welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحياة البرزخية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحياة البرزخية

الحياة البرزخية

تأليف

العلامة المحقّق
جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق
ـ عليه السلام ـ


(2)


(3)

تمهيد:

ابن تيميّة وأثر منهجه في العقيدة والشريعة

في العصر الذي تحالفت فيه الوثنيّة والصليبيّة على تدمير الإسلام وتحطيم كيانه في أراضيه ، والذي ينبغي فيه للعالِمِ المسؤول في مثل هذا الظرف الحرِج ، أن يتصدّى لهذه المواقف الخطيرة، ويعمد إلى تجميع القوى وتكريسها ; ليكون المسلمون صفاً واحداً ويداً واحدة وقوة حامية للإسلام أمام الزحف الوثني القادم من المشرق، المتمثل آنذاك في الهجمة المغوليّة الشرسة المدمِّرة ، والزحف الصليبي القادم من الغرب، المتمثّل في الحملات النصرانية الحاقدة، على مقدسات المسلمين في فلسطين.

في مثل هذا العصر نرى من يطرح نفسه عالماً دينيّاً عارفاً بالكتاب والسنّة ، يطرح على الساحة قضايا ومسائل من شأنها تعكير الصفو ، وبلبلة الأذهان ، وشقّ الصفوف ، وبالتالي تضعيف القوة الإسلامية التي قوامها الوحدة .

أفيمكن والحال هذه وصف مثل هذا الشخص بأنّه عالم عارف أو شيخ إسلام أحيا السنّة وأمات البدعة؟!

لقد كانت النصارى بالمرصاد للمسلمين وكان من أمانيّهم الاستيلاء على القدس الشريف ، وانتزاعه من أيدي المسلمين بحجّة كونه مولِد المسيح ، وقبلة


(4)

النصارى ، ولهذا شنّوا الغارة تلو الغارة ، والحملة تلو الحملة على بلاد المسلمين من أواخر القرن الخامس (سنة 490 هـ) إلى أواسط القرن السابع ، وكان للحروب الصليبية هذه مراحل ثمان وكان انتصر المسيحيون في بعضها وهزمت قواتهم في البعض الآخر .

وقد تحمّل المسلمون جرّاء هذه الحملات الكبرى خسائر كبرى ، لا يستطيع البنان واللسان عدّها وإحصاءها ، ولا تصويرها ، وبيانها .

وفيما كان الجرح نازفاً من جهة الغرب ، تعرّضت البلاد الإسلامية من ناحية الشرق في عام 616 هـ  لحملة شعواء وثنيّة الجذور لاقتلاع الإسلام من أساسه والقضاء على أُصوله وفروعه ، وإبادة حضارته ومدنيّته وامتدّت إلى أن سقطت الخلافة العباسية بأيدي أُولئك الوثنيين عام 656هـ ، وكانت الخسائر في النفوس والأرواح كبيرة قاربت المليون ، بل أكثر .

وبقي التدمير والحرب سائدَين في البلاد إلى أواخر هذا القرن ، بل امتدّا إلى أواخر القرن الثامن .

ثم وقعت في الشمال الغربي من البلاد الإسلامية أعني الأندلس كارثة أُخرى ، هي إبادة المسلمين وتصفيتهم بقتلهم أو بترحيلهم عن بلادهم وأوطانهم بأعداد كبيرة وهائلة .

فإذا نظرنا إلى الجدول التاريخي نرى أنّ هذه القرون الأربعة تعدّ من شرّ القرون على العالم الإسلامي حيث فيها :

1 ـ ابتدأت الحروب الصليبية من عام 490هـ  واستمرت إلى عام 690 هـ(1) .

2 ـ ابتدأت الحروب التترية (المغولية) من عام 616هـ  وانتهت عام 807 هـ(2) .


(1) و (2) الدولة العباسيّة: 2/374 ـ 398.


(5)

3 ـ أُبيد المسلمون في أوطانهم بإسبانيا والأندلس ، أو رحّلوا من عام 609هـ  إلى عام 898 هـ .

ففي هذه الظروف المأساوية المتّسمة بالقتل والتنكيل والتشريد ، والهدم ، والمقرونة بإحراق المكتبات وتدمير الثقافة الإسلامية ، نرى أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية يطرح مسائل باسم التوحيد والشرك ويُقسِّم المسلمين إلى قسمين : موحّد ومشرك .

فالأوّل هو مَن يتّبع خطواته وأفكاره ، والثاني هم المخالفون; وهم الأكثرية الساحقة من المسلمين .

فهل طرحت هذه المسائل المفرّقة لصفوف المسلمين بدوافع إيمانية ، وبحجّة الدفاع عن حوزة الدين والإيمان . أو أنهّ كان وراء الأكمة ما وراءها ، وأنّه كانت هناك وراء الكواليس أُمور أُخرى لا يعلمها إلاّ الله ، أو أنّ طارح هذه الأفكار كان إنساناً ساذجاً ومغفّلا غير واقف على مصالح الإسلام والمسلمين ولا عارف بما يصلحهم في ذلك الظرف العصيب وما يفسدهم . وبكلمة قصيرة : ما كان يعرف الداء ولا الدواء .

ونحن لا نقضي بشيء عليه فالتاريخ خير قاض ، والعلم عند الله تبارك وتعالى . وعلى أيّ نحو فسّر موقفُ الشخص المذكور ، فقد أنتج هذا الموقف ثلاث نتائج سيئة ، لم تزل آثارها الخطيرة باقيّة إلى الآن :

1 ـ الحطّ من شأن الأنبياء والأولياء والصالحين والشهداء والصدّيقين ، وإنزالهم عن مقاماتهم المعنوية العالية الّتي أعطاهم الله إيّاها بجهادهم ، وإخلاصهم ، ووفائهم للعقيدة ودفاعهم عن الشريعة .

2 ـ تعريض الآثار الإسلامية للمحو والإبادة والطمس والهدم ، على حدّ لا يبقى من آثار النبيّ والمسلمين الأوائل شيء يدلّ على وجودهم ، وعلى تفانيهم


(6)

وتضحياتهم ، لو أُتيح لأتباع هذه الفكرة ، وأنصار هذا الرجل أن ينفِّذوا كلّ مآربهم ، ومراميهم .

وبالتالي لوْ وُفِّقوا لذلك ، لَتحوّل الإسلام في رؤية الأجيال المستقبلة إلى صورة أُسطورية لا واقع  لها ولا أساس، إلاّ بين الكتب والأوراق، أو في عالم الأذهان والأفكار.

3 ـ تفريغ الدين من محتواه الداخلي ، الغني ، حيث قاموا بتفسير القرآن بحرفيته ، فأثبتوا لله سبحانه الجسمانية والجهة ، والمكان ، وسائر ما تتمتع به المخلوقات من الأوصاف والحالات ، وما لها من الأعضاء والجوارح . وهذا واضح لمن طالع رسائل الرجل المذكور ، وكتاباته .

هذه أبرز النتائج التي ترتّبت على هذا المنهج الفكري الذي قدّمه ابن تيمية ، ولكنّه لم يوفّق لتأصيل وتعميم ما كان ينويه ويهدف إليه ويسعى إلى نشره وحمل الناس عليه ، وذلك لأنّه :

أوّلا : واجه مخالفة العلماء الكبار من جميع المذاهب في البلاد المنعمة بالعلم والإيمان ، والحبّ للرسول وآله في مصر والشام وغيرهما ، ولأجل ذلك بقيت فكرته بذرة في ثنايا الكتب تنتظر أرضية مناسبة لنموّها ، وتجدّدها .

ثانياً : واجه ما كان المسلمون مفطورين عليه من حبّ للإسلام ، والرسالة المحمديّة الشريفة ، وتعلّق فطري سليم بالرسول الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وآثاره ، وما كان مركوزاً في أذهانهم منذ قرون من مشروعية لمظاهر التكريم والتبجيل للأنبياء والأولياء والصالحين .

وكانت الظروف على هذه الحال ، ولم تكن مناسبة لنموّ وتوسع هذه البذرة إلى أن انتقلت إلى أراض قاحلة من العلم والمعرفة من بقاع نجد ، فسقيت البذرة على يد محمّد بن عبد الوهاب النجدي (1115 ـ 1206هـ ) فأخذت البذرة تنمو بين قوم أُمّيين لا يعرفون المعارف الصحيحة ، بل تغلب عليهم البداوة والجاهلية ، وقد


(7)

استغل محمّد بن عبد الوهاب هذا النمط من الناس لتعميق هذه الفكرة ، ودعمها وإشاعتها ، ومن سوء الحظ أنّ أمير المنطقة محمّد بن سعود (حاكم الدرعية) ، من إمارات نجد ، أيّده في فكرته واتّفقا على المناصب والدعم المتقابل ، وبذلك عادت الفكرة إلى الساحة باسم الوهّابية ، وأخذت تنمو شيئاً فشيئاً بين أعراب نجد وما حولها ، وقد وقعت مناوشات وحروب دامية بين هذه الفرقة والخلافة الإسلامية العثمانية مرّات ، بفضل القوات المصرية التابعة للخلافة آنذاك .

وفي خلال الحرب العالمية الأُولى انهارت الخلافة الإسلامية وتبدّلت إلى ملكيات ، وإمارات يحميها الاستعمار البريطاني والفرنسي ، فاستولى أمير الوهابية عبد العزيز بن سعود على مكة والمدينة عام 1344هـ ، وبذلك سيطروا على أقوى مركز من مراكز التبليغ والدعوة ، وصار لهم نشاط نسبيّ في تبليغ الفكرة ونشرها ، وكبح الألسن وإلجامها والسيطرة على المخالفين والمعارضين .

ومع ذلك لم يكن النجاح حليفهم إلى أن اكتُشِفَت في المنطقة الشرقية (الظهران) أكبر معادن البترول ، فصار أمير الوهابية يملك أكبر ثروة في العالم سخّرها لصالح قبيلته ، ونشر الفكرة التي نشأ عليها هو وآباؤه ، ولولا هذه الظروف الاتفاقية لا تحسّ منهم من أحد ، ولا تسمع لهم رِكْزاً .

إنّ التاريخ يعيد نفسه ، ففي الوقت الذي تشنّ القوى الكافرة من الصهاينة والصليبيين ، الغارة تلو الغارة على الأطفال والشباب لمسخ هويتهم الإسلامية بشتى الوسائل ، حتّى أنّ الإنجيل قد ترجم في عقر دار المسلمين بمختلف اللغات الدارجة في البلاد الإسلامية .

ففي هذا الوقت العصيب الذي تدمع عين الإسلام دماً ، نرى الوهابيّين مستمرين على تهديم الآثار الإسلامية الباقية ، بمعاولهم الهدامة تحت غطاء توسيع المسجدين ، وموزّعين ملايين الكتب والأشرطة ، كلّها مكرَّسة للهجمة الشرسة


(8)

على المسلمين قاطبة والشيعة الإمامية خاصة ، ولا تتبنى من العلم الصحيح الناجع لداء المسلمين اليوم ، شيئاً ، سوى أنّ البناء على القبور وتقبيل الضريح والتوسّل بالأولياء وطلب الشفاعة منهم شرك وبدعة .

فيالله وللمسلمين من هذا التفريق والتبديد ، والإسراف والتبذير!! أما آن لهؤلاء المغفّلين أن ينتبهوا من غفلتهم ، ويسعوا في سبيل وحدة المسلمين ، مكان تفريقهم وإذلالهم ، إذا كانوا يعتبرون أنفسهم مسلمين؟

وعلى كلّ تقدير ، فنحن أمام هذه الكارثة التي هزّت وحدة المسلمين وجعلتهم فريسة للمستعمرين ووسيلة للتقاتل والتخاصم والتنازع والتناوش ، مكان بذل الجهد وتكريس التعاون لأهم الأُمور وهو حفظ استقلالهم والتخلّص من مخالب المستعمرين وتنشيط اقتصادهم وتجديد سيادتهم على العالم .

وهنا نحن نغضّ الطرف عن جميع ما ذكرنا وندعو علماء الوهابية في الحجاز والرياض أن يقيموا مؤتمراً إسلامياً يحضره علماء من كافة المذاهب الإسلامية ، لدراسة مسائل عديدة ـ مّما يتميز بها الوهابيون عن غيرهم ـ في جوّ هادئ تسيطر عليه الروح الموضوعية والعلمية ، والبعيدة عن السيطرة السياسية حتى يتبيّن الحقّ عن الباطل ، وتتم الحجة على الجاحد ، ولعلّ في هذا المؤتمر نجاح الإسلام والمسلمين وتوحيد الكلمة ، كما أنّ لهم كلمة التوحيد .

وبما أنّ الحياة البرزخيّة بعد الانتقال من الدنيا ، هي الأساس لنقد دعاياتهم وعقائدهم خصّصنا هذا البحث لتحقيقها والبرهنة عليها بالكتاب والسنّة والعقل الصريح ، في ضمن مباحث .


(9)

المبحث الأوّل
حقيقة الإنسان; روحه ونفسه

لم يزل الإنسان عبْر القرون يبحث عن الحياة وحدّها ومنشئها ومُنتهاها بحثاً حثيثاً ، كي يقف على معالمها وآثارها وكيفية حدوثها بين الموجودات الحيّة . وقد أدّى هذا البحث والولع الشديدان إلى نشوء قسم مختص يعرف بـ «عالم الأحياء» ، وقد كرّس لفيف من العلماء جُلَّ أعمارهم في سبيل ذلك وخرجوا بنتائج باهرة معروفة .

والغاية القصوى من دراسة الظاهرة الحياتية ، هي الوقوف على واقعِ الإنسان ، وهل هو عبارة عن هيكل ماديّ متكوّن من عروق وأعصاب وعظام وغيرها من المكوّنات المادية فحسب ، أم أنّ هناك وراء هذا المظهر المادّي جوهراً آخرَ يكوِّن حقيقة الإنسان ويُشيّد واقعه والإنسان به يكون إنساناً؟

وبعبارة أُخرى : أنّ الباحث يحاول أن يقف على ذاته وواقعه ، وأنّه هل هو موجود آليّ مركب من أدوات مادية مختلفة تتفاعل أجزاؤه بعضها ببعض ، أو أنّ وراء هذا الموجود الآليّ حقيقة قدسية هي واقع الإنسان وهي المدبّرة لما تراه وتظنّه إنساناً؟


(10)

فالعلماء في هذا المجال على رأيين :

الأوّل : الإنسان موجود آلي مركّب من عرق وعصب ولحم وعظم ، وما الشعور إلاّ نتيجة تفاعل هذه الأجزاء بعضها ببعض ، وليس وراءَ هذا التركيب المادّي أيّ  وجود آخر باسم الروح والنفس ، وأنّ الإنسان يفنى بموته ، وبه تنتهي شخصيته و «ليس وراء عبّادان قرية» وقد انطلت هذه النظرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على كثير من الباحثين في الغرب ، وبذلك قاموا بنفي العوالم الغيبيّة وراء المادة ، وحسِبوا أنّ الوجود يساوي المادة وهي أيضاً تساويه ، وبذلك شيّدوا المذهب المادّي في ذينك القرنين .

الثاني : أنّ واقع الإنسان الذي به يعدّ إنساناً ، هو نفسه وروحه ، وليس جسمه إلا أداة بيد روحه وجهازاً يعمل به في هذا العالم المادّي ، وهذا لا يعني أنّه مركّب من جسم وروح ، بل أنّ الواقع فوق ذلك ، فالإنسان هو الروح ، والجسم كسوة عليه ، ونِعْمَ ما قيل :

يا خادَم الجسم كمَ تسعى لخِدمته * أتطلب الربح فيما فيه خسرانُ
أقبل على النفس واستكمل فضائلها * فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ

ومن حسن الحظ أنّه في الوقت الذي كان المادّي يرفع عقيرته وينادي بأنّه ليس وراء المادة شيءٌ أثبتت البحوث العلمية بطلان هذه النظرية ، فقام الروحيّون بنشر رسائل عديدة وكتب كثيرة تشتمل على تجاربهم وأدلّتهم في هذا المضمار ، وبذلك دمّروا ما بُني من تفكيرات مادية بمعاولهم العلمية .

وبما أنّ بحثنا في هذه الفصل يعتمد على الكتاب والسنّة فنترك أدلّتهم للقارئ


(11)

الكريم للبحث عنها في مظانّها ، ولكن قبل أن ندرس قضاء الكتاب والسنّة في المقام نأتي ببعض الأدلّة العقلية التي تتجاوب وشعور قرّائنا فإنّها دلائل واضحة ـ على أنّ وراء الجسم واقعاً آخر باسم الروح ـ يخضع أمامها كل إنسان واع وإن لم يقرأ كتاباً فلسفياً ، ولم يقرع باب العلوم العقلية ، لأنّ ما يمرّ عليه كلّها أُمور وجدانية يحسّ بها كلّ إنسان إذا تجرّد عن رأي مسبق .


(12)

الشخصيّة الإنسانيّة المعبّر عنها بالـ «أنا» :

لم يزل كلّ واحد منّا ينسُب جميعَ أفعاله إلى موجود نعبّر عنه بالـ «أنا» ويقول : «أنا فعلتُ» «أنا أكلتُ» و «أنا ضربتُ» وربما ينسبها إلى الضمائر المتصلة القائمة مكان «أنا» فيقول : «قرأت» ، «كتبت» ، «أردت» و «أجبت» ، فإذن يقع السؤال حول تعيين الموضوع الذي تنسب إليه هذه الأفعال ، فما هو إذن؟ هل هو هذا الجسم المادّي ، أو شيء آخر وراء ذلك؟ فلو كان الموضوع هو الجسم المادّي منه ، لا يكون دليلا على وجود جوهر آخر مجرد عن المادة وآثارها ، ولو كان الموضوع أمراً غيره ، يثبت به موضوع وراء المادة ، مقترن بجسمه وحياته المادية .

ثم إنّنا ننسب أعضاءنا إلى شيء آخر وراء الجسم المادّي هذا ونقول : «رأسي» و «قلبي» و«بطني» و «قدمي» فهذه أعضاء رئيسية للجسم الماديّ «الإنسان» ، ومع ذلك فإنّنا ننسبها إلى شيء آخر وراء هذا الجسم المادّي .

وربما نتجاوز إلى أكثر من هذا فننسب نفس الجسم بأكمله إلى شيء آخر ، فنقول : «بدني» ، فإذن ما هذا المضاف إليه في جميع هذه الانتسابات ، من انتساب الأفعال والأعضاء والبدن بأكمله؟

وبما أنّ كلّ قضية تتركّب من موضوع ومحمول ، فبداهة العقل تحكم بأنّ لهذه المحمولات موضوعاً وإن لم يكن مرئياً إلاّ أنّنا ندركه من خلال هذه المحمولات .

وبعبارة واضحة : أنّ الأفعال البشرية رغم صدورها من أعضاء مختلفة كالإبصار بالعين ، والرفع باليد ، والمشي بالرجل ، والسمع بالأُذن ، فالإنسان ينسبها جميعاً إلى مصدر واحد ، فيقول :

«أنا شاهدت» ، «أنا مشيت» و «أنا سمعت» كما ينسب كلّ عضو من جسمه


(13)

إلى مصدر كذلك ، فإذن تتطّلب هذه المحمولات موضوعاً واحداً لنفسها ، حتى لا تكون القضية مجرّد انتسابات بلا موضوع ، وعندئذ يكون هذا المصدر الواحد هو الشخصية الواقعية للإنسان التي نعبّر عنها بروحه ونفسه .

فالنتيجة : أنّ الشخصية الإنسانية تكمن وراء جسمه وصورته الظاهرية .

ثبات الشخصية الإنسانية في دوّامة التغييرات الجسدية :

إنّ كل واحد منّا يحس بأنّه باق في دوّامة التغيّرات والتحوّلات التي تطرأ على جسمه ، فمع أنّه تمرّ عليه أحوال كثيرة وتبدّلات جوهرية عبر مراحل الطفولة ، والصّبى ، والشباب ، والشيخوخة ، إلا أنّه يجد أنّ شيئاً واحداً ينسب إليه جميع هذه الصفات والحالات وهو باق خلال هذه التغييرات ، غير متغير . فيقول : أنا الذي كنت طفلا ، ثم يافعاً ، ثم شاباً ، ثم كهلا ، ثم شيخاً ، فيدرك أنّ هناك حقيقة باقية ثابتة رغم تغيير كلّ هذه الأحوال والأوضاع وتصرّم الأزمنة وانقضاء الأوقات ، فقد تغير كل شيء خلال سبعين سنة ولكن هناك أمر باق لم يتغير ولم يتبدل ، وهو الذي يحمل تلك الصفات والأحوال ، فالمتغير غير الثابت ، والتغير آية المادية ، والثبات آية التجرّد عن أحكام المادة .

بل نرى أنه ينسب إلى نفسه الفعل الذي قام به قبل خمسين سنة ويقول : «أنا الذي كتبت هذا الخط يوم كنت طفلا» وهذا يعرب عن إدراكه بوجدانه أنّه هو الذي كتب ذلك الخط سابقاً ، فلو لم يكن هناك شيء ثابت إلى زمان نطقه بهذا الكلام لزم كذب القضية وعدم صحّتها ، وذلك لأنّه لو كان الإنسان خلاصة الأجزاء المادية الظاهرة فالمفروض أنّها زالت وحدثت بعدها شخصيات جسمانية متعددة ، فأين الإنسان أيام صباه ، منه أيام شيخوخته ، وقد تحوّلت وتبدّلت عظامه وعروقه وأعصابه في دوامة التغيّرات وتحلّل منه كلّ شيء وتخلّفت عنه


(14)

أشياء اُخر; مثلها شكلا وغيرها حقيقة .

فعملية التغيّر في جسمه مستمرة; ولا زالت الخلايا تتلف وتُستعاض بأُخر ، ولكن الإنسان يرى نفسه ثابتاً في مهبّ تلك التحوّلات ، فكأنَّ هناك أمراً ثابتاً طيلة سبعين عاماً يحمل تلك التحولات ، فهو يشعر في جميع مراحل حياته أنه هو الإنسان السابق الذي وجد منذ عشرات السنين .

نفترض أنّ إنسانا جنى وله من العمر عشرون عاماً ، ولم يقع في قبضة السلطات إلى أن ألقت القبض عليه وله من العمر ستون عاماً ، فعند ذلك يقف في قفص الاتّهام ليُحاكم على جرمه ، فإذا به محكوم بالإعدام على ما جنت يداه بقتله أُناساً أبرياء ، فلا القاضي ولا الحاضرون في جلسة المحكمة يرون الحكم الصادر بحقّه جائراً ، بل يراه الجميع أنّه وفق العدالة .

ولو كان الإنسان عبارة عن جسم مادي ، فقد تغيّرت خلاياه مرات عديدة طيلة تلك الأعوام ، لكنّ الحاضرين والقاضي وكل سامع ، يرى أنّه نفس ذلك الإنسان الجاني ، فما هذا إلاّ لأنّ هناك حقيقة ثابتة في دوّامة المتغيّرات ، لم يطرأ عليها أيّ تغيير ، بل بقيت محفوظة مع كل هذه التبدّلات ، وإذا كان التغيّر من صفات المادة ، والثبات والدوام من صفات الموجود غيرالمادّي ، نستكشف من ذلك أنّ واقع الإنسان غيرمادّي وثابت في جميع الحالات ، وهذا ما نعبّر عنه بالروح المجرّدة ، أو النفس المجرّدة .

ولا يخفى أنّ هذا البرهان غير البرهان السابق ، فمنطلق الأوّل هو وجود الموضوع لجميع المحمولات ، ومنطلق البرهان الثاني هو ثبات الموضوع في دوّامة التحوّلات والتغيرات الطارئة على البدن .

وفي النهاية نقول : قد لخص الرازي هذا البرهان في تفسيره وقال : إنّ أجزاء هذا الهيكل أبداً في النموّ والذبول ، والزيادة والنقصان، والاستكمال والذوبان ، ولا


(15)

شكَّ أنّ الإنسان من حيث هو هو أمر باق من أوّل عمره ، والباقي غير ما هو غير باق ، والمشار إليه عند كل أحد بقوله «أنا» وجب أن يكون مغايراً لهذا الهيكل(1) .

علم الإنسان بنفسه مع غفلته عن بدنه :

ترى الإنسان يغفل في ظروف خاصة عن كل شيء حتى عن بدنه وأعضائه، لكنّه لا يغفل عن نفسه ، وهذا برهان تجريبي يمكن لكلّ منّا القيام به ، وبذلك يصح القول بأنّ للإنسان وراء جسمه الماديّ حقيقة أُخرى ، حيث إنّه يغفل عن الأُولى ولايغفل عن الثانية، وبتعبير علمي: المغفول، غير المغفول عنه، وإليك توضيح ذلك:

إنّ إدراك هذه الحقيقة (يغفل عن كل شيء حتى جسمه ولا يغفل عن نفسه) يتوقف على ظروف خاصة بالشكل التالي :

1 ـ أن يكون في جوّ لا يشغله فيه شاغل ولا يلفت نظره لافت .

2 ـ أن يتصور أنّه وجد في تلك اللحظة بالذات وأنّه كان قبل ذلك عدماً ، وما هذا إلاّ ليقطع صلته بماضيه وخواطره قطعاً كاملا .

3 ـ أن يكون صحيح العقل سليم الإدراك ، في تلك اللحظة .

4 ـ أن لا يكون مريضاً لا يلفت المرض انتباهه إليه .

5 ـ أن يستلقي على قفاه ويفرّج بين أعضائه وأصابع يديه ورجليه حتى لا تتلامس فتجلب انتباهه إليها .

6 ـ أن يكون في هواء طلق معتدل لا حار ولا بارد ويكون كأنّه معلّق في الفضاء حتى لا يشغله وضع المناخ ، أو يلفته المكان الذي يستند إليه .

ففي هذه الحالة التي يقطع الإنسان كل صلاته بالعالم الخارجي عن نفسه تماماً


(1) مفاتيح الغيب 4 :147 .


(16)

ويتجاهل حتى أعضاءه الداخلية والخارجية ويجعل نفسه في فراغ من كل شيء وعندئذ يستشعر بذاته ، أي سيدرك شيئاً غير جسمه وأعضائه وأفكاره وبيئته التي أحاطت به ، وتلك هي «الذات الإنسانية» أي الروح أو النفس الإنسانية التي لا يمكن أن تفسّر بشيء من الأعضاء والحواس والقوى .

وهذه البينونة أظهر دليل على أنّ للإنسان وراء جسمه وأعضائه المغفول عنها في بعض الظروف ، حقيقة واقعية غير مغفول عنها أبداً ، وأنّ الإنسان ليس هو جسمه وأعضاؤه وخلاياه .

وقد لخّص الرازي هذا البرهان وقال : إنّي أكون عالماً بأنّي «أنا» حال ، أكون غافلا عن جميع أجزائي وأبعاضي ، والمعلوم ، غير ما هو غير معلوم فالذي أُشير إليه بقولي مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض(1) .

إلى هنا اكتفينا بالبراهين الواضحة التي يسهل التمعّن فيها لكل إنسان واع وإن لم يدخل مدرسة كلامية أو فلسفية ، وبذلك استغنينا عن البراهين المعقدة التي أقامها الفلاسفة على وجود الروح في كتبهم ، وبما أنّ رسالتنا في هذه البحوث مقتصرة على الاعتماد على الكتاب والسنّة ، لذلك ندرس واقع الإنسان وحقيقته على ضوء ذينك المصدرين ونكتفي في هذا الحقل بآيات ثلاث .

القرآن وحقيقة الشخصية الإنسانية :

إذا استعرضنا آيات القرآن الكريم نقف على أنها تدلّ تارة بوضوح وأُخرى بالإشارة على أنّ واقع الإنسان وشخصيته غير جسمه الماديّ ، ونحتج في المقام بآيات :


(1) مفاتيح الغيب 4 : 149 .


(17)

الآية الأُولى :

قال سبحانه : ( قُلْ يَتَوفّاكُمْ ملكُ المَوتِ الّذي وكّل بِكُمْ ثُمَّ إليهِ تُرجَعونَ )(1) .

الآية تردّ على ادّعاء المشركين القائلين بأنّ الموت بطلان الشخصية وانعدامها ، وأنّها منوطة بجسده المادي ، بأنّ شخصيته قائمة بشيء آخر لا يضلّ ولا يبطل ، بل يؤخذ عن طريق ملك الموت إلى أن يحشره الله يوم القيامة .

وإليك بيان الشبهة والإجابة ، في ضمن تفسير آيتين :

قال سبحانه :

1 ـ ( وقالُوا ءإذا ضَلَلْنا في الأرض ءإنّا لَفي خلَق جَديد بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرون )(2) .

2 ـ (قُلْ يَتوفّاكُمْ مَلَكُ المَوتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرجَعُون ) .

تدلّ هاتان الآيتان على «خلود الروح» بعد انحلال الجسد وتفكّكه وذلك بالبيان الآتي :

كان المشركون يستبعدون إمكانية عودة الإنسان بعد تفكّك جسمه الماديّ وتبدّده في التراب .

ولهذا اعترضوا على فكرة الحشر والنشر يوم القيامة ، وقد عبّر القرآن الكريم عن اعتراضهم بقوله :

( قالوا ءإذا ضَلَلنا في الأرضِ ءإنا لَفي خَلق جَديد ) .

يعني أنّ الموت يوجب فناء البدن ، وتبعّض أجزائه ، وضياعها في ذرات التراب ، فكيف يمكن جمع هذه الأجزاء الضّالة المتبعثرة ، وإعادة تكوين الإنسان


(1) السجدة : 11 .
(2) السجدة : 10 .


(18)

مرة أُخرى من جديد؟

فردّ القرآن الكريم هذا الاستبعاد والاعتراض بجملتين هما :

1 ـ ( بَلْ هُمْ بِلِقاء رَبِّهمْ كافِرون )(1) .

2 ـ ( قُلْ يَتوفّاكُمْ مَلَكُ المَوتِ )(2) .

فلا شك أنّ الجملة الأُولى ليست هي الجواب على اعتراضهم حول إمكانية إعادة المعدوم من أجزاء الجسد ، بل هي توبيخ لهم على إنكارهم لقاء الله وكفرهم بذلك ، وإنّما ترى الجواب الواقعي على ذلك في الجملة الثانية ، وحاصله هو : أنّ ما يضلّ من الآدمي بسبب الموت إنّما هو الجسد وهذا ليس حقيقةُ شخصيته ، فجوهر شخصيته باق ، وإنّ الذي يأخذه ملك الموت وينتزعه من الجسد ليس إلاّ الجانب الأصيل الذي به تناط شخصيته وهو محفوظ عندنا .

إذن فالضال في التراب من الإنسان ـ بسبب الموت ـ هو القشر والبدن ، وأمّا حقيقته وهي الروح الإنسانية التي بها قوام شخصيته ، فلا يطالها الفناء ولا ينالها الدثور .

التوفّي في الآية ليس بمعنى الإماتة ، بل بمعنى الأخذ والقبض والاستيفاء ، نظير قوله سبحانه : ( اللهُ يَتوفّى الأنفُسَ حِينَ مَوتِها )(3) وقوله تعالى : (وهوَ الّذي يتوفّاكُمْ بِالليلِ ويَعلَمُ ما جَرحْتُمْ بِالنَّهارِ )(4) ومن قولهم «وافاه الأجل» وبعبارة أُخرى : لو ضلّ بالموت كلّ شيء من وجودكم لكان لاستبعادكم إمكان إعادة الإنسان وجه مقبول .


(1) السجدة : 10 .
(2) السجدة : 11 .
(3) الزمر : 42 .
(4) الأنعام : 60 .


(19)

وأمّا إذا بقى ما به واقعيتكم وحقيقتكم وهي النفس الإنسانية والروح التي بها قوام الجسد ، فلا يكون لهذا الاستبعاد مبرّر; إذ تكون الإعادة حينئذ أمراً سهلا وممكناً لوجود ما به قوام الإنسان .

قال العلاّمة الطباطبائي في تفسير هذه الآية :

«إنّه تعالى أمر رسوله أن يجيب عن حجتهم المبنيّة على الاستبعاد ، بأنّ حقيقة الموت ليس بطلاناً لكم ، وضلالا منكم في الأرض ، بل ملَكُ الموت الموكَّل بكم يأخذكم تامّين كاملين من أجسادكم أي ينزع أرواحكم من أبدانكم ، بمعنى قطع علاقتها من الأبدان ، وأرواحكم تمام حقيقتكم ، فأنتم أي ما يعنى بلفظة «كُم» : محفوظون لا يَضَلّ منكم شيء في الأرض ، وإنّما تَضَلّ الأبدان ، وتتغيّر من حال إلى حال ، وقد كانت في معرض التغيّر من أوّل كينونتها ، ثم إنّكم محفوظون حتى ترجعوا إلى ربكم بالبعث ورجوع الأرواح إلى أجسادها .

وبهذا تندفع حجّتهم على نفي المعاد بضلالهم سواء أقُرّرت على نحو الاستبعاد أم قُرّرت على أنّ تلاشي البدن يُبطل شخصية الإنسان فينعدم ، ولا معنى لإعادة المعدوم ، فإنّ حقيقة الإنسان هي نفسه التي يحكي عنها يقول «أنا» وهي غير البدن ، والبدن تابع لها في شخصيته ، وهي تتلاشى بالموت ولا تنعدم ، بل محفوظة في قدرة الله حتى يؤذن في رجوعها إلى ربها للحساب والجزاء فيبعث على الشريطة التي ذكر الله سبحانه»(1) .

الآية الثانية :

قال سبحانه : ( يأيَّتُها النَّفسُ المُطمئِنَّةُ * ارجِعِي إلى ربِّكِ راضيةً مَرضَّيةً * فادخُلي في عِبادي * وَادْخُلِي جَنَّتي )(2) .


(1) تفسير الميزان 16 : 252 .
(2) الفجر : 27 ـ 30 .


(20)

فالآية لم تخاطب جسد الإنسان وأعضاءه كما ترى ، بل واقعه وحقيقته التي يعبِّر عنها الذكر الحكيم بالنفس ، واختار من بين النفوس الكثيرة النفس المطمئنة وهي التي تسكن إلى ربِّها ، وترضى بما رضي به لها ، فترى نفسها عبداً لا يملك لنفسه شيئاً من خير أو شرّ ، أو نفع أو ضرّ .

ويرى الدنيا دار مجاز وما يستقبله فيها من غنى أو فقر ، أو أيّ نفع وضّر ابتلاءً وامتحاناً إلهياً; فلا يدعوه تواترُ النعم عليه إلى الطغيان وإكثار الفساد ، والعلوّ والاستكبار ، ولا يوقعه الفقر والفقدان في الكفر وترك الشكر .

ثم يخاطبها بخطاب آخر ويقول : ( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) ، وظرف الخطابين من حين نزول الموت إلى دخول جنة الخلد ، ثمّ يخاطبها بخطاب ثالث ورابع ويقول : ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي ) وهما تفريعان على الخطاب الثاني الماضي أعني: ( ارجعي إلى ربِّك . . . ) وقوله: ( في عبادي ) يدلّ على أنّها حائزة مقام العبودية وفي قوله: ( جنّتي ) تعيين لمستقرّها وفي إضافة الجنة إلى ضمير التكلّم ، تعريف خاص ، ولا يوجد في كلامه تعالى إضافة الجنّة إلى نفسه تعالى وتقدّس إلاّ في هذه الآية(1) .

والمخاطب في هذه الخطابات الأربعة ، ليس جسده البارد الذي صار بالموت بمنزلة الجماد ، ولا عظامه الرميمة الدفينة في طبقات الثرى ، بل نفسه وروحه الباقية غير الداثرة .

ولو خُصَّ ظرف الخطاب بيوم البعث من لدن إحيائها إلى استقرارها في الجنة ، لما ضرّ بالاستدلال وإن كان على الوجه الأوّل أظهر .

والحاصل : فسواء قلنا بأنّ ظرف الخطاب هو زمان الموت أو زمان البعث ،


(1) تفسير الميزان 20 : 213 ; مجمع البيان 5 : 489 .


(21)

فالمخاطب هو نفس الإنسان لا بدنه ولا أعضاؤه فتدلّ على أنّها واقعهُ والباقي كسوة عليها .

الآية الثالثة :

قال سبحانه : ( فَلَولا إذا بَلغتِ الحُلْقومَ * وأنتم حِينئذ تَنظُرُونَ )(1) .

وجه الدلالة : أنّ الحلقوم جزء من جسمه فهناك أمر آخر يبلغ الحلقوم عند الموت وليس إلاّ النفس التي تنتقل من دار إلى دار . ولو كانت حقيقة الإنسان هو جسده المادّي ، فلا معنى للبلوغ ولا للنزوع والخروج .

وبذلك يُعلم أنّ بعض ما سنستدل به في الفصل الآتي ، يدل ضمناً على ما نحن الآن بصدد بيانه ، ولأجل ذلك نقتصر في المقام على الآيات الثلاث ، ونحيل الاستدلال بغيرها إلى ما سيوافيك في المبحث القادم .

ما هي حقيقة النفس الإنسانية؟

إنّ كثيراً من القوى الطبيعية معروفة بآثارها لا بحقائقها ، فالكهرباء نعرفها بآثارها ، كما أنّ الذرّة أيضاً كذلك ، فالعالِم بالحقائق هو الله سبحانه ، وليس حظّ الإنسان في ذلك الباب إلاّ الوقوف على الآثار ، فإذا كانت هي حال القوى الكامنة في الطبيعة ، فالروح أولى بأن تكون كذلك ، غير أنّ كثيراً من المتكلّمين وبعض المحدّثين خاضوا في هذا الباب ولم يأتوا بشيء واضح ، وأقصى ما عندهم : أنّها جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس ، وهو جسم نوراني ، علوي ، خفيف ، حي ، متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد ، والدهن في الزيتون ، والنار في الفحم ، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة


(1) الواقعة : 83 ـ 84 .


(22)

عليها من هذا الجسم اللطيف ، بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكاً لهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية .

وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها ، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن ، وانفصل إلى عالم الأرواح .

قال ابن قيم الجوزية : وهذا القول هو الصواب في المسألة ، وهو الذي لا يصح غيره ، وكل الأقوال سواه باطلة ، وعليه دلّ الكتاب والسنّة وإجماع الصحابة وأدلّة العقل والفطرة(2) .

أقول : ما قاله ونقله ابن قيم ، أحسن ما نقل عنهم في المقام ، ولكن واقع الروح ومنزلته أرفع بكثير مما جاء في هذا الكلام ، وتشبيهه بسريان الماء في الورد والدهن في الزيتون والنار في الفحم يعرب عن سطحية الدراسة في المعارف الغيبية ، وعدم التفريق بين مراتب الروح; فإنّ مرتبة منها يشبه بما ذكر ، وأمّا المرتبة العليا أعني المخاطب بقوله سبحانه : ( يأيّتها النفسُ المطمئنَّةُ * ارجِعي إلى ربِّكِ راضيةً مَرضيةً * فادخُلي في عِبادي * وادخُلي جَنَّتي )(2) فهي أرفع كرامة من أن يكون شأنها شأن الأُمور المادّية اللطيفة ، والتفصيل موكول إلى محلِّه .


(1) الروح : ص178 .
(2) الفجر : 27 ـ 30 .


(23)

المبحث الثاني
استمرار الحياة بعد الانتقال من الدنيا
أو بقاء الروح بعد الموت

قد تعرّفت في الفصل السابق على أنّ واقع الإنسان روحه ونفسه ، وأنّ الجسم المادّي منه ليس إلاّ كسوة عليه ، والنفس هي اللبّ ، والبدن قشره ، وقد قرّبناه إلى ذهن القارئ تقريباً سهلا مستندين في ذلك على ما ورد في الكتاب العزيز مضافاً إلى ما مرّ من قضاء العقل الصريح في هذا المضمار .

ونركّز في فصلنا هذا على خلود الروح بعد الموت ، وأنّها باقية بإذنه سبحانه إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وما فيها ، ونقتصر في المقام ـ بدل الاستدلال بالبراهين العقلية ـ على صريح الآيات ونصوص الذكر الحكيم حتى لا  يبقى لمريب ريب ولا لمشكّك شكّ .

الآية الأُولى

قال سبحانه : ( اللهُ يَتوفّى الأنفُسَ حِينَ مَوتها والتَّي لَمْ تَمُتْ في منَامِها فَيُمسِكُ الّتي قَضَى عَليها الموتُ ويُرسِلُ الأُخرى إلى أجل مُسمّىً إنّ في ذلكَ


(24)

لآيات لِقوم يتَفكَّرون )(1) .

توضيح الاستدلال يتوقف على التمعّن في أمرين :

1 - المراد بالأنفس هي الأرواح المتعلّقة بالأبدان لا مجموعهما; لأنّ المقبوض عند الموت ليس هو المجموع ، بل المقبوض هو الروح ، والآية تدلّ على أنّ الأنفس تغاير الأبدان حيث تفارقها وتستقلّ عنها وتبقى بحيالها .

2 - أنّ لفظة «يتوفّى» و «يمسك» و «يرسل» تدلّ على أنّ هناك جوهراً غير البدن المادّي في الكيان الإنساني ، يتعلّق به كل من «التوفّي» و «الإمساك» و «الإرسال» وليس المراد من التوفّي في الآية إلاّ أخذ الأنفس وقبضها ، ومعناها أنّه سبحانه يقبض الأنفس إليه ، وقت موتها ومنامها ، بيد أنّ من قضى عليه بالموت يمسكها إلى يوم القيامة ولا تعود إلى الدنيا ، ومن لم يقض عليه به يرسلها إلى الدنيا إلى أجل مسمّى ، فأيّة دلالة أوضح من قوله أنّه سبحانه يمسك الأنفس ، فهل يمكن إمساك المعدوم أو أنّه يتعلّق بالأمر الموجود؟ وليس ذلك إلاّ الأنفس .

الآية الثانية

قوله سبحانه : ( ولا تَقولُوا لِمَنْ يُقتَلُ في سَبيلِ اللهِ أمواتٌ بَلْ أحياءٌ ولكنْ لا تَشعُرون )(2) .

وقد جاء في أسباب نزولها ، أنّ المشركين كانوا يقولون : إنّ أصحاب محمّد  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقتلون أنفسهم في الحروب بغير سبب ثم يموتون فيذهبون ، فأعلمهم الله أنه ليس


(1) الزمر : 42 .
(2) البقرة : 154 .


(25)

الأمر على ما قالوه ، بل هم أحياء على الحقيقة إلى يوم القيامة(1) .

وأدب التفسير الصحيح يبعثنا على أن نفسّر الحياة بمعناها الحقيقي أي ما يفهمه عموم الناس من لفظة «حيّ» خصوصاً بقرينة الآية الثالثة; حيث أثبتت للشهداء الرزق والفرح والاستبشار كما سيجيء ، فتفسير الآية بأنّهم سيحيون يوم القيامة تفسير باطل; لأنّ الإحياء في ذلك اليوم عامّ لجميع الناس ولا يختصّ بالشهداء ، كما أنّ تفسير الحياة في الآية بمعنى الهداية والطاعة قياساً لها بقوله سبحانه : ( أوَ مَنْ كانَ مَيْتَاً فَأحيَيناهُ وجَعلْنا لَهُ نُوراً يَمشي بهِ في النّاس )(2) حيث جعل الضلال موتاً والهداية حياة قياس باطل; لوجود القرينة على تفسير الحياة بالهداية والموت بالضلال فيها دون هذه الآية .

وسيوافيك تفنيد هذين الرأيين عن الرازي في تفسير الآية الثالثة .

ومعنى الآية ( ولا تَقولوا لِمَنْ يُقتلُ فِي سبيلِ اللهِ أمواتٌ ) أي لا تعتقدوا فيهم الفناء والبطلان ، فليسوا بأموات بمعنى البطلان ، بل أحياء ولكن حواسّكم لا تنال ذلك ولا تشعر به .

وعلى ذلك فالآيتان تثبتان للشهداء حياة برزخية غير الحياة الدنيوية وغير الأُخروية ، بل حياة متوسطة بين العالمين .

الآية الثالثة

قال سبحانه :

1 ـ (ولا تَحسبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ أمواتاً بلْ أحياءٌ عندَ ربِّهِمْ  يُرزَقُونَ ) .


(1) الواحدي ، أسباب النزول : ص27 . ط . دار الكتب العلمية ـ بيروت .
(2) الأنعام : 122 .


(26)

2 ـ ( فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضلِهِ ويَستبشرونَ بِالَّذينَ لَمْ يَلْحَقُوا بهِمْ مِنْ خَلفِهِمْ ألاّ خَوفٌ عَلَيهمْ ولا هُمْ يَحزَنُونَ ) .

3 ـ ( يَستَبشِرُونَ بِنعمة مِنَ اللهِ وفَضل وأنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجْرَ المُؤمنين )(1) .

والآيات هذه صريحة ـ كلّ الصراحة ـ في بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان ، وبعد انحلال الأجسام وتفكّكها كما يتّضح ذلك من التمعّن في المقاطع الأربعة الآتية :

1 ـ ( أحياءٌ عند ربّهم ).

2 ـ ( يُرزَقون ).

3 ـ ( فَرِحينَ . . . ).

4 ـ (يَستَبشِرونَ . . . ) .

فالمقطع الثاني يشير إلى التنّعم بالنعم الإلهية ، والثالث والرابع يشيران إلى النعم الروحية والمعنوية ، وفي الآية دلالة واضحة على بقاء الشهداء بعد الموت إلى يوم القيامة .

وقد نزلت الآية إمّا في شهداء بدر; وكانوا أربعة عشر رجلا; ثمانية من الأنصار ، وستّة من المهاجرين ، وإمّا في شهداء أُحد; وكانوا سبعين رجلا; أربعة من المهاجرين : حمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير ، وعثمان بن شماس ، وعبد الله بن جحش ، والبقية من الأنصار ، وعلى قول نزلت في حقّ كلتا الطائفتين .

قال الرازي في تفسير الآية : إنهم في الوقت أحياء كأنّ الله أحياهم ، لإيصال الثواب إليهم ، وهذا قول أكثر المفسرين ، وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور .

ثم أشار إلى التفسيرين الآخرين الّلذين أوعزنا إليهما :


(1) آل عمران : 169 ـ 171 .


(27)

أحدهما : للأصمّ; حيث فسّر الحياة بالحياة الدينية ، وأنّهم على هدى من ربّهم ونور .

وثانيهما : لبعض المعتزلة ، وأنّ المراد من كونهم أحياء أنّهم سيُحيون .

ثم قال : إنّ أكثر العلماء على ترجيح القول الأوّل ، ثم فنّد الرأيين الأخيرين بوجوه نذكر بعضها :

1 ـ لو كان المراد ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله : ( ولكن لا تشعرون )معنى; لأنّ الخطاب للمؤمنين وقد كانوا يعلمون أنّهم سيحيون يوم القيامة ، وأنّهم على هدى ونور .

2 ـ أنّ قوله : ( ويستبشرون بالَّذِين لم يلحقوا بهم )

دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث ، أي : ويستبشرون بأُناس لم يلحقوا بهم وهم في الدنيا ، فإذا كان هذا ظرف الاستبشار فيكون هو ظرف الحياة ويكون قبل البعث .

3 ـ لو كان المراد أحد المعنيين لا يبقى لتخصيص الشهداء بهذا فائدة; فإنّ غيرهم وكثيراً من غير الشهداء على نور وهدى من ربّهم .

وما أجاب به أبو مسلم أنّه سبحانه إنّما خصّهم بالذكر; لأنّ درجتهم في الجنّة أرفع ومنزلتهم أرفع ضعيف; لأنّ منزلة النبيّين والصدّيقين أعظم من الشهداء مع أنّه سبحانه ما خصّهم بالذكر(1) .

بقي الكلام في أمرين :

أ ـ في إعراب الظرف أي «عند» في قوله ( عند ربهم ) وفيه وجوه :

1 ـ أن يكون حالا في محل النصب من الضمير في «أحياء» .

2 ـ أن يكون خبراً ثانياً والتقدير : هم أحياء عندهم .


(1) مفاتيح الغيب 4 : 146 .


(28)

3 ـ أن يكون ظرفاً للفعل المتأخر أي يرزقون .

والأوّل أقرب .

وعلى أيّ تقدير فليس

«عند» هنا للقرب المكاني; لاستحالته; إذ ليس له سبحانه مكان ، ولا بمعنى في علمه وحكمه ، لعدم مناسبته ، بل يعني القرب والشرف أي ذو زلفى ورتبة سامية(1) .

ب ـ معنى قوله : ( ويستبشرون ) وأصل الاستبشار وإن كان بمعنى طلب البشارة ، ولكن الظاهر أنّ اللفظة مجرّدة عن معنى الطلب ، والمراد : ويسرّون ويفرحون ، استعمالا للفظ في لازم معناه هي معطوفة على قوله سبحانه : ( فرحين ) أي : يسرّون ويفرحون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم في سبيل الله تعالى بأن يلحقوا بهم من خلفهم ، لما تبيّن لهم حسن حال إخوانهم الذين تركوهم أحياء ، وهو أنّهم عند قتلهم في سبيل الله تعالى يفوزون كما فازوا ويحوزون من النعم ما حازوا بدلالة قوله : ( لا خوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون ) .

ويمكن أن يكون المراد : يسرّون بقدوم إخوانهم الباقين بالشهادة أو بالموت الطبيعي والله العالم .

الآية الرابعة

قوله سبحانه : (وجاءَ مِنْ أقْصَى المَدِينة رجلٌ يَسعَى قالَ يا قوم اتَّبِعوا المُرسَلِيَن * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسأَلُكمْ أجراً وهُمْ مُهتدُونَ * ومالِيَ لا أعبُدُ الَّذي فَطَرني وإلَيهِ تُرجَعُونَ * أأتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلهةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحمنُ بُضرّ لا تُغْنِ عنِّي شَفاعتُهُمْ شَيئاً ولا يُنقِذونَ * إنيّ إذاً لفي ضلال مُبين * إنِّي آمَنتُ بِربِّكُمْ


(1) روح المعاني 2 : 122 .


(29)

فَاسْمَعُونِ * قيلَ ادخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا ليتَ قَومي يَعلَمونَ * بِما غَفَر لي رَبِّي وجَعَلني مِن المُكرَمِينَ * وما أنزَلْنا على قَومِهِ مِنْ بَعدِهِ مِنْ جُند مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ * إنْ كانت إلاّ صَيحةً واحدةً فإذا هُمْ خَامِدُونَ )(1).

اتّفق المفسرون على أنّ الآيات نزلت في رُسل عيسى ، وقد نزلوا بأنطاكية داعين أهلها إلى التوحيد وترك عبادة غيره سبحانه ، فعارضهم من كان فيها بوجوه مذكورة في القرآن .

فبينما كان القوم والرسل يتحاجّون إذ جاء رجل من أقصى المدينة يدعوهم إلى الله سبحانه وقال لهم :

اتّبعوا معاشر الكفار من لا يطلبون منكم الأجر ولا يسألونكم أموالكم على ما جاءوكم به من الهدى ، وهم مهتدون إلى طريق الحق ، سالكون سبيله ، ثم أضاف قائلا :

وما لي لا أعبدُ الَّذي فَطرني وأنشأني وأنعم عليّ وهداني وإليه تُرجعون عند البعث ، فيجزيكم بكفركم ، أتأمرونني أن أتَّخذ آلهةً من دون الله مع أنّهم لا يُغنون شيئاً ولا يردّون ضرراً عنّي ، ولا تنفعني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذونني من الهلاك والضرر ، وعندما مهّد الجوّ بإبطال حجّة المشركين وبيان أحقيّة منطقه ، فعندئذ خاطب الناس أو الرسل بقوله (إنّي آمنتُ بربِّكمْ فَاسمعونِ ) فسواء أكان الخطاب للمشركين أو للرسل فإذا بالكفار قد هاجموه فرجموه حتى قتل .

ولكنّه سبحانه جزاه بالأمر بدخول الجنة بقوله : ( قيلَ ادخُلِ الجَنَّة ) فلمّا دخل الجنة خاطب قومه الذين قتلوه بقوله ( يا ليتَ قومي يعلمون * بما غفر لي ربِّي وجعلني من المُكرمين ).

ثم إنّه سبحانه لم يمهل القاتلين طويلا ولم يرسل جنداً من السماء لإهلاكهم ، بل


(1) يس : 20 ـ 29 .


(30)

أهلكهم بالصيّحة يقول سبحانه : ( وما أنْزَلْنا على قَومهِ منْ بَعدهِ مِنْ جند من السَّماء وما كُنّا مُنزِلينَ * إنْ كانَتْ إلاّ صيحةً واحدةً فإذا هُمْ خامِدونَ )

أي : كان إهلاكهم عن آخرهم بأيسر أمر وهي صيحة واحدة حتى هلكوا بأجمعهم فإذا هم خامدون ساكتون .

ودلالة الآية على بقاء النفس وإدراكها وشعورها وإرسالها الخطابات إلى من في الحياة الدنيا واضحة جداً ، حيث كانَ دخول الجنة ( قيل ادخُلِ الجَنَّة ) والتمنّي ( يا ليت قومي ) كان قبل قيام الساعة ، والمراد من الجنة هي الجنة البرزخية دون الأُخروية .

إلى هنا تمّ بيان بعض الآيات الدالة على بقاء أرواح الشهداء الذين بذلوا مهجهم في سبيل الله ، وهناك مجموعة من الآيات تدلّ على بقاء أرواح الكفار بعد انتقالهم عن هذه الدنيا ، لكن مقترناً بألوان العذاب والطائفة الأُولى منعّمة بألوان النعم ، وإليك الطائفة الثانية :

الآية الخامسة

قال سبحانه :( فَوقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بآلِ فِرعَوْنَ سوءُ العَذاب  * النّارُ يُعْرَضُونَ عَليها غُدُوّاً وعَشيّاً ويوم تقومُ السّاعةُ أدْخِلُوا آلَ فِرعونَ أشدَّ العَذابِ )(1).

والآية صريحة في أنّه سبحانه صرف عن مؤمن آل فرعون سوء مكرهم فَنَجا مع موسى، لكن أحاط بآل فرعون سوءالعذاب، وأما كيفية عذابهم فتدلّ الآية على:

أوّلا : أنّ هناك عرضاً لهم على النار وإدخالا لهم فيها ، والثاني أشدّ من الأول .


(1) غافر : 45 ـ 46 .


(31)

ثانياً : أنّ العرض على النار قبل قيام الساعة ، كما أنّ الإدخال حين قيامها .

وثالثاً : أنّ التعذيب بعد الموت وقبل قيام الساعة (البرزخ) والتعذيب عند قيام الساعة ، بشيء واحد وهو نار الآخرة ، لكن العذاب قبل قيامها بالعرض على النار ، وبعد قيامها بالدخول فيها ، وينتج أنّ البرزخيّين يعذّبون من بعيد(1) وأهل الآخرة بالدخول .

ورابعاً : أنّ آل فرعون وإن ماتوا بالغرق في البحر ، لكن موتهم لم يكن بمعنى بطلانهم وفنائهم رأساً ، بل بمعنى خروج أرواحهم من أبدانهم وانتقالهم إلى عالم آخر حائل بين العالمين ، فقُضيَ عليهم بسوء العذاب إلى يوم القيامة بالعرض على النار ، والدخول فيها بعد قيامها ، ولو لم يكن إحياء ، فلا معنى لتعذيب الجماد الفاقد للشعور بالعرض على النار .

وخامساً : أنّ شخصية آل فرعون بأرواحهم لا بأبدانهم ، بشهادة بطلان أجسادهم وتشتّت أجزائها ، لكنّهم معادون بعد الموت بالعرض على النار ، وبالدخول فيها بعد قيام الساعة .

الآية السادسة

( حتّى إذا جاءَ أحدَهُمُ المَوتُ قالَ ربِّ ارجِعُونِ * لَعَلِّي أعملُ صالحاً فِيما تَركتُ كلاّ إنّها كَلمةٌ هوَ قائِلُها ومِنْ ورائِهِمْ بَرزخٌ إلى يومِ يُبعَثُونَ )(2).

وقبل أن ننّوه بدلالة الآية على بقاء الحياة بعد الموت نفسر لفظين من الآية :

أحدهما : «البرزخ» ، وهو الحاجز بين الشيئين ، قال سبحانه : ( مَرجَ البَحرينِ


(1) يستفاد من الآية 25 من سورة نوح ـ على القول بأنّها راجعة إلى البرزخ ـ أنّ الدخول لا يختص بيوم القيامة ، بل يعمّه والحقبة البرزخية ، ولعلّ هناك فرقاً بين النارين أعاذنا الله منهما .
(2) المؤمنون : 99 ـ 100 .


(32)

يَلتقيانِ * بَينهُما برزخٌ لا يَبغِيانِ )(1) ذكر سبحانه عظيم قدرته ، حيث خلق البحرين ، العذب والمالح يلتقيان ثم لا يختلط أحدهما بالآخر لوجود حاجز بينهما .

والثاني : لفظة ( وراء )

وهو في الآية بمعنى أمام ، ومعنى قوله: ( ومن ورائهم )أي : من أمامهم وقدّامهم .

قال سبحانه : ( وكانَ وَراءَهم مَلِكٌ يأخُذُ كلَّ سفينة غَصْبا )(2).

والاستدلال بهذه الآية من وجهين :

1 ـ إنّ الإنسان المذنب يرى حين الموت ما أُعدّ له في مستقبل أمره من عذاب أليم ، ولأجل ذلك يطلب من ملائكة الله أن يرجعوه إلى عالم الدنيا ، حتى يتدارك ما فاته ويتلافى ما فرّط ، وإلى هذا يشير قوله سبحانه : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ) .

2 ـ إنّ قوله تعالى : ( ومِنْ ورائِهمْ برزخٌ إلى يومِ يُبعَثون )

تصريح لا غموض فيه بوجود حياة متوسطة بين الموت والبعث ، وإنّما سميت برزخاً لكونها حائلا بين الدنيا والآخرة ، ولا تتحقق الحيلولة إلاّ بأن يكون للإنسان واقعية في هذا الحدّ الفاصل; إذ لو كان الإنسان بين هاتين الفترتين معدوماً لما صحّ أن يقال بين الحالتين برزخٌ ، وهو حائل وفاصل بين الإنسان في الدنيا والإنسان في الآخرة .

الآية السابعة

(  ولَوْ تَرى إذ الظّالمونَ في غَمَرات المَوتِ والمَلائكةُ باسِطوا أيدِيِهمْ أخْرِجُوا أنفُسَكُمُ اليومَ تُجزَونَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنتمْ تَقولُونَ عَلى اللهِ غيرَ الحَقِّ


(1) الرحمن : 19 ـ 20 .
(2) الكهف : 79 .


(33)

وكُنتُمْ عنْ آياتهِ تَستَكْبِرونَ )(1).

والاستدلال بالآية على بقاء الروح بعد فناء الجسد من طريقين :

أ ـ قوله ( أخرجوا أنفسكم )

صريح في أنّ الملائكة تنتزع الروح من البدن ويعني هذا أنّ المتروك هو البدن ، وأمّا الروح فتؤخذ وتخرج من الجسد إخراجاً .

ب ـ إنّ ظاهر قوله : ( اليوم تُجزون عذابَ الهُون )

هو الإشارة إلى يوم الموت ، وساعته ، ولو كان الموت فناءً كاملا للإنسان لما كان لهذه العبارة معنى ، إذ بعد فناء الإنسان فناءً كاملا شاملا لا يمكن أن يحسّ بشيء من العذاب .

ومن هنا يتبيّن أنّ الفاني إنّما هو الجسد ، وأمّا الروح فتبقى وترى العذاب الهون وتذوقه وتحسّ به .

قال العلاّمة الطباطبائي في تفسير هذه الآية : إنّ كلامه تعالى ظاهر في أنّ النفس ليست من جنس البدن ، ولا من سنخ الأُمور المادية الجسمانية ، وإنّما لها سنخ آخر من الوجود يتّحد مع البدن ويتعلّق به نوعاً من الاتحاد والتعلّق غير مادّي .

فالمراد بقوله: ( أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ )

قطع علقة أنفسهم من أبدانهم وهو الموت(2).

الآية الثامنة

( ولَوْ تَرى إذْ يتَوفّى الَّذينَ كَفَروا الملائِكَةُ يَضْرِبونَ وُجُوهَهُمْ وأَدْبارَهُمْ وذُوقُوا عَذابَ الحريقِ * ذلكَ بِما قَدَّمَتْ أيديكُمْ وأَنَّ اللهَ ليسَ


(1) الأنعام : 93 .
(2) تفسير الميزان 7 : 285 .


(34)

بِظلاّم  لِلعَبيد )(1).

تدلّ الآية على أنّ الكافرين يعذَّبون حين الموت بوجهين :

الأوّل : بضرب الملائكةِ وجوهَهم وأدبارهم ، وقد أُشير إليه في آية أُخرى أيضاً ، قال

سبحانه : ( فَكيفَ إذا تَوفَّتهُمُ الملائكةُ يَضرِبونَ وُجوهَهُمْ وأدبارَهُمْ )(2).

الثاني : بعذاب الحريق ، الذي يدلّ عليه قوله سبحانه : (ذُوقوا عَذابَ الحريقِ ) ، فالآية تدلّ على أنّ هناك عذابين منفصلين موضوعاً ومحمولا ، فالعذاب الأوّل موضوعه الجسد ، والثاني موضوعه روح الإنسان المنتقل إلى الحياة غير الدنيوية .

الآية التاسعة

قال سبحانه : ( مِمّا خطيئاتهم أُغرِقُوا فأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أنصارا )(3) والآية نازلة في شأن قوم نوح الذين غرقوا لخطيئاتهم أوّلا ، ( فأُدخلوا ناراً ) ثانياً .

ومن المفسرين من فسر الجملة الثانية بنار الآخرة ويقول : جيء بصيغة الماضي لكون تحقّقه قطعياً(4) . ولكنّه بعيد; لأنّ ظاهر الآية كون الدخول في النار متّصلا بغرقهم لا منفصلا ، بشهادة تخلّل لفظة «فاء» وإلاّ كان اللازم التعبير بـ  «ثم» .


(1) الأنفال : 50 ـ 51 .
(2) محمد : 27 .
(3) نوح : 25 .
(4) مجمع البيان 5 : 364 .


(35)

الآية العاشرة

قوله سبحانه : ( قالُوا رَبّنا أمَتَّنَا اثنَتينِ وأحْيَيتنا اثنتَينِ فَاعترَفنا بِذُنوبِنا فَهلْ إلى خروج مِنْ سَبيل )(1) الآية تدلّ بوضوح على أنّه مرّت على الإنسان المحشور يوم القيامة ، إماتتان وإحياءان .

فالإماتة الأُولى : هي الإماتة الناقلة للإنسان من الدنيا .

والإحياء الأوّل : هو الإحياء بعد الانتقال منها .

والإماتة الثانية : قُبيل القيامة عند نفخ الصور الأوّل .

والإحياء الثاني : عند نفخ الصور الثاني .

قال سبحانه : ( ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ في السَّموات وَمنْ في الأرضِ إلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فيهِ أُخرى فإذا هُمْ قِيامٌ يَنظُرُون )(2).

وعلى ما ذكرنا فكل من الإحياءَين لا صلة له بالدنيا ، بل يتحقّقان بعد الانتقال من الدنيا ، أحدهما في البرزخ بعد الإماتة في الدنيا ، والآخر يوم البعث بعد الإماتة بنفخ الصور الأوّل .

وعندئذ تتضح دلالة الآية على الحياة البرزخية بوضوح .

نعم لم يتعرض القائلون بالحياة الدنيوية ولم يقولوا (وأحييتَنا ثلاثاً ) وإن كانت إحياء لكونها واقعة بعد الموت الذي هو حال عدم ولوج الروح ، ولعلّ الوجه هو أنّ الغرض تعلّق بذكر الإحياء الذي يعدّ سبباً للإيقان بالمعاد ومورِّثاً للإيمان وهو الإحياء في البرزخ ثم يوم القيامة ، وأمّا الحياة الدنيوية ، فإنّها وإن كانت إحياء بلا


(1) غافر : 11 .
(2) الزمر : 68 .


(36)

شكّ لكنّها لا توجب بنفسها يقيناً بالمعاد ، فقد كانوا مرتابين في المعاد وهم أحياء في الدنيا(1) .

تفسير خاطئ للآية :

إنّ بعض المفسّرين فسّروا الآية بالنحو التالي :

الإماتة الأُولى : حال النطفة قبل ولوج الروح .

الإحياء الأوّل : حال الإنسان بعد ولوجها فيها .

الإماتة الثانية : إماتته في الدنيا .

والإحياء الثاني : إحياؤه يوم القيامة للحساب .

وعندئذ تنطبق الآية على قوله سبحانه ( كَيفَ تَكفُرونَ باللهِ وكُنتُمْ أمواتاً فَأحياكُمْ ثُمّ يُميتُكُم ثمَّ يُحْيِيكُمْ ثمَّ إليه تُرجَعون )(2).

ولكنّه تفسير خاطئ وقياس باطل .

أمّا كونه خاطئاً ، فلأنّ الحالة الأُولى للإنسان أي حالته قبل ولوج الروح في جسده لا تصدق عليها الإماتة ، لأنّه فرع سبق الحياة ، والمفروض عدمه .

وأمّا كونه قياساً باطلا ، فلأنّ الآيتين مختلفتان موضوعاً ، إذ المأخوذ والوارد في الآية الثانية هو لفظة «الموت» ويصحّ تفسيره بحال النطفة قبل ولوج الروح ، بخلاف الوارد في الآية الأُولى ، إذ الوارد فيها «الإماتة» فلا يصح تفسيره بتلك الحالة التي لم يسبقها الإحياء .

ولأجل ذلك يصحّ تفسير الآية الثانية بالنحو التالي :

1 ـ كنتم أمواتاً : الحالة الموجودة في النطفة قبل ولوج الروح .

2 ـ فأحياكم : بولوج الروح فيها ثم الانتقال من البطن إلى فسيح الدنيا .


(1) تفسير الميزان 17 : 313 .
(2) البقرة : 28 ، أنظر تفسير الكشاف 3  : 363 طـ دار المعرفة ـ بيروت .


(37)

3 ـ ثمّ يُميتُكم : بالانتقال من الدنيا إلى صوب الآخرة .

4 ـ ثم يُحييكُم : يوم البعث للحساب والجزاء .

وبما أنّ موقف الآيتين مختلف هدفاً وغاية ، اختلف السياقان ، فصارت احداهما تلمح بالحياة المتوسطة بين الدنيا والآخرة (البرزخ) دون الأُخرى ، ولا ملزم لتطبيق إحداهما على الأُخرى بعد اختلافهما في الموضوع والغاية .

تلك عشر كاملة تورث اليقين ، باستمرار الحياة بعد الانتقال من الدنيا ، ولا ينكر دلالتها إلاّ الجاحد ، وليس ما يدل من الآيات على بقائها بعد الموت منحصراً في هذه الآيات العشر ، بل هناك مجموعة من الآيات تصلح للاستدلال على المقصود ، مثل : ( وكذلكَ جَعلناكُمْ أُمّةً وَسطاً لتكُونُوا شُهَداء على النّاسِ ويكونَ الرسولُ عليكُمْ شَهيداً )(1) ، وقوله سبحانه : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدَاً )(2) لكنّا نقتصر عليها روماً للاختصار .

وأمّا الاستدلال بالسنّة الشريفة على أنّ الموت ليس بمعنى فناء الإنسان برأسه ، وإنّما هو الانتقال من دار إلى دار ، فسيوافيك قسم من الروايات في المبحث التالي المتكفّل لبيان وجود الصلة بين أهل الدنيا والنازلين في البرزخ ، بحيث يسمعون كلامهم ويجيبون دعاءهم وإن كنّا نحن غير سامعين ولا فاهمين .

ولا عجب في أن يكون هناك رنين أو صراخ وكنّا بمعزل عن السمع والفهم ، قال سبحانه : ( وإنْ مِنْ شَيء إلاّ يُسبِّحُ بِحمِدِهِ ولكنْ لا تَفقَهونَ تَسبيحَهُمْ إنّهُ كانَ حَليماً غَفوراً )(3).


(1) البقرة : 142 .
(2) النساء : 41 ، فلو قلنا : بأن موت النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عبارة عن فنائِه المطلق ، فما معنى كونه شهيداً على أُمّته في تمام الأجيال؟ .
(3) الإسراء : 44 .


(38)

المبحث الثالث
وجود الصلة بين الحياة الدنيوية والحياة البرزخيّة

لا أظنّ أنّ مسلماً ملمّاً بالقرآن والسنّة ينكر الحياة البرزخية ، وأنّ للإنسان بعد موته وقبل بعثه حياة متوسطة بين الدنيا والآخرة ، وهو فيها بين مرتاح ومنعَّم ، ومتعب معذّب .

ولكن الجدير بالدراسة ، في ضوء الكتاب والسنّة ، هو تبيين الصلة بين الحياتين ، وأنّ البرزخيّين غير منقطعين عمّا يجري في الحياة الدنيوية ، وإنهم يسمعون إذا دُعُوا ، ويجيبون إذا سُئلوا ، بإذن منه سبحانه ، والبرزخ وإن كان بمعنى المانع والحائل ، لكنّه حائل عن الرجوع إلى الدنيا الذي نفاه سبحانه بصريح كلامه عندما طلب لفيف من الظالمين الرجوعَ إلى الدنيا لتدارك ما فات منهم من العبادة والطاعة قائلين : ( ربِّ ارجِعونِ * لَعلّي أعملُ صالحاً فيما تركتُ )(1) ، فأُجيبوا بالحرمان بقوله : ( كلاّ ) وليس بمانع عن السماع والاستماع ولا عن السؤال والجواب ، كل ذلك بإذن منه سبحانه .


(1) المؤمنون : 99 ـ 100 .


(39)

وتدلّ على وجود الصلة بين الحياتين بهذا المعنى ، مجموعة من الآيات وقسم وافر من الروايات نأتي في المقام بصريحهما ، حتى يُزال الشك عن المرتاب .

القرآن الكريم والصلة بين الحياتين

1 ـ النبيّ صالح يكلّم قومه بعد هلاكهم :

أخبر الله تعالى في القرآن الكريم عن النبىّ صالح ـ عليه السلام ـ أنّه دعا قومه إلى عبادة الله ، وترك التعرّض لمعجزته (الناقة) وعدم مسّها بسوء ، ولكنّهم عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربّهم :

( فَأخَذَتْهُمُ الرَّجفةُ فأصبَحوا في دارِهِمْ جاثِمينَ * فَتولَّى عَنهمْ وقالَ يا قومِ لَقدْ أبلغتُكُمْ رِسالةَ رَبِّي ونَصحتُ لَكُمْ ولكنْ لا تُحبُّونَ الناصحينَ )(1).

ترى أنّ الله تعالى يخبر على وجه القطع والبتّ بأنّ الرجفة أهلكت أُمّة صالح ـ عليه السلام ـ فأصبحوا في دارهم جاثمين ، وبعد ذلك يخبر أنّ النبيّ صالحاً تولّى عنهم ثم خاطبهم قائلا: ( لَقدأبلغتُكُمْ رسالةَ ربِّيونَصحتُ لَكمْولكنْ لاتُحبُّونَ النّاصِحِين ).

والخطاب صدر من صالح لقومه بعد هلاكهم وموتهم بشهادة جملة ( فتولّى )المصدرة بالفاء المشعرة بصدور الخطاب عقيب هلاك القوم .

ثم إنّ ظاهر قوله : ( ولكنْ لا تُحبُّونَ النّاصحينَ ) ، يفيد أنّهم بلغت بهم العنجهية أن كانوا لا يحبُّونَ النّاصحينَ حتى بعد هلاكِهِمْ .

2 ـ النبي شعيب يخاطب قومه الهالكين :

لم تكن قصة النبيّ صالح هي القصة الوحيدة من نوعها في القرآن الكريم ، فقد


(1) الأعراف : 78 ـ 79 .

(40)

تبعه في ذلك شعيب; إذ خاطب قومه بعد أن عمّهم الهلاك قال سبحانه :

( فأخَذَتْهُمُ الرَّجفةُ فـأصَبحوا في دارِهِمْ جاثِمينَ * الَّذِينَ كذَّبوا شُعيباً كأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذينَ كذَّبوا شُعَيباً كانُوا همُ الخاسرينَ * فَتولَّى عَنهُمْ وقالَ يا قَومِ لقدْ أبلغتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي ونَصحتُ لَكُمْ فَكيفَ آسى عَلى قوم كافرين )(1).

وهكذا يخاطب شعيب قومه بعد هلاكهم ، فيكون صدور هذا الخطاب بعد هلاكهم بالرجفة .

فلو كان الاتصال غير ممكن ، وغير حاصل ، ولم يكن الهالكون بسبب الرجفة سامعين لخطاب صالح وشعيب فما معنى خطابهما لهم؟

أيصح أن يفسّر ذلك الخطاب بأنّه خطاب تحسّر وإظهار تأسّف؟

كلاّ ، إنّ هذا النوع من التفسير على خلاف الظاهر ، وهو غير صحيح حسب الأُصول التفسيرية ، وإلاّ لتلاعب الظالمون بظواهر الآيات وأصبح القرآن الكريم لعبة بيد المغرضين ، يفسرونه حسب أهوائهم وأمزجتهم .

على أنّ مخاطبة الأرواح المقدسة ليست أمراً ممتنعاً في العقل حتى تكون قرينة عليه .

3 ـ النبي يأمر بالتكلّم مع الأنبياء :

جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى لنبيّه :

( واسألْ مَنْ أرسَلْنا مِنْ قَبلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعلْنا مِنْ دُونْ الرَّحمنِ آلهةً يُعبَدون)(2).

ترى أنّ الله سبحانه يأمر النبيّ الأكرم بسؤال الأنبياء الذين بُعِثُوا قبله ، ومن


(1) الأعراف : 91 ـ 93 .
(2) الزخرف : 45 .

(41)

التأويل الباطل إرجاعها إلى سؤال علماء أهل الكتاب استظهاراً من قوله سبحانه :(  فإنْ كنتَ في شكٍّ مِمّا أنزْلنا إليكَ فاسألِ الَّذِينَ يقرأُونَ الكِتابَ مِنْ قَبلِكَ لقدْ جاءكَ الحقُّ مِنْ ربِّكَ فلا تَكونَنَّ مِنَ المُمتَرينَ * ولا تكوننَّ مِنَ الَّذينَ كذَّبوا بِآياتِ الله فتكونَ مِنَ الخاسِرينَ )(1) .

وقوله سبحانه : ( فاسألْ بَني إسرائيلَ إذْ جاءهُمْ فقالَ لَهُ فِرعونُ إنّي لأَظنُّكَ يا موسى مَسحُوراً )(2) .

ووجه البطلان هو : أنّ الخطاب في الآية الأُولى وإن كان متوجّهاً إلى النبيّ لكن المقصود هو الأُمّة بقرينة قوله : ( ولا تكُونَنَّ منَ المُمتَرين ) و ( ولا تكوننَّ من الَّذين كذَّبوا ).

ومثلها الآية الثانية ، فالخطاب وإن كان للنبي وأمره سبحانه بأنّ يسأل بني إسرائيل عن الآيات النازلة إلى موسى ، ولكنّه من قبيل «إياك أعني واسمعي يا جارة» والنبيّ أجلّ وأعظم من أن يشكل عليه شيء ويسأل علماء بني إسرائيل عمّا أشكل عليه .

فهاتان الآيتان راجعتان إلى سؤال الأُمّة علماءَ بني إسرائيل وقرّاء كتبهم ، وهذا بخلاف قوله : ( اسأل مَنْ أرسَلْنا من قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) فإنّه خطاب للنبيّ حقيقة .

وأمّا ما هو الوجه في سؤال الأنبياء في مجال التوحيد أي قوله : ( أجَعَلنا منْ دون الرّحمن آلهةً يعبدون ) ، فقد ذكره المفسرون ، وأنّه  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تكلّم مع الأنبياء السالفين ليلة المعراج .

4 ـ السلام على الأنبياء :

إنّ القرآن الكريم يسلّم على الأنبياء في مواضع متعدّدة ويقول :


(1) يونس : 94 ـ 95 .
(2) الإسراء : 101 .


(42)

1 ـ ( سَلامٌ عَلى نُوح في العالَمينَ ).

2 ـ ( سَلامٌ على إبراهيمَ ).

3 ـ ( سَلامٌ على مُوسى وهارونَ ).

4 ـ ( سَلامٌ عَلى آلْ ياسينَ ).

5 ـ ( وسَلامٌ عَلى المُرسَلين )(1).

ولا شك أنّ ما ورد فيها ليس سلاماً سطحيّاً أجوف ، بل هو سلام حقيقيّ وتحيّة جديدة يوجّهها القرآن إلى أنبياء الله ورسله .

وهل يصحّ التسليم الجدّي على الجماد الذي لا يَعرف ولا يُدرك ولا يشعر؟! وليس لنا تفسيرالمفاهيم القرآنية النابعة عن الحقيقة تفسيراً قشرياً ، بأن نقول :

إنّ كافة التحيات في القرآن والتي نتلوها في آناء الليل وأطراف النهار ليست إلاّ مجاملات جوفاء وفي مستوى تحيات المادّيين لرفقائهم وزملائهم الذين أدركهم الموت .

إنّ المادّي لمّا يساوي الوجودَ بالمادة ولا يرى أنّ وراءها حقيقة ، فعندما يسلّم في محاضراته وشعاراته على زملائه الميّتين يعود ويفسره بالتكريم الأجوف .

وأمّا نحن المسلمين ، فبما أنّ الوجود عندنا أعمّ من المادة وآثارها ، فليس علينا تفسير الآيات تفسيراً مادّياً خارجاً عن الإطار المحدّد في الكتاب والسنّة لتفسير الذكر الحكيم ، وهذا ما يبعثنا على تفسير تلك التسليمات بنحو حقيقي ، وهو يلازم حياة المسلَّم عليهم ووجود الصلة بيننا وبينهم ، سلام الله عليهم أجمعين .

هذا هو ما يرشدنا إليه الوحي في مجال إمكان ارتباط الأحياء بالأرواح .


(1) الصافّات : 79 ، 109 ، 120 ، 130 ، 181 على الترتيب .


(43)

السنّة الشريفة والصلة بين الحياتين

ما تلوناه عليك كان مجموعة من الآيات الناصعة الدالّة على وجود الصلة بين الحياتين ، وأنّ قسماً من الأنبياء تكلّموا مع البرزخيين .

وأمّا السنّة الشريفة ، فهناك روايات وافرة دالّة على ما نتوخّاه نأتي بقسم منها :

1 ـ النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يكلّم أهل القليب :

لقد انتهت معركة بدر بانتصار عظيم للمسلمين وهزيمة نكراء للمشركين; فقد غادر المشركون ساحة القتال هاربين صوبَ مكة مخلِّفين وراءهم سبعين قتيلا من صناديدهم وساداتهم ، ووقف النبيّ يخاطب القتلى واحداً واحداً ويقول :

«ياأهل القليب ، يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ، ويا أُمّية بن خلف ، ويا أبا جهل(وهكذا عدّد من كان منهم في القليب) هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً؟ فإنّي قد وجدتُ ما وعدني ربّي حقّاً» .

فقال له بعض أصحابه : يا رسول الله أتنادي قوماً موتى؟

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني» .

وكتب ابن هشام يقول : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أضاف بعد هذه المقالة وقال :

«ياأهل القليب ، بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيكم ، كذّبتموني وصدّقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس» .

ثمّ قال : «هل وجدتم ما وعدكم ربّي حقّاً»(1) .


(1) السيرة النبوية 1 : 649 ; السيرة الحلبية 2 : 179 و180 وغيرهما .

(44)

روى البخاري عن نافع أنّ ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أخبره قال : اطّلع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على أهل القليب فقال : «وجدتم ما وعد ربكم حقّاً» ، فقيل له : تدعو أمواتاً ، فقال : «ما أنتم بأسمعَ منهم ، ولكن لا يجيبون» .

ثم روى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ قالت : إنما قال النبىّ  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «إنّهم ليعلمون الآن أنّ ماكنت أقول حقّ» ، وقد قال الله تعالى : ( إنّك لا تُسمِعُ المَوتى )(2) .

ولا يذهب عليك أنّ السيدة عائشة سلّمت الحياة البرزخية لهم ، ولذلك قالت : إنّ النبيّ قال : «إنهم ليعلمون الآن أنّ ما كنت أقول حق» ولكنّها نفت أن يقول النبىّ «ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون» من دون أن تسنده إلى قائل حاضر في الواقعة ، وإنّما استنبطت قولها من الآية الكريمة ، ومن المعلوم أنّ ابن عمر يدّعي السماع عن النبيّ ، أو عمّن سمعه منه  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا يعارضه استنباطها ، وإنما يكون نظرها حجة على نفسها لا على من عاين وشهد تكلّم النبي معهم .

أضف إلى ذلك أنّه لا صلة للآية بما تدّعيه ، كما سيوافيك .

ولأجل التأكيد على صحة القصة نأتي أيضاً بنصّ صحيح البخاري في باب معركة بدر (غير كتاب الجنائز) ونردفه بذكر مصادر أُخرى ، وما ظنّك بأمر يرويه الإمام البخاري ولفيف من المحدّثين قال : وقف النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على قليب «بدر» وخاطب المشركين الذين قُتلوا وأُلقيت جثثهم في القليب : «لقد كنتم جيران سوء لرسول الله ، أخرجتموه من منزله ، وطردتموه ، ثم اجتمعتم عليه فحاربتموه ، فقد وجدت ما وعدني ربّي حقّاً» ، فقال له رجل : يا رسول الله ما خطابك لهم؟!

فقال  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «والله ما أنتم بأسمع منهم ، وما بينهم وبين أن تأخذهم الملائكة


(1) البخاري : الصحيح الجزء 9، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ص 98 .


(45)

بمقامع من حديد إلاّ أن أعرض بوجهي عنهم» .

وقد أنشد حسان قصيدة بائية رائعة حول وقعة بدر الكبرى يشير في بعض أبياتها إلى هذه الحقيقة أعني قصة القليب إذ يقول :

يناديهم رسول الله لمّا * قذفناهم كباكب في القليبِ
ألم تجدوا كلامي كان حقّا * وأمر الله يأخذ بالقلوبِ
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا * صدقت وكنت ذا رأي مصيبِ

على أنّه لاتوجد عبارة أشدّ صراحة ممّا قاله رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في المقام حيث قال : «ما أنتم بأسمع منهم» ، وهل ثمة بيان أكثر إيضاحاً وأشد تقريراً لهذه الحقيقة من مخاطبة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لواحد واحد من أهل القليب ، ومناداتهم بأسمائهم ، وتكليمهم كما لو كانوا على قيد الحياة؟!

فلا يحق لأيّ مسلم مؤمن بالرسالة والرسول أن يسارع إلى إنكار هذه القضية التاريخية الإسلامية المسلّمة ويبادر قبل التحقيق ويقول : إنّ هذه القضية غير صحيحة لأنّها لا تنطبق على عقلية المادّي المحدودة .

وقد نقلنا هنا نصّ هذا الحوار ، لكي يرى المسلمون الناطقون باللغة العربية كيف أنّ حديث النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يصرّح بهذه الحقيقة بحيث لا توجد فوقه عبارة في الصراحة والدلالة على هذه الحقيقة .

ومن أراد الوقوف على مصادر هذه القصة فعليه أن يراجع ما ذكرناه في الهامش أدناه(1) .


(1) صحيح البخاري ج 5 معركة بدر ص 76 ،77 ،86 ،87 ; صحيح مسلم ج 8 كتاب الجنة باب معتمد الميت : 163 ; سنن النسائي ج 4 باب أرواح المؤمنين ص 89 ـ 90 ; مسند الإمام أحمد 2 : 121 ; المغازي للواقدي غزوة بدر وغيرها .

(46)

2 ـ الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ يكلّم رؤساء الناكثين :

إنّ الإمام علياً ـ عليه السلام ـ بعد أن وضعت الحرب في معركة الجمل أوزارها مرّ على كعب بن سور وكان قاضي البصرة فقال لمن حوله : «أجلسوا كعب بن سور» فاجلسوه بين شخصين يمسكانه ـ وهو صريع ـ فقال ـ عليه السلام ـ  : «يا كعب بن سور قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا فهل وجدت ما وعدك ربُّك حقّا»؟ ثم قال : «أضجعوه» .

ثم سار قليلا حتى مرّ بطلحة بن عبيد الله صريعاً فقال : «أجلسوا طلحة» فأجلسوه ، فقال ـ عليه السلام ـ  : «يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربّي حقّاً فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا»؟ ثم قال : «أضجعوا طلحة» .

فقال له رجل : يا أمير المؤمنين ما كلامك لقتيلين لا يسمعان منك؟! فقال ـ عليه السلام ـ  : «يا رجل ، والله لقد سمعا كلامي ، كما سمع أهل القليب كلام رسول الله»(1) .

3 ـ السلام على النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ختام الصلاة :

إنّ جميع المسلمين في العالم ـ بالرغم من الخلافات المذهبية بينهم في فروع الدين ـ يسلّمون على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الصلاة عند ختامها فيقولون :

«السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته»

وقد أفتى الشافعي وآخرون بوجوب هذا السلام بعد التشّهد ، وأفتى الآخرون باستحبابه ، لكن الجميع متفقون على أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ علّمهم السلام وأنّ سنّة النبي ثابتة في حياته وبعد وفاته(2) .


(1) الجمل للمفيد; حقّ اليقين 2  : 73 .
(2) راجع كتاب تذكرة الفقهاء 3  : 233 المسألة 294 ، وكتاب الخلاف للشيخ الطوسي 1 : 47 ، لمعرفة أقوال المذاهب والفقهاء في هذا المجال .

(47)

والس ؤال الآن : اذا كانت صلتنا وعلاقتنا بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد انقطعت بوفاته ، فما معنى مخاطبته والسلام عليه يومياً؟!

4 ـ الميت يسمع قرع النعال :

الميت يسمع كلام من يتكلم قرب قبورهم لا بجسمه ، بل بروحه التي كانت لها ارتباط وإشعاع على الجسم ، ولا يعني أنّها داخلة في قبره كما كانت في حياته ملازمة لجسمه ومعلّقة به ، بل المراد أنّ لها ارتباطاً وإشعاعاً على الجسم الذي فارقه ، ويدلّ على ذلك :

ما رواه البخاري عن أنس بن مالك أنّه حدّثهم عن رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : «إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه حتى أنّه ليسمع قرعَ نعالهم ، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمّد  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟ فيقول : أشهد أنّه عبد الله ورسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله بة مَقعداً في الجنة فيراهما جميعا ، وأمّا الكافر والمنافق فيقول : لا أدري ، كنت أقول كما يقول الناس ، فيقال : لا دَريتَ ولا تَلَيتَ ، ثم يُضرب بمطارق من حديد ضربة بين أُذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلاّ الثقلين»(2) .

وجه الاستدلال به أنّه قال : «أنّه ليسمع قرع نعالهم» فالميت إذاً يسمع قرع النعال ، فالكلام من باب أوْلى .

5 - قول الميت عند حمل الجنازة :

روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدريّ ـ رض ـ : أنّ رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : «إذ وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم; فإن كانت صالحة


(1) البخاري ، الصحيح 2 : 90 باب الميت يسمع خفق النعال ، ولاحظ في تفسيرالحديث فتح الباري لابن حجر العسقلاني 3 : 160 ، وشرح الكرماني 7 : 117 .


(48)

قالت قدّموني ، وإنّ كانت غير صالحة قالت : ياويلي أين تذهبون بها ، يسمع صوتها كل شيء إلاّ الإنسان ولو سمعه لصعق»(1) .

6 ـ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يسلّم على الأموات :

روى مسلم عن عائشة أنّها قالت : كان رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كلّما كان ليلتَها في رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يخرج آخر الليل إلى البقيع فيقول : «السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين وآتاكم ما توعدون ، غداً مؤجلون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ، اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد»(2) .

فلو كان الأموات لا يسمعون كالجماد يكون السلام عليهم عبثاً ، وأين منزلة نبيّ الحكمة من العبث وقد تضافر أنّ النبيّ كان يمارس زيارة البقيع ؟!

وبذلك يعلم أنّ المقصود من الموت في المقام هو وقف سريان الدم في الأوردة ، والشرايين في جسم الإنسان ، وهو الممد بجوارحه وحواسه بالحركة والشعور والإحساس ، والمحرّك الرئيس لها هو القلب والرئتان بواسطة التنفّس .

وأمّا ما يرجع إلى واقع الإنسان وشخصيته الحقيقية وهو الجوهر; المدرك المفكر فهو باق عالم شاعر .

7 ـ تعذيب الميت في القبر :

روى البخاري عن ابنة خالد بن سعيد بن العاص أنّها سمعت النبيّ وهو يتعوّذ من عذاب القبر .

وروى عن أبي هريرة كان رسول الله يدعو : «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من


(1) البخاري ، الصحيح 2 : 86 رواه في ما بين : حمل الرجال الجنازة دون النساء ص 85 وباب قول الميت وهو على الجنازة «قدموني» ، لاحظ شرح الحديث في فتح الباري 3 : 144 وشرح الكرماني 7 : 104 .
(2) مسلم : الصحيح 7 : 41 .


(49)

عذاب القبر ومن عذاب النار ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة الشيخ الدجال»(1) .

وفي صحيح مسلم وجميع السنن عن أبي هريرة أنّ النبيّ قال : «إذا فرغ أحدكم من التشهّد الأخير فليتعوذ بالله من أربع : من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة الدجال» .

وفي صحيح مسلم أيضاً وغيره عن ابن عباس أنّ النبيّ كان يعلّمهم هذا الدعاء كما يعلّمهم السورة من القرآن : «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب جهنم ، وأعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة الدجال»(2) .

كلام لابن عبد البرّ في المقام :

قال ابن عبد البر ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال : «ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلّم عليه إلاّ ردّ الله عليه روحه حتّى يرد عليه السلام» . فهذا نص في أنّه يعرفه بعينه ويرد عليه السلام .

وفي الصحيحين عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من وجوه متعددة أنّه أمر بقتلى بدر فأُلقوا في قليب ، ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم «يا فلان بن فلان ، ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً ، فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقّاً» فقال له عمر : يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جُيّفوا فقال : «والذي بعثني بالحقّ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنّهم لا يستطيعون جواباً» .


(1) البخاري ، الصحيح 2 : 99 ، ولاحظ في شرح الأحاديث فتح الباري لابن حجر 3 : 188 .
(2) الروح : ص52 وقد بسط الكلام في إثبات الموضوع وأحاط بأطرافه ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتابه .


(50)

وثبت عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ الميت يَسمع قرعَ نعال المشيّعين له إذا انصرفوا عنه .

وقد شرّع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأُمّته إذا سلّموا على أهل القبور أن يسلّموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول : «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ـ ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد .

والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأنّ الميت يعرف زيارة الحيّ له ويستبشر به .

قال أبو بكر عبد الله بن محمّد بن عبيد بن أبي الدنيا في كتاب القبور باب معرفة الموتى بزيارة الأحياء :

(حدثنا) محمّد بن عون : حدثنا يحيى بن يمان ، عن عبد الله بن سمعان ، عن زيد ابن أسلم ، عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلاّ استأنس به وردّ عليه حتى يقوم» .

(حدثنا) محمّد بن قدامة الجوهري : حدثنا معن بن عيسى القزاز : أخبرنا هشام بن سعد : حدثنا زيد بن أسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : إذا مرّ الرجل بقبر أخيه يعرفه فسلّم عليه ،

ردّ عليه السلام وعرفه ، وإذا مرّ بقبر لا يعرفه فسلّم ردّ عليه السلام . إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة في الصحاح والمسانيد .


(51)

المبحث الرابع
الحياة البرزخية في كلمات العلماء

كلّ من يعبأ بعلمه وتعبّده أمام النصوص من علماء الإسلام صرّحوا باستمرار الحياة بعد الانتقال من الدنيا ، نذكر من كلماتهم ما يلي :

1 ـ الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) :

قال : والأعور الدّجال خارج لا شكّ في ذلك ولا ارتياب ، وهو أكذب الكذّابين ، وعذاب القبر حقّ ، ويُسأل العبد عن دينه وعن رّبه ويَرى مقعده من النار والجنة ، ومنكر ونكير حقّ ، وهما فتّانا القبور ، نسأل الله تعالى الثبات(1) .

2 ـ أبو جعفر الطحاوي (ت 321 هـ) :

قال : (نؤمن) بعذاب القبر لمن كان له أهلا ، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربّه ودينه ونبيّه ، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله وعن الصحابة رضوان الله عليهم ، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران(2) .


(1) السنّة : ص50 .
(2) شرح الرسالة الطحاوية لابن أبي العز ، قسم المتن : ص396 .

(52)

3 ـ الإمام الأشعري (260-324 هـ) :

قال : ونؤمن بعذاب القبر ، وبالحوض ، وأنّ الميزان حقّ والصراط حقّ ، والبعث بعد الموت حقّ ، وأنّ الله عزّ وجلّ يُوقِفُ العبادَ في الموقف يحاسب المؤمنين(1) .

4 ـ البغدادي :

قال : أنكرت الجهميّة والضرارية سؤال القبر ، وزعم بعض القدرية أنّ سؤال الملكين في القبر إنّما يكون بين النفختين في الصور وحينئذ يكون عذاب قوم في القبر .

وقالت السالمية بالبصرة : إنّ الكفّار لا يُحاسَبون في الآخرة .

وزعم قوم يقال لهم الوزنية : أنْ لا حساب ولا ميزان .

وأقرّت الكرّامية بكل ذلك كما أقرّ به أصحابنا ، غير أنّهم زعموا أنّ منكراً ونكيراً هما الملكان اللّذان وكّلا بِكلّ إنسان في حياته ، وعلى هذا القول يكون منكر ونكير كل إنسان غير منكر ونكير صاحبه .

وقال أصحابنا : إنّهما ملكان غير الحافظين على كل إنسان(2) .

5 ـ أبو اليسر محمد البزدوي( 421 ـ 493 هـ) (وهو من الماتريدية) :

قال : سؤال منكر ونكير في القبر حقّ عند «أهل السنّة والجماعة» ، وهما ملكان يسألان من ماتَ بعد ما حُيِّي : مَنْ ربّك وما دينُك ومن نبيّك ، فيقدر المؤمن على الجواب ولا يقدر الكافر .

وفيه أحاديث كثيرة عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في هذا الباب أنّ الملكين يجيئان في القبر إلى


(1) الإبانة ، الأصل : ص26 .
(2) أُصول الدين : 245 .


(53)

الميت ويحيي الله تعالى الميت فيسألان عمّا ذكرنا(1) .

6 ـ الفخر الرازي :

قال : إنّ قوله : ( ويَستبشِرونَ بالَّذينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ )(2) دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث ، مضافاً إلى قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حُفَرِ النيران» والأخبار في ثواب القبر وعذابه كالمتواترة ، وكان ـ عليه

السلام ـ يقول في آخر صلاته : «وأعوذ بك من عذاب القبر» إلى أن قال : الإنسان هو الروح; فإنّه لا يعرض له التفرّق والتمزّق ، فلا جرم يصل إليه الألم واللذة (بعد الموت) .

ثم إنّه سبحانه وتعالى يردّ الروح إلى البدن يومَ القيامة الكبرى حتى تنضم الأحوال الجسمانية إلى الأحوال الروحانية(3) .

7 ـ ابن أبي العزّ الدمشقي :

قال : إنّ الدور ثلاث : دار الدنيا ، ودار البرزخ ، ودار القرار .

وقد جعل الله لكلّ دار أحكاماً تخّصها ، وركّب هذا الإنسانَ من بدن ونفس ، وجعلَ أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها ، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها ، فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم ، صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعاً .

فإذا تأملت هذا المعنى حقّ التأمل ، ظهر لك أنّ كون «القبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النار» مطابق للعقل ، وأنّه حقّ لا مِرية فيه ، وبذلك يتميز


(1) أُصول الدين : 165 / المسألة 49 .
(2) آل عمران : 170 .
(3) التفسير الكبير4 : 146 و149 .


(54)

المؤمنون بالغيب من غيرهم .

ويجب أن يعلم أنّ النار التي في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها ، وإن كان الله تعالى يَحمي عليه الترابَ والحجارةَ التي فوقه وتحته حتى يكون أعظم حراً من جمر الدنيا ، ولو مسّها أهل الدنيا لم يحسّوا بها .

والأعجب من هذا أنّ الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه; وهذا في حفرة من النار ، وهذا في روضة من رياض الجنة ، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حرّ ناره ، ولا من هذا إلى جاره بشيء من نعيمه ، وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب(2) .

وقال الرازي في تفسير قوله : ( ويَستبشرونَ بالَّذينَ لَمْ يلحقُوا بهِمْ منْ خَلفِهِم )والقوم الذين لم يلحقوا بهم لا بد وأن يكونوا في الدنيا ، فاستبشارهم بمن يكون في الدنيا لا بد

وأن يكون قبل قيام القيامة ، والاستبشار لا بد وأن يكون مع الحياة ، فدلّ هذا على كونهم أحياء قبل يوم القيامة(1) .

8 ـ ابن تيمية :

قال : الأحاديث الصحيحة المتواترة تدلّ على عود الروح إلى البدن وقت السؤال ، وسؤال البدن بلا روح قول قاله طائفة من الناس ، وأنكره الجمهور ، قابلهم آخرون بأنّ السؤال للروح بلا بدن ، وهذا ما قاله ابن مرة وابن حزم ، وكلاهما غلط ، والأحاديث الصحيحة تردّه ، ولو كان ذلك على الروح فقط لم يكن للقبر بالروح اختصاص(2) .


(1) شرح الرسالة الطحاوية  : 396-397 .
(2) مفاتيح الغيب 4 : 146 و9 : 90 .
(3) الروح : 50 معبّراً عن ابن تيمية بــ «شيخ الإسلام» .


(55)

9 ـ التفتازاني :

قال: ويدلّ على الحياة بعد الموت قوله تعالى: ( النّارُ يُعرَضونَ عَليهاغُدوّاً وعَشيّاً )(1) وقوله : ( أُغرقُوا فأُدخِلُوا ناراً )(2) وقوله : ( ربّنا أمتنا اثنتَينِ وأحييتَنَا اثنَتَينِ )(3).

وليست الثانية إلاّ في القبر ، وقوله : ( يُرزقون * فَرحينَ بِما آتاهُمْ اللهُ )(4) .

وقوله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النيران» .

والأحاديث في هذا الباب متواترة المعنى .

وقال في موضع آخر :

اتّفق الإسلاميون على حقية سؤال منكر ونكير في القبر ، وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه ، ونسب خلافه إلى بعض المعتزلة .

قال بعض المتأخرين منهم : حُكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو ، وإنّما نسب إلى المعتزلة ، وهم براء منه لمخالطة ضرار إيّاهم ، وتبعه قوم من السفهاء المعاندين للحق.

لنا الآيات ، كقوله تعالى في آل فرعون : ( النّارُ يُعرَضُونَ عَليها غدّواً وعشيّاً )(5) ، أي قبل القيامة ، وذلك في القبر ، بدليل قوله تعالى : ( ويومَ تَقومُ الساعةُ أدخِلوا آلَ فِرعونَ أشدَّ العَذاب )(6) ، وكقوله تعالى في قوم نوح : ( أُغرِقوا


(1) غافر : 46 .
(2) نوح : 25 .
(3) غافر : 11 .
(4) آل عمران : 169 ـ 170 .
(5) غافر : 46 .
(6) غافر : 46 .


(56)

فأُدخلوا ناراً )(1) ، والفاء للتعقيب ، وكقوله تعالى : ( ربَّنا أمَتّنَا اثنَتينِ وأحيَيتَنا اثنتَين )(2) ، وإحدى الحياتين ليست إلاّ في القبر ، ولا يكون إلاّ نموذج ثواب أو عقاب بالاتفاق ، وكقوله تعالى : ( ولا تَحسبنَّ الَّذين قُتلوا في سَبيلِ اللهِ أمواتاً بلْ أحياءٌ عندَ ربِّهمْ يُرزَقونَ فَرحينَ بِما آتاهُمْ اللهُ )(3).

والأحاديث المتواترة المعنى كقوله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» وكما روي أنّه مرّ بقبرين ، فقال : «إنّهما ليعذّبان . .»(4) ، وكالحديث المعروف في الملكين الّلذين يدخلان القبر ومعهما مرزبتان ، فيسألان الميت عن رَّبه وعن دينه وعن نبيّه . . إلى غير ذلك من الأخبار والآثار المسطورة في الكتب المشهورة ، وقد تواتر عن النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ استعاذته من عذاب القبر ، واستفاض ذلك في الأدعية المأثورة(5) .

10 ـ الشريف الجرجاني :

قال : إحياء الموتى في قبورهم ، مسألة منكر ونكير ، وعذاب القبر للكافر والفاسق كلّها حقّ عندنا ، اتّفق عليه سلف الأُمّة قبل ظهور الخلاف ، واتّفق عليه (الأكثر بعده) أي بعد ظهور الخلاف ، (وأنكره) مطلقاً «ضرار بن عمرو وبشر المريسي وأكثر المتأخرين من المعتزلة» ، وأنكر الجبّائي وابنه والبلخي تسمية الملكين منكراً ونكيراً وقالوا : إنّما المنكر ما يصدر من الكافر عند تلجلجه إذا سئل ، والنكير إنما هو تفريع الملكين له .


(1) نوح : 25 .
(2) غافر : 11 .
(3) آل عمران : 169 .
(4) أخرجه الإمام البخاري في كتاب الوضوء : ص55 ـ 56 وكتاب الجنائز : ص89 .
(5) شرح المقاصد 5 : 112 ، 114 .


(57)

لنا في إثبات ما هو حقّ عندنا وجهان : الأوّل قوله تعالى : ( النّار يُعرضونَ عَليها غدوّاً وَعشياً ويومَ تقومُ الساعةُ أدخِلوا آلَ فِرعونَ أشدَّ العَذاب ) ، عطف في هذه الآية عذابَ القيامة على العذاب الذي هو عرض النار صباحاً ومساءً ، فعلم أنّه غيره ، ولا شبهة في كونه قبل الإنشار من القبور ، كما يدلّ عليه نظم الآية بصريحه ، وما هو كذلك ليس غير عذاب القبر اتّفاقاً ، لأنّ الآية وردت في حقّ الموتى ، فهو هو(1) .

11 ـ الآلوسي :

قال : إنّ حياة الشهداء حقيقة بالروح والجسد ، ولكنّا لا ندركها في هذه النشأة(2) .

هذه كلمات أعلام السنّة ، وإليك كلام بعض مشايخ الشيعة الإمامية :

12 ـ الشيخ المفيد ـ قدس سره ـ :

قال في شرح عقائد الصدوق : فأمّا كيفية عذاب الكافر في قبره وتنعّم المؤمن فيه ، فإنّ الخبر أيضاً قد ورد بأنّ الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنة من جناته ، ينعّمه فيها إلى يوم الساعة ، فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي في التراب وتمزّق ، ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف وأمر به إلى جنة الخلد ولا يزال منعماً بإبقاء الله .

غير أنّ جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا ، بل يعدل طباعه ، ويحسن صورته ولا يهرم مع تعديل الطباع ولا يمسّه نصب في الجنة ولا لغوب .


(1) شرح المواقف 8 : 317 وقد مزَج كلامه مع عبارة المواقف للإيجي ، فما ذكره نظرية الماتن والشارح .
(2) روح المعاني 2 : 20 .


(58)

والكافر يجعل في قالب كقالبه في محلّ عذاب يعاقب ، ونار يعذب بها حتى الساعة ثم ينشئ جسدَه الذي فارقه في القبر فيعاد إليه فيعذّب به في الآخرة عذاب الأبد ويركّب أيضاً جسده تركيباً لا يفنى معه(1) .

هذه اثنتا عشرة كلمة من أعلام السنّة والشيعة تعرب عن اتفاق الأُمّة على استمرار الحياة بعد الانتقال عن الدنيا ، أو تجديد الحياة بعده ، وأنّ الموت ليس بمعنى بطلان الإنسان إلى يوم القيامة ، بل هناك مرحلة بين المرحلتين ، لها شؤون وأحكام .

ويؤيد ما ذكره ، وما جرى عليه عمل الناس قديماً وإلى الآن من تلقين الميت في قبره ، ولولا أنّه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة وكان عبثاً ، وقد سئل عنه الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ فاستحسنه واحتجّ عليه بالعمل .

وقال ابن القيم ـ تلميذ ابن تيمية ـ بعد نقل ما ذكرنا عن الإمام أحمد : إنّ اتّصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار; كاف في العمل به .

إلى أن قال : فلولا أنّ المخاطب يسمع ، لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب والخشب والحجر والمعدوم ، وهذا وإن استحسنه واحد ، لكن العلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه ، وقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به : أنّ النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حضر جنازة رجل فلمّا دفن قال : «سلوا لأخيكم التثبت فإنّه الآن يسأل» ، فأخبر أنّه يسأل حينئذ ، وإذا كان يسأل فانّه يسمع التلقين(2) .

وقال : إن إلاّرواح على قسمين : أرواح معذّبة ، وأرواح منعّمة ، فالمعذبة في شغل ما هي فيه من العذاب ، عن التزاور والتلاقي ، والأرواح المنعّمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور ، فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها ،


(1) أوائل المقالات : ص49 طـ تبريز; وشرح عقائد الصدوق : ص44 طـ تبريز .
(2) الروح : 13 طـ . بيروت .


(59)

وروح نبينا في الرفيق الأعلى ، قال الله تعالى : ( ومَنْ يُطِعِ اللهَ والرَّسولَ فأُولئكَ مع الَّذين أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً ) وهذه المعية ثابتة في الدنيا وفي دار البرزخ وفي دار الجزاء ، والمرء مع من أحبّ في هذه الدور الثلاثة(1) .

إجابة عن سؤال

إنّ هنا سؤالا أثاره كثير من المفسرين وكلّ تخلّص منه بوجه : وهو أنّا نشاهد أجساد الموتى ميتة في القبور ، فكيف يصحّ ما ذهبتم إليه من التنعيم والتعذيب ، والسؤال والإجابة؟

هناك من تخلّص منه زاعماً أنّ الحياة البرزخية حياة مادية بحتة ، قائمة بذرات الجسد المادّي المبعثرة في الأرض ، منهم الرازي قال :

أمّاعندنا فالبنية ليست شرطاً في الحياة ، ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كلواحدمن تلك الذرات والأجزاءالصغيرة من غيرحاجة إلى التركيب والتأليف(2).

يلاحظ عليه : أنّ الاعتراف بأنّ الحياة البرزخية من أقسام الغيب الذي يجب الإيمان به وإن لم نعرف حقيقتها ، أولى من هذا الجواب الغامض الذي لا يفيد القارئ شيئاً سوى أنَّ التعبّد ورد بذلك .

لكن الظاهر من أكثر أهل السنّة المعتمدين في العقائد على الأخبار والآثار ، أنّ هناجسداً على صورة الطير تتعلّق به الروح ، وقد استدلّ له بما أخرجه عبد الرزاق، عن عبد الله بن كعب بن مالك قال : قال رسول الله : «إنّ أرواح الشهداء في


(1) الروح : 17 طـ . بيروت . والآية من سورة النساء : 69 .
(2) التفسير الكبير 4 : 145 ـ 146 .


(60)

صور طير خضر معلّقة في قناديل الجنة حتى يرجعها الله تعالى إلى يوم القيامة» .

وفي بعض الروايات : «أنّ أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلّق من ثمر الجنة أو شجر الجنة» .

أخرج مسلم في صحيحه عن ابن مسعود : مرفوعاً : «أن أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى قناديل تحت العرش»(1) .

ويبدو أنّ الروايات إسرائيليات، وقدرُدّ مضمون هذه الروايات في روايات أئمة أهل البيت ، فعالجوا مشكلة الحياة البرزخية بشكل قريب إلى الأذهان ، وهو خلق جسدآخر

على صورأبدانهم في الدنيا بحيث لو رأى الرائي أحدهم لقال «رأيت فلاناً».

روى الشيخ أبو جعفر الطوسي في تهذيب الأحكام مسنداً إلى علي بن مهزيار ، عن القاسم بن محمّد ، عن الحسين بن أحمد ، عن يونس بن ظبيان قال : كنت عند أبي عبد الله (الإمام الصادق) ـ عليه السلام ـ جالساً فقال : «ما يقول الناس في أرواح المؤمنين؟» قلت : يقولون : في حواصل طير خضر في قناديل تحت العرش ، فقال أبو عبد الله : «سبحان الله ، المؤمن أكرم على الله أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر ، يا يونس المؤمن إذا قبضه الله تعالى صيّر روحه في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون ، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا» .

روى ابن أبي عمير ، عن حماد ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن أرواح المؤمنين ؟ فقال : «في الجنة على صور أبدانهم لو رأيته لقلت : فلان»(2) .


(1) روح المعاني 2 : 21 .
(2) مجمع البيان 1 : 236 ط صيدا لاحظ الكافي 3 : 245 وبما أنّ الشيخ الطبرسي نقل الرواية عن الكافي ، ذكرنا موضع الرواية منه .


(61)

المبحث الخامس
البرزخيّون ينتفعون بأعمال المؤمنين

إذا كانت حقيقة الإنسان هو روحهُ ونفسه الباقية غير الداثرة ، وكانت الصلة بين الدارين (دار الدنيا ودار البرزخ) موجودة ، وكانت متعلقة بأجسام تناسبها وهم بين منعّم ومعذّب ، يقع الكلام في انتفاع أهل البرزخ بأعمال المؤمنين الموجودين في دار الدنيا إذا قاموا بالاستغفار لهم بأعمال نيابة عنهم ، وعدمه .

وقبل الدخول في صلب الموضوع لنا كلامٌ نقدّمه : هو أنّ الإيمان إنّما ينتفع به الإنسان إذا انضمّ إليه العمل الصالح ، ولا ينفع إيمان إذا خلا عنه ، ولأجل ذلك يذكر سبحانه العمل الصالح إلى جانب الإيمان في أكثر آيات الكتاب العزيز .

وقد أخطأت «المرجئة» لمّا زعموا أنّ الإيمان المجرّد وسيلة نجاة ومفتاح فلاح ، فقدّموا الإيمان وأخّروا العمل .

وقد فنَّد أهل البيت ـ عليهم السلام ـ هذه الفكرة الباطلة حيث حذّروا الآباء ودعوهم إلى حفظ أبنائهم منهم : «بادروا أولادكم بالأدب قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة»(1) .

فالاعتماد على الإيمان مجرداً عن العمل فعل النوكى والحمقى ، وهو لا يفيد


(1) الكافي 6 : 47/ 5 .


(62)

ولا ينفع أبداً .

ولقد كانت لهذه الفكرة الباطلة صيغة أُخرى عند اليهود ، فهم كانوا يعتمدون على مسألة الانتساب إلى الآباء وبيت النبوة ، فزعموا أنّ الثواب لهم والعقاب على غيرهم حيث قالوا : ( نَحَنُ أبناءُ اللهِ وأحبّاؤُهُ )(1) أو قالوا : ( لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلاّ أيّاماً مَعدودَة )(2) ، وفي ظلّ هذه الفكرة اقترفوا المنكرات واستحلّوا سفك دماء غيرهم من الأقوام والأُمم والاستيلاء على أموالهم .

والحق الذي عليه الكتاب والسنّة هو : أنّ المنجي هو الإيمان المقترن بالعمل الصالح ، كما أنّ التسويف في إتيان الفرائض باطل جداً ، وهو أن يؤخّر الإنسان الواجب ويقول سوف أحجّ مثلا ، ويقول ذلك كلّ سنة ويؤخر الفريضة .

وهذا هو الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ يؤكّد في خطبته على العمل إذ يقول : «وإنّ اليوم عمل ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل»(3) .

ويقول : «ألا وإنَّ اليومَ المِضمارَ وغداً السباق ، والسَّبَقةُ الجنّة ، والغايةُ النار ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيته ، أَلا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه»(4) .

وهذاهو مااتّفقت عليه الأُمّة الإسلامية وتضافرت عليه الأحاديث والأخبار.

انتفاع الإنسان بعمله وبعمل غيره

لكنّه سبحانه بفضله و جوده الواسعين وسّع على الإنسان دائرة الانتفاع بالأعمال بحيث شمل الانتفاع بعد الموت ، بالأعمال التي تتحقّق بعد الموت ، وهي


(1) المائدة : 18 .
(2) آل عمران : 24 .
(3) نهج البلاغة ، الخطبة 42 .
(4) نهج البلاغة ، الخطبة 28 .


(63)

على نوعين :

الأوّل : ما إذا قام الإنسان بعمل مباشرة في زمانه ومات ولكن بقي العمل يستفيد منه الناس كصدقة جارية أجراها ، أو إذا ترك علماً ينتفع به ، ويقرب منه ما إذا ربّى ولداً صالحاً يدعو له ، فهو ينتفع بصدقاته وعلومه; لأنّها أعمال مباشرية باقية بعد موته وليست كسائر أعماله الفانية بفنائه الزائلة بموته ، فالجسر الذي بناه ، والنهر الذي أجراه ، والمدرسة التي شيّدها ، والطريق الذي عبّده ، إنّما تحقّق بسعيه ، فهو ينتفع به .

وقد وردت في هذا المجال روايات كثيرة ، قام بنقل بعضها ابن القيم في المسألة السادسة في كتاب له باسم «الروح» قال :

وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنّه لا يصل إلى الميت شيء البتة لا بدعاء ولا غيره ، ثم قال : فالدليل على انتفاعه بما تسبّب إليه في حياته ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ  : أنّ رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلاّ من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له» فاستثناء هذه الثلاث من عمله يدلّ على أنّها منه ، فأنّه هو الذي تسبّب إليها .

وفي سنن ابن ماجة في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «إنّما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته : علمٌ علّمه ونشره ، أو ولدٌ صالحٌ تركه ، أو مصحفٌ ورثه ، أو مسجدٌ بناه ، أو بيتٌ لابن السبيل بناه ، أو نهرٌ أكراه ، أو صدقةٌ أخرجها من ماله في صحّته وحياته يلحقه من بعد موته» .

وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أُجورهم شيء ، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر


(64)

من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» .

وهذا المعنى روي عن النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من عدة وجوه صحاح وحسان .

وفي المسند عن حذيفة قال : سأل رجل على عهد رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأمسك القوم ، ثم إنّ رجلا أعطاه فأعطى القوم ، فقال النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «من سنّ خيراً فاستنّ به كان له أجره ومن أُجور من تبعه غير منتقص من أُجورهم شيئاً ، ومن سنّ شراً فاستنّ به كان عليه وزره ومن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئاً» .

وقد دلّ على هذا قوله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «لا تُقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها; لأنّه أوّل من سنّ القتل» فإذا كان هذا في العذاب والعقاب ففي الفضل والثواب أولى وأحرى(1) .

ويؤيده ما ورد في شأن صلاة الجماعة حيث تُفضَّل بسبع وعشرين درجة أو خمس وعشرين درجة على صلاة بغير جماعة(2) .

فكيف ينتفع المصلّون بعضهم ببعض؟ وكلّما زاد المصلّون ازدادوا انتفاعاً .

الثاني : فيما إذا لم يكن للميت في العمل سعي ولا تسبيب ، فهل يصل ثواب عمل الغير إليه؟

الظاهر من الكتاب والسنّة هو أنّه سبحانه بعميم فضله وواسع جوده يوصل ثواب عمل الغير إلى الميت ، فيما إذا قام الغير بعمل صالح نيابة عن الميت ، وبعث ثوابه إليه ، ويدلّ على ذلك طائفة كبيرة من الآيات والأحاديث والأخبار .

عرض المسألة على الكتاب :

لقد صرّحت الآيات بأنّ الإنسان المؤمن ينتفع بعمل غيره ، وإن لم يكن له فيه


(1) كتاب الروح ، المسألة السادسة عشرة ، ونقلها برمتها محمّد الفقي من علماء الأزهر في كتابه التوسل والزيارة : ص226 ـ 227 .
(2) صحيح مسلم 2 : 128 ، باب فضل صلاة الجماعة .


(65)

سعي ، ونحن نشير إلى بعض هذه الموارد على سبيل المثال لا الحصر :

1 ـ استغفار الملائكة للمؤمن ، قال تعالى :

( الَّذينَ يَحملونَ العرشَ ومَنْ حولَهُ يُسبِّحونَ بِحَمدِ ربِّهمْ ويُؤمِنونَ به ويَستغفرونَ للَّذينَ آمَنوا ربَّنا وَسِعْتَ كلَّ شيء رَحمةً وعِلماً فَاغِفر للَّذينَ تابُوا واتَّبَعوا سَبيلَكَ وقِهِمْ عذابَ الجَحيمِ )(1).

وقال تعالى أيضاً :

( تكادُ السَّمواتُ يَتفطَّرنَ مِنْ فَوقِهنَّ والملائكةُ يُسَبَّحونَ بِحمدِ ربِّهمْ ويَستغفرونَ لِمَنْ في الأرض ألا إنَّ اللهَ هوَ الغفورُ الرَّحيمُ )(2).

2 ـ دعاء المؤمنين للذين آمنوا :

( والَّذينَ جَاءوا مِنْ بَعدهِمْ يَقولونَ ربَّنا اغفرْلَنا ولإخوانِنا الَّذينَ سَبقونا بِالإيمانِ ولا تَجعلْ في قُلوبِنا غِلاًّ للَّذينَ آمنوا رَّبنا إنَّكَ رَوؤفٌ رَحيم )(3) .

الأحاديث الدالة على انتفاع الميت بفعل الحيّ :

تدلّ روايات كثيرة على أنّ الميت ينتفع بعمل الغير ، إمّا بدعائه فيكفي في ذلك ما تواتر عن النبيّ الأكرم  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من زيارته لأهل بقيع الغرقد ودعائه لهم ، وزيارته لشهداء أُحد وتعميمهم بالدعاء ، وتكرار ذلك منه ، ولو لم ينتفعوا بدعائه لما قام به ـ عليه السلام ـ  ، وقد عرفتَ الآيات الدالة على انتفاع الميت بدعاء الحي .

إنّما الكلام فيما إذا قام بعمل (لا بدعاء) قربي نيابة عن الميت ، فالروايات المتضافرة تدلّ على صحة العمل ووصول ثوابه إليه وانتفاع الميت به ، وقد وزّعت


(1) غافر : 7 .
(2) الشورى : 5 .
(3) الحشر : 10 .


(66)

الروايات في الصحاح والمسانيد في مختلف الأبواب كالصوم والحج والعتق والنذر والتصدّق والسقي وقراءة القرآن ، فنحن نذكر هذه الروايات على هذا الترتيب ، ولعلّ المتتبِّع في الصحاح والمسانيد يقف على أكثر من ذلك .

أ ـ انتفاع الميت بصوم الغير نيابة عنه :

1 ـ روى الشيخان عن عائشة : أنّ رسول الله قال : «من مات وعليه صيام ، صام عنه وليّه» .

2 ـ روى الشيخان أيضاً عن ابن عباس ، قال : جاء رجل إلى النبيّ وقال : يا رسول الله إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضي عنها؟ قال : «نعم فدين الله أحق أن يقضى» .

3 ـ وفي رواية : جاءت امرأة إلى رسول الله وقالت : يا رسول الله إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال : «أفرأيتِ لو كان على أُمّك دين فقضيْتيهِ أكان يؤدّى ذلك عنها؟ قالت : نعم قال : «فصومي عن أُمّك» .

4 ـ روى بريدة قال : بينا أنا جالس عند رسول الله إذ أتته امرأة وقالت : «إني تصدّقت على أُمّي بجارية وإنّها ماتت، فقال: «وجب أجرك، وردّهاعليك الميراث».

فقالت : يا رسول الله إنّه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال : «صومي عنها» قالت : إنّها لم تحجّ قطّ ، أفأحج عنها؟ قال : «حجّي عنها» .

ب ـ انتفاع الميت بحجّ الغير نيابة عنه :

5 ـ قال سعد بن عبادة : يا رسول الله ، إنّ أُمّ سعد في حياتها كانت تحجّ من مالي وتتصدّق وتَصِل الرحم وتنفق من مالي ، وإنّها ماتت فهل ينفعها أن أفعل ذلك عنها؟ قال : «نعم»(1) .


(1) هذه الروايات (1-5) رواها مسلم في صحيحه ،ج 3 ، باب قضاء الصيام عن الميت : ص155 ـ 156 .


(67)

6 ـ وقال ـ صلى الله عليه وآله ـ  : «لو كان مسلماً فَأَعْتقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك» .

وقد مضى جواز الحج نيابة في الرواية الرابعة .

ج ـ انتفاع الميت بعتق الغير عنه :

7 ـ عن عطاء بن رباح قال : قال رجل : يا رسول الله أعتق عن أُمّي؟ قال : «نعم» قال : أينفعها؟ قال : «نعم» .

8 ـ عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري : أنّ أُمّه أرادت أن تعتق فأخّرت ذاك إلى أن تصبح فماتت؟ قال عبد الرحمن : قلت للقاسم بن محمّد : أينفعها أن أعتق عنها؟ قال القاسم : أتى سعد بن عبادة رسول الله فقال : إنّ أُمّي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال رسول الله : «نعم» .

وقد مضى في الرواية السادسة ما يدلّ على جواز العتق عن الغير .

د ـ انتفاع الميت بعمل الغير فيما إذا نذر ولم يعمل :

9 ـ جاء سعد بن عبادة إلى رسول الله فقال : إنّ أُمّي كان عليها نذر ، أفأقضيه؟ قال : «نعم» قال : أينفعها؟ قال : «نعم» .

ورواه مسلم بلفظ آخر قال : استفتى سعد بن عبادة رسول الله في نذر كان على أُمّه توفيت قبل أن تقضيه؟ قال رسول الله : «فاقضه عنها» .

هـ ـ انتفاع الميت بصدقة الغير نيابة عنه :

10 ـ عن أبي هريرة : أنّ رجلا قال للنبيّ : إنّ أبي مات وترك مالا ولم يوص ، فهل يكفّر عنه أن أتصدّق عنه؟ قال : «نعم» .

11 ـ عن معاذ قال : «أعطاني رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ عطية ، فبكيت فقال : «ما يبكيك يا معاذ»؟ قلت : يارسول الله كان لأُمّي من عطاء أبي نصيب تتصدّق به وتقدّمه لآخرتها وإنّها ماتت ولم توص بشيء قال : «فلا يبك الله عينك يا معاذ ، أتريد أن


(68)

تُؤجر أُمّك في قبرها؟» قلت : نعم يارسول الله ، قال : «فانظر الذي كان يصيبها من عطائك فامضه لها ، وقل اللّهم تقبّل من أُمّ معاذ» .

فقال قائل : يارسول الله لمعاذ خاصة أم لأُمّتك عامة؟ قال : «لأُمّتي عامة» .

12 ـ عن سعد أنّه سأل النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : يا نبيّ الله إنّ أُمّي قد افتلتت وأعلم أنّها لو عاشت لتصدّقت ، أفإن تصدَّقتُ عنها أينفعها ذلك؟ قال  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «نعم» فسأل النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : أيّ الصدقة أنفع يارسول الله؟ قال : «الماء» ، فحفر بئراً ، وقال : هذه لأُمّ سعد .

واللام في قوله : «هذه لأُمّ سعد» هي اللام الداخلة على الجهة التي وجهت إليه الصدقة ، وليست من قبيل اللام الداخلة على المعبود المتقرّب إليه ، مثل قولنا : نذرت لله ، وإن شئت قلت : اللام في قوله «لأُمّ سعد» مثل اللام الواردة في قوله تعالى : ( إنَّما الصَّدقاتُ للفُقراءِ )(1) .

13 ـ وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنه ـ  : «إنّ رجلا أتى النبيّ فقال : يارسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إنّ أُمّي افتلتت نفسها ولم توصِ ، وأظنّها لو تكلّمت تصدقت ، أفلها أَجر إن تَصدّقتُ عنها؟ قال : «نعم» .

14 ـ وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنه ـ  : «إنّ سعد بن عبادة توفّيت أُمّه وهو غائب ، فأتى النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال : يارسول الله إنّ أُمّي توفّيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدّقتُ عنها؟ قال : «نعم» ، قال : فإنّي أشهدك إنّ حائطي المخراف صدقة عنها . والمراد بالحائط البستان ، والمخراف عبارة عن اسم ذلك الحائط .

15 ـ وعن عبد الله بن عمر : إنّ العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة


(1) التوبة : 60 .


(69)

بدنة ، وإنّ هشام بن العاص نحر خمساً وخمسين ، وإنّ عمراً سأل النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن ذلك فقال : «أمّا أبوك فلو أقرّ بالتوحيد فصمت وتصدّقت عنه نفعه ذلك». ورواه الإمام أحمد .

و ـ انتفاع الميت بالذكر والدعاء والقراءة والتحية :

16 ـ روى ابن ماجة في صحيحه : إنّ رسول الله قال : «اقرأوا (يس) على موتاكم» .

17 ـ وعن أبي هريرة : «زوروا موتاكم بـ (لا إله إلاّ الله)» .

18 ـ «ما من رجل يزور قبر حميمه فيسلّم عليه ويقعد عنده إلاّ ردّ عليه السلام وأنس به حتى يقوم من عنده» .

19 ـ «ما من رجل يمرّ بقبر كان فيه (من) يعرفه في الدنيا فيسلّم عليه إلاّ عرفه وردّ عليه السلام» .

20 ـ «ما الميت في قبر إلاّ شبه الغريق المتغوث ينتظر دعوة من أب أو أُمّ أو ولد أو صديق ثقة ، فإذا لحقته كانت أحبّ إليه من الدنيا وما فيها ، وإنّ الله عزّ وجلّ ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الدنيا أمثال الجبال ، وإنّ هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم والصدقة عنهم» .

21 ـ من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ  : قال : قال رسول الله : «إذا صلّيتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» .

22 ـ وفي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك : قال رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على جنازة ، فحفظت دعاءه وهو يقول : «اللّهمّ اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه ، وأكرم نزله وأوسع مدخله ، وأغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقّه من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس ، وأبدله داراً خيراً من داره ، وأهلا خيراً من


(70)

أهله ، وزوجاً خيراً من زوجه ، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار» .

23 ـ وفي السنن عن واثلة بن الأسقع قال : صلّى رسول الله على رجل من المسلمين فسمعته يقول : «اللّهم إنّ فلاناً ابن فلان في ذمّتك وحبل جوارك ، فقهِ فتنة القبر وعذابه ، وأنت أهل الوفاء والحقّ ، فاغفر له وارحمه إنّك أنت الغفور الرحيم» .

24 ـ وفي السنن من حديث عثمان بن عفان ـ رض ـ كان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال : «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبت فإنّه الآن يسأل» .

ولو استقصيت الصحاح والسنن لوقفت على روايات كثيرة من هذا القسم .

أضف إلى ذلك ما ننقله عن النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند ما زار بقيع الغرقد ، من دعائه لأهله وترحيمه لهم .

إلى غير ذلك من الأحاديث والأخبار الواردة في هذا المجال ، ومن أراد التبسط فليرجع إلى مظانّها(1) .

موقف المذاهب الإسلامية من هذه المسألة

وهؤلاء هم أئمة المذاهب الثلاثة (الحنبلي والشافعي والحنفي) يفتون بانتفاع الميت بعمل الحي حتى إذا لم يوص به ولم يكن له فيه سعي .

فهؤلاء هم فقهاء الحنابلة يقولون : ومن توفّي قبل أن يحجّ الواجب عليه سواء


(1) لاحظ للوقوف على مصادر هذه الروايات : صحيح مسلم ، كتاب النذر 5 : 73 ـ 78 وكنز العمال 6 : 598 ـ 602 / 17050 ـ 17071 ، والروح لابن القيم : ص118 ـ 121 وغيره ، والتوسل والزيارة في الشريعة الإسلامية للشيخ الفقي : ص229 وغيرها .


(71)

أكان ذلك بعذر أو بغير عذر ، وجب عليه أن يخرج من جميع ماله نفقة حجة وعمرة ولو لم يوص(1) .

وهذا هو الفقه الحنفي يقول : أمّا إذا لم يوص وتبرّع أحد الورثة أو غيرهم فإنّه يرجى قبول حجتهم عنه إن شاء الله(2) .

وهذا هو الشافعي يقول : فإن عجز عن مباشرة الحج بنفسه يحج عنه الغير بعد موته من تركته (ولم يقيد بالإيصاء وعدمه)(3) .

وقال ابن القيم : واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر : فذهب الإمام أحمد وجمهور السلف إلى وصولها ، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ، نصّ على هذا الإمام أحمد في رواية محمّد بن أحمد الكحال قال : قيل لأبي عبد الله : الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك فيجعل نصفه لأبيه أو أُمّه ، قال : أرجو ، أو قال : الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها ، وقال : أيضاً اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات وقل هو الله أحد وقل : اللّهمّ إنّ فضله لأهل المقابر .

وقال : فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنّفه والخلال في جامعه عن الشعبي بسند صحيح ، قال : كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره ، يقرأون القرآن .

وقال النووي في شرح المهذب : يستحب (أي للزائر للأموات) أن يقرأ ما تيسّر ويدعو لهم عقبها ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب .

وقال في الأذكار : قال الشافعي والأصحاب : يستحب أن يقرأوا عند الميت شيئاً من القرآن قالوا : فإن ختموا القرآن كلّه كان حسناً .


(1) الفقه على المذاهب الأربعة للجزري 1 : 571 .
(2) المصدر نفسه 1 : 567 .
(3) المصدر نفسه 1 : 569 .


(72)

ثم قال : وقد روي عن بعض الشافعية أنه لا يصل ثوابها للميت .

ونقل عن جماعات من الشافعية أنّهم أوّلوه بحمله على ما إذا لم يقرأ بحضرة الميت ، أو لم ينو ثواب قراءته له ، أو نواه ولم يدع(1) .

وهذه الروايات وإن أمكن المناقشة في إسناد بعضها ، لكن المجموع متواتر مضموناً ، فلا يمكن ردّ الكل .

أضف إلى ذلك وجود روايات صحيحة قاطعة للنزاع ، والفقيه إذا لاحظ مع ما أفتى به أئمة المذاهب الثلاثة ينتزع ضابطة كلية ، وهو وصول ثواب كلّ عمل قربى إلى الميت إذا أتى به نيابة عنه ، سواء كان العمل داخلا فيما ذكر من الموضوعات أو خارجاً عنها; لأنّ الظاهر أنّ الموضوعات كالصوم والحج وغيرهما من باب المثال ، لا من باب الحصر .

فتلك الآيات والروايات وهذه الفتاوى صريحة في جواز القيام بعمل ما عن الميت من دون إيصاء ، وبعبارة أُخرى : من دون سعي له فيه ، فإذا لم ينتفع الميت بعمل الغير فكيف جاز الحج عنه أو وجب ، وكذا في سائر الأُمور الأُخرى كالاستغفار والدعاء له وشفاعته والتصدّق والعتق عنه .

وقال الدكتور عبد الملك السعدي : لم يثبت أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يقرأ شيئاً من القرآن إذا زار المقابر سوى ما ورد أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : «يس قلب القرآن اقرأوها على موتاكم» إذا حملنا لفظ الموتى على المعنى الحقيقي وهو خروج الروح من الجسد ، لأنّ حمله على حالة النزع حمل اللفظ على معناه المجازي ، والحمل على الحقيقة أولى ، ومع هذا فلا مانع من قراءة القرآن في المقبرة لعدم ورود المنع من ذلك ، ولأنّ الأموات يسمعون القراءة فيستأنسون بها ، ولأنّ الإمام أحمد كان يرى ذلك حيث قد نهى ضريراً يقرأ عند القبور ثم أذن له بعد أن سمع أنّ ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أوصى أن يقرأ


(1) الروح : ص235 ـ 236 .


(73)

إذا دفن عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها ، كما جاء في المغني لابن قدامة في مسألة زيارة القبور(1) .

أمّا القول بأنّ القراءة عند القبور بدعة ، فغير مسلّم; لأنّ البدعة هي التي لم يرد بها نص خاص أو لم تدخل تحت القواعد العامة للإسلام ، والقراءة مشروعة على الإطلاق في الإسلام بغضّ النظر عن مكان القراءة وزمانها ما لم يرد نهي عنها بوقت معين وزمان معين أو مكان معين(2) .


(1) المغني 2 : 567 .
(2) البدعة : ص136 .


(74)

المبحث السادس
حول الشبهات المطروحة

لقد وقفت بفضل الآيات الكريمة الناصعة ، والسّنة النبوية المطهّرة ، وكلمات العلماء الأبرار على أنّ الموت ليس بمعنى فناء الإنسان وبطلانه ، أو القضاء على حقيقته وشخصيته ، بل هو قنطرة تعبر بالإنسان من دار إلى أُخرى إمّا محفوفة بالنعمة والراحة ، أو ملفوفة بالنقمة والتعذيب .

كما وقفت على أنّ الصلة بين الدارين غير منقطعة ، وأنّ هناك مبادلة كلام بكلام حتى إنّ البرزخيين يسمعون خفق نعال المشيِّعين .

كما اتّضح أنّ المؤمنين ينتفعون بخير الأعمال التي يقوم بها أقرباؤهم وأصدقاؤهم .

كلّ ذلك بفضل منه سبحانه على عباده حتى ينتفعوا بما يُقدّم لهم إخوانُهم ـ بعد انتقالهم من الدنيا ـ من أدعية صالحة ، وأعمال طيبة تهدى ثوابها إلى آبائهم وإخوانهم وأساتذتهم الذين وجبت حقوقهم عليهم .

غير أنّ تبعية الأهواء ربما تصدّ الإنسان عن البخوع للحق ، والخضوع أمام الحقيقة فيقدِّم رأيه الساقط على البراهين الواضحة ، فتارة يُنكر الحياة البرزخية ،


(75)

وأُخرى يردّ الصلة بين الدارين ، وثالثة يَجحد انتفاع البرزخيين بأعمال إخوانهم المؤمنين ، كلّ ذلك في قوالب شبه ضئيلة نمّقته الأهواء والتقليد الأعمى ولا يقام له في سوق الاعتبار وزن ولا في مبوّأ الحق مقيل ، «فظُنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبرِ» وإليك تلكم الشبهات مع أجوبتها :

الشبهة الأُولى

إنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ الله ، فهي حياة مستقلّة نؤمن بها ولا نعلم ماهيتها ، وإن بين الأحياء والأموات حاجزاً يمنع الاتّصال فيما بينهم ، وعلى هذا فيستحيل الاتصال بينهم لا ذاتاً ولا صفات ، واللهُ سبحانه يقول : ( ومِنْ ورائِهمْ بَرزخٌ إلى يومِ يُبعَثونَ )(1).

الجواب: هذه العبارة تتضمن أمرين قد خلط الكاتب بينهما :

أ ـ إنّ الحياة البرزخيّة لا نعلم حقيقتها .

ب ـ إنّ البرزخ حاجز مانع عن الاتصال .

فعلى هامش الأمر الأوّل نقول : إنّ حقيقة الحياة مطلقاً ـ مادية كانت أم برزخية ـ أمر مجهول لا يعلمها إلاّ خالقها ، والذي يعود إلى إمكاننا هو التعرّف على آثارها وخصوصياتها ، فكما أنّ الحياة المادية معلومة لنا ببعض آثارها ، وكلّما يتقدّم العلم يتقدّم الإنسان في ميادين التعرّف على آثارها ، فهكذا الحياة البرزخية فهي مجهولة الحقيقة ولكنّها معلومة بآثارها ، وقد ذكر الكتاب العزيز بعضها ، وأنّ الشهداء الأحياء بحياتهم البرزخية يُرزَقون ، يَفْرحون بما آتاهم الله ، يَستبشِرون بالذين لم يلحقوا بهم ، ويستبشِرون بنعمة من الله ، وأنّهم ربّما يتمنّون أُموراً كتمنّي


(1) التوصّل إلى حقيقة التوسل : ص267 ، سورة المؤمنون : 100 .


(76)

حبيب النجار عرفان قومه بمصيره كما قال سبحانه : ( قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُون * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرمِين)(1) .

إنّ الحياة البرزخية لا تختص بالمؤمنين ، بل هناك من المذنبين الكافرين من تعمّهم كآل فرعون إذ يعرضون على النار غدواً وعشياً ، قال سبحانه : ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ* النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )(2) .

وهذا المقدار من المعرفة يكفينا في القضاء بأنّ لهم شعوراً واستشعاراً ودركاً وتعقّلا وظواهر نفسية من الفرح والألم وغير ذلك ، ولا تتطلب مسألة التوسّل سوى كون المتوسّل به عاقلا حيّاً مدركاً شاعراً ملتفتاً إلى الدنيا وما يجري فيها .

وعلى هامش الأمر الثاني نقول : إنّ البرزخ بمعنى الحاجز لا بمعنى انقطاع الصلة بين أهل الدنيا وأهل الآخرة ومن فسّره بالمعنى الثاني فإنّما أراد دعم مذهبه ، وإنّما هو مانع من رجوع الناس إلى حياتهم الدنيا .

ويدلّ على ذلك : أنّه سبحانه ذكر أمر البرزخ بعدما ذكر تمنّي العصاة الرجوع إلى الدنيا ، قال سبحانه : ( حتّى إذا جاءَ أحدَهُمُ الموتُ قالَ ربِّ ارْجِعُونِ* لَعلِّي أعمَلُ صَالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إنّها كَلِمَةٌ هُوَ قائلُها)(3) .

فقوله : ( كلاّ ) ردع لتمنّي رجوعهم ، يعني لا يستجاب دعاؤهم ، ثم عاد سبحانه يؤكده بقوله : (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي حائل مانع من الرجوع إلى الدنيا إلى يوم يبعثون .

إنّ اتّخاذ موقف مسبق في المسألة يشكّل مانعاً من الوصول إلى الحقيقة ، ويعد


(1) يس : 26 ـ 27 .
(2) غافر : 45 ـ 46 .
(3) المؤمنون : 99 ـ 100 .


(77)

من موانع المعرفة الصحيحة ، فبما أنّ القائل يقتفي أثر من يقول لا يصح التوسّل بدعاء النبي الأكرم في البرزخ ، فقد أراد نحتَ دليل لقوله ، ففسّر البرزخ في الآية بمعنى المانع عن الاتصال لا المانع عن انتقال أهل البرزخ إلى الدنيا ، فكأنّه يصوّر أنّ بين الحياتين ستاراً حديدياً أو جداراً ضخماً يمنع من اللقاء والسماع ، وليس لما يتخيّله دليل ، بل الدليل على خلافه ، ترى أنّه سبحانه يحكي عن ماء البحرين أحدهما عذب فرات والآخر ملح أُجاج ثم يقول : (بينهما برزخ لا يبغيان ) أي مانع يمنع عن اختلاط المائين ، يقول سبحانه : (مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَان)(1) ولم يكشف العلم عن وجود سدّ مادّي بين البحرين .

الشبهة الثانية

إنّ الله سبحانه يقول : ( وأن ليسَ للإنسانِ إلاّ ما سَعَى )(2) فالآية تحصر الانتفاع في العمل الذي سعى فيه الإنسان قبل موته ، ومعه كيف ينتفع بعمل الغير الذي لم يسع فيه؟

والجواب على هذه الشبهة من وجوه متعددة ، ولكنّنا نذكر قبل الجواب ما يفيد القارئ في المقام ، وهو : أنّه لو كان ظاهر الآية هو ما يرومه المستدل وهو : أنّ الغير لا ينتفع بعمل الغير ما لم يكن قد تسبب إليه في الحياة ، لعارَض هذا ظاهر الآيات الأُخر والروايات المتضافرة في ذلك المجال; إذ لو كان كذلك فما معنى استغفار المؤمنين لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان؟! وما معنى استغفار حملة العرش ومن حوله لأهل الإيمان؟! وما معنى هذه الروايات الواردة في مجالات مختلفة ، الدالة على انتفاع الميت بعمل الغير؟


(1) الرحمن 19 ـ 20 .
(2) النجم : 39 .


(78)

كل ذلك يعرب عن أنّ للآية مفاداً آخر وهو غير ما يرومه المستدل ، وإليك تفسير الآية بالإمعان فيها ، وذلك بوجوه :

الوجه الأوّل :

إنّ سياق الآيات المحيطة بهذه الآية سياق ذمّ وتنديد ، وسياق إنذار وتهديد ، فإنّ الله سبحانه يبدأ كلامه العزيز بقوله : ( أفرأيت الذي تَولّى * وأعْطى قَليلا وأكدى * أعِندَهُ عِلمُ الغَيبِ فَهوَ يَرى * أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى * وإبراهيمَ الَّذِي وَفّى* ألاّ تَزِرُ وازِرةٌ وِزرَأُخرى* وأنْ لَيسَ للإنسانِ إلاّ ماسَعى * وأنَّ سَعيَهُ سَوفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الجزاءَ الأوْفى * وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنتهى )(1).

فإنّك ترى أنّ الآيات الحاضرة مثل سبيكة واحدة صيغت لغرض الإنذار والتهديد ، خصوصاً قوله : ( وأنْ ليسَ للإنسان إلاّ ماسَعى ) فإنّ هذه الآية وقعت بين آيتين

صريحتين في التهديد المتقدمة قوله : ( ألاّ تَزرُ وازرةٌ وِزرَ أُخرى ) والمتأخّرة قوله  : ( وأَنّ سعيهُ سوفَ يُرى ) ثم قوله : ( وأنّ إلى ربِّكَ المُنتهى ) .

فإنّ كلّ ذلك يعطي أنّ موضوع هذه الآية والآيات السابقة واللاحقة هو العقاب لا الثواب ، والسيئة لا الحسنة ، فالآية تصرّح بأنّ كل إنسان يحمل وزر نفسه ويعاقب بالعمل السيّئ الذي سعى فيه ، وأمّا العمل السيّئ الذي اقترفه الغير ولم يكن للإنسان سعي فيه فلا يؤخذ به ولا يعاقب عليه .

وعلى ذلك فاللام في قوله : «للإنسان» ليس للانتفاع بل اللام لبيان الاستحقاق ، وهو أحد معانيها(2) مثل قوله : ( وَيلٌ لِلمُطفّفينَ )(3) وقوله : ( لَهُمْ في


(1) النجم : 33 ـ 42 .
(2) قال ابن هشام في مغني اللبيب 1 : 208 وللاّم الجارة اثنان وعشرون معنى ، أحدها : الاستحقاق ، وهي الواقعة بين معنى وذات . . مثل: ( لهم في الدنيا خزي ) . (3) المطففين : 1 .


(79)

الدُّنيا خِزيٌ ولَهمْ في الآخرةِ عذابٌ عَظيمٌ )(1) وقوله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» .

وعلى ذلك فالموضوع الذي تركّز عليه الآيات هو العقاب لا الثواب ، ولهذا تكون الآية خارجة عن مصبّ البحث ، وهذا ظاهر لمن أمعن النظر .

الوجه الثاني :

لو فرضنا أنّ محور البحث في هذه الآيات هو الأعم من الثواب والعقاب ، وأنّ اللاّم في الآية للانتفاع ، ولكن الآية مع ذلك لا تنفي انتفاع الإنسان بعمل غيره إذا كان للإنسان المنتفع سعي فيه ولو بإيجاد أرضية صالحة للانتفاع به في ذاته ، في قبال من لا توجد في نفسه وذاته مثل هذه الأرضية والاستعداد والقابلية والمقتضى .

فمثلا الإنسان ينتفع بشفاعة النبّي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوم القيامة باتفاق جميع المسلمين حتى الوهابيين ، ولكن انتفاعه هذا ناشئ من أنّه سعى لهذا الانتفاع حيث دخل في حظيرة الإيمان بالله وآياته .

وكذلك الأمر في استغفار المؤمنين للمؤمن بعد موته ، وكذا الأعمال الصالحة التي يهدى ثوابها إلى أحد وتكون على وجه يرتبط بسعيه في الدخول في زمرة المؤمنين .

ولذلك لو كان مشركاً أو ممّن تحبط أعماله ، لا يصل إليه ذلك الثواب ولا ينتفع بعمل الغير .

وقد تفطّن لهذا الجواب بعض أئمة أهل السنّة .

قال أبو الوفاء بن عقيل : إنّ الإنسان بسعيه وحسن معاشرته اكتسب الأصدقاء وأولد الأولاد وتزوّج وأسدى الخير وتودّد للناس ، فنشأ عن ذلك أنّهم ترحّموا عليه وأهدوا له العبادات ، وقد كان ذلك من آثار سعيه كما قال  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «إنّ


(1) البقرة : 114 .


(80)

أطيب ما أكل الرجل من كسبه» ويدلّ على ذلك الحديث الآخر : «وإذا مات العبد انقطع عمله إلاّ من ثلاث . .» .

وقال الشيخ الفقي : «هذا جواب يحتاج إلى إتمام; فإنّ العبد بإيمانه وطاعته لله ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله ، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله; فإنّ المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها ، كالصلاة في جماعة; فإنّ كلّ واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبع وعشرين ضعفاً لمشاركة غيره له في الصلاة ، فعمل غيره كان سبباً لزيادة أجره ، كما أنّ عمله كان سبباً لزيادة أجر الآخر .

أضف إلى ذلك أنّ القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره ، وإنّما نفى ملكه لغير سعيه ، وبين الأمرين فرق كبير ، فأخبر تعالى أنّه لا يملك إلاّ سعيه ، فإن شاء أن يبذله لغيره ، وإن شاء أن يبقيه لنفسه ، فهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلاّ بما سعى(1) .

الوجه الثالث :

إنّ الآية بصدد بيان أنّ عمل كل إنسان راجع إليه دون غيره ، وأين هذا من عدم انتفاع الإنسان بعمل الغير؟ فإنّه غير داخل في منطوق الآية ولا في مفهومها ، ولا الآية ناظرة إلى نفيه .

وإن شئت قلت : إنّ الآية بصدد بيان أنّ كلّ إنسان رهن عمله ، فإن عمل شراً فلا يتحمّله غيره ( ولا تَزرُ وازرةٌ وِزرَ أُخرى )(2) ، وإن عمل خيراً فيسعد به ويرى عمله وسعيه فـ  «الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر» و ( مَنْ عَملَ صالحاً فلنفسِهِ ومَنْ أساءَ فَعَلَيها )(3) ، ( فَمَنْ يَعملْ مِثقالَ ذرَّة خيراً


(1) التوسّل والزيارة : 234 .
(2) الإسراء : 15 .
(3) الجاثية : 15 .


(81)

يَرهُ * ومَن يعمَلْ مِثقالَ ذرَّة شرّاً يَرَهُ )(1) ، وهذه هي الضابطة الأصلية في حياة الإنسان عاجلا وآجلا ، وليس لأحد رفضها والاعتماد على غيرها ، ولكنّ هذا لا ينافي جواز أن يهدي العامل ثواب عمله إلى غيره ويسعد الغير به ، فهو خارج عن مفاد الآية إيجاباً وسلباً .

وهذا مثل قول الوالد لولده : إنّما تنتفع بتجارتك وسعيك ، وإنّ سعي كلّ إنسان له نفسه لا للغير ، وهذا لا ينافي أن ينتفع هذا الولد بعمل غيره إذا أهدى إليه ذلك الغير شيئاً من الطعام والفواكه والألبسة بنيّات مختلفة ، فليس للولد حينئذ أن يعترض على والده ويقول : إنّك قلت إنّك تنتفع بسعيك مع أنّني انتفعت بسعي الغير; إذ للوالد أن يقول : إنّ كلامي في نفس العمل الصادر منك ومن غيرك ، فكلّ يملك عمل نفسه ولا يتجاوزه ، ولكن كلامي هذا ليس ناظراً إلى ما لو وهب أحد حصيلة سعيه إليك بطيبة نفسه .

وكيف يمكن أن نقول بما يقوله هذا الوهابي ونظراؤه وقد تضافرت الآيات والأحاديث ـ كما مر عليك بعضها ـ بانتفاع الإنسان بعمل الغير في ظروف معيّنة ، وتحت شرائط خاصة وإن لم يكن له أدنى سعي فيها .

هذه الآية تشير إلى نكتة وهي : أنّه يجب على الإنسان الاعتماد على السعي والعمل لا على الحسب والنسب ، وإلاّ يكون المسلم مثل اليهود الذين كانوا يتمنّون تمنّي الحمقى إذ كانوا يعتمدون على صلتهم وانتمائهم إلى الأنبياء بقولهم : ( نَحنُ أبناءُ اللهِ وأحبّاؤهُ )(2) أو قولهم : ( لَنْ تَمسَّنا النّار إلاّ أيّاماً مَعدودَة )(3) .


(1) الزلزلة : 7 ـ 8 .
(2) المائدة : 18 .
(3) البقرة : 80 .


(82)

نعم ، هذه ـ كما قلنا ـ ليست ضابطة أصلية في سعادة الإنسان في دنياه وأُخراه ، وليس له أن يعتمد عليها ويتّخذها سنداً ، وإن كان أمراً صحيحاً في نفسه ، وليس كل أمر صحيح يصح أن يعتمد عليه الإنسان ويعيش عليه كشفاعات الأنبياء والأولياء ، فلا يجوز ترك العمل بحجة أنّهم يشفعون .

الشبهة الثالثة

دلّت السنّة على أنّ الإنسان ينقطع عملُه بعد موتهِ إلاّ عن أُمور ثلاثة; إذ يقول  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  :

«إذا ماتَ الإنسان انقطع عملُه إلاّ من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم يُنتفع به ، أو ولد صالح يدعو له» وليس عمل الغير أحد هذهِ الأُمور الثلاثة ، فلا ينتفع به .

يلاحظ عليه :

أنّ الحديث يدلّ على أنّ عمل الإنسان ينقطع بموته إلاّ عن ثلاثة ، ولا يدلّ على أنّه لا ينتفع بشيء من غير هذه الثلاثة ، وكم فرق بين القول بالانقطاع وعدم
الانتفاع; فإنّ الأوّل ناظر إلى الأعمال التي يقوم بها الإنسان في حال حياته; فإنّها تنقطع بالموت بالضرورة إلاّ ما كان له وجود استمراري كالأُمور الثلاثة ، وأمّا الثاني فهو تعبير أعمّ مّما يقوم به الإنسان بنفسه ، أو يقوم به الغير ، فلا ينفي الحديث انتفاع الإنسان بعمل قام به الغير وأهدى ثوابَه إليه .

بعبارة أُخرى : الموضوع في الحديث هو الأعمال التي للإنسان فيها دور مباشر ، أو تسبيباً كالولد ، وأَمّا الأعمال الخارجة عن هذا الإطار ، التي ليست للإنسان فيها أية مدخلية إلاّ بإيجاد الأرضية الصالحة فهي خارجة عن موضوع الحديث .


(83)

الشبهة الرابعة

الحوالة إنّما تكون بحق لازم ، وهي تتحقّق في حوالة المخلوق على المخلوق ، وأمّا حوالة المخلوق على الخالق فأمر آخر; لا يصح قياسه على حوالة العبيد بعضهم على بعض .

الجواب : إن هذا الموقف وهذا الكلام اجتهاد في مقابل النص ، فقد تضافرت الأدلّة على أنّ الميت ينتفع بعمل الحي ، وقد عرفت نصوصه كتاباً وسنّة ، وبعد هذا فما معنى هذا الاستدلال؟

أضف إليه أنه ليس هناك حوالة مخلوق على الخالق ، وإنما هو امتثال لأمره سبحانه بأن نستغفر للمؤمنين ونصوم ونصلّي عنهم ونحجّ وننحر عنهم ، وإنّا لو فعلنا ذلك لانتفع الأموات ، ونحن نقوم بذلك حَسب أمر النبي ، وليس هناك حوالة مخلوق على الله .

ثمّ هَبْ أنّ الثواب على العمل تفضلي لا استحقاقي وله سبحانه أن لا يعطي شيئاً للعامل ، ولكنّه سبحانه تفضّل وجعل ثواباً على العمل ثم رخص في أن يؤتى العمل بنية الميت ومن جانبه وأنه سيصل إليه الثواب ، بل وتبرأ ذمته ، فلا يصح لنا اللجاج والعناد في مقابل النصوص تعصّباً للمنهج .

الشبهة الخامسة

أنّ العبادات على قسمين : قسم يمكن فيه النيابة كالصدقة والحج ، وقسم لا يمكن فيه النيابة كالإسلام والصلاة وقراءة القرآن والصيام ، فهذا النوع يختصّ ثوابه بفاعله لا يتعدّاه ولا ينتقل عنه لغيره .


(84)

والجواب : إنّ هذا أيضاً اجتهاد في مقابل النص ، فما الدّليل على هذه التفرقة وقد شرّع النبي الصومَ عن الميتِ مع أَنّ الصوم لا تدخله النيابة؟ والله الذي وعد الثواب للحج والصدقة والعتق يتفضّل بإيصال ثواب الصيام والصلاة والقراءة وغيرها مما يصح أن يفعله الغير تبرّعاً إلى الميت .

وماذا تقولون في قوله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «أيّما ميّت مات وعليه صيام فليصمه عنه وليُّه»(1) وهو حديث صحيح .

وقال البيهقي : قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن جبير ، ومجاهد، وعطاء ، وعكرمة ، عن ابن عباس ، وفي رواية بعضهم : «صومي عن أُمّك» .

وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن عباس : جاء رجل إلى النبي فقال : يا رسول الله إنّ أُمّي ماتت ، وعليها صيام شهر أفَأَقْضِي عنها؟ فقال النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «لو كان عليها دين أكنتَ قاضيه عنها؟» قال : نعم ، قال : «فدين الله أحق أنْ يُقضى» .

وأخرج أصحاب السنن ، وابن حبان ، والحاكم في المستدرك ، والبيهقي في «الشعب» والإمام أحمد عنه  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «يس قلب القرآن ولا يقرأُها رجل يريد الله والدار الآخرة إلاّ غفر له واقرأوها عند موتاكم» .

وروى البيهقي : أنّ ابن عمر استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها .

الشبهة السادسة

إنّ اللام في قولهم : هذا للنبي أو للإمام أو للولي أو للوالد ، هو نفس اللام الموجودة في قولنا : نذرت لله ، أو لله عليّ .


(1) مسند أحمد 6: 69.


(85)

وعلى ذلك فإنّ النذر للأموات شرك وعبادة لهم ، بحجة اشتراك العملين في الصورة .

ولكن المتوهم غفل عن اختلاف معنى اللام في الموردين : فاللاّم في قوله هذا للنبي ، نفس اللام الواردة في قوله تعالى : ( إنّما الصدقاتُ للفقراء والمساكين . . . )(1) ويختلف معناها مع الموجود في قوله : ( ربِّ إنّي نذرتُ لكَ مافي بطني محرَّراً )(2) ، فإن اللام فيه للغاية ، وبين المعنيين بون بعيد ، والذي يضفي على العمل لون العبادة كون الشخص هو الغاية والمقصد لا المهدى إليه .

ثم يجب أن لا نحصر جواز إهداء الثواب في الأعمال المذكورة في الروايات ، بل نعمّم الجواز بحيث يشمل جميع الأعمال ، وذلك بإلغاء الخصوصية ، فكما يجوز إهداء ثواب الصدقة والحج والعتق يجوز إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الموتى .

خاصة وأنّ هناك أحاديث مروية عن أهل البيت ـ عليهم السلام ـ جوّزت مثل هذا العمل ، وسوّغت إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الميت ، وصرّحت بوصوله إليه وانتفاعهِ به ، فلماذا يترك رأي أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ويكتفى بقول أحد أئمة المذاهب الأربعة؟!

أفلا ينبغي الرجوع إلى قول أهل البيت ـ عليهم السلام ـ إلى جنب أقوال أئمة المذاهب الأربعة على قدم المساواة؟!

وأظن إن للقوم وراء هذا الإنكار أهدافاً خطيرة ، وهو : أن القول بعدم انتفاع الموتى من عمل الأحياء ذريعة لإنكار حياتهم ، وبالتالي فإنّ الأنبياء والأولياء أموات لا ينتفعون بشيء مما يقدم إليهم من أحبائهم وشيعتهم .

فإذا كانوا كذلك فما معنى التوسل والاستغاثة بهم وندائهم؟


(1) التوبة : 60 .
(2) آل عمران : 35 .


(86)

كلمة في النذور

قد تفضّل رسول الله  ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فضحّى عن أُمّته أَحياءً وأَمواتاً وضحّى الصحابة والتابعون عن نبيهم ، فقد أخرج ابن ماجة وعبد الرزاق وغيرهما عن عائشة وأبي هريرة : أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان إذا أراد أن يُضحِّي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين . . . فذبح أحدهما عن محمّد وآل محمّد والآخر عن أُمّته من شهد لله بالتوحيد وله بالبلاغ .

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي : أنّ النبي ذبح بيده وقال : «اللّهمّ هذا عنّي وعمّن لم يُضحِّ من أُمّتي» وصريح ذلك وصول الثواب إليهم وانتفاعهم .

روى أبو داود بسنده في باب الأضحية عن الميت ، عن علي بن أبي طالب : إنّه كان يضحي عن النبي بكبش وكان يقول : «أوصاني أن أُضحي عنه فأنا أُضحي عنه»(1) .

ما يترتّب على هذا الأصل :

ويترتب على هذا الأصل صحة عمل المسلمين; حيث يقومون بأعمال حسنة صالحة ، وربما أهدوا ثوابها إلى أحبائهم وأعزّتهم الموتى ، وهو أمر يوافق عليه الكتاب والسنّة ، بل صرّحا به تصريحاً .

فما يقوم به المسلمون لموتاهم من إهداء ثواب الأعمال الصالحة لهم ، أو ما يفعلونه عند قبور الأنبياء والأولياء من إطعام الطعام ، وتسبيل الماء بنيّة أن يصل ثوابُها إليهم إنّما يقتدون فيها بسعد بن عبادة الذي سأل النبي عن حكم الصدقة عن أُمِّه أينفعها؟ فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  : «نعم» ، فقال : فأيّ الصدقة أفضل؟ قال : «الماء» ، فحفر بئراً ، وقال : هذه لأُمّ سعد .

فهم في هذا سعديون لا وثنيون ، لا يريدون عبادة الموتى ، بل يريدون إيصال الثواب إليهم كما فعل سعد .


(1) سنن أبي داود ج 2 ص 94 رقم الحديث 2790 ، كتاب الضحايا .

Website Security Test