welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 1

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء1
(1)

صفحه 2

صفحه 3
1
مقدمة في علوم القرآن
الجزء الأوّل
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1397 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 620 - 2(VOL.1)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6 (30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زير نويس .
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP   179 / 297
1397
اسم الكتاب:    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء1
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1397 هـ ش / 1439 هـ . ق / 2018 م
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:    376 صفحة
القطع:     وزيري
عدد النسخ :    1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تسلسل النشر:1016   تسلسل الطبعة الأُولى:481
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 1
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على حامل وحيه وخاتم رسله محمّد، وعلى آله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد; فهذه صحائف في علوم القرآن الكريم، وقد قمت بتحريرها بعد أن فرغتُ عن تفسيره، فأحببت أن أُكملها بتأليف آخر فصار المجموع ـ بحمد الله ـ موسوعة تفسيرية كاملة.
وقبل الورود في صلب الموضوع نقدّم تمهيداً يتّضح به موقف العِلْمَين: التفسير وعلوم القرآن، ومسائلهما، وغاياتهما، وتاريخهما.

الفرق بين التفسير وعلوم القرآن

إنّ دراسة آيات الذكر الحكيم ومفرداته وتراكيبه وتبيين المراد الاستعمالي وتمييزه عن الجدّي، هو تفسير القرآن المجيد الذي بدأ به النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في حال حياته.
روى أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدّثنا مَن كان يُقرئنا من الصحابة أنّهم كانوا يأخذون من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عشر آيات فلا يأخذون في العشر

صفحه 8
الأُخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل.(1)
وقد جمع السيوطي في «الإتقان» مجموع ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في تفسير الآيات على وفق السور.(2)
ثمّ تولّى هذه المهمة ربيبه وتلميذه الوحيد الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام). قال جلال الدين السيوطي: أمّا الخلفاء فأكثر مَن روي عنه منهم عليّ بن أبي طالب. والرواية عن الثلاثة نزرة جدّاً، وكأنّ السبب في ذلك تقدّم وفاتهم، كما أنّ ذلك هو السبب في قلّة رواية أبي بكر للحديث، ولا أحفظُ عن أبي بكر في التفسير إلاّ آثاراً قليلة جدّاً لا تكاد تجاوز العشرة.
وأمّا عليّ: فروي عنه الكثير، وقد روى معمّر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل قال: شهدت عليّاً يخطب، وهو يقول: «سلوني، فو الله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل».(3)
وقد تلاه أبناؤه المعصومون وأوصياؤه إلى الإمام الحادي عشر الحسن بن علي العسكري(عليهما السلام)في رفع الغطاء عن مفاهيم الآيات ومعانيها، واحتفل المحدّثون بجمع ما روي عنهم(عليهم السلام) في كتاب كتفسير القمّي(المتوفّى 308هـ) وتفسير النعماني(المتوفّى360هـ)، أو موسوعات نظير:البرهان للسيد البحراني(المتوفّى 1107هـ)، تفسير نور الثقلين

1 . بحار الأنوار:89/106.
2 . لاحظ: الإتقان في علوم القرآن:2/502ـ 538.
3 . الإتقان في علوم القرآن:2/493.

صفحه 9
للحويزي(المتوفّى1112هـ) إلى غير ذلك ممّا أُلف في ذلك المضمار.
وقد بخس الذهبي(1) حقّ الإمام(عليه السلام) فجعل ابن عباس وعبد الله بن مسعود في الرعيل الأوّل من المفسّرين، والإمامَ عليّاً بعدهما(حسب كثرة ما روي عنهم، كما قال)، مع أنّ ابن عباس تلميذ الإمام والمستسقي من رحيقه المختوم.
فإن قلت: إنّ القرآن المجيد نزل (بِلِسَان عَرَبي مُبِين)(2)، فإذا كان كذلك فلا حاجة في فهمه إلى تفسير مفسّر.
قلت: ما ذكرته منقوض أوّلاً بكلامه سبحانه حيث يقول:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(3).
فقال: (لِتُبَيِّنَ) ولم يقل: لتقرأ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الآيات بحاجة إلى بيان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وثانياً: أنّ المراد (بِلِسَان عَرَبي مُبِين)، هو أنّه خال عن الألغاز والأحاجيج، وهو لا يلازم غناءه عن التفسير، فالكتب العلمية المكتوبة للطلاب في المدارس والجامعات تكتب بلسان مبين، ومع ذلك فعامّة الكتب رهن أُستاذ يشرح المراد.
إذا عرفت ذلك فنقول: علم التفسير عُرّف بأنّه: علم يُعرف به فهم

1 . لاحظ التفسير والمفسّرون للذهبي:2/13، الفصل الثاني: المفسّرون من الصحابة.
2 . الشعراء:195.
3 . النحل:44.

صفحه 10
كتاب الله تعالى المنزل على نبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان معانيه واستخراج أحكامه.(1)
أمّا موضوعه: فهو كلام الله سبحانه المسمّى بالقرآن الكريم. وأمّا مسائله: فهي ما يستظهر من الآيات بما أنّه مراده سبحانه في المعارف والأحكام الشرعية والمغازي والقصص، وأمّا الغرض فقد أشار إليه سبحانه هو التدبّر في الآيات، قال سبحانه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ).(2)

علوم القرآن موضوعها ومسائلها وغاياتها

كان العلماء يفسّرون القرآن عبر قرون وينظرون إليه من داخل، لكن ظهر في أواسط القرن الثامن نمط آخر، ملّخصه: النظر إلى القرآن الكريم من الخارج، وسمّي بعلوم القرآن، فجاءت التآليف تترى في كلّ عصر. فصارت النظرة الفاحصة في القرآن من داخل هي تفسيره بمعنى فهم آياته تفسيراً. والنظرة الفاحصة إلى القرآن من خارج هي علوم القرآن ككونه وحياً سماوياً معجزاً حادثاً، فيه الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه والمجمل والمبيّن، إلى غير ذلك من المباحث التي تنظر إلى القرآن من منظار الخارج، ولإيضاح الفرق بين النظر إلى القرآن من الداخل وبين النظر إليه من الخارج، نأتي بمثال:

1 . البرهان في علوم القرآن:1/33.
2 . سورة ص:29.

صفحه 11
نفرض أنّ سفينة كبيرة حافلة بالمسافرين والبضائع، فهناك نظرتان، أحدهما ينظر إليها من الداخل، فراكب السفينة يلاحظها بما أنّها تحتوي على طبقات وما فيها من أجنحة وغرف وقاعات متنوعة ويشير إلى محل سكن المسافرين وموضع الأكل والنوم والاستراحة، ويشير إلى مكان رُبّان السفينة ومساعديه وما فيه من أدوات وأجهزة.
وفي نفس الوقت نرى ناظراً آخر يلاحظ السفينة من الخارج، فيلاحظ طولها وعرضها ومقدار الغائر منها في الماء، والخارج منها، إلى غير ذلك من الخصوصيات الراجعة إلى خارج السفينة.
وعلى هذا فالبحوث المتعلّقة بالقرآن الكريم من غير تبيين معانيه وتفسير مفرداته ومقاصده هي علوم القرآن.
فإذا كان هذا هو التعريف فموضوعها هو القرآن الكريم. وأمّا مسائلها فهو اتخاذ القرآن موضوعاً ودراسته من جوانب مختلفة ترجع إلى معرفته معرفة تامّة، كالبحث عن إعجازه واشتماله على المحكم والمتشابه والمجمل والمبيّن والناسخ والمنسوخ إلى غير ذلك من مباحث ككونه عربياً حادثاً لا قديماً، مكتوباً مقروءاً بقراءات مختلفة فالجميع يُعدّ مسائل لذلك العلم.
وممّا ذكرنا ظهر تعريفه وموضوعه كما ظهرت غايته والغرض منه وهو تجلّي القرآن الكريم بأجلى مظاهره أنّه من الله العظيم، فالعلمان واحد موضوعاً ويفترقان في المسائل والعوارض العارضة للقرآن الكريم والحيثيات المختلفة التي تجعلهما علمين مختلفين.

صفحه 12

تاريخ تكميل تدوين علوم القرآن

إنّ تدوين مسائل ذلك العلم تمّ في القرن الثامن بيد الإمام بدرالدين بن محمد بن عبدالله الزركشي(745ـ794هـ) فقد ألّف كتاباً جامعاً في هذا المضمار أسماه «البرهان في علوم القرآن» طبع في أربعة أجزاء طبعة محقّقة.
وجاء بعده جلال الدين السيوطي فألّف كتاباً أسماه «الإتقان في علوم القرآن». يقول محقّق كتاب «البرهان»: إنّ كتاب الإتقان يعتبر مختصراً لكتاب الزركشي، فهو يختصر ثم يضيف زيادات إلى الكتاب، حتى ادّعى أنّ كتاب الزركشي صار أصلاً لكلّ مَن صنّف في هذا النوع من العلوم القرآنية.(1)
ثمّ إنّه يظهر من جلال الدين السيوطي في مقدّمة «الإتقان» وجود كتب أُلّفت في ذلك المضمار قريباً من عصر الزركشي، يقول: ولقد كنت في زمان الطلب أتعجّب من المتقدّمين إذ لم يدونوا كتاباً في أنواع علوم القرآن، كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث، فسمعت شيخنا أبا عبد الله محيي الدين الكافيجي(2) مدّ الله في أجله، يقول: قد دونت في علوم التفسير كتاباً لم أُسبَق إليه، فكتبته عنه فإذا هو صغير الحجم جدّاً، وحاصل ما فيه بابان:
الأوّل: في ذكر معنى التفسير والتأويل والقرآن والسورة والآية.

1 . البرهان في علوم القرآن:1/17، مقدّمة المحقّق.
2 . هو محمد بن سليمان الرومي الحنفي (المتوفّى عام 879هـ).

صفحه 13
والثاني: في شروط القول فيه بالرأي.
وبعدهما خاتمة في آداب العالم والمتعلِّم.
فلم يشف لي ذلك غليلاً، ولم يهدني إلى المقصود سبيلاً.
ثم أوقفني شيخنا شيخ مشايخ الإسلام قاضي القضاة وخلاصة الأنام حامل لواء المذهب المُطلبي عَلمُ الدين البلقيني(رحمه الله تعالى)، على كتاب في ذلك لأخيه قاضي القضاة جلال الدين، سمّاه ]مواقع العلوم من مواقع النجوم[ فرأيته تأليفاً لطيفاً، ومجموعاً ظريفاً، ذا ترتيب وتقرير، وتنويع وتحبير.(1)

نظرية الزرقاني في تاريخ هذا العلم

يظهر ممّا كتبه محمد بن عبد العزيز المعروف بالزرقاني المصري (من علماء القرن الرابع عشر) أنّ لهذا العلم تاريخاً أسبق بكثير ممّا ذكره الزركشي أو السيوطي، يقول: ظفرت في دار الكتب المصرية بكتاب لعلي بن إبراهيم بن سعيد الشهير بالحوفي (المتوفّى سنة 330هـ) اسمه «البرهان في علوم القرآن» وهو يقع في ثلاثين مجلداً، والموجود منه الآن خمسة عشر مجلداً، غير مرتّبة ولا متعاقبة، من نسخة مخطوطة، فلا نستطيع أن نتقدّم بتاريخ هذا الفنّ نحو قرنين من الزمان أي إلى بداية القرن الخامس بدلاً من القرن السابع. ولقد كنت مشغوفاً أن أقرأ مقدّمة كتابه هذا، لآخذ اعترافاً صريحاً منه بمحاولته إنشاء هذا العلم الوليد، ولكن ماذا أصنع،

1 . الإتقان في علوم القرآن:1/7ـ8، تحقيق مصطفى ديب البُغا.توفّي البلقيني (عام 824هـ).

صفحه 14
والجزء الأوّل مفقود؟ غير أنّ اسم الكتاب يدلّني على هذه المحاولة.(1)

وجه الاختلاف في تاريخ ذلك العلم

قد عرفت الاختلاف الكبير بين كلمات هؤلاء الثلاثة: الزركشي، والسيوطي، والزرقاني، ويُعلم وجه الجمع بين الأقوال بما سنذكره تالياً.
جعل الزركشي من مسائل هذا الفن أربعين مسألة وصف كلّ مسألة بالنوع، فجعل النوع الأوّل: معرفة أسباب النزول، والنوع الأخير في أساليب القرآن وفنونه البليغة، لكن السيوطي توسّع في مسائله فجعل أنواعه ثمانين نوعاً ووصف أوّله بقوله: في معرفة المكّيّ والمدنيّ، والنوع الأخير في طبقات المفسّرين، وقد أدخل هذان العَلَمان قسماً من مسائل البلاغة في علوم القرآن الكريم. فيمكن أن يقال:
إذا كان محور البحث تأليف بعض الرسائل التي تُعدّ جزءاً من علوم القرآن، فلابدّ أن يقال: إنّ له جذوراً في القرن الثاني والثالث نظير:
1.تفسير غريب القرآن، تأليف زيد الشهيد بن علي(78ـ 120هـ) وقد حقّقه الدكتور حسن محمد تقي الحكيم.
2. الغريب في القرآن، تأليف أبان بن تغلب (المتوفّى 141هـ) فقد استدلّ على معاني غريب القرآن بالأشعار.
3.مجاز القرآن، لعمر بن مثنى المعروف بأبي عبيدة(المتوفّى 210هـ).

1 . مناهل العرفان في علوم القرآن:1/36.

صفحه 15
4.تلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي(359ـ 406هـ) وهو مطبوع منتشر.
ونظير ما ذُكر ما أُلّف حول فضائل القرآن، نحو:
5. فضائل القرآن، لأُبي بن كعب الأنصاري الصحابي.(1)
6. فضائل القرآن، للحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني.
7.فضائل القرآن، لعلي بن إبراهيم بن هاشم القمّي (الذي كان حيّاً سنة 309هـ).(2)
ونظير هذين الأمرين ما ألّف في الناسخ والمنسوخ.
8.الناسخ والمنسوخ، تأليف حسن بن علي بن فضال(المتوفّى 224هـ).
9.الناسخ والمنسوخ، تأليف أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري(المتوفّى حدود 280هـ).
وعلى هذا فهذا العلم بمسائله المتفرّدة المختلفة له قدم فوق ما ذكره الزرقاني.
وأمّا إذا أُريد كمال العلم بجمع متفرداته ومسائله، فحسب ما وصل إلينا أنّ الزركشي أوّل من قام بهذا العبء.

1 . لاحظ: الذريعة:26/263، نقلاً عن فهرست ابن النديم.
2 . لاحظ في كلّ ما نقلناه من التأليف حول الفضائل والنواسخ: الذريعة في تصانيف الشيعة، في مواضع مختلفة.

صفحه 16
بل لو قلنا بما يظهر من السيوطي أنّ من مسائل هذا العلم تنويع الآيات وتقسيمها، لصحّ أن يقال: إنّ جذور هذا العلم تمتدّ إلى عصر النبوّة. فقد ورد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وصف القرآن وتنويعه بقوله: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدَّق، مَن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومَن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له نجوم، وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره، وليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب، ويتخلّص مِن نشب، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور».(1)
ويتلوه في هذا الصدد الإمام علي(عليه السلام) على ما رواه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني(رضي الله عنه)في كتابه في تفسير القرآن، فقد روى بسنده عن إسماعيل بن جابر، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) يقول: «إنّ الله تبارك وتعالى بعث محمداً فختم به الأنبياء، فلا نبيّ بعده، وأنزل عليه كتاباً فختم به الكتب، فلا كتاب بعده، أحلّ فيه حلالاً، وحرّم حراماً، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فيه شرعكم، وخبر من قبلكم، وبعدكم... إلى أن قال: ولقد سأل أميرَ

1 . الكافي:2/599، كتاب فضل القرآن.

صفحه 17
المؤمنين (صلوات الله عليه) شيعتُه عن مثل هذا، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كلٌّ منها شاف كاف، وهي: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، ومثل، وقصص. وفي القرآن ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وخاصّ وعامّ، ومقدّم ومؤخّر، وعزائم ورخص، وحلال وحرام، وفرائض وأحكام، ومنقطع معطوف، ومنقطع غير معطوف، وحرف مكان حرف... إلخ».(1)

أساليب التأليف في علوم القرآن

اختلف المؤلّفون في هذا الفن فألّفوا كتباً بأساليب مختلفة نأتي بها تالياً:
1. مَن ألّف رسالة في مسألة من مسائل ذلك العلم، وقد مرّت نماذج من ذلك .
2. مَن ألّف في محكمه ومتشابهه، كالعلاّمة محمد بن علي بن شهر آشوب(488ـ588هـ) فقد ألّف كتاباً باسم «المحكم والمتشابه».
3. مَن أفاض في مسائل ذلك العلم وجعله مقدّمة لكتابه، وهذا كالشيخ الطبرسي في مقدّمة «مجمع البيان»، والفيض الكاشاني في مقدّمة تفسيره «الصافي».
4. ومنهم مَن أدرج مسائل هذا العلم في ثنايا كتابه، كالسيد الطباطبائي، وهو(قدس سره) أخذ موضوع الإعجاز وبحث فيه في الجزء الأوّل، كما

1 . لاحظ: تمام الرواية في: بحار الأنوار:93/4ـ6، عن تفسير النعماني.

صفحه 18
أنّه أدرج موضوع «صيانة القرآن عن التحريف» في الجزء التاسع عند تفسير قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1).
5. ومنهم مَن جمع قسماً من مسائل هذا العلم وأفردها بالتأليف، مثل:
أ. شيخنا المرحوم محمد هادي معرفة في كتابه:«التمهيد في علوم القرآن الكريم» وقد طبع في عشرة أجزاء ولخّصه في جزأين.
ب. العلاّمة الحجة السيد الشهيد آية الله محمد باقر الصدر(قدس سره)، وأكمل ما بدأ به، الشهيدُ محمد باقر الحكيم (أعلى الله مقامهما).
ج. كما ألّف آية الله الفاضل اللنكراني(رحمه الله) كتاباً في هذا الموضوع أسماه:«مدخل التفسير» .
د. ألّف العلاّمة الحجة السيد جعفر مرتضى العاملي كتاباً أسماه «حقائق حول القرآن الكريم»، إلى غير ذلك ممّن ألّف بغير اللغة العربية، ومَن أراد الإحاطة بكلّ ما أُلّف حول علوم القرآن الكريم فعليه بمراجعة «معجم الدراسات القرآنية» للفاضل المعاصر عبد الجبار الرفاعي. فقد استقصى أسماء ما أُلّف في هذا المضمار. كما استقصى أسماء الكتب والرسائل المؤلّفة في هذا المضمار صديقنا الفاضل الدكتور السيد عبد الوهاب الطالقاني (حفظه الله) في كتابه المسمّى «علوم قرآن و منابع آن» باللغة الفارسية.

1 . الحجر:9.

صفحه 19

أُسلوبنا في التأليف

نحن نختار من المسائل الثمانين التي بحث فيها جلال الدين السيوطي أو الأربعين مسألة التي طرحها الزركشي ما هو المهمّ في حياتنا المعاصرة، التي وقعت مورداً للسؤال والانتقاد، كلّ ذلك بعون الله تبارك وتعالى وتوفيقه. ونترك دراسة ما يرجع إلى علوم البلاغة أو التنويعات الّتي لا ثمرة مهمة فيها كمعرفة النهاري والليلي، الصيفي والشتائي، الفراشيّ والنوميّ، إلى غير ذلك. نعم درسنا أقسام القرآن وأمثاله على وجه التفصيل لأهميتهما.
فمجموع ما نبحث فيه يأتي في مباحث:

صفحه 20

المبحث الأوّل

في أسماء القرآن وأوصافه

   
من المعلوم أنّ للقرآن اسماً أو اسمين أو أسماء كما أنّ له أوصافاً ومواصفات، والفرق بينهما واضح، فالاسم علم لا يطلق على غيره، بخلاف الثاني فإنّها مبيّنات، غير أنّ بعضهم خلطوا بين الأمرين. روى السيوطي عن أبي المعالي المعروف بشيذلة في كتاب البرهان أنّه قال: إعلم أنّ الله سمّى القرآن بخمسة وخمسين اسماً، سمّاه: كتاباً ومبيناً في قوله: (حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ)(1)، وقرآناً وكريماً في قوله: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)(2)، وانتهى إلى قوله: وسماه بأربعة أسماء في آيتين في قوله: (فِي صُحُف مُكَرَّمَة * مَرْفُوعَة مُطَهَّرَة)(3).(4)
وأنت خبير بأنّ أكثر ما ذكره من قبيل الأوصاف لا الاسم بمعنى

1 . الدخان:1 و2.
2 . الواقعة:77.
3 . عبس:13ـ 14.
4 . الإتقان في علوم القرآن:1/141ـ143.

صفحه 21
العلم، قال ابن مالك:
واسْماً أتى و كُنْيَةً و لَقَبا *** وأخِّرَنْ ذا إنْ سواه صَحِبا
فما ذكره ليس من الأسماء ولا الكنى ولا الألقاب، وإنّما هي أوصاف كلّيّة، ربّما تنطبق على غير القرآن أيضاً، فلذلك يمكن أن يقال: إنّه ليس له إلاّ اسم واحد أو اسمان أو ثلاثة، وإليك البيان:
سمّي كتاب الله المجيد بالأسماء التالية:
1. القرآن: اسم لكتاب الله خاصّة، لا يُسمّى به غيره، وإنّما سُمّي قرآناً لأنّه من «قرأ» بمعنى جمع الشيء وضمّ بعضه إلى بعض، لأنّه يجمع السور ويضمّها، وقيل: لأنّه جمع القصص والأمر والنهي والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض، وعلى كلّ تقدير فهو مصدر كالغفران. وقد يطلق القرآن ويُراد به القراءة، كما في قوله سبحانه:(إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)(1) أي ما يُقرأ في صلاة الفجر، ومثله قوله سبحانه: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)(2) أي فإذا قرأناه بقراءة جبرئيل فاتّبع قرآنه، أي فكن متبعاً له.(3)
2.الفرقان: قال تعالى: (تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)(4). وسمّي بالفرقان لأنّه يفرّق الحقّ عن الباطل، ويظهر من بعض الروايات كونه أخصّ من القرآن; روى العياشي في تفسيره عن ابن

1 . الإسراء:78.
2 . القيامة:17ـ 18.
3 . لاحظ: مجمع البحرين:1/336، مادة «قرأ».
4 . الفرقان:1.

صفحه 22
سنان، عمّن ذكره، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن القرآن والفرقان أهما شيئان أم شيء واحد؟ قال: فقال:«القرآن جُملة الكتاب، وأخبار ما يكون، والفرقان المحكم الذي يُعمل به، فكلّ محكم فهو فرقان»(1). ورواه الصدوق في «معاني الأخبار» عن ابن سنان وغيره عمّن ذكره.(2)
غير أنّ في عدّه من أسماء القرآن، نظراً، حيث إنّه سبحانه يصف ما أُوتي موسى وهارون به أيضاً، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ)(3)
3.الذكر الحكيم، قال سبحانه: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ)(4).
4. الذكر المطلق، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(5)، ومع ذلك يحتمل أن يُراد منه المعنى الوصفي كناية عن التذكير، فإذاً ينحصر اسمه في القرآن فقط أو مع الفرقان.
ولنذكر أوصافه التي يمكن جعل بعضها اسماً له.
صفات القرآن الكريم
حفل القرآن الكريم بذكر أوصافه وصفاته، بما لا يمكن نقل قليل

1 . تفسير العياشي:1/9و 80; مجمع البيان:2/14; الكافي:2/630، باختلاف في اللفظ.
2 . لاحظ: معاني الأخبار:190.
3 . الأنبياء:48.
4 . آل عمران:58.
5 . النحل:44.

صفحه 23
منها في المقام، وقد قام العلاّمة المجلسي بهذا العمل في الجزء 92 من موسوعته«بحار الأنوار»، وذكر أوصافه على ترتيب سور القرآن الكريم، فبدأ بسورة البقرة، وانتهى إلى سورة البيّنة، فمن أراد الإحاطة بها فعليه بمراجعة هذا الجزء، وها نحن نذكر ما يلي من أوصافه.

1. النور المنزل من الله سبحانه

قال تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)(1) فإذا كانت حياة النبات والحيوان رهناً بالنور، على نحو لولاه لما استقرت الحياة على وجه الأرض. فالحياة المعنوية لا تستقر في هيكل الفرد والمجتمع إلاّ بالإيمان والعمل الصالح، ولا يهتدي الإنسان إليها إلاّ ببركة الوحي القرآني.

2. برهان من الله

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)(2)، فالبرهان في كلّ موضع يكافح الغيّ والجهل ويهدي الإنسان إلى المطلوب المنشود، فهكذا القرآن الكريم ينوّر العقل ويكتسح الجهل والفقر الفكري.

3. كتاب مبين

قال سبحانه: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ

1 . المائدة:15.
2 . النساء:174.

صفحه 24
رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(1) فإذا كان الكتاب النازل من الله واضح الدلالة خالياً عن العوج والألغاز، تكون النتيجة هي إخراج الإنسان الغارق في ظلمات المادّية والكفر إلى ساحة التوحيد والإيمان.

4. المعجزة الكبرى

قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا)(2) فقد تحدّى به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته، وقد مضى على التحدّي قرابة خمسة عشر قرناً، فلم يستطع أحد أن يأتي بسورة واحدة من مثل سوره.

5. اشتماله على الأمثال

القرآن الكريم يشتمل على أمثال لتقريب المعاني السامية إلى الأذهان عن طريق الأمثال والاستعارات، وربّما يبلغ عدد الأمثال إلى 57 مثلاً، أخذها غير واحد من العلماء موضوعاً للدراسة وقد أفردوا فيها التحرير، قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحقّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ)(3). وقد

1 . المائدة:15ـ16.
2 . الإسراء:88.
3 . البقرة:26.

صفحه 25
ألّفنا في هذا الموضوع كتاباً بعنوان «الأمثال في القرآن الكريم».

6. اشتماله على الأقسام

اشتملت 29 سورة من القرآن على القسم واليمين، وربّما اشتملت سورة واحدة على أقسام متعدّدة، فالقسم على شيء لغاية أحد أمرين إمّا لقداسته كالحلف بالله، والحلف بعمر النبي كقوله: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)(1)، ولقد أفرد غير واحد من العلماء كتاباً في أقسام القرآن الكريم، ولكاتب هذه السطور كتاب فيها سمّي بـ «الأقسام في القرآن الكريم».

7. نزوله تدريجاً

يظهر من بعض الآيات أنّ التوراة نزلت جملة واحدة، قال سبحانه: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً)(2)، وقال تعالى: (وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ)(3) وأُريد من الألواح هو التوراة، قال سبحانه: (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ)(4)، ولكن القرآن نزل نجوماً، وعلّل نزوله تدريجاً بأنّ فيه تثبيتاً لقلب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)(5).

1 . الحجر:72.
2 . الأعراف:145.
3 . الأعراف:150.
4 . آل عمران:3.
5 . الفرقان:32.

صفحه 26

8. نزول الروح الأمين به

يدلّ بعض الآيات على أنّ القرآن بأجمعه نزل على قلب النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق الروح الأمين، قال سبحانه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبي مُبِين)(1).

9. هدى وذكرى للعالمين

كانت الكتب السماوية على قسمين: قسم يختصّ بأُمّة خاصّة ولعلّه الأكثر، وقسم يعمّ الأُمم عامّة، والقرآن الكريم هدىً لعامّة البشر(العالمين)، كما يقول سبحانه: (هُدًى لِلنَّاسِ) ويقول أيضاً: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ)(2) ولا ينافيه قوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) كما في قوله: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)(3)، أو قوله:(وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) كما في قوله: (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) (4) فالقرآن مع أنّه ينوّر الطريق لكافّة الناس، ولكن لا ينتفع به إلاّ طائفة خاصّة من المؤمنين المتّقين من المسلمين.
10. فيه قصص الماضين
ذكر سبحانه في القرآن أنباء مَن سبق من الأُمم لغاية الاعتبار، قال

1 . الشعراء:192ـ 195.
2 . البقرة:185.
3 . البقرة:2.
4 . النحل:102.

صفحه 27
تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ)(1)، وقال تعالى: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(2)، وقال: (مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ)(3).

11. المهيمن على الكتب

لمّا تطرّقت يد التحريف إلى الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل وبدأ الاختلاف بين نسخ نفس الكتب، جعل الله سبحانه القرآن مهيمناً على ما تقدّم عليه من الكتب، فعلى علماء العهدين الاحتكام إلى القرآن لرفع الاختلاف قال سبحانه:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)(4).
وأُشير إلى هذا المضمون في آية أُخرى، قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(5)، فعلى علماء العهدين أن يعرضوا ما فيهما من المعارف والقصص على القرآن الكريم حتى يقفوا على ما هو الصحيح، فقد حفل العهدان بذكر داود وسليمان ونسبا إليهما ما لا يليق بالإنسان العادي فضلاً عن النبيّ المعصوم الذي بلغ من الكرامة حدّاً أنّه يسمع الأصوات الغيبية.

1 . يوسف:111.
2 . الأعراف:176.
3 . غافر:78.
4 . المائدة:48.
5 . النمل:76.

صفحه 28

12. مصدّق لما نزل قبله

من صفات القرآن هو أنّه يصدّق التوراة والإنجيل في الخطوط الكلّية لا في الجزئيات، قال سبحانه:(وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الحقّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ)(1).

13. مصوناً من التحريف

قلنا: إنّ القرآن الكريم دلّ على أنّ ما سبق من الكتب قد تطرّقت إليه يد التحريف لغايات دنيوية، والله سبحانه يصف القرآن المجيد بأنّه مصوناً بإذن الله من التحريف والتصرّف فيه بالزيادة والنقص ويقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(2).
وقال سبحانه: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)(3).

14. اهتمام الملائكة بالوحي النازل من الله سبحانه

اهتمام الملائكة بالوحي النازل من الله سبحانه إلى أن يبلغ صدر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يدلّ عليه قوله سبحانه:(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)(4).

1 . فاطر:31.
2 . الحجر:9.
3 . فصلت:41ـ 42.
4 . الجن:26 ـ 27.

صفحه 29
إنّ الله سبحانه بعد ما يسلّط رسوله على ما يشاء من غيبه ومنه الوحي والرسالة، لا يترك الرسول; بل يجعل من أمامه ومن خلفه رصداً وملائكة يحفظونه من الخطأ في تلقّي الوحي، وحفظه، ونقله إلى الغير، كما يحفظونه من دخول الشياطين عليه، فقوله: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) كناية عن الإحاطة المطلقة وكونه محاطاً من قبل الرصد، فالتعبير عن الملائكة بالرصد نظير التعبير المتقدّم في نفس هذه السورة وهو قوله تعالى:(يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا)(1): أي أنّ الملائكة يرمون الشياطين ويمنعوهم من التدخّل فيما يلقيه الوحي إلى الرسول من علم الغيب.

15. اشتماله على الحِكَم

إنّ القرآن الكريم كلّه حِكَم وعِبَر ونور وضياء، ولكن حينما يذكر أُموراً كلّيّة بها يسعد الإنسان في حياته الدنيوية والأُخروية، يصفه بالحكمة، هذا هو القرآن المجيد يذكر في سورة الإسراء شيئاً من هذه الحكم، مبتدئاً بقوله:(لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولاً)(2)، ومنتهياً بقوله: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)(3)، ثم يقول: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا)(4). حتى أنّه سبحانه يذكر

1 . الجن:9.
2 . الإسراء:22.
3 . الإسراء:37.
4 . الإسراء:39.

صفحه 30
بعض الحكم على لسان بعض عباده الصالحين معلناً بأنّه سبحانه آتاه تلك الكلم الطيب ويقول: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنيٌ حَمِيدٌ)(1).

16. خلو القرآن عن أي تناقض واختلاف

الإنسان مهما بلغ من القدرة والمكانة على التأليف والكتابة لا يتمكّن أن يتجاوز الاختلاف في التفكير وذلك لأنّه موجود ناقص واقع في طريق التكامل ولكلّ درجة من وجوده أثر وتفكير خاص، ولذلك نقل عن عبد الرحيم البيساني في رسالة منه إلى العلاّمة الخبير والكاتب الكبير عماد الدين أبو عبد الله محمد بن حامد الأصبهاني(المتوّفى597هـ بدمشق): إنّي رأيت أنّه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلاّ قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.(2)
لكن القرآن الكريم عبر نزوله على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في ظروف مختلفة خال عن أي اختلاف وتناقض وأصبح الجميع كسبيكة واحدة في الفصاحة والبلاغة والمعاني والمحتوى، لأنّه كلام الله سبحانه الموصول على الإطلاق لا كلام البشر، ولذلك يُعدّ عدم الاختلاف من وجوه إعجازه،

1 . لقمان:12.
2 . كشف الظنون لحاجي خليفة:1/18، من المقدّمة.

صفحه 31
يقول سبحانه: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)(1).

17. زمان نزوله

أنزله سبحانه على قلب نبيّه في أفضل الشهور، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)(2).

18. نزوله في ليلة القدر

أنزله سبحانه على قلب سيد المرسلين في أفضل الليالي التي وصفت بأنّها (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر).
19. المخرج من الظلمات إلى النور
كانت البشرية ولم تزل غارقة في الوثنية تعبد الأصنام والأوثان الخالية عن الإدراك والشعور، وكانوا يتّخذونها أرباباً متوهّمين أنّها قاضية لحوائجهم، وأي ظلمة أشدّ من نزول الإنسان عن مقامه السامي، الذي يتمكّن من غزو الفضاء وكواكبه، وفي الوقت نفسه يعبد الصنم والوثن، فالقرآن الكريم يكافح الوثنية بأفضل البيان وأتقن البراهين، فإنقاذ البشرية من تلك الظلمة أمر اهتم به القرآن كثيراً دون سائر الأُمور، ولذلك يقول:(اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)(3) وفي آية

1 . النساء:82.
2 . البقرة:185.
3 . البقرة:257.

صفحه 32
أُخرى: (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(1).

20. الداعي إلى الاعتدال

الخروج عن الاعتدال والنزوع إلى الإفراط والتفريط على خلاف الفطرة الإنسانية، وهذا هو الملموس من التدبّر في القرآن الكريم، يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)(2) والآية وإن وردت في موضع الإنفاق، لكنّها ضابطة كلّية في حياة الإنسان، حتى أنّه ينهى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الإكثار في العبادة إلى حدّ الشقاء، كما في قوله تعالى: (طَهَ * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)(3)، ويقول سبحانه: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً)(4).

21. شفاء ورحمة

كما أنّ للأمراض الجسمية دواء يورث السلامة والصحّة في الجسم ثمّ يُرزق الشفاء من الله سبحانه، فهكذا للأمراض الروحية دواء يزيل الداء المعنوي عن نفس الإنسان، فالقرآن الكريم هو الوصفة الكاملة للشفاء من الأمراض الروحية من غير فرق بين المعارف والأخلاق، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ

1 . المائدة:16.
2 . الفرقان:67.
3 . طه:1و2.
4 . الإسراء:110.

صفحه 33
مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا)(1).

22. بلسان عربيّ مُبين

نزل القرآن الكريم باللغة العربية دون غيرها من اللغات وذلك لوجهين:
1. إنّ اللغة العربية من أشرف اللغات وأقدرها على استيعاب المعاني.
2. إنّ القرآن لو نزل بغير اللغة العربية لكان من الممكن أن لا يستجيب العرب للإيمان به، حيث إنّ التعصّب الذي كان يحمله العرب كان مانعاً عن الإجابة، حتى أنّ القرآن الكريم يشير إلى ذلك الوجه، قال تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ)(2)، وقال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَاَعَجَمِيٌّ وَعَرَبيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَان بَعِيد)(3).

23. اشتماله على الاحتجاجات

القرآن يبعث المؤمنين على الاحتجاج بطرق ثلاثة: تارة بالحكمة والبرهان، وأُخرى بالمواعظ الحسنة، وثالثة بالجدال بالأحسن، كما يقول:

1 . الإسراء:82.
2 . الشعراء:198ـ 199.
3 . فصّلت:44.لاحظ: علوم القرآن للسيد الشهيد محمد باقر الحكيم:32.

صفحه 34
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)(1). ومَن تدبّر في القرآن الكريم يجد نماذج لكلّ من هذه الطرق، ونذكر هنا نموذجاً من الحكمة والبرهان.
في السنة التاسعة من الهجرة أو قبلها جاء وفد مسيحي من نجران، للمحاجة مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فاستدلّوا على أنّ عيسى بن مريم إله، بشهادة أنّه ولد من غير أب، فالقرآن الكريم أبطل برهانهم بأنّه لو كانت الولادة بلا أب دليلاً على الأُلوهية، فأبونا آدم أولى بذلك من عيسى بن مريم، قال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(2)، وأمّا القسمان الآخران فيجدهما الناظر في القرآن في مناظرات النبي مع المشركين وأهل الكتاب.

24. إخباره عن العوالم الغيبية

لم يزل المشركون وما زال المادّيّون يرون الوجود مساوياً للمادة والطاقة ولا يرون لما وراءهما قيمة، ولكن القرآن الكريم كسر هذا الحصار فأخبر عن عوالم غيبية لا تخضع لأحكام المادّة، وذلك كالإخبار عن الوحي والبرزخ والجنّة والنار، والملائكة والأجنّة واللوح المحفوظ إلى غير ذلك من العوالم التي هي فوق عالم المادة ولا يمكن القضاء عليها بالنفي أو الإثبات بالتجارب المادّية ولا بالمختبرات. فما ربّما يصرّ

1 . النحل:125.
2 . آل عمران:59.

صفحه 35
المادّيون على نفي تلك العوالم بعدم كونها خاضعة للتجارب المادّية كلام سخيف; لأنّ سنخ وجودها أرفع من أن تحكم عليها الموازين المادّية. وهذا نظير العواطف والروحيات في الإنسان، فهل يترقّب رؤيتها في المختبرات والقضاء عليها بالوجود أو العدم؟!

25. الدعوة إلى الاتّحاد والاعتصام بحبل الله

من خصائص القرآن الكريم دعوته إلى الوحدة والاعتصام بحبل الله والاجتناب عن التشرذم، يقول سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(1).
فالتدبّر في الآية يرسم لنا حال المجتمع البشري عند التفرّق كمن تردّى في بئر، فلا تكتب له النجاة إلاّ بإرسال حبل يتمسّك به حتى يُخرج من البئر، فالمجتمع الإنساني إنّما يصل إلى قمة الكمال إذا اتّحدت كلمته وتنزّه عن الاختلاف، وإلاّ فيصبح الاختلاف كعذاب سماوي ينزل ويأكل ويهلك كلّ رطب ويابس، قال سبحانه: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)(2).ترى أنّه سبحانه جعل

1 . آل عمران:103.
2 . الأنعام:65.

صفحه 36
تفرّق المجتمع إلى شيع مختلفة في عداد سائر عذابات الله تعالى التي لا تبقي ولا تذر.
***
هذه خمسة وعشرون وصفاً للقرآن المجيد اقتبسناها من خلال التدبّر في الآيات الكريمة، وهي غيض من فيض، وقليل من كثير، ونختم المقال بقول الشاعر:
لا يدرك الواصف المطري خصائصه *** وإن لم يكن سابقاً في كلّ ما وصفا
فأين التراب ورب الأرباب، أين العبد العاجز من وصف كلام الله القادر على الإطلاق، إلاّ عن طريق إشاراته وآياته.

صفحه 37

المبحث الثاني

في نزوله تدريجاً

نزل القرآن الكريم نجوماً عبر ثلاثة وعشرين عاماً من عصر الرسالة، وهذا أمر متّفق عليه، لم يشكّ فيه اثنان، قال سبحانه:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً).(1)
فقوله سبحانه: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) تعليل لسبب نزول القرآن نجوماً، فإنّ الوحي إذا كان يتجدّد في كلّ حادثة كان أقوى للقلب وأشدّ عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك نزول الملك إليه وتجدّد العهد به وتقوية أمله بالنصر، واستهانته بما يستجد ويتعاقب من محن ومشاكل، ولهذا نجد أنّ القرآن ينزل مسليّاً للنبيّ مرّة بعد مرّة مهوناً عليه الشدائد كلّما وقع في محنة، يأمره تارة بالصبر أمراً صريحاً، فيقول: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً)(2)، وينهاه أُخرى عن الحزن كما في قوله: (وَلاَ

1 . الفرقان:32.
2 . المزمل:10.

صفحه 38
يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا)(1)، ويذكّره بسيرة الأنبياء الذين تقدّموه من أُولي العزم، فيقول: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)(2) ويخفف عنه أحياناً، ويعلمه أنّ الكافرين لا يجرحون شخصه ولا يتّهمونه بالكذب لذاته، وإنّما يعاندون الحقّ بغياً كما هو شأن الجاحدين في كلّ عصر كما في قوله: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ)(3).(4)
إنّ طبيعة الرسالة المحمدية تقتضي أن يكون نزول الوحي بشكل تدريجي; لأنّه سبحانه يعلّم نبيّه كيفية التبليغ ومحتواه ويحكي ما يجري في الغزوات من الوقائع، كما يعلّمه النقاش والحجاج مع أهل الكتاب ويخبره بما يتآمر به المنافقون، وكلّ ذلك يتطلّب أن يكون النزول تدريجي، يقول سبحانه: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(5)، وفي موضع آخر يحكي مجادلة الزوجة في زوجها، قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(6)، وفي

1 . يونس:65.
2 . الأحقاف:35.
3 . الأنعام:33.
4 . علوم القرآن، للسيد محمد باقر الحكيم:30.
5 . التوبة:118.
6 . المجادلة:1.

صفحه 39
سورة المنافقون يحكي قول المنافقين:(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)(1).
كلّ ذلك رهن نزول القرآن نجوماً، هذا من جانب ومن جانب آخر يتبادر من بعض الآيات نزول القرآن دفعة وجملة واحدة، ومنها هذه الآيات الثلاث:
1. قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(2).
2. قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم).(3)
3. قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).(4)
فيقع الكلام: كيف يمكن الجمع بين هاتين الطائفتين من الآيات؟ وهناك آراء أو نظريات نشير إليها.
النظرية الأُولى: نزوله دفعة على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)
إنّ للقرآن المجيد نزولين:

1 . المنافقون:7و8.
2 . القدر:1.
3 . الدخان:3 و4.
4 . البقرة:185.

صفحه 40
1.النزول الدفعي: نزل به الروح الأمين دفعة ليلة القدر على قلب سيد المرسلين، وبذلك صار روحاً من أمر ربّه، وإليه يشير قوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ)(1)، والمراد من«روحاً» في قوله: (أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) هو القرآن كلّه، وتفسيره بالروح الأمين غفلة عن أنّ الروح في الآية هو الموحى به، وأمين الوحي هو الموحي أو رائد الوحي، ولا يتعلّق الوحي بالموجود الخارجي، سواء أكان موجوداً مادّياً أو مجرّداً، ولا يقال: أوحينا إليه شجراً أو إنساناً.
2. النزول التدريجي: حسب مقتضيات الزمان، وحسب الأسئلة التي يواجهها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويجيب عنها الوحي.
ولعلّ الفرق بين الإنزال والتنزيل هو أنّ الأوّل إشارة إلى النزول الدفعي، والثاني إشارة إلى النزول التدريجي، وما ذكرناه حول اللفظين وإن لم يكن ضابطة كلّية، لكنّها ضابطة غالبية.
ويمكن أن يستفاد كلا النزولين من قوله سبحانه: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير)(2)، فقوله: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) ناظر إلى النزول الدفعي، وقوله:(ثُمَّ فُصِّلَتْ) ناظر إلى النزول التدريجي.

النظرية الثانية: نزوله إلى البيت المعمور دفعة

يظهر ممّا رواه الفريقان أنّ القرآن الكريم نزل جملة واحدة في شهر

1 . الشورى:52.
2 . هود:1.

صفحه 41
رمضان ثم إلى البيت المعمور ثم نزل في طول ثلاث وعشرين سنة. قال الإمام الصادق(عليه السلام): «قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): نزلت صحف إبراهيم(عليه السلام) في أوّل ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لستّ مضين من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشر خلون من شهر رمضان، وأنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان».(1)
وأخرج السيوطي عن ابن عباس قال: أنزل القرآن كلّه جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً أنزله منه حتى جمعه.(2)

النظرية الثالثة: لفظ (القرآن) يطلق على الجزء والكلّ

إنّ للفظ (القرآن) إطلاقين، تارة يطلق ويُراد به الكلّ، وأُخرى يطلق على جزء منه كآية وآيات وسورة، وعلى هذا فالطائفة الثانية التي تدلّ على نزول القرآن في شهر رمضان أو ليلة القدر، إنّما يُراد بها جزء من القرآن. وممّا يدلّ على أنّ القرآن له إطلاقين: أمّا الكلّ فلا يحتاج إلى البيان، وأمّا الجزء فيكفي في إثباته الآيات التالية:
1. قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).(3)

1 . الكافي:4/437، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، الحديث6.
2 . تفسير الدر المنثور:1/189.
3 . الأعراف:204.

صفحه 42
2. قال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)(1).
3. قال تعالى: (وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ).(2).
4. قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).(3)
إلى غير ذلك من الآيات التي لا يمكن إرادة الكلّ بل الجزء، فعلى هذا فالآيات الدالّة على نزول القرآن في شهر رمضان وليلة القدر، يُراد به جزء من القرآن.
نعم يبقى هنا سؤال، هو: أنّ الشيعة اتّفقت على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب المرجب، ورافقت بعثته في ذلك اليوم نزول آيات خمس من سورة العلق ـ أعني: قوله سبحانه: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ)(4) ـ فكيف يمكن الجمع بين كون البعثة في السابع والعشرين من شهر رجب ونزول سورة العلق في شهر رمضان؟
والجواب: أنّه لا ملازمة بين البعثة ونزول القرآن في يومها. وما في بعض الروايات من أنّ البعثة تزامنت مع نزول آيات خمس خبر واحد لا يُعتدّ به وقد روته بعض أُمّهات المؤمنين مع أنّها لم تكن مع النبي في ذلك الوقت، إذ لا مانع من التفكيك بين البعثة ونزول الآيات الخمس. فالذي

1 . النحل:98.
2 . طه:114.
3 . النمل:76.
4 . مجمع البيان:10/514، صحيح البخاري:1/6ـ7.

صفحه 43
تشرّف به النبيّ في ذلك اليوم هو النبوّة فقط، التي هي مقام شامخ، لا يناله إلاّ الأطيبون من عباد الله، والمعصومون من كلّ ذنب، وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على تلك الحالة حتى استعدت نفسه لتلقي القرآن الكريم في شهر رمضان. وأظن أنّ هذا الوجه أقرب الوجوه، والله العالم. وقد بسطنا الكلام في هذا الوجه في موسوعتنا القرآنية«مفاهيم القرآن»، فلاحظ.(1)

1 . لاحظ: مفاهيم القرآن:3/328ـ 330.

صفحه 44

المبحث الثالث

تقسيم الآيات إلى مكّيّة ومدنية

من التقسيمات المعروفة للآيات القرآنية، تقسيمها إلى مكّيّة ومدنية حيث إنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)قضى قسماً من زمن رسالته في مكّة وقسماً منه في المدينة، فصار ذلك سبباً للتقسيم المذكور. غير أنّ للمفسّرين في المكّيّ والمدني اصطلاحات ثلاثة:
الأوّل: أنّ المكّيّ ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، سواء أنزل بمكّة أم بالمدينة، عام الفتح، أم عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار، وقد نقل هذا القول جلال الدين السيوطي بسنده إلى يحيى بن سلاّم، قال: ما نزل بمكّة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة، فهو من المكّي، وما نزل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في أسفاره بعدما قدم المدينة فهو من المدني. وهذا تقسيم لطيف، يترتب عليه أنّ ما نزل في سفر الهجرة مكّي اصطلاحاً.(1) وهذا هو المعروف بين المفسرين.

1 . الإتقان في علوم القرآن:1/26. كقوله سبحانه:(إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد)(القصص:85) نزل والنبي في الجحفة في مسيره إلى يثرب.

صفحه 45
الثاني: أنّ المكّيّ ما نزل بمكّة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة.
يلاحظ عليه: أنّ لازمه بطلان الحصر، إذ من الآيات ما نزل بالأسفار، كالآيات النازلة في صلح الحديبية وغيرها، فلازم ذلك ألاّ يكون موصوفاً بأحد الوصفين.
الثالث: أنّ المكّيّ ما وقع خطاباً لأهل مكّة، والمدني ما وقع خطاباً لأهل المدينة.
يلاحظ عليه: أنّ قسماً كبيراً من الآيات فاقد للخطاب، فلازم ذلك وجود قسم ثالث.
والفرق بين التعاريف واضح، فالأوّل يُركّز على الزمان، أي قبل الهجرة وبعدها، والثاني يركّز على المكان، وأمّا الثالث فيركّز على لسان الآيات.
إنّ لتمييز الآيات المكّيّة عن المدنية طرقاً مختلفة:
الأوّل: الرجوع إلى النصوص التاريخية التي تؤرّخ السورة أو الآية وتشير إلى نزولها قبل الهجرة وما بعدها، وقد ذكر الزركشي أنّ ما نزل من القرآن بمكّة خمس وثمانون سورة، وما نزل في المدينة تسع وعشرون سورة، اعتماداً على الروايات.(1)
الثاني: كلّ سورة فيها (يا أيُّها النّاس) وليس فيها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)

1 . لاحظ: البرهان في علوم القرآن:1/249ـ 251.

صفحه 46
فهي مكّيّة .
يلاحظ عليه: أنّ سورة الحجّ مدنية بالاتّفاق وقد جاء فيها الخطاب إلى الناس ثلاث مرات.(1)
الثالث: أنّ قصر الآيات والسور من خصائص القسم المكّي، وطول السورة والآية وإطنابها من خصائص المدني.
يلاحظ عليه: أنّ سورة النصر تمتاز بقصر الآيات مع أنّها مدنية، كما أنّ سورة القصص مكّيّة ولكن آياتها على خلاف آيات بقية السور المكّية.
الرابع: التدبّر في مضمون الآيات والسور فإنّه يرشدنا إلى محلّ نزولها والكلام البليغ ما يكون مطابقاً لمقتضى الحال، والمشاكل الموجودة في البيئة المكّيّة تختلف عمّا هو الموجود في المدينة، فلا محيص من أن يكون الوحي الإلهي بصدد رفعها وعلاجها، نظير الطبيب الحاذق يعالج كلّ بيئة حسب ما ينتشر فيها من الأمراض.
لقد كانت الوثنية والشرك هي الداء العضال في موطن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد تفشّى إنكار عالم الغيب، والقيامة، والجنة والنار، فلا محيص للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ مجادلة هؤلاء بجدال حسن من الدعوة إلى التوحيد وإلى عالم الغيب من الجنة والنار، وعلى هذا فكلّ سورة أو آية تهتم بالدعوة إليها فتوصف بالمكّيّة.
وأمّا البيئة المدنية فقد ابتُلي فيها النبيُّ بأهل الكتاب ومجادلاتهم،

1 . لاحظ: الآيات 1، 5 و73 من سورة الحجّ.

صفحه 47
وتآمر المنافقين، وبيان الأحكام والفرائض والحقوق والحدود للمؤمنين، فالآيات التي تهتم بهذه الأُمور مدنية حتماً. ومَن قرأ السيرة النبوية وتاريخ الإسلام، ثم رجع إلى الآيات يدرك بصفاء ذهنه مرجع الآية ومحلّ نزولها ومخاطبها.
وما ذكرنا من الميزان وإن كان ميزاناً غالبياً، لكنّه يورث الاطمئنان في سائر المواضع أيضاً، فلاحظ.

شبهات وردود حول مكّيّ الآيات ومدنيّها

ثمّ إنّ هاهنا شبهات للمستشرقين حول الآيات المكّيّة والمدنية نقلها الشيخ الزرقاني من دون أن يذكر مصادرها وقائليها، ونحن نذكر الشبهات اعتماداً على نقله، ونجيب عنها على وجه الإيجاز، وقبل ذلك كلّه نذكر كلام أمير البيان(عليه السلام) في وصف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال(عليه السلام):«طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَى (أمضى) مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوب عُمْي، وَآذَان صُمٍّ، وَأَلْسِنَة بُكْم; مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ».(1)
أقول: المراهم هي الأدوية المركّبة للجراحات والقروح، والمواسم حدائد تُوسم بها الخيل وغيرها. يقول ابن أبي الحديد: إنّ الطبيب الدوّار أكثر تجربة، أو يكون عَنَى به أنّه يدور على من يعالجه; لأنّ الصالحين

1 . نهج البلاغة: الخطبة 108.

صفحه 48
يدورون على مرضى القلوب فيعالجونهم.(1)
وهذا التعبير من أمير البيان يدلّ على أنّ لكلّ داء دواء خاصّاً، فموضع المراهم غير موضع المواسم، فالدواء في الأُولى ليّن وفي الثانية شديد، وعلى هذا فلو ظهرت لنا الشدّة في الآيات المكيّة فلأنّ المقصود بها هم المشركون عُمي العيون صُمّ الأسماع، الذين كانوا يقولون:(لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ)(2).
ونعم ما قال القائل:
ووضع النَّدّى في موضع السيف بالعدا(للعدى) *** مُضرّ كوضع السيف في موضع الندى
وممّا ذكرنا يُعلم أنّ لازم اختلاف المخاطبين في البيئتين هو اختلاف لحن الكلام صورة ومادة حسب اختلافهم، فلسان الوحي وإن كان مختلفاً في الفترتين، لكن ليس بمعنى أنّه يتأثّر بهما; بل بمعنى أنّ الدواء الناجع يختلف حسب اختلاف الأمراض، فالطبيب بالمراهم نفس الطبيب بالمواسم، إنّما الاختلاف لأجل مقتضى المرض، فالذي يفيد الأوّل غير ما يفيد الثاني. إذا تبيّن ذلك فإليك بعض الشبهات:

الشبهة الأُولى

يقولون: إنّ في القرآن أُسلوبين متعارضين، فالقسم المدني تلوح

1 . شرح نهج البلاغة:7/183.
2 . فصلت:26.

صفحه 49
عليه أمارات الثقافة والاستنارة، والقسم المكّيّ يتفرّد بالعنف والشدّة، نحو: (تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَب وَتَبَّ)(1).
يلاحظ عليه: أنّ صاحب هذه الشبهة هو من أصحاب الرأي المسبق، فهو لم يتتبع ما نزل في مكّة والمدينة، فالعنف والشدّة لا يختصّ بالمكّيّة من الآيات; بل هو موجود أيضاً في المدنية منها، قال سبحانه في سورة البقرة ـ التي نزلت في السنة الأُولى من الهجرة ـ:(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).(2) كما أنّ اللينة لا تختصّ بالمدنية منها بل نراها في المكيّة أيضاً، قال سبحانه في سورة الزمر (المكّيّة): (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(3). مع أنّ بيئة مكّة تقتضي الشدّة في الكلام، لكن تحت الظروف الخاصّة تقتضي اللين والعطف على عكس البيئة المدنية. والنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يتأثر بالبيئة، وانّما عالج كلّ مرض بدوائه الخاص.

الشبهة الثانية

يقولون: إنّ قِصر السور والآيات المكّيّة مع طول السور والآيات المدنية يدلّ على انقطاع الصلة بين القسم المكّيّ والقسم المدني، ويدلّ

1 . المسد:1.
2 . البقرة:23ـ24.
3 . الزمر:53.

صفحه 50
على أنّ القسم المكّيّ يمتاز بمميزات الأوساط المنحطّة، ويدلُّ على أنّ القرآن في نمطه هذا نتيجةٌ لتأثّر محمد بالوسط والبيئة، فلمّا كان في مكّة أُميّاً بين الأُميّين، جاءت سور المكّيّ وآياته قصيرة، ولمّا وُجد في المدينة بين مثقفين ومستنيرين، جاءت سور المدني وآياته طويلة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ادّعاه بأنّ السور المكّيّة قصيرة والسور المدنية طويلة، يكذبه الوجدان، وهذه هي سورة الأنعام مكّيّة تشهد على ذلك مضامينها، وهي من السور الطوال، وهذه سورة النصر مدنية ولكنّها قصيرة، ومثلها سورة العاديات فهي مدنية لكنّها قصيرة.

الشبهة الثالثة

يقولون: إنّ القسم المكّيّ خلا من التشريع والأحكام، بينما القسم المدني مشحون بتفاصيل التشريع والأحكام، وذلك يدلّ على أنّ القرآن من وضع محمد وتأليفه تبعاً لتأثّره بالوسط الذي يعيش فيه، فهو حين كان بمكّة بين الأُميّين جاء قرآنه المكّيّ خالياً من العلوم والمعارف العالية، ولمّا حلّ بالمدينة بين أهل الكتاب المثقّفين جاء قرآنه المدني مليئاً بتلك العلوم والمعارف العالية.(2)
يلاحظ عليه: أنّ مَن اتّخذ موقفاً مسبقاً لإثبات أنّ القرآن كلام النبي وليس له صلة بالله تعالى، يستدلّ بهذه الشبهات التي يدلّ على بطلانها

1 . مناهل العرفان في علوم القرآن:1/217.
2 . مناهل العرفان في علوم القرآن:1/219ـ 220.

صفحه 51
الحسّ، كيف يقول: إنّ الآيات المكّيّة خالية عن التشريع؟ فهذه سورة الأنعام التي اتّفق الكل على كونها مكّيّة تشتمل في ضمن آيتين على تشريعات عشر، والتي يتطلّب تفسيرها وحدها، رسالة مستقلة، قال سبحانه: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(1).
وهذه أيضاً سورة الإسراء ـ وهي مكيّة ـ تشتمل على قرابة عشرين حكماً، ولأجل أن يطّلع القارئ الكريم على صحّة ما نقول نعرض أمامه هذه المجموعة من الآيات، قال سبحانه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا * وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَة مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُورًا * وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ

1 . الأنعام:151ـ 152.

صفحه 52
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً كَبِيرًا * وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً * وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا)(1).
نعم إنّ قسماً كبيراً من التشريع جاء في السور المدنية وهذا هو مقتضى البلاغة، فإنّ قسماً من الأحكام فرع وجود أُمّة كبيرة تابعة في حياتها الفردية والاجتماعية لقائدها، وهي كانت خاصّة بالفترة المدنية، وهذه كالآيات التي تتحدّث عن الزكاة والخمس والجهاد وأحكام الأحوال الشخصية.

الشبهة الرابعة

يقولون: إنّ القرآن أقسم كثيراً بالضحى والليل، والتين والزيتون وطور سنين، وكثير من المخلوقات. ولا ريب أنّ القَسَم بالأشياء الحسّية، يدلّ على تأثر القرآن بالبيئة في مكة، لأنّ القوم فيها كانوا أُميّين، لا تعدو مداركهم

1 . الإسراء:23ـ 38.

صفحه 53
حدود الحسّيات. أمّا بعد الهجرة واتصال محمد بأهل المدينة، وهم قوم مثقفون مستنيرون، فقد تأثّر القرآن بهذا الوسط الراقي الجديد، وخلا من تلك الأيمان الحسّية الدالّة على البساطة والسذاجة.(1)
يلاحظ عليه بوجوه:
الأوّل: أنّ ما ذكره من اختصاص القسم بالسورة المكّيّة يكذبه الحسّ، هذه هي سورة العاديات وفيها القسم بخيل الجهاد، وقد نزلت في المدينة، فقد روى الحلبي، قال: سألت أباعبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ:(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا)(2)؟ قال: وجّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عمر بن الخطاب في سرية فرجع منهزماً يجبّن أصحابه ويجبّنونه أصحابه. فلمّا انتهى إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي: أنت صاحب القوم فتهيّأ أنت ومن تريد من فرسان المهاجرين والأنصار، فوجّهه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: اكمن النهار وسر الليل ولا تفارقك العين، قال: فانتهى علي(عليه السلام) إلى ما أمره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فسار إليهم، فلمّا كان عند وجه الصبح أغار عليهم فأنزل الله على نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا)إلى آخرها.(3) على أنّ مضمون السورة ينادي بأعلى صوته أنّها مدنيّة، لأنّها نزلت ترغيباً إلى الجهاد وأين هي من الفترة المكّيّة؟!
الوجه الثاني: إنّ ما ذكره من أنّ حصر الأقسام في الفترة المكّية بالحسّيات لأجل أنّ قريشاً أُميّون، زعمٌ باطل لأنّ الوحي الإلهي أقسم

1 . مناهل العرفان في علوم القرآن:1/222.
2 . العاديات:1.
3 . تفسير نور الثقلين:5/652.

صفحه 54
بأُمور ـ في تلك البيئة ـ خارجة عن إطار الحسّ، كما في المواضع التالية نموذجاً:

1. الحلف بلفظ الجلالة

أقسم سبحانه بلفظ الجلالة، في موارد منها: قوله تعالى: (تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ)(1).

2. الحلف بلفظ الربّ

أقسم سبحانه بلفظ الربّ في موارد منها قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا)(2).

3. الحلف بالقرآن الحكيم

حلف سبحانه بالقرآن تارة بالوصف الحكيم كقوله سبحانه: (يَس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)(3) وأُخرى بالوصف المجيد، كقوله: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)(4).

4. الحلف بالملائكة

حلف سبحانه بالملائكة بألقاب وأوصاف مختلفة منها:

1 . النحل:63.
2 . مريم:68.
3 . يس:1و2.
4 . ق:1.

صفحه 55
أ. الصافات، الزاجرات، التاليات.
ب. الذاريات، الحاملات، الجاريات، المقسمات.
ج. المرسلات، العاصفات، الناشرات، الفارقات، الملقيات.
د. النازعات، الناشطات، السابحات، السابقات، المدبرات.

5. الحلف بالقلم وما يسطرون

قال سبحانه: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)(1).

6. الحلف بالقيامة بأسمائها المختلفة

أ. قال سبحانه: (لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)(2).
ب. قال سبحانه: (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ).(3)
ج. قال سبحانه: (وَشَاهِد وَمَشْهُود).(4)

7. الحلف بالنفس اللوامة

قال سبحانه: (وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ).(5) إلى غير ذلك من المفاهيم السامية التي هي خارجة عن الحس، حتّى القرآن الكريم فإنّ المقصود به

1 . القلم:1.
2 . القيامة:1.
3 . البروج:2.
4 . البروج:3.
5 . القيامة:2.

صفحه 56
مفاهيمه ومضامينه مضافاً إلى عذوبة ألفاظه.
الوجه الثالث: أنّ السبب للإقسام (للقسم) بما ورد في هذه الآيات هو إرشاد الوثنيّين المشركين في الربوبية، مضافاً إلى شركهم في العبادة، والغاية القصوى من الحلف بالشمس والقمر وغيرهما هو هداية هؤلاء
إلى أنّ الأصنام المنصوبة في الكعبة وحولها أو ما تحكي عنه تلك الأصنام عاجزة عن تدبير هذه العوالم المترامية الأطراف، فلم يكن بد من
أجل هداية الضالّين في أمر التدبير إلاّ الحلف بهذه العوالم ليتدبّروا
في عظمتها وأحكامها حتى يصلوا إلى أنّ الجميع مدبّر بقدرة الله سبحانه
لا لغيره. وأمّا البيئة المدنية فقد انهزم الشرك عن الساحة واستتر في قلوب المنافقين، والجماهير كلّهم قد آمنوا بالله وحده، وأنّه خالق السماوات وربّها، فلم تكن بعدُ حاجة إلى القسم بهذه العوالم، وأمّا الحلف بالعاديات فلأجل بيان عظمة الجهاد في سبيل الله بحيث صارت خيل الجهاد لائقة للقسم بها.

الشبهة الخامسة:

يقولون: إنّ القسم المكّيّ من القرآن قد اشتمل على لَغو من الكلام في كثير من فواتح السور مثل: (الم) و (كهيعص). وذلك يبطل دعوى المسلمين أنّ القرآن بيان للناس وهدى، وأنّه كلام الله، وأيّ بيان وأي هدى في قوله: (الم) و قوله: (كهيعص)؟ بل هذه الأحرف وأمثالها في غاية البعد عن الهدى.

صفحه 57
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ الحروف المقطّعة لو كانت من اللغو بالكلام، فهذا لا يختصّ بالسور المكّيّة، فإنّ بعض السور المدنية مشتملة عليه، كسورة البقرة وآل عمران.
ثانياً: كيف حكم بأنّها من قبيل اللغو في الكلام، مع أنّ المفسّرين ذكروا لها احتمالات كثيرة ربّما تناهز العشرين.(1)
وقد بسطنا الكلام فيما هو الحقّ في قسم التفسير.(2) ونذكر ما هو المختار عند جمع من المحقّقين.

إلماع إلى مادّة القرآن

إنّ القرآن الكريم تحدّى المشركين بفصاحته وبلاغته وعذوبة كلماته ورصانة تعبيره، وأعلن أنّ هذا الكتاب ليس من صنع البشر وإنّما هو من صنع قدرة إلهية فائقة لا تبلغ إليها قدرة أيّ إنسان ولو بلغ في مضمار البلاغة والفصاحة ما بلغ.
ثمّ إنّه أخذ يورد في أوائل السور قسماً من الحروف الهجائية للإلماع إلى أنّ هذا الكتاب مؤلّف من هذه الحروف، وهذه الحروف هي التي تلهجون بها صباحاً ومساءً، فلو كنتم تزعمون أنّه من صُنْع محمّد فاصنعوا مثله، لأنّ المواد التي تركّب منها القرآن كلّها تحت أيديكم، واستعينوا بفصحائكم وبلغائكم، فإن عجزتم، فاعلموا أنّه كتاب منزل من قبل الله

1 . لاحظ: تفسير الرازي:2/5ـ 8.
2 . لاحظ: منية الطالبين: الجزء26، تفسير سورة الأحقاف.

صفحه 58
سبحانه على عبد من عباده بشيراً ونذيراً.
وهذا الوجه هو المروي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وهو خيرة جمع من المحقّقين، وإليك ما ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المقام:
أ. روى الصدوق بسنده عن الإمام العسكري(عليه السلام)، أنّه قال:«كذّبت قريش واليهود بالقرآن، وقالوا: هذا سحر مبين، تقوّله، فقال الله: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ)(1) أي يا محمّد هذا الكتاب الذي أنزلته إليك هو الحروف المقطّعة التي منها (الم) وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا لذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن أنّهم لا يقدرون عليه بقوله: (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا)(2).(3)
وبه قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني(254ـ 322هـ) وهو من كبار المفسّرين، حيث قال: إنّ الذي عندنا أنّه لمّا كانت حروف المعجم أصل كلام العرب، وتحدَّاهم بالقرآن وبسورة من مثله، أراد أنّ هذا القرآن من جنس هذه الحروف المقطّعة تعرفونها وتقتدرون على أمثالها، فكان عجزكم عن الإتيان بمثل القرآن وسورة من مثله، دليلاً على أنّ المنع والتعجيز لكم من الله على أمثالها، وأنّه حجّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: وممّا

1 . البقرة: 1 و2.
2 . الإسراء:8.
3 . تفسير الإمام العسكري
(عليه السلام):62; تفسير البرهان:1/54، تفسير الآية الثالثة من سورة البقرة برقم 9.

صفحه 59
يدلّ على تأويله أنّ كلّ سورة افتتحت بالحروف التي أنتم تعرفونها، بعدها إشارة إلى القرآن، يعني أنّه مؤلّف من هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتقدرون عليها، ثم سأل نفسه، وقال: إن قيل لو كان المراد هذا لكان قد اقتصر الله تعالى على ذكر الحروف في سورة واحدة؟ فقال: عادة العرب التكرار عند إيثار إفهام الذي يخاطبونه.(1)
واختاره الزمخشري(467ـ539هـ)(2)، وممّن حقّق هذا الموضوع السيد هبة الدين الشهرستاني(1301ـ1386هـ) فقد قال ما هذا نصّه: إنّ القرآن مجموعة جمل ليست سوى صُبابة أحرف عربية من جنس كلمات العرب ومن يسير أعمال البشر، وقد فاقت مع ذلك عبقرية، وكلّما كان العمل البشري أيسر صدوراً وأكثر وجوداً، قلّ النبوغ فيه وصعب افتراض الإعجاز والإعجاب منه، فإذا الجمل القرآنية ليست سوى الحروف المتداولة بين البشر، فهي عبارة عن (الم) و (حم عسق) فلماذا صار تأليف جملة أو جمل منه مستحيل الصدور؟ هذا ونجد القرآن يكرر تحدّي العرب وغير العرب بإتيان شيء من مقولة هذا السهل الممتنع، كالطاهي يفاخر المتطاهي بأنّه يصنع الحلوى اللذيذة من أشياء مبذولة لدى الجميع كالسمن واللوز ودقيق الرز، بينما المتطاهي لا يتمكّن من ذلك مع استحضاره الأدوات، وكذلك الكيمياوي الماهر يستحضر المطلوب المستجمع لصفات الكمال، وغيره يعجز عنه مع حضور جميع الأدوات

1 . تاريخ القرآن للزنجاني:106.
2 . تفسير الكشاف:1/17.

صفحه 60
والأجزاء، وكذلك القرآن يقرع ويسمع قومه بأنّ أجزاء هذا المستحضر القرآني موفورة لديكم من: ح، و م، و ل، و ر، و ط، وهاء، وأنتم مع ذلك عاجزون.(1)

الشبهة السادسة:

يقولون: إنّ القرآن في قسمه المكّيّ قد خلا من الأدلّة والبراهين، بخلاف قسمه المدني، فإنّه مليءٌ بالأدلّة، مدعّمٌ بالحجّة، وهذا برهان جديد على تأثّر القرآن بالوسط الذي كان فيه محمد!
يلاحظ عليه: أنّ هذا المستشكل لم يقرأ القرآن حتى يقف على أنّ السور المكّيّة تحتوي على أقوى البراهين الدالّة على التوحيد وإبطال الشرك، ونذكر منها ما يلي:
أ. قال تعالى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْء عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ).(2)

1 . المعجزة الخالدة:115ـ 116.
2 . الأنعام:76ـ 80.

صفحه 61
وبما أنّ الغرض هو الإيجاز والإشارة نكتفي بذكر الآيات دون إيضاح البراهين.
ب. قوله سبحانه: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).(1)
إنّ قوله: (يُسْقَى بِمَاء وَاحِد) من أوضح البراهين على أنّ وراء العلل المادّية علّة أُخرى تضفي على النباتات التنوّع والاختلاف مع كون الماء والتراب واحد لكن الثمار مختلفة.
فإن قلت: إنّ قسماً من الاختلاف يرجع إلى الظروف الجوية من ضوء الشمس وحرارتها والرياح العاصفة إلى غير ذلك.
قلت: نحن لا ننكر شيئاً من ذلك فإنّ للعلل الطبيعية تأثيراً تامّاً في تنوّع النباتات، إلاّ أنّ الكلام في السبب الغيبي الذي أعطى لهذه العلل نظاماً خاصّاً مؤثراً تكون نتيجته ظهور فواكه مختلفة اللون والطعم والحجم مع وحدة المولد من الماء والتراب وضوء الشمس.
ج. بما أنّ الداء العضال في الفترة المكّيّة هو الشرك في الربوبية، نرى أنّه سبحانه يذكر برهاناً دامغاً، ويقول: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).(2)

1 . الرعد:4.
2 . الأنبياء:22.

صفحه 62
وفي سورة أُخرى يذكر هذا البرهان بشكل أوسع ويقول: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).(1)

1 . المؤمنون:91ـ 92.

صفحه 63

المبحث الرابع

نزول القرآن على سبعة أحرف

اشتهر بين المحدّثين وقسم من المفسّرين أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، أمّا من جانب الشيعة فإليك ما روي عن طرقهم:
1. روى الصدوق، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضي الله عنه) قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار، عن العبّاس بن معروف، عن محمّد بن يحيى الصيرفيّ، عن حمّاد بن عثمان، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّ الأحاديث تختلف عنكم، قال: فقال: «إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه، ثمّ قال:(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب).(1)
2. وروى أيضاً، قال: حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه(رضي الله عنه) قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد، عن أحمد بن هلال عن عيسى بن عبد الله الهاشميّ، عن أبيه عن آبائه(عليهم السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الخصال:358، باب السبعة، برقم 43، والآية 39 من سورة ص.

صفحه 64
أتاني آت من الله، فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، قلت: يا ربّ وسّع على أُمّتي، فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: يا ربّ وسّع على أُمّتي، فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يأمرك ]أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت يا ربِّ وسّع على أُمّتي فقال: إنّ الله يأمرك[ أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف.(1)
يلاحظ على الحديثين بما يلي:
أمّا الأوّل ففي سنده محمد بن يحيى الصيرفي وهو مهمل في الرجال، قال الشيخ الطوسي في الفهرست: «له كتاب» له سبع روايات في التهذيب، وبمثله لا يمكن الاحتجاج به.
وأمّا الحديث الثاني ففي سنده أحمد بن هلال العبرتائي، قال الشيخ الطوسي في الاستبصار: أحمد بن هلال ضعيف فاسد المذهب لا يُلتفت إلى حديثه فيما يختصّ بنقله.(2)
أضف إلى ذلك: أنّ مضمون الحديثين مختلف، فالحديث الأوّل يدلّ على أنّ السبعة من بطون الآية، والحديث الثاني يدلّ على أنّ السبعة هي القراءات المختلفة .
3. روى الصفار، قال: حدّثنا الفضل عن موسى بن القاسم عن أبان عن ابن أبي عمير أو غيره، عن جميل بن دُرّاج عن زُرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)

1 . الخصال:358، باب السبعة، برقم 44.
2 . الاستبصار:3/28، الحديث22.

صفحه 65
قال:«تفسير القرآن على سبعة أحرف، منه ما كان، ومنه ما لم يكن بعد، ذلك تعرفه الأئمّة».(1)
أمّا السند فإنّ كلاًّ من الفضل، وموسى بن القاسم مشترك، وأما المتن، فمضمونه يتّحد مع مضمون الرواية الأُولى من روايتي بصائر الدرجات المار ذكرها، ولا صلة للحديث بالقراءات السبع.
4. روى المجلسي، قال: وجدت رسالة قديمة مفتتحها هكذا: حدّثنا جعفر بن محمد بن قولويه القمّي(رحمه الله) قال: حدّثني سعد الأشعري القمّي أبو القاسم(رحمه الله) وهو مصنّفه: الحمد لله ذي النعماء والآلاء، والمجد والعزّ والكبرياء، وصلّى الله على محمد سيد الأنبياء، وعلى آله البررة الأتقياء، روى مشايخنا عن أصحابنا، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قال أمير المؤمنين(صلوات الله عليه): أُنزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل. وساق الحديث إلى آخره. لكنّه غيّر الترتيب، وفرَّقه على الأبواب، وزاد فيما بين ذلك بعض الأخبار».(2)
هذه الروايات الأربع مجموع ما روي من طرقنا، فالأُولى والثالثة والرابعة ناظرة إلى أنّ الآية تحتمل معاني تعدّ بطوناً للآية، أو إلى تقسيم مضامين الآيات إلى أمر وزجر، وترغيب وترهيب، والذي يشهد على المقام هو الرواية الثانية التي جاء فيها: «تقرأ القرآن على سبعة أحرف» وقد

1 . بصائر الدرجات:216، ح8، الباب7 من أبواب الجزء الرابع.
2 . بحار الأنوار:90/97، كتاب القرآن.

صفحه 66
مرّ أنّ السند ضعيف.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ ما يدلّ على نزول القرآن على سبع قراءات هو الحديث الثاني، وهو بمفرده لا يُحتجّ به، مضافاً إلى أنّ مضمون الحديث مخالف لما تضافر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
روى الكليني عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام):«إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة».(1)

كلمات علمائنا حول نزول القرآن على سبع قراءات

إنّ في المقام مسألتين:
الأُولى: جواز القراءة بما يتداوله القرّاء.
الثانية: نزول القرآن بقراءات سبع.
أمّا الأُولى: فالظاهر من الشيخ في تبيانه والطبرسي في مجمعه، جواز القراءة، قال الأوّل: إنّ المعروف من مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم ورواياتهم أنّ القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد، غير أنّهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء، وأنّ الإنسان مخيّر بأي قراءة شاء.(2)

الثانية: نزول القرآن بقراءات مختلفة

وهذا ما يرفضه علماؤنا، قال الشيخ الطوسي: وروى المخالفون لنا

1 . الكافي:2/630.
2 . التبيان:1/7; مجمع البيان1/12.

صفحه 67
عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: نزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف، وفي بعضها «على سبعة أبواب» ثم ذكر اختلاف العلماء في معنى الحديث.(1)وقريب منه في «مجمع البيان».(2)
يقول المحقّق الفيض: وأمّا حمل الحديث على سبعة أوجه من القراءات ثمّ التكلّف في تقسيم وجوه القراءات على هذا العدد ـ كما نقله في «مجمع البيان» من بعضهم ـ فلا وجه له، مع أنّه يكذبه ما رواه في «الكافي» بإسناده عن أبي جعفر(عليه السلام):«إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة».(3)
وروي أيضاً بإسناده عن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام):إنّ الناس يقولون إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف؟ قال: «كذبوا أعداء الله ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد».(4)
إلى هنا تمّ ما روي من طرقنا، وما عليه علماؤنا في تفسير الحديث.

حديث السبعة من طرق أهل السنّة

جمع العالم الأثري الشيخ الطبري أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، ما يناهز خمسين حديثاً لا يمكننا ذكر قسم قليل منها فضلاً عن

1 . التبيان:1/7.
2 . مجمع البيان:1/12.
3 . التفسير الصافي:1/67.
4 . الكافي:2/630.

صفحه 68
الجميع.(1)، غير أنّنا نذكر بعض ما يكون صريحاً في «القراءة».
1. روى عن ابن عباس أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«أقرأني جبريل على حَرف، فراجعته، فلم أزل استزيده فيزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف».(2)
2. وروى عن أُبيّ في حديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«أتاني جبريل، فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: إنّ أُمّتي لا تستطيع ذلك، حتى قال سبع مرّات، فقال لي: اقرأ على سبعة أحرف، ولك بكلّ ردَّة رُدِدْتها مسألة، قال: فاحتاج إليّ فيها الخلائق، حتى إبراهيم(عليه السلام)».(3)
3. روى عن أُبيّ بن كعب قال: أتى جبرئيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عند أضاة بني غفار، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى، يأمرك أن تقرئ أُمّتك القرآن على سبعة أحرف، فمَن قرأ منها حرفاً فهو كما قرأ.(4)
نحن نقتصر بهذا القليل ولنا فيها ملاحظات تسقطها عن الحجّية.
أوّلاً: أنّ هذه الروايات مليئة بالتهافت والتناقض، حتّى فيما نقلناه، حيث إنّ الحديث الأوّل يدلّ على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) طلب من الله سبحانه أن يرخص له الاستزادة في القراءة، والحديث الثالث يدلّ على أنّه سبحانه أمره قبل الطلب بالقراءة على سبعة أحرف، فمن أراد أن يقف على مقدار

1 . لاحظ: تفسير الطبري:1/16ـ 30، من الرقم 7ـ58.
2 . تفسير الطبري:1/19، برقم 19.
3 . تفسير الطبري:1/22، برقم 32.
4 . تفسير الطبري:1/22، برقم 33.

صفحه 69
التهافت والتناقض فيها فليرجع إلى كتاب «البيان في تفسير القرآن» للمحقّق السيد أبو القاسم الخوئي.(1)
الثاني: أنّ غالب الروايات والتي لم نذكرها أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يساوم في أمر الاستزادة فلمّا رخّص للنبي القراءة على اثنين لم يقنع بل طلب الزيادة، وهكذا استمرت المساومة إلى أن استقر العدد على السبعة، وهذا ليس من شأن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما شأنه أن يأتمر ويطيع بدون أن يطلب الزيادة والنقيصة.
أضف إلى ذلك: أنّ معنى هذه الأحاديث أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان أرحم بأُمّته من الله سبحانه، وأعرف بحاجاتهم وطاقتهم من الله عزّ وجلّ.
الثالث: كيف ينسبون إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: إنّ أُمّتي لا تطيق ذلك، مع أنّ الأُمّة الإسلامية عبر قرون يقرأون بقراءة واحدة وهي قراءة عاصم على رواية حفص أو شعبة بن عيّاش، ولم يكن أي حرج، ولو نشاهد قراءة آية واحدة أو آيات بقراءة مختلفة في المحافل القرآنية فإنّما هو من باب التفنن، وإلاّ فالقراءة الرائجة قراءة واحدة مطابقة لما هو المنتشر في العالم.
الرابع: أنّ مجموع الروايات تهدف إلى أنّ زيادة القراءات كان رحمة من الله سبحانه على الأُمّة، مع أنّه صار بعد عشرين عاماً وبالاً على الأُمّة، حيث إنّ اختلاف القراءات أوجد مشاكل في عصر خلافة عثمان حيث إنّه جمع المسلمين على قراءة واحدة وهي القراءة التي كانت متعارفة بين

1 . لاحظ: البيان في تفسير القرآن:77.

صفحه 70
المسلمين والتي تلقّوها بالتواتر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه منع عن القراءات الأُخرى المبتنية على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، التي تقدّم توضيح بطلانها.
أمّا هذا العمل من عثمان فلم ينتقده عليه أحد من المسلمين، وذلك لأنّ الاختلاف في القراءة كان يؤدّي إلى الاختلاف بين المسلمين، وتمزيق صفوفهم، وتفريق وحدتهم، بل كان يؤدّي إلى تكفير بعضهم بعضاً، وقد مرّ ـ فيما تقدّم ـ بعض الروايات الدالّة على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منع عن الاختلاف في القرآن، ولكن الأمر الذي انتقد عليه هو إحراقه لبقية المصاحف وأمره أهالي الأمصار بإحراق ما عندهم من المصاحف، وقد اعترض على عثمان في ذلك جماعة من المسلمين، حتى سمّوه بحرّاق المصاحف.(1)
الخامس: أنّ الرواية مع كثرة أسانيدها ونقلتها مجملة المعنى غير واضحة المراد حتى أنّ جلال الدين السيوطي نقل خمسة وثلاثين احتمالاً للحديث. فتارة يقال: إنّه من المشكل الذي لا يُدرى معناه، لأنّ الحرف يطلق عادة على حرف الهجاء، وعلى الكلمة وعلى المعنى وعلى الجهة، وأُخرى: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التيسير، وثالثة: أنّ المراد سبع قراءات، وأورد عليه بأنّه لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلاّ القليل، إلى غير ذلك من الوجوه الناهضة إلى الخمسة والثلاثين.

1 . الإتقان في علوم القرآن:1/103، النوع 18.

صفحه 71
فما قيمة حديث يكون مغموراً في خمسة وثلاثين وجهاً.

الزرقاني وتفسير الحديث

ثمّ إنّ المحقّق المعاصر الشيخ الزرقاني قد بسط الكلام حول الحديث وقال: «هذا مبحث طريف وشائق، غير أنّه مخيف وشائك» غير أنّه فسّر الحديث بالنحو التالي، قال: والذي نختاره ـ بنور الله وتوفيقه ـ من بين تلك المذاهب والآراء هو ما ذهب إليه الإمام أبو الفضل الرازي في اللوائح، إذ يقول:
الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف:
الأوّل: اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض، ومضارع، وأمر.
الثالث: اختلاف وجوه الإعراب.
الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة.
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير.
السادس: الاختلاف بالإبدال.
السابع: اختلاف اللغات ـ يريد اللهجات ـ كالفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام، ونحو ذلك. (1)
ثمّ إنّه ذكر لكلٍّ مثالاً من الروايات.

1 . مناهل العرفان في علوم القرآن:1/157.

صفحه 72
أقول: حاصل كلامه: إنّ اختلاف القرّاء في قراءة الآيات يرجع إلى أحد الأُمور السبعة وهو السبب لوجود الاختلاف فيها.
يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديثه هذا أشار إلى مصادر الاختلاف وأنّها سبعة وأنّها المنابع للاختلافات الهائلة في قراءة القرّاء وعندئذ يطرح السؤال، فهل دار في خلد أحد من الصحابة هذا المعنى (الذي ابتكره الباحث بعد قرون) عند سماع قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): نزل القرآن على سبعة أحرف.
ولو صحّ الحديث، فيمكن أن يقال: أُريد بالأحرف السبع اللهجات المختلفة إمّا في لفظ واحد ـ وهو بعيد ـ أو في مجموع الآيات فإنّ لكلّ قوم من العرب لهجة خاصّة في تأدية بعض الكلمات، وقد وصف السيد الخوئي هذا الوجه بأنّه أحسن الوجوه التي قيلت في هذا المقام، لكنّه ردّه بوجوه خمسة فلاحظ.(1)

1 . البيان في تفسير القرآن:192.

صفحه 73

المبحث الخامس

هل القراءات السبع متواترة؟

اتّفق المسلمون على تواتر القرآن وأنّه وصل إلينا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بطريق متواتر وقطعيّ، إلاّ أنّ الاختلاف وقع في تواتر القراءات، فهناك مَن يبالغ في تواترها، ويقول: مَن زعم أنّ القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر، فقوله كفر لأنّه يؤدّي إلى عدم تواتر القرآن جملة، ويُعزى هذا الرأي إلى مفتي البلاد الأندلسية الأُستاذ أبو سعيد فرج بن لُب، وقد تحمّس لرأيه كثيراً وألّف رسالة كبيرة في تأييد مذهبه والردّ على من ردّ عليه.(1)
ونحن لا نعلّق عليه شيئاً إلاّ ما يلي: نفترض أنّ القراءات متواترة عند الجميع لكن لا يكفّر كلّ من أنكر تواتر الشيء إذا لم يكن من ضروريات الدين، ثم نفترض أنّ تواتر القراءات من ضرورياته، فهل يكفّر كلّ مَن أنكر شيئاً من ضروريات الدين إذا لم يثبت كونه ضرورياً عند المنكر، فإنّ إنكار الضروري إنّما يوجب الكفر إذا كان ملازماً لإنكار الرسالة، وهو فرع كون

1 . نقله الزرقاني في مناهل العرفان:1/433.

صفحه 74
الشيء أمراً ضرورياً عند المنكر.
نعم الأكثر على أنّها ليست متواترة وأنّ نفي تواترها لا يلازم نفي تواتر القرآن، لأنّ اختلاف القرّاء إنّما هو في خصوصيات اللفظ، وأمّا غير هذا فهم متّفقون فيه.
وبعبارة أُخرى: اختلافهم في كيفية الكلمة لا في نفسها، فمن قارئ يقرأ: «مالك» بالألف، وقارئ آخر يقرأها بلا ألف أي«ملك»، فالجميع متّفقون على الكلمة وإنّما يختلفون بالكيفية.
وهنا كلمة للزرقاني ننقلها بنصها، يقول: هناك فرق بين القرآن والقراءات السبع، بحيث يصحّ أن يكون القرآن متواتراً في غير القراءات السبع، أو في القدر الذي اتّفق عليه القرّاء جميعاً، أو في القدر الذي اتّفق عدد يُؤْمنُ تواطؤهم على الكذب، قرّاء كانوا أو غير قرّاء، بينما تكون القراءات السبع غير متواترة، وذلك في القدر الذي اختلف فيه القرّاء ولم يجتمع على روايته عدد يُؤمَن تواطؤهم على الكذب في كلّ طبقة، وإن كان احتمالاً ينفيه الواقع.(1)
يقول الزركشي: واعلم أنّ القرآن والقراءات حقيقتان مختلفتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما.(2)

1 . مناهل العرفان:1/434.
2 . البرهان في علوم القرآن:1/318; الإتقان:1/250، النوع 22.

صفحه 75
وعلى كلّ تقدير ففي المسألة أقوال ثلاثة:
1. كونها متواترة عن النبي وعن الأئمة السبعة.
2. إنّها منقولة بأخبار الآحاد في كلتا المرحلتين.
3. التفصيل بين تواترها عن الأئمة السبعة دون النبي.(1)
ثمّ إنّ لأصحاب الأقوال الثلاثة أدلّة يطول بنا المقام بنقل كلماتهم.
والحقّ الذي لا مرية فيه هو القول الثاني أي عدم التواتر في كلتا المرحلتين:
الأُولى: عدم تواترها عن النبي فلوجوه:

الأوّل: الراوي لقراءة النبي نفس القارئ الواحد في جميع السبع

الخبر المتواتر عبارة عن إخبار جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب عادة وتعمدهم عليه في عامّة المراتب ومن المعلوم فقدان هذا الشرط في المورد، لأنّ قراءة النبيّ لم تصل إلينا إلاّ بنفس القارئ الواحد فكيف توصف قراءته بالتواتر؟!
وبعبارة أُخرى: إذا كان الخبر المتواتر منقولاً بالوسائط فلابدّ من استواء الطرفين والوسط في وصف التواتر بمعنى أن يبلغ كلّ واحد من الطبقات حدّ الكثرة المذكورة، والمفروض أنّ قراءة النبي وصلت إلينا بقارئ واحد من السبعة، فكيف تكون قراءته متواترة عن النبي؟!

1 . البرهان في علوم القرآن:1/318; الإتقان:1/250، النوع 22.

صفحه 76

الثاني: لكلّ قارئ، راويان

كما أنّ قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تصل إلينا إلاّ بقارئ واحد فهكذا قراءة كلّ من السبعة وصلت إلينا بواسطة راويين تحمّلا قراءته ونقلاها إلى الآخرين وعندئذ كيف توصف الرواية بالتواتر مع عدم تجاوز رواتها عن اثنين، وإليك أسماء القرّاء السبعة ورواتهم.
1. عبدالله بن عامر اليحصبي، قارئ الشام(المتوفّى 118هـ).
وراوياه هما: هشام بن عمّار، وابن ذكوان، ولم يدركاه، لأنّ هشاماً ولد عام 153هـ و مات 245هـ ، وابن ذكوان ولد عام 173هـ ومات 242هـ . و من ثمّ لم يعرف السبب في اختيار ابن مجاهد هذين للرواية عن ابن عامر؟!
2. عبد الله بن كثير الداري، قارئ مكّة(المتوفّى 120هـ).
وراوياه هما: البزي، وقنبل، ولم يدركاه أيضاً، لأنّ الأوّل ولد سنة 170هـ ومات 250هـ ، والثاني ولد 195هـ و مات 291هـ .
3. عاصم بن أبي النجود الأسدي قارئ الكوفة (المتوفّى 128هـ).
وراوياه هما: حفص بن سليمان «ربيبه» (90 ـ 180هـ)، وأبو بكر شعبة بن عيّاش (95 ـ 193هـ)، وكان حفص أضبط بقراءة عاصم.
4. أبو عمرو زبان بن العلاء المازني، قارئ البصرة (المتوفّى 154هـ).
وراوياه هما: حفص بن عمر الدوري(المتوفّى 246هـ)، وصالح بن زياد السوسي(المتوفّى 261هـ)، ولم يدركاه، وإنّما رويا عن اليزيدي عنه.

صفحه 77
5. حمزة بن حبيب الزيّات قارئ الكوفة أيضاً(المتوفّى 156هـ).
وراوياه هما: خلف بن هشام البزّار(150 ـ 229هـ)، وخلاّد بن خالد الشيباني (المتوفّى 220هـ)، رويا عنه بالواسطة.
6. نافع بن عبد الرحمن الليثي، قارئ المدينة (المتوفّى 169هـ).
وراوياه هما: «قالون» ربيب نافع، واسمه عيسى بن ميناء(120 ـ 220هـ) و «ورش» عثمان بن سعيد (110 ـ 197هـ).
7. علي بن حمزة الكسائي، قارئ الكوفة أيضاً(المتوفّى 189هـ).
وراوياه هما: الليث بن خالد البغدادي (المتوفّى 240هـ). و«الدّوري» حفص بن عمر الدّوري (المتوفّى 246هـ) راوي أبي عمرو المازني أيضاً.(1)
***
وزاد المتأخّرون ثلاثة، تتميماً للعشرة، وهم:
8. خلف بن هشام ـ راوي حمزة الزيّات ـ وقارئ بغداد (المتوفّى 229هـ).
وراوياه هما: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم المروزي، ورّاق خلف (المتوفّى 286هـ)، وأبوالحسن إدريس بن عبد الكريم (المتوفّى 292هـ).

1 . قد بسط السيد الخوئي الكلام في ترجمة القرّاء السبعة في كتابه القيّم«البيان»، ص 136ـ 147، وترى ملخّص التراجم في تلخيص التمهيد للشيخ محمد هادي معرفة
(رحمه الله) والمرجع للجميع كتاب: طبقات القرّاء: 322ـ 323.

صفحه 78
9. يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قارئ البصرة (المتوفّى 205هـ).
وراوياه هما: «رويس» محمّد بن المتوكّل اللؤلؤي(المتوفّى 238هـ). وروح بن عبد المؤمن الهذلي (المتوفّى 235هـ).
10. أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي، قارئ المدينة (المتوفّى 130هـ).
وراوياه هما: «ابن وردان» عيسى الحذّاء (المتوفّى 160هـ)، و«ابن جمّاز» سليمان بن مسلم الزهري (المتوفّى 170هـ).
فإذا كانت الواسطة بيننا وبين القرّاء السبعة شخصين من تلاميذهم بلا واسطة أو معها فكيف توصف القراءة بالتواتر؟!(1)

الثالث: تخطئة كلّ قارئ قراءة الآخر

لو كانت القراءات السبعة أو العشرة متواترة عن النبي فمعنى ذلك أنّ النبي صحّح كلاًّ من القراءات المختلفة، ومعه كيف يصحّ أن يخطّئ قارئٌ، قراءة الآخر، إذ معنى ذلك تخطئة النبي ـ العياذ بالله ـ وإليك نماذج من التخطئة:
1. رُدّ على حمزة قراءة (وَالأَرْحَامَ) من قوله سبحانه: (تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)(2)بالخفض.
2. عن أبي زيد والأصمعي ويعقوب الحضرمي أن خطّأوا حمزة من

1 . تلخيص التمهيد:1/323ـ324.
2 . النساء:1.

صفحه 79
قراءته (وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ)(1) بكسر الياء المشدّدة.
3. كما أنكروا على أبي عمرو إدغام الراء عند الله في قوله:(يَغْفِرْ لَكُمْ)واتّفقوا على عدم الإدغام في (يَغْفِرْ لَكُمْ) كما عليه المصاحف.

الرابع: تواتر القراءات عن النبيّ لا ينسجم مع مسؤولياته(صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ القول بتواتر القراءات السبع أو العشر أو أقلّ أو أكثر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينسجم مع حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ كانت حياته مفعمة بوظائف كثيرة، فمن جانب يجادل أهل الكتاب، إلى آخر يواجه مؤامرات المنافقين، إلى ثالث يُعلّم المؤمنين الكتاب العزيز، إلى رابع يحضر في ميادين المغازي، إلى خامس يكاتب شيوخ القبائل... إلى... إلى... .
فلم يكن له أي وقت يجلس لقراءة القرآن بكلّ واحدة من هذه القراءات السبع أو العشر، فلو صحّ هذا لوجدنا له نصّاً صريحاً في كتب السيرة والتاريخ.
نعم كان يفسّر الآيات تارة ويعيّن مكان الآيات النازلة أُخرى، وأمّا أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يجلس فتارة يقرأ (ملك) وأُخرى (مالك) أو يقرأ(وَمَا يَخْدَعُونَ) بلا ألف وأُخرى معها(2) إلى غير ذلك من مئات الاختلافات في صور الكلمات وإعرابها، فالقول بأنّ هذه القراءات متواترة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قول مَن لم يقرأ سيرة النبي وحياته.

1 . إبراهيم22.
2 . النشر في القراءات العشر:2/207.

صفحه 80

الخامس: القراءات السبع تُسبب كون القرآن كتاباً بشرياً

إنّ تجويز القراءة ببعض اللهجات أمر مقبول إذ لكلّ طائفة لهجة، وأمّا القراءات السبع أو العشر أو ما فوقها ممّا لا ترجع إلى اختلاف اللهجات بل تتجاوز عنها، فأي فائدة في أن يسمح النبي بقراءة القرآن بهذه القراءات المتنوّعة التي لو جمعت في كتاب واحد لخرج النصّ القرآني عن كونه كتاباً سماوياً بل يصبح كتاباً بشرياً اختلف النساخ في مفرداته وجمله، ولو قام أحد ـ لا سمح الله ـ بطبع القرآن على وفق ما جاء في كتاب «النشر» لصدّقت ما قلت وانّ هذه القراءات تحطّ من كرامة وعظمة القرآن الذي عظّمه سبحانه.
فالحقّ ما عليه أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)من «أنّ القرآن واحد نزل من عند الواحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة».

السادس: لا صلة بين الأحرف السبعة والقرّاء السبعة

والعجب أنّه ربّما يفسّر قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«نزل القرآن على سبعة أحرف» على قراءة السبعة من القرّاء، وكأنّ من حاول ذلك زعم أنّ لهؤلاء السبعة كانت شهرة عظيمة صالحة لأن تفسّر بها الرواية، مع أنّ الأمر لم يكن كذلك، هذا هو الجزائري يقول في هذا الموضع: لم تكن القراءات السبع متميزة عن غيرها حتى قام الإمام أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد ـ وكان على رأس الثلاثمائة ببغداد ـ فجمع قراءات سبعة من مشهوري أئمّة الحرمين والعراقين والشام، وهم: نافع، وعبد الله بن كثير،

صفحه 81
وأبو عمرو بن العلاء، وعبد الله بن عامر، وعاصم، وحمزة، وعلي الكسائي. وقد توهم بعض الناس أنّ القراءات السبعة هي الأحرف السبعة، وليس الأمر كذلك... وقد لام كثير من العلماء ابن مجاهد على اختياره عدد السبعة، لما فيه من الإيهام... قال أحمد بن عمار المهدوي: لقد فعل مسبّع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامّة بإيهامه كلّ من قلّ نظره أنّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة.(1)

السابع: القراءات المختلفة لم تؤثّر على وحدة المصحف

إنّ من ألطافه سبحانه على المسلمين هو أنّ هذه القراءات الكثيرة النابعة عن اجتهادات القرّاء ـ كما سيأتي ـ لم تؤثّر في وحدة المصحف بين المسلمين، ولم تؤثّر شيئاً على مادّته وصورته، وصار القرآن الموجود قرآناً موحّداً مادّة وصورة من دون أن يتأثّر بهذه القراءات التي ألّف ابن الجزري فيها كتابه «النشر في القراءات العشر» حيث بدأ ببيان قراءاتهم في السور والآيات.
يقول الشيخ البلاغي: ومن أجل تواتر القرآن الكريم بين عامّة المسلمين جيلاً بعد جيل، استمرّت مادّته وصورته وقراءته المتداولة على نحو واحد، فلم يؤثّر شيئاً على مادّته وصورته ما يروى عن بعض الناس من الخلاف في قراءته من القرّاء السبعة المعروفين وغيرهم، فلم تسيطر

1 . البيان في تفسير القرآن للسيد أبو القاسم الخوئي:160ـ 161. نقلاً عن التبيان للجزائري.

صفحه 82
على صورته قراءة أحدهم اتّباعاً له، ولو في بعض النسخ، كما لم يسيطر عليه أيضاً ما روي من كثرة القراءات المخالفة له، ممّا انتشرت روايته في الكتب كـ«جامع البخاري» و «مستدرك الحاكم» مسندةً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعليّ(عليه السلام)وابن عبّاس، وعمر، وأُبيّ، وابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وأبي الدرداء، وابن الزبير، وانظر أقلاً إلى الجزء الأوّل من كنز العمّال صفحة 284ـ 289(يعادل: ج2/591ـ 610، الحديث 4802 ـ 4879، طبعة مؤسسة الرسالة).(1)

الثامن: ما هو السبب لاختلاف القراءات؟

بقي الكلام في تفسير ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من: «أنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة».(2)
فإذا كان القرآن الذي بلّغه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) واحداً بمادّته وصورته وكان المسلمون مهتمين بحفظ القرآن كذلك، فمن أين جاء الاختلاف؟
والجواب يُعلم من تاريخ توحيد المصاحف في زمن عثمان، يقول ابن الجزري في كتابه المعروف «النشر في القراءات العشر»: ولمّا كان في نحو ثلاثين من الهجرة في خلافة عثمان حضر حذيفة بن اليمان فتح أرمينية وآذربيجان، فرأى الناس يختلفون في القرآن ويقول أحدهما للآخر: قراءتي أصحّ من قراءتك، فأفزعه ذلك وقدم على عثمان وقال:

1 . آلاء الرحمن:1/73.
2 . الكافي:2/630.

صفحه 83
أدرك هذه الأُمّة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردّها إليك فأرسلتها إليه فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف(1)، وقال: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء فاكتبوه بلسان قريش فإنّما نزل بلسانهم، فكتب منها عدّة مصاحف فوجه بمصحف إلى البصرة، ومصحف إلى الكوفة، ومصحف إلى الشام، وترك مصحفاً بالمدينة، وأمسك لنفسه مصحفاً الذي يقال له الإمام، ووجه بمصحف إلى مكّة، وبمصحف إلى اليمن، وبمصحف إلى البحرين، وأجمعت الأُمّة المعصومة من الخطأ على ما تضمّنته هذه المصاحف وترك ما خالفها من زيادة ونقص وإبدال كلمة بأُخرى ممّا كان مأذوناً فيه توسعة عليهم ولم يثبت عندهم ثبوتاً مستفيضاً أنّه من القرآن. وجرّدت هذه المصاحف جميعها من النقط والشكل ليحتملها ما صحّ نقله وثبتت تلاوته عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كان الاعتماد على الحفظ لا على مجرّد الخط.(2)
فإذا كان المرجع هذه المصاحف العثمانية وكانت مجرّدة من النقط والشكل صار ذلك سبباً لاختلاف القراءة فالمكتوب من قوله:(وَمَا يَخْدَعُونَ) كان بشكل يُصلح لأن يُقرأ«يخدعون» وان يقرأ «يخادعون»، ولو كانت المصاحف مقرونة بالنقط والتشكيل لقلّ الاختلاف بكثير.

1 . المصحف في اللغة بمعنى «الدفتر المخيط» والأوراق المخيطة ثم صار علماً للقرآن.
2 . النشر في القراءات العشر:1/7.

صفحه 84
وهناك سبب آخر لم يذكره ابن الجزري وهو أنّ هذه الأمصار التي أرسلت إليها المصاحف قد سبقها قسم من الأصحاب الذي كانوا يعلّمون الناس بمصحفهم أو بما يحفظونه، ومن المعلوم وجود الاختلاف بين ما يحفظون وبين ما مكتوب في المصحف المرسل إليهم.
وقد قامت جماعة من كبار الصحابة بتأليف القرآن وجمع سوره بين دفتين كلّ بنظم وترتيب خاص، منهم: ابن مسعود، وأُبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، والمقداد بن الأسود، ومعاذ بن جبل، فكان أهل الكوفة يقرأون على مصحف عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة يقرأون على مصحف أبي موسى الأشعري، وأهل الشام على مصحف أُبي بن كعب، وأهل دمشق خاصّة على مصحف المقداد بن الأسود.(1)
وبما أنّ هذه المصاحف يختلف بعضها عن بعض فصار هذا أحد العوامل لاختلاف القراءات، وكان توحيد القراءات سبباً لزوال الاختلاف.
ثمّ إنّ شيخنا «معرفة» بسط الكلام في عوامل نشوء الاختلاف فحصرها في أُمور ستة:
1. بداءة الخط، 2. الخلوّ عن النقط، 3. التجريد عن الشكل، 4. إسقاط الألفات، 5. تأثير اللهجة، 6. تحكيم الرأي والاجتهاد. ومثّل لكلّ أمثلة كثيرة نأتي بموجز منها:
أمّا الأوّل: فكان الخط عند العرب آنذاك في مرحلة بدائية، لم تتعرف

1 . كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني:20ـ21; البرهان في علوم القرآن:1/301.

صفحه 85
العرب إلى فنونه والإتقان من رسمه وكتابته الصحيحة، فتارة يفكّكون بين حروف كلمة و احدة فيكتبون الياء منفصلة عنها، مثل: «يستحى ى» و «نُحى ى» و «حيى ى»، أو يحذفونها رأساً كما في «إيلافهم»، كتبوها «إلا فهم»، و ربّما كتبوا النون ألفاً كما في قوله:(لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ)(1)، (وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ)(2).
أمّا الثاني: فقد قرأ ابن عامر والكوفيون (نُنْشِزُهَا) وقرأ الباقون «ننشرها».(3)
أمّا الثالث: قرأ نافع (وَلاَ تَسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ)(4) بصيغة النهي وقرأ الباقون بصيغة المضارع المجهول.
أمّا الرابع: فكان الخط الرائج الخطَ الكوفي ولا يكتب الألفات الممدودة في ثنايا الكلم، ومن هنا قرئ «وما يخدعون» بصورتين، ومنه قرأ نافع «في غيابات الجب» و الباقون «في غيابت الجب».
وأمّا الخامس ـ أي تأثير اللهجة ـ : كقوله سبحانه: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)بالنون مفتوحة في لغة قيس وأسد، ومكسورة في غيرهما، ونظيره اختلافهم في الهمز والتليين نحو «مستهزؤن» و «مستهزون».
وأمّا السادس ـ أي تحكيم الرأي ـ: فهو من أكثر العوامل تأثيراً في

1 . العلق:15.
2 . يوسف:32.
3 . البقرة:259.
4 . البقرة:119.

صفحه 86
اختيارات القرّاء، ولذلك نرى أنّ كلّ قارئ يحتجّ لقراءته بحجّة خاصّة، وقد احتفل بذكره الطبرسي في «مجمع البيان» وأُلّفت حول الموضوع كتب كالحجّة لأبي علي الفارسي وغيره.(1)
ومع ذلك فالله سبحانه قد تعهّد بحفظ كتابه وقال:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(2) فلم يتسرّب هذا الاختلاف إلى القرآن الموجود بيد المسلمين، بل صار علم القراءات علماً مدرسياً يتظاهر به القرّاء في المحافل القرآنية، ولا أظن أنّهم يحسنون صنعاً، فعلى علماء المسلمين التركيز على حفظ القرآن وتجويده والغور في مفاهيمه ومعانيه وجعله قبساً ومصباحاً في الحياة دون أن يشتغلوا بقراءة هذا القارئ أو ذاك القارئ فإنّه لا يحل أي مشكلة في حياتنا المعاصرة.

إكمال

إذا أحطت بما ذكرنا حول حياة القرّاء وكيفية ظهور القراءات السبع تقف بوضوح على أنّ القول بتواترها أمر بعيد غاية البُعد، وأنّ ما روي عن الشهيد الثاني من أنّ كُلاًّ من القراءات السبع من عند الله تعالى نزل بها الروح على قلب سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم) تخفيفاً على الأُمّة وتهويناً على أهل هذه الملّة(3)، غير صحيح جدّاً، وأنّ الحقّ ما عليه صاحب الجواهر حيث يؤيّد عدم التواتر بقوله: إنّ مَن لاحظ ما في كتب القراءة المشتملة على ذكر

1 . تلخيص التمهيد:1/234ـ246.
2 . الحجر:9.
3 . مفتاح الكرامة:2/392، نقلاً عن المقاصد العليّة.

صفحه 87
القرّاء السبعة ومَن تلمذ عليهم ومَن تلمذوا عليه، يعلم أنّه عن التواتر بمعزل، إذ أقصى ما يذكر لكلّ واحد منهما واحد أو اثنان، على أنّ تواتر الجميع يمنع من استقلال كلّ من هؤلاء بقراءة بحيث يمنع الناس عن القراءة بغيرها، ويمنع من أن يغلّط بعضهم بعضاً في قراءته.(1)

حكم القراءة في الصلاة وغيرها

إذا تبيّن عدم تواتر هذه القراءات يقع الكلام في حكم القراءة ـ في الصلاة ـ وفق إحدى هذه القراءات، قال الشيخ الطوسي: إنّ المعروف من مذهب الإمامية والتطلّع في أخبارهم ورواياتهم أنّ القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد غير أنّهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء، وأنّ الإنسان مخيّر بأي قراءة شاء، قرأ، وكرهوا تجويد قراءة بعينها(2).
وقال الشيخ الطبرسي: إنّ الظاهر من مذهب الإمامية أنّهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء بينهم من القراءات... إلى آخر ما ذكره الشيخ.(3)
وقال السيد الطباطبائي: الأحوط القراءة بإحدى القراءات السبع، وإن كان الأقوى عدم وجوبها، بل يكفي القراءة على النهج العربي وإن كانت

1 . جواهر الكلام:9/296، كتاب الصلاة. قد مرّ توضيح ما ذكره في الأمر الثالث، ص78 فلاحظ.
2 . التبيان:1/7.
3 . لاحظ: مجمع البيان:1/12.

صفحه 88
مخالفة لهم في حركة بنية(1) أو إعراب.(2)
غير أنّ السيد الحكيم(قدس سره) خصّ الجواز بالموافق لإحدى القراءات المتداولة في عصر الأئمّة(عليهم السلام).(3)
ويؤيّد ما أفاده ما ورد في الروايات:
1. روى الكليني عن سالم بن أبي سلمى قال: قرأ رجل على أبي عبد الله(عليه السلام) ـ وأنا استمع ـ حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها الناس، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتّى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله على حدّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي(عليه السلام)».(4)
2. وروى أيضاً مرسلاً عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: قلت: جعلت فداك إنّا نسمع الآيات من القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها، ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال:«لا، اقرؤا كما تعلّمتم فسيأتيكم مَن يعلّمكم».(5)
3. وروى أيضاً عن سفيان السمط قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن تنزيل القرآن؟ قال: «اقرأوا كما علمتم».(6)

1 . أي بناء
2 . العروة الوثقى:1/223، فصل في أحكام القراءة، المسألة 50.
3 . العروة الوثقى:1/223، فصل في أحكام القراءة في الصلاة(الهامش).
4 . الوسائل:3، الباب74 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث1.
5 . الوسائل:3، الباب74 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث2.
6 . الوسائل:3، الباب74 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث3.

صفحه 89
ويظهر من الحوار الدائر بين الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وطلحة، أنّ الإمام (عليه السلام) كان مصرّاً على حفظ القراءة الموجودة، وذلك عندما سأله طلحة بقوله: ما يمنعك يرحمك الله أن تخرج كتاب الله إلى الناس، فتكلّم الإمام(عليه السلام) كلاماً شرح له معرفته بكل آية أنزلها الله عزّ وجلّ على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يجب عن سؤال طلحة، فقال طلحة: لا أراك يا أبا الحسن اجبتني عمّا سألتك عنه من أمر القرآن ألا تظهره للناس، قال: يا طلحة عمداً كففت عن جوابك، فأخبرني عن ما كتب عمر وعثمان أقرآن كلّه أم فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة: بل قرآن كلّه، قال: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار، ودخلتم الجنة، فإنّ فيه حجّتنا وبيان حقّنا، وفرض طاعتنا، قال طلحة: حسبي أمّا إذا كان قرآناً فحسبي.(1)
وهذه الروايات تصلح لأن تكون سنداً لما أفتى به السيد الحكيم(قدس سره)حيث إنّ منصرفها إلى القراءات الموجودة في أعصارهم فقط، لكنّ التعرّف على القراءات المتداولة في عصر الأئمّة(عليهم السلام)، مشكل. نعم ربّما يتوهّم أنّ المراد هو قراءة أُبيّ بن كعب حيث روى الكليني عن داود بن فرقد والمُعلّى بن خنيس جميعاً قالا: كنّا عند أبي عبد الله(عليه السلام)فقال: «إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضالّ، ثمّ قال: أمّا نحن فنقرؤه على قراءة أُبيّ».(2)
فإن قلت: قد يظهر من هذه الرواية أنّ قراءة أُبيّ هي التي يؤيّدها أهل

1 . بحار الأنوار:92/42، كتاب القرآن.
2 . الوسائل:3، الباب74 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث4.

صفحه 90
البيت(عليهم السلام).
قلت: ما ذكرته صحيح لولا ما احتمله صاحب الجواهر في تفسير الرواية حيث قال: وإن كان الظاهر أنّ ذلك منه(عليه السلام) إصلاح لما عساه مناف للتقية من الكلام الأوّل، خصوصاً وابن مسعود عندهم بمرتبة عظيمة، وإلاّ فهم المتبعون لا التابعون، كما أنّهم ربّما صدر منهم(عليهم السلام) ما يوافق خبر السبعة الأحرف المشهور عندهم تقية.(1)، فالأولى ما عليه سيدنا الأُستاذ الخميني(قدس سره) حيث قال: الأحوط عدم التخلّف عمّا في المصاحف الكريمة الموجودة فيما بين أيدي المسلمين.(2)
إنّ ما ذكره سيدنا الأُستاذ متين جدّاً، وذلك أنّ ما في أيدي المسلمين من المصاحف متواتر جدّاً قرن بعد قرن، وخلفاً عن سلف، في مادة الكلمة وصورتها، وبما أنّ الموجودة تطابق قراءة عاصم برواية حفص، فتكون هي الميزان في القراءة.
نعم بقي هنا شيء وهو أنّ اختلاف القرّاء في مرحلتين، تارة في مادة اللفظ وهو قليل، ومثّل له في التبيان بقوله سبحانه: (كَيْفَ نُنْشِزُهَا)(3) بالراء المعجمة حيث قُرئ أيضاً بالراء المهملة، وأُخرى في إعرابه، مثلاً، ونشير إلى نموذجين منه بما ذكره مؤلّف «النشر» عند كلامه في سورة الأنفال.

1 . جواهر الكلام:9/295.
2 . تحرير الوسيلة:1/167، المسألة 14، كتاب القراءة والذكر.
3 . التبيان:1/8.

صفحه 91
1. اختلفوا في مردفين في قوله:(مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ)(1) فقرأ المدنيان ويعقوب بفتح الدال، ويقرأ بكسر الدال وبذلك قرأ الباقون.
2. اختلفوا في قوله: (يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ) فقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والشين وألف بعدها ولفظ (النُّعَاسُ) بالرفع، وقرأ المدنيان بضم الياء وكسر الشين وياء بعدها (النُّعَاسَ) بالنصب.
هذه نماذج من اختلاف القرّاء في عامّة سوره، فالاختلاف تارة يرجع إلى مادة اللفظ وهو قليل وأُخرى إلى إعرابه وحركته وهو كثير، ومن هذا النوع من الاختلاف يمكن استكشاف ما هو المرضي عند الأئمّة بالمراجعة إلى المصحف المتعارف بين الناس، لكنّ هناك اختلافاً في تجويد الآيات وكلماتها، وهذا ما لا يمكن استكشافه من المصاحف الموجودة.
ونذكر نماذج من هذا الاختلاف:
1. إنّ الادغام في حرفين متماثلين أمر رائج، مثل: «مدد» و «مدّ»، إنّما الكلام في كلمتين متماثلتين كـ «هل لك»، أو متقاربين، كـ«من ربّك»، وقد اختلفوا في إدغام كثير منها مع تقارب المخرج، كالذال في الجيم، والزاء، والسين. والصاد، والتاء، والدال، نحو: (إِذْ جَعَلْنَا)، و (إِذْ زَيَّنَ) و (إِذْ سَمِعْتُمُوهُ)، و(وَإِذْ صَرَفْنَا); و (إِذْ تَبَرَّأَ)، و (إِذْ دَخَلُوا)، فعن أبي عمر وهشام الإدغام، وعن عاصم والحرميين الإظهار. والدالّ في: الجيم، والسين،

1 . الأنفال:9.

صفحه 92
والشين، والصاد، والذال، والراء، والضاد، والظاء، نحو: (لَقَدْ جَاءَكُمْ)، (لَقَدْ سَمِعَ)، (قَدْ شَغَفَهَا)، (لَقَدْ صَرَّفْنَا)، (لَقَدْ ذَرَأْنَا)، (لَقَدْ رَأَى)، (فَقَدْ ضَلَّ)، (فَقَدْ ظَلَمَ)، فعن الأكثر الإدغام، وعن عاصم وابن كثير وقالون: الإظهار.(1)
هذه نماذج من اختلافاتهم الكثيرة في قراءة الآيات من حيث التجويد والتحسين، وقد ذكر صاحب العروة مسائل أُخرى في هذا المورد.
أقول: مع هذا النوع من الاختلاف لا يمكن استكشاف ما هو المرضي عند الأئمّة(عليهم السلام) من المصاحف الموجودة بأيدي المسلمين، فلا مناص من تقسيم ما يقوله علماء التجويد إلى قسمين:
1. المحسّنات، كالإمالة والإشباع والتفخيم والترقيق، فإنّ الاتّباع فيها أمر مستحسن.(2)
2. ما يجب الاتّباع احتياطاً، ونذكر نموذجاً، قال السيد: يجب إدغام اللام من الألف واللام في أربعة عشر حرفاً وهي: التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاء، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، واللام، والنون، وإظهارها في بقية الحروف فتقول في: الله، والرحمن، والرحيم، والصراط، والضالين مثلاً بالإدغام، وفي: الحمد، والعالمين، والمستقيم ونحوها بالإظهار.
وقال(قدس سره) في المسألة التالية: الأحوط الإدغام في مثل (اِذْهَبْ بِكِتَابي)،

1 . جواهر الكلام:9/289.
2 . العروة الوثقى:1/223، المسألة 53.

صفحه 93
و (يُدْرِكْكُمُ) ممّا اجتمع المثلان في كلمتين مع كون الأوّل ساكناً آخره; بل الأقوى عدم وجوبه.(1)

1 . العروة الوثقى:1/223، كتاب الصلاة، المسألتين: 52 و 53.

صفحه 94

المبحث السادس

جمع القرآن الكريم في عصر الرسالة

إنّ جمع القرآن الكريم في فترة من الفترات مسألة، وصيانة القرآن عن التحريف مسألة أُخرى، وإن كان بين المسألتين صلة وارتباط، لكنّا نبحث كلّ مسألة بمفردها.
إنّ فكرة جمع القرآن الكريم في عصر الرسالة وبعدها من المسائل التي لا تُعلم خصوصيتها إلاّ بالنقل الصحيح المجرّد عن الثغرات الّتي تسبّب الشكّ في صحّته.
إنّ كثيراً من كُتّاب علوم القرآن يفسّرون جمع القرآن بوجوه مختلفة. ويقولون: إنّ لجمع القرآن مصاديق أو صوراً مختلفة:
الأُولى: جمع القرآن في الصدور. والجمع بهذا المعنى كان متحقّقاً في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا إشكال، فإنّ كثيراً من الصحابة كانوا يحفظون القرآن كلّه أو بعضه في صدورهم.
الثانية: جمع القرآن بمعنى كتابته في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). لا بمعنى

صفحه 95
كتابته في مصحف واحد، بل كتابته في العسب،(1) واللخاف،(2) والرقاع(3)، وقِطَع الأديم (الجلد)، وعظام الاكتاف، ووضع المكتوب في بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن يُكتب في صحف أو مصاحف. وهذا أيضاً كان متحقّقاً في عصر الرسول كما سيأتي نقله من البخاري.
الثالثة: جمع القرآن على عهد أبي بكر سنة 12هـ ، بمعنى جمع القرآن من المصادر المذكورة وما في صدور الصحابة من الآيات في مصحف خاص، وربط أوراقه بخيط حتى لا يضيع منها شيء. وقد جمع القرآن بهذا المعنى في خلافة أبي بكر. وكان المصحف عنده، ثم انتقل إلى عمر وورثته بنته حفصة فكان عندها.
الرابع: جمع القرآن على عهد عثمان، وكان ذلك عندما اختلفت قراءة القرآن في زمن عثمان فعزم على توحيد القراءة فأمر بنسخ مصاحف ستة على قراءة واحدة وبعث بها إلى بلاد مختلفة وأمر بقراءة القرآن وفق المصحف المرسل، وإحراق سائر المصاحف، وقد مرّ بيانها في المبحث السابق.
هذا ما يصرّ عليه كتّاب علوم القرآن من أهل السنّة، ويستشهدون على هذا بكلمات وروايات منثورة في كتب الحديث والتفسير، وممّن

1 . وهو جريد النخل كان يكشفون الخوص عنه، ويكتبون في الطرف العريض.
2 . اللخاف ـ بكسر اللام ـ جمع لخفة ـ بفتح اللام وسكون الخاء ـ وهي الحجارة الرقيقة، وقيل صحائف الحجارة.
3 . جمع رقعة وقد تكون من جلد أو ورق أو قرطاس.

صفحه 96
شرح هذه الجموع الأربعة الشيخ الزرقاني في «مناهل العرفان في علوم القرآن».
لكن الاعتماد على الروايات والآثار في إثبات ما مرّ أمر مشكل لوجود التعارض بين الروايات والآثار في حقيقة هذا الجمع وجامعه وخصوصياته، وهذا ما ركّز عليه السيد الخوئي واستنتج من وجود هذا التعارض والتهافت، سقوطها عن الحجّية وطرحها، وهذا ممّا لا نحوم حوله لأنّه(قدس سره) قد استوفى الكلام فيه وبيّنه بشكل واضح، بل نحن نعرض المسألة على أُصول فطرية وعقلية، وهو أن ترك جمع القرآن في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في مصحف أو مصاحف والاكتفاء بكتابته على العُسب واللخاف والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع، لا ينسجم مع اهتمام الرسول والمسلمين بالقرآن؟ ويعلم ذلك ببيان أُمور:
الأوّل: أنّ القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى لرسالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عبر القرون إلى يوم القيامة، فيجب أن يكون مصوناً من التحريف والتغيير إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هذا من جانب ومن جانب آخر لم يكن للمسلمين يومذاك أي كتاب ثقافي أو سياسي أو اجتماعي سوى القرآن الكريم. وكانت معارفهم وعقائدهم مستقاة من ذلك الكتاب، فكان القرآن في القمة من الثروة المعنوية.
أفيمكن ـ مع هذين الأمرين ـ أن يعيش النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعجزته الكبرى، والكتاب الوحيد للمسلمين بين العُسب واللخاف والعظام، والأكتاف وقِطَع الأديم المبعثرة في بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أي بيت إلاّ

صفحه 97
بيوت أزواجه.
الثاني: أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان على معرفة تامّة بتاريخ الرسالات السابقة، وأنّ الأُمم الماضية كيف لعبوا بكتبهم فحرّفوها حسب ميولهم وميول حكامهم، أفيصحّ أن يعتمد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حفظ القرآن من الضياع على ضبطه في هذه الأُمور المذكورة. ولا يركّز على جمعه في مصحف أو مصاحف حتى يكون مصوناً من التحريف والضياع.
الثالث: كانت العرب أصحاب حافظة قوية وذاكرة شديدة يحفظون الكلمات القصار وشعر الشعراء بسهولة، فلمّا أسلموا أكبّوا على حفظ القرآن الكريم ووجد بينهم حفّاظ، لكنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم بأنّ سكرة الموت ستلاقيهم وأنّ كلّ نفس ذائقة الموت، فما هو حال القرآن بعد رحيل هؤلاء، فمن أين علم أنّهم سيعلّمون القرآن الجيل اللاحقّ بهم. وبه يتداول حفظ القرآن عبر الأجيال.
كلّ ذلك يرشدنا إلى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يهمل أمر القرآن ولم يكتف بضبطه على ما ذكر، ضبطاً لا نظم فيه ولا تأليف بل هو بين عُسب ولخاف ورقاع وعظام وأُدم بعضها فوق بعض، أو جنباً إلى جنب.
إنّ صيانة الأُمور المذكورة رهن جعلها في مخزن كبير، فإنّ عظام الأكتاف والأضلاع تشغل مكاناً كبيراً حيث إنّ كلّ عظم لا يتّسع إلاّ لكتابة آية أو آيتين، فأين الألواح التي كتبت فيها آيات القرآن التي تجاوز عددها ستة آلاف، وأي بيت من بيوت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتسع لأن تحفظ فيه هذه الأُمور.

صفحه 98
نحن نفترض أنّ النبي الأعظم ـ فرضاً محالاً ـ كمخترع أو مبتكر صرف عمره في ابتكاره واختراعه، أو كمؤلّف بذل جهوده في تأليف كتاب، فهل يصحّ منه أن يتعامل مع أثره بمثل ما نسب إلى النبيّ في أمر الكتاب العزيز حسب ما ذكره البخاري في صحيحه؟ كلاّ ولا.
ثمّ إنّ الشيخ الزرقاني من المتحمّسين لفكرة عدم جمع القرآن في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مصحف، قد استند فيما تبنّاه إلى أنّ القرّاء كانوا كثيرين والفتنة مأمونة والتعويل لا يزال على الحفظ أكثر من الكتابة وأدوات الكتابة غير ميسورة.(1)
أقول: كيف يقول: إنّ أدوات الكتابة غير ميسورة مع أنّ الإسلام ـ بعد فتح مكّة ـ ضرب بجرانه الجزيرة العربية، أفلا يوجد في هذه الرقعة الكبيرة أدوات الكتابة بمقدار كتابة مصحف، مع أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما نزل يثرب كتب اتفاقيات بينه وبين الطوائف الثلاث لليهود على الورق، ثمّ إنّه كتب اتفاقيات بينه وبين رؤساء القبائل وأرسل لهم مراسيل، وقد جمعت مكاتيب الرسول فتجاوز عددها عن حدّ المئتين مكتوب، فلماذا صارت أدوات الكتابة آنذاك ميسورة دون أُخريات حياة النبي؟

دراسة موضوع جمع القرآن في خلافة أبي بكر

1. أخرج البخاري في صحيحه أنّ زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة (أي عقب استشهاد القرّاء السبعين في واقعة اليمامة)

1 . مناهل العرفان في علوم القرآن:1/248.

صفحه 99
فإذا عمر بن الخطاب عنده. قال أبو بكر: «إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرَّ(أي اشتدّ) يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحرَّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثيرٌ من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال عمر: هذا والله خيرٌ! فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر».
قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجلٌ شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فتتبَّع القرآن فاجمَعه! ـ فوالله لو كلَّفوني نقلَ جبل من الجبال، ما كان أثقل علي ممّا أمرني به من جمع القرآن!
قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: هو والله خيرٌ. فلم يزل أبو بكر يراجعني، حتى شرح الله صدري للّذي شرح له صدر أبي بكر وعمر; فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسب واللّخاف وصدور الرِّجال، حتى وجدتُ آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ)(1) حتى خاتمة براءة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر.(2)
روى هشام بن عروة، عن أبيه أنّ أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على

1 . التوبة:128.
2 . صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، الباب الثالث، برقم 4986.

صفحه 100
باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتبوه.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: لماذا اختار الخليفة زيد بن ثابت وهو شاب وترك عليّاً الذي تزامنت حياته مع بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مكّة المكرّمة ومهجره في المدينة المنورة فكان يكتب ما أُوحي إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(2) كيف اختار زيد بن ثابت مع أنّ المروي أنّ أُبي بن كعب كان أقرأهم. وعبد الله بن مسعود كان من السابقين في الإسلام ومن كتّاب الوحي وصاحب القراءة الخاصّة، وفوق هذين فإنّ مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام)باب مدينة علم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأوّل من أسلم وأوّل من كتب القرآن بإملاء من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلنسأل الخليفة كيف أعرض عن هؤلاء وعهد إلى شاب لم يكن له قدم راسخ في السبق إلى الإسلام وكتابة الوحي، حتّى أنّ ابن مسعود كان يعترض على عمل الخليفة ويقول:«قرأت من في رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سبعين سورة وأنّ لزيد بن ثابت ذؤابتين يلعب مع الصبيان».(3)
ولأجل هذه الصلة وزيد بن ثابت كان عثماني الهوى، وهو أحد الخمسة الذين لم يبايعوا عليّاً(عليه السلام).
وثانياً: أنّ آيات القرآن الكريم دُرة وضّاءة لا تختلط مع سائر

1 . كنز العمال:2/573، برقم 4754.
2 . إنّ زيد بن ثابت ولد في يثرب قبل الهجرة بأحد عشرة سنة، ولم يزل صبياً حتى أن النبي رفض أن يشارك في معركة بدر، بل قيل حتى في أُحد، وعلى هذا فهو لم يدرك من عصر الرسالة إدراك إنسان بالغ إلاّ بضع سنين وقد نزل أغلب القرآن قبل هذا بكثير في مكة المكرمة ومهجر النبي، فكيف يحيط بالقرآن مثل الآخرين.
3 . كتاب المصاحف للسجستاني:21.

صفحه 101
الكلمات حتى كلمات الرسول وخطب الأمير(عليه السلام)، فهل يُحتاج في كتابته إلى شهادة شاهدين؟! إنّ مثل هذا مثل مَن يبحث عن الشمس في البيداء بشمعة، مع أنّه لو صحّ لزم ثبوت القرآن بغير التواتر، كما سيوافيك.
وثالثاً: لو كانت الغاية من كتابة المصحف عن طريق زيد بن ثابت في مصحف واحد هي صيانة القرآن من الضياع، لكان اللازم على الخليفة أن يجعل المصحف المكتوب في متناول أعاظم الصحابة والكُتّاب والنسّاخ حتى يستنسخوا منه، وبالتالي يتعدد وجود المصحف مكتوباً، فإنّ انحصار القرآن في مصحف واحد كان معرضاً للتلف والحرق والسرقة مع أنّا نرى أنّ المصحف المكتوب صار محبوساً في بيت الخليفتين ثم بعد وفاة الثاني وقع بيد بنته حفصة.
ورابعاً: إنّ القول بهذا الجمع الذي يلازم عدم وجود جمع للقرآن في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يستلزم ثبوت القرآن بالخبر الواحد، وقد مرّ في نقل البخاري عن زيد بن ثابت حيث قال: فتتبعت (القرآن) أجمعه من العُسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة.(1)
فإنّ جمع القرآن من صدور الرجال معناه جمعه بأخبار الآحاد ونظيره ما رواه هشام بن عروة عن أبيه أنّ أبا بكر قال لعمر ولزيد: أقعدا في باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتبوه.(2)

1 . والظاهر خزيمة الأنصاري بزيادة أبي.
2 . كنز العمال:2/573، برقم 4754.

صفحه 102
ومعنى ذلك أنّ قسماً من القرآن قد ثبت بالخبر الواحد، وقد ثبت أنّ القرآن لا يثبت إلاّ بالتواتر.
كلّ ذلك يبعثنا على عدم الاعتماد على تلك الأخبار، وأنّها نقلت بغير وجه صحيح.

شواهد على جمع القرآن في عصر الرسالة

إنّ في ثنايا تاريخ القرآن أُموراً تشهد على جمع القرآن في عصر الرسالة جمعاً حقيقياً لا في الصدور فقط ولا في العسب واللخاف والرقاع، بل على الورق، وإليك هذه الشواهد:
1. قوله سبحانه: (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)(1) فقد وعد سبحانه في هذه الآية رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأُمور:
أ. إنّ عليه سبحانه جمعه.
ب. إنّ عليه سبحانه قرآنه.
ج. إنّ عليه سبحانه بيانه.
وقد فسر(جَمْعَهُ) في البخاري بقوله: أي جمعه في صدرك (2). ولكن الظاهر هو الأعم أي من غير اختصاص بالصدر، والله سبحانه يعد نبيّه بجمع القرآن، والمنع من تشتته وتفرقه، فحمل هذا الإطلاق على

1 . القيامة:16ـ 19.
2 . لاحظ: صحيح البخاري، برقم 4929، كتاب تفسير القرآن، باب (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ).

صفحه 103
الحفظ في صدر النبي خلاف ما هو المتبادر، والآية نظير قوله سبحانه:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1) فقد تحقّق هذا الجمع في عصر الرسالة بيد حفاظ القرآن وقرّائه ـ كما سيأتي ـ بإرشاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. ما روي عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفّان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطراً:«بسم الله الرحمن الرحيم»؟ ووضعتموهما في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان ممّا يأتي عليه الزمان ينزل عليه السورة ذات العدد، وكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوّل ما أُنزل في المدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنّها منها، وقبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبيّن لنا أنّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم اكتب بينهما سطر (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ووضعتها في السبع الطوال.(2)
3. اشتهر أنّ جماعة من الأنصار جمعوا القرآن الكريم على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). روى الطبري قال: جمع القرآن على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ستة نفر من الأنصار: أُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعيد بن عبيد، وأبوزيد، وبقي على المجمِّع بن حارثة سورة أو

1 . الحجر:9.
2 . منتخب كنز العمّال:2/48.

صفحه 104
سورتين حين توفي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)».(1)
4. روى قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أربعة كلّهم من الأنصار: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، و زيد بن ثابت، قلت لأنس: من أبو زيد؟، قال: أحد عمومتي».(2)
5. أخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر: جمعت القرآن، فقرأت به كلّ ليلة، فبلغ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: اقرأه في شهر.(3)
فإن قلت: يحتمل أن يُراد من الجمع هو الجمع في الصدور لا التدوين.
قلت: هذا احتمال ضعيف جدّاً إذ كيف يمكن حصرهم في أربعة أو ستة، وأنّ المتصفح لأحوال الصحابة وأحوال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يحصل له اليقين بأنّ عدد الجامعين في الصدور كان أكثر من ذلك.
وقد مرّ أنّ مَن قتل في بئر مؤتة سبعون نفراً، و400 نفر في اليمامة، فلابدّ من حمل الجمع هنا على الجمع في الكتابة.
6. إنّ القرآن قد تحدّى في مقام البرهنة بإتيان سورة من سور القرآن الكريم قبل أن يتحدّى بإتيان عشر سور من مثله، قال سبحانه:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات)(4)، وقال سبحانه: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ

1 . تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر:47/111; وفي أُسد الغابة:27/245: المجمع بن جارية.
2 . صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب زيد بن ثابت، برقم 3815.
3 . فتح الباري:9/47.
4 . يونس:13.

صفحه 105
قُلْ فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ)(1)، وقال سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(2)، فلو لم يكن القرآن منتشراً بين المسلمين والكفّار والمشركين لما صحّ التحدّي بعشر سور تارة وبسورة أُخرى.
كلّ ذلك يردّ ما يقال من أنّ القرآن كان مكتوباً على العسب والأكتاف واللخاف، فأين هذا من كون القرآن في متناول الناس لإتمام الحجّة؟!
7. تضافرت الروايات على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي» فلو لم يكن القرآن مكتوباً لما صحّ وصفه بالكتاب.
8. إنّ كتابة القرآن كانت أمراً رائجاً بين المسلمين حتى في الفترة المكيّة. نقل ابن هشام عن إسلام عمر، قال: قال ابن إسحاق: في حديث: كان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يُقرئها القرآن فدخل عمر إلى بيت أُخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت وبيدهما صحيفة فيها سورة«طه» يقرئهما إياها... إلى آخر ما ذكره ابن هشام .(3)
وهذا دليل على أنّ المسلمين حتى في الفترة المكّيّة كانوا يكتبون القرآن في صحيفة. ومعنى ذلك انّ آيات السور كانت مرتبة .

1 . يونس:38.
2 . البقرة:23.
3 . السيرة النبوية لابن هشام:1/142ـ 143.

صفحه 106

بقيت هنا أُمور:

الأوّل: زعم الزرقاني أنّ جمع القرآن في صحف أو مصاحف في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يستلزم عرض القرآن لتغيير الصحف أو المصاحف، وأوضح ذلك بأُمور:
1. أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء من آية أو آيات.
2. أنّ القرآن لم ينزل مرّة واحدة بل نزل منجّماً في مدى ثلاث وعشرين سنة .
3. أنّ ترتيب آياته وسوره ليس على ترتيب نزوله.
فرتّب عليها أنّ القرآن لو جمع في صحف أو مصاحف والحال على ما شرحنا لكان عُرضة لتغيير الصحف أو المصاحف كلّما وقع نسخ أو حدث سبب.(1)
يلاحظ على الأمر الأوّل: أنّه مبني على ثبوت نسخ التلاوة وأنّه سبحانه أنزل آية وتلاها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ثم نسخت تلاوتها وحذفت من المصحف، فهو أمر باطل، كما سيوافيك بيانه في مبحث النسخ لأنّه تعبير آخر عن القول بالتحريف.
وأمّا الثاني، أعني: نزول القرآن منجّماً لا يمنع من الكتابة منجمة.
وأمّا الثالث: فإنّ ترتيب آياته وسوره ليس على ترتيب نزوله وإن كان

1 . مناهل العرفان في علوم القرآن:1/248.

صفحه 107
أمراً صحيحاً، لكن اختلافه مع الترتيب الموجود يمنع عن ترتيب السور وجمعها بين الدفتين ولا يمنع عن كتابة كلّ سورة في صحيفة منفصلة عن السورة الأُخرى إذا كانتا من الطوال أو المئين.
ولذلك نرى أنّ جمعاً من علماء السنّة ذهبوا إلى أنّ ترتيب السور توقيفي حصل في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). قال الكرماني: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان(صلى الله عليه وآله وسلم) يعرض على جبريل كلّ سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه في السنة التي توفّي فيها مرّتين، وكان آخر الآيات نزولاً:(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ)(1) فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدين.(2)
وقال الطيبي: أُنزل القرآن أوّلاً جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل متعاقباً على حسب المصالح، ثمّ أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ.(3)
وقال البيهقي في ] المدخل[: كان القرآن على عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مرتّباً سوره وآياته على هذا الترتيب، إلاّ الأنفال وبراءة، لحديث عثمان السابق. ومال ابن عطية قال: إنّ كثيراً من السور كان قد عُلم ترتيبها في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم)كالسبع الطوال والحواميم والمفصّل، وأنّ ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد

1 . البقرة:281.
2 . الإتقان في علوم القرآن:1/195.
3 . الإتقان في علوم القرآن:1/196.

صفحه 108
فُوّض الأمر فيه إلى الأُمّة بعده.(1)
وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول:«ضعوا آية كذا في موضع كذا».(2)
ووافقهم في ذلك السيد المرتضى قال: إنّ القرآن كان على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن، واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يدرّس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان، حتّى عُيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنّه كان يُعرض على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويتلى عليه. وأنّ جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وغيرهما ختموا القرآن على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عدّة ختمات، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث.(3)
ويستنتج ممّا ذكرنا أنّ القرآن كان مجموعاً بسوره وآياته وأنّ تفرّق الآيات عند رحيل النبي بين العُسب واللخاف والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع وبعض الحرير والقراطيس وفي صدور الرجال(4)، أمر بعيد جداً. بل القرآن كان مكتوباً في صحف غير أنّ الصحف لم تكن مجتمعة بين الدفتين، وأنّ ترتيب الصحف كترتيب الآيات كان بإرشاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .

1 . نفس المصدر السابق.
2 . الإتقان في علوم القرآن:1/193.
3 . مجمع البيان:1/19.
4 . لاحظ: تلخيص التمهيد:1/143.

صفحه 109
وممّن وافقنا في هذا القول الشيخ المحقّق محمد هادي معرفة(رحمه الله)، قال: كانت السور مكتملة على عهده ]رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)[ مرتّبة آياتها وأسماؤها، غير أنّ جمعها بين دفتين لم يكن حصل بعد. نظراً لترقّب نزول قرآن على عهده(صلى الله عليه وآله وسلم) فمادام لم ينقطع الوحي لم يصحّ تأليف السور مصحفاً، إلاّ بعد الاكتمال وانقطاع الوحي، الأمر الذي لم يكن يتحقّق إلاّ بانقضاء عهد النبوّة واكتمال الوحي.(1)
وممّا ذكرنا يُعرف معنى ما روي عن الإمام الصادق(صلى الله عليه وآله وسلم): «كان يُعرف انقضاء سورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداء لأُخرى».(2)
قال ابن عباس: كان النبي يعرف فصل سورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ويعرف أنّ السورة قد ختمت وابتدأت سورة أُخرى.(3)
كلّ ذلك يؤيّد القول بوجود الترتيب بين السور غير أنّ ترقب نزول آية في السورة المتقدّمة منعهم عن جمع المصحف بين الدفتين.
نعم ربّما تنزل آية وقد ختمت السورة فكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بوضعها في موضع كذا من السورة.
روى أحمد في مسنده عن عثمان بن أبي العاص، قال: كنت جالساً عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ شخص ببصره ثمّ صوّبه، ثمّ قال: أتاني جبرائيل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ

1 . الإتقان:1/143.
2 . تفسير العياشي:1/19.
3 . المستدرك: 1/231، كتاب الصلاة.

صفحه 110
وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى...)(1) فجعلت في سورة النحل بين آيات الاستشهاد وآيات العهد.(2)
الثاني: الظاهر أنّ جمع القرآن في عصر عثمان كان في السنة الثالثة والعشرين من هجرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث خطب عثمان بالناس قائلاً: أيّها الناس عهدكم بنبيّكم منذ ثلاث عشرة سنة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون قراءة أُبيّ وقراءة عبد الله....(3)
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ جمع أبي بكر ـ على القول به ـ كان في السنة الثانية عشرة من الهجرة، وكان الغرض من الجمع الأوّل، جمع السور في مكان واحد من دون ترتيب بين السور، وقد مرّ قول الزرقاني حول صحف أبي بكر: «قد كانت مرتبة الآيات دون السور» وكان أشبه بإضبارة جمعت السور القرآنية في مكان واحد من دون ترتيب في السور، ومع ذلك نرى أنّ بين هذا الجمع وبين الجمع الثاني ظهرت مصاحف متعدّدة مرتّبة الآيات والسور، كمصحف أُبي بن كعب، ومصحف عبد الله بن مسعود وغيرهما من أصحاب المصاحف الخمس أو الست كلّها على نطاق واحد أي مرتبة السور والآيات، وقد كان الطابع العام لهذه المصاحف هو تقديم السور الطوال على السور القصار، يكشف عن وجود منهج في الترتيب، كما يلي:

1 . النحل:90.
2 . الإتقان في علوم القرآن:1/62; مسند أحمد:4/218.
3 . كتاب المصاحف:31.

صفحه 111
1. ابتداء من السبع الطوال: البقرة، آل عمران، النساء، الأعراف، الأنعام، المائدة، يونس.
2. ثمّ المئين: وهي السور التي تربو آياتها على المائة، وهي تقرب من اثنتي عشرة سورة.
3. ثمّ المثاني: وهي سور التي لا تبلغ آياتها المئة، وهي تقرب من عشرين سورة، وسمّيت (مثاني) لأنّها تتثنى أي تتكرّر قراءتها أكثر ممّا تقرأ غيرها من الطوال والمئين.
4. ثم الحواميم: وهي السور السبع التي بُدئت بـ«حم».
5. ثم الممتحنات: وهي تقرب من عشرين سورة.
6. ثم المفصلات: تُبتدأ من سورة الرحمن إلى آخر القرآن.
وسُمّيت بذلك لقرب فواصلها وكثرة فصولها.
هذا هو الطابع العام لمصاحف الصحابة.
فعندئذ نرى أنّ هذا الترتيب في المصاحف ليس بعيداً كثيراً من الترتيب الموجود في المصحف العام وإنّ الاختلاف إنّما هو في التقديم والتأخير.
وعندئذ يطرح هذا السؤال: إذا كان الجمع الأوّل غير مرتّب السور، وكانت المصاحف المتوسطة بين هذا الجمع وجمع عثمان مرتبة السور، فمن أين أخذوا هذا الترتيب، مع أنّ التصرّف في كلام الله أمر غريب؟ كلّ ذلك يُرشدنا على وجود الترتيب في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّهم استلهموا

صفحه 112
ممّا كان موجوداً في عصر الرسالة.
فلو قلنا بأنّ الترتيب الموجود في المصاحف كلّها من مبدعات الصحابة بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فمعنى ذلك أنّهم اندفعوا إلى التصرّف في كتاب الله العزيز دفعة من دون أن يعترض على عملهم أحدٌ من الأُمّة، مع تصلّبهم في أمثال هذه الأُمور.
نحن لا نقول بعصمة الصحابة ولا بعدالة كلّ واحد واحد منهم، لكن المجتمع الإسلامي يومذاك كان يعترض على كلّ أمر بديع حتّى أنّهم وصفوا نخل الطحين بأنّه بدعة، أفيعقل أنّهم يتركوا هذا الأمر المهم.
الأمر الثالث حول الجمع المنسوب إلى الإمام علي(عليه السلام)
قد عرفت أنّ الجمع في زمن الخليفة الثالث لم يكن جمعاً للقرآن، وإنّما الغاية منه هي توحيد القراءات، وإلاّ فقد كان القرآن مجموعاً قبل عصره.
إنّما الكلام في الجمعين الآخرين:
1. الجمع المنسوب إلى الخليفة الأوّل.
2. الجمع المنسوب إلى الإمام علي(عليه السلام).
أمّا الأوّل فقد عرفت الدلائل القاطعة على بطلانه، ويعجبني أن أذكر ما ذكره السيد محمد حسين الشهرستاني(المتوفّى 1315هـ) وهو الذي ردّ على كتاب المحدّث النوري حول التحريف وأسماه «حفظ الكتاب عن شبهة التحريف» وهو ممّن تردّد أو أنكر الجمع الأوّل وقال ما خلاصته:

صفحه 113
ويقولون إنّ القرآن كان متفرّقاً في القراطيس والصحف والحرير، خلف فراش رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فجمعها عليّ(عليه السلام) في ثوب ومضى بها إلى بيته، ثمّ ألّفها وأتى بها إليهم فلم يقبلوها، فردّها ولم يظهرها بعد ذلك لأحد.
ثمّ نادوا إنّ كلّ من عنده آية أو سورة من كتاب الله، فليأت بها مع الشاهدين، فمَن أقام الشاهدين كتبوا عنه، ومَن لم يكن عنده شاهدان لم يقبلوا قوله، ونتيجة ذلك: إنّ هذا القرآن الموجود مستند إلى شهادة شاهدين.(1)
وأمّا الجمع الثاني المنسوب إلى الإمام علي(عليه السلام) فقد أنكره سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في مجلس درسه حول حجّية ظواهر القرآن، فلنأت بموجز كلامه، قال: نقل كثير من العامّة والخاصّة روايات في مقام تنزيه أئمتهم وتجليلهم وبيان مثالب أعدائهم، وضيّعوا بذلك القرآن، أمّا العامّة فرووا روايات دالّة على أنّ عمر حضر عند أبي بكر في زمن خلافته وقال: إنّ سبعين من قرّاء القرآن قتلوا في غزوة يمامة فيخاف على القرآن أن يضمحل، فلعلّك أمرت بجمعه وترتيبه حتى لا يضيع، فأبى أبو بكر أوّلاً، معتذراً بعدم الإقدام على ما لم يقدم عليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم رضي بذلك، فأمر بزيد بن ثابت فجمع زيد القرآن بهذا الترتيب، وقد جمع هذه الأخبار السيوطي في تفسيره، وكان غرض العامّة في نقل هذه الروايات، بيان فضل أبي بكر وعمر وكمال خدمتهما للإسلام، وقد فرّط العامّة في نقل هذه الروايات التي بها تهدم عظمة القرآن، إعظاماً لأمر الخليفتين.

1 . هذا ما يرجع إلى جمع القرآن في عهد أبي بكر.

صفحه 114
وأمّا الخاصّة فقد نقلوا روايات دالّة على أنّ عليّاً جمع القرآن وأتى به إلى الناس، فقالوا: لا نحتاج إلى كتابك، فقال: فإذاً لا ترونه إلى زمان المهدي.
ثمّ رتب (السيد البروجردي) على ما ذكره أنّ غرض العامّة من نقل جمع عليٍّ، هو أنّ لزومه البيت كان لجمع القرآن لا لإنكاره خلافة أبي بكر، والشيعة نقلوها لبيان عدم رضاه وإنكاره لخلافته.(1)
مختارنا فى هذا الصدد
الظاهر أنّه لا يمكن الترديد أنّه كان لعليّ(عليه السلام) قرآناً محفوظاً بين أولاده، إنّما الكلام في كيفيته، فكلمات الناقلين متناقضة جدّاً، يظهر ممّا نقله السيوطي أنّ الإمام رتّب المصحف حسب نزول القرآن، كان أوّله:«إقرأ، ثم المدّثر، ثم نون، ثم المزمّل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكّي والمدني».(2)
ولكن الظاهر ممّا نقله اليعقوبي في تاريخه أنّ مصحف عليّ لا يخالف المصحف الموجود في سوره وآياته، وإنّما يختلف في ترتيب السور، وبعبارة أُخرى: أنّ التنظيم لم يكن على نسق تقديم الطوال على القصار كما هو الموجود في المصحف، ولا على حسب النزول، وإنّما جزّأ القرآن على سبعة أجزاء، ثم ذكر تحت كلّ جزء السور الواردة فيه.(3) فمن

1 . نهاية الأُصول:483ـ484.
2 . الإتقان في علوم القرآن:1/195.
3 . تاريخ اليعقوبي:2/135.

صفحه 115
أراد أن يقف على ترتيب السور، فليرجع إلى كتابنا «مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه».(1) ولأجل هذا التعارض في ترتيب السور بين ما ذكره السيوطي وما ذكره اليعقوبي فلا يمكن الاعتماد على واحد من هذين النقلين.
نعم يمتاز جمع الإمام علي(عليه السلام) أنّه كان مشتملاً على توضيحات في هوامش السور يفسّر بها معضلات القرآن. قال الإمام علي(عليه السلام): «ما نزلت آية على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أقرأنيها وأملاها عليّ، فأكتبها بخطّي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله لي أن يُعلّمني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله، ولا علماً أملاه عليّ فكتبته، منذ دعا لي مادعا».(2)
وحصيلة الكلام: أنّه لا يمكن إنكار أن يكون للإمام مصحف كما كان لغيره من الصحابة، كعبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، كما لا يمكن إنكار أنّ مصحف الإمام كان مشحوناً بالبيان والتفسير، إنّما الكلام في كون ترتيب مصحفه على خلاف ترتيب المصاحف الموجودة، فالقول به بعيد لاستلزامه أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يهتم بجمع القرآن في عصره، مع أنّه المعجزة الكبرى لنبوته في عامّة الأعصار.
نعم هنا احتمال آخر وهو أنّ الإمام اهتمّ بتفسير القرآن حسب النزول، لا جمعه حسب ذلك، فجمع القرآن حسب السور شيء وتفسيره حسب النزول شيء آخر ولا منافاة بينهما، والله العالم بحقائق الأُمور.

1 . لاحظ: مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه: 58ـ 59.
2 . البرهان في تفسير القرآن:1/16.

صفحه 116

المبحث السابع

صيانة القرآن من التحريف
القرآن هو المصدر الرئيسي والمنبع الأوّل للتشريع وعنه صدر المسلمون منذ نزوله إلى يومنا هذا، وهو القول الفصل في الخلاف والجدال، إلاّ أنّ هنا نكتة جديرة بالاهتمام، و هي أنّ استنباط المعارف والأحكام من الذكر الحكيم فرع عدم طروء التحريف على آياته بالزيادة والنقص. وصيانته عنهما وهو إن كان أمراً مفروغاً منه عند جلّ طوائف المسلمين، ولكن لأجل دحض بعض الشبه التي تثار في هذا الصدد، نتناول الموضوع بالبحث والدراسة على وجه الإيجاز، فنقول:

التحريف لغة واصطلاحاً

التحريف لغة: تفسير الكلام على غير وجهه، يقال: حرّف الشيء عن وجهه: حرّفه وأماله، وبه يفسّر قوله تعالى:(يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه) .(1)

1 . النساء:46.

صفحه 117
قال الطبرسي في تفسير الآية: أي يفسّرونه على غير ما أُنزل.(1)والمراد من المواضع هي المعاني و المقاصد.
وأمّا اصطلاحاً، فيطلق ويراد منه وجوه مختلفة:
1. تحريف مدلول الكلام، أي تفسيره على وجه يوافق رأي المفسِّر، سواء أوافق الواقع أم لا، والتفسير بهذا المعنى واقع في القرآن الكريم، ومع ذلك لا يمسُّ بكرامته أبداً، فإنّ الفرق الإسلامية ـ جمع اللّه شملهم ـ عامّة يصدرون عن القرآن ويستندون إليه، فكلّ صاحب هوى، يتظاهر بالأخذ بالقرآن لكن بتفسير يدعمُ عقيدته، فهو يأخذ بعنان الآية، ويميل بها إلى جانب هواه، ومن أوضح مصاديق هذا النوع من التفسير، تفاسير الباطنية حيث وضعوا من عند أنفسهم لكلّ ظاهر، باطناً، نسبته إلى الثاني، كنسبة القشر إلى اللبّ، وأنّ باطنه يؤدّي إلى ترك العمل بظاهره، فقد فسّروا الاحتلام بإفشاء سرّ من أسرارهم، والغسلَ بتجديد العهد لمن أفشاه من غير قصد، والزكاة بتزكية النفس، والصلاة بالرسول الناطق لقوله سبحانه:(إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر)(2).(3)
2. النقص والزيادة في الحركة والحرف مع حفظ القرآن وصيانته، مثاله قراءة «يطهرن» حيث قُرِئ بالتخفيف والتشديد; فلو صحّ
تواتر القراءات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ و لن يصحَّ أبداً ـ وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو

1 . مجمع البيان:3/399.
2 . العنكبوت:45.
3 . المواقف:8/390.

صفحه 118
الذي قرأ القرآن بها، فيكون الجميع قرآناً بلا تحريف، وإن قلنا: إنّه نزل برواية واحد، فهي القرآن وغيرها كلّها تحريف اخترعتها عقول القرّاء وزيّنوا قرآنهم بالحجج التي ذكروها بعد كلّ قراءة، وعلى هذا ينحصر القرآن بواحدة منها وغيرها لا صلة لها بالقرآن، والدليل الواضح على أنّهما من اختراعات القرّاء، إقامتهم الحجّة على قراءتهم، ولو كان الجميع من صميم القرآن لما احتاجوا إلى إقامة الحجّة، ويكفيهم ذكر سند القراءة إلى النبيّ.
ومع ذلك فالقرآن مصون عن هذا النوع من التحريف، لأنّ القراءة المتواترة، هي القراءة المتداولة في كلّ عصر، أعني: قراءة عاصم برواية حفص، القراءة الموصولة إلى علي (عليه السلام) وغيرها اجتهادات مبتدعة، لم يكن منها أثر في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و لذاك صارت متروكة لا وجود لها إلاّ في بطون كتب القراءات، وأحياناً في ألسن بعض القرّاء، لغاية إظهار التبحّر فيها.
روى الكليني عن أبي جعفر (عليه السلام)قال:«إنّ القرآن واحد، نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة».(1) ولذلك لا نجيز القراءة غير المعروفة منها في الصلاة، كما مرّ.
3. تبديل كلمة مكان كلمة مرادفة، كوضع «اسرعوا» مكان (امضوا)في قوله سبحانه:(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ).(2)

1 . الكافي:2/630، الحديث 12.
2 . الحجر:65.

صفحه 119
وقد نسب ذلك إلى عبد اللّه بن مسعود وكان يقول: ليس الخطأ أن يقرأ مكان «العليم»، «الحكيم».
لكن أُجلّ ذلك الصحابي الجليل عن هذه التهمة، وأي غاية عقلائية يترتّب على ذاك التبديل؟!
4. التحريف في لهجة التعبير، أنّ لهجات القبائل كانت تختلف عند النطق بالحرف أو الكلمة من حيث الحركات والأداء، كما هو كذلك في سائر اللغات، فإنّ «قاف» العربية، يتلفّظ بها في إيران الإسلامية العزيزة على أربعة أوجه، فكيف المفردات من حيث الحركات والحروف؟! قال سبحانه:(وَمَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً).(1)
فكان بعض القرّاء تبعاً لبعض اللهجات يقرأ( وسعي) بالياء مكان الألف.
وهذا النوع من التحريف لم يتطرّق إلى القرآن، لأنّ المسلمين في عهد الخليفة الثالث لمّا رأوا اختلاف المسلمين في التلفّظ ببعض الكلمات، مثل ما ذكرناه (أو تغيير بعضه ببعض مع عدم التغيّر في المعنى، مثل: امض، عجل، اسرع على فرض الصحّة) قاموا بتوحيد المصاحف، فارتفع بذلك التحريف بالمعنى المذكور فاتّفقوا على لهجة قريش.
5. التحريف بالزيادة لكنّه مجمع على خلافه، نعم نسب إلى ابن

1 . الإسراء:19.

صفحه 120
مسعود أنّه قال: إنّ المعوذتين ليستا من القرآن، إنّهما تعويذان، و إنّهما ليستا من القرآن.(1) كما نسب إلى العجاردة من الخوارج أنّهم أنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن، وكانوا يرون أنّها قصة عشق لا يجوز أن تكون من الوحي.(2) ولكن النسبتين غير ثابتتين، ولو صحّ ما ذكره ابن مسعود لبطل تحدّي القرآن بالسورة، حيث أتى الإنسان غير الموحى إليه بسورتين مثل سور القرآن القصار.
6. التحريف بالنقص والإسقاط عن عمد أو نسيان، سواء كان الساقط حرفاً، أو كلمة، أو جملة، أو آية، أو سورة، وهذا هو الذي دعانا إلى استعراض ذلك البحث فنقول: إنّ ادّعاء النقص في القرآن الكريم بالوجوه التي مرّ ذكرها أمر يكذبه العقل والنقل، أمّا العقل فإليك بيانه:

امتناع تطرّق التحريف إلى القرآن

إنّ القرآن الكريم كان موضع عناية المسلمين من أوّل يوم آمنوا به، فقد كان المرجعَ الأوّل لهم، فيهتمون به قراءة وحفظاً، كتابة وضبطاً، فتطرّق التحريف إلى مثل هذا الكتاب لا يمكن إلاّ بقدرة قاهرة بحيث يدخل النقص على القرآن، ولم يكن للأُمويّين ولا للعباسيين تلك القدرة القاهرة، لأنّ انتشار القرآن بين القرّاء والحفّاظ، وانتشار نسخه على صعيد هائل، قد جعل هذه الأُمنية الخبيثة في عداد المحالات.

1 . فتح الباري بشرح البخاري:8/571.
2 . الملل والنحل للشهرستاني:1/128.

صفحه 121
إنّ للسيد الشريف المرتضى بياناً في المقام نأتي بنصِّه، يقول: إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه (غيره) فيما ذكرناه، لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفُوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟!
قال: والعلم بتفسير القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمُزَني، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما، ومعلوم أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء.(1)
وهناك نكتة أُخرى جديرة بالإشارة، وهي أنّ تطرّق التحريف إلى المصحف الشريف يُعدُّ من أفظع الجرائم التي لا يصحّ السكوت عنها، فكيف سكت الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وخاصّته نظير سلمان و المقداد وأبي ذر وغيرهم مع أنّا نرى أنّ الإمام وريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اعترضا على غصب فدك مع أنّها لا تبلغ عُشْرَ ما للقرآن من العظمة والأهمية؟!

1 . مجمع البيان:1/15، طبعة صيدا.

صفحه 122
ويرشدك إلى صدق المقال أنّه قد اختلف أُبيّ بن كعب والخليفة الثالث في قراءة قوله سبحانه: (والّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)(1) فأصرّ أُبيّ أنّه سمع عن النبي (بالواو) وكان نظر الخليفة إلى أنّه خال منها، فتشاجرا عند كتابة المصحف الواحد وإرساله إلى العواصم، فهدّده أُبيّ وقال: لابد وأن تكتب الآية بالواو وإلاّ لأضع سيفي على عاتقي، فألحقوها.(2)
كما نجد أنّ الإمام (عليه السلام) أمر بردّ قطائع عثمان إلى بيت المال، وقال: «واللّه لو وجدته قد تُزوِّج به النساء، ومُلِكَ به الإماء، لرددته، فإنّ في العدل سعة، و من ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق».(3)
فلو كان هناك تحريف كان ردّ الآيات المزعوم حذفها من القرآن إلى محالِّها أوجب وألزم.
ونرى أنّ علياً (عليه السلام) بعدما تقلّد الخلافة الظاهرية اعترض على إقامة صلاة التراويح جماعة كما اعترض على قراءة البسملة سرّاً في الصلوات الجهرية إلى غير ذلك من البدع المحدثة، فعارضها الإمام وشدّد النكير عليها بحماس، فلو صدر أيّام الخلفاء شيء من هذا القبيل حول القرآن لقام الإمام بمواجهته، وردّ ما حذف بلا واهمة.
والحاصل: مَن قرأ سيرة المسلمين في الصدر الأوّل يقف على أنّ نظرية التحريف بصورة النقص كانت أمراً ممتنعاً عادة.

1 . التوبة:34.
2 . الدر المنثور: 4/179.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 15، تحقيق صبحي الصالح.

صفحه 123
وأمّا النقل فقد ورد عدد من الآيات والروايات تشهد على ما ذكرنا، وإليك البيان:

شهادة القرآن على عدم التحريف

إنّ القرآن هو الكتاب النازل من عند اللّه سبحانه، وهو سبحانه تكفّل بصيانة القرآن وحفظه عن أيِّ تلاعب، وإليك ما ورد فيه من الآيات:

1. آية الحفظ

قال سبحانه:(وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوما تَأْتِينا بِالمَلاَئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقينَ * ما نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاّ بِالحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ * إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ).(1)
إنّ المراد من الذكر في كلا الموردين هو القرآن الكريم بقرينة (نُزِّلَ)و(نَزَّلْنا) والضمير في (لَهُ)يرجع إلى القرآن، وقد أورد المشركون اعتراضات ثلاثة على النبي، أشار إليها القرآن مع نقدها، وهي:
1. أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلقّى القرآن من لدن شخص مجهول، ويشير إلى هذا الاعتراض قولهم:(يا أَيُّهَا الّذي نزّلَ عَلَيْهِ الذِكْر) بصيغة المجهول، دون أن ينسبوه إلى الله سبحانه.
2. أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مختل الحواس لا اعتبار بما يتلقّاه من القرآن وينقله، فلا نُؤمن من تصرّف مخيّلته وعقليّته في القرآن. وصرّحوا بذلك بقولهم:(إِنَّكَ

1 . الحجر:6ـ 9.

صفحه 124
لَمَجْنُونٌ).
3. لو صحّ قولهم: بأنّه ينزل عليه الملك ويأتي بالوحي فـ : (لَوما تَأْتِينا بِالمَلاَئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقين).
فقد أجاب الوحي عن الاعتراضات الثلاثة، ونقدّم بيان الجواب عن الأوّل والثالث بوجه موجز، ثمّ نعطف النظر إلى الاعتراض الثاني لأهميته.
أمّا الأوّل، فقد ردّه بالتصريح بأنّه سبحانه هو المنزِّل دون غيره وقال: (إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ).
كما رد الثالث بأنّ نزول الملائكة موجب لهلاكهم وإبادتهم، وهو يخالف هدف البعثة، حيث قال:(وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرين) .
وأمّا الثاني، فقد صرّح سبحانه بأنّه الحافظ لذكره عن تطرق أيّ خلل وتحريف فيه، وهو لا تُغلب إرادته.
وبذلك ظهر عدم تمامية بعض الاحتمالات في تفسير الحفظ حيث قالوا المراد :
أ. حفظه من قدح القادحين.
ب. حفظه في اللوح المحفوظ.
ج. حفظه في صدر النبي والإمام بعده.
فإنّ قدح القادحين ليس مطروحاً في الآية حتى تجيب عنه الآية، كما أنّ حفظه في اللوح المحفوظ أو في صدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يرتبط باعتراض المشركين، فإنّ اعتراضهم كان مبنيّاً على اتهام النبيّ بالجنون الذي لا ينفكّ

صفحه 125
عن الخلط في إبلاغ الوحي، فالإجابة بأنّه محفوظ في اللوح المحفوظ أو ما أشبهه لا يكون قالعاً للإشكال، فالحقّ الذي لا ريب فيه أنّه سبحانه يخبر عن تعهده بحفظ القرآن وصيانته في عامّة المراحل، فالقول بالنقصان يتعارض مع تعهده سبحانه.
فإن قلت: إنّ مدّعي التحريف يدّعون التحريف في نفس هذه الآية، لأنّها بعض القرآن، فلا يكون الاستدلال بها صحيحاً، لاستلزامه الدور الواضح.
قلت: إنّ مصبّ التحريف ـ على فرض طروئه ـ عبارة عن الآيات الراجعة إلى الخلافة والزعامّة لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، أو ما يرجع إلى آيات الأحكام، كآية الرجم، وآية الرضعات، وأمثالهما; وأمّا هذه الآية ونحوها فلم يتطرّق التحريف إليها باتّفاق المسلمين.

2. آية نفي الباطل

يصف سبحانه كتابه بأنّه المقتدر الذي لا يُغْلَب ولا يأتيه الباطل من أي جانب، قال:(إِنَّ الّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد) .(1)
ودلالة الآية رهن بيان أُمور:
الأوّل: المراد من الذكر هو القرآن، ويشهد عليه قوله:(وَإِنّهُ لَكتابٌ عَزيز)مضافاً إلى إطلاقه على القرآن في غير واحدة من الآيات، قال

1 . فصلت:41ـ42.

صفحه 126
سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُون).(1) وقال سبحانه:(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ وَسَوفَ تُسْئَلُونَ).(2)
الثاني: أنّ خبر «انّ » محذوف مقدّر وهو: سوف نجزيهم وما شابهه.
الثالث: الباطل يقابل الحقّ، فالحقّ ثابت لا يُغْلب; والباطل له جولة، لكنّه سوف يُغلب، مثلهما كمثل الماء والزبد، فالماء يمكث في الأرض والزبد يذهب جفاء، قال سبحانه:(كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُوَالْباطِلَ فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثال).(3)
فالقرآن حقّ في مداليله ومفاهيمه، وأحكامه خالدة، ومعارفه وأُصوله مطابقة للفطرة، وأخباره الغيبية حقّ لا زيغ فيها، كما أنّه نزيه عن التناقض بين دساتيره وأخباره(وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) .(4)
فكما أنّه حقّ من حيث المادة والمعنى، فهو حقّ من حيث الصورة واللفظ أيضاً، فلا يتطرّق إليه التحريف، ونعم ما قاله الطبرسي:لا تناقض في ألفاظه، ولا كذب في أخباره، ولا يعارض، ولا يزداد، ولا ينقص.(5)
ويؤيّده قوله قبل هذه الآيات:(وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ

1 . الحجر:6.
2 . الزخرف:44.
3 . الرعد:17.
4 . النساء:82.
5 . مجمع البيان:9/15، ط صيدا.

صفحه 127
فَاسْتَعِذْبِاللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم).(1) ولعلّه إشارة إلى ما كان يدخله في نفسه من إمكان إبطال شريعته بعد مماته، فأمره بالاستعاذة باللّه السميع العليم.
والحاصل: أنّ تخصيص مفاد الآية (نفي الباطل) بطروء التناقض في أحكامه وتكاذب أخباره لا وجه له، فالقرآن مصون عن أيّ باطل يبطله، أو فاسد يفسده، بل هو غضّ طريّ لا يُبْلى وَلا يُفنى.

3. آية الجمع

رُوي أنّه إذا نزل القرآن، عجّل النبي بقراءته، حرصاً منه على ضبطه، فوافاه الوحي ونهاه عنه، وقال:(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ علَيْنا بَيانَهُ).(2) فعلى اللّه سبحانه الجمع والحفظ والبيان. كما ضمن في آية أُخرى عدم نسيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن وقال: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسى * إِلاّ ما شاءَاللّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَما يَخْفى).(3)
هذا بعض ما يمكن أن يستدلّ به، على صيانة القرآن من التحريف بالقرآن، والاستثناء في الآية الأخيرة نظير الاستثناء في قوله:(وَأَمّا الّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خالِدينَ فيها ما دامَتِ السَّمواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذ) .(4) و من المعلوم أنّ أهل السعادة محكومون بالخلود

1 . فصّلت: 36.
2 . القيامة:16ـ 19.
3 . الأعلى:6ـ 7.
4 . هود: 108.

صفحه 128
في الجنة ويشهد له ذيل الآية، أعني: قوله:(عَطاءً غَيْرَمَجْذُوذ): أي غير مقطوع، ومع ذلك فليس التقدير على وجه يخرج الأمر من يده سبحانه، فهو في كلّ حين قادر على نقض الخلود.

شهادة السنّة على عدم التحريف

دلّ كثير من الروايات على كون القرآن مصوناً من التحريف، ونحن نقتصر منها بما يلي:

1. أخبار العرض

قد تضافرت الروايات عن الأئمّة (عليهم السلام) بعرض الروايات على القرآن والأخذ بموافقه وردّ مخالفه، وقد جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب التاسع من أبواب صفات القاضي.
روى الكليني عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدعوه».(1)
وروى أيّوب بن راشد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف».(2)
وفي رواية أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كلّ

1 . الوسائل:18. الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.
2 . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12 .

صفحه 129
شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف».(1)
وجه الدلالة من وجهين:
ألف. أنّ المتبادر من أخبار العرض أنّ القرآن مقياس سالم لم تنله يد التبديل و التحريف والتصرف، والقول بالتحريف لا يلائم القول بسلامة المقيس عليه.
ب. أنّ الإمعان في مجموع روايات العرض يثبت أنّ الشرط اللازم هو عدم المخالفة، لا وجود الموافقة، وإلاّ لزم ردّ أخبار كثيرة لعدم تعرض القرآن إليها بالإثبات والنفي، ولا تعلم المخالفة وعدمها إلاّ إذا كان المقيس (القرآن) بعامّة سوره وأجزائه موجوداً عندنا، وإلاّ فيمكن أن يكون الخبر مخالفاً لما سقط وحرّف.

2. حديث الثقلين

إنّ حديث الثقلين يأمر بالتمسّك بالقرآن، مثل التمسّك بأقوال العترة، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» ويستفاد منه عدم التحريف، وذلك:
ألف. أنّ الأمر بالتمسّك بالقرآن، فرع وجود القرآن بين المتمسّكين.
ب. أنّ القول بسقوط قسم من آياته وسُوَره ، يوجب عدم الاطمئنان

1 . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث15 وغيره.

صفحه 130
فيما يستفاد من القرآن الموجود، إذ من المحتمل أن يكون المحذوف قرينة على المراد من الموجود.

3. أهل البيت وصيانة القرآن

إنّ الإمعان في خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وكلمات
أوصيائه المعصومين (عليهم السلام) يعرب عن اعتبارهم القرآن الموجود بين ظهراني المسلمين، هو كتاب اللّه المنزل على رسوله بلا زيادة ولا نقيصة،
ويعرف ذلك من تصريحاتهم تارة، وإشاراتهم أُخرى، ونذكر شيئاً قليلاً
من ذلك:
1. قال أمير المؤمنين (عليه السلام):«وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ (الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء)، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ فِيَما أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ، دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ».(1)
والخطبة صريحة في إكمال الدين تحت ظل كتابه، فكيف يكون الدين كاملاً و مصدره محرّفاً غير كامل؟! ويوضح ذلك أنّ الإمام يحثّ على التمسّك بالدين الكامل بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو فرع كمال مصدره وسنده.
2. وقال (عليه السلام): «وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقٌ لاَ يَعْيَا لِسَانُهُ، وَبَيْتٌ لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَعِزٌّ لاَ تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ».(2)

1 . نهج البلاغة: الخطبة86.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 133.

صفحه 131
3. وقال (عليه السلام) : «كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ».(1)
وفي رسالة الإمام الجواد(عليه السلام) إلى سعد الخير(2) : «وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده».(3)
وفي هذا تصريح ببقاء القرآن بلفظه، وأنّ التحريف في تطبيقه على الحياة حيث لم يطبقوا أحكامه في حياتهم، ومن أوضح مظاهره منع بنت المصطفى(عليها السلام) من إرث والدها مع أنّه سبحانه يقول: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَولاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) .(4)
وقال سبحانه: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داودَ) .(5)
وقال سبحانه عن لسان زكريا: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) .(6)
ولعلّ فيما ذكرنا كفاية، فلنستعرض كلمات علمائنا:
الشيعة وصيانة القرآن
إنّ التتبّع في كلمات علمائنا الكبار الذين كانوا هم القدوة والأُسوة في

1 . نهج البلاغة: الخطبة: 147.
2 . هو من أولاد عمر بن عبد العزيز، وقد بكى عند أبي جعفر الجواد(عليه السلام) لاعتقاده أنّه من الشجرة الملعونة في القرآن، فقال الإمام (عليه السلام) له: «لست منهم وأنت منّا، أما سمعت قوله تعالى:(فَمَنْ تَبعَني فَهُوَ مِنّي) . (لاحظ: قاموس الرجال:5/35) ومنه يعلم وجه تسميته بالخير.
3 . الكافي: 8/53، الحديث16.
4 . النساء: 11.
5 . النمل:16.
6 . مريم: 5ـ 6.

صفحه 132
جميع الأجيال، يعرب عن أنّهم كانوا يتبرّأون من القول بالتحريف، وينسبون فكرة التحريف إلى روايات الآحاد، ولا يمكننا نقل كلمات كل علمائنا عبر القرون، بل نشير إلى كلمات بعضهم:
1. قال الشيخ الأجل الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري (المتوفّى 260هـ) ـ في ضمن نقده مذهب أهل السنّة ـ : إنّ عمر بن الخطاب قال: لولا أنّي أخاف أن يقال: زاد عمر في القرآن، أُثبتْ هذه الآية، فإنّا كنّا نقرؤها على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من الشهوة نكالاً من اللّه واللّه عزيز حكيم.(1)
فلو كان التحريف من عقائد الشيعة، لما كان له التحامل على السنّة بالقول بالتحريف لاشتراكهما في ذلك القول.
2. قال أبو جعفر الصدوق (المتوفّى381هـ): اعتقادنا في القرآن أنّه كلام اللّه، ووحيه، وتنزيله، وقوله، وكتابه، وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنّه القصص الحقّ، وأنّه قول فصل، وما هو بالهزل، وأنّ اللّه تبارك و تعالى مُحْدثه، ومنزله، وحافظه، وربّه.(2)
3. قال الشيخ المفيد (المتوفّى413هـ): وقد قال جماعة من أهل الإمامة إنّه لم ينقص من كلمه ولا من آيه ولامن سوره، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين(عليه السلام) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزلاً، وإن لم يكن من جملة كلام اللّه الذي هو

1 . الإيضاح: 217. روى البخاري آية الرجم في صحيحه: 8/208 باب رجم الحبلى.
2 . اعتقادات الصدوق:93.

صفحه 133
القرآن المُعجز، وقد يُسمّى تأويل القرآن قرآناً... ثم قال(رحمه الله): وعندي أنّ هذا القول أشبه (بالحقّ) من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، وإليه أميل.(1)
وقال أيضاً في أجوبة «المسائل السروية» في جواب مَن احتجّ على التحريف بالروايات الواردة حيث ورد فيها «كنتم خير أئمّة أُخرجت للناس» مكان (أُمّة)، وورد كذلك «جعلناكم أئمة وسطاً» مكان (أُمّة) وورد «يسألونك الأنفال» مكان (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ) ، فأجاب : أنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على اللّه تعالى بصحّتها، فلذلك وقفنا فيها، ولم نعدل عمّا في المصحف الظاهر.(2)
4. قال الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ)، مضافاً إلى مَن نقلنا عنه في الدليل الأوّل: أنّ جماعة من الصحابة، مثل عبد اللّه بن مسعود و أُبّي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ عدّة ختمات، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مستور ولا مبثوث.(3)
5. قال الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ): أمّا الكلام في زيادته (القرآن) ونقصانه فممّا لا يليق به أيضاً، لأنّ الزيادة مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر في

1 . أوائل المقالات:53ـ54.
2 . مجموعة الرسائل للمفيد:366.
3 . مجمع البيان:1/10، نقلاً عن جواب المسائل الطرابلسية للسيد المرتضى.

صفحه 134
الروايات. ثمّوصف الروايات المخالفة بالآحاد.(1)
6. قال أبو علي الطبرسي (المتوفّى 548هـ) الكلام في زيادة القرآن ونقصانه; أمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه.(2)
7. قال الشيخ أبو الفتوح الرازي(المتوفّى حوالي 550هـ): قوله تعالى: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) أي إنّا له لحافظون من الزيادة والنقصان والزوال والبطلان، ولذلك قال تعالى في آية أُخرى: (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ)(3)، وقال في تفسير الآية الأخيرة: وفي معناها أقوال أحدها: لا تأتيه المناقضة والشبهة والمشاكلة، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى.(4)
8. قال الراوندي: إذا تدبّرت مقاطعه ومفاتحه(أي القرآن) وسهولة ألفاظه واستجماع معانيه، وأنّ كلّ لفظة منها لو غيّرت، لم يمكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة، وأدلّ على المعنى منها، وأجمع للفوائد والزّوائد منها. وإذا كان كذلك فعند تأمّل جميع ذلك يتحقّق ما فيه من النظم اللائق والمعاني الصحيحة التي لا يكاد يوجد مثلها على نظم

1 . التبيان:1/3.
2 . مجمع البيان:1/10.
3 . فصّلت:42 .
4 . روض الجنان:3/234.

صفحه 135
تلك العبارة، وإن اجتهد البليغ الخطيب.(1)
9. وقال ابن شهر آشوب(المتوفّى 588هـ): والصحيح أنّ كلّ ما يُروى في المصحف من الزيادة إنّما هو تأويلٌ، والتنزيل بحاله، ما نقص منه وما زاد.(2)
10. وقال السيد عبد الجليل القزويني(المتوفّى 585هـ): إنّ نسبة الزيادة والنقصان إلى القرآن كانت بدعة وضلالة، وليس هذا مذهب الأُصوليّين من الشيعة الإمامية، فرواية الغُلاة أو الحشوية خبراً في ذلك لا يكون حجّة على الشيعة، كما يقال بالنسبة إلى عقائد الكرّامية في الحنفية، والمشبهة في الشافعية.(3)
وقال في موضع آخر: قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(4) لا يستطيع أحد أن يتصرّف في عباراته وكلماته وحروفه... وعقيدة الشيعة بصحّة القرآن وصدق قراءته صحيحة، لقوله تعالى: (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ)(5).(6)
11.قال السيد علي بن طاووس الحلّي(المتوفّى 664هـ): إنّ رأي

1 . الخرائج والجرائح:3/1004.
2 . متشابه القرآن:2/77.
3 . النقض:272.
4 . الحجر:9.
5 . فصّلت:42.
6 . النقض:526.

صفحه 136
الإمامية هو عدم التحريف.(1)
12. قال العلاّمة الحلّي(المتوفّى 726هـ) في جواب السيد الجليل المهنّا: الحقّ أنّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم، وأنّه لم يزد ولم ينقص، ونعوذ بالله من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك، فإنّه يوجب تطرّق الشكّ إلى معجزة الرسول المنقولة بالتواتر.(2)
13. قال المحقّق الأردبيلي(المتوفّى 993هـ) في مسألة لزوم تحصيل العلم بأنّ ما يقرأه هو القرآن، فينبغي تحصيله من التواتر الموجب للعلم، وعدم جواز الاكتفاء بالسماع حتى من عدل واحد ـ إلى أن قال: ـ ولمّا ثبت تواتره فهو مأمون من الاختلال لفسقه.(3) مع أنّه مضبوط في الكتب حتى أنّه معدود حرفاً حرفاً، وحركة حركة، وكذا طريق الكتابة وغيرها ممّا يفيد الظن الغالب، بل العلم بعدم الزيادة على ذلك والنقص.(4)
14. قال القاضي السيد نور الله التستري(المتوفّى 1029هـ): ما نسب إلى الشيعة الإمامية من وقوع التحريف في القرآن ليس ممّا يقول به جمهور الإمامية، إنّما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد لهم فيما بينهم.(5)
هذه بعض كلمات علمائنا ولو جمعنا كلّ مَن نفى التحريف عن

1 . سعد السعود:144.
2 . أجوبة المسائل المهنائية:121.
3 . كذا في المصدر.
4 . مجمع الفائدة والبرهان:2/218.
5 . آلاء الرحمن:1/25.

صفحه 137
كتاب الله من علماء الشيعة لطال البحث، غير أنّ جمعاً من رماة القول على عواهنه صاروا إلى اتّهام الشيعة بالقول بالتحريف والله سبحانه يحاسبهم على تلك الفرية، وسنذكر تالياً من المتقدّمين والمتأُخّرين منهم:
1. قال ابن حزم: من قول الإمامية كلّها قديماً وحديثاً: إنّ القرآن مبدَّلٌ، زيد فيه ما ليس منه، ونقص منه كثيرٌ، وبُدّل منه كثيرٌ، حاشا علي بن الحسن بن موسى بن محمد، وكان إماميّاً يظاهر بالاعتزال مع ذلك، فإنّه كان ينكر هذا القول ويكفَّر من قاله.(1)
أقول: إنّ الرجل توفّي عام (456هـ) فكان عليه أن يتتبع كلام مشايخ الإمامية من الشيخ الصدوق في عقائده (المتوفّى عام381هـ) والشيخ المفيد في أوائل المقالات الذي توفي عام (413هـ)، والشريف المرتضى في أماليه الذي توفّي عام (436هـ)، فهؤلاء أعلام الإمامية وحملة علومهم فكيف ينسب التحريف إليهم؟! واستثنى من ذلك الشريف المرتضى فقط، وقد اشتبه عليه اسمه والصحيح علي بن الحسين(لا: علي بن الحسن). هذا من المتقدمين وأمّا المتأخرون منهم فحدّث عنهم ولا حرج:
2. يقول الرافعي: إنّ الرافضة شكّوا في نصّ القرآن، وقالوا: إنّه وقع نقص وزيادة وتغيير وتبديل.(2)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره دعايات كاذبة لم يُقِمْ على ما تبنّاه دليلاً ونقلاً من كتب الشيعة، وقد علمت أنّ الرأي العام بينهم هو عدم التحريف،

1 . الفِصَل في الملل والأهواء والنحل:4/182. ولاحظ: الغدير:1/101.
2 . تحت راية القرآن:161.

صفحه 138
وصيانة القرآن منه.
وكفى في ردّ كلامه، ما ذكره السيد شرف الدين العاملي في كتابه «الفصول المهمّة في تأليف الأُمّة» فقال: ولا جناح علينا إذا سألناه فقلنا له: مَن تعني هنا بالرافضة؟ أتعني الإمامية أم غيرهم؟ فإن عنيتهم فقد كذّبك مَن أغراك بهم، وكلّ مَن نسب إليهم تحريف القرآن فإنّه مفتر عليهم ظالم لهم، لأنّ قداسة القرآن الحكيم من ضروريات دينهم الإسلامي ومذهبهم الإمامي، ومَن شكّ فيها من المسلمين فهو مرتد بإجماع الإمامية، فإذا ثبت عليه ذلك، قتل ثم لا يغسَّل ولا يكفّن ولا يصلّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.(1)
3. الدكتور ناصر القفاري مؤلّف كتاب «أُصول مذهب الشيعة الإمامية» وقد اتّهم السيد الخوئي بالقول بالتحريف تمسّكاً بقوله: إنّ كثرة الروايات (روايات في تحريف القرآن) من طريق أهل البيت(عليهم السلام)تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين، ولا أقل من الإطمئنان بذلك، ففيها ما روي بطريق معتبر.(2)
أقول: إنّ الكاتب كعادته في سائر الموارد نقل من كلام السيد الخوئي ما يؤيّد موقفه، ولكنّه لم ينقل ما في ذيل كلامه الذي يقسّم التحريف إلى أقسام ويخرج بحصيلة هي أنّ التحريف في القرآن بالنقيصة أمر باطل، وإليك نص كلام السيد الخوئي:

1 . الفصول المهمة:174ـ 176.
2 . أُصول مذهب الشيعة الإمامية:1/274، نقلاً عن «البيان» للسيد الخوئي:226.

صفحه 139
إنّ هذه الروايات لا دلالة فيها على وقوع التحريف في القرآن بالمعنى المتنازع فيه، توضيح ذلك: إنّ كثيراً من الروايات وإن كانت ضعيفة السند فإنّ جملة منها نقلت من كتاب أحمد بن محمد السياري الذي اتّفق علماء الرجال على فساد مذهبه وأنّه يقول بالتناسخ، ومن علي بن أحمد الكوفي الذي ذكر علماء الرجال أنّه كذاب وانّه فاسد المذهب، إلاّ أنّ كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين(عليهم السلام) ولا أقلّ من الاطمئنان بذلك وفيها ما روي بطريق معتبر، وعلينا أن نبحث عن مداليل هذه الروايات وإيضاح أنّها ليست متّحدة في المفاد وأنّها على طوائف:
الأُولى: المراد من التحريف هو اختلاف القراءة وإعمال اجتهاداتهم في القراءات، ومرجع ذلك إلى الاختلاف في كيفية القراءة مع التحفّظ على جوهر القرآن وأصله، والتحريف بهذا المعنى ممّا لا ريب في وقوعه بناء على ما هو الحقّ من عدم تواتر القراءات السبع.
الثانية: ما يدلّ على أنّ المراد من التحريف حمل الآيات على غير معانيها الذي يلازم إنكار فضل أهل البيت ونصب العداوة لهم وقتالهم، ويشهد على ذلك قول الإمام الباقر(عليه السلام):«وكان من نبذهم الكتاب أنّهم أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده».(1)
الثالثة: ما يدلّ على أنّ بعض التنزيل كان من قبيل التفسير للقرآن وليس من القرآن نفسه.

1 . الكافي:8/52 برقم 16; بحار الأنوار:75/359، الحديث2.

صفحه 140
الرابعة: ما يدلّ على وقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان وهذه الطائفة بعد الإغضاء عمّا في سندها من الضعف، أنّها مخالفة للكتاب والسنّة ولإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن.
الخامسة: ما دلّ على التحريف بمعنى خصوص النقيصة لكن أكثر هذه الروايات بل كثيرها ضعيفة السند، وبعضها لا يحتمل صدقها، وقد صرّح جماعة من الأعلام بلزوم تأويل هذه الأحاديث أو لزوم طرحها.(1)
وبذلك يعلم أنّ السيد الخوئي وإن ادّعى القطع بصدور بعضها لكن لا في خصوص الطائفة الأخيرة، بل في مجموع الطوائف الخمس، وهو غير مضر ولا ملازم للقول بالتحريف، مثلاً إنّ ادّعاء القطع بالتحريف عن طريق إيجاد قراءات لم يقرأها النبي لا يضر بصيانة القرآن من التحريف، لأنّ الواصل إلينا بالتواتر نفس قراءة النبي وغيرها قراءات تترك إلى أصحابها.
هذه نماذج من تحريفات الكاتب وقس عليه سائر تحريفاته في الكتاب الذي يتجاوز عدد صفحاته 1380.
أُضحوكة
وممّا يُضحك الثكلى قوله:إنّ الخميني أدخل اسمه في أذان الصلاة وقدّمه على الشهادتين.(2)

1 . البيان في تفسير القرآن:226ـ 233.
2 . أُصول مذهب الشيعة الإمامية:3/1154، نقله عن موسى الموسوي، والقفاري يعرّف موسى الموسوي ومنزلته بين الشيعة ومبلغ علمه وأمانته، ومع ذلك نقل عنه تلك الفرية الواضحة ولا غرو «فكلّ إناء بالذي فيه ينضح» و«لا تكشفنّ مغطياً فلربّما...».

صفحه 141
نحن لا نعلّق عليه شيئاً فإنّ العيان لا يحتاج إلى البيان، هذا أذان الشيعة يذاع من آلاف المآذن في المحافظات والمدن فضلاً عن الإذاعات والتلفزيون، وليس من هذه الفرية فيه أثر. والسيد الخميني كان إنساناً مثالياً أفنى عمره في الذبّ عن الإسلام وحفظ حياضه، وهو أجلّ وأرفع من أن يأمر بالإتيان باسمه في الأذان، وكأنّ الرجل يتكلّم عن أُمّة بائدة أكل عليها الدهر وشرب. وإلى الله المشتكى.

ما أُلصق بكرامة القرآن الكريم

بلغ القرآن الكريم في فصاحته وبلاغته وعلو معانيه ومضامينه مبلغاً لا يختلط بغيره وإن ورد في ثنايا كلام الآخرين، فهو درة وضّاءة يحتفظ بشخصيته وإن أحاط بها غيرها من الأحجار. وبذلك يُعلم أنّ ما ربّما يعثر عليه القارئ في كتب الحديث ممّا أُلصق بالقرآن الكريم فهو ليس منه، ونشير إلى موارد خاصّة، منها:
1. ما رواه أحمد في مسنده عن أُبيّ بن كعب، قال: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن. قال: فقرأ:(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)(1). فقرأ فيها: لو أنّ ابن آدم سأل وادياً من مال فأُعطيه لسأل ثانياً، فلو سأل ثانياً فأُعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب، ويتوب الله على مَن تاب، وإنّ ذلك الدين القيّم عند الله الحنيفية غير

1 . البيّنة:1.

صفحه 142
المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يعمل خيراً فلن يكفره».(1)
أقول: أين عذوبة ألفاظ القرآن وسمو تراكيبه، ممّا جاء بعد هذه الآية. فالحديث وإن نقل بأسانيد متعدّدة، ولكن مهما كثرت أسانيده كثر الشكّ فيه، أين بلاغة القرآن وعلو شأنه من هذه الفقرات؟!
2. وممّا أُلصق بكرامة القرآن المجيد ما نقل عن زيد بن ثابت، كنّا نقرأ آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة.(2)
ترى أنّ الفقرات اقتباس من قوله سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)(3).
يقول شيخنا البلاغي: ويا للعجب كيف رضي هؤلاء المحدّثون لمجد القرآن وكرامته أن يُلقى هذا الحكم الشديد على الشيخ والشيخة بدون أن يذكر السبب، وهو زناهما أقلاً، فضلاً عن شرط الإحصان، وإنّ قضاء الشهوة أعمّ من الجماع، والجماع أعمّ من الزنا، والزنا يكون كثيراً مع عدم الإحصان.(4)
3. ومن ذلك ما ذكره السيوطي أنّه أخرج الطبراني والبيهقي وابن الضرّيس: أنّ من القرآن سورتين ـ وقد سمّاها الراغب في المحاضرات سورتي القنوت ـ ونسبوهما إلى تعليم علي(عليه السلام)، وقنوت عمر، ومصحفي

1 . مسند أحمد:5/131.
2 . مستدرك الحاكم:4/360.
3 . النور:2.
4 . آلاء الرحمن:1/57.

صفحه 143
ابن عبّاس وزيد بن ثابت وقراءة أُبي وأبي موسى.
والأُولى منهما: «بسم الله الرحمن الرحيم، اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلعُ ونترك من يفجرك».(1)
يقول شيخنا البلاغي:لا نقول لهذا الراوي: إنّ هذا الكلام لا يشبه بلاغة القرآن ولا سَوقه، فإنّا نسامحه في معرفة ذلك، ولكنّا نقول له: كيف يصحّ قوله:«يفجرك» وكيف تتعدّى كلمة يفجر؟ وأيضاً إنّ الخلع يناسب الأوثان، إذن فماذا يكون المعنى، وبماذا يرتفع الغلط؟(2)
4. وألصق أيضاً بكرامة القرآن قولهم: اللّهمّ إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد]أي نسرع في العمل والخدمة[، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إنّ عذابك بالكفار ملحق».(3)
يقول شيخنا البلاغي: ولنسامح الراوي أيضاً فيما سامحناه فيه في الرواية الأُولى، وكنا نقول له: ما معنى الجدّ، هنا، أهو العظمة أو الغنى، أو ضد الهزل، أو حاجة السجع؟(4)
5. وممّا أُلصق بكرامة القرآن ما حكاه الخطيب عن كتاب فصل الخطاب(ص 180) وأنّه نقل عن كتاب (دبستان المذاهب) سورة الولاية، أعني: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبي والولي الذي بعثناهما يهديانكم إلى

1 . الإتقان في علوم القرآن:1/205; الدر المنثور:8/695.
2 . آلاء الرحمن:1/60.
3 . آلاء الرحمن:1/61.
4 . آلاء الرحمن:1/61.

صفحه 144
الصراط المستقيم.
أقول: أوّلاً ما نسبه إلى الشيخ النوري في ص 180، لم نعثر عليه لا في تلك الصفحة ولا في كافّة الصفحات، حتى شيخنا الصافي أيضاً تفحّص «فصل الخطاب» صفحة صفحة فلم يعثر عليه. وهذه فرية، وأمّا أنّه فرية بعد فرية، فإنّ كتاب «دبستان المذاهب» مجهول المؤلّف، فقد اختلف في اسمه وزمان تأليفه، وعلى كلّ تقدير ليس له أي صلة بالشيعة، وأفضل دليل على ضعف الكتاب أنّه اختلف في اسم المؤلّف وعصره، فحكي عن «سرجام ملكم» أنّ اسم مؤلّفه محسن الكشميري المتخلّص في شعره بالفاني، وتوجد ترجمته في كتاب «صبح گلشن» من غير أن يذكر له هذا التأليف.
وحكي عن مؤلّف «مآثر الأُمراء» أنّ اسمه كان «ذو العقل»، وقيل: إنّه سيّاح عاش في أواسط القرن الحادي عشر، وعن بعض المستشرقين أنّ في مكتبة «بروكسل» نسخة منه، مذكور فيه أنّ اسم مؤلّفه كان «محمّد خاني»(1)
وقد نقل شيخنا البلاغي قسماً من آيات هذه السورة التي يلوح
عليها الضعف والجعل وأنّه دون كلام البشر في الفصاحة، فمن
أراد فليرجع .(2)

1 . النص الخالد لم ولن يحرّف أبداً:414.
2 . آلاء الرحمن:1/62.

صفحه 145

شبهات مثارة حول صيانة القرآن عن التحريف

اعتمد بعض الأخباريّين في قولهم بالتحريف بوجوه لا يصلح تسميتها بشيء سوى كونها شبهاً، وإليك بعض شبهاتهم:

الشبهة الأُولى: وجود مصحف لعلي (عليه السلام)

وقد مرّ الكلام فيه فلا نعيد.(1)

الشبهة الثانية: تشابه مصير الأُمّتين

روى الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «والذي نفسي بيده لتركبن
سنّة من قبلكم حذو النعل بالنعل، والقُذة بالقُذة لا تخطئون طريقهم».(2)وقد حرّفت اليهود والنصارى كتبهم، فيلزم وقوع مثله في الأُمّة
الإسلامية.
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّه خبر واحد لا يحتج به في العقائد، بأنّ الاستدلال لا يتمّ إلاّ بتعيين وجه التشابه بين الأُمم السالفة والأُمّة الإسلامية، فهناك احتمالان:
ألف: التشابه بين الأُمّتين، في جوهر الحوادث وخصوصياتها ولبّها وكيفياتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . لاحظ الصفحة:112ـ115.
2 . صحيح مسلم:8/57، باب اتّباع سنن اليهود والنصارى; وصحيح البخاري:9/102، كتاب الاعتصام ; وسنن الترمذي:5/26، كتاب الإيمان.

صفحه 146
ب: التشابه في أُصولها وذاتياتها، لا في ألوانها وصورها.
أمّا الأوّل، فهو ممّا لا يمكن القول به، إذ لم تواجه الأُمّة الإسلامية، ماواجهت اليهود في حياتهم، وذلك:
1. أنّهم عاندوا أنبياءهم فابتلوا بالتيه في وادي سيناء، لمّا أمرهم موسى بدخول الأرض المقدّسة واعتذروا بأنّ فيها قوماً جبارين، و أنّهم لن يدخلوها حتى يخرجوا منها، فوافاه الخطاب بأنّها (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَومِ الْفاسِقينَ)،(1) مع أنّ المسلمين لم يبتلوا بالتيه.
2. أنّهم عبدوا العجل ـ اتّخذوه إلهاً ـ في غياب موسى قال سبحانه:(ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) .(2) والمسلمون ـ بفضل اللّه سبحانه ـ استمروا على نهج التوحيد ولم يعبدوا وثناً ولا صنماً.
3. عاش بنو إسرائيل في عصر عجّ بحوادث، أشار إليها القرآن ولم يُر أثر منها في حياة المسلمين، كلّ ذلك يدلّ على أنّ ليس المراد التشابه في الصور والخصوصيات.
مثلاً أنّ بني إسرائيل ظُلّلوا بالغمام ونُزّل عليهم المنُّ والسلوى، ولم يُر ذلك في المسلمين.
وأمّا الثاني، فهو المراد ـ إذا صحّت هذه الأخبار ولم نقل أنّها أخبار

1 . المائدة:26.
2 . البقرة:51.

صفحه 147
آحاد غير مروية في الكتب المعتبرة ولا يُحتج بخبر الواحد في باب العقائد ـ و يشهد التاريخ بابتلاء المسلمين بنفس ما ابتليت به الأُمم السالفة في الجوهر والذات.
ألف. فقد دبّ فيهم الاختلاف بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتفرّقوا إلى فرق مختلفة كاختلاف الأُمم السالفة، ولو أنّهم افترقوا إلى إحدى وسبعين أو اثنين وسبعين فرقة، فالمسلمون افترقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة.
ب. ظهرت بين الأُمّة الإسلامية ظاهرة الارتداد، مثلما ارتدّ بعض أصحاب المسيح وأخبرَ اليهودَ على مكانه، وهذا هو البخاري يروي
في باب الحوض عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:يرد عليّ يوم القيامة رهط
من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّك
لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.(1)
ج. أنّهم خصّوا العقوبات بالفقراء دون الأغنياء، فإذا سرق الفقير منهم أجروا عليه الحدّ، وإذا سرق الغني، امتنعوا منه ـ على ما رواه مسلم في صحيحه(2) ـ فقد ابتلت الأُمّة بهذه الظاهرة منذ رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد عُطِّلَت الحدود في خلافة عثمان، كما نطق به التاريخ.
د. أنّهم حرّفوا كتبهم، بتفسيرها على غير وجهها، ويكفي في التشابه هذا المقدار من التحريف، وقد روي عن الإمام الجواد (عليه السلام) أنّه قال:

1 . صحيح البخاري:7/208، باب: في الحوض; ولاحظ بقية روايات الباب.
2 . صحيح مسلم:5/114، باب قطع السارق.

صفحه 148
«المسلمون: أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، فهم يروونَه ولا يرعونه»(1).
فقد ورد في العهدين أوصاف النبي على وجه يعرفون بها النبي كما يعرفون أبناءهم، قال سبحانه:(الّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ)(2)، وقال سبحانه:(الّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوراةِ وَالإِنْجِيل)(3) ومع ذلك كانوا يؤوّلون البشائر ويفسّرونها على غير واقعها، ومن قرأ تاريخ النبي مع اليهود المعاصرين له، يقف على أنّهم كيف كانوا يضلّلون الناس بتحريف كتبهم، بتفسيرها على غير وجهها؟
ولعلّ وجه التشابه ما أوردناه في الوجه الثاني ، ومعه لا يصحّ لأحد أن يقول: إنّ التشابه بين الفريقين، هو أنّ التحريف قد مسّ جوهر الكتاب المقدّس، فإنّ ما بأيدي اليهود إنّما كُتب بعد رحيل موسى بخمسة قرون، ومثلها الإنجيل فإنّه أشبه بكتاب روائيّ يتكفّل ببيان حياة المسيح إلى أن صُلِب ودُفن، وأين هو من الكتاب السماوي؟!
نعوذ باللّه من الزلل في الرأي والقول والعمل.

الشبهة الثالثة: عدم الانسجام بين الآيات والجمل

وهذه الشبهة أبدعها الملاحدة حول آيات القرآن الكريم، واتّخذها

1 . الكافي: 8/53 ح 16.
2 . البقرة: 146.
3 . الأعراف: 157.

صفحه 149
القائلون بالتحريف ذريعة لعقيدتهم وقد كتب «سايل الانجليزي» كتاباً في هذا الصدد، ونقله إلى العربية هاشم العربي ـ وكأنّ الاسمُ اسمٌ مستعار ـ و ردّ عليه المحقّق البلاغي بكتاب أسماه «الهدى إلى دين المصطفى» ولنذكر نماذج منه:

1. آية الكرسي وتقديم السِنة على النوم

قال سبحانه:(لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَومٌ) (1) مع أنّ الصحيح أن يقول لا تأخذه نوم ولا سِنة، فإنّ الرائج في هذه الموارد هو التدرّج من العالي إلى الداني كما يقال: لا يأخذني عند المطالعة، نومٌ ولا سِنة.
والجواب: إنّ الأخذ في الآية بمعنى الغلبة واللازم عندئذ هو التدرّج من الداني إلى العالي كما هو واضح، والآية بصدد تنزيهه سبحانه عن كلّ ما يوجب الغفلة، مثلاً لو فرضنا أنّ زيداً أشجع من عمرو وأراد المتكلِّم أن يصف شجاعته الفائقة يقول: ما غلبني عمرو ولا زيد، فيقدّم الجبان على الشجاع، ولو عكس يكون مستهجناً ويكون ذكر الجبان زائداً.

2. آية الخوف عن إقامة القسط

قال سبحانه:(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَة) .(2)
وجه الاستدلال: أنّه لا صلة بين الشرط و الجزاء، فكيف يترتّب الإذن

1 . البقرة:255.
2 . النساء:3.

صفحه 150
في نكاح النساء (مَثْنى وثُلاثَ وَ رُباعَ) على الخوف من عدم إقامة القسط في اليتامى؟
يلاحظ عليه: أنّ القرآن يعتمد في إفهام مقاصده على القرائن الحالية بلا إيجاز مخلّ، وقد ذكر أمر اليتامى في نفس السورة في الآيات التالية:
1. (وَآتُوا اليَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بالطَّيِّبِ) .(1)
2. (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ...).(2)
3. (إِنَّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَموالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً).(3)
4. (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النِّساءِ اللاّتي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِليَتامى بِالقِسْطِ).(4)
فقد بيّن سبحانه في الآية الأخيرة أحكام ثلاثة مواضيع:
1. النساء الكبار.
2. يتامى النساء، أي النساء اليتامى والصغار اللاتي لا يُؤتون ما كُتب لهن ويرغبون أن ينكحوهن.
3. المستضعفون من الولدان، أي الولدان الصغار.

1 . النساء: 2.
2 . النساء: 3.
3 . النساء: 10.
4 . النساء: 127.

صفحه 151
فقد أفتى في النساء بما جاء في هذه السورة من الأحكام.
وأمّا البنات اليتامى والولدان الصغار فقد أفتى فيهم بقوله:(وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْط) .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يظهر من الآية الرابعة أنّ القوم كانوا راغبين في نكاح النساء اليتامى لجمالهن أو أموالهن أو لكليهما ، من دون أن يقوموا في حقّهم بالقسط، فأمر سبحانه بإقامة القسط لهم حيث قال:(وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ) .
وبذلك تظهر صلة الجزاء بالشرط حيث إنّ اللام في قوله:(وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى)للعهد، إشارة إلى يتامى النساء اللاّتي لا يُؤتونَ ما كتب لهنّ، ويرغبون أن ينكحوهنّ، فحثّ على أنّهم إذا خافوا من عدم القيام بوظائفهم عند تزوّجهن، فعليهم تزويج غيرهنّ، واللّه سبحانه إذا أقفل باباً (تزويج النساء اليتامى)، يفتح باباً آخر، وهو تزويج غيرهنّ، فأي صلة أوضح من هذه الصلة؟

3. آية التطهير ومشكلة السياق

قوله سبحانه:(إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً) .(1)
حيث وقعت بين قوله:(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِية

1 . الأحزاب: 33.

صفحه 152
الأُولى وَأَقِمْنَ الصلاةَ وَآتينَ الزَّكاةَ وأَطِعنَ اللّهَ وَرَسُولَه...)(1)، وقوله: (وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّهِ وَالحِكْمَة)(2)، فهذا النوع من التعبير آية طروء التحريف على ترتيب الآيات.

يلاحظ عليه:

أنّ القول بنزول الآية في آل الكساء لا يسبّب أي مشكلة في سياقها، شريطة الوقوف على أُسلوب البلغاء في كلامهم وعباراتهم; فإنّ من عادتهم الانتقال من خطاب إلى غيره ثمّ العود إليه مرّة أُخرى.
قال صاحب المنار: إنّ من عادة القرآن أن ينتقل بالإنسان من شأن إلى شأن ثمّ يعود إلى مباحث المقصد الواحد المرّة بعد المرّة.(3)
وقد اعترف بعض أهل السنّة بهذه الحقيقة أيضاً عند بحثه في آية الولاية، حيث قال ما هذا نصّه:
الأصل عند أهل السنّة أنّ الآية تعتبر جزءاً من سياقها إلاّ إذا وردت القرينة على أنّها جملة اعتراضية تتعلّق بموضوع آخر على سبيل الاستثناء وهو أُسلوب من أساليب البلاغة عند العرب جاءت في القرآن على مستوى الإعجاز.
وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إنّ الآية من القرآن يكون أوّلها في

1 . الأحزاب: 33.
2 . الأحزاب: 34.
3 . تفسير المنار: 2/451.

صفحه 153
شيء وآخرها في شيء».(1)
فعلى سبيل المثال، أنّه سبحانه يقول في سورة يوسف حاكياً عن العزيز أنّه بعدما واجه الواقعة في بيته قال:(إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئين).(2)
ترى أنّ العزيز يخاطب زوجته بقوله:(إِنّه مِنْ كَيدِكُنَّ ) وقبل أن يفرغ من كلامه معها يخاطب يوسف بقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) ثمّ يرجع إلى الموضوع الأوّل، ويخاطب زوجته بقوله: (وَاسْتَغْفِري لِذَنْبِك) فقوله: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) جملة معترضة، وقعت بين الخطابين، والمسوِّغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين وكانت له صلة تامّة بالواقعة التي رفعت إلى العزيز.
والضابطة الكلّية لهذا النوع من الخطاب هو وجود التناسب المقتضي للعدول من الأوّل إلى الثاني ثمّ منه إلى الأوّل، وهي موجودة في الآية، فإنّه سبحانه يخاطب نساء النبي بالعبارات التالية:
1. (يا نِساءَالنَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيِّنَة يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ).(3)
2. (يا نِساءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدمِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيَتُنَّ).(4)

1 . المحاسن للبرقي: 2/300 ح5; التفسير الكاشف: 6/217.
2 . يوسف: 28ـ 29.
3 . الأحزاب: 30.
4 . الأحزاب: 32.

صفحه 154
3.(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِليَّةِ الأُولى).(1)
فعند ذلك صحّ أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وذلك لوجهين:
1. تعريفهنّ بجماعة بلغوا القمّة في الورع والتقى، وفي النزاهة عن الرذائل والمساوئ، وبذلك استحقّوا أن يكونوا أُسوة في الحياة وقدوة في العمل، فيلزم عليهنَّ أن يقتدينَّ بهم، ويستضيئنَّ بنورهم.
2. يعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) محوراً لطائفتين مجتمعتين حوله (صلى الله عليه وآله وسلم).
الأُولى: أزواجه ونساؤه.
   
الثانية: ابنته وبعلها وابناها.
فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الرابط الذي تنتهي إليه هاتان الطائفتان، فإذا نظرنا إلى كلّ طائفة مجرّدة عن الأُخرى، فسوف ينقطع السياق.
ولكن لمّا كان المحور هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،واللّه سبحانه يتحدّث عمّن له صلة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فعند ذلك تتراءى الطائفتان كمجموعة واحدة، فيعطي لكلّ منها حكمها، فيتحدّث عن نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزواجِكَ) ، (يانِساءَ النَّبِيّ مَنْ يَأْتِ) ، (يا نساءَالنبيّ لَسْتُنَّ) الخ.
كما أنّه تعالى يتحدّث عن الطائفة الأُخرى وهم أهل البيت بقوله: (إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُم الرجسَ).
فالباعث للجمع بين الطائفتين في ثنايا آية واحدة، إنّما هو انتساب

1 . الأحزاب: 33.

صفحه 155
الجميع إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وحضورهم حوله، وليس هناك أيّ مخالفة للسياق.

إكمال

أثبت ما قدّمنا من الأدلّة الناصعة أنّ كتاب اللّه العزيز مصون من التحريف لم تمسّ كرامتَه يدُ التغيير، كما ظهر ضعف ما استند إليه القائل به. بقي الكلام فيما ورد في الصحاح والمسانيد من سقوط آيات من الكتاب وقد تبنّاها عمر بن الخطاب وعائشة، ففي زعم الأوّل سقطت آيات أربع، وعلى زعم الثانية سقطت واحدة وهي آية الرضاع.
والعجب أنّ بعض أهل السنّة يتّهمون الشيعة بالقول بالتحريف ويشنّون هجوماً عنيفاً عليهم، وهم يروون أحاديثه في أصحّ صحاحهم ومسانيدهم.
والحقّ أنّ أكابر الفريقين بريئون عن هذه الوصمة، غير أنّ لفيفاً من حشوية أهل السنّة، وأخبارية الشيعة يدّعون التحريف وهم يستندون إلى روايات لا قيمة لها في سوق الاعتبار. ولنذكر ما رواه أهل السنّة في كتبهم.

الآيات غير المكتوبة

يرى ابن الخطاب أنّ آيات أربع سقطت من القرآن وهي: آية الرجم، وآية الفراش، وآية الرغبة، وآية الجهاد، والعجب أنّ الصحاح والمسانيد احتفلت بنقلها، مع أنّ نصوصها تشهد على أنّها ليست من القرآن وإن كانت مضامينها مطابقة للشريعة، وإليك الآيات الأربع المزعومة:

صفحه 156

1. آية الرجم

خطب عمر عند منصرفه من الحج وقال: إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا أجد(لا نحدّ) حدّين في كتاب اللّه، فقد رجم رسول اللّه، ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب اللّه تعالى لكتبتها :«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة» فإنّا قد قرأناها.(1)
ولفظها ينادي بأنّها ليست من القرآن، والمضمون غير خال من الإشكال، لأنّ الموضوع للرجم هو المحصن والمحصنة، سواء كانا شابين أو شيخين أو مختلفين.

2. آية الفراش

إنّ عمر بن الخطاب قال لأُبيَّ بن كعب: أو ليس كنّا نقرأ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فيما فقدنا من كتاب اللّه; فقال أُبيّ: بلى.(2) واللفظ مع فصاحته أيضاً يأبى أن يكون من القرآن ، لكن الخليفة زعم أنّ العبارة من القرآن.

3. آية الرغبة

روى البخاري أنّ عمر قال: «إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللّه أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم (أو: أن كفراً بكم) أن

1 . صحيح البخاري: 8/208.
2 . تفسير الدر المنثور:1/106.

صفحه 157
ترغبوا عن آبائكم».(1)

4. آية الجهاد

روى السيوطي أنّ عمر قال لابن عوف: ألم تجد فيما أُنزل علينا: وإن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرة؟ قال: أُسقطت فيما أُسقط من القرآن.(2)

5. آية الرضعات

روى مالك ـ في الموطأ ـ عن عائشة كانت فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثمّ نسخن بـ «خمس معلومات» فتوفّي رسول اللّه وهنّ فيما يقرأ من القرآن.(3)
إنّ آيتها نظير آيات الخليفة تأبى أن تكون من صميم القرآن، ولو كانت لكتبت في المصاحف، ولا وجه لإسقاطها.

روايات التحريف في كتب الحديث

وقد جمعها المحدّث النوري في كتابه «فصل الخطاب في تحريف كتاب ربّ الأرباب»، والاستدلال بهذه الروايات موهون من جهات:
الأُولى: أنّها ليست متواترة، وليست الكثرة آية التواتر إلاّ إذا اشتركت في أحد المداليل الثلاثة من: المطابقة، والتضمّن، والالتزام; وهذه الروايات

1 . صحيح البخاري: 8/211; صحيح مسلم: 4/167، وج5/116.
2 . تفسير الدر المنثور:1/106.
3 . تنوير الحوالك: 2/118، آخركتاب الرضاع.

صفحه 158
فاقدة لهذه الجهة، ولا تهدف إلى جهة خاصّة، فتارة ناظرة إلى بيان تنزيلها، وأُخرى إلى بيان تأويلها، وثالثة إلى بيان قراءتها، ورابعة إلى تفسيرها، وهذا هو الكثير، فحسب البعض أنّه جزء من الآية، مثلاً قال سبحانه:(وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (1) رواه في «الكافي» أنّه قال: وإن تلووا «الأمر» أو تعرضوا « عمّا أُمرتم به».
روى علي بن إبراهيم بسند صحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: وقرأت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام):(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ) (2) فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «خير أُمّة تقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين ابني علي»؟! فقال القارئ: جعلت فداك كيف نزلت؟ قال: نزلت«كُنْتُمْ خَيْرَ أئمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ» ألا ترى مدح اللّه لهم (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ).(3)
والاستدلال دلّ على أنّ المراد ليس كلّ الأُمّة بل بعضها بشهادة قوله سبحانه:(ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (4) وأراد الإمام تنبيه القارئ على أن لا يغتر بإطلاق الآية، بل يتدبّر ويقف على مصاديقها الواقعية، وأنّ خير الأُمّة هم الأئمّة وهم الأُسوة، وأولياء الدين، والمخلصون من العلماء الأتقياء، لا كلّ الأُمّة بشهادة أنّ كثيراً

1 . النساء:135.
2 . آل عمران:104.
3 . آل عمران:110; تفسير نور الثقلين:1/382، برقم 327.
4 . آل عمران:104.

صفحه 159
منهم ارتكبوا أعمالاً إجرامية مشهودة.
ويقرب من ذلك قوله سبحانه:(وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).(1) فإنّ ظاهر الآية أنّ كلّ الأُمّة: هم الأُمّة الوسطى، والشعب الأمثل، مع أنّا نجد بين الأُمّة من لا تُقبل شهادته على باقة بقل في الدنيا، فكيف تُقبل شهادته في الآخرة على سائر الأُمم؟! وهذا يهدينا إلى أن نتأمّل في الآية، ونقف على أنّ الإسناد إلى الكلّ مجاز بعلامة كونها راجعة إلى أصفياء الأُمّة وكامليها.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام)في هذا الشأن:«فإن ظننت أنّ اللّه عنى بهذه الآية، جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب اللّه شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة الأُمم الماضية؟! كلا: لم يعن اللّه مثل هذا من خلقه».(2)
وأنت إذا تدبّرت كتاب «فصل الخطاب» الذي جمع هذه الروايات، تقف على أنّ الأكثر فالأكثر من قبيل التفسير.
مثلاً روى العياشي عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال: «نزل جبرئيل على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعرفات يوم الجمعة فقال له: يا محمد إنّ اللّه يقرؤك السلام، ويقول لك: (اَلْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ ـ بولاية علي بن أبي طالب ـ

1 . البقرة:143.
2 . تفسير العياشي: 1/63، ويؤيد ذلك أنّه سبحانه قال في حقّ بني إسرائيل:(وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً)(المائدة/20) مع أنّ بعضهم كانوا ملوكاً لا كلّهم.

صفحه 160
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)(1).(2) فلا شكّ أنّه بيان لسبب إكمال الدين وإتمام النعمة لا أنّه جزء من القرآن.
مع أنّ قسماً كبيراً منها يرجع إلى الاختلاف في القراءة، المنقولة إمّا من الأئمّة بالآحاد لا بالتواتر، فلا حجّية فيها أوّلاً ولا مساس لها بالتحريف ثانياً، أو من غيرهم من القرّاء وقد أخذ قراءتهم المختلفة من «مجمع البيان» وهو أخذها من كتب أهل السنّة في القراءة، وكلّها مراسيل أوّلاً، و الاختلاف في القراءة غير التحريف ثانياً، لما عرفت من أنّها على وجه، غير موصولة إلى النبي، وعلى فرض صحّة النسبة، لا صلة لها بالقرآن.
وهناك روايات ناظرة إلى تأويلها وبيان مصاديقها الواقعية، وهي أيضاً كثيرة، أو ناظرة إلى بيان شأن نزولها، إلى غير ذلك، وبعد إخراج هذه الأقسام، تبقى روايات آحاد لا تفيد العلم ولا العمل.
الثانية: أنّ أكثر هذه الروايات التي يبلغ عددها 1122حديثاً منقول من كتب ثلاثة:
1. كتاب «القراءات» لأحمد بن محمد السياري (المتوفّى 286هـ)، الذي اتّفق الرجاليون على فساد مذهبه.
قال الشيخ: أحمد بن محمد السياري الكاتب، كان من كتاب آل طاهر، ضعيف الحديث، فاسد المذهب، مجفو الرواية، كثير المراسيل.(3)

1 . المائدة: 3.
   
2 . تفسير العياشي: 1/293 برقم 21.
3 . فهرست الشيخ: 47 برقم 70; رجال النجاشي: 1/211 برقم 190.

صفحه 161
2. كتاب علي بن أحمد الكوفي (المتوفّى 352هـ) الذي نصّ الرجاليون بأنّه كذّاب مبطل.
قال النجاشي: رجل من أهل الكوفة كان يقول: إنّه من آل أبي طالب، وغلا في آخر أمره وفسد مذهبه وصنّف كتباً كثيرة، أكثرها على الفساد، ثمّ يقول: هذا الرجل، تدّعي له الغلاة منازل عظيمة.(1)
3. كتاب «تفسير القمّي» الذي أوضحنا حاله في محلّه، وقلنا: إنّه ليس للقمي، بل قسم منه من إملاءاته على تلميذه أبي الفضل العباس بن محمد بن العلوي، وقسم منه مأخوذ من تفسير أبي الجارود، ضمه إليها تلميذه،(2)وهو من المجاهيل، لأنّ العباس بن محمد غير معنون في الكتب الرجالية فهو مجهول، كما أنّ الراوي عنه في أوّل الكتاب يقول: «حدّثني أبو الفضل بن العباس، مجهول أيضاً، وأسوأ حالاً منهما أبو الجارود المعروف بـ«زياد بن المنذر» فهو زيدي بتري وردت الرواية في ذمّه في رجال الكشي،(3)أفيمكن الاعتمادعلى روايات هذا الكتاب؟!
وقس على ذلك، سائر مصادره ومنابعه التي لا يعبأ ولا يعتمد عليها.
الثالثة: أنّ هذه الروايات معارضة بأكثر منها وأوضح منها، من حديث الثقلين وأخبار العرض وما عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا التبست عليكم الفتن فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدّق، ومن جعله أمامه قاده إلى

1 . رجال النجاشي: 2/96 برقم 689.
2 . لاحظ كتابنا «كليات في علم الرجال» حول تقييم تفسير القمي.
3 . رجال الكشي:199.

صفحه 162
الجنة، و من جعله خلفه ساقه إلى النار».(1)
وما في النهج(2) حول القرآن من كلمات بديعة لا تصدر إلاّ من سيد البشر أو وصيه، وعند التعارض يؤخذ بالموافق لكتابه والمطابق للذكر الحكيم، وهي الطائفة الثانية.
***

ختامه مسك

مع المحدّث النوري في كتابه «فصل الخطاب»   
لمّا وقع كتاب «فصل الخطاب» ذريعة لكلّ مَن يحاول اتّهام الشيعة الإمامية بالتحريف، وهم منه بُرآء براءة يوسف ممّا اتُّهم به، استدعيت من فضيلة شيخنا الجليل «محمد هادي معرفة»(3) أن يوضِّح لنا واقع هذا الكتاب وقيمته في سوق العلم، و المصادر التي اعتمد المؤلّف عليها، فتفضّل بمقال قيّم ننشره على صفحات كتابنا مشفوعاً بالشكر والتقدير.

1 . الكافي:2/599.
2 . نهج البلاغة: الخطبة: 81 و110 و 147.
3 . توفّي الشيخ محمد هادي معرفة في أواخر شهر ذي الحجّة الحرام من عام 1427 هـ . وشيخنا العلاّمة «معرفة» أحد العلماء المحقّقين في علوم القرآن تشهد بذلك موسوعته« التمهيد في علوم القرآن» في عشرة أجزاء، ولخّصها في 4 أجزاء، وله كتاب «التفسير والمفسّرون»، وغيرها. نسأله سبحانه أن يتغمّده برحمته الواسعة.

صفحه 163

مع المحدّث النوري

في كتابه «فصل الخطاب»
هو: الشيخ حسين بن محمد تقي النوري. ولد في قرية «نور» من ضواحي بلدة «آمل» في مقاطعة «مازندران»، في 18، شوال سنة 1254هـ ، وهاجر إلى العراق سنة 1278هـ ليواصل دراسته العلمية في حوزة النجف الأشرف حتى سنة 1284هـ فرجع إلى إيران، ولم يلبث أن عاد إلى العراق عام 1286هـ ، وتشرّف بزيارة بيت اللّه الحرام، وبعد مدّة ارتحل إلى سامرّاء ، حيث كان محطّ رحل زعيم الأُمّة الميرزا محمد حسن الشيرازي، الذي توفّي سنة 1312هـ وبعده بمدّة وفي سنة 1314هـ قفل محدّثنا النوري من سامراء، ليأخذ من النجف الأشرف مقرّه الأخير، حتى توفّاه اللّه سنة 1320هـ.ق.
كان محدّثنا النوري مولَعاً بجمع الأخبار وتتبّع الآثار، وله في ذلك مواقف مشهودة، ومصنّفاته في هذا الشأن معروفة.
غير أنّ شغفه بذلك، ربّما حاد به عن منهج الإتقان في النقل والتحديث، ممّا أوجب سلبَ الثقة به أحياناً و في بعض ما يرويه.ولا سيّما عند أهل التحقيق وأرباب النظر من فقهائنا الأعلام والعلماء العظام.
يقول عنه الإمام الخميني (قدس سره):«وهو ـ أي الشيخ النوري ـ شخص صالح متتبّع، إلاّ أن اشتياقه بجمع الضعاف والغرائب و العجائب، وما لا

صفحه 164
يقبله العقل السليم والرأي المستقيم، أكثر من الكلام النافع...».(1)
ويقول عنه العلاّمة البلاغي ـ شيخ العَلَمَين السيد الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، و الإمام الخوئي صاحب كتاب البيان ـ : «وإنّ صاحب فصل الخطاب من المحدّثين المكثرين المجدّين في التتبّع للشواذّ...».(2)
وتساهله هذا في جمع شوارد الأخبار، قد حطّ من قيمة تتبّعاته الواسعة واضطلاعه بمعرفة أحاديث آل البيت (عليهم السلام) والتي كان مشغوفاً بها طيلة حياته العلميّة.
وقد غرّته ظواهر بعض النقول غير المعتمدة، المأثورة عن طرق الفريقين، ممّا حسبها تعني تحريفاً في كتاب اللّه العزيز الحميد. فكان ذلك ممّا أثار رغبته في جمعها وترصيفها، غير مكترث بضعف الأسانيد، أو نكارة المتون، على غِرار أهل الحشو في الحديث.
أضف إلى ذلك زعمه: أنّه لابدّ من تنويه الكتاب بشأن الولاية صريحاً، التي هي أهم الفرائض متغافلاً عن تصريح الإمام الصادق (عليه السلام) بأنّ ذلك قد تُرك إلى تبيين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كما في سائر الفرائض، وغيره من أحاديث تنفي وجود أيّ تصريح في كتاب اللّه باسم الأئمّة(عليهم السلام).(3)
لكن محدّثنا النوري لم يُعر سمعه لأمثال هذه الأحاديث المضيئة، التي تنزّه ساحة قدس القرآن عن شبهة احتمال التحريف، وذهب في

1 . راجع: تعليقته الكريمة على كفاية الأُصول «أنوار الهداية»، ج1، ص 245.
2 . راجع: مقدّمة تفسيره آلاء الرحمن:1/25.
3 . راجع صحيحة أبي بصير في: أُصول الكافي: 1 / 286.

صفحه 165
غياهب أوهامه، راكضاً وراء شوارد الأخبار وغرائب الآثار، ناشداً عن وثائق تربطه بمزعومته الكاسدة.
وقد وصف الإمام البلاغي، مساعي المحدّث النوري هذه بأنّه جَهَد في جمع الروايات وكثّر أعداد مسانيدها بأعداد المراسيل وفي جملة ما أورده ما لا يتيسّر احتمال صدقه، ومنها ما يؤول إلى التنافي والتعارض، وإنّ قسماً وافراً منها ترجع إلى عدة أنفار، وقد وصف علماء الرجال كلاً منهم، إمّا بأنّه ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفوّ الرواية، وإمّا بأنّه مضطرب الحديث والمذهب، يعرّف حديثه وينكّر و يروي عن الضعفاء، وإمّا بأنّه كذّاب متّهم لا يستحل أن يُروى من تفسيره حديث و احد، وربّما كان معروفاً بالوقف شديد العداوة للإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) ، و إمّا بأنّه كان غالياً كذّاباً، و إمّا بأنّه ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعوّل عليه و من الكذّابين، وإمّا بأنّه فاسد الرواية يُرمى بالغلوّ.
قال(رحمه الله): ومن الواضح أنّ أمثال هؤلاء لا تجدي كثرتهم شيئاً.(1)
وهكذا تشبّث محدّثنا النوري بكل حشيش، ونسج منواله نسجَ العنكبوت.
أمّا كتابه الذي جمع فيه هذه الشوارد والغرائب، وأسماه:«فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّ الأرباب»، فقد وضعه على مقدّمات ثلاث، واثني عشر فصلاً، وخاتمة.

1 . مقدّمة تفسيره «آلاء الرحمن»: 1 / 26.

صفحه 166
ذكر في المقدّمة الأُولى، ما ورد بشأن جمع القرآن و نظمه وتأليفه، ممّا يشي ـ بزعمه ـ على ورود نقص أو تغيير في نصّه الكريم.
وفي الثانية: بيّن أنحاء التغيير الممكن حصوله في المصحف الشريف.
وفي الثالثة: في سرد أقوال العلماء في ذلك، إثباتاً أو رفضاً.
أمّا الفصول الاثنا عشر، فقد جعلها دلائل على وقوع التحريف، بالترتيب التالي:
1. قد وقع التحريف في كتب السالفين ، فلابدّ أن يقع مثله في الإسلام، حيث تشابه الأحداث في الغابر والحاضر.
2. أنّ أساليب جمع القرآن في عهد متأخّر عن حياة الرسول، لتستدعي بطبيعة الحال أن يقع تغيير في نصّه الشريف.
3. محاولة علماء السنَّة توجيه روايات التحريف لديهم، بالإنساء أو نسخ التلاوة، غير سديدة.
4. مغايرة مصحف الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)مع المصحف الحاضر.
5. مغايرة مصحف الصحابي عبد اللّه بن مسعود مع المصحف الراهن.
6. مغايرة مصحف الصحابي أُبيّ بن كعب مع المصحف الرائج.
7. تلاعب عثمان بنصوص الآيات عند جمع المصاحف وتوحيدها.
8. روايات عامّيّة رواها أهل الحشو من محدّثي العامّة، ناصّة على

صفحه 167
التحريف.
9. أنّ أسامي أوصياء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت مذكورة في التوراة ـ على ما رواه كعب الأحبار اليهودي ـ فلابدّ أنّها كانت مذكورة في القرآن، لمسيس الحاجة إلى ذكرها في القرآن، أكثر ممّا في كتب السالفين.
10. أنّ اختلاف القراءات، خير شاهد على التلاعب بنصوص الكتاب.
11. روايات خاصّة، تدلّ دلالة بالعموم على وقوع التحريف.
12. روايات ناصّة على مواضع التحريف في الكتاب.
أمّا الخاتمة، فجعلها ردّاً على دلائل القائلين بصيانة القرآن من التحريف.
***
أمّا الرّوايات الخاصّة، والتي استند إليها لإثبات التحريف، سواء أكانت دالّة بالعموم على وقوع التحريف، أم ناصّة على مواضع التحريف، فهي تربو على الألف ومائة حديث، (1122). منها (61) رواية دالّة بالعموم. و(1061) ناصّة بالخصوص، حسبما زعمه.
لكن أكثريّتها الساحقة نقلها من أُصول لا إسناد لها ولا اعتبار، من كتب ورسائل، إمّا مجهولة أو مبتورة، أو هي موضوعة لا أساس لها رأساً.
والمنقول من هذه الكتب تربو على الثمانمائة حديث (815) وبقي الباقي (307). وكثيرة من هذا العدد، ترجع إلى اختلاف القراءات، ممّا لا

صفحه 168
مساس لها بمسألة التحريف، وهي (107) روايات، و البقية الباقية (200) رواية ، رواها من كتب معتمدة، وهي صالحة للتأويل إلى وجه مقبول، أو هي غير دالّة على التحريف، وإنّما أقحمها النوري إقحاماً في أدلّة التحريف.
وقد عالجنا هذه الروايات بالذات في كتابنا «صيانة القرآن من التحريف» فراجع.
وقد تمّ تأليف «فصل الخطاب» على يد مؤلّفه النوري سنة 1292هـ ، وطبع سنة 1298هـ ، و قد وَجَدَ المحدّث النوري ـ منذ نشر كتابه ـ نفسه في وحشة العزلة، وفي ضوضاء من نفرة العلماء والطلبة في حوزة سامراء العلمية آنذاك. وقد قامت ضدّه نعرات، تتبعها شتائم و سبّات من نبهاء الأُمّة في جميع أرجاء البلاد الشيعيّة، ونهض في وجهه أصحاب الأقلام من ذوي الحميّة على الإسلام، ولا يزال في متناوش أهل الإيمان، يسلقونه بألسنة حداد، على ما جاء في وصف العلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني، عن موضع هذا الكتاب ومؤلّفه و ناشره، يوم كان طالباً شابّاً في حوزة سامراء.
يقول في رسالة بعثها تقريظاً على رسالة «البرهان» التي كتبها الميرزا مهدي البروجردي بقم المقدّسة 1373هـ .
يقول فيها: كم أنت شاكر مولاك إذ أولاك بنعمة هذا التأليف المنيف، لعصمة المصحف الشريف عن وصمة التحريف. تلك العقيدة الصحيحة التي آنستُ بها منذ الصغر أيّام مكوثي في سامرّاء، مسقط رأسي، حيث تمركز العلم والدين تحت لواء الإمام الشيرازي الكبير، فكنت أراها تموج

صفحه 169
ثائرة على نزيلها المحدّث النوري، بشأن تأليفه كتاب «فصل الخطاب» فلا ندخل مجلساً في الحوزة العلمية إلاّ ونسمع الضجّة والعجّة ضدّ الكتاب و مؤلّفه وناشره، يسلقونه بألسنة حداد....(1)
وهكذا هبّ أرباب القلم يسارعون في الردّ عليه ونقض كتابه بأقسى كلمات وأعنف تعابير لاذعة، لم يدعوا لبثّ آرائه ونشر عقائده مجالاً ولا قيد شعرة.
وممّن كتب في الردّ عليه من معاصريه، الفقيه المحقّق الشيخ محمود بن أبي القاسم الشهير بالمعرّب الطهراني (المتوفّى 1313هـ) في رسالة قيّمة أسماها «كشف الارتياب في عدم تحريف الكتاب» فرغ منها في (17ج2ـ 1302هـ) تقرب من أربعة آلاف بيت في 300 صفحة. وفيها من الاستدلالات المتينة والبراهين القاطعة، ما ألجأ الشيخ النوري إلى التراجع عن رأيه بعض الشيء، وتأثّر كثيراً بهذا الكتاب.
وأيضاً كتب في الردّ عليه معاصره العلاّمة السيد محمد حسين الشهرستاني (المتوفّى 1315هـ) في رسالة أسماها «حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف». و قد أحسن الكلام في الدلالة على صيانة القرآن عن التحريف و ردّ شبهات المخالف ببيان واف شاف. والرسالة في واقعها ردّ على فصل الخطاب، ولكن في أُسلوب ظريف بعيد عن التعسّف و التحمّس المقيت.(2)

1 . البرهان في علوم القرآن: 143ـ144.
2 . راجع: البرهان في علوم القرآن: 142.

صفحه 170
وهكذا كتب في الردّ عليه كلّ من كتب في شؤون القرآن أو في التفسير، كالحجّة البلاغي (المتوفّى 1352هـ) في مقدّمة تفسيره (آلاء الرحمن) قال تشنيعاً عليه: وإنّ صاحب فصل الخطاب من المحدّثين المكثرين المجدّين في التتبّع للشواذّ وإنّه ليعدّ هذا المنقول من «دبستان المذاهب» ضالّته المنشودة، مع اعترافه بأنّه لم يجد لهذا المنقول أثراً في كتب الشيعة.(1)

روايات التحريف في كتب الحديث

   
لا شكّ في وجود روايات تدلّ على التحريف في كتب الحديث عند الفريقين، من غير فرق بين السنّة والشيعة، فإنّ قسماً من الروايات ممّا لا يقبله العقل الحصيف، مثلاً ما نقله القرطبي(2) في تفسير سورة الأحزاب أنّها كانت تعدل سورة البقرة، وكانت فيها آية الرجم، وعلى هذا كان عدد آياتها يقارب مئتين وثمانين آية بينما الموجود الآن في المصاحف 73 آية، ومعنى ذلك أنّه حذف منها أزيد من مئتي آية، فهل يمكن حذف هذه الآيات الكثيرة مع وجود الحفّاظ والمصاحف الموجودة في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى أنّ الحاكم في «المستدرك» اغتر بنقل هذه الرواية وقال: عن أبي بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة» هذا حديث صحيح الإسناد ولم

1 . آلاء الرحمن: 1/ 25.
2 . تفسير القرطبي:14/113.

صفحه 171
يخرجاه.(1)
ومن هذا القبيل ما روي أنّه سقط ما يقرب من ثلث القرآن بين فقرتين من الآية (3) من سورة النساء أعني قوله تعالى:(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) وقوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) حيث إنّهم لمّا لم يقفوا على الصلة بين الفقرتين ادعوا ذلك.

مزعمة منسوخ التلاوة

قد ورد في كتب الحديث لأهل السنّة روايات تدلّ على تحريف القرآن وجاءت الآيات المحرّفة بنصّها في تلك الكتب نظير ما رواه مالك في موطئه: قال عمر بن الخطاب: والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله تعالى لكتبتها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ألبتة» فإنّا قد قرأناها.(2)
وجاء في صحيح البخاري ومسند أحمد: قال عمر بن الخطاب:... ثمّ إنّا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله:«أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم».(3)
وهذه الروايات وأمثالها مهما صحّت أسنادها غير مقبولة بل مردودة ومضروب بها عرض الحائط، إذ لا يوجد وجه ضعيف لنسخ هذه الآيات،

1 . المستدرك للحاكم:2/415.
2 . الموطأ:714، كتاب الحدود، الحديث9.
3 . صحيح البخاري:8/169، باب رجم الحبلى من الزنا، من كتاب الحدود; مسند أحمد:1/55.

صفحه 172
فلو كان النقص في مضمونها فالمفروض أنّ المضمون حكم سائد في الفقه الإسلامي، وحديث الرجم ليس أمراً منسوخاً. وإن كان الإشكال في لفظها من حيث الفصاحة والبلاغة فهو أمر لا يمكن أن ينسب إلى الباري تعالى.
فأين روعة الألفاظ ورزانتها من هذه الفقرات والجمل الركيكة، فعلى علماء الإسلام رفض هذه الأحاديث وإنكارها من أساس دون أن يقبلوا صحّتها ثم توجيهها عن طريق (نسخ التلاوة)!!
***

صفحه 173
   

المبحث الثامن

النسخ في القرآن الكريم

النسخ لغة

ذكر بعض أهل اللغة للنسخ معان:
1. النسخ إزالة شيء بشيء يتعقّبه، كنسخ الشمس الظل، والظل الشمس، والشيب الشباب.
2. نسخ الكتاب: نقل صورته المجرّدة إلى كتاب آخر وذلك لا يقتضي إزالة الصورة الأُولى بل يقتضي إثبات مثلها في مادة أُخرى.
3. المناسخة في الميراث: هو أن يموت ورثةٌ بعد ورثة والميراثُ قائمٌ لم يُقْسَمْ.(1)
ويظهر من صاحب المقاييس أنّ له أصلاً واحداً إلاّ أنّه مختلف في قياسه.(2)

1 . المفردات للراغب:801، مادة «نسخ»، تحقيق صفوان عدنان.
2 . مقاييس اللغة:5/424، مادة «نسخ».

صفحه 174

النسخ اصطلاحاً

قال صاحب القوانين: النسخ: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخّر على وجه لولاه لكان ثابتاً. وبتقييد الحكم بـ«الشرعي» خرج رفع مقتضى البراءة العقلية بالدليل الشرعي. وبتقييد الرفع: «بدليل شرعي» خرج ارتفاع الحكم بالموت والجنون. وبتوصيف الدليل بـ«المتأخر» خرج الإخراج بالشرط والاستثناء المتصل وغيرهما من المخصّصات، وبتحديد الحكم المرفوع بقوله:«على وجه لولاه لكان ثابتاً»، الحكم المحدود إلى وقت كقوله: صوموا إلى الليل.(1)
أقول: إنّ النسخ عبارة عن رفع التشريع نهائياً، وبالتقييد (نهائياً) خرج أمران:
1. رفع الحكم عن بعض أفراد الموضوع، فإنّه لا يوصف بالنسخ; بل يوصف بالتخصيص في العام والتقييد في الحكم المطلق.
2. رفع الحكم لأجل الاضطرار، كالحرج والضرر فلا يوصف الرفع بالنسخ لبقاء أصل الحكم في غير تينك الحالتين وعلى هذا لو جاز للمضطر أكل الميتة لسدّ الرمق فلا يوصف هذا بالنسخ.
وبما ذكرنا ظهر الفرق بين النسخ والتخصيص، فإنّ الأوّل تخصيص في الأزمان يمنع عن استمرار الحكم بعد النسخ، ولا يمنع ثبوته في ما قبله، بخلاف التخصيص فإنّه تخصيص في الأفراد يمنع عن شمول الحكم

1 . القوانين المحكمة:2/91.

صفحه 175
لبعض الأفراد من أوّل الأمر.
ثمّ إنّه يشترط في النسخ حضور وقت العمل بتمامه والتمكّن منه سواء فعله أم لم يفعله فدخل أمر إبراهيم(عليه السلام) بالذبح، ثم نسخه، نعم اختلفوا في نسخ الواجب قبل حضور وقت العمل، فالمشهور عند الإمامية عدم الجواز، والتفصيل في محلّه.(1)
إلى هنا تمّ تعريف النسخ لغة واصطلاحاً، إنّما الكلام في وجود النسخ في القرآن الكريم، وقبل الورود في صلب الموضوع نبحث في أقسام النسخ.

أقسام النسخ

ذكر أكثر الباحثين أنّ للنسخ أقساماً ثلاثة:

الأوّل: نسخ التلاوة والحكم معاً

قالوا: إنّ من أقسام النسخ نسخ الآية المتضمّنة للتشريع ورفعها من القرآن الكريم، تلاوة وحكماً، وقد مثلوا لذلك في حديث صحيح الإسناد إلى عائشة قالت: كان فيما أُنزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يحرّمن» ثم نُسخن بخمس معلومات، قالت: وتوفّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهن فيما يُقرأ من القرآن.(2)

1 . لاحظ: القوانين المحكمة:2/94.
2 . صحيح مسلم:4/167، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات.

صفحه 176
وبما أنّه ورد في صحيح مسلم سعى الباحثون إلى تصحيحه، قال الزرقاني: أمّا نسخ الحكم والتلاوة جميعاً فقد أجمع عليه القائلون بالنسخ من المسلمين، ويدلّ على وقوعه سمعاً ما ورد عن عائشة.(1)
وقال الزركشي: وقد تكلّموا في قولها «وهن فيما يُقرأ»، فإنّ ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك، فمنهم مَن أجاب بأنّ المراد قارب الوفاة (قارب وفاة النبي) والأظهر أنّ التلاوة نسخت أيضاً ولم يبلغ ذلك كلّ الناس إلاّ بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فتوفّي وبعض الناس يقرؤها، وقال أبو موسى الأشعري: نزلت ثم رفعت.(2)
غير أنّ الحقّ بطلان هذا النوع من النسخ فإنّه لا يفارق القول بالتحريف، فإنّ معنى ذلك أنّه كانت آية ذات حكم تشريعي، وكانت تُتلى حتى وفاة رسول الله ثم نسيت، وأي تحريف أوضح من ذلك. ولذلك حكى القاضي أبو بكر في الانتصار عن قوم إنكار هذا القسم لأنّ الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها.(3)
وبما أنّهم التزموا بصحّة ما ورد في الصحيحين، لم يجدوا بُدّاً من القول به وتصحيحه ولو بوجه أوهن من بيت العنكبوت، وإن كنت في شكّ من ذلك فانظر إلى ما ذكره أبو بكر الرازي، قال: نسخ الرسم والتلاوة إنّما

1 . مناهل العرفان:2/231.
2 . البرهان في علوم القرآن:2/46.
3 . لاحظ: البرهان في علوم القرآن:2/47.

صفحه 177
يكون بأن ينسيهم الله إيّاه ويرفعه من أوهامهم، ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصاحف.(1)
ثمّ إنّ المحقّق السرخسي ممّن أبطل هذا القسم من النسخ في كلام مفصّل وقال: والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(2) ومعلوم أنّه ليس المراد الحفظ لديه تعالى فإنّه يتعالى من أن يوصف بالغفلة والنسيان، فعرفنا أنّ المراد الحفظ لدينا. وقد ثبت أنّه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولو جوّزنا هذا في بعض ما أُوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه، فيؤدّي ذلك إلى القول بأن لا يبقى شيء ممّا ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف، وأيّ قول هو أقبح من هذا. ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما بأيدينا اليوم أو كلّه مخالف لشريعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بأن نسخ الله ذلك بعده، وألّف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته. فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنّه هو الحافظ لما أنزله على رسوله، وبه يتبيّن أنّه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته، وما ينقل من أخبار الآحاد شاذّ لا يكاد يصحّ شيء منها.(3)
القسم الثاني: نسخ التلاوة دون الحكم
يشير العنوان إلى أنّ آية من القرآن الكريم كانت تحمل حكماً

1 . لاحظ: البرهان في علوم القرآن:2/47.
2 . الحجر:9.
3 . أُصول السرخسي:2/78ـ 80.

صفحه 178
تشريعياً ثم نسيت ومحيت عن صفحة الوجود لكن بقي الحكم مستمراً معمولاً به غير منسوخ، وقد ذهب إلى جواز هذا القسم فريق من علماء أهل السنّة.
قال الزرقاني: أمّا نسخ التلاوة دون الحكم، فيدلّ على وقوعه ما صحّت روايته عن عمر بن الخطاب وأُبيّ بن كعب، أنّهما قالا: وكان فيما أنزل من القرآن: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة.(1)
ثمّ يقول: وأنت تعلم أنّ هذه الآية لم يعد لها وجود بين دفّتي المصحف ولا على ألسنة القرّاء مع أنّ حكمها باق على إحكامه لم ينسخ.
ويدلّ على وقوعه أيضاً ما صحّ عن أُبي بن كعب أنّه قال:«كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة أو أكثر ـ إلى أن قال: ـ ويدلّ على وقوعه أيضاً ما صحّ عن أبي موسى الأشعري أنّهم كانوا يقرأون سورة على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في طول سورة البراءة، وأنّها نسيت إلاّ آية منها، وهي: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب اللّه على مَن تاب».(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من الروايات أخبار آحاد لا يثبت به كون الآية قرآنية باقية حكمها منسوخة تلاوتها.
مضافاً إلى أنّ ما ذكره من وجود سورة على عهد رسول اللّه بطول

1 . رواه ابن ماجة في سننه:2/853 برقم 2553; وأحمد بن حنبل في مسنده:5/183.
2 . مناهل العرفان في علوم القرآن:2/233.

صفحه 179
سورة براءة فهو من قبيل القسم الأوّل، أي نسخ الحكم والتلاوة، لا الثاني، ولا أقل من احتمال كونه منه إذ ليس بأيدينا منه شيء حتّى يحكم عليه بشيء من القسمين وأنّها هل بقيت أحكامها أو لا؟ ولعلّها من قبيل ما نسخت أحكامها وتلاوتها معاً.
قال الإمام الخوئي: أجمع المسلمون على أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد، كما أنّ القرآن لا يثبت به. وذلك لأنّ الأُمور المهمة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس وانتشار الخبر عنها، لا تثبت بخبر الواحد، فإنّ اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطائه.
وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أنّ آية الرجم من القرآن و أنّها نسخت؟! نعم جاء عمر بآية الرجم وادّعى أنّها من القرآن، لكنّ المسلمين لم يقبلوا منه، لأنّ نقلها كان منحصراً به، فلم يثبتوها في المصاحف، لكن المتأخّرين التزموا بأنّها كانت آية منسوخة التلاوة باقية الحكم.(1)
والعجب أنّ الشيخ الزرقاني يستدلّ على جوازه بالوقوع ويقول: «لأنّ الوقوع أعظم دليل على الجواز» وما أتفه هذا الدليل، فإنّ مجرد وجود الحكم بين المسلمين لا يدلّ على وروده في القرآن لاحتمال ثبوته بالسنّة.
وثانياً: أنّ القرآن معجز بلفظه ومعناه، متّحد بفصاحته وبلاغته، وقد أدهشت فصاحة ألفاظه وجمال عباراته، وبلاغة معانيه وسموها، وروعة

1 . البيان في تفسير القرآن:285.

صفحه 180
نظمه وتأليفه وبداعة أُسلوبه، عقول البلغاء.
وما زعم من الآيات التي بقي حكمها ليست إلاّ عبارات لا تداني آيات القرآن في الفصاحة والبلاغة، والروعة والجمال. وقد نسج قوله الشيخ والشيخة على منوال قوله سبحانه: (الزّانيةُ وَالزّاني فاجْلِدُوا كُلَّ واحد مِنهُما مِائةَ جَلْدة ولا تأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللّه).(1)
وأمّا الآية المزعومة الثانية فأين أُسلوبها من أُسلوب القرآن الخلاّب للعقول؟! وإنّما هي عبارة متداولة على ألسنة الناس.
وثالثاً: أنّ هذا القول هو نفس القول بالتحريف، ومن اخترع هذا المصطلح فقد حاول أن يبرر هذا النوع من التحريف.
ومن العجب أنّ القوم يجوّزون هذا النوع من النسخ الذي هو عبارة عن نوع من التحريف ثمّ يتّهمون الشيعة بالتحريف مع أنّ جميع ما ينسب إلى الشيعة من الآيات المزوّرة من هذا القبيل.
ما هكذا تورد يا سعد الإبل!!

القسم الثالث: نسخ الحكم دون التلاوة

وهذا القسم هو المشهور بين العلماء والمفسّرين فالأكثر على الجواز والأقل على الامتناع، والمعروف عن اليهود هو المنع. ونقل المحقّق القميّ أنّ فرقة منهم منعوه عقلاً، وفرقة منهم منعوه سمعاً، وفرقة منهم جوّزوه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . النور:2.

صفحه 181
مطلقاً لكنّها أنكرت معجزات نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفرقة أقرّت بها واعترفت بنبوته(صلى الله عليه وآله وسلم)للعرب دون غيرهم. والمهم استدلالهم على المنع بوجوه:
الأوّل: أنّ لازم القول بالنسخ كون شيء حسناً وفي الوقت نفسه قبيحاً والأمر يقتضي كونه حسناً ورفعه يقتضي كونه قبيحاً.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ حسن الشيء وقبحه، لو كانا ذاتيين يمتنع عروض النسخ عليه، لكن الحسن والقبح ربّما يكونان بالوجوه والاعتبار، وذلك لمدخلية الزمان في حسن الشيء أو قبحه، فإذا انتهى الزمان يرتفع معه حُسنه أو قبحه. ثمّ إنّ المحقّق القمّيّ يقرّب ذلك بمثال، فيقول: شرب الأدوية وأكل الأغذية قد يكون مصلحة في وقت ومفسدة في آخر.
ثمّ إنّ السيد الخوئي بيّن وجه المانع بتعبير آخر وقال: إنّ النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ، أو جهله بوجه الحكمة، وكلا هذين اللازمين مستحيل في حقّه تعالى، وذلك لأنّ تشريع الحكم من الحكيم المطلق لابدّ وأن يكون على طبق مصلحة تقتضيه، لأنّ الحكم الجزافي ينافي حكمة جاعله، وعلى ذلك فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه إمّا أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها، وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنّه حكيم مطلق، وإمّا أن يكون من جهة البداء، وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الأحكام والقوانين العرفية، وهو يستلزم الجهل منه تعالى. وعلى ذلك فسيكون وقوع النسخ في الشريعة محالاً لأنّه

1 . القوانين المحكمة:2/94.

صفحه 182
يستلزم المحال.(1)
يلاحظ عليه: أنّ رفع الحكم السابق ليس من جهة البداء المستحيل على الله سبحانه، وليس من بقاء الحال على ما هو عليه من المصلحة والمفسدة، بل الموضوع الواحد يكون ذا مصلحة في زمان دون زمان آخر، فيكون الحكم المجعول مقيّداً بزمان خاص، معلوماً عند الله، ومجهولاً عند الناس ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان لانتهاء أمده الذي قُيّد به ثبوتاً، والنسخ بهذا المعنى أمر ممكن وواقع.
كلّ مَن أنكر أنّ للزمان تأثيراً في الحكم فقد أنكر الأمر البديهي، فالله سبحانه حرّم الاصطياد يوم السبت دون الجمعة ودون يوم الأحد، كما أنّه سبحانه أوجب الصلوات الخمس في أوقات خاصة، ولذلك اشتهر بين العلماء: أنّ النسخ دفع واقعاً ورفع ظاهراً، فالمصلحة تكمن في إلقاء الحكم على وجه الإطلاق على نحو يتصوّر المخاطب دوام الحكم ثم رفعه بدليل شرعي حاك عن انتهاء أمد الحكم الأوّل.
وبعبارة موجزة: إنّ رفع الحكم ليس من باب البداء أي ظهور ما خفي عن الله سبحانه، ولا من قبيل اجتماع المصلحة والمفسدة، بل من قبيل تبدّل الموضوع إلى موضوع آخر من حيث الزمان، وقد قيل: إنّ من شرائط المتناقضين وحدة الموضوع زماناً، فلو اختلفا فيه لا يوصفان بالتناقض.
ثمّ إنّ اليهود الذين يتبنّون امتناع النسخ يروون في توراتهم أحكاماً

1 . البيان في تفسير القرآن:279.

صفحه 183
نسخت بأحكام أُخرى، وقد احتفلت بذكر مواضع النسخ، الكتب التالية:
1. إظهار الحقّ، للشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي.
2. الهدى إلى دين المصطفى، للعلاّمة البلاغي.
3. البيان في تفسير القرآن، للسيد المحقّق الخوئي، وقد نقل ما في الكتابين فيه.(1)
الثاني: أنّ شريعة الكليم مؤبّدة مادامت السماوات والأرض، بشهادة قوله: «تمسّكوا بالسبت أبداً».
يلاحظ عليه: بما ورد من النسخ في التوراة، وقد تقدّم أنّ الاعلام الثلاثة أشاروا إلى موارد كثيرة في التوراة، أنّها صارت منسوخة. ثم يحتمل التأبيد في كلام الكليم على فرض صدوره منه محمول على طول الزمان.
الثالث: أنّ النسخ في التشريع كالبداء في التكوين مستحيل بشأنه تعالى، لأنّهما عبارة عن نشأة رأي جديد، وعثور على مصلحة كانت خافية في بدء الأمر. والحال أنّ علمه تعالى أزليّ، لا يتبدّل له رأي ولا يتجدّد له علم. فلا يعقل وقوفه تعالى على خطأ في تشريع قديم لينسخه بتشريع جديد.
يلاحظ عليه: أنّ النسخ في الأحكام العرفية يلازم البداء غالباً، أي ظهور ما خفي لهم من المصالح والمفاسد، بخلاف النسخ في الأحكام الشرعية فإنّ علمه سبحانه محيط لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا

1 . لاحظ: البيان في تفسير القرآن:281 ـ 284.

صفحه 184
في السماء، فهو سبحانه يعلم أمد الحكم وغايته، غير أنّ المصلحة تستدعي إظهار الحكم بلا غاية، ولكنّه في الواقع مغيّى. فالنسخ في الأحكام العرفية رفع للحكم، ولكنّه في الأحكام الإلهية دفع له وبيان للأمد الذي كان مغيّى منذ تشريعه، ولا مانع من إظهار الحكم غير مغيّى وهو في الواقع محدّد، بعد وجود قرينة عامّة في التشريع من عدم لزوم كون كلّ حكم مستمراً باقياً.

الكلام في وقوع النسخ

قد عرفت إمكان النسخ، إنّما الكلام في وقوعه في الشريعة الإسلامية، في نفس القرآن الكريم، والعلماء في هذا المقام على أصناف ثلاثة وهم بين:
1. مفرِط في القول بالنسخ في كثير من آيات القرآن الكريم.
2. مفرّط إلى حدّ الإنكار وأنّه ليس في الذكر الحكيم آية منسوخة.
3. مقتصد وأنّ عدداً قليلاً من آيات الذكر الحكيم نسخت بآيات أُخرى.
أمّا الأوّل: وقد تبّناه كثير من المفسّرين وغيرهم.
أمّا الشيعة فقال ابن المتوّج في رسالته المسمّاة «منهاج الهداية في تفسير الخمسمئة آية» عند الكلام في النسخ: وثالثها ما نسخ حكمه وبقي

صفحه 185
خطه وهو في 63 سورة.(1)
ويقول أيضاً في تفسير سورة البقرة: أنّ فيها 30 آية منسوخة، ثم ذكر هذه الآيات واحدة بعد الأُخرى.(2)
وأمّا السنّة فنذكر منهم ما يلي:
1. أبو جعفر محمد بن أحمد بن إسماعيل المصري المعروف بأبي جعفر النحّاس(المتوفّى 338هـ)، فقد ذكر في كتابه (الناسخ والمنسوخ) عدد الآيات المنسوخة في القرآن الكريم، ونحن جمعنا ما ذكره من سورة البقرة إلى سورة الروم فبلغ العدد 95 آية، ومن أراد التدقيق فليجمع ما ذكر حول بقية السور.
وقد طبع الكتاب بتحقيق أحمد بن الأمين الشنقيطي.
2. وهبة بن سلامة (المتوفّى عام 410هـ) وله كتاب (الناسخ والمنسوخ) طبع في هامش أسباب النزول للواحدي في مصر.
3. علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأموي بالولاء أبو محمد الأندلسي القرطبي (384ـ 456هـ) فقد ألف كتاباً باسم (الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم) ونشر بتحقيق الدكتور عبد الغفار. ثمّ إنّه صنّف السور القرآنية بالنحو التالي:

1 . الناسخ والمنسوخ للسيد عبد الجليل الحسيني القارئ(المتوفّى 976هـ) الذي شرح رسالة ابن المتوّج.
2 . الناسخ والمنسوخ للسيد عبد الجليل القارئ:36.

صفحه 186
أ. السور التي لم يدخلها ناسخ ولا منسوخ وهي 43سورة.
ب. السور التي فيها ناسخ وليس فيها منسوخ وهي 40 سورة.
ج. السور التي دخلها الناسخ والمنسوخ وعددها 25 سورة.
وكان عليه أن يذكر قسماً رابعاً خاصّاً للسور التي فيها المنسوخ وليس فيها الناسخ، ولعلّه سقط من قلمه، ولكن ذكره ابن خزيمة الفارسي وقال: وهي ست سور: سورة الفتح، والحشر، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والأعلى.(1)
ثمّ إنّه يذكر تفصيل ما أجمل، ويذكر خصوص عدد الآيات المنسوخة في كلّ سورة، ونحن نوضحه بالشكل التالي:
ذكر أنّ في سورة البقرة 26 آية منسوخة، وفي سورة آل عمران 5 آيات منسوخات، وفي سورة النساء 24 آية منسوخة، وفي سورة المائدة 9 آيات منسوخات، وفي سورة الأنعام 14 آية منسوخة، وفي الأعراف (2) آيتان منسوختان، وفي سورة الأنفال 6 آيات منسوخات، وفي سورة التوبة 7 آيات منسوخات، وفي سورة يونس 4 آيات منسوخة، وفي سورة هود 3 آيات منسوخة، وفي سورة الرعد (2) آيتان منسوختان، وفي سورة إبراهيم آية واحدة منسوخة، وفي سورة الحجر 5 آيات منسوخات وفي سورة الإسراء 3 آيات منسوخة، وفي سورة مريم5 آيات منسوخات، وفي

1 . كتاب الناسخ والمنسوخ لابن خزيمة الفارسي المطبوع في ذيل كتاب الناسخ والمنسوخ للنحّاس: ص266، ولكنّه لم يذكر موضع الآيات.

صفحه 187
سورة طه 3 آيات منسوخة، وفي سورة الأنبياء(2) آيتان منسوختان، وفي كلّ من سورتي الحجّ والمؤمنون(2) آيتان منسوختان، وفي سورة النور 7 آيات منسوخات، وفي سورة الفرقان(2) آيتان منسوختان، وفي كلّ من سورة: النحل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة (1) آية واحدة منسوخة، وفي سورة الأحزاب (2) آيتان منسوختان، وفي سورتي سبأ وفاطر آية واحدة منسوخة، وفي الصافات 4 آيات منسوخات، وفي سورة ص (2) آيتان منسوختان، وفي الزمر 7 آيات منسوخة، وفي سورة المؤمن آيتان منسوختان، وسورة فصلت فيها (1) آية واحدة منسوخة، وفي سورة الشورى 8 آيات منسوخات، وفي سورة الزخرف(2) آيتان منسوختان، وفي كلّ من سورتي الدخان والجاثية(1) آية واحدة منسوخة، وفي سورة الأحقاف(2) آيتان منسوختان، وفي سورة محمد(1) آية واحدة منسوخة، وفي كلّ من سورتي ق والذاريات (2) آيتان منسوختان، وفي سورة الطور(1) آية واحدة منسوخة، وفي سورة النجم (2) آيتان منسوختان، وفي سورة المجادلة (1) آية واحدة منسوخة، وفي سورة الممتحنة 3 آيات منسوخة، وفي سورة القلم(2) آيتان منسوختان، وفي سورة المعارج(1) آية واحدة منسوخة، وفي سورة المزمّل 6 آيات منسوخة، وفي سورة المسدّ(1) آية واحدة منسوخة، وفي سورة الإنسان (2) آيتان منسوختان، وفي كلّ من سور: عبس، والطارق، والغاشية ، والتين، والعصر، والكافرون(1) آية واحدة منسوخة، وبعد جمع هذه الأعداد ظهر أنّ مجموع الآيات المنسوخة حسب ما ذكره هو 206 آيات

صفحه 188
منسوخة.
هذه هي السور التي وردت فيها الآيات المنسوخة وعدد آياتها، وأمّا السور التي جاء فيها الناسخ فلم يذكر منها شيئاً، والسائد على تقسيمه هذا أمران:
1. أنّه جعل آية السيف، أعني قوله سبحانه: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد)(1)، ناسخة لكثير من الآيات التي وصفها بأنّها منسوخة.
2. أنّه جعل أكثر من مئتي آية من المنسوخات، أي منسوخة الحكم دون التلاوة، وهو كماترى.
أمّا الأوّل فلأنّ أكثر ما زعم أنّه منسوخ بآية السيف آيات ليس فيها أي إطلاق يدلّ على دوام الحكم حتى يتوهّم فيها النسخ.
وأمّا الثاني فلأنّ وصف هذا الرقم الكبير من آيات القرآن بكونه منسوخاً، استخفاف بالقرآن الكريم حيث وصف هذا العدد من الآيات بأنّها غير مفيدة.
إلى هنا تمّ الكلام في القول الأوّل.
ثمّ إنّ جلال الدين السيوطي عقّب على هؤلاء فحصر ما يصلح لدعوى النسخ من آيات القرآن في إحدى وعشرين آية(2)، ثم قال: والأصح

1 . التوبة:5.
2 . الإتقان:3/68، النوع السابع والأربعون.

صفحه 189
في آية الاستئذان(1) والقسمة(2)، الإحكام، فصارت تسعة عشرة آية.

تحليل واعتذار

لا يخفى أنّ عدّ هذه الآيات من المنسوخات أمر لا يساعده العقل والنقل، إذ معنى ذلك عدم تأثير قسم كبير من الآيات في حياة المسلمين، فلو قلنا بأنّ عدد آيات الأحكام لا يتجاوز عن خمسمائة آية فمعنى ذلك أنّ أكثر من الثلث منسوخة، لكن يمكن أن يوجّه كلام هؤلاء بما يلي:
الأوّل: إنّ كثيراً من الآيات التي وصفوها بالنسخ إمّا من قبيل التخصيص أو التقييد دون أن يكون هناك نسخاً لأصل الحكم نهائياً، غير أنّ هؤلاء الذين أكثروا من القول بالنسخ لم يفرّقوا بين النسخ المصطلح والتقييد والتخصيص، فعبّروا عن الأخيرين أيضاً بالنسخ.
الثاني: إنّ المكثرين بالقول بالنسخ لم يتأمّلوا حقّ التأمّل في معاني الآيات الكريمة فتوهّموا أنّ الآية المتأخرة ناسخة لحكم الآية المتقدّمة. ونذكر نموذجين ممّا جعله الشيخ ابن المتوّج من قبيل النسخ:
1. قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)، قال مقاتل بن حيان وجماعة:هذا ما فضل عن الزكاة ممّا نسخته الزكاة المفروضة .(3)
وأنت خبير بأنّه لا منافاة بين طلب الإنفاق على وجه العموم ندباً

1 . النور:58.
2 . النساء:8.
3 . الناسخ والمنسوخ: 40، تأليف السيد عبد الجليل القارئ الشارح لرسالة ابن المتوّج.

صفحه 190
وإيجاب قسم واحد منه باسم الزكاة، فالآية تدلّ على مطلوبية الإنفاق، غير أنّ الإجماع قام على وجوب قسم منه.
2. قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا).(1)
قال: فإذا مات الأبوان على الشرك فليس للولد أن يترحّم عليهما فتكون الآية منسوخة في المشرك دون غيره.(2)ترى أنّه يصف التخصيص بالنسخ.
الثالث: أنّ كثيراً من الآيات التي وصفوها بالمنسوخية إنّما نسختها ـ حسب زعمهم ـ آية السيف، وهي آية واحدة والمنسوخ كثير، غير أنّهم لم يتأمّلوا في الآيات التي وصفوها بالمنسوخية فإنّها أحكام مؤقّتة وعلى التوقيت قرائن في نفس الآية. وفي مثله فلا توصف الآية بالمنسوخية إذ لم تكن الآية مطلقة شاملة للحالات التالية، بل كانت حكماً مؤقتاً ثبوتاً وإثباتاً.
مثلاً قوله سبحانه في حقّ الكتاب:(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحقّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(3) ويدلّ على أنّه سبحانه أمر المسلمين بالعفو والصفح عن أهل الكتاب، فربّما يتصوّرون

1 . الإسراء:23.
2 . الناسخ والمنسوخ:145.
3 . البقرة:109.

صفحه 191
أنّها منسوخة بما في سورة التوبة حيث يقول سبحانه: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحقّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ)(1).
مع أنّ من شرائط النسخ أن لا يكون المنسوخ حكماً مؤقتاً، وإلاّ لا يوصف بالنسخ، والحكم في الآية الأُولى مؤقت حيث يقول: (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ). وبهذه الوجوه الثلاثة يمكن أن يوجه التعبير بالنسخ في كثير من الآيات، لكنّ الرازي في تفسيره ذكر وجهاً رابعاً وكرّره في غير مورد، ففي تفسير قوله تعالى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا)(2) قال: ومنهم من يقول: آية القتل ناسخة لهذه الآية، وهو بعيد، فكأنّ هؤلاء المفسّرين مشغوفون بتكثير النسخ من غير حاجة إليه، والحقّ ما يقرّره أصحاب أُصول الفقه من أنّ الأصل عدم النسخ، فوجب السعي في تقريره بقدر الإمكان.(3)
وقال في تفسير قوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)(4): المقصود منه أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يصبر على سوء أخلاقهم وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة ولا أفعالهم الخسيسة بأمثالها، وليس فيه دلالة على امتناعه من القتال لأنّه لا يمتنع أن يؤمر(عليه السلام) بالإعراض عن الجاهلين مع

1 . التوبة:29.
2 . الأنعام:105.
3 . تفسير الرازي:13/134.
4 . الأعراف:199.

صفحه 192
الأمر بقتال المشركين، فإنّه ليس من المتناقض أن يقال الشارع لا يقابل سفاهتهم بمثلها؟ ولكن قاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فحينئذ لا حاجة إلى التزام النسخ، إلاّ أنّ الظاهرية من المفسّرين مشغوفون بتكثير الناسخ والمنسوخ من غير ضرورة ولا حاجة.(1)
وقال في تفسير قوله سبحانه:(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)(2): قال بعضهم، أنّ قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)منسوخ بآية السيف، وهذا في غاية البُعد، لأنّ المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة إلى الله تعالى، وترك التعدي وطلب الزيادة، ولا تعلّق لهذه الأشياء بآية السيف، وأكثر المفسّرين مشغوفون بتكثير القول بالنسخ، ولا أرى فيه فائدة، والله أعلم بالصواب.(3)

القول الثاني والثالث في النسخ

إلى هنا تمّ الكلام في القول الأوّل، وأمّا القول الثاني أي المنكرون بتاتاً وأنّه ليس في القرآن الكريم آية منسوخة أساساً فهذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه; لأنّ قسماً من الآيات يلوح عليها النسخ وإن كان قليلاً، فتعيّن القول الثالث، وإليك عرض تلك الآيات:

1 . تفسير الرازي:15/97.
2 . النحل:126.
3 . تفسير الرازي:20/143.

صفحه 193

الآية الأُولى: آية النجوى

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(1).
كان قسم من المؤمنين يكثرون السؤال من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عن موضوعات لا شأن لهم بها، وبذلك يفوتون الوقت على غيرهم، فنزلت الآية وفرضت على المؤمنين إذا أرادوا مناجاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقدّموا قبل المناجاة صدقة، فلمّا نهوا عن المناجاة حتى يتصدّقوا ضنّ كثير من الناس من تقديم الصدقة، فكفّوا عن المسألة فلم يناجه إلاّ علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ثم نسخت الآية بما جاء بعدها.
وقد استفاضت الروايات من الطرفين أنّ الآية المباركة لمّا نزلت لم يعمل بها غير علي(عليه السلام) فكان له دينار فباعه بعشرة دراهم، فكان كلّما ناجى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قدّم درهماً حتى ناجاه عشر مرات.
روى الطبري باسناده عن مجاهد: قال عليّ(رضي الله عنه):«آية من كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا جئت إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تصدّقت بدرهم، فنسخت فلم يعمل بها أحد قبلي».(2)
وروى الشوكاني عن غير واحد من المحدّثين عن علي(عليه السلام) قال: «إنّ

1 . المجادلة:12.
2 . تفسير الطبري:28/15.

صفحه 194
في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى: (إِذَا تَنَاجَيْتُمْ...) كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت كلّما ناجيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قدمت بين يدي نجواي درهماً، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد، فنزلت: (أَأَشْفَقْتُمْ...).(1)
ثمّ إنّ كثيراً من الصحابة ضنوا من تقديم الصدقة فكفّوا عن المسألة حتى الأساسية، فجاء الناسخ بقوله: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ)(2) أي خفتم الفاقة وبخلتم بالصدقة قبل مناجاتكم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما أنّ هذا العمل كان غير صحيح فالله سبحانه عفا عنهم وقال: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ) أي رجع عليكم بالرحمة في عملكم هذا.
فإن قلت: إنّه سبحانه يعلم بأنّ الصحابة ـ إلاّ من ندر ـ لا يقدّمون الصدقة لغاية النجوى، فما هو سبب تشريع هذا الحكم؟
والجواب واضح: يقول السيد الخوئي: ظهرت حكمة (هذا) التشريع، وانكشفت منّة الله على عباده، وبان عدم اهتمام المسلمين بمناجاة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وعُرف مقام أمير المؤمنين(عليه السلام) من بينهم. وهذا الذي ذكرناه يقتضيه ظاهر الكتاب، وتدلّ عليه أكثر الروايات، وأمّا إذا كان الأمر بتقديم الصدقة بين يدي النجوى أمراً صورياً امتحانياً ـ كأمر إبراهيم بذبح ولده ـ فالآية الثانية لا تكون ناسخة للآية الأُولى نسخاً اصطلاحياً، بل

1 . فتح القدير:5/191.
2 . المجادلة:13.

صفحه 195
يصدق على رفع ذلك الحكم الامتحاني: النسخُ بالمعنى اللغوي.(1)

الآية الثانية: آية عدد المقاتلين

قال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ).(2)
ثم قال:(اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).(3)
تأمر الآية الأُولى النبيّ بتحريض المؤمنين على قتال الكافرين وتقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ...) وذلك لأنّ الدولة الفتية للمسلمين كانت محاطة بالأعداء من الشرق والغرب ومن داخل الجزيرة بالمشركين. فيقول: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهذه الفقرة تحتمل وجهين:
1. إنّها بصدد الإخبار عن قوّة المؤمنين وضعف المشركين على نحو يكون الواحد منهم يعادل عشرة من الكافرين، وعلى هذا فليس فيها أيّ تشريع حتى يحتمل كونه منسوخاً.

1 . البيان في تفسير القرآن:377.
2 . الأنفال:65.
3 . الأنفال:66.

صفحه 196
2. الآية بصدد التشريع وأنّ الإخبار عن تساوي واحد من المؤمنين، مع عشرة من الكافرين بصدد بيان حكم شرعي وهو أنّه يجب على الواحد من المسلمين قتال عشرة من الكافرين، وثبات الواحد أمام العشرة.
ولولا الآية الثانية أعني قوله: (اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا...) لكان الوجه الأوّل أقرب إلى الذهن وأنّ الآية بصدد بيان مفاخر المسلمين وأنّ لهم عزيمة قعساء تُسبِّب مقاومة الواحد أمام العشرة من الكافرين، لكن الآية الثانية ـ كما سيأتي ـ مفادها تأبى عن الوجه الأوّل ويتعيّن الحمل على الوجه الثاني من لزوم جهاد الواحد في مقابل العشرة والاثنين في مقابل العشرين وهكذا.
ثمّ إنّه سبحانه يعلل وجه إيجاب الأقل في مقابل الكثير بقوله: (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ): أي وجهه أنّ المشركين يقاتلون لنعم زائلة وحياة داثرة، فلو قُتلوا لم ينالوا شيئاً إلاّ الخسران، بخلاف المؤمنين فإنّهم في كلتا الحالتين مأجورون في صورتي النصر والقتل، وعلى هذا فالآية دلّت على وجوب القتال على الواحد من المؤمنين في مقابل العشرة، وعلى الاثنين في مقابل العشرين، وعلى العشرة في مقابل المئة، والعشرين في مقابل المئتين .
إلى هنا تمّ تفسير الآية الأُولى، وإليك تفسير الآية الثانية التي عُدّت ناسخة للأُولى وهي:(اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ)التكليف (عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)لا من حيث العدد ـ إذ المؤمنون لم يزالوا يزدادون عدّة وقوّة في حياة النبي إلى وقت رحيله ـ بل من حيث الثقة بالله التي تبعث قوى الإنسان على الصبر والصمود أمام العدو ـ ولذلك ـ فرض على الواحد من المؤمنين قتال

صفحه 197
الاثنين من الكافرين وهكذا كما يقول: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).
فقوله سبحانه: (اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ) يدلّ على أنّ الإخبار في الآية الأُولى لغاية إنشاء الحكم لكن بلسان الإخبار.
كما يدلّ على أنّ الوجوب السابق وجوب قتال واحد، في مقابل العشرة قد انتهى أمده، وحلّ مكانه تكليف آخر أخفّ من السابق.
فتكون الآية اللاحقة ناسخة لحكم الآية الأُولى بحجّة أنّها تتعرّض لوجه انتهاء حكم الآية الأُولى، وذلك من علامات النسخ.

بقي هنا أمران:

الأوّل: ما هو المراد من قوله سبحانه: (عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) حيث يحكي بظاهره حدوث علمه بالجزئيات. لأنّ قوله:(الآن) قيد لفعلين:1. خفف، 2. علم.
والجواب: أنّه أُريد من قوله: «وعلم» علمه الفعلي سبحانه لا العلم الذاتي، والمراد من الأوّل هو نفس وجود الشيء وتحقّقه فإنّ منزلة العالم الإمكاني بالنسبة إلى الله تعالى، منزلة الصور النفسانية بالنسبة إلى النفس فكما هي فعل النفس وفي الوقت نفسه، علمه فهكذا العالم الإمكاني فهو فعل الله سبحانه وفي الوقت نفسه علمه في مقام الفعل، وعلى هذا فمعنى الآية: تحقّق فيكم ضعفاً، ونظيره في الكتاب العزيز قوله سبحانه:

صفحه 198
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ)(1) أي حتى يتميّز ـ من الخارج ـ المجاهد عن غيره.
الثاني: ربّما يقال بأنّ الآية الثانية ليست ناسخة للأُولى، لأنّ القول بالنسخ يتوقّف على إثبات الفصل بين الآيتين نزولاً، بمعنى أنّ الآية الثانية نزلت بعد مجيء زمان العمل بالآية الأُولى لئلاّ يلزم النسخ قبل حضور وقت الحاجة، وليس هنا دليل على وجود الفصل إلاّ خبر الواحد الذي لا يثبت به النسخ.(2)
يلاحظ عليه: أنّ سياق الآية ـ على خلاف تصوّره ـ أفضل دليل يدلّ على التأخّر بشهادة قوله:(اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) فإنّ قوله:«الآن» يدلّ على تأخير تشريع الحكم الثاني وإبلاغه إلى الناس، فلو لم يكن فصل بين الآيتين لما صحّ التعبير عنه بما ذكر.
ثمّ إنّ السيد الخوئي أورد إشكالاً آخر على القول بالنسخ وقال: إنّ لازم كلام القائل بالنسخ أنّ المجاهدين في بدء أمر الإسلام كانوا أربط جأشاً وأشدّ شكيمة من المجاهدين بعد ظهور الإسلام، وقوته وكثرة أنصاره، وكيف يمكن القول بأنّ الضعف طرأ على المؤمنين بعد قوّتهم.(3)
يلاحظ عليه: بأنّ المراد من القوّة والضعف ليس كثرتهم وقلّتهم; بل كثرة الإخلاص وقلّته بأنّ السابقين إلى الإسلام في غزوة بدر وقبلها كانوا

1 . محمد:31.
2 . البيان في تفسير القرآن:354.
3 . البيان في تفسير القرآن:354ـ 355.

صفحه 199
أكثر إخلاصاً وأرسخ ايماناً وأوفر صبراً، ولكن صار اتّساع الإسلام في المعمورة سبباً لدخول كثير من المنافقين ومرضى القلوب والسماعين بين صفوف المسلمين، وهذا أمر طبيعي لكلّ حركة اجتماعية وسياسية، فكلّما قلّ عددهم يكون التماسك بينهم أشدّ والمعنويات بينهم أعلى، وعلى هذا فدبيب الضعف من حيث المعنويات إلى المجمتع الإسلامي عند كثرتهم عبر سنين ليس أمراً غريباً.
الثالث: ربّما يتصوّر أنّه يشترط في النسخ وحدة التكليف وهي فرع وحدة المكلّف به، وهذا الشرط غير موجود في المقام، لأنّ الأوّل كان متوجّهاً لجمع يتمتّعون بمعنويات عالية، بخلاف الثاني فهو متوجّه لمجتمع فيه المؤمن والمنافق وضعفاء الإيمان.
يلاحظ عليه: أنّ العامل الذي جعل الجميع مجتمعاً واحداً هو استقرار الجميع تحت خيمة التوحيد والإسلام ظاهراً، وهذا صار سبباً للوحدة موضوعاً وتكليفاً، وتوصيفاً بالقدرة والضعف، ووضع التكليف ورفعه.

الآية الثالثة: آية الإمتاع إلى الحول

قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لاَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوف وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).(1)

1 . البقرة:240.

صفحه 200
يظهر من بعض الروايات أنّ هذه الآية منسوخة بآية أُخرى وهي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(1).
فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ما ورد من النصوص حول العدّة في الجاهلية

روى الكليني بسنده عن أبي بصير ـ يعني: المرادي ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال في حديث: «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال للنساء: أُفّ لكنَّ، قد كنتن قبل أن أبعث فيكنّ ، وأنّ المرأة منكنّ إذا توفّي عنها زوجها، أخذت بعرة فرمت بها خلف ظهرها، ثم قالت: لا أمتشط، ولا أكتحل، ولا أختضب حولاً كاملاً، وإنّما أمرتكنّ بأربعة أشهر وعشراً، ثم لا تصبرن».(2)
وروى النعماني في تفسيره بسنده إلى الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ العدّة كانت في الجاهلية على المرأة سنة كاملة، وكان إذا مات الرَّجل ألقت المرأة خلف ظهرها شيئاً ـ بعرة وما جرى مجراها ـ ثمّ قالت: البعل أهون عليّ من هذه، فلا أكتحل ولا أمتشط ولا أتطيّب ولا أتزوّج سنة، فكانوا لا يخرجونها من بيتها بل يجرون عليها من تركة زوجها سنة، فأنزل الله تعالى في أوّل الإسلام:(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لاَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا

1 . البقرة:234.
2 . الوسائل:15، الباب30 من أبواب العدد، الحديث1.

صفحه 201
إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج)(1) فلمّا قوي الإسلام، أنزل الله تعالى:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(2).(3)
ثمّ إنّ الروايات في المقام متضافرة، وقد جاء في الوسائل ما يناهز تسع روايات، وإذا أُضيف إليها ما رواه السيوطي(4) تكون الرواية أقوى من التضافر وأقرب إلى التواتر.

المقام الثاني: ما هو الدليل على كون الآية واردة لبيان العدّة؟

ما هو الدليل في نفس الآية الأُولى على كونها واردة لبيان العدّة؟ لاحتمال أن يكون الإمتاع واجباً مستقلاً على الوارث وإن خرجن عن العدّة.
والذي يدلّ على أنّ الآية الأُولى ناظرة إلى العدّة هو تعريف الحول حيث قال: (وَصِيَّةً لاَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ) فإنّ اللام إشارة إلى الحول المعروف في الجاهلية، وقد عرفت أنّ الحول فيها كان ظرفاً للعدّة، فيكون مفاد الآية أنّه إذا قرب موت الزوج وظهرت علاماته عليه أن يوصي وصية لأزواجه بالإمتاع إلى الحول في الاعتداد.
ثمّ إنّه يدلّ على ما ذكرنا اتّفاق كلمة الفقهاء على عدم الإفتاء

1 . البقرة:240.
2 . البقرة:234.
3 . الوسائل:15، الباب30 من أبواب العدد، الحديث4.
4 . لاحظ: الدر المنثور:1/309.

صفحه 202
بمضمون الآية الأُولى فلو لم تكن منسوخة لأفتوا بها ولو استحباباً.
فإن قلت: كيف تكون الآية الأُولى منسوخة والآية الثانية ناسخة مع أنّ الترتيب الطبيعي يقتضي أن تكون المنسوخة متقدّمة في الذكر على الآية الناسخة، ولكنّه على العكس فقد وردت الناسخة قبل المنسوخة حيث إنّ رقم الأُولى في سورة البقرة (234) ورقم المنسوخة (240)؟ ولعلّه لأجل هذا نقل عن السيد الخوئي أنّه قال: إنّ الآية الأُولى محكمة وليست بمنسوخة وأنّه يفتي باستحباب الإمتاع المذكور حتى وإن خرجت عن عدّتها بمضي أربعة أشهر وعشراً.
أقول: هذا وجه وجيه لولا أنّ الروايات المتضافرة اتّفقت على زوال الحكم ندباً ووجوباً.
مضافاً إلى أنّ القول بأنّ ترتيب جميع الآيات في السور توقيفي وأنّ ترتيب الجميع بلا استثناء كان بأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، محل تأمّل.

الآية الرابعة: آية التوارث بالإيمان والمهاجرة

قال سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).(1)

1 . الأنفال:72.

صفحه 203
ذهب المفسّرون إلى أنّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا).(1)
توضيح ذلك يتوقّف على تبيين مفاد الآية الأُولى.
أقول: الآية الأُولى تدلّ على أُمور:
1. إنّ ولاية مسلم على مسلم رهن الإيمان والهجرة والجهاد إذا كان غير مدني، وأمّا المدني فيشترط فيه وراء الإيمان والجهاد: الإيواء والنصرة.
2. من آمن ولكن لم يهاجر فليس بينه وبين المهاجرين والأنصار أية ولاية .
3. نعم إذا استنصر هؤلاء (غير المهاجرين) فعلى المهاجرين نصرهم ومؤونتهم إلاّ على قوم يكون بينكم وبينهم ميثاق.
4. الله عليم بما تعمل كلّ فرقة وطائفة.
إذا تبيّن ذلك فاعلم أنّ القول بكون الأُولى منسوخة رهن كون المراد من الولاية هو الولاية التي يترتّب عليها الميراث، لا الولاية التي يترتّب عليها وجوب النصرة.
ويشهد على ما ذكرنا من أنّ المراد هو الولاء الموجب للوراثة أُمور:
الأوّل: ما رواه المفسّرون من أنّ المسلمين كانوا يتوارثون بالهجرة.

1 . الأحزاب:6.

صفحه 204
ذكر الطبرسي في «مجمع البيان»أنّهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة(1)، دون التقارب النسبي.
وروي عن ابن عباس: جعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون الأرحام.(2)
وقال الفاضل المقداد: كانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة لا بالقرابة.(3)
إلى غير ذلك من الكلمات.
الثاني: أنّ الولاية في الآية عبارة عن الولاية الموجبة للتوارث لا الولاية المستلزمة للنصر وعند الاستنصار، بشهادة أنّ الآية الأُولى تنفي الولاية بينهم وبين المهاجرين حيث قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء حَتَّى يُهَاجِرُوا) وفي الوقت نفسه تثبت لهم النصرة ويقول: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) وهذا دليل على أنّ الولاية ليست بمعنى النصرة، وإلاّ لم يستقم تفسير الآية.
الثالث: أنّ الآية الثانية تثبت الأولوية لأُولي الأرحام وتنفيها عن المؤمنين والمهاجرين ويقول: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) فإنّ الظرف ـ أعني: من المؤمنين والمهاجرين ـ هو المفضل عليه، وأُريد من المؤمنين: المهاجرون، فتكون الآية الثانية ناظرة إلى الآية الأُولى حيث تعكس الأمر وتثبت الولاية

1 . لاحظ: مجمع البيان:4/543.
2 . الدر المنثور:3/206.
3 . كنز العرفان:2/324.

صفحه 205
للأرحام وتنفيها عن المؤمنين والمهاجرين، فالولاية المثبتة هي الولاية الموجبة للوراثة وهي ثابتة بالأرحام دون الآخرين، فتكون الآية الثانية ناسخة للأُولى.

الآيتان الخامسة والسادسة: ما هو مورد الإمساك والإيذاء؟

قال تعالى: (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيًما)(1).
تحقيق كون الآيتين منسوختين رهن إيضاح مفادهما.
أقول: إنّ للمفسّرين حول الآيتين قولين:

الأوّل: الآيتان ناظرتان إلى بيان حكم السحق واللواط

ذهب أبو مسلم الإصفهاني إلى أنّ الآية الأُولى ناظرة لموضوع المساحقة يقول سبحانه: (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) خصّ الموضوع بالنساء بقوله:(مِنْ نِسَائِكُمْ) فيكون دليلاً على أنّ المراد من الفاحشة هو المساحقة القائمة بالأُنثيين. فلو ثبت هذا العمل الشنيع بشهادة رجال أربعة كما يقول: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) فجزاؤهن قوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ)إلاّ أن يشاء الله كما يقول: (أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)بأن يسهل الله لهن قضاء

1 . النساء:15ـ16.

صفحه 206
الشهوة عن طريق النكاح أي بأن تتزوّج ويسهل الله لها قضاء الشهوة عن هذا الطريق، فيكون «أو» بمعنى «إلاّ».
وأمّا الآية الثانية فتتحدّث عن عمل الذكرين ويقول: (وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ): أي]فاحشة [اللواط، وأمّا جزاؤهما فتذكره بأنّه: (فَآذُوهُمَا) بالقول والفعل (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيًما).
هذا هو خيرة أبي مسلم وصاحب المنار(1) ونقله الرازي من دون ترجيح.(2)
أقول: هذا التفسير ضعيف من جهات:
الأُولى: إذا كان المراد من الفاحشة في جانب النساء هو المساحقة وفي جانب الرجال هو اللواط فلماذا عبّر في الآية الأُولى عن الموضوع بالجمع وقال:(وَاللاَّتِي) وفي الثانيّة بالتثنية وقال: (وَالَّذَانِ)مع أنّ العمل الشنيع في كلا الموردين قائماً بشخصين، فما هو وجه الجمع في مورد، والتثنية في مورد آخر؟
الثانية: أنّ الفاحشة وإن كانت بمعنى الفعل الشنيع القبيح، والعملان اللذان أُشير إليهما من الفعل الشنيع القبيح، لكن اللفظ في القرآن استعمل غالباً في الزنا ونادراً في اللواط، قال سبحانه: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً)(3) وقال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ

1 . لاحظ: تفسير المنار:4/439.
2 . لاحظ: تفسير الرازي:9/231.
3 . الإسراء:32.ولاحظ أيضاً: يوسف:24، النساء:22، 25، النور:19.

صفحه 207
تُبْصِرُونَ)(1)، فتكون قرينة على أنّ المراد بها في الآية هو الزنا.
الثالثة:إذا فسّرت الأُولى بالمساحقة والثانية باللواط لزم أن يكون حكم الثاني أسهل عقوبة من الأُولى حيث جاء فيها:(فَآذُوهُمَا) وفسر الإيذاء بالتعيير باللسان والضرب بالنعال.(2) وأين هذان العملان من إمساك الزوجات في البيوت إلى أن يجعل الله لهن سبيلاً.
الرابعة: أنّ هذا التفسير يخالف ما تضافرت عليه الروايات في تفسير الآيتين، حتى أنّ الطبرسي عدّ قول أبي مسلم مخالفاً للإجماع ومخالفاً لما عليه المفسّرون.(3)

القول الثاني: الآيتان ناظرتان إلى بيان حكم زنا النساء بقسميه

إنّ الآية الأُولى تتضمّن حكم زنا المحصنات أي ذوات الأزواج، ويشهد عليه لفظ الآية حيث قال: (يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) وإطلاق النساء على الأزواج شائع في اللغة وخاصّة إذا أُضيف إلى الرجال كما في قوله: (نِسَائِكُمْ) في نفس الآية، كما أنّ الآية الثانية تتضمّن بيان حكم النساء غير ذوات الأزواج.
فجزاء الأوّل هو الإمساك في البيوت وجزاء الثاني هو الإيذاء. ويؤيّد هذا التفسير ـ مضافاً إلى ما ذكر من أنّ الفاحشة أريد بها الزنا غالباً ـ روايات

1 . النمل:54.
2 . مجمع البيان:4/46.
3 . مجمع البيان:3/20.

صفحه 208
الفريقين، فقد تضافر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)قوله:«فأنزل الله عليه» النبي ذات يوم فلمّا سرى عنه قال: «خذوا عنّي قد جعل الله لهن سبيلاً» الثيّب جلد مئة ورجم بالحجارة والبكر جلد مئة ثم نفي سنة» وقد روى السيوطي في هذا المضمون روايات كثيرة لا يمكن تركها والاكتفاء بظاهر الآية.
وقد أُريد بالثيّب المحصنة، لا مطلق الثيوبة إذا لم تكن ذات زوج. وعلى هذا فكلا الحكمين نُسخا إمّا بالسّنة كما هو الحال في الآية الأُولى، أو بالآية كما هو الحال في الآية الثانية، كما سيأتي.
وقد ورد أيضاً من طرقنا ما يؤيّد ذلك.
1. روى أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن هذه الآية: (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ)، قال هذه منسوخة (أي بحكم الرجم) إلى أن قال: قلت: (وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا) قال: يعني البكر (أي غير المحصنة) إلى آخر الرواية.(1)
2. وروى العياشي عن جابر عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله تعالى:(وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ)قال: هذه منسوخة.(2)
أقول: الظاهر أنّ الآية الأُولى منسوخة بالحديث والسيرة حيث إنّ عقوبة الزنا عن إحصان هو الرجم.
وربّما يرد النسخ بأنّ الحبس لم يكن مؤبّداً بل كان مستنداً إلى غاية

1 . تفسير العياشي:1/227، برقم 61.
2 . تفسير العياشي:1/227، برقم 60.

صفحه 209
(أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) فلا يوصف ببيان الغاية بالنسخ له كما لو قال: افعل كذا إلى رأس كذا.
وأجاب عنه الطبرسي بقوله: وقد فرّق بين الموضعين فإنّ الحكم المعلّق بمجيء رأس الشهر لا يحتاج إلى بيان صاحب الشرع، بخلاف ما في الآية.(1)
توضيحه: أنّه فرق بين المحدود والمنسوخ فإنّ الأوّل ينتهي بنفس التحديد الذي جاء فيه (رأس الشهر) من دون حاجة إلى بيان الانتهاء، بخلاف الثاني فإنّه يعمل به ما لم يأت البيان الناسخ، ولهذا صحّ وصفه بالنسخ.(2)
وبعبارة أُخرى: إنّ المحدود إنّما لا يوصف بالنسخ إذا كان متعيّناً من حيث الزمان كما في المثال (رأس الشهر) دون ما إذا لم يكن كذلك كما في الآية (أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) حيث لم يعلم وقت الجعل، فالأوّل لا يوصف بالنسخ بخلاف الثاني إذا جاء بيان الجعل.
وأمّا الآية الثانية فهي منسوخة بآية النور، أعني قوله سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
بقيت حول الآيتين أسئلة مختلفة أجبنا عنها في تفسيرنا ـ أعني: منية

1 . مجمع البيان:2/21.
2 . لاحظ: التمهيد:1/449.

صفحه 210
الطالبين في تفسير القرآن المبين ـ فلاحظ.

الآية السابعة: آية الصفح عن أهل الكتاب

قال سبحانه:(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحقّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(1)
أخبر سبحانه تعالى عن سرائر اليهود، والموضوع في الآية وإن كان أهل الكتاب ولكن وقوع الآية بين ثنايا الآيات الراجعة إلى اليهود قرينة على أنّ المراد من أهل الكتاب، هم اليهود.
وحاصل الآية: أنّ كثيراً من أهل الكتاب يودّون أن يردّوكم يا معشر المؤمنين من بعد إيمانكم، كفّاراً. لماذا؟! حسداً منهم لكم بما أعدّ الله لكم من الثواب والخير الكثير.
ومن مظاهر الإنصاف ـ في القرآن الكريم ـ قوله سبحانه: (وَدَّ كَثِيرٌ)ولم يقل كلّهم; لأنّ قسماً منهم آمنوا بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ إنّ ودّهم برجوع المؤمنين إلى الشرك السابق نابع عن حسدهم للمسلمين; لأنّه سبحانه يقول: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) وعلموا أنّ رسالة الرسول رسالة سماوية ومن آمن به يكون فائزاً عند الله سبحانه.
ثمّ إنّه سبحانه يأمر المسلمين بالعفو والصفح ويقول:(فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا): أي وتجاوزوا عنهم، فالأمر بالعفو دليل على وجود القدرة

1 . البقرة:109.

صفحه 211
للانتصاف مع أنّه سبحانه يأمرهم بالصفح مغيّاً بقوله:(حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ): أي أمره سبحانه بعقابهم وعتابهم. هذا هو مفهوم الآية .
وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الآية منسوخة بقوله سبحانه:(قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحقّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ).(1)
فإنّ الآية الأُولى أمرت بالعفو والصفح ولكن آيتنا هذه تأمر بقتال أهل الكتاب الذين لهم الأوصاف التالية:
1. (لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ): أي لا يعترفون بتوحيد الله.
2. (وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ): أي لا يقرّون بالبعث والنشور، وهذه الظاهرة إلى اليهود ألصق.
3. (وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ) حيث إنّه سبحانه حرّم كتمان الحقّ وهم يكتمون بشائر النبي في كتبهم .
4. (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ): أُريد بدين الحقّ ما ورد في التوراة.
ثم بيّن سبحانه مصداق هذه الأوصاف بقوله: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) كاليهود والنصارى والقتال معهم قائم على قدم وساق (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد): أي يعطوا الجزية عن يد لكم وقدرة لكم عليهم (وَهُمْ صَاغِرُونَ): أي مقهورون. وأنت إذا قارنت بين الآيتين تجد أنّ الثانية

1 . التوبة:29.

صفحه 212
رافعة لحكم الآية الأُولى.
ثمّ إنّ السيد الخوئي التزم بعدم النسخ قائلاً: بأنّ النسخ إنّما يكون في الحكم الذي لم يصرّح فيه لا بالتوقيت ولا بالتأبيد. فإنّ الحكم إذا كان مؤقتاً ـ وإن كان توقيته على سبيل الإجمال ـ كان الدليل الموضح لوقته، والمبيّن لانتهائه، من القرائن الموضحة للمراد عرفاً، وليس هذا من النسخ في شيء، فإنّ النسخ هو رفع الحكم الثابت الظاهر بمقتضى الإطلاق في الدوام وعدم الاختصاص بزمان مخصوص.(1)
يلاحظ عليه: بما مرّ من أنّ المحدود على قسمين:
1. ما إذا كان متعيّناً من حيث الزمان كما إذا قال: «افعل كذا إلى آخر الشهر» فهذا لا يوصف بالنسخ لأنّه لا يعمل به، سواء جاء البيان الناقض أو لا.
2. ما لا يكون متعيّناً من حيث الزمان كما في المقام(حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) ، إذ حينئذ يعمل بأمره ما لم يأت البيان الآخر; وبذلك تصير الآية أشبه بغير التوقيت، فلأجل هذه المناسبة يكون البيان الثاني ناسخاً والآية من هذا القبيل، وقد مرّ نظيره في قوله سبحانه: (أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً).
***
هذه الآيات السبع يمكن القول بوجود النسخ فيها; بل يصحّ استظهار النسخ منها، وأمّا الموارد الأُخرى التي يدّعي عدد من المفسّرين وجود

1 . البيان في تفسير القرآن:288.

صفحه 213
النسخ فيها، فأمر غير ثابت، خصوصاً الآيات النازلة في الجهاد بعد قوله سبحانه: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِينِ)(1)، فإنّ الناظر في مجموع الآيات الدالّة على المرونة والصفح، يقف على أنّها كانت مختصّة بحال الضعف، وأكثرها أو جميعها مكّيّة، ومثل هذا لا يوصف بالمنسوخية، لأنّ الأحوال السائدة على المسلمين في الفترة المكّيّة تشكل قرينة على أنّ تلك الآيات ناظرة إلى حال ضعف المسلمين وقلّة قدراتهم.
قال سبحانه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(2)، ترى أنّ الموضوع هو التمكّن من الأمر بالمعروف الذي منه الجهاد، والنهي عن المنكر... وقد استوفينا الكلام في ذلك في موسوعتنا «مفاهيم القرآن».(3)

الآيات التي أُدعي فيها النسخ

قد عرفت الآيات التي تصلح لدعوى وقوع النسخ فيها، بقيت هنا آيات أُدّعي فيها النسخ وليس بصحيح قطعاً، وهي:
الآية الأُولى: قوله سبحانه:(وَ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(4).
قيل: إنّ الآية منسوخة بقوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ

1 . الكافرون:6.
2 . الحج:41.
3 . لاحظ: مفاهيم القرآن:7/471ـ 518.
4 . البقرة:115.

صفحه 214
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ للحقّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).(1)
وقد ذكروا في وجه النسخ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وجميع المسلمين كانوا مخيّرين في الصلاة إلى أي جهة شاءوا، وإن كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد اختار من الجهات جهةَ بيت المقدس، فنُسخ ذلك بالأمر بالتوجّه إلى خصوص بيت الله الحرام.
والجواب: إنّ القول بالنسخ فرع أن يكون الموضوع في الآيتين واحداً، مع أنّه ليس كذلك. أمّا الآية الأُولى فقد نزلت ردّاً على قول اليهود:(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)(2)، فجاء ما يمكن أن يكون جواباً عن اعتراضهم في موردين:
1. قوله سبحانه:(قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).
2. قوله تعالى:(وَ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ).
وحاصل الآيتين: أنّه سبحانه لا يحيط به مكان فأينما توجّه إليه الإنسان في صلاته ودعائه وجميع عباداته، فقد توّجه إلى الله تعالى، فلا فرق بين جهة وجهة، إذا كان المقصود صرف التوجّه إلى الله. والابتهال إليه، ومع ذلك فلا ينافي أن يكون التوجّه إلى نقطة معيّنة واجباً في الصلوات الواجبة من غير فرق بين بيت المقدس والكعبة، إلاّ أنّ المصلحة كانت

1 . البقرة:149.
2 . البقرة:142.

صفحه 215
تكمن في الصلاة إلى القدس في فترة، ثمّ تغيرت وتبدّلت إلى الصلاة نحو الكعبة ثانياً.
وحاصل الجواب: أنّ هنا حكماً طبيعياً أوّلياً وهو: أنّ العالم كلّه قبلة للداعي من المشرق إلى المغرب، وحكماً ثانوياً حسب المصالح الاجتماعية فيتعيّن التوجّه إلى نقطة خاصّة.
***
الآية الثانية: قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ).(1)
الآية تفيد أنّ الوصية للوالدين والأقربين فرض مكتوب، فالجمهور على أنّها منسوخة وناسخها آية المواريث.
والجواب: أنّ الآيات الواردة في تفصيل المواريث قد دلّت على أنّ الميراث مترتّب على عدم الوصية، وعدم الدين قال سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن)(2) ومع ذلك فكيف يعقل كونها ناسخة لحكم الوصية، مع أنّه لا ميراث قبل إخراج ما أوصى به؟
وأسوأ من هذا، القول بأنّ الآية منسوخة بالسنّة، وهو ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا وصية للوارث»، فإنّه خبر واحد لا يقاوم الآية.
والعجب أنّ الزرقاني استقوى الوجه الأوّل وقال: ورأيي أنّ الحقّ مع

1 . البقرة:180.
2 .النساء:11.

صفحه 216
الجمهور في أنّ الآية منسوخة، وأنّ ناسخها هو آيات المواريث.(1)
***
الآية الثالثة: قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(2).
وهي تفيد تخيير مَن يطيق الصوم، بين الصوم والإفطار مع الفدية، فقيل إنّها نسخت بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)(3) المفيد لوجوب الصوم دون تخيير على كلّ صحيح مقيم من المسلمين.
والجواب: أنّه يشترط في القول بالنسخ وحدة الموضوع في الآيتين، والموضوع في قوله سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) الإنسان المصحّ الذي يتمكّن من الصوم بلا جهد ولا مشقّة. والموضوع في قوله:(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) مَن يستطيع الصوم لكن بجهد ومشقّة وحرج; فعلى الأوّل يتعيّن الصوم، وعلى الثاني الإفطار مع إخراج الفدية، وليس هناك حكم تخييري حتى يُنسخ.
ثمّ إنّ القائل تصوّر أنّ قوله سبحانه: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) راجع إلى الفقرة الأخيرة، أعني: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) بل هو ناظر إلى مجموع من ورد ذكرهم في الآية. فلو كان ناظراً إلى الفقرة الأخيرة فلماذا عدل عن الغيبة (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) إلى الخطاب (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ).

1 . لاحظ: مناهل العرفان في علوم القرآن:2/276.
2 . البقرة:184.
3 . البقرة:185.

صفحه 217
وعلى ما ذكرنا فالذيل بلاغ عام لجميع المكلّفين وهو أنّ الحاضر يصوم، وأمّا المسافر والمريض يفطر ويصوم في أيام أُخر، وأمّا المطيق فهو يفدي بلا وجوب صوم عليه، فكأنّه سبحانه قال: أيّها المؤمنون إن تصوموا على النحو المذكور في الآية، خير لكم.
***
الآية الرابعة: قوله سبحانه خطاباً للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم):(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).(1)
قيل: إنّ الآية منسوخة بقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ).(2)
والجواب: أنّ الآية الأُولى محكمة والآية الثانية بيان لكيفية الحكم إذا شاء.
وبعبارة أُخرى: أنّ الله سبحانه خيّر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بين الحكم والإعراض، ثم قال: ولو اخترت الحكم فليكن حكمك حسب ما أنزل الله إليك في القرآن.
***
الآية الخامسة: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ

1 . المائدة:42.
2 . المائدة:49.

صفحه 218
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ)(1).
حيث قبلت شهادة غير المسلم... فادّعي أنّها منسوخة بما في سورة الطلاق:(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ)(2).
والجواب: أنّ ادّعاء النسخ في المورد واه جدّاً، إذ غاية ما في الباب أنّ الآية الثانية مخصَّصَة بالآية الأُولى، لأنّ الأُولى خاصّة فيما لو نزل الموت بأحد المسافرين وأراد الوصية ولكن الظروف لا تساعد للوصية بعدلين، فالشرع وسّع الأمر على المسافرين واكتفى بغير العدلين، والآية مختصّة بهذا المورد وغير منسوخة. غاية ما يمكن أن يقال: إنّ الآية الأُولى مخصّصة للثانية.
***
الآية السادسة: قوله تعالى: (لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء رَقِيباً)(3) فقد حرّمت على الرسول النساء ما عدا أزواجه.
ثمّ إنّ هذه الآية نسخت بآية أُخرى، فأحلّ له ما حرّمه من قبل وقال: ( يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الْلاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ

1 . المائدة:106.
2 . الطلاق:2.
3 . الأحزاب:52.

صفحه 219
اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)(1).
غير أنّ القول بالنسخ فيه أمر عجيب، فإنّ الناسخ جاء متقدّماً والمنسوخ متأخّراً، حيث إنّ الناسخ ورد في الآية رقم 50، والمنسوخ جاء في الآية رقم 52، وهذا وإن لم يكن مانعاً قطعياً ولكن لا ضرورة للقول بالنسخ والحال هذه. إذ يمكن أن يقال: إنّ المرأة التي وهبت نفسها للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) داخلة في قوله:(لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) إشارة إلى استثناء ما تقدّم من الحكم، ومنه المرأة الواهبة نفسها للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
فهذه الآيات الست غير صالحة للقول بوقوع النسخ فيها، وقس عليها أكثر ما قيل بالنسخ في غيرها، فالقول بالنسخ فيها قول واه، ودراسة جميع ما وصف بالنسخ خارج عن نطاق أبحاثنا هذه.

1 . الأحزاب:50.

صفحه 220

المبحث التاسع

حقيقة الإعجاز ومقوّماته وإعجاز القرآن

إذا كان الإعجاز أحد الطرق لمعرفة النبي عن المتنبي وتمييز الصادق عن الكاذب، فلابدّ أن تُعرف ما هي حقيقته وما هي مقوّماته؟
إنّ التعرّف على ذينك الأمرين فرع تعريفه، فقد عُرّف بالنحو التالي:
المعجز: أمر خارق للعادة، مقرون بالدعوى، مقترن بالتحدّي، مع عدم المعارضة، ومطابقته للدعوى.
إنّ التعريف المذكور ينطوي على أُمور:
1. دعوى النبوّة.                      2. الإتيان بأمر خارق للعادة.
3. التحدّي على الإتيان بمثله.         4. العجز عن مقابلته.
5. مطابقة المعجز للدعوى.
وهذه القيود التي ذكرناها للمعجز تنطبق على ما جاء به نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك بيانها إجمالاً:

صفحه 221

1. دعوى النبوة

لا شكّ أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ادّعى النبوّة، بضرورة التاريخ، ونصّ كتابه: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).(1)

2. خرق العادة

قد ضبط التاريخ أنّه كانت لنبيّ الإسلام معاجز كثيرة في مواقف حاسمة، غير أنّه كان يركّز على معجزته الخالدة وهي القرآن الكريم. ونحن نركّز على دراسة معجزته المهمة من هذا الوجه.

3. التحدّي

ولا شكّ أنّه تحدى ـ بما ادّعى أنّه أمر معجز ـ الإنس والجنّ، وقال بنصّ كتابه: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(2).

4. العجز عن مقابلته

إنّ من ألَمّ بتاريخ تحدّي النبي الأكرم ـ من زمن نزول القرآن إلى عصرنا هذا ـ يقف على أنّه لم يتمكّن فرد، ولا هيئة علمية من الإتيان بمثل معجزته، وستعرف تفصيل ذلك.

1 . الأعراف:158.
2 . البقرة:23، وفي آيات أُخرى أيضاً.

صفحه 222

5. مطابقة المعجز للدعوى

إنّ هذا القيد، يرجع إلى سائر معاجزه التي له فيها مورد، كما في إناطة قريش إيمانها بنبوته، بشقّه القمر، وتسبيح الحصى، وغير ذلك، فقام بما اقترحوا، نعم دراسة هذا القيد خارج عن محطّ بحثنا.
إذا وقفت على تعريف الإعجاز وانطباقه على ما أتى به، إجمالاً، فنقول: إنّ الباحثين عن المعجزة الخالدة(القرآن الكريم) ذكروا أنّه معجز من جهات مختلفة:
الأُولى: أناقة اللفظ، وسموّ المعاني، وبداعة الأُسلوب والمنهج التي أعجزت الفصحاء والبلغاء عن المعارضة. وهذا ما سنشرحه في المستقبل.
الثانية: إعجازه من ناحية إتقان التشريع والتقنين.
الثالثة: إعجازه من جهة الإخبار عن الغيب.
الرابعة: إعجازه لإخباره عن القوانين الكونية التي اكتشفها العلم القاطع.
الخامسة: إعجازه من ناحية الأمر بفضائل الأخلاق وكرائمها، التي لا تجد مثيلاً لها في سائر المناهج.
إلى غير ذلك من الجهات التي تدلّ على أنّ الكتاب الكريم كتاب سماوي، لا صلة له بصنع البشر.
نظرنا في الموضوع
إنّ الباحثين خلطوا بين المعجزة المطلقة، وبين المعجزة التي تحدّى

صفحه 223
بها النبي، فالأولى تشمل ما ذكر من وجوه الإعجاز واحداً بعد الآخر، لأنّ الجميع خارق للعادة، وليس من صنع البشر.
وأمّا الثانية فهو عبارة عن المعجزة التي تحدّى بها، ودعا القوم إلى معارضته، فلو أُريد هذا فإعجاز القرآن منحصر في الوجه الأوّل الذي نعبّر عنه بالإعجاز البياني، وأمّا سائر ما ذكر فمع الاعتراف بوجه الإعجاز فيها، لكنّها ليست معجزة يتحدّى بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا تاريخ القرآن وتاريخ إعجازه ومعارضة المشركين له، كلّها تشهد على أنّ محور المعارضة عند الدعوى كان هو الوجه الأوّل، وأمّا سائر الوجوه فالجميع مزايا ومعاجز كشف عنها الباحثون وتدلّ على أنّ دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دعوة سماوية لا بشرية. وقد احتفل كلّ مَن ألّف في علوم القرآن بهذه المباحث وجميعها مباحث شيّقة لكن لا صلة لها بالإعجاز الذي تحدّى به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك نحن نخصّ الدراسة بما تحدّى به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فنقول:

دعائم الإعجاز البياني للقرآن

الإعجاز البياني للقرآن يقوم على دعائم أربع، وهي:
1. الفصاحة، ويراد منها جمال اللفظ وأناقة الظاهر.
2. البلاغة، ويراد منها جمال العرض وسموّ المعنى.
3. النّظم، ويراد منه رصانة البيان واستحكام التأليف.
4. الأُسلوب، ويراد منه بداعة المنهج وغرابة السبك.
وإليك دراسة كلّ منها على وجه الإيجاز:

صفحه 224

الأُولى: الفصاحة جمال اللفظ وأناقة الظاهر

بسط علماء المعاني والبيان الكلام في تعريف الفصاحة، لكن المهم عندنا كون الكلمة عذبة مألوفة الاستعمال، جامعة لنعوت الجودة وصفات الجمال، كما أنّ المهم في فصاحة الكلام تلاؤم الكلمات في الجمل، فإنّ التلاؤم يوجب حسن الكلام في السمع وسهولة في اللفظ، وتقبل النفس معناه بوجه مقبول. وهذا الشرط ـ أعمّ في الكلمة أو الكلام ـ موجود في عامّة آيات القرآن. وقد أشار النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى هذا الوصف في كتاب الله العزيز بقوله:«ظاهره أنيق وباطنه عميق»(1).
ونحن نعرض للقارئ الكريم آية واحدة ليتأمّل في مدى جمالها وأناقة ظاهرها، قال تعالى: ( قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(2)

الدعامّة الثانية: البلاغة وهي جمال العرض وسموّ المعنى

قد بسط غير واحد من علماء المعاني والبيان في تعريف البلاغة، وقالوا: هي عبارة عن كون الكلام مطابقاً لمقتضى الحال. ولكنّه عندي تعريف ناقص يجب أن يُضم إليه كون المعنى سامياً ورفيعاً، وقابلاً للذكر والإفادة، وإلاّ فالمعاني المبتذلة، وإن أُلبست بأجمل الحلي، لا توصف

1 . الكافي:2/238.
2 . آل عمران:26.

صفحه 225
بالبلاغة، ونحن نختار سورة قصيرة تكشف عمّا ذكرنا من ملاك البلاغة، قال سبحانه: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ).(1)
قال الزمخشري ـ في رسالته حول إعجاز سورة الكوثر ـ : أُنظر، كيف نُظمت النظم الأنيق، ورتّبت الترتيب الرشيق، حيث قدّم منها ما يدفع الدعوى ويرفعها، وما يقطع الشبهة ويقلعها(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، ثمّ لِما يَجبُ أن يكون عنه مسبَّباً وعليه مترتباً (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، ثمّ ما هو تتمة العرض من وقوع العدو في مغوّاته(2) التي حفر، وصليه بحر ناره التي سعر (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ).(3)

الدعامّة الثالثة: النظم، وهو رصانة البيان واستحكام التأليف

قالوا: النظم هو لجام الألفاظ وزمام المعاني، وبه تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضها ببعض، إلى غير ذلك من التعاريف، ولكن الموجود هنا تماسك الكلمات والجمل ووضع كلّ كلمة مكانها. وقد أعطى الشيخ عبد القاهر الجرجاني للنظم القسط الأوفر من إعجاز القرآن، بل جعله السبب الوحيد فيه، وقال ـ بعد ردّ كلّ ما يمكن أن يكون وجهاً للإعجاز ـ : فلم يبق

1 . الكوثر:1ـ3.
2 . وهي حفرة كالزبية، تحفر للذئب، ويجعل فيها جدي إذا نظر إليه سقط عليه يريده، ومنه قيل لكلّ مهلكة مغوّاة.لاحظ: النهاية:3/398، مادة «غوي».
3 . لاحظ: رسالة في إعجاز سورة الكوثر للزمخشري المطبوعة في مجلة تراثنا:ج13/233، نشر مؤسسة آل البيت
(عليهم السلام)، قم ـ 1408هـ .

صفحه 226
إلاّ النظم، وليس هو شيئاً غير توخّي معاني النحو، وأحكامه. وإنّا إن بقينا الدهر نُجهد أفكارنا حتى نعلم للكلمة المفردة سلكاً ينظمها، وجامعاً يجمع شملها، ويؤلّفها، ويجعل بعضها بسبب من بعض، غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيها، طلبنا ما كُلُّ محال دونه.(1)
أقول: إنّ الكلام يقوم على أُمور ثلاثة:
1. لفظ حامل.
2. معنى قائم باللفظ.
3. ورباط بينهما.
وها نحن نذكر لك نموذجاً واحداً من ذلك.
يقول سبحانه: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان)(2) هذه الجمل الخمس لم تتوسط فيها حروف العطف حتى تعطف بعضها على بعض، وتجعل من الجميع كياناً واحداً، ومع ذلك نرى فيها من التلاحم والتناسق ما يجعلها تبدو كأنّها جملة واحدة بل كلمة واحدة.

الدعامّة الرابعة: الأسلوب، وهو بداعة المنهج وغرابة السبك

الأساليب السائدة في كلام العرب في عصر نزول القرآن، كانت تتردّد بين أُسلوب المحاورة، وأُسلوب الخطابة، وأُسلوب الشعر، وأُسلوب

1 . دلائل الإعجاز:300، الرسالة الشافية لعبد القاهر الجرجاني:184.
2 . الرحمن:1ـ5.

صفحه 227
السجع المتكلّف الموجود في كلام العرّافين والكُهّان.
أمّا الأوّل أي الأُسلوب المحاوري فهو الأُسلوب المتداول في المكالمات اليومية لرفع الحوائج، وهذا الأُسلوب دارج في كلّ لغة، ولذلك لم يكن كلام العرب عند البيع والشراء، مثل كلامهم في مقام الخطابة.
وأمّا الثاني أي الأُسلوب الخطابي فهو الأُسلوب الرائج بين خطباء العرب وبلغائهم، ويكفينا مؤونة بيانه التأمّل في النموذج التالي لأشهر خطباء العرب.
وقف قيس بن ساعدة في سوق عكاظ وخطب، قائلاً: أيّها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ما هو آت، آت. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مُرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مُجراة، إنّ في السماء لخبراً، وإنّ في الأرض لعبراً، ما بال الناس يذهبون و لا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم تُركوا فناموا.(1)
وترى هذا الأُسلوب في خطب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام علي(عليه السلام) في مواقف مختلفة.
وأمّا الثالث فهو الأُسلوب الشعري المعروف المبني على البحور المعروفة في علم العروض.
وأمّا الرابع فهو أُسلوب السجع المتكلّف فقد كان سائداً على كلمات

1 . صبح الأعشى:1/212; إعجاز القرآن:124; البيان والتبيين:1/168.

صفحه 228
الكهنة كما تراه في قول ربيع الذئبي الشهير بسطيح لابن أُخته عبد المسيح حول علامات ظهور النبي العربي: يسيح عبد المسيح، على جمل مشيح، أقبل الى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا المؤبذان، رأى إبلاً صعاباً، تقود خيلاً عراباً، حتى اقتحمت الواد، وانتشرت في البلاد.(1)
ولكنّ القرآن الكريم خالف بأُسلوبه العجيب جميع الأساليب الدارجة بينهم، ولأجل ذلك لم تتعامل معه العرب معاملة الشعر، أو النثر.
كان العرب يعرفون الأساليب الأربعة السالفة ولكنّهم لم يعرفوا الأُسلوب القرآني الذي يأخذ فيه الكلام صورة خاصّة تأتي فيها الآيات وتختم كلّ واحدة منها بفاصلة ذات نظم ورنين.
إنّ الأُسلوب القرآني الذي تفرّد به كان أبين وجه من وجوه الإعجاز في نظر الباحثين عن إعجازه، ولذلك اعترف الوليد بن المغيرة بأنّ أُسلوب القرآن أُسلوب غير معروف عند العرب، وذلك لمّا قرأ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) آيات من أوّل سورة غافر أعني قوله:(حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحقّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ

1 . الأمالي لأبي علي القالي:1/276.

صفحه 229
رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ).(1) فلمّا سمع تلك الآيات قام حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمُغدق، وإنّه ليعلو وما يُعلى عليه.(2)

أُسلوب القرآن يختلف مع أُسلوب كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والوصي(عليه السلام)

ممّا يدلّ على أنّ القرآن الكريم ليس كلام النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، هو وجود البون الشاسع بين أُسلوب القرآن وأُسلوب الحديث النبوي. فمَن قارن آية من القرآن الكريم مع الأحاديث القطعية الصادرة منه(صلى الله عليه وآله وسلم)، أحسّ مدى التفاوت البعيد بين الأُسلوبين، وآمن بأنّ أُسلوب التنزيل يغاير أُسلوب الحديث. وهذا يدلّ على أنّ القرآن ينزل من عالم آخر على ضمير النبي، بينما الحديث يتكلّم به النبي من إنشاء نفسه.
يقول الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في وصف الغفلة عن الآخرة: «وكأنّ الموت فيها على غيرنا كُتب، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وَجَب، وكأنّ الّذي نُشَيّع من الأموات سِفَر، عمّا قليل إلينا يرجعون».(3)
وأنت إذا قارنته بما ورد في الذكر الحكيم في هذا المضمارترى التفاوت بينهما بيّناً.

1 . غافر:1ـ6.
2. مجمع البيان:5/387.
3 . مجمع الزوائد:1/228.

صفحه 230
يقول سبحانه: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(1).
فهما قد اتّفقا على وصف معنى واحد، وهو الموت والعود إلى الآخرة، وتصرّم الدنيا وانقضاء أحوالها، وطيّها، والورود إلى الآخرة، ولكن القرآن متميّز في تحصيل هذا المعنى وتأديته بأُسلوب خاص، تمييزاً لا يدرك بقياس، ولا يعتوره التباس.
وهكذا، لاحظ قول الإمام علي(عليه السلام):«أَمْ هذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْحَامِ، وَشُغُفِ الاَْسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً (دفاقاً ـ ذهاقاً)، وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَيَافِعاً».(2)
ثم قارنه مع قوله تعالى: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ)(3).
فإنّك ترى الأُسلوبين يتغايران جوهراً، ولا يجتمعان في شيء.

1 . العنكبوت:64.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 83.
3 . الحج:5.

صفحه 231

آيتان على منضدة التشريح

بعد أن وقفت على الدعائم الأربع التي يتحقّق معها إعجاز القرآن، فهلمَّ إلى تحليل آيتين من آياته، نستجلي فيهما حقيقة الإعجاز، ونقف على المزايا الفريدة الموجودة فيهما ـ مضافاً إلى اشتمالهما على الدعائم الأربع ـ فسترى أنّ كلّ واحدة منهما كافية في إثبات أنّها أعلى من أن تكون مصنوعة للبشر، وإن بلغوا في الفصاحة والبلاغة كلّ مبلغ.

1. آية (يَا أَرْضُ ابْلَعِي)

قال ـ عزّ من قائل ـ :(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).(1)
هذه الآية الكريمة من بدائع آيات القرآن الكريم، وهي التي حين نزلت، أنزلت قريش معلّقاتها السبع من على جدران الكعبة، وهي التي شغلت بال باقعة الأُدباء، عبد الله بن المقفع، كما شغلت بال أساتذة البديع، لأنّها اشتملت على عشرات الأنواع من المحسنات البديعية، بينما هي لا تتجاوز سبعة عشر لفظاً. وإليك الإشارة إلى بعضها:
1. المناسبة التامة بين «إبْلَعي وأَقْلِعي».
2. الإستعارة فيهما.
3. الطِّباق بين الأرض والسماء.

1 . هود:44.

صفحه 232
4. المجاز في قوله:«يا سماء». فإنّ الحقيقة: يا مطرَ السَّماء.
5. الإشارة في (وَغِيضَ الْمَاءُ)، فإنّه عبّر به عن معان كثيرة، لأنّ الماء لا يغيض حتى يُقْلِع مَطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج منها من عيون الماء.
6. الإرداف في قوله: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ)فإنّه عبّر عن استقرار المكان بلفظ قريب من لفظه الحقيقي.
7. التمثيل في قوله: (وَقُضِيَ الأَمْرُ)، فإنّه عبّر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بلفظ بعيد عن المعنى الموضوع.
8. التعليل، فإنّ(غِيضَ الْمَاءُ)، علّة الإستواء.
9. صحّة التقسيم، فإنّه استوعب أقسام الماء حالة نقصه، إذ ليس إلاّ احتباس ماء السماء، والماء النابع من الأرض، وغَيْض الماء الذي على ظهرها.
10. الإحتراس في قوله: (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، إذ الدعاء بأنّهم مستحقّو الهلاك احتراساً من ضعيف يتوهّم أنّ الهلاك لعمومه، ربّما يكون غير مستحقّه.
11. المساواة، لأنّ لفظ الآية لا يزيد على معناها.
12. حسن النسق، فإنّه تعالى قصّ القِصّة وعطف بعضها على بعض بحسن الترتيب.
13. ائتلاف اللفظ مع المعنى، لأنّ كلّ لفظة لا يصلح معها غيرها.

صفحه 233
14. الإيجاز، فإنّه تعالى أمر فيها ونهى، وأخبر ونادى، ونعت وسمّى، وأهلك وأبقى، وأسعد وأشقى، وقصّ من الأنباء ما لو شرح لجفّت الأقلام.
15. التفهيم، لأنّ أوّل الآية يدلّ على آخرها.
16. التهذيب، لأنّ مفرداتها موصوفة بصفات الحُسن، إذ كلّ لفظ عليها رونق الفصاحة، سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة وتعقيد التركيب.
17. حسن البيان، لأنّ السامع لا يتوقّف في فهم معنى الكلام ولا يشكل عليه شيء منه.
18. الإعتراض، وهو قوله: (وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ).
19. الكناية، فإنّه لم يُصرّح بمن أغاض الماء، ولا بمن قُضي الأمر، ولا بمن سوى السفينة وأقرّها في مكانها، ولا بمن قال: (وَقِيلَ بُعْدًا). كما لم يصرّح بقائل :(يَا أَرْضُ ابْلَعِي)، و (يَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) في صدر الآية، سالكاً في كلّ واحد من ذلك سبيل الكناية، لأنّ تلك الأُمور العظام لا تتأتى إلاّ من ذي قدرة قهّارة لا يغالب. فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره سبحانه قائل: (يَا أَرْضُ ابْلَعِي)، (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي)، ولا أن يكون غائض ما غاض، ولا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل، غيره.
20. التعرّض، فإنّه تعالى عرّض بكلّ من سلك مسلكهم في تكذيب الرُّسل ظلماً، وأنّ الطوفان وتلك الأُمور الهائلة ما كانت إلاّ لأجل ظلمهم.

صفحه 234
21. التمكين، لأنّ الفاصلة مستقرّة في محلّها، مطمئنة في مكانها غير قلقة ولا مستدعاة.
22. الإنسجام، لأنّ الآية بجملتها منسجمة، كالماء الجاري في السلاسة.
23. اشتمالها على بعض البحور الشعرية، إذ قوله: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)، على وزن «مستفعلن مستفعلن فاعل»، وقوله: (يَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) على وزن «مفاعلن مفاعل».
24. تنزيل مَن لا يعقل منزلة مَن يعقل في النداء والمخاطبة.
25. الإبهام في قوله: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) وهو اسم الجبل الصغير، والزق المنفوخ الذي تستقرّ عليه السُّفن المائية.
26. المحافظة على فواصل الآيات فإنّ الرويّ في قوله: (بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) مطابق للآيات المتقدّمة والمتأخّرة.
27. التكرار، كما في «الماء»، معرّفاً باللام تارة وبالإضافة أُخرى.
28. تخيّل مالكية الأرض، بحيث لها سلطة في إرجاع الماء.
إلى غير ذلك من المحاسن البديعية التي يدركها الممعن في الآية.
فهذه بعض المميزات الواردة في الآية الكريمة، وليس كلّ واحد منها ولا جميعها أمراً معجزاً، ولكن المجموع أعطى للآية نظماً خاصاً، وأُسلوباً بديعاً، يعرف الذوق العربي أنّه يغاير سائر الأساليب والنظم الكلامية. وهذا الجمال الطبيعي، يخلق في النفس جذبة روحية خاصّة، كأنّها كهرباء

صفحه 235
القلوب ومغناطيس الأرواح، ولأجل ذلك يقول الكرماني في كتاب «العجائب»: أجمع المعاندون على أنّ طَوْقَ البشر قاصرٌ عن الإتيان بمثل هذه الآية، بعد أن فتّشوا جميع كلام العرب والعجم، ولم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها، وحسن نظمها، في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال.(1)
ويقول العلاّمة الشهرستاني بأنّه أفرد بلاغة هذه الآية بالتأليف.(2)

2. آية (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى)

قال تبارك وتعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَني إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).(3)
وهذه الآية الكريمة من بدائع آيات القرآن، وهي على وجازتها، قد جمعت فعلين من الماضي(أوحينا، وخِفْتِ)، وفعلين من الأمر (أرضعيه، وألقيه)، وفعلين من النهي (لا تخافي، ولا تحزني)، ووزنين من اسم الفاعل (رادّوه، وجاعلوه)، ووزنين من اسم المفعول(موسى، ومرسل)، واسمين خاصّين (موسى، وأُمّه).
ثمّ قد تكرّرت فيها «فاء الجواب» مرّتين (فإذا، وفألقيه)، وحرف «إلى» مرّتين(إلى أُمّ موسى، وإليك). ثم قد كرّر الخوف مرّتين، وعبّر عن أُمّ

1 . العجائب، نقلاً عن المعجزة الخالدة للسيد هبة الدين الشهرستاني، ص 60.
2 . المصدر السابق.
3 . القصص:7.

صفحه 236
موسى باسم مزدوج بدل أن يُسمّيها باسمها.
وفيها نبأ غيبي وهو الإخبار بردّ موسى إلى أُمّه، وفيها وعدان: الردّ، والنبوّة.
فاجتماع هذه الأُمور في الآية يوجد في الإنسان عند سماعها، لذّة وانجذاباً واستغراقاً، وتطرأ عليه الحالة التي طرأت على عتبة بن ربيعة عندما سمع من رسول الله آيات من سورة فصلت، فألقى يديه خلف ظهره، معتمداً عليهما مذهولاً مبهوتاً.

القول بالصرفة

قد تقدّم أنّ المعجزة التي تحدّى بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) غير مطلق المعجزة التي أتى بها، وإن لم يتحدّ بها فالأُولى عبارة عن القرآن المجيد فقد تحدّى به، وحقيقة إعجازه عبارة عن أناقة اللفظ وسموّ المعاني وبداعة الأُسلوب والمنهج والأخذ بالقلوب والمسامع، وقد عرفت تفصيل ذلك.
وحاصل هذا القول: إنّ القرآن وصل ـ من فرط كماله في الجهات السابقة ـ إلى حدٍّ تقصر القدرة البشرية عن الإتيان بمثله، من غير فرق بين السابقين على البعثة واللاحقين لها. هذا هو القول السائد الذي عليه جمهور العلماء من الفريقين، غير أنّ هنا قولاً آخر اشتهر بالقول بالصرفة. وباذر هذه النظرية هو أبو إسحاق النظّام(160ـ231هـ)، وهو أقدم من نُسب إليه هذا القول، وتبعه أبو إسحاق النصيبي، وعبّاد بن سليمان الصيمري،

صفحه 237
وهشام بن عمرو الفوطي، وغيرهم.
واختاره من الإمامية الشيخ المفيد(المتوفّى 413هـ) في «أوائل المقالات»، وإن حُكي عنه غيره أيضاً، والسيد المرتضى (355ـ 436هـ) في رسالته الخاصّة بهذا الموضوع التي أسماها بـ«الموضح عن جهة إعجاز القرآن» المطبوع أخيراً ناقصاً. والشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) في شرحه لجمل السيّد، وإن رجع عنه في كتابه «الإقتصاد»، وابن سنان الخفاجي(المتوفّى 464هـ) في كتابه «سرّ الفصاحة». ولما كان هذا المذهب قد أحاط به الإبهام، واضطربت في تفسيره الأذهان، فأقرب ما يمكن اعتماده في الوقوف على حقيقته، الرجوع إلى نفس عبارات المتمسكين به، أعني القائلين بمذهب الصَّرفة، فإنّهم يعترفون بفصاحة القرآن وبلاغته، وروعة نظمه وبداعة أُسلوبه، لكنّهم لا يرونه على حدّ الإعجاز، بل يقولون: ليس الإتيان بمثله خارجاً عن طوق القدرة البشرية، وإنّما العجز والهزيمة في حلبة المبارزة لأمر آخر، وهو حيلولته سبحانه بينهم وبين الإتيان بمثله.
وبعبارة أُخرى: إنّ معارضة القرآن والإتيان بمثله ليس أمراً محالاً عادياً حتى يحتاج فيه وراء القدرة العادية إلى قدرة خارقة. ولأجل ذلك يوجد في كلام السابقين على البعثة من فُصَحاء العرب وبُلَغائهم، ما يضاهي القرآن في تأليفه، غير أنّه سبحانه لأجل إثبات التحدّي، حال بين فصحاء العرب وبلغائهم، وبين الإتيان بمثله بأحد الأُمور الثلاثة التالية:
1 . صَرْف دواعيهم وهممهم عن القيام بالمعارضة، فكلّما همّوا بها وجدوا في أنفسهم صارفاً ودافعاً يصرفهم عن منازلته في حلبة المعارضة.

صفحه 238
ولم يكن ذلك لعدم قدرتهم على القيام بهذا الأمر، بل إنّ المقتضي فيهم كان تامّاً غير أنّ الدواعي والهمم صارت مصروفة عن الالتفات إلى هذا الأمر، بصرف الله سبحانه قلوبهم عنه، ولولا ذلك لأتوا بمثله.
2 . سَلْبُهُمْ العلوم الّتي كانت العرب مالكة لها، ومتجهّزة بها، وكانت كافية في مقابلة القرآن. ولولا هذا السلب ـ وكان وضع العرب حال البعثة كوضعهم بعدها ـ لأتوا بمثله.
3 . أَنَّهم كانوا قادرين على المعارضة، ومجهّزين بالعلوم الوافية بها، مع توفّر دواعي المعارضة وعدم صرف هممهم عنها، ولم يمنعهم عنها إلاَّ إلجاؤه تعالى، فتقهقروا في حلبة المعارضة لغلبة القوة الإلهية على قواهم. وهذا نظير من يريد أن يتحرّك نحو المطلوب، فيحال بينه وبين مقصده بقاهر يصدُّه عن التقدّم.
وفي عبارات أصحاب هذا القول، إيماءات إلى هذه الوجوه المختلفة(1)، الّتي تجمعها قدرة العرب على معارضة القرآن، وقد ذكرناه في محاضراتنا في «الإلهيات».(2)
وعلى كلّ تقدير فالقول بالصَّرفة على الوجوه الثلاثة لا يخلو من علل، نشير إليها:
أوّلاً: لو كان القرآن من حيث الفصاحة والبلاغة وروعة النظم وبداعة

1. وقد أشار إلى هذه الوجوه الثلاثة الإمام يحيى بن حمزة العلوي في كتابه «الطراز»:3/391 ـ 395، ط مصر سنة 1332 هـ /1914 م.
2 . لاحظ: الإلهيات على هدي الكتاب والسنة والعقل:3/339ـ 344.

صفحه 239
الأُسلوب، غير بالغ حدّ الإعجاز، وكان العرب قبل البعثة متمكّنين من إلقاء الخطب والأشعار على هذا النمط من الكلام، فيجب أن ينتشر ما يضاهي القرآن في البلاغة، والفصاحة بين أوساطهم وأندية شعرهم وأدبهم، ويكون مثله متوفّراً بينهم، فعندئذ نسأل: أين هذه الخطب والجمل المضاهية للقرآن الكريم، الرائجة بينهم قبل نزول القرآن؟ وهل يمكن لأصحاب الصرفة إراءة نماذج منها؟! ونحن مع ما بذلنا من الفحص والتتبع عنها في مظانها من مجاميع الكتب الأدبية، لم نجد حتى النزر اليسير منها.
ثانياً:لو كان العرب قبل البعثة قادرين على الإتيان بكلام يشبه القرآن ويضاهيه، فلماذا اندهش الوليد بن المغيرة عندما سمع آيات من سورة فصّلت وقال: لقد سمعت من محمد كلاماً لا يشبه كلام الإنس والجن(1). ولماذا ارتمى عتبة بن ربيعة مدهوشاً مبهوتاً ملقياً يديه وراء ظهره متكياً عليهما، مشدقاً بفيه مصعوقاً عندما سمع بعض آيات القرآن من النبي الصادع بالحق.(2) فلو كانت فصاحة القرآن وبلاغته أو نظمه وأُسلوبه من حيث العذوبة والأناقة على نمط كلام الآخرين من فصحاء العرب وبلغائهم، فلم اهتزوا وتأثّروا بسماع آية أو آيات منه، ولم تكن لهم هذه الحالة في سماع شعر امرئ القيس، ولا عنترة، ولا غيرهما من أصحاب المعلّقات، ولا من سماع خطب قس بن ساعدة وسحبان بن وائل وغيرهما من أصحاب الخطب والكلام.

1. السيرة النبوية لابن هشام:1/293 ـ 294.
2 . السيرة النبوية:1/293ـ294.

صفحه 240
وإلى هذا الوجه يشير الإمام يحيى بن حمزة العلوي في نقد هذا المذهب، ويقول:لو كان الوجه في إعجازه هو الصرفة كما زعموا، لما كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن، فلمّا ظهر منهم التعجّب لبلاغته وحسن فصاحته، كما أثر عن الوليد بن المغيرة حيث قال: «إنّ أعلاه لمورق، وإنّ أسفله لَمُعْذِق، وإنّ له لطلاوة، وإنّ عليه لحلاوة»، فإنّ المعلوم من حال كلّ بليغ وفصيح سمع القرآن يتلى عليه فإنّه يدهش عقله ويحيّر لبّه، وما ذاك إلاّ لما قرع مسامعهم من لطيف التأليف وحسن موانع التصريف في كلّ موعظة.(1)
وما أجاب به الشيخ الطوسي عن هذا الدليل بأنّ من قال بالصرفة لا ينكر مزية القرآن على غيره بالفصاحة والبلاغة، وإنّما يقول هذه المزية ليست ممّا تخرق العادة ويبلغ حدّ الإعجاز، فليس في طرب الفصحاء وشهادتهم بفصاحة القرآن وفرط براعته ما يوجب بطلان القول بالصرفة(2)، غير تام، إذ لو كان مثل القرآن متوفراً في الأوساط الأدبية قبل البعثة، لما كان لهذا الطرب والإهتزاز والإنبهار والتضعضع، وجه وجيه، لأنّ المفروض أنّ القرائح العربية لم تكن قاصرة قبل البعثة عن إبداع أمثاله، وسمعت آذانهم كثيراً من هذا النمط من الكلام وإن قصرت من بعد. ولو كانت قرائحهم قادرة قبل البعثة على إنشاء كلام مثل القرآن، فلماذا جمع الوليد صناديد قريش وقال لهم: «إنّ العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم

1 . لاحظ: محاضرات في الإلهيات:314.
2. تمهيد الأُصول: 338.

صفحه 241
على أمر مختلف، فأجمعوا أمركم على شيء واحد، ما تقولون في هذا الرجل؟ الخ(1)». فلو كانت قرائحهم كافية قبل صرف هِمَمِهم، أو سلب علومهم، أو إلجائهم على الإنقباض في مقام معارضته; لكان الجواب عن قرآن الرجل واضحاً، وهو أنّه كلام عادي ما أكثره بيننا، وأكثر مثله في كلام خطباء العرب وشعرائهم.
وثالثاً: فإنّ القول بالصرفة نجم عن الإغترار بما روي من رشيق الكلمات، وبليغ العبارات، عن العرب، فزعم هؤلاء أن كلّ من قدر على تلك الأساليب البلاغية، يقدر على المعارضة، إلاّ أنّه سبحانه عرقلهم عنها وثبّطهم فيها.
ولكن أين الثرى من الثريا، وأين المدر من الدُرَر، وليس إعجاز القرآن رهن العذوبة والأناقة فقط، وإنّما هو رهن حلاوة ألفاظه وسمو معانيه، ورصانة نظمه ـ على وجه لو غُيِّرت كلمة أو جملة منه، لم يكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة ـ وبداعة أُسلوبه، مجتمعة. فهذه الأُمور بجملتها، أضفت على القرآن جمالاً رائعاً لا يجد الإنسان له مثيلاً في كلام مَنْ غَبَر وَسَبَقَ، أو تَبعَ وَلَحَق. فهو بنظمه العجيب، وأُسلوبه الغريب، وملاحته وفصاحته الخاصة، ومعانيه العميقة، تحدّى الإنس والجن، ولأجل ذلك لم يجد العرب لإغراء البسطاء، إلاّ تفسيره بالسحر، لأنّه يأخذ بمجامع القلوب، كما يأخذ السحر بها.

1. مجمع البيان:5/386 .

صفحه 242
ورابعاً: فإنّ المتبادر من آيات التحدّي أنّها تعرّف القرآن بأنّه فوق قدرة الإنس والجن، وأنّه مصنوع لا تصل إليه يد المخلوق، وهذا لا يجتمع مع مذهب الصرفة الّذي لا يضفي على القرآن ذاك الجمال الرائع الّذي يجعله متفوّقاً على القدرة البشرية، وإنّما يضعه في عداد كلام عامّة الفصحاء والبلغاء، غاية الأمر أنّه سبحانه كلّما همّت العرب بمباراته، صرف عنهم الهمّة والقوّة ومنعهم من الإتيان بما اقترحه عليهم.
وبعبارة أُخرى: إنّ المتبادر من ظواهر الآيات، أنّ القرآن في ذاته متعال، حائز أرقى الميزات، وكمال المعجزات، حتى يصحّ أن يقال في حقّه بأنّه لو اجتمع الجن والإنس الخ..
يقول الخطابي بأنّ قوله سبحانه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجنُّ)الآية، يشهد بخلاف هذه النظرية، لأنّها تشير إلى أمْر، طريقُهُ التكَلّف والإجتهاد، وسبيله التأهّب والإحتشاد، وما فُسِّرت به الصرفة لا يلائم هذه الصفة(1).
وخامساً: فلو كان وجه الإعجاز في نكتة الصرفة، لكفى في ذلك أن يكون القرآن كلاماً مبذولاً ومرذولاً للغاية، وركيكاً حدّ النهاية، لكن كلّما أراد سفلة الناس وأوباشهم، الذين يقدرون على صنع مثل تلك الكلم، الإتيان بمثله، حال سبحانه بينهم وبين مباراته. وهو كما ترى، لا يتفوّه به من له إلمام بهذه المباحث.

1. بيان إعجاز القرآن:21.

صفحه 243
وسادساً: لو كان عجز العرب عن المقابلة، لِطارئ مباغت أبطل قواهم البيانية، لأُثر عنهم أَنَّهم حاولوا المعارضة ففوجئوا بما ليس في حسبانهم، وَلَكان ذلك مثار عجب لهم، ولأعلنوا ذلك في الناس، ليلتمسوا العُذْر لأنفسهم وليقللوا من شأن القرآن في ذاته(1).
وقد أشار إلى هذا الوجه علي بن عيسى الرمّاني في «النكت في إعجاز القرآن»، كما أشار إليه الإمام يحيى بن حمزة العلوي، قال: «إنّهم لو صُرفوا عن المعارضة مع تمكّنهم منها، لوجب أن يَعْلَموا ذلك من أنفسهم بالضرورة، وأنْ يُميزوا بين أوقات المنع والتخلية. ولو علموا ذلك، لوجب أن يتذاكروا في حال هذا المعجز على جهة التعجّب. ولو تذاكروه، لظهر وانتشر على حدّ التواتر. فلمّا لم يكن ذلك، دلّ على بطلان مذهبهم في الصرفة»(2).
وسابعاً: إنّ القول بالصرفة، يستلزم القول بأن العرب قد تراجعت حالها في الفصاحة والبلاغة، وفي جودة النظم وشرف الأُسلوب، وأن يكونوا قد نُقِصوا في قرائحهم وأذهانهم، وعدموا الكثير ممّا كانوا يستطيعون، وأن تكون أشعارهم الّتي قالوها، والخطب الّتي قاموا بها من بعد أن أوحى الله إلى النبي، قاصرةً عمّا سُمع منهم من قبل ذلك، القصور الشديد، وأن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال كان يتسع لهم، ونضبت عنهم موارد قد كانت تغزر، وخذلتهم قوى كانوا يصولون بها، وأن

1. لاحظ: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني:2/314.
2. الطراز:3/393.

صفحه 244
تكون أشعار شعراء النبي الّتي قالوها، في مدحه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي الردّ على المشركين، ناقصة متقاصرة عن شعرهم في الجاهلية، وأن يكون شعر حسّان بعد الإسلام دون شعره قبله، والكل كما ترى.
وثامناً: إنّ الظاهر من مذهب الصرفة أنّ النقصان حدث فيهم من غير أن يشعروا به، ولازمه أن لا تتم الحُجَّة عليهم، لأنّهم وإن عدموا فضلهم في مجال الفصاحة والبلاغة، لكنّهم غير شاعرين بهذا النقصان. وإذا كانوا لا يعلمون أنّ كلامهم الّذي يتكلمون به بعد التحدّي، قاصر عن الّذي تكلّموا به أمس، استحال أن يعلموا أنّ لنظم القرآن فضلاً على كلامهم الّذي يسمع منهم. وإذا لم يتصوّروا للقرآن تلك المزية، كان كلامُهُم بعد التحدّي عندهم مساوياً للقرآن. فلازم ذلك أن يعتقدوا أنّ في جملة ما يقولونه في الوقت ويقدرون عليه، ما يشبه القرآن ويوازيه، فعندئذ لا تتم الحُجَّة عليهم، إذْ لهم أن يقولوا بأنّ أشعارنا وخطبنا لا تقصر عن قرآنك، لأنّ المفروض أنّهم غير واقفين على نزول كلامهم عن الذروة والقمة السالفة، ومتصوّرين أنّه بعد التحدّي كما كان قبله. ومَن كانت له هذه الحالة، لا يتصوّر للقرآن مزية.
وفي نهاية المقام نقول: إنّ القائل بدخول النقصان على قرائح العرب، إمّا أن يستثني النبي من ذلك، أوْ لا.
فعلى الأَوّل يجب أن يقول بأنّ النبيّ عندما كان يتلو عليهم قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ

صفحه 245
بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً)(1) كان يستطيع أن يأتي بمثل القرآن، ويقدر عليه.
وعلى الثاني يلزم أنّ النبوّة صارت وسيلة لنقصان مرتبة النبي في حلبة الفصاحة والبلاغة، اللّهم إلاّ أن يقولوا بأنّ النبي كان دونهم في الفصاحة والبلاغة قبل التحدّي، مع أنّ الأخبار تحكي عن أنّه كان أفصح العرب(2).
ولأجل وَهْن هذه النظرية، صار السائد بين المسلمين عامّة، وأكابر الشيعة خاصّة، كون القرآن معجزاً من حيث الفصاحة المفرطة والبلاغة السامية، والنَّظم المخصوص، والأُسلوب البديع، الّذي جعله ـ مجتمعاً ـ كلاماً خارقاً للعادة. وزيادة في إيضاح الحال نورد ما ذكره الشيخ الطبرسي (471 ـ 548 هـ) في تفسير قوله سبحانه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً)(3)، قال: المراد أنّه لئِن اجتمعت الجن والإنس متعاونين، على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته ونظمه على الوجوه الّتي هو عليها من كونه في الطبقة العُليا من البلاغة، والدرجة القُصوى من حسن النظم، وجودة المعاني وتهذيب العبارة، والخلو من التناقض، واللفظ المسخوط،

1. الإسراء: 88.
2. الإشكالات الثلاثة الأخيرة، ذكرها الرماني في كتابه «النكت في إعجاز القرآن»، ص 133 ـ 155، وقد نقلناها بتلخيص وتصرّف.
3. الإسراء: 88.

صفحه 246
والمعنى المدخول على حدّ يشكل على السامعين ما بينهما من التفاوت، لعجزوا عن ذلك، ولم يأتوا بمثله (وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً)، أي معيناً على ذلك مثلما يتعاون الشعراء على بيت شعر(1).
وقال العلاّمة الحلّي في كشف المراد: أمّا إعجاز القرآن، فقد تحدّى به فصحاء العرب بقوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ)، (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات)، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا). والتحدّي مع امتناعهم عن الإتيان بمثله، مع توفّر الدواعي عليه، إظهاراً لفضلهم، وإبطالاً لدعواه، وسلامة من القتل، يدلّ على عجزهم وعدم قدرتهم على المعارض(2).
وعلى أيّ حال، فإنّ القائلين بالصرفة، وإن كانوا من أعلام العلماء، لكن الحقّ لا يعرف بالرجال، وإنّما يعرف بسلامة الإستدلال، وقد خَفَّت هذه النظرية في ميزان النَّصَفة والبرهنة، والحقّ أنّها ليست بنظرية قيّمة قابلة للإعتماد، وخلافاً صالحاً للإحتجاج.
وليس كلُّ خلاف جاءَ معتبراً *** إلاّ خلافٌ له حظٌ من النَّظَر

1. مجمع البيان:6/334.
2. كشف المراد:221، ط صيدا. وممّن أفاض الكلام في وجوه إعجاز القرآن، ولم يعتمد على مذهب الصَّرْفة، السيد عبد الله شُبّر في كتابه: حقّ اليقين في أُصول الدين:1/150 ـ 154.
وأمّا المقاربون لعصرنا فممّن كتبوا فيه: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه: «الدين والإسلام» (لاحظ كلامه في مجلة رسالة الإسلام، العدد الثالث، السنة الثالثة، ص 298) والعلاّمة الكبير السيد هِبَة الدين الشهرستاني (المعجزة الخالدة، ص 32 ـ 43)، والزرقاني في مناهل العرفان:2/310.

صفحه 247

الإعجاز الغيبي

الغيب: في العرف العربي اسم لمعنى يقابل الحضور وضد الشهود، كما في القرآن:(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، وفي الحديث النبوي:«ألا فليبلغن الشاهد الغائب» وفي كلام الإمام علي(عليه السلام):«شهود كالغُيّب».
وليس المراد بالغيب هنا خصوص ما لا يدرك بالحس، كذاته سبحانه وأسمائه وصفاته والعوالم الموجودة وراء الحس، بل المراد هو أعمّ ممّا غاب عن الحسّ، سواء كان مدركاً به أو لا، فإنّ كثيراً من الأخبار الغيبية في القرآن الكريم يمكن دركها بالحسّ، ولكن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر عنها وهي خارجة عن أُفق حسّه، فيخبر عن المبصرات والمسموعات وغيرهما وهي خارجة عن مدار الحسّ.
إنّ الإخبار عن الغيب على وجه الإجمال ـ وبصورة الموجبة الشخصية ـ أمر يقوم به أولياء الله سبحانه غبّ عباداتهم ورياضاتهم، بل ربّما يقوم به المرتاضون لأجل أنّ الارتياض ربّما يعطي لهم القدرة على خرق بعض الحجب، وبالتالي إبصار ما لم يُبصره الناس وسماع ما لم يسمعوه، وعلى كلّ تقدير فالمجموع ليس أمراً كاشفاً عن النبوّة والتعلّم من عالم الغيب.
إنّما المهم الإخبار عن الأُمم الماضية والقرون الخالية بهذا التفصيل الدقيق في القرآن الكريم، وهذا دليل على كونه وحياً من عند الله علاّم الغيوب، وليس من عند البشر، ولا سيّما من مثل نبيّنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي نشأ

صفحه 248
في بيئة لا يمكنه الاطّلاع على مثل هذه الأُمور بدقائقها وظرائفها، ممّا لا سبيل إلى العلم بها سوى التلقّي عن منبع أصيل ركين، إذ لم يكن في تلك البيئة من يعرف هذه الأنباء على هذا الوجه الدقيق النزيه، قال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)(1).
نعم لمّا كانت قريش مشركة ومنكرة للعوالم الغيبية ولمّا رأوا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يخبر عن الأُمم الماضية بالدّقة، تحيّروا في ذلك ولم يجدوا إلاّ أن يلجأوا إلى إلصاق التهمة برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا ما يذكره سبحانه على لسانهم:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).(2)
وليس قولهم هذا إلاّ تهمة باطلة، إذ لم يكن يوجد في مكّة من يعلم شيئاً من هذه القصص. نعم لم يكن في مكّة إلاّ أُناس هم بعداء عن هذه المعارف، نظير: صهيب وبلعام الروميين وغيرهما.
روى الطبري عن ابن عباس أنّه قال: قالت قريش: إنّما يعلّمه بلعام، وكان قيناً بمكّة روميّاً نصرانيّاً، وقال الضحّاك: أرادوا به سلمان الفارسي(رضي الله عنه)، قالوا: إنّه يتعلّم القصص منه، وقال مجاهد وقتادة: أرادوا به عبداً لبني الحضرمي روميّاً يقال له: يعيش أو عائش، صاحب كتاب، أسلم وحسن إسلامه، وقال عبدالله بن مسلم: كان غلامان في الجاهلية نصرانيين من أهل

1 . العنكبوت:48.
2 . الفرقان:4ـ6.

صفحه 249
عين تمر، اسم أحدهما:«يسار» واسم الآخر:«جبر، أو خير» كانا صيقليين، يقرآن كتاباً لهما بلسانهم، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ربّما مرّ بهما واستمع لقراءتهما، فقالوا: إنّما يتعلم منهما، ثم ألزمهم الله تعالى الحجّة وأكذبهم بأن قال:(لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ): أي لغة الذي يضيفون التعليم ويميلون إليه القول أعجمية.(1)
وللرازي هنا كلام جميل نذكره بنصّه، يقول: إنّ القصص أفضل دليل على صدق الرسالة وذلك من وجهين:
أحدهما: كما قال تعالى في سورة الشعراء بعد ذكر القصص: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)(2) .
وجه الاستدلال: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا لم يتعلّم علماً ولم يقرأ كتاباً ولم يتتلمذ لأُستاذ، استحال منه عادةً دراية هذه القصص إلاّ عن وحي الله وتنزيله.
والثاني: أنّه كان يذكر القصّة الواحدة مراراً مختلفة بألفاظ مختلفة وكلّ ذلك مشابهة في الفصاحة مع أنّ الفصيح إذا ذكر قصّة مرّةً واحدةً بالألفاظ الفصيحة عجز عن ذكرها بعينها مرّة أُخرى بألفاظ فصيحة، فيستدلّ بفصاحة الكلّ على كونها من عند الله تعالى لا من البشر.(3)

1 . مجمع البيان:6/230.
2 . الشعراء:192ـ 194.
3 . أسرار التنزيل:7.

صفحه 250

أُصول المغيّبات في القرآن الكريم

المغيّبات الواردة في القرآن الكريم كثيرة تحتاج إلى تأليف مستقل، غير أنّ الجمع يرجع إلى أُصول ثلاثة، وهي:
الأوّل:
الخبر عن الله سبحانه وأسمائه وصفاته، والخبر عن الروحانيات وملائكته وتدبيره والعوالم الأرضية، والسماوية، وشؤون الإحياء بعد الموت في البرزخ، وحالة الأرواح قبل المعاد وبعده من نعيم أو جحيم. والقرآن يموج بهذه المعاني الغيبية المطلقة التي لا يتعرّف عليها الحس ولا تقع في أُفقه في هذا الظرف.

الثاني:

الإخبار عن أُمم قد خلت من قبل وطويت حياتها، فأصبحوا ربّما لا يُرى حتى مساكنُهم ومواطنُهم، من دون أن يرجع إلى كتب السير والتاريخ والكهنة والربانيّين أو يطالع كتاباً أو باباً خاصّاً في هذا الموضوع. ومثله الإخبار عن شؤون البشر في مستقبل أدواره وأطواره، والإشارة إلى ملاحم وفتن وأحداث في مستقبل الزمن، كإخبار القرآن بأنّ أبا لهب وامرأته يموتان كافرين، في قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَـى نَاراً ذَاتَ لَهَب * وَامْرَأتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ * في جِيدِهَا حَبْلٌ مِن مَّسَد)(1)، وإخباره عن غلبة الروم، بعد بضع سنين في قوله سبحانه:

1 . المسد:1ـ5.

صفحه 251
(الم *غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعدِ غَلبِهِمْ سَيَغلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ...)(1).
وتلحق بذلك الأُمور التي قيل اختص علمه بها سبحانه، كوقت الساعة: والمستور في ظلمات الأرحام، ... الواردة في قوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَ يَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَ مَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذا تَكْسِبُ غَداً وَ مَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(2).

الثالث:

الإخبار عن بعض الموجودات أو النواميس السائدة في الكون، وقد كان مغيّباً عند نزول الوحي عن إدراك الحواس المجرّدة عن الأدوات المخترعة في هذا الزمان، كإخباره سبحانه عن زوجية الأشياء عامّة بقوله: (وَ مِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(3) ووجود الدابة في السماوات بقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمواتِ وَ الأرْضِ وَ مَا بَثَّ فِيهِما مِنْ دَابّة وَ هُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إذا يَشَاءُ قَدِير)(4).
إلى غير ذلك من إخباراته عن الحقائق العلمية والنواميس المطّردة في الكون.
ثمّ إنّ الزرقاني أرجع أُصول أنباء الغيب الواردة في القرآن إلى أُمور

1 . الروم:1ـ4.
2 . لقمان:34.
3 . الذاريات:49.
4 . الشورى:29.

صفحه 252
ثلاثة على وجه يقرب ممّا ذكرناه، قال: من ذلك قصص عن الماضي البعيد، المتغلغل في أحشاء القدم، وقصص عن الحاضر الذي لا سبيل لمحمد إلى رؤيته ومعرفته فضلاً عن التحدّث به، وقصص عن المستقبل الغامض الذي انقطعت دونه الأسباب وقصرت عن إدراكه الفراسة والألمعية والذكاء ـ إلى أن قال:ـ أمّا غيوب الماضي فكثيرة تتمثّل في تلك القصص الرائعة التي يفيض بها التنزيل ولم يكن لمحمد إليها من سبيل كقصة نوح، وموسى ، ومريم، وأمّا غيب الحاضر فنريد به ما يتصل باللّه تعالى والملائكة والجنّ، والجنّة والنار، ونحو ذلك ممّا لم يكن للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) سبيل إلى رؤيته ولا العلم به، فضلاً عن أن يتحدّث عنه على هذا الوجه الواضح.
ومن غيب الحاضر أو الماضي ما جاء في طيّ القرآن من حقائق ومنافع ومبادئ لم يكشف عنها إلاّ العلم الحديث، وأمّا غيب المستقبل فهو تنبّؤه بحوادث وقعت كما أخبر...(1).
ثمّ إنّ هذا التقسيم، إنّما هو بالنسبة إلى البشر المحدود، الذي تغيب الأشياء عنه، وأمّا بالنسبة إليه سبحانه فالأشياء كلّها حاضرة لديه، بأعيانها الخارجية فالماضي والحال والمستقبل عنده سواسية: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّة فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّماءِ)(2) فهو المحيط بكل ما دقّ وجلّ، ولا يشذّ عن محيط علمه خبر خطير ولا صغير:(أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ

1. مناهل العرفان:2/263 ـ 264.
2 . يونس:61.

صفحه 253
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).(1)
ما ذكرناه كليّات حول تنبّؤ القرآن بالأُمور الغيبية، وأمّا التفصيل فذكرنا في كتابنا«مفاهيم القرآن»(2) ما ورد في الكتاب المجيد من الأخبار الغيبية تحت عناوين عشرة، وإليك نفس العناوين، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ما ورد تحت هذه العناوين من الآيات:
1. تنبّؤ القرآن بعجز البشر عن معارضته بمثله.
2. التنبّؤ بانتصار الروم على الفرس.
3. الإخبار عن حفظ النبي عن أذى الناس له.
4. تنبّؤات حول المنافقين والمخلّفين من الأعراب.
5. الإخبار عن القضاء على العدو قبل المعركة.
6. التنبّؤ بصيانة القرآن عن التحريف.
7. الإخبار عن انتصار الإسلام والرسول.
8. التنبّؤ بأحداث جزئية.
9. تنبّؤ القرآن بمكّة بما سيصيب كفّار قريش.
10. التنبّؤ حول اليهود والنصارى.
***

1 . الملك:14.
2 . لاحظ: مفاهيم القرآن:3/355ـ398.

صفحه 254

القرآن والإعجاز العلمي

   
القرآن نزل لهداية الناس وقيادتهم إلى الحياة السعيدة ولم ينزل لشرح الظواهر الطبيعية والفلكية والرياضية وما يتعلّق بعلم الطب والتشريح.
ومع ذلك كلّه، ربّما يتوقّف غرض الهداية ـ خصوصاً في الدراسات التوحيدية ـ على إظهار عظمة العالم ودقّة نظمه، والقوانين السائدة عليه، فعند ذلك يصحّ لهذا الكتاب الهادي، إلفات النظر إلى تلك المظاهر والقوانين الكونية.
ومن هذا المنطلق، نرى أنّ القرآن الكريم أشار إلى أُمور سائدة في الكون، وسنن جارية فيه، تتطابق مع القضايا العلمية الثابتة ـ حديثاً ـ بالحسّ واليقين، وقد كانت تلك السنن مجهولة على الأخصائيّين في هذه العلوم، وأصحاب الحضارات في بلاد الفرس والروم، وإنّما اهتدى إليها العلماء بعد قرون متطاولة من نزول القرآن وذكره لها.
وقد روي عن ابن عباس أنّه قال: القرآن يفسّره الزمان.(1) وأعذب من هذه الكلمة قول الإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام) في جواب من سأله عن سبب غضاضة القرآن وطراوته في كلّ عصر، وأنّ النشر والدراسة لا تزيده إلاّ طراوة؟ «إنّ الله تعالى، لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون

1 . حكاه شيخنا المغفور له محمد جواد مغنية عن مفتي الموصل محمد حبيب بن سليمان العبيدي(1296ـ1383هـ) في كتابه «النواة في حقول الحياة».

صفحه 255
ناس، فهو في كلّ زمان جديد، وعند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة».(1)
ثمّ إنّ بعض المفسّرين بين مكثر في تطبيق الآيات القرآنية على فروض علمية متزلزلة، وبين منكر لإخبار القرآن عن الظواهر والقوانين الكونية التي ستتحقّق عبر الزمان، وكلا الفريقين بين مفرط ومفرّط، والصحيح انتخاب طريق وسط وهو أنّه إذا تمّت دلالة الآية على نظرية علمية، على ضوء القواعد الأدبية من دون تجشّم التأويل والتقدير، وثبتت القضية العلمية ثبوتاً واضحاً حتى عُدّت من القواعد الموضوعية، ودخلت في نطاق القوانين العلمية، كحركة الأرض ودورانها حول الشمس، والزوجية في النباتات، وغير ذلك من الأُصول العلمية التي أصبحت في عداد البديهيات، ففي هذه الظروف يصحّ لنا استنطاق الآية والقضاء بأنّها تشير إلى ذلك القانون العلمي الثابت.
وبما أنّا قد بسطنا الكلام في هذا الموضوع في محاضراتنا في الإلهيات،(2) فلنقتصر في المقام على الإشارة إلى العناوين التي وردت تحتها آية تتعلّق بعنوان:
1. القرآن وقانون الجاذبية.
2. القرآن وكروية الأرض.
3. القرآن والعالم الجديد.

1 . أمالي الشيخ الطوسي: 580 برقم 8 (1203); البرهان في تفسير القرآن:1/208.
2 . لاحظ: الإلهيات على هدي الكتاب والسنة و العقل:3/418ـ433.

صفحه 256
4. القرآن وحركة الأجرام السماوية.
5. القرآن ودوران الأرض حول الشمس وحول نفسها.
6. القرآن وزوجية الكائنات.
7. القرآن والحياة في الأجرام السماوية.
8. القرآن ودور الجبال في تثبيت القشرة الأرضية.
ولعلّ هناك آيات تتضمّن كشف بعض الحقائق التي أثبتها العلم ولم نقف عليها.
   

صفحه 257

المبحث العاشر

ما هي الصلة بين الإعجاز وصدق دعوى المدّعي؟

قد تقدّم أنّ الأُمم السالفة ـ خضوعاً إلى حكم الفطرة ـ لا يقبلون دعوى المدّعي في الرسالة عن السماء إلاّ بأن يأتي المدّعي بالأمر الخارق للعادة، ليكون دليلاً على صلته بالسماء، وعندئذ يُطرح هذا السؤال: ما هي الصلة بين كون الإنسان ذا قدرة خارقة للعادة، وصدق دعوته وصحّة إخباره في الأحكام والمعارف عن الله سبحانه، فإنّ جعل الأوّل دليل على الثاني يُشبه جعل فعل مَن يمشي على الماء على صحّة قوله في العلوم والمعارف؟
فصارت المسألة ذات قولين:
1. إنّ المعجزة دليل إقناعي، حيث إنّ الجماهير من الناس إذا شاهدوا قدرة الرجل على الأفعال التي يعجز عن معارضتها، فإنّ أغلبهم سوف ينجذبون إليه وبالتالي يقبلون قوله فيما يخبر عن الله سبحانه وما ذلك إلاّ لضآلة عقولهم وتفكيرهم.

صفحه 258
وهذه شبهة لها جذور في تاريخ علم الكلام وقد حكاها ابن رشد(المتوفّى 520هـ) فقد قال: إنّ من قدر على المشي على الماء، الذي ليس من صنع البشر، فهو أحرى أن يقدر على الإبراء الذي هو من صنع البشر، وكذلك وجه الارتباط الذي بين المعجز الذي ليس هو من أفعال الصفة، والصفة التي استحقّ بها النبيّ أن يكون نبيّاً، التي هي الوحي. ومن هذه الصفة هو ما يقع في النفس: أنّ من أقدره الله على هذا الفعل الغريب وخصّه به من سائر أهل وقته، فليس يبعد عليه ما يدّعيه من أنّه قد آثره الله بوحيه.(1)
2. المعجزة دليل عقلي وبرهاني على صدق الدعوى
وفي مقابل هذه النظرية تطرح نظرية أُخرى وهي الاعتراف بوجود الرابطة المنطقية بين المعجزة وصدق دعوى المدّعي، وتُقرّر بوجهين:
الأوّل: أنّ هذا الوجه مقتبس من القرآن الكريم، ولكنّه مبني على مقدّمة يبتني عليها تصديق الأنبياء. وهذه المقدّمة عبارة عن الاعتقاد بالأُمور التالية:
الأوّل: أنّ الخالق عادلٌ لا يجور، وحكيمٌ لا يفعل ما يناقض الحكمة.
الثاني: أنّه سبحانه يريد هداية الناس، ولا يرضى بضلالتهم وكفرهم.
الثالث: أنّ المعجزة إنّما تعدّ سنداً لصدق دعوى النبوّة إذا كان حاملها واجداً لشرطين:

1 . الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة:185، ط. بيروت، 1988م.

صفحه 259
1. أن يكون في حياته نقيّ الثوب، لم يُسَوِّد صحيفة أعماله بشيء من القبائح.
2. أن تكون شريعته مطابقة للعقل، وموافقة للفطرة، أو على الأقل، لا يرى فيها ما يخالف العقل والفطرة.
فلو انتفى الشرط الأوّل، بأن كانت سوابقه سيئة، لكفى ذلك في تنفّر الناس عنه.
وكذا لو انتفى الشرط الثاني، بأن كانت شريعته مخالفة للعقل والفطرة، لما تقبّلها أصحاب العقول السليمة.
وأمّا لو توفّر الشرطان فيه، وعندئذ تتطاول إليه الأعناق، وتنقاد له القلوب، وتقبله العقول، فيسلّمون بما يقول، ويطيعون ما أمر.
وهنا نقول: لو كان المدّعي صادقاً في دعواه، فتسليطه على الإتيان بالعجائب والخوارق، يكون مطابقاً للحكمة الإلهية.
وأمّا لو كان كاذباً في دعواه، فتسليطه على تلك القدرة، وتسخير عالم التكوين له، في تلك الظروف، يكون على خلاف الحكمة، وعلى خلاف الأصل الثاني المتقدّم ـ أعني: أنّه تعالى يريد هداية الناس، ولا يرضى بإضلالهم ـ وذلك لأنّه تعالى يعلم أنّ قدرة المدّعي على الأُمور الخارقة للعادة توجد في الناس خضوعاً لهذا الشخص، فيكون إقداره على الإعجاز، مع كونه كاذباً، إغراءً بالضلالة، وصدّاً عن الهداية، والله تعالى حكيم لا يفعل ما يناقض غرضه وينافي إرادته، فأي دلالة منطقية أوضح

صفحه 260
من ذلك؟
ولك أن تصبّ هذا الاستدلال في قالب القياس المنطقي، فنقول:
إنّه سبحانه حكيم، والحكيم لا يجعل الكون ولا بعضه مسخّراً للكاذب، ولكن المفروض أنّ هذا المدّعي مسخّر للكون، فينتج أنّه ليس بكاذب بل صادق.
قال المحقّق الخوئي:إنّما يكون الإعجاز دليلاً على صدق المدّعي، لأنّ المعجز فيه خرقٌ للنواميس الطبيعية، فلا يمكن أن يقع من أحد إلاّ بعناية من الله تعالى وإقدار منه. فلو كان مدّعي النبوّة كاذباً في دعواه، كان إقداره على المعجز من قبل الله تعالى إغراءً بالجهل وإشادة بالباطل، وذلك محال على الحكيم تعالى، فإذا ظهرت المعجزة على يده كانت دالّة على صدقه وكاشفة عن رضا الحقّ سبحانه بنبوّته.(1)

إرشاد القرآن إلى هذا الاستدلال

ما ذكرنا من البرهان أشار إليه سبحانه في الذكر الحكيم، وهو أنّه تعالى فرض على نفسه معاقبة النبي وإهلاكه إذا كذب عليه، قال عزّ وجلّ:(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حَاجِزِينَ)(2).
قال المحقّق الخوئي: المراد من الآية الكريمة أنّ محمداً الذي أثبتنا

1 . البيان في تفسير القرآن:35ـ36.
2 . الحاقّة:44ـ 47.

صفحه 261
نبوّته، وأظهرنا المعجزة لتصديقه، لا يمكن أن يتقوّل علينا بعض الأقاويل، ولو صنع ذلك، لأخذنا منه باليمين، ولقطعنا منه الوتين، فإنّ سكوتنا عن هذه الأقاويل إمضاء منّا لها، وإدخال للباطل في شريعة الهدى، فيجب علينا حفظ الشريعة في مرحلة البقاء، كما وجب علينا في مرحلة الحدوث.(1)

دفع توهّم

إنّ الآيات المار ذكرها(2) لا تهدف إلى أنّ دعوى النبوّة كافية في صدق المدّعي، وأنّ المدّعي لو كان كاذباً في دعواه لشمله عذاب الله، بحجّة أنّه لو تقوّل عليه بعض الأقاويل لقطع منه الوتين، فاستمرار حياة المدّعي دليل على صدق دعوته.
أقول: هذا كلام مَن يفسّر القرآن برأيه، وقد استدلّ به دعاة البهائية على صدق دعوى قادتهم كالباب والبهاء، ولكنّ الله سبحانه أضلّهم على علم، إذ هم يعلمون أنّ الآية ليست بصدد بيان أنّ دعوى النبوّة كافية في صدق المدّعي، وإلاّ لزم تصديق عشرات المتنبئين عبر القرون، بل الآية ناظرة إلى من اجتمعت فيه شروط تؤدّي إلى إقبال الناس عليه، مثل كونه نقيّ الثوب في حياته، ودعوته مطابقة للفطرة، مقرونة بالمعجز والمعجزات، فمثل هذا لو ادّعى النبوّة وكذّب على الله، فالله سبحانه يقطع منه الوتين، لا كلّ مَن يدّعي وليس فيه شيء ممّا ذكرنا وممّا لم نذكره.

1 . البيان في تفسير القرآن:36.
2 . في سورة الحاقة: 44ـ 47.

صفحه 262

منهج الأشاعرة في تصديق الأنبياء

إنّ الأشاعرة ينكرون الحسن والقبح العقليين، ويصفون العقل بأنّه عاجز عن أن يدرك الفعل الحسن ويميّزه عن الفعل القبيح على وجه الإطلاق سواء أكان الفاعل واجباً أم ممكناً، ويقولون بأنّ الحسن والقبح أمران شرعيان، فما وصفه بالحسن فهو حسن وما وصفه بالقبح فهو قبيح.
أقول: على هذا المبنى لا يتمكّن الأشعري من إثبات نبوّة الأنبياء إذا جاءوا بالمعجزة، لأنّها إنّما تكون دليلاً على صدق النبوّة إذا قبح في العقل أن يظهر المعجز على يد الكاذب، وإذا لم يحكم العقل بذلك لم يستطع أحد أن يميّز بين الصادق والكاذب.
ثمّ إنّ الفضل بن روزبهان وقف على هذا الإشكال وأجاب عنه بأنّ فعل القبيح وإن كان ممكناً على الله تعالى، ولكن جرت عادة الله على تخصيص المعجزة بالصادق، فلا تظهر معجزة على يد الكاذب، ولا يلزم سدّ باب التصديق بالنبوّة على قول الأشعريين.(1)
أقول: إنّ إحراز أنّ عادة الله تعالى جرت على تخصيص المعجزة بالصادق يتوقّف على مرور زمان يحرز فيها أنّه تعالى لا يسلّط الكاذب على المعجزة، وعندئذ يقع الكلام، ما هو تكليف الناس قبل مرور هذه الفترة التي ربّما لا تقل عن عشرات السنين. والتي يتوقّف عليه ذلك الإحراز وثبوت العادة.

1 . البيان في تفسير القرآن:37.

صفحه 263
وبعبارة أُخرى: ما هي الحجّة على الناس قبل مضيّ هذه السنين وثبوت العادة. والحقّ أنّ مَن أنكر إدراك العقل حسن الأفعال وقبحها لا يتمكّن من إثبات المعارف الدينية.
إلى هنا تمّ الوجه الأوّل.

الوجه الثاني لبيان وجود الرابطة المنطقية بين الإعجاز والنبوّة

إنّ الأنبياء(عليهم السلام) كانوا يدّعون أنّهم يتلقّون الأُصول والمعارف والأحكام والفروع من الله سبحانه عن طريق الوحي، وهو إدراك خاص يوجد فيهم ولا يوجد في غيرهم، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ الوحي ليس من قبيل الإدراكات العادية التي يجدها كلّ إنسان في صميم ذاته من طريق الإبصار بالعين، والسمع والأُذن والتفكّر والإستدلال بالعقل.
وهذه الدعوى كانت تثير السؤال التالي:
إنّ إدّعاء الإدراك عن طريق الوحي، إدّعاء أمر خارق للعادة، فإنّ الإدراكات الإنسانية لا تخرج عن إطار الحسيّات والخياليات والعقليات، فنحن لا نؤمن بقولكم هذا إلاّ إذا شاهدنا خرقاً للعادة يماثل ما تدّعون، حتى نستدلّ بخرق عادة مرئية، على وجود نظيرها في باطن وجودكم، وصميم حقيقتكم.
ومن منطلق إجابة هذا السؤال، كان الأنبياء يفعلون الخوارق، ويأتون بالمعاجز، حتى يدلّلوا بذلك على تمكّنهم من خرق العادة مطلقاً، سواء أكانت مرئية ـ كقلب العصا إلى الثعبان، وتسبيح الحصى ـ أو غير مرئية ـ

صفحه 264
كالإدراك غير المشابه للإدراكات العادية ـ الذي هو الوحي.
وإن شئت قلت: كانوا يستدلّون بخرق العادة الملموسة، على غير الملموسة.(1)

إكمال

بقي هنا شيء وهو أنّ المعجزة تدلّ على أنّ الآتي بها نبيّ مرسل من الله سبحانه فقط. وأمّا محتوى الرسالة فلا يثبت بالإعجاز، فلا يمكن أن يقال: إنّ الرسول إذا قلب العصا ثعباناً فهو دليل على صدق ما يدّعيه النبي، أنّه سبحانه واحد، عالم، قادر، ليس كمثله شيء، بل ثبوت هذه المعارف رهن الدليل، ولذلك نرى أنّ الذكر الحكيم يستدلّ بلطائف الدلائل على كلّ واحد من هذه المعارف مستقلاًّ، فيستدلّ في البرهنة على توحيده في الربوبية بقوله:(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)(2). وفي البرهنة على إبطال إلوهية الأصنام، بقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لاَِنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا)(3)، وفي إبطال أُلوهية المسيح، بقوله: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ)(4).
إلى غير ذلك من عشرات الآيات التي تطرح الأُصول والعقائد،

1 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:1/86.وما ذكرناه توضيح وتلخيص من جانبنا.
2 . الأنبياء:22.
3 . الفرقان:3.
4 . المائدة:75.

صفحه 265
بالبراهين الدقيقة، فالمعجزة غير دالّة بالدلالة المطابقية على صحّة المعارف والأُصول التي يأتي بها صاحبها، بمعنى أنّها ليست الحدّ الأوسط في صحّة المدّعى، كالتغيير في قولنا: العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادثٌ.

صفحه 266

المبحث الحادي عشر

التأويل في القرآن الكريم

روى الفريقان عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «مَن قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».(1)
روى العياشي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«مَن فسّر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر وإن أخطأ فهو بَعُدَ من السماء». وروي عنه(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام): «قال ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلاّ كفر».(2)
وأُريد من التفسير بالرأي أن يتّخذ المفسّر موقفاً مسبقاً جازماً به ثم يحاول تطبيق القرآن عليه. فعلى هذا فالرأي هو الأصل والقرآن هو الفرع; بل على المفسّر أن يجعل القرآن أصلاً ثم يتبع ما يستفاد من القرآن حسب دلالته العرفية، وسوف نشير إلى ما هو الشرط في تفسير القرآن الكريم في مبحث مستقل، ونذكر نماذج من التفسير بالرأي. غير أنّ المهم تفسير

1 . سنن الترمذي:4/269; كنز العمال:2/16; مجمع البيان:1/14.
2 . التفسير الصافي:1/35.

صفحه 267
التأويل الوارد في القرآن الكريم في موارد مختلفة، غير ما ورد في سورة آل عمران من تأويل المتشابه فإنّ له شأناً آخر. وسندرسه مستقلاًّ.

التأويل في القرآن الكريم

أقول:التأويل مأخوذ من آل يؤول: رجع، قال الأعشى:
أُوِّل الحكم إلى أهله *** ليس قضائي بالهوى الجائر(1)
ويقول ابن منظور: الأوْل الرجوع، آل الشيء يؤول أولاً ومآلاً: رجع، وأوّل إليه الشيء: رجّعه، وآلت عن الشيء: ارتدّت.(2)
وقال الراغب الإصفهاني: التأويل من الأُول، أي الرجوع إلى الأصل، ومنه الموْئِل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه، علماً كان أو فعلاً.(3)
فإذا كان التأويل بمعنى إرجاع الشيء إلى مآله وحقيقته، فقد استعمله القرآن في موارد ثلاثة يجمعها شيء واحد، وهو إرجاع الشيء المبهم من الكلام والفعل والرؤيا، إلى واقعه، وإليك دراستها:
المورد الأوّل: إرجاع الكلام المبهم إلى ما قصد منه برفع الإبهام من خلال القرائن الحافّة به، فقوله سبحانه: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَإِنَّا

1 . المقاييس:1/159، مادة (أول).
2 . لسان العرب:11/32، مادة (أول).
3 . المفردات:31، مادة (أول).

صفحه 268
لَمُوسِعُونَ)(1) كلام يكتنفه الإبهام ويثبت ظاهره أنّ الله سبحانه ذو أيد بنى بها السماء، ولكن رفع الإبهام عن الآية بالإمعان في القرائن الحافّة بها تأويل لها، أي إرجاع لها إلى ما قصد منها حقيقة، وأنّ الغاية من الكلام دفع توهّم مشاركة الغير في بناء السماء، وهذا هو المتفاهم من أمثال المقام. يقول: هذا البناء بنيته بيديّ، أي لا غيري; بل لم يشاركني أحد في بنائه.
الثاني: إرجاع الفعل إلى واقعه بمعنى رفع الإبهام عنه بذكر مصالحه والدواعي التي حملت الفاعل إلى العمل; وهذا كما في عمل مصاحب موسى حيث أتى بأعمال مبهمة ومريبة من خرق السفينة وقتل الصبي وبناء الجدار الذي كاد أن ينقضّ، فسأله موسى عن الدواعي فبيّنها وقال: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)(2)، فالتأويل في الآية رفع الإبهام عن الفعل، وإرجاع ظاهره المريب إلى واقعه.
ومن هذا القبيل وصف الكيل المقرون بالعدل والإنصاف «بكونه أحسن تأويلاً» أي أحسن مآلاً، يقول سبحانه: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(3). فالمراد أحسن مآلاً لما يترتّب على إجراء العدل في عملية الوزن من المصالح والغايات الصحيحة.
حتى أنّ القرآن يستعمله في مورد الرجوع إلى قضاة العدل، يقول

1 . الذّاريات:47.
2 . الكهف:82.
3 . الإسراء:35.

صفحه 269
سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).(1) أي أحسن مآلاً، لأنّ في الرجوع إلى الله والرسول إحقاقاً للحقّ وإبطالاً للباطل على خلاف الرجوع إلى الجبت والطاغوت.
الثالث: تأويل الرؤيا التي يكتنفها الإبهام، فإنّ الرؤيا الصادقة على أقسام: منها ما تتصل نفس النائم بالواقع غير أنّ النفس تتصرّف فيما تراه قبل أن يستيقظ النائم من نومه فتختلف الرؤيا عن الواقع، والتأويل عبارة عن إرجاع الرؤيا إلى الأصل الذي اشتقت منه الرؤيا الفعلية، وذلك علم خاص يرزقه الله تعالى لمن يشاء، فرزقه الله ليوسف كما يقول: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)(2)، فالتأويل الوارد في سورة يوسف في عدّة موارد عبارة عن إرجاع الرؤية الصادقة المتصرّفة فيه من قبل النفس إلى واقعها الذي تحوّلت عنه كما هو الحال في الموارد التالية:
1. رؤية يوسف سجود أحد عشر كوكباً مع الشمس والقمر له.
2. رؤية أحد مصاحبيه في السجن أنّه يعصر خمراً.
3. رؤية مصاحبه الآخر أنّه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل منه الطير.
4. رؤية الملك سبع بقرات سمان وسبع عجاف...
فالتأويل في هذه الموارد تأويل عمل تكويني وإرجاع له إلى واقعه.

1 . النساء:59.
2 . يوسف:6.

صفحه 270

التأويل: صرف الكلام عن ظاهره مصطلح جديد

ومن هنا تبيّن أنّ التأويل حسب مصطلح القرآن هو إرجاع الشيء إلى واقعه، وأمّا التأويل بمعنى صرف الكلام عن ظاهره المستقرّ، إلى خلافه، فهو مصطلح حديث بين العلماء لا يمتّ إلى القرآن بصلة، وإن اغتر ابن منظور بهذا المصطلح وذكره في أحد المعاني، وقال: والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ.(1)
فلو صحّ ذلك الاستعمال، فإنّما هو اصطلاح جديد لا يصحّ للمفسِّر أن يفسّر القرآن به. ولم نجد في القرآن آية يُلزمنا العقل والنقل إلى صرفها عن ظهورها المستقرّ الثابت، وأمّا الظهور البدائي فليس ظهوراً له قيمة حتى يعدّ العدول عنه صرفاً للظاهر عن ظاهره.
بقي الكلام في تأويل المتشابه فسيأتي الكلام فيه في المبحث التالي.

1 . لسان العرب:11/33، مادة (أول).

صفحه 271

المبحث الثاني عشر

المُحكم والمُتشابه في القرآن الكريم

وصف سبحانه كتابه العزيز بالإحكام، وقال: (الر كِتابٌ أُحكِمت آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلت مِنْ لَدُنْ حَكيم خَبير)(1)، والمراد أنّها أُحكمت في نظمها بأن جعلت على أبلغ وجوه الفصاحة حتى صار ـ القرآن ـ معجزاً ثمّ فصّلت بالبيان، فالقرآن مُحكم النظم، مفصّل الآيات(2). أو أُتقنت آياته فليس فيها خلل ولا باطل، لأنّ الفعل المُحكم ما قد أتقنه فاعله حتّى لا يكون فيه خلل، ثمّ فصّلت وجعلت متتابعة بعضها أثر بعض.(3)
فعلى الأوّل فالإحكام صفة اللفظ، فالقرآن بجزالة نظمه وإتقان أُسلوبه محكم ومتقن لا يمكن تحدِّيه، وعلى الثاني وصف لمعناه، فهو يشتمل ـ من التوحيد والأخلاق وسائر السنن ـ على أُصول محكمة لا تُنقض ولا تُردُّ.

1 . هود:1.
2 . مجمع البيان: 3/141 عن أبي مسلم الإصفهاني.
3 . المصدر نفسه.ولم يذكر اسم القائل.

صفحه 272
وفي الوقت نفسه وصف سبحانه كتابه الكريم بالتشابه، قال سبحانه: (اللّهُ نَزّل أَحسن الحدَيث كِتاباً مُتَشابهاً مَثاني تَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الّذينَ يَخْشَوْنَ ربَّهُمْ ثُمَّ تَلينُ جُلودهُمْ وَقُلوبهُمْ إِلى ذِكْرِ اللّه ذلِك هُدى اللّهِ يَهْدي به مَنْ يَشاء وَمَنْ يضلِل اللّهُ فَما لَهُ مِنْ هاد).(1)
وقد اختلفت كلمة المفسّرين في تفسير «المتشابه» في هذه الآية الذي جُعل وصفاً لعامّة آيات القرآن الحكيم، ولكنّهم لو رجعوا إلى نفس الآية وأمعنوا النظر فيها لارتفع الإبهام، وذلك أنّه سبحانه يأتي بعد كلمة (مُتَشابهاً) بقوله:(مَثاني) فهو يفسّر معنى المتشابه، فالقرآن الكريم يشتمل على آيات متكرّرة المضمون، يُشبه بعضها بعضاً، ويؤيّد بعضها بعضاً، فقد كرّر القصص والمغازي، كما كرّر ما يرجع إلى التوحيد بأقسامه إلى غير ذلك من المعاني المتكرّرة.
وعلى ضوء ذلك فلا منافاة بين الآيتين اللتين تصفان القرآن بالإحكام تارة وبالتشابه أُخرى.

تقسيم الآيات إلى مُحكمات ومتشابهات

إذا كانت الآية الأُولى تصف القرآن كلّه بالإحكام وآياته بالمحكمة، والآية الثانية تصف القرآن كلّه بالمتشابه، فثمة آية أُخرى تقسّم الآيات إلى قسمين:
1. آيات محكمات هنّ أُمّ الكتاب.

1 . الزمر:23.

صفحه 273
2. وآيات متشابهات. يتبع أهل الزيغ ما تشابه منها لإيجاد الفتنة.
قال سبحانه: (هُوَ الّذي أنْزلَ عليكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمّ الكِتاب وَأُخر مَتَشابهاتٌ فَأَمّا الّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمّنا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبّنا وَما يَذَّكّرُ إِلاّ أُولوا الأَلبابِ) .(1)
ولا منافاة بين هذا التقسيم والتقسيمين الأوّلين، وذلك لاختلاف متعلّق الإحكام والتشابه فيها، فإنّ الإحكام الذي هو بمعنى الإتقان في الآية الأُولى وصف للآية باعتبار نظم الآية وجزالة ألفاظها على وجه لا يمكن تحدّيها، كما أنّ التشابه في الآية الثانية وصف لمعنى الآية، فمعاني الآيات القرآنية متكرّرة لكنّها متوحّدة الهدف.
وأمّا الإحكام والتشابه في هذه الآية فالموصوف بهما دلالة الآية وظهورها في المعنى المقصود، ولا مانع من أن يكون القرآن كلّه متقناً من حيث تركيبه وجُمَله، ومتشابهاً متكرّر المضمون من حيث معانيه; وفي الوقت نفسه محكماً ومتقن الدلالة في قسم، ومتشابه الدلالة في قسم آخر.
إنّ الإحكام في اللغة هو الإتقان، توصف به الآية إذا كانت ذات دلالة واضحة بحيث لا تحتمل وجهاً آخر، فهو ـ الإحكام ـ مأخوذ من الحُكْم بمعنى المنع، قال الشاعر:
أبني حنيفة حكِّموا أولادكم *** إني أخاف عليكم أن أُغضبا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . آل عمران:7.

صفحه 274
أي امنعوا أولادكم من التعرّض لي.
فالآية باعتبار استحكام دلالتها وإتقانها تمنع من الاضطراب وتطرّق ما ليس بمراد فيها; ويقابله التشابه فهو مأخوذ من الشِّبه أي التماثل، فالتشابه في الدلالة هو أن لا يكون للآية ظهور مستقر ودلالة ثابتة بل تحتمل فيها وجوهٌ مختلفة مع أنّ المقصود هو واحد منها.
وتدلّ على أنّ الإحكام والتشابه وصف للدلالة، أُمور:
الأوّل: أنّ أصحاب الزيغ يتبعون ما تشابه، وذلك لأحد وجهين:
1. ابتغاء الفتنة والفساد في المجتمع وإضلال الناس.
2. ابتغاء تأويله وإرجاعه إلى ما يتفق مع أهدافهم الفاسدة، فهم مكان أن يتّبعوا الآيات المحكمة يتّبعون ما تشابه للغايتين الفاسدتين. فاتّباع المتشابه لإيجاد الفتنة وابتغاء تأويله يعرب عن أنّ التشابه إنّما في دلالة الآية، فيأخذون من الاحتمالات ما يمكّنهم من الفتنة وجعل الآية حجّة لما يتبنّون من الأهواء.
الثاني: أنّه يصف الآيات المحكمة بأنّها أُمّ الكتاب، ومعنى ذلك إرجاع ما تشابه إلى الأُمّ; فيجب أن تكون الأُم واضحة الدلالة، بيّنة المعالم، حتى تفسّر بها الآيات المتشابهة.
الثالث: أنّ الآية تبحث عن تأويل المتشابه، فإنّ التأويل في الآية، إرجاع الآية بالتدبّر فيها وسائر الآيات الواردة في موضوعها إلى المعنى المقصود، وهذا يناسب كون المحور في وصف القرآن بهما هو دلالة الآية

صفحه 275
وظهورها، فالآيات القرآنية بما أنّها ليست على نسق واحد في الدلالة وعلى درجة واحدة في إفهام المراد، تنقسم إلى محكمة ومتشابهة.
«فالمحكم» ما لا يحتمل إلاّ معنى واحداً، «والمتشابه» ما يحتمل وجوهاً متعدّدة وكان بعض الوجوه مثيراً للريب والشبهة، و«التأويل» إرجاع الآية بالتدبّر فيها وما ورد في موضوع الآية من الآيات الأُخرى، إلى المعنى المقصود.
هذا هو المعنى المقصود من الآية في المراحل الثلاثة:
أ. المحكم وما يراد به.
ب. المتشابه وما يراد به.
ج. التأويل وما يراد به في الآية.
وقد سبقنا في تفسير الآية بهذا النحو لفيف من العلماء:
1. قال الشيخ الطوسي: المحكم ما أنبأ لفظه عن معناه من غير اعتبار أمر ينضم إليه سواء كان اللفظ لغوياً أو عرفيّاً، ولا يحتاج إلى ضروب من التأويل.
وذلك نحو قوله: (لا يُكَلّف اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعها)(1) ، وقوله :(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الّتي حَرّم اللّهُ)(2)، وقوله: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد)(3)، وقوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ

1 . البقرة:286.
2 . الأنعام:151.
3 . التوحيد:1.

صفحه 276
يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد)(1) ونظائر ذلك .
و«المتشابه»: ما كان المراد به لا يعرف بظاهره بل يحتاج إلى دليل، وذلك ما كان محتملاً لأُمور كثيرة أو أمرين، ولا يجوز أن يكون الجميع مراداً فإنّه من باب المتشابه. وإنّما سمّي متشابهاً لاشتباه المراد منه بما ليس بمراد، وذلك نحو قوله: (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ)(2)، وقوله: (وَالسَّموات مَطوِياتٌ بِيَمِينهِ)(3)، وقوله: (تَجْري بِأَعْيُنِنا)(4)، ونظائر ذلك من الآي التي المراد منها غير ظاهرها.(5)
2. قال الراغب: المتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره، إمّا من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى، فقال الفقهاء : المتشابه ما لا ينبئُ ظاهره عن مراده، وحقيقة ذلك أنّ الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه ومتشابه من وجه آخر.(6)
3. وقال المحقّق النهاوندي: لا ريب في أنّ آيات الكتاب العزيز قسمان: محكم، ومتشابه.

1 . التوحيد:3و4.
2 . الزمر:56.
3 . الزمر:67.
4 . القمر:14.
5 . التبيان:1/9. ومراده من قوله: « المراد منها غير ظاهرها» هو الظاهر البدوي المتزلزل، دون الظاهر المستقر الذي ينتهى إليه المفسّر بعد الإمعان في الآية ونظائرها والقرائن الأُخرى.
6 . المفردات:254، مادة «أول».

صفحه 277
والمحكم هو الكلام الواضح الدلالة بحيث لا يكون للعرف ـ و لو بملاحظة القرائن المكتنفة به ـ تحيّر في استفادة المراد منه، ولا يحتاج في تعيين المقصود منه إلى الرجوع إلى العالم أو إلى القرائن المنفصلة أو الأدلّة العقلية والنقلية الخارجية.
والمراد بالمتشابه هو الكلام المجمل أو المبهم الذي يشتبه المراد منه على العرف بحيث لا يكون له ـ بالوضع أو بالقرائن المتّصلة حقيقة أو حكماً ـ ظهور في المعنى المراد، بل لابدّ في الاستفادة منه من الرجوع إلى العالم الخبير بمراد المتكلّم، أو الاجتهاد في تحصيل القرائن المنفصلة عن الكلام من حيث العقل المستقل أو سائر كلمات المتكلّمين، ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع ما أورده العياشي (رحمه الله) عن الصادق (عليه السلام)أنّه سُئل عن المُحكم والمتشابه، فقال: «المحكم ما يعمل به، والمتشابه ما اشتبه على جاهله».(1)
وقال العلاّمة الطباطبائي: المراد بالتشابه كون الآية لا يتعيّن مرادها لفهم السامع بمجرد إسماعها، بل يتردّد بين معنى ومعنى حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتُعيّن هي معناها وتبيّنها بياناً; فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة، محكمة بنفسها.
كما أنّ قوله سبحانه: (الرّحمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى)(2) يشتبه المراد منه على السامع أوّل ما يسمعه، فإذا رجع إلى مثل قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ

1 . تفسير العياشي:1/173; بحار الأنوار:19/93; نفحات الرحمن:1/19.
2 . طه:5.

صفحه 278
شَيْءٌ)(1)، استقرّ ذهن السامع على أنّ المراد به التسلّط على الملك والإحاطة على الخلق دون التمكّن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسّم المستحيل على اللّه سبحانه.
وكذا قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)(2) إذا أُرجع إلى مثل قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ)(3)، علم به أنّ المراد بالنظر غير النظر بالبصر الحسّي ـ إلى أن قال: ـ فهذا ما يتحصّل من معنى المحكم والمتشابه ويتلقّاها الفهم الساذج من مجموع الآية، ولا ريب أنّ الآية التي تقسّم آيات الكتاب إلى محكمة ومتشابهة من الآيات المحكمة.(4)
وأنت إذا سبرت تاريخ المسلمين عبر القرون، تقف على لفيف من أصحاب الزيغ، راحوا يتمسّكون بآيات لها ظهور بدويّ مريب، ومثير للشك في سائر الأُصول دون أن يأوّلوها بالمحكمات وإرجاعها إليها، كبعض الآيات التي توهم التجسيم والتشبيه، والجبر والتفويض، والهداية والضلالة، والختم على القلوب وحبط الأعمال، إلى غير ذلك من الآيات التي وقعت ذريعة لبغاة الفتنة ولإضلال الناس.
التشابه عند ابن تيمية وصاحب المنار
فسّر ابن تيمية ـ وتبعه صاحب المنار وبعض المعاصرين ـ المتشابه

1 . الشورى:11.
2 . القيامة:23.
3 . الأنعام:103.
4 . الميزان في تفسير القرآن:3/21.

صفحه 279
بأنّ المراد منه: ما لا يعلم تأويله إلاّ اللّه. والمراد من التأويل ما استأثر اللّه بعلمه، ومن ذلك:
1. وقت قيام الساعة.
2. وقت خروج (هبوط) عيسى بن مريم.
3. وقت طلوع الشمس من مغربها.
4. فناء الدنيا.
وأضاف بعضهم، الأُمور الأُخروية كحقيقة الأعراف والمَلك والجنّ.
يلاحظ عليه بأُمور:
1. أنّ ما ذكره كلّها مفردات، والمتشابه من أقسام الآيات، فكيف يفسر المتشابه بمثل وقت الساعة وأمثالها من واقع الجنة والنار والصراط، والكلّ مفردات وليس آية، والمتشابه آية متشابهة لا مفرد مبهم؟!
2. أنّها فاقدة للظهور، والمتشابه ما له ظهور مستقل يتبعه أصحاب الزيغ.
3. أنّ المتشابه ما يقع ذريعة لأصحاب الزيغ لإضلال الناس وليس فيما عدّه ما يمكن به أغواؤهم، ولم تقع تلك الآيات ذريعة للإضلال في تاريخ حياة المسلمين.
وبما ذكرنا يظهر أنّ الوجوه المذكورة حول تفسير المحكم والمتشابه التي ربّما يناهز عددها إلى 16 وجهاً، احتمالات غير صحيحة

صفحه 280
نشأت من عدم التدبّر في مفهوم الآية.(1)
والذي يمكن أن يلاحظ على كلام النهاوندي هو عدّ المجمل من المتشابه، فإنّ المجمل لا ظهور له ولو بدئياً حتّى يؤخذ به ويتّبعه أهل الزيغ، بخلاف المتشابه فهو ذو ظهور مضطرب ومتزلزل ومريب.
وأمّا الفرق بين المبهم والمتشابه، فهو أنّ كلّ متشابه مبهم الدلالة غير واضحة المعالم وليس كلّ مبهم متشابهاً.
أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فالآيات التالية مبهمة وليست بمتشابهة:
1. قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوا أَنّا نَأْتي الأَرضَ نَنْقُصها مِنْ أَطرافها واللّهُ يَحْكُمُ لا مُعقّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَسريعُ الحِساب)(2) مبهم من حيث المقصود لا من حيث الدلالة، ولذلك فسّر الإمام تنقيص أطراف الأرض بموت العلماء.(3)
2. قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ)(4) فالآية واضحة الدلالة لكنّها مبهمة المعنى، فما هو المراد من الدابة؟ وكيف يكون تكلّمها مع الناس؟

1 . فقد ذكر الرازي في مفاتيح الغيب:2/417 أربعة أوجه ، وأضاف إليها صاحب المنار :3/163ـ 165 ستة أُخرى، وأوصلها سيّدنا الأُستاذ إلى ستة عشر احتمالاً . انظر في الوقوف على هذه الوجوه:الميزان في تفسير القرآن:3/32ـ 39.
2 . الرعد:41.
3 . البرهان للبحراني:2/301.
4 . النمل:82.

صفحه 281
3. قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَاَ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)(1) والآية واضحة الدلالة مبهمة المصداق، فما هو المراد من البرهان؟
إلى غير ذلك من الآيات التي تعدّ دلالتها واضحة حسب الدلالة الاستعمالية، لكن الإبهام في المقاصد والمصاديق الحقيقية.
المُحكمات أُمّ الكتاب
إنّ الآيات المحكمة ـ واضحة الدلالة بيّنة المعالم ـ بشهادة أنّها (أُمُّ الكِتابِ) والمراد من الأُمّ كونها أصلاً في الكتاب تبتني عليها قواعد الدين وأركانه في مجالي العقيدة والعمل.
وأمّا المتشابهات فلوجود احتمالات في دلالتها وعدم تمركزها على معنى واحد ترجع إلى المحكمات رجوع بيان، فالمتشابهات ذات مداليل ترجع وتتفرّع على المحكمات، ولازمه كون المحكمات واضحة المعنى.
ثمّ إنّ الإحكام والتشابه وصفان نسبيان بمعنى أنّ آية ما يمكن أن تكون محكمة من جهة ومتشابهة من جهة أُخرى، فتكون محكمة بالإضافة إلى آية و متشابهة بالإضافة إلى أُخرى، ولا مصداق للمتشابه على الإطلاق في القرآن، ولا مانع من وجود محكم على الإطلاق.

العلم بتأويل المتشابه

هل يختصّ العلم بتأويل المتشابه باللّه سبحانه؟ أو يعمّه والراسخين

1 . يوسف: 24.

صفحه 282
في العلم فالكلّ يعلم تأويل المتشابه، وإن كان بين العِلْمين فرق، فالأوّل علم واجب غير متناه، والآخر علم إمكاني متناه؟
وقد احتدم النزاع عبر قرون في تفسير الآية، أعني قوله سبحانه: (وَما يَعْلَمُ تَأْويلهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْم)(1)، فوقفت طائفة على لفظ الجلالة وعليه حُرِم الراسخون في العلم من تأويل المتشابه، وطائفة أُخرى عطفت (الرّاسِخُونَ فِي العِلْم) على لفظ الجلالة(اللّهُ) وشرّكتهم في العلم بها، ولم تزل هذه المسألة مورد البحث والنقاش إلى عصرنا هذا.
إنّ حلّ هذه المشكلة يكمن في تفسير المتشابه، فمن فسّر المحكم بكلّ ما أمكن تحصيل العلم به بدليل جلي أو خفي، والمتشابه ما لا سبيل إلى العلم به كوقت قيام الساعة وحقيقة الجن والملك وسائر الأُمور غير المحسوسة، فلا محيص له عن الوقف، لأنّه سبحانه تبارك و تعالى استأثر بعلمها على غيره.
وأمّا على ما أوضحناه من أنّ الإحكام والتشابه يرجع إلى الدلالة، وأنّ تأويل المتشابه عبارة عن إرجاعه إلى المعنى المراد ببركة الإمعان في نفس الآية والقرائن المكتنفة والقرائن المنفصلة، فالعلم بتأويل المتشابه يعمّه سبحانه والراسخين في العلم أيضاً.
فمن حاول تحقيق المطلب يجب عليه الانطلاق أوّلاً بحلّ معضلة التشابه ثمّ العروج على تأويل المتشابه.

1 . آل عمران:7.

صفحه 283
إنّ القرآن الكريم كتاب هداية وتذكرة أُنزل للتدبّر فيه، يقول سبحانه: (فَما لَهُمْ عَنِ التذْكِرَة مُعْرِضين * كأَنّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَة * فرّت من قَسْورة)(1)، ويقول سبحانه: (وَلَقَدْيَسَّرنا القُرآنَ لِلّذِّكْر فَهَلْ مِنْ مُدَّكر) .(2)
فعلى ضوء ذلك يجب أن يكون القرآن مفهوماً و معلوماً من بدئه إلى ختمه على ضوء الأُصول التي سيوافيك بيانها عند البحث عن مؤهّلات المفسّر، ومنه الآيات المتشابهة فقد أُنزلت للهداية والتذكرة، فلا معنى لأن يستأثر اللّه ببعض آياته على العباد، وعلى ضوء ذلك لم نجد أحداً من علماء الأُمّة توقّف عن تفسير الآية بذريعة أنّ الآية متشابهة، بل ظل يتفحّص عن القرائن الرافعة للشبه حولها، وقد أيّد هذا المعنى فريق من العلماء.
قال الشيخ أبو علي الطبرسي: وممّا يؤيد هذا القول ـ أي أنّ الراسخين يعلمون التأويل ـ أنّ الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن ولم نرهم توقّفوا على شيء منه لم يفسّروه بأن قالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلاّ اللّه.(3)
وقال بدر الدين الزركشي: إنّ اللّه لم ينزل شيئاً من القرآن إلاّ لينتفع به عباده، ويدلّ به على معنى أراده ـ إلى أن قال: ـ ولا يسوغ لأحد أن يقول: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُعلّم المتشابه، فإذا جاز أن يعرفه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع

1 . المدثر:49ـ 51.
2 . القمر:17.
3 . مجمع البيان:1/410.

صفحه 284
قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ) جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته، والمفسّرون من أُمّته.
ألا ترى أنّ ابن عباس كان يقول: أنا من الراسخين في العلم. ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ من المتشابه إلاّ أن يقولوا: «آمنا» لم يكن لهم فضل على الجاهل، لأنّ الكلّ قائلون ذلك. قال: ونحن لم نر المفسّرين إلى هذه الغاية توقّفوا عن شيء من القرآن، فقالوا: هذا متشابه لا يعلم تأويله إلاّ اللّه، بل أمرّوه على التفسير حتّى فسّروا الحروف المقطّعة.(1)
ثمّ إنّ في نفس الآية دلالة واضحة على أنّه معطوف على لفظ الجلالة، وهو أنّه سبحانه يصف هؤلاء بالرسوخ في العلم ومقتضى الرسوخ فيه، العلم بالتأويل، ولو كانت وظيفتهم مقتصرة على الإيمان من دون العلم به كان الأنسب بل المناسب أن يقول والراسخون في الإيمان.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالجملة معطوفة على لفظ الجلالة وتفسّر الآية بالشكل التالي:
«ولا يعلم تأويلَهُ إلاّ الله والرّاسِخون في العلم»:أي لكن الراسخين في العلم يقولون «آمنا بالمتشابه»كإيماننا بالمحكم، فيأخذون بكلتا الآيتين بحجّة «كلّ من عند ربّنا» ولكن الذين في قلوبهم زيغ يأخذون بخصوص المتشابه ـ للغايتين الفاسدتين ـ دون المحكم، فكأنّه سبحانه لم ينزل إلاّ المتشابه، فالإيمان بالمتشابه الذي جاء في قوله «آمنّا به» لا يدلّ على أنّ

1 . البرهان في علوم القرآن:2/72ـ 73.

صفحه 285
الراسخين يؤمنون به دون أن يعلموا، وذلك لأنّ ذكر إيمانهم بهما لغاية ردّ أصحاب الزيغ حيث يؤمنون بواحد منهما لا أنّه لا شأن لهم سوى الإيمان دون العلم.
وعلى ذلك فليس فيه إشعار على اختصاصهم بالإيمان دون العلم.
هذا ما يفهمه كلّ من له إلمام بالأدب العربي وكلمات البلغاء والفصحاء فلا يشكّ في العطف.

اعتراضات وأجوبتها

قد عرفت أنّ مقتضى الذوق العربي عطف الفقرة (وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ) على لفظ الجلالة، وربّما اعترض على هذا الأمر بوجوه:

1. لزوم شركة الممكن مع الواجب

إنّ مقتضى العطف هو تساوي العلماء مع الله، ولو في هذه الجهة الخاصّة، وقد قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(1).
يلاحظ عليه: أوّلاً بالنقض: فإنّ الممكن يشارك الواجب في الوجود والعلم والقدرة، إلى غير ذلك من الصفات الجمالية.
وثانياً بالحلّ: أنّه سبحانه أشرك مع نفسه الملائكة وأُولو العلم، في الشهادة على التوحيد، قال سبحانه: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا

1 . الشورى:11.

صفحه 286
الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ)(1).

2. الإيمان بعد العلم التفصيلي لا فضيلة فيه

إنّ الله مدح الراسخين في العلم بأنّهم يقولون: (آمَنَّا بِهِ). وقال في أوّل سورة البقرة: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحقّ مِنْ رَبِّهِمْ)(2). فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل، لما كان لهم في الإيمان به مدح، لأنّ كلّ من عرف شيئاً على سبيل التفصيل، فإنّه لابدّ أن يؤمن به.(3)
والجواب ما عرفت من أنّ ذكر إيمانهم بعد العلم التفصيلي لغاية ردّ أصحاب الزيغ حيث يؤمنون بواحد منهما خلافاً للآخر، وبعبارة أُخرى: إنّ وصفهم بالإيمان لا يعني مجرد إيمانهم بالمتشابه فقط، بل يريد إيمانهم بالمحكم والمتشابه معاً.

3. ما هو موضع قوله:(يَقُولُونَ آمّنا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبّنا)؟

والجواب أنّه جملة حاليّة، قال الزمخشري:(يَقُولُونَ) كلام مستأنف موضح لحال الراسخين.(4)
وبذلك يُعلم عدم صحّة ما ذكره الرازي، قال: إنّ العطف بعيد عن

1 . آل عمران:18.
2 . البقرة:26.
3 . تلخيص التمهيد:1/294.
4 . تفسير الكشّاف:1/413.

صفحه 287
ذوق الفصاحة، ولو أُريد العطف لكان الأُولى أن يقال: وهم يقولون آمنا بالله، أو يقال: ويقولون آمنا به.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ الأولى أن يقال: «وهم يقولون» غير تامّ، فإنّ الجملة الحالية إذا صدّرت بالفعل المضارع يجب تجريدها عن الواو. قال ابن مالك في باب الحال من ألفيته في النحو:
و ذاتُ بَدْء بمضارع ثَبَتْ *** حَوَتْ ضميراً و من الواوِ خَلَتْ
ويشهد على ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).(2)
وجه الاستدلال: أنّ قوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) عطف على قوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)وهذه الآية والآية المتقدّمة عليها بصدد بيان مصارف الفيء وهي:
المصرف الأوّل، قوله: (فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ).
المصرف الثاني، قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)(3).

1 . تفسير الرازي:7/177.
2 . الحشر:10.
3 . الحشر:8.

صفحه 288
المصرف الثالث، قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
المصرف الرابع، قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ).
فكان الجميع خبر للموصول الوارد في قوله: (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) فلهذه الطوائف الأربع.
وعلى هذا فالموصول في قوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) ليس مبتدأ وخبره «يَقُولون» بل خبر رابع للموصول في قوله: (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) فله أخبار أربعة: 1. فلله وللرسول، 2. للفقراء المهاجرين، 3. والذين تبّوؤا الدار والإيمان، 4. والذين جاءوا من بعدهم.
وعلى هذا فقوله: (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا) جملة حالية جاءت مجرّدة عن الواو.

4. الراسخون في العلم في نهج البلاغة

يظهر من خطبة الإمام علي(عليه السلام) أنّ الراسخين في العلم هم الذين يؤمنون بأنّ كلاًّ من المحكم والمتشابه من الله، دون أن يعرفوا حقيقة المتشابه، وعلى هذا يكون الوقف على لفظ الجلالة متعيّناً.
قال (عليه السلام): «وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ، الاِْقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الَْمحْجُوبِ، فَمَدَحَ اللهُ تَعَالى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَالَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً، وَسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيَما لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً. فَاقْتَصِرْ عَلَى ذلِكَ، وَلاَ تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللهِ سُبْحانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ

صفحه 289
الْهَالِكِينَ».(1)
والجواب: أنّ ما روي في المقام معارض لما تضافر عنهم(عليهم السلام) من أنّهم من الراسخين في العلم يعلمون تأويل الكتاب، وها نحن نذكر في البحث التالي بعض ما روي عنهم في تأويل المتشابه، فلابدّ من ردّ علم ما ورد في الخطبة إليهم(عليهم السلام).

مَن هم الراسخون في العلم؟

إنّه سبحانه يصف جمعاً من الناس بالراسخين في العلم ـ كما في المقام ـ كما وصف جمعاً من علماء اليهود بهذا الوصف أيضاً وذلك في قوله تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيًما)(2).
إنّما الكلام: ما هو المراد من الرسوخ، ففي مصباح اللغة: رسخ الشيء يرسخ رسوخاً: ثبت، وكلّ ثابت راسخ. والظاهر منه كون اللفظين بمعنى واحد. لكن في فروق اللغة أنّ الرسوخ كمال الثبات، والشاهد أنّه يقال للشيء المستقر على الأرض أنّه ثابت وإن لم يتعلّق بها تعلّقاً شديداً، ولا يقال: «راسخ»، ولا يقال حائط راسخ، لأنّ الجبل أكثر ثباتاً من الحائط، ويقولون: هو أرسخهم في المكرمات، أي أكملهم ثباتاً فيها.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 91.
2 . النساء:162.

صفحه 290
وعلى هذا فالراسخون في العلم هم المتمكّنون في العلم والمنوّرون بنور اليقين لا يعرضهم الشكّ والظن والوهم، نظير قوله سبحانه:(الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا)(1).
وعلى هذا فالرسوخ في العلم حقيقة مشكّكة له درجات، وفي بعض الروايات عن أحدهما(عليهما السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) فرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الراسخين في العلم قد علّمه الله عزّ وجلّ جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يُعلّمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه».(2)
وروى عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله(عليه السلام): «الراسخون في العلم أمير المؤمنين(عليه السلام) والأئمّة من بعده».(3) إلى غير ذلك من الروايات الواردة في شأن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
نعم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هم المصاديق العليا لهذا المفهوم، وبما أنّ الرسوخ في العلم مفهوم مشكّك، فيشمل كلّ مَن يحلّق بجناحي العلم والعمل والمعرفة وتهذيب النفس، فالجميع من الراسخين بالعلم، يفسّرون الآيات المتشابهة على ضوء الآيات المحكمة بلا تردّد ولا شكّ.

1 . الحجرات:15.
2 . الكافي:1/213، الحديث2.
3 . الكافي:1/213، الحديث1.

صفحه 291

المبحث الثالث عشر

تأويل المتشابه

قد تقدّم معنى التأويل بوجه مطلق في القرآن الكريم في المبحث الحادي عشر، وحان البحث في تأويل خصوص المتشابه حيث إنّ آيات القرآن تقسّم إلى محكم ومتشابه، يقول سبحانه:
(هُوَ الَّذي أنْزَلَ عَلَيكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَأُخرُ مُتشابِهاتٌ فَأَمّا الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُون ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْويلهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولوا الأَلْباب).(1)
فما معنى التأويل في هذه الآية فليس هو صرف الظاهر عن ظاهره؟! لما تقدّم من أنّ التأويل بمعنى (صرف الظاهر عن ظاهره) مصطلح حديث لا يمتُّ إلى القرآن بصلة؟
هذا هو السؤال وقد تقدّم في المبحث السابق إنّ آيات الذكر الحكيم

1 . آل عمران:7.

صفحه 292
على قسمين: قسم منها ما يتمتع بدلالة واضحة في بدء الأمر بحيث لا يشتبه المراد بغير المراد، كالآيات التي تتضمّن نصائح لقمان لابنه(1)، أو ما يذكره سبحانه في سورة الإسراء بعنوان الحكمة(2) ونظائرهما المتوفرة.
فالناظر في هذه الآيات يقف على المراد في بدء الأمر، لأنّها تتمتع بدلالة واضحة لا يشتبه المراد بغيره.
وهناك آيات لا تبلغ دلالتها على المعنى المراد هذا الحدَّ، بل الناظر في بدء الأمر لا يميّز المراد عن غيره، ويشتبه المراد بغير المراد، كالأشجار المتشابهة مع اختلاف أثمارها كالرمّان والزيتون، فتوصف بالآية المتشابهة لتشابه المراد بغيره، والحقّ بالباطل.
وأمّا ما هو الوجه لنزول بعض الآيات على هذا الوصف، فهو موكول إلى محلّه، وقد ذكر المفسِّرون هناك وجوهاً مختلفة لنزول الآيات المتشابهة.(3)
فهذه الآيات التي ليست لها دلالة قاطعة في بدء الأمر هي التي وقعت ذريعة عبر التاريخ في أيدي الذين في قلوبهم زيغ لإيجاد الفتنة والبلبلة الفكرية وإشاعة الباطل وستر الحقّ.
وتجد في الآيات التي تتعرض للمعارف، هذا النوعَ من التشابه، فالآيات التي يستشم منها التجسيم والتشبيه، ورؤية اللّه تعالى بالحواس،

1 . لاحظ: سورة لقمان:13ـ19.
2 . لاحظ: سورة الإسراء:22ـ39.
3 . لاحظ: المعجزة الخالدة للسيد الشهرستاني:124.

صفحه 293
والجبر وأنّه ليس للإنسان دور في الضلالة والهداية، كلّها من الآيات المتشابهة، فأصحاب الزيغ ـ الذين يبتغون الفتنة من ورائها ـ يؤوِّلون هذه الآيات بالأخذ بظواهرها من دون إرجاعها إلى محكماتها.
والراسخون أيضاً يؤوِّلونها، بإرجاعها إلى محكماتها.
أمّا الطائفة الأُولى فتأويلهم يتلخّص في الأخذ بالظهور المتزلزل غير المستقر ابتغاءً للفتنة، فيغترون بظاهر قوله سبحانه: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاء)(1) ويبثّون فكرة الجبر الذي هو سلب الاختيار عن الإنسان في مجال الهداية والضلالة، والإيمان والكفر.
وأمّا الراسخون فتأويلهم هو إرجاع الآية إلى واقعها، بالإمعان في الآية والقرائن الحافّة بها، منضمّاً إلى ما ورد في الآيات المحكمة في هذا الموضوع، فيفسّرون ما سبق من الآيات حول الهداية والضلالة، بقوله سبحانه: (وَقُلِ الحقّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر)(2)، وبقوله سبحانه:(قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِن اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِليَّ رَبّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيب) .(3)
فكلتا الطائفتين يؤوِّلون، فيأخذ أصحاب الزيغ بالظاهر المتزلزل الموافق لهواهم ونزعتهم، فيجعلونه ذريعة لنشر البدع والضلالة; وأمّا الآخرون فيؤوِّلونه بإرجاع المتشابهات إلى المحكمات التي هي أُمّ

1 . النحل:93.
2 . الكهف:29.
3 . سبأ:50.

صفحه 294
الكتاب.
هذه هي حقيقة المتشابه وحقيقة التأويل فيه، وليس تأويل كلتا الطائفتين بمعنى صرف الظاهر المستقر عن ظاهره; بل هو إمّا الأخذ بالظاهر البدوي لغاية الفتنة، أو إرجاعه إلى الظاهر المستقر بالإمعان في نفس الآية والقرائن المكتنفة بها، مضافاً إلى الآيات المحكمة الواردة في نفس ذلك الموضوع .
وبما ذكرنا في المقام تقدر على تأويل عامّة الآيات المتشابهة نظير :
1. العين، كقوله سبحانه: (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي).(1)
2. اليمين، كقوله سبحانه: (وَالسّمواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِه).(2)
3. الاستواء، كقوله سبحانه: (الرَّحمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوى).(3)
4. النفس، كقوله سبحانه: (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ).(4)
5. الساق، كقوله سبحانه: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق).(5)
6. الجنب، كقوله سبحانه: (عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ).(6)

1 . طه:39.
2 . الزمر:67.
3 . طه:5.
4 . المائدة:116.
5 . القلم:42.
6 . الزمر:56.

صفحه 295
7. القرب، كقوله سبحانه: (فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدّاعِ).(1)
8. المجيء، كقوله سبحانه: (وَجاءَ رَبُّكَ) .(2)
9. الإتيان، كما قال سبحانه: (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ).(3)
10. الغضب، كما في قوله: (وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِم).(4)
11. الرضا، كما في قوله: (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُم) .(5)
إلى غير ذلك من الصفات الخبرية التي وردت في القرآن الكريم وأخبر عنها الوحي، فللجميع ظواهر غير مستقرة لا تلائم الأُصول الواردة في محكمات الآيات، ولكن بالإمعان و التدقيق يصل الإنسان إلى مآلها ومرجعها وواقعها، وهذا لا يعني حمل الظاهر على خلافه، بل التتبع لغاية العثور على الظاهر، إذ ليس للمتشابه ظاهر ظهور مستقرّ في بدء الأمر حتّى نتبعه.
وفي الختام نذكر نموذجين من تأويل المتشابه.
1. أنّ الصفات الخبرية الواردة في القرآن كالوجه وغيره لها حكم عند الإفراد ولها حكم آخر إذا ما جاءت في ضمن الجمل، فلا يصحّ حملها على المعاني اللغوية إذا كانت هناك قرائن صارفة عنها، فإذا قال سبحانه:

1 . البقرة:186.
2 . الفجر:22.
3 . الأنعام:158.
4 . الفتح:6.
5 . المائدة:119.

صفحه 296
(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً)(1) فتحمل الآية على ما هو المتبادر من اليد عند العرف العام، أعني: الإسراف والتقتير، فبسط اليد كناية عن الإنفاق بلا شرط، كما أنّ جعل اليد مغلولة إلى العنق كناية عن البخل والتقتير، ولا يعني به بسط اليد بمعنى مدّها، ولا غلّ اليد إلى العنق بمعنى شدّها إليه.
وممّا ذكرنا يعلم ما هو المراد من قوله سبحانه: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(2).
فاليد في الموردين ليست بمعنى العضو الإنساني، وعندئذ أُريد من بسط اليد وضدّه المعنى الكنائي أعني: السخاء والبخل بلحاظ أنّ الإنفاق والقبض يكون كلّ قائماً باليد.
2. قوله سبحانه: (الرّحمنُ على العَرْشِ اسْتَوى)(3) نظير الآية السابقة، فالعرش في اللغة هو السرير، والاستواء عليه هو الاستقرار، غير أنّ هذا حكم مفرداتها، وأمّا إذا وردا في الجملة فيتفرّع الاستظهار منها، على القرائن الحافّة بها، فالعرب الأقحاح لا يفهمون منها سوى التعالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الإسراء:29.
2 . المائدة:64.
3 . طه:5.

صفحه 297
والاستيلاء، وحملها على غير ذلك يعدّ تصرّفاً في الظاهر، وتأويلاً لها، فإذا سمع العرب قول القائل:
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
أو سمع قول الشاعر:
ولما علونا واستوينا عليهم *** تركناهم مرعى لنسر وكاسر
فلا يتبادر إلى أذهانهم سوى العلو والسيطرة والسلطة، لا العلو المكاني الذي يعد كمالاً للجسم، وأين هو من العلو المعنوي الذي هو كمال الذات؟!
وقد جاء استعمال لفظ الاستواء على العرش في سبع آيات(1) مقترناً بذكر فعل من أفعاله، وهو رفع السماوات بغير عمد، أو خلق السماوات والأرض و ما بينهما في ستة أيّام، فكان ذاك قرينة على أنّ المراد منه ليس هو الاستواء المكاني بل الاستيلاء والسيطرة على العالم كلّه، فكما لا شريك له في الخلق والإيجاد لا شريك له أيضاً في الملك والسلطة والتدبير، ولأجل ذلك يقول في ذيل بعض هذه الآيات: (أَلا لَهُ الخَلق وَالأَمْر تَباركَ اللّهُ ربّ الْعالَمين).(2)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ التأويل في القرآن هو ما ذكرنا من إرجاع الشيء إلى واقعه من دون فرق بين الكلام والفعل والحقيقة التكوينية

1. لاحظ: الأعراف:54، يونس:3، الرعد:2، طه:5، الفرقان:59، السجدة:4، الحديد:4.
2 . الأعراف:54.

صفحه 298
كالرؤيا.
ولكن يستفاد من الأحاديث النبوية والعلوية أنّ للتأويل مصطلحاً آخر، ويطلق عليه التأويل في مقابل التنزيل، وهذا النوع من التأويل لا يعني التصرّف في الآية بإرجاعها إلى الغاية المرادة، وإنّما يتبنّى بيان مصاديق جديدة لم تكن في عصر نزول القرآن، وهذا ما دعانا إلى عقد المبحث التالي.

صفحه 299

المبحث الرابع عشر

التأويل في مقابل التنزيل

القرآن الكريم معجزة خالدة يشقّ طريقاً للأجيال بمفاهيمه ومعانيه السامية، فهو حجّة إلهية في كلّ عصر وجيل في عامّة الحوادث المختلفة صوراً والمتّحدة مادّة، يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدَّق، ومَن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومَن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل و بيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تُحصى عجائبُه ولا تُبلى غرائبُه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة» .(1)
فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تُحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه» يرشدنا إلى الإمعان في القرآن في كلّ عصر وجيل، والرجوع إليه في الحوادث والطوارق، كما

1 . الكافي: 2/599.

صفحه 300
أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وله ظهر وبطن » يرشدنا إلى أن نقف على ظهره وبطنه،والمراد من البطن ليس هو التفسير بالرأي، بل تحرّي المصداق المماثل للمصداق الموجود في عصر الوحي و به فسّره الإمام الباقر (عليه السلام)حيث قال: «ظهره تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما قد مضى، ومنه ما لم يكن، يجري كما تجري الشمس والقمر».(1)
فالتأويل هنا في مقابل التنزيل، فالمصداق الموجود في عصر الوحي تنزيله، والمصاديق المتحقّقة في الأجيال الآتية تأويله، وهذا أيضاً من دلائل سعة آفاقه، فالقرآن كما قال الإمام الباقر(عليه السلام): «يجري كما تجري الشمس والقمر»، فينتفع منه كلّ جيل في عصره كما ينتفع بالشمس والقمر عامّة الناس، ولذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام)  ـ أيضاً ـ : «إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرجل، ماتت الآية، مات الكتاب! ولكنّه حيّ يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى».(2)
فالقرآن منطو على مادة حيوية قادرة على علاج الحوادث الطارئة عبر الزمان إلى يوم القيامة، وذلك عن طريق معرفة تأويله في مقابل تنزيله.
ولنأت ببعض الأمثلة:

نماذج من التأويل في مقابل التنزيل

1. يقول سبحانه:(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا أُنْزلَ عليهِ آيةٌ مِنْ رَبّهِ إِنّما أَنْتَ

1. بصائر الدرجات:216 برقم7; بحار الأنوار:89/97 برقم 64.
2. الكافي:1/192 برقم3، كتاب الحجّة; تفسير نور الثقلين:2/483، الحديث22.

صفحه 301
مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوم هاد).(1)
نصّ القرآن الكريم بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بشخصه منذر كما نصّ بأنّ لكلّ قوم هاد، وقد قام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بتعيين مصداق الهادي في حديثه، وقال:«أنا المنذر وعليٌّ الهادي إلى أمري»(2)، ولكن المصداق لا ينحصر بعلي(عليه السلام)، بل الهداة الذين تواردوا عبر الزمان هم المصاديق للآية المباركة، ولذلك نرى أنّ الإمام الباقر (عليه السلام)يقول: «رسول اللّه المنذر، وعليٌّ الهادي، وكلّ إمام هاد للقرن الذي هو فيه».(3)
فالهداة المتواردون كلّهم تأويل للآية في مقابل التنزيل.
2. يقول سبحانه: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمّةَ الكُفرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).(4)
فهذه الآية تعطي ضابطة كلّية في حقّ الناكثين للعهد الشرعي، قد احتجّ بها أمير المؤمنين (عليه السلام)في يوم الجمل، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال: «دخل عليّ أُناس من أهل البصرة، فسألوني عن طلحة والزبير، فقلت لهم: كانا من أئمّة الكفر، إنّ عليّاً يوم البصرة لمّا صفَّ الخيول، قال لأصحابه: لا تعجلوا على القوم حتى أُعذر فيما بيني و بين اللّه عزّ وجلّ وبينهم، فقام إليهم فقال:

1 . الرعد:7.
2 .تفسير نور الثقلين:2/482.
3 . تفسير نور الثقلين:2/485.
4 . التوبة:12.

صفحه 302
«يا أهل البصرة هل تجدون عليّ جوراً في حكم اللّه؟»
قالوا: لا.
قال: «فحيفاً في قسم (جمع القسمة)؟!».
قالوا: لا.
قال: «فرغبت في دنيا أخذتها لي ولأهل بيتي دونكم، فنقمتم عليّ فنكثتم بيعتي؟!».
قالوا: لا.
قال:«فأقمت فيكم الحدود وعطّلتها عن غيركم؟!».
قالوا: لا.
قال: «فما بال بيعتي تُنكث، وبيعة غيري لا تُنكث؟! إنّي ضربت الأمر أنفَه وعينَه فلم أجد إلاّ الكفر أو السيف»، ثمّ ثنى إلى أصحابه، فقال:
إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول في كتابه: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمّةَ الكُفرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):«والذي فلق الحبّة وبرئ النسمة واصطفى محمداً بالنبوّة إنّهم لأصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ نزلت».(1)
ثمّ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الذي سمّى هذا النوع من القتال ـ حسب ما ورد في الرواية ـ تأويلاً في مقابل التنزيل، فقال مخاطباً لعليّ: «تقاتل على تأويل

1 . تفسير نور الثقلين:2/189; البرهان في تفسير القرآن:2/106.

صفحه 303
القرآن كما قاتلتَ معي على تنزيله، ثمّ تقتل شهيداً تخضب لحيتك من دم رأسك».(1)
روى ابن شهر آشوب عن زيد بن أرقم، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا أُقاتل على التنزيل، وعليّ يقاتل على التأويل».(2)
وهذا هو عمار قاتل في صفين مرتجزاً بقوله:
نحن ضربناكم على تنزيله *** فاليوم نضربكم على تأويله(3)
فوصف جهاده في صفين مع القاسطين تأويلاً للقرآن الكريم.

1 . بحار الأنوار:40/1، الباب 91.
2 . المناقب:3/218.
3 . الاستيعاب:2/472، المطبوع في حاشية الإصابة.

صفحه 304

المبحث الخامس عشر

حقيقة التفسير بالرأي

تضافرت الروايات عن النبي والآل(صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) على النهي عن التفسير بالرأي .
روى الصدوق باسناده عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال جلّ جلاله: ما آمن بي مَن فسّر برأيه كلامي».(1)
وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «إيّاك أن تفسّر القرآن برأيك حتى تفقهه عن العلماء».(2)
وروى أبو جعفر الطبري، بإسناده عن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».(3)
وأخرج الترمذي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «اتّقوا الحديث إلاّ ما علمتم،

1 . أمالي الصدوق: المجلس الثاني:6 .
2 . التوحيد: 264، الباب 36 .
3 . تفسير الطبري: 1/27.

صفحه 305
فمَن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار، ومَن قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».(1)
إلى غير ذلك من الروايات الواردة حول النهي عن التفسير بالرأي، غير أنّ الذي يجب التركيز عليه هو تحديد التفسير بالرأي، فقد اختلفت كلمتهم في تفسير هذا الموضوع إلى أقوال:

أ. تفسير ما لا يدرك علمه إلاّ ببيان الرسول

يظهر من الطبري أنّه يخصُّ التفسير بالرأي بتفسير آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلاّ بنص بيان الرسول، ومن أظهر مصاديقه، الآيات الواردة حول الفرائض كالصلاة والزكاة والحجّ، حيث إنّ الأجزاء والشرائط والموانع رهن بيان الرسول، يقول الطبري في ذلك الصدد:
وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحّة ما قلنا من أنّ ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلاّ بنصّ بيان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه وإن أصاب الحقّ فيه فمخطئ فيما كان، من فعله بقيله فيه برأيه، لأنّ إصابته ليست إصابة موقن أنّه محقّ وإنّما هو إصابة خارص وظانّ، والقائل في دين اللّه بالظن، قائل على اللّه ما لم يعلم، وقد حرّم اللّه جلّ ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ

1 . سنن الترمذي:2/157، كتاب التفسير.

صفحه 306
تَعْلَمُونَ)(1)، فالقائل في تأويل كتاب اللّه الذي لا يُدرك علمه إلاّ ببيان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الذي جعل اللّه إليه بيانه، قائل بما لا يعلم وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد اللّه به من معناه، لأنّ القائل فيه بغير علم، قائل على اللّه ما لا علم له.(2)
وما ذكره في معنى التفسير بالرأي صحيح لكنّه من مصاديق التفسير بالرأي، وليس التفسير بالرأي منحصراً به.
ويظهر من السيد الخوئي(قدس سره)احتمال ذلك المعنى، قال:
ويحتمل أنّ معنى التفسير بالرأي، الاستقلال في الفتوى من غير مراجعة الأئمّة (عليهم السلام)مع أنّهم قرناء الكتاب في وجوب التمسّك، ولزوم الانتهاء إليهم، فإذا عمل الإنسان بالعموم أو الإطلاق الوارد في الكتاب، ولم يأخذ التخصيص أو التقييد الوارد عن الأئمّة كان هذا من التفسير بالرأي.(3)

ب. إخضاع القرآن للعقيدة

إنّ المراد من التفسير بالرأي هو أن يكون الرأي والعقيدة المسبقة هو الملاك للتفسير، فالمفسّر ـ مكان أن يتجرّد عن الآراء المسبقة ويوطِّنَ نفسه على ما توحيه الآية حسب الأُصول والقواعد ـ يُخضع القرآن لعقيدته، ويعرضه عليها. مع أنّ القرآن حجّة اللّه على خلقه وعهده إلى

1 . الأعراف:33.
2 . تفسير الطبري:1/27.
3 . البيان في تفسير القرآن: 288.

صفحه 307
عباده فيجب أن يُحتكم إليه ويُصدر عن حكمه لا بالعكس.
إنّ موقف المفسّر من كلام اللّه موقف المتعلّم من المعلم، وموقف مجتني الثمرة من الشجرة، فيجب أن يتربّص إلى أن ينطلق المعلّم في أخذ ما يلقيه، ويجتني الثمرة في أوانها وفي وقت إيناعها، غير أنّ هذه الأدوار تنعكس حين التفسير بالرأي.
ومن هذه المقولة دعم أرباب الملل والنحل آراءهم و حججهم بالقرآن مع أنّ لهم آراء متضاربة، والقرآن لا يعترف إلاّ بواحد منها، وما ذلك إلاّ لأنّهم يصدرون عن التفسير بالرأي ولا يحتكمون إلى القرآن بل ـ مكان عرض عقيدتهم على القرآن ـ يعرضون القرآن على العقيدة ويطبقونه عليها.

ج. تفسير القرآن بغير الأُصول الصحيحة

تفسير القرآن بغير الأُصول والقواعد التي يتوقّف التفسير عليها، من مقولة التفسير بالرأي، فإنّ لتفسير كلّ كلام ـ إلهياً كان أم بشرياً ـ أُصولاً لايعرف المراد من غيره إلاّ في ظلها، وسنعرض تلك المقدّمات وما يهمّ المفسّر في مبحث خاص.
وبهذين الوجهين الثاني والثالث نفسّر من الروايات الناهية عن التفسير بالرأي، وقد اختارهما لفيف من المحقّقين، نذكر منهم ما يلي:
قال أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (المتوفّى 671هـ) قال ـ بعد نقل روايات ناهية عن التفسير بالرأي ـ : إنّ النهي يحمل

صفحه 308
على أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لما يلوح له من القرآن ذلك المعنى. وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد من الآية ذلك، ولكن مقصوده أن يُلبس على خصمه، وتارة يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجِّح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسّر برأيه، أي رأيه حملَه على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه.
الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلّق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يُحكِّم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية، كثر غلطه، ودخل في زمرة مَن فسّر القرآن بالرأي، والنقل والسماع لابدّ له منه في ظاهر التفسير ليتّقي به مواضع الغلط، ثمّ بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط. والغرائب التي لا تفهم إلاّ بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر.(1)

1 . تفسير القرطبي:1/33ـ 34.ولاحظ: تفسير الصافي:1/39.

صفحه 309
وقد اختار هذا الوجه ابن عاشور (المتوفّى عام 1384هـ)، فذكر للتفسير بالرأي هذين الوجهين، أيضاً وقال:
الأوّل: أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأوّل القرآن على وفق رأيه ويصرفه عن المراد ويُرغمه على تحمّله ما لا يساعد عليه المعنى المتعارف، فيجرّ شهادة القرآن لتقرير رأيه، ويمنعه عن فهم القرآن حقّ فهمه، ما قيّد عقله من التعصّب، عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير مذهبه.
الثاني: أنّ المراد بالرأي هو القول عن مجرّد خاطر دون استناد إلى نظر في أدلّة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها، وما لا بدّ منه من معرفة الناسخ والمنسوخ وسبب النزول، فهذا لا محالة إن أصاب فقد أخطأ في تصوّره بلا علم.(1)
فعلى ذلك التفسير بالرأي يتلخّص في أمرين:
الأوّل: أن يتوخّى من تفسير القرآن دعم عقيدته ورأيه المُسْبَق حتى يحتجّ بالآية على الخصم أو يبرّر به عمله، ففي ذلك الموقف ينظر المفسّر إلى القرآن لا بنظر الاهتداء بل بنظر دعم موقفه وعقيدته ومذهبه.
الثاني: الاستبداد بالرأي في تفسير القرآن من دون أن يقتفي الأُسلوب الصحيح في تفسير القرآن حسب ما قرّر في محله عند دراسة مؤهّلات المفسّر.

1 . التحرير والتنوير:1/30ـ 31.

صفحه 310
ويظهر من السيد الطباطبائي أنّه خصّ التفسير بالرأي بالقسم الثاني ببيان آخر وهو أنّ كلام اللّه سبحانه لرفع مستواه لا يفسّر كما يفسّر به كلام الإنسان حيث قال:
إنّ الإضافة في قوله «برأيه» يفيد معنى الاختصاص والانفراد والاستقلال، بأن يستقل المفسّر في تفسير القرآن بما عنده من الأسباب في فهم الكلام العربي، فيقيس كلامه تعالى بكلام الناس، فإنّ قطعة من الكلام من أيِّ متكلّم إذا ورد علينا، لم نلبث دون أن نعمل فيه القواعد المعمولة في كشف المراد الكلامي، ونحكم بذلك أنّه أراد كذا، كما نجري عليه في الأقارير والشهادات وغيرهما، كلّ ذلك لكون بياننا مبنياً على ما نعلمه من اللغة، ونعهده من مصاديق الكلمات، حقيقة ومجازاً.
والبيان القرآني غير جار هذا المجرى، بل هو كلام موصول بعضه ببعض، في حين أنّه مفصول ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض كما قاله الإمام علي (عليه السلام).
فلا يكفي ما يتحصّل من آية واحدة بإعمال القواعد المقرّرة في العلوم المربوطة في انكشاف المعنى المراد منها دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ويجتهد في التدبّر فيها كما يظهر من قوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدبَّرون القُرآن وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْد غَير اللّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اختلافاً كَثيراً).(1)
فالتفسير بالرأي المنهي عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون

1 . النساء:82.

صفحه 311
المكشوف.
وبعبارة أُخرى: إنّما نهى(صلى الله عليه وآله وسلم)عن تفهّم كلامه على نحو ما يتفهّم به كلام غيره وإن كان هذا النحو من التفهّم ربّما صادف الواقع، والدليل على ذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الرواية الأُخرى:«من تكلّم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» فإنّ الحكم بالخطأ مع فرض الإصابة ليس إلاّ لكون الخطأ في الطريق.
والمحصّل: أنّ المنهيّ عنه إنّما هو الاستقلال في تفسير القرآن واعتماد المفسّر على نفسه من غير رجوع إلى غيره، ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع إليه، وهذا الغير لا محالة إمّا هو الكتاب أو السنّة، وكونه هي السنّة ينافي القرآن و نفس السنّة الآمرة بالرجوع إليه وعرض الأخبار عليه، فلا يبقى للرجوع إليه والاستمداد منه في تفسير القرآن إلاّ نفس القرآن.(1)
ومع أنّه فصّل الكلام في القسم الثاني من التفسير بالرأي، لم تفته الإشارة إلى القسم الأوّل في بعض كلماته قال: يعرض المفسّر الآية على ما توصل إليه العلم أو الفلسفة من نظريات أو فرضيات مقطوع أو مظنون بهما ظناً راجحاً إلخ.
نموذج لكلّ من القسمين
ثمّ إنّ تأويلات الباطنية أو المتصوّفة كلّها من قبيل القسم الأوّل،

1 . الميزان في تفسير القرآن:3/76ـ77.

صفحه 312
ولتسليط الضوء نذكر مثالاً:
أثبتت الأُصول الفلسفية أنّ الأصل هو الوجود وأنّ الماهية أمر انتزاعي من حدّ الوجود والمنسوب إلى الجاعل هو الوجود، غير أن تنزل الوجود لا ينفك عن عروض الحدود، فالصادر من اللّه سبحانه هو الوجود غير المحدّد المتلوّن بالماهيات بعد الصدور.
هذا ما أثبتته الأُصول الفلسفية، ثمّ إنّ العرفاء يدعمون تلك النظرية بالآية التالية:
يقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلى ربّكَ كَيْفَ مَدّ الظلّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلهُ ساكناً ثُمَّ جَعَلنا الشمس عليه دَليلاً)(1). ويفسّرون مدّ الظل ببسط الوجود على الماهيات، حتّى أنّ بعض المشايخ من العرفاء كان يدّعي أنّ دلالة الآية على هذا المعنى أمر بديهي، فقد نظر العارف إلى القرآن لا بنظر الاهتداء بل بنظر ما يدعم عقيدته. مع أنّ الآية أجنبية عمّا رامه، فإنّ الآية و ما بعدها بصدد بيان آياته سبحانه الكونية من جعل الليل لباساً والنوم سباتاً والنهار نشوراً، وإرسال الرياح بشرى بين يدي رحمته، إلى غير ذلك من الآيات، فأي صلة لها بالوجود المنبسط على الماهيات؟!
ومن القسم الثاني، أعني: تفسير القرآن من غير استناد إلى أصل صحيح، بل اعتماداً على ظاهر الآية من دون رعاية الأساليب المعهودة، يقول سبحانه: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالاْيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ

1 . الفرقان:45.

صفحه 313
النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالاْيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا).(1)
إنّ مَن يقتنع في تفسير القرآن بالقواعد العربية مع غض النظر عن سائر الأُصول ربّما يجعل «مبصرة» وصفاً للناقة فيصف الناقة بالإبصار، مع أنّها وصف لموصوف محذوف أي: «وجعلنا الناقة آية مبصرة» فالآية من قبيل الاختصار بحذف الموصوف.

الاجتهاد في فهم القرآن غير التفسير بالرأي

ثمّ إنّ المحظور هو التفسير بالرأي على ما عرفت ، وأمّا السعي وبذل الجهد في فهم مقاصد الآيات ومراميها عن الطرق المألوفة بين العلماء خلفاً عن سلف فليس بمحظور، بل هو ممدوح، بل لا محيص عنه في فهم القرآن الكريم.
فإنّ ما يهتدي إليه المفسّر بعد التفكّر والتأمّل في مفردات الآية وجملها وسياقها ونظائرها من الآيات إذا كانت له صلة بها، فهو تفسير مقبول ولا صلة له بالتفسير بالرأي، وإذا كانت الآية ممّا تتضمّن حكماً فقهياً يرجع في فهم الموضوع وشرائطه وجزئياته وموانعه إلى الروايات والأخبار المأثورة، ثمّ يتمسّك في موارد الشكّ في اعتبار شيء، أو خروج فرد عن تحت الدليل، بإطلاقها أو عمومها فلا يُعدّ ذلك تفسيراً بالرأي بل اجتهاداً معقولاً، مقبولاً في فهم الآية.
ولعلّ كون القرآن كتاب القرون والأجيال لا تنقضي عجائبه يلازم

1 . الإسراء:59.

صفحه 314
قبول هذا النوع من التفسير الاجتهادي، ولأجل ذلك لم يزل كتاب اللّه طريّاً في غضون الأجيال لم يندرس ولم يطرأ عليه الاندراس، بل هو طريّ ما دامت السماوات والأرض، ولازم ذلك وجود معارف وحقائق في القرآن يهتدي إليها الإنسان بالتعمّق في دلالاته اللفظية: المطابقية والتضمنية والالتزامية، وإن كان السلف في الأعصار الماضية غافلين عن هذه المعاني، ولعلّه إلى ذلك يشير الإمام الصادق (عليه السلام)في جواب من سأله أنّه ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلاّ غضاضة بقوله: «لأنّ اللّه تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، وهو في كلّ زمان جديد، وعند كلّ قوم غض إلى يوم القيامة».(1)
وبالجملة فإيصاد هذا الباب في وجه المفسّرين، يوجب وقف الحركة العلمية في فهم الكتاب العزيز، وبالتالي يكون القرآن كسائر الكتب محدود المعنى ومقصور المراد لا يحتاج إلى تداوم البحث وتضافره.
ولأجل إعطاء نموذج من الاجتهاد الصحيح في فهم القرآن نذكر اجتهاد الإمام أبي الحسن الهادي (عليه السلام)في تفسير الآية.
روى ابن شهر آشوب في مناقبه، قال:
قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي (عليه السلام)يسأله،

1 . بحارالأنوار:92/15، باب فضل القرآن، الحديث 8 .

صفحه 315
فلما قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت».
فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب:
(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)(1)، فأمر به المتوكل فضرب حتى مات.(2)
فالآية تدلّ بوضوح على أنّ الإيمان لدفع البأس، غير نافع في دفعه، وعليه جرت سنة اللّه سبحانه، فليكن المقام من صغريات تلك الكبرى.

1 . غافر:84ـ85.
2 . مناقب آل أبي طالب:4/403ـ 405.

صفحه 316
القرآن قطعيّ الدلالة في نصوصه وظواهره   

المبحث السادس عشر

القرآن قطعيّ الدلالة

في
نصوصه وظواهره(1)
قسّم الأُصوليون دلالة الكلام على معناه إلى: دلالة قطعيّة، ودلالة ظنيّة; فوصفوا دلالة النصوص على معانيها بالدلالة القطعيّة التي لا يحتمل خلافها، ودلالة الظواهر دلالة ظنيّة تقابل الأُولى.
هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ نصوص القرآن بالنسبة إلى الظواهر أقل، وبذلك أصبحت دلالة القرآن على مضامينها دلالة ظنيّة لا قطعيّة.
ولأجل وصف دلالة الظواهر على مقاصدها بالظنية، سَهُل التصرّف في دلالة القرآن الكريم بحجج عقلية أو علمية بحجّة أنّ دلالة القرآن ظنية لا

1 . موضوع البحث هو النصوص والظواهر دون المجملات، والمبهمات، فهي خارجة عن محطّ البحث.

صفحه 317
تقاوم الحجج الفعلية والبراهين العلمية.
ولكن وصف دلالة الآيات بالظنية، يوجب كون القرآن حجّة ظنية ومعجزة غير قطعيّة مع أنّ الإعجاز يقوم على أساس من القطع واليقين.
فالإعجاز البياني قائم على جمال اللفظ وإناقة الظاهر من جانب، وجمال العرض وسموّ المعنى وعلوّ المضمون من جانب آخر، فلو كانت دلالة القرآن على الجانب الآخر ـ أي المعنى ـ دلالة ظنية يُصبح القرآن معجزة ظنية تبعاً لأخسّ المقدّمتين، وهذا من النتائج السلبية لتقسيم دلالة القرآن إلى القطعيّ والظنّي ولا يلتزم به أحد إذا أمعن، ومع ذلك فنحن نعتقد ـ غير هذا ـ بأنّ دلالة الظواهر كالنصوص على معانيها دلالة قطعية لا ظنية، وذلك بالبيان التالي:
إنّ أساس المحاورة بين الناس هو القطع بالمراد من ظواهر الكلام لا الظن به، وإلاّ لما قام صَرْح الحياة.
كيف لا يكون كذلك فإنّ ما يتفوّه به الطبيب يتلقّاه المريض مفهوماً واضحاً لا تردّد فيه، وما يتلقّاه السائل من الجواب من خبير يسكن إليه السائل بلا تردّد.
ومع ذلك فكيف يُدّعى أنّ ظواهر الكتاب والسنّة أو ما دار بين النبي والسائل هي ظواهر ظنّية؟!
إنّ القضاء الحاسم في أنّ كشف الظواهر عن مراد المتكلّم هل هو كشف قطعي أو ظنّي؟ يتوقّف على بيان المهمّة الملقاة على عاتق الظواهر

صفحه 318
و ماهي رسالتها في إطار المحاورة، فلو تبيّن ذلك لسهل القضاء بأنّ الكشف قطعي أو ظنّي.
فنقول: إنّ للمتكلّم إرادتين:
1. إرادة استعمالية، وهي استعمال اللفظ في معناه، أو إحضار المعاني في ذهن المخاطب، سواء أكان المتكلّم جادّاً أم هازلاً أو مورّياً أو غير ذلك، سواء أكان المعنى حقيقياً أم مجازياً.
2. إرادة جدّية، وهي أنّ ما استعمل فيه اللفظ مراد له جدّاً، وما هذا إلاّ لأنّه ربّما يفارق المراد الاستعمالي، المراد الجدّي، كما في الهازل والمورّي والمقنّن الذي يُرتِّب الحكم على العام والمطلق مع أنّ المراد الجدّي هو الخاص والمقيّد، ففي هذه الموارد تغاير الإرادةُ الجدّية الإرادةَ الاستعمالية، إمّا تغايراً كليّاً كما في الهازل والمورّي واللاغي، أو تغايراً جزئياً كما في العام الذي أُريد منه الخاص، أو المطلق الذي أُريد منه المقيّد بالإرادة الجدّية.
وعلى ضوء ذلك فيجب علينا أن نحلّل أمرين:
الأوّل: ما هي الرسالة الموضوعة على عاتق الظواهر؟
الثاني: ما هو السبب لتسميتها ظنوناً؟
أمّا الأوّل: فالوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر عبارة عن إحضار المعاني التي تعلّقت بها الإرادة الاستعماليّة، في ذهن المخاطب سواء أكانت المعاني حقائق أم مجازات; فلو قال: رأيت أسداً، فرسالته إحضار أنّ

صفحه 319
المتكلّم رأى الحيوان المفترس; وإذا قال: رأيت أسداً في الحمّام، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى رجلاً شجاعاً فيه، فكشف الجملة في كلا الموردين عن المراد الاستعمالي كشف قطعيّ وليس كشفاً ظنيّاً، وقد أدّى اللفظ رسالته بأحسن وجه. وعلى ذلك لا تصحّ تسميته كشفاً ظنياً، اللّهمّ إلاّ إذا كان الكلام مجملاً أو متشابهاً، فالكلام عندئذ قاصر عن إحضار المعنى الاستعمالي بوجه متعيّن، لكنّهما خارجان عن محطّ البحث; لأنّ الكلام في الظواهر لا في المجملات والمتشابهات.
وأمّا الثاني: أي السبب الذي يوجب تسمية ذلك الكشف ظنياً عند القوم، فإنّه يتلخّص في الأُمور التالية:
1. لعلّ المتكلّم لم يستعمل اللفظ في أيّ معنى.
2. أو استعمله في المعنى المجازي ولم ينصب قرينة.
3. أو كان هازلاً في كلامه.
4. أو مورّياً في خطابه.
5. أو لاغياً فيما يلقيه.
6. أو أطلق العام وأراد الخاص.
7. أو أطلق المطلق وأراد المقيّد.
إلى غير ذلك من المحتملات التي توجب الاضطراب في كشف المراد الاستعمالي عن المراد الجدّي على وجه القطع.
ولكن أُلفت نظر القارئ إلى أُمور ثلاثة لها دور في إثبات المرام:

صفحه 320
1. إنّ علاج هذه الاحتمالات ليس من وظائف الظواهر حتى يوصف كشف الظواهر عن المراد الجدّي لأجلها بالظنيّة، وذلك لما عرفت من أنّ المطلوب من الظواهر ليس إلاّ شيء واحد، وهو إحضار المعاني في ذهن المخاطب، وأمّا الاحتمالات المذكورة وكيفية دفعها فليس لها صلة بالظواهر حتى يوصف كشفها لأجلها، بأنّ دلالتها ظنيّة.
2. إنّ بعض هذه الاحتمالات موجود في النصوص، فاحتمال كون المتكلّم لاغياً، أو هازلاً، أو مورّياً، أو متّقياً، أو غير ذلك من الاحتمالات موجود فيها أيضاً، و مع ذلك نرى أنّهم يعدّونها من القطعيّات.
3. إنّ القوم عالجوا هذه الاحتمالات بادّعاء وجود أُصول عقلائية دافعة لها، ككون الأصل، هو كون المتكلّم في مقام الإفادة ، لا الهزل ولا التمرين، بدافع نفسي، لا بدافع خارجي كالخوف وغيره.
وقد عرفت أنّ الحياة الاجتماعية مبنيّة على المفاهمة بالظواهر، ففي مجال المفاهمة والتفاهم بين الأُستاذ والتلميذ والبائع والمشتري والسائس والمسوس، يعتبر المخاطبُ دلالة كلام المتكلّم على المراد الاستعمالي ثم الكشف عن المراد الجدّي، دلالة قطعيّة لا ظنيّة، لأجل عدم الالتفات إلى تلك الاحتمالات وانسحابها عن الأذهان، حتى يعتمد في دفعها إلى تلك الأُصول.
وبالجملة هذه الاحتمالات لا تنقدح في ذهن المخاطبين حتى يعالج دفعها بهذه الأُصول التي اخرعها الأُصوليون.
نعم إذا كان هناك إبهام أو إجمال، أو جرت العادة على فصل الخاص

صفحه 321
والمقيّد عن الكلام، يكون الكلام إمّا غير ظاهر في شيء أو تكون حجّية الظهور ـ لا أصل الظهور ـ معلّقة على عدم ورود دليل على الخلاف كما في مورد العام والمطلق.
وبذلك خرجنا بأن كشف الظواهر عن المراد الاستعمالي، ثم كشفها المراد الجدّي، على ما عرفت أخيراً في مجال المفاهمة، كشف قطعي ولا يُعرَّج إلى تلك الشكوك.

الصفات الخبرية و كون الظواهر قطعيّة

إذا كان الأخذ بظواهر الكلام أمراً لازماً في الذكر الحكيم والسنّة القطعية، فكيف تُفسّر الصفات الخبرية التي تدلّ بظواهرها على التجسيم والتشبيه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؟
فهل يمكن لنا الأخذ بظاهر قوله سبحانه: (وَالسّماءَ بَنَيْناها بِأَيْد وَإِنّا لَمُوسِعُون)(1) ، فظاهر الآية يدلّ على أنّه سبحانه بنى السماء بأيديه وأنّ له يداً كالإنسان، كما أنّ ظاهر قوله سبحانه: (الرّحمنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى)(2)أنّه سبحانه استقرّ على عرشه وسريره، فالقول بلزوم الأخذ بالظواهر يستلزم حمل هذه الآيات على ظواهرها المنبئة عن التجسيم والجهة؟
هذا هو السؤال المطروح في المقام، وللإجابة عنه، نقول:
قد عرفت أنّ الضابطة الكلّية، أعني: لزوم الأخذ بظاهر الكتاب والسنّة

1 . الذاريات:47.
2 . طه:5.

صفحه 322
القطعية، أمر لا يمكن النقاش فيه، ولا يصحّ استثناء آية من تلك الضابطة بعدَ تشخيص الظاهر عن غيره، فلو تبيّن بالدلائل القطعية ما هو الظاهر يجب اتّباعه، لكن الكلام في تعيين الظاهر، و تمييز الظهور التصوّري عن الظهور التصديقي، والظهور البدوي عن الظهور النهائيّ، وانّ اللازم هو الأخذ بالثاني دون الأوّل، ومثل هذا لا يتحقّق إلاّ بالتأمّل والإمعان في نفس الآية الكريمة وما احتفّ بها من القرائن اللفظية، فعندئذ يتميّز الظاهر عن غيره فيجب الأخذ به بلا كلام. والتجسيم والتشبيه لازم الظهور البدوي، لا الظهور النهائي بعد الإمعان في الآية.
وما ربّما يتصوّر من أنّ أهل العدل والتنزيه يحملون الآيات الواردة فيها الصفات الخبرية على خلاف ظواهرها، فهو كلام غير صحيح، فإنّهم لا يأخذون بالظهور التصوّري أو الظهور البدوي للآيات، وأمّا الظهور التصديقي أو الاستقراري فيأخذونه بتمامه، ولا يحملونها على غير ظاهرها.
ولتمييز الظهور الجزئي عن الظهور الجملي، والتصوّري عن التصديقي نأتي بمثالين:
1. إذا قلت: رأيت أسداً في الحمّام، فلفظة «أسد» وحدها ظاهرة في الحيوان المفترس ولكنّها بظهورها الجملي ظاهرة في الرجل الشجاع; فلو قيل: إنّ الجملة حملت على خلاف ظاهرها، فإنّما يصحّ إذا قيس إلى ظهور جزء من الكلام، أعني: الأسد دون المجموع، فاللازم للأخذ هو الظهور الجُمْلي لا الجزئي.

صفحه 323
2. إذا قلت: زيد كثير الرماد، فالظهور البدوي أنّ بيت زيد غير نظيف، ولكن إذا لوحظ أنّ الكلام ورد في مقام المدح يكون قرينة على أنّ المراد لازم المعنى وهو الجود; فلو قيل بأنّ الكلام حمل على خلاف ظاهره، فإنّما هو بحسب ظهوره البدوي لا الاستقراري، فالذي يجب الأخذ به هو الظهور الجملي لا الحرفي، والظهور المستقر لا البدوي.
وعلى ذلك فحمل الجملة الأُولى على الحيوان المفترس والثانية على الجود أخذ بالظاهر وليس فيه شائبة تأويل، ومَن يرمي هذه التفاسير بالتأويل فهو لا يفرق بين الظهورين: البدوي والاستقراري.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الآيات الحاكية عن الصفات الخبرية إذا لوحظت مع القرائن المحتفة بالكلام، يتميّز الظهور التصوّري عن التصديقي والبدوي عن الاستقراري، ويتبين أنّ هذه الآيات غنية عن التأويل(بمعنى حمل الظاهر التصديقي على خلاف ظاهره) وأنّ دلالتها على معانيها قطعيّة لكن بالشرط الذي ذكرناه.
ولأجل إيضاح المرام نفسّر عدداً من الآيات التي تتضمّن صفة خبرية وهي الآيات التي ورد فيها لفظ اليد حتى يتّضح أنّ تلك الآيات ليست بحاجة إلى التأويل بهذا المعنى، أي حمل الظاهر على خلافه، ويكون مقياساً لسائر الآيات التي ربّما يكون ظاهرها البدويّ، موهماً خلاف التنزيه:
1. يقول سبحانه: (قالَ يا إِبليسُ ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَديّ

صفحه 324
أَسْتَكْبَرتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العالين).(1)
فنقول: إنّ لفظ اليد في الآية استعمل في العضو المخصوص ولكن كُنِّي بها عن الاهتمام بخلقة آدم حتى يتسنّى بذلك ذمّ إبليس على ترك السجود لآدم، فقوله سبحانه:(ما منَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِماخَلَقْتُ بيدي)كناية عن أنّ آدم لم يكن مخلوقاً لغيري حتى يصحّ لك يا إبليس التجنّب عن السجود له، بحجة أنّه لا صلة له بي، بل هو موجود خلقتُه بنفسي، ونفخت فيه من روحي، فهو مخلوقي الذي قمت بخلقه، فمع ذلك تمرّدت عن السجود له.
فأُطلقت «الخلقةُ باليد» وكُنّي بها عن قيامه سبحانه بخلقه، وعنايته بإيجاده، وتعليمه إيّاه الأسماء، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد، يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربّيته بيدي، ويراد من الكل هو القيام المباشري بالعمل، وربّما استعان الإنسان فيه بعينه وسمعه وغيرهما من الأعضاء، لكنّه لا يذكرها ويكتفي باليد. وكأنّه سبحانه يندد بالشيطان بأنّك تركتَ السجود لموجود اهتممت بخلقه وصنعه.
2. قال سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّاعَمِلَت أَيْدِينا أَنعاماً فَهُمْ لَها مالِكُون)(2) فالمجسّمة المتعبّدة بظواهر النصوص البدوية تستدلّ بالآية على أنّ للّه سبحانه أيد يقوم بها بالأعمال الكبيرة، ولكن المساكين اغترّوا بالظهور التصوريّ ولم يتدبّروا في الظهور التصديقي، أخذوا بالظهور

1 . ص:75.
2 . يس:71.

صفحه 325
الجزئي دون الجملي، فلو كانوا متأملين في مضمون الآية وما احتفّت بها من القرائن، لميّزوا الظهور التصديقي الذي هو الملاك عن غيره، فإنّ الأيدي في الآية كناية عن تفرّده تعالى بخلق الأنعام وانّه لم يشاركه أحد فيها، فهي مصنوعة للّه تعالى والناس ينتفعون بها، فبدل أن يشكروا، يكفرون بنعمته، وأنت إذا لاحظت الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور التصديقي لا التصوّري.
قال الشريف المرتضى(1): قوله تعالى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) جار مجرى قوله: «لماخلقت أنا» وذلك مشهور في لغة العرب. يقول أحدهم: هذا ما كسبتْ يداك، وما جرّت عليك يداك. وإذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده، وكذلك في الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل.(2)
3. قال سبحانه: (وَالسَّماء بَنَيْناها بِأَيد وَانّا لَمُوسِعُون)(3)، فاليد وإن كانت ظاهرة في العضو الخاص لكنّها في الآية كناية عن القوّة والإحكام بقرينة قوله:(وانّا لموسعون)وكأنّه سبحانه يقول: والسماء بنيناها بقدرة لا يوصف قدرها وإنّا لذو سعة في القدرة لا يعجزها شيء، أو بنيناها بقدرة

1 . أمالي المرتضى:1/565.
2 . تفسير الكشاف:3/21.
3 . الذاريات:47.

صفحه 326
عظيمة ونوسعها في الخلقة.
إلى هناخرجنا بالنتائج التالية:
1. أنّ دلالة ظواهر الكتاب والسنّة القطعية على مضامينها دلالة قطعية.
2. لا يجوز تأويل الآيات بمعنى حملها على خلاف ظاهرها إلاّ في مورد جرت السنّة فيه على إمكان إرادة خلاف الظاهر كما هو الحال في مجال التقنين والتشريع في عموم الكتاب وإطلاقه.
3. إنّ اللازم في الصفات الخبرية، أعني: اليد والرجل والعين والاستواء، هو تحصيل الظهور التصديقي لا التصوّري، والظهور الجملي لا الجزئي، فعندئذ يتعبّد به ولا يعدل عنه، ولا يحتاج إلى حمل الظاهر على خلافه.
4. إنّ اليد في الآيات الثلاث، إمّا كناية عن اهتمام الفاعل بالفعل كما في الآية الأُولى، أو قيام الفاعل بالفعل مباشرة لا باستعانة بالغير كما في الآية الثانية، أو كناية عن القدرة الخارقة، كما في الآية الثالثة.
5. حمل الآية على خلاف ظهورها البدوي أمر لا مانع منه، لأنّ الظهور البدوي ليس بحجّة، ومخالفته لا تعدّ خلافاً للحجّة.
وأمّا حمل الآية على خلاف ظاهرها التصديقي الذي استقر ظهور الكلام فيه أمر غير جائز مطلقاً إلاّ فيما جرت السيرة فيه، أعني: مجال التشريع، مثل : حمل المطلق على المقيّد، والعام على الخاص.
وما نسمع من بعض المشايخ من «أنّ الظواهر خفيفة المؤونة يمكن

صفحه 327
التصرّف فيها» صحيح في الظهور البدوي أو الظهور الجزئي لا في الظهور الجملي والتصديقي الاستقراري.
سؤال: إذ كانت الظواهر قطعيّة الدلالة فما هو الوجه في اختلاف المفسّرين؟
والجواب: أنّ اختلافهم يرجع إلى الصغرى، وهي عدم وجود ظاهر في البين لأجل الاختلاف في الأُمور التالية:
1. اختلاف القراءات.
2. الاختلاف في إعراب الآية وإن اتّفقت القراءات.
3. اختلاف اللغويين في معنى الكلمة.
4. اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر.
5. احتمال العموم أو الخصوص.
6.احتمال الإطلاق أو التقييد.
7. احتمال الحقيقة أو المجاز.
8. احتمال الإضمار أو الاستقلال.
9. احتمال كون الكلمة زائدة.
10. احتمال حمل الكلام على الترتيب وعلى التقديم والتأخير.
11. احتمال أن يكون الحكم منسوخاً أو محكماً.

صفحه 328
12. اختلاف الرواية في التفسير عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعن السلف.(1)
ما ذكره من وجوه الاختلاف صحيح لكن ثمة وجه آخر للاختلاف هو تطبيق الآية على العقيدة التي يعتنقها المفسّر، فالجبري يحاول صرف الآيات الدالّة على الاختيار عن ظاهرها، كما أنّ التفويضي يسعى إلى صرف ما يدلّ بظاهره على أنّ للسماء دوراً في أفعال البشر، عن ظاهره. وقلّما يتّفق أن يتجرّد المفسّر من معتقداته والأُصول التي يتبنّاها. وهذا هو العامل المهم في اختلاف المفسّرين.
ثمّ إنّ هناك وجهاً آخر للاختلاف، وهو الاختلاف في الأُصول التي يجب أن يصدر عنها المفسّر.
فالشيعي الإمامي يصدر عمّا روي عن النبي وأهل بيته (عليهم السلام)بطرق خاصّة ويفسّر بها الآيات لا سيّما فيما يرجع إلى الأحكام، ولكن المفسّر السنّي يصدر عن غير هذا المصدر فيأخذ بقول كلّ صحابي وإن أدرك النبي يوماً أو يومين أو شهراً ولم تثبت عدالته، كما أنّ هناك من يأخذ بالإسرائيليات التي جرّت الويلات على المفسّرين.
وفي النهاية يتفّقون في المعنى ويختلفون في المصداق، ومثل هذا لا يضرّ بقطعية الدلالة.

1 . التسهيل لابن الجوزي:1/9.

صفحه 329
الوحي: مجهول الكنه، معلوم الآثار   

المبحث السابع عشر

الوحي: مجهول الكنه، معلوم الآثار

أساس دعوة الأنبياء هو تلقّي الوحي من الله سبحانه، قال تعالى: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(1).
إنّ تحديد حقيقة الوحي وتبيين ماهيته والفرق بينه وبين سائر الإدراكات البشرية، من المواضيع الحسّاسة في علوم القرآن لأنّه أساس النبوّات والتكاليف والشرائع; لأنّ الأنبياء يتلقّون تعاليمهم من هذا الطريق. هذا من جانب ومن جانب آخر اختصاص الوحي بالأنبياء وحرمان غيرهم منه سبّب صعوبة تحديده وبيان حقيقته، لأنّ مَن يحاول كشف حقيقة الوحي فكأنّه ينظر إلى أمر لا يقع تحت اختياره، ولكن هذا لا يصدّنا عن إلقاء الضوء عليه بشكل إجمالي وذلك ببيان أُمور:

الأوّل: الوحي في اللغة والقرآن


1 . الشورى:3.

صفحه 330
قال ابن فارس: الوحي أصل يدلّ على إلقائك علماً في خفاء إلى غيرك، فالوحي الإشارة، والوحي الكتابة والرسالة.(1)وقال الراغب: الوحي الإشارة السريعة. ولتضمن السرعة قيل:«أمر وحي». وقد يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض. وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة ببعض الجوارح، وقد حمل على ذلك قوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِْمحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)(2).(3)
وتجد نظير هذه الكلمات في «لسان العرب».(4)
وأفضل ما قيل في المقام ما ذكره شيخنا المفيد حيث قال: إنّ الوحي هو الإعلام بخفاء بطريق من الطرق.(5)
هذا كلّه حول الوحي في اللغة، وأمّا الوحي في القرآن فالظاهر أنّ له معنى واحد وهو الإعلام بخفاء بطريق من الطرق لكن تختلف مصاديقه وموارده:

أ. تقدير الخلقة بالسنن والقوانين

قال سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي

1 . مقاييس اللغة:6/93، ط 1، القاهرة.
2 . مريم:11.
3 . المفردات للراغب:752، مادة «وحي».
4 . لاحظ: لسان العرب:15/379، مادة «وحي».
5 . تصحيح الاعتقاد:56.

صفحه 331
كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا)(1).
إنّ الضمير في قوله: (فَقَضَاهُنَّ) يرجع إلى السماء، وقوله: (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا) بمعنى أودع في كلّ سماء السنن والأنظمة الكونية، وبما أنّ هذه التقديرات كانت إعلاماً للسماوات بخفاء، عبّر عنه بالوحي.

ب. الإدراك الغريزي

قال سبحانه: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً).(2)
ولمّا كان تعليم الأعمال العجيبة والمدهشة التي يقوم بها النحل من الأُمور الملقاة إلى النحل بخفاء وتعليم من الله له، بغير وضوح، عُبّر عنه بالوحي.

ج. الإلهام والإلقاء بالقلب

قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَني إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).(3) ولمّا كان تفهيم أُمّ موسى مصيرَ ولدها بخفاء، وفهمته هي دون غيرها، فعبّر عنه بالوحي.

1 . فصلت:11ـ 12.
2 . النحل:68ـ 69.
3 . القصص:7.

صفحه 332

د. الإشارة

قال تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَال سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِْمحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)(1).
ولمّا لم يتكلّم نبي الله زكريا بشيء بل اقتصر على الإشارة، فأشبه فعله إلقاء الكلام بخفاء.

هـ . الإلقاءات الشيطانية

قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).(2)
ولمّا كان إفهام الشياطين بعضهم لبعض إلقاءً بخفاء، عُبّر عن هذا الإلقاء الخفيّ بالوحي.

و. كلام الله المنزّل على نبي من أنبيائه

وهذا هو الرائج في استعمال الوحي في القرآن الكريم، وقد مرّ قوله سبحانه: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(3).
ومن أراد أن يتدبّر في أمر الوحي وآثاره فعليه بالتدبّر فيما ورد في

1 . مريم:10ـ 11.
2 . الأنعام:112.
3 . الشورى:3.

صفحه 333
سورة الشورى من الآيات، فإنّ الغاية المتوخّاة في هذه السورة هو الوحي.

الأمر الثاني: حقيقة الوحي إلى الأنبياء

لا شكّ أنّ للإنسان إدراكات متنوّعة نشير إليها:
أ. الإدراكات الحسية أي ما يدركه الإنسان عن طريق الحواس الخمسة المعروفة، فبالبصر يدرك المبصرات وبالسمع المسموعات، وهكذا.
ب. الإدراكات العقلية، أي ما يدركه العقل، كقولهم: اجتماع النقيضين محال، وكذا ارتفاعهما من القضايا البديهية، أو قولهم: كلّ ممكن يحتاج إلى علّة، من القضايا النظرية.
ج. الإدراكات الفطرية، أي ما يدركه الإنسان من صميم ذاته، كحسن العدل وقبح الظلم.
هذه أُصول الإدراكات في الإنسان التي تقع تحت العناوين التالية:المحسوسات والعلوم البديهية والنظرية، والعلوم الفطرية، لكن الوحي ليس نتاج الحسّ ولا العقل ولا الغريزة، وإنّما شعور خاص يوجد في الأنبياء.
ولأجل عدم تمتعنا بهذا النوع من الإدراك لا يمكن لنا القضاء في حقيقته إلاّ أن نقول: إنّ الوحي هو ما يتلقّاه النبي عن الله سبحانه مباشرة أو بواسطة الملك بخفاء، من دون أن يختلج في باله الشكّ والترديد أنّه من غير الله سبحانه، بل يتلقّاه أمراً قطعيّاً لا ريب فيه، يقول سبحانه: (نَزَلَ بِهِ

صفحه 334
الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)(1). وبما أنّ القرآن لمّا لم يكن وليد النفس النبوية ولذلك كلّ ما سُئل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبدّل رسالته أو ما يدعو إليه، كان يجيب بأنّه ليس له ذلك، قال سبحانه: ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)(2).
فالوحي حصيلة الإتّصال بعالم الغيب، ولا يصحّ تحليله بأدوات المعرفة ولا بالأُصول التي تجهّز بها العلمُ الحديث. ولمّا كان العالِم المادّي غير مذعن بعالم الغيب، ويرى أنّ الوجود مساوق للمادّة والطاقة، فيشكل عليه الإذعان بهذا الإدراك الذي لا صلة له بعالم المادّة وأُصوله.
ثمّ إنّ منكري الوحي لمّا اتخذوا لأنفسهم موقفاً مسبقاً، حاولوا تحليله بأُصول مادّية حتى يسهل عليهم تصديق الأنبياء وعدم اتّهامهم بتعمّد الكذب. فمالوا يميناً وشمالاً في بيان حقيقته حتى يفسّروه بالأُصول المادّية، وها نحن ندرس نظرياتهم تالياً على وجه الإيجاز.

النظرية الأُولى: النبوّة نبوغ والنبي نابغة المجتمع؟!

إنّ من لا يؤمن بما وراء الطبيعة أو ينظر إليها بمنظار ضيّق يستبعد أن

1 . الشعراء:193ـ 194.
2 . يونس:15ـ 16.

صفحه 335
يوجد في المجتمع مَن يتمتّع بإدراك خاص لا يشابه ما ذُكر من الإدراكات، فلذلك حاولوا تفسير النبوّة بالأُصول التي يؤمنون بها، وحاصل تلك النظرية:
إنّه يتميّز بين أفراد الإنسان المتحضّر، أشخاص يملكون فطرة سليمة، وعقولاً مشرقة، تهديهم إلى ما فيه صلاح المجتمع البشري وسعادة الإنسان، فيضعون قوانين لمصلحة الإنسان، وعمران الدنيا، والإنسان الصالح الذي يتميّز بهذا النوع من النبوغ هو النبيّ; والفكر الصالح المترشّح من مكامن عقله وومضات نبوغه، هو الوحي; والقوانين التي يسنّها لصلاح المجتمع، هي الدين; والروح الأمين (جبرائيل)، هو نفسه الطاهرة التي تفيض هذه الأفكار إلى مراكز إدراكه; والكتاب السماوي، هو كتابه الذي يتضمّن سننه وقوانينه; والملائكة التي تؤيّده في حلّه وترحاله، هي القوى الطبيعية; والشيطان الذي يقاومه ويقاوم أتباعه هو النفس الأمّارة بالسوء، أو سائر القوى الحيوانية الداعية إلى الشر والفساد.

مناقشة هذه النظرية

إنّ هذه النظرية ليست نظرية معتمدة على أُصول علمية ثابتة، بل كلّ ما ذكر احتمالات لم يَقُم على واحد منها دليل، مضافاً إلى اكتنافها بإشكالات، إذ فيها:
1. إنّ هذه النظرية ليست تفسيراً جديداً، وإن كانت قد صيغت في الظاهر في قالب علمي جديد، فإنّ جذورها تمتد إلى عصر ظهور الإسلام

صفحه 336
حيث كان العرب يحسّون بجذبات القرآن وبلاغته الخلاّبة، فينسبونه إلى الشعر الذي كان حرفتهم الرائجة، ويتبارز فيه النوابغ منهم، فكانوا يقولون:(بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ)(1). ويردّ عليهم القرآن الكريم بقوله: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ)(2)، وبقوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)(3).
2. إنّ قسماً ممّا يوحى إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إخبار عن الحوادث المستقبلية، وإنباء لا يخطأ تحقّقه أبداً، وهل النوابغ في العالم يتمتعون بهذه المقدرة، ويخبروا عن هلاك قوم بعد ثلاثة أيام، كما أخبر نبي الله صالح(عليه السلام)عن مصير قومه حيث قال:(فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب)(4)، أو أن يخبروا عن هزيمة جيش عرمرم في المنطقة في مدّة لا تزيد عن تسع سنين، كما أخبر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عن هزيمة الفرس بعد غلبتهم على الروم، وقال:(الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ)(5)، والبضع يطلق على الثلاثة إلى التسعة.
3. لو صحّت هذه النظرية ـ ولن تصح ـ كان الأولى على النوابغ أن ينسبوا تعاليمهم إلى أنفسهم، ولكنّا نراهم ينسبونها إلى الله سبحانه وأنّها

1 . الأنبياء:5.
2 . الحاقة:41.
3 . يس:69.
4 . هود:65.
5 . الروم:1ـ4.

صفحه 337
ليست من أنفسهم ويقولون:
(إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ).(1)
(إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى).(2)
4. إنّ تفسير النبوّة بالنبوغ نوع تكذيب للأنبياء حيث ينسبون ما تلقيه أنفسهم إلى الله سبحانه، والتاريخ يشهد على أنّهم كانوا رجالاً صالحين ودعاة سالمين، منزّهين عن الكذب والتعمية.
وبكلمة جامعة: إنّا نرى في المجتمع طائفتين من رجال الإصلاح، وكلّ يسوق المجتمع إلى ما يراه صالحاً:
طائفة ينسبون تعاليمهم إلى عالم الغيب ولا يرون لأنفسهم شأناً من الشؤون، غير أنّهم رُسل من الله سبحانه ليبشروهم وينذروهم.
وطائفة أُخرى ـ مع كونهم من أهل الصلاح والسداد والسعي وراء الصالح العام ـ ينسبون ما يقدّمون للمجتمع من نصائح وأفكار إلى أنفسهم حتى يعلّلون ما يطلبونه من أُممهم ببراهين اجتماعية تاريخية أو عقلية، ولا يتجاوزون هذا الحدّ قدر شعرة.
فلو كانت الطائفتان صادرتين من أصل واحد، فلماذا اختلفا في وصف التبليغ والدعوة؟!
وفي نهاية المطاف لو كانت شريعة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) وليدة النبوغ

1 . الأنعام:50.
2 . النجم:4.

صفحه 338
وكتابه نتيجة ذكائه فلماذا عجز العالم قديماً وحديثاً عن مقابلة كتابه ومعارضته؟! فإنّ الجميع أظهروا العجز عنه، وهذا يدلّ على أنّ النبي الخاتم صدر من مصدر آخر ليس له صلة بالنبوغ.
***

النظرية الثانية: الوحي النفسي

إنّ نظرية تفسير الوحي بصورة الوحي النفسي قد أثارها قساوسة المسيحيين الذين لا هدف لهم إلاّ إنكار رسالة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأصحاب هذه النظرية يتظاهرون بعدم الشكّ في صدق الأنبياء في أخبارهم كما رأوا وسمعوا، وإنّما يقولون: إنّ منبع ذلك نفسه وليس فيه شيء جاء من عالم الغيب الذي يقال: إنّه وراء عالم المادة والطبيعة.(1)
يزعم هؤلاء أنّ نفس النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) تتوصّل إلى الوحي بالانقطاع إلى عبادة الله تعالى والتوجّه إليه في خلوته بغار حراء، وقَوِي هنالك إيمانه، وسَما وُجدانه، فاتّسع محيطُ تفكّره،وتضاعف نور بصيرته، فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات البيّنات في ملكوت السماوات والأرض، الدالّة على وحدانية مبدع الوجود، وسرّ النظام الساري في كلّ موجود، بما صار به أهلاً لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وما زال يفكّر ويتأمّل، وينفعل ويتململ، ويتقلّب بين الآلام والآمال، حتى أيقن أنّه النبي المنتظر الذي يبعثه الله لهداية البشر، فتجلّى له هذا الاعتقاد في الرؤى

1 . لاحظ: الوحي المحمدي:66، الطبعة 6، 1960م.

صفحه 339
المنامية، ثم قوى حتى صار يتمثّل له الملك، يلقّنه الوحي في اليقظة.
وحصيلة هذه النظرية: إنّ الوحي إلهام يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا من الخارج، وذاك أنّ منازع نفسه العالية، وسريرته الطاهرة، وقوّة إيمانه بالله وبوجوب عبادته، وترك ما سواها من عبادة وثنية، وتقاليد وراثية رديئة، يكون لها في جملتها من التأثير ما يتجلّى في ذهنه، ويُحدث في عقله الباطن، الرؤى والأحوال الروحية فيتصوّر ما يعتقد وجوبه، إرشاداً إلهياً نازلاً عليه من السماء بدون وساطة. أو يتمثّل له رجل يلقّنه ذلك، يعتقد أنّه ملك من عالم الغيب، وقد يسمعه يقول ذلك ولكنّه إنّما يرى ويسمع ما يعتقده في اليقظة، كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند جميع الأنبياء. فكلّ ما يُخبر به النبي أنّه كلام أُلقي في روعه، أو ملك ألقاه على سمعه، فهو خبر صادق عنده.

مناقشة النظرية

إنّ هذه النظرية ربّما يتلقّاها بعض السُّذّج من الناس أنّها نظرية جديدة ولكنّها في التحقيق نظرية اخترعها أعداء النبيّ في عصر الرسالة حول ادّعاء النبوّة والوحي، لكن حيكت أخيراً بثوب فضفاض وتعابير خادعة، ومرجع الجميع إلى اتّهام النبي بالجنون والتخبّط في التعقّل والتفكّر.
ثمّ إنّ الذكر الحكيم يذكر مقالاتهم حول الأمرين في قسم من

صفحه 340
الآيات، كما يقول: (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)(1) . وأُخرى ينسبونه إلى التخبّط في الأفكار كما يقول: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم)(2): أي هو وحي الأحلام وطوارق الرؤى تجري على لسانه.
إنّ القرآن المجيد يردّ هذه الفكرة الساقطة التي أنتجتها جهالة الجاهلية الأُولى، بالنبوّة والوحي، فيقول في موضع:(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتَُمارُونَهُ عَلَى مَا يَرى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَآى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)(3)، فهذه الآيات تركّز على صدق الوحي وكونه أمراً واقعياً مفاضاً من الله سبحانه.
وأظهر ما يقرع هذه النظرية الساقطة الآيتان التاليتان:

أ. قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى)

والمعنى لم يكذّب فؤاد محمد ما أدركه بصره، أي كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة، وإدراكاً على الحقيقة.

1 . القلم:51.
2 . الأنبياء:5.
3 . النجم:1ـ 18.

صفحه 341
وهذا، سواء قُرئ «كذب» بالتشديد، فالموصول مفعوله، أو قُرئ بالتخفيف كما هي القراءة المعروفة، فهو يتعدّى إلى مفعول، قال الشاعر:
كذبتك عينك أم رأيتَ بواسط *** غَلَس الظَّلام من الرباب خيالاً
وعلى كلّ تقدير، فالآية بصدد بيان أنّه لم يكن هناك اختلاف بين تصديق القلب ورؤية العين، فإذا صدّق القلب، تكون رؤية حقيقةً.

ب. قوله تعالى: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)

أي ما زاغ بصر محمد وما طغى. وهو كناية عن صحّة رؤيته وأنّه لم يُبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية، ولا أبصر ما لا حقيقة له. بل أبصر شيئاً غير خاطئ في إبصاره.
والآيتان بصدد بيان مصونية قلبه وبعده عن الخطأ، في مقام الأخذ والتلّقي، ولا تتمّ الصيانة إلاّ بمصونية كلّ جوارحه إذا كانت في خدمة الوحي. فهو(صلى الله عليه وآله وسلم) يُبصر بعينه، ويسمع بأُذنه، ويدرك بقلبه الأشياء والحقائق على ما هي عليه من دون خطأ.

نظريتان أُخريان

بقيت هنا نظريتان:
إحداهما: نظرية الفلاسفة المشائيّين في الوحي.
الثانية: نظرية تجلّي الشخصية الباطنة.
وقد بسطنا الكلام في بيان ومناقشة هاتين النظريتين في بعض

صفحه 342
محاضراتنا، وبما أنّهما دون النظريتين السابقتين، نحيل القارئ إلى كتابنا «الإلهيات».(1)

1 . لاحظ: الإلهيات على هدي الكتاب والسنة والعقل:3/141ـ151.

صفحه 343
   

المبحث الثامن عشر

حول المفردات القرآنية

ركّزنا في المباحث السابقة على بيان أوصاف بعض آيات القرآن من كونها محكمة أو متشابهة، أو مجملة أو مبيّنة، واقتضى المقام أن ندرس أوصاف المفردات القرآنية، وهي: الترادف، الاشتراك، التضاد، الغرابة، المجاز، وغير ذلك من الأوصاف العارضة على مفردات الآيات، لنتعرّف على مدى اشتمال الآيات القرآنية على شيء من هذه الأحوال؟ ولنأخذ كلّ واحد بالدراسة:

1. الترادف في ألفاظ الذكر الحكيم

اختلفت كلمة الأُدباء في وجود الترادف في لغة العرب، فمنهم من يذهب إلى وجوده وقد نسب إلى الأصمعي وابن خالويه وابن جني والفيروزآبادي وعلى رأسهم رئيس الأُدباء سيبويه، يقول: إنّ من كلامهم اختلاف اللفظين والمعنى واحد، نحو: ذهب وانطلق.(1)

1 . كتاب سيبويه:1/24.

صفحه 344
وفي مقابل هؤلاء، من يُنكر الترادف، وكلُّ مَن ألّف كتاباً في فروق اللغة يُريد نفي وجود الترادف.
غير أنّ دراسة حياة العرب عبر قرون ربّما يؤكّد على وجود الترادف; لأنّ قبائل العرب كانت منقطعة بعضها عن بعض، بشهادة أنّ لكلّ قبيلة لهجة، فربّما تدفع الحاجة قبيلة إلى التعبير عن الهرّة بلفظ وفي الوقت نفسه تدفع الحاجة قبيلة أُخرى إلى التعبير عنها بلفظ آخر، ولذلك نرى أنّهم يُسمّون هذا الحيوان بأسامي كثيرة.
يقول الشيخ المظفر: لا إشكال في إمكان الترادف، وبين أيدينا اللغة العربية ووقوعه فيها لا يحتاج إلى بيان. ثم يقول: ينبغي لنا أن نتكلم في نشأته، ويجوز أن يكون من وضع واضعين متعدّدين، فتضع قبيلة لفظاً لمعنى وقبيلة أُخرى تضع لفظاً آخر لذلك المعنى(1).
ويظهر من الزركشي الإذعان بالترادف حتى جعل عدّة من الآيات من قبيل عطف أحد المترادفين على الآخر وقال: ويكثر في المفردات، ثم يمثّل لما ذكره بالآيات التالية:
1. قوله تعالى:(فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا).(2)
2. قوله تعالى:(فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا).(3)

1 . أُصول الفقه للمظفر:28.
2 . آل عمران:146.
3 . طه:112.

صفحه 345
3. قوله تعالى:(لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى).(1)
4. قوله تعالى:(ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ).(2)
5. قوله تعالى:(إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ).(2)
6. قوله تعالى:(لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ).(4)
7. قوله تعالى:(أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ).(3)
8. قوله تعالى:(لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).(6)
9. قوله تعالى:(إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا).(4)
10. قوله تعالى:(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)(8).(5)
ثمّ إنّ بعض الباحثين أذعن بوجود الترادف في القرآن الكريم وربّما انهاها إلى 104 كلمات، ومع تقديرنا لجهوده نذكر أنّ وصف بعض الكلمتين في كلامه بالترادف غيرتام، فإنّه زعم أنّ الألفاظ التالية من قبيل المترادفين، مثلاً:
1. الوعد والوعيد، مع أنّ الأوّل وعد بالخير والثاني بالشر.
2. النبي والرسول، مع أنّ الأوّل بمعنى كونه ذا نبأ إن كان لازماً، أو ذا

1 . طه:77.                     2. المدّثر:22.
2. يوسف:86.                  4. الزخرف:80.
3. الزخرف:80.                  6. المائدة:48.
4 . الأحزاب:67.                  8.الأحزاب:12.
9. البرهان في علوم القرآن:2/488ـ 489 بتلخيص.

صفحه 346
خبر أو كونه مخبراً إذا كان متعدّياً، والثاني الإنسان المأمور بابلاغ كلام أو إنجاز عمل.
3. الشكر والحمد، فالأوّل في مقابل النعمة كما يقول سبحانه: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ).(1) والثاني هو الثناء على ما يتحلّى به المحمود من صفات الجمال والكمال.
4. الفقير والمسكين، يختلفان جدّاً، والفرق مذكور في تفسير قوله سبحانه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)(2).
5. الرحيم والرحمن، مع أنّ الثاني يدلّ على السعة دون الأوّل. وفسّر في الروايات باختصاص الأوّل بالمؤمن والثاني للأعم. إلى غير ذلك ممّا ورد في كلامه ولا يمكن وصفه بالترادف.
وعلى كلّ تقدير لا يمكن إنكار الترادف في القرآن ولا في لغة العرب، وقد مرّ وجهه.
***

2. الإشتراك في ألفاظ القرآن الكريم

عرّف صاحب التحبير الاشتراك: بقوله: أن يتّحد اللفظ ويتعدّد المعنى، واختلف في وقوعه، فمنعه ثعلب والأزهري والبلخي، ومنع قوم وقوعه في القرآن، وادّعى قوم أنّه واجب الوقوع; لأنّ المعاني أكثر من

1 . إبراهيم:7.
2 . التوبة:60. لاحظ تفسيرنا:«منية الطالبين».

صفحه 347
الألفاظ.(1)
وقد بسطنا الكلام في أدلّة الأقوال في كتابنا «المبسوط»(2)، وخرجنا بوجوده في اللغة العربية والقرآن الكريم.
إلاّ أنّ المهم بيان منشأ الاشتراك، فقد ذكرنا أنّ لهذه الظاهرة اللغوية سببين:
1. تشتّت الناطقين باللغة العربية، حيث كانت طائفة تعبّر بلفظ خاصّ عن معنى، وطائفة أُخرى تعبّر به عن معنى آخر من دون أن تطّلع على ما في حوزة الأُخرى من أوضاع، فلمّا قام علماء اللغة بجمع لغات العرب من أفواه القبائل العربية ظهر الاشتراك اللفظي.
2. ظهور الاشتراك في ظل كثرة الاستعمال في معنى مجازي إلى حدّ يصير حقيقة، كما في لفظ «الغائط» فإنّه موضوع للمكان المنخفض الّذي يقضي فيه الإنسان حاجته، ثمّ كنّى به في عرف المتشرّعة عن فضلات الإنسان إلى أن صار حقيقة فيها، وهذا العامل أقلّ تأثيراً من العامل الأوّل.
والظاهر وقوع الاشتراك في القرآن الكريم ونذكر له نماذج:

1. النجم

يستعمل في الكوكب، كما في قوله تعالى:(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)(3)،

1 . التحبير في علم التفسير:93، طبعة دار الفكر، بيروت، 1996م.
2 . لاحظ: المبسوط في أُصول الفقه:1/219ـ 220.
3 . النجم:1.

صفحه 348
ويستعمل في النبات الذي لا ساق له، كما في قوله تعالى: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)(1).

2. النون

يستعمل في الحوت، كما في قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)(2)، ويستعمل أيضاً في الدواة، كما في قوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)(3).
ثمّ إنّ صاحب التحبير عدّ من المشتركات الألفاظ التالية:

3. القُرء

فهو مشترك بين الحيض والطهر. ويعدّ من الأضداد.

4. عسعس

استعمل لإقبال الليل وإدباره.

5. الدين

للطاعة والجزاء.(4) ولكنّه لم يذكر مواضع هذه الكلمات في الذكر الحكيم.
إنّ جلال الدين السيوطي بسط الكلام في هذا المقام تحت النوع التاسع والثلاثين في معرفة الوجوه والنظائر، ومن الأمثلة التي ذكرها

1 . الرحمن:6.
2 . الأنبياء:87.
3 . القلم:1.
4 . لاحظ: التحبير:94.

صفحه 349
(الهُدى) وأنّه يأتي على تسعة عشر وجهاً، ثمّ ذكر مواضعه، لكن كثيراً من الألفاظ التي زعم أنّها من المشتركات، هي من قبيل خلط المفهوم بالمصداق، بمعنى أنّ المفهوم في الجميع واحد وإنّما الاختلاف في المصاديق، فزعم أنّ اللفظ وضع لكلّ مصداق على حدة، مثلاً: يذكر للسوء معاني مختلفة:
1. العقر، كما في قوله تعالى:(وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء)(1).
2. الزنا، كما في قوله تعالى:(مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا).(2)
3. البرص، كما في قوله تعالى:(بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء)(3).
4. العذاب، كما في قوله تعالى:(إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ).(4)
5. الشتم، كما في قوله تعالى:(لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ).(5)
إلى غير ذلك من المعاني.(6)
مع أنّ المعنى في الجميع واحد إلاّ أنّ الاختلاف في المصاديق فهو مشترك معنوي، لا مشترك لفظي.
وهذا النوع من الاشتباه أي اشتباه المصاديق بالمفاهيم، أمر شائع.

1 . الأعراف:73.
2 . يوسف:25.
3 . القصص:32.
4 . النحل:27.
5 . النساء:148.
6 . الإتقان في علوم القرآن:1/447.

صفحه 350
ومنه لفظة «القضاء» فربّما يقال: إنّ لها خمسة عشر معنى:
1. الفراغ، 2. الأمر، 3. الأجل، 4. الفصل، 5. المضي، 6. الهلاك، 7. الوجوب، 8. الإبرام، 9. الإعلام، 10. الوصية، 11. الموت، 12. النزول، 13. الخلق، 14. الفعل، 15. العهد.
ولكن الجميع صور متنوعة من معنى واحد وهو الإتقان والإنفاذ. يقول ابن فارس: ليس له إلاّ أصل واحد، والجميع يرجع إلى ذلك، وهو ما يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه. قال الله تعالى:(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ)(1)، أي أحكم خلقهن، والقضاء: الحكم، قال سبحانه في ذكر من قال:(فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض)(2)، أي اصنع واحكم، ولذلك سمّي القاضي قاضياً، لأنّه يحكم الأحكام وينفذها، وسمّيت المنية قضاءً، لأنّها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق.
إلى أن قال: وكلّ كلمة في الباب فإنّها تجري على القياس الذي ذكرناه، فإذا هُمز(3) تغيّر المعنى، يقولون: القُضأة: العيب، يقال: ما عليك منه قضأة، وفي عينه قضأة: أي فساد.(4)
***

1 . فصلت:12.
2 . طه:72.
3 . أي دخلت عليه الهمزة.
4 . مقاييس اللغة:5/99ـ 100، مادة «قضى».

صفحه 351

3. التضادّ في ألفاظ القرآن

إنّ مسألة التضادّ في اللغة العربية شغلت بال اللغويّين والمفسّرين، قديماً وحديثاً وهم بين فريقين: بين مثبت يرى التضادّ زينة في الكلام، ومزية للغة العربية تمتاز بها على سائر اللغات، وبين منكر له قائلاً بأنّ القول بالتضاد يؤدّي إلى كثرة الالتباس في محاوراتهم، فإذا اعتبر للفظة الواحدة معنيان مختلفان لم يعرف المخاطب المعنى المقصود(1)، وتحقيق المقام ضمن أُمور:

الأوّل: تاريخ عنوان مسألة التضادّ

ربّما ينسب (2) وجود التضاد في اللغة العربية إلى كلام سيبويه، ولكنّه خال من الدلالة عليه، وإليك نصّ كلامه: اعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتّفاق اللفظين واختلاف المعنيين .(3)
يلاحظ عليه: أنّه ليس في عبارته أي إشارة إلى التضادّ حيث إنّه فسر ماذ كره بقوله: فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلسَ وذهبَ. واختلاف اللفظين والمعنى واحدٌ نحو: ذهبَ وانطلقَ. واتّفاق

1 . لاحظ: الأضداد لابن الأنباري:15، وله إجابة عن الإشكال فلاحظ.
2 . لاحظ: التضادّ في القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق، تأليف محمد نور الدين المنجد:25، حيث يقول: فإنّ جذوره تعود إلى تقسيم سيبويه للألفاظ والمعاني، ثمّ نقل عبارة سيبويه التي ذكرناها.
3 . كتاب سيبويه:1/24، تحقيق عبد السلام محمد هارون.

صفحه 352
اللفظين والمعنى مختلف قولك: وجدتُ عليه من المَوجِدة، ووجدت إذا أردت وِجدان الضالّة، وأشباه هذا كثير.(1)
ولعلّ أوّل من صرّح بالتضادّ هو قطرب يقول: والوجه الثالث: أن يتّفق اللفظ ويختلف المعنى، فيكون اللفظ الواحد على معنيين فصاعداً... ومن هذا اللفظ الواحد الذي يجيء على معنيين فصاعداً ما يكون متضاداً في الشيء وضدّه.(2)

الثاني: في تعريف التضادّ وما ألّف حوله من الكتب

عُرّف التضادّ بكون اللفظ الواحد موضوعاً لمعنيين متضادّين، إمّا وضعاً تعيينياً أو وضعاً تعيّنيّاً.
ثمّ إنّ الأدباء في العصور السابقة ألّفوا كتباً كثيرة حول التضادّ، وأنهاها بعضهم إلى ثلاثين كتاباً، ولعلّ أوّل من ألّف فيه أبو علي محمد بن المستنير بن أحمد الملقّب بقطرب(المتوفّى206هـ) حيث ألّف كتاباً باسم «الأضداد». كما مرّ.
ولنذكر ما حضر عندنا من هذه الكتب:
1. الأضداد لابن الأنباري(271 ـ 328هـ).
2. الأضداد في كلام العرب، لأبي الطيب الحلبي(المتوفّى 351هـ).
3. الأضداد للأصمعي (123ـ 213 أو 217هـ).

1 . كتاب سيبويه:1/25.
2 . أضداد قطرب:70، نقلاً عن كتاب التضادّ في القرآن الكريم:25.

صفحه 353
وقد أنهى الأضداد في اللغة العربية إلى 105 كلمات، واستدلّ لكلّ بالشعر والمثل.
4. كتاب الأضداد تأليف أبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني(المتوفّى 248هـ ، وقد قارب التسعين وقيل غير ذلك). وقد أنهى الأضداد إلى 170 كلمة.
5. كتاب الأضداد تأليف أبي يوسف يعقوب بن إسحاق السكّيت(المتوفّى 244هـ)، وقد أنهى الأضداد إلى 94 كلمة.
6. الأضداد، تأليف الحسن بن محمد بن حسن الصغاني الحنفي اللغوي(577ـ 650هـ)، وقد أنهى الألفاظ المتضادة إلى 337كلمة.
وقد طبعت الكتب الثلاثة الأخيرة في مجلد واحد تحت عنوان: ثلاثة كتب في الأضداد، نشرها: الدكتور أوغست هنز أُستاذ العربية في كلّية انسپيروك، وطبع في دار الكتب العلمية في بيروت.
7. التضادّ في القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق، تأليف محمد نور الدين المنجد(المعاصر).(1) وقد أنهى ما وصف بالتضادّ في القرآن الكريم إلى 130 كلمة قرآنية مستنبطة من كتب الأضداد. وناقش في قسم منها:
الثالث: التسامح في وصف بعض الكلمات بالتضادّ
قد ظهر لنا من مطالعة ما أُلّف حول التضادّ أنّهم يبالغون في وصف

1 . لاحظ في الوقوف على أسماء بقية الكتب ومؤلّفيها وما طبع وما لم يطبع كتاب: التضاد في القرآن الكريم:15ـ 21.

صفحه 354
الكلمات بالتضادّ، وإليك الإشارة إلى قسم منها:

1. نحن

ذكر الأنباري: أنّه من الأضداد لدلالته على الواحد والجمع.(1)
يلاحظ عليه: أنّه وضع للجمع، وإطلاقه على الواحد مجاز بقصد التعظيم والتفخيم، مثل قوله:(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)(2)، وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(3).

2. المسيح

نقل عن أضداد الصغاني أنّه عدّ لفظ المسيح من الأضداد; لأنّه اسم عيسى(عليه السلام) واسم الدجال.
يلاحظ عليه: أنّه اسم سمّي به إنسانان: المسيح والدّجال، والمسمّى هو ما يجمعهما عنوان الإنسانية. وكونهما في الاعتقاد على جانب التضادّ لا يجعلهما من الأضداد، فلو فرض أنّ لفظة «زيد» سمّي بها المؤمن والكافر، فلا يصير اللفظ من الأضداد.

3. أنصار

نقل عن أضداد الصغاني أنّ الأنصار من الأضداد، فإنّ الأنصار يطلق

1 . الأضداد لابن الأنباري:182.
2 . يوسف:3.
3 . القدر:1.

صفحه 355
على من نصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يطلق على النصارى.
يلاحظ عليه: بما ذكره نور الدين المنجد بأنّه من الغريب أن تُسلك هذه اللفظة في الأضداد; لأنّ النصرة العون، وكلّ مَن أعانك على شيء فقد نصرك. وقيل سمّي النصارى بالأنصار لقوله تعالى: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَاري إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ)(1)، ودلالة النصرة تنطبق على كلّ مَن شايع مذهباً أو رجلاً أو غير ذلك، فيقال: هذا من أنصار فلان، أو من أنصار الرأي الفلاني، ولا معنى لتخصيصها بالمسلمين والنصارى فقط.(2)

4. وراء

قيل يستعمل في خلف الإنسان وقدّامه. أمّا الخلف فواضح، وأمّا القدّام فقوله: ( وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا)(3): أي أمامهم. وقوله تعالى: (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ)(4).
يلاحظ عليه: أنّ ليس لـ«وراء» إلاّ معنى واحد وهو الخلف وأمّا استعماله في الموردين فلأجل أنّ كلّ شيء لم يهتم به الإنسان ولو كان في مستقبله، يقولون: طرحه وراءه، فكما أنّ الإنسان لا يهتم بما مضى وسبق، فكذلك إذا لم يهتم بما سيواجهه يقال طرحه وراءه.

1 . الصف:14.
2 . لاحظ: التضاد في القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق:205.
3 . الكهف:79.
4 . إبراهيم:16.

صفحه 356

5. هبط

ذكر أبو حيّان الهبوط نقلاً عن المفضّل فقال: وقال المفضّل: الهبوط الخروج عن البلدة، وهو أيضاً للدخول فيها، فعُدّ من الأضداد.
يلاحظ عليه: أنّ الهبوط ـ كما ذكره الراغب في المفردات ـ هو الانحدار على سبيل القهر، كهبوط الحجر، من غير فرق بين الدخول والخروج، فهما من مصاديق الهبوط إذا كان فيهما انحدار. إلى غير ذلك من الألفاظ التي وصفوها بالأضداد وهي ليست منها.

الرابع:منشأ التضادّ

قد ذكرنا في محلّه أنّ السبب لظاهرة الاشتراك هو السبب لظهور الأضداد وهو انقطاع القبائل العربية بعضها عن بعض، فصار لفظ «القرء» موضوعاً عند قبيلة للحيض وعند قبيلة أُخرى للطهر، ولذلك اختلف المفسّرون في تفسير قوله سبحانه:(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)(1)، فقيل: ثلاث حيضات، وقيل: ثلاثة أطهار.
وما قيل من أنّ التضادّ يوجب الالتباس فقد ذكرنا أنّ هذا السبب لو صحّ ينفي الاشتراك من رأس. والجواب في الموردين واحد، فلاحظ مبحث الاشتراك.

1 . البقرة:228.

صفحه 357

الخامس: التعبير بالتضادّ غير صحيح

إنّ تسمية اللفظ الموضوع لمعنيين متضادّين، بالتضادّ، تسمية غير صحيحة لأنّ التضادّ يلازم وجود لفظين بين معنييهما تضادّ، كالليل والنهار، والسواد والبياض، وأمّا إذا كان هناك لفظ واحد وضع لمعنيين فلا يطلق عليه التضادّ; بل يجب أن يوصف بوصف آخر ويقال: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين متضادّين.

السادس: قلّة التضادّ في القرآن أو عدمه

أنّه لو فرض وجود الأضداد الكثيرة في اللغة العربية، ولكن القرآن
لم يستعمل ما وصف بالتضادّ إلاّ في معنى واحد. اللّهمّ إلاّ أن يقال في
مثل كلمة «قسط» فقد استعملت في العدل كما في قوله: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(1)، وأُخرى في غير العدل كما في قوله: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ
فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)(2): أي الذين جازوا وحادوا عن الحقّ، ومع
ذلك فكون المفرد موضوعاً لمعنى والمزيد فيه مفيداً لمعنى يضادّه، لا يوصف بالأضداد لاختلاف اللفظين في القلّة والزيادة، نظير قوله: حال، وأحال، فهما متضادّان لكن التضاد نتيجة همزة باب الإفعال التي تغيّر المعنى.
***

1 . المائدة:42.
2 . الجنّ:15.

صفحه 358

4. الغريب في ألفاظ القرآن

ارتحل النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فعكف المسلمون على دراسة القرآن، ولكن أوّل ما فوجئوا به كان هو قصور باع لفيف منهم عن معرفة معاني بعض ألفاظه، وما هذا إلاّ لأنّ في القرآن ما قد ورد بغير لغة قريش، وهو وإن نزل بلغة قريش بشكل عام، لكن ربّما وردت فيه ألفاظ ذائعة بين القبائل الأُخرى، فصار ذلك سبباً لوصف بعض ألفاظه بالغرابة فهي وصف نسبيّ فاللفظ واضح المعنى عند بعض وغريب عند آخر، وقد عقد السيوطي باباً أسماه: في معرفة غريبه.(1)
وذكر في هذا الفصل غرائب القرآن مبتدئاً بسورة البقرة، وخاتماً بسورة العلق، غير أنّه أفرط في وصف كثير من الألفاظ بالغرابة.

أسئلة ابن الأزرق عن غريب القرآن

نقل جلال الدين السيوطي أسئلة نافع بن الأزرق، عن غريب القرآن، وإجابة ابن عباس عنها بالشعر الذي هو ديوان العرب.
قال: قد روينا عن ابن عباس كثيراً من ذلك، وأوْعب ما رويناه عنه، مسائل نافع بن الأزرق وقد أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب «الوقف» والطبراني في معجمه الكبير، وقد رأيت أن أسوقها هنا بتمامها لتُستفاد.
ثمّ إنّه ذكر الأسئلة وأجوبتها بتمامهما، فنحن نذكر نماذج منها:

1 . لاحظ: الإتقان في علوم القرآن:1/353.

صفحه 359
1. قال نافع: أخبرني عن قول الله: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ)(1). قال: العزون حلق الرفاق، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:
فجاءوا يُهرعون إليه حتى *** يكونوا حول منبره عزينا
2. قال ]نافع[: أخبرني عن قوله: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)(2).
قال: الوسيلة: الحاجة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول:
إنّ الرجال لهم إليك وسيلة *** إن يأخذوك تكَحّلي وتَخَضَّبي
3. قال]نافع[: أخبرني عن قوله:(شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)(3).
قال: الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يقول:
لقد نطق المأمونُ بالصدق والهدى *** وبيّن للإسلام ديناً ومنهجاً
4. قال: أخبرني عن قوله تعالى: (إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ)(4).
قال: نضجه وبالغه. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما

1 . المعارج:37.
2 . المائدة:35.
3 . المائدة:48.
4 . الأنعام:99.

صفحه 360
سمعت قول الشاعر:
إذا ما مشت وسط النساء تأوّدت *** كما اهتز غصن ناعم النبت يانع
5. قال: أخبرني عن قوله تعالى:(وَرِيشًا)(1).
قال: الريش: المال. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:
فَرِشني بخير طال ما قد بريتني *** وخير الموالي من يريش ولا يبري(2)
إلى آخر ما ذكره الذي ربّما تبلغ الأسئلة والأجوبة إلى مائتين، ولو صحّت الرواية لدلّت قبل كلّ شيء على نبوغ ابن عباس في الأدب العربي حيث استشهد لتبيين معنى كلّ كلمة ببيت من الشعر.

المؤلّفون في غريب القرآن

أُلّفت في غريب القرآن; بل في مفردات القرآن، كتب كثيرة أحصاها الدكتور الطالقاني فبلغ عددها 90 كتاباً.(3)
ونحن نذكر بعض ما ألّفه أصحابنا في هذا المضمار:
1. غريب القرآن، لأبان بن تغلب بن رباح البكري(المتوفّى141هـ) من أصحاب علي بن الحسين والباقر والصادق(عليهم السلام)، وكانت له منزلة

1 . الأعراف:26.
2 . الإتقان في علوم القرآن:1/382ـ416.
3 . لاحظ: علوم قرآن و فهرست منابع:325ـ 335، (باللغة الفارسية).

صفحه 361
عندهم، وقد نصّبه أبو جعفر الباقر(عليه السلام) للإفتاء، وقال: «اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك»، وقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لمّا أتاه نعيه: «واللّه أوجع قلبي موت أبان». وقال النجاشي: عظيم المنزلة في أصحابنا، وكان قارئاً من وجوه القرّاء فقيهاً لغوياً، سمع من العرب وحكى عنهم، وكان أبان(رحمه الله) مقدّماً في كلّ فن من العلم، في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو. وله كتب منها: تفسير غريب القرآن، وكتاب الفضائل، ولأبان قراءة مفردة مشهورة عند القرّاء. توفّي أبان في حياة الإمام الصادق(عليه السلام).(1)
2. غريب القرآن : لمحمد بن السائب الكلبي(المتوفّى 146هـ)وهو من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)ووالد هشام بن محمد بن السائب الكلبي العالم المشهور والنسّابة المعروف.(2)
3. غريب القرآن : لأبي روق(3) عطيّة بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي. قال ابن عقدة: كان ممّن يقول بولاية أهل البيت(عليهم السلام).(4)
4. غريب القرآن : لعبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي، جمعه من

1.رجال النجاشي: 1/73 برقم 6; بغية الوعاة:76; تهذيب التهذيب:1/93; الطبقات الكبرى:6/36; ميزان الاعتدال:1/5 وغيرهم من أصحاب المعاجم، وله ترجمة في موسوعة طبقات الفقهاء:2/17، برقم 281.
2. رجال النجاشي:1/78; تنقيح المقال: 3/119.
3. كذا في رجال النجاشي، وفي فهرست الشيخ «أبي ورق»، والصحيح هو الأوّل، ذكره أيضاً ابن النديم في الفهرست:57.
4. رجال النجاشي: 1/78; الطبقات الكبرى:6/368; خلاصة الأقوال:131.

صفحه 362
كتاب أبان و محمد بن السائب الكلبي، وأبي روق عطيّة بن الحارث، فجعله كتاباً واحداً فبيّن ما اختلفوا فيه وما اتّفقوا عليه، فتارة يجيء كتاب أبان مفرداً، وتارة يجيء مشتركاً.(1)
ويظهر من سند الشيخ الطوسي إليه في «الفهرست» أنّه ممّن صحب أبان بن تغلب، وينقل عنه ابن عقدة (المتوفّى عام 333هـ) بواسطة حفيده (أبو أحمد بن الحسين بن عبد الرحمن الأزدي)، فهو من علماء القرن الثاني.
5. غريب القرآن : للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد الطبري الآملي الوزير الشيعي (المتوفّى عام 313هـ).(2)
6. غريب القرآن: للشيخ أبي الحسن علي بن محمد العدوي الشمشاطي النحوي المعاصر لابن النديم الذي ألّف فهرسته عام (377هـ). قال النجاشي: «كان شيخنا بالجزيرة، وفاضل أهل زمانه وأديبهم، له كتب كثيرة منها كتاب «الأنوار والثمار». قال لي سلامة بن ذكاء: (إنّ هذا الكتاب ألفان وخمسمائة ورقة يشتمل على ذكر ما قيل في الأنوار والثمار من الشعر). ثمّ عدّ كتبه،ومنها كتاب غريب القرآن إلى أن قال: قال سلامة: وكتاب مختصر الطبري، حيث حذف الأسانيد والتكرار، وزاد عليه من سنة ثلاث وثلاثمائة إلى وقته فجاء نحو ثلاثة آلاف ورقة، وتمّم كتاب «

1. فهرست الطوسي: 641 ; رجال النجاشي: 1/78 . وفي الثاني «الحارث» مكان «الحرث» كما عرفت الاختلاف في «روق» و «ورق».
2. فهرست ابن النديم: 58.

صفحه 363
الموصل» لأبي زكريا زيد بن محمد، وكان فيه إلى سنة (321هـ)، فعمل فيه من أوّل سنة(322هـ) إلى وقته، وذكر النجاشي فهرس كتبه، منها غريب القرآن.(1)
7. غريب القرآن : للشيخ فخر الدين الطريحي (المتوفّى عام 1085هـ)، وقد طبع في النجف الأشرف في جزء واحد عام (1372هـ)، وأسماه المؤلّف بـ«نزهة الخاطر وسرور الناظر وتحفة الحاضر».
8. مجمع البحرين ومطلع النيرين: وهو في غريب القرآن والحديث ولغتهما للشيخ الطريحي أيضاً، وهو كتاب كبير، طبع أخيراً محقّقاً في ثلاثة أجزاء.
9. البيان في شرح غريب القرآن: للشيخ قاسم بن حسن آل محيي الدين، طبع بالنجف عام 1374هـ ، بإشراف وتصحيح مرتضى الحكمي(الحكيمي).
10. غريب القرآن: للسيد محمد مهدي بن السيد الحسن الموسوي الخرسان يقع في جزأين.(2)
هذه عشرة كاملة نكتفي بها، وهناك كتب أُلّفت في توضيح مفردات القرآن بغير اللغة العربية، فمن أراد فليرجع إلى الفهارس.
***

1. رجال النجاشي:2/93 برقم 687، وترجمه ياقوت في معجم الأُدباء:14/240 برقم 39.
2. الذريعة إلى تصانيف الشيعة:16/50برقم 308.

صفحه 364

5. المجاز في القرآن الكريم

اختلفت كلمات العلماء في وجود المجاز في الذكر الحكيم، وقد استوفينا الكلام في الموضوع ضمن رسالة مبسوطة طبعت في آخر الجزء الثالث والعشرين من تفسيرنا هذا أعني:«منية الطالبين»، فلاحظ.

6. أقسام القرآن

وردت في القرآن الكريم أقسام كثيرة سيأتي تفصيلها في مبحث مستقل.
***
ثمّ إنّ جلال الدين السيوطي أدخل مسائل كثيرة ممّا يبحث فيه في علم البديع، وقد عنون الباب بقوله: النوع الثامن والخمسون في بديع القرآن، وقد أوردنا الجميع في كتاب مفرد، طبع باسم: «تهذيب البلاغة»، إلى غير ذلك من المباحث التي تُعدّ كمالاً لهذا العلم لا من مسائله وبحوثه الأساسية.

صفحه 365
فهرس المحتويات    

فهرس المحتويات

الموضوع    الصفحة
مقدّمة المؤلّف   7
الفرق بين التفسير وعلوم القرآن   7
علوم القرآن موضوعها ومسائلها وغاياتها   10
تاريخ تكميل تدوين علوم القرآن   12
نظرية الزرقاني في تاريخ هذا العلم   13
وجه الاختلاف في تاريخ ذلك العلم   14
أساليب التأليف في علوم القرآن   17
أُسلوبنا في التأليف   19
         المبحث الأوّل: في أسماء القرآن وأوصافه
صفات القرآن الكريم   22
   1. النور المنزل من الله سبحانه   23

صفحه 366
الموضوع    الصفحة
   2. برهان من الله   23
   3. كتاب مبين   23
   4. المعجزة الكبرى   24
   5. اشتماله على الأمثال   24
   6. اشتماله على الأقسام   25
   7. نزوله تدريجاً   25
   8. نزول الروح الأمين به   26
   9. هدى وذكرى للعالمين   26
   10. فيه قصص الماضين   26
   11. المهيمن على الكتب   27
   12. مصدّق لما نزل قبله   28
   13. مصوناً من التحريف   28
   14. اهتمام الملائكة بالوحي النازل من الله سبحانه   28
   15. اشتماله على الحِكَم   29
   16. خلو القرآن عن أي تناقض واختلاف   30
   17. زمان نزوله   31
   18. نزوله في ليلة القدر   31
   19. المخرج من الظلمات إلى النور   31
   20. الداعي إلى الاعتدال   32
   21. شفاء ورحمة   32
   22. بلسان عربيّ مُبين   33

صفحه 367
الموضوع    الصفحة
   23. اشتماله على الاحتجاجات   33
   24. إخباره عن العوالم الغيبية   34
   25. الدعوة إلى الاتّحاد والاعتصام بحبل الله   35
               المبحث الثاني: في نزوله تدريجاً
النظرية الأُولى: نزوله دفعة على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)   39
النظرية الثانية: نزوله إلى البيت المعمور دفعة   40
النظرية الثالثة: لفظ (القرآن) يطلق على الجزء والكلّ   41
      المبحث الثالث: تقسيم الآيات إلى مكّيّة ومدنية
شبهات وردود حول مكّيّ الآيات ومدنيّها   47
الشبهة الأُولى: التعارض في أُسلوب القرآن   48
الشبهة الثانية: انقطاع الصلة بين القسم المكّيّ والمدنيّ   49
الشبهة الثالثة: خلو القسم المكّي من التشريع   50
الشبهة الرابعة: القرآن والقسم بالمخلوقات   52
   1. الحلف بلفظ الجلالة   54
   2. الحلف بلفظ الربّ   54
   3. الحلف بالقرآن الحكيم   54
   4. الحلف بالملائكة   54
   5. الحلف بالقلم وما يسطرون   55
   6. الحلف بالقيامة بأسمائها المختلفة   55

صفحه 368
الموضوع    الصفحة
   7. الحلف بالنفس اللوامة   55
الشبهة الخامسة: اشتمال السور المكّيّة على لغو من الكلام   56
   إلماع إلى مادّة القرآن   57
الشبهة السادسة: السور المكّية خالية من الأدلّة والبراهين   60
         المبحث الرابع: نزول القرآن على سبعة أحرف
كلمات علمائنا حول نزول القرآن على سبع قراءات، وفيه مسألتان   66
الأُولى: جواز القراءة بما يتداوله القرّاء   66
الثانية: نزول القرآن بقراءات مختلفة   66
حديث السبعة من طرق أهل السنّة   67
الزرقاني وتفسير الحديث   71
         المبحث الخامس: هل القراءات السبع متواترة؟
الأوّل: الراوي لقراءة النبي نفس القارئ الواحد في جميع السبع   75
الثاني: لكلّ قارئ، راويان   76
الثالث: تخطئة كلّ قارئ قراءة الآخر   78
الرابع: تواتر القراءات عن النبيّ لا ينسجم مع مسؤولياته(صلى الله عليه وآله وسلم)   79
الخامس: القراءات السبع تُسبب كون القرآن كتاباً بشرياً   80
السادس: لا صلة بين الأحرف السبعة والقرّاء السبعة   80
السابع: القراءات المختلفة لم تؤثّر على وحدة المصحف   81
الثامن: ما هو السبب لاختلاف القراءات؟   82

صفحه 369
الموضوع    الصفحة
حكم القراءة في الصلاة وغيرها   87
   المبحث السادس: جمع القرآن الكريم في عصر الرسالة
دراسة موضوع جمع القرآن في خلافة أبي بكر   98
شواهد على جمع القرآن في عصر الرسالة   102
بقيت هنا أُمور:   106
   الأمر الأوّل: زعم الزرقاني أنّ جمع القرآن في حيـاة النبى(صلى الله عليه وآله وسلم)
يعرّضه للتغيير   106
   الأمر الثاني: جمع القرآن في عصر عثمان كان السنة الثالثة
والعشرين من الهجرة   106
   الأمر الثالث حول الجمع المنسوب إلى الإمام علي(عليه السلام)   112
مختارنا فى هذا الصدد   114
         المبحث السابع: صيانة القرآن من التحريف
التحريف لغة واصطلاحاً   116
امتناع تطرّق التحريف إلى القرآن   120
شهادة القرآن على عدم التحريف   123
   1. آية الحفظ   123
   2. آية نفي الباطل   125
   3. آية الجمع   127
شهادة السنّة على عدم التحريف   128

صفحه 370
الموضوع    الصفحة
   1. أخبار العرض   128
   2. حديث الثقلين   129
   3. أهل البيت وصيانة القرآن   130
الشيعة وصيانة القرآن   131
أُضحوكة   140
ما أُلصق بكرامة القرآن الكريم   141
شبهات مثارة حول صيانة القرآن عن التحريف   145
الشبهة الأُولى: وجود مصحف لعلي (عليه السلام)   145
الشبهة الثانية: تشابه مصير الأُمّتين   145
الشبهة الثالثة: عدم الانسجام بين الآيات والجمل   148
   1. آية الكرسي وتقديم السِنة على النوم   149
   2. آية الخوف عن إقامة القسط   149
   3. آية التطهير ومشكلة السياق   151
إكمال   155
الآيات غير المكتوبة   155
   1. آية الرجم   156
   2. آية الفراش   156
   3. آية الرغبة   156
   4. آية الجهاد   157
   5. آية الرضعات   157
روايات التحريف في كتب الحديث   157

صفحه 371
الموضوع    الصفحة
ختامه مسك   162
مع المحدّث النوري في كتابه «فصل الخطاب»   163
روايات التحريف في كتب الحديث   170
مزعمة منسوخ التلاوة   171
         المبحث الثامن: النسخ في القرآن الكريم
النسخ لغة   173
النسخ اصطلاحاً   174
أقسام النسخ   175
الأوّل: نسخ التلاوة والحكم معاً   175
القسم الثاني: نسخ التلاوة دون الحكم   177
القسم الثالث: نسخ الحكم دون التلاوة   180
الكلام في وقوع النسخ   184
تحليل واعتذار   189
القول الثاني والثالث في النسخ   192
   الآية الأُولى: آية النجوى   193
   الآية الثانية: آية عدد المقاتلين   195
   الآية الثالثة: آية الإمتاع إلى الحول   199
      الأوّل: ما ورد من النصوص حول العدّة في الجاهلية   200
   المقام الثاني: ما هو الدليل على كون الآية واردة لبيان العدّة   201
   الآية الرابعة: آية التوارث بالإيمان والمهاجرة   202

صفحه 372
الموضوع    الصفحة
   الآيتان الخامسة والسادسة: ما هو مورد الإمساك والإيذاء؟   205
      الأوّل: الآيتان ناظرتان إلى بيان حكم السحق واللواط   205
      القول الثاني: الآيتان ناظرتان إلى بيان حكم زنا النساء بقسميه   207
   الآية السابعة: آية الصفح عن أهل الكتاب   210
الآيات التي أُدعي فيها النسخ   213
   المبحث التاسع: حقيقة الإعجاز ومقوّماته وإعجاز القرآن
   1. دعوى النبوة   221
   2. خرق العادة   221
   3. التحدّي   221
   4. العجز عن مقابلته   221
   5. مطابقة المعجز للدعوى   222
نظرنا في الموضوع   222
دعائم الإعجاز البياني للقرآن   223
   الأُولى: الفصاحة جمال اللفظ وأناقة الظاهر   224
   الدعامّة الثانية: البلاغة وهي جمال العرض وسموّ المعنى   224
   الدعامّة الثالثة: النظم، وهو رصانة البيان واستحكام التأليف   225
   الدعامّة الرابعة: الأسلوب، وهو بداعة المنهج وغرابة السبك   226
أُسلوب القرآن يختلف مع أُسلوب كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والوصي(عليه السلام)   229
آيتان على منضدة التشريح   231
   1. آية (يَا أَرْضُ ابْلَعِي)   231

صفحه 373
الموضوع    الصفحة
   2. آية (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى)   235
القول بالصرفة   236
الإعجاز الغيبي   247
أُصول المغيّبات في القرآن الكريم   250
القرآن والإعجاز العلمي   254
   المبحث العاشر: ما هي الصلة بين الإعجاز وصدق دعوى المدّعي؟
المعجزة دليل إقناعي   257
المعجزة دليل عقلي وبرهاني   258
الرابطة المنطقية بين المعجزة وصدق دعوى المدّعي، وفيها وجهان   258
   الوجه الأوّل: الاقتباس من القرآن الكريم   258
      إرشاد القرآن إلى هذا الاستدلال   260
      دفع توهّم   261
      منهج الأشاعرة في تصديق الأنبياء   262
   الوجه الثاني لبيان وجود الرابطة المنطقية بين الإعجاز والنبوّة   263
إكمال   264
         المبحث الحادي عشر: التأويل في القرآن الكريم
التأويل في القرآن الكريم   267
التأويل: صرف الكلام عن ظاهره مصطلح جديد   270

صفحه 374
الموضوع    الصفحة
      المبحث الثاني عشر: المُحكم والمُتشابه في القرآن الكريم
تقسيم الآيات إلى مُحكمات ومتشابهات   272
التشابه عند ابن تيمية وصاحب المنار   278
المُحكمات أُمّ الكتاب   281
العلم بتأويل المتشابه   281
اعتراضات وأجوبتها   285
   1. لزوم شركة الممكن مع الواجب   285
   2. الإيمان بعد العلم التفصيلي لا فضيلة فيه   286
   3. ما هو موضع قوله:(يَقُولُونَ آمّنا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبّنا)؟   286
   4. الراسخون في العلم في نهج البلاغة   288
مَن هم الراسخون في العلم؟   289
            المبحث الثالث عشر: تأويل المتشابه
في معنى تأويل خصوص المتشابه   291
في تأويل عامّة الآيات المتشابهة في القرآن الكريم   294
نموذجان من تأويل المتشابه   295
         المبحث الرابع عشر: التأويل في مقابل التنزيل
نماذج من التأويل في مقابل التنزيل   300
         المبحث الخامس عشر: حقيقة التفسير بالرأي
كلمات العلماء حول تحديد التفسير بالرأي   305

صفحه 375
الموضوع    الصفحة
   أ. تفسير ما لا يدرك علمه إلاّ ببيان الرسول   305
   ب. إخضاع القرآن للعقيدة   306
   ج. تفسير القرآن بغير الأُصول الصحيحة   307
نموذج لكلّ من القسمين   311
الاجتهاد في فهم القرآن غير التفسير بالرأي   313
المبحث السادس عشر: القرآن قطعيّ الدلالة في نصوصه وظواهره
الصفات الخبرية و كون الظواهر قطعيّة   321
      المبحث السابع عشر: الوحي: مجهول الكنه، معلوم الآثار
الأوّل: الوحي في اللغة والقرآن   329
مصاديق الوحي في القرآن الكريم   330
      أ. تقدير الخلقة بالسنن والقوانين   330
      ب. الإدراك الغريزي   331
      ج. الإلهام والإلقاء بالقلب   331
      د. الإشارة   332
      هـ . الإلقاءات الشيطانية   332
      و. كلام الله المنزّل على نبي من أنبيائه   332
الأمر الثاني: حقيقة الوحي إلى الأنبياء، وفيه نظريات   333
      النظرية الأُولى: النبوّة نبوغ والنبي نابغة المجتمع؟!   334
         مناقشة هذه النظرية   335
      النظرية الثانية: الوحي النفسي   338
      مناقشة النظرية   339
         أ. قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى)   340

صفحه 376
الموضوع    الصفحة
         ب. قوله تعالى: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)   341
نظريتان أُخريان   341
         المبحث الثامن عشر: حول المفردات القرآنية
   1. الترادف في ألفاظ الذكر الحكيم   343
   2. الإشتراك في ألفاظ القرآن الكريم   346
نماذج من وقوع الاشتراك في القرآن الكريم   347
      1. النجم   347
      2. النون   348
      3. القُرء   348
      4. عسعس   348
      5. الدين   348
   3. التضادّ في ألفاظ القرآن، وفيه أُمور   351
         الأوّل: تاريخ عنوان مسألة التضادّ   351
         الثاني: في تعريف التضادّ وما ألّف حوله من الكتب   352
         الثالث: التسامح في وصف بعض الكلمات بالتضادّ   353
         الرابع:منشأ التضادّ   356
         الخامس: التعبير بالتضادّ غير صحيح   357
         السادس: قلّة التضادّ في القرآن أو عدمه   357
   4. الغريب في ألفاظ القرآن   358
         أسئلة ابن الأزرق عن غريب القرآن   358
         المؤلّفون في غريب القرآن   360
   5. المجاز في القرآن الكريم   364
   6. أقسام القرآن   364
فهرس المحتويات   365

صفحه 377