welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الشفاعة في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الشفاعة في الكتاب والسنّة

(1)

الشفاعة
في الكتاب والسنّة

تأليف

الشيخ جعفر السبحاني


(2)

تمهيد

يتّسم الدين الإسلامي في أبرز ما يتّسم به ، بأنّه دين الدنيا والآخرة ، ومن هنا يجب على المسلم أن يهتم بالجانبين ، فيعمل لآخرته كما يعمل لدنياه ، ويتزوّد من حياته الحاضرة لحياته الأبديّة المستقبلة كما قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الاْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا)(1)

ولهذا كان من الواجب على المسلم أن يعمل بالفرائض الدينية ، ويتجنّب المحرّمات الإلهية ، ويلتزم بقواعد الشرع الحنيف ، جهد إمكانه ، فيصلّي الخمس ، ويصوم شهر رمضان ، ويزكّي ماله ، ويحجّ بيت الله الحرام ، ويأمر بكل خير قَدِر عليه ، ويعتمد في تحصيل السعادة الأُخروية على العمل الصالح ، والطاعة لله تعالى ، كيف وقد نصّت الآيات القرآنية على أنّ كلّ امرئ مرهون بعمله ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر؟! كما نصّت الأحاديث الشريفة المأثورة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعترته الطاهرة وصرّحت بضرورة العمل والطاعة للحصول على النجاة والسعادة الأُخرويّتين . فقد روي أنّ الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ أمر بحضور جميع أقربائه قبيل وفاته ، ثمّ التفت إليهم وأكّد على أهمية الصلاة . وإليك الحديث بأكمله: روى أبو بصير عن أصحاب الإمام قال: دخلت على أُمّ حميدة (زوجة الإمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ ) أُعزِّيها بأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ فبكت وبكيت لبكائها ، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عند الموت لرأيت عجباً ، فتح عينيه ، ثم قال: «اجمعوا كلّ من بيني وبينه قرابة» .


(1) القصص : 77 .


(3)

قالت: فما تركنا أحداً إلاّ جمعناه ، فنظر إليهم ثم قال: «إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة»(1) . فليس للمسلم أن يعول على شيء إذا أهمل الواجبات وترك الفرائض ، أو استهان بها . نعم ، خلق الإنسان ضعيفاً ـ بحكم جبلته ـ محاصَراً بالشهوات ، محاطاً بالغرائز ، ولذلك ربما سها ولها ، وربّما بدرتْ منه معصية ، واستحوذ عليه الشيطان ، ووقع في شباكه وشراكه ، فعصى من حيث لا يريد ، وخالف من حيث لا يجب ، ثم تعرّض لضغط الوجدان ، ووخْزِ الضمير ، فهل له أن ييأس في هذه الحالة ويقنط ، وقد قال ربّ العزّة: ( لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ )(2)

كلاّ ليس له إلاّ الرجاء في رحمة الله ، والأمل في عفوه ولطفه ، وقد فتح الإسلام نوافذ الأمل والرجاء أمام العاصي النادم ، ليعود إلى ربه ، ويواصل مسيرة تكامله في ثقة وطمأنينة . ومن هذه النوافذ: التوبة والإنابة والاستغفار ، ومنها: الشفاعة للمذنبين ، الشفاعة التي تنالهم وفق معايير وردت في الكتاب والسنّة ، الشفاعة التي يبعث الأمل فيها بصيصاً من الرجاء في نفوس العصاة ، ويمنع من قنوطهم ويأسهم ، ويبعث فيهم روح العمل والنشاط . وهذا لا يعني تمهيد الطريق للعصاة ، لما للشفاعة من شروط وقيود ، بل هي عملية زرع الأمل ، والرجاء في النفوس ، مادام الأصل هو العمل


(1) الوسائل3: 71 . (2) يوسف : 87 .


(4)

والإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات . وتوضيحاً لهذه الحقيقة ، وتبييناً لهذا المفهوم القرآني الإسلامي أعددنا هذا الفصل ، آملين أن نلقي الضوء على إحدى السبل الإسلامية لمعالجة اليأس والقنوط الذي يصيب المذنبين ويقع الكلام في مباحث .


(5)

المبحث الأوّل
موقف علماء الإسلام من الشفاعة

أجمع علماء الأُمّة الإسلاميّة على أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أحد الشفعاء يوم القيامة مستدلّين على ذلك بقوله سبحانه: ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى )(1) والذي أُعْطي هوحقّ الشفاعة الذي يُرضيه، وبقوله سبحانه: ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(2)واتّفق المفسّرون على أنّ المقصود من المقام المحمود ، هو مقام الشفاعة . إنّ الشفاعة من المعارف القرآنية التي لا يصح لأحد من المسلمين إيجاد الخلاف والنقاش في أصلها ، وإن كان يمكن لهم الاختلاف في بعض فروعها ، فها نحن نورد آراء كبار علماء الإسلام ـ من القدامى والجدد ـ حتى يُعلَم موقفهم من هذا الأصل:

1 ـ أبو منصور الماتريدي السمرقندي (ت 333 هـ ) ، إمام أهل السنّة في المشرق الإسلامي ، قال بعد أن أورد قوله سبحانه: (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ)(3) ، وقوله تعالى: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى)(4) قال: إنّ الآية الأُولى وإن كانت تنفي الشفاعة ، ولكن هنا شفاعة مقبولة في الإسلام وهي التي تشير إليها هذه


(1) الضحى : 5 . (2) الإسراء : 79 . (3) البقرة : 48 . (4) الأنبياء : 28 .


(6)

الآية(1) .

2 ـ تاج الإسلام أبوبكر الكلاباذي (ت 380 هـ ) قال: إنّ العلماء قد أجمعوا على أنّ الإقرار بجملة ما ذكر الله سبحانه وجاءت به الروايات عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الشفاعة واجب ، لقوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)(2)ولقوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(3) وقوله: وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى)(4) . وقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي»(5) .

3 ـ الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) قال: اتّفقت الإماميّة على أنّ رسول الله يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمّته ، وإنّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته ، وإنّ أئمة آل محمد: كذلك ، وينجي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين(6) . وقال في موضع آخر: إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يشفع يوم القيامة في مذنبي أُمّته فيشفّعه الله عزّ وجلّ ، ويشفع أمير المؤمنين فيشفّعه الله عزّ وجلّ ، وتشفع الأئمة في مثل ما ذكرناه فيُشفّعهم الله ، ويشفع المؤمن البر لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته ، ويشفّعه الله . وعلى هذا القول إجماع الإمامية إلاّ من شذّ منهم ، وقد نطق به

القرآن ، وتظاهرت به الأخبار ، قال الله تعالى في الكفّار عند إخباره عن حسراتهم وعلى الفائت لهم ممّا


(1) تفسير الماتريدي المعروف بـ «تأويلات أهل السنّة»: ص 148 ، والمشار إليه هي الآية الثانية . (2) الضحى : 5 . (3) الإسراء : 79 . (4) الأنبياء : 28 . (5) التعرّف لمذهب أهل التصوّف: ص 54 ـ 55 تحقيق د . عبد الحليم محمود ، شيخ الأزهر الأسبق . (6) أوائل المقالات ، ص 15 .


(7)

حصل لأهل الإيمان: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ*وَلاَ صَدِيق حَمِيم)(1); وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ «إنّي أشفع يوم القيامة فأُشفّع ، ويشفع عليّ ـ عليه السلام ـ فيشفّع ، وإنّ أدنى المؤمنين شفاعة يشفع في أربعين من إخوانه»(2) .

4 ـ الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) قال: حقيقة الشفاعة عندنا أن يكون في إسقاط المضار دون زيادة المنافع ، والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فَيشفِّعه الله تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصراط لما روي من قوله ـ عليه السلام ـ : «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي ، والشفاعة ثبت عندنا للنبي ، وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين»(3) .

5 ـ الإمام أبو حفص النسفي (ت 538 هـ) قال: والشفاعة ثابتة للرسل والأخيار في حقّ الكبائر بالمستفيض من الأخبار(4) . وقد أيّد التفتازاني في «شرح العقائد النسفية» هذا الرأي وصدّقه دون أي تردّد أو توقّف(5) .

6 ـ الزمخشري (ت 538 هـ) قال في تفسير قوله تعالى: ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ)(6): كانت اليهود تزعم أنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فَأُويِسوا .


(1) الشعراء : 100 ـ 101 . (2) أوائل المقالات: ص 53 . (3) التبيان 1: 213 ـ 214 . (4) العقائد النسفية: ص 148 . (5) المصدر نفسه. (6) البقرة : 48 .


(8)

ثم أتى بكلام في حد الشفاعة وأنّها للمطيعين لا للعاصين ، وسنوافيك عن ذلك في فصل خاص(1) .

7 ـ القاضي عياض بن موسى (ت 544 هـ) قال: مذهب أهل السنّة هو جواز الشفاعة عقلا ووجودها سمعاً بصريح الآيات وبخبر الصادق ، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحّة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين ، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنّة عليها(2) .

8 ـ الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الاسكندري المالكي قال في كتابه

«الانتصاف فيما تضمّنه الكشاف من الاعتزال»: وأمّا من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها ، وأمّا من آمن بها وصدّقها وهم أهل السنّة والجماعة فأُولئك يرجون رحمةَ الله ، ومعتقدهم أنّها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادّخرت لهم ، وليس في الآية دليل لمنكريها; لأنّ قوله ( يوماً ) في قوله : (3)(وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) أخرجه منكراً . ولا شك أنّ في القيامة مواطن ، يومها معدود بخمسين ألف سنة . فبعض أوقاتها ليس زماناً للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود ، وفيه المقام المحمود لسيّد البشر ، عليه أفضل الصلاة والسلام . وقد وردت آيات كثيرة ترشد إلى تعدّد أيامها واختلاف أوقاتها ، منها قوله تعالى: (فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ)(4) ، مع قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ)(5) ، فيتعيّن حمل الآيتين على يومين مختلفين


(1) الكشاف 1: 314 ـ 315 . (2) صحيح مسلم بشرح النووي 3: 35 ، طـ دار إحياء التراث العربي . (3) البقرة : 48 . (4) المؤمنون : 101 . (5) الصافات : 27 .


(9)

ووقتين متغايرين ، أحدهما محل للتساؤل ، والآخر ليس له ، وكذلك الشفاعة ، وأدلّة ثبوتها لا تُحصى كثرة(1) .

9 ـ البيضاوي قال في تفسير قوله تعالى: ( وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ )(2) : ربّما تجعل الآية ذريعة على نفي الشفاعة لأهل الكبائر . وأُجيبوا بأنّها مخصوصة بالكفّار ، للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة . ويؤيده أنّ الخطاب هنا مع الكفّار ، والآية نزلت ردّاً لما كانت اليهود تزعم أنّ آباءهم تشفع لهم(3) .

10 ـ الفتال النيسابوري ـ من علماء القرن السادس الهجري ـ قال: لا خلاف بين المسلمين أنّ الشفاعة ثابتة مقتضاها إسقاط المضار والعقوبات(4) .

11 ـ الرصاص ـ من علماء القرن السادس الهجري ـ قال في كتابه

«مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم»: إنّ شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوم القيامة ثابتة قاطعة(5) .

12 ـ ابن تيمية الحرّاني الدمشقي (ت 728 هـ) قال: للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في يوم القيامة ثلاث شفاعات ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الشفاعة الثالثة فيشفع في من استحقّ النار وهذه الشفاعة له ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولسائر النبيّين والصدّيقين


(1) الانتصاف المطبوع بهامش الكشاف 1: 214 ، طـ 1367 هـ . (2) البقرة : 48 . (3) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1: 152 . (4) روضة الواعظين : 406 . (5) مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم المعروف بـ (ثلاثين مسألة) .


(10)

وغيرهم في من استحق النار أن لا يدخلها ويشفع في من دخلها(1) .

13 ـ ابن كثير الدمشقي (ت 773 هـ) قال في تفسير قوله سبحانه : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(2): هذا من عظمته وجلاله وكبريائه عزّ وجلّ أنّه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلاّ بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة عن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «آتي تحت العرش فأخرّ ساجداً ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال : ارفع رأسك وقل تسمع ، واشفع تشفع . قال: فيحدّ لي حدّاً فأدخلهم الجنّة»(3) .

14 ـ نظام الدين القوشجي (ت 879 هـ) قال في شرحه على

«تجريد الاعتقاد»: اتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة لقوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) وفسّر بالشفاعة(4) .

15 ـ المحقّق الدواني قال: الشفاعة لدفع العذاب ، ورفع الدرجات حق لمن أذن له الرحمن من الأنبياء ، والمؤمنين بعضهم لبعض ، لقوله تعالى: (يَوْمَئِذ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلا)(5) .

16 ـ الشعراني قال في المبحث السبعين: إنّ محمداً هو أوّل شافع يوم القيامة ، وأوّل مشفّع وأولاه فلا أحد يتقدّم عليه ، ثم نقل عن جلال الدين السيوطي: إنّ للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوم القيامة ثمان شفاعات ، وثالثها: فيمن استحقّ دخول النار أن يدخلها(6) .



(1) مجموعة الرسائل الكبرى 1: 403 ـ 404 . (2) البقرة : 255 . (3) تفسير ابن كثير1: 309 . والحديث مروي في صحيح البخاري في تفسير سورة الإسراء ، ج 6 ، لكن بلفظ آخر . (4) شرح التجريد: ص 501 ، ط 1307 هـ . (5) شرح العقائد العضدية: ص 207 ، ط مصر . (6) اليواقيت والجواهر2: 170 .


(11)

17 ـ العلاّمة المجلسي (ت 1110 هـ) قال: أمّا الشفاعة فاعلم أنّه لا خلاف فيها بين المسلمين بأنّها من ضروريات الدين وذلك بأنّ الرسول يشفع لأُمّته يوم القيامة ، بل للأُمم الأُخرى ، غير أنّ الخلاف إنّما هو في معنى الشفاعة وآثارها هل هي بمعنى الزيادة في المثوبات ، أو إسقاط العقوبة عن المذنبين ؟ والشيعة ذهبت إلى أنّ الشفاعة تنفع في إسقاط العقاب وإن كانت ذنوبهم من الكبائر ، ويعتقدون أيضاً بأنّ الشفاعة ليست منحصرة في النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والأئمة من بعده ، بل للصالحين أن يشفعوا بعد أن يأذن الله لهم بذلك(1) .

18 ـ محمد بن عبد الوهاب (1115 ـ 1206 هـ) قال: وثبتت الشفاعة لنبينا محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوم القيامة ولسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد ، ونسألها من المالك لها والآذن فيها بأن نقول: اللّهمّ شفِّعْ نبينا محمداً فينا يوم القيامة أو اللّهمّ شَفِّعْ فينا عبادك الصالحين ، أو ملائكتك ، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم ـ إلى أن قال: ـ إنّ الشفاعة حقّ في الآخرة ، ووجب على كلّ مسلم الإيمان بشفاعته ، بل وغيره من الشفعاء إلاّ أنّ رجاءها من الله ، فالمتعيّن على كل مسلم صرف وجهه إلى ربّه ، فإذا مات استشفع الله فيه نبيه(2) .

19 ـ السيد سابق قال: المقصود بالشفاعة سؤال الله الخير للناس في الآخرة . فهي نوع من أنواع الدعاء المستجاب ، ومنها الشفاعة الكبرى ، ولا تكون إلاّ لسيّدنا محمد رسول الله; فانّه يسأل الله سبحانه أن يقضي بين


(1) بحار الأنوار 8: 29 ـ 63 ; حق اليقين: ص 473 . (2) الهدية السنية ، الرسالة الثانية: ص 42 .


(12)

الخلق ليستريحوا من هول الموقف ، فيستجيب الله له فيغبطه الأوّلون والآخرون ، ويظهر بذلك فضله على العالمين وهو المقام المحمود الذي وعد الله به في قوله سبحانه: ( وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)(1) . ثم نقل الآيات والروايات الخاصة بالشفاعة والمثبتة لها وقد ذكر بعض شروط قبولها(2) .

20 ـ الدكتور سليمان دنيا قال: والشفاعة لدفع العذاب ورفع الدرجات حقّ لمن أذن له الرحمن من الأنبياء:والمؤمنين بعضهم لبعض لقوله تعالى: (يَوْمَئِذ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلا)(3) وقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(4) (5).

21 ـ الشيخ محمد الفقي قال: وقد أعطى الله الشفاعة لنبيه ولسائر الأنبياء والمرسلين وعباده الصالحين وكثير من عباده المؤمنين; لأنّه وإن كانت الشفاعة كلّها لله كما قال: ( للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً)(6) إلاّ أنّه تعالى يجوز أن يتفضّل بها على من اجتباهم من خلقه واصطفاهم من عباده وكما يجوز أن يعطي من ملكه ما شاء لمن شاء ولا حرج(7) . هذا نزر من كثير ، وغيض من فيض أوردناه ليكون القارئ على بصيرة من موقف علماء الإسلام من هذه المسألة المهمة . والاستقصاء لكلمات المفسّرين والمحدّثين والمتكلّمين ، يدعونا إلى تأليف مفرد في خصوص


(1) الإسراء : 79 . (2) العقائد الإسلامية: ص 73 . (3) طه : 109 . (4) البقرة : 255 . (5) محمد عبده ، بين الفلاسفة والكلاميين2: 628 . (6) الزمر : 44 . (7) التوسل والزيارة في الشريعة المقدسة ، ص 206 ، ط . مصر .


(13)

هذا الفصل والغرض إراءة نماذج من كلماتهم . وهي نصوص وتصريحات لا تترك ريباً لمرتاب ، ولا شكاً لأحد بأنّ الشفاعة أصل من أُصول الإسلام نطق بها الكتاب الكريم ، وصرّحت بها السنّة النبوية والأحاديث المعتبرة من العترة الطاهرة ، وأنّ الاختلاف إنّما هو في معناها وبعض خصوصياتها وسنوافيك بالتفاصيل .


(14)

المبحث الثاني
الشفاعة في القرآن الكريم

وردت مادة الشفاعة في القرآن الكريم بصورها المتنوعة ثلاثين مرّة في سور شتّى ، ووقعت فيها مورداً للنفي تارة والإثبات أُخرى . هذا وينمّ كثرة ورودها والبحث حولها عن مدى اهتمام القرآن بهذا الأصل سواء في مجال النفي أو في مجال الإثبات . غير أنّ الاستنتاج الصحيح من الآيات يحتاج إلى جمع الآيات على صعيد واحد ، حتى يفسّر بعضها بعضاً ويكون البعض قرينة على الأُخرى . ومن الواضح أنّ الآيات المتعلّقة بالشفاعة على أصناف ، يرمي كلّ صنف إلى هدف خاص كالآتي:

1 ـ الصنف الأوّل: ما ينفي الشفاعة

وهوآية واحدة، يقول سبحانهوتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواأَنفِقُوامِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ)(1): إلاّ أنّ الآية اللاحقة لهذه الآية تصرّح بوجود الشفاعة عند الله سبحانه ، إلاّ أنّها مشروطة بإذنه: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(2) . قال العلاّمة الطباطبائي: «إنّ لوازم المخالّة إعانة أحد الخليلين الآخر في مهام أُموره ، فإذا كانت لغير وجه الله كان نتيجتها الإعانة على الشقوة الدائمة والعذاب الخالد كما قال تعالى بشأن الظالمين يوم القيامة : (يَا وَيْلَتِي


(1) البقرة : 254 . (2) البقرة : 255 .


(15)

لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي)(1) . أمّا الأخلاّء من المتقين فإنّ خُلَّتهم تتأكد وتنفعهم يومئذ . وفي الخبر النبوي: إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام وقلّت الأنساب وذهبت الإخوة إلاّ الإخوة في الله ، وذلك قوله: (الأَخِلاّءُ يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلاّ المتقين)(2) (3). وعلى ذلك ، فكما أنّ المنفيّ هو قسم خاص من المخالة دون مطلقها ، فهكذا الشفاعة ، فالمنفيّ بحكم السياق ، قسم خاص من الشفاعة . أضف إلى ذلك أنّ الظاهر هو نفي الشفاعة في حق الكفّار بدليل ما ورد في ذيل الآية ، حيث قال: (وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ) .

2 ـ الصنف الثاني: ما يفنّد عقيدة اليهود في الشفاعة

وهو الآيات التي خاطبت اليهودَ الذين كانوا يعتقدون بأنّ أنبياءهم وأسلافهم يشفعون لهم وينجُّوهم من العذاب سواء كانوا عاملين بشريعتهم أو عاصين ، وأنّ مجرد الانتماء والانتساب يكفيهم في ذلك المجال . يقول تعالى: ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ )(4) . إنّ وحدة السياق تقضي بأنّ الهدفَ من نفي قبول الشفاعة هو الشفاعة الخاطئة التي كانت تعتقدها اليهود في تلك الفترة من دون أن يشترطوا في الشفيع والمشفوع له شرطاً أو أمراً . ولا صلة لها بالشفاعة المحدودة


(1) الفرقان : 28 ـ 29 . (2) الزخرف : 67 . (3) تفسير الميزان 18 : 128 . (4) البقرة : 47 ـ 48 .


(16)

المأذونة .

3 ـ الصنف الثالث: ما ينفي شمولَ الشفاعة للكفّار

وهو الآيات التي يستشف منها نفي وجود الشفيع يوم القيامة للكفّار الذين انقطعت علاقتهم عن الله لأجل الكفر به وبرسله وكتبه ، كما انقطعت علاقتهم الروحية عن الشفعاء الصالحين لأجل انهماكهم في الفسق والأعمال السيّئة ، فانّه ما لم يكن بين الشفيع والمشفوع له ، ارتباطٌ روحي لا يقدر أو لا يقوم الشفيع على إنقاذه وتطهيره وتزكيته . يقول تعالى:(يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(1)ويقول تعالى أيضاً: ( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ* فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ* وَلاَ صَدِيق حَمِيم) ويقول أيضاً:(وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ* فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)(2) .

4 ـ الصنف الرابع: ما ينفي صلاحية الأصنام للشفاعة

وهذا الصنف يرمي إلى نفي صلاحية الأصنام للشفاعة ، وذلك لأنّ عرب الجاهلية كانت تعبد الأصنام لاعتقادها بشفاعتها عند الله ، وهذه الآيات هي: أ ـ ( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ )(3) .



(1) الأعراف : 53 . (2) المدثر : 46 ـ 48 . (3) الأنعام : 94 .


(17)

ب ـ ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الاَْرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )(1) . ج ـ ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ )(2) . د ـ ( أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَقُلْ أَوَلَوْكَانُوالاَيَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ)(3). هـ ـ ( أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ)(4) . والحاصل أنّ

القرآن مع أنّه فنّد العقائد الجاهلية وعقائد الوثنيين في باب الشفاعة ، وأبطل كون النظام السائد في الآخرة عين النظام السائد في الدنيا ، لم يُنكِر الشفاعة بالمرّة ، بل أثبتها لأوليائها ، في إطار خاص وبمعايير خاصة . وعلى ذلك فالآيات النافية نزلت بشأن تلك العقيدة السخيفة التي التزمت بها الوثنية وزعمت بموجبها وحدة النظامين ، وأنّ تقديم القرابين والصدقات إلى الأصنام والخشوع والبكاء لديهم ، يُصحِّح قيامهم بالشفاعة وأنّهم قادرون على ذلك بتفويض منه سبحانه إليهم ، بحيث صاروا مستقلين في الفعل والترك . والآيات المثبتة تشير إلى الشفاعة الصحيحة التي ليست لها حقيقةٌ سوى جريان فيضه سبحانه ومغفرته من طريق أوليائه إلى عباده بإذنه


(1) يونس : 18 . (2) الروم : 13 . (3) الزمر : 43 . (4) يس : 23 .


(18)

ومشيئته تحتَ شرائط خاصة .


(19)

5 ـ الصنف الخامس: يخصّ الشفاعة به سبحانه

وهذه الآيات تبيّن أنّ الشفاعة مختصّة بالله سبحانه لا يشاركه فيها غيره ، والآيات الكريمة هي: أ ـ ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )(1) . ب ـ ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ )(2) . ج ـ ( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِىّ وَلاَ شَفِيع أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ)(3) . د ـ (قُلْ للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(4) . وجدير بالذكر أنّ الله سبحانه لا يشفع لأحد عند أحد; فإنّه فوق كل شيء ، وذلّ كل شيء لديه ، وبذلك يُصبح معنى قوله سبحانه: (للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً)رفضاً لعقيدة المشركين التي أشار إليها سبحانه في آية سابقة ، أعني: (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ)(5) ، فيكون المراد أنّ كل شفاعة فانّها مملوكة لله فانّه المالك لكل شيء ومنه شفاعتهم ، فلا يشفع أحد إلاّ بإذنه . فهنا شفاعتان: إحداهما لله ، والأُخرى لعباده المأذونين . فما لله


(1) الأنعام : 51 . (2) الأنعام : 70 . (3) السجدة : 4 . (4) الزمر : 44 . (5) الزمر : 43 .


(20)

فمعناها: مالكيّته لكل شفاعة مأذونة بالأصالة لا أنّه سبحانه يشفع لأحد لدى أحد . وأما ما لعباده المأذونين ، فهي شفاعتهم لمن ارتضاه سبحانه: وسنوافيك توضيحه في الصنف السادس من الآيات .

6 ـ الصنف السادس: يثبت الشفاعة لغيره سبحانه بشروط

إنّ هذا الصنف من الآيات يصرّح بوجود شفيع غير الله سبحانه وأن شفاعته تقبل عند الله تعالى في إطار خاص وشرائط معيّنة في الشفيع والمشفوع له . وهذه الآيات وإن لم تتضمن أسماء الشفعاء ، أو أصناف المشفوع لهم ، إلاّ أنّها تحدّد كلاًّ منهما بحدود واردة في الآيات: أ ـ ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(1) . ب ـ ( مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)(2) . ج ـ ( لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً)(3) . والضمير في قوله ( لا يملكون ) يرجع إلى الآلهة التي كانت تعبد ، وأُشير إليه في قوله سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً* كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً)(4) . د ـ ( يَوْمَئِذ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلا )(5) . هـ ـ ( وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ)(6) . و ـ ( وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ


(1) البقرة : 255 . (2) يونس : 3 . (3) مريم : 87 . (4) مريم : 81 ـ 82 . (5) طه : 109 . (6) سبأ : 23 .


(21)

يَعْلَمُونَ )(1) . والضمير المتّصل في ( يدعون ) يرجع إلى الآلهة الكاذبة كالأصنام فهؤلاء لا يملكون الشفاعة إلاّ من شهد بالحق وهم يعلمون ، أي شهد بعبوديّة ربّه ووحدانيّته كالملائكة والمسيح . ويستفاد من هذه الآيات الأُمور التالية: 1 ـ إنّ هذه الآيات تصرّح بوجود شفعاء يوم القيامة يشفعون بشروط خاصة وإن لم تصرّح بأسمائهم وسائر خصوصياتهم . 2 ـ إنّ شفاعتهم مشروطة بإذنه سبحانه ، حيث يقول: (إلاّبإذنه) . 3 ـ يشترط في الشفيع أن يكون ممّن يشهد بالحق ، أي يشهد بالله سبحانه ووحدانيته وسائر صفاته . 4 ـ أن لا يظهر الشفيع كلاماً يبعث غضب الله سبحانه ، بل يقول قولا مرضياً عنده ، ويدلّ عليه قوله: ( وَرَضِىَ لَهُ قَوْلا ) . 5 ـ أن يعهد الله سبحانه له بالشفاعة كما يشير إليه قوله: ( إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ) . ثم إنّ هناك سؤالا يطرح في هذا المقام ، وهو كيف يصح الجمع بين هذا الصنف من الآيات التي تثبت الشفاعة لغيره سبحانه ، والصنف الخامس الذي يخصّها بالله سبحانه ؟

والجواب: أنّ مقتضى التوحيد في الأفعال ، وأنّه لا مؤثر في عالم الكون إلاّ الله سبحانه ، ولا يوجد في الكون مؤثر مستقل سواه ، وأنّ تأثير سائر العلل إنّما هو على وجه التبعية لإرادته سبحانه ومشيئته ، والاعتراف بمثل


(1) الزخرف : 86 .


(22)

العلل التابعة لا ينافي انحصار التأثير الاستقلالي في الله سبحانه ، ومن ليس له إلمامٌ بالمعارف القرآنية يواجه حيرة كبيرة تجاه طائفتين من الآيات ; إذ كيف يمكن أن تنحصر شؤون وأفعال ، كالشفاعة ، والمالكية ، والرازقية ، وتوفّي الأرواح ، والعلم بالغيب ، والإشفاء بالله سبحانه ، كما عليه أكثر الآيات القرآنية ، بينما تنسب هذه الأفعال في آيات أُخرى إلى غير الله من عباده . فكيف ينسجم هذا الانحصار مع هذه النسبة ؟ غير أن الملمّين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أنّ هذه الأُمور على وجه الاستقلال والأصالة قائمة بالله سبحانه ، مختصة به ، في حين أنّ هذه الأُمور تصدر من الغير على وجه التبعية وفي ظل القدرة الإلهية . وقد اجتمعت النسبتان في قوله تعالى: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى)(1) . فهذه الآية عندما تنسب الرمي بصراحة إلى النبي الأعظم ، تَسْلِبه عنه وتنسِبه إلى الله سبحانه ، ذلك لأنّ انتساب الفعل إلى الله (الذي منه وجود العبد وقوّته وقدرته) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد ، بحيث ينبغي أن يعتبر الفعلُ فعلا لله ، ولكن شدّة الانتساب لا تسلب المسؤولية عن العبد . وعلى ذلك فإذا كانت الشفاعة عبارة عن سريان الفيض الإلهي (أعني: طهارة العباد عن الذنوب وتخلّصهم عن شوائب المعاصي) على عباده ، فهي فعل مختصّ بالله سبحانه لا يقدر عليه أحد إلاّ بقدرته وإذنه . وبذلك تصح نسبتُه إلى الله سبحانه بالأصالة وإلى غيره بالتبيعة ، ولا منافاة بين النسبتين ، كالملكية ، فالله سبحانه مالك الملك والملكوت ، ملك السماوات والأرض بإيجاده وإبداعه ، ثم يملكه العبد منه بإذنه ولا منافاة في ذلك ، لأنّ الملكية الثانية على طول الملكية الأُولى . ونظيرها كتابة أعمال العباد ، فالكاتب هو


(1) الأنفال : 17 .


(23)

الله سبحانه ، حيث يقول: (وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ )(1) وفي الوقت نفسه ينسبها إلى رسله وملائكته ، ويقول: (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ )(2) . فإذا كانت الملائكة والأنبياء والأولياء مأذونين في الشفاعة; فلا مانع من أن تنسب إليهم الشفاعة ، كما تنسب إلى الله سبحانه ، غير أنّ أحدهما يملك هذا الحقّ بالأصالة والآخر يملكها بالتبعية .

الصنف السابع: يُسمّي من تقبل شفاعتُه

ويتضمّن هذا الصنف أسماء وخصوصيات من تُقْبل شفاعته يوم القيامة . وهذه الآيات هي: أ ـ ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ* لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ* يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ )(3) . وهذه الآيات تصرّح بأنّ الملائكة التي اتّخذها المشركون أولاداً لله سبحانه ، معصومون من كل ذنب لا يسبقون الله بالقول وهم بأمره يعملون ، ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضاه الله سبحانه ، وهم مشفقون من خشيته . ب ـ ( وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى)(4) . وهذه الآية كالآية السابقة تفيد كون الملائكة ممّن ترضى شفاعتهم بإذن الله سبحانه في حقّ من يشاء الله ويرضاه .


(1) النساء : 81 . (2) الزخرف : 80 . (3) الأنبياء : 26 ـ 28 . (4) النجم : 26 .


(24)

ج ـ ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا )(1) . وهذه الآية تعد حملة العرش ومن حوله ممّن يستغفرون للّذين آمنوا . والآية مطلقة;تشمل ظروف الدنياوالآخرة. وهل طلب المغفرة إلاّ الشفاعة في حقّ المؤمنين؟ هذه هي الأصناف السبعة من الآيات الواردة في الشفاعة . فهي غير نافية على وجه الإطلاق ، ولا مثبتة كذلك ، بل تثبتها تحت شروط خاصة وتصرّح بوجود شفعاء مأذونين ولا يذكر أسماءهم سوى الملائكة وذلك للمصلحة الكامنة في هذا الإبهام ، ولأجل أن يتميّز المقبول من المرفوض نورد خلاصة الآيات:

الشفاعات المرفوضة:

1 ـ الشفاعة التي كانت تعتقدها اليهود الذين رفضوا كل قيد وشرط في جانب الشافع والمشفوع له ، واعتقدوا أنّ الحياة الأُخروية كالحياة الدنيوية ، حيث يُمكن التخلّص من عذاب الله سبحانه بالفداء . وقد ردّ

القرآن في كثير من الآيات وقال: ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ)(2) وقد أوردنا هذا في الصنف الثاني من الأصناف السبعة المذكورة . 2 ـ الشفاعة في حقّ من قطعوا علاقاتهم الإيمانية مع الله سبحانه فلم يؤمنوا به أو بوحدانيته أو بقيامته ، أو أفسدوا في الأرض ، وظلموا عباده ، أو غير ذلك ممّا يوجب قطع رابطة العبد مع الله سبحانه حتى صاروا أوضح


(1) غافر : 7 . (2) البقرة : 48 .


(25)

مصداق لقوله سبحانه: ( نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ )(1) ، وقوله سبحانه: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى )(2) ، وقوله سبحانه: ( فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا)(3) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في حق المشركين والكافرين والظالمين والمفسدين ; وهؤلاء كما قطعوا علاقتهم الإيمانية مع الله سبحانه كذلك قطعوا صلاتهم المعنوية مع الشافع ، فلم تبق بينهم وبين الشافعين أيّه مشابهة تصحح شفاعتهم له . وقد ورد في الصنف الثالث من الأصناف السبعة المذكورة ما يوضح هذا الأمر . 3 ـ الأصنام التي كانت العرب تعبدها كذباً وزوراً ، وقد نفى

القرآن أن تكون هذه الأصنام قادرة على الدفاع عن نفسها فضلا عن الشفاعة في حقّ عبادها . (لمزيد من التوضيح راجع الصنف الرابع من الأصناف المذكورة) .

هذه هي الشفاعات المرفوضة في القرآن الكريم .

الشفاعات المقبولة :

أما الشفاعات المقبولة فهي: 1 ـ الشفاعة التي هي من حقّ الله سبحانه ، وليس للمخلوق أن ينازعه في هذا الحق أو يشاركه فيه (لاحظ الصنف الخامس من الأصناف السبعة) . 2 ـ شفاعة فئة خاصة من عباد الله سبحانه ، الذين تقبل شفاعتهم عند


(1) الحشر : 19 . (2) طه : 126 . (3) الأعراف : 51 .


(26)

الله بشروط خاصة ذكرت في الآيات الواردة في الصنف السادس وإن لم تُذكَر أسماؤهم وخصوصياتهم . 3 ـ شفاعة الملائكة وحملة العرش ومن حوله ، حيث يستغفرون للّذين آمنوا ، فهؤلاء يقبل استغفارهم الذي هو قسم من الشفاعة ، والفرق بين هذا وما تقدّم ، هو أنّه قد ذكرت أسماء الشفعاء وخصوصياتهم في هذه الآيات دون ما تقدمها . وبالوقوف على هذه الأصناف السبعة بإمكاننا تمييز الشفاعة المرفوضة عن المقبولة كما نصّ عليها القرآن الكريم .


(27)

المبحث الثالث
حقيقة الشفاعة

إنّ الشفاعة في القرآن الكريم على معان أو أقسام ثلاثة: أ ـ الشفاعة التكوينية . ب ـ الشفاعة القيادية . ج ـ الشفاعة المصطلحة .

أ ـ الشفاعة التكوينية

اتّفق الواعون من المسلمين على أنّه لا مؤثر مستقل في الوجود غيره سبحانه ، وأنّ غيره مفتقر في الوجود والتأثير إليه سبحانه ، ولأجل ذلك صار شعار القرآن في حق الإنسان وفي حق غيره قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ* إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْق جَدِيد* وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيز)(1) وقوله سبحانه: (وَاللهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ )(2) وقال سبحانه على لسان نبيّه الكريم موسى ـ عليه السلام ـ : (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ)(3) .



(1) فاطر : 15 ـ 17 . (2) محمد : 38 . (3) القصص : 24 .


(28)

فبما أنّ عالم الكون عالم إمكاني لا يملك من لدن ذاته وجوداً ولا كمالا ، بل كلّ ما يملك من وجود وكمال فقد أُفيض إليه من جانبه سبحانه فهو بحكم الإمكان موجود مفتقر في عامة شؤونه وتأثيره وعلّيته . ونظراً لتوقف تأثير كل ظاهرة كونيّة على إذنه سبحانه كما جاء في قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الاَْمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ )(1) فانّ الآية بعدما تصف اللهَ سبحانه بأنّه خالق السماوات والأرض في ستة أيام وأنّه استوى بعد ذلك على العرش ، وأنّه يدبر أمر الخلق ، تُعلِن بأنّ كل ما في الكون من العلل الطبيعية والظواهر المادية يؤثر بعضه في البعض بإذنه سبحانه ، وأنّه ليست هناك علّة مستقلة في التأثير ، بل كل ما في الكون من العلل ، ذاته وتأثيره ، قائمان به سبحانه وبإذنه ، فالمراد من الشفيع في الآية هو الأسباب والعلل المادية وغيرها ، الواقعة في طريق وجود الأشياء وتحقّقها وإنّما سمِّيت العلة شفيعاً; لأنّ تأثيرها يتوقف على إذنه سبحانه ، فهي (مشفوعةً إلى إذنه سبحانه) تؤثر وتعطي ما تعطي . وعلى ذلك تخرج الآية عن الدلالة على الشفاعة المصطلحة بين المفسّرين وعلماء الكلام ، وإنّما اخترنا هذا المعنى لوجود قرائن في نفس الآية ، فانّها تبحث في صدرها عن خلق السماوات والأرض وتحديد مدّة الخلق والإيجاد بستة أيام ، ثم ترجع الآية ، وتنص على سعة قدرته على جميع ما خلق وإحاطته بهم ، وأنّه بعدما خلق السماوات والأرض ، استوى على عرش القدرة وأخذ يدبّر العالم . وعند ذلك يتساءل القارئ: إذا كان الله جلّ وعلا هو المدبّر والمؤثّر فما حال سائر المدبّرات والمؤثّرات التي


(1) يونس : 3 .


(29)

يلمسها البشر في حياته ؟ فللإجابة على هذا السؤال قال سبحانه: ( مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) مصرِّحاً بأنّ كل تأثير وتدبير في سبب من الأسباب إنّما هو بإذنه ومشيئته ، ولولا إذنه ومشيئته لما قام السبب بالسببية ، ولا العلة بالعلية ، وهذه القرائن توجب حمل هذه الجملة على ما يجري في عالم الكون والوجود من التأثير والعلية ، وتفسيرها بالشفاعة التكوينية ، وأنّ كل ظاهرة مؤثرة كالشمس والقمر والنار والماء لا تؤثر إلاّ بالاستمداد من قدرته سبحانه والاعتماد على إذنه ومشيئته حتى يتم بذلك التوحيد في الخالقية والتدبير .

ب ـ الشفاعة القيادية

وهو قيام قيادة الأنبياء والأولياء والأئمة والعلماء والكتب السماوية مقام الشفيع والشفاعة في تخليص البشر من عواقب أعمالهم وآثار سيئاتهم . والفرق بين الشفاعة المصطلحة والشفاعة القيادية هو أنّ الشفاعة المصطَلحة توجب رفع العذاب عن العبد بعد استحقاقه له ، والشفاعة القيادية توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة حتى يستحق . والظاهر أنّ إطلاق الشفاعة على هذا القسم ليس إطلاقاً مجازياً ، بل إطلاق حقيقي . وقد شهد بذلك

القرآن والأخبار ، قال سبحانه: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(1) . والضمير المجرور في ( به ) يرجع إلى

القرآن(2) . ولا شك أنّ ظرف شفاعة هذه الأُمور إنّما هو الحياةُ الدنيويةُ ، فانّ


(1) الأنعام : 51 . (2) مجمع البيان 2: 304 .


(30)

تعاليم الأنبياء وقيادتهم الحُكمية وهداية

القرآن وغيره ، إنّما تتحقّق في هذه الحياة الدنيوية ، وإن كانت نتائجها تظهر في الحياة الأُخروية ، فمن عمل

بالقرآن وجعله أمامه في هذه الحياة; قاده إلى الجنّة في الحياة الأُخروية . ولأجل ذلك نرى أنّ النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يأمر الأُمّة بالتمسك

بالقرآن ويصفه بالشفاعة ويقول: «فإذا التَبَست عليكم الفتنُ كقطع الليل المظلم فعليكُم بالقرآن فإنّه شافعٌ مشفَّع وماحِل مصدَّق ، ومن جَعَلَه أمامَه قاده إلى الجنّة ، ومن جعله خلفَه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبرهان»(1) . فإنّ قوله: «ومن جعله أمامه» ، تفسير لقوله: «فإنّه شافع مشفَّع» . والحاصل: أنّ الشفاعة القيادية شفاعة بالمعنى اللغوي ، فإنّ المكلّفين بضمّ هداية

القرآن وتوجيهات الأنبياء والأئمة إلى إرادتهم وطلباتهم ، يفوزون بالسعادة ويصلون إلى أرقى المقامات في الحياة الأُخروية ويتخلّصون عن تبعات المعاصي ولوازمها . فالمكلّف وحده لا يصل إلى هذه المقامات ، ولا يتخلّص من تبعات المعاصي ، كما أنّ خطاب

القرآن والأنبياء وحده ـ من دون أن يكون هناك من يسمع قولهم ويلبّي نداءهم ـ لا يؤثر ما لم ينضم عمل المكلّف إلى هدايتهم ، وهدايتهم إلى عمل المكلّف فعندئذ تتحقّق هذه الغاية .

ج ـ الشفاعة المصطلحة

وحقيقة هذه الشفاعة تعني أن تصل رحمتهُ سبحانه ومغفرته وفيضه إلى عباده عن طريق أوليائه وصفوة عباده ، وليس هذا بأمر غريب; فكما أنّ


(1) الكليني الكافي 2: 238 .


(31)

الهداية الإلهية التي هي من فيوضه سبحانه ، تصل إلى عباده في هذه الدنيا عن طريق أنبيائه وكتبه ، فهكذا تصل مغفرته سبحانه وتعالى إلى المذنبين والعصاة يوم القيامة من عباده عن ذلك الطريق . ولا يبعد في أن يصل غفرانه سبحانه إلى عباده يوم القيامة عن طريق خِيرة عباده ، فإنّ الله سبحانه قد جعل دعاءهم في الحياة الدنيوية سبباً ، ونصّ بذلك في بعض آياته . فنرى أنّ أبناء يعقوب لمّا عادوا خاضعين ، رجعوا إلى أبيهم ، وقالوا له: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ )(1) فأجابهم يعقوب بقوله: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )(2) . ولم يقتصر الأمر على يعقوب فحسب ، بل كان النبي الأكرم  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ممّن يستجاب دعاؤه أيضاً في حق العصاة ، قال سبحانه : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً )(3) . وهذه الآيات ونظائرها ممّا لم نذكرها مثل قوله: ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ )(4) تدلّ على أنّ مغفرته سبحانه قد تصل إلى عباده بتوسيط واسطة كالأنبياء ، وقد تصل بلا توسيط واسطة ، كما يفصح عنه سبحانه بقوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً )(5) وقوله: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)(6) . إلى غير ذلك من


(1) يوسف : 97 . (2) يوسف : 98 . (3) النساء : 64 . (4) التوبة : 103 . (5) التحريم : 8 . (6) هود : 90 .


(32)

الآيات التي تكشف عن أنّ توبة العبد تجلب المغفرة بلا واسطة أحد وقد تصل بتوسيط واسطة هي من أعز عباده وأفضل خليقته وبريته . وتتضح هذه الحقيقة إذا وقفنا على أنّ الدعاء بقول مطلق ـ وبخاصة دعاء الصالحين ـ من المؤثرات الواقعة في سلسلة نظام العلة والمعلول ، ولا تنحصر العلة في العلل الواقعة في إطار الحس فإنّ في الكون مؤثرات خارجة عن إحساسنا وحواسنا ، بل قد تكون بعيدة حتى عن تفكيرنا ، يقول سبحانه: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً* وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً* وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً* فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً* فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً)(1) . فما المراد من هذه ( المدبّرات أمراً ) أهي مختصة بالمدبّرات الطبيعية المادية ، أو المراد هو الأعم منها ؟ فقد روي عن علي  ـ عليه السلام ـ تفسيرها بالملائكة الأقوياء الذين عهد الله إليهم تدبير الكون والحياة بإذنه سبحانه ، فكما أنّ هذه المدبّرات يجب الإيمان بها وإن لم تعلم كيفية تدبيرها وحقيقة تأثيرها ، فكذلك الدعاء يجب الإيمان بتأثيره في جلب المغفرة ، ودفع العذاب وإن لم تعلم كيفية تأثيره .


(1) النازعات : 1 ـ 5 .
(33)

المبحث الرابع
مبرّرات الشفاعة

هناك مبررات لجعل الشفاعة من أسباب المغفرة ورفع العذاب ، نورد بعضها على سبيل المثال:

أ ـ ابتلاء الناس بالذنب والتقصير

ربما يقال: إذا كان المنقذ الوحيد للإنسان يوم القيامة هو عمله الصالح كما صُرّح به في الآيات فلماذا جعلت الشفاعة وسيلة للمغفرة وسبباً لرفع العذاب ، أوَ ليس الله بقائل: ( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى )(1) ، ( فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ )(2) ، (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً )(3) وعلى ذلك فلماذا أُدْخِلت الشفاعة في سلسلة العلل لجلب المغفرة؟ الإجابة على هذا السؤال واضحة فالفوز بالسعادة وإن كان يعتمد على العمل أشدّ الاعتماد ، غير أن صريح الآيات الأُخر هو أنّ العمل بنفسه ما لم تنضم إليه رحمته الواسعة لا يُنقِذ الإنسان من تبعات تقصيره ، قال سبحانه:


(1) الكهف : 88 . (2) القصص : 67 . (3) القصص : 80 .


(34)

(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَل مُسَمّىً)(1) ، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة)(2) .

ب ـ سعة رحمته لكل شيء

إنّ التدبّر في الآيات القرآنية يعطي أنّ رحمة الله سبحانه واسعة تسع كلّ الناس ، إلاّ من بلغ حداً لا يقبل التطهّر ولا الغفران . قال سبحانه حاكياً عن حملة العرش: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ )(3) نرى أنّ حملة العرش يدلّلون طلب غفرانه سبحانه للتائبين والتابعين لسبيله ، بكون رحمته واسعة وسعت كل شيء . كما نرى أنّه سبحانه يأمر نبيّه أن يواجه الناس كلّهم ـ حتى المكذّبين لرسالته ـ بقوله: ( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَاسِعَة )(4) ونرى في آية ثالثة يعد الذين يجتنبون الكبائر بالرحمة والمغفرة ويقول: ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ )(5) وهذه الآيات توضح مضامين الأدعية الإسلامية من قوله ـ عليه السلام ـ : «يا من سبقت رحمتُه غضبَه» . كيف لا ! ونحن نرى أنّ الله سبحانه يعد القانط من رحمة الله والآيس


(1) النحل : 61 . (2) فاطر : 45 . (3) غافر : 7 . (4) الأنعام : 147 . (5) النجم : 32 .


(35)

من روحه كافراً وضالاّ ، ويقول: ( وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ )(1) ، ويقول تعالى أيضاً: ( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ)(2) ، ويقول سبحانه: ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(3) . فإذا عرَّفَنا

القرآن أنّ الله سبحانه ذو رحمة واسعة تفيض على كل شيء ، فعند ذلك لا مانع من أن تفيض رحمته وغفرانه عن طريق أنبيائه ورسله وأوليائه ، فيقبل أدعيتهم في حقّ عباده بدافع أنّه سبحانه ذو رحمة واسعة ، كما لا مانع أن يعتقد العصاة في شرائط خاصة بغفرانه سبحانه من طرق كثيرة لأجل أنّه عدّ القانط ضالاّ والآيس كافراً . وإجمالا: فكما يجب على المربّي الديني أن يذكّر عباد الله بعقوبته وعذابه وما أعدّ للعصاة والكفّار من سلاسل ونيران ، يجب عليه أيضاً أن يذكّرهم برحمته الواسعة ومغفرته العامة التي تشمل كل شيء ، إلاّ من بلغ من الخبث والرداءة درجة لا يقبل معها التطهير كما قال سبحانه: ( إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(4) .

ج ـ الأصل هو السلامة

دلّت التجارب والبراهين العقلية على أنّ الأصل الأوّلي في الخليقة هو السلامة ، وأنّ المرض والانحراف


(1) يوسف : 87 . (2) الحجر : 56 . (3) الزمر : 53 . (4) النساء : 48 .


(36)

أمران يعرضان على المزاج ، ويزولان بالمداواة والمعالجة ، وليس هذا الأصل مختصاً بالسلامة من حيث العيوب الجسمانية ، بل الأصل هو الطهارة من الأقذار والأدران المعنوية ، فقد خلق الإنسان على الفطرة النقيّة السليمة من الشرك والعصيان التي أشار إليها

القرآن بقوله: ( فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا )(1) ، وقال النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «كُل مولود يولد على الفطرة ثم أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه»(2) . وعلى ذلكّ فلا غرو في أن تزول آثار العصيان عن الإنسان بالعلاج والمداواة الخاصة في مواقف شتى حتى تظهر الخليقة الأُولى التي فُطِر عليها; فقد جعل الله سبحانه المواقف التي يمرّ بها الإنسان بعد موته في البرزخ ويوم القيامة; وسائل لتطهير الإنسان وتصفيته من آثار الذنوب وتبعاتها . ولا غرو في أن يكون الشفعاء المرضيون عند الله ، أطباء يعالجون أُولئك المرضى ، بتصرفاتهم ونفوسهم القويّة حتى يزيلوا عنهم غبار المعصية ، ودرن الذنب حتى تعود الجوهرة الإنسانية نقيّةً صافيةً ناصعةً ، فيستحقّ الإنسان نعيمَ الآخرة ودخول الجنة إلاّ من بلغ حداً لا يقبل العلاج والتداوي ، لأجل أنّ ذاته قد انقلبت إلى ما يضاد الجوهرة الإنسانية النقية التي لا تقبل أيّةَ مداواة أو علاج ، كما لو اتّخذ لربّه شريكاً فاستحق الخلودَ في النار . فليس التوقّف في البرزخ ولا في المراحل المتنوعة في يوم القيامة ولا الدخول في النار مدةً محدودة ولا شفاعة الأنبياء والأولياء في حقّهم ، إلاّ تصرّفاً تكوينياً في حقّهم حتى تعود الجوهرة الأوليّة إلى حالتها الطبيعية


(1) الروم : 30 . (2) التاج الجامع للأُصول 4 : 180 ; تفسير البرهان 3 : 261 / 5 .


(37)

الأُولى وتصفو من كل شائبة تعلَّقت بها نتيجة العصيان والتمرّد .

د ـ الآثار البنّاءة والتربويّة للشفاعة

إنّ تشريع الشفاعة ، والاعتراف بها في النظام الإسلامي إنّما هو لأجل غايات تربوية تترتب على ذلك التشريع والاعتقاد به; ذلك لأنّ الاعتقاد بالشفاعة المقيّدة بشروط معقولة ، من شأنه بعث الأمل في نفوس العصاة وأفئدة المذنبين ، يدفعهم إلى العودة عن سلوكهم الإجراميّ ، وإعادة النظر في منهج حياتهم . ولكن هناك من يعترض ويقول: إنّ الشفاعة توجب الجرأة وتحيي روح التمرّد في العصاة والمجرمين . إلاّ أنّ الواقع يفصح أنّ الشفاعة سبب في إصلاح سلوك المجرم ووسيلة لتخلّيه عمّا يرتكبه من آثام وما يقترفه من ذنوب . وتظهر حقيقة الحال إذا لاحظنا مسألة التوبة ، وهي التي اتفقت عليها الأُمّة ونصّ عليها الكتاب المجيد والحديث الشريف; فإنّه لو كان باب التوبة مُوصداً في وجه العصاة والمذنبين ، واعتقد المجرم بأنّ عصيانه مرّة واحدة أو مرّات سيخلده في عذاب الله ، ولا مناص له منه ، فلا شك أنّ هذا الاعتقاد يوجب التمادي في اقتراف السيّئات وارتكاب الذنوب; لأنّه يعتقد بأنّه لو غيّر وضعه وسلوكه في مستقبل أمره لا يقع ذلك مؤثراً في مصيره وخلوده في عذاب الله; فلا وجه لأن يترك المعاصي ويغادر اللذة المحرّمة ، ويتحمّل عناء العبادة والطاعة ، بل يستمر في وضعه السابق حتى يوافيه الأجل . وهذا بخلاف ما إذا وجد الطريق مفتوحاً ، والنوافذ مشرعة واعتقد بأنّه سبحانه سيقبل توبته إذا كانت نصوحاً ، وأنّ رجوعه هذا سيغيّر مصيره في


(38)

الآخرة ، ويُنقِذه من تبعات أعماله ، وأليم العذاب ، فعند ذاك سيترك العصيان ويرجع إلى الطاعة ويستغفر لذنوبه ويطلب الإغضاء عن سيئاته . فهذا الاعتقاد له الأثر البنّاء في تهذيب الناس والشباب خاصة ، وكم من شباب اقترفوا السيئات وأمضوا الليالي في اللذة المحرّمة ، ثم عادوا إلى خلاف ما كانوا عليه في ظل التَّوبة والاعتقاد بأنّها تجدي المذنبين ، وبأنّ أبواب الرحمة والفلاح مفتوحةٌ لم تغلق بعد ، فعادوا يسهرون الليالي في العبادة ، ويحيونها بالطاعة . وليس هذا إلاّ أثر ذلك الاعتقاد ، وذاك التشريع . ومثل ذاك ، الاعتقاد بالشفاعة المحدودة ، فإنّه إذا اعتقد العاصي بأنّ أولياء الله سبحانه قد يشفعون في حقّه في شرائط خاصة إذا لم يهتك الستر ، ولم يبلغ حداً لا تنفع معه شفاعة الشافعين ، فعند ذاك سوف يعيدُ النظر في سيرته الشخصيّة ، ويحاول تطبيق سلوكه على شرائط الشفاعة حتى يستحقّها ، ولا يحرمها . نعم ، إنّ الاعتقاد بالشفاعة المطلقة ، المحرّرة من كلّ قيد ، من جانب الشفيع والمشفوع له ، هو الذي يوجب التجرّي والتمادي في العصيان . وهذه الشفاعة مرفوضة في منطق العقل و

القرآن ، وكأنّ المعترض قد خلط بين الشفاعة المحدودة والشفاعة المطلقة من كل قيد ، ولم يُميز بينهما وبين آثارهما . فالشفاعة الموجبة للتجرّي ومواصلة العناد والتمرّد ، هي الاعتقاد بأنّ الأنبياء والأولياء سيشفعون في حقّه يوم القيامة على كلّ حال وفي جميع الشرائط وإن فعل ما فعل ، وارتكب ما ارتكب . وعند ذلك سيستمر في عمله الإجرامي إلى آخر حياته رجاءَ تلك الشفاعة التي لاتخضع لضابط ولا قانون ، ولا تقيّد بقيد ولا شرط. وأمّا الشفاعة التي نطق بها الكتاب وأقرّت بها الأحاديث واعترف بها


(39)

العقل فهي الشفاعة المحدودة بشرائط في المشفوع له والشافع . ومجمل تلك الشرائط هو أن لا يقطع جميع علاقات العبودية مع الله ، ولا يفصم وشائجه الروحية مع الشافعين ، ولا يصل تمرّده إلى حدّ القطيعة ونسف الجسور . فالاعتقاد بهذا النوع من الشفاعة مثل الاعتقاد بتأثير التوبة في الغفران ماهية وأثراً .

هـ ـ الأمر بيده سبحانه أوّلا وآخراً

ما ذكرناه من الوجوه هي مبررات الشفاعة والجهات التعليلية لجعلها في صميم العقائد الإسلامية ، ومع ذلك كلّه فالأمر إليه سبحانه فهو إن شاء أذن في الشفاعة وإن لم يشأ لم يأذن ، وهو القائل سبحانه: ( مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(1) . وصفوة القول: أنّ الشفيع إنّما يشفع بإذنه ، وفي إطار مشيئَته ، وتحت الشروط التي يرتضيها; إذ هو الذي يبعثُ الشفيعَ على أن يشفع في حقّ المشفوع له . وعند ذلك فلا تستلزم شفاعة الشافعين خروج الأمر عن يده ، وتحديد سلطته (تعالى) وملكه .


(1) فاطر : 2 .


(40)

المبحث الخامس
أثر الشفاعة

هل هو إسقاط العقاب أو زيادة الثواب؟

هل إنّ نتيجة الشفاعة هو حطّ ذنوب المذنبين وإسقاط العقاب والمضار عنهم والعفو عن العصاة ، أم هي زيادة الثواب ورفع الدرجات للمطيعين؟ لقد ذهب جمهور المسلمين إلى الأوّل ، والمعتزلة إلى الثاني . إنّ فكرة الشفاعة كانت عند اليهود والوثنيين قبل الإسلام ، إلاّ أنّ الإسلام طرحها مهذّبةً ممّا علق بها من الخرافات . وغير خفي على من وقف على آراء اليهود والوثنيين في أمر الشفاعة ، أنّ الشفاعة الدارجة بينهم ـ خصوصاً اليهود ـ كانت مبنيّة على رجائهم لشفاعة أنبيائهم وآبائهم في حطّ ذنوبهم وغفران آثامهم ، ولأجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي ، ويرتكبون الذنوب تعويلا على ذلك الرجاء . وفي هذا الموقف يقول سبحانه ردّاً على تلك العقيدة الباعثة على الجرأة: ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ )(1) . ويقول أيضاً رفضاً لتلك الشفاعة المحرّرة من كل قيد: ( ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى)(2) . وحاصل الآيتين أنّ أصل الشفاعة التي يدّعيها اليهود ويلوذ بها الوثنيّون حقّ ثابتٌ في


(1) البقرة : 255 . (2) الأنبياء : 28 .


(41)

الشريعة السماوية ، غير أنّ لها شروطاً أهمّها إذنه سبحانه للشافع ورضاؤه للمشفوع له . ولعلّ أوضح دليل على عمومية الشفاعة في الإسلام ما اتّفق على نقله المحدِّثون من قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ادّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي »(1) . فكان دافع المعتزلة بتخصيص آيات الشفاعة بأهل الطاعة دون العصاة هو الموقف الذي اتخذوه في حقّ العصاة ومقترفي الذنوب في أبحاثهم الكلامية; فإنّهم قالوا بخلود أهل العصيان في النار . ومن الواضح أنّ من يتخذ مثل هذا الموقف لا يصح له أن يعمّم آيات الشفاعة إلى العصاة ، وذلك لأنّ التخليد في النار لا يجتمع مع التخلص عنها بالشفاعة . قال الشيخ المفيد: اتّفقت الإمامية على أنّ الوعيد بالخلود في النار موجهة إلى الكفّار خاصّة ، دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى ، والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة . وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك ، وزعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عام في الكفّار وجميع فسّاق أهل الصلاة . واتّفقت الإمامية على أنّ من عُذِّب بذنبه من أهل الإقرار والمعرفة والصلاة لم يخلد في العذاب وأُخرج من النار إلى الجنة ، فينعم فيها على الدوام ووافقهم على ذلك من عددناهم ، وأجمعت المعتزلةُ على خلاف


(1) سنن ابن ماجة 2: 1441 وغيرها .


(42)

ذلك وزعموا أنّه لا يخرج من النار أحدٌ دخلها للعذاب(1) . نعم ، نسب العلاّمة الحلي في «كشف المراد» تلك العقيدة إلى بعض المعتزلة لا إلى جميعهم(2) ، وكذلك نظامُ الدين القوشجي في شرحه على التجريد(3) . وقد خالفهم أئمة المسلمين وعلماؤهم في هذا الموقف وقالوا بجواز العفو عن العصاة عقلا وسمعاً . أمّا العقل فلأنّ العقاب حق لله تعالى فيجوز تركه . وأمّا السمع ، فللآيات الدالّة على العفو فيما دون الشرك ، قال سبحانه: ( إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(4) . والآية واردة في حق غير التائب; لأنّ الشرك مغفور بالتوبة أيضاً ، وقال سبحانه: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ )(5) أي تشملهم المغفرة مع كونهم ظالمين . وقال سبحانه: ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً )(6) ، إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة على العفو في حق العصاة . ومع ذلك لا مانع من شمول أدلّة الشفاعة لهم . وأوضح دليل على العفو بدون التوبة قوله سبحانه: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ )


(1) أوائل المقالات: ص 14 . (2) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 261 ، طـ صيدا . (3) شرح التجريد: ص 501 . (4) النساء : 48 . (5) الرعد : 6 . (6) الزمر : 53 .


(43)

(التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ )(1) فإنّ عطف قوله: (ويعفو عن السيئات )على قوله: ( يقبل التوبة ) بـ «واو العطف» ، يدلّ على التغاير بين الجملتين ، وإنّ هذا العفو لا يرتبط بالتوبة وإلاّ كان اللازم عطفُه بالفاء . وقال سبحانه: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير )(2) . فإنّ الآية واردةٌ في غير حق التائب ، وإلاّ فإنّ الله سبحانه يغفر ذنوب التائب جميعها لا كثيرها مع أنّه سبحانه يقول : ( ويعفو عن كثير ) . فتلخّص من ذلك أنّه لا مانع من القول بجواز العفو في حق العصاة كما لا مانع من شمول آيات الشفاعة لهم . نعم ، يجب إلفات النظر إلى نكتة وهي أنّ بعض الذنوب الكبيرة ربما تقطع العلائق الإيمانية بالله سبحانه ، كما تقطع الأواصر الروحية مع النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فصاحب هذه المعصية لا تشمله الشفاعة ، فيجب عليه دخول النار حتى يتطهّر بالعذاب وتصفو روحه من آثار العصيان ، ويليق لشفاعة الشافعين .


(1) الشورى : 25 . (2) الشورى : 30 .


(44)

المبحث السادس
طلب الشفاعة من المأذونين بالشفاعة

قد تجلّتِ الحقيقة بأجلى مظاهرها وتبيّن أنّ النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولفيفاً من الأولياء والصالحين يشفعون عند الله في ظروف خاصة وأنّهم مأذونون من جانبه سبحانه يوم القيامة . كما تبيّن أنّ المفهوم الواضح لدى العامّة من الشفاعة ، هو دعاء الرسول وطلبه من الله غفرانَ ذنوب عباده ، إذا كانوا أهلا لها . إذن يرجع طلب الشفاعة من الشفيع إلى طلب الدعاء منه لتلك الغاية ، وهل ترى في طلب الدعاء من الأخ المؤمن إشكالا ؟! فضلا عن النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  ، الذي يُستجاب دعاؤه ولا يُردّ بنص الذكر الحكيم(1) . فعندما كان النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حيّاً في دار هجرته ، كان طلبُ أصحابِه الدعاءَ منه ، راجعاً إلى طلب الشفاعة منه والاختلاف في الاسم لا في الواقع والحقيقة . وبعد انتقاله من الدنيا إلى عالم البرزخ ، يرجع طلب الشفاعة منه أيضاً إلى طلب الدعاء منه لا غير . فلو أنّ أعرابياً جاء إلى مسجده فطلب منه أن يستغفر له ، فقد طلب منه الشفاعة عند الله . ولو جاء ذاك الرجل بعد رحيله ، وقال له: يا أيّها النبي ، استغفر لي عند الله . أو قال: اشفع لي عند الله، فالجميع بمعنى واحد لبّاً وحقيقةً ، وإنّما يختلفان صورةً وظاهراً . فالإذعان بصحة أحدِهما ، والشك


(1) النساء : 64 ، المنافقون : 5 .


(45)

في صحة الآخر كالتفكيك بين المتلازمين . نعم ، هناك سؤالٌ يطرح نفسَه وهو أنّه إذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حيّاً يُرزَق في هذه الدنيا ويسمع كلام السائل ، فلا فرق بين طلب الدعاء وطلب الشفاعة . وأمّا بعد رحيله وانتقاله إلى رحمة الله الواسعة ، فلا يسمع كلامَ السائل ، بأيّ صفة خاطبَه وكلَّمه سواء أقال: استغفر لي ، أم قال: اشفع لي . والإجابة واضحة ، لأنّ الكلام مركَّزٌ في تبيين معنى طلب الشفاعة منه حيّاً وميّتاً وأنّ حقيقته أمرٌ واحدٌ بجميع صوره ، وأمّا أنّه يسمع أو لا يسمع ، أو أنّ الدعوة تنفع أو لا تنفع ، فهو أمرٌ نرجع إليه بعد الفراغ من صميم البحث . ولإيضاح الأمر نورد بعض النصوص من المفسّرين في تفسير الشفاعة: قال الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)(1) إنّ الآية تدلّ على حصول الشفاعة للمذنبين ، والاستغفار طلب المغفرة ، والمغفرة لا تُذْكر إلاّ في إسقاط العقاب ، أمّا طلب النفع الزائد فإنّه لا يسمّى استغفاراً . وقوله تعالى: ( ويستغفرون للّذين آمنوا) يدلّ على أنّهم يستغفرون لكل أهل الإيمان ، فإذا دللنا على أنّ صاحب الكبيرة مؤمن ، وجب دخوله تحت هذه الشفاعة(2) .



(1) غافر : 7 . (2) مفاتيح الغيب 7: 285 ـ 286 ، طـ . مصر ، الجزء 27: 34 طـ دار إحياء التراث الإسلامي ، بيروت .


(46)

نرى أنّ الإمام الرازي جعل قول الملائكة في حق المؤمنين والتائبين ، من أقسام الشفاعة ، وفسّر قوله: ( فاغفر للّذين تابوا) بالشفاعة . وهذا دليل واضح على أنّ الدعاء في حق المؤمن ، شفاعة في حقّه ، وطلبه منه طلبُ الشفاعة . ونقل نظام الدين النيسابوري ، في تفسير قوله تعالى: ( مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا)(1) عن مقاتل: إنّ الشفاعة إلى الله إنّما هي دعوة الله لمسلم ، لما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له ، وقال الملك: ولك مثل ذلك»(2) . والذي يوضح أنّ شفاعة النبي عبارة عن دعائه في حقّ المشفوع له ، ما رواه مسلم في

«صحيحه» عن النبي الأكرم أنّه قال: «ما من ميّت يُصلّي عليه أُمّة من المسلمين يبلغون مائة كلّهم يشفعون له إلاّ شُفِّعوا فيه»(3) . وفسّر الشارح قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يشفعون له» بقوله: أي يدعون له ، كما فسّر قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إلاّ شُفِّعوا فيه» بقوله: أي قبلت شفاعتهم . وروي أيضاً عن عبد الله بن عباس أنّه قال: سمعت رسول الله يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئاً إلاّ شفّعهم الله فيه»(4) أي قبلت شفاعتهم في حق ذلك الميت فيغفر له . فإذا كان مرجع الاستشفاع من الصالحين إلى طلب الدعاء ، فكل من يطلب من النبي الشفاعة لا يقصد منه إلاّ المعنى الشائع(5) .



(1) النساء : 85 . (2) غرائب القرآن بهامش تفسير الطبري: 5 : 118 . (3) صحيح مسلم 4: 53 ، طـ . مصر ، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده . (4) المصدر نفسه . (5) لو كان للشفاعة معنى آخر من التصرف التكويني في قلوب المذنبين ، وتصفيتهم في البرزخ ، ومواقف القيامة فهو أمر عقلي لا يتوجّه إليه إلاّ الأوحدي من الناس .


(47)

إلى هنا تبيّن أنّ طلب الشفاعة يرجع إلى طلب الدعاء ، وهو أمر مطلوب في الشرع من غير فرق بين طلبه من الشفيع في حال حياته أو مماته ، فهو لا يخرج عن حد طلب الدعاء ، وأمّا كونه ناجعاً أو لا ؟ فهو أمر آخر نرجع إليه كما مرّ . والذي يحقّق هذا الأمر هو صدور مثله من السلف الصالح في العصور المتقدمة وإليك نزراً منه:

السلف وطلب الشفاعة من النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

1 ـ الأحاديث الإسلامية وسيرة المسلمين تكشفان عن جواز هذا الطلب ، ووجوده في زمن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقد روى الترمذي في

«صحيحه» عن أنس قوله: سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة ، فقال: «أنا فاعل» ، قال: قلت: يا رسول الله فأنّى أطلبك ، فقال: «اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط»(1) . فالسائل يطلب من النبي الأعظم ، الشفاعة دون أن يخطر بباله أنّ هذا الطلب يصطدم مع أُصول العقيدة . 2 ـ هذا سواد بن قارب ، أحد أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول مخاطباً إيّاه:

فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة * بمغن فتيلا عن سواد بن قارب(2)

3 ـ روى أصحاب السير والتاريخ ، أنّ رجلا من قبيلة حمير عرف أنّه سيولد في أرض مكة نبي الإسلام الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  ، ولما خاف أن لا


(1) صحيح الترمذي 4: 621 ، كتاب صفة القيامة ، الباب 9 . (2) الإصابة 2: 95 ، الترجمة 3576 ، وقد ذكر طرق روايته البالغة إلى ست ، وراجع أيضاً الروض الأُنف 1: 139 ; بلوغ الإرب 3: 299 ; عيون الأثر 1: 72 .


(48)

يدركه ، كتب رسالة وسلّمها لأحد أقاربه حتى يسلّمها إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حينما يبعث ، وممّا جاء في تلك الرسالة قوله: «وإن لم أدرك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني»(1) ولمّا وصلت الرسالة إلى يد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: « مرحباً بتُبَّع الأخ الصالح» فإنّ وصف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لطالب الشفاعة بالأخ الصالح، أوضح دليل على أنّه أمر لا يتعارض وأُصول العقيدة. 4 ـ وروى المفيد عن ابن عباس أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ لمّا غسّل النبيوكفّنه كشف عن وجهه وقال: «بأبي أنت وأُمّي طبتَ حيّاً وطبت ميتاً . . . اذكرنا عند ربك»(2). وروى الشريف الرضي في

«نهج البلاغة»: أنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ قال عندما ولي غسل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «بأبي أنت وأُمّي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك»(3) . 5 ـ روي أنّه لمّا توفي النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أقبل أبوبكر فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله وقال: «بأبي أنت وأُمّي طبت حياً وميتاً اذكرنا يا محمد عند ربّك ولنكن من بالك»(4) . وهذا استشفاع بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في دار الدنيا بعد موته . 6 ـ وختاماً نذكر ما ذكره الدكتور عبد الملك السعدي في كتابه

«البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق»: أمّا طلب الشفاعة من رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بصورة عامّة وبدون قيد بعد أذان أو غيره فقد ورد في السنّة ، حيث قد طلبها منه بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ دون نكير من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


(1) ابن شهر آشوب 1: 12 ; السيرة الحلبية: 2 : 88 . (2) مجالس المفيد ، المجلس الثاني عشر: ص 103 . (3) نهج البلاغة : الخطبة 235 . (4) السيرة الحلبيّة 3: 474 ، طـ دار المعرفة بيروت .


(49)

 . والأحاديث الواردة بهذا الخصوص وبمواضع ومناسبات عديدة كثيرة جداً نذكر منها: عن مصعب الأسلمي قال: انطلق غلام منّا فأتى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: إنّي سائلك سؤالا قال: «وما هو ؟» قال: أسألك أن تجعلني ممَّن تشفع له يوم القيامة ، قال: «من أمرك هذا ؟» أو «من علّمك هذا ؟» أو «من دلّك على هذا ؟» قال: ما أمرني به أحد إلاّ نفسي ، قال: «فإنّك ممّن أشفع له يوم القيامة» . أورده الهيتمي في

مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني . وقد أورد الهيتمي بهذا الموضوع كثيراً من الأحاديث(1) . هذا في حياته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  . أمّا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى فهل يصح طلب الشفاعة منه لا سيما أمامَ قبره الشريف وعند السلام عليه ؟ بما أنّه ثبت بما لا يقبل الشك أنّ الأموات يسمعون ويتكلّمون ويدعون في عالم البرزخ وبخاصة هو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما يُسلَّم عليه تردّ إليه روحه الشريفة ، فلا موجب للتفرقة في طلب الشفاعة بين حياته قبل انتقاله وبين حياته; الحياة البرزخية بعد انتقاله . ومن ادّعى المنع فعليه بالدليل والله الموفق(2) . كل هذه النصوص تدلّ على أنّ طلب الشفاعة من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان أمراً جائزاً وشائعاً ، وذلك لأنّهم يرونه مثل طلب الدعاء منه ، ولا فرق بينها وبينه إلاّ في اللّفظ ، وقد عرفت صحّة إطلاق لفظ الشفاعة على الدعاء ، والاستشفاع على طلب الدعاء ، وممّا يدلّ على ذلك أنّ البخاري عقد بابين


(1) مجمع الزوائد 10: 369 ; صحيح مسلم 1: 289 . (2) البدعة في مفهومها الإسلامي: ص 105 ـ 106 .


(50)

بهذين العنوانين ، وهما: 1 ـ إذا استشفعوا ليستسقى لهم لم يردهم . 2 ـ وإذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط(1) . فنرى أنّ البخاري يطلق لفظ الاستشفاع على الدعاء وطلبه من الإمام في العام المجدب ، من دون أن يخطر بباله أنّ هذا التعبير غير صحيح . وعلى العموم أنّ طلب الشفاعة من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ داخل فيما ورد من الآيات التالية: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً )(2) ، (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)(3) . وقوله سبحانه: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ )(4)فكلّ ما يدلّ على جواز طلب الدعاء من المؤمن الصالح يمكن الاستدلال به على صحة ذلك .


(1) البخاري الصحيح: الجزء 2 ، كتاب الاستسقاء ، الباب 11 ـ 12 . (2) النساء : 64 . (3) يوسف : 97 ـ 98 . (4) المنافقون : 5 .


(51)

المبحث السابع
أسئلة حول طلب الشفاعة

قد اتّضح أنّ طلب الشفاعة بمعنى طلب الدعاء; ليس ممّا يرتاب في جوازه مؤمن واع ، عارفٌ بالكتاب والسنّة ،نعم ربما تُثار هنا شبهات أو أسئلة يجب رفعها أو الإجابة عليها وليست الأسئلة مطروحة على صعيد واحد ، ولأجل ذلك نذكر كلّ واحد بعنوان يُعرّف مغزاه ، والجميع يرجع إلى طلب الدعاء من الشفيع بعد رحيله بعد تجويزه في حياته .

السؤال الأوّل: الشفيع ميّت كيف يُطلبُ منه الدُعاء؟

إنّ طلب الشفاعة وإن كان طلب الدعاء لكنّه لا جدوى فيه لكون الشفيع بعد الموت لا يستطيع أن يقوم بالدعاء .

على هامش السؤال :

السؤال جدير بالدراسة والتحليل ، وهو عالق في ذهن لفيف من الناس فهم يناجون في أنفسهم كيف يُطلَب الدُعاء والشفاعة من النبي الأكرم وهو ميّت لا  يستطيع على إجابة طلب الطالب ؟

أوّلا: إنّ الرجوع إلى

القرآن المجيد ، واستنطاقه في هذا المجال يوقفنا على جليّة الحال ، وهو يعترف بموتهم مادياً لا موتهم على الإطلاق ، بل يصرّح بحياة لفيف من الناس الذين انتقلوا من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة من صالح وطالح ، وسعيد وشقيٍّ ، وها نحن نتلو على القارئ الكريم قسماً منها


(52)

ليقف على أنّ الموت أمرٌ نسبي ، وليس بمطلق ، ولو صار بدن الإنسان جماداً ، ليس معناه بطلانه وانعدام شخصيته ، وليس الموت إلاّ انتقالا من دار إلى دار ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة وإليك لفيفاً من الآيات: 1 ـ قال سبحانه: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )(1) . والآية صريحة في المقصود ، صراحةً لا تتصوّر فوقها صراحة ، حيث أخبرت الآية عن حياتهم ورزقهم عند ربهم وتبشيرهم لمن لم يلحقوا بهم ، وما يتفوهون به في حقّهم بقولهم: (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . وعلى ذلك فلو كان الشفيع أحد الشهداء في سبيل الله تعالى فهل يكون هذا المطلب لغواً ؟! 2 ـ إنّ

القرآن يعدّ النبي شهيداً على الأُمم جمعاء ، ويقول سبحانه: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً )(2) . فالآية تصرّح بأنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شاهد على الشهود الذين يشهدون على أُممهم فإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شاهداً على الأُمم جمعاء ، أو على شهودهم فهل تعقل الشهادة بدون الحياة ، وبدون الاطلاع على ما يجري فيهم من الأُمور من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان؟! ولا يصح لك أن تفسّر شهادة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بشهادته على معاصريه فقط ، وذلك لأنّه سبحانه عدّ النبي شاهداً في عداد كونه مبشّراً ونذيراً ، وهل يتصوّر أحدٌ أن يختص الوصفان الأخيران بمن كان يعاصر النبي ؟!


(1) آل عمران : 169 ـ 170 . (2) النساء : 41 .


(53)

كلاّ . فإذن لا وجه لتخصيص كونِهِ شاهداً على الأُمّة المعاصرة للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  . 3 ـ الآيات القرآنية صريحة في امتداد حياة الإنسان إلى ما بعد موته ، يقول سبحانه في حقّ الكافرين: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )(1) . فهذه الآية تصرّح بامتداد الحياة الإنسانية إلى عالم البرزخ ، وإنّ هذا العالم وعاءٌ للإنسان يعذّب فيها مَن يُعذّب وينعَّم فيها من ينعَّم . أمّا التنعُّم فقد عرفت التصريح به في الآية الواردة في حقّ الشهداء . وأمّا العقوبة ، فيقول سبحانه: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)(2) . 4 ـ هذا هو الذكر الحكيم ينقل بياناً عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ، وأيّد رسل المسيح ، فلمّا قتل خوطب باللّفظ التالي: (قيل ادخل الجنة ) فأجاب بعد دخوله الجنة: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ)(3)إلى غير ذلك من الآيات الدالة على امتداد الحياة ، واستشعار لفيف من عباد الله لما يجري هنا وهناك ، غير أنّا لا نَسمع بيانَهم ولا نفهم خِطابهم ، وهم سامعون ، عارفون بإذن الله سبحانه .

ثانياً: إنّ الأحاديث الواردة في هذا المورد فوق الحصر فحدِّث عنها ولا حرج ، وقد روى المحدِّثون عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ما من أحد يسلّم عليّ


(1) المؤمنون : 99 ـ 100 . (2) غافر : 46 . (3) يس : 26 ـ 27 .


(54)
إلاّ ردّ الله روحي حتى أردّ عليه السلام»(1).

كما نَقَلوا قوله: «إنّ لله ملائكةً سيّاحين في الأرض يبلّغوني من أُمّتي السلام»(2) .

ثالثاً: نرى أنّه سبحانه يسلّم على أنبيائه في آيات كثيرة ، ويقول: (سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ) ، (سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) ، (سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ) ، (سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) ، (وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ )(3) . كما يأمرنا بالتسليم على نبيّه والصلوات عليه ويقول بصريح القول: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(4) ، فلو كان الأنبياء والأولياء أمواتاً غير شاعرين بهذه التسليمات والصلوات فأيّ فائدة في التسليم عليهم وفي أمر المؤمنين في الصلاة; بالسلامِ على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟ والمسلمون أجمع يسلّمون على النبي في صلواتهم بلفظِ الخطاب ، ويقولون: السلامُ عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ، وحَمْلُ ذلك على الشعارِ الأجوف والتحية الجوفاء ، أمرٌ لا يجترئ عليه من له إلمامٌ

بالقرآن والحديث .

السؤال الثاني: الشفيع ميّت وهو لا يسمع ؟

هذا هو السؤال الثاني الذي ربّما يُطرَح في المقام ، وهو أيضاً جديرٌ بالدراسة ، ولكنّه في التحقيق صورةٌ صغيرة من السؤال السابق ، فالتركيز ـ هنا ـ على خصوص عدم السماع ، ولكنّه في السابق على معنىً أعم وهو عدم


(1) وفاء الوفا 4: 1349 . (2) المصدر نفسه: ص 1350 . (3) الصافات : 79 ، 109 ، 120 ، 130 ، 181 على الترتيب . (4) الأحزاب : 56 .


(55)

الاستطاعة على شيء سماعاً كان أو غيره . ونقول: ربما يقال: ظاهر الذكر الحكيم على أنّ الموتى لا يسمعون ، حيث شبّه المشركين بهم . ووجه الشبه هو عدم السماع . قال: ( إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ )(1) ، فالآية تصف المشركين بأنّهم أموات وتشبِّهُهُم بها ، ومن المعلوم أنّ صحة التشبيه تتوقّف على وجود وجه الشبه في المشبَّه به بوجه أقوى وليس وجه الشبه إلاّ أنّهم لا يسمَعون ، فعند ذلك تُصبح النتيجة: إنّ الأموات مطلقاً غير قابلين للإفهام ، ويدل على ذلك أيضاً قوله سبحانه: ( إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ)(2) . ووجه الدلالة في الآيتين واحد .

على هامش السؤال

القرآن الكريم منزّه عن التناقض والاختلاف وكيف لا يكون كذلك وهو يقول: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً  )(3) وهو يصرّح في غير واحد من آياته على أنّ الأنبياء كانوا يكلّمون الموتى ويخاطبونهم . ونلمس ذلك بوضوح في قصتي صالح وشعيب . أمّا الأُولى: فالقرآن يحكي خطابَه لقومه ـ بعد هلاكهم وأخذ الرجفة لهم ـ فيقول: ( فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ* فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ


(1) النمل : 80 . (2) فاطر : 22 . (3) النساء : 82 .


(56)

النَّاصِحِينَ)(1) . أمعن النظر في قوله: ( فتولّى ) حيث تصدَّر بالفاء الدالة على الترتيب: أي بعدما عمّهم الهلاك أعرض صالح بوجهه عنهم وخاطبهم بقوله: يا قوم . . . أمّا الثانية فهي أيضاً قرينة الأُولى ونظيرتها قال سبحانه: ( فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ* الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ* فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ  )(2) . إنّ الأُوليين من الآيات صريحتان في نزول البلاء عليهم وإبادتهم وإهلاكهم جميعاً ـ فبعد ذلك ـ يخاطبهم نبيُّهم شعيب معرِضاً بوجهه عنهم ، مشعراً بالتبرّي ويقول: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي . . . وليس لنا ، ولا لغيرنا تأويل

القرآن لأخذ موقف مسبق في الموضوع ، بل يجب عرض الرأي عليه لا عرض

القرآن على الفكر الإنساني . ونكتفي من الآيات بما تلوناه عليك وهناك آيات أُخرى موحدة في المضمون نترك نقلها للاختصار .

السنّة لا تتفق مع عدم السماع

إنّ السنّة الكريمة ، عدل

القرآن ، يُحتَجُّ بها كما يُحتجّ به ، فقد أخذت موقف الإيجاب فهي لا تتفق مع عدم السماع وإليك نزراً يسيراً منها:

1 ـ ما أنتم بأسمعَ منهم

هذه الكلمة ألقاها النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما كان بمقربة من قتلى قريش ، وقد تقدّم


(1) الأعراف : 78 ـ 79 . (2) الأعراف : 91 ـ 93 .


(57)

ذكرها مفصّلا في فصل: الحياة البرزخية فراجع(1) .

2 ـ رواية الصحابي الجليل: عثمان بن حنيف

روى الحافظ الطبراني عن الصحابي الجليل عثمان بن حنيف: أنّ رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له ، وكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى ابنَ حنيف فشكا إليه ذلك ، فقال له ابنُ حنيف: إئت الميضأة ، فتوضّأ ثم ائتِ المسجد فصلِّ ركعتين ، ثم قل: اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمد نبيّ الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّك أن تقضي حاجتي ، وتذكر حاجتك . فانطلق الرجل فصنع ما قال ، ثم أتى باب عثمان فجاءَه البوّاب حتى أخذ بيده ، فاُدخِلَ على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: حاجتك ؟ فذكر حاجته وقضى له ، ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كانت الساعة ، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها ، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقى ابن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَه فيّ . فقال ابن حنيف: والله ما كلّمته ، ولكن شهدتُ رسول الله ، وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إن شئت دعوتُ أو تصبر ، فقال: يا رسول الله إنّه ليس لي قائدٌ وقد شقّ عليّ ، فقال له النبي: ائت


(1) إنّ تكلّم رسول الله مع رؤوس الشرك الموتى الذين أُلقيت أجسادُهم في البئر من مسلّمات التاريخ والحديث ، وقد أشار إلى هذا من بين المحدّثين والمؤرّخين: صحيح البخاري 5: 76 و 77 ـ 87 في معركة بدر ; صحيح مسلم8: 163 كتاب الجنة باب مقعد الميت ; سنن النسائي 4: 89 و 90 باب أرواح المؤمنين; مسند الامام أحمد 2: 131 ; السيرة النبوية 1: 639 ; المغازي1: 112 غزوة بدر ; بحار الأنوار 19: 346 .


(58)

الميضأة فتوضّأْ ثم صلّ ركعتين ثم ادعُ بهذه الدَعَوات . قال ابنُ حنيف: فو اللهِ ما تفرَّقْنا وطال بنا الحديثُ حتى دَخَلَ علينا الرجلُ كأنّه لم يكن به ضر(1) . قال الترمذي: هذا حديث حقٌّ حسنٌ صحيحٌ . وقال ابن ماجة: هذا حديثٌ صحيحٌ . وقال الرفاعي: لا شك أنّ هذا الحديث صحيحٌ ومشهورٌ(2) .

السؤال الثالث: الشفاعة فعل الله

الشفاعة فعل الله سبحانه ، ولا يُطلب فعلُه من غيره ، قال سبحانه: ( قُلْ للهِِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(3) . فاذا كانت الشفاعة مملوكة لله وهو المالك لها ، فكيف يُطلَب ما يرجع إليه من غيره؟

على هامش السؤال

لا شك أنّ الشفاعة لله كما هو صريح الآية وما يرجع إليه سبحانه لا يُطلَب من غيره . مثلا إنّ الرزق والإحياء والإماتة له لا تُطلَب من عباده . غير أنّ المهم تشخيص ما يرجع إليه سبحانه ، وتمييزه ما أعطاه لعباده الصالحين . إنّ الشفاعة المطلقة ملك لله سبحانه ، فلا شفيع ولا مشفوع له ، بلا إذنه ورضاه; فهو الذي يسنُّ الشفاعة ويأذن للشافع ، ويبعث المذنب إلى باب الشافع ليستغفر له ، إلى غير ذلك من الخصوصيات . فلا يملك الشفاعة بهذا


(1) صحيح الترمذي ج5 كتاب الدعوات ، الباب 119 ، رقم 3578 ; سنن ابن ماجة1: 441  / 1385 ; مسند أحمد 4: 138 وغير ذلك . (2) التوصل إلى حقيقة التوسل: ص 158 . (3) الزمر : 44 .


(59)

المعنى إلاّ هو ، وبذلك يردّ القرآن على المشركين الذين كانوا يزعمون أنّ أربابهم يملكون الشفاعة المطلقة فالشفاعة بهذا المعنى غير مسؤولة ولا مطلوبة من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  . والمسؤول والمطلوب من النبي والصالحين هو الشفاعة المرخّصة المحدّدة ، من الله سبحانه ، أي ما رخّص لهم في أن يشفعوا ويطلبوا لعباده الغفران ، فمثل هذه الشفاعة المرخّصة المأذونة ليست له; لأنّه سبحانه فوق كل شيء ، لا يَستأذن ولا يُؤذن ولا يُحدّد فعله . وبعبارة واضحة: المراد من قوله سبحانه: ( قل لله الشفاعة جميعاً )(1)ليس أنّه سبحانه هو الشفيع دون غيره; إذ من الواضح أنّه سبحانه لا يشفع عند غيره ، بل المراد أنّ المالك لمقام الشفاعة هو سبحانه وأنّه لا يشفع أحد في حقّ أحد إلاّ بإذنه للشفيع وارتضائه للمشفوع له ، ولكن هذا المقام ثابت لله سبحانه بالأصالة والاستقلال ، ولغيره بالاكتساب والإجازة ، قال سبحانه: ( وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(2) . فالآية صريحة في أنّ من شهد بالحق يملك الشفاعة ولكن تمليكاً منه سبحانه وفي طول ملكه . وعلى ذلك فالآية أجنبية عن طلب الشفاعة من الأولياء الصالحين الذين شهدوا بالحق وملكوا الشفاعة ، وأُجيزوا في أمرها في حقّ من ارتضاهم لها .


(1) الزمر : 44 . (2) الزخرف : 86 .


(60)

وأنت أيّها الأخ المتحرر من كل رأي مسبق ، إذا لاحظتَ ما ذكرته سابقاً في تفسير الآية ، يتضح لك ، أنّ طلب الشفاعة من الصالحين ، ليس طلبَ فعله سبحانه من غيره .

السؤال الرابع: طلب الشفاعة يشبه عمل المشركين

إنّ طلب الشفاعة يشبه عمل عَبَدة الأصنام في طلبهم الشفاعة من آلهتهم الكاذبة الباطلة ، وقد حكى

القرآن ذاك العمل منهم ، قال سبحانه: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ)(1) وعلى ذلك فالاستشفاع من غيره سبحانه عبادة لهذا الغير .



(1) يونس : 18 .

(61)

على هامش السؤال

ما كنت أُفكّر أيّها الأخ أن تغتر بظواهر الأعمال وتقضي بالبساطة والسذاجة ، مع أن

القرآن أمر بالتدبّر والتفكّر والدقّة في مصادر الأعمال وجذورها ، لا بالاغترار بظاهرها . فالفرق واضحٌ بين عمل المسلم والمشرك لأنّك إذا أمعنتَ النظر في مضمون الآية تقف على أنّ المشركين كانوا يقومون بعملين: 1 ـ عبادة الآلهة ويدلّ عليه: ( ويعبدون . . . ) . 2 ـ طلب الشفاعة ويدل عليه: ( ويقولون . . . ) . وكان علّة اتّصافهم بالشرك هو الأوّل لا الثاني; إذ لو كان الاستشفاع بالأصنام عبادة لها بالحقيقة ، لما كان هناك مبرّرٌ للإتيان بجملة أُخرى ، أعني قوله: (ويقولون هؤلاء شفعاؤُنا) بعد قوله: (ويعبدون . . .) إذ لا فائدة لهذا التكرار ، وتوهم أنّ الجملة الثانية توضيحٌ للأُولى خلاف الظاهر; فإنّ عطف الجملة الثانية على الاُولى يدلّ على المغايرة بينهما . إذاً لا دلالة للآية على أنّ الاستشفاع بالأصنام كان عبادة ، فضلا عن كون الاستشفاع بالأولياء المقربين عبادة لهم . وهناك فرق واضح بين طلب شفاعة الموحِّد من أفضل الخليقة ـ عليه أفضل التحية ـ وطلب شفاعة المشرك ، حيث إنّ الأوّل يطلب الشفاعة منه بما أنّه عبدٌ صالح أذن له سبحانه ليشفع في عباده تحت شرائط خاصة ، بخلاف المشرك; فإنّه يطلب الشفاعة منه ، بما أنّه ربّ يملك الشفاعة يعطيها من يشاء ويمنعها عمّن يشاء . أفيصح عطفُ أحدهما على الآخر والحكم


(62)

بوحدتهما جوهراً وحقيقة ؟! كيف يصح لمسلم واع اتخاذ المشابهة دليلا على الحكم ، فلو صح ذلك لزم عليه الحكم بتحريم أعمال الحج والعمرة فانّها مشابهة لأعمال المشركين ، أمام أربابهم وآلهتهم .

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)(1) .

السؤال الخامس: إن طلب الشفاعة دعاء الغير ، وهو عبادة له

طلب الحاجة من غيره سبحانه حرام; فانّ ذلك دعاء لغير الله وهو حرام . قال سبحانه: ( فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً )(2)وإذا كانت الشفاعة ثابتة لأوليائه وكان طلب الحاجة من غيره حراماً فالجمع بين الأمرين يتحقّق بانحصار جواز طلبها من الله سبحانه خاصة ، ويوضح ذلك قوله سبحانه: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)(3) ، فقد عبّر عن العبادة في الآية بلفظ الدعوة في صدرها وبلفظ العبادة في ذيلها ، وهذا يكشف عن وحدة التعبيرين في المعنى . وقد ورد قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «الدعاء مخّ العبادة» .

على هامش السؤال

لا أظن أنّ أحداً على وجه البسيطة يجعل الدعاء مرادفاً للعبادة . وإلاّ لم يمكن تسجيل أحد من الناس ـ حتى الأنبياء ـ في ديوان الموحدين ، فلابد أن يقترن بالدعاء شيءٌ آخر ، ويصدر الدعاء عن عقيدة خاصة في المدعوّ وإلاّ فمجرّد دعوة الغير حياً كان أو ميتاً ، لا يكون عبادة له . هل ترى أنّ الشاعرة التي تخاطب شجر الخابور بقولها:


(1) ق : 37 . (2) الجن : 18 . (3) غافر : 60 .


(63)

أيا شجر الخابور ما لك مورِقا * كأنّك لم تجزع على ابن طريف

أنّها عبدته ؟ كلاّ ثم كلاّ . إنّ العمل لا يتّسم بالعبادة إلاّ إذا كانت في نية الداعي عناصر تضفي عليه صفة العبادة وحدّها; وهو الاعتقاد بإلوهية المدعو وربوبيته وإنّه المالك لمصيره في عاجله وآجله ، وإن كان مخلوقاً أيضاً . والمراد من الدعاء في قوله تعالى: (فلا تدعوا مع الله أحداً) ليس مطلق دعوة الغير ، بل الدعوة الخاصة المضيّقة المترادفة للعبادة ، ويدلّ عليه قوله سبحانه في نفس هذه الآية: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِِ ) . وما ورد في الحديث من «أنّ الدعاء مُخُّ العبادة» فليس المراد منه مطلق الدعاء ، بل المراد دعاء الله مخ العبادة . كما أنّ ما ورد في الروايات من أنّه : من أصغى إلى ناطق فقد عَبَدَه ، فإنْ كان ينطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان ينطق عن غير الله فقد عبد غيرالله.(1) فليس المراد من العبادة هنا: العبادة المصطلحة ، بل استعيرت في المقام لمن يجعل نفسه تحت اختيار الناطق . وعلى ذلك فيكون المراد من النهي عن دعوة الغير هو الدعوة الخاصة المقترنة بالاعتقاد ، أي كون المدعو ذا اختيار تام في التصرّف في الكون وقد فُوِّض إليه شأن من شؤُونه سبحانه . فإذا كان طلب الشفاعة مقترناً بهذه العقيدة فانّه يُعَدُّ عبادةً للمشفوع إليه . وإلاّ فيكون طلب الحاجة كسائر الطلبات من غيره سبحانه الذي لا يشك ذو مسكة في عدم كونه عبادة . وبعبارة أُخرى: طلب الشفاعة إنّما يُعَدُّ عبادة للشفيع إذا كان مقروناً


(1) الكافي 6: 434 / 4 .


(64)

بالاعتقاد بإلوهيته وربوبيته ، وأنّه مالك لمقام الشفاعة أو مفوَّض إليه ، يتصرّف فيها كيف يشاء ، وأمّا إذا كان الطلب مقروناً باعتقاد أنّه عبدٌ من عباد الله الصالحين يتصرف بإذنه سبحانه للشفاعة ، وارتضائه للمشفوع له ، فلا يُعَدُّ عبادة للمدعوّ ، بل يكون وزانه وزان سائر الطلبات من المخلوقين ، فلا يعدُّ عبادة بل طلباً محضاً ، غاية الأمر لو كان المدعو قادراً على المطلوب يكون الدعاء ـ عقلا ـ أمراً صحيحاً ، وإلا فيكون لغواً . فلو تردّى إنسان وسقط في قعر بئر وطلب العون من الواقف عند البئر القادر على نجاته وإنقاذه ، يُعَدّ الطلب أمراً صحيحاً ، ولو طلبه من الأحجار المنضودة حول البئر يكون الدعاء والطلب منها لغواً مع كون الدعاء والطلب هذا في الصورتين غير مقترن بشيء من الإلوهية والربوبية في حق الواقف عند البئر ، ولا الأحجار المنضودة حولها . إنّ الآية تحدّد الدعوة التي تُعَد عبادة بجعل المخلوق في رتبة الخالق سبحانه كما يفصح عنه قوله: ( مع الله )(1) وعلى ذلك فالمنهيُّ هو دعوة الغير ، وجعله مع الله ، لا ما إذا دعا الغيرَ معتقداً بأنّه عبدٌ من عباده لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً ولا حياةً ولا بعثاً ولا نشوراً إلاّ بما يتفضل عليه بإذنه ويقدر عليه بمشيئته ، فعند ذاك فالطلب منه بهذا الوصف يرجع إلى الله سبحانه . وبذلك يبدو أنّ ما تدل عليه الآيات القرآنية من أنّ طلب الحاجة من الأصنام كان شركاً في العبادة ، إنّما هو لأجل أنّ المدعوّ عند الداعي كان إلهاً أو ربّاً مستقلا في التصرف في شأن من شؤُون وجوده أو فعله . قال سبحانه: (الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)(2) ترى أنّه


(1) النمل : 60 وغيرها . (2) الأعراف: 197.


(65)

سبحانه يستنكر دعاءهم بقوله : ( لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)وقوله : ( عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ )(1) مُذكِّراً بأنّ عقيدتهم في حق هؤلاء عقيدة كاذبة وباطلة فالأصنام لا تستطيع نصرة أحد ، وهذا يكشف عن أنّ الداعين كانوا على جانب النقيض من تلك العقيدة وكانوا يعتقدون بتملّك الأصنام لنصرهم وقضاء حوائجهم من عند أنفسهم . وحصيلة البحث: أنّ الدعاء ليس مرادفاً للعبادة ، وما ورد في الآية والحديث من تفسير الدعاء بالعبادة لا يدل على ما يراه المستدِلّ ، فالمراد من الدعاء فيهما قسمٌ خاصٌّ منه ، وهو الدعاء المقترن باعتقادِ الإلوهية في المدعو والربوبيّة في المطلوب منه كما عرفت .


(1) الأعراف : 194 .


(66)

المبحث الثامن
الشفاعة في الأحاديث الإسلامية

لقد اهتمّ الحديث بأمر الشفاعة وحدودها وشرائطها وأسبابها وموانعها اهتماماً بالغاً لا يوجد له مثيل إلاّ في موضوعات خاصة تتمتع بالأهمية القصوى ، وأنت إذا لاحظت الصحاح والمسانيد والسنن وسائر الكتب الحديثية لوقفت على جمهرة كبرى من الأحاديث حول الشفاعة بحيث تدفع الإنسان إلى الإذعان بأنّها من الأُصول المسلّمة في الشريعة الإسلامية . ولأجل هذا التضافر نرى أنفسنا في غنىً عن المناقشة في الاسناد . نعم لوكانت هناك رواية اختصت بنكتة خاصة غيرموجودة في الروايات الأُخر فإثبات النكتة الخاصة يحتاج إلى ثبوت صحة سندها كما هو المحقّق في علم الحديث. ولما كانت الأحاديث حول الشفاعة وفروعها كثيرة جداً ، ومبثوثة في الكتب جمعناها في هذه الصحائف تحت عناوين خاصة ، ولسنا ندّعي أنّنا قد أحطنا بكل الأحاديث في هذا المجال ، وإنّما ندّعي أنّا قد جئنا بقسم كبير من الأحاديث(1) .



(1) لقد جمع العلاّمة المجلسي أحاديث الشفاعة الواردة من طرق أئمة أهل البيت في موسوعته «بحار الأنوار» فلاحظ 8: 29 ـ 63 كما أنّه أورد بعضها في الأجزاء التالية من موسوعته: بحار الأنوار 100: 116 ، 162 ، 170 ، 265 ، 303 ، 307 ، 331 ، 340 ، 345 ، 349 ، 351 ، 376 ، 379 ، ولاحظ 101: 8 ، 211 ، 212 ، 213 ، 293 ، 297 ، 298 ، 299 ، 372 ، 374 ، ولاحظ 102: 31 ، 32  ، 33 ، 35 ، 36 ، 44 ، 47 ، 71 ، 171 ، 181 ، 183 ، إلى غير ذلك من الموارد . وعقد أحمد بن محمد بن خالد البرقي باباً للشفاعة في موسوعته «المحاسن» فلاحظ 1: 184 .


(67)


(68)

أحاديث الشفاعة عند أهل السنّة:(1)

1 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لكلّ نبي دعوة مستجابة فتعجّل كل نبي دعوته وأنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأُمّتي وهي نائلة من مات منهم لا يشرك بالله شيئاً»(2) . 2 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «اُعطيت خمساً . . . واُعطيت الشفاعة فادّخرتها لأُمّتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً»(3) . 3 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «شفاعتي نائلة إن شاء الله من مات ولا يشرك بالله شيئاً»(4) . 4 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في تفسير قوله: ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً): «هو المقام الذي أشفع لأُمّتي فيه»(5) . 5 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أنا أوّلّ شافع وأوّل مشفّع»(6) .



(1) وقد عقد العلاّمة علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي (المتوفّى 975 هـ) باباً خاصاً للشفاعة نقل فيه طائفة من الأخبار، فلاحظ كنز العمال 4: 638 ـ 640 .       كما عقد الشيخ منصور علي ناصف في كتابه التاج الجامع للأُصول أبواباً للشفاعة لاحظ التاج 5: 348 ـ 360 وقد جاء فيها بأحاديث طوال قد أخذنا موضع الحاجة منها . غير أنّ ملاحظة مجموع الأحاديث لا تخلو عن فائدة . وعقد النسائي في سننه أبواباً أربعة خاصة للشفاعة لاحظ 3: 622 طـ دار إحياء التراث الإسلامي . (2) سنن ابن ماجة 2: 1440 ، وبهذا المضمون راجع مسند أحمد 1: 281 ، وموطّأ مالك 1: 166 ، وسنن الترمذي 5: 238 ، وسنن الدارمي 2: 328 ، وصحيح مسلم 1: 130 ، وصحيح البخاري 8: 83 و 9: 170 . (3) مسند أحمد 1: 301 و 4: 416 و 5: 148 وبهذا المضمون سنن النسائي 1: 172 ، وسنن الدارمي 1: 323 و  2: 224 ، وصحيح البخاري 1: 92 و 119 . (4) مسند أحمد 2: 426 . (5) مسند أحمد 2: 528 ، 444 ، 478 ; سنن الترمذي 3: 365 . (6) سنن الترمذي 5: 448 ; سنن الدارمي 1: 26 و 27 .


(69)

6 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلاّ الله مخلصاً يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه»(1) . 7 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أُمّتي»(2) . 8 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «رأيت ما تلقى أُمّتي بعدي (أي من الذنوب) فسألت الله أن يوليني شفاعة يوم القيامة فيهم ففعل »(3) . 9 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلاّ الله خالصاً من قلبه أو نفسه»(4) . 10 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أنا أوّل شافع في الجنة»(5) . 11 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «شفاعتي لكل مسلم»(6) . 12 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر»(7) . 13 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أنا سيد ولدآدم وأوّل شافع وأوّل مشفع ولا فخر»(8).



(1) مسند أحمد 2: 307 و 518 . (2) سنن ابن ماجة 2: 1441; وبهذا المضمون مسند أحمد 3: 213 ، وسنن أبي داود 2: 537 ، وسنن الترمذي   4: 45 . (3) مسند أحمد 6: 428 . (4) صحيح البخاري 1: 36 . (5) صحيح مسلم 1: 130 ; سنن الدارمي 1: 27 . (6) سنن ابن ماجة 2: 1444 . (7) سنن الترمذي 5: 247 ; سنن ابن ماجة 2: 1443 . (8) سنن ابن ماجة 2: 1440; وبهذا المضمون صحيح مسلم 7: 59 ، ومسند أحمد 2: 540 .


(70)

14 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّي لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة»(1) . 15 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ليخرجنّ قوم من أُمّتي من النار بشفاعتي يسمّون الجهنميين»(2) . 16 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «خُيّرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أُمّتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنّها أعم وأكفى ، أترونها للمتقين ؟ لا ، ولكنّها للمذنبين الخطّائين المتلوثين»(3) . 17 ـ وحكى أبو ذر: أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ صلّى ليلة فقرأ آية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(4) فلمّا أصبح قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها ، قال: «إنّي سألت ربّي عزّ وجلّ الشفاعة لأُمّتي فأعطانيها فهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله عزّ وجلّ شيئاً»(5) . 18 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يشفع النبيّون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي»(6) . 19 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة »(7) . 20 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء


(1) مسند أحمد 5: 347 . (2) سنن الترمذي 4: 114 ; سنن ابن ماجة 2: 1443; بهذا المضمون مسند أحمد 4: 434 ، وسنن أبي داود 2: 537 . (3) سنن ابن ماجة 2: 1441 . (4) المائدة: 118. (5) مسند أحمد 5: 149 . (6) صحيح البخاري 9: 160; وبهذا المضمون مسند أحمد 3: 94 . (7) صحيح مسلم 1: 122 وبهذا المضمون صحيح البخاري 8: 143 .


(71)

ثم الشهداء»(1) . 21 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «فإذا فرغ الله عزّ وجلّ من القضاء بين خلقه وأخرج من النار من يريد أن يخرج ، أمر الله الملائكة والرسل أن تشفع فيعرفون بعلاماتهم: إنّ النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلاّ موضع السجود»(2) . 22 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : « . . . فيؤذن للملائكة والنبيّين والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان »(3) . 23 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إذا ميّز أهل الجنة وأهل النار ، فدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار قامت الرسل وشفعوا»(4) . 24 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يشفع الأنبياء في كل من يشهد أن لا إله إلاّ الله مخلصاً ، فيخرجونهم منها»(5) . 25 ـ ذكرت الشفاعة عند رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: «إنّ الناس يعرضون على جسر جهنم . . . وبجنبتيه الملائكة يقولون: اللّهمّ سلّم سلّم . . .»(6) . 26 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث: «أمّا أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم نار بذنوبهم أو بخطاياهم فأماتتهم إماتة ، حتى إذا كانوا فحماً أذن في الشفاعة فيخرجون ضبائر ضبائر»(7) .



(1) سنن ابن ماجة 2: 1443 . (2) سنن النسائي 2: 181 . (3) مسند أحمد 5: 43 بتلخيص منّا . (4) مسند أحمد 3: 325 . (5) مسند أحمد 3: 12 . (6) مسند أحمد 3: 26 . (7) مسند أحمد 3: 79; وبهذا المضمون سنن ابن ماجة 2: 1441 ، وسنن الدارمي 2: 332 ، ومسند أحمد  3:  5 .


(72)

27 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث: « . . . فيشفعون حتى يخرج من قال لا إله إلاّ الله ممّن في قلبه ميزان شعيرة»(1) . 28 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يشفع الشهيد في سبعين إنساناً من أهل بيته»(2) . 29 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «من تعلّم القرآن (من قرأ القرآن) فاستظهره فأحلّ حلاله وحرّم حرامه أدخله الله به الجنة وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلّهم قد وجبت له النار»(3) . 30 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث: «إذا بلغ الرجل التسعين غفر الله ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر وسمّي أسير الله في الأرض ، وشفّع في أهله»(4) . 31 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل من أُمّتي أكثر من بني تميم»(5) . 32 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ من أُمّتي لمن يشفع لأكثر من ربيعة ومضر»(6) . 33 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيّين أو مثل أحد الحيّين ربيعة ومضر»(7) . 34 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ الرجل من أُمّتي ليشفع للفئام من


(1) مسند أحمد 3: 345 . (2) سنن أبي داود 2: 15 ; وبهذا المضمون مسند أحمد 4: 131 ، وسنن الترمذي 3 : 106 . (3) سنن الترمذي 4: 245 ; سنن ابن ماجة 1: 78 ; مسند أحمد 1: 148 و 149 . (4) مسند أحمد 2: 89 ، وبهذا المضمون ما في 3: 218 . (5) سنن الدارمي 2: 328 ; سنن الترمذي 4: 46 ; سنن ابن ماجة 2: 1444 ; مسند أحمد 3: 470 و 5: 366 . (6) مسند أحمد 4: 212 . (7) مسند أحمد 5: 257 .


(73)

الناس فيدخلون الجنة ، وإنّ الرجل ليشفع للقبيلة ، وإنّ الرجل ليشفع للعصبة ، وإنّ الرجل ليشفع للثلاثة ، وللرجلين ، وللرجل»(1) . 35 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يصف الناس (أهل الجنة) صفوفاً: فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول: يا فلان أما تذكر يوم استقيت فسقيتك شربة ؟ قال: فيشفع له ، ويمرّ الرجل فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهوراً ؟ فيشفع له»(2) . 36 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث: «لا يصبر على لأوائها (أي المدينة) وشدتها إلاّ كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة »(3) . 37 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لخادمه: «ما حاجتك ؟ قال: حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة ، قال: ومن دلّك على هذا ؟ قال: ربي ، قال: أما فأعنّي بكثرة السجود»(4) . 38 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «من صلّى على محمد وقال: اللّهمّ أنزله المقعد المقرّب عندك يوم القيامة ، وجبت له شفاعتي »(5) . 39 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «من قال حين يسمع النداء: «اللّهمّ ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته» حلّت له شفاعتي يوم القيامة»(6) .



(1) مسند أحمد 3: 20 و 63 ; سنن الترمذي 4: 46 . (2) سنن ابن ماجة 2: 1215 . (3) موطأ مالك 2: 201 ; مسند أحمد 2: 119 و 133 ومواضع أُخر من هذا الكتاب . (4) مسند أحمد 3: 500 ، وبهذا المضمون ما في 4: 59 . (5) مسند أحمد 4: 108 . (6) صحيح البخاري 1: 159 ; وبهذا المضمون ما في مسند أحمد 3: 354 ، وسنن ابن ماجة 1: 239 ، وسنن الترمذي 1: 136 ، وسنن النسائي 2: 22 ، وسنن أبي داود 1: 126 .


(74)

40 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلّوا عليّ; فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه عشراً ، ثم سلوا الله عزّ وجلّ لي الوسيلة; فمن سأل الله لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة»(1) . 41 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «من غشّ العرب ، لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودّتي»(2) . 42 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ اللعّانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة»(3) . 43 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «تعلّموا القرآن; فإنّه شافع لأصحابه يوم القيامة»(4) . 44 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ سورة من القرآن ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تبارك الذي بيده الملك»(5) . 45 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام: أي ربّي منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفّعني فيه ، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفّعني فيه ، قال: فيشفعان»(6) . 46 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إن أقربكم منّي غداً وأوجبكم عليَّ شفاعة: أصدقكم لساناً وأدّاكم لأمانتكم ، وأحسنكم خلقاً ، وأقربكم من


(1) سنن أبي داود 1: 124 ; صحيح مسلم 2: 4 ; سنن الترمذي 5: 246 و 247 ; سنن النسائي 2: 22 ; ومسند أحمد 2: 168 . (2) مسند أحمد 1: 72 . ولا يتوهم أنّ هذا الحديث تكريس للقومية المبغوضة في الإسلام; لأنّ من المعلوم أنّ المراد من العرب المسلمين فيكون بمنزلة «من غشّ مسلماً فليس بمسلم» لأنّ المسلم يوم ذاك كان منحصراً في العرب . (3) مسند أحمد 6: 448 ; صحيح مسلم 8: 24 . (4) مسند أحمد 5: 251 . (5) مسند أحمد 2: 199 و 321 ; سنن الترمذي 4: 238 . (6) مسند أحمد 2: 174 .


(75)

الناس»(1) . 47 ـ روى أنس بن مالك عن أبيه قال: سألت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يشفع لي يوم القيامة فقال: «أنا فاعل» ، قلت: يا رسول الله فأين أطلبك ؟ قال: «اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط» ، قلت: فإن لم ألقك على الصراط ؟ قال: «فاطلبني عند الميزان» ، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان ؟ قال: «فاطلبني عند الحوض فإنّي لا أخطا هذه الثلاث المواطن»(2) . 48 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث: «أنا سيد الناس يوم القيامة . . . ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفّع ، فأرفع رأسي فأقول: يا ربّي أُمّتي يا ربّي أُمّتي يا ربّي أُمّتي ، فيقول: يا محمد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة»(3) . 49 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أنا أوّل الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعاً»(4) . 50 ـ أخرج ابن مردويه عن طلق بن حبيب: كنت أشد الناس تكذيباً بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار ، فقال: يا طلق أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم لسنّة رسول الله منّي ؟ إنّ الذين قرأت هم أهلها هم المشركون ، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوباً فعذّبوا ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه إلى أُذنيه ، فقال: صمّتا إن لم أكن


(1) تيسير المطالب في أمالي الإمام علي بن أبي طالب ، تأليف السيد يحيى بن الحسين من أحفاد الإمام زيد (المتوفّى 424 هـ) ، ص 442 ـ 443 . (2) سنن الترمذي ج 4 الباب التاسع ، الحديث 2550 . (3) سنن الترمذي ج 4 الباب العاشر ، الحديث 2551 . (4) صحيح مسلم 1: 130 .


(76)

سمعت رسول الله يقول: يخرجون من النار بعدما دخلوا ، ونحن نقرأ كما قرأت . وعن ابن أبي حاتم عن يزيد الفقير ، قال: جلست إلى جابر بن عبد الله وهو يحدّث ، فحدّث أنّ ناساً يخرجون من النار ، قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك ، فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد تزعمون أنّ الله يخرج ناساً من النار والله يقول: ( يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا )(1) فانتهرني أصحابه وكان أحلمهم ، فقال: دعوا الرجل إنّما ذلك للكفّار ، فقرأ: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الاَْرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) حتى بلغ ( وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ )(2) أما تقرأ القرآن ؟ قلت: بلى قد جمعته ، قال: أليس الله يقول: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً )(3) فهو ذلك المقام فإنّ الله تعالى يحتبس أقواماً بخطاياهم في النار ما شاء لا يكلّمهم فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم قال : فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به . . .(4) .

* * *

هذه خمسون حديثاً رواها أهل السنّة عن النبي الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولو أضفنا إليها الصور المختلفة لكل حديث لتجاوز عدد الأحاديث المائة حديث ، ولكن اكتفينا بهذا المقدار وأشرنا إلى المواضع التي نقلت فيها صورها المختلفة والناظر فيها يذعن بأنّ الاعتقاد بالشفاعة كان أمراً مسلّماً بين جماهير المسلمين كما يذعن بأنّها لم تكن عندهم مطلقة عن كل قيد ،


(1) المائدة : 37 . (2) المائدة : 36 ـ 37 . (3) الإسراء : 79 . (4) تفسير ابن كثير 2: 54 كما في حياة الصحابة للشيخ محمد يوسف الكاندهلوي3: 471 ـ 472  .


(77)

بل لها شرائط خصوصاً في جانب المشفوع له ، وأنّ هناك شفعاء وسنشير في خاتمة المطاف إلى فذلكة الروايات وعصارتها في المواضع المختلفة . هلمّ معي نقرأ ما روته الإمامية في هذا الباب من الأحاديث الكثيرة عن النبي الأكرم والأئمة المعصومين ، ولأجل سهولة الإرجاع إليها نحافظ على التسلسل المذكور في الأحاديث السابقة .

أحاديث الشفاعة عند الشيعة الإمامية

51 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّي لأشفع يوم القيامة وأُشفّع ، ويشفع عليٌّ فيُشفّع ، ويشفع أهل بيتي فيشفّعون»(1) . 52 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أُعطيت خمساً . . . أُعطيت الشفاعة»(2) . 53 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ الله أعطاني مسألة فادّخرت مسألتي لشفاعة المؤمنين من أُمّتي يوم القيامة ففعل ذلك»(3) . 54 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ من اُمتي من سيدخل الله الجنة بشفاعته أكثر من مضر»(4) . 55 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي »(5) . 56 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «الشفعاء خمسة: القرآن ، والرحم ،


(1) مناقب ابن شهر آشوب 2: 15; وبهذا المضمون في مجمع البيان 1: 104 . (2) من لا يحضره الفقيه 1: 155 . (3) أمالي الطوسي: ص 36 . (4) مجمع البيان 10: 392 . (5) من لا يحضره الفقيه 3: 376 .


(78)

والأمانة ، ونبيكم ، وأهل بيت نبيكم»(1) . 57 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة : أي ربّي عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا ، فشفّعني فيه فيقول: اذهب فأخرجه من النار فيذهب فيتجسس في النار حتى يخرجه منها»(2) . 58 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي»(3) . 59 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع في أربعين من إخوانه»(4) . 60 ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أيّما امرأة صلّت في اليوم والليلة خمس صلوات ، وصامت شهر رمضان ، وحجّت بيت الله الحرام ، وزكّت مالها ، وأطاعت زوجها ، ووالت علياً بعدي دخلت الجنة بشفاعة بنتي فاطمة»(5) .

أحاديث الشفاعة عن الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ :

61 ـ قال علي ـ عليه السلام ـ : «لنا شفاعة ولأهل مودّتنا شفاعة»(6) . 62 ـ قال علي ـ عليه السلام ـ : «ثلاثة يشفعون إلى الله عزّ وجلّ فيشفّعون: الأنبياء ، ثم العلماء، ثم الشهداء»(7) . 63 ـ قال علي ـ عليه السلام ـ لولده محمد الحنفية: «اقبل من متنصّل عذره ، فتنالك الشفاعة»(8) .



(1) مناقب ابن شهر آشوب 2: 14 . (2) مجمع البيان 10: 392 . (3) مجمع البيان 1: 104 ، ويقول الطبرسي: إنّ هذا الحديث ممّا قبلته الأُمّة الإسلامية . (4) مجمع البيان 1: 104 . (5) أمالي الصدوق: ص 291 . (6) خصال الصدوق: ص 624 . (7) خصال الصدوق: ص 156 . (8) من لا يحضره الفقيه 4: 279 .


(79)

64 ـ قال علي ـ عليه السلام ـ : «اعلموا أنّ القرآن شافع ومشفّع ، وقائل ومصدّق ، وأنّه من شفّع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه»(1) . 65 ـ قال علي ـ عليه السلام ـ : «قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إذا قمت المقام المحمود تشفّعت في أصحاب الكبائر من أُمّتي فيشفّعني الله فيهم ، والله لا تشفّعت فيمن آذى ذرّيتي»(2) . 66 ـ قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «إنّ للجنة ثمانية أبواب باب يدخل منه النبيون والصدّيقون ، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون ، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا فلم أزل واقفاً على الصراط أدعو وأقول: ربّ سلّم شيعتي ومحبّي وأنصاري ومن تولاّني في دار الدنيا، فإذا النداء من بطنان العرش: قد أُجيبت دعوتك وشفّعت في شيعتك ، ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولاّني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفاً من جيرانه وأقربائه ، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممّن يشهد أن لا إله إلاّ الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل البيت»(3) . 67 ـ قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «سمعت النبي يقول: إذا حشر الناس يوم القيامة ناداني مناد: يا رسول الله إنّ الله جلّ اسمه قد أمكنك من مجازاة محبيك ومحبّي أهل بيتك الموالين لهم فيك والمعادين لهم فيك فكافهم بما شئت فأقول: يا ربّ الجنة فأبوِّئُهم منها حيث شئت ، فذلك المقام المحمود الذي وعدت به»(4) .



(1) نهج البلاغة : الخطبة 171 . (2) أمالي الصدوق: ص 177 . (3) بحار الأنوار 8: 39 نقلا عن أمالي الصدوق: ص 39 . (4) بحار الأنوار 8: 39 ـ 40 نقلا عن أمالي الصدوق: ص 187 .


(80)

68 ـ عن علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ قال: «قالت فاطمة ـ عليها السلام ـ لرسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يا أبتاه أين ألقاك يوم الموقف الأعظم ويوم الأهوال ويوم الفزع الأكبر ؟ قال: يا فاطمة عند باب الجنة ومعي لواء الحمد وأنا الشفيع لأُمّتي إلى ربّي . قالت: يا أبتاه فإن لم ألقك هناك ؟ قال: ألقيني على الحوض وأنا أسقي أُمّتي ، قالت: يا أبتاه إن لم ألقك هناك ؟ قال: ألقيني على الصراط وأنا قائم أقول: ربّ سلّم أُمّتي ، قالت: فإن لم ألقك هناك ؟ قال: ألقيني وأنا عند الميزان ، أقول: ربّي سلّم أُمّتي ، قالت: فإن لم ألقك هناك ؟ قال: ألقيني على شفير جهنّم أمنع شررها ولهبها عن اُمتي فاستبشرت فاطمة بذلك ، صلّى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها»(1) .

أحاديث الشفاعة عن سائر أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ :

69 ـ قال الحسن ـ عليه السلام ـ : «إنّ النبي قال في جواب نفر من اليهود سألوه عن مسائل: وأمّا شفاعتي ففي أصحاب الكبائر ما خلا أهل الشرك والظلم»(2) . 70 ـ عن الحسين ـ عليه السلام ـ وهو ينقل كلام جده معه في منامه قائلا: « حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرمّلا بدمائك مذبوحاً بأرض كربلا على أيدي عصابة من أُمّتي وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة»(3) . 71 ـ قال علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ في الدعاء الثاني من صحيفته: « عرّفه في أهله الطاهرين ، وأُمّته المؤمنين من حسن الشفاعة ، أجل ما وعدته»(4) .



(1) بحار الأنوار 8: 35 نقلا عن أمالي الصدوق: ص 166 . (2) خصال الصدوق: ص 355 . (3) مكاتيب الأئمة 2: 41 . (4) الصحيفة السجادية ، الدعاء الثاني .


(81)

72 ـ قال علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ : «اللّهمّ صلّ على محمد وآل محمد وشرّف بنيانه وعظّم برهانه ، وثقّل ميزانه ، وتقبّل شفاعته»(1) . 73 ـ قال علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ : «فإنّي لم آتك ثقة منّي بعمل صالح قدمته: ولا شفاعة مخلوق رجوته إلاّ شفاعة محمد وأهل بيته عليه وعليهم سلامك»(2) . 74 ـ قال علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ : «إلهي ليس لي وسيلة إليك إلاّ عواطف رأفتك ، ولا ذريعة إليك إلاّ عوارف رحمتك ، وشفاعة نبيك نبي الأُمّة»(3) . 75 ـ قال علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ : «صلّ على محمد وآله واجعل توسلي به شافعاً يوم القيامة نافعاً إنّك أنت أرحم الراحمين »(4) . 76 ـ قال محمد بن علي الباقر ـ عليهما السلام ـ : «إنّ لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شفاعة في أُمّته»(5) . 77 ـ قال محمد بن علي الباقر ـ عليهما السلام ـ : «من تبع جنازة مسلم أُعطي يوم القيامة أربع شفاعات»(6) . 78 ـ قال محمد بن علي الباقر ـ عليهما السلام ـ : «يشفع الرجل في القبيلة ، ويشفع الرجل لأهل البيت ، ويشفع الرجل للرجلين على قدر عمله ، فذلك


(1) الصحيفة السجادية ، الدعاء الثاني والأربعون . (2) الصحيفة السجادية: الدعاء الثامن والأربعون . (3) ملحقات الصحيفة: ص 250 . (4) ملحقات الصحيفة: ص 229 . (5) المحاسن للبرقي: ص 184 . (6) التهذيب 1: 455 .


(82)

المقام المحمود»(1). 79 ـ قال محمد بن علي الباقر ـ عليهما السلام ـ : «إنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنساناً ، فعند ذلك يقول أهل النار: فما لنا من شافعين ، ولا صديق حميم»(2) . 80 ـ سئل محمد بن علي الباقر ـ عليهما السلام ـ عن أرجى آية في كتاب الله ؟ فقال الإمام للسائل(بشربن شريح البصري):«مايقول فيهاقومك»؟قال:قلت: يقولون: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ) ، قال: «لكنّا أهل البيت لا نقول بذلك» ، قال السائل: قلت: فأيّ شيء تقولون فيها ؟ قال: «نقول: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة»(3). 81 ـ دخل مولى لامرأة عليّ بن الحسين ـ عليهما السلام ـ على أبي جعفر (الباقر) يقال له أبو أيمن فقال: يغرون الناس فيقولون شفاعة محمد ، قال : فغضب أبو جعفر حتى تربد وجهه ، ثم قال: «ويحك يا أبا أيمن أغرّك أن عفّ بطنك وفرجك ، أما والله لو قد رأيت أفزاع يوم القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمد ، ويلك وهل يشفع إلاّ لمن قد وجبت له النار »(4) . 82 ـ عن محمد بن مسلم قال: سمعت أباجعفر ـ عليه السلام ـ يقول: «لفاطمة وقفة على باب جهنم فإذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كل رجل مؤمن أو كافر فيؤمر بمحب قد كثرت ذنوبه إلى النار ، فتقرأ بين عينيه محباً ، فتقول: إلهي وسيدي سمّيتني فاطمة وفطمت بي من تولاّني وتولّى ذريتي من النار ووعدك


(1) مناقب ابن شهر آشوب 2: 14 . (2) الكافي 8: 101 ، وبهذا المضمون في تفسير فرات الكوفي: ص 108 . (3) تفسير فرات الكوفي: ص 18 . (4) المحاسن 1: 183 .


(83)

الحق وأنت لا تخلف الميعاد ، فيقول الله عزّ وجلّ: صدقت يا فاطمة إنّي سمّيتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولاّك وأحب ذريتك وتولاّهم من النار ووعدي الحق ، وأنا لا أخلف الميعاد وإنّما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأُشفّعك ليتبيّن لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفك منّي ومكانتك عندي فمن قرأت بين عينيه مؤمناً فجذبت بيده وأدخلته الجنة»(1) . 83 ـ قال جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ : «والله لنشفعنّ لشيعتنا ، والله لنشفعنّ لشيعتنا ، والله لنشفعنّ لشيعتنا حتى يقول الناس فما لنا من شافعين ولا صديق حميم»(2) . 84 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «لكل مؤمن خمس ساعات يوم القيامة يشفع فيها»(3) . 85 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «شفاعتنا لأهل الكبائر من شيعتنا ، وأمّا التائبون فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ما على المحسنين من سبيل»(4) . 86 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا: المعراج ، والمساءلة في القبر ، والشفاعة»(5) . 87 ـ قال معاوية بن عمار لجعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه ؟ قال: «نحن أُولئك الشافعون»(6) .



(1) بحار الأنوار 8: 51 نقلا عن علل الشرائع: ص 178 . (2) مناقب ابن شهر آشوب 2: 164 . (3) صفات الشيعة : ص 36 . (4) من لا يحضره الفقيه 3: 376 . (5) الأمالي للشيخ الصدوق: ص 177 . (6) تفسير العياشي 1: 136 ، وبهذا المضمون في المحاسن : ص 183 .


(84)

88 ـ سئل جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ عن المؤمن هل يشفع في أهله ؟ قال: «نعم المؤمن يشفع فيشفّع»(1) . 89 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «إذا كان يوم القيامة نشفع في المذنب من شيعتنا وأمّا المحسنون فقد نجّاهم الله »(2) . 90 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «نمجّد ربنا ونصلّي على نبيّنا ونشفع لشيعتنا فلا يردنا ربّنا»(3) . 91 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «إنّ المؤمن ليشفع لحميمه ، إلاّ أن يكون ناصباً ، ولو أنّ ناصباً شفع له كل نبي مرسل وملك مقرّب ما شفعوا»(4) . 92 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «إنّ الجار ليشفع لجاره والحميم لحميمه ، ولو أنّ الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين شَفّعوا في ناصب ما  شُفّعوا»(5) . 93 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «إنّ المؤمن ليشفع يوم القيامة لأهل بيته فيشفّع فيهم حتى يبقى خادمه فيقول ـ فيرفع سبابتيه ـ يا رب خويدمي كان يقيني الحر والبرد ، فيشفّع فيه»(6) . 94 ـ كتب جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ إلى أصحابه: «واعلموا أنّه ليس يغني عنهم من الله أحد من خلقه شيئاً ، لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا من دون ذلك، فمن سرّه أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى


(1) المحاسن : ص 184 . (2) فضائل الشيعة للشيخ الصدوق: ص 109 ح 45 . (3) المحاسن : ص 183 ، وبهذا المضمون في البحار 8: 41 عن الإمام الكاظم  . (4) ثواب الأعمال : ص 251 . (5) المحاسن : ص 184 . (6) بحار الأنوار 8: 56 و 61 نقلا عن الاختصاص للمفيد وتفسير العياشي بتفاوت يسير .


(85)

عنه»(1) . 95 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «إذا كان يوم القيامة بعث الله العالم والعابد ، فإذا وقفا بين يدي الله عزّ وجلّ قيل للعابد: انطلق إلى الجنة ، وقيل للعالم: قف تشفّع للناس بحسن تأديبك لهم »(2) . 96 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ في تفسير قوله سبحانه: « ( لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً) «لا يشفّع ولا يشفّع لهم ولا يشفعون إلاّ من أذن له بولاية أمير المؤمنين والأئمة من ولده فهو العهد عند الله»(3) . 97 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ : «يا معشر الشيعة فلا تعودون وتتّكلون على شفاعتنا ، فو الله لا ينال شفاعتنا إذا ركب هذا (الزنا) حتى يصيبه ألم العذاب ويرى هول جهنم»(4) . 98 ـ سئل جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ عن المؤمن هل له شفاعة ؟ قال: «نعم» ، فقال له رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمد ؟ قال: «نعم ، إنّ للمؤمنين خطايا وذنوباً وما من أحد إلاّ يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذ»(5) . 99 ـ قال جعفر بن محمد الصادق ـ عليهما السلام ـ أو محمد بن علي الباقر ـ عليهما السلام ـ في تفسير قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً )قال: «هي


(1) الكافي 8: 11 . (2) بحار الأنوار 8: 56 نقلا عن عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق . (3) تفسير علي بن ابراهيم القمي ص 417، ونقل عن الإمام الباقر أيضاً كما في البحار 8: 37 . (4) الكافي 5: 469 ; من لا يحضره الفقيه 4: 28 . (5) تفسيرالعياشي المعاصر للشيخ الكليني2: 314، وفي المحاسن1: 184 ومع زيادات في بحار الأنوار 8: 48.


(86)

الشفاعة»(1) . 100 ـ عن سماعة عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سألته عن شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوم القيامة ؟ قال: «يلجم الناس يوم القيامة العرق ويقولون: انطلقوا بنا إلى آدم يشفع لنا عند ربّه ، فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا عند ربّك فيقول: إنّ لي ذنباً وخطيئة فعليكم بنوح ، فيأتون نوحاً فيردّهم إلى من يليه، وكلّ نبي يردّهم إلى من يليه حتى ينتهون إلى عيسى فيقول: عليكم بمحمد رسول الله ـ صلّى الله عليه وعلى جميع الأنبياء ـ فيعرضون أنفسهم عليه ويسألونه فيقول: انطلقوا ، فينطلق بهم إلى باب الجنة ويستقبل باب الرحمن ويخرّ ساجداً فيمكث ما شاء الله ، فيقول عزّ وجلّ: ارفع رأسك واشفع تشفّع وسل تعط وذلك قوله: (عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً)»(2) . 101 ـ عن عيسى بن القاسم، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : «إنّ أُناساً من بني هاشم أتوا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله للعاملين عليها فنحن أولى به ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يا بني عبد المطلب إنّ الصدقة لا تحل لي ولا لكم ولكنّي وُعدت الشفاعة ثم قال: والله أشهد أنّه قد وعدها فما ظنّكم يا بني عبد المطلب إذا أخذت بحلقة الباب أتروني مؤثراً عليكم غيركم ، ثم قال : إنّ الجن والإنس يجلسون يوم القيامة في صعيد واحد فإذا طال بهم الموقف طلبوا الشفاعة فيقولون: إلى من ؟ فيأتون نوحاً فيسألونه الشفاعة ، فقال: هيهات قد رفعت حاجتي ، فيقولون إلى من ؟ فيقال: إلى إبراهيم . . .»(3) .



(1) تفسير العياشي 2: 314 . (2) بحار الأنوار 8: 35 ـ 36 نقلا عن تفسير علي بن إبراهيم: ص 387 . الذنب الذي ورد في الحديث بمعنى ما يتبع الإنسان لا بمعنى المعصية ، وعلى كل حال فحسنات الأبرار سيئات المقرّبين . (3) بحار الأنوار 8: 47 ـ 48 وذيل الحديث موافق لما تقدمه ولأجل ذلك تركناه .


(87)

102 ـ عن سماعة، عن أبي إبراهيم ـ عليه السلام ـ في قول الله تعالى: (عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً) قال: «يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين عاماً ويؤمر الشمس فيركب على رؤوس العباد ويلجمهم العرق ، ويؤمر الأرض لا تقبل من عرقهم شيئاً ، فيأتون آدم فيتشفّعون منه فيدلّهم على نوح ، ويدلّهم نوح على إبراهيم، ويدلّهم إبراهيم على موسى، ويدلّهم موسى على عيسى، ويدلّهم عيسى فيقول: عليكم بمحمد خاتم البشر ، فيقول محمد: أنا لها ، فينطلق حتى يأتي باب الجنة فيدقّ فيقال له : من هذا ـ والله أعلم ـ فيقول: محمد ! فيقال: افتحوا له ، فإذا فتح الباب استقبل ربه فيخر ساجداً فلايرفع رأسه حتى يقال له: تكلّموسل تعط واشفع تشفّع ، فيرفع رأسه فيستقبل ربّه فيخر ساجداً فيقال له مثلها فيرفع رأسه حتى أنّه ليشفع من قد أُحترق بالنار ، فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الأُمم أوجه من محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو قول الله تعالى: (عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً )»(1) . 103 ـ قال موسى بن جعفر الكاظم ـ عليهما السلام ـ : «لمّا حضر أبي (جعفر بن محمد) الوفاة قال لي: يا بني إنّه لا ينال شفاعتنا من استخفّ بالصلاة»(2) . 104 ـ قال موسى بن جعفر الكاظم ـ عليهما السلام ـ : «كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: لا تستخفوا بفقراء شيعة علي; فإنّ الرجل منهم ليشفع بعدد ربيعة ومضر»(3) .



(1) بحار الأنوار 8: 48 ـ 49 نقلا عن تفسير العياشي ، والمراد من «استقبل ربه»: استقبل رضوانه أو باب رحمته أو ما يناسب ذلك كما ورد في الحديث المروي عن الإمام الصادق . (2) الكافي 3: 270 و 6: 401 ; التهذيب 9: 107; بهذا المضمون في من لا يحضره الفقيه 1: 133 ، ونقله الشيخ في التهذيب 9: 106 عن الإمام الصادق  . (3) بحار الأنوار 8: 59 ; وبهذا المضمون في أمالي الشيخ الطوسي: ص 63 ، وبشارة المصطفى: ص 55 .


(88)

105 ـ قال موسى بن جعفر الكاظم ـ عليهما السلام ـ : «شيعتنا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجّون البيت الحرام ويصومون شهر رمضان ويوالون أهل البيت ويتبرأون من أعدائهم ، وإنّ أحدهم ليشفع في مثل ربيعة ومضر فيشفّعه الله فيهم لكرامته على الله عزّ وجلّ»(1) . 106 ـ قال علي بن موسى الرضا ـ عليهما السلام ـ ناقلا عن علي ـ عليه السلام ـ : «من كذّب بشفاعة رسول الله لم تنله»(2) . 107 ـ قال علي بن موسى الرضا ـ عليهما السلام ـ : «مذنبو أهل التوحيد لا يخلّدون في النار ويخرجون منها والشفاعة جائزة لهم»(3) . 108 ـ قال علي بن موسى الرضا ـ عليهما السلام ـ ناقلا عن آبائه عن رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريّتي ، والقاضي لهم حوائجهم ، والساعي في أُمورهم عندما اضطرّوا إليه ، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه»(4) . 109 ـ قال علي بن موسى الرضا ـ عليهما السلام ـ  ، ناقلا عن آبائه عن رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله شفاعتي، ثم قال ـ عليه السلام ـ : إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي فأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل» ، قال الحسين بن خالد: فقلت للرضا ـ عليه السلام ـ : يا بن رسول الله فما معنى قول الله عزّ وجلّ: ( ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى)؟ قال: «لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى الله دينه»(5) . 110 ـ قال علي بن محمد الهادي ـ عليهما السلام ـ كما في الزيارة الجامعة:


(1) صفات الشيعة : ص 164 ، الحديث الخامس . (2) عيون أخبار الرضا 2: 66 . (3) عيون أخبار الرضا 2: 125 . (4) عيون أخبار الرضا 2: 24 ، وباختصار يسير في بشارة المصطفى: ص 140 . (5) أمالي الصدوق: ص 5 .


(89)

« ولكم المودّة الواجبة والدرجات الرفيعة والمقام المحمود ، والمقام المعلوم عند الله عزّ وجلّ والجاه العظيم ، والشأن الكبير والشفاعة المقبولة»(1) . 111 ـ قال الحسن بن علي العسكري ـ عليهما السلام ـ ناقلا عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في ضمن حديث: «لا يزال المؤمن يشفع حتى يشفع في جيرانه وخلطائه ومعارفه»(2) . 112 ـ قال الحجة بن الحسن ـ عليهما السلام ـ في الصلوات المنقولة عنه: « اللّهمّ صلّ على سيد المرسلين وخاتم النبيين وحجة ربّ العالمين ، المرتجى للشفاعة»(3) . هذه هي الأحاديث الواردة عن طرق الشيعة الإمامية وأنت إذا أضفتها إلى ما رواه أصحاب الصحاح والمسانيد ، يتجلّى لك موقف الشفاعة في الشريعة الإسلامية وانها من الأُمور الثابتة والقطعية كما يتجلّى لك معناها إلى غير ذلك من الخصوصيات التي مرّ بيان الخلاف فيها . ثم بقيت في المقام روايات مبعثرة في الكتب والصحاح والمسانيد ، يستلزم جمعها إفراد رسالة في المقام، ولأجل ذلك اكتفينا بما ذكرناه .


(1) من لا يحضره الفقيه 2: 616 . (2) بحار الأنوار 8: 44 . (3) مصباح المتهجّد : ص 284 .


(90)

خاتمة المطاف:

بحث وتمحيص
حول الروايات الواردة في الشفاعة

قد وقفت على النصوص والروايات التي نقلناها من الصحاح والمسانيد لأهل السنّة والمجاميع الحديثية للشيعة الإمامية والواجب هنا هو الوقوف على مضمون هذه الروايات على وجه الاختصار وإليك ما تدلّ عليه تلك المأثورات: 1 ـ يستفاد من الروايات المختلفة أنّ الشفاعة من ضروريات التشيع وأنّ أئمة أهل البيت يجاهرون بذلك ، فلاحظ الأرقام التالية من الأحاديث المتقدّمة: 86 ، 106 ، 109 . 2 ـ إنّ الدقة فيما مرّ من الروايات المتواترة يقضي ببطلان ما ذهب إليه المعتزلة في معنى الشفاعة ، وأنّ الحقّ في الشفاعة هو ما عليه جمهور المسلمين من أنّه عبارة عن غفران الذنوب الكبيرة ببركة شفاعة الشفيع ودعائه ، فلاحظ الأرقام التالية من الأحاديث المقدّمة: 1 ، 7 ، 15 ، 16 ، 55 ، 58 ، 65 ، 66 ، 85 ، 109 وغيرها من الروايات . 3 ـ إنّ الشفاعة كما تحفظ من دخول النار توجب خروج المذنب من النار بعد الدخول فيها ، فلاحظ الأرقام التالية: 26 ، 50 ، 57 ، 107 وغيرها . 4 ـ إنّ شفاعة الشافعين مشروطة بوجود مؤهلات في المشفوع لهم وقد جاءت شروطها في الروايات . منها: أن لا يكون مشركاً ، ومنها: أن يكون


(91)

مسلماً ، ومنها: أن يكون مؤمناً ، ومنها: أن يكون محبّاً لأهل البيت لا ناصباً لهم العداء ، ومنها: أن لا يكون مستخفاً بالصلاة ، نعم من كان مؤدياً للأمانة ، وحسن الخلق ، وقريباً من الناس يشفع قبل كل أحد ، فلاحظ في ذلك كلّه الأرقام التالية: 2 ، 3 ، 6 ، 9 ، 11 ، 17 ، 24 ، 91 ، 92 ، 103 . 5 ـ إنّ القرآن وإن أجمل مسألة الشفيع ولم يصرّح في ذلك إلاّ في مورد أو موردين ، غير أنّ الأحاديث أعطت صورة مفصّلة عن الشفعاء ، وإليك أسماءهم مع الإشارة إلى الأحاديث الدالّة عليها . أ ـ الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من الشفعاء ، فلاحظ الأرقام التالية من الأحاديث الماضية: 4 ، 5 ، 7 ، 8 ، 10 ، 14 ، 56 ، 69 ، 73 ، 74 ، 76 ، 100 ، 101 . ب ـ الملائكة من الشفعاء ، فلاحظ الأرقام التالية: 18 ، 21 ، 22 . ج ـ الأنبياء من الشفعاء ، فلاحظ الأرقام التالية: 20 ، 21 ، 22 . د ـ أهل البيت من الشفعاء ، فلاحظ الأرقام التالية: 51 ، 56 . هـ ـ علي من الشفعاء ، فلاحظ الرقم: 61 . و ـ فاطمة من الشفعاء ، فلاحظ: 60 ، 82 . ز ـ العلماء من الشفعاء ، فلاحظ: 20 ، 62 ، 95 . ح ـ الشهداء من الشفعاء ، فلاحظ: 20 ، 22 ، 28 ، 62 . ط ـ القرآن من الشفعاء ، فلاحظ: 43 ، 44 ، 56 ، 64 . ي ـ متعلّم القرآن والعامل به من الشفعاء ، فلاحظ: 29 . ك ـ المؤمن من الشفعاء ، فلاحظ: 77 ، 78 ، 88 ، 91 ، 93 ، 105 ، 111 . ل ـ من بلغ التسعين يشفع ، لاحظ: 30 .


(92)

م ـ من كان حافظاً للرحم مؤدّياً للأمانة يشفع ، لاحظ: 56 . ما ذكرناه عصارة هذه الروايات ، وأمّا الوقوف على الجزئيات فيتوقف على ملاحظتها واحدة بعد الأُخرى .

Website Security Test