welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الشفاعة في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الشفاعة في الكتاب والسنّة

(1)

الشفاعة
في الكتاب والسنّة

تأليف

الشيخ جعفر السبحاني


(2)

تمهيد

يتّسم الدين الإسلامي في أبرز ما يتّسم به ، بأنّه دين الدنيا والآخرة ، ومن هنا يجب على المسلم أن يهتم بالجانبين ، فيعمل لآخرته كما يعمل لدنياه ، ويتزوّد من حياته الحاضرة لحياته الأبديّة المستقبلة كما قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الاْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا)(1)

ولهذا كان من الواجب على المسلم أن يعمل بالفرائض الدينية ، ويتجنّب المحرّمات الإلهية ، ويلتزم بقواعد الشرع الحنيف ، جهد إمكانه ، فيصلّي الخمس ، ويصوم شهر رمضان ، ويزكّي ماله ، ويحجّ بيت الله الحرام ، ويأمر بكل خير قَدِر عليه ، ويعتمد في تحصيل السعادة الأُخروية على العمل الصالح ، والطاعة لله تعالى ، كيف وقد نصّت الآيات القرآنية على أنّ كلّ امرئ مرهون بعمله ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر؟! كما نصّت الأحاديث الشريفة المأثورة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعترته الطاهرة وصرّحت بضرورة العمل والطاعة للحصول على النجاة والسعادة الأُخرويّتين . فقد روي أنّ الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ أمر بحضور جميع أقربائه قبيل وفاته ، ثمّ التفت إليهم وأكّد على أهمية الصلاة . وإليك الحديث بأكمله: روى أبو بصير عن أصحاب الإمام قال: دخلت على أُمّ حميدة (زوجة الإمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ ) أُعزِّيها بأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ فبكت وبكيت لبكائها ، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عند الموت لرأيت عجباً ، فتح عينيه ، ثم قال: «اجمعوا كلّ من بيني وبينه قرابة» .


(1) القصص : 77 .


(3)

قالت: فما تركنا أحداً إلاّ جمعناه ، فنظر إليهم ثم قال: «إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة»(1) . فليس للمسلم أن يعول على شيء إذا أهمل الواجبات وترك الفرائض ، أو استهان بها . نعم ، خلق الإنسان ضعيفاً ـ بحكم جبلته ـ محاصَراً بالشهوات ، محاطاً بالغرائز ، ولذلك ربما سها ولها ، وربّما بدرتْ منه معصية ، واستحوذ عليه الشيطان ، ووقع في شباكه وشراكه ، فعصى من حيث لا يريد ، وخالف من حيث لا يجب ، ثم تعرّض لضغط الوجدان ، ووخْزِ الضمير ، فهل له أن ييأس في هذه الحالة ويقنط ، وقد قال ربّ العزّة: ( لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ )(2)

كلاّ ليس له إلاّ الرجاء في رحمة الله ، والأمل في عفوه ولطفه ، وقد فتح الإسلام نوافذ الأمل والرجاء أمام العاصي النادم ، ليعود إلى ربه ، ويواصل مسيرة تكامله في ثقة وطمأنينة . ومن هذه النوافذ: التوبة والإنابة والاستغفار ، ومنها: الشفاعة للمذنبين ، الشفاعة التي تنالهم وفق معايير وردت في الكتاب والسنّة ، الشفاعة التي يبعث الأمل فيها بصيصاً من الرجاء في نفوس العصاة ، ويمنع من قنوطهم ويأسهم ، ويبعث فيهم روح العمل والنشاط . وهذا لا يعني تمهيد الطريق للعصاة ، لما للشفاعة من شروط وقيود ، بل هي عملية زرع الأمل ، والرجاء في النفوس ، مادام الأصل هو العمل


(1) الوسائل3: 71 . (2) يوسف : 87 .


(4)

والإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات . وتوضيحاً لهذه الحقيقة ، وتبييناً لهذا المفهوم القرآني الإسلامي أعددنا هذا الفصل ، آملين أن نلقي الضوء على إحدى السبل الإسلامية لمعالجة اليأس والقنوط الذي يصيب المذنبين ويقع الكلام في مباحث .


(5)

المبحث الأوّل
موقف علماء الإسلام من الشفاعة

أجمع علماء الأُمّة الإسلاميّة على أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أحد الشفعاء يوم القيامة مستدلّين على ذلك بقوله سبحانه: ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى )(1) والذي أُعْطي هوحقّ الشفاعة الذي يُرضيه، وبقوله سبحانه: ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(2)واتّفق المفسّرون على أنّ المقصود من المقام المحمود ، هو مقام الشفاعة . إنّ الشفاعة من المعارف القرآنية التي لا يصح لأحد من المسلمين إيجاد الخلاف والنقاش في أصلها ، وإن كان يمكن لهم الاختلاف في بعض فروعها ، فها نحن نورد آراء كبار علماء الإسلام ـ من القدامى والجدد ـ حتى يُعلَم موقفهم من هذا الأصل:

1 ـ أبو منصور الماتريدي السمرقندي (ت 333 هـ ) ، إمام أهل السنّة في المشرق الإسلامي ، قال بعد أن أورد قوله سبحانه: (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ)(3) ، وقوله تعالى: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى)(4) قال: إنّ الآية الأُولى وإن كانت تنفي الشفاعة ، ولكن هنا شفاعة مقبولة في الإسلام وهي التي تشير إليها هذه


(1) الضحى : 5 . (2) الإسراء : 79 . (3) البقرة : 48 . (4) الأنبياء : 28 .


(6)

الآية(1) .

2 ـ تاج الإسلام أبوبكر الكلاباذي (ت 380 هـ ) قال: إنّ العلماء قد أجمعوا على أنّ الإقرار بجملة ما ذكر الله سبحانه وجاءت به الروايات عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الشفاعة واجب ، لقوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)(2)ولقوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(3) وقوله: وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى)(4) . وقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي»(5) .

3 ـ الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) قال: اتّفقت الإماميّة على أنّ رسول الله يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمّته ، وإنّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته ، وإنّ أئمة آل محمد: كذلك ، وينجي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين(6) . وقال في موضع آخر: إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يشفع يوم القيامة في مذنبي أُمّته فيشفّعه الله عزّ وجلّ ، ويشفع أمير المؤمنين فيشفّعه الله عزّ وجلّ ، وتشفع الأئمة في مثل ما ذكرناه فيُشفّعهم الله ، ويشفع المؤمن البر لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته ، ويشفّعه الله . وعلى هذا القول إجماع الإمامية إلاّ من شذّ منهم ، وقد نطق به

القرآن ، وتظاهرت به الأخبار ، قال الله تعالى في الكفّار عند إخباره عن حسراتهم وعلى الفائت لهم ممّا


(1) تفسير الماتريدي المعروف بـ «تأويلات أهل السنّة»: ص 148 ، والمشار إليه هي الآية الثانية . (2) الضحى : 5 . (3) الإسراء : 79 . (4) الأنبياء : 28 . (5) التعرّف لمذهب أهل التصوّف: ص 54 ـ 55 تحقيق د . عبد الحليم محمود ، شيخ الأزهر الأسبق . (6) أوائل المقالات ، ص 15 .


(7)

حصل لأهل الإيمان: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ*وَلاَ صَدِيق حَمِيم)(1); وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ «إنّي أشفع يوم القيامة فأُشفّع ، ويشفع عليّ ـ عليه السلام ـ فيشفّع ، وإنّ أدنى المؤمنين شفاعة يشفع في أربعين من إخوانه»(2) .

4 ـ الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) قال: حقيقة الشفاعة عندنا أن يكون في إسقاط المضار دون زيادة المنافع ، والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فَيشفِّعه الله تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصراط لما روي من قوله ـ عليه السلام ـ : «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي ، والشفاعة ثبت عندنا للنبي ، وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين»(3) .

5 ـ الإمام أبو حفص النسفي (ت 538 هـ) قال: والشفاعة ثابتة للرسل والأخيار في حقّ الكبائر بالمستفيض من الأخبار(4) . وقد أيّد التفتازاني في «شرح العقائد النسفية» هذا الرأي وصدّقه دون أي تردّد أو توقّف(5) .

6 ـ الزمخشري (ت 538 هـ) قال في تفسير قوله تعالى: ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ)(6): كانت اليهود تزعم أنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فَأُويِسوا .


(1) الشعراء : 100 ـ 101 . (2) أوائل المقالات: ص 53 . (3) التبيان 1: 213 ـ 214 . (4) العقائد النسفية: ص 148 . (5) المصدر نفسه. (6) البقرة : 48 .


(8)

ثم أتى بكلام في حد الشفاعة وأنّها للمطيعين لا للعاصين ، وسنوافيك عن ذلك في فصل خاص(1) .

7 ـ القاضي عياض بن موسى (ت 544 هـ) قال: مذهب أهل السنّة هو جواز الشفاعة عقلا ووجودها سمعاً بصريح الآيات وبخبر الصادق ، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحّة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين ، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنّة عليها(2) .

8 ـ الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الاسكندري المالكي قال في كتابه

«الانتصاف فيما تضمّنه الكشاف من الاعتزال»: وأمّا من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها ، وأمّا من آمن بها وصدّقها وهم أهل السنّة والجماعة فأُولئك يرجون رحمةَ الله ، ومعتقدهم أنّها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادّخرت لهم ، وليس في الآية دليل لمنكريها; لأنّ قوله ( يوماً ) في قوله : (3)(وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) أخرجه منكراً . ولا شك أنّ في القيامة مواطن ، يومها معدود بخمسين ألف سنة . فبعض أوقاتها ليس زماناً للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود ، وفيه المقام المحمود لسيّد البشر ، عليه أفضل الصلاة والسلام . وقد وردت آيات كثيرة ترشد إلى تعدّد أيامها واختلاف أوقاتها ، منها قوله تعالى: (فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ)(4) ، مع قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ)(5) ، فيتعيّن حمل الآيتين على يومين مختلفين


(1) الكشاف 1: 314 ـ 315 . (2) صحيح مسلم بشرح النووي 3: 35 ، طـ دار إحياء التراث العربي . (3) البقرة : 48 . (4) المؤمنون : 101 . (5) الصافات : 27 .


(9)

ووقتين متغايرين ، أحدهما محل للتساؤل ، والآخر ليس له ، وكذلك الشفاعة ، وأدلّة ثبوتها لا تُحصى كثرة(1) .

9 ـ البيضاوي قال في تفسير قوله تعالى: ( وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ )(2) : ربّما تجعل الآية ذريعة على نفي الشفاعة لأهل الكبائر . وأُجيبوا بأنّها مخصوصة بالكفّار ، للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة . ويؤيده أنّ الخطاب هنا مع الكفّار ، والآية نزلت ردّاً لما كانت اليهود تزعم أنّ آباءهم تشفع لهم(3) .

10 ـ الفتال النيسابوري ـ من علماء القرن السادس الهجري ـ قال: لا خلاف بين المسلمين أنّ الشفاعة ثابتة مقتضاها إسقاط المضار والعقوبات(4) .

11 ـ الرصاص ـ من علماء القرن السادس الهجري ـ قال في كتابه

«مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم»: إنّ شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوم القيامة ثابتة قاطعة(5) .

12 ـ ابن تيمية الحرّاني الدمشقي (ت 728 هـ) قال: للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في يوم القيامة ثلاث شفاعات ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الشفاعة الثالثة فيشفع في من استحقّ النار وهذه الشفاعة له ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولسائر النبيّين والصدّيقين


(1) الانتصاف المطبوع بهامش الكشاف 1: 214 ، طـ 1367 هـ . (2) البقرة : 48 . (3) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1: 152 . (4) روضة الواعظين : 406 . (5) مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم المعروف بـ (ثلاثين مسألة) .


(10)

وغيرهم في من استحق النار أن لا يدخلها ويشفع في من دخلها(1) .

13 ـ ابن كثير الدمشقي (ت 773 هـ) قال في تفسير قوله سبحانه : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(2): هذا من عظمته وجلاله وكبريائه عزّ وجلّ أنّه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلاّ بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة عن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «آتي تحت العرش فأخرّ ساجداً ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال : ارفع رأسك وقل تسمع ، واشفع تشفع . قال: فيحدّ لي حدّاً فأدخلهم الجنّة»(3) .

14 ـ نظام الدين القوشجي (ت 879 هـ) قال في شرحه على

«تجريد الاعتقاد»: اتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة لقوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) وفسّر بالشفاعة(4) .

15 ـ المحقّق الدواني قال: الشفاعة لدفع العذاب ، ورفع الدرجات حق لمن أذن له الرحمن من الأنبياء ، والمؤمنين بعضهم لبعض ، لقوله تعالى: (يَوْمَئِذ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلا)(5) .

16 ـ الشعراني قال في المبحث السبعين: إنّ محمداً هو أوّل شافع يوم القيامة ، وأوّل مشفّع وأولاه فلا أحد يتقدّم عليه ، ثم نقل عن جلال الدين السيوطي: إنّ للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوم القيامة ثمان شفاعات ، وثالثها: فيمن استحقّ دخول النار أن يدخلها(6) .



(1) مجموعة الرسائل الكبرى 1: 403 ـ 404 . (2) البقرة : 255 . (3) تفسير ابن كثير1: 309 . والحديث مروي في صحيح البخاري في تفسير سورة الإسراء ، ج 6 ، لكن بلفظ آخر . (4) شرح التجريد: ص 501 ، ط 1307 هـ . (5) شرح العقائد العضدية: ص 207 ، ط مصر . (6) اليواقيت والجواهر2: 170 .


(11)

17 ـ العلاّمة المجلسي (ت 1110 هـ) قال: أمّا الشفاعة فاعلم أنّه لا خلاف فيها بين المسلمين بأنّها من ضروريات الدين وذلك بأنّ الرسول يشفع لأُمّته يوم القيامة ، بل للأُمم الأُخرى ، غير أنّ الخلاف إنّما هو في معنى الشفاعة وآثارها هل هي بمعنى الزيادة في المثوبات ، أو إسقاط العقوبة عن المذنبين ؟ والشيعة ذهبت إلى أنّ الشفاعة تنفع في إسقاط العقاب وإن كانت ذنوبهم من الكبائر ، ويعتقدون أيضاً بأنّ الشفاعة ليست منحصرة في النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والأئمة من بعده ، بل للصالحين أن يشفعوا بعد أن يأذن الله لهم بذلك(1) .

18 ـ محمد بن عبد الوهاب (1115 ـ 1206 هـ) قال: وثبتت الشفاعة لنبينا محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوم القيامة ولسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد ، ونسألها من المالك لها والآذن فيها بأن نقول: اللّهمّ شفِّعْ نبينا محمداً فينا يوم القيامة أو اللّهمّ شَفِّعْ فينا عبادك الصالحين ، أو ملائكتك ، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم ـ إلى أن قال: ـ إنّ الشفاعة حقّ في الآخرة ، ووجب على كلّ مسلم الإيمان بشفاعته ، بل وغيره من الشفعاء إلاّ أنّ رجاءها من الله ، فالمتعيّن على كل مسلم صرف وجهه إلى ربّه ، فإذا مات استشفع الله فيه نبيه(2) .

19 ـ السيد سابق قال: المقصود بالشفاعة سؤال الله الخير للناس في الآخرة . فهي نوع من أنواع الدعاء المستجاب ، ومنها الشفاعة الكبرى ، ولا تكون إلاّ لسيّدنا محمد رسول الله; فانّه يسأل الله سبحانه أن يقضي بين


(1) بحار الأنوار 8: 29 ـ 63 ; حق اليقين: ص 473 . (2) الهدية السنية ، الرسالة الثانية: ص 42 .


(12)

الخلق ليستريحوا من هول الموقف ، فيستجيب الله له فيغبطه الأوّلون والآخرون ، ويظهر بذلك فضله على العالمين وهو المقام المحمود الذي وعد الله به في قوله سبحانه: ( وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(1) . ثم نقل الآيات والروايات الخاصة بالشفاعة والمثبتة لها وقد ذكر بعض شروط قبولها(2) .

20 ـ الدكتور سليمان دنيا قال: والشفاعة لدفع العذاب ورفع الدرجات حقّ لمن أذن له الرحمن من الأنبياء:والمؤمنين بعضهم لبعض لقوله تعالى: (يَوْمَئِذ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلا)(3) وقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(4) (5).

21 ـ الشيخ محمد الفقي قال: وقد أعطى الله الشفاعة لنبيه ولسائر الأنبياء والمرسلين وعباده الصالحين وكثير من عباده المؤمنين; لأنّه وإن كانت الشفاعة كلّها لله كما قال: ( للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً)(6) إلاّ أنّه تعالى يجوز أن يتفضّل بها على من اجتباهم من خلقه واصطفاهم من عباده وكما يجوز أن يعطي من ملكه ما شاء لمن شاء ولا حرج(7) . هذا نزر من كثير ، وغيض من فيض أوردناه ليكون القارئ على بصيرة من موقف علماء الإسلام من هذه المسألة المهمة . والاستقصاء لكلمات المفسّرين والمحدّثين والمتكلّمين ، يدعونا إلى تأليف مفرد في خصوص


(1) الإسراء : 79 . (2) العقائد الإسلامية: ص 73 . (3) طه : 109 . (4) البقرة : 255 . (5) محمد عبده ، بين الفلاسفة والكلاميين2: 628 . (6) الزمر : 44 . (7) التوسل والزيارة في الشريعة المقدسة ، ص 206 ، ط . مصر .


(13)

هذا الفصل والغرض إراءة نماذج من كلماتهم . وهي نصوص وتصريحات لا تترك ريباً لمرتاب ، ولا شكاً لأحد بأنّ الشفاعة أصل من أُصول الإسلام نطق بها الكتاب الكريم ، وصرّحت بها السنّة النبوية والأحاديث المعتبرة من العترة الطاهرة ، وأنّ الاختلاف إنّما هو في معناها وبعض خصوصياتها وسنوافيك بالتفاصيل .


(14)

المبحث الثاني
الشفاعة في القرآن الكريم

وردت مادة الشفاعة في القرآن الكريم بصورها المتنوعة ثلاثين مرّة في سور شتّى ، ووقعت فيها مورداً للنفي تارة والإثبات أُخرى . هذا وينمّ كثرة ورودها والبحث حولها عن مدى اهتمام القرآن بهذا الأصل سواء في مجال النفي أو في مجال الإثبات . غير أنّ الاستنتاج الصحيح من الآيات يحتاج إلى جمع الآيات على صعيد واحد ، حتى يفسّر بعضها بعضاً ويكون البعض قرينة على الأُخرى . ومن الواضح أنّ الآيات المتعلّقة بالشفاعة على أصناف ، يرمي كلّ صنف إلى هدف خاص كالآتي:

1 ـ الصنف الأوّل: ما ينفي الشفاعة

وهوآية واحدة، يقول سبحانهوتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواأَنفِقُوامِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ)(1): إلاّ أنّ الآية اللاحقة لهذه الآية تصرّح بوجود الشفاعة عند الله سبحانه ، إلاّ أنّها مشروطة بإذنه: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(2) . قال العلاّمة الطباطبائي: «إنّ لوازم المخالّة إعانة أحد الخليلين الآخر في مهام أُموره ، فإذا كانت لغير وجه الله كان نتيجتها الإعانة على الشقوة الدائمة والعذاب الخالد كما قال تعالى بشأن الظالمين يوم القيامة : (يَا وَيْلَتِي


(1) البقرة : 254 . (2) البقرة : 255 .


(15)

لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي)(1) . أمّا الأخلاّء من المتقين فإنّ خُلَّتهم تتأكد وتنفعهم يومئذ . وفي الخبر النبوي: إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام وقلّت الأنساب وذهبت الإخوة إلاّ الإخوة في الله ، وذلك قوله: (الأَخِلاّءُ يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلاّ المتقين)(2) (3). وعلى ذلك ، فكما أنّ المنفيّ هو قسم خاص من المخالة دون مطلقها ، فهكذا الشفاعة ، فالمنفيّ بحكم السياق ، قسم خاص من الشفاعة . أضف إلى ذلك أنّ الظاهر هو نفي الشفاعة في حق الكفّار بدليل ما ورد في ذيل الآية ، حيث قال: (وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ) .

2 ـ الصنف الثاني: ما يفنّد عقيدة اليهود في الشفاعة

وهو الآيات التي خاطبت اليهودَ الذين كانوا يعتقدون بأنّ أنبياءهم وأسلافهم يشفعون لهم وينجُّوهم من العذاب سواء كانوا عاملين بشريعتهم أو عاصين ، وأنّ مجرد الانتماء والانتساب يكفيهم في ذلك المجال . يقول تعالى: ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ )(4) . إنّ وحدة السياق تقضي بأنّ الهدفَ من نفي قبول الشفاعة هو الشفاعة الخاطئة التي كانت تعتقدها اليهود في تلك الفترة من دون أن يشترطوا في الشفيع والمشفوع له شرطاً أو أمراً . ولا صلة لها بالشفاعة المحدودة


(1) الفرقان : 28 ـ 29 . (2) الزخرف : 67 . (3) تفسير الميزان 18 : 128 . (4) البقرة : 47 ـ 48 .


(16)

المأذونة .

3 ـ الصنف الثالث: ما ينفي شمولَ الشفاعة للكفّار

وهو الآيات التي يستشف منها نفي وجود الشفيع يوم القيامة للكفّار الذين انقطعت علاقتهم عن الله لأجل الكفر به وبرسله وكتبه ، كما انقطعت علاقتهم الروحية عن الشفعاء الصالحين لأجل انهماكهم في الفسق والأعمال السيّئة ، فانّه ما لم يكن بين الشفيع والمشفوع له ، ارتباطٌ روحي لا يقدر أو لا يقوم الشفيع على إنقاذه وتطهيره وتزكيته . يقول تعالى:(يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(1)ويقول تعالى أيضاً: ( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ* فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ* وَلاَ صَدِيق حَمِيم) ويقول أيضاً:(وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ* فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)(2) .

4 ـ الصنف الرابع: ما ينفي صلاحية الأصنام للشفاعة

وهذا الصنف يرمي إلى نفي صلاحية الأصنام للشفاعة ، وذلك لأنّ عرب الجاهلية كانت تعبد الأصنام لاعتقادها بشفاعتها عند الله ، وهذه الآيات هي: أ ـ ( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ )(3) .



(1) الأعراف : 53 . (2) المدثر : 46 ـ 48 . (3) الأنعام : 94 .


(17)

ب ـ ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الاَْرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )(1) . ج ـ ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ )(2) . د ـ ( أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَقُلْ أَوَلَوْكَانُوالاَيَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ)(3). هـ ـ ( أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ)(4) . والحاصل أنّ

القرآن مع أنّه فنّد العقائد الجاهلية وعقائد الوثنيين في باب الشفاعة ، وأبطل كون النظام السائد في الآخرة عين النظام السائد في الدنيا ، لم يُنكِر الشفاعة بالمرّة ، بل أثبتها لأوليائها ، في إطار خاص وبمعايير خاصة . وعلى ذلك فالآيات النافية نزلت بشأن تلك العقيدة السخيفة التي التزمت بها الوثنية وزعمت بموجبها وحدة النظامين ، وأنّ تقديم القرابين والصدقات إلى الأصنام والخشوع والبكاء لديهم ، يُصحِّح قيامهم بالشفاعة وأنّهم قادرون على ذلك بتفويض منه سبحانه إليهم ، بحيث صاروا مستقلين في الفعل والترك . والآيات المثبتة تشير إلى الشفاعة الصحيحة التي ليست لها حقيقةٌ سوى جريان فيضه سبحانه ومغفرته من طريق أوليائه إلى عباده بإذنه


(1) يونس : 18 . (2) الروم : 13 . (3) الزمر : 43 . (4) يس : 23 .


(18)

ومشيئته تحتَ شرائط خاصة .


(19)

5 ـ الصنف الخامس: يخصّ الشفاعة به سبحانه

وهذه الآيات تبيّن أنّ الشفاعة مختصّة بالله سبحانه لا يشاركه فيها غيره ، والآيات الكريمة هي: أ ـ ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )(1) . ب ـ ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ )(2) . ج ـ ( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِىّ وَلاَ شَفِيع أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ)(3) . د ـ (قُلْ للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(4) . وجدير بالذكر أنّ الله سبحانه لا يشفع لأحد عند أحد; فإنّه فوق كل شيء ، وذلّ كل شيء لديه ، وبذلك يُصبح معنى قوله سبحانه: (للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً)رفضاً لعقيدة المشركين التي أشار إليها سبحانه في آية سابقة ، أعني: (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ)(5) ، فيكون المراد أنّ كل شفاعة فانّها مملوكة لله فانّه المالك لكل شيء ومنه شفاعتهم ، فلا يشفع أحد إلاّ بإذنه . فهنا شفاعتان: إحداهما لله ، والأُخرى لعباده المأذونين . فما لله


(1) الأنعام : 51 . (2) الأنعام : 70 . (3) السجدة : 4 . (4) الزمر : 44 . (5) الزمر : 43 .


(20)

فمعناها: مالكيّته لكل شفاعة مأذونة بالأصالة لا أنّه سبحانه يشفع لأحد لدى أحد . وأما ما لعباده المأذونين ، فهي شفاعتهم لمن ارتضاه سبحانه: وسنوافيك توضيحه في الصنف السادس من الآيات .

6 ـ الصنف السادس: يثبت الشفاعة لغيره سبحانه بشروط

إنّ هذا الصنف من الآيات يصرّح بوجود شفيع غير الله سبحانه وأن شفاعته تقبل عند الله تعالى في إطار خاص وشرائط معيّنة في الشفيع والمشفوع له . وهذه الآيات وإن لم تتضمن أسماء الشفعاء ، أو أصناف المشفوع لهم ، إلاّ أنّها تحدّد كلاًّ منهما بحدود واردة في الآيات: أ ـ ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(1) . ب ـ ( مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)(2) . ج ـ ( لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً)(3) . والضمير في قوله ( لا يملكون ) يرجع إلى الآلهة التي كانت تعبد ، وأُشير إليه في قوله سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً* كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً)(4) . د ـ ( يَوْمَئِذ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلا )(5) . هـ ـ ( وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ)(6) . و ـ ( وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ


(1) البقرة : 255 . (2) يونس : 3 . (3) مريم : 87 . (4) مريم : 81 ـ 82 . (5) طه : 109 . (6) سبأ : 23 .


(21)

يَعْلَمُونَ )(1) . والضمير المتّصل في ( يدعون ) يرجع إلى الآلهة الكاذبة كالأصنام فهؤلاء لا يملكون الشفاعة إلاّ من شهد بالحق وهم يعلمون ، أي شهد بعبوديّة ربّه ووحدانيّته كالملائكة والمسيح . ويستفاد من هذه الآيات الأُمور التالية: 1 ـ إنّ هذه الآيات تصرّح بوجود شفعاء يوم القيامة يشفعون بشروط خاصة وإن لم تصرّح بأسمائهم وسائر خصوصياتهم . 2 ـ إنّ شفاعتهم مشروطة بإذنه سبحانه ، حيث يقول: (إلاّبإذنه) . 3 ـ يشترط في الشفيع أن يكون ممّن يشهد بالحق ، أي يشهد بالله سبحانه ووحدانيته وسائر صفاته . 4 ـ أن لا يظهر الشفيع كلاماً يبعث غضب الله سبحانه ، بل يقول قولا مرضياً عنده ، ويدلّ عليه قوله: ( وَرَضِىَ لَهُ قَوْلا ) . 5 ـ أن يعهد الله سبحانه له بالشفاعة كما يشير إليه قوله: ( إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ) . ثم إنّ هناك سؤالا يطرح في هذا المقام ، وهو كيف يصح الجمع بين هذا الصنف من الآيات التي تثبت الشفاعة لغيره سبحانه ، والصنف الخامس الذي يخصّها بالله سبحانه ؟

والجواب: أنّ مقتضى التوحيد في الأفعال ، وأنّه لا مؤثر في عالم الكون إلاّ الله سبحانه ، ولا يوجد في الكون مؤثر مستقل سواه ، وأنّ تأثير سائر العلل إنّما هو على وجه التبعية لإرادته سبحانه ومشيئته ، والاعتراف بمثل


(1) الزخرف : 86 .


(22)

العلل التابعة لا ينافي انحصار التأثير الاستقلالي في الله سبحانه ، ومن ليس له إلمامٌ بالمعارف القرآنية يواجه حيرة كبيرة تجاه طائفتين من الآيات ; إذ كيف يمكن أن تنحصر شؤون وأفعال ، كالشفاعة ، والمالكية ، والرازقية ، وتوفّي الأرواح ، والعلم بالغيب ، والإشفاء بالله سبحانه ، كما عليه أكثر الآيات القرآنية ، بينما تنسب هذه الأفعال في آيات أُخرى إلى غير الله من عباده . فكيف ينسجم هذا الانحصار مع هذه النسبة ؟ غير أن الملمّين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أنّ هذه الأُمور على وجه الاستقلال والأصالة قائمة بالله سبحانه ، مختصة به ، في حين أنّ هذه الأُمور تصدر من الغير على وجه التبعية وفي ظل القدرة الإلهية . وقد اجتمعت النسبتان في قوله تعالى: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى)(1) . فهذه الآية عندما تنسب الرمي بصراحة إلى النبي الأعظم ، تَسْلِبه عنه وتنسِبه إلى الله سبحانه ، ذلك لأنّ انتساب الفعل إلى الله (الذي منه وجود العبد وقوّته وقدرته) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد ، بحيث ينبغي أن يعتبر الفعلُ فعلا لله ، ولكن شدّة الانتساب لا تسلب المسؤولية عن العبد . وعلى ذلك فإذا كانت الشفاعة عبارة عن سريان الفيض الإلهي (أعني: طهارة العباد عن الذنوب وتخلّصهم عن شوائب المعاصي) على عباده ، فهي فعل مختصّ بالله سبحانه لا يقدر عليه أحد إلاّ بقدرته وإذنه . وبذلك تصح نسبتُه إلى الله سبحانه بالأصالة وإلى غيره بالتبيعة ، ولا منافاة بين النسبتين ، كالملكية ، فالله سبحانه مالك الملك والملكوت ، ملك السماوات والأرض بإيجاده وإبداعه ، ثم يملكه العبد منه بإذنه ولا منافاة في ذلك ، لأنّ الملكية الثانية على طول الملكية الأُولى . ونظيرها كتابة أعمال العباد ، فالكاتب هو


(1) الأنفال : 17 .


(23)

الله سبحانه ، حيث يقول: (وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ )(1) وفي الوقت نفسه ينسبها إلى رسله وملائكته ، ويقول: (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ )(2) . فإذا كانت الملائكة والأنبياء والأولياء مأذونين في الشفاعة; فلا مانع من أن تنسب إليهم الشفاعة ، كما تنسب إلى الله سبحانه ، غير أنّ أحدهما يملك هذا الحقّ بالأصالة والآخر يملكها بالتبعية .

الصنف السابع: يُسمّي من تقبل شفاعتُه

ويتضمّن هذا الصنف أسماء وخصوصيات من تُقْبل شفاعته يوم القيامة . وهذه الآيات هي: أ ـ ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ* لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ* يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ )(3) . وهذه الآيات تصرّح بأنّ الملائكة التي اتّخذها المشركون أولاداً لله سبحانه ، معصومون من كل ذنب لا يسبقون الله بالقول وهم بأمره يعملون ، ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضاه الله سبحانه ، وهم مشفقون من خشيته . ب ـ ( وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى)(4) . وهذه الآية كالآية السابقة تفيد كون الملائكة ممّن ترضى شفاعتهم بإذن الله سبحانه في حقّ من يشاء الله ويرضاه .


(1) النساء : 81 . (2) الزخرف : 80 . (3) الأنبياء : 26 ـ 28 . (4) النجم : 26 .


(24)

ج ـ ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا )(1) . وهذه الآية تعد حملة العرش ومن حوله ممّن يستغفرون للّذين آمنوا . والآية مطلقة;تشمل ظروف الدنياوالآخرة. وهل طلب المغفرة إلاّ الشفاعة في حقّ المؤمنين؟ هذه هي الأصناف السبعة من الآيات الواردة في الشفاعة . فهي غير نافية على وجه الإطلاق ، ولا مثبتة كذلك ، بل تثبتها تحت شروط خاصة وتصرّح بوجود شفعاء مأذونين ولا يذكر أسماءهم سوى الملائكة وذلك للمصلحة الكامنة في هذا الإبهام ، ولأجل أن يتميّز المقبول من المرفوض نورد خلاصة الآيات:

الشفاعات المرفوضة:

1 ـ الشفاعة التي كانت تعتقدها اليهود الذين رفضوا كل قيد وشرط في جانب الشافع والمشفوع له ، واعتقدوا أنّ الحياة الأُخروية كالحياة الدنيوية ، حيث يُمكن التخلّص من عذاب الله سبحانه بالفداء . وقد ردّ

القرآن في كثير من الآيات وقال: ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ)(2) وقد أوردنا هذا في الصنف الثاني من الأصناف السبعة المذكورة . 2 ـ الشفاعة في حقّ من قطعوا علاقاتهم الإيمانية مع الله سبحانه فلم يؤمنوا به أو بوحدانيته أو بقيامته ، أو أفسدوا في الأرض ، وظلموا عباده ، أو غير ذلك ممّا يوجب قطع رابطة العبد مع الله سبحانه حتى صاروا أوضح


(1) غافر : 7 . (2) البقرة : 48 .


(25)

مصداق لقوله سبحانه: ( نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ )(1) ، وقوله سبحانه: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى )(2) ، وقوله سبحانه: ( فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا)(3) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في حق المشركين والكافرين والظالمين والمفسدين ; وهؤلاء كما قطعوا علاقتهم الإيمانية مع الله سبحانه كذلك قطعوا صلاتهم المعنوية مع الشافع ، فلم تبق بينهم وبين الشافعين أيّه مشابهة تصحح شفاعتهم له . وقد ورد في الصنف الثالث من الأصناف السبعة المذكورة ما يوضح هذا الأمر . 3 ـ الأصنام التي كانت العرب تعبدها كذباً وزوراً ، وقد نفى

القرآن أن تكون هذه الأصنام قادرة على الدفاع عن نفسها فضلا عن الشفاعة في حقّ عبادها . (لمزيد من التوضيح راجع الصنف الرابع من الأصناف المذكورة) .

هذه هي الشفاعات المرفوضة في القرآن الكريم .

الشفاعات المقبولة :

أما الشفاعات المقبولة فهي: 1 ـ الشفاعة التي هي من حقّ الله سبحانه ، وليس للمخلوق أن ينازعه في هذا الحق أو يشاركه فيه (لاحظ الصنف الخامس من الأصناف السبعة) . 2 ـ شفاعة فئة خاصة من عباد الله سبحانه ، الذين تقبل شفاعتهم عند


(1) الحشر : 19 . (2) طه : 126 . (3) الأعراف : 51 .


(26)

الله بشروط خاصة ذكرت في الآيات الواردة في الصنف السادس وإن لم تُذكَر أسماؤهم وخصوصياتهم . 3 ـ شفاعة الملائكة وحملة العرش ومن حوله ، حيث يستغفرون للّذين آمنوا ، فهؤلاء يقبل استغفارهم الذي هو قسم من الشفاعة ، والفرق بين هذا وما تقدّم ، هو أنّه قد ذكرت أسماء الشفعاء وخصوصياتهم في هذه الآيات دون ما تقدمها . وبالوقوف على هذه الأصناف السبعة بإمكاننا تمييز الشفاعة المرفوضة عن المقبولة كما نصّ عليها القرآن الكريم .


(27)

المبحث الثالث
حقيقة الشفاعة

إنّ الشفاعة في القرآن الكريم على معان أو أقسام ثلاثة: أ ـ الشفاعة التكوينية . ب ـ الشفاعة القيادية . ج ـ الشفاعة المصطلحة .

أ ـ الشفاعة التكوينية

اتّفق الواعون من المسلمين على أنّه لا مؤثر مستقل في الوجود غيره سبحانه ، وأنّ غيره مفتقر في الوجود والتأثير إليه سبحانه ، ولأجل ذلك صار شعار القرآن في حق الإنسان وفي حق غيره قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ* إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْق جَدِيد* وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيز)(1) وقوله سبحانه: (وَاللهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ )(2) وقال سبحانه على لسان نبيّه الكريم موسى ـ عليه السلام ـ : (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ)(3) .



(1) فاطر : 15 ـ 17 . (2) محمد : 38 . (3) القصص : 24 .


(28)

فبما أنّ عالم الكون عالم إمكاني لا يملك من لدن ذاته وجوداً ولا كمالا ، بل كلّ ما يملك من وجود وكمال فقد أُفيض إليه من جانبه سبحانه فهو بحكم الإمكان موجود مفتقر في عامة شؤونه وتأثيره وعلّيته . ونظراً لتوقف تأثير كل ظاهرة كونيّة على إذنه سبحانه كما جاء في قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الاَْمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ )(1) فانّ الآية بعدما تصف اللهَ سبحانه بأنّه خالق السماوات والأرض في ستة أيام وأنّه استوى بعد ذلك على العرش ، وأنّه يدبر أمر الخلق ، تُعلِن بأنّ كل ما في الكون من العلل الطبيعية والظواهر المادية يؤثر بعضه في البعض بإذنه سبحانه ، وأنّه ليست هناك علّة مستقلة في التأثير ، بل كل ما في الكون من العلل ، ذاته وتأثيره ، قائمان به سبحانه وبإذنه ، فالمراد من الشفيع في الآية هو الأسباب والعلل المادية وغيرها ، الواقعة في طريق وجود الأشياء وتحقّقها وإنّما سمِّيت العلة شفيعاً; لأنّ تأثيرها يتوقف على إذنه سبحانه ، فهي (مشفوعةً إلى إذنه سبحانه) تؤثر وتعطي ما تعطي . وعلى ذلك تخرج الآية عن الدلالة على الشفاعة المصطلحة بين المفسّرين وعلماء الكلام ، وإنّما اخترنا هذا المعنى لوجود قرائن في نفس الآية ، فانّها تبحث في صدرها عن خلق السماوات والأرض وتحديد مدّة الخلق والإيجاد بستة أيام ، ثم ترجع الآية ، وتنص على سعة قدرته على جميع ما خلق وإحاطته بهم ، وأنّه بعدما خلق السماوات والأرض ، استوى على عرش القدرة وأخذ يدبّر العالم . وعند ذلك يتساءل القارئ: إذا كان الله جلّ وعلا هو المدبّر والمؤثّر فما حال سائر المدبّرات والمؤثّرات التي


(1) يونس : 3 .


(29)

يلمسها البشر في حياته ؟ فللإجابة على هذا السؤال قال سبحانه: ( مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) مصرِّحاً بأنّ كل تأثير وتدبير في سبب من الأسباب إنّما هو بإذنه ومشيئته ، ولولا إذنه ومشيئته لما قام السبب بالسببية ، ولا العلة بالعلية ، وهذه القرائن توجب حمل هذه الجملة على ما يجري في عالم الكون والوجود من التأثير والعلية ، وتفسيرها بالشفاعة التكوينية ، وأنّ كل ظاهرة مؤثرة كالشمس والقمر والنار والماء لا تؤثر إلاّ بالاستمداد من قدرته سبحانه والاعتماد على إذنه ومشيئته حتى يتم بذلك التوحيد في الخالقية والتدبير .

ب ـ الشفاعة القيادية

وهو قيام قيادة الأنبياء والأولياء والأئمة والعلماء والكتب السماوية مقام الشفيع والشفاعة في تخليص البشر من عواقب أعمالهم وآثار سيئاتهم . والفرق بين الشفاعة المصطلحة والشفاعة القيادية هو أنّ الشفاعة المصطَلحة توجب رفع العذاب عن العبد بعد استحقاقه له ، والشفاعة القيادية توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة حتى يستحق . والظاهر أنّ إطلاق الشفاعة على هذا القسم ليس إطلاقاً مجازياً ، بل إطلاق حقيقي . وقد شهد بذلك

القرآن والأخبار ، قال سبحانه: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(1) . والضمير المجرور في ( به ) يرجع إلى

القرآن(2) . ولا شك أنّ ظرف شفاعة هذه الأُمور إنّما هو الحياةُ الدنيويةُ ، فانّ


(1) الأنعام : 51 . (2) مجمع البيان 2: 304 .


(30)

تعاليم الأنبياء وقيادتهم الحُكمية وهداية

القرآن وغيره ، إنّما تتحقّق في هذه الحياة الدنيوية ، وإن كانت نتائجها تظهر في الحياة الأُخروية ، فمن عمل

بالقرآن وجعله أمامه في هذه الحياة; قاده إلى الجنّة في الحياة الأُخروية . ولأجل ذلك نرى أنّ النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يأمر الأُمّة بالتمسك

بالقرآن ويصفه بالشفاعة ويقول: «فإذا التَبَست عليكم الفتنُ كقطع الليل المظلم فعليكُم بالقرآن فإنّه شافعٌ مشفَّع وماحِل مصدَّق ، ومن جَعَلَه أمامَه قاده إلى الجنّة ، ومن جعله خلفَه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبرهان»(1) . فإنّ قوله: «ومن جعله أمامه» ، تفسير لقوله: «فإنّه شافع مشفَّع» . والحاصل: أنّ الشفاعة القيادية شفاعة بالمعنى اللغوي ، فإنّ المكلّفين بضمّ هداية

القرآن وتوجيهات الأنبياء والأئمة إلى إرادتهم وطلباتهم ، يفوزون بالسعادة ويصلون إلى أرقى المقامات في الحياة الأُخروية ويتخلّصون عن تبعات المعاصي ولوازمها . فالمكلّف وحده لا يصل إلى هذه المقامات ، ولا يتخلّص من تبعات المعاصي ، كما أنّ خطاب

القرآن والأنبياء وحده ـ من دون أن يكون هناك من يسمع قولهم ويلبّي نداءهم ـ لا يؤثر ما لم ينضم عمل المكلّف إلى هدايتهم ، وهدايتهم إلى عمل المكلّف فعندئذ تتحقّق هذه الغاية .

ج ـ الشفاعة المصطلحة

وحقيقة هذه الشفاعة تعني أن تصل رحمتهُ سبحانه ومغفرته وفيضه إلى عباده عن طريق أوليائه وصفوة عباده ، وليس هذا بأمر غريب; فكما أنّ


(1) الكليني الكافي 2: 238 .


(31)

الهداية الإلهية التي هي من فيوضه سبحانه ، تصل إلى عباده في هذه الدنيا عن طريق أنبيائه وكتبه ، فهكذا تصل مغفرته سبحانه وتعالى إلى المذنبين والعصاة يوم القيامة من عباده عن ذلك الطريق . ولا يبعد في أن يصل غفرانه سبحانه إلى عباده يوم القيامة عن طريق خِيرة عباده ، فإنّ الله سبحانه قد جعل دعاءهم في الحياة الدنيوية سبباً ، ونصّ بذلك في بعض آياته . فنرى أنّ أبناء يعقوب لمّا عادوا خاضعين ، رجعوا إلى أبيهم ، وقالوا له: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ )(1) فأجابهم يعقوب بقوله: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )(2) . ولم يقتصر الأمر على يعقوب فحسب ، بل كان النبي الأكرم  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ممّن يستجاب دعاؤه أيضاً في حق العصاة ، قال سبحانه : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً )(3) . وهذه الآيات ونظائرها ممّا لم نذكرها مثل قوله: ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ )(4) تدلّ على أنّ مغفرته سبحانه قد تصل إلى عباده بتوسيط واسطة كالأنبياء ، وقد تصل بلا توسيط واسطة ، كما يفصح عنه سبحانه بقوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً )(5) وقوله: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)(6) . إلى غير ذلك من


(1) يوسف : 97 . (2) يوسف : 98 . (3) النساء : 64 . (4) التوبة : 103 . (5) التحريم : 8 . (6) هود : 90 .


(32)

الآيات التي تكشف عن أنّ توبة العبد تجلب المغفرة بلا واسطة أحد وقد تصل بتوسيط واسطة هي من أعز عباده وأفضل خليقته وبريته . وتتضح هذه الحقيقة إذا وقفنا على أنّ الدعاء بقول مطلق ـ وبخاصة دعاء الصالحين ـ من المؤثرات الواقعة في سلسلة نظام العلة والمعلول ، ولا تنحصر العلة في العلل الواقعة في إطار الحس فإنّ في الكون مؤثرات خارجة عن إحساسنا وحواسنا ، بل قد تكون بعيدة حتى عن تفكيرنا ، يقول سبحانه: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً* وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً* وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً* فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً* فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً)(1) . فما المراد من هذه ( المدبّرات أمراً ) أهي مختصة بالمدبّرات الطبيعية المادية ، أو المراد هو الأعم منها ؟ فقد روي عن علي  ـ عليه السلام ـ تفسيرها بالملائكة الأقوياء الذين عهد الله إليهم تدبير الكون والحياة بإذنه سبحانه ، فكما أنّ هذه المدبّرات يجب الإيمان بها وإن لم تعلم كيفية تدبيرها وحقيقة تأثيرها ، فكذلك الدعاء يجب الإيمان بتأثيره في جلب المغفرة ، ودفع العذاب وإن لم تعلم كيفية تأثيره .


(1) النازعات : 1 ـ 5 .
Website Security Test