فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی تصاویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : حجة الوداع*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

حجة الوداع

صفحه 1
    حجة الوداع... خطب وإرشاد
حجة الوداع..
خطب وإرشاد

صفحه 2

صفحه 3
حجة الوداع..
خطب وإرشاد
رسالة مختصرة تستعرض خطب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكلماته في حجّة الوداع وما رشَحَ عنها من أُصول عقائدية وأحكام فقهية وحقائق تاريخية عند الفريقين
تأليف
العلاّمة الفقيه
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ
حجة الوداع.. خطب وإرشاد : رسالة مختصرة تستعرض خطب النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وكلماته في حجة الوداع... / جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1396 .
64 ص.    ISBN : 978 _ 964 _ 357 _ 604 _ 2
فهرستنويس بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
1. محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، پيامبر اسلام ، 53 قبل از هجرت ـ 11 ق. ـ ـ خطبه ها.
2. محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، پيامبر اسلام، 53 قبل از هجرت ـ 11 ق. ـ ـ حج.
3. حجة الوداع. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان: رسالة مختصرة تستعرض خطب النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكلماته في حجة الوداع.... ج. عنوان.
3 ح 2 س / 2 / 142 BP    215 / 297
1396
اسم الكتاب:    حجة الوداع.. خطب وإرشاد
المؤلف :    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة وتاريخ الطبع :    الأُولى ـ 1396 ش / 1439 هـ / 2017 م
المطبعة :    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع وعدد الصفحات:    رقعي، 64 صفحة
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 977    تسلسل الطبعة الأُولى: 466
كل حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
توزيع: مكتبة التوحيد / ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
هاتف: 37745457 ـ 32925152
http://www.Tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأشرف رسله الّذي ختم به النبوة والرسالة كما ختم بكتابه الكتب السماوية فهو خاتم الأنبياء وكتابه خاتم الكتب وشريعته خاتمة الشرائع، وعلى آله الطاهرين ومَن تبعهم بإحسان إلى قيام يوم الدين.
أمّا بعد فهذه رسالة مختصرة تستعرض خطب النبي وكلماته في حجة الوداع، والّتي يمكن أن نستنبط منها أُصول عقديّة وأحكام فقهية وحقائق تاريخية.
جعفر السبحانى

صفحه 8

صفحه 9
تهيّؤ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لحجّة الوداع   

تمهيد

تهيّؤ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لحجّة الوداع

في السنة العاشرة للهجرة عزم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على أن يحج بيت الله الحرام، فخرج لخمس بقين من ذي القعدة ووصل مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة.(1)
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد حرّض المسلمين على الحج وقال: «من أراد الحج فليتعجّل، فإنّه قد يمرض المريض، وتضلّ الضالّة، وتعرض الحاجة»(2).
وبعد أن أمر الله تعالى نبيه بالأذان والإعلان للحج، أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)المؤذنين أن يؤذنّوا بذلك بين المسلمين، وكتب إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)وجنده، وإلى أبي موسى الأشعري وأتباعه في اليمن أن يلتحقوا به (صلى الله عليه وآله وسلم)في مكة المكرّمة.

1 . السيرة النبويّة لابن هشام: 4 / 248 .
2 . مسند أحمد بن حنبل: 1 / 458 ; سنن ابن ماجة: 2 / 962 ; المعجم الكبير للطبراني: 18 / 296 ; السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 463.

صفحه 10
والظاهر أنّ أوّل هذا الإخبار والإعلام كان في أوائل ذي القعدة الحرام، فقد قال ابن إسحاق: فلمّا دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذو القعدة تجهّز للحج، وأمر الناس بالجهاز له .(1)
وخرج النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة مغتسلاً متدهناً وخرجت معه نساؤه كلّهن، وتبعه جمّ غفير من المسلمين الذين حرصوا على مرافقته من المدينة ليتشرّفوا بصحبته .
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب فاجتمعوا، فحجّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون ويتبعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه ».(2)
وروي عن جابر بن عبدالله الانصاري أنّه قال: فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويعمل مثل عمله .(3)
وكان المسلمون يتوقعون هذا السفر، ليتعلموا مناسك الحج ، فأي منسك أدّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو من الحج

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 248 .
2 . الكافي للكليني: 4 / 245 ; تهذيب الاحكام: 5 / 454 .
3 . صحيح مسلم: 2 / 724 ; المغازي للمقريزي: 2 / 1088 .

صفحه 11
الإبراهيمي، وما تركه فهو من أعمال الجاهلية الأُولى.
ويتجلى هذا التهيّؤ والانتظار في رغبتهم وشوقهم واجتماعهم العظيم حتّى سلكوا طريق مكة رجالاً وركباناً، طريقاً يقرب من ألف كيلومتر ذهاباً وإياباً .
وقد اختلف المؤرّخون والمحدّثون في عدد المسلمين آنذاك، فمنهم من قال: إنّهم كانوا مائة وعشرين ألفاً .(1)
وقال المقريزي في وصف خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في يوم عرفة: فإنّه شهد الخطبة نحواً من أربعين ألفاً.(2)
وقال الطبرسي: وبلغ من حج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من أهل المدينة وأهل الأطراف والأعراب سبعين ألف إنسان أو يزيدون.(3)
ثم إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد أن أتمّ الحج غادر مكة المكرّمة متوجّهاً إلى المدينة في الليلة الرابعة عشرة من ذي الحجة الحرام، فدخلها في الثالث والعشرين منه.
وخلال مسيرته هذه كانت له وقفات في العديد من

1 . تذكرة الخواص: 30 .
2 . إمتاع الأسماع: 2 / 112 .
3 . الإحتجاج: 1 / 134.

صفحه 12
الأماكن الّتي مرّ بها وشهدت له إلقاء الخطب الرائعة والتوجيهات التربوية والحضارية السامية، والإرشادات التعليمية حيث إنّه كان يجسد عملياً أهداف الحج الّتي أرادها الله تعالى من هذه الفريضة الإسلامية الهامّة.
وسوف نشير في هذه الرسالة بالإيعاز الموجز والإشارة العابرة إلى خطبه وكلماته الّتي ألقاها في هذه الرحلة التاريخية وننوه إلى ما تضمنته كل منها إلى مبادئ الإسلام وأُصوله ومقاصد الشريعة وأهدافها.
عدد خطبه (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع   

عدد خطبه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع

اختلف أصحاب السير والمؤرّخون في عدد الخطب الّتي ألقاها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجة الوداع.
فقد قال الحلبي في السيرة: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحجّ خمس خطب: الأُولى يوم السابع من ذي الحجّة بمكّة، والثانية يوم عرفة، والثالثة يوم النحر بمنى، والرابعة يوم القرّ (1)بمنى، والخامسة يوم النفر الأوّل بمنى أيضاً .(2)

1 . مراده من يوم القرّ اليوم الحادي عشر من ذي الحجّة.
2 . السيرة النبوية للحلبي: 3 / 333 .

صفحه 13
ويقول المقريزي : خطب (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّته ثلاث خطب: الأُولى قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكّة، والثانية يوم عرفة بعرفة حين زاغت الشمس على راحلته قبل الصلاة، والثالثة يوم النحر بمنى بعد الظهر على راحلته القصواء. وقيل: بل خطب الثانية ثاني يوم النحر.
ثم قال: وقال المحب الطبري: دلّت الأحاديث على أنّ الخطب في الحج خمسة; خطبة يوم السابع من ذي الحجّة، وخطبة يوم عرفة، وخطبة يوم النحر، وخطبة القرّ، وخطبة يوم النفر الأوّل.(1)
ومهما كان الحال فعلينا أن نورد ما ذكرته كتب التاريخ والحديث من خطبه وكلماته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد رتبناها حسب زمانها ومكانها، فكانت كما يلي:

1 . إمتاع الأسماع: 2 / 117 .

صفحه 14
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في اليوم السابع والثامن من ذي الحجّة   
1
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في اليوم السابع والثامن من ذي الحجّة
قال الواقدي في مغازيه: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكة .(1)
وقال الحاكم النيسابوري في مستدركه: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا كان قبل التروية بيوم خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم .(2)
كلماته (صلى الله عليه وآله وسلم)في يوم عرفة   
وجاء في صحيحة معاوية بن عمّار الطويلة عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «فلمّا كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس أن يغتسلوا ويهلّوا بالحجّ، وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ الّذي أنزل على نبيّه: (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ ـ أبيكم ـ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)(3) فخرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه مهلّين بالحجّ حتّى أتوا منى فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ثمّ غدا والناس معه» .(4)

1 . المغازي: 2 / 1100 .
2 . المستدرك على الصحيحين: 1 / 632; وجاء مثله في السيرة النبويّة لابن كثير: 4 / 337، وإمتاع الأسماع للمقريزي: 2/ 117 ـ 118، ونيل الأوطار للشوكاني: 3 / 307، والسيرة النبويّة للحلبي: 3 / 227 و 333 .
3 . آل عمران: 95 .   4 . الكافي: 4 / 246 ـ 247 .

صفحه 15
2
كلماته (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم عرفة
وردت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كلمات وأحاديث كثيرة خلال تواجده في يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) في عرفات نذكر منها :
1. جاء في التهذيب بسنده عن سعد بن عبدالله، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن محمّد بن سماعة الصيرفي، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «... إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقف بعرفات فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته، يقفون إلى جانبها، فنحاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس إنّه ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف، ولكن هذا كلّه موقف، وأشار بيده إلى الموقف وقال: هذا كلّه موقف، فتفرّق الناس، وفعل ذلك بالمزدلفة...».(1)
2. وفي صحيحة معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «ثمّ غدا (صلى الله عليه وآله وسلم)والناس معه وكانت قريش تفيض من

1 . تهذيب الأحكام: 5 / 180 ; من لا يحضره الفقيه: 2 / 464 .

صفحه 16
المزدلفة ـ وهي جَمْع(1) ـ ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله تعالى عليه: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللهَ)(2) يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق(عليهم السلام)في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم. فلمّا رأت قريش أنّ قبّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد مضت كأنّه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتّى انتهى إلى نمرة ـ وهي بطن عرنة بحيال الأراك ـ فضرب قبّته، وضرب أخبيتهم عندها، فلمّا زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ومعه قريش، وقد اغتسل وقطع التلبية حتّى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثمّ صلّى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ثمّ مضى إلى الموقف فوقف به، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جنبها فنحّاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس، ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف، ولكن هذا كلّه ـ وأومأ بيده إلى الموقف ـ فتفرّق الناس، وفعل مثل ذلك بمزدلفة، فوقف الناس حتّى وقع القرص ـ قرص الشمس ـ ثمّ

1 . وهو اسم آخر للمشعر.
2 . البقرة: 199.

صفحه 17
أفاض وأمر الناس بالدّعة حتّى انتهى إلى المزدلفة».(1)
3. وفي الكافي عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، مثله.(2)
4. وفي رواية جابر في صحيح مسلم: وأمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا تشكّ قريش إلاّ أنّه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى أتى عرفة، فوجد القبّة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها حتّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحّلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس... ثمّ أذّن ثمّ أقام فصلّى الظهر، ثمّ أقام فصلّى العصر ولم يصلِّ بينهما شيئاً، ثمّ ركب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه (2)واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتّى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتّى غاب القرص، وأردف أُسامة خلفه ودفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).(3)

1 . الكافي: 4 / 247 ; تهذيب الأحكام: 5 / 456 .   2 . الكافي: 4 / 463 .
2 . في النهاية: 1 / 333: جعل حبل المشاة بين يديه: أي طريقهم الّذي يسلكونه في الرمل. وقيل: أراد صفّهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيهاً بحبل الرمل.
3 . صحيح مسلم: 2 / 726 ; ونحوه في دعائم الإسلام: 1 / 319 .

صفحه 18
5. وروى الشيخ الطوسي عن جماعة، عن أبي المفضّل، عن عبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن حمّاد الخطيب المدائني قال: حدّثنا عثمان بن عبدالله بن عمرو بن عثمان قال: حدّثنا عبدالله بن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبدالله يقول: بينا النبيُّ بعرفات، وعليّ (عليه السلام)تجاهه، ونحن معه، إذ أومأ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى علي (عليه السلام)فقال: اُدن منّي يا عليُّ، فدنا منه، فقال: ضع خمسك ـ يعني كفّك ـ في كفّي، فأخذ بكفّه، فقال: يا عليّ خلقت أنا وأنت من شجرة، أنا أصلها، وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلّق بغصن من أغصانها أدخله الله الجنّة برحمته.(1)
6. روى الشيخ الطوسي بإسناده عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ألقى كلمة بعرفة، وإن كانت هذه الكلمة جاءت في خطبته المشهورة بالإجمال، لكن ننقلها تأكيداً وتكميلاً. ثمّ روى أيضاً رواية أُخرى تؤكّد أنّ هذه الكلمة أُلقيت بمنى: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضّل قال: أخبرنا أبو

1 . أمالي الطوسي: 611 ; عنه بحار الأنوار: 15 / 20 ح 31 و ج 65 / 69 ح 125 ; ورواه ابن المغازلي في المناقب: 90 و 297 ; وعنه في الطرائف: 111 ; ورواه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق: 42 / 64 ـ 66 .

صفحه 19
جعفر محمّد بن جرير الطبري قراءةً، وعليّ بن محمّد بن الحسن بن كاس النخعي ـ واللفظ له ـ قالا: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا الأودي الصوفي قال: حدّثنا حسن بن حسين ـ يعني العرني ـ قال: حدّثني يحيى بن يعلى، عن عبدالله بن موسى التيمي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع وركبتي تمسّ ركبته يقول: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، أما إن فعلتم لتعرفنّي في ناحية الصف ».(1)
وروى البيهقي بسند ذكره عن عبد الرحمن بن يعمر الدّيلي قال: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو بعرفات، فأتاه نفر من أصحابه فأمروا رجلاً فنادى: يا رسول الله كيف الحجّ، كيف الحجّ؟ قال: فأمر رجلاً فنادى: الحجّ يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فقد تمّ حجّه، أيّام منى ثلاثة: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)(2) ثمّ أردف رجلاً من خلفه فنادى بذلك .(3)

1 . أمالي الطوسي: 503 ; عنه بحار الأنوار: 32 / 294، ونحوه في ص 363 ; مجمع البيان: 9 / 72; تفسير فرات: 280 .
2 . البقرة: 203 .   3 . السنن الكبرى: 7 / 378 .

صفحه 20
خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم عرفة   
3
خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عرفة
في الضحى من اليوم التاسع استقرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في قبّته الّتي ضُرِبت له بنمرة قرب عرفات، وقد اغتسل وتهيّأ لأداء أعمال هذا اليوم، وبعد أن زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من خيمته وتوجّه ليخطب في الناس.
ففي صحيحة معاوية بن عمّار الطويلة عن الإمام الصادق (عليه السلام)بما يتعلّق بمناسك حج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وردت إشارة إلى هذه الخطبة، فقد قال (عليه السلام): فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم (ولم يذكر متن الخطبة).(1)
وقد وردت هذه الخطبة ـ مختصرة ـ في صحيح مسلم ومصادر أُخرى حسب رواية جابر الطويلة (2) .
إن هذه الخطبة هي المشهورة والمعروفة في كتب

1 . الكافي: 4 / 247; تهذيب الأحكام: 5 / 456 .
2 . صحيح مسلم: 2 / 726 ; سنن أبي داود: 294 ـ 296 ; سنن ابن ماجة: 2 / 1022; السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 14 ـ 19; المصنف لابن أبي شيبة: 4 / 423 ـ 426 .

صفحه 21
الفريقين، وفي عالم الأدب لها شأن عظيم، لجزالة ألفاظها، وعظم معانيها.
وقد وقع كلام بينهم في مكانها وزمانها، فهل ألقاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في عرفة أو منى؟ وفي أي يوم من أيام منى ؟
فبعضهم أوردها ولم يذكر في أيّ مكان تكلّم بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كابن شعبة الحرّاني في تحف العقول (1)، والجاحظ في البيان والتبيين (2)، وابن عبد ربّه الأندلسي في العقد
الفريد (2)، بل أوردوها بعنوان «خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع» .
وبعض آخر أوردها وذكر أنّها خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعرفة، كابن هشام في السيرة النبويّة، والنسائي في السنن الكبرى (3)، ومسلم في صحيحه كما ذكرناها، ولم يذكر له (صلى الله عليه وآله وسلم)خطبة بمنى.
وثالث أوردها وذكر أنّها خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أيّام منى، كالبخاري في صحيحه عن ابن عبّاس، قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . تحف العقول: 30 ـ 34 .   2 . البيان والتبيين: 228 .
2 . العقد الفريد: 4 / 57 ـ 58 .
3 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 250 ـ 252 ; السنن الكبرى: 2 / 421 .

صفحه 22
خطب الناس يوم النحر (1)، وهكذا البغوي في مصابيح السنّة (2)، ولم يذكر له (صلى الله عليه وآله وسلم)خطبة بعرفة.
وقد أوردها الهيثمي بطرق عديدة بعنوان «باب الخُطب في الحجّ» .(3)
وروى ابن كثير روايات في خطبته يوم العيد، وذكر الخطبة الشريفة الطبري أيضاً وابن الأثير .(4)
وفي كنز العمّال والطبقات الكبرى قد وردت الخطبة بروايات مختلفة.(5)
وروى ابن ماجة بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خطب في حجّة الوداع، وأُخرى بأنّه خطب بعرفات، وثالثة بأنّه خطب يوم النحر بين الجمرات .(6)
وفي بعض الروايات: نزلت هذه السورة (إِذَا جَاءَ نَصْرُ

1 . صحيح البخاري: 2 / 231 ; فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 4 / 2260 .
2 . مصابيح السنّة: 2 / 272 .
3 . مجمع الزوائد: 3 / 585 ـ 599 .
4 . البداية والنهاية: 3 / 185 ـ 189 ; تاريخ الأُممّ والملوك: 3 / 150 ـ 152 ; الكامل في التاريخ: 2 / 302 .
5 . كنز العمال: 5 / 286 ـ 297 ; الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 183 ـ 186 .
6 . سنن ابن ماجة: 2 / 1015 ـ 1016 .

صفحه 23
اللهِ وَ الْفَتْحُ)(1) على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في أوسط أيّام التشريق، فعرف أنّه الوداع، فركب راحلته العضباء فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس كلّ دم كان في الجاهلية فهو هدر .(2)
وأوردها ابن كثير مختصراً مرّة بعنوان خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعرفة ـ على رواية مسلم ـ وأُخرى بعنوان خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى برواية البخاري .(3)
وأورد الواقدي في المغازي بعض فقرات هذه الخطبة في ضمن خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بمكّة يوم الفتح (4). وكذلك المقريزي في إمتاع الأسماع .(5)
واعلم أنّ كلّ من ذكر متن الخطبة مطوّلاً أو مختصراً بعنوان أنّها خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع، أو بعنوان خطبته

1 . النصر: 1 .
2 . الخصال: 486 ; عنه بحار الأنوار: 74 / 118 .
3 . السيرة النبويّة لابن كثير: 4 / 387 ـ 392. وانظر أيضاً جمهرة خطب العرب: 1 / 155 ـ 158 الخطبة 13 ; وتاريخ اليعقوبي: 2 / 109 ـ 112 ; وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 126 ـ 128 ; والسيرة النبويّة للحلبي: 3 / 327 ; والسنن الكبرى : 7 / 17 و ج 8 / 111 ; ودلائل النبوّة للبيهقي: 5 / 441 ـ 442 ; وتفسير القمي: 1 / 171 ; وبحار الأنوار: 37 / 113 .
4 . المغازي: 2 / 836 .
5 . إمتاع الأسماع: 1 / 392 وج 2 / 111 ـ 112 .

صفحه 24
بعرفات، أو ذكرها بعنوان أنّها خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى يوم النحر، أو أوسط أيّام التشريق، فكلّها قريبة المفاد والمعنى.
والّذي يبدو جليّاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خطبها بعرفة، ونظراً لأهميتها وعظيم ما تضمنته من معان جليلة ومطالب هامّة فقد أعاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)محتوياتها وفقراتها في مناسبات ومواقف عديدة وأماكن أُخرى في يوم النحر أو اليوم الحادي عشر، فهي تُعد بحق خطبة كاملة وكلمة جامعة وأساساً متيناً لوحدة المسلمين وتبياناً لشؤون دينهم ودنياهم.
وهي وإن اختلفت المصادر الّتي ذكرتها في بعض ألفاظها، فإنّ هذا الاختلاف لا يضرّ بالمعنى والمفاد، وإليك بعض ما ورد فيها.
فبعد الحمد والثناء والاستعاذة والشهادة بالتوحيد والعبودية والرسالة قال (صلى الله عليه وآله وسلم):
أُوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثّكم على العمل بطاعته; وأستفتح الله بالذي هو خيرٌ.
أمّا بعدُ: أيّها الناس! اسمعوا منِّي ما أُبيِّنُ لكم، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا.

صفحه 25
أيُّها الناس! إنَّ دماءكم وأعراضكم عليكم حرامٌ إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلَّغت؟ اللّهُمَّ اشهد.
فمن كانت عندهُ أمانةٌ فليؤدّها إلى من ائتمنهُ عليها، وإنَّ ربا الجاهليَّة موضوع، وإنَّ أوَّل رباً أبدأُ به ربا العباس بن عبدالمطلب ; وإنَّ دماء الجاهليَّة موضوعةٌ، وإنَّ أوَّل دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، وإنَّ مآثر الجاهليَّة موضوعةٌ غير السدانة والسقاية، والعمدُ قود، وشبه العمد ما قُتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن ازداد فهو من الجاهلية .
أيُّها الناسُ! إنَّ الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنَّه قد رضي بأن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون من أعمالكم.
أيُّهَا النَّاسُ إنّما النَّسِيءُ زيادةٌ في الكُفر يضلُّ به الّذين كفروا يُحلّونه عاماً ويحرّمونهُ عاماً ليوطِئوا عدَّة ما حرَّمَ اللهُ وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماواتِ والأرضَ وَإْنَّ عدَّة الشُّهورِ عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب اللهِ يوم خلقَ السماوات والأرض منها أربعةٌ حُرمُ ثلاثةٌ متوالية وواحد فردٌ: ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرمُ ورجبٌ بين جمادى وشعبان ألا هل بلغتُ اللَّهم اشهد .
أيّها الناسُ إنّ لنسائكم عليكم حقّاً ولكم عليهنَّ حقاً حقّكم عليهنَّ أن لا يوطئن فرشكم ولا يُدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلاّ

صفحه 26
بإذنكم وأن لا يأتين بفاحشة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهنَّ وتهجروهن في المضاجع وتضربوهنّ ضرباً غير مبرح فإذا انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف أخذتموهنّ بأمانة اللهِ واستحللتم فروجهن بكتابِ اللهِ فاتَّقوا اللهَ في النساء واستوصوا بهنَّ خيراً.
أيّها الناس (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)(1) ولا يحلُّ لمؤمن مالُ أخيه إلاّ عن طيب نفس منهُ. ألا هل بلغت؟ اللّهُمَّ اشهد، فلا ترجعنَّ كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلُّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي. ألا هل بلغتُ؟ اللّهُمَّ اشهد.
أيُّها الناسُ! إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكُم واحدٌ، كلُّكم لآدم وآدم من تُراب(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)(2)، وليس لعربيٍّ على عجميٍّ فضلٌ إلاّ بالتقوى. ألا هل بلَّغتُ؟ قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهدُ الغائب.
أيُّها الناس إنَّ الله قد قسّم لكلّ وارث نصيبهُ من الميراث ولا يجوز لمورث وصيةُ أكثر من الثلث والولد للفراش وللعاهر الحجر من ادّعى إلى غير أبيه ومن تولّى غير مواليه فعليه لعنةُ الله والملائكة

1 . الحجرات: 10 .
2 . الحجرات: 13.

صفحه 27
والناس أجمعين ولا يقبل الله منهُ صرفاً ولا عدلاً والسلامُ عليكم ورحمةُ الله .
هذا هو متن الخطبة النبوية القدسية كما ورد في كتاب «تحف العقول».(1) والّذي يجب علينا هنا الإشارة إلى النقاط المهمّة فيها، وهي:
1. حمد الله وثناؤه والاستغفار والاستعاذة والشهادتان.
2. إيصاء عباد الله تعالى بتقواه والعمل بأوامره والتجنب عن معاصيه.
3. حثّ المسلمين على الاستماع لكلامه وفهمه.
4. حرمة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وأداء الأمانة.
5. تحريم الربا وإلغاء دماء (ثارات) الجاهلية، وإبطال مآثرها الرثة.
6. تثبيت بعض الأحكام والحدود والديات في الشريعة الإسلامية وإبلاغ الناس بها.
7. إبطال النسيء، والتذكير بحقوق النساء، والنهي عن الظلم في الوصية.

1 . تحف العقول: 30 ـ 34 .

صفحه 28
8. تثبيت مبدأ الأُخوّة الإسلامية .
9. إيجاب التمسّك بالثقلين.
10. إقرار مبدأ التفاضل بين المسلمين على أساس التقوى .
وبالإضافة إلى هذه الخطبة فقد ورد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد ألقى كلمة قصيرة حين غروب الشمس وهو بعرفات، وقد أجمعت كافّة المصادر الّتي روتها على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا عشيّة عرفة لأُمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فأوحى الله تعالى إليه: (1)أني قد فعلت، إلاّ ظُلم بعضهم بعضاً. (2)
كما وردت في بعض الكتب خطبة ألقاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعرفة في كرامة الحاجّ عند الله تعالى، ونحن نوردها تتميماً للفائدة. ويظهر من صدر هذه الخطبة أنّه ألقاها عشيّة عرفة بعدما وقف بالموقف، والحال أنّ خطبته الشهيرة ألقاها بعد الزوال ببطن عرنة، وهي مكان آخر بجنب عرفة.
ورد في دعائم الإسلام: عن عليّ (عليه السلام)أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا حجّ حجّة الوداع وقف بعرفة وأقبل على الناس بوجهه وقال: «مرحباً بوفد الله ـ ثلاث مرّات ـ الذين إن سألوا أُعطوا،

1 . وفي رواية أُخرى: فأجابه عزوجل.   2 . السنن الكبرى: 5 / 118 و 7 / 257.

صفحه 29
وتخلف نفقاتهم، ويجعل لهم في الآخرة بكلّ درهم ألف من الحسنات ـ ثمّ قال ـ : أيّها الناس ألا أُبشّركم؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إنّه إذا كانت هذه العشيّة باهى الله بأهل هذا الموقف الملائكة فيقول: يا ملائكتي أُنظروا إلى عبادي وإمائي أتوني من أطراف الأرض شعثاً غبراً هل تعلمون ما يسألون؟ فيقولون: ربّنا يسألونك المغفرة، فيقول: أُشهدكم أنّي قد غفرت لهم، فانصرفوا من موقفهم مغفوراً لهم ما سلف».(1)
وفي المستدرك عن القطب الراوندي في لبّ اللباب، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا كانت عشيّة عرفة يقول الله لملائكته: أُنظروا إلى عبادي وإمائي شعثاً غبراً جاءُوني من كلّ فجٍّ عميق لم يروا رحمتي ولا عذابي ـ يعني الجنّة والنار ـ أُشهدكم ملائكتي إنّي قد غفرت لهم الحاجّ وغير الحاجّ. فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاء من النار من يوم عرفة وليلتها».(2)
ثم إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أكثر من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى في عرفات، ولم يكتف بدعائه بل راح يحث المسلمين ويحضهم على الدعاء والذكر والإنابة إلى الله تعالى .

1 . دعائم الإسلام: 1 / 293 ; وعنه بحار الأنوار: 96 / 49 ; ومستدرك الوسائل: 8 / 36 ; ورواه الشجري في أماليه: 3 / 58 .
2 . مستدرك الوسائل: 10 / 32 .

صفحه 30
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم النحر   
4
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم النحر
عبّر بعض المصنّفين ـ منهم البخاري والنسائي ـ عن خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعرفة بخطبة يوم النحر. كما ذكر بعض المؤرخين خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى، ومفادها يقرب من خطبته بعرفة، ولكن نصّوا على أنّها خطبته بمنى.
من هؤلاء محمّد بن سعد في الطبقات، قال: أخبرنا عبدالوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى وإنّي لتحت جران ناقته، وهي تقصع بجرّتها، وإنّ لعابها ليسيل بين كتفيّ، فقال: «إنّ الله قسم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث فلا تجوز لوارث وصيّة، ألا وإنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، ألا ومن ادّعى إلى غير أبيه أو تولّى غير مواليه رغبةً عنهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
وقال أيضاً: أخبرنا سليمان بن عبدالرحمن الدمشقي،

صفحه 31
أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا هشام بن الغاز، أخبرني نافع، عن ابن عمر: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجّة الّتي حجّ، فقال للناس: «أيّ يوم هذا»؟ فقالوا: يوم النحر.
قال: «فأيّ بلد هذا»؟ قالوا: البلد الحرام. قال: «فأيّ شهر هذا»؟ قالوا: الشهر الحرام. فقال: «هذا يوم الحجّ الأكبر، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا الشهر في هذا اليوم». ثمّ قال: «هل بلّغت»؟ قالوا: نعم. فطفق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «اللّهمَّ اشهد». ثمّ ودّع الناس، فقالوا: هذه حجّة الوداع.
وروى ابن سعد مثله بسند آخر، فقال : أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدّثني أبو مالك الأشجعي، حدّثني نُبيط بن شريط الأشجعي، قال: إنّي لرديف أبي في حجّة الوداع إذ تكلّم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقمت على عجز الراحلة ووضعت رجلي على عاتقي أبي، قال: فسمعته يقول: «أيّ يوم أحرم»؟ قالوا: هذا اليوم. قال: «فأيّ شهر أحرم»؟ قالوا: هذا الشهر، قال: «فأيّ بلد أحرم»؟ قالوا: هذا البلد. قال: «فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، هل بلّغت»؟ قالوا: اللّهمَّ نعم. قال:

صفحه 32
«اللّهمَّ اشهد، اللّهمَّ اشهد، اللّهمَّ اشهد».
وقال أيضاً: أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، حدّثني أبي، عن أبي غادية ـ رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم العقبة، قال: «يا أيّها الناس إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلّغت»؟ قال: قلنا: نعم، قال: «اللّهمَّ اشهد، ألا لا ترجعنّ بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».
ثم إنّ ابن سعد قال: أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمّار، حدّثني الهرماس بن زياد الباهلي قال: كنت ردف أبي يوم الأضحى ونبيّ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب الناس على ناقته بمنى.
وقال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا عكرمة بن عمّار، أخبرنا الهرماس بن زياد قال: انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبي مُرْدفي وراءه على جمل له، وأنا صبيّ صغير، فرأيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب الناس على ناقته العَضْباء يوم الأضحى بمنى. (1)

1 . الطبقات الكبرى: 2 / 183 ـ 186; ونحوه في كنز العمّال: 5 / 291 ـ 297 .

صفحه 33
ولا يخفى أنّ مفادها نفس مفاد الخطبة الّتي ذكرناها سابقاً، واستظهرنا بأنّه أوردها بعرفة، ويمكن أن يكون قد أَلقاها مرّة ثانية بمنى.
وفي المصنّف لابن أبي شيبة بسندين عن مجاهد ومسروق أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)خطبهم يوم النحر.(1)
وفي السنن الكبرى للبيهقي عن رجلين من بني بَكر قالا : رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطبُ بين أوسط أيّام التشريق، ونحن عند راحلته وهي خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الّتي خطب بمنى .(2)
وقال أيضاً: أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفّار، حدّ ثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبدالله، وأخبرنا أبو نصر عمر بن عبدالعزيز بن عُمر بن قتادة النعمانيّ، أنبأ أبو عمرو إسماعيل بن نُجيد السُّلمي، أنبأ أبو مسلم إبراهيم بن عبدالله البصري، حدّ ثنا أبو عاصم، عن ربيعة بن عبدالرحمن بن حصن الغنويّ، حدّثتني سرّاءُ بنت نبهان ـ وكانت ربَّة بيت في الجاهلية ـ قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول في حجّة الوداع: «هل تدرون أيُّ يوم هذا؟». قال: وهو اليوم الّذي يدعون

1 . المصنّف لابن أبي شيبة: 4 / 339 .
2 . السنن الكبرى: 7 / 330 .

صفحه 34
يوم الرؤوس، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا أوسط أيّام التشريق، هل تدرون أيّ بلد هذا؟». قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا المَشْعَرُ الحرام». ثمّ قال: «إنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد هذا، ألا وإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا حتّى تلقوا ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليُبَلِّغْ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلّغتُ» فلمّا قدمنا المدينة لم يلبث إلاّ قليلاً حتّى مات (صلى الله عليه وآله وسلم). ثمّ قال: رواه محمّد بن بشّار عن أبي عاصم بهذا الإسناد وقال: قالت: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم الرؤوس .(1)
وفي مسند أحمد بن حنبل عن أبي نضرة قال: حدّثني من سمع خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في وسط أيّام التشريق فقال: «يا أيّها الناس! إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتقوى. أبلّغت»؟ قالوا: بلّغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى آخر الحديث .(2)

1 . السنن الكبرى: 7 / 330 .
2 . مسند أحمد بن حنبل: 9 / 127 ; نيل الأوطار: 5 / 82، باب الخطبة أوسط أيّام التشريق، ح 3 .

صفحه 35
وقد روى في دعائم الإسلام عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، عن الإمام عليّ (عليه السلام)قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب يوم النحر وهو يقول: «هذا يوم الثجّ والعجّ. والثجّ: ما تهريقون فيه من الدماء، فمن صدقت نيّته كانت أوّل قطرة له كفّارة لكلّ ذنب. والعجّ: الدعاء، فعجّوا إلى الله، فوالّذي نفس محمّد بيده لا ينصرف من هذا الموضع أحد إلاّ مغفوراً له إلاّ صاحب كبيرة مصرّاً عليها لا يحدِّث نفسه بالإقلاع عنها».(1)
ويُعتقد أنّ هذه الخطبة قد قالها (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى يوم النحر في حجّة الوداع، كما يدلّ على ذلك لفظة «هذا الموضع»، ولكن يحتمل أن يكون قد ألقاها يوم عيد الأضحى بالمدينة المنوّرة في عام من الأعوام، ومراده من «هذا الموضع» مصلّى العيد ومكان الخطبة ومجمع المسلمين، ولكن روايات البيهقي صريحة في أنّه أوردها بمنى يوم النحر في حجّة الوداع.
فقد روى البيهقي بسنده عن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم النحر فقال: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».

1 . دعائم الإسلام: 1 / 184; بحار الأنوار: 96 / 301 ; الجعفريات: 46.

صفحه 36
وفيه أيضاً بسنده عن الهرماس بن زياد قال: رأيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنا صبيّ أردفني أبي، يخطب الناس بمنى يوم الأضحى على راحلته.
وفيه أيضاً بسنده عن أبي أمامة سمعت أبا أمامة يقول: سمعت خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمنى يوم النحر.
وفيه أيضاً بسنده عن رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعليّ (عليه السلام)يُعَبّرُ عنه، والناس بين قائم وقاعد.(1)
وروى الصدوق بسنده عن أبي أمامة يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «أيّها الناس إنّه لا نبيّ بعدي، ولا أُمّة بعدكم، ألا فاعبدوا ربّكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجّوا بيت ربّكم، وأدّوا زكاة أموالكم طيّبة بها أنفسكم، وأطيعوا ولاة أمركم تدخلوا جنّة ربّكم».(2)
فهذه الرواية وإن لم تكن فيها دلالة على أنّ هذا الكلام صدر من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع، لكنّ الروايتين الأُخريين

1 . السنن الكبرى: 7 / 308 .
2 . الخصال: 322 .

صفحه 37
تدلاّن على ذلك، فإنّ أحمد بن حنبل في مسنده والحاكم في المستدرك قد زادا فيما روياه: يقول أبو أمامة: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب الناس في حجّة الوداع، وهو على الجدعاء واضع رجله في غراز الرحل يتطاول يقول: ألا تسمعون؟ فقال رجل من آخر القوم: ما تقول؟ قال: اعبدوا ربّكم، إلى آخر الحديث .(1)

1 . مسند أحمد بن حنبل: 8 / 274 ; المستدرك على الصحيحين: 1 / 547.

صفحه 38
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم)في مسجد الخيف   
5
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد الخيف
روى الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خطب الناس في مسجد الخيف فقال: «نَضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها من لم يسمعها، فربّ حامل فقه غيرُ فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمّة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم».
ثمّ قال: ورواه أيضاً عن حمّاد بن عثمان، عن أبان، عن ابن أبي يعفور مثله، وزاد فيه: «وهم يد على من سواهم». وذكر في حديثه أنّه خطب في حجّة الوداع بمنى في مسجد الخيف.(1)

1 . الكافي: 1 / 403 .

صفحه 39
ورواها الشيخ أبو عبدالله المفيد في الأمالي بسند آخر ذكره عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم منى فقال... إلى آخره .(1)
ورواها أيضاً الشيخ الصدوق عن محمّد بن موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا علي بن الحسين السعدآبادي قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن خالد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبدالله (عليه السلام). ورواها بسند آخر في الخصال (2)، وأيضاً وردت في جمهرة خطب العرب.(3)
ورواها ابن ماجة في السنن بسند ذكره عن جبير بن مُطعم (4)، أنّه قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالخيف من منى فقال: نضّر الله ـ إلى أن قال ـ : فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم. وأمّا صدر الحديث فقط، فقد ذكره في ضمن أحاديث متعدّدة .(5)
وقال الفيروزآبادي: رجع (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى منزله بالقرب من

1 . الأمالي للمفيد: 186 ; بحار الأنوار: 2 / 148 .
2 . الأمالي للصدوق: 431 ; الخصال: 149 .
3 . جمهرة خطب العرب: 1 / 151، خطبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالخيف، رقم 5 .
4 . سنن ابن ماجة: 2 / 1015 .
5 . سنن ابن ماجة: 1 / 84 ـ 85 .

صفحه 40
مسجد الخيف، وخطب خطبة بليغة، بلغ صوته إلى جميع أهل الخيام في خيامهم، وهذا من جملة المعجزات النبويّة.(1)
وفي سنن أبي داود بسنده عن عبدالرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ونحن بمنى ففتحت أسماعنا، حتّى كنّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلّمهم مناسكهم حتّى بلغ الجمار، فوضع إصبعيه السبّابتين، ثمّ قال: بحصى الخذف، ثمّ أمر المهاجرين فنزلوا في مقدّم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد، ثمّ نزل الناس بعد ذلك.(2)
وفي الكافي عن محمّد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن الحكم بن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكّة قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمّد (عليه السلام)قال: فذهبت معه إليه، فوجدناه قد ركب دابّته، فقال له سفيان: يا أبا عبدالله حدّثنا بحديث خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في مسجد الخيف، قال: دعني حتّى أذهب في حاجتي فإنّي قد ركبت فإذا جئت حدّثتك، فقال: أسألك بقرابتك من

1 . سفر السعادة: 181 .
2 . سنن أبي داود: 303 ، ونحوه في الطبقات الكبرى: 2 / 185 .

صفحه 41
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا حدّثتني، قال: فنزل، فقال له سفيان: مُر لي بدواة وقرطاس حتّى أثبته، فدعا به، ثمّ قال: اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم. خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في مسجد الخيف: «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، وبلّغها من لم تبلغه، يا أيّها الناس ليبلّغ الشاهد الغائب، فربّ حامل فقه ليس بفقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمّة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم».
فكتبه سفيان ثمّ عرضه عليه، وركب أبو عبدالله (عليه السلام).(1)
وقد ذكر القمّي هذه الخطبة المباركة وزاد في آخرها: وصيّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في التمسّك بالثقلين (2)، وليس ببعيد; لأنّه قد أمر المسلمين بالتمسّك بالثقلين مرّات عديدة وفي مواطن شتّى.

1 . الكافي: 1 / 403 ; بحار الأنوار: 47 / 365 .
2 . تفسير القمي: 2 / 447; بحار الأنوار: 37 / 114 .

صفحه 42
خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عند الكعبة   
6
خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الكعبة
عندما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حجّته أتى مودِّعاً للكعبة الشريفة، فلزم حلقة الباب ونادى: أيّها الناس. فاجتمع من في المسجد الحرام ومن في السوق حوله، فخطب هذه الخطبة البليغة وذكر الفتن الّتي تحدث بعده والفساد الّذي يتعرّض له الناس في أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم، وتحقّق أشراط الساعة.
وجدير بالذكر أنّ لهذه الخطبة المباركة روايات متعدّدة مختلفة فيما بينها في بعض الألفاظ. ومشتركة في الأكثر. فقد روى السيوطي في الدرّ المنثور ذيل الآية الكريمة: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)(1) وقال: أخرج ابن مردويه، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: حجّ النبي حجّة الوداع ثمّ أخذ بحلقة باب الكعبة فقال: أيّها الناس ألا أخبركم بأشراط الساعة... إلى آخره .(2)

1 . محمّد: 18 .   2 . تفسير الدرّ المنثور: 7 / 412 .

صفحه 43
ورواها أيضاً محيي الدِّين ابن العربي في محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار مرسلاً عن عبدالله بن عبّاس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
وأمّا في كتب الشيعة الإماميّة فرويت في جامع الأخبار مرسلة عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال: حججت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حجّة الوداع، فلمّا قضى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ما افترض عليه من الحجّ أتى مودِّعاً الكعبة، فلزم حلقة الباب ونادى برفيع صوته: أيّها الناس. فاجتمع أهل المسجد وأهل السوق، فقال: اسمعوا إنّي قائل ما هو بعدي كائن.... إلى آخره .(2)
وجاء في تفسير القمي في ذيل الآية المباركة: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ)قال: حدّثني أبي، عن سليمان بن مسلم بن الخشّاب، عن عبدالله بن جريج المكّي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبدالله بن عبّاس قال: حججنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حجّة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة، ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال:
«ألا أُخبركم بأشراط الساعة»؟ وكان أدنى الناس منه يومئذ سلمان رحمة الله عليه، فقال: بلى يا رسول الله !

1 . لاحظ : محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار: 1 / 60 ـ 62 .
2 . جامع الأخبار: 395 ـ 397 ; بحار الأنوار: 52 / 262.

صفحه 44
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصلوات، واتّباع الشهوات، والميل إلى الأهواء، وتعظيم أصحاب المال، وبيع الدين بالدنيا، فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يُذاب الملح في الماء ممّا يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره».
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال: «إي والّذي نفسي بيده، يا سلمان!! إنّ عندها يليهم أُمراء جَوَرَة ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وأُمناء خونة».
فقال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إي والذي نفسي بيده يا سلمان! إنّ عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، ويؤتمن الخائن، ويخوّن الأمين، ويصدَّق الكاذب، ويكذَّب الصادق... إلى آخر الخطبة الشريفة».(1)
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم)في غدير خُم   

1 . تفسير القمي: 2 / 303 ـ 307، عنه بحار الأنوار: 6 / 305 ـ 309 ، وتفسير البرهان: 4 / 183 ذيل الآية الكريمة: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمّد : 18).

صفحه 45
7
خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خُم
بعد أن أتمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمون حجّهم وقضوا مناسكهم، خرجوا من مكة المكرمة في ضحى اليوم الرابع عشر من ذي الحجّة الحرام متوجهين إلى المدينة المنورة، وكان موكب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يسير نحو المدينة منزلاً بعد منزل ومرحلة بعد مرحلة، حتّى مضى اليوم الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر وفي ضحى اليوم الثامن عشر وحينما بلغ الموكب الشريف قريباً من الجحفة بغدير خمّ وقد ابتعد 185 كيلومتراً عن مكة، وقبل تفرّق الحجاج في مسيرهم وذهابهم إلى أوطانهم، نادى منادي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): الصلاة جامعة.
فارتج الحجاج من هذا النداء، إذ لم تكن هذه الساعة زمان نزول ولم يكن هذا المكان منزلاً وموقفاً للاستراحة، فتوقّف الموكب، فلحق من كان في آخر القافلة، ورجع من كان في مقدّمها، فاجتمعوا في الحرّ الشديد ليسمعوا الخبر الهامّ، حتّى وضع كثير منهم رداءه على رأسه من شدّة حرارة الشمس، ووضع البعض رداءه تحت قدميه اتّقاءً لِلَهيب الرمضاء.

صفحه 46
فصلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمسلمين صلاة الظهر، ثمّ صنعوا من أقتاب الإبل منبراً رفيعاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فصار الأُلوف من البشر آذاناً صاغية لكلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)ليسمعوا وليعوا كلام خطيب الله تعالى، فرقى المنبر وفتح فمه الطيّب وتكلّم بكلام بلّغ فيه المسلمين ما أمره الله تعالى بتبليغه.
ونحن نورد الخطبة الشريفة عن كتاب المناقب لابن المغازلي الشافعي بسند ذكره. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونؤمن به ونتوكّل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، الّذي لا هادي لمن أضلّ، ولا مضلَّ لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله.
أمّا بعد أيّها الناس! فإنّه لم يكن لنبيّ من العمر إلاّ نصف من (1) عمّر من قبله، وإنّ عيسى بن مريم (عليه السلام) لبث في قومه أربعين سنة، وإنّي قد أسرعت في العشرين، ألا وإنّي يوشك أن أُفارقكم، ألا وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فهل بلّغتكم؟ فماذا أنتم قائلون؟ فقام من كلّ ناحية من القوم مجيب يقولون: نشهد أنّك عبدالله ورسوله، قد بلّغت رسالته، وجاهدت في سبيله، وصدعت

1 . في العمدة: 105 وبحار الأنوار: 37 / 184: «ما» بدل «من».

صفحه 47
بأمره، وعبدته حتّى أتاك اليقين، جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيّاً عن أُمّته.
فقال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ الجنّة حقّ، وأنّ النار حقّ، وتؤمنون بالكتاب كلّه؟ قالوا: بلى، قال: فإنّي أشهد أن قد صدقتكم وصدّقتموني، ألا وإنّي فرطكم وإنّكم تبعي، توشكون أن تردوا عليَّ الحوض، فأسألكم حين تلقونني عن ثقليَّ كيف خلّفتموني فيهما»؟
قال: فأُعيل علينا (1) ما ندري ما الثقلان، حتّى قام رجل من المهاجرين وقال: بأبي وأُمّي أنت يا نبيّ الله ما الثقلان؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الأكبر منهما كتاب الله تعالى، سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم، فتمسّكوا به ولا تضلّوا، والأصغر منهما عترتي. من استقبل قبلتي وأجاب دعوتي، فلا تقتلوهم ولا تقهروهم ولا تقصروا عنهم، فإنّي قد سألت لهم اللطيف الخبير فأعطاني، ناصرهما لي ناصر، وخا ذلهما لي خا ذل، ووليّهما لي وليٌّ، وعدوّهما لي عدوٌّ.
ألا وإنّها لم تهلك أُمّة قبلكم حتّى تتديّن بأهوائها، وتظاهر على

1 . يقال: علت الضالّة أُعيل عيلاً وعيلاناً فأنا عائل: إذا لم تدر أيّ وجهة تبغيها; عن أبي زيد، وقال الأحمر: عالني الشيء يعيلني عيلاً ومعيلاً: إذا أعجزك، والمراد أي: عجزنا عن فهم الثقلين. الصحاح للجوهري: 5 / 1780، مادة «عيل».

صفحه 48
نبوّتها، وتقتل من قام بالقسط، ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)فرفعها ثمّ قال: مَنْ كنتُ مولاه فهذا مولاه، ومَنْ كنتُ وليّهُ فهذا وليّهُ، اَللّهمَّ والِ من والاهُ، وعادِ مَنْ عاداهُ». قالها ثلاثاً.(1)
ثمّ توّج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً (عليه السلام)بعمامته «السحاب» أمام جموع حاشدة من المؤمنين بيده الشريفة فسدل طرفها على منكبه ، وأمر المهاجرين والأنصار أن يسلِّموا على عليّ (عليه السلام)بإمرة المؤمنين ويهنّئونه بهذه الفضيلة العظيمة. فسلّم وجوه المسلمين (2) عليه بإمرة المؤمنين وهنّأوه.(3)

1 . المناقب لابن المغازلي: 16 ; عنه العمدة لابن البطريق: 104 ; وبحار الأنوار: 37 / 184. وانظر الأمالي للطوسي: 227 .
2 . أخرج الطبري في كتاب الولاية (214 ـ 216) حديثاً باسناده عن زيد بن أرقم، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال بعد خطبته تلك: معاشر الناس! قولوا: أعطيناك على ذلك عهداً، عن أنفسنا... إلى أن قال: قولوا ما قلت لكم، وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وقولوا: الحمد لله الّذي هدانا لهذا...
قال زيد بن أرقم: فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم سمعنا وأطعنا على أمر الله ورسوله بقلوبنا .
وكان أوّل من صافق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلياً: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وباقي المهاجرين والأنصار وباقي الناس إلى أن صلى الظهرين في وقت واحد وامتد ذلك إلى أن صلى العشائين في وقت واحد وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثاً.
3 . مسند أبي داود: 23 ; كنز العمال: 15 / 482 ; الرياض النضرة: 3 / 170; فرائد السمطين: 1 / 75 ; الفصول المهمة: 41; السيرة الحلبية: 3 / 341 .

صفحه 49
ومن يراجع أغلب المصادر التاريخية وكتب الحديث يجد أنّ هذه الخطبة قد احتلت العديد من الصفحات، وأبرزوا وجوهها المختلفة، ومن هؤلاء الطبري الّذي ألّف كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خمّ في مجلّدين ضخمين.(1)
وقال الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة: حُكي عن أبي المعالي الجويني الملقّب بإمام الحرمين أُستاذ أبي حامد الغزالي أنّه قال: رأيت مجلّداً في بغداد في يد صحّاف فيه روايات خبر غدير خمّ مكتوباً عليه المجلّدة الثامنة والعشرون من طرق قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فعليّ مولاه، ويتلوه المجلّدة التاسعة والعشرون .(2)
ومتن الخطبة الشريفة يختلف في الروايات الحاكية لها، وكلّها تشتمل على قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مخاطباً هذا الجمع العظيم: «ألست أولى بكم من أنفسكم»؟ قالوا: بلى، فأخذ بضبع عليّ بن أبي طالب ورفعها حتّى رُئيَ بياض إبطيهما، فقال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».

1 . البداية والنهاية: 11 / 157.
2 . ينابيع المودّة: 1 / 113 ـ 114 .

صفحه 50
وفي الاحتجاج وروضة الواعظين والعدد القويّة واليقين (1) ذكروا خطبة طويلة جدّاً للنبيّ العظيم في هذا المشهد العامّ، وبعض المؤلِّفين ذكر نصّاً متوسّطاً بين القصير والطويل لهذه الخطبة; كابن المغازلي (المتوفّى 483 هـ) في المناقب كما مرّ، وابن الأثير في أُسد الغابة(2)، والشيخ أحمد أبو الفضل بن محمّد باكثير المكّي الشافعي (المتوفّى 1047 هـ) في وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل (3)، والشيخ العاملي في ضياء العالمين عن كتاب الولاية للطبري المؤرِّخ (4)، والمتّقي الهندي في كنز العمّال(5)، والحمويني في فرائد السمطين (6)، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة (7)، وابن كثير في البداية

1 . الاحتجاج: 1 / 133 ـ 162; روضة الواعظين: 89 ـ 101 ; العدد القويّة: 169 ; اليقين: 343 ـ 361. وراجع ما نقله العلاّمة المجلسي عن واقعة الغدير في بحار الأنوار: 37 / 108 ـ 253.
2 . أُسد الغابة: 3 / 33 ـ 34 .
3 . وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل: 116 ـ 118 .
4 . قال ابن كثير في تاريخه (ج 11 / 146) في ترجمة الطبري: إني رأيت له كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين. انظر: الغدير للعلاّمة الأميني: 1 / 424 ـ 426 .
5 . كنز العمال: 13 / 104 ـ 105.
6 . فرائد السمطين: 1 / 62 ـ 78.
7 . الفصول المهمة: 40 .

صفحه 51
والنهاية(1)، وابن حجر في الصواعق المحرقة(2) ، والحلبي في
السيرة النبوية(3) ، والهيثمي في مجمع الزوائد(3)، والقرماني في أخبار الدول(5) ، وبعض المحدِّثين والرواة ذكروا فقط نقطة هامّة من هذه الخطبة; وهي قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فعليٌّ مولاه.
وبعد إيراد هذه الخطبة قال الشاعر الشهير حسّان بن ثابت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ائذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهنّ. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): قُل على بركة الله. فأنشد حسّان بن ثابت شعره المعروف:
يناديهمُ يوم الغدير نبيّهم *** بخمّ واسمع بالرّسول مناديا
فقال: فمن مولاكمُ ونبيّكم *** فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبيّنا *** ولم تلق منّا في الولاية عاصيا

1 . البداية والنهاية: 5 / 197 ـ 205 و ج 7 / 328 ـ 331.
2 . الصواعق المحرقة : 42 ـ 49.   3 . السيرة النبوية: 3 / 336 ـ 337.
3 . مجمع الزوائد: 9 / 259 .   5 . أخبار الدول: 102.

صفحه 52
فقال له قم يا عليّ فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعا: اللّهمّ والِ وليّه *** وكُن للّذي عادى عليّاً معاديا
وقد روى هذه الأبيات الستّة العلاّمة الأميني في كتابه الغدير (1) عن اثني عشر من علماء أهل السنّة وعن اثنين وعشرين من علماء الإمامية، ونقلها عن كتاب سليمان بن قيس الهلالي، والمولى محسن الفيض الكاشاني في «علم اليقين»(2) بزيادة أبيات أربعة، وقال بعد البيت الأوّل:
رواة حديث الغدير من الصحابة والتابعين والحفّاظ والمؤرّخين   
وقد جاء جبريل عن أمر ربّه *** بأنّك معصوم فلا تكُ وانيا
وبلّغهم ما أنزل الله ربّهم إليك *** ولا تخش هناك الأعاديا
فقام به إذ ذاك رافع كفّه *** بكفّ عليٍّ مُعلن الصوت عاليا

1 . الغدير: 2 / 65 .   2 . علم اليقين: 343 ـ 361 .

صفحه 53
وزاد بعد البيت السادس:
فياربّ انصر ناصريه لنصرهم *** إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا
ثمّ قال العلاّمة الأميني: والّذي يظهر للباحث أنّ حسّاناً أكمل هذه الأبيات بقصيدة ضمّنها نبذاً من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) .(1)

رواة حديث الغدير

وفي ختام حديثنا عن هذه الخطبة الهامّة ولكي نرفع ما قد يتسرب إلى نفوس البعض من الشكّ فيها، نذكر شيئاً عن رواتها من الصحابة والتابعين، وما أُلِّفَ في حديث الغدير، فنقول:

أوّلاً: مَن روى حديث الغدير من الصحابة

روى حديث الغدير من الصحابة مائة وعشرون صحابياً منهم:
1. أبو بكر بن أبي قحافة التيمي: (المتوفّى 13 هـ).

1 . الغدير: 2 / 73 .

صفحه 54
2. أبو هريرة الدوسي: (المتوفّى 57 أو 59 هـ) .
3. أبو ليلى الأنصاري: استُشهد بصفين مع الإمام علي (عليه السلام)سنة 37 هـ .
4. أبو زينب بن عوف الأنصاري.
5. أبو فضالة الأنصاري: بدري استشهد بصفين مع الإمام علي (عليه السلام).
6. أبو قدامة الأنصاري.
7. أبوعمرة بن عمرو بن محصّن الأنصاري.
8. أبو الهيثم بن التيِّهان استشهد بصفين مع الإمام علي (عليه السلام)سنة 37 هـ .
9. أبو رافع القبطيّ.
10. أبو ذؤيب خويلد ـ أو خالد ـ ابن خالد بن محرث الهذلي .

ثانياً: مَن رواه من التابعين

ورواه أيضاً اثنان وثمانون من التابعين، نذكر منهم :
1. أبو راشد الحبراني الشامي، اسمه اخضر، نعمان.
2. أبو سلمة عبدالله بن عبدالرحمن بن عوف الزهري

صفحه 55
المدني (المتوفّى 94 هـ).
3. أبو سليمان المؤذّن.
4. أبو صالح السمّان، ذكوان المدني (المتوفّى 101 هـ).
5. أبو عنفوانة المازني.
6. أبو عبدالرحيم الكندي.
7. أبو القاسم الأصبغ بن نُباتة التميمي، الكوفي.
8. أبو ليلى الكندي.
9. إياس بن نُذَير.
10. جميل بن عمارة.

ثالثاً: مَن روى حديث الغدير من الحفّاظ والمؤرّخين

وقد أيّده ورواه من العلماء وأعلام الحفاظ والمؤرخين ثلاثمائة وستون، نذكر منهم:
1 . الحافظ أبو عيسى الترمذي (المتوفّى 279هـ) .(1)
2 . الحافظ أبو جعفر الطحاوي (المتوفّى 279 هـ).(2)
3 . الحافظ ابن عبد البرّ القرطبي (المتوفّى 463 هـ).(3)

1. سنن الترمذي:5/591.
2 . مشكل الآثار:2/308.
3 . الاستيعاب:2/373.

صفحه 56
4 . الفقيه ابو الحسن بن المغازلي الشافعي (المتوفّى 483 هـ) .(1)
مَن روى حديث الغدير من الحفّاظ والمؤرّخين   
5 . حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (المتوفّى 505 هـ).(2)
6 . الحافظ أبو الفرج بن الجوزي الحنبليّ (المتوفّى 597 هـ).
7 . أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي (المتوفّى 654 هـ) .(3)
8 . ابن أبي الحديد المعتزلي (المتوفّى 655 هـ) .(4)
9 . الحافظ أبو عبدالله الكنجي الشافعي (المتوفّى 658 هـ).(5)
10 . الشيخ أبو المكارم علاء الدين السمناني (المتوفّى 736 هـ) .(6)
11 . شمس الدين الذهبي الشافعي (المتوفّى 748 هـ ).(7)

1 . مناقب علي بن أبي طالب: 27 برقم 39.
2 . سر العالمين: 21.
3 . تذكرة الخواص: 29 .
4 . شرح نهج البلاغة: 9 / 166 .
5 . كفاية الطالب: 60 ـ 61 .
6 . العروة لأهل الخلوة: 422 .
7 . تلخيص المستدرك: 3 / 613.

صفحه 57
12 . شمس الدين الجزري الشافعي (المتوفّى 833 هـ).(1)
13 . الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 هـ).(2)
14 . جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن صلاح الدين الحنفي .(2)
15 . نور الدين الهروي التازي الحنفي (المتوفّى 1014 هـ) .(3)
16 . زين الدين المناوي الشافعي (المتوفّى 1031 هـ) .(4)
17 . نور الدين الحلبي الشافعي (المتوفّى 1044 هـ) .(5)
18 . السيد محمد البرزنجي الشافعي (المتوفّى 1103 هـ) .(6)
19 . السيد ابن حمزة الحراني الدمشقي الحنفي (المتوفّى 1120 هـ) .(7)

1 . أسنى المطالب: 48 .   2 . فتح الباري: 7 / 74 .
2. المعتصر من المختصر:2/301.
3 . المرقاة في شرح المشكاة:10/464.
4 . فيض القدير: 6 / 218 .
5 . السيرة الحلبية: 3 / 274 .
6 . النواقض للروافض: الورقة 8 .
7 . البيان والتعريف: 3 / 75 .

صفحه 58
20 . ميرزا محمد البدخشي.(1)
21 . مفتي الشام العمادي الحنفي الدمشقي (المتوفّى 1171 هـ).(2)
22 . أبو العرفان الصبّان الشافعي (المتوفّى 1206 هـ) .(3)
23 . محمود الآلوسي البغدادي (المتوفّى 1270 هـ) .(4)
24 . الشيخ محمود الحوت البيروتي الشافعي (المتوفّى 1276 هـ) .(5)
25 . المولوي وليّ الله اللكهنوي .(6)
26 . الحافظ المعاصر شهاب الدين الغماري المغربي.(7)
27 . الشيخ عبد العزيز محمد بن الصدّيق المغربي.(8)
مَن ألّف في حديث الغدير   

1 . نزل الابرار: 54.
2 . الصلات الفاخرة: 49 .
3 . اسعاف الراغبين في هامش نور الابصار: 153 .
4 . روح المعاني: 6 / 195 .
5 . أسنى المطالب: 461 .
6 . مرآة المؤمنين في مناقب أهل بيت سيد المرسلين: 40.
7 . تشنيف الآذان: 77 .
8 . مجلة الموسم: 74، م 2 ـ 1990 م، مهرجان الغدير/ لندن.

صفحه 59

رابعاً: مَن ألّف في حديث الغدير

وإليك قائمة بأسماء بعض من ألّف في حديث الغدير واسم كتابه أو رسالته ـ ولا ندّعي هنا أنّنا سنذكر كل ما أُلّف بهذا الصدد لأنّ ذلك لا ولن يتوقف إن شاء الله تعالى ـ :
1 . أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، الآملي، (المتوفّى 310 هـ) له كتاب «الولاية في طرق حديث الغدير».
2 . أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، الحافظ المعروف بابن عقدة (المتوفّى 333 هـ) له «كتاب الولاية في طرق حديث الغدير».
3 . أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سالم التميمي، البغدادي، المعروف بالجُعابي (المتوفّى سنة 355 هـ) له كتاب «مَنْ روى حديث غدير خم».
4 . أبو طالب عبدالله بن أحمد بن زيد الانباري، الواسطي (المتوفّى 356 هـ) له كتاب «طرق حديث الغدير».
5 . أبو غالب أحمد بن محمد بن محمد الزّراري (المتوفّى 368 هـ) له جزء في خطبة الغدير.
6 . أبو المفضل محمد بن عبدالله بن المطّلب الشيباني

صفحه 60
(المتوفّى 372 هـ) له كتاب «مَنْ روى حديث غدير خم».
7 . الحافظ علي بن عمر الدارقطني، البغدادي (المتوفّى 385 هـ) قال الكنجي الشافعي في كفايته عند ذكر حديث الغدير: جمع الحافظ الدارقطني طرقه في جزء.
8 . الشيخ محسن بن الحسين بن أحمد النيسابوري، الخزاعي، له كتاب «حديث الغدير».
9 . علي بن عبدالرحمن بن عيسى بن عروة بن الجراح القناني (المتوفّى 413 هـ) له كتاب «طرق خبر الولاية».
10 . أبو عبدالله الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري (المتوفّى 411 هـ) له كتاب «يوم الغدير».
11 . الحافظ أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السجستاني (المتوفّى 477 هـ) له كتاب «الدراية في حديث الولاية».
12 . أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (المتوفّى 449 هـ) له كتاب «عدة البصير في حجج يوم الغدير».
13 . علي بن بلال بن معاوية بن أحمد المهلبي، له كتاب «حديث الغدير».

صفحه 61
14 . الشيخ منصور اللائي، الرازي، له كتاب «حديث الغدير».
15 . الشيخ علي بن الحسن الطاطري، الكوفي، صاحب كتاب «فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)» له «كتاب الولاية».
16 . أبو القاسم عبيدالله بن عبدالله الحسكاني، له كتاب «دعاة الهداة إلى اداء حق الموالاة»، يذكر فيه حديث الغدير.
17 . شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 748 هـ) له كتاب «طرق حديث الغدير».
18 . شمس الدين محمد بن الجزري، الدمشقي، المقري، الشافعي (المتوفّى 833 هـ) أفرد رسالة في «إثبات تواتر حديث الغدير».
19 . المولى عبدالله بن شاه منصور القزويني، الطوسي له: «الرسالة الغديرية ».
20 . السيد سبط الحسن الجايسي، الهندي، اللكهنوي، له كتاب «حديث الغدير» بلغة الأردو طبع في الهند.
21 . السيد مير حامد حسين ابن السيد محمد قلي الموسوي، الهندي، اللكهنوي (المتوفّى سنة 1306 هـ) ، ذكر حديث الغدير وطرقه وتواتره ومفاده في مجلّدين ضخمين في

صفحه 62
ألف وثمان صحائف. وهما من مجلّدات كتابه الكبير «العبقات».
22 . السيد مهدي ابن السيد علي الغريفي، البحراني، النجفي (المتوفّى 1343 هـ) له كتاب «حديث الولاية في حديث الغدير».
23 . الحاج الشيخ عباس بن محمد رضا القمي (المتوفّى 1359 هـ)، له كتاب «فيض القدير فيما يتعلّق بحديث الغدير».
24 . السيد مرتضى حسين الخطيب الفتحبوري، الهندي، له كتاب تفسير التكميل في آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)النازلة في واقعة الغدير.
25 . الشيخ محمد رضا ابن الشيخ طاهر آل فرج الله، النجفي، له كتاب «الغدير في الإسلام».
26 . العلاّمة الشيخ عبد الحسين بن أحمد الأميني النجفي (المتوفّى 1390 هـ)، له: «الغدير في الكتاب والسنة والأدب» في 11 جزءاً .(1)
***

1 . يعد هذا الكتاب موسوعة شاملة لكل ما يتعلّق بخطبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في غدير خم في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام عام حجة الوداع. وهو شامل لمناقشات تتعلّق بأسانيد الخطبة ودلالتها وما تثبته وتنفيه .

صفحه 63
هذا ما استطعنا أن نعرضه للقارئ الكريم من خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجة الوداع، عسى أن نكون قد ساهمنا في رسم صورة لما بذله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من جهود وتضحيات في سبيل إرشاد أُمتّه وتوضيح معالم الدين الإسلامي الحنيف لأجيال الأُمّة الإسلامية.
نسأل الله أن يوفّقنا للاستنان بسنّته وأن يرزقنا شفاعته في الآخرة وزيارته في الدنيا
والشكر لله وله الحمد على توفيقه للصالحات
جعفر السبحانى

صفحه 64

فهرس المحتويات

مقدّمة المؤلّف   …7
تمهيد: تهيّؤ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لحجّة الوداع    …9
عدد خطبه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع   …12
   1. خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في اليوم السابع والثامن من ذي الحجة   …14
   2. كلماته (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم عرفة   …15
   3. خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عرفة   …20
   4. خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم النحر   …30
   5. خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد الخيف   …38
   6. خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الكعبة   …42
   7. خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خُم   …45
في رواة حديث الغدير    …53
      مَن روى حديث الغدير من الصحابة   …53
      مَن رواه من التابعين   …54
      مَن روى حديث الغدير من الحفّاظ والمؤرّخين   …55
      مَن ألّف في حديث الغدير   …59
فهرس المحتويات   …64

صفحه 65