَ لا أنْقُصُ مِنْه.

فَقالَ رَسُولُ اللّه: أفْلَحَ ـ وَ أبيه ـ (2) إنْ صَدَقَ(3).

ـ أو قال ـ : دَخَلَ الجَنَّةَ ـ و أبيه ـ إِنْ صَدَقَ(4).

3ـ و جاء هذا الحديث في مسند أحمد بن حنبل، و في نهايته أنّ النبىّ قال له :


1. صحيح مسلم: 3 / 94 كتاب الزكاة باب أفضل الصَدقة .
2. أي: قَسَماً بأبيه: فالواو واو القَسم.
3. صحيح مسلم: 1 / 32 باب ما هو الاسلام .
4. صحيح مسلم: 1 / 32 باب ما هو الإسلام .


(309)

«...فَلَعَمْري لئنْ تَكَلَّم(1) بِمَعْرُوف وَ تَنْهى عَنْ مُنْكَر، خَيْرٌ مِنْ أنْ تَسْكُتَ»(2).

و هناك أحاديث أُخرى، لا يسع هذا الكتاب ذِكرها(3).

و قد أقسم الإمام أميرالمؤمنين علىّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ الّذي يُعتبر النموذج البارز للتربية الإسلامية و القِيَم العالية أقسَم بنفسه الشريفة أكثر من مرَّة في خُطبه و رسائله و كلماته(4) و كذلك أقسم أبوبكر بن أبي قحافة بأبي الشخص الذي كان يتكلّم معه.(5)

المذاهب الأربعة و الحلف بغير اللّه

قبل أن نتناول أدلَّة الوهّابيّة على حرمة الحلف بغير اللّه، من الأفضل أن نسجّل فتاوى أئمة المذاهب الأربعة حول هذه المسألة(6) :

أمّا الحنَفيّة فيقولون بأنّ الحلف ـ بالأب و الحياة ـ كقول الرجل ـ و أبيك، أو: و حياتك ـ و ما شابه مكروه.

و أمّا الشافعيّة فيقولون بأنّ الحلف بغير اللّه ـ لو لم يكن باعتقاد الشرك ـ فهو مكروه.


1. أي تتكلَّم ـ للمخاطب ـ كما في قوله تعالى : (فأنت له تصدّى)أي تتصدّى.
2. مسند أحمد: 5 / 225.
3. للتفصيل راجع مسند أحمد: 5 / 212; سنن ابن ماجة: 4 / 995 و 1 / 255.
4. راجع نهج البلاغة ـ تعليق محمّد عبده ـ : خطبة رقم 23، 25، 56، 85 ،161 ،168، 182، 187، و الرسالة رقم 6 ،9، 54.
5. كتاب الموطّأ: لمالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ المطبوع مع شرح الزرقاني ج 4 ص 159.
6. للتفصيل راجع كتاب الفقه على المذاهب الأَربعة: 1 / 75، طبعة مصر.


(310)

و أمّا المالكيّة فيقولون: إنّ في القَسم بالعظماء و المقدّسات ـ كالنبىّ و الكعبة ـ فيه قولان: الحرمة و الكراهة، و المشهور بينهم هو الحرمة.

و أمّا الحنابلة فيقولون بأنّ الحلف بغير اللّه و بصفاته سبحانه حرام، حتى لو كان حلفاً بالنبىّ أو بأحد أولياء اللّه تعالى.

هذه فتاوى أئمة المذاهب الأربعة، و لسناً الآن في مقام المناقشة مع القائلين منهم بالحرمة، وأنّ فتاواهم من الاجتهاد في مقابل النصوص القرآنية و سُنّةِ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سيرة أولياء اللّه سبحانه، و أنّ علماء هذه المذاهب سدُّوا باب الاجتهاد على أنفسهم، فصاروا مجبورين على الأخذ بآراء أئمة المذاهب الأربعة فقط.

و لسنا واثقين ممّا نُسب إليهم في هذه المسألة، لأنّ القسطلاني ذكر(1) عن مالك بن أنس أنّه كان يقول بكراهة الحلف بغير اللّه.

و نسبة الحرمة إلى الحنابلة غير ثابت أيضاً، لأنّ ابن قدامة يذكر ـ في كتاب المغني الّذي كتبه إحياء لفقه الحنابلة ـ أنّ أحمد بن حنبل أفتى بجواز الحلف بالنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و أنّه ينعقد لأنّه أحد رُكني الشهادة ، فإنْ حَنث لزمتْه الكفّارة .(2)

مع كلّ ما سبَق من الأقوال... لا يمكن التأكّد ـ إطلاقاً ـ من أنّ أحد أئمة المذاهب الأربعة قد أفتى بحرمة الحلف بغير اللّه تعالى.

أيّها القارئ الكريم: بعد الاطّلاع على فتاوى أئمة المذاهب الأربعة، ننتقل إلى ذِكر حديثين تمسَّك بهما الوهّابيّون في حرمة الحلف بغير اللّه، و أراقوا من أجل ذلك دماء الأبرياء(3) و استهدفوا


1. في كتاب إرشاد الساري: 9 / 358.
2. المغني : 11 / 209 .

3. لقد شنَّ الوهّابيّون هجومين على مدينة كربلاء المقدّسة، كان أحدهما في عام 1216 هــ ، و الآخر في عام 1259 هــ ، و لم يرحموا صغيراً و لا كبيراً، حتى أنهم قتلوا ستة الآف مسلم خلال ثلاثة أيام فقط، و نَهبوا كلَّ ما كان في الحرم الحسينىّ الشريف من نفائس قيّمة، إقتداءً بما فعله جيش يزيد بن معاوية عند الهجوم على مدينة رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ـ و لكن لماذا؟ لماذا هذه الحملات الحاقدة؟ السبب هو أنّ هؤلاء المسلمين كانوا يُقسمون على اللّه بأبناء رسول اللّه و يحملون المحبّة و المودَّة تجاههم.


(311)

ملايين المسلمين بسهام التكفير السامَّة :

الحديث الأوّل:

«إنَّ رَسُولَ اللّه سَمِعَ عُمَرَ وَ هُوَ يَقُول، وَ أَبي، فَقالَ: إنَّ اللّه يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، وَ مَنْ كانَ حالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللّه أوْ يَسْكُت»(1).

الجواب:

أوّلا: لعلّ النهي عن الحلف بالآباء قد جاء لأنّهم ـ في الغالب ـ كانوا مشركين و عَبَدة للأصنام، و لهذا فلا حُرمة و لا كرامة لهم حتى يحلف أحدٌ بهم.

و قد جاء في الحديث عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ وَ لا بِالطَّواغيت»(2)

و روي أيضاً:

«لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ وَ لا بِأُمَّهاتِكُمْ وَ لا بِالأَنْدادِ»(3).


1. سنن ابن ماجة: 1 / 277، سنن الترمذي : 4 / 109 و غيرهما.
2. سنن النسائي: 7 / 7; سنن ابن ماجة: 1 / 278، و الطواغيت: هي الأصنام.
3. سنن النسائي: 7 / 9.


(312)

فاقتران الطواغيت، «والأنداد» بالآباء لدليل واضح على أنّ الآباء كانوا عبدتها.

ثانياً: إنّ المقصود من النهي عن الحلف بالأب هو ذلك الحلف الّذي يُفصل به في القضاء والخُصومات و حسم الخلافات، لأنّ علماء الإسلام اتفقوا على أنّ اليمين الّتي تحسم الخلاف و النزاع هو الحلف باللّه سبحانه و بصفاته فقط، أمّا سوى ذلك فلا.

مع وجود هذه القرائن الواضحة... كيف يمكن أن يقال بأنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن الحلف بالمقدّسات ـ كالكعبة و القرآن و أولياء اللّه تعالى ـ مع العلم أنّ النهي خاصّ بمورد معيّن، و أنّ النبىّ بنفسه كان يحلف بغير اللّه؟

الحديث الثاني :

«جاء ابن عُمَرَ رَجُلٌ فَقالَ: أحْلِف بِالْكَعْبَة؟ قالَ لَهُ: لا، ولكنْ إحْلف بِرَبِّ الْكَعْبَة، فَإِنَّ عُمَرَ كانَ يَحْلِفُ بِأبيه فَقالَ رسُول اللّه: لا تَحْلِفْ بِأبيكَ فَإنَّ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللّهِ فَقَدْ أشْرَكَ»(1).

الجواب الأوّل:

إنّ هذا الحديث يتألّف من ثلاثة أُمور:

1 إنّ رجلا جاء إلى ابن عمر فقال: أحلف بالكعبة؟ فأجابه بقوله: لا، ولكن إحلف بربِّ الكعبة.

2ـ إنّ عمرَبن الخطّاب كان يحلف بأبيه، فنهاه النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن ذلك.


1. سُنن النسائي: 7 / 8.

(313)

3ـ إنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ علّل ذلك بقوله: «مَن حَلف بغير اللّه فقد أشرك».

و القدر المتيقّن من كلام الرسول ما إذا كان المحلوف به شيئاً غير مقدّس كالكافر و الصنم. بشهادة ان النبي ذكر ذلك عندما حلف عمر بابيه الخطاب الكافر. ولا يمكن انتزاع ضابطة كلية تعم الحلف بالكافر والمؤمن. و لكن ابن عمر اجتهد بأنّ قول النبىّ «مَنْ حلفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ أشْرَكَ» الّذي ورد في الحلف بالمشرك ـ و هو الخطّاب الذي هو والد عمر ـ اجتهد بأنّه يشمل الحلف بالمقدّسات أيضاً كالكعبة، مع العلم بأنّ كلام النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد ورد في الحلف بالمشرك .

وحصيلة الكلام أنّ النبي إنّما أعطى هذهِ القاعدة عند ما أعطاها خاصّاً بما إذا كان المحلوف به أمراً غير مقدّس ولكن ابن عمر اجتهد و جعله أعمّ منه و من غيره، و اجتهاده حجّة على نفسه لا على غيره.

و قد أوضحنا سابقاً بأنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يحلف بغير اللّه سبحانه كثيراً فيحب أن نُفَسِّر قوله: «مَن حَلف بغير اللّه فقد أشرك» على الحلف بالمشرك و أمثاله، لا على الحلف بالمقدَّسات كالقرآن و الكعبة و النبىّ، بدليل أنّ النبي إنّما أعطى هذه القاعدة عند حلف عمر بأبيه المشرك.

فتطبيق هذا الحديث على الأعمّ من المشرك و غيره اجتهادٌ من ابن عمر، و اجتهاده حجّة لنفسه فقط لا لغيره.

و تسأل: لماذا اعتبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الحلف بالمشرك شركاً؟

و الجواب: لأنّ الحلف به نوع من الإشادة بشخصيَّته و التعظيم له و التصديق لدينه الباطل وعقيدته المنحرفة.

و الخلاصة: أنّنا نصدّق أصل الحديث، و لا نصدِّق اجتهاد ابن عمر، نظراً


(314)

لمخالفته لسُنَّة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سيرة الصحابة، فالقاعدة المذكورة في حديث النبي الكريم مختصَّة بما حَلف به عمر، و لا تعمّ المقدّسات الإسلامية أبداً.

و أمّا الحلف بالكعبة و القرآن و الأنبياء و الأولياء ـ في غير القضاء و الخصومات - فهو خارج عن تلك القاعدة العامّة، و ليس شركاً و لا حراماً.

الجواب الثاني:

و هنا جواب آخر أوضح من الجواب الأوّل و هو: أنّ قول النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللّه فَقَدْ أشْرَكَ» يشير إلى حلف خاصّ و هو الحلف بالأصنام ـ كاللاّت و العُزّى ـ فقط و لا يعمّ الإنسان المشرك فضلا عن المقدّسات.

و يؤيّد هذا الجواب ما رواه النسائي في سُنَنه: إنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

«مَنْ حَلَفَ فَقالَ في حلْفِهِ: بِاللاّت وَ الْعُزّى فَلْيَقُلْ: لا إلهَ إلاّ اللّه»(1).

و ما رواه ـ في نفس المصدر ـ إنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

«لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ وَ لا بِأُمَّهاتِكُمْ وَ لا بِالأَنْدادِ».

إنّ الحديث الأول يدلّ على أنّ رَواسب الجاهلية كانت باقية في بعض النفوس، فكانوا يحلفون بأصنامهم المعبودة من دون اللّه، فأمرهم النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بقول: لا إلهَ إلاّ اللّه» من أجل القضاء على تلك الرواسب الجاهلية.


1. سُنن النسائي: 7 / 8.

(315)

و يُستفاد ممّا رواه إمام الحنابلة أنّ قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللّه فَقَدْ أشْرَكَ» كان حديثاً مستقلاّ، فجاء ابن عمر و أدخل اجتهاده الشخصي ـ في عموم الحلف بالأب و بالمقدَّسات ـ في سياق الحديث، ولم يكن الحلف بالآباء و لا المقدّسات داخلا فيه، و إن أدخلهما فيه ابن عمر.

الحديث الّذي رواه إمام الحنابلة هو هذا:

«عَنْ ابْن عُمَر قالَ: كان يَحْلِفُ أبي، فَنَهاهُ النَبىّ، قالَ: مَنْ حَلَفَ بِشَيء دُونَ اللّه فَقدْ أشْرَكَ»(1).

فإنّك ترى حديث النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مُستقلاّ عن مقالة ابن عمر، و لم يأتِ بــ «واو» العاطفة أو «فاء» التفريع، بل قال «فنهاه النبي، قال:...» ممّا يدلّ على أنّ الحديث صدر في وقت آخر، بصورة مستقلَّة.

أيّها القارئ الكريم: لقد تلخَّص مِن كلّ ما سَبق:

1 ـ إنّ الحلف بغير اللّه لا مانع منه شرعاً، و قد صَدر ذلك من اللّه تعالى في القرآن الكريم و من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و الامام أميرالمؤمنين علىّ ـ عليه السلام ـ و المسلمين.

2ـ إنّ الحلف بغير اللّه لا يصحّ ـ و لا نقول: لا يجوز ـ في القضاء و الخصومات، بل لابدّ من الحلف باللّه جلّ جلاله أو بإحدى صفاته ، و قد ثبت هذا بالدليل الخاصّ و لا علاقة له بهذا البحث.

3ـ إنّ الحديثين اللَّذين استدلّ بهما الوهّابيّون ـ على حرمة الحلف بغير اللّه ـ


1. مسند أحمد: 2 / 34.

(316)

لا علاقة لهما بما نحن فيه من الحلف بالمقدّسات الإسلامية ـ كالقرآن و الكعبة والأنبياء و الأئمة و الأولياء ـ بل هي خاصّة بالحلف بالأُمور غير المقدّسة كالآباء المشركين و الأصنام المعبودة في الجاهلية.

و هكذا يتعرّى الوهّابيّون من الأقنعة «الإسلامية!!» المزيَّفة الّتي يُلبسون بها آراءهم الشاذّة وأفكارهم الباطلة، و الحمد للّه رب العالمين.


(317)

الفصل التاسع عشر

الاستغاثة بأولياء اللّه تعالى

هل يجوز نداء أولياء اللّه و الاستغاثة بهم في الشدائد و المكاره؟

هذه المسألة من المسائل التي وقع الاختلاف فيها بين الوهّابيّين و غيرهم. فالسُّنَّة الإسلامية قائمة بين المسلمين على الاستغاثة بالأنبياء و أولياء اللّه، و ندائهم بأسمائهم عند الشدائد و المصاعب و الأخطار المحتملة، سواء كانت الاستغاثة عند قبورهم الشريفة أو في مكان آخر. و لا يرى المسلمون بأساً في هذه الاستغاثة، و لا شِركاً و لا مُخالفةً للدين، في حين يتعصَّب الوهّابيّون ضدّ هذه الظاهرة الإسلامية تعصُّباً شديداً، و يتذرَّعون ببعض الآيات القرآنية ـ التي لا علاقة لها بالمسألة أبداً ـ لتلبيس باطلهم بالحق، كقوله تعالى :

(وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أحدَاً)(1).

و لكي تطّلع ـ أيّها القارئ الكريم ـ على الآيات القرآنية التي يستدلّ بها


1. الجن: 18.

(318)

الوهّابيّون على رأيهم الشاذ، نتناول تلك الآيات بالبحث و التشريح ـ إن شاء اللّه تعالى ـ كي تعرف تفسيرها الصحيح، وبذلك نردّ عليهم من نفس القرآن الكريم الذي زعموا أنّهم يستدلّون به، قبل كلّ شيء نذكر بعض تلك الآيات:

(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَ الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجيبُونَ لَهُمْ بِشَيء...)(1).

(وَ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتطيعُونَ نَصْرَكُمْ وَ لا أنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ)(2).

(...وَ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمير)(3).

(إنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ...)(4).

(قُلِ ادْعُوا الَّذينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَ لا تَحْويلا)(5).

(أُولئِكَ الَّذينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ...)(6).

(وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَ لا يَضُرُّكَ...)(7).

(إنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ...)(8).

(وَ مَنْ أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ مَنْ لا يَسْتَجيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ...)(9).


1. الرعد: 14.
2. الأعراف: 197.
3. فاطر: 13.
4. الأعراف: 194.
5. الإسراء: 56.
6. الإسراء: 57.
7. يونس: 106.
8. فاطر: 14.
9. الأحقاف: 5.


(319)

بهذه الآيات يستدلّ الوهّابيّون على حرمة الاستغاثة بأولياء اللّه و دعائهم و ندائهم بعد وفاتهم، و أنّ ذلك عبادة لهم و شرك باللّه، فإذا قال رجل ـ عند قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو في مكان آخر ـ : «يا مُحَمَّد» فقَد عَبَده بهذا النداء و الدعاء!!!

يقول الصنعاني ـ الوهّابي ـ :

«و قد سمّى اللّه الدعاء عبادة بقوله: (ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي)و مَن هتَف باسم نبي أو صالح بشيء، أو قال «إشفع لي إلى اللّه في حاجتي» أو «أستشفِعُ بك إلى اللّه في حاجتي» أو نحو ذلك، أو قال «إقضِ دَيني» أو «إشفِ مريضي» أو نحو ذلك فقد دعا النبىّ والصالح، و الدعاء عبادة بل مُخُّها، فيكون قد عبد غير اللّه و صار مشركاً، إذ لا يتمّ التوحيد إلاّ بتوحيده تعالى في الإلهيّة(1) باعتقاد أن لا خالق و لا رازق غيره، و في العبادة بعدم عبادة غيره و لو ببعض العبادات، و عُبّاد الأصنام إنّما أشركوا لعدم توحيد اللّه في العبادة»(2).

الجواب:

ممّا لا شكَّ فيه أنّ لفظ «الدعاء» ـ في اللغة العربية ـ معناه: النداء، و قد يُستعمل في معنى العبادة، إلاّ أنّه لا يمكن ـ بأىّ وجه ـ أن نعتبر الدعاء و العبادة لفظين مترادفين في المعنى، فلا يمكن أن نقول: كلّ دعاء عبادة، و ذلك للأُمور التالية:

الأوّل: لقد استعمل القرآن المجيد لفظ «الدعاء» في مواضع عديدة، و لا يمكن القول بأنّ مقصوده منه: العبادة، فمَثلا... يقول تعالى:


1. لقد استعمل الصنعاني كلمة «الإلهيّة» بدل «الربوبيّة» على خلاف عادة الوهّابيّين.
2. كشف الارتياب: 273ـ274 نقلا عن تنزيه الاعتقاد للصنعاني.


(320)

(قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمي لَيْلا وَ نَهاراً)(1).

فهل يصحّ أن يُقال: إنّ النبىّ نوحاً ـ عليه السلام ـ قَصد من كلامه هذا أنّه عَبد قومه ليلا و نهاراً؟!

و اقرأ قوله تعالى ـ عن لسان إبليس في خطابه للمذنبين يوم القيامة ـ :

(...وَ ما كانَ لي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطان إلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي)(2).

هل هناك من يحتمل أنّ معنى دعاء الشيطان للمذنبين هو عبادته لهم؟! مع العلم أنّ العبادة ـ إذا تحقّقت ـ تكون من المذنبين للشيطان لا من الشيطان لهم.

في هاتين الآيتين ـ و آيات أُخرى مماثلة نغضّ النظر عن ذِكرها ـ جاء لفظ «الدعوة» في غير معنى العبادة، و لهذا لا يمكن القول بأنّ الدعاء و العبادة لفظان مُترادفان، و أنّ مَن دعا أحد الأنبياء أو الأولياء فقد عَبَده و أشرَك باللّه، كلاّ، لأنّ الدعوة ـ و الدعاء ـ أعمّ من العبادة و غيرها.(3)

الثاني: إنّ معنى «الدعاء» ـ في الآيات التي استدلَّ بها الوهّابيّون ـ ليس مطلق النداء، بل معناه النداء على وجه يكون مُرادفاً للعبادة، لأنّ جميع هذه الآيات إنّما نزلت في شأن عَبَدة الأصنام الذين كانوا يعتقدون بأنّها آلهة صغيرة قد فُوِّض إليها بعض شؤون الكون، و لها الاستقلال في التصرُّف، فمن الواضح أنّ كلَّ دعاء


1. نوح: 5.
2. إبراهيم: 22.
3. و على اصطلاح أهل المنطق، بين الدعاء و العبادة عموم و خصوص مِن وَجه، فالاستغاثة بأولياء اللّه ـ مع الاعتقاد بقدرتهم المستمدَّة من قدرة اللّه ـ دعاء لا عبادة، و بعض الفرائض الدينية كالركوع و السجود ـ المقرونين بالوهيّة من تركع و تسجد له ـ عبادة لا دعاء، و الصلاة ـ مثلا ـ دعاء و عبادة.


(321)

ونداء لهذه الأصنام ـ سواء كانت آلهة كبيرة أو صغيرة ـ مع الاعتقاد بأنّها مالكة الشفاعة و المغفرة، يُعتبر شركاً و عبادةً لها.

و أوضح دليل على أنَّ عَبَدة الأصنام كانوا يدعون أصنامهم باعتقاد إلوهيَّتها هو قوله تعالى:

(...فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ شَيء...)(1).

إذن: لا علاقة بين الآيات المذكورة و هذه المسألة إطلاقاً، لأنّ البحث حول استغاثة إنسان بإنسان آخر من دون الاعتقاد بربوبيَّته و إلوهيّته و لا بمالكيّته و لا باستقلاله في التصرّف في أُمور الكون و الدنيا و الآخرة، بل باعتبار أنّه عَبدٌ صالح و وجيهٌ عند اللّه، قد اصطفاه اللّه للنبوّة أو للإمامة، و وَعد باستجابة دعائه في حقّ مَن يدعو له، كما قال تعالى :

(...وَ لَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(2).

الثالث: إنّ في الآيات ـ التي استدلَّ بها الوهّابيّون ـ دليلا على أنّ المقصود من «الدعاء» هو العبادة لا مطلقاً.

تأمَّل قولَه تعالى:

(وَ قالَ ربُّكُمْ ادْعُوني أَستَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ)(3).


1. هود: 101.
2. النساء: 64.
3. غافر: 60.


(322)

لقد ذكر سبحانه لفظ «ادْعُوني» ثم أتبعها بلفظ «عِبادَتي» ممّا يدلّ ـ دلالة واضحة ـ على أنّ المقصود من «ادْعُوني» ـ هنا ـ : عبادة اللّه و ترك عبادة غيره. و لهذا كان المشركون «يَسْتَكْبِرُونَ» عن دعائه و عبادته سبحانه.

يقول حفيد رسول اللّه الإمام زين العابدين ـ عليه السلام ـ في دعاء له:

«...فَسَمَّيتَ دُعاءَكَ عِبادَةً، وَ تَرْكَهُ اسْتِكْباراً، وَ تَوعَّدْتَ عَلى تَركِهِ دُخول جَهَنَّمَ داخِرينَ»(1).

و قد جاءت في القرآن الكريم آيتان بمعنى واحد، استعمل في إحداها لفظ «العبادة» و في الثانية لفظ «الدعوة».

فالأُولى قوله سبحانه:

(قُلْ أتَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّاً وَ لا نفْعاً...)(2).

و الثانية هي قوله سبحانه:

(قُلْ أنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَ لا يَضُرُّنا...)(3).

و يقول سبحانه:

(...وَ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دوُنِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمير)(4).

في هذه الآية جاء بلفظ «تَدْعُونَ» و فيها دلالة و اضحة على أنَّ هذه الدعوة هي دعوة الأصنام، و كان المشركون يعتقدون بأنّها آلهة «مِنْ دُونِهِ» تضرُّ و تَنفع، و لهذا رَدَّ اللّه عليهم بقوله: (ما يَمْلِكُونَ مِنْ قطمير).


1. الصحيفة السجّادية: دعاء رقم 45.
2. المائدة: 76.
3. الأنعام: 71.
4. فاطر: 13.


(323)

و جاء هذا المعنى في آية مماثلة بلفظ «تَعْبُدُونَ» و هي قوله سبحانه:

(...إِنَّ الَّذينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً...)(1).

و في آية أُخرى جاءت الكلمتان مُتقارنتين بمعنى واحد، و هي قوله عزَّوجلّ:

(قُلْ إِنِّي نُهيتُ أَنْ أَعبُدَ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ...)(2).

أيّها القارئ الكريم: أرجو منك أن تقوم بمراجعة «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم» مادَّة: «عَبَد» و «دعا» كي ترى بعينك كيف جاء لفظ «العبادة» ـ في آية ـ و «الدعوة و الدعاء» ـ في آية أُخرى ـ بمعنى واحد و مضمون واحد، ممّا يدلّ ـ أوضح دلالة ـ على أنّ المقصود من الدعوة و الدعاء ـ في هذه الآيات ـ هي العبادة، لا مطلق النداء و الدعاء.

فإذا تأمَّلتَ الآيات الّتي تَضمَّنت لفظ «الدعاء و الدعوة» بمعنى العبادة، لرأيت أنّ تلك الآيات تتحدّث عن الصراع بين الإيمان و الكفر، بين عبادة اللّه و توحيده و الإيمان بإلوهيَّته و ربوبيَّته و بين عبادة الطاغوت و الأنداد و الأصنام و الاعتقاد بمالكيّتها للرزق و المغفرة و الشفاعة و النفع و الضرّ.

فاستدلال الوهّابيّين بهذه الآيات ـ على حرمة نداء الأنبياء و الأولياء والاستغاثة بهم ـ يدعوا إلى الاستغراب و التعجّب، نظراً لعدم علاقتها بهذه المسألة إطلاقاً.

و خلاصة ما ثبت ـ من خلال هذا البحث ـ : إنّ قولك «يا علي» مخاطباً خليفة رسول اللّه ـ أو «يا حسين» أو «يا زهراء» أو غير ذلك من أسماء أولياء اللّه


1. العنكبوت: 17.
2. الأنعام: 56، و بهذا المضمون في سورة غافر: آية 66.


(324)

الطاهرين لا إشكال فيه أبداً، بل هو نوع من الاستغاثة بهم ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ فلو جازت الاستغاثة في حياتهم لجازت بعد رحليهم ولا يتصور ان يكون عمل واحد نفس التوحيد في حال الحياة و عين الشرك بعد الممات، و قد تقدم منّا انّ الحياة و الموت رمز الحدوث و عدمه، لاالتوحيد و الشرك، وعلى كلّ تقدير فالاستغاثة بعباد الله المخلصين بغية دعائهم لرفع المحن والكرب محبوب مرغوبٌ فيه، و يعود على الإنسان بالخلاص من الأزمات و الفَرَج من الشدائد و النجاة من المهالك.


(325)

الفصل العشرون

في البكاء على الميت قبل الدفن و بعده

لا عتب على العين و القلب عندما يقف المرء على قبر نبيّه و الأئمة من أهل بيته ـ صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ـ و خيار صحابته ـ رضوان اللّه تعالى عليهم ـ أن تذرف الدموع و يحزن، تعبيراً عمّا يكنّ في النفس من المودّة و الولاء و المحبّة و التعاطف و الشوق و الحنين، فإنّ هذا أمر تقتضيه الفطرة الإنسانية و لا يأباه التشريع الإلهي.

أمّا الفطرة: فالحزن و التأثّر مقتضى العاطفة الإنسانية إذا ابتلي المرء بمصاب عزيز من أعزّائه أو فلذة من أفلاذ كبده و أرحامه، و من عُدِمَ هذا الشعور عنده عُدَّ شاذّاً عن الفطرة الإنسانية، و لا أرى أحداً فوق أديم الأرض ينكر هذه الحقيقة إنكار جدٍّ و موضوعية.

و أمّا التشريع: فيكفي في ذلك بكاء النبىّ الأقدس ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و الصحابة و التابعين لهم بإحسان على موتاهم.

فهذا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يبكي على ولده العزيز «إبراهيم» و يقول: «العين


(326)

تدمع و القلب يحزن و لا نقول إلاّ ما يرضي ربّنا، و إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون»(1).

روى أصحاب السِّير و التاريخ أنّه لمّا احتضر إبراهيم ابن النبي جاء ـ صلّى اللّه عليه و آله ـ فوجده في حجر أُمّه، فأخذه و وضعهُ في حجره و قال: «يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من اللّه شيئاً ـ ثم ذرفت عيناه و قال: ـ إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين و يحزن القلب و لا نقول ما يسخط الربّ، و لولا أنّه أمرٌ حقُّ و وعدٌ صدقٌ و أنّها سبيل مأتيّة لحَزنّا عليك حزناً شديداً أشدّ من هذا».

و لمّا قال له عبدالرحمن بن عوف: أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ أجاب بقوله: «لا، ولكن نهيتُ عن صوتين أحمقين و آخرين: صوت عند مصيبة و خمش وجوه و شقّ جيوب و رنّة شيطان، و صوت عن نغمة لهو; و هذه رحمة، و من لا يَرحم لا يُرحَم»(2).

و ليس هذا أوّل و آخر بكاء منه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند ابتلائه بمصاب أعزّائه، بل كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يبكي على ابنه «طاهر» و يقول: «إنّ العين تذرف و إنّ الدمع يغلب و القلب يحزن و لا نعصي اللّه عزّوجل»(3).

و قد قام العلاّمة الأميني في موسوعته الكبيرة «الغدير» بجمع موارد كثيرة بكى فيها النبي ـ صلّى اللّه عليه و آله ـ و الصحابة و التابعون على موتاهم و أعزّائهم عند افتقادهم، و إليك نصّ ما جاء به ذلك المتتبع الخبير:

و هذا هو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لمّا أُصيب حمزة ـ رضي اللّه عنه ـ و جاءت صفيّة بنت


1. سنن أبي داود: 3 / 58; سنن ابن ماجة: 1 / 482.
2. السيرة الحلبية: 3 / 348.
3. مجمع الزوائد للهيثمي: 3 / 8.


(327)

عبدالمطّلب ـ رضي اللّه عنها ـ تطلبه فحال بينها و بينه الأنصار فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : دعوها، فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و إذا نشجت نَشَجَ، و كانت فاطمة ـ عليها السلام ـ تبكي و رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه و آله ـ كلّما بكت يبكي و قال: لن أُصاب بمثلك أبداً (1).

و لمّا رجع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من أُحد بكت نساء الأنصار على شهدائهم فبلغ ذلك النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: لكن حمزة لا بواكي له فرجع الأنصار فقالوا لنسائهم:

لا تبكين أحداً حتى تبدأن بحمزة قال: فذاك فيهم إلى اليوم لا يبكين ميّتاً إلاّ بدأن بحمزة(2).

و هذا هو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ينعى جعفراً و زيد بن حارثة و عبداللّه بن رواحة و عيناه تذرفان(3).

و هذا هو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ زار قبر أُمّه و بكى عليها و أبكى من حوله(4).

و هذا هو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقبّل عثمان بن مظعون و هوميّت و دموعه تسيل على خدّه(5).

و هذا هو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يبكي على ابن لبعض بناته فقال له عبادة بن الصامت: ما هذا يا رسول اللّه؟ قال: الرحمة التي جعلها اللّه في بني آدم و إنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء(6).


1. إمتاع المقريزي: 154.
2. مجمع الزوائد: 6 / 120.
3. صحيح البخاري: 4 / 34 ، كتاب المناقب في علامات النبوّة في الإسلام ؛ سنن البيهقي: ج 4 ص 70.
4. سنن البيهقي: 4 / 70; تاريخ الخطيب البغدادي: 7 / 289
5. سنن أبي داود: 2 / 63، سنن ابن ماجة: 1 / 445.
6. سنن أبي داود: 2 / 58، سنن ابن ماجة: 1 / 481.


(328)

و هذه الصدّيقة الطاهرة تبكي على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و تقول: يا أبتاه مِن ربِّه ما أدناه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه(1).

و هذه هي ـ سلام اللّه عليها ـ وقفت على قبر أبيها الطاهر و أخذت قبضة من تراب القبر فوضعتها على عينها و بكت و أنشأت تقول:

ماذا على مَن شمَّ تربة أحمد * أن لا يشمَّ مدى الزمان غواليا
صُبّت علىَّ مصائبٌ لو أنّها * صُبّت على الأيّام صِرن لياليا(2)

و هذا أبوبكر بن أبي قحافة يبكي على رسول الله ـ صلى الله عليه و آله ـ و يرثيه بقوله:

يا عين فابكي و لا تسأمي * و حُقَّ البكاء على السيّد

و هذا حسّان بن ثابت يبكيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يقول:

ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت * عيونٌ و مثلاها من الجفن أسعد

و يقول:

يُبكّون من تبكي السّماوات يومه * و من قد بكته الأرض فالناس أكمدُ

و يقول:

يا عين جودي بدمع منك إسبال * و لا تملنَّ من سحّ و إعوالِ


1. صحيح البخاري: باب مرض النبي و وفاته، سنن أبي داود: 2 / 197; سنن النسائي: 4 / 13; مستدرك الحاكم: 3/ 163، تاريخ الخطيب: 6 / 262.
2. الغدير: 5 / 147.


(329)

وهذه أروى بنت عبدالمطّلب تبكي عليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ترثيه بقولها:

ألا يا عين! و يحكِ أسعديني * بدمعك ما بقيت و طاوعيني
ألا يا عين! و يحك و استهلّي * على نور البلاد و أسعديني

و هذه عاتكة بنت عبدالمطّلب ترثيه و تقول:

عينىَّ جودا طوال الدّهر و انهمِرا * سكباً و سحّاً بدمع غير تعذير
يا عين فاسحنفري بالدَّمع و احتفلي * حتّى الممات بسجل غير منذور
يا عين فانهملي بالدّمع و اجتهدي * للمصطفى دون خلق اللّه بالنور

و هذه صفيّة بنت عبدالمطّلب تبكي عليه و ترثيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و تقول:

أفاطمُ بكّي و لا تسأمي * بصحبك ما طلع الكوكبُ
هو المرء يُبكى و حقّ البكاء * هو الماجد السيّد الطيِّبُ

و تقول:

أعينىّ! جودا بدمع سجمْ * يبادر غرباً بما مُنهدمْ
أعينىّ! فاسحنفرا و أسكبا * بوجد و حزن شديد الألمْ

و هذه هند بنت الحارث بن عبدالمطّلب تبكي عليه و ترثيه و تقول:


(330)

يا عين جودي بدمع منك و ابتدري * كما تنزّل ماء الغيث فانثعبا

و هذه هند بنت أثاثة ترثيه و تقول:

ألا يا عين! بكّي لا تملّي * فقد بكر النعىُّ بمن هويتُ

و هذه عاتكة بنت زيد ترثيه و تقول:

و أمست مراكبه أوحشت * و قد كان يركبها زينها
و أمست تُبكي على سيِّد * تردَّد عبرتها عينها

و هذه أمّ أيمن ترثيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و تقول:

عين جودي فإنَّ بذلك للدمـ * ـع شفاء فاكثري مِ البكاء
بدموع غزيرة منك حتّى * يقضي اللّه فيك خير القضاء(1)

و هذه عمّة جابر بن عبداللّه جاءت يوم أُحُد تبكي على أخيها عبداللّه بن عمرو قال جابر: فجعلتُ أبكي و جعل القوم ينهوني و رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ و آله ] و سلّم ـ لا ينهاني، فقال رسول الله صلى الله عليه [ و آله ] ـ : أبكوه و لا تبكوه فواللّه ما زالت الملائكة تظلّله بأجنحتها حتى دفنتموه(2).(3)

نعم روي عن عمر بن الخطّاب و عبداللّه بن عمر أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1. راجع طبقات ابن سعد: 2 / 319 _ 332 ; سيرة ابن هشام: 4 / 346.
2. الاستيعاب: في ترجمة عبداللّه 1 / 368.
3. الغدير: 3 / 165ـ167.


(331)

قال: «إنّ الميّت يعذَّب ببكاء أهله» أقول: إنّ ظاهر هذا الحديث يخالف فعل الخليفة في مواطن كثيرة أثبتها التاريخ.

منها: أنّه بكى على النعمان بن مقرن المزني لَمّا جاءه نعيه فخرج و نعاه الى الناس على المنبر و وضع يده على رأسه يبكي (1).

و منها: بكاؤه مع أبي بكر على سعد بن معاذ حتى قالت عائشة: فوالذي نفس محمّد بيده إنّي لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، و إنّي لفي حجرتي(2).

و منها: بكاؤه على أخيه زيد بن الخطّاب، و كان صحبه رجل من بني عدي بن كعب فرجع إلى المدينة فلمّا رآه عمر دمعت عيناه و قال: و خلّفت زيداً قاضياً وأتيتني(3).

فالبكاء المتكرّر من الخليفة يهدينا إلى أنّ المراد من الحديث ـ لو صحّ سنده ـ معنى آخر، كيف و أنّ ظاهر الحديث لو قلنا به فإنّه يخالف الذكر الحكيم، أعني قوله سبحانه: (و لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى)(4). فأىّ معنى لتعذيب الميّت ببكاء غيره عليه!!

قال الشافعي: «و ماروت عائشة عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أشبه أن يكون محفوظاً عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بدلالة الكتاب و السنّة، فإن قيل: فأين دلالة الكتاب؟ قيل: في قوله عزّوجل (و لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى...)و (وَ أنْ لَيسَ لِلاِْنسانِ إلاّ ما سَعى)(5).


1. الاستيعاب: في ترجمة النعمان 1 / 297; العقد الفريد لابن عبد ربّه الاندلسي: 3 / 235.
2. تاريخ الطبري: 2 / 253.
3. العقد الفريد: ج 3 ص 235.
4. فاطر: 18.
5. النجم: 39.


(332)

(فَمَنْ يَعْمَل مِثقالَ ذَرَّة خَيراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّة شَرَّاً يَرَهُ)(1) و قوله:

(...لِتُجْزى كلُّ نَفْس بِما تَسعى)(2). فإن قيل: أين دلالة السنّة؟ قيل: قال رسول اللّه لرجل: ابنك هذا؟ قال: نعم، قال: أما أنّه لا يجني عليك و لا تجني عليه. فأعلم رسول اللّه مثلما أعلم اللّه من أنّ جناية كلّ امرئ عليه، كما أنّ عمله لا لغيره و لا عليه»(3).

فقه الحديث

كلّ هذه النقول توقِفنا على أنّ المراد من الحديث «إنّ الميّت يعذَّب...» ـ إن صحّ سنده ـ غير ما يفهم من ظاهره، و قد كان محتفّاً بقرائن سقطت عند النقل، و لأجل ذلك توهّم البعض حرمة البكاء على الميّت استناداً على هذا الحديث، غافلا عن مرمى الحديث و مغزاه.

روت عمرة: أنّها سمعت عائشة ـ رض ـ و ذكرت لها أنّ عبدالله بن عمر يقول: إن الميّت ليعذَّب ببكاء الحي، فقالت عائشة ـ رض ـ أما إنّه لم يكذب، ولكنه أخطأ أونسى إنما مرّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: إنهم ليبكون عليها و أنها لتعذَّب في قبرها(4).

و عن عروة عن عبداللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّ الميّت ليعذَّب ببكاء أهله عليه، فذكر ذلك لعائشة فقالت ـ و هي تعني ابن عمر ـ : إنّما مرّ


1. الزلزلة: 7ـ 8.
2. طه: 15.
3. اختلاف الحديث بهامش كتاب الأُم للشافعي: 7 / 267.
4. صحيح البخاري: 2 / 80 ، الباب 32 من أبواب الجنائز; اختلاف الحديث للشافعي: 7 / 266; الموطّأ لمالك: 1/ 96، صحيح مسلم: 1 / 344، سنن النسائي: 4 / 17، سنن البيهقي: 4 / 72.


(333)

النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على قبر يهودي فقال: إنّ صاحب هذا ليُعذَّب و أهله يبكون عليه، ثم قرأت: (و لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى)(1).

هذا فقه الحديث و معناه، و لا يشكّ في صحة هذا المعنى مَن له إلمام و معرفة بالكتاب والسنّة.

و هناك روايات أُخر تدلّ على أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عمر عن منعه الباكيات لبكائهنّ على الميّت.

عن ابن عبّاس قال: لمّا ماتت زينب بنت رسول اللّه قال رسول اللّه: ألحقوها بسلفنا الخير عثمان بن مظعون، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهنّ بسوطه، فأخذ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يده و قال: مهلا يا عمر، دعهنّ يبكين، و إيّاكنّ و نعيق الشيطان ـ إلى أن قال ـ : و قعد رسول اللّه على شفير القبر و فاطمة إلى جنبه تبكي، فجعل النبىّ يمسح عيني فاطمة بثوبه رحمةً لها(2).

و أخرج البيهقي في السنن الكبرى نظيره في موت رقيّة بنت رسول اللّه، و قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : مهلا يا عمر ـ ثم قال: إيّاكنّ و نعيق الشيطان، فإنّه مهما يكن من العين و القلب فمن الرحمة، و ما يكون من اللسان و اليد فمن الشيطان.(3)

و في رواية أُخرى: فقال رسول اللّه: يا عمر دعهنّ فإنّ العين دامعة و القلب مصاب و العهد قريب(4).


1. سنن أبي داود: 2 / 59، سنن النسائي: 2 / 17.
2. مسند أحمد: 1 / 235 ـ 237; مستدرك الحاكم: 1 / 191، و قال الذهبي في تلخيص المستدرك: سنده صالح.
3. السنن الكبرى للبيهقي: 4 / 70.
4. عمدة القارئ: 4 / 87.


(334)

هذا ما نقلناه من الروايات يوقف القارئ الكريم على حكم الإسلام في مسألة البكاء على الميّت، سواء كان الميّت قريباً و حميماً أو كان عزيزاً و صديقاً، فإذا جاز البكاء عليهم فالبكاء على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و أهل بيته الأطهار و صحابته الأخيار أولى بالجواز.

كيف لا و قد وردت في هذا المضمار روايات كثيرة من الفريقين في البكاء على النبي ومصائب آله لسنا بصدد ذكرها لخروجها عن الاختصار، و من أراد الوقوف فليرجع إلى كتاب «سيرتنا و سنّتنا سيرة النبىّ و سنّته» للعلاّمة الكبير الشيخ عبدالحسين الأميني ـ رضوان اللّه عليه ـ و إن كان ما ذكرناه في هذه الصحائف مقتبساً عمّا حقّقه ـ رحمه اللّه ـ في هذا الباب.

خاتمة المطاف

إضافة لفظ «العبد» إلى المخلوق:

قد تعارف لدى محبّي أهل البيت ـ عليهم السلام ـ تسمية أولادهم بــ «عبدالرسول» و «عبد علي» و «عبدالحسين»... و نحوها، أي إضافة كلمة العبد إلى أسمائهم ـ عليهم السلام ـ .

و أثارت هذه التسمية قلقاً في بعض الأوساط خصوصاً الوهّابيّة، زاعمين أنّ تلك التسمية رمز الشرك، و لا توافق أُصول التوحيد، و قد جمعني و الشيخ ناصر


(335)

الدين الألباني ـ و هو مصحّح ومحقّق بعض كتب الأحاديث ـ مجلس في سوريا فرأيت فيه كراهة شديدة أن يتكلّم باسم عبدالحسين، و كان ذلك عندما جاء الحديث عن العلاّمة الحجّة السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي ـ قدّس اللّه سرّه ـ صاحب المراجعات. ويأتي فيما يلي تفصيل ما دار بيني وبينه و لأجل رفع الستر عن وجه الحقيقة نقوم بتحليل المسألة من وجهة نظر القرآن و السنّة فنقول:

العبودية تطلق و يراد منها:

أوّلا: ما يقابل الإلوهيّة، و العبوديه بهذا المعنى ناشئة من المملوكية التكوينية الّتي تعمّ جميع العباد، و يكون المالك هو اللّه سبحانه و تعالى، و من المعلوم أنّ منشأ كون الإنسان عبداً و اللّه سبحانه هو المولى، كونه خالقاً له من العدم، و المفيض و المعطي له كُلّ ما يتعلّق به.

فالعبودية بهذا المعنى ذاتية كلّ موجود، و جوهرة كلّ شيء لا تنفكّ عنه أبداً، و إلى ذلك ينظر قوله سبحانه: (إِنْ كُلُّ مَن فِى السّمواتِ و الاَْرضِ إلاّ آتي الرَّحمنِ عَبداً)(1).

كما يشير إليه قول المسيح ـ عليه السلام ـ : (قال إِنّي عَبدُ اللّهِ آتانىَ الكتابَ وَ جَعَلَني نَبيّاً)(2) إلى غير ذلك من الآيات، و العبودية بهذا المعنى تستدعي حصر إضافتها باللّه سبحانه و تعالى.

ثانياً: تطلق و يراد منها الطاعة أو ما يقاربها، و قد صرّح بهذاالمعنى أصحاب المعاجم اللغوية.

قال في لسان العرب: التعبّد: التنسّك، العبادة: الطاعة.


1. مريم: 93.
2. مريم: 30.


(336)

و قال في القاموس المحيط: و العبدية و العبودية و العبودة و العبادة: الطاعة.

و على هذا الأساس فالمراد من «عبدالرسول و عبد علي و...» هو مطيع الرسول و مطيع علىّ و لا غبار على ذلك، كيف لا و أنّ اللّه سبحانه و تعالى أمرنا بطاعتهما (...أَطيعُوا اللّهَ وَ أطيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولي الاَْمْرِ مِنْكُمْ...)(1). فعرّف القرآن النبىّ مطاعاً و المسلمين مطيعين، و لا عتب على الإنسان أن يظهر هذا المعنى في تسمية أولاده و محبيه.

نعم في حديث أبي هريرة «لا يقل أحدكم لمملوكه عبدي و أمتي و ليقل فتاي و فتاتي» و علّله ابن الأثير في كتابه «النهاية» بقوله: هذا على نفي الاستكبار عليهم و أن ينسب عبدويتهم إليه، فإنّ المستحقّ لذلك اللّه تعالى هو ربّ العباد كلّهم.

و الحديث بظاهره يخالف الذكر الحيكم. كيف لا و هو الذي نسب العبودية إلى الناس الذين يملكونهم، قال سبحانه: (و أَنكِحُوا الأَيامى مِنكُم و الصّالحِينَ مِن عبادِكُم و إِمائِكُم إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغنِهِمُ اللّهُ مِن فَضلِهِ وَ اللّهُ واسِعٌ عَليمٌ)(2). ترى أنّه سبحانه ينسب العبودية و الإمائية إلى الذين يمتلكونهم، و لو كان في التعبير شيء من التكبّر للمولى لما استعمل سبحانه هذا التعبير.

ثم إنّ أساس الشبهة أنّ المستشكلين لا يفرّقون بين العبودية التكوينية الحقيقية ـ التي لا تنفكّ عن الإنسان منذ بدء وجوده إلى أُخريات أيامه ـ و بين المملوكية العارضة على الإنسان حسب الأحوال و الشرائط، فيصير السيّد عبداً رقّاً، و العبد الرقّ سيّداً و حاكماً.


1. النساء: 59.
2. النور: 32.


(337)

هذا هو الفقه الإسلامي يحكم في أسرى الحرب بجواز استرقاقهم رجالا و نساءً، قال ابن قدامة في كتابه «المغني»: و إذا أسبى الإمام فهو مخيَّرٌ إن رأى قتلهم، و إن رأى منّ عليهم و أطلقهم بلا عوض، و إن رأى أطلقهم على مال يأخذه منهم، و إن رأى فادى بهم، و إن رأى استرقّهم.

هذا و في الكتب الفقهية باب واسع لأحكام العبيد و الإماء، فلهم أحكام خاصّة يقف عليها العارف بالفقه الإسلامي، فيطلقون كلمة المولى على السيّد الّذي ملكهم بالأسر أو بالشراء، كما يطلقون كلمة العبد و الأمة على الأسرى الذين رأى الحاكم استرقاقهم، و لم يرَ أحدٌ من الفقهاء في هذه التسمية حرجاً.

و ممّا يُقضى منه العجب قول محمّد بن عبدالوهّاب: «إنّ من قال لأحد مولانا أو سيّدنا فهو كافر»(1) مع أنّ القرآن الكريم يطلق كلمة السيّد على غيره ـ سبحانه و تعالى ـ قال: (...مُصَدِّقاً بِكَلِمَة مِنَ اللّهِ و سيِّداً وَ حَصُوراً...)(2) و قال ـ عزّوجلّ ـ: (...وَقَدَّتْ قَميِصَهُ مِنْ دُبُر و أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى البابِ...)(3) و قال ـ تعالى ـ: (وَ قالُوا رَبَّنا إنَّا أَطَعنا سادَتَنا و كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبيلا)(4).

أضف إلى ذلك ما تواتر في الروايات من إطلاق السيّد على النبىّ والحسنين(5) حيث لا يشكّ في صحتها أحد.

و قد رثى أبوبكر النبىّ الأعظم بأبيات أوّلها:

يا عين فابكي و لا تسأمي و حقّ البكاءُ على السيّدِ


1. كشف الارتياب للسيد محسن الأمين: نقله عن خلاصة الكلام.
2. آل عمران: 39.
3. يوسف: 25.
4. الأحزاب: 67.
5. المقصود «الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة».


(338)

على خير خندق عند البلا * ء أمسى يُغيَّب في الملحد(1)

نعم أورد السيوطي في الجامع الصغير عن الديلمي في مسند الفردوسي عن علىّ «السيّد اللّه».

كما أورد العزيزي في شرح الجامع الصغير عن مسند أبي داود أنّه جاء وفد بني عامر إلى النبي فقالوا: أنت سيّدنا، فقال: السيّد اللّه.

فلو صحّ الحديثان فيجب أن يحملا على المعنى الحقيقي للسيادة ـ أعني: المالك و الخالق ـ فإنّ السيادة بهذا المعنى تختصّ باللّه سبحانه.

كيف و قد أطلق رسول اللّه كلمة السيّد على سعد بن معاذ ـ رضي اللّه عنه ـ روى الطبري: لمّا طلع سعد قال رسول اللّه: قوموا إلى سيّدكم(2).

فهذه المناهي الواردة حول كلمة السيّد محمولة على إرادة المعنى الذي ينافي إخلاص العبادة و توحيد اللّه.

و لعمري أنّ الحقيقة واضحة لا تحتاج إلى التطويل، كيف و كلمات العرب و الرسول والصحابة و التابعين و الأئمة من آل الرسول و فقهاء الأُمّة مشحونة باستعمال هذه الكلمات في غيره ـ سبحانه ـ . و لم يَر أحدٌ في إطلاقها على غيره ـ عزّ اسمه ـ حرجاً، و قد نظروا إلى هذه المسائل بصدر رحب و عين بعيدة المدى، و لم يضيّقوا الأمر على المسلمين و و جدوا الإسلام شريعة سهلة سمحة تتبع المقاصد و الأغراض لا الظواهر و الألفاظ.


1. الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 319، و الهمزة الأُولى في البيت الثاني جزء من كلمة البلاء، و إنما يتلفظ بها في المصرع الثاني، و يسمى هذا القسم في علم العروض بالشعر المدوّر، باعتبار امتزاج الصدر بالعجز.
2. الطبري: 2 / 249.


(339)

فالوهّابيّة ـ كالخوارج ـ ضيّقوا الأمر على أنفسهم و على المسلمين بما لم يضيّق به سبحانه، و الطائفتان تسيران في عدّة من المسائل جنباً إلى جنب.


(340)

الآن حصص الحق

حان الآن أيّها القارئ الكريم أن نختم هذا البحث الضافي حول عقائد الوهّابيّة و أُصولها وأهدافها بكلمة قصيرة نافعة للمجتمع الإسلامي عامّة و للشباب المسلم الغيور خاصّة.

إنّ الإسلام بُنيَ على كلمتين: كلمة التوحيد و توحيد الكلمة، فيجب على الأُمّة الإسلامية أن تحفظ وحدة الكلمة و عُرى الاخوّة، كما يجب عليها أن تحتفظ بكلمة التوحيد، فإنّهما صنوان نابتان من أصل واحد.

فكما أنّ القرآن و السنّة حثّا على توحيده ـ سبحانه ـ ذاتاً و فعلا و عبادةً، فقد حثّا أيضاً على الاعتصام بحبل اللّه و نهيا عن التفرّق (واعْتَصِمُوا بِحَبلِ اللّهِ جَميعاً و لاتَفَرَّقُوا)(1) و قال عزّ شأنه (وَ مَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى و يَتَّبعْ غَيرَ سَبيلِ الْمؤمِنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَت مَصيراً)(2).

و قال الإمام علىّ ـ عليه السلام ـ «و ألزموا السواد الأعظم، فإنّ يدَ اللّه مع الجماعة، و إيّاكم و الفرقة، فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب، ألا وَ مَن دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه و لو كان تحت عمامتي هذه»(3).


1. آل عمران: 103.
2. النساء: 115.
3. نهج البلاغة: الخطبة 123.


(341)

فإذا كان توحيد الكلمة بهذا المكانة العالية، فما حال من شقّ عصا المسلمين و بثّ فيهم الفرقة و مزّق صفوفهم و شتّت شملهم بغرس شكوك في أُمور طالما اتفقت عليها الأُمّة الإسلامية قبل أن يتولّد باذر الشكوك ـ أعني: ابن تيميّة ـ و ساقيها ـ أعني: محمّد بن عبدالوهّاب ـ .

أيّها القارئ العزيز: إنّ ما تلوناه عليك في هذه الصحائف هو مقتضى نصوص الكتاب الحكيم و سنّة النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و نتيجة ما أجمعت عليه الأُمة الإسلامية طوال القرون، فأىّ قيمة لكلمة أو كلمات تضادّ كتاب اللّه و سنّة نبيّه ـ عليه و على آله الصلاة و السلام ـ و ما اتفقت عليه الأُمّة.

يعزّ على الأُمّة الإسلامية و في مقدّمتها علماؤها و مفكّروها أن يوجد أُناس في «أُمّ القرى» و مهبط الوحي يكفّرون الأُمّة جمعاء من سُنّة و شيعة و لا يستثنون منهم إلاّ شذّاذ الآفاق من بلاد نجد.

و قد وقف الأعاظم من أبناء الأُمّة الإسلامية على خطورة الموقف و أضرار هذه الهواجس الشيطانية التي زرعها ابن تيمية حتى قال الحافظ ابن حجر في كتابه «الفتاوى الحديثية» في حقّه ما هذا نصّه:

«ابن تيميّة عبدٌ خذله اللّه و أضلّه و أعماه و أصمّه، و بذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله و كذب أقواله، و من أراد فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتّفق على إمامته و جلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبو الحسن السبكي و ولده التاج و الشيخ الإمام العزّ بن جماعة و أهل عصرهم من الشافعية و المالكية و الحنفية، و لم يقصر اعتراضه ـ ابن تيميّة ـ على متأخّري الصوفية بل اعترض على مثل عمر بن الخطّاب و علىّ بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنهما ـ .


(342)

و الحاصل: أنه لا يقام لكلامه وزن يرمى في كلّ وعر و حَزَن، و يعتقد فيه أنّه مبتدع ضالّ مضلّ غال عامَله اللّه بعدله و أجارنا من مثل طريقته و عقيدته و فعله ـ آمين ـ»

الفتاوى الحديثية: ص 86.

و اللّه أسأل أن يجعلنا من «الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه»

و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد خاتم النبيّين

و آله الطيّبين الطاهرين و صحبه الأخيار المنتجبين

و آخِرُ دعوانا أن الحمدُ للّه ربِّ العالمين.

جعفر السبحاني

قم المشرّفة

عيد الغدير ـ 18 ذي الحجّة ـ 1406 هـ

Website Security Test